عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


الرسائل - أبرم شبيرا

صفحات: [1]
1
مأساة شعبنا "الكداني السرياني الآشوري"... تتكر... وتتكر… وتتكر!!!
=======================================
أبرم شبيرا

خلال الفترة الممتدة من 1838 ولغاية 1847 قام المجرم بدر خان أمير الجزيرة وبوهتان مع المجرم الآخر نور الله  بمجزة بحق الآشوريين في منطقتي هيكاري وتياري والتي أدت إلى مقتل ما لا يقل عن 10,000 آشوري مع نهب وسلب وتدمير العشرات القرى ومعها قرية قوجانس مقر بطريرك الكنيسة الآشورية في هيكاري. وكان من بين القتلى ماليك أسماعيل (الأول) زعيم عشيرة تياري العليا بعد  أن جرح في المعركة وأسر ثم أقتيد إلى مير بدرخان الذي طلب منه إعتناق الإسلام  وتزوجيه بأجمل نساء الكورد غير أنه رفض وأهان بدرخان بقوله "بأنه لو طلق زوجاته وزوجه بهن فلا يترك دينه المسيحي ويعتنق الإسلام" فثار مير بدر خان غضباً وهيجاناً فطعن بسفه صدر ماليك إسماعيل بطعنات عديدة فأستشهد في الحال.  وفي تلك الفترة كانت العشائر الآشورية منقسمة إلى قسمين قسم معارض لمشاريع المجرم مير بدر خان والقسم الآخر وقف على الحياد أو أيد بعض من هذه المشاريع. غير أن ما أن أنتهى المجرم بدر خان من جريمته الشنعاء ضد الآشوريين المعارضين حتى ألتفت على العشائر الآشورية المحايدة والمؤيدة له فنكل بهم تنكيلاً وشردهم وأحرق قراهم كما فعل بالآشوريين المعارضين. ولم تهدأ الأوضاع إلا بعد أن تدخلت قوات الدولة العثمانية وبضغط من الدول الغربية وتحديداً بريطانيا فقضت على حركته ونفته إلى جزيرة نائية حتى مات هناك. ومن الجدير بالذكر بأن هناك العديد من الكتاب والمؤرخين والمفكرين المشهورين من أحفاد وأنسال مير بدر خان ومعظمهم أستعربوا ومنهم الكاتب والصحافي المعروف عبد الوهاب بدر خان والمخرجان المصريان علي وأحمد بدرخان، الزوج السابق للفنانة المصرية الراحلة سعاد حسني، وغيرهم. في بداية السبعينيات من القرن الماضي وأثناء زيارتي للمناضل ماليك ياقو ماليك إسماعيل في بغداد تطرق إلى هذا الموضوع وذكر بأنه عشية إنتهاء الحرب العالمية الثانية كان في زيارة لبيروت فزاره بعض من أحفاد مير بدر خان فأعتذروا له شخصيا عن المجازر التي أرتكبها جدهم الأول مير بدرخان ضد الآشوريين وعن قتله لوالد جد ماليك ياقو.

في عام 1915 أتخذ القيادة الآشورية بزعامة البطريرك الشهيد مار بنيامين شمعون قراراً بالوقوف إلى جانب الحلفاء ضد الدول العثمانية كسبيل للتخلص من الظلم والإستبداد والقتل الذي كانت تمارسه الدولة العثمانية وحلفاءها وولاتها ضد الآشوريين في حيكاري. وفي تلك الفترة وقف بعض العشائر الآشورية بالضد من قرار القيادة الآشورية وحتى بعض من أفراد عائلة البطريريك وعلى رأسهم عم البطريرك السيد نمرود بيت مار شمعون وذلك تماشياً مع موقف الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية التي أعلنت حيادها في الحرب حيث كان لعائلة السيد نمرود ميول كاثوليكية. فبعد مقتله في ظروف غامضة وركون أوزار الحرب تخلى الكثير منهم عن كنيسة المشرق الآشورية وأصبحوا من مؤمني الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية بما فهم ماليك قنبر زعيم عشيرة جيلو الذي كان صهر السيد نمرود وشكل عشية إنتهاء الحرب قوات كلدو آشورية وبمساعدة فرنسا. وخلال تلك الفترة أعلنت الدولة العثمانية الفرمان (ويعني باللغة التركية قرار) الخاص بإبادة الأرمن والذي شمل ايضاً المسيحيين خاصة الآشوريين منهم سواء المقاومين لظلمها أو المحايدين أو الميالين لسياستها المخادعة فكانت مذابح عام سيفو المعروف في التاريخ المظلم للأتراك الذي لم يستثنى أي مجموعة من المسيحيين من مذابح الأتراك ولم يسلموا من التشريد والنهب وتدمير القرى فشمل الجميع دون إستثناء وإن كانت بدرجات متفاوتة. وهنا من الضروري أن نذكر، ما سبق وأن ذكرناه في مناسبات سابقة عن أحد المبشرين الغربيين أثناء مذابح عام سيفو عندما قال للقائد التركي لماذا تقتل الآشوريين في حيث أن الفرمان يخص الأرمن فقط؟ فجاوبه القائد التركي قائلا "إنني لا أفرق بين الروث الجاف والروث الرطب، فكلاهما روث قذر وذو رائحة كريهة لا تحتمل".

في عام 1933 عندما طالب زعماء الحركة القومية الآشورية بقيادة البطريرك مار شمعون إيشاي، طيب الله ثراه، بعض المطاليب البسيطة قابلها تصعيد حميم وحقد وضغينة من قبل حكام النظام السياسي في العراق وبالنتيجى تم تهيئة كل الإستعدادات العسكرية والفكرية للقضاء على الآشوريين عن طريق تدبير مذبحة بحقهم والتي عرفت في التاريخ المظلم للعراق بـ "مذبحة سميل" لعام 1933 وما أعقبها من نتائج مؤلمة ومأساوية وعلى مختلف الأصعدة. وفي حينها أرتعب بعض الآشوريون من إستبداد السلطة كما نكث بعض زعماء العشائر الآشورية  بوعودهم في المشاركة مع قادة الحركة وفي مساندة ودعم المطاليب التي أعلنت عنها في مؤتمر سر عمادية عام 1932 فربطوا مصالحهم بمصالح النظام السياسي الإستبدادي في العراق. غير أن مذبحة سميل حرقت الأخضر واليابس ولم يستثنى مجرموها بين آشوري وآخر، بين مؤيد ومعارض، بين مشارك في الحركة والرافض لها، لا بل شملت المذابح والسلب والنهب وتدمير القرى بعض من أبناء شعبنا من الكنيسة الكلدانية، أي شملت معظم "الكفار" حسب نعت مجرمي مذبحة سميل للمسيحيين في العراق. فكانت برقيات استنكار الحركة الآشورية وإدانة البطريرك مار شمعون المرسلة من قبل بعض الآشوريين وزوعماءهم ورجال الكنيسة تنهال على الحكومة العراقية وعلى المنظمات الدولية والتي ثبت زيف وتزوير بعضها.

وقصة المنكوب كورييل البازي معروفة في هذا السياق المأساوي، فهو كان من أكثر المؤيدين للسلطة الحاكمة وأشد المعارضين للبطريك مار شمعون وبقية قادة الحركة الأشورية فلجأ إلى داره في مدينة نوهدرا (حاليا دهوك) أكثر من 80 من أبناء شعبنا ومن مختلف طوائف كنيسة المشرق والذين لم تكن لهم أية علاقة لا بالحركة ولا بقادتها بل طلباً للجوء والحماية من سطوة مرتكي جريمة سميل وفي بيت رجل عرف بموالاته وعلاقته القوية برجال سلطة النظام العراقي. وضمانة لهذه الولاء كان المنكوب كورييل يرفع علماً عراقياً فوق سطح داره كإشارة لكون الدار وساكنيها من مؤيد الحكومة العراقية. غير أنه كل هذا لم يمنع فقام مرتكبوا جريمة سميل بإقتحام داره والتكيل والقتل بكل الموجودين فيه وكان أولهم أبنه الشاب وليم ولم يسلم أحد من هذه الجريمة البشعة ويقال بأن القس الذي كان من بين الموجودين في الدار قد قتل ومثل بجسده وعلق رأساً على عقب بشجرة أمام الدار.

أطلب العذر من القارئ اللبيب عن ذكر هذه الحوادث المأساوية فالغرض منها ليس سردها فحسب لأنها معروفة ومتداولة كثيراً بكتابات ووثائق وتقارير وحتى بمسرحيات وأفلام. وهي من دون أدنى شك معروفة من قبل معظم زعماء أحزابنا السياسية ومنظماتنا القومية ورجال كنيستنا المشرقية ومن المؤكد قرأوا عنها كثيراً لا بل ربما كتبوا مقالات وكتب وأستمعوا إلى محاضرات عنها. لذا أكرر مرة أخرى وأقول بأن الغرض من هذه السطور ليس سرد هذه الحوادث بل الغرض الأساسي منها هو الدروس التاريخية المشتركة بينها والتي يمكن إستنتاجها، ونحن نعرف دراسة التاريخ والإستفادة من دروسه يمهد طريق الحاضر وينور الدروب ويجنب نتائجها السلبية للحيلولة دون تكرارها في الحاضر. وهنا نسأل، لا زعماء أحزابنا السياسية ومنظماتنا القومية ورجال كنيستنا، بل أي شخص عادي جداً ولا أقول تلميذ مبتدأ، عن الدروس المستنبطة من هذه الحوادث. فعلى الفور سيكون الجواب: صحيح أنه كان هناك ظروف موضوعية مأساوية خارجة عن إرادة شعبنا ولكن على الجانب الآخر من الظروف الذاتية سيكون الجواب هو بأن بين كل هذه الحوادث المأساوية هناك عوامل مشتركة يمكن تلخيصها بمايلي:
•   الفرقة بين قادة شعبنا وبالتالي تمزق شعبنا وضياعه في متاهات غير محددة أو مجهولة الأهداف.
•   عجز قادة شعبنا بالكامل عن الوصول حتى إلى الحد الأدنى من المصلحة العامة لشعبنا.
•   تعدد الإنتماءات لقادة شعبنا وكل حسب مصلحته الخاصة دون إعتبار للمصلحة العامة

 من المؤسف له أن لا يتعلم قادتنا القوميين والكنسيين من دروس التاريخ، ولقد قيل ونقول هنا أيضا بأن من يتعثر بالحجر مرتين هو جاهل. ولقد تبين من الحوادث المأساوية السالفة الذكر بأن شعبنا وقادته لم يتعلموا من الدروس فأستمرت المأساة والفواجع متتالية تنكل وتقتل وتهجر شعبنا نحو المجهول. ومن المؤسف جداً أيضا في هذه الأيام لم يتعلم قادة أحزابنا السياسية ومنظماتنا القومية والكنسية من دروس الماضي المؤلم بل أستمروا على نفس المنوال المأساوي الناجم عن التفرقة وعدم القدرة على الإتفاق حتى على الحد الأدنى لمصلحة أبناء شعبنا في أرض الوطن وعلى تشتيت إنتماءاتهم وتحالفاتهم بين جهات مختلفة لا بل ومتحاربة. فاليوم معظم أحزابنا السياسية وتنظيماتنا القومية وحتى رجال كنيستنا ضائعون في التفرقة والإنتماءات وفي الحروب الحقيقية والفكرية والتحزبية والمصلحية الدائرة بين الكبار. فعندما نصبح، ونحن قومية صغيرة لا حول لنا ولا قوة لا بل لا صديق ولامؤيد، متورطين في حروب الكبار فلا محال من أن مأساتنا ستتعاظم وستتكر وتستمر. فالصراع السياسي والفكري وحتى العسكري بين حكومة إقليم "كردستان" في أربئيلو (أربيل حاليا) والحكومة المركزية في بغداد وتجاذب إنتماء قادة أحزابنا السياسية تجاه هذه الحكومة أو تلك لهو أمراً محتوماً بنتائج مأساوية مفجعة وسيحاسبهم التاريخ على توريط شعبنا في هذه المعارك الخاسرة كما نحاسب اليوم قادة الأمس الذين كانوا سبباً من أسباب مأساة شعبنا وتكرارها وبشكل مستمر حتى يومنا هذا. والأنكى من كل هذا فهناك ذرات طباشير تتطاير في سماء العراق عن خطة متفق عليها من خلف الستار بين المتحاربين عن تقسيم سهل نينوى بين حكومة الإقليم والحكومة الفدرالية وهو الأمر الذي يعني تمزق شعبنا كما تمزق في الماضي بين الأقاليم والدول المختلفة والمتخاصمة ويضيف مأساة أخرى على ماساتنا التاريخية عندما يزداد شعبنا تمزقاً وتشتتاً بين جهتين متعاديتن، لايطيق بعضه البعض، أي بعبارة أخرى سينحبس شعبنا في مناطق غير مستقرة والتي سميت متنازع عليها والأحتمال كبير أن تكون متحارب عليها في المستقبل القادم فيما إذا بقيت نفسية وأفكار الطرفين متناقضة وغير قادرة على الألتقاء على منصة واحدة تخدم الجميع بما فيها أبناء شعبنا. ومن الملاحظ بأن هناك تكاثف لبعض ذرات الطباشير وتكشف عن هذه الخطة المستورة خاصة عندما أنسحبت قوات البيشمركة من هذه المناطق والسماح للقوات المسلحة الفدرالية ومليشياتها الدخول وبسهول وأريحية من دون إي إعتراض أو مقاومة من قبل البيشمركة وهو الأمر الذي يذكرنا بإنسحاب البيشمركة من بلدات شعبنا في سهل نينوى والسماح لداعش الإجرامي من إحتلالها في صيف عام 2014. وهو السيناريو المفضوح الذي من المؤكد سيتبعه مفاوضات بين الطرفين بعد أن كان سداً منعياً يحول دونها ويصبح شعبنا في كل الأحوال ضحية الحروب والمفاوضات معاً لأنه مع الأسف الشديد جعل قادة أحزابنا ومنظماتنا القومية بإنتماءاتهم المتعددة وعدم توحدهم بخطاب موحد جلعوا من وزن شعبنا الصفر في معادلة هذه الأطراف.

إذن بالأمس وحتى اليوم تستمر وتتكر مأساتنا وعلى نفس المنوال من الأخطاء وعدم التعلم من دروس الماضي ولا يمكن التخلص منها أو التخفيف عنها إلا بالتنحي عنها والخروج منها وعدم إستمرار توريط شعبنا في هذه المنازعات والمناكفات بين الكبار المتحكمين في مقدرات وطننا التاريخي والكف عن التجاذبات نحو الكبار فهي مجرد تحالفات خاسرة ونصيب شعبنا منها هو الصفر وبالتالي تعاظم وتكرار نفس المأساة. ولكن، طالما أحزابنا السياسية وتنظيماتنا القومية هي جزء أو تابع لهذا الطرف أو ذاك فإن أمر الخروج من حلقة صراع الكبار يصبح أمراً مستحيلاً مالم تنعتق من هذه الإنتماءات والتحالفات السقيمة ويصبح قرارها مستقلاً ليشكل نقطة إنطلاق نحو التقارب والتفاهيم بين أحزابنا السياسية ووضع الحد الأدنى للمصحلة القومية. وليس هناك طريق لإنعتاق هذه قيادة من التجاذبات نحو هذا المركز أو ذاك إلا بقطع الصلة مع النظام الذي يقوم عليه هذا الطرف أو ذاك، أي بعبارة أخرى ترك المناصب والمراكز الديكورية الشكلية التي يجلس عليها "ممثلي شعبنا" سواء في البرلمان المركزي أو الإقليم وتشكيل مجلس أعلى لشعبنا "الكلداني السرياني الآشوري" ليتولى أمور شعبنا بعد أن يكون بعملهم الشجاع هذا قد خلقوا وزنا لشعبنا أكثر مما هو من الصفر والذي من المؤكد سيكون له وزناً معتبراً في حسابات الكبار. وهو الموضوع الذي سبق وأن تطرقنا إليه مراراً وتكراراً. ولكن من المؤكد غيري يعرف قبل أن أعرف أنا شخصياً بأن مسألة الجلوس على الكرسي المترهل في البرلمانين مرتطب بالتمام والكمال أما بالمصلحة الشخصية أو الحزبية ولا يمكن أن يتحقق هذا مالم ينتزع هؤلاء رداء المصحلة الخاصة والحزبية واللجوء إلى المصلحة القومية العامة.... وأخيراً أكيد هناك بعض من أصحابي النجباء سيقول ... ترى أليس هذا حلم من أحلامك الوردية ؟؟؟ أقول لهم، أشكر ربنا على أعطاءنا موهبة الحلم بالتمنيات التي نعجز عن تحقيقها في الواقع العملي... ومن يدري ربما سنصحو يوماً من الأيام، قريباً أكان أم بعيدا، من هذه الأحلام ونتفاجئ بأنها فعلا حق وحقيقة على أرض الواقع العملي.
إذا كنَا نريد التقدم ... فلنتحد

معلم الفكر القومي الوحدوي نعوم فائق
--------------------------------------------------------

2


أستاذنا الفاضل شوكت توسا...
حسناً فعلت يا أستاذنا الفاضل بتذكرينا بالذكرى الـ (21) لإنتقال البطل الخالد إلى العالم الآخر وتجديد ذكرياته في النضال البطولي ضد الإنظمة الإستبدادية في وطن الأم والذي بإنتقاله من هذا العالم ترك حسرة كبيرة في قلوب الدكتاتوريين الذين لم يستطيعوا النيل منه طيلة فترة نضاله الطويل. كان شخصياً قريباً جداً إلى قلوبنا وأفكارنا وتوجهاتنا وكنا نسمع إليه كالتلميذ المبتدأ إلى أستاذ وخبير في عالم النضال السياسي ضد الإستبداد والدكتاتورية. لقد غدرتنا المنية وأخذت بطلنا وحرمتنا منه في الوقت الذي كان يفكر ويخطط في أساليب العمل القومي والمنهج القويم في توحيد ابناء شعبنا بكل طوائفه في الوطن خاصة بعد عودته من الولايات المتحدة والإستقبال الحافل والمثير من قبل أبناء شعبنا هناك. فقد كان بتواضعه المعهود يسألنا عن رأينا ومقترحاتنا كلما إجتمعنا سوية والتي كان يشاركنا في بعض الأحيان المناضل أبو عامل، رحمة الله، ولكن مع الأسف الشديد كان الموت أسرع فخطفه قبل أن يخطو خطوة أولى يحقق حلمه في تأسيس تنظيم قومي ويرى شعبه متوحد تحت راية قومية كلدانية سريانية آشورية. كتبت بعض المواضيع في ذكراه الخالدة ولكن أكثر ما هو محبب إلى قلبي وأنا أختم هذه المواضيع هو القول:

ألقوش التي أنجبت خيرة الكتاب والمفكرين وأثمرت عراقتها التاريخية والفكرية بولادة عائلة "أبونا " التي قادت الأمة والكنيسة لقرون طويلة ... هذه هي ألقوش التي أنجبت الـ"التوأمين"، المطران توما أودو والمناضل توما توماس، وعهدي بها بأنها قادرة على إنجاب ألف وألف توما أخر.. .     

مع خالص تحياتي... أخوك أبرم شبيرا



 

لقاء مع البطل الإنصاري الخالد توما توماس في مقر زوعا في دمشق وقبل وفاته بفترة



3
مائة عام (1917-2017) من إستمرار الوجود الآشوري في المهجر
---------------------------------------

الجمعية الآشورية الأمريكية في شيكاغو

Assyrian American Association of Chicago
----------------------------------------





 

أبرم شبيرا
في كل عام عندما أزور شيكاغو – الولايات المتحدة لا يفوتي إلا أن أزور الجمعية الآشورية الأمريكية (القومية) ولا تكتمل متعتي إلا عندما ألتقي بأبناء أمتي هناك ونستمتع ونستفيد من المناقشات القومية والسياسية والثقافية وتبادل الإفكار والأراء سواء مع رئيس وأعضاء الجمعية أم مع غيرهم من الأعضاء الذين يقابلوننا بأستقبال حميم وبكرم نبيل لتستمر المتعة الفكرية والإجتماعية حتى بعد منتصف الليل. وأثناء زيارتنا الأخير أنا والإعلامي المعروف ولسن يونان من أستراليا في  الصيف الماضي ( آب - أغسطس ) 2017، وجدنا جميع أعضاء النادي من رئيسها وهيئتها الإدارية وغيرهم منهمكين للإستعداد والتحضير لإحتفال كبير ومتعدد الفعاليات بالذكرى المؤية لتأسيسها (1917 – 2017) والتي ستقام خلال ثلاثة أيام 13 و 14 و 15 من هذا الشهر (تشرين الأول).

ولسن يونان وأبرم شبيرا في آخر لقاء الصيف الماضي مع رئيس الجمعية وبعض أعضاء هيئتها الإدارية
---------------------------------------------
وفي حينها كنت قد وعدت رئيس النادي وأعضاءها بأنني ردا وإستجابة لكرمهم النبيل وإستقبالهم الحميم الدائم لنا أثناء زيارتي للجمعية وإحتفاءاً بهذه المناسبة الفريدة من نوعها في تاريخنا القومي بأنني سأكتب بعض السطور عن  هذا الحدث الذي نادراً ما نراه في أيامنا هذه، ولكن يظهر بأن الزميل والصديق والناشط أنطوان الصنا كان أشطر مني بكثير حيث سبقني في هذه المهمة فزين هذه الذكرى بسطور ذهبية معطرة عن الجمعية وتأسيسها من قبل الرواد القوميين الآشوريين منذ بداية القرن الماضي. للأطلاع على الموضوع المنشور في موقع عنكاوه  أنظر الرابط:
 http://www.ankawa.com/forum/index.php?topic=855707.0

 أن صديقنا الكاتب الكبير أنطوان الصنا وإن كان قد عفاني من الكتابة بشكل مفصل عن المناسبة إلا أن الوعد الذي قطعته لرئيس الجمعية وأعضاءها هو وعد ونحن نعرف الوعد دين على المرء الحر ويجب إيفاءه . لذلك قررت أن أكتب بعض السطور وأحتفي بهذه المناسبة من جانب آخر قائم على بيان مدى أهمية وجود مؤسسات وجمعيات وأحزاب سياسية ومنظمات قومية في مجتمعنا كدليل على وجود أمتنا وأستمرارها نحو أماد أبعد كما هو الحال مع الجمعية الآشورية الأمريكية في شيكاغو وهي تحتفل بالذكرى المؤية لتأسيسها. وإنطلاقا من هذه القاعدة أقول:

المجتمع ليس تراكم كمي أو قطيع لعدد من الأفراد، بل يستوجب في نشوء أي مجتمع وجود مجموعة من علاقات اجتماعية تنشأ بين الأفراد من جراء التعامل بينهما والتي تعرف هذه العملية بـ "التفاعل الاجتماعي" هدفها  تحقيق الصالح العام والتي تؤدي بدورها إلى ظهور ما يعرف في علم الاجتماع بـ "الجماعة البسيطة" مثل الأسرة والعشيرة والقبيلة، وفي أيامنا هذه مثل الأندية والجمعيات والمنظمات والأحزاب السياسية والأخويات الكنسية وغيرها. ويتصف هذا النوع من الجماعة بعلاقات بسيطة ومباشرة بين أفرادها تقوم على قاعدة عدم التساوي والتماثل في الواجبات والمسؤوليات، وهي القاعدة التي تخلق تفاوت في مكانة كل فرد من أفراد الجماعة والتي تؤدي بالنتيجة إلى ظهور الزعامة أو الرئاسة المتمثلة في الأب أو رئيس القبيلة أو زعيم العشيرة أو رئيس النادي أو الجمعية والذي هو الآخر تكون علاقته مع بقية أفراد الجماعة التابع لها علاقة بسيطة ومباشرة. والجماعات البسيطة، خاصة المتقاربة منها، تلجأ إلى الدخول في علاقات فيما بينها من أجل تحقيق المصالح والأهداف المشتركة فينتج عن ذلك ظهور ما يعرف بـ "الجماعة المركبة" مثل المجموعات السكانية الكبيرة والمجتمعات القومية والمؤسسات العامة والشاملة ومنها أيضا المؤسسات السياسية، والدولة هي أرقى أشكال هذه المؤسسات.

وأثناء هذه العملية، والتي تعرف أيضا بـ "التفاعل الاجتماعي"، تلجاً الجماعات البسيطة وبإختيارها إلى التنازل طوعاً عن بعض من مصالحها الخاصة من أجل خلق المصلحة العامة المشتركة. ولأجل حماية هذه المصلحة العامة تبدأ الجماعة المركبة بالعمل لإظهار ملامحها وخصائصها ومميزاتها العامة المشتركة وتميزها عن غيرها من الجماعات. وخلال عملية تنازل الجماعات البسيطة عن جزء من مصالحها الخاصة من أجل المصلحة العامة  ينشأ نوع من علاقة معقدة بين الجماعات البسيطة تقوم على قاعدة (تعاون/تنافس). فكلما ازداد استعداد الجماعة البسيطة للتنازل بقدر أكبر من مصالحها الخاصة أو تكيفيها مع المصلحة العامة يميل توازن هذه القاعدة لصالح التعاون، فتزداد روح الجماعة في المجتمع ويتعزز وجودها ويتماسك كيانها وتبرز خصائصها العامة بشكل أكثر وضوحاً وتمييزاً عن غيرها من الجماعات. وعلى العكس من هذا تماماً، فكلما تمسكت الجماعة البسيطة بمصالحها الخاصة وقل استعدادها للتنازل عنها أو الجزء المطلوب التنازل عنه، يختل توازن قاعدة (تعاون/تنافس) لصالح التنافس فتزداد روح الأنانية ونزعات التمسك بالمصالح الخاصة وتفضيلها على المصلحة العامة ومن ثم يتعرض وجود المجتمع إلى التفكك أو اهتزاز هويته وبالتالي صعوبة تحقيق المصلحة العامة.

هذه القاعدة النظرية تنطبق بأجل صورها على المجتمع الآشوري وتحديدا في المهجر، موضوع بحثنا هذا ونحن نتطرق إلى الذكرى المؤية لتأسيس الجمعية. فوجود مثل هذه المؤسسات والجمعيات، والتي هي وحدات ثانوية، هي تجسيد لوجود الأمة والتي هي بنية رئيسية كمجتمع متميز وقائم بذاته يختلف من نواحي عديدة عن غيره من المجتمعات المتعددة في بلدان المهجر. ليس هذا فحسب بل أن إستمرار هذه الجمعيات لفترة طويلة لا يعني إلا إستمرار وتواصل وجود الأمة والأكثر من هذا فإن وجود هذه الجمعيات وتواصلها لعقود طويلة هو تعبير عن وجود وعي متميز أو قومي في المجتمع يكون ظاهراً وملوساً من خلال النشاطات القومية والثقافية التي تقوم بها. وبعبارة أخرى يمكن القول: كلما كان هناك مؤسسات وجمعيات وأحزاب ومنظمات قومية كلما يعني وجود وعي قومي في المجتمع. وكلما تواصلت وأستمرت هذه الجمعيات نحو عقود طويلة وقامت بنشاطات تعكس هوية المجتمع كلما يعني إستمرار الوعي القومي نحو تحقيق المصلحة العامة للمجتمع.

ولو أعتمدنا على هذه البديهية في البحث عن علاقة الجمعيات بالوجود وبالوعي القومي في المهجر نرى بأنه خلال العقود الماضية من سنوات القرن الماضي، من بدايته وحتى نهايته، كان مستوى الوعي القومي في المهجر بدرجة عالية وملموس إن لم نقل كان في قمته ومتجسد في مختلف النشاطات القومية المكثفة لعدد كبير من الجمعيات والمؤسسات والأحزاب الآشورية. ولو حاولنا مقارنة تلك السنوات الذهبية بسنوات القرن الحادي والعشرين نرى بأن هناك تدني واضح وإنحطاط إن لم نقل كارثة في مستوى النشاطات القومية والوعي القومي في المجتمع الآشوري في المهجر. ومرجع ذلك هو بالأساس إختفاء الكثير من الجمعيات والمؤسسات والأحزاب في المهجر وحتى الباقي منها فهي لا تتعدى كونها مجرد عنوان أو رقم صندوق البريد ولا غيرها. ولو أخذنا مدينة شيكاغو، كنًا في السنوات الماضية نجد فيها العديد من المنظمات والجمعيات والأحزاب السياسية لها مقرات ومراكز معروفة وتقوم بنشاطات قومية ومحاضرات وندوات عديدة وعلى مختلف الأصعدة ولها مكانة محترمة في المجتمع ومعترف بها من قبل السلطات المحلية والفدرالية. أما في هذه الأيام فالأمر "مخزي"  فإن معظمها أن لم نقل جميعها قد أختفت أو إنكمشت في صندوق بريد ونادرا ما نسمع نشاط ثقافي أو مهرجان فني أو محاضرة في السنة الواحد وإن كان فهو أستثناء ولا يحضره غير عدد قليل جدا من أبناء شعبنا.

ضمن هذه الظروف المأساوية في الواقع والوعي القومي في المهجر وتحديداً في شيكاغو تأتي أهمية وجود وإستمرار الجمعية الآشورية الأمريكية القومية وهي تحتفي بالذكرى المؤية لتأسيسها، وهي الجمعية الوحيدة في شيكاغو ذات النفع العام لمجتمع آشوري يقال بأن نفوسه يتجاوز 80 ألف شخص، المعتمدة على نفسها ومن دون إعانات حكومية أو تبرعات أو مساعدات خيرية. فضمن هذه الظروف المأساوية يصعب جداً على هذه الجمعية ومن يقوم بإدارة شؤونها بإبقاءها قائمة في المجتمع الآشوري وتمشية أمورها وبموارد وإمكانيات شحيحة وفي مجتمع واسع ومتطور ومتسارع ومتعدد الثقافات الذي هو بمثابة "بوتقة" إنصار للثقافات الصغيرة، كما هو الحال في الولايات المتحدة. وهو الأمر الذي يتطلبه إمكانيات عديدة مالية وفكرية وثقافية  في أدارتها وتحمل المسؤوليات وبذل جهود مضنية للحفاظ على الوجود القومي الآشوري في مثل هذه المجتمعات الكبيرة. وما يزيد الطين بلة وأكثر مأساوية هو تعرض هذه الجمعية العتيدة والمسؤولين عن إدارتها إلى إنتقادات حادة ذات صفة تهجمية قائمة على حجج واهية وغير معقولة وهي ليست إلا إنعكاس لتدني مستوى الوعي القومي الصحيح في المهجر وظاهرة من ظواهر التهرب من تحمل المسؤوليات العامة في المؤسسات والجمعيات القومية خاصة تهرب المثقفين والمتمكين و"المتقومنين" من الإسهام بإمكانياتهم في نشاطات هذه الجمعية وتطويرها نحو الأحسن. والأنكى من كل هذا، نرى الكثير من أبناء شعبنا في شيكاغو يرتادون الجمعيات والأندية غير الآشورية أو يقضون أماسي في مطاعم وبارات المدينة ويصرفون مبالغ كبيرة بعض الشيء في الوقت الذي تكون أبواب الجمعية مفتوحة للجميع وتوفر أحسن الخدمات والأطعمة والمشروبات وبأسعار معقولة أكثر بكثير من الأماكن الأخرى التي يرتادونها هؤلاء. وهذا الأمر هو الذي جعل من الجمعية أن تقتصر نشاطاتها الإجتماعية على يومين في الأسبوع وأن تكون نشاطاتها الإعلامية من خلال الإذاعة المحلية قاصرة على ساعات قليلة وعلى بعض النشاطات الثقافية والسياسية في المناسبات القومية المعروفة.

وأخير، مهما قلنا عن هذه الجمعية وأظهرنا بعض من سلبياتها وتقاعسها عن القيام بالعديد من النشاطات القومية والثقافية والفكرية فإن العتب كل العتب واللوم لا يقع على من تحمل مسؤولية إدارتها بل على المجتمع الآشوري في المهجر وعلى أبناءه خاصة المثقفين والمفكرين ومنهم الذين يتغنون ليل نهار بالقومية وبـ "تحرير آشور" من الأجنبي المحتل في الوقت الذي لا يستطيعون تحرير أنفسهم من أمراضهم الفكرية والإجتماعية كالتهرب من تحمل المسؤولية واللامبالات والتسيب وعجزهم عن الخروج من قوقعتهم الكلامية نحو ساحة العمل القومي الحقيقي. نعم ... وكل النعم... نقول للجمعية الآشورية الأمريكية القومية ولرئيسها وأعضاء هيئة إدارتها ولجميع أعضاءها والمرتادين لها ألف مبروك على هذه الذكرى المؤية العظيمة والفريدة في تاريخنا المعاصر، ونأمل من أحفاد أحفادنا أن يحتفلوا بالذكرى المئتين لتأسيسها ليثبوا إستمرار وتواصل وجودنا القومي في المهجر نحو أماد أبعد و أبعد... إلى اللقاء في الصيف القادم.             

Assyrian  American  Association  of  Chicago  is  a non-for-profit educational,  cultural  and  charitable  organization




4
أين مصداقية قادة الكورد بين ”الوثيقة السياسية لضمان حقوق المكونات القومية والدينية في كوردستان” وإزاحة مدير ناحية ألقوش وقائمقام قضاء تلكيف من منصبهما؟
==============================================
أبرم شبيرا

في منتصف شهر تموز الماضي من هذا العام أزيح مدير ناحية ألقوش السيد فائز عبد جهوري من منصبه من قبل مجلس ناحية ألقوش. ولم تمضي أكثر من أسبوعين حتى تم إزاحة قائممقام قضاء تلكيف السيد باسم بلو من قبل مجلس قضاء تكليف. ومن المعروف بأن أعضاء الحزب الديموقراطي الكوردستاني (البارتي) يهيمنون على كلا المجلسين ويأتمرون بأوامر قادة حزبهم. وعلى الرغم من الإحتجاجات والإدانات من قبل أبناء شعبنا "الكلداني السرياني الآشوري" لهذين القرارين المجحفين بحقهما إلا أنها لم تفلح بنتيجة مثمرة فمضى كلا المجلسان بتعيين مدير ناحية جديد لألقوش وقائمقام جديد لتكليف ومن الموالين أو الأعضاء في الحزب البارتي ومن مسيحيي أهالي المنطقتين كسياسة ذر الرماد في العيون المتبعة في المنطقة من قبل الحزب البارتي تجاه أبناء شعبنا وكوسيلة من وسائله في تكريد مناطق شعبنا التاريخية وعن طريق تجنيد أفراد من شعبنا لهذه المهمة.

ومهما قيل من مبررات وحجج وأسباب عن إقالة السيدين فائز وباسم مثل "حسب مقتضيات المصلحة العامة" أو بسبب الفساد فإنها لا تقوى ولاتصمد أمام الحقيقة التاريخية لخلفيتهما الشخصية والوظيفية من نزاهة وإخلاص وتفاني وكفاءة طيلة سنوات خدمتهم في منصبهم الرسمي، لا بل تسقط كل هذه التبريرات والأسباب عند النظر إليها  من خلال فترة الحملات التي قام بها البارتي في تسويق الإستفتاء في مناطق شعبنا وعن طريق إزاحة الرافضين لشمول هذه المناطق بالإستفتاء ومنهم السيدين فائز وباسم والمجئ بغيرهما المؤيدين لهذه السياسة البارتية.

هذا من جهة إبعاد الرافضين لشمول مناطقنا بالإستفتاء، أما من الجهة الأخرى المتمثلة في "الوثيقة السياسية لضمان حقوق المكونات القومية والدينية في كوردستان" والتي شملت أيضا شعبنا "الكلداني السرياني الآشوري" فعلى الرغم من الهشاشة القانونية لهذه الوثيقة وإفتقارها إلى عنصر الضمان السياسي والتشريعي وإلى عنصر الألزام الرسمي لها وبالتالي فهي لا تعدو إلا كونها كلمات منمقة، فأنها من جهة أخرى تخلق تناقض صارخ بينها وبين أزاحة السيدين فائز وباسم من منصبهما وتلزمنا أن نفهم توجهات قادة الكورد تجاه شعبنا من خلال سياسة "العصا والجزرة". وهي السياسة القذرة المتبعة من قبل الأنظمة الإستبدادية في تطويع المعاضرين لها والتي أستخدمها نظام البعث المقبور في العراق تجاه شعبنا أثناء حكمه. ففي الوقت الذي كان نظام البعث المقبور يشرع قوانين عن الحقوق الثقافية والإدارية لشعبنا ويتودد لرجال الدين ويفسح المجال لبعض "يهوذا الأسخريوطي" للترشيح لبرلمانه كان من جهة أخرى يحرم على شعبنا التعلم بلغته القومية ويسعى لإمحاء وجوده القومي وصهره في بوتقة الأمة العربية ويسجن المطالبين بحقوقنا و يعلقهم على المشانق. السؤال هو لماذا كان نظام البعث المقبور يلجأ إلى هذه السياسة للقضاء على شعبنا وإمحاء وجوده القومي رغم أنه كان ولا يزال معروفاً لكل العالم وبالدرجة الأولى للنظام نفسه بأننا قومية صغيرة من بين القوميات العراقية الأخرى وشعب مسالم ووطني لا يسعى إلا خدمة الوطن وأن كل مطاليبه القومية كانت ضمن الأطار الوطني لمجموع الشعب العراقي ولا تشكل أي خطراً على أحد. فالجواب لا نجده إلا في طبيعة الفكر الدكتاتوري الذي من طبيعته مقاومة كل من هو مختلف وخارج إطار هذا الفكر ويسعى للقضاء عليه وإمحاءه من الوجود. لا بل ففي الكثير من الأحيان يصل الأمر إلى الحافات القصوى فيلجأ الحاكم الدكتاتوري إلى القضاء على أتباعه وعلى أقرب المقربين إليه  فيمتد ظلمه وإستبداده حتى إلى أفراد عائلته ويصبح في وضع لا يثق بأحد مهما كان قريباً منه وفي أحيان أخرى يصبح فاقد الثقة حتى بنفسه خاصة عندما تصل هذه الثقة إلى مستوى الثقة العمياء بالنفس التي تحجب عن عقله الحقيقة الواقعية ويصعب قراءة الواقع بشكله الصحيح، فكيف والحال مع شعبنا الذي كان يختلف عنه قومياً ودينيا وثقافياً وإجتماعياً وحضارياً وحتى نفسياً؟ فالقضاء على مبررات وجوده يكون من أولى أوليات الحاكم المستبد.

قد يقول البعض بأن من الظلم والإجحاف مقارنة قادة الكورد أو النظام السياسي في الإقليم أو الفكر القومي الكوردي بنظام البعث المقبور وبالفكر القومي البعثي الإستبدادي من خلال سياسة "العصا والجزرة". وقد يكون لمثل هذا القول جانب من الصحة خاصة عندما نعرف بأن هناك خلفية نضالية طويلة بين الشعب الكوردي وشعبنا وأمتزجت دماء كلا الشعبين على طريق النضال ومقاومة الأنظمة الإستبدادية التي تعاقبت على الحكم في العراق كما أشتركا كلا الشعبين في المعاناة والمأساة والظلم والأنفال. ولكن مما يؤسف له بأن بعض الممارسات الخاطئة والتي تغفل القيادة الكوردية النظر عنها تشوب هذه العلاقة التاريخية ويجعل من الواقع الحالي والمستقبل أمران يثار حولهما الكثير من التساؤلات عن مدى تحمل شعبنا لهذه السياسة الخاطئة والقائمة على "العصا والجزرة"؟. هذه السياسة تفتح الطريق نحو خلق عقلية لدى أبناء شعبنا تقوم على فقدان أو ضعف الثقة بالقيادة الكوردية في المسائل المتعلقة بحقوق شعبنا في الإقليم. لا بل والأكثر من هذا، فهذه السياسة تجعل من البعض من أبناء شعبنا أن ينظر إلى العلاقات النضالية التاريخية المشتركة مع الشعب الكوردي بنوع من الأسف والحسرة لدرجة يعتقد بأن الدماء الزكية للشهداء أمثال هرمز ماليك جكو وفرنسو الحريري والمئات غيرهم التي أريقت على طريق النضال المشترك ذهبت أدراج الرياح ولم تقدر وتثمن ولم تنعكس على جوانب إيجابية في السياسة الكوردية تجاه شعبنا. في الوقت الذي نرى بأن بعض الكورد الذين كانوا بالأمس قادة "جحوش" لنظام البعث يقاتلون مناضلي الحركة القومية الكوردية نراهم اليوم جالسين جنباً إلى جنب مع قادة الكورد ويتلذلون بالأمتيازات التي وفرت لهم. وللحق أقول بأن هذه السياسة تجعل مكان وموقف بعض من أبناء شعبنا المنتمين للبارتي والمؤيدين لسياسته محرجاً وموضع شك وتصبح تصريحاتهم وممارستهم في أنهم أنتموا أو أيدوا البارتي لغرض خدمة أبناء شعبنا، كما كان يفعل بعض من أبناء شعبنا الذين كانوا منتمين لحزب البعث، مجرد كذب لا ينطوي على الخيرين والمخلصين. فالمثل يقول "ليس بإمكان الفرد أن يخدم سيدين أثنين في آن واحد".

 أين هي مصداقية قادة الكورد عندما يخلقون أحزاب من "نفر" قليل من أبناء شعبنا ويتوددون إليهم ويجلسونهم معهم في قاعات المؤتمرات واللجان والهيئات الحكومية وغير الحكومية والدولية كسياسة وأسلوب لإزاحة البساط من تحت أقدام الأحزاب الحقيقية والصميمية لأبناء شعبنا، خاصة الأحزاب التي أشتركت مع الأحزاب الكوردية في النضال ضد الأنظمة الإستبدادية كالحركة الديموقراطية الآشورية (زوعا) وقدمت الشهداء في مسيرة هذا النضال؟ قادة الكورد يعرفون جيداً وأكثر مما يعرفه أبناء شعبنا بأن زوعا حزب سياسي صميمي ومستقل في قراره وفاعل وقادر على الإسهام في بناء الديموقراطية والتعددية في الإقليم جنباً إلى جنب مع الكورد ويستطيع أن يعمل أكثر بكثير من أحزاب الدمى والمخلوقة من قبلهم التي تستخدم كديكور لديموقراطيتهم. إذن فلماذا يهمش قادة الكورد وتحديداً البارتي زوعا ويطرحه خارج العملية السياسية البناءة بمجرد أنه أختلف معه في نقطة معينة أو لم يتفق مع نهج محدد للسياسة القومية الكوردية والتي يستغلها البعض من المتصيدين في المياه العكرة لتهويل وتضخيم هذا الإختلاف على أنه "طلاق بدون رجعة". إننا على يقين تام بأن لو إستجاب قادة الكورد لأقصى مطاليب شعبنا وعالجوا بصدق وصراحة السياسات الخاطئة تجاهه فإن هذا لا يشكل إطلاقاً أي تهديد أو شائبة في المسيرة النضالية القومية للكورد بل يشكل عامل إستقرار وتقدم للمنطقة خاصة والكورد مقبلين على بناء دولتهم الفتية التي لا يمكن أن تنضج وتتقدم مالم تسير على المسار الديموقراطي والتقدمي الصحيح وتنال إحترام وتأييد الدول الأخرى والمنظمات الدولية مدركين كل الإدراك بأن قيام دولة مستقلة يعني الدخول في إلتزامات قانونية ورقابية دولية وبعكسه ستصبح خارج المنظومة الدولية ويصعب لا بل يستحيل أن تكتسب عضوية فاعلة ومحترمة في هذه المنظمات ويصبح حالها كحال بعض الأنظمة السياسية في المنطقة التي تدعي بالديموقراطية ولكن في الحقيقة والواقع هي دول إستبدادية حتى النخاع.

نقولها وبملئ الفم بأن الدولة المزمع إقامتها من قبل الكورد، والبوادر الواقعية تشير إلى قيامها رغم التحديات الخطيرة، لا يمكن أن تدوم لها الحياة بشكلها الديموقراطي وبموقع إستثنائي محترم في مقارنتها مع الدول المجاورة ما لم تسترجع مصداقيتها تجاه شعبنا "الكلداني السرياني الآشوري"" الشعب المتحضر وصاحب أعظم حضارة في التاريخ. وليعلم الجميع ومنهم قادة الكورد بأن خسارة شعب طيب ومتحضر كشعبنا هو سيكون خسارة حقيقية وكارثية للكورد قبل غيرهم. فالتاريخ أثبت والواقع يثبت أيضا بأن الكثير من الدول والشعوب تقدمت وتطورت لأنها تجاورت أو تعايشت مع شعوب متحضرة. وليتأكد الجميع وفي مقدمتهم قادة الكورد بأن إسترجاع هذه المصداقية ووضع تعامهم مع أبناء شعبنا وأحزابه الصميمية على المسار الديموقراطي الصحيح سيكون ذلك رصيداً غنياً للدولة الفتية ومصدراً مهماً في تحضرها وتقدمها. فللكورد تجارب تاريخية نضالية مع شعبنا ومع حركتنا القومية وعرف مدى إخلاصهم وتفانيهم من أجل القضية العادلة وكفاءتهم العالية في مختلف المجالات، أفليس هذا كافياً لقادة الكورد لتعديل سياستهم تجاه أبناء شعبنا في المنطقة ومعالجة الأخطاء المتراكمة إذا كانوا فعلاً يسعون لبناء دولة ديموقراطية تقدمية ومتحضرة تكون مثالاً جيداً لبقية دولة المنطقة؟

                 



5
أخي العزيز نيسان سمو الهوزي...

قصدت من بعيد لأنني لا أعيش فعلياً في أرض الوطن المكتوي بنيران الطائفية والحقد والكراهية بل أعيش فعلياً في المهجر ولكن فكرياً وضميرياً أعيش في قلب وطني... أرض أبائي وأجدادي.

تحية كلدانية من "كلداني سرياني آشوري"
أبرم شبيرا

6
رسالة من بعيد إلى السيدان حيدر العبادي ومسعود البارزاني:
----------------------------------

تجميد الإستفتاء لا إلغاءه أو إبقاءه
======================
أبرم شبيرا

فاز الإستفتاء في إقليم "كوردستان" بنسبة كبيرة جداً وهي 92.73%، وهذه النسبة هي، على الأقل من الناحية الرسمية، تعبير جامح وواضح عن إرادة الشعب "الكوردستاني" بالإستقلال عن الدولة العراقية. بالمقابل رفضت الحكومة العراقية هذا الإستفتاء وقامت بأجراءات مضادة للحيلولة دون تفعيله وطالب رئيس مجلس الوزراء السيد حيدر العبادي إلغاء الإستفتاء كشرط أساسي وأولي للدخول في المفاوضات مع حكومة إقليم "كوردستان" لحل المشاكل العالقة. 

بالمقابل رفض السيد مسعود الباررزاني وحكومته وبرلمانه طلب السيد حيدر العبادي في إلغاء الإستفتاء لأن هذا لا يعني إلا إلغاء إرادة شعب برمته تقريبا، وهو أمر أكثر من مستحيل ولا يمكن للسيد مسعود البارزاني إصدار قرار بإلغاءه لأن إلغاء إرادة شعبه يعني من جهة أخرى فقدان مصداقيته وخيانة الأمانة كرئيس لشعبه.  كما أن إلغاء الإستفتاء أي إلغاء إرادة الشعب الكردستاني الذي هو جزء من الشعب العراقي، كما يصرح بذلك السيد حيدر العبادي ويؤكد إستعداده للدفاع عنه سيكون سبباً في فقدان مصداقيته أيضا. وتخفيفاً لحدة الخلاف بين الأثنين والخروج من المأزق أكدت حكومة الإقليم وعلى رأسها السيد مسعود البارزاني بأن هذا الإستفتاء لا يعني تطبيقه مباشرة والبدء بالإجراءات الخاصة بالإستقلال عن الدولة العراقية بل هذا يتطلب عدة سنوات لتطبيقه على أرض الواقع. وبالمقابل رفض السيد حيدر العبادي هذه التفسيرات وأصر على ضرورة إلغاء الإستفتاء كشرط للدخول في مباحثات حول المسائل العالقة بين الأثنين، لأنه من الواضح وجود هذا الإستفتاء أثناء المباحثات سيشكل قوة ضغط على الحكومة العراقية وسند قوي من الطرف الأول على الطرف الثاني وسيشكل خط رجعة لحكومة الإقليم عند فشل المباحثات. كما أن بقاء هذا الإستفتاء الذي سيحوم في سماء المفاوضات سيزيد من أمر تعقيد المباحثات ويأخذ مساحات زمنية طويلة وسوف يحصر حكومة السيد عبادي في زواية ضيقة تحرمه من البدائل الوصول إلى حل مقبول يحفظ وحدة العراق.

إذن بين إصرار وعناد الطرفين حول إلغاء الإستفتاء وإبقاءه وصل الأمر إلى طريق مسدود بالتمام والكمال رغم بعض الوساطات للتخفيف من صعوبة الأمر. ولكن بين إلغاء الإستفتاء وإبقاءه يأتي مصطلح "تجميد" الإستفتاء كحل وسط بين الاثنين. فالتجميد لا يعني إلغاءه كما لا يعني تفعيله بل هو حالة قائمة بين الأثنين يفتح ثغرة في جدار إصرار الطرفين ويمهد الطريق للجلوس والتفاوض من دون وجود إستفتاء فاعل ونشط يورق طرف الحكومة العراقية من جهة ويحيد أو ينزع من حكومة الإقليم سلاح الإستفتاء الضاغط من جهة أخرى. فمن خلال هذا التجميد يبقى السيد مسعود البارزاني على موقفه من عدم إلغاء الإستفتاء وصيانة مصداقيته من جهة كما أن التجميد سوف يسند موقف السيد حيدر العبادي عند الجلوس على طاولة المفاوضات من دون وجود إستفتاء فاعل وضاغط. فالتجميد على الأقل يفتح باب قاعة المباحثات للطرفين ويهدئ الأوضاع المتصاعدة التي تقلق جميع أبناء الشعب العراقي ومن المحتمل جداً بهدوء الأوضاع ستتمهد الطرق للتفاهم بين الطرفين والوصول إلى حل يرضي الطرفين ويردع الأخطار المحيطة بالوطن من كل حدب وصوب.     

7
رد على تعليق الأخ عدنان آدم..

يا أخي العزيز أنا لم أنكر أبداً الجهود الكبيرة المبذولة من قبل بعض ممثلي أمتنا في البرلمان أو الهيئات الحكومية، وبعضهم أعز أصدقائي ويقبلون النقد. وهذا ما أؤكده في معظم كتاباتي ولكن العبرة ليست فيها بل في النتائج الحاصلة من هذه الجهود. فالوقائع منذ عام 2003 ولحد اليوم توكد بأن أوضاع أمتنا في أنهيار وإنحطاط مستمر ويظهر من المستجدات  على الأرض خاصة بعد الإندحار العسكري لداعش بأنه لا محال الوضع المزري لأمتنا سيستمر أذا أستمرينا على نفس المنوال واللعب من الفاسدين وسراق قوت الشعب في نظامهم السياسي الفاسد ومن دون تغيير جذري وثوري... أستغرب كيف البعض يفرح ويشيد بحضور فلان مسؤول للإحتفالات يوم الشهيد الآشوري أو ألقى كلمة بهذه المناسبة ولكن مع الأسف الشديد نقول بأنه مجرد فعل مجاملي وقول معسول، وهو كلام يذكرني بوعود والكلام الطيب الذي أعطاه الجاسوس الإنكليزي غريسي للآشوريين أثناء الحرب الكونية الأولى. ففي هذا الكلام المعسول لا فيه نوايا حقيقية في إسترجاع شبر من أراضينا المسلوبة ولا أن تضع حجر على حجر في بناء قرانا المهدومة.... لنكن فعلاً سياسيين نمشي على أرض الواقع وأن لا نسبح في غيوم الكلام المعسول والمجاملات الرسمية فهي ورقة خاسرة في معركة البقاء والحفاظ على الوجود القومي في أرض الوطن.

وأخير قد يتسائل البعض ويقول، أنظروا بدأ أبرم شبيرا بالرد على المعلقين على كتاباته في الوقت الذي عرف عنه بأنه لا يرد أبداً... ولكن أقول للحقيقة بأن سبب البدأ بالرد على بعض المعلقين على كتاباتي هي:
أولا: لأنني أعرف نزاهتهم وصراحتهم وغايتهم النبيلة من التعليق.
وثانيا: أن تعليقاتهم هي من صلب الموضوع وليست عن مواضيع لا تتعلق به بل في كثير من الأحيان هي مفيدة وتضيف إلى الموضوع قيمة أخرى. أما بالنسبة للملثمين أو الذي يعلقون بمهاترات ودخول في تصفية حسابات شخصية مع غيرهم من المعلقين أوتفريغ ما في نفسيتهم المريضة على الورق بعد أن فشلوا هربوا من الواقع العملي، فهم لا يستحقو كلمة واحدة للرد عليهم.

شكرأ أخي عدنان وإلى اللقاء في المسيرة النسانية القادمة.

أبرم شبيرا 


8

مختصر في فهم مصطلح الأقلية ومقارنته بمصطلح "المكون المسيحي:
-------------------------------------
أبرم شبيرا
تساؤل:
-----
إستغرب كثيراً من بعض أحزابنا ومنظماتنا الكلدانية السريانية الآشورية والهيئات التابعة لفروع كنيستنا المشرقية من الهلع الفكري والمنطقي في تجنب إستخدام مفهوم الأقلية لوصف شعبنا في العراق مما يضطرون إلى اللجوء لإستخدام مصطلحات غريبة وغير منطقية وواقعية في الفكر والعمل السياسي وفي أساليب المطالبة بالحقوق الخاصة بشعبنا. ومصطلح "المكون المسيحي" نموذج في هذا السياق.

أسباب تجنب إستخدام مصطلح الأقلية:
---------------------
وإذا بحثنا في أسباب هذا التجنب من إستخدام مفهوم أو مصطلح الأقلية سوف نجد بعض من هذه الأسباب في:

أولا: في الفقر المدقع في العلم السياسي والقانوني والعجز في فهم المضامين الفكرية والسياسية للعمل القومي أو تجنب إستخدامها لأسباب مرتبطة بالفكر السائد والمتبني من قبل هذه الجهة أو تلك. وقد سبق وأن فصلنا في هذا الموضوع عن التخلف في مجتمعنا والذي كان من وراءه أسباب عديدة منها الجهل، ليس في العلم والتقافة وإنما في الفكر السياسي والعمل القومي والممارسة السياسية العملية والمنطقية. فالأقلية هو مصطلح قانوني سياسي معترف به دولياً فهناك العشرات من المواثيق الدولية والإقليمية تستخدم مصطلح الأقلية في معالجتها لمسألة الأقليات في دول العالم.

ثانياً: التأثر الشديد للكثير من قادة منظماتنا القومية والكنسية بالفكر السياسي العربي المتخلف خاصة في العراق والذي هو نتاج تخلف الأنظمة السياسية وتبنيها لأساليب إستبدادية وشوفينية وطائفية وشمولية سواء في الفكر أو الممارسة وبالتالي كل المفاهيم السياسية بما فيها الأقلية والديموقراطية وغيرهما تدور في نطاق هذه الأساليب والأفكار. من هذا المنطلق ينظر إلى مفهوم الأقلية على أساس أن له صفة دونية وتحقيرية مستمدة من القلة والندرة أو الضعف والهزالة في مقارنتها مع الأكثرية والذي بإعتقادهم الخاطئ بأنه يتنافي هذا المفهوم مع بنود الدستور الذي يقر بسواسية جميع المواطنين وعدم التفرقة بينهم على أسس دينية وقومية وبين أكثرية وأقلية ... إلخ. ولما كان شعبنا أو، لنكن أكثر وضوحا، ممثلي شعبنا، سواء على المستوى السياسي أو الكنسي جزء من هذا النظام الإستبدادي أو المسايرين له فهم أيضا جزء من الفكر الإستبدادي المتحكم في هذا النظام وأروقته وبالتالي إنتقال كل المفاهيم السياسية والقانونية في هذا الشأن إلى ممثلي شعبنا. أي بعبارة أخرى أصبح مفهوم الأقلية عندهم شأنه شأن المستبدين المتحكمين في مقدرات الوطن له مفاهيم دونية وتحقيرية يستوجب تجنب إستخدامه في وصف شعبنا كأقلية أثناء تعاملهم مع الجهات المعنية في المسائل المتعلقة بحقوقنا المشروعة في الوطن. من هنا تولدت مصطلحات مصطنعة أخرى وهي "الكوتا المسيحية" والنواب المسيحيين والأحزاب المسيحية ... وهلم وجر.

ثالثاً: التحديات والصراعات الحالية في العراق هي طائفية مذهبية بمجملها وبالتالي فإن اللاعبين الأساسيين لهذه الصراعات وللعملية السياسية هي أحزاب ومنظمات وكتل طائفية وبإمتياز في فكرها وممارستها رغم كل الإدعاءات بالمواطنة وعدم التمييز سواء في الدستور أو القوانين. فالإستحقاقات السياسية المبنية على الطائفية والمحاصصة لها الغلبة في العراق على الدستور والقوانين وهو الأمر المؤكد في الممارسة الواقعية والعملية السياسية وفي توزيع المراكز والمناصب. فعلى الرغم من أن الدستور العراقي لا ينص على كون الرؤساء الثلاثة أو نوابهم من مذهب معين أو قومية أو طائفة إلا أن الواقع هو غير ذلك فبموجب الإستحقاقات السياسية "للأخوة الكبار" تم تخصيص هذه المناصب لهم: فرئاسة الجمهورية للكوردي السني ورئاسة البرلمان للسني العربي ورئاسة مجلس الوزراء للشيعي العربي، وهكذا نزولاً إلى المناصب الأدنى التي تتحكم فيها الإستحقاقات السياسية المبنية على الطائفية المقيتة، فيظهر ضمن هذه العملية السياسية الطائفية والمبنية على المحاصصة بأن كل الأدوات السياسية لشعبنا "الكلداني السرياني الآشوري"، أي الأحزاب والمنظمات الداخلة أو المشاركة في هذه العملية السياسية الطائفية تظهر كأنها كيانات دينية وطائفية. فمن هنا جاء مصطلح "المكون المسيحي" كعنصر مميز عن المكونات الدينية الأخرى خاصة المكون الإسلامي الذي هو الصنف المهيمن على الدولة العراقية ويجعلها دولة إسلامية بكل معنى الكلمة. لا بل وأكثر من هذا، فإذا كان "المكون الإسلامي" متجزأ إلى طوائف رئيسية شيعية وسنية والتي هي أيضا تتشعب إلى أفرع أصغر فأصغر كالكتل والمنظمات الشيعية والسنية، فإن مصطلح "المكون المسيحي" تناسق وتناسب مع المكون الإسلامي فتشعبت هو الآخر إلى طوائف منها كلدانية وسريانية أرثوذكسية وكاثوليكية و"نسطورية" آشورية وحتى أرمنية. فهذا الأمر الواقعي هو الذي فرض نفسه وبقوة أن تحبس مقوماتنا القومية المتميزة والتاريخية وتضيع في إطار "المكون المسيحي" ذات الإستعمال الحديث في العملية السياسية والذي ليس له أية مقومات قومية بل هو مفهوم ميتافيزقي ديني يشمل تقريباً كل مسيحيي العراق والعالم أيضاً. وحتى أذا ذكر "المكون المسيحي" من الكلدان والسريان والآشوريين فأن هذا إجحاف بحق بقية أقسام "المكون المسيحي" كالأرمن وبحق من يدعون في كونهم عرب مسيحيون وكورد مسيحيون. أي بعبارة أخرى أن مصطلح "المكون المسيحي" يتناقض مع كل الوقائع المعاصر والتاريخية لا بل ويمحي نضال شعبنا "الكلداني السرياني الآشوري" ووجودنا التاريخي في أرض الأباء والأجداد وكأننا بدأنا بهذا المصطلح الجديد والمصطنع بتاريخ جديد لا أساس تاريخي له. 
ولكن على العكس مما تقدم، نرى بأن مفهوم الأقلية وفق المعايير السياسية المعاصرة في الأنظمة الديموقراطية وفي العلوم السياسية له تفسيرات إيجابية تعلب دوراً كبيرا في فهم وممارسة الديموقراطية بشكلها المثالي التي هي أساس تطور الشعوب من مختلف النواحي السياسية والإقتصادية والإجتماعية والفكرية. فالأقلية بالمفهوم الديموقراطي هو معيار نسبي في مقارنته مع مفهوم الأغلبية وكلاهما يشكلان الظاهرة الديموقراطية الصحيحة، من هنا يستوجب أن نفهم هذه الديموقراطية الصحيحة وعلاقتها بالمفهومين الأقلية والأكثرية.

كيف نفهم الديموقراطية وعلاقتها بالأقلية والأكثرية:
----------------------------
لم يعد للديموقراطية في عصرنا الحاضر نفس ذات المفهوم الأغريقي القديم في أعتبارها حكم الشعب، فمثل هذا المفهوم كان غير واقعياً ولا منصفا لجميع أبناء الشعب الواحد حيث كان يشمل طبقة معينة في العهد الإغريقي دون عامة الشعب. غير أنه بعد أنهيار النظام الإقطاعي في أوروبا وتقلص أو زوال سطلة الكنيسة في الحكم والسياسية وبداية عهد التنوير والثورات الفكرية أثر الثورة الصناعية الأولى التي إجتاحت أوروبا خاصة في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر تغير هذا المفهوم لتعني الديموقراطية حكم الأغلبية خاصة بعد نشوء الأحزاب السياسية وظهور البرلمانات المنتخبة من قبل عامة الناس. فمن هناك ظهر في السياسة المصطلحان الأغلبية والأقلية. والأساس الفكري الفلسفي لهذا التطور قام على أعتبار بأنه لا مطلق في الحياة والظواهر، فالمطلق شيء خيالي وما وراء الطبيعة البشرية، أي ميتافزيقيا الذي لا يمكن إداكه ولا الإحساس به ماديا وفعليا في الواقع الإجتماعي. فالحياة والظواهر الإجتماعية كلها تكون قائمة على المفهوم الفلسفي الذي يقول بأن الإنسان في طبيعته يحمل نقيضه وهكذا مع الظواهر الإجتماعية . وكان الفيلسوف الألماني فريدريك هيغل (1770-1831) الرائد الأول في إكتشاف قانون النقض في الطبيعة الإنسانية والإجتماعية ثم جاء الفيلسوف الألماني كارل ماركس (1818-1883) ليطور مفهوم هيغل في النقض وعن طريق تجريد الجوانب المثالية منه وإضفاء عليه جوانب مادية قائمة على الواقع وعلى دراسة التاريخ فتوصل إلى مفهوم بأن كل تاريخ البشر هو صراع طبقات، فجاء بمفهوم نقض النقيض وكان هذا أسس الأساس الفلسفي الذي ألتفتت إليه المجتمعات الغربية في تطوير مفاهيمها الفكرية والسياسة ومنها الديموقراطية التي بدأت تقوم على ظاهرة وجود بين طياتها نقضيها بإعتبارها ظاهرة سياسية إجتماعية وهكذا ثم يتأتي النقيض الآخر لهذا النقيض، أي نقض النقيض ويحل محله ...  وبأستمرار نقض النقيض تتطور المجتمعات نحو الأمام وتتقدم، وهو القانون الأساسي الذي بنت المجتمعات الغربية الديموقراطية عليه تطورها المستمر، وهو المفهوم الذي سبق وأن أشرنا إليه في مناسبة سابقة والذي يقول بأن التطور هو خطوتان إلى الأمام وخطوة إلى الوراء. من هذا المنطلق جاء مفهوم الديموقراطية القائم على الأغلبية والأقلية ليدخل كلا الجانبين وكظاهرة سياسية إجتماعية في علاقة عضوية لبناء نظام سياسي فعال قائم على هذه النسبية التي تشكل أسس الأساس للنظام السياسي الديموقراطي الذي لا تنحصر فيه العملية السياسية بيد الأغلبية بل تشكل الأقلية كمعارضة (نقيض) عنصرا مهماً أيضا في هذه العملية التي تقوم بين متناقضين من حيث الشكل (أغلبية وأقلية) ولكن من حيث الفعل والواقع كلاهما يشكلان النظام السياسي الديموقراطي. فإذا كان، على سبيل المثال لا الحصر، حزب المحافظين في بريطانيا كأعتى ديموقراطية في العالم، يشكل الأغلبية ويقود الحكومة فأن حزب العمال الذي يشكل الأقلية يكون أيضا جزء مهم من هذا النظام وعن طريق تشكيل حكومة الظل يمارس النقد ويكشف أخطاء حكومة المحافظين كجزء من العملية السياسية لنظام سياسي ديموقراطي مستمد تطوره من هذه العلاقة العضوية بين الأكثرية والأقلية. من هنا نقول بأن كل المفاهيم السياسية منها الإنتخاب بالإجماع أو الحصول على 100% أو 99,9% من الأصوات سواء في الإنتخابات أو في الإستفتاء أو المبايعة للحاكم أو توريث الحكم في النظام الجمهوري كلها مفاهيم لا علاقة لها بالديموقراطية بل تصب في خانة القهر الفكري والإستبداد السياسي وتشكل أسس الأنظمة الشمولية والدكتاتورية. 

الديموقراطية في العالم العربي والإسلامي:
----------------------
معظم الدول العربية والإسلامية التي تتبنى في دستورها الإسلام كدين الدولة الرسمي أو إعتبار الإسلام مصدر أساسي أو وحيد للتشريع يتعارض ويتناقض نظامها السياسي ودستورها مع المفاهيم الصحيحة للديموقراطية لأن الإسلام وقرآنه عندهم هو مصدر الحقيقة والانصاف والعدل الذي لايمكن إطلاقاً النقاش عليه أو الإجتهاد حوله. في حين الديموقراطية أساسها الإجتهاد والنقاش للوصول إلى الحقيقة والأنصاف والعدل. وحتى تخرج هذه الدولة من هذه الحالة الميتافيزقية لمصدر دستورها ونظامها السياسي وتُظهر نفسها كدولة متحضرة وديموقراطية يلجأ حكامها إلى توليف مصطلحات غريبة وبعيدة عن الديموقراطية لغرض إحتواء المعارض وضمه إليها مثل الديموقراطية التوفيقية، وليس ذلك إلا لغرض كبحه في أطار الأغلبية الحاكمة ومن دون أي دور للمعارضة أو الأقلية في مثل هذا النظام. وإذا أخذنا الأقلية "الكلدانية السريانية الآشورية" مثالاً في سياق فهم مكانتهم ودورهم في  النظام السياسي في العراق نجد بأن لا دور فعال لهم أو لممثليهم في البرلمان أو في الهيئات الإدارية الحكومية رغم كفاءتهم العالية وجهودهم المضنية ولكنها جهود ضائعة في متاهات النظام الطائفي والإستحقاقات السياسية للكبار. وحتى "الكوتا المسيحية" التي خصصت لأبناء شعبنا على أساس أنها أنجاز أو "منحة" ديموقراطية للأقليات اخترقت من "الأخوة الكبار" ومسخوا مضمونها حتى تصبح جزء من نظامها السياسي أو تسير في فلكه. فنظام الكوتا  أي "الكوتا المسيحية" في العراق هي أصلاً مفهوم غير ديموقراطي يعكس عجز الأقليات من الفوز بالإنتخابات لأنه بسبب الفكر الطائفي المهيمن على الأمور في الوطن فإن الأكثرية من الشعب وفق إيمانهم الطائفي لا يعترفون بالأقليات ولا ينتخبون المسيحيين لذلك تأتي الكوتا، وهي أيضا من مخترعات هذه الأنظمة الإستبداية التي لاتقبل بالمختلف والمغاير فكرياً ودينياً وإجتماعيا عن الأكثرية الحاكمة، على أساس أن الكوتا هو نظام لحماية حق هذه الأقليات في الوصول إلى البرلمان. وحتى هذا الحق، كما سبق وذكرنا بأنه ممسوخ ومنتهك من قبل الأغلبية المهيمنة.
   

أين موقع الأقلية "الكلدانية السريانية الآشورية" من هذا النظام الطائفي:
---------------------------------------
حتى لا أطيل على القارئ اللبيب، أقولها فوراً وصراحة بأنه لا موقف لشعبنا من الأعراب سواء كأقلية قومية أو بمفهوم "المكون المسيحي" في مثل هذا النظام الطائفي المحاصصي، لأن مُلاك، أو إقطاعي هذا النظام أصلا لا يعترفون وفق إيمانهم المذهبي وإستحقاقاتهم السياسية بشعبنا رغم بعض التصريحات المعسلة هنا وهناك ألا أن الأمر الواقعي والقانوني غير ذلك. ولأثبات هذه الحقيقة الواقعية  أمر لا يحتاج إلى تفاصيل مطولة فسنوات العجاف منذ عام 2003 وحتى يومنا هذا شاهد على الأنهيار الذي أصاب وجودنا القومي والديني في أرض الأباء والأجداد. والأمر الأكثر خطورة سيكون على شعبنا وقد يكون المسمار الأخير في نعش وجودنا في الوطن هو عندما يتم نهائياً طرد داعش والقضاء عليه عسكريا، لا فكريا، وتبدأ عملية تقسيم الغنائم، كما هو مخطط له في تقسيم سهل نينوى، الذي من المحتمل الكبير أن يبدأ الفصل الأخير في القضاء على وجودنا في الوطن.  من هنا نقول وكما قلنا في السابق بأن كل الجهود المبذولة من قبل ممثلي شعبنا في البرلمانين، المركز والأقليم، ومن رجال الكنيسة هي جهود ضائعة وكانها حروب دونكيشوتية ضد طواحين الشيطان طالما بقوا جزءاً من هذا النظام ويعملوا ضمن سياقاته وأروقته. وحتى لا يتهمني البعض بالسلبية والقنوط ويبدأ بالقول "ما الحل إذن". أقول لا خلاص من هذا النظام إلا الخروج منه وتشكيل نظام قومي وكنسي خاص بأمتنا وكنيستنا المشرقية وهو الموضوع الذي تتطرقنا إليه العديد من المرات في تقديم مقترح إستقالتهم من المراكز البرلمانية والحكومية وتشكيل المجلس القومي الأعلى "للكلدان السريان الآشوريين" وعلى الجانب الآخر جلوس بطاركة أفرع كنيستنا المشرقية في العراق مع البعض وتشكيل "المجلس الأعلى لكنائس المشرق في العراق وليس مجلس الطوائف المسيحية الذي يترنح في مكانه بسبب الأسس الخاطئة التي تأسس عليها.

ولكي أليس هناك البعض وربما الأكثر من أبناء شعبنا يقول عن هذا المقترح بأنه بـ (المشمش) كما يقول المصريون؟؟؟ وحتى إذا قبل البرلمانيون من أبناء شعبنا الإستقالة فهناك أكثر من واحد من "يهودا الإسخريوطي" مستعد لأن يقفز ويحل محلهم، حين ذاك يجب أن نعيد قراءة الكتاب المقدس ونرى المصير الذي لاقاه يهودا الإسخريوطي وإذا عجزنا عن فهم المغزى من مصير يهودا وتركناه يسرح ويمرح بمصير أمتنا حينذاك نقول بأننا شعب لا يستحق الحياة طالما لا يستطيع أن يميز أو يفصل بين الحنطة والزوان.

9
بمناسبة الذكرى (84) على مذبحة سميل للآشوريين:
------------------------------

فلاح آشوري... جاسوس للإنكليز!!!!
=====================
أبرم شبيرا

كتب الكثير عن مذبحة سميل وعن النتائج المأساوية والتداعيات الفضيعة التي ترتبت ليس على الآشوريين والمسيحيين فحسب بل على العراق برمته وعلى مسيرته السياسية وعلى أستقراره السياسي والأمني ذلك لأن مذبحة سميل كانت فاتحة سلسلة من الإضطهادات والتنكيل بمختلف قطاعات الشعب العراقي فكان الآشوريون الذين أستشهدوا في سميل عام 1933 الذخر الأول أو القربان العراقي الأول لسلسلة من شهداء العراق الذين أزهقت أرواحهم من قبل رجال الحكم والسياسة والأنظمة الإستبداية التي تعاقبت على العراق. فما أن أنتهى المجرم الجنرال بكر صدقي ومساعده حجي رمضان من مهمتهم في  التنكيل بالآشوريين في سميل، التي وصفت في حينها بالبطولة والشهامة، حتى أدار وجهته وإستبداده نحو الشيعة والعشائر العراقية في الجنوب فقام بالتنكيل بهم والقضاء على مطالبهم المشروعة فأصبحت هذه الجرائم البشعة منصة عالية للمجرم بكر صدقي ويد طولى من القوة والسطوة ليقوم بأول إنقلاب عسكري في العراق عام 1936 ليكون بادرة لسلسلة من إنقلابات عسكرية في العراق حرمت الشعب العراقي من الأمن والإستقرار.

في حينها أتهم الآشوريين من قبل النظام السياسي في العراق بالعمالة للإنكليز وأعتبروا من قبل مفكري ومؤرخي النظام السياسي أمثال عبد الرزاق الحسني وعبدالرحمن البزاز بالطابور الخامس لبريطانيا فكانت هذه مبررات كافية للنظام السياسي ولبعض قطاعات الجيش للقيام بجريمتهم في سميل ضد الآشوريين الذين طالبوا ببعض المطالب البسيطة جداً والتي كان من الممكن تحقيقها وبسهولة. في حين كل الوقائع التاريخية والموضوعية تؤكد بأن الإنكليز في تلك الفترة كانوا في موقف محرج وعلى مفترق طرق بين منح العراق الإستقلال الشكلي وربطه بإمتيازات خاصة لبريطانيا من جهة والتخلص من المسألة الآشورية التي كانت طاغية على السطح السياسي في تلك الفترة وتعكر سياسة بريطانيا في تحقيق هدفها من منح العراق الإستقلال الشكلي من جهة أخرى. ولما كان أزلام النظام السياسي رافضين لأبسط مطاليب الآشوريين ولم يكن يرغبون أن يكون الآشوريون جزء من النظام الجديد، أصبح موضوع التخلص منهم والقضاء على زعمائهم أمراً مقرراً ومطلوباً. فمهدوا الأنكليز لهذا الأمر ليس بالمشاركة في مذبحة سميل بل عن طريق ترك يد الأكثر تطرفا من المستبدين والظالمين من بعض زعماء الجيش العراقي أمثال المجرم بكر صدقي، للتصرف والقيام بمهمة معالجة القضية الآشورية بكل الوسائل المتاحة وتحديدا العسكرية منها. فكان هذا السبيل الوحيد والمتاح  للإنكليز للتخلص من الآشوريين وضمان إستقلال العراق الشكلي وبالنتيجة ضمان مصالحهم في العراق عن طريق ربطه بمعاهدة عرفت بمعاهدة 1930 والتي أعقبتها إعلان إلغاء نظام الإنتداب ومنح العراق الإستقلال الرسمي وقبوله في منظمة عصبة الأمم عام 1932.

الوقائع الموضوعية في تلك الفترة تؤكد بأن الآشوريين لم يكن لهم أية علاقة عمالة بالإنكليز، بل على العكس من هذا فالدلائل التاريخية وشهود العيان تؤكد بأن بعض من رجال الحكم والعسكر كان لهم صله بالإنلكيز بخصوص التعامل مع مسألة التخلص من الآشوريين ومطاليبهم، ومن بينهم المجرم بكر صدقي. فهناك وثائق تؤكد بأن المجرم بكر صدقي كان عميلا للإستخبارات البريطانية، فقام على ضياء الضوء الأخضر من الإنكليز التخطيط للقضاء على الآشوريين فأمر أتباعه ومساعديه أمثال حجي رمضان للقيام بتنفيذ الجريمة بحق الآشوريين. وهنا نذكر شاهد عيان في هذه المسألة وهو الأستاذ والمؤرخ عبدالمجيد حسيب القيسي، رحمه الله وطيب ذكراه، مؤلف عدة كتب في التاريخ السياسي العراقي ومنها كتاب "التاريخ السياسي والعسكري للآثوريين في العراق". ففي زيارة شخصية له أنا والمرحوم د. سعدي المالح في بيته في أبو ظبي عام 2000 لللقاء به والتعرف عليه والحديث عن كتابه المنوه عنه أعلاه وعن التعقيب الذي كنت قد كتبته عن الكتاب ونشر في حينه في جريدة الحياة اللندنية، فما أن خطونا نحو عتبة دراه حتى قام بالترحيب الحار بنا خاصة عندما عرف بأننا آشوريين لنا ألمام بموضوع كتابه. فبعد أحتساء القهوة مقرونة بالحلويات، بدأ حديثه التفصيلي عن مذبحة الآشوريين في سميل فذكر بأنه كان في تلك الفترة شابا يافعاً يشغل وظيفة مدنية في وزارة الداخلية العراقية أثناء حوادث الآشوريين عام 1933 وكان مرافقاً لحجي رمضان أثناء الحوادث. وبينما كان المجرم حجي رمضان، والحديث للمرحوم عبد المجيد، يقوم بجولاته التفتيشية في المناطق القريبة من سميل يرافقه أثنان من الضباط البريطانيين كمستشاريين له، أقتادوا بعض الجنود العراقيين اليه فلاحان آشوريان من القرى الآشورية المجاورة فكانا في حالة يرثى لها، فالفقر ورثة الملابس والتعب والإنهاك سمات كلها تؤكد بساطتها وسذاجتهما كفلاحين فقراء قرويين لا يعرفون حتى التكلم باللغة العربية، أقتادوهما للمجرم حجي رمضان بالدفع والرفس والضرب فدفعوهما ليركعا أما المجرم الذي سأل الجنود وقال لهم: من هؤلاء؟ فأجابوا ... سيدي...أنهم آشوريين من عملاء الأنكليز. فما كان من المجرم حجي رمضان إلا أن يسحب مسدسه ويطلق النار على رؤوسهما ويردهما قتلا في الوقت الذي كان مستشاريه البريطانيين يسجلون في دفاترهم ملاحظات ويصورون المشهد.

فمن هو الجاسوس للإنكليز... هل هؤلاء الفقراء المساكين الذين لا يعرفون من الدنيا غير الحرث والزرع والحصاد أم المجرم حجي رمضان وسيده المجرم بكر صدقي أم ولي عهد عرش العراق المجرم غازي أبن فيصل الذي بارك جريمة مذبحة سميل وزين صدور المجرمين بأنواط الشجاعة؟؟. فمن يملك ذرة ضمير عراقي حي ونزيه يعرف الجواب بدون أن نفصح عنه هنا. 




10
أستاذنا الفاضل والمفكر التقدمي شوكت توسا المحترم،

لا أحد في العراق ولا أعتقد عند الآشوريين والكلدان والسريان يستطيع أن ينكر إطلاقاً دور الحزب الشيوعي العراقي وبالأخص البطل الخالد توما توماس (أبو جوزيف) في مساعد الحركة الديموقراطية الآشورية (زوعا) في أرشادها نحو طريق النضال المسلح ضد النظام الدكتاتوري في العراق وحتى بعد إستقراره في دمشق  كان المتصل الدائم بزوعا في دمشق ويعقد إجتماعات مع أعضاءها ويدخل معهم في نقاشات فكرية وأنا شخصيا شاركت في بعضها. أقولها بصراحة أذا كنا بعض الأصدقاء يعتقدون بأن كتاباتي القومية لها جوانب أو مناهج تقدمية فالفضل الكبير يعود إلى دراسة الفكر الماركس دراسة مستفيضة، فأطروحتي الجامعية لنيل الماجستير (بإمتياز) كان عنوانها (دور المثقفين في التحولات الإجتماعية) وهي دراسة مقارنة بين الفكر الماركسي والرأسمالي عن الطبقات الإجتماعية وعلاقتهم بالمثقفين… لا بل أؤكد أيضا أن زمالتنا لبعض الشيوعيين الآشوريين والكلدان والتباحث معهم والدخول في مناقشات حامية حول مسائل فكرية وسياسية شكلت جانب مهم من كيفية بناء الفكر القومي التقدمي. أما بخصوص البطل الخالد أبو جوزيف طيب الله ذكراه، فقد سبق وأن كتبت عنه وعن نضاله في المناسبات السنوية لإنتقاله إلى العالم الآخر حيث كنت دائم الإتصال معه والجلوس في جلسات فكرية وقومية طويلة كلما كنت أسافر إلى دمشق في التسعينيات من القرن الماضي وكا أيضا يحضر معنا المناضل أبو عامل رحمهما الله كلاهما. وفي آخر جلسة مع أبو جوزيف بعد عودته من الولايات المتحدة والإستقبال الكبير الذي أستقبل به والحفاوة التي قوبل بها في المهرجانات والتجمعات التي نظمت له، إجتمعنا في مقر زوعا في دمشق وكان معنا أيضا المناضل أبو عامل وطرح المناضل الخالد أبو جوزيف فكرة تشكيل تنظيم كلداني آشوري يكون على شكل تنظيم فدرالي يشمل الأحزاب والتنظيمات القومية الكلدانية والآشورية على مستوى العراق وسوريا ولبنان والمهجر وقد كلفني بأن أقوم بصياغة النظام الداخلي لهذا التنظيم. غير أنه بعد أسبوع من هذا الإجتماع طرقت المنية باب أبو جوزيف وأخذته معها فلم تسنح الفرصة له ولا لأبو عامل ولا لي لإستمرار بهذه الفكرة فالصدمة محت الفكرة من عقولنا خاصة بعد رحيل أبو عامل أيضا… ولكن ذكرى هولاء الأبطال تبقى خالد ولا تنمحي إبدا.

شكرا على تعقيبك الفاضل … ولك مني ألف تحية.
أخوك أبرم شبيرا   

11
عزيزي وأخي وصديقي المخضرم خوشابا الورد...
بعد التحية ...
أشكرك جداً على تقييمك القيم والرائع لما كتبته ولكن للحق أقول بأن كل هذا الإطراء والمديح لا أستحقه إطلاقاً لأن ما نقدمه عبر قلمنا لهذه الأمة هو أقل من قليل وحتى لا يشكل الجزء القليل مما تستحقه هذه الأمة... فأنا لا أستحق بمثل هذا التقييم الكبير لأن ما نؤديه هو واجبنا البسيط جداً لهذه الأمة التي تستحق أكثر وأكثر... أن من يستحق هذا الإطراء والمديح هو الأيام الخوالي التي لاتنسى أبدا والتي قضيناها معك ومع غيرك من أصدقائنا الغيارى  في أيام المراهقة والشباب التي هي تشكل المصدر الأساسي الأولي  لفكرنا وموقنا المبدي الذي لم ينحني إطلاقاً أمام المغريات والمناصب ويشذ عن الطريق المطلوب لخدمة هذه الأمة وكل من موقعه الخاص... أيام تستحق أن ننحني لذكراها ولعظمة الأفكار القومية الأساسية التي منها نستمد فكرنا الحالي لتكون مجلدات لما نكتبه... أنها كنز عظيم ورثناها من تلك الأيام وبقى حتى يومنا هذا من دون أي تردد أو إنحناء لهذا أو ذاك أو مجاملة أو اللجوء إلى مسح الأكتاف من أجل مصلحة خاصة رغم كل المغريات والتحديات في تلك الأيام الصعبة ... فهذا وفي ظل نظام حكم إستبدادي كانت أضرع أخطوبطه تحشر نفسها في كل زواية من زوايا مجتمعنا...  فعلا أن هذا  الكنز الثري هو أعظم ما ورثناه في هذه الدنيا...    فألف تحية لك ولجميع أصدقائنا في الأيام الخوالي سواء من رحل من عالمنا أو ما زال في تواصل معنا...
أمل أن نراكم قريباً...
صديقك المخضرم ... أبرم شبيرا

12
على ضوء إحلال السيدة لارا محل السيد فائز في مركز مدير ناحية ألقوش:
---------------------------------------

هل يحق للأحزاب غير "الكلدانية السريانية الآشورية، تمثيلهم ؟؟
===================================
الوقائع كما هي:
---------
كثرت في الآونة الأخيرة الأحاديث والكتابات والمناقشات والتظاهرات والإحتجاجات ضد قرار مجلس ناحية ألقوش بخصوص تنحية السيد فائز عبد ميخا جهوري وتنصيب السيدة لارا يوسف زارا  محله كمدير لناحية ألقوش. والوقائع المؤكدة تقول بأن السيد فائز شخصية مستقلة نزيهة منذ توليه المركز عام 2003 ومدعوم من قبل أغلبية أبناء ألقوش ومن الأحزاب الرئيسية الفاعلة في الناحية مثل الحزب الشيوعي العراقي والحركة الديموقراطية الآشورية. أما السيدة لارا يوسف زارا وهي أيضا "ألقوشية" وهي "حزبية" من أعضاء الحزب الديموقراطي الكردستاني (بارتي) حاولت الغوض في العملية السياسية الإنتخابية فترشحت ولكن لم تفز وظلت على هامش العمل السياسي في الاقليم تنشط هنا وهناك لصالح الحزب الذي تنتمي إليه حتى تم إختيارها وبـ "الإجماع" من قبل مجلس بلدية ألقوش لمنصب مدير الناحية من قبل نفس الحزب المهيمن على مجلس الناحية والتابعين له. ومما يثير الإنتباه والإستغراب هو كلمة "الإجماع" التي سبق وأن تكلمنا عنه كثيراً بإعتبارها من مخترعات السلطات الحاكمة في بلدان العالم الثالث ومنها العراق والتي هي شكل من أشكال التسلط والإستبداد وبعيدة عن أبسط مفاهيم الديموقراطية والعدالة لأن الإختلاف هو جوهر الديموقراطية وأساس تطور المجتمعات.  موضوع سبق وأن كتبنا عنه وسنزيد عنه في مناسبة سابقة.

ولكن التساؤل هو:
------------
 لماذا الإحتجاجات والتظاهرات ضد إختيار السيدة لارا فإنتماؤها "الالقوشي" هو كما هو إنتماء السيد فائز فكلاهما يحققان المطلب في أن يكون مدير الناحية من ألقوش... هذا ما يقول البعض من مؤيدي السيدة لارا. ولكن بالمقابل نقول بأن السيد فائز إنتماؤه هو "ألقوشي" 100% ويمثل ضمير أبناء ألقوش، والمظاهرات وغيرها من الفعاليات تؤكد هذه الحقيقة ولكن السيدة لارا رغم إنتماؤها البايولوجي لألقوش فأنها لا تمثل ضمير أبناء ألقوش بل أن إلتزامها الحزبي يجعلها أن تضع مصلحة البارتي فوق مصلحة أبناء ألقوش. وحتى أذا وضعت مصلحة أبناء ألقوش في جدول أولوياتها فأن هذه الأولية بالحتم والنتيجة ستكون وفق منظور البارتي وإستراتيجيته ومصلحته خاصة في هذه الأيام التي تتصاعد فيها حدة الإختلافات حول مسألة الإستفتاء الكوردستاني والمناطق المتنازع عليها التي كانت السيدة لارا على جانب البارتي في هذه المسائل في حين كان السيد فائز على الجانب الآخر الألقوشي القاضي بإبعاد المناطق المتنازع عليها عن الصراعات الدائرة بين المركز والإقليم وإبعاد ألقوش عن مسألة الإستفتاء، ويظهر بأن هذا كان السبب الرئيسي وربما الوحيد في إزاحة السيد فائز من منصبه واحلال السيدة لارا مكانه لتقوم بالمهمة المطلوبة منها في هذه المسائل. والقصة، أو المسرحية السياسية المعد سيناريوها مسبقا من قبل حزب السلطة، تتكرر مع السيد باسم بلو قائم مقام قضاء بتنحيته من منصبه ويظهر بأن هذه المسرحية التراجيدية سيكون حالها كحال قصة ألف ليلة وليلة التي لا تنتهي حتى "ينام شهريار".

الإنتماء إلى أحزاب غير "كلدانية سريانية آشورية":
----------------------------
ولكن السؤال الآخر أيضاً يبقى قائماً: ما العيب في أن ينتمي أحد أبناء  شعبنا "الكلداني السرياني الآشوري" إلى أحزاب أخرى، خاصة أحزاب السلطة، فمن خلال هذا الإنتماء يقوم بخدمة أبناء شعبنا . فقد كان هناك المئات أن لم يكن بالألاف من أبناء شعبنا منتمين إلى حزب البعث العربي الإشتراكي وكان يدعون بأنهم يعملون لصالح شعبنا من خلال إنتمائهم إلى هذا الحزب الذي هو في السلطة ويملك القدرة على تحقيق مطاليب شعبنا. والحال لا يختلف كثيراً عن إنتماء أبناء شعبنا إلى البارتي فهم يدعون بأنهم طالما يعيشون في "كردستان" وأن البارتي هو حزب السلطة ومتنفذ فهو قادر على ضمان وتحقيق مصالح شعبنا، لذلك فمن مصلحة شعبنا أن ينتموا إلى أحزاب السلطة ليحققوا مصالحهم القومية، ومن المؤكد بأن السيدة لارا والداعمين لها هم من هذا الصنف. ولكن لو أخذنا كلا الحزبين البعثي والبارتي كمقارنة لإنتماء أبناء شعبنا إليهما نرى بأن حزب البعث كان حزباً قومياً عربياً وفي أخاديد إيديولوجيته مرتكزات عنصرية وشوفية ومبطنة في بعض الأحيان بتوجهات دينية إسلامية. ولأجل التعامل كحزب قومي عربي مع الإختلافات القومية لغير العرب المنتمين للحزب كان يلجأ إما إلى طريقة خلق كيانات كارتونية خاضعة له، كمحاول تأسيس "حزب البعث الأثوري" في منتصف السبعينيات من القرن الماضي، أو عن طريق طرح مفاهيم لصهر غير العرب، كالكدان والسريان والآشوريين في البوتقة العربية وإعتبارهم مجرد "عرب مسيحيون" ووفق منهجه الإستبدادي في "إعادة كتابة التاريخ". والحال لا يختلف عن الحزب القومي الكوردي وأقصد البارتي إلا من جوانب بسيطة لا علاقة لها بموضوعنا هذا. فقادة الكورد لهذا الحزب أدركوا منذ البداية هذه المعضلة فأطلقوا على حزبهم أسم الحزب اليدموقراطي الكوردستاني وليس الكوردي على أساس أنه كل قاطني بلد "كوردستان" بمختلف إنتماءاتهم القومية والدينية هم "كوردستانيون"، فظهر مصطلح "الكورد المسيحيون" كوسيلة لمعالجة أوضاع الأقلية الكلدانية السريانية الآشورية والذي هو نفس الصيغة من "عرب مسيحيون" الذي أستخدمه البعث. ومصطلح "كورد مسيحيون" الذي يرتاح له البعض ويستخدمه يتماشى مع مصطلح "المكون المسيحيي" الذي يستوجب على أبناء شعبنا الحذر منه وتجنبه. ولكن من جانب آخر أوقع الكورد أنفسهم في معضلة لها مدلولات قومية وليس دينية فحسب. فمن المعروف بأن مصطلح "كوردستان" له دلالات قومية صرفة لأنه يعني بلد الكورد وأن بقية القوميات ومنها قوميتنا "الكلدانية السريانية الآشورية" تعيش في هذا البلد ويسهل هضمها ضمن هذا المصطلح "كوردستان"، ولدعم هذه الإدعاء تقوم جهات متسلطة بسرقة تراثنا التاريخي في المنطقة وإعتباره مجرد تراث كردستاني كوسيلة من وسائل هذا الهضم. والجانب الآخر للمعضلة هو أنه مثلما رفض الكورد أن يكون العراق جزء من الأمة العربية في الدستور العراقي وهذا حق مشروع لا غبار عليه كذلك يجب أن يكون للكلدان والسريان والآشوريين حق مشروع في رفض أعتبارهم كورد من خلال مصطلح "كردستان". فكيف يقبل المنطق رفض الكورد في إعتبار العراق جزء من الأمة العربية في الوقت الذي يجعل من الكلدان السريان الآشوريين جزء من الأمة الكوردية من خلال مصطلح "كردستان". فالمنطق مفقود في رفض الشيء وقبوله في نفس الوقت، أو كما يقول المثل الإنكليزي "لا تستطيع أن تأكل كل الكعكة وتحفظه في نفس الوقت في الثلاجة". في زمن الظلم والإستبداد قال الطاغية طلعت باشا وزير داخلية الدولة العثمانية أبان الحرب الكونية الأولى وأثناء مذابح سيفو، قال: "تركيا لا تتسع إلا للأتراك" وأخشى أن يطبق الكورد هذا المثل وتصبح "كوردستان لا تتسع إلا للكورد، وهم كانوا من أكثر الشعوب المكتوية بنيران هذا المستبد.

الحزب هو أداة تعبير عن مصالح الأمة:
----------------------
هناك بعض المبادئ والأفكار الأساسية في فهم الحزب السياسي خاصة ما يتعلق بأحزاب أمتنا "الكلدانية السريانية الآشورية" وعلاقتها بالأحزاب الأخرى، منها:
1)   - لقد سبق وأن أكدنا مراراً وتكراراً وفي كل مناسبة متعلقة بأحزابنا السياسية وبحقوقنا القومية في وطننا الأم بأن الأمة التي لا توجد فيها أحزاب سياسية نشطة سيكون مصيرها القومي ومستقبلها السياسي مرهوناً بإرادة الأمم الأخرى. فالحزب السياسي، على الأقل من الناحية النظرية، هو تكثيف لضمير الأمة ومعبر لمطامح أبنائها، أو هو "مثقف جمعي" للجماعة المعبر عنها، حسب تعبير الفيلسوف أنطوني غرامشي مؤسس الحزب الشيوعي الإيطالي. أي بهذا المعنى لا يمكن لأي حزب أن يمثل مجموعة معينة وأن يكون في نفس الوقت ممثلا ومعبراً عن مجموعة أخرى مختلف عنها في طبيعتها القومية أو الاجتماعية أو الفكرية أو مختلفة عنها في المصالح والأهداف والمطامح. وبشكل أوضح لم يستطيع الحزب البعث من تمثيل المصالح القومية لشعبنا في العراق ومن المؤكد أيضاً سوف لا يستطيع البارتي من تمثيل المصالح القومية لشعبنا في "كوردستان"، لأن كلاهما حزبين قوميين يمثلان المصالح القومية للشعبين العربي والكوردي. أن تواجد الأحزاب السياسية ضروري جداً لكل أمة أو شعب لكي تكون معبرة عن مصالحها وداعية لحمايتها، فالأحزاب الخاصة بالكلدان السريان الآشوريين هي لوحدها الحق في ان تعبر عن أبناء أمتنا وعن مصالحهم القومية ولا يحق لأي حزب آخر أن يدعي بمثل هذا الحق. أي بهذا المعنى لا يجوز للأحزاب القومية، كالبعثي القومي العربي والبارتي القومي الكوردي أن يدعيا تمثيل مصالح أبناء شعبنا القومية. أي بهذا المعنى لا تستطيع السيدة لارا بإنتماءها للبارتي تمثيل مصلحة شعبنا في ألقوش.
2)   غير أن هذا لا يمنع بأن أحزاب أخرى غير كلدانية وسريانية وآشورية من الادعاء بمثل هذا الحق التمثيلي، فهناك أحزاب وطنية أو إقليمية أو شيوعية أممية تدعي بمثل هذا التمثيل والحماية لكل أبناء الوطن أو الإقليم أو عامة الناس بدون أي تمييز عرقي أو ديني أو طبقي، فالحزب الشيوعي العراقي مثال ساطع في هذا السياق. غير أن هذا الحق يبقى ضمن إطاره العام يتعامل بالحق القومي للكلدان السريان الآشوريين كجزء من الكل بحيث لا يمكن أن يعبر تعبيراً حقيقياً عاما وكاملاً عن هذا الحق  لأنه ليس هو الجوهر الحقيقي لمبادئه أو استراتيجيته بل هو جزء منه وما على هذا الجزء إلا أن يكون متناسقا ومتوافقاً مع الكل. أو بعبارة أخرى أن يكون تابعاً للكل ويتوجب عليه عدم التناقض أو التعارض معه بل يجب أن يكون متوافقاً على المسائل الوطنية العامة التي من خلالها تتحق المصالح القومية. فالحزب الشيوعي العراقي يرى بأنه لا يمكن أن تتحقق المصالح القومية للكلدان السريان الآشوريين مالم تتحقق مصالحهم الوطنية سواء في المركز أو الإقليم. فالمعادلة الجدلية بين المسائل الوطنية والقومية تبقى قائماً. إذ من المفروض عندما تتحقق المصالح الوطنية يجب في نفس الوقت أن تتحقق المصالح القومية لمختلف القوميات لأن هذه الأخيرة ستكون جزء مهم وأساسي من المصالح الأولى، أي الوطنية. وهي الحالة التي تضمن إستقراراً شاملاً لجميع أبناء الوطن. فمن خلال دراستنا لأحزابنا السياسية وجدت بأن الربط الجدلي بين الحقوق الوطنية والقومية لدى الحركة الديموقراطية الآشورية (زوعا) كان سبباً رئيساً في أن تكون من الحركات السياسية الوطنية والقومية في العراق وتحتل مكانة خاصة لها في العملية السياسية وتحقق بعض الإنجازات لصالح شعبنا.
3)   ولكن من المؤسف أن الأمر ليس كذلك في الواقع،  خاصة بالنسبة لأحزاب السلطة. فمن يقرأ أدبيات حزب البعث قبل إستلامه السطلة سيجد فيها مواقف فكرية إيجابية تجاه الأقليات ولكن عندما أستلم السلطة أنقلب على هذه المواقف وأصبح يعمل في الواقع بالضد منها. والبارتي أيضا له مواقف أكثر إيجابية تجاه الأقليات خاصة الكلدان السريان الآشوريين الذين شاركوا معه في الثورة الكوردية  وقدموا التضحيات الكثيرة حتى وصلوا إلى يومنا هذا وهم قاب قوسين لقيام دولتهم الكوردية. ولكن من المؤسف أن هذه المواقف الفكرية للبارتي وهو في مرحلة الإستقواء وتثبيت ركائز سلطلته ينحرف عنها ويلجأ إلى سياسات تكون أقرب إلى الإستبدادية. وموضوع تنحية السيد فائز وأحلال السيدة لارا محله والحال نفسه مع السيد باسم بلو، مثال طري في هذا السياق ناهيك عن السياسيات الأخرى في التجاوز على أراضي شعبنا وتهميش حقوقنا في أرضنا التاريخية وسلب تراثنا التاريخي. من هنا نقول وبملئ الفم بأن السيدة لارا، بغنى عن كفاءتها وشخصيتها وموقعها الإجتماعي، فإن إنتماءها البارتي يجعلها في موقف لا يمكن إطلاقا أن تكون معبرة عن مطامح شعبنا سواء في ألقوش أو في القصبات الأخرى وإن كان هذا ممكنا فأنه سيكون من خلال فكر وممارسة البارتي تجاه شعبنا وقد يكون "الكورد المسيحيون" إطاراً لهذا التعامل.

