مختارات لرؤيا ماريا فالتورتا لحياة يسوع التفصيلية( العظة على الجبل)


المحرر موضوع: مختارات لرؤيا ماريا فالتورتا لحياة يسوع التفصيلية( العظة على الجبل)  (زيارة 107 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل my hope

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 88
    • مشاهدة الملف الشخصي
كما نعلم ان واحد من اعظم الهدايا التي منحها الله للانسان هو الكتاب المقدس وككتاب فهو الاعظم على الاطلاق ولن يكون هناك كتاب اعظم منه في هذه الحياة وهو كافي لنيل الخلاص لكل الازمنه ان تم الالتزام به. في نفس الوقت فان الله حي ومتواصل مع شعبه منذ الخليقة وكما نعلم فان وسائل الطباعة قد تطورت كثير
فمثلا الكتاب المقدس الذي نمتلكه الان كان يحتاج الاف الالواح الكبيرة لكتابته. المهم ان كثير من الناس وخاصة المتاملين لحياه المسيح ارادو مزيدا من التفاصيل عنه. وقد منح الله القدرة لرؤيه ما حدث في الازمنه القديمة لبعض الشخصيات ليكتبو هذه التفصيلات عن حياة الانسان والخليقة منذ البداية.
في هذه السلسلة والتي ساطلق عليها مختارات لرؤيا ماريا فالتورتا لحياة يسوع التفصيلية واسم الرسائل الحقيقيي هو قصيدة الانسان الاله ومن وجهة نظر شخصية بما ان الكتاب المقدس ياتي في المرتبة الاولى فان هذا الكتاب الذي هو بالاصل عشر اجزاء ياتي في المرتبة الثالثة وكتاب القديسة انا اميرتش ياتي في المرتبة الرابعة.
تم كتابة هذا الكتاب بين عامي 1943 و 1947 وفي عام 1948 اطلع قداسة البابا بيوس الثاني عشر على العمل وكتب عنه ما ياتي:
((( ينشر هذا العمل كما هو، وليس هناك حاجة لإعطاء رأي حول أصله، فسواء كان فائق الطبيعة أم لا، فمن يقرأ فسوف يفهم )))
تمت ترجمه بعض الاجزاء من هذا الكتاب بواسطة فكتور مصلح وانا سوف اختار بعض المواضيع المحددة منه واضعها هنا ويمكن لاي شخص نقلها لاي موقع او كروب دون الاشارة الي.
مقدمة: يمكن اعتبار العضة على الجبل اهم ما يميز المسيحية من حيث الاخلاق ومحبة الله عن سائر الاديان والمعتقدات وبما انها طويلة جدا فسوف اضع كل الاجزاء المرتبطة بها بموضوع واحد ورغم كونه سيكون طويلا لكن يجب ان تتذكرو ان ملكوت السماوات تغتصب والمجاهدين هم من يدخلوها وليس هناك مكان للكسالى.
تمهيد: في هذا القسم يوجه المسيح رساله خاصة الى رسله وتلاميذه وحتى المسيحيين بصورة عامة ويدعوهم نور الارض وملح العالم.


الجزء الثالث / القسم الأول

29- (العِظَة على الجبل: "أنتم ملح الأرض")

22 / 05 / 1945

يسير يسوع وحيداً، وبخطى حثيثة على طريق رئيسيّة. يتوجّه صوب جبل مُنتَصِب على مقربة من الطريق الرئيسيّة ومتّجه صوب الغرب، انطلاقاً من البحيرة. على مسافة قريبة كانت بدايته، على أرض مائلة ميولاً لطيفاً ممتدّة لمسافات بعيدة، مُشكِّلة هَضَبَة، تُشاهَد منها البحيرة كلّها مع بلدة طبريّا، باتّجاه الجنوب، والبلدات الأخرى الأقلّ جمالاً، الجاثمة صوب الشمال. ثمّ يرتفع الجبل بسرعة أكبر حتّى إحدى القمم، وينخفض، ثمّ يرتفع مرّة أخرى ليشكّل قمّة أخرى شبيهة بالأولى، ومجموع الاثنين يُشكِّل ما يشبه السَّرج.

يَسلك يسوع الطريق الصاعدة صوب الهضبة، عَبْر درب ترابيّ، هو كذلك جميل بما فيه الكفاية، ويَصِل إلى بلدة صغيرة يَحصد أهلها تلك الهضبة المرتفعة، حيث اتَّخَذَ القمح شكل السنابل. يجتاز البلدة ويتقدّم عَبْر الحقول والمروج الموشّاة بالزهور أو التي تموج بالحصاد.

اليوم صاف، ممّا يسمح بظهور جمال الطبيعة المحيطة كلّها بكامل قيمته. وراء الجبل الصغير المنعزل الذي يتوجّه إليه يسوع، تُرى في الجنوب قِمّة حرمون المهيب، الذي تبدو قِمّته كَدُرّة عملاقة ترتكز على قاعدة من الزمرّد، لشدّة بياض القِمّة المكلّلة بالثلج الذي يتعاكس بياضه مع اخضرار المنحدرات المغطّاة بالخمائل. وراء البحيرة، بل بينها وبين حرمون، السهل الأخضر، حيث بحيرة ميرون التي، مع ذلك، لا تُرى من هذا المكان، ثمّ جبال أخرى متّجهة صوب بحيرة طبريّا، من الناحية الشماليّة الغربيّة، ووراء البحيرة جبال أخرى في البعيد تلطّفها، وسهول أخرى في الجنوب، ووراء الطريق الرئيسيّة هناك الروابي التي أظنّها تخفي الناصرة. وكلّما ارتفعنا، كلّما اتَّسَعَ الأفق. لستُ أدري ماذا في الجهة الغربيّة لأنّ الجبل يحجب الرؤيا.

يلتقي يسوع أوّلاً الرَّسول فليبّس الذي يبدو وكأنّه عُيِّن خفيراً على ذلك المكان: «كيف هذا يا معلّم؟ أأنتَ هنا؟ كنّا ننتظركَ على الطريق. وأنا أنتظر الرفاق الذين ذَهَبوا لجلب الحليب من عند الرُّعاة الذين يَرعون قطعانهم على القمم. في الأسفل، على الطريق، هناك سمعان ويهوذا بن سمعان ومعهما اسحق و... آه! ها هم. تعالوا! تعالوا! المعلّم هنا!»

الرُّسُل الذين كانوا يَهبطون ومعهم القُرَب، يبدأون بالجري، ومن الطبيعي أن يصل الشباب أوّلاً. يُهلِّلون للمعلّم، إنّه لمشهد مؤثّر. أخيراً اجتَمَعوا، وبينما يسوع يبتسم، يريد الجميع التحدّث إليه ورؤيته…

«ولكنّنا كنّا ننتظركَ على الطريق العامّة!»

«كنّا نظنّ أنّكَ لم تكن لتأتي اليوم حتّى.»

«آه! كنّا منـزعجين لأنّه كان هناك كَتَبَة وحتّى تلاميذ لجملائيل...»

«ولكن نعم يا معلّم! في الحقيقة أنّكَ تركتَنا في الوقت المناسب! لم أشعر بالخوف يوماً كما في ذلك الحين. فلا تجعلني ألعب دوراً كهذا فيما بعد.»

بطرس يتشكّى ويسوع يبتسم ويسأل: «ولكن هل حَصَلَ لكم مكروه؟»

«آه! لا! على العكس... آه! يا معلّمي! ولكن ألا تعلَم أنّ يوحنّا قد تكلَّم؟... وكان يبدو وكأنّكَ أنتَ تتكلّم بلسانه. أنا... نحن كنّا مُنذَهِلين... ذاك الصبيّ الذي لم يكن قادراً منذ عام سوى على رمي الشِّباك... آه!» ما يزال بطرس تحت تأثير الإعجاب، ويقوم بهزّ يوحنّا الضاحك الصامت. «انظروا إذا كان يبدو ممكناً لهذا الصبيّ بفمه الضاحك أن يكون قد تفوَّهَ بتلك الكلمات! كنّا نحسبه سليمان.»

«وكذلك سمعان قد أحسَنَ الكلام يا سيّدي. لقد كان بحقّ الرئيس.» يقول يوحنّا.

«لستُ أدري! لقد حَصَرَني في الزاوية! ولكن... يقولون إنّني أحسنتُ الحديث. ممكن، أنا لا أعلَم... إذ بسبب الدهشة التي سَبَّبَها لي حديث يوحنّا والخوف من التحدّث وسط جمع غفير، ومِن أن أجعلكَ تبدو دون المستوى، فقد كنتُ مُضطَرِباً...»

«أن تجعلني أبدو دون المستوى؟ أنا؟ ولكنّكَ أنتَ الذي كنتَ تتحدّث، وأنتَ الذي كنتَ ستبدو دون المستوى يا سمعان.» يقول له يسوع على سبيل المغايظة.

«آه! بالنسبة إليَّ... لم يكن يهمّني كثيراً. لم أكن أريدهم أن يَسخَروا منكَ لاتّخاذكَ أبلهاً رسولاً لكَ.»

يَشعّ يسوع فرحاً لتَواضُع وحُبّ بطرس. ولكنّه يسأل فقط: «والآخرون؟»

«الغيور أيضاً قد أحسَنَ الكلام. إنّما هو... نعرفه. ولكن هذا كان مفاجأة! إلّا أنّه مذ كنّا في خلوة الصلاة والوَلَد يبدو وكأنّ نَفْسه في السماء على الدوام.»

«حقيقة! حقيقة!» يؤكّد الجميع كلام بطرس، ثمّ يستمرّ الكلام.

«وهل تعلَم؟ بين التلاميذ الآن اثنان، حسب قول يهوذا بن سمعان، مهمّان جدّاً. يهوذا مُنهَمِك للغاية، هه! حقيقيّ! إنّه يعرف أولئك الناس جيّداً... منذ زمن بعيد، وهو يعرف كيف يتحدّث إليهم. ويحبّ التحدّث... بل يجيد التحدّث. ولكنّ الناس يُفضِّلون سماع سمعان وإخوتكَ، خاصّة هذا الصبيّ. أمس قال لي أحدهم: "هذا الشاب يجيد التكلّم -وكان يقصد يهوذا- ولكنّني أُفضِّلكَ عليه". آه! يا مسكين! تُفضِّلني أنا الذي لا أعرف أن أقول سوى أربع كلمات!... ولكن لماذا أتيتَ إلى هنا؟ والموعد كان على الطريق، وقد كنّا هناك.»

«لأنّني كنتُ أعلَم أنّني أجدكم هنا. الآن اسمعوا. اهبطوا وقولوا للآخرين أن يأتوا، وأيضاً للتلاميذ المعروفين. لا تدعوا الناس يأتون اليوم. أودُّ التحدّث إليكم فقط.»

«إذن، مِن الأفضل انتظار المساء. فعند المغيب يتفرّق الناس إلى القرى المجاورة، ويعودون صباحاً لانتظاركَ. وإلّا... فَمَن سيستبقيهم؟»

«حسناً. افعلوا كذلك. أنتَظِركم في الأعلى عند القِمّة. الآن دافئ هو الليل حتّى إنّه يمكننا النوم في العراء.»

«حيثما تريد، يا معلّم. يكفي أن تكون معنا.»

يمضي التلاميذ، ويُعاوِد يسوع الصعود حتّى القِمّة. إنّها تلك التي رأيتُها في رؤيا العام الماضي، عند نهاية الحديث على الجبل واللقاء الأوّل لمريم المجدليّة. ويبدو المنظر العام أكثر اتّساعاً عند مغيب الشمس. يَجلس يسوع على صخرة ويستغرق في التأمّل. ويبقى هكذا حتى ينبّهه وقع الأقدام على الدرب أنّ الرُّسُل في طريق العودة. لقد وَصَلوا مساء. ولكن على ذاك الارتفاع، تستمرّ الشمس في جعل العطر يفوح من النبات والزهور. زنابق برّية يفوح منها عَبَق قويّ، وسوق النرجس الكبيرة تهزّ نجومها وبراعمها كما لتنادي الندى.

يَنهَض يسوع ويحيّي قائلاً: «السلام معكم.»

تلاميذ كثيرون يَصعَدون مع الرُّسُل. يقودهم اسحق بابتسامته، ابتسامة الناسك الزاهد على وجهه النحيل. يتجمّعون كلّهم حول يسوع الذي يحيّي خاصّة يهوذا الاسخريوطيّ وسمعان الغيور.

«أردتكم جميعاً معي للمكوث بضعة ساعات معكم فقط والحديث إليكم، إليكم فقط. فلديّ ما أقوله لكم لتهيئتكم للرسالة بشكل أفضل. سنتناول الطعام ثمّ نتحدّث، وأثناء النوم تستمرّ النَّفْس بالتنعّم بالـمَذهب.»

يتناولون الوجبة البسيطة، ثمّ يتزاحمون متحلّقين حول يسوع الجالس على صخرة. إنّهم حوالي المائة، وقد يكونون أكثر، ما بين تلاميذ ورُسُل. تاج من الوجوه المتنبِّهة تنيرها شعلتان من النيران المتّقدة بشكل غريب. يتحدّث يسوع بتمهّل وبحركات هادئة. يبدو وجهه أكثر ابيضاضاً، منفرداً عن ثوبه الأزرق الداكن، ينيره شعاع من هلال القمر الذي يهبط على مستواه بالضبط، فاصلة صغيرة في السماء، شريطة من نور تداعب معلّم السماء والأرض.

«أردتكم هنا، خصوصاً لأنّكم أصدقائي، لقد دعوتُكم بعد الاختبار الأوّل الذي خَضَعَ له الاثنا عشر، ولأُوَسِّع حلقة تلاميذي الفاعِلين، ولأسمع منكم ردود الفعل الأولى حيال الذين يرأَسونَكم، والذين أمنحكُم إيّاهم كاستمرار لي. إنّني أعلَم أنّ كلّ شيء جرى على ما يُرام. كنتُ أدعَم وأُسانِد بصلاتي نفوس الرُّسُل، الخارجين مِن خلوة الصلاة بقوّة جديدة في الروح والقلب. قوّة لا تأتي من الدراسة، إنّما من الاستسلام الكامل لله.

الذين أعطوا أكثر هُم الذين نَسوا أنفسهم أكثر. فنسيان الذات أمر عسير.

الإنسان مجبول بالذكريات. والتي منها تَرفَع صوتها أكثر، هي ذكريات الأنا الشخصيّة. يجب التفريق بين أنا وأنا. فهناك الأنا الروحيّة التي تأتي من النَّفْس وتتذكّر الله وأصلها الإلهيّ. وهناك الأنا الدنيا، أنا الجسد التي تنطوي على ألوف المتطلّبات والأهواء التي لها. تَخرُج منها أصوات كثيرة، تُشكِّل جوقة تُهيمِن، إذا لم يكن الروح قويّاً جدّاً، وصوت الروح الفريد الذي يتذكّر أصله النبيل كابن لله. يجب إذاً -عدا تلك الذكرى المقدَّسة التي يجب دائماً دفعها أكثر وإحياؤها وتقويتها- يجب عليكم، لتكونوا كاملين كتلاميذ، معرفة نسيان الذات بكلّ الذكريات والمتطلّبات والمنعَكَسات المخيفة للأنا البشريّة.

في هذا الاختبار الأوّل للاثني عشر، الذين أعطوا أكثر هُم الذين نَسوا نفسهم أكثر. ناسين ليس فقط ماضيهم، إنّما كذلك شخصيّتهم المحدودة. إنّهم أولئك الذين لم يَعودوا يتذكّرون مَن كانوا ومَن هُم الآن لشدّة ذوبانهم في الله، بحيث لم يعودوا يخشون شيئاً. لماذا تحفّظات البعض؟ لأنّهم تذكَّروا حَرَجَهم المعتاد، واعتباراتهم المعتادة، وظُنونهم المعتادة. لماذا إيجاز الآخرين؟ لأنّهم تذكَّروا عدم أهليّتهم المذهبيّة، ولأنّهم خافوا أن يَظهَروا أو أن يجعلوني أبدو دون المستوى. لماذا التَّفاخر الظَّاهِر لآخرين أيضاً؟ لأنّ هؤلاء تذكَّروا كبرياءهم المعتاد، ورغبتهم في أن يكونوا في موقع النجوميّة، أن يُصَفَّق لهم، وأن يتفرَّدوا، وأن يكونوا "شيئاً مميّزاً". أخيراً، لماذا التجلّي غير المتوقّع لآخرين، في حديث هو حديث معلّم واثِق، مُقنِع وظافِر؟ لأنّ أولئك، وأولئك فقط، عَرفوا أن يتذكّروا الله. ولكنّ الأمر كذلك لدى أولئك الذين كانوا متواضعين، وكانوا يحاولون ألّا يلاحظهم أحد، والذين، في الوقت المناسب، عرفوا أن يتولّوا مباشرة قيادة الدفّة التي أُنعِم بها عليهم، والذين لم يكونوا يريدون ممارستها خوفاً من أن يكونوا مغرورين. الفئات الثلاث الأولى تذكَّروا الأنا الدنيا. أمَّا الفئة الرابعة، فقد تذكَّروا الأنا السامية ولم يخافوا. آه!‍ يا للإقدام المقدَّس المتأتّي من الاتّحاد بالله.

فإذن اسَمعوا، أنتم وأنتم: رُسُل وتلاميذ. أنتم أيّها الرُّسُل قد سمعتم تلك الأفكار. إنّما الآن فسَتدُركونها بشكل أعمق. وأنتم، أيّها التلاميذ، لم تسمعوها، أو كان ذلك بشكل جزئيّ. يجب أن تُنقَش في قلوبكم، إذ إنّني سوف أستعين بكم كثيراً وعلى الدوام، طالما قطيع المسيح لا يني يتعاظَم، إذ إنّ العالم سوف يهاجمكم أكثر فأكثر، وسيزداد عدد الذئاب المتألِّبة ضدّي، أنا الراعي، وضدّ قطيعي. أريد أن أضع بين أيديكم السلاح الذي تذودون به عن مَذهَب قطيعي. ما يكفي قطيعي لا يكفيكم أيّها الرُّعاة الصغار. إذا كان مسموحاً للنعاج ارتكاب الأخطاء وهي تقضم الأعشاب التي تجعل الدم مُرّاً وتثير الشهوات، فليس مسموحاً لكم أنتم ارتكاب الأخطاء نفسها مُودِين بقطيع كبير العدد إلى خرابه. فَكِّروا أنّه حيث يوجد راعٍ وثنيّ تَنفُق النعاج بالسمّ أو تهاجمها الذئاب.

أنتم ملح الأرض ونور العالم. إذا ما قصّرتم في رسالتكم فسَتُصبِحون ملحاً لا طعم له ولا نفع. ولا يمكن لشيء أن يعيد الطعم لكم إذا لم يمنحكم إيّاه الله. إذا كنتم، بتقبّلكم العطيّة، جعلتموها تَفقد طعمها بتمديدها بمياه الإنسانيّة التَّفِهة والملوّثة، وبتخفيفها بعذوبة الشهوات الفاسدة، بمزجكم ملح الله النقيّ بفضلات الكبرياء والشهوة والشراهة والفجور والغضب والكسل، بشكل تحصلون فيه على حبّة ملح واحدة مقابل سبع مرّات سبع حبّات من كلّ رذيلة. فلا يعود ملحكم آنذاك سوى مزيج من حصى فيها حبّة الملح تائهة، حصى تصرّ تحت الأسنان، وتترك في الفم طعم التراب وتجعل الطعام كريهاً ومقزِّزاً. فلا يعود صالحاً، ولا حتّى للاستخدامات الدنيا، حيث معرفة مجبولة بالرذائل السبع تسيء حتّى إلى الرسالات الإنسانيّة. حينئذ لا يعود الملح صالحاً لغير الرمي والدوس بأرجل الناس اللامبالية. كَم مِن الشعوب، كَم مِن الأمم ستتمكّن هكذا مِن دوس رجال الله! إذ إنّ أولئك المدعويّن سيكونون قد سَمَحوا للأمم اللامبالية أن تدوسهم، إذ لم يعودوا الجَّوهر الذي نسعى إليه لنَجِد طعم الأشياء النبيلة والسماويّة، إنّما سيكونون فقط فضلات.

أنتم نور العالم. أنتم كهذه النعمة التي كانت الأخيرة في وداعها للشمس، والأولى في تلقّي نور القمر الفضّيّ. المتواجد في الأعالي يُشرِق ويُرى، ذلك أنّ العين، حتّى الأكثر سهواً، تركّز أحياناً على الأعالي. أقول إنّ العين المادّيّة، التي نقول عنها إنّها مرآة النَّفْس، تعكس رغبة النَّفْس، الرغبة غير الـمُلاحَظة غالباً، إنّما الناشطة دائماً، طالما الإنسان ليس شيطاناً، الرغبة في الارتقاء إلى الأعالي، حيث يضع الفكر، بشكل غريزي، الكلّيّ السمو، ويَرفَع النَّظر إلى العَلى أثناء البحث عن السماوات، أقلّه بعض المرّات في سياق الحياة.

أرجوكم أن تتذكّروا ما نفعله جميعنا، منذ الطفولة الأكثر حداثة، أثناء الدخول إلى أورشليم. أين تتزاحم الأنظار؟ صوب جبل مورياح الذي يتوّجه قوس المعبد من المرمر والذهب. وعندما نكون داخل أسواره، ننظر إلى القبب الثمينة التي تشعّ وتتلألأ تحت الشمس. كم من الجمالات داخل الأسوار المقدَّسة، مُنتَشِرة في ردهاته وفي أروقته وساحاته! ولكنّ العين تنطلق إلى العُلى. أرجوكم أيضاً أن تتذكّروا أسفارنا. أين ينطلق نَظَرنا كيما ننسى طول الطريق والرتابة والتعب والحرارة والوحل؟ صوب القمم، حتّى ولو كانت قليلة الارتفاع، وحتّى ولو كانت بعيدة. وكم يُسرّى عنّا لمجرّد رؤيتها قد ظَهَرَت، عندما نكون في سهل منبَسِط بشكل رتيب! أأوحال في الأسفل؟ في الأعلى هو الطُّهر. أحرارة خانقة في الأسفل؟ في الأعلى هو الانتعاش. هل الأفق محدود في الأسفل؟ في الأعلى يمتدّ بلا حدود. ولمجرّد النظر إليه يبدو اليوم أقلّ حرارة، والوحل أقلّ لزوجة، والمسير أقلّ غمّاً. ثمّ لو لَمَعَت بلدة على قمّة جبل، فحينئذ لا تُرى عيوناً لا تُعجَب بها. حتّى لَتَحسب أنّ بلدة لا أهمّية لها تصبح جميلة، لو وُضِعَت في مكان شبه فضائيّ، على قمّة جبل. ولأجل ذلك تُرى في الديانات الحقيقيّة والديانات الخاطئة أنّه كلّما كان مستطاعاً يُبنى الهيكل في مكان مرتفع، وإذا لم تكن هناك هضبة أو جبل، فتُبنى له قاعدة من حجر بقوة السواعد على السطح المنبَسِط الذي يتوضّع عليه الهيكل. لماذا التصرّف بهذا الشكل؟ لأنّ المراد هو أن يُرى الهيكل، فيُذَكِّر برؤيته بالتفكير الموجّه صوب الله.

قُلتُ كذلك إنّكم نور. والذي يضيء مصباحاً ليلاً في البيت، فأين يضعه؟ أفي حفرة تحت الموقد؟ أم في المغارة المستخدَمَة كقبو؟ أَم مُغلقاً عليه في صندوق؟ أم بكلّ بساطة يخفيه تحت مكيال؟ لا، لأنّ إنارته آنذاك لا يعود لها فائدة. ولكنّه يَضَع المصباح على طاولة، أو يُعلِّقه على حامل المصباح، لكي، في حال وَضَعَه في مكان مرتفع يضيء الغرفة كلّها، ويُنير كلّ الموجودين فيها. ولكنّ ذلك، وبالتحديد سبب وضعه في مكان مُرتَفِع، الهدف منه هو التذكير بالله، ومنح النور، فينبغي له أن يكون على مستوى وظيفته.

أنتم يا مَن ينبغي لكم التذكير بالله الحقيقيّ، اعمَلوا على ألّا تكون فيكم الوثنيّة ذات العناصر السبعة. وإلّا فسَتُصبِحون مواضع دنيويّة مرتفعة بواسطة أخشاب مقدَّسة، مكرَّسين لهذا أو ذاك من الآلهة، جارِّين في وثنيّتكم الذين ينظرون إليكم كهياكل لله. ينبغي لكم أن تَحملوا نور الله. فمصباح مُتَّسِخ، أو غير المزوَّد بالزيت، يدخِّن ولا يعطي نوراً، بل يُطلِق روائح كريهة ولا يُضيء. ومصباح مخفي وراء زجاج (كريستال) متَّسخ، لا يعطي التألّق الظريف، ولا التأثير الرائع للنّور النّقي على المعادن اللّامِعة، ولكنه يَبهُت خلف ستار من الدخان الأسود الذي يجعل مأواه الماسيّ ذا غَباشَة كثيفة.

نور الله يتألّق حيث توجد إرادة جادّة يوميّاً في إزالة النفايات الناتجة عن العمل ذاته، بالاحتكاكات التي لا يمكن تحاشيها، التفاعلات وردود الفعل وخيبات الأمل. نور اللهَ سَطع عندما يكون المصباح مزوّداً بسائل وَفير ِمن الصلاة والمحبّة. نور الله يتضاعف تألُّقه بشكل لا نهائيّ، عندما تتواجد كمالات الله، حيث إنّ كلّ واحدة منها تَبعَث في القدّيس فضيلة تُمارَس ببطولة، إذا ما حافَظَ خادم الله على الزُّجاج حصيناً من نفسه، في مأمن مِن الدخان الأسود الذي لكلّ الأهواء السيّئة المدخِّنة. زجاج حَصين، حَصين! (يتكلّم يسوع بصوت كالرَّعد في هذه الخلاصة، ويُدَوّي الصوت في هذا المدرج الطبيعيّ.) الله وحده يملك الحقّ والقدرة على أن يُخطِّط هذا الكريستال، أن يَكتب فيه اسمه الكلّيّ القداسة بماسَة إرادته. حينئذ يُصبِح هذا الاسم تزييناً يُضاعِف سُطيحات الجمال فائق الطبيعة على الزجاج النقيّ جدّاً.

أمّا إذا كان خادم الله الغافِل، الذي بفقدانه ضبط نفسه ورؤية رسالته الفائقة الطبيعة فقط وبأكملها، يجعل تزيينات خاطئة ومزيّفة تترك أثرها على هذا الكريستال، خُدشاً وليس نَقشاً، شيفرات سرّية وشيطانيّة خَطَّتها أظافر الشيطان الناريّة. حينئذ لا، فالمصباح الرائع، لا يعود له بهاؤه وجماله الدائم الذي لا عيب فيه، ولكنّه يتصدَّع ويتحطَّم، خانقاً الشعلة تحت حطام الكريستال الـمُنفَجِر، أو إذا لم يتحطَّم، فإنّ مجموعة من العلامات الواضحة التي تفضح طبيعتها تتشكَّل على سطحه، ثمَّ يتسلَّل الشَّحار إلى داخله مفسداً إيّاهُ.

الويل! والويل الويل الويل للرُّعاة الذين يفقدون المحبّة، والذين يأبون الصعود يوماً إثر يوم ، ليُصعِدوا القطيع الذي ينتظر زهدهم ليَصعَد. سوف أضرُبهم بإسقاطهم من مكانهم، وبإطفاء كلّ دُخّانهم.

الويل! والويل الويل الويل للمعلِّمين الذين يرفضون الحكمة ليَشبَعوا مِن عِلم، هو غالباً مُناقِض، دائماً متكبّر، أحياناً شيطانيّ، لأنّه يدنيهم من إنسانيّتهم، إذ -اسمَعوا جيّداً واحفَظوا- بينما قَدَر كلّ إنسان أن يصبح شبيهاً بالله بالتقدّيس الذي يجعل الإنسان ابن الله، فالمعلّم-الكاهن ينبغي له، منذ حياته على هذه الأرض، أن يكون له مَظهَر ابن الله وإيّاه فقط. ينبغي له أن يكون إنساناً، هو بكلّيّته نَفْس وكمال. ينبغي أن يكون له كلّ ذلك ليَصِل بتلاميذه إلى الله. اللعنة تحلّ على المعِلّمين المكلَّفين بتأمين التعليم الفائق البشر الذين يصبحون أوثان المعرفة البشريّة.

الويل! والويل سبع مرات لأولئك الذين، بين كَهَنَتي، قد ماتت نفوسهم، الذين أصبَحوا تافهين، الذين تعاني أجسادهم من حرارة مَرَضيّة، والذين نَومهم مُفعَم بالتهيّؤات والهلوسة لكلّ ما هو موجود، ما عدا الإله الواحد والثالوث؛ الـمُفعَم بكلّ أنواع الحسابات، ما عدا الرغبة فائقة الطبيعة في زيادة ثروات القلب والله. إنّهم يعيشون، مغمورين بإنسانيّتهم، خسيسين، مُخَدَّرين، جارّين إلى مياههم المائتة الذين يتبعونهم وهم يظنّون أنّهم "الحياة". لعنة تحلّ على الذين يُفسِدون قطيعي الصغير، القطيع المحبوب. فليس مِن الذين هَلكوا نتيجة توانيكم، يا خُدَّام الربّ المقصِّرين، بل منكم أنتم سوف أُطالِب بالحساب، وبكم سوف أُنزِل القصاص، من أجل كلّ ساعة وكلّ وقت مُبَدَّد، من أجل كلّ السوء الذي كان يمكن أن يقع أو الذي نَتَجَ عنه.

تذكَّروا هذه الكلمات. والآن اذهبوا. إنّي صاعد إلى القمّة. أمّا انتم فناموا. غداً سوف يَفتَح الراعي للقطيع مراعي الحقيقة.»





غير متصل my hope

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 88
    • مشاهدة الملف الشخصي
تمهيد: في هذا القسم يتحدث المسيح عن محبة الله للانسان وعن خلود الانسان وكذلك عن استفسار الانسان عن كيف هي السماء وكيف الوصول اليها.

الجزء الثالث / القسم الأول

30- (العِظَة على الجبل: "التطويبات I")

24 / 05 / 1945

يتحدّث يسوع إلى الرُّسُل، مُحدِّداً لكلّ منهم مكاناً يتواجد فيه ويُراقِب الجمهور الذي يَصعَد منذ ساعات الصباح الأولى برفقة مرضى محمولين على الأذرع أو على محفَّات أو يَجُرّون أنفسهم على عكازات. ووسط الجمع هناك إيتيان وحرماس.

