المحرر موضوع: الشخصية العراقية بين بوتقة الوردي ومصباح علاءالدين  (زيارة 1191 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل Janan Kawaja

  • اداري
  • عضو مميز متقدم
  • ***
  • مشاركة: 24032
    • مشاهدة الملف الشخصي
الشخصية العراقية بين بوتقة الوردي ومصباح علاءالدين
العراقيون بعد ستة عشر عاما من زوال نظام صدام حسين، يعيدون النظر الآن في كل ما فرض عليهم من تصورات حولهم وحول بلدهم.
العرب / عنكاوا كوم

انتفاضة المواطنين التي تعيد للعراقي اعتباره
حين يقرأ المرء هذه الكلمات المنشورة قبل سنوات في صحيفة عربية في مقال تحت عنوان “جذور العنف في الشخصية العراقية” ويرى كيف يتناول كاتب عربي موضوعًا حساسًا وخطرًا مثل الموضوع الذي عنون به مقاله، لن يجد ما يعلق به سوى أن ما شهده العراق إذًا وما تعرض له شعبه سنين طويلة، لم يكن بلا سبب. ولكن أي سبب؟

يقول ذلك الكاتب بلا تردد ولا رفة عين “لا يبدو الحجاج بن يوسف الثقفي، والي الأمويين على العراق سوى مجرد ظاهرة من ظواهر العنف العراقي القديم. على أن العنف كان قبل الحجاج واستمر بعده. ومن أشهر من لجأ إليه من الحكام عبدالله أخو أبي جعفر المنصور أحد بناة الدولة العباسية الذي لقب بالسفاح والذي لا تزال ضحاياه تئن في قبورها إلى اليوم”.

 أراد كثير من العرب تعميم صفات مغايرة لحقيقة الشخصية العراقية، وإلصاق الكثير من النعوت الوحشية بها، فهل كان ذلك بسبب جهل مطبق يكتنف مثل هذه التصورات التي يحملها العرب عن العراق أم كان الأمر مقصودًا؟ إذ كيف يمكن لمعلّم أطفال من الطائف قرب مكة أن يصبح عراقيًّا فجأة ثم يصبح دليلاً على عنف العراقيين؟ حاله حال بقية ما ضرب الكاتب من أمثلة.

النخبة العراقية تنظر إلى ما يجري في بغداد بتربص، وهي تعرف حق المعرفة أنها لم تساهم به ولم تحرض عليه، حتى أن أحد المتحدثين على الشاشات اتهم المتظاهرين بأنهم {عديمو الشهائد (العلمية)} وغيره قال إنهم جهلة ورعاع
 

انتفاضة الشعب العراقي اليوم، تعيد إلى الأذهان ذلك الظلم الكبير الذي تعرضت له الشخصية العراقية، حينًا بأيدي أبنائها وأحايين كثيرة بأيدي أشقائها وجيرانها. وقد وضعت تلك الشخصية العراقية تحت مجهر كثيرين، البعض أراد فهم ذلك التكوين الفريد، الذي يكتنفه التناقض والتأفف، وآخرون أرادوا هدم بعد حضاري يرونه من خلف العراقي وهم ينظرون إليه، أرادوا تدمير برج بابل من جديد.

وإن كانت المجتمعات العالمية قد حظيت بعلماء كبار رصدوا أدق التفاصيل في حياة مواطنيهم وخلصوا إلى استنتاجات عظيمة تعكس صورة تلك المجتمعات، فإن العراقيين لم يحظوا سوى بعلي الوردي، وهو على قامته الكبيرة، وإسهاماته المذهلة، يبقى وحيدًا في صحراء قاحلة جافة من الدارسين، قدم فيها اجتهاده الذي يمكن أن يجانب الدقة أيضًا.