4)   إضافة إلى إنتماء الكلدان السريان الآشوريين إلى أحزاب قومية غير أحزابهم كوسيلة للهيمنة عليهم، فإن هناك أسلوب أخر غير مباشر وذات أهداف بعيدة المدى أخترعه الأحزاب القومية السلطوية في إستيعاب وهضم الأقليات في بوتقة القومية الكبيرة والمسيطرة وذلك عن طريق خلق كيانات كارتونية كلدانية وسريانية وأشورية ترفع شعارات قومية ومتطرفة أحياناً لغرض منافسة الأحزاب القومية لشعبنا، وكان طبعاً حزب البعث رائداً في هذا السياق. ففي بلدان المهجر حيث لم يكن بالأمكان أن تطال يده نحو أبناء شعبنا هناك خلق مجموعات كلدانية وآشورية كانت مطاليبها القومية خاصة الآشورية منها يصل تطرفها إلى السماء وتتجاوز مطاليب الآشوريين في الوطن كوسيلة لتصغير مطاليبهم وتقزيم أحزابهم القومية وجلب إنتباه وإهتمام الآشوريين بهذه الكيانات الكارتونية. وحتى الأحزاب المزروعة في مجتمعنا من قبل أحزاب السلطة في الوطن نرى بأنها ترفع شعارات قومية تنافس أحزابنا القومية المستقلة ولكن يبقى الأمر والنهي لسياسية وإستراتيجية خالقه. والبارتي يقلد جانب من هذه السياسة في خلق أحزاب كلدانية وآشورية وسريانية ليس لغرض الهيمنة على القرار السياسي القومي المستقل لأبناء شعبنا فحسب بل في تفتيت الإنتماء القومي عن طريق تكثير من مثل هذه الأحزاب وجعلها منافسة لأحزاب أبناء شعبنا وخلق أجواء تعجيزية في بناء خطاب قومي سياسي موحد، وبالتالي ألقاء اللوم على أحزابنا القومية بحجة عدم قدرتهم على تبني خطاب قومي موحد... (روحوا وحدوا قراركم وتعالوا نتفاوض حول حقوقكم... هذا هو كلام المسؤولين الرسميين لقادة أحزابنا القومية عند اللقاء بهم).
5)   إذن العلاقة الجدلية بين الحقوق الوطنية والحقوق القومية لأبناء شعبنا سواء في المركز أو الاقليم يجب أن ينظر إليها من خلال علاقة الخاص بالعام، او الجزء بالكل. فكما سبق وأن قلنا أن أحزابنا القومية المستقلة هي العام في هذه العلاقة الجدلية من خلال كونها تمثل ضمير الأمة. ومن جانب آخر هي الخاص في هذه العلاقة الجدلية من خلال كونها أحزاب وطنية يهمها أيضا مصلحة الوطن لأنه وفق هذه المعادلة، هذا الخاص هو جزء أساسي أيضا من العام. والعكس صحيح أيضا بالنسبة للأحزاب غير الكلدانية السريانية الآشورية، مثالنا هنا هو البارتي، الذي يمثل، او يدعي تمثيل، ضمير الأمة الكوردية ضمن أطاره العام وفي نفس الوقت ترتكز حقوق شعبنا وضمانها ضمن أطاره الخاص لأن الرابطة العضوية التي تربط بين العام والخاص عنده هو نابع أساساً من الشراكة والعلاقات التاريخية بمرارتها وحلاوتها والمصير المشترك كشعبين متأخين خاضوا نضالاً مشتركا ضد الطغاة والأنظمة الإستبدادية التي تعاقبت على السلطة في العراق. من هنا نقول ونؤكد بأن البارتي لا يمكن أن يكون العام أو الكل بالنسبة لمصالح شعبنا أو لتمثيلها في الإقليم بل هو خاص أو الجزء في فكره وإستراتيجيته الذي يجب أن يرتبط بعلاقة صميمية وجدلية مع الجزء العام لأحزابنا القومية المستقلة التي هي من تمثل ضمير أمتنا في المنطقة من هنا تنشأ إستراتيجية التحالفات الضرورية بين ماهو خاص لشعبنا عند البارتي مع ما هو عام لشعبنا عند أحزابنا المستقلة. والجانب الآخر لهذه الإستراتيجية التحالفية أيضا يقوم بين ماهو عام عند البارتي مع ما هو خاص عند أحزابنا المستقلة. فالعام عن البارتي هو حقوق الكورد وضمانها في حين العام عند أحزابنا القومية المستقلة هو حقوق الكلدان السريان الآشوريين وضمانها وما يربط بين هاذين العامين هو الجزء الخاص لكل منهما والذي هو مصدر وأساس التحالف الإستراتيجي بين الشعبين. اما تضمين الكورد للكلدان السريان الآشوريين ضمن الكوردي العام، كما هو الحال مع تعيين السيدة لارا كمدير لناحية ألقوش، للمثال لا الحصر، هو الإستبداد عينه والمعروف بأن عمر الإستبداد قصير لا محال من إنزلاقه في متاهات لا تحمد عواقبها. ونأمل من قادة الكورد وهم على أبواب الإستفتاء لبناء دولتهم الكوردية أن ينظروا إلى مصالح شعبنا الكلداني السرياني الآشوري من خلال أحزابهم القومية المستقلة بأعتبارها هي من تمثل ضمير هذا الشعب كأساس ضامن لمستقبل الشعبين في الإقليم.


13
ألقوش الصمود... بين عام سميل 1933 وعام فائز 2017
==================================
أبرم شبيرا

يخطأ من يظن بأنه من الممكن حصر تاريخ ألقوش ونضالها وصمودها في مقاومة الظلم والإستبداد والحفاظ على كيانها القومي والديني في عدد من المقالات والبحوث والكتب لا بل وحتى في المجلدات الضخمة، ليس لأن تاريخها غابر في القدم ولقرون طويلة من الماضي السحيق وصولا لحاضر اليوم بل لأن هذا النضال والصمود متجذر وبعمق في أصالة أهلها الميامين وفي ضمائرهم ووجدانهم قد يصعب على الظالمين والفاسدين والدكتاتورين والمنافقين من الأدراك والاحساس بهذه الأصالة التاريخية لألقوش البطلة. وقد يبدو من الظلم أن نحصر هذا الصمود والنضال والأصالة لزمن محدود من 1933 لغاية 2017 ولكن أخذنا هذه المحطة كمثال لمحطات نضالية طويلة وكسبيلا وإيضاحاً للمنافقين ومن يقف ورائهم ويساندهم والذين أتخذوا قرار تنحية مدير الناحية الأستاذ فائز عبد ميخا جهوري بأنهم يلعبون بالنار ويضربون رؤوسهم بالسد المنيع ليست لتاريخ ألقوش في الصمود والتحدي فحسب بل في إصرار أهاليها ومن يقف معهم من القرى والقصبات وبلدات أبناء شعبنا الكلداني السرياني الآشوري وفي بلدان المهجر  للدفاع عن الحق وعن الأستاذ فائز الذي لا تشوب خدماته الجليلة والنظيفة والطويلة لبلدته بشائبة والتي يشهد عليها القريب والبعيد. فتاريخه الشخصي والوظيفي منذ تعيينه عام 2003 ناصع البياض ويتزين بمواقف مشرفة خاصة وقوفه من بقية أبناء بلدته موقفاً شجاعاً لحراسة مداخل البلدة وحمايتها. فخلال كل هذه السنين الطويلة لخدمة الأستاذ فائز لم يجدوا شائبة في مسيرته حتى هذه الأيام لتظهر دوافع سياسية بحتة خلف قرار مجلس ناحية ألقوش ومحافظة نينوى في تنحيته خاصة فيما يتعلق بمواقفه الواضحة من الإستفتاء الكوردي ومن أبعاد بلدة ألقوش والبلدات المسيحية الأخرى من الصراع بين القوى الطامعة في هذه البلدات.

في آب من عام 1933 أثناء مذبحة سميل لجأ عدد كبير من أبناء شعبنا من أتباع كنيسة المشرق الآشورية "النسطورية" إلى ألقوش هرباً من ظلم وإستبداد بعض من قطاعات جيش النظام العراقي وعدد من أفراد العشائر الكوردية المتحالفة معها فتم محاصرتها وتهديد أهلها بالدمار الكامل مالم يتم تسليم اللاجئين إلى السلطات. غير أن هذا التهديد لم يكن إلا حافزا قوياً ومؤثرا في تعظيم نخوة وشجاعة أبناء ألقوش البطلة في الدفاع عن أخوتهم "النساطرة" فوقف الجميع دون إستثناء رجالاً ونساءا وشيوخاً وحتى أطفالا موقف الأبطال في موجهة التهديد المميت وصمدوا وتحملوا كل نتائج الحصار مؤكدين بوقفتهم هذه الأصالة التاريخية لهم في الصمود ومواجهة التحديات حتى تراجعت السلطات العراقية من حصارها بعد أن ألحوا أبناء ألقوش على  المثلث الرحمات مار عمانوئيل يوسف بطريرك الكلدان في تلك الفترة للتدخل وفك الحصار، فهذه وقفة بطولية نادرة ليس في تاريخنا القومي بل في تاريخ العراق أيضا إن لم أقل المنطقة كلها. وهي ملحمة بطولية كتب  الكثير عنها وقيل فيها قصص وروايات وكم كنت محظوضاً أن أسمع بعض من هذه القصص من جدتي الألقوشية التي كانت تتذكرها وترويها وبنوع من الجدية والحماس. وللحقيقة أقول بأنني أشعر بنوع من الفرح والسعادة، إن لم أقل الشموخ، عندما أنظر في هويتي العراقية للأحوال المدنية بأن مكان ولادتي هو ألقوش.

أفهل يدرك المنافقون وغيرهم من يهودا الأسخريوطي الذي يتعشش في بعض من أروقة النظام الفاسد في العراق وأربيل هذه الحقيقة التاريخية في البطولة والشهامة؟؟؟ لا أعتقد... لأنه لو كان لهم ذرة ضمير حي وشذرات من الرجولة والنخوة  والوطنية لكانوا من المساندين لفائز وليس من المتنحين له. أفهل هذا التاريخ في البطولة والصمود كان سبباً لمجرمي داعش في عدم الإقتراب من ألقوش... من يدري ربما قرأوا هذا التاريخ وأستفادوا من دروسه. فنقول لهؤلاء المنافقين والفاسدين والمستبدين أقرأوا تاريخ ألقوش ولعل تستفادون منه كما فعل داعش الإجرامي فتردد في غزو ألقوش.

في تموز من هذا العام 2017 يعود التاريخ في بعض من أجزاءه في البطولة والشهامة والصمود والتحدي لأبناء شعبنا، ليس في ألقوش وحدها وإنما في أمكان كثيرة ومختلفة سواء في الوطن الأم أم في المهجر رافضين القرار الظالم المستند على الفساد والإستبداد والمحسوبية في تنحية الإستاذ فائز من خدمته كمدير لناحية ألقوش.نعم يوم أمس خرج أبناء ألقوش في مظاهرة إستنكارية لهذا القرار الظالم:


ثم لحقتها شقيقتها عنكاوة العزيزة على قلوبنا فخرجوا أبناؤها البررة في مظاهرة مؤكدين وقوفهم مع أبناء ألقوش في تحديهم لقرار تنحية الأستاذ فائز:



وشباب ألقوش التي تجري في دمائهم دماء الشهيد المطران توما أودو والبطل الخالد توما توماس لعبوا أيضا دوهم في رفض هذا القرار والتضامن مع الأستاذ فائز من خلال موقعهم الألكتروني ليؤكدوا بأنه كلهم مع إستاذ فائز... وليسمحني القارئ الكريم أن أخول نفسي وأقول من لندن وفيزبادن وستوكهولم وديتروت وساندياكو وشيكاغو ولوس أنجلس وأريزونا ونصرخ كلنا وبصوت عالي ونقول ... كلنا معك يا أستاذ فائز ومع أهل ألقوش البطلة.


 
========================================================
لقد سبق وذكرت مراراً وتكراراً ... ألقوش التي أنجبت التوماين ... الشهيد البطل المطران توما أودو والمناضل الخالد توما توماس... ولعمري أن ألقوش قادرة أن تنجب ألف وألف توما... واليوم نقول نفس الشيء بأن ألقوش قادرة أن تنجب ألف وألف فائز.
   


14

 بهرا لسان حال الحركة الديموقراطية الآشورية (زوعا)
رحلة نضال طويلة وشاقة
==============================
أبرم شبيرا
عودة بهرا:
--------
بعد إنقطاع دام تقريباً ثلاث سنوات عادت جريدة بهرا، لسان حال الحركة الديموقراطية الآشورية (زوعا) بالصدور مرة أخرى وبعدد رقم 653  لتستمر مسيرتها الخامسة والثلاثين لإنطلاقها في 26/06/1982. ولهذه العودة على الساحة القومية أهمية كبيرة في سياق مسيرتنا القومية السياسية خاصة فيما يتعلق بوسائل الأعلام الحزبية ومنها الجرائد والمجلات التي قل ما نراها في مجتمعتنا "الكلداني السرياني الآشوري" لأنها في حقيقة الأمر هي تعبير عن حيوية الحزب حتى وأن كان شكلها ونوعيتها بمستوى لا تضاهي مستويات العصر التقني الراهن ولكن نظرتنا إليها تأتي من خلال أستمراريتها ومواصلتها للرسالة التي تحملها والتي هي شهادة على أثبات الوجود في هذا العالم. وإنطلاقا من هذه الأهمية الإستراتيجية في عودة صدور بهرا، وبناء على طلب المشرف عليها كتبتُ هذا الموضوع ونشر في هذا العدد من بهرا، ولتعميم الفائدة من هذا الموضوع ليكون قراءنا الأعزاء مطلعين على جانب من سيرة هذه الجريدة وجدت في إعادة نشره في موقع عنكاوه الألكتروني فائدة للجميع، المؤيدين لزوعا والمعارضين لها.
 بهرا: رحلة نضال طويلة وشاقة
----------------
كل قطار ينطلق من محطة البداية ويتوقف عبر رحلته في محطات عديدة ولفترات متفاوتة طبقا لأهمية المحطة من جهة وعدد المسافرين من مغادرين وقادمين من جهة أخرى وتنتهي رحلته في المحطة الأخيرة. وقد تتهرأ بعض أجزاء القطار ويصيبها العطل مما يتطلبها التغيير أو الترميم والصيانة لكي يعاود الرحلة مرة أخرى  بشكل سليم وبأمان. أما العكس، أي عدم التغيير أو الترميم والصيانة وتوفر الأدوات الإحتياطية له فأنه لا محال سيتحول إلى قطع من الحديد ويرمى في "السكراب". وقطار المجتمع، أي صيروته التاريخية، لا يختلف كثيرا عن القطار الآلي فله أيضا محطة البداية وله توقفات في محطات عدة تختلف أهمتها من مرحلة إلى أخرى وفيها من يستقل القطار وأيضا من يغادرها إلا انه يختلف عن القطار الآلي بأنه لا تنتهي رحلته التاريخية في المحطة الأخيرة، وإن حدث ذلك بسبب الإجهاد والعطل والتكاسل والجهل فهذا يعني نهاية قطار التاريخ وإختفاءه من مسيرته التاريخية المعروفة وبالتالي فقدان هويته الخصوصية. ولكن بتوفر مستلزمات الإصلاح والتغيير وبهمة الرجال الأوفياء والصامدين والمصرين على إستمرار المسيرة التاريخية فحتماً سيعيد قطار المجتمع مسيرته وتستمر نحو المستقبل.

ومجتمعنا "الكلدو الآشوري السرياني" أستمر قطاره وصيرورته التاريخية لألاف السنين ومن مهده البيتنهريني وحتى يومنا هذا وسار عبر مراحلة تاريخية صعبة ومميتة ولكن أستمر... وأستمر رغم جراحه المثخنة والمرتوية بدماء شهداء الأمة ورغم البوس والإفقار والحرمان والمطاردة والتنكيل والتشتت وعدم الإستقرار... إلا أنه مع هذا أستمر في مسيرته ووصل إلى محطته في الألفية الحادية والعشرين وعرفَ نفسه للعالم الآخر من خلال مؤسسات وتنظيمات وأحزاب سياسية عملت بشكل أو بآخر، نجاحاً وفشلاً ولكن صمدت رغم كل المأساة والمعاناة. والحركة الديموقراطية الآشورية (زوعا)، سواء أختلفنا أو أتفقنا معها، فإن هذا التباين في الرأي حولها لا يستطيع أحد أن يحجب تجربتها النضالية القاسية والمأساوية منذ تأسيسها عام 1979، فهي تمثل صورة من صور هذه الصيرورة التاريخية لأمتنا. فمن نام على الصخور العرياء الصلدة لجبال آشور وتلحف بظلمة السماء القارصة البرد وبالكاد وجد زاده اليومي من أوراق الشجر ومن لحوم الحيوانات البرية حتى وأن كانت لحوم الثعالب والدببة هو صورة من صور هذه المسيرة التاريخية لأمتنا. ولكن هذه المسيرة التي أستمرت لزمن من 38 عاماً وعابرة لكل المآسي والفواجع لا بد أن تتهرأ وتتعب بعض من أجزاءها وبالتالي لا تستطيع إكمال مسيرتها ضمن الصيرورة التاريخية للأمة أو ستتعثر في طريقها. لهذا فأن أمر ترميمها وتجديدها وصيانتها وبشكل مستمر وأيضاً عن طريق نزول بعض من عناصرها من القطار وصعود الآخرين ضمن حركة تراتبية متناسقة أمر طبيعي لإستمرار هذه المسيرة بشكل سليم وبمنجزات ملموسة. في عام 1992 كانت أكبر وأهم محطة في تاريخ الحركة فوجدها البعض فرصة سانحة لتحقيق بعض المصالح الخاصة. فمن خلال الهامش الديموقراطي الذي توفر في الإقليم  قفز بعض العناصر في قطار زوعا وأستقلوها وتربعوا على مقاعد مريحية ولكن تبين لهم من خلال طول المسيرة ومشقاتها عجزهم عن تحمل الصعاب والتحديات والإستمرار لذلك قفزوا منها في أقرب محطة "إختياري". من هنا نؤكد بأنه من الضروري جداً لضمان إستمرار المسيرة أن تتجدد الحياة فيها وبإستمرار سواء بالقفز منها في المحطات الإختيارية أو ترك العناصر المجهدة و "التعبانه" لقطار المسيرة وصعود عناصر شابة ويافعة ومفعمة بالحيوية والنشاط والتجدد حتى يصبح أمر زيادة سرعة المسيرة بثبات أكثر وبإنجازات أكبر. أما العكس، إي بقاء العناصر المتهرأ و "التعبانة" متكرسة على مقاعد القطار ومحاولة حجزها كلها لهم ولأمد غير محدد وعدم إفساح المجال لغيرهم لتنشيط المسيرة وإفعامها بالحيوية والقوة فهو أمر خطير وغير مضمون في إستمرار مسيرة القطار والوصول إلى محطات متعددة ومختلفة.

 

محطة من المحطات النضالية لزوعا حيث كانت بهرا تنقل على ظهر الحمير والبغال وتوزع على المنضالين المقاتلين في جبال آشور
=======================================================
واليوم نرى بأن بهرا التي هي جزء من هذا القطار، أعتلتها وقادتها عناصر شابة مفعمة بالحيوية والنشاط والتجدد قادرة على حملها ووضعها على مسار مسيرتها المعروفة وقيادتها نحو أماد أبعد.. هي نفس المسيرة التي تطعمت بها أمها (زوعا) بالتجارب القاسية وتحمل الصعاب ومواجهة التحديات المميتة... نعم تلك المواجهات التي تحدت حتى ظلم وإستبداد أزلام نظام البعث المقبور. ففي قيض تموز من عام 1984 أنقض مجرموا نظام البعث المقبور على الشهيد البطل يوبرت بنيامين في منطقة حي الآثوريين في الدورة ببغداد وألقوا القبض عليه بوشاية من يهودا الإسخريوطي.. ألقي القبض عليه لا لأنه كان يحمل كلاشينكوف ولا بازوكا أو أر بي جي ... لا ... لا.. فقد كان يحمل في جعبته نسخة من جريدة بهرا جلبها معه من كركوك لكي يسلمها لرفاقه حتى يطلعوا عليها. ألقي القبض على الشهيد لأنهم يخافون جداً من سلاح أقوى وأكثر فاعلية من هذه الأسلحة وهو سلاح بهرا ... سلاح الكلمة الحرة والمستقلة والرافضة للظلم والإستبداد، سلاح الوعي القومي النابض الذي لا يمكن لأعتى دكتاتور ومستبد أن يضعه خلف القضبان أو يعلقه على المشانق. وفي نفس العام، عندما أعتقل أزلام نظام البعث المقبور مجموعة من مناضلي زوعا كانت بهرا بطلتهم الصنديد فزاملتهم في الزنزانة لتواجه التحديات المميتة وتقاومها. كان رجل الأمن  المستبد أثناء إستجوابهم يلوح بيده نسخة من بهرا وينهق نهيقاً في وجه المناضلين المسجونين سائلا عن الأسماء الذين أستلموا بهرا وقرأوها. طبعاً لغرض إستدعاءهم وزوجهم في السجن لأنهم أستلموا بهرا وقرأوها ولم يقوموا "بواجبهم الوطني" حسب قاموس البعث، في كتابة تقارير الوشاية للأمن عن الجريدة وأصحابها. غير أن صمود المناضلين المتسلحين برسالة بهرا واجهوا إستبداد رجل الأمن بالتحدي الصامت والرفض مستمدين قوتهم وصمودهم من رسالة بهرا. فبصمودهم هذا وعدم ذكر أسمي كأحد قراء جريدة بهرا الأوائل منذ عددها الأول وحتى آخرها حرموني من شرف زمالتهم في زنزانتهم. أليس من أبسط واجباتنا أن نثمن ونقدر دائماً وأبداً مثل هذه المواقف البطولية؟؟   فإنطلاقاً من هذا الواجب البسيط كنت أنا وبضعة أصدقاء شجعان من أوائل من زارهم في سجن أبو غريب في أول زيارة مسموحة لنشد على أيديهم ونعزز من أزرهم وصمودهم، وللأمانة التاريخية أذكر هؤلاء الأصدقاء الشجعان وهم كل من المرحوم أشعيا يونان ونوئيل داود توما وشاؤول شاهين الذي كان شقيقه وأبن عمه من بين المناضلين المعتقلين وطبعاً بعض من أفراد عوائلهم.
نعم... اليوم تعود بهرا مرة أخرى حاملة رسالتها الأولى ومن المؤكد أن قادتها مدركين لكل التحديات الجديدة التي يتطلبها الكثير من المواجهات والتضحيات لكي تستمر في مسيرتها. ونحن بحسب معرفتنا الشخصية بهم لنا أمل بأستمرارها بحيوية أكثر ونشاط أكبر حتى تنطلق من جديد على مسارها القومي المستقل ونحو آماد أبعد ليلتقطها الأجيال الجديدة والقادمة.
 
 

15
في ضوء إنعقاد مؤتمر بروكسل
------------------

إلى متى نظل نحن "الكلدان السريان الآشوريون" ننفخ في قربة مخرومة؟
==============================================
أبرم شبيرا

عنوان هذا الموضوع ليس إلا تذكيرا بما كتبناه سابقا وأكثر من مرة في هذا السياق من أن كل الجهود الفعلية والكلامية والتصريحات والصرخات والبيانات والإستنكارات والإجتماعات... كلها جهود مهدورة وضائعة في غابات ومتاهات الطائفية والحقد والكراهية التي تتحكم وبقوة في جميع مناحي الحياة السياسية والإجتماعية والفكرية لوطننا التاريخي (بيت نهرين) ويصبح شعبنا "الكلداني السرياني الآشوري" خارج سياق الوطن مهمشاً على أبواب الطرد النهائي من أرض الأباء والإجداد محققين بذلك أهداف داعش الإجرامية.

 بمجرد نظرة بسيطة للعقود الأخيرة من تاريخنا وحتى يومنا هذا على الإنتهاكات الظالمة بحق شعبنا  سواء من قبل النظام الطائفي القائم أو القوى المتحكمة في مقدرات البلاد نرى بأن كل الجهود المبذولة من قبل رؤساء كنائسنا وزوعماء أحزابنا وعلى مختلف الأصعدة والمستويات الكنسية والسياسية والقومية  للتعامل مع هذه الإنتهاكات ما هي إلا كالنفخ في قربة مخرومة لا تملك قدرة ولا مقومات القوة والتأثير للخروج من نطاقها المحدد والوصول إلى آذان المتحكمين في مقدرات الوطن، فيما إذا كان لهم فعلاً آذان قابلة لسماع صراخ المظلومين من أبناء شعبنا. أين وصلت صراخ رجال الكنيسة وزعماء أحزابنا وتنظيماتنا القومية وكتابنا ومثقفينا من مظالم بطاقة الهوية اللاوطنية ومسألة منع بيع الخمور وفتاوى قرون الوسطى الهمجية  والتجاوزات على أراضينا التاريخية؟؟؟ أفهل هناك ألتفاته إيجابية من النظام القائم في بغداد وأربيل  تجاه ما يطلبه أبناء شعبنا بكل مؤسساته الكنسية والقومية من أبسط حقوقهم التاريخية في الوطن؟ أفهل هناك في كل العالم يستطيع أن يجزم بأن النظام العراقي ديموقراطي ويحترم حقوق الإقليات الدينية والقومية إحتراماً فعليا لا كلامياً إعلاميا. أليست هذه كلها حروب دونكيشوتية ضد طواحين الهواء الشيطانية، كما سبق وذكرنا ذلك بالتفصيل في موضوع سابق. عندما نطلب حقنا الشرعي في الوطن ونستمر في الصراخ لتحقيقه ولا يسمعها أو لا يأبى لسماعها من يملكون مفاتيح الحل، فهو أهانة وقلة الإحترام لرؤساءنا وزوعماءنا لا بل لشعبنا أجمع... فإلى متى نتحمل هذه الإهانة والإزدراء بالشعب الأصيل لبلاد ما بين النهرين؟

ترى ألا يدرك رؤساء كنائسنا وزوعماء أحزابنا بأن النفخ في قربتهم المخرومة ليس لها صدى لدى الآخرين؟؟؟ إلا يعلم  رؤساء كنائسنا وزعماء أحزابنا بان النظام العراقي والفكر السائد في أخاديده والممارسات السياسية كلها تدور في فلك الطائفية والحقد والكراهية وتكفير الآخر المخلتف. صحيح هو أنه بين فترة وأخرى يخرج عنصر من عناصر النظام الطائفي أو مفكر معمم ويحاول تجميل وترتيش تصريح أو كلام أو "زلة لسان" أو "سوء إستخدام مقطع من حديث شريف" لمعمم آخر تجاه تكفير المسيحيين في العراق ولكن في الواقع الفعلي ما هو إلا كلام في كلام ولا يعكس ما هو في الواقع الفعلي في إنهاء الوجود المسيحي في العراق. في الأيام القليلة الماضية تجادلنا وأختلفنا وتحفظنا على مسألة أجراء الإستفاء العام في إقليم "كردستان" وتساءلنا عن مصيرنا القومي عند قيام الدولة الكوردية، ونحن نعلم كل العلم وفق السياقات التاريخية وتجاربها بأن نتيجة الإستفتاء مضمونة للحاكم، كما سبق وفصلنا عن هذا الموضوع في مناسبة سابقة. واليوم نفس الحال نتجادل ونختلف ونتحفظ على مؤتمر بروكسل ولكن بإعتقادي وبأعتقاد الكثير من الأصدقاء المطلعين بأننا سنخرج  إلى الواقع الفعلي " بدون حمص". فهناك كثير الكثير من التساؤلات عن هذا المؤتمر ومدى إلزامية بيانه أو قراراته الأخيرة وحتى وإن كانت من جهات دولية لها شأناً في تقرير مصير الكثير من المسائل في المنطقة ولكن الحقيقة تبقى نفسها هي الخروج من المولد بدون حمص طالما النفخ مستمر في نفس القربة المخرومة. فحتى البيان النهائي لمؤتمر بروكسل فأنه لا يتعدى عن الكلام المعسول الذي ظل نسمعه طيلة قرن من الزمن.  فكل السياقات التاريخية وتجاربها تؤكد بأننا كنًا دائماً الخاسرين من نتائج مثل هذه المؤتمرات الدولية لا بل مخدوعين بكلمات منمقة غير قادرة على عبور فضاء الكلام إلى محيط الواقع وبالتالي ليس الخروج من المولد بدون حمص فقط بل تراكم المأساة والفواجع على شعبنا أكثر فأكثر وتعاظم الصراعات الداخلية والتخوينات والشتائم بين من شارك في المؤتمر ومن لم يشارك  أو بين من أيده ومن عارضه. الموضوع ليس في مدى جمالية ونمنمية قرارات مؤتمر بروكسل أو غيره بل في مدى إمكانية تطبيقها في حدها الأدنى، وكنائسنا وأحزابنا وتنظيماتنا متخاصة ومختلفة على الصغيرة والكبيرة، فكيف سيكون الحال يوم غد عندما تقر كل الأطراف العربية الشيعية السنية والكوردية والأوربية والأمريكية والروسية بحقنا في سهل نينوى وتعمل بشكل جاد لمساعدتنا في تطبيقه ونحن متخاصمون غير متوحدين أو متفقين على الحد الأدنى. من هنا يجب أن يفهم بأن المسألة لا تخص رفض وإدانة مثل هذا المؤتمر أو تأييده بل الأمر يتركز بالأساس على ما سيترتب على نتائجه من تزايد خصومات وصراعات داخلية بين أبناء أمتنا وزعماءنا الكنسيين والقوميين.

عندما نذهب للحرب ونخوض معركة بدون سلاح فعال فمن المؤكد بأنها ستكون معركة خاسرة لا بل ستزيد من نتائجها المأساوية على مأساتنا التاريخية والمعاصرة خاصة عندما يكون الطرف الآخر من المعركة ذو شأن قوي ويملك أسلحة فتاكة ومختلفة الأصناف من فكرية وسياسية وعسكرية وإقتصادية ونحن نفتقر إفقاراً مدقعاً لكل هذه الأسلحة. فالدبلوماسية والمفاوضات والمؤتمرات كلها الوجه الآخر للحرب ويتطلبها أصناف مختلفة من الأسلحة الفكرية والسياسية والإقتصادية. كيف نصف الذي يدخل معركة... معركة مصيرية... وبدون سلاح غير أن نصفه بالجاهل ... والجاهل هو من لا يتعلم من التجارب ولا يتخبر من التاريخ، أي هو من يتعثر بالحجر مرتين، ولكن نحن نتعثر بالحجر عشرات المرات ولا نتعلم شيئاً من هذه العثرات. في عام 1917 أجتمع في أورمي قادة الآشوريين الكنسيين والعلمانيين مع رجل المخابرات الأول في منطقة الشرق الأوسط البريطاني الكابتن د. ن. غريسي إلى جانب ممثلين من روسيا وفرنسا والولايات المتحدة لغرض مساعدة الآشوريين وإنقاذهم من المأساة والتشرد والضياع. ويقال بأن الكابتن غريسي وعد الآشوريين بكيان مستقل لهم ولكن أنكره فيما بعد. أجتمع الآشوريون مع هؤلاء وهم جياع ومشردين لا حول لهم ولا قوة يقابلهم ممثلي أكبر دول العالم في تلك الفترة مدججين بكل الأسلحة السياسية والفكرية والعسكرية والإقتصادية خاصة ونحن نعرف مهمة الرجل المخابراتي كالكابتن غريسي وطبيعة عمله في المناورة والتملق والخداع والحيل والكذب من أجل تحقيق مصلحة بلاده لذلك فإن كل الوعود، الشفهية طبعاً، التي قطعها للأشورين كانت خداع ووهم وكذب وكانت نتيجتها تعاظم مأساة الآشوريين وتشردهم. وما كان التشرد في مخيم بعقوبة للاجئين ومذبحة سميل عام 1933 والإنشقاقات التي حدثت بين قادة الآشوريين وأتباعهم إلا نتائج هذه المعارك الخاسرة. والحال لم يكن يختلف بالنسبة للوعود الصادرة من رجال الكنيسة الإنكليكانية في بريطانيا للآشوريين في مساعدتهم وتخليصهم من معاناتهم إلا من حيث الأسلوب القائم على "التعاطف" مع الوضع المأساوي للآشوريين وخاصة على كنيستهم المشرقية ليس حباً بهم وإهتمامهم بأقدم كنيسة في العالم ولا إيماناً بالمسيح بل تشجيعاً لهم للوقوف بوجة المبشرين اللاتين وعدم الإرتماء في أحضان المجموعة الكاثوليكية أو الحيولة دون الميل إلى الأرثوذكسية الروسية وإلى روسيا بالذات. وفي عام 1919-1920 هرع الآشوريون من كل صوب ودرب، من العراق وتركيا والولايات المتحدة إلى مؤتمر فرساي في فرنسا وكل وفد يحمل في جعبته مطاليبه الخاصة وأرادوا مقابلة "بهلوانات" العالم المنتصرون في الحرب والإجتماع بهم والمطالبة بحقوقهم القومية وجيوبهم وعقولهم فارغة لا  قيمة لها في سوق المصالح القومية للدول المنتصرة. لهذا لم يسمح لهم حتى الإقتراب من عتبة قصر فرساي فرجعوا خائبون يلعنون أبو أبو الإستعمار البريطاني والفرنسي ويلقون كل اللوم عليهم من دون أن يبحثوا عن سبب واحد حتى يلقوا اللوم على أنفسهم.

فلو حاولنا المقارنة وليس التشبيه، اؤكد ليس التشبيه، بين وضع شعبنا في تلك الفترة مع وضع اليهود، نرى بأن اليهود في تلك الفترة أستطاعوا وضع حجر الأساس لبناء دولتهم والتخلص من المعاناة التاريخية وتمثل هذا الحجر في وعد بلفور لعام 1917 الذي منحه وزير خارجية بريطانيا مستر آرثر جيمس بلفور. هنا هو التساؤل: لماذا منح الإنكليز مثل هذا الوعد لليهود، وعد مكتوب وموثق وملزم رسميا من قبل الحكومة البريطانية، ولم يمنحوه للآشوريين في نفس تلك الفترة؟؟؟ الجواب بسيط جداً ومعلوم: اليهود كانوا ولا يزال يملكون أقوى أسلحة في العالم: الإقتصاد أو المال و الفكر أو العلم، أما نحن فجيوبنا وعقولنا فارغة تماماً ولا يهتم أحد بالجهلاء والفقراء في دنيا المصالح. ولكي ننظر إلى طرفي معادلة المال والعلم في موضوع منح وعد بلفور لليهود نذكر:
 الأول: كان حاييم وايزمان (1877 – 1952) اليهودي والروسي المولد والبريطاني الجنسية، عالماً فيزياويا مشهوريا تمكن من إكتشاف طريقة تجارية لإنتاج مادة الأسيتون وهي المادة الأساسية التي تستخدم في المتفجرات وصنع الأسلحة وكان رئيسا للمنظمة الصهيونية العالمية ثم بعد قيام دولة إسرائيل أصبح أول رئيس لها. أستطاع وايزمان أن يستغل إكتشافه العلمي ويساوم الحكومة البريطانية فحصل منها على وعد بلفور مقابل إعطاء بريطانيا سر الإكتشاف.
الثاني: وعد بلفور قدم إلى اللورد ليونيل وولتر دي روتشيلد (1868 – 1937) والمعروف عن عائلة روتشيلد اليهودية بأنها من أغنياء العالم ويقال بأنها تملك نصف ثروة العالم وتعتبر وبحق أمبراطورية الإعلام فتمتلك وسائل إعلامية هائلة ومؤثرة جداً حتى يومنا هذا ويكفي أن نشير إلى سي أن أن  CNN) ) والكثير من الأقمار الصناعية وسيطرة كاملة على عالم السينما في هوليوود، فهيهات لمن ينكر أو يستخف بالمذبحة اليهودية (الهولوكوست) فالويل له وأين المفر من سطوة اليهود فمصيره سيكون كمصير الممثل مارلون براندو.  فمثل هذه القوة الإقتصادية الجبارة كان يرتعب منها أكبر الدول في العالم وتستجيب لمطاليب أصحابها. أعيد وأكرر بأن هذه هي مقارنة بين النجاح الباهر والفشل المفجع فشتان التشبيه بين الحالتين اليهودية والآشورية.

واليوم تتكرر الصورة في الهرولة نحو مؤتمر بروكسل أو الأمتناع عن حضوره ونحن سائرين على نفس الطريق التاريخي المليء بالأحجار والعثرات ومن دون أن نتعلم كيفية إجتيازها، فبالأصل نحن لا نملك أية وسيلة فاعلة تمكننا من إجتياز هذه الأحجار والعثرات وجيوبنا فارغة وعقولنا مكبوسة في جماجمنا لا تثير مطامع الأطراف الأخرى التي تدعي إهتمامها بوضعنا المأساوي. فالتاريخ يخبرنا بأن كل دول العالم لا تورط نفسها في مسائل لا تخدم مصالحها القومية الخاصة، فالقيم الأخلاقية والإيمانية والإنسانية التي يدعي بها بعض السياسيين الغربيين ويحاولون إستخدامها للتعامل مع قضيتنا المأساوية لا مكان لها في سوق العلاقات الدولية. كل هذه الأمور والتجارب التاريخية تجعلنا أن ننظر إلى مؤتمر بروكسل كأنه مؤتمر عام 1917 وأن نجد بعد قرن من الزمن في المستر لارسن أداكسن عضو البرلمان الأوروبي وعراب المؤتمر صورة الكابتن غريسي. ماذا كانت نتائج مؤتمر عام 1917 غير التناطح والإتهامات والتخوين بعد إنتهاء المؤتمر وما أعقبه من مأساة بعقوبة وسميل. ماذا نتوقع من مؤتمر بروكسل عندما يعلن نتائجه غير نفس نتائج عام 1917 من التناطح والإتهامات والتخوينات بين أطراف وتنظيمات وشخصيات أبناء أمتنا. فإذا سايرنا القائلين بأن أحزابنا السياسية ومنظماتنا القومية تسعى لتحقيق مصالحها الخاصة والأنانية وتعتمد على الخداع والمكر والبهلوة وقد يكون هذا سبباً لإنشطار "الزعماء" العلمانيين وتشقق مظلة "تجمع التنظيمات السياسية الكلدانية السريانية إلآشورية" بين مؤيد لحضور مؤتمر بروكسل ومعارض له، ولكن التساؤل المحير هو كيف الحال مع كنائسنا التي يجب أن تكون واحدة كما هو ربنا يسوع المسيح، له المجد، واحد، ولكن الواقع يقول بأن هذا "الواحد" أنشطر إلى شطرين، شطر حضر المؤتمر والآخر غاب عنه. تصورا كيف سيكون حالنا عندما تأتي لحظة تطبيق قرارات مؤتمر بروكسل؟؟ الله يستر!!

يا إلهي... لماذا كل هذا التشاؤم؟؟؟ ولماذا هذا التشبيه بين عامي 1917 و 2017 وبينهم قرن من الزمن؟ الجواب ليس من عندي بل من التاريخ الذي يقول بأنه في عام 1917 أجتمع قادتنا مع "بهلوانات" العالم وهم مشريدين وغارقين في مأساة وفواجع وجيوبهم وعقولهم فارغة وليس لديهم شيئاً للمقايضة. واليوم نفس الأمر والحال يتكرر نجتمع مع "بهلوانات" العالم وشعبنا مشرد وغارق في مأساة وفواجع وجيوبنا وعقولنا فارغة ولا نملك شيئاً للمقايضة في سوق المصالح الدولية. وحتى نكون منصفين بحق شعبنا نقول بأنه إذا كانت جيوبنا فارغة لأنه ليس فينا فرد من أفراد عائلة روتشيلد، أليس إجحافاً بحق شعبنا أن نقول بأن عقولهم فارغة ونحن نعلم بأنه لدينا شخصيات فذة ومثقفة ونحمد الله ونشكره على كثرة مفكريه ومبدعيه وحاملي الشهادات العليا سواء من الأكليريين أو العلمانيين؟ نعم هذا صحيح ولكن الجهل والتخلف الذي نعنيه هنا هو التخلف في الوعي القومي الصحيح الجامع والمعبر بشكل عام عن المصلحة العامة للأمة. في معظم المجتمعات ودول العالم المتحضرة والمتسلحة بالوعي الجمعي الضامن للمصلحة العامة عندما تتعرض لتهديدات خطرة وتحديات مميتة تنسى إختلافاتها وتناقضاتها وحتى نزاعاتها وصراعاتها وتلجاً لتحتمي تحت مظلة المصلحة القومية لتكون القاعدة المركزية، أو القيادة العامة، لشن حروبها ضد هذه التهديات وبسلاح قوي وفعال يتمثل في تضامن الأكتاف وتماسك الأيدي وتلاحم الأفكار وتوحد الجهود من أجل حماية المصلحة القومية، إلا نحن "الكلدان السريان الآشوريون". فعلى الرغم من معرفتنا بمدى خطورة التهديدات المصيرية التي تواجهها أمتنا فإننا باقون وصامدون على إختلافاتنا ونزاعاتنا التي تفتك بالمصلحة القومية وحتى الدينية لأمتنا في العراق.

إذن نقولها وبملئ الفم بأنه بدون الوحدة أو الإتحاد وليس الإندماج بين تنظيماتنا القومية والكنسية... الوحدة بحدودها الدنيا على أسس المصلحة القومية والكنسية العامة... أي بعبارة أخرى، بدون وحدة الخطاب القومي والكنسي القابل لنقله وتوصيله إلى الطرف الآخر بوسائل فعال ومتاحة لا يمكن لأعظم مؤتمرات الدنيا ولا لأكبر دولة في العالم أن تضمن لأمتنا الإستقرار والأمن والرخاء في أرض الأباء والأجداء طالما مثل هذا الإستقرار والأمن والرخاء مفقود في أنفسنا

ما أجمل وما أروع هذه الكلمات العسلية من إتحاد وتضامن ووحدة الخطاب القومي والمصلحة العامة والتفاهم بين كنائسنا ومؤسساتنا القومية التي نتغنى بها ليل نهار والتي تشكل بيت القصيدة في أفكارنا السياسية الطوباوية... نعم طوباوية لأنها كلمات غير قادرة على الخروج من خيالنا وفكرنا إلى الواقع العملي ليس لأننا لا نؤمن بها بل لأننا جهلاء بكل معنى الكلمة في إيجاد الطرق أو الوسائل الممكنة للوصول إليها وتحقيقها على أرض الواقع، جهلاء لأننا لا نعرف بأن تحقيق هذه المفاهيم الجميلة لا تتم إلا بتنازل كل طرف  بشيء من مصلحتة الخاصة لصالح المصلحة العامة حتى تتحقق. في السابق أقترحنا تشكيل المجلس الأعلى لبطاركة كنيسة المشرق في العراق كأعلى هيئة تمثيلية للمسيحيين وعلى الجانب الآخر أقترحنا تشكيل المجلس القومي الأعلى للكلدان السريان الآشوريين من خلال تنازل ولو بشيء بسيط كل طرف من أطراف المسألة ومنها إستقالة "ممثلي" أمتنا في البرلمانين ومن مجلس الوزراء حتى لا نكون جزء من النظام الفاسد وحتى يصدقنا الآخرون بأننا فعلاً شعب مظلوم وحقوقة مجحفة حينذاك تكون مسألة طلب الحماية الدولية أو تطبيق بنود مؤتمر بروكسل مسألة منطقية وواقعية ونكون حينذاك قد أمتلكنا سلاحاً نستطيع دخول الحرب بها... ترىُ أليس من حق القارئ اللبيب أن يقول من خلال قراءة هذا المقترح بأنني فعلآ أحلم حلماً وردياً؟   

للحق أقول كلما أتطرق إلى هذا الموضوع، أي أهمية الوحدة والتفاهم كسبيل لخلاصنا من وضعنا المأساوي يقفز إلى رأسي قول المثلث الرحمات بطريرك الكلدان الأسبق مار روفائيل بيداود "قديس الأمة والكنيسة" عندما قال:
(ليتن خلاص إلا بخوياثا... لا خلاص لنا إلا بالوحدة)

16
في ضوء قرار الإستفتاء حول إقليم كوردستان:
===========================

.
الدولة الكوردية ... حقيقة أم يوتوبيا
---------------------
أبرم شبيرا
الإستفتاء الكوردستاني:
==============

قررت رئاسة حكومة إقليم كوردستان – العراق إجراء إستفتاء بتاريخ 25/أيلول/2017 لتقرير مصير إقليم كوردستان سواء بإعلان الإقليم دولة كوردية مستقلة أو البقاء ضمن الدولة العراقية، وفي ضوء هذا القرار، وقبل أن ندخل في تفاصيل موضوع "الدولة الكوردية... حقيقة أم يوتوبيا)، نود أن نبين مايلي:
1.   بينت التجارب التاريخية لدول منطقة الشرق الأوسط ومنها العراق بأن جميع الإستفتاءات أتت نتائجها لصالح السلطة والجهة التي طالبت بالإستفتاء. ومن المؤكد بأن الإستفتاء المزمع إجراءه في الإقليم سيكون ضمن نفس النتيجة، أي لصالح السلطة.
2.   الإستفتاء سيكون كغيره من الإستفتاءات مذيلاً بنعم أو لا، أي بهذا المعنى التصويت سيكون إما تأييد إستقلال الإقليم وقيام الدولة الكوردية أم لا، أي ببقاء الإقليم ضمن دولة العراق. ولكن هذا الخيار سيكون محكوماً بالفقرة (1) أعلاه، أي سيكون الجواب وبشكل مطلق أو بالأغلبية بـ (نعم) مستجيباً لمطمح السلطة في إستقلالية الإقليم.
3.   أحتجت بعض الأحزاب على قرار الإستفتاء وغيرها رفضت المشاركة فيها أو بينت تحفظاتها، ومنها بعض من أحزابنا الكلدانية السريانية الآشورية ولكن، رغم إحترامنا للأراء الحرة في هذا السياق، فأنه في كل الأحوال الأمر سيان فلا يزيد أو ينقص من نتيجة القرار شيئاً، لأن رفض المشاركة سيحرمون من خيار (لا) في حين مشاركتهم في الإستفتاء كان سيتاح لهم خيار (لا).
4.   بقدر تعلق الأمر بأحزابنا الكلدانية السريانية الآشورية التي رفضت البعض المشاركة في الإستفتاء أو بينت بعض التحفظات مذيلة بأسباب الإنتهاكات التي تتعرض لها حقوق شعبنا وبالتهميش الذي يعانيه شعبنا في الإقليم فأن الأمر سيان ولا تأثير له على عملية سير الإستفتاء ونتيجتها، رغم أحترامنا الكبير لأرائهم، لأن النتيجة ستكون بالحتم محكومة بالفقرة (1) أعلاه. لا بل يجب أن ينظر للموضوع بنظرة براغماتية تسمو على الرفض والتحفظ لأن في حالة تشكيل دولة كوردية فإنها ستكون عضو في المجتمع الدولي وفي منظمة الأمم المتحدة وغيرها من المنظمات المعنية بحقوق الإنسان والأقليات أي أن إلتزاماتها القانونية والسياسية والأخلاقية ستكون أكثر إلزامية تجاه حماية حقوق الإقليات ومنها شعبنا في "الدولة الكوردية".   

على العموم، وبينما أنا ضالع متعمقاً في دراسة هذا الموضوع وما يتعلق به من أحقية الشعوب في تقرير مصيرها وتكوين الدول الخاصة بهم ومنهم الشعب الكوردي، وجدت في أرشيفي القديم موضوع كتبته قبل سنوات عديدة عن الدولة الكوردية ومدى إمكانية قيامها متناول الموضوع من الجانب التاريخي وإمتداداته للحاضر والمستقبل. ولتعميم الفائدة وجدت قرار الإستفتاء مناسبة لكي أستل منه الكثير لهذا الموضوع.   

الكورد قومية كبيرة ولكن بدون دولة كوردية:
========================

يعتبر الكورد في هذا اليوم، والذين يقدر نفوسهم بين ( 20-25 ) مليون نسمة، من القوميات الكبيرة  في العالم التي ليس لها كيان سياسي متميز، أو دولة خاصة بهم  رغم كون "كوردستان" ، والذي  يعني بلد الكورد، يمتد جغرافياً إلى مناطق واسعة تشمل أراضي من العراق وإيران وتركيا وأذربيجان وحتى سوريا، ولكن هو بلد بدون حدود  معينة ومثبتة على الخريطة السياسية للعالم، ولا يدل على انه وطن يتطابق مع شعب ومع دولة كوردية موحدة وإنما هو عدة مناطق منقسمة بين عدة دول إسلامية متجاورة أو متصلة ببعضها. ومما لا شك فيه هناك جملة عوامل سياسية وإقليمية ودولية لعبت دوراً مهماً في إفقار الكورد من وحدة قومية أو من كيان سياسي قومي خاص بهم. وقد تنطبق هذه العوامل أيضا على بعض القوميات الأخرى التي مزقتها الحدود السياسية للدول، كالآشوريين مثلا، إلا أن ما يميز الكرد عنهم هو تفاعل هذه العوامل مع عوامل داخلية اجتماعية مرتبطة بطبيعة الكورد أنفسهم التي ساهمت مساهمة فاعلة في هذا الإفقار. وعلى العموم يمكن حصر هذه العوامل في: أولاً : علاقة الكرد بالدين الإسلامي، وثانياً: التركيبة الاجتماعية للكورد.
 
عوامل إفقار الكورد من الدولة القومية:
======================

الأول: علاقة الكورد بالدين الإسلامي:
----------------------
 يجمع معظم المؤرخين على أن الكورد لم يكن معروفين للعالم كقوم لهم خصائص قومية متميزة إلا بعد اعتناقهم الإسلام ولم تبدأ بوادر هويتهم الكردية بشكل واضح إلا بعد الفتوحات الإسلامية. فمنذ دخولهم الإسلام في العام العشرين للهجرة وفي عهد الخليفة عمر بن الخطاب شمل حالهم كحال بقية الشعوب الآرية حيث لم يؤسس العرب الفاتحون لبلدان هذه الشعوب مستوطنات سكانية، ربما بسبب اختلاف الطبيعة الجغرافية، بل تركوهم لحالهم محافظين على تقاليدهم وعاداتهم وخصائصهم المتميزة، لكن مع هذا،  برزوا كمحاربين أشداء ومقاتلين في سبيل دينهم. وصلاح الدين الأيوبي، معروف بالأمثال المضروبة به في شجاعته وبسالته في خدمة الإسلام، فهو الذي كان على رأس أقوى دولة إسلامية في زمانه إلا أنه لم يفكر أو يسعى إلى تأسيس كيان خاص لأبناء شعبه الكوردي فحياته كلها كانت مكرسة في بناء الدولة الإسلامية ومحاربة أعدائها.   

والتاريخ أيضاً يزودنا بدلائل كثيرة على إخلاص الكورد للدين الإسلامي والجهاد في سبيله إذ لم يسجل أية ردة دينية قامت بينهم أو انحراف أو اجتهاد فكري بعيد عن روح الإسلام، وحتى المدارس أو الفرق الدينية التي ظهرت بينهم في فترات معينة فهي الأخرى لم تكن في تناقض أو تعارض مع الاجتهادات العامة للدين الإسلامي، كما أنهم لم يقوموا بثورة أو بتمرد واسع النطاق ضد سلطات الدول الإسلامية التي عاشوا في كنفها مطالبين بحقوق قومية أو داعين إلى تأسيس دولة كوردية أو إلى تثبيت مكانة سياسية خاصة بهم في ديوان الحاكم أو الخليفة أو اقتناء امتيازات خاصة بهم، كما كان الحال مع الفرس والقبائل التركو-المغولية والشراكسة والمماليك، بل كانوا وعلى الدوام، رغم اختلاف انتماؤهم القومي عن الحكام أو عن الأكثرية المسيطرة، كانوا مواطنين من الدرجة الأولى باعتبارهم جزء من أبناء الأمة الإسلامية ودولتها التي لم تكن تفرق بين العربي والأعجمي إلا بالتقوى. وحتى في العصور الحديثة، خاصة بعد تأسيس كيان العراق السياسي وتأسيس جيشه في عام 1921 برز فيه العديد من القادة الذين كان لهم شأناً كبيراً ومؤثرا في الحياة السياسية والعسكرية العراقية إلا أنهم لم يفكروا أو يسعوا إلى بناء كيان كوردي خاص بهم.

ثانيا: التركيبة الإجتماعية للكورد:
-------------------

أما بالنسبة للعامل الثاني، والمتعلق بالتركيبة الاجتماعية للمجتمع الكوردي، فأن الطبيعة الجغرافية القاسية وعزلة المنطقة وصعوبة الاتصال بينها وبين العالم الخارجي من جهة وبين الأقسام المكونة لـ "كوردستان" من جهة أخرى ساهمت في خلق نظام اجتماعي متميز وصلد شكلت العشيرة البنية الأساسية له والتي تمتعت بنوع من الاستقلال الذاتي تجاه السلطة المركزية. فالكورد وعبر التاريخ لم يشكلوا أمة موحدة لها كيانها الخاص بها، بل كانوا مجموعة من العشائر تفتقر إلى التماسك والتضامن فيما بينهم، فكانوا يعيشون في جبالهم المعزولة ويبدون طاعة شديدة إلى شيخ العشيرة ويخضعون إلى أي نوع من الحكومة طالما كانت سلطتها إسلامية وتدعو إلى تطبيق الشريعة والسنة. وقد يبدو أن مثل هذه الظاهرة قد تكون سائدة في بعض شعوب المناطق المجاورة أيضا، إلا أن قوة وصلابة النظام العشائري في الكورد واستقلالية وحداته الاجتماعية جعلتهم في حالة مختلفة، خاصة عندما كانت الحكومات المركزية، وتحديداً الدولة العثمانية، تستغل وضعهم الاجتماعي وتزيد من ترسيخ استقلالية وحداتهم الاجتماعية، أي العشائر، وعزل بعضها عن البعض وقطع الصلة بينهم سواء من خلال سياسة "فرق تسد" أو عن طريق تأليب بعضهم على البعض، أو استغلال بعض العشائر ضد البعض الآخر في حالة قيام تمرد أو ثورة أو محاولة الخروج عن هيمنة السلطة أو تجاوز حدود النظام الاجتماعي السائد ومن ثم إخضاع الجميع في نهاية المطاف وحصرهم في قوالبهم الأصلية وحدودهم الإجتماعية. ومما ساعد على استمرار هذا النمط من التركيبة الاجتماعية للنظام الكوردي هو تداخله وتفاعله مع عامل الدين ومن خلال رأس أو زعامة هذه التركيبة المتمثلة في شيخ العشيرة. فكلمة الشيخ عند الكرد لا تعني  زعيم عشيرة فحسب، كما هو معروف عند العرب، بل يقصد بها ذلك الشخص الديني التقي والورع الذي أوقف نفسه لخدمة الله والدين، سواء أكان منحدر فعلاً من أصول دينية أو مكتسباً لهذه الصفة من الممارسة الدينية في حياته.

ولكن مع هذا، فالتاريخ الكوردي في المنطقة لا ينفي أبداً قيام كيانات كوردية مستقلة في السابق نالت استقلالها عن السلطات المركزية للدول العثمانية، إلا أنها سرعان ما كانت تنهار بعد فترة غير طويلة، إما بسبب موت الشيخ المؤسس الذي قاد الاستقلال، أو باندحاره في نهاية المطاف أمام قوات الدولة المركزية، أو عن طريق تحريض حكام هذه الدولة  لبقية شيوخ العشائر الكوردية للانقضاض عليها. وفي معظم الحالات تقريباً جاء  زوال هذا الاستقلال القصير للدولة الكوردية بفعل تفاعل العاملين السابقين، حيث كان مثل هذا الاستقلال يسبب لبقية الشيوخ الهلع والخوف من جراء تنامي سلطات الشيخ المؤسس للدولة الكوردية والذين كانوا يعتقدون، أو كما كان يصور لهم من قبل السلطات المركزية، بأن مثل هذه الدولة ستكون على حساب مصالحهم واستقلالهم العشائري من جهة، وأنه، من جهة ثانية، هو  تمرد أو عصيان مخالف للدين والشريعة الإسلامية لأنه لا يجوز مقاومة السلطان العثماني باعتباره خليفة المسلمين أو أمير المؤمنين. وفي تاريخ هذه الكيانات الكوردية فتاوى أفتيت بحقها من قبل شيخ أو سيد كردي، كانت من ورائها السلطات العثمانية، لعبت دوراً كبيراً في انهيارها. لهذه الأسباب قيل بأن الصراع الكردي – الكردي الداخلي كان وعلى الدوام أشد بكثير من صراعهم مع أعدائهم ومضطهديهم.

وهناك روايات كثيرة قيلت في عدم وفاق الكورد وتوحدهم وإبقاء الفتنة والقتال بينهم وصلت غرابة بعضها إلى حدود الأساطير. وأغربها قصة لعنة رسول الإسلام النبي محمد على الكورد والتي أوردها كاتب كوردي مشهور أسمه البدليسي في كتابه المعروف (شرفنامه) الذي كتبه في القرن السادس عشر، وهو أول كتاب كردي كتب باللغة الفارسية، وليس الكوردية، يبحث في تاريخهم، حيث ورد فيه بأن في بداية الرسالة الإسلامية أرسل (أغورخان – ملك تركستان) وفداً إلى رسول الإسلام  برئاسة شخص يدعى (بغدور) وكان من أمراء الكورد وكان كريه المنظر، فظاً غليظاً شديد المراس، فلما وقع نظر النبي على هذا الشخص الكريه المنظر وضخم الجسم، فزع ونفر منه نفوراً شديداً. وعندما سأل عن أصله وجنسه قيل بأنه من الطائفة الكوردية وعندئذ دعا النبي قائلاً "لا وفق الله تعالى هذه الطائفة إلى الوفاق والإتحاد"..(أورده زبير سلطان في كتابه القضية الكردية من الضحاك إلى الملاذ، دار الكشاف، دير الزور – سوريه،ط1، 1990، ص 28-29). وعلى الرغم من أن بعض الكتاب ينفون هذه القصة في لعنة الرسول للكورد ويكذبونها لأن الرسالة الإسلامية لم يكن خبرها قد وصل في عهد الرسول إلى بلاد التركستان، إلا أن مع هذا يعطون أهمية لها لكونها قد أوردها كاتب كوردي في القرن السادس عشر الميلادي كان له دراية ومعرفة في عدم وفاق الكورد وتوحدهم.

الكورد والفكر القومي ومبدأ القوميات:
---------------------

في فترة قدوم الأفكار القومية الحديثة من أوروبا في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، بما فيها مبدأ القوميات وحق تقرير المصير وغيرها من المبادئ والمعتقدات التي نادت بضرورة قيام الدول على أسس قومية ووصولها إلى المنطقة، بدأت تتفاعل مع غيرها من العوامل السياسية  في نخر جسم "الرجل المريض" والقضاء عليه وتفتيت إمبراطوريته. فكانت الفرصة مناسبة للكورد للتحرك والتخلص من الاستبداد العثماني واقتطاع حصتهم من التركة وتأسيس دولتهم الكوردية في "كوردستان". ومما كان يساعدهم على تحقيق ذلك هو  قدرتهم العسكرية وخبرتهم القتالية في المناطق العاصية مع كثافتهم السكانية وتركزهم الجغرافي، إضافة إلى السياسات الدولية التي كانت تقضي  بتفتيت الإمبراطورية  العثمانية وتقسيمها إلى دول قومية. غير أنه يظهر بإن هذه الأفكار والمبادئ، والتي كان الأتراك يروج عنها باعتبارها أفكار "مسيحية" كافرة وافدة من أوروبا تهدف إلى القضاء على الدولة الإسلامية، لم تغير من واقع الكورد بشيء ولم تؤثر على العوامل المتحكمة في المصير القومي الكوردي المندمج مع الدولة العثمانية ولا أن تفعل فعلها نحو توحيدهم في كيان قومي أو تعمل على تبنيهم مبدأ قومي واضح يتجاوز البنية الاجتماعية العشائرية السائدة، لا بل وإنما على العكس من هذا، بدأ الكورد  بالدفاع المستميت عن الإمبراطورية العثمانية المتداعية فاستطاع الأتراك استغلال هذا الاندفاع والزج بالعشائر الكردية في أتون نيران الحرب التي لم يكن لهم فيها لا ناقة ولا جمل غير رغبة الانتقام المنقادة بعقلية عشائرية متحكمة في حياة الكورد. ففي عام 1885 شكلت السلطات العثمانية قوات عسكرية من العشائر الكردية عرفت باسم (قوات الخيالة الحميدية) السيئة الصيت بهدف توطيد السلطة العثمانية في جبال "كردستان" والتي أصبحت أداة فاعلة ومؤثرة ليس في استبداد وقهر الشعوب المسيحية، كالآشوريين والأرمن فحسب، وإنما أيضا في قمع بعض الحركات أو العشائر الكوردية الأخرى التي ناهضت سلطة الدولة. فاستمرت هذه القوات في أداء خدماتها الممتازة للأتراك حتى بعد فترة استيلاء حزب الاتحاد والترقي (تركيا الفتاة) على السلطة السياسية وإزاحة السلطان عبد الحميد من العرش وإعلان الدستور العثماني في عام 1908 حيث تبدل أسمها إلى (الخيالة الخفيفة) والتي أصبحت القوة الضاربة في يد القوميين الأتراك لاضطهاد الشعوب غير التركية وغير المسلمة بهدف تحقيق سياسة التتريك ومن ثم إنجاز حلم إقامة الإمبراطورية الطورانية. ثم وبعد سنة من قيام الحرب الكونية الأولى، ألغيت هذه القوات نهائيا، ولكن مع هذا استمر معظم الكورد في خدمة دولة الأتراك، سواء من خلال انخراطهم في المؤسسة العسكرية أو المدنية أو من خلال تحريض العشائر الكوردية واستخدامهم في الحرب. ويذكر المؤرخون بأنه خلال الحرب الكونية الأولى كانت قيادة الجيش توزع تعليمات على الضباط الأتراك تدعوهم إلى قتل العرب مع الإبقاء على الكورد لغرض استخدامهم في قمع واضطهاد الآشوريين والأرمن وتهجيريهم من أوطانهم إلى خارج أراضي الدولة التركية وإسكان الكورد محلهم.

 ومن سخرية الأقدار أن يستمر الكرد في تقديم خدماتهم العسكرية الكبيرة للترك حتى بعد زوال الدولة العثمانية وقيام الجمهورية التركية رغم انتشار الوعي القومي بين قطاعات معينة منهم . يقول المؤرخ الكردي الكبير محمد أمين زكي (كان وزيراً للمالية في العراق أثناء مذابح الآشوريين في سميل عام 1933) في كتابه الموسوعي (تاريخ الكرد وكردستان) الذي كتبه عام 1931 وترجم إلى العربية عام 1936 وطبع في القاهرة، يقول بأنه لما زالت كلمة (العثماني) العامة من الوجود في تركيا، وهي الكلمة الشاملة لجميع العناصر والشعوب الخاضعة للدولة العثمانية والتي كانت قد خدرت نوعا ما أعصاب كل واحد منا نحن أبناء القوميات الأخرى، وحلت محلها كلمتا التركي والطوراني،  شعرت أنا أيضا بطبيعة الحال، كسائر أفراد العناصر العثمانية غير التركية، شعوراً قوياً بقوميتي المستقلة من الترك فحملني ذلك على إظهار الشعور القومي الفياض والإحساس بالعاطفة الوطنية القوية (من مقدمة الكتاب )، وهو الشعور الذي كان يعم بين العديد من المثقفين الكورد وبين بعض شيوخ العشائر الكردية التي طالبت بحق الكورد في تقرير مصيرهم القومي وتأسيس دولة كوردية لهم والذين كانوا قد قدموا مطالبهم وأرسلوا الوفود إلى مؤتمر السلام في فرساي بفرنسا (1919-1920)، إلا أنه مع هذا كله أستمر وبشكل عام معظم الكورد في مساندة الترك وتقديم خدماتهم لإنجاح الحركة القومية التركية وتأسيس الجمهورية التركية الحديثة حيث شاركوا مشاركة فعالة في توطيد أركان النظام التركي الجديد وفي القتال ضد الآشوريين والأرمن وضد القوات الروسية حتى تمكنوا من إفشال معاهدة سفير (1920) وانتعاش "التركي الميت" كما يقول زكي (ص268)، ومن ثم إحلال محلها معاهدة لوزان (1923) والقاضية بموت مشاريع بناء دولة أرمينيا الكبرى وكردستان المصغرة والحكم الذاتي للآشوريين ومن ثم بروز تركيا بقيادة كمال أتاتورك كقوة فاعلة ورئيسية في المنطقة وقادرة على مفاوضة الإنكليز والفرنسيين لضمان استقرار حكمها. وبالمقابل لم يحصل الكورد إلا مزيداً من الاستبداد والظلم والحرمان من أبسط حقوقهم القومية، بما فيها منعهم من التكلم والتعلم بلغتهم الكوردية، ولم يعترف بهم كقومية كوردية بل اعتبروهم مجرد أتراك الجبال.

الكورد والدول الحديثة في المنطقة:
------------------------

بعد استقرار الأوضاع وتوقيع المعاهدات وإقرار تسويات الحدود لبلدان المنطقة والدول المنتدبة عليها من قبل عصبة الأمم والتطورات التي مرت بها شعوبها، لم تتمكن الحركة القومية الكوردية الإفلات من نفس العوامل السابقة المتحكمة في تقرير طبيعتها وإستمرار التقيد بها، خاصة في الدولتين الإيرانية والتركية باعتبارهما دولتان مسلمتان، لا بل وعلى العكس من هذا حيث ظهر الإقليم السياسي كعنصر إضافي وحاسم ومؤثر في سياق تطور هذه الحركة نحو إقامة الدولة الكوردية، إذ تقولب الكورد وحركتهم السياسية طبقاً للدول التي تشكلت حدودها بعد الحرب الكونية الأولى وجزأت الشعب الكوردي إلى أجزاء تفصله حدود سياسية صارمة، خاصة في بداية القرن العشرين حيث أصبحت مسألة السيادة أكثر قدسية بالنسبة للدول الجديدة في  المنطقة،  فسارت وتطورت حركة كل جزء من الشعب الكوردي متأثرة بالعوامل السياسية الخاصة والمحيطة بالدولة التي عاشوا تحت سلطتها. ففي العراق، الذي برز كيانه السياسي في عام 1921، استمرت الحركة الكوردية  كحركة إقليمية أو "قطرية" ولكن من دون أن تستطيع الخلاص من تأثير العوامل السابقة المتحكمة فيها، إذ استمر شيوخ العشائر في قيادة الحركة الكوردية وتأسيس دولتهم، كما كان الحال مع الشيخ محمود الحفيد ومملكته في مدينة السليمانية في شمال العراق في عام 1922 والتي لم تستمر أكثر من سبعة أشهر. والحال نفسه مع قادة جمهورية مهاباد الكوردية التي كانت بقيادة القاضي محمد والملا "مصطفى البرزاني" رحمه الله. والمتابع للحركة الكوردية القومية المعاصرة وللحزب الديموقراطي الكوردستاني نرى كيفية تطورها في العراق من مشيخة الطريقة النقشبدية إلى حركة قومية معاصرة وحزب سياسي بقيادة شيوخ برزان وأنسالهم. ولا يمكن أن نتجاهل هذه الحقيقية في القيادات العشائرية للحركة الكوردية المعاصرة التي تتركز بشكل عام بين العشيرتين البرزانية والطلابانية وفي إقليمين من إقليم كوردستان. هذا ناهيك عن العامل الإقليمي الذي أصبح عنصراً متغلباً ومؤثراً في العلاقة المتنافرة والمتقاتلة بين الحركة الكوردية في العراق مع مثيلاتها في تركيا وإيران وسورية.

على العموم يمكن القول بأن العامل الديني أستمر دوره السابق المؤثر في  الحركة الكردية حتى بعد تأسيس كيانات سياسية جديدة. إذ أن خضوع الكورد في  العراق إلى الحكم البريطاني المتمثل في نظام الانتداب ومن ثم إدارة البلاد عن طريقة حكومة عربية على رأسها ملك عربي، كانت بالنسبة لهم ظاهرة جديدة  جعلتهم ولأول مرة في التاريخ أن يخضعوا لحاكم غير مسلم، بريطانيا، وأن تدار شؤونهم  من قبل حكومة عربية بعد قرون طويلة، إذ أن طيلة تاريخهم تعودوا الخضوع إلى حكومات مسلمة وإلى عناصر آرية أقرب إليهم من العناصر السامية. وقد يكون ذلك سبباً لتأييد العشائر الكردية، باستثناء قليل في السليمانية، انضمام ولاية الموصل إلى تركيا بدلا من العراق في بداية العشرينات، وكان من بينهم شخصيات وزعماء أمثال فتاح بك صهر الشيخ محمود الحفيد، الذي كان يحمل شهادة الجنسية العراقية ولكنه كان عضواً ضمن الوفد التركي المفاوض حول تقرير مصير الولاية ومدافع عن حق تركيا في هذه الولاية بدلا عن العراق. هذه الظروف هي التي ساهمت مساهمة مباشرة في بروز الحركة الكوردية المعاصرة في العراق ومن ثم تبلورها وتطورها نحو مراحل سياسية أكثر وضوحاً وتقدماً في مقارنتها مع مثيلاتها في إيران وتركيا وسورية، خاصة فيما يتعلق بتأسيس أحزاب سياسية ومنظمات قومية وقيامهم بحركات مسلحة ضد السلطة المركزية والتي استمرت لفترات طويلة في  مقارنة مع الحروب والحركات السابقة، ومن ثم الوصول إلى الحكم الذاتي في عام 1970 وحكومة إقليمية وبرلمان في عام 1992، وحتى يومنا هذا مع الإستفتاء حول قيام الدولة الكوردية.  وبسبب التأثير الديني في العقلية الكوردية خاصة بين العشائر وفي الأرياف، فهناك احتمال كبير بأن الظروف المحيطة بالكورد في شمال العراق سوف تصبح أرض خصبة للحركات والنزعات الإسلامية المتطرفة رغم النهج العلماني للأحزاب الكبيرة ولحكومة الإقليم. وما إفساح المجال أمام الكورد لإعتناق المسيحية وتأسيس كنيسة مسيحية كوردستانية إلا نموذج لهذا النهج العلماني وكرد للحركات الإسلامية المتطرفة في المنطقة من جهة وإضهار للعالم الخارجي بأن حكومة الإقليم منفتحة على جميع الديانات من جهة أخرى.

الفوبيا الكوردي:
-------

وهكذا، بقدر اطراد استقرار الحدود الدولية بين الدول الرئيسية، تركيا وإيران والعراق الحاوية على أراضي "كوردستان، وإقرار هذه الحدود في تسويات واتفاقيات معترفة بين الأطراف ومحققة لمصالحهم الخاصة، بقدر ذلك تعاظم تأثير عنصر الإقليم أو القطر على الحركة الكوردية، ليس من حيث تغيير مسارها القومي وتحويل مطامح تأسيس دولة كوردية إلى مجرد يوتوبيا و"حلم وردي" فحسب، وإنما زادت القطرية من خطورة هذه الحركة على هذه الدول، بحيث أصبح مدركاً للجميع بأن أي استقلال كوردي في أي من الأقطار مهما كان نطاقه سيؤثر حتماً وبالنتيجة المباشرة على الكورد في القطر المجاور ويدفعهم نحو نفس المنحى، وبالتالي ظهور بوادر نحو المطالبة بالاستقلال بالجزء الآخر من "كوردستان" في الدولة الأخرى والانسلاخ منها لغرض تحقيق حلم "كوردستان الكبرى"، خاصة وأن العاملين الجغرافي والديموغرافي، من تجاور الأقاليم وتركز السكان في مناطق متاخمة لبعضها، يساعدان كثيرا على تحقيق مثل هذه الدولة، والتي ستكون من دون أدنى شك على حساب أراضي الدول الثلاث الأخرى، إيران وتركيا وسورية، لهذا نرى بأن الحركة القومية الكوردية في إيران وتركيا تطورت بشكل ملحوظ وتبلورت في أحزاب سياسية بعد منح الحكم الذاتي عام 1970 في العراق ولا أحد يستطيع أن ينكر بأن للحزب الديموقراطي الكردستاني كان له إمتدادات مؤثرة وفاعلة على الحركة القومية الكوردية وأحزابها في دول الجوار. وهذا  هو سبب كافي لأن تكون مواقف هذه الدول مفرطة في الحساسية ومعارضة بشدة لأي نوع من الاستقلال الكوردي وبالتالي ظهور نوع من الفوبيا الكوردي في عقلية حكام هذه الدول.  والجدير بالذكر أن الخوف من وحدة الكورد وبالتالي قيام الدولة الكوردية، كان مدركاً منذ أيام كون بريطانيا القوة الفاعلة في المنطقة والتي عملت الكثير من أجل دون قيام الدولة الكوردية  وتضمين ذلك في اتفاقيات دولية. يقول الضابط البريطاني ( دبليو. آر. هاي ) في كتابه المعنون (سنتان في كردستان) المطبوع في لندن عام 1921، والذي زار المنطقة ودرس طبائع الشعب الكوردي، يقول (أن اليوم الذي يستيقظ الكورد وبوعي قومي ويتوحدون سوف تتفتت أمامهم الدولة التركية والفارسية والعربية، ويقصد العراق، وتتطاير كالغبار، ولكن مثل هذا اليوم لا يزال بعيد المنال) ص36. وهناك ملاحظة مهمة جداً يستوجب الإشارة إليها وهي حين ذكر البدليسي ما معناه بأنه لو توحدوا الكورد وأتفقوا لغلبوا على الأمم وأساؤؤا إلى العالم، فمثل هذا القول نلمسه في المخاوف الشديدة التي كانت تعتري عقول الحكام، خاصة العثمانيين والفرس والإتراك والعرب والبريطانيين، من توحد الكورد وتأسيس دولة مركزية لهم، وهي المخاوف التي لا تزال تتعشش في عقول حكام هذه الدول.

ومثل هذا الخوف، الذي بأستمراره وتصاعده وتفاعله مع ظروف إقليمية ودولية، نرى بأنه قد تحول إلى نوع من العقدة تجاه مطالبة الكورد بحقوقهم القومية، وهي المخاوف التي تتحكم في سلوك صانع القرار السياسي لدول المحور الثلاثي لكردستان، إيران وتركيا وسورية، في رسم وتقرير سياسة أمنهم القومي. فجانب من هذا السلوك الجامع والمقلق يمكن استخلاصه من  الحديث المتلفز لرئيس النظام العراقي المقبور صدام حسين في معرض رده  لبوادر الاستقلال الكردي، عندما سحب قواته عام 1991 من شمال خط العرض 36 وخضعت للحماية الدولية وبدأ الكورد بتأسيس حكومتهم الأقلية، حين قال بأنه قبل أن يحرك قواته لسحق أي استقلال كوردي عن العراق سوف تكون القوات التركية والإيرانية قد سبقته في هذه المهمة. وفعلاً فأن الاجتياح المستمر للقوات التركية لشمال العراق وتدخل إيران في شؤون المنطقة لاحتواء الاستقلال الكوردي النسبي ضمن نطاقه الضيق يعكس هذه الحقيقة، كما وأن الاجتماعات الدورية التي كانت تعقدها إيران وتركيا وسورية في الشأن الكوردي كانت تدور ضمن نفس السياق القائم على التخوف من الاستقلال الكردي في شمال العراق.

الكورد بين الفدرالية والدولة المستقلة:
=====================

 اليوم، ومن أي يوم مضى، تدرك قيادات الحركة الكردية القومية كل هذه الحقائق التاريخية وتستوعبها وتحاول أن تحقق جانب من طموحاتها القومية ضمن الأطر المسموح بها والعمل على عدم التضحية بالمطمح الممكن من أجل المطمح غير الممكن، لا بل ويظهر بأن قيادتها تدرك أيضا بأن إزهاق المزيد من الدماء والكثير من الأرواح من جراء اللهث وراء تحقيق  مطمح دولة "كوردستان الكبرى" اليوتوبية غير ممكن في الوضع الراهن المقيد بقيود صارمة مفروضة من قبل ثلاث دول، مضافاً إليها العراق، يغلب عليهم عنصر القوة أكثر من عنصر التفاهم  والتعامل مع الاختلاف القومي، وأن السعي وراء المطمح البعيد المنال  سوف يحرمهم من تحقيق المطمح القريب والذي يتمثل جانب منه بالفدرالية. ومن المؤكد بأن القيادة الكوردية تدرك بأن نتائج الإستفتاء نحو إستقلال الإقليم عن العراق وقيام الدولة الكوردية لا يعني التطبيق المباشر لنتيجته لأنها تدرك جيداً بأن قيام الدولة الكوردية وهي مطوقة بطوق محكم من قبل أربع دول حكامها ليسوا في حالة ود وتفاهم مع الكورد ستكون دولة محاصرة ومن دون منفذ بحري تتنفس من خلاله وتتواصل مع العالم الخارجي، بل ستولد كدولة شبه ميتة ولا تدوم بها الحياة. وبسبب هذا الإدراك فأن نتيجة الإستفتاء التي حتما ستكون بـ (نعم)  سوف يستخدم كورقة ضغط في تعاملها مع العراق والدول المجاورة لضمان أكبر قدر ممكن من الإستقرار والسلم والإنتعاش والتقدم والإزدهار للإقليم قد تكون أمتيازاته ومنافعه أكثر بكثير من إمتيازات ومنافع قيام الدولة الكردية.

17
أبرم شبيرا

شكراً لرابي آدم دانيال هومه على نشره خبر حفل تأبين شهيد اللغة والأدب الآشوري رابي دانيال بيت بنيامين وشكراً للجمعية الثقافية الآشورية في سيدني – أستراليا على تنظيمها هذا الحفل التأبيني بتاريخ 11 حزيران 2017 وشكراً أيضا لجميع المعلقين بكلمات عطرة عن رحيل هذا المبدع من عالمنا الزائل... فشهيد اللغة والأدب راب دانيال تستوجب ذكراه العطرة أكثر من هذا ولتخليد هذه الذكرى يستوجب على المعنيين وأصدقاءه وزملاءه وأقاربه جميع مؤلفاته ونتاجه الأدبي واللغوي وإعادة نشرها.

زيارة للأديب المبدع المرحوم رابي دانيال في بيته في مدينة فينكس – أيروزنا – الولايات المتحدة الأمريكية في شهر آب  عام 2016 بمناسبة بلوغه التسعين من العمر . رحمه الله وطيب ذكراه.
من اليمين: شموئيل الشماس كوركيس بيت بنيامين، ثم ولسن يونان، فنابغة اللغة الآشورية وآدابها رابي دانيال الشماس داود بيت بنيامين ثم أبرم شبيرا .

18
مختصر في فهم التسميات الرسمية
رأي مقارن بين المكون المسيحي و "الكلدان السريان الآشوريين"
============================================
أبرم شبيرا
مدخل:
----
نشرت الرابطة الكلدانية (رابطة) بيانا تقترح فيه تسمية "المكون المسيحي" كتسمية رسمية في الدستور العراقي وكسبيل لتوحيد خطابنا ومواقفنا ومطالبنا للمرحلة الراهنة خصوصا أنه، كما جاء في البيان، الأكثر إنتشارا محلياً ودوليا مع الإحتفاظ بتسمياتنا الخاصة الحضارية والتاريخية من الكلدان والسريان والآشوريين رافضة بذلك التسمية المركبة "الكلدان السريان الآشوريين". لم يرضى تجمع التنظيمات السياسية الكلدانية السريانية الآشورية (تجمع) هذا المقترح فأصدر بيانا رفضا مقترح تسمية "المكون المسيحي" وللأسباب التي ذكرها في بيانه وشدد على التسمية المركبة "الكلدان السريان الآشوريين" وأعتبرها تسمية مقبولة على الأقل في المرحلة الراهنة. ثم أنبرى العديد من كتابنا الأعزاء وفي مقدمهم كتابنا الأكاديمي وصديقنا العزيز الدكتور رابي عبدالله  ليدافع عن بيان الرابطة الكلدانية ويبين مغالطات بيان التجمع عن رفضه وإنتقاده لبيان الرابطة. ثم توالت التعليقات والإنتقادات من قبل القراء الأفاضل حول التسمييتن بين مؤيد لهذا المقترح أو لذاك ومن دون أن يتوصلوا إلى نتيجة مفيدة لهذه الأمة اليائسة وهو أمر لا نستغربه في هذه الظروف المأساوية والهائجة من جميع الجهات على أبناء أمتنا.
منذ البدء نود أن نوضح ونشدد في التوضيح بأن هذه السطور ليست إطلاقاً لتأييد هذه التسمية أو تلك، بل هي مجرد محاولة لفهم هذه التسميات ومدى تطابقها على شعبنا في المرحلة الراهنة لتكون مدخلا لتوحيد الخطاب القومي كسبيل واضح ومباشر للمطالبة المنطقية بالحقوق المشروعة لشعبنا، مؤكدين في نفس الوقت تأكيداً مشدداً بأن التسمية القومية ليست ولن تتكون إطلاقا بموجب قرار معين أو إقتراح من جهة متنفذة أو بموجب دراسة علمية أو أكاديمية، بل هي، أي التسمية القومية، نتاج ظروف خاصة وعبر مراحل تاريخية طويلة مرتبطة صميماً بظروف الأمة في الصمود والنضال من أجل البقاء وأثبات الوجود. على العموم، أن محاولتنا الموضوعية في معالجة هذا الموضوع في فهم هذه التسميات لا تكبح رأينا والتي تتطلبها الموضوعية نفسها أن نبين في بعض الأحيان إيجابيات وسلبيات كل تسمية من هاتين التسميتين، فالنبدأ أولاً بتسمية "المكون المسيحي"

تسمية المكون المسيحي:
--------------
عندما يختلط النابل بالحابل وتتخبط حياة المجتمع على جميع الأصعدة السياسية والفكرية والإجتماعية ويضيع أفراد المجتمع في متاهات عويصة يصعب الخروج منها، تبدأ بعض التخريجات الإستثنائية سواء من أساليب أو مصطلحات أو أفكار للظهور على السطح كسبيل للخروج من المأزق.  فبلدان الشرق الأوسط منها العربية والعراق أيضا يكتض بمثل هذه التخريجات. فلو حصرنا سطورنا هذه في الحالة العراقية وتحديداً فيما يتعلق الأمر بشعبنا واستخدام مفهوم "المكون" كمحدد لهوية المسيحيين الرسمية في العراق نرى بأنه هو أحدى تخريجات الأزمة العويصة حول تسميتنا القومية في العراق. هنا سنحاول أن نعالج مفهوم المكون المسيحي من جانبين:
الأول: الجانب الشكلي والحرفي:
------------------
 مفهوم المكون اللفظي او الحرفي يعني مقوم أو مركب أو عنصر أو مُشكل. وفي اللغة الإنكليزية يعني (Ingredient) أو (Constituent) أو (Component) أو(Element) وجميعها في العربية منها والإنكليزية رغم إختلافها في المسمى فإن المكون يعني شكل أو تشكيل عدد من العناصر والمواد والأشياء المختلفة والمتفاعلة بعضها بالبعض لتخرج بنتيجة مختلفة عن العناصر المكونة لها التي تذوب في المكون وتفقد الكثير من خواصها. ومن الملاحظ بأن مصطلح المكون استخدم بشكل عام في العلوم الطبيعية كالكيمياء والفيزياء والأحياء والوراثة وعلم التغذية (Dietetics)، فالمعروف في علم الكيمياء بأن الماء مكون من االهيدروجين والأوكسين وبنسب مختلفة... وهكذا. فلو نظرنا، على سبيل المثال لا الحصر، على علبة مشروب بيبسي كولا نرى بأن هناك العديد من العناصر أو المواد او المحتويات (Ingredients) أمتزجت بعضها بالبعض وتفاعلت لتُكون مشروب بيبسي كولا. ومن المؤسف له بأنه بسبب الأزمات الفكرية والسياسية والعجز والإفتقار إلى خلق أو إيجاد تسميات لبعض ظواهر هذه الأزمات أنتقل هذا المفهوم (المكون) إلى عالم السياسة والإجتماع وبدأ بأستخدامه كما هو الحال في العراق وتحديداً فيما يخص تحديد هوية شعبنا وتسميته بـ "المكون المسيحي".

الثاني: الجانب الموضوعي والفكري:
-------------------
لمفهوم "المكون المسيحي" وللدقة "المسيحي" يعني الشخص المؤمن بالديانة المسيحية أو الذي ينتمي إليها سواء بالولادة أو الإيمان، أي الإنتماء بالمرجع أو الإنتماء بالوعي. ومثل هذا الإيمان من المؤكد يمكن أن نجده في جنوب أفريقيا وفي الفليبين والسويد وغيرهم من بلدان العالم. فالهوية الأساسية لهذا الإنتماء الإيماني لا حدود له غير الديانة المسيحية. فليس لهذا الإنتماء "العالمي"  لغة واحدة أو تاريخ واحد أو أرض مشتركة، أي بعبارة أخرى هناك الكثير من القوميات والشعوب  ينتمنون للديانة المسيحية. وإذا تركنا الساحة الدولية وأقتربنا من الساحة العراقية نرى بأن الإنتماء المسيحي، وأن كانت الديانة المسيحية هي الحدود العامة المميزة للإنتماء الإيماني فأن هذه الحدود مقسمة إلى أجزاء وأطر مختلفة وأحياناً هم في خلاف أو تبيان واضح المعالم. فهناك العديد من الكنائس في العراق تحدد أطار الإنتماء الإيماني للشخص منها الكنائس الرسولية "الوطنية" بمفهوهما المؤسساتي التاريخي كالكنيسة الكلدانية الكاثوليكية والكنيسة السريانية بشقيها الأرثوذكسي والكاثوليكي وكنيسة المشرق الآشورية والكنيسة الشرقية القديمة إضافة إلى الكنائس غير المؤسساتية وغير التاريخية، والأصح أن يطلق عليها بالطوائف، كالأرمنية والإنجيلية والسبتية والبروتستانية والروم بشقيها الكاثوليكي والأرثذوكسي. فجميع هذه الطوائف هي كنائس مؤسساتية في موطنها الأصلي غير بلاد ما بين النهرين، هذا الوضع هو الذي يفرض علينا فرضاً صارماً ان نميز بين الكنائس "الوطنية" من جهة والطوائف المسيحية في العراق من جهة أخرى، ولكن مع هذا فإن جميع مؤمني هذه الكنائس والطوائف في العراق يجمعهم بشكل عام الإيمان المسيحي وبالتالي فهم مشمولون ضمن إطار مفهوم المكون المسيحي.

ولكن من الملاحظ بأنه رغم أن الكنائس المؤسساتية "الوطنية" تجمعهم صفة "الكنيسة" المختلفة عن صفة الطائفة فأنهم من جانب آخر تجمع معظم (قد لا يكون جمعهم) مؤمني هذه الكنائس بمقومات مشتركة بشكل عام من لغة وتاريخ وتقاليد وأرض ومصير مشترك وأماني مشتركة تختلف كلياً عن المقومات المختلفة لأبناء الطوائف المذكورة من لغة وتاريخ وتقاليد والإنتماء التاريخي للأرض.أي بعبارة الأخرى فإن مؤمني الكنائس المؤسساتية هم من الكلدان والسريان والآشوريين ويعتبرون قومية واحدة وبمقومات مشتركة بشكل عام ويختلفون عن أبناء الطوائف الأخرى الذين قد يكون لهم لغات وتواريخ وتقاليد وأماني مختلفة، فهناك الأرمن والعرب والكورد وحتى التركمان  ينتمون إلى هذه الطوائف ولكن مع هذا فإذا أعتمدنا مصطلح المكون المسيحي فإن هؤلاء سوف يشكلون جميعاً عناصر لهذا المكون الإيماني.
ولو حاولنا أن نحشر مفهوم "المكون المسيحي" في عالم السياسة نرى بأن معظم دولة العالم وحتى الدكتاتورية منها والثيوقراطية، كإيران، تقر وتعترف بمكونها المسيحي سواء أكان هذا الإقرار شكليا أو فعليا كما كان الحال في عهد نظام البعث البائد وفي عهد النظام الحالي في العراق. وعندما نحشر مفهوم المكون المسيحي في السياسة يعني تضمين حقوق عناصر هذا المكون في القوانين والدساتير وفي الإجراءات الرسمية، أي بعبارة أخرى ،إقرار وضمان الحقوق الدينية لعناصر هذا المكون. ولكن الأمر غير ذلك على أرض الواقع والممارسات الفعلية حيث أن الكثير من حقوق المكون المسيحي في العراق منتهكة ومسحوقة ليس من قبل داعش الإجرامي فحسب بل حتى من النظام السياسي ورجالاته ومعمميه. إذن المنطق يقول بأن المطالبة بدرج تسمية المكون المسيحي في الدستور وإعتباره التسمية الرسمية لشعبنا في العراق يعني المطالبة بالحقوق الدينية لجميع عناصر وتشكيلات المكون المسيحي من دون تمييز في اللغة والتاريخ والعادات، أي من دون تمييز قومي أو أثني. وقد يقول قائل بأنه من الممكن أن تكون التسمية الرسمية لشعبنا "المكون المسيحي من الكلدان والسريان والأشوريين" ولكن كما نعرف وشرحناه في أعلاه فأن المكون المسيحي لا ينحصر في هذه التسميات الثلاث فهناك قوميات وأثنيات وعناصر أخرى مشمولة بالمكون المسيحي وبالتالي لا تتسق هذه الحالة مع الواقع الفعلي لجميع المسيحيين في العراق بمختلف كنائسهم وطوائفهم وأن تسمية المكون المسيحي ليست حصراً على الكلدان والسريان والآشوريين، أي بعبارة أخرى ان هذا سوف سيرجعنا إلى المربع الأول. وأخير يجب أن نؤكد مرة أخرى بأن مفهوم المكون المسيحي هو من تخريجات العصر الراهن البائس في العراق والوضع المزري للفكر العراقي الطائفي السائد والمهيمن على النظام السياسي وتوابعه لا بل أيضا هو من تخريجات الوضع المأساوي لشعبنا الضائع في متاهات التسميات المختلفة لهويته القومية، فخرج مفهوم المكون المسيحي (من لا جاره) على السطح السياسي كطوق للنجاة من هذه المتاهات. من هنا يجب ان لا نستغرب وفق هذا الوضع المأساوي أن تكون "الكوتا اللاديموقراطية" كوتا مسيحية وأن يزور أو يحضر أو يستقبل السيد يونادم كنا من قبل ممثلي الدول الأخرى لا بصفته كسكرتير للحركة الديموقراطية الآشورية ولا بصفة كونه كلداني أو سرياني أو آشوري بل بصفة كونه ممثل عن المسيحيين في البرلمان العراقي والحال أيضا نفسه مع السيد جوزيف صليوا الذي هو ممثل عن المسيحيين في البرلمان العراق لا ممثل عن الشيوعيين أو قائمة الوركاء الديموقراطية.

التسمية المركبة – الكلدان السريان الآشوريين:
----------------------------
طرح المشكلة:
---------
تعتبر التسمية المركبة من أكثر المسائل التي أثير حولها الكثير من المناقشات والمداخلات والأعتراضات والإتهامات وصلت بعضها إلى درجة تخوين وتكفير المتبنيين لهذه التسمية المركبة ونُعتو بشتى النعوت والتسميات لحد إن بعضها جاوزت حدود قواعد الإخلاق في الكتابة ومناقشة المسائل القومية الحساسة التي يتطلبها الكثير من الصبر والتأني والهدوء وإنفاح العقل وتجاوبه مع كل ماهو متفق أو مخالف للمسألة القومية الحساسة كمسألة التسمية المركبة. ولا يخفى على أحد بأن وراء هذا السلوك السلبي تفسيرات وأفكار ومواقف قد تكون فكرية "أيديولوجية" لا بل حتى مصالح شخصية وطائفية وكنسية وتحزبية وغيرها كثيرة. ولا أجانب الحقيقة عندما أقول بأن معظم الذين رفضوا هذه التسمية المركبة أو الذين دخلوا الإنتخابات البرلمانية في المركز والإقليم بتسميات مفردة كالكلدانية أو الآشورية أو المسيحية ولم يفوزوا، هم في خلاف أو عداء مع الجهات المتبنية للتسمية المركبة الذين فازوا بكراسي في كلا البرلمانين. شئنا أم أبينا ورغماً عنًا فإن الجالسين على كراسي البرلمان من أبناء شعبنا هم، حسب الإنتخابات، المعيار الوحيد المتاح حاليا، هم ممثلي شعبنا سواء أيدنا ذلك أو رفضناه  فالأمر سيان لأن شعبنا، أو أكثريته المقترعة، هو الذي أخاترهم. أي بهذه العبارة وبشكل غير مباشرة بأن أكثرية أبناء شعبنا يؤيد التسمية المركبة. فلو أفترضنا بأن الكيانات التي تبنت التسميات المفردة كالكدانية والآشورية والسريانية وفازت في الإنتخابات لأكدنا، وفق المعيار نفسه، بأن شعبنا يؤيد التسمية المفردة سواء أكانت كلدانية أم آشورية أم سريانية. والحال نفسه مع تسمية المكون المسيحي. فإذا فاز أصحاب هذه التسمية في الإنتخابات القادمة فهذا معناه بأن شعبنا، أو على الأقل أكثريته، يؤيد هذه التسمية، حينئذ سيكون لنا رأياً فيه معتمدين على نفس المعيار الوحيد والمتاح، أي الإنتخابات.

خلفية تاريخية للتسمية المركبة:
-----------------
أن التسمية المركبة سواء بالأسمين (كلدان و آشوريون او كلدو وأتور او آشور وكلدان أو آشوريون سريان) أو بالتسمية المركبة الثلاثية (الكلدان والسريان والآشوريين بواو أو بدونها) لها خلفية تاريخية ليس كما وردت في بعض الكتب والمصادر التي تناولت تاريخ أمتنا، وأشهرها كتاب (تاريخ كلدو وأثور) لمثلث الرحمات المطران الكلداني الشهيد أدي شير، بل كما وردت وأستعملت على الساحة السياسية وفي الفكر القومي ومنذ نشوء الحركة القومية لأبناء أمتنا كبقية أمم منطقة الشرق الأوسط في نهاية القرن التاسع عشر وبداية قرن العشرين. فالتسمية المركبة ليست من نتاج السنوات القليلة الماضية وتحديداً بعد مؤتمر بغداد لعام 2003 الذي تبنى التسمية المركبة بل، أستعلمت منذ منتصف القرن التاسع عشر فصاعداً من قبل رواد الفكر القومي منهم رائد الصحافة الآشورية آشور بيت هربوت ومعلم الفكر الوحدوي نعوم فائق وتلميذه الصحافي الثوري فريد نزها، وجميعهم من أتباع الكنيسة السريانية الآرثوذكسية.  فعلى الرغم من تصميمهم على أعتبار أنفسهم أشوريين إلا أنهم لم يتوانوا أبداً من إستخدام التسمية المركبة لأمتنا وكانوا لإعتبارات تخص مصلحة ووحدة الأمة بجميع مكوناتها يخاطبون أبناء الأمة في مقالاتهم وخطبهم اللهابة بالقول (الأمة السريانية الارامية الآشورية الكلدانية) وذلك بهدف التضمين الحضاري المشترك والمتواصل لهذه التسميات المرادفة لأمة واحدة. كما إن التسمية المركبة أستعملت منذ بداية القرن الماضي من قبل بعض زعماء الحركة القومية وفي المراحل الحرجة وتحديداً عشية الحرب الكونية الأولى والفترات المضطربة التي أعقبتها، خاصة من قبل الجنرال أغا بطرس والقائد ماليك قمبر وكلاهما من أتباع الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية. على أن بعد تصاعد الحركة القومية وتزعمها من قبل مار شمعون إيشاي بطريرك كنيسة المشرق "النسطورية" طغت التسمية الآشورية بالتمام والكمال على السطح السياسي والقومي.

إرتباط الحركة القومية بالتسمية الآشورية:
------------------------
لايستطيع أحد أن ينكر إطلاقاً بأن الحركة القومية في أمتنا وبسبب ظروف موضوعية وذاتية بدأت بالتسمية الآشورية منذ الربع الأخير من قرن التاسع عشر مروراً  ببداية قرن العشرين وما بعده خاصة بين الأوساط المثقفة في مناطق طور عبدين وماردين وهربوط والذين كان معظمهم من المنتمين إلى الكنيسة السريانية الآرثوذكسية ومن ثم أنتقل هذا الفكر القومي التحرري إلى مناطق أكثر إنفتاحاً وثقافة مثل مدينة أورمي في شمال غربي إيران حيث تأسس المجلس القومي وأقر فيه إستخدام التسمية الآشورية بدلا من "سورايا" معتقدين بأن لهذه التسمية الأخيرة دلالات دينية. الجدير بالذكر أن التسمية الآشورية في تلك الفترة لم تكن لها دلالات طائفية مرتبطة بالنسطورية، إذ نلاحظ بأن معظم مؤسسي هذا المجلس ورواد الفكر القومي كانوا من الطوائف الأخرى كالكلدانية، وأشهرهم المطران الشهيد توما أودو، والأرثوذكسية، وأشهرهم فريدون أوراهم أتورايا، والبروتستانية أو الإنجيلية ومدارسهم التعليمية ونشراتهم وصحفهم القومية معروفة في هذا السياق. وتعززت التسمية الآشورية بالحركة القومية بعد تأسيس العديد من الأحزاب السياسية والمنظمات القومية بعد الحرب الكونية الثانية. أنه من نافلة القول والتأكيد على  كون أبناء التسميات الثلاث قومية واحدة لأنهم يحملون عوامل مشتركة من لغة وتقاليد وتاريخ وأرض تؤكد هذه الحقيقة وإن ما يميز بعضهم عن البعض هو الكنيسة ومن يحاول التمييز أو التفريق بين هذه التسميات الثلاث على أسس غير الكنيسة فهو واهم وبعيد عن الواقع والحقيقة. لقد حاول الحركة القومية الآشورية التقليدية تحقيق هدف توحيد هذه الطوائف الثلاث تحت مسمى "الآشوريون" إلا أنها فشلت أما بسبب "تعصبها" لهذه التسمية وإعتمادها على التاريخ أو بسبب عجزها عن إستعياب الواقع الفعلي والموضوعي لأمتنا كما هو. على أية حال، سواء مهم جداً وإستثنائي يفرض نفسه ويقول إذا كان، حسب الحقيقة الموضوعية والواقعية، معظم أبناء الكنائس الثلاث قومية واحدة ويشتركون في نفس المقومات المعروفة في تعريف أية قومية، إذن لماذا لا ينعكس ذلك في وحدة الهوية القومية وبالتالي في وحدة التسمية القومية؟؟ هذا السؤال يفرض عليها أن نبحث وبإختصار في مفهوم الهوية وتحديدا الهوية القومية، وهو أمر سنعالجه في مناسبة لاحقة.

