صرخة استغاثة من طلبة سهل نينوى الجامعيين
عنكاوا كوم/ سهل نينوى
كانت جامعة الموصل تعتبر في السابق من أفضل جامعات القطر من ناحية الكفاءات العلمية المتواجدة في جميع أقسامها والدراسة النوعية فيها، أما اليوم فقد اختلف الوضع بسبب الأوضاع الأمنية الصعبة التي أجبرت عددا كبيرا من الكفاءات العلمية على ترك الوظيفة، خوفا على الحياة اولا، وتحول الجامعة الى ساحة لتصفية الحسابات الخاصة، وبعيدا عن التقاليد المعروفة في احترام قدسية الحرم الجامعي، بإعتباره أعلى هيئة أو مؤسسة تعليمية وتأهيلية لقادة الغد ثانيا ...
يدرس في جامعة الموصل الالاف من طلبتنا الكلدان الاشوريين السريان، خاصة من قرى و بلدات سهل نينوى منذ تأسيسها و الى يومنا هذا، لكن اعدادهم بدأت تنحسر في السنوات الاخيرة بسبب الظروف المذكورة اعلاه ... فقد هجرها مؤخرا الكثيرون ويتخلف في أيامنا هذه عدد كبير منهم عن الدوام وفي أقسام الجامعة كافة، وخاصة بعد حادثة الاختطاف التي استهدفت ثمانية من طلبة بخديدا وتعرضهم الى مضايقات عديدة اخرى داخل الحرم الجامعي. وكل ذلك ادى الى توقف مشروع نقل الطلبة الذي كان هو السبيل الوحيد لنقل الطلبة من سهل نينوى الى الجامعة و بالعكس، ذلك المشروع الذي انشأ بجهود عظيمة من قبل القائمين على الكنيسة وبعض الخيرين في بداية التسعينات.
جدير بالذكر أن الهدف الرئيسي من هذا المشروع كان لمساعدة الطلبة، ولكن اليوم تغيرت الأمور وقد قرر معظم طلبة بخديدا و وكرمليس وبرطلة، الذين يبلغ عددهم أكثر من ألفي طالب وطالبة تأجيل الدراسة هذه السنة وانتظار المستقبل المجهول في الأعوام القليلة القادمة، او الى حين تحسن الأوضاع لكي يواصلوا دراستهم ...
أما حال الأساتذة والموظفين من أبناء شعبنا الذين لا يزال بعضهم مستمرا في اداء واجباتهم في جامعة الموصل فهو ليس أفضل، بل ويتطلب منهم تضحية كبيرة ومواجهة أخطار عديدة في كل لحظة.
للكشف عن الواقع المرير الذي يعيشه الطلبة والأساتذة على حد سواء، أجرينا بعض اللقاءات مع عدد من الطلبة لنقل معاناتهم إلى كل من يهمه الأمر. لنطلع معا على همومهم ومشاكلهم ...
(http://www.ankawa.com/images2/st_nin/linda.jpg)
تقول كليندا ميخائيل، الطالبة في جامعة الموصل، كلية الإدارة والاقتصاد، قسم الإدارة الصناعية، المرحلة الرابعة :
- " انا الان مجبرة على ترك دراستي على الأقل لهذه السنة، ولذلك فان تخرجي سيؤجل الى اجل غير معروف ولا توجد حلول عديدة إمامي، لأنه ان لم يتم إعادة تشغيل مشروع نقل الطلبة ولن تعود المياه الى مجاريها، ستكون عملية الاستمرار في الدراسة شبه مستحيلة في هذه الظروف الصعبة، لأن تكاليف النقل ستكون باهضة لحد تفوق طاقة أي طالب، هذا بغض النظر عن مسالة الأمن والأمان، الذان قد فقدا تماما في الموصل... ولذلك بالذات فانا مجبرة على تأجيل هذه السنة، ولا اعلم ان كنت سأعود الى الدراسة في السنة المقبلة ام لا !؟ وهذا طبعا مرهون بالأوضاع اولا وبمشروع نقل الطلبة ثانيا ...