تكوين ظالم ومظلوم
رأى الوردي أن العراق كان “بوتقة” تصهر البدو القادمين إليها من جزيرة العرب، مستفيدين من قوة الحضارة التي تمثلها جغرافيا العراق، وأيضا من السكان القدامى في ذلك البلد. ما سينتج لدى الوردي داخل الشخصية العراقية قيمتَيْن؛ قيمة بدوية وقيمة حضرية. ويعزّ على المرء، اليوم، أن يكتب عن الوردي بقسوة. وهو عالم جليل من طراز رفيع، لكن لنُصغِ إلى ما يقوله عن الشخصية العراقية: “التناقض موجود في كل بشرية ولكنه في النفس العراقية أقوى وأوضح، لأن قيم البداوة والزراعة قد ازدوجتا في العراق منذ غابر الزمن.

 فالعراقي ينادي بقيم الكرامة والغلبة ولكن حياته تجبره على الانصياع لقيم التحضر. وإني وإن كنت غير واثق من نتيجة هذه الدراسة؛ ولكني أجد كثيرا من القرائن تؤيدني فيما أذهب إليه. ومنها أن العراقي سامحه الله أكثر من غيره هياما بالمثل العليا ودعوة إليها في خطاباته وكتاباته، ولكنه في الوقت نفسه من أكثر الناس انحرافًا عن هذه المثل في واقع حياته، وأنه أقل الناس تمسكا بالدين، وأكثرهم انغماسًا في النزاع بين المذاهب الدينية، فتراه ملحدًا من ناحية وطائفيًّا من ناحية أخرى. العراقي بهذه الصفات ليس منافقًا أو مرائيًا كما يحب البعض أن يسمه بذلك، بل هو في الواقع ذو شخصيتين، وهو إذ يعمل بإحدى شخصيتيه ينسى ما فعل آنفا بالشخصية الأخرى”.

إحراق العلم الإيراني وسط بغداد، يفضح كم كان مفجعا أن تجعل الطبقة السياسية العراقية من العراق ملعبا للإيرانيين، لينهبوا خيراته ويزدروا أهله
ولكن بكم تختلف تلك السمات التي وضعها الوردي في الشخصية العراقية عن سمات سكان بلد مجاور مثل سوريا، أو مصر، أو غيرهما؟ فلماذا يوصف العراقي وحده بتلك العقد وتترك لغيره حرية التناقض؟ أين الوردي اليوم ليجيب؟

ينزل العراقي إلى الشوارع الآن، تحت شعارات عديدة، عالية القيمة، من بينها “نازل آخذ حقي”. وهو بالفعل يلخص القضية كلها، فحق العراقي ليس فقط في ثروته الضائعة، ولكن في شخصيته المنهوبة أيضا التي تناهبها الجميع.

العراقيون قبل الغزو الأميركي
لم يكن الوردي وحده هو من وضع إطارا ما للشخصية العراقية، فقد ساهمت في ذلك الظروف المعقدة التي عاشها العراقيون منذ أن تم تجاهل قدراتهم وإرسال ملك يهبط عليهم من السماء ليتولى عرش العراق العربي بعد قرون من التتريك، وصولاً إلى برمجة العقل العراقي بأيدٍ غير عراقية ليس أولها ساطع الحصري القادم من أنطاكية السورية، وواضع المناهج الدراسية والقواعد الأساسية لنظم التعليم، إلى الثورة العسكرية والانقلاب الذي قاده عبدالكريم قاسم أسوة بانقلاب عبدالناصر في مصر، ثم استيراد فكر البعث من خارج الحدود، وأخيرا استيراد الديمقراطية من أميركا والطائفية من إيران. وكانت لكفاح الشخصية العراقية من أجل مقاومة هذا كله، طيلة ذلك الوقت، مظاهر عديدة، وكان جوهر ذلك الكفاح تقديم المشروع العراقي العراقي، لا المستورد. ولكن البيئة اللازمة لإنضاج ذلك المشروع الوطني الصرف، لم تكن مساعدة في يوم من الأيام، فالداخل كان يغلي تحت وطء الاستبداد، والخارج يتشظى فيه العراقيون تحت ضغط المنافي ومصالح بلدان اللجوء والداعمين والمستثمرين في الملف العراقي.

