المحرر موضوع: في القيادة، لا يغرق إلا السبّاح  (زيارة 863 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل ظافر نوح

  • عضو فعال
  • **
  • مشاركة: 70
    • مشاهدة الملف الشخصي
في القيادة، لا يغرق إلا السبّاح
ظافر نوح
 
 تخلق كلمة "القيادة" مشكلة في زماننا، إذ نرى فيها تحوّلات عميقة، بدأت تنكشف في انقياد الناس لهذا الشيء أو نفورهم منه. فبعد سنوات قضوها طائعين، لا يرفع أحد صوته، ولا يجرؤ على إعادة النظر في السائد من الأمور وذلك على كل الصعد: مدنية أو دينية، بل وحتى عشائرية. وكأن مصير الناس مكتوب على جبينهم. لكن اليوم لم تعد القيادة قدرًا وحتميّة، بل بالعكس، أصبحت حيرة وخوفًا، هذه الحالة تنبئ بتحولات عميقة، فهل هي من آثار العولمة، أم نحن إزاء بركان لتحولات أخرى أعمق؟ ماذا سيكون مصير العالم إن لم تكن فيه ثوابت، وهل القيادة من بين تلك الثوابت؟ في هذا المقال نحاول فهمَ الصراع العنيف الدائر بيننا وحولنا، بين طبقات مجتمع يأخذ فيه الإنتماء وجه السيطرة، فهناك منافسة للتمايز ما زالت تتأرجح بين الوراثة والكفاءة، ومن الذي سيغلب يا ترى؟ هذا ما يخفيه المستقبل، ونكتفي الآن بتحليل ما يساعدنا على فهم الحاضر.
   القيادة هي ممارسة سلطة على الآخر، وبدون لجوء إلى ضغط جسدي، لجعله يخضع لإرادة صاحب تلك السلطة، وإذا ما استثنينا استعمال القوّة، فستكون ظاهرة القيادة مرتبطة مع أصل الدافع إلى استعمال السلطة على الشخص المسلـَّط عليه، للتأثير على سلوكه. وهذا يعني أن كل قيادة تعتمد أرضيّة نفسيّة وفرديّة، وتعمل ضمن العلاقة بين الأمر والطاعة، وهذا ما يجعلنا نضع القيادة (السلطة) كظاهرة اجتماعية. وقد قام عالم الاجتماع الشهير ماكس فيبر (Weber Max) بتقسيم ممارسة القيادة إلى ثلاثة: التسلط (بالإنقلاب أو بالثورة)، و السلطة التقليدية (كالعشائر والحكم الوراثي) والسلطة العقلانية (البرلمان والإنتخاب والإقناع)، ثم أضاف لاحقًا إلى القيادة، طابعًا ضروريًا وهو تميّز أحد الأشكال الآنف ذكرها بكاريزما، أي أن يتمتع صاحبها بموهبة طبيعية وعفوية لهذا العمل. 
    يقول (هاملت) بطل مسرحية شكسبير: "تكمن عظمة الإنسان في اشتراكه في صراع عظيم". وهذه دعوة إلى الدخول في الجماعة لتحريرها مما يكبّلها من قيود، إذ لا تكتمل الصورة الإنسانية في الفرد، ولا تتحقق حياته إلا في هذه المشاركة في القيادة. وقد ذكر أفلاطون عن أحد الحكماء قال: "إن الذي لا يطالبنا بالمستحيل لا يكرّمنا تكريمًا كافيا" (كتاب جمهورية أفلاطون). فالحياة إذن تحتاج إلى تحمّل وصبر وتجاوز للمعوّقات، لأجل تحقيق ما هو نافع ومفيد وجديد للإنسان الفرد والجماعة.
    لقد توصّل عالم اليوم إلى وعي عميق بضرورة الحفاظ على حياة الناس، ومن أجل ذلك وضع الكثير من الضوابط، وفرض ذلك على عاتق جميع المواطنين، لذا تطالب مؤسسات المجتمع كل الناس أن يخضعوا ضمن نطاق إسمه القانون، وهذا يعطي صلاحيات كثيرة مدنية أو عسكريّة، لحفظ حياة كريمة للأفراد فأصبح شعارًا يردّده الجميع إلى حدّ الملل، وخصوصًا عندما تبنته كل النظم كشعارات جوفاء. من أجل ذلك تدعو الحاجة، في كل علاقة (حتى بين شخصين) إلى قيام قيادة توجّه بشكل صحيح تطلعات تلك العلاقة. وهنا تبدأ المشكلة، وهي: من هو الذي يقود، ومن يقرّر؟ فالكل يعتقد أنه يستطيع أن يصير قائدًا.

