Ankawa.com
montadayaat montadayaat montadayaat montadayaat
English| عنكاوا |المنتديات |راديو |صور | دردشة | فيديو | أغاني |العاب| اعلانات |البريد | رفع ملفات | البحث | دليل |بطاقات | تعارف | تراتيل| أرشيف|اتصلوا بنا | الرئيسية
أهلا, زائر. الرجاء الدخول أو التسجيل
11:11 16/04/2014

تسجيل الدخول باسم المستخدم، كلمة المرور و مدة الجلسة


بداية تعليمات بحث التقويم دخول تسجيل
  عرض الرسائل
صفحات: [1]
1  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / يوميات ايرانية ( 23 ) نوروز عام 1965 في: 22:48 17/10/2006
يوميات ايرانية  ( 23 )

عادل حبه
نوروز عام 1965

احدثت التطورات الاخيرة في ايران والمتمثلة بإغتيال حسن علي منصور رئيس الوزراء، ومحاولة اغتيال الشاه في قصره في مركز العاصمة طهران قدراً من الانتعاش في روحية السجناء، بغض النظر عن موقفهم وتقييمهم لهذه الاساليب. فقد تراكمت عندهم عناصر من الامل بإحتمال قدر من التغيير في حياتهم. وعلى الرغم من التشديدات والتضييقات التي فرضت على السجناء بالاقتران مع هذين الحدثين، الا ان ذلك لم يؤثر على الروحية الايجابية الجديدة للسجناء عموماً، بل بالعكس.
وكان من ابرز انعكاسات هذين الحدثين هو تردد الكثير من السجناء في المشاركة في المراسيم المخجلة للدعاء للشاه "شامگاه" والتي كانت تجرى في عصر كل يوم. وعلى اثرها تخلت ادارة السجن عن هذه "التقليعة" المهينة للسجناء تفادياً للاحراج بسبب قلة من اصبح يشارك فيها. كما بدأت تتداعى تلك الخشية والريبة في تعامل وحديث السجناء فيما بينهم وتداول همومهم وحتى اسرارهم.
وشعرنا نحن السجناء العراقيون بتعامل اكثر ودي واختلاط اوسع وانفتاح من بقية السجناء، عدا البصاصين وكاتبي التقارير منهم بالطبع الذين اضحوا في عزلة ووضع لا يحسدون عليه.
وترافق هذا مع اقتراب اطلاق سراح العراقيين الثلاثة الذين سبق الحديث عنهم. فقد قدموا الى المحكمة العسكرية وحكم عليهم بأحكام خفيفة كان اقصاها الحكم على حسين المراياتي بالسجن لمدة سنتين، وقد قضى غالبية هذه المدة قبل اصدار الحكم عليه، ولم يبق الا القليل ليطلق سراحه. وبالفعل تحرر الثالاثة من القيد ولكنهم استقروا في طهران لكونهم يحملون كلا الجنسيتين العراقية والايرانية.
وكان من جملة من توثقت اواصر العلاقات الحميمة معهم، ثلاثة سجناء من اعضاء الحزب الديمقراطي الكردستاني الايراني. وهم الاصدقاء الاعزاء غفور ابراهيمي، من اهالي مدينة سردشت الحدودية مع العراق، ويوسف صنيعي واسماعيل زاده. وكان هؤلاء الاصدقاء الجدد يتحلون بالود والتواضع والادب الجم اضافة الى كونهم قد ابدوا التعاطف معنا.
إن العزيز غفور ابراهيمي هو من اهالي مدينة سردشت كما اشرت، وهي مدينة ليست ببعيدة عن المدينة الحدودية العراقية الجميلة قلعة دزه التي حولها نظام صدام لاحقاً الى حجر على حجر و ركام في عملية الانفال السيئة الصيت. وكان غفور يتسلل شأنه شأن الكثير من اهالي القرى الحدودية الى المدن العراقية الحدودية وخاصة قلعة دزه سواء لاسباب تتعلق بالتعامل التجاري وتبادل البضائع او لاسباب سياسية. اما يوسف فكان من مدينة سنندج وهي من كبريات مدن كردستان.
ان يوسف يتمتع بقدر كبير من الشفافية والبراءة وله عينان تنطقان ببراءة كبراءة الطفل. كما انه يتميز بطبع كدود في السعي من اجل غرف المعرفة والعمل وتقديم العون للآخرين على حد سواء. اما اسماعيل زاده فهو لولب الكومون ومدبره وراعي مخزن الآذوقة فيه. لقد كان بحق إدارياً ناجحاً لـ"مشاعتنا".
كان اسماعيل زاده لا يكل ايضاً من العمل في حياكة السلال واعمال يدوية اخرى لبيعها ايضاً، ولا يكف عن هذه المهنة الا عند اداء الصلاة في اوقاتها المحددة. أن طبع هؤلاء الاصدقاء الجدد هو طبع البسطاء الطيبين الكرماء من الكورد وهم بذلك لا يختلفون عن اقرانهم الكورد في العراق.
عاش الثلاثة في غرفة رقم 4 الكبيرة من قاطع رقم 3، والتي تتسع لحوالي 20 شخصاً. وكان هؤلاء الاعزاء الثلاثة اعضاء في "كومون" واحد، "مشاعة"، لتنظيم امر اكلهم وترتيب حياتهم اليومية. لقد إنتظم حوالي نصف السجناء في عدة "مشاعات" لتسهيل امر معيشتهم والتكافل الحياتي بينهم، خاصة وان غالبية منهم ليسوا من سكنة طهران بل من اقاليم بعيدة.
وفي احد الايام اقترح علي العزيز غفور ابراهيمي الانتقال الى غرفتهم بسبب اطلاق سراح احد السجناء من غرفتهم، بعد ان اتفق مع ساكني الغرفة حول إنتقالي. ووافقت على مضض رغم ابتعدادي في غرفة أخرى عن اعزائي العراقيين، وذلك بأمل ان يتوفر لنا مكان افضل وينتقل الجميع تباعاً الى مكان واحد، وهذا ما جرى لاحقاً.
في الواقع ان اقتراح العزيز غفور كان تعبيراً أيضاً عن الثقة والاطئنان في افراد المجموعة العراقية من الناحية السياسية والسلوكية والامانة، إذ أن السجن، كما اشرت سابقاً، لم يخلو من البصاصين وكتّاب التقارير الملفقة الى إدارة السجن.
 وما ان انتقلت الى المكان الجديد حتى اقترح غفور على جميع المجموعة العراقية الانضمام اليهم في الـ"كومون"، اضافة الى الصديق العزيز الذي مر الحديث عنه وهو مجيد امين المؤيد،ووافق الجميع على ذلك. وهكذا ارتفع عدد اعضاء الكومون الى ما يزيد على عشرة انفار.
وفرت هذه التشكيلة الوقت والوقود والمال، وحسنت من نوعية الطعام الذي شرعنا بالحصول عليها، الى جانب تداول الاخبار والمعلومات والكتب التي كنا نحصل عليها بصعوبة قبلئذ. كان على كل عضو في الكومون ان يتولى كل حسب نوبته مهمة تهيئة الطعام في ثلاث وجبات: الصباحية ووجبة الظهر والوجبة االمسائية، اضافة الى ترتيب السفرة وتنظيف الاواني وغسلها.
هذا النظام في "الكومون" وفر لنا وقت اكثر من اجل الاستمرار في الدراسة والمطالعة ايضاً. كان كل سجين في الغرفة يمتلك "سماعة" و "كريستال" يسحب فقط ما تيثه اذاعة طهران المحلية بأخبارها وبرامجها المتنوعة، وهو ما كان مسموحاً به من قبل ادارة السجن. وقد تلطف غفور ابراهيمي واهدى لنا بضعاً من هذه السماعات.
ولكن في مساء احد الايام قرب غفور السماعة من اذني واذا بي استمع الى اذاعة صوت الشعب العراقي التي كان يبثها الحزب من بلغاريا بعد انقلاب شباط 1963. وسرعان ما تعرفت على صوت المذيع المألوف عندي وهو صوت الصديق العزيز المرحوم مهدي عبد الكريم (ابو كسرى).
كانت مبادرة غفور مفاجأة عجيبة وذات دلالة ومشكورة وبالغة السعادة بالنسبة لي وللاخرين من العراقيين الذين بدأوا يحصلون على اخبار العراق أول بأول في داخل سجن الغربة، وعلى بعد مئات الكيلومترات من تراب الوطن العزيز. كانت هذه الاذاعة هي نفسها اذاعة "پيك ايران" التي كانت تبث برامج خاصة بحزب توده ايران بالتناوب مع برامج للحزب الشيوعي العراقي، الذي بث برامجه باللغتين العربية والكوردية.
كنا نستمع الى البرامج من راديو مخبأ بشكل مناسب تحت بلاط جنب فراش العزيز غفور ابراهيمي تفادياً لانكشافه. فالراديو كان يعد من الممنوعات والمحضورات داخل السجن، وقد حصل غفور على هذا الراديو بعد ان قدم رشوة الى احد افراد الشرطة.
وبقي الراديو قيد الكتمان حتى على افراد في الغرفة، ناهيك عن البصاصين. وبعد فترة بدأنا، بالتناوب، نستمع الى الراديو ونسجل اهم الاخبار من الوطن والتعليقات ونتداولها ونترجمها الى الفارسية بمساعدة من الاعزاء الايرانيين ونعرف السجناء الايرانيين على المحتويات المهمة منها.
ما ان مرت فترة قصيرة حتى تعطل الراديو، وعندها خسرنا مصدراً هاماً من مصادر المعلومات والاخبار. ما العمل؟ فإن امكانية دفع رشوة من جديد الى احد الشرطة اصبح من باب المستحيلات بسبب التوتر في الوضع السياسي والتضييقات على السجناء التي تصاعدت جراء التطورات الاخيرة في البلاد، مما ادى الى تردد اي من الحراس الخوض في مغامرة كهذه.
ولم يكن هناك امكانية لادخال الراديو من خلال الزيارات والمواجهات، إذ ليس هناك من يزور اعضاء الكومون في الايام العادية لبعد مسافات المدن التي يسكن فيها اهاليهم. ولم يبق الا ان نفكر بمن يزورني. فالخال العزيز الحاج مصطفى الصفار كان يزورني كل اسبوع تقريباً في السجن ويجلب ما يتيسر من متاع.
ولكن ما كان من الممكن ان افكر بإقحام الخال الكهل في مغامرة تسريب الراديو خوفاً عليه من ملاحقة الشرطة وبطشها. كانت تزورني في السجن ايضاً العزيزة بنت خالي المرحومة سهام حسن الصفار، وهي التي ابدت الكثير من العناية والتعاطف معنا اثناء وجودنا في السجن.
في يوم الزيارة تحدثت معها باللغة العربية بسرعة، كي لا يعرف الحرس كنه ما يدور بيننا من حديث، وأخبرتها بمشكلة الراديو وحاجتنا اليه. بعد تفكير وعلى حين غرة تطوعت العزيزة سهام بتأمين الراديو وإيصاله الى داخل السجن؟؟ كيف ؟.. لم يدور في خلدي اي تصور عن خطتها.
وعلى الرغم من انني على معرفة بقدرتها على المغامرة وحبك الخطط التي لا تخطر على بال احد، وانها لا تحسب الحساب للمخاطر، الا انني حذرتها من مغبة الاقدام على هذا الفعل، وتجاهلت الامر. في الاسبوع التالي وفي يوم الزيارات والمواجهة فاجأني علي پاپاخ ، وهو المسؤول عن ادخال ما يجلبه الزوار من متاع الى داخل السجن، بقدر كبير غير عادي من الرز وقدر آخر اصغر حجماً من مرق "القيمة" اللذيذة.
وفي خضم التعبير عن تذمره من الحمل الثقيل غير العادي الذي يحمله، اخبرني بأن بنت الخال في غرفة المواجهة بإنتظارك، وهي غرفة يتم فيها تبادل الزيارات، وقد ثبت فيها سياج حديدي مشبك ليفصل السجين عن زواره. وحالما رأتني العزيزة بنت الخال حتى اخبرتني بكلمات عربية سريعة عن ان الراديو مدفون داخل الرز، وهي قد دفعت رشوة يعتد بها الى الحرس كي لا يفتشوا الرز ولا يعبثوا به. أكملت المواجهة معها على عجل، وعدت الى الغرفة خوفاً من افتضاح الامر.
انتظرنا الفرصة المناسبة واخرجنا الراديو، وكان جديداً وممتازاً. كان الراديو في تلك اللحظات اشبه بالنسبة لنا بمصباح علاء الدين السحري.
اقترن تسريب الراديو الجديد الى داخل السجن بمهارة بنت الخال، مع الاستعدادت للاحتفال بأهم عيد لدى الايرانيين وهو عيد النوروز. وامر مدير السجن تيموري بصبغ وترميم الغرف والرواق على أن توفر إدارة السجن كل المستلزمات، وان يقوم السجناء بمهمة الصبغ والترميم.
كانت هذه المبادرة فرصة ذهبية لنا كي نعمل اخاديد في الحائط ونمد شبكة انصات يتمكن فيه عدد اكثر من اعضاء الكومون الانصات الى الراديو. وتم التخطيط لاخفاء الراديو في مكان اكثر أمناً وبعيداً عن مرأى الفضوليين وحرس السجن، وحفرنا حفرة تحت احد البلاطات بحيث يتم بسهولة رفعها عند الانصان مع تدبير مكان مناسب لهوائية الراديو.
انتهت عملية الترميم وصبغ الغرفة ومد الاسلاك بسلام دون ان تثير انتباه احد، وعدنا من جديد نستقبل برامج الراديو بنحو افضل من السابق.
دبت الحركة بشكل اكثر مع اقتراب عيد رأس السنة الهجرية الشمسية الايرانية اي عيد النوروز، عيد الربيع وعيد الخصب ويوم تساوي الليل والنهار المصادف 21 آذار في التاريخ الميلادي. وحول هذا العيد نسجت اساطير واساطير. احد هذه الاساطيرالمشهورة تحكي عن شاه كان اسمه "جم" او "جم شاه".
وحدث ان خرج قبل الالاف السنين هذا الشاه من قصره في اول يوم من ايام الربيع وجلس على عرشه المرصع بالمجوهرات.
وما ان بانت الشمس وسقطت اشعتها على العرش حتى انعكس نوره على وجه الشاه الذي تحول الى نور ساطع. عندها تعالى تهليل الناس وصاحوا:" شيد...شيد"اي "خورشيد وتعني الشمس". وهنا اطلق الناس اسم "جمشيد" على هذا الشاه. ويشار الى ان شاه ايران القديم داريوش الكبير (421-486م)، كان يذهب الى معبد الاله مردوخ، اله البابليين القدامى، ليقدم القرابين والهدايا لهذا الاله مع وافر التعظيم له.
شرع السجناء بزرع الحنطة في الاواني حسب عادات الايرانيين.
واشترى نفر آخر السمكات الذهبية الجميلة كي يرميها في الحوض الصغير الموجود في باحة السجن، هذه السمكات الذهبية هي جزء هام من المراسيم التقليدية لاستقبال السنة الجديدة،هذا شراء ما تحتاجه سفرة العيد. وتوجه من يملك موهبة الرسم بتهيئة كارتات العيد ورسمها لارسالها الى الاحبة والاصدقاء. وكان الاهتمام اكثر بقدوم هذا العيد من قبل سكنة المحافظات البعيدة الذين لا يلتقون بأحبتهم الا مرة واحدة في السنة، وفي هذا العيد بالذات.
وشرع العديد من السجناء بتنظيف ملابسهم وكيّها، وراح الآخرون يتسابقون على حلق رؤوسهم استعداداً للقاء الزوجة والابناء والام والاب، بينما اهتــــم نفر آخر من السجناء بالتمرين على بعض الوصلات الفنية من أغاني ورقص ودبكات بألوان قومية متنوعة كي تقدم في يوم دورة السنة.
 
سفرة العيد – "هفت سين"، اي سبع سينات

ومما لفت نظرنا هو ذلك النشاط الذي دب بين السجناء الآذريين الذين كانوا أكثر مهارة في العزف على الآلات الوترية الشعبية"سه تار" والدفوف، اضافة الى اتقانهم الرقص والدبكات القوقازية الشهيرة المعروفة بـ"اللزگي".
ولم يتخل السجناء الكورد الايرانيين عن باقي السجناء بالاستعداد للاحتفال بهذا العيد. وبدأت تفتح الشنط لتظهر منها تلك الاطقم الزاهية من الالبسة الكوردية التي تتناسب مع الاجواء المناخية في كوردستان، ومع ذلك الانسياب الجميل لممارسي الدبكة الكردية والرقص الجماعي المتميز.
وعلى حين غرة طرق سمعي صوت غناءً كوردياً رخيماً لم يسبق لي ان سمعته من قبل من حيث نقاوة الصوت وقوته ورنينه وعذوبته. كنت قد استمعت الى الاغنية الكوردية في السابق عندما كنت طالباً في كلية العلوم في بغداد، واثناء السفرات التي كانت تنظمها الكلية او السفرات التي ينظمها اتحاد الطلبة العراقي العام، اضافة الى ما كان يذاع من الاغاني الكوردية القليلة في اذاعة بغداد، او ما كنت اسمعه من حناجرالرعاة والفلاحين الكورد عندما كنت اساهم مع بعثة التنقيب الجيولوجية التشيكوسلوفاكية في كردستان العراق بعد ثورة تموز عام 1958.
ولكن ما سمعته في السجن يتميز ويتفوق على كل تلك الحناجر والاغاني على الاطلاق. ولم يكن هذا الصوت العذب الا صوت المغني الجميل عزيز شاهرخ الذي كان يمضي مدة محكوميته البالغة خمس سنوات بسبب من نشاطه ضمن الحزب الديمقراطي الكوردستاني الايراني.
كانت الانشودة الاولى التي بدأ يتدرب عليها هي انشودة نوروز التي ألفها الشاعر العراقي المبدع "پيره مرد" إثر وثبة كانون الثاني عام 1948 ضد معاهدة بورتسموث، وأرخ فيها دور المرأة البطولي في تلك الاحداث العاصفة، اضافة الى تغنيه بالعيد القومي الكوردي نوروز حيث انشد قائلاً:
 
عزيز شاهرخ – صورة حديثة وهو يغني في أحدى القنوات التلفزيونية الكوردية العراقية

                ئه‌مڕۆژی ساڵی تازه‌یا نه‌ورۆزه‌ هاته‌وه‌

                                                جه‌ژنێکی کۆنی کورده‌ به‌خۆشی و به‌هاته‌وه‌

               تائێستا ڕووی نه‌داوه‌ له‌ته‌ئریخی میلله‌تا
 
                                                  قه‌ڵغانی گوله سینگی کچان بێ له‌ هه‌ڵمه‌تا
 

وتحكي هذه الانشودة الجميلة، التي انتشرت على نطاق واسع في بقاع أخرى خارج كردستان العراق واصبحت انشودة قومية، عن استقبال السنة الجديدة والاحتفال بها، والامنيات ان تعود بالخير على الكورد. كما اشار پيره مرد في انشودته الى انه لم يحدث في تاريخ البشر ان تتحول صدور الصبايا الى دروع تتلقى رصاص الطغاة. ولم يتوقف عزيز شاهرخ عند تلك الانشودة فسرعان ما تحول الى المقامات الكلاسيكية كمقام كرد وسيگاه وغيرها من المقامات متأثراً في ذلك الى حد بعيد بالمقامات الايرانية التقليدية.
ولم يكف هذه الشاب اللامع عن الغناء في رواق السجن حتى عندما يتوجه السجناء الى غرفهم في ساعات الخلود الى النوم عند الساعة العاشرة مساء طبقاً لأوامر من ادارة السجن. إنني ما زالت الى الآن وفي بلد الغربة، اتابع غناء وابداعات هذا الفنان الموهوب عندما يطل من على شاشات القنوات الفضائية.
وأخيراً حل العيد وتغيرت أمزجة السجناء وحتى السجانين وتعاملهم، وربما كان هذا العيد هو الشئ الوحيد الذي يوحد السجان مع مسجونيه.
كنت تسمع في المواجهات صياح الاطفال وصراخهم، وهو ما كنا نفتقر اليه في الايام الاعتيادية. وتوالت الهدايا والاطعمة النوروزية على السجن مما ترك مسحة من الابتسامات على وجوه جميع السجناء الا قلة قليلة ممن حرموا من رؤية الاهل والاحبة لاسباب عديدة ومنهم افراد المجموعة العراقية.
كنت ارى الحسرة على وجوه احبائي من العراقيين خاصة اؤلئك الذين حرموا من لقاء الزوجة الحبيبة والابناء وهم كل من محمد حسن عيدان وكاظم المالكي ومحمد الحمداني ومحمد علي سيادت. اما انا وسعيد المسعودي فقضيتنا اهون لكوننا من معشر العزاب، اضافة الى ان الزيارات كانت تشملني ايضاً نظراً لتردد الخال الحبيب والعزيزة سهام مما سد جزءا من فراغ بعد الاحبة وبعدهم عني.

يتبع[/b][/size][/font]
2  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / يوميات ايرانية ( 22 ) بوادر تململ في المجتمع الايراني في: 23:33 10/10/2006
يوميات ايرانية  ( 22 )

عادل حبه
بوادر تململ في المجتمع الايراني
إن "الثورة البيضاء" التي رفع رايتها الشاه في بداية العقد السادس من القرن الماضي، والتي أسماها الشاه لاحقاً بـ "ثورة الشاه والشعب"، كانت قد أعلنت في الاساس نتيجة لضغوط الولايات المتحدة الامريكية التي كانت تخشى، كما اشرت سالفاً، من ان استمرار ازمة النظام وعزلته قد يؤدي الى احداث يصعب السيطرة عليها والتنبؤ بها، مما يهدد مصالح الولايات المتحدة والغرب في المنطقة بعد ان تلقت هذه المصالح ضربة جدية إثر اندلاع ثورة 14 تموز عام 1958 في العراق وانهيار الحكم الملكي وحلف بغداد. كانت الاجراءات التي اتخذت في ايران ضمن إطار ما سمي بـ "ثورة الشاه والشعب" سطحية وغير جذرية ولاتستجيب حتى لمتطلبات التطور والتنمية الرأسمالية، وهو الهدف من كل هذه الاصلاحات.
ان السبب في ذلك يعود الى ان النظام السياسي بقي في غاية الاستبداد والفساد، وهو ما يعرقل اية خطوة للتحديث بما فيها الاصلاحات الرأسمالية. فالرأسمالية تنتعش في ظل من الليبرالية الاقتصادية والسياسية، وهي كانت شبه معدومة في ظل النظام الشاهنشاهي.
فقد إحتكرت العائلة الشاهنشاهية وتابعيها من الايرانيين المتنفذين ملكية المشاريع الصناعية والزراعية الحديثة. فلا يحق اقامة المشاريع الصناعية والحصول على التسهيلات التجارية والمالية والبنكية الا لمن ينتمي الى العائلة الشاهنشاهية والمحيطين بها وكبار ضباط الجيش والمخابرات. وهذا يعني تحديد مبدأ المنافسة المطلوبة في اي تطور ناجح في عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية الرأسمالية.
فهذا النهج ينطوي على كل عناصر الفشل في عملية يراد منها تحديث المجتمع، ولا يؤسس الاّ لاقتصاد مشوه وهش. لقد استعار الحكام العرب هذه "التقليعة"، ووزع هؤلاء الحكام اموال الدولة على العائلات الحاكمة ومريديها، واحتكروا شهادات الاستيراد والتصدير وملكيات المشاريع الصناعية والزراعية والمشاركة في المؤسسات الاجنبية العاملة في البلاد للعائلة الحاكمة والمحيطين فقط.
وكانت النتيجة تنمية فاشلة وفساد وهوة خطيرة في توزيع الثروة الوطنية ومأزق يلي المأزق في كل جوانب النشاط الاقتصادي والاجتماعي. ولعل ابرز مثال هو ما حصل في العراق على يد "الثورة البيضاء" لحزب البعث عام 1968، والذي يستحق ان يكون شاهداً حياً على هذا الخيار العقيم.
ولهذا لم تؤدي تلك التدابير "الاصلاحية" في ايران الى تحقيق اهم شئ كان يحتاجه الحكم وهو توسيع قاعدته الاجتماعية. فقد حدث العكس في النظام السياسي، حيث تعمقت الاجراءات البوليسية وسياسة القمع للحريات العامة، وتم تجاهل الدستور والقوانين وسحق اية مطالبة بإجراء اصلاحات سياسية ديمقراطية في نظام الحكم.
وبالرغم من اعلان الشاه في "ثورته المزعومة" عن اصلاحه الزراعي، ولكن هذه الاصلاح دمر الزراعة التقليدية في البلاد دون ان تحل محلها منظومة متطورة للزراعة الرأسمالية بسبب ضعف الامكانيات المالية للغالبية الساحقة من الفلاحين الفقراء والمتوسطين.
فالملاكون الكبار والرأسماليون الجدد العاملون في القطاع الزراعي، اضافة الى كبار العسكر ورموز اجهزة القمع، كانت لديهم الامكانية لمنافسة غالبية الفلاحين الساحقة في مجال الحصول على المياه، هذه المادة الثمينة والهامة في ظروف ايران.ان الامكانية المادية لهؤلاء تبيح لهم حفر الآبار العميقة، على سبيل المثال، وشفط كل مخزون المياه من منظومة " الكهاريز" * التقليدية والابار غير العميقة في البلاد لصالحهم وعلى حساب غالبية الفلاحين الذي ضاق عليهم الامر في الحصول على المياه الازمة للزراعة ولسد حاجاتهم اليومية.
وكانت النتيجة تعثر وتائر زيادة الانتاج الزراعي وهجرة واسعة للفلاحين الى المدن الكبيرة. كما لم يتقدم النظام في اطار اصلاحاته وضجيجها بأية خطوة نحو الاستجابة للمطاليب القومية للاقوام غير الفارسية القاطنة في ايران كالآذربايجانيين والكورد والعرب والتركمان والبلوش واللر والسويحليين، والتي تشكل نصف السكان، او الطوائف الدينية والمذاهب المتعددة في البلاد.
ومن المنطقي ان تؤدي هذه السياسة الفاشلة من جديد الى خلق ارضية خصبة لتنامي نشاط المعارضة بكل اطيافها ومن منطلقات متباينة في المجتمع والاقاليم. وتعرض النظام الى هزات وأزمات سياسية الى جانب استمرار الاضطرابات المتنوعة في البلاد.
لقد حاول النظام اللجوء الى استخدام رموز ليبرالية في ادارة الدولة، على شاكلة إستخدام الحكم في العهد الملكي في العراق الشخصية الليبرالية الدكتور فاضل الجمالي لترأس الوزارة وإقامة قدر من الاصلاحات والتخفيف من كابوس النظام البوليسي، ثم أعقبه أرشد العمري الذي أجرى انتخابات " مزورة"، ولكن تسنى للمعارضة الفوز بـ 11 مقعد من أصل 131.
الا ان نوري السعيد لم يتحمل الجمالي ولا ارشد العمري وسياستهما " الاصلاحية" المدعومة من الولايات المتحدة ولا نتائج الانتخابات. فقام نوري السعيد بـ"إنقلابه" و "أطاح" بأرشد العمري وليعود نوري السعيد بكامل "قبضته الحديدية" وثقله القمعي على العراق. ففي ايران، جرى ما يشبه ذلك، حيث تم اختيار علي اميني لهذا الغرض أيضاً لتحسين صورة النظام في الداخل والخارج.
ولكن هذه الشخصية لم تستطع الاستمرار وسرعان ما تم استبدالها بحسن علي منصور، لان أميني كان يصطدم في كل خطوة يريد القيام بها مهما صغرت بموقف المستبد الاكبر وهو الشاه، وهو ما يتناقض مع السعي الليبرالي المحدود لعلي أميني، الذي ما لبث أن أزيح من كرسي الوزارة.
وهكذا بدأت مرحلة جديدة من نشاط المعارضة رغم الضغوط القاسية. ولم تقتصر المعارضة على التيار الديني المتشدد الذي كان يقوده السيد روح الله الموسوي الخميني، بل تعداه الى مساعي لاحياء الجبهة الوطنية التي تزعمها المرحوم الدكتور محمد مصدق. وهكذا تم الاعلان عن تشكيل "الجبهة الوطنية الثالثة" في بداية العقد السادس، وكان احد اركانها حزب "نهضت آزادي" أو "نهضة الحرية" التي تزعمها المرحوم السيد محمود الطالقاني والمرحوم المهندس مهدي بازرﮔان والمرحوم الدكتور يد الله سحابي.
إن حزب نهضة الحرية يجمع بين المضامين الوطنية والدينية والديمقراطية في العمل السياسي، ويعتبر إمتداداً لثورة المشروطة في بداية القرن العشرين.
ويسعى هذا الحزب الى احياء المضامين الديمقراطية لثورة المشروطة والمتمثلة في تقليص صلاحيات الشاه وتكريس صلاحيات المجلس والمؤسسات المنتخبة. إن هذا الجمع بين مضامين دينية وديمقراطية في العمل السياسي هي ظاهرة جديدة تقريباً في الحياة السياسية الايرانية.
فالحركات الدينية السياسية ورجال الدين قبل ذاك لا يعترفون بالديمقراطية ويعدونها بدعة غربية، وبعضهم يعدها والى الآن ضرباً من الكفر والألحاد والدعارة والتفسخ.
لقد تم إعتقال قادة هذا الحزب وبعض كوادره وجرى الحكم على الشخصيات البارزة المشار اليها أعلاه بالحبس لمدة عشر سنوات من قبل المحكمة العسكرية بتهمة التحريض ضد النظـــــام وضد الشاه ، كما حكم على كوادر أخرى من الحزب بإحكام أخرى أخف.


           
المرحوم آيـــة الله السيد      المرحوم مهدي بازرﮔان        المرحوم الدكتور يد الله
محمود الطالقاني                                                         سحابي
وتم إعتقال اطراف أخرى في الجبهة الوطنية الثالثة ومنهم قادة "جامعه سوسياليستها" او "المجمع الاشتراكي"، الذي يتزعمه خليل ملكي، والذي كان شخصية قيادية انشقت عن حزب توده ايران مبكراً لاسباب تتعلق بالمنهج وبالموقف من الاتحاد السوفييتي. ان الحكم الايراني لم يتحمل حتى هذا التنظيم الاخير رغم انه قد قدم خدمة غير مباشرة في مواجهة الخطر الذي شكله حزب توده ايران ضد الشاه ونظامه.
وإتسع هجوم النظام أكثر، وشن حملته من جديد ضد حزب توده ايران ايضاً، وهو الذي قيل انه قد تم تصفيته والاجهاز عليه من قبل الحكم ولم يعد له أي أثر. لقد اقدمت قيادة الحزب في الفترة المشار اليها، بسبب من ادراكها بتأزم السلطة الحاكمة، الى ارسال كوادر متقدمة في الحزب الى ايران شعوراً منها بتدهور الوضع السياسي والحاجة الى تحرك من قبل الحزب. وكان من بين من توجه الى الداخل عبر العراق هو الشهيد پرويز حكمت جو، عضو اللجنة المركزية والضابط الطيار السابق في القوة الجوية الشاهنشاهية، والذي هرب الى الخارج بعد ان فلت من الاعتقال بعد الانقلاب ضد الدكتور محمد مصدق. كما صاحبه الرفيق علي خاوري عضو اللجنة المركزية ايضاً، والسكرتير العام اللاحق للحزب في النصف الثاني من العقد الثامن في القرن الماضي، بعد تصفية قادة الحزب على يد حكم التطرف الديني الحالي في ايران في نهاية الثمانينيات من القرن الماضي. ولكن وبسبب من تسرب الاستفزازي عباس شهرياري الى تنظيمات الحزب والذي كان عميلاً للساواك، فقد تم القبض عليهما وآخرين في خريف عام 1964 عندما حاولا عبور الحدود الى الاتحاد السوفييتي لحضور إجتماع اللجنة المركزية للحزب بعد ان اقيم لهما كمين من قبل الساواك.
بوادر تململ في المجتمع الايراني
                     
علي خاوري                                 الشهيد پرويز حكمت جو
نوروز- ربيع عام 1967                      نوروز – ربيع عام 1967
سجن قصر - القسم الرابع - طهران     سجن قصر – القسم الرابع - طهران
صورة مهداة الى كاتب السطور          صورة مهداة الى كاتب السطور

كما شملت الاعتقالات منظمات سياسية في الاقاليم القومية وخاصة في كوردستان ايران وفي خوزستان (عربستان) وغيرها. لقد تصاعدت المعارضة بسرعة منذ منتصف عام 1964، لتتحول الى الاسلوب العنفي بكل أشكاله، وذلك لسببين، الاول هو داخلي نتيجة لسلوك النظام القمعي والذي سد الابواب أمام أمام اي بصيص من الامل وأي مسعى للخروج من الأزمة سلمياً. أما العامل الثاني فهو عامل خارجي حيث بدأت حركة واسعة على النطاق العالمي تنشر وتدعو للأسلوب العنفي في حل الصراعات السياسية، ومتأثرة بتيارات متنوعة كالماوية في جنوب شرقي آسيا، التي أعتبرت ان فوهة البندقية هي الحاسمة، وحركات المقاومة الفلسطينية في الشرق الاوسط التي اعتبرت الكفاح المسلح هو الاطار الوحيد لحل مأساة الفلسطينيين، والحركات الشيغيفارية أو تلك المتأثرة بالثورة الكوبية في أمريكا اللاتينية التي اعتبرت الكفاح المسلح الكوبي ونجاحه هو المطلق، علاوة على بدايات حركات التطرف الديني في بعض البلدان، ومنها على وجه الخصوص، في إيران ومصر. ولم يسلم من تأثير هذه التيارات التي تتبنى الاسلوب العنفي حتى الحركات او الاحزاب المتطرفة في البلدان الاوربية كالالوية الحمراء وغيرها.
في تلك الفترة جرى جدل حاد وواسع في ايران حول جدوى او عدم جدوى الاساليب العنفية، ومدى إمكانية هذا الاسلوب في إحداث تغيير في النظام السياسي الشاهنشاهي آنذاك. كان هناك من يرفض العنف، سواء الكفاح المسلح او النشاط الارهابي، لقصوره وسلبياته في عملية التغيير، ناهيك عن آثاره السياسية والاجتماعية اللاحقة، علاوة على تأثيره السلبي على أرساء مقومات الديمقراطية ودولة القانون في بلد المشروطة. فالجبهة الوطنية وحزب توده إيران وآية الله السيد روح الله الموسوي الخميني وحركات سياسية أخرى لم تحبذ أو لم تؤيد هذا الاسلوب. الا أن هناك حركات حديثة في الساحة الايرانية شرعت بتبني هذا الاسلوب وتدعو صراحة الى هذا النمط من العمل السياسي العنفي وتعبئ قواها لتنفيذه.
في يوم 21 شباط عام 1964، وبينما كان السجناء في سجن قصر مشغولين كل في أداء عمله، توقف الارسال من مكبرة الصوت المنصوبة في أعلى جدار السجن ليعلن الخبر الخطير التالي: لقد تعرض رئيس الوزراء حسن علي منصور الى محاولة اغتيال وهو في طريقه الى مجلس الشورى الوطني. وبعد أيام وفي 27 من شباط أعلن عن وفاته على أثر إصابته بخمس عيارات نارية. لقد تولى حسن علي منصور المسؤولية بعد أحداث صيف عام 1963 الدامية. وقد حاول في بداية توليه المسؤولية التخفيف من غلواء التيار الديني المتشدد الذي يتزعمه آية الله الخميني، ولذلك ارسل وزيره السيد جواد الصدر لمقابلة الخميني في مكان حجزه في "القيطرية"، وابلاغه بإطلاق سراحه على ان يغادر البلاد الى تركية. في يوم الاغتيال، كان من المؤمل ان يقدم رئيس الوزراء الى المجلس لائحتين أثارت الجدل والمعارضة في الشارع الايراني، وهي لائحة ما يسمى بـ"الكابيتالاتسيون"، وهي لائحة تعفي المستشارين الامريكان وعائلاتهم من ملاحقة القضاء الايراني، اضافة الى لائحة أخرى تتضمن إتفاقيات جديدة بين شركة النفط الايرانية وبين الشركات النفطية الامريكية والبريطانية. وأتضح لاحقاً أن من تولى مسؤولية عملية الاغتيال هي "جمعية المؤتلفة"، التي تعد إمتداداً لمنظمة سابقة هي "فدائيان إسلام". وتتمتع هذه المنظمة الآن بالنفوذ الاقوى في الحكم الديني المطلق القائم في ايران. ومما يثير التساؤل ان هذه المنظمة تعتبر الامام الخميني مرجعها الديني والسياسي، في الوقت الذي حرم فيه الخميني اللجوء الى العنف. وهذا التناقض ما يزال لغزاً ولحد الآن؟ فهل أن الخميني اعطى توجيهاته بالاغتيال أم لا؟ لقد تم القاء القبض على غالبية المشاركين في العملية وزعمائها ومنهم المنفذين المباشرين للعملية، وهم كل من صادق أماني ورضا صفار هرندي ومرتضى نيك نژاد ومحمد بخارائي. وهرب أحد المنفذين وهو اندرزﮔو والذي قتل في اثناء مواجهات مع الامن الايراني بعد 13 سنة، كما أعتقل بعض زعماء المنظمة، ومنهم كما يبدو الشخصية الاولى للمنظمة ومخططها الحاج مهدي عراقي. لقد كان عراقي قبلئذ عضو الشورى المركزية لمنظمة فدائيان اسلام التي جرى الاشارة اليها سالفاً، وأحد عناصرها النشطة والقريبة من نواب صفوي مؤسس هذه المنظمة في الاربعينيات. وقد اغتيل الحاج عراقي بعد الثورة على يد عناصر من منظمة مجاهدي خلق. وإعتقل ايضاً عسكر أولادي الذي يعد الشخصية الرئيسية للمنظمة في الوقت الحاضر كما يبدو، كما تم إعتقال أسد الله لاجوردي الذي احتل منصب مدير أخطر سجن في ايران بعد الثورة وهو سجن إيفين الرهيب، وكان لاجوردي أحد أبرز من ساهم في اعدام الالاف من السجناء السياسيين بما سمي بـحملة "تنظيف السجون" في عهد المتشددين الدينيين عام 1988، وإثر اعلان الخميني قبوله بقرار مجلس الامن الدولي بوقف الحرب العراقية الايرانية. وقد أغتيل لاجوردي هو الآخر في عام 1998 في طهران من قبل احد أطراف المعارضة الايرانية المسلحة.
وفي تطور لاحق لمسلسل الاحداث العاصفة في منتصف الستينيات، تعرض الشاه نفسه الى محاولة إغتيال داخل قصره " كاخ مرمر" على يد أحد جنود الحرس الشاهنشاهي المدعو رضا شمس آبادي في 10 آذار 1965. وقد قتل هذا الجندي بعد مواجهة داخل أروقة القصر مع الحرس الشاهنشاهي. وبعد التحقيقات، تبين أن هذا الجندي كان على صلة غير مباشرة، عبر شاب يمتهن تصليح المعدات الكهربائية من مدينة كاشان اسمه احمد كامراني، مع تنظيم جديد هو "المنظمة الثورية لحزب توده ايران"، هذه المنظمة التي إنشق بعض قادتها من حزب توده بتأثير من القيادة الصينية إثر الخلافات التي أندلعت بين الحزب الشيوعي السوفييتي والصيني في نهاية العقد الخامس وبداية العقد السادس من القرن الماضي. وقد بادرت كوادر من هذه المنظمة الى تشكيل خلايا داخل أيران منذ عام 1964 بعد عودة مجموعة من الطلبة من بريطانيا وفي مقدمتهم المهندس پرويز نيكخواه. كان نيكخواه الرأس المدبر ومخطط هذه المنظمة، والتي تضم بغالبيتها مهندسين خرجيين جدد من مختلف المعاهد البريطانية. وكانت المنظمة تخطط لتشكيل خلايا بين الفلاحين للقيام بحرب عصابات فلاحية بهدف احاطة المدن لاحقاً واسقاط السلطة فيها تماماً على غرار ما قام به الحزب الشيوعي الصيني بقيادة ماوتسي تونغ وأنصاره في الصين في الاربعينيات، وإطاحتهم بسلطة الكومنتانغ وتشيان كاي شيك، ولكن شتان في الفارق ما بين ظروف البلدين. إن هذه النزعة العنفية في العمل السياسي قد انتشرت في الحقيقة بين وسط غير قليل من الشباب المتحمس في البلدان النامية من الذين ضاقوا ذرعاً بحال بلدانهم وتجبر حكامهم، وإستهوتهم التجربة الصينية ورومانسيتها. وأمتلأت النشرات التي تورزعها هذه المنظمات بشعارات "الحرب الثورية الشعبية" وكراريس ماوتسي تونغ حول هذه الحرب، وأضحت هذه الكراريس انجيلاً مقدساً لوسط واسع من الشبيبة المتحمسين، على غرار ما يحدث الآن من شيوع التطرف والعنف بين وسط من الشبيبة ولكن بفتاوى دينية. الا أن مصير هذه المنظمة وخاصة نيكخواه كان درامياً بكل معنى الكلمة، وإنتهت نهاية مذلة، وسنأتي الى الحديث عن ذلك لاحقاً.
هذه النماذج المتباينة من التيارات السياسية، والتي تنطلق من منطلقات هي الاخرى متباينة وحتى متناقضة في معارضتها للحكم الشاه، والتي لا يجمعها ايضاً اي قدر من التنسيق او التوافق او الرؤية المتقاربة حول مستقبل ايران، فتحت عهداً جديداً من العمل المعارض الذي تصاعد واستمر وأتخذ ابعاداً دموية وعنفية لحين اندلاع الثورة الشعبية الايرانية في عام 1978 واطاحتها بحكم الشاه في عام 1979.
________________________________________
* الكهاريز هي منظومة قديمة لشبكات الري انتشرت في ربوع جبال وهضاب ايران وافغانستان وشرقي وشمال العراق. وهي منظومة متطورة رغم قدمها. وتعتمد على حفر آبار تتفاوت في العمق على سفوح الجبال والهضاب والمنحدرات، وتتصل ببعضها عبر انفاق تنتهي بآخر الآبار، الذي يحفر بعمق أكثر كي يتحول الى خزان للمياه المترشحة من الآبار التي سبقتها. وتستعمل المياه المتجمعة في البئر الاخير اما للزراعة او للحاجات المنزلية. وتعد الكهاريز المصدر الرئيسي لسد حاجة السكان من المياه النظيفة في المناطق التي تنعدم فيها الانهر والمياه السطحية. وما زالت هذه المنظومات موجودة في بعض مناطق شرق العراق وفي السليمانية أو آثار واشهرها كهاريز جبل سنجار، رغم اقدام الحكومات المتلاحقة على اهمالها او اقدام الحكم الصدامي على دفن وتخريب الكثير من هذه المنظومات القديمة.[/b][/size][/font]

3  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / يوميات ايرانية ( 22 ) بوادر تململ في المجتمع الايراني في: 22:57 10/10/2006
يوميات ايرانية  ( 22 )

عادل حبه
بوادر تململ في المجتمع الايراني
إن "الثورة البيضاء" التي رفع رايتها الشاه في بداية العقد السادس من القرن الماضي، والتي أسماها الشاه لاحقاً بـ "ثورة الشاه والشعب"، كانت قد أعلنت في الاساس نتيجة لضغوط الولايات المتحدة الامريكية التي كانت تخشى، كما اشرت سالفاً، من ان استمرار ازمة النظام وعزلته قد يؤدي الى احداث يصعب السيطرة عليها والتنبؤ بها، مما يهدد مصالح الولايات المتحدة والغرب في المنطقة بعد ان تلقت هذه المصالح ضربة جدية إثر اندلاع ثورة 14 تموز عام 1958 في العراق وانهيار الحكم الملكي وحلف بغداد. كانت الاجراءات التي اتخذت في ايران ضمن إطار ما سمي بـ "ثورة الشاه والشعب" سطحية وغير جذرية ولاتستجيب حتى لمتطلبات التطور والتنمية الرأسمالية، وهو الهدف من كل هذه الاصلاحات. ان السبب في ذلك يعود الى ان النظام السياسي بقي في غاية الاستبداد والفساد، وهو ما يعرقل اية خطوة للتحديث بما فيها الاصلاحات الرأسمالية. فالرأسمالية تنتعش في ظل من الليبرالية الاقتصادية والسياسية، وهي كانت شبه معدومة في ظل النظام الشاهنشاهي. فقد إحتكرت العائلة الشاهنشاهية وتابعيها من الايرانيين المتنفذين ملكية المشاريع الصناعية والزراعية الحديثة. فلا يحق اقامة المشاريع الصناعية والحصول على التسهيلات التجارية والمالية والبنكية الا لمن ينتمي الى العائلة الشاهنشاهية والمحيطين بها وكبار ضباط الجيش والمخابرات. وهذا يعني تحديد مبدأ المنافسة المطلوبة في اي تطور ناجح في عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية الرأسمالية. فهذا النهج ينطوي على كل عناصر الفشل في عملية يراد منها تحديث المجتمع، ولا يؤسس الاّ لاقتصاد مشوه وهش. لقد استعار الحكام العرب هذه "التقليعة"، ووزع هؤلاء الحكام اموال الدولة على العائلات الحاكمة ومريديها، واحتكروا شهادات الاستيراد والتصدير وملكيات المشاريع الصناعية والزراعية والمشاركة في المؤسسات الاجنبية العاملة في البلاد للعائلة الحاكمة والمحيطين فقط. وكانت النتيجة تنمية فاشلة وفساد وهوة خطيرة في توزيع الثروة الوطنية ومأزق يلي المأزق في كل جوانب النشاط الاقتصادي والاجتماعي. ولعل ابرز مثال هو ما حصل في العراق على يد "الثورة البيضاء" لحزب البعث عام 1968، والذي يستحق ان يكون شاهداً حياً على هذا الخيار العقيم. ولهذا لم تؤدي تلك التدابير "الاصلاحية" في ايران الى تحقيق اهم شئ كان يحتاجه الحكم وهو توسيع قاعدته الاجتماعية. فقد حدث العكس في النظام السياسي، حيث تعمقت الاجراءات البوليسية وسياسة القمع للحريات العامة، وتم تجاهل الدستور والقوانين وسحق اية مطالبة بإجراء اصلاحات سياسية ديمقراطية في نظام الحكم. وبالرغم من اعلان الشاه في "ثورته المزعومة" عن اصلاحه الزراعي، ولكن هذه الاصلاح دمر الزراعة التقليدية في البلاد دون ان تحل محلها منظومة متطورة للزراعة الرأسمالية بسبب ضعف الامكانيات المالية للغالبية الساحقة من الفلاحين الفقراء والمتوسطين. فالملاكون الكبار والرأسماليون الجدد العاملون في القطاع الزراعي، اضافة الى كبار العسكر ورموز اجهزة القمع، كانت لديهم الامكانية لمنافسة غالبية الفلاحين الساحقة في مجال الحصول على المياه، هذه المادة الثمينة والهامة في ظروف ايران.ان الامكانية المادية لهؤلاء تبيح لهم حفر الآبار العميقة، على سبيل المثال، وشفط كل مخزون المياه من منظومة " الكهاريز" * التقليدية والابار غير العميقة في البلاد لصالحهم وعلى حساب غالبية الفلاحين الذي ضاق عليهم الامر في الحصول على المياه الازمة للزراعة ولسد حاجاتهم اليومية. وكانت النتيجة تعثر وتائر زيادة الانتاج الزراعي وهجرة واسعة للفلاحين الى المدن الكبيرة. كما لم يتقدم النظام في اطار اصلاحاته وضجيجها بأية خطوة نحو الاستجابة للمطاليب القومية للاقوام غير الفارسية القاطنة في ايران كالآذربايجانيين والكورد والعرب والتركمان والبلوش واللر والسويحليين، والتي تشكل نصف السكان، او الطوائف الدينية والمذاهب المتعددة في البلاد. ومن المنطقي ان تؤدي هذه السياسة الفاشلة من جديد الى خلق ارضية خصبة لتنامي نشاط المعارضة بكل اطيافها ومن منطلقات متباينة في المجتمع والاقاليم. وتعرض النظام الى هزات وأزمات سياسية الى جانب استمرار الاضطرابات المتنوعة في البلاد.
لقد حاول النظام اللجوء الى استخدام رموز ليبرالية في ادارة الدولة، على شاكلة إستخدام الحكم في العهد الملكي في العراق الشخصية الليبرالية الدكتور فاضل الجمالي لترأس الوزارة وإقامة قدر من الاصلاحات والتخفيف من كابوس النظام البوليسي، ثم أعقبه أرشد العمري الذي أجرى انتخابات " مزورة"، ولكن تسنى للمعارضة الفوز بـ 11 مقعد من أصل 131. الا ان نوري السعيد لم يتحمل الجمالي ولا ارشد العمري وسياستهما " الاصلاحية" المدعومة من الولايات المتحدة ولا نتائج الانتخابات. فقام نوري السعيد بـ"إنقلابه" و "أطاح" بأرشد العمري وليعود نوري السعيد بكامل "قبضته الحديدية" وثقله القمعي على العراق. ففي ايران، جرى ما يشبه ذلك، حيث تم اختيار علي اميني لهذا الغرض أيضاً لتحسين صورة النظام في الداخل والخارج. ولكن هذه الشخصية لم تستطع الاستمرار وسرعان ما تم استبدالها بحسن علي منصور، لان أميني كان يصطدم في كل خطوة يريد القيام بها مهما صغرت بموقف المستبد الاكبر وهو الشاه، وهو ما يتناقض مع السعي الليبرالي المحدود لعلي أميني، الذي ما لبث أن أزيح من كرسي الوزارة.
وهكذا بدأت مرحلة جديدة من نشاط المعارضة رغم الضغوط القاسية. ولم تقتصر المعارضة على التيار الديني المتشدد الذي كان يقوده السيد روح الله الموسوي الخميني، بل تعداه الى مساعي لاحياء الجبهة الوطنية التي تزعمها المرحوم الدكتور محمد مصدق. وهكذا تم الاعلان عن تشكيل "الجبهة الوطنية الثالثة" في بداية العقد السادس، وكان احد اركانها حزب "نهضت آزادي" أو "نهضة الحرية" التي تزعمها المرحوم السيد محمود الطالقاني والمرحوم المهندس مهدي بازرﮔان والمرحوم الدكتور يد الله سحابي. إن حزب نهضة الحرية يجمع بين المضامين الوطنية والدينية والديمقراطية في العمل السياسي، ويعتبر إمتداداً لثورة المشروطة في بداية القرن العشرين. ويسعى هذا الحزب الى احياء المضامين الديمقراطية لثورة المشروطة والمتمثلة في تقليص صلاحيات الشاه وتكريس صلاحيات المجلس والمؤسسات المنتخبة. إن هذا الجمع بين مضامين دينية وديمقراطية في العمل السياسي هي ظاهرة جديدة تقريباً في الحياة السياسية الايرانية. فالحركات الدينية السياسية ورجال الدين قبل ذاك لا يعترفون بالديمقراطية ويعدونها بدعة غربية، وبعضهم يعدها والى الآن ضرباً من الكفر والألحاد والدعارة والتفسخ. لقد تم إعتقال قادة هذا الحزب وبعض كوادره وجرى الحكم على الشخصيات البارزة المشار اليها أعلاه بالحبس لمدة عشر سنوات من قبل المحكمة العسكرية بتهمة التحريض ضد النظـــــام وضد الشاه ، كما حكم على كوادر أخرى من الحزب بإحكام أخرى أخف.
           
      المرحوم آيـــة الله السيد                     المرحوم مهدي بازرﮔان                    المرحوم الدكتور يد الله
         محمود الطالقاني                                                                                    سحابي
وتم إعتقال اطراف أخرى في الجبهة الوطنية الثالثة ومنهم قادة "جامعه سوسياليستها" او "المجمع الاشتراكي"، الذي يتزعمه خليل ملكي، والذي كان شخصية قيادية انشقت عن حزب توده ايران مبكراً لاسباب تتعلق بالمنهج وبالموقف من الاتحاد السوفييتي. ان الحكم الايراني لم يتحمل حتى هذا التنظيم الاخير رغم انه قد قدم خدمة غير مباشرة في مواجهة الخطر الذي شكله حزب توده ايران ضد الشاه ونظامه.
وإتسع هجوم النظام أكثر، وشن حملته من جديد ضد حزب توده ايران ايضاً، وهو الذي قيل انه قد تم تصفيته والاجهاز عليه من قبل الحكم ولم يعد له أي أثر. لقد اقدمت قيادة الحزب في الفترة المشار اليها، بسبب من ادراكها بتأزم السلطة الحاكمة، الى ارسال كوادر متقدمة في الحزب الى ايران شعوراً منها بتدهور الوضع السياسي والحاجة الى تحرك من قبل الحزب. وكان من بين من توجه الى الداخل عبر العراق هو الشهيد پرويز حكمت جو، عضو اللجنة المركزية والضابط الطيار السابق في القوة الجوية الشاهنشاهية، والذي هرب الى الخارج بعد ان فلت من الاعتقال بعد الانقلاب ضد الدكتور محمد مصدق. كما صاحبه الرفيق علي خاوري عضو اللجنة المركزية ايضاً، والسكرتير العام اللاحق للحزب في النصف الثاني من العقد الثامن في القرن الماضي، بعد تصفية قادة الحزب على يد حكم التطرف الديني الحالي في ايران في نهاية الثمانينيات من القرن الماضي. ولكن وبسبب من تسرب الاستفزازي عباس شهرياري الى تنظيمات الحزب والذي كان عميلاً للساواك، فقد تم القبض عليهما وآخرين في خريف عام 1964 عندما حاولا عبور الحدود الى الاتحاد السوفييتي لحضور إجتماع اللجنة المركزية للحزب بعد ان اقيم لهما كمين من قبل الساواك.

                     
                          علي خاوري                                                 الشهيد پرويز حكمت جو
                    نوروز- ربيع عام 1967                                     نوروز – ربيع عام 1967
              سجن قصر - القسم الرابع - طهران                            سجن قصر – القسم الرابع - طهران
               صورة مهداة الى كاتب السطور                                  صورة مهداة الى كاتب السطور
كما شملت الاعتقالات منظمات سياسية في الاقاليم القومية وخاصة في كوردستان ايران وفي خوزستان (عربستان) وغيرها. لقد تصاعدت المعارضة بسرعة منذ منتصف عام 1964، لتتحول الى الاسلوب العنفي بكل أشكاله، وذلك لسببين، الاول هو داخلي نتيجة لسلوك النظام القمعي والذي سد الابواب أمام أمام اي بصيص من الامل وأي مسعى للخروج من الأزمة سلمياً. أما العامل الثاني فهو عامل خارجي حيث بدأت حركة واسعة على النطاق العالمي تنشر وتدعو للأسلوب العنفي في حل الصراعات السياسية، ومتأثرة بتيارات متنوعة كالماوية في جنوب شرقي آسيا، التي أعتبرت ان فوهة البندقية هي الحاسمة، وحركات المقاومة الفلسطينية في الشرق الاوسط التي اعتبرت الكفاح المسلح هو الاطار الوحيد لحل مأساة الفلسطينيين، والحركات الشيغيفارية أو تلك المتأثرة بالثورة الكوبية في أمريكا اللاتينية التي اعتبرت الكفاح المسلح الكوبي ونجاحه هو المطلق، علاوة على بدايات حركات التطرف الديني في بعض البلدان، ومنها على وجه الخصوص، في إيران ومصر. ولم يسلم من تأثير هذه التيارات التي تتبنى الاسلوب العنفي حتى الحركات او الاحزاب المتطرفة في البلدان الاوربية كالالوية الحمراء وغيرها.
في تلك الفترة جرى جدل حاد وواسع في ايران حول جدوى او عدم جدوى الاساليب العنفية، ومدى إمكانية هذا الاسلوب في إحداث تغيير في النظام السياسي الشاهنشاهي آنذاك. كان هناك من يرفض العنف، سواء الكفاح المسلح او النشاط الارهابي، لقصوره وسلبياته في عملية التغيير، ناهيك عن آثاره السياسية والاجتماعية اللاحقة، علاوة على تأثيره السلبي على أرساء مقومات الديمقراطية ودولة القانون في بلد المشروطة. فالجبهة الوطنية وحزب توده إيران وآية الله السيد روح الله الموسوي الخميني وحركات سياسية أخرى لم تحبذ أو لم تؤيد هذا الاسلوب. الا أن هناك حركات حديثة في الساحة الايرانية شرعت بتبني هذا الاسلوب وتدعو صراحة الى هذا النمط من العمل السياسي العنفي وتعبئ قواها لتنفيذه.
في يوم 21 شباط عام 1964، وبينما كان السجناء في سجن قصر مشغولين كل في أداء عمله، توقف الارسال من مكبرة الصوت المنصوبة في أعلى جدار السجن ليعلن الخبر الخطير التالي: لقد تعرض رئيس الوزراء حسن علي منصور الى محاولة اغتيال وهو في طريقه الى مجلس الشورى الوطني. وبعد أيام وفي 27 من شباط أعلن عن وفاته على أثر إصابته بخمس عيارات نارية. لقد تولى حسن علي منصور المسؤولية بعد أحداث صيف عام 1963 الدامية. وقد حاول في بداية توليه المسؤولية التخفيف من غلواء التيار الديني المتشدد الذي يتزعمه آية الله الخميني، ولذلك ارسل وزيره السيد جواد الصدر لمقابلة الخميني في مكان حجزه في "القيطرية"، وابلاغه بإطلاق سراحه على ان يغادر البلاد الى تركية. في يوم الاغتيال، كان من المؤمل ان يقدم رئيس الوزراء الى المجلس لائحتين أثارت الجدل والمعارضة في الشارع الايراني، وهي لائحة ما يسمى بـ"الكابيتالاتسيون"، وهي لائحة تعفي المستشارين الامريكان وعائلاتهم من ملاحقة القضاء الايراني، اضافة الى لائحة أخرى تتضمن إتفاقيات جديدة بين شركة النفط الايرانية وبين الشركات النفطية الامريكية والبريطانية. وأتضح لاحقاً أن من تولى مسؤولية عملية الاغتيال هي "جمعية المؤتلفة"، التي تعد إمتداداً لمنظمة سابقة هي "فدائيان إسلام". وتتمتع هذه المنظمة الآن بالنفوذ الاقوى في الحكم الديني المطلق القائم في ايران. ومما يثير التساؤل ان هذه المنظمة تعتبر الامام الخميني مرجعها الديني والسياسي، في الوقت الذي حرم فيه الخميني اللجوء الى العنف. وهذا التناقض ما يزال لغزاً ولحد الآن؟ فهل أن الخميني اعطى توجيهاته بالاغتيال أم لا؟ لقد تم القاء القبض على غالبية المشاركين في العملية وزعمائها ومنهم المنفذين المباشرين للعملية، وهم كل من صادق أماني ورضا صفار هرندي ومرتضى نيك نژاد ومحمد بخارائي. وهرب أحد المنفذين وهو اندرزﮔو والذي قتل في اثناء مواجهات مع الامن الايراني بعد 13 سنة، كما أعتقل بعض زعماء المنظمة، ومنهم كما يبدو الشخصية الاولى للمنظمة ومخططها الحاج مهدي عراقي. لقد كان عراقي قبلئذ عضو الشورى المركزية لمنظمة فدائيان اسلام التي جرى الاشارة اليها سالفاً، وأحد عناصرها النشطة والقريبة من نواب صفوي مؤسس هذه المنظمة في الاربعينيات. وقد اغتيل الحاج عراقي بعد الثورة على يد عناصر من منظمة مجاهدي خلق. وإعتقل ايضاً عسكر أولادي الذي يعد الشخصية الرئيسية للمنظمة في الوقت الحاضر كما يبدو، كما تم إعتقال أسد الله لاجوردي الذي احتل منصب مدير أخطر سجن في ايران بعد الثورة وهو سجن إيفين الرهيب، وكان لاجوردي أحد أبرز من ساهم في اعدام الالاف من السجناء السياسيين بما سمي بـحملة "تنظيف السجون" في عهد المتشددين الدينيين عام 1988، وإثر اعلان الخميني قبوله بقرار مجلس الامن الدولي بوقف الحرب العراقية الايرانية. وقد أغتيل لاجوردي هو الآخر في عام 1998 في طهران من قبل احد أطراف المعارضة الايرانية المسلحة.
وفي تطور لاحق لمسلسل الاحداث العاصفة في منتصف الستينيات، تعرض الشاه نفسه الى محاولة إغتيال داخل قصره " كاخ مرمر" على يد أحد جنود الحرس الشاهنشاهي المدعو رضا شمس آبادي في 10 آذار 1965. وقد قتل هذا الجندي بعد مواجهة داخل أروقة القصر مع الحرس الشاهنشاهي. وبعد التحقيقات، تبين أن هذا الجندي كان على صلة غير مباشرة، عبر شاب يمتهن تصليح المعدات الكهربائية من مدينة كاشان اسمه احمد كامراني، مع تنظيم جديد هو "المنظمة الثورية لحزب توده ايران"، هذه المنظمة التي إنشق بعض قادتها من حزب توده بتأثير من القيادة الصينية إثر الخلافات التي أندلعت بين الحزب الشيوعي السوفييتي والصيني في نهاية العقد الخامس وبداية العقد السادس من القرن الماضي. وقد بادرت كوادر من هذه المنظمة الى تشكيل خلايا داخل أيران منذ عام 1964 بعد عودة مجموعة من الطلبة من بريطانيا وفي مقدمتهم المهندس پرويز نيكخواه. كان نيكخواه الرأس المدبر ومخطط هذه المنظمة، والتي تضم بغالبيتها مهندسين خرجيين جدد من مختلف المعاهد البريطانية. وكانت المنظمة تخطط لتشكيل خلايا بين الفلاحين للقيام بحرب عصابات فلاحية بهدف احاطة المدن لاحقاً واسقاط السلطة فيها تماماً على غرار ما قام به الحزب الشيوعي الصيني بقيادة ماوتسي تونغ وأنصاره في الصين في الاربعينيات، وإطاحتهم بسلطة الكومنتانغ وتشيان كاي شيك، ولكن شتان في الفارق ما بين ظروف البلدين. إن هذه النزعة العنفية في العمل السياسي قد انتشرت في الحقيقة بين وسط غير قليل من الشباب المتحمس في البلدان النامية من الذين ضاقوا ذرعاً بحال بلدانهم وتجبر حكامهم، وإستهوتهم التجربة الصينية ورومانسيتها. وأمتلأت النشرات التي تورزعها هذه المنظمات بشعارات "الحرب الثورية الشعبية" وكراريس ماوتسي تونغ حول هذه الحرب، وأضحت هذه الكراريس انجيلاً مقدساً لوسط واسع من الشبيبة المتحمسين، على غرار ما يحدث الآن من شيوع التطرف والعنف بين وسط من الشبيبة ولكن بفتاوى دينية. الا أن مصير هذه المنظمة وخاصة نيكخواه كان درامياً بكل معنى الكلمة، وإنتهت نهاية مذلة، وسنأتي الى الحديث عن ذلك لاحقاً.
هذه النماذج المتباينة من التيارات السياسية، والتي تنطلق من منطلقات هي الاخرى متباينة وحتى متناقضة في معارضتها للحكم الشاه، والتي لا يجمعها ايضاً اي قدر من التنسيق او التوافق او الرؤية المتقاربة حول مستقبل ايران، فتحت عهداً جديداً من العمل المعارض الذي تصاعد واستمر وأتخذ ابعاداً دموية وعنفية لحين اندلاع الثورة الشعبية الايرانية في عام 1978 واطاحتها بحكم الشاه في عام 1979.
________________________________________
* الكهاريز هي منظومة قديمة لشبكات الري انتشرت في ربوع جبال وهضاب ايران وافغانستان وشرقي وشمال العراق. وهي منظومة متطورة رغم قدمها. وتعتمد على حفر آبار تتفاوت في العمق على سفوح الجبال والهضاب والمنحدرات، وتتصل ببعضها عبر انفاق تنتهي بآخر الآبار، الذي يحفر بعمق أكثر كي يتحول الى خزان للمياه المترشحة من الآبار التي سبقتها. وتستعمل المياه المتجمعة في البئر الاخير اما للزراعة او للحاجات المنزلية. وتعد الكهاريز المصدر الرئيسي لسد حاجة السكان من المياه النظيفة في المناطق التي تنعدم فيها الانهر والمياه السطحية. وما زالت هذه المنظومات موجودة في بعض مناطق شرق العراق وفي السليمانية أو آثار واشهرها كهاريز جبل سنجار، رغم اقدام الحكومات المتلاحقة على اهمالها او اقدام الحكم الصدامي على دفن وتخريب الكثير من هذه المنظومات القديمة.[/b][/size][/font]

4  الحوار والراي الحر / المنبر السياسي / ثقافة" الموت والتدمير وآلام العراقيين و"ديمقراطية القنادر" في: 20:20 08/10/2006
ثقافة" الموت والتدمير وآلام العراقيين و"ديمقراطية القنادر"
عادل حبه

لعل ابشع ما ورثناه من تقاليد وعادات شريرة من النظام العراقي البائد هو اشاعة ثقافة الموت واللاقانون والبلطجة في ادارة الدولة والمجتمع، وتبعاً لذلك إمتهان الانسان وتحقيره بحيث لم يعر ذلك النظام الفاسد اية قيمة للبشر، ويعاملهم بكل بشاعة وازدراء واستعلاء ويخاطبهم ببذاءة.
هذا النهج دمر المجتمع العراقي وأواصر العلاقة والوشائج بين العراقيين الى درجة خطيرة، وسعى الى تدمير كل المعايير والقيم الاخلاقية. اننا نشهد يومياً الآن كل نتائج هذا العبث وبأبشع صوره. وتكاد تنفرد الديكتاتورية في بلادنا، وبدون مبالغة، بأنها لم تقدم للعراقيين الا اعلى اشكال الموت والدمار والتشويه، مقارنة بديكتاتوريات بائسة أخرى في عالمنا العربي المبتلى بالبلطجة السياسية وحكام قراقوش.
كما ان هذه الديكتاتورية كانت على الدوام تتوعد العراقيين، وعلى صفحات جرائدها وتصريحات اقطابها، بما سيحل بهم في حالة سقوط هذا النظام الى حد انهم هددوا بتحويل بلد الخير والنهرين الخالدين الى قاع صفصاف.
ولم يقف النظام عند هذا الحد، بل راح يطلق سيل من التصريحات البذيئة والشتائم ضد العراقيين في سابقة لا مثيل لها في ممارسات المستبدين بكل ألوانهم ضد شعوبهم.
فصحفهم الرسمية وخطابات اقطاب النظام انزلقت الى منحدر مشين، بحيث انها لم تشبع العراقيين بسيول الاذلال والاتهام بالخيانة، بل وطعنتهم في اخلاقهم وشرفهم وناموسهم. ولعل ما كتبته جريدة الثورة من سلسلة الافتتاحيات المعروفة بعد اندلاع الانتفاضة في عام 1991، هي غيث من فيض ومثال صارخ على ما انتجته اقلامهم الرخيصة ضد شعب هذا البلد العريق.
في الحقيقة ان هذه "الثقافة" تسعى بالاساس الى بناء مجتمع أذلاء، وحرمان العراق والعراقيين من بناء دولة عصرية سداها ولحمتها القانون، دولة تحترم فيها الحريات الفردية وتصان فيها الحريات الديمقراطية، دولة تنبذ كل اشكال الوصاية على العراقيين سواء اكانت بيافطات الدين الزائف وفتاواه او القومية الشوفينية او الوطنية المتطرفة.
إن هذه "الثقافة" العبثية لها جذور في مجتمعنا وفي زوايا التخلف فيه، وهي ليست بالجديدة. فإذا إستعرضنا تاريخ بلادنا ومنذ تأسيس الدولة الوطنية العراقية الحديثة في العشرينيات، لرأينا ان الصراع كل الصراع جرى بين انصار عصرنة الدولة وبنائها على اساس من القانون والديمقراطية وبين الساعين الى إبقائها في حالة من الركود والاستبداد والتخلف والبداوة، ليس في الجوانب الاقتصادية فحسب، بل وفي الجوانب القيمية والفكرية والثقافية والروحية.
ولقد تعاظم هذا الصراع حول تحديث المجتمع خاصة بعد اعلان النظام الجمهوري، وبعد أن شرع النظام الجديد بإتخاذ خطوات جدية بإتجاه تهديم اركان قوى المحافظة والركود والتخلف والاستبداد.
و اتخذ هذا الصراع طابعاً دموياً عنيفاً في انقلاب شباط عام 1963، وتعمق في فترة حكم الطاغية صدام حسين المشين، الذي حول الدولة الى "ديوان للسلطان"، والى حكم قراقوشي يتربع فيه الحاكم على مؤسسة جهنمية لأجهزة القمع. ولم تنهار هذه المؤسسة مع انهيار النظام، بل نرى ونسمع افرادها والموالين لها و "ثقافتها" موجودة حتى في مؤسسات منتخبة الآن يفترض ان من بين ابرز مهماتها تحديث المجتمع وبناء دولة عصرية قائمة على القانون والمؤسسات المنتخبة.
ولكننا، وفي هذه المؤسسات، نفاجأ بإقتراح من نائب في مجلس النواب العراقي بتشكيل لجنة شبيهة بولاية الفقيه الايرانية الفاشلة، وهي الاخرى استبدادية، للاشراف على وضع قوانين للدولة بعيداً عن مجلس النواب المنتخب، وبعيداً عن المحكمة العليا في العراق، وهما الجهتان التشريعيتان المخولتان بإصدار القوانين والاشراف عليها حسب الدستور العراقي الجديد. ¨
ويبدو ان هذا النائب لا يسمع ولا يدري، او لربما يتجاهل عمداً، بما يجري من مظاهرات واحتجاجات ضد مؤسسة حكم الاستبداد الديني لولاية الفقيه في ايران، وما تقوم به هذه المؤسسة من اعمال تنكيل فظيع وقتل وتصفيات جسدية ضد الايرانيين.
ولم يكتف بعض "النواب المنتخبون" بطرح مقترحات تتناقض مع الدستور، بل راح رئيس مجلس النواب محمود المشهداني يلوح بـ"القنادر" لفرض القوانين التي تتلائم مع مزاجه وسط "هلاهل وقرقعة قنادر" المتعاطفين معه في الرأي.
وهنا يبدو ان "ثقافة" الاستبداد قد تكرست وتعشعشت حتى في عقول من يراد منهم الآن ان يزيحوا ذلك التراث البغيض، ويبنوا دولة ديمقراطية حديثة. فأية دولة ستبنى على يد هذه العقول.
فلو تحدث رئيس مجلس للنواب في دولة تبدي ادنى اشكال الاحترام للقانون، وللشهداء الذين سفكت دماؤهم او قبروا كما جرى في القبور الجماعية في ظل عهد صدام حسين المشين من اجل بناء دولة القانون، لما تم الابقاء على هذا "الرئيس" لمجلس النواب، الذي يهدد "بالقنادر"، لحظة واحدة في منصبه الاشكالي.
فكيف يمكن تصور ان تدار دولة بعقلية "الضرب بالقنادر" السوقية؟ وكيف يمكن ان نصدق الآن، وبعد كل الدمار الذي خلفه النظام السابق، تكرار نفس العبارات البذيئة للنظام السابق على لسان رئيس اهم مؤسسة تشريعية في "العراق الجديد"؟
أنه لمن الغريب ان لا يتعظ هذا "الرئيس" من مصير من وجه هذه البذاءات ضد الشعب سابقاً، حيث يقبع الان في قفص الاتهام امام محكمة الجنايات الكبرى. ولكن الاغرب من ذلك ان تصدر هذه البذاءة من طبيب يفترض به ان يداوي الناس لا ان يلحق بهم الاذى و "يلوص" عقولهم وأرواحهم.
ان الانكى من كل هذا وذاك هو انه رجل "مؤمن" وعلى جبهته صبغة السواد التي شاعت عند "المتدينيين" الجدد، وكأنه لا يعرف ان الخالق لم يأمر باللجوء الى القندرة!!!، بل قال "وجادلهم بالتي هي أحسن" او "ادعو الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة"!!. يبدو ان هذا "الرئيس" قد نسي حكمة التاريخ في أن حبل الاكراه قصير.
ان "القضية الملحة للقنادر" التي أثارها رئيس مجلس النواب نطرحها امام العراقيين كي يتدبروا امرهم، ويتفادوا الخطر الداهم، ويعيدوا النظر في من انتخبوهم، ويتخلوا عن خيارهم الخاطئ في اختيار مثل هذه النماذج المسيئة للقيم والاخلاق والخطرة على المجتمع، والتي تسعى الى عودة عجلة التاريخ الى الوراء.
ان هذا المشهد الدرامي "للقنادر" وهي تتطاير في بهو مؤسستنا التشريعية هو تعبير عن التراث الذي مازال يهيمن على عقول البعض من العراقيين وعن تغلغل اعوان النظام السابق في مؤسسات الدولة، وعن المحنة التي نعيشها وأسبابها، بل وعن الكارثة الكبرى التي احاطت بالعراق منذ عقود، وتحيط به اليوم، حيث فقدت في ارض الحضارات لغة الحوار والتسامح والتعامل الانساني ورعاية الادب والاخلاق في مخاطبة بعضنا البعض.
ان هذه الظاهرة هي جزء من المساعي المحمومة القديمة الحديثة لردع اية فكرة او خطوة او مسعى نحو التنوير والعقلانية وعمران البلاد ورفاه ابنائها.
فبعد تموز عام 1958 مباشرة، سارعت نفس القوى المتخلفة وقوى الاستبداد، وفي طليعتها حزب البعث، تحت ستار من شعارات دينية وقومية متطرفة بالتصدي لمساعي بناء البلد. وعندها بدأت طاحونة التدمير والقتل والاغتيالات بعد سويعات واسابيع من انتصار الثورة.
فتم حرق مستودع الكيلاني النفطي، ثم شرعت قوى الظلام بإثارة النزاعات المذهبية او التلويح بورقة الدين والقومية برياء لعرقلة كل مسعى لاشاعة المساواة بين افراد الشعب بغض النظر عن دينهم ومذهبهم وقوميتهم.
وهكذا تم في بداية مسلسل الموت إغتيال اول شخصية ديمقراطية في تكريت بعد اسابيع من ثورة 14 تموز، وهو الشهيد الحاج  سعدون على يد البلطچي صدام حسين، كأول ضحية من مسلسل الضحايا التي جاوزت الالآف. ثم شرع بتفريغ مدن بذاتها في العراق او في بعض احياء بغداد من مواطنيها، تماماً كما يحدث الآن، من أجل تحويلها الى مراكز لعبث قوى الظلام والتخلف والردة والجريمة.
وفرض على اهل هذه المناطق والمدن الرعب والترويع، و مورست ضدهم مختلف اشكال العسف والموت والتهجير القسري، تماماً كما يجري الآن، تحت ذريعة كاذبة آنذاك في تحقيق الوحدة او مكافحة "الكفار" وغيرها من الخزعبلات، فهم لم يحققوا وحدتهم عندما خطفوا السلطة في إنقلاب 8 شباط المشؤوم. وتسعى اليوم فلول نفس تلك القوى الى تحقيق نفس الهدف تحت واجهات أخرى وذرائع أخرى مثل "مقاومة" المحتل او "التباكي" على سيادة العراق وهم الذين استباحوه، وامعنوا في قتل العراقيين بالمئات يومياً، وليعرقلوا بناء البلد.
أن من يتابع ما يجري الآن على الساحة العراقية من ممارسات يندى لها الجبين، لا يمكن الا وأن تعود به الذاكرة الى ممارسات شاعت في عهد النظام المنهار بكل تفاصيلها دون ان تنبري إذاعات وتلفزيونات لتسجيلها وعرضها على الناس كما يجري الآن.
فطريقة التدمير واحدة واسلوب الذبح واحد واساليب الدعاية والتوجيه والاعيب المخابرات والامن وخططها واحدة، ولا تختلف قيد انملة عن ممارسات النظام السابق ومرتزقته مهما لبس هؤلاء الآن أنواع العمائم وأطالوا من لحاهم او سودوا جباههم ليتقنعوا بالتقوى الكاذبة.
أذكر أنه بعد انتفاضة عام 1991 شرع المواطنون بالهجوم على المراكز القمعية في غالبية المحافظات العراقية، وحصل بعض المواطنون على افلام وصور فوتوغرافية هي نسخة طبق الاصل لما يقوم به ادعياء "المقاومة" من ذبح وقطع رؤوس واغتصاب وقتل. لقد اطلعت على نماذج من تلك الصور الفوتوغرافية وقتذاك والتي عثر عليها في مراكز القمع في كركوك.
إنها نسخ مكررة لما يجري الآن، نساء شابات قطعت رؤوسهن، وشباب في عمر الزهور قطّعت اوصالهم، اضافة الى افلام مرعبة حول إعدامات غريبة بث البعض منها على شاشات التلفزة بعد الاطاحة بالنظام. ان اليد والمدبر والعقلية التي نفذتها هي نفسها التي تعبث بأرواح العراقيين الآن.
وهو امر طبيعي لان كل هؤلاء لم يمسهم التغيير وبقوا مطلقي السراح ليعبثون في البلاد ويلقون الملاذ في بلدان الجوار، ويمولون اما من مضيفيهم او من تلك الاموال التي نهبها اقطابهم من افواه العراقيين.
ومهما قيل عن هذه "المقاومة" شريفة كانت ام غير شريفة وللتضليل، ومهما طبل لها البعض، ومهما حملت من أسماء مغرية دينية كانت ام قومية، الا ان أحداً لا يستطيع ان يتستر على جوهرها ومعدنها الحقيقي : فهي مجرد عصابات قتل وجريمة من فلول النظام السابق وحزب البعث، هيأها النظام مسبقاً كي يستخدمها في حالة سقوطه، ولكي تمهد لعودته من جديد، اضافة الى مجاميع من المجرمين المحترفين من الذين اطلق صدام سراحهم كي يخدموا نفس الغرض، أي القتل والاختطاف والسطو على اموال الدولة والمواطنين والاغتصاب واحتلال مناطق بذاتها للتحكم في مصيرها وتحويل سكانها الى رهائن. كما استعان النظام السابق واجهزة مخابراته بجمهرة من المهووسين المتطرفين الدينيين الاجانب العرب وغير العرب. ولقد كلف هؤلاء بمهمة لايجرأ انصار النظام السابق على القيام بها، الا وهي المهمات الانتحارية والاجساد المفخخة.
لقد بلغ عدد هؤلاء الاجانب الذين فجروا انفسهم في المدن العراقية وسفكوا دماء عشرت الالاف من العراقيين منذ بداية سقوط النظام ولحد الآن قرابة 5000 متطرف، بإعتراف ابو حمزة المهاجر.
ومن أجل لملمة قواهم وتحشيدها، يقوم انصار النظام السابق بأحياء الخلايا النائمة في داخل العراق وخارجه من أجل تنفيذ خطتهم في زرع عدم الامان في المجتمع وتخريب البنى التحتية وارعاب ذوي الكفاءات والاختصاص كي يغادروا البلاد، والتغلغل في المؤسسات الامنية والعسكرية وفي الاحزاب من اجل خلق حالة من المواجهات القومية او المذهبية.
إن من سيطر على بعض المدن وأحياء فيها هم في غالبهم من انصار النظام السابق. والامر لايحتاج الى مهارة في تحديد ذلك، فان "وشم النسر" على أكتاف هذه العناصر الشريرة، وهي تقليعة كانت رائجة في عهد صدام، لكافية من اجل توجيه اصابع الاتهام في ارتكاب اعمال القتل والتدمير الى هذه الفئة وهي المسؤولة عن عدم الاستقرار، بغض النظر عن الانتماء الظاهري الحالي لهذه الزمر.
يذكر لي احد قادة الاحزاب العراقية انهم عثروا قبل سنوات على اضبارة كاملة حول مسؤول مجموعة مقتدى الصدر في مدينة كركوك واسمه عبد الفتاح الموسوي الذي ارتكب اعمال قتل شملت 11 مواطناً عراقياً من شيعة التركمان في عهد صدام، والقائمة تطول عند الحديث عن كوادر أخرى من هذه المجموعة. ويتحدث احد المعارف عن انه رأى "وشم النسر" على كتف العديد من انصار جيش المهدي، كمؤشر على سوابق ارتباط بالنظام السابق واجهزته.
انهم بقوا لولائهم لاسيادهم السابقين رغم توبتهم امام "السيد". إن هذا التيار و منذ سقوط النظام والى الآن كان طرفاً في عدم الاستقرار والقتل والتهديم والنهب في البلاد مما يعزز ولائها لمصادرها السابقة.
وتثير تصرفات هذه المجموعة الكثير من التساؤلات حول مصدر تمويلهم وتزويدهم بالاسلحة والتدريب، كما يشير المطلعون عن قرب بهذه المجموعة الى حد ان مجموعات من هذا التيار تعمل بشكل مستقل عن  سيطرة مقتدى الصدر وادارته.
ولا يشذ عن ذلك تلك المجموعات التي تكونت في الاصل من التوابين من الاسرى في ايران وغالبيتهم من افراد الجيش الشعبي البعثي وغيرها من المؤسسات الصدامية التي لبست لبوس التقوى الكاذبة.
وفي الطرف الآخر لا يكتم انصار المجاميع المسلحة صراحة عن ولائهم للديكتاتور السابق، حيث طالب البعض مما يسمى بالعشائر باطلاق سراح الديكتاتور كشرط اساسي في اية عملية "مصالحة".
ويتزايد ولاء هؤلاء لفلول الحكم السابق، بعد ان كانوا على عداء مع النظام قبل سقوطه، نتيجة للممارسات الطائفية والواجهة المذهبية التي اتخذها الصراع السياسي. هذه الواجهة الخطيرة التي انجرت اليها، عن جهل اوغباء سياسي، الاطراف المذهبية الطائفية الشيعية، مما غذى فلول النظام السابق بدلا من السعي لتضييق الخناق السياسي عليه.
ويعرّض هذا الشكل من المواجهة الالاف من الابرياء من كل الطوائف الى اعمال قتل وحشية عشوائية مما يهدد البلاد بحرب طائفية تشمل كل ارجائها. ومما يلفت النظر في هذه الاستباحة للدم انها تشمل اناس بسطاء ليس لهم ضلع في المضاربات المذهبية المفتعلة الآن، ولا تشمل رموز هذا التأجيج الطائفي مما يوحي بأن مدبريه ومروجيه هم جهة واحدة لا يمكن ن تكون الا فلول اجهزة الامن والمخابرات السابقة، إذ ان العملية تتخذ طابعاً مخابراتياً واضحاً وتخطيطاً لاجهزة التخريب السابقة.
ومن اجل تنفيذ جريمته وتبريرها بأمل احياء سلطته من جديد، تحشد فلول النظام وأجهزة مخابراته كل امكانياتهم على الجانب الاعلامي والحرب النفسية ضد العراقيين.
وكانت هذه الزمر اكثرمن استفاد من الامكانيات وحرية الاعلام التي توفرت بعد الاطاحة بسلطته من أجل اصدار صحف ومركز اذاعية وتلفزيونية وشبكات الانترنت لا يحتاج الى دليل لاثبات هويتها بسبب ما تملكه من امكانيات مالية كبيرة. فما تنشره وتبثه هذه الجهات هو خير دليل على من يقف وراء هذه المؤسسات الاعلامية.
كما انه استعان بشبكة خارجية صرف عليها الملايين قبل سقوطه من اجل تحقيق نفس الغرض وحرف انظار الرأي العام الخارجي عن المسبب الاصلي لالام العراقيين حالياً، اي فلول النظام السابق وأجهزته. إن اسلوب الاشاعات وبثها وطريقة نقل الاخبار هي طريقة استخدمها النظام سابقاً في تشويه وحرف انظار الناس عن المسؤول الاصلي عن محنتهم. فقتل الاكاديميين وتهجيرهم ، كما تصفه هذه الاوساط ، هو عمل من اعمال اجهزة مخابراتية معادية وليس فلول النظام السابق.
وان قتل واغتيال كل ضابط يستمر في الجيش العراقي الحالي هو الاخر من صنع الصهاينة وغيرهم في حين ان غالبية هؤلاء الضباط كانوا يتسلمون تهديدات مستمرة في حالة رفضهم للتعاون مع فلول النظام السابق، والا سيكون مصيرهم القتل كما حدث للعشرات من الضباط السابقين في الجيش العراقي.
وتستمر الدلائل لتشمل كل من قام بتهديم العاصمة وحرقها وحرق مدن عراقية أخرى على يد فلول النظام وحلفائه من الارهابيين القادمين من وراء الحدود.
واطلقت اجهزة النظام السابق في الخارج كل امكانياتها السابقة اضافة الى احياء خلاياها النائمة في زوايا مختلفة وبواجهات مختلفة "قومية" كانت ام "دينية" او ممن رجحوا التعاون مع اجهزة النظام السابق من اعضاء سابقين في احزاب سياسية عراقية قومية او دينية او حتى شيوعية ممن كانوا على صلة دائمة بالسفارات العراقية في الخارج، او لديهم مصالح اقتتصادية مع النظام خاصة في فترة الحصار على العراق. ويعمل كل هؤلاء في نسق وبهدف واحد هو التستر على جرائم النظام سابقاً وحالياً ومسؤوليته عن الجرائم والتدمير الحالي بذرائع حول "شرعية المقاومة"، وحرف انظار الرأي العام عن المسبب الحقيقي لالام العراقيين في الوقت الحاضر وعن المعرقل لاستقرار العمل السياسي واعادة اعمار البلاد.
فهؤلاء يبررون تدمير شبكات الري والكهرباء والمدارس والاسواق والمستشفيات بحجة مهلهلة حول "مقاومة المحتل".
والآن اصبح واضحاً للقاصي والداني ، واصبح "اللعب" على المكشوف كما يقول المثل العراقي، ان القوة الرئيسية التي تقف وراء هذه الاعمال الاجرامية في العراق هي فلول النظام وحلفائه من التكفيريين الذين استوردهم ويستوردهم النظام لقتل العراقيين وتهديم بلدهم.
كما تقف الى جانب هؤلاء في الخارج شبكة واسعة لمخابرات اقليمية مجاورة ولوجستية ومالية كبيرة لتغذية واستمرار موجة التدمير والقتل في بلادنا.
فبالاضافة الى ما نهبه النظام السابق من اموال الدولة العراقية، فهناك شبكة كبيرة تؤمن الاحتياجات المالية من اثرياء الارهاب خاصة في دول الخليج.
انه من المنطقي ان يطرح السؤال التالي: مثلاً لماذا تستمر العمليات الارهابية في دولة مثل العربية السعودية والكويت في حين لا ترى لها اي اثر في بلدان مثل قطر والامارات وبعض بلدان الخليج الاخرى؟ الجواب نجده في الشارع في هذه البلدان ويعرفه القاصي والداني هناك، إذ ان هذه الدول وشيوخ الارهاب فيها يبتزون حكامها ويلوحون بالويل والثبور في حالة منعهم من جمع التبرعات "للمجاهدين" سابقاً في افغانستان والآن في العراق.
وهنا يدفع العراقيون ثمناً باهضاً لتأمين امن هذه المشايخ. ان هذا المصدر المالي كما يشير العديد من مواطني هذه البلدان يشكل المصدر الاساسي لتغذية اعمال التدمير في العراق.
ان هذا السرطان الذي يراد له ان يستشري في العراق سوف لا يفرق بين العربي والكردي والتركماني والكلداني والاشوري، ولا بين السني والشيعي والصابئي والمسيحي، فالكل سواسية في حقل تجارب فلول النظام السابق كما كان الحال في عهد حكمهم.
وما على العراقيين الا عدم الانجرار وراء اوهام وفتاوى ودعوات تفرق العراقيين ولا توحدهم ولا وراء شعارات حق يراد بها باطل كما يجري الآن. وهذا هوالطريق لخلاص الجميع من المحنة.[/b][/size][/font]
5  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / يوميات ايرانية ( 21 )مرحلة الانتظار وصفوف اللغات في: 19:09 04/10/2006
يوميات ايرانية ( 21 )
عادل حبه

