عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


الرسائل - جوزيف إبراهيم

صفحات: [1]
1
{ الطالب سركون إبراهيم , ينال شهادة الدكتوراه PHD }
بقلم جوزيف إبراهيم
Praise the Lord.
Today was my son’s gradation ceremony. Sargon successfully completed his PhD (Doctor of Philosophy in Biomedical Engineering) on the mechanics of pulsatile blood flow within human arteries, and its relevance to atherosclerosis disease. Using mathematical models, his research identified and quantified the influence of oscillatory flow disturbances on the regular transport of blood flow and blood-borne species that drive atherosclerosis. With humbleness and true Christian love, I and my family would like to share our happiness and joy with all of our relatives and friends. May God bless you.
المجد للسيد المسيح. هدية من الشاب المتفوق سركون إلى وطنه الأم سوريا الحبيبة وإلى بيتنا ووطننا الثاني أستراليا وإلى جميع الأهل والأصدقاء. بكل تواضع وبمحبة مسيحية نود أنا وزوجتي نبال مادو إبراهيم أن نشارك جميع الأهل والأصدقاء الأعزاء بهجتنا وسرورنا, وأن نزف لكم هذا الخبر السار. بعد جهد وتعب مضني دام أكثر من أربعة أعوام أجتاز وبتفوق ولدنا سركون دراسته الأكاديمية العليا بمناقشة رسالته مع اللجنة المشرفة في جامعته RMIT University بمدينة مالبورن وأيضاً من اللجنة المدققة المتواجدة في كل من مدينتي لندن وسدني, ونال شهادة الدكتوراه. اليوم الواقع في 13/12/2017 حيث احتفلت جامعته بحفل مهيب بتخرج جميع طلابها.
( لمحة عامة عن سركون ورسالته )
ولد سركون في سوريا بمدينة القامشلي، سافر مع العائلة إلى السويد وبقي هناك سنتان, بعد عذاب وألم مرير للعائلة الصغيرة أستغرق سبعة أعوام وشهر, وبمعجزة حقيقية ابتسم الحظ لهم في نهاية عام /1997/ بقبولهم لاستراليا وبفترة لم تتجاوز 35 يوماً من تاريخ تقديم طلبهم . تدرج سركون في الوطن الجديد استراليا بدراسته الابتدائية والإعدادية والثانوية في معهد السيدة العذراء للأقباط الأرثودكس بمدينة مالبورن، وكان من بين الأوائل للشهادة الثانوية ( البكالوريا ) علاماته أهلته أن يختار مجموعة واسعة من الدراسات الجامعية. تعتبر المواد العلمية الفيزياء الرياضيات والكيمياء من أكثر المواد حباً لقلبه، فكانت أمنيته أن يدرس في مجال العلوم الفيزيائية للطاقة النووية لكن خوف الوالدين من المستقبل المجهول لهذا المجال الخطر , ونصائحهم له جعلته يتخلى عن حلمه وأمنيته ويتجه لمجال آخر , فاختار دراسة الصيدلة، وكان من المتفوقين, لكنه شعر سريعاً إنه لن يكون سعيداً بهذا العمل فتخل عن الصيدلة وتابع دراسته بمجالين آخرين في آن واحد { هندسة الطيران والرياضيات } خلال أربعة أعوام حصل وبتقدير ممتاز على بكالوريوس بالرياضيات وا Honours في هندسة الطيران.
بالاشتراك مع المركز الحكومي الأسترالي للعلوم والأبحاث العلمية CSIRO ،.ومن جامعته حصل على منحه دراسية, بدراسة أسباب التجلطات الدموية , لقد أثبت العلم دور العامل الوراثي وضغط الدم والتغذية الدسمة وعدم ممارسة التمارين الرياضية في تشكل تصلب الشريان لكن ما زال لغاية هذا اليوم العلم يبحث عن معرفة العوامل الحقيقة المؤدية للتجلطات، .
فكانت أبحاثه وبالتنسيق مع المركز الحكومي للعلوم وإدارة جامعته, عن { مدى التأثير الميكانيكي لتدفق منسوب الدم بالشرايين, و علاقته بانسدادها }
لقد استخدم وطور في أبحاثه وعلى مدى أربعة أعوام مجموعة من النظريات الهندسية والعمليات الحسابية والانحناءات البيانية من أجل التمكن من معالجة التصلب الشرياني, وقد قوبلت فكرته هذه بترحيب شديد واهتمام بالغ من جامعته ومن المركز الأسترالي الحكومي للأبحاث والدراسات العلمية.
وكانت قد أوفدته اللجنة المشرفة والمسؤولة عن رسالته لمتابعة عدة مؤتمرات دولية علمية شبيهة بمجال دراسته في عدة جامعات ومدن أوروبية مثل , برلين , باريس , مارسيليا والبندقية بالإضافة للمدن الأسترالية الرئيسة.
جوزيف إبراهيم في 14/12/2017



2
{ الصحفي الثائر سليمان يوسف خليفة فريد إلياس نزهة }
الجزء الأخير بقلم جوزيف إبراهيم.
إن غزارة الإنتاج الكتابي للسيد سليمان ليس السبب الذي دفعني لوصفه بالثائر، إنما جرأته الفائقة واللامحدودة في تدوين ونقد وتعرية الفساد الفكري والسياسي والأخلاقي، المستشري بأوردة الأنظمة الحاكمة والأحزاب القومية الشمولية والتيارات الدينية، تيمناً بالصحفي السرياني المرحوم فريد إلياس نزهة الملقب بالثائر، نظراً لكتاباته الجريئة ونقده اللاذع الموجه للمنظومة الكنسية لشعبه، مما حدا برأس الكنيسة السريانية آنذاك المتنيح البطريرك أفرام برصوم الأول، إلى إصدار قرار كنسي جائر بحرمانه, وهو صاحب إحدى أقدم المجلات والصحف السريانية في ثلاثينيات القرن الماضي الذائعة الصيت آنذاك ( الجامعة السريانية ).
بيد أن سليمان تخطى دائرة سلفه فريد نزهة من حيث الغزارة الكتابية كماً ونوعاً، وأيضاً تعدد الجهات التي انتقدها حتى غدى ظاهرة إعلامية فريدة من نوعها ضمن الأوساط الصحفية المسيحية، التي تنتهج غالبيتها النهج السلمي أو المعتدل بكتاباتها، لم يتوانى سليمان ولغاية هذا اليوم في نقد الأنظمة الشرقية و نعتها بالفاسدة، ويصب جام غضبه على النظام السوري والمعارضة السورية المسلحة على حد سواء، إذ نعت الأول بالدكتاتوري، والمعارضة بالغير ناضجة فكرياً وسياسياً لاستقوائها بالقوى الخارجية، واتخاذها من العنف المفرط وسيلة للوصول إلى غايتها لتغيير نظام الحكم، مما أدى إلى انقسام المجتمع السوري على نفسه حتى داخل البيت الواحد، إلى موالين للحكم ومعارضين له وكانت النتيجة دمار وشلل شبه كامل للبنية التحتية السورية.
أيضاً لم يتوانى في أن يكشف خلل المنظمات والدوائر الدينية كافة و من جميع الأديان، ففي مستهل نقده لأحد المطارنة الذي تظاهر حاملا لافتة دينية مؤيدة للإسلام، قال في ذاك الصدد مختزلاً خنوع رجال الدين : سيبقى رجل الدين المسيحي المشرقي يُنافق ويُنافق ويكذب على نفسه وقومه وعلى عقيدته وعلى المسلمين حتى آخر مسيحي يرحل من الشرق . و يستطرد ساخراً من داعش ساحباً لذة انتصاراتهم العسكرية منهم إذ يقول : الشكر كل الشكر لداعش الذي عرفّنا وعلّمنا ونوّرنا كيف تمت الغزوات الإسلامية أثناء نشر الدعوة المحمدية. و يكتب أيضاً في رده على أحد الكتاب العرب المسلمين، الذي طالب في مقالته بخروج المسيحيين من ديار الإسلام , قائلاً : اخرجوا أيها المسلمون من بلداننا واتركوها لاصحابها الحقيقين المسيحيين. أيضاً في مناسبة أخرى يتجاسر بأعلى الصوت منادياً، لزناة التاريخ وغزاة الجغرافية نقول : لسنا بحاجة إلى مراجع ومصادر وكتب تاريخية لإثبات أن المسيحيين { سريان كلدان اشوريين } هم سكان سوريا الأوائل . ولم يسلم أعلى رئيس ديني في طائفته من نقده اللاذع و من قلمه الحاد ، إذ يوجه كلامه للبطريرك السرياني أفرام الثاني قائلاً : بطريرك سرياني خارق, من الأديرة والكنائس إلى ملكات الجمال ومباركة المقاتلين على جبهات القتال . كذلك وجه سهامه الجارحة لرفاقه السابقين من كوادر المنظمة الآثورية بعد اعتقال مسؤولها الأول السيد كبرئيل كورية قائلاً : الخزي والعار كل العار لرفاقه الهاربين والذين سيهربون ويتركونه وحيداً قابعاً في سجون الاستبداد . وينعت المهاجرين لدول الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان المؤيدين للأنظمة الدكتاتورية الشرقية فقط من وراء الكومبيوتر ( بالانفصام السياسي ). أما عن الأكراد، فيختصر المأساة والتعامل والعيش بينهم ومعهم بعنوان في غاية الروعة : الأكراد يُهجّرون آخر عائلة مسيحية من مدينة عامودا السورية . في إشارة ورسالة واضحة المعالم دون محاباة ، بأن الأكراد لم ولن يكونوا أفضل من العرب بتعاملهم مع أصحاب الأرض الحقيقين لوادي الرافدين وسوريا الطبيعية، نتيجة تشبع شريحة واسعة منهم على مر التاريخ بأمراض ومآسي الإديولوجيات الشرقية القديمة البالية. و يقول في المعارضة السورية التي انحرف نهجها من معارضة وطنية سلمية إلى معارضة دينية دموية : يا للعار الوطني، حتى المعارضات السورية تصنفنا بالصليبين أمر بالغ الأهمية والخطورة بدلالاته وأبعاده السياسية والفكرية.
في مجتمع منغلق على نفسه منذ أكثر من ألف وأربعمائة عام، بسبب تسلط الإديولوجية الدينية وتعدد المستعمرين أبتداءً من الرومان والفرس والتتر والحقبة العثمانية السوداء وانتهاءً بالأحزاب الشمولية، ذات النزعة القومية الواحدة التي تتحكم بالرقاب وغسل الدماغ بات من العسير جداً أن يتجرأ المرء على نقد ذاك المجتمع، فإن نفذ المرء بجلده من ظلم و تسلط الحكومات، فلن ينجو من براثن وحقد الشعب المغسول دماغه بتكفير وتخوين الآخر الغير مؤيد والمتعاطف مع أسياده. كسّر سليمان أغلال الخوف وهدم أسوار وحصون الاستغلال والفساد، صارخاً بأعلى صوته: لقد آن الأوان أن نتغير نحو الأفضل , فهكذا استفاق الغرب المتطور من خلال نقد مفكريه وكتابه.
لم ينجوا السيد سليمان من سهام التخوين والعمالة الداخلية والخارجية، فيسأله أحدهم مستفهماً : كيف لك البقاء في سوريا وقد تجاوزت كل الخطوط الحمراء من جهة انتقادك لحكم الأسد ؟ فيجيب : أن ابنه تعرض إلى تمزق بغشاء الطبل نتيجة التفجيرات التي هزت مدينة القامشلي، وكان أحد ضحايا مصابي مطعم ميامي ولم يتمكن من مرافقته إلى دمشق من أجل العلاج . وصديقة أخرى تتهمه بالعمالة لإسرائيل فيجيبها برحابة صدر قائلاً : كل الشكر والمودة لك أختي الفاضلة على هذا الوصف والحكم المُسبق علي، وهذا ليس غريباً على الذين ما زالوا أسرى الأيديولوجيات المتحجرة ماركسية كانت أم قومية أم دينية. ويصفه آخر: أنت صوت صارخ في البرية لا يسمعك أحداً . ويستفسر البعض، ما فائدة نقد الفساد دون تقديم الحل والبديل المناسب له. وربما يدعي البعض أن قلمه مسيس من جهة معينة ومدفوع الثمن بالعملة الصعبة ، وآخرون يعتبرون نتاجه الأدبي كمن يضيف الوقود على الجمر, عوضاً عن إخماده بالكلام والكتابة الحسنة التي تلين العظام وتُخفف من حدة الاحتقان . وتبقى جميع الاستفسارات والشبهات عن كتاباته وانتماؤه العقائدي منطقية وشرعية جداٌ, في ظل القبضة الحديدية التي تتحكم برقاب شعوب الدول الشرقية البعيدة عن الديمقراطية وحرية تعبير الرأي كبعد الأرض عن الشمس.
بعض من أقواله التالية تعطينا انطباعاً إيجابياً عن حبه الكبير وإخلاصه الأمين لوطنه سوريا وشعبها بكافة أطيافه الدينية والقومية , وربما تجيب عن تلك الأسئلة المطروحة حول قلمه وشخصيته ( حلمي وأمنيتي أن يعيش الجميع معاً كأسرة سورية واحدة في وطن سوري آمن حر مزدهر ) ,( إذا أردت تحرير وطن ضع في مسدسك عشر رصاصات تسعة للخونة وواحدة للعدو فلولا خونة الداخل ما تجرأ عليك عدو الخارج ), ( على وقع دقات أجراس كنائس القامشلي يسعد صباحكم إخوتي السوريين جميعاً موالين ومعارضين مهجرين ونازحين ومعتقلين ). مصادر أقواله من صفحته على الفيس بوك.
جوزيف إبراهيم في /7/12/2017/.


3
{ الصحفي الثائر سليمان يوسف }

بقلم جوزيف إبراهيم. الجزء الأول

في صيف عام 1988 تلقيت دعوة من أحد الأصدقاء، لحضور محاضرة لأحد كوادر المنظمة الآثورية الديمقراطية عن كيفية تفعيل , تحريك و تطوير العمل القومي لشعبنا { السرياني الكلداني الأشوري } بعد أن كان الخمول والخوف قد أصابا النشاط والعمل القومي برمته، وتسلل الركود بين معظم كوادر المنظمة حيث فُقدت الثقة بين القاعدة والقادة، نتيجة الاعتقالات الأمنية التعسفية التي طالت شريحة واسعة من الكادر القيادي للمنظمة في عام 1987.
كنت حينها في ريعان الشباب وفي أوج العطاء والحيوية والنشاط، إذ لم يكن عمري قد تجاوز السادسة والعشرين ربيعاً، وكنت قد أعلنت حينها خطوبتي من شريكة حياتي وأم أطفالي الشاعرة المرهفة الحس نبال مادو، أيضاً كانت مشاعر العز والفخر والشجاعة تغمرني، بعد أن أمضيت أكثر من ثلاثة أعوام في أبهى وأقوى قطعة عسكرية سورية { سرايا الدفاع } التابعة مباشرة لرفعت الأسد شقيق الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد، لذا لم يكن بمقدوري مطلقاً أن أرفض أي طلب يخص أو يتعلق بمصلحة شعبنا السرياني والعمل القومي من أجله.
في طريقي للعنوان المقرر أن تقام فيه المحاضرة وعلى مسافة أكثر من ثلاثة مئة متر، ولأخذ الحيطة والحذر من أعين المخبرين والمندسين بين أبناء شعبنا، كانت بعض العناصر تستقبل المتوافدين وتأخذهم في طرق ملتوية بعيدة عن المنزل الذي ستقام فيه المحاضرة، ومن ثم تدخل خلسة للمنزل المطلوب فرداً فرداً لمنع الشبهات، كانت الساعة قد قاربت من الثامنة مساءً و قد حضر قُرابة الخمسين شخصاً من المدعوين، جلس الجميع على الإسفنجات الأرضية المتواضعة جداً، وبدأ السيد سليمان يوسف بقراءة بعض الفقرات والخطوط العريضة عن محاضرته من مجموعة أوراق كانت بين يديه، شارحاً أهدافها وسبل تحقيقها باللغة السريانية العامية { اللهجة الغربية } استمرت الجلسة لساعات طويلة حيث كان التفاعل والنقاش بنّاءاً ومشحوناً بالحماس والحب والإحترام المتبادل بين جميع الحاضرين، مع بعض التباين في الآراء من أجل تجديد الهيكل التنظيمي لأعلى الهرم ولضخ الدماء الشابة الجديدة البعيدة عن الشبهات في جسد وشرايين المنظمة والعمل القومي، ويمكن وصف تلك المحاضرة وذاك العمل داخل المنظمة { مطاكستو } بما يسمى بالعرف السياسي الشرقي ( بالحركة التصحيحية ).
ذاك اللقاء وتلك الليلة كانت أول وآخر لقاء لي بالسيد سليمان ، لأني غادرت وطني سوريا مُرغماً في عام / 1990/, رغم أني كنت قد صادقت مجموعة متنورة ومثقفة جداً تكبرني بالعمر من كافة الأحزاب المتواجدة على الساحة السياسية في مدينة القامشلي، للإستفادة من تجاربها ومسيرة حياتها, على سبيل المثال لا الحصر المرحوم ميرزا مسعود، أحد أهم المثقفين في مدينة القامشلي والناشط جداً داخل الحزب القومي السوري الإجتماعي، إلا أنني خرجت حينها بانطباع إيجابي مبهر عن الأستاذ سليمان يوسف، وتوقعت مستقبلاً سياسياً وأدبياً زاخراً بالقيادة والعطاء له ولصديقه آنذاك المتواجد في تلك المحاضرة السيد كبريئل كورية موشي مسؤول المكتب السياسي الحالي للمنظمة.
وبالفعل كان ظني صادقاً فتحققت توقعاتي للإثنين معاً، بيد أنها انقسمت على نفسها إلى شطريين متساويين، فالسيد كبريئل موشي أصبح منذ سنوات خلت ولتاريخ كتابة هذه المقالة مسؤول المكتب السياسي للمنظمة ويقوم بتأدية دوره القيادي داخل الأروقة السياسية على أكمل وجه وبصورة دراماتيكية نظراٌ لقدرته وحنكته الفائقة في هذا المجال وفي أحلك وأصعب الظروف السياسية والعسكرية التي تعصف بمنطقة الشرق الأوسط بشكل عام وسوريا بشكل خاص، أما السيد سليمان يوسف يبدوا أنه كان ومازال يفتقد للحنكة السياسية التي وصفها الإنكليز باللعبة القذرة لكن يحُتم على المرء أن يلعبها, ولمقومات الرجل السياسي الناجح لذا لم يتمكن من التسلق إلى أعلى الهرم التنظيمي , لكنه في المقابل أفلح في المجال الأدبي والإعلامي ككاتب مُبدع وكصحفي وكمحلل سياسي للأوضاع السورية المستعصية والإقليمية.
أضحى هذا الكاتب الصحفي أحد أهم أعمدة الكُتّاب والأقلام السريانية المعاصرة بشكل خاص، وكُتّاب ومناضلي التغيير السلمي في سوريا بشكل عام، فما زال هذا الجندي المجهول وهذا المغوار صامداٌ داخل سوريا التي زرعها مع وادي الرافدين داخل قلبه وعقله، رافضاً الهجرة والإبتعاد عن أرض أجداده ومسقط رأسه، السيد سليمان المولود في قرية (ملا عباس) القابعة مباشرة على الحدود السورية التركية، ذات الغالبية السريانية التابعة إدارياً لمدينة القامشلي ،ينحدر من أسرة سريانية بسيطة و كادحة، تدرج بمدرسة الضيعة ذات الغرفة الواحدة والمعلم الواحد في كافة المراحل الابتدائية، حامل شهادة بكالوريوس بالفلسفة وعلم الاجتماع من كلية الآداب بدمشق, استطاع أن يفرض نفسه وبجدارة وأن يترك بصماته داخل الأروقة الإعلامية بكافة وسائلها المسموعة والمرئية و على الساحتين العالمية والمحلية، لقد إحتل وما زال يحتل مكانة محترمة لدى أصدقائه و معارضيه على السواء و لدى كل من عرفه وقرأ له, وقلمه يُعتبر من أكثر الأقلام إثارة للجدل.
تتسم كتاباته ومقالاته بالعصامية والواقعية وبالثوابت العلمانية، البعيدة عن التعصب والتزمت الأممي والقومي والديني الغير قابلة للمُساومة والمُتاجرة، إنها تتصدر منذ سنين عديدة الأعمدة والصفحات الأولى لعدة صحف عالمية وإقليمية، كموقع إيلاف الإلكتروني الذائع الصيت وموقع آكي التابع لوكالة الأنباء الإيطالية ومعظم المواقع الرائدة التابعة لشعبنا السرياني الكلداني الآشوري مثل عنكاوى , الجزيرة دوت كوم ,والمحطة دوت نيت وغيرها من المواقع. إن العناوين التي يختارها لمقالاته تجذب القارئ وتكشف له مدى أهمية الموضوع, فيجد نفسه أمام نص مترابط الأفكار جريء مدعوم بالأدلة والشواهد الدامغة وسلس للقراءة. أمثلة من مقالاته الجريئة المنشورة { الحرب السورية وسقوط الأقنعة, الوصي الروسي والورقة الآشورية المسيحية في الأزمة السورية, المعارضة السورية إلى أين, هل باع اردوغان الثورة السورية؟ أكراد سوريا يعتنقون المسيحية, الجزيرة السورية وطبول الحرب, القبلة التي تحولت إلى قنبلة هزت عرش الكنيسة السريانية }, وغيرها من عشرات المقالات والتحليلات المثيرة للجدل التي أغرقت متابعيه بمتاهات من الإعجاب والشكوك حول شخصيته وانتماؤه العقائدي والسياسي. جوزيف إبراهيم في /2/12/2017/ يتبع الجزء الأخير لاحقاً.

