في الذكرى الـ 50 لاستشهاده
شهدي عطية الشافعي.. هرم مصري معاصر
(http://www.ankawa.com/public/4c7d0cb6b4eaf838148225.jpg)
المفادي
عندما توقف قلب شهدي عطية الشافعي عن الخفقان في سجن "أبو زعبل"، عن ثمانية وأربعين عاماً، منتصف عام 1960، وفي أعقاب تعذيب فاشي متواصل، لم يكن يدري أنه افتدى بحياته المئات من شيوعيي مصر وديمقراطييها، وقد كان لمصرعه الدامي أثر كبير على كبار المثقفين وبعض قادة الثورة، مما اضطر الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، اثر حملة الاستنكار العالمية، أن يصدر أمرا بوقف التعذيب الذي كان الشيوعيون والديمقراطيون يعانون منه منذ بداية عام 1959.
وكان الشهيد الشافعي طوال محاكمته يوجه نداءاً يومياً حاراً إلى حكومة مصر، يدعو فيه إلى الوحدة الوطنية لمواجهة المؤامرات الاستعمارية وبناء الاستقلال الوطني. ولقد أعلن الشهيد - من وراء قضبان قفص الاتهام - انه يؤمن بزوال الاستبداد والاستغلال، وانه يؤمن بوحدة القوى الوطنية.
لقد صنع شهدي الشافعي من جسده سداً منيعاً بوجه محاولات التصفية الجسدية لقادة النضال الشيوعي والديمقراطي، ووضع باستشهاده البطولي اللمسة الأخيرة على صورة نادرة لمثقف من نوع جديد، مثقف عضوي.
رفض الامتيازات
عندما عاد شهدي عطية من بعثته العلمية في انكلترا، بعد الحرب العالمية الثانية مباشرة، لم يقنع بالوضع الاجتماعي المريح الذي يوفره المنصب الجديد، كمفتش للغة الانكليزية في وزارة المعارف، رغم كونه مسؤولاً عن إعالة أسرة فقيرة، ومع انه كان قد بلغ السن التي يفكر فيها (المثقفون) عادة بالاستقرار إلا انه انشغل بهموم شعبه.
وقد أدرك الشهيد أن الاشتراكية العلمية هي المنهج القادر على إضاءة الطريق لتحقيق أماني الشعب الكادح، ولهذا فقد أسس داراً لنشر الفكر الماركسي، هي دار (الأبحاث العلمية)، ولكنه لم يكتف بالعمل الفكري وحده، فقد أسرع إلى النشاط العملي في صفوف حركة تغييرية وليدة، هي في حقيقتها امتداد لكفاح الحزب الشيوعي المصري الأول.
كانت الحركة آنذاك، سرية. وفي إطار هذه السرية لعب الكثير من المثقفين أدواراً بطولية، لكن عظمة شهدي الحقيقية تكمن في كونه مثقفاً عملياً مرتبطاً بالجماهير ارتباطاً مباشراً، فأخذ يشارك بنشاط في تأليف اللجنة الوطنية للطلبة والعمال – التي قادت الحركة الجماهيرية عام 1946 وأفشلت محاولات (صدقي باشا) للاتفاق مع المستعمرين الانكليز، وأجبرت هؤلاء المستعمرين على مغادرة القاهرة إلى منطقة القناة. ثم شق طريقه إلى السجن ـ أول مرة ـ سنة 1948، وكانت محاكمته مثالاً لبطولة الشيوعي إذ رفض عروض الحكومة المغرية التي انقاد لها بعض (المثقفين) المصريين، وراح يهتف بسقوط الملك والإقطاع، وبحياة الشعب، فتلقى حكماً بالأشغال الشاقة لمدة سبع سنوات، واقتيد إلى سجن (طرة).
من السجن إلى المراقبة
ورغم ظروف السجن المريرة، فقد عكف الشهيد على تعليم السجناء القراءة والكتابة ولعب دوراً حاسماً في تغيير حياة الكثيرين منهم، وقاد أول إضراب من نوعه شهدته السجون المصرية من اجل تغيير المعاملة غير الإنسانية فيها.
وبعد ثورة 1953 بأكثر من عام، غادر الشهيد السجن ليواجه عقوبة جديدة، هي (المراقبة) القضائية في المنزل من غروب الشمس حتى شروقها، ولكن ذلك لم يمنعه من الانغماس فوراً في الحركة الثورية، فبعد أن خسر جريدة (الجماهير) التي كان يرأس تحريرها، اصدر كتاباً عنوانه "ماذا تريد أمريكا في الشرق الأوسط؟" حذر فيه من الخداع الأمريكي، كما ساهم في تأسيس جريدة (المساء) التي كانت، حينئذ، منبراً للفكر العلمي والحركة التقدمية.
توحيد الحزب
وفي تلك الأثناء، لعب شهدي دوراً كبيراً في تاريخ الحركة الثورية المصرية حيث استطاع بنضوجه ومراسه المعروفين، ولثقة أعضاء المنظمات الشيوعية به، استطاع أن يقوم بدور رئيس في توحيد اغلب هذه المنظمات في (الحزب الشيوعي المصري الموحد) سنة 1955.
وعندما تعرضت البلاد للعدوان الثلاثي، بادر الحزب لتنظيم المقاومة الشعبية في مدينة بورسعيد وما حولها، وصار لزاما على الشهيد الشافعي أن يتحمل مسؤولية النشاط اليومي للحزب، ولكن ذلك، وبقاءه تحت مراقبة المباحث، لم يحولا دون مواصله عمله الفكري، فأنجز كتابه (تطور الحركة الوطنية المصرية) الذي لم يقرأ تطور الحركة الوطنية فيها فقط، وإنما ضمّنه برنامجا عمليا للمستقبل ايضاً.
ثم واصل الشافعي مهمة توحيد التنظيمات الشيوعية، ومحاولة توحيد القوى الوطنية بما أدى إلى إحداث مدّ ثوري عارم شهدته مصر، والعالم العربي في تلك الفترة.
العودة إلى السجن
ولكن عادت قوى اليمين والرجعية لتسلب حرية الشافعي المقيّدة، قبل انتهاء مدة مراقبة الشرطة بشهرين، لتزج به في السجن مع العديد من الشيوعيين والديمقراطيين الآخرين. ولكن ذلك لم يفقده وضوح الرؤية، فراح يؤكد لرفاقه وزملائه، كما كان يؤكد لجلاديه أيضا، ان تعاون القوى الوطنية ووحدتها هو السبيل الوحيد لضمان استقرار مصر وتقدمها.
ان الدماء التي بذلها شهدى عطية في سبيل مبادئه: "تحرير الطبقة العاملة واستقلال مصر"، ليست إلا حلقة في سلسلة التضحيات التي قدمها الشيوعيون من اجل شعوبهم.
ان ابن مصر البار، شهدي عطية الشافعي، وبعد مرور نصف قرن على استشهاده، ما زال يرقد في قبر يحمل اسمه، بينما ـ ما يزال ـ قتلته مطلقي السراح.