هل الإنكليز أخترعوا التسمية الآشورية Assyrian)) ؟؟
أبرم شبيرا
الغرابة والسذاجة في مثل هذه السؤال متعلقة بالمقولة التي تقول بأن الإنكليز كانوا أول من أطلق على تلك المجموعة المسيحية التي كانت تقطن في شمال بلاد ما بين النهرين وشمال غربي بلاد فارس التسمية الآشورية (Assyrian). نعم ثم أقولها مرة أخرى نعم ... فالإنكليز هم الذين أطلقوا على هذه المجموعة التسمية الآشورية (Assyrian) وهذا ليس أمراً غريباً إطلاقا لأن كل شعب من شعوب العالم يسمي الأشياء والظواهر والشعوب والقوميات بلغته القومية وليس بلغات الشعوب الأخرى. هكذا فالإنكليز أطلقوا على هذه المجموعة هذه التسمية بلغتهم القومية الإنكليزية ولم يكن معقولاً أطلاقاً أن تسميهم بلغات الشعوب الأخرى وتحديدا الساكنة في نفس المنطقة. حيث سكن وجاور العديد من القوميات والمجموعات البشرية والأثنية والدينية الآشوريين ومنذ زمن بعيد ولبعضهم جذور تاريخية عميقة في نفس المنطقة مثل الشبك واليزيدية والقبائل المحلمية المسلمة في منطقة طور عبدين – جنوب شرقي تركيا الذين كانوا سريان أرثوذكس حتى أوائل القرن السابع عشر، ولكن الإنكليز لم يطلقوا عليهم التسمية الآشورية (Assyrian) لأن الظواهر والعوامل التاريخية والحضارية واللغوية والتراثية لهذه المجموعة المسيحية كانت كلها تختزل في هذه التسمية وتنطبق على هذه المجموعة ولم تكن تنطبق على الشعوب والقوميات والمجموعات المجاورة للآشوريين.
فالإنكليز لم يشذوا عن القاعدة العامة في تسمية الشعوب والمناطق بلغتهم القومية كما فعل بقية القوميات الأخرى الذين سموا هذه المجموعة المسيحية بالآشوريين بتسميتهم القومية. فعلى سبيل المثال العرب أطلقوا عليهم تسمية أثوريين أو آشوريين أو سريان وحسب مناطق تواجدهم والفرس سموهم أسوريكا والأرمن سموهم أسورينير والأذربيجانيون سموهم أسورليار والأتراك سموهم أسورلي والروس سموهم أسيريس والصينيون سموهم ياصو والكرد سموهم أسوري واليهود سموهم آشوريم والسويديون سموهم أسيريسكا...وهكذا كل قومية تسمى الأشياء والظواهر والشعوب والأمم والبلدان بلغتها القومية وليس بلغة أجنبية أخرى وهكذا فعل الإنكليز عندما ألتقوا بالآشوريين في بداية الأمر فكان من الطبيعي جداً أن يطلقوا على هذه المجموعة الأثنية وفق لغتهم القومية الإنكليزية تسمية "أسريانس" (Assyrians). ...!! فالقول القائل بأن الإنكليز كانوا هم الذين أطلقوا على هذا القوم تسمية الآشوريين (أسريان – Assyrians) صحيح بالتمام والكمال فما الذي كنًا نتوقعه من الإنكليز أن يطلقوا عليهم ونحن نعرف بأن الشعوب تتكلم بلغاتهم القومية وتسمى الأشياء بمسمياتها وبلغتهم القومية
