عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


الرسائل - عدنان أبوزيد

صفحات: [1]
1
المنبر الحر / الحرب والحوار
« في: 08:11 15/06/2019  »
الحرب والحوار
عدنان ابوزيد

الحرب شجاعة بجبروتها في القتل والتقويض وإلحاق أفدح الأضرار بالشعوب، فيما الحوار أكثر شجاعة منها، بإرساء السلام والبناء والحفاظ على البشرية من الهلاك.

وبين الحرب والحوار، خصلة، إذا لم تكن شعْرة، لا يقطعها الزعيم الذكي، وإنْ امتلك أسباب البأس، فيما الزعيم الطائش يقطفها ولو بأسنانه، إشباعا لرغباته في سفك الدماء، وتعبيرا عن الاختلال في بنيته الفكرية وأدواته السياسية.

وعبر التاريخ، حين تحلّ الحرب محل التشاور، تنتهي المعادلة الى نتائج سلبية، أبرزها الندم وعدم الاحتكام الى العقل، لكن
حين يكون السيف قد سبق العذل، ولات حين مناص.
يقول انيس منصور وهو على حق: "كما أن الحرب لا تبدأ عند بدايتها إنما قبل ذلك بكثير، فإن الحرب لا تنتهي عند نهايتها إنما بعد ذلّ بكثير أيضا".
وحتى الظافر في الحرب، خاسر، يشعر بالخزي، حين ينظر الى أفق بلاد مهدمة، وبنية تحتية منهارة، وآلاف الايتام والمشردين، والمهجرين.

والمشكلة في خيار الحرب، انه مفتوح وسالك، وحين يصبح عقيدة، فهذا يعني تحول كل أزمة او خلاف سياسي الى اشتباك.
النزاع على الحدود، هو مشروع حرب.
والصراع حول آبار البترول في الشرق الأوسط، مشروع حرب.
والخلاف على مصادر المياه بين وفلسطين ولبنان وسوريا وتركيا والأردن، مشروع حرب.
العلاقات التجارية بين أمريكا والصين، مشروع قتال..
النزاع على الأرض بين العرب وإسرائيل، مشروع حرب..
الخلافات العقائدية والدينية، مشروع سفك دماء..
تقاسم مياه النيل مع دول الحوض وأثيويبا، مشروع يمكن ان يقتل الآلاف..
الخلافات حول الصواريخ والترسانة الذرية بين روسيا وامريكا، مشروع إبادة شاملة.
الاتفاق النووي وتداعياته بين أمريكا وإيران، مشروع انهيار أمم.

لكن كل هذه الاحتمالات تسقط، اذا ما حرصت الشعوب وزعاماتها على الانسان والحياة.
وكلها تتداعى حين يحرص الزعيم على أنْ لا يصغر حجم رغيف الخبر، وأنْ تكون مقاعد المدارس كافية للطلاب،
والمستشفيات توفر الخدمة الصحية للمواطن، والفرد في المجتمع يجد العمل المناسب، وينام هانئا مطمئنا.
 
الاغرب من ذلك انّ الذين يختارون الحرب، نسوا او تناسوا إنّ نهايتها حوار، لكن بعد خراب وخسائر باهظة في البشر والحجر، فلماذا لم يكن هو الخيار الأول الذي يسبق الرصاص.

سنوات من الحرب، دمّرت سوريا، وفي النهاية لابد من الحوار.
 
الحرب الأهلية اللبنانية حصدت الآلاف من البشر، وفي النهاية كان الحسم على طاولة المحادثات..

الحرب العالمية الأولى، ( 1914- 1918 ) قتلت أكثر من 70 مليون انسان، وفي النهاية، كان لابد من
الحوار عبر معاهدة فرساي.
الحرب العالمية الثانية ( 1939 - 1945) الحرب الأوسع في التاريخ، شارك فيها أكثر من 100 مليون شخص، وأودت بحياة نحو مليون شخص، وشهدت القاء القنبلتين الذريتين على هيروشيما وناغازاكي، في اليابان، وفي النهاية، كان الحوار بين منتصر خاسر، وخاسر منهار.

