المحرر موضوع: هل فكرة الله منتوج عقلي / الجزء السادس  (زيارة 184 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل يوحنا بيداويد

  • اداري
  • عضو مميز جدا
  • ***
  • مشاركة: 2071
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
نشر هذا المقال في العدد 24 من نشرة "نسمة الروح القدس" التي تنشرها ارسالية الروح القدس للسريان الكاثوليك في ملبورن بمناسبة عيد الصليب 14 ايلول 2019


هل فكرة الله منتوج عقلي // الجزء السادس
بقلم يوحنا بيداويد
1 ايلول 2019

 في اعداد السابقة سلطنا الضوء على فكرة الله (عالم الميتافيزيقي) من خلال الإجابة على السؤال التاريخي الذي طرحه معظم الفلاسفة " هل فكرة الله فعلا منتوج عقلي؟"
وفي هذا العدد سوف نسلط الضوء على محاولة الفيلسوف الرياضيات الألماني الكبير لبينتز(1646-1716م) صاحب نظرية "الموناد".
ان محاولته لإيجاد توافق او تحقيق مصالحة بين الفلسفة الميتافيزيقية والأديان السماوية من جانب والعلوم الطبيعية والمدرسة التجريبية من جانب اخر، ربما كانت المحاولة الأهم في تاريخ الفلسفة الحديثة من حيث عمق فكرتها وشموليتها كنظام كوني كامل.

من هو العالم والفيلسوف غوتفريد فيلهلم لبينتز؟
 يعد لبينتز أحد أعظم فلاسفة عصر التنوير الذي تركت آرائه اثرا كبيرا على الفلسفات الحديثة وعلم النفس والرياضيات، فكان بمثابة اكاديمية كاملة بمجملها، حيث كان بالإضافة فيلسوفا، كان عالما في الرياضات والفيزياء والفلسفة ومؤرخ وعالم لغوي ولاهوتي وسياسي بارع.
كما تعد مشاركة الفيلسوف الألماني لبينتز في تأسيس علم التفاضل والتكامل (حدث صراع حول من توصل أولا الى تأسيس علم التفاضل والتكامل بينه وبين العالم اسحق نيوتن) وإدخال الرموز في تفسير الفلسفي. فهو الاب الحقيقي المنطق الرمزي الحديث، وهو من الأوائل من تحدث عن نسبية المكان والزمان بثلاثة قرون قبل ان يضع آينشتاين النظرية النسبية التي غيرت مفاهيم النظريات والقوانين الفيزياء كليا.

نظرية الموناد
ما هي نظرية المونادات؟ وما هو القاسم المشترك بين الطبيعي وما هو فوق الطبيعي؟ وهل اثبتت نظرية المونادات وجودا لله فلسفيا؟ وما هو النظام الشمولي الجديد الذي وضعه هذا الفيلسوف الذي كان يرغب الهدوء والعمل بعيدا عن تسلط الأضواء.
لا تختلف نظرية لبينتز (الموناد) حول طبيعة الكون وعلاقتها مع خالقها من حيث الجوهر عن محاولات الفلاسفة الذي سبقوه بالأخص نظريات ارسطو وديكارت وسبينوزا.
وهذه فكرة مختصرة عن النظام الكوني الجديد الذي يربط بين كل الموجودات، وعن اهم خصائص لوحدة الجوهرية-الموناد وهي:
1-   كل الموجودات في الكون، ابتداء من الوجود الهيولي (الجماد) الى الموناد الأسمى، أي الله، او (الصورة المحضة حسب ارسطو)، تتكون من وحدات أساسية متشابهة متناسقة تدعى بالمونادات.

2-   ان هذه المونادات او (الوحدات الأساسية) هي قوى متجهة نحو الفعل (أي حركتها باطنية)، تشبه القوة الكامنة في شد الحبل الذي يدفع السهم للأمام بصورة تلقائية دون تدخل محرك اخر، فهي قوة متوجهة نحو تحقيق فعل دائما بكلمة أخرى قوة وسطية بين الوجود بالقوة والوجود بالفعل (حسب ارسطو).