مرحلة الانتظار وصفوف اللغات
هناك حكمة يوردها الآباء والأجداد تحكي عن إن "الانتظار أشد من الموت". وعلى الرغم من صيغة المبالغة االمعتادة في الِحكم والامثال، وفي هذه الحكمة بالذات، إلا أنها تحمل قدراً من شعور واحساس كل من يعاني من حالة الانتظار.
ففي الايام التي تلت وصولنا الى سجن قصر، تعرضنا لمثل هذه الاحاسيس والمشاعر. كنا نسمع الكثير من التوقعات والاحتمالات حول تعامل السلطات الامنية معنا. العراقيون الثلاثة الذين سبقونا الى السجن، وهم كل من وهاب ومحمد وحسين، كانوا يتوقعون ان يتم ترحيلنا الى العراق كما حصل بالنسبة للعشرات ممن سبقونا.
اما بعض السجناء الإيرانيين فكانوا يتوقعون ان يتم اطلاق سراحنا لاننا لم نمارس اي نشاط ضد السلطات الايرانية، في حين توقع آخرون ان نقدم الى المحكمة العسكرية الخاصة بالملفات السياسية ويصدر حكماً قد يصل الى عشر سنوات او اكثر.
وهكذا واجهنا حالة من الانتظار والتوقعات المتضاربة التي لا تجلب الاستقرار النفسي، ولا تساعد على ترتيب امورنا في السجن أيضاً، بقدر ما تجلب لنا القلق من المصير المجهول الذي ينتظرنا. في الحقيقة كنا في حالة اشبه بمن هو معلق في الهواء، ولا يدري الى اي مجهول ستقذف به الريح، وهو ما كان يثير لدينا الحيرة والتساؤل الدائم حول مصيرنا.
هذا الشعور الذي كان يشغل بال كل فريقنا، لم ينعكس على الشفاه، ولكنه بقي في دواخلنا دون ان يؤثر على معنوياتنا، وراح كل فرد منا يعمل بكل ما في وسعه للتخفيف من الآثار السلبية لحالة الانتظار. كنا نبحث عن الوسائل للتخفيف من المعاناة والقلق، والسبل لاستغلال الوقت الذي كان يذهب هدراً وبدون أية فائدة.
لقد كان لدينا معين في الخروج من هذه الدوامة يتمثل في الخزين الهائل لتجارب أقراننا في العراق وقصص السجناء الشيوعيين الذين كانوا يحولون السجن من موقع لانتزاع المعرفة وفرض التجهيل على السجين الى مكان لزيادة المعرفة والمعلومات والتجارب الانسانية وإغناء المهارة. هذا المعين كنا نعايشه ايضاً في سجن قصر ونحن نرى كيف ان عدداً غير قليل من السجناء الايرانيين كانوا منغمرين في منحى مماثل لما يجري في سجون القمع في العراق. فالدراسة والمطالعة وتعلم اللغات كان من بين ما ينشغل به السجناء لاستثمار الوقت وعدم هدره.
وهكذا رحنا نسير على نفس السبيل. وبدأنا جميعاً، بإستثناء محمد علي سيادت الذي كان ملماً باللغة الفارسية، نسعى الى دراسة هذه اللغة بشكل منهجي، وبالاستناد الى الكتب المدرسية المعمول بها في المدارس الايرانية. كما وشرعنا بالعمل على محو الامية في اللغة العربية الام بين اعضاء من فريقنا وهم كل من محمد حسن عيدان ومحمد الحمداني تحديداً.
ولم يقتصر الامر على ذلك، بل عمل بعضنا على تعلم اللغات الاجنبية كاللغة الانجليزية او الفرنسية. كما تطوع البعض منا لتدريس اللغة العربية الى من يريد تعلمها من السجناء الايرانيين. كما تطوع بعض السجناء بمهمة تعليمنا اللغة الفارسية. فبالنسبة لي تطوع لهذه المهمة احد السجناء وهو المهندس النبيل حسن فيروزي، من أهالي رشت عاصمة محافظة كيلان.
لقد حكمت المحكمة العسكرية على فيروزي بالسجن لمدة 15 سنة بتهمة عضويته في حزب توده ايران، وبتهمة إيواء سكرتير حزب توده ايران السابق الدكتور مرتضى يزدي في بيته. كان فيروزي يقضي الاشهر الاخيرة من محكوميته. لقد ابدى المهندس حسن فيروزي تعاطفاً ولطفاً معنا، و كان يتمتع بقدر ملحوظ من الثقافة ويجيد عدداً من اللغات الاجنبية ايضاً الى جانب اجادته للغة الام الفارسية.
وفي الحقيقة ان ما جلب انتباهنا هو ان السجناء من اعضاء حزب توده كانوا الابرز في ميدان الثقافة والمعلومات قياساً بأقرانهم السجناء السياسيين الايرانيين. وهكذا افتتحت لنا "صفوف جديدة لمحو الامية من اللغة الفارسية" في السجن لكي نتعلم هذه اللغة بإسلوب منهجي وعلمي.
كان لابد لمعلمنا العزيز حسن فيروزي ان يبدأ بإلقاء محاضرة اولية عن هذه اللغة الجديدة ويعرفنا عليها. لقد حافظت اللغة الفارسية على وجودها رغم اعاصير الزمن، بل وتحدثت بها شعوب أخرى، او اصبحت مصدر ثقافتها. إن الايرانيون، والفرس تحديداً، واعتزازاً منهم بلغتهم، شأنهم شأن سائر خلق الله، يعتبرون اللغة الفارسية "السكر"،"فارسي شكراست"، ويعدونها لغة الشرق الفرنسية، كما يحلو لهم تسميتها، لحلاوتها ورقتها ورنينها وموسيقاها وخاصة عندما تصدر من شفاه الصبايا والفتيات الايرانيات أو من قبل معشر الغناء والطرب. ويعبر الشاعر المشهور سعدي الشيرازي بمهارة عن هذا الاعتزاز بلغتهم حيث قال:

من ديكر شعر نخواهم بنويسم كه مگس
                  زحمتم مى دهد او بس كه سخن شيرين است

ويعني الشاعر بهذا البيت: انه سوف لا ينظم الشعر لكي يتفادى تجمع الذباب ومعاكسته بسبب من حلاوة الكلام.

ولا يتحدث الفرس لوحدهم عن "حلاوة" لغتهم فحسب، بل وتحدث عنها العديد من المستشرقين الاجانب. ان ويليام جونز (1746-1794)، المستشرق الانجليزي وخريج جامعة اكسفورد، والضليع باللغات الشرقية – العربية والفارسية والهندية والصينية والسنسكريتية-، اضافة الى اجادته اللغات الانجليزية والفرنسية والالمانية، ترجم لاول مرة اشعار ابو القاسم فردوسي الى الانجليزية والفرنسية، اضافة الى ترجمته لاشعار حافظ شيرازي ومثنوي، واعتبر ان اللغة الفارسية "احلى" لغات الشرق قاطبة.
لقد تغلغلت اللغة الفارسية الى عدد من لغات الشعوب المجاورة كالعربية، حيث يوجد العديد من المفردات الفارسية في القرآن الكريم الى جانب ما يوجد من مفردات فارسية في كنوز الادب العربي الاخرى، ناهيك عن تغلغلها الى اللهجات الدارجة في العراق وبعض بلدان الخليج. ودخلت المفردات الفارسية الى اللغات التركية والهندية والبشتونية والاردوية وغيرها. كما ان اللغة الفارسية استوعبت مفردات كثيرة من اللغة العربية والتركية والآذرية والهندية وحتى لغة المغول القديمة.
تعتبر اللغة الفارسية أحد فروع اللغات الهندية–الاوربية الآرية، وبذلك فهي تختلف عن اللغات السامية، والعربية منها، في قواعدها واشتقاقاتها وتركيبها. كما تعد اللغة الفارسية احد فروع لغة الماديين ومنها الكوردية ايضاً. وشهدت هذه اللغة ثلاث مراحل في تطورها. فقد جرى التحدث بالفارسية القديمة في العهد الهخامنشي في القرن السادس قبل الميلاد.
وعثر على آثارها في النقوش الحجرية المنحوتة بالحروف المسمارية والتي اقتبست من حضارات بلاد مابين النهرين كالسومرية والبابلية والكلدانية. اما الفارسية الوسطى، فقد تم تداولها في الفترة ما بين القرن الثالث قبل الميلاد الى القرن الثاني بعد الميلاد. وقد كتبت اللغة الفارسية آنذاك بالحروف الآرامية التي نشأت ايضاً في بلاد ما بين النهرين.
ثم تلاها استخدام الفارسية الفهلوية الاشكانية التي شاع تداولها في القرن الثالث الميلادي ومروراً بعام 651 ميلادية مع احتلال الجيوش العربية الاسلامية لبلاد فارس، واستمرت بصيغة الفهلوية الساسانية حتى القرن السادس الهجري. وأخيراً ظهرت الفارسية الحديثة وهي الفارسية الدرّيه، اي فارسية الوادي، وهي صيغة متطورة للفهلوية الساسانية، وقد استخدمت الحروف العربية. ويتحدث باللغة الفارسية اليوم قرابة 150 مليون نسمة يستوطنون بالاساس في كل من ايران وافغانستان وطاجيكستان.
لقد دخلت المفردات العربية تدريجياً الى اللغة الفارسية بعد نشر الاسلام في بلاد فارس، وتحديداً منذ القرن الخامس الهجري، حيث اصبحت مرادفة تقريباً للغة الفارسية في هذه الاصقاع. وتشكل المفردات العربية الآن بين 40% الى 60% حسب آراء اللغويين.
ان من يتجول في شوارع طهران واماكنها العامة اليوم، يتكرر أمامه، على سبيل المثال، لافتات التحذيرات المرورية أو منع التدخين وبالعبارات التالية:"عبور ومرور وسايل نقليه اكيدا ممنوع است"، او "استعمال دخانيات اكيدا ممنوع است"، فلا يوجد في هذه الجملتين الا مفردة فارسية واحدة وهي "است"، وهو الفعل المساعد في اللغة الفارسية، اما بقية مفردات الجملتين فهي كلها عربية خالصة.
ان ما ساعد على انتشار اللغة العربية، أضافة الى كونها لغة الحكم الجديد، هو انها اصبحت لغة الحضارة الجديدة، خاصة بعد ان تم ترجمة آلاف المؤلفات من مختلف اللغات الحية القديمة والحديثة وبكل فروع المعرفة الى اللغة العربية، بحيث اصبح من غير الممكن على اي مبدع او باحث او مثقف او عالم في تلك الحقبة ان يخوض مجال الابداع بدون تعلم لغة الحضارة الجديدة، لغة الضاد.
ولكن على الرغم من هذا التغلغل الواسع لمفردات اللغة العربية في اللغة الفارسية، الا انه تم الحفاظ على هيكل واساس اللغة الفارسية. ويعود السبب في ذلك الى ان الفرس، وتحديداً رجال الدين الزرادشتيين، دونوا عدداً من الكتب باللغة الفهلوية مباشرة بعد سقوط الامبراطورية الساسانية.
ان اكثر واشهر الكتب التي مازالت محفوظة الى الآن باللغة الفارسية هي: "دينكرت" الذي يحكي عن آداب وتقاليد وروايات وتاريخ الادب الفارسي والذي الفه "آذر فرن بغ"، وكتاب "بندهش" حول الخليقة، و"داتستان دينيك" حول الدين الزرتشتي، و"آذر ويرافنامه" حول الجنة وجهنم، وغيرها من الكتب.
كما ان الفرس كانوا اول من ترجم القرآن الى لغتهم ومباشرة بعد وصول الجيوش العربية لبلادهم، وبذلك استطاعوا ممارسة طقوس الدين الجديد بلغتهم الام وليس باللغة العربية. كما و أنهم درسوا اللغة العربية بشكل واسع وعميق، حيث اصبحت العربية اللغة الرسمية ولغة الادب والعلم والتخاطب ايضاً في بلاد فارس في عصور تلت اعتناق الاسلام.
لم يتعلم الايرانيون اللغة العربية بحد السيف كما اراد الحجاج بن يوسف و قتيبة الباهلي الذين دق اعناق الناطقين بالفارسية ومن رفض التحدث بالعربية لاجبارهم على النطق بها فقط.
ان الناطقين باللغة الفارسية تعلموا لغة الضاد عندما اصبحت لغة حضارة وإبداع وإزدهار في ذلك الزمان بلا منازع، وليس لغة إذلال وبطش، وهي عبرة لجميع من يمارس لغة الاكراه.
لقد عمل فريق من اللغويين الفرس كسيبويه ابو بشر عمرو بن عثمان بن قنبر (140ه-756م)، تلميذ عالم اللغة البصري النابغة الخليل أبن احمد الفراهيدي، في البحوث اللغوية العربية. ولقب سيبويه بـ "امام المتقدمين والمتأخرين" في علم النحو، وقام بتدوين مؤلف كبير من عدة اجزاء حول قواعد النحو العربية. ولم ينشر هذا المؤلف الا بعد وفاته، حيث سمي بعد وفاته المبكرة بـ "الكتاب".
وقدم سيبويه الى جانب عدد من اللغويين الفرس خدمة كبرى لا تقدر بثمن في تطوير لغة الضاد ونشرها والحفاظ عليها.
ولم يقتصر الامر على البحوث اللغوية العربية فحسب، بل تعداداها الى ميدان الابداع الادبي. إن شاعر الفرس الشهير خواجه شمس الدين محمد حافظ الشيرازي، على سبيل المثال وليس الحصر، شأنه شأن العديد من شعراء بلاد فارس في العهود التي تلت نشر الاسلام في تلك الديار، قد انشد الشعر باللغتين العربية والفارسية في آن واحد وببلاغة عربية تثير الدهشة.
إنهم أحبوا لغتهم ونشروا إبداعاتهم بها، دون ان يتعصبوا اليها ويتركوا لغة اجنبية يمكن ان يبدعوا بها. وهذا هو سر عظمة هؤلاء المبدعين الذين كان جل همهم الابداع والانفتاح على المعرفة وليس التعصب الاعمى الذي نشاهده عند البعض في بلداننا لهذا العرق او ذاك، او لهذه الثقافة اوتلك، وشطب معارف وثقافة الآخرين.
 
خواجه شمس الدين محمد حافظ الشيرازي
ففي مقدمة ديوانه المعروف "حافظ نامة"، أي "رسالة حافظ"، كتب قصيدة جميلة كان صدر البيت الاول فيها باللغة العربية وعجزه باللغة الفارسية، حيث أنشد:

       الا أيها الساقي أدر كأساً وناولها                كه عشق آسان نمود اول ولي افتاد مشكلها

ان العجز في البيت يشير الى أن " العشق يبدو في بادئ الامر يسيراً، ولكنه يتضح لاحقاً انه لا يجلب الا الهوان".
كما انشد البيت الاول التالي باللغة العربية في قصيدة غزلية باللغة الفارسية:

سليمى منذ حلت بالعراق         ألاقي من نواها ما ألاقي

وسار على نفس المنوال شعراء عظام من بلاد فارس، ومنهم شيخ مصلح الدين سعدي شيرازي، صاحب "ﮔلستان"، اي "جنينة الورد"، و"بُستان". فقد كتب الشيرازي حوالي 28 قصيدة عصماء مضامينها الغزل والموعظة والحكمة والفلسفة في ابيات غاية في الفصاحة والبلاغة العربية وعمق معانيها.
ولعل قصيدته في وصف بغداد وهي تداس وتدمر إثر حملة المغول، تذكرنا بما تتعرض لها بغداد عروس دجلة اليوم من دمار وقتل اهلها على يد جلاوزة العهد الصدامي وفلول عصاباته علاوة على صادرات بعض البلدان الاقليمية من التكفيريين والملثمين واللطامة والحواسم والحرامية والمجرمين وخاطفي الدين والمتخلفين والظلاميين وضاربي أعناق العراقيين. فالنابغة الشيرازي يقول في بغداد المنكوبة الحزينة في عهد غزو البرابرة المغول، وكأنه حاضراً معنا الآن، قصيدة بلغت 91 بيتاً، انقل ابياتاً منها:

         
حبست بجفني المدامع لا تجري                فلما طغا الماء استطال على السكر
          نسيم صبا بغداد بعد خرابهــــــا                تمنيت لو كانت تمر على قبــــــري
          لأن هلاك النفس عند أولى النهى              أحب له من عيش منقبض الصــدر
          طبيباً جس نبضي مداويـــــــــاً                 إليك،فما شكواي من مرض تبـري
          لزمت اصطباراًحيث كنت مفارقاً              وهذا فراق لا يعالج بالصبــــــــــــر
          تسائلني عما يوم حصرهــــــــم                وذلك مما ليس يدخل في الحصـــر
         أديرت كؤوس الموت حتى كأنه               رؤوس الاسارى ترجحن من السكر
         لقد ثكلن ام القرى ولكعبـــــــــة               مدامع بالميزاب تسكب في الحجــر
         بكت جدر المستنصرية ندبــــــة              على العلماء الراسخين ذوى الحجر
         نوائب دهر ليتني مت قبلهــــــا                ولم أر عدوان السفيه على الحبـــر
         محابر تبكي بعدهم بسوادهـــــا                وبعض قلوب الناس احلك من حبر
                    ....
                    ....
         نعوذ بعفو الله من نار فتنـــــــة               تأجج من قطر البلاد الى قطـــــــــر
         كأن شياطين القيود تفلتـــــــت                فسال على بغداد عين من القطــــــر

                         ........... الى بقية الابيات

ولم تقتصر مساهمة علماء ومبدعي بلاد فارس على ميادين المعرفة والابداع بل تعداها الى الميادين الدينية والاجتهاد بها الى جانب اقرانهم من العرب وغير العرب. فالامام الجليل ابو حنيفة النعمان بن ثابت كان من جهابذة اللغة العربية ومن الائمة المجتهدين في الشرع الاسلامي، والذي يلتحف بثرى بغداد في مقامه المعروف في الاعظمية.
كما اقدم العديد من علماء الدين الفرس بنقل وتدوين احاديث النبي محمد كالامام الصحّاح البخاري صاحب "صحيح البخاري"والامام مسلم النيشابوري والامام ابو داوود والترمذي والنسائي. اما الامام عبد القادر الكيلاني (1077م)، الذي تحتضن بغداد رفاته في وسط بغداد في محلة باب الشيخ، فهو صاحب الفرقة الصوفية القادرية المعروفة ليس في العراق، بل في بقاع المسلمين الاخرى.
 
شيخ الطريقة عبد القادر الـﮔيلاني
وتحتضن بغداد ايضاً رفات احد اعلام الفلسفة والشريعة والتصوف في القرن الثاني عشر وهو شهاب الدين السهروردي (1153-1191م)، من أهالي شاهرود في شمال ايران، وشيخ الاشراق، وصاحب "حكمة الاشراق"، ونصير الفلسفة العقلانية والتصوف والفكر الاشراقي. وقد حكم عليه بالموت جوعاً في عام 1191 في حلب لا لشئ الا بسبب قوله "ان الله قادر على خلق انبياء جدد، لانه قادر على كل شئ"!!!.
الا ان التغلغل اللغوي والثقافي والديني العربي الذي صاحب احتلال العرب لبلاد فارس، صاحبه ايضاً نزوع عند بعض الادباء والمتنورين الفرس الى للحفاظ على نقاوة لغتهم من تسرب المفردات الاجنبية، وخاصة العربية، اضافة الى الحفاظ على دينهم القديم. وقد انعكس ذلك على وجه الخصوص في ملحمة "الشاهنامه" الرائعة التي ألفها الشاعر والفليسوف والملحمي ابو القاسم الفردوسي. فالقارئ لا يعثر في هذا الديوان الملحمي على ايّة مفردة عربية، بل اقتصر المنشد على استخدام المفردات الفارسية او الفارسية القديمة ولغة الماديين. ويقال ان الفردوسي كان قد سافر الى جبال كردستان خصيصاً من اجل البحث عن المفردات الاصلية، حيث حافظ السكان في هذه المناطق على اللغة القديمة وكانوا بعيدون جغرافياً عن تداول لغة القادمين الجدد او التأثر بها، وذلك من اجل تدوين ملحمته الشهيرة بلغته الام.
ومع ذلك بقيت اللغة العربية والى الآن مصدراً من مصادر المعرفة اللغوية في اللغة والادب الفارسي. ولذلك يجري تعليم اللغة العربية في المدارس الاولية في ايران لحد الآن ولو بشكل ممل لايجذب التلاميذ ولا يعلمهم لغة الضاد وبلاغتها.
مرت اسابيع ثم اشهر ونحن نقلب بنهم صفحات الكتب المدرسية في اللغة الفارسية وبإشراف من معلمنا دون تعب او كلل. وإزداد الشوق الى تعلم هذه اللغة كلما تقدمنا خطوة الى الامام في ميدان الاحاطة بها. ومما سهل إلمامنا السريع بها هو اننا كنا نعيش في بيئة للناطقين باللغة الفارسية. واضافة الى ذلك فإن احرف هذه اللغة هي نفسها احرف لغتنا العربية.
اما العامل المؤثر في استيعابنا السريع لهذه اللغة فهي، كما اشرت سابقاً، كثرة المفردات العربية في هذه اللغة الهندو- اوربية. وبالطبع يمكن الاشارة الى عامل آخر وهو سهولة اللغة بسبب ما طرأ عليها من اصلاحات. فليس في هذه اللغة لا المثنى ولا المؤنث ولا الكثير من التعقيدات والصعوبات في قواعدها ونحوها. لقد كان من اليسير علينا ان نستعين ببعض مصادر الافعال العربية ونضيف لها افعال العلة والمساعدة باللغة الفارسية لنحولها الى مصادر افعال في اللغة الفارسية.
فعلى سبيل المثال، فان المصدر "صبر" في العربية يتحول بسهولة الى مصدر في الفارسية اذا اضفنا اليه الفعل المساعد "كردن" في اللغة الفارسية. وهكذا يمكن تحويل قدر كبير من مصادر الافعال العربية الى الفارسية عن هذا الطريق.
ولا يبقى عندها الا تصريف هذا المصدر واستخدامه في جمل مفيدة. وتتميز اللغة الفارسية بقدرتها على التركيب لتكوين مفردات جديدة تتماشى مع التطور الاجتماعي او العلمي بما فيها العلوم الحديثة. ففي ايران لا يوجد حيوان الزرافة، على سبيل المثال، فما كان من علماء اللغة عندهم الا ان جمعوا بعض صفات الزرافة البدنية ليكونوا مفردة لهذا الحيوان. فجلد الزرافة يشبه جلد النمر، وقامتها اشبه بقامة الجمل، واجترارها للطعام هو على غرار اجترار الثور لطعامه.
ومن هذه التشكيلة سميت الزرافة بـ "شترﮜاوبلنگ"، حيث ان (شتر= الجمل) و (ﮜاو= الثور) و (بلنگ = النمر). ونفس الامر ينطبق على النعامة حيث يسميها الناطقون بالفارسية " شترمرغ"، اي "الجمل الدجاج". ويمكننا العثور على كم من هذه التراكيب اللفظية المماثلة بما في ذلك الاصطلاحات العلمية الحديثة في اللغة الفارسية الدارجة الآن.
ان بعض السجناء كانوا يتندرون على هذه القاعدة ويستخدمونها في الضحك والدعابة والتسلية دون ان يكون لها مكان في قاموس اللغة. فالباذنجان هو نفسه باذنجان في اللغة الفارسية، ولكن من باب التندر يطلق البعض عليه اسم "مرغ سياه بي نفس"، اي "دجاجة سوداء بدون روح"، كما يطلقون على "آفتابه" أي "الابريق" المستخدم في المرحاض، مفردة تركيبية للتندر وهو "ناموس شور" اي "غسّال الناموس". ويبدع الايرانيون اكثر بهذه التراكيب بطبعهم الظريف و اختراع ما يثير البهجة في نفوسهم.
مرت اشهر وانسجمنا الى حد بعيد مع هذه اللغة وبدأنا نخطو الخطوات في قراءة الكتب وحتى الكتابة باللغة الفارسية، مما ساعدنا على فتح أبواب التعرف على كنوز الادب والفن والثقافة والتاريخ والعادات والتقال في بلاد فارس وايران بشكل عام، وبمساعدة من الاصدقاء الاعزاء الايرانيين.
ولم يقتصر اهتمامي على دراسة اللغة الفارسية فحسب، بل رجوت صديقنا العزيز مجيد أمين المؤيد بتعليمي اللغة الفرنسية.
وقد استجاب هذا الصديق مشكوراً وجلب 4 اجزاء من كتاب درسي لتعلم الفرنسية واسمه "موجيه"، يستخدم لتعلم اللغة في معاهد تعليم اللغة الفرنسية خارج البلاد. ورحت استمع الى محاضرات صديقنا العزيز بدأب ونشاط حتى اكملنا الجزء الرابع من كتاب تعلم اللغة الفرنسية بعد مرور بضعة اشهر.
ولم يتسنى لي تطوير معرفتي بهذه اللغة بسبب ندرة من يتكلم بها داخل السجن، اضافة الى انني شعرت انها اكثر صعوبة من اللغة الانجليزية والروسية ناهيك عن الفارسية ولغة الام العربية. كما قام العزيز سعيد مسعودي بإغناء معارفه باللغة الانجليزية بمساعدتي. ورحنا سوية بالعمل لتعميق إلمام محمد حسن عيدان ومحمد الحمداني باللغة العربية.

يتبع[/b][/size][/font]

6  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / يوميات ايرانية ( 20 ) الإندماج بمجتمع السجناء في: 21:32 27/09/2006
يوميات ايرانية ( 20 )
عادل حبه
الإندماج بمجتمع السجناء
مرت بسرعة الايام الثلاثة من الوجوم والحزن التي طغت على السجن إثر إعدام حسين قبادي. وعاد السجناء من جديد الى مزاولة حياتهم الروتينية المعتادة. وبدأت تسمع من جديد صوت "علي باباخ" الجهوري وهو يتهادى بهيكله الضخم وبشاربه المتميز المتهدل وهو يحمل الامتعة والاغذية التي يجلبها أهالي السجناء يوم المواجهة.
إن علي باباخ هو الآخر كان سجيناً، وضمن من عادوا من الاتحاد السوفييتي. فقد هاجر اليها بعد انهيار الحكم الذاتي في آذربايجان ايران عام 1946، وحكم عليه بالسجن المؤبد بإعتباره أحد فدائيي (مقاتلي) الفرقة الآذربايجانية. كانت مهمته في السجن هو جمع الامتعة التي تجلب في يوم المواجهة وتسليمها الى السجناء لقاء مبلغ بسيط يجمع من السجناء ممن لديهم أمتعة في يومي المواجهة من كل اسبوع.
كما عاد أؤلئك الذين يمارسون لعبة الشطرنج او النرد او الدومينو أو كرة المنضدة في ممارسة لعبهم وهم "يناكدون" و "يستفزون" و "يقشبون" على خصومهم في اللعبة، كجزء من "الحروب النفسية" التي يمارسها طرفا هذه اللعب من أجل الغلبة على الطرف الآخر، ثم التفاخر بقدرتهم ومهارتهم في هذه فيها وسط التهليل من قبل بعض السجناء.
وكان هناك فريق آخر منكباً على القراءة في ما تيسر عندهم من كتب، وعلى قلتها، بسبب التضييقات التي تفرضها الإدارة على جلب الكتب الى داخل السجن. ولاحظنا عدداً قليلاً من السجناء ممن سمحت لهم إدارة السجن في إستكمال دراستهم من أجل الحصول على شهادة دراسية تعينهم عند إطلاق سراحهم.
فضابط الصف رحيم بغدادي من أهالي سنندج، والمتهم في النشاط ضمن صفوف الحزب الديمقراطي الكردستاني الايراني، كان يدرس بجد وولع الهندسة المدنية بالمراسلة مع المدرسة العالمية بالمراسلة ومقرها لندن (International Correspondence School)، ويشاركه في الدراسة بالمراسلة كل من سيد سقايت ومحمود والضابط محمود تمدن وآخرون من يتابعون دراستهم على المناهج الدراسية الايرانية.
وقد تسنى لبعض السجناء ممارسة الدراسة بفعل قدر من الانفراج السياسي والتخفيف من الضغط على السجناء في ظل حكومة علي أميني والتي لم تستمر الا لفترة محدودة.
ويطالعك في السجن أيضاً نفر آخر قليل من السجناء وهم منهمكون في الترجمة من لغات مختلفة الى الفارسية. فقد كان الصديق العزيز مجيد أمين مؤيد، وهو محكوم بالسجن المؤبد لنشاطه ضمن الفرقة الديمقراطية الآذربايجانية، ومن مواليد عام 1931 في تبريز وحاصل على شهادة الليسانس في الادارة، ضليعاً في اللغة الفرنسية إضافة الى أنه كان يجيد اللغة الانجليزية، وبالطبع اللغة الفارسية ولغته الام الآذرية. إنه وحتى الآن يعد أحد المترجمين والنقاد المعروفين على الساحة الإيرانية.

مجيد أمين مؤيد – نوروز ربيع عام 1967
سجن قصر – طهران – إيران

فقد ألف مجيد أمين مؤيد العديد من المؤلفات والمؤلفات المترجمة مثل كتاب "مرور بأفكار برتولد بريخت"، كما ترجم بعض إبداعات الكاتب الأمريكي آرثر ميلر مثل " نظرة من الجسر" و"سحرة مدينة سالم"، وقصة "موسى" لهوارد فاست، و"العلاقة بين الفن والواقعية من وجهة نظر علم الجمال" للفليسوف الروسي تشرنيشيفسكي، و"التاريخ الاجتماعي للفن" لآرنولد هاوز، و"الثورة الفرنسية العظمى وآثارها العالمية". وقد قضى مجيد أمين مؤيد في السجن مدة 18 عاماً حيث تحرر من قيوده بعد انتصار الثورة الشعبية في إيران عام 1979.
أما أحمد قاضي، وهو من عائلة الشهيد محمد قاضي، ومن أهالي مهاباد والمتهم بنشاطه في الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني، ومحكوم بمدة خمس سنوات، فقد كان ضليعاً في الترجمة من اللغة الإنجليزية الى اللغتين الفارسية والكوردية.
كما لاحظنا ان هناك بعض السجناء قد إختار زاوية في باحة السجن المثلثية وهو منهمك في حياكة السجاد. لقد تحولت هذه الزاوية الصغيرة الى ورشة حقيقية صغيرة لصناعة السجاد الايراني الجميل والشهير. وقد تصدر هذه الورشة الفنان البارع الآذري مشيري، وهو من أهالي مرند ومحكوم عليه بالسجن لمدة 15 سنة، إضافة الى آقا زاده من أهالي تبريز والمحكوم هو الآخر بنفس المدة لمشاركتهم في نشاط الفرقة الديمقراطية الآذربايجانية. إن كل معدات هذه الورشة البسيطة المتنقلة لا تتعدى "الجومة" التي تشد بها الخيوط لحياكة السجاد إضافة الى قدر وسخّان ليتم تلوين الخيوط الصوفية المستخدمة في الحياكة.

آقا زاده – سجن قصر – ربيع عام 1967
وفي بعض الاحيان كان آقا زاده يذهب الى مصنع السجاد الملحق بالسجن للعمل والحصول على بضعة "تومانات" تساعده على امرار معاش العائلة وتسد ما يحتاج إليه هو في السجن أيضاً. أما مشيري فكان هو الاكثر مهارة وفناً، وفضل العمل في السجن وبيع ما ينسجه من سجاد الى شركة السجاد الايرانية التي تحتكر بيع وتصدير السجاد الايراني الى الخارج.
لقد سحرني مشيري في إختياره الوان خيوط السجاد، وهي الوان تستخرج عادة من الاعشاب الطبيعية، ثم قدرته الفائقة على مزج الالوان وإستخراج الجديدة منها مما يعبر عن مهارة وذوق رفيع وفن هذا الرجل الكريم. لقد تسنى لي في وقت لاحق أن اقدم له خدمة كي ينسج سجادات صغيرة في غاية الجمال.
فقد رسمت له صورة العالم المشهور ألبرت آنشتين، وشرع بحياكتها على مساحة متر×متر ونصف، وبألوان متدرجة من الابيض إلى الاسود. أما حاشية السجاد فقد زينتها بمعادلة آنشتين المعروفة باللغة اللاتينية ( الطاقة = الكتلة × مربع السرعة) مع محاور الذرة.
وقد أبدع العزيز مشيري غاية الابداع في حياكتها، وباعها بسعر متواضع الى شركة السجاد الايراني، التي باعتها بدورها بمبلغ كبير يصل الى آلاف الدولارات، كما سمعنا لاحقاً، الى أحد الزبائن الالمان. ورسمت لمشيري صورة أخرى ملونة للفنان تشارلي شابلن والتي حاكها بالقطع الكبير وباعها عبر نفس الشركة، وكانت تحفة فنية بحق.
وكان هناك فريق آخر من السجناء منهمكاً في التطريز وآخر في صنع السلال النايلونية او صنع الشالات الجميلة أو الشنط الصغيرة المطعمة بالخرز والنمنم من أجل بيعها خارج السجن، وتوفير بعض النقود لسد حاجتهم في السجن وحتى لسد قوت عائلاتهم في الخارج. لقد انبهرنا في الايام الاولى السجنية بتلك الانامل الايرانية المبدعة للسجناء التي تصنع كل ما هو جميل رغم ظروف السجن.
البعض منا، وخاصة العزيز أبو جواد - كاظم المالكي-، الذي كان هو الآخر مغرماً بالاعمال الحرفية، راح يتابع بولع هذه الفنون ومهارات وابداع السجناء فيها، وشرع هو الآخر بعد فترة وجيزة بصناعة السلال من خيوط النايلون أو الشالات الجميلة وقد أبدع حقاً في صناعتها، وقد أرسلنا بعضاً منها كهدايا الى العراق.
وقام كل من سعيد ومحمد الحمداني أيضاً بحياكة السلال النايلونية وكانوا يرسلونها الى الخارج، حالهم حال السجناء الايرانيين، لبيعها عبر شرطة السجن ليحصلوا على بضعة تومانات قد تساعدهم في تحسين ظروفهم المعيشية.
وتولى أحد السجناء وهو ولي الله غفوري ممارسة حرفة النجارة التي أبدع فيها. إن هذا الانسان البسيط والورع قد حكم عليه لمدة عشر سنوات عندما قام بقذف موكب الشاه وضيفه الجنرال تشارل ديغول في أحد شوارع طهران قادمين من مطار مهراباد بقطعة خزفية، يبدو أن الدافع كان دينياً، إذ كان غفوري متأثراً بما حصل للخميني بعد نفيه الى تركيا. وقد حكمت عليه المحكمة العسكرية حكماً بالسجن لمدة 15 عاماً بعد أن تعرض الى تعذيب رهيب وأصيب بعوارض عصبية سلبية.
إنشغل غفوري، الى جانب مثابرته الدؤوبة على القراءة والكتابة وأحياناً اصدار البيانات السياسية وقراءتها على السجناء، بصناعة كراسي جميلة وعملية ويمكن جمعها خاصة للكتابة والمطالعة، وباع البعض منها الى السجناء وارسل مجموعة أخرى منها الى الخارج لبيعها. وقد أشتريت لاحقاً واحداً من هذه الكراسي وارسلته الى العراق كهدية الى إبن أختي الصبي الحبيب علي الوردي.

السجين النجار ولي الله غفوري
نوروز ربيع عام 1967 – سجن قصر رقم 4 – طهران
بالطبع لم تخلو ساحة السجن رقم 3، على الرغم من صغرها، من فرصة لبعض السجناء في ممارسة الرياضة ككرة المنضدة والزورخانه ورفع الاثقال والتي كان لمحمد حسن عيدان باع في ممارستها.
في الحقيقة كان السجن خلية إجتماعية صغيرة للمجتمع الايراني بإيجابياته وسلبياته. ويمكن لأي غريب ان يكون صورة تقرب من الدقة لحركة المجتمع الايراني خاصة وان السجناء يحصلون على الاخبار اول بأول من عوائلهم اثناء فترة المواجهة الاسبوعية، هذا ناهيك عن الافكار والتصورات التي يحملها السجناء عن مجتمعهم خاصة وانهم من منحدرات اجتماعية واثنية مختلفة.
كما كان من الممكن العثور في السجن أيضاً على البصاصين من ضعاف النفوس والذين كان جل "إبداعهم" و"شطارتهم" هو التلصص والتنصت والتجسس على الآخرين بهدف كتابة التقارير، كنمط من أنماط التزلف، أو كما يطلق عليه الايرانيون صفة "خوش رقصي"، لادارة السجن والجهات الامنية الايرانية.
وقد ركز هؤلاء البصاصون على المجموعة العراقية بشكل خاص لانهم كانوا جدداً على مجتمع السجن أولاً، كما أنهم لم يبدو أي تراجع أو تزلف وضعف أمام إدارة السجن، إضافة الى أن المجموعة العراقية بدأت بالحديث مع السجناء حول ضرورة رفع معنويات السجناء والتصدي لمظاهر الإذلال التي يسعى حكام البلاد الى فرضها على السجناء وكسر معنوياتهم عبر "الشامكاه" الذي مر الحديث عنه، أو كتابة "البراءات" وتداعي المعنويات التي قطعت شوطاً قبيل وبعيد وصولنا الى سجن قصر.
ويعود السبب في تدهور معنويات السجناء الى حملة التبعيد التي طالت العشرات من السجناء السياسيين اليساريين في الشهور التي سبقت وصولنا الى السجن، والتي شملت تحديداً بقايا السجناء من نخبة الضباط أعضاء التنظيم العسكري لحزب توده إيران وأعضاء الفرقة الآذربايجانية وكوادر الحزب الديمقراطي الكردستاني الايراني والذين كانوا مثلاً في التصدي للحكم وعدم الانصياع لارادته في كسر معنويات السجناء السياسيين.
وقد جرى تبعيد غالبية هؤلاء السجناء الى قلعة برازجان في قصبة برازجان في أقصى الجنوب الايراني الشديد الحرارة المحاذي للخليج، وهي قلعة مشابهة من حيث الظروف لقلعة نقرة السلمان في العراق والتي جهزها الحكم الملكي في العراق عام 1949 بعد إعدام قادة الحزب الشيوعي العراقي، ثم النظام البعثي لاحقاً بعد كارثة شباط عام 1963، لحشر المئات من الشيوعيين والديمقراطيين العراقيين والقوميين الكورد العراقيين فيه.
إن كسر معنويات السجناء طالت حتى السجناء العراقيين من ضحايا جريمة 8 شباط، والذين سبقونا في سجن قصر ثم رحّلوا الى العراق بسبب من مواقفهم وثباتهم في سجن قصر ومساهمتهم في رفع معنويات السجناء الى قيامهم بالاضرابات لتحقيق بعض مطالبهم وحقوقهم.

صورة فريدة أهديت لكاتب السطور من محمد علي عموئي، تبين السجناء في قلعة برازجان والتي ضمت سجناء حزب توده ايران والفرقة الديمقراطية الآذربايجانية والحزب الديمقراطي الكردستاني، وبضمنهم سجناء ضباط حزب توده والذين قضوا قرابة 30 عاماً في السجن الى ان تم إزهاق أرواحهم على يد الحكم الديني الحالي المتطرف في إيران في عام 1988 ضمن حملة ما يعرف"تنظيف السجون"والتي طالت الالاف من منتسبي الاحزاب المختلفة
ولا يسعني في هذا الاطار الا ان اقتبس شذرات مما كتبه الصديق العزيز محمد علي عموئي، أحد كوادر تنظيم الضباط التابع لحزب توده ايران، والذي كان محكوماً بالاعدام ثم خفف الى المؤيد في عهد الشاه، ثم قضى مدة 30 سنة في سجون الشاه وسجون حمهورية العدالة "الاسلامية" الحالية. ففي مذكراته التي تحمل عنوان "دردنامة"؛ أي "رسالة الآلام"، يشير عموئي بجمال ورقة وتعاطف الى معاناة هذه المجموعة العراقية الباسلة التي سبقتنا في سجن بلاد الغربة ويقول:"كنا مجتمعين حول سفرة العشاء عندما سمعنا همهمة مالبثت ان تعالت لنسمع صيحات السجناء وهم يرددون"لقد جلبوا العراقيين!!".
خرجنا من الغرفة ووجدنا حوالي أربعين عراقياً وهم في حالة من الوهن وبملابس رثة أثارت لدينا مشاعر من الغضب والتعاطف. تجمع السجناء حولهم محاولين السؤال والاستفسار منهم. أجاب نفر من العراقيين على الاسئلة ببعض الكلمات الفارسية وبحركات اليد، اضافة الى جملات عربية لم نفهمها. طلبنا من السجناء الايرانيين إخلاء المكان لكي نستطيع ان نوفر مكاناً للقادمين الجدد.
أنبرى شخص أسمه علي وهو صاحب كراج في بغداد بالتحدث بلغة فارسية "مكسرة"، وأوضح انهم عراقيون تهددهم خطر الموت في العراق وأضطروا الى اللجوء الى ايران. لقد قضى هؤلاء العراقيون بعض الوقت في معسكر في اطراف طهران ثم نقلوا الى سجن قصر. أخلينا أحدى الغرف لهم وهيأنا لهم اولويات ما يحتاجون. وفي اول مواجهة لنا مع الاهل طلبنا شراء الاجبان والتمر والصابون وبعض الملابس الضرورية.
كان أكثر القادمين هم اعضاء في الحزب الشيوعي العراقي. وتم تقسيم البعض في غرف السجناء الايرانيين الآخرين. لقد حلت لغة الاشارة "اللغة العالمية" مشكلة التفاهم مع العراقيين. وتطوع أثنان وهما رؤوف ووهاب بالقدوم الى غرفتنا والتحدث بلغة انجليزية مفهومة للطرفين. كان رؤوف خريج موسكو، اما وهاب فقد تخرج من دورة مهنية في المانيا الديمقراطية. وكلاهما اعضاء في الحزب الشيوعي العراقي ومن اهالي بغداد.
لقد تعرض بيتهما الى هجوم الحرس القومي واستطاعا بالكاد الافلات والوصول الى خانقين. ومن أجل العبور الى الحدود الايرانية والوصول الى حدود الاتحاد السوفييتي، فقد سلكا طريق كرمنشاه – طهران - سرخس بمعونة خريطة اصطحبوها معهم. وفضلا أثناء ذلك الاستراحة في النهار على قارعة الطرق والتحرك ليلا لتفادي رجال الشرطة والجندرمة. كان رؤوف مصاباً بعمى الليل ويعاني من مشاكل في النظر. وفقد وهاب حاسة السمع اثناء فترة الاعتقال.
ولا أدري كيف استطاع الاطرش والمصاب بعمى الليل الوصول الى الحدود السوفييتية حيث اعتقلا بسبب خطأ ارتكبه الاثنان عند الحدود. ومن بين العراقيين تعرفنا على عزيز وابوعلي من الكورد والذين يتسمان بالدفئ. تحدثا معي باللغة الكوردية التي لا تختلف كثيراً عن الكوردية الكرمنشاهية. اما جاسم فكان ضابط صف ويتمتع بقدر من الثقافة ولكنه شديد الحساسية والعصبية بسبب لجوء الحكومة الايرانية الى إعتقال لاجئين فارين من بلادهم جراء الارهاب.
وقد ارسل رسالة سلمها الى مدير السجن يحتج فيها على اجراء الحكومة الايرانية، مهدداً الحكومة بالاضراب عن الطعام في حالة عدم الاستجابة لمطاليبه خلال اسبوع.
حاولنا اقناعه بماهية الحكومة الايرانية، وانه ليس هناك اختلاف كبير بين حكومة الانقلاب الايرانية وبين حكومة الانقلاب البعثية في العراق، إذ انهم استلموا السلطة عبر القمع والقتل وهم يحكمون بهذه الطريقة. كنا نخشى ان تعمد الحكومة الإيرانية الى تسليم اللاجئين العراقيين الى العراق، على الرغم من ان حجز اللاجئين السياسيين مخالف لاتفاقية جنيف وخرق صريح لاعلان حقوق الانسان.
ان تحويل العراقيين الى العراق لا يعني الا تسليمهم الى جلاديهم الذين ما زالوا يقومون بمطاردة معارضيهم من بيت الى بيت ويقومون بأعمال القتل الجماعي. وقد طلب العراقيون منا اقناع جاسم بالتراجع عن الاضراب. كان العراقيون يتمتعون بالدفئ والصميمية وسريعي الانفعال وهو ما كان يشدنا اليهم".

يتبع[/b][/size][/font]
7  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / يوميات ايرانية ( 19 ) الإندماج بمجتمع السجناء في: 23:14 19/09/2006
يوميات ايرانية
( 19 )
عادل حبه
الإندماج بمجتمع السجناء
مرت بسرعة الايام الثلاثة من الوجوم والحزن التي طغت على السجن إثر إعدام حسين قبادي. وعاد السجناء من جديد الى مزاولة حياتهم الروتينية المعتادة. وبدأت تسمع من جديد صوت "علي باباخ" الجهوري وهو يتهادى بهيكله الضخم وبشاربه المتميز المتهدل وهو يحمل الامتعة والاغذية التي يجلبها أهالي السجناء يوم المواجهة. أن علي باباخ هو الآخر كان سجيناً ممن عاد من الاتحاد السوفييتي، حيث هاجر اليها بعد انهيار جمهورية الحكم الذاتي في آذربايجان ايران عام 1946، وحكم عليه بالسجن المؤبد. وأصبحت مهمته في السجن هو جمع الامتعة التي تجلب في يوم المواجهة وتسليمها الى السجناء لقاء مبلغ بسيط يجمع من السجناء ممن لديهم أمتعة في يومي المواجهة من كل اسبوع. كما عاد أؤلئك الذين يمارسون لعبة الشطرنج او النرد او الدومينو أو كرة المنضدة وهم "يناكدون" و "يستفزون" و "يقشبون" على خصومهم في اللعبة كجزء من "الحروب النفسية" التي يمارسها طرفا اللعب من أجل الغلبة على الطرف الآخر، ثم التفاخر بقدرتهم ومهارتهم في هذه اللعب وسط التهليل من قبل بعض السجناء.
وكان هناك فريق آخر منكباً على القراءة في ما تيسر من كتب عندهم، وعلى قلتها، بسبب التضييقات التي تفرضها الإدارة على جلب الكتب الى داخل السجن. ولاحظنا عدداً قليلاً من السجناء ممن سمحت لهم إدارة السجن في إستكمال دراستهم من أجل الحصول على شهادة دراسية تعينهم عند إطلاق سراحهم. فضابط الصف رحيم بغدادي من أهالي سنندج، والمتهم في النشاط ضمن صفوف الحزب الديمقراطي الكردستاني الايراني، كان يدرس بجد وولع الهندسة المدنية بالمراسلة مع المدرسة العالمية بالمراسلة ومقرها لندن (International Correspondence School)، ويشاركه في الدراسة بالمراسلة كل من سيد سقايت ومحمود والضابط محمود تمدن وآخرون. وقد تسنى لبعض السجناء ممارسة الدراسة بفعل قدر من الانفراج السياسي والتخفيف من الضغط على السجناء في ظل حكومة علي أميني والتي لم تستمر الا لفترة محدودة.
ويطالعك في السجن أيضاً نفر آخر قليل من السجناء وهم منهمكون في الترجمة من لغات مختلفة الى الفارسية. فقد كان العزيز مجيد أمين مؤيد، وهو محكوم بالسجن المؤبد لنشاطه ضمن الفرقة الديمقراطية الآذربايجانية، ومن مواليد عام 1931 في تبريز وحاصل على شهادة الليسانس في الادارة، ضليعاً في اللغة الفرنسية إضافة الى أنه كان يجيد اللغة الانجليزية، وبالطبع اللغة الفارسية ولغته الام الآذرية. إنه وحتى الآن يعد أحد أهم المترجمين والنقاد المعروفين على الساحة الإيرانية.
 
مجيد أمين مؤيد – نوروز عام 1967
سجن قصر – طهران – إيران
فقد ألف مجيد أمين مؤيد العديد من المؤلفات والتراجم مثل كتاب "مرور بأفكار برتولد بريخت"، كما ترجم بعض إبداعات الكاتب الأمريكي آرثر ميلر مثل " نظرة من الجسر" و"سحرة مدينة سالم"، وقصة "موسى" لهوارد فاست، و"العلاقة بين الفن والواقعية من وجهة نظر علم الجمال" للفليسوف الروسي تشرنيشيفسكي، و"التاريخ الاجتماعي للفن" لآرنولد هاوز، و"الثورة الفرنسية العظمى وآثارها العالمية". وقد قضى مجيد أمين مؤيد في السجن مدة 18 عاماً. أما أحمد قاضي، وهو من عائلة الشهيد محمد قاضي ومن أهالي مهاباد والمتهم بنشاطه في الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني ومحكوم بمدة خمس سنوات، فقد كان ضليعاً في الترجمة من اللغة الإنجليزية الى اللغتين الفارسية والكردية.
كما لاحظنا ان هناك بعض السجناء قد إختار زاوية في باحة السجن المثلثية وهو منهمك في حياكة السجاد. لقد تحولت هذه الزاوية الصغيرة الى ورشة حقيقية صغيرة لصناعة السجاد الايراني الجميل والشهير. وقد تصدر هذه الورشة الفنان البارع مشيري، وهو من أهالي مرند ومحكوم عليه بالسجن لمدة 15 سنة، إضافة الى آقا زاده من أهالي تبريز والمحكوم هو الآخر بنفس المدة لمشاركتهم في نشاط الفرقة الديمقراطية الآذربايجانية. إن كل معدات هذه الورشة البسيطة المتنقلة لا تتعدى "الجومة" التي تشد بها الخيوط لحياكة السجاد إضافة الى قدر وسخّان ليتم تلوين الخيوط الصوفية المستخدمة في الحياكة. وفي بعض الاحيان كان آقا زاده يذهب الى مصنع السجاد الملحق بالسجن للعمل والحصول على بضعة "تومانات" تساعده على امرار معاش العائلة وتسد ما يحتاج إليه هو في السجن أيضاً. أما مشيري فكان هو الاكثر مهارة وفناً وفضل العمل في السجن وبيع ما ينسجه من سجاد الى شركة السجاد الايرانية التي تحتكر بيع وتصدير السجاد الايراني الى الخارج. لقد سحرني مشيري في إختياره الوان خيوط السجاد، وهي الوان تستخرج عادة من الاعشاب الطبيعية، ثم قدرته الفائقة على مزج الالوان وإستخراج الألوان مما يعبر عن مهارة وذوق رفيع وفن هذا الرجل الكريم. لقد تسنى لي في وقت لاحق أن اقدم له خدمة كي ينسج سجادات صغيرة في غاية الجمال. فقد رسمت له صورة العالم المشهور ألبرت أنشتين، وشرع بحياكتها على مساحة متر×متر ونصف، وبألوان متدرجة من الابيض إلى الاسود. أما حاشية السجاد فقد زينت بمعادلة آنشتين المعروفة باللغة اللاتينية ( الطاقة = الكتلة × مربع السرعة) مع محاور الذرة. وقد أبدع العزيز مشيري غاية الابداع في حياكتها، وباعها بسعر متواضع الى شركة السجاد الايراني، التي باعتها بدورها بمبلغ كبير يصل الى آلاف الدولارات كما سمعنا لاحقاً الى أحد الزبائن الالمان. ورسمت لمشيري صورة أخرى ملونة للفنان تشارلي شابلن والتي حاكها بالقطع الكبير وباعها عبر نفس الطريق، وكانت تحفة فنية بحق.
وكان هناك فريق آخر من السجناء منهمكاً في التطريز وآخر في صنع السلال النايلونية او صنع الشالات الجميلة أو الشنط الصغيرة المطعمة بالخرز والنمنم من أجل بيعها خارج السجن، وتوفير بعض النقود لسد حاجتهم في السجن وحتى لسد قوت عائلاتهم في الخارج. لقد انبهرنا في الايام الاولى السجنية بتلك الانامل الايرانية المبدعة للسجناء التي تصنع كل ما هو جميل رغم ظروف السجن. البعض منا، وخاصة العزيز أبو جواد- كاظم المالكي-، الذي كان هو الآخر مغرماً بالاعمال الحرفية وراح يتابع بولع هذه الفنون ومهارات وابداع السجناء فيها، وشرع هو الآخر بعد فترة وجيزة بصناعة السلال من خيوط النايلون أو الشالات الجميلة وقد أبدع حقاً في صناعتها، وقد أرسلنا بعضاً منها كهدايا الى العراق. وقام كل من سعيد ومحمد الحمداني أيضاً بحياكة السلال النايلونية وكانوا يرسلونها الى الخارج، حالهم حال السجناء الايرانيين، لبيعها عبر شرطة السجن ليحصلوا على بضعة تومانات قد تساعدهم في تحسين ظروفهم المعيشية.
وتولى أحد السجناء وهو ولي الله غفوري ممارسة حرفة النجارة التي أبدع فيها. إن هذا الانسان البسيط والورع قد حكم عليه لمدة عشر سنوات عندما بادر الى قذف موكب الشاه وضيفه الجنرال ديغول في أحد شوارع طهران قادمين من مطار مهراباد ببقطعة خزفية، يبدو أن الدفع ديني إذ كان متأثراً لما حصل للخميني بعد نفيه الى تركيا. وقد حكمت عليه المحكمة العكرية بالسجن لمدة 15 عاماً بعد أن تعرض الى تعذيب رهيب وأصيب بعوارض عصبية سلبية.
 
السجين النجار ولي الله غفوري
نوروز عام 1967 – سجن قصر رقم 4 - طهران
إنشغل غفوري، الى جانب مثابرته الدؤوبة على القراءة والكتابة، بصناعة كراسي جميلة وعملية ويمكن جمعها خاصة للكتابة والمطالعة، وباع البعض منها الى السجناء وارسل مجموعة أخرى منها الى الخارج لبيعها. وقد أشتريت لاحقاً واحداً من هذه الكراسي وارسلته الى العراق كهدية الى إبن أختي الصبي الحبيب علي الوردي.

بالطبع لم تخلو ساحة السجن رقم 3 على الرغم من صغرها من فرصة لبعض السجناء في ممارسة الرياضة ككرة المنضدة والزورخانه ورفع الاثقال والتي كان لمحمد حسن عيدان باع في ممارستها.
في الحقيقة كان السجن خلية إجتماعية صغيرة للمجتمع الايراني بإيجابياته وسلبياته. ولذا كان من الممكن العثور في السجن أيضاً على البصاصين من ضعاف النفوس والذين كان جل "إبداعهم" وهمهم هو التلصلص والتنصت والتجسس على الآخرين بهدف كتابة التقارير كنمط من أنماط التزلف، أو كما يطلق عليه الايرانيون صفة "خوش رقصي"، لادارة السجن والجهات الامنية الايرانية. وقد ركز هؤلاء البصاصين على المجموعة العراقية يشكل خاص لانهم كانوا جدداً على مجتمع السجن أولاً، كما أنهم لم يبدو أي تراجع أو تزلف وضعف أمام إدارة السجن، إضافة الى أن المجموعة العراقية بدأت بالحديث مع السجناء حول ضرورة رفع معنويات السجناء والتصدي لمظاهر الإذلال التي يسعى حكام البلاد الى فرضها على السجناء وكسر معنوياتهم عبر "الشامكاه" الذي مر الحديث عنه، أو كتابة "البراءات" التي قطعت شوطاً قبيل وبعيد وصولنا الى سجن قصر.
 
صورة فريدة أهديت لكاتب السطور من محمد علي عموئي، تبين السجناء في قلعة برازجان والتي ضمت سجناء حزب توده ايران والفرقة الديمقراطية الآذربايجانية والحزب الديمقراطي الكردستاني، وبضمنهم سجناء ضباط حزب توده والذين قضوا قرابة 30 عاماً في السجن الى ان تم إزهاق أرواحهم على يد الحكم الديني الحالي المتطرف في إيران في عام 1988ضمن حملة ما يعرف"تنظيف السجون"والتي طالت الالاف من منتسبي الحركات السياسية بما فيها الدينية. ويبدو ان الوحيدين على قيد الحياة هما غني بلوريان الواقف في اقصى يمين الصورة ومحمد علي عموئي الخامس من الواقفين على اليميــــــن
ويعود السبب في تدهور معنويات السجناء الى حملة التبعيد التي طالت العشرات من السجناء السياسيين اليساريين في الشهور التي سبقت وصولنا الى السجن والتي شملت تحديداً بقايا السجناء من نخبة الضباط أعضاء التنظيم العسكري لحزب توده إيران وأعضاء الفرقة الآذربايجانية وكوادر الحزب الديمقراطي الكردستاني الايراني والذين كانوا مثلاً في التصدي للحكم وعدم الانصياع لارادتهم في كسر معنويات السجناء السياسيين. وقد جرى تبعيد غالبية هؤلاء السجناء الى قلعة برازجان في قصبة برازجان في أقصى الجنوب الايراني المحاذي للخليج، وهي قلعة مشابهة من حيث الظروف لقلعة نقرة السلمان في العراق والتي جهزها الحكم الملكي عام 1949 بعد إعدام قادة الحزب الشيوعي العراقي، ثم البعثي لاحقاً بعد كارثة شباط عام 1963، لحشر المئات من الشيوعيين والديمقراطيين العراقيين والقوميين الكورد العراقيين.
إن كسر معنويات السجناء طالت حتى السجناء العراقيين من ضحايا جريمة 8 شباط، والذين سبقونا في سجن قصر ثم رحلوا الى العراق بسبب من مواقفهم وثباتهم في سجن قصر ومساهمتهم في رفع معنويات السجناء الى قيامهم بالاضرابات لتحقيق بعض مطالبهم وحقوقهم.
ولا يسعني في هذا الاطار الا ان اقتبس شذرات مما كتبه الصديق العزيز محمد علي عموئي، أحد كوادر تنظيم الضباط التابع لحزب توده ايران، والذي كان محكوماً بالاعدام ثم قضى مدة 30 سنة في سجون الشاه وسجون حمهورية العدالة "الاسلامية" الحالية. ففي مذكراته التي تحمل عنوان "دردنامة"؛ أي "رسالة الآلام"، يشير عموئي بجمال ورقة وتعاطف الى معاناة هذه المجموعة العراقية الباسلة في سجن بلاد الغربة ويقول:"كنا مجتمعين حول سفرة العشاء عندما سمعنا همهمة مالبثت ان تعالت لنسمع صيحات السجناء وهم يرددون"لقد جلبوا العراقيين!!". خرجنا من الغرفة ووجدنا حوالي أربعين عراقياً وهم في حالة من الوهن وبملابس رثة أثارت لدينا مشاعر من الغضب والتعاطف. تجمع السجناء حولهم محاولين السؤال والاستفسار منهم. أجاب نفر من العراقين على الاسئلة ببعض الكلمات الفارسية وبحركات اليد، اضافة الى جمل عربية لم نفهمها. طلبنا من السجناء الايرانيين إخلاء المكان لكي نستطيع ان نوفر مكان للقادمين الجدد. أنبرى شخص أسمه علي وصاحب كراج في بغداد بالتحدث بلغة فارسية "مكسرة"، وأوضح انهم عراقيون تهددهم خطر الموت في العراق وأضطروا الى اللجوء الى ايران. وامضوا بعض الوقت في معسكر في اطراف طهران ثم نقلوا الى سجن قصر. أخلينا أحد الغرف لهم وهيئنا لهم اولويات ما يحتاجون. وفي اول مواجهة لنا مع الاهل طلبنا شراء الاجبان والتمر والصابون وبعض الملابس الضرورية. كان أكثر القادمين اعضاء في الحزب الشيوعي العراقي. وتم تقسيم البعض في غرف السجناء الايرانيين الآخرين. لقد حلت لغة الاشارة "اللغة العالمية" مشكلة التفاهم مع العراقيين. وتطوع أثنان وهما رؤوف ووهاب بالقدوم الى غرفتنا والتحدث بلغة انجليزية مفهومة للطرفين. كان رؤوف خريج موسكو، اما وهاب فقد تخرج من دورة مهنية في المانيا الديمقراطية. وكلاهما اعضاء في الحزب الشيوعي العراقي ومن اهالي بغداد. لقد تعرضت بيتهم الى هجوم الحرس القومي واستطاعا بالكاد الافلات والوصول الى خانقين. ومن أجل العبور الى الحدود الايرانية والوصول الى الى حدود الاتحاد السوفييتي، فقد سلكا طريق كرمنشاه – طهران - سرخس بمعونة خريطة اصطحبوها معهم. وفضلا أثناء ذلك الاستراحة في النهار على قارعة الطرق والتحرك ليلا لتفادي رجال الشرطة والجندرمة. كان رؤوف مصاباً بعمى الليل ويعاني من مشاكل في النظر. وفقد وهاب حاسة السمع اثناء فترة الاعتقال. ولا أدري كيف استطاع الاطرش والمصاب بعمى الليل الوصول الى الحدود السوفييتية حيث اعتقلوا بسبب خطأ ارتكبه الاثنان عند الحدود. ومن بين العراقيين تعرفنا على عزيز وابوعلي من الكورد ويتسمان بالدفئ. تحدثا معي باللغة الكوردية التي لا تختلف كثيراً عن الكوردية الكرمنشاهية. اما جاسم فكان ضابط صف ويتمتع بقدر من الثقافة ولكنه شديد الحساسية والعصبية بسبب لجوء الحكومة الايرانية الى إعتقال لاجئين فارين من بلادهم جراء الارهاب. وقد ارسل رسالة سلجها الى مدير السجن يحتج فيها على اجراء الحكومة الايرانية، مهدداً الحكومة الاضراب عن الطعام في حالة عدم الاستجابة لمطاليبه خلال اسبوع. حاولنا اقناعه بماهية الحمومة الايرانية ، وانه ليس هناك اختلاف كبير بين حكومة الانقلاب الايرانية وبين حكومة الانقلاب البعثية في العراق. إنهم استلموا السلطمة عبر القمع والقتل وهم يحكمون بهذه الطريقة. كنا نخشى ان تعمد الحكومة العراقية الى تسليم اللاجئين العراقيين الى العراق، على الرغم من ان حبس اللاجئين السياسيين مخالف لاتفاقية جنيف وخرق صريح لاعلان حقوق الانسان. ان تحويل العراقيين الى العراق لا يعني الا تسليمهم الى جلاديهم الذين ما زالوا يقومون بمطاردة معارضيهم من بيت الى بيت ويقومون بأعمال القتل الجماعي. وقد طلب العراقيون منا اقناع جاسم بالتراجع عن الاضراب... كان العراقيون يتمتعون بالدفئ والصميمية وسريعي الانفعال وهو ما كان يشدنا اليهم".
يتبع[/b][/size][/font]
8  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / يوميات ايرانية ( 18 ) في: 23:21 12/09/2006
يوميات ايرانية  ( 18 )
عادل حبه

سجن القصر
تعالى نداء السجّانين لنا في السجن المؤقت بالتوجه نحو بوابة الحرس الذي كان يطلق عليه بالفارسية "زير هشت" أي "تحت الثمانية". ولا أدري ماذا يعني ذلك ولماذا سمي بهذا الاسم. وسرعان ما تجمع العديد من السجناء العاديين وعلى رأسهم زردشت فروهر لتوديعنا وبلطف وعواطف كنا ندهش أن تصدر من قبل قبل هذا النمط من السجناء. ولكن كما يبدو يبقى لهؤلاء البشر من ضحايا المجتمع جوهر إنساني كامن يبرز للعيان عندما تتبلور حالة إنسانية معينة. ودعناهم بالشكر على عواطفهم وتضامنهم وفي جو إنفعالي إنشددنا إليه جميعاً. كنا نتساءل هل من المعقول أن تصدر مثل هذه العواطف والمحبة من أناس متهمون بتهم بعضها شديد الوطئة. إنسللنا الواحد تلو الآخر إلى غرفة الحرس، وبعد التفتيش البدني ووضع الأغلال في المعصمين، فتحت البوابة الحديدية الرئيسية ذات الصرير الذي يخرش الآذان لنرى أنفسنا أمام ناقلة مصفحة ذات شبابيك صغيرة مخصصة لنقل السجناء. ورحنا نحتل أماكننا بدفع من الشرطة وضجيجهم المعتاد لنجلس على المصطبات المثبتة على الجانبين. أمتلأت الناقلة بالسجناء والمعتقلين وصدرت الأوامر بالتحرك في ظل حراسة مشددة من قبل الشرطة سواء في داخل الحافلة أو في سيارات مرافقة لها. السجن المؤقت يقع في وسط المدينة، ولهذا أخذت السيارة تتجه شمالاً صوب شمرانات لكي تصل إلى سجن قصر الرئيسي في طهران.
بعد حوالي نصف ساعة توقف الموكب أمام بوابة كبيرة لبناء ضخم أشبه بالحصون القديمة ويحيط به جدار مرتفع. وتدل هيئة البناء على أنه قد بني في عهود سابقة. وبالفعل فإن أسمه أي سجن القصر يعود إلى كونه كان بلاطاً قديماً للسلسلة الشاهنشاهية القاجارية ذات الأصول الآذرية والتي حكمت إيران منذ عام 1779 وحتى عام 1925. وقد انتهى هذا الحكم عندما قاد رضا خان الضابط القوزاقي في الجيش الإيراني إنقلاباً عسكرياً أطاح بالسلسلة القاجارية وإعلان ما سمي بعدئذ بالسلسلة البهلوية أرساء نظاناً استبدادياً مستغلاً فشل ثورة المشروطة التي أندلعت في السادس من آب عام 1906.
كان الهدف الاول لهذا الانقلاب هو تكريس الاستبداد و الحيلولة دون أحياء مبادئ ثورة المشروطه، او ما يطلق عليها الايرانيون بـ "انقلاب مشروطيت"، هذه الثورة التي تعتبر أول ثورة ديمقراطية ليس في أيران فحسب، بل وفي بلدان العالم الثالث قاطبة والتي يمر عليها هذا العام، أي في السادس من أب عام 2006، قرن كامل بالضبط. ولم يأتي إندلاع الثورة نتيجة لدوافع داخلية وهي الاساس، بل ومن تأثيرات عالمية ابرزها ثورة 1905 الديمقراطية في الجارة الشمالية روسيا. أن ثورة المشروطة في إيران هي حلقة من حلقات الاحداث الكبرى في العالم المعاصر، وهي مظهر من مظاهر نزوع شعوب البلدان المقهورة في العالم نحو التحرر من قيود الاستعمار وتجبره والاستبداد الداخلي ودماره والسير على طريق الازدهار والتقدم. وليس من قبيل الصدفة ان يشير الشاعر والفليسوف الايراني الفقيد إحسان طبري، أحد قادة حزب توده إيران، مراراً الى هذا الحدث التاريخي ويقول: "إنه من قبيل الفخر القول أن حركة المشروطه في ايران، لها طبيعة أكثر شعبية بالمقارنة مع جميع الانتفاضات التي حدثت في بداية القرن العشرين في القارة الاسيوية. وإستهدفت هذه الثورة إزالة النظام الاقطاعي وتصفية النفوذ الامبريالي في إيران. لقد تطورت هذه الثورة من منطلقاتها الليبرالية لتتجذر فيها العناصر الديمقراطية الراديكالية وخاصة بعد إنتفاضة مدينة تبريز".