الحرب العراقية الإيرانية ( 1980 1988-)، كلّفت العراق وايران ملايين الضحايا، ومئات المليارات من الدولارات، حتى اضطر الجانبان الى الحوار، الذي وجد طاولة له بعد فوات الأوان.
ولا أحدثك عن الحروب الاهلية بين أبناء البلد الواحد، مثل الحرب الأهلية الأمريكية، وسنوات الحرب الطائفية في العراق.
ولن أحدثكم عن حروب الوكالة في فيتنام والكوريتين، حين تتحول الشعوب المسالمة الى حطب نار الصراع بين القوى الكبرى.
العراقيون الذين كانوا ضحايا حروب متعددة، بأسبابها المختلفة، يدركون جيدا، اكثر من غيرهم، جدوى الحوار، الذي
وإنْ طال، وتشعّب، واستنزف الجهد والوقت، فانه أفضل مليون مرة من لحظة يتغلّب فيها الطيش على الحكمة، لتنطلق رصاصات حرب، يتحكم المتصارعون في بداياتها، لكنهم يعجزون عن وضع نهاية لها، وهي نهاية تفضي مهما كانت
نتيجتها الى حوار، لكن بعد دمار وموت.



2
المنبر الحر / العقوبات والقوة
« في: 18:13 31/05/2019  »
العقوبات والقوة
عدنان أبوزيد

تقف قوة جبارة وراء العقوبات، تحميها وترسخّها، وهي قبل كل شيء دلالة رمزية ومادية على العظمة، والجبروت.
ليس من السهل على دولة ما ان تشن حرب العقوبات على دولة أخرى، فتؤيّدها دول العالم، وتخشى سطوتها وتسارع الى تلبية نداءها.
والعقوبات مظهر من مظاهر البأس، تفتل به دولة ما، عضلاتها، بسبب قدراتها الاقتصادية والعسكرية والعلمية والتنظيمية، ولأنّ الولايات المتحدة هي القوة العالمية الأولى، فأنها تستخدمها كسلاح تهدّد به الخصوم، في إبراز لإمكانياتها الساحقة. اما الدول الواهنة، حتى التي بلغت شأوا من الازدهار في الاقتصاد والسلاح، فانها الى الان عاجزة عن استخدام هذه السلاح المؤثر.

غرّد الرئيس ترامب الدولار، رئيس الدولة المهيمنة على النظام العالمي، في التمويل والتجارة الدولية، والمفرِطة في استخدام العقوبات الأحادية الجانب، عبر التاريخ، بـ(سحب) حزمة عقوبات على كوريا الشمالية، وهي الدولة ذات التاريخ الطويل من فرض العقوبات الدولية عليها، بسبب تجاربها النووية الخمس منذ 2006، حتى سبتمبر 2016، لتعاني من حظر الصادرات العسكرية والكثير من السلع و التكنولوجيا، وفرض حظر السفر على المسؤولين والنخب، وتجميد اصولهم المالية.

وحصد العراق من الحصار الدولي، الذي استمر قرابة 13 عاما، والذي نتج عن قرار الأمم المتحدة رقم 661 الذي صدر في العام 1990، عقوبات اقتصادية خانقة، حرمت المواطنين من الغذاء والدواء ووسائل التكنولوجيا، ما أدى إلى وفاة نحو مليون ونصف مليون طفل، نتيجة الجوع ونقص الدواء.
 
الحصار الأطول في التاريخ كان على كوبا، والذي استمر نحو 55 عاما منذ نجاح ثورتها العام 1959 بقيادة فيديل كاسترو، بعد قيام النظام الاشتراكي الجديد بتأميم الشركات الأمريكية.

ومنذ الإعلان عن اختراق موقع وكالة الأنباء القطرية، شنّت السعودية والإمارات والبحرين ومصر مجتمعةً، مقاطعة اقتصادية وسياسية على دولة قطر منذ العام 2017. 
 
وفٌرضت عقوبات مشددة على روديسيا الجنوبية (زيمبابوي)، العام 1966 بعد إعلان الأقلية البيضاء، الاستقلال من جانب واحد، لتستمر حتى العام 1969 بعد تحقيق الهدف السياسي منها، في وصول حكومة أغلبية سوداء الى السلطة.