 

4
{ الملك وزوجاته الأربعة }

تعرض أحد الملوك إلى وعكة صحية مفاجئة, فطلب من خيرة أطباء مملكته إيجاد الدواء اللازم لعلاجه, لكن بعد الفحص السريري تبين أنه لا أمل في شفائه, طلب الملك إخلاء غرفته وتركه لوحده فبدأ باستعادة ذكرياته, وتخيل ماضيه منذ طفولته ولغاية ساعة احتضاره فشد انتباهه تعامله مع زوجاته الأربعة, وكيف أنه كان يحاول جاهداً إنصافهم بالمعاملة و الحقوق والواجبات, لكنه لم ينجح إذ أن حبه للزوجة الرابعة كان جنونياً و هي بدورها كانت في كثير من الأحيان تسيطر عليه سيطرة كاملة, لدرجة جعله أن يتنازل عن عرشه ليصبح عبداً مطيعاً لها.
أما الثالثة فحبه لها كان يفوق الرابعة أحياناً, وغالباً ما كان يُسخرها من أجل إرضاء بقية الزوجات, وكانت ملجأه في أوقات الضيق لذى كانت ثقته بها مهزوزة خائفاً أن تتركه يوماً ما و تلجأ لغيره, الزوجة الثانية كان حبهم لبعض متقلباً, فهي كانت تساعده بمنتهى الحب والاحترام عندما تكون خزينته وموائده عامرة, وكانت تبتعد عنه في لحظات احتياجه لها, أما زوجته الأولى فرغم أنها كانت اكثرهن حباً وإخلاصاً له, لكنه لم يعيرها أي اهتمام فكانت مهملة و لم يراعيها إطلاقاً, فقال الملك في نفسه : كيف سأذهب للقبر وحيداً ؟ و قرر أن يختبرهن فطلب من حارسه الشخصي إحضارهن ابتداءً من الرابعة و قال لها : لقد اخترتك من زوجاتي الأربعة كي ترافقينني داخل قبري , لأنك كنت اكثرهن قرباً لقلبي ولم ابخل لحظة واحدة في إرضاء رغباتك وطلباتك , فأجابت : هذا لن يحصل أبداً وسخرت منه هاربة, أتت الثالثة فشرح لها كيف أنها كانت سيدة حياته بلا منازع و طلب منها مترجياً دخولها معه القبر فقالت له : أنسيت انك استخدمتني كثيراً من أجل مصالحك الشخصية, لذا أنا ذاهبة كي أتزوج من غيرك فالحياة جميلة جداً ولن تتوقف عند موتك, أما الثانية فأبدت قهراً وحزناً حقيقياً عليه واعتذرت عن دخولها معه داخل القبر , لكنها وعدته بأنها سترافقه لغاية المقبرة وسترثيه رثاءً يليق بالملوك العظماء وستقيم له حفلاً تأبينياً ضخماً, حزن الملك حزناً شديداً من ردود وجحود زوجاته الثلاثة وشعر أن ساعته قد دنت, لكنه قبل أن يُسلم الروح بثوان سمع طنيناً في إذنيه قائلاً : أنا سأرافقك داخل القبر والى أي مكان في هذا الكون تذهب سأكون بجوارك, تلفت الملك حوله وإذ بزوجته الأولى مقتربة منه هزيلة حزينة وفي حالة يرثى لها بسبب عدم تغذيتها وإهماله المُتعمد لها, ندم الملك ندماً شديداً على ظلمه و على عدم رعايته لها وقال : لن ينفع الاعتذار والبكاء والنحيب على الماضي لكن كم أتمنى أن تعود عقارب الساعة للوراء كي اهتم بك وأجعلك الأولى في كل شيء, ثم أغمض عينيه و لفظ أنفاسه الأخيرة.
هذه القصة ليست خيالية فهي تتكرر مع كل إنسان بالغ ذكراً كان أم أنثى في هذه الحياة لكن بامتيازات ومعاملات مختلفة, إذ أن الرابعة هي جسد الإنسان, فغالباً ما نعتني باجسادنا ونشبع شهواتنا الأرضية و نهين بذلك كرامتنا من اجل الجسد الفاني الذي سيفارقنا بالموت ليعود إلى مصدره الأساسي التراب , الثالثة هي الأموال المنقولة وغير المنقولة فجميعها ستذهب لأشخاص آخرين يوماً ما, أما الزوجة الثانية فهم الأهل والأصدقاء فمهما كانت العلاقة معهم ممتازة ومهما بلغت تضحياتهم معك فلن يُرافقك احدهم داخل القبر, فلا تتوقع منهم أكثر من الواجبات الإنسانية تجاهك, أما الزوجة الأولى فهي الروح, وغالباً ما ينشغل المرء عن تغذيتها , وينقص اهتمامه واعتناءه بها بسبب الشهوات الجسدية ومحبة المال والعلاقات العامة.
يبقى السؤال الذي يطرح نفسه : إذا تجسدت روحك الآن أمامك فكيف سيكون شكلها الخارجي؟ هل ستكون هزيلة, ضعيفة البنية بسبب عدم تغذيتها وإهمالك لها, أم ستكون قوية البنية نشيطة وفرحة بك وبآخرتها ؟ يقول الكتاب: لكن اطلبوا أولاً ملكوت الله وبره وهذه كلها تزاد لكم. متى { 6,33 }.
بقلم جوزيف إبراهيم في /26/11/2017/
 

5
{ القناعة كنز لا يفنى }
جوزيف إبراهيم
سئم رجل من الروتين الممل الذي كان يتكرر كل يوم في حياته, فقرر أن يغامر في رحلة للبحث عن مصدر الحظ ليستفسر عن مستقبله, ويطلب من المعنيين لتحسين وضعه. أخذ الرجل بعض الطعام وخيمة صغيرة مع بعض أدوات التخييم, واتجه شمال ضيعته الصغيرة المشرفة على تلة تحيط بها بساتين و مروج خلابة، وعلى مقربة من مشارف قريته بدت أشعة الشمس الملتهبة كسراب من الطيور في الأفق، مما أثّر أكثر على تفكيره و بدأ يتخيل أن جيشاً من الغزاة بات يدنو منه.
وبينما هو في تلك الأوهام صادفه دب ضخم البنية مُصاب بمرض جلدي، خاف الرجل جداً وبدأ يلوم نفسه على هذه المغامرة، وكيف أنّه كان يعيش كالملوك لكن دون سعادة لعدم رضاه عن وضعه, أيقن أن نهايته ستكون بين أنياب الدب المتوحش, و فجأة أصيب بالذهول حين بادره الدب بالسؤال: إلى أين انت ذاهب؟ استغرب الرجل فكيف للدب أن يتكلم؟ اغمض عينيه مرات عديدة وفتحها عله يكون في حلم وقال في نفسه: يا رب إن نجيتني من هذا الدب فسأرد لك المعروف عشرة أضعاف,ثم تبين له أن الدب حقيقي فرد عليه: لقد قررت أن أذهب إلى مصدر توزيع الحظوظ كي اطلب منهم تعديل وضعي , فقال له الدب: سوف أدعك تذهب بسلام رغم إني جائع جداً لكن بشرط، أن تجلب لي معك دواءً لمرضي هذا، قَبِلَ الرجل شرطه وتابع سيره, وصل إلى نهر صافي قبل الغروب، و كانت الأسماك تتلاعب أمام العين بداخله، فقرر أن يبات تلك الليلة بجانب النهر ليتأمل حياة الكائنات الحية فيه, وعلى غفلة قذفت سمكة نفسها أمامه فامسكها ليعيدها للنهر،لكن السمكة بادرته بالكلام قائلة : ماذا تفعل هنا يا رجل ؟ فصُدم لكنه تمالك أعصابه وشرح لها وضعه، ترجته السمكة كي يأكلها أو أن يشرح لمصدر الحظ قصتها إذ أنها تعاني من سوء الحظ لإن جميع الأسماك تخشاها ولا تريد مصادقتها.
تابع الرجل رحلته في الصباح الباكر وهو حائر مما صادفه البارحة، وبعد مسير طويل صادفه فارس على جواد مظهره يوحي أنه من طبقة النبلاء, دار بينهما الحديث وأستفسر الإثنان عن سبب ابتعادهم من مكان إقامتهم فقال له الفارس: أنا ملك لمملكة أتباعها لا يخشوني فارجوا منك أن تجد لي حلاً لوضعي ,و بعد مسير مضني وجد قريةً صغيرة فحل ضيفاً على مختارها وبدأ يشرح له حكايته فرد عليه المختار: إن حظنا أتعس إذ لا طعام لدينا والوضع الاقتصادي تعيس جداً، والبئر الوحيد الذي نملك لا ماء فيه، فترجى منه أن يجلب معه حلاً لهم . بات الرجل هناك تلك الليلة وفي الصباح الباكر ودع القرويين متجهاً نحو هدفه المنشود،و بعد مسير طويل و تعب فقد الرجل قوته وبدى منهكاً، وعلى غفلة وجد أمامه مجموعة من الملائكة تُراقب ملايين من دواليب الحظ، فبادره ملاك بالسؤال : ماذا تفعل هنا فهذه منطقة محظورة ؟ تلعثم الرجل وبدأ يشرح للملاك تعاسة حياته مُترجياً منه أن يُحسن حظه، وأيضاً طلب حلولًا لمشاكل الدب، السمكة، الفارس، القرية وأهلها, أجابه الملاك: ليس بمقدوري أن أغير شيئاً من حياتك، لكنك ستجد ما يسعدك ويقلقك في طريق عودتك فعليك أن تقرر، أما بالنسبة للآخرين فأخبرهم بما يلي: على أهل القرية أن يحفروا البئر نصف متر و حينها سيجدون كنزاً ثميناً وماء عذباً لا ينضب, أما الملك فهو أنثى وعليها أن تتزوج بغريب, و السمكة عليها أن تزيل اللؤلؤة الثمينة العالقة في حلقها، فهذا يجعل بقية الأسماك أن تخاف من نورها, أما عن الدب فلن يشفى من مرضه الجلدي إلاّ إذا أكل مجنوناً.
فرح الرجل وأقفل مسرعاً بعودته وهو يصيح وجدتها وجدتها، وصل الضيعة وأخبر أهلها بالحل وفعلا بعد حفر البئر تدفقت المياه مع كنز ثمين، فرح الجميع وطلبوا منه أن يتزوج بأجمل فتاة لديهم وأن يسكن معهم لكنه رفض . تابع سيره وهو يرقص فرحاً بعد فترة وجيزة تقابل مع الفارس وقال له الحل، فبادره الفارس بالجواب لن أجد شخصاً غريباً أفضل منك فلنتزوج و بذلك تصبح أنت الملك وأنا الملكة، فرفض الرجل الصفقة مبرراً السبب بأنه سوف يلتقي بحظه فتركه، وتابع سيره نادماً عن الصفقتين السابقتين لغاية أن وصل إلى النهر، حيث خرجت السمكة للقائه طالبة منه الحل، فبدأ يشرح لها عن سبب تعاستها، ثم ترجته السمكة لإخراج اللؤلؤة من حلقها لكنه تباطئ ساخراً منها وفجأة، التهمتها سمكة كبيرة و ابتعدت في النهر فندم كثيراً وقرر العودة للفارس أو لأهل الضيعة ليوافق على أحد العرضين، فأسرع مهرولاً دون أن يعلم أنه ذاهب في الإتجاه المعاكس، وبعد بضعة أمتار وجد نفسه وجهاً لوجه أمام الدب المريض وبعد الترحيب قال للدب: عما حصل معه فرد الدب عليه: يا للغرابة لقد رفضت أن تتزوج من أجمل فتيات الضيعة لتصبح كواحد منهم، ثم رفضت أن تصبح ملكاً وتكاسلت في إخراج الجوهرة الثمينة من حلق السمكة، وأنا دوائي الوحيد هو أن آكل مجنوناً كي أشفى من مرضي،و أعتقد بأنني سوف أموت قبل ألتقي بشخص آخر أكثر جنوناً منك، فهجم الدب عليه والتهمه و كانت هذه نهايته !!!
بقلم جوزيف إبراهيم في /22/11/2017/


6
{ كنا صغار ننطر جية أبونا }
جوزيف إبراهيم.
مهما كبر المرء في العمر ومهما بلغت مرتبته و شأنه, لابد من أن يتواجد بداخله طفل يحب الظهور بين الفترة و الأخرى, هذا الطفل المتواجد في جينات الإنسان يدفعه ليحن باللاشعور لكل ما يخص لعالم الطفولة من صلة, فهو يتوق أحياناً لأن يلعب ألعاباً طفولية بسيطة , أو أن يكون شغوفاً كي يشاهد أو يلمس شخصية عالمية مشهورة لها مكانة خاصة في قلبه.
هذه المشاعر العفوية و الصادقة, تجلت على أرض الواقع بين أبناء الجالية السريانية في استراليا بشكل عام وفي مدينة ملبورن بشكل خاص, وظهر ذلك جلياً في لهفتهم العارمة للقاء أبيهم الروحي قداسة البطريرك السرياني مار إغناطيوس أفرام الثاني البطريرك 123 ثلاثة وعشرون بعد المئة من سلسلة بطاركة أنطاكية, تلك اللهفة لم يكن لها وصف أقرب من براءة و اشتياق الطفل لأبيه القادم إلى البيت بعد غياب طويل, أو الانتهاء من العمل اليومي الطويل كقول الموال العراقي الجميل والحزين { جنا صغار ننطر جية أبونا }
خمسة أيام هي الفترة الزمنية التي قضاها قداسته بين أبناءه الروحيين في مدينة ملبورن, ابتدأت من صباح الثامن من تشرين الثاني /8/11/2017/ وانتهت في الساعة السادسة مساءً من يوم الأحد المصادف في /12/11/2017/ , حقيقة كانت أيام قليلة بقياسها الزمني, لكنها حفرت بصمات وذكريات رائعة في قلوب كل من تواجد ونال البركة الأبوية من قداسته, لقد أظهر حناناً و عطفاً كبيرين و أثبت قدرته الثيلوجية والعلمية الممزوجتين بالتواضع والبساطة والعفوية, مبرهناً على إنه خير خلف لأعظم سلف ( مؤسس الكرسي الأنطاكي الرسولي والتلميذ الجريء للسيد المسيح بطرس الرسول , الموصوف بصخرة الإيمان ).
قبل وبعد وصول قداسته كان نشاط وعمل المؤسسات الإدارية ولفيف المؤمنين شبيهاً بخلية النحل في الكنائس السريانية الستة, أربعة منها تابعة لسريان الشرق الأوسط { مار أفرام السرياني ,مار يعقوب البرادعي, السيدة العذراء , ومار جرجس } , واثنتين تابعتين للسريان الهنود اليعاقبة ,{ مار جرجس التي انتهى تشيدها مثل هذه الأيام من العام الماضي وقد دشنها قداسته في زيارته هذه باحتفال وحضور شعبي إكليروسي مهيب, وكنيسة مار توما تيمناً بتلميذ السيد المسيح مار توما الرسول, الذي أدخل المسيحية إلى شبه الجزيرة الهندية, هذه الكنيسة قدمت حباً واستقبالاً كبيرين و أدّت عرضاً فنياً نموذجياً و مميزاً ظهر ذلك بالتنظيم والانضباط الذي يليق بالأب الأكبر.
أثناء لقاءه الموسع مع الشبيبة المسيحية التابعة لمختلف الطوائف, أجاب وبرحابة صدر عن خمسة أسئلة رئيسية اختارتها الشبيبة, وهو متنقلا بين موائدهم قائلاً : أشعر كأنني شاباً مثلكم وسوف استمع ببهجة وتمعن إلى أسئلتكم ومقترحاتكم وحتى لنصائحكم التي ستقدمونها لي , مشجعاً إياهم للانخراط بالعمل السياسي المتلازم مع القيم والأخلاق المسيحية, وحثهم على العمل الدؤب للدخول في معترك الحياة بثقة عالية بالنفس , وقال لهم : لقد قيل إن الشباب هو أمل المستقبل وأنا أضيف إنكم أنتم الحاضر والمستقبل معاً.
في لقائه مع أتباع كنيسة السيدة العذراء لوضع حجر الأساس لبنائها لاحقاً الذي كان لي شرف الحضور وأخذ بركة أمنا العذراء, لفتت انتباه الحاضرين جملة بمنتهى الجمال والتواضع من الكلمة المرتجلة المعبرة التي ألقاها قداسته , والتي تركت وقعاً وأثراً إيجابياً بليغاً في نفوس الحاضرين , وهي { أشعر أنني داخل أعظم كاتدرائية في العالم , لإن هذا المكان المتواضع يُذكرني بالمذود الذي ولد به السيد المسيح }, والمكان كان عبارة عن كراج صغير من التوتياء لا تتجاوز مساحته الثلاثون متراً مربعاً و بداخله البطريرك والوفد المرافق مع أكثر من خمسين شخصاً , ودرجة الحرارة لذاك اليوم تجاوزت الثامنة والعشرون درجة مئوية مع وهج الشمس الأسترالية الحارقة.
وكان لختام زيارته في مدينة ملبورن طعم خاص لن يُنسى أبداً , ففي صباح يوم الأحد المصادف /12/11/2017/ توافدت مئات العائلات من مختلف الطوائف والمناطق الجغرافية المحيطة بالمدينة إلى كنيسة مار يعقوب البرادعي , هذه البيعة التي تشرفت مع راعيها الأب أفرام أفرام ولجنتها الإدارية ومؤمنيها , بإقامة القداس والذبيحة الإلهية برئاسة البطريرك أفرام الثاني , البهجة والسعادة كانت عارمة على وجوه الجميع . تجمع أكثر من ألف شخص لرؤية رأس الكنيسة السريانية في العالم , لقد كان حدثاً تاريخياً مميزاً, أعطى أقوى رسالة حب معنوية و أبدى المؤمنين ولائهم الصادق وتعضيدهم للبطريرك, إذ لم تشهد أي كنيسة سريانية منذ قدوم السريان إلى استراليا في خمسينيات القرن الماضي مثل هذا التجمع الجماهيري المهيب وهذه الفرحة العارمة , وفي المقابل السعادة والابتسامة لم تفارق شفتي البطريرك , فأعطى وبسخاء إلى كل من شاهده أو تكلم معه تشجيعاً وعطفاً ومحبة أبوية , جعلت الجميع يتجدد في نشاطه ويستعيد حيويته لمسيرة الحياة , حقاً لقد كان عرساً جميلاً لن يُنسى .
جوزيف إبراهيم.
في /12/11/2017/ ملبورن.

7
ما السبيل لوحدة الشعب { الكلداني السرياني الأشوري }.
حدد علماء الإجتماع مجموعة عوامل ومقومات ليصح القول عن شعب ما إنه من أرومة إثنية واحدة : كالأرض , اللغة , التراث, التاريخ , العادات ,التقاليد ,والمصير المشترك , وأضاف بعضهم مثل المُفكر انطون سعادة مؤسس الحزب القومي السوري الاجتماعي في كتاباته, كالمحاضرات العشر ونشوء الأمم عامل آخر وهو الشكل العام للجمجمة والأبعاد الحسابية لتقاسيم الوجه, الرأس ووصل إلى نتيجة مفادها أن الشعوب الأصلية القاطنة في منطقة الهلال الخصيب { سوريا الطبيعية, أي بلاد الشام والعراق } لها نفس المقاييس الحسابية لأبعاد المسافات بين العينين والأذن والأنف, وأن ملامح الوجه والجمجمة متشابهة ومتجانسة جداً.
وقد أضافت الحضارة الغربية لاحقاً عاملاً آخر لمقومات القومية وهو الإرادة الحرة للمرء, فالإنسان كونه مخلوق عاقل له كامل الحرية والإرادة في اختيار قوميته وديانته, وهذا ما تسعى لتعميمه جاهدة هيئة الأمم المتحدة, وقد نجحت معظم الدول المتقدمة في تطبيق هذا العامل, واستطاعت مزج الغالبية العظمى من مواطنيها المختلفين قومياً, دينياً ولغوياً في بوتقة وهوية الدولة المستضيفة , وذهبت تلك الدول المتحضرة إلى أبعد من ذلك النجاح, وذلك من خلال تحقيق الوحدة الجغرافية ,الاقتصادية والسياسية, لأكثر من 25 خمسة وعشرون دولة مختلفة بكل شيئ أثنياً طائفياً ومذهبياً الخ { ب الاتحاد الأوربي }.
إن شعبنا بتسمياته وطوائفه الثلاثة { الكلداني السرياني الأشوري } مشتركين لا بل منصهرين معاً في المقومات والعوامل القديمة والحديثة للقومية, فهم يتقاسمون العيش في نفس الرقعة الجغرافية { وحدة الأرض } منذ أكثر من سبعة آلآف عام, ويتكلمون نفس { اللغة } العامية و الرسمية ربما باختلاف طفيف في اللهجات بين الشرقية { السورث } والغربية { لهجة طور عابدين } , وإذا ما تم مقارنة الإختلاف بهاتين اللهجتين مع بقية القوميات الأخرى, سنلتمس الفارق الشاسع بين لهجاتهم وسندرك التقارب الشديد بين لهجاتنا, فعلى سبيل المثال لا الحصر, الاختلاف الواضح بين لهجات اللغة الكردية { الباديناني والصوراني } وأيضاً الاختلاف في لهجات اللغة الأرمنية, وقد تعرضت جميع الطوائف عبر تاريخها الطويل وما زالت تتعرض لنفس المصير, إذ لم تميز الشعوب الغازية في اضطهادها وتنكيلها وبربريتها بين أشوري, كلداني أو سرياني. و يتميز شعبنا عن بقية الشعوب { بعاداته وتقاليده الواحدة } الجميلة التي تنسجم وتتأقلم مع الزمان والمكان, حيث له طابع خاص بفلكلوره مما يجعله مختلفاً ومميزاً عن بقية الإثنيات.
أما من ناحية المظهر الخارجي كالطول والبدانة و حجم الرأس وتقاسيم الوجه والملامح فتعتبر متشابهة ومتجانسة جداً بين الطوائف الثلاثة, وملائمة للبيئة الجغرافية لوادي الرافدين وسوريا, وكما يتعذر على شعوب العالم أن تُفرق بين أبناء الشعب الصيني, كذلك يصعب عليهم التمييز بين أبناء شعبنا لشدة التشابه في الملامح, يبقى العامل الأحدث أي الإرادة الحرة, فالغالبية من الشعب والإكليروس السرياني الكلداني الآشوري يتفقون على كونهم من منبت وشعب واحد, ويتمنون أن تزول الخلافات الطائفية بينهم وأن تتلاشى معضلة اختيار الإسم القومي الموحد الغير مركب, والفوارق الطائفية وتحل محلها الوحدة الدينية والقومية .
يذهب الكثير من مثقفي أبناء شعبنا للقول : أن معظم المواطنين المسلمين المتواجدين داخل الهلال الخصيب الذين تم تعريبهم أو تتريكهم أو تكريدهم هم من سلالة أبناء الرافدين, ولا بد من أن يأتي اليوم الذي تتحرك فيهم الجينات و تحثهم للعودة إلى أصولهم, وقد يتحقق هذا الحلم عندما تحل العلمانية والديمقراطية والحرية الحقيقية في بلادنا وتنفصل السياسة عن الدين .
بالرغم من الأماني المتفائلة والسعي الحثيث والعمل الشاق الدؤوب لكافة أحزابنا بإعادة اللحمة القومية لكنها لم تنجح, وأيضا لم تتكلل جهود الرئاسات الدينية للطوائف الثلاثة في الوصول إلى قاسم مشترك لوحدتها, لا بل نجد إن في نصف القرن الأخير قد تم استغلال وجذب الآلف من أبناء شعبنا بطرق ووسائل مختلفة إلى المذاهب البروتستانتية الجديدة, التي لا تعير التفكير القومي أية أهمية وتبتعد عن النعرات الخلافية لهويتها الأم حيث لها وجهة نظر مختلفة للتوجهات الإثنية والدينية .
أمام هذه التحديات المذهبية التي أرهقت قوانا سلباً, و أمام محنة الإبادات الجماعية السابقة التي تعرض لها شعبنا وآخرها إخلاء سهل نينوى ومدينة الموصل من أصحابها الشرعيين بهجمات بربرية من داعش وإخوانه , نجد أن جميع الوسائل المتبعة سابقاً لوحدة هذا الشعب لم تُحقق الحد الأدنى للوحدة , يبقى العامل الأسهل والأنجح لوحدتنا, هو إقامة حفلات وأُمسيات ثقافية وفنية مشتركة ومختلطة للشبيبة, وتشجيع شباننا وشاباتنا على التعارف والزواج من بعضهم البعض من مختلف الطوائف والمذاهب, فقد تكون هذه الطريقة السبيل الأنجح, لاستنساخ جيل جديد بعيد عن الخلافات والموروثات السلبية المتوارثة ليعتز ويفتخر بنفسه وبجميع التسميات المعروفة عن آباءه وأجداده { آشوري كلداني سرياني } ليتمكن لاحقاً من إيجاد قاسم مشترك متين لوحدة هذا الشعب المُنهك . ربما سيستغرق هذا الأسلوب زمناً طويلاً, لكن نتائجه ستكون مثمرة وبناءة.
جوزيف إبراهيم. في /6/11/2017/


