برهان الخطيب.. تتويج إبداع نصف قرن


المحرر موضوع: برهان الخطيب.. تتويج إبداع نصف قرن  (زيارة 244 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل برهان الخطيب

  • عضو فعال
  • **
  • مشاركة: 35
  • منتديات عنكاوا
    • مشاهدة الملف الشخصي

برهان الخطيب.. تتويج إبداع نصف قرن
بغداد ـ العالم
 يتوافق هاجس الكاتب مع نبض الشارع يصعد كلاهما إلى ذرى إدراك. مافيات سياسة، أدب، اقتصاد، تضحك من ذلك، تقول أي إدراك أي شارع؟! رعاع يحركهم إعلام موجه من مموِّل يدعي التحرر يجرهم إلى نداءات خادمة أهدافه المستقبلية، لديه الكاتب عرضحالجي يدبج لا طموحات جماهير بل رغبات شركات، جوائزها ترقّص أكبر كاتب، من متفتح  هز  يا وز، إلى متزمت  يس يم. الاقتصاد أيضا.. صعلوك يرفعه وزيرا، عبقري لا يساير ينزله وضيعا. كله ليس جديدا، الجديد يراه مراهق واقع حال، يتمنى في عالم حرية بلا حدود الانضمام إلى أباطرة تخريب أخلاقي، منفذين أغبياء، لعله يحقق نجاحا معهم. التبرير: بناء جديد يوجب هدم قديم، مَن لا يمشي على الدرب لا يصل الأخضر.. لا الهشيم. برهان الخطيب في مقال يختصر: الدرب واحد.. العالم أمم! آخر مشاكس يؤكد: شيوعيو العالم أرادوه واحدا.. في حلم.. في فيلم.. النتيجة فشل مقيم.. أوسكار سقيم.. لماذا نعيد الفيلم!..
خلال حديث عن الإدراك في حديقة بيت الخطيب العتيق يعاتب السجين السياسي العريق عديله الكاتب الأنيق: روايات الخيال لم تعد مرغوبة عند عراقي، الواقع يعذبه، يريد رواية وقائع، أسماء صريحة. السياسي لا يدري، الكاتب تعذبه الفكرة، يحصل بينهما حينه توافق حد تطابق. يتعب ب الخطيب سنوات ينجز (الحكاية من الداخل) مزيج وقائع مع خيال، فيفتي فيفتي، الوثائق يظهر صورتها الحقيقية خيال، يكمل حقائق منهوبة، من أولي أمر يخالون هم أعجوبة. الوثائق غالبا نيغاتيف، صورتها ساطعة يظهرها عقل، حصافة. يقرأ دكتور فلسفة المخطوطة تبهره يكتب عليها: برهان الخطيب كاتب عربي، عالمي، ليس عراقيا فقط. يقدمها الأديب مع بقية رواياته هدية إلى وزارة الثقافة للنشر، يسأل متى الرد، هل من تلفون استخدمه لاستفسار؟ سكرتير مبجل ميلاده عام صدور كتاب للأديب يخبره: فقط على الفيسبوك، تطلب صداقتي أنت لا أنا، أنا لا يحق لي. تنكشف مؤخرة النشر أمام الأديب جلية، والمقدمة تظهر بهية: الوزارة موافقة على النشر في الحال، يخرج الأديب فرحا من حسن المآل، صريح المقال، خارج الوزارة يقال: تمهل لا تفرح.. الأقوال تصير غير الأفعال!..
فعلا، ينتظر نصف عام لا رد.. لا حامض حلو لا شربت.. يكتب في عتب.. لا غير العجب.. الأديب ينزل إلى أقبية الفيس.. ينفّس.. يستفسر.. يهتف.. النشر من أجل رفعة وطن يا ناس.. صم بكم ينعدم الإحساس.. الرد بعد حين.. فيه تفنين.. حب إيه اللي أنت جاي تقول عليه.. دائرة شؤون ترفع.. وزارة تكبس.. حَكَم مُوجِّه لا ينبس.. الكاتب كرة.. لا يُداس.. لا ينكس الراس.
الرد يتلقاه قبل الخطيب مثقفون آخرون منهم إعلامية معروفة حاولوا النشر عبثا لدى الشؤون الثقافية.. خدمة الوطن! يعود المثابر يخابر، وزارة ترمي إلى الشؤون، شؤون على وزارة، لعبة طيارة!
لوم الكاتب عن حسن نية محدد، لا إلى الشؤون الثقافية، لا الوزير، بل إلى مكتب سكرتارية يناور لا يحاور. مناورات ساحاتها لا الورق، تنقض ثقافة الحق، على أيادي تكمل نقل مجمل سلطة الدولة إلى بق.. إلى الخارج الولهان.. إلى عازفين على أعصاب رافضي هوان ثقافات الأوطان..
المشكلة تتجاوز الوطن في الجغرافيا.. التأريخ.. الطوائف الأديان براء منها.. حديثها طويل.. ينوي الأديب الكتابة عنها قريبا.
