كلام خطير في عمليات التفكير


المحرر موضوع: كلام خطير في عمليات التفكير  (زيارة 287 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل سـلوان سـاكو

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 349
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
كلام خطير في عمليات التفكير
بقلم/ سلوان ساكو
الكثير من البديهيات تغيرتّ اليوم، والكثير منا تغير أيضا في النظر للأشياء من حولنا خلال العقّود القليلة الماضية، وعلى غفلةّ منا تغير الزمان فلم يعود كما هو في الماضي القريب. الأسباب كثيرة ومتعددة في آنٍ واحد، ولكن يظل الجوهر هو هو، والماهية ذاتها، وهيَّ أنّ هنالك ثمةّ مُتغيرات طرأت علينا وأفكار باغَتت عقولنا سواء لاحظناها أمْ لم نلاحظها. وهنا باتَ علينا أن نطرح تلك التساؤلات العميقة عن موقع العطبْ في النفس البشرية، واين يكُمن الخلل يا ترى؟، هل هي في آليات التفكير الحديثة، أمَّ في صعوبة فهمنا للمفردات وطريقة طرحها من الأساس، والسؤال بجدّية أكبر عن طبيعة ذلك الصراع الفكري والثقافي مع الهوية الذي نواجهه نحنُ اليوم في بلاد الملجأ، والذي لم يفلح على ما يبدو إلى حدّ الأن في هندسة عملية استخراج الأجوبة الصحيحة من قعر النفس البشرية إلى سطح العالم الخارجي، والتعامل مع مفرداتها الثقافية بشكل سطحي وعدم وعيّ بالمرحلة الراهنة، أسرىّ تحت ظل الأفكار القديمة والبالية.
فعاليات ثقافية متعددة تُقام بشكل دوري، أسبوعية، شهرية، فصلية، موسمية. منها ما يكون ذوّ طابع ديني، كالأخويات الكنسية، مهرجانات، دورات لاهوتية، حفلات لجوقات الكنائس، حلقات لقراءة الكتاب المقدس. وثانية اجتماعية عامة، كحفل توقيع كتاب، أمسيات شعرية، ندوات فكرية. طيفٌ واسع من الفعاليات على جميع الأصعدة والاتجاهات ومن شتى الألوان؛ ولكن الشيء الوحيد الذي يجمعهم هو قلة الحضور، وعزوف الناس عن تلبية تلك الدعوات والنشاطات. أعضاء الأخويات يشتكون من العدد الضَئِيل للحضور، منُظمي الندوات الثقافية الشهرية حالهم ليس بأفضل من الباقي، كُتاب الأدب الرفيع، من الرواية والقصص القصيرة إلى كُتاب الشعر، وبعد جُهداً مضنيً يستمر لربما لسنة أو أكثر، وحينما يطلق الأديب منتجه الثقافي يكون عدد حضور حفل التوقيع مُخيبٌ للآمال. الأسباب لمنْ لا يريد الحضور كثيرة ومتعددة، وكلها مشروعة بالمناسبة، منها على سبيل المثال لا الحصر، مشاغل الحياة اليومية التي لا حدود لها اليوم في الدول الرأسمالية، استراليا، كندا، أمريكا. عدم التفرغ، العمل، المُناسبات الإجبارية، أيّ الحفلات. وحتى وأن صادفت الفعالية الثقافية يوم السبت او الأحد فسوف يكون جواب الشخص هو، هذا اليوم هو إجازتي الأسبوعية سوف اتمتع به مع عائلتي وأولادي. كل هذا الكلام صحيح بدون أدنى شكّ، وللعائلة مكانة مُقدسة عند أرباب الأسر بدون مزايدة من أحد. ولكن أيضاً تنمية الفكر والنفس لها مكانتها، ورفدّ الروح بِمَا يعلي من شأنها والارتقاء بها في الحقل الثقافي والإبداعي، والمشاركة الفعلية في النشاطات والفعاليات المُقامة، سواء بشكل دوريّ أو حتى فصلي، فلكل هذا أثره الجيد في النفس البشرية مِمَا يُثريها ويرفع من مقامها، ويجعلها ترتقي عن الماديات بعض الشيء في فضاءاتٍ أرحب وأوسع، لأنَ البون شاسع والفرق كبير بين الإنسان المثقف والإنسان العادي، وكل هذا لا يتأتَّى ألاّ عن طريق المعرفة والوعي والقراءات الجدية المُعمقة. بعد ذلك يأتي دور البناء الثقافي للفرد الوعي لذاته، وتأثيث مساره الفكري والمعرفي للنهوض بمستقبلها إلى اتجاهات أفضل وطريق أرقى في مَنَاحي الحياة. لكن الأمور ليست بهذه السهولة كما نتصور أو يتصور البعض، فأول ما نحتاج أليه هو قناعات راسخة في التعلم، وقبول فكرة الاستماع للآخر وتثقيف الأنا، الأنا الفلسفية، الأنا الدينية، الأنا الأدبية، الأنا التواقة للمعرفة، من هنا بالذات تأتي خطورة الطرح، ورهان الشخص على أناه في إدراكه لذاته وهويّته. ومرة أخرى والسؤال الأصعب والأهم هُنا، لماذا كل هذا العزوف والتراخي في تحصيل المعارف، وعدم إجهاد العقل والفكر في القراءة والاطلاع. فكما هو معلوم أن نسبة القراءة انخفضت عالمياً بشكل عام وعربياً بشكل خاص، وهذا يعطي مؤشر عن حجم تدهور الواقع الثقافي الذي يواجه العرب اليوم. فمتوسط معدل القراءة في العالم العربي لا يتعدى ربع صفحة للفرد سنوياً، وهذه كارثة حقيقية فعلاً. النتائج خلصت إليها لجنة شؤون النشر التابعة للمجلس الأعلى للثقافة في مصر. الغرب أفضل حال نوعاً ما، فالأوروبيون يقرؤون بمعدل 200 ساعة سنويا، أم العرب بمعدل 6 دقائق سنوياً، حسب مؤسسة الفكر العربي، وهذا يوضح لنا مدى الهواة الثقافية والعلمية التي نحن عليها اليوم. لن اقف عند الأسباب التافهة التي تكمن وراء أزمة القراءة بالغة العربية، كمثل منظومة النيتّ السريعة، والشبكة العنكبوتية للمعلومات سهلة المنال، وتحصيل أي شيء يطرأ على البال عن طريق محرك البحث كوكل، لَئِن ذلك غير مجُدي الأن، ولكن سوف اطرح الإشكاليات من وجهة نظر فلسفية منطقية، تخص بالأكثر الأعصاب والمُخ، وتطور علم الدماغ، عبر الرحلة الأولى للإنسان العاقل، هذا الانسان المعروف بـ(هومو إرجاستر)، الذي عاش قبل 1.6 مليون وستمائة سنة، والذي صنع الأدوات وكان صياداً بارعاً، كما تظهر عظامه، حيثُ كان عدّاء ماهراً، قادراً بفضل سرعته الفائقة على منافسة الرياضيين الأولمبيين المعاصرين. ولكن ال (هومو سابينس)، هو أهمْ من الاول بكثير في هذا البحث، حيثُ مرَّ بمراحل عديدة وتطورات كثيرة أنثروبولوجيا، كان ذلك قبل حوالي 350 ألف سنة مضت وخاصة في أفريقيا، في تلك المناطق الحارة حيث كان الطعام كثير ويفيض عن الحاجة، الأسماك والفواكه والطقس الجيد، والكثير من الغذاء البروتيني الفائض. بكلام أدقّ ما من مسوغ يجعله يعمل ويتعب من أجل تحصيل طعامه. فالأنسان المُنتصب لم يُخصص مساحة كبيرة من دماغه للتحكم باللغة والكلام، أيّ أنّها بيئة جيدة للراحة والكسل والتكاثر، استمرت بضعة آلاف من السنين. كل هذا افرزْ نمط آخر من الوعي، لنقل الوعي البسيط والبدائي. جوهره وهو عدم إجهاد العقل، وعدم إيجاد بدائل للتفكير، والركون إلى الراحة قدر المستطاع، ما دامت الحاجات الأولية من مأكل ومشرب وجنس متوفرة وبكميات تزيد عن الحاجة. كل هذا أعطى ترتيب لمنظومة جديدة لبشر (الهومو سابينس). بعد ذلك بفترات طويلة وحقب مُتعددة جاء إنسان المراحل التالية، تطور وعيه، وتطورت قابلياته ومهاراته بدرجات متفاوتة، وشغل وقت