دور القيادة
     "عندما يقام قائد جديد، يتوقع الناس دائما أن تحدث على يده تحوّلات جديدة، ممّا يدفع بالبعض إلى انتظار كل شيء من القيادة، بتبعيّة إلى حدّ تقديسها والمبالغة في الخنوع إليها"، هذا ما يقوله توماس كارلايل في كتابه (عبادة البطل والبطولة في التاريخ ص77). فمبدأ القيادة إذن يرتبط بموقع المسؤولية، لأنها تبرز عندما يحصل القائد على موقع متميّز، ويصبح له أتباع، وتبدأ شهرته. كما تؤدّي القيادة دورًا مهمّا في كل مرحلة من مراحل الحياة الإنسانية. وفي بعض المجتمعات، وبالأخص تلك التي لها قيادات تعتمد على المتقدّمين في السن. وهذا شأن سارت عليه الأديان ايضًا، على اعتبار بأن المسن يتصف بالحكمة وقوّة التأثير الشخصي، والحفاظ على الموروث والتقاليد.
  كما نذكر شكلا آخر من أشكال التأثير القيادي في المجتمع، وهو ما حدث في فرنسا بتأثير شخصيّة نابليون بونابرت القائد العسكري الذي، على الرغم أنه زج فرنسا في حروب كثيرة آلت إلى دمارها وقتل خيرة أبنائها، إلى جانب ما كلـّفها من خسائر فادحة، ولكن إلى يومنا هذا، يكنّ الشعب الفرنسي له حبًا وتمجيدًا، أكثر ممّا يكنّه للفلاسفة الذين وضعوا أسس تنظيم حياة الإنسان والمجتمع. وقد رأى خصوم فرنسا في هذا الإعجاب شيئًا آخر، فقام الفيلسوف عمانوئيل كانط وهيغل بتحليل تعلق الفرنسيين بنابليون من باب الشعور بالتدنّي الذي كان الأرستقراطيون قد خلقوه في الشعب. فهذا الجندي البسيط صعد إلى قمّة الهرم، بشجاعته وقوّة ذكائه، وكان وراء صنع قوانين مدنيّة، مازال الفرنسيون يعملون بها، إلى جانب حنكته السياسيةّ. أما خسارته فهي، في نظرهم جانب بسيط، معتمدين المثل الشعبي: "لا يغرق إلا السبّاح"؟
   لقد أصبح موضوع القيادة جزءًا أساسيًا من دورة حياة كل مجتمع. فتركـّز الإهتمام في أن يكون الإنسان البالغ مثقفًا واعيًا، لكي يحصل على الصفات والمؤهلات القياديّة. فأصبحت القيادات، مع مرور الزمن، لا عسكرية أو سياسيّة فقط، بل هي اليوم تجارية واقتصاديّة وإداريّة أيضًا، وتقنية وغير ذلك! هكذا انقسمت المجتمعات إلى حديثة وتقليديّة، وقالوا: "الشخص المناسب، في المكان المناسب، وفي الوقت المناسب". فكيف تُسلـَّم مقاليد المجتمع إلى شيخ العشيرة فقط لأنه إبن الشيخ؟ وهل سيبقى الرجل في الأسرة هو القائد الطبيعي فيها لكونه رجلا فقط؟ وهكذا يمكن التساؤل على جميع المستويات وبخصوص مختلف الميادين.

