المحرر موضوع: الدولة المدنية والدولة العلمانية والفرق بينهما الجزء الثاني  (زيارة 228 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل شابا ايوب

  • عضو
  • *
  • مشاركة: 19
  • منتديات عنكاوا
    • مشاهدة الملف الشخصي
الدولة المدنية والدولة العلمانية والفرق بينهما
الجزء الثاني
العَلمانية واللائكية
العلمانية هي "الفصل بين الدين والدولة" أي أنها تعترف بالدين و لكنها لا تعتمد عليه في تشريعاتها و قوانينها. تواجدت العلمانية في فترة مُبَكِّرَة من التاريخ الفرنسي المعاصر استناداً إلى القانون الفرنسي لفصل الكنيسة عن الدولة عام 1905م، وامتد تفسير العلمانية الفرنسية ليشمل المساواة في التعامل مع جميع الأديان.
أما اللائكية هي مفهوم يعبر عن فصل الدين عن شؤون الحكومة والدولة وكذلك عدم تدخل الحكومة في الشؤون الدينية. فاللائكية في الأصل لا تعني اللادينية وإنما تعني عدم الانتظام في سلك الكهنوت الكنسي .(6 )..
واللائكية مرتبطة أكثر بالسيطرة على مؤسسة الدولة بهدف أن تصبح الحَكَمَ النهائي في تسيير مختلف المؤسسات بما فيها الدينية. إن الرهان الأساسي في هذه الحالة هو تحقيق استقلالية السياسي. مقابل ذلك تعد العلمانية نسقا تراكميا من التحولات يفقد معه الدين جاذبيته الاجتماعية.(7)
وتقدّم دائرة المعارف البريطانية تعريف العلمانيّة بانها: "حركة اجتماعيّة تتّجه نحو الاهتمام بالشّؤون الدُّنيويّة بدلًا من الاهتمام بالشّؤون الآخروية. وهي تُعتبر جزءًا من النّزعة الإنسانيّة الدّاعية لإعلاء شأن الإنسان والأمور المرتبطة به، بدلاً من إفراط الاهتمام بالعُزوف عن شؤون الحياة والتّأمّل في الله واليوم الأخير ".
للعلمانية مفهومان سوسيولوجي وقانوني. السوسيولوجي يعني تقلص مكانة الدين في السياق الاجتماعي من حيث الاعتقاد والإيمان ومسلك التدين الفردي والجماعي. والقانوني هو النظام الذي يُقصي الدين من الشأن العام، ويُكرس حياد الدولة إزاء مختلف الديانات صوناً لحرية الضمير والوعي.
العلمانية بالمفهوم الأول ظاهرة تاريخية اجتماعية، تثبت كل الدراسات أنها خاصة بالمجتمعات الأوروبية الغربية التي انخفضت فيها نسبة الإقبال على الدين اعتقاداً وممارسة، بينما لا يزال الحضور الديني قوياً في الولايات المتحدة الأميركية وبلدان أميركا الجنوبية وبقية العالم غير الغربي وفي مقدمته الشرق الأوسط والعالم الإسلامي.
أما العلمانية بالمفهوم الثاني، فهي نظام قانوني له صيغ كثيرة تتأرجح من بين الخصوصية الفرنسية التي هي الحد الأقصى في الفصل بين الدين والدولة والنظام اليوناني والدنماركي الذي ينص دستورياً على ديانة الدولة.

تعدد العلمانيات
لا توجد علمانية واحدة بل علمانيات ، والدول العلمانية تنقسم إلى ثلاثة أشكال ؛
1 هناك بعض الدول تنصّ دساتيرها صراحة على هويتها العلمانية مثل الولايات المتحدة وفرنسا وكوريا الجنوبية والهند وكندا.