إن المقولة القائلة بأن الإنكليز كانوا أول من أطلق على هذه المجموعة المسيحية هذه التسمية التاريخية فأن هذا لا يعكس الحقد والتزوير والضغينة لهذه التسمية الحضارية ولأصحابها وإنما أيضاً يعتبر جهلاً مطبقاً في قراءة التاريخ بشكل علمي وموضوعي. نحن هنا لا نريد أن نشير إلى طيطيانوس الآثوري صاحب "الدياطسرون" الإنجل الموحد، الذي لقب نفسه بالآثوري أو الآشوري في القرن الثالث الميلادي أثناء مواجهة للفكر الهيليني القومي والديني ولا إلى سرجون بن منصور الذي لو لم يكن لوالده الشعور والإدراك بإنتماءه إلى الآشوريين وإعتزازه بملوكهم لما سمى أسمه بأسم أعظم ملوكهم وهذا كان قبل مجئ الإنكليز إلى مناطق الآشوريين في شمال بيت نهرين بقرون طويلة. ولكن حتى نكون أكثر وضوحاًً وموضوعياً في تتبع المقولة القائلة بأن الإنكليز هم الذين أطلقوا عليهم التسمية الآشورية وتحديداً على السكان الأصليين في شمال بيت نهرين من النساطرة نقول بأن الشعوب التي جاورت الآشوريين في موطنهم كالكرد والفرس عرفوا الآشوريين بالتسمية الصحيحة وبلغتهم القومية وقبل هذا التاريخ بقرون. فهذا الأمير الكردي شرف الدين خان البدليسي أمير إمارة البدليس الكردية في منطقة وان في شمال شرقي إيران كتب كتاب ضخم بعنوان "شرفنامه" في عام 1596 ميلادية وباللغة الفارسية وهو أول كتاب يؤرخ تاريخ الكرد والأمارات التي أسسوها وأمراءها حيث يذكر أسم الآشوريين فيه بتسمتهم بالطائفة أو المجموعة "ألأسورية ="الآشورية" – كما وردت بالضبط في الكتاب الأصلي (أنظر ص 17-416 من كتاب شرفنامه للأمير شرف خان البدليسي، ترجمه إلى العربية محمد جميل الملا أحمد الروزبياني، المدى للثقافة والنشر، دمشق – سوريا، 2007، ط3، وكانت أول ترجمة إلى العربية عام 1958 في القاهرة من قبل نفس المترجم) ولأهمية الكتاب فقد كان قد ترجم إلى عدة لغات أجنبية ومنها إلى اللغة الروسية حيث أشار إليه نائب القنصل الروسي في مقاطعة وان شمال شرقي إيران في تقريره المشهور عن الآشوريين في منطقة وان وهيكاري عام 1906 فيذكر بأن البدليسي يشير إلى الآشوريين، ويترجمها إلى الروسية بـ (Aissors) "كقبيلة كافرة وعديم الضمير ومجردة من المبادئ الإخلاقية" (أنظر مجلة ملثا عدد 2، مجلد 2، سنة 1996، ص 11، التي كان يصدرها النادي القومي الآشوري للمثقفين في روسيا) وهناك تراجم أخرى لهذا الكتاب تذكرالآشوريين كـ "جماعة من الرعاية من نصارى تلك الولاية المشهورين بالآشورية". وكان قد كتب هذا الكتاب قبل أكثر من قرنين ونصف القرن من الزمن من قدوم الإنكليز إلى مناطق الآشوريين واللقاء بهم وتسميتهم بلغتهم القومية بـ (Assyrians). ومن يقرأ تقارير وكتابات الآثاري أوستن هنري لايارد (1817-1894) مكتشف آثار نينوى ونمرود سوف يتأكد من الشعور بالإنتماء إلى الحضارة الآشورية للعمال من النساطرة والكلدان عندما كانوا يندفعون وبحماس في العمل معتبرين الآثار والتماثيل المكتشفة جزء من حضارتهم العريقة في حين على العكس منهم حيث كان العمال العرب والكرد يرتجفون خوفاً ويهربون معتقدين بأن الثور المجنح هو أبليس وقد قام ورجع من الجحيم إلى الحياة.