استغرق العراقيون ستة عشر عاما بعد زوال نظام صدام حسين، ليعيدوا النظر في كل ما فرض عليهم من تصورات حولهم وحول بلدهم. فانتفض الشارع رافضا تلكَ الصبغة التي تصم الشخصية العراقية بالبداوة والطائفية والانحلال والتبعية في الوقت ذاته.

الشارع يطوي الصفحة

المتظاهرون في الشوارع العراقية يدركون أنهم يعيشون لحظة العالم ذاتها، لحظة ما بعد الأيديولوجيات، وقد واجهوا بأنفسهم حقيقة أن بلدهم البلد الغني بالنفط والثروات يحوله الفساد السياسي والمحاصصة الطائفية إلى بلد لا يشبه حتى أفقر بلدان العالم وأكثرها تخلفًا
يدرك العراقيون اليوم أنهم يعيشون لحظة العالم ذاتها، لحظة ما بعد الأيديولوجيات، وقد واجهوا بأنفسهم حقيقة أن بلدهم البلد الغني بالنفط والثروات يحوله الفساد السياسي والمحاصصة الطائفية إلى بلد لا يشبه حتى أفقر بلدان العالم وأكثرها تخلفا.

وحين أراد من أدركوا ذلك وقبضوا عليه مسك اليد، العثور على حل لعقدة الانقطاع الحضاري الذي تعكسه الشخصية العراقية في زمننا هذا، ذهبوا نحو الإشارة إلى ارتباط تلك الشخصية بعمقها الحضاري كما فعل قاسم

حسين صالح مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية، في كتابه “الشخصية العراقية من السومرية إلى الطائفية” الصادر حديثا عن دار العرب للنشر والتوزيع، والذي عني بدراسة الشخصية العراقية على مرّ العصور، مقدما شخصية الفرد العراقي بأنه ذاك الذي يمتاز بـ“خصائص سيكولوجية” صنعتها الظروف والأحداث التاريخية التي مر بها العراق. لكن أهم ما أشار إليه صالح هو الخطأ العلمي الذي وقع فيه الوردي في توصيف الشخصية العراقية؛ إذ يقول “الخطأ العلمي الذي وقع فيه أستاذنا الوردي أنه استعار مفهوما من علم النفس المرضي يخص حالات مرضية نادرة وطبّقه في علم الاجتماع وعممه على شعب بأكمله. والصحيح أن ما قصده الوردي هو حالة التناشز او التنافر أو عدم التطابق أو التناقض بين الفكرة أو المعتقد الذي يحمله الفرد، وبين التصرف الذي يقوم به، وهي حالة شائعة بين البشر، ولا ينفرد بها العراقيون أو يمتازون بها على غيرهم من الشعوب”.

لقد تم التعامل مع الشخصية العراقية على أنها حالة فريدة، وبناء على ذلك تم تركيب وصفات علاجية لمشكلاتها من خارج التاريخ. وما يقوم به الشارع العراقي اليوم هو إعادة تلك البوصلة الضائعة للوعي العام، وربما للنخبة، للتعامل مع الواقع كواقع، بعيدًا عن الشطحات النظرية التي تخرج العراقيين من سياقهم العالمي، وتزج بهم في منطق يتعامل معهم بعنصرية جديدة، تخرج حتى من بين ظهرانيهم.
ومن يصغي اليوم لإيقاع صوت الرصاص الذي تواجه به الحكومة العراقية صدور المتظاهرين العارية، لن يصعب عليه تمييزه عن صوت الرصاص ذاته الذي أطلق في شوارع دمشق وبقية المدن السورية وسابقا وتاليا بقية الشوارع العربية التي بات من المستحيل عليها القبول باستمرار الأوضاع على ما هي عليه. الحكم الديني والطائفية والقومية عوامل لا تسمن ولا تغني من جوع. كما لم تقو الفكرة الوطنية غير الناجزة على رفع المستوى الحضاري للإنسان العراقي.