أسباب نشؤ وإستخدام التسمية المركبة:
----------------------
هذا موضوع طويل ومعتقد ومرتبط بمواضيع أخرى أطول وأعقد منه. فعلى الرغم من تأكيدنا على إرتباط التسمية الآشورية بالحركة القومية لشعبنا، فهناك مراحل زمنية معينة وإستثنائية توفرت فيها أسباب معينة تطلب إستخدام التسمية المركبة، وبأختصار نذكر سببين، موضوعي وذاتي:
أولا: موضوعي: من خلال قراءة سريعة لتاريخنا المعاصر خاصة في أعقاب الحرب الكونية الأولى والمأساة والفواجع التي لحقت بشعبنا فرضت هذه الظروف وتطلب الأمر حشداً أكبر وأضخم لأبناء أمتنا ليشمل جميع أبناء فروع كنيسة المشرق والطوائف لغرض مواجهة هذه التحديات المميتة والمصيرية فجاءت التسمية المركبة، خاصة كلدو آشور كصيغة شاملة ومستوعبة لأكبر قدر من أبناء شعبنا. ونفس الحال تكرر بعد سقوط النظام البعثي عام 2003 وضياع شعبنا في متاهات وتخبطات كانت تتطلب نفس الجهود في حشد معظم أبناء شعبنا لمواجهة هذه التحديات، فظهرت التسمية المركبة. ومن الجديد بالذكر أيضا بأنه بسبب نفس الظروف المأساوية والمميتة في سوريا تبنت أكبر وأول حركة قومية في سوريا، المنظمة الأثورية الديموقراطية – مطكستا تسمية أشوريون سريان بعدما أن كانت تعتمد على التسمية "الأثورية".
ثانيا: ذاتي: من الملاحظ بأن في تلك المراحل الصعبة والمميتة برز بعض قادة أمتنا على رأس الحركة القومية من مؤمني الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية وأشهرهم الجنرال أغا بطرس والقائد ماليك قمبر فأسسوا قوات تحت مسميات مركبة كقوات كلدو آشور وغيرها فجاءت هذه التسمية بنتائج تمثلت في إنضمام العديد من مؤمني الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية إلى هذه القوات. وهنا يجب أن لا ننسى دور الكنيسة الكاثوليكية والدول العظمى في تلك الفترة كفرنسا من تشجيع هذه التسمية المركبة ومساندتها للقوات المشكلة تحت هذه التسمية. وهنا أيضا وبالمقابل يجب أن لا ننسى دور بريطانيا في دعم التسمية الآشورية ومساندتها للعائلة البطريركية لكنيسة المشرق "النسطورية" التي كانت تتبنى التسمية الآشورية. والحال نفسه بعد عام 2003، حيث تعالى الصوت الكلداني القومي وبرزت شخصيات ومنظمات كلدانية تطالب بالحقوق القومية وشارك الكثير منهم في مؤتمر بغداد لعام 2003 الذي تبنى التسمية المركبة والوضع المأساوي لا زال قائما ومستمر على أشده في هذه الأيام والتسمية المركبة "الكلدان السريان الآشوريين" سائدة بين أكثرية الأحزاب السياسية والتنظيمات القومية لأمتنا. 
خاتمة وإستنتاج:
========= 
أن هذا الموضوع يأتي على قاعدة إنفتاح العقل وتقبل كل ما يدفع مسيرة أمتنا نحو الوحدة وتحقيق مصالحها القومية في أرض الوطن ويناقش المسألة الشاغلة لمعظم أبناء أمتنا حول التسمية القومية والتي من المفترض أن تكون واحدة معبرة عن قومية واحدة كسبيل لمنع التشتت وتحقيق الوحدة الفكرية والسياسية كعامل أساسي في تحقيق هدفنا القومي السياسي. بأختصار شديد نقول بأن على كل كلداني أو سرياني أو آشوري أن يعتتز بكلدانيته وبسريانيته وبآشوريته ولا أحد في هذا العالم يستطيع أن ينتزع منه هذا الإعتزاز. وأن تبني التسمية الثلاثية "الكلدانية السريانية الآشورية" سواء بوجود حرف الواو بينهم أو بدونها، كطرح سياسي لتحقيق أهداف الأمة بجميع مكوناتها في الوقت الحاضر وضمن الظروف السياسية والفكرية السائدة لا يتعارض مع هذا الإعتزاز. لهذا نقول بملئ الفم بأن التسمية المركبة التي تجمع الكلدان والسريان والآشوريين ليست مسخاً تاريخياً لأي من هذه التسميات الحضارية بل هي تأكيدا على تاريخيتها وحضارتها. يجب علينا أن نعرف بأن أي إنجاز كلداني هو من دون شك إنجاز آشوري وسرياني وهكذا بالنسبة للإنجازات الآشورية والسريانية هي إنجازات للكلدان، وهذا شبهناه في السابق بالأواني المستطرقة. أن التسمية الثلاثية ليست دليل على أزمة في الهوية القومية بل هي إنعكاس لوعي قومي سياسي لإستيعاب الواقع كسبيل لتحقيق الأهداف القومية. أن التحلي بالوعي السياسي القائم على فهم واقع الأمة وعلى وحدتها الموضوعية أمر يجعل من مسألة التسمية موضوعاً هشاً وضعيفاً لايستوجبه الخلاف والنزاع حوله أمام ضرورة وعظمة مسألة وحدة أمتنا كحقيقة موضوعية واقعية.  ففي هذه الأيام الوضع الحالي لأمتنا ومصيرها مربوط على ظهر عفريت طائر نحو المجهول وهو الأمر الهام والمصيري الذي يتطلبه حشد جماهيري قائم على فهم الحقيقة والواقع وبمنظور ووعي قومي مرتكز على أن لا ضمان ولا إستقرار وحياة لهذه الأمة من دون وعي بوحدتها كما هي في الواقع الموضوعي. صحيح أن الحقيقة الموضوعية، التي لا تقبل النقاش في كوننا أبناء أمة واحدة، لم تنعكس في شكلها الوحدوي على الساحة السياسية لتفرز تسمية واحدة وذلك بسبب ظروف مؤثرة سبق وأن شرحناها في أعلاه، ولكن ضرورة وأهمية الوعي بوحدة الأمة كحقيقة موضوعية أمر لامحال منه سيؤدي إلى تتطابق هذه الحقيقة الموضوعية مع شكلها في المستقبل فيما إذا تمت الممارسة السياسية بفكر ووعي منفتح ووحدوي جامع لكل مكونات أمتنا.   

19

الحركة الديموقراطية الآشورية (زوعا)
بين المؤتمرين السابع (2013) والثامن (2017)... نظرة مقارنة
=====================================================
أبرم شبيرا
توطئة:
------
مضى على المؤتمر الثامن لزوعا الذي أنعقد في نوهدرا (دهوك  حاليا) للفترة من 23-25 أذار 2017 أكثر من شهر والذي هو من الأحداث المهمة في تاريخ حركتنا السياسية القومية. وتنبع أهميته في كون زوعا حركة سياسية قومية أكثر شعبية ونشاطا من بين بقية الأحزاب والحركات السياسية لأمتنا وربما حتى العراقية منها ويزيد عمرها عن 38 سنة وحققت بعض الأنجازات التي تعتبر تاريخية في سياقها الزماني والمكاني، هذا نهايك عن إستمرار إنعقاد مؤتمراتها وبحضور عدد كبير من المندوبين بشكل يسوغها علم السياسة والمنطق حسب المفاهيم المتبعة في الدراسات الأكاديمية في العلوم السياسية وهي العوامل التي تعكس مدى قوة تنظيمها وهيكليتها وشعبيتها وأساليب أتخاذ القرارات من أعلى هيئة في التنظيم. ولكن مع كل هذه الأهمية نرى بأنها لم تنعكس في أهتمامات القراء والمثقفين والقوميين غير بعض السطور في التهجم والتجريح والأهانة لبعض قادتها ولغايات تفريغ الحقد والكراهية لهذا المسؤول أو ذاك، أو المدح والتطبيل لها ومن دون أي فائدة تذكر تضاف لصالح زوعا. من هذا المنطلق، فهذه السطور هي محاولة لسد مثل هذا الفراغ في الوعي القومي السياسي لدى أبناء أمتنا خاصة فيما يتعلق بأحزابنا السياسية. ومن الضروري أن يتفهم القارئ اللبيب بأن الكتابة في مثل هذه المواضيع التي طالما نسعى منها الموضوعية وبيان جوانبها الإيجابية والسلبية فأن هذا لا يعني إطلاقاً بأنها مواقف معادية أو تطبيلية لهذه الحركة القومية السياسية. فكشف مثل هذه المواضيع بكل جوانبها السلبية والإيجابية هي التي ستفيد زوعا في مسيرتها السياسية وهي أيضا بالتالي ستضيء بعض المحطات في مسيرة حركة أمتنا السياسية.

عودة إلى التاريخ القريب:
-------------- 
عقب إنتهاء المؤتمر السابع لزوعا الذي عقد في بغداد للفترة من 16 – 18 تشرين الاول 2013 كتبتُ موضوعاً تحليلاً عن المؤتمر وبعنوان (أضواء خافته على المؤتمر السابع (2013) للحركة الديموقراطية الآشورية) متناولا جميع جوانبه الإيجابية والسلبية ونشر في حينها في موقع عنكاوه المؤقر. تناولنا فيه مختلف الجوانب المهمة منها فترة إنعقاد المؤتمر وعدد المندوبين الحاضرين الذي قدر أكثر من (300) مندوباً حسب موقع زوعا الألكتروني وأسلوب إنتخاب السكرتير العام وأعضاء اللجنة المركزية والإحتياط ثم بينًا بعض المقترحات والأساليب الضرورية التي يستوجب إتباعها في إنتخاب السكرتير العام وأعضاء اللجنة المركزية. وفي حينها "أنتخب وبالإجماع" السيد يونادم كنا سكرتيراً عاما لزوعا وفاز بـ "التزكية" لعدم وجود مرشح منافس له مع 16 عضواً لللجنة المركزية وثلاثة أعضاء إحتياط إضافة إلى أختيار ثلاثة أعضاء لعضوية لجنة الرقابة والتدقيق.

زوعا بين المؤتمين السابع والثامن:
--------------------
عندما أطلعت على بيان زوعا عن مؤتمرها الثامن وتمعنت النظر فيه وما نتج عنه من "إنتخاب" السكرتير العام وأعضاء اللجنة المركزية وذلك بهدف كتابة بعض السطور عن هذا الحدث المهم، لم أجد ما يستوجب الكتابة عنه غير القليل لأنه عندما حاولت فعلاً الكتابة وجدت بأنني أكرر نفسي وأكرر ما كتبته قبل ثلاث سنوات عن المؤتمر السابع، فلا جديد ومهم يذكر طالما بقية الأمور الجوهرية خاصة مسألة إختيار السكرتير العام وطريقة الإختيار نفسها من دون تغيير. على أن هذا لا ينكر بأن هناك بعض التغييرات الطفيفة لتعديلات النظام الداخلي الذي لم يصدر لحد الآن بحلته المعدلة وعدم ترشح العضو البارز في اللجنة المركزية السابقة السيد سركون لازار لعضوية اللجنة المركزية الحالية والذي دارت الدنيا عليه أثناء توليه منصب وزير البيئة بإعتباره أبن شقيقة السيد يونادم كنا. ولكن المهم في قمة هذه التغييرات "الطفيفة" هو إعادة فوز 10 من أعضاء اللجنة المركزية السابقة والمنتخبين في المؤتمر السابع لعضوية اللجنة المركزية الحالية في المؤتمر الثامن. وأهمية هذه الإعادة تأتي بأن معظم هؤلاء كانوا بالأمس القريب طلاب أو شباب أعضاء في اللجان الطلابية والشبابية واليوم أعتلوا بفعل إمتلاكهم  للكفاءات الفكرية والنشاطات السياسية مواقع قيادية ومن المؤكد، وبحسب معرفتي الشخصية بهم، بأنهم سيرتقون مستقبلاً إلى مستوى قيادي أعلى من المستوى الحالي. فهذه حالة إيجابية في تعويض "المحاربين القدماء" بالشباب أو بـ "المحاربين الجدد" ولكن ليس بطريقة فصل أو أبعاد "المحاربين القدماء" بل بإبقائهم جزء مهم من تاريخ ونضال وفكر زوعا والأكثر أهمية كمصدر من مصادر تطوير قدرات الشباب نحو مستويات قيادية.

مختصر في مفهوم "المؤتمر العام" وتطبيقات زوعا:
----------------------------
من الناحية النظرية يعتبر المؤتمر أعلى سلطة قيادية في الحزب السياسي والمرجع الأساسي لسياسة الحزب ولقراراته الجوهرية وهي قرارات غير قابلة للرفض والطعن وتكون ملزمة لجميع هيئات الحزب ومن دون إستثناء، ويتمتع بصلاحيات تنظيمية وسياسية وفكرية ومالية واسعة، فهو الذي ينتخب أعضاء اللجنة المركزية أو القيادة العليا ويحاسبها كما ينتخب أعضاء لجنة التفتيش والمراقبة. وفي الكثير من الأحزاب السياسية يقوم المؤتمر بإنتخاب السكرتير العام للحزب أو رئيسه أو نائبه. وبالنظر لكون المؤتمر متكون من عدد كبير من الأعضاء والمعرفين بـ "المندوبين" ويصعب جمعهم بصورة دائمة ومستمرة لذا فهو ليس هيئة دائمة الإنعقاد بل لكل حزب سياسي فترات معينة لإنعقاد إجتماعات المؤتمر. فهناك نوعات من الإجتماعات، وهما: الأول: الإجتماعات الإعتيادية المنتظمة التي تنعقد كل سنة أو سنتين أو ثلاثة أو أربع سنوات، وحسب طبيعة كل حزب سياسي. فزوعا مثلا ينعقد مؤتمره العام كل ثلاث سنوات في حين أن الحزب الشيوعي العراقي ينعقد مؤتمره العام كل أربع سنوات. الثاني: هو الإجتماعات الإستثنائية التي تنعقد بين فترات الإجتماعات الإعتيادية المنتظمة والتي تسمى أحياناً بـ "الكونفراس" لغرض دراسة ومعالجة وإقرار بعض الأمور الإضطرارية التي لا تتحمل التأخير والإنتظار للمؤتمر العام.

هذا من الناحية النظرية، أما من الناحية الواقعية فهناك مسألتين بشأن كون المؤتمر العام أعلى سلطة قيادية وصاحب القرار الأساسي والجوهري للحزب.
الأولى: الوقائع والممارسات الفعلية للكثير من الأحزاب خاصة في دول منطقة الشرق الأوسط التي  تتخبط أنظمتها السياسية والحزبية في العملية السياسية ويصبح مفهوم الإنتخابات النزيهة والممارسات الديموقراطية الصحيحة أمر مشكوك فيه، حيث تبين بأن العناصر القيادية البارزة خاصة السكرتير العام وأعضاء اللجنة المركزية يكون لهم تأثيراً قوياً وفاعلاً على أعضاء المؤتمر العام وبالتالي معظم القرارت التي يصدرها المؤتمر العام تكون في الحقيقة والجوهر حسب توجهات وقناعات هؤلاء القادة المتنفذين. على الرغم بأننا لا نستطيع الجزم القاطع فيما يخص زوعا، لكن نقول بأن مثل هذه الحالة تنطبق عليها في مؤتمراتها العامة حيث لا يمكن تصور صدور قرار من مؤتمرها العام معارض أو غير متوافق مع أفكار وسياسيات وتوجهات السكرتير العام والقادة المتنفذين.
الثانية: بالنسبة لفترات إنعقاد إجتماعات المؤتمر العام الإعتيادية، تبين بأن الأحزاب التي تأخذ بفترات قصيرة كسنة أو سنتين هي الإحزاب المتمكنة والفاعلة والتي يتوفر لها قادة أكفاء لتولي مسؤولية الحزب وقابلة لتغيرها خلال هذه الفترة القصيرة وبالتالي يكون تناوب السلطة مستمراً، وأن مثل هذه الأحزاب هي أحزاب مؤسساتيه تقوم على هيئات منتظمة وفاعلة وليس على قائد واحد أو عدد معين من القادة. في حين نرى بأن الأحزاب السياسية التي تأخذ إجتماعات مؤتمرها العام ثلاث سنوات أو أكثر يكون لها شحة في القادة الأكفاء . وقد بينت تجارب العديد من الأحزاب السياسية التي تنعقد مؤتمراتها ببين فترات الطويلة بأنها تخلق لدى السكرتير العام أو رئيسها  شهوة الإستمرار في السلطة ويسعى للجلوس على الكرسي لفترات طويلة، وهذا الأمر ينطبق نوعا ما على زوعا وعلى الكثير من أحزاب بلدان العالم الثالث التي تكون في العادة أحزاب شمولية تسود هيمنة الزعيم على مقدرات الحزب.     

أحداث خطيرة بين المؤتمرين:
----------------
حدث خلال ثلاث سنوات التي تفصل بين المؤتمرين أحداث خطيرة جداً على المستويين الخارجي القومي والداخلي التنظيمي:
المستوى الخارجي القومي:
---------------
 يتمثل في إحتلال داعش الإجرامي الكثير من مناطق شعبنا عام 2014 وتشريد شعبنا في مخيمات بائسة وإضطرار الكثير منهم إلى الهجرة خارج الوطن أو اللجوء إلى الدول المجاورة مما خلق حالة إحباط ويأس في نفوس الكثير من أبناء شعبنا ولم تعد مسألة الحقوق القومية والمطالبة بها أمراً مهما بالنسبة لهم مقارنة مع النجاة بحياتهم والبحث عن الإستقرار والأمن وضمان مستقبل أبنائهم. فلو حاولنا أن نكون موضوعيين ومنطقيين نرى بأن لا الدولة العراقية بكل قواتها المسلحة ولا ميليشيات الأحزاب العراقية لا بل حتى قوات الدول العظمى أستطاعت الحد من وحشية داعش وكبت عدوانه فكيف والحال مع شعبنا، أصغر وأضعف الحلقات الديموغرافية في الوطن، من التصدي لجرائم داعش ونتائجها المؤساوية على شعبنا، أي بعبارة أخرى أن توازن القوى بين الطرفين معدوماً تماماً بسب هول التحديات المميتة التي يواجهها شعبنا وأحزابه السياسية. من هذا المنطق نقول بأنه من الظلم والإجحاف أن نلوم زوعا وغيرها من تنظيماتنا القومية والكنسية بعجزهم في مواجهة جرائم داعش ونتائجها. فحتى بضعة مئات من أفراد وحدات حماية سهل نينوى (NPU) يجب أن تفهم من صياغة أسمها (حماية) هي ليست بتلك القدرة والقوة والتجهيز لمحاربة دايناصور داعش ولا تملك النعمة الإلهية لداود في محاربته لكولياث الجبار، بل هي لحماية مناطق شعبنا بعد تحريرها من داعش. فبإعتقادي، وفي ضوء إختلال أو فقدان موازين القوى المتصارعة على الأرض، كان هذا أقصى ما تستطيع زوعا عمله ضمن هذا المؤثر الجبار والقاتل. ولكن ماهو الأمر بالنسبة للمستوى الداخلي التنظيمي الذي هو أيضا يرتبط بالمستوى الخارجي القومي بشكل أو بآخر ويتأثر به وإن كان بشكل غير مباشر.
المستوى الداخلي التنظيمي:
---------------
يتمثل في خروج بعض من أعضاء قيادة زوعا ومناصريهم وترك التنظيم، أي بعبارة المفهوم الحزبي، إنشقاق في التنظيم، وما ترتب عليه من نتائج في إلتحاق أعضاء أخرى من زوعا بهم وتشكيل كيان إنتخابي تحت مسمى (كيان أبناء النهرين) – الكيان -  وفوز أحد أعضاءه القياديين بكرسي في برلمان الإقليم وقيامهم بإختيار هيئات قيادية وفتح فروع له وتشكيلات سواء في الوطن أم في بلدان المهجر. فلهذا الحدث أهمية خطيرة وسابقة سياسية في تاريخ حركتنا القومية وأحزابها السياسية. صحيح هو أن هناك إنشقاقات سابقة في أحزابنا السياسية ولكن كانت مجرد شخص أو بضعة أشخاص سرعان ما أختفوا أو رجعوا إلى تنظيمهم السابق وأنتهى الأمر. لكن لإنشقاق زوعا أهمية خطيرة تنبع من كونه يشمل عدد من الأعضاء ومعظمهم كانوا في مستويات قيادية أو أعضاء في اللجنة المركزية لا بل بينهم من مؤسسي زوعا القدماء وكانوا في فترات سابقة يعتلون مناصب إدارية عليا أو برلمانية. ومن الضروري أن نفهم بأنه على الرغم من أن الكيان رسمياً هو  نتاج السنوات الثلاثة الفاصلة بين المؤتمرين السابع والثامن إلا أن جذور هذا الإنشقاق تمتد إلى المؤتمر الخامس المنعقد في دهوك (28-30/حزيران/2007) عندما تنافس كل من السيد توما خوشابا والسيد يونادم كنا على منصب السكرتير العام وبالكاد فاز السيد يونادم بـ (125) صوت على السيد توما الذي حصل على(123) صوت، أي بمعنى الكلمة بأنه كان هناك وبشكل واضح عدم إتفاق بين المندوبين يقارب النصف. فكان من نتائج هذه الإنتخابات بروز نوع من الفتور والتخبطات والتخوينات بين أعضاء قيادة زوعا. وفي المؤتمر السادس المنعقد في بغداد (12-16/آب/2010) تجسد هذا الخلاف أكثر بين أعضاء اللجنة المركزية المنتخبة (14 عضو + السكرتير العام) حيث ظهرت المعادلة التي عرفت بـ (6) مقابل (9) التي بالكاد أستمر أعمالها بشكل إيجابي ومثمر بسبب الإعتراضات والتخوينات والعقوبات... وهلم وجر. وتوضحت الخلافات بشكل بارز  عقب إنعقاد المؤتمر السابع  16 – 18/ تشرين الاول/ 2013 في بغداد عندما أنتخب أعضاء اللجنة المركزية من دون مشاركة الآخرين وإعادة إختيار السيد يونادم كنا كسكرتير عام ومن دون منافس وما تلى ذلك من بيانات وإيضاحات وإتهامات بين الطرفين أنتهى المطاف بتشكيل كيان أبنا النهرين، ثم أعيد المشهد نفسه في المؤتمر الثامن من دون تغييرات جوهرية رغم كل التحديات الخطيرة التي عصفت بشعبنا خلال السنوات الثلاث الماضية.

أن التحديات السالفة الذكر، القومي والتنظيمي كانا من المفترض لا بل من الواجب القومي المطلوب على كلا الطرفين زوعا والكيان أن يتحركوا بشكل أكثر إيجابية وشفافية من أجل التوصل إلى تفاهم ووحدة الصف. فإذا كانت مواجهتهم لجرائم داعش صعبة أو مستحيلة أو قليلة التأثير فأن مطلب الوحدة بين الطرفين أمر سهل التطبيق لو تم وضع المصالح التحزبية والشخصية والحالة النفسية المتراكمة من الماضي جانباً والذي من المؤكد سيكون له تأثيراً على الجانب الخارجي القومي ويعزز من مصداقتهم تجاه أبناء أمتنا ويبعث فيهم نوع من الأمل وتخفيف الإحباط في نفوسهم ويسترجع إهتمامهم بشؤون الأمة ومطاليبها المشروعة. وعلى العموم هناك ضوء خافت جداً في نهاية النفق نستشف منه في قول الكيان في أحدى بياناته مايلي (إننا سنكون مستعدين دوما للحوار، لكن على أسس ومبادئ تخدم العمل القومي وقضية شعبنا، لا على أساس شخصنة الأمور ولا بمخالفة المبادئ التي أتخناها سبيلا للعمل القومي الحقيقي). وبالمقابل جاء في البيان الختامي لمؤتمر زوعا الثامن مايلي (وعن مبادرة حركتنا لعودة الاعضاء السابقين ممن لم تسنح الفرصة لهم  للعودة الى صفوف التنظيم حاليا، او بسبب بعض الشروط والمطالب التي لم تكن من صلاحية اللجنة المركزية، اكد المؤتمر على معالجتها في الفترة المقبلة).
نقولها علنا وصراحة وصدقا بأننا جميعاً والكثير من أبناء أمتنا بإنتظار ما سوف يتحقق من هذين الموقفين بشأن الوحدة بين الطرفين وبالأخص نحن شخصيا بإعتبارنا كنًا من المبادرين في هذا الشأن نقول بأن الكيل قد طفح ولا نريد أن نكشف الكثير من الأمور التي عقدت وعرقلة وربما أفشلت مسألة الحوار نحو الوحدة وذلك خشية من تعكير أجواء الأمل في إستمرار الحوار بين الطرفين. ولكن كما يقال (للصبر حدود) ونؤكد بأن هذا الصبر لا يستطيع الصمود طويلاً أمام تساؤلات الكثيرة والملحة من أبناء شعبنا للكشف عن ما جرى في المناقشات، ووعدا بأننا سنكشفها قريبا فيما إذا لم نتحسس بتحرك إيجابي وفعلي بين الطرفين في هذه المسألة، وهي مسألة لا تتحمل الإنتظار كثيراً وداعش ينهش بجسم أمتنا من جهة والهجرة تبلغ شعبنا من جهة أخرى.

مسألة إنتخاب السكرتير العام:
----------------
هذا الموضوع تم معالجته في المقالة السابقة التي كتبناها عن المؤتمر السابع المشار إليه في أعلاه كما هو جزء من الإقتراح الذي قدم إلى أعضاء التحاور من أجل الوحدة بين زوعا والكيان. في مقالة سابقة وتحت عنوان (أسباب تخلف الآشوريين ... بين الأمس واليوم) الذي نشر في موقع عنكاوه الموقر، ذكرنا فيه سبب تخلف الآشوريين وتحديداً أحزابنا السياسية ومؤسساتنا القومية والدينية هو الجهل ليس بمعناه التعلم والمعرفة بل بالعديد من المسائل القومية والسياسية التي تهم أحزابنا السياسية ولم نستثنى منها زوعا. فالشيء المستغرب هو بأن قادة زوعا لا يرغبون سماع المفيد والصحيح فتكرر نفس الإخطاء في فهم بعض المفاهيم السياسية التي يجب أن تعتمدها في ممارساتها، خاصة مفهوم الديموقراطية وإختيار السكرتير العام وفق هذا المفهوم السحري. كما قبل ثلاث سنوات عشية أنتهاء المؤتمر السابع نكرر القليل مما ذكرناه بخصوص إنتخاب السكرتير العام وأسلوب إنتخابه. جاء في بيان زوعا عقب إنتهاء أعمال المؤتمر السابع (وفي الجلسة الختامية للمؤتمر تم انتخاب السكرتير العام للحركة واعضاء اللجنة المركزية وعلى مرحلتين، ففي المرحلة الأولى تم انتخاب الرفيق يونادم كناً سكرتيراً عاماً للحركة وبالتزكية.. ثم إنتخاب أعضاء اللجنة المركزية ). وفي البيان الختامي للمؤتمر الثامن جاء فيه ( وفي الجلسة الختامية وفي جو ديمقراطي جدد المندوبون بالاجماع ثقتهم بالرفيق يونادم كنا سكرتيراً عاماً للحركة) وفي مكان آخر جاء فيه (وفي اليوم الثالث تم انتخاب السيد يونادم كنا سكرتيرا عاما للحركة من قبل جميع الحاضرين الذين اتفقوا بالاجماع على منح السيد كنا ثقتهم لتولي مهام السكرتير العام للحركة الديمقراطية الاشورية لثلاث سنوات قادمة). لقد سبق وأن أكدنا مراراً وتكراراً بأن مثل هذه المفاهيم في الإجماع، والذي يعيني 100% أو بالتزكية، أي عدم وجود منافس للمرشح الوحيد، مفاهيم بعيدة كل البعد عن الديموقراطية. 

أن أبسط متطلبات الديموقراطية هي أن يكون هناك تنافس وهذا لا يمكن أن يكون إلا بين أثنين أو أكثر، فالديموقراطية لعبة سياسية وكأي لعبة يتطلبها أكثر من لاعب واحد ولا يمكن إطلاقا لشخص أن يلعبها لوحده ما لم يكن يخدع نفسه قبل غيره. فلم نسمع طيلة حياتنا فوز أي رئيس أو حاكم أو زعيم حزب أو حركة بالتزكية في بلدان ذات الأنظمة السياسية والحزبية الديموقراطية. ربما قد نجد في بعض الأحزاب في الدول التي تتبنى الديموقراطية زعيم حزب يستمر في منصبه لسنوات طويلة ويتم إختياره عدة مرات ولكن هذا الإختيار هو إنتخاب ونتاج منافسة مع غيره من المرشحين للمنصب. فهناك العشرات أن لم يكن المئات من أعضاء البرلمان ورؤؤساء دول أو أحزاب سياسية أستمروا في منصبهم لسنوات طويلة ولكن هذا الإستمرار هو نتيجة فوزهم في إنتخابات من بين العديد من المرشحين، وهي الأحزاب أو الدول التي تتمتع أنظمتها بالديموقراطية الصحيحة.  أما إستمرار زعيم الحزب في منصبه عن طريق إختياره بالتزكية أو بالإجماع فإن مثل هذه الأحزاب السياسية هي في معظمها أحزاب متطرفة ومتشددة سواء أكانت في أقصى اليسار أم أقصى اليمين. وحتى هذا لا يعتبر إنتخاب بل تجديد أو تمديد لمنصب الزعيم وهو ما يعرف بالفكر السياسي الإسلامي بـ "المبايعة". إذن من هذا المنطلق نقول بأن السيد يونادم كنا لم ينتخب بل جدد منصبه أو مدد لثلاث سنوات أخرى قادمة ولم تجري عملية إنتخابه طالما كان وحده في الساحة. كما يجب أن لا يفوتنا أيضا أن نشير إشارة عابرة إلى كلمة (الإجماع) وهذه الكملة أيضا هي شقيقة لكلمة التزكية فهي الأخرى بعيدة كل البعد عن مفهوم الديموقراطية، فالإجماع، أي 100% هو أسلوب الأنظمة التسلطية وقد عرفناه ولمسناه وعانينا منه كثيراً في وطننا العراق وغيرها من الأوطان العربية ولا يستوجبه شرحاً مفصلاً، وعلى أمل العودة إليه في مناسبة لاحقة عن فهم المفاهيم السياسية وكيفية ممارستها وتطبيقها على أحزابنا السياسية.

على أن كل هذا لا يعني عدم كفاءة السيد يونادم كنا، فخلال السنوات الطويلة التي تخبر بالممارسة السياسية الصعبة وهو على رأس زوعا ولا يعني أيضاً إستمراره على زعامة زوعا لمدى الحياة، فالعيب ليس في شخصه ونقص في كفاءته وبقاءه في هذا المنصب لفترة طويلة بل في طبيعة مجتمعنا وأحزابنا السياسية التي تفتقر إلى كوادر قيادية بمستوى التحديات الصعبة والمميتة التي واجهت وتواجها أمتنا. لقد كان هناك همسة تسربت من أروقة المؤتمر الثامن لزوعا تقول بأن السيد يونادم كنا أضطر لترشيح نفسه ووعد بأنها المرة الأخيرة له في هذا المنصب وأنه سيتركه خلال الدورة القادمة. وقد يكون مثل هذه الهمسة توافقاً ومطابقاً لما قاله لي شخصيا وأنا في ضيافته في بيته في أربيل مساء يوم 20/11/2016 وبحضور السيد أزاد يونادم بأنه فعلاً يرغب في ترك منصب السكرتير العام ثم سأل رأيي عن ترشيحه لثلاثة من قيادي زوعا لهذا المنصب، فقلت له الأمر والمشكلة الأساسية في الوضع الحالي ليست في تركك هذا المركز بل في إفساح المجال لغيرك من القياديين الشباب لمشاركتك فعلياً في مسؤولية السكرتير العام. فمن هذا المنطلق كنًا منذ فترة طويلة قد قدمنا مقترحاً وكررنا تقديمه لأعضاء لجنتي التحاور بين زوعا والكيان في إلغاء منصب السكرتير العام وإحلال محله "مكتب السكرتارية العامة" المتكون من ثلاثة قياديين (ترويكا) وعلى أن يكون السيد يونادم كنا من بينهم، على الأقل للدورة القادمة. وقد يكون أختيار مساعدان أثنان للسكرتير العام، السيد يعقوب (جوني) كوركيس لشؤون الإقليم والسيد عماد يوخنا للعلاقات الوطنية، بدلا من مساعد واحد كما كان في الدورة السابقة إستجابة خجولة لمقترح ترويكا. هذا الموضوع طويل ومفصل ونوعد القارئ الكريم بأننا سنتناوله بشكل مفصل في الفترات القادمة.

20

رسالة إلى الحركة الديموقراطية الآشورية بعد إنقضاء أعمال مؤتمرها الثامن 23 -25 آذار 2017 في دهوك
================================================


(*)
--------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------
لنا لقاء في رسالة قادمة – أبرم شبيرا










   



(*)  الصورة الكاريكتية للفنان المبدع هارون نقلا عن جريدة الخليج الإماراتية: 16.03.2017


21
كردي يتفرج على مسيرة أكيتو 6767 في دهوك ويقول:
---------------------------------------------

والله... هؤلاء الآشوريون سيكونون دولة
====================================
أبرم شبيرا

قد يكون قول هذا المواطن الكوردي البسيط، وهو يتفرج من على عتبة دكانه في سوق مدينة دهوك على مسيرة أكيتو رأس السنة البابلية الآشورية 6767 التي نظمتها الحركة الديموقراطية الآشورية (زوعا)، وأنا واقفاً إلى جانبه بعد مسيرة طويلة وهو يقول (به خودا ئه م كه ئى ئاشوري ئه بنه ده و له ت) – أرجو المعذرة من الأخطاء والتهجي لأنني لا أجيد اللغة الكوردية – ولكن عرفت معناها من صديقي الذي كان معي في نفس الوقت ويعرف الكوردية والتي معناها (والله هؤلاء الآشوريون سيكونون دولة)، قد يكون  في هذا القول نوع من الإهتمام والدهشة بل حتى الغرابة وهي الحالة الذهنية التي من المؤكد ستثير نوع من الإهتمام والغرابة لدى القارئ الكريم لا بل وعندي أيضا وهو السبب الذي دفعني لكي يكون قول هذا المواطن الكوردي البسيط عنواناً للتطرق إلى مسيرة أكيتو لهذا العام. ومصدر هذه الإهتمام والغرابة ليس ذاتياً وشخصياً فحسب بل هو مستمد من واقع مثير وغير أعتيادي فرضته المسيرة على هذا المواطن الكوردي وعلى المشاركين فيها وأيضا على المتفرجين عليها من ألاف الكورد وهم واقفون على جانبي الطرق التي سارت المسيرة النسانية عبرها. فمن أين أستمد هذا المواطن الكوردي البسيط قوله وشعوره في إمكانية أن يكون للآشوريين دولة؟. فلا بد أنه كان هناك عوامل موضوعية وواقعية عديدة للمسيرة هي التي خلقت مثل هذا الإهتمام والغرابة والدهشة لهذه المسيرة الفريدة من نوعها في تاريخ العراق المعاصر عندما نقارنها مع غيرها من المسيرات والإحتجاجات في العراق آخذين بنظر الإعتبار العوامل السياسية والقومية والدينية والديموغرافية للأشوريين في مقارنتها مع غيرهم من القوميات والمذاهب والكتل السياسية.

أولى هذه العوامل هي الحشود الضخمة للمسيرة والتي قدرها صديقنا بهرم بهرامي عبر منظاره التلسكوبي الرقمي وخبرته الهندسية والإحصائية بحدود لا يقل عن 20 ألف مشارك في الوقت الذي قدره المغردون خارج السرب القومي بحدود 300 مشارك معتمدين على لقطة كاميرا لزاوية من زوايا المسيرة أو لكردوس واحد بث عبر شاشة تلفزيونية.  وهناك صور عن جانب من المسيرة نشرها موقع (زوعا) – www.zowaa.org_   تؤكد حقيقة حجم المشاركين في المسيرة خاصة موقع الإحتفال الذي يبين بأن الألاف من المشاركين والضيوف قد أحتشدوا في الساحة رغم هطول الأمطار بغزارة وإستمرار الإحتفال كما كان مخطط له. والصور في أدناه مأخوذة من هذا الموقع. ولهذه المشاركة أهمية عظيمة لدى أبناء شعبنا خاصة عندما نعرف بأن الظروف الأمنية التي سادت في العراق كانت من الممكن أن تكون حائلاً للكثير من دون المشاركة ولكن عظمة هذه المناسبة وأهميتها في تاريخنا وإشتياقهم للمشاركة فيها بعد إنقطاع دام سنتين وثقة أبناء شعبنا بالمنظمين لها كلها عوامل ساعدت لإندفاع أبناء شعبنا نحو هذه المسيرة التاريخية والمشاركة فيها وبحماس.
 

 

ليس المهم شكل وحجم المشاركين في المسيرة فحسب بل الأهم من هذا هو نوعية المشاركين فيها. فبالإضافة إلى الجماهير المحتشدة التي سارت في شوارع دهوك الرئيسية وعبر أسواقها المزدحمة شاركت كراديس ومنظمات مختلفة ومن عدة قطاعات وتنظيمات شعبنا التي كانت تتقدمها حملة الإعلام القومية والإقليمية والوطنية ثم كردوس كشافة حمورابي التابعة لإتحاد الطلبة والشبيبة الكلدوآشوري الذي اثار الكثير من الحماس والإهتمام بإيقاعاتهم العسكرية كما شغل طلبة المدارس التعليم السرياني حيزاً كبيرا من المحتشدين مبهرين الجماهير بملابسهم وبأزياءهم التراثية والجميلة وتلا كل هذا عدد من قادة زوعا ومنظمات جماهيرية والضيوف القادمون من بلدان المهجر. أن النوعية المتميزة للمسيرة كانت تتمثل في عنصر الشباب المشارك فيها بحجم كبير جداً وبإنفعال منقطع النظير بحيث خلق إنطباعاً إيجابياً مثيرا للدهشة والتي بدت وكأنها تزرع أملاً جديداً في شعبنا لإستمرار مسيرته نحو أجيال أبعد رغم كل الظروف المأساوية والإحباطية التي تحيط بالكثير من أبناء أمتنا.

الأمر لا يحتاجها الكثير من التفاصيل عن هذه المسيرة،  فهي مذكورة في الموقع الألكتروني لزوعا المذكور أعلاه. ولكن الذي نود أن نؤكد عليه هو أن رسالة هذه المسيرة قد وصلت وبكل وضوح إلى من يهمه الأمر، الرسالة التي أكد فيها شعبنا بأنه مهما تعرض إلى القتل والخطف والظلم والإضطهاد وسلب حقوقه وأراضيه فأنه صامد كشعب حي وناشط يصر على ممارسة حقوقه ويحتفل بأعياده في أرض أباءه وأجداده... رسالة تكفي أن نفهمها من المواطن الكوردي البسيط الذي عبر بعفوية عن كوامنه الداخلية بحق الآشوريين في أن يكون لهم دولة وكيان خاصة بهم ولكن إذا كان سقف قول هذا المواطن البسيط عالياً جداً فأن سقف مطاليب شعبنا وأحزابه السياسية هي أقل منه بكثير، سقف يتحدد في هذه الأيام بضمان حقوقه القومية والدينية وصيانة كيانه القومي والقضاء على حالة التجاوزات  لأراضيه من قبل الغير وضمان الأمن والإستقرار فيها خاصة في سهل نينوى وإفساح المجال للقوات المسلحة التابعة لأحزابنا السياسية خاصة لوحدات حماية سهل نينوى (UNP) وعدم عرقلتهم في القيام بواجبهم القومي في ضمان الأمن والإستقرار في مناطقهم بعد تحريرها من منظمة داعش الإجرامية.

وإنطلاقاً من الأهمية القصوى لهذه المسيرة في هذه الأيام الصعبة وحسن تنظيمها وإستوعابها للألاف من المشاركين فيها فالحد الأدنى من الواجب القومي يقضي أن نوجه كل الشكر والتقدير للحركة الديموقراطية الآشورية التي تولت هذه المهمة الصعبة في التحضير لها وتنظيمها وإدارتها من جميع النواحي. ولكن ليكن معلوما لكل القراء وأولهم قادة زوعا وأعضاءها، فهذه الخطوة الجبارة لزوعا يجب أن لا تأخذ من باب المدح والإطناب بها بل هي مجرد خطوة نحو الأمام في مسيرة طويلة وصعبة ستكمل عمرها ألـ (38) بعد أيام تعتريها بعض من المطبات والعوائق والأخطاء والإنتكاسات والخطوات إلى الوراء فمن واجبنا القومي الصميمي أن نشير إليها وندرسها بشكل موضوعي حتى تتمكن من تجنبها في الخطوات اللاحقة لمسيرتها.  كما يقضي واجب الشكر والعرفان أن يُقدم لمحافظة دهوك ولبقية الهيئات الحكومية والعسكرية والحزبية التي سهلت أمر هذه المسيرة بقطع وتخصيص الطريق الخاص للمسيرة وتنظيم حركة سير المرور وضمان الأمن والسلامة سواء للمشاركين في المسيرة أو للمتفرجين أو في تنظيم المرور للمركبات التي أزدحمت في شوارع دهوك.

وأخيراً حتى أكون أميناً وصادقا في نقل رسالة من الشخصية القومية المعروفة عمانوئيل قليتا الذي كان له رغبة جامحة في الحضور والمشاركة في المسيرة كما كان عهده في السنوات السابقة إلا أن حالته الصحية الصعبة حالت دون ذلك فهو حملني رسالة التهنئة والتبريكات لكل المشاركين في المسيرة ولكل المحتفلين من أبناء شعبنا بهذا العيد التاريخي المقدس. نتمنى له كل الصحة والعافية ليكون معنا في مسيرة أكيتو لعام 6768. وكل أكيتو وأنتم بخير.   


 


الشخصية القومية المعروفة عمانوئيل قليتا مشاركاً مع أبناء شعبنا في مسيرة السنوات الماضية





22
 
أسباب تخلف الآشوريين... بين الأمس واليوم
=============================== 
أبرم شبيرا
الجهل:
-----
قبل ما يزيد عن قرن من الزمن شخًص البروفسور الشهيد آشور يوسف بيت هربوت (1858 – 1915) أسباب تخلف الآشوريين في مقالة رائعة نشرها عام 1914 في مجلته المعروفة بـ "المرشد الآثوري". وحددها حصراً في كلمة واحدة (الجهل). ثم بينً أسباب عديدة  كانت وراء هذا الجهل في مجتمعنا في تلك الفترة. طالع الموضوع على الرابط: (http://www.ankawa.com/forum/index.php/topic,831834.0.html)
ومن الطبيعي جداً وطبقاً لوعيه القومي وبأعتباره من رواد الفكر القومي الوحدوي في تلك الفترة لم تكن إشارة البرفسور الشهيد إلى  "الآشوريين" على أنهم أتباع كنيسة المشرق الآشورية فقط بل كان يقصد ضمناً أيضا السريان والكلدان بأعتبار جميعهم أبناء أمة واحدة. وبدون أي جهد يذكر في  قراءة المقالة نرى بأن نفس الأسباب "المئوية - القرنية" لازالت تفعل فعلها المؤثرة في مجتمعنا الحالي. وهنا من الضروري أن نعرف الغاية من كلمة الجهل التي أشار إليها البرفسور الشهيد حيث من المؤكد لم يقصد منها عدم العلم والمعرفة والثقافة والتعليم، كما هو معروف لدينا لأنه كان هناك وفي تلك الفترة خاصة في منطقته  (هربوت) وطور عبدين وماردين وأورمي وسهل نينوى العشرات بل المئات إن لم تكن الألوف من المثقفين والمتعلمين وأساتذة وكتاب وشعراء وبعضهم كانوا ذو شأن يذكر في مجتمعاتهم وبلدانهم، كما هو حال مجتمعنا في هذا العصر الذي نضيف إليه أيضا بلدان المهجر المتطورة، بل من خلال قراءة الأسباب التي ذكرها والتي أدت إلى جهل الآشوريين في تلك الفترة نستنتج وبسهولة بأن القصد من الجهل هو ضعف الوعي القومي وغياب المصلحة القومية وتمزق المجتمع إلى طوائف وملل وسيادة النفور والتناطح بينهم وإفتقارهم إلى الحد الأدنى من التفاهم والوحدة وطغيان المصلحة الخاصة والإنانية على المصلحة العامة وبالتالي عجزهم عن تحقيق الحد الإدنى من مطامحهم وحقوقهم القومية. واليوم، كالأمس على الرغم من وجود الألاف من المثقفين والمتعلمين والمبدعين والمفكرين في مجتمعنا فإنه لاتزال الأسباب التي ذكرها البرفسور الشهيد هي نفسها  سائدة وتفعل فعلها المؤثر في طغيان الجهل على مجتمعنا من ناحية ضعف الوعي القومي وغياب ثقافة الحوار المتمدن والتفاهم والتسامح  وقلة أو إنعدام تجارب التعامل الموضوعي مع  واقع عالمنا السياسي القومي وحتى الكنسي والجهل أو الضعف في فهم صيرورة حركة المجتمع من النواحي التي تتحكم في تطوره وتقدمه وبالتالي ضياع المصلحة القومية في متاهات المصلحة الخاصة والإنانية والغرور والتكبر. وقبل أن نخوض في معرفة نماذج من الجهل والممارسات والأسباب التي أدت وتؤدي إلى تأخر الآشوريين علينا أن نبين أنواع الجهل لتكون مدخلاً لفهم الجهل في عصرنا الحالي.
أنواع الجهل:
--------
عندما أطلعت على تصنيف علماء المنطق والإجتماع لأنواع الجهل وجدت إنطباق بعض جوانبها على مجتمعنا في العصر الحالي. فهم يصنفون الجهل إلى نوعين: الأول: وهو الجهل البسيط: الذي يعلم صاحبه ويعترف بجهله في شيء ما أو حالة معينة ولا يدعي بأنه قادر على معرفة خفايا الأمور ولا يخوض في المناقشات أو يقحم نفسه فيها فهو عالم بجهله أو عدم معرفته بالشيء أو المسألة وحتى أذا أقتحم نفسه في موضوع يجهله فهو سريع البديهية في الرجوع إلى الحق والمعرفة. وقلما نجد مثل هؤلاء الأشخاص في مجتمعنا.
الثاني: الجهل المركب: هو ذلك النوع من الجهل الذي يزعم الشخص ويظن بأنه عالم بكل الأمور وله قدرة فائقة ومعرفة في خفايا الأمور ويقحم نفسه فيها فهو لا يرى في نفسه عجزاً أو جهلاً بل يناقش حتى العلماء والإختصاصين في كل المسائل لأنه يعتقد هو العالم والنابغ الوحيد. وما أكثرهم في مجتمعنا الحالي. والحالة لا يستثنى منها زعماء وقادة أحزابنا السياسية وتنظياتنا القومية وكنائسنا فكلهم علماء وأختصاصيون في كل الأمور وأن تعيين المستشارين أو المختصين في مسألة او طلب أو الأخذة بمشورتهم هو تقليل من مكانتهم في المجتمع. لا بل وأكثر من هذا... بالله عليكم يا قراء الأعزاء هل شاهدتم يوما ما زعيم حزب سياسي أو قادته أو كبار رجال كنيستنا يحضرون محاضرة لأحد المثقفين أو المختصين في حقل ما من أبناء أمتنا؟؟؟ طبعاً مستحيل فهذا بالنسبة لهم عيب أن يحضورا ويستمعوا إلى محاضرة المثقف النابغ لأنهم أكثر علماً ومعرفة منه لذلك لا معنى لحضورهم للمحاضرة والإستفادة منها. هل سمعنا أو شاهدنا حضور العلمانيين من كبار المثقفين والمفكرين للمجاميع المقدسة لكنيستنا المشرقية بكل فروعها كمستشاريين لأعضاءها وأستفادوا من خبرتهم وعلمهم في الشؤون التاريخية والتراثية؟. هنا أتذكر ذات مرة وقبل سنوات عديدة فبينما كان أحد أساقفة كنيستنا يُحضر نفسه لحضور المجمع السنهادوسي لكنيسة المشرق الآشورية قلت له، سيدنا لي بعض المقترحات فأرجو أن توصلها إلى المجمع؟ فرد مندهشاً قائلآ: "أنتم العلمانيين القوميين أخذتوا كل شيء منًا ولم يبقى لنا إلا هذا المجمع السنهادوسي والآن تريدون أن تأخذوا هذا أيضا؟؟!!". 

والحال أسوء بالنسبة لأحزابنا السياسية وتنظيماتنا القومية. ففي هذه الأيام أنعقد المؤتمر الثامن للحركة الديموقراطية الآشورية (زوعا) وهو حدث تاريخي في عصرنا الحالي حضره 300 مندوب (سنأتي بالتفصيل عن هذا الحدث في مقالة لاحقة)، أفهل كان من بينهم أختصاصي أو أكاديمي في المسائل الحزبية والتنظيمية أو أستدعوا أحد أبناء أمتنا المختصين في هذه المسائل وأستفادوا من خبرته وعلمه، فالحقائق الواقعية تعطي الجواب الشافي ولا يستوجبها التفصيل. أتذكر قبل سنوات عديدة كنت في حديث مع قيادي لأحدى أحزابنا السياسية الآشورية عن المؤتمر الذي كان حزبه يتهياً لإنعقاده فكان يتهمني بأنني منحاز إلى زوعا وكثير الكلام والكتابة عنها فقلت له السبب في ذلك لأن لي معرفة عميقة بزوعا وبقادتها وإجتماعاتهم وهم يزودونني الكثير من أدبياتهم التي هي منبع دائم لمعلوماتي عنها فلماذا لا يكون حزبك مثلهم ولماذا لا تسمح لي لحضور مؤتمركم الحزبي وأستمد المعلومات عن حزبكم؟ تصور عزيزي القارئ ماذا كان جوابه: قال أنت جاسوس لزوعا فلو حضرت المؤتمر ستنقل إليهم المعلومات التي نتناولها في المؤتمر والقرارات المتخذة!!! وبعد فترة وجيزة عرفت بأن هذا الحزب عقد مؤتمره "العظيم" في مقهى وحضره 12 شخصاً فقط وطلعوا من المؤتمر كما يطلع الشخص من المولد بدون حمص، حسب المثل العراقي. 

نماذج في الجهل:
----------
صحيح هو أن كلمة "الجهل" قد تكون ثقيلة وغير مقبولة لنعت بعض من أبناء أمتنا خاصة المسؤولين والزعماء وقادة الأحزاب والتنظيمات القومية والكنسية، ولكن أعيد وأكرر ما ذكرته سابقا وذلك تجنباً لسوء الفهم، فالقصد بالجهل هنا ليس غياب العلم والمعرفة والثقافة والتعليم بل هو عجز عن فهم الواقع الموضوعي وضعف أو غياب الأساليب العلمية الصحيحة في التعامل مع واقعنا القومي والكنسي وبناء مؤسساتنا وتنظيماتنا وأحزابنا على واقع وأسس غير منطقية وهشة ومفتقدة لعوامل الإستمرار والنجاح والإتيان بنتائج مثمرة لمجتمعنا والتي تعكس بشكل أو بآخر نوع من الجهل المركب للقائمين على هذه المؤسسات والتنظيمات. وقد يكون هناك أسباب وراد هذا الجهل منها التزمت بموقف معين أو بفكرة مسبقة أو بضيق الأفق المحدد بمصالح خاصة ومحددة وتحزبية أو حتى بعدم معرفة الأصول والمبادئ الأساسية للعمل الجماعي والتفاوض والتباحث للوصول إلى نتائج ملموسة. فالنبدأ أولاً بالكنيسة كمؤسسة تاريخية حضارية مثالاً على ذلك. الكثير من أبناء شعبنا يتجاوزن في إنتقاداتهم إلى حدود الإعتراض والتهم عندما أشير في بعض كتاباتي إلى بطريرك كنيسة المشرق الآشورية بـ "البطريرك الآشوري" مدعين بأن هذا البطريرك ليس وحده بـ "الآشوري" فهناك بطاركة للكنيسة الكلدانية الكاثوليكية وللكنيسة السريانية الآرثوذكسية والكاثوليكية هم أيضا آشوريون فلماذا تحصر صفة الآشوري بواحد منهم؟ فهذا نموذج جيد للجهل بسبب التزمت الفكري المجبول بنزعات طائفية تطغي على الحقائق الواقعية التي تؤكد بأن لكل بطريرك تسمية رسمية ومعروفة لا تقبل غيرها بغنى عن الإنتماء القومي.

لماذا تفشل معظم المباحثات بين فروع كنيستنا المشرقية؟ الجواب: بسبب الجهل في معرفة أساليب وأصول التباحث والتفاوض والمجبولة بالطائفية والمصلحة الذاتية والشخصية وبملك الملوك "الكرسي". التفاوض علم وفن والدبلوماسية جزء منه. فعندما يذهب فريق للتفاوض مع فريق آخر يجب أن يحمل في حقيبته ثلاثة أصناف من الشروط. الأولى: هي الشروط التي يمكن التنازل عنها في الإجتماع. والثانية: هي شروط محكمة وملزمة ولا يمكن التنازل عنها بسهول إلا عبر تسوية بين الطرفين تحقق المصلحة المشتركة من التنازل. أما الثالثة: في الشروط المبدئية الأساسية التي لا يمكن التنازل عنها إطلاقاً لأنها مرتبطة بكينونة ووجود الفريق المفاوض وأي تنازل عنها يعتبر تهديداً خطيرا لوجوده وربما خيانة بنظر أتباعه. هذا من حيث مضمون الشروط أما من حيث شكلها أو طرحها فأن الشروط المسبقة لا يمكن أن تفتح باب التفاوض بين الفريقين لعقد إجتماع والوصول إلى نتيجة. فمثل هذه الشروط هي الشروط المفروضة من قبل المنتصر على الخاسر الذي لا يكون لهذا الأخير غير خيار الإستسلام وقبول الشروط المسبقة والخضوع للطرف الآخر المنتصر. وهناك أمثلة كثير في هذا السياق. فقبل أكثر من سنة، وتحديداً بعد إنتقال قداسة البطريرك مار دنخا الرابع إلى الأخدار السماوية، ظهرت أجواء مناسبة ومشجعة لإجراء حوار لتوحيد شقي كنيسة المشرق، كنيسة المشرق الآشورية والكنيسة الشرقية القديمة، فعرضت هذه الأخيرة بعض الشروط المسبقة للحوار التي تنم وبشكل مطلق وجلي بأنها ستكون مرفوضة من الطرف الآخر وهذا ما أكده غبطة المطربوليت مار ميلس زيا أثناء المؤتمر الصحفي عقب إنتخاب  قداسة مار كوركيس صليوا بطريركاً على كنيسة المشرق الآشورية عندما قال بشأن هذه الشروط بأنها مرفوضة جملة وتفصيلاً. هذا الجهل في معرفة أسلوب التفاوض وشروطه هي التي تسبب دائماٌ في غلق أبواب الحوار الناجح غلقاً محكماً تحول دون حتى التفكير في أعادة الحوار من أجل توحيد شقي الكنيسة.

والأمر لا يختلف عن الحوارات التي جرت بين كنيسة المشرق الآشورية والكنيسة الكلدانية الكاثوليكية. فعلى الرغم، للمثال لا الحصر، كان غبطة البطريرك مار لويس ساكو روفائيل كريماً جداً في تنازله عن الكثير من الشروط وحتى عن الكرسي البطريركي لصالح كنيسة المشرق الآشورية من أجل تحقيق الوحدة إلا أن كل هذا "الكرم" أصطدم بجدران صلد وهو شرط إنضمام كنيسة المشرق الآشورية إلى سلطة الفاتيكان والكل يعرف بأن إستقلالية كنيسة المشرق الآشورية أمر مرتبط بوجودها ولا يمكن تصور التنازل عنها لصالح الفاتيكان رغم كل المحاولات السابقة. وعلى الجانب الآخر هو نفس الشيء، فمهما أكدت كنيسة المشرق الآشورية على الجوانب الحضارية والقومية والتاريخية والطقسية المشتركة مع الكنيسة الكلدانية فإن كل الحوارات التي قامت على هذه الأسس أصطدمت أيضا في نهايتها بالجدران الصلدة للشراكة الهيكلية والإدارية للكنيسة الكلدانية مع الفاتيكان والتي هي أس الأساس لوجودها ككنيسة كاثولكية وبدونها ستفقد صفتها الكاثوليكية وكينونتها وبالتالي لا يمكن التصور التنازل عنها مهما كان للوحدة أهمية حاسمة في وجود وإستمرار كنيسة المشرق في موطنها الأصلي. كل هذا الجهل في معرفة أصول التباحث وشروطه لكلا الطرفين هو الأمر الحاسم الذي يزيد من صلادة الحدود وعلوي السدود بين فروع كنيسة المشرق لا بل ويزيد من تباعد بعضه عن البعض ويتعمق الفتور والإنعزال بينهما وتتوسع حالات الإحباط بين أبناء شعبنا لتفتح أبواب الهجرة مشرعة ويزيد من تفتت صخرة مار بطرس لتنبعث منها الرواح المشهية للوحوش المفترسة المحيطة بأبناء كنيستنا المشرقية لتلتهمه عاجلا أم آجلاً سواء أكانوا في أرض الوطن أم حتى في المهجر.
 
ومن الأمثلة الأكثر غرابة في هذا الشأن، أي في جهل رجال الكنيسة في العراق بهذه الأمور التنظيمية هو مجلس الطوائف المسيحية في العراق وإنضمام كنيستنا المشرقية بكل فروعها إلى هذا المجلس. في الأونة الأخيرة كثر الحديث والإنتقادات عن إنسحاب الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية من هذا المجلس لأسباب لا شأن لنا بها هنا، ولكن نعتقد بأن هذا الإنسحاب كان تصحيحاً متأخراً لخطأ نشأ عند تأسيس المجلس فكان من المفترض على كنائسنا المشرقية ومنها الكلدانية أن ترفضه منذ البداية لأنه مجلس قائم على أسس لا تفرق بين الطائفة والكنيسة. فالكنيسة إضافة إلى جانبها الديني والإيماني فهي مؤسسة رسولية عريقة حضارية تراثية  مرتبطة وبعمق بأرضها التاريخية. أما الطائفة فهي مجموعة طارئة تؤمن بمبادئ ومعتقدات مسيحية لا تمتلك الصفة الرسولية والتراثية. من هذا المنطلق كان يجب أن يكون هذا المجلس بأسم "مجلس الكنائس المسيحية في العراق" ولكن الجهل المحفوف بنزعات طائفية دخيلة هي التي حجبت الحقيقة عن أعضاء هذا المجلس.

أما الحديث عن جهل أحزابنا السياسية وتنظيماتنا القومية فهو طويل وبدون حرج. إبتداءاً بالأتحاد الآشوري العالمي (خويادا) الذي يعتبر نموذجاً رائعاً في التنظيم الفدرالي، أو كما نسميه في بعض الأحيان بـ "المظلة" لأحزابنا وتنظيماتنا القومية. فبسبب سوء الإدارة والجهل بالواقع الموضوعي لوجود أمتنا والإنتماءات التي تفعل فعلها في تمزيقها تحول شيئاً فشياً إلى مجرد مجموعة أشخاص أو عصبة عائدة لمجموعة معينة تطل برأسها من حين لأخر بإصدار توضيح أو ببيان إستنكاري أو إستذكاري لا بل حتى طار من بالهم تاريخ تأسيس الإتحاد الذي كان يجب أن يكون مناسبة للقيام بأحتفال سياسي وثقافي وإجتماعي يُذكر أبناء أمتنا بوجوده فأصبح حاله لا يختلف أبداً عن غيره من الأحزاب التي تبحث هنا وهناك عن "مظلة" تحتمي تحتها لعل تقي نفسها من الإنقراض. وأمر الجهل في العمل القومي والسياسي لا ينتهي بالممارسة والأسلوب لا بل وحتى بالتعابير والتسميات. لنأخذ مثلاً "تجمع التنظيمات السياسية الكلدانية السريانية الآشورية" فعلى الرغم من جملة العيوب والخروق التي تكتنفه، فلنا له ولأعضاءه كل الأحترام لأنه كما يقول المثل (أحسن من لا شيء) كما ولا يزال صامتاً في شكله وأسمه أمام كل الرياح العاتية المهلكة إلا أنه من جهة أخرى يظهر بأن أعضاءه لا يقرأون أبداً ولا يكترثون لأي ملاحظة أو مقترح في تطويره مما يدل على إصرارهم في جهلهم المطبق حول التحالفات والإتفاقيات السياسية والقومية الصحيحة والمطلوبة في العمل السياسي الناجع. ففي وقت ما قدمنا العديد من المقترحات الموضوعية والعلمية لتطويره ووضعه على المسار الصحيح حتى يتمكن من تحقيق على الأقل من بعض أهدافه ويتجاوز حدود التصريحات الورقية وينزل إلى أرض الواقع. منها على سبيل المثال تغيير تسمية (التجمع) إلى جبهة أو تحالف أو إتحاد ليكون مثلاً (إتحاد التنظيمات....) لأن تسمية التجمع ليس لها دلالات سياسية دائمة بل تدل على ظاهرة إجتماعية مؤقتة. كما أقترحنا تغيير أسم التنظيمات السياسية إلى التنظيمات القومية لتكون، أولاً، هذه التسمية إنعكاساً للوحدة القومية التي تجمع التسميات الكلدانية والسريانية والآشورية، وثانيا، لربما ينتمي إليها تنظيمات قومية غير سياسية مثل الجمعيات والأندية. هذا من حيث الشكل، أما من حيث المضمون الذي كان ولا يزال "بلوة البلاوي" في عجزه وتعثره في مسيرته نحو تحقيق الحد الأدنى من المطالب، هو الجهل المطبق أو التجاهل المقصود في معرفة كل عضو حجمه الحقيقي ودوره ومسؤولياته ووجباته وإلتزاماته وحقوقه. أنه من الطبيعي جداً أن تقوم هذه التحالفات بين أعضاء غير متساويين في حجمهم وهيكلهم وأعضاءهم وجماهيرهم وسعة إنتشارهم ونشاطهم، ففي هذا التجمع أعضاء "كبار" – مع التحفظ لهذه الكلمة غير المقصورة-  في حجمهم وأعضاءهم وجماهيرهم ونشاطهم وإنتشارهم إلى جانب أعضاء "صغار" – مع التحفظ لهذه الكلمة غير المقصودة – في حجمهم وأعضاءهم وجماهيرهم ونشاطهم وإنتشارهم فلا يمكن أطلاقاً لا موضوعياً ولا منطقياً أن تكون المسؤوليات والواجبات والإلتزامات والحقوق متساوية، وهذا الأمر هو الذي يجهله أو يتجاهله أعضاء التجمع وبالتالي كل خطواته ستكون عرجاء ولا تتجاوز حدود الورق لتسير على أرض الواقع. لماذا هذا التجاهل أو الجهل؟ لأن بعض قادة التنظيمات المشاركة في التجمع يعتقدون بأنهم أكثر دهاء وفطنة وذكاءاً في المسائل السياسية من ماركس ولينين وجيفرسون ونلسون مانديلا وهوشي منه فهم يعتقدون بأنه عيب عليهم أن يستمعون إلى "الثرثاريين" و "المخربين" وقد أكون أنا واحد منهم في نظر البعض. وهنا سوف لا أنهي هذا الموضوع حول التجمع إلا أن أقول بأنني حاولت محاولة متعبة وبتفكير عميق أن أفهم صرخة رابي روميو هيكاري السكرتير العام لحزب بيت نهرين الديموقراطي منادياً مستصرخاً ضمير القيادات الحزبية ويدعوها إلى التوحيد، كما جاء في مقال الصديق العزيز أوشانا نيسان بخصوص هذا الموضوع، في الوقت الذي ترك رابي روميو هيكاري تجمع التنظيمات السياسية الكلدانية السريانية الآشورية وأصبح في خارجه وفي نفس الوقت هو ينادي بالتوحد، غير أن أفهم هذه الحالة عبر مضمون هذا الموضوع في الجهل والتجاهل في العمل السياسي القومي الصحيح والموضوعي والواقعي.

وهنا أرغب أن أزيد القارئ معرفة أخرى في جهل وتجاهل بعض من أحزابنا السياسية ليس في عملهم وأسلوبهم السياسي بل حتى في التسمية أو الشعارات التي يرفعونها. فمثلا، وليس للحصر، نأخذ حزب تحرير آشور فهو يرفع شعار "من أجل وطن آشور حراً ومستقلاً" وهذا جيد جداً لأنه حلم كل آشوري في العالم ولكن التساؤل هو ما الفرق بين "حراً" و "ومستقلاً" بالله عليكم يا قراء الأعزاء هل هناك فرقاً بينهما؟ فالحر هو المستقل والمستقل هو الحر فلكلاهما معنى واحد. فلا يمكن أن يكون الوطن أو الفرد حراً ما لم يكن مستقلاً وليس هما إلا إطناب حول حالة واحدة. كان قبل سنوات عديدة ألتقيت بأحد أعضاء الحزب في السويد فذكرت له هذا التشابه في الكلمتين فأقترحت له بأن يكون الشعار "من أجل وطن آشور موحداً وحراً – أو مستقلا" لأن وطن آشور مجزء بين عدة دول ولكي يكون حراً أو مستقلاً يستوجب توحيد أجزاءه قبل ذلك... ولكن هل هناك مستيجب بعد هذه السنوات الطويلة؟؟. وأريد أن اختم هذا الموضوع بمثال آخر في قمة الجهل والتجاهل في المسائل القومية والسياسية. هناك في هذه الأيام وفي بلدان المهجر عدد من أبناء أمتنا يدعون إلى تأسيس برلمان آشوري عالمي أو جماعة ضغط (لوبي) أو حكومة آشورية في المنفى من دون أن يعرفوا بأن تأسيس مثل هذه الكيانات ونحاجها يجب وبالضرورة أن ترتبط بالأحزاب السياسية والتنظيمات القومية في الوطن أو تتواصل معها أو تتعاون معها وأن يكون لها خطاب سياسي قومي موحد، ولكن هم في وادي وأحزابنا السياسية في الوطن في وادي آخر وبيهم جبال من الجهل في العمل السياسي القومي الصحيح.

وأخير هناك العشرات من الأسئلة والمطالب التي يطرحها أبناء شعبنا عن سبب عدم توحد أو تعاون أحزابنا السياسية نحو توحيد الخطاب السياسي والعمل المشترك لتحقيق الحد المطلوب من حقوقنا المشروعة في أرضنا التاريخية ولماذا لا تستطيع فروع كنيستنا المشرقية عن التفاهم والتقارب... فمن يبحث عن جواب على هذه الأسئلة فأنه سيجده في هذا المقال.

                     

23
مفاجأة سارة جدا:
نجاح محاولات التوحيد بين الحركة الديموقراطية الآشورية وكيان أبناء النهرين ؟؟!!
================================================
أبرم شبيرا

أنها فعلا مفاجأة سارة ... بل سارة جداً، لأنه لأول مرة في تاريخنا القومي القديم والوسيط والحديث نستقبل مثل هذه المفاجأت السارة والمفرحة للقلوب والعقول. ولا أعتقد بأن أحد من أبناء امتنا الغيارى لا تبهجه مثل هذه المفاجأت ولكن بالمقابل نقول بأنها مفاجأة مفجعة ومأساوية بالنسبة للأبليس وأخوانه ويهوذا الإسخريوطي وأحفاده. بمجرة نظرة بسيطة إلى الصفحات المطولة لتاريخنا نجد بأن القاسم المشترك بينهم هو الإنشقاق وتمزق جسم امتنا والتمرد عليها والتشرد في زوايا للعالم الأربعة. ولكن في هذه الأيام العصيبة وبين هذه الإرهاصات المدمرة لأمتنا ظهر رجال شجعان من الحركة الديموقراطية الآشورية وكيان أبناء النهرين ليقولوا وبصوت صارخ متحدين قرون طويلة من تاريخنا المأساوي: كفى ... ثم كفى إنشقاقات في كيان أمتنا العظيمة فاتحين صدورهم أمام كل التحديات وعواصف الرياح الصفراء واقفين بصلادة وإصرار على الشروع لوقف نزيف الإنشقاقات التي تفعل فعلها المدمر في أمتنا رافعين رايات أبطالنا التاريخيين شعاراً لهم في الوحدة والقوة كسبيل لإستمرار مسيرة حركتنا القومية نحو تحقيق أهدافها المشروعة وليزرعوا فرحة في قلوب أبناء أمتنا تتمازج مع أفراح عيد الأول من نيسان القادم. أفلا تستحق أبناء هذه الأمة العظيمة فرحة واحدة في هذا الزمن القاسي؟ بلى والله بلى.

هذه الوقفة التاريخية البطولية لم تكن وليدة صدفة بل هي نتاج لمواقف وأفكار أبطال زوعا والكيان، مواقف تاريخية لم نشاهد مثيلاً لها في الحياة السياسية، لا في أمتنا ولا في الأمم الأخرى. فعندما غادر بعض من أبناء زوعا وشكلوا كيان خاصة بهم لم تكن هذه المغادرة لا فكرية ولا منهجية ولا سياسية بل مجرد تحول من موقع تنظيمي إلى موقع تنظيمي آخر، إنتقال من غرفة إلى غرفة ضمن حدود نفس البيت الأبوي الذي شيد قبل ما يقارب أربعة عقود، البيت الذي شيد بسواعد أبناء أمتنا الغيارى وجبلت جدرانه بدماء شهداءنا الأبرار. أي لم تكن مغادرة فكرية ومنهجية وسياسية بل مجرد شكل من أشكال الإختلاف الإداري والتنظيمي. وهذا ما أكده كيان أبناء النهرين في أحدى بياناته عندما يقول (لقد اخترنا وبقناعة تامة وبثقة.. ان نتواصل فيما اعلناه منذ انطلاقتنا، ولكننا نؤكد مرة اخرى بأن فكر ونهج زوعا سيبقى الحاضنة الفكرية لنا.. وملجأنا ومرجعيتنا مهما كانت الظروف، وليس بمقدور كائنا من كان ان يسلخ عنا هذه القناعة، وسنبذل وكما عاهدنا شهدائنا الخالدين ووعدنا رفاقنا وجماهير شعبنا كل جهدنا من أجل الامة والدفاع عن كامل حقوقها المشروعة)
وبالمقابل لم يكن قادة الحركة الديموقراطية الآشورية أقل كرماً ووعياً في إدراك مأساوية الظروف التي تحيط بأبناء أمتنا في هذه الأيام العصيبة فأصدر مكتبها السياسي بياناً جاء فيه: (...انطلاقا من حساسية المرحلة والظرف الدقيق والمنعطف الخطير الذي يمر به شعبنا، ومن اجل المزيد من التلاحم وتقوية الصف الداخلي لحركتنا المقبلة على مؤتمرها قريبا، فان اللجنة المركزية في اجتماعها الاخير اكدت على اتاحة الفرصة امام أعضاء الحركة السابقين ممن اضطرتهم الظروف الذاتية والموضوعية للابتعاد والعزوف عن العمل التنظيمي او الذين اتخذت بحقهم إجراءات تنظيمية، للعودة والتواصل في صفوف التنظيم لتعضيد المسيرة النضالية من اجل اهدافنا المشتركة). نعم... أقولها وبكل ثقة ودقة بأنه إستناداً إلى خلفيتي الأكاديمية البسيطة في العلوم السياسية وتحديداً الأنظمة الحزبية لم أقرأ ولم أسمع طيلة حياتي مثل هذا الكرم الحزبي والتسامح السياسي لا في أحزابنا القومية ولا في الأحزاب العراقية ولا حتى في أحزاب الكثير من دول العالم. فالإستثنائية الفريدة لهذا البيان تمثلت في سعة إنفتاح الأبواب أمام المغادرين للعودة إلى البيت الأبوي من دون قيد وشرط. أي بهذا المعنى، فحتى الذين كانوا ليل نهار يشتمون ويلعون زوعا وقيادتها فأن لهم الحق أن يعودوا ويحضروا المؤتمر القادم... فبهذا فعلاً أثبتوا بأنهم مؤمنين مسيحيين من الدرجة الأولى لأنه يظهر بأنهم قرأوا الإنجيل المقدس بشكل جيد ومارسوا الإصحاح 5: 39 من إنجيل متى عندما ذكر ربنا يسوع المسيح (له المجد) وقال: ((سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ: عَيْنٌ بِعَيْنٍ وَسِنٌّ بِسِنٍّ. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: لاَ تُقَاوِمُوا الشَّرَّ، بَلْ مَنْ لَطَمَكَ عَلَى خَدِّكَ الأَيْمَنِ فَحَوِّلْ لَهُ الآخَرَ أَيْضًا. وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُخَاصِمَكَ وَيَأْخُذَ ثَوْبَكَ فَاتْرُكْ لَهُ الرِّدَاءَ أَيْضًا. وَمَنْ سَخَّرَكَ مِيلاً وَاحِدًا فَاذْهَبْ مَعَهُ اثْنَيْنِ )) . ويجب أن لا ننسى أيضاً بأننا في زمن الصوم وهو زمن المصالحة والتسامح، فمن هذا الإيمان القويم شرع الطرفين بتحقيق الحلم في الوحدة بينهما.
إذن اين المشكلة طالما الفكر والنهج والسياسة والجذور والمرجعية والشهداء والقناعات كلها واحدة بين الطرفين فبهذه السهولة وبعمق التفكير ووضع المصلحة العامة القومية فوق جميع الإعتبارات تحققت الوحدة بين الطرفين ورجعت المياه الصافية إلى مجاريها والكل مبتهجين فرحين وهم ذاهبون إلى المؤتمر الثامن لزوعا متهيئين بالتمام والكمال لإحتفالات عيد الأول من النيسان، عيد التلاحم والوحدة والمصالحة والتسامح... بارك الله فيكم جميعاً على هذه البشرى السارة التي قدمتموها هدية رائعة لأبناء أمتنا المناضلة محفوفة بحزمات من الفرح والسرور والبهجة... أنها فعلاً مفاجأة تاريخية يصعب تصديقها. فحتى الأكثرية التي رأت بأن محاولات التوحيد بين الطرفين سوف لا تنجح حسب إستفتاء الذي أجراها موقع عنكاوه الموقع لم تصمد وتتحقق أمام هذه المفاجأة التاريخية المثيرة للعقول والقولب... ... أنها عاصفة هوجاء في ساحتنا السياسية القومية يصعب تحملها من شدة بريقها المضي لمسيرة حركتنا القومية... أنها بركان الفرح والبهجة لكل المخلصين من أبناء أمتنا... لا بل  أنها زلزال قوي هز صفحات تاريخنا القومي الطويل ونفض منها تراب الإنشقاقات والحقد والكراهية ... فعلاً أنها زلزال هزت الأرض وبمن عليها ... يا إلهي.. زلزال حقيقي حتى أنه هز كل كياني وأفكاري وأيضا هز جسدي هزات قوية متواصلة ومن الكتف إلى الكتف الآخر مقرونة بصدى صوت مرتبك ومتقطع... وإذ بحفيدي الصغير جوزيف يهز جسمي ويصرح: جدو.. جدو... أنهض أستقيظ من النوم لقد تأخرت عن العمل.. فلم أهتم بتحذيراته المتكررة وأنا مستمتع بحلمي الجميل والمفرح فأستنجد بأخته الأكبر منه لتساعده في التشديد من قوة هز جسمي وإجباري على النهوض من فراش النوم فأستلمت لهم ونهضت وكأنني راجع من حفلة عرس كبيرة ملئية بالإفراح والإتراح ثم فكرت مع نفسي وقلت يجب أن لا أكون أنانياً فواجبي "القومي" وتحقيقاً للمصحلة العامة والمنفعة الشاملة يجب عليً أن أعرض هذا الحلم الجميل على القراء حتى هم أيضا يستمتعون به وأن كانوا يستحقوق أكثر من هذا الحلم... يستحقوق أن يتحقق مثل هذا الحلم الجميل في واقع جميل ... ولكن، كما قلنا سابقا، من يستطيع تحقيق الأحلام الجميلة لأمة ما غير أبطالها ... ونحن نعرف في كل أمم العالم لهم أبطال قوميين أفهل لنا أبطال يستطعيون تحقيق مثل هذه الأحلام القومية الجميلة؟؟ 

 

24
استفتاء من موقع عنكاوا كوم

بتاريخ 18 شباط 2017 نشرنا خبر عاجل عن لجنة ثلاثية تسعى لحل الخلافات بين الحركة الديموقراطية الآشورية وكيان أبناء النهرين. فهل تعتقد بأن هذه المساعي ستنجح وتأتي بثمار لعودة كيان أبناء النهرين إلى صفوف الحركة الديموقراطية الآشورية؟

ادارة موقع عنكاوا كوم


---------------------------------------------------------------------------------
نص الخبر

عاجـــــل: لجنة ثلاثية تسعى لحل الخلافات بين الحركة الديموقراطية الآشورية وكيان ابناء النهرين
في 18/02/2017
أضواء على مساعي  لحل الخلافات في مسيرة الحركة الديموقراطية الآشورية

لجنة التنسيق

نتيجة للظروف المأساوية التي تمر بها أمتنا في هذه الأيام  وإستجابة لمطلب الكثير من أبناء شعبنا وتحديداً المهتمين بالشأن القومي في ترتيب لقاء بين قيادتي الحركة الديموقراطية الآشورية وأبناء النهرين لغرض أزالة العوائق والخلافات التي أعترت مسيرة الحركة خلال السنوات الماضية تم تشكيل لجنة ثلاثية للتنسيق بينهما وإجراء الإتصالات التي أثمرت عن تشكيل لجنة ثلاثية من كل طرف.

وبعد إتصالات مثمرة عقد الاجتماع الأول في يوم الجمعة بتاريخ 17 شباط 2017 في مقر الحركة الديموقراطية الأشورية في أربيل فكان فعلا إجتماعا ساد فيه جو من التفاهم والصراحة والإصرار على الوصول إلى نتيجة مثمرة.

 فتم الإتفاق على وضع ثوابت مبدئية لأزالة الخلافات والتي من المقرر مناقشتها وإقرارها في الإجتماع  القادم ولنا كل الثقة بأن قياديي الطرفين هم على مستوى عالي من المسؤولية للوصول إلى نتائج مرضية لأبناء شعبنا لتتعزز ثقة شعبنا في مسيرة حركتنا القومية.
 
ثلاثة من قيادة زوعا وثلاثة من قيادة أبناء النهرين مع ثلاثة من لجنة التنسيق متكاتفين واثيقين من أستمرار نضال الحركة الديموقراطية الآشورية على طريق الوحدة والتضامن.




25


العمل  السياسي القومي الآشوري  -  نظرة مقارنة بين الوطن والمهجر
=======================================
أبرم شبيرا
ملاحظتان:
-------
الأولى: هذا الموضوع كتب قبل إنهيار النظام البعثي في العراق عام 2003 حيث كانت التسمية الآشورية هي وحدها الطاغية على العمل السياسي القومي ولم يكن للتسميات الأخرى الكلدانية والسريانية مكاناً او تأثيراً في العمل القومي السياسي الخاص بأمتنا وبالتالي لم تذكر في الموضوع وذلك تماشياً وإحتراماً لتوجهات ومواقف الكلدان والسريان، خاصة مواقف الكنيسة من تجنب مؤمنيها من التدخل في المسائل القومية السياسية، ومجارات الحركة القومية الآشورية.
الثانية: الأستاذ شيبا مندو رئيس المجلس القومي الآشوري في إلينوي – شيكاغو سيلقي محاضرة في النادي الثقافي الآشوري في عنكاوة مساء يوم السبت المصادف 18 شباط 2017 وبعنوان )العمل القومي بين الوطن والمهجر – نظرة مقارنة( وسأشاركه بتقديم أولي يكون هذا الموضوع الإطار النظري الذي يفسر نشاط هذا المجلس ونجاحه في خدمة المجتمع في ولاية ألينوي بإعتباره من أنجح المؤسسات القومية في بلدان المهجر. فجاء إعادة نشر لجزء من هذا الموضوع (وهو بحث طويل متكون من عشرات الصفحات)  مع تغييرات طفيفة كمقدمة أولية وأسلوب لتوفير الوقت الأكبر للإستاذ شيبا مندو للإسهاب في توضيح معالم ونشاطات هذا المجلس.   

أولا: ظاهرة اغتراب العمل القومي في المهجر:
--------------------------
 مفهوم الاغتراب الوارد في هذا الموضوع ليس القصد منه ترك الوطن والهجرة إلى الخارج فحسب بل يعني النتائج التي تترتب من جراء هذه الهجرة على مستويات اجتماعية وفكرية وثقافية ونفسية. أي أن هذا المفهوم لا يتناول مسألة انتقال جسم الإنسان، إن صح التعبير، من مكان إلى مكان آخر مختلف وإنما يتناول الحالة الذهنية التي تترتب من جراء هذا الانتقال، وهو موضوع فلسفي عميق لا نريد التطرق إليه بإسهاب أكثر مما يفيد بعض تطبيقاته على الواقع الآشوري في المهجر وتأثيرات الاغتراب على العمل القومي.

أن ترك الوطن والهجرة إلى الخارج يعني تجرد الفرد واقعياً وموضوعياً من الرابطة اليومية والحياتية التي تربطه بالوطن ويعني أيضاً الكف عن العيش في العالم الواقعي لهذا الوطن والبدء بالانتقال إلى واقع أخر بعيد عنه يصبح هو عالمه الواقعي الذي يعيش حياته ويمارس نشاطه فيه. أي بهذا المعنى أصبح له واقع جديد آخر، إن لم نقل وطن آخر بكل ما تعنيه هذه الكلمة من التزامات قانونية وسياسية يختلف كلياً أو جزئياً عن الواقع أو الوطن السابق من نواحي عديدة ومختلفة. أن الذي يهمنا هنا هو القول بأن الابتعاد عن الوطن أو "آشور" أو "بيت نهرين" قد نقل هذا الوطن من عالم الواقع والموضوع إلى عالم معنوي وذاتي أو فكري غير موضوعي أو واقعي أو حقيقي للمشتغلين بالمسائل القومية في المهجر. في حين نرى بأن "آشور"، أي الوطن هو المحور الأساسي لمعظم نشاطاتهم القومية في الوقت الذي يعيش هؤلاء ويعملون في واقع آخر يبتعد عن، "آشور" أو "بيت نهرين" آلاف الأميال. فهذا الاغتراب، أي وجود الموضوع أو الواقع في مكان والنشاط الخاصة به في مكان آخر، هو الذي أدى إلى أن يكون "آشور" محوراً روحياً لهم وليس واقعياً وهو المحور الذي أدى بالنتيجة إلى سيادة وهيمنة الطابع الرومانسي والخيالي والطقســي على العمل القومي في المهجر ومن ثم ابتعاده عن الواقعية وعن إمكانية تحقيق المهمات التي أصبحت مستحيلة ضمن هذا الإغتراب. فإذا كان بقاء واستمرار "بيت نهرين" كمحور روحي للعقل والنشاط في المهجر هو ظاهرة إيجابية لها دلالات تؤكد امتلاك الآشوريين لعنصر " الأرض "، سواء أكان واقعياً أو روحياً، كمقوم من مقومات الوجود القومي أينما كان ذلك سواء على هذه الأرض أم بعيدين عنها، وهي الظاهرة التي يستوجب ترسيخها وزرعها وعلى الدوام في أبناء المجتمع الآشوري وفي أطفالهم، فأن الجانب السلبي المرتبط بهذا العنصر يتمثل في جـر وسحب هذا المحور الروحي ومحاولة نقله أو إنزاله إلى واقع أخر مختلف كلياً ومن ثم بناء عليه، وهو مجرد عنصر روحي ومعنوي بالنسبة لهم في المهجر، نشاطهم القومي والذي يؤدي بالنتيجة إلى اكتساب هذا العمل طابعاً خيالياً رومانسياً بعيداً عن الواقع  العملي الذي يعيشون فيه ومن ثم عدم اتساقه معه أو انتظامه بشكل يتناسب مع طموحات أو أنماط تفكير أبناء المجتمع في المهجر. لهذا السبب نرى بأن معظم الأحزاب السياسية العاملة في المهجر قد فشلت في أن تخطو خطوة واحدة نحو أهدافها المعلنة في نظامها الداخلي. من هنا يستوجب تعديل موازين العمل القومي في المهجر بحيث يبقي على "بيت نهرين" محوراً روحياً معززاً بين الكبار والصغار من جهة، وأن يجعل من الواقع الاجتماعي في المهجر بكل أمراضه العشائرية والطائفية والانانية والتحزبية والمصلحية والاخلاقية محوراً واقعياً ومنطقياً للعمل القومي من جهة أخرى، أي بهذا المعنى سنكون إزاء ممارسة سياسية حقيقية واقعية لا رومانسية خيالية. وإذا حاولنا قياس أو معرفة الجانب السياسي والواقعي لهذه الممارسة يستوجب عليها فهمها وفق مفهوم السياسة.

ثانيا: مفهوم السياسة:
-------------
أكثر المفاهيم شيوعاً عن السياسة هي أثنان:
1 - السياسة هي فن الممكن : فالمقصود بالممكن هنا هو الحقيقة أو الموضوع الموجود في الواقع الممكن تلمسه وتحسسه موضوعياً وماديا، أي بهذا المقصد فأن أرض الوطن هي جوهر هذا الوجود في السياسة . أما المقصود بالفن هنا فالمراد به هو قدرة التعامل مع هذا الواقع أو الموضوع بهدف تحقيق الأهداف. فبالنسبة للعمل القومي الآشوري في المهجر، فإذا كان موضوعه أو واقعه كائن في "آشور" والتعامل لا يتم معه وإنما في واقع آخر بعيد عنه حينذاك نكون إزاء عمل لا يمكن أن نطلق عليه واقعياً ولا علمياً بالعمل السياسي طالما هو عمل عقيم لا يملك مقومات إنتاج نتائج أو تحقيق أهداف على الواقع البعيد عنه.

2 - السياسة هي ديموغرافيا على جغرافيا : المقصود بالديموغرافيا الشعب أو السكان وبالجغرافيا الأرض أو الوطن. والإنسان لا يتواجد على الأرض أو في الوطن بحالة استاتيكة جامدة وإنما يمارس نشاطات معين فيه تخص الوطن أو الواقع الذي ينتمي إليه ويرتبط به. لهذا فأن المقصود بـ "على" هو فوق، أي وجود الإنسان فوق الأرض أو في الوطن بكل ما يعنيه هذا الوجود من نشاطات مختلفة الجوانب ومتعددة الأهداف. فوفق هذا المفهوم للسياسة نقول طالما الشعب أو السكان، أي الآشوريون المتواجدون في المهجر، هم على أرض غير أرض "آشور"، وأن هذا الأخير في مكان يبتعد عنهم مئات أو آلاف الأميال ويشكل في الحقيقة محوراً روحياً أساسياً لنشاطهم الذي يمارس على أرض أخرى غير الأرض المستهدفة من نشاطهم، فأن كل نشاطاتهم بهذا الخصوص تبقى بالدرجة الأولى وبشكلها العام غير واقعية في هذا السياق، أي لا يمكن التحقق منها ولا تستطيع تحقيق حتى الحد الأدنى من أهدافها لهذا السبب تظل المؤسسات السياسية من أحزاب ومنظمات تدور في دائرة مفرغة لا طائل أو نتيجة حقيقية تفيد "آشور" من العويل والصراخ ورفع الشعارات البراقة ومن ثم انسراح العمل القومي في عالم الخيال .

على العكس مما تقدم ، فلو أتخذ الآشوريون في المهجر من واقعهم محوراً حقيقيا وماديا لعملهم القومي وحافظوا على "آشور" محوراً روحياً في مكانه مستلهما لهم ولمعنوياتهم وأفكارهم ومن دون سحب هذا المحور ونقله إلى واقع عملهم، الذي هو أمراً مستحيلاً، لتحول نشاطهم القومي إلى سياسة حقيقية مثمرة قابلة لتحقيق أهداف على الواقع الذي يمارس فيه هذا النشاط . وبشكل أوضح، فبدلا من انشغال هذه الأحزاب والمنظمات وتضيع جهودها وأموالها في "تحرير آشور" أو المطالبة بالحكم الذاتي للآشوريين في وطنهم التاريخي عليهم توجيه كل هذه النشاطات والجهود إلى واقعهم في المهجر واستهداف أمراض المجتمع الآشوري فيه وتقوية مقومات وجوده وهي الأهداف التي يمكن تحقيقها وبيسر فيما لم تم تقويم العمل القومي ووضع ومورس في واقعه الحقيقي. وهذا أيضاً هو الذي يجعل من العمل القومي في المهجر أن لا يكون قاصراً على السياسة فحسب بل يشمل وبدرجة أكثر أهمية الجوانب الأخرى من اجتماعية وثقافية وفكرية وحتى اقتصادية ودينية، وهذا أيضا هو الذي يجعل الأندية الاجتماعية والمؤسسات غير "السياسية" والكنائس واللجان التابعة لها أكثر نشاطاً وتحقيقاً لأهدافها والمجلس القومي الآشوري في إلينوي نموذج ساطع في هذا السياق.
 
ثالثاً: واقعية العمل القومي في الوطن :
----------------------
غير ان الأمر ليس كذلك قطعاً في وطن الأم ، فإذا كان "بيت نهرين" محوراً روحياً ومعنوياً للآشوريين في المهجر فأنه ليس كذلك وحسب بالنسبة للآشوريين الصامدين فيه  بل هو، إضافة إلى كونه بعداً تاريخياً وحضارياً، فهو أيضاً يعتبر وبالدرجة الأولى محوراً واقعياً لفكرهم ونشاطهم والأساس المادي الذي يرتكز عليه عملهم القومي والذي يلتصق به ويندمج معه من دون أن يترك فسحة للانسراح  في عالم الخيال والرومانسية. من هنا يكتسب واقعية ومنطقية يتناسق مع واقعية هذا المحور وبالتالي يكون عملاً قومياً سياسياً قابلاً لتحقيق المفيد والملموس لهذه الأمة وبالنتيجة تكتسب مؤسساتهم وأحزابهم قبولاً واحتراماً لكونها مؤسسات وأحزاب قادرة على تجسيد شيئاً على أرض الواقع من ما تقوله أو تعلنه في شعاراتها القومية والسياسية، وهي المؤسسات التي يحق لنا أن نقول بأنها تمارس السياسة في نشاطها القومي طالما أنطبق عليها مفهوم السياسة في كونها ديموغرافيا على جغرافيا وبالتالي وجود إمكانية ممارسة الشعب لنشاطه على أرض الوطن المعبر عن كيانه وهويته القومية، وهي مسائل لا يستوجبها التفصيل لأن واقعية العمل القومي في أرض الوطن وقدرته على تحقيق بعض النتائج والأهداف أمر يمكن تلمسه. ولكن مع كل هذه الواقعية في العمل القومي وإمكانية تحقيق بعض الأهداف فأن للعوامل الخارجية المؤثرة والحاسمة والتحديات الخطيرة دوراً كبيراً في التأثير على هذا العمل في مدى إمكانية هذه الأحزاب من تحقيق بعض الأهداف أو تعثرها، وهذا ما نشاهده في أيامنا هذه في أرض الوطن.

رابعاً: ترابط المحورين الروحي والواقعي في العمل القومي :
---------------------------------
 من الضروري جداً الانتباه عندما اعتبرنا " بيت نهرين " محوراً روحياً ورفضنا سحبه إلى الواقع القائم في المهجر ليكون واقع العمل القومي هناك، وكذلك عندما اعتبرنا نفس "بيت نهرين "محوراً واقعياً لأبناء الوطن ومن ثم بناء أسس عملهم القومي على هذا المحور، من الضروري أن لا نتوهم بأن هناك انفصال وانقطاع بين المحورين وبين الأسلوبين في العمل القومي، فالروح لا يمكن أن تنقطع أو تنفصل عن الواقع بل تظل مرتبطة به تمثل الجانب الميتافيزقي لواقعية الحياة، وهي مسألة فلسفية تتصارع حولها المدارس الفكرية في المادية والمثالية ولا نريد الانجرار خلفها. ولكن أيضا من الضروري أن نفهم بأن الترابط العضوي بين الروح والمادة لا يمنعنا من وضع الحدود والفواصل والتمييز بين كل جانب من جوانب الظاهرة الاجتماعية فديناميكية التأثير والتأثر تبقى قائمة بينهما. لذلك فإذا كانت متطلبات البحث والفائدة المتوخاة من نتائج العمل القومي سواء في الوطن أم في المهجر قد فرضت علينا ضرورة التمييز والفصل بين المحورين الروحي والواقعي فأن التأكيد المشدد يتطلب الإشارة إلى أن نفهم طبيعة العلاقة الجدلية بين المحورين وتناسقهما في تكامل كل محور للمحور الآخر فيما لو تم وضعهما في مسارهما الصحيح خاصة بالنسبة لمسار اسلوب العمل القومي في المهجر والذي يعاني من خلل في فهم المحورين والعلاقة بينهما. ولكن أيضا من الضروري الانتباه والتذكير بأن التكامل هو غير الاندماج والخلط والمزج، أي بعبارة أوضح إن العمل القومي في المهجر يجب ان يتكامل ويتناسق مع العمل القومي في الوطن لا أن يندمج به او يختلط معه، أي بمعنى إن مسألة " تحرير آشور" أو المطالبة بالحكم الذاتي للآشوريين أو التنسيق مع القوى السياسية للقوميات الأخرى لضمان حقوق الآشوريين أو الاتصال والتعامل مع الحكومات المعنية  هي من المتطلبات الأولية في العمل القومي بالنسبة  للأحزاب الآشورية والمنظمات القومية في أرض الوطن باعتبارها اللاعب الرئيسي والمباشر على الساحة السياسية الآشورية في حين تكون الأحزاب الآشورية والمنظمات أو المؤسسات القومية في المهجر اللاعب غير الرئيسي وغير المباشر فيما يخص المسائل المبينة أعلاه  باعتبارها مسائل غير قائمة في الواقع الفعلي الذي تعيش وتعمل وتنشط فيه، فمهما رفعت من شعارات قومية براقة، سواء أكانت صادقة أم منمقة، فأنها لا تستطيع من الناحية الواقعية أن ترفع حجر وتضعه على حجر من أجل بناء جدار لبيت مهدم في قرية آشورية كما لا يتمكن أي من أعضاءها أن يُعلم حرفاً واحدا في المدارس السريانية في شمال الوطن ولكن تستطيع هذه الأحزاب أن تعمل كثير الكثير وبشكل فعال ومثمر من خلال مساندة ودعم القائمين على هذه الشؤون في الوطن (والمجلس المذكور أعلاه نموذج في هذا السياق) لذلك فأن دورها هنا يكون مكملاً لدور المنظمات والأحزاب الاشورية على أرض الوطن ومسانداً لها، وهو الدور الذي يستوجبه الكثير من التنسيق والتناغم حتى يتكامل العمل القومي بشكل صحيح وواقعي. فلا يجوز منطقياً ان يرفع حزب سياسي شعار رومانسي في "تحرير آشور" أو تدعو منظمة قومية إلى المطالبة بالحقوق القومية للآشوريين أو بالحكم الذاتي في الوطن في الوقت الذي جميع أعضاءها وحتى قياداتها قائمة وتعيش في المهجر وبعضهم لم تطأ قدمهم أرض آشور أو ليس لهم ولا عضو مرتبط بتنظيمهم يمثلهم في أرض الوطن، لا بل فالبعض الآخر يرغب في التفاوض مع الحكومة العراقية وهو لا يعرف عن العراق إلا ما سمعه من وسائل الأعلام. هذا الأسلوب هو الذي جعل من العمل القومي في المهجر أن يتصف في عموميته بنوع من الرومانسية ويبتعد عن الواقعية خاصة عندما يبتعد عن واقعه الأصلي ويتخلى عن التنسيق والتكامل مع العمل القومي للمنظمات وألاحزاب الاشورية على أرض الوطن ومن ثم تخفق في تحقيق النتائج المفيدة والملموسة. وأثباتاً لهذه الرومانسية يأتي بعض من أبناء أمتنا إلى الوطن سواء كمستقلين أو منتمين إلى أحزاب سياسية الذين هاجروه منذ سنوات طويلة وما هو المبكي أكثر مما هو مضحك يأتون وقت الإنتخابات البرلمانية العراقية لترشيح نفسهم لعضوية البرلمان يزاحمون أبناء أمتنا الصامدين في الوطن من دون إي إعتبار قومي أو حتى وازع إخلاقي، وطبعاً الإخفاق نتيجة حتمية لهم. والأنكى من هذا وذاك هناك في المهجر أكثر من مجموعة ومحاولات لتأسيس جماعات ضاغطة أو منظمات دولية أو برلماني آشوري في المهجر من دون أن يكون لهم أية صلة أو علاقة بنضال أبناء أمتنا في الوطن ومن دون أن يدركوا بأنه يجب أن يكون خطابهم السياسي واضح وموحد ونابع من الوطن ومتصل بالمنظمات والأحزاب السياسية الفاعلة على أرض الوطن وليس من دائرة الرومانسية في العمل القومية ومن النوايا أو التطلعات البريئة التي لا قوة لها ولاحول من الوصول إلى أرض الوطن.

خامساً: خلاصة وإستنتاج:
-------------
من هنا نقول، إذا كانت الأحزاب الآشورية في الوطن هي اللاعب الرئيسي في المجتمع الآشوري في الوطن ، فإن الأحزاب السياسية والمنظمات القومية في المهجر  يجب أن تعتبر هي اللاعب الرئيسي والفاعل في المجتمع الآشوري في المهجر لان هذا الأخير هو واقعها الذي تعيش وتنشط فيه والتي من المفترض أن تعرف كل خفاياه وأسراره المؤثرة سلباً وإيجاباً  في طبيعة تطور هذا المجتمع وفي جوانب عديدة من حياة أفراده. فعندما تتعامل هذه الأحزاب والمنظمات القومية مع الواقع الآشوري وتسعى في عملها القومي إلى معالجة المشاكل والأمراض التي يعاني منها المجتمع في المهجر، كالعشائرية والطائفية والأنانية والتسيب والتحلل العائلي وغيرها وتدعو، أو تعمل على التضامن الاجتماعي، ونشر الوعي القومي وتصعيد من معنويات الأفراد وتحصينهم من الضياع والانصهار وتقوية الأواصر الروحية بوطن الأم " بيت نهرين "، لا بل والسعي أيضا إلى مساعدة المحتاجين وتدعيم ركائزهم الاقتصادية والمعاشية والعائلية ومساندة الطلاب وتشجيعهم على مواصلة تعليمهم وحثهم على الانخراط في النشاطات القومية والثقافية، حينذاك تسلك المنظمات والأحزاب الآشورية في المهجر سلوكاً صحيحاً وواقعيا في العمل القومي وهو العمل الذي لا يساهم في تدعيم ركائز المجتمع الآشوري وتطويره في المهجر فحسب، وإنما أيضاً يساهم  مساهمة فاعلة وغير مباشرة في مساندة المجتمع الآشوري في أرض الوطن ويدعم دعماً منطقياً وقويماً للعمل القومي والمنظمات والأحزاب الآشورية الفاعلة على أرض آشور . فكلما كان المجتمع الآشوري في المهجر معافياً راسخاً سائراً على دروب التطور والتقدم الصحيحة وتعمل الأحزاب والمنظمات ضمن هذا الإطار كلما زاد ذلك من دعم وإسناد نضال الآشوريين ومنظماتهم وأحزابهم في أرض الوطن وعلى مختلف الأصعدة السياسية والإعلامية والثقافية والاقتصادية. فهذا التكامل في العمل القومي  يفرض ضرورة تخصص المنظمات والأحزاب السياسية ضمن إطار وقاعها الحقيقي، أو الجغرافي أن صح التعبير، وهو التخصص الذي يخلق التعاون والتنسيق المناسب والمثالي بين آشوريي المهجر و آشوريي الوطن ومنظماتهم وأحزابهم ويتم من خلاله تحقيق بعض الأهداف التي يسعى مجتمعنا إلى تحقيقها.



26
أسباب تخلف الآشوريين
البروفسور الشهيد آشور يوسف بيت هربوت (1858 – 1915)
---------------------------------------
أبرم شبيرا
قرن من التخلف:
-----------
هذا الموضوع كتبه البرفسور الشهيد آشور يوسف بيت هربوت بتاريخ 20 تشرين الأول (أكتوبر) عام 1914  ونشره باللغة التركية والأرمنية في مجلته المعروفة (المرشد الآشوري)  ثم ترجم إلى الإنكليزية ونشر في بعض المجلات الآشورية في الولايات المتحدة الأمريكية وقام الأستاذ توماس بيت عبدالله بضمه في كتاب عن المفكر القومي الكبير ديفيد بيرلي والمعنون (أسطورة أشوري أمريكي في كتاب جديد) الذي عرضناه وكتبنا عنه ونشر في موقع عنكاوة. فعلى الرغم من أن الموضوع  هو للبروفسور الشهيد إلا أن الإستاذ توماس ضمه في هذا الكتاب لكون المفكر القومي ديفيد بيرلي قد علق عليه وكان يعزه إيما إعتزاز لكونه معلمه في الفكر القومي الآشوري. ومن جانبنا رأينا بأن الموضوع رغم أنه كتب قبل مائة سنة ونيف إلا أن له أهمية قصوى في أيامنا هذه لأن نفس الأسباب التي كانت وراء تخلف الآشوريين لا زالت تنهش في جسم الأمة وتجعلها من الأمم المتخلفة، على الأقل من الناحية القومية والسياسية. مائة عام ونيف لم يتعلم الآشوريون من تاريخها ولايزال يتعثرون بها في مسيرتهم القومية ومن لا يتعلم من التاريخ فمن المؤكد سيقع في نفس الأخطاء وقد سبق وقلنا من يتعثر بحجر مرتين هو جاهل.

