على الرف الأول
كانت صورنا حين كنا أطفالا صغارا
تحتل مساحة كبيرة
ببراءتنا وشقاوتنا
وضحكنا وبكائنا
كانت أكبر همومنا
ماذا سنلعب ؟
لاشيء يشغل بالنا
ولا حزن يخيم على أرواحنا
لا نفكر بالغد ولا بالأمس
فقد كنا نعيش يومنا فقط
لم تكن أخطاؤنا الصغيرة
لتسرق منا النوم
أو تحرمنا لذته
كنا ننام ملء أجفاننا
لنستيقظ مع بزوغ صباحاتنا المشرقة
وعلى شفاهنا ابتسامات عذبة
رسمت بمداد من أمل
فها قد ابتدأ يوم آخر
بساعاته الأربع والعشرين
وبدقائقه وثوانيه
لم يكن يومنا طويلا
ولا قصيرا
فلا الساعة كانت أكثر من ستين دقيقة
ولا الدقيقة كانت أقل من ستين ثانية
وعلى الرف الثاني
كانت تصطف مجموعة من القصص والروايات
التي كنا ننتظر الإجازة بشوق
لنلتهمها بأعيننا وبقلوبنا وعقولنا
لتحملنا إلى عوالم أخرى
لم نكن نعرفها أو نستطيع إدراكها حتى
لانغلاقنا على أنفسنا تارة
ولانغلاق مجتمعاتنا الصغيرة علينا تارة أخرى
فالحب والكره
وروميو وجولييت
وهاملت
والتوقعات العظيمة
شكسبير وتشالرز ديكنز
وهمنجواي
موليير
ودافنشي وفان جوخ
بيتهوفن وموزارت
والجريمة والعدالة
وأجاثا كريستي
وصراع الدول على المال والسلطة
وأجهزة الاستخبارات
الإسرائيلية والأمريكية والروسية
وغيرها
والحرب العالمية الأولى والثانية
وهتلر ونابليون
وحائط برلين
وحرب أكتوبر
وجمال عبد الناصر وأنور السادات
والوحدة بين مصر وسوريا
وعد بلفور وفلسطين المحتلة
اليهود وحائط المبكى
عز الدين القسام وعمر المختار
شهريار وشهرزاد
وألف ليلة وليلة
وقصص وحكايات الجن والعفاريت
والجواري والغلمان
وغيرها الكثير والكثير
كانت هي نافذتنا التي نطل منها على مالا تراه عيوننا
وما لا تسمعه آذاننا
وما لا تدركه عقولنا
كم كنا سعداء ونحن نحلق في عالم الكتب
ونطوف على البلدان
وننتقل من هنا إلى هناك
ومن عقل إلى عقل
بأجنحة من خيال خصب
لا يعكر صفوه شيء
وعلى الرف الثالث
كانت حياتنا تنتقل من فصول المراهقة الأخيرة
إلى الفصول الأولى من تطوير ذواتنا وبلورتها
واختيار ما يناسبها من القوالب
فانشغلنا برسم مستقبلنا وسعينا جاهدين لتحقيقه
فكان الغد يشغل تفكيرنا كثيرا
فلم يكن الأمس سوى زاد لأيامنا المقبلة
عليه نرتكز ومنه نمضي قدما باتجاه أحلامنا
حتى إذا ما تحققت ووصلنا إلى ما نريده
ابتدأت مرحلة أخرى أكثر قوة وأشد عمقا
وهي مرحلة إثبات ذاتنا
والاستعانة بقدراتنا التي ولدت معنا
أو التي اكتسبناها خلال مراحل حياتنا المختلفة
لحجز مقاعد متقدمة في قطار الحياة
حتى إذا ما وصل كنا أول الواصلين
ولم نكن نعي ونحن في هذا الخضم المتواصل
أننا إنما كنا نركن مشاعرنا على الرفوف الأخيرة
متناسين أن لنا قلوبا تنبض
فغدت أحاسيسنا جامدة
باردة
بلا طعم ولا لون
حتى إذا ما تداركناها
قبل أن تموت
وجدنا أنفسنا وقد توقفنا أمام طريق مسدود
فلا نحن استطعنا أن نمضي
ولا نحن استطعنا أن نعود
فتبقى مشاعرنا تائهة في تلك المساحة
بين ماضينا ومستقبلنا
وتبقى بعض الرفوف خالية
قد نملؤها ذات حين
وقد يملؤها غيرنا
[/size][/color][/b]