هل باتَ الكذبُ مهنةً تُشرفْ السياسيين ؟؟ أم أن السياسةَ باتتْ كذباً مباحاً لهم ... ؟؟
خوشابا سولاقا
ننطلق في هذا المقال من مقولة وزير الأعلام والدعاية النازي " جوزيف غوبلز " التي من خلالها دخل تاريخ الدعاية والأعلام كأحد الكبار من مبدعي الكذب السياسي الذي من خلاله سعى الى تحريف وقلب الحقائق وتزييفها وتزويقها بالشكل الذي تخدم تطلعات نظامه النازي المقيت حين قال " أكذبْ ثم أكذبْ الى أن يُصدقكَ الآخرين " وسار على هذا النهج المنحرف والمضلل للحقائق ، والذي كان من خلاله يحول هزائم النازية في الحرب العالمية الثانية الى انتصارات باهرة ويحول خطابات وأقوال سيده وعراب الفكر النازي " أودلف هِتلر " الى آيات سماوية مقدسة تمطر بالخير وبالرحمة وبالسعادة والرفاهية للألمان وللإنسانية ويستوجب على كل المؤمنين برسالة الرايخ الثالث التي بشرت بها العقيدة النازية الشعب الألماني ذو الدم الآري تقديسها ، الرايخ الثالث الذي وعد هِتلر الأمة الألمانية بأنه سوف يحكم العالم كله ويدوم لألف عام . هكذا بشر هذا الدجال النازي المتعجرف الشعب الألماني من شيب وشباب رجالاً ونساءً بأفكار عرابه المجنون المصاب بمرض جنون العظمة ، وضللهم بغوغائيته الديماغوجية العنصرية وقادهم في النهاية الى أتون حرب عبثية مجنونة مدمرة راح ضحيتها أكثر من خمسين مليون إنسان ، وكانت ألمانيا والشعب الألماني فيها هما الخاسران الأكبر ، وبقي الشعب الألماني بعد الحرب ذليلاً خانعاً ينفذ ما يقرر له ويملي عليه من قبل الآخرين من المنتصرين في الحرب ، ويدفع ضربة جنون النازيين أمثال هتلر وربيبه غوبلز الثمن غالياً لليهود وغيرهم من ضحايا النازية الى اليوم . كان الوزير النازي المتغطرس جوزيف غوبلز من خلال أحاديثه واعلامه يسعى جاهداً لأن يبرر لجرائم النازية بحق الآخرين من المعارضين الألمان وبحق أبناء الأمم الأخرى التي وقعت تحت السيطرة النازية وأن يعكسها على غير صورتها الحقيقية وما هي عليه ، ويصور من خلالها بأن الآخرين هم اعداء ألمانيا ويريدون لها الشر وإن ألمانيا هي ضحية غدرهم وخياناتهم ، لقد نجح غوبلز في مسعاه الى حدٍ ما والى حين ولكنه في النهاية إنتهى به الأمر الى الأنتحار شخصياً وزوجته وأطفاله بعد تيقنه من هزيمة ألمانيا النازية في الحرب وانهيار الرايخ الثالث الى مزبلة التاريخ من غير رجعة . لكن ما يمكن أن يسجله التاريخ لغوبلز هو شجاعته في إقدامه على الأنتحار بهذه الطريقة المأساوية مع عائلته بعد شعوره بعار الهزيمة في الحرب وعار أفكاره المعادية للإنسانية وغلوه في عنصريته وتعصبه ففضل الموت إنتحاراً على العيش ذليلاً بين الاخرين إنه بحق كان بطلاً بانتحاره . هل سيقتدي به الكذابون من سياسيينا بعد كل هذا الفشل في حياتهم السياسية وخياناتهم للوطن والشعب والرفقة ؟؟!! . سؤال مطروح للاجابة عليه من قبل كل مَنْ يَعنيهِ الأمر من سياسيينا في العراق الجديد ....
لقد ولِدَ الكذب منذ أن ولد الانسان وساد على وجه الأرض ، وأصبح الكذب وسيلة من وسائله التي استخدمها للدفاع عن مصالحه وحماية نفسه من شر الآخرين من ابناء جنسه في أحيانٍ كثيرة ولكن ليس في كل الأحيان كما هو الحال مع سياسيينا اليوم في العراق الجديد ، وفي ذات الوقت ولدت السياسة أيضاً مع ولادة الانسان على وجه الأرض وتعايش معها وكيّفها مع متطلبات الضرورة لديمومة الحياة في الأخذ والعطاء وتبادل المصالح المشتركة وفق منطق العقل الموزون في تعامله مع الآخرين من أبناء جنسه لتحقيق مصالحه الشخصية والعامة في كافة مناحي الحياة ، هكذا باتتْ السياسة تاريخياً وسيلة أخلاقية مشروعة لتحقيق المصالح النبيلة والدفاع عنها مهما كانت طبيعة تلك المصالح بين أن تكون مصالح عامة تعود بالنفع الى صالح الأمم والشعوب أو القبائل والعشائر او غيرها من الوحدات الاجتماعية المتعارف عليها في التاريخ الانساني نزولاً الى المصالح الشخصية للفرد الشخص في الوحدة الاجتماعية التي يعيش فيها . سع المتعاملين مع السياسة طيلة عصور ومراحل التاريخ الى الأبتعاد قدر الإمكان عن ممارسة الكذب وإقحامه في لعبة السياسة في الزمان والمكان المحددين تاريخياً ، وبقيت السياسة تمارس في إطار ممارسة النشاط الفكري للانسان من حيث الذكاء والدهاء والفطنه والمهارة والكفاءة والحنكة والمشاطرة والحرفية والمهنية في التعامل بين الأقطاب المتنافسة على المصالح وبعيدة كل البعد بقدر المستطاع عن اللجوء الى ممارسة الكذب كوسيلة غير نبيلة لتحقيق الغايات النبيلة ، وذلك للمحافظة على مصداقية النهج السياسي المعتمد من كل طرف من الأطراف المتنافسة . هكذا كانت وما زالت مهنة السياسة تمارس من قبل السياسيين المحترفين من الذين يؤمنون بضرورة أن تبقى السياسة وسيلة أخلاقية شريفة وقانونية تستخدم في إطار المنافسة بين المتنافسين باعتماد النشاط الفكري كالذكاء والدهاء والكفاءة والحنكة والرحمة الانسانية لتحقيق المصالح النبيلة وحمايتها في المجتمعات الراقية المتطورة اجتماعياً وأخلاقياً ، وتبقى عملية استخدام الكذب وإقحامه بطريقة عبثية وقحة في مهنة السياسة وسيلة غير أخلاقية منبوذة ومرفوضة ومقرفة وغير قانونية وغير شريفة توصم مروجيها وأصحابها بالخزي والعار . إن السياسي الذي يختار من الكذب وسيلة لتسويق أجنداته السياسية والترويج لأفكاره هو سياسي فاجر بكل ما للكلمة من معنى . لقد سعى علماء وفقهاء الفكر السياسي قديماً وحديثاً وفلاسفة فلسفة السياسة في إدارة شؤون الدولة والحكم على امتداد عصور التاريخ على أن تبقى مهنة السياسة وممارسة الكذب وسيلتين متناقضتين تسيران على خطين متوازيين لا يمكن أن يلتقيان أبداً ، لأن السياسة شيء والكذب شيء آخر مناقض لا يمكن الجمع بينهما ، ولكل طرف منهما في هذه المعادلة مضمونه الفكري والفلسفي والأخلاقي والقانوني والاجتماعي الخاص به يختلف مع ما عليه الطرف الآخر من المواصفات كلياً .