3-   هي فعل كامن، او جهد مستمر نحو الفعل التام، فحاضرها يحمل ماضيها المثقل بمستقبلها، فالألية الموجودة في الظاهر، على السطح لأي موجود، يقابله تصرف الجوهر والصميم في الموناد لهذا الموجود، لهذا كل ما يحدث للموجود يحدث من الداخل (من جوهر/ الذي يمثل العالم الميتافيزيقي) ومن الخارج (آلياً بحسب قوانين الطبيعة).
.
4-   ان جميع المونادات خالدة لا تفنى ولا تستحدث، من هذا نستنتج حتى الجماد بحسب هذه النظرية هو كائن حي، لكنه في أدنى درجة من الانتظام، اما الموت الموجود في الطبيعة يقوم على تركيب وانحلال الأجزاء.

5-   المونادات خلقت بالضرورة ولها غاية. وما يبدو لنا كوناً هو (صيرروة الشي) وما يبدو لنا فساداً هو الانحلال او الموت.


6-   الله هو الموناد الأسمى في الوجود، ذو الدرجة المطلقة من الانتظام (الصورة المحضة لدى ارسطو)، عبارة عن روح خالصة، ليس له جسد مادي، هي (الموناد الأسمى، أي الله) خلقت بقية المونادات (الموجودات الأخرى عن طريق الفيض او الانبعاث (ارسطو + افلوطين).


7-   الموناد الأقل انتظاما عرفها لبينتز بالموناد الجرداء لان الحياة العضوية فيها معدومة، على الرغم من ذلك من حيث المبدأ هناك غائية ودرجة وقوة في داخل هذه الوحدة (الموناد)، لديها الاشتياق لتسير نحو الموناد الأسمى او الكمال (أي الله حسب ارسطو)، كما الحال في النبات او الحيوان او الانسان.

8-   الموناد الذي تكون النباتات هو أكثر انتظاما من الجماد (الهيولي)، اما عند الحيوانات التي لها النفس، التي تتجمع حولها المونادات وتعمل تحت سيطرتها وتقودها نحو قرارها (ميولها الغرائزي)، اما عند الحيوانات الارقى مثل الانسان المونادات تصبح تحت سيطرة الروح العاقلة، التي لها القابلية للاستذكار أي الشعور والوعي بوجودها، هكذا تستطيع ان تفكر وتعمل وتفكر وتشكل تصورات عن الله والجوهر واللامادي (الموناد الأسمى) عن طريق استخدام المبدئين التناقض والعلية.

9-   الاختلاف في الانتظام والكمية بين المونادات، لا يؤثر على الجوهر بل تبقى هي هي .

10-   ان المونادات تتصرف بمحاكات للذات الإلهية (الموناد الأسمى)، من هذا نستنتج الذات الإلهية تحاكي على أوجه لا متناهية، او بكلمة اخرى هناك عدد لا متناه من درجات الوجود، لان هناك عدد لامتناهي من المونادات، و لكل واحدة منها لها عالمها الخاص بها حسب درجة انتظامها.
 
11-   النفس الإنسانية لن تصل الكمال او السعادة المطلقة، كما يقضي مبدا الاتصال، وطبقا لهذا المبدأ ان عدد المونادات الموجودة في الكون هي لا متناهية العدد، كذلك ان المادة منقسمة الى ما لا نهاية أجزاء.

12-   كل موناد يدرك العالم كله!!، لانهما في محاكيات للذات الإلهية كما قلنا، أي كل واحدة منها مرآة لكل الموجودات، لان كل الأشياء متصلة فلا يمكن ادراك جزء دون غيره، لكن كل موناد له تصور خاص عن العالم ، أي يدركه من وجه نظر خاصة به حسب درجة انتظامه.


الخلاصة
نرى مرة أخرى يحاول أحد عمالقة الفلسفة في عصر فلسفة الانوار، ربما تكون المحاولة الأهم والأخيرة التي حاولت ايجاد الرابط  المخفي  (العقلاني) بين العالم الميتافيزيقي (السماوي) وبين العالم الأدنى (عالم الواقع) عن طريق وضع نظام جديد مبني على فكرة الموناد، التي تعتبر الوحدة الأساسية لكل الموجودات ولكنها تختلف في درجة الانتظام. وان انتظامها هو مقياس سموها واقترابها من الحقيقة او الصورة المحضة (الله) او الموناد الاسمى .