8
{ العلاّمة إبن العبري , دائرة معارف }
جوزيف إبراهيم
الأديرة المسيحية شرقاً وغرباً لم تنجب رهباناً وقديسين فحسب بل المئات من العلماء في شتى أنواع العلوم, فعلى سبيل المثال لا الحصر, الراهب والعالم النمساوي غريغور يوهان مندل Gregor Johann Mendel هو أول من اكتشف القوانين الأساسية للوراثة وعالم نباتات ومعروف عالمياً ب أبو علم الوراثة ,وأيضاً الألماني يوهانس كيبلر {Johannes Kepler
 عالم الرياضيات والفيزياء والفلكي المشهور, يعتبر أول من وضع قوانين تصف حركة الكواكب, درس علم اللاهوت وكاد أن يصبح قسيساً.
وفي الجانب الشرقي للكنيسة ذخرت الأديرة بكم هائل من الرهبان, وإتسم الكثير منهم بالعبقرية والمعرفة العلمية, و قد تركوا بصمات إيجابية محفورة في التاريخ والذاكرة الإنسانية لغاية هذا اليوم. وليس مبالغةً إذا اعتبرنا الكنيسة السريانية الأرثودكسية بالرائدة في هذا المجال, فهي واحدة من أغنى الكنائس في العالم في مجال الرهبنة والعلم اللاهوتي, فقد قدمت ملايين الرهبان والنساك المتعبدين حتى نُعتت سلسلة جبال طوروس الحالية ب{ طور عابدين } تلك الجبال التي كانت الحد الفاصل بين سوريا الطبيعية وآسيا الوسطى وأرمينيا نظراً لتواجد عدد كبير جداً من الرهبان المتنسكين فيها.
وقد برز من بين هؤلاء الرهبان العشرات من العلماء العباقرة الذين اغنوا المكتبة البشرية جمالا ورونقاً, أمثال مار أفرام السرياني المُلقب بنبي السريان , و ما زالت أشعاره تُستخدم لدى جميع الطوائف المسيحية بالعالم, ومار يعقوب السروجي صاحب عشرات الآلاف من الميامر الروحية والأبيات الشعرية, ويُقال أن سبعون كاتباً وناسخاً كانوا يُرافقونه كي يتمكنوا من تدوين ما ينطق به من شعر, ومار يعقوب الرهاوي العالم الضليع بالفلسفة والتاريخ واللغويات وابن العبري الملقب بدائرة المعارف للقرن الثالث عشر و الكثير غيرهم .
فمن هو إبن العبري ؟
للحديث عنه قد نحتاج إلى مجلد كامل, إذ يُعتبر ابن العبري واحد من اكثر رجال الدين شهرة بالعالم ليس لأنه أولى أهمية بالغة بالثيولوجية { اللاهوت } فحسب, بل لاهتمامه البالغ بشتى مجالات العلوم والطب والفلسفة والفلك والتاريخ, وهو الوحيد من بين رجال الدين الذي افتخرت وما زالت تفتخر به أقوام من خارج إثنيته السريانية, كالعرب الذين يُكرمونه لعصاميته و نزاهته بكتابته في وصف الحقب الإسلامية في كتابه المشهور( تاريخ مختصر الدول), وأيضاً اليهود الذين يحاولون جاهدين لإنسابه لهم بسبب علمه الواسع ودليلهم هو انه ولد من طبيب يهودي لذلك يُكنى بابن { العبري } .
ولد أبن العبري باسم يوحنا المُلقب بأبو الفرج رغم انه لم يتزوج أبداً, والده هارون بن توما الملطي المُكنى بإبن العبري والمعروف عالمياً ب { Bar Hebraeus } وبالسريانية { بار عبريو }, إنه فيلسوف ولاهوتي من الطراز الأول, ولد في مدينة ملاطية عام 1226 م وينحدر جده من قرية عبرى المُطلة على نهر الفرات, لذلك يُنعت إبن العبري نسبة لضيعة جده ,إلا أن بعض المصادر اليهودية تنسبه إليها أباً عن جد وتدعي أن والده كان طبيباً يهودياً إلا أنه تنصر.
بيد أن إبن العبري نفسه يدحض هذا الإنتماء ببيت من الشعر إذ يقول فيه: ( إذا كان ربنا السيد المسيح سٌمي سامرياً , فلا غضاضة عليك إن دعوك بإبن العبري ) ويعتقد البعض إن مصدر تلك التسمية هو من عبور عائلته لنهر الفرات كما عبر اليهود بحر الأحمر هرباً من فرعون . أياً كانت الأسباب والإدعاءات لنسبه يبقى الجوهر أن عمله وإنتاجه المميز كان داخل الأروقة السريانية’
ولغاية هذا اليوم يُطلق المُسنين السريان الذين لم يدخلوا مدرسة في حياتهم نعت { بار عبرويو } على الإنسان الذكي والمتفوق, تيمناً بابن العبري,
إرتحل وتنقل كثيراً في حياته التي استمرت 60 ستون عاماً, ففي عام 1243 م سكن في أنطاكية ثم طرابلس الشام التي كان لجامعتها و أديرتها, الفضل الكبير بتنمية وصقل مواهبه ودراسته لعلم الطب والبيان والمنطق والفلسفة, اتقن و تكلم بطلاقة اللغة السريانية, العربية, الأرمنية, والفارسية. تدرج في السلم الكهنوتي ففي عام1246 أي في العشرين من عمره, رُسم كاهناً على يد البطريرك السرياني داؤود الثاني, ثم عُين أسقفاً لبلدة جوباس القريبة من مدينة إدلب السورية ومن هناك خدم ببلدة لاقبين, إلى أن رُسم مطراناً على أبرشية حلب وتوابعها, وفي الثامنة والثلاثين 38 من عمره تم ترقيته إلى درجة المفريان { كلمة سريانية تعني المُثمر } للمنطقة الشرقية { العراق إيران وأذربيجان } التابعة للكرسي السرياني الأنطاكي.
وقد أبدى اهتماماً كبيراً في بلاد المشرق وتفتحت قريحته العلمية أكثر فزاد إنتاجه الأدبي هناك, إذ ألف مجموعة ضخمة من الكتب أشهرها , (تاريخ مختصر الدول) (شرح فصول الفيلسوف اليوناني أبقراط) ( شرح قانون الطب للعلامة والطبيب إبن سينا) ( تفسير الكتاب المقدس) ( ديوان من الشعر)( رسالة في النفس البشرية وخواصها) وأيضاً نظراً للفائدة الجمة لكتاب الطب لابن سينا قام بترجمته إلى اللغات التي كان يتقنها,
وفيما يلي قائمة لكتبه الباقية لغاية اليوم : كتب لاهوتية: مخزن الأسرار, ومنارة الأقداس ,الذي اختصره في كتاب الأشعة. كتب تاريخية : تاريخ شامل, منذ بدء الخليقة حتى أيامه وقسم الكتاب إلى التاريخ السرياني والتاريخ الكنسي, ثمَّ ترجم التاريخ السرياني بنفسه إلى العربية بتصرف, كتب علمية: كتاب الصعود العقلي في شكل الرقيع والأرض, وشَرَحَ كتاب المجسطي لبطليموس القلوذي في علم النجوم وحركات الأفلاك, كتاب الزيج الكبير أي معرفة حركات الكواكب لاستخلاص التقويم السنوي وتعيين الأعياد المتنقلة, كتاب المفردات الطبية, منتخب كتاب جامع المفردات أي الأدوية المفردة, كتاب منافع أعضاء الجسد, كتب فلسفية: زبدة الحكمة, وأوجزه في, تجارة الفوائد وحديث الحكمة, والأحداق, ورسالتان في النفس البشرية. كتب أخلاقية ونسكية:الإيثيقون, والحمامة. كتب في القانون الكنسي: الهدايات, كتب في الصرف والنحو: الأضواء أو اللمع, والغراماطيق , والشّرار (لم يكمله). كتب أدبية: القصص المُضحكة, وهذا الكتاب كما هو مبين من عنوانه يتناول أخبار وقصص طريفة. كما كتب ابن العبري الكثير من الأبيات والقصائد الشعرية, وغيره الكثير الذي اندثر مع الزمن.
في قمة عطائه وعمله المُبدع وبتاريخ 30 يوليو تموز 1286 توفي العلامة إبن العبري في مدينة مراغة ببلاد فارس, عن عمر ناهز الستون 60 عاماً ثم نُقل ضريحه إلى دير مار متي الشيخ القريب من مدينة الموصل { نينوى }.
بقي أن نذكر أن هذا العبقري الفذ الذي نُعت بدائرة المعارف للقرن الثالث عشر, لم يُكرّم كما يجب من أبناء جلدته السريان إذ لا توجد ولغاية هذا اليوم أي كنيسة أو مدرسة سريانية بإسمه !!!
بقلم, جوزيف إبراهيم في /25/10/2017/

9
{ السامري الصالح , في كل مكان }
جوزيف إبراهيم.
داخل القطار, كان الطالب الجامعي ابن الثامنة والعشرون ربيعاً جالساً خلف الكمبيوتر { اللابتوب }, يضع اللمسات الأخيرة لمشروعه الدراسي , وهو متوجهاً إلى جامعته لمقابلة مسؤوليه ليقدم لهم تفاصيل دراسته, فجأة ملئ صُراخ الحافلة , رفع الشاب رأسه نحو جهة الصوت وإذ به يرى أحد المُسنين يتلوّى من شدة الألم واضعاً يده على معدته, لم يستطيع هذا الشاب الانتظار حتى يُسعفه أو يُساعده أحد المتواجدين داخل القطار, ولم يكترث لمدى أهمية واجبه الدراسي , فأقفل اللابتوب وتوجه إليه مُسرعاً وبدأ يُكلمه ويسأله مستفسراً عن مرضه بلسان أهل البلد { الإنكليزية } لكن تبين له أن الرجل المُسن لا يعرف سوى لغته الأم الشرق أوسطية. نزل معه في المحطة التالية تاركاً موعده المهم للغاية بجامعته, وأجرى اتصالاً مع قسم الإسعاف و بقي بجانبه يشجعه ليُهدئه و ينسيه ألمه إلى أن حضر الكادر الطبي مع الإسعاف.
بما أن غالبية المقيمين في تلك المنطقة يتكلمون لغة الرجل , لذا تأمل الشاب خيراً بإيحاد متطوعاً يساعد بالترجمة بين الرجل المريض والكادر الطبي , فبدأ يطلب وبرجاء حار من جميع الذين مروا بمحاذاتهم , ولكن لم يعر أي منهم أهمية للحدث بسبب انشغالهم بمتطلبات الحياة وخوفهم من الاحتكاك بقضايا من هذا النوع , وخاصة أبناء جلدته وبلده واتباع ديانته ومذهبه.
تعجب الشاب الشهم من المشهد المُخزي, وصُعق أكثر عندما تقدمت إليه سيدة من ديانة أخرى وقومية مختلفة تعرض المُساعدة , حتى لو تتطلب الأمر مُرافقة المريض في سيارة الإسعاف لغاية المشفى.
فبدأ الشاب يُقارن بين كرم وشهامة السيدة ومثل السامري الصالح الذي طرحهُ السيد المسيح , كيف أن رجُلاً تعرض للضرب المُبرح من قبل اللصوص وقطاع الطرق ورُمي على قارعة الطريق بين الحياة والموت, ولم يلقى أي اهتمام من أبناء جنسه ولا من كاهن مدينته , في حين أن رجل غريب الجنس والدين وهو سامري تحنن عليه وضمد جراحه بالخمر والزيت, ووضعه على حماره وأخذه إلى أفضل فندق في المدينة المجاورة , ودفع درهمان لصاحب الفندق طالباً منه الإعتناء به مهما كلف علاجه, وسيدفع له كامل مُستحقاته حين عودته , أيقن حينها الشاب والرجل المريض , أن لا حدود ولا قواعد ولا موانع ولا أديان تسطيع أن تقف حاجزاً أو عائقاً بين بني البشر, لمُساعدة وخدمة بعضهم البعض عند الشدة والحاجة المُلحة.
جوزيف إبراهيم في /19/10/2017/

10
المنبر الحر / ما هو الحق
« في: 20:22 17/10/2017  »
{ ما هو الحق }
جوزيف إبراهيم.
قال السيد السيد المسيح : في محادثة قصيرة بينه وبين بيلاطس البنطي أثناء محاكمته, قد أتيت إلى العالم لأشهد للحق , كل من هو من الحق يسمع صوتي فقال له بيلاطس ما هو الحق ؟ يخبرنا الكتاب المقدس على لسان الطبيب لوقا البشير أن تهمة اليهود ليسوع أثناء محاكمته كانت ما يلي 1- انه يفسد الأمة 2- يمنع أن تعطى جزية لقيصر 3- يدعي إنه ملك 4- ويضيف الرسول يوحنا في إنجيله إنه جعل نفسه ابن لله أي مساوياً له، وحسب ناموس موسى هذا الإدعاء هو تجديف خطير جداً يتوجب عليه قتل صاحبه. في نظرة تفحصية لتلك التهم يتبين أن التهم الثلاث الأولى كانت سياسية بامتياز, استخدمها رؤساء الكهنة للوي ذراع الحاكم الروماني وإجباره على إتخاذ قرار الموت لكن, التهمة الرابعة كانت دينية محضة و لذر الرماد في أعين القضاة أثناء المحاكمة, وأيضاً لتهييج الشارع اليهودي لكن الحكام الرومان وجدوا أن التهم والأدلة لا ترتقي إلى حجم الجريمة, وأن لا علاقة ليسوع بأي ارتباط سياسي أو ثوري ضدهم فكانت قناعتهم أنه لا يشكل خطورة على أمن إمبراطوريتهم.
شعر رؤساء الكهنة أن مخططهم لقتل يسوع قد فشل فلجأوا لاستخدام أقوى ورقة بيدهم وهي قوة الضغط الشعبي, فبدأ اتباعهم بالتغلغل ضمن العوائل اليهودية لجلبهم وبأساليب متعددة كالخداع والترغيب والترهيب والرشوة محاولين حجب الحقيقة عنهم, وتم تهييجهم و شحنهم نفسياً ودينياً في ساحة المحكمة أثناء محاكمة يسوع من قبل بيلاطس لإفزاعه وإجباره على النطق بقرار الموت.
إلا أنه وبالرغم من شناعة هذا الأسلوب والضغط الشعبي الفوضوي , نجد أن بيلاطس لم يرضخ في بداية الأمر لابتزازهم الغير أخلاقي بل بالعكس, لقد سخر كامل قوته الزمنية وحصانته المهنية وبتشجيع من زوجته ليعلن أمام الملأ براءة يسوع ويطلق سراحه, لكن ضغط الشعب وصراخهم كان يتعالى اكثر فاكثر فلجأ لأسلوب المقايضة, وذلك بمقارنة يسوع مع اشرس المجرمين باراباس { ابن عباس } لعله يكسب بهذه الطريقة ود واستعطاف الشعب وليسحب هذه الورقة القاتلة من يد قادة اليهود, إلا أنها بائت بالفشل لإن جيوبهم كانت قد امتلأت من نقود الرشوة فباتت ضمائرهم مخدرة, و ما زاد الطين بلّة هو إطلاقهم العنان لحناجرهم صارخين أطلق لنا باراباس واصلب يسوع الناصري.
علم بيلاطس أن الأمور ستتوجه نحو الأسوأ إذا همّ باستخدام العنف معهم, وأن حالة الاضطراب والإخلال بأمن الامبراطورية بات قاب قوسين وسيؤدي لتفاقم الأمور , حينها ستصعب السيطرة على زمام الأمور, في الوقت نفسه كان ضميره يعذبه إذا ما أراد إصدار قرار الصلب فوضع اليهود أمام تحكيم ضميرهم لعلهم يستفيقون من غفوتهم فأخذ ماءً وغسل يديه قدام الجمع قائلاً أني بريء من دم هذا البار فكان ردهم دمه علينا وعلى أولادنا.
يقول القديس أوغسطينوس : بهذا المجال أن { الحق , الحقيقة } هو كالأسد ليس بحاجة إلى الدفاع عنه, أطلقه وهو سيدافع عن نفسه.
بقلم جوزيف إبراهيم في /17/10/2017/
 

11
{ انقسام المشاعر وصعوبة أخذ القرار }
جوزيف إبراهيم.
سيتعرض كل إنسان في مسيرة حياته على هذه الأرض و لمرات عديدة إلى انقسام مشاعره تجاه حدث معين, قد يكون فيه طرفي الخصام من الناس الذين لهم مكانة ومنزلة خاصة في قلبه وُيكن لهم كل الحب والاحترام, و هنا يصعب على العقل أن يتخذ موقفاً محدداً من طرفي النزاع و ذلك كي يحافظ على علاقاته الإيجابية مع الجميع.
وهذه الهواجس والعواطف صحية وطبيعية جداً, وغالباً ما تنتاب المرء السوي المحب للخير ولازدهار مجتمعه ومن منطلق خير الأمور أوسطها, فيلجأ العقل في هذه الحالة لاتخاذ قرار حيادي وسطي من طرفي النزاع لكي يكون على مسافة واحدة من المعنيين بالحدث, وقد يكون هذا التصرف صائباً إن لم تكن قضية النزاع مصيرية, لكن في حال عدم إمكانية استمرار الوقوف على الحياد, حينها يتعين الانتقال إلي الحياد الإيجابي الذي يؤهل المرء لأن يتدارك أكبر قدر ممكن من الخسائر المعنوية, وهذه تعد أنسب وسيلة للتخلص من الأرق الجاثي على صدر المرء.
بيد أن المعضلة تكمن حين لا يكون للمرء خيار على الإطلاق في اتخاذ قرار الحياد بكل فروعه السلبية والإيجابية والوسطية, إذ من الممكن أن ُيزج بالمرء في حالات ومواقف حرجة جداً بسبب طبيعة عمله ودرجة حساسية موقعه, فيُلزم باتخاذ قرار مصيري قد يكون حاسم و يؤدي إلى تصاعد كفة طرف على حساب الكفة الأخرى فيختل التوازن بين طرفي الحدث. هنا قد يتعرض المرء إلى كره و عداوة شديدة من الفريق المطالب بالتغيير, خاصة وإن كان اتباعه أناس يرغبون بالرؤية فقط من منظورهم الخاص ولا يمكنهم إستيعاب خصوصية وحرية هذا الشخص.
فما هي السبل والخطوات التي قد تُسهم في تخفيض مستوى الضغط النفسي والصحي للفرد الذي يقع في حالة كهذه؟
1- أولاً وقبل كل شيء سلم الأمر بيد السيد المسيح القائل : تعالوا إلي يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال وأنا أريحكم, وأطلب منه أن يرشدك للقرار الصائب 2- يُفضل استشارة أصحاب الخبرة والشأن والذين لديهم مصداقية وأمانة في المجتمع مثل كبار السن من الجنسين 3- إعطاء المصلحة العليا و العامة أهمية كبرى جداً وترجيح كفتها وحمايتها من الأذى وشظايا الأزمة4- إرضاء قلب الله قبل أن ترضي أي مخلوق آخر مهما كانت مكانته الاجتماعية 5-الوقوف إلى جانب الحق بغض النظر فيما إذا كان صاحب الحق فقيراً أو ضعيفاً أو إذا كان الطرف الآخر قوياً وغنياً 6- حكم ضميرك لان الضمير داخل الإنسان هو صوت وحضور الله فيه. 7- قد يلجأ إبليس إلى تخدير ضميرك أو إغراءك بشتى الوسائل المتاحة لديه لإبعادك عن قول الحق, فكن حذراً كي لا تقع في فخاخه , فضميرك سوف يؤنبك لاحقاً و إنقاذك من عواقب سوء قرارك سيصبح عسيراً جداً 8- خذ الوقت الكافي ولا تتسرع مطلقاً بكلامك وتريث قليلاً قبل أن تبدي رأيك 9- اعلم أن الزمن هو وحده من يعمل بتفاني وإخلاص دون محاباة, ولديه القدرة الهائلة وهو الدواء والبلسم الشافي لحل أكبر المشاكل والخلافات مهما كان نوعها شخصية, عائلية, مجتمعية, عشائرية وحتى دولية.
10- كن بارد الأعصاب ولا تتأثر بردود الأفعال مهما كانت سلبية ولا تقابل الشر بالشر . 11- وفي النهاية أنت تريد وأنا أريد والله سيفعل ما يريد.
أهلاً بك عزيزي القارئ في صفحتي على الفيسبوك / Joseph Ibrahim /
بقلم جوزيف إبراهيم في /12/10/2017/


12

{ الانصهار بالعولمة }
جوزيف إبراهيم.
باتت العولمة الديانة الجديدة التي لا إيمان لها, تنتشر في العالم كانتشار النار في الهشيم, يعمل مصمميها ومنسقيها دون كلل للسيطرة على الأرض ونتائجهم ملفتة للنظر, فقد تمكنت العولمة من تفكيك معظم الدول واستقطبت الملايين من البشر إلى حظيرتها.
أنصارها لم يحملوا سيفاً أو سلاحاً بوجه أي إنسان لإجباره على ألانضمام اليهم, وليست لديهم عداوة علنية و مباشرة مع أي دين, قومية, أو دولة لكنهم في الوقت ذاته يعملون ويسعون من خلال تمسكهم بالعلم وأفكارهم المغلفة بالحرية والديمقراطية المفرطة لترغيب المجتمعات وخاصة الشبيبة الناشئة, مستخدمين شتى أنواع الإغراءات الدنيوية والترفيهية ليسهل عليهم تمييع جميع الإيديولوجيات والأديان والموروثات الفكرية السابقة و إذابتهم في بوتقتهم, وقد نجحت العولمة نجاحاً باهراً في السنوات الخمسين الماضية, ويمكن القول إنها هي التي تحكم وتتحكم بمقدرات جميع الدول والشعوب على هذه الأرض وتسعى جاهدة لغزو الفضاء الخارجي والسيطرة عليه.
العولمة ليست وليدة الثورة الصناعية الكبرى التي ولدت في أوروبا وتحديداً في بريطانيا العظمى, فهي قديمة جداً وجذورها عميقة كعمق التاريخ.
لقد أصبحت كمغناطيس عملاق يجذب أغلب المعادن إليه, أو كإحدى الثقوب الكونية السوداء ذات الجاذبية الخيالية التي بإمكانها أن تقلص حجم النجوم والكواكب وتبتلعها. و تشبه العولمة آلة العجين ذات الذراعين القويين والمحرك المتخفي تحت الرقائق المعدنية البراقة وحوضها الكروي العميق الشديد الانحدار, فكل من يدخل مجالها سيذوب ويُصهر مع بقية المواد المتواجدة ليخرج الناتج النهائي كما يريده العجان, ومن يحاول الخروج والنجاة لن يفلح حتى لو تعلق بجدران الحوض أو بأهداب الأذرع.
هكذا هو حال أبناء جميع القوميات والأديان الذين دخلوا بلاد الغرب { رواد العولمة }, فمع الزمن سيتحلل جميعهم المتعصب والمتدين والقومي واللامبالي. قد تكافح بعض الإثنيات والأديان المتزمتة من خلال التقوقع الشديد داخل شرنقة ماضيها الديني, وعاداتها وتقاليدها القديمة لكنها لن تستفيد سوى كسب بعض الوقت, فالجيل الثاني أو الثالث من أبناءها سينصهرون حتماً. ما دفعني لكتابة هذه المقالة القصيرة عن نتائج العولمة, هو إطلاعي على الرسوم البيانية المتعلقة بأبناء جلدتي المقيمين في استراليا , فبالرغم من إننا أقل الشعوب والجاليات عدداً إلا إنني صعقت عند قراءتي المعلومات المتوفرة عبر النت من مكتب الإحصاء الأسترالي, إذ تبين مدى الانعطاف الخطير للخط البياني المتعلق بالشبيبة بين الأعوام { 18/30 } عاماً بتخليهم وابتعادهم عن كل ما يتعلق بماضي أجدادهم .
فكما هو معلوم إن أغلب الدول المتحضرة تجري إحصاءً شاملاً كل خمسة أعوام لمواطنيها, يتضمن مجموعة واسعة من الأسئلة من ضمنها نوع الديانة, المذهب , المهنة ,العمل, الدخل الفردي السنوي, والمستوى التعليمي وعدد الأفراد الخ.. إنها دراسة كاملة ومتكاملة من كافة النواحي الاجتماعية والاقتصادية والدينية, ليتسنى للخبراء معالجة الثغرات ووضع الخطة الخمسية المناسبة نحو العولمة.
جوزيف إبراهيم في /7/10/2017/

13
المنبر الحر / الفتاة وراهب الدير
« في: 17:06 06/10/2017  »
{ الفتاة وراهب الدير }
جوزيف إبراهيم
في ساحة الدير, حدقت وبتركيز شديد ابنة الثامنة عشر ربيعاً براهب الدير, تجاهل نظراتها وبدأ بحديث جانبي مع أحد الزوار , تبين له أن هذا الزائر هو من المشاكسين الغير مبالين بالتعاليم والأخلاق المسيحية, فبدء يشرح له عن عظمة القيم السامية العليا للمسيحية ودورها العظيم في صقل وتهذيب النفس الإنسانية, داعماً كلامه بأدلة وآيات من تعاليم السيد المسيح كالموعظة على الجبل.
دفعه حب الفضول للتأكد من حسن نية نظرتها, فرفع رأسه نحوها وإذ بها مازالت متسمرة النظر به, أمال جسده قليلاً وأكمل وعظته مع الرجل إلى أن تمكن من إقناعه . مرة ثانية حركته الرغبة الخفية والفضول للنظر اليها , واذ بها مثله ما زالت الدهشة والإعجاب تلفحان وجهها, أحمرت وجنتاه خجلاً, وبد متلعثماً حين بادرها بالسؤال : عن سبب نظراتها إليه مذكراً إياها بانهُ راهب وقد نذر نفسه وجسده للمسيح له المجد وللبشارة السارة, فأجابته قائلة : يا أبتي الفاضل إنني ك أنثى لي الحق أن أحدق بالنظر إلى أبناء أبينا آدم وانت أحدهم, ذلك كي أتمعن وأتفحص الجسد الذي أخذ الرب ضلعاً من أضلاعه وكونني وخلقني منه, لكن يا أبتي عليك أنت وعلى جميع أحفاد أبينا آدم أن تنظروا دائماً الى الأرض { التراب } ,لأنكم مخلقون ومجبولون منه.
تعجب واندهش الراهب من سرعة بداهتها وإجابتها الكتابية المفحمة وعمق معرفتها وتفكيرها وإطلاعها, وأجابها وهو ينظر إلى الأرض قائلاً : أنت محقة يا ابنتي, فهذا ما يعلمنا إياه الكتاب المقدس, فتعلم منها درساً بالحياة ,كان قد غفل عنه وبدأ يعظ ويعلم الآخرين به. جوزيف إبراهيم في /6/10/2017/