هذه المقدمة التعريفية البسيطة عن مهنة السياسة وقواعد لعبتها وعن مهنة الكذب ومجال ممارستهما في الحياة السياسية والاجتماعية ، كانت الغاية منها إجراء المقاربة والمقارنة بين ما يحصل ويجري في واقعنا القومي الكلداني والسرياني والآشوري والوطني العراقي في الأقليم وفي الدولة الأتحادية على كل المستويات السياسية الحزبية والسياسية الرسمية من جهة ، وبين ما من المفروض أن يكون عليه من جهة أخرى . لكي نضع كل حالة من الحالات على " طاولة التشريح " إن جاز التعبير والتشبيه لتشريح الواقع كما هو عليه اليوم للمعنيين من الشعب العراقي بكل مكوناته السياسية ، كأحزاب وكقوميات وكأديان وكمذاهب ، كبيرة كانت في حجمها أم صغيرة ، لتكون على بينة مما كان من المفروض أن يكون عليه ، وما هو عليه بالمقابل في واقع الحال ، ليقول عندها ما يجب قوله كل فردٍ منا مهما يكون انتمائه القومي أو الديني أو المذهبي ، ومهما كان ولاءه السياسي الحزبي وغيرها من الخصوصيات الفرعية بحق سياسي الصدفة من الذين خلقتهم الظروف الآنية الشاذة التي خلقها الأحتلال الأجنبي وجاءت بهم الى الصف الأول من واجهة الأحداث الجارية في ليلة ظلماء وفي غفوة من الشعب ونصّبتهُمْ أولياء وأوصياء غير شرعيين على الشعب ، وليسوا ممن هم من المفروض أن تخلقهم الضرورة الموضوعية الطبيعية بإرادة الشعب الحرة من خلال الأنتخابات الديمقراطية النزيهة استجابة لمتطلبات الواقع الموضوعي للمجتمع العراقي بكل مكوناته . هكذا تم رسم صورة الخارطة السياسية المشوهة للعراق الجديد بعد سقوط النظام السابق وفيها الكثير من الضبابية والغموض وعدم وضوح الرؤية وآفاق المستقبل الوطني المستقل في قراره .
إن ما نلاحظه في هذه الصورة بل ونشاهده بعيوننا وما نسمعه بأذاننا ونقرأ عنه في وسائل الأعلام المختلفة وما نتحسسه بحواسنا على أرض الواقع في أية لحظة من حياتنا اليومية في تعاملنا المباشر وغير المباشر مع سياسيينا عبر جلساتهم واجتماعاتهم الرسمية البرلمانية والوزارية وندواتهم التليفزيونية ولقاءاتهم النادرة مع المواطنين في الحالات الأستثنائية في الأماكن العامة وفي زيارات البعض منهم لمؤسسات الدولة أحياناً ، وفي غيرها من المناسبات الرسمية ، وفي جولات المناكفات والمشاكسات الغوغائية التي يختلقونها عن عمد بغرض وضع العراقيل أمام أية مبادرة قد تصدر من البعض منهم للعمل من أجل إصلاح وضع البلاد الشاذ لمنعهم من القيام بذلك خوفاً من أن يشكلون بعملهم هذا خطراً يهدد مصالحهم ومنافعهم الشخصية ، ونتابعهم في تصريحاتهم المزاجية العنترية الهوجاء للقنوات الفضائية الوطنية والأقليمية والعالمية ، نلاحظ ونشاهد أن الجميع باستثناء قلة قليلة نادرة منهم لا يتحدثون ولا يتعاملون معنا كمواطنين إلا من خلال ما يُسوقونه لنا من كلام كاذب غير موزون وغير صادق وغير شفاف وغير ملتزم وغير دقيق وبعيداً كل البعد عن الفكر السياسي الرصين الذي ينم عن الحرص الوطني الصادق ، يتكلمون الكلام الذي لا يغني من فُقر ولا يُشبع من جوع من قبيل تبادلهم للنعوت الشنيعة وتُهم السرقات للمال العام التي يندى لها الجبين ، كلام ينافي أبسط القواعد الأخلاقية في العلوم السياسية ، ولجوئهم الى إغراقنا ليلاً ونهاراً في بحار من الكذب وإطلاق الوعود الكاذبة والترويج لها حول كل ما قد يحلم به كل مواطن عراقي بسيط في عراق مئات المليارات من الدولارات الخضراء التي تجاوزت مجموع وارداته من بيع النفط " الترليون " دولار خلال السنوات ما بعد عام 2003 م لغاية 2015 م . هنا من حقنا أن نسأل السياسيين الذين يتولون إدارة شؤون البلاد أين ذهبت هذه المليارات من الولارات الخضراء يا سكنة المنطقة الخضراء ... ؟؟ !!!!