الشاعر والكاتب والفليسوف إحسان طبري
أحد قادة حزب توده إيران
نعود الى سجن قصر، ففي عهد رضا شاه تم التخطيط لتحويل القصر والقسم الجنوبي من حديقته الى سجن رئيسي في العاصمة طهران في عام 1929، اي بعد اربع سنوات من حكم السلسلة البهلوية على يد رضا خان. وجرى بناء السجن طبقاً للمواصفات الاوربية. وقام رضا شاه نفسه بإفتتاحه، ولكنه تردد وخاف أن يدخل الى زنزانات السجن. يحيط بالسجن سياج مرتفع بحيث لا يتسنى للناظر من الخارج، حتى ولو كان على أسطح المنازل المحيطة، النظر إلى ما يجري في داخل السجن. ويضم السجن قلاعاً داخلية تشكل مختلف أقسام السجن، خمسة قواطع، وملحاقاتها من إدارة ومرافق للحرس ومطابخ ومستشفى ومرافق للنظافة والإستحمام وقسم ذي طراز يختلف عن البناء القديم ومخصص للسجينات. ما أن دخلنا السجن حتى قادونا ونحن مكبلين بالقيود إلى الإدارة حيث جرى تحويلنا بعد أن دققت الأمور الروتينية. ثم نودي على عدد من حرس السجن لكي يقودوننا إلى القاطع رقم 3 المخصص للسجناء السياسيين. كنا نحن ستة عراقيين وهم محمد علي سيادت ومحمد الحمداني وكاظم غنتاب المالكي وسعيد المسعودي ومحمد حسن عيدان وأنا. وكان معنا من الإيرانيين حسين قبادي الذي أشرت أليه وكان قد حكم عليه بالإعدام.
سرنا مشياً على الأقدام من إدارة السجن الرئيسية إلى القاطع رقم ثلاثة. كانت أشجار السرو تحيط بباحة السجن الواسعة. وعبرنا مختلف قواطع السجن حتى وصلنا إلى القاطع رقم 3 المخصص للسجناء السياسيين. وقرع الحرس المرافق لنا البوابة الحديدية. وبعد لحظات فتحت بوابة القاطع ليطل منها حارس بدين ذو شارب غليظ مفتول وصوت رعدي مجلجل. دخلنا القاطع وقادونا إلى إدارته حيث كان يجلس ضابط الخفر ذو الوجه العبوس وراء طاولته. تحدث معنا بلغة الكبرياء والسخرية خاصة عندما عرف أننا من العراق. وبدأ يستفزنا مما أثار حفيظة أبو ثائر – محمد حسن عيدان– الذي بادره بأجوبة مخلوطة بين الفيلية والفارسية وتليق به. وبدأت الملاسنة بين الضابط وبيننا جميعا، ولم أكن أسمع إلا خليطاً من الشتائم العربية والكردية والفارسيةً، وتطور الامر حيث حاول الإعتداء علينا باليد علاوة على السباب والشتائم بالفارسية، والتي لم أدرك فحوى غالبيتها. وسرعان ما تدخل حرس القاطع وأعادوا القيود في أيدينا وصاحوا على حلاق القاطع لكي يحلق رؤوسنا "بالنمرة صفر" كما يصطلح عليه العراقيون، وذلك بمثابة عقوبة وأول بوادر "الترحيب" بنا في هذا القاطع. وجاء الحلاق وعرف نفسه وبدأ مهمته غير المشرفة بحلق رؤوسنا بشكل عبثي وخبيث كما بدا لنا بعد أن نظر كل واحد منا تجاه الآخر مما أثار الضحك لدينا. عرفنا فيما بعد أن الحلاق إسمه معروف وهو من أهالي مدينة مهاباد في كردستان إيران. وكان معروف هو الآخر سجيناً سياسياً متهماً بالنشاط في صفوف الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني، حيث أعتقل وحكم عليه بالأشغال الشاقة المؤبدة، ولكنه قدم براءة لكي يجري إطلاق سراحه.
لمحت في تلك اللحظات الضابط الايراني السجين حسين قبادي وهو ينظر بفضول الى تلك الملاسنات التي جرت بيننا وبين حرس السجن وعلى شفتيه ابتسامة سخرية لربما من هؤلاء الحرس ولكنه آثر الانزواء وعدم التدخل. لاحظت ان ضابط الخفر والحرس كانوا ينظرون برهبة الى هذا السجين ممزوجة بقدر من الاحترام. وبتقديري انهم كانوا يعرفون قصته وهو الضابط السابق في نفس السجن والذي سهل هروب السجناء من قادة حزب توده ايران، إضافة الى كونه قد عمل في نفس الموقع سابقاً، ولكنه الآن في عداد السجناء. كما لاحظت ان احد العرفاء المتقدم في السن كان يعامله بلطف واحترام خاص، وتبين لنا بعدئذ ان هذا العريف كان يخدم في السجن في وقت هروب السجناء وتحت امرة نفس الضابط حسين قبادي.
بعد هذه الممارسة المهينة من قبل السجانين فتحت بوابة حديدية ضخمة مؤدية إلى ممر طويل وعلى احد ضلعيه تصطف غرف السجناء الواحدة تلو الأخرى. كان في إستقبالنا عند البوابة سجين وهو ممثل السجناء محيياً قدومنا وبلغة عربية ذات لكنة إيرانية. وجه كلامه إلينا قائلاً: أهلاً وسهلاً. كان هذا السجين هو السيد سقايت، وكان في غاية الأدب واللطف معنا. وعرفنا أنه من أهالي شيراز ويتحدث باللهجة الشيرازية المميزة، وهو يقضي فترة حكمه البالغة عشر سنوات بتهمة النشاط في صفوف حزب توده إيران. توجه السيد سقايت الى الضابط السجين حسين قبادي وكلمه بإحترام وبالحاح عسى ان يرافقنا الى الغرفة التي سنتجه إليها، ولكنه اعتذر وآثر البقاء في ممر السجن الطويل مع ما يحمله من ملابس شخصية بسيطة. واخيراً قادنا السيد إلى الغرفة التي يعيش فيها مع عدد من السجناء الذين رحبوا بنا أشد الترحيب، وراح البعض منهم يحاول أن يتخاطب معنا ببعض الكلمات العربية التي تعلموها من المجموعة الكبيرة العراقية التي سبقتنا الى السجن بعد أن فروا من العراق بعد إنقلاب شباط عام والقي القبض عليه في ايران 1963، والذين تم تحويلهم إلى العراق قبل بضعة أشهر من قدومنا إلى سجن قصر.
في أثناء الحديث، وبعد ان تناولنا الطعام ، إستمعنا الى نكات احد السجناء من اهالي كرمنشاه والذي لم ينفك طوال مدة سجنه عن النكته والضحك حتى اطلاق سراحه بعد سنوات. انه العزيز محمود وهو من اكراد كرمنشاه والمتهم بنشاطه في صفوف حزب توده ايران ايضاً.
أثناء تناولنا الشاي الايراني اقترب منا ثلاثة سجناء. وما ان بدأوا الحديث حتى تبين لنا انهم عراقيون فضلوا في البداية التزام الصمت لحين التعرف على هويتنا. انهم كل من عبد الوهاب، الكردي الفيلي النبيل من محلة عكد الاكراد في بغداد، وحسين المراياتي من اهالي كربلاء ومحمد رضا، وقد قبض عليهم اثناء محاولتهم التسلل عبر الحدود الشمالية الايرانية متوجهين الى الاتحاد السوفييتي ويرافقهم الشاعر المبدع مظفر النواب. لقد وقع هؤلاء في فخ عملاء الساواك الذين انتحلوا صفة التنظيم السري لحزب توده ايران، ونقلوهم الى الحدود، ثم تم القبض عليهم بحركة مسرحية مفتعلة. لقد وقع العديد من الفارين العراقيين من جحيم شباط في العراق بهذا الفخ المخابراتي الايراني. ولم يتم تحويل هؤلاء الاعزاء الثلاثة الى العراق مع وجبات السجناء التي سلمت الى السلطات العراقية بسبب حيازتهم للجنسية الايرانية أوما كان يطلق عليهم بالتبعية. كانوا في انتظار المحكمة العسكرية لمحاكمتهم باتهام العبور غير القانوني الى الاتحاد السوفييتي والنشاط في تنظيم معادي للحكم. وهكذا اصبح عددنا نحن العراقيين ثمانية سجناء في سجن قصر المركزي في العاصمة طهران. وفي الحقيقة كان لقاء هؤلاء الاحبة قد شكل مصدر نشوة ودعم لنا خاصة، خاصة وإننا نجهل طبيعة السجن والسجناء وما ينتظرنا، وكانوا خير عون لنا في الايام القادمة ولحين خروجهم من السجن بعد اشهر بعد ان تم الحكم عليهم من قبل المحكمة العسكرية بأحكام تتراوح بين السنة والسنتين.
لم يتيسر لنا في بداية قدومنا الى السجن الا الحصول على غرفة رطبة صغيرة في آخر ممر السجن وبجانب المرافق الصحية، وهي الغرفة رقم 7، حيث انحشرنا نحن الستة في هذا الجب. وجمعنا ما تيسر لنا من البطانيات السجنية لكي نستخدمها للنوم والغطاء في آن واحد. وتفضل بعض السجناء بمد يد العون لنا لكي ننعم ببعض الشراشف النظيفة. وقام سجناء آخرون بتزويدنا بطباخ نفطي صغير لكي نتولى طبخ طعامنا عليه، حيث ان ادارة السجن كانت تدفع مبلغاً زهيداً لكل سجين من اجل تأمين حاجاته من الغذاء وغيره. ورحنا نتدبر أمر حياتنا في السجن علماً اننا كنا مقطوعين عن الاهل في العراق، وبالتالي لم نستطع في البداية تأمين موارد مالية لسد حاجاتنا سوى الاعتماد على ما تقدمه ادارة السجن من مبالغ زهيدة جداً لامرار قوتنا.
بني قاطع رقم ثلاثة المخصص للسياسيين على شكل مثلث قائم الزاوية. ويطل على باحة مثلثية ايضاً يتوسطها حوض يملأ بالماء. ويتم غلق باب الباحة في ساعات الليل. ويمثل هذا القاطع واحداً من القواطع الموجودة ضمن القلعة الكبيرة التي تحيط بكل السجن. والى جانب القاطع المخصص للسياسيين فهناك القاطع رقم واحد الذي يحتضن القسم الاكبر من السجناء العاديين المتهمين بتعاطي بالمخدرات وترويجها والذين يصل عددهم الى الالاف. وهناك قسم آخر للسجناء المتهمين بالقتل والسرقة وقسم آخر مخصص للسجينات، هذا اضافة الى قسم آخر للمصابين بالامراض المعدية أو بالمراض العصبية ومستشفى السجن والبناء المخصص للنظافة والاستحمام. لقد شهد هذا السجن كل الاحداث السياسية الايرانية في القرن العشرين الى ان تم ازالته أخيراً في بداية القرن الحادي والعشرين بعد ان بني سجن حديث رهيب آخر هو سجن إيفين في العاصمة طهران وسجون اخرى مماثلة في بعض المحافظات الايرانية في مطلع السبعينيات من القرن العشرين.
لقد إحتضن سجن قصر في طهران جميع قادة الحركة الوطنية الايرانية. ففي هذا السجن تم اعتقال قادة الحزب الشيوعي الايراني في منتصف الثلاثينيات من القرن العشرين. وتم فيه اغتيال سكرتير الحزب الدكتور تقي اراني في عهد الشاه رضا خان بعد زرقه بإبرة ماء. كما تم سجن مجموعته المعروفة بـ"مجموعة الاثنين وخمسين"، ومن ضمنهم الكاتب الايراني الروائي الشهير بزرك علوي. وقد ألف بزرك علوي روايته الشهيرة "52" الذي تحدث فيها عن يوميات السجناء مشيراً ايضاً الى اوائل النــــــزلاء الشيوعيين لسجن قصر

الدكتور تقي اراني
كاتب وعالم وفليسوف وسكرتير الحزب الشيوعي الايراني
أغتيل في سجن قصر في 3 شباط عام 1940
ومنهم عبد الحسين تيمورتاش وسردار اسعد بختياري وعشرات من الوطنيين الايرانيين الآخرين. ومن هذا السجن ايضاً تم تهريب قادة حزب توده ايران في عام 1950 كما اسلفت سابقاً، وهوالحدث الذي هز ايران والعالم انذاك بسبب ما انطوى عليه من استخفاف وتعرية للحكم المتهري في ايران. وكان هذا السجن المكان الرئيسي لسجن ضحايا الانقلاب العسكري في عام 1952 ضد حكومة الدكتور مصدق، وخاصة اعضاء حزب توده واعضاء تنظيم الضباط التابع للحزب.
إن ايران كبلد مجاور لنا، فقد كان للسياسيين العراقيين من مختلف الالوان زاوية خاصة بهم في سجن قصر. فقد قبع وراء جدران هذا السجن اؤلئك الذين هربوا من العراق من انصار حركة رشيد عالي عام 1949. كما قبع في هذا السجن لفترة دامت بضع سنوات الشهيد محمد حسين ابو العيس الذي فارق الحياة بعد التعذيب الرهيب على يد انقلابيي شباط عام 1963. فلقد جرى القبض على الشهيد ابو العيس من قبل المخابرات الايرانية عندما هرب بعد حملات البطش التي طالت قيادة الحزب في عام 1949. ومكث في طهران بضيافة قيادة حزب توده ايران الى ان وقع الانقلاب الذي دبرته وكالة المخابرات المركزية الامريكية ضد الدكتور محمد مصدق ولصالح عودة السلطة للشاه الهارب. ولكن بعد الانقلاب التحق أبو العيس بتنظيم منشق عن حزب توده ايران واسمه "المحفل الماركسي" مع عدد من كوادر حزب توده ايران ومنهم الدكتور هاشم بني طرفي. وقد لام هذا الجناح الحزب على الاخطاء التي ارتكبها في عهد الدكتور مصدق وعدم تصديه بشكل مناسب وفي الوقت المناسب للانقلابيين. وتم الكشف عن هذا التنظيم من قبل المخابرات الايرانية وحكم على الشهيد أبو العيس بالسجن لمدة ثلاث سنوات. وإحتضن هذا السجن ايضاً الشخصية النقابية لعمال النفط في عبادان وهو المرحوم موسى اسد ابن البصرة، الذي كان يحمل الجنسية العراقية، والذي التجأ بعد اطلاق سراحه من السجون الايرانية الى العراق بعد ثورة تموز عام 1958 ، وعين ملحقاً ثقافياً في السفارة العراقية في العاصمة الجيكوسلوفاكية براغ. وبقي موسى اسد في منصبه حتى انقلاب شباط 1963، حين فصل من وظيفته واستقر لاجئاً في براغ حتى وافته المنية في التسعينيات من القرن الماضي اثر اصابته بمرض السرطان.
تراجع صيت هذا السجن بعد ان نقل السجناء السياسيين الايرانيين، كما اسلفت، الى سجن إيفين الرهيب الجديد في شمال العاصمة وعلى سفوح البرز، والى السجون الاخرى. واصبح سجن قصر مركز ما يعرف بلجنة مكافحة التخريب المخيفة في بداية السبعينيات من القرن العشرين. ولكن اسم سجن قصر عاد ليتداول على ألسنة الرأي العام الداخلي والعالمي بعد ثورة عام 1979، عندما اقتحم الميدان رجل دين مثير للجدل هو صادق خلخالي، الذي أشرف على التحقيق وبسط محاكمات "صاروخية" لرجال العهد السابق ثم لمعارضين من مختلف الالوان وخاصة من الحركة القومية الكوردية في ايران، واعدامهم في السجن نفسه بعد ان جرى ترميم جدران السجن بعد الخراب الذي حل به خلال الثورة. الا أن السجن أصبح مصدر حركة وضوضاء اثارت حفيظة السكان، مما دعى المسؤولين أخيراً الى التفكير بهدم السجن وتحويله الى حديقة، وهذا ما جرى بالفعل في عام 2003.
يتبع[/b][/size][/font]

9  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / آراء حول مشروعي النظام الداخلي والبرنامج المقترحين على المؤتمر الوطني الثامن للحزب الشيوعي العراقي في: 21:25 06/09/2006
آراء حول مشروعي النظام الداخلي والبرنامج  المقترحين على المؤتمر الوطني الثامن للحزب الشيوعي العراقي
عادل حبه
النظام الداخلي

في البداية، لا بد من الاشارة الى أن مسودة مشروع النظام الداخلي الجديد تؤكد على أن هناك تطور جديد وتحول هام في النظرة تجاه بناء حزب حديث يعمل في ظروف من العمل السياسي العلني، رغم التعقيدات المعروفة السائدة الآن في بلادنا. إنها خطوة جديدة هامة يتخذها الشيوعيون العراقيون نحو المزيد من التجديد والعصرنة في الحزب. هذا المشروع في حالة مناقشته الواسعة، ولتكن حتى من قبل غير الشيوعيين، سيترك أثراً كبيراً ليس فقط على نشاط الحزب اللاحق، بل وسيترك أثراً غير قليل على نمط العمل السياسي في العراق، خاصة ونحن نشهد الآن حالة من الفوضى والعبثية والعنف الفريد يسود نشاط غالبية الحركات السياسية وخاصة الحركات السياسية التي وضعت الدين واجهة في نشاطها.
إن النظام الداخلي لأي حزب هو عبارة عن قواعد وأدوات لعمل الحزب وتنظيم العلاقة بين أعضائه وترتيب حياته الداخلية، ناهيك عن كونه صورة مصغرة لما يراد ان يكون عليه نمط العمل السياسي في المجتمع. وعلى هذا، فلا يوجد أي مبرر لإثقال هذه الوثيقة بقضايا فكرية او مقولات تاريخية، وينبغي الاقتصار على قواعد واصول عمل الحزب الداخلي فحسب.
ومن هنا فإن إختصار مقدمة النظام الداخلي الى أقل من صفحة هو أمر جيد لتفادي تكرار العبارات البرنامجية، وحبذا لو يجري المزيد من الاختصار. ولكن لدي بعض الملاحظات حول صياغة المقدمة سأوردها تباعاً على مشروع النظام الداخلي. وفي هذا المجال ارى من الصحيح عدم اقتصار استرشاد الحزب فقط بالفكر الماركسي كما ورد في المسودة، وحذف عبارة "الفكر الماركسي" وإستبدالها بـ "الفكر الاشتراكي" الذي يمتد تاريخه الى قرابة ستة قرون من الجدل والنقاش الجاد حوله والى الآن. وما أفكار ماركس الا محطة هامة في هذا النقاش الطويل حول اقامة مجتمع عادل.
وفي نفس المقدمة ارى استبدال عبارة "شعوب وادي الرافدين" بـعبارة "حضارات وادي الرافدين" دفعاً للالتباس. فهناك في العراق شعب واحد يضم قوميات وطوائف مختلفة ولا يضم شعوباً مختلفة، مهما تنوعت القوميات والطوائف. فهناك شعب سويسري واحد وأمة سويسرية واحدة رغم ان سويسرا تضم قوميات مختلفة ضمن اطارها الجغرافي السياسي، والشعب الامريكي شعب واحد وأمة أمريكية واحدة تضم قرابة كل قوميات العالم، وكذا الحال بالنسبة الى الشعب الروسي فهو شعب واحد يضم حوالي 30 قومية واقوام قاطنة في روسيا. إن بلدنا العراق حسب تعريف الدستور الجديد هو بلد فدرالي وليس كونفدرالية من شعوب ودول متنوعة، ولذا فلا مجال من الناحية العلمية الحديث عن شعوب متعددة فيه. فالكيان السياسي الجغرافي لأي بلد هو الذي يكون شعب واحد فقط وأمة واحدة فقط وليس اكثر من شعب وأمة واحدة. وفي مثالنا العراق هناك امة عراقية وشعب عراقي واحد.
كما ينبغي في المقدمة التأكيد على عراقية الحزب. فالحزب الشيوعي العراقي يكاد أن يكون الحزب الوحيد الذي يحتفظ بهذه الهوية في حين تتلاعب الغالبية من الاحزاب بهويات مذاهب وطوائف و مناطق و"أعمام" و"عشائر"، وهي تقليعة ورثناها من نظام الهدم السابق، وهي لا تشكل هوية عراقية، بل وتدوس على هوية البلد وتتنكر له بهدف تمزيق العراق وشرذمته، وخلق العداء بين ابنائه. ومن هنا أرى ان يشار في الفقرة الثالثة من المقدمة الى أن "الحزب الشيوعي العراقي حزب وطني عراقي مستقل، ..... وهو تجسيد لوحدة نضال الشعب العراقي بقومياته العربيه والكردية والقوميات الاخرى وأديانه وطوائفه، دون الاشارة الى أقليات أو رئيسيات كما ورد في المسودة، تفادياً لحساسيات نحن في غنى عنها.
وفي نفس المقدمة أرى إعادة النظر في البند الخاص حول التضامن والاقتصار على العبارة التالية:"إقامة الروابط الكفاحية مع كل الحركات والاحزاب الداعية الى نبذ الارهاب والعنف والى تقارب الشعوب وتآخيها، ومن أجل تطوير الحضارة البشرية وتثبيت وحماية القيم الانسانية.....الخ". فالصورة الآن في بعض الاحزاب اليسارية وحتى الشيوعية غير مشجعة، بل ومعيبة، عند الحديث عن التضامن والتآخي معها. فبعض هذه الاحزاب، وخاصة الحاكمة منها، تبني ديكتاتوريات في بلدانها، مثل كوريا الشمالية وكوبا، وهو أمر يتعارض مع كل ما يطرحه الحزب في برنامجه. كما ان العديد من الاحزاب الشيوعية تتضامن مع بن لادن والزرقاوي و"المقاومة" العراقية المزعومة على حساب دماء العراقيين، ومن بينهم الشيوعيين، ولا ترفع صوتها بالتضامن مع الشعب العراقي بل تقيم الدنيا وتقعدها في مؤتمراتها الحزبية للدفاع عن صعاليك "المقاومة" العراقية وبحضور، وللاسف، مندوبين صامتين عن قيادة الحزب الشيوعي العراقي، كما حصل في المؤتمر الاخير للحزب الشيوعي السوري. كما ليس هناك ما يجمعنا مع قيادة الحزب الشيوعي الروسي التي لم تكتف بقبض كوبونات نهب النفط والرشاوي من صدام حسين فحسب، بل ما زالت تحن الى "ايام الخير" في عهد حكم الطاغية. فأي تضامن وتآخي مع مثل هذه الاحزاب؟؟.
اما في مبادئ بناء الحزب، وفي المادة 1، فلا أرى اي مبرر للتكرار حول هوية الحزب التي تدرج عادة في برنامجه. ولهذا اقترح ان تقتصر الصياغة كالآتي :"الحزب الشيوعي اتحاد طوعي لمواطنات ومواطنين عراقيين يجمعهم القبول ببرنامج الحزب ونظامه الداخلي". وتحذف كل الفقرة التي تليها من"الدفاع عن ....الى الاشتراكية فيها".
وفي الفقرة 1 من المادة 1، اقترح حذف الفقرة التالية "وتعبر عن ارادة الحزب بجميع اعضائه ومنظماته". فقد لا تعبر القيادة الواحدة للحزب عن ارادة جميع اعضائه حسب التقاليد الديمقراطية التي يراد تكريسها في الحزب وهي لم تكن كذلك في كل تاريخ الحزب تقريباً، بل إن الاعضاء ومن يمثلهم ينتخبون القيادة في عملية انتخابية بين من هم موافق على قيادة الحزب أومخالف لها. فليس كل الاعضاء ينتخبون قيادة الحزب بل تنتخب القيادة بالاكثرية. وفي البند 2، أرى أيضاً حذف "الوحدة الفكرية والسياسية" في بداية الفقرة. نعم للوحدة التنظيمية ووحدة العمل السياسي للحزب وهو أمر ضروري، إذ لا يستطيع اي حزب سياسي العمل وممارسة السياسة في ظل تشرذم تنظيمي ومواقف سياسية متضاربة، ولكنه يستطيع العيش في ظل التنوع في الافكار وفي التنوع في الاراء السياسية بين اعضائه. ولنا في تاريخ الحزب خير دليل على ذلك، حيث تنوعت الافكار والاراء السياسية الى درجة أن خصلت إنشقاقات خطيرة، وهي الانشقاقات التي تعبر عن انعدام الوحدة الفكرية والسياسية، والتي كان من الممكن تفاديها لو جرى الاقرار بوجود هذه التباينات. إن مقولة الوحدة الفكرية والسياسية كنا نرددها ولكنها مخالفة لواقع الحال، ومخالفة لمبدأ ديمقراطي ينص على التعددية وتنوع الآراء. إن هذه الفقرة تنسف فقرات أخرى في مشروع النظام الداخلي حول كون الحزب حزب ديمقراطي وتتعارض معها.
وهناك عدم دقة في صياغة البند الثالث من المادة 1. فقد نصت بداية البند على ان "اتخاذ القرارات الحزبية على مختلف المستويات يتم بالاتفاق العام او بالاغلبية المطلقة. إن الاتفاق العام هو مفهوم مبهم غير وارد في الممارسة الديمقراطية وقواعدها. واعتقد أنه من الافضل حذف هذه العبارة والابقاء على النص بدونه. وفي البند ج اقترح حذف كلمة الاقلية والاستعاضة عنها بكلمة المعارضة، اي القول "حق المعارضة في مناقشة.....الخ"، فقد تشكل 40% وهذه ليست أقلية، كما أنه من الضروري الاقرار بوجود معارضة خلال النشاط السياسي في داخل حزب مما يمنع قمعها. كما يتم الاستعاضة بكلمة "القاعدية" بدلاً عن "الادنى" في عبارة "حق المنظمات الحزبية ....وأعضاء الحزب..". واقترح تصحيح نفس الكلمة في الفقرة 4 والقول "رقابة الهيئات القاعدية...."، بدلاً من "الادنى". هذه الاستعاضة ليست لفظية شكلية، بل تعبير عن احترام الهيئات الاخرى وأصحاب الرأي الآخر. ولربما ينطبق نفس الامر على الفقرة 5 حيث اقترح استخدام "وحق الهيئات القيادية..الخ بدلاً عن الهيئات العليا". كما ارى استخدام كلمة "إعتماد" بدلاً عن كلمتي " اشاعة وتطوير" الواردة في بداية الفقرة 6، وهي كلمة مطاطية قلبلة للتأويل. وفي البند ه من الفقرة 6، اعتقد أنه من الافضل كتابة الفقرة على النحو التالي "إعتماد الشفافية فيما يتعلق بنشاط الحزب وتقديم المعطيات والمعلومات المتوفرة لدى قيادة الحزب الى عضو الحزب بما يمكنه..الخ".
في المادة الرابعة، وفي الفقرة 2، اقترح النص التالي:"يسعى الى تطوير مداركه ومعارفه وثقافته العامة واغناءها وتتبعه للمتغيرات الاجتماعية-الاقتصادية والسياسية والفكرية في العراق، والتعرف على تاريخ العراق والحزب والحركات السياسية والوطنية والديمقراطية في العراق والعالم العربي والدول الاقليمية اضافة الى نضيره في العالم. كما ينبغي السعي الى دراسة وتتبع تاريخ الاشتراكية والمناقشات حولها وتجاربها في العالم".
اما في المادة 10، وفي الفقرة ج، فأرى صياغتها على النحو التالي:"تنظيم التثقيف ببرنامج الحزب ونظامه الداخلي وتاريخ العراق والمتغيرات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية الراهنة، والعمل على رفع الوعي السياسي والمعرفي لاعضاء الحزب والاهتمام باعداد الكادر الحزبي، اضافة الى دراسة تاريخ الحركة الاشتراكية وتجاربها".
ويحتاج القسم الخاص بالحزب الشيوعي الكردستاني الى المزيد من التدقيق على ضوء تجربة العقد الماضي. لنعترف ان تجربة العقد السابق قد اضعفت الحزب الشيوعي العراقي والحزب الشيوعي الكردستاني-العراق على حد سواء. فهذا الحزب لا هو مستقل ولا هو جزء من كيان الحزب الشيوعي العراقي، واضحى في حالة معلقة مما اضعفت الحزب عموماً والحزب الشيوعي في كردستان ايضاً. ويحتاج الامر الى بحث متأني ورفاقي للخروج من هذه الدوامة وعدم الوضوح. ففي المادة 13 وفي الفقرة 2، يشار الى ان الحزب الشيوعي الكردستاني يضم اعضاء الحزب العاملين في كردستان والخارج، ولم يوضح مصير الرفاق الكورد في بغداد وعددهم ربع مليون ولا الموجودين في عدد آخر من المحافظات العراقية. ان الفقرة 4 من المادة 13 تشير الى أن:"يتمتع الحزب الشيوعي الكردستاني –العراق بالاستقلالية في رسم سياسته وخططه وتطبيقها في مختلف المجالات والقضايا الكردستانية"، وهو امر يحتاج الى التدقيق والصياغة الدقيقة. فهناك تداخل بين الوضع في كردستان وباقي العراق، ونحن نعيش في بلد واحد. وان نصف مشاكل العراق وتجبر الحكومات والضحايا التي تحملها جميع العراقيين جاءت نتيجة لعدم حل هذه القضية الخطيرة بشكل عادل وسلمي. إن النظام الداخلي يبيح للحزب الشيوعي الكردستاني ويعطيه حقوقاً واسعة في مناقشة كل الامور المتعلقة بالحزب الشيوعي العراقي والوضع في العراق دون ان يتيح ذلك للحزب الشيوعي العراقي والشيوعيين العراقيين في مناقشة امور تتعلق بالحزب الشيوعي الكردستاني والوضع في كردستان العراق، وهو خلل ينبغي معالجته.
وهناك ملاحظة بقدر ما يتعلق الامر بهيئات الحزب العليا وفي المادة 15 حول المؤتمر الوطني والتي تحتاج الى وقفة خاصة. ففي الفقرة الثانية يشار الى ان :"اعضاء اللجنة المركزية للحزب، واعضاء اللجنتين المركزية والرقابة للحزب الشيوعي الكردستاني"، هم اعضاء بدون انتخاب في المؤتمر العام. وهذا يعني ان مجموعة كبيرة من اعضاء المؤتمر وتشكل نسبة مؤثرة هي عملياً غيرمنتخبة بل معينة من قبل اللجنة المركزية. وهذا خلل جدي في تركيبة المؤتمر من شأنه خدش القواعد الديمقراطية التي يعتمدها النظام الداخلي والحزب في هذه المرحلة بالذات، ولا تشكل مثلاً جيداً نقدمه لتلك الاحزاب الكثيرة في العراق والتي لا تعقد مؤتمراتها اصلاً ولا تعرف معنى الديمقراطية الداخلية في حياتها الداخلية. ينبغي السعي الى تنظيم آلية تسمح بإنتخاب اعضاء الهيئات القيادية من قبل منظمات حزبية للمشاركة في المؤتمر. وينطبق نفس الامر على الحق الذي يعطيه مسودة النظام الداخلي المقترح للجنة المركزية بتسمية واختيار اعضاء في المؤتمر من "المختصين والشخصيات الحزبية"، وهذا يعني ان نسبة يعتد بها من اعضاء المؤتمر هم عملياً من "انصار اللجنة المركزية"، كما يريد النظام الداخلي المقترح ذلك. وهو خلل جدي ينبغي تفاديه. بالطبع من المناسب والضروري دعوة مختصين وكوادر حزبية للاستماع الى آرائهم والسماح لهم في النقاش بحرية في المؤتمر على ان لا يخل ذلك بمبدأ انتخاب عضو المؤتمر من قبل المنظمات الحزبية.
اما في البند ز من الفقرة ،4 فيكاد يتكرر نفس مبدأ التعيين وليس الانتخاب بقدر ما يتعلق بمشاركة الحزب الشيوعي الكردستاني-العراق في الهيئة القيادية للحزب الشيوعي العراقي، وهو ليس بالمثل الذي نقدمه من اجل معافاة وسلامة العمل السياسي في العراقي وتعزيز اللحمة بين العراقيين على اختلاف مشاربهم. اننا في الحزب الشيوعي العراقي ليس لدينا مشكلة في انحدارات واصل هذا القيادي او ذاك في الحزب. فالرفيق الشهيد فهد كلداني وحميد عثمان كردي وسليم الجلبي عربي وبهاء الدين نوري كردي والشهيد سلام عادل عربي وعزيز محمد كردي وحميد مجيد موسى عربي. ومرت فترة غير قليلة كان للعنصر الكردي الاغلبية في القيادة لاسباب موضوعية، ولم يكن لدى اعضاء الحزب اية حساسية تجاه ذلك. فلماذا هذا التكريس المخل "للمحاصصة" بدلا من الاخذ بمبدأ انتخاب الشخص حسب القدرة والكفاءة بغض النظر عن انحداره القومي او الاجتماعي وغيره.
اتوقف الآن عند المادة 17 الخاصة باللجنة المركزية وصلاحياتها. في البداية ارى تغيير اسم اللجنة المركزية الى اللجنة التنفيذية. إن هذه الهيئة المنتخبة من المؤتمر هي هيئة تنفيذية لتطبيق ما اتفق عليه الشيوعيون في مؤتمرهم، وتتحدد مهمتها في تنفيذ قرارات المؤتمر فحسب. ولهذا فهي ليست بلجنة مركزية التي يوحي اسمها بسلطات مركزية وليست تنفيذية، ومن هنا اقترح تغيير الاسم الى اللجنة التنفيذية. ان الفقرة 2 من البند 17 تشير الى ان اللجنة المركزية:" تحدد سياسة الحزب ومواقفه في اطار برنامج الحزب، وخطه السياسي..."، إذن هنا أطرح السؤال التالي: أليس هذا تساطاً على مهمات المؤتمر او تقليصاً لمهامه؟؟، فالمؤتمر هو المسؤول الاول عن هذه المهمة وليس أية هيئة أخرى. لذا اقترح حذف هذه الفقرة والاكتفاء بعبارة "تحديد المواقف على ضوء قرارات المؤتمر وبرامج الحزب". كما تشير الفقرة 3 على ان اللجنة المركزية:"تسهر على تعزيز الوحدة الفكرية والسياسية والتنظيمية للحزب.."، وهي عودة الى اوهام سابقة حول الوحدة الفكرية أو السياسية في الحزب، وهي التي لم تكن موجودة في كل تاريخ الحزب. وهذا امر طبيعي لا يضعف الحزب، بل يغنيه ولا ينتقص منه. فالشخص الواحد تتنازعه عدة افكار، فكيف الامر بمحموعة كبيرة من أعضاء الحزب. نعم للوحدة ان كان الحديث يدور عن وحدة العمل والوحدة التنظيمية للحزب، ولكن من غير الممكن تأمين وحدة فكرية وسياسية في واقع الحياة وفي ظل دعواتنا المتكررة الآن الى التعددية وتباين الاراء وصراعها في الفكر والسياسة.
اما فيما يتعلق بالمادة 18 والمتعلقة بالمكتب السياسي للجنة المركزية للحزب، فهو تكرار لتقاليد سابقة لم تبرر الحياة صحتها. ان ظاهرة " المكتب السياسي" في الاحزاب الشيوعية والعمالية، والتي اقتبستها الاحزاب القومية وحتى الدينية اخيراً، ما هي الا نسخة من تجربة الحزب الديمقراطي الاشتراكي الروسي(البلشفي) بعد ثورة اكتوبر عام 1917، وقبل ان يصبح الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفييتي. ان ظروف إندلاع الثورة البلشفية وتعقيداتها قد فرضت على الحزب تقسيم الهيئة القيادية الى قسمين، قسم يعني بالشؤؤن العسكرية وهو المكتب العسكري لإدارة العمليات العسكرية في ظروف الحرب الاهلية والتدخل الخارجي، وعين على رأسه ليون تروتسكي. وقسم آخر يعني بإدارة الدولة والشؤون المدنية والحزبية واطلق عليه اسم المكتب السياسي، وعين على رأسه يوسف ستالين واصبح لاحقاً السكرتير العام للحزب في حين كان فلاديمير لينين عضواً في المكتب السياسي اضافة الى رئاسته للحكومة حتى وفاته. وتطور الامر بعد وفاة لينين الى أن تحول المكتب السياسي الى كل شئ وفوق كل المؤتمرات والهيئات الحزبية، ثم تحول السكرتير العام يوسف ستالين الى الحاكم المطلق في ادارة شؤون الدولة والحزب مما جلب كوارث على الحزب والدولة. ان الاحتفاظ بـ "تسمية المكتب السياسي" في حزبنا الى الآن هو أمر يثير الدهشة. فليس لدينا مكتب عسكري يدير العمليات العسكرية في البلاد ولا يخوض الحزب الحرب، كما ان اطلاق "السياسي" على المكتب السياسي هو الآخر يثير التساؤل حول هذه الاختصاصات السياسية. فهل ان اللجنة المركزية لا تتدخل في السياسة حتى يسمى مكتبها بالسياسي؟ وهل ان السياسة حكر على المكتب السياسي؟ اذن ارى من الافضل ان يصار الى تبديل الاسم الى "مكتب اللجنة المركزية" فحسب، وهو الذي ينسق اعمالها وهذه هي صلاحيته الوحيدة.
أرجو ان لا اكون قد اطلت، علماً انني اثمن الجهد المبذول في تطوير وتحديث وعصرنة النظام الداخلي. كما ارجو ان تكون هذه الملاحظات مفيدة رغم تواضعها، وأن تسهم في دفع عجلة الحزب الى الامام، وأن يلعب الحزب دوره في معافاة الاجواء السياسية والعمل السياسي في بلدنا الذي تنهشه مخالب التوحش والردة. إنها مهمة مشرفة يستطيع ان يحققها الحزب بالمزيد من التجديد في مختلف شؤون نشاطه.

البرنامج
كما طرحت قيادة الحزب الشيوعي العراقي مشروع برنامج الحزب الجديد لمناقشته من قبل اعضاء الحزب والرأي العام، كي يتم المصادقة عليه او رفضه من قبل المؤتمر الوطني الثامن القادم للحزب.
في البداية اود الاشارة الى مقدمة المسودة، واقترح ان تقتصر على صفحتين فقط تشير الى النشاط الايجابي للحزب خلال سبعة عقود من تاريخه، عوضاً عن المقدمة المقترحة في المسودة وهي بغالبيتها تكرار لمواد تقع في صلب البرنامج المقترح في نفس المسودة. فمن المفضل والمفيد الاشارة الى مساهمة الحزب في دفع المجتمع العراقي نحو العصرنة والتحديث والتنوير، وهو امر بالغ الاهمية بسبب التجهيل الذي حاول النظام السابق ويحاول بعض الجهلة والمتخلفين الآن فرضه على المجتمع من ناحية، ومن ناحية أخرى تذكير بما قدمه الحزب من مساهمة تستحق الاعتزاز في وقت يحاول تيار التخلف اضفاء مسحة سوداء على هذا التاريخ غير المعروف للاجيال الشابة. كما ينبغي اضافة فقرة مختصرة في هذه المقدمة عن اخفاقات الحزب ومسؤوليته عن الانكسارات التي تعرضت لها الحركة الديمقراطية العراقية والوطنية عموماً. أن ما يفتخر به الحزب هو الكثير وهو نيرّ، الى جانب اخطاء فادحة ينبغي ان نصارح بها الرأي العام ونعلم الاحزاب السياسية العراقية جميعها على نقد الذات، هذه الاحزاب التي لم تمارس بغالبيتها الساحقة هذا الاسلوب الحضاري في نقد تجربتها وتصحيح مسارها كما فعل الحزب الشيوعي العراقي. ويمكن الاستفادة وبإختصار من مقالة كتبتها في ربيع عام 2006 بمناسبة الذكرى الثانية والسبعين لتأسيس الحزب.*

أما اذا ارتؤي التمسك بمسودة المقدمة، فأرى إختصارها والتدقيق في مضانينها على النحو التالي:
1- الفقرة الاولى: تغيّر على النحو التالي:"تأسس الحزب الشيوعي العراقي في 31 آذار 1934 كحزب مدافع عن مصالح الشعب العراقي وفي المقدمة منها مصالح العمال والفلاحين وقوى الحداثة والتنوير في المجتمع العراقي، كحزب يناضال ضد الاضطهاد السياسي وضد التمييز القومي والطائفي وضد الاستغلال الاقتصادي. حزب يناضل من أجل تحرر العراق واستقلاله وارساء دعائم الديمقراطية وتحقيق الازدهار والتقدم للبلاد وصولا الى بناء مجتمع عادل اي الاشتراكية. ان حذف كلمة "تعبيراً عن ارادة ابناء الشعب من الكادحين ..." ، يعود الى أن الحزب او الحركة الاشتراكية في العراق قامت في العراق على اكتاف المثقفين، وبالطبع ليس في العراق بل في كل بقاع العالم. ولم يكن لدى الكادحين الوقت للاطلاع على دعوات هذه الحركة الا لاحقاً.
2- الفقرة التالية تغيّر على النحو التالي:" ويسترشد الحزب الشيوعي العراقي في سياسته بالفكر الاشتراكي، ساعياً الى تطبيقه ضمن ظروف العراق، وبالاستناد الى الواقع الإجتماعي للعراق المعاصر والتطورات الجارية فيه"، وحذف كل ما هو خارج على التغيير تفادياً للتكرار من ناحية، ومن ناحية أخرى الاستفادة من كل التراث الاشتراكي فهو اوسع من الفكر الماركسي على اهميته الكبرى.
3- الفقرة التي تليها تقرأ على النحو التالي:" كما يستلهم......، فضلاً عن تراث العرب والكورد والقوميات والمكونات الاخرى في وطننا ورصيدها النضالي"، اي تحذف كلمة الشعبين ...الخ. فهناك شعب عراقي واحد ولا يوجد شعب عربي او كوردي في العراق، لان اطلاق كلمة شعب يرتبط بوجود اية مجموعة من السكان، بغض النظر عن انحداراتها القومية وغير القومية، ضمن كيان حدودي جغرافي وسياسي محدد ومعترف به دولياً،وهذا لا ينطبق لا على الشعب العربي ولا الكوردي في العراق، ناهيك على نطاق المنطقة.
4- تحذف الفقرة التالية:"وكان الحزب الشيوعي منذ نشأته...الخ". لتفادي التكرار.
5- الفقرة التي بعدها أقترح صياغتها على النحو التالي:"وهو في الوقت عينه حزب وطني عراقي يضع مصلحة الوطن قبل اية مصلحة، ويعتز بمسيرته النضالية ويستمد منها العزم والتصميم على تحقيق استقلال البلاد".
6- الفقرة التالية تصاغ على الوجه التالي:"والحزب الشيوعي العراقي ديمقراطي في بنائه وتنظيمه وحياته الداخلية ونشاطه وعلاقاته مع القوى السياسية والاجتماعية الاخرى. ويرفض الحزب كل اشكال الارهاب والعنف والاستبداد والتسلط السياسي وتشكيل الميليشيات المسلحة. كما يرفض الحزب كل أشكال التمييز القومي والعرقي والديني والمذهبي والطائفي او التمييز على اساس الجنس. ويناضل الحزب من أجل ارساء قواعد نظام ديمقراطي قائم على التعددية السياسية والتدوال السلمي للسلطة والفصل بين السلطات واحترام حقوق الانسان وحرياته الشخصية والفردية، وبناء دولة ديمقراطية عصرية أساسها الدستور والقانون والمؤسسات المنتخبة".
7- حذف الفقرات الثلاث التالية تفادياً للتكرار، والتي تبدأ بـ:"وفي السياق نفسه..الخ".
8- الفقرة آخر الصفحة تصاغ على الوجه التالي:" يناضل الحزب من أجل استعادة الوحدة الوطنية والتلاحم بين مكونات الشعب وسائر القوى ذات المصلحة في إدانة الارهاب والعنف وتحقيق الاستقلال الوطني والديمقراطية. ويعمل الحزب على صيانة وحدة الشعب العراقي بقوميتيه العربية والكردية ومكوناته القومية والطائفية الاخرى على اساس ضمان الحقوق المشروعة لها جميعاً، ونبذ الشوفينية والتعصب القومي والنعرات العنصرية والطائفية داعياً الى التمسك بتقاليد التسامح والتكافل الاجتماعي وإزالة ثقافة الحقد والعنف بكل اشكاله".
9- الفقرة التالية تصاغ على الوجه التالي:" يعمل الحزب على توطيد النظام الفدرالي الذي اقره الدستور العراقي الجديد، بإعتباره الشكل المناسب للحكم في العراق وكتعبير عن الارادة الحرة للعراقيين القائمة على تأمين المصالح والمطاليب المشروعة لسكان المناطق التي تدار ضمن هذا المبدأ".
10- يتم الابقاء على العبارة التالية:"ويتمسك الحزب الشيوعي العراقي بإحترام حقوق...الخ.
11- وكذا الحال بالنسبة الى الفقرة التي تليها حل حقوق المرأة.
12- ثم الفقرة الخاصة بالنسبة للشبيبة.
13- ثم الفقرة المتعلقة بالابداع والمبدعين.
14- اما الفقرة الخاصة بالعولمة فأقترح اعادة كتابتها على النحو التالي:"ويقف الحزب الشيوعي العراقي الى جانب الحركة العالمية الرامية الى دمقرطة العلاقات الدولية بكل جوانبها وإزالة الهوة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بين الدول الفقيرة والغنية، ويدين ظاهرة العسكرة والعنف والتدخل العسكري لاخضاع شعوب العالم الى مصالح الاحتكارات والمراكز المالية الكبرى ودولها". هنا اقترح حذف كلمة العولمة التي مازال يدور حولها الكثير من النقاش والملابسات بما في ذلك في مسودة البرنامج التي تتحدث عن وجهان لهذه العملية. انني اطرح السؤال التالي: الم تكن العولمة موجودة عندما تسلط العرب على العالم من اسبانيا الى الصين؟ وكذا الحال بالنسبة لبريطانيا التي اصبحت الامبراطورية التي لا تغرب عنها الشمس في فترة ما، وروسيا التي سيطرت على الجزء الاكبر من اسيا واوربا؟ فهذه الظاهرة ليست بالجديدة.
15- يتم الابقاء على الفقرة التي تبدا بــ" يربي الحزب اعضاءه واصدقاءه...". مع تغيير الجملة الاخيرة التي تشير الى:"، وداعياً الى التمسك بتقاليد شعبنا في التسامح...". ففي تقاليد شعبنا هناك وجهين وجه متسامح ووجه آخر نراه الآن وهو بشع". ولذا ارى تغيير الجملة هلى النحو التالي:"، داعياً الى التمسك بقيم التسامح والتكافل....الخ".
16- تحذف الفقرة التالية:" ويرى الحزب الشيوعي في الفدرالية.."، تفادياً للتكرار.
17- تحذف الفقرات التي تليها الى حد فقرة بناء الدولة السياسي.
18- أعتقد انه من الانسب التركيز على ما هو ملح الآن، خاصة وانه من الممكن حدوث تغييرات سريعة بعد اربع سنوات مع انعقاد المؤتمر القادم، وتفادي البرامج البعيدة المدى. فالشعب العراقي يسعى الى حل قضاياه الخطيرة الملحة المباشرة الان وليس التفكير بما ننوي تنفيذه بعد مائة سنة. وهنا ارى قدر من اعادة النظر في الفقرة المتعلقة ببناء الدولة والنظام السياسي على النحو التالي:
أ‌- يعلن الحزب احترامه وتمسكه ببنود الدستور مع السعي لتطوير وتغيير بعض فقراته التي تتعارض مع القيم الديمقراطية.
ب‌- لم تشر المسودة الى الارهاب، وهو الوباء الاكثر خطراً على البلاد، ولذا ان تعالج الفقرة اللاحقة الارهاب في العراق وامتداداته الدولية لانه جمد كل مناحي الحياة في العراق وشوه العمل السياسي فيه، كما ينبغي الاشارة الى العنف بكل اشكاله وبفقرات واضحة.
ت‌-حل الميليشيات..
ث‌-تصفية تركة النظام الديكتاتوري
ج‌- توطيد واستكمال البناء الديمقراطي
ح‌- تصفية مظاهر التمييز
خ‌- نبذ نهج المحاصصة.....
د‌- العمل على نبذ الواجهات المذهبية والطائفية في النشاطات والصراعات السياسية، لخطورتها على تمزيق النسيج العراقي.
ذ‌- احترام الشعائر الدينية ودور العبادة لكل الاديان والطوائف والتخلي عن اية مظاهر قد تثير العنف والعداوة والكراهية بين ابناء الشعب العراقي ومعتنقي المذاهب المتنوعة.
ر‌- اعادة المهجرين جراء الاحتراب الطائفي، كما ينبغي السعي لعودة المهاجرين والمهاجرين الى خارج الوطن....الخ مما ورد في المسودة.

سياستنا الاقتصادية
ينبغي وضع تسلسل القضايا الاقتصادية حسب اهميتها الملحة في الوقت الراهن.
أ‌- توفير شروط اعادة النشاط الاقتصادي ....الخ.
ب‌- مكافحة البطالة ...... والسعي لتوزيع المؤسسات الاقتصادية على المحافظات دون تركيزها في محافظة بغداد والمدن الكبرى وضواحيها.
ت‌- وضع خطة بعيد المدى لاعادة اعمار الريف وتطوير القوى المنتجة فيه ....
ث‌- الاهتمام بقطاع الدولة وليس بالقطاع العام كما ورد في المسودة، الخ
ج‌- تشجيع مبادرات القطاع الخاص
ح‌- توظيف الريع النفطي....
خ‌- محاربة الفساد الاداري والمالي...
د‌- وضع خطة طويلة الامد لتطوير الموارد البشرية...الخ.
ذ‌- توفير ضمانات العيش الكريم...الخ

القطاعات الاقتصادية والخدمية
1- تغيير الفقرة على النحو التالي:"اعتبار قطاع النفط ملكاً للدولة وخاضعاً لاشرافها وخاصة في مجال التنقيب والمخزون منه"، فلا يوجد عندنا قطاع عام بل هو قطاع الدولة الرأسمالية، وإن كل خصائص القطاع العام الموجودة مثلاً في بريطانيا لا تنطبق من حيث الخاصية على ما هو موجود عندنا. اقترح تغيير كل ماورد في المسودة حول القطاع العام الى قطاع الدولة.
2- تصاغ الفقرة الثانية على النحو التالي:"اعتماد سياسة نفطية عقلانية بما يقلل من الاعتماد على العوائد النفطية، وضمان حقوق الأجيال القادمة من هذه الثروة الناضبة عن طريق تكوين صندوق الاجيال القادمة".
3- الفقرة الخامسة تنقل الى رقم 3: "إعادة تأهيل المنشآت النفطية وتنويع منافذ التصدير".
4- الفقرة السادسة تنقل الى 4 .
5- الفقرة السابعة تنقل الى 5.
6- الفقرة 8 تنقل الى 6.
7- الفقرة 9 تنقل الى 7.
8- الفقرة 10 تنقل الى 8.
9- الفقرة 11 الى 9.
10- الفقرة الثالثة تصاغ على النحو التالي:"تضع الدولة خطة طويلة الامد للمسح الجيولوجي للعراق والتنقيب عن المعادن واحياء ما تم التنقيب عنه مثل حقل الكبريت في الشرقاط وحقل الفوسفات في عكاشات، وتقوم الدولة بالاشراف على استغلال المكامن المعدنية بمساعدة قطاع الدولة والقطاع الخاص وبالاستفادة من الخبرة والتوظيفات الاجنبية".
11- الفقرة 4 تصاغ على النحو التالي:" الاستفادة من الاستثمارات والخبرات الاجنبية مع السعي للتخفيف من تأثيراتها السلبية على المصالح الوطنية". لانه لا توجد اية استثمارات اجنبية لاتؤثر سلباً على السيادة الوطنية التي اضحت لها مفهوم جديد الان، بالرغم من الفوائد الايجابية التي يجنيها البلد من الاستثمارات الاجنبية.
12- تحذف الفقرة الخامسة.
13- الفقرة 11 تصاغ على الوجه التالي" وضع خطة سريعة واستثنائية لمعالجة أزمة قطاع الكهرباء، واعتماد ستراتيجية جديدة تهدف الى تحسين ادائه عن طريق تطوير مصادر انتاجه المتنوعة كالوقود والطاقة المائية والريح والطاقة الشمسية. وتحسين اساليب تطوير هذا القطاع لتلبية حاجات البلاد الخدمية والصناعية والزراعية".
14- تحذف الفقرة12 .

ثانياً: القطاع الصناعي
1 – الفقرة 2، إضافة العبارة التالية على الجملة الموجودة:" ،وإعادة النظر في المشاريع التي تحمل الدولة خسارة كبيرة، اما عن طريق بيعها للقطاع الخاص او الاجنبي ، او التخلص منها كلياً.

ثالثاً: القطاع الزراعي
/
/
/
رابعاً: المياه والبيئة
العمل على:
1- الفقرة الثالثة تصاغ على النحو التالي:"إن الثروة المائية للعراق قروة وطنية كبيرة وفريدة في المنطقة، ولا يقل مردودها عن الثروة النفطية. ولذا ينبغي احياء مشروع الموازنة المائية في العراق سواء فيما يتعلق بموارد المياه السطحية او الجوفية، ووضع الخرائط العلمية من اجل استثماره الموارد المائية عقلانياً بعيداً عن هدر المياه والاساليب المتخلفة عند ري الاراضي الزراعية الذي يسبب الملوحة ودمار الاراضي الزراعية، او الضخ غير المبرر لآبار المياه الجوفية. أن احياء مشروع الموازنة المائية من شأنه رسم سياسة متوازنة لاستغلال الثروة المائية تؤمن المحافظة عليها وفق منظور ستراتيجي يضمن حقوق العراق في موارد المياه وحسن استخدامها استجابة لحاجات البلاد من مياه الصالحة للشرب بعيداً عن التلوث، او للاغراض الزراعية والصناعية".
خامساً: التشييد والاعمار
1- تضاف الفقرة التالية كفقرة رقم 3. " الاستفادة من الخبرات الكبيرة عند القطاع الخاص في مجال التعمير والانشاءات، وتوفير الفرصة له في الدخول في مناقصات الانشاء والتعمير مما يعزز هذا القطاع ويوفر فرصاً اكبر للعاطلين عن العمل".

حقوق القوميات
نناضل في هذا المجالمن اجل:
1- في الفقرة 1 تحذف عبارة :"في كافة اجزاء وطنه" من جملة اقرار حق تقرير المصير للكورد وليس لشعب الكوردي، فهو غير موجود تماماً كما هو ليس هناك شعب عربي بل شعوب عربية. ان الالتزام بالفقرة السابقة تضعنا في صدام مع كل الدول المجاورة، ولذا اقترح الاكتفاء بعبارة حق المصير التي لا تلزمنا في موقف عدائي ازاء الدول المجاورة، بل تلزمنا بموقف مبدأي يندرج في اطار البيان العالمي لحقوق الانسان.
2- الفقرة 2 " هل ان الصابئة تعد قومية؟"، ارى حذفها ونقلها الى مكان آخر يتعلق بالحقوق الدينية، اضافة الى الشبك واليزيديين وغيرهم.

العلاقات الخارجية
1- الفقرة ب اقترح صياغتها على النحو التالي:"تعزيز الروابط مع الدول العربية والسعي للتكامل معها في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، والعمل على دمقرطة جامعة الدول العربية وتعزيز دورها في العمل العربي المشترك". فالبرنامج معد لفترة قصيرة، وقضية الوحدة العربية طويلة الامد قد تمتد الى عقود او قرون، ولهذا ليس من الصحيح تكرار زرع الاوهام في عقول العراقيين والتي ثبت فشلها.
2- الفقرة ح، اقترح صياغة الفقرة على النحو التالي:"تنشيط العمل المشترك...... ضد العنف والارهاب والظلامية والتخلف ومن اجل الديمقراطية وحقوق الانسان...".

العلاقات على الصعيد الدولي
1- الفقرة ج اقترح صياغتها على النحو التالي: التضامن مع كافة شعوب العالم وقواها الديمقراطية ضد الارهاب والعنف ومن اجل دمقرطة العلاقات الدولية ومواجهة نزعات الهيمنة والقطب الواحد والتسلط التي تسعى اليها بعض الدول الرأسمالية الكبرى ومن ورائها الشركات والاحتكارات الدولية".
في الخاتمة اقترح استخدام كلمات علمية وعدم استخدام عبارات عاطفية مثل الغلو والوحشية التي هي عبارات عامة تحريضية. كما انه من الضروري الاشارة الى ان العراق يسير في مرحلة التطور الرأسمالي، وهو واقع لابد منه، ولا يمكن القفز عليها كما كنا نظن في السابق، وان لا نقلق من كلمة الليبرالية، فهي مرادفة للتطور الرأسمالي أحد الجوانب الايجابية فيه. أعود وأكرر إن الرأسمالية مرحلة لابد منها في مراحل تعاقب التشكيلات الاجتماعية الاقتصادية، هذه المقولة التي جاء بها ماركس، وان واجب الشيوعيين والحزب زج كل الخيريين في العراق في الحد من النتائج العرضية السلبية التي لابد منها في هذه المرحلة بمختلف الوسائل النضالية والخطوات الاصلاحية، بما يقلل من اضرار هذه العوارض السلبية خاصة على الكادحين من عمال وفلاحين وشغيلة الفكر او حتى على السيادة الوطنية.
إن طرح موضوعة الاشتراكية في مسودة البرناج، بإعتبارها الامل البعيد المدى وليس الآني للشيوعيين العراقيين، ينبغي ان يرتبط برؤيتنا لهذا الافق. اعتقد انه من الضروري ان نوضح للمواطن العراقي ان الاشتراكية، بإعتبارها امل بعيد المدى، هي عملية موضوعية ارتقائية تنضج عندما يبلغ اي مجتمع اعلى اشكال انتاجية العمل وتنظيم العمل وارقى اشكال العلاقات الاجتماعية وارقى اشكال بناء الدولة السياسي، وفي ظل عدم امكانية التشكيلة الاجتماعية الاقتصادية الراسمالية الاستمرار اوالتوافق والتطابق والاستجابة لهذه التحولات، وتصاب بالركود في كل مرافق الحياة، وفي اهمها انتاجية العمل. عندها تطرح الاشتراكية نفسها، وهي التي تتبلور في رحم الرأسمالية، لتحل محل التشكيلة القديمة. ان الاشتراكية هي ليست وصفة اوشعار لهذا الحزب او ذاك او برنامج له. وان دور الحزب او الحركة او الحركة الجماهيرية هو دور العامل الذاتي الذي يدرك هذه العملية الموضوعية فحسب، والذي يعجل او يبطئ تلك العملية الموضوعية ولكن لا يستطيع خلقها او الغاءها. فالتشكيلة الاجتماعية الرأسمالية لم تأتي بقرار وببرنامج حزبي، بل تراكمت عناصرها في احضان الاقطاعية وتسرعت بفعل العامل الذاتي المتمثل بالحركات الاصلاحية والثورية التي شملت اوربا لقرون عديدة والتي ناضلت وبقوة من اجل ترسيخ هذا التحول وتسريعه. ولا تختلف الاشتراكية او اية تشكيلة لاحقة عن هذا المسار. ولا تنهار الرأسمالية الا بعد ان تفقد دورها التاريخي ليحل محلها مجتمع اكثر رقياً بكل تفاصيله، وقادراً على الاستجابة للتحولات الشاملة في التشكيلة الاقتصادية الاجتماعية الجديدة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* 72 عاماً على تأسيس الحزب الشيوعي العراقي
حزب العراقيين بكل أطيافهم

عادل حبه
يحتفل الشيوعيون العراقيون وانصارهم في الحادي والثلاثين من آذار 2006 بالذكرى الثانية والسبعين لتأسيس الحزب الشيوعي العراقي، الحزب السياسي الاقدم من بين الاحزاب السياسية العاملة الآن في العراق. ويعد الحزب الشيوعي أحد أعمدة العمل السياسي والتنويري في مجتمعنا والذي كتب عنه مجلدات ضخمة داخلية او اقليمية وعالمية تتراوح بين الانصاف والواقعية والاكاديمية وبين الشتائم والسباب والتحريض وتسويد صفحة هذه الحركة السياسية التي تعد واحدة من ابرز التراث السياسي للعراقيين بغض النظر عن موقفهم أزائه. كان هناك من قام بدراسة أكاديمية لهذه الحركة السياسية، ولعل ابرزهم الباحث الكبير المرحوم حنا بطاطو البرفسور في الجامعة الامريكية في بيروت الذي عرض خصوصيات الحزب الشيوعي العراقي وميزاته وسلبياته ونجاحاته واخفاقاته. ولكن هناك بالطبع هناك سيل من المؤلفات، قل فصول من الشتائم والأكاذيب والاضاليل التي انطلت حتى على البعض من ذوي النية الحسنة، والتي تفتقر الى الحرفية والدقة العلمية والامانة الاكاديمية في البحث والتي لا تهدف الا الى امر وحيد هو كبح أي بصيص او منطلق تنويري في المجتمع العراقي وتكفير الشيوعيين العراقيين والتمهيد لحملة سفك دمائهم وإستباحتهم وهذا ما حدث في مجازر معروفة منذ شباط عام 1949 ومروراً بشباط عام 1963 وما زال قائماً لحد الآن.
ولكن دعونا نلقي نظرة على التاريخ المثير للجدل لهذه الحركة السياسية ضمن رؤية راهنة تتعلق بما يعانيه العراق من كوارث ومخاطر في الوقت الراهن. وهنا أود التركيز بالدرجة الاولى على جوانب ايجابية ضرورية فحسب، دون تقديم دراسة عن السلبيات والاخطاء التي ارتكبها الحزب، وبالارتباط بما يعاني منه العراقيون من عنف خطير وتشظي في المجتمع وتناحر قد يصل الى حالة الحرب الاهلية والبربرية التي تطغي على عقلية البعض من العراقيين ومن يدفعهم من خارج الحدود. فالحزب الشيوعي هو بحق حزب العراقيين، حيث لا نجد مثيلاً له في تركيبته واطيافه عبر كل التاريخ المعاصر لوادي الرافدين. فالحزب احتضن في صفوفه العربي والكوردي والفيلي والتركماني والآشوري والكلداني وكل الاقوام القاطنة في العراق. كما ان هذا الحزب هو الحزب الوحيد الذي ضم المسلم بكل طوائفه والمسيحي بكل مذاهبه واليهودي واليزيدي والمندائي والشبك. وغالباً ما احتظنت منظماته مواطنين عراقيين من كل هذه الاطياف مما ساعده على إتخاذ القرار المناسب دون التعدي على حقوق الآخرين بل المحافظة عليها. إن هذا التنوع في الحزب ساعد ويساعد، خاصة في هذه الفترة العصيبة التي نحن احوج به الى إحترام هذا التنوع، اقول ساعد على تعريف العراقيين ببعضهم وأضفى قدراً كبيراً من من الغنى الثقافي والتسامح في العلاقات بينهم. لقد تسنى للقارئ العراقي على سبيل المثال التعرف على ما هو جديد في الخصوصيات الاثنية والمذهبية والطائفية للعراقيين حتى في صحف الحزب الشيوعي العراقي السرية ذات الصفحات الصغيرة المعدودة، وهي ظاهرة ينبغي أن نأخذ بها الآن خاصة في ظل انتشار حمى الاحزاب الطائفية والمناطقية والقومية والعشائرية الطاغية في المجتمع الآن والعزف على هذا النغم وجعله المطلق في علاقات العراقيين. اننا لنجد في صفوف الحزب الشيوعي العراقي، خلافاً لتشكيلة غالبية الاحزاب الأخرى، اعضاء ينحدرون من كل زوايا العراق، من عانة وراوة في أقصى الغرب الى مندلي وجصان في اقصى الشرق ومن زاخو وأربيل في اقصى الشمال مروراً بالموصل وتكريت حتى بغداد والنجف والبصرة في اقصى الجنوب. هذا المنحى كان له دور كبير في المساعي لتشكيل مقومات الهوية العراقية وروح المواطنة حيث أخذ أعضاء الحزب وأنصاره ينظرون الى العراق وازدهاره وتقدمه نظرة واحدة بعيداً عن الانانية والتعصب المذهبي والقومي والمناطقي والعشائري وكل ما يؤدي الى تشظي المجتمع العراقي ويتجاهل جوهر التناقضات الاجتماعية والاقتصادية في المجتمع العراقي. فالتخلف والظلامية والاستبداد وكبح التنوير والتطور لا يتكرس الا في ظل مثل هذا التشظي المذهبي والقومي والعشائري. فالمبالغة في الاختلاف في هذا الجانب على حساب وحدة العراقيين هو ما نعاني منه الآن والذي يقود الى انفلات العنف والارهاب والمجازر البشعة.
وهناك جانب آخر في مسيرة الحزب الشيوعي العراقي وله مغزى كبير في الظرف الراهن هو موقف الحزب من الايمان والمعتقدات المذهبية. هذا الموقف الذي اتسم بالاحترام والدعوة للتسامح والتعايش بين المذاهب وعدم زج هذه المعتقدات الروحية والوجدانية في متاهات مضاربات "سوق" النشاط السياسي كما هو حاصل الآن. أن أكبر إساءة توجه للدين هو إستغلاله كواجهة للعمل السياسي والصراعات السياسة الذي قد يؤدي الى تناحرات خطرة يصعب السيطرة عليها وهو ما نشهده في الزمن الحالي البالغ الخطورة. كما عمل الحزب بجدية ضد من يحاول تحويل المعتقد الديني الى مجموعة من الخرافات والجهل والممارسات العنفية التي تسئ الى تراثنا الديني ورموزه وملاحمه بهدف فرض قيم التجهيل والاستبداد والتكفير وثقافة قطع الاعناق وضرب الهامات بالقامات واللطم والبكائيات وتسويد الجباه التي لا علاقة لها بالايمان الديني. لقد حاولت التيارات الاستبدادية والظلامية التشكيك في دعوات الحزب لاحترام المعتقدات الدينية وبثوا الافتراءات تلو الافتراءات ضد الشيوعيين العراقيين في محاولة لتصوير الشيوعيين وكأنهم أعداء للايمان والمعتقدات الدينية متجاهلين كون العديد من رجال الدين الافاضل ساهموا الى جانب الحزب الشيوعي في نضاله الوطني والاجتماعي ومنهم الشيخ عبد الكريم الماشطة والطيب الذكر الشيخ محمد الشبيبي والد الشهيد حسين الشبيبي وشيوخ افاضل آخرون. وهكذا جرى تزوير الحقائق خاصة بعد ثورة تموز عام 1958 وروجوا لاكذوبة حرق القرآن أو رمي "القضاة" في النهر على يد الشيوعيين وما شاكلها من هذه الخزعبلات. الا انهم لم يعثروا على اية بينة تسعف احلامهم الشريرة لاقامة المزيد من "مراسيم" سفك دماء الشيوعيين العراقيين وانصارهم والقوى الديمقراطية. وما زالت فلول هذه الزمر وانصار حكم صدام المنهار لحد الآن تردد هذه الافتراءات لتروج مثل هذا الزيف وتغتال الشيوعيين وتحرق مقراتهم تماماً كما حدث بعد ثورة 14 تموز لاشاعة الفوضى والبلبلة في المجتمع وإزاحة تلك القوى المستنيرة التي تحترم بحق المعتقدات الدينية بإعتبارها حق ديمقراطي للفرد وليس اكراه اوفرض.
وبغض النظر عن حالات من القصور او الخطا احياناً في التعامل مع تيار التنوير والثقافة والعلم العراقي، الا أن الشواهد التاريخية تشير الى ان الحزب الشيوعي دعم هذا التيار بشكل لم يستطع اي تيار سياسي عراقي القيام به. ان الظروف التي تمتع فيها الحزب بقدر من الثبات والاستقرار في نشاطه، سواء اكان هذا النشاط علنيا او سريا، فقد اقترنت بنهوض ملحوض في النشاط الثقافي والابداعي في عموم البلاد. اما فترات الردة والاستبداد وغياب الحزب لاسباب تتعلق بطغيان آلة القمع ضده، فقد رافقه ارتداد واضح في حركة التنوير وسيادة ثقافة رجعية عادت بالبلاد الى عهود مظلمة. ولعل ابرز مثل على ذلك ما شاب الثقافة والفنون من انحطاط وما لحق بالمثقفين والمبدعين من اضطهاد وتصفيات في ظل نظام البعث في عهديه ونشهد ذيوله الى الآن. ولذا وليس من باب الصدفة ان يرتبط بالحزب الشيوعي العراقي او يمر به او يكون على صلة قريبة منه اعلام الثقافة والفن والعلم في بلادنا خلال فترة تزيد على نصف قرن. فالشخصية الوطنية البارزة الحاج جعفر ابو التمن كان على صلة وثيقة مع مؤسس الحزب الشيوعي العراقي يوسف سلمان يوسف (فهد)، كما ان شاعرنا الكبير محمد مهدي الجواهري وعبد الوهاب البياتي وسعدي يوسف وعبدالله كوران ومظفر النواب ويوسف الصائغ والروائي ذوالنون ايوب وغائب طعمة فرمان والفنان اللامع جواد سليم والفنان التشكيلي محمود صبري والمسرحي يوسف العاني و زينب وناهدة الرماح والعشرات من اعلام الفن والثقافة في بلادنا ممن كانوا على صلة قريبة بالحزب او اعضاء عاملين فيه. وبرزت كفاءات اعلامية بارزة في الصحافة العراقية والشيوعية ومنهم عبد الرحيم شريف وعامر عبدالله وعبد الجبار وهبي وعدنان البراك وعزيز الحاج وشمران الياسري والعشرات غيرهم. وكان للعلماء والمربين العراقيين دورهم ايضاً في دعم الحزب والمساهمة في الحركة التنويرية ويقف على رأسهم عالم العراق البارز البرفسورعبد الجبار عبدالله والدكتور ابراهيم كبة والعشرات والمئات من رسل العلم والتربية والبحث والتنوير في بلادنا. وساهم الفنانون الشيوعيون في تقديم نماذج رفيعة من الغناء والشعر الغنائي والاوبريت على يد مبدعين قمعوا من قبل اجهزة القمع الابداعي كالشاعر الغنائي عريان السيد خلف والفنان فؤاد سالم وجعفر حسن وحميد البصري وكوكب حمزة وسامي كمال وكمال السيد وآخرون من الذين ارسوا بحق مدرسة غنائية رفيعة لم يتسن لها الاستمرار بسبب الملاحقات، وحل محلهم رجال "الطقطوقات" المبتذلة وهز "الكتف" التي تحرك مشاعر رخيصة وتنمي ذوقاً متدنياً لدى الجمهور. ان مجرد اهتمام قادة الحزب كالشهيد حسين الشبيبي يالادب والشهيد سلام عادل بالفن التشكيلي والمسرحي والتشكيليين العراقيين وعلاقة الشهيد جمال الحيدري يالتراث الثقافي والابداعي للكورد يعبر عن نماذج متواضعة مما ارساه الحزب من تقاليد في الحفاظ على ما ابدعه العراقيون من فن وثقافة. ومن المهم الاشارة هنا ان توجه الحزب الى غرف الثقافة والرحوع الى التاريخ الثقافي الانساني قد اجتذب الضباط الشيوعيين العراقيين الذين انفردوا بين اقرانهم الضباط العراقيين بالمستوى الثقافي والمعرفي والمهني الرفيع والنزاهة كالشيد جلال الاوقاتي قائد القوة الجوية والشهيد ماجد محمد امين والشهيد فاضل المهداوي ووصفي طاهر وخضر الدوري والعديد من الشهداء العسكريين الشيوعيين والديمقراطيين في القوات المسلحة العراقية.
واذا كان هناك ما ينبغي التأكيد عليه من حسنات الحزب الشيوعي العراقي فهو موقفه من المرأة وحقوقها. وكان الحزب قد دعم بقوة دعوات رموز التنوير في بلادنا من امثال الشاعر ناظم الزهاوي ومحمد مهدي الجواهري وآية الله النائيني والكثير من الشخصيات الديمقراطية العراقية التي ناصرت المرأة العراقية من أجل حقوقها وهي التي تشكل اكثر من نصف مجتمعنا. وليس من باب الصدفة ان "تقتحم" الشيوعيات العراقيات لاول مرة في تاريخ المرأة العراقية زنزانات السجون السياسية في العهد الملكي وأمتلأت زنزانات عهد 8شباط الاسود بخيرة ممثلي النساء العراقيات ومنهن من تعرضن للموت او الاغتصاب المشين. "واحتكرت" السجينات الشيوعيات زنزانات عهود الطغيان لغاية عام 1970 عندما لحقن بهن سجينات من أحزاب التيار الديني ليقاسمهن المعاناة ثم يتعرضن مع سجينات التيار القومي الكردي الى بشاعات يندى لها الجبين وتصفيات لم تشهدها أنظمة الطغيان في العالم مما تشكل وصمة عار علىجبين من مارسوا هذه الجرائم. وازاء ذلك تم اختيار الشيوعية الدكتورة نزيهة الدليمي كأول وزيرة في العراق والعالم العربي في عام 1959 كإعتراف بدور المرأة العراقية والمرأة الشيوعية في النضال من اجل سعادة شعبها. ان البعض من انصار الظلامية واعداء الديمقراطية يريدون الآن تصفية كل المكاسب التي حققتها المرأة العراقية بنفس ذرائع انقلابيي شباط 1963 وأحياء لتراثهم البغيض تحت ستار من التعاويذ الدينية المزيفة ويسعون الى تطويق المرأة، وهي التي تشكل أكثر من نصف المجتمع العراقي، وفرض الحجر والجهل والظلام عليها وبالنتيجة على ابنائها وبناتها بنفس الحجج.
ولا ينبغي ان يغي بعن بالنا تلك الحملات المضللة التي اطلقتها ابواق ادعياء القومية والتي نالت من سياسة الحزب على النطاق القومي حيث اتهم الحزب بالتنكر للاماني القومية للعرب او مناهضته لوحدتهم وتنكره لحق الشعب الفلسطيني وفي ظل اتهمات وتخريفات كالشعوبية واللاقومية. ان الشواهد التاريخية للحزب ترد بحسم على هذه الدعوات الرخيصة. فالحزب الشيوعي العراقي كان اول من دعى الى تشكيل كونفدرالية للشعوب العربية في منتصف الثلاثينيات من القرن الماضي تحت اسم "اتحاد الدول العربية" بإعتباره الحل الممكن لتوحيد العرب في كيان سياسي واحد. وعارض الحزب دعوات الوحدة الاندماجية بإعتبارها دعوات معادية للديمقراطية ولا تستند الى مقومات الديمومة والتي دشنت اول تجاربها في نحر الديمقراطية الوليدة في سوريا وتبعها اقامة انماط من الوحدة لأنظمة استبدادية راحت جميعها في مهب الريح وزرعت الفرقة والاحباط لدى الشعوب العربية. وتحول انصار هذه الوحدة الاندماجية الى اشد اعداء اي تقارب مهما كان بسيطاً بين العرب وابرز مثال على ذلك حزب البعث العراقي. اما موقف الحزب الشيوعي من قضايا اشقائه العرب فكان سجله الانصع بين الحركات السياسية في بلادنا. لقد بادر الشيوعيون العراقيون اليهود الى تشكيل منظمة "عصبة مكافحة الصهيونية" واصدرت جريدتها "العصبة" خمسة اعداد والتي اغلقتها الحكومة العراقية عام 1947. وكان هدف المنظمة مناصرة الشعب الفلسطيني وادانة طرد الفلسطينيين من وطنهم بذرائع وحجج دينية وعنصرية وصهيونية متطرفة ورفعت شعار"الصهيونية عدوة العرب واليهود". كما وقفت المنظمة ضد دعوات ترحيل اليهود العراقيين الى فلسطين والتي اطلقتها المنظمات الفاشية الصهيونية والحكومة العراقية والاحزاب القومية العراقية التي وقفت على مستو واحد لتغذي الاستيطان اليهودي في فلسطين وعلى حساب الشعب الفلسطيني. كما فضحت المنظمة افعال المتطرفين والتكفيريين اليهود القادمين عبر الحدود والذين راحوا يزرعون العبوات الناسفة في المراكز اليهودية لحمل اليهود العراقيين على الهجرة وهم الذين رفضوها منذ البداية. ان تشكيل هذه المنظمة الفريدة والتي ليس لها مثيل في العالم ليدل على مدى التزام الشيوعيون العراقيون وبضمنهم العراقيون اليهود بحق الشعب الفلسطيني على ارضه. وتثبت الاحداث الراهنة ومعاناة الشعب الفلسطيني الحالية صحة ما طرحه الحزب من القبول بالتقسيم لوقف الزحف العارم للمتطرفين الصهاينة كخطوة لاعادة الحق للفلسطينيين على ارضه. كماتثبت الاحداث المريرة التي مرت على الفلسطينيين خطل دعوات التطرف غير الواقعية للتيار القومي حول الحصول على الكل وعدم القبول بما هو متيسر ضمن توازن القوى اقليميا وعالميا آنذاك. وفي الاضراب العام الذي شمل بغداد والمظاهرات التي عمت العاصمة بمناسبة التضامن مع الشعب الجزائري في صيف عام 1956 اثر اختطاف القادة الجزائريين من قبل سلطات الاستعمار الفرنسي لم يخرج في المظاهرات الا الشيوعيون الذي تعرضوا للاعتقال والتعذيب، ومنهم كاتب السطور، في شارع الامين في بغداد بعد ان رفعوا الاعلام الجزائرية كتعبير عن التضامن مع الشعب الجزائري. ولم تزدحم السجون العراقية الا بالشيوعيين العراقيين في خريف عام 1956 عندما قاد الحزب التظاهرات والعصيان المدني في بعض المدن العراقية كتعبير عن التضامن مع الشعب المصري ضد العدوان الثلاثي الفرنسي الانجليزي الاسرائيلي على مصر. في تلك الاحداث الكبيرة غصت السجون بالشيوعيين العراقيين فقط واعدم الشيوعيين العراقيين فقط في مدينة الحي، وهما عطا الدباس ومهدي الحمود، بسبب قيادتهما للعصيان الشعبي تضامناً مع الشعب المصري. ان ادعاء حزب البعث با الشهيد ناجي نعمة السماوي الذي استشهد في الاحداث هو ادعاء كاذب حيث كان الشهيد عضواً في اتحاد الطلبة العراقي العام الموالي للحزب وخرج في مظاهرات نظمها الحزب وليس له ادنى علاقة بالبعث.
ولم يتردد الحزب في الدفاع عن حقوق الاقوام العراقية فبادر لاول مرة في الثلاثينيات من القرن الماضي الى طرح شعار حق تقرير المصير للكورد. وكان السباق بعد ان اندلعت الاشتباكات المسلحة بين الحكومة المركزية والحزب الديمقراطي الكردستاني الى عرض دراسة علمية للمشكلة القومية ورفع لاول مرة شعار "الديمقراطية للعراق والحكم الذاتي لكردستان العراق" والذي جرى تبنيه لاحقاً من قبل القيادة القومية الكوردية، دون ان تقدم اي من الاحزاب العراقية الاخرى اي مشروع بذلك سوى اكتفاء البعض بادانة مطاليب الكورد بتهم تتراوح بين العمالة للصهيونية او الاجانب. وطور الحزب شعاره حول القضية الكوردية ليطرح قبل غيره في بداية التسعينيات من القرن الماضي شعار آخر هو "الفدرالية العراقية" كحل ينسجم مع التطورات التي طرأت على القضية القومية. هذا الشعار الذي تبنته غالبية القوى السياسية العراقية ودون في الدستور الدائم للعراق أخيراً.
لقد كان الحزب الشيوعي العراقي الاكثر شفافية من بين الاحزاب العراقية امام المواطن العراقي. فعلى الرغم من أن عمل غالبية سنواته التي تجاوزت السبعة عقود كانت في ظروف السرية الشاقة، الا انه كان في غالب الاحيان حريصاً على مصارحة الشعب العراقي. وكان الحزب الشيوعي العراقي هو العراقي الوحيد الذي اقر نقداً ذاتياً لاخطاء او ممارسات ارتكبها خلافاً لقواعد العمل السياسي السليم. فقد نشر نقداً صريحاً في عام 1956 وعام 1959 وعام 1970 وعام 1985 حول سياسات وتقديرات اضرت بالعمل السياسي العراقي وجلبت عواقب على البلاد وعلى الحزب نفسه بالدرجة الاولى. اننا لم نشهد ممارسة مماثلة لاحزاب عراقية تحملت مسؤولية الكوارث، كحزب البعث، او مهدت للكوارث او تركت الساحة السياسية خالية ليعبث بها من هب ودب او صمتت على جرائم كبيرة ارتكبت او نفذت "فتاوى" تدعو للقتل والابادة خلافاً للقوانين المدنية. ولم تصدر هذه التيارات السياسية اية اشارة نقدية للذات. ان غالبية الاحزاب العراقية، بإستثاء قلة، لا تطبق القواعد الديمقراطية في حياتها الداخلية بحيث ان غالبية هذه الاحزاب لا تعرف المؤتمرات الحزبية ولا انتخاب الهيئات القيادية. وبعد إنهيار كابوس نظام القبور الجماعية، تحولت حتى بعض المؤسسات شبه الحكومية، مثل دائرة الاوقاف السنية والشيعية ومنظمات خيرية أخرى، الى احزاب سياسية تدخل معترك النشاط الانتخابي وترفع صور وبوسترات مديري هذه المؤسسات. والغريب في واقعنا العراقي ان بعض الاحزاب تحولت الى احزاب"عائلية" على شاكلة حزب صدام حسين، حيث لا يتربع على قيادتها الا افراد العائلة "النوابغ" وليس غيرهم من اعضاء الحزب. هذا في الوقت الذي نرى انه قد توالت على قيادة الحزب الشيوعي كل عناصر الطيف العراقي بعيداً عن صفة العائلة او القوم او المذهب او القدرة المالية او المهارة في استخدام السلاح والسيارات المفخخة والعنف وهو ما يجري الآن في عراقنا المنكوب. لقد أعلن الحزب الشيوعي العراقي صراحة تقيده بقرار الجمعية الوطنية بحل الميليشيات الحزبية المسلحة بعد ان رحل الطغيان الصدامي. ولكن كما يبدو فإنه اصبح الحزب الوحيد الذي طبق القرار احتراماً لقرار المؤسسات المنتخبة وللدولة التي عليها تقع مسؤولية حفظ الامن. فإلى جانب عصابات الاجرام من فلول النظام البائد والتكفريين العراقيين والاجانب فهناك سرايا وجيوش وفيالق وميليشيات في كل اصقاع العراق تقود بعضها احزاب مشاركة في العملية السياسية وفي الحكم بعيداً عن سيطرة الدولة المركزية لها الاكاديمات العسكرية والمعاهد وترسا افرادها للتدريب خارج الحدود وبدعم من جهات خارجية. وقد زادت هذه المظاهر في ظل حكومتنا الانتقالية. لقد سرت امراض النظام السابق الى بعض هذه الاحزاب المتنفذة. وهذا هو احد اسباب الفوضى وشيوع العنف والارهاب في البلاد.
ان محك هام لشفافية الحزب وصدق تعامله وصراحته مع المواطن العراقي يتحدد في الملف المالي. اننا لو نظرنا الى ما نهبه قادة البعث من اموال الدولة العراقية والتي هربت الى دول الجوار او نقلت الى البنوك العالمية ونرى الترف الذي يعيشه البعثيون المتنفذون في الخارج وقد "انهارت دولتهم" لادركنا حجم الانحطاط السياسي والاخلاقي ونهب المال العام في بلدنا. هذا الانحطاط الذي انتقل الى بعض الحركات السياسية بحيث اصبحت هي التي تتبرع بالاموال لمرافق الدولة وليس العكس !!. ومما يروج لهذه المأساة هو انعدام اي قانون للاحزاب السياسية يراقب رصيدها المالي ومصادر تمويلها. ان جميع كوادر الحزب الشيوعي العراقي، والبعض منهم من كان له حال في دنيانا الفانية، لا يملكون دوراً خاصة بهم ولا رصيد مالي ولا قصور ولا شركات او توظيفات هنا وهناك. ان جميع قادة الحزب وكوادره مكشوفون امام المواطن العراقي ولا حاجة هناك لمن يؤكد نزاهتهم. ولعل اصدق تعبير عن ذلك هو ما جرى في يوم التاسع من نيسان عام 2003 عندما خرج صنفان من الناس الى الشارع، الحواسم والحرامية الذي نهبوا الدولة وما فيها وآخر يستبشر بالمنعطف الجديد ويعبر عن فرحته برحيل الطاغية كما هو حال الشيوعي ابوتحسين الذي ظهر على شاشات التلفزيون وهو يضرب بنعاله صورة الطاغية انتقاماً من شرور النظام. في حين ظهرت وفي نفس اللقطة التلفزيونية صور الحرامية وهم يسرقون المال العام. وعندما سأل مراسل احد القنوات الفضائية لاحقاً العزيز ابوتحسين حول السبب في عدم المشاركة في النهب والسطو؟ فأجاب ابو تحسين : انني اخاف ان اطرد واعاقب من قبل الحزب على هذه الفعلة النكراء فنحن لم نتربى على هذه الاخلاقيات والافعال المشينة.
انني في هذه المقالة لم اقصد الدعاية للحزب الشيوعي العراقي الذي يحتفل بعيده الثاني والسبعين، فالانتخابات قد تمت وبإنتظار اربعة سنوات أخرى لكي تجري الانتخابات القادمة وتبدأ الدعاية لهذا الحزب او ذاك. ولا كنت اريد ان اعدد مناقب الشيوعيين وتجاهل اخطائهم. ان كل همي وانا اراقب ما يجري على ارض السواد هو المقارنة بين نهجين لكي نصل الى قدر من الاستقرار والنزاهة في العمل السياسي. كما انني اود هنا الاشارة الى ان حزباً، وهو الوحيد في العراق، تعرض قادته مرتين الى حبال المشنقة وزنزانات التصفيات الجسدية في عام ، 1949 ، فهد ورفاقه، وعام 1963، سلام عادل والآلاف من رفاقه، هو قادر ولديه الفرصة الآن و ان لا يتردد في اختيارها لصالح كل العراقيين ولكي يسهم في اضفاء قدر من السلامة والعقلنة على العمل السياسي الديمقراطي العراقي بشرط ان ندرك بدقة ما جرى ويجري من تحولات في عالم اليوم. كما اقترح على الحزب السير بخطوات ثابتة على طريق الاصلاح والتحديث الذي بدأه وبعيداً عن أدلجة السياسة والنصوص الدوغمائية لكي يعود الحزب الى موقع اكثر فاعلية ويستجمع قواه في ادارة العملية الديمقراطية الوليدة في بلاد الرافدين ويساهم في اعادة البسمة من جديد على وجوه اطفالنا واحبتنا العراقيين.
24 /3/ 2006[/b][/size][/font]