لكن وبالرغم من قبولنا بالأمر الواقع وتأجيل السنة الدراسية، الا انه حتى في عملية التأجيل توضع أمامنا العراقيل لا نعلم سببها، حيث هذه هي السنة الأولى التي تُطلب فيها مستمسكات إضافية لم تكن تطلب قبل اليوم ... فمثلا، شهادة الجنسية العراقية وعدة مستمسكات أخرى تطلب للمرة الأولى هذه السنة. وبالنسبة إلى خيار الأقسام الداخلية في الجامعة، فهي لا تفي بالغرض، لان الأوضاع غير مستقرة داخل الجامعة نفسها، خصوصا بعد ساعات الدوام ... وينطبق الأمر كذلك على خيار النقل، فهذا غير ممكن لان قسم الإدارة الصناعية غير متوفر في الجامعات الأخرى...
لذا نرجو من رئاسة جامعة الموصل ان تقدم التسهيلات اللازمة لإتمام معاملات التأجيل لأبناء شعبنا، وندعو في الوقت نفسه الحكومة الى إيجاد حل سريع لهذه المشكلة ".
(http://www.ankawa.com/images2/st_nin/lache.jpg)
إما سهيل نجم، طالب في جامعة الموصل، كلية التربية، قسم علوم الرياضيات، مرحلة ثانية فيقول :
- " انا احد الطلبة الكثيرين الذين يعانون من مشكلة التوقف الذي حدث في مشروع نقل الطلبة، ومباشرة بعد الحادث المأساوي الذي طال ثمانية من زملائي نهاية العام الدراسي الماضي، حيث اضطررنا الى ان نرضى بالواقع المرير الذي نعيشه الا وهو، عدم العودة الى مقاعدنا الدراسية في جامعة الموصل والقبول بالواقع الذي أرغمنا على ان نترك مستقبلنا الذي تحول بين ليلة وضحاها الى مستقبل يشوبه الغموض ويقتل في نفوسنا الثقة والإرادة.
هذه المشاعر ليست مشاعري انا لوحدي فقط، بل هي مشاعر عدد كبير من الطلبة في بخديدا وبرطلة وكرمليس... ومن ناحية أخرى، النقل الخاص مكلف جدا في حالة الطلبة، والأمن المفقود في مدينة الموصل هو العامل الرئيسي الذي يرتبط به عودة مشروع نقل الطلبة.
لذا اطلب من الحكومة المركزية أن تنظر بجدية الى وضعنا وأن تجد حلول سريعة لهذه الحالة ... وانا لا اطلب إيجاد حل سحري لكل مشاكلنا! لا، نحن نريد حلا واقعيا يعيدنا الى مقاعدنا الدراسية" .
(http://www.ankawa.com/images2/st_nin/8asha.jpg)
للوقوف على الحقائق حول هذه القضية المصيرية بالنسبة للطلبة، التقينا بالأب اندراوس، مرشد مشروع نقل الطلبة في بخديدا... وحول رأي الأب اندراوس بشان إمكانية إعادة إطلاق مشروع نقل الطلبة مرة أخرى، والخطوات التي سوف تتخذها الكنيسة لمساعدة الطلبة لتخطي هذه المشكلة أجاب الاب:
- " في الوقت الحاضر الظروف معروفة للجميع، ومن الأكيد ان عملية إطلاق المشروع مرة أخرى لن تكون الا بعد ان تتحسن الأوضاع في مدينة الموصل... ومن الممكن ان يلجأ الطلبة الى سيارات النقل الخاص... صحيح ان هذا شئ مكلف، لكن ما من حل أخر في الوقت الحالي... والعودة لن تكون قبل تحسن الأوضاع، لأن المشروع لم ينشأ لأجل ان يتوقف ...!
لكن نحن مجبرين على ذلك، لأنه من المستحيل ان نتحمل مسؤولية هذا العدد الكبير من الطلبة... هناك أفكار حول مساعدة الطلبة الذين يعودون الى الدراسة في الجامعة بتغطية جزء من مصاريف النقل، لكن هذا يحتاج إلى ان تتبناه جهة معينة تكون مهتمة بحالة طلبتنا ".
