خليل عبد الكريم : مفكر ثوري بوجه الإسلاميين


المحرر موضوع: خليل عبد الكريم : مفكر ثوري بوجه الإسلاميين  (زيارة 8220 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل farouk2007

  • عضو
  • *
  • مشاركة: 10
    • مشاهدة الملف الشخصي
خليل عبد الكريم

طلعت رضوان

أدب ونقد – العدد 203 يوليو 2002


يقف الراحل الجليل خليل عبد الكريم – مع عدد محدود جداً من المفكرين المصريين موقفاً شامخاً في مواجهة الأصوليين الإسلاميين الذين يستهدفون اعتقال عقل ووجدان المصريين ، وذلك بتقييدنا بسلاسل عصور الظلمات .

وهي (أي الجماعات الإسلامية) في سبيل تحقيق هذا الهدف، ارتكبت أبشع الجرائم : فهي لم تكتف بتكفير المصريين المسيحيين وإهدار دمائهم وسلب ممتلكاتهم ، وإنما شملت جرائمهم تكفير المصريين المسلمين أيضاً : اغتيال فضيلة الدكتور الذهبي وزير الأوقاف الأسبق ، اغتيال د. رفعت المحجوب رئيس مجلس الشعب الأسبق ، اغتيال السادات ، د. فرج فوده ، محاولة اغتيال نجيب محفوظ .. إلخ.

في مواجهة هذا المد الأصولي ، كان الراحل الجليل شديد الوضوح وهو يتناول كتابات ومواقف الأصوليين ، ولم يرتكب يوماً إثم مهادنتهم أو مغازلتهم كما يفعل كثيرون ، ولذلك كان الباحث هدفاً دائماً لهجوم الأصوليين عليه ، أحياناً بمصادرة كتبه ، وأحياناً بتكفيره توطئة لإهدار دمه .

ورغم كل المعاناة النفسية التي عاناها وهو يتلقى الهجوم إثر الهجوم ، ظل ثابتاً على آرائه ومبادئه ، وكأنما الهجوم على شخصه وعلى كتاباته يمده بالمزيد من الجلد والصبر والشجاعة ، فإذا به يزداد صلابة وتماسكاً ، فيواصل مسيرة البحث والعطاء من أجل مصر التي يحلم بها : مصر الدولة المدنية وليست الدولة الدين التي يحلم الأصوليون بها .

ورغم أن تخصص خليل عبد الكريم في التاريخ العربي / الإسلامي ، إلا أن هذا الخط ( ترسيخ قواعد الدولة المدنية في مصر ) يبدو جلياً في كتاباته ، سواء المقالات أو الدراسات المنشورة في الصحف والمجلات ، أو في كل كتبه التي أثارت الأصوليين الذين عجزوا عن الرد بذات الأسلوب العلمي الذي كان خليل عبد الكريم يلزم نفسه به ويحترمه أشد الاحترام ، وهو أمر يلمسه القارئ الموضوعي بكل سهولة بالإطلاع على قائمة المراجع التراثية والكتب الحديثة في النهاية كل بحث ، وهو الأمر الذي أدت إلى التفات الحركة الثقافية في مصر ( وخارج مصر ) إليه وانتشار كتبه وإعادة طبع بعضها عدة مرات .

وأعتقد أن أول كتاب للراحل شد انتباه المثقفين وأثار عداء الأصوليين ، كان كتابه ( الجذور التاريخية للشريعة الإسلامية ) الصادر طبعته الأولى عام 1990 . واستمرت ردود الأفعال هكذا لم تتغير عقب صدور كل كتاب ( اهتمام وجدل من المثقفين وعداء من الأصوليين ) وأن كان عداء الأصوليين بلغ درجة التحريض على اغتياله كما حدث مع آخر كتاب مطبوع له قبل رحيله ( النص المؤسس ومجتمعه ) وقبل أن يكون في حوزة القراء.

في دراسة بعنوان ( خيار القوة المسلحة لدى الجماعات الإسلامية الأصولية المتطرفة .. تاريخيته وسنده ) ، كتب خليل عبد الكريم : ( في مصر والجزائر وتونس والأردن واليمن والسعودية (الجهيمان) تسعى الحركات الأصولية الإسلامية المتطرفة إلى إقامة دولتها بقوة السلاح ) .