ألقاب القيادة
     تميّزت القرون الثلاثة الأخيرة بتقلبات تخص ممارسة القيادة، وذلك باتخاذ العديد من الناشطين السياسيين، طرقـًا مختلفة، لبسط سيطرتهم على مجتمعاتهم، بلغت حد الهستيريا والجنون أحيانًا. ولا يمكن كاتب التاريخ الحديث والمعاصر أن يتجاهل ما أحدثته هذه الرغبة في قيادة حياة الناس من خلال اقتناص الفرص للقفز على زمام القيادة بجميع الطرق حتى لو تطلب ذلك استعمال القوة، ولعل كتاب (الأمير) للمفكر الإيطالي نيكولا ماكيافيللي (1469-1527) الذي فيه عرض فلسفة في الحكم، يدعو إلى نظام جديد حرّ دينيًا وأخلاقيًا، فأصبحت أفكاره، في ما بعد، مرادفة للدهاء السياسي والمكر والخداع، وهو صاحب المبدأ القائل: "الغاية تبرر الوسيلة". وهناك أدبيات كثيرة سارت عليها الأحزاب من اليمين أو اليسار سواء بسواء، حاولت بكل الوسائل الانقضاض على السلطة، والتشبّث بها، فرأينا العجب: ديمقراطيات ملكيّة وجمهوريات وراثيّة. وخلق هالة من تضخيم الألقاب والأوصاف، مما حدا بمفكرين مثل (غابرييل ماركيز) إلى كتابة كتابه الشهير (السيد الرئيس) الذي استلهم منه الممثل المصري الكوميدي عادل إمام مسرحيّة (الزعيم)، وقد أصبح نابليون الذي اتخذ لقب (الإمبراطور)، أنموذجًا لاحقًا فرأينا العجب في جمهوريّة أفريقيا الوسطى، وهي من أفقر دول العالم، أعلن رئيسها بوكاسا (1921-1997) نفسه إمبراطورًا، وأجرى احتفالات خياليّة لتنصيبه في عربة مذهّبة! وماذا نقول عن عيدي أمين دادا رئيس أوغندا الذي بقي إسمه أنموذج جنون السلطة وسادية الحكم، وهناك فرانشسكو ماسياس نغويما، رئيس غينيا الإستوائيّة، الذي لم يقلّ عن هؤلاء جنونًا في ممارسة سلطة فرض الرعب. يقول البعض: كان ذلك نتيجة لإعجاب هؤلاء القادة بمؤسسين لدول أفريقيّة، حصلت على الإستقلال في مطلع ستينيات القرن العشرين من أمثال: ليوبولد سيدار سنغور (السنغال)، وفيلكس هوفويت بواني (ساحل العاج) وجوليوس نايريري (تانزانيا). هؤلاء كانوا نماذج في الحكمة فاستطاعوا أن ينقلوا بلادهم إلى بر الأمان.
   ومن الملاحظ في عصرنا توظيف الألقاب الرسمية وغير الرسمية، لتصبح تعبيرًا عن تبجيل مفرط للقيادة. وهذا النمط من السلوك، سرعان ما امتد كي يظهر في مجالات أخرى مختلفة من المجتمع، بل حتى أخذ صبغة دينية وهذا التحوّل يحتاج إلى دراسة معمّقة. فلدينا مقارنة تضيء طريق البحث في هذا المجال، نأخذه من الحضارة المصريّة: فعلى مدى قرون كان الإعتقاد الشائع لدى المصريين القدماء بأن الخلود للفرعون فقط، لانتمائه إلى الألوهة، فبنيت الأهرامات بسبب ذلك، لكن آخر المكتشفات أظهرت بأن بعض (أسطوات) كانوا يتحايلون، فيسرقون من حجارة الهرم، ليبنوا أهرامًا صغيرة لهم، على اعتبار أن الهرم كقبر هو الذي يعطي الخلود، بحيث صار تحنيط الجثة، في زمن كليوباترا (69-31 ق.م) أمرا عاديًا للجميع، وهكذا الأمر مع مسلسل السلطة والألقاب، ومحاولة الصعود في سلّم المخيلة الجماعيّة، وتركيب هالة العظمة على الآخرين في زماننا.

