المحرر موضوع: صراخك يا آدم لا يزال يدور في فضائنا  (زيارة 347 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل آشور قرياقوس ديشو

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 87
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
صراخك يا آدم لا يزال يدور في فضائنا

آشور قرياقوس ديشو
كندا – تورنتو
ashourdisho@yahoo.com
 
كان ضوء الشمس الساطع  وعطر الزهور من حوله قد منحه في ذلك اليوم شعورا قويا بالنشاط والحيوية وهو يتطلع حوله ليرى روعة الخالق وجماله، حيث ينتشر العشب الاخضر في كل مكان، وتنمو على جوانب الطريق  الذي يسير فيه ورود ذات الوان زاهية وجميلة، بينما  يسير بجانب ذلك الطريق جدولا صغيرا تكسو جانبيه احجارطبيعية و يسير متعرجا مع الطريق،
كان الامر يبدو له غير مالوفا، ها هو قد خرج من قوقعته اخيرا بعد ان كان قد ابتعد عن جميع اهله واصدقاءه واقرباءه . و يعيش منذ سنين  طويلة  في غربته في  حزن عميق منذ أن توالت  تلك الاحداث الدامية على اهله وشعبه  في الوطن من قتل وتهديد وتهجير وخاصة بعد تلك المجزرة والفاجعة  التي حدثت في كنيسة سيدة النجاة . الجريمة التي نفذها الارهابيين والتي استهدفت  ملح الارض من العراقيين  المصليين الامنين  الداعين للمحبة والسلام في الوطن .منذ ذلك الحين   لبس قلبه على اثرها السواد وجعله منقبضا ليبقى حبيس احزانه لا يجد من يفضي اليه بهمومه  ويشاركه الامه  في غربته المريرة هذه ،
بينما هو يسير في صمته يحاول ان ينسى تلك الاحزان و يملا عينيه بالجمال حوله . كانت تصل الى اذنيه اصوات عرف منها انها لاطفال يلعبون في تلك الرياض، تحملها اليه  رياح خفيفة  تختلط  باصوات الاشجار الموزعة  في ارجاء المكان ، و كلما اقترب من مكانهم ارتفعت اصواتهم وقهقهاتهم  وما ان اصبح قريبا منهم حتى بدت تلك الاصوات اكثر وضوحا، نظر الى جهتهم  فشدته صورتهم الجميلة . ولم يتمالك نفسه فاسرع جالسا على احد المقاعد الموجودة في جانب الممر، حيث  يستطيع ان يراهم عن كثب ،
تطلع اليهم وهو يرسم ابتسامة حزينه على وجهه،و ظل يراقب حركاتهم. وهم يركضون خلف بعضهم ، يصعدون على  ذلك المنزلق  ليدفعون باجسادهم الصغيرة فوقه  لينزلقوا  عليه الى الاسفل و  يخلفون وراءهم غبارا وضحكات بريئة، فجذبته الوداعة والاطمئنان الباديتان على وجوههم، وجعلته يقول :
ـ نعم , انهم يعيشون في جنة الله على الارض... احباب سيدنا المسيح .. باركهم ايها الرب ،
بينما كان يتمعن فيهم ويتابع العابهم بلهفة وشغف، جذب انتباهه احد الاطفال، بنشاطه وحركاته السريعة كان نحيفا جميل الوجه يقود الاخرين في لهوهم بعفوية،قال لنفسه وهو يدقق النظر من بعيد في وجهه ،
ـ واه ... انه يشبه ادم .. صورة منه.. هكذا كان  يلعب ادم مع اصحابه،
وسمعه من بعيد  ينهر احد رفاقه الصغار بصوت عالي لانه  حاول ان يقفز من مكان مرتفع .كانت صرخته مرتفعة وصوته حادا ، حمل صداً قوياً  ملأ المكان، حتى تراءى له بأن ذلك الصدى ياتي من بعيد،  يحمل صوت آدم وهو يصرخ بوجه القتلة في كنيسة سيدة النجاة  اخترق اذنيه لينهره  بعد ان اخترق الفضاءات والمساحات  البعيدة يحمل الآم شعبنا ، وكأنه  يسمع صوت آدم وهو يصرخ كافي . كافي!!  لياتي كسوط يلومه و يقطع اوصاله، يذكره بضعفه.. وليعود اليه ذلك الحزن والالم الذي كان يلازمه
وجد نفسه جالسا على ذلك المقعد وحيدا محبطا تجيش فيه المشاعر والانفعالات، يتسائل مع نفسه بصوت خافت :
 
- ما الذي قاد شعبنا الى هذه النهاية ؟  ما الذي يجري لنا ؟ ولماذا يجري كل هذا ؟ ماذا فعلنا حتى نستحق كل هذا العذاب ؟ ماهي الاسباب ياترى؟ ولماذا يحاول هؤلاء الناس جلب الاذى علينا ؟،والى متى سنبقى نعاني من هذا الظلم ؟. لقد انهزمنا  من دون أن ندخل حربا . ان ما خسرناه ليست فقط بيوتا او وظائفا او أموالا لقد خسرنا وطنا وشعبا بعد ان غدر بنا من وقفنا معه . وكنا تعتقده مظلوما مثلنا . لقد سرقوا أحلامنا او أمالنا .
 