الهواء نقيّ ومنعش قليلاً، ولكنّ الشمس سَخَّنَت بسرعة هواء الجبل النشط إلى حدّ ما. وهذا كلّه فائدة، لأنّ الشمس تُكسِب الهواء انتعاشاً لا بأس به. يَجلس الناس على حجارة أو صخور منتشرة في الوادي بين القمّتين. والبعض ينتظر ريثما تُجفِّف الشمس العشب الذي رَطَّبَه الندى، للجلوس على الأرض. جمع غفير قَدِمَ مِن كلّ أرجاء فلسطين، وتحت ظروف شتّى. ضاع الرُّسُل وسط الجمع، ولكنّهم مثل النحل الذي يروح ويجيء بين الحقل والمنحلة، يعودون بين الحين والحين إلى قرب المعلّم، لإعلامه، لسؤاله، وليَحصَلوا على متعة أن يَنظُر إليهم المعلّم عن قُرب. يَصعَد يسوع إلى أعلى قليلاً من الحقل الذي في قعر الوادي، يسند ظهره إلى صخرة ويبدأ الحديث.

«سَأَلَني كثيرون، في خلال عام مِن الكرازة: "ولكن أنتَ يا مَن تَدَّعي أنّكَ ابن الله، قُل لنا ما هي السماء، ما هو الملكوت وما هو الله؟ ذلك أنّ أفكارنا مُشَوَّشة. نَعلَم أنّ السماء موجودة مع وجود الله والملائكة. إنّما لم يأتِ أحد قطّ ليخبرنا كيف هي، لأنّها حِكر على الأبرار". حتّى إنّني سُئِلتُ ما هو الملكوت وما هو الله. وحاولتُ جاهداً أن أشرح لكم ماهيّة الملكوت، وماهيّة الله. حاولتُ جاهداً، ليس لأنّه كان من الصعب عليَّ أن أُوضِح فكرتي، إنّما لأنّه من الصعب، لظروف كثيرة متوقَّعة، أن أجعلكُم تتقبَّلون حقيقة تَصطَدِم، فيما يخص الملكوت، ببنيان هائل من الأفكار المتراكمة على مدى العصور، وفي ما يخصّ الله تَصطَدِم بسموّ طبيعته.

سأَلَني آخرون أيضاً: "حَسَن هو هذا، لن نَسأَل ما هو الملكوت وما هو الله، إنّما نَسأَل: كيف نكتسب هذا أو ذاك؟" وهنا أيضاً حاولتُ أن أشرح لكم بطول أناة روح شريعة سيناء الحقيقيّة. والذي يتبنّى روح الشريعة ذاك فإنّه يمتَلِك السماء. ولكن لكي أشرح لكم شريعة سيناء، يجب كذلك إسماعكم الصوت الصارم للمشرِّع ونبيّه. وإذا كانا يَعِدان بالبركات للذين يَعمَلون بها، فإنّهما يُهَدِّدان بالعذابات المريعة واللعنات للذين يخالفونها. كان التجلّي في سيناء رهيباً، وتلك الرهبة تنعَكِس على الشريعة كلّها، تنعكس في كلّ العصور وفي كلّ النفوس.

ولكن الله ليس مُشَرِّعاً وحسب. بل هو أب. وأب يتمتّع بصلاح وطيبة واسعة.

وبدون أيّ شكّ، إنّ نفوسكم التي أضعَفَتها الخطيئة الأصليّة والأهواء والخطايا والأنانيّات بمختلف أشكالها، أنانياتكم وأنانيّات الآخرين، حين تجعل لكم أنانيّات الآخرين نفساً ساخطة، وأنانيّاتكم تجعل لكم نفساً مُنغَلِقة، قد لا تستطيع نفوسكم الارتقاء إلى تأمل كمالات الله اللامتناهية والصَّلاح، بل حتّى أيّ شيء آخر، لأنّ الفضيلة المترافقة مع الحبّ هي أقلّ ما يمكن أن يكوّن حصّة الفانين الهالكين. الصَّلاح! يا لروعة وعذوبة أن يكون الناس صالحين، دون حقد ولا كراهية ولا حسد وبغير كبرياء! أن تكون للمرء عينان ولا تنظران إلا لتُحِبّا، ويدان لا تمتدّا إلّا لحركات حبّ، وشفتان لا تتحرّكان إلا لتقولا كلام حبّ، وبشكل خاصّ قلب مفعم بالحبّ يَدفَع العينين واليدين والشفتين للقيام بأفعال حبّ!

الأكثر حكمة بينكم يعرفون النِّعَم التي كان الله قد أنعَمَ بها على آدم، هو وذريّته. وحتّى الأكثر جهلاً مِن أبناء إسرائيل يَعلَمون أنّ فينا روحاً. الوثنيّون المساكين وحدهم يجهلون ذلك الضيف الـمَلَكي، نفحة الحياة تلك، وذاك النور السماويّ الذي يقدِّس ويُحيي جسدنا. ولكنّ الأكثر حكمة يَعلَمون أيّة عطايا كانت قد مُنِحَت للإنسان، لروح الإنسان.

لم يكن الله أقلّ سخاء مع الروح منه مع لحم ودم الخليقة التي جَبَلَها بقليل من الطين ونسمته. كما كان قد وَهَبَها النِّعم الطبيعيّة من جمال ونزاهة وذكاء وإرادة، نِعمة حبّ الذات وحبّ الآخرين، وبنفس الطريقة كان قد وَهَبَها النِّعم الأخلاقيّة مع خضوع الشهوات للعقل. وهكذا ففي الحرّيّة والسيطرة على الذات والإرادة الخاصة التي وَهَبَها الله لآدم، لم تتسلّل العبوديّة الفاسدة للشهوات والأهواء، بل إنّما حبّ الذات كان حرّاً، والإرادة حرّة، وحرّة هي مجرّد المتعة التي تستعبدكم بجعلكم تتذوّقون ذاك السمّ الذي نَشَرَه الشيطان، والذي يفيض جالباً إيّاكم إلى خارج السرير الطَّاهِر، إلى أراض موحِلة، إلى مستنقعات ملوَّثَة، حيث تتخمّر حُمَّى الشهوات الجسديّة والشهوات الوجدانيّة. كي تَعلَموا أنّ رغبة الفكر تأتي أيضاً من الشهوة الحسّيّة. ونالَ البشر مواهب فائقة الطبيعة، لمعرفة النِّعمة المقدِّسة والمصير الأسمى ومعاينة الله.

النعمة المقدِّسة: حياة النَّفْس. ذلك الأمر الروحانيّ إلى أبعد الحدود المتوضِّع في نفسنا الروحيّة. النِّعمة التي تجعلنا أبناء الله، إذ إنّها تَقينا من موت الخطيئة، والذي لم يمت "يحيا" في بيت الآب: الفردوس؛ في مملكتي: السماء. ما هي تلك النِّعمة التي تُقدِّس وتَهِب الحياة والملكوت؟ آه! لا تستَخدِموا كثرة الكلام! فالنِّعمة هي الحبّ. وبالنتيجة فإنّ النِّعمة هي الله. هي الله الذي لشدّة إعجابه بذاته في الخليقة التي خَلَقَها كاملة، فإنّه يحبّ ذاته فيها، يتأمّل ذاته فيها، يرغب في أن يكون هو ذاته فيها، يعطي نفسه ما هو ملكُه ليُضاعِف ما يَملك، ليستمتع بهذه المضاعَفَة، ليحبّ نفسه في الكائنات الكثيرة التي هي الأخرى ذاته هو.

آه! أيّها الأبناء! لا تَحرموا الله ممّا هو حقّه! لا تنـزعوا مِن الله ما هو ملك له! لا تخيّبوا أمل الله في رغبته! فَكِّروا أنّه يتصرّف بحبّ. حتى ولو لم تكونوا موجودين، فهو على الدوام اللانهائيّ، وسلطانه لا يَنقص. ولكنّه هو، رغم كونه كاملاً في مقياسه اللانهائيّ، الذي بغير قياس، هو يريد، لا له، ولا فيه -لا يمكنه ذلك لأنّه اللانهائيّ، اللامحدود- إنّما من أجل المخلوق، خليقته، فهو يريد للحبّ أن ينمو طالما أصبَحَ لدى هذا المخلوق ما يسمح بمنح النِّعمة: الحبّ. لكي تحملوه في ذواتكم بكمال القدّيسين، ولكي تمتلئوا ثانية بذلك الكنـز المأخوذ من الكنـز الذي وَهَبَكُم إيّاه الله مع نعمته، والمتعاظِم بكلّ أفعالكم المقدّسة، بكلّ حياتكم البطوليّة كقدّيسين، في المحيط اللانهائيّ حيث هو الله: في السماء.

حاويات الحبّ الإلهيّة، الإلهيّة، الإلهيّة! هذه هي أنتم، وكيانكم لم يُعْطَ الموت، لأنّكم خالدون مثل الله، لكونه الله. سوف تكونون، ولا تكون لكينونتكم نهاية، ذلك أنّكم، باعتباركم خالدين، مثل الأرواح القدّيسة التي تغذّيكم بشكل فائق، بالعودة إلى ذواتكم مُغتَنين باستحقاقاتكم الشخصيّة. إنّكم تحيون وتتغذّون، تحيون وتَغتَنون، تحيون وتُشَكِّلون هذا الشيء الفائق القداسة الذي هو اتّحاد الأرواح، بدءاً من الله، الروح الكلّيّ الكمال، حتى ذاك الكائن الصغير جدّاً المولود حديثاً الذي يتناول صدر أمّه لأوّل مرّة.

لا تحكموا عليَّ خطأ في أعماق قلوبكم، أنتم أيّها العلماء! لا تقولوا: "إنّه مجنون! كاذب! يجب أن يكون مجنوناً كي يتحدّث عن النِّعمة فينا، إذ إن الخطيئة قد حَرَمَتنا، يكذب في قوله لنا إنّنا أصبحنا مُتَّحِدين بالله". نعم، الخطيئة موجودة؛ نعم الانفصال موجود؛ إنّما أمام سلطان الفادي، فإنّ الخطيئة والانفصال الفظيع الذي حَصَلَ بين الأب والأبناء، سَيَنهَاران مثل جدار هزّه شمشون الجديد. لقد أمسكتُ به وأهزّه وهو يتزعزع، والشيطان يستشيط غضباً وعَجزَاً، وهو لا يستطيع شيئاً أمام سلطاني، وهو ينظر إلى غنائم كثيرة تُنتَزَع منه، وقد أصبَحَ جَرّ الإنسان إلى الخطيئة أكثر صعوبة، لأنّني حينما أوصلكم إلى أبي بواسطتي، وحينما تكونون قد أصبحتم أطهاراً وأقوياء بفعل إراقة دمي وألمي، ستعود إليكم النِّعمة حيّة، متيقّظة وقادرة، وستكونون منتصرين، إذا أنتم أردتم ذلك.

لا يَستَخدِم الله العنف مع فكركم ولا في تقدّيسكم. إنّكم أحرار. ولكنّه يعيد إليكم القوّة. إنّه يحرّركم من هيمنة الشيطان. ولكم أن تستعيدوا النّير الجهنّمي أو تتَّخِذوا لأنفسكم أجنحة ملاك. كلّ ذلك يعود إليكم، أن تعتبروني أخاً فأقودكم وأُقيتكم قوتاً خالداً.

تقولون: "كيف العمل لامتلاك الله بسلوك طريق أخرى ألطف من طريق سيناء الصارمة؟" ما من سبيل آخر. إنّما لا نَنْظُرَنّ إليه آنئذ في شكل التهديد والوعيد، إنّما في شكل الحبّ. لا نقولنّ: "الويل لي إذا لم أفعل هذا!" مع البقاء مُضطَرِبين في انتظار الخطيئة، بألّا نكون قادرين على ألّا نخطئ. بل فلنقل: "طوبى لي إذا فعلتُ هذا". ومع اندفاع فرح فائق الطبيعة، فلنندَفِع فَرِحِين صوب هذه الطوبى التي تُولَد مِن الحفاظ على الشريعة كما تُولَد الورود مِن دغل مليء بالأشواك.

"طوبى لي إذا كنتُ فقيراً بالروح، فحينذاك يكون لي ملكوت السماوات!

طوبى لي إذا كنتُ وديعاً لأنّني سوف أَرِثُ الأرض!

طوبى لي إذا كنتُ قادراً على البكاء دون تمرُّد لأنّني سأُعَزَّى!

طوبى لي إذا لم يعد لي سوى الخبز والخمر لإشباع جسدي، وأنا جائع إلى البِرّ لأن البِرّ سيُشبِعني!

طوبى لي إذا كنتُ رحيماً لأنّني سأستفيد من الرحمة الإلهيّة!

طوبى لي إذا كنتُ طاهر القلب إذ إن الله سوف ينحني على قلبي الطاهر وسوف أعاينه أنا!

طوبى لي إذا كان لديّ روح السلام، إذ إنّ الله سوف يدعوني ابناً له، وذلك لأنّني سأكون في السلام وفي الحبّ، والله هو الحبّ الذي يحبّ مَن يشبهه!

طوبى لي إذا كنتُ مُضطَهَداً من أجل أمانتي للبرّ، إذ تعويضاً لي عن اضطهادات الأرض سوف يمنحني الله ملكوت السماوات!

طوبى لي إذا شَتَموني وافتروا عليّ كلّ كذب لمعرفتي أن أكون ابناً لكَ يا الله! فذلك لن يسبّب لي الحزن، بل الفرح، لأنّه يجعلني على مستوى أفضل خُدَّامك، الأنبياء، الذين اضطُهِدوا لنفس السبب، وأؤمِن إيماناً ثابتاً أنّني سأقتسم معهم الأجر ذاته، العظيم والأزليّ في السماء التي تصبح لي!"

هكذا فلننظر إلى طريق الخلاص من خلال فرح القدّيسين.

"طوبى لي إذا كنتُ فقيراً بالروح".

آه! يا حُمَّى الثَّروات الشيطانيّة، إلى أيّة هَذَيانات تقودين الإنسان! الأغنياء والفقراء. الغنيّ الذي يحيا لِذَهَبه، الصَّنم الـمُخزي لأطلال روحه. والفقير الذي يحيا على الكره الذي لديه تجاه الغنيّ الذي يملك الذهب، فإنّه حتّى ولو لم يصبح قاتلاً مادّيّاً، يُطلِق لَعناته ضدّ الأغنياء، متمنّياً لهم كلّ أنواع الشرور. عدم ارتكاب الشرّ لا يكفي، بل يجب أيضاً عدم الرغبة في فِعله. فالذي يَلعَن متمنّياً البؤس والويل والموت، لا يختلف كثيراً عن مرتكب القتل المادّيّ، لأنّ لديه، في ذاته، الرغبة في رؤية الذي يَكرَه يَهلك. الحقّ أقول لكم: إنّ الرغبة ليست سوى فعل نَكْبتُه، مثل ثَمَرَة حَمْل تشكَّلَت ولكنّها لم تخرج إلى حيز الوجود. فالرغبة الشرّيرة تُسمِّم وتُفسِد، لأنّها تدوم أكثر من الفعل العنيف. إنّها تتجذّر أكثر عمقاً من الفعل نفسه.

الفقير بالروح، إذا كان غنيّاً مادّيّاً، لا يرتكب خطيئة بسبب الذهب، ولكنّه يُحقِّق بالذَّهب تقدّيس نفسه، لأنّه يستخدمه في أفعال حبّ. محبوباً ومُبارَكاً، يشبه تلك الينابيع التي تنقذ المسافرين في الصحارى، وهي تعطي ذاتها دونما بُخل، سعيدة لتمكّنها من مَنح ذاتها لإغاثة البائسين. وإذا كان فقيراً بحقّ، فهو سعيد في فقره ويجد طعامه لذيذاً. إنّه فرح لأنّه يتخلَّص مِن حمّى الذهب، وهو يجهل الكوابيس أثناء نومه، وينهض بتمام الراحة ليبدأ بسكون عمله الخفيف بالنسبة إليه لأنّه يقوم به دون جشع ودون حسد.

يمكن للإنسان أن يكون غنيّاً مادّيّاً بالذهب، ووجدانيّاً حينما يتعلّق به. ويندَرِج تحت اسم الذهب، ليس فقط المنابع النقديّة، بل إنما البيوت أيضاً والحقول والحليّ والمفروشات والقطعان، بالإجمال كلّ ما يضفي على الحياة رفاهية. والثروات الوجدانيّة تكمن في: روابط الأهل أو الزواج، الصداقات أو الثروات الفكريّة والمسؤوليّات العامّة. كما تَرَون، بالنسبة إلى الفئة الأولى، يمكن للفقير أن يقول: "آه! بالنسبة إليَّ، يكفيني ألّا أحسد الذي يَملك، وأقنَع بالوضع الذي فُرِضَ عليَّ". أمّا الفئة الثانية، فعلى الفقير أن يُراقِب ذاته أيضاً، إذ إن الإنسان الأكثر بؤساً، يمكنه أن يصبح مذنباً إذا لم يكن روحه متجرّداً. فالذي يتعلّق بشيء ما بإفراط، فذاك يخطئ.

ستقولون: "ولكن، حينئذ، هل ينبغي لنا أن نكره الخير الذي يَهِبنا إيّاه الله؟ ولكن لماذا يأمر بحبّ الأب والأمّ والزوجة والأولاد، لماذا يقول: ”أحبِب قريبكَ كنفسكَ“؟". يجب التفريق. ينبغي لنا أن نحبّ الأب والأم والزوجة والقريب، ولكن ضمن الحدود التي رَسَمَها الله لنا: "كنفسنا". بينما يجب أن يكون الله محبوباً فوق كلّ شيء وبكل كياننا، فلا ينبغي لنا أن نحبّ الله كما نحبّ أكثر الناس أَثَرَةً وأعزَّهم علينا: هذه لأنّها أرضَعَتنا، وتلك لأنّها تنام على صدرنا وتمنحنا الأطفال، ولكن علينا أن نحبّه بكلّ كياننا: يعني بكلّ ما لدى الإنسان من قدرة على الحبّ: حبّ الابن، حبّ القرين، حبّ الصديق، آه! لا تتعثَّروا! حبّ الأب. نعم من أجل مصالح الله، ينبغي أن تكون لدينا العناية نفسها التي لدى أب تجاه أبنائه الذين يسهر على خيرهم بكلّ الحبّ وينمّيهم، ويهتم وينشَغِل بنموّهم البدنيّ والثقافيّ وبنجاحهم في هذا العالم.

الحبّ ليس شرّاً، ويجب ألّا يصبح شرّاً. النِّعم التي يمنحنا الله ليست شرّاً ويجب ألّا تصبح شرّاً. إنّها حبّ، وبحبّ مُنِحَت. ويجب استخدام ثروات العواطف والخيرات تلك التي يمنحنا إيّاها الله. ووحده الذي لا يجعل منها أصناماً، بل وسائل لخدمة الله في القداسة، يُظهِر أن لا تَعَلُّق آثماً لديه بالخيرات التي يملك. حينذاك يُمارِس الفقر الروحيّ المقدّس الذي يجعله يتجرّد من كلّ شيء ليكون أكثر حرّية للحصول على الإله القدّوس، الغِنى الأسمى. فالحصول على الله يعني امتلاك ملكوت السماوات.

"طوبى لي إذا كنتُ وديعاً".

يمكن لذلك أن يبدو مُناقِضاً لأمثلة الحياة اليوميّة. فالذين تنتفي عنهم صفة الوداعة، يبدون مُنتَصِرين ضمن العائلات وفي المدن والبلدان. وهل هذا هو انتصار حقيقيّ؟ لا. إنّه الخوف الذي يجعل الرازِحين تحت حكم طاغية خاضِعين، ظاهريّاً، بينما في الحقيقة، ذلك ليس سوى حجاب يخفي غَلَيان التمرّد على الظالم المستبدّ. إنّهم لا يملكون قلوب المقَرَّبين إليهم، ولا قلوب مواطنيهم، ولا أندادهم الغاضبين المتسلِّطين. فلا يُخضِعون أفكارهم وأرواحهم لتعاليمهم، أولئك المعلّمين أصحاب: "قلتُ هذا وقلتُ ذاك". ولكنّهم لا يُشَكِّلون سوى بعض العِصاميّين، أناس يبحثون عن مفتاح يمكنه فتح الأبواب الموصَدَة لحكمة أو عِلم هُم يرتابون بوجوده وهو يتعارض مع ما فُرِض عليهم.

إنَّهم لا يَقودون إلى الله، أولئك الكهنة الذين لا يَمضُون إلى أَسْر الأرواح بوداعة صابرة متواضعة ومحبةّ، ولكنّهم يبدون محارِبِين مسلَّحين يُقحِمون أنفسهم في الهجوم، لشدّة ما يواجِهون النفوس بعنف وتشدُّد... آه! يا للنفوس المسكينة! لو كانت قدّيسة، لما كانت في حاجة إليكم، أيّها الكَهَنَة، لِتَصِل إلى النور. بل لكان النور فيها. لو كانت بارّة، لما كانت في حاجة إليكم أيّها القضاة لتُضبَطَ بمكابح العدل، بل لكانت هي فيها. لو كانت سليمة لما احتاجت إلى أحد للعناية بها. كونوا إذاً وُدَعَاء. لا تجعلوا النفوس تَفرّ. اجذبوها بالحبّ، فالوداعة حبّ، تماماً كالفقر الروحي.

إذا كنتم وُدَعاء فإنّكم تَرِثون الأرض. تأخذون إلى الله ذلك الميدان الذي كان مِلكاً للشيطان. بالفعل فإنّ وَداعَتكم، التي هي أيضاً حبّ وتواضُع، ستنتصر على البغض والكبرياء، ويصبح العالم لكم، وبالتالي لله، إذ إنّكم ستُصبِحون الأبرار الذين يَعتَبِرون الله السيّد الـمُطلَق للخليقة، وله ينبغي التسبيح والبركة وإعادة كلّ ما هو ملك له.

"طوبى لي إذا عرفتُ البكاء دون تمرّد".

الألم موجود على الأرض، والألم يَنتَزِع الدموع من الإنسان. ولم يكن الألم موجوداً ولكنّ الإنسان هو الذي جَلَبَه إلى الأرض، وبفساد فكره يَعمَل على إنمائه بكلّ السُّبُل. فهناك الأمراض، والمآسي التي تجلبها الصاعقة، وكذلك العاصفة والانهيارات والزلازل، ولكن لكي يتألّم الإنسان، بل على الأخصّ لكي يؤلم -إذ نريد ألّا نكون نحن، بل الآخرون هُم الذين يُعانون من الوسائل المدروسة للإيلام- ها هو يَبتَدِع أسلحة قاتلة، وأكثر فظاعة باطّراد، وعذابات معنوية وبأكثر مُراوَغَة على الدوام. كم يَنتَزِع الإنسان من الدموع من أخيه الإنسان بإيعاز مِن مَلِكَه السرّيّ، الشيطان! ومع ذلك، الحقّ أقول لكم: إنّ تلك الدموع لا تُقلِّل من شأن الإنسان، بل تجعله أفضل.

الإنسان طفل غير مسؤول، طائش سطحيّ، بل هو كائن ذو ذكاء بطيء النموّ، حتّى تجعله الدموع بالغاً، مُفكِّراً وذكيّاً. وحدهم الذين يبكون أو الذين قد بكوا يعرفون الحبّ والإدراك. حبّ الإخوة الذين يبكون مثلهم، إدراكهم وتفَهُّم وضعهم في آلامهم، مساعدتهم بصلاح وطيبة، ذلك أنّهم قد اختَبَروا كم يسيء ويؤلم أن يكون المرء وحيداً ساعة يبكي. ويَعرفون حبّ الله إذا أدرَكوا أنّ كلّ شيء ما خلا الله ألم، لأنّهم أدرَكوا أن الدموع المستسلِمة لإرادة الله والتي لا تحطِّم الشريعة، ولا تجعل الصلاة عقيمة، ولا تعرف التمرّد، تتغيّر طبيعتها، وبدل الألم تصبح عزاء.

نَعَم. إن الّذين يبكون وهم يحبّون الله فإنّهم سوف يُعَزَّون.

"طوبى لي إذا ما جعتُ وعطشتُ إلى البرّ".

منذ اللحظة التي يُولَد فيها الإنسان، وحتى اللحظة التي يموت فيها، هو متلهّف للطعام. لدى ولادته يفتح فمه ليمسك بالحلمة، وفي كوابيس الاحتضار يفتح شفتيه ليَمتصّ ما يُقيتُه. يعمل ليقتات. والأرض بالنسبة إليه صَدر عملاق، ودائماً وبلا تَوَقُّف، يستمدّ منها القوت للذي يموت. ولكن ما هو الإنسان؟ أحيوان هو؟ لا. بل هو ابن الله. إنّه في منفى لسنوات قليلة أو كثيرة، ولكنّ حياته لا تنتهي عندما يُبدِّل المقام.

توجد حياة داخل الحياة كما اللبّ داخل الجوزة. فالقشرة ليست الجوزة، ولكنّ اللبّ الداخليّ هو الجوز. وإذا ما زرعتم قشرة الجوز فلا ينبت شيء، أمّا إذا زرعتم القشرة مع اللبّ فتنبت شجرة كبيرة. هكذا هو الأمر مع الإنسان. فليس الجسد هو الذي يصبح خالداً، بل إنّما هي النفس. فيجب تغذيتها لنَصِل بها إلى الخلود الذي، بحبّ، يمكنه أن يَصِل بالجسد إلى القيامة المغبوطة. غذاء النفس: الحكمة والبرّ. هي تمتصّهما كشراب وغذاء مقويِّيَن. وكلّما تَغَذَّينا بهما، كلّما ازداد النَّهَم المقدَّس لامتلاك الحكمة ومعرفة البرّ. ولكن سيأتي يوم فيه تَشبَع النَّفس النَّهِمة لذاك الجوع المقدَّس. سوف يأتي ذلك اليوم. وسيهب الله ذاته لابنه، يربطه مباشرة بصدره، والابن في الجنّة، سيشبع من الأم الرائعة التي هي الله ذاته، فلا يعود يعرف الجوع، بل يستريح مغبوطاً على الصدر الإلهيّ. ما مِن عِلم بشريّ يمكنه التوصّل إلى هذا العِلم الإلهيّ. ففضول الفكر يمكنه الاكتفاء، إنّما ليس احتياجات الروح. وحتّى مع اختلاف النكهات، فالروح يختَبِر اشمئزازاً، ويشيح بفمه عن الحلمة الـمُرَّة، مُفضِّلاً المعاناة من الجوع على امتصاص الغذاء الذي لا يأتي من الله.

لا يكن لديكم خوف أيّها الجياع والعطاش إلى الله! ظلّوا أوفياء وسَتَشبعون ممن يحبّكم.

"طوبى لي إذا كنتُ رحيماً".

مَنْ مِنَ الناس يمكنه القول: "لستُ أحتاج إلى الرحمة"؟ لا أحد. لأنّه إذا قيل في الشريعة القديمة: "العين بالعين والسنّ بالسنّ"، فلماذا لا ينبغي لنا القول في الشريعة الجديدة: "مَن يكن رحيماً يَجِد الرحمة"؟ فالجميع في حاجة إلى المغفرة.

إذاً، ليست صيغة الطقس وشكله، وهما لا يَتَعَدَّيان، كونهما رموزاً ظاهريّة متآلفة مع الروح الإنسانيّ الكثيف الأغبش، هما اللذان يحصلان على المغفرة. بل إنّما هو الطقس الداخليّ للحبّ، أو أيضاً الرحمة. وإذا ما فُرِضَت ذبيحة تيس أو حَمَل وتقدمة بعض القطع النقديّة، فلأنّ ذلك جُعِل بسبب وجود جَذرَين في أساس كلّ شرّ على الدوام هما: الطَّمَع والكبرياء. ولقد عوقِبَ الطَّمَع بالدفع الذي يجب أن يكون بالتقدمة، والكبرياء بالمجاهرة العامّة للطقس: "أُقدِّم هذه الذبيحة لأنّني أخطأتُ". ويكون ذلك أيضاً للإعلان عن الأزمنة ودلالات الأزمنة، والدم الـمُراق هو رمز الدم الذي سوف يُراق لمحو خطايا الناس.

مغبوط إذاً من يَعرف أن يكون رحيماً بالجياع والعراة والمشرَّدين بلا مأوى، ومَن هم أيضاً في حالة أكثر بؤساً، الذين يَتَّصِفون بطبع سيئّ يُسبِّب الألم لمن يَتَّصِفون به والذين يحيون معهم. كونوا رُحماء. اغفُروا، أشفِقوا، أنجِدوا وعَلِّموا وسانِدوا. لا تتقوقعوا في برج من الكريستال قائلين: "أنا طاهر، فلا أنزل بين الخَطَأَة". لا تقولوا: "إنّني غنيّ وسعيد، ولا أريد سماع الحديث عن مآسي الآخرين". فَكِّروا أنّه بأسرع ممّا تُبدِّد ريح عظيمة الدخان، يمكن أن تتبدَّد ثرواتكم، وكذلك صحّتكم، ورفاهكم العائليّ. وتذكّروا أنّ الكريستال يَعمَل عَمَل العدسة المكَبِّرَة، وأنّ ما يمكنه أن يمرّ دون أن يلاحظه أحد باختلاطكم بالناس، لا يمكنكم إبقاءه مخفيّاً إذا ما أقمتم في برج كريستاليّ، وحيدين، مُنعَزِلين، ومُسلَّطَة عليكم الأضواء من كلّ صوب.

الرحمة مِن أجل إتمام ذبيحة سريّة ودائمة ومقدّسة ككفّارة لنيل الرحمة.

"طوبى لي إذا كان قلبي طاهراً".

الله هو الطُّهر. والفردوس مملكة الطُّهر. وما مِن شيء نجس يمكنه ولوج السماء حيث هو الله. بالنتيجة، إذا كنتم نَجِسين، فلا يمكنكم دخول ملكوت الله. ولكن، آه! فرح! فرح مُسبَق يمنحه الله لأبنائه! مَن يكن طاهراً يملك، منذ وجوده على هذه الأرض، بداية السماء. لأنّ الله ينحني على مَن كان طاهراً، والإنسان الذي يحيا على الأرض يرى إلهه. لا يعرف طعم أنواع الحبّ البشريّ، ولكنّه يتذوّق، حتّى النشوة، طعم الحبّ الإلهيّ. يمكنه القول: "أنا معكَ وأنتَ فيَّ. أنا أمتلككَ، إذن فأنا أعرفكَ كعروس لنفسي محبوب للغاية". وثِقوا أنّ مَن يمتلك الله، وبشكل لا تفسير له، حتّى له شخصيّاً، تجعله تبدّلات جوهريّة قدّيساً، حكيماً وقويّاً. وعلى شفاهه تتفتّح كلمات، وأفعاله تمتلك قُدرَة ليست مِن الخليقة، إنّما مِن الله الذي يحيا فيه.

ما هي حياة الذين يَرَون الله؟ غبطة. وتريدون حرمان أنفسكم مِن نعمة كتلك، مِن أجل نجاسة نَتِنَة؟

"طوبى لي إذا كان لي روح سلام".

