ankawa

الحوار والراي الحر => المنبر الحر => الموضوع حرر بواسطة: محمد علي الشبيبي في 19:56 05/10/2017

العنوان: الأكراد بين الطموح القومي وشهوة الفساد المالي والإداري والعشائري!
أرسل بواسطة: محمد علي الشبيبي في 19:56 05/10/2017
الأكراد بين الطموح القومي وشهوة الفساد المالي والإداري والعشائري!
منذ قررت حكومة الاقليم إجراء الاستفتاء والرغبة في الانفصال انقسم الشعب العراقي بكل مكوناته وتوجهاته الى مؤيد ومعارض وما بينهما. ولاحظت كم ارتفعت شحنات التعصب القومي عند الجميع. وكثيرون -من كل الاطراف- ابتعدوا عما كانوا يتغنون به في الماضي (هربجي كرد وعرب ...) وأصبح التعصب القومي المتشنج هو من يدير توجهاتهم وأفكارهم بحج مختلفة ومتباينة، حجج ومبررات تمسك بها كثيرون من كل الاطراف ولكن تمسك بعض المتشنجين بها ليس عن قناعة ورغبة في معالجة المشكلة وإنما هي كما يقال  (كلمة حق يراد بها باطل).
بعض الاصدقاء وبناء على تعليقات نشرتها في الفيس بوك أو من خلال المراسلات على الخاص او الهوتميل، طلب مني أن أبين وجهة نظري بالاستفتاء والانفصال -وانا أسميه حق تقرير المصير-! مع العلم أني وضحت ذلك من خلال تعليقاتي ولكن البعض ربما يطلب إيضاحا أكثر أو أن بعض تغريداتي أو ما أرسله من مقالات تتناول المشكلة لا تعجبه أو تزعجه. كما أني وجدت أن التعصب القومي -عند الجميع- سبب لبعض الاصدقاء -الذين أعزهم وأحترمهم- غشاوة ولم يعودوا قادرين أن يستوعبوا أن اختلاف وجهات النظر بيننا -بالرغم من تشدقهم بالديمقراطية وبالحياة الاوربية- مسألة طبيعية!
هذه المشاعر المتأججة عند الجميع وما أثاره الاستفتاء والتصعيد من قبل الكثيرين ومن كلا الجبهتين (المؤيدة للانفصال والمعارضة له)، دفعتني لكتابة هذه السطور. وأقول هذا لمن يحاول المزايدة من كل الاطراف أنني تربيت على واقتنعت بمبدأ حق تقرير المصير للشعوب وطبعا من ضمنها الشعب الكردي. وعانيت مثلما عانى الكثيرون بسبب هذا الموقف، واعتقلت، وعذبت، وسجنت وفصلت من الدراسة وأنا في عمر الشباب (دون السابعة عشر!).
مازلت أتذكر ذلك اليوم من أيام شباط الاولى من عام 1962، حيث خرجت وأنا أحمل معي كتاب الأحياء للخامس العلمي من أجل المذاكرة، وقد أخفيت بين صفحاته عريضة تطالب رئيس الوزراء الشهيد عبد الكريم قاسم بالحل السلمي للمشكلة الكردية، إضافة لبيان للحزب الشيوعي أيضا يتناول هذا الموضوع. كنت أحلم في أن أجمع أكثر عددا من التواقيع من المؤيدين للحل السلمي، وفعلا لقد تجاوز عدد الموقعين في عريضتي أكثر من مئة أسم .... ويظهر أن نشاطي هذا -الغير حذر- قد وصل الى الجهات الأمنية. وعند خروجي من البيت وابتعادي لمسافة دقائق وإذا بأحد شرطة الامن السري المدعو ناصر يستوقفني ويصطحبني الى غرفة الرقيب العسكري في بريد كربلاء المركزي. وبعد التفتيش عثروا على العريضة والبيان وأخذت الى مركز أمن كربلاء، وفي المركز ولثلاثة أيام متتالية وفي كل ليلة منها تبدأ معي ولساعات حملات التهديد والوعيد والأساليب القذرة التي تعكس تدني أخلاق الأجهزة الأمنية، مع التعذيب الجسدي لمعرفة من نظم هذه الحملة ومن هم الموقعين! ثم توجوا اعتقالهم بتقديمي للمجلس العرفي العسكري الثاني وصدر حكما بحقي لستة اشهر قضيتها في سجن الكوت. ومن المفارقات (وهذا ما ذكرته في كتابي -ذكريات الزمن القاسي-) انني -وقبل يوم من محاكمتي- وكنت في مركز شرطة السراي في بغداد، سألني أحد الموقوفين الأكراد -وكنت أصغر الموقوفين- ما هي قضيتي، فشرحت له ... وإذا به يغضب مني ويتهمني بمعادات الاكراد وأني لا أختلف عن دور الجيش في إبادة الأكراد وغيرها من اتهامات باطلة ... وبادر بعض الموقفين الى إسكاته وأبعاده عني ... ثم عرفت أنه قومي كردي من أنصار الزعيم البرزاني وناشط طلابي .... هذا القومي المتشنج لم يقدر موقفي وتضحيتي في الدفاع عن قضيته بالطريقة التي أؤمن بها ووضعني في مصاف أعدائه ... لقد سردت هذه الحادثة كي أقول للمتعصبين من القوميين الاكراد انني مثل الالاف وقفنا الى جانب نضالكم العادل وقدمنا التضحيات ولم تعوقنا بعض المواقف المتشنجة بسبب ضيق الأفق القومي التي وصلت الى تصفية رفاقنا. لا بل بقينا نؤمن بحقوق الاكراد وكل القوميات بالرغم مما أقدمت عليه أحزابكم وقياداتكم في تصفيات رفاقا مناضلين تركوا عوائلهم وحملوا السلاح لمحاربة الدكتاتورية ولكنهم تعرضوا للأسف لمذابح دموية من الشوفينيين الأكراد (كما حدث لعودة كوادر الحزب، أو في مجزرة بشت ىشان وغيرها من معارك). لم يكن بودي إثارة هذه المواجع لولا تجني البعض في مراسلاته وسوء فهمه لمواقفي.
