العلاقة الجدلية بين الديمقراطية والتنمية الاقتصادية وحقوق الإنسان ومكافحة الفقر


المحرر موضوع: العلاقة الجدلية بين الديمقراطية والتنمية الاقتصادية وحقوق الإنسان ومكافحة الفقر  (زيارة 214 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل كاظم حبيب

  • عضو مميز
  • ****
  • مشاركة: 1180
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
كاظم حبيب
العلاقة الجدلية بين الديمقراطية والتنمية الاقتصادية وحقوق الإنسان ومكافحة الفقر
تشير الإحصائيات الرسمية إلى أن نسبة الفقر في العراق وصلت اليوم إلى 22،5% مقدرة على أساس عينة عشوائية، في حين أن الواقع العراقي يشير إلى إنها تزيد عن 30% من إجمالي السكان، ولاسيما في المحافظات التي تعاني من فقر مدقع تزيد في بعضها عن 50%، كما في محافظة المثنى. وطرحت اللجنة، التي شكلت لوضع استراتيجية تخفيف الفقر في العراق والمكونة من خبراء عراقيين وأجانب بالتعاون مع مؤسسات دولية مختصة، في مقدمتها البنك الدولي، برنامجا يتضمن مجموعة نقاط وردت التنمية الاقتصادية في آخر تلك التوصيات وأكثرها اختصاراً. وهو أمر مفهوم حين يكون البنك الدولي طرفاً رئيسياً في مثل هذه المعالجات المناهضة في جوهرها للإنسان عموماً والفقير خصوصاً، والمعبرة بصدق عن مصالح رأس المال والدول الرأسمالية المتقدمة.
تغيب عن هذه الاستراتيجية البائسة كل القضايا الجوهرية والمسائل الأساسية التي كانت وما تزال تعتبر السبب وراء وجود الفقر والفقراء في العراق، هذا البلد الغني بثرواته وقدراته البشرية وجمهرة المثقفين والعلماء والفنيين. ومن الملاحظ أن تفاقم حالة الفقر ونسبة الفقراء المرتفعة قد قادت وماتزال تقود إلى توترات اجتماعية لا يمكن لأي متتبع تجاوزها. (قارن: د. حسين أحمد السرحان، استراتيجية التخفيف من الفقر 2018 - 2022 في العراق، جريدة العالم، الخميس - 22 اب/ اغسطس 2019). (راجع أيضاً خطة التنمية للفترة 2018-2022، وزارة التخطيط، الجهاز المركزي للإحصاء) استراتيجية لتخفيف من الفقر).   
من البديهيات في علوم السياسة والاقتصاد والمجتمع الوقائع التالية: حين تغيب سلطة الشعب الديمقراطية، وحين تصادر الحريات وحقوق الإنسان وحرية وحقوق المرأة، وحين تغيب العدالة الاجتماعية، وحين تسقط من البرنامج التنفيذي الفعلي الرؤية العقلانية والتناغم المنشود في عملية تنمية اقتصادية وبشرية ناضجة ومستدامة، وحين يسود في الواقع نظام سياسي طائفي وفاسد، حيث يشكل الفساد نظاماً قائماً بذاته فعلياً ويمارس في جميع سلطات الدولة ومفاصلها وأجهزتها ومؤسساتها من القمة إلى القاعدة، وحين يهيمن الفاسدون وأحزابهم على مقدرات السلطة والمال العام والمجتمع، وحين تنتشر المافيات المنظمة تنظيماً عالياً ومرتبطة بدول الجوار وعلى الصعيدين الإقليمي والدولي ولها ميليشياتها المسلحة تسليحاً عالياً يفوق تسليح القوات المسلحة الرسمية، وحين تعمل بتخصص وفي جميع المجالات، وحين تمتد أذرعها إلى الاقتصاد الوطني وحياة الناس ومعيشتهم اليومية، عند ذاك اقرأ على أي برنامج مهما كان عقلانياً سليماً الفاتحة في مواجهة ومكافحة أو حتى تخفيف الفساد، فكيف والأمر مع استراتيجية تخفيف الفساد التي يشارك في وضعها البنك الدولي!                 