السلام هو إحدى مميّزات الله. فلا وجود لله إلّا في السلام. لأنّ السلام حبّ، بينما الحرب حقد وكراهية. الشيطان هو الكره. والله هو السلام. لا يمكن لأحد الادعاء أنّه ابن الله، ولا يمكن لله أن يعرف له ابناً، إنساناً ذا روح سريع الغضب، وجاهز على الدوام لإثارة العواصف، ليس هذا فقط، إنّما كذلك لا يمكن أن يدَّعي أنّه ابن الله مَن إذا لم يُثِر شخصيّاً العواصف، لا يساهم بسلامه الكبير في تهدئة العواصف المثارة مِن الآخرين. صانع السلام يَنشُر السلام حتّى وهو صامت. ومالكاً زمام نفسه، وأجرؤ على القول مَالِكاً الله، يحمل السلام كما المصباح يحمل النور، كما المبخَرَة تَنشُر عَبَقها، وكما القُربة تحمل سائلها، وينبثق النور وسط السحب النافثة الأحقاد. يُنقّي الهواء مِن وَخَم الخشونات وعَفَنها، يهدّئ أمواج القضايا الهائجة بذاك الزيت اللذيذ الذي هو روح السلام الذي يفيض من أبناء الله.

فاجعَلوا الله والناس يَدعُونكم هكذا.

"طوبى لي إذا اضطَهَدوني من أجل البر".

الإنسان متأثّر بالشيطان لدرجة يَكره فيها الخير أينما وُجِد، يكره مَن هو صالح، كما لو كان هذا الصالح، حتّى ولو بصَمْته، يتّهِمه ويَدينُه. بالفعل فإنّ صلاح امرئ يُظهِر شرّ الشريّر أكثر قتامة. بالفعل فإنّ إيمان المؤمن الحقيقيّ يُبرِز، وبشكل أكثر حيويّة، رياء المؤمن المزيَّف. بالفعل، لا يمكن أن لا يكون مكروهاً من الظالمين، ذلك الذي يَشهَد بأسلوب عيشه، وبلا انقطاع، لصالح البرّ والعدل. وحينئذ تراهم يثورون ضدّ الذين يحبّون البرّ والعدل.

هنا كذلك، كما في الحروب، يتقدّم الإنسان في فنّ الاضطهاد الشيطانيّ أكثر من تقدّمه في فن الحبّ المقدّس. إلّا أنّه لا يمكنه أن يضطَهِد إلّا ما كان عمره قصيراً. وما كان أزليّاً في الإنسان، فينجو من الفخاخ، ويكتَسِب بذلك حيويّة أكثر قوّة، بفعل الاضطهاد. تتلاشى الحياة من الجراح الدامية أو الحرمانات التي تُهلِك المضطَهَد، إلاّ أنّ الدم يُشَكِّل أرجوان مَلِك المستقبل، والحرمانات هي الدرجات اللازمة للارتقاء إلى العروش التي هيّأَها الله لشهدائه الذين خُصّصَت لهم المجالس الملكيةّ في ملكوت السماوات.

"طوبى لي إذا احتَقَروني وافتَروا عليَّ".

لا تفعلوا إلّا ما يمكنه أن يستحقّ أن تُكتَب أسماؤكم لأجله في الكتب السماويّة، حيث لا تُكتَب الأسماء بموجب أكاذيب الناس والمدائح المفروضة حُكماً للذين هُم أقلّ من يستحقّونها. بل على العكس، حيث تُدَوَّن بعدل وحبّ أعمال الصالحين ليتمكّنوا من الحصول على الأجر الموعود للمبارَكين من الله.

حتّى الآن، احتَقَروا الأنبياء وافتَروا عليهم. ولكن حينما تُفتَح أبواب السماوات، يَدخُلون مدينة الله كَمُلوك وَقورين، ويقدِّم لهم الملائكة التحيّة مرنِّمين طرباً. أنتم كذلك، مُحتَقَرون ومُفْتَرى عليكم لأنّكم أصبحتم مِلكاً لله، سوف تنالون إكليل النصر السماويّ، وعند انقضاء الدهر وامتلاء الفردوس، آنذاك تصبح كلّ دمعة ثمينة، لأنّها ستكون قد كَسَبَت لكم هذا المجد الأزليّ الذي أَعِدُكم به باسم الآب.

امضوا الآن. وغداً سأتحدّث إليكم أيضاً. وليبقَ المرضى فقط لأسعفهم في آلامهم. ليكن السلام معكم، وليضعكم التأمّل في الخلاص بواسطة الحبّ على الطريق المؤدّية إلى السماء.



غير متصل my hope

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 88
    • مشاهدة الملف الشخصي
تمهيد: في هذا القسم يتحدث الله عن قديسيه وعن الانبياء الكذبة كذلك يتكلم عن وصية العين بالعين والسن بالسن.

الجزء الثالث / القسم الأول

31- (العِظَة على الجبل: "التطويبات II")

25 / 05 / 1945

ما زال المكان ذاته والزمان ذاته. والحشد كذلك، إنّما أكثر عدداً. في أحد الأركان، بالقرب مِن عرقوب، هناك أحد الرومانيّين، يَستَمِع كما لو كان يريد ذلك إنّما دون التسبّب في عداء الجمهور، أَتعرَّف عليه من ثوبه القصير ومعطفه المختلف. إيتيان وحرماس ما يزالان هناك.

يعود يسوع إلى مكانه ببطء ويعاود الكلام.

«لِما قُلتُه في الأمس، ينبغي لكم ألاّ تُفكِّروا بأنّني إنّما أتيتُ لِأُبطِل الشريعة. لا. فقط باعتباري ابن الإنسان وأُدرِك مواطن ضعف الإنسان، أردتُ تشجيعكم وحثّكم على اتِّباعها مُوجِّهاً نظركم الروحيّ، ليس صوب الهوّة المظلِمة، بل صوب الغور المضيء. لأنّه، إذا كان الخوف من العقاب يمكنه أن يَضبط بنسبة ثلاثة إلى عشرة، فالتأكّد مِن الثواب يمنحكم الدفع بنسبة سبعة إلى عشرة. فالثقة إذاً أكثر فعاليّة من الخوف. وأريدها أن تكون لكم كاملة ومؤكَّدَة، لتتمكّنوا من تحقيق ليس سبعة أجزاء من عشرة من الخير، إنّما عشرة أجزاء من عشرة، واكتساب ذلك الثواب الكلّيّ القداسة الذي هو السماء.

لستُ أُغيِّر حرفاً من الشريعة. ومَن الذي أعطاها وَسط الصواعق في سيناء؟ العلي.

مَن هو العليّ؟ الله الواحد والثالوث.

مِن أين أَخَذَها؟ مِن فِكره.

كيف أعطاها؟ بِكَلِمته.

لماذا أعطاها؟ بسبب حبّه. تَرَون إذاً أنّ الثالوث كان حاضراً. والكَلِمَة، المطيع، كما على الدوام للفكر والحبّ، تكلَّمَ باسم الفكر والحبّ.

هل يمكنني تكذيب نفسي؟ لا. لا يمكنني ذلك. ولكنّني أستطيع، لأنّني قادر على كلّ شيء، إتمام الشريعة، جَعلها كاملة بشكل إلهيّ، ليس كما جَعَلَها الناس الذين جَعَلوها على مرّ العصور، لا كاملة، بل فقط لا يمكن فكّ رموزها، وغير قابلة للتنفيذ، بأن كَدَّسوا عليها شرائع وأنظمة، وأنظمة وتشريعات، مستَنبَطَة مِن فكرهم، بما يتماشى مع مصالحهم بشكل يؤدّي إلى رجم وخنق، بل إلى دفن الشريعة المعطاة مِن الله وجعلها عقيمة. هل يمكن لنبتة أن تستمرّ في النموّ إذا ما اجتاحَتها بشكل متواصل الانهيارات والأنقاض والفيضانات؟ لا. بل تموت النبتة. كما ماتت الشريعة في قلوب الكثيرين، مُختَنِقة تحت انهيارات الكثير من التراكمات والإضافات. وها قد أتيتُ لأنزعها كلّها، والشريعة حالما تَخرُج مِن القبر، حالما تَنبَعِث، ستراني أجعل منها ليس فقط شريعة، بل مَلِكَة.

الـمَلِكات هُنَّ اللواتي يُصدِرن الشرائع. التشريعات عَمَل الـمَلِكات. وأنا على العكس، أجعل مِن الشريعة مَلِكَة: أُتمّمها، أُتوِّجها بوضع إكليل المشورات الإنجيليّة على رأسها. في السابق كان إصدار الأمر. الآن أكثر من الأمر. في السابق كان المحَتَّم، والآن أكثر مِن المحَتَّم. الآن هو الكمال. من يلتزم بالشريعة كما أُعطيكُموها، فهو الآن مَلِك، لأنّه أَدْرَكَ "الكمال"، ذلك أنّه لم يكن طائعاً فقط، ولكنّه بطوليّ، يعني قدّيس. فالقداسة هي مجموع الفضائل محمولة إلى أعلى قمّة يمكن الإنسان بلوغها، فضائل محبوبة ببطولة، ومخدومة بالتجرّد الكامل مِن كلّ ما هو توق أو إمعان بشريّ لأيّ شيء كان. ويمكنني القول إنّ القدّيس هو مَن يتناقَض لديه الحبّ مع الشهوة، مِن أيّة وِجهة ليست الله. وذلك بعدم كونه شارد الذهن في وجهات دنيا، وبكون عيني قلبه ثابِتَتَين على التألّق الكلّيّ القداسة الذي هو الله، وفيه يَرَى، لأنّ في الله كلّ شيء، يَرَى الإخوة الذين يَضطَرِبون ويمدّون أيديهم المتوسِّلة، ودون أن يشيح بعينيه عن الله، يَفتَح قلبه لإخوته المتوسِّلين. وضدّ الجسد، ضدّ الثروات، ضدّ الرَّفاه، ينتَصِب مَثَله الأعلى: الخدمة. هل القدّيس كائن مسكين؟ أهو كائن مَنقوص؟ لا. بل هو قد توصَّلَ إلى امتلاك الحكمة الحقيقيّة والغنى الحقيقيّ. إنّه إذن يمتلك كلّ شيء. ولا يحسّ بالتعب، لأنّه إذا كان حقيقيّاً أنّه لا يَكفّ عن الإنتاج، فهو حقيقيّ كذلك أنّه لا يَكفّ عن التغذية. لأنّه إذا كان حقيقيّاً أنّه يُدرِك ألم العالم، فهو حقيقيّ أيضاً أنّه يتغذى مِن فَرَح السماء. فَمِن الله يأتيه غذاؤه، وفي الله فرحه. إنّه الإنسان الذي فَهِم معنى الحياة.

كما تَرَون، فأنا لا أُبدِّل ولا أُنقِص الشريعة، كما لا أُفسِدها بأن أُكدِّس عليها نظريّات بشريّة تتخمّر على الدوام. بل أنا أُتمِّها. إنّها على وضعها، وستبقى هكذا حتّى آخر الأزمنة، دون أن تتغيّر كلمة واحدة ولا حذف وصيّة واحدة. ولكنّها ستكون مكلَّلَة بالكمال. للحصول على الخلاص يكفي قبولها كما أُعطِيَت. للاتّحاد بالله مباشرة يجب أن تُعاش بالأسلوب الذي أَنصَح به. ولكن بما أنّ الأبطال هُم استثناء، فسأتّحدث إلى النُّفوس العاديّة، إلى الأغلبيّة من النُّفوس، لكيلا يُقال إنّه، بغية طَلَب الكمال، فقد أَبقَى الضروريّ مجهولاً. حينئذ، احفَظوا جيّداً هذا الذي أقوله لكم: مَن يسمح لنفسه بانتهاك إحدى أصغر تلك الوصايا، فسوف يُعتَبَر الأصغر في ملكوت السماوات. ومَن يَجعَل غيره يَنتَهِكها، يُعتَبَر الأكثر صغراً مِن أجل ذاته ومن أجل الذين جَعَلَهم يَنتَهِكونها. وعلى العكس، فإنّ مَن يحثّ الآخرين على طاعتها بحياته وبأفعاله أكثر من أقواله، فهذا يُعتَبَر عظيماً في ملكوت السماوات، وتتعاظم عَظَمَته مِن أجل كلّ واحد مِن الذين حَمَلَهُم على الطاعة وعلى التَقَدُّس بتلك الطريقة. أعرف أن ما سوف أقوله سيكون غير مقبول مِن قِبَل عدد كبير. ولكنّني لا أستطيع الكذب حتى ولو كانت الحقيقة التي سأقولها ستخلق لي الأعداء.

الحقّ أقول لكم، إنْ لم يَعُد برّكم ليولَدَ مِن جديد، مُتجَرِّداً تماماً من ذلك الشيء المسكين الذي سُمّي ظلماً "البرّ"، ذاك الذي للكَتَبَة والفرّيسيّين، إن لم تكونوا بحقّ أكثر برّاً من الفرّيسيّين والكَتَبَة الذين يعتقدون أنفسهم كذلك، بتكديسهم الصِّيَغ إنّما دون تغيير أرواحهم بعمق، فلن تَدخُلوا ملكوت السماوات.

احذَروا مِن الأنبياء الكَذَبَة الذين يُعَلِّمون الغَلَط. يأتونكم كالحِملان وهُم ذِئاب خاطِفة. يأتونكم بمَظهَر مِن القداسة ويَسخَرون مِن الله. يَدَّعُون حبّ الحقّ ويتغذّون على الكذب. ادرُسوهم قبل اتِّباعِهم.

للإنسان لسان للكلام، وعينان للنَّظَر ويدان للقيام بالحركات. إنّما هناك شيء آخر يَشهَد أكثر وبحقّ على ما هو في الحقيقة: أفعاله. ماذا تريدون مِن يدين مضمومتين للصلاة أن تكونا، إذا كان الإنسان بعد ذلك سارقاً وفاسقاً؟ ومِن عينين أن تكونا، إذا كانتا، وهما تريدان التظاهُر بالإلهام، تتلوَّيان في كلّ الجهات، وبعد ذلك، في حال انتهاء زمن الكوميديا، تَستَمتِعان بالنَّظَر بلهفة إلى المرأة، أو بالعَدْو في رغبة عارمة مِن الفِسق والإجرام؟ وماذا تريدون مِن لسان يَعرِف أن يُرتِّل أناشيد التسبيح الكاذبة، ويُغري بالكلام المعسول، بينما بعدئذ يفتري عليكم ويستَغيبكم، وهو قادر على أن يَحلِف كَذِباً ليحوّلكم إلى أناس حقيرين؟ ماذا يكون اللسان الذي يتلو صلوات نِفاقيّة طويلة، ويمضي بعد ذلك لقتل سمعة وتلويث صِيت القريب أو تضليل نيّته الحسنة؟ إنّه ممقوت! ممقوتة هي العيون والأيدي التي تكذب. ولكن أفعال الإنسان، الأفعال الحقيقيّة، أي أسلوبه في التصرّف ضمن العائلة، في التجارة وتجاه القريب والخُدَّام، هي التي تشهد: "هذا خادم الربّ". إذ إنّ الأفعال المقدَّسة هي ثمرة ديانة حقيقيّة.

الشجرة الطيّبة لا تَطرَح ثماراً فاسدة، والشجرة الفاسدة لا تُثمِر ثماراً طيّبة. هل يمكن للعوسج الشائك أن يَطرَح عِنباً لذيذاً؟ والعلّيق الأكثر شوكاً، هل يمكنه طرح تين شهيّ؟ لا، في الحقيقة إنّكم لا تجنون مِن الأولى سوى بعض التوت المقبول بعض الشيء، وتلك الثمار التي تطرحها الزهرات الشائكة غير صالحة للأكل، رغم كونها زهرات. والإنسان غير البارّ، الظالم، يمكن لمظهره أن يوحي بالاحترام، إنّما بذلك فقط. حتى ذلك العلّيق الريشيّ، فإنّه يبدو كباقة مِن خيوط الفضّة الناعمة جدّاً وقد رَصَّعَها الندى بالماس. ولكن، لو لمستموه، بغفلة منكم، لوجدتم أنّ تلك الباقة ليست سوى كتلة شائكة تسبّب لكم الألم، وهي ضارّة بالنِّعاج. وكذلك الرُّعاة يَنتَزِعونها ويرمونها في النار المتأجّجة أثناء الليل، حتّى لا تَفلِت البذور من الهلاك. مقياس مُناسِب للتبصّر والاحتراز. أنا، لا أقول لكم: "اقتُلوا الأنبياء الكَذَبَة والمؤمنين المنافِقين". على العكس، أنا أقول لكم: "دعوا المهمّة لله". ولكنّني أقول لكم: "تنبّهوا، ابتعدوا عنهم لكيلا تَتَسَمَّموا بعصارتهم".

كيف ينبغي أن يُحَبَّ الله، قُلتُ ذلك في الأمس. وأُصرُّ على الأسلوب الذي ينبغي أن نحبّ به القريب.

قديماً قيل: "أحبِب صديقكَ واكرَه عدوّكَ". لا. لا، ليس كذلك. كان يَصلح هذا في الأزمنة التي لم يكن الإنسان فيها قد حَصَلَ على التعزية من ابتسامة الله. أمّا الآن، فلقد حَلَّت أزمِنة حديثة، أزمِنة أحَبَّ الله الإنسان فيها كثيراً، حتّى إنّه أرسَلَ له كَلِمته ليفتديه. والكَلِمَة يتحدَّث الآن، والنِّعمة أضحَت تَنتَشِر. ومِن ثمّ، فسوف يُتمِّم الكَلِمَة ذبيحة السلام والفداء، ولن تكون النِّعمة مُنتَشِرة وحسب، بل سوف تُمنَح لكلّ نفس تؤمِن بالمسيح. لذلك يجب الارتقاء بحبّ القريب إلى الكمال الذي لا يُفرِّق بين صديق وعدوّ.

أيُفتَرى عليكم؟ أحِبّوا وسامِحوا. أتُضرَبون؟ أحِبّوا وحَوِّلوا الخَدَّ الآخر لمن يصفعكم، وأنتم تفكّرون أنّه من الأفضل أن يَتطَاوَل الغضب عليكم أنتم، يا مَن تَعرفون كيف تتحمّلونه، مِن أن يتطاول على آخر قد يَنتَقِم للإهانة. أتُسرَقون؟ فلا تُفكِّروا: "قريبي جَشِع". ولكن فَكِّروا بمحبّة: "أخي المسكين محتاج". وإذا ما أَخَذَ منكم الثوب فأعطوه الرِّداء أيضاً. فإنّكم بذلك تَضَعونه في موقف يستحيل معه تكرار السرقة، لأنّه لن يكون في حاجة إلى سَرِقَة ثوب إنسان آخر. وتقولون: "قد يكون ذلك من قبيل الرذيلة لا الحاجة". حسناً، ومع ذلك أعطوه إيّاه. وسيكافئكم الله، وسيُكفِّر الظالم عن خطيئته. إنما في الأغلب، وهذا يذكِّر بما قُلتُه في الأمس عن الوداعة. وحينما يرى الخاطئ نفسه مُعامَلاً هكذا، سيُقلِع عن رذيلته، ويُكفِّر عن ذنبه، وتعويضاً عن السرقة يُعيد المسروق.

كونوا كُرَماء تجاه الذين، بأكثر نزاهة، يسألونكم حاجَتَهم بدل سَرِقَتكم. لو كان الأغنياء فقراء بالروح حقيقة، كما عَلَّمتُكم أمس، لما وُجِدَت تلك التباينات الاجتماعيّة المؤلمة، وهي سبب الكثير من المآسي البشريّة والفائقة البشر. فَكِّروا على الدوام: "ولكن لو كنتُ أنا المحتاج، فما الأثر الذي يُخلِّفه لي رفض العون؟" وبحسب الإجابة تصرَّفوا. افعَلوا للآخَرين ما تريدون أن يَفعَله الآخرون لكم، ولا تفعلوا للآخرين ما لا تريدون أن يفعلوه لكم.

المقولة القديمة: "العين بالعين، والسن بالسن" ليسَت ضِمن الوصايا العشر، ولكنّها أُضيفَت لأنّ الإنسان المحروم مِن النِّعمة شَرِس، لدرجة لا يُدرِك معها أنّ الانتقام شَرّ. وقد أُلغِيَت، بكلّ تأكيد أُلغِيَت بالمقولة الجديدة: "أحبِب مُبغِضكَ وبارِك لاعِنَكَ، بَرِّر مَن يفتري عليكَ، صَلِّ مِن أجل مضطَهِدكَ، وأحسِن إلى المسيء إليكَ، كُن مُسالِماً مع الـمُشاكِس، ومُتنازِلاً مَع مَن يُثقِل عليكَ، ومُعيناً لِمُلتَمِسكَ عن طيب خاطر. لا تكن مُرابياً، لا تَنتَقِد ولا تَحكُم". لا تَعرفون دوافع أفعال الناس. في كلّ أنواع العون كونوا كُرماء وكونوا رُحَماء. وكلّما أَعطَيتم أكثر تُعْطَون أكثر، وسيُفرِغ الله في حضن الإنسان الكريم مكيالاً مليئاً ومحشوّاً. سيعطيكم الله، ليس فقط مِن أجل الذي أعطيتمُوه، إنّما أكثر وأكثر. حاوِلوا أن تحبّوا وأن تكونوا محبوبين. القضيّة تكلف أكثر مِن التسوية الودّية، وطيب الخاطر مثل العسل الذي يدوم طعمه على اللسان طويلاً.

أحِبّوا، أحِبّوا! أحِبّوا الأصدقاء والأعداء، لِتَكونوا شبيهين بأبيكم الذي يُنـزِل المطر على الأخيار والأشرار، ويُشرِق شمسه على الأبرار والفُجَّار، مُرجِئاً مَنحَ الندى والشمس الأزليَّين، والنار والبَرَد الجهنّميَّين إلى حين يُفرَز الأخيار كالسنابل المختارة، في غمار جني المحصول. لا يكفي أن تحبّوا الذين يحبّونكم، والذين تأملون منهم المقابل. فذلك لا أجر له: إنّه فرح، وحتّى الناس النـزيهين بشكل طبيعيّ يعرفون أن يفعلوا ذلك، والعشّارون والوثنيّون يفعلونه كذلك. إنّما أنتم فأحِبّوا على شاكلة الله، وأحِبّوا احتراماً لله الخالق، حتّى مَن هُم أعداء لكم أو قليلو الظُرف. أريد فيكم كمال الحبّ، ولأجل ذلك أقول لكم: "كونوا كاملين كما أنّ أباكم السماويّ هو كامل".إنّ وصيّة حُبّ القريب عظيمة جدّاً، ولإتقان وصيّة حبّ القريب، لن أقول لكم كما قيل سابقاً: "لا تقتل" لأنّ مَن يقتل يُحكم عليه مِن البشر، إنّما أقول لكم: "لا تَغضَبوا" لأنّكم بذلك تَخضَعون لقضاء أكثر سموّاً، يأخُذ بعين الاعتبار الأفعال غير الماديّة. مَن يُحَقِّر أخاه يُحكَم عليه مِن المجمع، ولكن الذي يُعامِله كمجنون، وبذلك يَرتَكِب الإساءة، فذاك يُدان مِن الله. باطِلة هي تقدمة القرابين للهيكل إذا لم تتمّ التضحية مُسبَقاً، ومِن عمق القلب، بالأحقاد الشخصيّة مِن أجل حبّ الله، وإذا لم يُمارَس الطقس المقدَّس: إجادة المسامحة. بالنتيجة فعندما تكون على وشك تقديم القرابين لله، وتتذكَّر أنّكَ أسأتَ إلى أخيكَ، أو تَحمل حِقداً في قلبكَ بسبب خطيئة منه، فدع القربان أمام الهيكل، ضَحِّ أوّلاً بحبّ ذاتكَ، وذلك بمصالحتكَ مع أخيكَ، وتعال بعد ذلك إلى الهيكل، وحينئذ، وحينئذ فقط تُصبِح ذبيحتكَ مقدَّسَة. الوفاق الحَسَن هو أفضل الأعمال. ما أوهى حُكم الإنسان، والذي يمكن أن يُفقِدَه حجّته بالعناد الشجاع أو يَفرض عليه دفع كلّ ما يملك للخصم أو إطالة إقامته في السجن.

في كلّ الأمور، ارفَعوا نظركم إلى الله. اسألوا أنفسكم: "هل أملك الحقّ في أن أفعل بالآخرين ما لا يفعله الله بي؟" فالله ليس قاسياً، بلا رحمة، ومُتعنِّتاً مثلكم. الويل لكم لو كان كذلك! فلا أحد يَخلص. وليَقُدْكم هذا التَبَصُّر إلى مشاعر وديعة ومتواضعة ومُفعَمة رحمة. وحينئذ، في هذه الدنيا، وبعد ذلك، سوف تنالون الأجر من الله.

هنا، أمامي، رَجُل يَكرَهني، ولا يجرؤ على القول: "اشفِني"، لأنّه يَعرِف أنّني أَعلَم ما في فِكره. إنّما أنا فأقول: "فليكن لكَ كما تشتهي، وكما تَسقُط القشور مِن عينيكَ، كذلك فلتسقط عن قلبكَ الظُّلُمات والحقد".

امضوا جميعكم مصحوبين بسلامي. وغداً سأتحدّث إليكم أيضاً.»

يَبتَعِد الناس ببطء، مُنتَظِرين ربما الإعلان عن معجزة، ولم يَحصل.

حتّى الرُّسُل والتلاميذ الأكثر قِدَماً، الباقون على الجبل، يسألون: «ولكن مَن كان؟ هل يمكن ألّا يكون قد شُفِيَ؟» ويُلحّون على المعلّم الواقف، ويداه مُتصالِبَتان، وهو يَنظُر إلى الناس يَنـزِلون.

إلاّ أنّ يسوع، في البدء، لا يجيب. ولكنّه بعدئذ يقول: «أمّا العينان فقد شُفِيَتا، وأمّا النَّفْس فلا. لا يمكنها ذلك لأنّها مُثقَلَة بالحقد والكراهية.»

«ولكن مَن هو؟ ألعلَّهُ ذلك الرومانيّ؟»

«لا. بل هو رجل مسكين.»

«ولماذا شَفَيتَه إذن؟» يسأل بطرس.

«هل ينبغي لي سَحق كلّ الذين على شاكِلَته؟»

«سيّدي... أعلَم أنّكَ لا تريد أن أقول "نَعَم"، إذاً فلن أقولها... ولكنّني أفكّر بها... وهذا سيان...»

«الأمر ذاته، يا سمعان بن يونا، ولكنّكَ تَعلَم حينذاك... آه! كَم مِن القلوب حولي مُغلَقَة بقشور الكراهية! هيّا. ولنمضِ مباشرة إلى القمّة، لننظر مِن الأعلى إلى بحر الجليل. أنا وأنتَ، وحدنا.



غير متصل my hope

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 88
    • مشاهدة الملف الشخصي
تمهيد: في هذا القسم يتكلم المسيح عن القسم وعن الصلاة والصوم
الجزء الثالث / القسم الأول

32- (العِظَة على الجبل: "التطويبات III")

26 / 05 / 1945

المكان ذاته والتوقيت ذاته، والجمهور ذاته ما عدا الرومانيّ، وقد يكون أكثر عدداً إذ يتواجدون حتّى بداية السيل المؤدّي إلى الوادي.

يسوع يتكلّم:

«واحدة من الأخطاء المتواتِرة لدى الإنسان، قلّة النـزاهة حتّى تجاه نفسه. كم هو صعب على الإنسان أن يكون صادقاً ونزيهاً! لقد كَيَّف ذاته على شكيمة (عادة) يرغم بها ذاته على اتّباع الطريق التي يرغب. علاوة على ذلك، هي شكيمة تُساهم في أن يغيّر مكانه بسهولة مثل حصان لم يُرَوَّض، فيُعدِّل مشيته على هواه أو يلغيها نهائيّاً، متصرِّفاً كما يطيب له، دون الاكتراث باللائمة التي يمكن أن يتلقّاها من الله، ومن الناس، وتأنيب ضميره.

هذه الشكيمة هي القَسَم. ولكن القَسَم ليس ضرورياً بين أناس يَتَّسِمون بالنـزاهة، والله، من جهته، لم يُعلِّمكم إيّاه، بل على العكس، جَعَلَكم تقولون: "لا تشهد بالزور"، دون أيّة إضافة. إذ ينبغي للإنسان أن يكون صادقاً دون الحاجة لأيّ شيء آخر غير الوفاء لكلمته. عندما يكون الكلام في تثنية الاشتراع حول النذور التي إنّما هي أمر نابع من قلب يعتقد أنّه مرتبط بالله، إمّا بمشاعر الحاجة، وإمّا بمشاعر العرفان، فيقال: "ينبغي لكَ الحفاظ على شَرَف كَلِمَتك لمجرّد خروجها مِن بين شفتيك، بتنفيذ ما وَعَدتَ به الربّ إلهكَ، ما قُلتَه بفمكَ بمحض إرادتكَ." والحديث دائماً عن كلمة مُعطاة، ولا شيء غير الكلمة. مَن يَشعر بالحاجة إلى القَسَم، فهذا يعني أنّه غير واثق بنفسه ولا برأي القريب فيما يخصّه. وما يستدعي القَسَم هو تحدّي صدق ونزاهة مَن يَنطق به.

كما تَرَون، إنّ عادة القَسَم تلك هي نتيجة لعدم نزاهة الإنسان. وهذا خُزي للإنسان. خُزي مضاعَف، ذلك أنّ الإنسان غير نزيه حتّى في ذلك الأمر المخجِل الذي هو القَسَم، وبسخريّته من الله بنفس السهولة التي يَسخَر بها من القريب، يتوصّل إلى الحَنَث بالقسم بأعظم سهولة وأقصى سكون. وهل يمكن في ذلك أن يكون مخلوق أكثر خسّة مِن الحانِث باليمين؟ وذاك غالباً ما يَعمَد إلى صيغة مكرَّسة مقدَّسة، طالباً، بنتيجة ذلك، مشاركة وضمانة الله، أو يتذرّع بالعواطف الأثمن والأغلى: الأب، الأمّ، الزوجة، الأطفال، أمواته، حياته ذاتها وأعضائه الأكثر أهمّية التي يستَجلِبها للاستناد إليها في أقاويله الكاذبة، وبذلك يجعل قريبه يَثِق به. إذاً فهو يخدعه. إنّه مُنتَهِك للحُرُمات، سارق، خائن وقاتل. مَن؟ الله، لأنّه يَخلط الحقّ بسفالة أكاذيبه، ويَسخَر منه بالاستخفاف به: "اضربني، كَذِّبني لو استطعتَ. فأنتَ هناكَ وأنا هنا، وأَسخَر منكَ." نعم! اضحكوا، اضحكوا جيّداً أيّها الكَذَبَة والـمُتهكِّمون! ولكن سيأتي الوقت الذي لا تعودون تضحكون فيه، وسيكون ذلك عندما يَظهَر لكم الذي له كلّ سلطان مُريعاً بعَظَمَته، وبمظهره وحده سوف يجعلكم متنبِّهين، ويَصعَقكُم بمجرد نظرته، حتّى قبل أن يرمي صوته بكم إلى مصيركم الأزليّ لاعناً إيّاكم.