نزعة حب القيادة
    يقول ديسموند موريس، عالم (الإيثولوجيا، وهو علم يدرس سلوك الحيوانات واللبائن بخاصّة)، إن ما يجمع بين سلوك الإنسان وقرد الشمبانزي، هو ميلهما إلى ممارسة العنف وحب السيطرة والتنافس من أجل إتباع ذكر رئيسي واحد يسود منطقة الصيد، إي إن الصنفين يفضّلان قائدًا واحدًا فقط. إلا أن الأمر يختلف قليلا مع قرود البونوبوس، حيث قيادة الجماعة بيد إحدى الإناث، حتى وإن كان فيها ذكر قوي. فالقيادة، لدى هذه الأصناف الحيوانيّة تقاس بعدد الأتباع، وتُظهر أنثى البونوبوس مقدرة أكثر فاعلية من الذكور. ويقول بوريس سيرولنيك (وهو من الإختصاص عينه): "حكمت المجتمعات البشريّة، لفترات طويلة إناث، خصوصًا في مجتمعات الرعي، ولم يتحوّل الذكر إلى الحكم إلا مع الزراعة"، ففي أساطير بلاد ما بين النهرين إشارات إلى ذلك، خصوصًا الأهمية التي كانت للإلهة "تيامات" الأم الأولى، وهذا مذكور في ملحمة أتراحاسيس البابلية. وهناك مثال آخر جدير بالدراسة وهو اليابان حيث كان حكم النساء سائدًا في القرون الوسطى، قبل حكم الإقطاع الرجالي والمسمى عصر (الشوغون).
   هكذا تنازع الرجال والنساء، منذ بدء الخلق، صراعا على القيادة، لكنّ هذه النزعة أخذت في أيامنا، شكلا عالميًا شاملا دارت حوله رحى العلاقات الدولية بل السياسيّة أيضًا. ففي بعض الدول أصبح هذا الجانب مقياسًا للتقدّم من خلال إعطاء دور للمرأة، لكن ذلك لم يمكن تحقيقه إلا في النظم الإنتخابية، التي سمحت للمرأة بالتصويت، فهناك فقط أُمكِن لنسبة النساء بأن ترتفع، فتبوأت المرأة مكانتها، لا كي تصبح ضابطا أو قائدًا أو رئيسًا أو وزيرًا، وإنما لتكون عنصرًا فاعلا في طبقات المجتمع كافة، من أعلى السلم إلى أسفله.