2 دول أخرى، لم تذكر العلمانية في دساتيرها ولكنها لم تحدد دينًا للدولة، وتنصّ قوانينها على المساواة بين جميع المواطنين وعدم تفضيل دين على آخر والسماح بحرية ممارسة المعتقد والشرائع الدينية، مما يشكل صونًا لحقوق الإنسان وحقوق الأقليات الدينية، وهي بالتالي تعتبر دولاً علمانية مثل أستراليا وتركيا وأندونيسيا وأذربيجان والسنغال وآوزبكستان.
3 هناك الشريحة الثالثة من الدول وتنصّ دساتيرها على دين معيّن للدولة كالدنمارك وموناكو واليونان غير أن دساتيرها تحوي المبادئ العلمانية العامة، كالمساواة بين جميع مواطنيها وكفالة الحريات العامة، مع تقييد لهذه الحريات، يختلف حسب الدول ذاتها.
تعود جذور العلمانيّة لفلاسفة يونانيّين أمثال إبيقور. غير أنّها خرجت بمفهومِها الحديث على يد عددٍ من مفكّري عصر التنوير من أمثال جون لوك وفولتير وباروخ سبينوزا ودينيس ديدرو وتوماس جفرسون وآخرين، وعلى يد عدد من أعلام الفكر الحر خلال العصر الحديث من أمثال بيرتراند راسل وكريستوفر هيتشنز.
إنّ أول من أوجد مصطلح العلمانية هو الكاتب البريطاني جورج هوليوك عام 1851، ووصفها كنظام اجتماعي منفصل عن الدين غير أنه لا يقف ضده إذ صرّح: " لا يمكن أن تفهم العلمانية بأنها ضد المسيحية، هي فقط مستقلة عنها؛ ولا تقوم بفرض مبادئها وقيودها على من لا يود أن يلتزم بها. العلمانية تهتم بهذه الحياة، وتسعى للتطور والرفاه في هذه الحياة ... ". بناءً عليه، يمكن القول أن العلمانية ليست أيديولوجيا أو عقيدة بقدر ما هي طريقة للحكم ترفض وضع الدين كمرجع رئيسي للحياة السياسية والقانونية، وتتجه إلى الاهتمام بالأمور المادية الملموسة بدلاً من الأمور الغيبية.
ويذهب الكاتب عبد الرحيم العلام إلى نفس ما ذهب إليه جورج هوليوك من أنّ التنظيرات الفكرية، والتجارب السياسية في الغرب قد بينت أن العَلمانية لم تَتَأسّس على العداء للدين، وكان شعار الفكر العلماني في الغرب هو استقلالية الدولة التي لا تتأتّى إلا من استقلالية الدِّين، وأن التمييز بين العام والخاص وبين الدين والدولة، سيكون أكبر خدمة للدين والدولة بشكل مُتزامِن.(8)
العَلمانيّة في العربيّة مُشتقّة من مُفردة عَالَمْ (9)، وهي بدورها قادمة من اللغات السّاميّة القريبة منها وبصفة خاصة السريانية؛ أمّا في الإنجليزيّة والفرنسية فهي مُشتقّة من اليونانية بمعنى "العامّة" أو "الشّعب"، وبشكل أدقّ، عكس الإكليروس أو الطّبقة الدّينيّة الحاكمة؛ وبشكل عامّ، لا علاقة للمصطلح بالعلوم أو سواها، وإنّما يشير إلى الاهتمام بالقضايا الأرضيّة فحسب.
ما يتعين التنبيه إليه هنا هو أن مقولة العلمانية ظهرت في السياق الفكري العربي في خلفيتين مرجعيتين متمايزتين: خلفية فلسفية وضعية مناوئة للدين ترجمتها المدرسة التطورية المادية (شبلي شميل وسلامة موسى...) ، وخلفية أيديولوجية دينية انطلقت من مقولة ازدواجية الديني والسياسي في الإسلام، وبالتالي رفض أي تدبير دنيوي بشري للشأن العام خارج مفهوم «الحاكمية الإلهية».
في الدلالتين يتم توسيع معنى العلمانية خارج خلفيتها المصطلحية لتضمينها إيحاءات ومعان لا صلة لها بها، ولذا دعا المفكر المغربي الراحل محمد عابد الجابري إلى التخلي عن استعمالها واستبدالها بالمطلوبين الموضوعيين اللذين عادة ما تستخدم لأجلهما وهما المطلب العقلاني والمطلب الديمقراطي التعددي.