إنّه سارق، لأنّه يستولي على تقدير لا يستحقّه، يمنحه إيّاه القريب الذي استحوَذَ عليه بيمينه، وتتحوّل الحَيّة إلى زينة بظهورها في غير ما هي عليه. إنّه خائن غَدَّار، لأنّه بِقَسَمه يَعِد بما لا يريد الوفاء به. إنّه قاتل لأنّه، إن يكن قد قَتَلَ شَرَف شبيهه بانتزاعه منه بيمينه الكاذب احترام القريب، وإن لم يكن قد قَتَلَ نفسه، إذ إنّ الحانث باليمين هو خاطئ خسيس في عيني الله اللتين تَرَيان الحقيقة حتّى ولو لم يرها أحد سواه. فلا نخدعنّ الله لا بكلام كاذِب ولا بتصرّف مُنافِق. إنّه يَرَى. لا يغيب إنسان عن نَظَره لحظة. فليست هناك قِلاع ولا أقبية لا يَصِل نَظَره إلى أعماقها. حتّى أعماقكم الداخليّة، القلعة التي لدى كلّ إنسان حول قلبه، يَختَرِقها الله. ولا يُدينكم على إيمانكم، بل على أعمالكم.

إليكم لماذا أنا، بحسب الأمر الذي أُعطيَ، حينما وُضِعَ القَسَم موضع الاستخدام، ليَضَع حدّاً ويَكبَح الكَذِب وسهولة أن يَخلف المرء بوعده، أُبدِّله بأمر آخر. فلا أقول كما قيل قديماً: "لا تَحنثوا باليمين ولكن كونوا أوفياء لِقَسَمكم". بل إنما أقول لكم: "لا تُقسِموا أبداً، لا بالسماء عرش الله، ولا بالأرض موطئ قدميه، ولا بأورشليم وهيكلها موطِن الـمَلِك العظيم وبيت الربّ إلهكم".

لا تُقسِموا على أضرحة الأموات ولا بأرواحهم. فالقبور مُترَعَة ببقايا ما هو دُون في الإنسان، وما هو مُشْتَرَك مع البهائم. أمّا الأرواح فَدَعوها في مساكِنها. لا تجعلوها تتألّم وتُرَوَّع إذا كان الأمر يخصّ نفوس الأبرار التي أضحَت في حالة تَعَرُّف إلى الله. ولأنّ الأمر يعود إلى تَعَرُّف إلى الله أي إلى معرفة جزئيّة به، ذلك أنّهم، حتّى لحظة الفداء، لن يمتلكوا الله في ملء تألّقه، ولا يستطيعون إلّا أن يتألّموا من رؤيتكم خَطَأَة. وإذا لم يكونوا أبراراً، فلا تزيدوا عذابهم بتذكيرهم بخطيئتهم من خلال خطيئتكم. دعوا، دعوا الأموات القدّيسين في السلام، وغير القدّيسين في أَلَمهم. لا تنـزعوا شيئاً من الأَوَّلين، ولا تزيدوا شيئاً للآخرين. لماذا تنادون الأموات؟ لا يمكنهم الكلام. فالقدّيسون تمنعهم المحبّة من ذلك: لأنّه ينبغي لهم، في أغلب الأحيان، أن يُكذِّبوكم. والهالِكون، لأنّ جهنم لا تفتح أبوابها، ولأنّ الهالكين لا يَفتَحون أفواههم إلّا لِيَلعَنوا، ولأنّ كلّ صوت من أصواتهم مخنوق بحقد إبليس والشياطين، لأنّ الهالِكِين هم شياطين.

لا تَحلفوا برأس أبيكم ولا برأس أمّكم ولا برأس عروسكم ولا أولادكم ولا أولاد الأبرياء. لا حقّ لكم في ذلك. هل كانوا يوماً نقوداً أو سِلَعاً للسُّوق؟ هل هم توقيع على ورقة؟ إنّهم أكثر أو أقل من تلك الأشياء. إنّهم دم ولحم، دمكَ أيّها الإنسان، ولكنّهم كذلك أحرار، ولا يمكن استخدامهم كعبيد لضمان تزييف قمتَ أنتَ به. وهُم أقل مِن توقيعكَ، لأنّكَ عاقل، حُرّ وبالِغ السنّ، ولستَ قاصراً أو طفلاً غير مُطَّلِع، ولهذا السبب ينبغي أن يكون أهلك أولياء أمركَ. فأنتَ ما أنتَ عليه: إنسان موهوب بفكر، وبالتالي فأنتَ مسؤول عن أفعالكَ، وينبغي لكَ أن تتصرّف بنفسكَ، ضامناً أفعالكَ وكلامكَ بنـزاهتكَ وصدقكَ، والاعتبار الذي عَرفتَ أنتَ إيجاده لدى القريب، وليس بنـزاهة وصدق الأهل، والاعتبار الذي عَرفوا، هُم، إيجاده. هل الأهل مسؤولون عن أولادهم؟ نعم، إنّما طالما هُم صِغار السنّ. أمّا بعد ذلك فيصبح كلّ واحد مسؤول عن نفسه. أولاد الأبرار ليسوا أبراراً دائماً، وامرأة قدّيسة، لا تكون بالضرورة وعلى الدوام متزوّجة من رجل قدّيس. فلماذا تَبنون إذاً ضمانتكم على برّ قرينتكم؟ وبالمقابل، يمكن أن يُولَدَ لِخَاطِئ أبناءٌ قدّيسون، وطالما هُم بريئون، فَهُم جميعاً قدّيسون، فلماذا إذن اتّخاذ إنسان طاهِر وسيلة لضمان ذلك الفِعل النَّجِس الذي هو القَسَم الذي سوف يُحنَث به فيما بعد؟

لا تَحلفوا كذلك برأسكم وعينيكم ولسانكم ويديكم. لا حقّ لكم بذلك. كلّ ما هو لكم إنما هو مُلك لله. ولستم سوى حرّاس مؤقّتين على الكنوز المعنويّة أو الماديّة التي مَنَحَكم إيّاها الله. فلماذا التصرّف بما ليس لكم؟ هل يمكنكم إضافة شعرة لرأسكم أو تغيير لونها؟ إذا كنتم لا تستطيعون ذلك، فلماذا ضمان قَسَم أقسَمتموه بِنَظَركم، بكلمتكم، وحرّيّة أعضائكم؟ لا تَسخَروا مِن الله. إذ يمكنه أن يأخذ عليكم كلمتكم، ويجفّف عينيكم، كما يمكنه تجفيف أشجار بساتينكم، أو انتزاع أولادكم منكم، كما يستطيع اقتلاع بيوتكم ليذَكِّركم بأنّه هو الربّ، وأنّكم مِن ممتلكاته، ومَلعون كلّ مَن يَعبد ذاته لدرجة أن يَعتَبِر نفسه أسمى من الله بالسخرية منه بالكَذِب.

ليكن كلامكم: النَّعَم، نَعَم، والّلا لا. وكل ما زاد على ذلك فهو مِن إبليس، ليَسخَر منكم فيما بعد، لأنّكم، في حال عدم تمكّنكم من الوفاء، تَقَعون في الكَذِب، ويَسخَرون منكم، وتُكَوِّنون لنفسكم صيت كاذِبِين. الصدق الصدق أيّها الأبناء، إنْ بالكلام وإنْ بالصلاة.

إيّاكم أن تَفعلوا كالمرائين، حينما يُصَلّون، يُحيُون الصلاة قياماً في المجامع ومُلتَقَى الطُّرُقات، ليراهم الناس ويمدحوهم كرجال أتقياء وبَرَرَة، وعندما يكونون وسط عائلاتهم يسيئون إلى الله وإلى القريب. أفلا تَرَون بالمقابل أنّ هذا هو نوع مِن الحَنَث بالقَسَم؟ لماذا تريدون الجزم بما ليس صحيحاً بهدف اكتساب اعتبار لا تستحقّونه؟ الصلاة النفاقيّة تَفتَرِض القول: "في الحقيقة أنا قدّيس. أُقسِم على ذلك بعيون الذين يَرَونَني أُصلّي ولا يستطيعون تكذيب أنّهم رأوني أُصلّي". إنْ ذلك إلّا ستار يُحجَب به شرّ حقيقيّ. والصلاة التي تُقام بهذه النيّة تصبح تَجديفاً.

دعوا لله العناية بإعلانكم قدّيسين. واجعَلوا حياتكم كلّها تَهتف مِن أجلكم: "هو ذا خادم الله". ولكن أنتم، محبّة بأنفسكم، ورفقاً بها، ظَلّوا صامتين. لا تجعلوا مِن لسانكم، المدفوع بكبريائكم، أداة شكّ في عيون الملائكة. فالأفضل لكم أن تُصبِحوا بُكماً في الحال إذا لم تكن لكم المقدرة على السيطرة على كبريائكم ولسانكم اللَّذَين يدفعانكم إلى إعلان ذواتكم أبراراً ومقبولين لدى الله. دعوا للناس المتكبِّرين والمزيَّفين هذا المجد البائس! دعوا لهم ذلك الأجر العابر. يا للأجر الضئيل! ولكنّه هو الـمُراد، ولن يكون لهم غيره، لأنّ الأجر يُعطى مرّة واحدة. أمّا الأجر الحقيقيّ الآتي من السماء، فهو أزليّ وعادل، وأمّا هذا الأجر الزائف الآتي من الأرض فيدوم قَدر عمر الإنسان وحتّى أقلّ، ويجب بعدئذ تسديده، كونه جائراً، بعد الحياة الدنيا، بعقاب مُذِلّ جداً.

اسمَعوا. كما أنّه ينبغي لكم أن تُصَلّوا بشفاهكم، بعملكم، وبكلّ كيانكم، باندفاع قلب يحبّ الله، نعم، وأنتم ترون فيه أباً، كذلك عليكم أن تتذكّروا أنّه الخالق، وأنتم أنفسكم خليقته، أنتم قلب يحفظ ذاته بحبّ وَقور في حضرة الله على الدوام، سواء أكان يُصلّي أم يهتمّ ببعض الأعمال، سواء أيمشي أم يستريح، سواء أيقبَض أجراً أم يَدفَع الأجر لآخَر. قُلتُ باندفاع القلب. ذلك أنّه الصفة الأولى والأساسيّة، إذ إنّ كلّ شيء ينبع من القلب. وكما يكون القلب كذا يكون الفكر والكلام والنَّظَر والفِعل.

فَمِن قلبه يَجني البارُّ الخيرَ، وكلّما جنى أكثر كلما وَجَدَ أكثر، إذ إنّ الخير الذي تفعل يُوَلِّد خيراً جديداً. إنّه كالدم الذي يتجدّد أثناء دورته في الأوعية الدمويّة ليعود إلى القلب مزوَّداً دائماً بعناصر جديدة، آتية مِن الأوكسيجين الذي امتصَّه، أو مِن عصارات الأغذية التي تمثّلها. أمّا الإنسان المنحرف، فعلى العكس، لا يمكنه أن يحصل مِن قلبه المظلم والمفعم كذباً وسمّاً إلّا على كذب وسمّ يتزايدان باستمرار، متقويّين بالأخطاء التي يجعلانها تتراكم كما تتراكم بَرَكات الله على مَن كان صالحاً. ثِقوا تماماً أن مِن فيض ما في القلب تتكلّم الشفاه ويَظهَر في الأفعال.

ليكن قلبكم متواضعاً وطاهراً، محبّاً وواثقاً وصادقاً. أحِبّوا الله كحبّ عذراء عفيف لعروسها. الحقّ أقول لكم: كلّ نفس هي عذراء زُفَّت إلى الخطيب الأزليّ، إلى الله ربنا. حياة الأرض هي زمن الخطوبة، حيث الملاك الممنوح لكلّ إنسان، كحارس له، هو شِبه حوريّة روحيّة، كلّ الأوقات، كلّ الطوارئ في الحياة هي جميعاً خادمات تهيّئ جهاز العروس الزفافيّ. ساعة الموت هي ساعة إتمام حفل الزفاف، حينئذ تأتي: المعرفة والعفاف والانصهار، ومتزيّنة بثوب العروس، يمكن للنَّفْس نزع وشاحها والارتماء بين ذراعي الله دون أن يكون حبّ العروس ذاك سبباً لشكّ الآخرين.

ولكن، في الوقت الحاضر، ما زلتم نفوساً مكرَّسة برباط الخطوبة مع الله. عندما تَودُّون الحديث مع العروس، ادخلوا في سلام مسكنكم الداخليّ وتحدّثوا، وملاككم الحارس يؤازر ملاك الجسد، وتحدّثوا إلى مَلِك الملائكة. تحدّثوا إلى أبيكم في سرّ قلبكم وسرّ مسكنكم الداخليّ. دعوا خارجاً كلّ ما هو لهذا العالم: إنْ يكن هَوَس لَفت الأنظار إليكم، وإن يكن هَوَس أن تكونوا قُدوة، أو تورّع الصلوات الطويلة المترعة كلاماً، الرتيبة، الفاترة، والخالية من الحبّ. حُبّاً بالله! تخلَّصوا مِن المعايير في الصلاة. في الحقيقة يقضي أشخاص كثيرون ساعات وساعات في مُنُولوج تُردِّده الشفاه فقط. إنّها مناجاة فرديّة حقيقيّة، إذ إن الملاك الحارس نفسه لا يسمعها لكونها ضوضاء باطِلة، يُحاوِل معالَجَتها بأن يَغرَق في صلاة حارّة مِن أجل ذاك السطحيّ المكلّف بحراسته. في الحقيقة، هناك أشخاص لا يَستَخدِمون تلك الساعات بطريقة أخرى، حتى ولو ظَهَرَ لهم الله ذاته ليقول: "خلاص العالم يتطلّب أن تتركوا هذه الثرثرة التي بلا روح، للذهاب، بكلّ بساطة، لسحب الماء مِن البئر وسقاية الأرض حُبّاً بي وبأخوتكم الذين يشبهونكم". في الحقيقة، هناك أشخاص يَعتَقِدون أنّ مونولجهم أكثر أهمّية من استقبال زائر بكياسة، أو نجدة مُحِبّة لمحتاج. فتلك النفوس قد وَقَعَت في عبادة الصَّلاة.

الصلاة فِعل حبّ. فيمكنكم الحبّ وأنتم تصنعون الخير تماماً كما وأنتم تُصلّون، بمساعدة عاجز كما في التأمّل، في الاهتمام بواجبات عائليّة كما في رحلة حجّ إلى الهيكل، في التضحية، حتّى برغباتنا البارّة في التأمّل بالربّ كما في ذبيحة حَمَل. يكفي طَبع الكيان كلّه والنشاط كلّه بطابع الحبّ. لا تخافوا! فالآب يرى. الآب يُدرِك. الآب يَسمَع. الله يَمنَح اللّازم. كَمْ مِن النِّعم يمنحها لِزَفرة حبّ واحدة، وحقيقيّة وكاملة! لا تُشبِهوا الوثنيّين. فالله لا يحتاج لأن تقولوا له ما ينبغي له فِعله، لأنّكم في حاجة إليه. فذلك، حتّى الوثنيّون يمكنهم قوله لأصنامهم التي لا يمكنها سماعه. ولكن لا تتصرّفوا هكذا مع الله، مع الله الحقيقيّ، الروحيّ، الذي ليس فقط إلهاً ومَلِكاً، بل هو كذلك أبوكم، ويَعرِف قبل أن تسألوه ما أنتم في حاجة إليه.

اطلُبوا تُعطَوا. ابحثوا تَجِدوا. اقرَعوا يُفتَح لكم. مَن يَسأل يُعطَ، ومن يبحث يَجِد، ومَن يَقرَع الباب يُفتَح له. عندما يمدّ طفل يده الصغيرة قائلاً: "أبتاه أنا جائع". هل فيكم مَن يُعطيه حجراً مثلاً؟ وإذا سَأَلَ سمكة، فهل مَن يُعطيه حَيَّة؟ لا، بكل تأكيد، بل مع إعطاء الخبز والسمك تُضيفُون ملاطَفة وبَركة، ذلك أنّه ممتع للأب أن يُغذّي ابنه ويرى ابتسامته السعيدة. فإذا كنتم أنتم أصحاب القلوب غير الكاملة، تعرفون كيف تعطون أبناءكم الأشياء الصالحة، لمجرّد الحبّ الطبيعيّ الذي هو لدى الحيوان كذلك تجاه صغاره، فكم بالأحرى أبوكم السماويّ يَمنَح الذين يسألونه الصالح والضروريّ لخيرهم. لا تَخشوا مِن السؤال، ولا تخافوا مِن ألّا تَنالوا!

آنئذ أُحذِّركم مِن خطأ يَسهُل الوقوع فيه. حينئذ لا تفعلوا كالضعفاء في إيمانهم وحبّهم، وثنيّي الديانة الحقيقيّة. بالفعل، بين المؤمنين هناك وثنيّون، ديانتهم المسكينة هي مجرّد مجموعة مُزدَحِمة مِن خُرافات وإيمان، صَرحٌ مٌتداعٍ اجتاحَته نباتات طفيليّة من كلّ الأنواع، بشكل يجعله يتفتّت ويقع متهدّماً. هؤلاء الناس الضعفاء والوثنيّون يحسّون بالإيمان يموت إذا لم يروا أنفسهم مستجاباً لهم.

أنتم تسألون. ويبدو لكم الطَّلَب عادلاً. بالفعل، في تلك الأثناء لا تكون النِّعمة غير مجدية. ولكنّ الحياة لا تنتهي مع تلك اللحظة. وما هو خير اليوم قد لا يكون كذلك غداً. هذا لا تعرفونه لأنّكم لا تعرفون سوى اللحظة الحاضرة، وهذا أيضاً نِعمة مِن الله. ولكنّ الله يَعلَم المستقبل أيضاً، وغالباً ما يَترُك صلاة مِن غير استجابة ليُجنِّبكم معاناة أعظَم. خلال عام من حياتي العامة سَمِعتُ أكثر مِن مرّة قلوباً تئنّ: "كم تألّمتُ حين لم يَستَمِع الله إليَّ. لكنّني الآن أقول: حسناً كان هكذا، إذ إن تلك النِّعمة كانت ستمنعني من الوصول إلى ساعة الله هذه". وسَمِعتُ قلوباً أخرى كانت تقول لي: "لماذا، يا سيّد، لا تستجيب لي؟ تمنح ذلك للآخرين ولا تمنحه لي؟" حينئذ، ولألمي مِن رؤيتهم يتألّمون، كان عليَّ أن أقول: "لا أستطيع". إذ إنّ الاستجابة لهم كانت ستعني إعاقة طيرانهم نحو الحياة الكاملة.

الأب كذلك يقول أحياناً: "لا أستطيع". وهذا لا يعني أنّه لا يستطيع إتمام الفِعل فوراً. ولكنّه يرفض ذلك لِعِلمه بالنتائج المستقبليّة. اسمعوا. طفل يعاني من مرض في أمعائه. لَجَأَت الأمّ إلى الطبيب، والطبيب قال: "لكي يَبرَأ عليه الالتزام بِحِمية مُطلَقَة". يبكي الطفل، يَصرُخ، يَتضرَّع ويبدو أنّه يَضعُف. والأُمّ الـمُفعَمَة رحمة على الدوام، تضمّ نحيبها إلى نحيب ابنها. ويبدو لها هذا المنع الـمُطلَق قسوة مِن قِبَل الطبيب. يبدو لها أنّ ذلك الصيام وتلك الدموع تؤذي وَلَدها. ولكن الطبيب يبقى صارماً، ثابتاً. وفي النهاية يقول: "يا امرأة، أنا أَعلَم وأنتِ لا تعلمين. هل تريدين أن تفقدي ولدكِ أَمْ تريدينني أن أنقذه لكِ؟" فتصرخ الأم:"أريده أن يعيش!". "وإذن". يقول الطبيب: "لا أستطيع أن أسمح بالطعام لأنّ به يكون موته". فهكذا يتكلّم الآب أحياناً. أنتم أمّهات مُفعَمات رحمة للأنا فيكم، لا تريدون سماعها تبكي لحجب نِعمة عنها. ولكنّ الله يقول: "لا أستطيع، ففي ذلك شقاؤكِ". ويأتي يوم أو الأزليّة، حيث يُقال: "شكراً يا إلهي لعدم استماعكَ لِطَلَبي الأحمق وتلبيتكَ له!"

ما قُلتُه عن الصلاة، أقولُه عن الصوم. عندما تصومون، لا تَعبسوا كما يفعل المنافقون الذين يُكلِّحون وجوههم ليَعلَم العالم ويعتقد، حتّى ولو لم يكن ذلك صحيحاً، أنّهم صائمون. فَهُم كذلك نالوا أجرهم بمديح العالم، ولن يكون لهم أجر آخر. أمّا أنتم، عندما تصومون، فلتنفَرِج أساريركم ولتَغسلوا وجوهكم بمياه كثيرة لتبدو نَضِرَة وملساء، وادهنوا لحيتكم بالزيت، وعَطِّروا شَعركم، ولتكن الابتسامة على شفاهكم ابتسامة مَن فَطر جيداً. آه! وليكن، في الحقيقة، الحبّ هو الذي يقوم بتغذيتكم أكثر من الطعام! الحقّ أقول لكم، حتّى ولو عامَلَكُم العالم "كمتفاخِرين مغرورين" و"كعشّارين"، فإنّ أباكم سيرى سرّكم البطوليّ، ويجازيكم ضعف المكافأة، مِن أجل الصوم ومن أجل التضحية بالمديح الذي كان بإمكانكم الحصول عليه.

الآن وقد تَغذَّت نفسكم، امضوا لتَمنَحوا الغذاء لجسدكم. وليبقَ هذان المسكينان معنا. سيكونان الضيفين المباركين اللذين سيمنحان قوْتَنا طعمه اللذيذ. السلام معكم.»

ويبقى الفقيران. امرأة نحيلة جدّاً وشيخ عجوز، عجوز جدّاً. ولكنّهما ليسا معاً. لقد اجتَمَعا بالصدفة وكانا قد بقيا في أحد الأركان متواضِعَين، مادَّين يديهما بلا جدوى للمارِّين أمامهما.

ولأنّهما لا يجرؤان على التقدّم، يمضي يسوع إليهما، ويأخذهما من يديهما ويقودهما إلى وسط جمهور التلاميذ المتواجدين تحت شكل من أشكال الخيمة نَصَبَها بطرس في إحدى الزوايا، قد يكونون يجتمعون تحتها ليلاً، أو خلال ساعات اليوم الأكثر حرارة. إنّها خيمة من أغصان و... معاطِف. ولكنّها مفيدة رغم كونها منخفضة، حتّى إن يسوع والاسخريوطيّ، الاثنين الأكثر طولاً، يُضطرّان للانحناء كي يَدخُلا.

«هو ذا الأب، وهذه أخت. هاتوا ما لدينا، وأثناء تناول طعامنا سنستمع إلى قصّتهما.» ويَخدم يسوع شخصيّاً الفقيرَين الخَجِلَين، ويستمع إلى القصّة المثيرة للرثاء. العجوز وحيد مذ ذَهَبَت ابنته بعيداً، مع زوجها، ونَسِيَت أباها. والمرأة كذلك وحيدة مذ قَتَلَت الحمّى زوجها، وفضلاً عن ذلك هي مريضة.

«يحتقرنا العالم لأنّنا فقراء.» يقول العجوز. «أمضي طالباً الصَّدَقَة لأجمع ما أُتمّ به الفصح. عمري ثمانون عاماً. أؤدّي الفصح على الدوام، وهذا قد يكون الأخير. ولكنّني أودّ المضي إلى حضن إبراهيم دون أيّ تأنيب. آمَلاً أن يُغفَر لي بالطريقة نفسها التي أغفِر بها لابنتي. أريد إتمام الفصح.»

«ولكنّ الطريق طويلة يا أبتاه.»

«وطريق السماء تكون أطول إن لم نُتِمّ الطقس.»

«أتسير وحيداً؟ وإذا ما ألمَّ بِكَ مَرَض على الطريق؟»

«ملاك الله يُغمض لي عيني.»

يُلامِس يسوع تحبّباً رأسه المرتَجِف والأبيض، ويسأل المرأة: «وأنتِ؟»

«إنّني أمضي بحثاً عن عَمَل. لو كنتُ تغذّيتُ بشكل أفضل، لشفيتُ مِن الحمّى، ولو كنتُ شفيتُ لكنتُ أعمل في الحقول.»

«أتعتقدين أنّ الغذاء وحده يشفيكِ؟»

«لا. أنتَ كذلك. ولكنّني شيء تافه، شيء مسكين جدّاً، أكثر تفاهة من إمكانيّة طَلَب الرحمة.»

«ولو شَفَيتُكِ ماذا كنتِ ستطلبين بعد؟»

«لا شيء أكثر. كنتُ حصلتُ على أكثر مما كنتُ أتأمّل.»

يبتسم يسوع ويعطيها قطعة خبز مبلّلة بقليل من الماء والخلّ المستخدم كمشروب. تأكلها المرأة دون كلام، ويستمرّ يسوع في الابتسام.

ينتهي تناول الطعام بسرعة. لقد كان متقشّفاً جدّاً! يمضي الرُّسُل والتلاميذ بحثاً عن ظلّ على المنحدرات، وسط الأدغال. يبقى يسوع تحت الخيمة. يتمدّد العجوز على العشب وينام من التعب.

بعد قليل، المرأة التي كانت قد ابتعدت لتأخذ قسطاً من الراحة في الظلّ تأتي إلى يسوع الذي يبتسم لها ليشجعها. تتقدّم خَجِلَة ولكنّها مع ذلك فَرِحَة، حتّى تصل إلى موقع قريب من الخيمة، ثمّ، إذ كان الفرح قد سيطَرَ عليها، تخطو الخطوات الأخيرة مسرعة لترتمي جاثية وهي تصرخ صرخة مَخنوقة: «لقد شفيتَني! مبارك أنتَ! إنّها ساعة الارتعاش الأعظميّ، لم أعد اشعر به... آه!» وتُقبِّل قدمي يسوع.

«هل أنتِ متأكّدة من شفائكِ؟ أنا لم أقل ذلك. لعلّها تكون صدفة...»

«آه! لا! الآن أدركتُ سبب ابتسامتكَ عندما أعطيتَني قطعة الخبز تلك. قُدرَتكَ اخترَقَت أعماقي مع تلك اللقمة. ليس لديّ ما أعطيكه بالمقابل، لا شيء سوى قلبي. أَصدِر أوامركَ لخادمتكَ، وخادمتكَ ستطيعكَ حتّى الممات.»

«نَعَم. أترين ذلك العجوز؟ إنّه وحيد وبارّ. لقد كان لكِ زوج انتَزَعَه منكِ الموت. وكانت له ابنة، انتَزَعَتها منه الأنانيّة. ومع ذلك فهو لا يتذمّر. وليس من العدل أن يمضي وحيداً إلى ساعته الأخيرة. فكوني له الابنة.»

«نعم يا سيدي.»

«ولكنّ ذلك يعني أن تعملي من أجل اثنين.»

«الآن أنا قويّة، وسأفعل ذلك.»

«إذاً فاذهبي هناك على ذاك المنحدر، وقولي للرجل الذي يرتاح فيه ، لذاك الذي يرتدي الثوب الشتويّ أن يأتي لمقابلتي.»

تمضي المرأة مسرعة لتعود مع سمعان الغيور.

«تعال يا سمعان، لديَّ ما أقوله لكَ. انتَظِري يا امرأة.»

يبتعد يسوع لبضعة أمتار.

«هل تظنّ أن لدى لعازر صعوبة في تَقَبُّل عامِلة إضافيّة؟»

«لعازر؟ أظنّه لا يَعرِف كَم لديه من الخُدّام. فواحد زيادة أو نقصان!... ولكن مَن تكون؟»

«تلك المرأة. لقد شَفَيتُها، و...»

يكفي يا معلم، إذا شَفَيتَها فهذه إشارة إلى أنّكَ تحبّها. وكلّ ما ومَن تحبّه أنتَ فهو مقدّس لدى لعازر. أنا أكفَلهُ.»

«صحيح. كلّ ما ومَن أحبّه يكون مقدَّساً لدى لعازر. حسناً قلتَ. ولهذا السبب سيصبح لعازر قدّيساً، إذ إنّ حُبَّه لِما أُحبُّه أنا يجعله يحبّ الكمال. أودّ أن أجعل ذلك العجوز وتلك المرأة يَجتَمِعان، وأن أجعل ذلك الشيخ يَحتَفِل بفصحه الأخير بِفَرَح. أُحبُّ كثيراً الشيوخ القدّيسين، وإذا استطعت منحهم غروباً صافياً أكون سعيداً.»

«تحب كذلك الأطفال...»

«نعم، والمرضى...»

«والباكين...»

«والوحيدين...»

«آه! يا لمعلّمي! ولكن ألستَ تُلاحِظ أنّكَ تحبّ كلّ الناس حتّى أعداءكَ؟»

«لا أنتبه لذلك، يا سمعان. فالحبّ طبيعي هو. ها هو ذا الشيخ يستيقظ. هيّا بنا نقول له إنّه سَيُعَيِّد الفصح وإلى جانبه ابنة وأنّه لن ينقصه القُوت.»

يَعودَان إلى الخيمة حيث تنتظرهما المرأة، ويمضون هُم الثلاثة إلى العجوز الجالس الذي يعيد ربط سِير حذائه.

«ماذا تفعل يا أبتاه؟»

أُعاوِد النـزول إلى الوادي بأمل إيجاد مأوى لليل، وغداً سوف أتسوّل على الطريق، ثمّ... رويداً رويداً... خلال شهر، إذا لم أمت فسأكون في الهيكل.»

«لا.»

«ألا ينبغي لي فِعل ذلك؟ لماذا؟»

«لأنّ الله لا يريد ذلك. لن تذهب وحدكَ. ستأتي هذه المرأة معكَ. ستقودكَ حيث أقول لها، وهناك سوف تُستَقبلان حُبَّاً بي. سوف تُعيِّد الفصح، ولكن دون أن تُرهِق نفسكَ. لقد حَمَلتَ صليبكَ أيّها الأب. أَنزِله الآن، واخْتَلِ بنفسكَ في صلاة شكر لله.»

«ولكن لماذا؟... ولكن لماذا؟... أنا... أنا لا أستحقّ كلّ ذلك... أنتَ... ابنة... هذا أكثر ممّا لو كنتَ مَنَحتَني عشرين سنة... وأين، أين تُرسِلني؟» يبكي الرجل العجوز في دَغل لحيته الطويلة.

«لدى لعازر تيوفيلس. لا أدري إذا ما كنتَ تَعرفه.»

«آه! إنّني مِن تخوم سورية وأتذكّر تيوفيلس... ولكن... لكن... آه! يا للابن المبارَك لله، دعني أبارككَ.»

ويسوع، جالساً على العشب كما هو، في مواجهة العجوز، ينحني حقيقة ليَسمَح له بأن يضع يده على رأسه بمهابة. وبصوت كالرعد، بصوته الأجش كعجوز، يَنطُق بالبَرَكَة القديمة: «ليبارككَ الربّ ويحفظكَ. وليُظهِر لكَ الربّ وجهه ويرحمكَ. وليُحوّل الربّ نَظَرَه إليكَ ويمنحكَ سلامه.»