 أمراض تصيب القيادة
   إنّ أخطر ما يمكن أن تصاب به القيادة هو السلطوية العمياء، ولم تسلم منها أغلب المؤسسات في العالم، مدنية كانت أو دينية، بل نزل ذلك إلى الجماعات الصغرى والتكتلات والأخويات وحتى الأسرة. نذكر من صفات السلطوية إثنتين:
- الهيمنة المفرطة: وهي تحوّل في العلاقات من مقاييس خارجية تحتكم إليها القيادة، فيصير المزاج والإنفعال الشخصي هو المقياس، بل تصبح وجهة النظر الخاصّة إلى الأمور هي المفروضة، فيسود العلاقات أحادية الأوامر وتزمّت بالرأي، وبالتالي تأخذ السلطة زمام الأمور بدكتاتوريّة يتحوّل الآخرون لديها إلى أعداء (المواطنون خونة والأجانب جواسيس) يريدون الإنقضاض على السلطة، فتميل هذه السلطة إلى تبنّي موقف أقرب إلى جنون الإضطهاد (البارانويا) فتحيط نفسها بحلقات عديدة من الحماية، ثمّ تعود فتفسد الأمور باعتماد الانتماءات الضيقة كالطائفية والعشائرية والمذهبيّة، وعندئذ يموت الشعور بالمسؤولية وتنتهي المواطنة.
- التخاذل: وهذه الصفة من نتائج الهيمنة المفرطة أيضًا، وقد يظهر التخاذل على شكل تقوقع أو انهزام، وكلاهما انعزال وقنوط أو تهرّب من المواجهة وشلل في العلاقة، فيسود الروتين عندئذ ويعمّ الشعور بأن الآخر هو سبب التعاسة، ممّا يؤدي إلى ظهور قيادات أصغر فأصغر، وكأن الأمر إمتثالية ومزايدة على الدكتاتورية النازلة من فوق، وعندئذ، تتفشّى العزلة في أعماق الأفراد ولن يعود في المجتمع كلام صادق أو تبادل حقيقي ومشاركة، بل تسود الظنون والشك إلى ما لا نهاية. ومن أهم ما يظهر من نتائج سلبية على المجتمع المبتلى بالهيمنة المفرطة، هو الإنقسامات والتبعثر والتشظـّي، وهذه كلها أمور غير سليمة، يكون من نتائجها خلق طبقات في المجتمع منها:
طبقة المستضعفين: وهم الذين لا يعرفون إلا الطاعة والانقياد الأعمى للقيادة.
طبقة المستفيدين: وهم الذين ينتهزون الفرصة من الوضع القائم، حتى إن كان سيئًا، "يحزمون أحمالا ثقيلة، ويلقونها على أكتاف الناس، ولكنّهم يأبون تحريكها بطرف الإصبع" (متى 23/4).
طبقة المتذمرين: وقد يكونون من هؤلاء المثقفين الواعين، لكن لا حول لهم ولا قوّة، فيكتفون بدراسة الواقع وتحليله من دون جدوى، لا يجرؤون على قول الحقيقية، فهم يعرفون أن يقفوا عند حدود المسموح: كما لو كان كل واحد منهم "قد ابتلع رقيبًا" كما قال أحد الصحفيين، فمن يحمل موقفًا مضادًا لأي مؤسسة، يخاف على امتيازات الحاضر أو المستقبل.
  وجود هذه الطبقات يدخل المجتمع في حلقة مفرغة فيعود إلى الوراء، وتزيد الإتكالية لدى الغالبية، وتتشجّع هيمنة الأقلية السائدة، مما يؤول إلى ازدياد التطرّف، ولهذا قامت في كل النظم المتطرفة معارضة أكثر تطرفًا بمثابة مزايدة على التطرف الموجود، وكأن لا طريق آخر سوى علاج الهيمنة بهيمنة أقسى.
   إن القائد الفعال والنشيط ليس الذي يقوم بالعمل بنفسه، وإنما حين يخلق لدى جماعته شعورًا بالمسؤولية، فيحرّك القناعة لديهم. ويمكن التعرّف على ذلك بسهولة من خلال وجود كلام غني، مكتنز ونابع من الأعماق، فالرجل المناسب لن يكون في المكان المناسب، إلا إذا قال كلمة مناسبة، وما مرض النظم الأيديولوجية إلا في كلام فارغ لا يصدّقه أحد، ومن هنا يأتي التعويض بإسراف القيادات المريضة في الألقاب والأوصاف والنعوت التي تخرج من معانيها وتدخل ضمن الهستيريا، وقد رأينا أناسًا عوقبوا على زلة لسان. هكذا لا تصح القيادة إلا إذا مارست دورها عِبر ما يشعر به الآخرون في ضمائرهم ويعجزون عن تحقيقه، فالقائد فرد بين الجماعة يقنعها لتتبعه، وإن فشل يجب أن ينسحب. هكذا استطاع قادة عظام أن يسحروا شعوبهم من دون إرهاب أو تسلط، فالقيادي الصحيح يشعر الجميع بأنه يفعل ما في وسعه ويقبل الرأي المغاير، ويستفيد من الخبرات الجديدة، إذ ليست السلطة لديه امتيازا بل حكمًا عليه.

