ankawa

العلوم و التكنلوجيا => المقالات والبحوث العلمية => الموضوع حرر بواسطة: حسن عجمي في 22:18 31/03/2011

العنوان: هــل تتآمــر قوانيــن الطبيعــة علــى الحيــاة؟
أرسل بواسطة: حسن عجمي في 22:18 31/03/2011
الفيزيائـي ليونـارد سسكينـد يواجـه لغـز «منظـر الكـون»

هــل تتآمــر قوانيــن الطبيعــة علــى الحيــاة؟ 
 

حسن عجمي


يتمثل اللغز الفيزيائي في علومنا المعاصرة في السؤال التالي: لماذا الكون يملك كل العناصر الكفيلة بنشوء الحياة؟ هكذا يبدأ الفيزيائي ليونارد سسكيند كتابه «منظر الكون». يُعَد هذا الكتاب إجابة تفصيلية عن السؤال المُحيِّر ألا وهو: لماذا سمح عالمنا بنشوء الحياة؟ يصف سسكيند الوضع العلمي الحالي على أنه شبيه بوضع البيولوجيا قبل داروين، حيث لم يتمكن العلماء من فهم سبب تمكن العمليات الفيزيائية والكيميائية من خلق شيء معقد كالعين البشرية من دون الاعتماد على التدخل الإلهي. فالخصائص الفريدة للعالم الفيزيائي كالعين تماما تحتاج إلى تفسير كونها الأفضل لوجودنا. لكن العلم الحقيقي لا يحتاج إلى كائنات ما فوق الطبيعة كي يقوم بتفاسيره. فكما أن العين نتيجة عمل آليات داروينية معينة، لا بد من وجود تفسير طبيعي لعالمنا وما يتضمن من أحداث أدت إلى وجودنا. وكما أن الاعتماد على الخارق للطبيعة ليس علماً فإن الاعتماد على الصدفة ليس علماً أيضا . بل لا بد من تفسير صفات الكون الفريدة من خلال مبادئ الفيزياء والرياضيات وقوانين الأعداد الكبيرة (ص ص 11 ,10).
الجاذبية مسؤولة
يرينا سسكيند أن عالمنا هو الأفضل من أجل نشوء الحياة واستمرارها. ويُقدِّم أمثلة عديدة على ذلك، منها أن أي اختلاف في قوانين الفيزياء يؤدي إلى نهاية الحياة أو عدم نشوئها أصلا . وأي تغير في خصائص الجسيمات كالإلكترونات أو الفوتونات سيؤدي إلى انهيار الكيمياء التي نعرفها مما يدفع إلى القضاء على الحياة كليا. ليست فقط القوانين الطبيعية والجسيمات وصفاتها تساهم في السماح بنشوء الحياة بل صفات الكون ككل كحجمه وسرعة نموه تلزم وجود الحياة وكأنها صُنِعت من أجل نشوء الحياة وبقائها. فمثلا ، إنها فعلا معجزة لماذا الجاذبية ضعيفة كما هي فعلا. لو كانت الجاذبية أقوى بقليل لتطور الكون ونما بسرعة هائلة مما لا يمنح الكون الوقت الكافي لنشوء الحياة. أما إذا كانت الجاذبية أضعف مما هي عليه فلن تتكوّن حينئذٍ المجرات والنجوم والكواكب، ولأصبح من المستحيل نشوء الحياة. فالجاذبية مسؤولة عن بناء المجرات ونجومها وكواكبها. كما أن تغيرات طفيفة في قوانين الكهرباء والفيزياء النووية تمنع تشكّل الكربون الضروري لتكوين الحياة. وهذا يصدق أيضا على المواد الأخرى، فكأن قوانين الطبيعة والمواد الطبيعية تآمرت على خلق الحياة (ص 10 ,9 ,5). يعتبر سسكيند أن الكون مخلوق بأفضل تكوين. فالكون يكبر من خلال توسعه المثالي. لو كان تمدد الكون أكثر سرعة لتشتتت مواده قبل أن تتجمع في مجرات ونجوم وكواكب. كما أن الكون في بدايته لم يكن كثير النتوءات ولم يكن أيضا أملس