يسوع وسمعان والمرأة يجيبون معاً :«آمين.»




غير متصل my hope

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 88
    • مشاهدة الملف الشخصي
تمهيد: يتحدث المسيح في هذا القسم عن الاستخدام العادل للثروات وتكديس الكنوز على الارض ويتكلم عن عدم القلق من المستقبل.
الجزء الثالث / القسم الأول

33- (العِظَة على الجبل: "التطويبات IV")

27 / 05 / 1945

يوماً إثرَ يوم يتعاظَم عدد الجمهور. فهناك رجال ونساء وشيوخ وأطفال، أغنياء وفقراء. وكذلك إيتيان وحرماس ما يزالان هناك، رغم عدم انضمامهما بعد إلى التلاميذ القُدامَى، وعلى رأسهم إسحق. وهناك كذلك الزَّوجيّ الجديد المتشكِّل أمس من العجوز والمرأة. إنّهما في المقدّمة، بالقرب مِن مُعزِّيهِما، ويبدوان في حال أفضل مِن حال الأمس. العجوز، كما للتعويض عن الأشهر الطويلة أو السنوات التي تَرَكَته فيها ابنته، يَضَع يده الخَشِنَة على رُكبَتيّ المرأة التي تُلاطِفها، بتلك الحاجة الفطريّة، لدى المرأة سَليمَة الطوية (النيَّة)، إلى ممارسة أمومتها.

يمرّ يسوع بجانبهما ليَصعَد إلى مَجلِسه. وأثناء مروره يلامس بِلُطف رأس العجوز الذي أصبَحَ يَنظُر إليه كما إلى إله. يَهمس بطرس بشيء ما إلى يسوع الذي يشير كما ليقول: «لا يهمّ.» ولكنّني لا أُدرِك ماذا قال الرسول الذي بَقِيَ، مع ذلك، إلى جانب يسوع، وقد لَحق به بعدئذ يوضاس تدّاوس ومتّى. أمّا الآخرون فتائهون وسط الجمهور.

«السلام لكم جميعاً!

في الأمس تحدّثتُ عن الصلاة والقَسَم والصوم. واليوم أريد أن أحدّثكم عن كمالات أخرى. وهي كذلك: صلاة وثقة وصدق وحبّ وَدِين.

الأولى التي سأتحدّث عنها هي: الاستخدام الصحيح العادل للثروات، كي تتحوّل، بحسن إرادة الخادم الأمين إلى ثروات سماويّة جَمَّة. فكنوز الأرض لا تدوم، أمّا كنوز السماء فتدوم إلى الأبد. هل لديكم الحبّ لما تملكون؟ هل عدم استطاعتكم الاهتمام بخيراتكم، ووجوب تركها يسبِّب لكم الألم حتّى الموت؟ إذاً فانقلوها إلى السماء! تقولون: "ما هو أرضيّ لا يَلِج السماء، وأنتَ تَعلَم أنّ الفضّة فيها أكثر أشياء الأرض مَبعَثاً للاشمئزاز. فكيف نستطيع إذن نقلها إلى السماء؟" لا، لا يمكنكم نقل القطع النقديّة المادّيّة إلى المملكة التي هي بأكملها روحيّة، إنّما يمكنكم نقل ثَمَرَة تلك النقود. فأنتم حينما تُعطون ذهبكم إلى مصرفيّ، فلماذا تعطونه إيّاه؟ لكي يَستَثمره. ولستم تَحرمون أنفسكم منه بالتأكيد، حتّى ولو مؤقّتاً، لكي يُعيده إليكم كما هو. ولكنّكم تريدونه أن يُعيد إليكم العشر وزنات زائدة واحدة أو أكثر أيضاً. حينذاك تكونون سعداء وتمتَدِحون المصرفيّ. أمّا غير ذلك فتقولون: "إنّه نزيه ولكنَّه أحمق". ثمّ إذا ما أعطاكم بَدَل العشر وزنات زائدة واحدة، لم يَردّ سوى تسع قائلاً: "خَسِرتُ الباقي". فإنّكم تشتكونه وتَرمونه في السجن.

ما هي ثَمَرَة الفضّة؟ هل مثلاً يَبْذُر المصرفيّ دوانقكم ويسقيها حتّى يجعلها تنمو؟ لا. فالثَمَرَة تُعطى بالاستخدام البارع للأشياء، بشكل أنّ، مع الرهونات والقروض التي بفائدة، ينمو المال من الفائدة المستوجِبة للذهب الذي تمّ اقتراضه. أليس كذلك؟ إذن فاسمَعوا: يمنحكم الله الثروات الأرضيّة، يَمنَح البعض كثيراً، وآخرين بشكل يكاد يكفي الضروريّ لقوت يومهم، ويقول لكل منكم: "الآن جاء دوركَ. لقد مَنَحتُكَ إيّاها أنا، فاصنَع أنتَ بتلك الوسائل نهاية يشتهيها حبّي لخيركَ. أَئتَمِنكَ عليها، ولكن ليس لتجعَل الشرّ يَصدر عنها. ولكن، بسبب التقدير الذي أُكنّهُ لكَ، وعرفاناً بجميل نِعَمي، اجعَل خيراتكَ تُثمر بما يتناسب مع هذا الموطن الحقيقيّ.

وهاكم الطريقة لبلوغ تلك النهاية.

لا تَرغَبوا في تكديس كنوزكم على الأرض وتحيوا لأجلها، مُظهِرين أنفسكم قساة بسببها، جالِبين بذلك لأنفسكم اللَّعنات مِن القريب ومِن الله. فهي لا تستحقّ كل ذلك. ليس لها أيّ ضمان في هذه الدنيا، إذ يمكن للصوص على الدوام أن يسرقوها منكم، كما يمكن للنيران أن تلتَهِم البيوت، ولأمراض النبات والقطعان أن تقضي على الثمار أو الحيوانات. كَم من الأخطار تتربّص بالخيرات! إن تكن عقارات كالبيوت أو تكن غير قابلة للفساد كالذهب؛ إن تكن بطبيعتها قابلة للهلاك مثل كلّ ما يحيا، كما هي الحال بالنسبة للنبات والحيوان؛ وإن تكن أخيراً أقمشة نفيسة يمكنها أن تتلف. الصاعقة على البيوت أو الحريق أو الفيضانات؛ واللصوص والصدأ والجفاف والقوارض والحشرات في الحقول؛ دوار الغنم والحمّى والكساح والأوبئة التي تصيب الحيوانات؛ العثّة للأقمشة النفيسة والجرذان للأثاث الثمين؛ الكسر للأواني والتأكسد للثريات والحواجز المشبّكة الفنية؛ كلّ شيء، كلّ شيء يمكنه أن يَفسُد.

إنّما لو صنعتم مِن كلّ هذا الخير الأرضيّ خيراً فائق الطبيعة، حينئذ يَسلَم مِن كلّ إتلاف الزمن والناس والأحوال الجويّة السيّئة. اكنـزوا لكم كنوزاً في السماء حيث لا يصل اللصوص وحيث لا يحصل أيّ سوء. أتِمّوا عملكم برحمة تجاه كلّ شقاء الأرض. داعِبوها، نَعَم، قَبِّلوا قطعكم النقديّة إن أردتم، اسعَدوا بالمواسم المزدَهِرة والكروم كثيرة العناقيد وشجر الزيتون الذي ينحني تحت ثِقل حبّات الزيتون التي لا تُحصى، والنِّعاج ذات الأحشاء الخصيبة والضروع المنتَفِخة. قُوموا بكلّ ذلك، إنّما ليس بطريقة عقيمة، بشريّة. قوموا بذلك بحبّ وإجلال، بفرح وبحساب فائق الطبيعة.

"شكراً يا إلهي على هذا المال، وهذه الغلال، وهذه الأشجار وهذه النِّعاج وعلى هذه المتاجرات! شكراً لكِ أيّتها النِّعاج والأشجار والحقول والمتاجرات التي كنتِ لي مفيدة! مبارَكة أنتِ جميعاً، إذ بصلاحكَ أيّها الأزليّ، وبصلاحكِ أيّتها الأشياء، ها أنذا أتمكّن من فعل الكثير من الخير للجِّياع والعُراة والمشرَّدين والمرضى والوحيدين... العام الماضي فعلتُ ذلك لعشرة. وهذا العام -رغم أنّي أعطيتُ الكثير كَصَدَقات، ما زال معي الكثير، فالغِلال أوفَر والقطعان أكثر عدداً- ها أنذا أَمنَح ضِعفيّ أو ثلاثة أضعاف ما قَدَّمتُه العام الماضي، ليَسعَد معي الجميع حتّى الذين لا يملكون شيئاً لهم شخصيّاً، وليبارِكوك معي، أنتَ الربّ الأزليّ". تلك هي صلاة البار. تلك الصلاة التي، إذا ما اقتَرَنَت بالعمل، تَنقُل خيراتكم إلى السماء، وليس فقط لتحفظها لكم إلى الأبد، وإنما لتجعلها تزداد وتنمو بثمار الحبّ المقدَّسة.

فليكن كنـزكم في السماء ليكون هناك قلبكم، أعلى وأبعد مِن أن يطاله الخطر، كي لا تلحق الويلات، ليس فقط بالذهب والبيوت والحقول والقطعان، ولكن كي لا يُصاب قلبكم، يُنـزَع، يَفسُد، يُحرَق ويُقتَل بروح العالم. إذا ما تصرّفتم هكذا، فسوف يكون كنـزكم في قلبكم، لأنّ الله سيكون فيكم حتّى اليوم المغبوط الذي تصبحون أنتم في الله.

فَكِّروا إذاً، لكيلا تَقلَّ ثمار المحبّة، أن تكون فيكم المحبّة بروح فائق الطبيعة. وكما قُلتُ عن الصلاة والصوم، أقول كذلك عن فِعل الخير وكلّ الأعمال الصالحة التي يمكنكم القيام بها.

حافِظوا على الخير الذي تَعمَلون في مأمن مِن انتهاكات شهوانيّة العالم. حافِظوا عليه غير مَشوب بالمديح البشريّ. لا تُدنِّسوا الوردة العَطِرة؛ الـمَبخَرة الحقيقيّة للعطور المقبولة لدى الربّ، الوردة العَطِرة لمحبّتكم وأفعالكم الصالحة. ما يُدنِّس الخير هو روح الكبرياء، الرغبة في الظهور عند فعل الخير والبحث عن المديح. حينئذ تُصبِح وردة المحبّة ملوَّثة وفاسِدة في القواقِع الدَّبِقة للكبرياء الـمُشبَع، وتسقط على الـمَبخَرة القشّات النَّتِنة التي لِفراش الدَّواب الذي يتبختَر عليه المتكبّر مثل حيوان شبعان.

آه! أفعال الخير تلك التي صُنِعَت لأجل الحديث عنكم! إنّما يُفَضَّل، بل أفضل كثيراً، ألا تُفعَل! فمن لا يَفعَلها يَقتَرِف خطيئة القسوة. أمّا مَن يفعلها مُعلِناً القيمة الممنوحة واسم المستفيد، مستجدياً المديح، فيقترف خطيئة الكبرياء بإعلامه عن التَّقدِمة، فهو كَمَن كان يقول: "أَتَرون ما يمكنني فِعله؟" وهو يَقتَرِف خطيئة ضدّ المحبّة، إذ يُذِلّ المستفيد بالتعريف باسمه، خطيئة البخل الروحيّ برغبته في تراكم المديح البشريّ... إنّه القشّ، القشّ ليس إلّا. فاعمَلوا بشكل يكون فيه الله وملائكته هم الذين يمدحونكم.

أنتم، عندما تؤدّون الصدقة، فلا تنفخوا في البوق لتلفتوا انتباه المارّة، وتُكَرَّموا مثل المنافقين الذين يبحثون عن تصفيق الناس لهم، ولذلك فهم لا يؤدّون الصَّدَقَة إلّا حيث يشاهدهم العدد الأكبر من الناس. فهم، بذلك، قد نالوا أجرهم، ولن يكون لهم أجر آخر مِن الله. أمّا أنتم فلا تقعوا في تلك الخطيئة ذاتها، وفي ذلك الغرور. ولكن عندما تُؤدُّون الصَّدقة، فلا تدعوا يدكم اليسرى تعلم ما فَعَلَتهُ يدكم اليمنى، ولتكن صدقتكم خفيّة وعفيفة، وبعد ذلك انسُوها. ولا تظلّوا تفتخرون بالعمل الذي قمتم به، نافِخين ذواتكم مثل الضفدع الذي يتفاخر وعيناه مغشيّتان في المستنقع، والذي، حينما يَرى في المياه الساكنة صورة السحاب والأشجار والعربة المتوقّفة قرب الشاطئ، والذي حين يرى نفسه صغيراً، بالمقارنة مع تلك الأشياء، يَنفُخ نفسه بالهواء حتّى ينفجر. محبّتكم أنتم لا شيء إذا ما قيست بمحبة الله اللانهائيّة، وإذا أردتم أن تصبحوا شبيهين به، وأن تجعلوا محبّتكم الصغيرة كبيرة كبيرة، كبيرة لِتُعادل محبّته، فستمتلئون برياح الكبرياء وتنتهون بالهلاك.

انسوه. انسوا الفعل ذاته. وسيبقى لكم حاضراً على الدوام نورٌ، كلمة لذيذة كالعسل، وهذا يجعل يومكم مشرقاً، لطيفاً وسعيداً. إذ إن ذلك النور هو ابتسامة الله، وذاك العسل هو السلام الروحي الذي هو أيضاً الله، وذلك الصوت صوت الله-الآب الذي يقول لكم: "شكراً". وهو يرى الشرّ الخفيّ والخير الذي يتخفّى ويكافئكم عنه...»

«يا معلم، أنتَ تُناقِض كلامكَ!»

هذه الإهانة الماكرة وغير المتوقّعة تأتي من وسط الجمهور. يلتفت الجميع صوب ذلك الصوت. تَحدُث بَلبَلة. ويقول بطرس: «كنتُ قد قُلتُ لكَ ذلك! هه! عندما يكون واحد من أولئكَ... فلا يعود يسير شيء على ما يرام!»

مِن الجمهور مَن يُقاطِع الـمُهين بالصفير، ومَن يَصرخ في وجهه. يسوع هو الوحيد الذي يظلّ هادئاً. يُصالِب ذراعيه على صدره، ويَنتَصِب، تُنير الشمس جبهته، مُنتَصِباً على صخرته بثوبه الأزرق القاتم.

يُتابِع الـمُهين دونما اكتراث بردة فعل الجمهور: «أنتَ معلّم سيئ، تُعلِّم ما لا تَعمَل، و...»

«اصمُت! ارحَل! عار عليكَ!» يهتف الجمهور. وأيضاً: «اذهَب إلى كَتَبَتِكَ! نحن يكفينا المعلّم. فالمنافقون مع المنافقين! والمعلّمين المزيّفين! والمرابين!...» ويستمرّون، غير أنّ يسوع يقول بصوت كالرعد: «صمتاً، دعوه يتكلّم.» ويكفّ الناس عن الصراخ، إنّما يُتمتِمون تقريعاتهم مترافقة بنظرات غاضبة.

«نَعم، أنتَ تُعَلِّم ما لا تَعمَل. تقول إنّه ينبغي لنا أن نؤدّي الصَّدَقَة دون أن يرانا أحد. وأمس، بحضور كلّ الناس قُلتَ لِفَقيرَين: "ابقيا وسأُشبِعكُما".»

«ما قُلتُه هو: "ليَبْقَ الفقيران. وسيكونان ضيفَين مُبارَكَين ويمنحان قوْتَنا طعماً لذيذاً". ليس أكثر. لم أقل شيئاً عن إرادتي إشباعهما. مَن هو الفقير الذي لا يملك رغيفاً على الأقل؟ أمّا نحن فقد كان فرحنا في أن نمنحهما صداقتنا الصَّالحة.»

«هه! نَعم! إنّكَ مُراوِغ، وتجيد لعب دور الحَمَل!...»

يَنهَض العجوز، يَلتَفِت رافعاً عصاه، ويَصرُخ: «أيّها اللِّسان الجهنّميّ، أنتَ يا مَن تتّهم القدّيس، أتعتقد أنّكَ تعرف كلّ شيء وبإمكانكَ الاتّهام بما تَعرِف؟ كَم تَجهَل مَن هو الله، ومَن هو ذاك الذي تُهينَه، وبذلك تَجهَل أفعاله. لا أحد يَعلَمَها إلّا الملائكة وقلبي الذي تملؤه الغِبطة. اسمعوا أيّها الناس، اسمعوا جميعاً وتنبّهوا إذا ما كان يسوع هو الكاذِب المتكبّر الذي يعنيه قذارة الهيكل هذا. إنّه...»

«اصمُت يا إسماعيل! اصمُت حُبّاً بي! إذا ما جَعَلتُكَ سعيداً، فاجعلني أنتَ سعيداً بصَمْتكَ.» يقول له يسوع ذلك على شكل رجاء.

«أطيعكَ أيّها الابن القدّيس. ولكن دعني أقول هذا فقط: "بَرَكَة الإسرائيليّ العجوز عليه، وهو الذي نلتُ على يديه الخير الذي مِن قِبَل الله. هذه البَرَكَة وَضَعَها الله على شفتيّ مِن أجلي ومِن أجل سارة، ابنتي الجديدة. إنّما لن تكون على رأسكَ بَرَكَة. لستُ ألعنكَ، ولا أُوسِّخ باللَّعنة فمي الذي ينبغي له أن يقول لله: "تَقَبَّلني". وأنا لم ألعن حتّى تلك التي أنكَرَتني، وها إنّ الله يكافئني. ولكن سيكون هناك مَن يدافع عن البريء الذي يتّهمون وعن إسماعيل صديق الله الذي يباركه.»

تَبِعَ حديث العجوز الذي عاد ليجلس مِن جديد صياح، ورَجُل ينسلّ ويَبتَعِد، وقد انهالت عليه الملامات. ثمّ يهتف الجمهور ليسوع: «تابع، تابع أيّها المعلّم القدّيس! نحن لا نستمع لسواكَ، وأنتَ استَمِع لنا. لا تستمع لأولئك الغربان الملعونين! إنّهم يغارون لأنّنا نحبّكَ أكثر منهم! ولكنّكَ قِدّيس وهم منحرفون. تحدّث، تحدّث! فأنتَ ترى أنّ لا رغبة لنا بغير كلامكَ. بيوت، متاجرات؟ كلّ ذلك لا شيء لمن يريد الاستماع إليكَ.»

«نعم، سأتكلّم. ولكن لا تَجلبوا لأنفسكم المتاعب. صَلّوا مِن أجل ذلك البائس. اغفروا كما أغفر أنا، لأنّكم إذا غفرتم للناس أخطاءهم يَغفر لكم أبوكم السماويّ كذلك خطاياكم. إنّما إذا ما كنتم تُضمِرون الحقد ولا تغفرون للناس، فأبوكم كذلك لن يَغفر لكم أخطاءكم. والجميع في حاجة إلى المغفرة.

كنتُ أقول إنّ الله سيكافئكم، حتى ولو لم تَطلبوا منه الثواب على الخير الذي فَعَلتموه. إنّما أنتم فلا تفعلوا الخير من أجل الثواب، للحصول على ضمان من أجل الغد. لا تفعلوا الخير وأنتم تَحسبونه وقد تملّككم الخوف: "ثمّ، بالنسبة إليَّ، فهل أحصل على المزيد؟ وإذا لم يَعُد لديّ شيء، فمن سيمدّ لي يد العون؟ هل سأجد مَن يَفعَل معي ما فَعَلتُه مع الآخرين؟ وعندما لا يعود بإمكاني إعطاء أيّ شيء فهل سأظلّ محبوباً؟

انظروا: لي أصدقاء مُقتَدِرون مِن الأغنياء، وأصدقاء من البائسين. والحقّ أقول لكم: ليس الـمُقتَدِرون هُم الذين أحبّهم أكثر. أَذهَب إليهم، ليس للبحث عن ذاتي أو عن مصالحي، ولكن لأنّني أستطيع الحصول منهم على الكثير من أجل الذين لا يملكون شيئاً. أنا فقير. لا أملك شيئاً. وأودُّ لو أمتَلِك كلّ كنوز العالم لأُحوِّلها إلى خبز من أجل الجياع، بيوتاً للمشرّدين، وثياباً للعراة، وأدوية للمرضى. ستقولون: "أنتَ تستطيع الشفاء". نعم، أستطيع ذلك وأشياء أخرى. ولكن لا يتوفّر الإيمان لدى الآخرين، وأنا لا يمكنني فِعل ما أفعَل وما أريد أن أفعَل إلّا إذا وُجِد في القلوب الإيمان بي. أودُّ أن أفعَل الخير حتّى للذين لا إيمان لديهم، ولأنّهم لا يَطلبون المعجزة من ابن الإنسان، فأبغي نجدتهم مِن رَجُل لِرَجُل. ولكن لا شيء لديّ. لذلك أمدّ اليد للذين يملكون وأطلب إليهم: "قُم معي بفعل محبّة باسم الله". هاكُم لماذا لديّ أصدقاء مِن مقام رفيع. غداً، عندما لا أعود على الأرض، سيكون هناك أيضاً فقراء، وأنا لن أكون لا لاجتراح المعجزات للذين لديهم الإيمان، ولا للتصدُّق كي أقود إلى الإيمان. إنّما سيكون الأغنياء آنئذ قد تَعَلَّموا، باحتكاكهم بي، كيف العمل لأداء فعل الخير، ورُسُلي، باحتكاكهم بي كذلك، سيكونون قد تَعَلَّموا كيفيّة التصدّق حبّاً بالإخوة. وسوف ينال الفقراء المعونة على الدوام.

حسناً، أمس تلقّيتُ مِن إنسان، لا يملك شيئاً، أكثر مِن كلّ ما أعطانيه الذين يملكون الكثير. إنّه صديق أكثر فقراً منّي، ولكنّه مَنَحَني ما لا يمكن شراؤه بالمال، وما جَعَلَني سعيداً بتذكيري بساعات صفاء كثيرة لطفولتي وشبابي، وذلك عندما كانت يدا صِدّيق توضعان على رأسي كلّ مساء، وكنتُ أَخلُد على الراحة مصحوباً ببركته لحماية نومي. وأمس جَعَلَني هذا الصديق الفقير مَلِكاً ببركته. تَرَون أنّ ما أعطانيه هو، لا أحد مِن أصحابي الأغنياء قد مَنَحنيه قط. فلا تخافوا إذن. حتّى ولو لم يكن لديكم ما تتصدّقون به، يكفي أن يملأ قلبكم الحبّ والقداسة. سوف تتمكّنون مِن فِعل الخير لِمَن هو فقير ومُنْهَك أو محزون.

من أجل ذلك أقول لكم: لا تقلقوا كثيراً خوفاً من امتلاك القليل. فسيكون لكم الضروريّ على الدوام. لا تَنشَغِلوا كثيراً في التفكير بالمستقبل، فلا أحد يَعلَم المستقبل الذي ينتظره. لا تفكروا بما تأكلون لتحافظوا على حياتكم، ولا بما تلبسون لتُدفِّئوا أجسادكم، فحياة أرواحكم أثمن من بطنكم وأعضائكم، إنّها أهمّ كثيراً من الغذاء والكساء، كما الحياة المادّيّة أهمّ من الغذاء، والجسم أهمّ من الكساء. وأبوكم يَعلَم ذلك. فاعلَموا إذاً أنتم كذلك. انظروا إلى الطيور، إنّها لا تبذر ولا تحصد ولا تخزن في الأهراء، ومع ذلك فهي لا تَنفُق جوعاً لأنّ الأب السماويّ يَرزقها. وأنتم أيّها الناس، المخلوقات المفضّلة لدى الآب، إنّكم أكرم منها كثيراً.

لا تكونوا قليلي الإيمان. لا تَقلَقوا من أجل مستقبل غير واضح المعالم بقولكم: "عندما سأصبح عجوزاً كيف سأتدبّر طعامي؟ ماذا سأشرب؟ وكيف ألبس؟" دعوا تلك الاهتمامات كلّها للوثنيّين الذين لا يملكون اليقين الـمُنير مِن الأبوّة الإلهيّة. أمّا أنتم فلديكم ذلك، وتعرفون أنّ أباكم يَعلَم أنّكم تحتاجون إلى هذا كلّه وأنّه يحبّكم. ثِقوا به إذاً. اطلبوا أوّلاً الأمور الضروريّة حقّاً: الإيمان والصلاح والمحبّة والتواضع والرحمة والعفاف والبرّ والوداعة، الفضائل الرئيسيّة الثلاث أو الأربع، وكلّ الأخريات أيضاً، بشكل تكونون فيه أصدقاء الله، وأن يكون لكم الحقّ في ملكوته. وأؤكّد لكم أنّ كلّ ما زاد على ذلك يُمنَح لكم حتّى دون أن تطلبوه. فليس غنيّ أكثر غِنى مِن القدّيس وأكثر ثقة منه. الله مع القدّيس. والقدّيس مع الله. وهو لا يَطلب شيئاً لجسده، والله يمنحه الضروريّ. ولكنّه يَعمَل مِن أجل روحه، الروح الذي يَهِبه الله ذاته في هذه الدنيا، والفردوس بعد الحياة.

لا تتحمّلوا عناء ما لا يستحقّ عناءكم. احزَنوا لكونكم غير كاملين، وليس لأنّكم محرومون من الخيرات الأرضيّة. لا يهمّكم أمر الغد، فالغد يهتمّ بنفسه، وستهتمّون به عندما تعيشونه. فلماذا الاهتمام به منذ الآن؟ أليست الحياة مليئة بذكريات الأمس المضنية واهتمامات اليوم المؤلمة، حتّى تَختَبِروا الحاجة إلى زيادة كوابيس "ماذا سيكون" غداً؟ دعوا لكلّ يوم معاناته! فلكلّ يوم من العناء ما يكفيه! قولوا دائماً مقولة الله العظيمة: "اليوم". كونوا أبناءه الـمَخلوقِين على مثاله. فقولوا إذن معه: "اليوم".

واليوم أمنحكم بركتي. ولتصحبكم حتّى بداية اليوم الجديد: غداً، أي حينما سأمنحكم، مِن جديد، السلام باسم الله.»



غير متصل my hope

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 88
    • مشاهدة الملف الشخصي
تمهيد: في هذا القسم يبدا المسيح بحل بعض المشاكل الاجتماعية لاشخاص ليسو هم المتحدثين معه مثل امراة تركها زوجها من اجل زانية. واب انحرفت ابنته عن الطريق. واخ يتهمه اخوته بانه اخفى المال. ثم يتحدث عن خيار الانسان في الاختيار بين الله والشيطان. وايضا يحدث ضهور لمريم المجدلية عندما كانت لاتزال خاطئة.
الجزء الثالث / القسم الأول

34- (العِظَة على الجبل: "التطويبات V")

29 / 05 / 1945

صبيحة رائعة ونقاء الهواء فيها أكثر من المعتاد. فالبعيد يبدو أقرب، ويظنّ المرء نفسه أنّه يرى الأشياء من خلال عدسة مكبِّرة تُظهِر أدقّ التفاصيل. الجمهور يتهيّأ لسماع المعلّم. مِن يوم ليوم تصبح الطبيعة أكثر بهاء باستعادة ثوبها الثريّ من قلب الربيع، الذي يبدو لي أنّه يقع في فلسطين بين آذار (مارس) ونيسان (أبريل)، لأنّه بعد ذلك يأخُذ الجوّ مظهراً صيفيّاً، مع الغِلال اليانِعة (الناضجة) والإيراقات الكثيفة الـمُكتَمِلة.

الآن إنْ هو إلّا زهرة. فَمِن أعلى الجبل الذي اكتسى بالزهور، حتّى المواضع الأقلّ استعداداً من غيرها لهذا الإزهار، يُرى السهل وقد تموَّجَ قمحه الذي ما يزال طريّاً، والذي يُكسِبه الهواء حركة الأمواج الخضراء الضاربة إلى الزرقة، وهي بالكاد تكتَسِب اللون الذهبيّ الشاحب في قمّة السنابل التي تتشكّل حبّاتها وسط شعاع السنابل. أعلى من الغلال التي يجعلها هواء خفيف تتموَّج، تَنتَصِب أشجار الفاكهة وقد اكتَسَت بالبَتلات. تَحسَبها طُرراً (حَوَاف) عملاقة من المسحوق، أو أيضاً مُكوَّرات كتّان رقيق أبيض، أو ورديّ خفيف، أو أحمر قاني. حالمة في ثيابها، ثياب النسّاك التائبين، أشجار الزيتون تُصلّي، وتتحوّل صلاتها إلى ثلج، ما يزال غير واضح المعالم، من الزهيرات البيضاء.

قمّة حرمون مرمر ورديّ تُقبِّله الشمس، وينساب منه خَيطَان ماسيّان. مِن هنا تحسَبهُما خَيطَين تُطلِق منهما الشمس تلألؤاً شبه وهميّ، ثمّ يختفيان تحت أروقة الغابات الخضراء، ولا يعودان للظهور إلّا في الوديان حيث يشكّلان مجريي ماء يتوجّهان حتماً إلى بحيرة ميرون، غير المرئيّة من هنا، ثمّ تَخرُج مع مياه الأردن الحلوة، لتغوص بعد ذلك من جديد في سفير بحر الجليل الذي إنْ هو إلّا تلألؤ سطوعات ثمينة، حيث تقوم الشمس مقام فُصوص الخاتم والشُّعلات. تحسب الحُجُب التي تَنسَدِل على تلك المرآة الهادئة والمتلألئة في إطارها المكوَّن مِن بساتين وأرياف رائعة، موجَّهة مِن السُّحُب الخفيفة التي تَمخُر عباب بحر السماء الآخر.

في الحقيقة، إن الخليقة كلّها تضحك في يوم الربيع هذا، وفي هذه الساعة الصباحيّة.

يتدفّق الناس، يتدفّقون بلا توقّف. يصعدون إلى هناك من جميع الجهات: شيوخ، أناس أصحّاء، مرضى، أطفال ورُضَّع، أزواج يريدون بدء حياتهم ببركة كلمة الله، متسوّلون، ميسورون ينادون الرُّسُل ويعطونهم تقادمهم من أجل الـمُعدَمين، وهم يبدون وكأنّهم يعترفون لشدّة تكتّمهم أثناء قيامهم بذلك. أَخَذَ توما إحدى حقائب سفرهم، وفَرَّغ فيها بهدوء كلّ هذا الكنـز من القطع النقديّة، كما لو كان خبيصة للدجاج، ثمّ يحمل الكلّ إلى جانب الصخرة التي يقف عليها يسوع ليتحدّث، ويضحك سعيداً وهو يقول: «افرح يا معلّم! يوجد اليوم للجميع!»

يبتسم يسوع ويقول: «وسنبدأ حالاً، لكي يُسَرَّ الحزانى في الحال. أنتَ والرفاق، عايِنوا المرضى والفقراء وأتوا بهم إلى الأمام.»

