ذكريات من دروب الامل... الحلقة الثالثة / عبور جبل شيرين


المحرر موضوع: ذكريات من دروب الامل... الحلقة الثالثة / عبور جبل شيرين  (زيارة 579 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل سرتيب عيسى

  • ادارة الموقع
  • عضو فعال جدا
  • *
  • مشاركة: 755
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
ذكريات من دروب الامل
عبور جبل شيرين
-الحلقة الثالثة-

 بعد ان تزودنا بالماء وقبل ان تبدا خيوط الفجر الأولى بدانا بالتسلق نحو قمة جبل شيرين في طرق لم تكن مطروقة ابداً. أحيانا كنا نخطو خطوة الى الامام وثلاثة الى الوراء. والطريق ما زال في منتصفه. بدأ مخزون الماء ينضب في حر آب اللهاب! أما الأكل فيبدو قد نسينا ضرورته. وبالإضافة الى ثقل اسلحتنا كنا نتناوب على حمل الطفلة ايوان. بعد مسافة تبين ان احد رفاقنا ليس معنا. عرفنا لاحقاً أنه لم يتمكن من التواصل معنا وقد نزل وسلم نفسه. فقط أنه لم يدل بأية معلومة للسلطة.
النهار بلغ منتصفه ونحن لم نزل في منتصف الطريق. بحثنا عن أماكن يتواجد فيها الماء. وعلامتنا في العادة أشجار الحور والاسبندار. ولاح لنا على مسافة بعيدة أن ثمة ما يشي بوجود الماء. لكن المسافة بعيدة ونحن عطشى وجوعى. لكنها إرادة الحياة التي تنبض في عروقنا لم تزل فاعلة. وصلنا أخيراً بعد مسير أكثر من ساعة. أطفئنا عطشنا وغسلنا وجوهنا وأجسامنا. لكن المكان كما هو معلّم بعلامات الحياة سيكون معلّم كذلك في خرائط من يلاحقنا. حاولنا الابتعاد عن مكان عين الماء والتخفي في تلافيف الصخور. ثم رويدا بدأنا بإكمال الصعود للوصول إلى القمة. ومن هناك صرنا نراقب حركة الجيش والجحوش في الوادي الذي صار تحتنا. كان الجحوش ينزلون من الجبل المواجه لشيرين وفي طريقهم كانوا يحرقون بيوت القرى التي تصادفهم. لكن قبل الحرق كانوا يحملون الدواب التي معهم بكل ما يمكن حمله من محتويات البيوت.
ومن تجربتنا تعرفنا كذلك على تجارب الفلاحين. لكثرة حالات الهروب وحرق القرى التي مروا بها، توصلوا إلى طرق يخفون بها الطحين والمواد الغذائية الجافة. يستخدمون لها الكهوف. لكي يتمكنوا في حالة العودة إلى قراهم من مواصلة الحياة. وهذا التكتيك المقاوم الجميل قد أنقذنا عدة مرات. استدللنا على أماكن إخفاء (الأرزاق).
على الصفحة الأخرى من الجبل شاهدنا معالم قرية. نزلنا باتجاهها. كانت معظم بيوتها لم تحرق بعد. رغم أن الوادي الواقعة فيه تحت سيطرة النظام ومنذ  عدة أيام. فقط أن الجيش لم يدخل الوادي. الواضح كانت هذه مهمة الجحوش.
وصلنا القرية واكتشفنا وجود طاحونة مائية، فيها طحين، دهن، برغل، رز، وقدور طبخ بل حتى الحطب كان هناك جاهزاً وكأنهم أدخروا كل هذا لنا. دخلنا البيوت وقمنا بتعتيم الشبابيك الصغيرة وسد الأبواب، لمنع خروج ضوء النار التي سنستخدمها في الطبخ وصنع الخبز. هذا الشيء المحرومين منه منذ أيام طويلة. يا إلهي كم كان الرز المطبوخ لذيذاً بعد الحرمان.. وحتى صرنا نتفنن بتقلية الخبز بالدهن. عملنا كميات كبيرة ستكفينا لأيام.
بعد ان شبعت البطون بدانا بالبحث عن رفاقنا التسعة. لكن لم نعثر لهم على أثر. لم نفقد الامل تماما لكننا حصلنا على مكان اختفاء جيد، رغم قرب الجيش منه. أُرسل أربعة رفاق منا إلى الجبل المطل على الحدود التركية لاستطلاع الطريق إلى هناك. وصرنا نتبادل الصعود للإبقاء على آخر المعلومات. كان الوقت بداية أيلول ونحن فوق قمة جبل أجرد وبملابسنا الصيفية ولا يمكننا إشعال النيران. النار كما هي صديقة للأنصار هي كذلك عدو لهم في مثل هذه الظروف.