حديث حديقة البيت العتيق عن رواية أسماء وأماكن صريحة، أحداث تحدث فعلا، يتجاوز (الحكاية من الداخل) إلى آخر عمل يكتبه ب الخطيب ينهيه اليوم، عنوانه (ليالي الأنس في شارع الجبل) يتوج مشروعه الثقافي المستمر حافلا بالإبداع أكثر من نصف قرن، يبدو من العنوان امتداد روايته الشهيرة (ليالي الأنس في شارع أبي نؤاس) التي تحقق مبيعات عالية على الانترنت. متابع أعمال الخطيب يتبين في مجملها جذورا متغلغلة في التاريخ عامة، واقع العراق خاصة، تجارب شخصية. رواية (بابل الفيحاء) مثلا ترصد على خلفية حياة الناس اليومية بدايات قيام حلف دولي، تأثيرها عليهم، على العراق. في الرواية التالية (الجسور الزجاجية) رد الفعل، مغادرة الحلف، انعكاساته على البلد، ثم في روايته اللاحقة (ليلة بغدادية) يبدأ العامل المحلي يصعد قويا، يؤثر في العامل الدولي.. استخدامه لتثبيت الاستقلال لا كما يجب بسبب الفرقة الداخلية.. هكذا بقية رواياته..
لا مصادفة تسأله إحدى مقدمات البرامج الثقافية التلفزيونية في الشام لو أنه يقوم ببحث ميداني، وثائقي، قبل كتابة رواية. الرد: نعم، يطلع على وثائق لا تصل أيدي آخرين قبله تخبره مسئولة مكتبة في بيتربورغ، موسكو، مع بدئه مرحلة ثانية من مشروعه الروائي. فكيف حال روايته الحالية التي يريدها نصف وثائقية نصف إبداعية؟ هاجس التدقيق ينتقل من حديقة، من بحث، من أطروحة دكتوراه له عن الرواية العراقية، إلى بطل روايته الجديدة رمزي، يصل شمال العراق من الخارج يتابع قضية اختطاف مهندس أجنبي. رمزي أيضا يطالب صديقه المؤلف استعمال أسماء صريحة في روايته الجديدة، عن نشاط شركات أجنبية، وسط تمرد، مؤامرات، تؤدي إلى جريمة.. لكنه عند خاتمة الرواية يتوسل المؤلف أن لا يذكر اسمه الصريح في الرواية.. لا كل ما يكشفه له من تفاصيل..
في الرواية أيضا كاميران القريب إلى به كا كا، فتاة من ضحايا داعش في الموصل تعمل في ملهى، وصيفة لها تفقد زوجها أطفالها،أخرى من سوريا، جنرال مثير للجدل ينقلب على جيشه مرتين يبقى أعلى هرم السلطة، آخرون مجموعهم يشكل جزء كبيرا من نسيج العراق الاجتماعي العام. معظم الرواية حوار مشوق عال حوالي عشرين فصلا، 220 صفحة، يؤهلها لإخراج تلفزيوني، سينمائي. دراسات عديدة تتوالى مؤخرا على موقع (الناقد العراقي) الالكتروني، أكثر من عشرة ملفات جادة تستعرض محتوى روايات الخطيب. ناقد يسأله هل تبقى ضرورة لقراءة رواية بعد الاطلاع على مختصرها؟ رد الخطيب حاسم: المهم في رواية لا الحكاية لا الحبكة بل عقلانية السرد، أهمية التفاصيل، هما يشكلان مستوى إنسانيتنا، منهما التشويق الراقي، ديمومة موضوع.
مزج الوثائقية مع تفاصيل الواقع ينعكس على تصميم الغلاف.. زاويته صورة قديمة في ركنها المؤلف مع ممثلي طلبة العراق مطلع الشباب موفدين إلى ملتقى كشفي شمال البلاد يتداول قضية انفصال الكرد.. في مجرى الرواية انعكاساتها.
برهان الخطيب لمن لا يعرفه جيدا يكرس حياته الطويلة إلى الرواية، إيمانه النوع لا الكم يضع عشرين كتابا مؤلّفا، مع ثلاثة عشر مترجما إلى العربية.. كلمته بعد كل رواية: هي الأخيرة. على غلاف إحداها: كل مرة أكتب رواية يلازمني خوف من الموت قبل إنهاء العمل..
حياته نتاج كتاباته لا العكس، قرينته الأولى زميلته في المعهد الأدبي كاتبة اليوم، الثانية خريجة معهد الأرشيف الموسكوفي يراها أثناء ترجمته دراسة عن الفارابي في مكتبة، يلتقي معها خارجها. الثالثة يمزح يقول لا أزال قادرا على الحلم..  لا بدّ آتية مع جديد. إحدى الموسوعات الأجنبية تذكر: أولاده حسن، آمال، ليث. الأول اسم والده، الثاني حب الصبا المتألق في روايته البكر (ضباب في الظهيرة 1968) الأصغر ليث، ليف بالروسية، ليف تولستوي كاتبه المفضل، ليون.. كلها الأسد.. ملك الغاب الذي يكتب فيه عنه. في عدد قادم من (العالم) استعراض بعض موسوعات  أجنبية يستضيف القصة العراقية، العربية عموما.
