التراث وتاثيره على الوعي الديني


المحرر موضوع: التراث وتاثيره على الوعي الديني  (زيارة 4417 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل يوحنا بيداويد

  • اداري
  • عضو مميز
  • ***
  • مشاركة: 1791
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني


                        التراث وتاثيره على الوعي الديني
بقلم   يوحنا بيداويد
2/4/2007
مالبورن /استراليا

ملاحظة نشر هذا الموضوع في العدد 45 من مجلة نوهرا

نحن كمسيحيين نؤمن ان الكتاب المقدس واحد بقسميه القديم والجديد.
ونعرف جيدا ان الكنيسة الكاثوليكية تلزم بكلا الخطين النص والتقليد كي يتم تفسير النص في زمن الكاتب وبيئته وثقافة شعبه. لذلك هناك اهمية كبيرة  لمعرفة دور التقليد او التراث في حياتنا  وطريقة تفكيرنا واتخاذ قراراتنا من الناحية  الايمانية والاجتماعية.
قبل ان نتكلم عن التراث يجب ان نلقي نظرة سريعة على مسيرة تطور الوعي والفكر لدى الانسان عبر التاريخ.

مراحل تقدم الوعي الانساني:-

مرحلة السحر والاسطورة :
  هي مرحلة الفكر الخيالي، حدثت في عصور ما قبل التاريخ، فهي مسجلة في الاساطير اليونانية والبابلية والسومرية والمصرية القديمة والهندوسية والفارسية اي الديانات والاساطير في العالم القديم .

مرحلة الدين
وهي مرحلة الوحي، هناك  ثلاثة ديانات رئيسية تؤمن بالوحي وهي اليهودية والمسيحية والاسلام وهناك اديان اخرى تؤمن بنفس المفهوم  لكن بطريقتها الخاصة لذلك  تاثيرها كان قليل على مجرى التاريخ.

مرحلة الفلسفة
وهي مرحلة الفكر والعقل،  منذ عهد الاغريق ولحد الان هذه المدرسة مستمرة في تجديد وتغير نظرياتها على  هذا الموضوع  ولازال الصراع مستمر  فيما بينها من اجل وضع صيغ فكرية وعقلية لتفسير هذا العالم ووجوده من خلال امكانية عقل الانسان.

مرحلة العلوم والتكنلوجيا
هي مرحلة العلوم والتجربة المادية ، تطورت  فكرة هذه المرحلة  بصورة بطئية عبر اكثر من نصف مليون سنة اي منذ الانسان الاول، اي منذ بدء تسجيل الخبرة العملية في الطبيعة المحيطة به عن طريق الرسم في الكهوف ،  لكن في مئة سنة الاخيرة كان التطور الحاصل فيها سريعا جدا بحيث لم يبقى الة او فكرة او نظام لم يحدث تجديدا كاملا  فيه .

ما هوالتراث؟ كيف تم صنعه؟ كيف يتم توارثه؟

 التراث :-
التراث هو فعل او نشاط  او عادة او تقليد كان يقوم بها الانسان  في المجتمع القديم من خلال ممارسة حياته اليومية، توارث الاجيال هذه العادات والتقاليد على شكل قيم بسبب ارتباط المجتمع بماضيه بصورة غريزية، كان الغرض الاساسي  من هذا النشاط  هو للتعبير عن هوية الذات  او للتعبير عن  هوية المجتمع، للتراث  اربعة خصائص هي الشكل والمعنى والاستعمال والوظيفة.
 فالتراث يمكن ان يكون ثقافة اوحضارة المجتمع في الماضي، يمكن ان يكون طريقة او اسلوب الذي كان يفكر او يعيشه المجتمع  مثل اغنية او نشيد وطني، او قصة حب اسطورية او بطولة نادرة مثل ملحمة كلكامش وعشتار وتموز  او رمز معين.
اذن ما هو تراثي اليوم،  في الحقيقة بالامس البعيد كان امرا حيا مهما،  او انجازا كبيرا لاحد المفكرين في عصره او لمجموعة من الناس سواء كانت قبيلة او عشيرة او قرية اومجتمع مختلط في محيط جغرافي معين . فما هو تراثي ليس من خيال الفكري للناس الذين يعيشون اليوم، بل كان  له وجود حقيقي في التاريخ  جاء الى الوجود نتيجة لحاجة المجتمع او الانسان اليه انذاك،

قد يتسائل  البعض منا او من ابنائنا  بما ان هذه  القيم والعادات التراثية هي اشياء  قديمة و لم يعد  الانسان يعيش  بموجبها او يؤمن بها ، فلماذا  الاصرار على اعطائها اهمية، مثلا العادات والتقاليد والمفاهيم  التي تعلمناها في العراق  بينما نحن نعيش في مجتمع مختلف  في استراليا؟.

الحقيقة ان معظم شعوب العالم اليوم  تبحث عن تاريخها وماثر اجدادها ومفكريها وابطالها وقادتها وحكامها  وفيه يكمن جذور وخصائل ذلك المجتمع لحد اليوم ، مثلا اقامت حكومة  الصين الشعبية  في هذه السنة اضخم احتفال بعيد ميلاد المصلح الكبيرفي تاريخها (كنفوشيوس) مع العلم كانت الحكومة الشيوعية عبر اكثر من 55 عاما تحاول طمر الشعور القومي والتراث الشعبي  لدى الصينيين.