وشنّت الأمم المتحدة حصارا اقتصاديا على جنوب أفريقيا للضغط على نظام الأبارتايد في جنوب أفريقيا، لتنجح الضغوط الاقتصادية في النهاية في تنصيب حكومة غير عنصرية في مايو/أيار 1994.

ولطالما حصد العرب، حصة الأسد، من العقوبات الدولية، اذ فرضت واشنطن سلسلة عقوبات اقتصادية على السودان بسبب اتهامات لحكومته في رعاية الإرهاب.

وشهد العام 1996 تشريع الكونغرس الأمريكي، عقوبات اقتصادية على الشركات التي تتعامل مع إيران وليبيا. وفي 2013، صوت النواب الأمريكي، لصالح فرض عقوبات مشددة، على ايران. وبعد خروج الولايات المتحدة من الاتفاق النووي في العام 2018 عادت العقوبات تدريجيا ضد إيران بعد ما رُفعت وفقاً للاتفاق النووي العام 2015، لينتهي الأمر اليوم، بعقوبات هي "الأشد على الإطلاق" تشمل صادرات النفط، والشحن، والمصارف، والقطاعات الأساسية في الاقتصاد.

وإذا كانت كل دولة، تستطيع ان تستخدم الأسلحة الفتاكة في حروبها، فان استخدام سلاح العقوبات، ليس كذلك، ولن يتسنى إلاّ الى الدول التي تمتلك القوة العارمة، التي تجعل الاقتصاد العالمي، طوع قرارها.

ما أحوج الدولة التي رفستها أقدام العقوبات أجيالا وأجيالا، لأنْ تطور مجتمعها واقتصادها، وتنظّم شعبها، لتصبح قوة كبرى، مهابة الجناب، لا تُفرض عليها القرارات والأوامر، بل هي سيدة نفسها، لا تقبل العقوبات الدولية على الأمم الأخرى، الا بما يناسب مصالحها وأهدافها، ولن يتأتى ذلك الا بالتأسيس للدولة المتينة في الاقتصاد والمجتمع والعلم، والإدارة.

3
هل نحن مستعدون لجيل النت الخامس "5G"؟

عدنان أبوزيد

نحن على أعتاب انترنت الجيل الخامس "5G"، الأسرع مائة مرة من الجيل الرابع، واستجابة لحظية لا تتعدى الملي ثانية، ما يفرض على الشعوب واقعا افتراضيا جديدا، ينعكس على حياة البشر، في السياسة والاقتصاد وتداول المعلومة.

وفي حين لا تبدو دول العالم الثالث، مستعدة بالشكل الكافي، لاستقبال هذه الثور التقنية، والمعلوماتية العظيمة، فانّ الدول المتقدمة، وفرّت فرص النجاح، لإدراكها بأنها ثورة اجتماعية أيضا، بمعنى الكلمة، تمهد لبناء مجتمعات ذكية، بشكل تام،
قادرة على التواصل مع بعضها بنفس الكفاءة، وللفرد فيها المهارة والمعرفة، والادراك على استيعاب التطور الجديد سواء بـ "المشاهدة والنقر" و "العرض والشراء"، فضلا عن القدرة على اجادة التقنيات، وتحليل المعلومة، واستيعاب إنترنت الأشياء (IoT) بشكل كامل والقدرة على الانسجام معه.

الجيل الخامس، سوف يُحدث تغييرا كبيرا في ميزان القوى لصالح الصين التي تحتكر تقريبا هذه التقنية وتتفوق على أوربا والولايات المتحدة، الى ان درجة ان مؤسسة الدفاع الأمريكية باتت تخشى من أن بكين قد تتمكن من تعطيل الاتصالات العسكرية الأمريكية أو شن حرب غير متكافئة.
مرجع هذا القلق يعود الى ان أجهزة شبكات الجيل الخامس تنتجها خمس شركات فقط في العالم، في المقدمة منها "هواوي"، و"زد تي إيه"، الصينيتان، وشركتان أوربيتان هما نوكيا وإريكسون، وشركة من كوريا الجنوبية، وفق خبراء أمن وتكنولوجيا المعلومات.

