لقد آن الأوان لأن نعيد النظر في كل مكونات ثقافاتنا الكلاسيكية
خوشابا سولاقا
إن ماهية الثقافة بطبيعتها لأي جانب من جوانب الحياة الأنسانية هي عبارة عن عملية تراكمية تاريخية لما يستجد من الأحداث والتغيرات والتحولات النوعية في الحياة ، وما تفرزه تلك الأحداث والتغيرات والتحولات من معطيات تؤدي الى إنقراض قيم وتقاليد وولادة أخرى جديدة ، هذه العملية المستمرة على مدار التاريخ تورث قِيّم وتقاليد وعادات في المجتمعات ، بالتأكيد إن ما يحصل خلال هذه العملية التراكمية التاريخية لبناء الثقافة مهما كانت طبيعة تلك الثقافة وأي جانب من الحياة الانسانية تخص هي عملية لفظ لبعضاً من مكونات الثقافة السائدة التي باتت لا تتماشي ولا تنسجم مع متطلبات الحياة الجديدة خارج الحياة ، وطرح وإضافة بالمقابل مكونات ثقافية أخرى جديدة ، وهكذا تتوالى دورات تطور وتجدد مكونات الثقافة الانسانية ، حيث تموت مكونات شائخة عاجزة عن الأستمرار وتولد مكونات شابة قادرة على مواكبة متطلبات الحياة . عليه فإن بناء الثقافات للأمم والشعوب والتي تختلف في جوهرها عن بعضها البعض بحكم اختلاف الخصائص الاجتماعية والخصوصيات القومية والدينية والمذهبية والقبلية والعشائرية وغيرها ، هي عملية تطورية تراكمية تاريخية مستمرة تبعاً لعملية تطور الأنظمة الأقتصادية لإنتاج الخيرات المادية والمعنوية للمجتمع باعتبار أن تلك الأنظمة الأقتصادية تشكل البنى التحتية للنظام الأجتماعي ، وأن الثقافات بمجمل مكوناتها بالضرورة تكون إنعكاساً للبنى التحتية للنظام الأجتماعي السائد تشكل البنى الفوقية له ، أي بمعنى آخر أن الثقافات التي تمثل الخيرات المعنوية للمجتمعات يجب أن تتغير وفقاً لتغير نظام إنتاج الخيرات المادية لها ، لتكون بذلك العلاقة بين تطور وتغير نظام انتاج الخيرات المادية والمعنوية وبين مكونات الثقافة للمجتمع علاقة جدلية تكاملية ، وهذا يعني تماماً أن ما يحصل هنا في هذا الجانب من تغييرات وتحولات وتبدلات نوعية يجب أن ينعكس بالضرورة وبأي شكل من الأشكال هناك في الجانب الآخر من معادلة هذه العلاقة لتكتمل دورة الحياة التطورية للمجتمعات الانسانية بشكل طبيعي وسلس .
لقد شابت ورافقت عملية بناء الثقافات الانسانية عبر مختلف مراحل التاريخ بعض التجاوزات الشاذة بحكم الصراعات الاجتماعية الدائرة من اجل المحافظة على المصالح الطبقية التي أدت بالنتيجة الى الأخلال بتوازن سير عملية تطور بناء الثقافات وانحرافها عن مسارها الطبيعي في لفظ بعض مكونات الثقافة السائدة التي تعطي امتيازات مادية ومعنوية للبعض من المتسلطين والمتنفذين من الطبقات والشرائح الأجتماعية ، مما أدى ذلك الى بقاء وتعزيز وترسيخ بعض القيم القبلية والعشائرية التي تعزز من سلطة النظام الأبوي للقبيلة والعشيرة من الأسياد الأحرار والأقطاعيين ورب العمل من مالكي وسائل الانتاج وحواشيهم المتنفذين من المقربين والمحيطين بهم لتمكينهم من التحكم بمصير العاملين لديهم بشكل مطلق وباستعمال وسائل القوة القسرية القاهرة بكل أشكالها لأخضائهم وسلب ارادتهم . هكذا بقيت بعض القيم والتقاليد والعادات والطقوس التي تحكم العلاقة بين الأسياد الأحرار والأقطاعي من مالكي الأرض ومالكي وسائل الأنتاج الصناعي والزراعي من أرباب العمل ذوي المشاريع الخاصة من جهة ، وبين الأتباع من العاملين لديهم بعيدة عن متناول الشمول بالتغيير المفروض والمطلوب ، وتحولت بذلك تلك القيم والتقاليد والعادات الى مكونات ثقافية مقدسة لا يجوز المساس بها بأي قدر كان ولا أن يَطالها التغيير بأي حال من الأحوال ، كما كان الحال عليه في ظل الأنظمة العبودية والأقطاعية والبرجوازية الرأسمالية الصناعية ، حيث كان فيها رأس الهرم مالك الأرض ووسائل الأنتاج صاحب الأمر والنهي في تقرير ما يجب أن يبقى على حاله وما يجب أن يتغير أو يزول مما يشكل بنية الثقافات التي تسود .