ان فرنسا والمانيا وبريطانيا تحتفل كل سنة بايام عظمائها،  مثلا قبل سنتان احتفل الالمان وكثير من الهيئات العلمية الدولية بمرور مئة سنة على كتابة النظرية النسبية للعالم الفيزيائي انشتاين. وهكذا يعملون رواد الادب لفولتير وعلماء النفس لجان جالك روسو في فرنسا  ورواد الفلسفة لعمانوئيل كانط  هيجل في المانيا  ورواد العلم لاسحق نيوتن  في بريطانيا .
هكذا نحن نعمل في اقامة تذكارالقديسين (الشيروات ) احتفال ديني ممزوج احيانا بافكار تراثية.
اذن الحفاظ على التراث هو حفاظ عى تاريخ وجذور واصل الذي انحدرالمجتمع.

اما  لماذا اصبحت هذه القيم والعادات  تراثنا اليوم؟
الجواب يكمن كما قلنا  في تغير عجلة التاريخ ، اعتقد لا يوجد احدا  يجهل كم هي سرعة التغير الان في العالم.
التغير طبعا حصل ولازال يحصل بسبب التقارب الذي حصل بين البشرية، الصراع الاقتصادي في العالم
زيادة المعرفة الانسانية وفتح الغاز الطبيعة والسيطرة عليها. كل هذه تصبح في مقولة الحاجة ام الاختراع.

مفهوم الانغلاق والانفتاح

على مر التاريخ وجدت مجتمعات وقبائل  كثيرة منغلقة على نفسها خوفا من تغير القواعد والقيم والاخلاق المتبعة في ذلك المجتمع،  مثل المجتمع الصيني الذي انغلق على نفسه بعد ان بنى سور الصين الكبير بسبب هجومات المغول المتكررة . اما اليوم لم يعد بمقدور اي مجتمع الاستغناء عن المجتمعات والدول المحيطة به لذلك لا بد من الانفتاح.
 ولكن الى اي درجة يجب ان يكون انفتاحنا؟ اعتقد ان جواب هذا السؤال مهم جدا وهو جوهر محتوى هذا المقال
هل نقبل اي شيء جديد لانه جديد؟ وهل نبغض او نرفض كل شيء قديم؟ هل نقيس القيم الروحية بنفس الميزان الذي نقيس فيه قيم التراثية؟!

اعتقد ان افضل  سبيل لنا هنا هو قبول حركة التغير مع الحفاظ على جوهر القواعد التي نؤمن بها لا سيما القضايا المتعلقة بجوهر المسيحية  كمؤمنيين فيها؟
اي نختار الشيء الجديد على اساس انه يلبي الحاجة الملحة او الضرورة المطلوبة ونحافظ على القديم او المتوارث الذي فيه فائدة لنا . هنا لا بد لي ان اشدد ليس كل شيء  قديم سيء ، مثلا ليست كل القيم القديمة سيئة. و في نفس الوقت علينا ان لا نصبح مقيدين بسبب التزمنا بالعقلية القديمة بحجة حماية قيم وعادات و تراث ابائنا. عالم اليوم يتغير بسرعة كبيرة يجب مواكبة العصر فاذا تأخرنا عن المواكبة نصبح متخلفين عن الناس المحيطين بنا ولكن في نفس الوقت ليس كل ما يلمع هو ذهب كما قال شكسبير

الخلاصة
 ان التراث هو كل ما سجله التاريخ في ذاكرة المجتمع، وتم نقله من جيل الى جيل اخر الى يومنا هذا، فهو الثوب الاجمل الذي امتلكه المجتمع يوما ما،  هو القانون الاكمل الذي اقام العدالة فيه يوما ما . لكننا اليوم نحن نعيش في القرن الحادي والعشرين، نعيش مجتمعا مختلطا من قوميات عديدة  له خصائصه، له حضارته ، قوانينه، درجة تقدمه، لذلك يجب علينا التعامل مع هذا المجتمع بحسب خصائصه،  التي هي دائما في سباق مع الزمن من اجل تجديد ذاته تحت مطرقة العولمة وفلسفتها في الاقتصاد .
 بالمقابل  لدينا طقوس وشعائر دينية، صلوات، شيروات، عادات نقوم بها اثناء قدوم الاعياد. من المهم ان جدا ان يكون وعينا ومعرفتنا لاغراضها واضحا ومتجددا بين حين واخر. يجب ان نكون حرصين ان نتعامل مع القيم وتعاليم الروحية في مسيحيتنا كما نتعامل مع القيم التوراثية او نختلط بينها، وان لا تقود  تغيرات العولمة التي تحدث حولنا الى الشعور بان هذه  الطقوس والصلوات  قد اصبحت من الاشياء  القديمة وتقاس مثل قيم التراث التي نتوارثها، بل يجب ان نميز بين الجوهري الذي هو مرتبط بحياتنا الروحية وايماننا المسيحي وما هو عرضي جاء نتيجة حاجة المجتمع الطبيعية بسبب نشاطات الحياة اليومية.
 في عصر العولمة الذي بدات عجلاته تسحق القيم الاجتماعية والروحية والتراثية يجب ان حذرين من المزج بين ماهو ديني او تراثي، يجب ان  نعيش ايماننا المسيحي بروح حية ومثابرة  وبصورة جماعية متجددة على امل تحقيق النجاح وبناء الحياة و ونؤمن بان دائما الغد افضل من اليوم .

المصادر
التراث الانساني في التراث الكتابي، روبير بندكتي، دار الشرق بيروت، 1990
المرشد الى المتاب المقدس، جمعية اللكتاب المقدس في لبنان 1996
قصة الفلسفة، ول ديورانت، مكتبة المعارف ، بيروت 1979