وإذا كانت الثقافة ترى ضرورة الحوار مع الجماعات الإسلامية ، فإن خليل يرى أن دعوة الحوار لابد أن تنتهي إلى طريق مسدود ، ذلك أنه إذا كان الأصوليون يرون أن الدولة الإسلامية ( يجب أن تتأسس على دوي المدافع وجماجم الشهداء ) وإذا كان دعاة الحوار يرون أن الدعوة إلى سبيل الله تكون بالحسنى والكلمة الطيبة ، فإن المشكلة تكمن في أن الفريقين يستندان إلى مرجعية واحدة : أي إلى ( نصوص مقدسة ، قاطعة ، صريحة لا لبس فيها ، تكاد تكون محكمة ، إن لم تكن كذلك بالفعل ، بالإضافة إلى وقائع تاريخية موثقة من سيرة محمد (ص) وأصحابه ، دونتها صحاح السنة وكتب السيرة التي تلقتها الأمة بالقبول والتجلة التي تقرب من حد التقديس ، ولا سبيل إلى الطعن في حجج كل فريق إلا بإنكار النصوص المقدسة والوقائع الثابتة وهذا المستحيل ..إلخ ) .

فإذا كان المنادون بضرورة الحوار يخاطبون الأصوليين بالآية الكريمة ( أدع إلى دين ) وهي الآية رقم (6) من سورة (الكافرون) وهي مكية ، أو بالآية الكريمة ( أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن ) وهي الآية رقم 125 من سورة النحل ، وهي مكية أو بالآية الكريمة ( ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن ) وهي الآية رقم (46) من سورة العنكبوت وهي مكية أيضاً ، فإن الأصوليين يردون بالآية الكريمة ( إن الدين عند الله الإسلام ) وهي الآية رقم (19) من سورة (آل عمران) وهي مدنية ، وكذلك يتمسكون بالآية الكريمة – ( ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين ) وهي الآية رقم (85) من سورة آل الكريمة ( واقتلوهم حيث ثقفتموهم ) (أي وجدتموهم) وهي الآية رقم (191) من سورة (البقرة) وهي مدنية ، والآية الكريمة (( فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وأحصروهم وأقعدوا لهم كل مرصد ) وهي الآية رقم (5) من سورة التوبة وهي مدنية أيضاً ، وهي الآية المعروفة بـ ( آية السيف ) وعن هذه الآية كتب خليل عبد الكريم  :

( يرى كثير من ثقاة مفسري القرآن الكريم أنها جبت آيات المسالمة والصفح والعفو ) وأن القتل يتعين أن يلحق حتى بمن وقع أسيراً في أيدي المسلمين ، والشق الأخير طبقه محمد بن عبد الوهاب إمام الحركة الوهابية في الجزيرة العربية في القرن الثامن عشر الميلادي ، فكان الأمر بقتل الأسرى حتى ولو كانوا مسلمين ما داموا لم يتبعوه على رأيه ، وعموماً فإن هذا التفسير لآية السيف بأكمله هو الذي تتبناه الجماعات الأصولية الإسلامية المتطرفة في مصر والجزائر على وجه الخصوص ) .

أما في مواجهة اليهود والنصارى ( المسيحيين ) فإن الأصوليين يتمسكون بتطبيق الآية الكريمة ( ولا تؤمنوا إلا لمن اتبع دينكم ) وهي الآية رقم (73) من سورة آل عمران وهي مدنية ، وبالآية الكريمة ( قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ) وهي الآية رقم (29) من سورة التوبة ، وهي مدنية أيضاً ، ويعلق خليل قائلاً إن :

( الذي يقرأ إصدارات الجماعات الأصولية الإسلامية المتشددة في مصر يتأكد أنها ترى أن قتال أهل الكتاب الذي ورد بهذه الآية أمر إلهي ماض إلى يوم القيامة ، ولم يرد ما ينسخه ومن ثم يتعين على المسلمين إنقاذه ولا يكفوا عنا إلا في حالتين :


1 - أن يعتنق اليهود النصارى دين الإسلام.

2 – أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون.


