المحرر موضوع: القوش: الكهف والسنونو  (زيارة 276 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل سامي مدالو

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 89
    • مشاهدة الملف الشخصي
القوش: الكهف والسنونو
« في: 19:03 05/10/2019 »
القوش: الكهف والسنونو

مقدمة

كان يميز بيتنا على غيره من بيوت القوش موقعه المثالي على سفح الجبل كآخر بيت في شمال البلدة. فمن غرفة الجلوس التي كنا نسميها "ايوَن" كان باستطاعتنا القاء نظرة على كنيسة القوش ومناطق واسعة من القوش وسهل نينوى. فكان بمقدورنا مثلاً مشاهدة السيارات القادمة من الموصل قبل دخولها القوش بكيلومترات عديدة.

واما في الليالي المظلمة فكانت قابلية بصرنا في ما يخص السيارات القادمة الى مدينتنا تتضاعف او اكثر بسبب مصابيحها الكهربائية القوية الموجهة باتجاهنا. والاجمل من ذلك كله، هو ما نشاهده من البيت في ايام الربيع من الازهار الحمراء والبنفسجية التي كانت تشكل لوحة فنية رائعة حول دير السيدة الواقع شرق القوش.
 
الكهف كهفين

كان بيتنا يحتوي بالاضافة الى غرف عديدة كهفاً طبيعياً كنا نسميه " گپا"، نقضي فيه بسبب درجة حرارته الواطئة الجزء الكبير من ساعات ايام الصيف، بدءاً من الظهيرة وحتى غروب الشمس. قبلَ بناء بيتنا من قِبلْ والدي في الثلاثينيات من القرن العشرين، كان آباءه واجداده ـ اصحاب هذه الارض ـ  يستعملوه في قديم الزمان لوقاية ماشيتهم في ليالي الشتاء من البرد القارس، وفي ليالي بقية الفصول لحمايتها من الحيوانات المفترسة.

في الحقيقة كان كهفنا يتكون من كهفين متعاقبين. ففي حين استعملنا الكهف الاول للجلوس والاستراحة عند اشتداد وطأة حر الصيف القاسي، كنا نستعمل الكهف الداخلي  كثلاجة طبيعية لحفظ المواد الغذائية القابلة للتلف السريع في حر الصيف مثل جبن القوش الشهير، حيث كانت درجات حرارته اوطأ بكثير مقارنة بالكهف الخارجي. 

السنونو النادرالعندليب

لم اكن انا وأهلي الوحيدين الذين استمتعوا بحسنات هذا الكهف الفريد، بل كانت ترافقنا منذ القدم وكل صيف من جديد  ضيوفاً محبوبة لنا جميعاً، تقطع ربما مئات الكيلومترات لكي  تشاركنا  في السكن في كهفنا ونحن الشاكرون. كنا ننتظرها كل ربيع بفارغ الصبر وكاننا ننتظر احبائنا الذين فارقونا قبل سنة.... انها طيور فريدة من نوع السنونو النادر.




لم تكن هذه الطيور منتميةً الى نفس الفصيلة التي كانت تنتشر بالمئات كل صيف في القوش وفي مدن اخرى. كنا نسميها "صلوني بيرو". حدثنا والدي بانها تفضل العيش في كهوف جبلية فقط، لذا نستطيع تسميتها بالسنونو الجبلي. شكل جسمها وطريقة طيرانها كانا يميزانها كلياً عن السنونو المألوف. ولم يكن لنا علم بوجود مثيلاتها في القوش قاطبة او في اماكن اخرى. فكانت نادرة مثل كهفنا.

لهذا الطير صفات تميزه نوعياً عن اقربائه من السنونو العادي. فتصميم عشه مثلاً يختلف تماماً عن عش السنونو المألوف، شكله بيضوي مبني في وسط سقف الكهف تقريباً، ذو منفذ ضيق بشكل انبوب باتجاه باب الكهف الواسع.

ميزة ثانية لهذه الطيور عززت اعجابنا بها، وكيف لا، وهي نظافتها المطلقة بخلاف "ابناء عمها" المشهورين بمخلّفاتهم الغير المحبذة تحت عشهم. فكانت طيورنا تنقل فضلاتها وفضلات صغارها بالكامل لترميها بعيداً عن دارنا. ان هذا لم يكن بالطبع لغرض ارضائنا، بل بسبباً غريزياً بحتاً لتبديد الشك لدى اعدائها من الطيور والحيوانات المفترسة  والتمويه لها بعدم وجودها هنا.

عادة اخرى، قد تكون من احسن ميزاتها، اطربتنا واسرتنا في ذات الوقت، فقبل غروب الشمس بقليل، حيث تتراجع درجات الحرارة بعض الشيئ، كانت ضيوفنا هذه تجلس على الحبل الخاص بنشر الغسيل في فناء الدار لتغرد لدقائق كالعندليب بل واجمل، وكأنها تود انهاء يومها الشاق الذي تقضيه بأطعام صغارها بفترة ترفيهية لها ولنا لا بد منها، ربما مقتدية بالمثل القائل "كل عمل شاق يجب ان يعقبه الترفيه!". 

