تداعيات الاسلام السياسي في العراق (٢/٣)


المحرر موضوع: تداعيات الاسلام السياسي في العراق (٢/٣)  (زيارة 459 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل د. بولص ديمكار

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 89
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
الإيمان الديني و الاسلام السياسي

بعد الإشارة الى الموقف العام للعراقيين من زج الدين في السياسة و اتفاق ثلثي المشاركين بالاستفتاء ان العراق سيكون افضل حالا لو ابعد الدين عن السياسة. اود التوقف هنا بشكل اكثر تفصيلاً عند تداعيات هذا الامر و تجلياته على ابتعاد المسلمين عن التدين و عن  الإيمان. 
 قد يعتقد الاسلام السياسي ان تصرفاته و نتائج احتكاره و فرضه لسلطته لا ينعكس على الدين و إيمان العراقيين بالخالق و بالمعتقدات الدينية، لكن الواقع يشير الى امر معاكس تماماً . فها هي استفتاءات المؤسسة المستقلة للأبحاث  تؤشر واضحاً و بشكل جلي ابتعاد العراقيين عن المؤسسات الدينية و انخفاض عدد زياراتهم  للجوامع و الحسينيات و الى ابتعادهم عن الدين و حتى إلحادهم.  فحسب اخر استطلاع للرأي اجرته المجموعة المستقلة للبحوث في العراق العام الماضي  فان الثقة بالمؤسسة الدينية في العراق انخفضت بشكل حاد من 76% سنة 2015 م الى 54%  في 2018 م اي بأكثر 20%. و بقياس زمني لا يتعدى سنوات ثلاث  فهو مؤشر يخطف الانتباه و برهان على ان العراقيين لم يعودوا كما في السابق رغم ما تمتلكه المؤسسات الدينية من أدوات و آليات التأثير فإن الحقيقة بدأت  تتضح للمواطن بأن غالبية مأسيه و معاناته مرتبطة بالاحزاب الدينية  و الاسلام السياسي تحديداً. و في استطلاع مكمل للمجموعه المستقله للابحاث انخفضت نسبة من يذهبون لمسجد او حسينيه اكثر من مرة اسبوعياً  الى 19%  مقابل  26%  قبل 4 سنوات. و هي واضحة عند الشيعة اكثر حيث سجل  اكبر انخفاض (من 30 الى 13% ) في ذات الوقت زادت نسبة من لا يذهبون نهائياً من 31.6% الى 40% و هنا أيضاً هذا الانخفاض ملموس اكثر  لدى الشيعة ( من 22 الى 43% ) وهذه المعطيات هي الاخرى تثبت ان حكم الإسلام  السياسي لم يعد موثوقاً و ادى و يؤدي  الى ابتعاد العراقيين عن ممارسة شعائرهم الدينية. اما الابتعاد نهائياً عن الدين  فأن استطلاع آخر اجرته المستقلة للبحوث في نفس الفترة اظهر انه تضاعف ما بين 2015م  و  2018 م  و سجل ارتفاع ملحوظ في عدد غير المؤمنين من 4% الى 8%   و هي في تزايد مستمر اذا احتكمنا ليس فقط على الاستفتاء بل الى ما ينشر و يتداول على صفحات ومنصات التواصل الاجتماعي.
 و هنا جدير بالإشارة الى ملاحظة عامة توضح بأن التغييرات التي  تشير اليها هذه الاستفتاءات في الموقف من الدين لم تحصل فجأةً بل تحققت تدريجياً  كما تشير اليها المجموعة المستقلة  و منذ ان بدأت ترصد التغيرات بعد تأسيسها في 2003م  .  كما و يبدوا المنحى مستمر بإنعكاسه السلبي و سيستمر لا بل يتعمق طبعاً اذا واصلت الحكومة  نهجها الحالي في استخدام الدين لأغراض سياسية.
كل هذه المؤشرات و الأرقام تثبت و تشير الى حقيقة واحدة ساطعة ان مزج الدين بالسياسة تركيبة غير موفقة ولها عواقب وخيمة ليس على الحياة اليومية للمواطن في جوانبها الاقتصادية و الاجتماعية و السياسية لا بل على الإيمان و المعتقد حتى و لو كانت جذور هذا المعتقد راسخة في عمق التأريخ . لا ادري كيف بالامكان إقناع الاسلام السياسي و أحزابه  اذا كانت كل هذه المؤشرات و الدلائل غير كافية لتثبت ان  زج  الدين في السياسة بات غير مرغوباً لا بل مرفوضاً. 
سؤال يطرح نفسه هنا، هل هذه الحالة خاصة بالإسلام  السياسي فقط ؟ اعتقد لن يكون صعباً الإجابة عليه اذا انطلقنا من ان الدين هو استجابة لضرورات اجتماعية  و روحانية ، رغم فروقات هنا و هناك و جاء  لمصلحة البشر و لإبعادهم عن الشر و نشر الفضيلة و المحبة و تقريبهم من الخالق. عليه اذا تجاوز الدين هذه الروحانيات فقد احد اهم اسباب وجوده و قوته و ما ان خلطت هذه المبادئ بالسياسة تحت اَي مبرر او عذر و لأي سبب كان سينعكس سلبا عليه و على مؤمنيه.  فكلما حصر الدين و رجاله امرهم بصومعتهم زاد الدين وقاراً و احتراماً وجمهوراً و انعكس ذلك إيجابياً على المجتمع و على تطوره و ازدهاره.

يتبع
د. بولص ديمكار
polesdanha@gmail.com