فراغه بمسائل أهم من سابقتها. ولكن ظلت هنالك بقايا ذلك الإنسان القديم موجودة في تلافيفْ عقولنا إلى اليوم، منها مثلاً عدم أعمال الفكر والمنطق وتوظيفهم لتوفير أشكال أخرى من التعليم، الركون إلى الراحة ما استطعنا لذلك، الأخذ بالمسلمات بشكل قطعي خاصة فيما يخص الدين، فليس كل ما جاء في الكتب المقدسة هو صحيح لا يقبل الدحض والنقد، فهناك في ثنايا النص الرمز والتفسير وهناك الاستعارة والكناية وهنالك الأسطورة والمجاز والعِبرة من الآية الدينية. اليوم وحسب رأي رئيس تطور الجهاز العصبي الروسي البروفسور سيرغي سافيلييف، أن دماغ الإنسان مكون على نحو لا يجعله راغباً بالعمل والقيام بجهد ما، لذلك لا يعمل إذا كان لديه فائضا من الغذاء والقليل من المعيشة، فحوالي 25٪؜ من طاقة الجسم تذهب للدماغ وعمليات التفكير، وهذا استهلاكٌ كبير بالنسبة للجسم، لا يقبله دائماً إلا في حالات خاصة جداً، وعلى هذا الأساس يقوم الجسم بخفض الطاقة إلى ما دون 9٪؜ وهذا مُعدل مقبول نسبياً ومتفق عليه، بعبارة أصح تَوَاطَأ من نوعاً ما ما بين المُخ والجسم. هذا يكون طبعاً على حِساب تفعيل أنماط التفكير المعقدة كالأبداع كالرسم والقراءة والكتابة والعزف أو تحصيل شهادة عليا…الخ. بشكل أصح يبرز الميل الشديد للكسل عندما تكون هناك دعوة لحفل توقيع كتاب أو ندوة شعرية أو ثلاثاء ثقافي أو أخوية كنيسة، يبرزّ على السطح فوراً جواب، (ما عندي كيول، ما أكَدر أجيّ والله مشغول هوايا، ما عندي وكَت صدق)، والصحيح علمياً ومن منظور فسيولوجي وظائفي إن شعبة الدماغ المسؤولة عن هذا الجانب المعرفي المهم والخطير، تعمل قدر الإمكان على عدم تلبية هذه النداءات الموجه للعقل، والسبب في ذلك هو الحِفاظ على الطاقة، وعدم التفريط به بسهولة. وهذه تكون بمثابة المخدرات الداخلية تعوق البشر عن الإبداع والتقدم والرقيّ بالنفس. طبعاً هذا لا يعني أنه لا وجود لمبدعين ومخترعين وعباقرة وعلماء ومؤلفين وكُتاب وقراء وفنانين، وألاّ كان الطرح ساذج إلى أبعد حدّ، ويقوض أُسس الحضارة وصيرورة التاريخ. لكن القصد هنا هو صعوبة فتحّ نافذة وخط جديد في التفكير المُسبقّ، لأنَّ البدائي الأصلي جهاز وبقياس واحد، يقول لك لا تعمل أخلد للراحة والسكينة، فكوب من القهوة بالحليب الساخن في يوم شتائي مُمطر يجعلك تغيب عن عملك ذلك اليوم. لربما نفس الشيء كان يحدث قبل مليون سنة في ذلك الإنسان الأول، ولكن في سياقات مختلفة وآليات معرفية أخرى، داخل الكهف الدافئ ومعه أنثاه وله من الأعشاب الشيء الكافي، لماذا إذاً يخرج للصيد! أنه شكل غريزي للسلوك، والغريزة كما هو مُثبت علماً موجودة عند الإنسان والحيوان على حد واحد، كالأكل والجنس والزعامة. وكل وهذا نابع من الجهاز الحُوفِيّ خلف المنطقة الصدغية للمخ، المسؤول عن التصرفات الهرمونية والبيولوجية الغريزية للفرد.
وفق ما جاء أعلاه ليس من اليسر والسهولة بمكان تثبيت خاصيات النجاح والإبداع، فهناك جهد مُضني وسهر ليالي وتعب في شقّ طريق النجاح لبلوغ الهدف المنشود، وقطف ثِمار الفوز في نهاية المشور والذي يستمر في أحياناً كثيرة لفترات طويلة دون تعب أو ملل، يذلل الصعاب دون كلل لغاية واحدة أسمه وهي النجاح رغم كل الإحباط المُحيط من حولنا.