سطور ذهبية في حياة البرفسور الشهيد:

-----------------------

 لمن لا يعرف هذا الشهيد أو ينكر أصله وفكره القومي وإستشهاده في سبيل أمته نقول بأنه ولد في عام 1858 في هربوت، المنطقة التي تشكل الضلع الثالث لمثلث الفكر القومي الآشوري إلى جانب مديات وطور عبدين في تركياـ ولد بهذا التاريخ وفي هذه المنطقة التي لم يصلها الإنكليز لكي يطلقوا عليهم التسمية الآشورية. لقد عمد السيد يوسف بيت هربوت أبنه بأسم آشور في تلك السنة إعتزازا بأصله وإفتخاراً بالحضارة التي كانت ينتمي إليها. تعلم الشهيد في الكلية التعليمية المركزية التركية فكان مثقفا وشاعراً وناشراً ومتميزا في كونه قومياً آشورياً. وعمل كأستاذ إستاذا للأدب في كلية الفرات في أسطنبول. أصدر صحيفته المعروف بـ (المرشد الآثوري) لمدة ستة سنوات ولم تتوقف إلا بإستشهاده. وأستحق فعلاً لقب رائد الصحافة الآشورية. أعتقلته السلطات التركية عام 1915 مع برصوم بيرلي والد المفكر القومي الكبير ديفيد بيرلي وزج بهما في السجن بسبب مواقفهم القومية وتحركاتهم السياسية فتم إعدامهما في السجن. ومن هناك كان الشهيد يراسل أخيه وفي أحدى رسائله يقول (أنتهز هذه الفرصة لكي أكتب إليكم رسالتي الأخيرة وأعلم بعد مغادرتنا لهذا المكان سيتم تقطيعنا إلى قطع صغيرة.... لا تقلق على موتي يا أخي فأنها مشيئة الله وأنا ذاهب إلى السماء لحماية حقوق الآشوريين في حضور أكبر...).
كان الشهيد ثاقب النظر، عميق الفكر، واسع التصور، يملك قوة فكرية كبيرة في تحليل الأوضاع ومعرفة الظروف السياسية والإجتماعية والفكرية الدينية التي كانت تحيط بأمته في تلك الفترة، وهذا الموضوع في أسباب تخلف الآشوريين واحد من المواضيع المهمة التي كتبها بنظرة ثاقبة عن أساب تأخر الآشوريين. وهذه ترجمة بالعربية من الإنكليزية من الكتاب أعلاه وبشكل عام، وغير حرفي، مع بياني لبعض التعليقات والتضيحات إذا أستوجب سياق الكلام والتي سأضعها بين قوسين.

أسباب تخلف الآشوريين:

--------------
إذا رغبنا أن نعطي جواب لهذه المشكلة نستطيع القول كلمة واحدة ... الجهل!! ولكن بالمقابل فأن هذا الجهل هو نتيجة لعدد من الأسباب المختلفة، منها:
الأول: السبب الرئيسي للوضع الحالي المتخلف للإشوريين هو قديم ومصدره تاريخي. وحتى نفهم هذا الوضع علينا أن ننبش في الماضي السحيق. لم يكن الآشوريون في الماضي شعب مثقف ومتمدن فحسب بل كانوا ناقلي الحضارة والثقافة إلى الشعوب والبلدان الأخرى كفلسطين ومصر واليونان وروما. فمند الأيام الأولى للعهد المسيحي نشروا نور المسيحية في الشرق من شواطئ البحر المتوسط إلى الهند والصين ومن سوريا إلى بحر القزوين وسمرقند وأرسلوا المفكرين والأطباء والمترجمين لتعليم وتثقيف العرب والأرمن واليونانيين وحتى اليهود..... على العموم يمكن القول بأن تقدم الشعوب وفسادها ليست نتيجة يوم واحد أو سنة واحدة بل نتيجة سنين وقرون طويلة. فالأشوريون فقدوا رابطة الجأش وقدرة السيطرة على الأمور بسبب العزلة وهذا السبب كان بالأساس سياسي في طبيعته. فمنذ أن فقد الآشوريون إستقلالهم ولم يعدوا كأمة مهيمنة خصعوا إلى القوى الحاكمة الإستبدادية والظالمة والتي وصفها النبي إرميا بالقوة المرعبة في رسائله النبوئية. (أي بعهذا المعنى الواضح أن سبب تخلف الآشوريين هو خضوعهم للقوى والأنظمة الحاكمة الإستبداية وهذا هو عين الحقيقة منذ القدم وحتى يومنا هذا).

الثاني: السبب الثاني لتخلف الآشوريين هو سبب داخلي، أي النزاع الطائفي في الكنيسة. فالعائق أمام تقدم الآشوريين لم يكن تحديات من الخارج أكثر مما كانت من الداخل كالصراعات العقائدية والطائفية مثل المنوفستية (المذهب القائل بأن للمسيح طبيعة واحده) و ديوفيستية (المذهب القائل بأن للمسيح طبيعتين) فهذا النزاع سبب إنقساماً روحياً وقومياً في الشعب الذي وصل إلى درجة إراقة الدماء وإنقسام دائمي في الأمة. هذا الشقاق سبب إستنزاف الطاقة المادية والمعنوية للأمة ودمر مصادر التنوير، أي المؤسسات التعليمية الواعدة. واحسرتاه !!! وحتى في هذا اليوم فالآشوريون لا يزال معروفين بأسماء مختلفة  مثل النساطرة واليعاقبة والكلدان وأسماء أخرى ... (ما أشبه البارحة باليوم.... أليس إختلافنا وعدم إتفاقنا على تسمية قومية موحدة سبباً لتخلفنا السياسي وضياع حقوقنا القومية؟؟).

الثالث: السبب الثالث هو فقدان اللغة. فعندما خضعت الأمة إلى حكم إستبدادي وإلى الإضطهادات أعتاد أبناء الأمة التكلم بلغة أجنبية وأهملوا لغتهم وبالتالي فأن اللغة الآشورية أصبحت محصورة فقط بين الآشوريين القاطنين في الجبال وأصبحت بمرور الزمن غير مفهومة للأكثرية. عدد من أبناء الأمة كتبوا مواضيع مختلفة بهذه اللغة التي كانت يتعذر الوصول إليها لذلك أعتبرت من دون فائدة وبالتالي بسبب جهل الناس باعوا هذه الأعمال مقابل قطعة من الفضة. ففي هذا اليوم هناك ألاف المجلدات باللغة الآشورية في متاحف لندن وباريس وروما وبرلين وتعتبر كنوز ثمينة. فالأمة التي كانت ترسل بعثات لتنوير الأمم الأخرى الآن أصبحت هي بحاجة إلى بعثات تنويرية. لقد فشلوا في تهذيب ثقافتهم وحضارتهم التي ترجموها إلى اللغات الأخرى كثقافة أصيلة لهم وبالتالي قاد الأمر إلى نهايتها وإلى أن يأخذ الجهل مكانته وبدرجات رهيبة في أبناء الأمة.

الرابع: السبب الرابع هو الجهل المطبق للأكليريوس، أي رجال الكنيسة، والذي، أي الجهل، سبب للأمة أن يأخذ رجالها إلى نوم عميق. فلو كان رجال الكنيسة متنورين ومتحمسين وعلموا الشعب وأبقوا النور مشتعلاً في قلوبهم وعقولهم، لكن لم يكن الحال هكذا. بل على العكس من هذا، فأن الأكليريوس نفسهم تفوقوا على الشعب في الجهل حيث قادوا الشعب بجهل فأصبحوا في حالة من الإرباك والحيرة وأيضا حيروا وأربكوا الآخرين – كمسألة الأعمى يقود الأعمى وكلاهما يغوص في هاوية الجهل. لهذا فالأمة التي أعطت النور والتنوير للأخرين قادت نفسها إلى ظلام كامل.

الخامس: السبب الخامس هو أهمية الكنيسة. ويمكن القول هذا كنتيجة طبيعية للأسباب السابقة الذكر. الكنيسة كانت منصة للإنطلاق وسلوان الشعب ومصدر لشعاع سماوي ومنقذ الروح. فالكنيسة التي كانت تلهم الحياة الروحية لأبناء الأمة، الآن لم تعد كذلك بل تخلت عن هذه الميزة. فلم تعد بقادرة على إلهام الحياة وزرع الثقة في الناس. ولم تعد بقادرة على أن تميز نفسها كمصدر للإلتزامات السامية لقيادة الناس نحو العمل وإلهامهم نحو متابعة القيم المسيحية المثالية في الحياة. لماذا؟ لأن قادة الكنيسة  - الأكليريوس – لم يعدوا واعين عن مهماتهم السامية.

السادس: السبب السادس يتعلق بالعائلة والمدارس. فهاتان المؤسسات لهم دور مهم ليلعبوه في تطور أية أمة والتي تكمل بعضها للبعض ولكن كلا المؤسستين يفتقرون إلى وعي بمهماتهما الرفيعة. فلا العائلة ولا المدارس القومية كانا قادرين على تزويد الأمة برجال مهمين وذو عقول ومستعدون للعمل. وحتى إذا ألتقينا في بعض الأحيان ببعض الأفراد المتعلمين والمنتشرين هنا وهناك والذين يشكلون موضوع فخر وإعتزاز للأمة فأنهم ليسوا من نتاج أمتنا بل النظام التعليمي الأجنبي.

السابع: البيئة تشكل السبب السابع لتخلف الأمة. فكما هو الحال مع الأفراد كذلك في حياة وخصائص الشعوب فللبيئة تأثير كبير أيضاً. فأي واحد يكون محاطاً بأشخاص متنورين ومتعلمين فمن المؤكد سيخضع لتأثير إيجابي وصحي. ونفس الشخص بالنسبة للشخص الذي يعيش في بيئة سيئة سيخضع لبيئة غير صحية وسلبية. فمكان – موطن – الآشوريين لم يكن لصالح تهذيب وتصقيل وتطوير ثقافتهم. فالقبائل والشعوب التي أحاطوا بهم كانوا جهلة ومتخلفين أيضاً. فلو عاش الآشوريون في قسم متحضر من العالم فمن المؤكد بأنهم كانوا قد تأثروا بمثل هذه البيئة. فلو كان مركز السلطة الكنسية في بيروت أو في مدينة مثل لندن بدلا من ماردين (الذي هو محاط بأجناس متخلفة وجاهلة) فكان تأثيرها مختلف ولكانت قد فكرت بشكل مختلف وأنها لكانت قد وظفت مناهج مختلفة لتطوير الناس تحت سلطاتها.

الثامن: السبب الثامن والأخير هو غياب القيم والأهداف المثالية والمهمة. قيل بأن الإنسان هو نتاج تفكيره وهذا موضوع غير قابل للجدال. قبل أن يُعبر الإنسان عن نفسه ويعمل فأنه يفكر أولاً ثم بم فكر سوف يعمل. فالفكر هو مخطط للعمل وبتنفيذ هذا العمل سوف يتحول إلى عادة وهذه العادات تتجمع في شخصية الإنسان لتوجه حياته وقدره. مرة أخرى قيل بأن قدر ومصير أي إنسان يعتمد على تلك الأفكار التي تهيمن على تفكير الإنسان أو العقلية الجماعية للشعب التي تجعل منه أمة. لذلك ففي مجال الحياة فإن تخلف أي أشخاص أو شعوب هو نتيجة غياب القيم المثالية الصالحة عنهم.

ولتلخيص ذلك أود أن أقترح، أن تحقيق التطور الثقافي والتقدم بين الآشوريين، كأفراد أو كشعب فأنه من الضروري أن يكون لهم أعلى القيم في الحياة والعمل لجعها متميزة . ولتحقيق هذا الهدف يجب على العوائل إنجاب أربعة أطفال يحملون القيم والصفات المسيحية والقومية التي ستخدم الأمة. وعلى المدارس أن تخرج قادة. وعلى الكنيسة ورجالها يجب إحياء وإنعاش الوعظ أو التبشير الميت مع لغة متقدة وبرسالة ملهمة ورائعة جداً تمجد حياة الروح. وعجلة الصحافة يجب أن تقوم بصقل صحافتنا وكتبنا لغرض ترقية الحياة الروحية والقومية للآشوريين. لندع العائلة والكنيسة والمدرسة والصحافة أن تتوحد في هذه الروحية والتناسق لغرض تقديم خدمة متبادلة، بهذا فقط هذا التخلف في الأمة الذي ركب رحلة التنوير الذاتي سوف يحقق القيم السامية في حياة الأمة والتي يستوجب متابعتها.

ملاحظات:
-------
أود هنا أن أبين الملاحظات التالية:
1.   البروفسور الشهيد آشور يوسف بيت هربوت كغيره من رواد الفكر القومي الآشوري كانوا من أتباع الكنيسة السريانية الأرثوذكسية وكانو علناً وصراحة يعلون تسميتهم القومية الآشورية معتبرين التسميات الأخرى كطوائف وهو النهج الذي سار في الحركة القومية الآشورية.
2.   حديث البروفسور الشهيد عن جهل الأمة وتخلفها ليس القصد منها تخلفها في الشأن الثقافي والإجتماعي والإقتصادي وإنما هو تخلف في الشأن القومي والسياسي. ففي تلك الفترة كانت مناطق مثل طور عبدين وماردين ومديات وأورمي ومناطق سهل نينوى تعج برجال مثقفين ومتعلمين ولكن حتى هذا اليوم نرى بأن هناك جهل وتخلف في الوعي القومي والسياسي والنظيمي ليس بين أفراد الأمة بل حتى بين السياسيين وأحزابهم ومنظماتهم، وهو موضوع سنعالجه في مناسبة قادمة.
3.   الأمة المتخلفة والجاهلة ليست المجردة من العلم والمعرفة بل هي الأمة التي لا تعرف مصلحتها العامة. فأبناء الأمة وتنظيماتهم الذين لا يعرفون المصلحة القومية ولا يطبقونها فهي أمة جاهلة ومتخلفة  وحتى إذا عرفت المصلحة القومية المشتركة وكثرت الحديث، كما نفعل اليوم فإن قمة التخلف سوف يتمثل في العجز، بقصد أو غير قصد، عن العمل وتحقيق هذه المصلحة القومية العليا.   
4.   وأخيراً يبقى على القارئ اللبيب مقارنة أسباب تخلف الآشوريين قبل مائة سنة ونيف بأسباب تخلفهم في هذه الأيام من الناحية السياسية والقومية والتنظيمية  وإستنتاج ما هو مفيد لوعينا القومي وحركتنا القومية كسبيل لتحقيق المصلحة القومية العليا.
 

 

             




27

الاخ ميخائيل ديشو... شكرا جزيلا على التصحيح... نيافة الاسقف مار سركيس غادر العراق في التسعينيات
وليس في الثمانينيات فانا شخصيا التقيت نيافته في بداية التسعينيات.... شكرا مرة اخرى...اخوك ابرم شبير

28
وجهاً لوجه ... الجرأة والصراحة
 بين الإعلامي ولسن يونان والمطربوليت مار ميلس زيا
==============================================

=============================================
أبرم شبيرا
الجرأة والصراحة صنوان متلازمان لمنهج وأسلوب لمناقشة علمية وموضوعية هادفة للإجابة على تساؤلات مطروحة بعضها مبهمة وغامضة لدى عامة الناس يهمها جداً أزالة غموضها وتوضيحها، خاصة عندما تأتي من شخصيات تعتلي مسؤواليات في المجتمع، لتكون سبيلا لتوضيح الأمور وإستقرار الأفكار والمشاعر والتوجهات عن مسائل مهمة تهم بشكل عام جميع أبناء المجتمع. وأي إخلال بين طرفي هذه المعادلة، الجرأة والصراحة، ستقود المناقشة إلى تعقيدات أكثر وتشويش مبهم فلا تعدو إلا لغو فارغ. جانب من هذه المعادلة المتمثلة في الجرأة نجدها دائماً في الأسئلة التي يطرحها الإعلامي المعروف ولسن يونان على ضيوفه في برنامجه التلفزيوني الشيق "وجهاً لوجه" عبر قناةSBS  الإسترالية. ففي المقابلات التي أجراها مع شخصيات تمتلك نوع من الصراحة في إجابتهم على الأسئلة الجريئة التي يطرحها نرى بأنها تجذب الكثير من المشاهدين والمستمعين وتحتل أهمية خاصة لدى الكثير من أبناء مجتمعنا. وعلى العكس من هذا عندما يفتقر ضيف البرنامج إلى مثل هذه الصراحة نرى بأن المعادلة تختل ويشوبها الغموض وبالتالي تظهر نتيجة المناقشة باهتة لا تثير إهتماماً كبيراً لدى أبناء شعبنا. هذه الميزة في الجرأة التي يتصف بها ولسن يونان هي التي جعلته من أشهر إعلامي أمتنا في هذا العصر وجعلته أن يكون دقيقاً في إختيار ضيوف برنامجه.

لايخفى على أحد بأن معظم المقابلات التي أجراها ولسن مع مار ميليس زيا مطربوليت أستراليا ونيوزلندا ولبنان لكنيسة المشرق الآشورية عبر برنامجه التلفزيوني "وجه لوجه" لقناة SBS الإسترالية نالت إستحسان المشاهدين وبشكل منقطع النظير وذلك، ليس لأن إجابات غبطته تتصف بالصراحة لأسئلة ولسن والتي تكون بعضها محرجة، بل لأن هذه الصراحة تأتي من شخصية تعتلي مسؤوليات جمة، فبالإضافة إلى سعة مساحة مسؤولياته الكنسية، فله أيضا مسؤوليات قومية ثقافية وتربوية تتمثل في إشراف وإدارة أبرشيته لعدد من المؤسسات التربوية من كلية ومدارس على مختلف المستويات في إستراليا التي تتصف في عصرنا هذا بأنها قفزة نوعية في مسيرة الحفاظ على كياننا الثقافي واللغوي في بلدان المهجر. هذا ناهيك عن تأسيسه وأشراف وإدارة أبرشيته على جمعية "أسيرو" الخيرية التي تصل خيراتها إلى أبناء امتنا في أرض الوطن.

فخلال الأسابيع الماضية وضمن هذا السياق أجرى ولسن يونان مقابلة تلفزيونية مع مار ميلس زيا ضمن برنامجه المعروف وجهاً لوجه، وهي المقابلة التي تأتي ضمن سلسلة مترابطة من مقابلات تلفزيونية أجريت مع غبطته والتي أمتلكت جانبي المعادلة أي الجرأة والصراحة. ويستطيع القارئ النبيل أن يشاهد هذه المقابلة الأخيرة على الموقع أدناه.
http://www.ankawa.org/vshare/view/10225/mar-meelis-zaia

على العموم  وكسباٌ للوقت والجهد وتطبيقا لأسس المعادلة في الجرأة والصراحة بين الأثنين، يمكن تقسيم جوهر حديث هذه المقابلة الأخيرة  إلى محورين:
الأول: كنسي – ديني:
--------------
1-   حوار كنيسة المشرق الآشورية مع الكنيسة الكاثوليكية في حاضرة الفاتيكان سِفرُ طويل ولعدة عقود وجاءت أجوبة غبطته على تساؤل ولسن عن المحطة التي وصلت إليه هذا الحوار. فكان تأكيد  غبطته على إستمرار هذا الحوار وتواصله لتحقيق هدف إزالة الإختلافات في الأسرار السبعة للكنيستين. ولكن مع هذا يبقى التساؤل قائماُ وهو ... ثم ماذا؟ أي بعبارة أخرى، هل يعني بأنه إذا تم إزالة الإختلافات وتطابقت الأسرار السبعة هو إندماج وذوبان كنيسة المشرق الآشورية في الكنيسة الكاثوليكية التي يتجاوز مؤمنيها أكثر من مليار وربع المليار في الوقت الذي لا يتعدى مؤمني كنيسة المشرق الآشورية بضعة ألاف منتشرين في زوايا الأربعة للعالم وبالتالي فقدان إستقلاليتها كما فقدت بعض الكنائس إستقلاليتها وذابت في الكنيسة الكاثوليكية العالمية وخضعت لسلطة وإدارة الحبر الأعظم في الفاتيكان. ولم يخفي غبطته بأن يصرح  عن وجود مخاوف لدى بعض من أحبار كنيسة المشرق الآشورية من هذا الحوار وبالتالي لم تكن مواقفهم مشجعة في سياق التفاهم والتقارب مع الكنيسة الكاثوليكية. ولكن بالمقابل أكد غبطته بثقة وثبات بأن مثل هذا الحوار الكنسي المسيحاني لا يمكن أن يؤدي إلى فقدان الكنيسة إستقلاليتها فأمر فقدان أو الحفاظ على إستقلالية الكنيسة يعتمد على مدى إيمان أحبار ومؤمني الكنيسة في الحفاظ على لوتروجيتها وتراثها وتقاليدها. ولكن هناك حقيقة يجب أن تكشف وهي أن الفاتيكان قد تقبل الشركة في الإيمان المسيحي والأسرار السبعة ولكن لا تقبل إستقلالية السلطة والإدارة، فالمركزية هي للفاتيكان وحدها، وهي المحطة أو العقبة الأخيرة التي سيصل حوار كنيسة المشرق الآشورية مع الفاتيكان.
2-    من المواضيع أو الأسئلة الأكثر حساسية وإثارة والتي أثارت دهشة غبطته وإستغرابه من سؤال ولسن هو عن عزوبية أو بتولية الأساقفة في الكنيسة والسماح لهم بالزواج في هذا العصر معتمداً على المجمع السنهادوسي الذي عقد في عهد مار برصوما عام 448 الذي سمح للأساقفة بالزواح وكان هو أيضا متزوجاً من راهبة.. فلماذا لا يسمح للإساقفة بالزواج... مؤكداً ولسن هذا السؤال الذي يطرح لأول مرة على مطرابوليت في الكنيسة وعلنية وفي وسائل الأعلام. فمن المعلوم بأن هذا القرار في زواج الأساقفة كان قد أبطلته الكنيسة في السنوات اللاحقة كما أكد غبطته مضافاً بأنه حاليا الكنيسة تعاني من بعض الأشكاليات من الكهنة المتزوجين حيث يصبح أمر نقلهم من أبرشية إلى أخرى أمرا صعباً للغاية أو مستحيلاً بسبب إرتباطاته العائلية والإجتماعية في منطقة أبرشيته خاصة موضوع نقل أبناءه من مدرسة إلى أخرى وتتعقد المسألة أكثر بكثير عندما يتم النقل من مدينة إلى أخرى أو من دولة إلى أخرى. فكيف والحال مع زواج الأساقفة وهم يحملون مسؤوليات أكثر بكثير من مسؤوليات الكنهة... ثم يضيف غبطته متسائلا: ما الذي سيضيف زواج الأساقفة على تقدم الكنيسة وتطورها... الجواب عند غبطته لا شيء.
ولكن بالمقابل يقول البعض بأن في هذا العالم المحيط بالمغريات والفواحش قد يكون زواج الأساقفة حصناً ومانعاً للإنجرار وراء مغريات الحياة المعاصرة بعكس العزوبية والبتولية التي قد تضغط عليه هذه الظروف للإنزلاق في متاهاة الخطيئة والزنا كما حدث لبعض أساقفة الكاثوليك في الولايات المتحدة الأمريكية في السنوات القليلة الماضية وهذا ليس مستبعدا أن يشمل أيضا أساقفة كنيسة المشرق الآشورية فهم بشر من لحم ودم كغيرهم من البشر. ومهما يكن فبإعتقادنا الشخصي بأن مسألة بتولية الأساقفة أو زواجهم ليست من المسائل المهمة المطروحة في هذا العصر بل من الضروري أن ينظر إليها من جانبها الإيجابي كوسيلة لتطوير الكنيسة وتقدمها في هذا العصر الصعب جداً. فدائماً تأكد الكنائس التي تحرم زواج الأساقفة، ومنها كنيسة المشرق الآشورية بأن الأسقف يجب أن يكرس كل حياته التي نذرها أمام الله في خدمة الكنيسة ومؤمنيها، وهذا ما أكده غبطته أيضا. ولكن بالمقابل لم يعد كافياً على الأسقف أو الكاهن أن يكرس حياته لخدمة الكنيسة ومؤمنيها بالتذرع والصوم والوعظ فحسب، بل عليه وفي هذا العصر التي تتزاحم فيه الثقافات وتتنازع الأفكار وتتصارع المعتقدات أن يكرس جزء، قليل أو كثير، من حياته ووقته، وبتوليته أن صح التعبير، لخدمة كنيسته ومؤمنيها على مختلف الأصعدة الفكرية والثقافية بهدف تحصين كنيسته من المؤثرات السلبية وتطوير لوتريجيتها ومقوماتها الإيمانية والتراثية وعصرنتها مع الحفاظ على أسس ومقومات أصالتها التاريخية وإزالة سلبياتها المتراكمة من العصور المظلمة في تاريخ الكنيسة. وحسناً عملت كنيسة المشرق الآشورية عندما وضعت شرط حصول الكاهن على شهادة جامعية أو أعلى إلى جانب الشروط الإيمانية الأخرى لتكريسه كأسقف ليكون بذلك في موقع يستطيع خدمة كنيسته ومؤمنيها على مختلف الأصعدة الكنيسة الإيمانية والفكرية الثقافية وليكون وقته، أو بتوليته، فعلاً مخصصة لخدمة الكنيسة ومؤمنيها وتطوير لتروجيتها وتراثيها في هذا الزمن الظالم الذي يهدد كنيستنا وأمتنا بالزوال. أفهل فعلا أستطاع أساقفة كنيسة المشرق الآشورية الحاصلين على شهادات عليا متخصصة في مجالات علمية وثقافية وتاريخية ولاهوتية من الدخول إلى الساحة الفكرية عن طريق البحث العلمي الأكاديمي لخدمة الكنيسة وتطوير لوترجيتها وتنقية إيمانها من بعض سلبيات الماضي وتوفير الحصانة الإيمانية والفكرية والثقافية والتي هي السبل الأمثل والأقوى في الحفاظ على الكنيسة من الضياع أو إبتلاعها من قبل الكنائس الكبرى؟ سؤال من المؤكد جوابه موجود وبوضوح في الواقع الفعلي لمدى الإنتاج الفكري لأساقفة كنيسة المشرق الآشورية.       
3-   تناقلت الأنباء الشفوية عن إستقالة مار سركيس زيا أسقف بغداد لكنيسة المشرق الآشورية الذي ترك أبرشيته منذ بداية ثمانينيات القرن الماضي وغادر إلى كاليفورنيا - الولايات المتحدة الأمريكية وفعليا شغر كرسي الأسقفية في بغداد منذ تلك الفترة. كان غبطة مار ميلس صريحاً لسؤال ولسن عن هذا الموضوع مؤكداً بأنه منذ مغادرة مار سركيس أبرشيته في بغداد وبيان رغبته في عدم العودة إليها، طلب عدة مرات من بطريرك الكنيسة تخصيص له أبرشية في كاليفورنيا التي لها أصلاً أسقف للكنيسة غير أن طلبه رفضه وكان آخر رفض من قبل البطريرك الحالي قداسة مار كوركيس الثالث صليوا. القانون... هو القانون... هذا ما شدد في تأكيد غبطته عليه. فعندما نقبل مخالفة القانون فهذا يعني بأنه لا وجود للقانون. فقانون كنيسة المشرق لا يسمح بأن يترك الأسقف أبرشيته ويطالب بأبرشية أخرى من دون موافقة أصولية من المراجع العليا للكنيسة، أي بعبارة أخرى بأن مار سركيس قد خالف قانون الكنيسة وبالتالي نتيجة لرفض طلبه لم يكن أمامه إلى الإستقالة... أي بعبارة أخرى أ، شغور أبرشية بغداد من أسقف يعني حاجة هذه الأبرشية إلى أسقف جديد... ولكن "من يشتهي أسقفية بغداد" في هذا الوضع المأساوي المميت؟ إلا يستحق الأسقف الذي يقبل هذه الأسقفية أن نطلق عليه لقب "بطل" ومأثر من مآثر كنيسة المشرق الآشورية... بلى ... والله بلى... خاصة عندما نقارنه بغيره الذين ينعمون بحياة الرفاهية والسلام والطمأنينة في بلدان المهجر. 

الثاني: قومي  - ثقافي:
--------------
1.   شمل لقاء غبطة مار ميلس مع ولسن جوانب سياسية وقومية أكد في حديثه بانه فعلاً لايكفي أن يكون الأسقف أو المطران أو الكاهن ورعاً وخادما للكنيسة بمفهوما التقليدي فحسب، بل عليه أن يكون خادما لها ولمؤمنيها ومن جميع مناحي الحياة الزمنية والدنيوية. ونحن وصفنا مثل هذا الإمكانية في موضوع سابق بأن يكون (Managing Director) أو (CEO) وإلا ستضيع الكنيسة في متاهات العصر. فجاء لقاء غبطته مع عدد من ممثلي أحزابنا السياسية وتنظيماتنا القومية في دهوك أثناء زيارته الأخير لشمال الوطن جزء من إهتمامه بالمسائل القومية التي هي الوجه الآخر لكنيسة المشرق. فتأكيد المستمر على الإحترام المتبادل بين جميع تسميات أمتنا "الكلدانية والسريانية والاشورية" رسالة رعوية وقومية لغبطته... ليعد بالتالي من أكثر أحبار كنيسة المشرق في إيمانه بضرورة وحدة أمتنا كسبيل لخلاصنا. وقد سبق وأن بحثنا في هذا الموضوع وبشكل مفصل وبعنوان  (نظرة علماني على مقابلة غبطة المطرابوليت ما ميلس زيا مع قناة SBS الإسترالية. يمكن قراءة الموضوع على موقع عنكاوة:
http://www.ankawa.com/forum/index.php?topic=759698.0

2.   أما موضوع المدارس والكلية في أستراليا التي ترعاهم أبرشية غبطته، فالحديث عنها يطول جداً لأنها فعلاً من مآثر الأمة والكنيسة معاً خاصة في بلدان المهجر ونكتفي بالإشارة إليها ومن يرغب المزيد يمكن الرجوع إلى موضوعنا المعنون (المدارس الآشورية في أستراليا ... فكرة وإجتماع... فجهود وإصرار... ثم إنجازات.) على موقع عنكاوة:
http://www.ankawa.com/forum/index.php/topic,811123.msg7471918.html#msg7471918

من خلال ما تقدم يظهر تواصل وإستمرار سلسلة لقاءات غبطة مار ميلس مع القناة المذكورة وعلى نفس المبادئ والسبيل وبنفس الأسس الرئيسية للمعادلة القائمة على الجرأءة والصراحة.
 

29
ديفيد بيرلي


أسطورة آشوري أمريكي في كتاب جديد
=========================

أبرم شبيرا

نشر الموقع الألكتروني لوكالة الإنباء الآشورية العالمية (Assyrian International News Agency) والمعروفة إختصارا بـ (AINA) – (www.aina.org) موضوعاً مهماً عن كتاب فريد من نوعه نشر حديثاً عن المفكر القومي الآشوري الكبير والخالد ديفيد برصوم بيرلي كتبُ من قبل (Svante Lundgren). والكتاب هو مجموع ما كتبه بيرلي خلال حياته من مقالات وبحوث وخطب وتعليقات ومراجعات لكتب ومجلات جمعها توماس بيت عبدالله في هذا الكتاب.
جاء في الموضوع بأن ديفيد بيرلي الذي يعتبر من أحد الشخصيات الآشورية الأمريكية الأكثر تأثيراً في القرن العشرين، كان قد ولد في عام 1901 في هربوت (في تركيا حاليا) وأثناء فترة المذابح (سيفو) هاجر عام 1918 إلى الولايات المتحدة حيث قضى فيها بقية حياته، فدرس القانون وأسس مكتبه القانوني الخاص (ومارس مهنة المحاماة). كان من أحد أعضاء المؤسسين للإتحاد القومي الآشوري، الذي عرف فيما بعد عام 1933 بالإتحاد القومي الآشوري الأمريكي وشغل خلال فترة طويلة مراكز عديدة في هذا الإتحاد بما فيه رئيس الإتحاد. وفي عام 1979 توفي عن عمر يناهز 78 سنة.
================================================================== 
كان ديفيد بيرلي منذ عام 1930 وحتى وفاته وافر الإنتاج حيث نشر عدد كبير من المقالات ومراجعات وإنتقادات للكتب في المجلات الآشورية مثل (النجم الآشوري) و (بيت نهرين الجديدة) و (أترا). وقد عمل السيد توماس بيت عبدالله مجهودا عظيماً في جمع تقريباً كل ما كتبه ديفيد بيرلي عن الآشوريين وضمها في مجلد يحتوي على 700 صفحة. ويحتوي الكتاب على مواضيع منشورة سابقاً ولكن فيه مواضيع مهمة جداً لم تنشر سابقاً والتي وجدت في بعض الأرشيفات الشخصية. وعلى العموم فالكتاب مقسم إلى أحد عشر قسماً:
1.   المقالات القديمة التي كتبها منذ عام 1933 وآخرها كان عام 1983، أي بعد وفاته.
2.   مراجعة ونقد لكتب، حيث كان بيرلي قارئ نهم ومراجع جيد للكتب وهذا القسم أكثر كثافة من الأول.
3.   الرسائل، وأختار السيد توماس الرسائل الأكثر أهمية ونشرها في الكتاب.
4.   الخطابات، وهي تشمل الخطابات التي ألقاها بيرلي أو هي مختصرات لهذه الخطابات التي نشرت في المجلات (من المعروف عن بيرلي بأنه كان خطيباً بارعاً ومؤثرا)
5.   كتيب عن الإرساليات التبشرية من عام 1943 (والمراجعة الجديدة في عام 1944 و عام 1946).
6.   مراجعات للنشرة (العدد الخامس).
7.   كتابات تخص بيرلي نفسه.
8.   نصان مكتوبان من قبل مجهول وغير معروف ويعتقد السيد توماس بأنهما مكتوبان من قبل بيرلي.
9.   إقتباسات من بيرلي.
10.    مجموعة صور عن حياة بيرلي.
11.    مقاطع لبعض ما كتبه بيرلي .
والجدير بالذكر للكتاب فهرس شامل الذي يساعد القراء الذين يرغبون التركيز على موضوع معين. كما أن الكتاب هو إلى أبعد حد متعدد الجوانب فلا يعطي صورة عن ما كان يعتقد أو يشعر به بيرلي بل هو أيضا عن أعتقاد وفكر الآخرين عنه وعن النشرة الذي كان يصدرها. لقد بذل السيد توماس بيت عبدالله خلال سنوات عديدة جهود كبيرة لجمع مواد هذا الكتاب ليكون لكل شخص مهتم بالشأن الآشوري مصدر مهم وطريق سهل  لمعرفة هذه الشخصية القومية الآشورية. عملياً أنه قد تم جمع كل شيء عن بيرلي بين دفتي هذا الكتاب ولكن من جانب آخر هناك كتابات لبيرلي قد فقدت ولكن على العموم فأن معظمها قد تم جمعها في هذا الكتاب. أحدى النصوص المفقودة هو السيرة الذاتيه له التي كتبها عن فترة طويلة من حياته والتي كانت مذكورة في المجلات. أنه من المؤسف لا يمكن العثور عليها غير القليل منها عن فترة تنشئته في مدينة هربوت ونجاته من الإبادة الجماعية (سيفو 1914-1918).

ما الذي كتبه بيرلي؟... هناك موضوعان ركز عليهما بيرلي وهما، الأول بدأ نشاطه عن الحركة الأشورية في عام 1933 فكانت مذبحة سميل جوهر هذا النشاط. مرات عديدة كتب عن الخيانة البريطانية للآشوريين والذي كان أيضا موضوع النشرة (الإرساليات التبشيرية). على الرغم من أن والده قُتل من قبل الأتراك أثناء الإبادة الجماعية للحرب العالمية الأولى (من المعروف بأن والد ديفيد بيرلي "برصوم"  كان قد أستشهد مع رائد الصحافة الآشورية آشور بيت هربوت عندما أعدمتهما السلطات العثمانية أثناء مذابح سيفو)، إلا أنه نادراً ما كتب عن هذه الإبادة الجماعية ولم يبين أي حقد تجاه الإتراك، بل بدلا من ذلك ركز على مذبحة سميل وعبر عن نقده الشديد لخيانة بريطانيا للآشوريين. إضافة إلى ذلك فأنه كان مهتماً كثيرا بتاريخ آشور القديم وأنعكس هذا الإهتمام في مراجعته وتقييمه لقائمة من الكتب عن الإمبراطورية الآشورية والحفريات الأثارية في آشور خلال القرن التاسع عشر والقرن العشرين فكان قارئاً متمكاً ونهماً في هذه المسائل. وفي أحدى رسائله وصف مهمة حياته كنضال ضد فكر كون الآشوريون القدماء قساة وقد وجد مثل هذا التوصيف الخاطئ للأشوريين في مصدرين: العهد القديم والشاعر البريطاني لورد بارون.

كان بيرلي كاتباً ممتازا يتميز بتعبيرات نابض بالحياة والحيوية. وكان في العادة يستخدم عبارات منطوية على نوع من المبالغة. وفي مراجعته لكتاب كان ينهيها بتعبير مثل "هذا الكتاب  يجب أن يقرأ من قبل كل آشوري". وحينما كان يكتب عن القوميين الآشوريين كان عادة يشير إليهم كخالدين والعظماء والباقون على الدوام. وكان يستخدم كلمات ضخمة بالنسبة للأشياء أو الكتب التي لا يستهضمها مثل "هذا الكتاب مخادع وليس له أية ميزة لا أدبياً ولا معرفياً". وبمناسبات أخرى كتب بيرلي أيضا عن القضايا الكنسية التي كانت نافذ البصيرة فيها. فعلى الرغم من أنه كان من أتباع الكنيسة الآشورية الرسولية (السريانية) إلا أن معظم كتاباته في هذا الشأن كانت عن كنيسة المشرق الآشورية (النسطورية). فكان جل إهتمامه مركز ضد تهمة الهرطقة لهذه الكنيسة فكان في العادة يؤكد بأن أسم هذه الكنيسة ليس "النسطورية" بل الآشورية. صحيح أن بيرلي كان من أتباع الكنيسة الرسولية الآشورية (السريانية) أو كما كان يسميها "اليعقوبية" فأنه كان متحمساً للتركيز المستمر على جانب مهم وهو الهوية الأثنية الآشورية بغنى عن الإنتماء الكنسي. فكان يقول: تستطيع أن تغير إنتماءك الكنسي ولكن لا تستطيع أن تغير قوميتك. فكان يركز ويقول "الآشوريون هم آشوريون بدون أي تبعيات دينية". يمكن القول بأن بيرلي حارب طيلة حياته وناضل ضد التوجهات المعادية للأشورية والتي كان يراها كتهديد خطير. فإعتقاده أن جميع الأسماء التي أستخدمت في المجتمع يجب أن تزال وتحذف وبعكسه فإن هذه الأسماء الغريبة المنشأ سوف تقضي على الشعب.

مؤلف الكتاب السيد توماس بيت عبدالله يجب أن يثنى عليه وتقيم جهوده في إلقاء الضوء على هذا الآشوري القومي وعلى إعطاءنا سبيلاً لنكون أقرب لمعرفة فكر ديفيد بيرلي.
--------------------------------------------------------------
This book collects the writings of the prominent author, the late David Barsum Perley (1901–1979), who devoted his life to the Assyrian cause. He continuously supported and fought for the rights of the Assyrians. Through his numerous writings, he gave a voice to the situation of Assyrians in their countries of origin in the Middle East. He also vehemently supported the historical Assyrian name, the Assyrian identity and the history of the Assyrians.
للمزيد عن هذا الموضوع وإقتناء نسخة من الكتاب يمكن الدخول إلى الموقع الألكتروني لوكالة الإنباء الآشورية العالمية ((Assyrian International News Agency) والمعروفة إختصارا بـ (AINA) – (www.aina.org)
أنتهى.
------------------------------------------------------------------
صورة لديفيد برصوم بيرلي مقتبس من كتاب (خيانة بريطانيا للآشوريين للكاتب القومي الكبير يوسف مالك – من بلدة تلكيف) وفي هذا الكتاب كتب بيرلي موضوعاً مهماً ومثيراً تحت عنوان (اليعاقبة) وكان بيرلي قد لعب دوراً كبيراً في مراجعة الكتاب والمساعدة على طبعه ونشره حينما كان رئيساً أو نائباً للإتحاد القومي الآشوري الأمريكي).  وفي هذا الموضوع يقول ديفيد بيرلي:

"لايمكن لأحد أن يفهم دوما الآشوريين كأمة واحدة إلإ أن يتمكن من التمييز بين الدين والكنيسة عن تلك الأمة – أن قوة الظروف الكامنة وراء إرادتهم جعلت من الدين قوة حيوية في مقياس إنتمائهم القومي.. ففي غمار ذلك كانت الكنيسة  أكثر الهيئات أهمية في أمة ما بل تمثل الأمة ذاتها... أن كنيسة "العاقبة" هي كنيستي وإني أفتخر بهذه الحقيقة، ويمكنني أن أقول هذا كله بصيغة أخرى وهي أن "اليعاقبة" هم يعاقبة فقط من وجهة نظر أنتماءهم الديني ولكنهم آشوريون من وجهة نظر أنتماءهم القومي، لذلك فأنهم يشعرون بعدم الراحة جراء الظلم الذي يتعرض له أي جزء كان من تركيبهم القومي لأن البعد لا يمزق روابط القرابة والأخوة وهم أخوة إلى الأبد" – من موضوع "اليعاقبة" المنشور في كتاب "خيانة بريطانيا للآشوريين" ليوسف ماليك – 1937.

30
الكنيسة في العراق: التاريخ والتطور والإرساليات التبشيرية
لفرناندو فيلوني
==================================================

أبرم شبيرا

بينما كنت أطالع في جريدة الرؤية اليومية التي تصدر في سلطنة عُمان وجدت فيها ملحق مهم ومثير للإهتمام تحت مسمى "مراجعات" وهو ملحق شهري تصدره وزارة الأوقاف والشؤون الدينية بالتعاون مع جريدة الرؤية. فهو بالإضافة إلى إخراجه وطبعه بشكل ممتاز وراقي فإن محتواته أيضاً تشكل مادة ممتازة ومفيدة للكثير من المهتمين بمجمل العلوم الإنسانية والطبيعية وللمواكبين للإصدارات الكتب الحديثة. فهو ملحق مختص بعرض الكتب المنشورة حديثا وتحليلها ونقدها من قبل كتاب ومفكرين معروفين في العالم العربي. ومن بين هذه الكتب وجدت كتاب (الكنيسة في العراق: التاريخ والتطور والإرساليات التبشيرية) للكردينال الإيطالي فرناندو فيلوني وقامت مكتبة حاضرة الفاتيكان بنشره عام 2016، وعرض الكتاب وعلق عليه الباحث أمين منار وهو إيطالي الجنسية ومن أصول مغربية. أنه من الضروري جداً هنا ونحن نعرض هذا الكتاب والتعليق عليه أن نعرف ونؤكد بشكل جلي بأن كاتب الكتاب (الكردينال فرناندو فيلوني) والمعلق عليه (الباحث أمين منار) يمثلان طرفان مختلفان أن لم يكونا متناقضان في توجهاتهم الفكرية، فالأول رمز من رموز المسيحية الكاثوليكية ومن أبرز دبلوماسي الفاتيكان. أما الثاني، فبالرغم من قلة المعلومات عنه، فإن كل ما نعرفه هو عرضه وتحليله لكتاب مهم آخر وهو (تخيًل بابل – مدينة الشرق القديمة وحصيلة مئتي عام من الأبحاث للمؤرخ وعالم الآثار الإيطالي ماريو ليفراتي) كما أنه نستطيع الإستنباط من عرضه وتحليله وتعليقه على كتاب (الكنيسة في العراق) بأن له توجهات إسلامية التي من خلالها يؤكد بأن وجود المسيحيين في البلاد العربية كان مهدداً من قبل بيزنطيا والكنيسة الغربية وأن حفاظ "النساطرة" و "اليعاقبة" على كيانهما وخصوصيتهما المستقلة كان مقرونا بالحضور الإسلامي ومن دون أن يذكر تأثير الفتوحات الإسلامية وما أعقبها من إرهاصات وإضطهادات من قبل الدول الإسلامية في المنطقة التي كانت سبباً رئيسياً لتناقص أعداد المسيحيين في العراق وسوريا وغيرهما. على عموم، هناك بعض الأخطاء التي ترد في تعليقه على الكتاب منها إعتبار ثيودوروس المصيصي هو نفسه نسطور في حين المعلوم  هو أن الثاني كان تلميذ الأول. كما أنه أعتبار "النساطرة" إلى جانب "الأقباط واليعاقبة" من أتباع مذهب الطبيعة الواحدة (المونوفيزتيون أو اللاخلقديون) خطاً آخر. وهذا ما يلمسه القارئ النبيل من خلال قراءة هذا الموضوع. وأخيراً لم يبقى إلا أن أقول بأن الكتاب والتعليق عليه هي أراء أصحابها ولا تعبر عن رأينا فالغرض من كتابة هذه السطور هو إطلاع القارئ النبيل على هذا الموضوع و تعميم الفائدة. ولتجنب أي تأويل أو سوء فهم فإنني أعرض الموضوع كما هو منشور.
---------------------------------------



31
القديس يعقوب الآشوري في فرنسا عام 421  ميلادي !!!!
Saint Jacques I’Assyrien – 421

=======================================
أبرم شبيرا

المهندس ريمون بنيامين روفائيل خان حفيد القائد العسكري الآشوري الشجاع روفائيل خان أثناء وبعد الحرب الكونية الأولى، هو صديق قديم منذ أيام النادي الثقافي الآشوري في بغداد( +1970) وأيضا صديق جديد متواصل من فرنسا حتى أيامنا هذه. له أهتمامات، بالاضافة إلى لعبة الشطرنج الذي كان أحد أبطالها أيام النادي، تتركز على البحث والتنقيب والمتابعة والإقتناء لمصادر ووثائق وكتب تتعلق بتاريخنا الآشوري وبكنائسنا المشرقية والتي هي مصدر إهتماماتنا المشتركة وتبادل المعلومات  بيننا. فحالما يتم عثوره على مصدر مهم وفريد من نوعه في تاريخنا القومي والكنسي فلا يتواني الصديق ريمون إلا ويبعثه لي ليكون بيننا حديث وتبادل أفكار وتلخيص مشترك ثم الإتفاق على عرض المفيد منه للنشر. بهذا الخصوص عثر صديقنا ريمون على معلومات تاريخية قيمة ومثيرة للإستغراب والتساؤل وهي عن قديس آشوري عرف بأسم سان جاكوب (Saint Jacques I’ Assyrien) – القديس يعقوب الآشوري- في فرنسا منذ عام 421 ميلادي. فما قصة هذا القديس الآشوري منذ الربع الأول من القرن الخامس الميلادي الذي لم نسمع ولم نقرأ عنه أي كتاب أو وثيقة تاريخية تشير إلى أسمه ووجوده ونشاطه... فما سر هذا القديس الآشوري الذي كان يبشر في أوروبا الغربية بعيدا عن موطنه الأصلي فيما إذا أفترضنا فعلاً بأنه جاء من آشور وكننَ أسمه به وأصبح أول مطران لأبرشية وادي تارنتياس (Tarentaise) في كاونتي (مقاطعة) سافوي الذي تقع فيه أوتيلس (Hauteluce) وهي مدينة صغيرة شيد فيها كنيسة سميت بأسمه: القديس يعقوب أو جاكوب الآشوري (Jacques L Assyrien). فكان يطلق عليه أيضا القديس جاكوب من تارنتياس لكونه مطرانها الأول. وهنا أود أن أشير بأنه لكون معظم أسماء المدن والمناطق والأشخاص التي وردت في هذا الموضوع هي من مصادرها الفرنسية فأنني مضطر عند ترجمتها أن أضعها أيضا باللغة الفرنسية وذلك خشية من لفظها بشكل مختلف. كما إنني مضطر، وحسب الضرورة، ان أرفق المصادر أو المعلومات بلغتها الفرنسية الأصلية وذلك تجنباً لشك في هذا الموضوع المثير والغامض بعض الشيء في عالمنا القومي والكنسي. فهذا الموضوع ما هو إلا معلومات من بعض السطور المستلة من هذه المصادر ومعلومات أخرى وفرها لي الصديق ريمون.

 
 
مدينة أوتيلس (Hauteluce) في الصيف والشتاء وكنيسة القديس يعقوب الآشوري ظاهرة في وسطها
========================================================



 



الموقع الألكتروني لبلدية أوتيلس ويظهر فيه شرحاً لكنيسة سانت جاكوب الآشوري
==============================================
وادي تارنتياس (Tarentaise)، الذي تقع فيه أوتيلس (Hauteluce) وكنيستها، يعتبر من أجمل الوديان في أوروبا الغربية وأكبرها بين سلسلة جبال الألب من الجانب الفرنسي ومن أشهر مراكز التزلج على الجليد والجذب السياحي بشكل عام. فبالقرب منها في منطقة ألبيرتفيلي (Albertville) جرت الألعاب الأولمبية الشتوية لعام 1992.  ولموقع هذا الوادي أهمية جيوإستراتيجية حيث كان في القرون الوسطى الممر الرئيسي بين إيطاليا وفرنسا وأوروبا الشمالية خاصة للتنقل والحج بين الفاتيكان وفينا وميلان. ففي عام 421 كان القديس جاكوب الآشوري أول مطران لتارنتياس (Tarentaise) وبعد وفاته خلفه المطران مارسيل الذي بنى الكاثدرالية في المدينة وسماها بأسم القديس جاكوب الآشوري. ففي الدليل السياحي والتاريخي الذي كتبه جوزيف كارن بالفرنسية لهذا الوادي فيه تفاصيل عن هذا القديس وعن رفيقه أيضا القديس ماكسيم رايس، نستل منه بعض السطور التي تخص القديس والتي ترجمها صديقنا ريمون من الفرنسية إلى الإنكليزية ثم نقلتها إلى العربية.
 




الأبرشية ومؤسسيها
----------------
القديس جاكوب من آشور (d’Assyrei والقديس ماكسيم  من رايس(de Riez )


الأبرشية قديمة جداً، فالتقليد يذكر بأن التبشير كان أول الأمر في هذا الوادي من قبل مبشرين أثنين وهما: سانت جاكوب الآشوري و القديس ماكسيم من رايس فتركوا بصماتهم على أبرشيتين فسميت بأسمهما. هناك القليل عن تاريخ هذين القدسين، حيث يذكر بأنه في عام 410 ميلادي جاء نبيل روماني أسمه هونورات (Honorat)  وأستقر في ليرينز(Lérins,) وهي أحدى الجزر الصخرية على طول ساحل بروفنس (Provence) مقابل مدينة كان الحالية، جاء إلى هذه المنطقة المعزولة ليقود مع بعض من أصدقاءه حياة المصلين ويقوم بالتعليم وكبح الشهوات (التنسك). بعد فترة تجمع حوله العديد من المبشرين ومن مختلف الأمم الذين كانوا يرغبون التعلم منه حب المسيح وخدمته ومن بين الأسماء التي ذكرت أسم جاكوب الآشوري  أو يعقوب الآشوري (JACQUES L’ ASSYRIEN) وماكسيم اللذان أصبحا قدسين مشهورين في المنطقة عام 426 ميلادي. فعندما عين هونرات (Honorat) مطراناً لـ (أرلس – Arles) غادر (ليرانس – Lérins) وأخذ معه المبشر جاكوب ثم ماكسيم. وفي عام 427 ميلادي أرسلهم إلى سيوترونز – Ceutrons)  ووادي (أوستا –  Aosta) للتبشير بالإنجيل وهناك أصبح جاكوب أول مطران لـ (أيسستاس - Eustase.). وبعد أن أكمل جاكوب مهمته توفي في 16 كانون الثاني عام 429 ميلادي في (أرلس – Arles) وهو في زيارة إلى معلمه الأول هونرات (Honorat) الذي كان يحتضر وهو على فراش الموت.


 
 


الكنيسة بعد ترميمها عدة مرات ومنذ القرون الوسطى
=========================================================



 
 


تمثال للقديس سانت جاكوب من تارنتياس Tarentaise (او آشور)
====================================

على العموم أكتفي بهذا القدر، وهنا من الضرورية الإشارة  بأنه قد ترد بعض الأخطاء في الترجمات أو قلة المعلومات عن هذا القديس بسبب شحة المصادر عنه وعدم معرفة منطقتنا وكنائسنا به، لكن الذي يهمنا من هذا الموضوع هو هذه الكنية (الآشوري) التي أستخدمت للقديس يعقوب في فرنسا في الربع الأول من القرن الخامس الميلادي وهو بعيد جداً عن آشور، لكي يثير فينا العديد من التساؤلات والإستفسارات عن هذا القديس الذي لا وجود له في منطقتنا ولا في مصادر كنيسة المشرق ولا في تاريخ الآشوريين ولا ندري فيما إذا كان في زيارة من آشور إلى روما ومنها سلك طريق الحج في ذلك الوادي ووصل إلى تلك المنطقة ليتعلم من معلمه الأول كلمة الرب ويقوم بالتبشير هناك. ولكن مع هذا،  أنه من الضروري أن نشير بأن البعض من رجال الكنيسة كانوا يكننون أسماؤهم بأسماء حضارات معروفة أو أوطان مشهورة لغرض أضافة نوع من الهيبة والعظمة على أسمائهم. فالنأخذ على سبيل المثال الفيلسوف واللاهوتي اللامع والمشهور طيطيانوس والمعروف بـ "طيطيانوس أتورايا" أو الآثوري أو الآشوري الذي وحد الإناجيل في إنجيل واحد وأطلق عليه أسم (دياطسرون). يختلف الباحثون في تاريخ ميلاده فمن يذكر سنة 130 وأخرون يذكرون 120 و  110 ميلادي) ولكن جميع المؤرخين يؤكدون ولادته في بداية القرن الثاني الميلادي في حدياب أي مدينة أربيل (أربائيلو) العاصمة المقدسة للأشوريين قبل سقوط إمبراطوريتهم وحتى بعدها. واليوم مقر لكرسي بطريرك كنيسة المشرق الآشورية. فبالإضافة إلى هذا العامل الموضوعي في فهم لقبه الآشوري لأنه ولد في قلب بلاد آشور فأنه كان هناك عامل فكري مباشر وفلسفي سببَ في أن يُلقب نفسه بالآشوري حيث عرف عنه بنقاشاته المحتدمة مع الأغريق وفلستهم ودخل معهم في صراع فكري وفلسفي حام الوطيس ولم يتفق معهم وعارض الكثير من مفاهيمهم الفلسفية. وفي مواجهته لهم ولحضارتهم التي كانوا يفتخرون ويتباهون بها لقب نفسه بالآشوري مستمداً لقبه من الحضارة الآشورية العظيمة التي كان ينتمي إليها ومن البلاد الذي ولد فيه.

وهنا أيضا يجب أن نلاحظ بأن فترة نشاط القديس يعقوب الآشوري كانت من عام 421 لغاية وفاته في عام 429 إي قبل أنعقاد مجمع أفسس 431 وتحريم تعاليم القديس نسطورس ومن ثم نعت كنيسة المشرق بـ "النسطورية" التي كان معظم أتباعها من بلاد الرافدين ومن أصول آشورية، أي بهذا المعنى من الصعب التكهن بان الأسم الآشوري والتسمي به كلقب لرجال الفكر والكنيسة في فترة كانت الأفكار والفلسفات والمعتقدات الدينية هي الطاغية على المجتمعات خاصة مجتمع بلاد مابين النهرين. إذن من أين جاء لقب القديس يعقوب الآشوري وهو رجل دين بمستوى مطران ويكنن نفسه بأسم حضارة ما قبل المسيحية في الوقت الذي كان سائدا في الفكر التقليدي الكنسي بأن الحضارة الآشورية هي وثنية والأشوريون يعبدون عدد من الآله. من هذا المنطلق يمكن القول بأن مثل هذا الفكر التقليدي الكنسي مخطأ في إعتبار الحضارة الآشورية وثنية والأشوريين كانوا يعبدون عدة آله، على الأقل في فكر القديس يعقوب، وإلا لما تسمى وهو رجل دين بمستوى مطران بأسم هذه الحضارة العظيمة.   

على أية حال، يبقى التساؤل قائماً وبقوة لماذا الآشورية وليس غيرها لقباً لهذا القديس، هل هو فعلاً من آشور أو كان من غير بلد وسمع عن عظمة الحضارة الآشورية وتسمى بها... أحتمالات ... مجرد إحتمالات وما أكثرها.. سؤال محير لا بل لغز يصعب حله طالما نفتقر إلى مصادر تتناول الخلفية التاريخية لهذا القديس الآشوري... ولكن مهلاً عزيزي القارئ ربما لأصحاب التخريفات التي تقول بأن الأنكليز أطلقوا على النساطرة أسم الآشوريين لأسباب سياسية في القرن التاسع عشر لهم حل تخريفي آخر لهذا اللغز فمن الممكن أن يقولوا تخريفة أخرى بأن الإنكليز قد أستخدموا "آلة الزمن" من القصة الخرافية للكاتب الإنكليزي هربرت جورج ويلز (1866-1946) تحت نفس العنوان "آلة الزمن" فركبوها وسافروا بها إلى الماضي إلى الربع الأول من القرن الخامس الميلادي وألتقوا بالقديس يعقوب وأطلقوا عليه لقب الآشوري... فكر آخر زمن، وليس إلا تخريف في تخريف!!!.

وأخيراً نتسائل: هل لأي قارئ أو رجل فكر أو مؤرخ أوإكليري سواء من كنيسة المشرق أو غيرها معلومات عن هذا القديس وسبب تسميته بالآشوري، فلينبري ويعرضها لربما تخفف من وتزول غموض تسمية هذا القديس بالأشوري؟؟



32
"مشكلة الموصل"
ودور المسيحيين في ضمها للعراق بدلا من تركيا
------------------------------------
أبرم شبيرا
ملحوظة:

من الملاحظ بأن هناك المئات إن لم تكن الألاف من الكتب والبحوث والمقالات والتقارير التي كتبت عن هذه المشكلة أثناء وبعد تأسيس كيان العراق السياسي في بداية القرن الماضي وفيها تفاصيل مطولة عنها وعن الدور الذي لعبه العراقيون وبمختلف قواهم السياسية والقومية والدينية سواء المؤيدين لضم ولاية الموصل إلى العراق أو الطالبين بإرجاعها إلى تركيا. ولكن هناك إجحاف سافر وتجاهل مطبق بحق المسيحيين، وخاصة الآشوريين منهم، الذين كان لهم دوراً أساسياً في ضم ولاية الموصل إلى العراق بدلا من تركيا. وهذه محاولة لبيان جزء يسير وبقدر تعلق الأمر بالمصادر والمعلومات الشحيحة عن هذا الدور،  ولكن مهما كان هذا الدور فأنه كان له تأثيراً على مجريات أمور حل مشكلة الموصل لصالح العراق في مقارنته مع دور بقية العراقيين، وهذا سبباً كافيا يمنحنا حق عنونة الموضوع بهذا الدور. فإبتداءاً يستوجب بيان كفية نشؤ هذه المشكلة ودور بريطانيا في ضمها للعراق وتأسيس كيانه السياسي ومواقف العراقيين منها والتقدير والمكافاءات التي تلقاها المسيحيون من رجال الأنظمة السياسية في العراق على دورهم في ضم الولاية إلى العراق بدلا من تركيا.   
نشؤ مشكلة الموصل:
============
كان  بلاد مابين النهرين – Mesopotamia -  (فيما بعد العراق)  يشمل في العهد العثماني على ثلاث ولايات وهي بغداد والموصل والبصرة. وكانت مدينة الموصل (نينوى في العهود السابقة)  في زمن الإمبراطورية العثمانية مركز ولاية الموصل التي كانت تشمل معظم المحافظات الشمالية في بلاد مابين النهرين وكانت جزء من حصة فرنسا حسب إتفاقية سايكس – بيكو الموقعة في العام 1916 بين بريطانيا وفرنسا وروسيا القيصرية حول إقتسام ممتلكات الإمبراطورية العثمانية بعد إندحارها في الحرب. نشأت مشكلة الموصل عشية توقيع معاهدة "مودرس" في 30/10/1918 الخاصة بوقف العمليات العسكرية للحرب العالمية الأولى  بين الحلفاء والدول المندحرة في الوقت الذي كانت القوات البريطانية تحارب القوات العثمانية قرب بلدة شرقاط (آشور الأثرية) جنوب مدينة الموصل بحوالي 85 كم، ثم تواصل تقدمها حتى إحتلال مدينة الموصل في بداية شهر تشرين الثاني (نوفمبر). غير أن السلطات العثمانية أحتجت على ذلك ودفعت بعدم شرعية إحتلال بريطانيا للموصل، فأدعت بأحقيتها فيها معتمدة على أساسين: الأول كون معظم سكان الولاية من العثمانيين المسلمين ومن أصول غير عربية، وتقصد الكورد والتركمان وغيرهم. الثانية كون مناطق شمال بلدة شرقاط بما فيها مدينة الموصل قد أحتلت بعد إتفاقية وقف إطلاق النار. فكان رد بريطانيا لحجج الإتراك في الإعتماد على المادة السابعة من الإتفاقية أعلاه التي تعطي الحق للحلفاء، ومنهم بريطانيا، إحتلال أي مواقع إستراتيجية قد تهدد أمن وسلامة قواتهم، كما وأن المادة السادسة عشر من الإتفاقية تلزم الأتراك بتسليم بريطانيا جميع المواقع الإستراتيجية والحمايات العسكرية في بلاد مابين النهرين بما فيها ولاية الموصل بأجمعها والتي تشكل جزءاً تاريخياً منها.

تسوية مشكلة الموصل:
==============
في السابع من التشرين الثاني 1918 أستسلم القائد التركي علي إحسان باشا إلى مطالب القائد البريطاني الجنرال وليام مارشال وأنسحبت جميع القوات التركية من مدينة الموصل في غضون عشرة أيام. وقبل نهاية عام 1918 تدفق النفط في مناطق ولاية الموصل وبكميات تجارية فكان هذا عاملاً آخر ومؤثر في تعقيد المشكلة مما زاد من تمسك الأطراف المتنازعة على الولاية بما فيها فرنسا، ودعا كل طرف بأحقيته فيها. غير أنه بسبب وجود بريطانيا الواقعي في الولاية والذي فرضته قواتها المنتصرة ومن ثم الإتفاق الذي حصل بين بريطانيا وفرنسا في توزيع ممتلكات "الرجل المريض" في شهر كانون الأول (ديسمبر) من العام نفسه، تنازلت فرنسا لبريطانيا عن ولاية الموصل مقابل منحها إمتيازات خاصة على نهر الراين في قلب أوروبا مع نسبة 25% من أسهم شركة النفط التركية المستثمرة لحقول البترول في الولاية بعد إعادة تنظيمها وتحصيصها بين الدول المنتصرة في الحرب وحلفائها والتي تغير أسمها فيما بعد لتصبح شركة نفط العراق (IPC)

أما بالنسبة لتركيا، فإنها بعد هيمنة الزعيم القومي التركي كمال أتاتورك على المقدرات السياسية في البلاد وإنتعاش "الرجل المريض" وإستعادة حيويته ونشاطه خاصة بعد دحره للجيش اليوناني في الأناضول وإنسحاب الجيش الفرنسي من أضنه وحلول التفاهم بين الحكومة الفرنسية وحكومة أنقرة الجديدة لحل مشاكل مخلفات الحرب، جعلت هذه الظروف تركيا دولة لها موقع مؤثر في مجريات وتسويات الحدود التي كانت تتم بين الدول المنتصرة، فإستطاعت بحكم هذا الموقع القضاء على معاهدة سفير المهينة لها والموقعة في شهر آب (أغسطس) من العام 1920 بين الدولة العثمانية والحلفاء، وبالتالي القضاء على مشروع إقامة دولة أرمينيا الكبرى والحكم الذاتي للأكراد في جنوب شرقي تركيا وضمانات حماية حقوق الأقليات القومية والدينية، ومن ثم توقيع معاهدة لوزان عام 1923 لحل المشاكل الحدودية بينها وبين الدول المنتصرة في الحرب، حيث قضت الفقرة الثالثة على حل مشكلة الموصل وذلك بتعين خط الحدود الفاصل بين تركيا والعراق عن طريق تسوية سلمية تعقد بين الطرفين في غضون تسعة أشهر من تاريخ توقيع المعاهدة وفي حالة عدم التوصل إلى إتفاق بينهما خلال الفترة المحددة يصار إلى إحالة النزاع إلى عصبة الأمم لإقرار مصير الولاية. ولتهدئة الأمور وتحديد حدود النزاع لحين إتمام التسوية النهائية أقر مجلس العصبة عام 1924 وبالإتفاق مع طرفي النزاع رسم خط مؤقت بين العراق وتركيا عرف بخط بروكسل وهو الخط الحدودي الذي أصبح ساري المفعول وأعتمد في حل النزاع فيما بعد والذي أصبح أيضا الخط الحدودي الفاصل بين تركيا والعراق لحد هذا اليوم.

عجز الطرفان، تركيا وبريطانيا، من التوصل إلى إتفاق ودي ونهائي خلال الفترة المحددة فأحيل موضوع النزاع إلى عصبة الأمم والتي أتخذت بتاريخ 13/11/1924 قراراً بتأليف لجنة من ثلاثة خبراء (اللجنة الثلاثية) لتقصي الحقائق في الولاية المتنازع عليها. وعلى ضوء تقرير اللجنة المقدم إلى مجلس العصبة بتاريخ 16/7/1925 أتخذ قرارا في 16/12/1925 بإلحاق ولاية الموصل بالعراق مع إبداء بعض التحفظات والشروط المتعلقة بالتدابير الواجب إتخاذها من قبل حكومة العراق والدولة المنتدبة، بريطانيا، تجاه الكورد والأقليات القومية والدينية، مع بقاء بريطانيا دولة منتدبة على العراق لمدة خمس وعشرين سنة. ومن جانب آخر وخارج إطار قرار مجلس العصبة قامت بريطانيا بترضية تركيا عن طريق منحها 10% من إمتيازات النفط المكتشف في الموصل ولمدة 25 سنة، إضافة إلى قرارات أخرى جرى إتخاذها في الأروقة السرية متعلقة بمصير شعوب الولاية خاصة الآشوريين الذين كان لهم أيضا مسألة عوصية متعلقة بحل النزاعات الحدودية وبمشكلة الموصل، خاصة بعد رسم خط بروكسل الحدودي وبقاء منطقة حيكاري التي كان يسكنها عدد كبير من الآشوريين ضمن أراضي تركيا.

 نشوء الكيان السياسي للعراق:

==================
من خلال ما تقدم ومن إستقراء التاريخ السياسي الحديث لنشوء دولة العراق وظهور كيانها السياسي كدولة عصرية في بداية القرن الماضي، يبدو أن بسبب ضعف أو عدم تكامل وتوافق العوامل الحضارية والثقافية والإجتماعية والدينية واللغوية في العراق، لم تلعب دوراً مهماً في تأسيس كيانه السياسي أكثر مما لعبت العوامل العسكرية والسياسية. وبصورة أوضح نقول بقدر إحتلال القوات البريطانية لأراضي بلاد مابين النهرين أثناء معارك الحرب الكونية الأولى وقدرتها على طرد القوات العثمانية وإنتزاع الأراضي منها وتقدمها نحو الشمال، بقدر ذلك تحدد حدود كيان العراق السياسي. كذلك بقدر فاعلية الدبلوماسية البريطانية وإفلاحها في نقل الأمر الواقع الذي أفرزه وجودها العسكري في المنطقة إلى مستوى السياسة ونجاح مناوراتها السياسية في إبرام المعاهدات والمواثيق، بقدر ذلك تقرر واقعية وقانونية حدود العراق السياسي. ففي مؤتمر القاهرة عام 1920 طرحت بعض المشاريع لتقرير مصير الولايات الثلاث: بغداد وبصرة والموصل، فكان قرار مستر تشرشل وزير المستعمرات البريطاني حينذاك تكوين دولة واحدة من الولايات المذكورة قراراً طبيعياً بالمفهوم الإستعماري في تغليب مصالحه الإقتصادية والسياسية على مصائر الشعوب الأخرى وعن طريق دمج المتناقضات الحضارية والإجتماعية والدينية واللغوية لسكان البلاد المتوارثة من المرحلة العثمانية في كيان سياسي واحد دون أي إعتبار للعوامل القومية والدينية والحضارية، فجاء نصب الأمير فيصل بن الشريف حسين الهاشمي ملكاً على عرش العراق  كحل من خارج هذه التناقضات والقفز من فوقها.

عوامل في تقرير مصير ولاية الموصل:
=========================
هذه العوامل العسكرية والسياسية في خلق كيان العراق السياسي هي عينها التي لعبت دورها الأساسي والفاعل في تقرير ضم ولاية الموصل بكل تناقضاتها القومية والدينية إلى العراق بدلا من تركيا. صحيح هو القول بأن ولاية الموصل في عهد الدول العثمانية وحتى قبلها كان إرتباطها تاريخياً وجغرافيا وإقتصاديا بولاية بغداد وببر الشام أكثر من إرتباطها بالإستانة وأراضي الأناضول، فإن ذلك لم يكن متغيراً فاعلاً في تقرير مصيرها السياسي. فالحال لم يكن يختلف كثيراً من حيث إرتباط  لواء الإسكندرونة حضارياً وجغرافياً وإقتصادياً ببقة مناطق الشام، إلا أن العوامل العسكرية والسياسية التي وفرتها فرنسا لصالح تركيا أفضت إلى تقرير مصير الإسكندرونة وسلخها من سوريا عام 1939 وضمها إلى تركيا. من هذا المنطلق، يأتي إفتراضنا لو أن القوات البريطانية التي كانت تحارب القوات التركية قرب بلدة شرقاط في العراق قد إستجابت لإتفاقية "مودرس" في وقت إطلاق النار وإن قوات الجنرال مارشال قد توقفت عن زحفها نحو مدينة الموصل بعد سريان وقف إطلاق النار لكان مصير ولاية الموصل قد تحدد بالواقع العسكري للوجود العثماني فيها وأصبحت جزء من تركيا. وإذا إفترضنا أن الدبلوماسية البريطانية قد أخفقت في ترجمة الواقع العسكري إلى نتائج سياسية ناجحة ومن ثم استجابت لتأثيرات تنامي القوة العسكرية لحكومة الكماليين في أنقرة وخضعت لتهديداتها في اللجوء إلى الحرب لفض النزاع مثلما خضعت فرنسا وأنسحب من أضنه وأنهار الجيش اليوناني وزال تهديده على أزمير ومضايق البسفور، لكان مصير ولاية الموصل كمصير الإسكندرونة، وأصبحت مساحة دولة العراق لا تزيد عن ثلثي مساحتها الحالية.

مما تقدم يتضح بأن العامل الخارجي المتمثل في الوجود البريطاني العسكري والسياسي كان له الفعل الأساسي والحاسم أكثر مما كان للعامل الداخلي في تكوين كيان العراق السياسي بما فيه ضم ولاية الموصل إلى العراق بدلا من تركيا. فكان هذا العامل الخارجي الأكثر فاعلية وتأثيرا من أي عامل داخلي في حل مشكلة الموصل وضمنها إلى العراق بدلا من تركيا. غير أن العامل الداخلي في هذه المسألة لم يكن غائباً، بل تحدد أيضا دوره وفاعليته بمدى توافقه مع المتغيرات العسكرية والسياسية السالفة الذكر. كما أن هذا التوافق تحدد أيضاً بطبيعة علاقة أطراف العامل الداخلي بالقوى الرئيسية الفاعلة، وأقصد بريطانيا، قبل الحرب الكونية الأولى وأثناءها. وبدءاً بالنخبة العراقية الحاكمة ودورها في هذه المسألة، فإن خلفيتها العسكرية والسياسية وتطبعها بالحياة العثمانية في الحكم والسياسة والفكر ومحاربة الكثير منهم كضباط في الجيش العثماني ضد القوات البريطانية وتأثرهم بكمال أتاتورك، وفيما بعد بهتلر وموسليني وبالنازية والفاشية، وتعطشهم الشديد للسلطة والجاه على حساب المبادئ والقيم، فإن كل هذه الميزات وضعتهم في موقف متناقض عند تعاونهم مع الإنكليز في بناء كيان العراق السياسي وضم الولاية إلى العراق. لهذا السبب تحدد دورهم فقط في ترك بريطانيا طليقة اليدين لحل مشكلة الموصل مقابل وعود وإمتيازات تمثلت في المعاهدة العراقية-البريطانية والتي وقعت بعد أيام قليلة من قرار عصبة الأمم في ضم ولاية الموصل إلى العراق وتحديداً في 13/01/1926. غير أن هذا لا ينفي بأن بعض القوى والشخصيات السياسية البارزة في العراق خاصة القوميون منهم وحزب الإستقلال قد ساندت وأيدت مساعي بريطانيا في ضم الموصل إلى العراق ولكن هؤلاء لم يكونوا مشمولين بتقصي الحقائق من قبل اللجنة الثلاثية التي عينتها عصبة الأمم، بل شملت سكان ولاية الموصل فقط التي كانت في غالبيته من الكورد والتركمان والمسيحيين واليزيديين والشبك وأيضاً العرب وتحديداً في مدينة الموصل.

موقف العراقيين من مشكلة الموصل:
=========================
في الموصل وقف أشهر وأكبر العوائل الموصلية إلى جانب ضم الولاية إلى تركيا بدلا من العراق ولأسباب مختلفة منها دينية وسياسية وإقتصادية وشخصية، لا بل فقد كان لبعضهم إتصالات مع الإتراك وتسلموا منهم مساعدات مالية وكان البعض الآخر موظفون سابقون وضباط متقاعدون من العهد العثماني في حين كان أخرون مندفعين بتأثير العاطفة الدينية أو كرههم للإنكليز والجماعات المؤيدة لهم. ويذكر الدكتور فاضل حسين "بأن مصطفى الصابوني وهو من اشهر العوائل الموصلية وجماعته كانوا قد كتبوا مضبطة أرسلوها إلى الإتراك يطالبون بعودتهم إلى ولاية الموصل... وكانت هناك جماعة تؤيد الأتراك لأسباب سياسية ودينية وأكثرها من الجيل القديم وكانت تعتبر الإمبراطورية العثمانية رمز قوة الإسلام السياسية وقد شعروا بمرارة الهزيمة في الحرب العالمية الأولى كما لم يشعر به أي شعب آخر وقد أفتقدوا الخلافة مثلهم الأعلى الذي يقدسونه منذ وفاة النبي محمد" (د.فاضل حسين، مشكلة الموصل – دراسة في الدبلوماسية العراقية-الإنكليزية- التركية وفي الرأي العام، مطبعة إشبيلية – بغداد، 1977، ط3 – ص 235-236). (أرجو من القارئ الكريم أن يقارن هذا بفكر داعش في الخلافة الإسلامية). ويذكر الدكتور فاضل حسين أيضاً بأن العلاقات العشائرية والعائلية لعبت دوراً كبيراً في تحديد المواقف بين مؤيد ومعارض. فقد ذكر، وعلى لسان الدكتور جميل دلالي سكرتير حزب الإستقلال الموصلي، بأن موقف الصابوني كان هو وطبقة التجار في الموصل بسبب عداوتهم لـ "أل العمري" وضد السادة (آل النقيب وآل المفتي وآل الفخري) الذين أيدوا ضم الولاية للعراق وأن وقوف آل النجفي وآل كشمولة إلى جانب ضم الولاية لتركيا هو بسبب خصومتهم مع آل توحلة المؤيدين للحكومة العراقية (ص236). من هذا يظهر بأن المواقف المؤيد والمعارضة كانت مبينة على أسس قبلية وعشائرية ومصلحية وعائلية ولم يكن هناك أي إعتبار وطني أو قومي لضم الولاية للعراق.
 
أما بالنسبة للكورد، فأن الطبيعة العشائرية والدينية التي كانت تحكم سلوكهم السياسي ومن ثم خضوعهم للتوجهات العثمانية سواء بإنخراطهم في القوات النظامية أو عن طريق "قوات الخيالة الحميدية" والتي سميت بعد إنقلاب تركيا الفتاة عام 1908 بـ "القوات الخيالة الخفيفة" السيئة الصيت في حملات تشريد وإبادة الآشوريين والأرمن، ثم تحالف الكورد مع العثمانيين أبان الحرب الكونية الأولى ضد قوات الحلفاء الروسية والبريطانية، كل هذه الظروف مضافاً إليها عاملي الدين والطبيعة الجغرافية، جعلت غالبية الكورد أقرب إلى الإتراك وتركيا من أي كيان سياسي عربي مستقل في العراق وأن يتواصل عداؤهم للإنكليز حتى بعد إنتهاء معارك الحرب الكونية الأولى  ويقفوا ضد مسعاهم في بناء كيان سياسي موحد في العراق. فكان من الطبيعي أن يميل غالبية الكورد، بإستثناء قليل في السليمانية، إلى تفضيل ضم ولاية الموصل إلى تركيا بدلا من العراق. ولا يمكن أن نتجاهل بأن الكورد تاريخياً قد خضعوا طيلة تاريخهم في المنطقة إلى دول وحكام من عناصر آرية وتركو- مغولية مجوسية أو إسلامية أكثر مما خضعوا للعرب المسلمين أو لحكام غير مسلمين كالإنكليز مثلا. من هذا المنطلق، ليس غريباً أن يرفضوا الكورد خضوعهم ومناطقهم إلى حكم جديد يدار من قبل العرب والإنكليز "الكفار".
والحال لم يكن يختلف كثيراً  بالنسبة لتركمان العراق، لا بل كانوا بسبب اللغة والعنصر والثقافة والدين، أكثر تحمساً لضم ولاية الموصل إلى تركيا. إذن فليس عجباً أن يكون فتاح بك صهر الزعيم الكوردي المشهور الشيخ محمود وناظم النفطجي عميد أسرة النفطجي التركمانية المشهورة في كركوك رغم جنسيتهما العراقية ممثلين لولاية الموصل عند حكومة إنقرة وخبراء ضمن الوفد التركي أثناء مباحثاته مع لجنة التحقيق الثلاثية التي أوفدتها عصبة الأمم عام 1925 بخصوص مشكلة الموصل والذي سبب إحتجاج الإنكليز والحكام العراقيين على ذلك لكونهما يحملان الجنسية العراقية.

واليوم يعيد التاريخ نفسه، فموصل واقعياً لم تعد جزء من العراق السياسي بعد إحتلالها من قبل داعش وأن جميع القوى التي تشارك في عملية إسترجاعها وأن كانت متفقة على هذا الهدف إلا أن هناك إختلافات مذهبية وطائفية وقومية عميقة ومتجذرة لا تحلها عملية إسترجاع الموصل بل من المتوقع أن تزيد من عمقها وتصارعها خاصة بعد أن تصبح عملية توزيع غنائم الحرب وقوداً لتصعيد هذه الخلافات والصراعات. كما أن هناك تجاذبات سياسية إقليمية خاصة بعد تدخل تركيا وتعيد للأنظار مسألة مطالبتها بولاية الموصل أو بالجزء التركماني منها أو بإيجاد موطئ قدم لها وتوسيع مصالحها وترسيخها في المنطقة وتشكيلها كقاعدة لمواجهة إيران في أراض غير أراضيها.     

موقف المسيحيين من ضم ولاية الموصل للعراق:
=================================
أما بالنسبة للأطراف المسيحية في الولاية من الكلدان والسريان والآشوريين، فهناك تجاهل بقصد أو بجهل من قبل معظم الكتاب والمؤرخين ورجال السياسة والنظام السياسي في العراق عن هذا الدور المهم الذي لعبه المسيحيون في ضم ولاية الموصل إلى العراق. حيث كانت مواقفهم مختلفة تماماً عن الكثير من العراقيين في تحمسهم وتأييدهم لضم ولاية الموصل إلى العراق بدلا من تركيا. فكانت مواقف جميع الطوائف والكنائس والقوميات المسيحية متوحدة في هذه المسألة بعكس العرب والكورد التي تضاربت الأراء والمواقف بينهما. فبسبب المعاناة والمأساة والإضطهاد والتشرد والمذابح التي فرضت عليهم من قبل الإتراك في كلا العهدين العثماني والكمالي فأنهم وقفوا وقفة صريحة وقوية إلى ضم الولاية إلى العراق وذلك خشية من عودة الحكم التركي الإستبدادي إلى منطقتهم.  ولم يكن هذا الموقف مبني على الأراء والتصريحات التي أدلوا بها للجنة تقصي الحقائق الثلاثية فحسب بل أيضا كانت هناك عوامل سياسية وعسكرية أرتبطت بطبيعة القوى العسكرية والسياسية الفاعلة في النزاع.
عسكريا: في أعقاب تقويض الكماليين لأركان الحكومة العثمانية وإصدارهم الميثاق القومي لعام 1920 طالبوا بشكل صريح ومطلق بضرورة عودة الموصل وبكل السبل والوسائل إلى تركيا، فإستطاعوا بقوة السلاح أن يقفوا على أهبة الإستعداد للمطالبة بمركزهم القديم في الموصل فأثاروا  الكثير من القلائل  والإضطرابات في المنطقة وعن طريق تحريض بعد العشائر العربية والكوردية والتركمانية للثورة على الإنكليز "الكفرة". فخلال عام 1923 أحتل الأتراك مناطق واسعة من شمال العراق بما فيها مدينة راوندوز وذلك لغرض إحتلال بقية المناطق في الولاية أو بهدف خلق واقع عسكري يساعدهم على حسم النزاع دبلوماسيا لصالحهم. فأزاء هذا الواقع العسكري لم يكن أمام الحكومة العراقية الفتية من حل عسكري لإزالة الوجود التركي من شمال العراق سيما وأن جيش العراق الذي تأسس العام 1921 لم يكن قد أكتمل بناؤه أو أكتسب خبرة حربية خاصة في مناطق جبلية ووعرة، لذلك لم يكن حينذاك أمام بريطانيا، المسؤولة عن حماية كيان العراق، سوى الإعتماد على القوات الآشورية المحلية التي جندتهم في العراق التي كانت معروفة بـقوات "الليفي"، المتمرسة في حرب العصابات والجبال العاصية حيث أستطاعت في غضون أيام قليلة من طرد معظم القوات التركية من المناطق التي أصبحت عراقية بعد إقرار خط بروكسيل عام 1924. فكان هذا سبباً كافياً لظهور إقتراح يقضي بتبديل أسم قوات "الليفي" إلى قوات حماية الحدود، إلا أن المقترح لم ينفذ لأسباب دينية وأخرى مرتبطة بغيرة وإحتجاح بعض قادة الجيش العراقي حينذاك.

سياسيا: إضافة إلى تأثير طلبات معظم المسيحيين على تقرير لجنة تقصي الحقائق والذي خصص حيزاً كبيراً لمسألتهم ووضعهم في الولاية ومن ثم إنعكاس ذلك على قرار مجلس العصية في إعطاء الولاية إلى العراق بدلا من تركيا، فهناك مسألة سياسية مهمة أخرى  لعبت دوراً كبيرا في التأثير على قرار مجلس العصبة متعلقة بالآشوريون الذين شردهم الأتراك من موطنهم الأصلي في منطقة حيكاري جنوب شرقي تركيا أثناء الحرب، حيث كانوا قد أنتقلوا إلى المناطق التي أصبحت عراقية بعد رسم خط بروكسل وجزء من ولاية الموصل، هنا من الضروري جدا أن نعرف بأن الآشوريين الحكاريين لم يهاجروا من دولة تركيا إلى دولة العراق، كما يفسر البعض ولإغراض دنيئة، بل أنتقلوا ونزحوا بسبب الظلم والإستبداد العثماني من منطقة إلى آخرى ضمن بلاد ما بين النهرين لأن العراق لم يكن في تلك الفترة، أي وقت إنتقالهم 1917-1918 قائماً كدولة لها حدود جغرافية وسياسية بل كانت جزء من أراضي بلاد ما بين النهرين وخاضعة لسيطرة الإمبراطورية العثمانية. بعكس بعض العشائر الكوردية التي نزحت من دولة إيران إلى دولة العراق بعد تأسيسه بسنوات وأيضاً بعض القبائل العربية البدوية التي نزحت من صحراء شبه الجزيرة العربية وأستقروا في العراق بعد تأسيس كيانه السياسي  فأصبحوا مواطنون عراقيون من الدرجة الأولى، في حين أصبح الآشوريون في نظر الأنظمة العراقية غرباء نازحين من الخارج. أستغل البريطانيون المسألة الآشورية إستغلالاً كبيرا من أجل الفوز بولاية الموصل وضمها إلى العراق. فعندما قرر مجلس العصبة ضم ولاية الموصل إلى العراق كان قد تخلل ذلك مباحثات في الأروقة السرية بين المتنازعين. فقبول تركيا بقرار مجلس العصبة لم يكن فقط بسبب الإمتيازات المعروفة التي منحتها بريطانيا لتركيا والتي ذكرناها سابقاً، بل كان هناك أيضا تنازل عن الوعود الكثيرة التي قطعتها بريطانيا للآشوريين بضمان عودتهم إلى مناطقهم في حيكاري أو بضم هذه المناطق إلى العراق بعد تأسيس كيانها السياسي. فبين إصرار آشوريي حيكاري على العودة إلى مناطقهم ورفض تركيا، أستطاعت بريطانيا الخروج من هذا المأزق بالضغط على الآشوريين للتنازل عن طلبهم بالعودة إلى حيكاري مقابل وعود بريطانية وعراقية بتعويضهم عن طريق إسكانهم بين بقية الآشوريين في مناطق العمادية ودهوك وزاخو العراقية جنوب خط بروكسل. فأستغلت بريطانيا هذه المسألة قبل صدور قرار مجلس العصبة مدعية بضرورة ضم الولاية إلى العراق لغرض إسكان الآشوريين النازحين إليها من حيكاري ومنحهم الإمتيازات الدينية والدنيوية التي كانوا يتمتعون بها في الدولة العثمانية طالما لم تقبل تركيا لا بضم منطقة حيكاري إلى العراق ولا بقبول تركيا رجوع الآشوريين إلى أراضيهم في حيكاري. غير أن بريطانيا ورجال الحكم العراقي بعد فوزهم بولاية الموصل نكثوا بعهودهم في إسكان الآشوريين في وحدة متجانسة حسب توصية عصبة الأمم حيث تم توزيعهم، رغم رفض غالبية الآشوريين، على أراض متباعدة وبين الكورد والتي كانت في معظمها غير صالحة للزراعة والسكن وبعضها الآخر مبؤة بأمراض معدية كالملاريا، فإستمر الآشوريون مطالبتهم بحقوقهم المشروعة، مما تعقدت مسألتهم في العراق وطغت على السطح السياسي في الثلث الأول من القرن الماضي.

الأنظمة السياسية في العراق "تكافئ" المسيحين على دورهم في ضم الموصل إلى العراق:

--------------------------------------------------------
لم يمض على الدور الكبير الذي لعبه المسيحيون خاصة الآشوريين منهم في ضمن ولاية الموصل إلى العراق إلا وكافئتهم الأنظمة السياسية المتعاقبة على السطلة في العراق ومن ورائها بريطانيا. نعم كافأوهم بالتعامل الآستبدادي في معالجة مسألتهم ومطاليبهم رغم الدور الكبير الذي لعبوه في ضم ولاية الموصل إلى العراق وتعزيز حدوده الشمالي ... نعم كافأوهم بالإستبداد والظلم والمذابح حيث أرتكبت بحقهم في شهر آب من عام 1933 مذبحة في بلدة سميل القريبة من مدينة دهوك وراح ضحيتها ما يقارب 3000 آشوري. ولم تتوانى هذه الأنظمة التي تعاقب على السلطة في العراق خلال العقود التي تلت تأسيس دولة العراق، مهما أختلفت في شكلها ولكن أتفقت في توجاهاتها وسياساته. ففي زمن البعث أرتكبت مذبحة أخرى بحقهم في قرية صورية الكلدانية عام 1969 وتلا ذلك تدمير قراهم وكنائسهم في المناطق التي كانت جزء من ولاية الموصل وتشريدهم وإعتقال وإعدام رجال السياسة والكنيسة فكانت حصة المسيحيين من الإغتيالات والإختطاف بعد عام 2003 أكبر بكثير من غيرهم وعلى رأسهم الشهيد فرج رحو مطران الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية في الموصل وغيره من رجال الكنيسة وتدمير كنائسهم وأدرتهم. ومجزرة كنيسة سيدة النجاة في بغداد وصمة عار في تاريخ العراق السياسي. أستمر الظلم والإستبداد على المسيحيين في العراق سواء على المستوى الإرهابي أو القانوني حتى يومنا هذا وليس قانون بطاقة اللاوطنية الحلقة الأخيرة في هذه السلسلة بل كان هناك حلقات تمثلت في  سلب ممتلكاتهم ونهب أملاكمهم والتجاوز على أراضيهم وإحتلالها وتغير ديموغرافيتها. ويظهر من الممارسات والإفكار الإستبدادية لرجال الحكم والسياسية في العراق وفي ظل النظام الطائفي والمحاصصي وسيادة الفوضى بأن الآتي سيكون أكثر عنفاً وظلما على المسيحيين. فاليوم تعود الموصل إلى مسرح الأحداث الدراماتيكية  وبطلها داعش أبناء وأحفاد الإستبدادين والمتطرفين من رجال الحكم والسياسة في العراق ليكمل إفناء الباقي من وجود المسيحيين في الموصل  فيستمر الإستبداد والتشريد ضد المسيحيين في هذه المنطقة والتي توجت هذه المأساة بالأعمال الإجرامية لداعش في تشريد معظم المسيحيين من مناطقهم التاريخية في سهل نينوى.

ولكن مهما تكن قسوة هذه المعاناة والمظام فإن المسيحيين في العراق وبجميع تنظيماتهم السياسية والدينية يحاولون إزالة الحواجز السياسية والنفسية التي خلفتها سلبيات تاريخ العراق السياسي كضمان أولي وأساسي لوحدة الشعب العراقي بمختلف قومياته وأديانه وكركيزة جوهرية صلدة لإستقرار الأمن والسلام في العراق الموحد، وهو الأمل الذي ينشده المسيحيون وغيرهم من الأقوام والديانات الأخرى في العراق المحبة للسلام والتسامح. ولكن الخوف، وكل الخوف هو أن لا يكون الإنتظار لتحقيق هذا الأمل على أرض الواقع كإنتظار كودو في مسرحية صموئيل بيكت!!.   





33
إلى الصديق القديم – الجديد خوشابا سولاقا... مع التحيات
ومع بعض الأفكار عن الردود الإنترنيتية والهجرة وتناقض الأفكار
=====================================
أبرم شبيرا

عزيزي وصديق العمر خوشابا سولاقا... تحياتي أولاً وأخيراً:

تعرف جيداً يا صديقي بأنني قلما أرد، أو بالأحرى لا أدخل في النقاشات الإنترنيتية عن طريق الرد على ما تعلق أنت عليها وغيرك من الأصدقاء الطيبين على ما أنشره وبالنتيجة، بسبب سوء الفهم من قبل البعض، نعتوني بصفات كالغرور والتكبر وعدم الإكتراث وإحترام القراء ولكن أنت كصديق قديم - جديد هو سيد العارفين، بأنني بعيداً جداً عن هذه الصفات وفي أحيان كثيرة دافعت أنت ونفيت عني مثل هذه الصفات. ولكن هذه المرة "تكرم عيونك" يا أبو نورام أكتب هذه السطور لتوضيح ما كتبته في تعليقك على مقال الأخ الصديق بطرس نباتي المتمم لموضوعي (الدون كيشوت المسيحي يحارب الشياطين في العراق) وأعترف بأنك نجحت في سحبي نحو الدخول في مثل هذه الحوارات الإنترنيتية التي في الحقيقة لا أراها مفيده إلا القليل منها وبعضها يستوجبها التوضيح أكثر وهذا هو مقصد هذه السطور، لأن في معظمها (أكرر معظمها وليس جميعها) لا تمت بصلة إلى صلب الموضوع ومغزاه أو هي مسائل شخصية وفرصة لتصفية الحسابات أو مصدرها هو سوء فهم مقصد الموضوع. وتعليقك على مقالة الصديق بطرس نباتي والملحق أو الموضح لموضوعي هو كنموذج على ماذكرته حيث كنت أرغب أن يكون تعليق ملحق بتعليقك لمقالة الأخ بطرس نباتي إلا أنني وجدت في طوله سبب لنشره بشكل مستقل.

قبل كل شيء، موضوعي هو عن الجهود غير المثمرة لممثلي "المكون المسيحي" في "نضالهم" ضد زمرة الطائفية والحقد والكراهية المتربعة على السلطة ومقدرات العراق والتي لا تأتي بنتيجة فالواقائع ثبتت وتثبت بأن أمور ووضع أمتنا في الوطن تسير نحو الأسوء فالأسوء، وكل الدلائل تشير بأننا قادمون نحو كارثة إذا أستمرت الأمور السياسية الظالمة والمحجفة بحق أمتنا على نفس المنوال وبدون تغير. ليس من شيمي وإخلاقي، وأنت سيد العارفين، بأن أحط من قيمة شخص أو أوجه إهانة شخصية له خاصة للمنخرطين في المسائل القومية بل كل ما هو بيان عيوب وعدم جدوى أساليب عملهم السياسي. وهذا كان مقصد موضوعي. فهناك فرق كبير بين الشخص وأسلوبه في العمل ولكن مع الأسف لا يعرفه البعض الذي يعتقد بأن إنتقاد أسلوب العمل هو إهانة للشخص. كما أن أخذ مثال "الدون كيشوت" ليس إستهزاءاً أو إزدراءاً بهم كما يعتقد البعض، فمن يقرأ رواية الأديب الإسباني ميغيل دي تيربانتس سابيدرا عن شخصية (دون كيشوت  لامانتشا) سيجد بأنها شخصية بسيطة نقية وطيبة ومثالية وطموحة يسعى في حروبه مع الشياطن إلى خير الناس لتخليصهم منهم ولكن لم يوفق لأنه لجأ إلى أساليب مثالية خيالية غير مجدية في نهاية الأمر، فهكذا هو حال ممثلي "المكون المسيحي" في حروبهم ضد شياطين في العراق.

هذا كان مقصد موضوعي وهو واضح وضوح الشمس للعقول المتنورة. ولكن من المؤسف ما كتبته يا صديقي عن الهجرة وموقفي منها والمرتكز على حالة شخصية وجلسة شخصية ليس له علاقة إطلاقاً بصلب الموضوع أعلاه ولا بموضوع الصديق بطرس نباتي. لا بل والأكثر إستغراباً هو ذكرك (بأنني والأخ ولسن يونان الإعلامي المعروف كنًا نؤيد الهجرة وترك العراق بحماس شديد لأن بقائنا فيه لا أمل من ورائه وكنا متحمسان لهذا الرأي) فهذه ليست مغالطة كبيرة يا صاحبي خوشابا فحسب بل مصدر إستغرابي الكبير عن كيفية فهمك لرأيي في موضوع الهجرة. هذا الحماس الذي تنعتي به لا أعتقد هو سلوك أو فكر أي إنسان له ذرة من الوعي القومي الصحيح وأنت سيد العارفين بمدى حبي لهذه الأمة وإرتباطها بأرض الوطن كمقوم أساس لوجودها وإستمرارها نحو أماد أبعد. أن موضوع الهجرة كنت قد كتبت عنها بحثاً مطولاً وحاضرت عنه في منتصف التسعينيات من القرن الماضي في سوريا وشمال العراق مؤكداً بأن الهجرة هي عاصفة هوجاء مدمرة لا يستطيع أي شخص كائن من كان ولا أية مؤسسة قومية أو دينية مواجهتها والحد منها أو إيقافها في الوقت الحاضر وفي المستقبل المنظور. وكان أبينا السامي مار لويس روفائيل ساكو بطريرك الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية قد أصاب كبد الحقيقة عندما قال (لا نقف ضد الهجرة ولكن لا نؤيدها) هذا الفهم العميق للهجرة  والعجز عن الوقوف ضدها مبني على معرفة عميقة لواقع مجتمعنا في الوطن ونحن نعرف الكنيسة هي أكثر المؤسسات تضرراً من الهجرة خاصة الكاثوليكية منها. هذه الحقيقة لا يستطيع أحد أن ينكرها إلا الذي يسبح في غيوم السماء. ولكن مع هذا فأن علينا أن نواجهها بأساليب تحد من نتائجها المدمرة خاصة في مجتمعنا في المهجر والتعامل معها بأساليب منطقية وواقعية. وقد شبهت الهجرة في بحثي المنوه عنه بسم الأفعى الذي هو شديد السمية وقاتل للبشر ولكن الخبراء يستطيعون التعامل معه في مختبرات طبية ويستخلصون منه أدوية مفيدة جداً في علاج الأمراض المستعصية. والحال نفسه مع نبات العاكول الصحراوي الذي له أشواك حادة ومؤلمة يصعب قطفه ولكن يستخلص منه أدوية مفيدة جداً للكثير من الأمراض. هكذا هي الهجرة سم قاتل وأشواك مؤلمة لكن يمكن التعامل معها بحذر ومن قبل "الخبراء" لإستخلاص منها نتائج مفيدة لمجتمعنا في المهجر.

فأي من أبناء أمتنا عندما يهاجر الوطن ويستقر في المهجر يصبح أمر رجوعه إليه مستحيلاً وإمطاره بوابل من الوعظ والنصائح ومن خطورة المهجر والإنصهار فيه لا يجدي نفعاً ولا تستطيع تغيير حاله. في المهجر المجالات مفتوحة وبشكل واسع أمام المهاجر وبكل جوانب الحياة السلبية المدمرة والإيجابية البناءة فالمهمة أو الواجب القومي لأبناء أمتنا ومؤسساتهم وأحزابهم في المهجر هو التركيز على الجوانب الإيجابية وليس السلبية، مع عدم تجاهلها، أو الدخول في حروب دون كيشوتية في "تحرير آشور". فبهذه الطريقة أي التركيز على الجوانب الإيجابية بما فيها تقوية المؤسسات ومساندتها وتشجيع أبناء أمتنا لإقتناء العلم والثقافة والإنخراط في السياسية المحلية ومحاربة العشائرية والطائفية والشللية المستشرية في المهجر والإستفادة من الأجواء الديموقراطية الصحيحة، هي الحروب الحقيقية والنضال الصحيح لأبناء أمتنا ومؤسساتهم القومية في المهجر وليس في "تحرير آشور" أو قدوم أشخاص من المهجر لغرض الترشيح للإنتخابات البرلمانية في العراق. فهذا النضال الإيجابي من المؤكد سيكون عامل قوي في دعم وإسناد نضال شعبنا في الوطن. لكن من المؤسف نرى بأن الكثير من المتزمتين في معارضة الهجرة ومحاربتها بأسلحة دون كيشوتية أو حتى بدون أي أسلحة لا يميزون بين هاذين الجانبين، السلبي والإيجابي للمهجر. فمثل هؤلاء لهم عيون أكثر قوة من ستة/ستة في تشخيص الجانب السلبي والتركيز على الأمراض الإجتماعية والفكرية لأبناء أمتنا ولكن في نفس الوقت مصابون بعمى الجانب الإيجابي مثلما يصاب الإنسان بعمى الألوان.  هذا هو رأيي المبدئي عن الهجرة، أي كيفية التعامل مع مجتمعنا في المهجر ويجب أن لا يفهم منه بأنني أؤيد الهجرة وأناشد أبناء أمتي ترك الوطن كما تزعم كما يجب أن يفهم بأن رفضي أعتبار أبناء أمتنا في المهجر مشردين ضائعين لا عمل له ولا شغل بل علينا تشجيعهم على الإنخراط والتكامل مع الحياة في المهجر ومتطلباتها والسعي نحو العلم والثقافة لأن بلد المهجر أصبح بالنسبة لهم من الناحية القانونية والواقعية وطناً لهم، فهذا كله لا يعني إطلاقاً بأننا نؤيد الهجرة.