هذه الحقائق التاريخية والمنطقية يتجاهلها الحاقدون على التسمية الآشورية سواء بقصد أو بجهل ويحاولون تشويه التاريخ بشكل فضيح ولأسباب سياسية أو غيرها ويؤلفون الكتب ويكتبون التقارير كلها تصب في حقل التقليل أو أمحاء تاريخ وحضارة هذا الشعب العريق. لقد قرأت المئات إن لم تكن الألاف من الكتب والدرسات والوثائق والبحوث العلمية، ومن المؤكد فعل ذلك غيري أيضا، ولم أجد شعب أو قومية أو أثنية شوه تاريخها وأصلها مثلما شوه تاريخ وأصل الآشورية... ولكن لماذا؟؟؟ هل لأنه نوع من "الحسد" على هذا الشعب الذي كان له أطول كيان سياسي مستقبل في التاريخ قارب ألف عام وعلى أساسها أقيمت حضارة إنسانية لازالت مآثرها قائمة وتشكل أسس التطور العلمي والإنساني في عصرنا هذا أم أن الآشوريين يسرقون بأنتسابهم لهذه الحضارة العظيمة نسب غيرهم من الشعوب، أم هو أسلوب إنتقامي يهودي لأن الآشوريين كانوا قبضة خالقنا العظيم في تأديب اليهود عند عصيانهم لكلمة الرب؟؟؟ لنترك هذه الإسئلة الغيبية ونلجأ إلى مجموعة عوامل موضوعية من تاريخية وأثنوغرافية وجغرافية وسياسية ودينية لعب دورها الحاسم والفاعل في تشويه تاريخ وأصل الآشوريين. فالمتتبع لظروف الآشوريين وتحديداً من الطائفة المعروفة بـ "النسطورية" التي كانت تعيش في منطقة حكاري وأطراف بحيرة وان خاصة من الناحية التاريخية والجغرافية والديموغرافية سيدرك أموراً إستثنائية غريبة جداً في تاريخ وحياة الشعوب. فالآشوريون النساطرة في هذه المناطق كانوا في بقعة جغرافية محددة وصغيرة ومحاطة بشعوب وأقوام وديانات وحضارات ولغات مختلفة تماماً عنهم لا بل متناقضة معهم ومن جميع النواحي الحضارية واللغوية والدينية والنفسية وعاشوا الآشوريون بين هذه الأقوام والقوميات والإمبراطوريات قرون طويلة تأثروا بهم ولكن من دون أن تستطيع أن تقضي عليهم أو تذوبهم أو تدمجهم في قومياتهم أودياناتهم. فكم من المذابح والتهجير والمظالم فرضت عليهم ولفترات طويلة جداً ولكن بالنهاية لم تستطيع من تدميرهم. أليس غريباً ومثيراً للتساول عن عدم إستطاعة أقوى أمبراطوريات ذلك الزمان كالإغريقية والبيزنطينية والفارسية والإسلامية والعثمانية وبقوة جيشوهم وحضارتهم من القضاء على هذه القلة القليلة من الناس المختلفين عنهم ما لم يكن إيمانهم صلداً بمقوماتهم القومية والدينية المبنية على أسس تاريخية وحضارية عريقة. هذا الأمر المحير والأستثناني جعل الكثير من الباحثين عدم قدرتهم على إستيعابه وفهمه وبالتالي لم يكن أمام عجزه هذا إلا التنكر للحضارة العريقة والتاريخ الشامخ لهذه القلة القليلة ومحاولة حصر تاريخهم في أطر وحدود طائفية دينية محدد بفترة زمنية محددة وعلى أسس لا منطقية ولا موضوعية.
الأمر الأكثر حيرة وإستثناءاً وعجزاً في فهم أصل وتاريخ الآشوريين هو التسمية ومصدرها التاريخي الذي نادراً ما يتحدث الباحثون عنه وإلى الإستثنائية الخاصة بهم والتي كانت بحسب رأينا مصدراً قوياً صلداً للتمسك بوجودهم والدفاع المستميت عنه. فآشور من جهة هوالأبن الثاني لسام أبن النبي نوح (التكوين 10:22) كما وأن هذا الاسم من جهة ثانية هو لمدينة آشور عاصمتهم المقدسة وأيضاً أسم بلاهم وأسم إلههم القومي ثم أسم دولتهم وأمبراطوريتهم فلم يكن آشور إلهاً يحتل مكانة خاصة في منطقة معينة فحسب، بل أن اسمه كان يتطابق مع مدينة آشور، إلا أنه مع هذا يؤكد علماء الآثار بأن ظاهرة تسمية المدن باسم إله معين، أي ظاهرة شخصنة أو تألية المدن، هي نادرة جداً في بلاد ما بين النهرين فمدينة آشور كانت لها قدسية خاصة وهيبة روحية، بل كانت العاصمة الدينية للآشوريين يحلفون باسمها وكأنها هي الإله نفسها، لا بل وأكثر من هذا، فقد كان آشور يتطابق مع أسم البلاد نفسها ومن ثم مع أسم الإمبراطورية بحيث كان آشور الملك الحقيقي لها وأب البلاد وحاميها، وهي ظاهرة، أي تسمية إمبراطورية عظيمة باسم إله، نادرة الوجود في التاريخ المدون ويكفي هنا أن نشير إلى أن الكتاب المقدس بعهديه أشار إلى الآشوريين وملوكهم ومدنهم أكثر من مائة وخمسون مرة.