المزيد عن الرواية الحالية.. يتذكر الخطيب:
كل رواية أكتبها يمكن القول لها رواية. العالم يتغير مؤخرا انقلابيا، أحيانا معه نحن. فرز ما يتجاوز الخاص إلى العام يستحق الكتابة، تجربة صغيرة موحية أو كبيرة. نترك الخاص جانبا، نتناول العام نجد الأخلاقي، غير الأخلاقي، المتزمت، المنفلت. الوسط الذهبي يذهب مع ريح لا تستريح. عموما نكتب من أجل تثبيت مفاهيم مشتركة مقبولة، نماء الفرد معه المجتمع. على هامش رواياتي السابقة أتناول في صفحة بعض ظروف خلقها، له قيمة قراءة عن ممهدات ولادة طفل. كلاهما، الرواية، الطفل، حياة جديدة، من ثمرة قديمة، لهما عِبَر. أنا مراهق عام 1959 أمامي فرصة قضاء شهر على الجبل موازاة امتحان المرحلة المتوسطة، أضحي عاما رغم اعتراض والدي أترك الامتحان أصعد الجبل. نقاش انفصال الشمال عن البلاد هناك أعارضه. بعد يوم يومين، أثناء تمشي مجموعتنا قرب نهر فوار، إليه يدفع احدهم ظهري خلسة، لا أعرف السباحة، تنقذني أعجوبة. جسر خشبي بدائي اصدم قائمته صدفة خلال غرقي انجرافي في العمق، أتشبثها، أطلع فقمة مرعوبة آخر نفس. لا يُكشف مَن وراء الحادث. يومها أقرر كتابة رواية عن مكان ولادتي الجديدة ذاك، صورة لي هناك، كنت نشرت أول قصصي في مجلة الأحداث اللبنانية، الموضوع معي استجيب إلى ندائه أكتبه رواية عام 1994 أتركها أعيد كتابتها مرات خلال سنوات متباعدة. تلتم على الرواية (المسكينة) أزمنة أمكنة تجارب عديدة، أنبذ المخطوطة، تأخذ تلابيبي ليلا ترغمني أعود إليها.. باختصار هذه الرواية تكتب نفسها رغم أنفي.. بقوة الجغرافيا، التاريخ، مصائب ناس. انتهي منها على عتبة الخامسة والسبعين. ستون عاما عمر تحولاتها. تتخذ خلقتها النهائية تبقى مثل طفل.. تتراجع ملامح الأصل.. تبرز ملامح جديدة.
أدناه مقتطف حوار من الرواية، الصحافي في الطائرة إلى صديقه المؤلف:
- يقولون الأدب يموت. أي أسلوب يبقيه حيا مأثرة. المجتمع أدبه. حاصل تفكك مجتمع نراه تحتنا.. إليك مختصر فلسفة صحافي شاعر فنان.
- وإليك مختصر مؤلف تعبان. أديان يتحارب رجالها تنقرض..  أدباء في سوق هرج لا يقوّمون الأعوجاج.. التاريخ لولب يقال.. يتكرر ذات الانعطاف عند مستوى أعلى في وقت آخر، خازوق مرموق. من غير تشاؤم، لا تثبيط، شمس مجتمعات تغرب تشرق، أخلاقها تتغير. درس تجارب أولي، قراءات، تُحفر وشما على جلود أبناء بنات الخائبات.
- نعود إلى العود؟ الصحافي همه اليومي. المؤلف ديدنه الأبدي. عندي لا يختلف إدراك عن إدراك.. بل كاذب عن صادق.. الأول يملك الدنيا لا يعرف ذاته لا يعيش حياته. عكسه الصادق يكسب ذاته عالمه حتى في فقر مدقع.
- كفى.. لسنا ملائكة.. لا مبشرين.. لا حكماء آخر الزمان..
- معك حق.. مجرد انطباعات نرميها نوى بعد هرس الأصل..
- خلينا نبقى على اتصال.. لا تنقطع..
- أخابرك. نلتقي.. أكبر المتع ضحكة مع صديق.. خاصة عند ضيق..
- على اكتشاف عواء في غناء؟..
- تهبط الطائرة نتكلم ما نشاء.. ضمانة.. لا يسقطها نحن فيها..
- معي لا تخف.. بزون أبو سبع أرواح..
- أية روح تودع مع كارثة الطائرة التي أقرأ عنها في داغينزنيهتر؟!
- السابعة!
- يا ستار.. رصيدك خلصان..  أكلتها؟!..
- الوليمة مستمرة.. تأتيك التتمة..
كلمة ليست أخيرة:
الخطيب يهدي روايته عادة إلى فرد من عائلته الكبيرة، بعض أصدقائه..
 هذه المرة الإهداء.. إلى الغالية ابتسام.. لا تبتسم لي غير مرة واحدة..
صحيفة (العالم) تتمنى.. لا تدري.. تبتسم كل النساء له.. أو لا تبتسم.. يتحفنا تتويجا آخر!..
تهنئة منا له على انجازه.. مفخرة إلى أهل العراق الأقحاح.. مع بلوغه أفضل العمر.