 

14
{المجوسي الرابع} الجزء الاخير
جوزيف إبراهيم.
اجتاحته مشاعر الحب, وتعلق بهم ففضل العيش معهم بقية أيام حياته فلم تعد لديه أية آمال للقاء يسوع, مرت السنين وبات فرداً منهم مشاركاً إياهم بالسَراء والضَراء, ذات يوم وبينما كان يرتب ثيابه وقعت عينيه على الجوهرة, حينها تذكر مهمته التي ترك وطنه وأملاكه لأجلها , فجمع أصدقائه وطلب منهم السماح له بمغادرتهم, لم يكن هذا الطلب سهلاً عليهم فقد أمضى اكثر من ثلاثين سنة معهم, لكن نزولاً عند رغبته وافق الجميع على طلبه.
توجه المجوسي إلى مدينة القدس, وصلها يوم الجمعة ظهراً فشاهد المدينة الجميلة حزينة و مضطربة هي و أبنائها, فذهب إلى أحد الشيوخ واستفسر منه عن السبب فشرح له حكاية يسوع منذ ولادته, مروراً بالمعجزات التي صنعها وكيف أنه كان يجول ويصنع خيراً ولغاية القبض عليه من قبل اليهود ومحاكمته من قبل رؤسائهم و بيلاطس, وكيف تم جلده وعذب بالضرب المبرح وهم الآن متوجهين إلى جبل الجلجلة لتنفيذ قرار الحكم بصلبه.
كاد أن يغمى على المجوسي لكنه تقوى, وبدأ يتفكر في إحتمال إنقاذ يسوع بهذه الجوهرة الثمينة في حال إعطائها لقائد الجنود, فأطلق العنان لأرجله مسرعاً شاعراً بفرحة عارمة حين إقترابه من الموكب المرافق للمسيح, وبينما هو في خضم هذه المشاعر إذ بفتاة في مقتبل العمر تصرخ وتبكي بحرقة في زقاق منعزل مستنجدة بالشهم الذي سينقذها من شخص كان يعترضها, تسمر المجوسي في موقعه وهو على مسافة واحدة بين الحدثين احتار أي منهما ينقذ , حقا الوقوف على مفترق الطرق هو أمر صعب جدا , فبدأ يتفكر في نفسه, إن ذاك المجرم يبدو ذا بنية جسدية قوية فلن يمكنه استعمال القوة معه لكنه يتمكن من إغراءه بالجوهرة التي معه, بينما قضية يسوع تختلف لأن قرار الصلب صادر عن محكمة ومعقد جداً, وتذكر قبل 33 عاماً حين ظهرت النجمة له ولرفاقه مع الملاك قائلاً لهم أن طفلاً ملكاً سيولد في مغارة بيت لحم وسيكون منقذاً ومخلصاً للبشرية جمعاء, تشجع لرشوة قائد العسكر لكن ولسبب يجهله ناداه ضميره لإنقاذ الفتاة, أدرك إنه سيخسر الاثنان معاً إن لم يتصرف بسرعة فاتجه مسرعاً للصبية واطلق صرخة عنيفة على قاطع الطريق قائلاً له: دع الفتاة وشأنها وخذ مني هذه الجوهرة الثمينة ,لم يصدق ذاك عينيه فأخذها ولاذ بالفرار مسرعاً.
أدار المجوسي نظره إلى الجلجلة فشاهد ثلاثة صلبان معلقة, علم أن إحداها هو صليب يسوع فبدأ الحزن والألم يجتاحان كامل جسده, وسرعان ما وهنت كل أعضائه شاعرا بأنه يحتضر فتخيل كيف أنه ترك كل ما يملك في سبيل أن يشاهد طفل المغارة لكن دون جدوى, و بينما كان متخبطاً في أفكاره إذ بأحدهم يربت على كتفه معزياً إياه قائلاً: لقد سمعت أنّاتك و أود أن أطمئنك أيها الشيخ الجليل فقد التقيت وشاهدت يسوع مرات عديدة , الطفل الذي أنقذته من سيف الجندي بجوهرة كان يسوع, والذي عالجته أيضاً من البرص كان يسوع, وهذه الفتاة التي فديتها بأثمن جوهرة كانت يسوع, وما تراه الآن من وحشية و آلام هو ضرورة حتمية لخلاص البشر بدم يسوع كي تتم المصالحة بين الله والإنسان , وإن من يكلمك الآن هو هو ثم جعله يلمس مكان المسامير والحربة وأخذه معه إلى الفردوس. بقلم جوزيف إبراهيم في /04/10/2017/

15
{ المرأة السعودية تتنفس الصعداء }
جوزيف إبراهيم
أخيراً رضخت المؤسسة الدينية والقيادة السعودية إلى الضغوطات الدولية ومنظمات حقوق الإنسان, ولأبناء الشعب السعودي الذين ناضلوا بالقول والفعل في سبيل كسر الأغلال التي تقيد الشعب السعودي. ففي بادرة تاريخية اصدر اليوم 27/9/2017/ الملك السعودي سلمان أمراً ملكيا بالسماح للمرأة بقيادة السيارة, وقد توالت ردود الأفعال الدولية والمحلية المتباينة ففي حين هنئ الرئيس الأمريكي ترامب الأسرة المالكة على هذه الشجاعة, استنكر معظم المتدينين والشيوخ رافضين هذه الخطوة واعتبروها انزلاقاً نحو العولمة مما أثار فزعهم, إذ ليس مستبعداً أن يرتفع عاليا سقف المطالبات والاحتجاجات لمزيد من الحريات, وإلى إلغاء تعدد الزوجات والتساوي بالميراث .
ما زالت الأنثى مكبلة بالقيود لهذا اليوم , وتعتبر السعودية الأولى عالمياً في انعدام المساواة بين الرجل والمرأة, فمثلاً تحتاج المرأة إلى موافقة ولي أمرها باستخراج جواز سفر , فتح حساب في البنك ,الشروع في الزواج , وشهادتها في المحكمة تحسب بنصف شهادة الرجل, ولغاية عام /2015/ لم يكن التعليم المدرسي إلزامياً للإناث الخ.
وتعتبر السعودية الدولة الوحيدة بالعالم التي لا تسمح للنساء بقيادة المركبات على أنواعها, وهذا الأمر الملكي الذي طال انتظاره يحمل الكثير من الإيجابيات أهمها, الجرأة في الخروج تدريجياً من الدائرة الدينية القوية جداً و المتحكمة بالسلطة والشعب معاً.
بيد أن هذا القرار رغم أهميته القصوى , ما زال مخيباً لآمال وتطلعات منظمات حقوق الإنسان بشكل عام والمرأة والمجتمع السعودي التواق إلى الحرية الشخصية ذات مقاييس الأمم المتحدة يشكل خاص , لإن قرار الملك ناقصاً وغير ملزم بالتطبيق الفوري إذ يتطلب من الوزراء المعنيين تحضير المستلزمات والإجراءات القانونية اللازمة خلال ثلاثين يوماً من تاريخ صدور القرار ومن ثم سيدخل حيز التنفيذ الفعلي في الشهر السادس حزيران من عام /2018/ .
في حين وصلت المرأة الغربية وشرق آسيا إلى قيادة المركبات الفضائية, وأصبحت قيادتهن للقطارات والباصات والمركبات الثقيلة وجميع أنواع السيارات شيئاً عادياً, لا بل لديهم مدارس لتعليم السياقة وغالبية الذين يمتحنون المتقدمين للفحص هم من النساء.
جوزيف إبراهيم في /27/9/2017/

16
المنبر الحر / كبرياء الرجال
« في: 17:15 26/09/2017  »
{ كبرياء الرجال }
بقلم , جوزيف إبراهيم.
قست الحياة على رجل شهم و نزيه, وبدأت الأبواب توصد في وجهه الواحدة تلوٌ الأخرى, وآلت أحواله إلى عدم قدرته على تغطية احتياجات أسرته اليومية من مأكل ومشرب, هذا الوضع الأليم أدخله في حالة نفسية يرثى لها فالتجأ لأشخاص فاشلين غارقين في ملذات الحياة متعاطين الكحول و المخدرات, شعر بلذة مؤقتة كان يخدر بها مشاعره للهروب من واقعه المرير, لكن سرعان ما استفاق من غيبوبته و بدت هذه المغامرة جارحة لمشاعره كرجل, فكان يتخيل كيف أن مائدته اليومية كانت عامرة بأفخر أصناف المأكولات, و كيف أنه كان محاطا بلفيف من الأصدقاء المتسامرون حول تلك المائدة, أما الآن فها هو منبوذ و منسي من الجميع.
الشهم إن سقط يقوم مرة أخرى, شعر بضرورة التغيير فأبى أن يستسلم متحدياً صعوبات الزمن, وبدأ يبحث عن مصدر رزق شريف يعيل به عائلته بكرامة.
أخيراً ابتسم له الحظ و عثر على دكانة فارغة وبإيجار رمزي, فبدأ الأمل والنشاط يدبان في عروقه طارقاً أبواب الأصدقاء ليقترض بعض النقود كي يملأ محله الصغير لكن دون جدوى, حتى تجار الجملة رفضوا إعطاؤه البضاعة دون دفع مسبق لإنه كان جديداً في السوق وذو خبرة معدومة بالتجارة.
كاد أن يفقد الأمل ويضعف ليعود إلى أصحاب السوء, لكن أحدهم أنقذه بمعلومة مفادها أن الوجيه الفلاني هو من خيرة الناس ويده ممدودة للمساعدة والعطاء وقلبه رؤوف على المتضايقين, فقصده في اليوم الثاني عارضاً عليه وضعه متمنياً أن يحصل على قرض مادي منه, تفرس الوجيه بتقاسيم الرجل دارساً ملامح رجولته إن كان صادقاً بحكايته ونزاهته أم لا, ثم قال له أنني اقرض المال دون أية فائدة لكن بشرط أن تعطني شعرة واحدة من شاربك, أحس الرجل بإهانة كبيرة من هذا الشرط لكنه كتم غيظه وطالبه باستبدال شرطه لإنه يمس كبريائه ورجولته, لكن الوجيه أصر على إنه الشرط الوحيد الذي يفرضه على جميع من يطلب الاستدانة منه, احتار الرجل ماذا يفعل لكنه لم ولن يجد البديل الأفضل لإخراجه من وضعه الاقتصادي المزدري, فقلع على مضض شعرة واحدة من شاربه ولفها بمنديل وأعطاها للوجيه قائلاً : له ستبقى هذه الشعرة أمانة لديك أريدها كما هي عندما أعيد لك كامل المبلغ الذي سأستدينه منك, فرح الوجيه بشرط الرجل ووافق الطرفان على الصفقة.
أخذ الرجل النقود فرحاً ومقهوراً بنفس الوقت ففقدانه شعرة من شاربه زادته قوة وتصميماً أن يحقق نجاحاً اقتصادياً لإعادة شاربه ولتحسين حياة عائلته, وفعلاً بدأت الأبواب الموصدة تفتح أمامه, والخير يتدفق عليه من محله الصغير المتواضع, إلى أن أعاد كامل المبلغ للوجيه مع مبلغاً إضافياً محترماً كحلوان ورد جميل واستعاد شعرة شاربه سالمة.
ذات يوم زاره في دكانه صديق قديم, مستفسراً كيف استطاع تحقيق هذا النجاح بعد أن كان في وضع يرثى له, وما لسبيل أن ينهض من كبوته وفشله المادي, فشرح له الرجل حكايته كاملة وكيف أنقذه الوجيه بشعرة واحدة, فما كان من هذا الزائر إلا أن ركض مسرعاً دون التفات, سابقاً خطواته ويده على شنبه الثخين.
وصل إلى منزل الوجيه وتم استقباله بترحيب وحفاوة, فسأله : الوجيه عن مطلبه فأجابه إنه قاصداً الاستدانة, فعرض عليه الوجيه شرطه الوحيد وهو يتفحص تقاسيم وجهه, لكن قبل أن ينهي كلامه مد الرجل يده إلى شنبه مقتلعاً كمية كبيرة تفوق عدد أصابع اليدين ودفعها بيد الوجيه, فرد عليه الوجيه معتذراً عن إقراضه دون أن يوضح له السبب وأخرجه من منزله.
جوزيف إبراهيم في /26/09/2017/


17
المنبر الحر / القادة أم القاعدة
« في: 14:03 23/09/2017  »
{القادة أم القاعدة }
جوزيف إبراهيم.
الشعوب الواعية المتعلمة تنتج قادة حكماء يتسمون ببعد النظر, يضعون المستقبل الجيد والمصلحة العليا لشعوبهم فوق كل اعتبار, والشعوب المتخلفة تنتج قادة جهلاء يصبحون عالة على أنفسهم وعلى أتباعهم, ولا يرون أبعد من رؤوس أنوفهم ولا يهمهم إن شاهدوا بأم أعينهم أتباعهم يتخاصمون ويقتلون بعضهم البعض, فينتج عن ذلك اضطرابات وعصيان من بعض فئات الشعب لتغيير حكامها وتحسين فرص الحياة للجميع.
في خضم هذه المعمعة يداس بين الأقدام المتعلمين وأنصاف المتنورين, الباذلين أنفسهم جسوراً لتلاقي الآراء والأفكار البناءة المشتركة بين الطرفين, وهؤلاء الأصلاء لا ناقة ولا جمل لهم من طرفي النزاع سوى وحدة الصف فمحبتهم لشعبهم تدفعهم إلى النظر بعيداً لما فيه خير وسلامة الجميع, وغالباً ما يتعرض طالبي الخير والتقدم والسلام للكره والخصام وللسهام الجارحة من القاعدة الشعبية والقادة على حد سواء, حقيقة هذا شيء محزن ويرثى له!
لكن من يتحمل فداحة الموقف المتدهور القادة والرؤساء أم الشعب اللامبالي؟ في الحقيقة الطرفان معاً يتحملان المسؤولية, فالمثل يقول إن الإناء ينضح بما فيه, إذاً ليس بوسعنا أن نحمل الفشل العام وعدم نجاح المؤسسات في مهامها على عاتق وأكتاف القادة وخاصة الروحانيين, فالمسؤولين الروحانيين تنحصر خدمتهم ومهمتهم بالرسالة الكتابية ضمن الأماكن المقدسة والمحافظة على الأيمان المسلم لهم من السلطات والمجامع المقدسة المعترف بها, أيضاً أن يكونوا رعاة صالحين عادلين مستعدين لبذل أنفسهم لإنقاذ أبناءهم من مخالب الذئاب المفترسة ,وهم ليسو مسؤولين مباشرة أمام اتباعهم في المجالات الدنيوية كالاقتصادية والتربوية والاجتماعية وغيرها الخ, فهذه الأمور مهمتها و مسؤوليتها تقع على عاتق الكوادر العلمانية المختصة ومن لهم القدرة والمعرفة في تمتين وتطوير العمل المنتج وتقوية البنية التحتية للمجتمع.
يحق للشعب المؤمن أن يراقب ويحاسب ويتخذ قرارات وإجراءات إقصائية في حق قادته الروحانيين, في حال شذوذهم عن طريق الإيمان القويم المتفق عليه في المجامع المقدسة, أما الإجراءات الإصلاحية فيجب أن تبدأ من كل فرد منتقداً ومصلحاً ما بداخله أولاً ليكون قدوة حسنة للآخرين, لكن أن يتم القفز إلى المطالبة الإصلاحية بتجميد صلاحيات أعلى مسؤول روحي, لا يمكن إلا و أن يكون وراء هكذا قرار خطير أكثر من علامة استفهام وتعجب؟!!!! فالمنطق يؤكد حتمية دور الخلافات والتراكمات الشخصية السابقة واللاحقة بينهما, وفي مثل هذه الحالات غالباً ما تساهم المشاعر الإنسانية في تأجيج وتضخيم إخفاقات الطرفين, وتقوم بالتالي العواطف القلية باتخاذ القرارات بالنيابة عن عقل المرء ولا يمكن الجزم بعدم صوابية القرار لكن المنطق يوثق ويقر بصحة ومصداقية العقل أكثر من قرارات القلب.
جوزيف إبراهيم. في /23/9/2017/

18
{ المجوسي الرابع } الجزء الثاني.
جوزيف إبراهيم.
تابع المجوسي سيره دون كلل قاصداً مصر سارحاً في أفكاره ومشاعره, وبعد عشرات الأميال رأى تجمعا سكنيا يوحي بالفقر الشديد, وجميع القاطنين فيه مصابين بمرض البرص. يخبرنا الكتاب المقدس أن هذا المرض كان نجساً عند اليهود, وقد اثبت الطب الحديث إنه اشد الأمراض عدوى حيث يوضع المصابون به في حجر صحي, وهكذا كان يفعل الأقدمون فكل مصاب كان يرمى خارج المدينة بعشرات الأميال, ولكثرة عددهم تمكنوا من خلق تجمع خاص بهم, فكان الأصحاء يخشونهم لقساوتهم, و تولدت مع مرور الأيام عداوة بين الطرفين, والكتاب يخبرنا أن الرب يسوع شفى الكثيرين منهم.
في هذه الأثناء وبينما المجوسي كان سارحاً في أفكاره, وإذا بمجموعة من هؤلاء البرص يطوقونه لسرقته وقتله, إلا أن احدهم شاهد قلادة في رقبة المجوسي وفي وسطها أيقونة ترمز في ذاك الزمان إلى أن حاملها هو من المنجمين بعلم الفلك ومن طبقة الأطباء المهرة, فخيروه ما بين الحياة معهم وشفائهم أو القتل , فاضطر مرغماً إلى العيش معهم لطبابتهم. وبعد فحصهم استطاع معرفة النبتة الوحيدة التي بإمكانها أن تشفيهم من برصهم, لكنها كانت نادرة الوجود . وبدأ بجمع النبتة من أعالي الجبال المحيطة ولندرتها جمع ما يكفي لمعالجة شخص واحد, فقدموا إليه طفلاً حديث الولادة وبعد عدة أيام تمكن من شفائه. طلب المجوسي أن يأذنوا له بالسفر إلى مصر لكنهم رفضوا لرغبتهم بالشفاء, فتحنن المجوسي على وضعهم السيئ واقنع نفسه بفقدان الأمل لملاقاة طفل المغارة يسوع, ففضل البقاء معهم رحمة بهم وكما يقول الكتاب:" أريد رحمة لا ذبيحة" فالرحمة هي اجمل فضيلة تزين الإنسان.
مكث المجوسي معهم وحثهم على جمع أكبر كمية ممكنة من تلك النبتة أو شرائها, و لتحقيق ذلك أعطاهم الجوهرة الثمينة الثانية واحتفظ بالثالثة وهي الأغلى ثمناً والأجمل لعله يقدمها يوماً ليسوع. بعد بحث طويل في المدن القريبة عن تلك النبتة السحرية تمكن المجوسي من مقايضة كمية كبيرة من الأعشاب بالجوهرة, فكان احد التجار المهتمين بعلم الصيدلة هو من يحضرها. لم يصدق التاجر عينيه حينما امسك بالجوهرة لندرتها وقيمتها العالية فقد اصبح بهذه الصفقة التجارية من أغنى الأغنياء.
استمر المجوسي بطبابة البرص و مع مرور الزمن نجح نجاحاً باهراً في علاجهم , ففرح فرحة عارمة ولم يصدق أن تلك النبتة كانت السبب الرئيسي في شفاءهم واحس إن لمسة سحرية خفية تفوق أيادي الأطباء هي من شفت هؤلاء البرص. يتبع الجزء الأخير لاحقاً
جوزيف إبراهيم في /20/9/2017/

19
المنبر الحر / نزاهة الرأي
« في: 18:08 18/09/2017  »
نزاهة الرأي
جوزيف إبراهيم
أعتقد أن جميع الاحتجاجات الشعبية على وضعها الراهن الصغيرة منها والكبيرة وبغض النظر عما إذا كانت هذه الحركات محقة بأهدافها المعلنة أم لا, فهي بالتأكيد تخفي أجندتها وأهدافها الجوهرية الحقيقية عن الرأي العام وحتى على معظم أتباعها, وإن غالبية المنغمسين والمشتركين في هذه الحركات سواءً من المؤيدين أو المعارضين , ليسوا إلا حطباً ووقوداً يتم استخدامهم دون إدراكهم من قبل { أدمغة ورؤوس كبيرة مختبئة تعمل من وراء الكواليس } وستنتهي صلاحية معظم هؤلاء المشاركين بالحالتين سواءً بالفشل أو بالنجاح, ليحل محلهم الانتهازيون مقتنصي الفرص المبدعين بالاصطياد في المياه العكرة.
فكن حكيماً وأدرس جيداً عواقب كل كلمة تنطقها وكل خطوة تخطوها في مشاركتك لتلك الحركات, وإن انزلقت قدماك بخدعة دون إرادتك الحرة , فتدارك ذلك سريعاً وأجتهد ألا تكون كالزيت سريع الاشتعال, لأنك ستحرق نفسك ومن حولك , وإذا تعثرتَ في خط الرجعة فجاهد أن تكون حطباً طرياً كي لا تتعرض للحرق بسرعة, لعل يوماً ما تشفى من جروحك وحروقك بعد خمود البركان.
لكن قد يقول قائل : كيف إذاً السبيل إلى التغيير والتطوير نحو الأفضل والخلاص من الوضع الراهن؟
إن الحوار المباشر وجهاً لوجه والنقد البناء مع الطرف المعني, وفتح جميع الملفات العالقة والطلبات المقلقة على طاولة الحوار هو أنسب وأفضل وسيلة حضارية يمكن أن تثمر ثماراً إيجابية, وإن لم تفلح تلك المباحثات الصادقة, حينها يمكن اللجوء إلى التعبئة الشعبية العامة دون استثناء أي شخص, لمحاولة استقطاب الجميع بنزاهة تامة,وإظهار عيوب ونواقص الطرف الآخر بأسلوب حضاري واحترام دون جرح مشاعرهم ’. ويتوجب قول الحقيقة كاملة للأهداف والبرامج المستقبلية دون خداع ودوران , أخيراً إن احترام رأي الفرد سلباً كان أم إيجاباً يجب أن يكون مسؤولية أخلاقية فالمثل يقول الاختلاف بالرأي لا يفسد للود قضية . فإذا أراد الشعب التغيير فلا بد أن يستجيب القدر .
جوزيف إبراهيم في /16/9/2017/

20
{ الجندي الأمين بين الأفعى والملك }
جوزيف إبراهيم.
بعد أن إشتدت أشعة الشمس الحارقة في رحلة صيد ، قرر الملك أخذ قيلولة ,وسرعان ما خلد للنوم هو وجميع المرافقين معه, بإستثناء حارسه الشخصي الجندي الأمين ساعده’ الأيمن للشؤون الأمنية للمملكة,, متحدياً التعب والنعاس في سبيل أن يحرس ملكهُ وبقية المرافقين من الأخطار, وعلى غفلة شاهد أفعى من أخطر أنواع الأفاعي, جاثية ملتوية على صدر الملك ومقتربة من رقبته, أيقن الجندي أن ملكه بات في عداد الأموات, صفن الجندي لبرهة غير عالم بما سيفعله, فقرر المغامرة لإنقاذ مولاه, ثم إستل سيفه مقترباً بهدوء وحذر شديدين, رفع السيف وإذا بأشعة الشمس تتعامد مع نصل السيف.
أصدر السيف بريقًا وانعكاساً ضوئياً على الأفعى وعيني الملك, فولت الأفعى هاربةًبهدوء, في حين جفل الملك وإستيقظ مفزوعاً, فرأى الجندي قابضاً سيفه مرفوعاً بوضعية الهجوم والطعن, قرر الملك رفع دعوى مستعجلة ضد الجندي أمام الحاشية الملكية المرافقة, متهماً إياه بالتآمر و العمد بالقتل, مؤيداً إدعائه بالدليل الوحيد الدامغ.
دافع الجندي بكل شجاعة عن نفسه, موضحاً حقيقة الأفعى ومدى خطورتها على حياة الملك, ودعٌم دفاعه كيف كان متفانياً ومخلصاً لسنين كثيرة في خدمة المملكة بشكل عام والملك بشكل خاص , إلا أن كل ذلك لم ينجده من حادثة الأفعى والسيف بيده موجهاً إلى صدر الملك.
وحيث أن شهادة الملك لها مصداقية عمياء, لذا قررت لجنة المحلفين للجالية المرافقة بإنزال عقوبة الإعدام بالجندي, وهو قراراً غير قابلاً للنقض لإن الُمدعي هو رأس المملكة, صادق الملك على القرار وتم تنفيذه دون أية رحمة أو شفقة.
قد يتعرض أي إنسان منا لنفس الموقف , أو مشابهاً له دون أن يشفع له سجله الماضي الناصع البياض, فغلطة واحدة قد تمحو الآف المحاسن.
جوزيف إبراهيم /14/9/2017
/