والظاهرة الأكثر تمييزا للإله آشور والذي لا يجاريه فيها أي إله أخر في التاريخ، هي تسمية الشعب الذي عبده باسمه. فقد كان الآشوريون يطلقون على نفسهم باسم شعب آشور أو خدم آشور وكانوا يطلقون على أعدائهم باسم أعداء آشور. فلا يوجد في التاريخ، لا في بلاد ما بين النهرين ولا في بلدان أخرى، شعب تسمى اسمه الديني والقومي، أي الديانة والقومية، باسم إلهم غير الآشوريين. ولا نستغرب أن يكون مثل هذا الترابط بين تسمية الشعب بأسم ديانته قد أنتقلت مع الآشوريين إلى الفترة المسيحية وأصبحوا يعرفون نفسهم بالمسيحيين (مشيخايه) نسبة إلى المسيح فتداخلت هذه التسمية الجديدة مع تسميتهم القومية (سوراييAssyrians – ) لتعطي نفس معنى المسيحيين وهو التداخل الذي أصبح قائماً حتى في العصور الحديثة. وقد يقول البعض بأن تسمية الآشوري متأتية من مدينة آشور المقدسة التي كانت مركز عبادة الإله آشور أو من بلاد آشور نفسه، كما هو الحال بالنسبة لبعض المدن والمناطق التي كانت تتطابق أسماؤهم مع أسماء الشعوب التي سكنتها، ولكن مع هذا فإن منطق الواقع والتاريخ يقرنان بأن وجود الآلهة يسبق وجود المعابد والمدن والمناطق التي سميت بأسمائهم والتي أقيمت أصلاً من أجل عبادتهم، خاصة بالنسبة لآشور الذي هو إله له وجود شمولي وأزلي غير مخلوق كبقية الآلهة وإنما كان، كما يسمونه، الإله الذي خلق نفسه بنفسه وهذا هو الذي سبب حيرة بعض العلماء والآثاريين في القول بأن أصول هذا الإله وكيفية تطوره غير معروفة ويبقى غامضاً في مقارنته مع بقية الألهة وهي بحد ذاتها صفة فريدة من صفات الإله آشور التي تجعله مختلفاً كلياً عن بقية الآلهة المعروفة في بلاد ما بين النهرين. هذه الصفات والميزات الفريدة التي كان يتمتع بها الإله آشور عند الآشوريين جعلت منه أن يكون فعلاً مركزاً للتوحيد الديني والقومي عندهم والمصدر المركزي للذات الآشورية سواء أكانت دينياً أم قومياً بحيث كان آشور الحلقة العضوية في الربط بين الجانب القومي والديني للآشوريين ربطاً لا يمكن التصور بأي إمكانية للفصل بينهما ولا نستبعد أن يكون قد أنتقل مثل هذا الترابط العضوي بين الدين والقومية إلى المرحلة المسيحية وتترابطت العوامل الدينية مع القومية عند الآشوريين ترابطاً عضوياً قوياً عبر قرون طويلة من الزمن وحتى يومنا هذا.
نعود مرة أخرى إلى المقولات القائلة بأن الإنكليز هم الذين أطلقوا على هذه الأقلية المسيحية تسمية الآشوريين ولإغراض سياسية وبقصد أعلاء من شأنهم وبثت الحماس فيهم لإستغلالهم في تحقيق مآربهم الإستعمارية في العراق، فهؤلاء ليس لهم أية علاقة بالآشوريين القدماء بل هم طائفة مسيحية نسطورية وأسمهم الحقيقي هو الآثوريين والأنكى من هذا يسمونهم بالتياريين، أحدى العشائر الآشورية، وغيرها من المقولات التي تتمحور حول العقلية العراقية في فهم الشعوب والأقليات ذات التاريخ العريق في العراق ومحاولة تجريدها منه، وهو موضوع سبق وأن فصلنا عنه في كتابنا المعنون (الآشوريون في الفكر العراقي المعاصر). وهذا الموضوع أي تسمية الإنكليز للآشوريين سبق وأن تطرقنا إليه في أعلاه ولكن هنا أود أن أسطر بعض السطور عن الشين الآشورية والثاء الآثورية وتوضيح الفرق، إن كان هناك أي فرق بينهما.
