المحرر موضوع: من أشخاص أئروا في حياتي , أخي الشماس جورج أوغنا (أخوني كوركيس كما كنا نسميه في العراق)  (زيارة 382 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل أيوب عيسى أوغنا

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 80
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
من أشخاص أئروا في حياتي , أخي الشماس جورج أوغنا (أخوني كوركيس كما كنا نسميه في العراق)

تعود أول ذكرى لي عن رؤية أخي جورج , عندما كنت في عمر ربما عمر 6 أو7 , في قلعة كركوك حين جاء الى البيت بصحبة والدي وهو في ملابس الرهبان بعد أن قرر ترك الرهبنة قبل سيامته كراهب وبدأ حياة مدنية , لأنه كان قد ألتحق منذ صغره وهو في المدرسة الأبتدائية في عنكاوة بالسيمينيرفي أحد الأديرة للآباء الدومينيكان اليسوعيين , خارج الموصل , ليصبح راهبا في الكنيسة , لأن العوائل العنكاوية كانت تفتخر بوجود رجال دين في عوائلها وحتى في النسب كانت العوائل وبكل فخر يتم ذكر أسم القس وليس أسم العائلة للتعرف بها . ونظرا لوجوده في مدرسة داخلية ربما لم تسمح له بالمجيء الى عنكاوة كثيرا والى كركوك نادرا , وكانت هي المرة الأولى التي أنا أتذكرها . ونظرا لكون والدي المعول الوحيد للعائلة براتب بسيط وعائلة كبيرة , بالرغم من قيام والدتي بتعلم الخياطة على مكينة سينجر الألمانية اليدوية , لذا فأن أخي بقى في ملابس السمينير لعدة أشهر حتى بعد أن ألتحق في عمل في مخزن الأوروزديباك ( الفرنسية) في العرفة ( كركوك الجديدة) , وأتذكر رؤية والدي وكان على الدوام بملابسه التقليدية و كان يحتفظ بشدة الرأس حتى مع ملابس العمل في شركة نفط العراق ,  وكان من القلائل بملابس كردية في قلعة كركوك , لذا كان يمكن رؤيته من بعيد بين الحشود وهي تصعد مدرجات القلعة , ولكن الشخص الذي كان معه ذلك اليوم لم أتمكن من التعرف أليه في البداية لأنه كان بملابس مدنية ( قاط بالجاكيت و البنطرون) وربما تم دفع ثمنها من أول راتب له من متجر أوروزديباك وهكذا بدأ أخي جورج الآن حياة مدنية بكل معنى الكلمة وخلع عنه ملابس الرهبنة . لذا بدا غريبا حتى لنفسه , بتلك الملابس لأول وهلة , لأنني تعودت على رؤيته بالملابس الكهنوتية. وبعد ذلك أنتقلنا الى بيت في شاطرلو محلة بكلار , ونظرا لعدم حصوله على شهادة مدرسية حكومية , تم ألحاقة بالجيش كجندي حيث لم نتمكن من دفع البدل لأعفاؤه من الخدمة , ولكن كونه الأبن البكر الأكبر عمرا تم أعتباره معيل العائلة , فتم تقليص فترة الخدمة الى 3 أشهر , وبدفع برطيل ( رشوة) ربما بعض الدراهم للعريف فكان يسمح له بالغياب و خاصة أنه كان لايزال يعمل في المعرض نفسه  الى أن  أنقضت فترة الجندية وتم تسريحه من الجيش و العودة الى الحياة المدنية .
ونظرا لأجادته اللغة الفرنسية تمكن أيضا من الحصول على وظيفة في شركة فرنسية دربندخان تعمل في بناء سد دوكان و كنا في تلك الفترة أنتقلنا الى بيوت العرفة , وكانت وظيفته مدير المشتريات و خاصة مواد غذائية لعمال الشركة , وكان يأتي الى كركوك ويزورنا ربما مرة كل أسبوع مع سائق بسيارة الشركة و يقوم بشراء تلك الحاجيات . وبعد ذلك حصل على عمل كمديرأداري لشركة فرنسية في الموصل , وأنتهزت فرصة ذهاب أختي أليشوا مع زوجها يوسف بهنام كوندا لقضاء شهر العسل في الموصل , ودخلت سيارة الأجرة بدون أستأذانهم في عنكاوة , بحجة زيارة أخي في الموصل , وهكذا تمكنت من رؤية المدينة و البقاء مع أخي جورج في شقته و بعد عدة أسابيع قضيتها في التجول بالدراجة الهوائية التابعة للشركة في جميع أنحاء المدينة الجميلة وخاصة رؤية نهر دجلة والجسر الحديدي وكنت أتعجب من مهارة الأطفال وهم يقفزون من الجسر الى النهر. وكانت هذه أول وآخر زيارة للمدينة  ولولاه لما تمكنت من رؤيتها في أوج عظمتها .