لنأخذ مثال حياً وقريباً وهو الإتحاد القومي الآشوري الأمريكي والكونفنشن الذي ينظمه في كل سنة. هذه المؤسسة القومية تعتبر من أعرق المؤسسات القومية وأقدمها وأكثرها إستمراراً وثبوتاً حيث كما نعرف بأنه تأسس عام 1933 عقب مذبحة سميل. هذا جانب إيجابي جداً لأن مجتمعنا سواء في الوطن او المهجر يفتقر إفتقاراً مدقعاً على الإستمرار والتواصل لمؤسساته التي هي التعبير الرسمي لوجود الأمة وإستمرارها وتواصلها ولكن مع هذا يجب أن نقول الحقيقة بأن ليس هناك إطلاق أو مثالية في هذه المؤسسة وليست بمستوى الطموح القومي ولكن هذا هو الموجود وأحسن مليون مرة من لا شيء. أما بالنسبة للكونفينشن فأنه مهما صرخنا في وجهه بسبب سلبياته فأنه يبقى المناسبة الفريدة من نوعها في مجتمعنا، سواء في الوطن أم في المهجر، التي تستطيع أن تجمع ألاف من أبناء أمتنا تحت سقف واحد ولعدة أيام وبنشاطات مختلفة ومتنوعة ولمختلف الأعمار خاصة الشباب منهم. ولكن من المؤسف بأن البعض لا يفهم هذه الحقيقة ويصب جام غضبه على الجوانب السلبية منه دون النظر أو تجاهل للجوانب الإيجابية ويسعى لتحطيمها. فالنأخذ الكونفينشن الأخير الذي أنعقد في عاصمة ولاية أروزونا – فينيكس – الولايات المتحدة، في بداية شهر أيلول الماضي الذي أعتبره أنجح كونيفنشن حضرته خلال السنوات العديدة الماضية. فكان بحق وحقيقة كونفينشن شبابي بكل معنى الكلملة من حيث الحضور الذي أعتقد كانت نسبتهم تقارب 75% من الحاضرين أو من حيث النشاطات والسلوكيات السليمة والهدوء والإحترام بين الجميع. رأى البعض بأن لهو ومرح الشباب والشابات على جوانب حوض السباحة في الفندق الذي أقيم فيه الكونفينشن "عار على أمتنا" لأنهم كانوا يرقصون الدبكات الآشورية بملابس السباحة المعهودة والسائدة في الغرب ولم يرتدوا ملابس تراثية أو "لباس إسلامي شرعي للسباحة" فهي ملابس السباحة السائدة في الغرب وحتى في الشرق، لا بل كانت هي السائدة قبل قيام "الديموقراطية والتعددية والبرلمانية" العظيمة في العراق. فهؤلاء الشباب عناصر مثقفة وناجحة في حياتهم الشخصية والعملية وليسوا مشردين في الشواع أو يموتون من الجوع ويأكلون من الزبالة، كما يدعي البعض، وإن كان هناك نفر قليل من هذا القبيل، ولكن لنتجب المثالية ونلجاً إلى الواقعية ونؤكد بأننا مجتمع متكامل فيه كل الجوانب السلبية والإيجابية والمقارنة بين الجانبين هي نسبية ومرتبطة بتطور المجتمع والزمن. 

هذه الممارسة قد نتفق معها أو نعارضها وحسب ثقافة ونوعية معيشة الإنسان ونمط حياته، ولكن لنعلم جيداً بأن نفس هؤلاء الشباب والشابات هم نشطاء في المجالات القومية والثقافية والفكرية لا بل البعض منهم كانوا من أعضاء منظمة "كشرو" النشطة التي تحاول ربط شباب المهجر بأرض الوطن من خلال الزيارات السنوية لشمال الوطن ومن منظمة الشباب والطلبةالآشوري النشيطة جداً وكان من بينهم أيضا من يحمل شهادات دكتوراه في مختلف المجالات العلمية ومن أرقى الجامعات الأمريكية وليست شهادات من سوق مريدي التي يحملها الكثير من "قادة" العراق وبعض من أبناء أمتنا والتي تناقش في المطاعم والمقاهي والفنادق. وما يجعلني أكثر فأكثر في أعتبار هذا الكونفينشن ناجحاً بكل المقايس وخاصة الشبابية منها، ليس فحسب إستلام هيئته الإدارية الجديدة مجموعة شباب وشابات مثقفة جامعية ومعظمهم نشطاء في مختلف المجالات القومية، بل كان إعجابي الكبير بالندوات والحلقات الدراسية المثيرة جداً التي عقدوها في الكونفينشن. حيث حضرت وراقبت عن كثب أثنين من هذه الحلقات التي أثيرت إهتمامي أيما أهتمام وأعجبتني إيما إعجاب بالمواضيع القومية الحساسة المطروحة للنقاش، كمصير وجودنا في المهجر، ووسائل تعليم لغة الأم والحفاظ عليها في المهجر وعلاقة المهجر بالوطن... ألخ. لا بل كانت حلقات أتصفت بقمة التنظيم والإدارة والإلتزام بالوقت وأحترامه وسيادة النقاشات العلمية الهادئة بينهم مبنية على الإحترام والهدوء والتفاهم والتي فاقت كثيراً جلسات وندوات أحزابنا السياسية القادمة من الوطن التي سادها "الخربطة" في إدارتها والصراخ وعدم الإحترام بين المتحاورين، ومن حضرها غيري شاهد على ما أقوله.
هناك نقطة مهمة أشير إليها بإختصار شديد لأنها يتطلبها صفحات مطولة لتفصيلها وهي عجز مجتمعنا ومؤسساته في المهجر من القيام بنشاط ضاغط أو تأسيس لوبي فعال مساند لقضية شعبنا في الوطن، وفعلاً كان هناك مثل هذا اللوبي وحالياً يحاول البعض تأسيس غيره ولكن لنعرف جيداً بأن نشاطها سيذهب أدراج الرياح لأن مثل هذا النشاط يجب أن يكون مرتبط بقضية شعبنا في الوطن ويتناسق ويرتبط بها. فطالما قضيتنا القومية في الوطن غير واضحة وليس لـ "أبطالها" خطاب سياسي موحد لكي يستخدمها اللوبي لتوضيحها على الجهات الحكومية في المهجر ويضغط عليها لنيل دعمها تصبح جهود اللوبي كله ضائعة ومن غير نتيجة. فرسالة اللوبي في الغرب هي إنعكاس لرسالة "الاخوة الأعداء" في الوطن. إذن فمن هو الملام؟؟.   

أرجو المعذرة عن إطالتي في هذا الموضوع لأنه في الحقيقة يعتبر الجانب إيجابي في كيفية التعامل مع الهجرة وفهم مجتمعنا في المهجر، ومن هذا الجانب أفهم حقيقة الهجرة وكيفية التعامل مع نتائجها. أما القول يا أخي خوشابا، باني كنت متحمساً للهجرة وتشيجع أبناء أمتي لترك الوطن إلى الخارج فهذه مخالطة كبيرة إن لم تكن خطيئة بحقي. أكرر أعتذاري من الإطالة بعض الشيء في هذا الموضوع لكن الغرض منه هو بيان بأن بمجرد أن نتحدث عن الهجرة وكيف التعامل معها وعجزنا من منعها أو عدم التهجم على المهاجرين اوتجريحهم بأوصاف غير إنسانية فهذا لا يعني بأننا نؤيدها وندافع عنها كما يعتقد البعض.

صديقي العزيز، حاولت جاهداً أن أجد التناقض في موضوعي المذكور أعلاه والتي تقول أن التناقض صفة في أفكاري وكتاباتي عن جلساتنا "الشخصية" فلم أجده وأعتقد أيضا أنت لم تجد فيه أي تناقض لذا لجأت إلى الجلسة الخاصة مع بعض "رفاق الأمس" وأتهمتني بتشجيع الهجرة المتناقض مع أفكاري القومية. ولكن ما ذكرته في أعلاه عن كيفية فهمي للهجرة قد يكون كافيا لفهم الحقيقة وأفكاري غير المتناقضة وبالتالي لا يستوجبها التوضيح أكثر طالما مثل هذا الفهم لا يتناقض مع أفكاري ووعي القومي لواقع أمتنا في الوطن والمهجر. فحال وجودي في المهجر لا يبعدني فكرياً إطلاقا عن الوطن ولا جسدياً لأن إتصالي مستمر ودائم مع أكثرية النشطاء على أرض الوطن وزياراتي لأكثر من مرة في السنة إلى الوطن واللقاء بأحزابنا السياسية ومنظماتنا القومية وبالنشطاء القوميين والمفكرين والمثقفين وتنظيماتهم هم مصدر أفكاري وأستمد منهم وعي القومي الذي بموجبه أعمل وأفكر وأعقد الصلات مع غيري لكي أزيد وأقوي روابطي بأرض الوطن وبأبناء أمتي هناك وفي المهجر أيضا.

أرجو أن لا أكون قد أضعت وقتك الثمين في قراءة هذه السطور التي فرضتها عليً لكي أكتبها لك ولكن أقول صراحة بأنني أشعر بأنها ضاعت من وقتي الذي كان مخصص لكتابة موضوع جديد حول مشكلة الموصل التي يحتدم حولها الصراع العسكري الدموي في هذه الأيام، ولكن مع هذا تكرم عيونك يا أبو نورام الورد تستاهل أكثر من هذا الوقت.   




34
مع التحيات... إلى صديقي رابي بطرس العزيز

أخي وصديقي العزيز رابي بطرس نباتي،
قبل كل شيء لم تتاح الفرص لي لكي أعبر عن مدى سعادتي اللقاء بك في عنكاوة في بداية هذا الشهر والتباحث في مسائل قومية وسياسية عديدة ثم حضور الدكتور روبن بيت شموئيل المدير العام للثقافة السريانية معك في أحدى لقائاتنا. لقد وجدت في هذه السطور فرصة لأعبر عن سعادتي الكبيرة اللقاء بك في أرض الأباء والإجداد بعد سنوات طويلة طويلة من لقاءنا في الولايات المتحدة الأمريكية كما يجب أن أكرر شكري وإمتناني لمشاركتك معي في المحاضرة التي ألقيناها في النادي الثقافي الآشوري. والشيء الثاني هو تعبير عن شكري وتقديري لك لقراءة موضوعي عن (الدون كيشوت المسيحي يحارب الشياطين في العراق) وبيان بعض الملاحظات والتعليقات عليه وأنا قرأتها مشكوراً.

عزيزي رابي بطرس،
أبناء أمتنا المنتخبين في البرلمانين المركزي والإقليمي هم من الناحية القانونية والرسمية ممثلي أمتنا أو كما عرفوا في هذا الزمان "الديموقراطي جدا" بممثلي الكتلة المسيحية، سواء قبلنا هذا أم رفضنا فالأمر سيان. من جانبي لم أنكر إطلاقاً هذه الحقيقة خاصة وأنا أعرف معظمهم كأصدقاء أعزاء ولكن الذي يحز في نفسي هو أن "نضالهم" ضد الشياطين في العراق وبالطريقة التي يسيرون عليها في "نضالهم" هو هباء ومن دون جدوى وقد أثبت السنوات الطويلة الماضية هذه الحقيقة لا بل رغم كل الجهود التي يذلونها نرى بأن الأمور تزداد سوءاً أكثر فأكثر... لهذا السبب مطلبي الدائمي هو تغيير المسار والخروج من جحر الشيطان العراقي (البرلمان) والبدء بمعارك حقيقية مستندة على ساحة الأمة وجماهيرها من خلال الدعوة إلى ترك جحر الشيطان وتشكيل منهم مجلس قومي للكلدان السريان الآشوريين لعل الأمر قد يحقق بعض النتائج حتى وإن كانت بسيطة ولكن في نهاية الأمر سيمتلكون مصداقية حقيقية لدى أبناء أمتنا...  وهذا نصاً ما ذكرته في الموضوع:

أنه من المؤسف أن نقول بأن كل الحروب التي يخوضها المسيحيون ممثلين ببرلمانيوهم فيما يخص موضوع تحريم الخمور هي حروب خاسرة حالها مثل حال حروب ضد البطاقة اللاوطنية وغيرها من التشريعات والسياسات  والممارسات الإستبداية بحق المسيحيين طالما هم جالسون بجانبهم على نفس كراسي البرلمان وتحت نفس القبة ويستخدمون نفس الأسلحة "الفاشوشية" ويلعبون في نفس ساحتهم الحربية. وبإختصار العبارة نقول وبملئ الفهم بأن جهودهم ضائعة بين أمواج العاصفة الطائفية الإستبدادية وأنهم يسبحون بعكس التيار الجارف، ولا محال لهم، إن كانوا صادقين في عملهم ويسعون إلى خير هذه الأمة، إلا ترك ساحة الإستبدادية وترك البرلمان والخروج منه نحو أبناء أمتهم والجلوس تحت قبة الوحدة القومية والدينية وهو ما دعينا إليه سابقا إلى تشكيل (المجلس القومي للكلدان السريان الآشوريين) من جميع "ممثلي" شعبنا في البرلمانين المركزي والإقليمي هذا على الجانب القومي السياسي وأيضاً على الكانب الديني الكنسي تشكيل (المجلس الأعلى للمسيحيين في العراق) من رؤساء جميع كنائسنا المشرقية في العراق... ولكن، كما قال ذات يوم أحد أصدقائي عندما طرحت مثل هذا المقترح (بالمشمش – كما يقول المصريون) ولا يخرجون من هذا المشمش إلا عندما تكون المصالح الشخصية والتحزبية والطائفية المسيطرة على نشاطاتنا السياسية والدينية أضعف من عوامل الحب والتفاني والإخلاص لهذه الأمة ولكنائسها المشرقية.

أتركك من خلال هذه السطور على أمل اللقاء قريباً في وطننا العزيز.
أخوك أبرم شبيرا

35
الدون كيشوت المسيحي يحارب الشياطين في العراق
===============================

أبرم شبيرا

اليوم معركة الدون كيشوت المسيحي ضد الشيطان في العراق حول قرار البرلمان العراقي بتحريم بيع الخمور محتدمة على أشدها وعلى مختلف المستويات، أعضاء الكتلة "المسيحية" وأحزابهم وكتابهم ومثقفيهم وسياسيهم وأيضا معظم مواقعهم الألكترونية. وبالأمس كانت المعركة أيضاً على أشدها فيما يتعلق بموضوع قانون البطاقة اللاوطنية والتي لازالت نيرانها مشتعلة ومتداخلة مع معركة اليوم. وبعد أمس كانت المعركة من طراز آخر قائمة ضد إبتلاع بعض القوى السياسية حق المسيحيين الكامل من الكوتا الخاصة بهم. ولو ذهبنا قليلا أبعد نرى بأن الحروب القائمة على مفهوم "ضد المجهول" أو تحت مسماة رنانة دراماتيكية مثل "محاربة الإرهاب" وهم الأرهاب بذاته، كانت أكثر مأساوية ودموية إبتداءاً من مجزرة سيدة النجاة فصعوداً نحو تشريد المسيحيين من مناطقهم في البصرة والعمارة والدورة وبغداد وموصل وخطف وإغتيالات رجال الدين وفي مقدمتهم الشهيد المطران فرج رحو، رحمه الله في فسيح جناته. أما معارك التغيير الديموغرافي والتجاوزات على أراضي شعبنا في مناطقه التاريخية فلها طابع آخر مرتبط بقلعه من جذوره وتشريده في أركان الدنيا من دون أرض أو أساس تاريخي للأباء والأجداد. والحديث عن جحيم داعش وما قبله من مذابح الأنفال وصورية وسميل وسيفوا كلها حلقات متشابه في مضمونها ضمن سلسلة مترابطة رسم تاريخ العراق الدموي وبشكل واضح وجلي. من يعتقد بأن من أقر ووافق على قانون تحريم الخمور والبطاقة اللاوطنية وبالعي الكوتا المسيحية ومرتكبي مذابح سيدة النجاة وصورة وسميل ومجرمي داعش مختلفون فهو واهم مثل الواهم الذي يضع الفرق بين (حسن كجل وكجل حسن). إعتذاري الشديد من أسم حسن المستخدم في هذا المثل العراقي.

لقد دخل أباؤنا وأجدادنا معارك كثيرة ضد الظلم والإستبداد، وأن كانت في معظمها خاسرة عسكريا إلا أنها كانت معارك لها نتائج مرتبطة بالوجود والثبات لأنهم دخلوها بكرامة وعزة النفس وعبر ساحات مختلفة عن ساحات مضطهديهم وبأسلحة وأفكار وأهداف مختلفة ميزتهم عن غيرهم من عدة نواحي دينية وقومية وحضارية وإنسانية فكانت وأصبحت الأساس الذي أعتمد عليه وتواصل معها وجودنا التاريخي في أرض الأباء والأجداد وحتى يومنا هذا. ولكن مما يؤسف له أن "أبطال" معاركنا في هذه الأيام يدخلون المعارك من نفس ساحات مضطهديهم ومستخدمين أسلحة "فاشوشية" غير قادرة على مقاومة  قوة وسطوة شياطين الطائفية والحقد والكراهية وتكفير المختلف. أمر يعرفه أجهل الجاهلين بأنه عندما يجلس عضو برلمان مسيحي تحت نفس القبة مع زعماء الطائفية والحقد والكراهية والتكفيرية فأنه لا محال منه مهما أختلف عنهم وأعترض على قرارتهم فأن الحكم النهائي هو للـ "الديموقراطية" العراقية، الأول من نوعها في تاريخ الفكر السياسي. فالخضوع لحكم الأكثرية الإستبدادي أمر يقره نظام البرلمان العراقي وديموقارطية العراق الطائفي. لهذا لا مفر أمام "ممثلي" شعبنا المسيحي إلا الخضوع المهين لقرار الأكثرية سواء صوتوا ضده أم كانوا معه، فالأمر سيان في كلا الحالتين.

من هذا المنطلق فأن كل الحروب التي دخلها المسيحيون في العراق كانت خاسرة وكانت خسارتها معروفة مسبقاً. واليوم الحالة تتكرر نفسها مع نفس سلسلة الإضطهاد التي يستخدمها البرلمانيون زعماء الطائفية والحقد والكراهية في ضرب المسيحيين في العراق وقلعهم من جذورهم التاريخية وحضارتهم العتيدة. وكل الدلائل الفكرية والسياسية تؤكد بأن السلسلة لا تتوقف عند بطاقة اللاوطنية وتحريم الخمور، بل إنطلاقاً من هذه الدلائل فمن المتوقع جداً بأننا سنرى يوم غد تشريع يحرم المسيحيين من تسمية أبناؤهم وبناتهم بالأسماء المسيحية أو الحضارية ومنع السفور على النساء المسيحيات وفرض الحجاب والبرقع عليهم، لا بل وتحريمهم من قيادة السيارات وإختلاط الجنسين في المدارس والأماكن العامة. وليس مستبعداً أبداً أن يصبح موضوع فرض الجزية وإعتبار المسيحيين ذميون، ليس لأن الشريعة الإسلامية هي مصدر التشريع في العراق بل لأن الطائفية الممقوتة وتكفير المختلف  مبادئ أساسية متمركزة في فكر المتسلطين على الحكم والسياسة في العراق ويحكمون الأمور طبقاً لها وعلى الآخرين أن يخضغوا لها.

أنه من المؤسف أن نقول بأن كل الحروب التي يخوضها المسيحيون ممثلين ببرلمانيوهم فيما يخص موضوع تحريم الخمور هي حروب خاسرة حالها مثل حال حروب ضد البطاقة اللاوطنية وغيرها من التشريعات والسياسات  والممارسات الإستبداية بحق المسيحيين طالما هم جالسون بجانبهم على نفس كراسي البرلمان وتحت نفس القبة ويستخدمون نفس الأسلحة "الفاشوشية" ويلعبون في نفس ساحتهم الحربية. وبإختصار العبارة نقول وبملئ الفهم بأن جهودهم ضائعة بين أمواج العاصفة الطائفية الإستبدادية وأنهم يسبحون بعكس التيار الجارف، ولا محال لهم، إن كانوا صادقين في عملهم ويسعون إلى خير هذه الأمة، إلا ترك ساحة الإستبدادية وترك البرلمان والخروج منه نحو أبناء أمتهم والجلوس تحت قبة الوحدة القومية والدينية وهو ما دعينا إليه سابقا إلى تشكيل (المجلس القومي للكلدان السريان الآشوريين) من جميع "ممثلي" شعبنا في البرلمانين المركزي والإقليمي هذا على الجانب القومي السياسي وأيضاً على الكانب الديني الكنسي تشكيل (المجلس الأعلى للمسيحيين في العراق) من رؤساء جميع كنائسنا المشرقية في العراق... ولكن، كما قال ذات يوم أحد أصدقائي عندما طرحت مثل هذا المقترح (بالمشمش – كما يقول المصريون) ولا يخرجون من هذا المشمش إلا عندما تكون المصالح الشخصية والتحزبية والطائفية المسيطرة على نشاطاتنا السياسية والدينية أضعف من عوامل الحب والتفاني والإخلاص لهذه الأمة ولكنائسها المشرقية.

وفي الأخير، رغم أن هذا الموضوع مطروق في السباق إلا أنه أرتئينا أن نعيده ولكن  بصيغة وأسلوب آخر فوجدت في موضوع كتاب دون كيشوت للكاتب الإسباني ميجيل دي سيرفانتش (1547-1616) والذي كتبه في عام 1605 ميلادية حالة دراماتيكية لحروب وهمية تشبه في جوانب منها حروب "ممثلي" أمتنا في البرلمان العراقي. ولتجنب الإطالة وجدت في ملخص رواية دون كيشوت التي كتبها الأديب والشاعر عماد تريسي سبيلاً للإختصار.

دون كيشوت الرجل الذى حارب طواحين الهواء معتقدا بأن الشياطين تسكن فيها. فهو رجل نحيف طويل قد ناهز الخمسين - بورجوازي متوسط الحال يعيش في إحدى قرى إسبانيا في القرن السادس عشر , لم يتزوج، ومن كثرة قراءاته في كتب الفروسية كاد يفقد عقله و ينقطع ما بينه و بين الحياة الواقعية ثم يبلغ به الهوس حداً جعله يفكر في أن يعيد دور الفرسان الجوالين و ذلك بمحاكاتهم والسير على نهجهم حين يضربون في الأرض و يخرجون لكي ينشروا العدل وينصروا الضعفاء، ويدافعوا عن الأرامل و اليتامى والمساكين فأعدَّ عدته للخروج بأن استخرج من ركن خفيٍّ بمنزله سلاحاً قديماً متآكلاً خلَّفه له آباؤه فأصلح من أمره ما استطاع، وأضفى على نفسه درعاً، ولبس خوذة و حمل رمحاً وسيفاً وركب حصاناً أعجف هزيلاً. وانطلق على هذه الهيئة شأن الفرسان السابقين الذين انقرضوا منذ أجيال .ثم تذكر وهو سائر في طريقه فرحاً مزهواً أن الفارس الجوال لا بد له من تابع مخلص أمين، فعمد إلى فلاح ساذج من أبناء بلدته و هو سانشوبانزا  ففاوضه على أن يكون تابعاً له و حاملاً لشعاره و وعده بأن يجعله حاكماً على إحدى الجزر حين يفتح الله عليه ، وصدَّقه سانشو ووضع خرجه على حماره و سار خلف سيده الجديد.

معركة طواحين الهواء :
 
 أول المعارك التي سعى هذا الفارس الوهمي إلى خوضها كانت ضد طواحين الهواء إذ توهم  ولم يكن قد شاهد مثلها من قبل  أنها شياطين ذات أذرع هائلة و اعتقد أنها مصدر الشر في الدنيا، فهاجمها غير مصغٍ الى صراخ تابعه وتحذيره ورشق فيها رمحه فرفعته أذرعها في الفضاء ودارت به ورمته أرضا فرضَّتْ عظامه .

معركة الأغنام :
 
ثم تجيء بعد ذلك معركة الأغنام الشهيرة، فلا يكاد دون كيشوت يبصر غبار قطيع من الأغنام يملأ الجو حتى يخيل إليه أنه زحف جيش جرار، فيندفع بجواده ليخوض المعركة التي أتاحها له القدر ليثبت فيها شجاعته ويخلد اسمه و تنجلي المعركة عن قتل عدد من الأغنام وعن سقوط دون كيشوت نفسه تحت وابل من أحجار الرعاة التي رموها بها فيفقد فيها بعض ضروسه .
و تتوالى مغامرات دون كيشوت الذي يجرجر وراءه تابعه المغلوب على أمره وتتوالى هزائمه في كل المعارك التي خاضها وهو في كل مرة يدرك أنَّه قد هزم بالفعل، و لكنَّه لا يفسر الأمر على الوجه الصحيح فيرجعه عن جنونه، إنما يفسره على أن خصومه من السحرة قد أرادوا حرمانه من نصر مؤكد فمسخوا بسحرهم العمالقة الشياطين الى طواحين هواء و مسخوا الفرسان المحاربين إلى أغنام ....
هذه القصة قدمت الصراع الدائم بين الخير والشر- الحياه و الموت -الواقعية و المثاليه، و بين واقع عملي نفعي يفرض وجوده على البشر فدون كيشوت كان قصده الأصلي أن ينشر الحق و العدل والقيم النبيلة،  لكنه سار فى الطريق الخطأ وهو طريق الأوهام و انتهى عمله إلى لا شيء، وتحولت الأمور إلى الأسوأ .بينما تابعه سانشو بانزا يمثل الواقعية التي تطلب الفائدة الملموسة و النفع القريب .
والرواية تبيِّن كيف أنَّ الإنسان يمكن أن يتصارع مع أوهام و خرافات، وهو مؤمن بها و في النهاية لا يكسب شيئاً، بل يخسر أشياء كثيرة منها حياته.
-----------------------
وأخيرا، المثل يقول بأن الإشارة تكفي اللبيب، ولكن هنا أقول من خلال سردي مختصر لقصة الدون كيشوت بأن الإنسان البسيط تكفيه هذه الإشارة ليفهم المقصد.






36
كنيسة المشرق الآشورية بين الهرطقة والوحدة القومية
===================================

أبرم شبيرا

مدخل:
----


مدخل الموضوع هو من جانبين متعاكسين بل متناقضين. الأول هو إنعقاد الجمعية العمومية لمجلس كنائس الشرق الأوسط في عمان/ الأردن للفترة من 6-8 أيلول 2016 و بغياب... نعم بغياب مزمن لكنيسة المشرق الآشورية، بل الأصح نبذ عضويتها ورفض قبولها في المجلس. والثاني هو رسالة قداسة مار كوركيس الثالث صليوا بطريرك كنيسة المشرق الأشورية في العالم الكلي الطوبى المؤرخة في 28 أيلول 2016 والموجهة إلى رئاسات الحكومة العراقية حول طلب إدراج أسم السريان في الدستور العراقي.
 
إلى متى يا مجلس كنائس الشرق الأوسط؟
--------------------------------------

نعم ... ثم نعم... السؤال يبقى فارضاً نفسه لزمن يقارب من ستة عشر قرناً: إلى متى تبقى كنيسة المشرق الآشورية كنيسة هرطوقية بنظر مجلس كنائس الشرق الأوسط والأصح بنظر الكنيسة القبطية؟. فقبل الدخول في التفاصيل، نقول لمن لا يعرف عن هذا المجلس بأنه  تأسس عام 1974 ومقره في بيروت والعضوية فيه هي على شكل مجموعات كنسية عائلية تضم أربع مجموعات وهي (1)- عائلة الكنائس لأرثوذكسية ويطلق عليها في بعض الأحيان بالبيزنطينية وتشمل أربع كنائس وهي كنيسة أنطاكية للروم الأرثوذكس وكنيسة الروم الأرثوذكس في القدس وكنيسة الروم الأرثوذكس في قبرص وكنيسة الأسكندرية وسائر أفريقيا للروم الأرثوذكس. (2) – عائلة الكنائس الأرثوذكسية الشرقية اللاخلقدونية والمعروفة بـ "المنوفستية" وتشمل ثلاث كنائس وهي القبطية والسريانية الأرثوذكسية والأرمنية الأرثوذكسية وفي بعض الأحيان يضاف إليها الكنيسة الحبشية والأريتيرية. (3)- عائلة الكنائس الإنجيلية وتتكون من ستة عشر كنيسة، وهي أسقفيات ومجموعات قسس هي أكثر من ان تكون كنيسة بالمفهوم العام. (4)- عائلة الكنائس الكاثوليكية والتي أنضمت للمجلس عام 1990 وتتكون من سبع كنائس وهي المارونية والروم الكاثوليك الملكيين والإقباط الكاثوليك واللاتين في القدس والأرمن الكاثوليك وأيضا كنائسنا المشرقية ذات التقليد السرياني وهي الكلدانية الكاثوليكية والسريانية الكاثوليكية.

ومن  أهداف المجلس هي تعزيز روح الوحدة المسيحية بين الكنائس المختلفة في المنطقة، وذلك من خلال توفير سبل الحوار فيما بينها ومن خلال إقامة الدراسات والأبحاث المشتركة التي تشرح تقاليد الكنائس الأعضاء، وإقامة الصلوات المشتركة لاسيما أسبوع الصلاة من أجل وحدة الكنائس المسيحية كما يدعو هذا المجلس إلى  الدفاع عن حقوق الإنسان وتحقيق العدالة والمساواة في المواطنة في دول الشرق الأوسط وهي من أولويات أهداف المجلس المجلس. ولكن من خلال تعقيب قرارات المجلس وتوصياته وتطبيق لأهدافه نرى بأن كلها كانت بمثابة كلمات منمقة على الورق لم تخرج من أطارها الكلامي خاصة وهو يمر بأزمات مالية وإدارية تجعله مؤسسة شكلية مشلولة بالتمام والكمال أمام التحديات الجسيمة والمميتة التي يواجهها المسيحيون في الشرق الأوسط. إذن نتسائل أين هذه الأهداف النبيلة والمبادئ المسيحية من رفض قبول كنيسة المشرق الآشورية عضواً فيه؟

سطوة الكنيسة القبطية على المجلس:
-----------------------------------

تسيطر الكنيسة القبطية سيطرة تامة ومطلقة على هذا المجلس. فعدد مؤمنيها الذي يقدر بأكثر من 10 ملايين يعطيها زخماً قوياً ومركزاً متفوقاً كما أن كونها ضمن عائلة الكنائس الأرثوذكسية الشرقية والتي منها الكنيسة السريانية الأرثوذكسية والأرمنية الأرثوذكسية المتحدتان معها في العقيدة واللاهوت (كمنوفستيين) والمختلفان عنها في العنصر واللغة والثقافة والتاريخ عوامل تعطيها إمتدادات للتأثير على الكنائس الأخرى ذات التقليد السرياني (كالكلدانية والسريانية الكاثوليكية) وذات التقليد الأرمني (كالكنيسة الأرمنية الكاثوليكية). كل هذه العوامل جعلت من الكنيسة القبطية بمثابة "الأخ الأكبر" (Big Brother) لتفرض إرادتها على العشرات من كنائس الشرق الأوسط خاصة فيما يتعلق بتحريم كنيسة المشرق الآشورية وفرض الفيتو القبطي على قبولها في هذا المجلس وأبعادها عن بقية الكنائس المسيحية خاصة شقيقتيها: الكلدانية والسريانية بشقيها الأرثوذكسي والكاثوليكي. هذه السطوة والهيمنة هي التي جعلت من البعض أن يطلق على المجلس بـ "النادي القبطي". ومن المعروف عن الكنيسة القبطية بأنها كانت في الماضي تستطيع أن تختار لها بطريركاً سريانياً وذلك بسبب العقيدة المشتركة غير أن منذ المجمع المقدس للكنيسة في عام 1985 وبرئاسة البابا شنودة الثالث الذي تبنى مواقف صلدة ومتطرفة تغير الأمر فقد تقرر أن يكون البطريرك قبطياً مصرياً فقط إنطلاقاً من ضرورة الحفاظ على ثراتها وثقافتها وفكرها وبطريقتها الخاصة.

في عام  2010 عصفت بالمجلس مشاكل مالية وإدارية جمة وأكثرها تعقيداً كان تقديم الكنيسة القبطية إستقالتها من المجلس وإعلان البابا شنودا الإنسحاب الرسمي منه عقب وصف بطريرك الروم الأرثوذكس في القدس الكنيسة القبطية "بالخيانة" ربما بسبب تحريم البابا شنودا كل قبطي يزور القدس وكذلك على أثر مطالبة البطريرك بإقالة جرجس صالح الأمين العام للمجلس حينذاك والذي كان ينتمي إلى الكنيسة القبطية فأعتبرت الكنيسة القبطية هذا أهانة لها وللبابا شنودا. وتضامنا مع الأقباط وإنطلاقاً من الراوابط العائلية للكنائس الشرقية (المنوفزتية) أنسحبت الكنيستين السريانية والارمنية اللأرثوذكستين من المجلس أيضاً. غير أن مع هذا حاولا كلا الكنيستين مع بعض الكنائس الإنجيلية إقناع البابا شنودا للعودة إلى المجلس غير أنه ربطت العودة إلى المجلس بتقديم إعتذار رسمي من بطريرك القدس عما بدر منه بحق الكنيسة القبطية. وضمن هذا المستعى  قام المثلث الرحمات مار زكا عيواص، البطريرك السابق للكنيسة السريانية الأرثوذكسية بزيارة البابا شنودا في مصر لبحث موضوع عودة الكنيسة القبطية إلى المجلس وفعلا بعد عام ألتأم شمل الكنائس الأرثوذكسية الشرقية وعادوا إلى المجلس مع عودة الكنيسة القبطية ولكن مع كل هذا أستمر هيمنة هذه الكنيسة و سطوتها على الأمور الحساسة والهامة خاصة موضوع قبول عضوية كنيسة المشرق الآشورية في المجلس.

تحريم كنيسة المشرق الآشورية !!:
------------------------------

منذ أن تولي المثلث الرحمات قداسة مار دنخا الرابع البطريرك السابق لكنيسة المشرق الآشورية سدة البطريركية لم يتواني أبداً في فتح أبواب الحوار والتقارب مع الكنائس الأخرى حتى المخلتفة عنها عقائدياً. ومن بين هذه المحاولات تقديم الكنيسة طلب الإنضمام إلى مجلس كنائس الشرق الأوسط أثناء إنعقاد جمعيته العامة الرابعة في عام 1986. غير أن الطلب رفض رفضاً قاطعاً من قبل الكنيسة القبطية وأنضم أليها أيضاً السريان والأرمن. فذكر بأن البابا شنودا قال بأنه يستحيل عليه أن يجلس مع الآشوريين الهراطقة في مجلس واحد. أضافة إلى هذا السبب العقائدي الرئيسي في رفض طلب كنيسة المشرق الآشورية كان هناك موضوع آخر إداري وتنظيمي متعلق بطبيعة إنضمام الكنائس للمجلس وفقاً لأسلوب العائلة الكنسية. فمن المعروف عن هذه الكنيسة بأنها الكنيسة الوحيدة المستقلة في التاريخ والعالم فهي ليست ضمن أية من العائلات الكنيسة الأعضاء في المجلس والمذكورة في أعلاه. لهذا السبب كان أمر إنضمامها للمجلس مرتبط أيضاً بضرورة دخولها ضمن أحدى العوائل الكنسية المذكورة. وفي عام 1994 عندما وقع المثلث الرحمات مار دنخا الرابع مع قداسة البابا الراحل مار يوحنا بولس الثاني  البيان المسيحاني الذي أعتبر إيمان هذه الكنيسة إيماناً قويماً رسوليا صائباً وما أعقب ذلك من إتصالات وإجتماعات كنيسة المشرق الآشورية مع شقيقتيها الكلدانية والسريانية الأرثوذكسية وأزالة بعض ترسبات الماضي من طقس الكنيسة خاصة ما يتعلق بقرلس، قديس كنائس العائلة الأرثوذكسية الشرقية خاصة القبطية، أصطفت كنيسة المشرق الآشورية مع الكنيسة الكلدانية ضمن العائلة الكاثوليكية كوسيلة رسمية لدخول المجلس وإكتساب عضويته. غير أنه مرة أخرى وكالماضي وقفت الكنيسة القبطية وقفة صارمة ورافضة لقبول كنيسة المشرق الآشورية عضوا في المجلس مالم ترفض وتدين وبشكل واضح وصريح البطريرك نسطور ومعلمه تيادورس المصيصي وتعاليمها وكذلك تغيير طقس الكنيسة وبكل ما يتعلق بمفاهيم وتعاليم هاذين القديسين حتى أنه وصل الأمر للبابا شنودا قبل وفاته إلى القول بأن الآشوريين لا يدخلون الجنة!!

كان من الطبيعي أن ترفض كنيسة المشرق الآشورية الشروط الإستبدادية للكنيسة القبطية لقبولها في المجلس فبقى الأمر كا هو من دون تغيير في بقاء هذه الكنيسة خارج المجلس. نكتفي بهذا القدر لأنه كتب كثيراً عن هذا الموضوع ولكن الذي نرغب أن ننهي هذا الموضوع هو القول بأن هناك كنائس، خاصة الإنجيلية منها، أعضاء في المجلس تعاليمهم ومعتقداتهم بعيدة بعض الشيء عن المبادئ والعقائد الأساسية للمسيحية التي يؤمن بها أعضاء المجلس فحتى البعض منهم لا يؤمنون بأن مريم العذراء هي أم الله.  فوفق المفهوم القبطي للهرطقة هم هراطقة أيضا ولكن لا تتجاسر الكنيسة القبطية بوصفهم كهراطقة أو طرحهم خارج المجلس. أفهل تخشى الكنيسة القبطية من أتهام هذه الكنائس الإنجيلية بالهرطقة لأنها كانئس قوية من الناحية السياسية والمالية وإنتشارها العالمي ويقف خلفها دول كبرى من أوربا وأميركا فتخشى سطوتها في حين تفرض هي سطوتها على المجلس وتحرم كنيسة المشرق الآشوريةمن العضوية فيه وتتهم مؤمنيها بالهرطقة لأنهم أقلية صغيرة لا سند لهم ولا قوة ولا دولة ساندة لهم؟  من هذا المنطلق نقول بأن رفض الكنيسة القبطية لقبول كنيسة المشرق الآشورية في المجلس بسبب "هرطقتها" هو أدعاء باهت وغير مقبول ولا أساس له في ظل الأخوة المسيحية القائمة على التسامح والمحبة، خاصة ونحن نعيش في هذا العام يوبيل الرحمة والسلام والمحبة والتسامح الذي دعى إليه قداسة البابا فرنسيس ، فهو ليس أكثر من حقد تاريخي متزمت عمره أكثر من ألف وخمسائة سنة منبعه الحقد الذي كان قائماً بين قولس ونسطورس.

موقف الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية والسريانية الأرثوذكسية:
---------------------------------------
   
 لا شك فيه أن غياب كنيسة المشرق الأشورية عن الكنيستين الشقيقتين الكلدانية والسريانية بفعل الفيتو القبطي يضعهما في موقف محرج وصعب فلم يكن من خيار أمامهم، بسبب سطوة الأقباط، إلا الإنصياع للقرار الإجماعي للمجلس المبني على الفيتو القبطي. هذا من الناحية الرسمية والبروتوكولية ولكن في الواقع وفي كوامن أحبار هاتين الكنيستين كان الأمر مختلفاً بعض الشيء، أمراً مؤلماً ومحبطاً من عدم قبول هذه الكنيسة عضواً في المجلس و الجلوس إلى جانبهما. فتحريم هذه الكنيسة ونعتها بالهرطقة لا يعني إلا إمحاء أكثر من ألف سنة من تاريخ وتقاليد ومعتقدات الكنيسة الكلدانية، كنيسة أباء وأجداد مؤمنيها، كما يقول نيافة المطران سرهد جمو في أحدى بحوثه، فيجعلها بالتالي من دون أساس تاريخي ورسولي. وخلال إجتماعات برو أوريانتا في فينا في منتصف التسعينيات من القرن الماضي بين الكنائس ذات التقليد السرياني وبمشاركة كنيسة المشرق الآشورية أظهرت الكنائس الكاثوليكية تعاطفاً كبيرا مع هذه الكنيسة وكرسوا دراسات عميقة وبحوث علمية في تبرئة نسطور والظلم الذي فرض عليه في مجمع أفسس لعام 431 بحيث وصل الأمر إلى الكنيسة القبطية لتطلق عليه بأنه تحالف كاثوليكي/آشوري ضد قديسها قورلس وضد المعتقدات الأساسية للمسيحية الأرثوذكسية. وتمثل قمة التعاون بين الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية وكنيسة المشرق الآشورية في الإتفاقيات التي حصلت بينهما في النصف الثاني من التسعينيات من القرن الماضي كسبيل لإيجاد طرق التقارب والتفاهم والوحدة بينهما. غير أنه لأسباب بعضها معروفة والآخرى غير معروفة أنهارت كل هذه المحاولات وأنهارت كل ما تبعها من محاولات أخرى لتقلي نفس المصير.

أما بالنسبة للكنيسة السريانية الأرثوذكسية فبالرغم من التباين اللاهوتي والعقائدي الشديد بينهما  فأنه كنتيجة للتراث السريانى المشترك مع االكنيسة الأشورية مضافاً إليه التاريخ النضالي المشترك ضد الظلم والإستبداد في عقود القرن الماضي والإصطفاف معاً كأبناء أمة واحدة في نفس الحركة القومية، كان هناك ميل من السريان الأرثوذكس لإحداث تقارب مع الكنيسة الأشورية، لا بل ويعلنون نوعاً من التعاطف معهم. وتمثل قمة هذا التفاهم في إجتماعات شهر آذار لعام 1998 في دير مار مارون في عناية بلبنان وصدور قرارات مهمة على طريق التفاهم والتقارب بينهما وإزالة الخلافات، غير أن كل هذا وبعد أسبوع واحد فقط أصطدم بقرارات الإجتماع الذي عقدته عائلة الكنائس الأرثوذكسية، القبطية والسريانية والأرمنية في دير بيشوي في وادي نطرون بمصر فصدر قررات عديدة منها التأكيد المطلق على رفض وإدانة كافة التعاليم "الهرطقية" لعدد من رجال الكنيسة ومفكريها ومنهم نسطورس فوصفوا أتباعه ومؤمنيه بالهرطوقين، وهي أشارة واضحة ومقصودة إلى كنيسة المشرق الأشورية ومؤمنيها. ليس هذا فحسب بل تقرروا أيضا بأنه لايمكن لأي كنيسة من كنائسهم الثلاث أن تقوم بمباحثات وأتصالات مع الكنائس الأخرى إلا بعد أن يتم البحث مثل هذه الأمور حصراً ضمن عائلة الكنائس الشرقية الآرثوذكسية وبموافقتهم، وهذا يبين ويقصد بكل وضوح الإجتماعات والمباحثات التي كانت تعقد بين الكنيستين السريانية الآرثوذكسية والمشرق الآشورية المنوه عنها في أعلاه مما حدا هذا الموقف بأن تتوقف نهائياً المباحثات بين هاتين الكنيستين. هكذا أنطبق الموقف الرسمي مع الواقع الفعلي لموقف هاتين الكنيستين مع كنيسة المشرق الأشورية. ولكن يبقى موقف هذه الكنيسة الأخيرة تجاه شقيقاتها الكلدانية والسريانية موضوع للطرح والنقاش.

كنيسة المشرق الآشورية ونهجها الوحدي القومي:
--------------------------------------------

أمر يهمني جداً كما يهم غيري من العلمانيين المهتمين بالمسألة القومية لأن نظري إلى الكنيسة بشكل عام هو في كونها مؤسسة تاريخية تراثية إلى جانب كونها روحانية ولاهوتية. من هذا المنطلق يرتكز أهتمامي بالكنيسة بمدى منهجها وطروحاتها نحو الوحدة القومية لأبناء كنائسنا المشرقية، الكلدانية والسريانية والآشورية. وكنيسة المشرق الآشورية معروفة في هذا السياق منذ أن تسنم المثلث الرحمات مار دنخا الرابع سدة البطريركية. وإذا كان البعض لا يتفق مع طرحه في كون الكلدان والسريان جزء من الأمة الآشورية وأن التسمية الآشورية هي المناسبة لجميع مؤمني كنائس المشرق فإن النهج الوحدوي الجديد لقداسة مار كوركيس الثالث صليوا البطريرك الحالي للكنيسة يعتبر طفرة نوعية في هذا السياق لا بل سابقة تاريخية في عصرنا الحالي. وهذا ما تجلى بكل وضوح في رسالته المؤرخة في 28 أيلول 2016 والموجهة إلى الهيئات الحكومية العراقية الثلاث، رئيس الجمهورية، رئيس الوزراء ورئيس مجلس النواب. والذي طالب فيه تعديل المادة 125 من الدستور العراقي. ولأهمية الفحوى التاريخي للرسالة ندرجها كما هي (تطالب كنيستنا: كنيسة المشرق الآشورية في العراق بتعديل المادة 125 من الدستور العراقي وفق سياقات الدستورية المتبعة، وذلك بإدراج أسم (السريان) مع تسمية أخوتهم (الكلدان والآشوريين) حسب ما ورد في المادة أعلاه، لكون (الكلدان السريان الآشوريين) مكون عراقي واحد بلغة وثقافة واحدة وتاريخ مشترك واحد الممتد لألاف السنين، كما ونطالب بالإيعاز إلى الجهات المعنية بدرج هذا المكون في البطاقة الوطنية بحقل منفرد ضمن حقل القومية. لتكن نعمة الرب معكم لتحقيق ما فيه خير للعراقيين جميعاً) – كوركيس الثالث صليوا، بطريرك كنيسة المشرق الآشورية في العراق والعالم – 28 أيلول 2016).

أفهل هناك أي صعوبة في فهم النهج الوحدوي من الرسالة؟؟؟ كلا وألف كلا.. أفهل هناك سابقة تاريخية لبطريرك في كنائسنا المشرقية طالب السلطات الحكومية بإدراج أسم مؤمني كنيسة أخرى في الدستور؟؟ كلا وألف كلا.. أفهل هناك مسؤول كنسي رفيع المستوى في كنائسنا المشرقية صرح رسمياً وجهاراً بأننا أبناء أمة واحدة تجمعنا مقومات اللغة والثقافة والتاريخ الممتدة لألاف السنين؟؟ كلا وألف كلا.. أفهل هناك رجل من رجال كنائسنا المشرقية أكد على تسميتنا الوحدوية (الكلدان السريان الآشوريين) الشاملة والضامنة لكل الأسماء الحضارية الزاهية ومن دون تفضيل أي أسم على أخر أو إعلاء شأن تسمية مؤمني كنيسته على الأخرين؟؟ كلا وألف كلا.. عندما أطلعت على بيان السينودس المقدس للكنيسة الكلدانية الكاثوليكية المنعقد بتاريخ 22 أيلول 2016 في أربيل وعلى بيان المجمع الإنطاكي السرياني الأرثوذكسي المقدس  للفترة من 27 أيلول لغاية 1 تشرين الأول 2016 المنعقد في لبنان وبحثت في السطور وبين طياتها وخلفها فلم أستشف منهما أي سطر أو كلمة تصب على طريق وحدتنا القومية وتشفي غليلي وغليل غيري من أبناء أمتي حتى يكون منطلقا في تعزيز ثقتهم وإيمانهم بكنائسنا المقدسة وبمنظماتنا القومية وحتى تكون أيضا بداية على طريق خلاصهم من نيران البركان الهائج الذي يحرقهم جميعاً وبدون تمييز... يظهر بأن الصرخة التاريخية لأبينا السامي البطريرك مار روفائيل الأول بيداويد، رحمة الله في أفسح جناته، عندما قال ( لا خلاص لنا إلا بوحدتنا... فبالوحدة نحترم أنفسنا ويحترمنا غيرنا) لم تصل آذان مسؤولي امتنا وكنائسنا فكيف والحال مع صرخات الأبناء  الفقراء لهذه الأمة والكنيسة نحو الوحدة والخلاص؟؟؟
طوبى لفاعلي السلام فإنهم أبناء الله يدعون
(متى 5: 9)

37
الأخوة المتحاورين والمتسائلين المحترمين

أرجو من جميع الأخوة عدم أعتبار هذا كرد أو تعليق بل هو مجرد توضيح وإستجابة لتساؤل البعض منهم. ولكون لا أرد أو أعلق على مايرد من تعليقات وردود على ما أنشره لأسباب عديدة  وهذا لا يعني إطلاقاً بأنني لا أقرأ التعليقات بل أستفاد منها كثير للكتابات اللاحقة لذا فأنه من الخطاً أن  يتهمني البعض بالتكبر والغطرسة وعدم أحترام القراء بسبب عدم الرد وهذا غير صحيح إطلاقاً فمثل هذه الصفات لا وجود لها في عقليتنا المنفتحة على الجميع بل كلهم أعزاء ولهم مكانة محترمة لدينا. وفي هذا السياق أود أن أوضح هنا لبعض الأصدقاء الأعزاء الذين أستفسروا عن بعض الأصدقاء القدماء الذي وردت أسماوهم في هذا المقال.
بدأ أقول:
للأخ جان يلدا خوشابا، شكراً جزيلاً على مشاعرك الطبية وتقيمك الثري وهنا أرجو يا عزيزي أن تضع عصفورتك الصغيرة في القفص ولا تدعها تطير على رأسنا على الأقل في الأيام القادمة لانه معبئ بأفكار ومشاريع خاصة بعد عودتنا من سفرة الكونفنشن.

أما لصديقنا العزيز خوشابا المحترم..
فنقول لماذا تستغرب يا عزيزي خوشابا لعدم ذكري بعض الأصدقاء الأعزاء الذين رحلوا من هذا العالم أو الذين كانوا معنا نشطين في مجالات العمل القومي في تلك الأيام. فطالما أنت ذكرتهم وبكل أحترام وإجلال وبشكل مفصل لذلك أختصاراً وتجنبا للإطالة والإسهاب فلم أذكر أسماؤهم بل ذكرت أسماء الذين لم يأتي ذكرهم في موضوعك عن النادي. فلم يكن الغرض من عدم ذكر أسمائهم، كما قلت (لا أريد تكرار سرد تلك الذكريات وذكر أسماء الأصدقاء الأعزاء الذين عملوا معنا في مختلف الحقول القومية السياسية في تلك الفترة) هذا ما ذكرته في موضوعي. في أيام الكونفنشن في بداية هذا الشهر ألتقيت أكثر من مرة بالفنان المبدع الصديق شليمون بيت شموئيل في الكونفنشن وتحدثنا كثيرا عن ذكريات الماضي ومشاريع المستقبل وألتقيت أيضا مع الأصدقاء بنيامين أسخريا ونوئيل داود وعملنا (كعده). أما بالنسبة للمرحومين بولص البازي ودنخا إيشا فليس لنا حول إلا القول: الله يرحمهم وذكرياتهم حية في ضميرنا.

أما بالنسبة للصديق الدكتور (سايمون) شمعون فرنسا شمعون،  هذا الصديق العزيز القديم، فأقول:
How nice is to hear from your side my "Kirkukli Qardash" . I think last time we met was in mid of 1990’s in London where we paid a visit the British Museum.
With regard to the late friend Dinkha, as our friend Khoshaba and John said he passed away in Sweden and I used to meet his mother and brothers in Chicago. As with Dr. Shlemon Abdo Sleyo (Cross), yes he is the same who granulated from Mosel University - Medicine and I think he is still living in Little Rock – Arkansas where in 1981 I met him. Also graduated with him Dr. Odisho Bremo Khoshaba who currently living & working in Chicago. By the way our friend Bahram Odisho Bahrami he graduated also from the same university – Engineering Collage he lives in Dubai and he mentioned that he knows you.
With regard to Adam Pityo Jajo, he lives in Canada – Toronto I never met him since we departed Iraq but I used to meet his brother Zaya in Chicago. Nice thing of the Assyrian Convention is meeting old friends… In last Convention I met many friends including of Kirkuk, among them Gago Khoshaba Pringo (Giwargis) brother of Akam and Nafi’a also I saw Bawil brother of Ator. 
By the way, 4 years ago I visited Kirkuk and it seems like a dumping area for garbage. The great city and the cleanest city in Iraq changed to Zibil and Kharaba.
 Dear Dr. Simon, let see you in the next Assyrian Convention. By the way … any news about your cousin Dawid brother of Awiya???


وللأخ أدي  الشماس كوركريس بيت بنيامين أشيتا، هناك الكثير للقول والذكر ومنها:
سركون منصور كشتو كان صديقي من أيام كركوك ودرسنا معاً في المتوسطة الشرقية وأعتقد ذهب بعد ذلك إلى (Training Centre of IPC) وبعد إنتقالي إلى بغداد عام 1969 ألتقيت به وتجددت صداقتنا
وبعد الهجرات المستمرة ألتقيت  به مرتين، مرة في لوس أنجلس قبل أكثر من ستة سنوات ومرة أخرى في سان دياكو في الكونفنشن قبل أربعة سنوات. أعرف زوجة سركون جيداً وهي شقيقة الصديق فريد أولاد نمرود (أبو فريد) رحمه الله حيث كان النادي الثقافي الآشوري في بغداد ملتقى لنا وكثيراً ما ألتقي بفريد في الكونفنشن وأخرها في فينكس. أما ألى أخوات سركون فأعرف ساماريا وسركونياً وأحدهن (اعتقد ساماريا) هي زوجة الإستاذ بيهمود البازي وأعتقد التي ألتقيت بها في الكونفنشن كانت سركونيا وزوجها (لا أعترفه) كان معها.  اعتقد  سركون لا يزال يعيش في لوس أنجلس وكان من نشطاء حزب بيت نهرين الديموقراطي وخلال السنوات الماضية لكن تركه.
كما قلنا في السابق... الشي بالشيء يذكر... ذكرت أبن عمك الأستاذ العالم اللغوي والمبدع دانيال أبن الشماس داود بيت بنيامين أشيتا صاحب أو شريك مع والدك لمطبعة نينوى أو كركوك أصحاب أكبر فضل في طبع الكتب الآشورية ونشر آدابها، كانت فرصة جوهرية أن أزوره ومعي الإعلامي المعروف ولسن يونان من إستراليا في بيته في فينيكس في الأيام الأولى من هذا الشهر وأثناء إنعقاد الكونفنشن وكان الإستاذ العالم دانيال قد أحتفل قبل يومين بعيد ميلاده التسعين، أطال الله من عمره ومنحه الصحة والعافية، وكان هناك أيضا شقيقك الأخ  شموئيل وقضينا ساعات طويلة في الحديث الشيق والمثير وفعلاً كان شرف عظيماً لنا أن نتعرف على النابغ والعالم دانيال وتتاح الفرصة لنا لتقييم دوره وغيره من أخوته وأعمامه في تطوير الأدب الآشوري واللغة الآشورية وفي الختام تبين بأن زوجته مادلين تقربني من جهة الأم، فبدأت هي الأخرى بسرد ذكرياتها في كركوك... ما أحلى لقاء الأصدقاء وكبار مثقفي أمتنا.

 
من اليمين: شموئيل الشماس كوركيس بيت بنيامين، ثم ولسن يونان، فنابغة اللغة الآشورية وآدابها رابي دانيال الشماس داود بيت بنيامين ثم أبرم شبيرا.

شكراً لكم جميعاً ... وأعتذر من بقية القراء لأن هذا التوضيح ظهر وكأنه رسائل شخصية. 

 

38
رحلة فكرية على أجنحة عصفورة جان يلدا خوشابا:
-------------------------------
من أزقة منطقة كراج أمانة...
 فالنادي الثقافي الآشوري في بغداد...
 ثم إلى الكونفنشن الآشوري ألـ (83) في  أريزونا
-------------------------------------------------------
فرضت عصفورة الأخ جان يلدا خوشابا – أنظر الرابط أدناه –  من خلال موضوعه (العصفورة والأستاذ أبرم شبيرا ... ذكريات كي لا تنسى) ديناً ثقيلاً بعض الشيء على كتفي لأن الوعد الذي قطعته له بالرد والكتابة عن هذه الذكريات أصبحت فعلاً ديناً، والوعد كما يقال هو دينً على الإنسان الحر. تمثل صك هذا الدين في طلبه (أن تكتب لنا عن أيامك في كراج أمانة وقبلها ومن كان معك من الأصدقاء وعن ذكرياتك في النادي الثقافي الآثوري... وعن تعليمك والجامعة التي تخرجت منها وشهادتك المهنية ومن كان معك من أبناء شعبنا ومتى تركت الوطن وعن لندن وذكرياتك في أيامك الأولى فيها وأين تعمل وخاصة أنت المعروف عن السفر والترحال والنشاط ومحبة الفكر وإرتباط بالقلم).... يا سيدي العزيز جان هذه الأمور التي مر على بعضها أكثر من أربعين سنة تتطلب صفحات طويلة وطويلة وأنت تعرف الكثير من الأخوة القراء لا يستهضمون قراءة مثل هذه المواضيع الطويلة فيكف والحالة مع القلب الصغير لعصفورتك؟؟.
وحتى أخفف من ثقل هذا الدين فلا بد أن أشكر صديق العمر (داينمو القلم والفكر) المهندس خوشابا سولاقا الذي أوفى نيابة عني الجزء الأكبر من هذا الدين عندما كتب صفحات طويلة وبأجزاء عديدة عن النادي الثقافي الآشوري في بغداد وعن ذكرياته والتي هي في مجملها ذكريات مشتركة عشناها يوماً بيوم بمرارتها وحلاوتها. لهذا السبب لا أريد تكرار سرد تلك الذكريات وذكر أسماء الأصدقاء الأعزاء الذين عملوا معنا في مختلف الحقول القومية السياسية في تلك الفترة ولكن كل الذي أود قوله هو كنًا نحن سواء قبل تأسيس النادي أو بعده مجموعة شبابية مؤمنة إيماناً عميقاً أن لم يكن إيمانا "عمياوياً" بأمتنا الآشورية ونحن في مقتبل عمرنا الشبابي والعمل وبكل السبل والإمكانيات الشحيحة ومن دون أي إكتراث للمخاطر السياسية والإستبدادية المحيطة بنا وبهدف تعميم هذا الإيمان وترسيخه بين بقية شبابنا والذي توسع ليشمل مجموعة أكبر من الأسماء الذين ذكرهم صديقنا خوشابا. فكنًا بأوضح العبارة تنظيم فكري قومي وليس تنظيم هيكلي، تنظيم  تجمعنا قوة الصداقة وتربطنا صفات النزاهة والثقة والإيمان المطلق بالمبادئ القومية الصميمية المشتركة متطهرين من أي مصلحة خاصة أو شهوة لكرسي أو منصب فكان وبحق العصر الذهبي لحياتنا ومنبع لفكرنا من تلك الفترة لحد هذا اليوم سائرين على خط واضح وصريح لا تشوبه شائبة ولا تغرينا مغرية. 

للعمر أحكام قاسية منها حكم إمحاء بعض الذكريات التي مر عليها دهراً طويلاً، وما ذكره صديقنا خوشابا خضع جزء بسيط منه إلى هذا الحكم. ولكن كما يقال الشيء بالشئ يذكر، فما أن يحدث أمر أو لقاء مع بعض الأصدقاء المعنيين بالأمر حتى تقفز الذكريات المنسية من نطاق اللاوعي في الدماغ إلى نطاق الوعي فيبدأ شريط الذكريات بسرد أحداثه. وهناك الكثير من هذه الذكريات التي لم يذكرها صديقنا خوشابا لعصفورة الأخ جان، ومنها:
1.   كلما أزور شمال الوطن ألتقي بالكثير من الأصدقاء ومنهم صديقنا الأديب الكبير د. عوديشو ملكو أشيتا الذي كان من احد عناصر تنظيمنا الفكري القومي فنتبادل الكثير من الأحاديث الماضية والمعاصرة الشيقة والمهمة. في شهر أيلول من العام الماضي 2015 كنت في عنكاوة أثناء فترة رسامة قداسة مار كوركيس الثالث صليوا كبطريرك لكنيسة المشرق الآشورية وككل مرة ألتقيت بالصديق د. عوديشو ملكو وتبادلنا الكثير من الأحاديث في باحة الكنيسة خاصة المتعلقة بموضوع سيامة البطاركة والمطارنة وما يتعلق بمجموعتنا، فحفز حديثنا دماغي وفتح باب الوعي لبعض من الذكريات المتعلقة بالموضوع.  وأليك يا عصفورة بعض من هذه الذكريات التي كانت قادرة على الإنفلات من حكم العمر: ذات يوم، كان في السبعينيات من القرن الماضي، لا أتذكر بالضبط السنة والشهر، هرع د.عوديشو وطلب من مجموعتنا إجتماع فوري وعاجل لمناقشة موضوع مهم جداً، فتم الشمل في بيت صديقنا خوشابا فذكر بأن البطريرك مار دنخا الرابع (الراحل إلى الأخذار السماوية) أعلن ترشيحه ليكون مطراناً للكنسية في العراق بعد أن أنتقل المطران مار يوسف خنانيشو إلى جوار ربه. كان الموضوع بمثابة صدمة لنا ومثير لا بل ومحير أيضا لأنه كان أكبر بكثير من حجمنا الفكري لكي نتمكن من إتخاذ قرار بشأنه. غير أنه بعد مداولات ومناقشات طويلة واضعين بنظر الإعتبار جميع الظروف الموضوعية والفكرية خاصة فكرنا القومي التقليدي تجاه الكنيسة كان قرارنا بأن يرفض د. عوديشو الترشيح ولا يقبل بالدرجة الكهنوتية بمستوى مطران وهذا ما تم فعلاً. وبهذه المناسبة يجب أن أشيد بالفكر "الثوري" – أن الصح التعبير – لقداسة البطريرك الراحل الذي منذ تسنمه كرسي البطريركية دأب قداسته على أحداث تغييرات جذرية وبناء أسس موضوعية في إختيار الدرجات الكهنوتية العليا والتخلي عن النظام السابق القائم على تحديد هذه الدرجات وحصرها في عشيرة أو مجموعة معينة والذي كان قائماً في زمن حيكاري. فبنظرة موضوعية للواقع أعتمد قداسته على عشيرة تياري بإعتبارها أكبر العشائر الآشورية وعلى أشيتا باعتبارها أكبر أجزاءها لا بل أكثرها علماً ونباغة بالأمور اللغوية والتاريخية والكنسية، فعلى هذا الأساس كان إختيار قداسته لصديقنا عوديشو ملكو ومن ثم للأستاذ القس ورده صليوا الجالس حالياً ببركة الرب على كرسي البطريركية.
2.   في شريط ذكريات صديقنا خوشابا ذكر التنظيم القومي الذي شمل الأخوة شليمون إيشو (حالياً كاهن رعية كنيسة المشرق الآشورية في سرسنك) وإسحاق أنويا أسي وكوركيس... وغيرهم، الذاكرة لا تسعفني لذكر غيرهم من الأخوة في التنظيم، وأعتقد كان أسم التنظيم "الحزب الآشوري الديموقراطي التقدمي" وكنًا في حينه، أي في السبعينيات من القرن الماضي، في إتصال وحوار معهم للتنسيق في العمل القومي وربما الإندماج معهم أو الإنضمام إليهم بعد أن عرضوا علينا النظام الداخلي للحزب وبعض البيانات المطبوعة. وكان الصديق آدم بتيو ججو قد كلف من جانبنا للحديث معهم في حين كنت أنا المستمع وذلك لغرض الوصول إلى بعض الإستنتاجات لمعرفة طبيعة تنظيمهم وأفكارهم. وفعلاً بعد عدة إجتماعات توصلنا إلى قناعة بوجود في هذا الحزب عنصر أو أكثر من الذين كانوا أعضاء في حزب البعث ثم أنظموا إلى هذا الحزب وبالفعل ثبت فيما بعد بأن هذا العنصر هو الذي وشى للجهات الأمنية وتم إعتقال أعضاء الحزب ومصادرة آلة الطابعة العربية التي كان يملكها الأخ إسحاق أنويا مع بعض البيانات والأوراق الحزبية ثم بعد عدة أسابيع تم إطلاق سراحهم... كما قلنا سابقا بأن  الشيء بالشيء يذكر... وبينما أنا في شيكاغو في شهر آب الماضي لهذا العام وفي جلسة عائلية ومع بعض الأصدقاء في منزل شقيقتي، لا أدري بشكل أو بأخر ونحن نتطرق إلى المسائل القومية والحزبية وصلنا إلى سيرة تلك الأيام وظروف أعتقال أعضاء الحزب الآشوري الديموقراطي التقدمي فكان مفتاح صندوق ذكريات تلك الفترة بيد شقيقتي لينفتح وينطلق البعض منها حيث ذكرت بأنه بعد الإعتقال مباشرة جاء الصديق آدم بتيو ججو إلى منزلنا مسرعاً ومرتبكاً، حيث هرب من الجامعة (كان طالب في كلية الإدارة والإقتصاد بجامعة بغداد) وكنت أنا أداوم في وظيفتي وخوشابا سولاقا طالب في كلية الهندسة،  فصعد إلى غرفتي الخاصة يبحث في الصندوق والحقيبة المكتضة بالأوراق والكتب والمواضيع السياسية والحزبية وصور لزعماء وأبطال آشوريين أخذ البعض منها وأحرقها فوق سطح البيت أما الباقي والمهم منها خاصة الكتب المتعلقة بتاريخ الآشوريين مثل كتاب (الآشوريون في التاريخ – إيشو ماليك جوارو) و كتاب (تاريخ الآشوريين – البروفسور ماتييف بار متي) وبعض النسخ من مجلة (كوكبا آشوريا – الإتحاد الآشوري العالمي) وضعها في كيس وأعطاءها لشقيقتي التي بدورها أخذتها وخبئتها في منزل جارنا منو البيلاتي في أحدى أزقة منطقة كراج أمانة. وهذان الكتابان لا زالا بمعيتي وأثار عصرها في الكيس بادية عليهما. وبعد إطلاق سراح أعضاء الحزب أستمرت علاقتنا معهم ضمن إطار النادي الثقافي الآشوري خاصة مع الأخ شليمون أيشو الذي كان على رأس الحزب، كما اعتقد.
3.   صحيح هو أعتراف الصديق خوشابا بأن ذاكرته لم تسعفه لذكر كل الأسماء، وما أكثرها، التي كانت ضمن تنظيمنا الفكري، ومن بينهم الصديق سركون منصور كشتو.... مرة أخرى الشيء بالشيء يذكر... أثناء أيام إنعقاد الكونفشن الآشوري ألـ (83) للفترة من 1 – 5 أيلول من هذا العام في مدينة فينكس في ولاية أريزونا، تقدمت نحوي سيدة وقورة وقالت: إلا تعرفني؟ فقلت مع الأسف لا. فقالت أنا شقيقة سركون.. ثم أردفت وقالت: كيف تنسى الأيام الخوالي التي كنتم تجتمعون في منزلنا في منطقة الغدير وكنت أحضر لكم الشاي ولكن كان سركون يمنعني من الدخول فيأخذ صينة الشاي مني وأنا في الصالة لأنه لم يكن يرغب أن أسمع أحاديثكم ولكن كنتُ أنا ووالدتي نستطرق السمع من خلف الباب والدموع تنهمر في عيون والدتي خوفاً من الأحاديث السياسية والقومية اللهابة حيث كنتم تعتقدون بأن إنبعاث الإمبراطورية الآشورية اصبح قاب قوسين، فكنت كأخت أشاطر مخاوف والدتي على أبنها من ظلم وإستبداد النظام السياسي الجائر.
أكتفي بهذا القدر من الذكريات، وما أكثرها، في أزقة منطقة كراج أمانة لأنتقل إلى النادي الثقافي الآشوري في بغداد ولكن أين أضع نقطة  بداية قلمي وأبدأ الكتابة والصديق خوشابا لم يترك شاردة ولا واردة إلا وذكرها بالتفصيل في بحثه عن تاريخ النادي الذي نشره على هذا الموقع بأربعة أجزاء وهو بحث يتماثل كما تتماثل أفكارنا وإيمانا مع الكتاب الذي كتبته عن النادي تحت عنوان (النادي الثقافي الآشوري – 1970 – 1980 – مسيرة تحديات وإنجازات) والذي نشر عام 1993 في الولايات المتحدة الأمريكية. وهنا من الضروري على القارئ اللبيب أن يتطلع جيداً على عنوان هذا الكتاب. فبالنسبة لفترة عشر سنوات التي تناولها الكتاب تعتبر من أخطر وأهم فترات تاريخنا المعاصر وفيها أحداث سياسية وقومية مهمة جداً وتحديات مفعمة بالإنفعال والحركة والعمل الدؤوب التي أثرت وأنعكست على تطور الفكر القومي الآشوري وأثمرت بإنجازات عظيمة قلً مثيلها في تاريخنا المعاصر، وتفاصيلها مسطرة في كتابنا المذكور. فبالإضافة إلى التحديات الخارجية المتمثلة في السياسة الإستبدادية لنظام البعث وإلى سياسات غيره من الأحزاب العراقية التي كانت تحاول إستيعاب وكسب أعضاء لهم من أبناء أمتنا سواء بشكل مباشر أو عن طريق السيطرة على النادي فإن التحديات الداخلية كانت أيضا في وسط معركة الفكر القومي الآشوري التقدمي ومنها الأفكار والممارسات الطائفية والعشائرية التي كانت تمزق مجتمعنا إلى أوصال وشلل. وهنا أُذكر صديقنا خوشابا قبل تذكير عصفورة جان مسألة في هذا السياق لأن هو كان في قلب الحدث ولم يأتي ذكره في ذكرياته. في بداية قيام الجبهة المشؤومة لحزب البعث التي تورط فيها أيضا الحزب الشيوعي العراقي وبعض الأحزاب الكوردية كان بالمقابل تصاعد في الوعي الفكري القومي الآشوري نحو ممارسات ونشاطات قومية خاصة في طلاب الجامعات وشباب النادي الثقافي الآشوري. ففي حينها، أعتقد كانت بداية السبعينيات من القرن الماضي، منع نادي بابل الكلداني، الذي كان غالبية أعضاءه من قصبة ألقوش، منع طلاب الكلدان الجامعيين من إقامة حفلة تعارف على حدائق النادي، كما كان يفعل طلاب الآشوريين الجامعيين في كل سنة، وذلك ربما خوفاً من السلطات الأمنية أو إيمانا من بعض أعضاء النادي بأن حفلة طلاب الكلدان لها صفة عنصرية شوفينية، وهي الإسطوانة التي كان يكررها بعض أعضاء حزب الشيوعي العراقي. فلجأوا إلينا، بحكم الزمالة الجامعية التي كانت تربط بعض من أصدقائنا بهم. فبعد أخذ وعطاء ومشادات مع الهيئة الإدارية للنادي الثقافي الآشوري حصلنا الموافقة على أقامة حفلة تعارف للطلاب الكلدان الجامعيين على حدائق النادي وشاركنا فيها. وما ذكرني بهذا الحدث هو وجود لي صورة عن الحفلة وصديقنا خوشابا "يدبك" على رأس الخكا (دبكة) وأنا بجانبه مع أصدقاءنا الألقوشيين. أفرد هذا الحدث للمقارنة بين تلك الفترة، فترة العصر الذهبي للفكر القومي الذي لم يكن تنخر به مرض التسميات واللهوث خلف الكراسي والمناصب وبين الفكر القومي لهذا العصر الذي تقضم الطائفية والتحزبية والعشائرية أجزاء منه وتجعله بحكم المشلول.

ومن المآثر التاريخية في النادي الثقافي الاشوري نحو محاربة التصدع الطائفي في مجتمعنا هو تنظيم أول لقاء بين البطريركين مار دنخا الرابع، أسكنه الله فسيح جنانته، وما أدي الثاني، أطالة الله من عمره، وهو مأثر مسطر في كتابي أعلاه وأستطيع أن أستل منه بعض السطور. فالنادي لم يكن كيان للتجمع واللهو وقضاء الأماسي والثرثرة وأنما كان منظمة فكرية قومية شاملة لجميع الطوائف والعشائر دون أي تمييز. فقد كان أعضاءه الخيرين الواعيين يشعرون بمرارة التمزق الطائفي الذي أصيب به بعض أجزاء المجتمع الآشوري فحاولوا جاهدين التصدي لهذه الحالة وبكل الوسائل الممكنة سواء أكانت مباشرة عن طريق النادي أم بشكل غير مباشر عن طريق أعضاءه النشطين الواعين والذين كانوا يمثلون الطليعة المثقفة للمجتمع الآشوري قاطبة. وقد أدرك هؤلاء منذ الوهلة الأولى صعوبة لا بل وخطورة مهمة التصدي ومعالجة حالة التمزق هذه، إلا أن هذا لم يثن عزيمتهم في المضي قدما بمحاولة قد تكون البادرة الأولى على طريق إنعاش الآمال لإزالة الأحقاد وسوء الفهم القائم بين الأطراف المتنازعة. وفعلاً، ففي إحتفالات النادي بعيد الأول من نيسان عام 1977 دعي كل من قداسة البطريرك مار دنخا الرابع وقداسة مار أدي الثاني لحضور هذه الإحتفالات وللتصافح بينهما وإلقاء الكلمات أمام الجمهور الذي أمتلأت به حدائق النادي لإثارة الحماس والشعور القومي نحو إزالة الأحقاد التي تفشت في المجتمع الآشوري من جراء الإنقسام الحاصل في الكنيسة.
وفعلاً لُبيت الدعوة من قبل الطرفين ووضعت الهيئة الإدارية، التي كانت برئاسة المرحوم روميل كوركيس الذي كان من أحد عناصر تنظيمنا الفكري، تفاصيل خطة اللقاء بينهما دون إثارة أية حساسية أو سوء فهم تمس قداستهما. وكانت الخطة تقوم على أساس قدوم قداسة مار أدي الثاني أولاً إلى النادي والجلوس في مقدمة المحتفلين في حدائق النادي، يليه قداسة مار دنخا الرابع والدخول إلى مبنى النادي وتفقد المكتبة وأسلوب تدريس اللغة الآشورية ومن ثم الخروج إلى حدائق النادي للتصافح والتعانق مع قداسة مار أدي أمام الجمهور والبدء بإلقاء الكلمات الترحيبة والمباشرة بفقرات الإحتفال. غير أن الخطة فشلت في تحقيق أهدافها السامية ففقدت الهيئة الإدارية السيطرة على الوضع بعد أن أصبح خارج نطاق قدرتها بسبب الدور الخبيث الذي لعبه البعض في إفشالها، فرجال الأمن والمتعاونون معهم وبعض أعضاء "اللجنة المركزية للطائفة الأثورية في العراق" أحاطوا بقداسته وطلبوا وبإلحاح عدم خروج قداسته إلى حدائق النادي والبدء بالإحتفالات مع قداسة البطريرك مار أدي الثاني إلا بعد حضور بعض المسؤولين في الدولة (أعتقد محافظ بغداد) لهذه الإحتفالات ومن ثم مرافقتهم له عند خروجه. غير أن الإنتظار لهذا المسؤول طال أكثر مما يجب وأخذت خيوط المؤامر لإفشال الخطة تظهر للحاضرين، فأثر هذا الإنتظار الطويل على حضور قداسة البطريرك مار أدي الثاني الذي ظل ينتظر في الحديقة لبدء الإحتفال، فأضطر تحت زخات المطر التي بدأت تساهم أيضا في إفشال هذا الهدف النبيل للنادي إلى المغادرة. بعد ذلك نهض العضو المهندس يوبرت بنيامين وصرخ صرخة مدوية في الحاضرين مستنكراً الإنشقاق الطائفي الذي يمزق الآشوريين وهتف عالياً بحياة الأمة الآشورية وبنضالها من أجل وحدة كافة طوائفها فنال إستحقاق الحاضرين. ويوبرت أستشهد في عام 1985 بعد أن اعدمه النظام العراقي الفاشي شنقاً حتى الموت بسبب إنتماءه للحركة الديموقراطية الآشورية.. رحمه الله.. ودمه على أعناقنا جميعاً للسير على طريق نضاله.

وبهذه المحاولة كان النادي قد أضاف إلى سجله الحافل بالإنجازات القومية تجرية رائدة على مستوى وحدة الأمة وظلت هذه التجربة في ذاكرة الأعضاء الخيرين يستذكرونها إينما كانوا بنوع من الإعتزاز والفخر للدور الواعي لهم والرائد في التوعية القومية وكذلك يستذكرونها بنوع من المرارة والتألم لفشل المحاولة في تحقيق أهدافها النبيلة. ليس هذا فحسب بل هناك العشرات من مثل هذه المبادرات القومية نحو وحدة الأمة ويكفي أن نقول بأن النادي كان فعلاً مدرسة لتخرج الكوادر القومية النبيلة والمناضلة فالكثيرون منهم اليوم هم مؤسسي وقادة أحزاب سياسية ومنظمات قومية وكبار المثقفين والكتاب وإختصاصين في الأدب واللغة ولا تكفي مئات الصفحات لتسطير أسماؤهم ومساهماتهم في المجتمع الآشوري فهم يؤدون دورهم ونشاطهم القومي الذي بدأوه في الأيام الأولى لإنتسابهم إلى النادي في خدمة الأمة الآشورية مستلهمين منها دروساً وعبر نافعة ومثمرة لمسيرتهم النضالية مكملين مسيرة التحديات والإنجازت التي قادها النادي الثقافي الآشوري لعقد من الزمن.

سرد الأحداث والتحديات والإنجازات للنادي الثقافي الآشوري عمل يقارب المستحيل ليس لكون بعضها قد دخل منطقة اللاوعي لأعضاءه بل لكونها كثيرة جداً ويصعب حصرها ولكن مع هذا فإن جزء من هذا البعض يبقى متحرراً من سجن اللاوعي وينتقل إلى منطقة الوعي وذلك لكونه مثيراً ونشاطاً رائداً ليس على مستوى النادي أو الآشوريين فحسب بل على مستوى العراق ككل. ومن هذا البعض أذكر مهرجان الشعر الشعبي العراقي الذي أقامه النادي على حدائقه والذي كان نشاط ثقافي أدبي الأول من نوعه في العراق حضره أكبر شعراء العراق الشعبيين ومن مختلف قطاعات الشعب العراقي وتوجهاته الفكرية والسياسية وأيضاً حشد كبير زاد عن الألف بحيث لم تكن حدائق النادي كافية لإستيعابه مما أضطر الكثيرون الجلوس على حائط سور النادي أو تسلوا الإشجار وجلسوا فيها. وكان الشعراء الشيوعيون المعرفون ببراعتهم في هذا المجال أكثر حضوراً وبروزاً ونشاطاً وإثارة لحماس الجمهور مما أثار ذلك غضب السلطات الأمنية فتم في اليوم التالي إستدعاء رئيس وأعضاء الهيئة الإدارية إلى دائرة الأمن للمحاسبة والتوبيغ وتوجيه لهم تهمة إقامة مهرجان شعري للشيوعيين.

هذا غيض من فيض... الفيض الذي لا تستطيع مئات الصفحات من إشباع متعبة القراء الأعزاء وبالأخص أعضاء النادي من قراءتها والإستمتاع بذكرياتها ولكن لتحقيق هذا الهدف هناك بعض الأفكار والمشاريع المستقبلية بخصوص هذا الموضوع تم تداولها مع الكثير من أعضاء النادي فإستحسنوها كثيرا وبتحمس، منها:
1.   الكتاب الذي كتبته وبحث صديقنا المهندس خوشابا وغيرهما من المواضيع والمقالات عن النادي ليست بكافية بل وبدون شك فيها نواقص كثيرة لا يملئها إلا ذكريات العديد من أعضاء النادي. لهذا فقد تم الحديث والإتفاق مع بعض الأعضاء ذوي الإمكانيات على تأليف مجلد توثيقي ضخم عن النادي معتمدين على ما كتبه الصديق خوشابا وما ذكرته في كتابي كأساس لهذا المجلد.
2.   الإتفاق على إعادة تجمع أو الإتحاد (Reunion) بين أعضاء النادي لعقد تجمع ومهرجان ثقافي فني إجتماعي كإعادة للأسبوع الثقافي الذي كان ينظمه النادي في السنوات الماضية ويقام مثل هذا التجمع والمهرجان في النادي الثقافي الآشوري في عنكاوة وينظم ترتيباته خاصة للقادمين من خارج الوطن وبإدارة المهندس توما روئيل يوخنا الذي كان فعلاً المهندس البارع لمثل هذه التجمعات والنشاطات للنادي الثقافي الآشوري في بغداد واليوم يستعيد شبابه وبراعته في هذا المجال أيضا في النادي الثقافي الآشوري في عنكاوه. كان من المؤمل أن يعقد من هذا الإتحاد في هذا العام 2016 غير أن الظروف السياسية والإقتصادية والأمنية في الوطن بيت نهرين حالت دون ذلك ومن المؤمل أن يتحقق هذا الحلم الجميل بعد أن تستقر الأوضاع في الوطن.

طلبات عصفورة الأخ جان يلدا كثيرة وحاولت بقدر المستطاع وبما تسمح به مساحة هذه السطور أن أشبع بعض من رغباتها عن ذكرياتنا في منطقة كراج أمانة وعن النادي الثقافي الآشوري في بغداد، ولكن يؤسفي القول بعدم تحقيق رغبة العصفورة فيما يخص مسائل "شخصية" وذلك خشية من تطبعها أو تفسيرها بنوع من النرجسية والإنانية خاصة وهي معروفة للعديد من الأصدقاء والقراء ولا يستوجب تكرارها. أما بخصوص حشر موضوع الكونفشن الآشوري ألـ (83) في عنوان هذا المقال هو لأنه جاء بسبب ركون العصفورة على رأسي وأنا أحضر الكونفشن لهذا رغبت أن أكشف بعض الأضواء على هذا التجمع الكبير في موضوع مستقل للأيام القادمة لأنني خشيت من أن عصفورة الأخ جان لا تتحمل أجنحتها المزيد من الصفحات هنا وبالتالي لا تستطيع الطيران وإيصال الأخبار إليكم.
مع تحياتي الحارة.     
 


http://www.ankawa.com/forum/index.php/topic,820413.msg7488296.html#msg7488296

39
الاخ العزيز جان المحترم ..اشكرك على تقيمك الثمين لما نعمله لهذه الامة الذي هو لا شيء مقارنة مع معاناتها الماساوية واشكر عصفورتك التي حطت على راسي وطلبت ان استجيب لطلبها ولكن للاسف اقول لا استطيع حاليا استجابة طلبها لأنني حاليا في اريزونا - الولايات المتحدة احضر الكونفنشن الاشوري ال 83 ومنشغل كثيرا ولم احمل معي الكومبيوتر حيث ارسل هذه الرسالة بواسطة الهاتف المتحرك  ولكن اعاهد عصفورتك بأنني حالما اعود  سوف البي الطلب وبكل ممنونية ...تحياتي الحارة ... اخوك ابرم شبيرا

40

جواب وتوضيح لصديق العمر المهندس خوشابا سولاقا

عزيزي وأخي وصديق العمر المهندس خوشابا سولاقا
تحية من الأعماق...

أولا أود التأكيد بأن هذا ليس إطلاقاً رد على ما مذكور في ردكم على الموضوع بل هو جواب لبعض التساولات وتوضيحاً لبعض المعلومات التي وردت في ردكم:

أولاً: بالنسبة لإستشهاد البطل فريدون أتورايا هناك وثائق ومذكرات لأشخاص عاصروا تلك الفترة وأكدوا وبالأسماء الأشخاص الآشوريين المتورطين في تزوير الرسالة القاتلة ضد الشهيد فريدون أتورايا وكانوا هؤلاء يعملون كمستشاريين أو معاونيين للبيت البطريركي خاصة لسروما خانم وربخيلا داود لأن بالنسبة إليهم كان الشهيد شيوعياً وكافراً وفوضوياً كما ذكرت. وهناك رسالة، من المؤكد هي مزورة كما يؤكدها بعض المؤرخين الآشوريين والروس وبعضها مذكورة في مجلة "ملثا" مرسلة بأسم البطريرك الشهيد مار بنيامين إلى السلطات الروسية يرفض فيها رفضاً شديداً مشروع فريدون أتورايا المذكور في منفيستو أورمي ويصفه بالغوغائي والفوضي. وهناك رد للبطل فريدون أتورايا على هذا الكتاب يؤكد فيه شكه في هذه الرسالة خاصة وهو كان في علاقة جيدة مع البطريرك الشهيد ويعتبره فعلاً قائداً للأمة الآشورية. ومثل هذه التفاصيل بعضها مذكورة في مجلة "ملثا" التي ذكرتها وهي موثقة بمواثيق من الأرشيق الروسي وبشهادة من أشخاص عاصروا البطل فريدون أتورايا.

ثانياً: أنا لم أقل ولم أذكر بأن سورما خانم وربخيلا داود والبطريرك مار شمعون إيشاي كانوا عملاء للإنكليز فذلك ليس من شيمتي أن الصق جهاراً تهم بأشخاص معروفين في تاريخنا القومي والكنسي. كل ما ذكرته (أرجو قراءة الموضوع مرة أخرى) هو أنهم كانوا من المتعاونيين والمتحالفين مع بريطانيا وكانت وجهة نظرهم بأن مثل هذا التحالف هو خلاص لأمتنا من محنتها المميتة في تلك الفترة وبالمقابل كان لأمير الشهداء وجهة نظر أخرى تختلف عنهم. ومن الطبيعي جداً أن تسعى بريطانيا للخلاص من البطريرك الشهيد بطريقة أو أخرى بسبب ميله للتحالف مع روسيا. ومن الطبيعي أيضا، بل الطبيعي جداً، أن يكون هناك خلاف أو إختلاف أو حتى تناقض في أراء وأفكار ومشاريع أعضاء قيادة أية أمة، وامتنا لم تكن وليست مستثناة من هذه الحالة البشرية الطبيعية.

ثالثا: وفي العراق وبعد النزوح المأساوي للأشوريين الحيكاريين وتأسيس كيانه السياسي عام 1921 لم يكن أمام القيادة الآشورية المتمثلة في سورما خانم والبطريرك مار شمعون إيشاي من خيار خير التعاون مع القوات البريطانية، اليد الطولى في مقدرات البلاد، ولأجل هدف واحد مشترك آشوري/بريطاني وهو ضمان إستقرار البلاد وبحكومة مستقر ومرتبطة بمعاهدة مع بريطانيا لتحقيق بريطانيا مصالحها الخاصة من جهة، وتحقيق الآشوريين الإستقرار المنشود من جهة أخرى. هذا التحالف لا يمكن أن يوصف بالعمالة كما يفعل رجال الفكر العراقي المستبد ورجال الأنظمة الإستبدادية التي تعاقبت على السلطة في العراق ونحن بعيدين كل البعد عن مثل هذه التهم لأنه كما ذكرت في أعلاه ليست من شيمنا وأخلاقنا وفكرنا وإيماننا أيضا.

رابعاً: بالنسبة لمثلث الرحمات البطريرك مار شمعون إيشاي، فمع الأسف الشديد هناك أسرار وخفايا عن هذا البطريرك التي تؤهله أن يكون البطل الآشوري التاريخي للآشوريين بسبب مواقفه الصلبة في مواجهة الحكومة العراقية المستبدة في تلك الفترة. ويكفي أن نشير إلى رده للمجرم حكمت سليمان (التركي الأصل) وزير الداخلية أثناء مذبحة سميل عندما عرض عليه رسالة تعهد للإستسلام والذل وطلب من البطريرك التوقيع عليه غير أنه رفض البطريرك التوقيع عليه وقال كلمته المشهورة "بأنني قائد شعبي ولا أستطيع أن أخونه"  فثار ذلك غضب وهيجان المجرم حكمت سليمان فأصدر قرار نفيه من دون سند قانوني. ليس هذا فحسب بل هناك مواقف بطولية أخرى للبطريرك تجاه بريطانيا خاصة أثناء وبعد مذبحة سميل لعام 1933. ففي المنفى في قبرص وبريطانيا وحتى وهو في أميركا كان قد رفض كل مشاريع الإسكان الأشوريين في غير بلاد ما بين النهرين وهناك قول له مذكور في أحدى الكتب (أرجو المعذرة لعدم إستطاعتي في هذا الوقت البحث عنه فهو من محتويات مكتبتي الصغيرة) حيث قال (هذا شعبي الذي حارب وضحى بدماءه من أجل الإستقرار في موطنه الأصلي الآن يطلب منه أن يستقر في بلدان بعيدة جداً (البرازيل) عن موطنه بيت نهرين.
يقال، وأنا سمعته من عدة أشخاص كانو مقربين من البطريرك، بأنه عندما تزوج في منتصف السبعينيات من القرن الماضي، أنصدمت سورما خانم وربخيلا داود من زواج البطريرك وأعتبروها وصمة عار جلبها للعائلة البطريركية. ويقال أيضاً بأن سورما خانم وربخيلا داود قالا له بأنهما في حالة وفاتهما لا يرغبون إطلاقاً أن يشارك البطريرك في جنازتهم، فكان رد البطريرك عليهما، كما يقال، : أسكتوا وإلا سافضحكم أمام الآشوريين عن الجرائم التي فعلتموها مع الإنكليز بحق الآشوريين... طبعاً هذا كلام شفهي وليس هناك ما هو موثق حتى يتم التأكيد عليه حيث من الصعب جداً توثيق هكذا حديث خاص وشخصي.

خامساً: تتساءل يا صديق العمر في ردك وتقول (لو كانت سورما خانم وشقيقها داوود وابنه البطريرك مار إيشاي شمعون عملاء للأنكليز أو من أتباع الأنكليز والأنكليز كما تعلمون يمتلكون قرار العراق السياسي بيدهم في ذلك الوقت ، فهل كان الأنكليز سيسمحون للحكومة العراقية العميلة برآسة المجرم رشيد عالي الكيلاني بنفي البطريرك ما إيشاي شمعون ووالده داوود وعمته سورما بهذه الطريقة المهينه الى خارج العراق وسحب الجنسية العراقية منهم ؟؟؟؟ )
أخي العزيز أبو نرام الورد... هذا الحدث لهذا الموضوع لا يمكن أن نفهمه بأخذه على علاته وعلى سطحيته ما لم نفهم مرحلة التحول الإستعمار البريطاني من مرحلة الكولونيالية إلى مرحلة الإستعمار الإقتصادي أو الحديث وهذا ما حدث في العراق بعد إنهاء نظام الإنتداب، الذي هو شكلا من أشكال الإستعمار الكولونيالي، ومنح العراق إستقلاله الشكلي وقبول عضويته في عصبة الأمم. الإستعمار التقليدي أو الكولونيالي يتطلب وجود قوات عسكرية لضمان السيطرة على البلد أما الأستعمار الإقتصادي الفكري فلا يلزمه مثل هذه القوات بل يتطلبه وجود حكام أو نظام سياسي مرتبط بالدولة الإستعمارية ذلك لكونه أقل كلفة وخسارة للأرواح وأكثر تحقيقها للهدف النهائي: الإقتصاد. هذا ما حدث في العراق فعند السيطرة عليه بعد الحرب الكونية الأولى وجدت بريطانيا في ظروف الآشوريين المأساوية المهجرين من حيكاري مناسبة لإستغلالها وتجنيدهم في قوات مسلحة المعروفة بـ "الليفي" لمساعدة القوات البريطانية في ضمان السيطرة وإستمرارها على العراق. غير أنه عقب الأزمة الإقتصادية التي إجتاحت العالم في الربع الأول من القرن الماضي وجدت بريطانيا في أسلوبها الكولونيكالي وفي نظام الإنتداب مكلف جدا للخزينة البريطانية فكان هذا عاملاً أساسياً للتحول إلى الإستعمار الإقتصادي الفكري الحديث. لهذا السبب تم إنهاء النظام الإنتداب ومنح الإستقلال الشكلي للعراق وقبوله في عصبة الأمم المتحدة وربط العراق بمعاهدة مع بريطانيا ضامنة لمصالحها الإقتصادية. وبهذا تحول الإستعمار البريطاني الكولونيالي إلى الإقتصادي الفكري بوجود حكومة مرتبطة من جميع الجوانب ببريطانيا، والتي توصف عادة بالحكومة العميلة. فوفق هذا التحول لم تعد بريطانيا بحاجة إلى قوات على الأرض ولا ألى قوات مساندة لها "الليفي" فتم تسريح هذه القوات وبأعداد كبيرة فلم يبقى منها إلا قوات خدمية تخدم القاعدة الجوية البريطانية في الحبانية والشعيبة.  من هذا المنطلق في التحول أنتفت حاجة بريطانيا إلى الآشوريين وإلى قوات الليفي فموضوع التخلص منهم أصبح مطروحاً لضمان حسن نيتها تجاه حكومة العراق العميلة لها. فجاء نفي البطريرك وأفراد عائلته ثم مذبحة سميل وغيرها من المأساة والفواجع كلها جاءت ضمن التخلص من الآشوريين ومطاليبهم المزعجة لمطامح بريطانيا بعد منح العراق الإستقلال الشكلي.
يا صديق العمر، أن كل ما ذكرته في تساؤلك من نفي البطريرك وعائلته فأنه تم ضمنياً بموافقة بريطانيا لغرض التخلص منهم بعد إنتفاء الحاجة للأشوريين وقادتهم ... أقطع الرأس تقضي على الجسم.. هكذا عملت بريطانيا والحكومة العميلة في العراق في تلك الفترة. أما بخصوص تعيين خوشابا يوسف رئيساً للأشوريين فهذا أمر تم فيما بعد كمساوة بينه وأتباعه مع الحكومة العراقية ومكافئة له لوقوفه ضد الحركة الآشورية لعام 1933 وقادتها من جهة وحفظ ماء وجه الحكام في العراق أمام الرأي العالمي بعد أرتكاب فضائع مجزرة سميل من جهة أخرى.
وأخيرا أرجو المعذرة من الإطالة بعض الشيء في أخاديد التاريخ الذي أرى بأننا في الوقت الحاضر ليس لنا مصلحة من النبش فيها مالم تكون تجربة ونستفاد من دروسه وهذا كان غرضي من السرد في التاريخ  وهو الإستفادة من دروسه في عملنا السياسي في الوقت الحاضر والتي ذكرتها وهي:
1.   إفتقارنا، أو بالأحرى إفتقار أو جهل قادة أحزابنا السياسية وتنظيماتنا القومية، إلى البعد الجيوسياسي في التعامل مع الغير.
2.   الخيانة والغدر والخسة التي ظهرت في البعض من أبناء أمتنا وخاصة على مستوى القيادة.
3.   الوحدة أو التفاهم بين تنظيماتنا السياسية والقومية هو السبيل الأمثل، إن لم يكن الأوحد، للخلاص أو التخفيف من مأساة أمتنا الحالية والمسك برأس خيط تحقيق مصالحنا القومية في أرض الوطن...
وأخيراً تقبل تحياتي الحارة ... مشتاقين إلى جلسات المحبة والنقاش الفكري... وإلى (رزه بالخرطمانه!!!).

41
روسيا... أين موقعها في  ميزان العمل السياسي الآشوري؟؟
نظرة مقارنة بين الماضي والحاضر
=============================================

أبرم شبيرا

رجاء:
-----
أرجو من القارئ اللبيب أن يدرك بأن إستخدامي للمفردة القومية "الآشوري" هنا ينطلق من حقائق موضوعية تاريخية ومعاصرة لأن أولاً: تاريخياً، نشؤ الحركة القومية في مجتمعنا عموما جاءت بهذه التسمية القومية التاريخية وشارك فيها ضمن هذه التسمية عدد كبير من أبناء الطوائف والتسميات الأخرى بل كانوا رواداً لها وقدموا شهداء في سبيلها. وثانياً: الواقع المعاصر يؤكد بأن الأحزاب السياسية والتنظيمات القومية التي تتسمى بهذه التسمية القومية، رغم تبنيهم للتسميات المركبة هي أكثر نشاطاً وبرزواً على السطح السياسي، المحلي والإقليمي والدولي، وتحديدا ما يخص موضوع  بحثنا. وهذا كله  لاينفي وبتأكيد مطلق إيماننا الراسخ  بوحدة أمتنا بجميع تسمياته التاريخية والحضارية، الكلدانية والسريانية والآشورية.

الآشوريون والبحث عن حليف في وقت الأزمات والحروب:
--------------------------------------
عندم تعصف الأزمات والمصائب بأية أمة أو دولة خاصة وقت الحروب وإشتدادها لا بد مثلما لها عدو ومصدر هذه المصائب والحروب يكون لها أيضا حلفاء وأصدقاء  لأن لهم مصالح عامة مشتركة من هذه الصداقة أو التحالف. وهذا هو حال كل الحروب المعروفة في التاريخ، خاصة الحروب المعاصرة حيث من النادر جداً أن نرى دولة تدخل حرباً لوحدها بل يكون لها حلفاء وعلى نفس الجبهة. وحروب التاريخ خاصة المعاصرة كالحرب العالمية الأولى والثانية وحتى الحروب الإقليمية هي شواهد على ما نقوله. عصفت الرياح الهائجة للحرب الكونية الأولى بشعبنا في موطنه الأصلي، هيكاري وما جاورها من مناطق أخرى، ووضعته في دوامة الدمار والتشرد والفناء فكان على زعامة الأمة المتمثلة في المؤسسة البطريركية، وعلى قمتها الشهيد الخالد مار بنيامين شمعون البطريرك الأسبق لكنيسة المشرق الآشورية وأخته سورما خانم وشقيقه ربخيلا (قائد القوات) داود، البحث عن سبيل منقذ للأمة ولم يكن هناك إلا خيارين ممتين، أما البقاء في مواقعهم والتعرض إلى المزيد من المذابح وبالتالي الفناء الكلي أو الوقوف مع دول الحلف البريطاني الفرنسي الروسي ضد الدولة العثمانية. فكان الخيار الثاني أهون الخيارين وأقل مرارة رغم النتائج المأساوية التي كانت متوقعة الوقوع على شعبنا من جراء ذلك. فمن المعروف وبشكل عام بأن القيادة الآشورية في تلك الفترة وضعت كل البيض في السلة البريطانية ويتمادى بعض المؤرخين والكتاب القول بأن المؤسسة البطريركية أرتمت بالتمام والكمال في أحضان بريطانيا فأستغلتها لتحقيق مصالحها في الحرب ضد الدولة العثمانية وبعض العشائر الكوردية المتحالفة معها.