10  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / يوميات ايرانية ( 17 ) في: 21:20 06/09/2006
يوميات ايرانية
( 17 )
عادل حبه
السجن المؤقت

بعد قرابة الساعة من مسير السيارة، تزايد ضجيج الناس ثم تعالى صرير الأبواب وهي تفتح بأوامر عسكرية وتبعث اصواتاً مزعجاً. توقفت السيارة، وفتحت أبوابها الخلفية وصدرت الأوامر للجنود بنزع العصابات عن أعيننا. عندها رأينا مشهداً مثيراً، فقد أصطف الجنود الذين رافقونا والشرطة الموجودة عند بوابة السجن وهم ينظرون بفضول إلينا ونحن ننظر إليهم بإستغراب. فلم كل هذا الإستعداد؟ ورحنا نسأل انفسنا هل نحن بهذه الدرجة من الخطورة لكي يقوم الجنود والشرطة بمثل هذا الإستعداد عند إستقبالنا؟ على أي حال تقدم أحد عرفاء الشرطة وبدأ تفتيش حاجياتنا البسيطة علاوة على التفتيش البدني ثم ساقونا إلى مدخل السجن الجديد. قيل لنا إن هذا السجن هو السجن المؤقت الذي يستقبل فيه السجناء الذين سيتوزعون بعدئذ على السجون الأخرى.
وما أن فتحت البوابة الرئيسية لباحة السجن حتى رأينا المئات من السجناء والمعتقلين وهم بملابسهم السجنية وبلحاهم الطويلة ومظهرهم الذي يدعو إلى الرثاء. عرفنا إن الغالبية من المتوافدين على السجن المؤقت هم من سجناء المخدرات وجرائم السرقة والقتل وغيره، ومن النادر العثور على متهمين بقضايا سياسية.
ما أن دخلنا إلى القواويش حتى فوجئنا بنظرات من الإحترام والترحيب على وجوه الجميع. فقد تقدم أحد السجناء وعبر عن ترحيبه بالسجناء السياسيين، وأمر بشق الطريق لكي يختار أفضل زاوية لنستريح فيها. فرشت تلك الزاوية بمساعدة عدد من السجناء بأغطية نظيفة وعدد من الوسائد. وطلب منا الجلوس والخلود الى الراحة. كنا في غاية الإستغراب، ورحنا نطيعهم وكأننا تلاميذ مدرسة لحضانة الاطفال وعلى وجوهنا تعلو الدهشة والتساؤل كرد فعل لما يجري حولنا وكأننا في حلم، خاصة بعد تلك المعاملة القاسية التي تلقيناها من قبل رجال الشرطة والامن في الأشهر الماضية .
ولشدة دهشتنا بادر السجين الذي إستقبلنا بحفاوة إلى إصدار أوامره إلى الآخرين بحجز وجبات الأكل من مطعم خارج السجن. وإفترش هذا الرجل الأرض إلى جانبي وبدأ يسأل عن الإتهام وعن هويتنا وجنسيتنا بعد أن أدرك من كلامنا إننا لسنا من هذا البلد. بدأنا جميعاً نفكر بكيفية الجواب على هذه التساؤلات وترددنا في أيضاح ما يسأل عنه.
ونحن في دوامة التفكير، بادر هذا السجين إلى التعريف بنفسه. وقال:" أنني زردشت فروهر وأقضي السجن بإتهام ملفق غير سياسي، لقد كنت يسارياً ومن انصار حزب توده ومارست السياسة ومعضلاتها ثم إبتعدت عنها". ثم إستطرد قائلاً:" إن لي أخ يمارس السياسة وهو داريوش فروهر وهو من المعارضين القوميين ورئيس حزب ملت إيران، حزب الأمة الإيرانية".
وفي الحقيقة لم أكن قد سمعت بهذا الحزب الذي يعتبر أحد أحزاب الجبهة الوطنية الموالية للمرحوم الدكتور محمد مصدق رئيس الوزراء الإيراني الذي أطيح به من قبل المخابرات الأمريكية. كان جميع السجناء قد إفترشوا الأرض حولنا وهم يحدقون فينا بفضول وكأننا قادمون من كوكب آخر. كانوا يحدقون في وجوهنا بنظرات تنم عن الإهتمام ومصحوبه بالإعجاب والتعاطف. ولم يترددوا في تقديم أية مساعدة لنا وبطيب خاطر. سارع البعض منهم إلى تحضير الشاي مستخدماً السماور، وقام البعض الآخر بتقديم ما تيسر في جعبته من المكسرات.
كان مجيئنا إلى السجن المؤقت مناسبة لقدر من التغيير في حياة هؤلاء البؤساء. وعندما حان موعد العشاء لم يستلم السجناء حصتهم من وجبة طعام السجن التقليدي. فقد تبرع عدد من الميسورين من السجناء، وبأوامر من زردشت فروهر، ويبدو أنه كان "فتوة" السجن، بدفع ثمن الطعام الذي جلب من خارج السجن بمناسبة قدومنا.
بدء الجميع بإفتراش الارض كي يأخذ مكانه حول سفرة الطعام. ولكن ما لفت إنتباهي هو توجه زردشت فروهر نحو شخص كان يجلس القرفصاء في الزاوية الآخرى من القاووش، داعياً إياه وبإحترام بالغ الى مشاركتنا في هذه الوليمة السجنية. كان الرجل متوسط القامة مفتول العضلات عريض الصدر وذي قامة مستقيمة تنم عن أن الرجل كان يمارس الرياضة.
ويمتلك هذا الرجل عينين عسليتين شديدتا اللمعان والبريق، وله نظرات حادة ووجه صارم يثير فضول الآخرين. طرق سمعي صوت زردشت وهو يناديه بإحترام بالغ بالمقدم حسين قباديان، ويبدو أنه عسكري سابق. وبدأ يلح على هذا الرجل الهادئ المنزوي في تلك الزاوية بقبول الدعوة. ولكن الرجل أبى وبإصرار ملفت للنظر المشاركة بالرغم من إلحاح وتوسل الجميع.
وبدا لي أن الرجل لايريد الإختلاط بأحد ويتجنب الإحتكاك بالسجناء، وإكتفى بوجبة العشاء المتواضعة التي قدمتها إدارة السجن.
بعد تناول الطعام وتناول الشاي اللذيذ لأول مرة منذ إعتقالنا، دنوت من زردشت وسألته عن شخصية هذا الرجل الذي بدا لي عنيداً قدراً ما. وبدأ زردشت فروهر يقص علي حكايته المثيرة والتي تشبه القصص الخيالية لكبار الكتاب والروائين الكلاسيكيين. حسين نوروز علي قبادي كان واحداً من الأعضاء المعروفين في تنظيم الضباط الإسطوري التابع لحزب تودة إيران.
وكان ضابطاً في سلك الشرطة الإيرانية وعرف عنه بالشجاعة، وكلف مراراً بمهمات خاصة من قبل الحزب. ففي الرابع من شباط عام 1949 جرت محاولة لإغتيال الشاه محمد رضا بهلوي من قبل شخص يدعى ناصر فخر آرائي. وعند القيام بالمحاولة الفاشلة، قتل فخرائي وعثر في جيبه على بطاقة عضوية لحزب توده إيران. إن مجرد العثور على بطاقة عضوية حزب توده كان كافياً لتوجيه الإتهام للحزب بالتخطيط لهذه المحاولة.
وكما هو مخطط أتهم حزب توده إيران بتدبير المؤآمرة، مما أدى إلى إعتقال العديد من قادة الحزب. وقد ثبت بعد سنوات إن ناصر فخر آرائي كان مراسل لجريدة "برجم إسلام"،أي راية الإسلام، وكان مسؤول تحرير هذه الجريدة فقيهي شيرازي الذي كان على صلة وثيقة بالسفارة البريطانية. إذن هذه المحاولة دبرتها أوساط مرتبطة بالمخابرات البريطانية لكي تضرب عصفورين بحجر واحد.
كان الطرف البريطاني في تلك الفترة التي تلت الحرب العالمية الثانية، يسعى إلى تحذير الشاه من مغبة فسح المجال للولايات المتحدة التي كانت تسعى بقوة للدخول إلى الساحة السياسية الإيرانية ثم الشرق الأوسطية على حساب الأمبراطورية العجوز التي بدأ نجمها بالأفول. ويأتي هذا الفعل خاصة بعد قبول الشاه بالمساعدات الأمريكية وإستقبال هيئة مستشارين من الولايات المتحدة والقبول بما عرف آنذاك ببرنامج "النقطة الرابعة" للرئيس الأمريكي ترومان. ¨
وقد خططت بريطانيا، في حالة نجاح المؤآمرة وقتل الشاه، لتنصيب أخ الشاه شاهبور علي رضا ليحل محل الشاه، وأن يتسنم الجنرال رزمآرا منصب رئاسة الأركان وكلاهما من الموالين لبريطانيا. وبعد فشل المؤآمرة، راحت الإدارة الأمريكية تثبت مواقعها في إيران وتحقيق مشروعها في إزاحة مواقع بريطانيا المتزعزعة في إيران ولمواجهة نفوذ ما سمي آنذاك بخطر الإتحاد السوفييتي.
وراحت الادارة الامريكية بمد الجسور مع القوميين والوطنيين الإيرانيين وخاصة مع الجبهة الوطنية الإيرانية التي تزعمها الوطني الإيراني الدكتور محمد مصدق الذي كان شديد العداء لبريطانيا. فضلاً عن ذلك، فقد أريد من هذه المؤآمرة توجيه ضربة إلى حزب توده إيران الذي تعاظم نفوذه في إيران بعد الحرب العالمية الثانية.
ومن أجل إطلاق سراح قادة الحزب ومن بينهم نور الدين كيانوري ومسؤول تنظيم الضباط خسرو روزبه وأخرين من الذين كانوا يقضون مدة حكمهم في سجن قصر المعروف في طهران، كلفت قيادة الحزب تنظيم الضباط التابع للحزب بإنجاز هذه المهمة.
وكان على رأس تنظيم الضباط والذي قام بطرح خطة الفرار العقيد محمد علي مبشري وهو من ولادة مدينة كربلاء المقدسة في العراق. ولم يكن هدف الحزب مقتصراً على تحرير قادته من السجن فحسب، بل القيام بإستعراض سياسي مثير لقوة الحزب وهشاشة الحكم الشاهنشاهي في إيران وأجهزته. وكانت الخطوة الأولى في العملية هو نقل عدد من الضباط ومنهم ضابط الشرطة حسين قبادي إلى قسم شرطة السجون، لكي يتم نقله بعدئذ إلى سجن قصر بالذات من أجل أن يتم التحكم بالعملية.
وقام الضباط أعضاء حزب توده ايران المنتشرون في مرافق عديدة في القوات المسلحة الإيرانية والشرطة والجندرمة بتهيئة الألبسة العسكرية المطلوبة والشاحنات العسكرية لنقل الهاربين والسلاح الخفيف المطلوب وكل ما هو ضروري لإنجاز العملية بنجاح.
وهكذا حدد يوم الخامس عشر من من تشرين الثاني/نوفمبر عام 1950 موعداً لتنفيذ الخطة. وقام تنظيم الضباط بتزوير رسالة رسمية صادرة من رئاسة أركان الجيش الإيراني وبإمضاء مزور من رئيس الأركان من أجل تحويل سجناء حزب توده إلى سجن أخر.
ووفر التنظيم عدداً من الشاحنات العسكرية وبعض الضباط والمدنيين الذين إرتدوا الملابس العسكرية لهذا الغرض. بالطبع كان من الصعب تنفيذ ذلك بدون التعاون مع ضباط السجن وكان من بين أبرزهم حسين قبادي الذي كان في عداد طاقم حرس السجن وساهم بإخراج السجناء من غرفهم وقيدهم وحولهم إلى الضباط القادمين لتهريبهم.
ومن أجل ذر الرماد في العيون، قام حسين قبادي وهو ضابط الخفر بعدة إتصالات تلفونية شكلية لكي يبدد تساؤلات الضباط الأخرين ممن لم يكن لهم صلة بهذه الخطة أو من هم من غير الإعضاء في التنظيم العسكري للضباط.
وقام المعتقلون السياسيون وجلهم من أعضاء حزب توده القيام بإضراب وإحتجاج وإعتراض على أبعاد السجناء طبقاً لعملية مدبرة مسبقاً للتمويه على العملية، علماً إن المعترضين من السجناء لم يكن لديهم علماً بخطة الحزب في تهريب السجناء.
وهكذا تم تهريب عشرة من قادة الحزب بدقة متناهية، ونقلوا إلى عدد من البيوت السرية التي أعدها الحزب قبل أن يستفيق الحكم الذي كان منهمكاً بالإعداد لخطوبة الشاه من الملكة المقبلة ثريا إسفندياري. وهكذا تم فرار قادة الحزب، ونقل بعضهم إلى الإتحاد السوفييتي ومنهم حسين قبادي الذي ترك مكانه في إدارة السجن مع الهاربين. وكان لهذه العملية صدى كبير على النطاق المحلي والعالمي .
لقد بقي حسين قبادي قرابة الأربعة عشر عاماً في الإتحاد السوفييتي واجه فيها بعض المشاكل مع الدولة السوفييتية ومع قيادة حزبه، مما دفعه إلى إتخاذ قرار بالعودة الطوعية إلى إيران في عام 1965، بالرغم من تحذيرات رفاقه من مغبة هذا العمل الذي ينطوي على مخاطر على حياته.
وما أن عاد قبادي حتى تم مجدداً فتح ملف إجراءات المحكمة العسكرية السابقة، ونبشت إضبارته القديمة التي حكم بموحبها آنذاك بالإعدام. وفي أثناء إعادة المحكمة طلبت منه المحكمة التبرء من عمله السابق وإعلان وفائه للشاه وإدانة حزب توده إيران كي يتم تخفيف الحكم السابق.
توقع الحكام والساواك أن يذعن قبادي إلى طلب الحكم لإنقاذ حياته، خاصة وانه رجع الى البلاد طواعياً بعد خلافه مع قادة الحزب. إلا أن حسين قبادي رفض طلب قضاة المحكمة العسكرية الصورية وسخر من حكامها وأحكامها وهاجم الدكتاتورية في أيران ودافع عن حزب توده وعن فعلته في إنقاذ السجناء.
ومن ثم فاجئ حسين قبادي المحكمة بأن نزع أحدى فردتي حذائه وقذفها بصورة الشاه المعلقة فوق رؤوس قضاة المحكمة العسكرية الذين ذعروا من هذه المفاجئة بعد أن سقطت الصورة وتكسر الزجاج وتناثر على رؤوس القضاة العسكريين البائسين المذعورين الذين راحوا يبحثون عن ملاذ لهم تحت منصة المحكمة العسكرية.
وفهم الحكام الرسالة التي بعثها حسين قبادي لهم، وأنه لن ينصاع لإرادتهم وجددوا حكم الإعدام الذي صدر بحقه عام 1950، وجرى تحويله إلى السجن المؤقت لينقل إلى سجن قصر بإنتظار تنفيذ حكم الاعدام عليه.
حسين قبادي في السجن المؤقت في طهران وبعيد الحكم عليه بالاعدام وقبيل تنفيذ الحكم في عام 1964
بعد أن أستمعت الى هذه الحكاية المثيرة لهذا الشخص العجيب بشجاعته وشهامته، رحت أدقق في هيكله ونظراته الثاقبة. وراح هو الأخر يتفحصنا بنظرات ملؤها الحنان والتعاطف خاصة بعد أن عرف إننا من العراق وأعضاء في الحزب الشيوعي العراقي.
ولابد أنه كان على دراية بالفاجعة التي حلت ببلادنا بعد إنقلاب 8 شباط المشؤوم. وعلى حين غرة قررت التوجه نحوه، وبدأت أتحدث إليه باللغة الروسية التي قدرت إنه يفهمها. سكت للحظة ثم بدت على وجهه إبتسامة خفيفة وقال بضع كلمات قصار وباللغة الروسية: "حافظ على شبابك؟"، وتوقف عن الكلام ولمّح الى عدم إستعداده لإستكمال الحديث. إحترمت إرادته وزاد تعلقي بهذا الرجل الذي مازال كالطيف يراودني بين فترة وأخرى في احلامي .
بدأ السكون يخيم على السجن وبدأنا نسمع ثقل أقدام الحرس وهم ينادون السجناء بالركون إلى النوم. تكدسنا جنباً إلى جنب عسى أن نحظى بغفوة أكثر مريحة من سابقاتها. وكنا نتطلع بفارغ الصبر إلى فجر الصباح لكي يتم نقلنا إلى سجن قصر مع سجناء سياسين وعاديين آخرين. كان التراكم غير المعقول للسجناء ناهيك عن الروائح والوضع الغريب في هذا السجن المؤقت يثير لدينا القرف والضجر.
لا أدري كيف مر الوقت، إذ سرعان ما تعالت صيحات الحرس وأصدائهم في كل زوايا السجن صباحاً وهم يأمرون السجناء والمعتقلين بالنهوض وتنظيف الأماكن لكي يتناولوا ما يمكن تسميته بالفطور الذي يتكون من قطعة من خبز أسود وقدح ماء حار ملون يقدمونه كشاي الفطور مع قليل من القند.
تجمعنا حول هذه المائدة العامرة لكي نتناول فطورنا بسرعة بعد أن تم إبلاغنا وعدد آخر من السجناء ومن بينهم حسين قبادي بالإستعداد للإنتقال إلى سجن القصر الذي سيكون محطتنا النهائية لحين محاكمتنا في المحاكم العسكرية.
يتبع[/b][/size][/font]
11  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / يوميات إيرانية 6 لقاء مع "ست الكل" في: 00:01 30/08/2006
يوميات إيرانية
16
لقاء مع "ست الكل"
عادل حبه

في أحد الأيام، وبعد شهر من إنتقالنا إلى هذا المعتقل الجديد "باغ مهران"، نودي علي من قبل إدارة السجن. وعندما إستفسرت عن الدافع لذلك قيل لي أن لديك مواجهة!! كانت المواجهة الأولى لي منذ الإعتقال، ولكني لم أعرف من الذي بادر إلى ذلك. قادوني إلى مكان مكشوف خارج مجمع الزنزانات وكان يرافقني أيضاً المحقق عليزاده. وبعد حين لمحت من بعيد أمرأة تلبس العباءة العراقية وأخرى سافرة تتجهان ببطئ نحونا وبرفقة أحد الجنود. عرفت المرأة وماكانت إلا بنت الخال سهام وهي تتأبط المرأة المحجبة بالعباءة والعصابة العراقية التي عرفتها عندما أخذت تقترب مني رويداً رويداً. لم تكن هذه المرأة سوى الوالدة الحنون التي أخذت تلوح بيدها وهي تذرف الدموع التي سرعان ما ترقرقت من عيناي أيضاً. كانت اللحظات ثقيلة علي وأنا أرى هذه المرأة العجوز تقطع كل هذه المسافات من بغداد الى طهران، وتتعرض للعناء من أجل لقاء ضناها. تجاذبتني السعادة والمرارة في آن واحد وأنا أنظر إلى هذا الوجه الحبيب بعد سنوات من البعد والفراق. ها أنا ألتقي من جديد بالوالدة الحبيبة، وبحق إنها "ست الكل"، ولكن أي لقاء هذا وهي تراني في هذه الحالة الصعبة. لقد أصاب الوالدة النحول، بالمقارنة مع ما  كانت عليه في الفترة التي غادرت فيها العراق. فلقد عانت ما عانت أثناء إنقلاب شباط الدموي عام 1963. فقد كان عليها أن تعرج على معتقلات الإنقلابيين من قصر النهاية إلى معتقل وراء السدة والخيالة وملعب الادارة المحلية في المنصور لكي تسأل عن بناتها وأبنائها المعتقلين، شأنها شأن الألاف من الأمهات اللاتي عانين في ذلك الزمن العصيب. وما أن دنت حتى أحتضنتني وطغت القبل والدموع على الكلمات.
وما أن هدأت العواطف حتى بادرتني بالسؤال التالي الذي يجمع بين المزاح و الملامة وباللهجة البغدادية:" ولك ُبشت ليش أحنا ما عدنا سجون حتى تجي إلى سجون إيران"؟. سؤالها فاجئني، ولم يكن لدي جواب وإنتابتني الحيرة في كيفية توضيح الأمر لها. ولكن سرعان ما بدت إبتسامة معبرة على شفتي الوالدة المرتجفتان، وفجأة إنفجر كلانا بالضحك بصوت عالي مما أثار تساؤل ودهشة المحقق والحراس وإحتجاجهم. كانت هذه ضحكتي الأولى الحقيقية ومنذ زمن بعيد كما تراءى لي. هنا بادر المحقق إلى الطلب مني بالتحدث باللغة الفارسية على أن تترجم لنا بنت الخال سهام. أجبته أنت تتكلم العربية وليس هناك أي سبب وجيه للتحدث باللغة الفارسية خاصة وإنني لا أجيدها بعد، إضافة الى الوالدة. في خضم ذلك كنت أتحين الفرصة لكي أبوح للوالدة ببضع كلمات تتعلق بمصير العراقيين الموجودين في إيران. وغمزت لبنت الخال بأن تشغل المحقق وتصرفه عن مراقبتنا. وبالفعل بدأت تتحدث باللغة الفارسية التي تتقنها بشكل ممتاز بصوت عال مفتعلة قدراً من النزاع معه. عندها أخبرت الوالدة بضرورة إبلاغ الرفيق الأرمني، وقد اعطيت لها عنوانه، والذي له صلة بباقي العراقيين بضرورة مغادرة الأراضي الإيرانية. كل ذلك تم بسرعة خاصة ومدهشة، فالوالدة لها خبرتها في متابعة نشاطاتنا وكيفية التعامل مع رجال الشرطة والأمن في عهود مختلفة.


الوالد العزيزالحاج محمد حسن حبه- عام 1951
الصورة في بيت العائلة- صبابيغ الآل - بغداد


 فالوالد العزيز المرحوم الحاج محمد حسن حبه كان زبوناً دائماً للبوليس السياسي البريطاني والعراقي بسبب إرتباطه الدائم بالمرحوم طيب الذكر الزعيم



الوالدة العزيزة وأحفادها
من اليمين الى اليسار: نضال سعيد الكاهجي و علي حسين الوردي
و محمد قاسم حبه ( إختطفته المخابرات العراقية عام 1982 وأختفت آثاره)
وميادة قاسم حبه – الصورة إلتقطت عام 1962

الوطني العراقي الحاج جعفر أبو التمن ونشاطه في أثناء ثورة العشرين وما بعدها. ولم يكن هذا النشاط بعيداً عن نشاط إبن عمه المرحوم صادق عبد الحسين حبه المعروف بمعاداته للإنتداب الإنجليزي ولنوري السعيد وبطانته، وكثيراً ما تعرض الى الملاحقة والاضطهاد ومحاربته برزقه. كما أن أولاد وبنات الحاج محمد حسن حبه، كل على قدرته، عملوا ونشطوا في إطار الحركات الوطنية والديمقراطية في العراق وتعرضوا إلى الملاحقة والإعتقال. ولذا كانت للوالدة العزيزة خبرة وحصافة ورصيد يعتد به من أساليب العمل السري السياسي ومواجهة الملاحقات البوليسية. بالطبع لم يغيب عن الوالدة جلب مالذ وطاب مما أبدعته يداها الماهرتين من الأطعمة وقد غلفتها بدقة لتحتفظ بلذتها وطراوتها، وإنتزعها علي زاده وسلمها إلى الحرس لكي يتم تفتيشها عسى أن يجدوا ما هو محضور فيها. حان موعد الفراق، فاللقاء محدود بربع ساعة فقط ولا نستطيع تجاوزه. بدأت قبلات الوداع ووصايا الوالدة بالحفاظ على الصحة والمعنويات العالية وراحت تسير بخطى ثقيلة على الطريق المكسو بحصى التلال المحيطة ترافقها بنت الخال سهام حتى إختفتيتا عن الأنظار.
رافقني الحراس وهم بين متأثر لهذا المشهد وبين من لايعنيهم الأمر، وعدت إلى الزنزانة وسط تهليل وإستبشار مجموعتنا بهذه المواجهة غير المرتقبة. عندما دخلت الزنزانة، وأقفل بابها وجدت السلة التي جلبتها الوالدة وهي مفتوحة وقد بعثرت محتوياتها. أعدت ترتيبها وقسمت محتوياتها إلى خمسة أجزاء ورجوت الحارس أن يسلمها إلى الزنزانات المجاورة حيث يوجد فيها رفاقنا الآخرين. بالطبع إستثنيت أبو ثائر من هذا الغذاء اللذيذ لأنني قد نفيت أمام المحقق بوجود أية صلة به. وما أن عرف أبو ثائر بهذه المواجهة وشم رائحة الطعام اللذيذ الذي جلبته الوالدة، في الوقت الذي كنا محرومين فيه من الطعام المناسب، حتى أخذ "يدردم" بطبعه اللطيف، ويتحسر على هذه الوليمة الإستثنائية الدسمة المفاجئة التي حرم منها. وكنا نسمع صوته وهو يوجه "النقد" على تناولنا الطعام بدون أن يتناول حصته منه. تركت زيارة الوالدة إثراً طيباً علينا ولوحظ ذلك في مزاجنا وتعالي ضحكاتنا بين فترة وأخرى وأحاديثنا عبر قضبان الزنزانات، هذه الأحاديث التي لم تكن مفهومة بالنسبة لحراس الزنزانات.
إستمرت الإجراءات الروتينية للمحقق والتي إقتصرت على الأسئلة والأجوبة الروتينية والتي نادراً ما كان يتخللها العنف. وبدأنا نتأقلم أكثر مع الأجواء المحيطة بنا. وأخذنا نحس بأن قضيتنا كأسرى بيد الساواك الإيراني ستطول خاصة بعد إشارات متكررة كانت تصدر من المحقق حول أرسالنا إلى المحاكم العسكرية. مر أكثر من شهرين ونحن على حالة الإنتظار في هذه الزنزانات المغلقة وأخذ الطقس يميل إلى البرودة بعد أيام الصيف القائضة حيث بدأنا ندخل في فصل خريف عام 1964 الذي يتسم بالبرودة في طهران.
فوجئنا في صباح أحد الأيام برئيس السجن وبرفقة عدد من الحراس وهو يطلب منا جمع حاجياتنا البسيطة والتهيؤ للأنتقال إلى مكان آخر. وقمنا على عجل بالإستعداد، وقادنا الحراس على شكل طابور إلتحق به الرفيق محمد حسن عيدان من زنزانته إلى أحد ملاحق المعتقل. المعتقل الجديد جزء من معتقل باغ مهران وهو بمساحة خمسين متراً مربعاً تقريباً، ويضم ثلاث غرف متوسطة ذات شبابيك زجاجية ومحاط بسور عال من الآجر يحجب عنا رؤية كل شئ عدا السماء. وكان هذا المكان أفضل صحياً من سابقه ولاتوجد تلك القيود التي تحول بيننا. ويكفي أن لقاؤنا وإزالة الحواجز بيننا قد أضفى متعة ونكهة خاصة بعد كل الذي جرى. وأثار المكان الجديد لدينا قدراً من الشعور بالإطمئنان. وبدأ كل واحد منا يقص تفاصيل حكايته منذ الإعتقال وما تعرض له بعدئذ من تعذيب على يد الجلادين. لقد أتضح لنا إنه ما ان كان المراسل محمد يتهيئ للعبور إلى الأراضي العراقية وقد وضع قدمه على زورق المهربين حتى أنبرت له مجموعة من الأمن الإيراني وإعتقلته. وبعد تحقيق سريع نقل معتقلاً بالطائرة المتجهة نحو طهران وحشر في معتقل إستخبارات الشرطة وبدأوا تعذيبه حتى أقر مجبراً بمكان سكن كل من كاظم وسعيد في طهران. وبدأ مسلسل الإعتقالات ليشمل الآخرين. ترتب علينا، في مكاننا الجديد، أن ننظم أوقاتنا ونشغل أنفسنا لتجنب الملل والضغط النفسي للمعتقل. في بعض الأوقات كنا نصغي إلى موال وعتابات محمد الحمداني الحزينة التي تثير الشجن والشوق للأهل خاصة بصوته البصراوي الدافئ الذي كان يصدح ليل نهار في معتقلنا الجديد. وفي أوقات أخرى كنا نستمتع بالقصص الطريفة ونكات محمد علي سيادت. أما محمد حسن عيدان فكان ينبري إلى سرد مغامراته على الحدود العراقية الإيرانية وقصة تعرفه على الشيوعيين وإنخراطه في الحزب وقيامه بحراسة قادة الحزب بعد تموز، وذلك بلهجته الكردية الفيلية اللطيفة التي ترعرع عليها. أما سعيد فكان لا يكف عن سرد عادات أهل النجف ودعاباته عن القبور ومن يرقد فيها وعن "الطناطل". ولا تخلو أحاديث كاظم من التذكير بدكانه في سوق البصرة والبضائع الجيدة التي يبيعها وحسناتها. وتتكرر هذه الأحاديث إلى حد الملل في بعض الأحيان، ولكن لابد من الإصغاء لتمضية الوقت الثقيل اللعين. وبالطبع لم تخلو أجواؤنا من بعض المنغصات والتوتربسبب بعد البعض منا عن أولادهم وأحبائهم وحرمانهم من دفئ الأهل والبيت.
بعد مضي فترة من وجودنا في الزنزانة الجديدة، فوجئنا بقدوم معتقل جديد يدخل الى مكاننا. ما أن بدأ بالحديث حتى تعرفنا على لهجته العراقية النجفية. وسرعان ما تعرف عليه كل من سعيد ومحمد علي، فهو إبن مدينتهم وكان يعرف بأبي أيوب. ولم أعرف إسمه الحقيقي ولحد الآن بالرغم من لقائي به في سوريا في نهاية الثمانينيات، حيث زودناه بجواز سفر عراقي مزور. في شبابه كان أبو أيوب، حسب روايته، عضواً في حزب التحرر الوطني الذي كان قد تأسس كواجهة للحزب الشيوعي العراقي في النصف الثاني من أربعينيات القرن الماضي. سألناه عن سبب إعتقاله في إيران، وسرد لنا قصته الطريفة. فقد هرب من العراق بعد إنقلاب شباط 1963، شأنه شأن حال الكثير من العراقيين الآخرين. وإختفى في طهران إلى ان سنحت له الفرصة بإستطلاع الحدود الإيرانية السوفييتية بهدف عبورها واللجوء إلى الإتحاد السوفييتي. وفي يوم العبور، جهز نفسه بجعبة تحتوي على سمك مقلي ليؤمن قوته وهو في طريقه إلى الإتحاد السوفييتي. ولكن قبل عبور الحدود، أحس بالجوع وفكر أن ليس من "اللائق" رمي عظام السمك والنفايات على الأراضي السوفييتية التي سمع عنها أنها تقع ضمن نظام يراعي النظافة بصرامة، والأكثر من ذلك فهو بلد إشتراكي، فمن المفضل أن ترمى النفايات في بلد رأسمالي، إضافة الى كونه عضو في حلف السنتو!!!. ولذلك إفترش الأرض أمام الأسلاك الشائكة التي تفصل البلدين، وشرع بتناول ما عنده من طعام وهو يحدق في الأراضي السوفييتية بأمل الإنتقال إليها بعد حين. وما ان أنهى تناول طعامه وهمّ بالوقوف حتى شعر بيد قوية تضغط على رقبته، وما كانت هاتان اليدان سوى يدا أحد أفراد الجندرمة الإيرانية التي تشرف على مراقبة الحدود. وأقتيد إلى طهران مخفوراً وحشر معنا بعد انتهاء التحقيق معه. كان يسرد حكايته الغريبة بإسلوب لا يخلو من الطرافة، ويصاحبها تعليقات الرفاق الآخرين التي إتسمت بالسخرية والإستغراب على تلك الوجبة اللعينة التي تسببت في إعتقاله. لقد أضفى وجوده قدراً من المرح على أجوائنا التي لم تكن تخلو من المعكرات بالطبع. كان لدى هذا الرجل الكثير مما يسرده من الحكايات والطرائف والأحداث التي كانت تأخذ وقتاً غير قليل من أوقات الفراغ التي كانت تطغي على حياتنا في هذا المعتقل. فلم يكن مسموحاً لنا الإطلاع على الجرائد والمجلات، وتم مصادرة الراديوات التي كانت بحوزتنا قبل الإعتقال ولم ترد لنا رغم مطالبتنا المتكررة بذلك.
 كانت الأيام في هذا المعتقل تمر بشكل رتيب وكان علينا إختراع وسيلة ما لقضاء هذا الفراغ المزعج في المعتقل الذي خلا من أية وسيلة لقتل الفراغ. وبالإضافة إلى ذلك كان إنتظار ما يخبأ لنا المستقبل هو الآخر يزيد من الترقب والملل والقلق لدينا. كنا نسلي أنفسنا أحيانا بتداول الحكايات والطرائف، وأحياناً أخرى بإبتداع ألعاب جماعية كنا نلعبها في سنوات الطفولة. ولكن الوقت كان أطول من أن يستوعبه كل هذا اللهو، فلا كتاب لدينا نقرأه ولا أي شئ يساعدنا على قضاء الوقت المزعج، بإستثاء تزويدنا بنسخة من القرآن بعد مطالبتنا به. في بعض الأحيان كنا نفكر بالهروب ولكن إلى أين؟. كان بالامكان التسلل من المعتقل خاصة وإنه يقع في مكان في أطراف العاصمة وعلى التلال المشرفة عليها. ولكن من أين لنا بالمال ليساعدنا وأين نختبأ، ومن الذي سيساعدنا على الهروب وإحتضاننا لنتمكن من عبور الحدود إلى العراق أو إلى أي مكان آخر. وفي خضم هذه الهواجس وربما الخيال نودي علينا بعد أن مكثنا في هذا المكان ما يزيد على شهرين. طل علينا في صبيحة أحد الايام الخريفية المدعو شعباني وأمرنا بالتهيؤ للإنتقال إلى مكان آخر، إلى سجن طهران المركزي الذي يدعى بسجن قصر. ومن جديد عصبت أعيننا وشرع الجنود بإقتيادنا خارج المعسكر، وحشرنا في سيارة عسكرية في عصر ذلك اليوم. كنا نحس بأن السيارة تنحدر من مكان مرتفع إلى أراض منخفضة، ثم وصل إلى أسماعنا ضجيج المدينة وأدركنا إننا نسير في شوارع العاصمة الايرانية.

يتبع[/b][/size][/font]
12  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / يوميات ايرانية ( 15 ) في: 23:14 22/08/2006
يوميات ايرانية ( 15 )
عادل حبه
في معتقل باغ مهران

في صباح أحد الأيام نودي علينا وطلبوا منا التهيؤ للإنتقال إلى محل آخر. جاء أحد الحراس وقام بوضع العصابة على عيني وقيدوا يداي بالأصفاد، وكذا الحال بالنسبة للآخرين. قادونا إلى سيارة لم نستطع تمييزها ولا المحل الذي كنا فيه لوجود العصّابة على عيوننا. في الحقيقة كنا في مزاج أفضل بعد أن إلتأم الشمل وخف كابوس التعذيب. وتبادلنا القبلات، وفي أثناء ذلك بدأ كل واحد منا يمازح الآخر سعياً من الجميع لتغيير المزاج ورفع المعنويات لدى الآخرين. سارت بنا السيارة لمدة ساعة تقريباً، وهي سيارة مخصصة لنقل السجناء مغلفة بألواح حديدية وذات شبابيك صغيرة يأتي منها سيل من النسيم العليل المنعش الذي لم نشمه منذ وقوعنا في أسر الجلادين. كنا نشعر بأن السيارة كانت تتسلق مناطق مرتفعة دون أن نستطلعها. ثم توقفت السيارة وسط ضجيج وصراخ آمري وعسكري لم نفهم إلا القليل منه. أنزلونا من السيارة الواحد تلو الآخر وقادونا إلى غرفة وأغلقوا بابها. أمر أحدهم بنزع العصابات عن الوجوه. وكان أول من وقع نظري عليه هو ضابط عسكري أقرع برتبة عقيد في الجيش، ويقف إلى جانبه شخص طويل القامة وكريه الوجه له اسنان كأسنان الكواسر ويد طويلة مشوهة وكف عريض بشكل غريب. وما أن بادرت بالحديث معه وقدمت بعض الطلبات حتى بادرني بكف قوي على وجهي أدارني نصف دائرة ووقعت على الأرض. وكان يدردم بلغة غير فارسية وبقسوة مكشراً عن أنياب لا تشبه أنياب البشر. خمنت أن اللغة التي كان يتكلمها هي اللغة الآذرية، التركية. بعد فترة عرفت هوية الشخصيتين، فالضابط الاقرع هو عقيد في الجيش  ومدير السجن. هذا العقيد مثل الاطرش بالزفة و لا يحل و لا يربط  كما يقول المثل البغدادي. أما الثاني فهو رئيس عرفاء ذاع صيته بالقسوة والتعذيب والمعروف بـلقب "شعباني"، وهو الآمر الفعلي في المعتقل. أما إسمه الأصلي فهو الحسيني وهو من أصل آذري. وكانت مهمته لا تقتصر على الجانب الإداري بل كان يقوم بدور الجلاد عند القبض على المعارضين، ولعب دوراً سئ الصيت عند القبض على تنظيم الضباط التابع لحزب توده إيران في عام 1953. ومن النادر أن يفلت أي شخص معتقل أو سجين من صفعات الحسيني القوية وركلاته التي يعتبرها بمثابة "فيزا" للدخول إلى "إمبراطوريته". لقد نال هذا الجلاد جزاءه عندما حكم عليه بالإعدام بعد الثورة الإيرانية عام 1979، وبعد أن سلب الحياة من العديد من خيرة الإيرانيين جراء تعذيبهم بوحشية.
إنتهت "مراسيم الإستقبال الحافلة"، وقادونا واحداُ إثر الآخر إلى زنزانات متتالية تطل على رواق مشترك يطل على ساحة واسعة أشبه بمعسكر الجيش. وعوضاً عن الشرطة الذين كانوا يحرسون المعتقل الأول، فإن هذا المعتقل كان يحرس من قبل الجنود الإيرانيين. بعد أيام عرفنا أن هذا المعسكر يعود إلى الجيش الإيراني وتشرف عليه المخابرات الإيرانية المعروفة بـ "الساواك"، وكان يدعى بـ "باغ مهران". هذا المعتقل كان مخصصاً للأجانب وللإيرانيين المعارضين الذين يعودون إلى البلاد وجلهم من العائدين من الإتحاد السوفييتي. وقد أدركت ذلك منذ الساعات الأولى عندما كان يتبادر إلى سمعي حوار بعض المعتقلين باللغة الروسية. وكان هناك معسكر آخر يشرف عليه الساواك ويسمى "قزل قلعة"، وهو مخصص للمعتقلين الإيرانيين فحسب. وذاع صيت كلا المعتقلين بإعتبارهما من المعتقلات المخيفة للمخابرات الإيرانية والتي أودتا بحياة المئات من المناضلين الإيرانيين من مختلف الإتجاهات خلال فترة الحكم البهلوي.
حشرونا كل على إنفراد في تلك الزنزانات، وأوصدوا الأبواب علينا والتي لم تكن لحسن الحظ سوى تراكيب أبواب تتكون من قضبان حديدة متشابكة. تزود كل فرد منا بثلاث بطانيات عسكرية بنية اللون مستهلكة إستخدمنا واحدة كفرشة والأخرى كوسادة والثالثة كغطاء نحمي به بدننا من البرد في الليل. كانت تلك البطانيات تعد شئ ترف بالمقارنة مع عانينا منه في معتقل مخابرات الشرطة. حرموا علينا تبادل الحديث ولو كان من وراء هذه القضبان حيث كان الحراس لنا بالمرصاد. وغدا واضحاً من الوجبات وأرغفة الخبز التي يقدموها لنا إننا في معسكر تابع للجيش. كانت مساحة كل زنزانة لا تتجاوز أقل من مترين مربعين. جذبت الجدران إنتباهي ورأيت كتابات باللغة العربية إلى جانب اللغات الفارسية والروسية..الخ. أثار فضولي ماحك على الحائط باللغة العربية، ورحت أقرأ ما عبر عنه المعتقلون العراقيون الذين سبقوني إلى هذه الزنزانة من عبارات تحكي عن معاناتهم أثناء إنقلاب شباط في العراق، إضافة إلى سطور من أشعار وعبارات نثرية مفعمة بالحنين الى الوطن والأهل مذيلة بأسماء مختلفة. وكان من بين الأسماء أناس سمعت عنهم أو عرفتهم وقد هربوا إلى إيران لتفادي الطغيان. لاحظت على الجدار بضعة أبيات باللغة العربية لأشعار بالفصحى أو العامية مذيلة بإسم الشاعر العراقي مظفر النواب لا تسعفني الذاكرة بترديدها، وكلها تعبر عن الشجن وعن الشعب الذي أهدرت كرامته. وكان واضحاً إن هذه الزنزانات قد إحتضنت العديد من العراقيين خلال تلك الفترة ثم جرى تحويلهم إلى السلطات العراقية قبل إعتقالنا بفترة قليلة. إن مقارنة بين الجب الذي كنا فيه بعد الإعتقال وبين هذا المعتقل الحالي، تشيرالى أننا الآن في حال أفضل، خاصة وقد أخذنا ننعم برؤية الشمس ونرى السماء ونرى النجوم التي كانت تتلألأ في الليل على غرار مثيلاتها في بوادينا. والأهم من ذلك كان بإستطاعتنا ان نرى البشر العاديين. كانوا يقدمون لنا خمسة سجائر وعلبة كبريت يومياً. ولكن غالبيتنا لم يتعاطى التدخين، ولذلك كنا نجمعها ونضعها في ورق ونوصلها إلى مدخل زنزانة أخرى لكي يستلمها المدخن القهار الوحيد بيننا وهو محمد علي سيادت. أما علب الكبريت فكنا نلهو بأعواد الثقاب حيث نصنع منها سلال صغيرة غالباً ما كنا نقدمها إلى بعض الحراس اللطفاء معنا.
بعد يومين أو ثلاثة، نودي علي وقادني الحراس بعد أن تم تقييد يداي إلى غرفة ليست ببعيدة عن زنزاناتنا. وما أن دخلت حتى لاحظت رجلاً يلبس طاقماً أنيقاً وربطة مناسبة وجالساً وراء طاولة كبيرة. رأيته بالغ الجدية وعبوساً ويتظاهر بالقسوة والجبروت وبياض عينيه يغطيهما اللون الاحمر. فاجأني بالحديث بلهجة عربية فراتية واضحة. وباشر حديثه بتكبر وإستعلاء محاولاً توجيه إهانات مباشرة. قلت له إنني واجهت الأمرين من جلاوزتكم، وينبغي عليك التحدث بكلام مناسب لكي أعرف ماذا عملنا ضد أمن بلدكم ونظامكم. نحن أناس عانينا الأمرين من حكامنا ولجأنا إلى هذا البلد ولم نقم بعمل يهدد بلادكم. ولذا أتمنى أن يتم التعامل معنا بإحترام وإلا سوف ألزم الصمت وأفعل أنت ما تريد.
أعاد هذا الموظف ترديد عبارات التجسس و..و.. ثم بادر إلى توجيه الأسئلة التقليدية التي تطرح في عمليات الإستجواب. عرفني بنفسه على أنه "علي زاده"!!. وبالطبع لم يكن ذلك هو الأسم الحقيقي له. وقد عرفت بعد ذلك من أحد السجناء العراقيين من اهالي كربلاء ومن أقربائه،وهو حسين المراياتي، والذي إلتقيت به لاحقاً في سجن قصر في طهران، أن هذا المحقق من أهالي كربلاء ومن آل المراياتي، وترك كربلاء منذ فترة مبكرة إلى إيران وإنخرط في صفوف الساواك، في شعبة النشاطات الخارجية ومكافحة التجسس. وهكذا إستمر التحقيق من جديد لعدة أيام، وتكرر ذلك التحقيق مع الآخرين أيضاً. كان التحقيق تكراراً مملاً لما سبقه، والذي جرى في مبنى إستخبارات الشرطة بإستثناء عدم تكرار التعذيب الذي إقتصر هذه المرة على الصفعات والركلات الخفيفة.
مرت أيام والأمور تسير على منوالها الرتيب المضجر. في أحد الأيام لاحظنا الحراس وهم يقودون معتقلاً وقد وضع على رأسه كيساً فضفاضاً من قماش أبيض لكي لا يتمكن أحد من التعرف عليه. قادوا هذا المعتقَِل إلى زنزانة في وسط باحة السجن وأغلقوا عليه الباب بعد أن أزاحوا الكيس عن رأسه. لم نستطع التعرف عليه لأن باب الزنزانة كان في إتجاه معاكس لزنزاناتنا. ولكن في اليوم التالي وبعد أن جلبوا الغذاء له ورافقوه لغسل الصحون، أدار وجهه وتعرفنا عليه وما كان إلا رفيقنا العزيز محمد حسن عيدان (أبو ثائر). وقع هذا الأمر علي كالصاعقة، فكيف عرف هؤلاء بمكانه علماً أنه كان أثناء الإعتقال في العراق. ورحت أضرب أخماس بأسداس وخشيت أن يلقى الآخرين نفس المصير. علمت بعد إنتهاء التحقيق إن إعتقال أبو ثائر قد جرى بعد أن تم العثور على نسخة قديمة من برقية مرسلة منه إلى سعيد الذي لم يتلفها، وبعد ذلك تتبع المحققون مصدر البرقية وكانت من محافظة إيلام التي تقع على الحدود من العراق مقابل محافظة الكوت، حيث كان لأبو ثائرأقرباء يحتمي بهم ويأوى عندهم عند الإنتقال من وإلى العراق. وقام عملاء السواك بترصده الى ان ظهر في محافظة ايلام قادماً من العراق واعتقلوه. في اليوم التالي من وصول أبو ثائر نودي علي وذهبت برفقة الحرس إلى غرفة التحقيق ورأيت أمامي المحقق المدعو علي زادة وكذلك الرفيق أبو ثائر.
          وبادرني المحقق بالسؤال : هل تعرف هذه الشخص ؟
          أجبته بالنفي.
ابو ثائر في سجن قصر – خارج البند الرابع- ربيع عام 1967
في العاصمة طهران
[/b][/size][/font]
13  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / يوميات ايرانية ( 14 ) تفنن في البطش في: 14:46 16/08/2006
يوميات ايرانية ( 14 )
عادل حبه
تفنن في البطش

ما أن إستعدت قدراً من حالي وقواي، وما أن مر وقت ليس بالقصير حتى عاد طاقم التعذيب وشرع بـممارسة "فنه" المشين من جديد. إستخدموا هذه المرة ما يطلق عليه في إيران بـ "دست قباني"، أي ذراع الميزان، وهو إسلوب من التعذيب مورس في كل عهود الاستبداد في إيران وما زال يمارس حتى الآن في ظل حكومة العدالة "الاسلامية". هذه الطريقة تتم بواسطة تقييد يدي الضحية من الخلف ثم يتم تعليقه منهما بسقف الغرفة أو بالمروحة السقفية، ثم يجري سحب البدن من الرجلين بقوة من الاسفل مما يؤدي ذلك إلى آلام مبرحة في الكتفين واليدين جراء وزن الضحية وقوة سحب الجلادين. وغالباً ما تؤدي هذه الطريقة إلى خلع في الكتفين خاصة إذا إستمر التعليق لفترة طويلة وصاحبها الضرب والسحب. وهذا ما حصل معي ومع العديد من السجناء الذين تعرضوا لهذه الطريقة الهمجية. وهكذا عادت ماكنة الرعب تدور من جديد لترمي بثقلها على فريستها.
في أحدى هذه الليالي، وأن أتلوى من الألم، طرق سمعي صوت صياح مرير إستمر لفترة ليست بالقصيرة، وسرعان ما تحول إلى أنين أخذ يخفت تدريجياً حتى إنقطع فجأة بعد أن سمعت حشرجة واضحة للموت. وترامى إلى سمعي ضجيج وأصوات أقدام وجزم الحرس والشرطة وأصوات همس مرتبكة. ثم أطبق صمت مرعب كصمت الموت على المبنى. شعرت بالرهبة وبقدر من الفضول لمعرفة ما حدث لهذا الإنسان ومصيره. وما أن بدأت تباشير الصباح وبدأ تناوب الحرس حتى لمحت صاحبي الشرطي الأهوازي وهو يفتح الباب ويطمئن علي وعلى شفتيه إبتسامة محببة. وبعد لحظات جلب لي الفطور المتواضع وكأس الشاي، ولكني أوقفته وسألته بهمس عن ما حدث ليلة أمس؟. أجابني على عجل أنه سوف يتحدث لي عن ذلك بعدئذ. وبالفعل إنتهز فرصة إنشغال مرؤوسيه ليسرد لي قصة غريبة جداً علي. إن الشخص الذي كان يخضع للتعذيب هو مخبر في المخابرات الإيرانية المعروف بالساواك. وقد أعتقل هذا الشخص وعذب ثم لفظ أنفاسه تحت التعذيب بالخطأ، حيث كان يظن أنه يترأس مجموعة معارضة تخطط لإغتيال الشاه، في حين كان الهدف هو الإيقاع بالمعارضين. وغالباً ما تحدث مثل هذه "الأخطاء" في ظل الأنظمة الديكتاتورية. فهذه الأنظمة جميعها، ومنها الأنظمة الإستبدادية في العراق، لا تكتفي بجهاز أو مؤسسة واحدة للأمن والقمع، بل هي مولعة بتعدد الأجهزة لكي يراقب كل جهاز الطرف الآخر لئلا يقوم بعمل ضد النظام. ولربما ومن باب التزلف للمستبد، تتنافس هذه الأجهزة فيما بينها إلى حد الخصومة على تقديم خدماتها "وإختلاق" المعارضين لتبرر وجودها وتحلل "خبزتها". وهكذا تقدم هذه الأجهزة بعض عملائها ضحية لهذا التنافس. إن الذي وافته المنية كان من عملاء الساواك كما أشرت وكلف بتنظيم خلية للإيقاع بالمعارضين تحت واجهة إفتعال خطة مزعومة لإغتيال الشاه من أجل الظهور بمظهر الجهاز الفعال والمؤسسة الأمنية الساهرة على أمن النظام. ويبدو أن أحد عناصر إستخبارات الشرطة إتصل بالصدفة بهذه الخلية المزعومة بتوجيه من مرؤوسيه، ظناً منه أن أفرادها من المعارضين، وتم إعتقال "زعيم" المجموعة الذي ما كان إلا هذا العميل للساواك. وهكذا تم الإجهاز عليه ولم يتم التعرف على هويته إلا بعد أن فعل التعذيب فعلته وذهب إلى دار الفناء. ويبدو أن مثل هذه "الخبطات" كررتها الأجهزة الأمنية عدة مرات، كما سمعت عن قصص مماثلة من سجناء سياسيين صادفتهم لاحقاً في السجن.
سيطر وجوم ورعب داخل المعتقل. ولربما فاجأ هذا الحادث المأساوي الجميع، وراحوا يلجأون إلى الصمت بما فيهم أفراد الشرطة ليتفادوا مثل هذا المصير. وطال هذا الأمر حتى الجلادين الذين غمرهم الإرتباك جراء هذا الفعل بحيث مكثت بضعة أيام دون أن يسأل عني أحد ولا يستجوبني المحققين، وتحررت مؤقتاً من عبثهم الشرير. كان هذا الحدث المروع بمثابة فرصة لي لكي أسترد أنفاسي وجزء من عافيتي بعد التعذيب الذي تعرضت له. فالورم الذي أصاب رجلي قد خف نسبياً، والأوجاع قلت، وبدأت الشهية للأكل تأخذ مجراها.
ولكن هذه "الهدنة" لم تدم إلا بضعة أيام. وجاء الجلاوزة في بداية أحدى الليالي ليعيدوا كرتهم ويعكروا صفو راحتي.
بادرني محمد خطائي بالسؤال قائلاً:"هل تعرف كيف يعذب رفاقكم الصينيون معتقليهم؟".
كنا في ذلك الوقت نظن وعلى يقين بأن الأجهزة الأمنية في هذه الدول لا تمارس التعذيب إنطلاقاٌ من المثل الإنسانية التي تعلنها وتتبناها. ولهذا أجبته بصورة قاطعة أن لا وجود للتعذيب في الصين آنذاك. بالطبع كان ذلك خلاف الواقع كما تحققنا من ذلك بعد مدة، حيث لم تكن الممارسة في تلك الدول لتختلف عن التعذيب في أي مكان آخر. هددني خطائي مرة أخرى وبشكل هستيري بالتعذيب على الطريقة "الصينية" او ما يطلق عليه "كلاه أبولو"، أو "قبعة ابولو"، وإجباري على تقديم المعلومات التي يريدها مهما كان الثمن. وجاء بعض أعضاء الفريق وكبلوني بالقيود وساقوني إلى غرفة أخرى أصغر من سابقتها وذات نور قليل. أجلسوني على كرسي ثابت في الأرض وشدوا وثاقي على غرار شد المحكوم بالإعدام بالكرسي الكهربائي في الولايات المتحدة. حسبت الأمر وكأنهم يريدون التهديد والتلويح بالكرسي الكهربائي، أو لربما الإجهاز علي بواسطة الكرسي الكهربائي بالفعل. لاحظت أن هناك صنبور للمياه يتدلى فوق رأسي. خمنت أنه لربما يحتاجون إليه لغسل رأسي أو بدني إذا ما حصل نزيف خلال فعلتهم الهمجية.
ولكن سرعان ما إنتبهت حيث إنني شاهدت مثل هذا الهيكل الحديدي في أحد معتقلات النازيين في جيكوسلوفاكيا، وبالذات في مدينة بلزن المشهورة بصناعة الجعة. فقد نظمت لنا زيارة عندما كنا نتهيأ للسفر إلى أيران لهذا المعتقل من باب الإستعداد النفسي للإحتمالات الصعبة التي قد نواجهها. وشرح لنا الدليل آنذاك إن هذا الأسلوب في التعذيب أقتبس فعلاً من الصين حيث مارسها المستبدون الصينيون في العهود الغابرة ضد المعتقلين. إن هذه الطريقة تعتمد على خريطة لبدن الإنسان يستخدمها الطب الصيني الآن للمعالجة الدارجة بالإبر. وتقضي هذه الطريقة بغرز الإبر في عقد الشبكة العصبية مما يؤدي إلى تفعيل الكتلة العصبية وتنشيطها لكي تتجاوز الأمراض والأوجاع وحتى العلاج. وقد حكى لي المرحوم صالح دكله أنه عندما ذهب إلى الصين بعد ثورة تموز عام 1958 مباشرة، أصيب هناك بإلتهاب الزائدة الدودية. وهذا كان يتطلب في ذلك الوقت القيام بعملية جراحية جدية لإزالتها مما يعني بقائه في الصين ولا يشارك بالرحلة مع الوفد إلى الإتحاد السوفييتي. هنا إقترح عليه الطبيب الصيني إستخدام الوخز بالأبر الصينية التي لا تحتاج إلا إلى سويعات من الراحة ثم الإلتحاق بالوفد. وبالفعل أجريت له عملية الوخز وقام من فراشه وهو أشد نشاطاً من السابق، وتم معالجة الزائدة الدودية. إلا إن هناك بؤرة في قمة الرأس مؤشر عليها باللون الأحمر في هذه الخارطة الصينية، يحذر منها عند إستخدام الإبرة لانه قد يؤدي إلى احتمال الموت. ويتم التعذيب بالتنقيط تباعاً بإنزال قطرات الماء على هذه العقدة مما يسبب الأذى الشديد.
تقدم أحد الجلادين وشد رأسي إلى قضيب حديدي مثبت في خلف الرأس بحيث أصبح من الصعب علي تحريك الرأس. وبدأ الماء ينزل على شكل قطرات من الصنبور وعلى قمة الرأس وبشكل متناوب. في البداية لم أكن أشعر بشئ جدي، ولكن ما أن مرت بضع دقائق حتى بدأت أحس وكأن حفرة قد حفرت في قمة الرأس، وإن أثقال تتهاوى على رأسي. وشعرت بدوار وأوجاع رهيبة. وصلت الأوجاع إلى درجة بدأت أفقد عندها الإحساس، ولا أتذكر المدة التي أستغرقتها العملية. كنت أحاول أن أزيغ عن القطرات المتساقطة كالقنابل، ولكن الرأس قد شد بإحكام بحيث لامجال هناك للإبتعاد عن هذه القطرات المائية السحرية. وصلت الأمور إلى حد بحيث إنني لم أعد أشعر وهم يفكون وثاقي ويعودوا بي إلى زنزانتي مرة أخرى. تكررت العملية في الليلة التالية مع ملاحظة أن الجلادين أضحوا أكثر همجية وتوتراً من السابق. كانوا يريدون إنهاء مهمتهم ليحصلوا على "إمتيازاتهم" و"علاواتهم النقدية"، ويتخلصون من العبأ الذي يحملونه.
في نهار أحد الأيام سمعت صوت عزيز عليّ. صوت أبح معروف لدي، إنه صوت الخال الحاج مصطفى الصفار. يبدو أن المحققين قد قلبوا في أوراق تقديم الطلب للفيزا الإيرانية ووجدوا إسم الخال وعنوانه وراحوا يراقبونه ثم إستدعوه للإستجواب. وعرفت أنه لم يبقى إلا فترة قصيرة وغادر المكان بعد أن تأكد المحققون أن الرجل لا يعرف شيئاً عن نشاطي.
وفي الليل عاد الطاقم مرة أخرى مجدداً مطالبته بأن أعترف بما عندي من معلومات. هذه المرة قالوا إنهم سيستخدمون إسلوباً جديداً في التعذيب لم تسمع به من قبل، فأما أن تلقي حتفك أو أن تعترف بما عندك. وجلبوا كرسياً متيناً حفرت قاعدة الجلوس فيه بدائرة قطرها يتجاوز الثلاثين سنتيمتراً. نزعوا عني الملابس الداخلية وأجلسوني على الكرسي وشدوا وثاقي بإحكام. وبعد فترة قصيرة دخل شخص آخر وهو يحمل ما نسميه بـ "البريمز", ويسميه الإيرانيون "جراغ زنبوري". إنه طباخ نفطي صغير يستعمل عندنا في العراق أيضاً ويترك صوتاً مدوياً عند إشتعاله لأنه يعمل على أساس ضغط النفط إلى فوهة الجهاز. وضعوا البريمز تحت الكرسي، وبدأ البريمز منذ الوهلة الأولى يفعل فعله حيث شعرت بإحتراق شعر بدني وتصاعدت رائحة إحتراقه. وبدأت أتصبب عرقاً وأنا أحس أيضاً برائحة شواء وإحتراق الجلد والشعر أيضاً. هذا النمط من التعذيب البشع لم يمهلني طويلاً حيث تحركت لا شعورياً بعد حين وإنقلب الكرسي وفقدت الوعي كلياً.
لم أدري كم إستغرقت الغيبوبة أو النوم الذي تلاها. ولكنني إستيقظت وقد خيم الظلام على الغرفة بإستثناء بصيص المصباح الكهربائي المتدلي من سقف الغرفة. شعرت بأن المنطقة بين الفخذين وأسفل الفخذين تؤلمني بشدة جراء حروق الجلد. كانت هناك ثمة فقاعات مائية منتشرة على الجلد جراء هذه الحروقات ويسيل منها الدم والسوائل المترشحة. حاولت مناشدة الحرس بجلب ممرض لمداواة هذه الجروح ولكن دون طائل. وقضيت ليلة ليلاء مثقلة بالآلام والكوابيس وكان كل أملي أن ألمح ضياء الصباح لعلني أجد من يقدم لي العون للتخفيف من الآلام. بدت تباشير الصباح وبانت طلعة أحد الحراس من المناوبين الجدد، وكان دمثاً ووعد بالمساعدة، وقادني إلى دورة المياه وأنا في حالة يرثى لها. بعد حين جلب لي قليل من الخبز وقطعة جبن وكأس شاي، وان ذلك كل ما أتمناه بعد تلك الليلة الصعبة. وما أن إنتهى هذا الفطور "الملوكي" حتى إنفتحت باب الغرفة على مصراعيها ليدخل شخصان بلباس أبيض أدركت أنهما ممرضان، وشرعا بمداواة الندب والحروق والجروح مستخدمين الضمادات والمراهم والمسكنات وهما يلعنان بهمس كل من تسبب بهذه الفعلة. وبقي أحدهما يأتي لأيام عديدة لإسعاف الجروح والحروق، وبقيت هذه الجروح لفترة طويلة ومازالت آثارها على الجلد. رحت أفكر، وأنا أستعرض كل هذا "المزاح" الهمجي معي، علام كل هذا البطش المنفلت؟ وإذا كان هذا سلوكهم مع أناس أجانب لاعلاقة لهم بإيران وشؤونها، فكيف هو الامر مع المواطنين الايرانيين المعارضين لهذه السلطة الاستبدادية؟
بعد تلك الليلة، خفت أرجل الجلادين ضعاف النفوس، ولم أعد أراهم. ولكن إستمر التحقيق والسؤال عن هويتي وتاريخ حياتي وأماكن ذهابي، وأجبتهم بأجوبة متناقضة. ولكنهم كانوا يكتبون كل شئ. في أثناء ذلك كان المحققون يأتون بالآخرين و جرت مقابلات مع كل شخص على حدة من المعتقلين الآخرين الذين تعرفوا علي بالطبع بإستثناء واحداً منهم وهو محمد علي سيادت، الذي لم ألتق به بالفعل قبل ذلك. وفي آخر لقاء أخبرني خطائي بأننا سنقدم إلى المحكمة العسكرية الإيرانية بإتهام التجسس والنشاط الشيوعي وتزوير الوثائق. توقف كل شئ من التحقيق إلى التعذيب. وبدأ حالي بالتحسن بعد تلك الكبسة.
بقيت مع الآخرين في معتقل إستخبارات الشرطة الإيرانية لمدة خمسة أو ستة أسابيع، لم نشاهد خلالها الأهوال فحسب، بل كنا نسمع كل يوم آهات وأنات العديد من المعتقلين الذين كانوا يتعرضون إيضاً لإنتهاكات مريعة في بلد يفترض أنه قد وقع الوثيقة العالمية لحقوق الإنسان. إن توقيع هذه الدول لا تعني إلا مجرد حبر على ورق لا يمنعها من إرتكاب أفضع الجرائم ضد شعوبها. ومازالت هذه الممارسات البربرية قائمة حتى يومنا هذا.

يتبع[/b][/size][/font]
14  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / يوميات ايرانية - ( 13 ) في: 22:15 08/08/2006
يوميات ايرانية
( 13 )
عادل حبه
نقاش سياسي!!

كان التعذيب بالفلقة فرصة لكي أتحرر لبضعة ايام ومؤقتاً من عبث الجلادين. وصادف أن تمر هذه الفترة من "الراحة"بيوم جمعة. بالطبع تتعطل الدوائر الرسمية في يوم الجمعة في ايران بما فيها الدائرة التي حشرت فيها وهي إستخبارات الشرطة الواقعة في مديرية الشرطة الإيرانية "شهرباني كل كشور" في طهران كما عرفت لاحقاً. ناديت على الحارس، وطل من الباب وإذا به رجل ذو سحنة حنطية أقرب إلى السحنة العربية. حاولت التحدث معه ولم تسعفني بعض الكلمات الفارسية وشطحت إلى لغتي العربية، فإذا به يفهمها كلياً. أدركت أن هذا الشرطي أما من عرب الأهواز أو من المناطق العربية في إيران بشكل عام.
سألته : "هل أنت عربي؟".
راح يتلفت يميناً ويساراً خارج الغرفة لربما ليتفادى من يتربص به.
وأجابني بهمس وبلهجة اقرب الى اللهجة البصراوية المحببة:"نعم أنا عربي من أهالي المحمرة". وراح يحدق بي بنظرة تعاطف كنت بأمس الحاجة إليها بعد تلك الهمجية التي عوملت بها من قبل الجلادين. طلبت منه أن يساعدني لكي أغسل يداي ورجلاي وأمسح بدني بما لحق به من أوساخ في الأيام الماضية. طلب فرصة لكي يستشير مرؤوسيه، وعاد مستبشراً بإمكانية الذهاب إلى الحمام. رحت أزحف إلى الحمام بمساعدته ومسحت بدني بقليل من الماء لكي أتفادى أية قروح محتملة. ثم عاد بي الحارس إلى الزنزانة. بدأ، وهو كما لو أنه يتوسل بي، بطلب بالإستجابة لطلباتهم لتفادي أية أضرار لاحقة بي. وكررها عدة مرات وبشكل أثار مشاعري تجاه حرص هذا الرجل الغريب نحوي وفي هذا المأزق الذي وقعت فيه. وفي الحقيقة عزز كلام الحارس وتعاطفه من عزمي على مواجهة الأوباش.
سألته : "هل تحب الغناء العربي؟".
وأجابني بكثير من الشوق:"نعم حضيري أبو عزيز والغزالي وأم كلثوم !!!". وإستغربت من هذه الخيارات غير المتجانسة، ولكن هي ذي سليقته.
سألته:"هل تريد أن تسمع أغنية عربية؟".
وأجاب:"بكل سرور".
كان القصد من طلبي هذا وأنا في هذا الحال الذي لا يحسد عليه أحد هو أن أتحسس وأعرف المقبوض عليهم من فريقنا، لكي أدرك حدود حملة الاعتقال التي وجهت لنا. وبالفعل إقتربت من باب الغرفة وأخرجت رأسي خارجها حيث لم يرابط أحد من أفراد الشرطة عند الغرف الأخرى، عدا غرفتي ورحت أترنم أغنية للشاعر الراحل زاهد محمد التي ألفها عندما كان في السجن في العهد الملكي:

الشـــــعب ما ننساه ولا ينسانـــــا آه       لأجله فدينا أرواحنا ودمانه
أحنا الذخيرة نحمي تراث أمجاده آه         تراث الخالصي وأعوانـــــه
بالوثبة هبينا وفعلنا شــــــــــافه آه .......

كان صوتي يلعلع في الرواق، وكان صوتاً لا بأس به ويمكن تحمله، حيث كنت في عداد الكورس الغنائي وأنا صبي في المدرسة الجعفرية في الأربعينيات. وكانت هذه الفرقة تقدم برنامج أسبوعي للأناشيد في الإذاعة العراقية في النصف الثاني من الأربعينيات كل يوم أربعاء بإشراف وتدريب الموسيقار اكرم رؤوف ثم سعيد شابو ثم تولاها الموسيقار جميل سليم وبإشراف من مدرس الرياضة السيد حسين القزويني. وقامت هذه الفرقة بالمشاركة في إحتفال إفتتاح المدرسة الجعفرية في مدينة الحي، والتي قام ببنائها الشيخ بلاسم الياسين. وقد حضر الإفتتاح الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري الذي ألقى في المناسبة قصيدته العصماء "يابنت رسطاليس". ما أن أرتفع صوتي حتى ظهرت رؤوس من أربعة أبواب، الأول هو كاظم والثاني محمد والثالث هو سعيد ورأس آخر لم اشاهده من قبل هو محمد علي سيادت وهو من أهالي النجف، وكان قد خرج للتو من المعتقل الايراني وأعتقل ثانية بالصدفة مع مجموعتنا. كان الحارس قد طرب وأخذ هو الآخر يطنطن، ولكنني كسبت كثيراً حيث عرفت حدود الإعتقال وناشدتهم بوقف الأمور عند حدها دون التنازل بالمعلومات للمحققين. مرت هذه اللحظات بسرعة وشعرت أن رفاقنا يتمتعون بمعنويات جيدة، ولمحت الحارس وهو يناشدني بالكف عن الغناء وإعادة رأسي إلى الزنزانة تفادياً لعقاب محتمل من مرؤوسيه. عم الهدوء مرة أخرى في الرواق وشعرت بمزاج ومعنوية أفضل. فبالرغم من الخسارة، إلا إني شعرت بالإطمئنان لأن محمد حسن عيدان مازال طليقاُ وإن مايزيد على ستين شخصاً تقريباً من العراقيين طليقي السراح في إيران ولم تمتد لهم يد الشرطة.
كنت بإنتظار الجلادين بين حين وآخر. ولكن مرت عدة أيام دون أن يلوح أحد منهم. في أحد الأيام جاءني خطائي برفقة أحد المحققين. ولم يلجأوا هذه المرة إلى التعذيب، بل أقتصر الأمر على أسئلة وجس نبض سياسي وأيديولوجي على حد قولهم.
سألني في البداية:" هل أتكلم الروسية"؟
كان جوابي بالنفي بالطبع لان مجرد التحدث بالروسية تعني الكثير بالنسبة لهؤلاء البرابرة. ولكنني تحدثت مع نفسي كيف لهم عرفوا إنني كنت في الإتحاد السوفييتي؟.
لكن سرعان ماتبدد هذا الظن عندما قال خطائي:"إذا كنت لا تعرف اللغة الروسية فلماذا تحتفظ بمؤلف الدون الهادئ لميخائيل شولوخوف باللغة الروسية". كان هذا الكتاب هو الشئ الوحيد الذي عثر عليه في بيتي.
فكرت مع نفسي عما يترتب علي القول جواباً على تساؤله...
وأجبته بسرعة :"إنني أتعلم اللغة الروسية بمعونة هذا الكتاب!!!".
إنفجر خطائي ضاحكاً وتمتم بكلمات تبدو نابية ثم قال هل يعقل أن يتعلم الإنسان اللغة الروسية بهذه الرواية الصعبة!!.

الفرقة الموسيقية الغنائية في المدرسة الجعفرية عام 1947 ويديرها الفنان جميل سليم-الجالس الى اليسار وهو يحمل العود ويتوسط الصورة المربي السيد حسين القزويني والى يمين الصورة الجالس على الكرسي كاتب هذه السطور عادل حبه


الفرقة الموسيقية الغنائية للمدرسة الجعفرية وهي تشارك في احتفال افتتاح المدرسة الجعفرية في مدينة الحي عام 1947، حيث قدمت الفرقة اوبريت الجامعة العربية وأوبريت النهر الخالد من تأليف الاستاذ عزيز شلال وتلحين الفنان سعيد شابو. الصورة تبين اوبريت الجامعة العربية وقد
جلس كاتب السطور على الارض وهو يحمل لافتة بإسم فلسطين. وكان كاتب السطور "السوليست" في كلا الفعاليتين اللتين حضرها شاعرنا الكبير محمد مهدي الجواهري والذي ألقى رائعته الشهيرة " يا بنت رسطاليس".

ثم أنتقل خطائي بأسئلته إلى ميدان آخر، حيث سألني عن رأيي بالوطني الإيراني الدكتور محمد مصدق رئيس الوزراء الذي أطيح به بتخطيط من قبل وكالة المخابرات المركزية، وهو أول إنقلاب تنفذه الولايات المتحدة خارج أمريكا اللاتينية.
أجبته على الفور:"أنه وطني كبير ويشرف الشعب الإيراني بالإنتماء إليه، فهو كان أول من إستعاد حقوق إيران من النفط بعد تأميم شركة النفط الإيرانية الإنجليزية. وكانت مبادرة فريدة من نوعها في العالم".
إستشاط خطائي غضباً، ولم يكن لديه من جواب مقنع سوى كيل الشتائم لهذا الإنسان الكبير بإعتباره قد سبب المجاعة للشعب الإيراني.
ثم عاود السؤال عن رأيي بحزب توده إيران.
أجبته أنه حزب شقيق لنا وهو يناضل من أجل إستقلال ورفاه إيران ومن أجل إشاعة العدالة في المجتمع الإيراني.
سحبني خطائي بشدة من شعري وقال:"إن حزب توده هو حزب عميل لروسيا، وهو خائن ووو... إلى آخره من المعزوفة التي درج خصوم حزب توده إيران وخصوم الأحزاب الشيوعية على ترديدها خلال عقود الحرب الباردة.
إستعاد خطائي توازنه ونكس رأسه وكانت عيناه تقدح شرراً وسألني عن رأيي بجمال عبد الناصر؟ كان الشاه ونظامه شديدا الحساسية تجاه عبد الناصر وسياسته ويعتبرونه عائقاً أمام تحقيق دور الشاه ونفوذه في المنطقة، أي نفوذ الولايات المتحدة. وكان الشاه يعتبر تأميم قناة السويس شبحاً وكابوساً يثير قلقهم لأنه يعيد لهم ذكرى الدكتور محمد مصدق. ترددت في الإجابة حيث كنت من الذين يلومون وينتقدون عبد الناصر على دوره المدمر في العراق إثر ثورة 14 تموز عام 1958، هذا علاوه على دور عبد الناصر وأجهزته القمعية في معاداة الديمقراطية وتصفية العديد من رموز اليسار والديمقراطية في مصر وسورية بعيد الوحدة عام 1958. كما كنت أكن الكراهية والقرف لبوقه الدعائي في صوت العرب المذيع أحمد سعيد الذي كان أستاذاً في الكذب وزرع الحقد والعنف في العراق. ولكن مع ذلك تبادر إلى ذهني الجانب الإيجابي من عبد الناصر الذي ألهب حماس جيلنا من أجل حرية وإستقلال بلداننا خاصة أثناء معركة تأميم قناة السويس.
أجبته : عبد الناصر رجل وطني أراد الحرية والإستقلال لمصر والعالم العربي وله الفخر في أنه أمم قناة السويس ليبني بمواردها أكبر مشروع كهرمائي في العالم الثالث. وإنني لا أفهم سر عداؤكم المفرط للرئيس جمال عبد الناصر .
لم يتمالك خطائي كلامي ووجه لي صفعة قوية شعرت أن طبلة إذني قد تشققت وإن خللاً ما قد لحق بالأذن الداخلية.
لم يتوقف خطائي عن أسئلته الإستفزازية وراح يفتش عن ما بقي في جعبته وبادرني إلى سؤال آخر وقال: ما هو رأيك بالخليج، أهو خليج فارسي أم خليج عربي؟.
في الحقيقة رحت أضرب أخماساً في أسداس في كيفية الجواب على هذا السؤال المحير. إسم الخليج كان يعرف في كل أطالس العالم في المحافل الرسمية الدولية، وبما فيها كتب الجغرافيا في بلداننا العربية، بأنه الخليج الفارسي تماماً كما هو الحال بالنسبة للبحر العربي وخليج عمان. ولكن مع تصاعد الحركة القومية العربية في الخمسينيات شرعت أجهزة عبد الناصر الدعائية بإستخدام تسمية أخرى وأطلقت عليه أسم الخليج العربي. ولذلك أعتقدت بأني لو قلت بأنه خليجاً فارسياً فإن ذلك سيشكل إحراجاً سياسياً لي، ولربما للحزب أمام القوميين العرب!، ولم أفكر آنذاك من أين سيعلم القوميون العرب بعباراتي. وإذا ما قلت بأنه خليج عربي فسأتلقى صفعات وربما ركلات إضافية ممن "يستضيفنونني"!.
سرعان ما خطر ببالي أن الخليج كان محتلاً من قبل أساطيل الإمبراطورية البريطانية آنذاك، وإن غالبية االساحل الغربي كان عبارة عن مستعمرات ومحميات بريطانية. لذا بادرت إلى الجواب بأنه خليج بريطاني !!.
ما أن أجبته حتى خزر في، ولكن لم تخلو نظرته من إبتسامة ذات مغزى.
قال : إنني لا أتبادل المزحة معك.
أجبته : وإنني كذلك، ولكن واقع الحال يشير إلى تحكم بريطانيا بهذا الجزء من العالم وهذا ليس ذنبي.
إستطرد خطائي:ماذا لو تم خروج بريطانيا من الخليج؟.
قلت له: نطلق عليه إسم خليج الصداقة العربية الإيرانية!!!.
وما أن تفوهت بذلك حتى إنفجر غاضباً وكأنني صعقته بتيار كهربائي، وواجهني بسيل من الشتائم البذيئة، وسخر من ترديد الشيوعيين لشعار الصداقة والسلام وغيره. كان مرتبكاً ويدور بهستيرية في محيط الغرفة بحيث غلبني الضحك لأول مرة منذ إعتقالي.
غادرني خطائي ومرافقيه وهو بمزاج غير رائق بعد هذا النقاش الذي سماه بالنقاش الأيديولوجي. ولا أدري لماذا نعته بالأيديولوجي؟. ولكنني شعرت بأنني قد واجهتهم بأجوبة وحجج دامغة ومفحمة، وكنت في نشوة وشعرت بالغبطة وبالغ السرور في دواخلي لما أحسست من ضحالة هذه الزمر المأجورة.