كثيرا. لو بدأ الكون أكثر نتوءاً لانهار إلى ثقوب سوداء بدلا من أن يشكّل المجرات. ولو أن الكون بدأ أملس أكثر لما نشأت المجرات والنجوم والكواكب، لكونها نتيجة وجود النتوءات في بدايات الكون. أما الجاذبية فقوية كي تبقينا على سطح الأرض، لكنها إذا كانت أقوى احترقت المواد في قلب النجوم بسرعة وضمن ملايين السنين، بدلا من بلايين السنين الضرورية لنشوء الحياة العاقلة. والقوانين الطبيعية أيضا تسمح بوجود الذرات ونواتها التي تتجمع في النهاية في جزيئات الحياة. كما أن قوانين الطبيعة هي الأفضل بحيث تسمح بنشوء الكربون والأكسجين والمواد الضرورية الأخرى للحياة وتجعلها تطبَخ في النجوم الأولى وتنتشر في الكون من خلال انفجار النجوم. يبدو أن قوانين الطبيعة قد خِيطت من أجل وجودنا (ص 130 ,129) .
عالمنا هو الأفضل
كي يجيب سسكيند عن سؤاله الأساسي ألا وهو لماذا عالمنا هو الأفضل لوجود الحياة يعتمد على شرح منظر الكون أي خريطته. خريطة الكون هي فضاء الممكنات، أي انها تمثل كل محيط طبيعي ممكن من قبل النظريات العلمية. فاختلاف الخريطة يعكس اختلاف الوجود. فمثلا، ثمة أمكنة على خريطة الكون بأبعاد مختلفة. وبما أن قوانين الطبيعة تعتمد على هندسة الزمكان، إذاً مع اختلاف هندسة الزمكانات في خريطة الكون تختلف قوانين الطبيعة. بذلك نحصل على أكوان ممكنة عديدة ومختلفة مُجسَّدة على خريطة الكون الشاسع. هكذا يستنتج سسكيند أن الوجود يتكون من أكوان مختلفة وعدة حيث تختلف هذه الأكوان في قوانينها وموادها وثوابتها الطبيعية. وعلى هذا الأساس يُفسِّر لماذا عالمنا بالذات لديه مواده وقوانينه الخاصة التي تؤدي إلى وجود الحياة العاقلة. وتفصيل تفسيره هو التالي: بما أنه توجد أكوان مختلفة وعديدة إن لم تكن لامتناهية، إذاً من غير المستغرب وجود عالم كعالمنا حيث توجد الحياة وتوجد كل القوانين والمواد الضرورية لنشوئها. هكذا يُفسِّر سسكيند لماذا يوجد عالم كعالمنا بمواده وقوانينه بالذات التي تسمح بوجود الحياة. فكل كون لديه قوانينه ومواده الخاصة المختلفة عن الأكوان الأخرى، وبذلك من المتوقع وجود كون كعالمنا حيث قوانينه ومواده تؤدي إلى الحياة العاقلة. هكذا يُعبِّر سسكيند عن المبدأ الإناسي Anthropic Principle الذي يقول بصياغته البسيطة إن عالمنا على ما هو عليه بسبب أنه إن لم يكن كذلك لما وجدنا أصلا. لنسأل لماذا هو كذلك. بمعنى آخر، المبدأ الإناسي بصياغته المُبسَّطة يعتبر أن عالمنا ضروري الوجود كي نوجد نحن بالذات. أما سسكيند فيُعبِّر عن هذا المبدأ بتعبير أكثر تعقيداً، بحيث أن وجودنا ضروري الوجود بسبب وجود الأكوان الممكنة العديدة والمختلفة. وبذلك يُدخِل سسكيند المبدأ الإناسي في قلب العلوم الطبيعية ويدافع عنه على أنه مبدأ علمي أو على الأقل من الممكن التعبير عنه علمياً، اعتماداً على وجود الأكوان الممكنة (ص 348 ,346 ,317 ,315 ,294 ,176 ,98 ,97 ,91 ,90 ,21 ,20) بالإضافة إلى ذلك، يرينا سسكيند كيف أن النظريات العلمية المعاصرة تؤدي إلى حقيقة