في بداية التسعينيات من القرن الماضي جرت سجالات صحفية بيني وبين الإستاذة الأركيولوجية لمياء الكيلاني في معرض تساؤلها عن كيفية تحول الثاء الآثورية إلى الشين الآشورية فكان أحدى ردودي عليها كما يلي:
زاملت في بداية السبعينيات طالباً عربياً من فلسطين أثناء الدراسة الجامعية في بغداد وكان عجبه عن كيفية تحول "الآشوريين" في العراق إلى "الآثوريين" مثار أعجاب وإستغراب أيضاً ولإزالت مثل هذه الإستغراب نقول:
لغوياً: في العراق دون غيره من بلاد الشام ولبنان وفلسطين وحتى مصر، ولأسباب تتعلق بعلم الأصواب الكلامية (Phonology) تحولت "الشين" إلى "الثاء" وبالتالي أصبح "الآشوريون" في العراق معروفين بـ "الأثوريين". في حين حافظ أهل الشام وبقية البلدان على التسمية الصحيحة للآشوريين دون أي تغيير. وقد يكون مفيداً أن نسوق أمثلة على ذلك من النتاجات الفكرية لكتاب ومفكري ومؤرخي هذه البلدان ولكن نكتفي بالقول بأن "شامية" ميشيل عفلق، مؤسس حزب البعث العربي الإشتراكي، كانت قد طغت على أيديولوجية تلامينذه البعثيين في العراق عندما أعيد طبع كتابه "في سبيل البعث" لمرات عديد من دون تحويل كلمة "الآشوريين" الواردة فيه إلى "الأثوريين" عند التطرق لحركتم القومية لعام 1933.
ومن ناحية ثانية فإن تسمية "الآثوريين" عينها غريبة عن الآشوريين أنفسهم حيث كان الفرثيون أول من أستعملها عندما أحتلوا بلاد آشور وأجزاء أخرى من بلاد مابين النهرين. من جهة أخرى هناك تداخل وإحلال كبير بين حرفي "الشين" و "التاء" في اللغة السريانية/الآشورية المعاصره، فهناك العديد من الكلمات تخضع لقاعدة الإحلال خاصة بين اللهجات السائدة بين الآشوريين مثل "كتيتا أو كتيشا، ويعني الدجاجة و "بيتا" أو "بيشا" ويعني البيت و "تا أو شا" ويعني فعل تعال، وهكذا بالنسبة لكلمة "آشور" و أتور" ويعني الإله آشور أو مدينة آشور أو مملكة آشور أو بلاد آشور. ولا نستغرب هنا أن يكون الآشوريون الآيرانيون هم الأوائل الذين أشاعوا تسمية "آتور أو آتورايا". فعندما يُسأل أي آشوري من قبل عراقي عربي، من أنت فيقول أنا "أتورايا" ولتنسيبها في العربية يقول "أتوري" ويعني آشوري وبسبب حرف "التاء" المشددة الصعبة في اللهجة العراقية تحولت، حسب القواعد الفونولوجية، إلى "الثاء" اللينة والخفيفة، فتحول "الأتوري" إلى "الأثوري" في العراق. وهي قاعدة عامة وشاملة في الكثير من اللغات القومية واللهجات المحلية في إختلاف وتبيان تسميات الشعوب والأقوام وبلدانها.
سياسياً: لأسباب سياسية تم تعميم وإشاعة إستعمال تسمية "الأثوريين" وإحلالها محل "الأشوريين" من قبل مفكري ومؤرخي النخبة الحاكمة في العراق لأهداف تتعلق بقطع الصلة بين التسميتين وإستئصال الجذور التاريخية للآشوريين في العراق وتواصلت هذه السياسة حتى أيامنا هذه. فهناك المئات من الكتب والبحوث التي صدرت في العراق كلها تسعى لتحقيق هذه الأهداف عن طريق توسيع هوة التباين اللفظي البسيط بين التسميتين "الآشوريين" و "الأثوريين" وتضخيم الخلاف والتناقض بينهما وإعطاء الثانية دلالات وأبعاداً دينية طائفية لتعكس إنطباعاً عاماً لدى العراقيين في إختلافها عن التسمية الأولى في الوقت الذي يظهر للعيان بأن الفرق بين "الشين" الآشورية و "الثاء" الأثورية ضئيل جداً يكاد لا يذكر ولا يستحق عناء التساؤل والمناقشة. وتعاظم مثل هذا التفريق بين التسميتين عند حزب البعث العراقي وبشكل فاضح ولأهداف سياسية فكرية معروفة سبق التطرق إليها في مناسبات عديدة.