وعندما أنتقلنا من العرفة الى بيت في شارع ألماس بعد أن ترك والدي الخدمة في شركة نفط العراق بعد 20 سنة تمكنا من شراء البيت من المبلغ كمستحقاته من الشركة , وكان أخي جورج يعمل حينها في شركة بلجيكية لبناء محطة لتوليد الكهرباء في الدبس (نمرة 8) وكان قد أشترى أول سيارة كان يذهب بها للعمل , ويبدو أنه تمكن من تعلم السياقة في سفراته عندما كان يعمل في درندخان وحصل على أجازة السياقة , والتي أنتقلنا أليها بعد زواجه من  فتاة أحلامه تسمى جميلة من زاخو , والتي سبق وأن تعرف عليها في دربندخان / أثناء عمله في تلك الشركة , وكانت بزيارة أختها راحيل زوجة صديقه العزيز شوكت منذ أيام السيمينير ويعمل معه في الشركة الفرنسية . وكانت جميلة أسم على مسمى , وكانت تشبه الممثلة الأمريكية  روندا فليمينج بشعرها الأحمر الذي ورثته من والدها حنا كوبل ( ولقب بهذا اللقب لأنه كان عريف في الجيش العراقي قي زاخو ) . وبعد حصول أخي جورج  على عمل في السفارة الهولندية ببغداد , أنتقلنا الى هناك , حيث كان يعمل فيها أخواني دنحا و حبيب أيضا , وألتحقت في الصف الخامس ( البكالوريا) في الأعدادية الشرقية حيث حصلت على معدل 87% وحصولي على البعثة الدراسية من الحكومة العراقية سنة 1962 لدراسة الهندسة المعمارية في بريطانيا في عهد الزعيم عبد الكريم قاسم ( رحمه الله) . وطيلة جميع المراحل المذكورة أعلاه , كانت لأخي جورج تأثيرا مباشرا لتفوقي في الدراسة , حيث كان مهتما بدراستي طيلة تلك الفترة وخاصة في مرحلة الثانوية و الأعدادية , ليس فقط معنويا وأنما ماديا لأنه كان يعمل في وظائف مهمة و براتب عالي , تمكنه من تحمل معظم مصروفات البيت , ومصروفات دراستي بصورة خاصة وكان هو الذي أقترح علينا الأنتقال الى بغداد لكي أتمكن من الدراسة فيها للحصول على معدل عالي  لذا كان له الفضل في أتاحة تلك الفرصة للتعليم الجيد في بغداد حيث كان التدريس من قبل مدرسين أكفاء نسبة الى أمثالهم في كركوك . وكانت الأعدادية الشرقية مشهورة بمستوى التدريس فيها كالأعدادية المركزية في بغداد .
أثناء عمله في السفارة الفرنسية في بغداد لسنوات عديدة , كان أيضا مسؤولا عن تعليم اللغة الفرنسية في معهد تابع للسفارة لمن يرغب فيها وخاصة الشباب , وكان المعهد سنويا يقوم بتنظيم سفرة لمدة أسبوعين في فرنسا للطلاب المتفوقين ( شبان وشابات) وكان أخي جورج يرافقهم للسهر على راحتهم و سلامتهم , وفي عدة مرات كان ينتهز الفرصة للمجيء بالقطار الى بريطانيا لزيارتي سواء في لندن أو ليفربول . حتى أنني سافرت مرة واحدة الى باريس وتمكنت من مرافقة الفرقة لزيارة معالم باريس معهم .