وإذا كان العراقيون قد عاشوا تفاصيل الجيل الثاني (2G) الذي شهد البث الصوتي، والجيل الثالث (3G) الذي فتح الباب أمام البيانات المتنقلة والمحتوى الغني، فيما الرابع أحدث (4G) زيادة في السرعة أطلقته ثورة بث الهاتف المحمول، فان الجيل الخامس سيكون أساس الاتصالات وحوسبة الغد، ما يفرض تحديات حاسمة أمام المعنيين بشؤون الاتصالات، والحكومة تحديدا.

وإذا كان الاهتمام في العراق بهذا الحدث العظيم، لا يتعدى استخدامات الانترنت التقليدية، من تصفح المواقع،
ومشاريع غير متطورة في مجال الحكومة الالكترونية، حيث الوزارات والمؤسسات في العراق، لازالت بعيدة عن
توظيف الذكاء الصناعي بشكل كامل في مفاصلها، وأساليب اداؤها، فان الدول المتقدمة تهيأت لهذا الحدث العظيم، في تطوير صناعاتها، وتأسيس المجتمعات الذكية، وإنتاج السلع المتطورة، وتحديث المصانع بالروبوتات الذاتية القيادة، فضلا عن القطارات والسيارات ومركبات الفضاء التي تقود نفسها بنفسها، وكل ذلك يتيح للدول مجالا حيويا أكبر في السياسة والاقتصاد وحتى الجغرافيا.

انه العصر الذي ينتهي فيه الصراع بالأسلحة التقليدية، الى الحروب الذكية بالتقنيات، التي تجعل من العالم كله عبارة عن لعب إلكترونية تدار بالريموت كونترول، فيما الهاتف المحمول عالي السرعة يوسّع نطاق سيطرته الى الروبوتات وأجهزة الاستشعار والتحكم عن بعد.

الجيل الخامس، يتدخّل حتى في الخصوصيات، حيث بيانات الأشخاص تتحول الى رقائق رقمية، تجعل السلطات لو شاءت ان تعرف اين يقف هذه الشخص، وماذا يفعل في تعقب الكتروني، خاطف.
شوارع المدن، سوف يُسيطر عليها رقميا، فيما السيارات والقطارات تتحكم في مسارها الأقمار الصناعية، وسوف تكون الاتصالات عبر ارجاء المعمورة، بالمجان بشكل كامل، وبسرع تفوق عشرات المرات عن الجيل الرابع، فيما يُرجّح ان تتحول وسائل الاعلام الى رقمية بالكامل، والسيارات بدون سائق ستكون قادرة على "التحدث" مع بعضها البعض عبر أنظمة تحكم، عالية في الدقة.
تخيّل أسراب من طائرات بدون طيار تتعاون لتنفيذ مهام البحث والإنقاذ وتقييم الحرائق ومراقبة حركة المرور، وكلها تتواصل لاسلكيًا مع بعضها البعض.
العراق الذي كان سباقا في استعمال السيارة، والتلفزيون والراديو بين دول الإقليم، قبل ان تحطم الحروب، اقتصاده وبنيته التحتية، جدير اليوم بان يستعد لنيل القصب السبق في خدمات الجيل الخامس، لان ذلك سيكسبه نفوذا اقتصاديا وتقنيا واسعا في الشرق الأوسط.

 

4

الخوارزميات تنهزم أمام الأخبار الكاذبة

عدنان أبوزيد

ما يُحسب لصالح الصحافة التقليدية، ندرة الأخبار الملفّقة، وجودة المحتوى، فيما الصحافة الرقمية، وأخبار الموبايل والتواصل الاجتماعي، تعجّ بالزيف والتدليس، الذي يتكاثر بشكل أميبي، لا اتّجاه له، تعجز عن لجمه، التقنيات والتطبيقات الخوارزمية، ومهارات الذكاء الاصطناعي.