احلام الصغار

في احدى السنين، واظن انني كنت في العاشرة او الحادية عشرة من العمر، وبسبب كوني فضولياً كبقية الاطفال في هذا العمر، قمت "بالقبض" على اثنين من الصغار المساكين حال مغادرتهم للمرة الاولى العش وسقوطهم على ارض الكهف بسبب جهلهم بفن الطيران. فصبغت بتأني وحذر شديدين ريش صدرهم بحبر اخضر، كان والدي يستعملة لملئ قلمه الپارکر، "لأطلق سراحهم" بعد ذلك مباشرة. ولكن لماذا هذا؟  لقد أردت ببساطة معرفة: هل ان هذين الطيرين سيقومان بزيارتنا في السنة القادمة ام لا؟

فكم كانت كبيرة دهشتي وسعادتي في ربيع السنة التالية حين مشاهدتي لهاذين الطيرين الملونين بالحبر الاخضر وهما يحلقان فوق دارنا بصحبة اربعة طيور سنونو اخرى. اذن العائلة بكاملها اتت لقضاء الصيف في القوش او اطرافها وانجاب جيلاً جديداً من السنونو الجبلي اللطيف النادر.

ولكن، وبما ان لهذا الطير الفريد المذهل قاعدة تمنعه من السماح لابناء جلدته ببناء عشاً ثانياً في نفس الكهف، بقى بضيافتنا ككل سنة زوجاً واحداً فقط. واما الطيور الاربعة الاخرى ومن ضمنها طيورنا "الخضراء" فأختفت عن انظارنا بعد تحليقها فوق دارنا لعدة ايام، وطارت الى المجهول...

اين السنونو الجبلي اللطيف؟؟

كم كان ندمي وحزني كبيرين حين سماعي، وأنا في المانيا، بأن الدارالتي قضيت فيها طفولتي وشبابي هُدّمت من الاساس وبلا رجعة ليبنى بمكانها "قصراً" بالوان صارخة نشاز، لا تلائم برأيي ألقوش وطبيعتها. عذراً لسلبية رأيي في ما شيّد على انقاض بيتنا الذي ولدنا وترعرعنا فيه. فذكريات لاتحصى تربطني بهذا البيت وسكانه. المرحومين الوالدين العزيزين، المرحومة جدتي، ثم أخواتي وأخواني بأختلاف اعمارهم، بطفولتهم وشبابهم، وكذلك الاقارب والاصدقاء الذين قضوا معنا اوقاتا بالسراء والضراء.

بعد انتقال الوالدين مع بقية افراد العائلة الى بغداد في بداية الستينيات من القرن العشرين وتأجير البيت في الفترة الاولى، قرّرا، خاصة بسبب الاضرار الناتجة عن التأجير، بيعه للراهبات لاعتقادهما بانهم احسن المؤهلين للحفاظ عليه بأحسن صورة. ولكن . . .

لحسن الحظ تم تهديمه بعد وفاة والديّ. فكم كان سيكون مقدارالالم الذي كان سينتابهما في حال سماعهما بما جرى. ان ما يخفف من ألمي هو معرفتي بأن البيت الجديد ليس ديراً فحسب، بل ايضاً مأوى لبنات يتامى. فالمعذرة المعذرة ان كنت قد بالغت في نقدي لما حدث.
ولكن بالرغم من كل ذلك قررت زيارة البيت الجديد، بالاخص لاعتقادي بأن الكهف لا زال موجوداً. فهل من المعقول ان يُهَدّم كهفاً طبيعياً كهذا؟

في اثناء زيارتي لألقوش في تشربن الاول عام 2011  قمت بزيارة دير الراهبات لمعرفة مصير كهفنا التاريخي. بعد الترحيب بي وبأخي وزوجته من قبل راهبة شابة لطيفة المزاج، قادمة من بلدة كلدانية في كردستان لم اسمع بأسمها من قبل، متكلمة تقريباً لهجتنا الالقوشية، اقول بعد الترحيب بنا وتعريف انفسنا، عرضت علينا برحابة صدر التجول في الدير والميتم حسب رغبتنا. بعد القاء نظرة سريعة على بعض الغرف والقاعات اردنا بالواقع معرفة مصير كهفنا.

لقد كانت صدمتنا بالفعل كبيرة. فنعم، الكهف لا زال موجوداً كما توقعنا ولكن بأيّة صورة؟  بصورة لم نكن نتوقعها بتاتاً. ليس لانه الان يشكل كنيسة صغيرة، بل لانه غُيّر جذرياً من نواحي عديدة: مساحته صُغّرت بعُرضها، ارتفاعه قُلّل برفع قاعه (ارضيته) والاسوء من ذلك هو تعتيمه بدخان الفحم كما اظن. يا للاسف ما معنى هذا التعتيم؟ هل ليعطي انطباع مغارة في قديم الزمان، حرق ساكنيها الحطب للتدفئة شتاءً، ام ماذا؟ لست ادري. اما السنونو الجبلي الذي رافقنا كل صيف، فلم نعثر له عن اي اثر.... يا للأسف.

الكنيسة في كهفنا الصيفي