21
{ البطريرك أفرام الثاني والإرث الثقيل }
جوزيف إبراهيم .دراسة وتحليل . الجزء الثالث.
وظلمُ ذوي القُربة أشدُ مضاضةً على المرء من وقع الحُسام المُهند.
أي أب في هذه الدنيا يرى أولاده يُقتلون ويشردون وينام قرير العين مرتاحاً؟ بهذا الشعور تميز الأب الروحي للسريان البطريرك أفرام, فمنذ اللحظة الأولى لاستلامه الرئاسة لم يتوانى في أن يخفف من وطأة معاناة المسيحيين وإخوتهم من بقية الأديان, وأن يشاركهم أحزانهم الثقيلة على الأرض, فكان سباقاً بالتواجد الشخصي في أشد الأماكن خطورة حول العالم, معرضاً حياته ومرافقيه للخطر الشديد, كل ذلك من أجل مواساة أبنائه ومشاركتهم همومهم و أحزانهم وتقديم ما يستطيع أن يقدمه لهم من احتياجات مادية ومعنوية, حيث زار كل من سهل نينوى ونواحي حمص والقامشلي وفي الأخيرة تعرض لمحاولة اغتيال من أحد الانتحاريين الذي تقمص شخصية كاهن حيث نجى منها بأعجوبة, فلولا العناية الإلهية ويقظة حراس القوات السريانية {السوتورو} التي كشفت خديعة الانتحاري, لكان الشهداء بالعشرات ومنهم البطريرك.
المثل الإنكليزي يقول : إن من يقف على الحياد لفترة زمنية طويلة يتعرض للعداوة والكره الشديد من طرفي الخصام على حد سواء, وفي عالم اليوم حيث تستحوذ السياسة حيزاً واسعاً من الحياة العامة الدينية والدنيوية معاً, لذا أصبح مستحيلاً على المرء أن يستمر بسياسة النأي بالنفس لفترة طويلة أمام الخصومات والأزمات والحروب الأهلية, فالمعطيات والمستجدات على الأرض تفرض نفسها على كل حيادي إما طوعاً أو كراهيةً أن ينحاز ويختار طرفاً من طرفي النزاع, لذلك كان البطريرك أفرام ملزماً أن يقف إلى جانب الطرف الأكثر أمانا لأبناءه ووطنه, خلافاً لسلفه الراحل البطريرك زكى عيواص الذي فضل الحياد.
قرأته لسياق ومجريات الأحداث الدموية في منطقة الهلال الخصيب, أوصلته لقناعة بأن الحكومة السورية الحالية هي المؤهلة للقيام بدور المحافظة والرعاية لأبناءه, وتبين له أيضاً إن وحدة ومصلحة سورية أرضاً وشعباً تكمن ببقاء الحكومة السورية قوية على أقدامها, فكان متشجعاً لإشراك الشباب المسيحي عامة والسرياني خاصة بالانضمام إلى الفصائل والميلشييات المسلحة الموالية للجيش السوري للدفاع عن أعراضهم ومقدساتهم وممتلكاتهم وعن وحدة الجغرافية السورية من السقوط والانهيار, ومن أجل ثبات و حث شعبه للبقاء في أرض أجداده تكررت زياراته لجميع المناطق الساخنة, وإحدى تلك الزيارات كانت زيارته لمدينة حلب النازفة والملتهبة, حيث قُدم له وعلى غفلة كتاب القرأن فحمله ووضعه على جبينه { مجاملة ًكما وضح لاحقاً } وتعبيراً منه عن مشاعر الاحترام والتقدير للإخوة المسلمين الشركاء الأساسيين في الوطن.
بيد أن تلك اللفتة الإنسانية منه كانت بمثابة قشة معاوية التي كسرت ظهر البعير, بالإضافة إلى انحيازه وتدخله بالشؤون السياسية, شكّلا مصدر قلق وعدم أرتياح لشريحة واسعة من العلمانيين والإكليروس السرياني. فقد استغل خصومه { العلمانيين والإكليروس }, والمشككين أصلاً بالطريقة التي أدت إلى وصوله إلى السدة البطريركية, وتجاوزاته { بنظرهم } الإدارية والدستورية والإيمانية واعتبار تصرفه المنفرد بتلك القُبلة واللافت للنظر أمام عدسات العالم اجمع على إنه خروجا عن الإيمان المروي بدماء ملايين الشهداء, مما حدا بستة من زملائه المطارنة لإصدار بيان حجب الثقة عنه وسحب يمين الشراكة الإيمانية منه واعتباره بطريركاً فاقداً للشرعية.
هذه السابقة الخطيرة كانت ضربة موجعة جداً للبطريرك لإنها أتته من دائرة المجمع المقدس كقول الشاعر { وظلمُ ذوي القُربة أشدُ مضاضةً على المرء من وقع الحُسام المُهند } وحركت الرمال والنيات الدفينة, فأخرجت للعلن وأطفت على وجه المياه السريانية الراكدة المؤيدين والمعارضين للبطريرك ولأسلوب إدارته, فظهرت بشكل جلي { للمحترفين في دهاليز وأنفاق السياسة التطابق الكامل لما يحدث وما حدث بقضية أبرشية السويد السريانية في ثمانينيات القرن الماضي }.
لكن هذا التحليل المعني للمختصين بالشؤون السياسية, كان خفياً ولم تظهر عراه للعلن, لعدم تبلور واكتمال معالمه الكاملة لعامة الناس وللشارع السرياني المنهك والمشغول بلقمة عيشه اليومي الرافض لتحمل عبئًا ثقيلاً آخراً على منكبيه, فكانت ردود أفغال الغالبية الساحقة منه عفوية غاضبةً جداً ومستنكرة لبيان المطارنة الستة { انظر إلى مقالتي في هذا الموضوع على الرابط التالي http://www.almahatta.net/read-3528.htm
هذا الرد الشعبي والإكليروسي العارم المؤيد للبطريرك, أجهض بيان المطارنة الستة وحركتهم الانقلابية في مهدها, فكانت هذه الضربة الموجعة للبطريرك بمثابة جرعة مضاد حيوي أعطته مناعة من الضربات اللاحقة وزادته صلابةً ورسوخاً في منصبه.
جوزيف إبراهيم في6/9/2017/ يتبع الجزء الأخير لاحقاً

22
المنبر الحر / { نشوء الأوطان }
« في: 17:56 31/08/2017  »
{ نشوء الأوطان }
جوزيف إبراهيم
خلال ألمئتي عام الماضيتين استطاعت بعض الدول الغربية أن تنشئ دولاً جديدة مؤلفة من عشرات القوميات والإثنيات المختلفة, وتحتوي بعض الدول الحديثة التكوين على أكثر من مئتي قومية وجنسية وديانة مختلفة, مثل استراليا ونيوزيلندا وكندا وغيرهم من الدول.
جميع المواطنين في هذه الدول يعيشون بتناغم وتجانس يفوق العقل الشرقي, ففي مدن مثل سيدني وملبورن وتورنتو يتقاسم هؤلاء المختلفين بالعقيدة والقومية والجنسية الإقامة والعيش المشترك في الشارع الواحد بانسجام واحترام لبعضهم البعض دون حقد أو كراهية, ونادراً جداً ما يحصل خلاف ديني أو اثني أو عرقي بينهما لان القانون يحمي ويكفل حقوق الجميع دون استثناء.
في الآونة الأخيرة تعرض هذا الانسجام والأمان إلى بعض الهزات العنيفة, و هاجت النعرات الدينية والطائفية عندما تم إيقاظ واستخدام مارد الإسلام السياسي لمآرب ومخططات سياسية معينة. في حين فشلت جميع الدول الشرقية وخاصة بلاد " خير أمة أخرجت للناس" فشلاً ذريعاً بتكوين دولة المواطنة الكاملة المتساوية بالحقوق والواجبات, رغم أن عمرها التاريخي يفوق عشرات أضعاف عمر الدول الحديثة العهد. ربما باستثناء بعض الدول مثل الإمارات وماليزيا لكن هذه الدول أيضاً لم تؤٌمن للمقيمين على أراضيها كامل الحقوق المدنية, فمثلاً حق التجنيس هو شبه مستحيل للغرباء حتى لو سكن المرء لديهم عشرات السنين, فيبقى المغترب مواطن درجة ثانية.
{ فما هو سبب نجاح الغرب }.               

الأسباب كثيرة ومتعددة وأهمها هو فصل الدين عن الدولة والسياسة وتحجيم دور رجال الدين ونشاطاتهم الاجتماعية والدينية ضمن أسوار معابدهم فقط, وعدم السماح بخلط الفكر الديني بالسياسة, وقد نجحت تجربتهم لان الغالبية العظمى من مواطنيهم مسيحيين, والسيد المسيح قالها علانية: أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله. سبب آخر هو الاعتماد الكبير على الأبحاث العلمية والتكنولوجية في كافة المجالات وتخصيص مبالغ طائلة جداً لطالبي العلم بفروعه المتنوعة لذا, نجد هذه الدول هي السباقة في الاختراعات ( الطبية التقنية الفضائية والحربية والأحياء والعلوم بأنواعه الخ ) وهي توظف وتستخدم تلك التقنيات الجديدة في سبيل خدمة ورفاهية شعوبها بالدرجة الأولى والعالم اجمع, سبب آخر هو تجاوز علماء الاجتماع وسياسيي الغرب المفهوم الضيق للقومية ومقومات تكوينها, وأوجدوا البديل المرادف { للقومية } بخلق أوطان تسودها العناية بالكرامة الإنسانية ومحبة حميمة لجميع مواطنيها وبالمقابل جميع المواطنين يبادلون أوطانهم الجديدة نفس الشعور بالمحبة والمسؤولية, وهذه الأوطان تؤمن لجميع أبناءها الفرص المتكافئة في الحياة وتحقيق النجاح وكل ينال حسب اجتهاده والقانون يعزز { المكانة والحرية الفردية }. فالمواطن لدى كافة أجهزة الدولة له قيمة وجودية عالية, فهي مستعدة أن تسخر كامل طاقاتها السياسية والاقتصادية لإنقاذ أحد مواطنيها العالقين في كارثة بيئية معينة, وهي على استعداد أن ترسل جميع وسائل الإنقاذ لأجله حتى لو كان هذا المواطن عالقاً خارج حدودها بآلاف الأميال.
جوزيف إبراهيم في /30/8/2017/

 

23
{ البطريرك أفرام الثاني والإرث الثقيل }
الجزء الثاني. جوزيف إبراهيم.
إن ارتباط مسيحي المشرق بأرض أجدادهم هو ارتباط عضوي لا يمكن فصل عراه إلا من خلال إخوانهم بالمواطنة, وقد ساهموا بشكل فعال بتمتين البنية التحتية لدولهم, وفي سورية كان المسيحيون حلقة الوصل للسلسلة المتنوعة الأقوام والأديان والمذاهب كقطع الفسيفساء الخلابة. لكن بسبب ضعف التأثير الفعلي للأحزاب { المسيحية} السريانية على الساحة السورية, بالإضافة إلى الحرب الضروس, والوضع الصحي المتدهور للبطريرك عيواص, واختطاف المطارنة { يوحنا إبراهيم وبولس يازجي }, تهشمت الحلقة المسيحية, وذلك من خلال إفراغ التواجد المسيحي في كل من سورية والعراق. فتشير الإحصائيات الرسمية والكنسية, أن مسيحيي سوريا كانوا يمثلون اكثر من 15 بالمئة /2.7/ مليون من إجمالي الشعب السوري البالغ عدده حوالي22 مليون نسمة, لينخفض العدد إلى حوالي /1.2/ مليون, أيضاً انخفاض عدد المسيحيين في العراق من 1.5 مليون إلى أقل من ربع مليون { وتدنى الوجود السرياني }, ولأول مرة إلى أدنى حد له في سورية الطبيعية وبلاد ما بين النهرين الموطن الأصلي للسريان { الكلدان الأشوريين السريان } عبر تاريخهم الطويل, الذي تمتد جذوره في هذه الرقعة الجغرافية لأكثر من /7500/ سبعة آلف وخمسمائة عام متواصلة دون انقطاع..
في خضم هذه الأحداث وهذا المشهد المأساوي السوداوي القاتم والمعقد جدا, وبعد أشهر عديدة من العناية الطبية خارج مقره البطريركي بدمشق, تنيح { توفي } البطريرك زكى الأول عيواص بتاريخ /21/3/2014/ بعيداً عن موقع مهده مدينة الموصل ووطنه الأم مسرح وقلب الأحداث { سوريا والعراق } فكانت مدينة كيل الألمانية حيث كان يعالج من أمراضه المزمنة مكان انتقاله و رقاده . هذا القيادي الفذ الذي خدم شعبه بكل حب وتفان وإخلاص, بالسراء والضراء قرابة ربع قرن من الزمن, ترك ورائه امبراطورية سريانية مترامية الأطراف ذات مساحة جغرافية واسعة, من الهند إلى الأمريكيتين مروراً باستراليا وكامل القارة الأوربية, وإرثاً ثقيلاً جداً مملوءًا بالهموم والقضايا العالقة والأفكار {والتوجهات السياسية المتضاربة} والمتشعبة بين أبناءه الروحيين والتي لا يحسدون عليها.
تداركاً للخطورة الكبرى و لاستحالة وصول السفينة السريانية المنهكة دون قبطان إلى بر الأمان, ولضمد الجروح النازفة ومعالجة الملفات الساخنة والعالقة ومداواة الآم الأمة السريانية, تم انعقاد المجمع السرياني الأنطاكي المقدس بالسرعة القصوى في العاصمة اللبنانية بيروت بتاريخ / 31/3/2014/ لانتخاب البطريرك الجديد. بعد عدة مداولات اتسمت بروح المسؤولية العليا, تم وبالغالبية انتخاب مطران غربي الولايات المتحدة الأمريكية أفرام كريم, ليصبح بذلك البطريرك إغناطيوس أفرام الثاني , ويأخذ الرقم /123/ في سلسلة تاريخ البطاركة للكرسي الرسولي الأنطاكي, الذي أسسه هامة الرسل مار بطرس في مدينة أنطاكية السورية. يا لها من مفارقة كبيرة فالبطريرك الجديد كان تلميذاً للمطران يوحنا في إحدى مراحل تدرجه في سلك الرهبنة والكهنوت, هذا المطران المبعد قسراً عن كرسي الرئاسة والمختطف عن سابق إصرار وتصميم يتسلم تلميذه مقاليد الرئاسة السريانية,, اقتصرت مراسيم التنصيب البطريركي على الجانب الكنسي الديني فقط دون إجراء أية احتفالات دنيوية تكريماً واحتراماً لشهداء الحرب السورية والعراقية.
فمن هو البطريرك الجديد المثير للجدل لدى شريحة معينة من أبنائه الروحيين ؟
هو من عائلة سريانية نازحة بعد المجازر العثمانية { سفر بلك السيفو } منحدرة من قرية { حاح } السريانية بطور عابدين بتركيا. استوطنت عائلة { السيد عيسى كريم وكريمته السيدة خانمة } إحدى قرى الجزيرة السورية, يتكلمان اللغة السريانية { اللهجة الغربية لهجة طور عابدين } ولد لهم الطفل الأخير للعائلة باسم { سعيد ,,, البطريرك} في الثالث من أيار عام 1965/5/3/ في مدينة القامشلي السورية, العاصمة السريانية العريقة منذ تأسيسها في عشرينيات القرن الماضي ولغاية السنين الأولى من الحرب السورية, هذه المدينة القابعة على انقاض مدينة نصيبين التاريخية مهد الثقافة والعلوم والكليات السريانية العريقة السابقة, وكانت أيضاً مسرحاً وحداً فاصلاً بين الامبراطوريتين المتناحرتين البيزنطية والفارسية.
تيتم { سعيد } باكراً بعد انتقال والده وهو طفلاً رضيعاً بعمر البراعم, فكانت السيدة الوقورة { خانمة } بمثابة الأم والأب معاً لإطفالها السبعة { 7 } فنجحت بأداء مهام الأمومة والأبوة معاً وأحسنت التربية الأخلاقية والعلمية لفلذات أكبادها جميعاً حيث تخرج أحدهم طبيباً بشرياً.
درس البطريرك الابتدائية بمدينة القامشلي, ثم نذرته الوالدة لخدمة هيكل الرب فالتحق بكلية مار أفرام الإكليريكية بالعطشانة بلبنان, عين سكرتيراً للمطران يوحنا إبراهيم {المخطوف} درس العلوم اللاهوتية لدى الأقباط ألأرثودكس في مصر, حصل على شهادة ماجستير في اللاهوت العقائدي من جامعة القديس باتريك بإيرلندا, عمل سكرتيرا في البطركية السريانية بدمشق وفي عام 1996 رسمه البطريرك زكا الثاني عيواص مطراناً باسم أفرام على أبرشية أمريكا. حصل على رسالة دكتوراه في حقل التربية الدينية من جامعة فوردهام اليسوعية بنيويورك, غبطته يتقن اللغات { السريانية, العربية, الإنكليزية والفرنسية }. هذه النبذة المختصرة عن حياته تبين إنه قد نذر نفسه منذ نعومة أظافره للخدمة الكنسية الروحية وأمضى جل حياته متدرجاً في السلك الكهنوتي, ينهل من البشارة السارة ومن منازل الحكمة والمعرفة أفكارها, خادماً و بحب هيكل الرب وشعبه .
بيد أن هذا البطريرك الذي لم يلد سعيداً كاسمه لحرمانه من مشاعر الأبوة لتيتمه بعد وفاة والده, فرضت عليه الأقدار ألا يكون سعيداً ويتيتم مرةً أخرى في رئاسته للكرسي البطريركي, ولكن هذه المرة بتشرد ونزوح أولاده الروحيين في كل من سوريا والعراق.
فبعد تنصيبه بثلاثة أشهر فقط إذ بأبنائه تتقاذفهم أمواج العنف من منظري ومنفذي الشتاء العربي. ففي العاشر من 10/6/2017/ حزيران اقتحمت الجحافل التترية البربرية للقرن الواحد والعشرين { داعش } مدينة { الموصل نينوى } التاريخية العظيمة وسهلها, وانتهكت حرمة مقدسات هذا السهل الذي شهد آلاف المعارك السابقة لكن ليس بهذه التترية المنظمة, فبات البطريرك أفرام يشاهد بأم عينه عبر شاشات التلفاز كيف يهان ويتشرد شعبه في البراري والاقفار دون مأوى ولا مأكل, ساعياً نحو المناطق الآمنة كمدينة أجداده السابقة أم الأربعة آلهة { أربيل } شقيقة نينوى. وهناك كان العشب سريره والسماء لحافه.
وعلى الجانب السوري تتزايد وتيرة العنف بين الأشقاء السوريين لتغدو الأرض السورية مختبراً للأسلحة الفتاكة المكتشفة حديثاً, فيتشتت شعبها, منهم من قضى نحبه بالمعارك وآخر بالتفجيرات العشوائية, وقسم أصبح وليمة لاسماك البحر والبعض رهائن وسبايا في سوق النخاسة بساحات النصر الداعشية كما حصل لأكثر من /230/ من آشوريي الخابور, أما القسم الأكبر فسيصبحون عاجلاً أم آجلاً في غياهب النسيان بسبب الهجرة, طارقين وبإذلال أبواب السفارات الغربية ليوضعوا لاحقاً إلى جانب المنحوتات والآثار الصخرية المهيبة من أعمال أجدادهم, في متاحف كل من برلين وباريس وغيرها من العواصم الغربية, فتكتمل بذلك فصول القصة والمسرحية المعدة مسبقاً في المطبخ الدولي لشعب سوريا والرافدين, ويكون السبي البابلي قد رد على أعقابه. جوزيف إبراهيم في /26/8/2017/ الجزء الأخير يتبع لاحقاً

 

24
{المجوسي الرابع} الجزء الأول
بقلم جوزيف إبراهيم.
يروي لنا آباء الكنيسة المتتبعين عن كثب للتراث الشعبي المسيحي, قصصاً مشوقة ذي فائدة روحية واجتماعية عالية, وقصة المجوسي الرابع هي واحدة من تلك القصص.
يحكى أن عدد المجوس الذين قدموا من الشرق, لزيارة الرب يسوع أثناء ولادته, متتبعين النجم السماوي المنير عل مغارة بيت لحم, لتقديم الهداية والسجود لطفل المغارة, كانوا أربعة مجوس, وان سبب عدم وصول المجوسي الرابع في الزمن المناسب للمغارة, يعود لاهتمامه الكبير باختيار نوع الهدية التي تليق بالمخلص يسوع يفيدنا الإنجيل المقدس أن هدايا المجوس الثلاثة كانت ذهباً ولباناً ومراً, وفسر آباء الكنيسة أن الذهب يرمز للملوكية واللبان يرمز للمسح أو التقديس ,والمر يرمز للألم والعذاب, بينما وقع اختيار الرابع على ثلاثة مجوهرات, نادرة الوجود غالية الثمن تبهر الأنظار, دفع قيمتها كل ما يملك من أملاك, محتفظا بجمل صبور وبعض الزوادة للسفر, مما جعله يتأخر عن زملائه المجوس الثلاثة فبينما كان هذا المجوسي مسرعاً بتتبعه للنجم السماوي, كان زملائه قد أتموا مهمتهم, واقفلوا عائدين من طريق آخر, كما يخبرنا متى الرسول, أن هيرودس الملك أراد قتل الطفل يسوع من خلال هؤلاء المجوس, وحينما علم هيرودس باختفاءهم أمر بقتل كل أطفال بيت لحم دون الثانية من العمر, عسى ولعل أن يكون يسوع احدهم.
   

لقد فوجئ المجوسي الرابع حين وصوله بيت لحم بمشهد مروع تقشعر له الأبدان, فعوضا أن يرى الطفل الرضيع يسوع, شاهد اشلاءاً وأجساداً مقطعة الأوصال في كل مكان وفي كل زقاق من أزقة بيت لحم, وصريخ ونحيب الأمهات والآباء على فلذات أكبادهم يعلو للسماء, يخبرنا الكتاب المقدس أن العائلة المقدسة طلب منها الرحيل إلى مصر, والبقاء هناك لغاية نهاية عهد هيرودس, في هذه الأثناء استفسر المجوسي الرابع عن أسباب المجزرة من رعاة المغارة فعلم أن هيرودس أراد التخلص من الملك القادم يسوع كما اخبره رؤساء كهنة اليهود ,وأيضا استطاع معرفة وجهة المسير للعائلة المقدسة فراوده الأمل باللحاق بهم وبينما هو على مشارف بيت لحم وإذا بجندياً رومانياً شاهراً سيفه على طفلاً رضيعاً ليقتله ووالداه يتوسلان الجندي طالبين الرحمة والشفقة منه, وفي اللحظة الحرجة من هبوط السيف على رقبة الطفل صرخ المجوسي بأعلى صوته ملمحاً بإحدى المجوهرات قائلاً أعطيك هذه الجوهرة أيها الجندي إن أعفيت عن الطفل, لم يصدق الجندي عينيه فقبل بالعرض ,كيف لا وهو يطبق حكما جائرا لا ناقة له به ولا جمل ، بالإضافة إلى القيمة الكبيرة للجوهرة، فأخلى سبيل الطفل طالبا من أهله إخفائه احس المجوسي بغبطة عظيمة إلا انه حزن جداً بسبب التأخير المضاف إلى تأخيره السابق ، وفي المقابل كانت فرحة الجندي لا توصف لعلمه انه اصبح من طبقة النبلاء. تابع المجوسي سيره دون كلل قاصداً مصر سارحاً في أفكاره ومشاعره وبعد عشرات الأميال رأى تجمعاً سكنياً يوحي بالفقر الشديد. بقلم جوزيف إبراهيم في /24/8/2017/  يتبع في المرة القادمة.