وإزاء تمسك الأصوليين بهذه الآية ، فإنهم ( يرفضون بشدة التأويلات التي يعمد إليها بعض المستنيرين من الإسلاميين للتخفيف من صرامة الآية ويعتبرون ذلك تخاذلاً لا بل كفراً لأنه حكم بغير ما أنزل الله ) وإذن – كما كتب خليل – فإن خطاب ( النصوص المقدسة ) تغير تماماً، فهو في حالة الاستضعاف شيء وفي حالة الاستقواء شيء آخر .

وهكذا يكون طريق الحوار مع الأصوليين (النصوصيين) مسدوداً وأنهم يتمسكون أيضاً بتطبيق سيرة الرسول في اغتيال الخصوم ، مثلما حدث في  (مقتل كعب بن الأشرف وأبي رافع سلام بن أبي الحقيق اليهوديين بأمر مباشر من محمد صلى الله عليه وسلم ) .

ويختتم خليل عبد الكريم هذه الدراسة قائلاً :

( إن خيار القوة المسلحة الذي تنتهجه الجماعات الأصولية الإسلامية المتطرفة له تاريخيته وسنده من (النصوص المقدسة) وهذا في مذهبنا ما يجب التسليم به حتى يمكن فهم هذه الجماعات الفهم الأمثل ..إلخ ).

وفي دراسة أخرى بعنوان ( جذور العنف لدى الجماعات السياسية الإسلامية – مثل من جماعة الإخوان المسلمين ) يرصد خليل عبد الكريم جذور العنف لدى الأصوليين المعاصرين في خطاب المرشد الأول لجماعة الإخوان المسلمين ( حسن البنا ) الذي قال يخاطب أعضاء الجماعة: ( في الوقت الذي يكون فيه منكم معشر الإخوان المسلمين ثلاثمائة كتيبة قد جهزت كل منها روحياً بالإيمان والعقيدة وفكرياً بالعلم والثقافة ، وجسمياً بالتدريب والرياضة ، في هذا الوقت طالبوني بأن أخوض بكم لجج البحار وأقتحم عنان السماء وأغزو بكم كل عنيد وجبار ) .

وفي نهاية تحليله لخطاب وبرنامج جماعة الإخوان المسلمين كتب خليل : ( لم يكن من باب المصادفة أن يحمل شعار الإخوان المسلمين سيفين حول المصحف الشريف ، فهم المصحف، ومن عداهم سيفان : الذي على اليمين لمخالفهم من المسلمين ممن لا يعتنقون أفكارهم ويؤمنون بمبادئهم ، والسيف الآخر ( الذي على الشمال ) لغير المسلمين ، وهذه هي المهمة التي قام بها النظام الخاص مشهوراً إعلامياً بـ ( الجهاز السري ) كما تنطق بذلك صفحات حزينة من تاريخ مصر الحديث ، ثم أكملت المسيرة الدامية الجماعات الحديثة لأنها تعتنق الفكر ذاته وتؤمن من أعماق نفوسها بـ ( الاصطفائية ) و( تملك الحقيقة المطلقة ) والثمرة لهذه الجذور هي : العنف ) .

وفي تحليله لكتابات ( سيد قطب ) وتأثير هذه الكتابات على الأجيال الجديدة من الأصوليين ، كتب خليل : ( يعتبر سيد قطب مرجعاً مباشراً للجماعات الأصولية ) وعلى سبيل المثال فإن موقف سيد قطب من المرأة يكشف توجهات تلك الجماعات في هذه الخصوصية ، فهو ( سيد قطب ) في تفسيره للآية الكريمة ( وقرن في بيوتكن ) في كتابه ( في ظلال القرآن ) كتب : ( هي إيماءة لطيفة أن يكون البيت هو الأصل في حياتهن . هو المقر ، وما عداه استثناء طارئاً. )

وإذا كان سيد قطب يرى أن النساء على عهد الرسول كن يخرجن للصلاة غير ممنوعات شرعاً من هذا السبب كما يرى سيد قطب أن ذلك كان في زمن ( فيه عفة وفيه تقوى ) فإن خليل عبد الكريم الذي امتلك شجاعة الباحث الحر ، اختلف مع هذا الرأي ، فكتب :