يتبع[/b][/size][/font]

15  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / يوميات ايرانية ( 12 ) تحت طائلة العبث الهمجي في: 00:03 03/08/2006
يوميات ايرانية
( 12 )
عادل حبه
تحت طائلة العبث الهمجي

كانت الغرفة فارغة من أي أثاث، ومظلمة، ماعدا بصيص مصباح صغير معلق في قمة السقف العالي. ولا تعثر في الغرفة على أي منفذ أو نافذة. وكانت جدرانها ملطخة بالأوساخ ولربما كانت آثار دماء.
طلبت من الرجل الذي قادني الى هذا الجب أن يأتي بمترجم لكي يساعدني على
التفاهم معهم. ولكنه أجابني بصلافة أنت تعرف الفارسية ونحن نفهم ما تقول.
وسألني هذا الرجل بلهجة ساخرة عن الغرفة وهل هي مريحة!!
أجبته مدمدماً ببعض الكلمات التي كنت أتقنها باللغة الفارسية:لابأس. ولكنني سألته لماذا أنا معتقل وبأي مجوز قانوني؟
وأجابني بلهجة ساخرة ... أنت من سيخبرنا عن سبب القبض عليك، ولكن ليكن في علمك أنه لايوجد قانون في الدائرة التي تقف أنت في وسطها... ورسم حولي دائرة كاملة بقطعة طباشير أخرجها من جيبه. ثم بدأ يتحدث بلهجة تودد و بلغة عربية لم أفهم نصفها، وقال ما معناه إنني ضيفهم وحق الضيافة ينطبق علي إيضاً. إستغربت من حديثه وشعرت كما لو أنني أشاهد فلماً سينمائياً تجارياً كالذي كنا نشاهده بين الحين والآخر في دور السينما من الدرجة الثالثة.
سألني عما أود تناوله من الطعام؟
أجبته فوراً وأنا ألاحظ هذا التغيير الكبير نحو لغة التودد!! جلو كباب... الوجبة الإيرانية المشهورة واللذيذة.
وسرعان ما نفذوا طلبي وأسعفوني بفرشة مناسبة كي أتمدد عليها. كل ذلك وأنا في حيرة من أمري حيث لم يكن لدي سابق خبرة بأساليب الأمن الإيراني وتعامله مع "زبائنه" بالرغم من القصص الرهيبة التي ينقلها معتقلوا الأحزاب السياسية الإيرانية على صفحات جرائدهم السرية، والأساليب المرعبة التي يتعامل بها البوليس معهم. بعد تناول الطعام دخل علي محدثي مرة أخرى وبدأ حديثاً متشعباً لم أفهم نصف فحواه ولا مغزاه.
فاجأني بسؤال غريب:هل تعرفني؟
أجبته من أين لي أن أعرفك؟.
بادر هو إلى التعريف بنفسه... إنني محمد خطائي !!! كان الإسم غريباً علي أذني حيث لم أسمع به من قبل بتاتاً. وبالمناسبة فقد لمع إسم هذا الشخص كجلاد قاسي للمعارضين الإيرانيين في عهد الشاه وتدرج في سلم الجلادين ضمن ما يعرف في السبعينيات بـ "الكوميته"، أي اللجنة الأمنية لتصفية المعارضين. وقد تم إغتياله في منتصف السبعينيات على يد الميليشيات المسلحة التابعة لمنظمة مجاهدي خلق إيران.
وإستطرد خطائي قائلاً: إنني جلاد السياسيين!! ولم يصمد أمامي أي من المعتقلين السياسيين. تحدث بلغة مغرورة ولغة الواثق من مهارته في تنفيذ مهمته المشينة. عندها تغيرت لهجته من التودد إلى الوعيد وراح الشر يقدح من عينيه.
ثم خاطبني قائلاً: ينبغي عليك الإعتراف بكل شئ، وتتحدث لنا عن كل تاريخك منذ الولادة حتى الآن.
أجبته:عن ماذا أعترف وأنني مواطن عراقي ليس لي علاقة بالشأن الإيراني؟
وما أن تلقى خطائي جوابي حتى أمر بسحب الفرشة التي كنت أجلس عليها، ثم تقدم نحوي عملاقان مفتولي العضلات، ونزعوا عني بقوة ملابسي وقيدوا يداي ورجلاي وبدءا بالضرب بالهراوة البوليسية المكونة من قضيب حديدي حلزوني مغلف بمادة مطاطية. شرعوا بالضرب على كل ما يتسنى لهم ضربه من أجزاء بدني بحيث تفجرت الدماء من كل جانب، وتناثرت على جدران الغرفة وأرضيتها. ولم أشعر سوى أنهم يتقاذفوني يمنة ويسرة بالضرب الذي أخذ يشتد تباعاً مع صراخهم الهيستيري وشتائمهم باللغة الفارسية التي لم أفهم معنى غالبيتها. لا أدري كم إستمر هذا العبث الهمجي، ولكني شعرت بعد فترة ان قواي تخور وإنني بدأت أفقد الشعور والإحساس نتيجة الضرب المستمر ووقعت أرضاً فاقداً الوعي. لا أدري كم إستمرت هذه الحالة، سوى إنني لاحظت وأنا ممد على الأرض إن شبحاًً أبيضاً يحوم حولي وبيده سماعة طبية. كنت مبتلاً، ولربما قد سكب علي الماء بعد فقدان الوعي. أخذ الطبيب أو الممرض يضرب وجنتاي للتأكد من حالتي وعلامات القلق بادية عليه. أما أنا فقد كانت الآلام تكبس على كل قطعة من بدني والدماء تنزف من الجروح في الوجه والبدن التي سببها الضرب المبرح من قبل الجلاوزة.
وبعد أن تأكد الطبيب أو الممرض من عودة الوعي إلي، تركني الجميع وأنا ممدد على الأرضية الكونكريتية للغرفة وأنا شبه بجثة هامدة جراء هذا العمل الهمجي. حاولت معرفة الوقت ورحت أبحث عن ساعتي، التي أهداها لي أخي عبدالله في موسكو عند الوداع، والتي يبدو أنها تطايرت على أرض الغرفة. وبعد جهد لمحت الساعة وزحفت بإتجاهها ورحت أحدق فيها فإذا بعقارب الساعة تشير إلى الساعة الخامسة والنصف صباحاً تقريباً. وهذا يعني أن الجلاوزة قد إستمروا عدة ساعات ليرووا غليلهم. حاولت النوم ولكني كنت أحس بأوجاع وآلام شديدة طالت أية جهة أود التمدد عليها. ولكن جاءتني الغفوة بعدئذ ولم أصح إلاً على صوت ضجيج وصدى أقدام عسكرية تروح وتجئ في الرواق الرئيسي. خمنت أن النهار قد خيم وبدأ دوام الموظفين والشرطة في المبنى الذي كنت محجوزاً فيه. فتح الباب وطل رأس شرطي وراح يحدق بي ليتأكد من وجودي داخل الغرفة. وبعد حين جاء آخر وهو يحمل كأساً من الشاي وقطعة جبن صغيرة كوجبة فطور لي. إن حالتي لم تكن تسمح بتناول أي شئ لشدة الأوجاع بعد كل هذا "المزاح" الثقيل. لم يأت أحد من الجلادين ولا المحققين خلال الدوام الرسمي في المبنى ولم أكن أسمع إلا ضجيج المارين في رواق المبنى. وكنت خلال ذلك أمعن في التفكير عن إحتمال وجود معتقلين آخرين من فريقنا وكيف تم إعتقالهم وكيفية تفادي المزيد من الأضرار لمن بقي خارج حلقة الإعتقال. لم يكن في الغرفة أي مكان لقضاء حاجتي أو أية دورة للمياه، ولم يكن بإستطاعتي الوقوف لكي أنادي على الحارس. ولذا إستخدمت الكأس المصنوع من الألومنيوم وأقرعه على الأرضية الأسمنتية لكي أنادي الحارس. جاء الحارس وطلبت منه الذهاب إلى غرفة دورة المياه لأقضي حاجتي. خرج الحارس وبعد فترة عاد بعد أن أخذ إذناً بذلك ورافقه من يساعده. وأوقفوني على قدمي وأخذت أتكأ عليهما للوصول إلى دورة المياه. كانت قدماي ويداي مقيدتان حيث رفض الحارس فك قيودي. وليتخيل القارئ مدى صعوبة قضاء الحاجة في مثل حالي آنذاك. على أي حال مرت الأمور بشكل ما، وعدت متكئاً على الحارسين وأنا أقطع الرواق من غرفة دورة المياه إلى غرفتي. كان الرواق طويلاً، أو بدا لي طويلاً لأنني كنت مقيداً وأخطو خطوات السلحفاة. وكان الرواق شبيهاً بالأروقة التاريخية القديمة ذات الأطواق والسقوف العالية. ولاحظت أنه كان خالياً إلا من بضع أفراد من الشرطة يقفون على أبواب عدد من الغرف. كان الوقت يقترب من المساء حيث لاحظت الشمس وهي تميل إلى الغروب وينعكس شعاعها البرتقالي على جدران الرواق. ولم يعد يسمع ذلك الضجيج الذي كان يصل إلى سمعي في النصف الأول من ذلك اليوم.
ساد الظلام تدريجياً على المكان بعد أن خيم الليل. وكنت أفكر في ما ينتظرني في هذه الليلة حيث أيقنت أن الجلادين لا يقومون بعملهم إلا في الليل. وعلى حين غرة فتح الباب بشدة ودخل خطائي وزمرته والعصي بأيديهم وهم أشبه بفصيل عسكري يقتحم أحد القلاع العسكرية.
بدأ خطائي سؤاله لي : هل فكرت بمطاليبنا، وهل ستعترف بكل ماتعرفه؟.
أجبته:"عن أي شئ تتحدثون؟ إنني مواطن عراقي ليس لي أية علاقة بالشؤون الإيرانية، وقد إضطررت للمجئ إلى إيران بسبب الأحداث الدموية التي وقعت في العراق كما هو معروف لديكم".
وقال خطائي:"لا تلف ولا تدور، يجب عليك أن تتحدث لنا بالتفصيل عن تاريخك الشخصي وماذا كنت تفعل في جيكوسلوفاكيا وهل ذهبت إلى الإتحاد السوفييتي وهل لك علاقة مع حزب توده وما هي علاقتك مع سفارات الدول الإشتراكية في طهران وبالعراقيين الموجودين في إيران ....الخ"، وعدد قائمة لا حصر لها من المطاليب وختمها بقوله:"أنت متهم بالتجسس لحساب الحركة الشيوعية والإتحاد السوفييتي طبعاً !!!!".
كل إتهام كان يمكن أن أتجرعه إلا تهمة التجسس لحساب هذه الدولة أو تلك، ولذا ما إن سمعت كلماته حتى إنتابني غضب شديد ورحت أكيل الشتائم لهم بكلمات عربية وفارسية ووو... لأشبع غليلي من الغضب على هؤلاء الأوباش. ويبدو أن رجال الأمن الإيرانيين عادة ما يطرحون مثل هذه الإتهامات للإستفزاز ولإثارة الرعب لدى المقابل ولتوريطه ودفعه لتقديم أدلة مغايرة لتفادي مثل هذا الإتهام الخطير، وهذا ما حصل للعديد من السجناء كما فهمت لاحقاً. وفي الواقع فكرت ملياً بكلام الجلادين ورحت أستعيد هدوء الأعصاب لئلا أفقد زمام الأمور. وما أن أنهيت كلامي حتى غمز خطائي لفريقه وخرجوا من الغرفة. ولكن ما أن مرت فترة قصيرة حتى عادوا ومعهم معداتهم لكي يعاودوا مهمتهم التي شرعوا بها في اليوم الماضي.
وبدأت من جديد طاحونة التعذيب لتستمر حتى منتصف الليل وهم يكيلون ضرباتهم علي بدون أي رحمة أو تردد وبشكل أشد من اليوم السابق. وفي الواقع كنت أئن من هذا الضرب المبرح، ولكن ما عساي أن أفعل وأنا مكبل بالقيود تحت رحمة هؤلاء الجلاوزة. تركوني وأنا أشبه بالجثة الهامدة ولم يكن بإستطاعتي هذه المرة حتى الطلب من الحارس أن يساعدني بالوصول إلى دورة المياه لقضاء حاجتي. كان الجناة هذه المرة أشد ضراوة ولمحت بعضهم وهو يتناول أقراص تبدو طبية أو مسكنة لكي يستمروا بعبثهم. ولم أستطع تلك الليلة حتى التمتع ولو للحظات بالنوم لشدة الآلام التي سببها التعذيب. وبقيت مستلقياً على أرضية الغرفة الاسمنتية حتى الصباح حيث غفيت ولم أستيقظ إلا عندما جلبوا مايسمى بالغذاء وأيقنت أنه قد حانت ساعة الظهيرة. وإستعدت قدراً من قوتي بعد فترة النوم وشرعت بتناول فتات من الخبز المخصص للسجناء وحفنة من الرز والمرق.
لم يكف الجلادون عن فعلتهم في اليوم التالي أيضاً ولكن بكيفية وأسلوب جديدين. بادروا هذه المرة إلى الإستعانة بالفلقة المغمسة بالماء المالح، كما يصفها الجلادون، كي تفعل الفلقة فعلها من الإيذاء وبكيفية أشد. وبدأ الضرب بالفلقة على الرجلين بعد شد الرجلين بحبلين يتوسطهما وتد ذو قطر عريض نسبياً لكي يتم إستقرار الرجلين عليه أثناء التعذيب، وهي طريقة قديمة أستعملت في عهود غابرة من عهود التعذيب. لا أدري كم إستمر الضرب وأنا أتلوى من شدته وقسوته إلى أن صاح خطائي طالباً منهم التوقف. لم أعد أشعر بأن لي رجلان، فقد ألقيت نظرة عليهما بعد ان فكوا الوثاق ورأيت أنهما قد أنتفختا وأصبح سمك القدمين أضعاف سمكهما في الحالة العادية. حاولت أن أطأ الأرض ولكنني لم أشعر بتاتاً بأرضية الغرفة. وأدركت أن الأوردة والشرايين قد تمزقت حيث تغير لون القدمين ليتراوح بين الأحمر والأسود بعد حين. ويبدو لي أن المسؤولين عن هذه الفعلة ماكانوا يريدون أن تصل الأمور إلى هذا الحد. فقد فقدت السيطرة عند الوقوف على قدمي. وبقيت لعدة أيام لا أستطيع المشي، بل أذهب إلى دورة المياه وأنا أزحف على ركبتي ومنكبي لأصل إلى مقصدي كالسلحفاة. وسرعان ما إستدعوا الطبيب الذي بادر إلى علاجها بمسحها بمرهم الكافور من أجل تنشيط دورة الدم في أوردة وشرايين القدمين وإعادتهما إلى الحالة الطبيعية.
يتبع[/b][/size][/font]
16  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / يوميات ايرانية 10 في: 23:09 19/07/2006
يوميات ايرانية 10
عادل حبه
مساعي للتغلب على العوائق

في يوم من الأيام فاجأني مراسلنا إلى البصرة كاظم الذي إجتاز الحدود لتوه وقد حمل حقيبة كبيرة معه. وعندما سألته عن صاحبها أجابني إنها تعود إلى إثنين من قادة حزب توده إيران اللذين عبرا الحدود قادمين من العراق، وسوف يسلمها إلى أحد رفاقهم في التنظيم السري لحزب توده ايران في العاصمة الايرانية. وبعد شهور علمت أن هذين القياديين هما عضوا اللجنة المركزية لحزب توده إيران الشهيد الضابط الطيار الرفيق برويز حكمت جو والرفيق علي خاوري الذي أصبح في الثمانينيات من القرن الماضي السكرتير العام للحزب بعد بطش المتشددين الإسلاميين بالحركات السياسية الايرانية. أما الشخص الموجود في طهران والذي يمثل تنظيمات طهران لحزب توده فكان عباس شهرياري الذي عرفنا بعد فترة طويلة أنه من أخطر من دسّته المخابرات الإيرانية في الحزب الشقيق وعلى الحزب الشيوعي العراقي. وكان هذا الشخص الخطير يلعب على كل الحبال ، تارة لصالح المخابرات الإيرانية وأخرى للعراقية وربما لصالح مخابرات أخرى. وسوف أعرج على تفاصيل فنونه في صفحات لاحقة. أخبرت الرفيق كاظم بأن قرار الحزب يقضي بقطع العلاقة مع تنظيم حزب توده في طهران لأسباب تتعلق بصيانة عملنا في طهران. وحذرته من تكرار ذلك لما فيه من خطر على وجودنا. وفي الحقيقة كان ذلك إنذاراً بأن نتخذ المزيد من الحيطة في طهران.
إن هذا الحدث جعلنا نسرع في نقل الرفاق من إيران إلى العراق، وكذلك إبلاغ قيادة الحزب في الخارج بضرورة التعجيل بإرسال الرفاق من الخارج إلى العراق عبر إيران. وبالفعل تم تسهيل عودة الكثيرين بعد أن تحسن وضع الحزب في داخل العراق وتنامت إمكانياته لإستقبال مبعوثين جدد. وعلى نفس المنوال عجلنا بإرسال من تطلب إرسالهم إلى الخارج عبر الحدود الإيرانية السوفييتية. وبالنظر لتحسن وضع تنظيمات الحزب في الداخل فقد بدأت تردنا بشكل منتظم النشرات والجرائد المحلية التي تنشر أيضاً نشاطات منظمات الحزب رغم محدوديتها.
كان عضو فريقنا سعيد أكثر أعضاء الطاقم إهتماماً بتعلم الفارسية خاصة وإنه إبن النجف حيث كان يحتك بالإيرانيين والعوائل المقيمة التي تتحدث الفارسية هناك أو التي تفد لزيارة العتبات المقدسة . وسرعان ما كون له بعض الصداقات مع الإيرانيين وخاصة مع من ينحدر منهم من أصول عربية سواء في عبادان أو الأهواز أو خرمشهر- المحمرة. ونتيجة لهذه الصداقات كان يحصل على بعض النشرات التي تصدرها المنظمات الدينية الموالية لآية الله الخميني التي إستمرت في نشاطها رغم ما تعرضت له من ضربات في صيف عام 1963 وبعد نفي الخميني إلى خارج البلاد. وكان سعيد يترجم لي فقرات من النشرات التي تعكس روحاً جديدة من التحدي والتي تتحلى بها المعارضة الدينية على وجه الخصوص ضد نظام الشاه. وكانت النشرات توحي بإندلاع موجة جديدة من الإضطرابات في الشارع الإيراني. فقد كان لرجال الدين مراكز هامة لنشاطهم تتمثل في مئات الجوامع والحسينيات المنتشرة في كل بقاع إيران والتي لا يستطيع الشاه وأجهزته القمعية إغلاق هذه الوسيلة الفريدة لدى المعارضة الدينية والتي لا يتمتع غيرها ، سواء التيار اليساري أو الليبرالي أو القومي الإيراني ، بمثلها.
 ونظراً لتنامي الحركة القومية الكوردية في العراق التي لقيت لاحقاً دعماً وإحتضاناً من جانب الحكومة الإيرانية في صراعها  ضد حكم الشهيد عبد الكريم قاسم، فإن الحركة القومية الكوردية في إيران قد تأثرت بقرينتها في العراق ووجدت في التطورات هناك فرصة لتجميع قواها للمطالبة بحقوقها القومية بعد سنوات من الركود الذي بدأ مع إنهيار جمهورية الحكم الذاتي الكردية بزعامة قاضي محمد في مهاباد– كردستان إيران- في عام 1946. ولقد وصلتنا في تلك الفترة أخبار عن إعتقال مجموعة كبيرة من النشطاء الكورد الإيرانيين بتهمة السعي لإحياء تنظيمات ونشاط الحزب الديمقراطي الكردستاني في إيران.   
وفي الواقع كانت إيران تغلي بسبب التناقضات العميقة في المجتمع الإيراني. فلم يقتصر الأمر على تململ الحركات الدينية ولا الحركة القومية الكوردية. فقد عرفنا أيضاً إن مجموعة كبيرة من نشطاء عرب خوزستان من الذين تأثروا بالحركة الوطنية والقومية الصاعدة في البلدان العربية، قاموا بتنظيم أنفسهم وبدعم مصري، على الأقل في مجال الدعاية وبرامج محطات الإذاعة المصرية الموجهة إلى هذه المناطق، وذلك  لمقارعة حكم الشاه تحت شعارات رفع الظلم عن عرب خوزستان او عربستان كما كانت تسمى قبل عقد الثلاثينيات من القرن العشرين. وفي الحقيقة كان حكم الشاه يمتنع عن  أي تطوير للبنى التحتية في المناطق القومية التي لا يسكنها الفرس، رغم أن الفرس هم الآخرون كانوا في درجة متدنية في سلم التطور الإقتصادي والإجتماعي. ولحد الآن تعتبر مناطق الأقليات القومية متخلفة قياساً بالمناطق الأخرى، بإستثناء مناطق منابع النفط التي تتمركز في المناطق التي يسكنها العرب. ان هذا التمييز أدى إلى أن تتلون هذه الحركات في هذه المناطق بصبغة إجتماعية إضافة إلى طابعها القومي الموجه ضد الإضطهاد والتمييز القومي. إن إيران بلد متعدد القوميات حيث يشكل الفرس 57 %، ويشمل كل المتكلمين باللغة الفارسية واللهجات الآرية والكيليكية والمازندرانية والبختيارية، والآذريون 33-35% والكرد10% والبلوش 2,5% والعرب 5% والتركمان 2,5% والأرمن 5,.% و 0,5% ينحدرون من قوميات أخرى. ولم يجر حل مشاكل هذا الموزائيك القومي بأسلوب سلمي وديمقراطي ومتسامح بسبب تسلط الإستبداد والتطرف القومي على هذا البلد العريق. وعمق هذا المنحى عوامل خارجية ناتجة عن الصراعات بين الدول الكبرى على مناطق النفوذ في المنطقة وتأثيرات أجواء الحرب الباردة بعد الحرب العالمية الثانية. ولهذا كان العنف بالنسبة للسلطة الايرانية هو الوسيلة الوحيدة لكبح المطاليب والإحتجاجات المشروعة للقوميات والأقوام القاطنة في إيران. وعلى هذا النهج، إرتكبت المجازر ضد جمهورية الحكم الذاتي بزعامة جعفر بيشوري في آذربايجان الإيرانية عام 1946، وتم اعدام قادتها والكثير من انصارها. وفي نفس الفترة تم الإجهاز بشكل دموي على جمهورية مهاباد في كردستان إيران بزعامة القاضي محمد الذي أعدم والمئات من إنصاره بعد إنهيار نظامه. وشنت سلطة الشاه رضا الأب قبل ذلك حملة ضد المناطق العربية في جنوب إيران وإعتقلت الشيخ خزعل شيخ المحمرة وفرضت عليه الإقامة الجبرية في طهران في الثلاثينيات. ويشير تاريخ ايران الحديث الى انه بين الحين والآخر تشن الحملات التأديبية ضد مناطق الأقليات القومية في مناطق متفرقة من إيران سواء ضد البلوش او التركمان اوغيرهم، كتعبير عن أزمة الحكم وأزمة الديمقراطية في هذا البلد المنكوب. 
بدأت المعارف والمعلومات عن ايران، بحكم وجودي في طهران، تتراكم لدي تدريجياً. وأخذ يجتذبني شعب هذا البلد وأسراره والأحداث العاصفة التي مر بها. ورحت أجهد في تعلم اللغة بشكل أكثر علمي من خلال إقتنائي لعدد من الكتب اللغوية. وكثرت أسئلتي للمحيطين من العارفين بشؤون أيران وأدبها وثقافتها. وزادني ذلك إهتماماً بهذا الشعب وحضارته وتقاليده بحيث بدأت تختل تلك الصورة المشوهة التي تكونت لدي في الصبا عن هذا البلد الجار وشعبه العريق. 
ولكن يبقى هذا الإهتمام فرعياً قياساً بالمهمة الحزبية التي قادتني إلى إيران. فبعد مرور أكثر من سنة على وقوع إنقلاب شباط 1963، والأفضل القول الكارثة الوطنية التي حلت بالعراق، بدأت أدرك حجم التراجيديا التي حلت ببلدنا. فالأخبار التي ترد لنا تباعاً تشير إلى أن البلاد بدأت تخطو إلى الوراء من الناحية الأخلاقية والإجتماعية وبدأت تعيش دوامة عبثية دموية من العنف المنفلت والصراع على السلطة. وأصبح 8 شباط مؤشراً على تسلط الفئات الإجتماعية الأكثر تخلفاً في المجتمع العراقي على مقدرات الأمور في البلاد، والتي مازالت مهيمنة وفي الواجهة السياسية حتى الآن، ودفعت البلاد إلى كوارث مريعة من انقلابات عسكرية كـ "جريمة شباط" وحروب مدمرة وإنقسام حاد في النسيج الإجتماعي وإستخدام الحكام لأساليب من البطش ضد الشعب العراقي يصعب أن نجد لها مثيلاً في عالم اليوم. واستمرت هذه "التقليعة" العبثية في ظل زمرة صدام حسين الخائبة. ولعل اخطر ما حدث هو ذلك التراجع الكبير في قيم التنوير والحداثة وقواها على حساب تغلغل قيم التخلف وعناصرها حتى في العاصمة بغداد التي تم "غزوها" من قبل هذه الفئات المتخلفة. هذا الوضع المحيط بالبلاد كان يدفعني إلى المزيد من العمل لتسهيل إعادة بناء الحزب الذي تعرض للدمار على قدر تواضع مساهمتي في هذا الجهد.
مساعي فريقنا في طهران إستمرت بين عبور الحدود المختلفة، ونقل المعدات التي يحتاجها العمل في الداخل، ونقل الرسائل المتبادلة والنشرات بين الخارج والداخل، اضافة الى مهمة تسهيل نقل الرفاق من والى العراق عبر الحدود. كان وجودي في طهران دون معرفة الأهل في العراق أو في الخارج لإعتبارات أمنية لتفادي الأجهزة البوليسية العراقية أو الإيرانية. كان الخال غالباً ما يطلب مني كتابة الرسائل البريدية إلى الأهل لأخبرهم عن وجودي وأحوالي ولكنني كنت أتملص وبذرائع مختلفة عن القيام بذلك. وذات يوم فاجأني بوصول رسالة من الأهل بيد أحد الأقرباء القادمين من العراق. وكانت الرسالة الأولى التي أستلمها من الأهل منذ أربعة سنوات ، بالخط الجميل للأخت الحبيبة الكبرى فخرية، حكيم البيت ومدبره وراعية شؤونه والمربية لاجيال متعاقبة من تلميذات بغداد والحله. تلقفت الرسالة بفرح غير عادي وبحسرة لبعدي عن الأحباء وعن الوطن. شرحت الأخت في رسالتها وبالتفصيل كل ما جرى لهم وللأقارب والمعارف بعد إنقلاب شباط. فقد أعتقل غالبية أفراد العائلة الباقين في العراق وتعرضوا للتعذيب وللفصل من الوظائف، ومنهم من كان شاهداً في أقبية التعذيب في قصر النهاية على بربرية الإنقلابيين والجرائم التي إرتكبوها بحق المعتقلين. ولم ينج من الإعتقال سوى الوالدة التي أخذت تجوب المعتقلات والسجون وتقف عند ابوابها للسؤال عن مصير أبنائها وبناتها وأزواج بناتها المعتقلين. لقد أضطر من فلت من الإعتقال من الأهل إلى الإختفاء في بيوت المعارف والأقارب أنتظاراً لإنفراج نسبي في الوضع السياسي. وبدوري أرسلت جواباً طلبت من الأهل تفادي الكتابة والمراسلة. كما أنني عبرت في الرسالة الجوابية عن مشاعر من الحنين إليهم والمواساة في المحنة التي تعرضوا لها والأمنيات بإنفراج الأزمة التي أحاطت بالأهل وغالبية العراقيين.

يتبع[/b][/size][/font]

17  الحوار والراي الحر / المنبر السياسي / تحديات خطيرة امام حكومة المالكي في: 11:01 15/07/2006
تحديات خطيرة امام حكومة المالكي
[/size]

عادل حبه
بعد مخاض عسير ومرور اشهر، تشكلت حكومة السيد نوري المالكي على اساس توافق يضم اطراف عراقية متنوعة. واستبشر العراقيون، بعد ان تقطعت انفاسهم، بتشكيل حكومة قد تسهم في إعادة البلاد الى جادة العقل والحكمة والهدوء والتسامح بعيداً عن قرقعة القنابل والمفخخات ونغمة التهديدات المتبادلة والبلطجة والتي لا تعود بالخير على أي من العراقيين وبمن فيهم المتطرفين وأهل الغلو والملثمون وحملة الغدارات، فهذه التقليعة لا تفتح المدارس والمستشفيات ولا تربي الاطفال ولا تفتح بيوت الزوجية لذريتهم. وزاد من تفاؤل العراقيين مبادرات السيد رئيس الوزراء ومحتوى خطابه وبرنامج الحكومة الداعي الى نبذ العنف وجمع الاسلحة غير المرخصة وحل الميليشيات والدعوة الى مصالحة بين العراقيين.
بالطبع لم تقع الغالبية من العراقيين في دوامة الوهم والسراب أو التفكير بأن لدى الحكومة حل سحري قادرعلى حل جبال من المشاكل التي ورثها العراق من تركة السلطة الديكتاتورية وخرابها اللامحدود وتخبطات الادارة الامريكية وأخطائها والمطبات الكبيرة التي وقعت فيها حكومة الدكتور ابراهيم الاشيقر، إضافة الى الاخطاء التي ارتكبتها غالبية النخب السياسية العراقية وعلى اختلاف اطيافها وعدم وضوح اهدافها ومنهجها لمعالجة الاوضاع الخطيرة في البلاد. بالطبع لا يمكننا هنا ان نعفي من الخطأ الناخب العراقي وخياره الخاطئ خلال الانتخابات التي جرت عام 2005، هذا الخيار القائم على الطائفة والمذهب وليس على البرنامج الاقتصادي والاجتماعي والسياسي الوطني العراقي القادر على التخفيف من معاناة العراقيين وحماية العملية السياسية ودفع العملية الديمقراطية الى الامام. وفي هذا الإطار لسنا بصدد الخوض في معضلة التدخل الخارجي والارهابي منه او تدخل دول الجوار ونشاطات مخابراتها المدمرة أو أجهزتها الاعلامية في بلادنا وهو ما يحتاج الى بحث منفصل.
ان برنامج الحكومة الحالية قابل للتحقيق تدريجياً وليس بضربة عصا اذا ما قامت الحكومة الحالية بجملة من التدابير السياسية والتنفيذية والتشريعية والاقتصادية العاجلة. ان المهمة الاشد الحاحاً بلا منازع امام الحكومة هي مشكلة الميليشيات، التي اصبحت عائقاً جدياً امام اي استقرار للوضع في البلاد. فالديمقراطية تتعارض كلياً مع كثرة مراكز حملة السلاح، وهي الآن في بلادنا فاقت كل تصور. فالدولة والدولة وحدها التي تحتفظ بقوات مسلحة في بلد يطمح الى الديمقراطية، والميليشيات تعطل اية بادرة للديمقراطية. لقد اشار رئيس الوزراء السيد نوري المالكي بحق الى خطورة بقاء الميليشيات المسلحة على الساحة وهي تعبث وتقتل بدون اي واعز وضمير اوحرص على البلد، اضافة الى تأكيده على ضررة جمع الاسلحة المحظورة. وعلى كل عراقي شريف اتخاذ موقف مساند ومسؤول ازاء هذه الدعوة الوطنية. وعلى اقطاب الميليشيات بكل اطيافها ان يعلنوا ويشرعوا بحل الميليشيات وجمع الاسلحة الني نهبت من الدولة وتسليمها الى ثكنات الجيش وادانة كل من يصر على حمل السلاح والتمسك بنهج العنف. وفي هذه المهمة العسيرة، يتحمل رئيس الوزراء وحكومته مسؤولية جسيمة وبالغة الصعوبة. فإن عدداً من الوزراء وتحديداً بعض وزراء التوافق وجيش المهدي وفيلق بدر هي الاطرف التي تختزن الاسلحة وتصول وتجول على الساحة اما بميليشياتها او بدعم سياسي من هذه الاطراف المشاركة في الحكم. ان مصيبة هذه الميليشيات وغالبيتها من موظفين سابقين في الاجهزة الامنية الصدامية، هو انها لا تخضع كلياً لاية قيادة، بل وتتمرد على قياداتها او من ساندها ورعاها. ولعل اغتيال المرحوم مزهر الدليمي والبعض من اهالي الانبار ممن تستروا على الارهاب والميليشيات هو مثال صارخ على الجوهر الاجرامي المنفلت لهذه العصابات التي دافع عنها البعض لاغراض انتهازية بإعتبارها "مقاومة" ضد المحتل ثم انقلب سحرها على الساحر. وينطبق الامر على ميليشيات الطرف الاخر المتهم بالقتل والذي يهدد بعض رموزه بالاطاحة بعمائم بعض المرجعيات الدينية.
اما الطرف المقابل الذي ينغمر بأعمال إنتقامية تطال العشرات من العوائل البريئة فشأنها ليس أقل شراً من جيوش العصيان والارهاب للطرف الأول. بالطبع كل هذه الجرائم والكثير منها بثت اعلامياً من قنوات الارهاب العربية، ويتم مباركتها بفتاوى دينية عجيبة وبدعوات كاذبة عن "تحرير البلاد من الكفار"، وتلقى الدعم من قبل حركات سياسية ودول مجاورة وتمول من بعضها ومن اثرياء الارهاب وعلى المكشوف. ولكن غباء من يرعى هذه النشاطات هو انهم لا يأخذون العبرة من سلوك هذه الميليشيات وتجبرها ثم مصيرها. لقد انقلبت هذه الميليشيات على من دعمتهم وآوتهم في افغانستان والبوسنا والشيشان وهي الولايات المتحدة ، فكيف لا تنقلب على من يساند هذه الميليشيات ويحتضنها الآن في كل المدن العراقية جنوبها ووسطها وشمالها وغربها. انها تدعي مقاومة الجيوش الاجنبية!!، ولكنها تحصد يومياً ارواح المئات من العراقيين الابرياء وبشكل وحشي. ان دعوة السيد رئيس الوزراء لحل وتصفية الميليشيات، بما فيها الميليشيات التابعة للحزبين الكورديين رغم الفارق، ودعوته لجمع ادوات الموت والاسلحة المنهوبة يجب ان تتحول الى حملة وطنية عراقية شاملة لوقف التدمير والقتل الجماعي واعادة بناء البلد. وعلى الفئات المستنيرة في المجتمع العراقي وخاصة المثقفين، ان تشحذ هممها وقلمها وتقف في مقدمة القوى الداعية الى تصفية هذه الظواهر الشريرة واعادة الامن الى بلد السلام. نعم وعلى الرغم من المخاطر، ينبغي ان لا يقف المثقفون كمراقبين على هذه الافعال الاجرامية دون فعل سلمي معاكس لكبح النزعات الشريرة لاساطين الارهاب العراقيين او العرب.
ومن ضمن الخطوات الهامة التي ينبغي اتخاذها هو السعي لاقامة حياة سياسية سليمة في البلاد. وهذا يتطلب بإتخاذ تدابير تشريعية وتنفيذية عاجلة تسهل من عملية اشاعة الاستقرار. ان اول هذه التدابير التشريعية هو ان تطرح الحكومة على مجلس النواب مسودة قانون لنشاط الاحزاب السياسية والمنظمات المهنية ومنظمات المجتمع المدني. فالفوضى الجارية الآن في العمل السياسي العلني الجديد والعمل السري في المجتمع العراقي لا يوفر فرصة فريدة للعنف والارهاب ونشاط اجهزة القمع السابقة وأجهزة المخابرات الاجنبية فحسب، بل قد تؤدي الى تدمير العملية السياسية السلمية الديمقراطية في العراق والعودة الى نهج الاستبداد البغيض، بل واشده شراً الا وهو الاستبداد الديني. وإذا لم يجر معالجة هذه الفوضى بشكل سريع، فإن ذلك سيؤدي الى تفاقم حالة البلطجة السياسية والى أسوء مما هو موجود في الصومال ومما كان موجوداً في افغانستان قبل سقوط ملا عمر او ما ساد في لبنان اثناء الحرب الاهلية. لابد ان يشرّع على وجه السرعة قانون لعمل الاحزاب يتم فيه منع تحول دوائر الدولة، كالوقف السني والشيعي وهيئة علماء المسلمين والمؤسسات الخيرية مثل مؤسسة شهيد المحراب ومكتب الشهيد الصدر، الى احزاب سياسية. كما ينبغي منع حملها للسلاح وتحولها الى جيوش جرارة تثير عدم الاستقرار في البلاد. كما يتطلب من هذا التشريع مراقبة واردات الاحزاب وتدوين نظامها الداخلي والنص على ضرورة عقد مؤتمراتها واشاعة الديمقراطية في حياتها الداخلية دون ان تتحول الى احزاب عائلية يسودها الاستبداد او يتحكم بها هذا الشيخ او ذاك من شيوخ العشائر او رجال الدين. ان من يتابع العمل السياسي الجاري في العراق يصاب بالهلع حيث ان هذه الاحزاب بكيفيتها غير قادرة على رعاية الديمقراطية الوليدة في البلاد، لان غالبيتها لا تمارس الديمقراطية في حياتها الداخلية. ويلاحظ المواطن العراقي ان غالبية الاحزاب السياسية تستند في نشاطها الى ثلاثة عوامل: السلاح والمال المتسرب اليها من أطراف خارجية واثارة المشاعر المذهبية والطائفية القائمة على العنف وليس على الرحمة والتسامح المفروض في اي دين، أي انها لا تقدم برنامج اجتماعي اقتصادي لاعمار هذا البلد المنكوب من أجل كسب انصار لها، وهو لا يعني الا اشاعة الفساد بكل اشكاله. ان هذه الاحزاب تستغل الجهل والتشوه الذي أحدثه النظام السابق في المجتمع كي تتفنن في استخدام الاسلحة وتشكيل الميليشيات وفرق المسلحين وإثارة عواطف الناس البسطاء المذهبية والدينية لاهدافها السياسية الرخيصة، دون ان تقدم الحلول لمشاكلهم. لقد مرت ثلاثة اعوام على انهيار نظام التدمير والقتل وهي كافية لاثبات خطل ممارسة غالبية النخب السياسية العراقية، خاصة تلك التي استندت على الواجهة المذهبية والطائفية، وتأكيداً على ما اشرنا اليه اعلاه.
ان ما يهدد العمل السياسي في العراق والديمقراطية الوليدة فيه اليوم هما امران خطيران. الاول هو بناء الاحزاب والحركات على اساس مذهبي وطائفي وليس على اساس برنامج اجتماعي للعراقيين اجمع. فالمذهب لا يمثل ولا يمكن ان يمثل هوية البلد. انه امر وجداني وروحي شخصي ولا يشكل نظاماً لادارة مجتمع عصري ولا يوحده، بسبب التنوع المذهبي والاثني والديني في العراق. وهذا العامل ليس بإستطاعته ان يكّون هوية عراقية ولا يبلورها، بل يبددها ويشرذمها. ولعل تجربة السنوات الاربع التي مر بها العراقيون خير برهان على ذلك. والامر لا يختلف ان كان انصار هذا المذهب لهم اغلبية او اقلية في المجتمع. ويشكل المثل الايراني، الذي فرض على المجتمع الايراني بعد ثورة الشعب عام 1979، برهاناً حياً على فشل النظام المذهبي الديني في بناء مجتمع متماسك عصري تجمعه الهوية الوطنية وليس العباءة المذهبية. فالمجتمع الايراني منقسم الآن على نفسه وبشكل خطير، ويحيطه كوم هائل من التحديات الاجتماعية الداخلية. ويمكن ايراد امثلة أخرى كالمثل السوداني والجزائري والصومالي والافغاني واللبناني. إن العراقيين بعد سقوط الحكم السابق لم يخرجوا الى الشوارع وهم مرحبين بسقوط اعتى نظام استبدادي طائفي غارق في تطرفه القومي والطائفي لكي يتم استبداله بنظام طائفي آخر. كما ان الشعب لم يرحب بسقوط صدام حسين ليعود فلوله من الشباك مرة ثانية وبمعيتهم عتاة التكفيريين والمتطرفين المذهبيين او أن يلتحق انصاره بالاحزاب الدينية "ويسوّدوا جباههم" بين ليلة وضحاها ويلبسوا مختلف انواع العمائم والدشاديش الافغانية ليتحولوا بين ليلة وضحاها الى "مؤمنين" ومبشرين لدين سداه ولحمته القسوة وسفك الدماء حسب تفسيرهم. يجب ان يدرك مروجي التيار المذهبي المتطرف من كل الاطياف ان الطريق غير ممهد لهم بتطبيق ما في ذهنهم من فهم مذهبي وديني على مجتمع معاصر، فطريقهم لا يجلب الاستقرار لبلاد عانت لعقود من عدم الاستقرار.
إضافة الى ذلك، فأنه من غير الممكن اسقاط احداث مريرة محزنة في تاريخنا الغابر البعيد على واقع العراق الحالي. فينبغي التخلي عن هذه الاسقاطات اذ ان العراقيين لا يتحملوا مسؤولية ما حدث قبل 14 قرن من تصفيات وقتل للخلفاء الراشدين وما لحقها من فاجعة للامام الحسين وعائلته على يد يزيد بن معاوية. فلماذا يجري تحويل العراق الى ساحة لصراع ليس للعراقيين أي دور فيه، ويجري اتهام هذا بـ"الرافض" والاخر بـ"عدو آل البيت"، ويتحول كل هذا الهذر الى "طنطل" يقطع رؤوس العراقيين ويبيدهم على الهوية المذهبية ويحول بلدهم الى ميدان للقتل والتدمير؟ إن هذه العقلية القاصرة والمدمرة هي التي ادت الى"تكويك" التونسي وغيره من المتطرفين الغرباء القادمين من وراء الحدود والذين ليس لديهم اي فكرة عما يدور في العراق ليقوموا بتفجير مرقد سامراء وغيرها من الاماكن المقدسة بهدف اشعال لهيب نار الفتنة الطائفية بتهليل من بعض العراقيين المتسترين على هذه الاعمال الشائنة. ومقابل ذلك يقوم المتطرف من الفصيل الآخر بتنفيذ دوره العبثي استجابة لارادة رموز التطرف المذهبي التي تطمح الى التحكم والتسلط وفرض الاستبداد الديني، وليس الى بناء مجتمع مسالم متماسك يسوده التسامح. ان على الاحزاب الدينية ان تدرك ان ليس امامها من مستقبل سوىالتخلي عن الاطار المذهبي والديني في العمل السياسي فهو اكبر اساءة للدين نفسه وللايمان الديني. وعلى هذه الاحزاب التمسك بالهوية العراقية وببرنامج اجتماعي اقتصادي يفتح الطريق لاعمار البلد. ان تسلط التيارات المذهبية على غالبية المحافظات خلال الثلاث سنوات المنصرمة لم تجلب سوى الدمار والقتل وعدم الاستقرار والفساد واستمرار دوامة العنف وأدخلوا العراقيين في نفق شائك ومظلم وفرضوا نمطاً بائساً من الحياة الاجتماعية والثقافية. انه خير دليل على خطل مثل هذا الخيار.
ولا بد لرئيس الوزراء الجديد التفكير بجدية في دور رجال الدين في المجتمع العراقي البالغ الحساسية والتعقيد في الظرف الراهن. اعتقد ان على رجال الدين العودة الى مهمتهم الاساسية في الجوامع والمساجد لرعاية الوجدان والقيم الروحية السديدة في المجتمع وليس الخوض في السياسة ومناوراتها الشائكة. ان مهمة رجل الدين تتحدد في دعوة المؤمنين الى محاربة الفساد وتحريم نهب اموال الدولة ووتكفير دق اعناق المواطنين ونحرهم على الهوية وايقاف المسلسل المرعب للتفجيرات العشوائية التي تطال ابرياء لا ناقة لهم ولا جمل. ان رجال التطرف الديني قد ازاحوا بالقوة من غالبية بيوت الله العناصر المعتدلة والحكيمة لتتحول هذه البيوت الى ساحات للتدريب على القتل والنحر او الى مخازن للمعدات العسكرية او اماكن لتسجيل المتطوعيين للميليشيات المذهبية والارهابيين. انهم بذلك قد افرغوا الدين من محتواه الوجداني و"سلبوا" حتى حق "الخالق" في التعامل مع المخلوق. ان هؤلاء المتطرفين من كل الالوان تحولوا الى انصار "دين" لا علاقة له بالقيم الروحية السمحة بل الى ضباط مخابرات ومتوحشين، لم ير عباد الله لهم نظيراً في اشد الايام سواداً في تاريخنا. ومن هنا يتطلب وقف هذا الاندفاع الاهوج لرجال الدين المتطرفين المتسلطين على المشهد السياسي في البلاد. ان هذا السلوك يتطلب وقفة جدية من الحكومة وخاصة من قبل العقلاء "الصامتون" من رجال الدين، الذين عليهم ان يتعضوا بالحكمة القائلة "الساكت على الظلم شيطان أخرس". عليهم ان ينقذوا دينهم ومعتقداتهم من سوق المضاربات الدموية لرجال التطرف الديني، والعودة الى المهمة الرئيسية لرجل الدين وهي صقل روح التسامح والامان والصفاء بعيداً عن روح الانتقام والاثارة والعنف.
وفي هذا الاطار لابد ان تحسم الحركات السياسية موقفها من وجود القوات الاجنبية في العراق. هناك قدر من التشوش قد يصل الى حد الرياء والخداع للرأي العام العراقي تمارسه احزاب مشاركة في الحكم وتتعامل يومياً مع هذه القوات واداراتها السياسية. فما زالت اطراف في الحكم تتحدث بلغتين في هذا المجال. فمن ناحية تعلن الحكومة بكل اطيافها عن موافقتها على بقاء القوات الاجنبية في العراق لحين استتباب الامن فيه. الا ان هناك اطراف داخل الحكم وممثلة بعدة وزراء ولكن تصب كل جام غضبها على "المحتلين". فالتيار الصدري يفتعل الصدامات مع القوات البريطانية في البصرة ومع القوات الامريكية في مدينة بغداد، وهو ممثل في الحكومة بأربعة وزراء، هذه الحكومة التي تطلب رسمياً من الامم المتحدة بقاء هذه القوات. فما هو الموقف الحقيقي لهذا التيار؟ ونفس الامر ينطبق على جبهة التوافق وعلى الحزب الاسلامي العراقي الذي يمثله السيد طارق الهاشمي بإعتباره نائباً لرئيس الجمهورية. فالرجل يتباحث مع الادارة الامريكية ويوافق على بقاء قواتها الا انه يشجع ما يدعى بـ "المقاومة"!!!. يجب حل هذا التناقض بين الموقفين. والامر لا يقتصر على هذين الطرفين بل يتعداهما الى اطراف أخرى مشاركة في الحكم وتحمل القوات الاجنبية كل اوزار الاحتقان والصراعات المذهبية والفساد وتعثر عملية اعادة البناء والبطالة والرشوة الخ. نعم ان لهذ القوات أخطاء وانتهاكات، وآخرها حادثة المحمودية المشينة، ولا يمكن غض النظر عنها بل يجب فضحها ويجب تسمية الخلل دون المبالغات والتستر على المصدر الحقيقي للأخطار التي تهدد البلاد. فمن باب التشويش القاء اللوم على القوات الاجنبية في اثارة الاحتقان الطائفي. فالمروج لهذا الشر معروف للقاصي والداني في العراق وخارجه، ولا يخفي مثيروه من العرب ومن العراقيين ومن "مجاهدي القاعدة" مسؤوليتهم عن هذا الاحتقان، ناهيك عن تراث بغيض آخر روج له هو النظام البائد. كما أنه لا يمكن ان يجري تجاهل او التقليل من خطر أخطبوط الارهاب الدولي وهو يضرب يميناً ويساراً في العراق وبلدان عربية ودول اجنبية ويهدد الاستقرار في العالم، بحيث ينبري البعض من النخب السياسية بوصفه على انه بعبع امريكي من أجل البقاء في العراق. ونفس الامر ينطبق على حملات الاغتيالات الواسعة التي طالت اساتذة الجامعات والمهنيين العراقيين واصحاب الشهادات ورجال الاعمال الذين قتلوا او تعرضوا للخطف واطلق سراح بعضهم بعد ان دفعوا الفديات بالملايين. ويروج البعض ضمن التستر على الفاعل الحقيقي اتهامات ضد جهات امريكية او بريطانية او حتى اسرائيلية بالمسؤولية عن هذه الجرائم. في حين ان الكثير ممن جرى خطفهم، تم ابلاغهم من الخاطفين على انهم عصابات اجرامية تبغي المال و تمول الشبكات الارهابية في العراق. والطريف انه لم يجر العثور على اي اسرائيلي ولا امريكي في هذه الفعاليات. إن من قام بالكشف عن خروقات الجنود الامريكان هي الادارة الامريكية نفسها، وحوسب العديد منهم على افعالهم المشينة. كما ان مظاهر اجرامية كانت سائدة ضمن ممارسات النظام السابق ولكنها كانت تتم بالخفاء وبعيداً عن كاميرات الجزيرة او تلفزيون دبي او قناة البغدادية. إن تذبذب وتناقض النخب العراقية في موقفها من وجود القوات الاجنبية يذكرنا بالمثل البغدادي"مشتهي ومستحي". هذا الموقف يدعم معنويات تلك القوى الارهابية التي تفتك بالعراقيين عبر تستر اطراف عراقية على الجرائم عن طريق هذا الخلط بالاوراق. ان الموقف من وجود القوات الاجنبية يجب ان يكون قراراً وطنياً عراقياً عاماً تشارك فيه كل الاطراف العراقية عبر ممثليها في مجلس النواب، ولا يصح ان تقرره عصابات مسلحة من المجرمين وفلول العهد السابق وارهابيين مستوردين من سوريا والسعودية واليمن والصومال والبوسنة وتونس والمغرب والجزائر وغيرهم من الشلل الاجرامية العراقية والعربية وحتى الدولية.
اذن امام الحكومة العراقية مهمة شاقة لا يكتب لها النجاح الا عبر الصدق في التعامل بين اطرافها، والصدق في الموقف ، تماماً كما عبر عنه السيد جلال الطالباني رئيس الجمهورية وبحق مخاطباً واصفاً البعض كونهم "في النهار مع الحكومة وفي الليل مع الارهابيين". نعم يوجد في الحكم من يلعب على الف حبل، وهذا هو العائق الاكبر امام الحكومة في تحقيق برنامجها.
التحديات خطيرة امام وزارة السيد نوري المالكي، وهو بحاجة الى ايادي شريفة نزيهة لتحقيق الاستقرار،. ويحتاج الى عقول حكيمة وخبرات في محتلف الحقول وليس الى مهرجين سياسيين وقادة ميليشيات لكي ينجز المهمة النبيلة التي تقع على عاتقه. عسى ان يوفق في مهمته ويلهم العراقيين الحكمة للسير في حادة الصواب.[/b]
18  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / يوميات ايرانية ( 9 ) - رحلة في: 20:16 12/07/2006
يوميات ايرانية
( 9 )
[/size]


عادل حبه


رحلة

بدأ شتاء عام 1963 - 1964 البارد جداً يطوي صفحاته ولاحظت حركة غير عادية لدى اهالي طهران. وأخذت طهران، شأنها شأن المدن الإيرانية الأخرى، تكتسب حلة الإحتفال برأس السنة الإيرانية الجديدة، أي عام 1343 هجرية الشمسي وما يطلق عليه عيد "النوروز"، وتعني اليوم الجديد. ويقابل ذلك في التقويم الميلادي يوم21 من آذار/مارس حيث يتساوى الليل والنهار. إن الإيرانيين يستخدمون التقويم الهجري الشمسي عوضاً عن التقويم الهجري القمري، علماً إن المبدأ يبقى لدى التقويمين هو تاريخ هجرة النبي من مكة إلى المدينة. ويحتفل الإيرانيون في الأول من فروردين، أي 21 من آذار/مارس بإعتباره اليوم الأول من السنة الجديدة وهو تقليد وتقويم سنوي قديم لدى الفرس و الأقوام الهندية الأوربية. ويعد هذا العيد هو أهم الأعياد الوطنية الإيرانية.
وترتبط بهذا العيد تقاليد وأساطير كثيرة ابرزها إسطورة كاوة الحداد والحاكم المستبد الضحاك، حيث إستطاع كاوه الحداد أن يكسر شوكة الإستبداد ويزيل كابوس الظلم عن شعبه بعد أن أطاح بالضحاك المستبد. وغالباً ما تربط هذه الإسطورة بواقع حال الشعب الإيراني ويلقى الضحاك المستبد شبيهاً له في الشاهنشاهات والحكام المستبدين في مختلف العصور لكي يحفز الإيرانيين على الثورة ضد ظالميهم. ويسبق هذا العيد إستعدادات من قبيل زرع الحنطة في الصحون التي توضع على مائدة العيد ثم تؤخذ إلى البوادي في اليوم الثالث عشر من السنة الجديدة ليتم عقد أوراق الحنطة من قبل الفتيات غير المتزوجات ليسعفهن حظهن في الزواج في السنة الجديدة. وفي يوم الأربعاء الذي يسبق السنة الجديدة، جهار شنبه سوري، يقوم الأهالي بتحضير أكوام الخشب والحطب لحرقها، وما أن يتصاعد لهيب النار حتى يقوم الأهالي بالنط على النار مرددين عبارة "زردي من براي تو، وسرخي تو براي من"، وما يعني بالعربية "اللون الشاحب الذي كسى وجهي خلال الشتاء أقدمه لك، وأعطني لون لهيب النار الاحمر"، كتعبير عن إنتهاء فصل الشتاء، فصل الركود والسبات وبدء فصل الربيع فصل النشاط والخصب والحياة والخضرة. . انه تقليد جميل يدل على الحركة والتطور والتغيير والحياة، وليس عبادة النار كما يريد ان يصوره ويشوهه المتطرفون والقوميون المتعصبون عندنا. لقد كان يحتفل عندنا في بغداد بنفس المناسبة ويسمونها "جنبر سوري"، حيث تشعل الشموع على ضفاف دجلة الخالد او توضع على خشبة لتطوف وتنحدر مع تيار النهر.
وفي ليلة العيد تنصب مائدة مزدانة بصحون تحوي على سبعة مواد يبدأ إسمها بحرف السين مثل سكة وسماق وسركه (الخل) وسبزي (الخضرة)....الخ، إضافة إلى نسخة من القرآن الكريم امام مرآة وشموع ومكسرات وحلويات مع قارورة تحوي على الماء والسمكات الذهبية الصغيرة. ويستمر الإحتفال بهذا العيد حتى اليوم الثالث عشر من السنة الجديدة حيث يحيي الإيرانيون ما يسمونه بـ "سيزده بدر"، أي "الخروج من البيت في اليوم الثالث عشر". وحسب التقاليد فإنه من باب الشؤم البقاء في داخل البيت في هذا اليوم، ولهذا يخرج الجميع إلى البوادي والحدائق والمنتزهات ليقضوا اليوم كله هناك. هذا اليوم يصادف عندنا اليوم الثاني لما نسميه بكذبة نيسان أو كذبة أبريل المصادف في اليوم الأول من شهر نيسان/أبريل من كل عام. وهذا العيد شبيه بشم النسيم عند المصريين. وصادف أن خرجت في هذا اليوم في رحلة مع خالي العزيز إلى مدينة كرج القريبة من طهران وتقع على نهر كرج وبني سد حديث عليه ليزود العاصمة بمياه الشرب. وكان المكان مزدحماً أشد الإزدحام بالقادمين من العاصمة وضواحيها وقد يصل تعدادهم إلى مئات الألاف حيث تصدح الموسيقى في المكان، وتنظم حلبات الرقص شرقياً كان أم غربياً بشكل لم أشهد له مثيلاً في أي ركن من أركان الدول التي زرتها.
عادت الأمور اليومية إلى مجاريها بعد هذه الإحتفالات، وعاد الناس إلى عملهم وكدحهم وبنشاط أكثر بعد أن خيم الربيع بخضرته وهوائه العليل وشمسه الساطعة ودفئه على العاصمة.
في أحد الأيام عرجت على دكان الخال حيث كنت أزوره بين فترة وأخرى في محله، وصاح بأعلى صوته وبإنفعال ملمحاً الى إنه كان يبحث عني لأمر هام. وسألته عن هذا الأمر الهام، وأجابني إنه يود أن أسافر معه للفسحة إلى شمال إيران وبالتحديد إلى إقليم مازندران المحاذي لبحر الخزر. كان الخال يملك، إضافة إلى محل بيع الأدوات الإحتياطية للسيارات، حافلتين لنقل المسافرين بين العاصمة طهران وبقية المدن الإيرانية. وصادف أن تتجه أحدى الحافلتين إلى مازندران، وأراد الخال أن يريني هذه المنطقة الواقعة على بحر الخزر الذي غالباً ما كان يتحدث عن جمال طبيعتها وسحرها.
وسرعان ماجهزت نفسي للرحلة خلال سويعات وعدت إليه في المحل لأرى الحافلة تنتظرني وقد جلس الخال في المقعد الأمامي وحجز لي المقعد الآخر المحاذي لمقعده والملاصق لنافذة الحافلة الجانبية. وما أن دارت عجلات الحافلة كي تتوجه نحو الشمال حتى بدأت تتسلق الطرق الجبلية وعلت الحافلة بحيث اخذت تصطدم بالسحب الكثيفة التي تخيم على الطريق. وخلال مسيرنا كنت اسأل الخال بفضول عن ما نصادفه على الطريق من معالم ومشاهد، ويجيبني بتفصيل واسلوب ممتع. ولفت نظري العديد من القبور المزدانة بالاقمشة الخضراء والقبب الخضراء فوق قمم الجبال. وسألت الخال عن اصحاب هذه القبور وكيف تم الوصول الى قممها؟ وقبل ان يجيبني، ارتسمت على وجهه ابتسامة ذات مغزى. وقال ان الناس هنا يطلقون على هذه القبور "امام زاده" أي مراقد اولاد الائمة، وهي على غرار انتشار مراقد بنات الحسن عندنا على ضفاف شط الحلة على وجه الخصوص. واردف الخال قائلاً ان تجربتي تشير ان هذه القبور لا علاقة لها بأولاد الائمة ولا يوجد حتى اي جثة في غالب الاحيان في هذه القبور. ولكن ما العمل واعتقاد الناس وهي تقرب احياناً من الخرافة. واستمعت الى حكايته عن هذه القبور. ففي الثلاثينيات كان الخال يعمل ميكانيكياً ويستدعيه الجيش الايراني اثناء المناورات العسكرية لمرافقة القطعات الميكانيكية كي يتم اصلاحها اثناء العطب. وصادف ان جرت مناورات عسكرية في وسط ايران واستدعي الخال لمرافقة القطعات العسكرية. وتوقفت المناورات في احد الايام، وراح الضباط يأخذون قسطاً من الراحة. ودعي الخال لمرافقة الضباط بسُفرتِهم العامرة بقناني الخمر والنبيذ وراحوا يفتشون عن مكان لتناول الخمر وما لذ وطاب. وهنا اشّر احد الضباط الى موقع "امام زاده" القريب من مكان المناورات. وعندها اعترض الخال على هذا الاختيار بإعتباره مكاناً يوارى فيه ابن الامام ولا يصح تناول الخمر فيه. واثناء الجدال بين الضباط خرج على حين غرة من داخل مقام "الضريح" رجل تلف رأسه عمامة خضراء وله لحية تشير الى ورع هذا الرجل. فقد استمع الى النقاش والضوضاء واشار على الجميع ان يدخلوا ويأخذوا قسطهم من الراحة بما فيها تناول الخمرة. أثارت دعوة المتولي دهشة الجميع، ولكن دهشتهم تحولت الى ضحك وتندر لا نهاية له. فقد اشار الرجل الى انه لا يوجد هنا اي مقام. فالقصة وما فيها انه كان قد هرب من ملاحقة اهالي احد القرى المجاورة بسبب قيامه بمحاولة للسطو على بيت احد الميسورين في القرية وعرف القرويون بذلك ولاحقوه ولم يتركوه الا عندما ابتعد عن تلك النواحي ولجأ الى هذا المكان وهو اقرب الى الاعياء. عندها سجد وانهار مما اثار اهتمام عدد من القرويين الذين سألوه عن حاجته. لم يجبهم خوفاً ولكنه فطن، وقال درءاً لاي عواقب سلبية، ان في البقعة يدفن "امام زاده"، مما خلق ضجة بين سكان القرية وراحوا يتراكضون لدعوة اقرانهم، وباشروا ببناء "الضريح". واصبح "السارق" وطريد القرية المجاورة متولي هذا الضريح وتاب عن السرقة. ضحك الخال بملئ فمه وقال هذه هي حكاية مراقد "امام زاده" التي يبدو ان اغلبها ليس لها علاقة باولاد الامام ولا اي من الاولياء، بل هي مظهر من مظاهر المعتقد الديني عند الناس للتخفيف عن همومهم وما اكثرها، ولو كان بعضها لا علاقة له بمن يرقد في هذه القبور.
أخترقت الحافلة الأنفاق العديدة والطويلة التي تشق طريق الشمال وبما يعرف بجادة جالوس. وتغيرت الطبيعة من منطقة طهران الجافة والقليلة الخضرة إلى منطقة تكسوها الخضرة والغابات الكثيفة والطبيعة الخلابة للغاية، والهوائ المنعش. إن سبب هذه الطبيعة الساحرة يعود إلى أن مازندران وكيلان، وهي المنطقة التي كانت تعرف بطبرستان، تطلان على بحر الخزر الذي يوفر للمنطقة السحب التي تجلب الأمطار الغزيرة. فالمطر في هذه المناطق يهطل في جميع المواسم مما حول المناطق إلى أراض خضراء زراعية خصبة خاصة لزراعة الشاي على سفح الجبال والرز ذي الجودة العالية في الوديان. ولهذا يعتمد الأهالي هنا بالدرجة الأولى على الرز في غذائهم بدلا من الخبز في احيان كثيرة. بعد ساعات وصلنا إلى مدينة بابلسر المطلة على بحر الخزر. إن ساحل بحر الخزر الجنوبي الذي يعود إلى إيران هو منطقة سياحية جميلة، ويأمها الإيرانيون وحتى الأجانب لهوائها العليل الذي يقيهم من حرارة الصيف في المناطق الجنوبية الأخرى والتمتع بساحلها الرملي الذهبي المطل على بحر الخزر أو ما يعرف عندنا ببحر قزوين. وتعتبر المناطق السياحية الإيرانية على بحر الخزر من أجمل المناطق مقارنة بسواحل أذربايجان وروسيا وكازخستان وتركمنستان المطلة على نفس البحر أيضاً والتي سمحت لي الظروف بزيارتها عندما كنت في الإتحاد السوفييتي كما أسلفت. وتركت الطبيعة بصماتها على طبع الناس الهادئ والطيب والأوجه البشوشة وكذلك على جمال أهلها وخاصة حسن طلعة صباياها وفتياتها. ولكون هذه المنطقة مطلة على البحر فإن غذاء الأهالي الأساسي إلى جانب الرز هو السمك والحيوانات البحرية وأشهرها ما يعرف بالسمك الأبيض، "ماهي سفيد"، الذي تلذذنا بتناوله أثناء وجودنا على ساحل البحر. وتعتمد المنطقة أيضاً على صناعة الكافيار الذي كانت تتقاسمه مع إيران في انتاجه آنذاك مؤسسة سوفييتية ايرانية مشتركة. والكافيار هو بيض سمك خاص اسود اللون لايوجد إلا في بحر الخزر ويطلق عليه "الستوريجون". بالطبع لايتناول الإيرانيون من الكافيار إلا القليل لإعتبارات دينية غير مفهومة بالنسبة لي، ولكنه يصدر إلى الخارج ويشكل مصدراً من مصادر العملة الصعبة للإقتصاد الوطني الإيراني ولحد الآن. وتعتبر سفوح الجبال المطلة على بحر الخزر المزرعة الاساسية لزراعة الشاي في ايران بما تتمتع به هذه المنطقة من رطوبة عالية وامطار غزيرة. قضينا مع الخال على ساحل البحر ساعات جميلة خلال عطلة نهاية الأسبوع البهيجة لنعود من جديد بعد يومين إلى العاصمة طهران.
 
على سفح جبال البرز المطلة على بحر الخزر
عباس آباد
 
على سفوح البرز في مازندران – رامسر
يتبع[/b]
19  الحوار والراي الحر / المنبر السياسي / يوميات ايرانية ( 8 ) في: 13:09 06/07/2006
يوميات ايرانية
( 8 )
[/size]

عادل حبه

زوايا طهران


كان كل تركيز فريقنا خلال الفترة الأولى من وجودنا في العاصمة الإيرانية هو ان ندلي بدلونا المتواضع لتوفير الإمكانيات للحزب لتجاوز محنته. ولكن والى جانب ذلك كانت تتوفر لدينا الفرصة بين الحين والآخر للمزيد من الإطلاع على العاصمة الإيرانية أو مدن أيران الأخرى.
تعتبر طهران مدينة جديدة قياساً بالمدن الإيرانية التاريخية الأخرى كشيراز وإصفهان وتبريز وخراسان ..الخ. وتقع طهران على سفح جبال البرز وعلى إرتفاع 1200 فوق سطح البحر. وعند هذا المكان توقف زحف الإسكندر المقدوني الذي أراد الحاق الهزيمة بإمبراطور فارس داريوش الثالث في عام 330 قبل الميلاد. كانت طهران عبارة عن قرية ملحقة بالعاصمة التقليدية السابقة مدينة ري، وهي الحاضرة التي دمرها المغول في عام 1220 م. ومنذ القرن السادس عشر وحتى القرن الثامن عشر، أصبحت طهران مقراً لإقامة الملوك الصفويين. وفي عام 1785 ميلادية، تحولت إلى عاصمة على يد آقا محمد خان مؤسس الدولة القاجارية (1779-1921م). وبنيت بشكل حديث في عهد رضا شاه مؤسس السلالة البهلوية في الربع الاول من القرن العشرين. ومن أعالي جبل البرز تنحدر الشوارع وقنوات مياه الأمطار ومياه الثلوج المذابة عبر المدينة حتى أطرافها الجنوبية. وكانت القنوات المصدر الرئيسي لتزويد سكان المدينة بالمياه بما فيها مياه الشرب الى ان تم مد شبكة انابيب مياه الشرب في عام 1957، بعد ان شيد سد كرج على نهر كرج في غرب العاصمة. وتقطع الشوارع الممتدة من الشمال إلى الجنوب عمودياً شوارع متوازية تمتد من الشرق إلى الغرب بحيث تحول الأحياء السكنية إلى مربعات هندسية. إن غالبية شوارع طهران عريضة ومشجرة وجميلة. وعلى حافة أعالي الجبل تقع مصايف طهران التي يلجأ إليها الطهرانيون والسواح خاصة من العراق لتفادي حر الصيف الجاف. وتلجأ العائلة المالكة والدوائر الرئيسية وحتى السفارات الأجنبية إلى شمال العاصمة في الصيف حيث تتوفر لديها مرافق كاملة لإدارة عملها بعيداً عن حر الصيف القائض في جنوب المدينة. ومما يزيد من جمال طهران هو وقوعها بالقرب من جبل دماوند المخروطي الشكل والمغطى بالثلوج طوال أشهر السنة، والذي يمكن مشاهدته من جميع أنحاء طهران. وتكون جبل دماوند إثر انفجار بركاني، وهو خامد منذ ملايين السنين. ويتمتع أهالي طهران على سفحه بالتسلق والتزحلق على الثلج  خاصة في فترات الشتاء. كنا، أنا وبعض الرفاق، نلجأ في وقت الفراغ إلى مصايف طهران خلال الشتاء للتمتع بالثلج المتراكم على جبل البرز وفي الصيف للهروب من حرارة العاصمة وتلوثها الفضيع. كنا نزور المصيفين المشهورين "سربند" و "دربند" الذين يذكران بزيارة شاعرنا الكبير محمد مهدي الجواهري لهما في صيف عام 1926، وردد أبياته في وصف المكان في رائعته "على دربند" حيث قال :
رعى الله أم الحسن " دربند " إننا        وجدنا بها روضاً من الصفو ممرعا
لقد سرنا منها صفاها وطيبهــــــــا        ولكن بكيناه جمالاً مضيعــــــــــــــــا
مريعاً من الحسن الطبيعي لو سعت       بنوه إلى إنعاشه كان أمرعـــــــــــــا
قرى نظمت نظم الجمان قلائــــــــداً       أو الدر مزداناً , أو الماس رصعـــــا
صفوف من الأشجار قابلن مثلهــــا        كما صرع في الشعر قابل مصرعــا
وفي نفس السنة دون الجواهري الكبير رائعته الأخرى "بريد الغربة أو يوم "شمرانات"، والتي أثيرت حولها ضجة كبيرة حيث إتهمه ساطع الحصري( السوري الجنسية) بالشعوبية وقام بفصله وهو العراقي، واي عراقي، من وزارة المعارف. ولكن الفصل لم يأخذ مجراه في التطبيق بتدخل من المرحوم الملك فيصل الاول، مما أدى إلى إبعاد ساطع الحصري عن وزارة المعارف حيث كان يشغل منصب مدير المعارف العام. وتم تعيين الشاعر الجواهري في منصب مرموق هو أمين التشريفات في بلاط الملك فيصل الأول. ومن أبيات هذه القصيدة:
    هي " فارس " وهواؤها ريح الصبا      وسماؤها الأغصــــان والأوراق
    ولعت بها عشاقها وبليـــــــــــــــــــة     في الشرق إن ولعت بها العشـاق
    سالت بدفاق النضار بقاعهـــــــــــــا      وعلى بنيها شحـــــــــت الأرزاق
    يا بنت " كومرث " أقلي فكـــــــــرة      فلقد أضر برأسك الإخفـــــــــــاق
   وتطلعي تتبيني الفجر الـــــــــــــــــذي     تتوقعين وتنجلي الآفــــــــــــــاق   
                                         ********
   لي في العراق عصابة لولاهــــــــــــم      ما كان محبوباً إلي عــــــــــراق
   لا دجلة لولاهم , وهي التـــــــــــــي       عذبت , تروق ولا الفرات يــذاق
   "شمران" تعجبني، وزهرة روضها       وهواؤها، ونميرها الرقـــــــراق
   متكسراً بين الصخور تمــــــــــــــده       فوق الجبال من الثلوج طبــــــاق
   وعليه من ورق الغصون ســــرادق      ممدودة ومن الظـــــــــــلال رواق
   في كل غصن للبلابل نــــــــــــــدوة       وبكل عود للغنا " إسحـــــــــق "
هذا إضافة لقصيدة الربيع التي ألفها عام 1926 وقصيدته "في طهران" التي ألفها في عام  1926 وقصيدة "الخريف" في طهران عام 1926 عند زيارته ثانية لها.
ولا بد لمن يريد أن يكون فكرة سريعة عن تاريخ إيران أن يزور المتحف الغني بالآثار القديمة في طهران، والذي يحكي عن قصة تاريخ عريق وحضارة مزدهرة تعود إلى عدة ألاف من السنين. وفي الحقيقة، إن هذا المتحف بمعروضاته يثير الإعجاب والدهشة. ومن حسن الصدف أن أشاهد في متحف طهران  نسخة قديمة غرانيتية لمسلة حمورابي البابلية التي نقش عليها أول دستور في التاريخ الإنساني. وقد عثر المنقبون على هذه المسلة الفريدة في أطلال ديزفول أحدى عواصم فارس القديمة  والواقعة في جنوب إيران. ولم يستطع علماء الآثار لحد الآن حل لغز وصول هذه المسلة إلى أراضي الإمبراطوريات الفارسية المتعاقبة القديمة. ويحتوي المتحف، إضافة إلى آثار الفرس والأقوام التي حكمت إيران، الكثير من الآثار السومرية والبابلية والآشورية التي عثر عليها في الأراضي الواقعة ضمن ما يعرف اليوم بإيران. وعرفت بعد السؤال ان هذه الآثار تشكل حوالي 25% من معروضات المتحف وذلك بسبب التداخل بين حضارتي البلدين.
ولكي تكتمل صورة التاريخ الإيراني عند الزائر، فما عليه إلا أن يزور متحف الكنوز الشاهنشاهية في وسط العاصمة. وهذا المتحف كان أحد قصور ملوك السلالة القاجارية التركية التي حكمت إيران حتى بداية القرن العشرين ويعرف بـ "قصر جنينة الزهور"؛ اي "كاخ كلستان" باللغة الفارسية. ويضم القصر قاعة العرش الفخمة لملوك القاجار وتسمى بقاعة المرايا لان جميع جدرانها قد زينت بقطع ذات زوايا من المرايا اشبه بالمراقد المقدسة عندنا في النجف وكربلاء والكاظمية وسامراء. ويضم المتحف جواهر تبهر الأبصار منها ما جلب من نواحي أيران ومنها ما سرق بعد غزو الهند وأفغانستان ودول مجاورة. إن أثمن ما هو معروض ولحد الآن هو كرسي العرش، الذي نهبه نادر شاه من الهند أثناء غزوه للأراضي الهندية والذي يعرف بـ "تخت طاووس" والمرصع بآلاف الجواهر والاحجار الكريمة. وتربع عليه أباطرة إيران اثناء التتويج او المراسيم الرسمية. وكان آخر من توج عليه هو الشاهنشاه محمد رضا بهلوي المخلوع. ويضم المتحف أيضاً  تيجان الأباطرة السابقين ومقتنياتهم من المجوهرات والتحف الذهبية التي أحتفظ بها الملوك والحكام في إيران.
إن ما يشد إنتباه الزائر إلى طهران وحتى مدنها الأخرى للوهلة الأولى هو الطراز الجميل لبناء المساجد والجوامع التي تعج بها العاصمة الإيرانية وبقية المدن الإيرانية. فالقباب الزرقاء اللامعة المطلية بالكربلائي أو القباب المطلية بالذهب لمراقد الأئمة والأولياء وإبداعات الفنانين الإيرانيين وخطاطيهم في تزيين القباب وواجهات هذه المراكز الدينية وداخلها سواء بالزخرفة الفضية أو الخشبية أو بالمرايا أكسب المعماريين والفنانين الإيرانيين المبدعين مهارة مميزة خاصة بهم في فن العمارة والتصميم والزخرفة والخط. إنه بحق طراز فني جميل يثير الدهشة والاعجاب ويحكي عن ذوق رفيع متميز في هذا الميدان. ويطال هذا الفن المعماري والزخرفة حتى العمارات الرسمية وبيوت ومساكن الميسورين من أهالي العاصمة. وقد أبدع الخطاطون الإيرانيون بالتفنن الماهر بالكتابة على جدران المساجد ومراقد الأولياء التي تعتمد بالأساس على الحروف العربية وبالخط الفارسي المعروف. وتحول الخط الفارسي إلى فن قائم بذاته يبدع فيه الفنانون بطرق وأشكال متنوعة. بالطبع إن هذه البيوت والعمارات الجميلة تقتصر على الميسورين والنخبة الحاكمة، تقابلها بيوت المعدمين المزرية التي تعج بها النواحي الجنوبية من العاصمة.
 وتجذبك وأنت تسير في شوارع طهران واجهات مخازن بيع السجاد والبسط الإيرانية المشهورة بتصاميمها الساحرة، والتي ليس لها نظير ومنافس في العالم أجمع. ومن المفارقة إن هذا السجاد الإيراني البديع في تصاميمه وألوانه ومواده الأولية حسب كل منطقة من مناطق إيران الشاسعة، يحيكه تقليدياً الفلاحون أثناء موسم الشتاء عندما لا تتوفر الظروف المناخية المناسبة لممارسة الزراعة وتصبح هذه الحرفة مصدر رزق للفلاحين في موسم الشتاء. ولكن مع مرور الزمن تحولت صناعة السجاد الآن إلى صناعة واسعة حديثة في غالبية المدن الايرانية بعد أن إزداد الإقبال عليها وأتسع سوقها في العالم. وإنتقل العديد من مراكز صناعة السجاد من  الريف إلى المدن الكبيرة.
وفي الايام الاولى من وجودي في طهران، كان اكثر ما يشدني هو التجول في شارع رضا شاه، الذي تغير اسمه بعد الثورة الى "خيابان انقلاب" اي "شارع الثورة". ويعد هذا الشارع العصب الرئيسي للعاصمة الايرانية. فهو شارع الثقافة والعلوم والسياسة والدبلوماسية. ففي وسط الشارع ينتصب تمثال اعظم شعراء ايران وصاحب ملحمة "الشاهنامه" الحكيم ابو القاسم فردوسي، الذي قضى ثلاثين سنة من عمره في كتابة تاريخ بلاد فارس بصياغة شعرية بالغة السحر والبلاغة.
وعلى جانبه وفي بداية الشارع من جهة الغرب تقع جامعة طهران، وهي اول جامعة في ايران وتعد الجامعة الام. وأنشأت هذه الجامعة في عام 1934 على مساحة 21 هكتاراً، وقد صممها المعماري الفرنسي غيدار. وجاء تشييد الجامعة امتداداً لاول مؤسسة تعليمية متعددة الفروع وهي "دار الفنون" التي شيدها اول مصلح وتنويري ايراني في القرن التاسع عشر هو ميرزا تقي خان امير كبير الذي سعى الى نقل العلوم والثقافة الاوربية الى ايران. واصبحت جامعة طهران، علاوة على دورها العلمي والتربوي، ميداناً للنشاطات السياسية والمهنية الطلابية وخاصة في فترة تصاعد المد الوطني الديمقراطي وحركة تأميم النفط في البلاد. فقد شهدت الجامعة محاولة اغتيال الشاه محمد رضا بهلوي في الرابع من شباط عام 1949، والتي اتهم بها زوراً حزب توده ايران وصدرت الاوامر الرسمية بحظر نشاطه وزج غالبية قادته في السجن. كما شهدت الجامعة ولادة اول اتحاد طلابي ايراني هو اتحاد طلبة جامعة طهران في العشرين من كانون الاول عام 1950. وتضم الجامعة الآن 177 فرعاً، ويتخرج منها حاملي شهادة الدكتوراه من 156 فرعاً علمياً وانسانياً.
تحيط بمبنى الجامعة وعلى امتداد الواجهة على شارع رضا شاه مختلف مخازن بيع الكتب العامرة والتي قد نجد مثيلاً اصغر لها في بغداد وبيروت والقاهرة. ولكن بدا لي ان هناك تمايز ملحوظ بين المكتبات الايرانية وقرينتها العربية. فقد ادهشني وانا ازور هذه المكتبات بين الحين والآخر سعة وكثرة الكتب المترجمة في مختلف الفروع ومن مختلف اللغات الحية بشكل يفوق كثيراً ما تتم ترجمته في بلداننا. فعلى الرغم من الطابع الاستبدادي للحكم والتضييق على الحريات وكثرة المحظورات، شأنه في ذلك شأن بلداننا العربية، الا ان هناك حملة واسعة ملحوظة لترجمة كتب تنويرية وتقدمية ادبية وفنية منها او اجتماعية وسياسية بشكل لا تراه في مكتباتنا العربية. وهذا يختلف عن ما يجري في البلدان العربية حيث تتسع يوماً بعد يوم والى الآن قائمة الممنوعات. وهذه الظاهرة الايرانية  تثير الاستغراب والتساؤل حقاً. فمن المعتاد ان نلاحظ في واجهة بيع الكتب في هذا الشارع كتباً مترجمة الى اللغة الفارسية مثل رائعة "جون كريستوف" للروائي الفرنسي رومان رولان و"العبقري" للروائي الامريكي درايزر و"ملك الفحم" للروائي الامريكي ابتون سينكلر و"الدون الهادئ" لشولوخوف و "الام" لغوركي ونتاجات برتولت بريخت وجورج برنادشو وكتب علوم اجتماعية وسياسية والعديد من الكتاب العرب مثل محمد عبده والكواكبي وطه حسين وسلامة موسى وجبران خليل جبران وميخائيل نعيمة ونجيب محفوظ غيرهم من  رواد العلوم الاجتماعية والفكرية والسياسية وبمختلف اللغات. هذه المؤلفات ما يحظر تداول غالبيتها ليس  في بلداننا فحسب، بل وحتى يطال الحظر على الروائيين الامريكان في الولايات المتحدة في فترة الحرب الباردة. ان هذه الظاهرة لتؤكد على حقيقة مفادها ان المجتمع الايراني يحتضن تياراً للحداثة وقوى تنويرية فعالة ومؤثرة الى جانب وجود قوى التخلف والمحافظة التي هي الاخرى لها مواقع مؤثرة. ولهاتين القوتين صولات وجولات من الصراعات منذ اكثر من قرن ولحد الآن حيث نشاهدها بشكل اكثر وضوحاً وعسفاً في المرحلة الراهنة التي اعقبت الثورة في عام 1979.
ويحتضن هذا الشارع العديد من دور العرض الفنية والسينمائية واللهو بكل انواعها. ومما يلفت الانظار في هذا الاطار هو " مسرح رودكي" او "تالار رودكي"، تيمناً باسم الشاعر الفارسي ابو عبدالله جعفر رودكي –القرن الرابع الهجري-. وبني المسرح على شكل وردة التيوليب، ويعد احد المعالم المعمارية الايرانية الجميلة في العاصمة. وكان يقدم في هذا المسرح مختلف العروض الايرانية والاجنبية سواء في المسرح او الاوبرا. 
وتجولت في الطرف الشرقي من الشارع حيث تقع السفارة السوفييتية – اكبر سفارة اجنبية في العاصمة الايرانية- وهو بناء يشبه قلاع القرون الوسطى بسياجها. وقد ورثته الحكومة السوفييتية عن روسيا القيصرية التي كان لها نفوذ كبير في ايران قبل حكم رضا شاه. وتحيط بالسفارة الكثير من محطات المراقبة التي اقامتها الاجهزة الامنية الايرانية وعلى المكشوف بما فيها اقامة جسر للنقل كي يطل المراقبون على باحة السفارة مباشرة. وجلب إنتباهي وانا اسير في شارع فرعي، وفوجئت بإسم أحد الشوارع، شارع جوزيف ستالين!!، على إسم الحاكم السوفييتي السابق( تم تغييره بعد الثورة الى اسم شارع ستار خان وهو من زعماء ثورة المشروطة الديمقراطية الايرانية). وتبين لي بعدئذ إن تسمية هذا الشارع والى جانب شارعين آخرين في طهران بإسم رئيس الوزراء البريطاني السابق ونستون تشرشل ورئيس الولايات المتحدة السابق فرانكلين روزفلت تعود إلى إجتماع القمة لزعماء دول التحالف المعادي لدول المحور في كانون الاول عام 1943 في طهران. ورحت أنظر بحذر وتوجس إلى هذه السفارة العملاقة لأجد مقابلها مكتبة كبيرة للكتب الروسية والأرمنية وبقية لغات الإتحاد السوفييتي وإسمها مكتبة ساكو. في حال مثل حالي كان علي أن أتجنب الإقتراب أو الدخول أوحتى الإستمرار في السير في هذا المكان الذي لابد وأن تكثر فيه أعين رجال الشرطة والمخابرات. ولكن الفضول وحب الإستطلاع دفعاني دفعة واحدة إلى داخل المكتبة لأرى كماً هائلا من أبرز المؤلفات باللغة الروسية. وقد إسترعى إنتباهي مجلدات رواية "الدون الهادئ" للروائي السوفييتي ميخائيل شولوخوف وهي الطبعة الأولى المنشورة في عقد الثلاثينيات. ولم أتردد في إقتناء هذه التحفة التي ستساعدني على تمضية أوقات فراغي في البيت والإستمرار في تحسين لغتي الروسية. كان فرحي كبيراً بالعثور على هذه الطبعة المزدانة بالصور الجميلة. ولم أكن أحسب أو أفكر قط بإن هذا الكتاب سيجلب لي المتاعب والمساءلة والويلات في وقت لاحق من مكوثي في طهران.
 ومن الأماكن التي إجتذبتني في الأيام الأولى من وجودي في طهران، ورحت أزوره بين الفينة والأخرى، هو بازار طهران العريق. ويعتبرالبازار في الحقيقة  المدينة التجارية للعاصمة حيث تتم فيه غالبية الصفقات التجارية سواء أكانت في مجال التصدير أو الإستيراد والبيع بالجملة والمفرد. وجرت العناية بهذا المكان من قبل أصحاب الدكاكين وتم تقسيمه إلى قطاعات تبعاً لنوع البضاعة المعروضة فيه. فهناك سوق السجاد والأقمشة والاعشاب الطبية والتوابل والنحاس والمجوهرات والسراجة و...الخ. ولا يعتبر بازار طهران مركزاً تجارياً فحسب، بل ومركزاً سياسياً يقض مضاجع الحكام إذا ما بدأت فيه أية حركة إحتجاج، خاصة تلك الاحتجاجات الصادرة من الحركات الدينية. وكان بازار طهران مصدر وجع لرأس الشاه المخلوع إذ حاول وبأشكال مختلفة تقييد نفوذ البازارالإقتصادي والسياسي عبر انشاء المراكز التسويقية الكبيرة في العاصمة ولكن دون جدوى. إن بازار طهران هو أكبر مساحة وأكثر أبهة وجمالاً وتنسيقاً من سوق الشورجة في بغداد ومن سوق الحميدية في دمشق وكذا الحال بالنسبة لباقجه بازار إسطنبول في تركيه .
 