كنا أربعة وللصدفة ينتمي كل واحد منا إلى طرف من أطراف جغرافيا البلد.. أحدنا من الجنوب والآخر من الموصل والثالث من منطقة بشدر وأنا من عنكاوا- أربيل. حاولنا أن نحمي أنفسنا من البرد عن طريق الاختفاء بين الصخور والمسننات ونتناوب على الحراسة والاستطلاع على أمل أن تتضح الرؤية بعد بزوغ الفجر. لكن ليس كل ما يشتهيه المرء يناله. مع خيوط الفجر الأولى، جاءنا الرفيق الحارس مرتبكاً. قال:
- التقيت بشخص مسلح وكلانا خشينا من بعضنا. كل منا هرب باتجاه معاكس.
ناقشنا الأمر بسرعة وارتأينا الإنسحاب قبل أن يُكشف أمرنا. وقبل النزول باتجاه الوادي بضعة أمتار، جاءنا صوت قوي من فوق مع قرقعة سلاح وسحب أقسام البنادق. صاح بنا باللغة الكوردية اللهجة البهدينانية:
- من  أنتم؟
كانوا أكثر من 20 مسلحاً موجهين أسلحتهم باتجاهنا ونحن على مرمى حجر بالنسبة لهم. سارع أحدنا للإنبطاح خلف صخرة استعداداً للقتال. لكنهم لم يطلقوا النار. بل كرروا السؤال نفسه: من أنتم؟
قلنا:
- نحن بيشمركة!
قالوا:
نحن فرسان ولا نريد ان نقاتلكم.
لسان حالنا يردد ونحن كذلك لا نريد قتالكم.. من الغباء والحمق ونحن بهذا الوضع المكشوف أن ندخل معركة. قلنا:
- نحن كذلك لا نريد القتال!
وبعد مفاوضات قصيرة كل من مكانه، اتفقنا أن يتقدم منهم اثنان غير مسلحين . لأننا في هذا الاثناء كنا قد اتخذنا لنا مواقع قتال خلف الصخور، رغم يأسنا من إمكانية القتال أصلاً في هذا الوضع. وصل اثنان منهم. وعرفنا أنهم من سكان المنطقة المجاورة ولم يكونوا معروفين بولائهم المطلق للنظام. وظهر أنهم يعرفون أحد رفاقنا الذي كان معنا في المفرزة المحاصرة في الوادي. وهذا قد سهل علينا الكثير من المشاكل. نزلوا معنا إلى الوادي وأعلمونا أنهم متفقين مع الجيش على إشارات خاصة ليثبتوا لطائرات الهيلوكوبتر أنهم أصدقاء وليسوا أعداء.
ألتقوا في الوادي بالرفيق الذي كانوا يعرفونه. وجرى التفاوض معهم اولا ! كيفية إيصال الطفلة أيوان إلى بيت خالتها في زاخوا. بعد أن أعلمونا استحالة الوصول إلى الحدود التركية، لأنها مسيطر عليها بشكل جيد من قبل الجيش وبقية الفرسان ، اتفقنا معهم ثانيا على ايصالينا الى الحدود التركية مقابل مبلغ من المال كان كبيرا نسبيا.
وهكذا استقرت المفاوضات ، أن نتخلص من عبئ الطفلة ونسلمها للجحوش. لكن المشكلة بدأت الآن. لأن الطفلة رفضت وبإصرار أن تذهب معهم. وصارت تتشبث بالرفيق الذي كان يحملها وكأنه أباها الحقيقي. صارت تصرخ بحرقة ولا تريد أن تتركنا وتذهب مع هؤلاء الغرباء، كما سمتهم. وأكاد أجزم أن كثيرين منا وجدوا أنفسهم يشاركونها الحزن والبكاء دون إرادتهم. صارت الدموع تنهمر بلا إرادة. داخلنا إحساس من يسلّم أبنته إلى عدوه. رغم أن الإجراء فيه مصلحتها. على الأقل سنحافظ على حياتها حين إيصالها إلى خالتها. أما حياتنا فكانت وستستمر في مهب الريح.
هكذا وسط بكاء وصراخ أيوان وألمنا لفراقها عاد الجحوش يصعدون الجبل أمام أعيننا بعد أن استخدموا دابة لإصعاد أيوان عليها. بينما أيوان طيلة الطريق كنا نحملها على أكتافنا. مع المغيب أختفت أيوان من أنظارنا وراء الجبل..
يتبع