المحرر موضوع: موصلي يستعرض ذكرياته مع مسيحيي المدينة في جريدة القدس العربي  (زيارة 436 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل عنكاوا دوت كوم

  • مشرف
  • عضو مميز متقدم
  • ***
  • مشاركة: 34720
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
موصلي يستعرض ذكرياته مع مسيحيي المدينة في جريدة القدس العربي
عنكاوا كوم –خاص
استعرض الكاتب الموصلي المعروف عبد الواحد لؤلؤة جانبا من  ذكرياته التي اقترنت ببعض الحواضر الموصلية المسيحية خلال مقالة نشرها في جريدة القدس العربي .. وتناول لؤلوة في سياق مقالته اديرة زارها في صباه وابرزها دير مار ميخائيل ومار كوركيس حيث تطرق الى ما اقترن بذاكرته نحو تلك الحواضر وفيما يلي نص المقال .
 
في الموصل “أم الربيعين”: ذكريات العيش المشترك بين المسلم والمسيحي
عبد الواحد لؤلؤة
 
في هذه الأيام التي تُقلِقُنا فيها أخبار الصراعات الدينية والمذهبية، في شتى بقاع الأرض، علاوة على الصراعات السياسية، لا يقوى المرء على نسيان التحسّر على “زمان الوصلِ بالأندلس”. ففي عراق اليوم من الخلافات والصراعات ما لم نعهَده عبر عقود من الزمان مرّت على العراق منذ خروجه عن السيطرة العثمانية، بعد الحرب العالمية الأولى. لم تكن السياسة ولا مذاهبها، حتى أواسط القرن الماضي، وبخاصة بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، سبباً لخلافات بين الناس يمكن مقارنتها، ولو من بعيد، بما صار يجري في العقود الثلاثة الأخيرة. أما الخلافات الدينية والمذهبية فلا يكاد يوجد لها ذِكر في عراق الأربعينات، حتى العقدين الأخيرين. ففي الأربعينات كان صوت الشيخ النجفي هو السائد في قصائد وطنية عروبية عراقية، نذكر منها من أيام المدرسة:
 
أنتمُ مُتِّعتُمُ بالسؤددِ               يا شباب اليوم أشياخ الغدِ
 
كوّنوا الوحدة لا تَفسَخُها        نَزعاتُ الرأي والمعتَقَد
 
أنا بايعتُ على أن لا أرى      فُرقةً، هاكمُ على هذا يدي
 
والشبيبي النجفي الشيعي المذهب كان وزير المعارف، وكان نشاطه عروبياً وحدوياً، لا طائفياً يتلقّى توجيهاته من خارج الحدود.
 
ولم نكن نسمع بخلافات بين المسلمين والمسيحيين، على أي مستوى رسمي أو شعبي. وأنا شاهد من أهلها. فقد نشأتُ في مدينة الموصل القديمة، في أسرة شديدة التعلق بالإسلام، وحولنا أقدم الكنائس المسيحية، وكرام الأُسر المسيحية، الذين كنا نشاركهم، كما كانوا يشاركوننا، الأعياد والمناسبات الدينية. وفي المدرسة كان التلامذة المسيحيون لا يختلفون عن التلامذة المسلمين في شيء. كما كان المدرسون مزيجاً من المسلمين والمسيحيين. وكان الاختلاط والتعامل اليومي لا يفرّق بين مسلم ومسيحي. فقد كان في الموصل ونواحيها من المسيحيين ما يشكل حوالي 30 في المئة من السكان، وهي أكبر نسبة من المسيحيين في العراق. فكيف تحوّل “زمان الوصل في الموصلِ” إلى ما لا يرتضيه أي مسلم أصيل، أو أي عربي أو عراقي يحترم عراقيته وإنسانيته؟
 
كان المسيحيون سكان العراق الأوائل قبل فتح الموصل والجزيرة على يد عمر بن الخطاب سنة 637 م، يوم حمل إليها العرب حديثي الإسلام من جزيرة العرب، وأغلبهم من قبائل شمّر، الذين استقروا في الصحارى غرب نهر دجلة، ثم صاروا يقتربون من الضفة اليمنى لنهر دجلة، ولم يعبروا النهر، كما فعل المسيحيون الأوائل، القادمين من بلاد الشام ومنها فلسطين المسيحية. هؤلاء استقرّوا في المرتفعات شرق النهر، وهناك أقاموا قراهم وكنائسهم، وكانوا وما زالوا يتكلمون اللغة السوريانية (من سوريا) وهي المتطورة عن الآرامية، لغة السيد المسيح وفي بعض مناطق سوريا الجبلية، وبخاصة في “معلولا” كما في “صافيتا” ما تزال اللغة الآرامية مستعملة وفي تطور. كان الآشوريون سكنة جبال شمال العراق قبل ظهور المسيح بسبعة آلاف سنة، وكانوا أول العراقيين الذين اعتنقوا المسيحية. فقد دخل الآراميون من جنوب العراق قبل الميلاد، وكانوا من أوائل المسيحيين هناك، ومن ذرّيتهم النعمان بن المنذر ملك الحيرة الذي تنصّر عام 593 م ومن بعده انتشرت المسيحية في العراق الأوسط. وقد تم الكشف عن كنيسة في “عين التمر” في كربلاء، وهي أقدم كنيسة في العراق، وربما في العالم.
 
وليس في تاريخ العراق المدوّن ما يشير إلى تفرقةٍ أو تعصب ضد المسيحيين، وخصوصاً في العصر العباسي، حيث كان المسيحيون هم أهل المعارف التي أسست الحركة العلمية في العصر العباسي بما نقلوه إلى العربية من علوم الإغريق والهند وغيرهما.
 