25
المنبر الحر / الخائن والخيانة
« في: 17:05 21/08/2017  »
{ الخائن والخيانة }
بقلم جوزيف إبراهيم
تذمرأحد الملوك من مستشاريه, بعد أن فشلوا بإيحاد الطريقة المثلى لاكتشاف {الخائن} والإيقاع به, فقرر تعميم الموضوع على أبناء رعيته لأخذ آرائهم ومقترحاتهم, لعله يجد حكيماً يرشده إلى مبتغاه, فأمر بمقابلة خمسة مجموعات من مختلف الطبقات وشرائح الشعب في كل يوم. فبدأت الجموع بالتوافد للقصر الملكي لمقابلة الملك والإدلاء بمقترحاتها وآرائها, والملك يستمع وينصت جيداً وباهتمام, وكاتب العدل يدون كل رأي ذي أهمية, لكنه لم يكن راضياً ومقتنعاً بأي مقترح قُدم له على مدار الفترة المحددة للإختبار, وفي اليوم الأخير أتت المجموعة الأخيرة, والملك شبه فاقد للأمل, استوقفه رأي احد الرعاة البسطاء بمقولته { لا تنصب للخائن سيقع لوحده }, أي بمعنى لا تحاول الإيقاع بالخائن فهو سيقع من تلقاء نفسه في شر أعماله وبالمصيدة التي نصبها للآخرين, اعجب الملك بهذه المقولة وأمر بمكافأته ماديا كل يوم وعلى مدى أيام حياته ديناران, أي ما قيمتهما رغيفين من الخبز الساخن وقليلاً من الخضار والفواكه.
فرح الراعي فرحاً عظيماَ, وسروره لم يكن للقيمة المادية بقدر فخره بقبول الملك لمقولته, وهو الراعي الذي لم يدخل أي مدرسة تعليمية منذ أن ولد, فقط الحياة العامة بين الناس والوحدة والتأمل بالطبيعة ومراقبة المواشي كانت مدرسته. فكان هذا الراعي يتردد كل يوم إلى قصر الملك, ويأخذ مكافأته {النقود} ثم يذهب للفرن الوحيد الكائن في منتصف الولاية ويشت
ري رغيفان من الخبز الساخن, وفي طريق عودته للمنزل كان يعطي كل يوم رغيفاً لاحد المتسولين الذي قابله صدفةً في أحد أزقة المدينة.
ذات يوم دفع حب الفضول ذاك المتسول أن يسأل الراعي عن مصدر رزقه فأجابه الراعي بكل صراحة ومصداقية وطيبة قلب عن القصة, وكيف أن الملك أمر له بدينارين. وفي طريق عودته يشتري رغيفان من الخبز, يعطي واحدة له ويحتفظ بواحدة لأسرته, ذهب الراعي لمنزله دون أن يكترث إطلاقاً لفضول وتداعيات سؤال المتسول وغايته, بينما على النقيض كانت الغيرة والحسد قد بدأتا تدبان وتسريان في عروق المتسول.
فرغم حصوله مجاناً على قوت أسرته اليومي من ذاك الراعي البسيط والطيب القلب طيلة الشهور السابقة, إلا أنه قرر الذهاب للمك والوشي بالراعي, لعله يكسب هو كامل المكافأة بدلاً من نصفها, وفعلًا في اليوم الثاني ذهب لقصر الملك ويعد إلحاح ورجاء وصراخ شديد مع الحرس الملكي متحججاً بأنه يحتفظ بسر خطير يود البوح به لجلالة الملك, قرر أخيراً أحد الحراس إدخاله إلى القصر لمقابلة الملك, وبكلام جميل مليء بالعسل والخداع اللفظي ,استطاع إقناع الملك,, بقوله أن الراعي يستخدم نقود المكافأة لشراء وسائل القتال من سيوف ورماح, ويسعى جاهداً لإقناع اكبر عدد من المعارضين لنظام الملك لتحويل نظام الحكم إلى ما يسمى بالحكم الجمهوري, وهو الآن ينتظر الفرصة المناسبة للانقضاض على القصر.
اندهش الملك وتغيرت أسارير وجهه وبدأ الخوف والرعب يسريان في عروقه وقلبه, فصدق رواية المتسول لإنه بالفعل كانت هناك مؤامرة حثيثة تعمل بأجندات خفية في هذا المجال, وكما تقول الحكمة الكتابية, إن كلام النمام مثل لقم حلوة تدخل إلى الحلق بسلاسة وتنزل إلى مخادع البطن ,فأمر الملك بمكافأة نقدية للمتسول, وأمره بكتم هذا السر وإلا أودعه السجن مع الأشغال الشاقة المؤبدة.
في اليوم الثاني انتظر الملك قدوم الراعي الوديع بفارغ الصبر, إلا انه لم يحضر في ذاك اليوم لوعكة صحية كانت قد المت به, وهذا الغياب المفاجئ للراعي عزز شكوك الملك بمؤامرته, وكان على احر من الجمر كي يقابل الراعي, وفي اليوم الثالث ذهب الراعي كالعادة للقصر, فوجد ملامح وجه الملك غاضبة ومتغيرة جداً, احس أن شياً ما قد حصل أثناء غيابه, لكن لم تساوروه الشكوك إطلاقاً بالمتسول, فبادر بالسلام الملكي وذكره بمقولته الشهيرة {لا تنصب للخائن فخاً سيقع لوحده}.
إلا أن الملك لم يصغي للراعي, إذ أن وشاية المتسول كانت قد تغلغلت في كامل مخيلته وجسد ه, لكن في اللحظات الأخيرة من إتخاذ قرار القبض وإعدام الراعي, و إذ بصوت خافت يهمس بداخله ويناديه بإعطاء فرصة أخيرة للراعي,, فقرر استجوابه أولاً فسأله الملك ماذا تفعل أيها الراعي بالدينارين, اجبني بكل صراحة كي تنقذ رقبتك من القطع, فزع الراعي فزعاً شديداً, وبدء متلعثماً ويشكو إلى الله قائلاً لماذا حولت نعمة الملك إلى نقمة أيها الإله الصالح, أتته الإجابة سريعاً بأن يذكر الحقيقة دون خوف أو تردد, فأجاب الملك قائلاً : يا مولاي أنت تفعل خيراً مع أسرتي و أنا بدوري اشتري رغيفان من المخبز الذي في منتصف المدينة و أعطي رغيفاً كصدقة عني وعنك لاحد المتسولين والرغيف الآخر لأسرتي, ثم اذهب لعملي كراع لمواشي بعض الوجهاء في هذه المملكة. هذا الرد الجميل ادخل الملك في حيرة ودوامة ولم يستطيع الاقتناع الكامل برواية الراعي فلجأ إلى مقارنة الروايتان فتوصل إلى أن كلاهما بات مصدر خطر له, فأتخذ قراراً بالتخلص من كليهما.
سلم الملك رسالة مختومة للراع وقال له خذ هذه الرسالة و أوصلها للخباز, أخذ الراعي الرسالة الملكية دون أن يعلم محتواها, مضى مهموماً وشارد الذهن والبدن وبينما هو على قارعة إحدى الأزقة وإذ بالمتسول يقف أمامه فبادره بالسؤال إلى أين أنت ذاهب , أجابه لقد طلب الملك مني أن اعطي هذه الرسالة للخباز, فسأله المتسول تبدو شاحباً جداً وهل طلب الملك أن توصل الرسالة بنفسك, أجابه لا فقط يجب إيصالها للخباز اليوم, فقال له دعها عنك يا صاحبي فانا سأعطيها بيدي للخباز وسأعطيك رغيف خبزك اليومي, فقط أعطني عنوان منزلك.
لم يعترض الراعي بل فرح وسر بالعرض لإنه كان متعباً وكئيباً جداً ولم يعد مكترثاً بمكافأة الملك, فذهب لمنزله وأخذ قيلولة ليرتاح من هموم الفكر والحياة , في هذه الأثناء كان المتسول قد توجه إلى المخبز, فرحاً ومسروراً وكأنه حقق نصراً عظيماً, أمام المخبز وقف مرفوع الرأس وبلهجة سلطوية وكأنه وزيراً للملك, بدء يصرخ بوجه العمال قائلاً, من هو مالك ومدبر هذا الفرن, تقدم رجلاً ضخم البنية وعريض المنكبين قائلا له أنا هو, بثقة عالية بالنفس سلمه الرسالة الملكية, فتح الخباز الرسالة وإذ بها أمراً ملكياً للخباز بوضع حامل هذا المرسوم الملكي بآتون النار وحرقه حتى الموت.
قرأ الخباز المرسوم على الحضور وهو ممسكاً بالمتسول, ثم حمله ورماه في آتون النار. حين وصول الراعي لمنزله أخبر زوجته بما حصل وانتظر اليوم كله لعودة المتسول لكن دون جدوى. في اليوم التالي قرر الذهاب للمخبز والاستفسار من الخباز عن الرسالة, فشرح له الخباز بانه نفذ مضمون الرسالة الملكية بحرق المتسول, فصفر وجهه من الخوف الشديد وبدأت ركبتاه ترتجفان وانتابته حيرة عميقة فبات الموضوع أكثر خوفاً ولغزاً له, لكنه قرر الذهاب للملك طالباً الإعتذار منه لعدم إيصاله الرسالة بنفسه.
اغتاظ الملك وغضب حين رأى الراعي وصرخ بوجهه قائلاً أين الرسالة فشرح للملك كيف أن المتسول قابله البارحة وأخذ الرسالة منه ثم سلمها للخباز وقد نفذ الخباز أمرك بحذافيره يا مولاي. لكن أتوسل إليك يا جلالة الملك أن تفهمني ماذا حصل, فتحنن الملك عليه وشرح له وشاية المتسول, فأقسم الراعي يميناً انه بريء من هذه التهمة, فعفى عنه الملك وجعله من احد حراسه المخلصين. بقلم جوزيف إبراهيم, في /21/08/2017/


26

{ البطريرك أفرام الثاني والإرث الثقيل }
دراسة وتحليل, الجزء الأول.
جوزيف إبراهيم.
في الرابع عشر من أيلول عام /1980/ تسلم البطريرك زكا الأول عيواص سدة الرئاسة البطركية للسريان الأرثودكس, عن سلفه المنتقل للأخدار السماوية اغناطيوس يعقوب الثالث, ليكون الرئيس الأعلى رقم122 في سلسلة تاريخ البطاركة السريان للكرسي الأنطاكي. حاملاً على أكتافه عبئاً ثقيلاً وهموماً وملفات وقضايا ساخنة لا حصر لها من تراكمات الماضي, من بين تلك الأعباء النتائج السلبية التي أفرزتها الحرب اللبنانية الأهلية, والتي كانت بداية الغيث لانحدار وسقوط العصر الذهبي والاستقرار النسبي الذي تمتع به مسيحيو الشرق عامة وسريان سورية خاصة على مدى عدة عقود خلت. إحدى تلك السلبيات هي تهمة الشبان السريان {بالكتائبيين} نسبة إلى حزب الكتائب اللبناني المعادي للنظام السوري آنذاك, مما جعل المستقبل والاستقرار محفوفاً بالمخاطر الأمنية, فكان الحل الأسهل هو الهجرة لأصقاع المعمورة قاطبةً.
استحوذت كل من السويد وألمانيا نصيب الأسد من المهاجرين السريان, هذا التواجد السرياني الكثيف في أوروبا أدى إلى تغيير موازين القوى والثقل الديموغرافي للسريان, فبعد أن كان جل ثقلهم الثقافي والسياسي والاقتصادي والديموغرافي في سورية ولبنان, وبالتحديد منطقة الجزيرة السورية وعاصمتهم مدينة { بيث زالين } القامشلي, بدأ ينتقل الثقل رويداً رويداً إلى أوروبا.
بعد مرور سنين لا تتعدى أصابع اليد الواحدة تأقلم المهاجرون السريان في البيئة الغربية, وتطور لديهم مفهوم الرؤية والتفكير والتركيبة العقلية لمجمل مناحي الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية, فطفت على السطح تباينات وآراء مختلفة ومشاكل إضافية جديدة على عاتق وأكتاف السدة البطركية, أعمقها وأصعبها كان الصراع داخل أبرشية السويد, الذي بدى للعيان على إنه صراع قبلي على القيادة الكنسية, لكن سرعان ما تبين لعامة الناس بأنه صراع سياسي بحت بين الأخوة والأشقاء السريان داخل البيت الواحد.
استطاع البطريرك زكى الأول ببرغماتيته السياسية المحنكة وتأثيره الأبوي الروحي الكبير على الفريقين, أن يطوق الأزمة ويُقلص الخلاف بين الأخوة, للحيلولة دون أن تكبر الأزمة وتخرج عن نطاق السيطرة فتتدحرج ككرة الثلج وتتوسع خارج نطاق أبرشية السويد. وفعلا نجح بإخماد ثورة البركان الهائج, وذلك بانقسام الأبرشية السريانية السويدية إلى أبرشيتين منفصلتين إدارياً عن بعضهما البعض, لكن هذا الحل والخمود الظاهري للمعضلة السياسية السريانية لم يصمد طويلاً, إذ كانت وما زالت تداعياته وجمراته تتوهج بين الفينة والأخرى, إلى أن برزت على الساحة الدولية الحرب الأهلية السورية.
هذه الحرب التي خلطت جميع الأوراق والتكهنات الدولية والإقليمية والمحلية وأيضا السريانية, ففي حين كانت أنظار غالبية السريان شعباً وإكليروساً تترقب عن كثب تتويج بطريركها الجديد, القوي والمؤهل ثقافياً ولاهوتياً وسياسياً لقيادة دفة السفينة السريانية المنهكة إلى شاطئ الأمان{ المطران يوحنا إبراهيم } مطران أبرشية حلب, والمقرب كثيراً من النظام السوري خلفاً للبطريرك زكا عيواص, الذي أضحى في سنواته وأيامه الأخيرة عاجزاً وغير قادراً على استكمال مهمته القيادية, نتيجة الشيخوخة والوهن والتعب والمرض وانغماسه الكبير في القضايا والخلافات العديدة, إلا أنه حاول جاهداً الاهتمام بأكثر القضايا إثارةً وسخونة {الأزمة السورية}, فأخذ قراراً حكيماً صائباً وهو { النأي بالنفس } وعدم انخراط شعبه في مستنقع الرمال المتحركة للحرب السورية, مدركاً وعالماً أنه لا ناقة ولا جمل لشعبه بهذه الحرب الطائفية الطاحنة والتي باتت لعبة دولية تتحكم بها كيفما تشاء الحكومة الدولية العميقة ذات النفوذ القوي في العلم اجمع.
بيد أن الرياح جرت بما لا تشتهيه السفينة السريانية المتلاطمة الأمواج من كل حدب وصوب, من الصديق والعدو على حد سواء, وذلك باختطاف المطران يوحنا إبراهيم الذي بدد آمال وتطلعات غالبية السريان بالعالم, هذا الاختطاف ولغاية تاريخ كتابة هذه المقالة, بات لغزاً محيراً للمجتمع الدولي برمته وأجهزة مخابراته القوية, وما زالت الجهة مجهولة الهوية, ومصيره مجهولاً, باستثناء بعض الشائعات هنا وهناك التي لا تقنع الرأي العام ولا تضاهي حجم الحقيقة ولا ترتقي إلى مستوى المسؤولية المؤكدة.
من تلك الشائعات ضلوع الأجهزة الأمنية السورية باختطافه, نتيجة إدلائه وبفترة زمنية قليلة من يوم اختطافه بتصريح مخيب لآمال الحكومة السورية عن الحرب الأهلية الدائرة, وأخرى بضلوع أعلى الهرم بالقيادة التركية بخطفه, لرفضه القاطع للأجندة والهيمنة والوصاية التركية على الحرب السورية, أيضاً لرفضه فكرة إعادة ونقل مقر البطركية السريانية الأنطاكية إلى مقرها الأساسي السابق في تركيا, حيث كان مقرها في دير الزعفران التابع لمنطقة ماردين بتركيا لمئات السنين, والبعض يتهم التنظيمات الإسلامية المتشددة كداعش وجبهة النصرة باختطافه لإفراغ المسيحيين من المنطقة, من مبدأ اضرب الراعي تتبدد الخراف, وآخرون يوجهون أصابع الاتهام باختطافه إلى بعض المطارنة الأقوياء داخل { الحلقة الضيقة } جداً للإكليروس السرياني, ليتسنى لهم ترشيح وترقية أجندتهم الخاصة بهم !!!! للبحث تتمة..
جوزيف إبراهيم / في /17/08/2017/

27
المنبر الحر / الشباب هم المستقبل
« في: 11:32 13/08/2017  »
{ الشباب هم المستقبل }
في الوقت الراهن قد لا تعي بلداننا الشرق أوسطية, مدى فداحة الكارثة والخطورة المحدقة بمستقبلها من خلال نزيف الهجرة للشباب المتعلم والعقول المفكرة, ولكن بالتأكيد سوف تشعر بقيمتهم بعد فقدانهم في القريب العاجل أم الآجل, فكل دولة أو مؤسسة سواء كانت علمانية أم دينية لا ترعى أو تولي أهمية لتنمية شبانها ومتعلميها سيكون مصيرها حتماً الفشل والسقوط في جميع مجالات الحياة.
يخبرنا التاريخ القريب عن مجموعة دول عانت من ويلات الحرب والهجرة, مثلاً روسيا وألمانيا خرجتا من الحربين العالميتين منهكتي القوى وحدث تدمير عام لبنيتيهما التحتية, فرغم فوز روسيا بالحرب إلا أنها فقدت أكثر من نصف شبانها, فسارعت بالاعتماد على شبيبة دول المنظومة السوفياتية السابقة, وأولتهم أهمية كبيرة لرفدهم بمفاصل الأعمال.
وألمانيا لم تخسر الحرب فحسب بل خسرت معظم مفكريها, وعلمائها من الأطباء والمهندسين والصناعيين وصغار السن نتيجة هجرتهم إلى الدول المجاورة الآمنة, كالسويد والنرويج مما أدى إلى شلل شبه كامل في العجلة والماكينة الألمانية المنهكة أصلاً من دمار الحرب الشرسة.
تعزي الدول الاسكندنافية عامة والسويد خاصة, بنهوضها السريع لخبرة العلماء والصناعيين من الشباب الألمان المتوافدين إليها من الحرب, ولهم يعود الفضل في تحريك عجلة الحياة الصناعية والاقتصادية السويدية, ووصولها لمسار الدول المتحضرة والمتطورة.
أدرك السياسيين الألمان مدى فظاعة الموت الأبدي الذي ينتظر بلادهم بعد فقدانهم شبابهم وخسارتهم الحرب, لذلك تم استخدام كامل الاحتياطي المتبقي لديهم من أرصدة مالية مخزنة وعلماء, ولجأت إلى استيراد الشباب من حلفائها ك تركيا, حيث أنفقت ملايين الدولارات على تأهيلهم الصناعي وتعليمهم وتدريبهم على العمل لإعادة بناء بنيتهم التحتية, واطلقوا العنان للعمل الدؤوب بكل حب وإخلاص, فنهضت ألمانيا وأصبحت من جديد أغنى وأقوى اقتصاد في العالم, وتصدرت القمة في معظم مجالات الحياة, ويكفيها فخراً أن منتجاتها لها رواج ومصداقية و ثقة عمياء لدى المستهلك في جميع أنحاء العالم.
وفي السنوات العشر الأخيرة أظهرت دوائر الإحصاء الألمانية ومعها بقية الدول الغربية المتطورة, التدني الخطير في مستوى النمو البشري, وأن آفة تحديد النسل الطوعية من قبل مواطنيها, وتزايد نسبة المسنيين والمتقاعدين قد لامس ناقوس الخطر وبات يهدد مستقبلها, مما أدى إلى قلة القوة العاملة الرديفة والأيدي الماهرة, وبالتالي فإن ضخ الدماء الشابة مستقبلاً في مفاصل البلد سيصبح أمراً مستحيلاً, لذا عمدت سريعاً إلى ملئ الفراغ البشري ففتحت حدودها الجغرافية وأبوابها على مصراعيها, لجلب واستقبال الشباب والعقول المنتجة من كافة أنحاء العالم وخاصة من {سورية والعراق}, لضخ الدماء الشابة في المجتمع, منفقة ملايين الدولارات في سبيل تأهيلهم المهني لزجٌهم لاحقاً في سوق العمل.
يتوجب على دولنا ومؤسساتنا الدينية والدنيوية الاستيقاظ من السبات والاستفادة من تجارب الغرب في هذا المجال, وذلك من خلال إحتضان الشبيبة ورعايتهم وإعطائهم الأولوية في الخدمة والمعرفة, والرفع من شأنهم و إشراكهم في كافة المجالات, لأنهم أمل المستقبل الواعد, فكل أمة تهمل شبانها ستبقى في ذيل قائمة الدول المتقدمة, ولن يطول عمرها على هذه الأرض. جوزيف إبراهيم. /8/8/2017/

28
المنبر الحر / التواضع والغيرة
« في: 18:02 11/08/2017  »
{ التواضع والغيرة }
جوزيف إبراهيم
في إحدى الممالك، كان سعيد ذاك الإنسان البسيط والمتواضع القلب، يعيش مطمئناً و هانئاً مع عائلته الصغيرة، إمتهن سعيد بيع الرايب (خليط اللبن مع الماء والملح) متجولاً برفقة حماره الوديع في أزقة المملكة، ومع مرور الزمن اشتهر جدا بين عامة الناس، لطيبة قلبه وجودة لبنه وحسن تعامله ولباقة لسانه مع الجميع, حتى وصلت أخباره وشهرته إلى القصر الملكي.
طلب الملك من وزيره إحضاره، وبعد مقابلته مع الملك، أُعطي له مهمة تقديم مشروبه المنعش للحاشية الملكية وضيوف الملك، فرح سعيد جدا بالوظيفة المحترمة الموكلة له,
 واستمر على نفس المنهج يحب عمله والناس جميعاً, ومع مرور الزمن توثقت علاقته جدا مع الملك, وأصبح محبوبا من قبل جميع القاطنين بالقصر الملكي والزائرين.
هذه المحبة الفائقة والإهتمام الملفت للنظر من الملك وحاشيته، أثارت غيرة وغيظ الوزير لخوفه على مركزه من هذا البائع الأمي , فحاول الايقاع به و التخلص منه بحيلة وبخدعة تناسب شخصية وتفكير سعيد وبطريقة تبعد الشبهة عنه. فقال لسعيد: إن رائحة فمك كريهة جداً يا سعيد, فلا يجوز لك أن تقدم مشروبك بهذه الطريقة كي لا تغضب جلالة الملك، و إعتبارا من الغد عليك أن تضع لثاماً على فمك وأنفك لكي يتجنب الآخرون رائحتك.
صدق سعيد ما قيل عنه, وأخذ نصيحة الوزير بمحمل الجد والتزم بالتعليمات الجديدة, وبدأ بتقديم مشروبه ملثم الفم والانف، فاستغرب الملك من هذا التغيير المفاجئ من سعيد، لكنه لم يود أن يحرجه لأنه كان ملكاً رحوماً حكيماً محباً وعادلاً لرعيته, وأعتقد بادئ الأمر أن البرد القارس قد يكون السبب ، لكن مع إقتراب الصيف استفسرالملك من وزيره عن سبب اللثام, فقال له الوزير: يا جلالة الملك أخشى إن أخبرتك عن السبب أنك تأمر بقطع رأسي، فمد له الملك عصا الأمان, إطمأن الوزير وأبتسم بداخله ثم قال: ياجلالة الملك إن سعيد يشكوا من رائحة فمك عندما يقدم لك المشروب, لذلك يضع لثاما كي لايشم رائحتك، ولطيبة قلب الملك صدق رواية وزيره نظراً للخدمة الطويلة معه والثقة العمياء التي منحها اياه.
حلٌ المساء وقص الملك لزوجته حكاية سعيد ،فثارت الملكة جداً وغضبها الشديد أعمى تفكيرها, فطلبت من الملك أن يأمر بإعدام سعيد. حاول الملك تغيير قرارها نظراً لحسن سلوك سعيد وتفانيه وإخلاصه بعمله، لكن الملكة أصرت على إعدامه ، وفي اليوم الثاني أتى سعيد إلى عمله ملثما ، و باشر بعمله اليومي كالعادة.
استدعى الملك أحد الجلادين وأمره بقطع رأس الشخص الذي سيحمل معه باقة ورد حمراء أثناء الانصراف. قبل انتهاء العمل بدقاىق طلب الملك حضور سعيد, فأعطاه باقة ورد حمراء جميلة جداً شاكراً اياه على حبه لعمله وطلب منه الذهاب لمنزله، في هذه الأثناء كان الوزير يراقب الإثنان عن كثب، وأخذت الدهشة تنهشه حينما شاهد الملك يعطي باقة ورد لسعيد.
همٌ سعيد بالخروج والغبطة والفرح يعلوان وجهه, قبل الباب الرئيسي بأمتار قليلة أوقفه الوزير وقال له : ما هذه الباقة في يدك ، فرد عليه إنها من جلالة الملك ثناءاً ومكافأةً لنشاطي وإخلاصي بعملي. كاد الوزير أن يغمى عليه لشدة الغيرة ولإنه أحس إن خطته قد أخفقت, فأخذ الورد منه بغضب وانتهره قائلاً: أنا من يحق له هذه الزهور وليس أنت ثم صرفه، ذهب سعيد لمنزله وهو سارحاً بأفكاره يقارن بين المشهدين المتناقضين من الملك والوزير , إلا أن طيبة قلبه أبعدته عن إساءة الظن بالإثنين , تابع طريقه مبتسما دون أن يكترث لإهانة الوزير, وكعادته أمضى ليلة هانئة مع اسرته ونام قرير العين.
في الصباح الباكر استيقظ سعيد نشيطاٌ، وبعد إتمامه بعض الأعمال المنزلية, توجه إلى القصر وقبل منتصف النهار فوجئ الملك برؤية سعيد، وسأله عن باقة الورد, فقص عليه سعيد ما حصل بينه وبين الوزير وإن الوزير أحق منه بألمكافأة لذلك أخذها منه، إستغرب الملك كثيراً من تصرف وزيره و أدرك أنه هو الذي نصب الفخ لسعيد لكنه سقط في شر أعماله. سأل الملك عن سبب وضع اللثام فأجابه: هكذا أمرني الوزير يا مولاي لإن رائحة فمي كريهة جداً، فأبتسم الملك بعد أن توضحت الصورة له, وقال لسعيد: فعلا إن وزيري أحق منك بباقة الورد و ابتداءً من هذا اليوم ستكون انت وزيراً لمملكتي، فقد أنقذتني من ذاك الوزير الخائن ومن مصير مجهول كان ينتظرني و مملكتي . أصدر الملك مرسوما ملكياً يفيد بتعيبن سعيد وزيرأً، بعد أن تأكد من الجلاد إن حامل باقة الورد كان بالفعل وزيره السابق وإن أمره قد نفذ بحذافيره. جوزيف إبراهيم في /7/2017/