بين الخدمة والقيادة
   كلّ مؤسسة، دينية أو مدنيّة تمارس قدرًا من السلطة أعطيت لها لتجمع الجماعة، فهي في الأساس قيادة أخوية، نفسُها واحد هو الروح، وغاية قيادتها هي النمو في حياة التسامي بتناغم توازن الجماعة وتوازن الفرد. فبنيان جسم المجتمع يجعل الفرد يخدم الجماعة وهذه تقوم بتوفير ما لديها لتوازن الفرد. إنها الخدمة، ليست مجرد وظيفة بل ممارسة فضائل كالقوّة والودّ والتواضع. وهكذا يكون نفوذ لدى الشعب، فيمارس باستعمال سليم لقيادة الناس، والبشرية مدعوّة لتحيا حياة حقيقية عندما تفهم معنى الرحمة، وهي من أروع ما يمكن أن تتصف به المجتمعات الراقية، وهذا يظهر من حين لآخر إبان الكوارث، فنرى دولاً غنية بخيلة، وأخرى فقيرة سخيّة.


نجاح القيادة من رضى الجماعة
   تتفق دراسات عديدة على أن أهم مؤهلات نجاح أي قائد بين الجماعة هي:
- مهارة التقنية متعلقة بالمهمة الموكَلة إليه.
- حكمة في توجيه المبادرات والمشاريع.
- جاذبية شخصية يمارسها على الآخرين، وقدرة على استغلال ذلك لتحفيز العلاقات الأفقيّة.
- إحساس واضح بالغاية والأهداف وتشديد عليها والتزام في تطبيقها، واستقرار في المزاج، بلا تقلبات.
- إتخاذ معاونين ومستشارين للقيادة كفوئين ليكونوا نماذج للجماعة، لهم قدرة على الإختيار الصحيح.





خاتمة
    ترى المجتمعات الليبرالية اليوم في نُخَبها الموسّعة عاملا على التوازن وضمانة للديناميكية، بل هناك مجتمعات ليبرالية متقدمة جدًا تسعى إلى تحديد النخبة من خلال التنشيط الاقتصادي وزيادة الحريات الديمقراطية، لكن لهذا التوجه ظهرت أمراض ثقيلة كالبطالة وتدنّي حركة التقدم، إذ لا يمكن تجديد النخب إلى ما لانهاية. هذه الحالات خلقت معارضة ومقاومة لدى قطاعات وجماعات أخرى، لذا صار علماء الاجتماع يميلون إلى موازنة بين المسؤوليات التقليدية والنظم الحديثة في ممارسة القيادة، بشكل لا يُلغى شيئًا من أساليب الماضي قبل أن يوضع بديل صحيح.
ولمّا كان مجتمع اليوم لا يستطيع فصل السلطة عن فاعليتها في العمل، فمن هنا ظهرت الحاجة إلى تنويع في ممارسات القيادة وقدرتها على المبادرة. لكن يبقى سؤال مطروح هو: كيف نخلق مواطنين يشعرون بالمسؤولية؟ فعندئذ ستذوب النخبة وتخمد الصراعات بين القائد والجماعة.