عرفنا مما سبق الأحقاد والغرض السياسي والفكري من تجريد الآشوريين من أصولهم التاريخية والحضارية وهو أمر لا جدال في عدم إرتباطه بأي عوامل موضوعية ومنطقية في هذه المهمة الدنيئة والقاصدة في تحقير الآشوريين وإبقاءهم بدون أصول تاريخية ولكن من المؤسف له أن تترسب بعض من هذه المقاصد في زوايا مظلمة من الفكر المعاصر وأن تستمر مثل هذه المحاولات اليائسة. فإذا عرفنا المقاصد الدنيئة والإستبدادية لرجال الفكر والسياسة والنخب التي توالت على السلطة في العراق من تجريد الآشوريين من أصولهم التاريخية والحضارية فأنه من المؤسف أن تستمر مثل هذه المقاصد حتى يومنا هذا بين بعض الذين يبحثون عن مجد وهم لا مجد لهم ويحاولون تنسيب أصلهم إلى أنساب عريقة وهم من أصول بدوية أو تركو – مغولية لم يساهموا حتى القليل في الحضارة الإنسانية كما فعل الآشوريون فيحاولون سرقة الكنور الحضارية والتاريخية للآشوريين وتنسبها إليهم. والأنكى من كل هذا فإن نفر قليل من أبناء أمتنا يقلدون أسيادهم في الإستبداد والظلام في تجريد أصلهم وتاريخهم من الحضارة الآشورية العظيمة لا بل يحاول البعض من هذا النفر التركيز على التسمية الأثورية بدلا من التسمية الآشورية الشائعة رسمياً وشعبياً في العراق وبنفس المقصد الذي كان حزبهم الإستبدادي حزب البعث المقبوريمارس سياسيته الإستبدادية تجاه الآشوريين. فإذا كان للبعث العراقي إغراض دنيئة في تجريد الآشوريين من أصولهم التاريخية والحضارية فأنه لأمر محير حقاً أن يقلد البعض سياسة هذا الحزب ويشاركه أفكاره وسياساته الإستبدادية تجاه الآشوريين.
وأخيراً أرغب التأكيد المشدد بأن الآشوريين وهم المكتوون بنيران السياسات العنصرية والشوفينية طيلة تاريخهم الطويل يدركون بأن نظرية الدم أو العنصر أو العرق في تمييز الناس والأمم على أسس بايولوجية قد أصيبت بدرجة كبيرة من السخف واللبطلان، فلهذا فإن إرجاع الآشوريين أصلهم إلى الأقوام الآشورية التي حكمت في الألف الأول قبل الميلاد لا يستند إلا على عناصر حضارية وفكرية ولغوية وإنسانية وجغرافية فالقصد من هذه السطور ليس إعلاء شأن التسمية الآشورية على التسميات الحضارية الأخرى لهم كالكلدانية والسريانية فجميعها تسمياتنا الحضارية ننظر إليها بنظرة منتفتحة لتكون علينا نعمة أما من ينظر إليها بنظرة إنفرادية مستقلة فهي نقمة بحد ذاتها.
(http://uploads.ankawa.com/uploads/13707736161.jpg) (http://uploads.ankawa.com/)
صورة تعتبر نموذج حي لتزيف التسمية الآشورية ومحاولة فصلها عن تسمية السريان، إشارة طريق دير السريان في أورشليم فالتسمية الآشورية (Assyrian) واضحة في الصورة على اليمين ثم محيت الحرفين (As) لتقرأ (Syrian) الصورة على اليسار في الوقت الذي بقيت التسمية الآشورية واضحة في اللغتين اللاتينية والعبرية (Ashurim) . نقل من كتاب:
Fredrick Aprim, ASSYRIANS: The Continuous Sage, Xlibris Corporation, USA, 2003, P. 236.