المحرر موضوع: عز الدين مصطفى رسول ...وداعا  (زيارة 348 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل ضياء نافع

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 545
  • منتديات عنكاوا
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
عز الدين مصطفى رسول ...وداعا
أ.د. ضياء نافع
حملت لنا الانباء قبل ايام رحيل الاستاذ الدكتور عز الدين مصطفى رسول . أثارت هذه الانباء حزني وذكرياتي , اذ اننا تعارفنا في موسكو عام 1960 , عندما كنّا ندرس اللغة الروسية , كي نلتحق بكلياتنا لاحقا , انا في الدراسات الاولية وهو في الدراسات العليا . كان كاكا عزي ( هكذا كنّا نناديه ) أكبر منّا عمرا ومعرفة وخبرة وتجربة في الحياة , ولهذا كنّا نكنّ له كل الاحترام وكنّا نتحفّظ في علاقاتنا معه , ولكننا ( اكتشفنا !) بساطته وطيبته المتناهية ومرحه الطبيعي الجميل اثناء الاختلاط معه , وهكذا اصبحنا – وبسرعة – اصدقاء قريبين معه . تعمقت العلاقات , رغم انه سافر الى باكو لاكمال الدراسة , وكان غالبا ما يزور موسكو , وكان يزور الجميع ويختلط مع الجميع , ويجد المواضيع التي يتحدث حولها مع الجميع . لقد تحدث معي مثلا حول المواد الدراسية في كليتنا , وعندما اخبرته , ان هناك مادة اسمها – ( مدخل في علم الادب ) . أثارت هذه المادة  انتباهه , وطلب منّي ان اشرح له تفاصيل اكثر عن طبيعة هذه المادة , ثم طلب ان يتعرّف على الكتاب المنهجي المقرر , وبعد ان تصفّحه , طلب منّي ان احصل له على نسخة منه , وقال , ان هذا الكتاب يستحق الترجمة الى العربية . حصلت على هذا الكتاب لاحقا , وارسلته اليه فعلا , وكان ذلك في حدود بداية الستينات على ما اذكر , ومرّت عشرات السنين , والتقينا في بغداد , وكان عز الدين مفصولا من الخدمة في الجامعة نتيجة الوضع السياسي والموقف تجاه القضية الكردية , ففال لي , انه الان يستطيع ان يتفرّغ للترجمة عن الروسية , ويخطط ان يترجم كتابين لنشرها ضمن منشورات وزارة الاعلام , وانه سيقترح اسمي , كي تحيل الوزارة لي  ترجماته للمراجعة , لانه يعرف موقفي تجاهه . وافقت انا طبعا , وكدت انسى الموضوع  , واذا بالوزارة ترسل لي فعلا - بعد فترة - مسودات كتاب ضخم عن  وقائع مؤتمر حول الآداب الشرقية بترجمته , وقد ظهر هذا الكتاب فعلا بترجمته ومراجعتي . ولازلت اتذكر اهمية ذلك الكتاب حول الاداب الشرقية , اذ انه يتناول بالعرض آراء ومناقشات باحثين متخصصين في الادب الصيني والفيتنامي وغيرها من الاداب شبه المجهولة للقارئ العربي , والتي لا توجد حولها مصادر بالعربية ولحد الان . ان هذا الكتاب , الذي ترجمه عز الدين عن الروسية يعدّ اضافة نوعية جديدة الى مصادر المكتبة العربية , ولازال يمتلك اهميته العلمية في وقتنا الحاضر . اما الكتاب الثاني , فقد كان عن علم الادب المقارن, وهو الموضوع الذي دردشنا حوله في تلك السنين الخوالي بموسكو آنذاك . ان هذين الكتابين بترجمة أ. د. عز الدين مصطفى رسول عن الروسية هما برهان ساطع على امكانياته ومهارته واستاذيته في مجال الترجمة عن الروسية ,  رغم انه لم يكن يتكلم عن ذلك بتاتا , ولم اسمع منه ابدا يوما , انه يتكلم عن امكانياته الادبية والفكرية عموما , وهي طبعا صفات العلماء وتواضعهم الاصيل, وكم أتمنى ان يقوم أحد طلبة الماجستير في قسم اللغة الروسية بكلية اللغات في جامعة بغداد بكتابة رسالة ماجستير , تدرس هذين الكتابين بترجمته , اذ ان هذا موضوع يستحق الدراسة فعلا عن مسيرة الترجمة عن الروسية  و تاريخها في العراق.
اختتم هذه السطور عن المرحوم عزي بالاشارة الى انه حاصل على شهادة دكتوراه علوم ( بالروسية – دوكتور ناؤوك , والتي أسماها الجهاز الاداري العراقي - ما بعد الدكتوراه) من اكاديمية العلوم السوفيتية في اواسط السبعينات , وهي اعلى شهادة علمية يمكن الحصول عليها في الاتحاد السوفيتي آنذاك , وفي روسيا الاتحادية الحالية ايضا , والتي لم يحصل عليها من العراقيين سوى بعض افراد ليس الا , منهم الدكتور كمال مظهر في التاريخ , والدكتور عز الدين رسول في الاداب , والدكتور ميثم الجنابي في الفلسفة . لقد بلغ تواضع أ.د. عز الدين درجة متناهية فعلا , اذ انه عاد الى العراق , ولم يستلم شهادته تلك , وكنت انا اتهيأ للسفر الى موسكو للمشاركة في الندوة العالمية لمدرّسي اللغة الروسية , فطلب مني ان استلم شهادته, واعطاني تخويلا بذلك . راجعت الجهات المختصة في موسكو طبعا من اجل استلام الشهادة , وبعد التي واللتيا (في صراعي مع البيروقراطية الروسية ) استطعت استلامها , واتذكر , ان الموظفة الروسية قالت لزميلتها , ان العراقيين يسمون شهادة الكانديدات دكتوراه , ولهذا ابحثي في سجل آخر , رغم انه يقول ( اي انا ) غير ذلك . قلت لها , ان صاحبي حاصل على شهادة دكتوراه علوم من اكاديمية العلوم السوفيتية , فقالت بحدّة , كيف حصل صاحبك العراقي على هذه الشهادة التي نحن الروس نحصل عليها بصعوبة بالغة , ولكنها اعتذرت لي بعد ان وجدوا , ان شهادة عز الدين مصطفى رسول هي حقا كما قلت لهم . ولازلت اتذكر حالة الزهو والفخر بعراقيتي , التي شعرت بها في تلك اللحظة  , وهي حالة نادرة في تلك الاجواء.
الرحمة والسكينة  لروحك ايها المفكّر والعلاّمة العراقي الحقيقي والاصيل الاستاذ الدكتور عز الدين مصطفى رسول ...