كان لظهور الأديان السماوية الذي تزامن مع مراحل الأنظمة العبودية والأقطاعية قد أضافت الى مكونات الثقافة الانسانية مكون الثقافات الدينية التي تزكي نفسها بحسب مجتهديها وعلمائها والمبشرين بها بأنها ثقافات متكاملة التكوين وراسخة الأركان وصالحة لكل زمان ومكان ، وأية محاولات للمساس بها لتغييرها وتطويرها لجعلها تساير وتتماشى وتلائم مستجدات الحياة تُعد هرطقةً وكفراً والحاداً ، وكان في مقدمة المروجين والمهلهلين لهذا النهج الثقافي الديني الثابت القيم والمدافعين عنه ضد دعاة أفكار التنوير والتحرر والأنعتاق والتغيير ونشر المساواة والعدالة الاجتماعية كانوا الأسياد الأحرار والأقطاعيين والبرجوازيين الرأسماليين ورجال الدين ( كل الأديان ) بحكم متطلبات صراعهم الطبقي من اجل بقاء واستمرار وحماية مصالحهم الطبقية وضمان رفاهيتهم على حساب تعاسة وبؤس الغالبية العظمى من أفراد الشعب . بسبب اقحام مكونات الثقافة الدينية ودمجها مع المكونات الثقافية الأخرى التي كانت سائدة قبل عصر ظهور الأديان السماوية اتخذت مكونات ثقافاتنا شكلاً ذي غطاءً دينياً مقدساً الذي بوجوده لا يجوز المساس بها إطلاقاً ، وبذلك باتتْ عملية اختراق تحصينات المكونات الثقافية ذات الجوهر والمضمون الطبقي المصلحي ، والشكل الديني التي تعبر عن مصالح الأقليات الحاكمة من الأسياد الأحرار والأقطاعيين والراسماليين البرجوازيين عملية صعبة ومعقدة للغاية وبعيدة كل البعد عن متناول ما يطالها من التغيير الجوهري الشامل بسبب حصانة هالة " التقديس " التي احيطت بها تلك الثقافات المؤسسة على الحقد والكراهية ورفض الآخر المختلف والتمييز بكل أشكاله .
إن ما تشهده الحياة اليوم في الأرجاء المعمورة من صراعات دموية وعنف وقتل وعمليات ارهابية شنيعة لا تليق بالانسان السوي على خلفيات مختلفة هي إفرازات ونتائج طبيعية مباشرة لتلك المكونات الثقافية التي زرعت في نفوس الناس من جيل الى جيل وبشكل تراكمي ثقافة الحقد والكراهية وعدم قبول الآخر والتعايش السلمي مع المختلف عنه ولو في أحدى تلك المكونات الثقافية الموروثة من الماضي والراسخة في أعماق النفس على أقل تقدير . إن هذه الثقافات المؤسسة على الحقد والكراهية ورفض الآخر هي من أنتجت وصنعت الأحزاب القومية الشوفينية والفاشية التي لعبت دوراً قذراً واجرامياً في التاريخ ، وهي من صنعت الأحزاب الدينية الطائفية والجماعات الدينية السلفية التكفيرية التي تزهق الأرواح البريئة بوسائل في غاية من الهمجية والبربرية ، وهي من صنعت القاعدة وداعش وأخواتهما التي تسعى الى فرض معتقداتها المتخلفة ورؤآها وأفكارها الظلامية على الأخرين باستخدام العنف المفرط والقتل وقطع الرؤوس ونشر الأرهاب والرعب بين الناس التي تحب الحياة بحرية وكرامة وعزة نفس . عليه فإن عملية مكافحة الأرهاب والقضاء عليه تبدأ من مكافحة أسبابه الكامنة في طبيعة الثقافات الكلاسيكية الموروثة بكل مكوناتها القومية والدينية والمذهبية والقبلية والعشائرية وغيرها التي تغذي العقول وتهيئها لأرتكاب هكذا جرائم همجية بشعة .
إن هذا الواقع المزري والمؤلم لحالة ثقافاتنا الكلاسيكية الموروثة السائدة اليوم ، القومية والدينية والمذهبية والقبلية والعشائرية والجنسية والطبقية وغيرها من ثقافات الخصوصيات الأخرى التي حولتنا الى مجتمع قطيع الذئاب المفترسة أحدنا يكره الآخر ويحقد عليه ونقتل بعضنا البعض على الهوية يضعنا جميعاً نحن المثقفين والمفكرين والفلاسفة ورجال الدين من كل الأديان بكل مذاهبها والهيئات الدولية والمؤسسات الثقافية ومؤسسات المجتمع المدني وجمعيات حقوق الأنسان وفي المقدمة منها الأمم المتحدة أمام مسؤولية تاريخية كبيرة لبناء مجتمعات إنسانية جديدة يتعايش فيها الجميع بأمنٍ وأمان وسلام تسودها ثقافة المحبة الأنسانية والسلام والتعايش السلمي بدلاً من ثقافة الحقد والكراهية ورفض الآخر المختلف والأرهاب والقتل المؤسسة على الخلفية الدينية والمذهبية والقومية الشوفينية ، لنقُل جميعاً إن العالم وطنٌ للجميع تحترم فيه الخصوصيات والحقوق الطبيعية المشروعة للجميع ، ولنقُل جميعاً وبصوت عالٍ واحد بعد كل هذه المعاناة والمأساة التي نعيشها وندفع يومياً ثمناً باهضاً لها من دماء أبنائنا " لقد آن الآوان لأن نعيد النظر في كل مكونات ثقافاتنا الكلاسيكية " لتطهيرها من كل أدران التخلف والهمجية والحقد والكراهية والعنصرية والتمييز بكل أشكاله ، ونقول نعم نعم لثقافة المحبة والسلام والأخوة الأنسانية والتعايش السلمي وقيم الحرية والديمقراطية ، وترليون كَلّا لثقافة الحقد والكراهية والتمييز بكل أشكاله القومي والديني والمذهبي والجنسي لنعيش أحراراً سعداء بأمان .
خوشـــابا ســـولاقا
21 / آذار / 2015 – بغداد