المحرر موضوع: عشرة أعوامّ من العَزَلةْ  (زيارة 350 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل سـلوان سـاكو

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 352
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
عشرة أعوامّ من العَزَلةْ
« في: 03:33 26/09/2019 »
عشرة أعوام من العزلة
حينما عادَّ أبي من رحلته في الوِلَايَات المُتَّحِدَة الأَمرِيكِيَّة صيف عام 1993، أول سؤال تبادر إلى ذهني هو عن كيفية نمطّ الحياة في امريكا، فالصورة المرسومة في مخيلتي الغضةّ في ذلك الوقت المُبكر من وعيّ كانت أنعكاس لصور مأخوذة عن الأفلام الأمريكية في دور العرض (السينما)، الفتيات الشقراوات ذوّ الشعر الأصفر والأكمام القصيرة، اللاتي يتجولن في الشوارع بمشيتهن الرشيقة، السيارات السوداء الطويلة الفارهة، الدولارات المتساقطة من السماء في رُزمّ عديدة، مشاهد لعالم مُغاير عن عالمنا المُعاش، إلى أن صُدمت من الإجابة المُباغتة الغير متوقعة حين ردّ بكل هدوء وحكمة، يا أبني الحياة هناك ليست بالسهولة التي يظنها البعض، فالناس هنالك تعمل ليلاً نهاراً لمواكبة متطلبات المعيشة الصعبة، كثرة القوائم payment ، برود العلاقات الاجتماعية بين الناس بسبب ضيق الوقت، التسابق المحموم على أقتناء أفضل سيارة والتباهي به يوم عطلة الأحد. عالم كل ما فيه يصارع من أجل البقاء والعيش. دارت الأيام والأعوام، وبعد ترحال طويل بين عدة عواصم عربية أرست سفينتي أشرعتها في أستراليا، ودقت أَوْتَادَ الخَيْمَةِ فِي الأرْضِ، في البداية لم أنتبه كثيراً للفروقات الموجودة في ثنايا المجتمع المتفرع والمتشعب من كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ، ومع توغلي في الحكاية باتت الصورة تتضح شيئاً فشيئاً إلى أن اكتملت مع ضربة الفرشاة الأخيرة، وأصبح الإسقاط الأولى هو ذاته مع تغير الأمكنة لا أكثر ولا أقل، والأعراض ذاتها مع اختلاف الشخوص. جري محموم في تحصيل القوت، كثرة المتطلبات اليومية وهي في ازدياد مضطرد، وأهم من كل هذا وذلك هو البرود الواضح في العلاقات الأجتماعية، مما يجعل العزلة والتقوقع حول الذات تفرض نفسها على المشهد بقوة. صحيح طبعاً هناك ضيق في الوقت، والألتزام بعمل واحد أو بعملين في اليوم مما يُدعم من هذه العزلة ويُحجم دور الفرد أجتماعياً. ربما كان الوضع طبيعي لو كانت فترة التحولات هذه اكبر ولكن حدث كل هذا في غضون سنوات قليلة لا تتعدى العشرة، ولهذا نحتاج الى أن نقرأ الواقع المحيط من حولنا قراءة واعية ونرى الصورة الكاملة للمشهد وكيف وصلت الأمور لهذا الحد، وكيف أضعنا البوصلة في فهم الآخر وانتهت لغة الحوار. الكل باتَ يركض بسرعة تفوق سرعة الإنترنت بين القارات، الجميع مُنكب ومُنكس الرأس على هاتفه الجوال، في الحافلة في القطار في السيارة في الحديقة، حتى في البيت ضمن الأسرة الواحدة الكل منشغل بجهاز لا يتعدى حجمه كف رجل، كيف سيطر علينا هذا الكائن الملعون لا احد يدري، وكيف تماهينا معه إلى هذا المستوى الذي وصل حدّ الإدمان الجواب ذاته. إذن نحن أمام أشكال أخرى جديدة في عمليات انبعاث هذا التناقض ما بين ما هو حديث وجديد،  وأشكال أخرى يراها الجيل الصاعد طرق قديمة في التعامل، أو طبقة أخرى level ما عادت تنفع في هذا العصر وفي ظل هذا النظام الرقمي الهائل Digital system فتوسعت الهوة بين الأجيال ومازالت تتوسع أكثر مع الوقت، إلى أن يصبح ردمّ هذه الهوة مستحيل بمكان كي تأتي في النهاية مُضَمخَّة بقطيعة الوصال بين الأجيال تماماً وعزلة تستمر لمئة عام أخرى.