بعد هذا الاستعراض لابد من التأكيد على أنني مع حق تقرير مصير الشعوب ومن ضمنها الشعب الكردي. ولكن وهذا ما أعتقده، وقد يوافقني كثيرون. فبعد السقوط تشكل مجلس الحكم، وكتب الدستور بمشاركة فعالة من القوميين الاكراد (الاتحاد الوطني الكردستاني، والديمقراطي الكردستاني)، وأجريت الانتخابات وتشكل مجلس النواب والحكومة .... كل هذا التوافق حصل بمساهمة فعالة وناشطة وقبول من قبل الاكراد متمثلين بالحزبين الكبيرين وأحزاب أخرى، وهذا لا يعني عدم حدوث خلافات واعتراضات من هذا الطرف أو ذاك. المهم شارك الاكراد عن طريق ممثليهم في السلطة التشريعية وفي السلطة التنفيذية وفي معظم الهيئات بمراكز قيادية ومتنفذة. ولكن ما الذي حدث خلال 14 عاما، أن الشعب عربه وأكراده عانى من حكومات فاسدة، فشلت في: خلق روح المواطنة وسيادة القانون، وبناء مؤسسات الدولة، وجعلت ثروات الشعب (النفط، العقارات، الاستثمارات، وحتى الوظائف ...) ملك صرف لأحزاب وكتل فاسدة -عربية وكردية-، وهيمنت على مقدرات الشعب برضى أمريكي! وهذه الكتل والأحزاب -عربية ام كردية- تصرفت بالعراق وكأنه ملك صرف لها ... فعم الخراب الاجتماعي والاخلاقي والجهل والمرض وأصبح العراق من جنوبه لشماله تتحكم به عوائل ومليشيات وعقلية عشائرية متخلفة، ولم يعد للقانون والقضاء اية حرمة ... إن المسؤول عن إيصال العراق الى هذه الهاوية من الخراب والتردي هم الامريكان بالدرجة الاولى -ولنترك نظام صدام ودوره في تهيئة الاجواء للحرب وتبعاتها فهذا لا يقبل النقاش-. وثانيا من أستلم الحكم "مجلس الحكم" ومن تلاه من قيادات وأحزاب حاكمة ولغاية اليوم. ولكننا كلنا نعرف وكما ذكرت قبل سطور الدور المهم والفاعل للأكراد في قيادة الدولة وهم لا تقل مسؤوليتهم وخيانتهم عن هذا التردي، نعم إنها خيانة وطنية ...! أنا من وجهة نظري أرى أن ما حدث للعراق خيانة وطنية -مباشرة أو غير مباشرة بوعي أو بدون وعي- وحنث باليمين من قبل الجميع من الذين تسلموا قيادات الدولة وخاصة (رؤساء الوزارات ونوابهم، رؤساء الجمهوريات ونوابهم، ومجلس النواب بجميع دوراته) مع الأخذ بالاعتبار الدور الدستوري لكل طرف وما هي مسؤوليته. بعد كل هذا التردي والخراب في الوطن والمجتمع وهم (الأكراد) جزء رئيسي في إدارة دفة الحكم لا يجوز لهم اليوم -التخلي عن هذا العقد الاجتماعي الذي أشرف عليه الامريكان واستمر لليوم- أن يفكروا بترك العراق في هذه المحن للانفصال والتفكير فقط بمطامحهم القومية! ثم أية مطامح قومية؟ للأسف -وكما هو حاصل في العراق وتأثر البسطاء بالطرح المذهبي- فأن الطرح القومي وجد قبولا واسعا في صفوف أبناء الشعب الكردي. ولكن لنسأل أي كردي ما الذي قدمته له حكومته وقياداته خلال الاعوام منذ إقرار الفدرالية. كل ما حصل عليه الشعب الكردي عبارة عن صراعات دموية بين عوائل كردية تتنافس على إدارة الدولة ومؤسساتها حتى وصلت حد التحارب، عوائل تسيطر على واردات الاقليم، إغتناء هذه العوائل على حساب الشعب، فقر منتشر مقابل مليارات نهبت، رواتب متوقفة بالرغم من تصدير النفط بطريقة مخالفة، رئيس للإقليم مخالف للدستور، ومجلس نواب تم تجميده لحين الضرورات، وقمع للمعارضين -الخطرين-! فهل يعقل بعد كل هذا أن يعتقد الشعب الكردي وكادحيه بأن هؤلاء الساسة سيحققون مطامحه القومية!؟ ألا يشاهدوا ويعيشوا انعدام الخدمات لشعبهم وهذا الافقار ... ربما بعض القيادات الكردية ترى في اسرائيل مثلا جيدا لهم، وتحاول إقناع السذج من شعبهم أنهم يقتدون بالنموذج الصهيوني -إسرائيل- في بناء الدولة الكردية القادمة ... ولكن نسوا الساسة الاكراد أن الصهاينة الذين تسلموا دولة اسرائيل لم يقوموا بنهب الشعب الاسرائلي، ولم يتصارعوا كعوائل لتقاسم ثروات البلد، ولم يشتروا الفنادق والقصور في أوربا، ولم يهربوا الاموال المسروقة للبنوك في اوربا بحساباتهم! بل عمل هؤلاء الصهاينة بتكاتف وإخلاص لقيمهم الصهيونية وتنافسوا بشرف فيما بينهم من أجل قيادة الدولة الفتية وبناء إسرائيل  ... أما أنتم فقد فعلتم العكس كما أشرت ... فبعقليتكم هذه وبنفوسكم الضعيفة لا ولن تبنوا دولة قوية!
نعم أنا مع حق تقرير المصير -بما فيه الانفصال- ولكن بعد اكمال المسيرة كما بدأتموها بعد السقوط لقيادة دفة العراق، على الأقل لإعادة مؤسساته وعافيته والتحقيق بقضايا الفساد وتبذير الاموال، والتخلص من فلول داعش وغيرها من منظمات ارهابية، والتحقيق الجدي في سقوط الموصل ومحاسبة الخونة والمتخاذلين والمتعاونين مع الدواعش ... والاتفاق على تحديد الحدود الادارية للمناطق المتنازع عليها بالاعتماد على لجان ذات خبرة علمية محايدة، وإعادة المناطق المتنازع عليها لتكون تحت سيطرت الدولة المركزية، والالتزام بالدستور وحل الخلافات الغامضة فيه عن طريق المحكمة الاتحادية. لذلك كثيرون من قال -وانا منهم- أن الاستفتاء لم يحن وقته وتقرر في وقت وظرف حرج وغير مناسب كان الاكراد مسؤولين عن هذا الظرف مثل شركائهم!
للأسف أن المسؤولين الأكراد وهم يتحدثون عن حسن نواياهم لكنهم مارسوا سياسة لا تنم عن حسن النوايا .... فمنذ سقوط الموصل تصرفوا وكأنهم دولة مستقلة فاحتلوا بعض المناطق التي لا تخضع لهم وأعلنوا انهم لن يسلموها للسلطة الاتحادية، وعززوا تواجد البيشمركة فيها ... ولا أريد التحدث عما يشاع من محاولات تهجير وتغيير في التركيبة السكانية فهذا أتركه الى لجان خاصة للتحقق من صحته ... بالمقابل فأن بعض السياسيين العراقيين (القومين او اسلاميين وحتى تركمان) من جانبهم قابلوا هذا التصعيد بتصعيد من خلال الاعتماد على دول الجور أو التهديد بإقحام الحشد لفض الخلافات والتجاوزات ... وللأسف أن البعض أستغل مناسبة عاشوراء لتهييج الجماهير وشحنها بالكراهية والبغضاء دون أن يقدر ما يجره هذا الشحن من مآسي وكوارث لا تصيب إلا الفقراء.
لذلك أدعو شعبنا للوقوف بوجه التشنجات القومية من كل الاطراف والتي راح بعضها يدق طبول الحرب وكأن ما قدمه شعبنا من ملايين الضحايا والشهداء خلال عقود في حروب عبثية -مع الجيران او مع الاكراد- وإرهاب غير كاف لإشباع رغبات تجار المشاعر القومية المتعصبة او المذهبية المتخلفة ... لا تنجروا وراء الشعارات التي تحرك عواطفكم بعيدا عن العقل والمصلحة العامة. إن وقود أي حرب هم الفقراء والبسطاء أما الساسة الكبار وحواشيهم فمهمتم تنحصر في تحقيق المكاسب!

محمد علي الشبيبي
السويد/ كربلاء 05/10/2017