ankawa

المنتدى الثقافي => أدب => الموضوع حرر بواسطة: غسان سالم شعبو في 22:37 08/12/2014

العنوان: طفلة من جبل سنجار قصة قصيرة في زمن النزوح
أرسل بواسطة: غسان سالم شعبو في 22:37 08/12/2014


طفلة من جبل سنجار
قصة قصيرة في زمن النزوح


         غسان سالم شعبو

ـ قره قوش



لم أعهد أبي من قبل كما عهدته اليوم، فصبره الجميل ولطفه الكبير وحدقات عينيه الجريئة وعزيمته التي لم يقهرها هذا الجبل، الذي كان يوما ما سبب هناءنا وسعادتنا، قد غدا اليوم رمز تعاستنا وموتنا. حينما باغتنا العدو على حين غرة وتسلل على بلدتنا وهتك أعراضنا وعمل فينا ما لم يعمله المتوحشون وما لم نسمع منه عن البهائم. فأبي إستطاع في هذه اللحظة أن يندفع بي نحو الخلاص. وجعلني أفتخر به أكثر عندما همس بوجه والدتي أن نسرع صوب قمة الجبل. فتأبط أمتعتنا ووضع يده حول خصري وحملني، ثم تبعته والدتي وعملت بالمثل وفي خفة الريح إندفعنا خارج بلدتنا، ومضينا نجتاز المرتفعات غير آبهين بوعورة المكان وقساوة الصخور واشتداد حرارة القيض التي طالما كانت عائقاً لنا في تحديد جرينا ووجهتنا. وكان أبي بين الحين والآخر يلتفت نحو ركن بيتنا وفي ذات الوقت كان يعرف تحديد وجهتنا نحو القمة.
ـ أنظر يا أبي إنهم يرشقوننا برشاشاتهم ..
صرخت وأنا أحاول التسلق بين ذراعيه فشدني بقوة وقال:
ـ لا تخافي يا إبنتي الصغيرة لن يلحقوا بنا فأنا أعرف وجهتي.
كنت أخال نفسي عرضة لرشاشاتهم الغادرة التي لمحتها تطيح بعدد كبير من أبناء بلدتي سنجار المنكوبة. ورأيتهم يندسون بين البيوت ووسط الشوارع والأزقة، ويقتلون الرجال ويقتادون الصبايا سبايا بوحشية مقرفة ووجوههم المسخة تنم عن حقدهم المستتر بشعاراتهم الرعناء. وكنت أشعر بدنو الخطر منّا، لكني وضعت كل ثقتي بأبي الذي طالما تحلى بقدر من الصبر والشجاعة والمسؤولية في الكثير من المواقف. رأيته يضع يده على خدي ويتحسس وجهي ليعطيني قدراً من الشجاعة ويداه تحتضنني بقوة. وكنت أشعر بلحيته الكثة البيضاء، أما عينيه فقد كانتا تقدحان شرراً وإصراراً للنجاة. فأغمضت عينيّ وأرتميت برأسي مستسلمة بين ذراعيه، وأنا واثقة بحكمة أبي. كأنه يقودني إلى مزرعتنا لنجني منها ثمار الصيف ككل يوم.
ـ يا لها من معجزة لقد وطئنا قمة الجبل بسرعة لا تضاهيها سرعة الغزلان ..   
  قلت ذلك لأبي وأمي مازالت تتخطى آخر المرتفع وتتشبث بشجرة التوت البري. والقمة الصخرية مكتظة بالجموع النازحة. وكم هالني منظر الكثيرين ممن نجو مثلنا وهم يتهافتون لعلق أوراق شجر التوت البري ليرووا جوعهم وظمأؤهم بذات الوقت. وهم يحدقون في الفراغ البعيد الذي بالكاد يُسمع منه أنّات من وقعوا فريسة بأيدي العتاة القذرين. فرفعتُ يدي مزهوة بنجاتي، ورأيت والدي مسترخياً غير آبه بمن حوله، لكن يداه لم تترك يداي النحيلتين فنظرت إليه ملياً وجذبتُ أصابعه نحوي بقوة فلاح لي إصفرار وجهه النحيل ووعيت على أنه يحتضر، فبالكاد كان يجر أنفاسه. فتبعثر الكلام بين شفتيّ وتمنيت أن أكون غائصة في أحلامي لأبعد عنه شبح الموت. وجذبت يداه صوب قلبي لأعطيه دفقاً من نبضاتي الصغيرة عربون وفاء. وألقيت نظرة إلى والدتي التي تسمرت في مكانها فاغرة فاها أمام بسمته الأخيرة، كمن يريد أن يودعنا بعد مشقة الطريق والهلع الذي كابدنا، وهناك لفظ أنفاسه الأخيرة فإلتفت الجميع نحوي ورمقوني بنظرة حزن صامتين.
كانت عيناي تترقرق بالدمع وأنا أسترسل بلحيته الشائكة البيضاء فغرست أصابعي وسط لحيته وأسندت راسي بجانبه وأنا أتمتم كلمات الشكر والثناء لشجاعته وإنقاذي.
 
العنوان: رد: طفلة من جبل سنجار قصة قصيرة في زمن النزوح
أرسل بواسطة: زاهـر دودا في 00:45 24/12/2014
       زميلي وصديقي الاديب الشاعر غسان سالم شعبو المحترم

     قصة رائعة تخلد حكاية شعب ومآساة بشر هدفهم الحياة في سلام
     وما جرى على ايدي غيرهم غايتهم الموت بسبب فكر مخدّر بالاوهام.
     شكرا لك وعاشت جهودك راجيا المزيد والى الامام 
     زاهر دودا 
العنوان: رد: طفلة من جبل سنجار قصة قصيرة في زمن النزوح
أرسل بواسطة: صلاح سركيس في 19:52 06/01/2015
شكراً زميلي القاص الواقعي والميداني غسان شعبو على هذه الواقعة الحقيقية وليست فقط القصة من خيالك الوجداني ، إنها قصة من صميم واقعنا اليوم الذي منه تخرج مئات القصص واتمنى من كتاب القصة والفنانين أن يواكبوا مثل هذه القصص ، والى المزيد من القصص ... مع التقدير
العنوان: رد: طفلة من جبل سنجار قصة قصيرة في زمن النزوح
أرسل بواسطة: إنهاء الياس سيفو في 02:02 07/01/2015

الاخ العزيز غسان
في هذا المخاض العسير ، تبقى هناك لحظات نتوقف عندها محاولين استيعاب ما يحلُّ بهذا العالم
والى ايُّ مصير مجهول تُساق هذه البشرية لا لشئ فقط لأنها تؤمن بحقها بالحياة
هنا وقائع مؤثرة أجدْت في نسجها من واقع مؤلم ألقى بظلاله السوداء ولا يزال على هذه الارض ...

تحياتي الخالصة ونطمح بالمزيد
انهاء