الاسلام السياسي و تداعياته في العراق


المحرر موضوع: الاسلام السياسي و تداعياته في العراق  (زيارة 324 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل د. بولص ديمكار

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 89
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
الدين والدولة
(٣/١)



بلاد الرافدين/ العراق / هذا البلد العظيم بتأريخه و إرثه و ثرواته  اليوم  يكاد ان يكون في مهب الريح حيث تتلاعب به الأقدار يميناً و يساراً و بسبب الفساد و ألكساد المتفشي في كل مفاصله. تجده غارقاً في عصور ما قبل التأريخ من حيث التطور الاقتصادي و الاجتماعي و السياسي ، فالبطالة و البطالة المقنعة و الفضائيين في كل مؤسسات الدولة و ارقام خيالية للموظفين لا يعقلها و لا يتقبلها من له و لو باع بسيط في الاقتصاد و الإدارة. التربية و التعليم بكل مراحله في اسوء حاله والنتائج للعام الدراسي الماضي اكبر دليل ، تخيل ان العراق لم يتأهل لإدراجه  في القائمة الخاصة بالمستويات العلمية و الدراسية العالمية . الأسرة التي هي أساس المجتمع يجري تدميرها من خلال العنف الأسري و عدم منح المرأة حقوقها و شرعنة زواج القاصرات و تعدد الزوجات و  ارتفاع حالات الطلاق التي  وصلت ارقام مفزعة و خيالية. الشبيبة  امل المستقبل و مصدر بناءه اصابها اليأس و فقدت الأمل  بالحياة و بالمستقبل و متنفسها  المخدرات او الانتحار. اما عن المحاصصة و الطائفية فحدث و لا حرج. و ما هذا الا انعكاس مباشر   لتدخل الدين في شؤون الدولة و توظيفه لخدمة مصالح سياسية غير وطنية انعكست على الواقع الحياتي المعيشي للشباب كما و لبقية فئات المجتمع العراقي.
هذا الواقع الردئ الذي فرض على الشعب العراقي و الذي شكل صدمةً له بعد ان كان  يتأمل خيراً من تغيير النظام في 2003م  و كأن ما عاناه ايّام الحكم الدكتاتوري الفاشي لم يكن كافياً ليزيد عليه لا بل يتجاوزه حيث تحول نظام الحكم المؤسس على المدنية الى نظام مؤسس على  الدين  و أحكامه و استخدم السياسيون الدين ليفرض سلطتهم و بالتالي ليعيدوا بلاد الرافدين مهد الحضارات الى عهود ما قبل سرگون الاكدي و  حمورابي حيث الانسان محترم و الكاهن في صومعته لا علاقة له بالدولة و السلطان.
التأريخ يشهد بأن اول فصل للدين عن الدولة نبت في ارض الرافدين في الألفية الثالثة قبل الميلاد على يد الحكيم سرگون الاكدي و رسخه وجعله من بعده حمورابي العظيم و اعتمده أساساً لبناء حكمه و إمبراطوريته ، حيث وضع الكهنة في معابدهم و منعهم من ممارسة السياسة و التدخل في الشأن الإداري. و كان ذلك احد اهم اسباب ازدهار الإمبراطورية و تطورها وتقدمها في كل المجالات الافتصادية و الاجتماعية و السياسية  وصولاً لوضع اول قانون وضعي ينظم حياة الناس و يضمن لهم العدالة و المساواة. كم حريُ "بقادة" اليوم ان يحذون حذو اسلافهم العظام.