يَحصل هذا في زمن قصير نسبيّاً، إذ ينبغي الاستماع إلى هذا وذاك، وقد كان الأمر يتطلّب زمناً أطول كثيراً لولا تنظيم توما العمليّ، فلقد وَقَفَ على صخرة، لكي يراه الجميع، وهتف بصوته الجهوري: «فليذهب كلّ الذين يعانون جسديّاً إلى يميني، حيث يوجد ظلّ.» يُقلِّده الاسخريوطيّ الذي يتمتّع بصوت قوي وجميل قَلَّ نظيره، ويهتف بدوره: «كلّ الذين يعتقدون أنّ لهم الحقّ في الصَّدَقَة، فليأتوا هنا حولي. وانتبهوا جيّداً إلى ألّا تكذبوا، لأنّ عين المعلّم تقرأ ما في القلوب.»

يتحرّك الجمهور، وينقسم إلى فئات ثلاث: المرضى، الفقراء، وأولئك الذين ينتظرون فقط التعليم. وبين هؤلاء هناك اثنان أو ثلاثة يحتاجون إلى شيء ليس مالاً ولا علاجاً صحّيّاً، ولكنّه أكثر ضرورة. امرأة ورَجُلان، يَنظُرون، يَنظُرون إلى الرُّسُل ولا يتجاسَرون على الكلام. يَمرُّ سمعان الغيور، بمظهره الصارم؛ ثمّ ها هو بطرس مُنشَغِل، يَخطب في عشرة مِن "العفاريت"، يعدهم بالزيتون إذا ما لبثوا هادئين حتّى النهاية، وبالصَّفَعات إذا ما أحدثوا ضجّة بينما يتكلّم المعلّم؛ يمرّ برتلماوس،كَهل ورَصين؛ ثمّ متّى وفليبّس يحملان على أذرعهما كسيحاً عانى الكثير من الألم لشقّ طريق له بين الجمهور المتراصّ؛ ثمّ ابنا عمّ يسوع اللذين يمدّان اليد لمتسوّل شبه أعمى، ولامرأة فقيرة لستُ أدري كم تبلغ من العمر، وهي تبكي بينما تقصّ على يعقوب كلّ مآسيها؛ ثمّ ها هو يعقوب بن زبدى وعلى ذراعيه طفلة صغيرة مريضة، وقد أَخَذَها بالتأكيد من أمّها التي تتبعه متلهّفة، لكيلا تدع الجمهور يسبب لها الألم؛ وأخيراً مَرَّ الاثنان اللذان لا يفترقان، اندراوس ويوحنّا، إذ لو ذهب يوحنّا، بطبيعته الهادئة كالولد القدّيس، مع جميع الرفاق، فاندراوس، بسبب خَجَله الكبير، يُفضِّل الذهاب مع رفيق الصيد القديم، ورفيق الإيمان مع المعمدان. فَهُما قد مَكَثَا عند تقاطع الدربين ليوجّها الجموع إلى أماكنهم، أمّا الآن، فلم يعد هناك حجاج على دروب الجبل الوَعِرة، ويجتمع الاثنان ليتوجّها صوب المعلّم مع التَّقادِم التي حَصَلا عليها.

يسوع مُنحَنٍ على المرضى، والأوشعنا من الجمهور تشير إلى كلّ معجزة.

المرأة التي تبدو متألّمة للغاية، تتجرّأ وتشدّ ثوب يوحنّا الذي يتحدّث إلى اندراوس ويبتسم. فينحني ويسألها: «ما بكِ يا امرأة؟»

«أودّ التحدّث إلى المعلّم...»

«هل أنتِ مريضة؟ فأنتِ لستِ فقيرة...»

«لستُ مريضة ولا فقيرة، ولكنّني في حاجة إليه... لأنّ هناك آلاماً بلا حُمّى، ومآس بلا فقر، ومُصابي... مُصابي...» وتبكي.

«أترى يا اندراوس، هذه المرأة لديها هَمّ تريد البوح به للمعلّم. فما العمل؟»

يَنظُر اندراوس إلى المرأة ويقول: «بالطبع هو أمر تتألّم من إعلانه...» وتشير المرأة بالإيجاب، بحركة من رأسها. ويتابع اندراوس: «لا تبكي... يوحنّا، خذها إلى خيمتنا. وسآتي بالمعلّم إلى هناك.»

ويوحنّا، مبتسماً، يَطلب إفساح المجال له ليمرّ، بينما يمضي اندراوس في الاتّجاه المعاكس، صوب يسوع. ولكنّ الرجلين المحزونين يلاحظان التصرّف، ويوقف الواحد يوحنّا، والآخر يوقف اندراوس، وها هما بعد قليل مع يوحنّا والمرأة، خلف دريئة الأغصان المستخدَمَة كجدار للخيمة.

يَلحَق اندراوس بيسوع في اللحظة التي يشفي فيها الكسيح الذي يرفع عكّازتيه مثل نُصبين تذكاريين، لَيِّن الحركة كراقص، وهو يهتف ببركته. يقول اندراوس بصوت منخفض: «يا معلّم، خلف خيمتنا ثلاثة يبكون، ولكنّ آلامهم آلام قلب هي، ولا يمكن جعلها عامة...»

«حسناً. ما زال لديّ هذه الصبيّة الصغيرة وتلك المرأة، ومن ثمّ آتي. اذهب وقل لهم أن يتحلّوا بالإيمان.»

يمضي اندراوس، بينما ينحني يسوع على الطفلة التي تضمّها أمّها إلى صدرها: «ما اسمكِ؟» يسألها يسوع.

«مريم.»

«وأنا ما اسمي؟»

«يسوع.» تجيب الطفلة.

«ومَن أكون؟»

«مسيح الربّ الآتي ليفعل الخير للأجساد والنفوس.»

«من قال لكِ ذلك؟»

«أمّي وأبي، وكلّ أمَلهُما بكَ مِن أجل حياتي.»

«عيشي وكوني صالحة.»

أظنّ أنّ الطفلة كانت تعاني من إصابة في العامود الفقريّ، إذ رغم كونها تبلغ السابعة من عمرها، أو أكثر، فلم تكن تُحرِّك غير يديها، وقد شُدَّت بأربطة كبيرة قاسية جدّاً مِن إبطيها وحتّى ردفيها. لقد شوهِدَت هكذا حينما كَشَفَت الأمّ الثوب الصغير لإظهارها. تبقى الطفلة بلا حركة لدقائق قليلة، ثمّ تقفز، تنـزلق من صدر أمها إلى الأرض، وتركض صوب يسوع أثناء شفائه المريضة التي لم أُدرِك حالتها. فلقد استجاب لكلّ المرضى، وهم الذين يهتفون بقوّة أكبر بين الجمهور كثير العدد الذي يصفّق: «ابن داود، مَجد الله ومَجدنا.»

يمضي يسوع إلى الخيمة. يهتف الاسخريوطيّ: «يا معلّم! وهؤلاء؟»

يلتفت يسوع ويقول: «فلينتظروا حيث هُم، فَهُم كذلك سينالون المؤاساة.» ويمضي مسرعاً إلى خلف جدار الأغصان، حيث يتواجد الأشخاص الثلاثة المتألّمون مع اندراوس ويوحنّا.

«المرأة أوّلاً. هيّا معي إلى تلك الأدغال وتكلّمي دون خوف.»

«سيّدي، لقد تركني زوجي من أجل زانية. لديّ خمسة أولاد، أصغرهم عمره سنتان... ألمي عظيم... وأفكر بأولادي... لستُ أدري إذا ما كان يريدهم أو يتركهم لي. الصبيان، البِكر على الأقلّ، يريده... وأنا التي أنجبتُه، أفلا ينبغي لي أن أحظى بفرح رؤيته؟ وماذا سيفكرون بأبيهم وبي؟ مِن المفروض أنّهم سيُفكِّرون بالسوء في واحد منا. وأنا لا أريدهم أن يحكموا على أبيهم...»

«لا تبكي. فأنا سيّد الحياة والموت. لن يتزوج زوجكِ تلك المرأة. امضي بسلام وكوني صالحة على الدوام.»

«ولكن لن تُميتَه، أليس كذلك؟ آه! سيّدي، إنّني أحبّه!»

يبتسم يسوع: «أنا لا أقتل أحداً. إنّما هناك مَن يَحتَرِف هذا العمل. اعلَمي أنّ الشيطان ليس أسمى مِن الله. لدى عودتكِ إلى مدينتكِ، سوف تَعلَمين أن الإنسانة المسيئة قد قُتِلَت بطريقة يُدرِك معها زوجكِ ما كان مزمعاً أن يُقدِم عليه، وسوف يحبّكِ حبّاً متجدّداً.»

تُقبِّل المرأة يد يسوع التي كان قد وَضَعَها على رأسها، وتمضي.

يأتي أحد الرَّجُلين: «لديّ ابنة يا سيّدي. بكلّ أسف، ذَهَبَت إلى طبريّا مع رفيقاتها، وكأنّها ابتلعت سُمّاً. عادت إليَّ كالسكرانة. كانت تريد الذهاب مع يونانيّ... ثمّ... ولكن لماذا وُلِدَت لي؟ أمّها مريضة من الغمّ، وقد تموت... أمّا أنا... فكلماتكَ التي سَمِعتُها الشتاء الماضي وحدها مَنَعَتني من قتلها. ولكنّني أقرّ لكَ أنّ قلبي قد لَعَنَها.»

«لا. فالله الذي هو الأب، لا يَلعَن إلّا من أجل الخطيئة الـمُكتَمِلة والمستمرّة. ماذا تريد مني؟»

«أن تعيدها إلى التوبة.»

«لستُ أعرفها، وهي بالتأكيد لن تأتي إليَّ.»

«أمّا أنتَ فبإمكانكَ تغيير القلب حتّى من بعيد! هل تَعلَم مَن أرسَلَني إليكَ؟ حنّة التي لقوزى. كانت على وشك الذهاب إلى أورشليم، عندما ذهبتُ إلى قصرها أسألها إذا ما كانت تعرف ذلك اليونانيّ القَذِر. كنتُ أظنُّها لا تعرفه، لأنّها صالحة، وهي تعيش في طبريّا، ولكن، بما أن قوزى يُعاشِر الوثنيّين... وهي حقّاً لا تعرفه، ولكنّها قالت لي: "اذهب إلى يسوع. فإنّه قد استدعى روحي من البعيد البعيد، وقد شفاني مِن السلّ بذلك الاستدعاء. وسيشفي قلب ابنتكَ. أنا سوف أصلّي، أمّا أنتَ فآمِن". أنا أؤمن. أنتَ ترى ذلك. فارحم يا معلّم.»

«قبل المساء ستبكي ابنتكَ على ركبتي أمّها طالبة الصفح. وأنتَ كذلك، كن صالحاً مثل أمّها. اغفر. فما فات قد مات.»

«نعم يا معلّم. كما تريد. ولتكن مباركاً.»

يَدور ليمضي... ثمّ يعود على أعقابه: «عفواً يا معلّم... ولكنّني خائف للغاية... الفجور، يا له من شيطان! أعطِني خيطاً مِن ثوبكَ، وسأضعه على رأس سرير ابنتي. ولن يجرّبها الشيطان أثناء نومها.»

يبتسم يسوع ويهزّ رأسه... ولكنّه، إرضاء للرجل، يقول له: «كي تكون أكثر اطمئناناً. ولكن ثِق تماماً أنّه حينما يقول الله "أريد"، يمضي الشيطان دون الحاجة إلى أيّ شيء آخر. أريدكَ أن تَحتَفِظ بهذا على سبيل الذكرى منّي.» ويعطيه خُصلة مِن أهدابه.

يتقدّم منه الثالث: «يا معلّم، لقد مات أبي. كنّا نعتقد أنّ لديه مالاً كثيراً. ولم نجد منه شيئاً. وما هذا إلا نصف السوء، لأنّنا، كإخوة، لا نفتَقِر إلى القُوت. ولكن كَوني البِكر، وكنتُ أعيش مع أبي، يتّهمني أَخَواي بأنّني أخفيتُ المال، ويريدان رفع قضيّة سرقة ضدّي. تَرَى قلبي. لم أسرق ولا أيّة قطعة نقديّة مهما بَلَغَت مِن الصِّغر. فقد كان أبي يحتفظ بدوانقه في علبة ضمن صندوق حديديّ. وعند وفاته، فَتَحنَا صندوق الحديد، ولم تكن العلبة موجودة. وهما يقولان: "أنتَ أخذتها ليلاً، بينما كُنّا نياماً". وهذا ليس صحيحاً. ساعِدني لإعادة السلام والاحترام المتبادل فيما بيننا.»

يَنظُر إليه يسوع بإمعان ويبتسم.

«لماذا تبتسم يا معلّم؟»

«لأنّ الـمُذنِب هو أبوكَ. خَطَأ طفل يُخفي لعبته لئلّا يأخذها أحد.»

«ولكنّه لم يكن بخيلاً. ثِق بذلك. لقد كان مُحبّاً لفعل الخير.»

«أعلَم ذلك. ولكنّه كان متقدّماً في السنّ كثيراً... إنّها أمراض الشيخوخة... كان يريد وَضع ما يَملك في مأمن، ولمصلحتكم، وقد فَرَّقَكم لِفرط محبّته لكم. إلّا أنّ العُلبة مدفونة في أسفل سلّم القبو. أقول لكَ ذلك كي تَعرف أنّني أعلَم. وأثناء حديثي معكَ، وبينما كان أخوكَ الأصغر يَضرب الأرض بغضب، اهتزَّت واكتَشَفا العُلبة. إنّهما مُضطَرِبان ونادمان على اتّهامهما إيّاكَ. عُد إلى بيتكَ مطمئنّاً، وكن لطيفاً معهما. لا تَلُمهُما على قلة تقديرهما لكَ.»

«لا يا سيّدي. لن أذهب. بل سأبقى أستمع إليكَ. وغداً أذهب.»

«وإذا أخذا مِن مالكَ؟»

«أنتَ تقول بوجوب عدم كوننا طامعين. وأنا لا أريد ذلك. يكفيني أن يحلّ السلام بيننا. فيما عدا ذلك... لم أكن أعرف ما كان داخل العلبة، ولن أكلّف نفسي العناء من أجل تصريح غير صحيح. أفكّر أنّه كان ممكناً أن يُفقَد هذا المال... وإذا ما أنكراه عليَّ، فأعيش كما كنتُ أعيش في السابق. يكفيني ألّا يُسمِّياني لصاً.»

«لقد تقدمتَ كثيراً في طريق الله. استمرّ وليكن السلام معكَ.»

ويمضي مسروراً. ويعود يسوع إلى الجمهور، إلى الفقراء، ويوزّع الصدقات كما يراه موافقاً. الجميع الآن راضون ويمكن ليسوع أن يتحدّث.

«السلام معكم.

عندما أشرح لكم سُبُل الربّ، فلكي تسلكوها. هل يمكنكم سلوك الدرب النازل إلى اليمين والدرب النازل إلى اليسار في الوقت ذاته؟ لا تستطيعون، إذ لو سلكتم الواحد فعليكم ترك الآخر. حتّى ولو كان الدربان متجاورين، فلا يمكنكم الاستمرار في المسير ورِجل في الواحد والأخرى في الثاني. سينتهي الأمر بكم إلى الإنهاك والضَّلال حتّى ولو كنتم على رِهان. إلّا أنّ المسافة شاسعة بين درب الله ودرب الشيطان، وهي لا تَني تتَّسِع، تماماً كهذين الدربين اللذين يلتقيان هنا، ولكنهما كلما نَزلا في الوادي، كلما ابتعد الواحد عن الآخر، الواحد يذهب صوب كفرناحوم والآخر صوب بطولمايس (عكا).

هكذا هي الحياة. تنساب بين الماضي والحاضر، بين الخير والشرّ. في الوسط هو الإنسان بإرادته وحريّة اختياره؛ عند الأطراف هناك الله وسماؤه من جهة، ومن الأخرى الشيطان وجحيمه. ويمكن للإنسان أن يختار، فلا أحد يرغمه. ولا يقل لي قائل: "ولكن الشيطان يجرّبنا"، ليَجِد لِنفسه عذراً لسلوكه السبيل الأسفل. فالله يجرّبنا بحبّه، وهذه التجربة قويّة جدّاً، بكلامه، وكلامه مقدّس للغاية، بوعوده، وهي مغرية كثيراً! لماذا الاستسلام لتجربة أحدهما، للذي يستحقّ أقلّ من الآخر أن نستمع إليه؟ هل كلام الله ووعوده وحبّه، كلّ هذا، لا يكفي لإبطال مفعول سمّ الشيطان؟

انتَبِهوا لكيلا يعود عليكم ذلك بالشرّ. عندما يكون المرء سليماً معافى جسميّاً، فهو ليس في مأمن مِن العدوى، ولكنّه يتجاوزها بسهولة. أمّا إذا كان، على العكس، مريضاً، وبالتالي ضعيفاً، فيَهلك بشكل شبه مؤكّد بإصابة جديدة، وإذا ما نجا، فإنّه يكون أكثر مَرَضاً من السابق، إذ لم تَعُد في دمه القدرة على القضاء على جراثيم الإصابة كلّيّاً. والأمر ذاته بالنسبة إلى الجزء الأسمى. فإذا كان المرء وجدانيّاً وروحيّاً سليماً وقويّاً، فكونوا على ثقة بأنّه ليس مُستَثنى من التجربة، ولكنّ الشرّ لا يتجذّر فيه. عندما أسمَع من يقول لي: "عاشَرتُ هذا أو ذاك، قرأتُ هذا وذلك، حاولتُ جلب هذا أو ذاك إلى الخير، ولكن، في الحقيقة، فإنّ الشرّ الكائن في روحهم وقلبهم، الشرّ الذي كان في الكتاب، دَخَلَ فيَّ". أستنتج: "هذا يدلّ على أنّكَ كنتَ آنذاك قد أوجدتَ الأرضيّة المناسبة للولوج. وهذا يدلّ على أنكَ ضعيف وينقصكَ البأس الوجدانيّ والروحيّ. إذ ينبغي أن نَستَخرِج الخير حتّى من أعدائنا. فلدى رؤيتنا أخطاءهم، ينبغي لنا تَعلُّم كيفيّة عدم الوقوع. الإنسان الذكيّ لا يترك نفسه ينهار عند أوَّل مَذهَب يَسمعه. الإنسان المتشرّب مَذهَباً، لا يمكن أن يترك مكاناً في ذاته للمَذاهِب الأخرى. وهذا يفسّر الصعوبات التي يصادفها المرء في محاولته استمالة الـمُقتَنِعين بتعاليم أخرى إلى اتِّباع المذهب الصحيح. ولكنّكَ لو بُحتَ لي بأنّكَ تُغيِّر رأيكَ لأقلّ نسمة، فأراكَ مُفعَماً فراغاً، قدرتكَ الروحيّة مُتصدِّعة مِن كلّ الجهات، والسُّدود التي تُحافِظ على أفكاركَ متهدِّمة مِن ألف مكان، حيث تهرب المياه الصحيحة وتَدخُل المياه الآسِنة، وإنّكَ لَغافِل وبَليد، لدرجة لا تُلاحظ معها ذلك، ولا تتناول أيّ دواء. فأنتَ بائِس".

فلتَعرفوا إذاً اختيار الدرب الصالح وتَسلكوه، مع مقاومة ومقاومة، ومقاومة إغواءات الشهوة والعالم والعِلم، وإغواءات الشيطان. فالإيمانات المختَلَطة والحلول الوسط والعهود التي يتعارض بعضها مع بعض، دعوها لرجال المجتمع. ومن المفروض ألّا تكون بينهم إن كانوا نزيهين. إنّما أنتم، أنتم على الأقل، رجال الله، فلا تكن لديكم. لا يمكن إجراء تسويات مع الله، ولا مع الشيطان. فلا تكن فيكم، لأنّها ستكون بلا قيمة. أفعالكم، في حال كونها مُختَلَطَة بين ما هو صالح وما هو غير صالح، لا قيمة لها. وما كانت صالحة بمجملها تُلغيها التي ليست كذلك. والشرّيرة منها توقعكم مباشرة في أيدي العدوّ. فلا تفعلوها إذن. بل اعمَلوا بإخلاص.

لا يمكن لأحد أن يَخدم معلّمَين، أفكارهما متضاربة. لأنّه إذا ما أحبَّ الواحد فسَيكرَه الآخر، والعكس بالعكس. لا يمكنكم الانتماء إلى الله وإلى الشيطان في الآن ذاته. ولا يمكن لروح الله أن يتّفق مع روح العالم. فالواحد يسمو والآخر يَهبط. الواحد يُقدِّس والآخر يُنجِّس. وإذا كنتم نَجِسِين فكيف يمكنكم التصرّف بطهارة؟ تتأجّج الشهوة لدى أولئك النَّجِسِين، ومِن جَرّاء الشهوة، الرغبات الأخرى الـمُفسِدة. وتَعلَمون كيف أُفسِدت حواء، وآدم بواسطتها.

لقد قَبَّلَ الشيطان عين المرأة وسَحَرَها بشكل أضحت فيه كلّ رؤية كانت حتّى ذلك الوقت طاهرة، تتَّخِذ مَظهَراً دَنِساً، وتُوقِظ رغبات في الإطِّلاع والفضول غريبة. ثمّ قَبَّلَ الشيطان أذنيها وفَتَحَهُما على كلّ معرفة مجهولة: معرفته هو. حتّى فِكر حواء أراد معرفة ما لم يكن بالضروريّ. ثمّ أظهَرَ للعين والفكر المتفتِّحَين على الشرّ ما لم يكونا قد رأيَاه ولا أدرَكاه، وتَفَتَّح كلّ شيء في حواء وفَسَد. والمرأة، وهي ماضية إلى الرجل، استنهَضَت سرّها واستمالت آدم لتذوق الثَّمَرة الجديدة، الجميلة للنَّظَر، والممنوعة حتّى ذلك الحين. وقَبَّلَته ونَظَرَت إليه بفم وعينين كان لا يزال فيها الاضطراب الشيطانيّ. ودَخَلَ الفساد في آدم الذي رأى واشتَهَت عينه الثَّمَرة المحرَّمَة. وقَضَمَها مع شريكته، ساقطاً مِن سموّ كهذا إلى دَرك الوحل.

عندما يَفسُد امرؤ، فإنّه يَجرُّ الآخر إلى الفساد، اللهمّ إذا لم يكن قدّيساً بكلّ ما في الكلمة من معنى.

انتبهوا إلى نَظَركم أيّها الناس، إلى نَظَر العين ونَظَر الروح. لأنّهما إذا ما فَسَدا فلا يمكنهما إلّا إفساد الباقي. العين سِراج الجسد، والفِكر سِراج القلب. ولكن إذا لم تكن عينكَ طاهرة، فكلّ ما فيكَ يصبح اضطراباً، وسُحُب الإغواء تَخلق فيكَ تصوّرات دَنِسَة، وذلك نتيجة لخضوع الأعضاء للفكر، فبفكرة واحدة فاسدة تَفسُد الأحاسيس. كلّ شيء يكون طاهراً في ذاك الذي لديه فِكر طاهر يمنحه نَظَراً طاهراً، ونور الله يهبط بشكل رئيسيّ حيث لا تقف الأحاسيس عائقاً. ولكن، لو بسوء نيّة، عَوَّدتَ العين على رؤى مضطَرِبة، فكلّ ما فيكَ يُصبح ظلاماً. وعَبَثاً تَنظُر حتّى إلى الأشياء الأكثر قداسة. ففي الليل لن تكون سوى الظُّلُمات، وسوف تَعمَل أعمال الظُّلُمات.

كذلك، يا أبناء الله، احموا أنفسكم مِن أنفسكم. راقِبوا ذواتكم بكلّ انتباه مِن كلّ التجارب. أن يُجَرَّب المرء ليس شرّاً. فبالكفاح يهيِّئ الرياضيّ النصر. ولكن الشرّ يكمن في أن يُهزَم المرء بسبب خطأ في التدريب والانتباه. أَعرِف أنّ كلّ شيء يَخدم التجربة. أَعلَم أنّ المقاومة تُوتِّر الأعصاب. أَعلَم أنّ الكفاح يُنهِك. ولكن فَكِّروا بما تُوفِّره لكم تلك الأشياء. فهل تريدون فقدان أبديّة مِن السلام مقابل ساعة مِن المتعة من أيّ نوع كانت؟ ماذا تُبقي لكم متعة الجسد والذهب والفِكر؟ لا شيء. ماذا تُحقِّقون برفضها؟ كلّ شيء. أتحدّث إلى خَطَأَة لأنّ الإنسان خَطَّاء. حسناً قولوا لي حقيقة: بعد إشباع لِشهوة الحسّ أو الكبرياء أو الطمع، هل شعرتم أنكم أكثر نضارة، أكثر فرحاً، وأكثر هدوءاً وطمأنينة؟ خلال الساعة التي تلي الإشباع، والتي هي دائماً ساعة تفكير، هل شعرتم في الواقع، وبكلّ صدق، أنّكم سعداء؟ أنا لم أذق طعم خُبز شهوة الحسّ تلك. ولكنّني أجيب عنكم: "لا. بل ذبول وعدم رضا وإبهام وغَثَيان وخوف واضطراب. هي ذي العصارة التي وَفَّرَتها لكم ساعة المتعة تلك".

بَيد أنّني أرجوكم. عندما أقول لكم: "لا تفعلوا ذلك مطلقاً"، فإنّني أقول لكم كذلك: "لا تكونوا عديمي الرحمة مع الذين يخطئون". تذكّروا أنّكم جميعاً إخوة، مخلوقين من جسد واحد، ولديكم النَّفْس ذاتها. فَكِّروا أنّ الأسباب التي تجعل الإنسان يخطئ كثيرة. كونوا رحماء تجاه الخَطَأَة، ارفعوهم بِصلاح، واجذبوهم إلى الله بإظهاركم لهم أنّ الدرب الذي سَلَكوه محفوف بالمخاطر للجسد والفكر والروح. افعلوا ذلك، وسيكون أجركم عظيماً، لأنّ أباكم السماويّ رحيم مع الصالحين، ويعرف رَدَّها أضعافاً مضاعَفَة.

أقول لكم إذاً...




غير متصل my hope

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 88
    • مشاهدة الملف الشخصي
هنا يطلب منّي يسوع أن أُدرِج الرؤيا المؤرخة في 12 / 08 / 1944:

--------------------------------------------------

12 / 08 / 1944

يقول لي يسوع:

«انظري واكتبي. إنّه إنجيل الرحمة الذي أمنَحه للجميع، وخاصة لأولئكَ الذين يُقِرّون أنّهم خَطَأَة، والذين أدعوهم إلى سلوك طريقه للخلاص.»

يسوع واقف على صخرة، يتحدّث إلى جمهور غفير. إنّه موضِعه الجبليّ. رابية منفردة بين واديين. قمّة الرابية على شكل نِير، أو بالحريّ سنام جَمَل، وعلى بعد أمتار قليلة من القمّة فسحة على شكل مسرح طبيعي، حيث رَجْع الصوت جليّ، كما في قاعة حفلات موسيقيّة مدروسة البناء.

الرابية ليست سوى زهرة. يُفتَرَض أنّه الفصل الجميل. غِلال السهول بدأت تتلوّن باللون الأشقر، وقريباً ستكون جاهزة للحصاد. إلى الشمال جبل شاهق، يتلألأ تحت الشمس. تحته مباشرة، إلى الشرق، بحر الجليل، يبدو كمرآة مكسورة، بحيث تبدو شظاياها التي لا تُحصى وكأنّها أحجار سفير تتوهّج بفعل الشمس. إنّه يُبهِر ببريقه الأزرق والذهبيّ، بحيث لا ينعَكِس عليه سوى بضعة غيمات صوفيّة المظهَر، تجتاز سماء نقية جدّاً، والظِّلال المتحرّكة لبعض الأشرعة. المفروض أيضاً أنّها ساعات الصباح الأولى، ذلك أنّ عشب الجبل ما زال يحتفظ ببعض ماساته من الندى المبعثرة بين السوق. خلف بحيرة جنّسارت، هناك سهول بعيدة، تبدو، بفعل ضباب خفيف، قد يكون تَشَكَّلَ مِن تَبَخُّر الندى، وكأنّها امتداد للبحيرة، إنّما بألوان عين الهرّ مُعرَّقة بالأخضر، وأبعد منها سلسلة جبال، مُنحَدَرها المتعرّج يوحي برسم غيوم في سماء صافية.

البعض يجلس على الحجارة أو العشب، آخرون واقفون. الهيئة الرسوليّة ليست مُكتَمِلة. أرى بطرس واندراوس ويوحنّا ويعقوب، وأسمع مَن ينادي الاثنين الآخرين نثنائيل وفليبّس. ثمّ هناك آخر موجود أو غير موجود مع المجموعة، وقد يكون آخر الواصلين، ينادونه: سمعان. أمّا الآخرون فليسوا هنا، إلّا إذا لم أميّزهم وسط الجمهور الغفير.

الحديث بَدَأَ منذ برهة. أُدرِك أنّ موضوعه هو العِظة على الجبل. ولكنّ التطويبات عُرِضَت. أقول، حتّى إنّ الحديث يُشرِف على نهايته، إذ إنّ يسوع يقول: «افعلوا ذلك، وسيكون أجركم عظيماً، لأنّ أباكم السماويّ رحيم مع الصالحين، ويعرف رَدَّها أضعافاً مضاعَفَة. أقول لكم إذن...»

حَصَلَت حركة هائلة وسط الجمهور المتواجد صوب الدرب المؤدّي إلى الهضبة. يلتفت الناس الأكثر قُرباً من يسوع. يَنصَرِف الانتباه إليها. يتوقّف يسوع عن الكلام، ويَلتَفِت بنظره إلى الاتّجاه ذاته كالآخرين. إنّه رصين وجميل بثوبه الأزرق القاتم، بذراعيه المتصالبين على صدره، والشمس تُلامِس وجهه بأوّل شعاع يمرّ فوق أنف الهضبة الشرقيّ.

«أفسَحوا مجالاً أيّها العَوامّ.» صوت رجل غاضب يَصرُخ: «أفسحوا مجالاً للجَّمَّال الذي يمرّ»... في المقدّمة أربعة مُتبرِّجين، وأحدهم رومانيّ بالتأكيد، فهو يرتدي حلّة الرومان، يَحملون مريم المجدليّة على أيديهم المتشابكة ليجعلوا مِنها مقعداً، وهي ما تزال خاطئة عظيمة.