نعم، انها نعمة، في تعزيز العلاقات والتفاعل الاجتماعي، والحصول على المعلومة اللحظية المتدفقة من دون بوابات سيطرة، ولا حسيب أو رقيب، لكن آثارها السلبية، باتت فادحة، وتنذر بالخطر على المجتمعات، لاسيما حين تتناول الحساسيات الطائفية والدينية والقومية، وخصوصيات الأفراد، لاسيما النساء، عبر سلاسل من الإشاعات الممنهجة، ومن ذلك ان منظمة العفو الدولية رصدت 800 رسالة مسيئة موجهة الى نساء معروفات، في العالم، بما في ذلك عضوة في الكونجرس الأمريكي، ونائبة في المملكة المتحدة. وأظهرت بيانات الاتحاد الأوروبي العام 2017، أن 70 في المائة من تعليقات الكراهية غير القانونية، تم الإبلاغ عنها.
لكن ما يحدث في العالم الثالث، لاسيما العراق والدول العربية، أفظع من ذلك بكثير، فيما وسائل الردع أقل، مقارنة
بوسائل الغرب في الدفاع الرقمي.

وكلما انحدر الوعي، لم ترتفع معدلات الاخبار الكاذبة، فحسب، بل يزداد المصدّقون بها، فتنسحب على ردود افعالهم ومواقفهم، ويبدو ذلك جليا في التواصل العراقي والعربي، اذ غالبا ما ينسجم المئات مع خبر، ويتفاعلون معه، افتراضيا وواقعيا، فيما هو في الواقع، كاذب، ليس له أدنى نصيب من الصحة.
 
إنّ أيّ تحليل للبيانات المتعلقة بفعاليات العراقيين في اعلام التوصل الاجتماعي، من ناحية دقة المعلومات والصدق في مواقع التواصل الاجتماعي، سيدرك جيدا ان هذه النافذة العظيمة، يُساء استخدامها في العراق، والبلاد العربية اكثر من اية دولة أوربية، على سبيل المثال لا الحصر.

تجارب العراقيين في خارج البلاد، تفيد بان الشاب الهولندي، مثلا، يستثمر وقته على الفيسبوك، لأغراض ضرورية مثل التواصل مع العمل او مع صديق دراسة، او لأجل الأسئلة المتعلقة بالمهنة والهواية. وفي ألمانيا، فان التواصل الاجتماعي، باعتباره متعة وقضاء الوقت بلا طائل، يكاد لا تجد له اكتراثا، على رغم الانترنت السريع.

في الدول العربية يُوَظّف التواصل الاجتماعي، في أغراض سلبية، عديدة، ومتنوعة، أبرزها التهييج الطائفي والديني، والانتقاص من الشعوب والعقائد، والترويج الحزبي، والتحرش الجنسي، والتمييز بين النوعيات البشرية فيما يندر ذلك بشكل واضح في الشعوب ذات المستويات الجيدة في التربية والتعليم.

لا أحد ينكر، إنّ شركات الخوارزميات، ليست بعيدة عن الاتهامات بغضّها النظر عن الاخبار الزائفة التي يتابعها الملايين من المتابعين، فهي تفضل ارصدتها المالية، على المكاسب الأخلاقية والإنسانية.

سيكون أمراً عظيماً، لو اخذ الفرد في نظر الاعتبار، السلوكيات الأخلاقية والإنسانية في التعامل مع آلات التواصل الجديدة.
وسيكون مجدِيا جداً، إذا ما وُظّفت تقنيات التواصل الحديثة في انجاز معاملات المواطنين، من قبل المؤسسات الحكومية، كما يحدث في هولندا مثلا، حيث تخبرك البلدية والمؤسسة والصيدلية، بموعدك، ووقت استلام دوائك، ولحظة تلبية طلبك من متجر، واكتمال اصدار هويتك من قبل الجهة المعنية، عبر التراسل الفوري في الموبايل.

كما سيكون الأمر ذا نفع عظيم، حين نجد أنفسنا وقد تحولنا الى "كائنات اجتماعية" تديم الثقة وتعزز الصدق عبر
التراسل الافتراضي، وان نقدّم أنفسنا الى الاخرين، كما نحن، قلبا وقالبا، من دون الاختباء خلف شخصية افتراضية غامضة، أو وهمية.

ثمة حاجة الى تعزيز محتوى تواصلي عراقي، يرفد المتابع بالمعلومة الصحيحة، فيما على الجهات المعنية، ايجاد آلية مراقبة حديثة كما في أوربا، تغلق الثقوب السوداء التي يتسلل منها الكذب والتزييف، لكنها لا تتجاوز على حرية الرأي.