قبة في بازار طهران
******** 
قصر كلستان في طهران
********
 
نصب فردوسي في طهران
********
 
بوابة مسجد
يتبع[/b]
20  الحوار والراي الحر / المنبر السياسي / على هامش هلاك الزرقاوي - مأزق الوعي والعقل والتدين في البلدان العربية والاسلامية في: 12:19 21/06/2006
على هامش هلاك الزرقاوي

مأزق الوعي والعقل والتدين في البلدان العربية والاسلامية

عادل حبه
كشفت جملة من ردود الافعال على مقتل الزرقاوي في عدد من البلدان عن مدى المأزق التي تعيشه التيارات الدينية المتطرفة وانصار "الدين الجديد" المخيف الذي يلقي بضلاله المرعبة على البشر سواء في البلدان العربية والاسلامية او في بلدان العالم الاخرى. كما ان هذا الحدث كشف ايضاً عن تورط تيارات غير دينية في التستر على هذا التيار الدموي المتطرف ودعمه، وهي تيارات تدعي العلمانية او حتى اليسارية طل ممثليها على شاشات التلفزيون الموالية للارهابيين في بعض البلدان العربية وهم يترحمون على "الفقيد". كما ان اختفاء الزرقاوي بهذه الطريقة الدرامية نزع القناع عن اؤلئك الذين يهللون لموت العراقيين بالمئات يومياً في حين صعقوا واقاموا المآتم على هذا الانسان الذي فقد كل صفات الانسان وتخلى عن كل القيم الاخلاقية والروحية والدينية جراء ما زرعه من موت وكراهية في بلادنا.
ان هذه المواقف هي تكرار مدان لمواقف هذه الفئات وسكوتها على جرائم الطاغية صدام حسين ضد العراقيين وغير العراقيين من عرب وآخرون. ان هؤلاء التزموا الصمت على العمليات الارهابية ضد الشعب السوري في السبعينيات وضد المقاومة الفلسطينية واغتيال زعمائها في باريس ولندن علاوة على اعمال القتل التي طالت اردنيين ومن جنسيات مختلفة. ولكننا نرى الآن ان نفس اهالي الضحايا يتباكون على سقوط صدام وينظمون المظاهرات ويرسلون المحامين للدفاع عنه ويهاجمون العراقيين بسبب محاكمتهم لطاغيتهم. وبعد الاطاحة بالطاغية تهافت الارهابيين من كل الالوان ليزرعوا الموت ويحرموا الابناء من آبائهم وامهاتهم، وعاثوا فساداً في البلاد وزرعوا الفتنة فيها. كل ذلك بدعوى التضامن مع "مقاومة" مزعومة لا تهدف الا الى تدمير بلاد الرافدين وقتل اهله وتشريدهم علاوة على التشريد الذي تعرضوا له في عهود الديكتاتورية. كما شن هؤلاء سلسلة من الاكاذيب للتستر على جرائمهم وتبريرها تارة بذريعة وجود اسرائيلي يستهدف العقول العراقية والبنى التحتية في حين ان من نهب العراق ويدمر البنى التحتية ويقتل الاكاديميين العراقيين هم نفسهم فلول صدام والمتطرفين من انصار الزرقاوي والمجرمين الذين اطلق سراحهم من قبل الطاغية قبل الحرب. ان هذا التشويه والتضليل زيف الاحداث الى حد ان اوساط احزاب وتيارات لا يجمعها جامع مع "كتائب الموت" هي الاخرى رفعت في مؤتمراتها لافتات تضامنية مع قتلة العراقيين تحت ستار "المقاومة". هذا ناهيك عن تطبيل بعض العراقيين، وعلى قلتهم، للمقاومة المزعومة التي افتضح امرها واهدافها امام الغالبية الساحقة من العراقيين الذين يرون بأم عينيهم الرؤوس المقطوعة للرجال والنساء والاطفال لدوافع طائفية مشينة.
ان العراق يتعرض الآن لاشرس حملة ابادة وتشرذم لم تمر عليه حتى في اشد عهود الظلام. وليس هناك امام العراقيين من طريق سوى فتح اعينهم واليقظة ازاء ما يخطط ضدهم من اوساط اقليمية ودولية تسعى الى عرقلة اي مسعى لاستتباب العملية الديمقراطية واعادة بناء البلد وازدهاره. ان عدداً من الدول المحيطة ضليعة في مخطط خطير ضد العراقيين. وما على العراقيين الا فضح هذه المخططات والتصدي لها سورية كانت ام قطرية ام من قبل اثرياء الارهاب في الخليج او من قبل ايران التي يسعى البعض من العراقيين التستر علىاعمالها المشينة في الجنوب خصوصاً وبالاتفاق مع اشد عناصر التطرف ايرانية كانت ام زرقاوية.
لقد سربت احد القوى المعارضة للنظام اخيراً وثيقة خطيرة تكشف عن علاقة المتطرفين من حكام ايران بالقاعدة. فمن المعلوم ان حكام طهران استضافوا الزرقاوي والمتطرفين من القاعدة خاصة بعد الحملة التي استهدفت مواقعهم في افغانستان في عام 2001. وعقدوا حلفاً معهم بحيث اصبحت ايران ممراً لتسريب انصار الاسلام وعناصر القاعدة الى العراق منذ الاطاحة بالنظام السابق. وبالرغم من نفي ايران لاية علاقة لها بتنظيم القاعدة الارهابي الا ان الوقائع التي تسربت والتي تتسرب تدحض كل ادعاءات هؤلاء. ولعل سكوت حزب الله في لبنان اوحتى الحزن على هلاك الزرقاوي تعطي صورة واضحة عن مواقف انصار الحكم المتطرف الايراني في لبنان؛ اي حزب الله من الضربة التي وجهت الى عصابة الزرقاوي في العراق. انه موقف لا يختلف عن موقف المتطرفين الاردنيين الاعضاء في مجلس النواب الاردني الذين اقاموا الدنيا واقعدوها بمناسبة هلاك عضو عصابتهم الزرقاوي.
وبإختصار ارفق هنا نص الوثيقة التي تسربت من ادارة المخابرات التابعة لعلي خامنئي المرشد في الجمهورية الايرانية الاسلامية مع ترجمة لها باللغة العربية.
 
نص الوثيق

الجمهورية الاسلامية الايرانية
ادارة مخابرات المرشد

سري للغاية الرقم:4-335-80-2-س
التاريخ:14-5-2001


من: رئاسة مخابرات المرشد
الى: المدير العام المحترم لادارة العمليات رقم 43

الموضوع : ابلاغ الاوامر التي اصدرها المرشد المعظم دامت بركاته

الى حجة الاسلام والمسلمين السيد بورفناده دام توفيقه

بعد الدعاء والسلام

بعد التمنيات بالتوفيق لكم ولكل الموظفين الصادقين والشجعان في هذه الادارة، نود ان نعلمكم بأنه قد تم اطلاع المرشد الاعلى على البرنامج الراهن للقاعدة وتم دراستها دفعاً للالتباس. وقد تفضل المرشد الاعلى وقال ان النضال ضد الاستكبار العالمي وفي المقدمة منها امريكا واسرائيل هو جزء لا يتجزء من النظام الاسلامي وهدفه الاساسي. ان الحاق الاذى اقتصادياً والحط من مكانة الاجهزة الاخرى لهذين العدوين المتحدين في تسوية حساباتها وتعريضنا للخطر يتوجب منتهى الاعتدال والامن. ويؤكد المرشد على ضرورة الحذر والمزيد منه في نشاطاتكم وايلاء الاهتمام اللازم بذلك. كما يؤكد المرشد على ضرورة دراسة النتائج السلبية والآنية ازاء العمل المشترك مع القاعدة.ان مركزة النضال يؤدي الى التضييق على سير وتطور نشاط الاعداء عبر التعاون والتقارب اكثر فأكثر بين إدارات المخابرات والامن الاخرى وانصارها في الخارج. وينبغي السعي الى ان يتم عكس جميع منجزاتنا تحت اشراف مركز حفظ الادارة. بالطبع ان تحديد وتشخيص الاضرار هو جزء من وظيفة هذه الادارة المجاهدة واليقظة. لقد تقرر ان تبحث في الاجتماعات القادمة مسألة إزالة المعوقات المبدأية وقضايا تحقيق الاهداف وتطوير العمل بقدر ما يتعلق بالتعاون مع المناضلين من شبكة القاعدة وحزب الله للوصول الى رؤية مشتركة. وفي الختام انقل لكم رضى المرشد واسناده الكامل لهذه الادارة واكد على المهمات الخطيرة التي تضطلع بها. ينبغي عدم ترك اي أثر عن اسنادنا للقاعدة وكل ما يؤدي الى نتائج غير قابلة للترميم. وعليكم الاكتفاء بالعلاقة مع"..... والزواهري( المقصود الظواهري - م.)"ونسأل الله ان يمدكم ببركاته.

علي اكبر ناطق نوري
رئيس ادارة مخابرات المرشد

سري للغاية

فيما يلي النسخة الاصلية باللغة الفارسية :

 
 
21  الحوار والراي الحر / المنبر السياسي / يوميات ايرانية ( 6 ) في: 12:14 21/06/2006
يوميات ايرانية ( 6 )
[/size]

عادل حبه
تنامي التيار الديني السياسي


في الوقت الذي كانت كل التيارات السياسية اليسارية والقومية والتيارات التي تمثل التراكيب القومية الاثنية غير الفارسية تتعرض لاشد الاضطهاد ووجهت لها ضربات مدمرة من قبل الشاه واجهزته القمعية، فإن أنصار التيار الديني بكل تلاوينه والذي له جذور في المجتمع الإيراني كان بمنأى عن المطاردة الشديدة للبوليس السياسي الإيراني حتى بداية الستينيات، بسبب موقف التيار الديني السياسي السلبي من الدكتور محمد مصدق ووقوفه عملياً إلى جانب الإنقلابيين الموالين للشاه والمطالبين بعودته والمسندين من قبل المخابرات المركزية الأمريكية. وقامت القوى الضاربة لهذا التيار بالنزول إلى الشوارع في 28 مرداد 1332 هجري شمسي (المصادف 19 آب 1953 ميلادي) لملاحقة أنصار الدكتور مصدق واليسار والتنكيل بهم والترويج لعودة الشاه من منفاه. فقد اعتبر آية الله أبو القاسم الكاشاني، ابرز رجال الدين آنذاك، أن "فرار الشاه وربما سقوطه سيؤدي الى سقوط جميع العمائم". بهذه العبارة تحدث هذا الرجل لانصاره قبل ثلاثة ايام من فرار الشاه من طهران الى بغداد، وكانت هذه الكلمات بمثابة دعوة لدعم الجهود لارجاع الشاه محمد رضا بهلوي الى عرشه. إن موقف التيار السياسي الإسلامي الايراني هذا يعود إلى خشيته من تنامي نفوذ التيار اليساري في عهد مصدق وتحالف هذا التيار مع الدكتور مصدق. ويشير آية الله حسن علي منتظري،الشخصية الثانية بعد الخميني والذي ابعد لاحقاً، في مذكراته عن تلك الفترة قائلاً ان:"آية الله بروجردي كان قلقاً من تنامي نشاط حزب توده ايران وكان ذلك من اسباب دعمه للشاه والقوى المناهضة لمصدق".
ولهذا السبب جرى في ذلك الوقت إنفراط عقد التحالف بين الدكتور محمد مصدق وآية الله الكاشاني الممثل الأقوى للتيار الإسلامي السياسي في عقد الأربعينيات والخمسينيات من القرن العشرين ومع كل اقطاب التيار الديني السياسي. فقد كان آية الله ابو القاسم الكاشاني أحد أعمدة حركة تأميم النفط الإيراني في بداية الخمسينيات والتي قادها الدكتور مصدق وحليفاً له. وكان لإنفراط التحالف بين الإثنين أسباب تعود إلى نشاط المخابرات الأمريكية والإنجليزية والبلاط الملكي وتراجع آية الله الكاشاني عن موقفه المساند لمصدق ومده لخيوط التحالف مع الشاه أحد الاسباب الرئيسية التي أدت إلى أنهيار حكم مصدق ثم فشل عملية تأميم النفط الإيراني وهيمنة كونسرسيوم نفطي جديد بقيادة الإحتكارات النفطية الأمريكية بدلاً عن شركة النفط الإيرانية السابقة التي هيمنت عليها الشركات النفطية الإنجليزية. ولم يقتصر أمر هذا الخلاف بين مصدق والكاشاني على هذه المظاهر، بل وتعداه الى قيام أنصار الكاشاني يوم الإنقلاب المعادي لمصدق بتنظيم فرق مسلحة من الصعاليك، وعلى رأسهم الشقي "شعبان بيمخ" ورهطه، بمطاردة أنصار مصدق واليسار لردعهم عن أية محاولة لإحباط الإنقلاب الذي خططت له المخابرات المركزية الأمريكية وقام بتنفيذ هذا المخطط الجنرال زاهدي والجنرال نصيري الذي اصبح مدير المخابرات الايرانية لاحقاً(الساواك).
وبعد وفاة آية الله ابو القاسم الكاشاني في أواخر الخمسينيات بدأت تتبلور شخصية سياسية دينية جديدة، لم تتورط في تحالفات الرموز الدينية السياسية مع الشاه او مع المخطط الامريكي الانجليزي الذي اطاح بالزعيم الوطني الدكتور مصدق، لتتزعم التيار الديني السياسي الإيراني الجديد. كما شرعت بالظهور حركة دينية أصولية متطرفة جديدة على أنقاض سابقتها والتي عرفت آنذاك بحركة ( فدائيان إسلام) في الأربعينيات والخمسينيات والتي أتبعت العنف والإرهاب الفردي كإسلوب لها في النشاط السياسي.* هذه الحركة الجديدة، وابرز مكون لها وقبضتها الضاربة، تيار المؤتلفة المتشدد المتنفذ الآن في إيران، تقلد وتلتف حول الشخصية الدينية الصاعدة روح الله الموسوي الخميني الذي لم يرتق آنذاك إلى أعلى سلم المناصب الدينية، أي آية الله. ويعود تنامي هذا التيار، كما أشرنا، إلى إنحسار التيار اليساري والقومي والوطني الليبرالي بحيث إتجه الكثير من الشبيبة الإيرانية نحو التيار السياسي الديني عله يجد مخرجاً لأنقاذ البلاد. واضافة الى ظهور تيار الخميني، برزت تيارات دينية معتدلة اخرى ولكنها اقل تأثيراً مثل التيار الذي يقوده شخصية من غير رجال الدين هو الدكتور علي شريعتي وتيار آخر وطني- ديني متمثلاً بحزب نهضة الحرية وابرز شخوصه آية الله سيد محمود الطالقاني والمهندس بازركان الذي اصبح اول رئيس وزراء بعد الطاحة بالشاه عام 1979. في تلك الفترة شهدت البلاد ضائقة إقتصادية باتت تطحن كاهل المواطنين وخاصة في الريف وأدت الى تنامي البطالة في فروع الإقتصاد المختلفة. وكان لإسلوب الحكم المفرط في الإستبداد الذي أنتهجه الشاه محمد رضا بهلوي والذي ورثه عن والده رضا شاه وسياسته الاقليمية وخاصة العداء لحركة التحرر العربية والموالاة لمخططات الولايات المتحدة واسرائيل عاملاً هاماً في استثارة المشاعر الدينية وزيادة النقمة الشعبية على الحكم ومن ضمنهم طلبة المدارس الدينية وبعض كبار رجال الدين.
ومما شجع على تحرك هذا التيار هو الشعور العام الذي ساد المجتمع الايراني بأن هناك تناقض أصبح بادياً للعيان بين الشاه ونظامه وبين الإدارة الأمريكية الديمقراطية الجديدة المتمثلة بشخص رئيس الولايات المتحدة الجديد جون كندي في بداية الستينيات. فالإدارة الجديدة في الولايات المتحدة، بما عرف عنها بتبنيها النزعة الليبرالية سواء في داخل البلاد او خارجها، كانت ترى في شكل الحكم الإستبدادي في إيران خطراً يهدد بإنهيار مواقعها في منطقة حساسة محاذية للإتحاد السوفييتي. ولذا بدأت الإدارة الأمريكية بالضغط على الشاه من أجل إحداث إصلاحات وتوفير حيز من الحريات في المجتمع الإيراني، الى حد تشجيع بعض الجنرالات الموالين للولايات المتحدة بل وحتى رموز دينية ليس لها نفوذ الى التحرك للاطاحة بحكم الشاه. وهكذا تلقى الشاه الرسالة واضطر إلى إعلان ما سمي آنذاك بثورة "الشاه والشعب"، التي لا تنطوي إلا على إصلاحات محدودة تعجل في نمو اسلوب الانتاج الرأسمالي في البلاد لصالح الطغمة الحاكمة ومريديها، ولا تؤدي إلى أية إصلاحات سياسية حقيقية كتأمين الحريات الديمقراطية وبناء المؤسسات الدستورية المنتخبة ووضع حد للإستبداد المقيت وشبكة المؤسسات القمعية الرهيبة في البلاد وأحداث عملية تنمية جذرية وحل القضية الزراعية والمشكلة القومية المستعصية. وشمل الإصلاح إعطاء المرأة قدراً من الحريات وإلغاء بعض القيود على حقوق المرأة والغاء تطبيقات دينية في الزواج "كزواج المتعة"، او ما يعرف في ايران "الصيغة"، على سبيل المثال، وهو اقرب الى "الزواج العرفي" الدارج في مصر. كما بادر الشاه إلى إجراء إصلاح زراعي محدود ومبتور يحد من ملكية الإقطاعيين وملاك الأراضي الكبار دون أن يعني نهاية الإقطاع في البلاد. فمسألة الأرض كانت من المسائل الإجتماعية المعقدة والحساسة خاصة بسبب شحة المياه، والتي تعكس أعلى أشكال الظلم الإجتماعي للفلاحين في إيران وهم الذين يشكلون الاغلبية في المجتمع الايراني. فقد كانت العائلة المالكة وكبار الإقطاعييون وكبار ملاك الأراضي يسيطرون على قرابة 85 % من أفضل الأراضي الصالحة للزراعة اضافة الى مصادر المياه. وسطت العائلة المالكة بعد تولي رضا شاه السلطة على أفضل الأراضي في مختلف المحافظات بعد أن تم قتل مالكيها السابقين من أفراد العائلة المالكة القاجارية السابقة والإقطاعيين وملاك الأراضي الموالين لهم. وقتها أشار "فوت" النائب في مجلس العموم البريطاني آنذاك إلى "إن رضا خان قام بتصفية جميع السراق وقطاع الطرق في إيران وأفهم أمته أنه منذ الآن سيبقى في إيران قاطع الطريق والسارق الأوحد و الوحيد على الأراضي الإيرانية"، ويقصد النائب البريطاني بذلك رضا شاه مؤسس السلسلة الشاهنشاهية البهلوية الجديدة.
نعود إلى الإصلاح الزراعي ونشير إلى أن ما طبق مس بشكل محدود بعض الأراضي العائدة لعائلة الشاه والمحيطين بها وحول مالكيها الى رأسماليين، غير أن هذا الاصلاح طال أعداداً من الملاكين الكبار الذين كانوا من الممولين الأساسيين لرجال الدين الكبار، وهو إجراء مقصود من قبل الشاه للحد من مصادر تمويل المؤسسة الدينية. إن هذا الاجراء أدى إلى نقمة قطاع من رجال الدين ضد الشاه وحكمه. ولعب نهج فرض قشور ومظاهر الثقافة الغربية والأمريكية على وجه الخصوص دوراً غير قليل في إثارة النقمة لدى التيار الديني على حكم الشاه. فالمجتمع الإيراني كان يعاني من سلبيات كثيرة ويعاني من الأمية والتخلف لا تحل بفرض قيم لا يهضمها المجتمع. لقد إتبع الشاه رضا شاه الأب نفس الإسلوب عندما فرض بالقوة ما سمي بالتحديث عبر رفع الحجاب بالقوة، تماماً كما يفض بعض المتطرفين عندنا الآن الحجاب بالقوة، وتقليد الألبسة الغربية وتنظيم حلقات اللهو الأوربية مقلداً بذلك ما فرضه الديكتاتور مصطفى أتاتورك على المجتمع التركي بعد هيمنته على السلطة في تركيا إثر انهيار الامبراطورية العثمانية. ولكن ما لبث الناس أن عادوا إلى لبس الحجاب بشكل أكثر من السابق بعدما تم إزاحة مؤسس السلسلة البهلوية رضا شاه إثر دخول القوات السوفييتية والبريطانية وبدعم عسكري ولوجستي من الولايات المتحدة الأمريكية إلى الأراضي الإيرانية في بداية الحرب العالمية الثانية، وذلك من أجل الإطاحة برضا شاه بسبب تعاطفه مع هتلر ونظامه والحيلولة دون وقوع إيران في قبضة دول المحور. ونصب الحلفاء محل الشاه المخلوع الذي نفي الى جنوب افريقيا ابنه الشاب محمد رضا بهلوي ليتربع على عرش الطاووس. وبذلك أنهارت دكتاتورية رضا خان في 25 من آب عام 1941 دون أن يدافع الجيش الإيراني ولا الشعب الإيراني عن الشاه المخلوع، بل واستقبل الشارع الايراني انهيار الاستبداد على يد الاجانب بترحاب ملحوظ. ولم يقاوم الإيرانيون "الغزو" الأجنبي لقناعتهم الفطرية بعدم وجود طريق آخر كي يتحرروا من نظام منبوذ وديكتاتورية دموية. وتشكلت حكومة ائتلاف وطني من غالبية التيارات السياسية بما فيها حزب توده ايران الذي اشغل ثلاث وزارات في حكومة قوام السلطنة. وهذا ما حدث ويحدث وسيحدث لاحقاً في حالات مماثلة عند الشعوب التي تعاني من نفس الظروف التي مر بها الشعب الايراني.
وإضافة الى ذلك لعبت سياسة الشاه محمد رضا بهلوي على النطاق الإقليمي دوراً في إثارة رجال الدين والجمهرة المتدينة والقوميين واليساريين في إيران. فالموقف الإيراني الرسمي الموالي لإسرائيل، التي إستولت على أراضي يقدسها المسلمون، ومناوءة الشاه للأنظمة العربية المعادية للغرب وخاصة نظام جمال عبد الناصر، الذي تتعاطف معه جمهرة المؤمنين والقوميين واليساريين في إيران، عمقت من مشاعر العداء لدى التيار الديني والتيارات المعارضة عموماً ضد الشاه وحكمه الفاسد.
وفي ظل تدهور الأوضاع الإجتماعية والإقتصادية، حدث أول أنفجار شعبي بقيادة التيار الديني السياسي المتشدد في الخامس من حزيران عام 1963 بعد سلسلة من الخطب التحريضية التي ألقاها روح الله الموسوي الخميني ضد الحكم وضد تبعيته للولايات المتحدة وتمتعها بنظام الافضلية وتحالفه مع إسرائيل، هذا إلى جانب فضحه للظروف الصعبة اليومية التي يعاني منها المواطنون الإيرانيون. وسيطر المعارضون من أنصار التيار الديني الأصولي على أجزاء من العاصمة ومدن أخرى. ولكن الجيش والأجهزة البوليسية قمعت بشدة هذه الحركة وأعدم وإعتقل الكثيرون من أنصارها ومؤيديها. وتم إعتقال روح الله الموسوي الخميني وحكم عليه بالإعدام ولكن لم يتم تنفيذ الحكم حيث سارع رجال الدين الكبار إلى منح الخميني لقب آية الله لتفادي إعدامه. فالدستور الإيراني ينص على تحريم الحكم بالاعدام على آيات الله، بعد تجربة اعدام آية الله فضل نوري على يد ثوار "المشروطة" الديمقراطية بسبب تعاونه مع الدوائر البريطانية للحد من اقامة اي حكم ديمقراطي دستوري وفرض حكم "المشروعة" وهو حكم الاستبداد الديني. وإتخذ الشاه قراراً بإبعاد آية الله الخميني إلى تركيا في منتصف عام 1963 . ثم أنتقل آية الله الخميني إلى العراق ليقيم منفياً في النجف الأشرف حتى عام 1978 وإثر إندلاع الثورة الإيرانية، حيث غادر العراق مكرهاً بسبب موقف صدام حسين المتعاطف مع الشاه وتعهده للاخير بإخراج الخميني من الاراضي العراقية.
لقد لاحظت عندما وصلت إلى طهران في نهاية عام 1963 حجم الصدام بين قوى القمع وبين المتظاهرين في منتصف عام 1963 من بقايا النشرات الدينية وصور أية الله الخميني وآثار طلقات الرصاص على جدران البيوت وخاصة في الأحياء الشعبية الجنوبية من العاصمة. كما كانت تردنا أخبار عن إستمرار التذمر ونشاط التيار الإسلامي رغم أعمال البطش التي قامت بها اجهزة القمع الإيرانية.
يتبع
* تكونت حركة "فدائيان اسلام" على يد شاب متعصب ايراني اسمه نواب صفوي. ولقد درس صفوي في المعهد الفني في طهران، ثم التحق بالمدارس الدينية وانضم الى تيار التطرف الديني. ومن اجل المزيد من استلهام التطرف الديني، سافر الى مصر والتقى بقادة حركة الاخوان المسلمين ورجال الدين المصريين وعلى رأسهم حسن البنا. وعندما رجع الى ايران وتزود بخبرة تطرف الاخوان المسلمين، الذين يمدون العالم منذ ذلك الوقت وحتى الآن بالمتطرفين، بدأ بتشكيل فرق ارهابية قامت بإغتيالات سياسية لم تقتصر على رموز السلطة بل وحتى المعارضة. وقد حكم لاحقاً بالاعدام ونفذ الحكم.[/b]
22  الحوار والراي الحر / المنبر السياسي / يوميات ايرانية 5 في: 14:38 14/06/2006
يوميات ايرانية  5
[/size]

عادل حبه

الشعب الايراني ونظام الشاه ومحنة العراقيين


كان هناك العديد من العراقيين الهاربين الموزعين في أماكن مختلفة من طهران والمدن الإيرانية. لقد بقي عدد منهم وقد لا يتجاوز الستين لاجئاً عند وصولي الى طهران  بعد أن لجأ الكثير منهم الى دول مجاورة او رجع الى العراق. ومن اللافت للنظر ان عدداً غير قليل من هؤلاء العراقيين كانوا يقيمون في بيوت عوائل ايرانية إستضافتهم تعاطفاً واحتضاناً لهم لعلمها بما جرى في العراق من مآسي وانتهاكات. ومن أجل إبعاد الأخطار عنهم فضلت أن يوكل الإتصال بهم برفيق أرمني، لا يحضرني أسمه، هرب هو الآخر من العراق وإستقر عند قريب له يعمل ميكانيكي للسيارات في جنوب العاصمة الإيرانية. وبالفعل تم تنظيم الصلة مع الجميع دون أن يتعرف أحد على مهمة الآخر تفادياً لعواقب غير محسوبة. ولم يتم تكليف هذا الرفيق الارمني بعمل آخر سوى الإحتفاظ بهذه الصلات.
شرع الطاقم في طهران بعمله في ظل ظروف صعبة. فالمخابرات الإيرانية (الساواك) وأجهزة الامن الايرانية الاخرى كانت بالمرصاد للهاربين من جحيم إنقلابيي شباط، ولم يكن نجاح هذا الإنقلاب بمعزل عن فعالية هذا الجهاز وموقف سلطة الشاه ومن التطورات في العراق اثر ثورة تموز عام 1958. فقد كان حكم الشاه من أشد المرحبين بعملية 8 شباط الإنقلابية. وقام الساواك بإفتعال تنظيمات وهمية بإسم حزب توده إيران للإيقاع بالشيوعيين والديمقراطيين العراقيين المتوجهين إلى إيران وإصطيادهم. وهكذا وقع في قبضة الساواك المئات من العراقيين وأودعوا السجون الإيرانية ثم جرى تسليم غالبيتهم إلى السلطات العراقية ومنهم الشخصية الوطنية فريد الأحمر والشاعر المبدع مظفر النواب وغيرهم من العناصر الديمقراطية والشيوعية. وإستطاع العشرات أيضاً وبمساعدة من تنظيم حزب توده التسلل إلى الأراضي السوفييتية عبر الحدود مع ايران. كما إن البعض ممن بادر بالتوجه إلى الإتحاد السوفييتي عبر بحر الخزر لاقوا حتفهم في البحر جراء الأعاصير التي عصفت بقواربهم. ومن الجدير بالذكر إن بعض تنظيمات المعارضة الإيرانية، إدراكاً منها لطبيعة الإنقلاب، قدمت مساعدات خيرة لإيواء الهاربين ومنهم حزب "ملت إيران"، وهو حزب قومي واحد اطراف الجبهة الوطنية التي تزعمها الوطني الراحل الدكتور محمد مصدق، بزعامة الشهيد داريوش فروهر (الذي قطع ارباً ارباً هو وزوجته قبل سنوات على يد عملاء السلطة الدينية المتشددة الحاكمة الآن في ايران). إن هذه الشخصية لم تكن تبدي الود لليسار عموماً، إلا أن موقف إيران الرسمي المرحب بالإنقلاب كان له أثر في التعاطف مع اللاجئين وإيواء الهاربين العراقيين من قبل جهات سياسية وعوائل ايرانية بعيدة عن السياسة. وقام بعض العراقيين ممن كانوا قد لجأوا الى ايران في فترات سابقة ومنهم المرحوم الدكتور جعفر محمد كريم، طبيب الاعصاب المعروف وشقيق الشخصية السياسية العراقية الكوردية الفيلية حبيب محمد كريم، الذي كان قد فر من العراق عام 1949 واستقر في ايران، بتقديم المساعدة للعراقيين ايضاً. ومن باب الحرص على شخصيات عراقية أخرى مازالت على قيد الحياة وتجنيبها عسف السلطة الحالية في ايران، فإنني اتحفظ بالاشارة الى أسماء شخصيات خيرة منها. وقامت عوائل إيرانية عربية منها أو فارسية أو أذربايجانية بتقديم المساعدة للهاربين وإيوائهم وإحتضانهم. لقد حدثني أحد الرفاق أنه بينما كان متجهاً بالقطار من مدينة الأهواز إلى العاصمة طهران تعرف على عائلة إيرانية وهي التي عرفت بحالته وحاجته إلى من يأويه. وهكذا إختبأ هذا الرفيق لعدة أشهر في بيت هذه العائلة دون معرفة مسبقة لحين رجوعه سراً إلى العراق بعد اشهر. إن أحد أسباب هذا التعاطف والتضامن يعود إلى أن العرب الإيرانيين وعموم الشعب الإيراني يحتفضون بمشاعر التعاطف والود تجاه عبد الكريم قاسم والقوى الديمقراطية العراقية خلافاً لموقف النظام الشاهنشاهي في إيران. وإعتبر هؤلاء إن الهاربين هم من أنصار الشهيد عبد الكريم قاسم ولذا قاموا بإحتضانهم ودرء الأخطار عنهم.
بعد فترة قصيرة من إلتئام طاقم العمل شرعنا بالإتصال بالهاربين الذين لم يتعرضوا إلى شباك المطاردة والإعتقال من قبل جهاز الساواك والأجهزة البوليسية الإيرانية. وتسنى لنا، كما اشرت آنفاً، مد رباط الصلة مع أكثرمن 70 عراقياً من الشيوعيين ومن المطاردين والهاربين من جحيم الإنقلاب. وفي أثناء ذلك إستمر العمل على تهريب العراقيين عبر مدينة أسترا الإيرانية الحدودية أو الثغرات الحدودية الاخرى إلى الأراضي السوفييتية. وفي نفس الوقت عملنا على استقبال الرفاق القادمين من الخارج ضمن خطة إعادة بناء الحزب ثم تسريبهم عبر الحدود العراقية الإيرانية إلى البصرة أو بغداد. وكنا على إتصال مع قيادة الحزب في الخارج حيث كنا نستلم التوجيهات الحزبية ونرسلها إلى العراق. وفي أثناء ذلك قطعنا الصلة مع تنظيم حزب توده إيران في داخل إيران لكي يتم تفادي أية عواقب سلبية بالنسبة لنا جراء المطاردات المستمرة للمخابرات الإيرانية والبوليس الإيراني  لنشطاء هذا الحزب. وإضافة إلى ذلك فقد شعرت قيادة الحزب الشيوعي العراقي بوجود إندساس للمخابرات الإيرانية داخل تنظيم حزب توده إيران في الداخل وارسلت لنا تحذيراً حول ذلك.
وبدأت عملية المراسلة مع تنظيمات الداخل تتخذ طابع الإنتظام والإستمرارية مما سهل الحصول على معلومات مرعبة عن ما أحدثه إنقلاب شباط من آثار مدمرة في المجتمع العراقي. وكنا نصغي إلى ما نرسله من معلومات عبر راديو صوت الشعب العراقي الذي كان يبث من الأراضي البلغارية. كانت هذه المحطة تبث برامج خاصة بحزب توده إيران قبل إنقلاب شباط. الا انه وبعد الإنقلاب مباشرة بادر الشهيد حسن قزلجي، الشخصية القيادية في حزب توده ايران، إلى الإعلان عن إذاعة "صوت الشعب العراقي" بلغة عربية ذات لكنة كردية. وشاركنا حزب توده في البث الاذاعي.
ولا بد لي هنا من التوقف عند  شخصية قزلجي الفريدة. فالشهيد حسن قزلجي وهو كردي إيراني وأحد كوادر حزب توده ومن ولادة مدينة بوكان الواقعة في كردستان إيران في عام 1914. ساهم بهمة في النشاط السياسي ضد إستبداد رضا خان والدفاع عن حقوق الشعب الكوردي في ايران. وبعد سقوط رضا شاه في بداية الأربعينيات إثر غزو ايران من قبل القوات البريطانية والسوفييتية والامريكية، أسس مع مجموعة من رفاقه حزب كومله الذي كان حزباً قومياً كوردياً معادياً للفاشية. وقد إنضم إلى هذا الحزب لاحقاً القاضي محمد زعيم جمهورية مهاباد التي اعلنت في عام 1945 واطيح بها في عام 1946. ثم تطور الحزب ليطلق عليه لاحقاً إسم الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني. وكان قزلجي أحد مؤسسي الحزب ومن قيادييه. ولكن بعد إنهيار جمهورية مهاباد هرب قزلجي إلى العراق. وقام هناك بإصدار جريدة "ريكاي". وبقي مختفياً في العراق وعمل في المطاعم والمقاهي وفي زراعة التبغ وماسح للأحذية ومصور في مدن كردستان العراق المختلفة وذلك لإمرار قوته اليومي. وكان على صلة بفرع الحزب الشيوعي العراقي في كردستان العراق وبأحزاب قومية كردية. ولكن مالبث أن أعتقل وحكم عليه بالسجن في العهد الملكي في العراق، وهناك تعرف أكثر على بعض قادة الحزب الشيوعي العراقي. تحرر قزلجي من القيد بعد ثورة تموز عام 1958 في العراق. وعمل بعد ذلك في الصحافة الشيوعية العراقية الكوردية ثم غادر العراق إلى بلغاريا ليساهم في هيئة تحرير راديو حزب توده ايران، راديو "بيك إيران" في القسم الكردي، والذي أغلق من قبل السلطات البلغارية في السبعينيات بعد ضغوط من قبل سلطات الشاه. وبعد إنتصار الثورة الإيرانية عام 1979، رجع حسن قزلجي إلى إيران وأصبح مسؤول الطبعة الكردية لجريدة مردم الناطقة بإسم حزب توده إيران. وكان في نفس الوقت عضواً في اللجنة المركزية لحزب توده إيران. ويعتبر قزلجي ضليعاً ومرجعاً في اللغة الكردية والأدب الكردي وتاريخ الكورد اضافة الى تعمقه باللغات الفارسية والعربية والآذرية. وبعد حملة النظام الديني المتعصب الحالي على الحركات السياسية في منتصف الثمانينيات، أعتقل قزلجي مع الآلاف من منتسبي هذه الأحزاب ثم إستشهد تحت التعذيب في أيلول عام 1984 بعد حملة التصفيات المعروفة التي طالت الآلاف من السياسيين الإيرانيين من مختلف الإتجاهات في السجون الايرانية. ولم يرحم "أدعياء الدين" هذا الرجل الكهل الذي بلغ العقد السابع من عمره ولم يحترموا تاريخه النضالي واجهزوا عليه.
أعود إلى قصتنا، فقد بدأ الحزب الشيوعي العراقي يتقاسم أوقات البث مع الحزب الشقيق ولعب الشهيد قزلجي دوراً كبيراً خلال تلك المحنة التي أصابت الحزب الشيوعي العراقي. لقد كنا نستلم العديد من الرسائل المشفرة عبر هذه المحطة الإذاعية وهي تتضمن التوجيهات الخاصة بالعمل. وكنا ايضاً نرسل الى الاذاعة جميع الاخبار والرسائل القادمة من الوطن. ومن اللافت للنظر إن تلك الرسائل كانت تعكس روح التحدي لدى الشعب العراقي ضد الإنقلابيين رغم الجراح العميقة التي سببها هذا الإنقلاب. فلقد كنا نستلم من داخل العراق مئات البيانات التحريضية المكتوبة بخط اليد والمستنسخة بورق الكاربون لأفراد بسطاء من أبناء الشعب. إن نظرة سريعة على نصوص هذه النشرات تشير إلى أن محرريها هم أناس من عامة الشعب وتعوزهم مهارة التحرير رغم أن ماتتضمنه هذه المنشورات تتحدث عن كوارث حقيقية قام بها الإنقلابيين وتتضمن كذلك مطاليب وشعارات قريبة من الواقع، إضافة إلى الإصرار والعزيمة على إزالة هذا الكابوس البشع عن كاهل العراقيين.  كان النجاح في الجهد الذي نؤديه حافزاً كبيراً لنا على المضي قدماً في تطوير العمل. فقد رحنا نتصل بالهاربين إلى الدول المجاورة، وبالذات الكويت لرفد الحزب بطاقات بشرية ومادية إضافية. وهكذا بدأت تصل مساعدات ومعدات طباعة بشكل سري عبر الصحراء الفاصلة بين الكويت والعراق. وقام البعض منهم بتحميل قوافل من الجمال بأجهزة طباعية ومعدات أخرى ضرورية لديمومة نشاط الحزب وإحيائه واستعادة عافيته.
بالطبع لم تكن الأجواء السياسية في إيران مناسبة لنشاطنا. فقد كانت الأجهزة الأمنية حساسة تجاه الشيوعيين العراقيين بسبب العلاقة التي تمتد إلى عقود مديدة بين الحزب الشيوعي العراقي وحزب توده إيران، إذ كان حزب توده إيران السباق إلى دعم الحزب الشيوعي العراقي في فترة مابعد الحرب العالمية الثانية عندما تسنى لحزب توده إيران العمل بشكل علني. كما أن هذا الحزب الشقيق كان السباق إلى تقديم العون للحزب الشيوعي العراقي بعد موجة الإعدامات التي طالت غالبية قادة الحزب وكوادره وفي المقدمة منهم يوسف سلمان يوسف (فهد) عام 1949، وزج من بقي منهم على قيد الحياة في غياهب السجون. فبعد هذه الحملة قام حزب توده إيران بتوفير ما يمكن من الأجهزة الطباعية وتسهيل إنتقال الهاربين وتوفير إقامة لهم في إيران. وكان من بينهم الشهيد محمد حسين أبو العيس أحد قادة الحزب الذي غدر به إنقلابيو شباط عام 1963. كما إن أجهزة الأمن الإيرانية كانت على علم تماماً بالدعم الذي يقدمه الحزب الشيوعي العراقي لحزب توده إيران أيام المحن والملاحقة التي تعرض لها الحزب الشقيق بعد الانقلاب الذي دبرته وكالة المخابرات المركزية الامريكية ضد حكومة الدكتور محمد مصدق الشرعية. فبعد ثورة تموز عام 1958 وفر الحزب الشيوعي العراقي كل الظروف لقادة حزب توده إيران ونشطائه لكي يتمكنوا من إعادة بناء حزبهم في داخل ايران. فقد تعرض الحزب إلى موجة عارمة من الإعدامات والتصفيات لقادة الحزب ومنهم الضابط الاسطوري ومسؤول تنظيم الضباط خسرو روزبه. وقام الحزب الشيوعي العراقي بإستضافة سكرتير حزب توده رضا رادمنش في مقر له في مدينة البصرة والذي بقي في العراق حتى بعد إنقلاب شباط 1963، ثم تنكر وتسلل إلى كردستان العراق وإستطاع  الخروج منها والإفلات من شر إنقلابيي 8 شباط.
 ويلقي شاعرنا الكبير محمد مهدي الجواهري ضوءاً على هذه العلاقة بين الحركة الوطنية والديمقراطية العراقية وحزب توده إيران في شعر تحت عنوان "إلى الوفد الرياضي الإيراني"، وذلك أثناء زيارة الوفد الرياضي الإيراني التابع لحزب توده في نيسان عام 1946، حيث قال :
   
      أهلاً بكم رمز الشباب ومرحبــا      المُطلعين من "الفتوة" كوكبــــــــــا
      الحاملـين من "النضال"لواءه      والناهجين به الطريق الألحبــــــــــــا
      والناشرين من الأخوة مذهبــا ً     هو خير ما أرتضت به الشرائع مذهبـا
      يا من أعين "قديمنا" بقديمهم     و " حديثنا " بحديثهم فتأشبـــــــــــا
      وتسلسل التاريخ فيما بيننــــا       متقاسمين " أمرَّه " و " الأعذبــــــا"
      إنَّا وأنتم –والتوجُّع واحـد-          ليزيدنا المستعمرون تقرُّبــــــــــــــــا
      ليزيدنا الألم الدفين تمسكـا          ليزيدنا صهر الخطوب تصلُّبـــــــــــــا
   
وكان هناك عامل آخر يضع الصعوبات أمامنا تتحدد في الأجواء المتوترة في إيران والتي واكبت الفترة التي عملنا فيها. فقد برز على الساحة الإيرانية طرف معارض جديد ألا وهو التيارالديني الذي يتزعم السيد روح الله الموسوي الخميني أبرز فصائله، والذي لم ينل آنذاك منزلة "آية الله". فبعد الإنقلاب الذي أطاح بالدكتور مصدق عام 1952، وجه الإنقلابيون جل جبروتهم وعسفهم وتصفياتهم الجسدية والسجون ضد اليسار الإيراني وفي المقدمة منه حزب توده إيران، مما إضطر من تبقى من قادة الحزب إلى الهجرة إلى الدول الإشتراكية. كما قام الإنقلابيون بحملة شرسة ضد التيار الوطني والقومي والليبرالي الموالي للدكتور مصدق. وهكذا ضمت السجون والمعتقلات الإيرانية أنصار هذين التيارين فقط حتى بداية الستينيات عندما شرع الشاه بما يسمى بثورته "البيضاء" وثورة "الشاه والشعب".

يتبع[/b]
23  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / يوميات ايرانية ( 4 )بدايات العمل في: 03:04 07/06/2006
يوميات ايرانية ( 4 )
عادل حبه
بدايات العمل

بعد ساعة جاء الخال من مقر عمله ورحب بي بحرارة، إذ كنا قد إلتقينا قبلئذ بضع مرات في بغداد. وكان أثناء مكوثه في بغداد يستمتع بالذهاب إلى "الجراديغ" التي كانت تنصب على الجزر في وسط دجلة أثناء فترة الصيهود، أي في فترة الصيف وإنحسار فيضانات دجلة. كان الخال رحمه الله شخصية ممتعة ودافئة وكريمة. فرغم بعده عن بلده العراق قرابة نصف قرن الا أنه ظل مشدوداً للتقاليد البغدادية القديمة وحافظ على لهجة البغداديين في بداية القرن العشرين. وكان لا ينسى كأي بغدادي أن يطلب جلب السمك ونحن في "الجزرة" في وسط دجلة لنقوم بشوائه (سكفه) على الطريقة البغدادية. وتلبية لطلبه كنا نذهب إلى مسناة الرصافة–مرسى الزوارق–الواقعة بالقرب من المدرسة المستنصرية الأثرية العريقة، ونشتري "خيطاً" يحوي إثني عشر سمكة أو أكثر. وأتولى أنا النزول إلى دجلة ماسكاً بخيط السمك ومنحدراً مع تيار الماء صوب الجنوب حيث توجد "الجزرات" و"الجراديغ" هناك في منطقة الكرادة الشرقية ومقابل كرادة مريم وشارع أبو نؤاس. كان الخال لا يكف عن طلب السمك فهو غذائه المحبب الذي يربطه بذكريات صباه في بغداد حيث كان بيت جدي المرحوم الحاج محسن الصفار يقع على شاطئ دجلة الساحر في منطقة الشواكة قرب السفارة البريطانية.
بعد الجواب على الكثير من أستفساراته وما صحبها من استغرابه وترحيبه في نفس الوقت لقدومي الى طهران، أصر الخال وعرض علي الإنتقال إلى بيته الذي يسكن فيه مع أبنه وبناته الخمس وزوجته الإيرانية وعدم البقاء في الفندق. وما كان علي ألا القبول، ولو مؤقتاً، بعرضه خاصة وإن مهمتي كانت تفرض علي التعرف على المدينة بشكل أكثر وفي مكان أمين وبعيداً عن عيون رجال الأمن الإيراني الذين يكثر تواجدهم في الأماكن العامة وخاصة الفنادق. وهكذا إنتقلت إلى بيته حيث إنفردت بغرفة صغيرة في الطابق الثاني من البيت إلى حين تدبير أمري وأقوم بتأجير مسكن أمين بعيداً عن أعين رجال الأمن ورجال الساواك. وللتمويه كنت أخرج معه صباحاً أما بحجة البحث عن عمل أو مرافقته إلى محل عمله وهو مخزن لبيع الأدوات الإحتياطية للسيارات في قلب طهران العاصمة الإيرانية وفي محلة شعبية وصناعية كانت تعرف بـ "جراغ برق"، اي "المصباح الكهربائي"، قرب مركز المدينة المعروف بأسم "ميدان طوبخانة"، اي "ساحة المدفعية"، والتي أصبحت تعرف بعد الثورة بـ "ميدان الخميني". كنت أجلس في محل الخال وأنا أراقب المارة والمشترين الذين يترددون على المحل وأحاول أن أفهم ما يدور من حديث وتعامل بين الخال وهؤلاء الزبائن. وبالنظر لأصول الخال العراقية فقد كان يتردد على المحل على الدوام بعض العراقيين والعرب وعدد من اليهود العراقيين الذين فضلوا الهجرة إلى إيران بدلاً من اللجوء إلى إسرائيل. وكان من بينهم شخص يهودي عراقي صديق لوالدي وإسمه "ألياهو بخاش"، الذي كان يعمل "وكيل إخراج" في الكمارك العراقية في شارع الرشيد في بداية الخمسينيات. وقد كان أول عملي، وأنا صبي يافع في الثانية عشر من العمر، عند هذا الشخص الطيب الذي يحب العراق والعراقيين ويحن إلى بلده الذي هجره مكرهاً. أتذكر انني إستلمت منه أول أجرة في حياتي في بداية الخمسينيات وكانت تبلغ خمسة دنانير في الشهر، وإشتريت بهذا المبلغ مكتبة مازالت موجودة في بيتنا ولحد الآن. وبقيت أشتغل عنده طيلة فترة عدة عطل صيفية متوالية. لقد عرفني هذا الانسان رغم مرور كل هذه السنوات الطوال. إقترب مني في أحدى زياراته لمحل الخال وهمس في إذني سائلاً فيما لو كنت هارباً من إنقلابيي شباط ؟ وهل إنني بحاجة إلى مساعدة؟ إرتبكت قليلاً للوهلة الأولى ولكنني تظاهرت بالدهشة من سؤاله ونفيت أن يكون لي أية علاقة بالسياسة وكوارثها !!!. ومن الذين كان يتردد على محل الخال وبشكل دائب عراقي كهل تبين أنه من أهالي الموصل الحدباء، وكان ضابطاً في الجيش العراقي وكان محافظاً على لهجته المصلاوية اللطيفة. وللأسف تخونني الذاكرة الآن ولا أستطيع إستذكار إسمه. لقد هرب هذا الضابط، وكان ذي نزعة قومية عربية، من العراق إلى إيران بعد إنهيار ما تعرف بحركة رشيد عالي الكيلاني ومربع العقداء الذهبي في أيار عام 1941. وإختبأ في طهران وتزوج من فتاة إيرانية ثم إستقر في إيران بعد أن حصل بعد فترة على جنسيتها. سألته ذات مرة لماذا لا يعود إلىالعراق؟ فأجابني بلهجة موصلية محببة:" لقد فات القطار...ولا أريد أن أخوض تجربة جديدة مرة أخرى، وإن قدري أن أفارق الحياة وأدفن بعيداً عن تراب وطني"..... وتأوه بعمق وبمرارة.
ولكي أتدبر أموري في إيران كان علي الإهتمام بتعلم اللغة الفارسية. وساعدنني في ذلك بنات خالي في أثناء ساعات فراغهن من العمل أو الدراسة. ورحت أحاول قراءة الصحافة اليومية الإيرانية بهدف زيادة معرفتي باللغة. ومما ساعد إلى حد كبير على تحسن لغتي بسرعة نسبياً هو أن الأحرف الفارسية هي نفسها الأحرف العربية، وإن حوالي 40% أو اكثر من المفردات الفارسية هي أما كلمات عربية أو مشتقة منها، اضافة الى وجود الكثير من المفردات الفارسية التي نتداولها يومياً في لغتنا المحلية العراقية. ويبقى الخلاف بين اللغتين العربية والفارسية مقتصراً على نحو اللغتين وقواعدهما اللذين يختلفان جذرياً. أما المهمة الثانية التي كانت تواجهني فهي تنظيم الصلة مع العراقيين الذين فروا بأعداد كبيرة إلي إيران هرباً من بطش إنقلابيي شباط والعمل على تهريب البعض منهم إلى الإتحاد السوفييتي عبر الحدود الشمالية لإيران خاصة ممن كان مصاباً أثناء التعذيب أو مريضاً. وعلاوة على ذلك كان علي مهمة تنظيم الصلة ومد الجسور مع من تبقى من كوادر الهياكل التنظيمية للحزب في كل من بغداد والبصرة وكردستان وربطهما بالمركز القيادي للحزب في الخارج. وتندرج في إطار هذه المهمة أيضاً مسؤولية إيصال الكوادر الحزبية الموجودة في الخارج إلى داخل العراق وتهريبهم عبر الحدود العراقية الإيرانية.
لقد تم ترتيب ذلك قبيل سفري إلى إيران حيث كان من المقرر أن يتم اللقاء مع مسؤول التنظيم الحزبي للشيوعيين اللاجئين إلى إيران بمساعدة من موظف في السفارة الجيكوسلوفاكية في طهران. تم اللقاء مع الموظف التشيكوسلوفاكي في تاريخ محدد حسبما هو مقرر سلفاً في أحد فنادق الدرجة الأولى في طهران وهو فندق "رويال بارك" في الجزء الشمالي من المدينة، وضمن إشارة محددة. وتم الإتفاق على تحديد لقاء أخر بعد أيام في أحد شوارع طهران لتنظيم الصلة بمسؤول الرفاق اللاجئين الى ايران.
وبالفعل تمت الصلة وجرى لقاء حميم و طويل مع الرفيق المذكور وهو المرحوم محمد حسن مبارك الذي يكنى بأبي هشام، والذي عمل بعد ذلك في منظمة المنطقة الجنوبية ثم الفرات الأوسط واصبح عضواً مرشحاً في اللجنة المركزية في المؤتمر الثالث عام 1976، وإختفى أي أثر له في عام 1979 بعد هجوم الحكم البعثي على الحزب. "بعد سقوط النظام الدكتاتورى، وبعد حوالي ربع قرن من إنقطاع أخبار الرفيق أبي هشام عنا، التقت عائلته بالرفيق سامي عبد الرزاق وذلك في آب 2003. وعلم منها بأن الرفيق أصيب بفايروس الكبد القاتل، فحفر قبراً له في بيته كي يدفن فيه بعد موته. ولكن إبنه لم يدفنه في البيت، بل دفنه سرا بمساعدة صديق له في وادي السلام، وذلك عام 2001. ولم يكن الفقيد يخرج من البيت وكان شغله الشاغل هو سماع الراديو." * . إتفقنا والمرحوم محمد حسن مبارك على اللقاء مرة أخرى في بيت خربة في أحدى المناطق الجنوبية الفقيرة في طهران والذي لا نتحمل دفع أي إيجار مقابل المكوث فيه. كان من المقرر أن أستلم المهمة من الرفيق المذكور بعد ان تقرر أن يعود إلى مدينة البصرة في العراق لإعادة بناء تنظيم المنطقة الجنوبية.
بعد هذا اللقاء بعدة أيام تعرفت على عدد من الرفاق الذين تتحدد مهمتهم في تأمين الصلة مع تنظيم المنطقة الجنوبية في البصرة إضافة إلى آخرين ومهمتهم تأمين العمل في طهران والمناطق المحاذية للإتحاد السوفييتي لتأمين وصول الذين يغادرون العراق ويلجأون إلى الإتحاد السوفييتي وذلك بمساعدة من عناصر من منظمة طهران التابعة لحزب توده إيران. وشخص لمهمة المراسة مع البصرة إثنان من رفاق ما تبقى من تنظيم مدينة البصرة وهم كاظم غنتاب المالكي و محمد الحمداني. كانت مهمة هذين الرفيقين التسلل إلى البصرة عبر موقع الشلامجة الحدودي والمناطق التي يسلكها المهربون بعيداً عن أنظار حرس الحدود الإيراني والعراقي. ويتولى الرفيقان مهمة نقل ما يحتاجه تنظيم البصرة من أجهزة طباعية وتجهيزات ضرورية للتنظيم السري اضافة الى الرسائل الواردة من المركز. وبالنظر إلى ضياع كل تجهيزات الحزب أثناء الإنقلاب فقد ساهم رفاق حزب توده إيران بتزويدنا بأجهزة إستنساخ خشبية بسيطة لتأمين إستمرار طباعة النشرات الحزبية. وتولى الرفيقان كاظم و محمد أيضاً نقل الكوادر الحزبية الموجودة في الخارج إلى داخل العراق، إضافة إلى نقل البريد الحزبي من قيادة الحزب في الخارج إلى الداخل وإستلام بريد الداخل لكي يتم إيصاله إلى الخارج. كان هذان الرفيقان يؤديان مهمتهما بنكران ذات في ظل مخاطر جدية سواء من قبل الأمن الإيراني أو الأمن العراقي.
كان كاظم يعمل كصاحب متجر صغير لبيع الأدوات المنزلية في حي الجمهورية في البصرة. وإضطر الرفيق كاظم للهروب إلى إيران بعد إنقلاب شباط، ولكنه سرعان ما إستطاع تنظيم الصلة مع رفاق حزب توده إيران الذين تعرف على البعض منهم عند ترددهم على مدينة البصرة كضيوف على الحزب الشيوعي العراقي بعد ثورة 14 تموز ولحين إنقلاب شباط. وكان بيت كاظم مضيفاً لرفاق حزب توده الوافدين إلى البصرة بهدف التسلل إلى الأراضي الإيرانية. وكان رضا رادمنش سكرتير حزب توده إيران في تلك الفترة من بين الذين إستضافهم الرفيق كاظم في بيته. وكان هذا الرفيق على صلة بشبكة حزب توده إيران في طهران والتي كانت تساعدنا على تسريب العراقيين إلى الأراضي السوفييتية عبر الحدود الشمالية الإيرانية. ويتمتع كاظم بخبرة وبقدرة فائقة على التسلل عبر الحدود حتى في فترات العهد الملكي والعهد الجمهوري وذلك للتبضع والأستمتاع بمدن عبادان والمحمرة (خرمشهر) التي تسكنها غالبية عربية لها أواصر من القرابة والترابط العائلي مع أهالي البصرة ولديها تقاليد ولهجة مشابهة لتقاليد ولهجة البصريين. لقد إضطر هذا الرجل إلى مفارقة عائلته وأولاده الذين يتعلق بهم بشدة بعد انقلاب شباط، وهذا ما كان يؤرقه وكان ينفجر غضباً في بعض الأحيان لإبتعاده عن فلذات أكباده وعائلته. ظلت هذه العائلة الطيبة تقدم الخدمات للحزب في أحلك الظروف التي مر بها الحزب بعد إنقلاب شباط عام 1963.
أما الرفيق الثاني الذي كان يساعده في مهمته فهو محمد الحمداني، وهو الآخر أيضاً من أهالي البصرة وينحدر من عائلة كادحة. وكان يعمل ميكانيكياً في أحدى الورشات الميكانيكية في عاصمة الجنوب. ولجأ أحياناً إلى العمل كسائق تاكسي لسد أفواه أفراد عائلته الكبيرة المكونة من سبعة أفراد. كان محمد رجلاً بسيطاً طيب القلب باسم الوجه ومرحاً ومحباً للغناء والحياة إلى أبعد الحدود. ولم تتوفر له الفرصة للتعليم والدراسة في صباه وبقي أمياً حتى تلك الفترة. ظل هذا الطاقم يقوم بنقل البريد الحزبي وإحتياجات المنطقة الجنوبية بجد ونشاط رغم الصعوبات الجمة التي تحيط بالعمل سواء على الأراضي العراقية أو الإيرانية. كما شرع هذا الطاقم بتسريب الكوادر الحزبية الموجودة في الخارج إلى داخل العراق. وتمرس هذان الرفيقان في دراسة الثغرات الموجودة على الحدود وخاصة منطقة الشلامجه الحدودية التي تعد أفضل ممر للتسلل إلى الأراضي العراقية والعودة إلى إيران .
أما في طهران فكان يساعد في إنجاز الأعمال اليومية شاباً من أبناء النجف هو سعيد المسعودي، وهو أخ الإقتصادي المعروف مجيد المسعودي والفنان حسن المسعودي. وقد هرب سعيد بعد ردة شباط إلى إيران لتفادي البطش. وبعد معرفتي به وحديثي معه تبين إنه يمت ايضاً لي بصلة قرابة. كان سعيد قد إتقن الفارسية بسرعة وراح يقوم بدور مترجمنا الرئيسي في طهران رغم بعض المطبات المثيرة للتندر والاحراج احياناً والناتجة من عدم اتقانه التام للغة الفارسية. وتعلم سعيد كيفية التعامل مع الإيرانيين وتعرف على طباعهم وكأنه واحداً منهم. كان سعيد شاب طيب القلب كريم النفس ولم يتوانى عن أداء المهمات المعقدة التي واجهتنا في طهران.
وفي وقت لاحق إنضم إلى طاقمنا رفيق أخر فريد في تاريخه وقدراته. إنه المرحوم محمد حسن عيدان، أبو ثائر، او كاكا احمدي طبقاً للجنسية الايرانية المزورة التي حصل عليها من محافظة إيلام الايرانية بواسطة اقرباء له. لقد وقعت على عاتق ابو ثائر مسؤولية تنظيم الصلة مع من تبقى من كوادر تنظيمات بغداد من خلال عبوره جبال "بشت كوه" على الحدود الإيرانية العراقية في محافظة الكوت. ينحدر محمد حسن عيدان من أب عربي وأم كردية فيلية منحدرة من جبال بشتكوه الإيرانية. وقد ترعرع في أحضان العشائر الفيلية وتطبع بعاداتها وتقاليدها ولغتها، وكانت لغته العربية تمتزج بلكنة كردية واضحة. إنضم إلى الحزب بمحض الصدفة فقد كان معتقلاً في سجن الكوت في عقد الأربعينيات بتهمة تجارة الشاي غير المشروعة عبر الحدود مع إيران. وفي السجن إحتك بالسجناء الشيوعيين وإلتحق بصفوف الحزب. كانت لهذا الرجل الشهم الكريم الأبي غريزة التنبؤ بالاحداث السياسية، ولهذا ورغم عدم اتقانه القراءة والكتابة الا انه كان يناقش الأوضاع السياسية ببراعة تلفت النظر بسبب إحتكاكه بالعديد من قادة وكوادر الحزب الشيوعي وعمله في جريدة اتحاد الشعب. في الخمسينيات وفي العهد الملكي، ساهم ابو ثائر في مساعدة السجناء الشيوعيين على الهرب من سجن الكوت بعد أن حفروا نفقاً تحت الأرض في السجن. وقدم مساعدات جمة للحزب في العهد الملكي في الخمسينيات. وبعد ثورة تموز عام 1958عمل مرافقاً لحماية قادة الحزب و أصبح مرافقاً لعزيز الحاج أحد قادة الحزب في تلك الفترة. وإثر إنقلاب شباط هرب إلى أقرباء له في منطقة أيلام الإيرانية في جبال بشتكوه ثم عاود الإتصال بالحزب لاحقاً.

يتبع
--------------------------------------------------------------------------------
* مقتطف من مذكرات الرفيق جاسم الحلوائي "القمع الوحشي" على المواقع الالكترونية العراقية[/b][/size][/font]

24  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / يوميات ايرانية ( 3 ) في: 00:16 31/05/2006
يوميات ايرانية ( 3 )
عادل حبه
التوجه نحو العاصمة طهران

غيرت نكبة شباط 1963 أولويات المواطن العراقي ونمط حياته وإهتماماته ومستقبله. وكان لابد أن يؤثر هذا الحدث المروع على الحزب الشيوعي بشكل مضاعف. فبعد الابادة التي طالت قادة الحزب وكوادره واعضائه، راح من تبقى من قادة الحزب وكوادره في الخارج بالعمل على إعادة بناء الحزب واقامة الصلة مع من فلت من طاحونة الموت في الداخل. في صيف عام 1963 أنهيت دراستي في أكاديمية العلوم الاجتماعية- المدرسة الحزبية العليا، وكنت على أتم الإستعداد للمشاركة في العمل مهما كان متواضعاً من أجل إعادة بناء الحزب وتضميد جراحه. وقع علي الخيار للتوجه مع إثنين آخرين من أعضاء الحزب كدفعة اولى إلى إيران لجعلها محطة لعودة كوادر الحزب إلى العراق ومنفذ لعلاج وإنقاذ من تعرض للإرهاب على يد الإنقلابيين، أو ممن إضطر إلى الهروب إلى الأراضي الإيرانية. ومن بين الرفاق الثلاثة الذين وقع عليهم الخيار بالتوجه إلى إيران هم كل من بهاء الدين نوري الذي كان يدرس معنا ولم ينهي دراسته بسبب مرضه. وأما الآخر فهو فرج محمود، السجين السابق في العهد الملكي وطالب الدراسات العليا في الكيمياء في احد معاهد موسكو آنذاك وأنا.
وهكذا خطوت خطوة اخرى بإتجاه الاقتراب من ايران والأحداث الأيرانية بدون تخطيط مسبق لذلك. وبالفعل ففي بداية أيلول عام 1963 ابلغت بالاستعداد للسفر ومعي بهاء الدين نوري إلى براغ، العاصمة التشيكية، كمحطة اولى للاستعداد لحين التوجه الى ايران. وفي يوم 12 ايلول ابلغنا المرحوم ثابت حبيب العاني ان موعد السفر سيكون غداً. وخرج المرحوم ابو حسان معي في ذلك اليوم الى احد مخازن العاصمة موسكو لشراء ما قد أحتاجه في سفرتنا. وتذكرت ان هذا اليوم هو يوم عيد ميلادي الخامس والعشرين. واثناء زيارتي لمن تبقى من المجموعة العراقية في المدرسة، اخبرتني العزيزة الدكتورة نزيهة الدليمي بدعوتي لحفلة شاي للوداع في غرفتها. خمنت انها قد كانت على علم بيوم ميلادي واستغلت فرصة سفرنا لكي نحتفل وأن لم يكن لدينا اي مزاج للاحتفال بعد كل ما جرى. وفي عصر ذلك اليوم رن جرس التلفون في غرفتي الصغيرة في القسم الداخلي واذا به اخي عبدالله الذي اخبرته بمغادرتي موسكو الى جهة لم احددها له. فوجئ بالخبر واصر على اللقاء فوراً وكان آخر من ودعته في موسكو. كان اخي العزيز عبدالله حبه في بعثة دراسية على نفقة وزارة التربية العراقية للحصول على شهادة عليا في المسرح بعد ان نال في العراق درجة البكالوريوس في اللغة الانجليزية في كلية الآداب العراقية وانهى معهد الفنون الجميلة في قسم المسرح. وفي موسكو انخرط عبدالله في اشهر معهد في روسيا والعالم وهو معهد "غيتيس"- معهد الدولة للدراسات المسرحية-. وتربطني بأخي عبدالله اكثر من وشائج الاخوة والقرابة الى علاقات صداقة وود حميم تمتد حتى هذه اللحظة. التقينا في مكان قريب وقد فوجئ بالسفر. وبقينا صامتين ونحن نخطو خطوات ثقيلة، ولسان حالنا يقول هل سنلتقي ام هذا هو اللقاء الاخير؟ ان عبدالله له طبع هادئ وقليل الانفعال، بل ولم اراه منفعلاً طوال حياتنا. الا ان الصمت الثقيل في تلك اللحظات كان له معنى وينطوي على انفعالات عميقة. توادعنا بالقبل وافترقنا. عدت الى القسم الداخلي لاخذ قسطاً من الراحة استعداداً للسفر، وغفيت. وفجأة ايقظني رنين التلفون في وقت متأخر من الليل، كان صوت أخي من جديد، ويدعوني للقاء من جديد في محطة مترو قريبة لقسمنا الداخلي وهي محطة نوفوسلوبودسكايا. ارتديت ملابسي على عجل وتوجهت نحو المحطة لارى اخي عند البوابة. رأيته ينظر بحنان ورقة وإنفعال، وطلب مني ان نتبادل ساعاتنا لتبقى كذكرى الوصل والود بيننا في مستقبلنا المجهول. وودعنا بعضنا من جديد وذهب كل في طريقه.
في صباح اليوم التالي توجهنا بهاء الدين نوري وانا الى مطار شيريميتوفا في ضواحي موسكو لتقلنا الطائرة الى براغ. كان في استقبالنا المرحوم حسين سلطان وشخص تشيكي، ثم اتجهنا جميعاً الى خارج براغ ثم الى غابة شاسعة تحيط بمدينة ملادابوليسلاف لنستقر في بيت خشبي معزول يستخدمه هواة الصيد في وسط الغابة. وبعد ايام التحق بنا فرج محمود قادماً من موسكو ليصبح فريقنا مكوناً من ثلاثة اشخاص. مررنا في فترة إعداد لعملنا اللاحق وبمساعدة من أحد خبراء العمل السري في الحزب الشيوعي التشيكوسلوفاكي ممن كانوا يعملون سراً في أثناء الأحتلال النازي. وفي الحقيقة لم تزدنا محاضراته شيئاً كثيراً على ما كسبناه بتجرتنا في العمل السري عندما كان الحزب يعمل بسرية أثناء العهد الملكي، او من خلال قراءتنا لبعض المؤلفات المتعلقة بنشطاء العمل السري في احزاب مختلفة او حتى تلك التجارب التي اطلعنا عليها من خلال قراءة الكتب البوليسية مثل قصص ارسين لوبين في سنوات المراهقة. وخلال هذه الفترة اطلعنا ايضاً على ممارسات السلطات النازية ضد المواطنين التشيكوسلوفاك في فترة الاحتلال النازي لجيكوسلوفاكيا وخاصة مراكز التعذيب والاعتقال ومعسكرات العمل في مدينة بلزن. وبعد ثلاثة أشهر تقريباً كنت اول من غادر جيكوسلوفاكيا في أواخر عام 1963 إلى بيروت. وكان في وداعي المرحوم ثابت حبيب العاني الذي بقي على صلة بي عن طريق المراسلة طوال فترة وجودي طليقاُ في طهران .
وصلت بيروت في بداية كانون الأول من عام 1963، أي بعد إنقلاب عبد السلام عارف على حكم البعث والاطاحة بحكمهم. وكانت العاصمة اللبنانية تعج بالفارين من جحيم الإنقلابيين في بغداد. واضطررت إلى قضاء جل أوقاتي في الفندق المتواضع في قلب بيروت لكي أتفادى الإحتكاك بالعراقيين. ومن المفارقة إنني وعندما كنت أطل في احد الايام من شباك الفندق على الشارع لمحت أخي الدكتور فيصل حبه، الذي وقع اسير الانقلابيين وخاض تجربة مريرة في قصر النهاية السئ الصيت وهرب من بغداد بعد إنقلاب عبد السلام عارف، وهو يسير برفقة الفنان يوسف العاني في الشارع المحاذي للفندق. بالطبع لم أجرأ على النزول إلى الشارع في ذلك الوقت رغم انني كنت مفعماً بالشوق لألتقي أخي ولأحتضنه وهو الذي خرج للتو من تجربة مريرة، وذلك تكتماً على مهمتي السرية في إيران. توجهت إلى السفارة الإيرانية للحصول على تأشيرة الدخول التي كان من الصعب على المواطن العراقي الحصول عليها. ولكن تذرعي بزيارة خالي في طهران قد خفف من إصرار المسؤولين في السفارة الإيرانية على رفض إعطائي التأشيرة. ولكن مع ذلك إستغرقت الموافقة وقتاً يزيد على الشهر. ففي أواخر كانون الأول من نفس العام حصلت على التأشيرة الايرانية وحجزت على الفور مقعداً على طائرة ك.إل.أم. الهولندية المتجهة إلى العاصمة الايرانية طهران. وعند الإنتظار في صالة مطار بيروت علمت أن الطائرة ستحط أيضاً في بغداد. ولذا تجاهلت دعوات مكبرات الصوت في المطار بالتوجه إلى الطائرة تفادياً للمرور في بغداد. وترتب علي تغيير الحجز وعاودت التوجه مباشرة إلى طهران على متن طائرة بان أمريكان متجاوزاً النزول في مطار بغداد.
وصلت طهران وللمرة الأولى في حياتي في أواخر كانون الأول عام 1963. وهكذا بدأت مرحلة جديدة من معرفتي بأيران وشعبها. لم يكن معي عند وصولي إلى طهران سوى عنوان خالي الذي بقي في ذاكرتي منذ سنوات الصبا، "سرجشمه - جنب حمام سرجشمه"، وتعني بالعربية بجانب حمام رأس النبع!!. كانت معرفتي باللغة الفارسية تكاد تكون في مستوى الصفر، إذ لم أكن أتلفظ إلاَ بضع كلمات كان يرددها أبن خالي عندما كان يأتي إلى بغداد مع والده في الخمسينيات، او ما تعلمته من "كتاب تعلم الفارسية ببضعة ايام" في براغ. حطت بنا الطائرة على مدرج مطار مهرآباد، وهو مطار العاصمة الإيرانية طهران. وعندما نزلت من الطائرة كان الوقت يكاد يقترب من الفجر وأحسست ببرودة الجو القارص. وكان المطار مكتسياً باللون الأبيض الناصع بسبب هطول الثلوج بكثافة وتراكمها. ذهبت كالعادة إلى ضابط الجوازات وسلمته جواز سفري العراقي. غادر الجميع مكتب فحص الجوازات بإستثنائي، حيث كان ضابط الجوازات يقلب جواز سفري العراقي ويتصل بالتلفون. جلست بقلق في أحدى زوايا المطار بإنتظار أنتهاء الإجراءات. ولفت نظري وأثار إستغرابي سقف المطار الذي كان يزينه في الوسط الصليب المعقوف وهو شعار الحزب النازي الألماني. وعرفت بعدئذ إن المطار، والى جانب عدد من المنشآت الهامة الاخرى مثل المحطة المركزية للسكك الحديدية، قد تم بناؤه من قبل ألمانيا النازية في الثلاثينيات عندما سادت العلاقات الحميمة بين هتلر ورضا شاه حاكم إيران السابق. لقد بني هذا السقف بشكل يصعب إزالة هذا الصليب بدون تدمير السقف كله. ولقد إنهار السقف كلياً في عقد السبعينيات بفعل تراكم الثلوج ليقضي على أي أثر للصليب المعقوف في مبنى المطار. وبعد قرابة النصف ساعة أستدعيت إلى مكتب الأمن في مطار مهرآباد. وبدأ معي شبه تحقيق عن سبب مجيئي إلى إيران ومن أي بلد أتيت..الخ. وأوضحت للضابط إنني قادم لزيارة خالي وإني أتيت من براغ حيث أنهيت دراستي العلمية!!، حيث لم يختم جوازي بأي ختم سوفييتي. في ذلك الوقت وفي ظل النظام الشاهنشاهي، فإن مجرد المرور بأية دولة أوربية شرقية يثير الشك لدى الأجهزة الأمنية الإيرانية وخاصة جهاز الساواك المعروف بقسوته وذلك بسبب وجود أعداد ضخمة من اليساريين الإيرانيين كلاجئين سياسيين في تلك البلدان.
بعد مرور ثلاث ساعات سمحوا لي بمغادرة المطار وتوجهت إلى أحد فنادق الدرجة الثالثة لأبقى فيه بعضا من الوقت ريثما أتدبر أموري وألتقي بخالي. في صباح اليوم التالي خرجت من الفندق لأستكشف المدينة وأتجول في بعض مناطقها بهدف أن يكون لدي فكرة أولية عن العاصمة الإيرانية طهران. ومن تجربتي فان أفضل وسيلة وأرخصها للتعرف على المدينة وعدم الضياع في شوارعها المتشابهة هو ركوب الباصات بمختلف أرقامها ذهاباً وإياباً وبمختلف الإتجاهات من أول خط الباص وحتى نهايته. وعلى النقيض من كل تصوراتي السابقة، فقد رأيت طهران مدينة كبيرة وعصرية وجميلة ونظيفة قياساً بالمدن الشرق أوسطية التي زرتها. ومما يزيدها جمالاً هو موقعها على سفح جبل البرز الشاهق الذي كان يكتسي بالثلوج خلال أيام الشتاء وتبقى قممه مكتسية بالثلوج أيضاً في أثناء فصل الصيف. ولكن ما جلب إنتباهي من النظرة الأولى للمدينة هو أنها منقسمة إلى قسمين، فالجزء الشمالي منها تسكنه الفئات الثرية والمرفهة والوسطى. أما القسم الجنوبي فيكتظ بالفئات الكادحة والمعدمة والفقيرة والمهاجرة من الريف بحثاً عن لقمة العيش في العاصمة. وهذه الظاهرة تعكس الهوة الإجتماعية العميقة بين طبقات المجتمع والتي تتجاوز ما نشاهده في طهران سائر المدن الشرق الأوسطية الأخرى، اذا استثنينا القاهرة. ومن الطبيعي أن تؤثر هذه الهوة والفرز الإجتماعي العميق على جزئي المدينة و يتأثر جمال كلا الجزئين بالطبيعة الإجتماعية لسكانه وإهتمام الدولة بالجزء الذي يقطنه الميسورون، أي شمال المدينة الذي يعرف بـ "شمرانات" وتقع فيه مصايف العاصمة سربند ودربند، في حين تتجاهل السلطة القسم الجنوبي الذي يقطنه المعدمون. ويمتد الجزء الجنوبي من المدينة عبر بساتين ومزارع تروى من المياه المنحدرة من جبال البرز ليخترق مدينة "ري" التاريخية التي تضم ضريح الأمام محمد بن موسى الرضا، وهي المدينة التي ولد فيها العلامة والطبيب المعروف في القرون الوسطى أبو بكر الرازي .
وخلال تجوالي في اليوم التالي في شوارع طهران لم أنس مهمة البحث عن بيت الخال في وسط طهران وفي محلة شعبية معروفة تدعى – سر جشمه – أي رأس النبع . سألت أحد المارة مستعيناً بالكلمات الفارسية القليلة التي أعرفها عن العنوان، ولشدة إستغرابي وحتى قلقي أجابني هذا الكهل بلغة روسية ذات لكنة فارسية!!. وفي الواقع رحت أضرب أخماساً بأسداس. فمن أين لهذا الشخص أن يعرف أنني أتكلم الروسية؟ هل هي محض صدفة أم أن الرجل يعمل وكيلاً للمخابرات الأيرانية وإنني تحت المراقبة؟ كل هذه الهواجس والشكوك تبددت لاحقاً بعد أن عرفت أن العديد من كبار السن، وخاصة في مناطق شمال إيران المحاذية للإتحاد السوفييتي يتقنون اللغة الروسية بسبب وجود الجيش الروسي قبل ثورة إكتوبر، وبعد ذلك الجيش السوفييتي خلال إحتلال الحلفاء لإيران في 25 آب عام 1941 أثناء الحرب العالمية الثانية، هذا اضافة الى الروابط التاريخية التي تربط البلدين الجارين. وإلى جانب ذلك هناك جالية روسية تمتلك كنائس ومكتبات ومراكز إجتماعية تعود إلى الروس البيض الهاربين من بلادهم بعد إندلاع ثورة إكتوبر. فقد كانت إيران أحد مراكز لجوء وهروب المعارضين للنظام السوفييتي ومحطة هامة للنشاط الغربي المعادي للسوفييت. تملصت بسرعة من الرجل ورحت أسير بسرعة صوب الإتجاه الذي أشار إليه.
بعد الإستفسار من عدد من المارة إقتربت من البيت. كانت واجهة البيت تشبه سائر البيوت الشرقية والإيرانية، حيث السياج المرتفع ولايمكن أن نرى شيئاً فيه من خارج البيت. طرقت الباب فلاح لي بعد فج باب الدار بعد مضي وقت طويل وجه نسائي محجب بما يعرف في إيران بـ"الشادور". كان هذا الوجه يشبه إلى حد بعيد قريبات لي في بغداد. سألتها عن الخال فأجابتني، يبدو أنها كانت بنت خالي، بلغة فارسية لم أفهم جميع مفرداتها، ولكني عرفت من لغة الإشارات وبعض الكلمات العربية التي تعرفها بنت الخال أنه في مقرعمله وهو متجر لبيع الأدوات الإحتياطية للسيارات. وفي نهاية المطاف تعرفت بنت الخال على هويتي وأدخلتني البيت إلى غرفة الضيوف بإنتظار مجئ الخال بعد أن إتصلوا به تلفونياً .
يتبع[/b][/size][/font]
25  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / يوميات ايرانية ( 2 ) - عامان ونصف في موسكو - كارثة 8 شباط في: 22:54 23/05/2006
[size=110pt]يوميات ايرانية ( 2 )
عادل حبه
عامان ونصف في موسكو - كارثة 8 شباط

