تداعيات الاسلام السياسي في العراق (٣/٣)


المحرر موضوع: تداعيات الاسلام السياسي في العراق (٣/٣)  (زيارة 225 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل د. بولص ديمكار

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 89
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني


و ماذا بعد؟
ان فصل الدين عن السياسة و مؤسساتها ضرورة حتمية لبناء المجتمع و لخروج العراق من أزمته الراهنة لان هذاالفصل كفيل بأن يحمي الانسان و المجتمع من الاستبداد المغلف بالدين كما و انه  ضروري للحفاظ على الدين من التشويهات و الاستغلال السياسي و الاجتماعي. ان الدين ضروري ليس فقط لفرض الأخلاق الحميدة في المجتمع، بل للتطور الروحي و النفسي للفرد أيضاً . فالحديث هنا ليس طلباً لترك الدين و التخلي عن المعتقدات او الإيمان بالخالق ،لأن المشكلة ليست بالأديان  بل برجالها و طريقة و أسلوب ايصالهم الرسالة فبدل نشر المحبة و الرحمة غالبيتهم تحوله و تستغله لتحقيق مطامعها بحيث اضحى هذا الفساد سائداً و بات فضحه اكثر صعوبةً من الفساد المستشري في الدولة و مؤسساتها.  ما نعنيه بالفصل هو بكل بساطة الالتزام بمقولة " الدين لله و الوطن للجميع " ويتحقق ذلك فقط بمنح الحرية للفرد و قناعاته بان يختار علاقته مع الخالق بالطريقة التي تحقق مبتغاه و بأن هذا امر يخص ذات الفرد دون السماح لاحد بالتدخل و فرض طريقة معينة للإيمان على الانسان . الإيمان قناعة و بكل بساطة القناعة لايمكن فرضها. مطلوب هنا مواكبة العصر والاستئناس بما يفرضه العقل و المنطق و تجارب التأريخ.

 الشعوب و دولها ما عادت معزولة كالسابق،  فالعالم بات قرية صغيرة بفعل  وسائل التواصل الاجتماعي و الإنترنت  الذي ساهم في زيادة وعي الشبيبة ليصبحوا مدركين لما يدور ليس في رقعتهم الجغرافية بل في أقصى بقعة في الكوكب و في ثواني كما و ان تأثير الدعوات الدينية لم تعد كسابق عهده كنتيجة مباشرة لهذا التطور. فما عادت تنطلي على شباب اليوم دعوات عدم اليأس و انتظار الحل من الغيب لحل مشاكلهم او ان هذا قدرهم و عليهم الاستكانة و قبوله و الرضوخ للأمر الواقع و التكيف معه.  و للاسف غالبية ردود افعال الشباب سلبية لكنها رافضة لواقعها. هذه السلبية بنظري مردها محدودية الخيارات المطروحة أمامهم اليوم و بالأساس  فقدان المرشد الذي بإمكانه توجيه طاقاتهم نحو التفاعل الإيجابي لتستثمر لصالح المجتمع و تطوره .  فلن يستغرب الفرد من معطيات استطلاع حديث للمجموعة  المستقلة للابحاث وكالوب الدولية،  بحصول قفزة كبيرة في نسبة العراقيين الذين يودون الهجرة وترك العراق اليوم، حيث تشير الى ان واحد من كل ثلاث عراقيين يرغب بالهجرة للخارج حالياً في حين كانت هذه النسبة 17% فقط عام 2012 م .   المواطن العراقي بعد ان دخل اليأس قلبه يحاول بكل الطرق الخلاص و البحث عن بديل و يراها محدودة و محصورة  اما باللجوء للهجرة حتى و ان فقد حياته خلالها  او التنفيس عبر استخدامه المخدرات التي هي تجارة رابحة اليوم . و في اكثر الاحيان تنتهي به الى الضياع و حتى الانتحار التي بتنا نسمع عنها كثيراً هذه الأيام. لا ادري مدة صحة كلام قرأته بأن حالات الانتحار كانت بمعدل حالة يومياً خلال شهر تموز الفائت.
 