أن طرح مثل هذه التعميم على القيادة الآشورية غير صحيح لأنه يفتقر إلى تفاصيل العلاقات والتوجهات والأفكار التي كانت سائدة بين أفراد القيادة الآشورية. صحيح كل الصحة بأن سورما خانم وربخيلا داود كانا من أشد المناصرين للتحالف والتعاون مع بريطانيا ولكن على العكس من هذا بالنسبة للشهيد البطريرك مار بنيامين شمعون. كثيرا كتبُ عن عظمة الشهيد مار بنيامين وإيمانه القوي وحبه المفعهم بالأحترام لأبناء أمته وكنيسته وضخامة تضحياته ولكن قليلاً، أن لم يكن معدما، أية كتابة عن فكره الإستراتيجي في التحالف مع الآخيرين ضمن معطيات تعتمد على الظروف الموضوعية والواقعية. ففي خضم الصراعات السياسية والمصلحية والدينية والكنسية والتبشيرية التي كانت تنهش بجسم كنيسة المشرق، كان الشهيد مدركاً كل الإدراك بأن وضع روسيا غير ذلك ومختلف بعض الشيء. فبالنسبة للتبشير بين أبناء أمته وكنيسته، كانت الكنيسة الروسية الأرثوذكسية أقل شراسة في التبشير، أن لم يكن محدودا جداً أو معدوماً، في مقارنة مع تبشير الكنائس الكاثوليكية والبروتستانتية الإنكلكانية والأمريكية. فالخلفية التاريخية للكنيسة الروسية في تعاملها الإنساني مع مئات الألاف من أتباع كنيسة المشرق الذين نقلوهم هرباً من الإضطهادات العثمانية وحلفاءها في منتصف القرن التاسع عشر وأستقروا في المناطق الجنوبية لروسيا في جورجيا وأرمينيا وتحت رعاية هذه الكنيسة والذين عوملوا كمواطنين شكلت هذه الخلفية مصدر ثقة للبطريرك تجاه روسيا وكنيستها الأرثوذكسية خاصة وأن هذه الكنيسة هي أرثوذكسية بكل معنى الكلمة ولم يظهر فيها هرطقات أو إنحرافات كما هو الحال مع الكنائس الغربية. وعلى الجانب الآخر الموضوعي والجغرافي، أدرك البطريرك وبنظرة جيوسياسية بأن روسيا بلد شاسع وقريب من موطن الآشوريين لا بل محاذي له وتُمثل قوة إقليمية في المنطقة. فمثل هذه الجيرة والعلاقة الجيوسياسية، كعامل موضوعي ثابت على مدى الدهر كثبوت الجغرافيا، يكون عادة مصدراً  لمصالح ثابتة ومستديمة للطرفين. على العكس من بريطانيا وفرنسا فأن بعدهم الجغرافي عن موطن الآشوريين وشراستهم الإستعمارية جعل من العامل الجيوسياسي والجغرافي غائباً كلياً في خلق مصالح ثابتة ومستديمة للطرفين بل كان حال كلا الدولتين كحال اللص الذي يأتي من مكان بعيد ويسرق البيت ثم يهرب، لهذا السبب عندما حقق الدولتان مصالحهما الخاصة في المنطقة تركا الآشوريين للذئاب المفترسة.

كان الشهيد مار بنيامين عظيماً في فكره الإستراتيجي عندما حاول الإقتراب والتحالف مع روسيا وللأسباب المار ذكرها، ففي أكتوبر من عام 1917 زار البطريرك حكومة روسيا القصيرية في القوقاز ومنح وسام القديسة آن من الدرجة الأولى وكما منح 200 ميدالية القديس جورج للمقاتلين الآشوريين الذين شاركوا مع القوات الروسية ضد القوات العثمانية والفارسية وبعض العشائر الكوردية. يؤكد بعض المؤرخين، خاصة الروس منهم، بأنه لولا قيام ثورة أكتوبر البلشفية عام 1917 وإنسحاب القوات الروسية من المنطقة ومن ثم عقد لينين زعيم الثورة معاهدة  برست ليتوفسك عام 1918 مع الألمان وخروجها من الحرب لكان الأمر مختلف ولكان التحالف الإستراتيجي الآشوري – الروسي أستمر وحقق نتائج غير تلك النتائج المأساوية التي جاءت من التحالف مع بريطانيا. صحيح إذا كان عامل إنسحاب الروس من المنطقة والحرب وترك الآشوريين في ظروف صعبة جداً وماحقة سبباً لإنهيار مثل هذا التحالف الإستراتيجي فأنه علينا أن لا ننسى أيضاً عامل داخلي مهم وحاسم وهو عدم الإتفاق أو الخلاف بين الآشوريين عن الجهة أو الدولة الواجب التحالف معها، خاصة بين البطريرك مار بنيامين مع روسيا من جهة وسورما خانم وربخيلا داود مع بريطانيا من جهة أخرى. فعندما تفعل الظروف المأساوية والمميتة باي شعب أو أمة تبدا الدسائس والمؤمرات بين بعض من ضعفاء النفوس وتحديدًا على مستوى القيادة أو المتنفذين، وهذا حال جميع الأمم بما فيها أمتنا خاصة في ظروف كظروف الحرب العالمية الأولى. ففي تلك الفترة كانت بريطانيا، الداعم الرئيسي لسورما خانم وربخيلا داود تتخوف جداً من ميل الآشوريين بقيادة مار بينامين إلى روسيا والتحالف معها ومن ثم قلب موازين القوى في المنطقة وإعاقة طريق تحقيق مصالحها الخاصة. لذلك لم ترغب بريطانيا القضاء مباشرة على البطريرك خشية من فقدان العلاقة مع سورما خانم وربخيلا داود ومن ثم إنفراط خيط التحالف معهما بل كل ما رغبته هو جذب وتوريط البطريك للوقوف في الحرب معها ضد الدولة العثمانية وحلفاءها لذلك تم تدبير رسالة مزورة بتوقيع البطريرك وفيها طلب منه إلى القوات البريطانية لمساعدته في حربه ضد العثمانين ووضعت الرسال في قطعة خبر وحملها شخص لتوصيلها إلى ضابط إنكليزي فتم إبلاغ السلطات العثمانية بالأمر فقبض على المراسل ومعه الرسالة مما سبب ذلك هجوما كاسحاً على الآشوريين ومن ثم إضطرارهم الإنضمام إلى القوات البريطانية. في كل الأزمان والأماكن إن إنعدام الإتفاق بين أعضاء القيادة من جهة والخيانة من جهة أخرى كانا عاملان حاسمان في إستحالة تحقيق مطامح الأمة وبالتالي دفعها نحو دوامة الصراعات حول المصالح الخاصة بعد ضياع مصلحة الأمة في متاهات هذه الصراعات والإنهيارات. ومن الملاحظ بأن هذا العامل الموضوعي الجغرافي في التحالف مع روسيا تتبين أهميته من خلال عدم تأثره بالمبادئ السياسية والفكرية الشيوعية التي كانت تحملها الثورة البلشفية حيث أستمر البطريرك الشهيد التراسل مع لينين زعيم الثورة البلشفية في روسيا في أكتوبر عام 1917 من أجل ضمان التحالف معها ضد العدو المشترك.

ليس هذا وعلى مستوى تحالف مار بنيامين مع الروس فحسب، بل كان له بعد جيوسياسي على المستوى المحلي حيث كان يرى في الكورد، وخاصة القبائل القوية والفاعلة على الساحة السياسية مثل قبيلة شيكاك بزعامة شيخها إسماعيل أغا المعروف بـ (سمكو) حليفاً إقليمياً. فالجغرافيا كانت العامل الموضوعي والواقعي يفرض قوته على الآشوريين وبقيادة بطريركهم للتحالف معهم وتشكيل قوة مؤثرة في المنطقة وكان الروس من المؤيدين له في هذه الخطوة فكان ضباط منهم يرافقون البطريرك أثناء محادثاته مع سمكو غير أن خدر وخيانة وخسة المجرم سمكو وقيامه بإغتيال البطريرك أفشل كل مخططات الآشوريين في التحالف معهم. لقد ثبت كون الدولة الفارسية من وراء دفع المجرم سمكو لإغتيال البطريرك، لكن مثل هذا الإغتيال صب في مجرى تحقيق المصالح البريطانية في المنطقة حيث أصبح الآشوريين بدون قيادة وضاعوا في متاهاة التهجير والضياع والإنسياق نحو "أبو ناجي".  حقا أصاب كبد الحقيقة عندما قال الأديب الكبير والمؤرخ الشماس كوركيس بنيامين أشيتا  في كتابه ( رؤساء الآشوريين في القرن العشرين) المكتوب باللغة الآشورية الحديثة  "بأن لو لم يكن الآشوريون قد فقدوا مار بنياميــن في تلك الفترة لربمـا كانت مسيرة تاريخ أمتنا قد تطورت بشكل آخــر، ومن دون أدنى شــك كانت بشكل احسن مما هو عليه الآن لأنه بالتأكيد ما كان يسمح للانتهازيين أن يلعبوا لعبتهــم كما فعلوا بعد الحرب العالمية الأولى وكما يفعلون اليوم" (ص25).
على الجانب المدني أو العلماني ظهر المفكر العبقري القومي التقدمي الشهيد فريدون أتورايا وهو مفعماً بتأثير العامل الجيوسياسي في عمله القومي السياسي. فإذا حسبنا الشهيد مار بنيامين على الجانب الديني واليميني فأن الشهيد فريدون أتوراياً هو محسوب على الجانب التقدمي اليساري ولكن بين اليمين واليسار كان هناك عامل قوي يجمع بينهما وهو التحالف والعمل مع روسيا ثم الإتحاد السوفياتي بالنسبة لفريدون أتورايا وكلا الشهيدين أدركوا إدراكاً عميقاً أهمية تحقيق المصلحة القومية من خلال هذا الإدراك والبناء عليه تحالف ومصالح دائمة ومستديمة. ففي بيانه المعروف بـ "منفستو أورمي" – أي إعلان أورمي لعام 1917  – أنظر عزيزي القارئ تأثيره بالماركسية وب "منفستو" المنشور تحت عنوان "يا عمال العالم أتحدوا" من قبل كارل ماركس وزميله فريدريك أنجلز – دعا فيه إلى تأسيس دولة آشورية حرة موحدة ورسم حدودها من منطقة أورمي مروراً بشريط حدودي فاصل بين تركيا والعرب إلى إنطاكية على البحر الأبيض المتوسط يجمع جميع جميع طوائف وكنائس أمتنا. وتجلى فكره الإستراتيجي في ضرورة وجود منفذ للدولة الآشورية على البحر لتكون رئة تتنفس من خلالها نحو العالم الخارجي. وحتى بعد قيام الثورة البلشفية أستمر المطالبة بمشروعه في قيام الدولة الآشورية وضمن جمهوريات الإتحاد السوفياتي. غير أنه مرة أخرى يعود عامل الخدر والخيانة والخسة المنبعث من بين أخاديد بعض الخونة في مجتمعنا وبنفس أسلوب التخلص من مار بنيامين. ففي عام 1925 عثرت السلطات الستالينية على رسالة مزورة وبتوقيعه يطلب من السلطات البريطانية التدخل لمساعدته فألقي القبض عليه وأعدم في عام 1926 بتهمة التجسس لصالح بريطانيا. وقد دلت الأحداث فيما بعد بأن المؤسسة الكنسية وعلى رأسها سورما خانم وربخيلا داود ومن وراءهم بعض البريطانيين كانوا وراء تدبير هذه الرسالة المزورة للإيقاع به والتخلص منه ومن مشروعه القومي في بناء كيان قومي آشوري ضمن جمهوريات الإتحاد السوفياتي، لأن بالنسبة إليهم كان الشهيد فريدون أتورايا شيوعيا وغوغائيا وفوضويا يسعى لسلب الزعامة من البطريرك والمؤسسة الكنسية. حقاً لو أفترضنا مجازا بأن الآشوريين كانوا قد قبلوا بمشروع فردون أتورايا وتحقق كما فعل الأرمن في تلك الفترة لكان في هذا اليوم للآشوريين دولة مستقلة حالها حال دولة أرمينيا.

البيروستروكيا وكنيسة المشرق الآشورية:
----------------------------------
كان البطريرك الشهيد مار بنيامين في إتصال دائم مع الآشوريين في روسيا وجمهوريات القوقاز حتى بعد قيام الثورة البلشفية في أكتوبر عام 1917. غير أن إستشهاده في بداية شهر آذار من عام 1918  حالت خلال هذه الفترة القصيرة دون بناء أسس قوية ومستمرة لهذه العلاقة في ظل النظام الجديد. ثم جاءت مأساة الحرب والتشرد والضياع وهيمنة بقية أفراد العائلة البطريركية الموالين لبريطانيا على مقدارات الآشوريين وما تلاه من نتائج مأساوية مضاعفة مثل مذبحة سميل لعام 1933 ونفي بطريرك الكنيسة وعائلته خارج العراق في الوقت الذي كان ستالين يشدد من قبضته الإستبدادية على السلطة ويقضي على معارضيه والمشتبهين بهم فشمل هذا إعدام العشرات من كبار المثقفين والأكادميين والقوميين الآشوريين بمن فيهم الشهيد فريدون أتورايا. كل هذه العوامل فعلت فعلها القوي في قطع علاقة الآشوريين في الإتحاد السوفياتي مع غيرهم من الآشوريين خاصة مع أخوتهم في بيت نهرين فأندمجوا في المجتمع السوفياتي وأصبحوا بحكم الآشوريين المنسيين إن لم نقل الضائعين. 

البيروستروكيا ((Perestroika والتي تعني إعادة البناء كان المنهاج الإقتصادي للرئيس الأسبق لجمهوريات الإتحاد السوفياتي ميخائيل غورباتشوف في الثمانينات من القرن الماضي والتي كانت البداية التي هزت العالم وإحدثت تغييرات جذرية سواء على المستوى السوفياتي أو العالم. فتأثيرها كان شاملاً وعاماً على جميع شعوب ودول العالم ولم يستثنى منها حتى الآشوريين ومؤسساتهم في الإتحاد السوفياتي وعلى كنيسة المشرق الآشورية في العالم أيضا. وفعلاً فقد تم إعادة بناء هيكلية المجتمع الآشوري في الإتحاد السوفياتي والجمهوريات المنضوية في رابطة الدول المستقلة (Commonwealth of Independent States ) وإختصارا بـ (CIS) التي كانت في السابق من جمهوريات الإتحاد السوفياتي. فعندما تسنم البطريرك الراحل إلى الأخدار السماوية قداسة مار دنخا الرابع كرسي البطريركية وضع نصب عينيه أهمية الإتصال بالآشوريين في الإتحاد السوفياتي وإرجاعهم إلى كنيسة أبائهم. وفعلا قام قداسته في عام 1982 بزيارة إلى الآشوريين في الإتحاد السوفياتي ثم تكررت الزيارة في عام 1988. وفي المجمع السنهادوسي للكنيسة المنعقد في سدني – أستراليا في شهر آب من عام  1994 أسندت مسؤولية الإهتمام بالآشوريين ولم شملهم حول الكنيسة إلى قداسة البطريرك مار كوركيس الثالث صليوا (في وقتها كان مطربوليت للكنيسة في العراق) الذي زراهم في شهر مايس من نفس العام ووعدهم بإرسال كاهن ليقدم لهم الخدمة حسب طقوس كنيسة المشرق. وفعلاً وفي شهر كانون الثاني من عام 1995 زار قداسته وبصحبته القس خامس هرمز، حاليا مار أسحق خامس أسقف دهوك، معظم الآشوريين في روسيا وبعض دول رابطة الكمونولث فأقاموا القداديس حسب طقس كنيسة المشرق بعد إنقطاع طويل دام أكثر من قرنين ونصف القرن. وكنتيجة لذلك فقد أعترفت السلطات الروسية بكنيسة المشرق الآشورية وسجلت ككيان كنسي في وزارة العدل الروسية. وبفعل التبرعات السخية الضخمة لبعض الآشوريين تم بناء كنيسة مريم العذراء الضخمة في موسكو التي أصبحت الخيمة الجامعة للأشوريين المتحمسين للعودة لجذورهم. وفعلاً شاهد شخصياً أثناء زيارتي لموسكو في شهر مايس من عام 2002 القداس الذي أقامه القس/الأسقف مار أسحق في هذه الكنيسة الضخمة التي أحتشد فيها المئات من أتباع الكنيسة فكانت فرحتهم لا توصف ولا تقاس عن مدى تعلقهم بكنيستهم وأمتهم الآشورية.

البيروستروكيا والآشوريون القوميون:
-----------------------------
قد أكون أسرفت بعض الشيء في بيان دور كنيسة المشرق الآشورية في إعادة معظم الآشوريين في روسيا ودول الكمونولث المستقلة إلى إيمانهم بكنيستهم الأم بعد أكثر من قرنين. وهذا الإسراف في هذا الدور ليس القصد منه إلا بيان مدى تأثير ذلك على الجانب القومي والمدني للأشوريين هناك. فعلاً فقد كانت البيروستروكيا أعادة كاملة وواسعة وجذرية لبناء المجتمع الآشوري في الإتحاد السوفياتي نحو التحول من المجتمع السوفياتي الشيوعي إلى الساحة القومية الآشورية. ففي شهر تشرين الثاني من عام 1990 عقد في موسكو أول مؤتمر آشوري للجمهوريات السوفياتية الإشتراكية المعروفة بـ (USSR) فكان أول نافذة جديدة يطل من خلالها عدد كبير من المثقفيين القوميين وكبار الإكادميين الآشوريين. قد يستغرب القارئ الكريم عندما أقول بأن عدد الأكادميين الآشوريين وحملة لقب البروفسور موجودون في روسيا وجمهوريات الإتحاد السوفياتي السابقة أكثر بكثير من جميع الأكادميين وحملة لقب البروفسور ليس في موطن الآشوريين التاريخي، بيت نهرين، إيران، تركيا وسوريا، بل في جميع أنحاء دول المهجر أيضا. فللكثير منهم بحوث قيمة جداً وعلمية في دراسة تاريخ الآشوريين ومن نواحي مختلفة ولهم كتب ونشرات غنية في البحث الموضوعي معظمها مستمدة من الأرشيف الروسي الخاص بتاريخ الآشوريين الذي يعد أكبر وأعظم أرشيف في العالم فحتى مركز الوثائق البريطانية الذي في معظمه وثائق وتقارير لا يضاهيه في مجال البحوث الموضوعية والدراسة العلمية والأكاديمية لتاريخ الآشوريين. وقد يكفي هنا أن أشير إلى مجلة (ملثا) التي يصدرها النادي القومي الآشوري باللغة الإنكليزية،  والتي كان يحررها مجموعة من العلماء والبروفسوريين الآشوريين وعلى رأسهم البروفيسور الدكتور سركيس أوسيبوف، ففي كل عدد منها نجد بحوث سياسية قومية في غاية الأهمية قلما نجد مثيلا لها وتجلت أهمية بعضها في ترجمة العديد من البحوث التي كتبت بالروسية خاصة التاريخية منها المحفوظة في الأرشيف الروسي.
في شهر مايس من عام 2002 أستلمنا أنا وبعض من زملائي دعوة لحضور المؤتمر الآشوري العالمي الذي نظمه الإتحاد الآشوري في موسكو (خويادا) وبتعضيد ومشاركة هيئة تحرير مجلة (ملثا) الذي أنعقد في موسكو لعدة أيام حضره عدد كبير من الآشوريين المثقفيين من دول المهجر وشاركوا ببحوثهم القيمة فيه وشاهدنا فيه عجب العجب من المستوى الراقي للوعي القومي والعلمي للآشوريين الذي حضروا من روسيا ومن دول كومنولث المستقلة وشاركوا ببحوثهم التاريخية والقومية القيمة، حقاً أقولها وبصراحة كان مستواهم الفكري والعلمي والقومي يفوق كثيراً المستوى الذي نعرفه في موطننا الأصلي وفي بلدان المهجر... ولكن... ولكن أين نحن من كل هذا... أين نحن من فهم الأهمية الجيوسياسية لروسيا وبقية الدول كومنولث المستقلة والأكثر من هذا التساؤل هو أين قياداتتنا السياسية والحزبية من هذا العامل الفكري والجيوسياسي في علمهم السياسي القومي؟؟؟؟     

اليوم... أين "القيادة الآشورية" من هذا الفكر القومي والجيوسياسي؟:
---------------------------------------------------
عاملان مهمان، الذاتي والموضوعي أو الفكري والواقعي، يشكلان عنصران حاسمان في كل ظاهرة ومنها الظاهرة السياسية وتحديداً لكل حركة قومية سياسية بما فيها الأحزاب والمنظمات القومية، وهو الموضوع الذي يخصنا هنا. أسهبنا بعض الشيء في أعلاه عن هذان العاملان: الموضوعي المتمثل في الموقع الجيوسياسي لروسيا وبقية دول كمونولث المستقلة، خاصة جورجيا وأرمينا حيث عدد كبير من الآشوريين هناك، وعن العامل الفكري المتمثل في المستوى الراقي للوعي القومي الصميمي لمعظم المثقفيين والمفكرين الآشوريين في هذه الدول. ولكن مع الأسف الشديد بأن قيادتنا السياسية والقومية تتجاهل مثل هذه العوامل أو لا تدرك أهميتها في العمل السياسي خاصة عندما ننظر إلى الموقع الجغرافي لموطننا الأصلي المحيط بدول وشعوب مختلفة عن شعبنا من جوانب عديدة وكثيرة وضرورة البحث والإعتماد على العاملين المذكورين للخروج من المأزق الجغرافي لوطننا. اليوم تضع قيادة أحزابنا السياسية وتنظيماتنا القومية كل البيض في السلة الأمريكية ودول الغرب كما فعل قادة الأمس عندما وضعوا كل البيض في السلة البريطانية والفرنسية ولم يجنوا منها غير الدمار والتشرد والضياع. ألا يتعلم قادتنا من التاريخ... ألم نقل في السابق من يتعثر بحجر مرتين فهو جاهل. أفهل حقاً قادتنا جهلاء ويجهلون العوامل الفكرية والموضوعية المهمة في مسيرة كل حركة قومية؟

اليوم يهرع معظم قادة أحزابنا السياسية وتنظيماتنا القومية إلى الولايات المتحدة الأمريكية وأحياناً إلى الدول الأوربية وأستراليا ويلتقون بأبناء أمتنا هناك ويعقدون الندوات المباشرة والتلفزيونية ويجتمعون، إذا سنحت الفرصة، مع مسؤول حكومي أو غير حكومي ويبدأ الكلام والحديث عن الوضع المأساوي في الوطن عن دور حزبه أو تنظيمه في مواجهة التحديات هناك ثم يعدون إلى الوطن وليس في جعبتهم غير التصفيق والكلام المنمق والمديح الذي لا يمكن صرفه في المصرف القومي لحساب أمتنا. في هذه الأيام الحديث يدور وبسخونة عن تحرير سهل نينوى و "الأخوة الأعداء" في تسابق نحو الحصول على حصة من الكعكة، فيما إذا ترك الكورد أو الشيعة أو السنة او غيرهم، جزءاً منها لنا. أعود وأكرر أسفي الشديد عن جهل قادة أحزابنا لمسألة مهمة وهي خلق التوازن في العمل السياسي فوضع البيض في سلة واحدة هو أمر خطير يحشر الأمة في زاوية واحدة وضيقة لا خيارات لها ولا إرادة حرة. من هنا يستوجب البحث عن خيارات أخرى لخلق توازن في العملية السياسية مع الغير ولم نجد حالياً طرف مؤثر في خلق التوازن غير روسيا والمثقفين الآشوريين القوميين هناك. فعلى قادة أحزابنا السياسية وتنظيماتنا القومية إعادة الوصلة مع أبناء شعبنا هناك وبناء أسس للولوج نحو الجهات الرسمية والتنظيمات غير الحكومية واللقاء بهم كما يفعلون مع شعبنا والمسؤولين في الولايات المتحدة وأوربا وأستراليا. أتذكر في صيف العام الماضي وبينما كنًا مع مجموعة من المثقفين الآشوريين مجتمعين في الجمعية الآشورية الأمريكية في شيكاغو ذكر الناشط القومي والمحلل السياسي نمرود سليمان (أبو طارق) بأنه سيشارك مع وفد المعارضة السورية لزيارة موسكو واللقاء بوزير خارجيتها سيرغي لافروف وطُلب منه أن يقدم جدول بالمطالب الآشورية للوزير فكان رد فعلنا إيجابيا بضرورة تزويده بمثل هذه المطالب والإستفادة من هذه الفرصة التي قد لا تتكرر. وكعادتنا الدائمة خرجنا من اللقاء ولم يحصل أبو طارق غير نتيجة هذه المعادلة (طلب X صفر = صفر).

 في السياسية هناك حقيقة واضحة بأن الفرد الواحد لايمكن أن يكون مؤثرا ويحقق نتائج على المستوى القومي ما لم تكن جهوده عبر منظمة أو حزب سياسي، فاللاعب الأساسي في السياسة هي أحزاب وتنظيمات وكتل وإتحادات وغيرها. ولما كان "تجمع التنظيمات السياسية الكلدانية السريانية الآشورية" لا زال، رغم علاته وعثراته، هو الموجود حالياً كتنظيم سياسي قومي لعدد من الأحزاب والتنظيمات، عليه نقترح أن يقوم وفد من هذا التجمع لزيارة أبناء شعبنا في روسيا وجورجيا وأرمينا وتاترستان وغيرهم واللقاء بهم  وبتنظيماتهم وإيجاد السبل للقاء مع المسؤولين الحكوميين وغير الحكوميين وطرح وضعنا المأساوي لهم ومحاولة كسب بعض الدعم المعنوي والمادي منهم ليصب في نهاية المطاف في لعبة توازن القوى المطلوب في التعامل مع الدول المختلفة.

لقد سبق وأن ذكرنا في مناسبات سابقة بأن في السياسة لا صديق دائم ولا عدو دائم بل مصلحة دائمة وهذه لا تقوم لها أسس الدوام والإستمرارية مالم يتوفر لها العوامل الذاتية والموضوعية التي سبق وأن ذكرناها. للولايات المتحدة الأمريكية وبعض الدول الأوربية مصلحة خاصة في منطقتنا تأسست منذ زمن طويل، منذ مرحلة الإستعمار الكولينيالي والحرب الباردة. وروسيا لها مصلحة خاصة في المنطقة أيضا ولكن تسعى لتعزيزها وتوسيعها، أي بما يعني بأنها لازالت تبحث عن رقعة أوسع لثتبيت قدمها بعد أن ثبتها مع إيران وسوريا وحتى تركيا. وهنا من المهم أن ندرك أيضا الأهمية الإستراتيجية لهذه الدول الثلاث لكونها محيطة بأرضنا ووطننا التاريخي في شمال بيت نهرين. ولكن يجب أن نعرف جميعاً، وأولهم قادة أحزابنا وتنظيماتنا، بأن "الخبر الحار والمكسب" في السياسة ليس ببلاش بل له ثمن. فهل نملك الثمن لكي نشتري مثل هذا الخبز ... أي بعبارة أوضح هل لنا ثمن نعطيه للمقابل حتى يتحالف معنا على المصلحة المشتركة ونحقق مطمحنا القومي بالعمل معه وليس له. فالتحالف السياسي قائم على الأخذ والعطاء أفهل لنا شيئاً نعطيه حتى نأخذ بمقابله ما يفيد أمتنا؟؟؟ طبعاً الجواب بكل صراحته هو كلا ... لا نملك أي شيء حتى نكون قوة مؤثرة تجلب أنظار الغير نحونا بجدية وفاعلية. لا أنا شخصياً ولا أنت عزيزي القارئ ولا أحد في العالم يرغب أن يعقد صفقة مع شخص مفلس وغير متسق ومنتظم في حياته وعمله. هكذا هو الحال مع الدول والأحزاب والتنظيمات أيضاً فلا أحد منهم ينظر بجدية وفاعلية على مطاليبنا القومية ولا يسمعون صراخ أبناءنا في الوطن مالم تكون قوية ومدوية.. فأين نجد هذه العوامل التي تجعل من أمتنا شيئا أو بضعة غرامات من الوزن في ميزان القوى السياسية ونحن أمة فقيرة لا سند لنا ولا قوة ؟؟؟ دعونا نعيد مرة أخرى صرخة المثلث الرحمات مار روفائيل بيداويد البطريرك الكلداني الأسبق عندما قال:(لا خلاص لنا إلا بالوحدة... فبالوحدة نحترم أنفسنا ويحترمنا غيرنا). إذن إذا توحدنا سوف نحترم أنفسنا ويحترمنا غيرنا وهذا هو بيت القصيدة نحو الغير لكي ينظر إلى وضع أمتنا وطموحاتها بنوع من الأحترام والجدية والتعامل السوي وإلا فالمأساة والفواجع والتهجير ستظل تلاحقنا لسنوات وسنوات.

42
تعقيب على عصفورة الأخ جان وعلى ذكريات صديق العمر خوشابا سولاقا بخصوص النادي الثقافي الآشوري
------------------------------------------------------
أبرم شبيرا

الأخ العزيز جان يلدا خوشابا.... شكراً جزيلا  لعصفورتكم التي طارت من فوق المحيطات وجلست على رأس الأخ الوفي وصديق العمر وكتابنا الموقر المهندس خوشابا سولاقا لتكون مفتاحاً ذهبياً لإطلاق سراح ذكريات ذهبية في تاريخنا القومي المعاصر... شكراً يا أخي خوشابا الورد لموضوعك عن النادي الثقافي الآشوري في بغداد والذي سبق وأن قرأته في الماضي والآن أقرأه مرة أخرى وأشعر بأن الشيب الذي غزا شعر رأسي بدأ بالتراجع شيئاً فشياً كلما قرأت سطرا  بعد سطر من الموضوع  وخلت بأن شبابي قدر رجع من دون أي مقويات أو فيتامينات أو أصباغ شعر فقراءة الموضوع كان هو الشافي لكل هذه الحالات.... ألف شكر وشكراً للعزيز جان الذي فتح الشباك وأنت يا صديقي العمر خوشابا نفذت من خلالها نحو عالم الماضي الذهبي لفكرنا القومي النزيه.

بهذه المناسبة، يسعدنا أن أقول بأن تأثير النادي على أفكارنا كان عظيماً ومؤثرا بحيث اعطى نتائجاً لحفظ ذكريات النادي فكان بمثابة دين يستوجب الإيفاء به وهو كتابي الذي كتبته عن النادي وطبع في عام 1993 وأنا في بريطانيا فكل مصادره ومعلوماته مستمدة من أوراق النادي ووثائقة الأصلية، ومن ضمنها كان قرار الهيئة الإدارية رقم 1، التي كانت بعضها مرمية في برميل الزبالة بعد عام 1981 فبحثت فيها ولملمتها وأخذتها معي إلى لندن حيث أكملت الكتاب وطبع في شيكاغو من قبل الأخ شيبا مندو صاحب مطبعة ألفاغرافك. والكتاب يقع في 160 صفحة من الحجم الصغير الأمريكي مع صور جميلة لذكريات ذات الزمن الذهبي وهنا طبعاً لا يمكن سرده بالتفصيل ولكن أسرد فهرس الكتاب ليكون معلوماً ما ذكر فيه:

أسم الكتاب: النادي الثقافي الآشوري – مسيرة تحديات وإنجازات – 1970 – 1980

يبدأ الكتاب بالإهداء إلى:
شهادء الأمة الذين رووا الحركة القومية الآشورية بدمائهم الزكية، أعضاء الناي الشهداء:
يوسف توما... يوبرت بنيامين ... ويوخنا إيشو
الذين أناروا مسيرة النضال القومي الآشورية بأرواحهم الطاهرة ... أهدي هذا الجهد المتواضع.

الفهرس:
•   المقدمة
•   الفصل الأول: التطور السياسي في العراق وتأسيس النادي الثقافي الآشوري:
o   أولا: المحاولة الأولى – 1962
o   ثانيا: المرحلة التأسيسية
o   ثالثا: الهيئة المؤسسة – الهيئة الإدارية المؤقتة
•   الفصل الثاني: الهيئات الإدارية
o   أولا: الأسلوب الديموقراطي لإنتخاب الهيئات الإدارية
o   ثانيا: الهيئة الإدارية الأولى - 1970 -1971
o   ثالثاً: الهيئة الإدارية الثانية - 1971 – 1972
o   رابعاً: الهيئة الإدارية الثالثة -  1972 – 1973
o   خامساً: الهيئة الإدارية الرابعة – 1973 – 1974
o   سادساً: اليهئة الإدارية الخامسة – 1974 – 1975
o   سابعاً: الهيئة الإدارية السادسة – 1975 – 1976
o   ثامناً: الهيئة الإدارية السابعة – 1976 – 1977
o   تاسعاً: الهيئة الإدارية الثامنة – 1977 – 1979 (الإنتخابات تأجلت لفترة)
o   عاشراً: الهيئة الإدارية التاسعة – 1979 – 1980
•   الفصل الثالث: مجلة المثقف الآشوري: مجلة أدبية ثقافية فصلية
o   أولاً: مرحلة الولادة
o   ثانياً: هيئة تحرير المجلة
   رئاسة تحرير المجلة
   أعضاء هيئة تحرير المجلة
o   ثالثاً: رحلة "المثقف الآشوري" الشاقة:
   الموارد المالية
   الكوادر الصحفية
   رقابة المطبوعات
   الطباعة
   التوزيع
•   الفصل الرابع: فروع النادي الثقافي الآشوري:
o   النادي الثقافي الآشوري – فرع السليمانية
o   محاولة تأسيس فرع النادي في محافظة نينوى – الموصل
o   محاولة تأسيس فرع النادي في محافظة التأميم – كركوك
•   الفصل الخامس: أدباء النادي الثقافي الآشوري
•   الفصل السادس: فنانو النادي الثقافي الاشوري
•   الفصل السابع: دور النادي في المجتمع الآشوري:
o   أولا: اللغة الآشورية
o   ثانيا: الآداب والتراث
o   ثالثا: الفن الآشوري
o   رابعاً: الثقافة العامة
o   خامساً: الوعي القومي السياسي
•   الفصل الثامن: مصير النادي الثقافي ومجلة "المثقف الآشوري"
•   الخاتمة: دعوة إلى التواصل التاريخي
•   ملحق: صور عن نشاطات النادي.
==================================
الكتاب هو وجير لتاريخ موثق في التاريخ القومي الآشوري المعاصر لعقد من الزمن ولا يزال معظم أعضاء النادي الناشطين والذين لعبوا دوراً رئيساً في تأسيسه يواصلون مسيرة النادي بشكل أو بآخر فعندما قرأ البعض منهم هذا الكتاب أظهروا فيه وبحق بعض النواقص وإفتقاره إلى معلومات أخرى مهمة وهذا صحيح لأن عندما كتبت الكتاب كنت لوحدي ولم أستشير أحد غير إعتمادي الكلي على ذكرياتي وعلى الوريقات التي أنتشلتها من الزبالة وجلبتها معي من بغداد فدعى البعض من الأصدقاء إلى إعادة كتابة تاريخ النادي وبشكل أكثر تفصيلا يشمل ذكريات ونشاطات أعضاء النادي وهي فكرة قيد الدراسة. ومن المعلوم بأن هناك نادي بنفس الأسم (النادي الثقافي الآِشوري) في عنكاوة ومؤسسيها يلهمون فكرته من فكر النادي في بغداد وهناك فكرة لتوجيه دعوة لجميع أعضاء النادي في في العالم لإقامة تجمع ثقافي وفكري وفني وإجتماعي وسياسي في النادي في عنكاوه. والقائمون على الفكرة ينتظرون تحسن الأوضاع السياسية والإقتصادية في الوطن لتحقيق هذه الفكرة.

شكراً أخي جان وشكراً لصديق العمر خوشابا الذي أرجع شبابي سنوات عديدة.

43
الذكرى الـ (83) لمذبحة ا|لآشوريين في سميل آب 1933:
يوم الشهيد الآشوري بين الوعي المتقدم والوعي المتأخر
أبرم شبيرا
توطئة:
---
كُتبَ الكثير عن مذبحة ســميل لعام 1933 ونتائجها المؤلمة على مختلف جوانب الآشوريين من ديموغرافية وجغرافية وقانونية وسياسية كذبح ما يقارب ثلاثة آلاف آشوري بـرىء وتدمير وحرق ونهب العديد من القرى والقصبات وتشريد سكانها ونزوح قسم منهم الى سورية هربا من "الجهاد المقدس" المعلن ضدهم طلبا للأمن والاستقرار وما صاحب ذلك قرار الحكومة بنفي البطريرك مار شمعون إيشاي وعائلته وبعض من قادة الحركة القومية وتجريدهم من الجنسية العراقية ومن ثم النتائج القانونية والسياسية التي ترتبت على الآشوريين كتعقيد مسألة الحصول على شهادة الجنسية العراقية أو تحريمهم منها والتشكيك في وطنيتهم وإعتبارهم عراقيين من الدرجة الثانية أو أدنى وتصعيد النخبات الحاكمة التي تعاقبت على السلطة في العراق سياساتها الاستبدادية تجاههم ومن ثم ترسب كل ذلك كمخلفات فكرية في أفكار ومفاهيـم العديد من الكتاب والمؤرخين العراقيين الذين تناولوا تاريخ الآشوريين المعاصر في كتبهم أو مذكراتهم أو في أوراقهم الشخصية أو في ممارساتهم السياسية والسلطوية ولم يسلم من هذه الترسبات حتى بعض من أبناء أمتنا فأعتمدوا عليها في وصف الآشوريين بأوصاف معيبة وشنيعة غير مقبولة منطقياً خاصة  تجاه القادة وزعماء هذه الحركة التي وصفها البعض بـ "حركة 1933 المشؤومة". ولكن مع كل هذه النتائج السلبية التي ترتبت على مستوى الفكر والوعي القومي وعلى مسار الحركة القومية الآشورية وعلى مستوى الكنسي أيضاً فهناك تقصير في البحث الأعمق والأشمل في تحليل هذه الحدث الحاسم في تاريخ الحركة القومية الآشورية وتحديدا فيما يخص تبني السابع من شهر آب يوماً للشهيد الآشوري. التساؤل هنا هو: كيف أدرك ووعى الآشوريون أو بعض من مفكريها بأن هذا الحدث سيحتفل به الآشوريين كيوم للشهيد ضمن وعي متقدم وكيف أن الإتحاد الآشوري العالمي التي تبنى هذا التاريخ كيوم للشهيد الآشوري في عام 1970 كوعي متأخر عن الحدث. من هنا نحاول أن لا تمر هذه المناسبة المهمة في تاريخ الآشوريين المعاصر من دون إضافة شيء جديد عنها... شيء من المؤكد لن يكون وافياً طالما هو جديد ونتطرق إليه من زاوية مختلفة ومفهوم جديد من خلال الوعي بهذا الحدث الحاسم في مسيرة الحركة القومية الآشورية.

الوعي المتقدم والوعي المتأخر:
---------------------
 بدءأً بالنوع المتأخر، فنقصد به إدراك ووعي الحدث ونتائجه المترتبة عليه بعد سنوات طويلة وقد يكون هناك جملة عوامل تحجب وعي هذا الحدث ونتائجه. ولكن بعد تغير أو زوال هذه العوامل يبدأ الوعي بالحدث ونتائجه فهذا ما نسميه بالوعي المتأخر. ومثال على ذلك: دولياً: اطلقت الولايات المتحدة الأمريكية وبعض الدول الغربية شيطان التطرف والإرهاب، القاعدة ثم داعش، لتنهش بالدول العربية والإسلامية ولم تكن تدري بأن السحر سينقلب على الساحر وأن ليهب أرهاب هذه المنظمات الإرهابية سيصل عتبة دارهم لأن مصالحهم الخاصة كانت الحاجب الكثيف الذي يغطي وعهم الصميمي بشرور هذه التنظيمات الإرهابية. فبعد عقود من الزمن أدركوا ووعوا هذه الشرور، ولكن كما يقول المثل العراقي "بعد خراب البصرة". وأقليماً: قد تكون زيارة الرئيس المصري الأسبق أنور السادات للقدس في عام 1977 مثال عند العرب للوعي المتأخر. ففي حينها بسبب عنجهية الفكر القومي العربي الكلاسيكي وتخلفه نعت السادات بأبشع النعوت ووصف بصفات الخيانة للأمة العربية ولقضية فلسطين غير مدركين بأن كل الحروب التي دخلها العرب مع إسرائيل كانت خاسرة وكارثة للفلسطينين والعرب وأنه من الممكن إسترجاع الأراضي المحتلة أو بعضها من إسرائيل عن طريق الدبلوماسية والتفاوض وهذا ما تحقق عندما أسترجعت سناء من إسرائيل إلى مصر. واليوم وبعد عقود طويلة تعقل الفكر القومي العربي وأرتكن إلى الواقعية فوعوا، ولكن متأخراً، بأن ما أنجزه السادات من مفاوضاته مع إسرائيل  وإسترجاع سيناء يعتبر بمثابة إنجازاً تاريخياً عظيماً بحيث وصفه البعض بأن بطل مصري من التاريخ المعاصر. واليوم يعجر غيره من قادة العرب من إسترجاع شبراً واحداً من الأراضي التي أحتلتها إسرائيل. والأنكى من هذا، ففي عام 1947 عندما قررت الجمعية العمومية للأمم المتحدة تقسيم أراضي فلسطين بين العرب واليهود كانت حصة العرب منها 11 ألف كم2 ولم يكن العرب يدركون بسبب تطرفهم القومي والديني بأن إسرائيل ستكون أقوى دولة متنفذة وقوية ومسنودة من الدول العظمى فخسروا حصتهم في حروب عام 1953 و عام 1967 واليوم يطالبون بـ 17% من هذه الأراضي ولم يحققوا مطلبهم لا بالصواريخ ولا بالتفاوض.

قوميا: قد يكون الوعي المتأخر للكلدان نموذجاً في هذا السياق. فالكلدان، كتسمية وحضارة وإنتماء كان ولا يزال مصدراً لتحديد هوية الغالبية من أبناء شعبنا ولكن بسبب ظروف وعوامل معينة، كالموقف السلبي للكاثوليكية من الفكر القومي والخشية من إستبداد الأنظمة السياسية عليهم، لم يرتقي واقعهم الموضوعي وينعكس في وعي قومي حتى في أكثر الأزمان ظهوراً وتأثيرا للفكر القومي المنبعث من البلدان الأوربية في نهاية القرن التاسع عشر وبداية قرن العشرين فلم تنشأ فيهم حركة قومية خاصة بالكلدان، وهو موضوع سبق وأن تطرقنا إليه في مناسبة سابقة. واليوم، ونتيجة لزوال بعض العوائق أمام الوعي الكلداني ظهراً متأخراً بعد عام 2003 وأنعكس في تنظيمات وأحزاب سياسية خاصة بالكلدان. أما على الجانب الآشوري، فأن التاريخ يؤكد بأنه كان لهم وعي قومي متقدم ظهر وتأثر بالفكر القومي وحركات التحرر القومي المنبعث من البلدان الغربية في القرنين الماضيين وأنعكس في تنظيمات قومية وأحزاب سياسية أستمرت وتواصلت وبأشكال مختلفة حتى يومنا هذا. ولكن فيما يتعلق باليوم الشهيد الآشوري، موضوع بحثنا، لم ينعكس هذا الوعي إلا بشكل متأخر وبعد سبعة وثلاثون عاما من الحدث عندما قرر الإتحاد الآشوري العالمي في عام 1970 أعتبار السابع من آب يوماً للشهيد الآشوري وبدأ منذ تلك الفترة الإحتفال به.

الوعي المتقدم ليوم الشهيد الآشوري:
---------------------
أسلفنا وأسهبنا بعض الشيء وحاولنا بقدر الإمكان فهم الوعي المتأخر عبر عرض بعض التجارب التاريخية ولكن عند مقارنة ذلك بالوعي المتقدم سنرى بأنها مقارنة صعبة لأنه من السهولة الوعي بحدث وبنتائجه بعد مرور زمن طويل عليه ولكن الوعي المسبق بالحدث ونتائجه ليس بالأمر السهل حيث يبدو بأنه يدخل في سياق التخمينات والتأويلات وهي ظواهر أو سياقات تبتعد كثيراً عن الواقعية والموضوعية ويصعب إثباتها مالم يكون هناك أبحاث علمية مستقبلية ولجان مختصة في تحليل الحدث والوصول إلى إستنتاجات تكون أقرب إلى المنطق والواقع ويكون الزمان أو التقادم الزمني كفيلاً بإثبات صحتها. ليس هذا فحسب بل القيام بمثل هذه المهمة البحثية والتقصي لحقائق الحدث يتطلب وعياً عميقاً للحدث وإدراكاً مسبهاً وإيماناً حماسياً به حتى يتم تحليله والوصول إلى إستنتاجات منطقية وواقعية. ومثل هذه العوامل والصفات من النادر أن نجدها في المجتمعات مالم يتوفر لها الإمكانيات الفكرية والعلمية في تقصي الحقائق وتحليلها والوصول إلى إستنتاجات مستقبلية حولها وهي حالات نادرة في المجتمعات الشرق أوسطية التي هي مجتمعات رد فعل وليست فعل وهو حال مجتمعنا أيضا. فنحن أمة رد فعل وليس فعل، أي نتفاجئ بالحدث ويقع علينا كالصاعقة والسبب في ذلك لأنه لم نكن نملك وعياً مسبقاً به. فالوعي هو حصانة ضد المفاجئات وهو موضوع سبق وأن تطرقنا إليه في مناسبات سابقة ولا نريد الإطالة أكراماً لأصدقاءنا الأعزاء.

من هنا نتساءل: أين نجد هذا الوعي المسبق في مجتمعنا لبعض الحوادث المهمة كحركة عام 1933 ومن ثم بناء إستنتاج عليه ليصبح هذا اليوم، الثامن من آب لعام 1933، يوماً للشهيد الآشوري؟ أين نجد هذا المفكر العبقري والقومي النبيل في أمتنا حتى يستنتج بأن الأجيال القادمة سترد ذكر الإستشهاد الآشوري في هذه الحركة وبعد سنوات طويلة. نعم هناك حالة إستثنائية فريدة جداً تتمثل في المفكر العبقري والصحافي الثائر فريد إلياس نزها. فهو الوحيد والإستثنائي والنادر جداً الذي أستنتج من خلال معاركه الفكرية الحامية ضد الطائفية والشللية بانه ستكون هذه المناسبة يوماً للشهيد الآشوري وقبل أن يقره الإتحاد الآشوري العالمي عام 1970 ويستمر الآشوريون الإحتفال به حتى يومنا هذا، فالواجب القومي الملزم لنا يفرض أن نظهر ونبرز مثل هذه الرموز في أمتنا وأن نعيد ونكرر ذكراه وأعماله ومواقفه الشجاعة مرات ومرات حتى تكون واضحة ومعلومة للأجيال الحالية والقادمة. فمن هو هذا العبقري والمفكر الكبير الذي تمكن من هذا الإستنتاج؟؟ 
 
المفكر فريد نزها وإستنتاجه بيوم الشهيد:
-----------------------
ولد فريد إلياس نزها عام 1894 في مدينة حماه في سورية ومن عائلة سريانية أرثوذكسية نزحت من هربوط في أعالي بلاد بيت نهرين واستقرت في سورية ومنها هاجر الى الأرجنتين ومن هناك، ومنذ الثلاثنيات وحتى الخمسينيات، كان يصدر مجلته المعروفة بـ"الجامعة السريانية"، التي عبرت عن مواقفه القومية الجريئة والشجاعة حيال مسألة وحدة طوائف كنيسة المشرق، وهذا بحد ذاته موضوع يستوجب مناقشته بشكل مفصل وفي فرصة اخرى. على أن الذي يهمنا هنا هو قدرة هذا المفكر الكبير في اكتشاف الحقائق التاريخية وتحديد الابعاد المستقبلية لابناء أمته خاصة فيما يتعلق  بسيادة وهيمنة الخوف في مجتمعنا من السياسة والمسائل القومية وبالتالي الخضوع للاستبداد الذي ساد في قطاعات واسعة من أبناء أمتنا أثناء وبعد مذبحة سميل التي تشكل منعطفاً كبيراً وحاسماً في مسيرة الحركة القومية الوحدوية لأبناء أمتنا والتي جعلت الكثير من الآشوريين وحتى بعض القوميين منهم وزعماء العشائر ورجال الكنيسة أن يصطفوا مع الأنظمة الإستبدادية ومع الدكتاتوريين والإستبداديين ضد مناضلي أمتنا. أن أهم ما توصل إليه المفكر فريد نزها من خلال قراءته لحدث 1933 وإستشهاد الألاف من أبناء أمتنا من جهة وهيمنة الخوف من المسائل القومية عند البعض من جهة أخرى جعل أن يتصول إلى إستنتاج بأن في المستقبل سيردد أبنا الأمة ذكرى الإستشهاد في سميل. فعلى الرغم من أن فريد نزها لم يكن صارماً وحاداً في رسم الاسم القومي الشامل للآشوريين في تلك الفترة، ولاعتبارات كان يقدرها حق تقدير، لذلك كان يخاطب أبناء أمته في مقالاته الافتتاحية اللهابة  بالقول ( الأمة السريانية الارامية الآشورية الكلدانية) وذلك بهدف التضمين الحضاري المشترك والمتواصل لهذه التسميات المرادفة لشعب واحد وأمة واحدة.

وللإقتراب أكثر فأكثر من موضوعنا هذا، نذكر بأنه كان فريد نزها يصدر مجلته باللغة العربية ثم أضاف اليها اللغتين الاسبانية والسريانية الغربية وكان يكتب أسم المجلة بالاسبانية كما يلي  ( ASOCIACION  ASIRIA)  وفي العدد  الثاني، شباط 1939 للسنة الخامسة وفي الصفحات 10 – 12 كتب فريد نزها بخصوص تأثير الخوف والخضوع للاستبداد من جراء مذبحة سميل والنتائج المرعبة التي أفرزتها على بعض أبناء أمتنا وقال:
"أحد الأفاضل من أدبائنا الأغيار في الوطن – وكان من موصل - كتب مرة الى مدير الجامعة السريانية ( وهو فريد نزها نفسه ) بقوله: أمح أو أصلح أو غير أسم المجلة ( الاسباني ) فان هذا التعبير  ASIRIA لا يروق لحكومة البلاد عندنا (أي بعد ستة سنوات من مذبحة سميل) وهو يفيد المعنى " الآشوري " وهذا لا يليق أيضا بك وأنت من عائلة سريانية معروفة بغيرتها وتمسكها بالعقيدة السريانية الخ.. فأبتسم المدير ( أي فريد نزها ) من هذا التضمين لدى قراءته تلك العبارة ولم ير غير العياذ بالله العظيم واللواذ بحوله من هذا البلاء المقيم. أنني أسأل جناب الأديب : اذا لم ترُق التسمية الآشورية لجناب الحاكم هل تجيز لك آدابك وشرف قوميتك وقواعد دينك أن تبدلها بغيرها إرضاءً لخاطر الأمير وإكراماً لسواد عينيه ؟؟ وماذا تصنع غداً متى خطر لحاكمك المطلق أن يقول لك أنزع هذا الصليب عن باب كنيستك ومحظور عليكم أنتم معشر النصارى قرع الأجراس ؟؟ . أو ماذا تقول اذا قالوا لكم غداً ان تعليم السريانية ينافي نظام دائرة المعارف الوطنية؟؟ أنك تستبعد حصول هذه الفواجع ولكن الليونة والخنوع اللذين ابديتموهما تجاه الحاكم المستبد سوف يحملانه على التمادي في ظلمه واستبداده. وقد يقول لك غداً : إن الخلاص ليس في اللغة بل في العقيدة،  فإذا كنتم انتم السريان مخلصين للحكومة والوطن وجب عليكم إتمام الخلوص وإخلاص الطاعة فاستبدال السريانية بالعربية لا مندوحة منها، فماذا تجيبون حكومتكم إذ ذاك يا حضرة الأستاذ ؟؟ . وبالحقيقة إذا لم يكن للسريانية غير المعنى الديني فأي حاجة لنا بها ؟ كان يجب عليك وأنت من كبار أساتذتها والخبيرين بتاريخها وباذخ  شرفها، أن تقول أن السريانية، قومية جنسية وطنية، لا دين ولا مذهب، وقد يكون المذهب الواحد بين عدة أمم كما هو شأننا( نحن السريان اليعاقبة) مع القبط والحبش. أما الجنسية ( ويقصد القومية ) فلا شركة فيها. فإذا انتزعنا العصبية الجنسية (ويقصد العامل القومي) من أبنائنا ماذا يبقى ؟؟ أنت تجيب : الدين، وأنا أقول لك انهم  يجدون الدين في مصر والحبشة وها هم يطلبونهُ بعيداً عنهما بفضل تعاليمك. ولو اننا علمناهم إن السريانية علم طبيعي لنا وهو أسم أمتنا القديمة  العظيمة وبسطنا لديهم آثار عظمتها لرأيتهم يحرصون على هذه التسمية ويفاخرون الأمم بالانتساب إليها على شرط أخطر المواقف وأحرج الظروف … ما أحلاك لما رحت تقول لي بكل بلادة وجهل ، أن التسمية الآشورية تفيد المعنى المذهبي "النسطوري"، وهو قولُ تبرأُ منه الحقيقة ويستنكره الجميع من الخاصة والعامة وأنك لعاجز عن إنكار هذه الحقيقة من ان السريان هم الآشوريون سلالة الكلدان القدماء ولا أرضى منك أبداً الانسحاب بدون ان تفحمني بالبراهين الساطعة عن فساد هذا الرأي، بل كل من له اطلاع في اللغة والتاريخ يعرف ان كلمة سريان أصلها أسريان وهو لفظ يوناني منحوت من الاصل الآشوري "أشوريان" . هذا عدا عن أن العالم كله يعلم أن الاسم الآشوري لا يفيد المعنى الديني وإذا راجعت صحف التاريخ الكنسي، لما رأيت إخواننا النساطرة يتميزون بهذا التعريف وإنما بقولهم نساطرة ولو انهم عرفوا تمييزا بالاسم الآشوري لكانوا في حال يحسدون عليها. وأقول بكل أسف إن التسمية المذهبية عندهم هي النسطورية فقط. أما إذا كانت هذه الصفة ( أي الآشوري ) تشير الى الغير راضين بالاندماج في العربية والخضوع للحكومات الغاشمة وقد نالهم بسبب ذلك القتل والاضطهاد والسلب وكل أنواع المظالم والفظائع ( ويقصد بها مذبحة سميل وما رافقها) ، فذلك شرف عظيم انفردوا به . وستردد الأجيال القادمة ذكر ذلك الاستشهاد وآثار تلك الفواجع التي أنزلها بهم أعداء الله والإنسانية ما بقي آدمي على وجه هذه البسيطة.

وإذا ألمحنا في جملة (فذلك شرف عظيم أنفردوا به) نرى بأنه في هذه الأيام يتجسد هذا الشرف العظيم في ممارسات ونشاطات تنظيماتنا القومية وأحزابنا السياسية الآشورية. أدرجت النص الأخير من مقالة المفكر فريد نزها باللون الأحمر لزيادة الإنتباه إلى الاستنتاج العظيم الذي أستنتجه في ذكره بأن الأجيال القادمة ستردد ذكر ذلك الإستشهاد في سميل وفعلاً وبعد أكثر من ثلاثة عقود، أي في عام 1970 عند إقرار الإتحاد الآشوري العالمي السابع من آب يوماً للشهيد الآشوري فإن أبناء أمتنا تردد ذكر هذه المناسبة في الشهادة والتضحية.. أليس فريد نزها عظيماً يستحق كل التقدير والتثمين لفكره القومي الإستراتيجي الذي بسببه حرم كنيسياً من قبل الكنيسة السريانية الآرثوذكسية وفي عهد البطريرك مار أبرم برصوم أتورايا الذي كان يعتز هو والعشرات من رجال كنيسته بكنيتهم الآثورية غير أن بعد مذبحة سميل وبسبب الخوف من السلطات الإستبدادية أختفت هذه الكنية من أسمائهم وتحول البطريرك من قومي آشوري إلى "قس العروبة"... كم من أبناء أمتنا خاصة القوميين والسياسيين منهم يعرفون فريد نزها وقرأوا أدبياته القومية؟؟؟ فألف تحية وإجلال لروحه الطاهرة ولروح شهداء امتنا.

44
بارزاني يحض المسحيين على إقامة محافظة نينوى ... ولكن بشرط أن يتفقوا مسبقاً ... تعليق
=====================================================
أبرم شبيرا

الكل في عالمنا الحاضر، صغير أم كبير، رئيس أم مرؤوس، أمرأة أو رجل، إكليري أم علماني... الكل ... وجميعاً دون إستثناء يؤكد بأن بدون إتفاق بين أحزابنا السياسية وتنظيماتنا القومية ومؤسساتنا الكنيسة لا يمكن أن يجني شعبنا المسيحي في العراق ذرة من المنافع ولا يمكن أن يتحقق شذرة من طموحاتنا القومية وحتى الوطنية لا بل ولا يخفف من ألآم ومعانات ومأساة شعبنا ويصحح أوضاع التهجير والتشريد ويضمن عودتهم إلى بيوتهم في أراضيهم التاريخية، خاصة في سهل نينوى. لا بل والأكثر من هذا فإن بدون مثل هذا الإتفاق سيزيد نزيف الهجرة والتهجير ويعظم من إحباطات وفقدان أمل أبناء شعبنا في أن يلمحوا بصيص من النور في نهاية النفق المظلم. قبل بعضة أيام وخلال لقاءه بقادة الأحزاب السياسية المسيحية حث السيد مسعود برزاني رئيس إقليم كردستان العراق بشكل مشدد، وهو أعلى شخصية سياسية في المنطقة، على الضرورة الحتمية لإتفاق المسيحيين قبل تحرير الموصل، حيث كان السيد برزاني قد شدد على ضرورة الإتفاق المسبق بينهم قبل غوض معركة تحرير المموصل ومن ثم يتم النظر في مطلبهم بتحويل سهل نينوى إلى محافظة.
 


شكراً للرئيس مسعود برزاني على جمع "الأخوة الأعداء" على طاولة واحدة وتحت سقف واحد.
------------------------------------------------
بادرة ممتازة من الرئيس برزاني في أن يجمع أحزابنا السياسية وتنظيماتنا القومية، أن يجمع "الأخوة الأعداء" تحت سقف واحد ويبحوا في مستقبل سهل نينوى بعد تحرير الموصل وتشكيل محافظة في سهل نينوى ومن ثم تقرير مصيره بضمنها أو ربطها بالحكومة المركزية في بغداد أم بأقليم كردستان العراق. ولكن من الملاحظ بأن كل هذه الوعود "الجميلة" التي يتمناها شعبنا في العراق هي مشروطة وبشكل واضح بإتفاق وتفاهم أحزابنا السياسية وتنظيماتنا القومية فيما بينهم لكي يشاركوا وبفعالية في تحرير الموصل وسهلها. ولكن مع الأسف الشديد نقول بأن مثل هذه الوعود والتمنيات التي "أكرمها" الرئيس برزاني على "ممثلي" شعبنا تفتقر إلى نوع من المصداقية وتخلق شكل من أشكال الشكوكية حولها طالما هناك موضوع آخر ومهم وخطير يتعلق بأرض أباء وأجداد أبناء أمتنا في الوطن وهو موضوع تجاوز الكورد على أراض شعبنا في العديد من مناطق أقليم كردستان وإحتلالها. أن النظر في مسألة التجاوز على هذه الأراضي، ومنطقة سهل نهلى مثال "طازج"، وتقرير مصيرها خاصة وهي أراضي غير محتلة بل مستقلة وخاضعة لحكومة إقليم كردستان هي أكثر منطقية وواقعية من البحث في أراض محتلة ولا يمكن تقرير مصيرها في الوقت الحالي ولا في المستقبل القريب. فالبحث في ما هو ممكن خير ألف مرة من البحث في غير الممكن. على أن الإشارة إلى موضوع الأراضي المتجاوز عليها في إقليم كردستان لا يعني إطلاقاً أهمال أهمية النظر في موضوع تحرير أراضي شعبنا في سهل نينوى والعودة إليها ولكن لنعرف بأن الإستراتيجية السياسية وتكتيكها تتطلب أن ينظر إلى الأمور او الأهداف بواقعية وضمن جدول أوليات تراتبية تتناسق أهميتها وفائدتها أو مساندتها بعضها للبعض فيكون الهدف الأول والأساسي ساندا وضامنا لتحقيق الهدف التالي وهكذا مع بقية الأهداف. من هنا يأتي التساؤل، أفهل تحرير الموصل وسهلها له الأولية على إيقاف تجاوز الكورد على أراض شعبنا في إقليم كردستان أم العكس هو الصحيح. بطبيعة الحال أن دحر داعش الإجرامي من أية منطقة كانت، ومنها مناطقنا، له الأولية القصوى في هذه الظروف العصيبة لأن تحرير سهل نينوى وعودة أبناء شعبنا إلى مساكنهم قد يكون مدخلاً للبحث في "تحرير" الأراضي المتجاوز عليها في إقليم كردستان. فإذا كان هذا الأمر نظرياً صحيحاً ومنطقياً حتى الآن، ولكن حتى نضيف إلى هذا الأمر مصداقية كان من الأجدر أن يبحث أيضا مسألة التجاوز على الأراض في الأقليم أو على الأقل أن يكون الكورد أكثر جدية في هذه المسألة وتخلق نوع من الطمأنينة والسلم الأمني في نفوس أبناء شعبنا لكون سبيلاً مقنعاً لبقاء شعبنا وصموده في أرض الوطن والتخفيف من حدة الهجرة إلى الخارج.

وحتى نكون بعيداً عن الخيال والتمنيات الوردية ونستقر على الواقع الفعلي، نذكر الحقائق التالية:
أولاً: أن مسألة تجاوز الكورد على أراض شعبنا في الأقليم هي نتاج إختلال التوازنات الديموغرافية والسياسية والعسكرية فالكورد يستمدون قوتهم في ترجيح كفة الميزان من حجمهم السكاني ومن النزعة العشائرية التي في بعض الأحيان حتى حكومة الأقليم لا تستطيع الحد منها. إضافة إلى وجود متنفذين كبار في السلطة والأحزاب المهيمنة يشكلون ثقلاً كبيراً في عملية التجاوز وبالتالي تتغاضى حكومة الإقليم عنهم لأنها تخشى فقدان ولائهم وولاء عشيرتهم.
ثانياً: إذا كان من الناحية الواقعية معالجة مسألة التجاوز في الوقت الحاضر صعباً  بسبب عقدتها المستديمة فأنه على الأقل يمكن النظر إليها بنظرة مستقبلية ومعالجتها من الناحية القانونية كأساس لمعالجتها في المستقبل. ويعتبر قرار مجلس قيادة الثورة الخاص بـ "إعادة تخطيط الحدود داخل الوحدات الإدارية والمحافظات" الصادر بتاريخ 31/9/1972 الذي أقر بموجبه "إعادة تخطيط الحدود داخل الوحدات الإدارية أو في ما بين الوحدات المتجاورة في الأماكن التي تقطنها الأقليات القومية، بما يضمن تجمع أبناء كل أقلية قومية في وحدة أو وحدات إدارية تخصص لهم داخل الوحدة الإدارية أو من بين الوحدات الإدارية المتجاورة"، يعتبر هذا القرار نموذجاً تشريعياً مثالياً لمعالجة مسألة تجاوز الكورد على أراض شعبنا في الأقليم وإقامة نوع من الإدارة الذاتية لشعبنا. فلو أعطت القيادة الكوردية لهذه المسألة أهمية بقدر أهمية تحرير سهل نينوى فمن المؤكد ستزداد مصداقيتها تجاه شعبنا في الأمن والإستقرار والتعايش السلمي في المنطقة. صحيح أن هذا القرار صدر في عهد نظام البعث العراقي ونواياه الإستبدادية كانت معروفة غير أنه من الملاحظ هناك العديد من القرارات والقوانين التي أصدرها هذا النظام ويعتمد عليها سواء الكورد أم غيرهم في تحقيق مصالحهم الخاصة، فلماذا لا يستفاد شعبنا من هذا القرار في تحقيق بعض من أهدافه كما يفعل غيره؟.
ثالياً: الكورد أكبر قومية في العالم لا دولة لها، لهذا فمن المنطق والحق أن يكون لهم كيان سياسي مستقل. وقيادة الكورد تعرف جيداً أكثر من غيرهم بأن الظروف السياسية المحيطة بـ "كردستان" العراق" غير مناسبة في الوقت الحاضر لإعلان قيام دولتهم المستقلة. والكورد، من الناحية الموضوعية، كأي قومية بما فيها نحن "الكدان السريان الآشوريين" لها الحق وكل الحق أن تضمن سلامة وأمن وإستقرار مناطقها. فمن الناحية الجيوسياسية يعاني الكورد من العقد الثلاثة المتمثلة في إيران وتركيا وسوريا، أي من الشرق والشمال والغرب، التي تشكل رقماً صعباً في قيام الكيان الكوردي المستقل. إذن فلم يبقى للكورد من الناحية الجيوسياسية الإ الجنوب المتمثل في سهل نينوى الذي يشكل الحديقة الخلفية للدولة الكوردية المزمع بنائها، الحديقة الغنية ليس بثمارها وخصوبة تربتها ومواردها الطبيعية فحسب بل بشعبها الحضاري والمتمدن الذي سيشكل مستقبلاً أساساً متيناً لبناء دولة كردية علمانية حضارية ومتمدنة. من هذا المنطلق يسعى الكورد وبكل جهدهم وإمكانياتهم لضم مناطق سهل نينوى إلى إقليم كردستان ومثل هذا الضم لا يتم إلا بأستفتاء عام لسكانها وعلى الكورد ان يعلموا بأن ضمان هذا الإنضمام للإقليم لا يمكن أن يتحقق إلا بتوفير مصداقية لنواياهم تجاه حل مسألة الأقليات في الأقليم خاصة فيما يتعلق بموضوع التجاوز على الأراض ومعالجتها كموضوع سياسي شامل مع موضوع تحرير سهل نينوى وإقامة المحافظة فيه.

إذا كان كل هذا الحق يحق للكورد وفق منظور مصلحتها القومية، إذن يجب على القوى السياسية لشعبنا أن ينظروا أيضا لحقهم ضمن المصلحة القومية لأمتنا ويسعوا لتحقيقها من خلال تلاقي مصالح شعبنا مع مصالح الشعب الكوردي في الإقليم. صحيح أن التوازن مختل جداً من الناحية السياسية والديموغرافية والعسكرية والإقتصادية لصالح الكورد غير أنه يجب أن يفهم الكورد بأن الثقل التاريخي والحضاري والفكري لشعبنا يشكل أيضاً ثقلاً في هذا التوازن. إذن على أحزابنا السياسية وتنظيماتنا القومية أن تدرك كيفية الدخول في ميزان القوى والعمل وفق مفهوم (العمل مع) وليس (العمل لـ) وبالإنكليزية معروف بـ (Work With) وليس (Work For). في الماضي القريب دخلت الحركة الديموقارطية (زوعا) في العمل السياسي المشترك (مع) الكورد ضمن الجبهة الكردستانية لتعمل مع الكورد فأستطاعت تحقيق بعض الإنجازات المهمة لشعبنا. في حين عمل غيرها من الأحزاب (لـ )لكورد ولم تسطيع تحقيق أي شيء. واليوم يجب أن يدركوا أحزابنا السياسية هذه البديهية في العمل السياسي مع الغير وأن حالة التشرذم وعدم الإتفاق بينهم لا يمكن أن يدخلوا في العملية السياسية ويعملوا مع الكورد لتحقيق المصلحة العامة لشعبنا. 

 عندما قال السياسي العتيد ونستون تشرشل، السياسة هي مصلحة، فلا مانع من أن أتحالف مع الشيطان من أجل تحقيق مصلحة بلادي (بريطانيا)، فلا صديق دائم  ولا عدو دائم في السياسة بل هناك  مصحلة دائمة. كلام يعكس كبد الحقيقة في فهم السياسة. على هذا الأساس تحالف مع عدوه الشيوعي، دولة الإتحاد السوفياتي من أجل تحقيق المصلحة المشتركة في دحر ألمانيا النازية. هكذا يجب... أكرر... يجب... أن نفهم السياسة. فبدون المصلحة العامة لا يمكن للسياسة أن تقوم قيامة وأن تخطو خطوة واحدة نحو تحقيق الأهداف. فعندما تتغنى أحزابنا السياسية ليل نهار بالمصلحة العامة لأمتنا ويدرجونها في مقدمة أهدافهم ولكن بالمقابل يجانبون، بجهل أو بقصد، هذه المصلحة في ممارساتهم ونشاطاتهم فهذا لا يعني إلا كذب ونفاق وخزعبلات وبهلوانات من أجل الوصول إلى المصحلة الأدنى المتمثلة في الحزب أو قادته. ومثل هذه الصفات نطلقها ليس إعتباطاً بل من الواقع الحالي الذي يكشف لنا وبكل وضوح عدم قدرة أحزابنا السياسية على تحقيق خطوة واحدة من المصحلة القومية خاصة في هذه الظروف العصيبة أو الإتفاق بينهم على الحد الأدنى من المصلحة، وطبعاً اخطرها هو عدم الإتفاق على الخطوط العريضة للقوات المسلحة المشكلة من قبلهم، موضوع سبق وأن تطرقنا إليه سابقا.

إن المصلحة القومية العامة وأهداف الأمة لايمكن أن يحققها، كما سبق وأن ذكرنا ذلك في مناسبة سابقة، حزب واحد مهما كان قوياً وجماهيرياً بل يتطلب ذلك عدد معين من الأحزاب يتناسب مع حجم الأمة وإمكانياتها وظروفها الخاصة. لا بل وأكثر من هذا فأنه يتطلب التوافق والتنسيق والعمل المشترك بينهم طالما الجميع ينادي بالمصلحة العامة ويدعي العمل على تحقيقها. فبدون فهم المصلحة العامة وعدم القدرة على التوافق والتنسيق والعمل المشترك سيؤدي ذلك إلى تدني مفهوم المصلحة العامة وإلى تلاشيها خلف المصلحة الحزبية الضيقة أو حتى إلى إلمصلحة الشخصية المقيتة. نحن أمة صغيرة وبسيطة في تكويناتها الإجتماعية والإقتصادية ولا تحكمها تناقضات فكرية أيديولوجية ولا طبقية تعيق من تقارب وتفاهم أحزابنا السياسية فجميعها تتقارب أن لم نقل تتشابه في أفكارها ومناهجها السياسية وتطلعاتها القومية  فلو أزيحت المصالح الحزبية والفردية جانباً لظهرت المصلحة القومية على السطح وأصبح أمرها أو جزء منها ممكن التحقيق، فهذا هو السبيل الوحيد للدخول في العملية السياسية مع الكورد.

في الماضي ملئوا "قادة" أمتنا حقائبهم بالمطاليب القومية وطاروا من كل حدب وصوب، من العراق وتركيا وإيران والولايات المتحدة الأمريكية نحو مؤتمر فرساي عشية إنتهاء الحرب الكونية الأولى وكل حسب جماعته أو طائفته أو مصلحته فلم يحالوا أن يطرقوا أبواب المؤتمر طرقة موحدة قوية ومدوية بل كانت لهم طرقات منفردة خافتة وغير مسموعة من قبل المؤتمرين وبالتالي لم تفتح الأبواب لهم فرجعوا من حيث أتوا وبمزيد من المعانات والتشرد والضياع والخضوع للسطات الإستبدادية في أوطانهم الأصلية. ومأساة عام 1933 لا تختلف عن مأساة الحرب الكونية الأولى إلا من حيث الشكل والزمن. فبسبب عدم الإتفاق بين أطراف الحركة القومية الآشورية وإفتقارهم إلى القدرة الفكرية والعقلية السياسية المنفتحة على المصلحة القومية الشاملة وتغلب المصلحة العشائرية والطائفية والفردية على الأمور واللجوء إلى وسائل خسيسة في الخيانة والغدر كلها أفرزت نتائج مأساوية تمثلت في مذبحة سميل في آب من نفس العام. لقد قيل وبالحق بأن من يتعثر بنفس الحجر مرتين فهو جاهل. أفهل يدرك أحزابنا السياسية هذه الحقيقة وأن يتعلموا من الماضي؟؟ مع الأسف الشديد أقول بملئ الأسى بأنهم تعثروا أكثر من مرة بنفس الحجر ولكن لم يتعلموا... أفهل نصفهم بالجهلة وهم معروفين للجميع بأنهم مثقفون وسياسيون ويحملون شهادات بعضها عالية ولبعضهم باع طويل في العمل السياسي والقومي... كلا. فالمشكلة الأساسية هي أنهم لا يعرفون بأنه لا يمكن للتفاهم والتوافق والتحالف أن يتم ما لم يكون هناك نوع تنازل لبعض المواقف والأفكار حتى يتم الإلتقاء على الحد الأدنى للمصلحة المشتركة وأن يعرف كل طرف حجمه الحقيقي في ميزان التوافق والتحالف. لا بل والأكثر من هذا فأن لبعض "قادتنا" مناخيرهم تصل إلى سقف السماء ولا يستطيعون أدراك الواقع أو النزول إليه لفهمه وفهم الآخرين على الساحة السياسية. ورأس البلاء في عدم التنازل حتى عن الشكليات هو ... هو ... الكرسي اللعين. الكرسي الذي طار من شعبنا في المركز والإقليم بسبب عدم قدرة أحزابنا السياسية على التفاهم بينهم وضمان الكرسيين المخصصين لشعبنا.

وأخيراً أختم هذه السطور بإضافة نوع من المرح والفكاهة على موضوع الكرسي اللعين، فأقتبس من "الخليج" الجريدة الإماراتية اليومية، بعض الرسوم الكريكاتيرية للفنان المبدع (هارون) والتي لا تحتاجها أي تعليق. 

 


 
---------------------------------------------------------------------------------------------------------

45
كيف نفهم تدخل الكنيسة في السياسة القومية ؟
==========================
أبرم شبيرا
تنبيه:
----
أود هنا أن أنبه القارئ الكريم قبل الولوج في الموضوع  وقراءته خاصة الذين يملون من قراءة المواضيع الطويلة ولا وقت لهم لتضيعه بأن لا يقرأوه لأنه فعلاً طويل بعض الشيء وهو الأمر الذي فرضه عليً طبيعة البحث الموضوعي في مسألة مهمة تخص جوهر قضيتنا القومية في الوطن والخارج. كما أنبه القارئ المتزمت بطائفته والمنغلق بشلته والمقيد بتفكيره عن كنيستنا المشرقية  بإعتبارها كيان روحي فقط أن لا يقرأ هذا الموضوع لأنني أخشى أن يسبب له نوع من الهيجان وإرتفاع ضغط الدم. في حين أقول للقارئ الكريم المنفتح والذي يؤمن بوحدة أمتنا كنسياً وقومياً ويفهم الحقائق بموضوعية لا إنحيازيه أن يقرأه بنظرة موضوعية للوقائع السائدة في مجتمعنا ويعلق عليه بما يفيد القراء جميعاً. 
توضيح:
=====
يلاحظ القارئ اللبيب بأننا أوردنها كلمة (نفهم) بصفة الجمع فهو الإستخدام السائد في معظم الكتابات التي تكون  بصيغة المخاطب أولاً، ثم أنها،  ثانياً، أوردناها بهذه الصفة تجنباً لـ (أفهم) التي ترد بصيغة "الأنا" المنبوذة،. ومن المؤكد بأن هناك الكثير القراء الأفاضل يشاركني نفس الأراء والمفاهيم وبالتالي تأتي صيغة الجمع مناسبة في هذا السياق ثالثا. من الملاحظ أيضا بأن هناك تركيز مشدد من قبل معظم مثقفينا الأفاضل على موضوع الكنيسة وتدخلها في السياسة والمسائل القومية والذي يحوم حوله الكثير من النقاشات والغموض وتضارب الأراء وبشكل كبير بحيث يصعب على القراء الأفاضل تحديد مسار واضح يفهم من خلاله جوهر ومضمون موضوع تدخل الكنيسة في السياسة خاصة الذين يعتمدون على النطريات التي تناولت هذا الموضوع في المجتمعات الغربية، وتحديداً نظرية فصل الكنيسة عن الدولة.  لذا لم أجد مندوحة إلا أن أشاركهم بمعارفي البسيطة في هذا الموضوع المهم ببعض الأراء التي تشكل جزء من إيماني القوي بكنيستنا بكل تفرعاتها المشرقية وبقوميتنا وبكل تسمياتها الحضارية، لعل قد نساهم في المسك برأس الخيط في هذا الموضوع. وهنا يستوجب أن أشدد على التأكيد بأن الغرض من الإشارة إلى هذا الفرع من كنيستنا المشرقية أو ذاك أو إلى هذه الشخصية أو تلك أو إلى هذه التسمية أو تلك، هو بعيد كل البعد عن أي مقصد سلبي أو تقليل أو تعظيم من شأن هذا الجانب على حساب الجانب الآخر، فسياق موضوعية الحقائق السائدة هي التي ستفرض علينا تحديد الغرض من هذه الإشارة أو تلك.  فالموضوع  ليس موجهاً على الإطلاق للإساءة أو تجريح أو إهانة أو تقليل من أهمية أي فرع من فروع كنيسة المشرق أو طائفة من طوائفها بل حاولنا وبأقصى ما يمكن أن نتعمد الموضوعية في طرح ومعالجة الحقائق السائدة في مجتمعنا، "الكلداني السرياني الآشوري"، وعلى كلا الجانبين الروحي الكنيسي والسياسي القومي. وحتى لا نغوص في المتاهات ونضيع في وديان غموض المصطلحات المتداولة سوف نبدأ بتحديد بعضها التي تخص هذا الموضوع.
تحديد المفاهيم:
=========
أولاً: الكنيسة:
-------
المقصود بها هو كنيسة المشرق بفروعها الثلاثة (الكلدانية والآشورية والسريانية) وأوردناها بصغية المفرد (كنيسة المشرق) لأن جميع  الفروع تنتمي إليها سواء ذكر ذلك في تسميتها الرسمية أم لا. ولكن مع هذا فأن سياق البحث يلزمنا أن نركز أكثر على الفرعين لكنيسة المشرق: الكلدانية والآشورية. وموضوعنا هذا لا يتناول الكنيسة بحصر المعنى باعتبارها كيان ديني وروحي فقط، فهذا شأن إيماني لجميع المسيحيين في العالم، وإنما بسعة المعنى في كونها مؤسسة تاريخية وتراثية وحتى قومية ومعيارية معرفية متمثلة في التعاليم والمعتقدات والممارسات التراثية والاجتماعية وحتى الاقتصادية والسياسية في بعض الأحيان والتي من خلالها تتحد هوية الشعب المنتمي إليها. فلكنيسة المشرق مكانة عالية واحترام كبير لدينا نابع من الإيمان بالدور االتراثي والتاريخي والحضاري الذي لعبتها في بناء وترسيخ القيم والمبادئ التي خلدت أمتنا حتى هذا اليوم ورسخت من مقومات وجودها في أصعب وأحلك الظروف والأحوال وعبر مراحل تاريخية طويلة ومأساوية مهما حمل هذا الوجود من سلبيات ومصاعب، فهو رغم ذلك خير بكثير من الانقراض والذوبان في المجتمعات الأخرى. صحيح هناك من يقول بأن إنشقاق الكنيسة أدى إلى إنشقاق وتعدد مصادر الإنتماء والتسميات لأبناء أمتنا، لكن على الجانب الآخر لو نظرنا إلى الواقع الحاضر وبكل وسائله العلمية المتطورة لا يمكن أن يثبت بأن بدون كنيسة المشرق كان من الممكن أن يستمر أبناء أمتنا بعد سقوط كياناتهم السياسية  ويتواصل وجودهم عبر قرون طويلة من المذابح والفواجع التي لا مثيل لها في تاريخ المنطقة وهم كقطرة صغير في محيط هائج يختلف عنهم حضارياً ودينياً وفكرياً وحتى نفسياً. أو أن يبرهن بأن واقعهم الحالي لمقوماتهم القومية والحضارية والتاريخية كان من الممكن أن يكون أحسن بكثير من دون كنيسة المشرق. فهذه الحقيقة هي التي تحصرنا في خيار فكري واحد لا ثاني له يجبرنا أن نعترف بأن بدون كنيسة المشرق لم يكن من الممكن أن نتصور وجود وتواصل أبناء أمتنا حتى اليوم وعكس ذلك يصعب جداً إثباته إن لم يكن مستحيلاً. فالواقع يدعم هذه الحقيقة. إذ كانت هناك مجموعات سكانية كبيرة تنتمي  في الماضي البعيد أوالقريب إلى أمتنا بكل مقوماتها القومية من لغة وعادات وتقاليد وأماني مأطرة بحدود كنيسة المشرق باعتبارها مؤسسة دينية وقومية تمر من خلالها هويتهم الخاصة، ولكن بمجرد أن هجرت هذه المجموعات السكانية الديانة المسيحية واعتنقت الديانات الأخرى تخلت عن مقوماتها القومية وبالتالي لم تعد جزء محسوب على أمتنا. لا بل وأكثر من هذا، حتى الفروع أو الطوائف المسيحية التي أبتعدت عن كنيسة المشرق وألتحقت بالكنائس العالمية الأخرى نرى بأنها أيضاً أبتعدت عن مقوماتها المؤسساتية من لغة وعادات وتقاليد ومراسيم وأعياد ومناسبات وغيرها، خاصة في مرحلة قبل نشؤ الفكر القومي.

وهنا تصلح المقارنة بين الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية التي سلب منها مجمع الكنائس الشرقية في الفاتيكان الكثير من مقوماتها المؤسساتية وبالتالي إبتعاد عن أو قلة الإهتمام بهذه المقومات من لغة وعادات وتقاليد وطقوس والأعياد أو المناسبات التراثية حتى وصل ألأمر ببعضهم إلى أعتبار لغة ربنا يسوع المسيح (عليه المجد الأبدي) ولغة كنيسة أبائهم وأجدادهم العظيمة مجرد كلام (فليحي)، أي لغة الفلاح أو الفلاحين، أوطئ الطبقات الإجتماعية في الفكر العراقي المعاصر. وبالنتيجة أدى ذلك إلى ضعف مستوى الوعي القومي والسياسي وإنعكاس ذلك على ضعف أو إنعدام المؤسسات القومية والأحزاب السياسية. وهو موضوع سبق وأن تناولناه في (الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية والمسألة القومية) وفي بحثنا الخاص بضعف أو إنعدام الأحزاب القومية الكلدانية قبل عام 2003. ومقارنة هذا  بكنيسة المشرق الآشورية التي ألتزمت وحافظت على جانبها المؤسساتي بكل مقوماته نرى بأنه أنعكس ذلك على مستوى الوعي القومي والسياسي وعلى وجود ملموس للمؤسسات القومية والأحزاب السياسية. هذه المسألة، أي التتوازن بين الأصالة والمعاصرة للمؤسسة العتيدة، ومنها كنيسة المشرق، سبق وأن عالجناها في مناسبة سابقة وهنا لا يستوجب إلا أن نؤكد على مدى صعوبتها وحساسيتها في تقرير مصير المؤسسة وتطورها.

هذا الفهم للجانب المؤسساتي، وليس الروحي، لكنيسة المشرق وبفروعها يقودها نحو فهم طبيعة ونوعية تدخلها بأعتبارها مؤسسة عتيدة، في السياسة والمسائل القومية. من هنا يستوجب علينا أن نفهم أيضا معنى ومضمون السياسة أو بالأحرى السياسة القومية وفق معطيات كنيستنا المشرقية المار ذكرها.  وبينما نحن نركز على الجانب المؤسساتي للكنيسة، لا أدري ربما سأقحم نفسي في مسائل إنجيلية وأنا قليل العلم بها عندما أشير ألى قصة ربنا يسوع المسيح (له المجد الأبدي) وهو يوكل مهمة تأسيس الكنيسة إلى تلميذه بطرس الذي كان يعرف بأنه سينكره ثلاث مرات ولم يوكل هذه المهمة إلى "التلميذ الذي كان يحبه"، أي يوحنا الإنجيلي" ولا إلى أي من "أخوة الرب"،  نستطيع أن نستشف من هذا "التوكيل" أعطاء أهمية  لبناء مؤسسة الكنيسة وقيادتها ونشر رسالتها إلى أقاصي العالم إلى تلميذ عصامي ومقدام وجرئ ومدبر، أي يتمتع بصفات يمكن تحديدها بمصطلحاتنا المعاصرة، إلى شخص يتمتع بميزات إدارية فذة مثل (CEO)  أو (Managing Director )  وهي الميزات المطلوبة في رجال الكنيسة في عصرنا هذا والتي سبق وأن أشرنا إليها سابقا ونحن نتناول موضوع المدرسة الآشورية في أستراليا.
   
ثانيا: السياسة والسياسة القومية:
--------------------
يصعب جداً الاتفاق على مفهوم موحد للسياسة فالكتب والدراسات عنها كثيرة بحيث لا تعد ولا تحصى، لذلك ليس القصد منها في هذا الموضوع مفهومها الفلسفي القائم على اعتبارها علم أو علم وممارسة يخص الدولة أو السلطة القائمة فيها وغيرها من المفاهيم التي تدرس في الجامعات والكليات، وإنما القصد هنا هو تطويع هذا المفهوم على مجتمعنا وحصره في نطاق القومية لتكون السياسة القومية مسلكا لبحثنا هذا. وبأختصار مكثف فأن السياسة القومية وفق المعاطيات الخاصة بأمتنا، هي جملة أفكار وممارسات وسلوكيات ومواقف لمؤسسات وأحزاب سياسية ومنظمات قومية وشخصيات فكرية في مجتمعنا "الكلداني السرياني الآشوري" تتمحور بالأساس حول القومية والمطالبة بالحقوق القومية والمسائل السياسية الأخرى المتعلقة بها، خاصة ما يرتبط بالإستقلال والتحرر من الإستبداد والظلم أو الدعوة إلى الإستقلال أو الحكم الذاتي أو أي نوع من الحرية التي تتيح مجالاً معقولاً لممارسة أبناء المجتمع حقوقهم القومية وما يتعلق بها من مقومات وجودهم القومي الذي يميزهم عن غيرهم من القوميات الأخرى، وهو المعنى المراد منه حصراً بمفهوم السياسة القومية. أما مفهوم القومية الذي قد يرد كثيراً في هذا الموضوع، فأنه من الصعب جداً أيضاً إعطاء تعريف محدد ودقيق للقومية وذلك بسبب تنوع وتعدد واختلاف وتناقض أراء المفكرين والنظريات السياسية حولها بشكل كبير إلا إن القصد من الإشارة إليها هو التأكيد بأن موضوع القومية أو المسائل القومية هو الجوهر الأساسي لمضمون مفهوم السياسة الوارد في هذا الموضوع  ويشكل المركز أو المحور الذي تنشط هذه السياسة حوله في مجتمعنا. ومفهوم القومية كحقيقة موضوعية وحالة فكرية هو موضوع طويلة نتركه لفرصة أخرى.

 هذا الترابط العضوي المحكم بين المفهومين، السياسة والقومية، لا يعني ذلك تطابقهما واختلاطهما، إذ من الممكن أن تكون القومية أو النشاطات المتعلقة بها غير مرتبطة بالسياسة بشكل مباشر، فالاعتناء باللغة القومية وبالعادات والتقاليد والتراث والحفاظ عليها وصيانتها وتطويرها خوفاً من الانقراض أو الاندثار هي مسائل قومية مهمة ولكن ليست بالضرورة الحتمية أن تكون مسائل سياسية. أي بعبارة أخرى قد يكون المرء لغوياً بارعاً أو باحثاً تاريخياً أو اجتماعياً في شؤون قوميته أو يكون فناناً مبدعاً في معالجة مواضيع اجتماعية مهمة ولكن ليس بالضرورة أن يكون سياسياً ومنخرطاً في المسائل السياسية أو منظماً إلى إحدى الأحزاب السياسية أو المنظمات القومية حتى يكون قومياً، بل من الممكن أن يكون هو أو مسألة الاعتناء باللغة القومية من مصادر ومواضيع مهمة للسياسة القومية، أي بعبارة أخرى، الحدود تبقى قائمة بين الاثنين ولكن التفاعل بالتأثير والتأثر والتكامل بينهما يبقى قائماً أيضاً.

هذا من حيث النظرية والتي فرضت ضرورات البحث العلمي في موضوع فهم السياسة القومية في مجتمعنا أن نميز بين السياسة والقومية، إلا أن مثل هذه التمييز في الواقع العملي وفي بعض الظروف، خاصة  الظروف السياسية والفكرية السائدة في موطننا، بيت نهرين، يكون التمييز والتفريق بينهما صعباً للغاية. ففي الدول التي تتحكم فيها أنظمة مركزية شمولية لا تقر بالتعددية وبالحدود الدنيا للديمقراطية، تتداخل الحدود ويختلط معنى القومية مع السياسة بحيث لا يمكن لها، باعتبارها البنية الفكرية السائدة والمهيمنة، أن تفهم مسألة الفصل أو التمييز بينهما. فعلى سبيل المثال، لا ينظر إلى شخص من أبناء أمتنا مختص في لغته القومية ويعمل من أجل تطويرها والحفاظ عليها من الضياع إلا بمنظار سياسي ويتم التعامل معه على هذا الأساس سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، كأن يقيد النظام السياسي ويحصر نشاطه الإبداعي أو يفسر ضمن أطر طائفية وكنسية ودينية. والسبب في ذلك أن مثل هذا النشاط الثقافي أو اللغوي سوف يعزز المقومات القومية لمجتمعنا وبالتالي سيتناقض مع سياسة النظام الشمولي الإستبدادي في تجاهل أو إهمال أو نبذ التعددية القومية، أي بعبارة أخرى، فأن مثل هذا النشاط الثقافي أو اللغوي سوف يصبح من صلب مواضيع السياسة في مثل هذه الدول. لا بل وأكثر من هذا،  فحتى في أيامنا هذه، أيام الفوضى وعدم الإستقرار والإرهاب والتهجير وقطع الرؤوس، أصبح الحفاظ على الحياة أمراً سياسياً مهماً. أما بالنسبة لمجتمعنا  في بلدان المهجر فالأمر على العكس من ذلك حيث هناك إمكانية كبيرة في التمييز بين القومية والمسائل المتعلقة بها وبين السياسة والنشاطات الخاصة بها طالما هناك مجالات فسيحة لنشاطات ثقافية واجتماعية لا تتعارض مع السياسة المركزية للدولة. على العموم كل هذا التداخل والتمييز بين هذه المصطلحات والتي من خلالها نفهم موضوعنا عن تدخل الكنيسة في السياسة القومية في مجتمعنا علينا أن نبحث أولاً في كيفية فهم النظريات والفلسفات التي أستخدمت في هذا السياق ومدى تطابقها على مجتمعنا ومن ثم نتطرق إلى النظريات التي يعتمد عليها في مسألة العلاقة بين الكنيسة والسياسة والتي ترتكز على مفهوم أو نظرية فصل الكنيسة عن الدولة التي يعتمدها معظم كتابنا الأفاضل عند تناول موضوع تدخل كنيستنا في السياسة والمسائل القومية.
كيف نفهم النظريات والفلسفات ؟:
==================
النظريات والفلسفات وتحديدا في العلوم الإنسانية ومنها نظرية فصل الكنيسة عن الدولة، هي معطيات فكرية ونتاجات إنسانية شاملة لجميع البشر ولكن هناك حقيقة موضوعية تؤكد بأنها لم تأتي من الخيال والعدم بل من الواقع الموضوعي والظروف الخاصة التي نشأت فيه وأنبثقت منها. لذلك رغم إنسانية النظريات وشموليتها إلا أن لها جوانب ذاتية متأثرة بهذه الظروف الخاصة للمجتمع الذي أنبثقت منه، وبالتالي فإن صح شمولية النظرية وتطبيقها على جميع المجتمعات الإنسانية خاصة إستخدام المنهج العلمي المتبع، فأن "خصوصيتها" لا يصح بالضرورة تطبيقها على جميع المجتعمعات البشرية. فلو أخذنا، على سبيل المثال لا الحصر، الفلسفة الماركسية، الأكثر إنتشاراً وتأثيرا في القرنين الماضين، نرى بأن معظم النظريات التي أقامتها هذه الفلسلفة نابعة من المجتمعات الصناعية، خاصة نظرية "المادية التاريخية" التي تناولت مراحل تطور المجتمع عبر مفهوم الصراع الطبقي في المجتمعات البشرية ولكن أدرك ماركس بأن مثل هذه النظرية لا تنطبق على المجتمعات الشرقية لذلك توصل إلى مفهوم جديد في فهم هذه المجتمعات والذي ذكره في "الإستبداد الشرقي". فضمن هذا المفهوم يفهم الحكم الأستبدادي في بلدان الشرق الأوسط منذ أقدم العصور وحتى عصر  صدام حسين ومعمر القذافي وحافظ الأسد وما بعدهم.  ثم جاء لينين فوجد بأن هذه النظرية لا تنطبق بحذافيها على المجتمع الروسي القائم في أغلبه على الإنتاج الزراعي فظهرت فلسفته في "الماركسية اللينينية" فأدمج "الشاكوج" بـ "المنجل" في العلم الأحمر لبلاده. وفي زمن ستالين ضغطت الظروف الموضوعية الصعبة والماحقة بالمجتمع السوفياتي إلى أن تنشأ نظرية "اللينينية – الستالينية" التي شددت من قبضته على السلطة وقادت الدولة السوفياتية بعد عقود من الزمن إلى التفكك والإنهيار. وبعد التطور الصناعي الهائل في المجتمعات الغربية ونزوحها نحو أرقى أشكال الديموقراطية تخل الماركسيون الأوروبيون عن نظرية صراع الطبقات وتكيفوا مع الأجواء الديموقراطية فظهر مفهوم "يورو شيوعية". أما على جانب الفلسفة الرأسمالية فإن نظرية "العقد الإجتماعي" التي وضعها فلاسفة الفكر السياسي الكلاسيكي من الإنكليز والفرنسيين أمثال جون لوك وجان جاك روسو و مونتسيكو في تفسير نشوء الدولة تطورت بشكل كبير مع تطور المجتمعات الغربية حتى وصلت إلى أرقى أشكال الحكم في الديموقراطية والمساواة وغيرها من المفاهيم المتحضرة في السياسة والحكم.  أن الغرض من السرد المختصر لهذه النظريات هو التأكيد بأنها معطيات إنسانية شاملة ولكن لكل منها طبيعتها الخاصة بالمجتمع الذي نشأت فيه، أي بهذا المعنى ليس بالضرورة أن تنطبق هذه النظريات، خاصة فيما يتعلق بالكنيسة وبعلاقة رجال الدين بالسياسة القومية وتدخلهم في شؤونها، على مجتمعنا الشرقي، أي أنه يجب أن ننظر إلى نظرية فصل الكنيسة عن الدولة وفق المعطيات الخاصة بمجتمعنا في وطننا الأم.

تدخل الكنيسة في السياسة القومية:
====================
بشكل عام تم معالجة موضوع تدخل الكنيسة في السياسة وفق النظرية المعروفة بـ "فصل الكنيسة عن الدولة" والتي عرفت بـ "العلمانية" أو الحكم العلماني. من هنا يستوجب علينا أن نحدد معنى "العلمانية" ثم نعرج على تحديد مفهوم التدخل وعلى نوعيته وتأثيراته:
أولاً: العلمانية (Secularism):
وأحياناً تعرف بـ "الدنيوية". والعلماني كصفة يعني الشخص العامي أو العادي الذي ليس له درجة كهنوتية. أما العلمانية فهي متأتية لغوياً من العالم، أي العالم الحاضر والمعاصر نقيض الدنيا أو الحياة الآخرة ومضمونها يقوم على عدم المبالاة بالدين أو المعتقدات الدينية واقتصار الاهتمام كلياً على شؤون الدنيا وبالعالم المحسوس  بعيداً عن المسائل الدينية والروحية مجانباً كل ما هو مقدس أو محرم أو ميتافيزيقي، أي ما وراء الطبيعية. أما من حيث المضمون الفلسفي فأن العلمانية هي عقيدة أو مبدأ يمكن تعريفها كمحاول لتأسيس منظومة من الأفكار والمبادئ المتعلقة بسلوك الإنسان قائمة على المعرفة العقلية والتجربة وليس على اللاهوت وغيرها من المعتقدات الروحية. بهذا المعنى استخدمت العلمانية في علم السياسة  باعتبارها علماً قائماً على المعرفة الفكرية والممارسات السياسية وعلى منع الكنيسة من التدخل في شؤون الدولة وأبعاد المعتقدات الدينية والروحية والكنسية من ممارسات الحكم والسياسة ورفع القيود التي كانت قد وضعتها الكنيسة في القرون الوسطى في عدم الاهتمام بشؤون الدنيا الحاضرة والاقتصار فقط على شؤون الآخرة، أي قيام النظام السياسي على أساس فصل الكنيسة عن الدولة والدين عن السياسة. فالعلمانية بهذا المفهوم السياسي هي نقيض الثيوقراطية (Theocracy) أي حكومة دينية أو حكومة الكهنة أو حكومة خاضعة لرجال الدين. فكثير من علماء السياسة يربطون العلمانية بمرحلة النهضة أو بحركة الإصلاح أو بفترة التنوير التي سادت أوروبا في القرون الماضية والتي أصبح فيها العقل والتجربة العنصرين المهمين في التحكم بالأمور المختلفة بما فيها أمور الدولة والسياسة وتنظيم العلاقة مع الكنيسة. أي أن العلمانية ليست بالضرورة أن تكون في موقف عدائي ومتناقض مع الدين أو الكنيسة، بل من الممكن جداً أن تقوم إلى جانب الدين ولكن من دون خلط الحدود والنشاطات، وهو المفهوم الذي يهمنا في هذا الموضوع.

والعلمانية كغيره من المفاهيم الفلسفية الشائعة الاستعمال والتداول في الحياة السياسية ترتبط بمرحلة معينة من مراحل انتقال وتطور المجتمع الأوروبي يبدأ مع نهاية القرون الوسطى وبداية عصر النهضة، حيث جاءت العلمانية  كرد فلسفي وسياسي ضد المفاهيم اللاهوتية التي كانت سائدة في الفكر والسياسة والتي كانت تخول الكنائس ورجال الدين حق التدخل في السياسة وفي شؤون الحكم وفي بناء المفاهيم الفلسفية والفكرية وإخضاعها إلى اللاهوت وتفسيراته النظرية المثالية والميتافيزيقية، خاصة نظرية الحق الإلهي للملوك في الحكم، أي أن العلمانية بدأت في أوروبا في عصر التنوير والنهضة الذي أعتمد العقل وليس الوحي أو الدين في ممارسة الحكم وبالتالي هي ردة فعل ضد سيطرة الكنيسة على مقاليد الحكم أو منعها من  اختيارها للملوك والأباطرة.  بعبارة أخرى، إن العلمانية ظاهرة سياسية اجتماعية تعبر عن انتقال المجتمع الأوروبي من نظام اجتماعي سياسي اقتصادي في المرحلة الإقطاعية القائمة على نظم الدويلات والدوقيات والاقطاعيات الى المرحلة البرجوازية القائمة على الدولة القومية المركزية ومن ثم تطور المفاهيم والنظريات وانتقالها إلى نظريات حديثة أخرى تتوافق مع هذه المرحلة الجديدة مثل انتقال فلسفة الحكم من نظرية الحق الإلهي للملوك في الحكم الى نظرية العقد الاجتماعي التي تقول بأن الدول أو الحكام يمارسون الحكم على أساس عقد تم بين الحاكم والشعب أي بين إرادتين حرتين يحق للشعب فسخ هذا العقد مع الحاكم وإلغاءه في حالة الاخلال به، وهو المفهوم الذي تنعكس مضامينه الفلسفية المختلفة في أنظمة الحكم الديمقراطية وأسلوب الرقابة الشعبية على أعمال الحكومة السائدة في البلدان الديمقراطية. لا بل يمكن القول أيضا بأن العلمانية بهذا المفهوم هي التي مهدت الطريق نحو نشوء الوعي القومي ومن ثم قيام الحركات القومية وبناء الدول الحديثة في أوروبا على أساس مبدأ القوميات الذي تزايد انتشاره وتطبيقه مع تقلص دور الدين والكنيسة في السياسة والدولة ومن ثم انهيار الإمبراطوريات التي كانت تعتمد على النظريات التي تبررها الكنيسة في قيام الحكم الإمبراطوري أو الملكي، مثل نظرية الحق الإلهي للملوك في الحكم.
   