5
المنبر الحر / صحافة الموبايل
« في: 09:06 05/05/2019  »
صحافة الموبايل
عدنان أبوزيد

تُبدِّل الصحافة التقليدية رويداً، رويداً، شكلها، ومحتواها، بأساليب جديدة في النشر والتحرير، وفّرتها تقنيات الرصد   والتغطية اللحظية المتطورة.
انه التغيير الكبير، الذي يرسي دعائم إعلام جديد، يختلف جذريا عن الوسائل التقليدية، ولنركّز في هذا المقال على صحافة الموبايل، الذي أصبح مؤسسة كاملة لصناعة الأخبار.

الدراسات تفيد بان الكثير من صحافيي العالم، بدأوا يفضّلون صحافة الموبايل، يشجّعهم على ذلك الهواتف الذكية التي تسخّر لهم تقنيات تحرير المحتوى، بأسرع وقت، وبأدوات محدثة، وعلى أوسع نطاق.
في دول مثل اليابان، بات الهاتف، المصدر الأول لتلقي الخبر، ونشره، والرد عليه.
في أوربا، لا يجادل أحد في انّ الهاتف الذكي سوف يسيطر على الاعلام.
وفي دولة مجاورة مثل السعودية، أفادت دراسة بانّ نحو 82 بالمائة من الصحافيين يمارسون صحافة الموبايل.
وفي فرنسا وألمانيا وإيطاليا وإسبانيا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة، يصل الثلث من المستهلكين الى غاياتهم عبر الأخبار التي يوفّرها الهاتف الذكي. وسجّل موقع الجوال في نيويورك تايمز، 19 مليون حالة عرض في مايو 2008.

تنمو هذه الصناعة الجديدة بشكل واضح في العراق. وباتت النخب على مشاربها، والمواطنون يتابعون الاخبار ويصنعونها ويبثونها عبر مواقع التواصل، ومجاميع التراسل الفوري، و الرسائل القصيرة أو التطبيقات بواسطة الموبايل.

لقد سهّل التطور المذهل في صناعة الخبر ثم نشره بسرعة هائلة، توسيع مشاركة الناس في توجيه الحدث، والمشاركة
حتى في صناعة القرار، لتتشكّل بشكل نهائي، صحافة المواطن، البعيدة عن سيطرة الحكومات، والمتحررة من توجيه النخب والسلطات.

تفيد التوقعات، بانّ عصر الصحافة التقليدية على وشك أنْ يُدفن، وانّ أجهزة الاعلام الرسمية والنخبوية الى انحسار كبير إنْ لم يكن الى زوال، بل أنّ من المتوقع انه حتى دوائر القرار والزعماء والمسؤولين، سوف يلجؤون الى صحافة الموبايل لبث الاخبار والنشاطات، لاسيما وانّ التطلعات ستجعل كل شخص في العالم يمتلك الموبايل، فيما لا تحتاج دول أوربا الاّ الى جهد هيّن لجعل الموبايل بمثابة الهوية الشخصية والمنبر المتحدّث باسم الشخص، حتى في الدوائر الرسمية. 

أدركت الوكالات الخبرية العالمية، مثل رويترز، و ياهو، وفرانس بريس، وسي ان ان، وبي بي سي، أنّ لا مفرّ من حقيقة هذا التطور، لمقاومة الانقراض، فبدأت تعزّز المحتوى التفاعلي، لصالح حضور اكبر لصحافة الموبايل والمواطن الصحافي الذي يبلغ عن الاحداث عبر حساباته في التواصل الاجتماعي، فيدركها الصحافي المحترف ويحوّلها الى مادة أكثر عمقا، اذا تطلب الامر.

انتشرت أخبار وفاة مايكل جاكسون في العام 2009 على وسائل التواصل قبل أية شبكات أخبار كبرى، قبل نحو الساعتين من تأكيده من قبل لوس أنجلوس تايمز، وأسوشيتد برس. وفي العراق، ينقل ناشطون أحداثا لاتصل اليها الصحافة التقليدية، في القرى، والمناطق النائية، كما التقط مواطنون صورا ومقاطع فيديو، لحادثة "العبّارة" في الموصل وهي تغرق، ونقلتها عنهم وسائل الاعلام المحلية والعالمية.
 