( أما الزعم بأن النساء كان يسمح لهن في عهد الرسول بالخروج للصلاة ( لأنه كان زمان فيه عفة وفيه تقوى ) فينضوي على قصور متعمد يبلغ حد التدليس ، ولا ينكر أحد وجود التقوى والعفة فيه، ولكن بجانبها كان هناك زنا وقائعه مبثوثة في كتب السيرة النبوية ودواوين السنة الصحاح والمسانيد وموسوعات الفقه ، وكان هناك تخنث ومخنثون ( هيت ) بل إن بعض الرجال كانوا يتلصصون النظر إلى النساء داخل المسجد وهم يصلون خلف الرسول كما روي ابن عباس الذي قال ( كانت تصلي خلف الرسول (ص) امرأة حسناء من أحسن الناس ، وكان بعض الناس يستقدم في الصف الأول ( حتى ) يراها ، ويستأخر بعضهم حتى يكون في الصف المؤخر ، فإذا ركع قال : هكذا ونظر من تحت إبطه وجافى يديه ، فأنزل الله تعالى : ( ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين ) وهذا الحديث ذكر خليل عبد الكريم أورده الحاكم في ( المستدرك ) وقال هذا حديث صحيح الإسناد . أما ( البيهقي ) في ( السنن الصغرى ) فقد أورد حديثاً بروايتين عن امرأة اغتصبت في عهد الرسول ( ص ) وهي في طريقها لأداء صلاة الفجر .

وفي كشفه لمرجعية الأصوليين المعاصرين ، فإن خليل عبد الكريم يرى أنه ( إذا كان سيد قطب هو المرجع القريب للإسلاميين ( يكتبها الإسلامويين ) الأصوليين ، فإن شيخ الإسلام ( ابن تيميه ) هو المصدر الأصيل والأثير لديهم ) فهو ( ابن تيميه ) يرى أن ( النكاح ) ( أي الزواج ) فيه الجمع ملكاً وحكماً والجمع فعلاً بالحس والحبس وكلاهما موجبة وهما متلازمان ) ويعلق خليل قائلاً : ( إذن ابن تيميه من رأيه أن موجبات عقد الزواج أنه يعطي الزوج حق الملك والحبس على زوجت وأنهما مجموعان في يده بمقتضاه ) بل أن ابن تيميه يخطو أوسع ( فيقارن بين الزوجة والعبد المملوك فيرى أنهما سواء لا فرق بينهما ، فعندما يتحدث عن النفقة بالنسبة للزوجة يقارن بينها وبين . نفقة المملوك ثم ينتهي إلى أنه : ففي الزوجة والمملوك أمره واحد ).

وفي نبش الأصوليين في تراث التخلف ، فإنهم يعثرون على أصولي آخر هو ( ابن القيم الجوزيه ) الذي هو كما كتب . خليل عبد الكريم : "واحد من المرجعيات التي تجد قبولاً بالغاً لدى الأصوليين وقدم خليل بعض النماذج من كتابات ابن القيم الجوزيه التي تحط من مكانة المرأة والتركيز على أنها موضوع للفراش ، وكأنما المرأة خلقت لإمتاع الرجل سواء في الدنيا أو في الآخرة ، إذ أنه ( ابن القيم الجوزيه ) بعد أن قدم وصفاً تفصيلياً لكل الأبعاد الحسية لنساء الجنة ، يكتب عن الأوصاف المعنوية لهن : ( فهن المتحببات إلى أزواجهن والمطيعات لهم والحسنات التبعل ، وفسرها أبو عبيده : حسن مواقعتهن وملاطفتهن لأزواجهن عند الجماع مع شدة عشقهن لهم ، وفي تفسير آخر : أنهن العواشق المتحببات ، الغنجات ، الشكلات ، المتعشقات ، المغنوجات ) .

ويكمل خليل عبد الكريم الكتابة : بأن خطاب ( الأصوليين في خصوصية مكان المرأة ووظيفتها مستمد من ( النصوص ) وبغض النظر عما يقال عن تفسيرها وتأويلها ) ومن ثم فإن ( الإلمام بظروف المجتمع والبيئة التي انبثقت عنهما تلك ( النصوص ) أمر على درجة كبيرة منا لأهمية ، بل هو مفتاح فهمها وتعليل ما ورد بها من أحكام وأوامر ونواه ومحرمات ) .