في الفترة التي اعقبت ثورة تموز عام 1958، إنقطع الأمل بإعادة العلاقات مع ذوي القربى في إيران. وإنهمك جيلنا في الأحداث العاصفة التي أعقبت الثورة. ففي عام 1959 تخرجت من كلية العلوم- جامعة بغداد، الدورة الثالثة في قسم الجيولوجيا. وحصلت على بعثة حكومية للدراسة في الاتحاد السوفييتي لنيل شهادة الدكتوراه في عام 1960. وبعد إكمال جميع إجراءات السفر زارنا في البيت الشهيد سلام عادل، سكرتير الحزب الشيوعي العراقي، والمرحوم عامر عبدالله عضو المكتب السياسي آنذاك، اللذان كانا يعلمان بالطبع بنيتي في إكمال الدراسة، وطلبا مني التريث في السفر الآن من أجل إكمال الترتيبات للسفر إلى الإتحاد السوفييتي أيضاً ولكن للدراسة في أكاديمية العلوم الإجتماعية السوفييتية، أي المدرسة الحزبية، لدراسة العلوم السياسية والإقتصاد والفلسفة. وما كان لي أن أرفض قرار الحزب حيث كنت آنذاك مسؤول التنظيم الطلابي لمدينة بغداد. تفاجئ الأهل برفضي للبعثة الدراسية وهم الذين كانوا يحلمون بأن يحصل إبنهم على شهادة الدكتوراه. ولكن ما كان بالإمكان أن يثنوني عن توجهي للدراسة الحزبية. وسرعان ما بادرت إلى إرجاع المبلغ الذي قررته وزارة المعارف للسفر وإلغاء عقد البعثة تمهيداً للسفر إلى الإتحاد السوفييتي ولكن لهدف آخر.
الا ان خطة السفر كادت أن تنهار كلياً بسبب حادث لم يكن في الحسبان. ففي تلك الأيام اندلعت الاضرابات العمالية في مدينة بغداد وخاصة في مجمع مصانع انتاج السيجاير. وعشية السفر كلفت من قبل الحزب بمتابعة إضراب العمال الذي اندلع في شارع الوثبة وفي محلة صبابيغ الآل والعوينه، وايصال المدد الى العمال المضربين والمعتصمين. لقد كان العمال متحصنين في معملهم "معمل سيجاير غازي" مقابل المدرسة الثانوية الجعفرية في شارع الوثبة. وكلفنا، باسم مشتاق وأنا، بمتابعة وضع المضربين وإيصال المعونات إليهم وتنظيم الصلة معهم. وإضطررنا إلى التسلل عبر "عكد النصارى" الذي جرى تطويقه من قبل الشرطة وأفراد الجيش. وفي لحظة إختراقنا للطوق هاجم المحلة أفراد من الشرطة والجيش وشرعوا بإعتقال كل من كان هناك أو من كان يمر بالأزقة الضيقة المحيطة وأعتقلنا نحن أيضاً. ولكن على حين غرة طوقنا جندي من المفرزة المهاجمة وبدأ الحديث معنا بإحترام ونحن لا نعرفه. تبين أن هذا الشخص يعرف هويتنا وأراد حمايتنا من الإعتقال وأفهم ضابط القوة المهاجمة إننا طارئين او من الأمن أو ما شاكل ذلك ليطلقوا سراحنا وأوصلنا هذا الجندي النبيل إلى زقاق يؤدي إلى شارع الرشيد وهكذا نجونا من الإعتقال.
على أي حال رحت على عجل أستعد للسفر الذي سوف يتم بعد يوم فقط. وتطوعت الاخت العزيزة سعاد حبه كعادتها في مرافقتي الى تحت التكية قرب الشورجة لشراء معطف سميك "يليق" ببرد موسكو الخيالي من سوق "اللنكات"، اضافة الى ما سوف احتاجه من ملابس دافئة في هذا البلد الغريب علينا بجوه وتقاليده؛ اي الاتحاد السوفييتي. ومع الاستعداد بدأت أدشن، وبدون ان اعلم، تغييراً في مسيرة حياتي والذي قربني لاحقاً دون أن أتوقع ذلك من إيران وشعبها وثقافتها من ناحية، ومن ناحية أخرى إستبداد وجبروت حكامها كما سنرى في تطور الأحداث اللاحقة .
في خريف عام 1960 سافرت بالطائرة إلى بيروت وللمرة الأولى بهدف التوجه إلى الإتحاد السوفييتي. وكانت بيروت آنذاك تعج بأنصار العهد الملكي الذين غادروا البلاد أو فصلوا من وظائفهم في السفارات العراقية في الخارج ومن بينهم صهري وزوج أختي والوزير السابق في العهد الملكي المرحوم عبد الرزاق الأزري وخالي الأصغر المرحوم محمد جواد الصفار الذي كان يشغل منصب القنصل العراقي في بيروت وفصل من السلك الدبلوماسي بعد الثورة. بقيت في ضيافة خالي لفترة قصيرة في بيته في حي المزرعة دون أن يعرفوا عن وجهتي. بالطبع عرفت اختي العزيزة المرحومة شعاع حبه بوجودي، ودعتني لزيارتها في شقتها المطلة على البحر الابيض المتوسط في منطقة الروشة. وما ان دخلت البيت حتى وجدت حشداً من الاقارب والمعارف ممن تركوا العراق لعلاقتهم بالنظام الملكي. وبدأ الهجوم على هذا الشيوعي "والبعبع الخطير" القادم من العراق. واشتدت الحان العزف على نغمة "السحل" و "الكفر والالحاد والاباحية وحرق القرآن" و"نهب اموال الناس" وكل ما كان يردده احمد سعيد من اذاعة صوت العرب وكل التيارات العراقية والعربية التي اتخذت موقفاً عدائياً من التطورات في البلاد. ان كل هذه النغمة ما كانت الا محض ادعاءات، وهي افعال لم اصادفها في العراق وتنطوي على الكثير من التزييف والتأليب فحسب. وحشرت في هذه "الوليمة" في وضع لا احسد عليه. ولم يسعفني في هذا الجدال الحامي الوطيس الا الاخت العزيزة شعاع التي كانت تبدي نحوي على الدوام آيات من التعاطف والود.
ذهبت متلصلصاً اكثر من مرة الى السفارة السوفييتية علني احصل على تأشيرة الدخول السوفييتية والتي تقرر إرسالها لي إلى بيروت. وبعد مرور اكثر من شهرين حصلت على التأشيرة، وتوجهت بطائرة الخطوط الجوية الهندية إلى براغ العاصمة الجيكية، حيث كانت براغ المنفذ الوحيد للوصول إلى الإتحاد السوفييتي في ذلك الوقت. وصلت موسكو بطائرة الخطوط الجوية السوفييتية عشية العام الجديد، عام 1961. ولم أصدق نفسي عند نزولي من الطائرة حيث وجدت كل شئ أبيضاً ناصعاً. فدرجة الحرارة كانت 25 مئوية تحت الصفر. وكدت أتجمد من شدة هذا البرد العجيب والرعب منه. وانتابني هاجس غريب وقلق وتساؤل عن كيفية العيش في هذه المدينة التي تغلفها قوالب الثلج. لم أكن مستعداً من حيث الملابس والتي اقتصرت على المعطف الذي اشتريته من سوق التكية ولا يلبسه الموسكوفيون الا في الربيع، وحذاء أنيق من صنع المرحوم الحاج عباس الكاهجي والذي لا ينفع في موسكو الا لحضور المسارح والاوبرا. على أي حال تأقلمت لاحقاً بعد تزودي بمعطف روسي حقيقي أشبه باللحاف وقبعة من الفرو وجزمة مبطنة بالفرو لتقيني عذاب البرد الروسي الخيالي ومخاطره. باشرت الدراسة بهمة عالية وشغف، واستطعت التحدث والقراءة والكتابة باللغة الروسية بوقت قصير مدفوعاً بالأمل والحلم الكبير الذي كنا نعيشه بعد ثورة تموز ببناء أرض الفراتين وتحديث مجتمعنا وإضفاء المحبة بين أبناء هذا الوادي بغض النظر عن إنحدارهم، وترسيخ قيم العدالة والديمقراطية في بلادنا.
في تلك الفترة التي إستمرت قرابة العامين ونصف، زاملت نخبة طيبة ورائعة ممن سبقوني في الدراسة أو قدموا بعدي بينهم الشهيد سلام عادل الذي أبعد عملياً من بغداد بقرار من اللجنة المركزية بحجة الدراسة في موسكو إثر الخلافات التي سادت الهيئة القيادية حول التعامل مع التعقيدات التي سادت بعد عام من الثورة وبعد الاجتماع الصاخب في صيف عام 1959 والذي انعقد في بيتنا. وكان يسبقنا في الدراسة وعلى وشك انهائها الشهيد محمد صالح العبلي ، عضو المكتب السياسي، الذي إلتحق بالمدرسة قبل ثورة تموز عندما قدم إلى موسكو في عداد وفد الشبيبة إلى مهرجان موسكو للطلبة والشباب. كما سبقني في الدراسة الشهيد جمال الحيدري، عضو المكتب السياسي، الذي انهى دراسته في المدرسة الحزبية العليا واستمر في الدراسة في اكاديمية العلوم الاجتماعية للحصول على درجة علمية رفيعة في العلوم الاجتماعية. كما سبقنا في الدراسة كل من عزيز الحاج والمرحوم شريف الشيخ وبهاء الدين نوري. والتحق بالمدرسة لاحقاً المرحوم ثابت العاني والمرحوم عامر عبدالله والمرحوم مهدي عبد الكريم والدكتورة نزيهة الدليمي، أول وزيرة في العراق والبلدان العربية، والسيدة ثمينة ناجي يوسف أرملة الشهيد سلام عادل والمرحوم صالح دكلة وزوجته إنعام العبايجي وعبد السلام الناصري. وضمت المدرسة مستمعين آخرين من عراقيين وعرب وأجانب ومنهم وصال فرحة زوجة المرحوم خالد بكداش وأحمد مكيس من قادة الحزب الشيوعي السوري حيث كنا ندرس في فصل واحد، والسيدة أسماء الفيصل مترجمتنا الماهرة شقيقة يوسف الفيصل رئيس الحزب الشيوعي السوري الحالي وزوجة رياض الترك لاحقاً. هذا بالإضافة إلى مستمعين آخرين من لبنان والأردن والسودان والصومال وقبرص وبلدان أوربية وأمريكية لاتينية. وكان يتلقى محاضرات أيضاً وبشكل مستقل كل من المرحوم خالد بكداش وألفارو كونيال الرسام البرتغالي وسكرتير الحزب الشيوعي البرتغالي الذي هرب لتوه من سجن الفاشية البرتغالية والذي ربطته علاقات طيبة مع الشهيد سلام عادل. وكان يتلقى محاضرات بمفرده أمير خسروي"بابك" أحد كوادر حزب توده وزوجته الفنزويلية. وكان بابك صديق قديم للمرحوم مهدي عبد الكريم عندما كان يعمل في سكرتارية إتحاد الطلبة العالمي في براغ في بداية الخمسينيات، وقد ترك خسروي حزب توده وأسس حركة أخرى معارضة لتوده سماها "راه توده" في عقد الثمانينيات وبعد الضربة التي وجهت إلى حزب توده ايران في عهد الامام الخميني. لست هنا في معرض الحديث أو إستذكار تلك الأيام الحافلة بالمثابرة والتزود بالمعرفة، فمجالها إن سمح الوقت في مكان آخر.
كانت تلك الأيام تمرعلينا أيضاً والقلق يساورنا جميعاً بسبب تدهور ملحوظ للأوضاع السياسية في الوطن، بما ينذر بمأساة حقيقية للبلاد. وفعلاً حصلت الكارثة في 8 شباط عام 1963. كنا نقضي ايام العطلة الشتوية في مدينة بوشكينو القريبة من موسكو. كنا جالسين صباحاً، العزيزة أم ايمان والمرحوم عامر عبدالله، في صالة دار الراحة عندما لاحظنا السيدة وصال فرحة تهرول نحونا وعلى محياها اسارير الفرح!!! وتبشرنا؟؟؟؟ بماذا؟ لقد أطيح بعبد الكريم قاسم؟؟!!!
وقع الخبر علينا كالصاعقة وخلافاً لما توقعته السيدة المحترمة التي لم يكن لديها اي تصور عما يجري في العراق تماماً كما يحدث الآن بعد الاطاحة بأخلاف " فرسان" الموت في التاسع من نيسان 2003. وسرعان ما بادرت العزيزة ام ايمان الى الاتصال بالمسؤولين في الدار لتأمين عودتنا الى موسكو. كنا ندرك ان هذا الحدث يعد نكبة وطنية حقيقية وإرتداد مريع يشمل القيم والثقافة وتنمية البلاد وإستباحة لكرامة المواطن العراقي وتشويه العمل السياسي والسعي للديمقراطية. كما يشيع هذا الارتداد العنف والقتل والتدمير بشكل ربما لم يشهده العراقيون منذ إستباحة المغول لأرض السواد خلال العصور المظلمة. ان هذه الكارثة هي ردة زرعت "قيم التوحش والتدمير والارهاب وهوس عبادة السلاح في المجتمع العراقي"، هذا الهوس الذي مازال الى الآن ديدن المتطرفين من كل لون في العراق الجريح. وفقد العراقيون نخبة من خيرة أبناء العراق وبناته خلال الإنقلاب المشين. وإستمر هذا الحدث يولد المزيد والمزيد من المضاعفات السلبية بشكل يحد من اي تطور إيجابي واستقرار للأوضاع في البلاد وحتى بعد الإطاحة بأخلاف إنقلابيي شباط في التاسع من نيسان عام 2003. لقد غير هذا الحدث الدموي أولويات المواطن العراقي ونمط حياته وإهتماماته ومستقبله. ان هذا الحدث الخطير وجه اكبر ضربة لقوى الحداثة والتنوير والعقلانية في المجتمع العراقي وغمر العمل السياسي بالقوى الاكثر تخلفاً في المجتمع، وهو ما نراه اليوم، وسلب بغداد ام الدنيا ومهد حضارتنا دورها الحضاري بعد ان حط فيها صعالكة العوجة، والآن ملثموا الظلامية من التكفيريين والارهابين القادمين من وراء الحدود وعبثيو جيش المهدي من رموز التخلف والارتداد والذين يصبون جام غضبهم على عروس دجلة وييتمون اطفالها ويمحون بؤر التنوير فيها. وكان لابد أن يكون لهذا الحدث المروع تأثراً سلبياً مضاعفاً على الحزب الشيوعي بشكل مباشر سواء من حيث الضحايا والخسائر البشرية والمادية والسياسية التي قدمها او من ناحية المشاكل الداخلية التي واجهته ونمط عمله السياسي لاحقاً.

يتبع[/b][/size][/font]
26  الحوار والراي الحر / المنبر السياسي / يوميات إيرانية في: 23:44 19/05/2006
يوميات إيرانية
( 1 )
عادل حبه

في صباي لم يكن لدي ولربما حتى لدى الكثير من أقراني إلا صور مبهمة عن شعب يجاورنا ويجمعنا معه الكثير من التاريخ والثقافة المشتركة، وأعني به الشعب الايراني. ان كل انطباعاتنا عن هذا الشعب الجار يبقى في اطار مظهر الزوار الايرانيين، وغالبيتهم من الفلاحين والفئات المعدمة، والذين كانوا يفدون الى العراق لزيارة العتبات المقدسة في النجف وكربلاء والكاظمين وسامراء ثم يأمون بيت الله الحرام للحج في مواسمه وزيارة مرقد السيدة زينب في ضواحي دمشق. ويتسلل آخرون من الإيرانيين عبر الحدود إلى العراق أيضاً بهدف دفن موتاهم الى جوار العتبات المقدسة في النجف وكربلاء، حيث يقوم المهربون لقاء مبالغ معتبرة بنقل جثث الموتى عبر الحدود الإيرانية العراقية ثم يتم إيصالها إلى المدن المقدسة ليتم دفنهم هناك.
وبقيت معرفتي محدودة بهذا الشعب العريق على الرغم من إن اثنين من اخوالي كانا متزوجين من زوجتين إيرانيتين. ويحمل احدهم، طيب الذكر المرحوم الحاج مصطفى محسن الصفار، الجنسية الإيرانية منذ العشرينيات من القرن الماضي، حيث غادر العراق للعمل في مرفأ بيروت وصادف أن زار إيران للسياحة ووقع في غرام فتاة ايرانية وتزوج منها في طهران وتجنس بالجنسية الإيرانية بعد أن خيرته حكومة رضا شاه بين البقاء وحمل الجنسية الإيرانية أو مغادرة إيران. وإستقر الخال في إيران حتى وافته المنية في عقد التسعينيات من القرن العشرين. كان الخال يتردد على بغداد بين فترة واخرى في مواسم الحج وينظم رحلات الحجاج والزوار الإيرانيين الى العتبات المقدسة في العراق بما كان يعرف آنذاك "بالحمله دار".
إن قلة معلوماتنا عن الشعب الجار يعود الى ان مناهجنا الدراسية التي كانت تعج بنقل الجوانب السلبية في العلاقات التاريخية الغابرة معه فقط، بل وتبالغ فيها احياناً وتشوهها في احيان اخرى لدوافع قومية او طائفية ضيقة. وتفتقر هذه المناهج الى الموضوعية في الحديث عن تاريخ هذا البلد وثقافته وحضارته وتأثيرها على حضارتنا وثقافتنا في العهود الغابرة مما يزرع بذور السلبية لدى التلامذة والطلاب تجاه هذا الشعب الجار الى حد انكار الصفة الفارسية على العدد الكبير من العلماء ورجال التنوير والثقافة والذين برزوا في عصور مختلفة من عهود الدول الاسلامية. فالمناهج عموما وضعت من قبل المتأثرين بجانب واحد من الثقافة التركية أي العداء للفرس، وجلهم من التربويين العرب الذي قدموا مع الملك فيصل الاول بعد ان طردته السلطات الاستعمارية الفرنسية من سوريا. وبالتالي تصبح هذه المناهج إمتداداً للنزاعات التاريخية بين العثمانيين والفرس من اجل السيطرة على المنطقة. وبلغ الامر حداً لم يتردد عنده بعض المتنفذين من غير العراقيين في وزارة المعارف العراقية، ساطع الحصري على سبيل المثال، في الثلاثينيات من التهجم على شاعرنا الكبير محمد مهدي الجواهري. فقد ألصق الحصري بالجواهري كالعادة تهمة "الشعوبية" لسبب بسيط هو تغزله بمصايف ايران وحسناواتها.
تشير الوقائع التاريخية إلى أن الحضارة الفارسية كانت أحد الروافد الاساسية للحضارات الاسلامية المتلاحقة. فالحضارة الفارسية أغنت العالم أجمع بالفلسفة والأدب والفن والعلوم والمعرفة. والحضارات ما هي الا نتاج امتزاج لابداعات شعوب مختلفة. إن الفرس بدورهم وإستناداً الى الوثائق التاريخية الفارسية انتهلوا الشعر من العرب. فقد ارسل الامبراطور الفارسي "يزدكرد" إبنه "بهرام كور" إلى مدينة الحيرة لتلقي فنون الشعر والتتلمذ على يد الشعراء العرب، وليكون اول من أنشد الشعر بين الفرس حسب الروايات الإيرانية. وهكذا اخذ الفرس بناصية الشعر وتألقوا ليخرج منهم عمالقة من أمثال حافظ الشيرازي وسعدي الشيرازي وعمر الخيام ومولوي والفردوسي في العصور الوسطى، ثم امير الشعراء بهار ونيما يوشيج ابوالشعر الحرالايراني وسياوش كسرائي وأحمد شاملو وآخرون في العصر الحديث. إن عدداً من الشعراء الإيرانيين كتب الشعر بلغة الأدب والشعر آنذاك، أي اللغة العربية. فالشاعر النابغة سعدي الشيرازي أبدع في وصف دجلة وبغداد عند إستباحة المغول لها في قصيدة عصماء طويلة أنشدها باللغة العربية. ولعب الموسيقار والمغني ابو الحسن زرياب الفارسي دوراً كبيراً في تطوير الموسيقى العربية في القرنين الثاني والثالث الهجري عندما استقر في بغداد ام الدنيا وعاصمة الخلافة العباسية آنذاك، ثم انتقل الى تونس ثم الى قرطبة حيث انشأ آنذاك اهم معهد موسيقي هناك في العالم المتمدن.
لقد طرأ قدر من التغيير في تصورات جيلنا في بداية الخمسينيات ليقربه من معرفة جارتنا إيران وشعبها عندما أقدم الزعيم الوطني الإيراني الدكتور محمد مصدق رئيس وزراء ايران في بداية الخمسينيات على تأميم النفط الإيراني مما أدى إلى إحتدام الصراع بين الشعب الأيراني والإحتكارات النفطية البريطانية. وتركت هذه المواجهة تعاطفاً لدى العراقيين مع الشعب الايراني وأضافت أثراً إيجابياً على تطور الحركة الوطنية في العراق على وجه الخصوص. وبدأت بعض الصحف العراقية الديمقراطية بنشر تقاريرها السياسية والثقافية عن أيران. فصحيفة "الاهالي" العلنية الناطقة بلسان الحزب الوطني الديمقراطي في بداية الخمسينيات كانت تنشر مقالات ممتعة للكاتب العراقي فخري عبد الكريم، وهو إسم مستعار لكاتب من أهالي كربلاء، حول السياسة والفن والثقافة الايرانية. ونشرت جريدة الجهاد في 23 تموز عام 1952 قصيدة تضامن لشاعرنا الكبير محمد مهدي الجواهري كان يأمل أن يتممها وذلك بمناسبة إنتفاضة الشعب الإيراني وإنتصاره بعودة مصدق إلى الحكم ومطلعها :

سالت لتملي ما تشاء دماؤهـــــــا        وهوت لترفع شأنها شهداؤها
وإنصاع مخضوباً يركز نفســـــــه      ما بين ألوية الشعوب لواؤهـا
ضاءت وبالمهجات تفرش أرضها       بالمكرمات النيرات سماؤهـــا

وبحكم العلاقة التقليدية التي ربطت الحزب الشيوعي العراقي بحزب توده ايران والتي تطورت خاصة بعد إعدام قادة الحزب الشيوعي العراقي في 14 شباط عام 1949 وما تلقاه من دعم من حزب توده ايران، نقلت الصحافة السرية الشيوعية معلومات ضافية عن المعركة التي يخوضها الشعب الايراني من أجل تأميم الشركات النفطية البريطانية علاوة على نشاطات حزب توده ايران الذي تصاعد نفوذه في تلك الفترة ومارس النشاط العلني منذ عام 1941.
وتقودني الذاكرة إلى يوم هروب شاه إيران وأعوانه إلى العراق، إثر فشل إنقلابه الأول بقيادة الجنرال زاهدي، وبتخطيط وتمويل من المخابرات المركزية للولايات المتحدة، ضد مصدق في 16 آب عام 1953 بعد أن فضح أسرار الإنقلاب أحد أعضاء تنظيم الضباط التابع لحزب توده النقيب فياضي الضابط في الحرس الشاهنشاهي الإيراني. ففي أثناء مرور موكب الشاه في شارع الرشيد وعند محلة سيد سلطان علي قادماً من مطار بغداد ومتوجهاً إلى القصر الأبيض، نظم الحزب الشيوعي العراقي فعالية ضد الشاه الهارب حيث رشق المشاركون فيها موكب الشاه محمد رضا بهلوي بالطماطم والبيض الفاسد.
وبمحض الصدفة كنت في هذا المكان القريب من بيتنا الواقع في صبابيغ الآل، ولم أتردد آنذاك بالمساهمة مع الآخرين برشق الموكب بحبة طماطم تعبيراً عن التضامن مع الشعب الإيراني وإستنكاراً لموقف الشاه من الدكتور محمد مصدق ثم لذنا بالفرار.
في عام 1957 طلعت علينا جريدة إتحاد الشعب السرية الناطقة بلسان الحزب الشيوعي العراقي بخبر مثير على الصفحة الأولى عن إعدام الشخصية العسكرية الإسطورية ومسؤول التنظيم العسكري لحزب توده إيران وأحد قادته خسرو روزبه مع نبذة من دفاعه الجريئ في المحكمة العسكرية الإيرانية وصورة له وهو مشدود على عمود الإعدام.
أثار الخبر لدى الكثير من العراقيين حالة من الإنشداد والإعجاب بهذه الشخصية الفريدة في تاريخ الثوريين من الضباط. ولربما ترك ذلك أثراً ايجابياً كبيراً على الضباط ذوي الميول اليسارية في الجيش العراقي أيضاً.
ومع كل هذه التطورات بقيت معلوماتنا محدودة عن الاوضاع الاجتماعية والثقافية في ايران، بل وحتى عن دول مجاورة غير عربية مثل تركية، قياساً بما كنا نعرفه عن دول بعيدة عن بلادنا كالدول الاوربية والولايات المتحدة او الإتحاد السوفييتي و بلدان اوربا الشرقية. ولعب الصدام السياسي بين النظام الشاهنشاهي الايراني وبين الانظمة العربية دوراً في تعميق هذه الفجوة، وأدت حتى الى القطيعة احياناً بين الشعب العراقي وشعوب البلدان العربية الأخرى وبين الشعب الايراني.
وقد تعمقت القطيعة إثر ثورة تموز عام 1958 وإنهيار النظام الملكي وخروج العراق من حلف بغداد الذي كان يضم كل من العراق وايران وتركيا والباكستان وبريطانيا وبرعاية الولايات المتحدة كإمتداد لحلف الناتو لمواجهة ما سمي آنذاك بالتهديد السوفييتي. واتخذت ايران سياسة عدائية للنظام الجديد بحيث انقطعت قوافل الزوار الى العتبات المقدسة وكل صلة بين البلدين لتصل الى حد الاستنفار العسكري والتراشق بالسلاح على الحدود بين البلدين طوال فترة حكم الزعيم عبد الكريم قاسم.

يتبع
[/b][/size][/font]
27  المنتدى الثقافي / دراسات، نقد وإصدارات / برتولت بريخت : أحد قمم اعمدة المسرح في القرن العشرين في: 22:47 18/05/2006
بمناسبة مرور نصف قرن على رحيله
برتولت بريخت : أحد قمم اعمدة المسرح في القرن العشرين
1808- 1956
عادل حبه

في الاسابيع الاخيرة وحتى 21 من أيار الجاري ولاول مرة منذ عام 1947 ، تعرض على مسرح السينما في واشنطن مسرحية "المتحدثون الصامتون"، وهي احدى مسرحيات الشاعر والكاتب المسرحي الالماني برتولت بريخت، احد ابرز كتاب الشعر والمسرحية في القرن العشرين بمناسبة الذكرى الخمسين لرحيله. ولهذا العرض في الولايات المتحدة الآن مغزى خاص حيث ان هستيريا الحرب الباردة التي طغت على هذا البلد خلال قرابة خمسة عقود، وغيبت الكثيرين من رموز الثقافة والتنوير، واجبرتهم على مغادرة البلاد او الاعتكاف او السجن ، قد ولت. ويجري منذ انهيار الحرب الباردة المشينة اعادة الاعتبار لضحايا تلك المرحلة المظلمة وعرض نتاجاتهم وطبع كتبهم في الولايات المتحدة الامريكية او في روسيا على حد سواء. وهكذا جرى ، على سبيل المثال، انتاج فلم امريكي عن حياة تشارلي شابلن في السنوات الاخيرة بعد ان منعت كل نتاجاته بحجة الشيوعية و تهمة النشاط المعادي للولايات المتحدة واجبر على مغادرة البلاد. لقد طالت هذه الهيستيريا ابرز كتاب المسرح وهو برتولت بريخت بنفس التهمة واضطر هو الآخر الى مغادرة البلاد في عام 1947. وقد تطول القائمة، والحيز لا يسمح بذلك، لو استعرضنا جميع الكتاب والمسرحيين والفنانين ونجوم السينما والتنويريين والفلاسفة وعلماء الاجتماع والاقتصاد والشخصيات السياسية والنقابية والمهنية ممن طالها سيف الحرب الباردة وشرورها والتي سادت العالم شرقها وغربها مما الحق أضراراً جمة بالمجتمع الامريكي وفي الثقافة والوجدان والضمير فيه، ناهيك عما لحق من اضرار بالثقافة في العالم عموماً.
ولد بريخت في عام 1898 في مدينة اوغسبرغ من محافظة باير جنوب المانيا عن أب كاثوليكي وام بروتستانتية. وبدأ بكتابة الشعر في سن مبكرة ، ونشرت اولى مقطوعاته الشعرية في عام 1914. وعندما انهى بريخت المدرسة الابتدائية انتقل الى "غومنازيوم كونيغليشزه" لاكمال دراسته المتوسطة. وفي عام 1917 سجل في جامعة لودفيغ ماكسيمليان في مدينة ميونيخ لدراسة الطب. وبعد انهاء الخدمة العسكرية كطبيب متدرب في الجيش، تابع الدراسة في الطب والتي سرعان ما تركها في عام 1921. وبعد احداث الثورة البافارية في عام 1918 كتب اول مسرحية له وهي "بال" والتي اخرجت 1923 في عام ولقت نجاحاً كبيراً.
بدأ ارتباط بريخت بالشيوعية عام 1919، عندما انضم الى الحزب الديمقراطي الاشتراكي المستقل. واثناء ذلك اقام علاقة وطيدة مع الكاتب الالماني ليون فوشتوانغر والتي كانت لها اهمية كبيرة بالنسبة الى الكاتب الشاب من الناحية الادبية. ونصحه فوشتوانغر بالانضباط بقدر ما يتعلق بكتابة المسرحيات. وعين بريخت في عام 1920 كمشاور اساسي في اختيار المسرحيات في كمرسبايد في ميونيخ. وبعد علاقة عاطفية مع فراولين باي ولد ابنه الاول فرانك. وفي عام 1922 تزوج من الممثلة ماريان زوف. وتم تعيين بريخت في عام 1924 مستشاراً لمسرح ماكس راينهاردت دويتشس في برلين. وصعد نجم بريخت مع عرض مسرحيته "تشرد في الليل" (1924) واستمرت مع عرض "اوبرا الشحاذين" او "اوبرا القروش الثلاثة" للمؤلف جون غاي، والتي اتفق على تلحينها مع الموسيقار كورت ويل.
وفي حوالي عام 1927 شرع بريخت بدراسة كتاب "الرأسمال" لكارل ماركس، وتأثر بمفهوم البناء الفوقي الذي طرجه ماركس والذي اصبح محوراً في مفهوم بريخت لنظريته المسرحية. وغدا بريخت، في عام 1929، عضواً في الحزب الشيوعي الالماني. وقام اثناء عمله في مسرح شيفباوردام بتدريب الكثير من الممثلين الذين تحولوا الى نجوم في عالم المسرح والسينما الالمانية ومن بينهم اوسكار هومولكا وبيتر لور والمغنية لوت لينيا زوجة كورت ويل. وعمل بريخت مع هانس ايزلر على انتاج فلم سياسي هو "كوهله وامب"،وهو الاسم الذي كان يطلق على احد الاحياء الفقيرة التي تحتضن العاطلين عن العمل. وسمحت السلطات بعرض الفلم في عام 1932 الا انه سرعان ما منعته السلطة النازية الجديدة التي سيطرت على الحكم حينذاك. في عام 1930 عرضت مسرحيته الملتزمة سياسياً وهي "الاجراءات اتخذت" والتي تتميز بالمباشرة واللاعاطفية، والتي تحفظ الحزب الشيوعي الالماني عليها لتضمنها قدراً من التطرف السياسي. ان الدرس الذي يقدمه بريخت في هذه المسرحية هي التضحية بالفرد بأي نحو من اجل توفير الحرية للبشرية في المستقبل.
في عقد الثلاثينيات من القرن العشرين فرضت السلطة النازية حضراً على جميع مؤلفات بريخت ومسرحياته واشعاره. وغالباً ما كان البوليس يهاجم دور العرض ويوقف عرض مسرحيات بريخت. ولذا قرر بريخت الهجرة الى الدانيمارك واستقر في جزيرة فين حتى عام 1939. ثم رحل الى فنلندا حيث استقر في مدينة ليتي وكضيف على الكاتب الفنلندي هيلا ويوهلجوكي. وهناك كتب بريخت مسرحيته الشهيرة "السيد بونتيلا وتابعه ماتي" في عام 1940. وفي نفس السنة كتب مقالته الشهيرة "حول المسرح التجريبي" حيث القى فيها ضوءا على اعمال فاختانغوف وانتوين ومايرهولد وراينهاردت واوخلوبوكوف وستانيسلافسكي وجيسنر وغيرهم من المسرحيين الانطباعيين. وناقش بريخت اتجاهين في المسرح المعاصر هما الطبيعي والانطباعي. واعتبر الطبيعية عبارة عن "تمثيل بين الفن والعلم"، والذي يعطي المسرح الطبيعي تأثيراً اجتماعياً كبيراً ولكن على حساب قدرته على رفع المتعة الجمالية. اما الانطباعية فهي على حد قول بريخت "تغني الى حد كبير وسائل المسرح في التعبير وتجلب مكتسبات جمالية قابلة للاستغلال". ولكنها برهنت على انها غير قادرة على القاء اي ضوء على العالم بإعتباره موضوع للنشاط الانساني.
ومن فنلندا انتقل بريخت الى الاتحاد السوفييتي ليستقر لفترة قصيرة ويتعرف على نمط من الاداء المسرحي القفقازي والشرقي التقليدي عموماً بما يعرف عندنا في الادب العربي بـ "الحكواتي" او "القصه خون" في الادب الفارسي، والتي على ضوئها كتب مسرحيته المعروفة "دائرة الطباشير القفقازية" (1941 -1945). ان جوهر هذه المسرحية توضح ان الملكية يجب أن لا تعود الا الى اؤلئك الذين يمكن ان يستفيدوا منها بطريقة انسانية. كما بادر الى كتابة مسرحيته الشهيرة الاخرى وهي "الانسانة الطيبة من ستشوان" عن حكاية صينية. وفي هاتين المسرحيتين اقتبس بريخت من اساليب المسارح الصينية والروسية والشرقية المبادئ الاساسية لمنصة المسرح وتقسيمه والاداء المسرحي.
و انتقل بريخت بعد ذلك الى الولايات المتحدة واستقر في مدينة سانتا مونيكا، ورافقته في رحلته الممثلة الدانماركية روث بيرلو والممثلة البروليتارية الالمانية مارغريت ستيفان التي وافاها الاجل في موسكو.
وفي موطنه الجديد حاول بريخت الكتابة لهوليوود، ولكن المتنفذين فيها لم يوافقوا الا على نص واحد له وهو "الجلادون يموتون ايضاً" والذي حول الى فلم اخرجه المخرج السينمائي البارز فريتس لانك في عام 1942. وفي عام 1947 استدعي الى التحقيق من قبل لحنة النشاط المعادي لامريكا والتابعة للكونغرس الامريكي برئاسة جي. بارنل توماس. والتزم بريخت الصمت امام المحققين، ولم "يشاكس". وغادر بريخت الولايات المتحدة مباشرة دون انتظار حضور عرض مسرحيته "حياة غاليلو غاليلي" في مدينة نيويورك، والتي قام بدور البطولة فيها تشارلز لافتون الممثل المسرحي والسينمائي المعروف. وتحكي هذه المسرحية عن استسلام غاليلو، هذه الشخصية العلمية وتنازلها عن نظريته حول الكون امام محاكم التفتيش الدينية القروسطائية مقابل الابقاء على حياته. وفي خلال فترة بقائه في الولايات المتحدة تعرف على الناقد والاديب الانجليزي المقيم في الولايات المتحدة اريك بنتلي، من انصار السلام والتقدم المعروفين آنذاك، حيث قام الاخير بترجمة آثار بريخت الى اللغة الانجليزية لتسهيل تقديمها على مسارح الدول الناطقة بالانجليزية. وقد الف بنتلي اخيراً كتاباً قيماً عن حياة بريخت بعنوان "خواطري عن بريخت" الذي بعتبر افضل ما كتب عن هذا المبدع والفيلسوف.
وانتقل بريخت الى سويسرا حيث عكف خلال سنة من استقراره في مدينة زوريخ على تقديم مسرحية "انتيغونا" لصوفوكوليس. كما قام بتأليف كتابه النظري المعروف حول المسرح وهو بعنوان "مبادئ مختصرة في المسرح". وبعد 15 سنة في المنفى عاد بريخت الى وطنه المانيا في عام 1948 واستقر في برلين حيث اسس مسرحاً خاصاً به هو مسرح "برلينر انسامبل". وشاركته في نشاطه زوجته الثانية هيلين فايغل التي تزوجها عام 1928 إذ قامت بأداء أدوار رئيسية في مسرحياته الى جانب إخراج هذه المسرحيات. ولم تخلو علاقاته مع الاجهزة الرسمية في المانيا الديمقراطية من المشاكل رغم انه كان يحاول تخطي المشاكل مع اجهزة الرقابة فيها. وفي ملاحظاته التي دونها آنذاك كتب يقول "اية أزمنة هي التي نعيشها عندما يصبح الحديث عن الشجرة جريمة لا تغتفر لانه يخترق جدار الصمت على الاعمال الشائنة!". ومن اجل التمتع بإمكانية الحركة والانتقال بحرية في اوربا، بادر الى طلب الحصول على جواز سفر نمساوي في عام 1950.
لقد اصبح برتولت بريخت الاكثر شعبية في الشعر المعاصر، ولم ينافسه سوى شكسبير وشيللر. وشاعت شهرته بنحو اكثر عندما قام المخرج الفرنسي جين فيلار بإخراج مسرحية بريخت "الام الشجاعة وابنائها" في باريس عام 1951. وتبع ذلك قيام فرقة بريخت المسرحية "برلينر انسامبل" في المشاركة في المهرجان الدولي للمسرح في باريس عام 1954 مما زاد احترام العالم لفنه. وقد ترجمت مسرحياته الى42 لغة وطبعت مؤلفاته في 70 مجلداً.
لقد اراد بريخت من المسرح ان يتحول الى منبر للحوار وليس منصة للاوهام. ووضع مفهوماً جديداً للابداع المسرحي عرف بـ "التغريب" او "مسرح ابيك" او "المسرح الملحمي"، الذي يهدف الى حث دائرة النقد في ذهن المتفرج. ان هذا المفهوم يستند الى فكرة "صناعة ما هو غريب" وهذا ما يحوله الى فعل شعري. وكان بريخت يهدف من مفهومه الى انتزاع الانفعال من الانتاج المسرحي وابعاد المشاهد عن الشخصيات المسرحية وانفكاك الممثلين عن ادوارهم. وعند ذاك تصبح الحقيقة اكثر سهولة للادراك. وكان بريخت يردد على الدوام المقولة التالية :"لا شئ اهم من تعلم التفكير بشكل خام. فالتفكير الخام هو تفكير الرجال العظام". ان مسرح بريخت يهدف الى دفع المشاهد للتفكير. لقد قادت معتقدات بريخت الفلسفية الماركسية الى دمج وظيفتين للمسرح؛ اي وظيفة التوجيه والمتعة اوالتسلية. وهنا سعى بريخت الى ان يجعل من المسرح مشروع صورة للعالم بادوات فنية، ويقدم نماذج للحياة بإمكانها ان تساعد المتفرج على فهم بيئته الاجتماعية والسيطرة عليها من الناحية العقلانية والعاطفية.
لم يعرف المعنيون بالمسرح في العراق بريخت الا متأخراً. ففي اوائل الخمسينيات حمل المسرحي البارز جاسم العبودي وزوجته الفاضلة الامريكية مارغريت العبودي بعد عودتهم من الولايات المتحدة ملامح المسرح الانطباعي ومدرسة ستانيسلافسكي بالذات ولم يقدموا مسرح بريخت الى الجمهور العراقي. لقد ارسى جاسم العبودي المسرح العراقي على اسس علمية حديثة، كما قامت السيدة الفاضلة مارغريت بتدريس اسس المكياج المسرحي العلمي وتتلمذ على يدها الكثير من طلبة معهد الفنون الجميلة ومنهم المسرحي عبدالله حبه. ولكن في منتصف الخمسينيات بدأ المهتمون بالمسرح قراءة ما يكتب عن بريخت في صحف عربية وعراقية. فقد كتب الرسام والمسرحي والصحفي عبدالله حبه في منتصف الخمسينيات من القرن الماضي اول مقالة عن بريخت في مجلة السينما التي كان يصدرها المخرج السينمائي كامران حسني وهو نفس مخرج الفلم العراقي الشهير "سعيد افندي" الذي قام ببطولته كل من الفنان القدير يوسف العاني والفنان الرائع عبد الواحد طه والفنانة الموهوبة ناهدة الرماح. وبعد عودة الفنان الراحل ابراهيم جلال من الولايات المتحدة في اوائل الستينيات من القرن الماضي، عمل على ادراج مسرح بريخت في مادة الاخراج في معهد الفنون الجميلة وفي الاكاديمية. واعتمد المرحوم ابراهيم جلال مدرسة بريخت في الاسلوب التقني واعتمد الواقعية الملحمية ضمن نظرة فلسفية مع اضافة عناصر وتشكيلات من رقص وموسيقى في الاخراج. الا ان القمع السياسي لم يدع الفنان ابراهيم جلال تحقيق مشروعه بذريعة ماركسية هذا المنهج. لقد عمل ابراهيم جلال على هذا المنهج عند اخراجه لمسرحية "مصرع كليوباترا" لاحمد شوقي و "ماكبث" لشكسبير و "كاليغولا" لكامو و "فوانيس" لطه سالم. لقد تكللت جهود ابراهيم جلال في النجاح في النهاية عندما قام بإخراج مسرحية "البيك والسائق"، المقتبسة من مسرحية بريخت "بونتيلا وتابعه ماتي"، والتي جرى تعريقها من قبل الشاعر والسنياريست صادق الصائغ. وقد مثل دور بونتيلا الممثل القدير يوسف العاني ومثل دور ماتي الممثل البارع قاسم محمد. ان هذه المسرحية في الحقيقة كانت اطروحة الماجستير التي قدمها ابراهيم جلال في معهد غودمان ثياتر في الولايات المتحدة في اثناء دراسته.
في عام 1964 نشرت "سلسلة مسرحيات عالمية" لاول مرة نص مسرحية لبريخت وهي "القاعدة والاستثناء". "وكتب المسرحي الشاب علي رفيق الطالب في معهد الفنون الجميلة دراسة لهذا الاسلوب غير المألوف في العراق في المعهد. وتلقى المسرحي الشاب التشجيع من الفنان الراحل جعفر السعدي، وشرع علي رفيق بالاستعداد لاخراج هذه المسرحية. و تطلب التحضير لهذه المسرحية الاتفاق مع الشاعر الراحل طارق ياسين لتهيئة النص الشعري وتهيئته موسيقياً. وتولى الفنان الراحل كمال السيد بالتلحين، حيث لحن 11 اغنية وكانت اول اعماله الموسيقية. وبعد التدريب المضني على هذا الاسلوب الجديد تم العرض في عام 1965 ضمن الموسم المسرحي الطلابي الرابع على قاعة حقي الشبلي، وهو يعد اول عرض لاعمال بريخت في العراق. وعرضت المسرحية لمدة يومين ولكن تدخلت عمادة المعهد في اليوم الثالث ومنعت العرض وافرغت القاعة من الكراسي بذريعة ان المسرحية ماركسية!! ولكن مخرج العرض دخل القاعة عنوة ودعى الجمهور لمشاهدة المسرحية وقوفاً. وإستجاب الجمهور للعرض الذي دام ساعتان. وشارك في التمثيل كل من الفنانين سامي السراج وكاظم فارس وساهرة احمد وعبد الحسين كامل وحكمت الكلو وتحسين شعبان وعوني كرومي وقصي البصري وقاسم الملاك وفيصل صالح وصمم الديكور الفنان فائق حسين".  *
ثم جرى تباعاً عرض مسرحيات لبريخت في العراق. فقام المخرج صلاح الكصب بإخراج مسرحية "محاكمة لوكولوس". واعاد الشهيد كاظم الخالدي إخراج مسرحية "القاعدة والاستثناء". كما قام المخرج فيصل المقدادي باخراج مسرحية "القائل نعم القائل لا". وقام المرحوم ابراهيم جلال بإخراج مسرحية "دائرة الطباشير القفقازية" بعد ان عرقها واعاد كتابتها المؤلف عادل كاظم واطلق عليها اسم "دائرة الفحم البغدادية" التي منعت بعد العرض الاول من قبل طارق عزيز منظر "النازيين العراقيين"، تماماً كما منعت اعمال بريخت من قبل غوبلز والسلطات النازية قبل خمسة عقود. وقام الفنان عوني كرومي بإخراج مسرحية " حياة غاليلو غاليلي" ايضاً.
لقد كان تأثير بريخت على المسرح المعاصر ضخماً ومثيراً للنقاش والجدل في نفس الوقت. ان المخرج والممثل والمصصم والمؤلف الموسيقي يحتفظون بمكانة متساوية في الانتاج، وهو ابداع جديد في الفن المسرحي. كما إن وجهة نظربريخت الماركسية كانت حجر عثرة امام اندماجه بالمسرح الغربي، في حين شكلت تكنيكاته الشكلية في خدمة المتعة الجمالية صعوبات جدية في الاداء المسرحي في الدول الاشتراكية. ولكن وبدون شك فان المشاهد والملابس التي استخدمها بريخت في عروضه المسرحية اضحت الاكثر نفوذاً في المسرح المعاصر.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 * نص ارسله العزيز علي رفيق عبر الانترنت[/b][/size][/font]
28  الحوار والراي الحر / المنبر السياسي / حول رسالة كيانوري السكرتير الاسبق للجنة المركزية لحزب توده أيران في: 22:34 14/05/2006
نشرت هذه المادة في صحيفة "الزمان" العراقية في 10 آب 2001. ونظرا لأهميتها في الظروف الراهنة، إرتأيت نشرها في المواقع الألكترونية.

حول رسالة كيانوري السكرتير الاسبق للجنة المركزية لحزب توده أيران
عادل حبه

في ظل الحيز المحدود للحريات والتي توفرت في إيران إثر أنتخاب السيد محمد خاتمي لرئاسة الجمهورية، بدأت بعض الصحف الإصلاحية بالكشف عن الممارسات المأساوية للتيار المتشدد خلال العقدين الماضيين ضد معارضيه وحملة التصفيات التي طالت أعداداً كبيرة من السجناء هم من خيرة أبناء الشعب الإيراني وأعضاء الأحزاب والتيارات السياسية والدينية المختلفة .
فقد نشرت صحيفة " همشهري " الشهرية الصادرة في طهران أخيراً مقالة مثيرة تحت عنوان "عقدان من الإعترافات التلفزيونية"، ألقت الجريدة فيها الضوء على مهزلة الإعترافات المفبركة في أوائل الثمانينيات لعدد من قادة حزب توده حول ما إعلن آنذاك عن "نية" الحزب بالقيام بإنقلاب عسكري والنشاط الجاسوسي لصالح الإتحاد السوفييتي. وكان الهدف هو تصفية الحزب وإبادته. إن السبب المباشر لهذا الهجوم هو دعوة الحزب للمسؤولين الإيرانيين بعد إخراج قوات صدام حسين من الأراضي الإيرانية الى إنهاء الحرب بعد أن حررت الأراضي الإيرانية. وأكد الحزب آنذاك إن الإستمرار بالحرب تحت شعار: " الطريق إلى القدس عبر كربلاء "، وهو نفس ما كان يردده الحكم في العراق بمتاجرته بالقضية الفلسطينية بشعار:"الطريق إلى القدس عبر عبادان"، ما هو إلاَ فخ أمريكي يراد به تدمير أكثر لكلا البلدين الجارين وإستمرار الحرب العبثية.
لقد مورس إنتزاع الإعترافات الكاذبة ضد مختلف التيارات السياسية بحيث شملت بعض كبار رجال الدين في إيران أيضاً. وما زال المتشددون بفعل سيطرتهم على الأجهزة القمعية في إيران يزاولون نفس المهمة. وهذا ما جرى أخيراَ ضد قادة " حركة نهضة الحرية " القومية- الدينية ومنهم المهندس عزت الله سحابي والدكتور حبيب الله بيمان زعيم حركة المسلمين المناضلين وآخرين.
إن هذا الأسلوب، أي إجبار المعتقلين على الإقرار بجرائم لم يرتكبوها تحت طائلة التعذيب، هي تقليعة قديمة قدم البشر في اللجوء إلى العنف والقسر لتوطيد سلطة النخبة وصبغ المجتمع بعقلية واحدة. فقد إنتهجت محاكم التفتيش في أوربا القرون الوسطى نفس الإسلوب ضد أنصار حركة التنوير والعلماء، ومثال غاليلو وكوبرنيكوس خير شاهد على ذلك. وعلى نفس المنوال في القرن العشرين، طبقت النازية الألمانية والفاشية الإيطالية نفس النهج. ثم أعقبهم ستالين الذي فرض على غالبية قادة الحزب وكوادره وقادة الجيش والعلماء والمثقفين والمعارضين لسطوته إلى " الإعتراف بذنوبهم " في "العداء للشعب والعمل لصالح ألمانيا النازية !!". وسارعت أنظمة الإستبداد في العديد من البلدان العربية على "إستيراد" هذه التقليعة البغيضة وإتباع نفس العبث اللاإنساني. وبدأت التلفزيونات العربية الرسمية بالمنافسة في عرض ضحايا هذا النهج الذين راحوا "يعترفون بجرائمهم وخيانتهم للوطن أو إهانة الدكتاتور ومعارضته" !! وأبرز مثال على ذلك تلك الضحايا الكبيرة التي قدمها الشعب العراقي على يد حكامه الحاليين الذين تفننوا في إذلال الشعب وإنتزعوا إعترافات كاذبة من الضحايا. ومنهم قادة بارزون في الحزب الحاكم بفعل التعذيب الفريد من نوعه.
إن ما حدث في إيران أزاء حزب توده، كما أكدته الأحداث، ما هي إلاً طبخة هيأتها المخابرات البريطانية بعد الثورة الإيرانية. وساعدها في ذلك مرتدون في المخابرات السوفييتية، وبالذات الضابط السابق في المخابرات السوفييتية وعميل المخابرات البريطانية فلاديمير كوزيجكين الموجود حالياً في بريطانيا، وبدعم داخلي إيراني يتمثل في جمعية المؤتلفة الإسلامية - الجناح الأكثر تشدداَ في تيار المحافظين - وعناصر الساواك السابق التي أعيد إستخدامها وذلك لإزاحة حزب توده واليسار والحركة الديمقراطية عموماً وتأثيرهما على السياسة الإيرانية ولجم أية محاولة لقيام علاقات بعيدة عن التوتر والمواجهة بين التيار الإسلامي العقلاني وبين اليسار الإيراني من أجل إستقرار الديمقراطية والحفاظ على الحريات التي حصل عليها الشعب الإيراني بعيد الثورة. والغريب ان هيئة الاذاعة الريطانية قد اذاعت خبر الحملة الواسعة على حزب توده ايران واعتقال قادته في نشراتها الاخبارية باللغة الفارسية والعربية قبل اسبوع من بدء الحملة الواقعية ضد الحزب وهو امر يثير التساؤل والدهشة.
ولمزيد من إلقاء الضوء على جانب من هذه المأساة نعود إلى رسالة نور الدين كيانوري التي وجهها من السجن قبل وفاته إلى سيد علي خامنئي والتي تكشف عن عمق هذه المأساة الرهيبة، والتي نشرتها المجلة المذكورة .



آية الله خامنئي، مرشد الجمهورية الإسلامية الإيرانية
مع التحية والتهنئة بمناسبة العيد الحادي عشر للثورة الإسلامية في إيران

حضرة آية الله

كان بودي أن أتوجه إليكم بهذه الرسالة قبل الرسالة التي وجهتها لكم في الرابع عشر من مرداد 1368 شمسي هجري ( 5 آب 1989 ميلادي). ولكنني فكرت آنذاك بأن ليس هناك أية فائدة ترجى من إستذكار تلك الأحداث الأليمة. ولذا إكتفيت بطلب ما هو أساسي. إلاَ أنه وللأسف وبعد مرور أكثر من ستة أشهر ولحد الآن لم تتخذ أية خطوة بإتجاه تحقيق أجزاء من المطاليب التي طرحتها. إن النماذج التي أشاهدها يومياً تدل على أنه لا يوجد هناك أي بصيص من الأمل في تحقيق ذلك. وعلى هذا يتوجب علينا، أنا وأصدقائي، كما يبدو أن نتعفن في هذه الدوامة وأن نكتفي بالتخفيف عن معاناتنا بكتابة ما جرى لنا خلال الفترة الماضية. ولربما تسعف هذه الكتابة إيجابياً أولئك الذين سيتعرضون لنفس مصيرنا في المستقبل.
بعد ظهر يوم الخميس المصادف الخامس عشر من بهمن 4 شباط وبدون أي إبلاغ مسبق، دخل ممثلي لجنة حقوق الإنسان التابعة لهيئة الأمم لمتحدة إلى غرفتنا التي يشاركني فيها محمد علي عموئي وطلبوا منا بإبداء الملاحظات حول حقوق الإنسان. بادرت بالتحدث إليهم باللغة الفرنسية التي كانت مفهومة بالنسبة للضيوف. وشرحت لهم أهم مبادئ حقوق الإنسان التي نص عليها البيان العالمي، والتي وردت بشكل دقيق في القانون الأساسي للجمهورية الإسلامية الإيرانية. وللأسف لم يتم الأخذ بالعديد من هذه المواد أثناء التحقيق معنا من قبل المراجع القضائية الإيرانية، بل وداسوا عليها بأقدامهم. وهذا بالضبط ما حدث لنا نحن المعتقلون من أعضاء حزب توده الإيراني.
في أثناء تبادلنا الحديث، قلت لهم إنني أرسلت رسالة شكوى إلى مرشد البلاد وأسلمكم نسخة منها. ومن أجل أن لا يحصل أي سوء فهم لدى ممثلي السجن الذين يرافقون الضيوف بشكل يخالف العرف الدولي، فإنني سلمتهم نسخة من تلك الرسالة التي وجهتها لكم في 14 مرداد شمسي هجري( 5 آب 1989 ميلادي ).
وجواباً على سؤالهم فيما لو تعرضت إلى التعذيب، فأجبتهم بالإيجاب. ولكنني إمتنعت عن ذكر التفاصيل التي ذكرتها في الرسالة.
وفي الحقيقة، ففي أثناء قراءتي للقانون الأساسي لبلادنا والذي ساهمتم أنتم شخصياً وبشكل فعال ومؤثر في تدوينه، هذا القانون الذي نقبله اليوم بقدر ما يتعلق الأمر بحريات المواطنين وحقوقهم وخاصة حقوق المعتقلين، وأقارن هذه البنود بما تعرضنا له أثناء الإعتقال، ينتابني العجب وأفكر في عمق الهوة والإنفصام والبعد بين الشعارات وبين الواقع الفعلي. وأخشى أن يصبح هذا الأسلوب هو الطاغي في سائر نواحي الحياة السياسية والإجتماعية للشعب وخاصة تلك المتعلقة بالحقوق الإقتصادية والإجتماعية لملايين المحرومين في بلادنا !
عند قراءتنا للفقرة 23 من القانون الأساسي نلاحظ التأكيد على ما يلي:
الفقرة 23 – "يمنع تفتيش العقائد ولا يمكن أن يتعرض أي فرد لكونه يحمل رأياً ما" .
ولكن من الناحية العملية، نلاحظ في مطالعة الإدعاء العام الثوري التي طلب فيها تنفيذ عقوبة الإعدام العبارة التالية التي تقول: "إننا نقوم بالدعاية للثقافة المادية الماركسية" !! وهنا ينتابني العجب من هذا الإتهام الذي يتنافى مع نص القانون الأساسي.
الفقرة 32 – "لا يمكن إعتقال أي فرد إلاَ بحكم ونظام يحدده القانون. وفي أثناء الإعتقال ينبغي إبلاغ المتهم بالتهمة بصورة تحريرية مباشرة ويجب تهيئة إضبارة الإتهام خلال 24 ساعة وتحويلها إلى المراجع القضائية وتأمين سير المحكمة بأسرع وقت. وكل من يتخلف عن تطبيق هذه الفقرة يعرض نفسه للعقوبات" .
والآن يا حضرة آية الله أسمحوا لنا أن نقارن بين هذا المبدأ وبين ما تعرضت له وأفراد عائلتي أثناء الإعتقال. ليس لدي أية معلومات عن ما تعرض له الآخرون. ولكن ما تعرضت له أنا وعائلتي يكفي لتبيان عمق الكارثة.
ففي صباح 17 بهمن عام 1361 شمسي هجري( 6 شباط 1983 ميلادي) وفي الساعة 3,5- 4 بعد منتصف الليل، إقتحمت مجموعة من الحرس البيت بعد تحطيم الباب الرئيسي وهجمت على غرفة النوم في بيت إبنتي وأمرونا بإرتداء ملابسنا. ولم يكن في أيدي هؤلاء السادة إلاً حكم إعتقالي فحسب. ولكنهم لم يعتقلوني أنا فحسب، بل قاموا بإعتقال زوجتي بدون أي أمر رسمي بالإعتقال من الجهات المسؤولة. ولم يكتفوا بذلك فإنهم بادروا إلى إعتقال إبنتي التي ليس لها أدنى علاقة بنشاطنا السياسي وبدون أي حكم قانوني. ولا تتصوروا إن الأمر توقف عند هذا الحد .. لا ! فقد قاموا بإعتقال أبن بنتنا وحفيدنا البالغ من العمر أحد عشر عاماً. وأخذونا جميعاً إلى المعتقل رقم 3000، أي مقر اللجنة المشتركة في عهد الشاه والتي تم إعتقالي فيها ومحاكمتي وسجني فيها في الفترة التي سبقت إنقلاب 28 مرداد شمسي هجري( 19 آب 1953 ميلادي).
وبعد إطلاق سراح إبنتي أفسانة، التي تعرضت للتعذيب وبقيت في السجن لمدة سنة ونصف بدون أي حكم، تبين أن السادة الذين قاموا بإعتقالنا قاموا بنهب البيت في غيابنا. فقد سلبوا كل ماهو ثمين في البيت مثل المسكوكات الذهبية المتعلقة بإبنتي أفسانة والتي كانت تحصل عليها في الأعياد وأعياد ميلادها من الأقرباء خلال السنوات المنصرمة. ولم تنج من هذا السطو الهدايا القيمة التي حصلت عليها في أسفاري وحتى وثائق التخرج، بدءاً من شهادة الصف السادس الإبتدائي حتى أعلى وثيقة علمية حصلت عليها كبرفسور أكاديمي في بناء المدن والهندسة المعمارية من جمهورية ألمانيا الديمقراطية. وعلى الرغم من مضي 7 أعوام وعلى الرغم من المطالبة المستمرة من قبلي ومن قبل أفسانة إلا َ أنه لم يجر إرجاع هذه الممتلكات. ويبدو أن هؤلاء السادة الذين قاموا بالإعتقال إعتبروا هذه الأشياء جزءاً من الغنائم الحربية في حرب المسلمين ضد الكفار وقاموا بنهبها.
هكذا كانت " مقدمة " الإعتقال، وبعدها توالت مشاهد المسرحية الأليمة الواحد تلو الآخر.
نص القانون الأساسي للجمهورية الإسلامية الإيرانية على الفقرة التالية:
"الفقرة 35 – يمنع القيام بالتعذيب من أجل إنتزاع الإعتراف. ومن غير الجائز إجبار أي فرد على الشهادة أو الإعتراف أو القسم. إن مثل هذه الشهادة أو الإعتراف أو القسم يفتقد إلى القيمة والإعتبار القانونيين. ويتعرض للعقاب كل من يخالف هذه الفقرة".
اننا نتأسف على الماضي ولما جرى لنا ونقلق على ما يخبئه المستقبل جراء دوس بعض المسؤولين بأقدامهم على هذا المبدأ القيم والذي يمكن أن يتكرر خرقه في المستقبل أيضاً.
ومنذ اليوم الأول للإعتقال، تعرضت غالبية المعتقلين، وبالنسبة لي بعد بضعة أيام من الإعتقال، إلى التعذيب بالمعنى الكامل له والذي أطلق عليه أسم جديد هو "التعزير".
وتضمن التعذيب الفلقة بإستخدام إنبوب بلاستيكي مما يؤدي إلى سحق جلد كف القدم. وبالنسبة لي ومنذ اليوم الأول لم يؤد التعذيب إلى سحق الجلد فحسب، بل وأدى إلى تمزيق القسم الأعظم من عضلات كف كلا القدمين. وإحتاج ذلك إلى علاج إمتد فترة ثلاثة شهور لإلتئام الجروح. كما تطلب تضميد الجروح يومياً ولم أستطع الذهاب إلى الحمام إلاَ بعد فترة ثلاثة شهور.
والنوع الثاني من التعذيب وهو الأكثر وحشية من الفلقة فكان "دستبند قباني". ولا يعرف هذا الإسلوب من التعذيب إلاَ من ذاقه والذي يمكنه أن يدرك ماهية تعرض المعتقل إلى هذا النوع من التعذيب لمدة 8 إلى 10 ساعات متوالية.
بالنسبة لي، فبعد تعرضي لأولى ضربات الفلقة التي رافقتها الشتائم والإهانات والصفعات والضربات على الرأس، لم يستطع هؤلاء السادة أن ينتزعوا مني إعترافات كاذبة والتي سأصفها لاحقاً. وما كان منهم إلاَ أن بادروا إلى إستخدام "دستبند قباني".
وفي خلال 18 ليلة متعاقبة كانوا يقتادوني في الساعة 8 مساءاً إلى غرفة واقعة في الطابق الثاني ويقومون بتنفيذ عملية "دستبند قباني". وتستمر العملية حتى الساعة 5 إلى 6 صباحاً، أي لمدة 9 إلى 10 ساعات. ويأتي كل ساعة أحد المأمورين ليبدل ترتيب القيد في اليدين. وربما ليس لديكم فكرة عن " دستبند قباني "، ولهذا سأقوم بشرحه لكم.
هذا التعذيب عبارة عن رفع أحد اليدين فوق الكتف، ثم ترفع اليد الأخرى من وراء الظهر وتسحب لتقترب من اليد الأولى. ويربط رسغ كلا اليدين بقيد فلزي ثم يقفل. إن الألم الذي يتعرض له المعتقل جراء هذا التعذيب رهيب للغاية. فخلال 18 ليلة من الليالي التي تعرضت فيها لهذا التعذيب نسي المعذبين مرتين تغيير ترتيب قيد اليدين، وبقيت على هذا الحال من الساعة 12 منتصف الليل حتى الساعة 5 صباحاً. إن السبب في إستمرار هذا التعذيب هو رفضي وعدم إنصياعي لمطاليب المعذبين الذين أرادوا إنتزاع الإعتراف مني بالقوة.
خلال هذا التعذيب فقدت 18 كيلوغراماً من وزني ولم يبق من بدني سوى الجلد والعظام. ووصل الأمر إلى حد أنني فقدت القدرة على السير بدون تلقي العون من شخص آخر. ولهذا كنت أتوسل بالحرس للذهاب من أجل قضاء حاجتي.
وما زالت آثار التعذيب باقية على بدني لحد الآن. فاليد اليسرى أصيبت بنصف الشلل. وفقد أصبعان من أصابع اليدين الحس تماماً، مع قدر بسيط من التحسن أخيراً. وأود التذكير على أن عمري في ذلك الوقت بلغ 68 سنة.
لقد تعرضت زوجتي مريم إلى الضرب بالفلقة إلى حد أنها وحتى الآن وبعد 7 سنوات تشعر بآلام كف القدم. ورافق هذا التعذيب "الشرعي" الشتائم والسباب لها من قبيل " العاهرة، ورئيسة العاهرات و ... غيرها من الشتائم الشرعية". إن الصفعات والضرب على رأسها قد أفقدها حاسة السمع في الإذن اليسرى، علماً إنها بلغت السبعين من عمرها في ذلك الوقت.
أرجو أن لا تتسرعوا وتظنوا أن أسوء أنواع التعذيب هو "التعزير"، فهناك أنواع أكثر سوءاً من النوعين الأولين.
النوع الأول هو التعذيب الجسدي، ويتم ذلك عبر ربط المعتقل بـ "دستبند قباني"، يربط بحبل وبحلقة مثبتة في السقف. وبعد ذلك يسحب جسد المعتقل الى الاعلى بحيث يتمركز وزن المعتقل على كتفه ويديه مما يعرضه إلى ألم غير قابل للتصور. إن أفراداً من أمثال الصديق العزيز عباس حجري، المعروف ببنيته القوية والذي أمضى وقاوم 25 سنة في سجون الشاه الرهيبة، أغمي عليه عدة مرات. ولم يكتف السادة الذين يقومون بالتعذيب بذلك بل راحوا يهزونه كالإرجوحة وهو معلق في السقف.
وما زال السيد محمد علي عموئي على قيد الحياة كشاهد على هذا التعذيب، وهو الذي أمضى وقاوم مع السيد حجري وخمسة أبطال آخرين من منظمة ضباط حزب توده إيران 25 سنة في سجون الشاه الرهيبة بعد الإنقلاب الأمريكي- الإنجليزي في 28 مرداد عام 1332 شمسي هجري(19 آب 1953 ميلادي)، بالطبع ليس كشاهد متفرج، بل كشاهد تعرض هو بالذات إلى التعذيب نفسه.
إن السيد حجري المعروف بقوته البدنية أصيب بشلل في يده اليمنى على أثر التعذيب بحيث لم يعد بإمكانه تناول طعامه.
لقد أعفيت من هذا التعذيب لسبب بسيط هو أنه لم يعد في بدني أي رمق من الحياة.
النوع الثاني من التعذيب هو التعذيب الروحي. وقد طبق علي هذا النوع من التعذيب. إن هذا التعذيب أكثر إيلاماً من الأنواع الأخرى. فما هي ماهية هذا التعذيب.
بعد أن فقد هؤلاء السادة الأمل من فرض الإعترافات علي عن طريق أنواع التعذيب لتحقيق هدفهم المذكور أعلاه، كرروا معي "إختبار" هذا الأسلوب ثلاث مرات.
في المرة الأولى أخذوني إلى أحد الغرف. وهناك شاهدت زوجتي مريم وقد عصبت عيناها وحشر منديل في فمها وهي ممدة على سرير الفلقة. ثم حشر المنديل في فمي أيضاً وشرعوا بضرب كف رجليها العاريتين بالفلقة. هذه الحادثة سبق ان رويتها آنفاً. إن هؤلاء السادة ومن أجل أن لا يلوثوا أيديهم بهذا العمل المشين بادروا إلى إستخدام أحد أعضاء حزب توده إيران هو "حسن قائم بناه" لتنفيذ هذه المهمة لقاء نجاته من التعذيب. أن المسؤولين عن التعذيب وبعد أن عرضوا علي هذه المشاهد سحبوني إلى خلف باب غرفة التعذيب وطلبوا مني الإعتراف مقابل إيقاف التعذيب ضد زوجتي التي ما زلت أسمع أنينها جراء ضربات الفلقة. وبعد دقائق وبعد أن رفضت الإذعان لمطلبهم، أي الإقرار بنية الحزب للقيام بإنقلاب عسكري، عادوا وأرجعوني إلى زنزانتي .
هذا نموذج من نماذج تطبيق المبادئ المتعلقة بحقوق المواطن حسب قانون الجمهورية الإسلامية من الناحية العملية.

حضرة آية الله
تمر اليوم سبع سنوات وأنا أقف إلى حافة خشبة الإعدام. وأقسم بوجداني الإنساني أنه لا توجد أية كلمة أضافية على ما شرحته وكتبته في رسالتي.
ولكن لا تتعجلوا فالقصة ما زالت مستمرة.
وبسبب عدم إستسلامي لمطلب هؤلاء السادة، عادوا وأرجعوني إلى غرفة التعذيب. وفي هذه المرة كانت نوبة إبنتي أفسانة التي أرقدوها على سرير التعذيب وقام نفس هذا الشخص السفيه بضرب كف إبنتي بالفلقة. ومن جديد أجلسوني وراء باب غرفة التعذيب وأجبروني على سماع أنين البنت. وأعادوا الكرة وطالبوني بقبول عرضهم. وعند رفضي للعرض جرجوني ليلاً من جديد إلى غرفة التعذيب. وفي هذه المرة طبقوا عليها طريقة "دستبند قباني" وعلقوها بالسقف. كانت رجلاها ما زالتا على الأرض، وسحبوني وراء باب غرفة التعذيب، وهددوني بتعليق مريم في حالة عدم إنصياعي لمطاليبهم. كنت أسمع أنيناً خافتاً لمريم لأنهم وضعوا منديلاً في فمها. وبعد فترة قصيرة تعالى صوت السيد "ياسر" من داخل غرفة التعذيب الذي تعالى صوته ملوحاً بإصابة مريم بالإغماء ومطالباً بإستدعاء الطبيب. وعادوا بي إلى زنزانتي.
ومن أجل أن لا أجافي الحقيقة، فبعد عدة أسابيع من إنتهاء التحقيقات في السجن الإنفرادي، قال لي المحقق الخاص بي السيد "مجتبى" إن ما جرى ما هو إلاَ تمثيلية مفتعلة وإن الأنين كان من تقليد "ياسر". وبعد لقاء قصير مع زوجتي مريم أكدت "إنهم لم يرفعوني إلى السقف وبأنها بقيت خمسة دقائق في غرفة التعذيب وبعدها أرجعوني إلى زنزانتي".

حضرة آية الله
هل أن كل هذه الإعترافات تدخل في إطار "التعزيرات" الإسلامية ؟
بقدر معرفتي بـ "التعزيرات الإسلامية" الواردة في العقوبات الإسلامية فإن:
التعزير ينحصر بالضرب بالسوط وليس له أية علاقة بالأساليب الأمريكية والإسرائيلية التي تتلمذ عليها عملاء الساواك وجلاديهم، الساواك هي المخابرات والبوليس السري الإيراني في عهد الشاه، مثل " دستبند قباني " والتعليق بالسقف وسائر الأساليب التي أشرت إليها في رسالتي أعلاه.
التعزير هو حد للعقوبة يطبق في حالة ثبوت الجرم ويحدد من قبل حاكم الشرع شأنه شأن سائر "الحدود" الإخرى. إن تطبيق التعزير من أجل إنتزاع الإعتراف على إتهام واهي كلياً وإفتراضي وغير صحيح، والذي سأشير اليه لاحقاً، هو إتهام كاذب والذي ثبت بطلانه وكذبه بالرغم من كل أساليب التعذيب والدوس بالأقدام على أصول القانون الأساسي للجمهورية الإسلامية الإيرانية .
وكما ذكرت فإن الهدف من كل هذا التعذيب هو إنتزاع إعترافات كاذبة من العناصر البارزة في حزب توده إيران بقصد إتهام الحزب بالتحضير لإنقلاب مسلح في بداية عام 1362 شمسي هجري (عام 1983 ميلادي) للإطاحة بنظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
واعتقد ان هؤلاء السادة الذين فبركوا كل هذه الإكاذيب ولجأوا إلى كل الأساليب غير الإنسانية لإنتزاع الإعترافات ولتأكيد الأكاذيب كانوا يرمون إلى تحطيم حزب عمل خلال أربعة سنوات من نشاطه القانوني، على الرغم من مختلف أنواع الضغوط سواء من جانب نظام الجمهورية الإسلامية أو القوى الرجعية وسائر المجموعات اليمينية واليسارية المتطرفة، أقول عمل الحزب بثبات وبكل إمكانياته للدفاع عن الثورة وشارك في الإستفتاء على النظام إيجابياَ وإنتهج "سياسة مقبولة من قبل الشعب".
إن الدليل على عدم الجواب على وجهة نظري هو أن عملية التحقيق شهد لها شاهد آخر ما زال حياً هو السيد محمد علي عموئي الذي سعى ليس فقط اليوم بل مرات عديدة لإماطة اللثام عن كل مراحل التحقيق الوحشية واللإنسانية التي تعرض لها هو والسيد عباس حجري وسطرها في رسالة من 40 صفحة وجهها إلى حجة الإسلام ناصري ممثل آية الله منتظري ثم كررها في مناسبات أخرى كلما سنحت الفرصة ليرسلها إلى عدد من المسؤولين الآخرين.
وتتحدد القضية في أن المحققين كانوا يسعون إلى إنتزاع تقارير كاذبة ومفبركة من السيد علي عموئي وعدد آخر من الكادر القيادي عن أن حزب توده إيران، السكرتارية التي تعتبر الهيئة العليا في الحزب في الفترة بين إجتماعي اللجنة المركزية، كان يتهيأ للقيام بإنقلاب عسكري قبل بضعة أسابيع من الإعتقال كما أشرت إليه آنفاً. وبسبب معارضة السيد عموئي وآخرين، فقد تعرض هؤلاء إلى أقسى أنواع التعذيب ! إن السيد عموئي، الذي قضى 25 سنة في السجن في مرحلة الطاغوت أي كل مرحلة شبابه في سجون الشاه المخيفة، تحمل كل أنواع التعذيب الجسدي والنفسي غير القابل للتحمل، وإنني عاجز عن أن أشرح هنا كل ما تعرض له وكلَي أمل أن يبادر هو مرة أخرى إلى أن يصف لكم هذه العملية. وجرى نفس الشئ للسادة عباس حجري ورضا شلتوكي ولآخرين ولي أيضاً.
لقد ذكرت لكم آنفاً ما تعرض له السيد عباس حجري. أما بالنسبة للسادة الآخرين، ومن ضمنهم عناصر من التيار الإسلامي، فقد حصل الأمر ذاته. وبهذه " الشطارة "، على حد علمي، إستطاع المحققون إنتزاع إعترافات كاذبة من 12 فرداً من أعضاء المركز القيادي للحزب.
كنت الشخص الوحيد الذي لم يذعن لقبول هذه الأكاذيب على الرغم من الضغوط التي مورست ضدي. لقد قيل لي إن جميع أعضاء السكرتارية المعتقلين قد أذعنوا لمقولة أن الحزب كان يتهيئ للقيام بإنقلاب عسكري في الأول من أيار ( 11 أرديبهشت سنة 1362 حسب التقويم الإيراني ).
كان جوابي الوحيد هو أنه :
أولاَ – لو بادر جميع أعضاء الحزب إلى القبول بهذا الإدعاء أمامي فإني سأرد عليهم إنه كذب محظ ولا أقبله. وأشير إلى أنهم تعرضوا لنفس الضغوط التي تعرضت لها أو أسوء وإعترفوا بهذه الأكاذيب.
ثانياَ – هل توجد مهزلة أكثر من التي نعيشها وهي إن حزباَ سياسياَ يمهد للقيام بإنقلاب عسكري بمئة قطعة سلاح خفيف،البندقية، وبمقدار من القنابل اليدوية وقاذفتين خفيفتين أمام تلك القوة الكبيرة من الحرس والجيش والشرطة واللجان الثورية والتعبئة! أنتم تعتبروننا أذكياء وشطار فكيف لكم أن تلصقوا بنا مثل هذه الحماقة؟
وجوابا على سؤالي قالوا بأن أشخاص آخرين، حسن قائم بناه، تحدثوا عن وصول أسلحة وفيرة من الإتحاد السوفييتي ومن المحتمل أنها خبئت في غابات مازندران وفي بعض البساتين في ضواحي طهران وبعض مناطق خراسان.
وكان جوابي هو الآتي: أليس من الحماقة بمكان أن نحصل على كميات كبيرة من السلاح وندفنها في غابات مازندران! وهل أنه بالأمكان ولوحدي القيام بمثل هذه المهمة العسيرة؟ وخاصة لشخص بمثل سني وطاقة رجل في سن الثامنة والستين! وهل يوجد شخص آخر من بين مئات المعتقلين من إعترف بذلك وساعد على نقل الأسلحة وتخبئتها؟ لا يوجد أي شخص على الإطلاق.
وإذا كنتم تعتقدون بوجود أسلحة مخبئة في أحد بساتين الأصدقاء في ضواحي طهران، فأذهبوا إلى هناك وإجلبوا هذه الأسلحة.
لقد قلت أنه في أثناء الثورة، يومي 21 و 22 بهمن ( 10 و 11 شباط عام 1979) إستطاعت عدة معدودة من أعضاء الحزب لا يتجاوزون العشرة أفراد الحصول على بضع قطع من السلاح شأنهم شأن سائر أفراد الشعب في تلك الأيام وأخفيناها في بيتين حتى نستطيع إستخدامها في حالة تحرك المناوئين للثورة في يوم من الأيام، والعمل بقوانا المحدودة الى جانب القوى الموالية للثورة لردع قوى الثورة المضادة.
ثالثاَ – إن جميع وثائق ومحاضر هيئة السكرتارية وقعت جميعها في أيديكم. وفي هذه المحاضر لا توجد لا من قريب ولا من بعيد أية إشارة إلى مثل هذا الحديث. فالعكس هو الصحيح. فقبل أسابيع من الإعتقال سمعنا وشعرنا بملاحقة المأمورين لنا ليلاَ ونهاراَ وأن السلطات في الجمهورية الإسلامية ولأسباب سياسية عامة تتهيأ لتوجيه ضربة إلى حزبنا. ولهذا السبب إتخذنا قراراَ في هيئة السكرتاريا وبإتفاق الآراء على خروج الكوادر الحزبية المركزية خارج البلاد وبشكل غير قانوني وأوكلنا المهمة الفنية لهذا العمل الحزبي إلى تنظيمات صغيرة لتهيئة كل ما تستلزمه هذه المهمة.