الديمقراطية وحقوق الإنسان ملح الحياة، حين ينقص الملح في جسم الإنسان يختل توازنه، وربما ينتهي ما لم يتم تدارك هذا النقص. والديمقراطية ليست فقط غائبة عن العراق، بل تعتبر في عرف قوى الإسلام السياسي كفر، ولكن ابتدع المحدثون منهم إمكانية وضرورة استخدامها كأداة أو وسيلة للوصول إلى السلطة ومن ثم التنكر لها لأنها منكر أساساً. إن أية إستراتيجية جادة وعقلانية لمحاربة الفساد تتطلب قبل كل شيء وجود نظام ديمقراطي حر يستند إلى دستور ديمقراطي يقر المبادئ الديمقراطية في تشكيل الدولة، وأعني بذلك إلى دستور يقر الفصل بين سلطات الدولة الثلاث وتمارسها الدولة فعلاً، والفصل بين الدين والدولة لصالح الدين والدولة في آن واحد، ومنع قيام أحزاب دينية طائفية في بلد متعدد الديانات والمذاهب، بل يفترض أن تقوم على أسس فكرية وسياسية ديمقراطية تؤمن بمبدأ المواطنة الحرة والمتساوية والموحدة، وترفض العنصرية والشوفينية والطائفية والتمييز الديني والمذهبي، وكذلك ترفض التمييز بين الرجل والمرأة من حيث الحقوق والواجبات والمواطنة. أي وجود دولة دستورية وبرلمان نزيه وقضاء وادعاء عام مستقلين، ورؤية واضحة لواقع العراق الاقتصادي والاجتماعي والبيئي والثقافي وقدراته المادية والبشرية من أجل وضع استراتيجية شاملة لمجمل الاقتصاد والمجتمع، بما في ذلك مكافحة الفساد والبطالة والإرهاب وغياب العدالة الاجتماعية. والسؤال العادل الذي يفرض نفسه علينا هو: هل هذه المتطلبات، بل حتى الجزء الأساسي منها متوفر في العراق؟ الإجابة نجدها في الكثير من المقالات التي تنشرها جريدة العالم أو جريدة المدى وصحف عديدة أخرى. فلو قرأنا مقالات السيد علي الشرع، التي تبحث في يوميات الاقتصاد العراقي والمنشورة في جردية العالم لتعرفنا على حقيقة غياب مستلزمات محاربة الفساد في العراق أو التوجه الفعلي صوب التنمية، أو لو اطلعتا على رسالة الأستاذ أحمد موسى جياد الموسومة: "ما هذا يا وزارة الكهرباء- متابعة مهمة مع ديوان الرقابة المالية الاتحادي الموقر"، بتاريخ 24/آب 2019، التي يكشف فيها ما يعتبر نوعاً من الفساد المبطن والمكشوف من جانب وزير الكهرباء، والأسلوب المخاتل الذي يستفيد من دولة وسلطة فاسدتين لا تريد الكشف عن الفساد والفاسدين، رغم وجود أناس شرفاء في هذا النظام الفاسد أيضاً، وهو ما يشير إليه الأستاذ جياد نفسه.
تقرير استراتيجية تخفيف الفقر يراهن على النظام القائم ويطالب من الفاسدين إصلاح بعض جوانب الفقر والفساد، ولكنه يبتعد كلية عن عملية تغيير بنية الاقتصاد الوطني والإدارة الاقتصادية، البنية الريعية التي أوجدت دولة ريعية نفطية فاسدة ومفسدة، إذ مثل هذه الدولة هي التي يحتاجها البنك الدولي والمؤسسات المالية الدولية الأخرى، وهو الذي يتجلى فيما رسمته خطة التنمية الخمسية 2018-2022. ومن يتابع القسم الخاص بالصناعة التحويلية في الخطة يدرك مدى ابتعاد المخطط عن تلك السياسية الاقتصادية والاجتماعية التي في مقدورها مكافحة التخلف والبطالة والفساد في البلاد. إن الحكومة الحالية تتحدث عن أهمية القطاع الخاص الصناعي، ولكن السؤال العادل هنا أيضاً: هل تساهم الحكومة في توفير مستلزمات تطوير وتوسيع قاعدة نشاط القطاع الخاص الصناعي أو حتى الزراعي، أم أن سياستها التجارية المفتوحة الأبواب على مصراعيها وسياستها الجمركية المتخلفة عن حاجات الاقتصاد الوطني وحماية الصناعة والزراعة المحلية، التي وضعها بول بريمر قادت وتقود إلى المزيد من منافسة الإنتاج المحلي وتدميره عملياً؟ كلا بأي حال، لإنها السياسات التي يروج لها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، وهي التي سوف لن تنهي التخلف والبطالة والفساد، بل تزيدها وتعمل على إعادة إنتاجها في البلاد!