وخليل عبد الكريم رغم أنه متخصص في التراث العربي / الإسلامي ، إلا أنه عندما يكتب يكون بصره وتكون بصيرته دائماً على مصر ، وعلى سبيل المثال فإنه في كتابه ( العرب والمرأة ) وبعد أن أثبت الوضع المزري للمرأة في التراث العربي ، عقد مقارنة بينها وبين المرأة في تراث الحضارة المصرية ، ولأنه عالم يحترم لغة العلم ، فقد اعتمد على مجموعة من المراجع المتخصصة التي تناولت وضع المرأة في مصر القديمة ، أما عن السبب الذي فرق وميز بين الوضع الإنساني للمرأة المصرية ، والوضع المتدني للمرأة العربية ، فإنه ( بكل بساطة الفرق بين الحضارة ، بل أعرق حضارة عرفها التاريخ وبين البداوة ) .

وإذا كانت الديمقراطية ( إحدى آليات الليبرالية ) تعني تداول السلطة الحكم من خلال حق الشعوب في الانتخاب الحر المباشر، وإذا كان الأصوليون يعادون هذه الآلية الليبرالية ، وبالتالي يعادون قيم الحداثة التي انتزعتها الشعوب عبر آلاف السنين ، وعبر آلاف التضحيات ، فإن المفكر الراحل خليل عبد الكريم له موقف واضح وصريح بالنسبة لموضوع ( الديمقراطية ) فكتب عنه كثيراً : في كتابه الهام ( الجذور التاريخية للشريعة الإسلامية ) وفي مقالاته العديدة في مجلتي ( أدب ونقد ) و( اليسار ) وفي كتابه ( الإسلام بين الدولة الدينية والدولة المدنية ) الذي نص فيه على : ( ليس صحيحاً ما يدعيه بعضهم أن الشورى هي ( الطبعة العربية أو الإسلامية ) لـ ( الديمقراطية ) ذلك أن اختلاف الجذري بين كنه وطبيعة النظامين يؤكد لنا أنه إدعاء فاسد ، وكذلك القول أن ( الديمقراطية هي الوسيلة العصرية للشورى فهذا خلط للأوراق وتمييع للمفاهيم وهدم لحدود التعريفات ) .

وفي تفصيل غاية في الأهمية يشرح خليل الفرق الجوهري بين ( الشورى ) و ( الديمقراطية ) فالشورى نظام يقتصر على أخذ رأي ( الملأ ) أي النخبة . أما ( القبيل ) أي الجماهير فلا حساب لها عنده ولا قيمة ، في حين أن الديمقراطية نظام ( يرتكز على رأي القاعدة الشعبية العريضة ، لا على ( الإيليت ) أو النخبة أو الصفوة أو الملأ أو مجلس الشورى. فالديمقراطية تعني حكم الشعب بالشعب لصالح الشعب.

أما نظام الحكم الشورى العربي فهو شيء مختلف ، يتأسس بالدرجة الأولى على استبعاد رأي الجماهير الشعبية ، سواء في اختيار نظام الحكم أو في اختيار من يتولون الحكم .. ( وليس مصادفة أننا لم نقرأ في كتب التاريخ الإسلامي أن ( خليفة ) أو ( والياً ) تم تنصيبه عن طريق الانتخاب الحر المباشر الذي شاركت فيه جماهير المسلمين ( السواد أو العامة أو الرعية ) فهؤلاء ( الضعفاء أو المستضعفون ) لم نقرأ أن خليفة راشداً أو غير راشد استشارهم أو حتى التفت إليهم أو شعر بوجودهم ) وبالتالي فإن ( البيعة ) ليست ( انتخاباً بأي صورة من الصور ) أما الديمقراطية فإنها تقوم على ركيزتين :


1 - الاعتماد على رأي الشعب ، لا النخبة أو الملأ أو المجلس الشورى أو أهل الحل والعقد.

2 - إلزام الحاكم بما ينتهي إليه الجماهير أو الشعب أو المواطنين.


وفي قراءته للواقع المعاصر ، فإن خليل عبد الكريم يكتب عن السبب ( أخير يدعم دعوتنا إلى ( إقالة الشورى ) وإحلال الديمقراطية محلها ( وهو الطغيان السياسي من قبل غالبية حكام العرب والمسلمين وبطاناتهم المتعددة الأشكال ) وأن التمسك بـ( الشورى يساعد على تجذير الطغيان السياسي وتكريسه واستشارته وإضفاء سند شرعي عليه ) ولذا ( فليس من باب المصادفة أن عدداً من الأنظمة الحاكمة حكماً إستبدادياً تشجع على دعوة ( الشورى ) وشن الحملات الضارية على ( الديمقراطية ) ونعتها بأشنع الأوصاف . وهذا عين ما تفعله وبذات الحماس والهمة الجماعات الفاشستية التي ترفع شعارات دينية لإخفاء أهدافها السياسية الدنيوية ) .