و ادا كانت هذه قصة قديمة لهم و لايعتد بها،  ما بالكم بالتأريخ القريب و تجربة حكم الكنيسة في أوروبا و سيادة  الظلام و التأخر و قتل النفس و انتشار الشعوذة والبلادة و الإيمان بالخرافات و الذي ينطبق تماماً على حال العراق اليوم فنجد مراقد وهمية ( مرقد كمونة ، مرقد العرابيد...)  و مزارات لا تخطر على البال او طرق علاج ( الكاروبة _المقدسة)  لا يطيقها العقل المتفتح. دعك عن اللطم و تأثيراته.  انظر الى أوروبا اليوم بعد ان وضعت حداً فاصلاً بين الدين والدولة و أسست لنظام مدني يحترم الحريات الدينية و جعلت الانسان الأساس والهدف. نعم انظر الى التقدم و التطور و البناء الذي حققته في جميع مجالات الحياة و تحولها الى قبلة للعالم الشرقي  يتمنى أفراده  الهجرة  اليها و العيش فيها. نعم هذه التجربة واضحة و قريبة و تبين بوضوح التأثيرات السلبية لتدخل الدين بالسياسة، و الإيجابية عند ابعاده. 
للاسف حكام العراق الحاليين يريدون اعادة البلاد الى ما قبل عصر الاكديين و البابليين الكلدان و لا يفقهون معنى "الدين لله و الوطن للجميع"  وأعادوا العراق الى القرون الوسطى حيث الاسلام السياسي متغلغل في كل مفاصل الدولة و كلام و توجيهات المؤسسات الدينية لا يعلو عليها صوت و فتاويها سارية المفعول.  و أين قاد و يقود العراقيين كل هذا؟
- قاد الى استغلال الدين الحنيف لتبرير سلوك و أخلاقيات و قرارات و افعال المسؤولين في الدولة و كأنهم وكلاء الله على الارض و من يخالفهم الرأي و الطاعة أبواب الجهنم مفتوحة أمامه ، و كأن ما يعانيه في حياته الأرضية غير كاف ليكتمل بحياة الآخرة.
قاد الى انتشار الجهل و الأمية حيث تغليف العقل و تجميده و غلق مجالات التفكير و الإبداع. 
قاد الى استشراء الفساد و استغلال المركز لتحقيق مأرب و مكتسبات شخصية على حساب الفرد الفقير و المعدوم.
 قاد و يقود الى تخلف المجتمع و انحلاله.
 قاد الى انهيار الاقتصاد و فقدان فرص بناءه و تطوره.
قاد الى ان تخرج الجماهيرالمحتجة للشارع و لترفع شعارات ضد رجال الدين و استغلالهم.
"باسم الدين باگونه الحرامية" لعله الشعار الذي يختصر و يعبر بشكل جلي عن موقف الشارع من  الذين يحكمون العراق بأسم الدين. وهو شعار تبنته الجماهير الغاضبة و رفعته في مظاهراتها منذ 2010 م  و ماتزال. بكل تأكيد لم يأتي الشعار من فراغ بل ليعبر عن واقع مأساوي ازداد سوءاً مع مرور الوقت و مع استمرار حكم  الاسلام السياسي المتمثل بالأحزاب الدينية والتي غالبيتها جاءت بمركب القطار الأمريكي. 
و تأتي استطلاعات الرأي التي تجريها شركات الاستفتاء في العراق لتؤكد ما يقوله الشارع و هنا سأعتمد استطلاعات الشركة المستقلة للبحوث العراقية  فرع  من گالوب الدولية كونها معترف بها على المستوى العالمي. ففي استطلاع لها نشر بداية العام الحالي ظهر ان اكير من ثلثي العراقيين يؤمنون ان العراق سيكون افضل فيما لو تم فصل الدين عن السياسة و ارتفع المؤشر من 53% في عام 2015م  الى 74% نهاية عام 2018 م. و في ذات الإطار و رداً على سؤال حول  رغبة العراقي للتعامل مع المتدينين تبين انها انخفضت من 33% الى 24% بين عامي 2015 و نهاية 2018 م. و اعتقد هذه الأرقام مؤشرات واضحة و لا لبس فيها.
يتبع....

د. بولص ديمكار
polesdanha@gmail.com