لا ادري متى تصحى المؤسسات الدينية و تنئ بنفسها عن السلطة السياسية و تداعياتها السلبية عليها و على الإيمان  و على الشعب العراقي. نعم هناك اعتراف من قبل بعض رجال الدين لهذا الواقع المر ولكن  بدلاً من وضع حلول ناجعة بابتعادها عن السلطة تعزيها الى الأساليب "القديمة " التي ما عادت نافعة و انه يستوجب على رجال الدين البحث عن طرق اكثر فعالية لابقاء الشباب في دائرتهم عبر استخدام أساليب جديدة تختلف عن سابقاتها  تتناسب مع التطور قريبة من لغتهم عسى و لعلها تنفع ، لكن الجرح أعمق و لا اعتقد ممكناً معالجته بالمسكنات و المهدئات.
وهنا أشير  بكل اسف الى انه بدلاً من ان يتم اتخاذ إجراءات تهدف ابعاد الدين عن السياسة و مؤسسات الدولة هناك محاولة لزج الدين في القضاء الأعلى حيث في بادرة خطيرة قل مثيلها في التأريخ هناك محاولات لتغيير تركيبة المحكمة الاتحادية/ اعلى جهاز قضائي/ في البلاد لجعلها محكمة دينية بامتياز عبر اضافة فقهاء شرع دينين وجعلهم اصحاب قرار على حساب فقهاء القانون الوضعي. هذا المشروع مطروح الان امام البرلمان العراقي لصياغته و التصويت عليه ليصبح قانون البلاد و العباد. الوقوف ضد التوجه امر لا محال و يجب استخدام كل الطرق الممكنة لإيقافه. و هنا لابد من تثمين رسالة غبطة كاردينال كنيسة بابل على الكلدان التي وجهها لرئيس مجلس النواب داعياً فيها رفض هذا المنحى اذا كنّا نريد الحفاظ على فسيفساء العراق الديني.  كما و يجب ان يتم دعم موقف الوقف السني الرافض لتغيير تركيبة المحكمة الاتحادية و تثمينه. والتحرك نحو المنابر الدولية بات ضروريا من اجل سد الطرق و وأد المشروع قبل ان يرى النور.  لكن  اذا ما نجحت الاحزاب الإسلامية في مسعاها للسيطرة التامة على المحكمة الاتحادية اَي القضاء العراقي. لا بل فقط طرح آراء من هذا القبيل هي بمثابة رسالة واضحة و صريحة لغير المسلمين من مواطني الدولة مفادها ان وجودهم غير مرحب به و ان العراق هو بلد لايتسع لغير المسلمين حتى و ان كانوا اصلاءه.
 عليه يجب ان يكون  الفعل و التوجه مبنياً على ابعاد كل مؤسسات الدولة و بالذات القضاء بكل مفاصله عن تأثير رجالات الدين  لانه دون قضاء حيادي و مستقل يستحيل بناء مجتمع مدني قادر على تطبيق القانون بعدل و مساواة على مواطني البلد على أساس المواطنة لأغير.
 