وإذا كان الأصوليون يروجون لمقولات تؤدي إلى المزيد من التخلف مثل الزعم بأن ( النصوص المقدسة ) قد سبقت وتنبأت بكل ما جاءت به العلوم الطبيعية ، فإن الرجال الجليل خليل عبد الكريم كان يمتلك شجاعة الرد على هؤلاء الأصوليين ، فكتب :

( لم يحدث – ولو لمرة وحيدة – أن خرجوا علينا بـ ( نظرية علمية ) إنسانية أو طبيعية استقوها من ( النصوص ) وهذا أمر بديهي لعدة أسباب منها : أن هذه النصوص ليس من وظيفتها إفراز نظريات علمية ، كما أن البيئة التي ظهرت فيها لم تكن مهيأة لظهور نظريات علمية في زمانها ، فما بالك بعد مضي نيف وعشرة قرون ، وأخيراً فإن النظريات العلمية ، إنما تجيئ نتيجة للتجريب والملاحظة ولا تمطرها السماء عن طريق النصوص ) .

وفي ذات السياق فإن الراحل الجليل تصدي للأصوليين ( ما إن سمعوا بمسألة ( حقوق الإنسان ) حتى بادروا إلى الزعم بإن ( النصوص المقدسة ) قد نادت بها قبل أن يعلنها ( الفرنجة ) بأكثر من عشر قرون ، وعلى ذلك فقد طلعوا علينا بما أطلقوا عليه ( الإعلان الإسلامي العالمي لحقوق الإنسان ) عام 1981 بـ ( هيئة اليونسكو ) نتيجة لإلحاح وإلحاف من ( المجلس الإسلامي ) وإرتكز هذا الإعلان المهيب على آيات من القرآن وأحاديث نبوية ) .

وبموضوعية العالم الكبير فإن خليل يرى أن الإعلان الإسلامي العالمي لحقوق الإنسان يفتقر إلى بعدين أساسيين : الأول هو البعد البشري : حيث أن ( حقوق الإنسان ) انتزعها وبتضحياتهم ودمائهم وأنها ليست منحة إلهية أو عطية نبوية أو هبة خليفية. وأن تلك الحقوق لو جاءت من أي سلطة فوقية ، فإنه من اليسير إنتزاعها، لأن من وهب شيئاً يستطيع أن يرجع في هبته ..إلخ والثاني هو البعد التاريخي ، وهذا البعد بدوره ينضوي على عنصرين : الأول هو التراكمات التاريخية ، أي خبرة الشعوب في صراعها ضد الطواغيت الحاكمة وتراكم هذه الخبرة طوال التاريخ البشري . والثاني هو الاختلاف في المضمون من حقبة إلى أخرى . وأن ( حقوق الإنسان ) لو كانت مرجعيتها ( النصوص المقدسة ) فإنها بهذه الحالة ( تتسم بالاستاتيكية والثبات وعدم التغيير، لأن هذه المرجعية لا يجوز تخطيها أو مجاوزتها لقداستها المطلقة ، في حين أن الطبيعة البشرية لتلك الحقوق تعطيها ديناميكية وقدرة على الحركة ، حيث إن التاريخ البشري قد أثبت ( أن حقوق الإنسان ) منذ قرنين – ولا نقول من عشرة قرون أو أكثر – تختلف عن حقوقه في الوقت الحاضر ، وهي بالقطع سوف تختلف عن حقوقه بعد قرون ) .