أنه حقا توجد الأكوان الممكنة المتنوعة. فمثلا، نظرية الأوتار تعتبر أن الكون مكوَّن من أوتار وألحانها، وهذه الأوتار تمتد في أبعاد مختلفة وعديدة. لكن توجد بلايين من الحلول المختلفة لمعادلات نظرية الأوتار، وبذلك كل حلّ يصدق في عالم ممكن مختلف عن العوالم الممكنة الأخرى، حيث تصدق الحلول الأخرى. هكذا نظرية الأوتار تؤدي بقوة إلى نتيجة أنه توجد أكوان ممكنة عدة. وهكذا يبني سسكيند تعبيره عن المبدأ الإناسي على ضوء الأكوان الممكنة (ص 292 ,291 ,274 ,200 ,199).
من جهة أخرى، عادة ما ينتقد المبدأ الإناسي على أنه ليس علماً، لأنه لا يتنبأ بالظواهر الطبيعية ولا يخضع للاختبار، وبذلك يستحيل تكذيبه مما يجعله يفقد صفة العلم. لكن سسكيند يرد على هذا النقد قائلا إن المنهج العلمي الجيد ليس مجموعة مجردة من المبادئ التي يمليها الفلاسفة (ص 194 ,192 ,187). لكن المبدأ الإناسي يواجه مشكلة أكبر. إذا سلمّنا علمياً بوجود الأكوان الممكنة التي هي على الأرجح لامتناهية عدداً، فهذا لا يتضمن بالضرورة وجود عالم كعالمنا يسمح بوجود الحياة والعقل. لنسلـم بأنه توجد أكوان لامتناهية ومختلفة بعضها عن البعض الآخر، رغم ذلك من الممكن رياضيا سحب الأكوان التي تحتوي على العقل والحياة من سلسلة الأكوان الممكنة واللامتناهية وتبقى سلسلة الأكوان هذه مكوَّنة من أكوان لامتناهية. هكذا يؤكد علم اللامتناهيات في الرياضيات. على هذا الأساس السلسلة اللامتناهية من الأكوان الممكنة لا تتضمن بالضرورة وجود أكوان حاوية على الحياة والعقل. هكذا، لا يُفسِّر المبدأ الإناسي كما استخدمه سسكيند لماذا توجد الحياة ويوجد العقل. ومجرد وجود الأكوان الممكنة لا يساعدنا في الإجابة عن السؤال الأساس ألا وهو لماذا عالمنا أفضل العوالم لنشوء الحياة العاقلة؟ بالإضافة إلى ذلك، من الممكن تفسير لماذا توجد الحياة والعقل من منطلق آخر استنادا إلى فلسفة السوبر حداثة.
قبل أن نسأل لماذا عالمنا يسمح بوجود الحياة والعقل لا بد أن نعرف ما هي الحياة وما هو العقل، كي نتمكن من تحديد أين توجد الحياة ويوجد العقل وكيف سمح الكون بوجودهما؟ بالنسبة إلى السوبر حداثة، لأن الحياة والعقل غير مُحدَّدين، فالنظريات المختلفة في الحياة والعقل ناجحة رغم أنها تناقض بعضها البعض. هكذا تتمكن السوبر حداثة من تفسير لماذا تنجح النظريات المختلفة في تحليل العقل والحياة رغم تعارضها، وبذلك تكتسب السوبر حداثة قدرتها التفسيرية. تعتبر السوبر حداثة أنه بالرغم من أن الكون غير مُحدَّد من الممكن معرفته، فمن خلال لامحدديته نتمكن من تفسيره. تضيف السوبر حداثة أن اللامُحدَّد هو الذي ينشأ ويبقى كونه غير مُحدَّد مما يؤدي إلى قدرته على التكيف والتأقلم مع المتغيرات المختلفة، فيضمن بذلك وجوده. على هذا الأساس، نشأت الحياة ونشأ العقل، لأنهما غير محددين، ما كفل استمرارهما ونجاحهما في البقاء. هكذا تتمكن السوبرحداثة من تفسير لماذا توجد الحياة ويوجد العقل من دون الاستعانة بالأكوان الممكنة والمبدأ الإناسي.