وما حدث في البلدان التي سبقت العراق إلى الانتفاض، يحدث اليوم في العراق، فقد تسارعت الشخصيات التقليدية التي هيمنت على المشهد وساهمت في صنع مرارته، لتقدم نفسها كقيادة للشارع، بينما الأخير لا يكترث بها ويدرك جيّدا دورها الجوهري في أسباب انتفاضته. وزعيم التيار الصدري مقتدى الصدر مثال صارخ على تلك الفئة التي صعدت بعد الغزو الأميركي، وقادت باسم الزعامة الدينية الأسرية، وها هو اليوم يدعو إلى استقالة الحكومة حقنا للدماء، بعد سقوط قتلى وجرحى من المدنيين على يد القناصة ورجال الأمن والميليشيات المختبئة هنا أو هناك لتطويق المظاهرات.

الانتخابات البرلمانية المبكرة التي يطالب بها الصدر يشترط أن تكون بإشراف أممي، مصورا الوضع على أنه أزمة سياسية يحلها برلمان جديد. وهذا انعكاس آخر لقصور في فهم الوضع المأزوم الذي يمر به العراقيون، فهم لم يعودوا يكترثون بأي إصلاح سياسي، ولم تعد تنطلي عليهم خدعة تدوير السياسيين عبر الانتخابات والصناديق. وما يريدون اليوم هو قلب الطاولة كلها على من يحكمون العراق باسم أفكار لم يعد يؤمن بها العراقيون.

أما النخبة فتنظر بتربص، وهي تعلم أن ما يجري لا علاقة لها به، ولم تساهم به ولم تحرض عليه. حتى أن أحد المتحدثين على الشاشات اتهم المتظاهرين بأنهم “عديمو الشهائد (العلمية)” وغيره قال إنهم جهلة ورعاع. كيف لا تفعل النخبة هذا وهي ترى كيف يعريها الشارع ويفعل ما فشلت في فعله طيلة أعمارها سواء بالنضال الحزبي أو بالعمل الفكري المتعالي على الناس؟ ولا ينجو من هذا سوى قلة نادرة تعلم جيدا أن ما يحرك الناس اليوم إنما هو التاريخ والحتمية العلمية.

ضد من ينتفض الناس؟

الشارع العراقي يقوم اليوم بإعادة البوصلة الضائعة للوعي العام
ويكتشف رئيس البرلمان العراقي محمد الحلبوسي متأخرا، أن الفساد آفة مثلها مثل الإرهاب. وكأن هذا الأمر بحاجة إلى كل تلك الخسائر بمئات المليارات وملايين البشر بين قتيل ومهجّر، ليتوصل الساسة في العراق إلى أن الفساد مشكلة حقًّا، ولتدرك الطبقة الحاكمة للبلد الذي وضع أول شريعة للعالم قبل آلاف السنين أن عليها أن تسير وفقًا للقانون.

ولكن كيف كان سهلاً على تلك الطبقة السياسية أن تجعل من العراق ملعبا لإيران، تنهب خيراته وتحتقر أهله وتزدري كيانهم وتتباهى بإعادة العراق إلى الإمبراطورية الفارسية؟

ألم يقل علي يونسي، مستشار الرئيس الإيراني، حسن روحاني، وغيره إن “إيران اليوم أصبحت إمبراطورية كما كانت عبر التاريخ وعاصمتها بغداد حاليا، وهي مركز حضارتنا وثقافتنا وهويتنا اليوم كما في الماضي”؟ غير أن هذا كله انهار فجأة بإحراق المتظاهرين للعلم الإيراني وسط بغداد.

لا البوتقة التي حبس فيها الراحل الوردي الشخصية العراقية، ولا التعالي الذي مارسه عليها المثقفون، ينفعان اليوم. فالمصباح الشهير الذي عُرفت به بغداد، هو وحده الكفيل بتغيير الواقع المأساوي الحالي وإنزال الشخصية العراقية من صليبها الذي علقت عليه طويلاً.