وثمة جانب ثقافي ذو مغزى من انتشار المسيحية في العراق، وبخاصة في العصر العباسي، وهو انتشار الأديرة (أو الديّارات) بلغة أبي الفرج الأصبهاني، الذي خصص لها كتاباً كاملاً غطى عليه كتاب “الأغاني” لكنه يبقى كتاباً ذا قيمة تاريخية كبرى، لما يعرض من جانبه الثقافي.
 
وفي الموصل عددٌ من الأديرة، في الجانب الأيسر من نهر دجلة، حيث استقر المسيحيون الأوائل. كانت هذه الأديرة ذات حضور في ذهن الموصليين لأنها تقع في مناطق خضراء عبر النهر، في الموصل “أم الربيعين”. كنا في أيام المدرسة ننتظر حلول الربيع لنذهب في “سفرات مدرسية” إلى “دير مار كَوركَيس” أو إلى “دير مار ميخائيل” حاملين أنواع الأطعمة ولوازم الشاي، لنقضي ساعات قبل غروب الشمس للعودة إلى مدارسنا وبيوتنا. يقع “دير مار كَوركَيس” على مسيرة أقل من ساعة عن مركز المدينة غرب النهر، وكانت مسيرة المدرسة بأجمعها أو أغلب تلامذتها لا تُشعِرنا بالتعب، انتظاراً للانطلاق في الساحات المُعشِبة حوالي الدير، وتقاذف كرة القدم وتحضير الشاي ومشاركة المعلمين في ما نحمل من أطعمة. ويعتزّ الدير بتمثال شفيعه القديس كَوركَيس، الذي كان أول ما دمّره الدواعش المجرمون. لم تكن مهاجمة المسيحيين، بسبب اختلافهم عن الإسلام، الذي أساء الدواعش فهمه وممارسته، مسألة “مفهومة” لدى المسلمين والموصليين عموماً. فتمثال القديس كَوركَيس على حصانه وهو يطعن التنّين برُمحِه الطويل يجد مثيلاً له في جامع النبي جرجيس في “سوق الشعّارين” في الموصل القديمة. فعلى بوّابة ذلك الجامع العريق تعلو رُخامةٌ عريضة، كنتُ أتوقّف عندها في طريقي إلى المدرسة لأقرأ: زُر حضرةً مُلئَت نوراً وتقديسا / واقصدُ نبيّ الهُدى والفضل جرجيسا. والخط. بالثُلث الجميل، منقوراً على الرُّخامة تعلوه صورة القديس كَوركَيس (جورج) منقورة ببراعة أيضاً. وبعد التمتّع بالقراءة وجمال الخط كنتُ أقطع الشارع إلى حيث كان يوجد محِلاّن متجاوران يعمل فيهما “هرمز يلدا” و”ميخائيل شمعون” في تقطيع رخامة ضخمة إلى ألواح، يقوم الأول بالخط الجميل عليها: آيات من القرآن الكريم، وعبارة: الفاتحة، وهذا قبر المرحوم، ويا قارئاً كتابي، إبكِ على شبابي… فكنتُ أعجب من جمال خط الثُلث ومن براعة النقر بالإزميل، ولم يخطر لي ببال كيف يقوم مسيحيان بخدمة جامع، أو تحضير شواهد قبور إسلامية!
 
وكان “دير مار ميخائيل” الذي يبعد 6 كم عن مركز الموصل هو مقصدنا في رحلات مدرسية لاحقة وقد بني الدير في القرن الرابع الميلادي قريباً من النهر وفيه ضريح القديس ميخائيل، ويقصده الكلدان.
 
وثمة مرقد “قضيب البان” وهو متصوّف موصلي (1079 ـ 1177م) يقع في غرب المدينة في منطقة باب سنجار، يقصده الموصليون في الربيع كما يقصدون الأديرة، والنساء بالدرجة الأولى يفضِّلون هذا المرقد لسبب أجهله. كان عندنا معلم “يتعاطى قرض الشعر، والفكاهة” فكان ينصح:
 
إن رُمتَ أن تلقى السُرورَ مُجسّداً/ فاجلُس قريباً من قضيب البانِ
 
وتجنّبِ الديرَ القصيَّ فإنه   /    قد خُصّ في ذا اليوم للنسوانِ
 
لكن “قَضيبَ البان” لم يسلَم من مداعبات خبيثة في الغناء الشعبي الموصلي على لسان بعض النساء. هذه تزور مرقد الصوفي، لا تبرّكاً، بل طلباً لتحقيق رغبة في ايذاء الخصم التقليدي:
 
يا قضيب البان ثكّلني حميتي دَ طبخ الكشكا واغلق باب بيتي!
 
هل وصل العداء بين الكنّة والحماة إلى هذا الحدّ المرَضي؟ أحسب هذا من المجون المكروه. لكنها بعض طبائع البشر. وليس جميع البشر ملائكة!
 
خلاف هذا، تبقى الطبيعة الأصيلة في عراق لم يبق موجوداً، سوى في الذاكرة غير المريضة، هي الطبيعة التي نرجو لها العودة، معافاة من عَرَض زائل، ليعود التعايش السليم إلى سابق عهده في بلاد أصابها أكثر من نصيبها من الشقاء.

أي نشر، أو إعادة تحرير لهذه المادة، دون الإشارة الى " عنكاوا كوم " يترتب عليه أجراءات قانونية