أما في منطقة الشرق الأوسط حيث موطن أبائنا وأجدادنا، فإن مفهوم العلمانية حديث العهد فهو الآخر يرتبط بمرحلة انتقالية تمثلت في نهاية قرن التاسع عشر وبداية قرن العشرين وعقب ظهور بوادر ضعف وانهيار الدولة العثمانية وانتشار المفاهيم السياسية الحديثة في قيام الدول. فقد كان المفكرون المسيحيين، خاصة في سورية ولبنان ومصر، من أوائل من استعملوا العلمانية كمفهوم فلسفي وسياسي رافض لمزج ودمج الدين بالدولة وكرد ضد الدولة العثمانية التي كانت دولة إسلامية بكل معنى الكلمة فيما يخص السياسة والحكم والقانون حيث كان السلطان العثماني  يستمد أساس حكمه من نظرية الخلافة الإسلامية في الحكم  التي تشبه في جوانب كثيرة نظرية الحق الإلهي للملوك في الحكم. أما بالنسبة للمجتمنا "الكلداني السرياني الآِشوري"  فإن المسألة لا يتطلبها جهد كبير للتأكيد بأنه لم يعرف هذا المفهوم ولم يعطي له أي مضمون لا فلسفي ولا سياسي ولم يداوله في لغته القومية أو يستعمله في أساليب تفكيره وممارساته القومية والاجتماعية والسياسية. وحتى كمصطلح لغوي (علمايـا) فأنه لم يكن يحمل أي معاني فكرية أو دلالات سياسية أكثر مما كان يعني الإشارة إلى الأشخاص العلمانيين والعادين وتميزهم عن رجال الدين. لذلك فإن افتقار هذا المصطلح من أي مضمون فكري أو من تطبيقات واقعية يعني من جهة ثانية سيطرة الكنيسة والتقاليد الدينية والتفسيرات الثيولوجية والموروثات التاريخية على السلوك القومي والسياسي لشعبنا طيلة تاريخه الطويل. إلا أنه مع هذا، ففي مراحل انتقالية مهمة في  حياته، خاصة في المرحلة التي سبقت الحرب وما بعدها، كانت هناك ممارسات ومواقف لبعض الشخصيات المعروفة التي برزت على الساحة الفكرية والقومية متأثرة بالفكر القومي الذي وصل إلى منطقتهم من أوروبا لها دلالات معبرة عن المضمون الفلسفي للعلمانية والتي حاولت فصل الكنيسة ورجال الدين عن السياسة والمسائل القومية، أمثال المفكر فريدون أتورايا الذي دعى في بيانه المشهور والمعروف بـ "مانفيستو أورمي" وبشكل واضح وصريح إلى فصل الكنيسة عن السياسة وأيضاً الجنرال أغا بطرس الذي دعى إلى التفرقة بين "الصليب والسيف".  كل هذه الدعوات كانت تعبر وبشكل مباشر عن انتقال المجتمع  من مرحلة إلى مرحلة أخرى مختلفة في أساليب الفكر والممارسة السياسة غير أنه لأسباب داخلية وخارجية لم تفلح هذه الحركة في "علمانيتها" وفي فصل الكنيسة عن السياسة والمسائل القومية، فهكذا أستمرت الكنيسة، وتحيديداً كنيسة المشرق الآشورية وبطاركتها يتدخلون في السياسة والمسائل القومية حتى الستينيات من القرن الماضي.
ثانيا: التدخل:
يستوجب علينا ونحن كثير الحديث، أن لم تكن الثرثرة نفسها" عن الكنيسة وتدخلها في السياسة والمسائل القومية أن نعرف ما القصود بالتدخل في هذا الموضوع وما هي نوعيته وحدوده؟
 التدخل هنا نوعان:
الأول: التدخل المباشر الفعلي القائم على فعل أو المشاركة المباشرة في مسألة معينة والذي ينتج عنه تأثيرات مباشرة سلبية أو إيجابية في توجيهات هذه المسألة،  كما كان الحال مع بطريرك كنيسة المشرق الآشورية في القرنين الماضين عندما كان قائداً للكنيسة والأمة معاً ويقود المفاوضات واللقاءات السياسية وحتى الحروب فكان هو أو أحد من أفراد عائلته بمثابة "القائد العام للقوات المسلحة"، فكان بعض الباحثين يلقبونه بـ "الملك الصغير" بسبب تمتعه بصلاحيات دينية وقومية واسعة. فحتى منتصف القرن الماضي كان مثلث الرحمات مار شمعون إيشاي البطريرك الأسبق لكنيسة المشرق الآشورية زعيماً قومياً وقائداً للحركة القومية الآشورية لعام 1933 والتي أرتبطت بأسمه في الثلث الأول من القرن الماضي فكان يقدم الشكاوى والإلتماسات والطلبات الخاصة بالحقوق القومية لأمته إلى المنظمات الدولية ويحضر بعض من إجتماعاتها بإعتباره زعيماً للأمة الآشورية. غير أنه أدرك بعد إستقرار الأوضاع عشية إنتهاء الحرب الكونية الثانية وبداية نشؤ وعي قومي آشوري وحركة نهضوية قومية سياسية خاصة في إيران في العقدين السادس والسابع من القرن الماضي بدأ تدريجياً بالإنسحاب من الساحة السياسية القومية رافضاً المشاركة في أي نشاط أو حركة قومية فاسحاً المجال للقوى والشخصيات العلمانية لتأخذ دورها في الحركة القومية الآشورية. وحتى أثناء زيارته للعراق في بداية السبعينيات من القرن الماضي رفض كل الإمتيازات والإغراءات التي منحه له نظام البعث الحاكم لأنه أدرك بأن الغرض هو توريطه في مسألة سياسية لم يعد مهتماً بها ولم تعد من إختصاصه ومسؤولياته كرجل ديني على رأس الكنيسة. 

 أما بالنسبة للكنيسة الكلدانية الكاثوليكية فأنها إتساقا مع مواقف الفاتيكان في رفض تدخل الكنيسة في السياسة لم تتدخل إطلاقاً في السياسة ولا في المسائل القومية، بل أنها وقفت طيلة تاريخها المعاصر بالضد من هذه المسائل ورفضت، إن لم نقل، قد أدانت أي من إكليريتها عند تدخله في السياسة والمسائل القومية. فكان من الطبيعي، وفق الترابط العضوي بين الكنيسة والقومية في مجتمعنا، أن ينعكس هذا الموقف السلبي من المسائل القومية على  المستوى القومي والسياسي الكلداني وعلى ضعف الوعي القومي ومن ثم غياب الساحة السياسة من أي حزب كلداني أو تنظيم قومي. غير أنه بعد بركان الإرهاصات لعام 2003 الذي عصف بمجمل المجتع العراقي   وزوال الضغط الإستبدادي الذي كان يكسو التناقضات العراقية أنبثق حمم فورانها ومن ثم تحجم في تنيظمات وأحزاب مختلفة الأنواع والأشكال فشمل هذا الوضع الكلدان أيضاً فبدؤا بتأسيس أحزاب سياسية وتنظيمات قومية على مختلف الأصعدة الداخلية والخارجية. غير أن بسبب الإفتقار إلى الخلفية السياسية القومية وإلى الخبرة في المجال القومي ومن ثم غياب الخطاب السياسي القومي الكلداني المنطقي وإعتماده كلياً على التاريخ الغابر للكدان، لا بل وفي كثير من الأحيان أستمد هذا الخطاب مضمونه من منافستة أو تحديه أو معاداته للآشوريين ولأحزابهم السياسية، خاصة بالنسبة للأحزاب والتنظيمات التي أنعزلت على "كلدانيتها" ولم تؤمن بوحدة أمتنا بجميع تسمياتها الكلدانية والآشورية والسريانية. فكان من الطبيعي أن لا يقتنع معظم الكلدان بمثل هذا الخطاب ولا يصوتوا لهم وبالتالي فشلت جميع الأحزاب والتنظيمات التي نزلت إلى ساحة الإنتخابات العراقية سواء في المركز أم في الإقليم ولم يعد لها نشاط يذكر على أرض الواقع غير على الورق وفي وسائل التواصل الإجتماعي.

أزاء هذا الغياب والفشل الكلي لهذه الأحزاب والتنظيمات الكلدانية وأزاء الظروف المستمية التي عصفت بجميع المسيحيين، ومعظمهم من الكلدان، كان من الطبيعي أن يخلق هذا الوضع المأساوي رد فعل للكنسية خاصة على قمتها المتمثلة في بطريركها غبطة مار لويس روفائيل ساكو ويتحرك ليتدخل وبشكل مباشر في السياسة والمسألة القومية، فجاء تأسيس الرابطة الكلدانية ومن ثم في إعتبار البطريرك الرئيس الأعلى لها وإدارة معظم الإجتماعات التأسيسية لفروعها أو الإجتماعات واللقاءات العامة من قبل مطارنة الكلدان في الخارج وغيرها من اللقاءات التي يقوم بها غبطته سواء على المستوى العراقي أو الدولي كلها تؤكد من دون أدنى شك بداية لتدخل الكنيسة الكلدانية في السياسة والمسائل القومية. لا بل أن دعوة غبطته إلى وعزمه على تشكيل تجمع مسيحي موحد في حال إخفاق التنظيمات المسيحية في التعامل مع الوضع المأساوي للمسيحيين في العراق يشكل نموذج أوضح في تدخل الكنيسة في السياسة. ولما كان تدخل غبطته وكنيسته في السياسة والمسألة القومية هو كرد فعل لفشل الأحزاب السياسية والتنظيمات الكلدانية وإملاء الساحة السياسية بنشاط كلداني كمحاولة للتخفيف من معاناة مؤمني كنيسته وأبناء قوميته فأن الإحتمال وارد جداً أن تنسحب الكنيسة الكلدانية من عالم السياسة وتتركها للأحزاب والتنظيمات الكلدانية عندما تصل "سن الرشد" والبلوغ وتبدأ بخطاب سياسي منطقي ونشاط مثمر على الساحة السياسية، كما هو الحال مع كنيسة المشرق الآشورية وموقفها من الأحزاب السياسية والتنظيمات القومية.
       
الثاني: التدخل غير المباشر الفكري القائم على الإرشاد والنصح والتوجيه للمعنيين بالشؤون السياسية والقومية، وبشكل أوضح للأحزاب السياسية والتنظيمات القومية. ويعتبر قداسة مار دنخا الرابع، الراحل إلى الأخدار السماوية، البطريرك السابق لكنيسة المشرق الآشوري نموذجاً رائعاً في تفسيره لمسألة تدخل الكنيسة ورجالها في السياسة والمسألة القومية. ففي كثير من أحاديث قداسته كان يؤكد ويقول: بأن زمن حيكارى ونظامه العشائري الأساسي الذي كان يترأسه البطريرك قد مضى ولم يعد البطريرك زعيماً قومياً أيضا لأبناء أمته يحضر الإجتماعات السياسية والدولية ويترأس الوفود والمباحثات بشأن حقوق قوميته، فالوضع الحالي الذي يعيش فيه الآشوريون يختلف كلياً فهناك دولة وحكومة وقوانين هي التي تحدد النشاط السياسي والقومي وعلى الآشوريين أن يخضعوا لقوانين دولتهم. ولكن من جانب آخر كان قداسته يؤكد بأن عدم تدخله المباشر في المسائل السياسية لا يمنعه كأشوري أن يبين أرائه وتوجهاته لأبناء أمته وتحديدا إلى أحزابهم السياسية وتنظيماتهم القومية لذلك كان في كل اللقاءات مع قادة هذه الأحزاب والتنظيمات وفي كل أحاديثه وخطبه لم تخلو أبدأ من أرائه وتوجهاته وأفكاره القومية ودعوته إلى الوحدة والتفاهم من أجل المصلحة القومية، لا بل حتى أيد دعوة بعض الأحزاب الآشورية إلى الحكم الذاتي في شمال العراق.  وهذه الحالة في التدخل غير المباشر نراها أيضا في جميع مطارنة وأساقفة وكهنة كنيسة المشرق الآشورية حيث ألتزموا إلتزاماً كاملا بعدم التدخل  في السياسة والمسألة القومية وبشكل فعلي ومباشر بل أكتفوا بالتدخل الفكري غير المباشر وهو الأمر الذي يؤدي إلى ترك الساحة السياسية للأحزاب والتنظيمات القومية للعمل من دون تدخل الكنيسة في شؤونها.

ولم يبقى هنا إلا أن نجري مقارنة بسيطة ومختصرة بين النوعين أعلاه لتدخل الكنيسة في السياسة والمسألة القومية. فبالنسبة للنوع الأول من التدخل فهو قائم على فعل أو عمل أو حركة وهذه كلها محدد بحدود مبنية على الصلاحيات والمسؤوليات الممنوحة للشخص من المؤسسة التي ينتمي إليها والتي هي بدورها تحدد هذه الصلاحيات والمسؤوليات. فالكنيسة كمؤسسة لها قوانينها وبموجبها تتحد صلاحيات ومسؤوليات أكليريتها وتحديدا رئيسها أي البطريرك. لذا فعندما تتدخل الكنيسة وبطريركها بفعل أو بحركة أو بنشاط أو بإشتراك في عمل يخص السياسة والمسألة القومية يكون حينذاك قد تجاوز صلاحياته ومسؤولياته لأن هذه السياسة والمسائل القومية ليست لا من أمور الكنيسة ولا من صلاحيات البطريرك فتقوم القيامة على البطريرك وتبدأ الإنتقادات التي لا تخلو من التهجم والإهانة لكونه قد تدخل في السياسة ويجب عليه حسب نظرية فصل الكنيسة عن الدولة أن لا يتدخل في السياسة، كما هو الحال مع نشاط وتحركات غبطة البطريرك مار لويس روفائيل ساكو. ولكن يؤسفي القول بأن معظم هذه الإنتقادات على تدخل البطريرك في السياسة والمسألة القومية تفتقر إلى الفهم العلمي والواقعي لفصل الكنيسة عن الدولة. فهذه النظرية نشأت بنشوء الدولة القومية في أوروبا، فنحن أين دولتنا القومية حتى نفصل الكنيسة عنها، هذا أولا. كما إن النقد الموجه للبطريرك بسبب تدخله  في المسائل القومية السياسية ناجم، ثانيا، عن عجز المنتقدين فهم الطبيعة المؤسساتية للكنيسة باعتبارها مؤسسة تراثية تاريخية وحضارية وحتى قومية وسياسية لا بل أعتبارها المؤسسة الرئيسية الفاعلة في مجتمعنا ولحد هذا اليوم. فلا يصح إطلاقا أن يقف البطريرك مكتوف الأيدي وأبناء قومه ومؤمني كنيسته يسلب منهم كل حقوقهم لا بل وحياتهم أيضا ويقضى على وجودهم الديني والقومي في موطن أبائهم وأجدادهم، فواجبه الديني والقومي معاً يفرض عليه فرضاً أن يتدخل بكل ما له من قوة وصلاحيات ومسؤوليات وبشكل مباشر ريثما يكون هناك بديل للكنيسة الكلدانية يتمثل في الأحزاب والتنظيمات القومية لتقوم بالمهمات القومية السياسية ويترك البطريرك لمهماته الدينية. هذه الحالة لتدخل البطريرك في المسائل القومية السياسية والإفتقار إلى الأحزاب والتنظيمات الفاعلة تشبه كثيرا الحالة التي كانت سائدة في كنيسة المشرق الآشورية أثناء الحرب الكونية الأولى وفي الثلث الأول من القرن الماضي.
وأخيراً:
-----
قد يبدو بأن في متن الموضوع نوع من التأييد للبطريرك الكلداني غبطة مار لويس روفائيل ساكو لتدخله في السياسة والمسائل القومية وهي حالة، نظرياً ووفق المعطيات والأفكار المعاصرة، غير صحية. ولكنها حالة واقعية فرضتها الظروف المأساوية القاسية المفروضة على أبناء الكنيسة والأمة معاً. قارن عزيزي القارئ الكريم تدخل غبطته في المسألة القومية بمنظار الظروف المأساوية المميتة التي كانت تحيط بأبناء الكنيسة والأمة معاً في عهد أمير الشهداء البطريرك الآشوري مار بنيامين شمعون في بداية القرن الماضي ومع نفس الظروف في عهد المثلث الرحمات مار شمعون إيشاي في الثلث الأول من القرن الماضي حينذاك سنفهم هذا الموضوع أكثر فأكثر. فإذا قبلنا أو الأصح أجبرتنا الظروف المأساوية وغياب فعلي للأحزاب الكلدانية أن نقر بواقعية تدخل البطريرك الكلداني في السياسة والمسألة القومية فأن مثل هذا الإقرار أو التأييد سيتلاشى حتماً وسنرفضه قطعاً عندما تظهر على الساحة السياسية القومية أحزاب كلدانية فاعلة وبخطاب سياسي قومي وحدوي قادرة وبشجاعة وبعزة النفس في الإنتماء القومي والكنسي أن تضع يدها في يد بقية أحزابنا السياسية الآشورية والكلدانية  والسريانية الوحدوية والفاعلة على الساحة السياسية لتظلل معهم تحت خيمة قومية شاملة لجميع أبناء أمتنا بغنى عن تسميتهم أو كنيستهم، حينذاك سنقبل أيادي قادتها مثلما نقبل أيادي بطاركتنا. فمثل هذه الخيمة الشاملة والوحدوية هي السبيل الأمثل أن لم تكن الوحيد لخلاص أمتنا. ولنا كل الأمل بأن المساعي المضنية لغبطة البطريرك مار لويس روفائيل ساكو من تدخله في المسائل القومية الخاصة بأبناء كنيسته أن تنتهي محطتها تحت هذه الخيمة الوحدوية لتكون بداية الشروع للسير على طريق خلاصنا.
       


46
بين المحامي روبرت وليم قليتا والمجرم عمر صديقي متين
فرق حضاري شاسع لا يفهمه البعض
====================================================

أبرم شبيرا

لاشك فيه إطلاقاً بأن المجتمعات الديموقراطية وتحديداً  في أوربا والولايات المتحدة الأمريكية هي مجتمعات قائمة على أساس دولة القانون والمؤسسات، فهي مجتمعات مبنية على مفهوم "المجتمع المدني" حسب نظرية أنطونيو غرامشي في دراسته للمجتمعات الديمقراطية في كتابه المعروف "الأمير الحديث". أي بعبارة أوضح هي مجتمعات يحكمها القانون ومؤسسات وليس فرد أو أفراد. لهذا السبب فإن تغيير الوجوه، أي الأفراد أو الحكام لا يغير من الأمر شيئاً في طبيعة الدولة ونظامها السياسي وقوانينها كما هو الحال في المجتمعات المتخلفة التي بمجرد أن يتغير الحاكم يتغير النظام برمته. على أية حال، القصد وبإختصار هو أن قوانين هذه الدول المتقدمة الديموقراطية تنطبق على الجميع من دون إستثناء ومن دون أي تمييز عرقي أو أثني أو ديني أو طبقي فالكل سواسية أمام القانون. فالإنسان في هذه المجتمعات مجرد من أي إعتبار تميزي تجرده من إنسانيته لهذا السبب شرعت العديد من القوانين والمواثيق الإقليمية والدولية والتشريعات الأخرى في حماية حقوق الإنسان.

أمر يعكس قمة التطور الحضاري والإنساني وصلت إليه البشرية بقوانيها العادلة في حماية الإنسان الذي هو جوهر ومصدر الحياة كلها. فهو كما قيل بأن "الإنسان هو أثمن رأسمال". ولكن ماذا سيكون الأمر في حالة تجرد الإنسان من إنسانيته وتحوله إلى مجرد مخلوق يتماثل مع الحيوانات المفترسة التي تهاجم وتقتل وتأكل بعضها البعض؟ أفهل ستنبطق هذه القوانين الحضارية والإنسانية على إنسان متجرد من إنسانيته وأصبح قتل الإنسان لمجرد شهوة أو رسالة متوحشة في هذا العالم المتدمن؟. سأذكر بهذا الخصوص بعض الشواهد من لندن. في الثمانينيات من القرن الماضي كانت السفارة العراقية في عهد البعث المستبد الذي كانت معظم الدول الغربية تسانده في حربه مع إيران وبفعل تمويلها السخي لبعض أزلامها وكلابها المسعورين، كان لها سطوة على أبناء الجالية العراقية في المملكة المتحدة ومنها على المسيحيين عموماً وعلى الآشوريين خصوصاً. ومن بين هذه الكلاب المسعورة شخص عراقي مدعو بأسم "أبو زهرة" كلفته السفارة العراقية للتجسس على الآشوريين وعلى نشاطهم الفعال وعلى مؤسساتهم في لندن في تلك الفترة. وفي أحدى الأمسيات كانت حفلة عائلية مقامة في النادي الآشوري في لندن فجاء أبو زهرة إلى النادي لكي يتجسس على نشاط الآشوريين في تلك الحفلة وليتأكد بأن الفنان المبدع سامي ياقو لايزال ينشد أغانيه القومية في لندن التي من أجلها أعتقل وعذب وسجن في العراق. حاول أبو زهرة الدخول عنوة إلى الحفلة غير أن رئيس النادي حينذاك كان الشخصية القومية المعروفة عمانوئيل قليتا منعه من الدخول فأصر أبو زهرة  وبشدة وإصرار للدخول إلى الحفلة وبالمقابل رده رئيس النادي مكرر منعه من الدخول فوصل إلأمر إلى مشادة كلامية كادت أن تؤدي إلى إشتباك بالأيدي مما أستوجب إستدعاء الشرطة لفض النزاع. فبدلاً من أن تمنع الشرطة أبو زهرة من دخوله للحفلة العائلية ساندته وأيدت حقه في الدخول إلى الحفلة طالما لم يخالف أي قانون بل أكدت بأنه كإنسان من حقه أن يمارس ما يرغبه طالما لا يخالف القانون في الوقت الذي كانت نوايا أبو زهرة معروفة خاصة وهو شخصية مشاكسة وعميل تابع للسفارة العراقية وغرض دخوله للحفلة لم يكن له أي نواياه بريئة بل كانت شيطانية وتجسسية. فلم يكن أمام رئيس النادي إلا أصراره على منعه من الدخول وإلا سيلغي الحفلة ويغلق أبواب النادي. فما كان إلا أن يخف وطئة وإصرار أبو زهرة ويتراجع عن موقفه من الدخول للحفلة ويغادر المكان.

أما الأسوء من هذا فهو الواعظ الإرهابي المعروف بـ "أبو قتادة" الذي كان بصفة لاجئ في بريطانيا في التسعينيات من القرن الماضي وبداية هذا القرن فكان يستغل القوانين الإنسانية البريطانية فيستمتع بالمعونات المالية والتسهيلات الطبية والدراسة المجانية لأطفاله الكثر لا بل أيضا بالحماية القانونية لكل تصرفاته الشاذة. كان أبو قتادة يستغل منبر مسجد ريجنت بارك في قلب لندن ليلقي خطبه الإرهابية اللهابة المؤيدة لتنظيم القاعدة الإجرامي والذي أكتسب من جراءها موالين كثر له أصحبوا مصدراً أرهابيا لتجنيدهم لتنظيم القاعدة. فبعد فترة من الزمن، أي بعد فوات الأوان وأصبح لأبو قتادة تلاميذ أرهابيون، أدركت السلطات البريطانية نواياه الإرهابية  فمنعته من ألقاء الخطب في المسجد المذكور إستناداً إلى قانون منع إستغلال المعابد الدينية لأغراض سياسية. غير أن أبو قتادة دافع عن نفسه قائلاً بأن خطبه ليست سياسية بل هي وعضات دينية وتثقيف في الدين الإسلامي ولا تخالف القانون ولكن مع هذا منعته السلطات البريطانية من ألقاء هذه الخطب في المسجد فما كان من أبو قتادة إلا أن يستغل حديقة ريجنت بارك الضخمة خلف المسجد لتكون مسرحاً لخطبه الإرهابية لكون القانون أعلاه  ينطبق فقط على المعابد الدينية وأن الحديقة هي مكان عام غير مشمول بهذا القانون. فأستمر في تبشيره الإرهابي من دون أن تستيطع السلطات البريطانيه منعه فكانت مغادرته لبريطانيا لغرض زيارة موطنه الأصلي فرصة للسلطات البريطانية لمنعه من الرجوع ودخول بريطانيا. لقد صدق "العبقري المجنون" القذافي عندما قال، بعد صدور قرار الإدارة الأمريكية بضرب أوكار الإرهابين في العالم بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، قال: على الأميركان أن يقصفوا لندن التي هي أكبر وكر لأكبر الإرهابين في العالم المحميين بقوانين بريطانية. هذا غيض من فيض. فهناك الألاف من المشتبه بهم، بل بعضهم مؤكد منهم، في كون لهم إنتماءات أو علاقات بمنظمات إرهابية كقاعدة وداعش والصحوة وحزب الله اللبناني ولكن طبقاً للقوانين الإنسانية في حماية البشر لا تتجرأ السلطات المعنية في إلقاء القبض عليهم أو منعهم والحيلولة دون سلوكهم وتصرفاتهم الإرهابية. ألم يكن الأرهابيون الذين قاموا قبل بضعة أسابيع بتفجيرات مروعة في باريس و أمستردام  من المشبوهين وعلى قائمة الشرطة الخاضعين للرقابة؟ ولكن رغم هذا قاموا بعملهم الإرهابي وقتلوا الأبرياء وبدم بارد.

ألم يكن المجرم عمر صديقي متين الذي قام بقتل خمسين برئ وأكثر من هذا العدد كجرحى في أورلاندو في ولاية فلوريدا على قائمة مكتب التحقيقات الفدرالية الأمريكية ومن المشتبهين بهم الذين يتعاطفون مع داعش والأفكار الإرهابية المتطرفة؟؟. ولكن مع هذا كله لم تستطيع القوانين الأمريكية الإنسانية من إيقافه أو التحرك المسبق لإرتكابه الجريمة لأنه لم يرتكب أية مخالفة لهذه القوانين وبالتالي لم يكن للسلطات الأمريكية سند قانوني لإعتقاله. يقال بأن الإنسان يؤخذ بنواياه ولكن مع الأسف هذه القاعدة لا تنطبق على الألاف من المتطرفين الذين لهم نوايا شيطانية إرهابية ضد المجتمعات الديموقراطية المتحضرة. فالتحرك في هذه المجتمعات ضد الأرهابيين هو بعد أن يقع الفأس على الرأس وبعد فوات الأوان وهدر دماء المئات من الأبرياء. كان المجرم عمر صديقي متين مواطن أمريكي من حيث أوراقه الثبوتية وكذلك المحامي روبرت وليم قليتا هو مواطن أمريكي ولكن ليس من حيث أوراقه الثبوتية فحسب بل من حيث عمله ومثابرته للبلد الذي مد له يد العون وفتح له طريق المستقبل والإستقرار المهني والفكري والإجتماعي وبالتالي كانت خلفيته الحضارية ومن جميع جوانبها التاريخية والثقافية والفكرية والدينية تلزمه أن يكون مخلصاً ووفياً للبلد الذي أحتضنه ومنقذاً للألاف الذين كانوا يبحثون عن الحياة المستقرة في الولايات المتحدة الأمريكية. على العكس منه تماماً، فبالنسبة للمجرم عمر صديقي متين فعلى الرغم من أن الولايات المتحدة الأمريكية وفرت له ولوالديه كل المستلزمات الضرورية للحياة المستقرة والمضمونة التي لم تكن إطلاقاً متوفرة في موطنه الأصلي (إفغانستان) إلا أنه خان الأمانة بخسة ورذيلة وقتل أبرياء ليس لسبب غير خلفيته الحضارية والثقافية والفكرية وحتى الدينية. المحامي روبرت وليم قليتا، حامي  الناس من الذبح والتهجير والإضطهاد والباحثين عن الحياة، ينتمي إلى حضارة عظيمة عمرها أكثر من سبعة ألاف سنة، حضارة بلاد مابين النهرين (السومرية الأكدية البابلية الآشورية الكلدانية) التي أعطت للإنسانية كثير الكثير من مقومات الحضارية المعاصرة ويؤمن بمعتقدات دينية عمرها أكثر من ألفين سنة كلها محبة وتسامح وتعظيم لإنسانية الأنسان إينما كان. بينما ينتمي المجرم عمر صديقي متين، قاتل الأبرياء، إلى حضارة القتل ونحر الرقاب وتفخيف السيارات وتكفير الإنسان عمرها بضعة سنوات وبعمر تنظيم القاعدة وداعش وغيرهم من المنظمات الإرهابية. المحامي روبرت أعتمد على القوانين الإمريكية ليمارس حياته في الولايات المتحدة الأمريكية وأعتمد عليها بإخلاقية ونزاهة في حياته اليومية وفي علاقته مع الغير. أما المجرم عمر فقد إستغل نفس القوانين ليمارس عمله الإرهابي ويقتل الأبرياء. لقد وفرت هذه القوانين فرصة للمحامي روبرت ليقتني معارفه وعلومه من الجامعات الأمريكية في حين أستغل القاتل عمر القوانين الأمريكية التي وظفته في شركة للخدمات الأمنية ويستغل خدماته فيها ويستخدم خبرته القتالية في قتل الأبرياء. فهذه الخبرة هي التي كانت السبب الرئيسي في أن يستطيع شخص واحد وبسلاح خفيف أن يقتل خمسين شخصاً ويجرح أكثر من هذا العدد ويحتجز العشرات كرهائن وهو أكبر حدث إجرامي من هذا النوع في تاريخ الولايات المتحدة، أي شخص واحد يقتل عدد كبير من الناس.

 شتان بين حامي حياة الناس وبين قاتل الناس. شتان بين الحضارة الإنسانية العظيمة التي ينتمي إليها المحامي روبرت والتي كانت وأصبحت مصدراً للحضارات الأخرى وبين الصناعة الثقافية الإجرامية للقاعدة وداعش في خلق تبريرات دينية لذبح الناس الإبراء والتي ينتمي إليها المجرم عمر. أليس من الظلم والإجحاف أن يكون في هذه الأيام المحامي روبرت قليتا الإنسان النزيه والمخلص للأرض التي أحتظنته مدان بتهمة تزوير أوراق، أن صح ذلك،  لم يكن الغرض  من عمله إلا أنقاذ حياة الناس الأبرياء ولكن مع الأسف اصبحت هذه التهمة مصدر قلق وإنزعاج لعائلته وأصحابه وأبناء أمته. أليس من الظلم والإجحاف أن يكون المجرم عمر في نظر أهله وأقاربه بطلاً وفي مصادر إنتماءه الإرهابي شهيداً... هذا الفرق الشاسع بين هاتين الحالتين ليس سببها النصوص القانونية بل ما هو خلف هذه النصوص وكيفية فهمها وتطبيقها، فليس من الإنصاف أن تطبيق هذه القوانين الإنسانية بالتساوي على الإنسان المتمسك بإنسانيته المقرة دنيوياً وسماويا من جهة، وعلى الإنسان المتجرد كلياً من إنسانيته المقرة شيطانياً وجهنمياً من جهة أخرى. فإلى متى لا تسطيع السلطات الرسمية في الدول الديموقراطية المتحضرة فهم هذه الحقيقة وأن تكف عن الإنصاف بين الإنسان النزيه الباني للقيم الحضارية وبين الإنسان المدمر لها. مضى على مذابح المسيحيين على أيدي الأتراك وحلفاؤهم المسلمين قبيل وأثناء الحرب الكونية الأولى وما بعدها أكثر من مائة سنة ولا يزال البعض عاجزاً كلياً عن فهم هذه المذابح المعروفة بـ "سيفو وخلفياتها الحضارية والفكرية والدينية.  فإستمرار عجز الفهم الحضاري بين هذا المحامي وذاك المجرم سيؤدي بالنتيجة إلى المزيد من إستغلال القوانين الإنسانية للمجتمعات المتحضرة من قبل الإرهابيين وبالتالي إستمرار عدم الإستقرار وزيادرة الأعمال الإرهابية. فهناك الألاف من أمثال المجرم عمر قابعين في "خلايا نائمة" متلحفين بلحاف الجنسية الأمريكية أو البريطانية أو الفرنسية لا يكفيها إلا حجة سخيفة لا علاقة لها بهذه الدول أو بمواطنيها الأبرياء، حتى وأن كانت هذه الحجة تصرف من مجنون في الدانمارك أو في إيطاليا أو في القمر قام بإهانة نبي الإسلام أو حرق الكتاب المقدس "القران" إلا وأن تثور ثائرتهم ويركب الشيطان رأسهم فيلجأون إلى الأعمال الإرهابية وقتل الأبرياء وبدم بارد.

وأخيرا أود التأكيد بأن المشكلة ليست في المجرم عمر وتقف عند حده بل في الفكر السائد والمبرر لمثل هذه الأعمال الإرهابية في القتل والتدمير. للنظر ونسمع إلى والد المجرم عمر كيف يبرر تصرف أبنه الإجرامي. يعتقد هذا الوالد بأن باعث عمل أبنه الإجرامي لم يكن ديني بل إخلاقي. فهو كمسلم مؤمن يرى في الشذوذ الجنسي تصرف غير إخلاقي ولا ديني ويخالف شريعة الله حسب معتقده الديني لذلك قام بهجومه المسلح على النادي الليلي للمثليين الجنسيين وقتل وجرح أكثر من مائة إنسان برئ. تبرير سخيف جداً ويجرم أبنه أكثر فأكثر لأنه لا يجوز إطلاقاً أن يأخذ أي شخص في العالم القانون بيده ويطبقه على الناس فالسلطات الرسمية هي المخولة بتطبيق القوانين خاصة وأن النادي الليلي كان مجازاً قانونياً وأن تصرف المثليين الجنسيين مقر قانونياً ولا يخالف القوانين في الولايات المتحدة الأمريكية. ومن الملاحظ بأن مثل هذا التبرير في كون الباعث إخلاقي وليس ديني يتناقض مع الإتصال الذي أجراه المجرم عمر مع الشرطة الأمريكية، حسب تصريحات مكتب التحقيقات الفدرالية، حين قال بأنه ينتمي إلى داعش ثم قال أنه ينتمي إلى القاعدة ثم إلى صحوة فحزب الله اللبناني... وهكذا ليؤكد إنتماء الفكري الإرهابي لكل التنظيمات الأرهابية التي تعاد الولايات المتحدة ومجتمعها المتحضر. 

صحيح هو أنه من حق أي إنسان أن يؤمن بما يؤمن به ويدافع عنه وكان من حق المجرم عمر أن يرفض مثل هذه السلوكات الشاذة ولكن ليس بقتل الأرواح. فكان الأجدر به أن يتنازل عن جنسيته الأمريكية ويهاجر إلى أي بلد إسلامي لا يقر قانونياً بالشذوذ الجنسي وهي الحالة السائدة في  جميع الدول الإسلامية والعربية من الناحية الرسمية والقانونية ولكن من الناحية الفعلية فمثل هذا الشذوذ سائد وبشكل واسع في أكثر الدول إسلامية ومنها المملكة العربية السعودية حيث ظاهرة الشذوذ الجنسي بين النساء المعروفات بـ "السحاقات" سائدة وموضوع مطروح للمناقشة في الكثير من الفضائيات العربية. لو كان الأمر محصوراً في والد المجرم عمر في تبرير عمله الإجرامي لهان الأمر بإعتبار سلوك طبيعي للوالد تجاه ولده ولكن من الملاحظ بعد الحادث الإجرامي لعمر أنطلقت الأخبار والمقابلات على بعض الفضائيات العربية والإسلامية وبنفس المنحى في تبرير العمل الإجرامي لعمر من قبل بعض المفكرين الإسلاميين على أن ما قام به عمر ليس عمل إرهابي بل بواعثه إخلاقية ورفضه لسلوكيات الشذوذ الجنسي. فإذا كان هذا تبرير لبعض المفكرين الإسلاميين المتشددين، فلا أدري كيف سيبررون نكاح داعشي للحمير؟ أفهل هناك من يقتله لأنه مارس شذوذ جنسي مع حيوان وليس إنسان؟.

نعيد ونكرر مرة أخرى بأن المحامي روبرت وليم قليتا برئ وفق القوانين الأمريكية عندما يفهم مشرعيها ومطبيقها الحضارة العظيمة الإنسانية التي ينتمي إليها ويفهمون إيمانه المطلق بإنسانية الإنسان، جوهر المبادئ الأمريكية والديموقراطية التي تقوم عليها دولة الولايات المتحدة الأمريكية.  وأن عمر صديقي متين هو ومن يسانده ويدعمه مجرمون بحق الولايات المتحدة الأمريكية وبحق الإنسانية جمعاء لأنهم ينتمون إلى ثقافة القتل والنحر والتكفير والتهجير ورفض الآخر وأنهم متجردون من إنسانيتهم. فإذا عجز المشرعون والمطبقون للقوانين الأمريكية عن فهم هذا الفرق الحضاري فأنه لا محال من إستمرار أعمال العنف والإرهاب في معظم الدول الديموقراطية ولا ضمان لتجنب مثل هذه الأعمال الإرهابية إلا بفهم هذا الفرق وأخذه بنظر الأعتبار عند تطبيق القوانين الإنسانية في هذه الدول.             

47
المدرسة الآشورية في إستراليا
فكرة وإجتماع... فجهود وإصرار... ثم إنجازات عظيمة
=======================================
أبرم شبيرا
كلمة لا بد منها:
----------

كلما أقرأ خبراً عن المدرسة الآشورية في أستراليا وما لحقها من أنجازات أخرى في تأسيس الكلية الآشورية ومدرسة تعليم اللغة الآشورية وغيرها من المؤسسات الإنسانية والإجتماعية، أنبهرُ كثيراً لا بل أستغرب من هذه الإنجازات الإستثنانية لمجتمعنا في بلد المهجر أستراليا، فتقفز إلى رأسي أفكار وتصورات عن هذا الحدث العظيم الذي يستحق كل التقدير والتثمين والشكر والإمتنان للقائمين على شؤونها، فلا أجد سبيلا لهذا إلا كتابة بعض السطور عنها لكي أبينها كنموذج  لبقية مجتمعاتنا في بلدان المهجر الأخرى يحتدى بها للتحرك نحو أنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل زوال هذه اللغة نهائيا من ألسنة أطفالنا في مجتمعات الضياع والإنصهار. والأغرب من كل هذا وذاك الذي يمتزج بنوع من الأمتعاض هو أن هذا الحدث العظيم في الحفاظ على لغتنا القومية في المهجر، رغم سعة إنتشار أخباره خاصة من خلال الموقع الألكتروني لإخبار كنيسة المشرق الآشورية ورغم أهميته العظيمة إلا أنه لم يهز ضمائر وقلوب وأقلام مثقفي وكتاب أمتنا لا بل وحتى أحزابنا السياسية وتنظيماتنا القومية التي تغني ليل نهار بضرورة الحفاظ على لغتنا القومية، ولم تتحرك ببنت شفة لكتابة بعض سطور التثمين والتقدير والتقييم وحتى النقد. لا لوم عليهم "الله يساعدهم" فشغلهم الشاغل هو التناطح والإنتقادات والتهجم بعضهم على البعض خاصة وأحزابنا السياسية مشغولة جداً باللهوث وراء الكراسي والمناصب فلا وقت لهم للإهتمام باللغة القومية وبتدريسها لأن عند البعض هي لغة لا توكل الخبر. هذا الأمر يذكرني باللغوي المشهور والمؤرخ الكبير المرحوم الشماس كوركيس بنيامين أشيتا طيب الله ذكراه، عندما قال، وهو يحاضر في النادي الثقافي الآشوري في بغداد في بداية السبعينيات من القرن الماضي عن اللغة القومية الآشورية: البعض يقول بأن تعلم اللغة الآشورية لا توكل الخبر... ثم أردف غاضباً ومنفعلاً وقال صارخاً: (خيلا كيبا دبستا)

أي بما معنا (أكل حصى بستا – وهو نوع من الحصى الصلد الذي يتراكم بجوانب الأنهر- كما أعتقد)

فكرة وإجتماع :
----------

كل عمل عظيم أو إنجاز كبير لا يبدأ إلا بفكرة أولية قد تكون بسيطة في بدايتها، لا بل قد تبدو في أحيان أخرى ساذجة ومستحيلة ولكن عندما يسندها إيمان راسخ وإرادة قوية وتصميم جدي ويؤازرها دعماً جماعيا فالإحتمال كبير جداً أن تتحول هذه الفكرة البسيطة إلى عمل مثمر ويحقق إنجازات ربما قد تكون غير متوقعة في بداية الفكرة. هكذا فيما يخص تأسيس المدرسة الآشورية في أستراليا. فقد كانت مجردة فكرة بسيطة ولكن بطموح كبير وإيمان قوي، فكرة راودت نيافة الأسقف مار ميلس زيا، حاليا مطرابوليت كنيسة المشرق الآشورية والوكيل البطريركي لأبرشيات أستراليا ونيوزلنده ولبنان، وشغلت باله وأحتلت قمة إهتماماته. فخلال حديث غبطته أثناء الإحتفال باليوم العالمي للغة الأم في شهر شباط الماضي 2016 ذكر "أنه خلال فترة 30 عاماً التي تواجد فيها خارج العراق فإن المؤشرات كانت تشير دوماً إلى أنه هناك تباعدا للشباب عن العمل القومي والإجتماعي وقلة تفاعلهم بسبب ضعف روابط الصلة بينهم وبين الأمة لفقدان عامل اللغة الذي يشكل أهم عامل في المحافظة على الأصالة والتواصل معها". هذه كانت  فكرة عكست الواقع الصعب لأبناء أمتنا في أستراليا والذي كان يهدد وجودهم القومي بفقدان لغتهم القومية وتناقص أو إضمحلال الشعور القومي والإنتماء الحقيقي لهذه الأمة خاصة بالنسبة للأجيال الجديدة والأطفال. وفي حينها أدرك غبطة المطرابوليت بأن مثل هذه الفكرة العظيمة يستوجبها مساندة جماعية من أبناء الأمة ومنظماتهم في أستراليا مدركاً بأن اليد الواحدة لا تستطيع التصفيق وأسماع الصوت لهم ، فما كان من غبطته إلا أن يلجاً إلى أبناء أمته لمناقشة الفكرة وتحقيقها على أرض الواقع.
 
في عام 1995، وأعتقد كان في بدايته، عقد غبطته إجتماع مع بعض المؤسسات والأحزاب الآشورية في أستراليا وكانت أجندة الإجتماع عن مدى إمكانية تأسيس مدرسة آشورية خاصة في أستراليا. وفي حينها نشر خبر هذا الإجتماع في صحيفة "الآشوري التقدمي" التي كان يصدرها حزب بيت نهرين الديموقراطي – العراق في إستراليا وتحت عنوان " خطوة في طريق الصواب" فأثار موضوع الإجتماع وهدفه النبيل إهتمامي الكبير وحفزني لأبني بعض التصورات والأفكار عن النظرة المستقبلية والنتائج الإستراتيجية لوجودنا القومي في المهجر متخذا من بادرة تأسيس المدرسة الآشورية حالة للدارسة فكتبت موضوعاً تحت عنوان "أفاق إستراتيجية للوجود القومي الآشوري في المهجر" ونشر في حينها في عدد شباط 1995 من الصحيفة أعلاه ومن ثم نشرتهَ مع بعد التعديلات والإضافات في كتابي المعنون: الآشوريون في السياسية والتاريخ المعاصر الذي أصدره إتحاد الأندية الآشورية في السويد عام 1997 . وفي حينها أخذتُ فكرة تأسيس المدرسة الآشورية بنوع من الجدية لكونها بدأت بداية صحيحة وعلى طريق الصواب، ومن خطى ومشى على الطريق الصواب لا بد أن يصل إلى نهايتها ويحقق الأهدف فيما إذا أسندت بجهود إستثنانية وأستمدت عوامل نجاحها من الإيمان والإصرار والإرادة القوية. فمنذ الوهلى الأولى، وكأنسان قومي مهتم بهذه المسائل، أدركت ومن دون عناء وعسر الأهداف النبيلة للفكرة وأبعادها الإستراتيجية القومية التي تخدم أبناء أمتنا في بلدان المهجر لهذا أندفعت لأكتب بما يجود كوامني الغائرة من أفكار وطروحات عسى أن نساهم من موقعنا في أبراز المعالم العظيمة لهذه الفكرة وأهميتها في إستمرار وتواصل الوجود القومي الآشوري المتميز في بلدان المهجر. وهذه السطور ما هي إلا أمتداد لفترة تزيد عن عقدين من الزمن واكبت منذ بدايتها حتى هذا اليوم كل ما تحقق من إنجازات كبيرة على هذا المستوى، خاصة بعد أن تبرعمت الفكرة والإجتماع وجني ثمارها وتجسدت في المدرسة الآشورية وكلية مار نرسي  وغيرهما من المؤسسات التي تديرها كنيسة المشرق الآشورية في أستراليا.

جهود وإصرار... ثم إنجازات عظيمة:
--------------------

نظرة بسيطة ولكن ثاقبة إلى واقعنا القومي سوف نستدل منها بأن للكثير من أبناء أمتنا أفكار خلاقة ومبدعة ولكن مما يؤسف له بأنها في معظمها تكون عاجزة عن إختراق حدود الفكرة ومن ثم العمل لأنزالها إلى الواقع العملي وتطبيقها وبالتالي تتطاير في الهواء وتختفي. من المؤكد الكثير من قراءنا الأعزاء يدركون عندما تكون المسائل القومية حديث يجمع أثنين أو أكثر من أبناء أمتنا ويشحن حديثهم بالحماس والإنفعال، خاصة عندما يكون "الكأس" وقودا لهذا الحماس، تصبح مسألة تحرير آشور وإعادة بناء الإمبراطورية الآشورية قاب قوسين. ولكن ما أن ينتهي لقاءهم بالوداع حتى تتطاير كل الأفكار من رأسهم وكأن شيئاً لم يكن. لقد شبهت هذا الأمر في السابق في كون لأمتنا هيئة تشريعة قوية ولكن لا تمتلك هيئة تنفيذية. كم من الأفكار المبدعة والطروحات المفيدة لهذه الأمة عرضت ونوقشت ولكن لم تنال حقها من العمل والتنفيذ... لماذا؟؟ لأن لو تفحصنا في كوامنها لنجد بأنها تفتقر إلى مبادرات في بذل الجهود المدفوعة بالإصرار والإرادة القوية والإيمان بالفكرة وإمكانية تحقيقها ومن دون إحباط أو تردد أو تراجع من أول عثرة. والمدرسة الآشورية في إستراليا وما لحقها من إنجازات أخرى مثال في هذا السياق. فمن المؤكد عندما بادر غبطة المطرابوليت مار ميلس زيا عام 1995 بفكرة تأسيس المدرسة كان يتصور الكثير بأنها فكرة صعبة التحقيق أن لم نقل خيالية ومستحيلة خاصة في مجتمعات كمجتمعنا في المهجر حيث الإستقرار غير مضمون والتكامل مع ظروف المهجر ضعيف وصعب التحقيق والموارد المالية والمعيشية ضئيلة والوقت في معظمه مخصص للهوث الفرد وراء المتطلبات المعيشية الصعبة، هذا ناهيك عن الموارد المالية الضخمة التي يتطلبها تأسيس مدرسة خاصة في مجتمع يكون الغلاء سيد الموقف مضافاً إليه ضعف دخل الفرد الذي يتحكم في قراراته الخاصة والعامة. غير أنه يظهر في يومنا هذا، بأن الفكرة الأولية في تأسيس المدرسة تمخض عنها إنجازات كبيرة ولم تأبى للعثرات والصعوبات التي اعترضت طريقها، لأن الإيمان الصميمي بالفكرة و بالإرادة القوية والمثابر وتحمل الصعاب والتغلب عليها عوامل كلها ساعدت على نقل الفكرة إلى الواقع العملي والتطبيقي وبإنجازات لا مثيل لها في مجتمعاتنا في بلدان المهجر. 

فمنذ ولادة فكرة تأسيس المدرسة الآشورية في إستراليا عام 1995 وحتى يومنا هذا تم تحقيق إنجازات تعتبر بمقايس ظروف مجتمعنا في بلدان المهجر إنجازات عظيمة. فيخبرنا الموقع الألكتروني لكنيسة المشرق الأشورية في إستراليا الذي يديره وبإقتدار الشماس سامي القس شمعون  بأن المؤسسات التربوية التي تديرها الكنيسة هي:
•   مدرسة القديس ربان هرمزد الابتدائية، للفئة العمرية ( 5 – 12 ) سنوات.
•   دار رعاية الاطفال – النعمة – للفئة العمرية ( 2 – 4 ) سنوات.
•   مركز القديس ربان هرمزد للتعليم المبكر للأطفال ( 4 – 5 ) سنة.
•   كلية مار نرساي الآشورية للفئة العمرية ( 12 – 18 ) سنة.
•   كلية اللغة الاشورية للاعمار 18 فما فوق.
•   اضافة الى بناء قرية القديسة مريم العذراء النموذجية والتي تضم 52 وحدة سكنية لكبار السن والمرضى.
•   كما للكنيسة مدرسة مار كوركيس لتعليم اللغة الآشورية في مدينة ملبرون الإسترالية
العلم الآشوري وأحرف اللغة الآشورية تزين جدران أحدى صفوف مدرسة مار كوركيس لتعليم اللغة الآشورية في مدينة ملبرون
--------------------------------------------------

فمن المؤكد بأن هذه الإنجازات لم يكن أمر تحقيقها وتواصلها نحو آفاق مستقبلية أبعد إلا بوجود خلفها إيمان قوي بهذه الكنيسة وبالأمة مقروناً بجهود مضنية وممارسات فاعلة على طريق الصواب وإصرار وبإرادة قوية على مواصلة السير نحو الأمام من دون تردد أو تلكئ امام العثرات والصعوبات. ليس هذا فحسب فإن توفر كل هذه الصفات والمميزات لتحقيق الفكرة ليست بكافية مالم يسندها ويغذيها تمويل دائم ومستمر قادر على تحريك وتسير هذه الإنجازت لتحقيق أهدافها، كما تفعل الوقود في تحريك سيارة فخمة. صحيح هو أنه كمدرسة وكغيرها من المدارس الخاصة تعتمد في جانب ما على أجور الدراسة التي يدفعها الطلاب والتي في كثير من الأحيان تكون غير كافية ولا تلبي جميع المتطلبات لتكون المدرسة نموذجية. غير أنه من المعروف أن الحكومة الإسترالية لها نظام تمويل ممتاز وفريد من نوعه في تمويل المدارس الخاصة ولكن رغم أهمية هذا، فأنه ليس "بيت القصيدة" بل الأهم هو كيفية فهم هذا التمويل والإستفادة منه بالشكل القانوني والأمثل في تحقيق إنجازات كبيرة لأبناء أمتنا. فغبطة المطربوليت مار ميلس زيا مع القائمين على شؤون المدرسة الآشورية في أستراليا وما لحقها من مؤسسات أخرى أستطاعوا الإستفادة القصوى من هذا التمويل وتسخيره لخدمة أبناء الأمة من خلال تأسيس هذه المؤسسات التربوية والإجتماعية. ففي هذه الأيام أعلن الموقع الألكتروني لكنيسة المشرق الآشورية عن المباشرة ببناء المبنى الضخم لكلية مار نرسي الذي ستكون كلفته الإجمالية بحدود 32 مليون دولار، ليكون بذلك إضافة إخرى إلى الإنجازات السابقة. وتمويل المدارس الخاصة ليس نظام حصراً في إستراليا بل هناك أنظمة تمويل للمدارس الخاصة في بقية بلدان المهجر في الولايات المتحدة الأمريكية وأوربا قد تكون مقاربة أو أقل "كرماً" من التمويل الإسترالي،  ولكن من المؤسف له بأن كنائسنا ومؤسساتنا المدنية، بإستثناء قليل في دولة السويد، عاجز تقريبا عن الإستفادة الكلية منها أو تسؤ إستخدامها فتتلاشى فائدتها في ترسيخ وتطوير مقومات وجودنا القومي في بلدان المهجر، فهذا هو أحد الأسباب الرئيسية التي لا نجد مدارس ومؤسسات تربوية لمجتمعاتنا في الولايات المتحدة أو في أوربا كما هو الحال في إستراليا. وهنا أقول بأنه لا يكفي أن يكون مسؤول الأبرشية مؤمن وورع ومتنسك فحسب  بل عليه أن يكون أيضا (Managing Director) أو (CEO) لأننا لسنا في عصر العزلة وزمن حيكاري، والإ ستغوض كنيستنا صراعاً مريراً مع الزمن من أجل البقاء. والقارئ اللبيب يفهم من هذه الإشارة القصد منها.

 

نموذج لمشروع كلية مار نرسي الذي هو قيد التشييد
---------------------------------
إن الإنجازات العظيمة والجهود المبذولة لإستمرارها كثيرة وعرضها يطول كثيراً، وإختصاراً أقول لمن يرغب المزيد عليه الدخول على الموقع الألكتروني لكنيسة المشرق الآشورية في إستراليا وسيجد كثير الكثير من هذه الإنجازات ويتأكد لجزء مما ذكرناه في أعلاه.

الأبعاد الإستراتيجية القومية للمدرسة الآشورية في إستراليا
-------------------------------

للوهلة الأولى قد يبدو بأن مسألة المدرسة الآشورية وما تبعها من أنجازات أخرى في أستراليا حالة فريدة وإستثنانية وأن أمر المحافظة على لغة الأم في بلدان المهجر صعب جداً أن لم يكن مستحيلاً خاصة على المدى البعيد ونحن نعرف بأن قانون صراع اللغات لايرحم لغة الأقليات حيث تكون في نهاية المطاف الغلبة للغة الأكثرية السائدة والرسمية خاصة في المجتمعات الديموقراطية التي تكون أبوابها مفتوحة على مصراعيها أمام كل الثقافات واللغات لدخول حلبة الصراع الثقافي واللغوي. من هذه البديهية فأن اللغة الآشورية وبمدرستها في إستراليا كان عليها أن تغوض صراعاً مريراً  مع غيرها من اللغات خاصة الإنلكيزية، اللغة التعليمية والرسمية السائدة في كل مناحي الحياة، من أجل البقاء وإستمرارها على ألسنة أطفالنا. كما أن التعليم بالمناهج الرسمية المقررة وباللغة الإنكليزية مع تعليم اللغة الآشورية كلغة فقط أمر آخر يصُعب مهمة الحفاظ عليها لأجال بعيدة. من هذا المنطلق يجب أن نكون واقعيين وغير مبالغين في تحمسنا وأندفاعنا القومي وأن نتصور بأن المدرسة الآشورية في أستراليا في سياقها الزمي (الألفية الثالثة وعصر العولمة) والمكاني (مجتمع المهجر المنفتح) تسطتيع أن تضمن تخرج طلاب نابغين في اللغة الآشورية وأن يجاري طلابها طلاب المدارس السريانية في وطن الأم الذين يدرسون كل المناهج التدريسية بلغة الأم، ولا أن نتصور بأنها قادرة على خلق عباقرة التاريخ في اللغة أمثال برديصان ومار نرسي وقاشا يوسب قليتا ولا أن يتخرج منها إختصاصون في اللغة أمثال الدكتور عوديشو ملكو والدكتور روبن بيت شموئيل وبينامين حداد والمرحوم  يونان هوزايا وميخائيل ممو مروكي وأمثالهم كثر في أرض الوطن. نعم من المؤكد بأن المدرسة الآشورية لا تستطيع أن تحقق هكذا "معجزات" في هذا العصر وفي بلدان المهجر. ولكن بالمقابل نستطيع التأكيد بأنها ستكون قادرة على أن تجعل تلاميذها قادرين على الحفاظ على لغتهم القومية والتحدث بها ومحاولة صيانتها وحمايتها من الضياع والإنصهار وليس من المستبعد أن يظهر بينهم مهتمين ومختصين بلغتهم القومية خاصة إذا لعبت عوائلهم دوراً إيجابيا وفاعلاً وشجعتهم على الإستمرار في هذا الحقل والتخصص فيه.
ليس هذا فحسب، أي اللغة القومية، فأنه من الإجحاف أن نحصر نشاط المدرسة الآشورية في هذا الحقل فقط بل لها أبعاد إستراتيجية قومية تساعد الحفاظ على كياننا القومي في المهجر ومواجهة تحديات عوامل الإنصهار والضياع. ففي تقرير نشره الموقع الألكتروني المذكور يقول فيه " تعتبر مدرسة القديس ربان هرمزد الابتدائية، اول مدرسة ينشئها شعبنا في بلاد الغربة ذات منظور استراتيجي ديني وقومي قائم على جمع ابناء وبنات الجالية معاً لترسيخ نمو الوعي والشعور الديني والقومي فيهم، ليتأصل بهم على مر الزمن من اجل حماية طلابنا من مفردات الانصهار والمحافظة على خصوصيتنا الثقافية والحضارية المتميزة التي ورثناها من اجدادنا...". إضافة إلى هذا الأمر القومي المهم فأن لطلاب المدرسة مكانة متفوقة بين المدارس الإسترالية الآخرى ويشيد لها بالبنان من حيث حسن إدارتها ورفعة سياستها وسعة إنفتاحها للطلاب الآخرين خاص ما حدث في السنوات الأخيرة حيث تم قبول الكثير من طلاب العائلات المهجرة من أرض الوطن إلى إستراليا وتقديم المساعدات المادية والمعنوية لهم. ويكفي أن نشير هنا، على سبيل المثال لا الحصر، أحتفال المئات من طلاب المدارس الآشورية بذكرى يوم الشهيد الآشوري في العام الماضي، فمثل هذه النشاطات من المؤكد سوف تزرع في ضمائرهم وعقولهم بذرات الفكر القومي و ترسخ فيهم عظمة التاريخ الآشوري، وسيتعزز وجودهم القومي حتماً وسيتضاعف أكثر عندما تحصل إدارة المدرسة على الموافقات الرسمية لتدريس مادة تاريخ الاشوريين.
   

 


طلاب المدارس الآشورية في إستراليا يقفون دقيقة واحدة أكراماً لشهداء أمتنا في يوم الشهيد الآشوري
---------------------------------------------------
وأخيرا أوكد للقارئ الكريم بأن هذا الموضوع ليس معرفياً ولا إستعراضيا للمدرسة الآشورية في إستراليا وما لحقها من من تأسيس مؤسسات تعليمية وإنسانية وإجتماعية فهذا الأمر يتطلبه عشرات الصفحات المطولة، ولكن هذا الموضوع هو تأكيد للدارسة التحليلية ذات البعد المستقبلي التي كتبتها في عام 1995 عن فكرة تأسيس المدرسة الآشورية في إستراليا التي أطلقها غبطة المطرابوليت مار ميلس زيا وتتأكد في هذه الأيام من خلال هذه المنجزات الإستثنانية. وفي حينها ذكرت: تبقى فكرة تأسيس المدرسة نفسها كخطوة فكرية أولية في مسيرة العمل القومي الصحيح والواقعي لضمان مستقبل وجود الأمة الآشورية في المهجر كأساس وكمجال حيوي لدعم وإستمرار نضال الآشوريين في بيت نهرين حتى يتم تحقيق مصيرهم القومي بأنفسهم ... وهو الأمل الذي ناضل أجدادنا في السابق، ويناضل في هذه الأيام أبناؤنا في الوطن من أجل الصمود والبقاء على أرض الأباء والإجداد، وسيناضل أطفالنا من أجله حتى يتم تحقيقه.

48
كيف نسيطر على سهل نينوى ونديره
وأحزابنا السياسية "الكلدانية السريانية الآشورية" متخاصمون؟
=================================
أبرم شبيرا

يعرف الجميع بأنني ليست عضواً في "نقابة" الذين يردون على المقالات المنشورة في موقع عنكاوه العزيز، فلا أرد على الردود ليس إستخافاً منها إطلاقاً بل على العكس فإنني أقرأها بتمعن وأستفاد منها كثيرا وأراجع بها أفكاري وكتاباتي معتمدها كأسلوب علمي لتطوير ثقافتنا وتوسيع مداركنا، حتى وأن كان البعض منها مقروناً بالشتائم والإتهامات غير المنطقية. وهنا لا أرغب أن أبين رأيي في مجمل هذه الردود، فالأستاذ الفاضل شوكت توسا كتب موضوعاً ممتازاً ووافياً عن أنواع وطبيعة هذه الردود الذي نشر في موقع عنكاوه فمن يريد معرفة المزيد عليه البحث عنه وقرائته. ولكن للحق أقول هناك بعض الردود التي ترد على ما أكتبه فتلهم مشاعري وتتفاعل مع أفكاري وتدفعني للكتابة عما ورد فيها خاصة الردود العلمية الرصينة وذات الفائدة لتطوير الفكرة وتوضيحها أكثر والتي يكتبها كتاب محترمين وواضحي الرأي وملتزمي الفكر خاصة فيما يتعلق بالمسائل الحساسة التي تخص أمتنا في هذا الزمن العصيب. من بين هؤلاء الكتاب أنتقي الأخ عدنان آدم 1966!! لماذا:
أولا: لأنه ملتزم ألتزاماً كاملاً وواضحاً ومبدأياً بفكر سياسي معين يتمثل في الحركة الديموقراطية الآشورية (زوعا) وهو الإلتزام الذي يدفعني إلى أن أخمن بأن الأخ عدنان هو أما عضو قيادي في زوعا أو هو الناطق الرسمي والفكري لها، وهذا شرف كبير له يجب أن يفتخر به كما كنت أفعل أنا عندما كان البعض يصفني بالعضو القيادي المختفي "السري" في زوعا أومنظر لها. فالمعلومات الواسعة التي يملكها الأخ عدنان عن زوعا وسياستها وتصريحاته وأراءه كلها تصب في نفس تيار زوعا وهذا هو الذي يؤيد تخميني في هذا السياق ليصبح بحكم المؤكد. لي معرفة واسعة ليس بفكر وسياسة زوعا فحسب وإنما تقريباً بمعظم قادتها وكوادرها ولي أيضاً مع بعضهم صداقة طويلة ودائمة لحد هذا اليوم ولكن لم أسمع إطلاقاً بأسم عدنان آدم. فإما أن يكون إسماً مستعارً، فإذا كنت على خطاً فيستطيع الأخ عدنان أثبات ذلك بوضع صورته بجانب أسمه كما يفعل كل الكتاب الموضوعيين، او أن عدنان آدم هو أسمه الحقيقي وأنه من جيل الشباب المولودين عام 1966 وأنا لا أعرفه رغم زيارتي المتكررة لمقر زوعا سواء في عنكاوه أو دهوك كلما أزور الوطن. على كل  فهذا شأنه الخاص ولكن للنصيحة نقول لو وضع صورته بجانب أسمه لخلق نوع من الثقة عند القراء ومصداقية أكثر حينما يعرف القراء من هو الكاتب.
ثانيا: أن معظم ردود الأخ عدنان تأتي من ضمن صلب الموضوع الذي أكتبه رغم أن بعض الأمور يظهر بأنه لم يفهمها بشكل صحيح أو ربما إلتزامه الفكري والحزبي يصبح غطاءاً يصعب عليه فهم مضمون بعض الأفكار الواردة في الموضوع الذي أكتبه والتي لا تتسق مع نهج زوعا السياسي. ولكن مع كل هذا فالإحترام واجب علينا عندما يحترم الكاتب نفسه بألتزامه بإخلاقية الكتابة ورصانة مخاطبة الآخر وهذا ما نشاهده في ردود الأخ عدنان على ما أكتبه.
ثالثا: يورد الأخ عدنان بعض المعلومات عن زوعا وكأنني لا اعرفها في الوقت الذي كتبت الكثير عن زوعا ومسيرتها وسياساتها وإنجازاتها وأيضا أنتقدت إنتقاداً علمياً موضوعياً عن بعض جوانبها وممارساتها والتي ظهرت فيما بعد بأنها كان بعضها مقبول لدى عدد من قادتها ولم أهاجم شخصياً أي منهم غير الموقع أو المنصب الذي يشغله وسوء إستخدامه. من هذا المنطلق فإن إحترامي لزوعا ولنضالها التاريخي ولبعض قادتها المخلصين أستوجب عليهم بالمقابل إحترامهم لي. فكلما أزور مقرها في عنكاوه أو دهوك أتلقى إستقبالاً كبيراً وترحيباً واسعاً. وهذا لا يقتصر على زوعا فحسب بل أيضاً على كيان أبناء النهرين والحزب الوطني الآشوري (أترنايا) والمجلس الشعبي الكلداني السرياني الآشوري (المجلس) وغيرهم لأنهم جميعاً يعرفون بأنني أنتمي إلى هذه الأمة وليس إلى أي حزب من هذه الأحزاب. فهناك فرق كبير بين هاذين الإنتمائين وهو، أي الفرق، مصدر الإختلاف في الأراء والأفكار وهذا موضوع شيق وطويل سنسرد له تفاصيل أكثر في مناسبة لاحقة.على العموم وإنطلاقاً مما ورد أعلاه سوف لا نرد على الأخ عدنان على ما كتبه من رد اوملاحظات على الموضوع الذي كتبته بعنوان (أين موقف المسيحيين "الكلدان السريان الآشوريين" من الإرهاصات السياسية الحالية في العراق" الذي نشر في موقع عنكاوه. للمزيد أنظر الرابط في أدناه مع التعليقات، بل سأبين بعض الملاحظات التي فاتت عليه أو لم يفهما بالأساس أو لا تتطابق أو تتماشى مع نهج وسياسة زوعا خاصة فيما يتعلق بوجود ممثليها في البرلمان المركزي والأقليمي.

أستغرب أكثر على إستغراب الأخ عدنان على تكرار مطالبتي إستقالة "ممثلي" أمتنا من البرلمانين المركزي والإقليمي مع العلم بأن لحزبه أو قائمته عضوان فقط من خمسة أعضاء من "المكون" المسيحي في كلا البرلمانين. فممثلي القوائم الأخرى، وهي المجلس الشعبي والوركاء الديموقراطية وكيان أبناء النهرين  لم يثير هذا الأمر حفيظتهم ولم يردوا على فكرة الإستقالة في هذا الموضوع ولكن زوعا أو قائمة الرافدين ممثلة بالأخ عدنان ثارت ثائرته ولا ندري سببها هل هو خوفاً على فقدان الكراسي أم حرصا على أن يكون لهما موقع قوة وهما داخل البرلمان أكثر مما هما خارجه. ولكن إذا أفترضنا بأنه الحرص والحفاظ على موقع القوة والتأثير فأن تبرير الأخ عدنان لهذا الحرص لا يملك حد أدنى من المنطق والواقعية، خاصة عندما يشير إلى موضوع تحرير سهل نينوى. فهو يقول (يطلب كاتبنا المعروف أبرم شبيرا بأن ينسحبوا ممثلين شعبنا من البرلمان العراقي والإقليم، وقد تسألنا سابقا ماذا بعد تحرير سهل نينوى، والجميع يعلم أن السهل يحتسب أحد من الأراضي المتنازع عليها بين المركز وبين الإقليم، فكيف سوف يكون موقف شعبنا أن لم يكن متواجد في التفاوظات حول السهل بين المركز والإٌقليم بإعتبار إن إنسحاب ممثلينا يعطي أريحيا لآخرين ومثال على ذلك إنسحاب وزير في الإقليم جونسون سياويش ولم يتم تعيين أحد من شعبنا محله فيما شعبنا المهاجر من سهل نينوى تواجد في الإقليم وكان ينفعهم بقاء الوزير في حكومة الإقليم أكثر من إنسحابه... أنتهى الإقتباس).

أستغرابي الشديد هو أن ما يذكره الأخ عدنان لا يقوم على أي أساس منطقي وواقعي في فهم واقع الحال لشعبنا ولسياسات وتوجهات الفئات الحاكمة في العراق تجاه شعبنا ويتجاهل طبيعة العلاقة الشاذة والفاترة، أن لم نقل علاقات متوترة، بين أحزابنا السياسية خاصة الذين لهم ممثلين في البرلمانين. كان من المفترض على الأخ عدنان أن يعرف موقفي من هذه المسائل التي كتبت عنها كثيراً التي من المؤكد سوف كانت لا تزرع فيه حالة من الإستغراب. فبالنسبة لإستقالة السيد جونسون سياويش، سبق وأن أكدنا بأن الإستقالة الفردية لا تعطي نتائج ولا تعكس ردود فعل على مستوى واسع تفيد أمتنا بل دعوتنا كانت لإستقالة جماعية وسبق بينًا نتائجها الإيجابية المحتلمة. كما أن كون السيد جونسون من منتسبي المجلس، غريم زوعا في البرلمانين وخارجها، خضع موضوع إستقالته إلى تأويلات حزبية وأستخدمت للمناطحات السياسية، وأعتقد لو كان السيد جونسون من أعضاء زوعا لكان قد أختلف موقف الأخ عدنان من أستقالته وفسرها بما يتوافق مع سياسة زوعا. وهنا يتجاهل الأخ عدنان وبقصد موضوع عدم تعيين وزير بديل من "المكون" المسيحي ملقياً اللوم على الحكومة الإقليمية ناسياً بأن عدم إتفاق أحزابنا السياسية على شخص معين للتوزير هو سبب رئيسي لكي تبرر السلطات الكردستانية عدم تعيين وزير جديد والحال نفسه بالنسبة للسلطات المركزية في بغداد.

أما بالنسبة لتحرير سهل نينوى وما بعد التحرير ومدى تأثير "ممثلي" أمتنا في البرلمانين على مجريات الأمور، أقول بأن السيد عدنان ومن خلال معلوماته يظهر بأنه يعيش في قلب الأحداث السياسية في الوطن وربما هو كادر حزبي متفرغ للتعامل مع هذه الأحداث فإذن المفروض أن يكون سيد العارفين بكل ما يجري هناك داخلياً (قومياً) وخارجياً (وطنياً). فهو ليس مثلي فأنا شخص أو كادح أعمل ساعات طويلة لأكسب خبزي اليومي وبعيد أعيش في بلاد المهجر وغير متمرس لا في السياسة ولا في الشؤون الحزبية ولا أنتمي لأي حزب سياسي وإنما أنتمي إلى هذه الأمة التي من خلالها أنظر للواقع بمنظار قومي واسع وبما يتوافق مع مصلحة الأمة. في حين الأخ عدنان ينظر إليها بمنظار حزبي ضيق وبما يتوافق مع مصلحة حزبه قبل مصلحة الأمة. من هذا المنطلق أقول بأن تحرير سهل نينوى وإدارتها بعد التحرير ومشاركة أبناء أمتنا فيها ليست مسألة حزبية ومهمة حزب سياسي واحد بل هي مسألة قومية حساسة تهم الجميع ومن المؤكد تهم جميع أحزابنا السياسية خاصة الذين لهم تشكيلات عسكرية. فمثلما لزوعا تشكيل عسكري كذلك لأترنايا و لتحالف إتحاد بيت نهرين الوطني وحزب بيت نهرين الديموقراطي تشكيل عسكري ونحن والجميع وعلى رأسهم الأخ عدنان يعرف جيداً التجاذبات السياسية القائمة بين هذه التنظيمات السياسية وقواتها العسكرية نحو القوى المتصارع في العراق كنتيجة للصراع الدائرة في المناطق المتنازع عليها ومنها سهل نينوى. إذن كيف نتصور أن يكون لشعبنا دوراً فاعلاً في إدارة سهل نينوى بعد التحرير وأحزابنا السياسية في خصام ونزاع؟؟ كيف نتصور بأن "ممثلي" أحزابنا السياسية في البرلمانين سيكون لهم دور مؤثر وهم لا يستطيعون الإتفاق على أبسط الأمور، ومنها طلبي في نشر صورة في المواقع الألكترونية وهم متكاتفين لكي تكون بشرى أولية لتضامنهم رغم بساطته لا بل وسذاجة الطلب. لقد قال السيد مسعود البرزاني رئيس الإقليم بأن حدود كردستان سيحددها الدم وهذا ليس بعيدا أبداً عن سهل نينوى والذي نعرف عنه بأنه كان حتى قبل أحتلاله من قبل قوات داعش الإجرامية منطقة هيمنة للكورد والبيشمركة وكان العلم الكردستاني يرفف فوق معظم بلدات سهل نينوى ومن المؤكد بأن الصراع الدموي في منطقة سهل نينوى بين داعش المجرمة والقوى العراقية من العرب والكورد والتركمان سينتقل إلى صراع عراقي – عراقي أو عراقي – إقليمي أو إلى صراع عربي – كردي فأين سيكون موقعنا من هذا الصراع وما ماهو تأثير أحزابنا السياسية وتشكيلاتها العسكرية من هذه الصراعات ونحن غير متفقين على الحد الأدنى. من المؤسف أن أكون هنا متشائماً بأن الوضع سيكون أسؤ بكثير مما نتصروه طالما هذا التشائم قائم على الخلافات والنزاعات القائمة بين أحزابنا السياسية وعدم الإتفاق على الحد الإدنى لحماية وجود شعبنا في سهل نينوى.
أن موضوع طلب الإستقالة ليس عمل سلبي بل يتبعه عمل إيجابي مهم قد يكون مؤثراً في الأحداث ويشكل وزناً قوميا في موازين القوى السياسية المتصارعة في سهل نينوى وهو تشكيل مجلس أعلى للـ "الكلدان السريان الآشوريين" من الأعضاء البرلمانين العشرة مع ممثل أو أسقف من كل فرع من فروع كنيسة المشرق. فمثل هذا التشكيل من المؤكد سيكون عامل تأثير يخشاه غيرنا وسيحسب لأمتنا حساب آخر. وحتى أكون مرناً في هذه المسألة وأطمئن "ممثلي" أمتنا في البرلمانين على موقعهم البرلماني وعلى "راتبهم" ربما يستطيعون التفاهم والإتفاق على فكرة تشكيل المجلس الأعلى، أو لنقل كتلة برلمانية موحده، ولكن من دون إستقالتهم... أفهل هذا ممكن؟؟ سؤال موجه لهم. أما بخصوص فساد الهيئات البرلمانية والحكومية سواء في المركز أو الإقليم فهذه الحقيقة لا تحجبه لا الغربال ولا تأويلات الخائفين على كراسيهم، فالموضوع السابق فيه تفاصيل كثيرة ولا نريد الإطناب أكثر.

الموضوع أعلاه له أهمية كبيرة ولكن مع هذا سنحاول بقدر الإمكان الإكتفاء به تجنباً للإطالة لأن الكثير من الأمور الأخرى التي أغفلها الأخ عدنان موجودة في الموضوع السابق أو المواضيع الأخرى ذات الصلة والتي كتبتها ونشرت في موقع عنكاوه. ولكن مع هذا أشير بإختصار وأقول بأنه يظهر بأن الأخ عدنان لم يقرأ الموضوع جيداً، فموضوع عدم توحد "ممثلي" أمتنا في البرلمانين ذكرته بشكل واضح في كون السبب هو عدم تفاهم وإتفاق أحزابهم السياسية على الحد الأدنى. أما بالنسبة للتشيكلات العسكرية لأحزابنا فقد كتبنا موضوعاً خاصة بهم وأشرت بالتفصيل إليه في الكثير من اللقاءات مع أبناء أمتنا في دول المهجر. وأقول وأكرر هنا النقطة الأساسية والجوهيرية والخطيرة في هذه المسألة وهي أن إنتقال خلاف ونزاع قوى المجتمع المدني بما فيها الأحزاب السياسية والتنظيمات القومية من المستوى المدني إلى المستوى العسكري هو أمر خطير جداً لا بل مسبب رئيسي لصراعات عسكرية قد تكون دموية وممية. فالمجتمعات مثل هذا القبيل، أي التي يتحول وينتقل نزاع أو صراع مدني فيها إلى نزاع وصراع عسكري هي مجتمعات غير مستقرة ولا تتوفر فيها الأمن والإستقرار ويسودها الفوضى السياسية والأمنية والإجتماعية والإقتصادية وهي الحالة السائدة في العراق. والعكس صحيح، فالمجتمعات التي تضع حواجز صلدة وتسن قوانين تحول دون إنتقال أي نزاع أو صراع مدني إلى المستوى العسكري هي المجتمعات المستقرة والمتطورة والمتمتعة بالإستقرار والأمن، وهي الحالة التي تسود في المجتمعات الديموقراطية حيث يمنع منع باتاً تدخل الجيش والقوات المسلحة في المسائل السياسية فتكون حصراً تحت قيادة الحكومة المركزية.

أما بالنسبة لبعض الأمور التي يذكرها الأخ عدنان التي لها علاقة بزوعا وسياستها وشهداءها، يظهر بأنه أما لا يقرأ ما نكتبه أو يتجاهلها أو لايعلمها لأنه ربما كان في مقتبل العمر أثناءها خاصة فترة تأسيس زوعا وإعتقال بعض عناصر قيادتها في عام 1984 من قبل نظام البعث الإستبدادي وأستشهاد آخرون عام 1985. هنا لا أرغب التفصيل فيها بل أقول إذا كانت الحالة الشخصية تسمح لك أن تسأل الأخ رعد إيشايا أسحق أو الأخ أمير أوراها أو الأخ رمسن أبرم بنيامين وغيرهم من المعتقلين الذين أعتقلوا أن تسألهم عن موقفي في تلك الفترة وكيف كان معظم أقاربهم وأصدقائهم قد فروا وأختفوا خوفاً من سطوة النظام الإستبدادي في تلك الفترة وأسألهم من كان أول من زارهم، من غير الأهل، وهم مسجونون في سجن أبو غريب؟ فطبعاً سيذكرون أسماء الأخ نوئيل داود توما والمرحوم المناضل إيشايا يونان والأخ شاؤل شاهين وأبرم شبيرا وهؤلاء جميعاً كانوا معروفين للسطات الأمنية وأزالمهم فيما يخص مواقفهم تجاه زوعا وقادتها. وهنا أزيدك معلومة يا أخ عدنان إذا لا تعرفها، فأنا لست مثل الذين يمدحون بزوعا وينافقون ويمسحون الأكتاف بل الكثير يعرفونني وحتى بعض قادة زوعا بأنني لست من هذا النوع بل إنا إنسان موضوعي وقومي أحب وأقدر أحزابنا السياسية وتنظيماتنا القومية ولكل حسب فكره وعمله وإخلاصه وإنتجازاته. أتمنى أن كنت قد قرأت موضوع كتبته عن مسيرة زوعا وكيفية فمه تطورها على أساس (خطواتان إلى الأمام وخطوة إلى الوراء) وفي بعض الأحيان وحسب الظروف والمستجدات يكون الأمر معكوساً أي (خطوتان للوراء وخطوة للأمام) فهذه سنة التطور وفهمه. أما بالنسبة لشهداء زوعا والذين أعتبرهم أبطال وشهداء لهذه الأمة فأقول إذا سنحت الفرصة لك أن تزور قرية بليجانه ومقبرتها أبحث في تراب قبر الشهيد يوسف توما الزيباري لعل تجد القلم الذي دفنته في ترابه معاهداً بتسخير قلمي وفكري طيلة حياتي على نفس الطريق الذي ازقه دمه الزكي من أجل هذه الأمة.

وأخيراً أكتفي بهذا القدر وفي خاتمه أقول شكراً على تفعيل وتجديد بعض من أفكاري من خلال ردك على الموضوع السابق. وعلى الجانب الآخر أعاتبك لأنك سببت لي أن أترك عملي قبل نهاية الدوام الرسمي حتى أكتب هذه السطور وأخشى أن مديري سيقطع جزء من راتبي وأنت تعرف بأنني لست كادر حزبي متفرغ أو عضو برلمان في العراق الذين لا يحضرون الإجتماعات ولكن يقبضون روابتهم بالتمام والكمال... (اللي يجب نقش عوافي)...         
=====================================================
http://www.ankawa.com/forum/index.php?topic=809920.0

49
أين موقف المسيحيين "الكلدان السريان الآشوريين"
من الإرهاصات السياسية الحالية في العراق ؟؟
============================
أبرم شبيرا

حاولت بكل الوسائل والمناهج والطرق العلمية والفكرية والنفسية والقومية والإخلاقية وحتى الشخصية المستخدمة في كل العلوم خاصة العلوم السياسية لأجد مكان وموقف لـ "ممثلي" أمتنا "الكلدانية السريانية الآشورية" في مجلس النواب العراقي في الإرهاصات والنزاعات والصراعات التي تفعل فعلها المشين تحت قبة البرلمان فلم أجد أي مكان أو موقف أو تفسيرا لوجودهم  في مجلس النواب فتعبت وعجزت عن الإجابة للأسئلة الكثيرة التي يوجهها بعض الأصدقاء من أبناء أمتنا عن موقف "ممثلي" أمتنا من هذه الإرهاصات والنزاعات التي في مجملها طائفية ومصلحية وشللية هدفها الأساسي السلطة ولا غيرها والتحكم من خلالها برقاب مئات الألاف من العراقيين الذين تظاهروا في بغداد. المتتبع لأعمار هؤلاء المتظاهرين سوف يرى بأن معظمهم من الشباب الذين تقل اعمارهم عن الخمسة والثلاثين سنة، أي أنهم جيل الحروب العراقية المستمرة منذ عام1980، جيل بلا إستقرار ولا عمل ولا منظور مستقبلي في ظل الظروف السائدة في العراق. لهذا السبب فأن كل الترقيعات الوزارية الأخيرة لم تقنعهم فكان غضبهم أشد عندما أقتحموا مبنى مجلس النواب وحطموا محتوياته وأعتدوا على بعض النواب. أين ... ثم ... أين نحن المسيحيون من الكلدان والسريان والآشورين من هذه الإرهاصات وهل لـ "ممثلي" أمتنا مكان لهم في هذه  الخزعبلات التي لم يشهدها العراق طيلة تاريخه السياسي المعاصر.

هناك مصطلح بالإنكليزية هو (Dilemma) ويمكن ترجمته إلى معضلة أو ورطة وهي الحالة الفكرية التي يكون الشخص على مفترق طرق يصعب أن لم نقل يستحيل عليه اللجوء إلى أي منهما، فأحلاهم مر. وقد دلت التجارب التاريخية لأمتنا بأن البقاء على هذه الحالة والمعضلة تتحكم فيها ويستحيل إختيار أي من الطريقين سيصبح، عاجلا أم آجلا، وجود الأمة معرض للتعفن والإنحلال ثم الفناء. أما إختيار اي من الطريق فلا محال فهو حل مر ونتائجه مأساوية ومدمرة قد تهدد وجود الأمة إلى التشتت والضياع، وسيؤدي بالنتيجة الحتمية إلى فناء الأمة وضياع مقوماتها ما لم تحدث معجزة، ونحن نعرف جيداً لسنا في عصر المعجزات، أو قد يظهر لها رجال شجعان مستعدين للتضحية حتى بحياتهم للخروج من هذه الورطة ومن نتائجها المساوية بأقل الخسائر الممكنة. في عام 1915 فرضت ظروف الحرب الكونية الأولى معضلة على أمتنا ووضعتهم أمام خيارين مميتين أحسنهم كان بنتائج مهلكة ومأساوية. فإما الوقوف على الحياد والخضوع لسطوة الدولة العثمانية أو الميل للحلفاء، روسيا القيصرية وبريطانيا، ودخول الحرب إلى جانبهما ضد الدولة العثمانية، وكلاهما مميتان ونتائجها مأساوية، فإختارت القيادة الآشورية، التي تمثلت في الشهيد البطريرك مار بنيامين شمعون وزعماء "ماليك" العشائر، الخيار الثاني ونتائجه معروفة على مستوى المذابح والتشرد والضياع. غير أن بوجود رجال شجعان في الأمة في الفترة اللاحقة، أمثال مثلث الرحمات البطريرك مار شمعون إيشاي وماليك ياقو إسماعيل وأغا بطرس، تمكنوا رغم الخسائر الفضيعة والمأساة التي ألمت بأبناء الأمة، تمكنوا من حمل الراية القومية والتي في ظلها نمت وسارت الحركة القومية الآشورية نحو أجيال لاحقة.

واليوم ما أشبهه بالبارحة ولكن بألوان وأطياف وممثلين مختلفين ولكن كلها بنفس النتائج المأساوية في وضع أبناء أمتنا على محك القلع من الجذور وهضم الحقوق والتشرد والتهجير والضياع والسير على الطريق المجهول. اليوم يتصارع ويتقاتل السياسيون العراقيون وحالهم كحال أفلام "الوسترن" الكابوي، فبعد أن تسرق العصابة المصرف وقبل البدء بتقسيم المال المسروق بين أفراد العصابة تبدأ المؤمرات والصراعات والإقتتال من أجل الحصول على الحصة الكبرى أو الحصة كلها من قبل أكبرهم قوة وأكثرهم عنفاً وجرماً. اليوم في العراق تجاوز الصراع الطائفي إلى صراع شللي، من الشلل،. فلم يعد الصراع شيعي – سني ولا كردي- عربي أو تركماني بل صراع داخلي بين المستحوذ على كل شيء والمفقر من كل شيء. أليس هذا إستمراراً لصراع وتقاتل بين أبناء تكريت والعوجة بعد أن أستحوذوا على السلطة برمتها في العراق أثناء العقد الأخير من حياة نظام البعث العراقي؟؟ مرة أخرى يظهر بأن صدام حسين وحسين كامل وعلي الكيمياوي والسبعاوي ووطبان وعدي قد عادوا للحياة ليس بآدميتهم بل بأفعالهم وتعطشهم للسلطة والجاه. الصورة والمشهد يتكرر اليوم كما كان البارحة وليس هناك ومضة أمل أن نقول بأنه سوف لا يستمر نحو المستقبل.

أين نحن المسيحيون من الكلدان السريان الآشوريين من هذه الإرهاصات ونيرانها تحوم حولنا من جميع الجهات... أين "ممثلي" أمتنا في البرلمان العراقي من هذه الصراعات؟ ما الذي ينتظرونه أو يتأملون من هذه الصراعات التي ليس لنا فيها لا ناقة ولا جمل. دعني قارئ العزيز أن أضع بعض النقاط على الحروف في هذا الموضوع. قبل يوم واحد من كتابة هذه السطور كنت أقرأ كتاباً عن تاريخ حركتنا القومية وتحديداً عشية إنتهاء الحرب الكونية الأولى وبداية تحرك بعض الشخصيات القومية من أبناء أمتنا، سواء فرادياً أو جماعياً، نحو المطالبة بالحقوق القومية لأمتنا خاصة قبيل وبعد تشكيل الكيان السياسي العراقي حيث ذكر بأن العقبة التي واجهت مطاليب هذه الأمة لم تكن فقط من جانب رفض ومقاومة السلطات العراقية لها ولا من أهمال وعدم إكتراث الدول الكبرى لها، خاصة بريطانيا وفرنسا، بل كانت العلة الكبيرة في عدم إتفاق قادة الآشوريين وبمختلف طوائفهم على هدف محدد وواضح ومنطقي فالإختلاف كان سيد منهجهم في المطالبة بالحقوق القومية. ولعل المثال التاريخي المتمثل في مسعى حضور مندوبين مختلفين لمؤتمر السلام في فرساي بفرنسا عام 1919 ومن طوائف مشرقية "نسطورية" و كلدانية وسريانية لا بل من بلدان مختلفة من العراق وتركيا وإيران والولايات المتحدة ومن دون أي تنسيق وتفاهم بينهم مثال جيد في هذا السياق حيث لم يُسمع صوتهم من قبل مندوبي الدول العظمى المنتصرة في الحرب لأنه لم يكن أكثر من ضجيج ومطاليب غير واضحة فلم يسمح لهم حتى الوصول إلى عتبة قصر فرساي. ولماذا نذهب بعيداً، ألم تكن الوزارة الخارجية الأمريكية تقول لممثلي وقادة الأحزاب الآشورية الذين كانوا يطرقون أبواب الوزارة طاليبن مساعدتها، أذهبوا ووحدوا كلمتكم ثم تعالوا حتى نسمع مطاليبكم؟؟!!.

الحال نفسه نفسه لم يتغير إطلاقا، البارحة شغر كرسي وزير النقل والمواصلات في حكومة إقليم كردستان والغيت الوزارة التي كان يستوزها "مكون" مسيحي في الحكومة المركزية، فطبقاً (للسياقات) بين الكتل السياسية في العراق في تحصيص الكراسي الوزارية، فمن حصة "المكون" المسيحي وزارة في الإقليم ووزارة في المركز ولكن لحد البارحة لم يشغل مسيحي كرسي لأي من الوزارتين والسبب كما يقول رجال الحكم والسياسة في بغداد وأربيل بأن الأحزاب المسيحية غير متفقة على شخصية معينة لإشغال كرسي الوزارة. ومن يدري ربما عدم تحصيص كرسي وزاري للـ "المكون" المسيحي  في الوزارة التي تمر بمرحلة المخاض والتي ستسمى بـ "تكنوقراط" هو لنفس السبب، أي عدم الإتفاق بين أعضاء الكتلة المسيحية البرلمانية.  هناك مثل سبق وأن ذكرناه في مناسبات سابقة وهو: من يتعثر بحجر مرتين فهو جاهل، أي بما معناه من لا يتعلم من الماضي أو التاريخ فهو جاهل وحتماً سيسقط في نفس المطب السابق. يظهر بأن "ممثلي" أمتنا لا يقرأون التاريخ ولا الحاضر أيضاً. فالسلسلة للأمثلة التاريخية التي ذكرناها في أعلاه تؤكد بأنه كان صحيحاً بأن رجال الحكم والسياسة في العراق لا يكترثون للحقوق القومية لأمتنا ويتجاهلونها بقصد أو بغيره ولكن الأصح من كل هذا وذاك في غبن وهضم هذه الحقوق هو عدم إتفاق أبناء أمتنا، وتحديداً القصد هنا هو "ممثلي" أمتنا في مجلس النواب العراقي وأيضا الكردستاني، على كلمة موحدة يستطيعون بها مواجهة المتصدين لمطاليبهم. الجميع يعرف بأن لأمتنا خمسة نواب في مجلس النواب العراقي، إثنان من قائمة الرافدين التابعة للحركة الديموقراطية الاشورية (زوعا) وإثنان لقائمة المجلس الشعبي التابعة للمجلس الشعبي الكلداني السرياني الآشوري وواحد من قائمة الوركاء الديموقراطية التابعة للحزب الشيوعي العراقي وأيضاً لأمتنا خمسة نواب في البرلمان الكردستاني، إثنان من قائمة الرافدين وإثنان من قائمة المجلس الشعبي وواحد من قائمة كيان أبناء النهرين. فأحزاب هذه الكتل البرلمانية أصلاً هي في عدم إتفاق وتفاهم وفي خصام مستمر فمن المنطق إذن أن لا يتفاهم ولا أن يتفق وكلاءهم في البرلمان طالماً أحزابهم غير متفاهمة ومتفقة. إذن العلة هنا في أحزابنا السياسية وهو موضوع طويل نتركه لفرصة أخرى.

ليل نهار نلوم النظام الطائفي في العراق ونلعن الأحزاب الطائفية التي تعمل بكل جهدها من أجل مصلحتها الطائفية الخاصة، وهذا منطق مقبول  في نظام طائفي فيما إذا فهما بأن السياسة هي مصلحة بالتمام والكمال وأن قادة هذه الأحزاب الطائفية ولدوا من أرحام طائفية لأمهاتهم فمن المنطق أن يعملوا لصالحهم من دون إكتراث لمصالح الآخرين. والحال يجب أن يكون نفسه بالنسبة لقادة أحزابنا السياسية و "ممثلي" أمتنا في البرلمان العراقي والكردستاني فوفق هذا المنطق في فهم السياسة في كونها مصلحة بالتمام والكمال يجب أن يعملوا لمصلحة الأمة التي ينتمون إليها لأنهم ولدوا من أرحام مسيحية كلدانية سريانية آشورية. فكما يفعل الآخرين ويعملون لمصلحتهم فعلى أحزابنا السياسية و "ممثلي" أمتنا أن يعملوا أيضا مثلما يفعل الآخرون. أما الحديث عن الديموقراطية والمساواة والمواطنة في ظل هكذا نظام طائفي محاصصي فهو مجرد صرخة في وادي عميق لا نسمع منه حتى صداه خاصة ونحن نعرف بأن آذان المسؤولين الحكوميين والحزبيين في العراق مغلقة كلياً ولا تسمع صرخاتنا ومطاليبنا المشروعة.

واقع الحال يقول وبكل وضوح غير قابل للنكران بأنه ليس لا هنا ولا هناك إتفاق بينهم خاصة على القضايا المصيرية التي تهدد وجود أبناء أمتنا ومن دون إستثناء تسموي أو طائفي أو مناطقي. أنا شخصياً أتحدى جميع "ممثلي" أمتنا في البرلمانين المركزي والإقليمي إذا إستطاعوا أن يبرهنوا عكس ما أقوله حول عدم إتفاقهم أن يظهروا في صورة جماعية وهم متكاتفي الأيدي وينشرونها في المواقع الألكترونية تعبيراً عن إتفاقهم وتضامنهم بعضهم مع البعض. أفهل هذا أمر صعب ويستحيل تحقيقه لكي يثبتوا بأنني كنت على باطل ولا أقول الحق؟؟ هذا مطلب بسيط وأنا متأكد كل التأكيد وربما يشاركني الكثير من القراء بأن مثل هذا المطلب سيكون مدخلاً لتفاهمات أكثر وتضامنات أقوى بينهم وسيكون منظاراً مبهراً للنظر إلى الواقع المزري لشعبنا من جراء السياسات الإستبدادية والإرهاصات التي تتحكم في شؤون الدولة العراقية وسيفهمون بأن وجودهم بين اللصوص والحرامية غير مقبول لأن مثل هذا الوجود سيلوثهم بجراثيم اللصوصية والفساد ونحن نتمنى مع الكثير من أبناء أمتنا أن يكون ممثلوا أمتنا أنقياء ومتحصنين ضد هذه الجراثيم لكي حينذاك يمكن أن يصدق العالم بأنهم فعلاً أحفاد حمورابي وآشور بانيبال ونبوخذنصر بناة حضارة بلاد الرافدين.

أقولها بلمئ الفم إن إستقالتكم من كراسيكم البرلمانية خاصة في هذه الظروف التي يتقاتل فيها اللصوص والحرامية فرصة جيدة للخروج من هذا الورطة ومن ثم اللجوء إلى أحضان أمتنا من خلال تشكيل مجلس أعلى يتولى تمثيلنا في المواجهات والصراعات الدائرة على الساحة العراقية ومن المؤكد بأن النتائج التي ستحققونها، حتى وإن كان في أدنى مستويات الطموح القومي، فهي خير مليون مرة من جلوسكم بجانب اللصوص والحرامية ومن دون نتائج مثمرة. أفهل تملكون الشجاعة الكافية للقيام بمثل هذا التحدي الذي فعلاً سيدخلكم في تاريخ أمتنا المعاصر ومن ثم نصفكم بالفرسان الشجان.

_________________________________
 وضعت كلملة السياقات بين قوسين لأنها فعلاً حالة غريبة وعجيبة في الفكر السياسي والنظم السياسية. ففي العراق تستخدم هذه الكلمة لتحصيص الكراسي الوزارية والمناصب الكبرى المدنية والعسكرية وهي مخالفة صريحة وواضحة جداً لمواد الدستور العراقي الذي يؤكد على المساواة في الحقوق والواجبات وبدون أي تفرقة عنصرية أو دينية أو...



50
المحامي روبرت قليتا على طريق نينوى ... بين الأمس واليوم


+++++++++++++++++++++++++++++++++
أبرم شبيرا

بالأمس وتحديداً في عام 1994 سار المحامي روبرت وليم قليتا على طريق نينوى وجال وصال في أروقة تاريخ الحركة القومية الآشورية عبر بحث علمي وموضوعي طويل عن تاريخ الحركة القومية الآشورية  تحت عنوان (على طريق نينوى – تاريخ مختصر للحركة القومية الآشورية 1892 – 1990) ونشر في حينها في المجلة العلمية (Journal of The Assyrian Academic Society, Vol. VII, No. 1, 1994).
ونال في حينها أعجاب الكثير من القراء ولا يزال الموضوع بأهميته وسعته وفصاحته يعتبر من المواضيع المهمة في دراسة تاريخ الحركة القومية الآشورية. واليوم يسير المحامي روبرت وليم قليتا على نفس الطريق ولكن بظروف خاصة ومحاكاة ملئها مأساة الماضي وكوارثه... بالأمس طرد الظالم والمستبد أبناء شعبنا من وطنه الأم ولكن مع كل المأساة والفواجع أستمر أبناء شعبنا بأحزابهم السياسية ومنظماته القومية في السير على طريق نينوى رغم صعوبته ومهالكه وظل شعبنا الأبي بكل تسمياته وطوائفه صامتاً متحدياً ظلم إقتلاعه من أرض أباءه وأجداده. واليوم يظهر أن إدراك نهاية طريق نينوى ومحطاته التاريخية في بغديدا وبرطله وتلكيف وتلسقف وغيرها ليس بالأمر السهل، محطات يجثم المجرم داعش على صدورها، لا بل هو أمر صعب جداً ويتطلبه تضحيات جسيمه ومن كل واحد من أبناء شعبنا وكل من موقعه الخاص وبأساليبه المتاحة.
 

ما أشبه اليوم بالبارحة... بين مخيم اللآجئين في بعقوبة 1918 ومخيم اللاجئين في عنكاوة 2014 طريق طويل من المأساة والفواجع... أهل يدرك الظالمون وأذنابهم هذه الحقيقة التاريخية المنقورة في قلوبنا التي يناضل أبناء شعبنا من أجل التخفيف من مأساة هذا الطريق؟
++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++
بالأمس ناضل أبناء أمتنا وكل من موقعه الخاص لتحقيق العدالة والإنصاف بحق هذا الشعب الحضاري العريق، ناضل أمير الشهداء مار بنيامين والمطران الشهيد توما أودو وشهيد الفكر القومي التقدمي الدكتور فريدون أتورايا وجنرال الأمة أغا بطرس وغيرهم كثر، فقدموا كثير الكثير حتى حياتهم من أجل هذه الأمة. بالأمس وفي بلدان المهجر سار على نفس الطريق، طريق نينوى المنقور في قلوب أبناء شعبنا أمثال معلم الفكر القومي الوحدوي نعوم فائق والصحافي الثائر فريد نزها والمفكر القومي ديفيد برصوم بيرلي فعانوا معاناة شديدة من أجل التخفيف من هذه المأساة والفواجع. واليوم أبناء شعبنا في وطن الأباء والأجداد يقاوم جبروت الشيطان ويصمدون أمام محاولات إقتلاعه من جذوره التاريخية. ما أسخف وما جهالة وما إبليسية البعض عندما يقولون بأن معاناة المسيحيين هي كغيرهم من المسلمين فالجميع كعراقيين يعانون نفس المعاناة من قبل الفكر التكفيري والإرهابي... يعتبر مثل هذا التصريح  قمة الجهالة والغباء أو هو بالأصح قمة النذالة والتجريم بحق المسيحيين في العراق لأن الفكر التكفيري الإرهابي لا يأتيهم من داعش الإرهابي فحسب بل من جميع الجهات والكل يهدف إلى قلع المسيحيين من وطن أباءهم وإجدادهم... نعم الكل يهدف إلى تحقيق هذا الهدف الإجرامي سواء أكان بسلاح داعشي في طرد المسيحيين من أراضهم أو بالقوانين الجائرة للنظام العراقي وأحدثها قانون الهوية الوطنية الموحدة الذي يجرد أطفالنا من دينهم المسيحي.

اليوم يقف روبرت وليم قليتا أما محكمة فدرالية أمريكية لتعاود النظر في التهمة الموجهة إليه على أساس أن المسيحيين في العراق غير مضطهدين على أيدي المتطرفين الإسلاميين في العراق، وأن المحامي روبرت قليتا قدم أوراق مزيفة لبعض المسيحيين الذين طلبوا اللجوء في الولايات المتحدة الأمريكية والهاربين من نيران جهنم داعش. في الوقت الذي يعرف كل العالم مدى تعرض المسيحيين في العراق إلى الظلم والإضطهاد ونتيجة ذلك تهجروا الكثير منهم إلى الولايات المتحدة الأمريكية والبلدان الأخرى التي تؤمن لهم الأمن والسلام من خلال طلبهم للجوء وقيام روبرت قليتا وجميع الموظفين العاملين في مكتبه في شيكاغو بمساعدتهم في هذه المسألة الإنسانية ووفقاً للقانون الأمريكي للهجرة.