29
تنورة نسائية كادت تهز عرش السعودية

في الثامن عشر من أيلول 2017, نشرت بعض وسائل الإعلام المرئية والمقروءة, و وسائل التواصل الاجتماعي, فيديو قصير لفتاة في مقتبل العمر سعودية الجنسية, عربية الأصل جميلة جذابة سمراء الملامح, نحيفة الجسم وممشوقة القد مظهرها العام يوحي إلى الجمال البدوي الطبيعي الأخّاذ.
ففي سابقة خطيرة لعُرف شبه الجزيرة العربية بشكل عام والمملكة السعودية بشكل خاص, تجرأت هذه الفتاة أن ترتدي تنورة قصيرة فوق الركبتين قليلاً, وبلوزة أعلى من نصف كم مظهرةً قليلاً من مفاتن جسدها , مع شعرها الأسود المتمايل عل كتفيها الذي زادها جمالا وأنوثة.
بدأت هذه الأيقونة العربية تتمخطر بمشيتها في زقاق ضيق على جانبيه منازل ترابية بسيطة, مما يدل على أن التصوير قد تم في منطقة قروية نائية, ثم تنتقل إلى لقطة دلع داخل سيارتها, وأخيرا لقطات لها و هي تمشي فوق الكثبان الرملية الذهبية, التي زادتها رونقا يتمازج مع سمارها البدوي.
هذه اللقطات القصيرة لتلك الظبية العربية وبتلك الثياب, أثارت ضجة عارمة واستنكار شديد في الشارع السعودي والسلطات السعودية على حد سواء. فقد دونت عشرات الآلاف من التعليقات الإلكترونية في ساعات قليلة من نشر الفيديو, عبروا فيها عن استياءهم الشديد, فمنهم من حرّم و منهم من جرّم فعلتها الشنيعة بنظرهم, والبعض اعتبرها وصمة عار في جبين السعودية لتجرؤها بالظهور الغير محتشم في بلاد الحرمين الشريفين.
فهي بنظرهم سافلة لمخالفتها القوانين والعادات الدينية, و قليلة أدب لما قامت به, إذ لا يمكن إيجاد مثيل لردود فعلهم على نوعية وشكل الملابس حتى في أكثر المجتمعات تخلفا وجهلًا!!.
في القرن الواحد والعشرين حيث قطعت بقية الأمم أشواطاً شاسعة في التحرر الاجتماعي, وتسعى جاهدة لتحديث تكنولوجيتها المتطورة و أبحاثها العلمية المذهلة للعقل البشري, وتوظف الاكتشافات والاختراعات اليومية في كافة مجالات الحياة لخدمة الجنس البشري, دون تفرقة بين لون ولون أو دين وآخر أو رجل وامرأة وتبحث بشكل جدي عن موطئ قدم لها في الفضاء الشاسع بين بقية الكواكب, نجد قسم لا يستهن بعدده من شعب المملكة والسلطات السعودية أنه لم يهدأ لهم بال ولم يغمض لهم جفن مسخرين كافة وسائل التحري لمعرفة الفتاة للقبض عليها, وفعلاً و بفترة زمنية قياسية تمكنت الأجهزة الأمنية من تحقيق النصر بمعرفة الجانية وإلقاء القبض عليها, و للمفاجئة لم يدم حجزها طويلاً أو تجريمها إذ سرعان ما تم إخلاء سبيلها بعد التحقيقات اللازمة معها بحسب البيان الصادر, وليس معلوماً بعد إن كان التعاطف الشعبي و العالمي مع الفتاة هو السبب الرئيسي في إخلاء سبيلها. أمّا حقيقة الأمر فتبدي أن ردود الأفعال الغاضبة في الشارع و من الحكومة تشير إلى عكس ذلك, وعدم مصداقية إخلاء سبيلها دون أي قصاص.
أياً كانت نتائج التحقيق. ستتبقى هذه الفتاة الجريئة وتنورتها رمزاً للأجيال القادمة الرافضة للكبت الجسدي والنفسي الجاثم عنوةً على عقل وصدر المرأة السعودية. في الحقيقة هذه تعتبر خطوة جبارة لكسر الأغلال الخانقة لأعناق السعوديين, وستبقى علامة فارقة, ففي الوقت الذي تطالب هذه الدولة غيرها من الدول م{ سوريا } بالديمقراطية والحرية لشعوبها, نجدها تكتم أنفاس مواطنيها وتحرمهم من أبسط مقومات الحياة في هذا العصر المتسارع إلى رفاهية الإنسان, كقيادة السيارة مثلا فالأنثى السعودية لا يسمح لها إطلاقا ولغاية هذا اليوم بقيادة السيارة أو الخروج من المنزل دون ولي أمر أو محرم يرافقها.
بالتأكيد الثياب الغير محتشمة ليست دلالة على التحرر والتقدم والرقي الإنساني و لكن, مصادرة العقل الفردي أمر مرفوض تماماً. لمشاهدة الفيديو تابع هذا الرابط http://www.bbc.com/arabic/media-40641674 جوزيف إبراهيم /2/7/2017/


30
المنبر الحر / الثائر والثور
« في: 18:31 31/07/2017  »
{الثائر والثور}

جوزيف إبراهيم
لكي يتمكن العمدة من السيطرة النفسية والجسدية على أبناء قريته ويتفرد بالقول والفعل, كان لابد له أن يزرع الخوف ويد
ب الرعب في نفوس قروييه وان يفرق بينهم ليسود عليهم, ولتنفيذ هذه الاجندة دلل ثوراً ضخماً هائجاً مائجاً لكي يستخدمه متى استدعت الحاجة, لقمع كل من يقف عثرة أمامه وأمام مشاريعه التوسعية الغامضة, مرت السنين دون أن يتحسن أداء العمدة وثوره ومستشاريه, رغم التطور التقني الهائل والتواصل الاجتماعي الذي جعل من الكرة الأرضية قرية صغيرة.
كان القرويون المساكين يتذمرون لبعضهم البعض عن وضعهم ألرديء السيئ خفيةً , خوفاً من بطش العمدة وثوره الهائج على حياتهم وحياة اسرهم ومصدر رزقهم لكن دون جدوى , هذا التذمر وفش الخلق الكلامي للتنفيس قليلاً عن الاحتقان النفسي وكرب صدورهم , وصل للعمدة عن طريق أعين وآذان عملاءه وجواسيسه المنتشرة بين بعض أبناء القرية وجوارها, انتقاماً لهذا التذمر البسيط قرر إطلاق العنان لثوره الجامح لتأديبهم ومنعهم حتى من الهمس لبعضهم البعض , فبدء الثور بالعبث بهم وبأرزاقهم وتخريب حقولهم ومحذرهم بالأسوأ ومتهماً ذكورهم بفقدان الرجولة.
هذه الجملة الأخيرة أثارت سخطاً شديداً لدى أحد القرويين المتعلمين, واعتبر هذه الكلمة الجارحة بمثابة تعدي صارخ على شرفه وشرف أهل القرية, فقرر تشكيل وإنشاء وقيادة جبهة سرية مناهضة للعمدة وثوره, فكان يعمل في جنح الظلام الحالك لتشجيع وتحريك القرويين ضد ظلم العمدة وثوره, وينام نهاراً, ونجح نجاحاً باهراً في استقطاب الغالبية العظمة من أبناء القرية.
هذه الحركة رغم بساطتها إلا أنها دبت الرعب والذعر في قلوب المتسلطين وثورهم , وأرغمت العمدة على تغيير أسلوبه القاسي مؤقتاً لكي يمتص حركة الثائر, فبدء بالتعامل بحكمة وروية مع الجميع دون اللجوء إلى العنف لإجهاض حركة الثائر والقضاء على مستقبله, كان الثائر يعمل دون كلل أو ملل لإنقاذ القرية من براثن ومخالب العمدة وثوره المائج ,إلى أن تمكن من إقناع معظم أبناء القرية بتنظيم مسيرة سلمية مطالبين, بتعديل أوضاع القرية وقرويها وإقالة الثور متلف الحقول أو وضع حدا له, وأيضاً لإنشاء مجلس إداري مصغر يشترك مع العمدة وعمدة العمدة بإدارة وتنظيم أوضاع القرية وساكنيها, ولينهي الكبت الجاثي على صدور الفلاحين ولتهيئة أرضية مستقبلية صلبة للأجيال الصاعدة,كانت الأخبار والمعلومات تصل بحذافيرها للعمدة وعمدته, فجهز كتيبة من الجوادة يتقدمهم الثور.
دنت ساعة الصفر انطلق القرويين من الساحة العامة للضيعة متجهين نحو دارة العمدة يتقدمهم الثائر وساعده الأيمن هاتفين بإيقاف الثور عن عمله ،وإنشاء مجلس إداري للقرية, وكان الجميع يداً واحدةً وقلبًا واحداً كما تعاهدوا الا يخونوا بعضهم البعض حتى الموت, وبينما هم سائرين لمزرعة العمدة لتقديم مطالبهم كان بعض من رجال العمدة قد انتشروا وتغلغلوا بين القرويين من خلال الصفوف الخلفية للمسيرة, محاولين إقناع القرويين تارة ترغيبا وأخرى ترهيباً بالانسحاب والعودة سالمين لمنازلهم.
وصلت المسيرة أمام قصر العمدة وإذ بكتيبة خيالة مدججة بالسلاح الأبيض تتقدمها الثور الهائج والرغوة البيضاء ترغوا من فمه وانفه, واقفين بحراسة العمدة ومزرعته منتظرين أوامر عمدتهم للفتك بالثائر وأعوانه.
تواجه الثائر وجهاً لوجه مع العمدة وثوره فبادره العمدة بالسؤال ماذا تريد أيها الثائر وما هي طلباتك, التفت الثائر كي يتقوى بمن خلفه و ليقول بصوت مليء بالقوة والحماس والثقة بالنفس عن شروطه وطلباته لكنه فوجئ وأندهش , إذ لم يجد أي قروي خلفه سوى ساعده الأيمن, فهز رأسه وقال : بصوت منخفض مبحوح, أبناء هذه القرية لهم الشرف العظيم أن يحرسهم ثوراً ناطحاً كثورك, لكن ليس حسناً يا كبيرنا وتاج رأسنا, أن يعيش ثورنا لوحده دون صديقة تونسه, فابتسم العمدة ابتسامة المنتصر, وعلم إن حركة الثائر قد تم إجهاضها وتم ترويضه ولو إلى حين فقال: له هذه ستكون مهمتك أيها الثائر فأمامك ثلاثة أيام كي تجلب بنفسك صديقة جميلة جذابة المنظر تناسب حجم وجمال ثوركم المدلل, وإلا نفيتك وعائلتك من هذه القرية إلى غير رجعة.
بقلم جوزيف إبراهيم في/25/06/2017/ استراليا..


31
{الأسقف المغوار مار يعقوب البراذعي}

جوزيف إبراهيم
تعرضت المسيحية منذ نشأتها ولغاية هذا اليوم, إلى محاولات عديدة لا تحصى للنيل منها ومن مبادئها, تارة على أيدي بعض إكليروسها وعلمائها المندسين خلسة وأخرى من أعدائها, وقد لاقى اتباعها شتى أنواع التنكيل والتفنن بالقتل, بدءاً بالرجم بالحجارة كما حصل في أورشليم {القدس } مع أول شهيد للمسيحية القديس مار استفانوس, مروراً بالسحل خلف الأحصنة كما حصل في مصر مع القديس مرقس صاحب الكتاب الثاني للبشارة السارة {الإنجيل }, ولاحقاً رمي المؤمنين المسيحيين بين الأسود والنمور الجائعة كوليمة ووجبة غذائية يومية, مثلما كانت تفعل الامبراطوريتين الفارسية والرومانية وتدرجاً بالتاريخ الدموي من المراحل الإسلامية كافة, والمغولية التترية الشرسة التي صبغت مياه النهرين الخالدين دجلة والفرات باللون الأحمر من كثرة الذبح من الوريد إلى الوريد على ضفاف هاذين النهرين الخالدين.
وكادت أن تتوج فنون القتل على ايدي الجهل والغباء العثماني وبعض العشائر الكردية, ببقر بطون النساء المسيحيات الحوامل ورفع الأجنة عالياً على رؤوس الرماح, لكن الحقبة اللينينية والستالينية ساوتها بالعنف والقسوة, ولم يشذ عن قاعدة مصاصي الدماء الأشقاء بالأيمان الأخوة المؤمنين الأوروبيين في الحروب الصليبية التي أذاقت العلقم والسم والويل لمسيحيي الشرق, وازدادت بربريتهم وهمجيتهم بعصر التكنولوجيا والتطور على بعضهم البعض في الحربين العالميتين, إذ أزهقت أرواح اكثر من {130} مئة وثلاثون مليون مسيحي إلى أن جاء {الشتاء العربي} الملقح بنطاف العم سام, لينجبا معاً أجنة لا تمت للبشرية بصلة ك {داعش وا أخواتها} الذين تغلبوا على جميع من سبقهم وتلطخت آ ياديهم بدماء المسيحيين مبتكرين فنون جديدة للقتل والتعذيب والصلب والذبح على شواطئ البحار, ورمال الصحارى, وبإخراج تلفزيوني سينمائي يفوق تقنية أفلام هوليود, كي يشفي حقدهم وغلهم الدفين.
باختصار ما تعرض له المسيحيون والإيمان المسيحي من ظلم و اضطهاد غير قابل للوصف ولا يمكن لأي فكر أو أي مجموعة بشرية أو دين آخر على الكرة الأرضية أن يتحمله, ويتمكن من النجاة لهذا اليوم. ورغم ذلك ما زالت المسيحية هي الأسمى والأرقى والأكثر عدداً وسر بقائها لهذا اليوم هو.. تعاليم السيد المسيح المفعمة بالمحبة والغفران والتسامح, وإلى جانب ذلك الدور الفعال لرجالاتها الذين لم يحملوا سيفاً أو رمحاً ولا حتى سكيناً بل بشارة الكلمة المتجسدة ومحبة المسيح, المجبولة بالجهد والتعب المضني والعمل الدؤوب دون كلل أوملل لدرجة نكران الجسد,, ومن بين هؤلاء المجاهدين الجبابرة القديس المغوار مار يعقوب البراذعي,
فمن هو هذا القديس وما هي حكايته ؟
للحديث عن سيرته القصيرة لابد من سرد تاريخي مبسط . بعد أن فشلت كل المحاولات للقضاء على أتباع المسيح في مهد كرازتهم , لجأ الأعداء إلى حيلة وخدعة اكثر تطورا من الاضطهاد العلني وذلك بزرع بذور الشك حول ألوهية السيد المسيح, ومكانة امه الطاهرة السيدة العذراء مريم كي ينقسم الجسد والبيت الواحد على نفسه ويخرب. لكن الحكماء المتنورين تمكنوا من إجهاض هذا المخطط الشيطاني واستطاعوا حل خلافاتهم بانعقاد ثلاثة مجامع مسكونية فكان الأول في عام 325 م بمدينة نيقية والثاني عام 381 م بمدينة قسطنطينية { استنبول} والثالث عام 431 م بمدينة افسس, وخرج المجتمعون بالإجماع على الوحدة والمحبة والروح المسيحية الواحدة وتوج ذلك بوثيقة قانون الإيمان { نؤمن بإله واحد} والذي ما زال متداولاً ومعترفاً به في جميع الكنائس الرسولية والبروتستانتية لهذا اليوم.
بيد أن هذا النجاح الذي حقق مزيداً من الوحدة المسيحية أثار غضب وسخط أصحاب النوايا السياسية السيئة, في روما عاصمة أقوى امبراطورية في ذاك العهد وصاحبة صناعة القرار, فلجؤوا إلى إقناع بعض الأساقفة {اوطاخي} أحدهم, لبث روح التفرقة والخلاف بين المؤمنين حول طبيعة السيد المسيح, فتجدد الخلاف العقائدي مرة ثانية داخل الأسرة المسيحية مما أدى إلى انعقاد المجمع الرابع في عام 449-م بمدينة افسس وخرج المجتمعون بقرارات لم ترضى عنها روما حيث رفضها البابا مما استدعى الإمبراطور {مرقيانوس } لانعقاد مجمع آخر بناء على طلب أسقف روما, فتم عقد مجمع في مدينة خلقيدونية سنة 451 وحضره أكثر من350 أسقفاً. و يعتبر هذا المجمع من أكثر المجامع المثيرة للجدل فقد ذهب البعض إلى أن الأسقف اوطاخي قد غُرر به وخدع آباء المجمع وكان بمثابة السيف الذي قصم ظهر المسيحية, وما زالت تداعياته تتدحرج وتنجب عشرات البدع والهرطقات الشبيهة بالأجنة المشوهة لهذا اليوم.
ومن أبرز نتائج وقرارات هذا المجمع الغير متفق عليها والمثيرة للجدل: {الإيمان بأن للسيد المسيح طبيعتين إلهية وإنسانية بلا اختلاط ولا تغيير ولا انقسام ولا انفصال }مما أدى إلى انفصال الكنائس الشرقية والتي تدعى بالشقيقة { القبطية والأنطاكية والأرمنية} عن شقيقاتها الغربية, وانقسمت لاحقاً الأنطاكية إلى عدة أقسام { الكنيسة السريانية الأرثوذكسية تفرع عنها الموارنة, الروم الأرثودكس والكاثوليك والكنيسة الشرقية التي تفرعت عنها الكنيسة الكلدانية, ومن هؤلاء جميعاً تفرع البروتستان الإنجيليون الخ } وكان السبب والخلاف الظاهر يبدو للعيان لاهوتياً حول كلمة واحدة فقط وهي { طبيعة واحدة بدلاً من طبيعتين للسيد المسيح } إلا أن الخلاف الحقيقي كان سياسي بحت, أما الخلاف الديني فكان غطاءً لفرض وتشديد السيطرة السياسية والعسكرية {الرومانية البيزنطية} على آسية الصغرة وسوريا الطبيعية وشمال أفريقيا, مما أدى إلى أبشع اضطهاد وإبادة جماعية ومحو ديموغرافي شبه كامل عرفه مسيحيو الشرق عامة {والسريان} خاصة لاتهامهم بالمنوفيزيين, وكادت أن تمحى عن بكرة أبيها هذه الكنيسة شعباً وإكليروساً, ولم يبقى في عام 544 م لهذه الكنيسة الكبيرة العريقة صاحبة الأرض ذات العشرات الآف من الإكليروس والممتدة الأطراف سوى ثلاثة مطارنة فقط وكان يعقوب البرادعي احدهم, ويعتبر المجمع الخلقدونى سبباً لولادة وانتشار الإسلام.
في خضم عصر الانقسام والاضطهاد ولد يعقوب البراذعي الطفل باسم يعقوب بار {ابن} ثيوفيلوس عام 500 م في تل موزلت ، أصبح راهباً في دير فسيلتا الواقع قرب مسقط رأسه (والحالية)، في سنة /528/ انتقل إلى القسطنطينية، ثم بتأثير من الإمبراطورة تيودورة السريانية الأصل وبتوصية من الملك المسيحي العربي الحارث بن جبلة ملك الغساسنة حلفاء الروم، رسمه البطريرك تيودوسيوس الإسكندري سنة /542-543/، رُسم على كرسي الرها ولم يتمكن من الإقامة فيها. اشتُهر بزهده وعلمه ومقاومته البطولية في وجه المصاعب، حتى أصبح يعقوب مغواراً لوقوفه في وجه سياسة يوستينياس, الذي كان يحاول دفع الكنائس إلى القبول بقانون إيمان خلقيدونية.
جال يعقوب بلا كلل في البلاد الشرقية ومصر وسورية، وصولاً إلى أرمينيا شمالاً، وتخوم بلاد فارس. وكان يرسم الآلاف من الشمامسة والكهنة ورسم 27 أسقفاً وبطريركين، وذلك بهدف أن يمد المقاومة المناهضة للخلقدونية بإطار يمهد لإبراز هذه المقاومة على الملأ. وكان ينتقل متخفياً بصفة جوال مرتديا جبة قديمة مهترئة مرقعة ،{من هنا لقب بالبراذعي و لا يجب دمجه بـ بار آداي أو بار أداي، كما ورد في المعجم اللاهوتي الكاثوليكي } لكي لا يلفت أنظار العساكر والحرس الروماني لإنه كان مطلوباً حياً أم ميتاً من القيادة الدينية والدنيوية البيزنطية.
كان يتوارى عن أنظار خصومه دائماً بفضل محبة الشعب له وسرعته الفائقة بالمشي والجري، وكان ينظم ويرسم ويعزي ويشجع، ويوطد الإيمان ويعلم المؤمنين في كل مكان, واصبح رئيساً روحياً موهوباً أكثر من كونه رئيس ومسؤول كنسي، ومع ذلك لم يكن البديل عن البطريرك الأنطاكي مار سويريوس, التي نفته السلطات الرومانية. ومن الثابت أن مار يعقوب البراذعي كان أحد عناصر نهضة المجموعة اللاخلقيدونية بعد وفاة مار سويريوس. لكن هذه المجموعة لم تتمكن من تحقيق تنظيمها الذاتي في وجه الكنيسة "الملكية" والكنيسة النسطورية الفارسية، إلا في العام 629، أي قبل الفتح الإسلامي للمدائن.
توفي مار يعقوب البراذعي في 30 تموز يوليو عام /578/ في مصر في دير قسيون، وفي عام /622/ قام رهبان ديره الأصلي وهو دير قسيلتا بنقل رفاته وحملوه إلى ديرهم. اعتبُر يعقوب من قبل خصومه "مؤسس" الكنيسة السريانية وأطلقوا عليها{ المونوفيزية}، ولاحقاً لقب "اليعقوبية"نسبة له. أما السريان الأرثوذكس اكليروساً وشعباً يفتخرون به كقديس مناضل مغوار ويعتبرونه ابن الكنيسة البار، والمجاهد الرسولي الأكبر الذي ثبت الإيمان المأخوذ من مار بطرس الرسول هامة الرسل مؤسس كرسيهم الأنطاكي, ويرفضون رفضاً قاطعاً نعتهم باليعاقبة أو المنوفيزيين. وتخليداً له ولجهاده الجبار, يتم ذكر اسمه في كل قداس سرياني يقام حول العالم كمثبت ومرسخ وداعم للإيمان ألأورثوذكسيي القويم. بقلم جوزيف إبراهيم /26/7/2017/