غير متصل د.عبدالله رابي

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 819
  • د.عبدالله مرقس رابي
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
الاخ الاعلامي الحقوقي ظافر نوح المحترم
تحية
أود الاشارة والتأكيد على ان المقال في غاية الاهمية لانه يعالج أزمة القيادة من منظور أكاديمي علمي ،ولهذا جاء تحليلك بموضوعية.ومن جهة أخرى أن بلدنا بمؤسساته المدنية والدينية بحاجة ماسة لمعرفة الشيء الكثير عن طبيعة القيادة على كل المستويات ،وماهي العناصر التي يجب ان تضم السلوكيات القيادية .ولعل أهم ما في القيادة هو تفهم القائد أنه جاء من أجل الشعب أو الجماعة في المؤسسة التي يقودها وليس لذاته .ولكن مع الاسف نرى اليوم على كافة الاصعدة القيادية وفي كل المؤسسات السياسية والدينية والاجتماعية لا يفكر القائد الا أولا في تحقيق مآربه ونزواته الشخصية ،مما يسبب ذلك حدوث فجوة كبيرة بينه وبين الافراد، ومن ثم الفتور ،والاخفاق في تحقيق أهداف المؤسسة .
وقد وظفت خبرتك الميدانية في مسؤليتك وقيادتك لمنظمة مجتمع مدني ،وخبرتك الاكاديمية في الاختصاصين القانون والاعلام لدراسة القيادة من كل الجوانب النفسية والاجتماعية والقانونية، وطبيعة العلاقة مع الشعب ،ووضعت الاسس التي تمكن من القائد أن يكون ناجحاً بعد عرضك لماهية القيادة وانواعها .
نحن بأمس الحاجة أخي ظافر القدير لمثل هذه الدراسات لعله يستفيق قادتنا المدنيين والدينيين في بلداننا النامية وأخص بالذكر في عراقنا المجروح بأزمة القيادة، وثم لابد من أدراكهم لمعالجة هذه الازمة وفقاً لنتائج الدراسات الاختصاصية .فمن الخطأ أن يتصور أحد أن الاهم في المؤسسة هو القائد دون تفهم دور المرؤسين وطبيعة العلاقة بينهما ،فلابد من القائد اذا كان متواضعاً وناجحاً ومتفهماً لاهمية ودور الاخرين أن يستعين بخبرات الاخرين ويتفاعل مع الشعب، وبدون الشعب او الجماعة لايمكنه أن يحقق شيئاً.واذا أنحسر تفكير القائد أنه هو القادر  لوحده في خلق بيئة أيجابية لتحقيق مصلحة الجماعة فهو على خطأ ،وبهذه الحالة يتحول الى مفهوم الزعامة وليس القائد فيصبح دكتاتورياً بالرغم من انه يتظاهر بالتواضع ويؤكد ظاهرياً الاستعانة بالخبراء وأنه قد جاء لاجل الجماعة وليس لذاته .فكلها تُشكل سلوكيات تظاهرية وهمية،بدليل وجود الازمات تلو الازمات في مؤسسته أو قيادته .كما من مؤشرات الاخفاق لدى هكذا قائد كثرة التناقضات في تصريحاته وأعماله والتخبط في أتخاذ القرار والتسرع ،وثم اعادة النظر فيه وهكذا.
فالمقال درس لمن لايعرف عن القيادة شيئاً على كافة الاصعدة ،وانواع المؤسسات المدنية والدينية.
تقبل تحياتي
اخوكم
د. رابي

غير متصل ناصر عجمايا

  • عضو مميز جدا
  • *****
  • مشاركة: 2059
    • مشاهدة الملف الشخصي
الأخ والأستاذ ظافر نوح المحترم
تحية أخوية خاصة.
نتمنى لك مزيد من التقدم والتطور للصالح العام.
مقالة أكاديمية تستحق التقييم والتقدير، نشد على أياديكم مزيد من الكتابات والمساهمات الموضوعية، وانتم تملكون قدرات فائقة ومثمنة.
تقبل خالص تحياتنا الأخوية.
منصور عجمايا
22\09\2019

غير متصل يوحنا بيداويد

  • اداري منتديات
  • عضو مميز جدا
  • *
  • مشاركة: 2075
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
 عزيزي استاذ ظافر نوح المحترم
تحية
مقالك من المقالات الممتازة التي سلطت الضوء على مشاكل القائد والقيادة الناجحة.
اننا فعلا بحاجة الى مثل هذه الدراسات والمقالات التي تضيء النور امام الناس العاديين وكذلك القادة الفاشلبن.
تحياتيي
يوحنا بيداويد