حضرة آية الله
إن ما يثير الضحك هو أن الأشخاص الذين يمهدون للقيام بإنقلاب عسكري يسعون في الوقت ذاته إلى الفرار من البلاد!
ومن التقارير المفبركة التي جرى فرضها على القياديين تحت طائلة التعذيب كون هؤلاء الأشخاص من ضمن قادة الجناح السياسي - العسكري - التنظيمي والدعائي للإنقلاب الذي جرى الحديث عنه. والأنكى من ذلك، طرحت قائمة بإسماء أعضاء "مجلس الوزراء" الذي سيستلم الحكم بعد نجاح الإنقلاب الموعود. وقيل وقتها أن كيانوري سيصبح رئيساَ للجمهورية !! وعموئي وزيراَ للخارجية وآخر وزيراَ للحرب و ...
إنه لشئ يثير العجب حول طبيعة تلك "العقول الجبارة" التي أعدت هذه الكوميديا المبتذلة. بالطبع لا تتصوروا أن هذه التسميات بقيت في إطار ما ورد أعلاه. ففي تلك الفترة وأينما كانوا يجرجروني كانوا يضعون القاباً جديدة. ولكن بسبب وضع القناع على عيني لم أستطع التعرف على هؤلاء الأشخاص. فالبعض منهم راح يوجه اللطمات على رأسي ويسألني: "كيف حال رئيس الجمهورية".
في الأشهر الأولى من الإعتقال، وبسبب الضغوط الشديدة، أصبت بنزيف معدي عدة مرات بحيث لم يستطيعوا إنقاذي من الموت إلا بواسطة الحقن المغذية.
في يوم 11 من أرديبهشت ( أول أيار ) قال لي المحقق: "نحن نذهب إلى البيت وأسلحتنا معنا خوفاَ من إحتمال إنقلاب عسكري. وليكن معلوماَ لديك بأنه قد وزعت علينا قنابل يدوية نرميها في كل زنزانة في حالة إنطلاق أول رصاصة في المدينة".
وكان جوابي والإبتسامة بادية على وجهي هو الآتي: "أرجو لك قضاء ليلة مريحة وسنرى بعضنا غداَ صباحاَ". وإنتهت أحاديثي كما رويتها وتبين أن قضية "الإنقلاب العسكري" الذي يمهد له حزب توده أيران ما هو إلا بالوناً لا أكثر.
لقد تطلب الأمر سنة واحدة لنقلنا إلى سجن إيفين. وبدلا من 24 ساعة لتوجيه الإتهام كما جاء في نص القانون الأساسي للجمهورية الإسلامية، مرت فترة تزيد على 365 مرة على المدة المقررة .
وخلال هذه السنة كنت أنا وزوجتي وإبنتي محرومين من لقاء الأقرباء ولم نستطع التحدث معهم بالتلفون شأننا شأن السجناء الآخرين مرة واحدة في الإسبوع، فقد سلب منا هذا الحق أيضاَ .

في سجن إيفين
في نهاية عام 1362 ( بداية عام 1984 ميلادية - ع.ح. ) نقل القسم الأعظم من سجناء توده إلى سجن إيفين لإجراء المحاكمة.
وفي سجن إيفين لم تسلم إلى المحكمة الإضبارة التي نظمت في المعتقل حسب المادة 32 من القانون الأساسي. لذا بدأت من جديد عملية التحقيق بكل تفاصيلها وأجبرنا على ملأ الصفحات جواباَ على أسئلة المحققين مع فارق أنهم لم يلجأوا إلى التعذيب الذي مورس ضدنا في المعتقل .
ولكن هذا الواقع كان نذير شؤم بالنسبة لنا أثناء الإعتقال والإقامة في سجن إيفين الذي ضم بين جدرانه 11 من أعضاء اللجنة المركزية الذين قضوا نحبهم وهم:
1-السيدان رضا شلتوكي و تقي كيمنش، وهؤلاء الإثنان كانا ضمن مجموعة الضباط التودويين الذين قضوا 25 سنة في سجون الشاه المخلوع. 2- السيد كاكيك آوانسيان ( الذي قضى 15 سنة في السجن في عهد الشاه وإلتقى بكم في ليلتكم الأولى في السجن الإنفرادي آنذاك وزودكم بالسيجائر. وفي وقت آخر إلتقى بالسيد الحاج مصطفى الخميني الإبن الأكبر للإمام الخميني الذي جلبوه إلى السجن بدون ملابس كافية في السجن الإنفرادي مما دفع كاكيك إلى تزويده بأحدى بطانياته علماَ أنه أرمني وتودوي. وجواباَ على ذلك شكره السيد الحاج مصطفى وقال: "في هذه الظروف لا توجد أهمية لمثل هذه القضايا".
3-السيد باباخاني الذي سجن لمدة 10 سنوات في عهد الشاه وكان مع السيد لاجوردي في سجن مشهد.
4- البرفسور آكاهي، أستاذ الفلسفة.
5- حسن قزلجي , الشاعر والكاتب الكردي الطاعن في السن
6- حسن حسين بورتبريزي
7- علي شناسائي ( والإثنان هما عاملان قديمان تم سجنهما لبضعة سنوات بعد إنقلاب 28 مرداد ) .
8-محسن علوي - أستاذ الرياضيات السابق - إعتقل بعد 28 مرداد وتعرض إلى التعذيب الوحشي لجلادي الساواك بحيث أدى إلى شلل في يده اليسرى .
10-السيد أنصاري من أهالي تركمن صحرا وحائز على الدكتوراه في العلوم الإجتماعية والأدب التركماني من الإتحاد السوفييتي .
11-السيد رحمان هاتفي
ليس لدي أدنى إطلاع عن وفاة 10 منهم، من رقم 2 إلى 11. ولا أعلم هل أنهم فارقوا الحياة جراء التعذيب أو من أثر التعذيب أو المرض. ولا توجد أية سابقة عن وفاتهم أو إبتلائهم بمرض خطير في سجن إيفين.
أما فيما يتعلق الأمر بالسيد شلتوكي، فإنه كان مصاباَ منذ فترة بسرطان حاد في المعدة. ولهذا السبب لم يستطع تناول طعام السجن بإستثناء الخبز. إن الأصدقاء الذين كانوا يشغلون الزنزانات القريبة منه يقولون أنهم كانوا يسمعون مراراَ صوت إلتماسه بطلب الخبز للتخفيف من آلامه، ولكن مسؤول القاطع كان يرفض تزويده.
وبعد إنتهاء المحاكمات في صيف عام 1364 ( 1985 ميلادية ) التي سأعرج عليها لاحقاَ، تم نقل كل من السادة عباس حجري و عموئي و شلتوكي و باقرزاده و ذو القدر، وجميعهم من الضباط الذين قضوا 25 سنة في سجون الشاه، و بهرام دانش و دكتور أحمد دانش وفرج الله ميزاني إلى غرفة في الحسينية.
ويشير عموئي والآخرون إلى أنه لم يبق من شلتوكي الرياضي وذي البنية القوية سوى الجلد والعظم ولم يستطع الأطباء سوى تزويده بالمسكنات إلى حد أنه لم يعد هناك أي أمل ببقائه حياَ. في البداية تم نقله إلى مستشفى السجن وبعد ذلك وبمساعدة عائلته تم نقله إلى أحد مستشفيات طهران. وبعد أن فقد الأطباء الأمل بشفائه أعيد مرة ثانية إلى مستشفى السجن ومات هناك في وضع مأساوي.
وبعد وفاته لم تسلم جنازته إلى ذويه ولم يجر إعلام عائلته بمحل دفنه. وهددت عائلته بضرورة الإمتناع عن أقامة مراسيم الفاتحة على روحه.
إن السيد محمد عموئي هو أبن خالته وحصل على هذه المعلومات من عائلته.
أما فيما يتعلق الأمر بالعشرة الآخرين، فبعد إنتهاء المحاكمات مباشرة تم نقلنا من زنزانات القسم 209 إلى قسم جديد أطلقوا عليه أسم "الإستراحة"، وهو أسم على مسمى !! ونقلونا إلى الزنزانات الإنفرادية. ولقد شاهد عموئي السيد كاكيك وهو يسير بمساعدة آخرين لأنه لم يعد قادراَ على السير وحده. وكان على جسمه قميص وسروال رث لايحجبان جسمه. وبعد هذا التاريخ لم يعد بإمكاننا رؤيته.
لماذا تعرض لكل ذلك؟ وهل تكرر التعذيب على غرار البرنامج المقرر في معتقل 3000 ؟
ومع ذلك هناك سؤال يبقى مطروحاَ وهو أنه في ذلك الشتاء القارص قدم كاكيك ما لديه للتخفيف من البرد عن آية الله مصطفى الخميني، في حين أن أنصاره لم يقدموا له حتى بطانية ممزقة لكي يلفها حول خاصرته حتى لا يقطع هذا الطريق الطويل وهو على هذه الحال أمام أعين عشرات وعشرات المأمورين والمستخدمين الذين ينظرون إليه بعيون ساخرة.
وإلى من أستطيع أن أشكو ألمي ؟ لحد الآن ينتابني الخجل من التحدت بذلك إلى أصدقائي.
هنا ولكي لا أجافي الحقيقة، أود التذكير بقدر ما يتعلق الأمر بي، بأنه ليس لدي أي شكوى من مستشفى السجن. إن طاقم المستشفى لم يقصر تجاهي سواء أكان الأمر يتعلق بالعلاج العام أو بالعمليات الجراحية الأربع التي أجريت لي، إثنتان في مستشفى السجن وإثنتان في مستشفيات طهران.
أما بالنسبة لبقية السجناء , فلحد علمي وخاصة في السنوات 2-3 الأخيرة، وأن لم يكن بالحد الذي عوملت به، إلا أنه لا توجد شكوى أساسية من قبلهم.
ومنذ الإنتقال من سجن 3000 إلى سجن إيفين في صيف عام 1364 ( 1985 ميلادية) وبعد عدة أشهر كنا قابعين في زنزانات تبلغ مساحتها 1,80 متراَ إلى 2,80 متراَ. وفي بعض الزنزانات يسجن 2-3 فرد أو حتى 5-6 أفراد. كنا محرومين من الخروج من الزنزانة لإستنشاق الهواء النقي ولم يسمح لنا بالإستفادة من الحمام إلاً مرة واحدة في الإسبوع.
خلال تلك الفترة لم توفر لي الفرصة للقاء زوجتي مريم إلا مرتين ولبضع دقائق بحضور المحقق وكنا محرومين من لقاء الأقرباء لحين إطلاق سراح إبنتنا بعد سنة من إنتقالنا.
وكما أشرت أنفاَ فإن أبنتي أفسانة وبعد عام من التعذيب والتحقيق في سجن 3000 تم نقلها إلى سجن إيفين. وفي سجن إيفين تكرر التحقيق من جديد. وأخيراَ تم عرض نموذج آخر لمسرحية شكسبير الشهيرة "ضجة كبيرة بلا سبب". فقد أطلق سراح أفسانة بدون محاكمة وحكم. وهكذا مرت سنتان من حياتها هباء بهباء. وبقي أبنها خلال هذه الفترة محروماً من الرعاية. وتلاشت حياتها ونهبت ممتلكاتها.
وهنا أرى من الضروري الإشارة إلى النواقص الجدية في سجون الجمهورية الإسلامية دون المقارنة بسجون البلدان الشعبية والديمقراطية، بالطبع بإستثناء أمريكا المعادية للديمقراطية والدول التي تدعي الديمقراطية، ولكن حتى لو قورنت بسجن إيران في عهد الطاغوت.
أولاَ- فيما يتعلق بمواجهة السجناء لأقربائهم – يتمتع السجناء بلقاء إقربائهم لا في الدول الشعبية والشرقية فحسب، بل وحتى في سجون الشاه المخلوع ويطال ذلك حتى الأصدقاء والمعارف حيث كان بإستطاعتهم اللقاء بالسجناء. وكان من حق السجناء الحصول على كل أنواع الطعام والملابس من الأصدقاء والأقارب. فعندما كنتم أنتم في السجن فمن الطبيعي أنكم كنتم شهوداَ على بعض السجناء المرفهين الذين كانوا يحصلون على طعامهم من الغذاء والعشاء من بيوتهم.
أما في سجون الجمهورية الإسلامية، ولحد علمي، فإن بإمكان السجين المواجهة إسبوعياَ أو كل أسبوعين مع أقربائه من الدرجة الأولى ( الأب – الأم – الزوجة – الإبن – الأخت – والأخ ). وإذا لم يكن للسجين أي من أقرباء الدرجة الأولى فيستطيع بإجازة خاصة التمتع بحق مواجهة أقربائه من الدرجة الثانية. بالطبع تجري المواجهة وراء الحاجز الزجاجي ويتم الحديث بواسطة التلفون.
ثانياَ- فيما يتعلق بالعلاقة بين السجناء داخل السجن، وهنا يدور الحديث عن سروال "كاكيك" الرث، لربما ستقول حسناَ لماذا لم ترسلوا له، أنتم رفاقه في السجن، سروالاَ مناسباَ ليرتديه؟ هذا يعود بالضبط إلى منع أية علاقة بين السجناء وهو النقص الثاني في سجون الجمهورية الإسلامية على حد علمي.
بالطبع بالنسبة إلى السجناء الذين مازالوا تحت مظلة التحقيق، فإنه من المفهوم أن يتم هذا العزل لتفادي التنسيق . ولكن في سجن إيفين الذي كنت شاهداً عليه فإن إمكانية التماس وحتى السلام بين السجناء الذين يعرف أحدهم الآخر والقابعين في زنزانات مختلفة ممنوع بإستثناء السجن العام. ويسري هذا المنع حتى على السجناء الذين إنتهت محاكماتهم منذ سنوات بل وحتى بالنسبة للسجناء الذين عاشوا في زنزانة واحدة لفترة بل ولسنوات عديدة. وإذا ما صادف وإن تواجه السجناء في صالون المواجهة أو في المستوصف مثلاَ فليس من حقهم السلام على بعضهم وإذا ما حصل ذلك يتعرض السجين إلى العقاب.
ويبقى الجواب على سؤالي بدون رد وهو السبب في كل هذه التعقيدات والمحدوديات فيما يتعلق بالأشخاص الذين تجمعهم سوابق من الصداقة والمعرفة، وما هو الضررالذي يعود على مقررات السجن في الجمهورية الإسلامية في حالة تبادل الحديث بين هؤلاء الأفراد. هل يتصور البعض أن مثل هذه القيود ستحول السجون إلى جامعات؟

المحاكمة
إن نموذج محاكمتنا،السيد محمد علي عموئي و السيد مهدي برتوي و نور الدين كيانوري، يشبه كل نماذج المحاكمات الأخرى. وهي وثيقة دامغة على دوس المراجع القضائية بالأقدام على بنود القانون الأساسي.
الفقرة 35 من القانون الأساسي للجمهورية الإسلامية الإيرانية تشير الى ان من حق المتهم "في كل المحاكم يحق لكلا طرفي الدعوى تعيين وكيل له، وإذا لم يكن بمستطاعه إنتخاب محامي له فيجب أن توفر له إمكانيات ذلك" .
من المعمول به في جميع المحاكم هو أنه بعد تنظيم بيان الإدعاء من قبل النيابة العامة وإبلاغ المتهم بها، يعين الأخير محامي له أو بضعة محامين وبعد ذلك توفر الفرصة للمتهم ومحاميه أو مجموعة المحامين للإطلاع على وثيقة الإدعاء. وبعد ذلك يحدد يوم إجراء المحكمة وتبدأ إجراءات المحكمة.
في عهد الطاغوت (الشاه)، إعتقلت أنا ومجموعة من القادة والمسؤولين في حزبنا وجرى محاكمتنا. وطالب النائب العام في مطالعته بإنزال عقوبة الإعدام بي وبآخرين ( 14 شخصاَ ). لقد إخترنا 12 محامياَ من الدرجة الأولى بشكل مشترك. وقام هؤلاء السادة وبدون أن يتقاضوا فلساَ لقاء أتعابهم بالدفاع عنا ببسالة وشجاعة خلال كل جلسات المحكمة التي إستمرت عدة أسابيع. وفي النهاية وعلى الرغم من تهديدات الشاه لقضاة المحكمة، وكان أحد القضاة الثلاثة العقيد بزرك عميد، وعلى الرغم من وجود القاضيين الصوريين الآخرين، قضت المحكمة بتبرئتنا بشكل تام.
ولكن ثمن حكم هذا القاضي كان غالياً لاتخاذه لهذا الموقف الإنساني . فبعد فترة قصيرة خلعت رتبته ووضع في السجن , ولكن بقي هذا الأسم اللامع في تاريخ المحاكمات الصورية لحكومة الطاغوت .
بعد 28 مرداد عام 1332 ( 19 آب 1953 ميلادية)، سجن أيضاَ عدد كبير من قادة وأعضاء الحزب وكان الجنرال آزموده قصاب النيابة العامة العسكرية. ولكن تمتع جميع المتهمين بنفس الحقوق التي نص عليها القانون الأساسي للجمهورية الإسلامية.
ولكن في محاكماتنا جرى الدوس بالأقدام على عدة أصول من أصول القانون الأساسي للجمهورية .
أولاَ – أود أن أشير إلى أننا أبلغنا بخلاصة مطالعة الإدعاء الثوري بعد إعتقالنا مباشرة في شتاء عام 1363 ( عام 1984 ميلادية – ع.ح. ).
ثانياَ- لم توفر لنا الفرصة بتعيين محامي ومطالعة الإضبارة.
ثالثاَ- نظم الحكام إتهامهم في 10 تير 1364 ( 1 تموز 1985 ميلادية ) أي بعد سنة ونصف من إعتقالنا وطالبوا بالحكم بدون التدقيق في التناقضات العجيبة في إضبارة التحقيق وبدون التدقيق في مواد القانون الأساسي حول عدم شرعية الإعترفات التي أخذت في ظل التهديد والتعذيب.
وطالب الأدعاء العام بإنزال عقوبة الإعدام لغالبية الأفراد بالاستناد إلى التهمة الواهية وهي " النية بقلب نظام الحكم في الجمهورية الإسلامية الإيرانية"، هذا بالرغم من أن " البالون المفبرك " لما سمي بتدبير الإنقلاب قد انفجر.
ومما يثير السخرية، إن الإدعاء العام الثوري طالب بعقوبة الإعدام لأشخاص على أساس "النية الإطاحة بنظام الجمهورية الإسلامية" حتى بالنسبة لمتهم لم يعترف بهذه الإتهامات الكاذبة بالرغم من التعذيب والضغط الرهيب.
ونموذج على ذلك مطالعة الإدعاء المتعلق بزوجتي مريم فرمائيان. فقد جاء في المادة 4 ما يلي: "أنها كذبت وأخفت الحقائق خلال كل مراحل التحقيق".
وتلاحظون هنا أن بيان الإدعاء يفتقر إلى الأساس الواقعي .
ان ما هوأكثر مدعاة للضحك هي القضية التالية:
1- أعتقل السيد فريبرز صالحي في شهريور 1360 ( أيلول 1981 ميلادية )، أي قبل سنة ونصف من إعتقالنا. ومنذ ذلك الوقت بقي في السجن حتى إعدامه (بسبب نفس التهمة الموجهة الينا) في صيف عام 1367 ( صيف عام 1988 ) .
2- أعتقل السيد الدكتور فريبرز بقائي في 15 تيرماه عام 1360 ( 6 تموز عام 1981 ميلادية )، أي أكثر من سنة ونصف من إعتقالنا ولحد الآن وبالرغم من نيله درجة تخفيف من حكم الإعدام (بسبب نفس التهمة الموجهة الينا) إلى الحكم المؤبد، فإنه مازال في السجن ويعمل ليل نهار بالطبابة في السجن.
وحتى بالنسبة لهذين الإثنين، طالب الإدعاء العام الثوري بإنزال عقوبة الإعدام بتهمة "النية بالإطاحة بنظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية ". إنه لأمر يثير العجب بحق.
وكما جرى الإشارة أليه فإن الأتهام بالإنقلاب قد افتضح بحيث لم يطرح المحققون على المجموعة الثانية من قادة حزب توده إيران قضية الإنقلاب ولم يستطع الإدعاء الإستناد الى هذا الإتهام.

أما حول " النية ":
يعرف سيادتكم جيداَ إن هناك إختلاف جذري من الناحية القضائية بين " النية " و " الإقدام ". وحتى الإقدام، فهو يتضمن ثلاث مراحل والذي يحتاج في كل مرحلة إلى عناصر الإثبات، وتحدد العقوبات بشكل منفصل.
إن المراحل الثلاث للإقدام هي عبارة عن : 1- التفكير والتصميم على الإقدام، و 2- توفير الوسائل للإقدام، 3- التنفيذ العملي.
إن النية بقصد إرتكاب الجريمة لا تشكل أي جرم. فالآلاف من الناس ينوون ليلاَ ونهاراَ معاقبة أعدائهم أو من آذاهم إلى حد القتل. ولكن إذا لم يقدمون على شئ فإن ذلك لا يعد جرماَ.
ولنتجاوز ذلك، فكيف يستطيع من إتهم بأنه " ينوي الإطاحة بنظام الجمهورية الإسلامية " ويقوم بنفس الوقت بتحريض زملائه على الفرار من البلاد قبل إعتقاله ؟ ولم أتحدث ولو بكلمة واحدة عن مثل هذه " النية " مع أي من أعضاء أو من مسؤولي الدرجة الأولى في الحزب.
كل ذلك يدل على الأسس الواهية للهيكل الكبير من الإتهامات والمحاكمات وأراء حكام الشرع .
بدأت المحاكمة بدون الإطلاع والعلم المسبقين بالمضمون الواسع للإدعاء العام الثوري وبدون المحامي وبدون قراءة الإضبارة من أجل العثور على التناقضات فيها. وإنتهت بعد عدة جلسات قصيرة إستمرت لمدة ساعتين. ولم يتم إبلاغنا، أنا وعموئي، برأي المحكمة حتى اليوم وبعد مرور أربع سنوات ونصف. وهكذا فإنني أنتظر عند خشبة الإعدام لمدة أربع سنوات ونصف مثلها مثل السنوات الطوال التي قضيتها في النضال ضد النظام الطاغوتي. إنني أنتظر كل يوم إبلاغي برأي المحكمة، وهو الإعدام، وتنفيذ الحكم .

الحياة بعد المحكمة
في فترة الأربع سنوات ونصف، التي أعقبت إنتهاء المحاكمة، أتصل بي من الحوزة العلمية في قم أحد رجال الدين البارزين وهو السيد موسوي زنجاني. وإستفسر عن رأيي في قضايا مختلفة مثل "التعاونيات" ونقد عدد من الكتب المشبوهة ( المتعلقة بعلاقات عصابة مظفر بقائي بالأمريكان ) والعلاقات بين حزب توده والدكتور مصدق...الخ. وقمت بتدوين رأيي في كل قضية بالتفصيل مع الإستدلال والتحليل وقدمتها له. وإستمر هذا التعاون بعد المحكمة وفي صيف عام 1365 ( 1986 ميلادية ) التي سأعرج على شرحه.
وبعد فترة طلب مني السيد رازاني، الإدعاء العام الثوري، أن أهيئ تسجيلا عن الماركسية وخاصة كتاب " الرأسمال " لكارل ماركس من أجل إطلاع الحوزة العلمية في قم. وقلت له إن صديقنا فرج الله ميزاني، الذي أعدم في صيف عام 1367 – عام 1988 ميلادية، متخصص في الإقتصاد السياسي وله باع أطول في هذا الميدان. ووافق على المقترح. ومنذ ذلك الوقت كان السيد موسوي زنجاني يأتي كل أسبوع إلى زنزانتنا ( كنا فيها 7 من السجناء ) وكان يسجل خلال ساعتين المحاضرة على راديو – مسجل. ومن الطبيعي إن ماكان مكتوباً هو أكثر تفصيلاً وأكثر كمالاً مما كان يسجل. وأستمر تدريس المجلد الأول من الرأسمال قرابة 10 أشهر. وبدأ بالمجلد الثاني ولكن توقف العمل بسبب طارئ حدث أثناء ذلك.
ويشير السيد موسوي زنجاني الى إن المسؤولين ذوي الصلاحية في الحوزة العلمية في قم كانوا راضين جداً عن النتائج .
وبالمناسبة فقد أعلمونا في تلك الفترة أنه قد إنتفت قضية تنفيذ حكم الإعدام. بالطبع غدا واضحاً إن القضية لم تكن كما أعلمونا. ولربما كان الأمر على هذه الصورة ولكن تغيير القرار جاء لأسباب سياسية.
في تلك الفترة كان وضعنا إعتيادياً ونتمتع بالحقوق العامة للسجناء بدون أية أفضليات. وسمح لنا بشم الهواء لمدة ساعة أو أكثر في باحة السجن. بالنسبة لي فبالإضافة إلى المسائل العامة كانت هناك قضية المواجهة مع زوجتي. وسمح لنا بعد إجراءات المحكمة باللقاء مرة كل شهرين بشكل غير منظم. في صيف عام 1365 ( 1986 ميلادية ) إنقلب هذا الوضع الإعتيادي. والسبب يعود إلى :
أن السيد مجيد أنصاري، مدير إدارة السجون، تحدث بإسلوب بذئ مع عوائل السجناء السياسيين وخاصة السجناء التودويين وكرر الإتهامات الواهية التي تم الإشارة أليها آنفاَ وأضاف تهمة أخرى ضدي. وكرر هذا الإتهام في جريدة الإطلاعات. وكانت فحوى الأكاذيب هي الآتي: "ألقى كيانوري السكرتير الأول لحزب توده محاضرة طويلة حول دحض الماركسية وصحة الإسلام في جلسة موسعة للسجناء التودويين في حسينية سجن إيفين وعبرت مجموعة كبيرة من الحاضرين بحماس عن إنزجارهم من الماركسية ".
بالطبع إن مثل هذا الإدعاء ما هو إلا كذب محض. ولذا أوضحت في رسالة وجهتها له بواسطة السيد موسوي زنجاني وطلبت تكذيب ذلك في جريدة الإطلاعات. أما فيما يتعلق بالإضبارة فقد أشرت إلى أن القسم الأعظم من الإتهامات ليس لها أساس وإذا ما وجدت بعض الإعترافات في الإضبارة فقد إنتزعت تحت التعذيب.
وبدلا من أن يصحح السيد أنصاري، عملا بسلوك أي مسلم واقعي، أخطاءه وعلى الأقل بالنسبة للإتهامات التي تمسني، إلا أنه بادر بحقد بالغ لا يمكن وصفه ليس فقط إلى إيذائي بل إيذاء الآخرين الموجودين في غرفتنا.
وفي اليوم التالي من كتابة الرسالة إليه، أبعدوني عن الغرفة المشتركة لنا وأودعوني السجن الإنفرادي وفي ظروف عصيبة.
1-منع اللقاء بيني وبين زوجتي وإبنتي.
2- سلبت مني كل الكتب والمذكرات ووسائل الكتابة.
3- منعت من الخروج من الزنزانة لشم الهواء.
4- وإنعدمت فرصة مشاهدة التلفزيون الموجود في الغرفة المشتركة
5- جاءنا السيد أنصاري في الليلة الأولى إلى الزنزانة وأبلغنا عن إتخاذ القرار بتنفيذ الإعدام.
وعلى هذا المنوال إنقطعت عن العالم كلياَ لمدة 4 أشهر. وكنت بإنتظار تنفيذ حكم الإعدام كل ليلة ونهار وساعة.
بعد يومين أو ثلاثة جاءني معاون السيد أنصاري إلى الزنزانة وبعد التهديد والوعيد طلب مني التنكر لمعتقداتي وأن أصبح مسلماَ لكي يتحسن وضعي.
وكان جوابي الآتي: " أفضل أن أعدم بدلاَ من السقوط في هاوية الرياء والكذب. إنني من محبي الجمهورية الإسلامية الإيرانية ومن أنصار نهج الإمام وأتقبل حكم المحكمة بحقي ". وهذا ما أدرجته في رسالتي إلى السيد أنصاري.
وهكذا بقيت أربعة أشهر بإنتظار تنفيذ حكم الإعدام دون الإطلاع على أخبار زوجتي . وبعد أربعة أشهر عادوا بي مرة ثانية إلى الزنزانة المشتركة . وهنا علمت أنه بعد أيام من إنتقالي إلى الزنزانة الإنفرادية , نقل أفراد آخرون من الغرفة إلى الزنزانات الإنفرادية وبعد عدة أسابيع نقلوهم بمجاميع أقل عدداَ إلى الغرف . أما فيما يتعلق بالسادة فرج الله ميزاني ومنوجهر بهزادي اللذين عملا بشكل فعال للحوزة العلمية في قم فإن إقامتهما في الزنزانات الإنفرادية دامت أشهر إضافية لسبب لا علم لي به .
وإدى تصرف السيد أنصاري الى توقف تعاملنا مع الحوزة العلمية في قم .
وبعد فترة إستأنف السماح لي بلقاء زوجتي وبعد 8 أشهر. وحدثتني زوجتي كيف أن السيد أنصاري بعد اللقاء بي ذهب إلى زنزانتها وكال لها الشتائم ومنعها من المواجهة معي ومع إبنتي. وحرمت من إستنشاق الهواء في باحة السجن خلال كل فترة السجن وحتى عام 1366 ( 1987 ميلادية ). وقالت لي زوجتي أنها خلال فترة الثمانية أشهر، أرسلت لي 8 إلى 10 رسائل إستلمت منها فقط رسالة واحدة بعد إنتقالي إلى الغرفة العامة. ويبدو أن الرسائل الأخرى قد ضبطت بإعتبارها مستمسكات جرمية جديدة أو " غنائم حربية ". إن الضغوط التي تعرضت لها زوجتي وسائر الأصدقاء بعد كتابة الرسالة للسيد أنصاري، يذكرني بهذا الشعر الفارسي الجميل الذي يتحول من جديد إلى واقع ملموس :

" في بلخ الحداد هو الذي إرتكب الذنب ولكن الصفًار دق عنق الجمل ".
( ومدينة بلخ في الادب الفارسي كمدينة قرقوش وحكمها القرقوشي في الادب العربي- عادل حبه).

ومن حسن الحظ إن دق الأعناق في أحوالنا لم يؤد إلى نزيف الدم. بعد ثمانية أشهر من الألم والمعاناة عاد الوضع إلى حاله الطبيعي. ولكن للأسف لم يستقر الوضع على هذا الحال. فبعد أكثر من سنة بقليل تحول هذا الشعر وبشكل مؤلم إلى واقع مرير وتعرض المئات من أعضاء توده إلى إطلاق النار عند منصات الإعدام.

حضرة آية الله
كما تعلمون , في صيف عام 1367 ( صيف عام 1988 ميلادية ) وبعد عمليات المرصاد في أشهر خرداد ( حزيران ) إلى مهرماه ( تشرين الأول ) تم إعدام أعداد كبيرة من السجناء في سجون طهران وإيفين ورجائي شهر ومن بينهم أعداد كبيرة من السجناء التودويين الذين ليس لهم أدنى علاقة مع مجاهدي خلق، بل بالعكس، فقد كانوا هدفاَ لحملات عدائية من قبلهم. ويكمن السبب في هذا العداء ضد السجناء التودويين هو أن السجناء التودويين وحتى أولئك المحكومين بالإعدام كانوا يساندون الجمهورية الإسلامية ونهج الإمام.
ليس لدي علم دقيق بعدد أولئك الذين أعدموا بالرصاص إلى جانب 11 شخصاَ قيل أنهم فقدوا ولكنهم فارقوا الحياة في السجن. ولكن لدي أسماء 50 من الذين تم إعدامهم. وبدون أدنى شك فإن من تم إعدامهم يفوق هذا العدد بكثير.


حضرة آية الله
من المثير أنه في هذا القتل الجماعي لم يتم إعدام العدد القليل ممن كان محكوماَ بالإعدام فقط، بل طال الإعدام حتى أولئك المحكومين بالسجن المؤبد أو لمدة عشرين سنة أو 15 سنة أو 5-6 سنوات بدون وجود مستجدات تبرر إعدامهم.
هل أن ما أوردته من حقائق في الرسالة، وأقسم بوجداني الإنساني أنه لا توجد أية كلمة اضافية فيها، يدخل ضمن إطار العدالة الإسلامية؟
كل أملي هو أن تصبح هذه الرسالة مقدمة كي لا تتكرر مثل هذه الممارسات في المستقبل.
بنفس تلك الآلام التي تنخر في الروح والتي عبرت عنها في رسالتي السابقة، أنهي هذه الرسالة بإقتراح عملي، لكي أثبت صحة ماورد فيها من معلومات.

أرجو لكم الموفقية في إنجاز المهام المعقدة والثقيلة الملقاة على عاتقكم في هذه المرحلة الحساسة من حياة وطننا العزيز .

نور الدين كيانوري
في 16 بهمن 1377 ( 5 شباط 1989 )[/b][/size][/font]

29  الحوار والراي الحر / المنبر السياسي / ايران تسعى الى سلاح نووي وليس الى طاقة نووية في: 00:02 25/04/2006
معتمدة
ايران تسعى الى سلاح نووي وليس الى طاقة نووية
عادل حبه

يبدو ان حكام ايران لم يتعظوا من حقائق عالمنا المعاصر ويعيدون تخبطات اقرانهم المغامرين من امثال صدام والقذافي وحكام كوريا الشمالية وغيرهم ممن ابتلوا بهوس "العنترة" وحيازة السلاح النووي او اسلحة الدمار الشامل والتي يعدونها وسيلة، حسب ظنهم، لفرض خططهم واحلامهم الطوباوية على العالم المعاصر. ان نتائج هذا الهوس لدى البعض عاد بالكارثة على من إبتلي به.
فعلى هذا الهوس انهار حكم صدام، واستسلم القذافي وتخلى عن "طموحاته النووية" ونقل كل الاجهزة النووية الباهضة التكاليف الى الولايات المتحدة دون مقابل، وبقي شعب كورياالشمالية في حالة من الفقر المدقع ويعيش حالة الانزواء عن العالم نتيجة لهوس حكامه.
و لايشذ حكام ايران عن هذا السرب الضائع، فهم يجرون البلاد الآن الى دوامة المغامرات الفاشلة وهدر ثرواتها وافقار شعبها عبر صرف المليارات على برنامج لا تحتاجها ايران سواء اكان سلمياً او عسكرياً مقابل المزيد من تراجع الانتاج المدني وفقر الايرانيين وتعرضهم الى الهلاك الجماعي نتيجة لاهمال السلطات في معالجة اهم مشكلة تواجه الايرانيين وهي الاثار المدمرة الناجمة عن الزلازل التي تهدّ هذا البلد بين حين  وآخر.
وبدلا من ان يلجأ حكام ايران الى ترميم آثار حرب مدمرة ضروس استمرت ثماني سنوات واحرقت الاخضر واليابس ودمرت البلدين المتحاربين، نراهم ينغمرون في برامج باهضة التكاليف ستدمر ايران قبل خصومها. ومن هذا المنطلق، لا تنفع الايرانيين "بشرى" رئيسهم احمدي نجاد بإنضمام ايران الى النادي النووي، هذه البشرى التي لا تنطوي الا على اللعب الزائف بالمشاعر الوطنية للايرانيين ودق طبول الحرب في منطقة غارقة في لهيب التوتر والصدام والحروب واثارة الدول الاقليمية ضد ايران وعزلها.
ان "هذه "البشرى" ما هي الا اشعار عن رفض حكام ايران اللجوء الى الحكمة وحل المشكلة دبلوماسياً بعيداً عن التصعيد.
يدعي حكام ايران ان ابحاثهم النووية تهدف الى تطبيقات سلمية بحتة من اجل تأمين الطاقة الزهيدة في البلاد بسبب من بوادر شحة مكامن النفط والغاز في ايران او بذريعة التكاليف الباهضة لاستخداماتها. كما يؤكد المسؤولون الايرانيون ان برنامجهم النووي يسعى الى تأمين مصادر "نظيفة" للطاقة لتجنب تلويث البيئة.
ويشدد هؤلاء الحكام على ان هذا البرنامج يسعى الى تطوير الانتاج الزراعي واستخدام الطاقة النووية لتطوير اساليب العلاج الطبي او كمسعى لتطوير امكانيات ايران العلمية والتكنولوجية.
ان هذه المبررات لا تختلف من حيث الجوهر عن تلك المبررات التي كررها حكام آخرون في حقهم في "حيازة المعرفة العلمية" من أجل التستر على الهدف الحقيقي لمساعيهم  من اجل تطوير قدراتهم في مجال صنع الاسلحة النووية وكل انواع اسلحة الدمار الشامل.
 ان الوقائع والحقائق في ايران تدحض هذه الادعاءات. فإيران تحتل المركز الثاني في العالم، بعد روسيا الاتحادية، من حيث احتياطي الغاز الطبيعي. وتحتوي مكامن الغاز الايرانية على احتياطي يقدر بـ 26602 مليار متر مكعب.
وتنتج ايران حالياً  مقدار 83،5 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي سنوياً. وهكذا فإن هذا الاحتياطي يكفي لمدة 319 سنة القادمة. اما في مجال النفط، فيقدر الاحتياطي الايراني من النفط عام 2004 بمقدار 17199 مليون طن وبذلك فهي تحتل المركز الثالث بعد العربية السعودية وكندا. ويحتمل ان ينضب هذا الاحتياطي خلال 83 سنة القادمة.
وفي المقابل لا تملك ايران الا مكامن محدودة من اليورانيوم اللازم لانتاج الطاقة النووية. إذ تحتل ايران المركز الثاني عشر بين الدول المنتجة لليورانيوم، حيث تقف استراليا على رأس هذه الدول ويبلغ احتياطيها قرابة 23% من احتياطي العالم.
ان مقدار ما يحويه منجم "ساغند" الايراني من اليورانيوم الخام يبلغ حوالي 1،5 مليون طن وبنقاوة تبلغ 553 غرام من اليورانيوم النقي في الطن الواحد. وهذا يعني ان كل ما تملكه ايران من "الكعكة الصفراء"، اي اليورانيوم النقي، لا يزيد على 825 طن.
ان هذا الاحتياطي لا يكفي ايران الا لمدة 7 سنوات لسد حاجة محطة بوشهر الكهرونووية والتي تحتاج الى 200 طن من "الكعكة الصفراء" في السنة.
هذا ناهيك عن الانتاج الباهض لليورانيوم الخام وسعره المرتفع في السوق العالمي وهو ما لا تستطع ايران الحصول عليه اما بسبب اوضاعها المالية الصعبة او الحصار المفروض عليها او الذي سيفرض عليها  مما سيحرمها من امكانية شراء هذه المادة من السوق العالمية.
ومن هنا فإن انتاج الطاقة النووية في ايران غير اقتصادي ولا مجدي. ان المحطات البخارية والغازية العاملة في ايران تنتج 55% من الانتاج الكلي للطاقة فيها. وإذا ما تم تحديث هذه المحطات فإن بإمكانها رفع انتاج الطاقة الكهربائية الى 55000 ميغاواط، اي بزيادة 18000 ميغاواط وهو ما يعادل انتاج 20 محطة كهرونووية شبيهة بمحطة بوشهر في جنوب ايران.
ان تكاليف تحديث المحطات الكهربائية العاملة في ايران لا تحتاج الى اكثر من 6 مليار دولار في حين تبلغ كلفة بناء محطات نووية تنتج نفس المقدار اكثر من 30 مليار دولار. فتكلفة بناء محطة كهرونووية واحدة تبلغ 1،5 مليار دولار وهي تعادل ثلاث مرات تكاليف بناء محطة كهروغازية. اما فيما يتعلق بذريعة الابحاث العلمية وتطوير الزراعة والامور الطبية فهي لا تحتاج الى هذا القدر من البرنامج الضخم.
ولدى ايران اربعة مفاعلات للبحوث النووية منتشرة في مناطق مختلفة من ايران، في حين ليس لدى استراليا سوى مركز واحد للبحوث النووية. ولا تتم في هذه المراكز سوى بحوث متواضعة لا تحتاج الى المفاعلات الضخمة التي تم بناؤها في ايران خاصة في ظل الحكم الحالي.
اما حديث حكام ايران عن حرصهم على البيئة ونظافتها فهو امر تدحضه الوقائع العلمية. ان اهم مشكلة تواجه كل الدول التي تستخدم الطاقة النووية هي كيفية التخلص من النفايات النووية.
فهذه النفايات وطريقة التخلص منها غدت مشكلة، سواء من الناحية المادية او التكنيكية، وتصبح مشكلة بالغة الخطورة في ظروف ايران. إذ لا تملك ايران تكنولوجيا دفن هذه النفايات ولربما ستتعامل معها كما تتعامل مع النفايات او الزبالة التقليدية.
وتعتبرالنفايات الذرية بالغة الضرر من حيث فعاليتها الاشعاعية واستمرار هذه الاشعاعات عبر الاف السنين، وهي الكارثة بعينها. ولنا في تجربة تعامل النظام المنهار في العراق مثال على استهتارمثل هذه الانظمة بهذا الامر الخطير المتعلق بالاشعاعات.
وفي حالة ايران يصبح الوضع اكثر خطورة حيث ان هذا البلد يتميز بالنشاط التكتوني (tectonic) والزلزالي الذي يصيب ايران يوميا تقريباً بما قد يؤدي الى تسرب النفايات النووية والحاق اضرار بيئية وخاصة بالمياه الجوفية وعواقب انسانية تتجاوز حدود ايران الى البلدان المجاورة.
ولنا في عواقب جريمة قصف مدينتي هيروشيما ونغازاكي بالسلاح النووي في نهاية الحرب وكارثة جرنوبل في اوكراينا والحادثة الاصغر في جزيرة رودايلند في الولايات المتحدة وما ادت هذه الحوادث الى خسائر انسانية وبيئية ناقوس خطر للمجتمع الانساني  بضرورة التعامل مع هذه الطاقة بحذر بالغ. ولهذا السبب بدأت معظم الدول بأعادة النظر في استغلالها للطاقة النووية وخاصة في العقدين الاخيرين.
وانتقلت هذه الدول الى بناء محطات كهروغازية، وهي الارخص والاقل تلوثاً الى جانب مصادر الطاقة النظيفة الاخرى، لتتفادى مخاطر التلوث الاشعاعي ودوامة النفايات الذرية. ويجري المجتمع الدولي ابحاثاً واسعة للاستفادة من مصادر بديلة للطاقة كالطاقة الشمسية وطاقة الرياح وطاقة الامواج البحرية ومصادر المياه الحارة الجوفية او من الهيدروجين السائل.
وتتوفر لايران امكانية كبيرة للاستفادة من الطاقة الشمسية بسبب من ان الشمس تشرق على سماء ايران مدة 2500 ساعة في السنة مقارنة بـ 1500 ساعة في بلد مثل المانيا التي بدأت بالاستفادة من الطاقة الشمسية. كما ان الطاقة الشمسية التي يتعرض لها كل متر مربع من الاراضي الايرانية يعادل ضعف ما تتعرض له الاراضي الالمانية.
ومن اجل سد حاجة ايران من الطاقة يمكن ان يتم بناء خلايا شمسية تبلغ مساحتها 25X 25 كيلومتر بحيث يتم تأمين حاجة المساكن والمصانع من الطاقة ولمجموع سكان ايران البالغ عددهم الآن 70 مليون نسمة.
كما تتوفر الآن على النطاق العالمي امكانية الاستفادة من الهيدروجين السائل لغرض توفير الطاقة اللازمة التي لا تحدث اضرارا على البيئة وعلى الانسان.
ان اصرار ايران على تخصيب اليورانيوم وخرقها لتعهداتها في عدم انتشار الاسلحة النووية ومواجهتها للمجتمع الدولي لا ينطوي الا على امر واحد هو ان ايران تسعى الى القنبلة النووية وليس الى الاستفادة من الطاقة النووية للاغراض السلمية.
ان هذه القنبلة التي تصرف عليها موارد ايرانية هائلة لتصنعيها لا تؤمن سوى "وجاهة فارغة" فحسب ولا تؤمن لها موقع متنفذ على الساحة الاقليمية والدولية. انه ضرب من التهديد اللفظي والتلويح بالهراوة النووية لا اكثر.
فالقنبلة الذرية منذ اول وآخر جريمة التي استخدمتها الادارة الامريكية في نهاية الحرب العالمية ضد المدنيين الابرياء في هيروشيما وناغازاكي، لم يعد لها دور في المواجهات المسلحة لادراك الجميع ان مغامرة من هذا النوع سوف لا تؤدي الا الى فناء البشرية في ظل هذا التكديس الهائل للسلاح النووي خلال سنوات الحرب الباردة. فهذا النتاج النووي القاتل وصل الى حد يستحيل استخدامه لانه لا يفلح احد في الهروب من الهلاك النووي.
والآن فالقنابل النووية اضحت نماذج تشكل ادانة ووصمة عار لكل من انتجها وهي الان في متاحف السلاح وترساناتها ويحير اصحابها في كيفية التخلص من شرورها وخطرها.
ان اسرائيل على، سبيل المثال، تحتفظ كما يشاع بـ 200 قنبلة نووية في ترسانتها العسكرية، الا انها لا تشكل الا هراوة نووية بائسة لم تستخدمها في كل عدوانها على العرب. إذ ان اية مبادرة منها الى استخدام هذا السلاح الرهيب سيلحق الاذى بالعرب الذين يقطنون في مساحة جغرافية واسعة، ولكنه سيبيد كل الاسرائيليين، الذين يعيشون في رقعة جغرافية ضيقة جدا، بعد ان فشل هتلر في ابادتهم في افرانه الغازية. فالتداخل بين شعوب المنطقة وتقارب المراكز الحضارية والمسكونة لا يسمح لاسرائيل حتى بالتفكير بهذا الجنون النووي. ان سعي بعض الحكام المغامرين العرب، واخيرا، حكام ايران المتطرفين، الى حيازة هذا السلاح هو الآخر ضرب من العبث لاستحالة استخدامه.
فإذا اراد حكام ايران الرد نووياً على اي استفزاز اسرائيلي او اية محاولة لنجدة الفلسطينيين!!!، فسيقضوا على كل الفلسطينيين قبل الاسرائيليين ويهدموا اولى القبلتين وبذلك تتعرى كل نواياهم وادعاءاتهم حول الدفاع عن الدين والفلسطينيين. وهناك مخاطر اخرى من هذا الطموح النووي لحكام ايران يتمثل في خطر تسلط مجاميع عبثية فوضوية ارهابية على هذا السلاح سواء بدعم من حكام ايران انفسهم او في حالة انهيار هذا النظام وتسلط عصابات وارهابيين من شتى الالوان على المخزون النووي الايراني.
وهذ الاحتمال هو خطر حقيقي لو اخذنا بنظر الاعتبار لما حصل في روسيا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وللعراق بعد انهيار حكم صدام حسين.
ان المواجهة بين ايران والمجتمع الدولي بسبب خرق ايران لمعاهدة انتشار السلاح النووي هو ليس مواجهة بينها وبين الولايات المتحدة التي تبعد آلاف الاميال عن ايران وتهديداتها النووية. ان شعوب المنطقة ومنها الشعب العراقي الذي ذاق مر مغامرات حكامه لهم مصلحة حيوية في دفع ايران الى التراجع عن طموحاتها التي ستستخدمها كتهديد ضد جيرانها العرب بالدرجة الاساسية وليس ضد خصومها القابعين على بعد آلاف الاميال.
ان الهراوة النووية الايرانية هي مجرد هراوة مكلفة للشعب الايراني من اجل تهديد شعوب المنطقة وليست مصدرا لتأمين الطاقة للشعب الايراني. وعلى شعوبنا وحكوماتنا العمل الجاد، وليس الوقوف موقف المتفرج، ازاء هذا الامتداد النووي والسعي لتحرير المنطقة من هذا السلاح وخاصة تصفية الترسانة النووية الاسرائلية والتوجه نحو توفير الامكانات المالية والمادية لشعوبنا من اجل البناء السلمي وليس الهدر "النووي" لثروات شعوبنا.

adelmhaba@yahoo.co.uk
23-4-2006[/b] [/size] [/font]
30  الحوار والراي الحر / المنبر السياسي / 72عاماً على تأسيس الحزب الشيوعي العراقي في: 22:21 26/03/2006
72 عاماً على تأسيس الحزب الشيوعي العراقي
[ حزب العراقيين بكل أطيافهم ]
عادل حبه

يحتفل الشيوعيون العراقيون وأنصارهم في الحادي والثلاثين من آذار 2006 بالذكرى الثانية والسبعين لتأسيس الحزب الشيوعي العراقي، الحزب السياسي الاقدم من بين الاحزاب السياسية العاملة الآن في العراق.
ويعد الحزب الشيوعي أحد أعمدة العمل السياسي والتنويري في مجتمعنا والذي كتب عنه مجلدات ضخمة داخلية و أقليمية وعالمية تتراوح بين الانصاف والواقعية والأكاديمية وبين الشتائم والسباب والتحريض وتسويد صفحة هذه الحركة السياسية التي تعد واحدة من أبرز التراث السياسي للعراقيين بغض النظر عن موقفهم أزائه.
كان هناك من قام بدراسة أكاديمية لهذه الحركة السياسية، ولعل أبرزهم الباحث الكبير المرحوم حنا بطاطو البروفيسور في الجامعة الامريكية في بيروت الذي عرض خصوصيات الحزب الشيوعي العراقي وميزاته وسلبياته ونجاحاته وإخفاقاته.
ولكن هناك بالطبع سيل من المؤلفات، قل فصول من الشتائم والأكاذيب والاضاليل التي انطلت حتى على البعض من ذوي النية الحسنة، والتي تفتقر الى الحرفية والدقة العلمية والامانة الاكاديمية في البحث والتي لا تهدف الا الى أمر وحيد هو كبح أي بصيص أو منطلق تنويري في المجتمع العراقي وتكفير الشيوعيين العراقيين والتمهيد لحملة سفك دمائهم وإستباحتهم وهذا ما حدث في مجازر معروفة منذ شباط عام 1949 ومروراً بشباط عام 1963 وما زال قائماً لحد الآن.
ولكن دعونا نلقي نظرة على التاريخ المثير للجدل لهذه الحركة السياسية ضمن رؤية راهنة تتعلق بما يعانيه العراق من كوارث ومخاطر في الوقت الراهن.
وهنا أود التركيز بالدرجة الاولى على جوانب إيجابية ضرورية فحسب، دون تقديم دراسة عن السلبيات والاخطاء التي أرتكبها الحزب، وبالارتباط بما يعاني منه العراقيون من عنف خطير وتشظي في المجتمع وتناحر قد يصل الى حالة الحرب الاهلية والبربرية التي تطغي على عقلية البعض من العراقيين ومن يدفعهم من خارج الحدود.
فالحزب الشيوعي هو بحق حزب العراقيين، حيث لا نجد مثيلاً له في تركيبته وأطيافه عبر كل التاريخ المعاصر لوادي الرافدين. فالحزب إحتضن في صفوفه العربي والكوردي والفيلي والتركماني والآشوري والكلداني وكل الاقوام القاطنة في العراق.
كما ان هذا الحزب هو الحزب الوحيد الذي ضم المسلم بكل طوائفه والمسيحي بكل مذاهبه واليهودي واليزيدي والمندائي والشبك. وغالباً ما احتضنت منظماته مواطنين عراقيين من كل هذه الاطياف مما ساعده على إتخاذ القرار المناسب دون التعدي على حقوق الآخرين بل المحافظة عليها.
إن هذا التنوع في الحزب ساعد ويساعد، خاصة في هذه الفترة العصيبة التي نحن أحوج به الى إحترام هذا التنوع، أقول ساعد على تعريف العراقيين ببعضهم وأضفى قدراً كبيراً من الغنى الثقافي والتسامح في العلاقات بينهم.
لقد تسنى للقارئ العراقي على سبيل المثال التعرف على ما هو جديد في الخصوصيات الأثنية والمذهبية والطائفية للعراقيين حتى في صحف الحزب الشيوعي العراقي السرية ذات الصفحات الصغيرة المعدودة، وهي ظاهرة ينبغي أن نأخذ بها الآن خاصة في ظل انتشار حمى الاحزاب الطائفية والمناطقية والقومية والعشائرية الطاغية في المجتمع الآن والعزف على هذا النغم وجعله المطلق في علاقات العراقيين.
اننا لنجد في صفوف الحزب الشيوعي العراقي، خلافاً لتشكيلة غالبية الاحزاب الأخرى، أعضاء ينحدرون من كل زوايا العراق، من عانة وراوة في أقصى الغرب الى مندلي وجصان في اقصى الشرق ومن زاخو وأربيل في اقصى الشمال مروراً بالموصل وتكريت حتى بغداد والنجف والبصرة في أقصى الجنوب.
هذا المنحى كان له دور كبير في المساعي لتشكيل مقومات الهوية العراقية وروح المواطنة حيث أخذ أعضاء الحزب وأنصاره ينظرون الى العراق وإزدهاره وتقدمه نظرة واحدة بعيداً عن الانانية والتعصب المذهبي والقومي والمناطقي والعشائري وكل ما يؤدي الى تشظي المجتمع العراقي ويتجاهل جوهر التناقضات الاجتماعية والاقتصادية في المجتمع العراقي.
فالتخلف والظلامية والاستبداد وكبح التنوير والتطور لا يتكرس الا في ظل مثل هذا التشظي المذهبي والقومي والعشائري. فالمبالغة في الاختلاف في هذا الجانب على حساب وحدة العراقيين هو ما نعاني منه الآن والذي يقود الى أنفلات العنف والارهاب والمجازر البشعة.
وهناك جانب آخر في مسيرة الحزب الشيوعي العراقي وله مغزى كبير في الظرف الراهن هو موقف الحزب من الايمان والمعتقدات المذهبية. هذا الموقف الذي إتسم بالاحترام والدعوة للتسامح والتعايش بين المذاهب وعدم زج هذه المعتقدات الروحية والوجدانية في متاهات مضاربات "سوق" النشاط السياسي كما هو حاصل الآن.
إن أكبر إساءة توجه للدين هو إستغلاله كواجهة للعمل السياسي والصراعات السياسة الذي قد يؤدي الى تناحرات خطرة يصعب السيطرة عليها وهو ما نشهده في الزمن الحالي البالغ الخطورة. كما عمل الحزب بجدية ضد من يحاول تحويل المعتقد الديني الى مجموعة من الخرافات والجهل والممارسات العنفية التي تسئ الى تراثنا الديني ورموزه وملاحمه بهدف فرض قيم التجهيل والاستبداد والتكفير وثقافة قطع الاعناق وضرب الهامات بالقامات واللطم والبكائيات وتسويد الجباه التي لا علاقة لها بالايمان الديني.
لقد حاولت التيارات الاستبدادية والظلامية التشكيك في دعوات الحزب لإحترام المعتقدات الدينية وبثوا الافتراءات تلو الافتراءات ضد الشيوعيين العراقيين في محاولة لتصوير الشيوعيين وكأنهم أعداء للايمان والمعتقدات الدينية متجاهلين كون العديد من رجال الدين الافاضل ساهموا الى جانب الحزب الشيوعي في نضاله الوطني والاجتماعي ومنهم الشيخ عبد الكريم الماشطة والطيب الذكر الشيخ محمد الشبيبي والد الشهيد حسين الشبيبي وشيوخ افاضل آخرون.
وهكذا جرى تزوير الحقائق خاصة بعد ثورة تموز عام 1958 وروجوا لاكذوبة حرق القرآن أو رمي "القضاة" في النهر على يد الشيوعيين وما شاكلها من هذه الخزعبلات. إلا أنهم لم يعثروا على أية بينة تسعف أحلامهم الشريرة لإقامة المزيد من "مراسيم" سفك دماء الشيوعيين العراقيين وأنصارهم والقوى الديمقراطية.
وما زالت فلول هذه الزمر وأنصار حكم صدام المنهار لحد الآن تردد هذه الافتراءات لتروج مثل هذا الزيف وتغتال الشيوعيين وتحرق مقراتهم تماماً كما حدث بعد ثورة 14 تموز لإشاعة الفوضى والبلبلة في المجتمع وإزاحة تلك القوى المستنيرة التي تحترم بحق المعتقدات الدينية بإعتبارها حق ديمقراطي للفرد وليس إكراه أو فرض.
وبغض النظر عن حالات من القصور أو الخطا أحياناً في التعامل مع تيار التنوير والثقافة والعلم العراقي، الا أن الشواهد التاريخية تشير الى أن الحزب الشيوعي دعم هذا التيار بشكل لم يستطع أي تيار سياسي عراقي القيام به.
ان الظروف التي تمتع فيها الحزب بقدر من الثبات والاستقرار في نشاطه، سواء أكان هذا النشاط علنيا أو سريا، فقد إقترنت بنهوض ملحوظ في النشاط الثقافي والابداعي في عموم البلاد. أما فترات الردة والاستبداد وغياب الحزب لاسباب تتعلق بطغيان آلة القمع ضده، فقد رافقه إرتداد واضح في حركة التنوير وسيادة ثقافة رجعية عادت بالبلاد الى عهود مظلمة.
ولعل أبرز مثل على ذلك ما شاب الثقافة والفنون من أنحطاط وما لحق بالمثقفين والمبدعين من إضطهاد وتصفيات في ظل نظام البعث في عهديه ونشهد ذيوله الى الآن. ولذا وليس من باب الصدفة ان يرتبط بالحزب الشيوعي العراقي أو يمر به أو يكون على صلة قريبة منه أعلام الثقافة والفن والعلم في بلادنا خلال فترة تزيد على نصف قرن.
فالشخصية الوطنية البارزة الحاج جعفر ابو التمن كان على صلة وثيقة مع مؤسس الحزب الشيوعي العراقي يوسف سلمان يوسف (فهد)، كما ان شاعرنا الكبير محمد مهدي الجواهري وعبد الوهاب البياتي وسعدي يوسف وعبدالله كوران ومظفر النواب ويوسف الصائغ والروائي ذوالنون ايوب وغائب طعمة فرمان والفنان اللامع جواد سليم والفنان التشكيلي محمود صبري والمسرحي يوسف العاني و زينب وناهدة الرماح والعشرات من أعلام الفن والثقافة في بلادنا ممن كانوا على صلة قريبة بالحزب أو أعضاء عاملين فيه.
وبرزت كفاءات إعلامية بارزة في الصحافة العراقية والشيوعية ومنهم عبد الرحيم شريف وعامر عبدالله وعبد الجبار وهبي وعدنان البراك وعزيز الحاج وشمران الياسري والعشرات غيرهم. وكان للعلماء والمربين العراقيين دورهم ايضاً في دعم الحزب والمساهمة في الحركة التنويرية ويقف على رأسهم عالم العراق البارز البروفيسورعبد الجبار عبدالله والدكتور إبراهيم كبة والعشرات والمئات من رسل العلم والتربية والبحث والتنوير في بلادنا.
وساهم الفنانون الشيوعيون في تقديم نماذج رفيعة من الغناء والشعر الغنائي والاوبريت على يد مبدعين قمعوا من قبل اجهزة القمع الابداعي كالشاعر الغنائي عريان السيد خلف والفنان فؤاد سالم وجعفر حسن وحميد البصري وكوكب حمزة وسامي كمال وكمال السيد وآخرون من الذين أرسوا بحق مدرسة غنائية رفيعة لم يتسن لها الاستمرار بسبب الملاحقات، وحل محلهم رجال "الطقطوقات" المبتذلة وهز "الكتف" التي تحرك مشاعر رخيصة وتنمي ذوقاً متدنياً لدى الجمهور. إن مجرد إهتمام قادة الحزب كالشهيد حسين الشبيبي بالادب والشهيد سلام عادل بالفن التشكيلي والمسرحي والتشكيليين العراقيين وعلاقة الشهيد جمال الحيدري بالتراث الثقافي والابداعي للكورد يعبر عن نماذج متواضعة مما أرساه الحزب من تقاليد في الحفاظ على ما أبدعه العراقيون من فن وثقافة.
ومن المهم الاشارة هنا ان توجه الحزب الى غرف الثقافة والرجوع الى التاريخ الثقافي الانساني قد إجتذب الضباط الشيوعيين العراقيين الذين إنفردوا بين أقرانهم الضباط العراقيين بالمستوى الثقافي والمعرفي والمهني الرفيع والنزاهة كالشهيد جلال الاوقاتي قائد القوة الجوية والشهيد ماجد محمد أمين والشهيد فاضل المهداوي ووصفي طاهر وخضر الدوري والعديد من الشهداء العسكريين الشيوعيين والديمقراطيين في القوات المسلحة العراقية.
واذا كان هناك ما ينبغي التأكيد عليه من حسنات الحزب الشيوعي العراقي فهو موقفه من المرأة وحقوقها. وكان الحزب قد دعم بقوة دعوات رموز التنوير في بلادنا من أمثال الشاعر جميل صدقي الزهاوي ومحمد مهدي الجواهري وآية الله النائيني والكثير من الشخصيات الديمقراطية العراقية التي ناصرت المرأة العراقية من أجل حقوقها وهي التي تشكل أكثر من نصف مجتمعنا.
وليس من باب الصدفة أن "تقتحم" الشيوعيات العراقيات لأول مرة في تاريخ المرأة العراقية زنزانات السجون السياسية في العهد الملكي وأمتلأت زنزانات عهد 8شباط الاسود بخيرة ممثلي النساء العراقيات ومنهن من تعرضن للموت أو الاغتصاب المشين.
 "واحتكرت" السجينات الشيوعيات زنزانات عهود الطغيان لغاية عام 1970 عندما لحقن بهن سجينات من أحزاب التيار الديني ليقاسمهن المعاناة ثم يتعرضن مع سجينات التيار القومي الكردي الى بشاعات يندى لها الجبين وتصفيات لم تشهدها أنظمة الطغيان في العالم مما تشكل وصمة عار على جبين من مارسوا هذه الجرائم. وأزاء ذلك تم إختيار الشيوعية الدكتورة نزيهة الدليمي كأول وزيرة في العراق والعالم العربي في عام 1959 كإعتراف بدور المرأة العراقية والمرأة الشيوعية في النضال من أجل سعادة شعبها.
ان البعض من أنصار الظلامية وأعداء الديمقراطية يريدون الآن تصفية كل المكاسب التي حققتها المرأة العراقية بنفس ذرائع إنقلابيي شباط 1963 وأحياء لتراثهم البغيض تحت ستار من التعاويذ الدينية المزيفة ويسعون الى تطويق المرأة، وهي التي تشكل أكثر من نصف المجتمع العراقي، وفرض الحجر والجهل والظلام عليها وبالنتيجة على أبنائها وبناتها بنفس الحجج.
ولا ينبغي ان يغيب عن بالنا تلك الحملات المضللة التي أطلقتها أبواق أدعياء القومية والتي نالت من سياسة الحزب على النطاق القومي حيث أُتهم الحزب بالتنكر للاماني القومية للعرب أو مناهضته لوحدتهم وتنكره لحق الشعب الفلسطيني وفي ظل إتهمات وتخريفات كالشعوبية واللاقومية. ان الشواهد التاريخية للحزب ترد بحسم على هذه الدعوات الرخيصة.
فالحزب الشيوعي العراقي كان أول من دعى الى تشكيل كونفدرالية للشعوب العربية في منتصف الثلاثينيات من القرن الماضي تحت إسم "إتحاد الدول العربية" بإعتباره الحل الممكن لتوحيد العرب في كيان سياسي واحد.
وعارض الحزب دعوات الوحدة الاندماجية بإعتبارها دعوات معادية للديمقراطية ولا تستند الى مقومات الديمومة والتي دشنت أول تجاربها في نحر الديمقراطية الوليدة في سوريا وتبعها إقامة أنماط من الوحدة لأنظمة إستبدادية راحت جميعها في مهب الريح وزرعت الفرقة والاحباط لدى الشعوب العربية.
وتحول أنصار هذه الوحدة الاندماجية الى أشد أعداء أي تقارب مهما كان بسيطاً بين العرب وأبرز مثال على ذلك حزب البعث العراقي . أما موقف الحزب الشيوعي من قضايا أشقائه العرب فكان سجله الانصع بين الحركات السياسية في بلادنا. لقد بادر الشيوعيون العراقيون اليهود الى تشكيل منظمة "عصبة مكافحة الصهيونية" وأصدرت جريدتها "العصبة" خمسة أعداد والتي أغلقتها الحكومة العراقية عام 1947. وكان هدف المنظمة مناصرة الشعب الفلسطيني وإدانة طرد الفلسطينيين من وطنهم بذرائع وحجج دينية وعنصرية وصهيونية متطرفة ورفعت شعار"الصهيونية عدوة العرب واليهود".
كما وقفت المنظمة ضد دعوات ترحيل اليهود العراقيين الى فلسطين والتي أطلقتها المنظمات الفاشية الصهيونية والحكومة العراقية والاحزاب القومية العراقية التي وقفت على مستو واحد لتغذي الاستيطان اليهودي في فلسطين وعلى حساب الشعب الفلسطيني .
كما فضحت المنظمة أفعال المتطرفين والتكفيريين اليهود القادمين عبر الحدود والذين راحوا يزرعون العبوات الناسفة في المراكز اليهودية لحمل اليهود العراقيين على الهجرة وهم الذين رفضوها منذ البداية. ان تشكيل هذه المنظمة الفريدة والتي ليس لها مثيل في العالم ليدل على مدى إلتزام الشيوعيون العراقيون وبضمنهم العراقيون اليهود بحق الشعب الفلسطيني على أرضه.
وتثبت الاحداث الراهنة ومعاناة الشعب الفلسطيني الحالية صحة ما طرحه الحزب من القبول بالتقسيم لوقف الزحف العارم للمتطرفين الصهاينة كخطوة لاعادة الحق للفلسطينيين على أرضهم . كما تثبت الاحداث المريرة التي مرت على الفلسطينيين خطل دعوات التطرف غير الواقعية للتيار القومي حول الحصول على الكل وعدم القبول بما هو متيسر ضمن توازن القوى اقليميا وعالميا آنذاك.
وفي الاضراب العام الذي شمل بغداد والمظاهرات التي عمت العاصمة بمناسبة التضامن مع الشعب الجزائري في صيف عام 1956 إثر إختطاف القادة الجزائريين من قبل سلطات الاستعمار الفرنسي لم يخرج في المظاهرات الا الشيوعيون الذي تعرضوا للاعتقال والتعذيب، ومنهم كاتب السطور، في شارع الامين في بغداد بعد ان رفعوا الاعلام الجزائرية كتعبير عن التضامن مع الشعب الجزائري. ولم تزدحم السجون العراقية الا بالشيوعيين العراقيين في خريف عام 1956 عندما قاد الحزب التظاهرات والعصيان المدني في بعض المدن العراقية كتعبير عن التضامن مع الشعب المصري ضد العدوان الثلاثي الفرنسي الانجليزي الاسرائيلي على مصر.
في تلك الاحداث الكبيرة غصت السجون بالشيوعيين العراقيين فقط واعدم الشيوعيين العراقيين فقط في مدينة الحي، وهما عطا الدباس ومهدي الحمود، بسبب قيادتهما للعصيان الشعبي تضامناً مع الشعب المصري. ان إدعاء حزب البعث بالشهيد ناجي نعمة السماوي الذي إستشهد في الاحداث هو إدعاء كاذب حيث كان الشهيد عضواً في إتحاد الطلبة العام في الجمهورية العراقية الموالي للحزب وخرج في مظاهرات نظمها الحزب وليس له أدنى علاقة بالبعث.
ولم يتردد الحزب في الدفاع عن حقوق الاقوام العراقية فبادر لاول مرة في الثلاثينيات من القرن الماضي الى طرح شعار حق تقرير المصير للكورد. وكان السباق بعد ان أندلعت الاشتباكات المسلحة بين الحكومة المركزية والحزب الديمقراطي الكردستاني الى عرض دراسة علمية للمشكلة القومية ورفع لاول مرة شعار "الديمقراطية للعراق والحكم الذاتي لكردستان العراق" والذي جرى تبنيه لاحقاً من قبل القيادة القومية الكوردية، دون ان تقدم أي من الاحزاب العراقية الاخرى أي مشروع بذلك سوى أكتفاء البعض بإدانة مطاليب الكورد بتهم تتراوح بين العمالة للصهيونية أو الاجانب. وطور الحزب شعاره حول القضية الكوردية ليطرح قبل غيره في بداية التسعينيات من القرن الماضي شعار آخر هو "الفدرالية العراقية" كحل ينسجم مع التطورات التي طرأت على القضية القومية. هذا الشعار الذي تبنته غالبية القوى السياسية العراقية ودون في الدستور الدائم للعراق أخيراً.
لقد كان الحزب الشيوعي العراقي الاكثر شفافية من بين الاحزاب العراقية أمام المواطن العراقي . فعلى الرغم من أن عمل غالبية سنواته التي تجاوزت السبعة عقود كانت في ظروف السرية الشاقة، الا انه كان في غالب الاحيان حريصاً على مصارحة الشعب العراقي. وكان الحزب الشيوعي العراقي هو العراقي الوحيد الذي اقر نقداً ذاتياً لاخطاء او ممارسات إرتكبها خلافاً لقواعد العمل السياسي السليم. فقد نشر نقداً صريحاً في عام 1956 وعام 1959 وعام 1970 وعام 1985 حول سياسات وتقديرات أضرت بالعمل السياسي العراقي وجلبت عواقب على البلاد وعلى الحزب نفسه بالدرجة الاولى . إننا لم نشهد ممارسة مماثلة لاحزاب عراقية تحملت مسؤولية الكوارث، كحزب البعث، أو مهدت للكوارث أو تركت الساحة السياسية خالية ليعبث بها من هب ودب أو صمتت على جرائم كبيرة أُرتكبت أو نفذت "فتاوى" تدعو للقتل والابادة خلافاً للقوانين المدنية. ولم تصدر هذه التيارات السياسية أية إشارة نقدية للذات. ان غالبية الاحزاب العراقية، بإستثاء قلة، لا تطبق القواعد الديمقراطية في حياتها الداخلية بحيث ان غالبية هذه الاحزاب لا تعرف المؤتمرات الحزبية ولا إنتخاب الهيئات القيادية. وبعد إنهيار كابوس نظام القبور الجماعية، تحولت حتى بعض المؤسسات شبه الحكومية، مثل دائرة الاوقاف السنية والشيعية ومنظمات خيرية أخرى، الى أحزاب سياسية تدخل معترك النشاط الانتخابي وترفع صور وبوسترات مديري هذه المؤسسات. والغريب في واقعنا العراقي ان بعض الاحزاب تحولت الى أحزاب"عائلية" على شاكلة حزب صدام حسين، حيث لا يتربع على قيادتها الا أفراد العائلة "النوابغ" وليس غيرهم من أعضاء الحزب. هذا في الوقت الذي نرى انه قد توالت على قيادة الحزب الشيوعي كل عناصر الطيف العراقي بعيداً عن صفة العائلة أو القوم أو المذهب أو القدرة المالية أو المهارة في إستخدام السلاح والسيارات المفخخة والعنف وهو ما يجري الآن في عراقنا المنكوب. لقد أعلن الحزب الشيوعي العراقي صراحة تقيده بقرار الجمعية الوطنية بحل الميليشيات الحزبية المسلحة بعد ان رحل الطغيان الصدامي. ولكن كما يبدو فإنه أصبح الحزب الوحيد الذي طبق القرار إحتراماً لقرار المؤسسات المنتخبة وللدولة التي عليها تقع مسؤولية حفظ الامن. فإلى جانب عصابات الاجرام من فلول النظام البائد والتكفريين العراقيين والاجانب فهناك سرايا وجيوش وفيالق وميليشيات في كل أصقاع العراق تقود بعضها أحزاب مشاركة في العملية السياسية وفي الحكم بعيداً عن سيطرة الدولة المركزية لها الاكاديميات العسكرية والمعاهد وترسل افرادها للتدريب خارج الحدود وبدعم من جهات خارجية. وقد زادت هذه المظاهر في ظل حكومتنا الانتقالية. لقد سرت أمراض النظام السابق الى بعض هذه الاحزاب المتنفذة. وهذا هو أحد أسباب الفوضى وشيوع العنف والارهاب في البلاد.
ان محك هام لشفافية الحزب وصدق تعامله وصراحته مع المواطن العراقي يتحدد في الملف المالي. إننا لو نظرنا الى ما نهبه قادة البعث من أموال الدولة العراقية والتي هربت الى دول الجوار أو نقلت الى البنوك العالمية ونرى الترف الذي يعيشه البعثيون المتنفذون في الخارج وقد "إنهارت دولتهم" لادركنا حجم الانحطاط السياسي والاخلاقي ونهب المال العام في بلدنا. هذا الانحطاط الذي أنتقل الى بعض الحركات السياسية بحيث أصبحت هي التي تتبرع بالاموال لمرافق الدولة وليس العكس !!. ومما يروج لهذه المأساة هو إنعدام أي قانون للاحزاب السياسية يراقب رصيدها المالي ومصادر تمويلها. ان جميع كوادر الحزب الشيوعي العراقي، والبعض منهم من كان له حال في دنيانا الفانية، لا يملكون دوراً خاصة بهم ولا رصيد مالي ولا قصور ولا شركات أو توظيفات هنا وهناك. ان جميع قادة الحزب وكوادره مكشوفون أمام المواطن العراقي ولا حاجة هناك لمن يؤكد نزاهتهم. ولعل أصدق تعبير عن ذلك هو ما جرى في يوم التاسع من نيسان عام 2003 عندما خرج صنفان من الناس الى الشارع، الحواسم والحرامية الذي نهبوا الدولة وما فيها وآخر يستبشر بالمنعطف الجديد ويعبر عن فرحته برحيل الطاغية كما هو حال الشيوعي أبوتحسين الذي ظهر على شاشات التلفزيون وهو يضرب بنعاله صورة الطاغية إنتقاماً من شرور النظام. في حين ظهرت وفي نفس اللقطة التلفزيونية صور الحرامية وهم يسرقون المال العام. وعندما سأل مراسل إحدى القنوات الفضائية لاحقاً العزيز أبوتحسين حول السبب في عدم المشاركة في النهب والسطو؟ فأجاب أبو تحسين : إنني أخاف أن اُطرد واُعاقب من قبل الحزب على هذه الفعلة النكراء فنحن لم نتربى على هذه الاخلاقيات والافعال المشينة.
انني في هذه المقالة لم أقصد الدعاية للحزب الشيوعي العراقي الذي يحتفل بعيده الثاني والسبعين، فالانتخابات قد تمت وبإنتظار أربعة سنوات أخرى لكي تجري الانتخابات القادمة وتبدأ الدعاية لهذا الحزب او ذاك. ولا كنت أريد ان أعدد مناقب الشيوعيين وتجاهل أخطائهم. ان كل همي وانا اُراقب ما يجري على أرض السواد هو المقارنة بين نهجين لكي نصل الى قدر من الاستقرار والنزاهة في العمل السياسي . كما إنني أود هنا الاشارة الى ان حزباً، وهو الوحيد في العراق، تعرض قادته مرتين الى حبال المشنقة وزنزانات التصفيات الجسدية في عام ، 1949 ، فهد ورفاقه، وعام 1963، سلام عادل والآلاف من رفاقه، هو قادر ولديه الفرصة الآن وان لا يتردد في إختيارها لصالح كل العراقيين ولكي يسهم في إضفاء قدر من السلامة والعقلنة على العمل السياسي الديمقراطي العراقي بشرط ان ندرك بدقة ما جرى ويجري من تحولات في عالم اليوم. كما أقترح على الحزب السير بخطوات ثابتة على طريق الاصلاح والتحديث الذي بدأه وبعيداً عن أدلجة السياسة والنصوص الدوغمائية لكي يعود الحزب الى موقع أكثر فاعلية ويستجمع قواه في إدارة العملية الديمقراطية الوليدة في بلاد الرافدين ويساهم في إعادة البسمة من جديد على وجوه أطفالنا وأحبتنا العراقيين.[/b][/size][/font]
صفحات: [1]





 

 

 

Online now

مدعوم بواسطة MySQL مدعوم بواسطة PHP Powered by SMF 1.1.19 | SMF © 2011, Simple Machines XHTML 1.0 صالح! CSS صالح!
تم إنشاء الصفحة في 0.299 ثانية مستخدما 20 استفسار.