هذا الواقع و هذه الصورة و تراكماتها الكمية لابد ان تؤدي الى تغيير نوعي تكلل بردة فعل قد لا يحمد عقباها اذا لم يجر استيعابها . و ها هي بوادرها و انعكاساتها تبرز للسطح  من خلال ظهور و تعمق الخلافات بين احزاب و شخصيات الاسلام السياسي. فها هو الخلاف يتعمق بين عادل عبدالمهدي رئيس الوزراء الحالي و عمار الحكيم و قبله  بين رئيس حزب الدعوة نوري المالكي و نأئبه الاول حيدر العبادي رئيس الوزراء السابق ليلتقي  الأخير كنتيجة مباشرة  مع الحكيم  تحت ستار المعارضة. و يبقى هنا عدم وضوح موقف التيار الصدري و تحالف سائرون لحد الان  امر ملفت للنظر. اما على مستوى الشارع فتجسد رفض التوجه الإسلامي في مواقف الشباب تجاه ما حصل في كربلاء يوم افتتاح ألعاب غرب اسيا و تمكنوا من فرض موقفهم و الذي ادى الى سحب الوقف الشيعي لدعوته  لمقاضاة اتحاد الكرة العراقي و إدارة المحافظة " لانتهاكهم قدسية كربلاء " في فعاليات الافتتاح. بالتأكيد يتوقع الفرد تطور هذا الرفض و ان تحصل فعاليات جديدة على مستوى الشارع. 
هناك توقعات بتعمق التناقضات بين الاجنحة الحزبية للإسلام السياسي و الذي ظهر على اعتاب الألعاب الرياضية في كربلاء و ان ينسحب على الشارع بشكل اوضح و أعمق و يفرض التغيير على مجمل نظام الحكم الحالي. الذي نأمله ان لا يكون فوضوياً بل علمياً و مدروساً و منظماً و ان يبلور و ينظم و يوجه بشكل إيجابي من قبل قيادة واعية للمرحلة و مستجيباً لآمال و طموحات الشعب المتألم.
و بتعبير ادق، داخلياً،  هناك إشارات واضحة تعبر عن حقيقة ان الطبقة الحاكمة لم تعد قادرة على الاستمرار في نهجها الحالي و الحكم بطرقها القديمة و انها تبحث عن شرايين جديدة تطيل من امد حياتها و حكمها.  كما و ان الشارع  هو الآخر مهيأ و يتقبل التغيير لكن الحلقة المفقودة  توفر قيادة حكيمة لضمان تحقق التغيير و نجاحه و هو امر يصعب مناله مع ذلك الأمل يبقى قائماً. ومع ذلك يجب ان لا ننسى تأثير و تداخل علاقات العراق الخارجية و مصالح هذه الدول و تدخلها في الشأن الداخلي و أفق انعكاسات ذلك على بقاء النظام و استمراره.

هذا التغيير يمكن ان يتحقق اما بتحريك الشارع و فرض الجماهير لمطالبها  كتعبير عن رفضها لقرار البرلمان الذي كرس من خلال إجرائه الأخير تعديلاً مجحفاً على طريقة سانت ليغو المعتمدة في العراق بفرض القسمة الانتخابية  ( 1.9)  و نتيجتها سد الباب امام الكتل الصغيرة وابعادها عن المشاركة بالحكم و تكريس طريقة سأنت ليغو الانتخابية تماماً لمصلحة الكتل الكبيرة . بكل تأكيد من صلاحيات رئيس الجمهورية رد هذ القانون الى البرلمان ليعيد النظر فيه لكنه أمر مستبعد ( نفس الامر ينطبق على قانون المحكمة الاتحادية ) .  او من خلال تعبئة جماهيرية إيجابية عبر صناديق الاقتراع في الانتخابات القادمة على ان يقترن ذلك بالمطالبة بإشراف دولي عليها لضمان  نزاهتها  و شموليتها و قد تكون النتيجة فيما اذا نجحت ان  تقلب الطاولة على مشرعي القانون (بأن ينقلب السحر على الساحر) كما يقال. هذا التوجه يحتاج وقت تحضير فعليه ارى وجوب  العمل  بدأً من الآن عبر وضع مشروع متكامل لتحقيق الهدف. 

و الخلاصة على المهتمين بالتغيير و من يضع مصلحة الوطن و ابناؤه  نصب اعينهم الاستفادة من متغيرات الوضع لا بل قيادته نحو تغيير جوهري يعيد الدين الى الصوامع و الحسينيات لممارسة دوره الروحاني في خلق اجيال تحترم الانسان وتقدره و تفسح في المجال امام الحكم المدني المبني على سيادة القانون و تطبيقه بعدل و مساواة على جميع العراقيين دون النظر الى دينهم او عرقهم او لونهم ، من دون تحقيق ذلك فإن الأمل ضعيف امام العراق و العراقيين للتمتع بحياة حرة و كريمة في الآجل المنظور. 

الوطن و ابناؤه من وراء القصد. 


د. بولص ديمكار
polesdanha@gmail.com