تضحك بفمها الجميل جدّاً، تُرجِع إلى الخلف رأسها ذا الشعر الذهبيّ على شكل جدائل وحلقات حُجزَت بدبابيس ثمينة، وصفيحة ذهبيّة مُرصَّعة بالأحجار الكريمة تحيط بقمّة الجبهة مثل تاج، حيث تتدلّى حلقات خفيفة لتغشى عينيها الرائعتين وقد جَعَلَتها أكبر أيضاً وأكثر فِتنة. بعد ذلك يختفي التاج خلف الأذنين، تحت كتلة الجدائل المتدلّية على العنق الأبيض المكشوف. وحتّى ... المكشوف أبعد مِن العُنق. الكَتِفان مَكشوفان حتّى لوح الكَتِف، والصَّدر أكثر أيضاً. ثوبها ممسوك عند الكتفين بسلسلتين ذهبيّتين. الكُمَّان كأنّ لا وجود لهما. فالكلّ مغطى، لو جاز التعبير، بِسَتر لا عمل له سوى جَعل الجلد في مأمن من التلوّن بلون البرونز. الثوب خفيف للغاية، والمرأة حينما ترتمي، كما تفعل عادة للمُمالَقة، على هذا أو ذاك مِن الـمُعجَبين، تبدو وكأنّها ترتمي عليهم عارية. لديّ انطباع بأنّ الرومانيّ هو المفَضَّل، إذ تتوجّه إليه بأفضل الابتسامات والغمزات، ويتلقّى في الغالب الرأس على كَتِفه.

«ها هي ذي الآلهة راضية» يقول الرومانيّ. «روما قد أعطَت فينوس الجديدة مَطيّة، وهنا يوجد أبولّون الذي أردتِ أنتِ رؤيته. فافتِنيه إذاً واخلبي لبّه... ولكن اتركي لنا بعض فَضَلات فِتنَتكِ.»

تضحك مريم، وبحركة رشيقة ومثيرة ترتمي على الأرض، كاشِفة عن قدميها الـمُنتَعِلَتَين أحذية بيضاء بإبزيمات ذهبيّة وقِسماً مِن الساق. ثم تغطي الكلّ، فالثوب فضفاض جدّاً، من الصوف الناعم كالـﭭوال، وأبيض ناصع، محصور عند الخصر، إنّما منخفض كثيراً على مستوى الوركين، بحزام ذي إبزيمات ذهبيّة منحلّة. وتنتصب المرأة مثل زهرة مِن جَسَد، زهرة دَنِسَة، متفتّحة بسحر على البساط الأخضر حيث زنابق الوادي والنرجس البرّيّ.

إنّها أجمل من أيّ وقت مضى. الفم صغير وأرجوانيّ، يبدو كقرنفلة تنفصل عن بياض صف أسنان متكامل. بإمكان الوجه والجسم إرضاء ذوق الرسّام أو النحّات الأصعب مزاجاً، إنْ من ناحية الألوان أو الأشكال. صدر عريض مع وركين متناسقين بشكل جيّد، مع قامة ناعمة بشكل طبيعيّ، ومَرِنَة، مقارنة مع الصدر والوركين، فهي تبدو كآلهة، حسب قول الرومانيّ، آلهة منحوتة مِن مرمر ورديّ قليلاً، حيث يَستَرسِل القماش الخفيف على جوانبه، ليتهدّل بعدئذ بثنيات كثيرة إلى الأمام. كلّ شيء مدروس للإرضاء.

يَنظُر إليها يسوع بإمعان، وتَنظُر هي بوقاحة، وهي تضحك، وتلتفت قليلاً بسبب الدَّغدَغَة التي يُحدِثها لها الرومانيّ، بتمريره، على كتفها وصدرها المنكشفين، غريسة من زنبق الوادي، قُطفَت من بين العشب. ومريم، بغضب مدروس وماكر، ترفع وشاحها قائلة: «احتَرِم طهارتي»، ممّا يجعل الأربعة يَنفَجِرون بضحكة صاخبة.

يَستمرّ يسوع في تثبيت نَظَره إليها. وعندما يخفّ ضجيج انفجار الضحك، يبدو وكأنّ ظهور المرأة قد أَضرَمَ لهيب الحديث الذي كان قد أُهمِل، يُعاوِد يسوع الكلام ولا يَعود يَنظُر إليها. ولكنّه يَنظُر إلى سامعيه الذين يَبدون مُضطَرِبين وساخِطِين من تلك الـمُغامِرة.

يتابع يسوع: «لقد قلتُ لكم أن تكونوا أوفياء للشريعة، متواضِعِين، رَحيمين، وأن تحبّوا ليس فقط الأخوة المولودين من أبويكم، إنما كلّ الذين هُم بالنسبة إليكم إخوة، لأنّ لهم الأصل البشريّ نفسه. قلتُ لكم إنّ المغفرة أكثر فائدة مِن الحقد، وإنَّ الشَّفَقَة أفضل مِن القَسوة. ولكنّني الآن أقول لكم إنّ المفروض ألّا يَدين المرء إذا لم يكن معصوماً من الخطيئة التي تَحمِلنا على الإدانة. لا تفعلوا كالكَتَبَة والفرّيسيّين الصَّارِمين مع الجميع ، ولكن ليس مع ذواتهم. فيُطلِقون صِفة الدَّنَس على ما هو خارجيّ ولا يُلطِّخ إلّا الخارج، ويتقبَّلون الدَّنَس في أعمق أعماق صدرهم، في قلبهم.

لا يكون الله مع المدنَّسين، ذلك أنّ الدَّنِس يُفسِد ما هو مِلك لله: النُّفوس، وخاصّة نفوس الأطفال الذين هم ملائكة منتشرون على الأرض. الويل لمن يَنـزَع عنهم الأجنحة بضراوة الحيوانات الضارية الشيطانيّة، والذين يَرمُون في الوحل أزهار السماء تلك، بأن يجعلوهم يتذوّقون طعم المادّة! الويل!... فالأفضل لهم أن يموتوا مُحتَرِقين بنار الصاعقة من أن يتوصَّلوا إلى ارتكاب مثل تلك الخطيئة!

الويل لكم أيّها الأغنياء والشهوانيّون! إذ في وسطكم بالضبط يتخمَّر الدَّنَس الأعظم، حيث يقوم المال والبطالة بالنسبة لكم مقام السرير والوسادة! الآن أنتم ممتَلِئون مُشبَعون. غذاء الشهوات يَصِل حتّى البلعوم ويخنقكم. ولكنّكم سوف تكونون جياعاً، جوعاً مُرعِباً لا يُشبِعه شيء، ولا يسكن مدى الأبديّة. الآن أنتم أغنياء. وكَم مِن الخير يمكنكم أن تفعلوا بغناكم! ولكنّكم تفعلون الشرّ بذواتكم وبالآخرين. يوماً ما ستَختَبِرون فقراً مُريعاً، لن تكون له نهاية. إنّكم تضحكون الآن، تعتبرون أنفسكم مُنتَصِرين. ولكنّ دموعكم سوف تملأ مستنقع جهنّم ولن تتوقّف.

أين يأوي الزّنى؟ أين يعشّش إفساد الصبايا؟ مَن ذا الذي لديه سريران أو ثلاثة، غير سرير الزوجيّة، عليها يُبدِّد ماله وطاقة جسد مَنَحَه إيّاه الله سليماً معافى ليعمل من أجل عائلته، وليس لكي يُنهِك ذاته بالخلاعات المقزِّزة التي تجعله أدنى مِن حيوان نَجِس؟ لقد تعلّمتم أنّه قيل: "لا تَزن". أمّا أنا فأقول لكم: إنَّ مَن يَنظُر إلى امرأة بشهوة دَنِسَة، والتي تمضي إلى الرجل بشهوة دَنِسَة، فبهذا فقط يُرتَكَب الزّنى في القلب. وما مِن سبب يُبرِّر الزّنى أبداً. فلا الهجر ولا طلاق الزوج، ولا الإشفاق على امرأة مطلَّقة. فليس لديكم سوى نَفس واحدة، وعندما تكون مرتبطة مع أخرى بميثاق أمانة ووفاء، فلا تكذبنّ، وإلّا فذلك الجسد الجميل، الذي به تَقتَرِن الخطيئة، يذهب معكِ، أيّتها النفوس المتدنِّسة، إلى النار التي لا تُطفأ. فالأفضل أن يُشَوَّه مِن أن يُقتَل إلى الأبد بعذاب جهنّم. وأنتم أيّها الأغنياء، فلتَعُودوا أناساً، يا حرّاس الرذيلة الـمُقمِّلين، عودوا أناساً لكيلا تَستَنشِقوا الاشمئزاز والتقزّز في السماء...»

في البداية، استَمَعَت مريم بوجه كأنّه قصيدة تَهَكُّم وإغواء وتضليل، مُنفَجِرة، بين الحين والحين، بضحكات مُحتَقِرة. وعند ختام الحديث أضحَت حَمراء مِن الغضب، وهي تُدرِك أنّ يسوع يوجِّه الحديث لها دون النَّظَر إليها. ويتأجَّج غَضَبها باستمرار. تتمرّد، وفي النهاية لم تَعُد تُقاوِم، تتوشّح، مُحتَقَرَة، بوشاحها، ومتبوعة بنظرات الجمهور الذي يَحتَقِرها، وبصوت يسوع الذي يتبعها، تَهرُب وهي تُطلِق ساقيها للريح على المنحَدَر، تاركة نُتفاً مِن الثياب للأشواك والنسرين التي على جانبي الدرب. وتَضحَك مِن الغيظ والاحتقار.

لَم أَعُد أرى شيئاً ولكنّ يسوع يقول لي سَتَرَين أيضاً بعد.

--------------------------------------------------

تابع رؤيا 29 / 05 / 1945

يُعاوِد يسوع الحديث: «إنَّكم ساخطون مِن ذاك الحَدَث. منذ يومين ومأوانا، حتّى فوق الوحل، مُضطَرِب بفعل صغير الشيطان. فلم يَعُد إذن مأوى، وسوف نتركه. ولكنّني أريد أن أُتمِّم لكم مُدوَّنة "الأكمَل"، في هذه الرَّحابة مِن نور الأفق. فهنا، حقيقة، يَظهَر الله في عظمته كخالق، ولدى معاينة عظائمه، يمكننا الإيمان بكلّ ثبات أنّه هو المعلّم، وليس الشيطان. فالخبيث لا يمكنه أن يَخلق غريسة عشب. ولكنّ الله قادر على كلّ شيء. فليكن ذلك معزّياً لنا. ولكنّكم الآن جميعكم تحت الشمس، وهذا يضايقكم، فَتَفَرَّقوا إذاً على المنحدرات، لأنّ فيها ظلّاً وانتعاشاً. تناولوا طعامكم إذا شئتم. سوف أحدّثكم عن الموضوع ذاته. فإنّ أسباباً كثيرة أَخَّرَتنا. ولكن لا تأسفوا لذلك. فإنّكم هنا مع الله أنتم.»

يهتف الجمهور: «نعم، نعم، معكَ.» ويمضي الناس تحت الخمائل الـمُبَعثَرة من جهة الشرق، بحيث يحميهم سفح الرابية وكذلك الأغصان من الشمس التي أضحَت حادّة.

في تلك الأثناء يقول يسوع لبطرس أن يفكّ الخيمة.

«ولكن هل نمضي حقيقة؟»

«نعم.»

«لأنّها أتت، هي...»

«نعم، ولكن لا تقل ذلك لأحد، وخاصّة الغيور، فيغتمّ لذلك بسبب لعازر. ولا يمكنني أن أسمح بأن تتعرّض كلمة الله لسخرية الوثنيّين...»

«أفهم، أفهم...»

«إذاً فَافهَم أيضاً أمراً آخر.»

«ما هو يا معلّم؟»

«ضرورة الصمت في بعض الحالات. إنّني أثق بكَ. أنتَ غالٍ عليَّ جدّاً، ولكنّكَ كذلك نَزِق بشكل تُبدي فيه ملاحظات جارحة.»

«أفهَم... لا تريد بسبب لعازر وسمعان...»

«ومِن أجل آخَرِين أيضاً.»

«أتظنّ بأنّه سيَحدُث اليوم؟»

«اليوم وغداً وبعد غد. وسيكون من الضروريّ مراقبة نَزَق عزيزي سمعان بن يونا على الدوام. اذهب، اذهب وافعل ما أمرتكَ به.»

يمضي بطرس طالباً من رفاقه مساعدته.

يمكث الاسخريوطيّ غارقاً في تفكيره في أحد الأركان. يناديه يسوع ثلاث مرّات، لأنّه لم يَسمَع. أخيراً يَلتَفِت ويسأل: «أتريدني يا معلّم؟»

«نعم، اذهب أنتَ كذلك، تناول طعامك وساعد رفاقكَ.»

«أنا لستُ جائعاً. وأنتَ؟»

«وأنا كذلك، إنّما الدوافع متعاكِسة. أأنتَ مُضطَرِب يا يهوذا؟»

«لا يا معلّم، بل تَعِب...»

«نذهب الآن إلى البحيرة، ثمّ إلى اليهوديّة، وإلى بيت أمّكَ يا يهوذا. لقد وعدتكَ بذلك...»

يَشعر يهوذا بتحسّن: «أتذهب معي وحدي؟»

«بالطبع. أحبّني كثيراً يا يهوذا. أودّ لو يكون حبّي فيكَ للدرجة التي يحميكَ فيها مِن كلّ شرّ.»

«يا معلّم... إنّني إنسان، ولستُ ملاكاً. تمرّ عليَّ لحظات تعب. هل الشعور بالحاجة إلى النوم خطيئة؟»

«لا. لو تنام على صدري. انظر إلى الناس هناك، كَم هُم سعداء، وكم المنظر جَذِل من هنا! في هذه الأثناء ينبغي أن تكون اليهوديّة كذلك جميلة في الربيع.»

«جميلة جدّاً يا معلم. فقط هناك الجبال مرتفعة أكثر من هذه، فالربيع يتأخّر أكثر. ولكنّ الزهور جميلة للغاية. بساتين التفّاح آية في الروعة. وبُستاني، بفضل عناية أمّي، هو واحد مِن أجمل البساتين. وعندما تتنـزّه فيه وتَلحَق بكَ طيور الحَمام لتحظى بالحبوب، ثِق تماماً بأنّه مَنظَر مُهدِّئ للقلب.»

«أعتقد ذلك. ولو لم تكن أمّي تَعِبَة جدّاً لكان يسعدني اصطحابها إلى بيت أمّكَ. كانتا ستتحابّان. لأنّهما كلتيهما صالحتان.»

يهوذا، وقد استهوته الفكرة، عاد إلى سكونه وطمأنينته. نَسِيَ قلّة شهيّته وتعبه، وها هو يركض إلى رفقائه ضاحكاً فرحاً. ولِكِبر حجم جسمه فإنّه يَحل عُقَد الخيمة الأكثر ارتفاعاً دون عناء، ويأكل خبزه وزيتونه، فَرِحاً كالطفل. يَنظُر إليه يسوع بإشفاق، ثم يتوجّه إلى رُسُله.

«هو ذا رغيف خبز وبيضة يا معلّم. لقد جعلتُ ذلك الغنيّ اللابس الأحمر يعطينيها، قلتُ له: "أنت سعيد بالاستماع إليه، وهو يتكلّم، وقد أُنهك. أعطني بيضة مِن التي بحوزتكَ، وهذا يفيده أكثر منكَ".»

«ولكن يا بطرس.»

«لا يا معلّم! فإنّكَ شاحب مثل رضيع يَرضَع مِن صَدر مُنهَك. وإنّكَ لَتَنحف مثل سمكة بعد موسم التزاوج. دعني أفعل؛ لا أريد أن أتحمّل اللائمة الآن، سوف أَضَعها في هذا الجَّمر، إنّها الأغصان التي أحرقتُها، وسوف تَشرَبها. لستُ أدري كم من الوقت... كم يوماً؟ بالتأكيد أسابيع لم نأكل فيها سوى الخبز والزيتون وقليل من الحليب... تحسبنا نتناول مُسهِلاً، وأنتَ تأكل أقلّ من الجميع وتتحدّث إلى الجميع. تلك هي البيضة، اشربها طالما هي فاتِرة. هذا سيفيدكَ.»

يطيع يسوع، ولدى رؤيته بطرس لا يأكل سوى الخبز يسأله: «وأنتَ؟ الزيتون؟»

«سوف يكون ذا فائدة لي فيما بعد. لقد وَعَدتُهم به.»

«مَن؟»

«أطفال. إنَّما، إذا لم يُحافِظوا على الهدوء حتّى النهاية، فسآكل الزيتون وأعطيهم النوى. يعني صَفعات.»

«ولكن جيّد جدّاً.»

«هه! لن أعطيها أبداً. ولكن إذا لم نفعل هكذا! فأنا كذلك تلقَّيتُ الكثير، ولو كان من المفروض إعطائي كلّ ما كنتُ أستحقُّ من أجل تصرُّفاتي الصبيانيّة، فقد كان ينبغي أن أتلقّى عشرة أضعاف! ولكن هذا يأتي بفائدة. ولأنّني تلقّيتُ مثلها، فأنا الآن هكذا.»

يضحك الجميع مِن صراحة الرسول.

«يا معلّم، أودّ القول إنّ اليوم هو الجمعة، وأولئك الناس... لستُ أدري إذا ما كانوا سيتمكّنون من تأمين طعامهم، في الوقت المناسب، مِن أجل الغد، أو يعودون إلى بيوتهم.» يقول برتلماوس.

«هذا صحيح، فاليوم هو الجمعة!» يقول البعض.

«لا يهمّ. فالله سوف يتدبّر الأمر. ولكنّنا سنقول لهم ذلك.»

يَنهَض يسوع ليذهب على مكانه وسط الناس المبعثَرين بين الخمائِل: «في المقام الأوّل أذكِّركم أنّ اليوم هو الجمعة. والآن أقول لكم إنّ الذين يَخشون عدم التمكّن من العودة إلى بيوتهم في الوقت المناسب، أو لا يتوصّلون إلى الإيمان بأنّ الله سيمنح غداً الغذاء لأبنائه، فبإمكانهم الانسحاب فوراً لكيلا يُداهِمهم الليل في الطريق.»

مِن مجموع الجمهور، يَنهَض حوالي الخمسين شخصاً. أمّا الباقون فيَمكثون في أماكنهم.

يبتسم يسوع ويبدأ الحديث.

«تعلّمتم أنّه قيل في السابق: "لا تَزنِ". والذين مِن بينكم سَمِعوني في أماكن أُخرى، يَعلَمون أنّني تحدّثتُ عن هذه الخطيئة مرّات عِدّة. لأنّ، انتَبِهوا جيّداً، هذه الخطيئة لا تعني شخصاً واحداً فقط، ولكنّها تعني شخصين أو ثلاثة. أُوَضِّح. الذي يرتَكِب الزّنى يخطئ بحقّ نفسه، وبحقّ شريكته، ويخطئ بِحَمله الزوجة أو الزوج المغدور على ارتكاب الخطيئة، وقد يَصِلان بذلك إلى اليأس، أو يُخطِئان هُما ذاتهما. هذا بالنسبة إلى الخطيئة التامّة الواقِعة فِعلاً. وعلاوة على ذلك أقول لكم: "ليست الخطيئة التامّة فقط، بل الرغبة في إتمامها بحدّ ذاتها خطيئة". ما هو الزّنى؟ إنّه الرغبة المحمومة بذاك أو بتلك التي ليست لنا. فالخطيئة تبدأ بالرغبة، وتستمرّ بالغواية، وتتمّ بالاقتناع، أمّا الفعل فيتوِّج كلّ شيء.

كيف نبدأ. عادة بِنَظرَة دَنِسة. وهذا يقودنا إلى ما كنتُ أقوله سابقاً. العين النَّجِسة تَرَى ما خَفِيَ عن الطَّاهِر، ومِن خلال العين يَدخُل العَطَش إلى البلعوم، والجوع إلى الجسد، والحمّى إلى الدم. عَطَش وجوع وحمىّ الجسد، وهذا هو بداية الهَذَيان. فإذا كان الآخر، الشخص المنظور إليه، نزيهاً، فالذي يَهذِي يبقى وحيداً، يتقلّب على فحم متأجّج، أو بالحريّ يَصِل حدّ الافتراء من أجل الانتقام. وإذا كان الشخص غير نزيه، فإنّه يتواطأ مع النَّظرَة، ويبدأ بالتالي بالانحدار إلى الخطيئة. كذلك أقول لكم: "مَن نَظَرَ إلى امرأة ليشتهيها فقد زَنى، إذ قد ارتَكَبَ الفعل الذي يشتهي، ولكن بِفِكره". وأكثر من ذلك، إذا شَكَّكَتكَ عينكَ السليمة فاقلَعها وارمها بعيداً عنكَ. فالأفضل لكَ أن تكون أعوراً مِن أن تُزَجَّ إلى الأبد في الظُّلُمات الجهنّميّة. وإذا أخطَأَت يدكَ القويمة فاقطعها وارمها. فالأفضل لكَ أن يَنقص منكَ عضو مِن أن تهوي كاملاً إلى جهنّم. لقد قيل بحقّ: إنّ المشوَّهين لا يمكنهم خدمة الله في الهيكل. ولكن بعد هذه الحياة، فالمشوَّهون منذ الولادة، إذا كانوا قدّيسين، أو الذين أصبحوا كذلك بفعل الفضيلة، فسيصبحون أكثر بهاء من الملائكة، وسيَخدمون الله وهم يحبّونه في فرح السماء.

لقد قيل كذلك: "مَن طَلَّق امرأته، فليعطها كتاب طلاق". إلّا أنّه أمر يدعو إلى الاستهجان. فهو لم يأت مِن الله. قال الله لآدم: "هذه هي الرفيقة التي كوَّنتُها لكَ. فانموا واكثروا على الأرض واملأوها وأخضِعوها لسلطانكم". وآدم، لامتلائه ذكاء سامياً، حيث لم تكن الخطيئة بعد قد عَكَّرَت فِكره الخارج مِن عند الله كاملاً، يهتف: "هي ذي أخيراً عَظم مِن عظامي ولحم من لحمي. وتُسمّى امرأة، أي ذاتي الأُخرى، لأنّها مِن امرئ أُخِذَت". لذلك يترك الرجل أباه وأمّه ويصبحان كلاهما جسداً واحداً. وبِسنا روعة متنامية، أقرَّ النور الأزليّ بابتسامة، ما قاله آدم، والذي أصبح الشريعة الأولى الرَّاسخة. الآن، وإذا كان، بسبب قسوة الإنسان المتعاظِمة على الدوام، فقد اضطرَّ لوضع المكابِح، والقول: "ومع ذلك فإذا طلَّقتَها، فلا يمكن استردادها"، فإنّ ذلك لا يلغي الشريعة الأولى الأصليّة، التي أُنشِئت في الجنّة الأرضيّة، وأقرَّها الله.

أمّا أنا فأقول لكم: "مَن طَلَّق امرأته إلّا في حالة الفحشاء الثابتة، عَرَّضَها للزنى"، لأنّه بالفعل، ماذا تفعل المرأة في تسعين بالمائة من حالات الطلاق؟ تتزوّج ثانية. مع أيّة تبعات؟ آه! فهناك الكثير ممّا يُقال حول هذا الموضوع! ألا تعلمون أنّكم تستطيعون التسبّب في زنى المحارم اللاإرادي بالتصرّف بهذه الطريقة؟ كَم مِن الدموع انسَكَبَت مِن أجل حالة فجور! نعم. حالة فجور. وليس لذلك اسم آخر. كونوا صريحين. يمكن التغلب على كلّ شيء، عندما يكون الروح مستقيماً. إنّما كلّ شيء يرضى بتبرير ما يُشبع الشهوات، عندما يكون الروح روح فجور. فإنّ برودة المرأة، البلادة، عدم الأهليّة في الأعمال، المزاج المشاكِس، حبّ الفخفخة، كلّ ذلك يمكن التغلّب عليه، حتّى الأمراض، حتّى حدّة الطبع، إذا كنّا نتحابّ بقداسة. ولكن، بما أنّ الناس لا يعودون يتحابّون بعد فترة، كما تحابّوا في اليوم الأوّل، فحينذاك يَجِدون مستحيلاً ما هو أكثر من ممكن، وتُرمى امرأة مسكينة في الشارع وتُرسَل إلى ضياعها.

مَن طَلَّق امرأته فقد زَنَى، ومَن تزوَّج مُطلَّقة فقد زَنى. فالموت وحده يُبطِل الزواج. تذكّروا هذا. وإذا اخترتم اختياراً بائساً، فتحمَّلوا نتائجه كصليب. ستكونان بائِسَين كلاكما، ولكن كُونَا قدّيسين. كي لا تجعلا من أبنائكما أكثر بؤساً، أولئك الأبرياء الذين يعانون أكثر من تلك الأوضاع الصعبة. ينبغي لحبّ أولادكم أن يجعلكم تفكّرون مائة مائة مرة، حتّى في حالة موت القَرين. آه! لو تعرفون أن تَرتَضوا بما حصلتم عليه، والذي قال عنه الله: "هذا يكفي"! لو كنتم تَعلَمون، أنتم أيّها الأرامل، ذكوراً وإناثاً، أن تروا في الموت، ليس انتقاصاً، بل سموّاً إلى إحدى الكمالات الوالديّة! أن تكون أُمّاً، حتّى في حال الأُمّ المتوفّاة؛ أن تكون أباً، حتّى في حال الأب الفقيد؛ أن يكون للمرء نَفْسان في واحدة، تَقَبُّل حبّ الأولاد حتّى على شفاه الشخص المائت الباردة الخامدة، والقول: "امض بسلام دون خشية على الذين أتوا منكَ. سوف أستمرّ في حبّهم، مِن أجلكَ ومِن أجلي، حبّاً مضاعفاً، سوف أكون الأب والأمّ، ولن يُثقِل سوء طالع اليُتم كاهلهم. لن يعرفوا الحَسَد الطبيعيّ من ابن القريب المتزوّج ثانية من ذاك الذي يأخذ المكان المقدّس الذي لأب أو لأمّ، أحدهما، وقد ناداه الله لسكنى ديار أخرى".

أبنائي، تعليمي يَصِل إلى نهايته، كما يُشرِف على نهايته النهار الذي يميل مع الشمس إلى الغرب. من هذا اللقاء على الجبل، أودّ أن تتذكّروا الكلمات. احفروها في قلوبكم. اقرؤوها غالباً. ولتكن لكم الدليل الـمُرشِد الدائم. وفوق كلّ شيء كونوا صالحين مع الضعفاء. لا تدينوا لئلّا تُدانوا. تذكّروا أنه قد تأتي الساعة التي يذكّركم فيها الله: "هكذا كنتَ تدين. كنتَ تعرف أنّ ذلك سيّئ وشرّ. لقد اقترفتَ الخطيئة إذاً مع علمكَ التامّ ماذا كنتَ تفعل. فالآن تحمّل العذاب".

المحبّة الآن هي مغفرة. فلتكن فيكم المحبّة، للجميع، وفي أيّ ظرف. وإذا ما وَهَبَكم الله معونات كثيرة ليحفظكم في الاستقامة، فلا تتكبّروا لذلك. إنّما حاوِلوا أن تَصعَدوا سلّم الكمال مهما كان طويلاً، ومُدّوا اليد للمتعَبين، للجاهِلين، للذين هُم ضحيّة خيبة أمل مفاجِئة. لماذا التحديق في القذى الذي في عين أخيكَ، إذا لم تكن تأبه للجِّذع الذي في عينكَ؟ كيف يمكنكَ القول لقريبكَ: "دعني أُخرِج القذى الذي في عينكَ"، بينما يعميكَ الجسر الذي في عينكَ؟ لا تَكن مُنافِقاً يا بُنيَّ. أَخرِج أوّلاً الجذع الذي في عينكَ، وحينئذ تستطيع إخراج القذى لأخيكَ دون تعطيله بالكامل.

تحاشوا كذلك التهوُّر، كتحاشيكم قلّة المحبّة. فقد قُلتُ لكم: "مُدّوا اليد للمُتعَبين، للجاهلين والذين هُم ضحيّة خيبة أمل غير متوقّعة". ولكن لو كان من قبيل المحبّة أن تُثقِّفوا الجاهلين، أن تُشجِّعوا الـمُنهَكين وأن تَمنَحوا أجنحة جديدة للذين، لأسباب متعدّدة، كَسَروا أجنحتهم، فإنّه لَتَهوُّر هو كشف الحقائق الأزليّة للمُبتَلين بعبادة الشيطان. سوف يستحوذون عليها ليُمثّلوا دور الأنبياء، ويتسلّلوا وسط البسطاء، ليُفسِدوا ويُحوّلوا ويُلطّخوا، بطريقة مُدنِّسة، أمور الله. فالاحترام المطلق، ومعرفة أوان الكلام وأوان الصمت، ومعرفة التصرّف، هي ذي فضائل التلميذ الحقيقيّ كي يقوم بالهداية ويخدم الله. تملكون عقلاً، وإذا كنتم بَرَرَة، فسيهبكم الله كلّ أنواره ليرشد عقلكم بشكل أفضل أيضاً. فَكِّروا بأنّ الحقائق الأزليّة كالجواهر، فلم يُشاهَد أحد قطّ يرمي الجواهر للخنازير التي تُفضِّل المستنقعات والمياه الآسِنة التي في الكهاريز على الجواهر الثمينة، وهي تدوسها بلا هوادة، وبعد ذلك، غاضِبة لِخِداعها، ترتدّ عليكم وتمزّقكم. لا تعطوا ما هو مُقدَّس للكلاب. أقول هذا من أجل الوقت الحاضر والمستقبل.

أبنائي، لقد أطلتُ حديثي إليكم. اسمَعوا أقوالي. فَمَن يَسمَعها ويعمل بها يشبه رجلاً عاقلاً أراد أن يبني بيتاً فاختار أرضاً صخريّة. فهو بالتأكيد سيتعذَّب في بناء الأساسات، وسيتحتّم عليه العمل بالمعول والإزميل، فتقسو يداه ويَتعَب كاهله، إنّما يصبح بإمكانه بعدئذ صبّ الجير في الحفر التي في الصخور، ويضع عليها الآجرّ المرصوص، كما في سور القلعة، فيرتَفِع البيت صلباً في بنيانه مثل الجبل. وإنْ تأتِ بعد ذلك رداءات الطقس والأعاصير، وإن تَجعَل الأمطارُ الأنهارَ تَفيض، وإن تَعصُف الرياح وتضربه الأمواج، فسيصمد البيت في مواجهة كلّ ذلك. هكذا سيكون الحال لدى مَن كان إيمانه مبنيّاً على أساس صلب متين. وعلى العكس من ذلك، فمن يَسمَع ولا يتأثّر ولا يَجتَهِد في حفر كلامي في قلبه، لأنّه يَعلَم أنّ عليه أن يعاني من أجل ذلك، ويختبر الألم، ويستأصل أشياء كثيرة، فهذا يشبه مَن ، بغباء منه وكَسَل، يبني بيته على الرمل، وحالما تأتي رداءة الطقس، فالبيت الذي بُنِيَ بسرعة، يهوي بتلك السرعة عينها كذلك، ويَنظُر الأحمق حزيناً إلى الأنقاض وتَلاشي مُقتَنَاه. وهنا، لا يبقى سوى خراب واحد يمكن إصلاحه ببذل المال وتحمُّل الجهد. أمّا بالنسبة إلى بناء الروح الـمُنهار، لأنّ بناءه كان سيّئاً، فلا يبقى أيّ شيء لإعادة البناء والترميم. فلا بناء في الحياة الأخرى. والويل لمن ليس لديه سوى أنقاض يُقَدِّمها!

انتهيتُ. سأهبط الآن إلى البحيرة، وأبارككم باسم الله الواحد والثالوث. وليكن سلامي معكم.»