وبالنسبة الى نجلاء حبيب، طالبة في كلية التربية، قسم علوم نفسية وتربوية، المرحلة الرابعة، الاستمرار في الدوام هو الحل الأفضل لإنهاء دراستها... وحول ذلك تقول الطالبة نجلاء مايلي:- " اخترت ان أكمل دراستي لهذه السنة بالرغم من الصعوبات الكبيرة التي أواجهها... ان مسالة الأمن والمصاريف الباهضة هي الأصعب بالنسبة لي، خصوصا ان دوامنا يومي... فنحن طلبة المراحل الأخيرة مجبرين على ذلك، مع ان المصاريف قد ازدادت الى الضعف، نسبة الى حالنا ايام مشروع نقل الطلبة، أضف اليها مشكلة النقل...
وليست مشكلة التكاليف وحدها هي مشكلتنا الوحيدة ! تواجهنا على الدوام مشاكل أخرى أيضا، كمسالة وجود او عدم وجود سيارات تنقلنا الى الجامعة... فعندما كنا في مشروع نقل الطلبة، كنا نشعر بالأمان، لكننا الان نشعر بالوحدة والوحشة... وباختصار، لم نعد نملك تلك الهوية التي كانت تميزنا وتجمعنا مع بعضنا... نحن الان تائهين وننتظر ذلك المصير المجهول".
ومن القوش التقينا كل من، الطالب( ج . ب) من كلية الإدارة والاقتصاد، والطالب (ر.ن) من كلية القانون بجامعة الموصل، وذكرا مايلي:
- أن معظم طلبة القوش الجامعيين ملتزمون بالدوام الرسمي في جامعة الموصل بشكل جيد رغم الوضع الأمني السيء في مدينة الموصل والمنطقة بشكل عام، ولكن نعتقد أن المشكلة الرئيسية هي الوضع الأمني المضطرب بشكل عام، مما يعكس سلباً على استمرارية الدوام بالشكل المطلوب ... فهناك الكثير من الطلبة الذين يتغيبون عن دوامهم وكذلك الحال بالنسبة لبعض الأساتذة، وبالتالي لا يستوعب الطالب كلياً المواد العلمية المتلقاة في الجامعة، بسبب التقطع في الدوام الرسمي ... اما بالنسبة لاشتراكات الطلبة فانها مازلت مستمرة كما في الأعوام السابقة. ومع كل ذلك كله، يتحمل الطالب لوحده نتائج دراستهِ الجامعية مهما كانت الظروف أو الأسباب.
(http://www.ankawa.com/images2/st_nin/ather.jpg)
وأخيرا كان لنا وقفة مع الأستاذ أثير حسو الذي تطرق الى امور هامة تخص الطلبة واشار الى مايلي:
- على الطالب المقارنة بين الاستمرارية بالدوام وفي الظروف الأمنية الصعبة التي تواجه شعبنا، هذا من جانب. ومن جانب آخر، الظرف المالي المترتب على قرار الاستمرار بالدوام، بعد إيقاف مشروع نقل الطلبة للظروف الأمنية نفسها.
إذ يترتب على الطالب أن يدفع مبلغا يتراوح مابين 5000 إلى 6000 دينار تخصص للنقل، دون مصاريف داخل الجامعة، وهذا المبلغ يعد كبيرا بالنسبة للعوائل المتوسطة الدخل... وبرأي يمكن حل هذه المشكلة من خلال دعم هذه العوائل مالياً ووفق شروط معينة، كأن تكون كلية الطالب ومرحلة الدراسة وعدد الطلاب الجامعيين من العائلة نفسها. أو توفير نقل بأسعار مدعومة لكن باستخدام سيارات صغيرة كي لا تجذب الأنظار .
بعد الاستماع الى كل هذه الشهادات والأراء والأفكار والتمنيات المختلفة لهذه الشريحة الاجتماعية المتضررة من توقف مشروع نقل الطلبة، والمعاناة الكبيرة التي يعيشونها في هذه المنطقة الملتهبة، ودعوات الاستغاثة التي يطلقونها للالتفات الى وضعهم والبحث عن سبل تكفل إيجاد مخرج من هذه المحنة، لن تبقى لنا كلمة اخرى نضيفها الى ما قيل سوى ان نقول - هل من نهاية لكل هذه الألام؟ ومتى ستقول الجهات المعنية كلمتها وتنظر بعين العطف الى حالتهم المأساوية؟ وهل من مجيب ...!؟