32

{الأسقف المغوار مار يعقوب البرادعي}

جوزيف إبراهيم
تعرضت المسيحية منذ نشأتها ولغاية هذا اليوم, إلى محاولات عديدة لا تحصى للنيل منها ومن مبادئها, تارة على أيدي بعض إكليروسها وعلمائها المندسين خلسة وأخرى من أعدائها, وقد لاقى اتباعها شتى أنواع التنكيل والتفنن بالقتل, بدءاً بالرجم بالحجارة كما حصل في أورشليم {القدس } مع أول شهيد للمسيحية القديس مار استفانوس, مروراً بالسحل خلف الأحصنة كما حصل في مصر مع القديس مرقس صاحب الكتاب الثاني للبشارة السارة {الإنجيل }, ولاحقاً رمي المؤمنين المسيحيين بين الأسود والنمور الجائعة كوليمة ووجبة غذائية يومية, مثلما كانت تفعل الامبراطوريتين الفارسية والرومانية وتدرجاً بالتاريخ الدموي من المراحل الإسلامية كافة والمغولية التترية الشرسة التي صبغت مياه النهرين الخالدين دجلة والفرات باللون الأحمر من كثرة الذبح من الوريد إلى الوريد على ضفاف هاذين النهرين.
وكادت أن تتوج فنون القتل على ايدي الجهل والغباء العثماني وبعض العشائر الكردية, ببقر بطون النساء المسيحيات الحوامل ورفع الأجنة عالياً على رؤوس الرماح, لكن الحقبة اللينينية والستالينية ساوتها بالعنف والقسوة, ولم يشذ عن قاعدة مصاصي الدماء الأشقاء بالأيمان الأخوة المؤمنين الأوروبيين في الحروب الصليبية التي أذاقت السم والويل لمسيحيي الشرق, وازدادت بربريتهم وهمجيتهم بعصر التكنولوجيا والتطور على بعضهم البعض في الحربين العالميتين, إذ أزهقت أرواح اكثر من {130} مئة وثلاثون مليون مسيحي إلى أن جاء الشتاء العربي الملقح بنطاف العم سام, لينجبا معاً أجنة لا تمت للبشرية بصلة ك {داعش وا أخواتها} الذين تغلبوا على جميع من سبقهم وتلطخت آ ياديهم بدماء المسيحيين مبتكرين فنون جديدة للقتل والتعذيب والصلب والذبح على شواطئ البحار, ورمال الصحارى, وبإخراج تلفزيوني سينمائي يفوق تقنية أفلام هوليود, كي يشفي حقدهم وغلهم الدفين.
باختصار ما تعرض له المسيحيون والإيمان المسيحي من ظلم و اضطهاد غير قابل للوصف ولا يمكن لأي فكر أو أي مجموعة بشرية أو دين آخر على الكرة الأرضية أن يتحمله, ويتمكن من النجاة لهذا اليوم. ورغم ذلك ما زالت المسيحية هي الأسمى والأرقى والأكثر عدداً وسر بقائها لهذا اليوم هو.. تعاليم السيد المسيح المفعمة بالمحبة والغفران والتسامح, وإلى جانب ذلك الدور الفعال لرجالاتها الذين لم يحملوا سيفاً أو رمحاً ولا حتى سكيناً بل الكلمة المتجسدة ومحبة المسيح, المجبولة بالجهد والتعب المضني والعمل الدؤوب دون كلل أوملل لدرجة نكران الجسد,, ومن بين هؤلاء المجاهدين الجبابرة القديس المغوار مار يعقوب البرادعي,
فمن هو هذا القديس وما هي حكايته ؟
للحديث عن سيرته القصيرة لابد من سرد تاريخي مبسط . بعد أن فشلت كل المحاولات للقضاء على أتباع المسيح في مهد كرازتهم , لجأ الأعداء إلى حيلة وخدعة اكثر تطورا من الاضطهاد العلني وذلك بزرع بذور الشك حول ألوهية السيد المسيح, ومكانة امه الطاهرة السيدة العذراء مريم كي ينقسم الجسد والبيت الواحد على نفسه ويخرب. لكن الحكماء المتنورين تمكنوا من إجهاض هذا المخطط الشيطاني واستطاعوا حل خلافاتهم بانعقاد ثلاثة مجامع مسكونية فكان الأول في عام 325 م بمدينة نيقية والثاني عام 381 م بمدينة قسطنطينية { استنبول} والثالث عام 431 م بمدينة افسس, وخرج المجتمعون بالإجماع على الوحدة والمحبة والروح المسيحية الواحدة وتوج ذلك بوثيقة قانون الإيمان { نؤمن بإله واحد} والذي ما زال متداولاً ومعترفاً به في جميع الكنائس الرسولية والبروتستانتية لهذا اليوم. بيد أن هذا النجاح الذي حقق مزيداً من الوحدة المسيحية أثار غضب وسخط أصحاب النوايا السياسية السيئة, في روما عاصمة أقوى امبراطورية في ذاك العهد وصاحبة صناعة القرار, فلجؤوا إلى إقناع بعض الأساقفة {اوطاخي} أحدهم, لبث روح التفرقة والخلاف بين المؤمنين حول طبيعة السيد المسيح, فتجدد الخلاف العقائدي مرة ثانية داخل الأسرة المسيحية مما أدى إلى انعقاد المجمع المقدس الرابع في عام 449-م بمدينة افسس وخرج المجتمعون بقرارات لم ترضى عنها روما حيث رفضها البابا مما استدعى الإمبراطور {مرقيانوس } لانعقاد مجمع آخر بناء على طلب أسقف روما, فتم عقد مجمع في مدينة خلقيدونية سنة 45 وحضره أكثر من350 أسقفاً. و يعتبر هذا المجمع من أكثر المجامع المثيرة للجدل فقد ذهب البعض إلى أن اوطاخي قد غُرر به وخدع آباء المجمع وكان بمثابة السيف الذي قصم ظهر المسيحية, وما زالت تداعياته تتدحرج وتنجب عشرات البدع والهرطقات الشبيهة بالأجنة المشوهة لهذا اليوم.
و كانت قرارات هذا المجمع كالتالي: {الإيمان بأن للسيد المسيح طبيعتين إلهية وإنسانية بلا اختلاط ولا تغيير ولا انقسام ولا انفصال }مما أدى إلى انفصال الكنائس الشرقية والتي تدعى بالشقيقة { القبطية والأنطاكية والأرمنية} عن الغربية, وانقسمت لاحقاً الإنطاكية إلى عدة أقسام { الكنيسة السريانية الأرثوذكسية تفرع عنها الموارنة, الروم الأرثودكس والكاثوليك الكنيسة الشرقية التي تفرعت عنها الكنيسة الكلدانية, ومن هؤلاء جميعاً تفرع البروتستان الإنجيليون الخ } وكان السبب الظاهر والخلاف يبدو للعيان لاهوتياً حول كلمة واحدة فقط وهي { طبيعة واحدة بدلاً من طبيعتين للسيد المسيح } إلا أن الخلاف الحقيقي كان سياسي بحت, أما الديني كان غطاءً لفرض وتشديد السيطرة السياسية والعسكرية {الرومانية البيزنطية} على آسية الصغرة وسوريا الطبيعية وشمال افريقيا, مما أدى إلى أبشع اضطهاد ومحو ديموغرافي عرفه مسيحيو الشرق عامة {والسريان} خاصة لاتهامهم بالمنوفيزيين, وكادت أن تمحى عن بكرة أبيها هذه الكنيسة شعباً وإكليروساً, ولم يبقى في عام 544 م لهذه الكنيسة الكبيرة العريقة صاحبة الأرض ذات العشرات الآف من الإكليروس والممتدة الأطراف اكثر من ثلاثة مطارنة فقط وكان يعقوب البرادعي احدهم.
ولد باسم يعقوب بار {ابن} ثيوفيلوس عام 500 مولده في تل موزلت عام /500/، أصبح راهباً في دير فسيلتا الواقع قرب مسقط رأسه (والحالية)، في سنة /528/ انتقل إلى القسطنطينية، ثم بتأثير من الإمبراطورة تيودورة السريانية الأصل وبتوصية من الملك المسيحي العربي الحارث بن جبلة ملك الغساسنة حلفاء الروم، رسمه البطريرك تيودوسيوس الإسكندري سنة /542-543/، رُسم على كرسي الرها ولم يتمكن من الإقامة فيها. اشتُهر بزهده وعلمه ومقاومته البطولية في وجه المصاعب، حتى أصبح يعقوب مغواراً لوقوفه في وجه سياسة يوستينياس, الذي كان يحاول دفع الكنائس إلى القبول بقانون إيمان خلقيدونية.
جال يعقوب بلا كلل في البلاد الشرقية ومصر وسورية، وصولاً إلى أرمينيا شمالاً، وتخوم بلاد فارس. وكان يرسم الآلاف من الشمامسة والكهنة ورسم 27 أسقفاً وبطريركين، وذلك بهدف أن يمد المقاومة المناهضة للخلقدونية بإطار يمهد لإبراز هذه المقاومة على الملأ. وكان ينتقل متخفياً بصفة جوال مرتديا جبة قديمة مرقعة ،{من هنا لقب بالبرادعي و لا يجب دمجه بـ بار آداي أو بار أداي، كما فعل، المعجم اللاهوتي الكاثوليكي } كي لا يلفت أنظار الحرس الروماني لإنه كان مطلوباً حياً أم ميتاً من الحرس الملكي. وكان يتوارى دائماً بفضل أن الشعب معه، لإنه كان ينظم ويرسم ويعزي ويشجع، ويوطد الإيمان ويعلم المؤمنين في كل مكان, واصبح رئيس روحي موهوب أكثر من كونه رئيس كنسي، ومع ذلك لم يكن "بديلاً عن البطريرك الأنطاكي مار سويريوس, المنفي. من الثابت أنه كان أحد عناصر نهضة المجموعة اللاخلقيدونية بعد وفاة مار سويريوس. لكن هذه المجموعة لم تتمكن من تحقيق تنظيمها الذاتي في وجه الكنيسة "الملكية" والكنيسة النسطورية الفارسية، إلا في العام 629، أي قبل الفتح الإسلامي للمدائن.
توفي مار يعقوب البرادعي في 30 تموز يوليو عام /578/ في مصر في دير قسيون، وفي عام /622/ قام رهبان ديره الأصلي وهو دير قسيلتا بنقل رفاته وحملوه إلى ديرهم. اعتبُر يعقوب من قبل خصومه "مؤسس" الكنيسة السريانية وأطلقوا عليها{ المونوفيزية}، ولاحقاً لقب "اليعقوبية"نسبة له. أما السريان الأرثوذكس يفتخرون به كقديس مناضل ويعتبرونه ابن الكنيسة البار، والمجاهد الرسولي الأكبر الذي ثبت الإيمان المأخوذ من مار بطرس الرسول مؤسس كرسيهم الأنطاكي, ويرفضون رفضاً قاطعاً نعتهم باليعاقبة أو المنوفيزيين, ويتم ذكر اسمه في كل قداس يقام حول العالم كمثبت وداعم للإيمان ألأورثوذكسيي القويم. بقلم جوزيف إبراهيم /26/7/2017/


33
{اردوغان والمسمار الأخير}
ما لفرق بين ما فعتله داعش, من مصادرة جميع الأملاك المنقولة وغير المنقولة للمسيحيين, وبشطبة قلم صغيرة بوضعها حرف {ن} على جميع ممتلكات المسيحيين في نطاق حدود دولتهم المزعومة في {سورية والعراق } والقابلة للتمدد التي لا حدود لها حسب إيمانهم وإيديولوجيتهم لإن الكرة الأرضية هي ملك إلههم, وبين ما يسعى جاهداً مسمار اردوغان الذي أبى إلا أن يدق هو بنفسه المسمار الأخير في جسد شعبنا.
فقد طالعتنا بعض وسائل الإعلام التركية بخبر مفاده إن السلطات التنفيذية التركية, ستضع يدها وتصادر جميع الأملاك الغير منقولة من أديرة وكنائس ومزارع وابنية الواقعة ضمن نطاق الحدود الإدارية لمنطقة ماردين وديار بكر, والتابعة بغالبيتها للطائفة السريانية الأورثوذكسية, ووضع جميع تلك الأملاك تحت تصرف وإدارة دار الإفتاء الإسلامية التركية , هذا العمل المشين يثبت أن داعش ونظام اردوغان هما وجهان لعملة واحدة.
هذا القرار المثير للاشمئزاز والجدل, والنابع من أجندة سياسية دينية اردوغانية بحتة, سيكون المسمار الأخير المزمع دقه بنعش الجسد {السرياني الآشوري الكلداني}.
إن البحث والتحليل عن الأسباب الاساسية والحجج التي اعتمدت عليها الحكومة التركية لإتخاذ هذا القرار, يجب ألا تكون ذات أولوية لنا, فيتحتم علينا التفكير والتخطيط بقيام ردود أفعال حضارية وسلمية , لإجبار الوريث الشرعي العثماني بالتراجع عن هذه المهاترات الغير أخلاقية .
إن هذا القرار المشؤوم أتى في هذا التوقيت ألسيئ للمسيحيين المشرقيين, حيث تم استنزاف كامل الطاقات البشرية والاقتصادية والفكرية لهم في منطقة الشرق الأوسط , وفي ظل مباركة وتستر كامل للسلطات والإعلام الغربي المتشدق بالدفاع عن حقوق الإنسان والحرية والديمقراطية.
السؤال الذي يطرح نفسه هو ماذا سيفعل أصحاب الحق , إن السريان المقيمين في الشرق الاوسط كتركيا وسورية والعراق وغيرها من دول المنطقة لا يمكنهم فعل أي شيء ذو تأثير, فليست لديهم القدرة والمقدرة حتى على الاحتجاج والاعتراض السلمي, وجل ما يمكن أن يفعله سريان تركيا هو إقامة دعوة قضائية أمام المحاكم والقضاء التركي, وهذه الخطوة ليست في صالحهم نظراً للإستنزاف المادي الذي لا طائل له ولن تجدي نفعاً, بل بالعكس ستصب في صالح السلطات العثمانية الجديدة, فهي ستعطي إنطباعا إيجابياً وصورة حضارية عن محاكمهم وحكمهم.
إن المسؤولية الكاملة تقع على عاتق الورثة الشرعيين لتلك الأملاك والممتلكات, وتحديداً القيادة الكنسية والأحزاب والهيئات السياسية والاجتماعية للشعب {السرياني الكلداني الآشوري} القاطنين في دول الإغتراب وخصوصاً المقيمين في الدول الغربية, فيتوجب على هذه القوى, وبمساعدة الضالعين بالشان القانوني من أبناء شعبنا والهيئات الإجتماعية والسياسية الغربية المتعاطفة مع شعبنا, أن يعملوا على صياغة مذكرة احتجاجية لتقدم للسفارات التركية ووزراء الخارجية للدول الأعضاء في مجلس الأمن الدولي والدول المعنية بحقوق الإنسان.
وفي حال عدم الاستجابة والعدول عن الخطوة التركية وعن قرارهم المتعسف المزمع إتخاذه, فيحب على أبناء شعبنا تصعيد الموقف كالقيام بتظاهرات سلمية حضارية, أمام السفارات التركية, للتعبير عن الغبن والغضب والسخط , من هكذا قرارات ومن تعامل وتصرفات الحكومة الاردوغانية تجاهنا, وأيضاً لإيصال صوتنا للرأي العام الغربي , فالتاريخ يعلمنا ان الحقوق تؤخذ ولا تعطى. في /1/7/2017/ بقلم جوزيف إبراهيم , استراليا

34
المنبر الحر / السقوط والانقسام
« في: 12:16 20/07/2017  »
{السقوط والانقسام}
بعض العلمانيين من أصدقائنا وأحبتنا المسيحيين السريان { الآشوريين السريان الكلدان} يُحّملون المسيحية المسؤولية أو جزءاً من المسؤولية لتدهورنا وانقسامنا, أقول لهؤلاء وبكل محبة إن هذا الادعاء ليس دقيقا ولا يخدم الوحدة المسيحية والقومية, لا بل يصب الزيت على النار ويُعّمق من هوة الانقسام والخلاف, بالإضافة إلى أنه ادعاء لا يمت للحقيقة بصلة وهو أشبه بمن يحاول الهروب إلى الأمام من واقعه المؤلم. إذ باتت المسيحية هدف سهل المنال وشماعة لتعليق فشلنا وانقسامنا عليها.
ولتفنيد ما يدعونه, أود أن نعود سوية إلى التاريخ السحيق وتحديدا عام 612 قبل الميلاد, وهو عام الاندحار والسقوط نحو الهاوية, والتدهور والانقسام, ففي ذاك العام سقطت نينوى العاصمة الشامخة الجبارة والمدينة المتحضرة العريقة , كانت تماما كواشنطن وموسكو أو باريس اليوم والتي لم تقوى عليها أبواب الجحيم لولا انقسام وخيانة البعض من أبناء شعبها, وبسقوطها سقط كامل النفوذ والهيمنة العسكرية والسياسية والاجتماعية للإمبراطورية الآشورية, هذا السقوط الذي تم بتدبير {رأس واحد} واستخدام جسدان, الجسد الأول كان المملكة الفارسية والجسد الثاني كان شقيقة وتوأم نينوى أختها بابل, ولم يدم طويلا سقوط بابل بعد سقوط شقيقتها نينوى فكانت بابل لقمة سائغة بفم نفس { الرأس } وايدي حلفاء الأمس الصديق الحميم والوفي {الفرس} لإنها كانت أشبه بالمرء الذي يقف على رجلاً واحدة, فبابل العظيمة دون سند شقيقتها كانت واجهة مفتوحة لمآرب ومطامع الأعداء, هكذا يحدثنا التاريخ الذي غالباً ما يدونه المنتصرون , ولم يكن للمسيحية أي ذكر أو وجود في تلك الحقبة التاريخية من حياة شعبنا, فبالحقيقة لولا كثرة وشراسة أعداءنا والحسد والغيرة والاختلاف على السيطرة والتملك بين الأخوة من الرحم الواحد, لما سقطت نينوى وبابل إلى هذا اليوم .
وإذا سلمنا جدلاً أن شعبنا اعتنق المسيحية في عام 65 ميلادية وتاريخ سقوط قوتنا وقرارنا العسكري والسياسي الحر كان بسقوط أخر عاصمة سياسية وعسكرية بابل في عام 539 قبل الميلاد فيكون الفارق الزمني بين الحدثين حوالي 600 عام ففي هذه الفترة الزمنية لم يكن للمسيحية أي حضور أو أي تأثير على الإطلاق وهي فترة كافية في تاريخ الشعوب لكي تلملم جراحها وتنهض من جديد, لكن ما حصل كان العكس لشعبنا فالانقسام والتشرذم والضياع كان سيد الموقف باستثناء بعض النجاح ببناء بعض الممالك التابعة إدارياً للامبراطوريات العظمة كمملكة الرها وآمد ونصيبين .
فقد شاء القدر أن يقع شعبنا جغرافيا بين اعظم قوتين متناقضتين ومتخاصمتين للعالم القديم {الفرس والرومان} فاستطاع الطرفان استخدامنا ابشع استخدام لغاياتهم ومآربهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية, ولم تكن المجامع المسكونية المسيحية المنعقدة في القرون الخمسة الأولى للمسيحية حول طبيعة ولاهوت السيد المسيح سوى حجج واهية وغايات سياسية ومطية لهم لبث وتعميق الخلاف والهوة بالجسد المسيحي للتحكم بمقدرات منطقتنا من منطلق فرق تسد.
في بداية القرن السادس تأمل شعبنا خيراً بقدوم العرب {الإسلام} لذلك ساهم بشكل فعال جداً بترويجه ونشره, وقد قدم للغازي الجديد جميع أنواع المساعدات البشرية والاقتصادية واللوجستية في سبيل الخلاص من نير الظلم والعبودية الفارسية والرومانية على حد سواء, لكن العرب وديانتهم الإسلامية الجديدة على المنطقة خيبوا آمال المسيحيين الورثة الشرعيين لكل شبر من الأراضي التي انتزعها العرب المسلمين, فانطبق علينا المثل الشعبي القائل: هرب من الدلف ووقف تحت المزاريب. ويذكر التاريخ أن عشرات الآلاف من جيش خالد ابن الوليد في معركة اليرموك /11 /636 /ميلادية وجيش سعد ابن أبي وقاص في معركة القادسية عام /636/ ميلادية كانوا من خيرة الشبان المسيحيين, لا بل يعود الفضل بانتصار الإسلام في المعركتين إلى شعبنا نظراً لمعرفتهم بخبايا وأسرار وأماكن المنطقة وبنقاط ضعف الفرس والروم, ويؤكد المؤرخون المسلمون إن نجاح المسلمين بالسيطرة على أفريقيا الشمالية عام /640 /ميلادية إنما يعود الفضل به إلى القائد العسكري المسيحي موسى بن نصير .
واستمر الحال بالمساعدة الغير محدودة من المسيحيين للعرب المسلمين, تارة مكرهين طائعين وأخرى مسرورين و راضين في جميع الحقبات الإسلامية { الراشدية, الأموية, العباسية والعثمانية } وتعدت تلك المساعدات في الزمن العباسي إلى المجال العلمي والأدبي والطبي إذ قام السريان بترجمة أمهات الكتب السريانية واليونانية والفارسية إلى اللغة العربية, { أمثال الطبيب حنين بن إسحاق وعائلة بختيشوع } مما أدى إلى نشوء طفرة ثقافية علمية عمرانية عربية غير مسبوقة, امتدت من بغداد والشام مروراً بالإسكندرية وقرطاجة وتوجت عظمتها بإسبانيا {الأندلس} حيث نقلت وترجمت تلك النهضة من إسبانيا إلى أوروبا التي كانت غارقة في ظلام دامس , ومازال العرب والمسلمون ولغاية هذا اليوم يتغنون ويفتخرون ويرفعون رؤوسهم بالحقبة الأندلسية ويمّنون بفضلهم على الحضارة الأوروبية .
واستمر حال شعبنا على ذاك المنوال بتقديم كل ما يطلبه ويحتاجه المتسلط , وإبداء الولاء الأعمى لجميع الأحزاب السياسية التابعة لغزاة ومحتلي منطقتنا إلى تاريخ هذا اليوم, غير مكترثين بواقع حالهم و اُحيل ذلك إلى عدة أسباب مهمة منها, 1-عدم وجود هدف قومي ومشروع يحدد اطر المراحل النضالية 2- الضغط النفسي والجسدي الهائل على الناجين من المجازر المتكررة بحقنا. 3- فقداننا القدرة على التركيز والتخطيط للمستقبل 4- اليأس والإحباط بالإرادة للوصول إلى الهدف5- قيام الأعداء بحصاد جديد لرؤوسنا كلما أينعت قليلاً 6-صعوبة تقبل أن يقودنا شخص منا, فكل واحد يريد أن يكون هو الأمير7- فقدان المحبة الذي هو أصل كل الشرور. كالفشل والانقسام, الخ.
لم تقل لنا المسيحية لا تحبوا بعضكم البعض بل على النقيض من ذلك, وحذرتنا أيضاً إن انقسام البيت والمملكة مصيرهما الخراب, المسيح له المجد يتألم وتتجدد مسامير يداه و ارجله ويُطعن جنبه برمح آخر عندما يرانا منقسمين وغير متحابين. فهو من قال: كونوا واحداً كما أنا و الآب واحد. وهو من قال: أحبوا بعضكم بعضاً كما أحببتكم أنا. لغتنا الجميلة التي تحدث بها الفادي, يعود الفضل الكبير للكنيسة المسيحية بالحفاظ عليها حية وفعالة لهذا اليوم, وعلى لملمة فتات ولفيف شعبنا المتساقط من موائد ومنصات الجزارين القتلة والناجين من مجازر التاريخ والزمن الغادر.
هناك عشرات الأقوام المسيحية التي استطاعت الحفاظ على وحدتها الإثنية والدينية والجغرافية كالصرب, الكروات, اليونان,, الجورجيين, الروس والأرمن وغيرهم.
الحقيقة المرة هي قربنا الجغرافي من مركز ولب الانفجار الإسلامي, فالقانون الفيزيائي يؤكد إن قوة وارتداد الفعل تكون ضعيفة كلما ابتعدت الدائرة المحيطة بنقطة ومركز الفعل, أخيراً الثروة الباطنية الهائلة المكتشفة في منطقتنا جعلت لعاب الغرب السياسي يسيل, فالغرب يُفضل أن تُحكم منطقتنا بقادة وبأجندة تخدم طموحه الاقتصادي وبشعوب أمية جاهلة ومغيبة لا تخالفه برأيها, وهذه الصفات لا يراها في مسيحي الشرق لذلك ما زالت لعبة تهجيرنا وفرق تسد سائدة على رؤوسنا. بقلم جوزيف إبراهيم في /19/07/2017/ استراليا .


صفحات: [1]