علاقة العلمانية بالليبرالية والديمقراطية
 إن الديمقراطية بمعناها الضيق وهو حكم الأغلبية بدون الاهتمام لحريات الأفراد فإنها لا تقتضي فصل الدين عن الدولة بالضرورة بل تعتمد على اختيار أغلبية الشعب التي قد تكون دينية. لكن إذا أدخلنا حرية التعبير اللازمة لمنافسة عادلة للمعارضة السياسية في تعريف الديمقراطية فيستلزم ذلك فصل الدين عن الدولة بما يسمح بحرية الأفراد في التعبير بلا قيود دينية، إذ بدون هذه الحرية لا يمكن للسياسيين والمفكرين العلمانيين أن يعبّروا عن آرائهم بشكل متساوي.
 وعلينا أن لا ننسى بأن الديمقراطية الصحيحة لا تتوقف عند الإنتخابات فقط ، ولا على من يفوز فيها بالأغلبية، وإنّما من خلال إلتزام هذه الأغلبية الفائزة  بالدستور المُقرْ، الذي يحدد سلطات كل من الأغلبية والأقلية في إطار الحق الكامل للمواطنة. كما أن حكم الأغلبية لا يعني حرمان الأقلية من المشاركة في صنع القرار. فالديمقراطية التي تأتي بأغلبية مستبدة وتتجاهل رأي الأقلية في كل قضية هي ديمقراطية مشوّهة ولا تُسفر عن أي إنجازات ذات قيمة على المدى البعيد. لأن من شأن هكذا ديمقراطية أن تُفقد الأقلية المعارضة دورها الرقابي الإيجابي في تشخيص الأخطاء والنواقص عند الأغلبية البرلمانية، كما تُضيّعْ حقوق الأقليات القومية والدينية.
كذلك فإن العلمانية بمعناها الضيق ليست الا جزءاً من معنى الليبرالية، فهي تفصل الدين فقط عن الدولة وهذا لا يكفي لضمان حرية وحقوق الأفراد بينما تفصل الليبرالية جميع المعتقدات الشمولية عن الدولة سواء كانت دينية أو غير دينية.
أما المعنى الأشمل للعلمانية المتمثل بفصل الدين عن الحياة والاهتمام بها على حساب الدين فهو واحد من الخيارات التي تتيحها الليبرالية لأفرادها كما تتيح لهم أيضاً الاهتمام بالدين على حساب الحياة إذا رغبوا ذلك بشرط عدم إرغام الأفراد على أي رأي معيّن بشأن الدين أو غيره.
وفي سياق أهمية الأخذ بالنظام العلماني في العالمين العربي والإسلامي بعد كثرة المجاميع الإسلامية المسلّحة وإنتشار التطرّف والإرهاب الديني منذ سبعينيات القرن الماضي، يثير الكاتب د. إبراهيم أبراش تساؤلاً ؛ لماذا المسلمون لوحدهم والعرب على وجه الخصوص من بين كل أصحاب الديانات الأخرى لديهم القابلية لممارسة العنف والإرهاب بكل أشكاله و حتى ضد انفسهم؟
ومن وجهة نظره لا يمكن تبرير ما يجري من عنف باسم الدين بنظرية المؤامرة فقط (أي أن قوى أجنبية معادية للإسلام والعرب تريد نشر الفوضى في العالم العربي خدمة لمصالحها ومصلحة إسرائيل وتشويه الدين الإسلامي) ، ولا بمنطق الفعل ورد الفعل (أي أن عنف بعض الجماعات جاء كرد فعل على عنف أكبر تمارسه دول الغرب الاستعمارية والإمبريالية وعنف الإرهاب الصهيوني الإسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني) ، بل هي مسألة ذات صلة بمنظومة التدين من نمط تفكير وسلوك يبنى عليه، وعلاقتهما بفهم النص المقدس والمغزى العميق للدين وعلاقته بالدنيا وخصوصا بالسياسة.
