ankawa

الحوار والراي الحر => المنبر الحر => الموضوع حرر بواسطة: سامان سوراني في 18:34 04/10/2017

العنوان: رحیل القطب الهادئ في الشرق الأوسط الرئیس جلال طالباني
أرسل بواسطة: سامان سوراني في 18:34 04/10/2017
رحیل القطب الهادئ في الشرق الأوسط الرئیس جلال طالباني
بعد صراع لسنوات عدیدة مع المرض رحل عنّا الیوم السید جلال طالباني عن عمر ناهز الرابعة والثمانين عاماً. کان الراحل أحد أبرز الشخصیات السیاسیة في التاریخ الكوردستاني المعاصر، عمل في مجال الفکر  مع شعوره بأن إتنماءه الأول هو للنوع البشري وأن العالم هو المدی الأرحب لفكره، لا النظريات العقيمة أو الهويات المغلقة، كان يفيد من التجارب و ينفتح علی الحقائق و يشتغل علی التراثات والهويات و يفكر نقدياً علی العقائد والفلسفات، من أجل تحديد عالم الأفكار والمفاهيم ومن خلال الوقائع الفكرية السیاسیة التي کان يخلقها، مارس أمیر الدبلوماسیة الكوردستانیة جلال طالباني فاعليته علی ساحته وفي بيئته و في المدی الإقليمي والعالمي.
كل منّا یعلم بأن كوردستان یمرّ الیوم بعد أسبوع من إستفتاء الإستقلال بمرحلة صعبة، حیث تشهد الساحة الإقلیمیة والعراقية أزمة سياسية حادة، تسيطر علیها أجواء الخوف والقلق والترقب، نتيجة الضغوط التي تمارسها دول الجوار علی الأقلیم و الممارسات اللادستورية واللاقانونیة من قبل بغداد و محاولات فرض أنواع الحصار علی كوردستان بحجة الدفاع عن وحدة العراق، ناهیك عن الهجمات الکلامیة المتدنیة من قبل بعض اللامسؤولین من الساسة والنواب في العراق للنیل من ممارسة شعب كوردستان حقه في تقریر المصێر والتجربة الدیمقراطیة الناجحة في كوردستان.
في هذه المرحلة المتشنجة یرحل عنّا وللأسف تلك القوة الخفية، التي أثرت في تاريخ كوردستان السياسي وأنهت في السنوات الماضية الكثير من الأزمات السياسية التي عصفت بالعراق.
بإبتعاده عن الدخول في خندق الخصومة وقيامه كصمام أمان بحماية السلم الوطني من خلال سعيه لتقريب وجهات لأطراف المتخالفة تمكن الرئيس جلال طالباني من كسب ثقة العراقيين، الذين إتفقوا علیه‌ كرئيس رغم تعقيدات المشهد السياسي العراقي.
نعم رحیله أصبح اليوم مدار الكلام و محور الإهتمام و ها نحن نسمع من الرئیس مسعود بارزاني بعد ساعات من نبأ رحیل طالباني یقول، "خسارة قائد كـ مام جلال خسارة كبيرة لشعبنا لايمكن تعويضه بسهولة"، معلناً الحداد العام في كوردستان لمدة أسبوع.
كان السید مام جلال (العم جلال) یعرُف كيف تُلعب اللعبة السياسية وكیف تُبنی القوة وكيف تُنتج الحقيقة وتُقّر المشروعية، هو أول رئيس كوردستاني للعراق، رآه أغلب الجهات المهتمة بالشأن العام، بسبب سعيه إلی تعزيز العيش المشترك بين الكيانات المختلفة في العراق، كقطب هادئ و كصمام أمان، جاء عبر ثقة الشعب بانتخابات ديمقراطية حرة كرئیس لدولة العراق.
مارس الرئیس طالباني السياسة بأسس روحية صافية و واصل العمل السياسي طيلة أكثر من ٦٠ عاماً دون إنقطاع، عاش كمعارض لحكام حصّنوا أنفسهم بإنشاء أنظمة بوليسية كبتت الحريات و منعت التعبير عن الأفكار والآراء و أعتقلت المفكرين و المثقفين، الذين تعارضت أفكارهم المنفتحة مع أفكار أنظمتهم المنغلقة، ليزجوا في النهاية في السجون من دون محاكمة و لتبقی أماكن وجودهم و مصائرهم مجهولة لذويهم، حكام خدعوا شعوبهم بالإدعاء بأنهم أنظمة تؤمن بحقوق الآخرين و تجلب لهم الحريات و الحكم الذاتي وغيرها من الشعارات الخادعة، بينما كانوا في النهاية حكومات فردية تسلطية شوفينية عدوانية بربرية و وحشية، قاوم كقائد وطني تلك الأنظمة القمعية، لذا یمکن إعتبارە واحد من أبرز الشخصيات الكوردستانية في التاريخ العراقي المعاصر، جمع خلال عمله السياسي خبرة كبيرة و جربة عميقة و أکتسب حنكة سياسية موسوعية، لذا نری بأن وفاته سوف يعود بنتائج سلبية على العراق، لکنها تصبح فرصة للجهات السیاسیة المختلفة في كوردستان لرص الصفوف وتوحید الرؤی والکلمة للوصول الی الهدف المنشود و هو إعلان دولة كوردستان.
کان الرئيس جلال طالباني یهتم بشؤون الحقيقة والحرية والعدالة، كمثقف نموذجي متفرغ لمهنته، يحيا وسط الأزمة و يساهم في حقل الإنتاج الرمزي، وکان بحق رجل دولة من الطراز الرفيع و عنوان للإعتدال والوسطية، بحث بعد تسنمه مقاليد رئاسة الجمهورية دوماً عن مخارج للقضايا الشائكة بإستعمال الحكمة وتدوير الزوايا و الجمع بين المتناقضات و رفض التحدي و عمل بسبب كونه كوردستانياً أن لا يتقوقع في قوميته، لكي لا يحجم موقعه الوطني و دوره السياسي و فضّل كداعية وفاق و محبة أن يدفع من أعصابه و صحته علی أن يدفع العراق من سلمه و إستقراره، نقيضاً لمن یحکم العراق الیوم ويؤمن وللأسف بالظواهر الكُلانية، التي لم تعد تنتج سوی عوائقها و فشلها أو الغامها و إنفجاراتها والذي لا يتورع عن دفع المنطقة نحو الهاوية في سبيل مصالح تهدف وللأسف في بناء السلطة الشمولیة.
برحیل السید جلال طالباني فقد شعب كوردستان أحد رموز النضال والتحریر وهو اليوم بأشد الحاجة الی حضوره الفاعل‌.
ختامان نقول: وداعاً وأنت المغادر جسداً والحي فكراً و روحاً بين شعبك ومحبيك.
الدکتور سامان سوراني