ديباجة غير مدبجة بديباج العراق
د. سعدي المالح
من المعروف أن ديباجة أي كتاب أو وثيقة هي فاتحته. وعادة ما تكون هذه الديباجة الوجه الذي يطالعنا في المقدمة، ولهذا اعتادت العرب والعجم على تزينها وتجميلها. وقديما كان يُعد صَون هذه الديباجة كناية عن شرف النفس. ولعل المفردة هذه جاءت من الثوب - الديباج الذي سُداه ولُحمته حرير.
هكذا كان يجب أن تكون ديباجة الدستور العراقي الجديد الذي صوّت عليه المجلس الوطني وعرضه على الاستفتاء الشعبي العام؛ ديباجة قوية متينة، مزينة جميلة، ومعبرة عن تاريخ العراق ومكوناته، ثابتة وراسخة ومدبجة بطيلسانه. إلا أن مطالعة سريعة لهذه الديباجة تكشف لنا ركاكتها وهشاشتها وضعفها وعدم شمولها لا على سُدى العراق ولحمته بأقوامه وأديانه وتاريخه ولا مزينة بحضارته وأطياف ثقافته.
فالديباجة هذه، بدلا من أن تكون رزينة دستورية ومنطقية محددة ومختصرة ومستوعبة لتاريخ العراق وحضارته ومكوناته وأديانه، جاءت بمجملها ضبابية وعمومية ترمي الكلام على عواهنه بحيث يفسر تفسيرات متناقضة أحيانا و مبتسرة وناقصة أحيانا أخرى.
على نحو أوضح، إنها تقرأ التاريخ والحضارة والمكنون العلمي والثقافي من خلال المفهوم الديني فحسب، المفهوم "الإسلاموي" ذي النزعة الشيعية تحديدا، من دون إقامة اعتبار كافٍ للأديان والثقافات الأخرى، أو الإقرار بوجود أعداد كبيرة من الليبراليين والديمقراطيين والعلمانيين وحاملي الأفكار التقدمية الأخرى في المجتمع العراقي.
بلا شك، سيكتشف المعتدلون من الأكراد والعرب، من السنة والشيعة، من الأديان والقوميات الأخرى، نواقص وفجوات ومثالب كثيرة في هذه الديباجة، أترك لهم مناقشتها، مكتفيا هنا بالإشارة إلى ما فيها من فجوات ونواقص ومثالب في الأقل من وجهة نظر الكلدان الآشوريين السريان.
منذ الأسطر الأولى تلغى الديباجة اسم السومريين والأكديين والبابليين والآشوريين من حضارة العراق وتاريخه، وهي برأيي عملية إلغاء ذاكرة مقصودة تمارس بدهاء وخبث، وبأسلوب يلتقي مع أساليب البعث السابقة. تلك الأساليب التي كانت ( وما تزال في بعض الدول) تنسب هذه الحضارة إلى العرب القدماء، في محاولة لإمحاء مسمى هذه الحضارة وأصولها، وبالتالي فصلها عن ما تبقى من أبنائها في بلدهم الأصلي. وهذا الأسلوب، كما هو معروف، ليس إلا جزءا من أسلوب محو ذاكرة الشعوب وتاريخها الذي استخدمه المهاجرون الأوروبيون إلى الأمريكتين واستراليا بحق سكان البلاد الأصليين.
ثم تأتي الديباجة لتستلهم " فجائع شهداء العراق، شيعة وسنة، عربا وكوردا وتركمانا، ومعهم بقية إخوانهم من المكونات جميعها..." في حين كان يجب أن تذكر الديباجة المسلمين والمسيحيين أولا كمكونين لدينين رئيسيين في العراق (وإن كان عدد المسيحيين قد تضاءل في السنوات الأخيرة) ثم تعدد الطوائف الإسلامية. وأيضا اكتفت هذه الديباجة من الناحية القومية بذكر العرب والكورد والتركمان بعد ذلك أضافت إليهم " ومعهم بقية إخوانهم من المكونات جميعها" وكأن الفجائع لحقت بشكل رئيس بالمسلمين فحسب! بما معناه أن المسيحيين والايزيديين والصابئة، أو " بقية المكونات" والتي هي الكلدان الآشوريين السريان بالأساس لم تكن فجائعهم بالأهمية نفسها التي للآخرين، علما أن الجميع واجه الفظائع نفسها، بل وأن القوميات والديانات الصغيرة كان نصيبها أكبر من القتل والتشريد والتهجير والاغتراب ومواجهة الفظائع نسبة إلى حجمها، وهذه حقيقة دامغة.
ونواصل قراءة الديباجة غير المدبّجة بطيلسان العراق. فعندما تستنطق عذابات القمع القومي تذكر ما لحق بالعرب والأكراد والتركمان من سنة وشيعة ولا تأتي على ذكر الكلدان الآشوريين السريان كقومية ولا كمسيحيين، متناسية عن قصد أو غير قصد مجازر سميل على يد الجيش العراقي في عام 1933 والتي راح ضحيتها آلاف عدة من أبناء شعبنا في يوم واحد وفي موقع واحد . ولا مجزرة قرية صورية في عام 1968 في محافظة دهوك على يد جلاوزة صدام حسين التي أودت بحياة العشرات من أبناء قرية واحدة. ومتناسية المئات من الكلدان الآشوريين السريان الذين وهبوا أنفسهم من أجل العراق في سجونه أو كانوا ضحايا الأنفال، أو قضوا في ساحات المعارك مع قوات الأنصار والبيشمركة . ولا يود هذا الدستور أن يذكر في ديباجته عشرات القرى الكلدانية الآشورية السريانية التي دمرت في الأنفال، وتعرض أهاليها للقتل والتشريد، وعشرات الكنائس التي خربت والمزارع التي أحرقت.
فلكي نكون أوفياء لهذا الوطن وجديرين بحمل اسمه وتحمل كل المسؤوليات الملقاة على عاتقنا لا بد من أن يكون لنا حقوقنا كاملة غير منقوصة سواء بذكر اسمنا إلى جانب بقية مكونات الشعب العراقي في السراء والضراء أو بإبراز وجهنا الحضاري كجزء من هذا الشعب. فنحن لا نريد أكثر مما يريد أي عراقي ولا أقل مما يريد أي عراقي أي كان دينه أو مذهبه وأية كانت قوميته.
من اليسير على كل من يقرأ ديباجة الدستور العراقي الجديد من الذين يؤمنون بالمنطق العلمي والقانوني وبالحقوق والحريات الديمقراطية والدستورية أن يكتشف أنها ديباجة غير مدبّجة بديباج العراق، بل لعلها كمُفردة أقرب في تطبيقها في هذا الدستور إلى معنى كلمة الديباج الأصلي بغير لغات أهل العراق.
ولنا عودة إلى فقرات الدستور في مقال آخر.
عنكاوا في 31 آب 2005[/font][/size]