وفي سبيل تدعيم وجهة نظره فإن خليل وهو يقدم قراءة نقدية لتوجهات الأصوليين الذين ( في غمرة حماستهم الفجة للإسلام ومحاولة إظهاره في كل ميدان وأذاعوا ( الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ) وأرجعوه إلى ( النصوص المقدسة ) ولو أنهم أرجعوه إلى نضالات المسلمين والعرب التي خاضوها خلال الثورات التي وقعت لواءها الفرق المتباينة : الخوارج ، الشيعة ، المعتزلة ، القرامطة ، والزنج ، والثورات الشعبية في مصر ومنها الثورة العارمة التي انفجرت في عهد المأمون العباسي ( ثورة البشموريين ) والذي حضر من بغداد عاصمة خلافته ونجح في إخمادها ودموية .. لو فعلوا ذلك لكان لإعلانهم ذاك مصداقية أكبر ) .

في عام 1997 روج الأصوليين لفكرة إقامة احتفال بمناسبة مرور أربعة عشر قرناً على الفتح العربي لمصر . ورددت الثقافة السائدة هذه الدعوة ورحبت بها ، إلا أن أن خليل عبد الكريم كان له رأي مغاير تماماً ، فكتب مقالاً وضع له العنوان التالي : ( نعم للإحتفال بدخول الإسلام مصر .. ولا للاحتفال بالغزو العربي ) في هذا المقال يفرق خليل بين الإسلام كديانة وبين الغزو الاستيطاني الاستنزافي الذي قام به العرب، حيث إن الدعوة للدين لا تستدعي ( تجيش الجيوش ، وتجنيد الجنود وتعبئة الصفوف ) وأن الفتوحات التي تمت ( لم تستهدف نشر الإسلام أبداً . لقد كان الهم الأكبر والأوحد لأصحابها هو قضم ثروات البلاد الموطوءة وهبشها ونقلها إلى موطنه الشرق ، وأسر رجالها ليصيروا عبيداً وخولا لهم وسبي نسائها الوضيئات وشاباتها الحسناوات ليمتعوا بهن أنفسهم ، وفرض الضرائب المتنوعة على أهلها ليعيشوا هم سادة منعمين على حساب عرق العلوج . والعلوج هم الاسم الذي كانوا يسمون به أهالي البلاد المفتوحة ) .

وإذا كان هناك من يتشكك أو من يشك في هذه الوقائع التاريخية ، فإن خليل يسد عليهم باب الشك قائلاً إنه اعتمد على ( أمهات كتب التاريخ ( العربي/الإسلامي ) التي تلقتها أمه لا إله إلا الله بالتجلة والقبول وفي مقدمتها مؤلفات: الطبري ، اليعقوبي ، ابن كثير ، البلاذري ، المسعودي ، الواقدي ، ابن قتيبه الدينوري ، أبو حنيفة الدينوري ، المقريزي ، الكلاعي ، وغيرهم وغيرهم ).

وبعد أن يوجه النقد إلى المؤرخين المحدثين وإلى الأكاديميين من حملة درجة الدكتوراه ، لافتقادهم إلى الأمانة العلمية ، كتب خليل في ختام مقاله : ( نخلص من ذلك إلى أننا نقول بملء أفواهنا : نعم للاحتفال باعتناق أهل مصر للإسلام ، ولكن كلا ومليون كلا للاحتفال بـ الغزو الاستيطاني الاستنزافي ) .

وبعد هذه السياحة السريعة والقصيرة في ( بعض ) النماذج من كتابات هذا المفكر الحر والعالم الكبير ، الذي كانت الحقيقة قبلته الوحيدة والعقل والضمير مرجعين أساسيين ، والذي لم يهادن ، أو يغازل الأصوليين كما فعل كثيرون ، بعد هذه السياحة أعتقد أن التكريم اللائق للراحل الجليل هو إعادة طبع كتبه وتجميع مقالاته وطبعها في كتاب أو أكثر ، وذلك ضمن سلسلة ( كتاب الأهالي ) وبأسعار رمزية ، لتكون في حوزة الأجيال الجديدة ، وفاء لرسالته في حتمية مجابهة الأصوليين الذين يستهدفون جر مصر إلى عصور الظلمات .




غير متصل ash19713839

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 686
  • الجنس: ذكر
  • الايمان بل العمل خير من المواعظ الكاذبة ‎- ويليام
    • رقم ICQ - 2102284822
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • www.ankawa.com
    • البريد الالكتروني
شكراااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااا على المقال الرائع .....


2010

خدمة ابناء شعبنا العزيز هي المهم وليس المجد الباطل والتاج الناقص
Service of our dear people is important, and not false glory and the crown missing