كــان يا مـــا كـــــــــــان

المحرر موضوع: كــان يا مـــا كـــــــــــان  (زيارة 720 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل rashid karma

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 499
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
             
كــان يا مـــا كـــــــــــان
                                                               رفاه الجبوري

فيما بعد قيلولة الظهيرة  , يظهر عصر بغداد الجميل . حيث ترش اشجار الحدائق بالماء ، وتفرش القنفات الخشبية ، ويخرج التلفزيون للحديقة . هذا مايقوم به اكثر العوائل العراقية في وقت الصيف .
تجلس عروسة حديثة العهد على احدى القنفات وهي تشم باقة من ورد الراسقي، ، تأخذ زهرة بيضاء وتدسها بين خصلات شعرها الأسود , وتارة تضع واحدة فوق اّذنها  .
امامها صينية  وضع عليها الشاي العراقي المهيل وصحن من الجبن الابيض مع النعناع والخبز .
يأتي زوجها مبتسما  ويجلس بجانبها ويهديها زهرة جوري حمراء ذات رائحة زكية .
يأخذ قطعة من الخبز ويضع فيها الجبنة والنعناع ، ثم يشرب الشاي قائلا :عاشت الايادي على هذا الشاي الطيب . تجيبه مع نظرة حب ومودة : عوافي
يلتفت اليها بحنوٍ سائلا : اذا كانت تعرف شئ عن مدينة مسقط رأسها ؟
تجيبه بدلال وافتخار وشموخ ، وكأنها تلقي محاضرة تاريخية :
نعم انا ولدت في مدينة الناصرية التي لها تاريخ عريق . يمر من وسطها نهر الفرات ، والتي كانت عاصمة الدولة الكلدانية . من معالم  هذه المدينة التاريخية الاثرية هي اور والزقورة كانت معبد ، وفيها منزل النبي ابراهيم ابي الانبياء ، ومسقط رأسه ,  ويدعى في الكتاب المقدس الإنجيل باور الكلدانيين .
هنالك نشأت الحضارات ومن اقدم هذه الحضارات هي الحضارة السومرية ، التي قدمت الكثير لبني البشر . في هذا الوقت بدأ الانسان يبحث عن الخلود والوجود والتي تجسدت في ملحمة كلكامش . هناك كانت ملكة سومر شبعاد .
الناصرية كانت مشهورة بزراعة الرز العنبر والبسمكي وغيره من انواع الرز. تعتبر أراضي الناصرية  الثانية بعد  البصرة في زراعة النخيل .
لاتنسى ايضا تشتهر محافظة الناصرية بأدبائها وشعرائها والاصوات الجميلة  مثل  آه كم هو عذب صوت (حسين نعمة).
يبتسم لها زوجها ويضمها الى صدره  وهو يهمس في اذنها : لم اكن اعلم بأن زوجتي استاذة تاريخ . هل تتذكريها؟
تنظر اليه مجيبة بحسرة: لا لم اراها  في حياتي، لان اهلي تركوا الناصرية وانا في القماط ...اذن إستعدي  ، لقد اخذت اجازة وغدا سوف أخذك لمدينة الناصرية مدينة مسقط رأس ابي الانبياء ابراهيم .
طبعت على خده قبلة خجلى  فرحةً ً غير  مصدقة بأنها سوف تشاهد مدينة الناصرية ، مسقط رأسها.
تأخذ اجمل الملابس وكأنها سوف تغادر الى احدى الدول الاوربية .
قبل وصولهما  ، تقرأ لوحة معوجة متصدأة ، قد زال بعض الطلاء من  الكلمات . لكنها تمكنت من قراءة (  ذي قار ترحب بكم ) .
ارتسمت الإبتسامة على محياها وتسارعت ضربات قلبها وهمست  ،و اخيرا سوف ترى مدينة الناصرية .
اخذها زوجها من يديها خوفا عليها ان تسقط من فرحتها الطفولية .
تعجبت مما ترى، ووضعت يدها في فاها . هل هذه هي مدينتي ؟
مدينة منسية . مهجورة . شوارع متربة وازقة مهملة ، مياه آسنة بين البيوت القديمة. مر عليها زمن طويل بدون ترميم او  اصلاحات. منازل تشهد على تعب وخوف نزائلها .
أُناس تسير في الشوارع حزينة الوجه . كل واحد منهم يحمل جبل من الهموم على ظهره .
اخذت دموعها تنهمر على خدودها من شدة حزنها على  مدينة اور مسقط رأسها ولطالما سمعت من والديها عن طيبة اهاليها ونخوتهم ، الديوان  والجيران والاحباء والاصدقاء . ليلها جميل بين الاحبة والاصوات العذبة .
هذه المدينة اصبحت شبه ميتة ، لولا بساتين النخيل .
نظر زوجها اليها بحنان ، وعندما شاهد الدموع تسيل على خديها قال لها :
لاتحزني ياحبيبتي . ان الله سوف لاينسانا . تعالي اركبي السيارة وسوف اريك ما منحتنا الطبيعة من جمال رباني .
اتجهت السيارة الى مدينة القرنة . نزلت متشوقة إلى جمال المنظر الذي تشاهده .
 هتفت :هل هذا حلم ام خيال أم واقع ؟؟ هل انا لا زلت في العراق ؟ انها  فينيسيا العرب. بساتين النخيل الشامخة وهدير نهري دجلة والفرات وهما يتلاحمان ليكونا شط العرب.
وقفت تنظر الى نهر دجلة كيف يلتقي مع نهر الفرات !!!!
يسير النهران بسرعة وهيجان تهابه العين ويخفق لهما القلب خاشعاً وهما يلتقيان كما يلتقي المحبان بعد فراق طويل .
   
          رفاه    12  حزيران   2007