لقد كان له تأثير كبير علي منذ سنوات المراهقة ونصائحه لي بلأبتعاد عن التورط في علاقات غرامية مع الجنس اللطيف لأن ذلك سيؤثر على تحصيلي العلمي وتفوقي في الأمتحانات , وصفاء ذهني لتلقي وفهم شرح المعلمين للمناهج  الدراسية وتجنب ضرب الدالغات أثناؤها بغياب التركيز , وأيضا عدم التورط في الأمور السياسية وخاصة الأفكار الماركسية و الشيوعية التي بدأ الشباب بممارستها بعد السنوات التي تلت ثورة 14 تموز 1958, بتأثير الأحزاب اليسارية وخاصة الحزب الشيوعي , وكان يجادل ضد تلك العقائد بحكمة و دراية مع عدد من هؤلاء الشباب العنكاوي أثناء زيارتهم لنا سواء في كركوك أو بغداد , وتعلمت منه حقائق الأمور لما يجري في الدول الأشتراكية و خاصة الأتحاد السوفيتي , من قمع للحريات الشخصية والدينية وفرض نظام دكتاتوري توليتاري يسلب شخصية الأفراد ويجعلهم كالعبيد مسيرين وتابعين لا مخيرين . لذا كنت بعيدا عن تلك الأفكار والفعايات ولم أنتمي لأي حزب, لذا كان هدفي الوحيد التحصيل العلمي و التفوق في الأمتحانات و خاصة في الصف الخامس الأعدادي في أمتحانات البكالوريا للحصول على بعثة حكومية , وهذا ما حصل و هذا كان لأخي جورج الفضل فيه ليس فقط من النواحي المعنوية وأنما المادية أيضا وخاصة وأن والدي خسر معظم ما حصله من تعويض خدماته من شركة النفط , في مشروع صناعي فاشل مع أحد العنكاويين !!..وأخي جورج الله يطول غي عمره قد تخطى سن 90 من العمر ويعيش مع عائلته في ديترويت في الولايات المتحدة الأمريكية , بعد أن أضطر للهجرة للتخلص من النظام القمعي لصدام حسين , بالرغم من أنه لم يكن سياسيا و لم ينتمي في حياته لأي حزب سياسي , ربما بسبب عمله في عدة سفارات أجنبية وخاصة السفارة الفرنسية في بغداد . و هو شماس رسمي في الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية , وله مؤلفات عديدة ودواوين شعر باللغة السريانية / الكلدانية , وأيضا ألف عدة كتب باللغة العربية وخاصة في الترجمة من اللغة الفرنسية . وفي شهر فبراير 2018 فارقت الحياة زوجته جميلة ( رحمها الله) بعد صراع مع مرض عضال , وتلقيت نبأ رحيلها عندما كنت في ملبورن أستراليا مع أبنتي وارينا لألتحاقها بجامعة موناش , وحضرنا مع خالي قرداغ حنا ككو وأبناؤه  وعائلاتهم مراسيم التعزية التي أقامها أخيها فريد وأخته فكتوريا في كنيسة القديس ماركوركيس , وما لفت نظري الأعداد الغفيرة من الزاخونيين الذين ملآوه 4 قاعات بأكملها في الكنيسة لحضور التعزية و لم أتصور هذا العدد منهم في أستراليا , وربما جاء الكثير منهم من مدن أخرى , ومعروف عن أهل زاخو ألتزامهم بحضور هكذا مناسبات سواء الزواج أو التعزية أينما حلوا , وهذا يدل على أصالتهم و تقاليدهم العريقة .
 وفقد أخي جورج شريكة حياته بعد زواج سعيد دام أكثر من 50 سنة , ولهم 4 أبناء ( جنان وغسان و جهان ونشوان و2 من البنات باتريسيا و حنان ) , وجميعهم متزوجين ويعيش معززا ومكرما بين أبناؤه وأحفاده , وآخر زيارة له في ديترويت, بعد عدة أشهر من الحدث الجلل , لأعزيه بوفاة زوجته العزيزة في بيت أبنته حنان في ديتروت , أما أبنته باتريسيا والوحيدة خارج أمريكا فتعبش مع عائلتها في فيينا النمسا , وكان على عهده نشطا يمارس رياضة المشي , وينهض مبكرا , حتى أنه كان يقوم بأعداد الفطور لي وله وينتظر نهوضي المتأخر من النوم , بعد ذهاب أبنته الى العمل .
شكرا أخي جورج لهذا السجل الحافل بالمنجزات وبلأحداث و لكل ما قدمته لنا من تضحيات وخدماتك لم تقتصر للأقربين من عائلتك وأنما على عدد من الشباب وحتى الشياب العنكاوي , حيث كنت توفر لهم فرص العمل في حلك وترحالك في العديد من الشركات وفي العديد من الأماكن التي شغلت فيها مناصب أدارية هامة ومنها دربندخان و الموصل و دبس (نمرة 8) و بغداد أيضا , ونطلب من الله أن يطول في عمرك و ينعم عليك الصحة و السعادة التي أنت آهل لها !!..
المعماري أيوب عيسى أوغنا
خبير ومحكم دولي وخليجي معتمد
مسقط / سلطنة عمان