المحامي روبرت قليتا يخطو خطواته بثقة وثبات نحو المحكمة الفدرالية
++++++++++++++++++++++++++++++++++++++

اليوم يقف المحامي روبرت قليتا أمام محطة أخرى من محطات تاريخ شعبنا اللاجئ إلى الولايات المتحدة الأمريكية ويقف خلفه الألاف من  أبناء شعبنا في الولايات المتحدة الأمريكية وفي بعض دول العالم بحملة واسعة لمساندة روبرت قليتا ومطالبة المدعي العام بتبرأته من هذه التهمة. فقد ألهب هذا الظلم بحق روبرت قليتا حماس أبناء شعبنا في الولايات المتحدة الأمريكية فقاموا عبر وسائل الإتصال الألكترونية والتواصل الإجتماعي حملة شعبية واسعة تحت عنوان (standwithrobert) لمساندة روبرت قليتا وتبرئته من هذه التهمة الباطلة.

++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++
ففي اليوم الأول للنظر في القضية في يوم الأثنين الماضي المصادف 18 نيسان 2016 تجمع الألاف من أبناء شعبنا أمام المحكمة الفدرالية يرفعون أيادهم تأييدا لروبرت ومن بينهم شخصيات دينية وقومية معروفة وعقد إجتماعات وتظاهرات تدعوا إلى إسقاط التهمة عنه وحضر أيضا قناة ANB لنقل الحدث، وفي أدناه بعض الصور لأبناء شعبنا متضامين مع روبرت قليتا أما المحكمة الفدالية وأعتقد أنها تكفي لبيان مدى الدعم والإسناد الذي وفره أبناء شعبنا لهذا الإنسان الآشوري القومي المخلص والمتفاني لقوميته.




أبناء شعبنا وبالألاف في شيكاغو يرفعون أياديهم أمام المحكمة الفدرالية دعماً لروبرت قليتا والتي شاكر فيها معظم تنظيماتنا القومية وأحزابنا السياسية المختلفة 
++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++



نيافة مار بولص بنيامين أسقف كنيسة المشرق الآشورية وكهنتها يقفون أمام المحكمة الفدرالية دعماً لروبرت قليتا. وكان نيافة مار كوركيس أستقف الكنيسة الشرقة القديمة في شيكاغو قد حضر أيضا جلسة المحاكمة دعماً وإسناداً للأبن البار للكنيسة والأمة.
+++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++
وأخيراً، كما سبق وأن ذكرنا في مناسبة أخرى،  لم يبقى في هذه السطور القليلة إلا أن أقول بأنني عرفت المحامي روبرت وليم قليتا عن كثب ولمست غزارة ثقافته وطيبة قبله وتأثرت بحماسه في العمل القومي والإنساني وبشجاعته في خوض أصعب القاضايا وأعقدها من أجل مساعدة شعبه المضطهد من دون أي تميز بين طائفة وأخرى أو عشيرة وأخرى فكان في قلوب جميع أبناء شعبنا وسيبقى كذلك رغم كل التهم الباطلة الموجهة له... أنه حقاً أمراً غريباً أن يصدر من الهيئات القضائية في الولايات المتحدة الإمريكية تصاريح تقول بأن المسيحيين في العراق غير مضطهدين... أليس هذا غريباً وعجيباً؟؟؟  وهنا لا يسعنا غير أن نقول بأننا نقف وبكل صلابة وإصرار مع المحامي روبرت قليتا في محنته هذه، ونأمل أن يعود إلى حياته الطبيعية وعمله بعد إسقاط التهمة عنه ويستمر عمله القومي والإنساني بهمة ومثابرة أقوى تجاه الشعب الذي يعاني أقسى أنواع الظلم والإضطهاد في هذه الدنيا.

هنا أيضا أكرر ما سبق وذكرته،  حيث عُرف عن المحامي روبرت وليم قليتا بهدوء طبعه وسمو أخلاقه وسعة أفاق تفكيره وغزارة ثقافته القومية والقانونية وإتقانه لحرفيته مهنته في الحقل القانوني وتقدسيه لها كمحامي محترف يعرف حدود القانون وكيفية إستخدامه وبإتقان ودقة ليس في خدمة زبائنه فحسب بل لأي إنسان يعوزه المشورة القانونية والمساعدة الإنسانية. هكذا عرف الناس المحامي روبرت قليتا ليس في الولايات المتحدة الأميركية فحسب بل في جميع مجتمعاتنا المسيحية الكلدانية السريانية الآشورية المنتشرين في أنحاء العالم. لا بل وأكثر من هذا بكثير، فقد عرف عنه في كونه من أكثر الناشطين في الحقل القومي يخدم وبكل أخلاص وتفاني أبناء شعبه في الولايات المتحدة الأمريكية أو في أي مكان كانوا خاصة أبناء شعبنا المحتاجين والهاربين من ظلم الأنظمة الإستبدادية في وطننا العراق وسوريا، فإنشغاله بمهنته لم يحول ذلك للتضحية بالوقت والجهد وحتى المال لمساعدة أبناء شعبه. كما لروبرت قليتا مواقف جريئة وشجاعة ومشاركة مستمرة في نشاطات قومية وسياسية كثيرة وسافر إلى شمال الوطن بيت نهرين ليشارك ويعايش وبشكل مباشر أوضاع شعبنا هناك ويسعى بكل ما أمكن من مساعدتهم للتخفيف من الظلم الذي عانوه على يد المتطرفين والأرهابين، لذلك عرف عنه في كونه محامي مختص في قضايا الظلم والإضطهاد الذي يتعرض له شعبنا في وطنه التاريخي.




51
أضواء على مقترح إستقالة "ممثلي" أمتنا "الكلدانية السريانية الآشورية" من هياكل النظام العراقي
---------------------------------------------------------

أبرم شبيرا
يبدو إنني كنت مقصراً ومترددا في الإطالة أكثر في الموضوع السابق (إلى متى يظل "ممثلو" أمتنا الكلدانية السريانية الآشورية" يقبلون المذلة والإهانة) الذي نشر في موقعنا الغراء عنكاوه دوت كوم ، خاصة وأن بعض قراءنا الأعزاء يملون من قراءة المواضيع الطويلة وهذا حق شخصي لا دخل لأحد فيه. أو قد يبدو بأن بعض القراء الأعزاء لم يستطيعوا هضم الموضوع السابق فجاءت ردود فعلهم عليه طبقاً للأفكار والمبادئ والإنتماءات سواء أكانت هذه الردود متوافقة مع موضوع الإستقالة أو رافضة له. لا بل من المؤسف القول بأن بعض القراء لم يقرأوا الموضوع أصلاً ولكن علقوا عليه وهي الحالة التي نشاهدها في ردود وتعليقات بعض القراء على المواضيع المنشورة في الموقع. من هنا أقتضى الأمر أن نضيف إضاءات أخرى على موضوع الإستقالة ونأمل أن نوفق في إنارة الطريق ليكون الموضوع أكثر وضوحاً. على العموم يمكن تحديد هذه الإضاءات الإضافية وعلى شكل نقاط وكما يلي:
•   عندما نتكلم عن فساد هياكل النظام العراقي وإستبداده، خاصة البرلمان الذي يمثل فيها خمسة من أبناء أمتنا في المركز ومثلها في الإقليم،  تجاه أمتنا "الكلدانية السريانية الآشورية"، فإن البرلمان هنا مأخود بصفته كتنظيم أو منظمة وليس بالضرورة أن يكون جميع أعضاءه فاسدين وإستبداديين. فالصفة الشخصية للإعضاء تختلف عن الصفة التنظيمية للبرلمان. فهذه الصفة الأخيرة تُعرف بقراراتها وسياساتها وتوجهاتها المكتسبة لرسميتها و شرعيتها من تأييد غالبية أو جميع أعضاء البرلمان. فعندما يصوت البرلمان  بالإجتماع على قرار فاسد وظالم تجاه أمتنا بالإجتماع عندذاك من حقنا أن نقول بأن جميع أعضاء البرلمان فاسدين وظالمين وإستبدادين وبالتالي فأن البرلمان هو أيضا فاسد وظالم ومستبد. أما إذا صوت أعضاء البرلمان على مثل هذا القرار بأغلبية فإن البرلمان هو فاسد وظالم ومستبد وليس بالضرورة أن يكون جميع أعضاءه فاسدين خاصة الذين لم يصوتوا عليه. ولكن طالما القرار يكون صادرا من البرلمان ومصادق عليه فأن مشاركة الأقلية غير المصوتة على القرار في مثل هذا البرلمان سينسحب عليها صفة الفساد والظلم والإستبداد وهي الحالة التي تنظبق نظريا على "ممثلي" أمتنا حتى إذا كانوا غير فاسدين وظالمين بصفتهم الشخصية. وبأختصار فأن البرلمان بصفته الرسمية فاسد والمشاركين فيه بصفتهم الرسمية هم أيضاً فاسدين عندما يتعلق الأمر بأمتنا.
•   من يقرأ الموضوع السابق ولو بشكله السطحي سيرى بأن مسألة طرح إستقالة "ممثلي" أمتنا من الهيئات البرلمانية والحكومية جاءت تسمية "ممثلي" بصفة الجمع وليس المفردة. فإستقالة "ممثل" واحد أو أكثر لأمتنا في البرلمان لا يعطي النتائج المرجوة بل تكون لها إنعكاسات سلبية تخلق حالة من هرولة بقية الكيانات الإنتخابية لإمتنا نحو الكرسي الفارغ لإقتناصه وبالتالي البدء في التراشق وزيادة المعاداة بينهم. إذن وبالتأكيد المشدد نقول بأن الإستقالة يجب أن تكون جماعية وبدون إستثناء وهو الأمر الذي يجب أن يسبقه الجلوس بينهم وبروح من الود والتفاهم واضعين مصلحة الأمة فوق مصلحة الكرسي.
•   كيف نفهم الإستقالة الجماعية من البرلمان؟؟ من المؤسف له أن نقول بأن بعض المعنيين مباشرة بالموضوع، وأقصد "ممثلي" أمتنا في البرلمان الذين نحترمهم ونقدر جهودهم لكنها مبذولة ومستهلكة في غير محلها ولا تأتي بأية نتائج إيجابية أن لم تكن سلبية، نقول مع الأسف بأنهم نظروا إلى موضوع الإستقالة من منطلق مصلحي حزبي وشخصي صرف، لا بل البعض منهم عبر عن رأيه في هذا الموضوع كأنه لا يعيش في عراق اليوم وتحت حكم إستبدادي طائفي محاصصي أقر العالم كله بصفاته هذه. والآخر يظهر بأنه لم يقرأ الموضوع تماماً أو ربما سمع مضمونه من غيره. وإليكم البعض من هذه الأراء التي سأحصرها بالمعنيين بموضوع الإستقالة، أي أعضاء البرلمان الذين حاورهم موقع عنكاوه دوت كوم:
o   يرى النائب جوزيف صليوا عن قائمة الوركاء الديمقراطية أن معالجة المشاكل او التعامل معها لا يكمن في الأستقالة كوننا جزء من العراق وشعبه. لا يا أستاذنا العزيز، فالأمر ليس بالكلام المنمق بل بالفعل والممارسة على أرض الواقع. "الكلدان السريان الآشوريين" أو ما يعرف سياسياً بـ "المكون المسيحي" ليس جزء من الشعب العراقي وفق سياقات النخبة الحاكمة في العراق.  وهذا ثابت بالدليل والعمل وبالقرارات والسياسيات التي يمارسها البرلمان وبقية رجال الحكم والسياسة في العراق... فلو كانوا شعبنا جزء من الشعب العراق لما أصدر البرلمان قانون الهوية الوطنية ... فلو كانوا فعلاً جزء من الشعب العراق لكان لهم تمثيل في الحكومة التي تسمى تكنوقراط المزمع تشكيلها والتي سميتها في الموضوع السابق بحكومة "تكنوحرامية" وشروطها لا تنطبق على أبناء أمتنا، هذه أمثلة جديدة وغيرها كثر ولا مجال لذكرها. "الكلدان السريان الآشوريين" جزء، لا بل جزء مهم وأصيل وحضاري رغم أنف جميع الفاسدين والدكتاتوريين والإقصائيين، من الشعب العراقي عندما يكون هناك فعلاً من له فكر منفتح ويقبل المختلف ويتعامل مع حقوقه لا منافقين ودجالين يتمشدقون بأصالة المسيحيين ثم يديرون ظهورهم وتبدأ أستبداديتهم تجاه أمتنا... "ممثل" أمتنا في البرلمان هو سيد العارفين بهذه الممارسات الإستبدادية ولا يستوجبها الإطناب.
o   أما النائب رائد إسحاق عن قائمة المجلس الشعبي فهو يرفض الإستقالة لأنها ليست الحل وتعني قطع أصوات ممثلي شعبنا عن مسامع مؤسسة البرلمان... يظهر سيدي العزيز من هذا الكلام بأنك غير متواجد أبدا في البرلمان لأنه كما نعرف جيداً بأن البرلمان وأعضاءه لا يسمعون أصواتنا  أما لأن ليس لهم آذان أو لهم آذان ولكن مغلقة بالمصالح الطائفية التي أساسها الفساد واللصوصية... ثم يتابع النائب رائد أسحاق معارضته لفكرة الإستقالة  ويتسائل عن البديل الافضل ما بعد خطوة الاستقالة!، منوها إلى أن الإستمرار في البرلمان أفضل حل طالما لا يوجد بديل مطروح أو مقترح من الجهة الداعية إليها... من هذه الجملة يظهر سيدي العزيز بأنك لم تقرأ الموضوع إطلاقا، أو لم تقرأه حتى النهاية وأكتفيت بالعنوان. وأليك ما أقترحته وكما في الموضوع السابق كبديل للإستقالة وأدرجه هنا كما هو:
(إذن نؤكد مرة أخرى إن إستقالة "ممثلي" أمتنا من البرلمان ونبذ الكرسي الوزاري هي الخطوة الأولى في مسيرة خريطة الطريق. ومثل هذا الأمر، كما ذكرنا سابقا، لا يتحقق إلا بنكران الذات والمنصب وببذل الجهود المضنية ووضع مصلحة الأمة نصب أعينهم قبل كل شيء ومن ثم الإنطلاق نحو الخطوة التالية، بعد تصفية القلوب وتكاتف الأيدي، وهي البدء بوضع أسس وركائز تشكيل مجلس أعلى للـ "الكلدان السريان الآشوريين" مؤلف من الأعضاء الخمسة في المركز والأعضاء الخمسة في الإقليم مع أربعة ممثلين من فروع كنائسنا الكلدانية والسريانية والآشورية والشرقية القديمة بدرجة مطران أو أسقف ومن ثم توالي الخطوات نحو وضع آليه للعمل وتشكيل لجان متخصصة من شرفاء و"تكنوقراط" حقيقيين وأكفاء ليس في إختصاصهم فحسب بل في ضميرهم ووعيهم وإستعدادهم للعمل والتفاني من أجل خدمة هذه الأمة... أفهل هذا أمر صعب ومستحيل؟؟؟ كلا وألف كلا.  كم أتمنى أن يتحقق هذا الحلم... ولكن نحن نعلم بأن الأحلام القومية لا يحققها إلا الأبطال القوميين). فأرجو يا سيدي العزيز قراءة الموضوع السابق وحتى نهايته وخاصة هذا المقترح.
o   أما النائب (مقرر البرلمان) عماد يوحنا عن كتلة الرافدين (زوعا) فهو الآخر لا يختلف رأيه إطلاقاً عن رأي بقية "ممثلي" أمتنا في موضوع الإستقالة... يا لها من سخرية الأقدار... "ممثلي" أمتنا مختلفون ومتخاصمون على الكثير من الأمور التي تتعلق بأمتنا ولكن متفقين كل الإتفاق على أيديولوجية الكرسي ويناضلون وفقها من أجل تحقيق الأهداف. في هذا السياق وإلتصاقا بالكرسي يذكر النائب عماد (نحن ممثلي الشعب واتينا بالانتخابات ولسنا مخيرين في اختياراتنا وهناك اصوات ثبتتنا في مجلس النواب لندافع عن حقوق المواطن العراقي بشكل عام وأبناء شعبنا بشكل خاص اما الذهاب الى الاستقالة فهذا خيار اسميه بحالة من الضعف والانهزام من الواقع الذي نمر به ولكن التأكيد والإصرار والبقاء في مجلس النواب وإعلاء الصوت والكلمة وتمثيل هذا الشعب الاصيل احسن تمثيل والإصرار بالمطالبة والمطاولة لحين نيل الحقوق كما شاهدنا كثير من الشعوب والقوميات في العراق مارست هذه الممارسة وحصلت على بعض حقوقها وان لم تكن 100% , ونحن ايضا حاولنا جاهدين وحصلنا على بعض المكتسبات لكن بالتأكيد الغيمة السوداء التي اتت مؤخرا بخروج ابناء شعبنا من مدينة الموصل وسهلها الحبيب جعلتنا نبدو وكأنه لم نحصل على أي حقوق منذ عام 2003)... لا ياسيدي العزيز... لا ... هذا الكلام لا يصلح حتى للجرائد الهابطة ... ولا أعتقد حتى موقع زوعا الألكتروني المحترم أو جريدة بهرا أن تقبل نشر مثل هذه الفقاعات الهوائية... وأعجبني أكثر القول: التأكيد والإصرار والبقاء في مجلس النواب وإعلاء الصوت والكلمة وتمثيل هذا الشعب الأصيل أحسن تمثيل والإصرار بالمطالبة والمطاولة لحين نيل الحقوق كما شاهدنا كثير من الشعوب والقوميات في العراق مارست هذه الممارسة وحصلت على بعض حقوقها وإن لم تكن 100% ... أستغرب عن أي شعوب يتحدث الإستاذ النائب عماد، هل يقصد الكورد ونحن نعلم بأنهم نالوا حقوقهم قبل هذا البرلمان وغيره، نالوا حقوقهم بنضال أحزابهم السياسية وبالكفاح المسلح وليس بالكلام الفارغ في البرلمان... أما الحديث عن الإصرار والمطالبة لنيل الحقوق من خلال البرلمان يؤسفني أن أشبه هذا الحديث مرة أخرى بحروب الدونكوشتية. يا أستاذنا الفاضل، أن فكرة الإستقالة المطروحة ليست حالة من الضعف والإنهزام من الواقع كما تسميها بل خطوة شجاعة أولية نحو خطوات نضالية جادة. فأنا لم أطرح الفكرة لكي يستقيلوا "ممثلي" أمتنا من البرلمان ... وبس.. ويذهبون إلى بيوتهم للراحة، بل أقترحت عليهم سبيلاً نضاليا آخر أكثر جدية وفاعلية ومحترماً لدى أبناء شعبنا لا بل وأكثر خطورة في مواجهة التحديات التي تضرب بمصير أمتنا في الوطن وهو تشكيل المجلس أعلى للـ "الكلدان السريان الاشوريين" كما بينت في نهاية الموضوع السابق وذكرته أيضا في أعلاه. 
وفي مكان آخر يذكر النائب الإستاذ عماد داعياً (الكتاب والمثقفين من أبناء شعبنا في دول المهجر إلى التحرك وتشكيل لوبي قوي من المثقفين والكفاءات وإستخدام طاقاتهم وعلاقاتهم مع حكومات وسياسي ودول المنطقة لإجراء تغيير سياسي في العراق وعدم الإكتفاء بكتاب المقالات التي تبقى مجرد حبر على ورق)... نعم رفيقنا عماد أويدك كل التأييد بأن المقالات التي نكتبها نحن الذين نصبنا خيمتنا في المهرج هو مجرد حبر على ورق لأنه كلام غير مرضي لزوعا. أما إذا كانت المقالة كلام منمق ونفاق ومدح بزوعا، (الذي هو هجمان بيت لزوعا) فأنه كلام علمي وموضوعي... الله يكون في عون أمتنا؟؟. يا أستاذنا المقرر للبرلمان أرجو المعذرة أن أقول بأن كلامك بخصوص تشكيل لوبي (جماعة ضغط) في المهجر يفتقر إلى أبسط معرفة في الأبجدية السياسية. أن تشكيل أي لوبي في العالم ولأي مجموعة بشرية يرتبط بالأساس بقضية هذه المجموعة في الوطن. فعندما يكون هناك حركة سياسية نشطة وفاعلة ومتميزة في الوطن يمكن حينذاك أن يقام لوبي في المهجر ويكون فاعلاً ومؤثراً بمدى فاعلية الحركة في الوطن وتأثيرها على المجريات السياسية. والعكس، طبعاً صحيح، فعندما تكون الحركة في الوطن باهتة ومتلكئة وضائعة في أروقة الفساد والمظالم والمصالح الشخصية عندذك لا يمكن أن نتصور قيام لوبي فاعل ومؤثر في الخارج. هكذا هو حال أمتنا وحركتها السياسية في الوطن وبالتالي وعلى أساسها هو حال تشكيل لوبي في المهجر الذي هو صورة ناطقة للعمل السياسي لأحزابنا السياسية والبرلمانيين في الوطن. في مدينة شيكاغو وغيرها من المدن الأمريكية كان هناك عدد كبير من الأندية والمؤسسات كانت تنشط عىل مختلف الأصعدة القومية وتحقق بعض النتائج لأن الحركة القومية في الوطن كانت نشطة وتحقق نتائج مثمرة. اليوم في شيكاغو، على سبيل المثال لا الحصر، نادي آشوري واحد لمئات الألاف من الآشوريين يتهرب منه خيرة مثقفي أمتنا رغم أن أبوابه مفتوحة للجميع. وحتى المجلس القومي الآشوري في شيكاغو الذي ينشط ناشطاً ملموساً على المستوى القومي سواء في الولايات المتحدة أو حتى بمساعداته السخية لأبناء شعبنا في الوطن فأن رئيسه لم يسلم من النكاية به وتخوينه وإتهامه بشتى التهم وتوريطه في قضايا قانونية. كل هذا هو إنعكاس لما يجري على ساحتنا القومية في الوطن. وهل ننسى الجمعية الخيرية الآشورية... فشتان مقارنتها بين الأمس واليوم.  ففي الأمس لا نقول غير أن لولا مساعدتها السخية لنشاطات شعبنا في الوطن لما تمكن التعليم السرياني، أعظم إنجاز في تاريخ أمتنا، من القيامة والصمود والإستمرار لمراحل متقدمة، ولكن اليوم مسيرة الجمعية متعثرة في المهجر وحالها كحال حركتنا القومية في الوطن.
هنا يستوجب أن أشير إلى قانون "تحرير العراق" لعام 1998 الذي أصدرته الإدارة الأمريكية وخولت الرئيس الأمريكي تسمية المنظمات المستحقة للمساعدة المالية التي قدرت بـ (79) مليون دولار وكانت الحركة الديموقراطية الآشورية (زوعا) من بين المنظمات المعترف بها كمنظمة ديموقراطية تحارب النظام الديكتاتوري في العراق. فلا أدري يا أستاذنا الفاضل، مقرر البرلمان، فيما إذا كنت عضوا في زوعا في عام 1998 أم لا، ولكن دعني أقول بأن هذا الإعتراف من قبل الإدارة الأمريكية ورئيسها كان فعلاً نتيجة نضال زوعا وتضحية قادتها وتقديمها الشهداء والذي أنعكس على أبناء أمتنا في المهجر لتفعيل مؤسساتهم وأنديتها للتحرك كلوبي مؤثر. أما اليوم فالأمر مختلف ومأساوي ولا نريد التطرق إليه ونزيد على مأساتنا مأساة أخرى من البكاء على الماضي.

هنا أرغب في أعادة ما سبق وأن ذكرناه في مناسبات سابقة، أن أمتنا في العراق لم تنجني ثمار "الكوتا" الكوميدية المعرضة للسرقة من قبل الآخرين ولا من جود أبناء أمتنا في البرلمان أو مؤسسات الدولة الأخرى، وهذا ثابت بالدليل المجرب والقاطع. أن وجود أبناء أمتنا في البرلمان ومشاركتهم مع الفاسدين والسراق ليس هم المستفيدين وحدهم فحسب بل أيضا النظام الحاكم في العراق. فعندما يجلس "ممثل" أمتنا أمام هيئة رئاسة البرلمان كمنسق إلى جانب زميله التركماني فهو أمر مقصود وكديكور لتبيان للعالم المتمدن بأن الأقليات في العراق حالهم كحال بقية القوميات الأخرى حقوقهم مضمونة في الوقت يحرقون بقوانينهم حتى الحد الأدنى من حقوق أمتنا ولا يخجلون من تجريد أطفالنا من دينهم وهم براء من أي دين. وأخير يجب على القارئ اللبيب وفي مقدمتهم "ممثلي" أمتنا في البرلمان المشار إليهم في أعلاه أن يفهم بأن ما عرضناه من إنتقاد ومعارضة هو ليس لصفتهم الشخصية بل لموقعهم البرلماني الذي يندمج ويتناسق مع بقية المواقع البرلمانية للمستبدين والطائفيين والمحاصصيين الذين يجلسون تحت نفس القبة. فإحترامنا لصفتهم الشخصية لا غبار عليها ولكن إنتقادنا لصفتهم البرلمانية ولصفة الفساد الذي هو أساس قيام البرلمان ونشاطه وقوانينه ستبقى قائمة وفاعلة أكثر فأكثر لحين إنتزاع "ممثلي" أمتنا عباءة الفساد التي ألبسها لهم البرلمان والإنتقال إلى برلمان أمتنا "الكلدانية السريانية الآشورية" حينذاك سنكتب كلمة "ممثلي" أمتنا بحروف كبيرة ومن ذهب.

   


52
الذكرى السنوية الأولى لإنتقال قداسته إلى الأخدار السماوية
----------------------------------
مار دنخا الرابع: وحدة شعبنا القومية هي التي تحقق وحدة كنيستينا
أبرم شبيرا
========================================================

 
================================================================
توطئة: العلاقة بين الوحدة القومية والوحدة الكنسية:
-----------------------------
أثناء زيارة غبطة مار لويس روفائيل ساكو بطريرك الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية  لمثلث الرحمات قداسة مار دنخا الرابع بطريرك كنيسة المشرق الآشورية، طيب الله ذكراه، في قلاية البطريركية في شيكاغو في منتصف شهر حزيران من من عام 2014، جرى بين الحبرين أحاديث كثيرة ومهمة ركزت عن إمكانية الوحدة بين الكنيستين. وما يخص موضوعنا هذا نقتبس بعض السطور التي نشرت في الموقع الألكتروني لكلا الكنيستين وغيرهما:

(رحب قداسة البطريرك مار دنخا الرابع بهذه الزيارة الأخوية المميزة، وشدد على الروابط التي تجمع كنيستنا وشعبنا. وأكد البطريرك ساكو على أهمية هذه الزيارة، التي يأمل منها مؤمنو كنيستينا خطوات عملية في اتجاه تحقيق وحدة كنيسة المشرق، هذه الوحدة التي هي ضرورة قصوى في ظروفنا الراهنة، لا سيما نحن في العمق كنيسة واحدة إيمانيا وطقسيا وتاريخيا وجغرافيا. ما نحتاج اليه هو مبادرة جريئة لتحقيق وحدة الرئاسة الكنسية، واقترح غبطة البطريرك ساكو ان يتم عقد مجمع يضم أساقفة الكنيستين للحوار وإعداد خارطة طريق تحقق هذا المشروع المصيري ، وتجاوز العقبات بروح مسيحية .
فأجاب قداسته (البطريرك مار دنخا الرابع) : نحن واحد، ونحن نعمل من اجل وحدة كل المسيحيين، لكن من وجهة نظرنا ان وحدة شعبنا القومية هي التي تحقق وحدة كنيستينا . وقد أشار الى بعض الإشكاليات التي عثرت مشروع الحوار نحو الوحدة، الذي كان قد بدأ في تسعينيات القرن الماضي .
فرد عليه غبطة البطريرك ساكو: ان الوحدة القومية مسؤولية العلمانيين بالدرجة الأولى، بينما وحدة كنيستينا هي مسؤوليتنا، وان وحدة شعبنا ستأتي لاحقا. وعلق المطران مار ابراهيم أبراهيم  قائلا: ان كنيسة المشرق كانت تضم شعوبا وقوميات عديدة فما الضرر ان تضم اليوم أقواما مختلفين لان الكنيسة جامعة. ونتضرع الى الروح القدس ان يقودنا جميعا الى هذه الوحدة التي صلى من اجلها الرب يسوع).

من خلال السطور القليلة أعلاه نستطيع أن نستنتج ثلاثة توجهات في سياق علاقة الوحدة القومية بالوحدة الكنسية:

الأول: العلاقة القوية والعضوية بين الجانب القومي والكنسي وضرورة ترابط بينهما كسبيل لتحقيق الوحدة القومية والكنسية التي ينشدها شعبنا، وهو التوجه الذي يتمثل في قداسة البطريرك مار دنخا الرابع، طيب الله ذكراه.
الثاني: الفصل بين الكنيسة والقومية كسبيل لتحقيق الوحدة الكنسية والتأكيد على كون العلمانيون هم المعنيين بالوحدة القومية بينما الأكليريون هم المسؤولين عن الوحدة الكنسية ويتمثل هذا التوجه في غبطة البطريرك الجليل مار لويس روفائيل ساكو.
الثالث: هو التوجه الفاتيكاني الكاثوليكي الرافض للفكر القومي وربطه بالكنيسة والذي يؤكد على وحدة كنسية العابرة لكل الحدود القومية، كنيسة تضم شعوب وقوميات مختلفة ومن دون حصرها في قومية أو شعب واحد، وهو التوجه الكاثوليكي التقليدي تجاه الفكر القومي والقوميات ويمثلها هنا نيافة المطران إبراهيم إبراهيم.
 

على العموم مثل هذه التوجهات الثلاثة قد تم التطرق إليها وبشكل مفصل في السابق ولكن الذي يهمنا هنا هو رأي قداسة البطريريك الراحل في إعطاء أولوية للوحدة القومية على الوحدة الكنيسة وإعتبارها سبيلا لتحقيق الوحدة بين الكنيستين والذي قد يبدو للوهلة الأولى، من حيث الشكل غريب بعض الشيً. من هذا المنطلق نرى بأنه من المناسب فتح حوار عن هذا الموضوع ومناقشته بكل واقعية وموضوعية  سواء أتفقنا مع هذا الطرح أم لا . نرى أيضاً أن المنطق يقضي البدء بهذا الموضوع عن تساؤل لماذا يعطي قداسته، وهو رجل دين وعلى رأس كنيسة، يعطي أهمية على الوحدة القومية وهو سيد العارفين بأهمية وحدة فرعي كنيسة المشرق وخاض قداسته تجربة طويلة في هذا السياق؟؟ فهل هو قومياً أكثر من دينياً؟؟ تساؤل يفرض علينا التمعن في فكر قداسته وإدراكه لجدلية الربط العضوي بين المفهومين الكنسي والقومي في مجتمعنا ومراجعة المصادر التي أستمد قداسته فكره القومي منها ووضع الوحدة القومية لشعبنا في المقدمة وهو رجل دين تدرج من كاهن إلى سدة البطريركية.
الخلفية الفكرية القومية:
------------- 
صحيح هو أن قداسته لم يكن يحمل شهادات عليا في اللاهوت أو في الفلسفة ولكن كان واسع الثقافة وعميق الفكر وموضوعي جداً في كلامه وأفكاره وفي مختلف المجالات والحقول خاصة الكنسية والقومية، ومن جالسه وإجتمع معه أو أستمع إلى كرازته أو قرأ رسائله إلى أبناء أمته يدرك هذه الحقيقة التي لا جدال فيها ولا مجاملة. بغنى عن الجوانب الدينية لفكره  فأن تركيزنا هنا سينصب على الجانب القومي ومن خلال الظروف الموضوعية التي عايشها قداسته وتطبعت فيه وأنعكس تأثيرها على فكره القومي، وهي الظروف التي يمكن تقسيمها إلى مرحلتين:

المرحلة الأولى: في إيران - من 1957 لغاية 1976:

------------------------------- 
في نهاية العقد السادس وبداية العقد السابع من القرن الماضي كانت أيران منبعاً لتطور الفكر القومي الآشوري وتجسده في تنظيمات معاصرة ثقافية وسياسية وفكرية كرد فعل للتطورات السياسية التي عصفت بمنطقة الشرق الأوسط منها قيام الثورة الكردية في العراق وتوسع إنتشار الفكر القومي الناصري خاصة في سوريا فساعدت كل هذه العوامل الموضوعية على خلق البدايات الأولى لنشؤ وتأسيس الإتحاد الآشوري العالمي عام 1968. في عام 1957 رسم قداسته كاهن للكنيسة في عبدان – إيران حيث كان هناك عدد كبير من الآشوريين الذين كانوا يعملون في الشركات البترولية. وفي عام 1962 رسمه مثلث الرحمات مار شمعون إيشاي أسقفاً ليشغل كرسي الأسقفية في إيران الذي كان شاغرا منذ عام 1915. وفي عام 1976 أختاره المجمع السنهادوسي المقدس للكنيسة بطريركاً على الكنيسة. فخلال هذه السنين أستطاع قداسته تنظيم وإدارة أمور الكنيسة بشكل جعل أبرشيته من أكثر أبرشيات الكنيسة إستقرارا ونشاطاً بعد أن كانت التيارات الكنسية الأخرى تفعل فعلها في المجتمع الآشوري وتفتته إلى طوائف وممل. لا بل وأكثر من هذا فقد أنخرط سواء بشكل مباشر أو غير مباشر في النشاطات والأمور الثقافية والفكرية والقومية واضعاً نصب عينه المسألة القومية في مقدمة أهتمامه من دون أي أعتبار أو مانع كنسي أو طائفي لتطور الفكر القومي الآشوري ودفعه نحو أفاق أبعد. ويذكر بأن قداسته كان من أكثر المؤيدين لقيام الإتحاد الآشوري العالم، لا بل البعض يقول بأنه كان عضواً فيه. ومن الجدير بالذكر بأن هذا الإتحاد تبنى منذ السنة الأولى لتأسيسه أهداف تمثلث في ثلاثة شعارات وهي:   (1) – أمة واحدة وتسميتها هي الآشورية (2) لغة واحدة أشورية بشقيها العامية والأدبية (3) قيادة واحدة عالمية تتمثل في الإتحاد الآشوري العالمي. وتأثير هذه الشعارات الثلاثة واضح وبشكل جلي في فكر وممارسات قداسته خاصة بعد تسنمه سدة البطريركية والتي تظهر في تأكيده وبإستمرار على كون وحدة أمتنا وتحت التسمية الآشورية وفي إعتبار بقية التسميات الأخرى طائفية وتشكل جزء من الأمة الآشورية. وعلى نفس المنوال كان يؤكد قداسته على كون لغة أمتنا هي الآشورية ولا غيرها. أما بالنسبة للقيادة الموحدة لأمتنا، فكان أكثر موضوعية ومنطقياً حيث في معظم لقاءاته مع السياسيين كان يؤكد على ضرورة توحيد جهودهم كسبيل لنيل الحقوق القومية لا بل كان لقداسته أفكار ومشاريع خلاقة نقل جانب منها من إيران إلى المجتمعات الآشورية في المهجر خاصة فيما يتعلق بموضوع تأسيس منظمات وجمعيات ذات طابع عمومي وشامل لجميع الآشوريين مثل المجلس القومي الآشوري في ولاية ألينوي في شيكاغو الذي يعتبر من أنجح المؤسسات الآشورية وأكثرها فاعلية وأستمراراً.

المرحلة الثانية: في العراق والمهجر – من عام 1976 لغاية إنتقاله إلى جوار ربه عام 2015.
-------------------------------------------------------
تذكر موسوعة بطاركة الشرق – تاريخ وحضور، أعداد جان دارن أبي ياغي، من منشورات تيلي لوميار (نور سات)، ط1، سنة 2010، ص180، تذكر بخصوص إنجاز قداسته للكنيسة بالقول بأنه "قام بزيارات راعوية ودورية لجميع أبرشيات كنيسة المشرق ومنها أرمينيا وروسيا التي كانت قد أنقطعت عن الإتصال مع كنيسة المشرق منذ قرن تقريباً.. وفي عهده حقق الكثير من الإصلاحات وبعث النشاط في الكنيسة ونظم إنعقاد مجمعها السنهادوقي دوريا.. كما رسم عدد من المطارنة والأساقفة إضافة إلى تشييده الكنائس... فأهتم بتعليم الكهنة وأرسل الكثير منهم للدراسة في الجامعات الأوربية المختصة (ولأول مرة في تاريخ الكنيسة أرسل مجموعة من الكهنة للدراسة في المؤسسات اللاهوتية الكاثوليكية في الفاتيكان  كما أجاز للأشوريين الدراسة في المعهد الكهنوتي للكلدان الذي كان في منطقة الميكانيك في بغداد)... أقام علاقات حوار مع مختلف الكنائس الكاثوليكية والأرثوذكسية ... كما قام بعدة زيارات إلى الفاتيكان حتى أثمرت بصدور البيان المسيحاني المشترك بين الفاتيكان وكنيسة المشرق حول التوافق العقائدي بين الكنيستين وحول مفهوم سر التجسد". هناك واقعة مثير ومهمة عن مدى ذكاء وحنكة قداسته في الحفاظ على وحدة الكنيسة وتفهم مشاعر مؤمنيها يستوجب ذكرها. في عام 2010 عقد مجمع سنهادوسي للكنيسة في الهند وهو الأول من نوعه في تاريخ الكنيسة لإنتخاب أسقف واحد للأبرشية التي هي برعاية المطروبوليت مار أبرم موكن حيث كان في السابق يتم رسامة الأساقفة في بيت نهرين ثم إرسالهم إلى الهند. فعند بدء إجراءات الإنتخاب ترشح كاهنان هنديان، هما (مار يوحنا ومار أوكن) وبعد فرز الأصوات فاز مار يوحنا على مار أوكن بصوت واحد فقط وقبل إقرار هذا الفوز أدرك قداسته بأن مؤمني الكنيسة منقسمان إلى قسمين متساويين تماماً  ولضمان وحدة الكنيسة ومؤمنيها قرر إختيار كلا الكاهنين بدلا من كاهن واحد وتكليهما بالرتبة الأسققية وخصص لكل واحد منه عدد من الكنائس لإدارتها وخدمة مؤمنيها وبهذا ضمن وحدة المؤمنين في أبرشية الهند.

لا نريد أن نطنب أكثر من هذا في المسائل الكنسية فهي معروفة، ولكن الذي يهمنا هو الجانب الفكري القومي الذي كان السبب الرئيسي ليدفع قداسته ويؤكد على ضرورة الوحدة القومية كسبيل للوحدة الكنسية. كبطريرك على كنيسة مؤمنيها بأكثريتهم كانوا في العراق ومن ثم في بلدان المهجر، كان واجبه يفرض عليه القيام بزيارات لهم والتعايش والتفاعل معهم والإطلاع على أوضاعهم ومشاكلهم خاصة في البلدان التي كانت تحكمها أنظمة إستبدادية ظالمة تجاه تطلعات الآشوريين وتحديداً في العراق في السبعينيات من القرن الماضي. ففي تلك الفترة شرع نظام البعث العراقي في تطبيق سياسته الإستبدادية في "إعادة كتابة التاريخ" التي بموجبها أعتبر التسميات الحضارية للأقليات كالآشورية والكلدانية والسريانية من أضاليل الإستعمار وأن التسمية القومية لهم هي العربية... موضوع طويل وشائك سبق وأن تطرقنا إليه ولا داعي للإطناب فيه (أنظر كتابنا المعنون: الآشوريون في الفكر العراقي المعاصر، دراسة في العقلية العراقية تجاه الأقليات، دار الساقي، بيروت، 2001) غير أن نشير بأن في مثل هذه الظروف الإستبدادية كان قداسته يزور العراق، سواء بدعوة رسمية أو غير رسمية، وكان كعادته وواجبه الديني والقومي يزور أبناء أمته وخاصة المؤسسات الثقافية والقومية الأكثر نشاطاً وفاعلية وتأثيرا في المجتمع الآشوري كالنادي الثقافي الآشوري في بغداد. ففي كل زيارة للعراق لم يكن قداسته يتوانى إلا ويزور هذا النادي ويحضر بعض نشاطاته بمناسبات قومية ويطلع عليها خاصة مسألة تعليم اللغة الآشورية في النادي فكان قداسته ينبهر من الأسلوب المتبع في تدريس هذه اللغة والتي تخرج منها كبار شعراء وكتاب أمتنا في الوقت الحاضر وإختصاصيون فيها ورجال دين لا بل وحتى مؤسسي وقادة أحزاب سياسية وتنظيمات قومية. وهنا أود أن أزيد القارئ العزيز بمعلومة عن أسلوب النادي في تعليم اللغة الآشورية، فعندما وصل عدد أعضاء النادي إلى 1000 عضو (طبعاً كان من شروط العضوية أن يكون طالب العضوية حاملا على الأقل شهادة الثانوية) وضع النادي شرط آخر وهو أتقان طالب العضوية لللغة الآشورية قراءة وكتابة وإلا عليه الإنتساب إلى أحدى دورات تعليم اللغة الآشورية المقامة في النادي والتخرج منها كشرط لقبول عضويته. هذا النشاط وغيره من النشاطات القومية كالإحتفال برأس السنة البابلية – الآشورية والسابع من آب وغيرهما من الأعياد القومية والتراثية التي لم تكن مرضية لنظام البعث وأزلامه خلقت للنادي تحديات خطيرة لمواجهة موانع حزب البعث في إستمرار نشاطات النادي القومية. (موضوع تم التفصيل فيه في كتابنا المعنون: (النادي الثقافي الآشوري، مسيرة تحديات وإنجازات، ألفاغراف، شيكاغو، 1994)

ضمن هذه الظروف الصعبة والماحقة كان قداسته لا يخشى أبداً من زياته للمؤسسات القومية ولقاءه بشخصيات قومية وسياسية آشورية والتطرق إلى أحاديث حساسة ومهمة تخص أبناء أمتنا في الوطن الأم رغم أداركه الكامل بأن مقر أقامته في بغداد كان ملغماً بأجهزة التنصت من قبل رجال الأمن وبعض من أزالمهم من حثالة مجتمعنا بحيث وصل الأمر إلى رفع  أحد هؤلاء الحثالة تقريرا إلى الجهات الأمنية متهماً قداسته كجاسوس يعمل لصالح إيران والولايات المتحدة الأمريكية ولكن تبين فيما بعد بأن هذا التقرير لا أساس له. مع هذا  لم يكن امام الجهات الأمنية من مندوحة إلا التخلص من قداسته  بطريقة هادئة وسرية وعن طريق تسميمه وقتله وبنفس الطريقة التي قتل المناضل التاريخي ماليك ياقو ماليك إسماعيل وعالم الآشوريات فرد تميمي وعن طريق وضع نوع من مركبات الزئبق البطيئة التسمم في طعامه. غير أن الشخص المكلف بإرتكاب هذه الجريمة بحق قداسته غلب عليه ضميره النقي وحبه وتقديره لقداسته فتردد ولم يقم بما أمر به من قبل الجهات الأمنية فكان عليه أن يدفع الثمن غاليا... لا بل غالياً جداً ... فأصبح مصيره مجهولاً وإلى الأبد. هذا الأمر، لكونه حساساً ومؤلماً خاصة لعائلة هذا الشخص الكريمة والنبيلة أصبح نشره بحدود ضيقة جداً إحتراماً وتقديراً لهذه العائلة وإحتراماً وتقديساً لمكانة قداسته قبل إنتقاله إلى الأخدار السماوية.

أسردنا أعلاه الظروف الموضوعية التي عاش فيها قداسته والتي منها أستمد فكره القومي وتأثر بها الى درجة إداركه التام وتفهمه العميق لمغزى وأهمية الوحدة القومية بين أبناء شعبنا والتي فرضت على قداسته أن يعطي أولية لها وسبيلا لتحقيق الوحدة الكنسية. ولكن ما هو هذا الإدارك وتفهم هذه الحقيقة الموضوعية ليعطي لهذه الوحدة أهمية تضاهي أهمية وحدة الكنيسة.
 
لماذا وحدة شعبنا القومية هي التي تحقق وحدة الكنيستين الآشورية والكلدانية؟؟:
-------------------------------------------
لو أخذنا  المعايير الفكرية والقومية وحتى السياسية المعتمدة في حياتنا ونشاطنا السياسي والقومي كمقياس لقياس الفكر القومي لقداسته وتفهمه للواقع القومي لأمتنا سنجده فعلاً بأنه "سياسي" وقومي من الدرجة الأولى. كان يعرف قداسته حق المعرفة بأن معظم، لا بل جميع أحزاب وتنظيمات أمتنا سواء أكانت آشورية أو كلدانية أو سريانية تجمعهم في التحليل الأخير أهداف مشتركة لا بل موحدة ويشكلون قومية واحدة. فلا إختلافات ولا تناقضات فكرية وأيديولوجية بينهم فكل ما في الأمر هو إختلاف في المواقف والتوجهات التي بعضها محكومة بالمصالح الضيقة والتأثيرات العشائرية والقروية وحتى الطائفية. لهذا كان قداسته ووفق منظاره الفكري القومي يرى في جميع مؤمني فروع كنائسنا الثلاثة  أبناء أمة واحدة وأن أمر السير على طريق الوحدة بينهم سيكون أسهل بكثير عندما يتجردون من اللهوث وراء المصالح الشخصية والحزبية والتأثيرات العشائرية والقريوية لأن ما يفرقهم هو ليس ثوابت عقائدية تاريخية بل عوامل هشة يمكن أزالتها بمجرد توفر الوعي القومي الصحيح. على العكس من هذا، ما يفرق بين الكنيستين الآشورية والكلدانية، رغم كونهما من أصل واحد وإيمان واحد ولغة واحدة وتقليد واحد، هو ثوابت عقائدية تاريخية وتنظيمية يصعب جداً أن لم يكن مسيتحلاً تجاوزها أو تجاهلها كأساس لتحقيق الوحدة الكنسية خاصة فيما يتعلق بمسألة الإدارة والسلطة من جهة وإستقلالية الكنيسة من جهة أخرى. فبالنسبة للكنيسة الكلدانية لا يمكن إطلاقاً، لا بل مستحيل أن تضحي بروابطها القوية والمصيرية مع الفاتيكان وإلا فقد صفتها الكاثوليكية، فظهورها منذ منتصف القرن السادس عشر كان على هذا الأساس  ولا يمكن حتى التفكير في قطع الصلة مع الفاتيكان كشرط لتحقيق الوحدة. وعلى الجانب الآخر من كنيسة المشرق الآشورية فأساس وجودها وإكتسابها لخصائصها المتميزة قائمة بالأساس على إستقلاليتها التاريخي. فعلى الرغم من الفواجي والمأساة والمذابح التي تعرضت إليها هذه الكنيسة طيلة قرون طويلة إلا أنها بقيت مستقلة ومن دون أن تفرط بإستقلاليتها رغم كل هذه الظروف القاسية والتأثيرات الماحقة عليها فحافظت على إستقلاليتها حتى بقت الكنيسة المستقلة الوحيدة في التاريخ وحتى يومنا هذا. وهناك حديث (غير مؤكد من جانبي) لقداسته يذكر بأنه قال "طالما أنا على قيد الحياة فلا تفريط في إستقلالية الكنيسة أو تغيير أسمها) وحتى بعد إنتقاله إلى جوار ربه فأن الدلائل الحالية في توجهات أحبار كنيسة المشرق الآشورية يتأكد نفس توجه قداسته في الحفاظ على إستقلالية الكنيسة وإستحالة إخضاعها للفاتيكان أو تغيير أسمها وخصائصها القومية.

كان قداسته مدركاً جيداً لهذه الحقيقة والثوابت العقائدية التي تحول دون تحقيق الوحدة بين فرعي كنيسة المشرق. فالتجارب التي خاضعها قداسته وبشكل مباشر خاصة بعد عام 1994 والمباحثات والإتصال والإجتماعات خلال الأعوام التي تلت عام 1994 سواء مع الفاتيكان أو مع الكنيسة الكلدانية سارت على خطوات عملية متقدمة وفاعلة ومنطقية جعلت من الوحدة أن تكون وشيكة وقاب قوسين إلا أنها في نهاية الأمر أصدمت بالجدران الصلدة للثوابت العقائدية (التبعية للفاتيكان والإستقلالية) فإنهارت تماماً خاصة بعد تدخل تأثيرات من داخل الكنيستين وخارجهما ساعدت بشكل فاعل ومباشر على أفشال مساعي الوحدة بين فرعي الكنيسة. هذه المسائل سبق وأن تطرقنا إليها بشكل مفصل وأكدنا إستحالة تحقيق الوحدة في ظل هذه الثواب العقائدية فقلت: ضيعنا الممكن (وهو التفاهم والتقارب والعمل المشترك بين فرعي الكنيسة) من أجل غير الممكن (وهو الوحدة بين فرعي الكنيسة).

ليس هذا فحسب، فإن قداسته كان يدرك تمام الإدراك بأنه مالم تتوفر ظروف مناسبة وموضوعية تتمثل في الإستعداد الفكري والوعي الكنسي والقومي بين المؤمين فأمر الوحدة بين الكنيستين سيكون صعباً جداً أو مستحيلاً. والدلائل التاريخية والمعاصرة تؤكد هذه الحقيقة. فعلى سبيل المثال لا الحصر كان هناك في القرن الثالث عشر الميلادي أكبر محادثات كنيسة بين المجموعة الأرثوذكسية (القسطنطينية) والكاثوليكية (روما) لقيام الوحدة بينهما "غير أنها سرعان ما تراخت وزالت لأنها تمت ... من دون تهيئة للأجواء الكنسية والشعبية"، هذا ما يؤكده نيافة المطران سرهد جمو في بحثه الموسوم (كنيسة المشرق بين شطريها، مجلة بين النهرين 1996، ص181).  كما أن محاولات الإتحاد مع الفاتيكان منذ منتصف القرن السادس عشر الميلادي وصاعدا لم توفق بالتمام والكمال في الإتحاد الكامل لكنيسة المشرق مع الفاتيكان وذلك بسبب الإفتقار إلى الإستعداد الشعبي والفكري والجمعي لمؤمني كنيسة المشرق فكانت النتيجة ظهور الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية. ومن تاريخنا المعاصر، نرى بأن تبني كنيسة المشرق الآشورية للتقويم الغريغوري بدلا من اليوليالي في بداية العقد السابع من القرن الماضي تسبب في إنشقاق الكنيسة وظهور الكنيسة الشرقية القديمة وسبب ذلك هو أيضاً الإفتقار إلى التوافق الشعبي والإستعداد الفكري الجمعي (القومي) الذي كان يتآكل بفعل النزعات العشائرية والشخصية. حتى أبان المحادثات والإجتماعات حول تحقيق الوحدة بين فرعي كنيسة المشرق (الآشورية والكلدانية) كان هناك نوع من "الطرطمة" والتذمر بين مؤمني كنيسة المشرق الآشورية والتخوف من الوحدة  معتقدين بأن مسعاها الأخير هو الخضوع للفاتيكان. وعلى الجانب الآخر كان يرى البعض، حتى بعض الكهنة من الكنيسة الكلدانية، بأن الوحدة مع كنيسة المشرق الآشورية سيجلب الويلات والمصاعب وغضب السلطات الحكومية على الكنيسة الكلدانية لأن الكنيسة الآشورية هي مسيسة ورجالها يتدخلون في السياسة. ومن واقعنا المعاصر الأقرب نذكر بأنه قبل سنتين، أكثر أو أقل، قرر قداسة مار أدي الثاني بطريرك الكنيسة الشرقية القديمة تبني التقويم الغريغوري الجديد للأحتفال بعيد الميلاد غير أن مجموعة من مؤمني الكنسية متسلحين بالنزعات العشائرية والشللية والمواقف المتصلبة أنتفضوا ورفضوا هذا القرار وتمسكوا بالأحتفال بعيد الميلاد حسب التقويم القديم اليوليالي.

كل ما تقدم أعلاه في إستحالة تحقيق الوحدة أو أي نوع آخر من التقارب المؤدي إلى الوحدة كان سببها الرئيسي عدم توفر الإستعداد الفكري بين المؤمنين وإفتقارهم إلى الوعي الجمعي أو القومي أو تدني مستوى هذا الوعي الذي هو بالنتيجة مصدراً مهماً في تحقيق الوحدة القومية وهو من مهمات العلمانيين وأحزابهم السياسية وتنظيماتهم القومية. وهذا الأمر الذي كان قداسته يعرفه حق المعرفة وعلى أساسه أكد:
وحدة شعبنا القومية هي التي تحقق وحدة كنيستينا
(طيب الله ذكراه ورحمه في جناته الواسعة)

53
إلى متى يظل "ممثلو" أمتنا "الكلدانية السريانية الآشورية" يقبلون المذلة والإهانة؟
=======================================================
أبرم شبيرا
كلمات في غير محلها... ولكن!!:
----------------
يلاحظ القارئ العزيز بأنني كتبت كلمة "ممثلو" بحروف صغيرة تعبيراً عن إحتجاجنا وإمتعاضنا وتصغيراً لهم في مهماتهم البرلمانية رغم إعترافنا بأنهم قانونياً وسياسياً يمثلون أمتنا "الكلدانية السريانية الآشورية" لأنهم وصلوا إلى الكراسي البرلمانية عن طريق الإنتخابات، المعيار الوحيد المتاح لإكتساب هذه الصفة في هذا الزمن "الديموقراطي" جداً. ويلاحظ القارئ العزيز أيضاً بأنني كتبت "الكلدانية السريانية الآشورية"  بحروف كبيرة تكبيراً وتمجيداً لهذه الأمة العظيمة بكل تسمياتها الحضارية رغم أنها أضحت بفعل العقلية الطائفية المهيمنة على مقدرات البلاد "مكون مسيحي". كما أنه من الضروري للقارئ اللبيب أن يفهم أنه لا محال إلا أن نذكر هذه التسمية الوحدوية لكونها الطرح السياسي الأضمن في الوقت الحالي من التسمية المفردة في مواجهة التحديات المصيرية المشتركة والمطالبة بحقوقنا القومية، وهي الحالة التي تفرض علينا أن نضعها دائماً بين هلالين لتعطي نوع من التحفظ على هذه التسمية الوحدوية. أما ذكر كلمات كـ "المذلة والإهانة" التي تأتي ضمن الظروف الإعتيادية والمستقرة والتي تسودها الألفة والمحبة والتسامح ونكران الذات، وهي الظروف التي يفتقر إليها المجتمع العراقي بشكل عام ومجتمعنا بشكل خاص، تأتي ككلمات غير مقبولة ومستهجنة ولكن ذكرها ضمن الظروف القاسية والتكفيرية والسياسات الإستبدادية التي تمارسها النخب الحاكمة في العراق تجاه أمتنا و أيضا تجاه "ممثليها" تفرض علينا وتجبرنا على أن نجعل مثل هذه الكلمات مقبولة بعض الشيء خصباً عنًا رغم أن ذكرها يحز في عقولنا ويؤلم قلوبنا لأن الكثير منهم أصدقاء لنا لا نرغب إطلاقاً أن يتعرضوا للمذلة والإهانة وأنهم جميعاً أبناء أعزاء لأمتنا ولا نشك في إمكانياتهم الفكرية والسياسية والتي مع الأسف الشديد، تتطاير وتتلاشى في هذه الأيام من جراء الرياح الطائفية العاتية التي تضرب وبقوة بأمتنا وبالتالي يتعرضون إلى الإنتقادات والمهانات من قبل أبناء أمتنا من جراء عجزهم عن القيام بأي شيء مفيد لهذه الأمة.
 
لماذا نطالب بإستقالة "ممثلي" أمتنا ؟؟:
منذ سنوات عديدة طالبنا وطالب غيرنا من أبناء أمتنا بإستقالة "ممثلي" أمتنا من المراكز البرلمانية والحكومية وأجرى موقع عنكاوه الألكتروني الموقر إستفتاء حول الموضوع وكان أكثرية أبناء أمتنا يؤيد الإستقالة، ولكن "في المشمش" كما يقول أخوتنا المصريين. لماذا نطالب بهذه الإستقالة؟ فالجواب واضح وضوح الشمس لأنه كما هو معلوم وبشكل جلي بأنه منذ عام 2003 لنا ممثلين في الهيئات البرلمانية والحكومية ولكن لم يستطيعوا تحقيق أي شيء إطلاقاً لأبناء أمتنا، بل الواضح والجلي هو أن حياتهم في تدهور مستمر وفضيع وكأنها راكبة على جناح عفريت سائر نحو المجهول وبدون وجهة محددة. أفهل هذه الحالة المزرية التي نعيشها في الوطن موضوع يستوجبه التوضيح أكثر والإطناب فيه؟ فبنظرة بسيطة على الواقع المزري لأبناء أمتنا تكفي للتوقف عن الشرح المفصل. أليس لـ "ممثلي" أمتنا عيون سليمة قادرة على النظر على هذا الواقع المزري؟؟ أفليس لهم أحاسيس يحسون بما يتعرض له أبناء أمتنا من  مأساة وفواجع بسبب السياسيات الإستبدادية للنخب الحاكمة في العراق ومنتوجهم الدعشي؟ نعم ... ونعم مرة أخرى... لهم عيون سليمة وأحاسيس مرهفة ولكن لا يستجبون لنداء أبناء الأمة بالإستقالة... لماذا:
الأول يقول: نعم لهم عيون ويشاهدون الواقع بكل وضوح ولكن مصالحهم الخاصة والتحزبية المقية تعميهم وتصبح غشاء سميك يغطي عيونهم لذلك يرفضون الإستقالة ويبررونها بشتى التبريرات الباهتة. فإذا كان هؤلاء خائقون على جيوبهم، فأنا أقترح أن نؤسس جمعية خيرية لمساعدتم في إعادة ملئ جيوبهم من تمويلات أبناء أمتنا الفقراء التي ستكون مصدرا أكثر حلالاً  بكثير من تمويل والرواتب المدفوعة من سرقات الفاسدين في النظام العراقي. وهنا أود أن أكد تأكيداً قاطعاً لهم بأن في حالة إستقالتهم يجب أن لا يخشوا على فقدان هيبتهم وسلطانهم المستمد من فساد وتخلف النظام السياسي في العراق بل سينالون عوضاً عنه مركزاً محترماً وهيبة مبجلة أساسها حب وإحترام وتقدير أبناء أمتنا وليس اللصوص والفاسدين ومن المؤكد حينئذ سيكون تكريس قابلياتهم في خدمة الأمة وعبر قنواتها القومية الشرعية ذو فائدة وتصبح إمكانيتهم  في مكانها الصحيح و يظهر "نضالهم"  على مساره السليم.
 
الثاني يقول: لا .. لا .. لا يجب أن يستقيلوا لأن على "ممثلي" أمتنا أن "يناضلوا" من داخل الهيئات البرلمانية والحكومية ويواجهوا التحديات وهم جالسون جنباً إلى جنب مع اللصوص والفاسدين حتى ينتزعوا منهم حقوق أمتنا... جواب يذكرني بحروب دون كيشوت الذي كان يحارب الشياطين المتجسدة في طواحين الهواء كما حاربنا القانون الشيطاني للبطاقة اللاوطنية، آخر معاركنا ولكن ليست الأخيرة فالحرب مستمرة على ساحة المشاركة في الحكومة التكنوقراطية "غير الفاسدة" والتي خرجنا منها بدون حمص. ألا يعتبر عدم إختيار أي "تكنوقراطي" من "المكون المسيحي" أهانة لكل المسيحيين ولأصحاب الأرض الحقيقيين؟؟؟ ربما معايير تحديد التكنوقراطي عند النخبة الحاكمة هي السرقة والفساد والخيانة والتأمر وهي معايير "تكنوحرامية" حتماً غير موجودة عند "المكون المسيحي" لا في الماضي ولا في الحاضر، ولا نستغرب بأن الحرامي والفاسد والخائن والمتأمر لا يريد أن يجلس الصادق والنزيه والمخلص والمتفاني معه وتحت قبة واحدة لعل ينكشف أمره أكثر فأكثر.

الثالث يقول: حتى لو أستقالوا من الهيئات البرلمانية والحكومية فأن هناك بعض الحثالة الذين يقتاتون من فتات الخبر الساقطة من موائد الحرامية والفاسدين ومستعدون لإنتهاز فرصة أستقالة "الممثلين" الحالين لأمتنا للوثوب على كراسيهم المهلهة، أي بما معناه الرجوع إلى المرجع الأول ومن دون نتيجة، لا بل بنتيجة أسوء. فمثل هؤلاء لا تكون الإنتخابات بعلاتها وعيوبها مصدر وصولهم إلى الكراسي بل يكون اللصوص والفاسدين والمتحذلقين مصدر "شرعيتهم". وإذا حسبنا البعض من هؤلاء "اللكامة" - حسب اللهجة العراقية - موجودون بين أبناء أمتنا، حالنا كحال غيرنا من الأمم، إلا أنهم في حساباتنا القومية هم منبوذين وحالهم سيكون كحال يهوذا الإسخريوطي المنبوذ.

ما الحل بعد إستقالة "ممثلي" أمتنا:

في معظم المناسبات التي تجمعنا مع أصدقاءنا والمهتمين بشؤون الأمة يطرحون، بعد نقاشات مستفيضة عن المأساة والفواجع التي يعانيها أبناء أمتنا في وطن الأم والحالة التشاؤمية التي تسيطر على عقولنا ومن دون الخروج بحل بحده الإدني لتخليص أبناء أمتنا من هذه المأساة والفواجع، يطرحون تساؤل .. ما الحل؟ ...صحيح لا أحد في هذا العالم، خاصة أمتنا الفقيرة، يملك عصا سحرية وبضربة واحد يحل كل المشاكل. ولكن على الجانب الآخر نقول لا مستحيل على الأرض فلكل داء دواء. أطلب السماح من القارئ الكريم لكي أروي له هذه الحكاية. لي صديق عزيز مهتم جداً بالشؤون السياسية والقومية لأمتنا ويتمتع  بنوع من روح الفكاهة وبأسلوب إنتقادي حاد جداً حيال المسائل الكنسية والقومية. في السنوات الأخيرة طغى على تفكيره نوع من التشاؤم وفقدان الأمل في إيجاد أي حل لخلاص أبناء أمتنا من المأساة والفواجع التي تفعل فعلها فيهم وتدفعهم نحو المجهول والموت. ولغرض التخفيف من تشاؤمه كنتً أقول له: أنظر يا صديقي العزيز... السرطان مرض خطير وقاتل وسنوياً يقضى على الألاف من الناس في العالم ولا علاج له. ولكن بالمقابل العلماء يعملون ليل نهار لإيجاد الدواء الشافي للمرض. فكان يردُ ويقول محلفاً: "والله... العلماء سيجدون الدواء لمرض السرطان ونحن مستحيل أن نجد الدواء لمشاكل أمتنا". فكنت أرد عليه وأقول: "أنظر يا صديقي العزيز كيف العلماء يعملون بجد ويكرسون الوقت والجهد والمال من أجل إيجاد دواء لمرض السرطان وقد أثمر عملهم هذا بإيجاد أدوية تخفف أو تمنع من إنتشار هذا المرض في جسم الإنسان فبمرور الزمن سيأتي اليوم الذي سيجدون العلاج الشافي والكامل للمرض... هكذا يجب أن نكون في تعاملنا مع مشاكل ومأساة أمتنا". فبالعمل الجاد ونكران الذات والتضحية بالوقت والمال وتصفية النيات والقلوب سنرسم خارطة الطريق وحتماً سيكون لهذا الطريق خطوات عملية طويلة جداً يتطلبها الصبر والتأني.  والمنطق يقول لضمان نجاح الوصول إلى نهاية الطريق هو البدء بالخطوة الأولى. أنظر عزيزي القارئ كيف فشلت كل محاولات الوحدة أو التقارب سواء بين فروع كنيستنا المشرقية أو أحزابنا السياسية؟ لأن في معظمها جاءت عفوية وبعضها للمزايدة الكنسية والقومية ومن دون خطة أو رسم لخارطة الطريق لا بل من دون خطوة أولى. فمعظم المحاولات كانت تتجاهل، بقصد أو جهل، الخطوة الأولى وتقفز من فوق الواقع إلى النهاية من دون المرور بالمحطات الضرورية والثانوية  للوصول إلى المحطة الأخيرة... مسألة طويلة وشائكة نتجنبها هنا ونتركها لفرصة أخرى حتى لا نخرج من صلب موضوعنا هذا.

كيف نبدأ الخطوة الأولى؟؟ لنأتي بمثل آخر: كل شخص عندما يبدأ بتشييد بناء أو بيت أو بناية، أولى الخطوات الأساسية والضرورية التي يشرع بها هي تنظيف الأرض من النفايات والقاذورات والأنقاض ومن ثم وضع السياج حول الأرض وتسويتها لتكون ملائمة لدك الركائز والأساسات ثم تشييد البناء. هكذا الحال أيضا مع "ممثلي" أمتنا في الهيئات البرلمانية والحكومية. لا أحد في العالم يستطيع أن ينكر بأن النظام السياسي في العراق فاسد حتى النخاع وكل الإصلاحات التي تأتي من رجال هذا النظام لا تستطيع الإفلات من فساد النظام طالما تنطلق من نفس النظام وممثليه هم من نفس النظام. ومن المؤسف القول بأن مشاركة أبناء أمتنا في هذا النظام الفاسد سينتقل مرض الفساد إليهم وبالتالي لا مفر من أن ينعتوا بالفساد أيضا. من هذا المنطلق وقبل الشروع بخدمة أبناء أمتنا يجب قبل كل شيء الخلاص من هذا المرض عن طريق تجنب الإختلاط والتعاطي مع المصابين به وإكتساب نوع من الحصانة ضده فبدون هذا الخلاص تكون كل جهودهم مضيعة للوقت ومصدر للفشل والتعرض للنقد والتهجم من قبل أبناء أمتنا الذي ينتظرون نتائج ملموسة منهم. هذا الخطوة الأولى المهمة جداً، أي ترك الهيئات البرلمانية والحكومية المبوءة بأمراض الفساد والنفاق والسرقات والأحقاد، لا يمكن رسمها وتنفيذها إلا بإرادة نزيه ووضع مصلحة الأمة فوق مصلحة الشخص والحزب الذي ينتمي إليه وبنكران الذات والتضحية بالمنصب والمال وتشابك أيادي "ممثلينا" الخمسة في البرلمان وشدها بقوة بعضها بالبعض وإطلاق أعلان إستقالتهم ليكون إطلاقه كإطلاق قنبلة ذرية مدوية تخرس ألسنة بعض رجال الحكم والسياسية في العراق المنافقين والكذابين الذين ما أن يختموا لقاءهم مع بعض من رجال كنيستنا أو أحزابنا ونفاقهم في التأكيد على الأصالة العراقية للمسيحيين وضمان حقوقهم المشروعة حتى يديروا ظهورهم ويذهبون إلى مكاتبهم البرلمانية والحكومية ليشرعوا قوانين ظالمة وممارسات إستبدادية بحق أمتنا. صدقنوني معظم الذين ألتقوا برجال كنيستنا وأحزابنا وأكدوا على أحقية أمتنا في حقوقها الدينية والقومية المشروعة صوتوا في البرلمان تأييدا لقانون البطاقة اللاوطنية وغير الموحدة. محافظ نينوى ... أي نينوى نتكلم عنها وأي محافظ والأمر كله بيد داعش.. في وقت قريب زار هذا المحافظ شخصيات من أبناء أمتنا في أربيل ليؤكد مساندته لهم في محنتهم وتفهمه لمعاناتهم، فما أن عادة بعد أيام إلى مكتبه حتى نكر وأحتج على قرار الإتحاد الأوربي في أعتبار المسيحيين في العراق يتعرضون للإبادة الجماعية؟؟!!  ليس هذا فحسب بل إن إستقالة "ممثلي" أمتنا سيكون له دوياً صاروخياً عابر للمحيطات ويصل آذان الدول المتقدمة والديموقراطية حينذاك سيتساءل رؤساء هذه الدول عن سبب الإستقالة هذه ... حينذاك سيصدقون بأن الإبادة الجماعية ليسب داعشية فحس بل هي أيضا طائفية مقيتة يمارسها الفاسدون والتكفيريون القابعون في أروقة البرلمان والحكومة العراقية ويستخدون أسحلة مختلفة عن أسلحة داعش ولكن بالنتيجة النهائية هي القضاء النهائي لوجود أمتنا في أرض أباؤنا وأجدادنا، حينذاك يستطيع "ممثلي" أمتنا الجلوس مع رؤساء هذه الدولة ويطلبون منطقة آمنة وحماية دولية على أسس منطقية مقبولة.

شغر الكرسي الوزاري اليتم في المركز والأقليم المخصص للـ "مكون المسيحي" ولم يتم إشغاله رغم مرور وقت طويل... لماذا؟؟؟ يتحجج المسؤولون في المركز والإقليم بالقول بأن الكتل البرلمانية لهذا المكون غير متفقين على شخصية معينة لإشغال منصب الوزير... من حيث الشكل يظهر بأنها حجة مقبولة ومنطقية والمذنب فيها هو "ممثلي" أمتنا في البرلمانين المركزي والإقليمي. فشهوة اللهوث وراء هذا الكرسي لإقتناء إمتيازاته غير المشروعة والملوثة بالفساد ومال الحرام أمر مسيطر على عقولهم وسلوكهم، وهو الأمر الضروري والجوهري الذي يجب التخلص منه والتطهر من أمراض الكرسي وجزء من الخطوة الأولى في خارطة الطريق. واليوم هناك معارك علنية أو خلف الستار والتباكي على عدم وجود كرسي لهم في حكومة التكنوحرامية المزمع تشكيلها... في الحقيقة أمر  تشكيل ما يسمى بحكومة تكنوقراط لا أفهمه رغم إمتلاكي قدر بسيط من أبجدية العلوم السياسية، فرئيس البرلمان سني طائفي ورئيس مجلس الوزراء شيعي طائفي وحصة الكراسي في البرلمان ومجلس الوزراء قائمة على أسس طائفية فمن الذي سيختار التكنوقراطيين لإشغال المناصب الوزراية؟ هل الناس البسطاء المتظاهرين أمام بوابة منطقة الخضراء... طبعاً كلا. أن أصحاب الكراسي الطائفية هم الذين سيرشحون أعضاء وزارة التكنوحرامية والتصويت عليهم. فالمنطق والحقيقة والممارسة الفعلية والخلفية الفكرية والعقلية تؤكد بأن لا يمكن أن نتصور شيعي يصوت لمرشح سني والعكس صحيح أيضا. إذن ما لنا ونحن وهذه اللعبة القذرة التي ليس لنا فيها لا ناقة ولاجمل؟ إذاً كل هذه الأوضاع والقاذورات يجب التخلص منها أولاً بإستقالة "ممثلي" أمتنا من هذه الأروقة المظلمة كخطوة أولى حتى نستطيع تشييد الخطوة التالية. كما هناك أمر مهم أثبته الواقع والممارسة السياسية وهو أن مثل هذه الكراسي سواء البرلمانية أو الحكومية واللهوث للحصول عليها تلعب دوراً كبيرا في تسعير حدة الخلافات والصراعات بين أحزابنا المتمثلة في البرلمان. فنبذها وطرحها خارج عقليتهم الحزبية من المؤكد سيساهم هذا في التقارب والتفاهم بينهم وسيظهرون لأبناء أمتنا بأنهم ليسوا عبدة الكرسي بل جاءوا لخدمة هذه الأمة.

إذن نؤكد مرة أخرى إن إستقالة "ممثلي" أمتنا من البرلمان ونبذ الكرسي الوزاري هي الخطوة الأولى في مسيرة خريطة الطريق. ومثل هذا الأمر، كما ذكرنا سابقا، لا يتحقق إلا بنكران الذات والمنصب وببذل الجهود المضنية ووضع مصلحة الأمة نصب أعينهم قبل كل شيء ومن ثم الإنطلاق نحو الخطوة التالية، بعد تصفية القلوب وتكاتف الأيدي، وهي البدء بوضع أسس وركائز تشكيل مجلس أعلى للـ "الكلدان السريان الآشوريين" مؤلف من الأعضاء الخمسة في المركز والأعضاء الخمسة في الإقليم مع أربع ممثلين من فروع كنائسنا الكلدانية والسريانية والآشورية والشرقية القديمة بدرجة مطران أو أسقف ومن ثم توالي الخطوات نحو وضع آليه للعمل وتشكيل لجان متخصصة من شرفاء و"تكنوقراط" حقيقيين وأكفاء ليس في إختصاصهم فحسب بل في ضميرهم ووعيهم وإستعدادهم للعمل والتفاني من أجل خدمة هذه الأمة... أفهل هذا أمر صعب ومستحيل؟؟؟ كلا وألف كلا.  كم أتمنى أن يتحقق هذا الحلم... ولكن نحن نعلم بأن الأحلام القومية لا يحققها إلا الأبطال القوميين ... أفهل لنا فعلاً أبطال قوميين؟؟؟. كم أتمنى أن تتحقق هذه الخطوة الأولى حتى أهرع إلى صديقي العزيز وأزرع فيه بذرة أمل وأقول له: أنظر لنا علماء يعملون بكل جدية من أجل إيجاد الدواء الذي سيخفف من معاناة أمتنا، فبالعمل المضني والتفاني سوف يكتشفون عاجلاً أم آجلا الدواء الذي سيقضي على أمراض أمتنا أن لم يكن في عصرنا الحالي فمن المؤكد سيكون ذلك للأجيال القادمة فهكذا تستمر أمتنا وتتواصل نحو أماد أبعد حينذاك سوف نتفاخر وتتفاخر الأجيال القادمة في كونهم أحفاد حمورابي وآشور بانيبال ونبوخذنصر ومار شمعون برصباي ومار بنيامين ومار توما أودو وفريدون أتورايا وأغا بطرس ونعوم فائق وفريد نزها فيتعاظم بريق هؤلاء النجوم ويضئ طريق مناضل أمتنا نحو نيل حقوقنا المشروعة في أرض الأباء والأجداد.     

54
كلمات متأخرة عن الأديب المبدع والصديق الراحل يونان هوزايا
==================================
أبرم شبيرا
أمام محكمة الضمير:
-------------
كلما أقراً موضوعاً عن الأديب المبدع والصديق الراحل يونان هوزايا وأستطلع الإنجازات الأدبية والفكرية والثقافية التي برع فيها وأسردها أصحابه في كتاباتهم خاصة الذين زاملوه في مسيرته الثقافية والسياسية كما فعل مؤخراً الإستاذ يوسف شكوانا في موضوعه المعنون (رابي يونان أسم تخلده الأجيال) والتعليقات التي وردت عليه خاصة من زملاءه القدامى كالإستاذ كوركيس أوراها منصور وغيره، أجد نفسي واقفاً في قفص الإتهام في محكمة الضمير بتهمة التقصير في تسخير ولو بضعة اسطر في رحيل هذا الأديب المبدع والصديق المخلص لأكثر من ثلاثة عقود ونصف العقد من الزمن. وفي دفاعي عن هذه التهمة "الضميرية" كنت ألجأ إلى حجج مفادها بأن العديد من زملاء المرحوم قد قاموا بالواجب وبأحسن وجه ومن دون أي تقصير فتطرقوا بالتمام والكمال إلى شخصيته الفريده وابداعاته العديدة إلى درجة لم أجد مجال آخر للتطرق إليه أو ضرورة لإعادة ما كتبه زملاءه في هذه الساحات الفسيحة من حياته وأبداعاته الثقافية والأدبية والفكرية والسياسية من جهة، والصدمة العنيفة التي تلقيتها عند سماع خبر رحيله وتركتني في حالة من الذهول والتساؤل عن الفراغ الذي سيترك رحيله على الساحة الثقافية لأمتنا من جهة أخرى  كان ربما سبب آخر لهذا التكاسل. ولكن مع كل هذا لم تكن هذه التبريرات كافية لتريح ضميري من التقصير تجاه صديقنا الراحل فضلت ذكراه توشوش فكري وتؤنب ضميري خاصة عندما أقرأ موضوعاً كتبه أحد زملاءه أو أتصادف مع أحدى كتبه الأدبية أو قاموسه اللغوي وأنا غائص بين محتويات مكتبتي الصغيرة. لذا لم أجد مندوحة ولا مفر إلا أن أسطر بعض السطور عن هذا الصديق المخلص والمبدع والفريد من نوعه لعل قد تريح جانب من ضميري وتضمن إستقرار فكري بهذه السطور القليلة لشخصية عظيمة وإن جاءت متأخرة من حيث سياقها الزمني وبعد ثلاثة أشهر من رحيله لكن ليست كذلك في سياقها الفكري حيث سيظل "أبو نينوس" في ذكراه وإبداعاته مأطراً بإطار سرمدي طالما بقيت كتبه تحتل رفوف المثقفين وطالما بقية "السريانية" منطوقة بألسنة أبناء أمتنا الذي كان فارسها الثائر وسيظل هكذا حتى ولو رحل عنَا.     

يونان هوزايا بين الثقافة والسياسة:

-------------------
هناك ظاهرة إجتماعية وربما فكرية وسياسية أيضا وهي إنخراط المثقف، بكل معنى لهذه الكلمة الواسعة والتي تشمل حقول الفكر والأدب والفن، في السياسة وبكل ما تعني هذه الكلمة من إنخراط في النشاط السياسي وخاصة الإرتباط بتنظيم سياسي أو التحزب المفرط له. فتقاطع العالمين الثقافي والسياسي أمر معقد يصعب جداً ضبط التوازن بينهما من دون الإخلال به وتغليب جانب لصالح الجانب الآخر. فالمثقف الذي يتعرف الناس على إنتماءه من خلال نشاطه الثقافي والفكري والأدبي الشامل المرتبط بالأمة التي ينتمي إليها يصعب جداً أن لم يكن مستحيلاً أن يحافظ على شمولية نشاطه وإستقلاليته عند إنتماءه إلى حزب سياسي معين. فإلتزامه الحزبي يفرض عليه أن يكرس كل نشاطه الفكري والثقافي والأدبي بما يتماشى أو على الأقل بما لا يتعارض مع فكر ومنهاج وتوجهات الحزب السياسي الذي ينتمي إليه وهو الأمر الذي يسبب فقدان شمولية وإستقلالية نشاطه الفكري والثقافي والأدبي وبالتالي صعوبة أو إستحالة وجود توازن بين العالمين الثقافي والسياسي. ومن يعرف الراحل يونان هوزايا كما أنا عرفته من خلال العالمين الثقافي والسياسي، يعرف جياً بأنه يشكل حالة فريدة وإستثنائية في هذا السياق. فإنتماءه السياسي والتنظيمي إلى الحركة الديموقراطية الآشورية (زوعا) ومن ثم تدرجه حتى وصوله إلى مراكز قيادية ومن ثم تسنمه منصب وزير الصناعة في حكومة إقليم كردستان لم يؤثر إطلاقاً على شمولية وإستقلالية نشاطه الفكري والثقافي والأدبي فظلت مسيرته على نفس الخط من دون الإخلال بها أو التأثير عليها بسبب إنتماءه الحزبي. كما أن نشاطه المفعم بالحيوية والتوجه القومي الصميمي لم يؤثر إطلاقاً على إلتزامه الحزبي فبقى، رغم كل الظروف مرتبطاً فكرياً وتنظيمياً بزوعا وبالتالي أستمر نشاطه ضمن العالمين الثقافي والسياسي في تناسق عجيب وغريب قلما شاهدنا مثيلاً له. عندما ألتقيت بصديقنا الراحل في دمشق في النصف الثاني من تسعينيات من القرن الماضي وهو بصحبة الأستاذ يونادم كنا عمت الفرحة والمسرة قلوبنا من هذا اللقاء بعد سنوات عديدة فتم خلالها إستعراض شريط الذكريات في بغداد وخاصة نشاطاتنا في إتحاد الأدباء والكتاب لـ "لناطقين بالسريانية" في بغداد ثم أستغرب صديقنا الراحل بشدة من عدم إنتمائي إلى زوعا فقال للأستاذ يونادم: أرجوك أعطي لأبرم إستمارة الإنتماء لكي يملئها ويستكمل إنتماءه لزوعا. فأجابه الإستاذ يونادم قائلاً وبنوع من المزحة: "أنه مشاغب ولا نريده في زوعا... فالأحسن أن يكون خارج زوعا". وعندما عرفت من خلال أحاديثنا قصة إنتماء صديقنا الراحل إلى زوعا أندهشت وتحفظت على هذا الإنتماء فدخلنا في نقاش حامي الوطيس فيه نوع من الإعتراض مجبولاً برفضي إنتماءه إلى زوعا خشية من تأثير هذا الإنتماء على نشاطه القومي الشامل. غير أنه بمرور السنين ظهر بأنني كنتَ مخطئاً فالعكس كان هو الصحيح. فبعد إنتماءه إلى زوعا تعاظم وتوسع نشاطه وعلى مختلف الأصعدة وظهرت له نتاجات أدبية ولغوية وثقافية عديدة وأنتشرت بشكل واسع فكان فارساً شهماً مع غيره من فرسان أمتنا في تثبيت وترسيخ التعليم السرياني وإستمراره نحو مراحل متقدمة بفضل ما بذله من جهود مضنية في إعداد وترجمة معظم مناهج التدريس إلى اللغة السريانية. ولو تمعنا النظر في العوامل التي ساعدت صديقنا الراحل في تعاظم وتوسع نشاطه الثقافي والفكري والأدبي واللغوي بعد إنتماءه إلى زوعا نجد بأن هناك عاملان:
الأول: توفر هامش من الديموقراطية وحدود معينة من الحرية في إقليم كردستان بعد عام 1992، حيث كانت تنشط زوعا بشكل علني، فأتيحت للقوميات غير الكردية منهم "الكلدان السريان الآشوريين" فرصة الإنطلاق وبزغم أقوى نحو تكثيف النشاطات السياسية والفكرية والثقافية والأدبية، فظهرت مجلات وجرائد وتأسست أحزاب وجمعيات ومراكز ثقافية لأبناء شعبنا وبدأت قنوات تلفزيونية بالبث ومحطات إذاعية فكانت كلها ساحات رحبة لصديقنا الراحل ليكون اللاعب الأساسي والفاعل فيها. فالقيود الإستبدادية التي كانت تكبل نشاطه المفعم في بغداد تكسرت عند إنتقاله إلى منطقة الحكم الذاتي فتعاظم وتوسع نحو مجالات فسيحة ومختلفة برع في جميعها وأصبح نجماً ساطعاً في سماء عالمنا الثقافي واللغوي والفكري.
الثاني: كانت التوجهات السياسية القومية للحركة الديموقراطية الآشورية وتجسيد جوانب منها على أرض الواقع عاملاً مهماً لصديقنا الراحل ليركب الأمواج الهائجة في بحر الثقافة والأدب والفكر ليكون أحد ربان سفينة زوعا ويقودها نحو إنجازات قل مثيلها في تاريخنا المعاصر وتحديدا في مجال التعليم السرياني. فلا أحد يستطيع أن ينكر في هذا العالم بان زوعا، سواء أتفقنا معها أم أختلفنا، كانت "مؤسسا" ورائداً في ولادة التعليم السرياني وتواصله نحو مراحل متقدمة وتحقيق أهدافه فكانت هذه الصفحة الجديدة في حياة أمتنا هي التي  جذبت صديقنا الراحل نحوها ويكون جزء منه من خلال إنتماءه إلى زوعا ليكون أكثر قرباً من عملية صنع القرار فيما يخص التعليم السرياني، أعظم إنجاز قومي في تاريخنا الغابر والمعاصر.
وقبل أن أنهي هذا الباب في تأكيد الترابط العضوي والقوي بين النشاطين الثقافي والسياسي لصديقنا الراحل أود أن أقول بأنه لم يكن مبدعاً وخلاقاً في المجالي الثقافي والفكري والأدبي فحسب بل كان مبدعاً ورائعاً في سلوكه الهادئ وأخلاقه الدمثة ورصانة فكره ومرونة كلامة وصلابة صداقته مع الجميع وربما من دون إستثناء. فلا أعتقد أحد يخالفني الرأي بأن المرحوم رغم إنتماءه إلى زوعا، ونحن نعرف جيداً بأن لزوعا منتقدين ومخالفين ومناهضين سواء لها أو لبعض قادتها، ولكن للحقيقة أقول لم أسمع أو أقرأ أي كلام أو نقد أو معارضة أو مناهضة لصديقنا الراحل من أي شخص كان حتى ولو كان من ألد أعداء زوعا، فالكل من أبناء شعبنا كان يحترمه رغم كونه في قيادة زوعا. أما من ناحية إنتماءه إلى عالم الثقافة والأدب فأنا شخصياً لم أقرأ أي معارضة أو رفض لنشاطاته الثقافية والأدبية، وقد يكون هناك نوع من هذا الرفض أو النقد ولكن من المؤكد هو بسبب نقص الوعي أو صعوبة فهم ما كتبه صديقنا الراحل. وهنا لا يسعني إلا أن أذكر الندوة التي أقامها في شيكاغو قبل سنوات وسأله أحد السائلين "الآشوريين" عن سبب تسمية القاموس الذي ألفه بالتشارك مع رفيقه وزميله الشماس أندريوس يوخنا (بهرا – عربي – سرياني) بالسرياني وليس بالآشوري وبين رفضه لهذه التسمية فأجابه صديقنا الراحل بقوله: لماذا تهتمون بالشكل أو بقشرة الجوز وتتركون لب الجوز أنظر في داخل القاموس وسترى بأن لغته هي اللغة التي يتكلم بها الجميع سواء كانوا آشوريين أم كلدان أم سريان؟؟؟ 

يونان هوزايا بين بغداد وعنكاوه:

-----------------
مرحلتان في حياة صديقنا الراحل وعلى مختلف الأصعدة الشخصية والفكرية والثقافية والأدبية...

مرحلة بغداد: وملئها نشاطات ثقافية وفكرية وأدبية ولكنها مقيدة بقيود إستبدادية النظام ومقرونة بنوع من الخشية والخوف من بعض عملاء النظام البعثي العراقي المندسين في مؤسساتنا الثقافية والأدبية والإجتماعية. من المؤكد الكثير من زملاء صديقنا الراحل الذين شاركوه في نشاطات الجمعية الثقافية وإتحاد الأدباء والكتاب للـ "الناطقين بالسريانية" في بغداد يتذكرون أكثر مما أتذكر أنا. فمن جانبي وبإعتباري كنتُ عضواً في إتحاد الأدباء والكتاب أتذكر بأن كلا المؤسستين كان مقرهما في دار قديم في منطقة السعدون تابعه للراهبات الكلدان وبقيا هناك حتى دمجهما عنوة بالإتحاد العام للأدباء والكتاب العراقيين. ففي عام 1972 عندما تأسس بعض المؤسسات الثقافية للـ "ناطقين بالسريانية" منها الجمعية الثقافية واتحاد الأدباء والكتاب حيث بتشجيع من بعض العناصر الحكومية شارك رجال الدين وبعض المطارنة من الكلدان والسريان والآشوريين في تأسيس هذه المؤسسات وإدارتها في سنواتها الأولى ولكن بمجرد أن بدأ بعض العناصر القومية لأبناء أمتنا المشاركة في نشاطات هذه المؤسسات وتحويل نشاطها نحو المسار الثقافي القومي الصحيح ومن ثم تحقيق بعض الإنجازات الثقافية واللغوية المهمة، بدأ وجود رجال الدين بالاختفاء والتلاشي فأدركت السلطات الحكومية والحزبية خطورة هذه المؤسسات فلجأت إلى إغلاقها ودمجها مع الاتحاد العام (الرسمي) للكتاب العراقيين فأصبحت بحكم المنتهي، فكان صديقنا الراحل مع بعض من زملاءه فرسان شجعان في مواجهة التحديات وتحقيق بعض الإنجازات ضمن تلك الظروف الصعبة. أتذكر في عام 1981 عندما قامت الحرب العراقية الإيرانية أصبح تقريباً معظم مؤسساتنا بحكم المشلول ومن دون نشاطات تذكر خاصة بعد إستدعاء بعض العناصر الفاعلة لخدمة الإحتياط في الجيش العراقي وأعتقد كان صديقنا الراحل أحدهم. ولكن كانوا دائماً  يزرون الجمعية أو الإتحاد ويشاركون في نشاطاتهما. لم يكن أمر إخماد نشاط هذه المؤسسات مرضياً للسلطات الرسمية والحزبية لذلك طلب من جميع مؤسسات وأندية أبناء شعبنا تنظيم نشاطات ثقافية كمهرجان للشعر وغيرها حتى يتم بيان بأن الحياة طبيعية رغم ظروف الحرب القائمة.  وفعلا  ولتحقيق هذا الطلب عقدت عدة إجتماعات لممثلي هذه المؤسسات والأندية بما فيها الجمعية الثقافية وإتحاد الأدباء والكتاب وكان صديقنا الراحل يشارك فيها مع بعض من زملاءه إلى جانبي وبعض من زملائي من النادي الثقافي الآشوري. هنا أتذكر أمران في مواجهة التحديات أثناء هذه الإجتماعات. الأول هو إعداد منهاج المهرجان الشعري الذي كان يصر صديقنا الراحل أن يكون باللغتين العربية والسريانية في حين كانت العناصر المعادية والمندسة تصر على أن يكون باللغة العربية فقط. والثاني هو راعي المهرجان حيث كانت العناصر المندسة والمرتبطة بالجهات الأمنية والحزبية تصر على أن يكون المهرجان برعاية وزير الداخلية، وكنًا ومعنا صديقنا الراحل وزملاءه نواجه هذا الإصرار بإصرار أقوى في أن يكون المهرجان برعاية وزير الثقافة لكون المهرجان نشاطاً ثقافيا. غير أن الأمر كان يحسم بـ "خسارتنا" في هذه المعركة بحجة أن نشاط جميع المؤسسات والأندية مرتبطة بمحافظة بغداد وبوزارة الداخلية لذلك يجب أن يكون المهرجان برعاية وزير الداخلية أو من ينوب عنه.  هنا أطلب من القارئ الكريم السماح لي بأن أسرد قصتين قصيرتين بهذا الشأن: الأولى: كتب المجرم (و. ش) الذي كان رئيس أحدى الأندية الإجتماعية، حالياً يسرح ويمرح في شوارع مدن ولاية كاليفورنيا رغم الجرائم التي أرتكبها بحق أبناء شعبنا في العراق، والذي كان يشارك في هذه الإجتماعات، كتب تقريراً إلى الجهات الأمنية ذكر فيه بأن أبرم شبيرا وجماعته "العنصريين" ويقصد صديقنا الراحل وزملاءه، قالوا في الإجتماع بأن وزير الداخلية جاهل ولا يعرف شيئاً من الشعر فلماذا يكون المهرجان الشعري برعايته؟. وللتحقيق في صحة الأمر وقبل قيام الجهات الأمنية بأجراءاتها، طلبت من السيد (ش. ت) طيب الله ذكراه، الذي كان يحضر الإجتماعات بصفة ممثل عن "اللجنة المركزية للطائفة الآثورية في العراق!!!!" والذي هو الآخر كان مرتبطا أو بالأحرى موظفاً في مديرية الأمن العامة غير أن الحق يقال بأنه كان إنساناً نزيهاً ومرحاً ولم يكن ليئماً ولا متأمراً على أبناء أمته بل كان دائماً مستعد للمساعدة وإحقاق الحق وإظهار الحقيقة من دون مجاملة ورياء، طلبت منه بيان رأيه حول تهمة المجرم (و. ش) ضدنا بخصوص غباء وزير الداخلية. غير أنه رفضها رفضاً قاطعاً وذكر الحقيقة كما وردت في الإجتماع المذكور فتغاضت الجهات الأمنية عن الموضوع. أما القصة الثانية التي ترتبط بالقصة الأولى والتي لها نوع من روح الفكاهة التي كان يتمتع بها السيد (ش. ت)، ففي أحدى الإجتماعات ذكر وقال: طلبنا أن يكون المهرجان برعاية وزير الداخلية فطلب هذه الأخيرة أن يكون برعاية محافظ بغداد ثم هذه الأخيرة كانت تطلب أن يكون برعاية المدير العام للجمعيات في محافظة بغداد وهكذا تقوم هذه الأخيرة بطلب من مديرية الجمعيات في مديرية الأمن العامة لرعاية المهرجان ومن بعده تقوم هذه الأخيرة بطلب من ضابط شعبة شؤون المسيحيين في الأمن العامة برعاية المهرجان... وهكذا ثم يردف السيد (ش. ت) فيقول: أعتقد أننا سنصل إلى اليوم الذي نطلب من "الجايجي" جاسم أن يرعى المهرجان، وجاسم كان الشخص الذي يبيع الشاي أمام بوابة مديرية الأمن العامة في منطقة السعدون.

مرحلة عنكاوه: إذا كنت قد أطنبت بعض الشيء في مرحلة بغداد لأنني كنت مشاركاً فيها بشكل مباشر ومعاشراً لنشاطات صديقنا الراحل، فإن الأمر ليس كذلك بالنسبة لمرحلة عنكاوة لأن الكثير من زملاءه كانوا لأخر يوم من حياته في تماس مباشر معه وكتبوا الكثير عنه وعن نشاطاته الإبداعية فأقتصرت علاقتي به بشكل غير مباشر أما عن طريق التراسل أو التخابر أو خلال زيارتي إلى شمال الوطن أو إلى الدول المجاورة واللقاء به. ولما كان التعليم السرياني الشغل الشاغل لصديقنا الراحل وركز معظم جهوده على إستقراره وتواصله وتحقيق أهدافه، أرى من الضروري أن أعيد المقابلة التي أجريته معه في عنكاوه في شهر شباط عام 1999 ونشرت ضمن موضوع عن التعليم السرياني في شمال العراق. ذكر وقال (منذ إقرار البرلمان لحق أبناء أمتنا في التعلم في المدارس بلغتهم القومية بدأنا مع تشكيلات التعليم السرياني في المديرية العامة للتربية ثم مع مديرية التعليم السرياني والمركز الثقافي وغيرهما من المؤسسات الثقافية والإجتماعية والمختصين في شؤون اللغة والمشرفين التربويين، بدأنا بمراقبة ومتابعة عملية التعليم السرياني مراقبة دقيقة ويومية وخطوة فخطوة من أجل معرفة مسيرتها الصحيحة وتذليل عقباتها وتوفير مستلزماتها بهدف إنضاج هذه التجربة وإنجاحها لتكون قاعدة لمرحلة متقدمة أخرى. وفعلاً بعد أن قطعت نصف الراحلة وأمضت ثلاث سنوات، أي في عام 1995 من مسيرتها تأكد لنا نجاحها وبشكل ملفت للنظر، ليس  وحدهم وإنما لغيرهم أيضا بما فيهم المسؤولين في الدوائر والوزارات المعنية، بل تأكد لنا جميعاً بأنه لا محال من إستمرار مسيرة التعليم السرياني حتى وصول محطتها الأخيرة، أي الصف السادس الإبتدائي وإجتيازها بثقة عالية، ولكن كنا مترقبين وحرصين أشد الحرص على التحرك وعلى مختلف الجبهات وفي الوقت والظرف المناسبين وقبل وصول مسيرة التعليم السرياني محطته الأخيرة بفترة معقولة ومناسبة. لهذا شرعنا في البدء مرحلة تهيأ الأجواء الفكرية والثقافية والفنية من خلاق عقد مجموعة من الندوات والحلقات الدراسية واللقاءات من أجل الإستعداد لطرح موضوع مواصلة التعليم السرياني نحو المرحلة الثانونية على المسؤولين المعنيين). شخصياً لاحظت جزء من هذه التحديات وعايشت ظروف القائمين عليها لفترة معينة وخاصة مسألة أستكمال ترجمة الكتب وإعدادها وشاهدت وأنا في دمشق في عام 1998 كيف كان أستاذنا وأديبنا الراحل يونان هوزايا يسهر الليالي حتى بزوغ الفجر وهو منكب على ترجمة الكتب التعليمية إلى السريانية، وفي حينها كنت أوبخه على عدم الإهتمام بصحته ولكن كان يقول: يجب عليً إكمال ترجمة هذه الكتب حتى تكون في متناول طلاب الصف الأول المتوسط قبل مباشرة الدوام الرسمي وإلا فأن التعليم السرياني سينهار برمته... وفعلاً يمكن أن أكد بأن الأستاذ يونان هوزايا وغيره من اللذين ناضلوا نضالاً مستمياً لإنجاح التعليم السرياني ومواصلة رحلته حتى النهاية هم أبطال مجهولون في هذه المعركة ورواد الإنجازات التي تحققت لهذه الأمة في التعليم باللغة السريانية. وأخيراً لم يبقى في هذا السياق إلى أن أذكر بعض الكلمات التي أعتبرها خالدة ورنينها لا يزال يرن في آذاتي وتتفاعل مع فكري والذي من خلالها كان يظهر مدى إهتمام وتضحية بعض من قادة زوعا ومنهم صديقنا الراحل بالتعليم السرياني. ففي أحدى لقاءاتي معهم في شمال الوطن سألتهم ما الذي سيحدث للتعليم السرياني لو أكتسحت قوات صدام حسين المنطقة فقالوا:(صحيح البعض من قادتنا يستسلم والآخر يلجاً إلى المناطق الأكثر أمناً ولكن نعتقد لا تستيطع قوات صدام حسين أن تنتزع لغتنا القومية من ألسنة تلاميذنا الذين تعلموها في المدارس السريانية). وفي المراحل الأولية للتعليم السرياني وتزايد طلابها والمدارس السريانية أصبح أمر تمويلها صعباً للغاية مما أضطرت قيادة زوعا في حينها إيقاف رواتب ومخصصات بعض كوادرها الحزبية وتخصيصها لدعم الحاجات المطلوبة للتعليم السرياني الخارجة عن الدعم الحكومي، وفي حينها أتذكر الكلمات الخالدة التي ذكرها صديقنا الراحل وقال (سأبيع هذا الجاكيت – قمصلة كان المرحوم يرتديها دائما – من أجل أن يستمر التعليم السرياني.
 
 

 




صور لبعض النشاطات والزيارات للمدارس السريانية مع الصديق الراحل

الزيارة الأخيرة
--------       
كان من المستحيل أن أزور شمال الوطن ومن دون أن ألتقي بصديقنا الراحل وندخل في حوارات ثقافية وفكرية وسياسية ونتبادل الآراء في الكثير من الأمور السياسية والثقافية وكثير من الأحيان نسترجع ذكرياتنا من مرحلة بغداد. ولم يكن يبخل إطلاقاً على عرض مشاريعه الثقافية والأدبية طالباً رأيي فيها. كانت آخر زيارتي له مع الصديق توما روئيل يوخنا في نهاية شهر أيلول من العام الماضي، أي قبل رحيله بثلاثة أشهر، وفي بيته في عنكاوه رغم مرضه الشديد وصعوبة الحركة والكلام تبادلنا الكثير من الأراء والأفكار وإستمتعنا بهذا اللقاء الشيق وعرض علينا بعض النشاطات التي يقوم بها في البيت ومنها كانت ترجمته لقصيد بدر شاكر السياب المشهورة (أنشودة المطر) من العربية إلى السريانية الذي كان يأمل أن ينشرها. وهنا أتجاسر وأنشرها نيابة عنه إن لم تكن منشورة سابقا. رحل عنا الشاعر والأديب والمثقف واللغوي والسياسي والمفكر يونان هوزايا... رحل عنا يونان هوزايا الآشوري والكلداني والسرياني ... رحل عنًا من هذا العالم ولكن للحقيقة أقول بقى وسيبقى طالما هنا شاعر وأديب ومثقف ولغوي وسياسي ومفكر في هذه الأمة حيث نجد صورته في كل نشاط نزيه ومثمر من هذه الأنشطة ... رحل وترك خير وريث يورثه في هذه الحقول... أم نينوس زوجته الإستاذة جاندارك التي من المؤكد ستجعل من يونان هوزايا حياً يرزق من خلال إستمرار حياته الثقافية والفكرية واللغوية والأدبية وقيادتها نحو أجال أبعد بكثير.
أخيراً أطلب من القارئ الكريم قبول أعتذاري عن بعض الأخطاء اللغوية والقواعدية التي قد تكون وردت في هذا الموضوع والسبب في ذلك ليس إلا إنفعالي ومن ثم إستعجالي وأنا أكتب هذه السطور.



   





 



الزيارة الأخيرة  لصديقنا الراحل في بيته مع الصديق توما روئيل يوخنا






<