ولكنّ الجمهور يهتف: «نأتي معكَ. دعنا نأتي! فلا أحد يتحدّث مثل حديثكَ!»

ويتبعون يسوع الذي يَهبط، ليس من الجهة التي صَعَدَ منها، بل من الجهة المقابلة، ويمضي مباشرة صوب كفرناحوم. المنحَدَر أكثر شدّة، ولكنّه أسرع كثيراً، وقد وَصَلوا بسرعة إلى أسفل الجبل الذي ينتهي في سهل أخضر مُزهِر.

يقول يسوع: «يكفي اليوم هذا. إلى الغد...»



غير متصل my hope

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 88
    • مشاهدة الملف الشخصي
الجزء الثالث / القسم الأول

35- (شفاء الأبرص في أسفل الجبل)

30 / 05 / 1945

(في مثل هذا اليوم، منذ أربعين عاماً 30 / 05 / 1905 كنتُ قد تقبَّلتُ سرّ التثبيت على يد الكردينال أندريا فرّاري)

وسط الزهور التي لا تحصى والتي تُعطِّر الأرض وتُبهِج النَّظَر، ينتَصِب شبح أبرص مُريع، وقد غَطَّت جسمه القروح التي تَنبَعِث منها رائحة نَتِنَة، وقد تأكَّله البرص.

يَصرخ الناس مذعورين، ويَرتدّون مِن جديد إلى أوّل منحدرات الجبل، وقد تناول بعضهم الحجارة ليرموها على المتهوِّر. ولكن يسوع يلتَفِت، فاتحاً ذراعيه، وهو يهتف: «هدوءاً! ابقوا في أماكنكم ولا تخافوا. ضعوا الحجارة من أيديكم. أشفقوا على هذا الأخ المسكين. فهو كذلك ابن لله.»

يطيع الناس، وقد هيمَن عليهم سلطان المعلّم. ويتقدّم عبر الأعشاب الطويلة إلى مسافة خطوات مِن الأبرص الذي يتقدّم بدوره بعدما أدرَكَ أنّ يسوع كان يحميه. ويدنو مِن يسوع، ويجثو، والعشب الـمُزهِر يَغمُره مثل مياه عذبة ومعطّرة، والزهور التي تتموّج، تبدو وكأنّها تَنشر حجاباً على المآسي التي تُخفيها. وحده الصوت المثير للرثاء الذي ينبعث منها يُذكِّر بأنّ هناك كائناً مسكيناً. ويقول الصوت: «سيّدي، إن شئتَ فأنتَ قادر أن تُطهِّرني. فارحمني.»

يجيبه يسوع: «ارفع وجهكَ وانظُر إليَّ. على الإنسان معرفة النَّظَر إلى السماء عندما يؤمن بها. وأنتَ تؤمن، بما أنّكَ تَلتَمِس.»

يتحرّك العشب وينفتح من جديد. ويبدو وجه الأبرص مثل رأس غريق يطفو على سطح البحر، دون شعر ودون لحية. جمجمة ما يزال عليها بعض مِن بَشَرَة. حينئذ تجرّأ يسوع ووضع رؤوس أصابعه على تلك الجبهة الجليّة، وهي سليمة دون قروح، حيث لا يوجد سوى جلد شمعيّ، مُحرشَف بين تآكُلَين مُتقيِّحَين، أحدهما خَرَّب فروة الرأس، والآخر فَتَحَ حفرة حيث كانت العين اليمنى. لستُ أعرف القول إذا ما كان في هذا التجويف الكبير، الممتدّ مِن الصَّدغ إلى الأنف، مُعرِّياً عَظم الوَجنَة وغضاريف الأنف، وهي ممتلئة قَذارة، قد بَقِيَت مُقلَة أم لا.

يقول يسوع، ويده الجميلة مُستَنِدَة بِطَرَفها هناك: «شئتُ فابرأ.»

وكأنّ الرجل لم يتأكّله البرص، ولم تكن القروح تغطّيه، إنّما فقط دَرنات سُكِب عليها سائل مُطهِّر، وها هو البرص يختفي. في البدء اندَمَلَت القروح، ليعود الجلد صافياً، وتعود العين للظهور بين الجفنين اللذين أُعيد تَشَكُّلهما، وأُغلِقَت الشَّفَتان من جديد على أسنان تميل إلى الاصفرار، فقط الشعر واللحية بقيا غائبين إلّا مِن خُصلات قليلة حيث كانت هناك بقايا جلد سليم.

يَصرخ الجمهور مِن الذهول، ويُدرِك الرجل أنّه شُفِيَ لدى سماعه هتافات الفرح. يرفع يديه اللتين كانتا مخبّأتين حتّى ذلك الحين في العشب، ويتلمّس عينه حيث كانت الحفرة الكبيرة. يَلمِس رأسه حيث كانت القرحة الكبيرة التي كانت تغطّي الجمجمة، ويتلمّس الجلد الجديد. حينئذ يَنهَض ويَنظُر إلى صدره وردفيه... كلّ شيء سليم ونظيف... ويَخرّ الرجل من جديد في الحقل المزهر باكياً من الفرح.

«لا تبكِ. انهض واسمعني. عُد إلى حياتكَ مُحافِظاً على الشَّعائِر، ولا تقل لأحد حتّى يتمّ. اذهب إلى الكاهن في أسرع وقت وأَرِه نفسكَ. وقَرِّب ما أَمَرَ به موسى مِن قربان شهادة للمعجزة التي أدَّت إلى شفائكَ.»

«لكَ أنتَ ينبغي لي أن أشهَد يا سيّدي!»

«ستفعل ذلك بحبّك لـمَذهَبي. امضِ.»

يدنو الجمع من جديد، ومحافِظِين على المسافة المفروضة، يُهنِّئون الذي حَدَثَت المعجزة له. ويشعر البعض بالحاجة إلى منحه معونة لسفره، فيرمون له قِطعاً نقديّة. ويرمي له آخرون خبزاً وزاداً. أحد الرجال، وقد رأى ثوب الأبرص الذي ليس سوى خرقة بالية تستره بشكل سيّئ، يَخلَع معطفه جاعلاً منه صرّة، ويرميه للأبرص الذي يتمكّن هكذا من ستر جسده بشكل مُحتَشِم. وآخر، حيث إنّ المحبّة مُعدِية، عندما يكون الناس على شكل جماعة، لا يُقاوِم الرغبة في توفير حذاء له، فيخلع حذاءه ويرميه له.

«ولكن، وأنتَ؟» يسأله يسوع الذي يراه يفعل.

«آه! أنا اقطن قريباً من هنا. ويمكنني السير حافي القدمين. أمّا هو فدربه طويل.»

«ليبارككَ الله، وجميع الذين أسدوا خدمة لهذا الأخ. يا رجل، سوف تُصلّي من أجلهم.»

«نعم، نعم من أجلهم، ومن أجلكَ ليؤمن العالم بكَ.»

«وداعاً. اذهب بسلام.»

يبتَعِد الرجل بضعة أمتار، ثمّ يعود ويهتف: «لكن هل يمكنني البوح للكاهن بأنّكَ أنتَ مَن شفيتَني؟»

«لا. يجب ألّا تفعل. قل له فقط: "الربّ ترأّفَ بي". إنّها الحقيقة الصَّرف. ولا شيء آخر.»

يتزاحم الجمهور حول المعلّم، يشكّلون دائرة لا يمكن فتحها بأيّ ثمن. ولكن في تلك الأثناء مالت الشمس. إنّه بدء استراحة السبت. البلدات بعيدة. ولكنّ الناس لا يَتحسَّرون على البلدات ولا على القوت ولا على أيّ شيء. حينئذ أخذ الرُّسُل يَقلَقون، وكَلَّموا يسوع بهذا الخصوص. حتّى الرُّسُل الأكبر سنّاً قَلِقوا. فهناك النساء والأطفال، وإذا كان الليل دافئاً، وعشب الحقول طريّاً، فالنجوم ليست خبزاً، وحجارة المنحدر لا تُوفِّر ما يُؤكل.

يسوع هو الوحيد الذي لا يهتمّ للأمر. وفي غضون ذلك، يأكل الناس ما تبقّى لديهم وكأنّ شيئاً لم يكن. ويَلفت يسوع انتباه أتباعه إلى ذلك: «الحقّ أقول لكم، إنّ هؤلاء الناس أسمى منكم! انظروا بأيّة لا مبالاة يُنهون ما بقي لديهم. لقد قلتُ لهم: "مَن لا يمكنه الإيمان بأنّ الله سيعطي غداً أبناءه ما يأكلون، فلينسَحِب". وهُم ظَلّوا. والله لا يُكذِّب مسيحه ولا يَخذل الذين يأملون به.»

يرفع الرُّسُل أكتافهم، ولا يعودون يهتمّون بشيء آخر. بعد غسق أحمر، يهبط الليل هادئاً وجميلاً، وصمت الريف يخيّم على كلّ شيء، بعد أمسية غنائيّة أخيرة أدتها العصافير. بعض مِن هفيف الريح، ثمّ طيران صامت لعصفور ليل في اللحظة التي تُشرِق فيها النجمة الأولى، وأوّل نقيق ضفدع.

لقد نام الأطفال، والكبار يتحدّثون فيما بينهم، وبين الفينة والفينة، يذهب أحدهم إلى المعلّم طالباً إيضاحاً. ولا نندهش كذلك عندما نرى شخصيّة هامّة، مَظهَراً ولباساً وسنّاً، قادماً على درب بين حقلي قمح. وخلفه رجال يتبعونه. يَلتَفِت الجميع للنَّظَر إليه، ويشيرون متهامسين. تمتمة قصيرة من مجموعة لأخرى تنشط وتخمد. والمجموعة الأكثر ابتعاداً يقتربون مدفوعين بالفضول.

يَصِل الرجل ذو المظهر النبيل إلى يسوع الذي كان جالساً عند أسفل شجرة يستمع إلى بعض الناس، ويحيّيه بعمق. ينهض يسوع فوراً ويردّ التحيّة بالاحترام ذاته. ويتابع الموجودون جميعهم الحَدَث بانتباه شديد.

«لقد كنتُ على الجبل. وقد تكون فَكَّرتَ بأنّني كنتُ أفتَقد إلى الإيمان، لأنّني كنتُ قد مَضَيتُ لكيلا أبقى على الريق. ولكنّني مَضَيتُ بدافع آخر. كنت أريد أن أكون أخاً بين الأخوة، الأخ البِكر. أودّ أن أبوح لكَ بما أفكّر على انفراد. هل يمكنك الاستماع إليَّ؟ أنا لا أُضمِر العداء لكَ، رغم كوني مِن الكَتَبَة.»

«هيّا بنا نبتعد قليلاً...» ويذهبان إلى وسط حقول القمح.

«كنتُ أودُّ توفير الطعام للحجّاج، وقد نَزَلتُ لإصدار الأمر بتأمين الخبز لكلّ هذا الجمع، وكما ترى، فأنا ضمن نطاق الشَّرع، ذلك أنّ هذه الحقول لي، ومِن هنا حتى القمّة، طريق يمكنني قطعها يوم السبت. كنتُ سآتي غداً مع خُدَّامي، ولكنّني عَلِمتُ أنّكَ هنا مع الجمع. أرجوكَ السماح لي بتأمين الطعام لهم أثناء السبت. وإلّا فيسوءني أنّي تخلّيتُ عن الاستماع إليكَ سُدى.»

«لم يكن ذلك سُدى أبداً، فالآب سيمنحكَ أنواره أجراً. ولكنّني أشكركَ، ولن أُخيِّب رجاءكَ. أَلفِت نَظَرَكَ فقط إلى أنّ الجمع غفير.»

«لقد جَعَلتُ الأفران كلّها تعمل، حتّى تلك التي تُستَخدَم لتجفيف المحاصيل. وسأتوصّل للحصول على الخبز للجميع.»

«ليس هذا. كنتُ أودّ الحديث عن كميّة الخبز...»

«آه! هذا لا يزعجني. فالغلال كانت وفيرة العام الماضي. وهذا العام، أنتَ ترى السنابل. دعني أفعل. وسيكون هذا أفضل ضمان لحصادي. ثمّ، يا معلّم... يا لذاك الخبز الذي مَنَحتَنيه اليوم... أنتَ، نعم، أنتَ خبز الروح!...»

«إذن، ليكن كما تريد. هيّا بنا نقول ذلك للحجّاج.»

«لا. لقد قُلتَه.»

«هل أنتَ مِن الكَتَبَة؟»

«نعم، أنا كذلك.»

«فليَقُدكَ الربّ إلى حيث يستحقّ قلبكَ.»

«أُدرِك ما لا تقوله. تريد القول: إلى الحقيقة. لأنّ فينا الكثير من الأخطاء... والكثير من سوء النيّة.»

«مَن أنتَ؟»

«أنا ابن لله. صلِّ إلى الآب مِن أجلي. وداعاً.»

«ليكن السلام معكَ.»

يعود يسوع على مهل إلى أتباعه، بينما يبتعد الرجل مع خُدّامه.

«مَن كان ذاك؟ ماذا كان يريد؟ هل قال لكَ ما يُزعِج ويُكدِّر؟ هل لديه مرضى؟» وانهالت الأسئلة على يسوع.

«مَن يكون، لا أدري. يعني أَعلَم أنّها نفس صالحة وهذا...»

«إنّه يوحنّا، أحد الكَتَبَة.» يقول واحد من الجمع.

«حسناً، الآن وقد قُلتَها، أَعرِف، كان يريد بكلّ بساطة أن يكون خادم الله في أبنائه. صَلّوا من أجله، فسنأكل غداً بفضل طيبه وصلاحه.»

«في الحقيقة إنّه بارّ.» يقول أحدهم.

«نعم، ولستُ أدري كيف يمكنه أن يكون صَديق الآخرين.» يُعلِّق آخر.

«تَلُفّه الروادِع والسنن مثل مولود جديد. ولكنّه ليس سيّئاً.» يَخلص ثالث.

«هل هذه الحقول ملكه؟» يسأل كثير من الناس الغريبين عن البلدة.

«نعم. أظنّ أنّ الأبرص كان أحد خدّامه أو أحد فلّاحيه، ولكنّه كان يتغاضى عن وجوده في الجوار، وأظنّ أنّه كان يطعمه كذلك.»

الحوار مستمرّ، ولكنّ يسوع يُفلِت منه منادياً الاثني عشر إلى جانبه، حيث يسألهم: «والآن ماذا ينبغي لي أن أقول لكم حول قلّة إيمانكم؟ ألم يُرسِل الآب خبزاً لنا جميعاً، وبِيَدَيّ مَن تُضمِر لنا طَبَقَتَه العداء؟ آه! يا قليلي الإيمان!... ولكن اذهبوا وناموا في العشب الوثير. سوف أصلّي إلى الآب ليفتح قلوبكم، وأشكره على صلاحه. السلام لكم.»

ويمضي إلى مشارف منحدرات الجبل. وهناك يجلس ويختلي بنفسه في الصلاة. وهو، إذ يرفع عينيه، يرى قطيع النجوم المتلألئة في السماء. وإذ يخفضهما، يرى قطيع النيام المتمدِّدِين في الحقول. لا شيء آخر. ولكن هذا كان فرح قلبه حتّى بدا أنّه يتجلّى نوراً.



غير متصل my hope

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 88
    • مشاهدة الملف الشخصي
تمهيد: يتحدث المسيح في هذا القسم عند ارادة الله وكيف يجب ان تحترم. ويتكبم عن الجملة الشهيرة في الكتاب المقدس والتي تقول ليس كل من يقول يا رب يا رب يدخل ملكوت السماوات.

الجزء الثالث / القسم الأول

36- (في أسفل الجبل. السبت بعد الحديث)

01 / 06 / 1945

يَبتَعِد يسوع قليلاً أثناء الليل، يَصعَد على الجبل، بحيث يَجعَله الفجر يبدو وكأنّه واقف على منحدر شديد. وبطرس الذي يراه يدلّ رفاقه عليه، ويَصعَدون إليه.

«يا معلّم، لماذا لم تأت معنا؟» يسأل البعض.

«كنتُ في حاجة إلى الصلاة.»

«ولكنّكَ في حاجة ماسّة إلى الاستراحة.»

«أصدقائي، أتاني صوت من السماء، أثناء الليل، يسألني الصلاة من أجل الصالحين والسيّئين، وأيضاً من أجل ذاتي.»

«لماذا؟ هل أنتَ في حاجة إليها؟»

«كالآخرين. إنّ غذاء قُوَّتي هو الصلاة والفرح في إتمام مشيئة أبي. لقد أشار إليَّ أبي باسمين لشخصين، وبألم لي. وتلك الأمور الثلاثة تستوجِب الكثير من الصلاة.» يسوع حزين للغاية، ويَنظُر إلى أتباعه بعين تبدو مُتوسِّلة، وهي تطلب شيئاً، أو تسأل. يتّكئ على هذا أو ذاك، وأخيراً يتّكئ على يهوذا الاسخريوطيّ متوقّفاً عنده.

يُلاحِظ الرسول ذلك ويسأل: «لماذا تنظر إليَّ هكذا؟»

«لم أكن أراكَ. فلقد كانت عيني تتأمّل شيئاً آخر...»

«ماذا؟»

«طبيعة التلميذ. كلّ الخير والشرّ الذي يمكن لتلميذ أن يُسبِّبه لمعلّمه. كنتُ أفكّر بالتلاميذ، بالأنبياء، بأولئك الذين ليوحنّا، وكنتُ أفكّر بتلاميذي. وكنتُ أصلّي من أجل يوحنّا ومن أجل التلاميذ ومن أجل ذاتي...»

«إنّكَ حزين وتَعِب هذا الصباح، يا معلّم. بُحْ بغمّكَ للذين يحبّونكَ.» يُلحّ بالطلب يعقوب بن زبدى.

«نعم. قُل، وإذا كان هناك ما يمكنه أن يخفّف عنكَ، فسنفعله.» يقول يوضاس ابن عمّه.

يتحدّث بطرس مع برتلماوس وفليبّس، ولكنّني لا أُدرِك ماذا يقولون.

يجيب يسوع: «كونوا صالحين. اجتَهِدوا في أن تكونوا صالحين وأوفياء. ذاك هو ما يعزّيني، ولا شيء آخر، يا بطرس. هل سمعتَ؟ دَع الشكوك جانباً. أحِبّوني وأحبّوا بعضكم بعضاً. لا تَدَعوا الذين يبغضونني يَستَميلونكم. أحبّوا خاصّة إرادة الله.»

«هه! إذا كان كلّ شيء يأتي منها، فأخطاؤنا ذاتها تأتي منها!» يُعبِّر توما عن رأيه وكأنّه فيلسوف.

«هل تظنّ ذلك؟ ليس الأمر هكذا. إنّما هناك أناس كثيرون مُستَيقِظون ويَنظُرون هنا. لننـزل. ولنكرِّس اليوم المقدّس بكلمة الله.»

يَهبطون بينما يتزايد عدد المستيقظين. الأطفال، مبتهجين كالحَسَاسِين، أصبَحوا يُناغُون وهم يركضون ويقفزون وسط الحقول. يبلّلهم الندى، وتُسمَع بعض الصفعات متبوعة ببكاء. إنما بعدئذ يركض الأولاد إلى يسوع الذي يلاطفهم، معيداً إليهم الابتسامة، كما لو كان يعكس هذا السرور البريء في ذاته. طفلة صغيرة تريد أن تضع له في حزامه باقة زهر قَطَفَتها من الحقول، حيث «الثوب أجمل هكذا»، كما تقول، ويَدَعها يسوع تفعل، تاركاً الرُّسُل يُتمتِمون، وحتّى يسوع يقول لهم: «ولكن كونوا مسرورين لأنّهم يحبّونني! الندى يُزيل الغبار عن الورود، وحبّ الأطفال يَنـزَع الحزن من قلبي.»

يَصِل وسط الحجّاج، في الوقت ذاته، يسوع القادم من الجبل، ويوحنّا الكاتب القادم من بيته مع مجموعة من الخُدّام يَحمِلون سلال الخبز، وآخرون يحملون الزيتون والجبن وحَمَلاً صغيراً مشويّاً للمعلّم. يوضع كلّ شيء عند قدميه. وهو يُنظِّم التوزيع، مُعطياً لكلّ واحد رغيف خبز مع قطعة جبن وقبضة زيتون، ولكنّه يعطي قِطعة مِن الحَمَل المشويّ لإحدى الأمّهات التي تحمل على صدرها طفلاً يبتسم، وقد بَزَغَت أولى أسنانه. ويتصرّف هكذا مع اثنين أو ثلاثة هم في حاجة إلى التغذية بشكل خاصّ.

«ولكنّه لكَ يا معلّم»، يقول الكاتب.

«سوف آكل منه، لا يكن لديكَ شكّ. ولكن كما ترى... أن يستفيد البعض مِن صلاحكَ يجعله بالنسبة إليَّ أكثر لذّة.»

ينتهي التوزيع، ويَقضم الناس الخبز مع الاحتفاظ ببعضه لما بعد. كذلك يسوع يشرب القليل من الحليب الذي يصرّ الكاتب على سكبه له في فنجان ثمين مِن زجاجة مُقشَّشَة تُشبه الجرّة، يحملها أحد الخُدّام.

«الآن ينبغي أن تتكرّم عليَّ بمنحي فَرَح الاستماع إليكَ.» يقول الكاتب يوحنّا الذي يحيّيه حرماس باحترام وإيتيان بأكثر احتراماً.

«لن أرفض طلبكَ. تعال هنا.» ويبدأ يسوع الحديث.

«لقد جَمَعَتنا إرادة الله في هذا المكان، إذ إنّ المضي أبعد من ذلك، بعد المسافة التي قَطَعنَاها، يشكّل خرقاً للوصايا وسبباً للشكّ. مِن البرّ هو تقدّيس الأعياد وتمجيد الربّ في أماكن الصلاة. ولكن الخليقة كلّها يمكنها أن تكون مكاناً للصلاة، إذا عَرف الناس جعلها كذلك، برفع الروح صوب الآب. إنّ سفينة نوح كانت مكاناً للصلاة عندما كانت على الأمواج على غير هدى. وبطن الحوت كان مكان صلاة بالنسبة إلى يونان. وبيت فرعون كان مكاناً للصلاة، حينما عاش فيه يوسف. وكذلك خيمة هولوفرن بالنسبة إلى يهوديت العفيفة. ثُمّ أَلَم يكن مقدّساً جدّاً في عيني الربّ المكان الفاسد الذي كان دانيال النبي يعيش فيه عَبدَاً، مُقدَّساً بقداسة خادمه الذي كان يُقدِّس المكان، لدرجة استحقاق نبوءات المسيح السامية وسابق المسيح، مُفتاحيّ الأزمنة الحاليّة والأزمنة الأخيرة؟ فبالأحرى أن يكون مقدَّساً هذا المكان الذي، بألوانه وعطوره ونقاء هوائه وغِنى المحاصيل وجواهر الندى، يتحدّث عن الله الآب والخالق ويقول: "أنا أؤمن، ولتؤمنوا أنتم، لأنّنا شهود لله". فليكن إذن معبد هذا السبت، ولنقرأ في هذا المكان الصفحات الأزليّة على تويجات الزهور والسنابل المضاءة بمصباح السماء المقدّس.

ذَكَرتُ لكم دانيال، وقُلتُ لكم: "ليكن هذا المكان كنيسنا"، فهو يذكّرنا "بِبَاركِوا" البهيجة، التي رَدَّدَها الأطفال الثلاثة وسط لهيب الأتون: أيّتها السماوات والمياه، الندى والجليد، الصقيع والثلج، النيران والألوان، الأنوار والظلمات، الصواعق والسحب، الجبال والتلال، كلّ ما يَنبُت ويُفرِّخ، الطيور والسمك والحيوانات البرّية، مَجِّدي الربّ وبارِكيه مع البشر ذوي القلب المتواضع والقدّيس. هذا هو مُلخَّص النشيد المقدّس الذي يلقِّن المتواضعين والقدّيسين الكثير. فيمكننا أن نصلّي ونستحقّ السماء في كلّ مكان. نستحقّها عندما نتمّم مشيئة الآب. وفي بداية هذا النهار قيلت لي ملاحظة مفادها: "إذا كان كلّ شيء يأتي من الإرادة الإلهيّة فأخطاء البشر آتية كذلك من تلك الإرادة". وهذا خطأ، بل خطأ شائع جدّاً. هل يمكن لأب أن يرضى بأن يصبح ابنه مُستَوجباً الدينونة؟ لا يمكنه ذلك. ومع ذلك نرى ضمن العائلات بعض الأبناء يَستَوجِبون الدينونة، رغم أنّ لهم أباً بارّاً يرشدهم إلى الخير ليفعلوه، ويدلّهم على الشرّ ليهربوا منه. وما مِن إنسان مستقيم يدين هذا الأب بأنّه دَفَعَ ابنه إلى الشرّ.

الله هو الأب. والبشر هم الأبناء. يرشدهم الله إلى الخير ويقول: "ها إنّني أضعكَ في هذا الوَضع مِن أجل خيركَ"، أو أيضاً عندما يُسبِّب الخبيث وخُدّامه مِن البشر المآسي للناس، يقول الله: "هاكَ، في هذه الساعة العصيبة، تَصَرَّف هكذا، حينئذ يؤدّي ذلك الشرّ إلى جعلكَ تَكتَسِب خيراً أبديّاً". ينصحكم، ولكنّه لا يرغمكم. حينذاك، إذا ما فَضَّلَ أحدهم مخالفته، رغم معرفته أنّها إرادة الله، هل يمكن القول : إنّها إرادة الله؟ مستحيل.

أحِبّوا إرادة الله. أحِبّوها جيداً، أكثر من إرادتكم، واتَّبِعوها ضدّ إغراءات وسلطان قوى العالم والجسد والشيطان. فإنّ حتّى أولئك لهم إرادتهم، ولكن، الحقّ أقول لكم: الويل لِمَن يخضع لها. تَدعونَني "ماسيا وربّاً". تقولون إنّكم تحبّونني وتُهلِّلون لي. تتبعونني، وهذا يبدو لكم حبّاً. إنّما، الحقّ أقول لكم: لن يدخل جميعكم ملكوت السماوات، فحتّى بين أقدم وأحدَث تلاميذي، هناك مَن لا يَدخُلونها، لأنّ الكثيرين يَفعَلون إرادتهم أو إرادة الجسد أو العالم أو الشيطان، إنّما ليس إرادة أبي.

ليس الذين يقولون لي: "يا ربّ! يا ربّ!" هم الذين يَدخلون ملكوت السماوات، إنّما الذين يُتمّمون مشيئة أبي. أولئك فقط يَدخلون ملكوت الله. سيأتي يوم أُصبِح فيه، أنا الذي أحدّثكم، دَيَّاناً، بعد أن كنتُ راعياً. فلا يَغُرَّنَّكم مظهري الحالي، فاليوم عصاي، كراعٍ، تجمع كلّ النفوس المشتَّتَة، وهي ناعمة لتدعوكم إلى المجيء إلى مراعي الحقيقة. أمّا حينذاك، فَبَدَل العصا، سيكون صولجان الـمَلِك الديَّان، وسلطاني سيكون مختلفاً تماماً. فليس بلطف، بل بعدل لا يَرحَم، سأُفرّق حينذاك الخِراف التي تغذَّت على الحقيقة عن تلك التي كانت تَمزج بين الحقيقة والخطأ، أو التي تتغذّى فقط على الخطأ.

سيكون لي هذا الموقف مرّة أولى وثانية أيضاً. والويل لِمَن يَمثلون أمام الديّان ولا يكونون قد تطهَّروا مِن السمّ بين المرّة الأولى والثانية. الفئة الثالثة لن تتطهَّر، ولا يمكن لأيّة عقوبة أن تُطهِّرها. فهي لم تشأ سوى الخطأ، وستبقى في الخطأ. ومع ذلك، فحينذاك، يوجد بينهم من يقول وهو يئنّ: "ولكن كيف يا ربّ؟ ألم نتنبّأ باسمكَ، ألم نطرد الشياطين كذلك باسمكَ؟ وألم نفعل باسمكَ الخَوارِق الكثيرة؟"

وأنا، سوف أقول لهم حينئذ ، بجلاء تام: "نعم، لقد تجاسرتم على ارتداء اسمي، والظُّهور بما لستم عليه. لقد أردتم تمرير شيطانيّتكم بيسوع. ولكن ثمرة أعمالكم تدينكم. أين هُم الذين خَلَّصتموهم؟ أين تحقّقت نبوءاتكم؟ ماذا نَفَعت تعويذاتكم؟ ما هو الدافع لخوارقكم؟ آه! إنّ عدوّي ذو سلطان عظيم، ولكنّه ليس أعظم من سلطاني. لقد حالَفَكم لتكون لكم غنيمة عظيمة للغاية، وبعملكم توسَّعَت دائرة أولئك الذين سَقَطَوا في الهرطقة. نعم، لقد صنعتم الخوارق، حتّى إنّها، في ظاهرها، أعظم مِن تلك التي لِخُدّام الله الحقيقيّين، الذين ليسوا مشعوذين يَبهرون الجموع، ولكنّهم، بتواضعهم وطاعتهم يُدهِشون الملائكة. هُم، خُدّامي الحقيقيّون، بتضحياتهم، لا يَخلقون أشباحاً، بل يطردونها من القلوب؛ هُم، خُدّامي الحقيقيّون، لا يفرضون أنفسهم على البشر، ولكنّهم يَدلّون نفوس البشر على الله. هُم، لا يفعلون غير إتمام مشيئة الآب، ويقودون الآخرين إلى إتمامها. كما الموجة تَدفَع الموجة السابقة وتَسحَب اللاحِقة. إنّهم لا يَعتَلون عرشاً ليقولوا: "انظروا". هُم، خدّامي الحقيقيّون، يفعلون ما أقول، ولا يفكّرون إلّا بفعله، وأعمالهم تحمل خاتم السلام الذي لا يُقارَن والوداعة والترتيب. هاكُم لماذا يمكنني أن أقول لكم: هكذا هُم خُدّامي؛ أنتم لستُ أعرفكم. اذهبوا بعيداً عني، أنتم جميعاً يا فاعِلي الـمُنكَر".

هذا ما سأقوله لكم. وسوف يكون كلاماً رهيباً. اعمَلوا على ألّا تستحقّوه، وتعالوا في الدرب الآمن، درب الطاعة، رغم كونه مضنياً، إلى مجد ملكوت السماوات. والآن تمتّعوا باستراحتكم ليوم السبت، وأنتم تمجّدون الله من كلّ قلبكم. وليكن السلام معكم.»

يُبارِك يسوع الجمع قبل أن يتشتّتوا بحثاً عن الظل، وهم يتحدّثون جماعات جماعات، مُردِّدين الكلام الذي سَمِعوه. وإلى جانب يسوع، يبقى الرُّسُل والكاتِب يوحنّا الذي لا يتكلّم، ولكنّه يتأمّل بعمق مُراقِباً تصرّفات يسوع.

واختُتِمَت حَلَقَة العِظَة على الجبل.