ويُعزي ذلك إلى " أن العقل العربي يستسهل التعامل مع أقانيم جامدة ومورثة، ويفضل النقل على العقل، فهو غير مستعد لمناقشة هادئة وعقلانية للعلاقة بين الدين والسياسة وإعادة النظر في مفاهيم وتفسيرات الأولين الذين اجتهدوا في زمان غير زماننا...".
بالتأكيد فإن المشكلة لا تكمن في الإسلام بحد ذاته بل في المسلمين وتجار دين يوظفوا الإسلام ويفسروه لخدمة مصالحهم الدنيوية. ويضيف؛
" يمكن إرجاع الإرهاصات الأولى لاختلاط والتباس العلاقة ما بين الدين والسياسة في العالم الإسلامي بعد وفاة الرسول مباشرة في اجتماع السقيفه، وأصبح أكثر تجليا منذ مقتل عثمان بن عفان والفتنة الكبرى. فالخلاف بين على ومعاوية لم يكن لأسباب دينية بل صراعا على السلطة والجاه، وهي المرحلة التي قال عنها العلامة ابن خلدون إن الخلافة منذ عهد معاوية تحولت لمُلك كمُلك العجم ".
أمّا الكاتب اللبناني جوزيف زيتون يرى أن مصطلح الدولة المدنية لا وجود له في المراجع السياسية كمصطلح سياسي، ولكن استخدام المصطلح إعلامياً يعني قيام دولة يكون الحكم فيها للشعب بطريقة ديمقراطية، ويكون أبناء الشعب فيها متساوين في الحقوق، وعدم ممارسة الدولة ومؤسساتها أي تمييز بين المواطنين بسبب الاختلاف في الدين أو الجنس أو الخلفية الاجتماعية والجغرافية. ولا يكون فيها الحكم لرجال الدين أو للعسكر.
واستبعاد رجال الدين في نظره لا يعني استبعاد المتدينين، ولكن المقصود ألا تجتمع السلطتان السياسية والدينية في قبضة رجل واحد حتى لا يتحول إلى شخص فوق القانون وفوق المحاسبة. (10)  لأنّ إذا تولى رجل الدين الحكم يكون من المستحيل رقابته، أو معارضته في حال سلوكه سلوك الفساد بسبب اعتبار الناس له ممثلا لله في الأرض، وهو أمر يفتح باب الفساد والاستبداد. وهذا ما نراه بأم أعيينا في كل من إيران ولحد ما العراق منذ 2003
 أما العسكريون لديهم إمكانية لأن يتحوّلوا إلى مستبدين، يضاف إلى ذلك احتمال ولاء الجيش لهم.
أمّا الدكتور أنور مغيث (11) فهو لا يرى فرقاً بين الدولة العلمانية والدولة المدنية ويتبادر للسؤال؛  لماذا إذاً يميل الناس إلى استخدام مصطلح الدولة المدنية أكثر من مصطلح العلمانية؟ يرجع ذلك فى رأيه لسببين: أولهما حملات التشويه الفكرى على مدى أكثر من نصف قرن على يد أنصار التسلط الدينى، والثانى هو أن مصطلح الدولة المدنية فى استخدامنا العربي له، فضفاض ومشوش مما يسمح بالتضليل والتلاعب.
شابا أيوب شابا
الدنمارك ـ 4 آيلول 2019
المصادر
(6) ويكيبيدياـ الموسوعة الحرة
(7) من مقال لعادل لطيفي بعنوان "دفاعا عن العلمانية والإسلام"
(8) الكاتب: د عبد الرحيم العلام، استاذ العلوم السياسية، جامعة القاضي عياض، مراكش.
 (9) العلمانية ـ الباحثون السوريون
 (10) د. جوزيف زيتون- الدولة العلمانية والدولة المدنية
(11) د.أنور مغيث  الدولة المدنية والدولة العلمانية.. هل هناك فرق