   ظلت  تدور  في راسه هذه الاسئلة والافكار، واخذت دموعه تنهمر بغزارة وهو يغوص في هذه المشاعر المؤلمة، نظر  الى الفضاء حوله ليجد نفسه  يجلس وحيدا في هذه البقعة الصغيرة من هذه الغربة فوضع راسه بين يديه واستمر في البكاء،
جلس جاهدا يحاول ان يخبئ ألآلآم  في داخله.. لا يريدها ان تخرج .  يخاف لئلا  ان تقتل جسده الواهن. اخذ ينظر الى آدم وهو يبتسم و يحاول ان يرسل الآمه بعيدا لتتوارى مختفية في ثنايا روحه المعذبة.  وتبعث في عروقه نبضات  تحمل سكاكين تنخر فيه وتوقظ ذكرياته ،
مرت عليه ثوان.. كانت عينيه متسمرتان على ذلك الطفل.لا يستطيع تجاهله،يفكر في تلك الصرخات الجريئة التي اطلقها آدم في كنيسة سيدة النجاة في وجه القتلة والمجرمين .
غرق في مشاعره ليفرغ مرة اخرى  كل ماعنده من عواطف في بحر من الدموع، وبدا يقول وهو ينظر الى ذلك الطفل ويفكرفي  تلك اللحظات  اخترقت الرصاصات جسد الطفل آدم النحيل  ،
 
ـ اتركوا ادم  بسلام .. خذوا جسدي بدلا عنه،نعم  خذو جسدي ، انهالوا علي بسياطكم .. احرقوه .. مزقوه بخناجركم كما تفعلون في صولاتكم التي تتفاخرون بها.. ولكن اتركوا آدم الصغير.. اتركوا جسده الطري .. أتوسل اليكم أعيدوه الى أحضان امه .. أعيدوه الى هذه الرياض ليلعب مع اصحابه بين هذه الزهور النظرة ،
انتابه غضبا شديدا،التفت يميناو شمالا، وهو يلعن :
ـ لماذا  لا تقلعهم من هذه الارض ايها الظلام ؟ لماذالا تدعهم الى احضانك ايها الجحيم؟ الى حيث يريدون،
توقف عن الكلام للحظة، لينظر الى نفسه ، حيث هو جالس  ذليلا، زاد غضبه،وبدا يقول،
 
ـ لستم فاعلين بنا هذا من قوتكم وجبروتكم، بل من ضعف حجتكم وتخلفكم، انكم تخافوننا . حتى اطفالنا يرهبونكم ، كل  ما فينا يرعبكم،  صراخ صمتنا يهزكم،.لو كان فيكم من الحجة والفكر  والمعرفة والايمان لاطلقتموه بافواهكم. ولجئتم الينا لمحاورتنا بافواهكم وليس  بافواه
بنادقكم..اذهبوا عنا بعيدا، ليس فيكم ما يستهوينا او يغرينا ، .فانتم  لستم الا اجسادا مجردة من نعم الرب،.. قلوبكم جوفاء...تنفض في اجسادكم احقادا
ثم نظر الى السماء وهو يقول بصوت مسموع ،
ـ أتوسل اليك يا اله الحقيقة،، احمنا .. ارفع عنا غضب الظلام .
ثم نظر الى نفسه مرة اخرى ليقول ،
ـ الى متى سنبقى نشعر بالحزن على أنفسنا، متى سننهض من جديد ، ونثبت للعالم من نحن ؟ لنحافظ على كياننا ونبقى.؟
وفي لحظة نظر الى حيث كان يلعب ادم مع رفاقه ، واستمر قائلا،
ـ ليس هناك من سيعيد آدم ، او يمنحه حياتاً جديدة. نحن من يجب ان نخلقها لهؤلاء الاطفال ولاجيالنا القادمة ، فلا يجب ان نبقى ضعفاء نتقبل ضرباتهم في خنوع ، يجب ان نغير ما فينا لنخلق قوة لذاتنا، ان نفصل هذا الضعف من انفسنا، وان لا نتوانى  ضد من يحاول  ان يسرق امالنا واحلامنا. ربما  تكون صولة جديدة ضد التخلف والظلام .وقد يقودها ابناءنا او احفادنا  ولكن لا يتحقق النصر فيها الا اذا كان يقودها رجال  يحملون قلوبا قوية جامدة وعقول نيرة وأرادة جبارة لا تكل.
وبينما هو يغوص في بحر عواطفه ومشاعره هذه , سمع صوتا قويا نظر الى حيث الاطفال فراى آدم يهوى ليرتطم بالارض . ركض اليه مفزعا .ليحمله بسرعة من الارض وهو يبكي .وليتجه به الى الجانب الاخر من من ملعب الاطفال الى حيث كانت امه مسرعة اليه أيضا وهي في  فزع شديد وما ان التقاها حتى وضع آدم في احضانها .... فرأت الدموع تذرف من عينيه بغزارة .
ومن قبل ان تشكره المراة
نظر اليها وهو يبادرها :
- انه يشبه آدم .
و قالت له مسرعة :
- ومن هو آدم ؟
أبتعد عنها وهو يقول :
انه ابننا جميعا بطل الشهداء . وهو الوحيد فينا مَن اطلق كلمة الحق في وجه اعدائنا.
واخذ يسير مبتعدا وهو يقول مع نفسه :
يجب ان لا نصمت او نخاف بعد ألان. لأن الصمت هو خيانة لمبادئ شعبنا وقيّمهِ
ثم اخذ  يفكر بقادتنا وساستنا  و يتكلم قائلا  :
- أذا كان صراخ آدم لايعني لكم شيئا . فانتم أيضاً لا تعنون لنا شيئا .