هكذا هو الحال في عراقنا الجديد أيها الأخ القارئ الكريم ، حال تعامل قادة أحزابنا وحركاتنا السياسية القومية الكلدانية والسريانية والآشورية بكل مسمياتها مع كوادرها داخلياً ، ومع جماهيرها شعبياً ، ومع بعضها البعض سياسياً ، ومع الأحزاب الوطنية عراقياً ، ونحن هنا لا نستغرب سيادة هذا النمط من التعامل من هذه الحركات والأحزاب لكون هذا النمط السلوكي للتعامل مع الآخر مهما كان الآخر هي " سِمة " طبيعية لازمتْ وتلازم كل التنظيمات الديكتاتورية الشمولية الأستبدادية في عملها السياسي التي تقودها في النهاية الى سيادة ثقافة ظاهرة عبادة الفرد وتأليهه وتقديسه لينتهي بها الأمر الى التشبيه بالأنظمة الثيوقراطية الأبوية المعتمدة في امبراطوريات الفكر الديني ( أي دينٍ كان ) حيث يكون فيها قرار الأمر والنهي فقط للمراجع الدينية العليا ويوجهون بما يشاؤون وما على االمستمعين عليهم في الحلقات الأدنى من هذه الأنظمة الأبوية إلا أن يقولوا سمعاً وطاعة ً، وينفذون الأوامر من دون ان يناقشوها . هذا من جهة حركاتنا وأحزابنا السياسية القومية . أما من جهة الأحزاب الوطنية العراقية بمختلف أيديولوجياتها من أحزاب الأسلام السياسي الطائفي والأحزاب ذات التوجه العِلماني التي تدعي الديمقراطية في خطابها السياسي من المهيمنين على إدارة شؤون الدولة وصنع قرارها السياسي والمُشارِكة في السلطة من خلال مؤسساتها الدستورية الشكلية الثلاثة ، فإن التعامل مع بعضها البعض ومع المواطن فهي الأخرى نجدها على نفس الصورة التي وجدنا عليها أحزابنا وحركاتنا السياسية القومية من حيث المزاوجة بين مهنة السياسة وبين استخدام الكذب كوسيلة لتحقيق أجنداتها في عملها السياسي في كل مفاصله وبصورة أكثر بشاعةً . هذا النمط من الحياة السياسية هو ما أوصلنا الى ما نحن عليه اليوم من واقع هش متناقض ومزري ومخجل وممزق ومتشضي قومياً ومذهبياً على مستوى أمتنا ، وهو السبب ذاته ما اوصل واقع العراق الى ماهو عليه اليوم من واقع الحرب الأهلية الطائفية والقتل على الهوية على المستوى الوطني ، واقع مريض متسرطن إن جاز التعبير حيث بات فيه الكذب بامتياز مهنة مشروعة وأخلاقية وشريفة للسياسيين في هذه الأوقات في عراقنا ، وباتت السياسة كذباً مباحاً ومُشرفاً لهم دائماً ليس إلا ... وهنا من حقنا أن نقول أن صورة ما هو سائد في عراقنا بشكل عام وما هو سائد في أحزاب أمتنا بشكل خاص هي من صنع السياسيين من الذين تصدوا للمرحلة ما بعد سقوط النظام الديكتاتوري السابق في 2003 م ، وهي صورة في حقيقتها مشوهة ومتناقضة لما من المفروض أن تكون عليه بموجب أبسط معايير وقواعد مهنة السياسة الرصينة بحسب فقه وقواعد العلوم السياسية في العالم أجمع ، وبين ما تكون عليه في حالة استخدام الكذب كوسيلة غير أخلاقية منبوذه ومرفوضة وذميمة في مهنة السياسة . ومن حقنا هنا أن نتساءل الى متى تستمر الحالة الشاذه هذه مع سياسيينا العراقيين ؟؟ !! ومتى يستفيقوا من نومهم وينتبهوا الى انفسهم بأنهم باتوا يسبحون عكس التيار ، وإن استمرارهم في عملية إقحام الكذب في مهنة السياسة لهي لعبة خطيرة ومقرفة سوف تقودهم بالتالي الى الأنتحار السياسي المشين ، وإن عليهم أن يقوموا بتقييم أخطائهم وأن يصححوا مسارهم وأن يسبحوا مع التيار ؟؟!! نأمل أن يكون ذلك قريباً جداً لنتمكن من إيصال سُفننا الخاصة وسفينة العراق الى بر الأمان بسلام .
خوشــابا ســـولاقا
15 / شباط / 2015 – بغداد