ينتظم عراقيون في مجموعات تراسل فوري، حيث يتراوح أعضاء كل مجموعة بين 100 الى 1500 من المشاركين.
وفي لحظات، يمكنك ارسال الخبر الى المجموعة، وفي لحظات أيضا يمكن صناعة الخبر، نصا وصورة، ليتداوله خلال دقائق، المئات، بل الالاف من المتابعين.
تتطلب هذه الصناعة في العراق، وعيا أكثر بتأثير الخبر على الناس، مثلما تقتضي مستويات جيدة من التعليم والثقافة،
لكي لا ينساق المواطنون وراء الاخبار الكاذبة، التي تؤثّر في المجتمعات الجاهلة، فيما تأثيرها محدود، في نظائرها الواعية والمتعلمة، حيث الأفراد يميّزون قيمة الخبر، ومصداقيته، بسهولة.

adnanabuzeed@hotnmail.com


 
 
 

6

التسامح.. سرّ التفوق والإبداع

عدنان أبوزيد

تعددّت الأسباب، لكن الهجرة واحدة، بين من ينصرف عن بلاده، هربا من الحرب والاقتتال، وبين الذي يقرّر مغادرة وطنه بحثاً عن لقمة العيش، وتحسينا لوضع عائلته الاقتصادي التي ترك أفرادها، مرغماً.
في اغلب الأحوال، إنْ لم يكن كلها، فانّ الهجرة تقصد البلدان المتسامحة، التي لا تقيّم الفرد على أصوله، ودينه وطائفته، وقد نجحت هذه الدول، بسبب هذه النزعة الإنسانية - مهما شكّك البعض في مقاصدها-، ايّما نجاح، في استقطاب الكفاءات والعقول، والأيدي العاملة الذكية.

أميركا وأستراليا وكندا وهولندا والسويد، وغيرها من "الدول المضيّفة"، تستقبل كل عام، الآلاف من المهاجرين الباحثين عن الحرية والفرص والمساواة. وفي حين نجحت الاغلبية من المهاجرين، في ضمان مصدر العيش الكريم والمستقبل الخالي من القلق، بسبب النظام الاجتماعي العادل، الذي يوفّر السكن والراتب الشهري حتى للعاطل عن العمل، فان هناك من المغتربين من نجح مهنيا، في الطب والهندسة، والأعمال الحرة، وارتقى المراتب العالية، اما في السياسة فحدّث عن النجاح، ولا حرج.

من ذلك، انّ عائلة بوش ذات أصول إنجليزية وألمانية، أصبحت السلالة السياسيّة الأكثر نجاحًا في التاريخ الأميركي، بعد هجرتها.
الرئيس الأمريكي بيل كلنتون، ابن بائع جوال من أب مهاجر، هو ويليام جيفرسون بلايث الأول (1918-1946)، وقد توفي والده بحادث سيارة بعد ولادة بيل، بثلاثة شهور.
زوجته هيلاري، التي ولدت العام 1947، من عائلة بريطانية في الأصل، يعمل أفرادها في المناجم.

ولأنّ التسامح يضمن اعتراف المجتمع بحق العيش في نظام قيمي يحترم الانسان، من دون شعارات وتنظيرات بلا تطبيق، افرزت الحالة الاجتماعية، والإدارات المؤسساتية الحقة، الابداع والخلق، مهما كان مصدره، سواء من ابن البلد الأصلي، أو من المهاجر.
ألبرت أينشتاين من عائلة يهودية، ولد العام 1879، وكان والده هيرمان يمتهن بيع الرّيش المستخدم في صناعة الوسائد، وعملت أمّه بولين كوخ في ورشةٍ لتصنيع الأدوات الكهربائية، لكن التسامح، أتاح لعقله الابداع والابتكار، قبل ولادة البعبع النازي المتشدد.
 
وزير خارجية أمريكا الأسبق هنري كسينجر، مهاجر من المانيا، والوزيرة السابقة، أولبرايت، مهاجرة من تشيكوسلوفاكيا‏، فيما‏ كولن باول مهاجر من جامايكا، وكان والده محاسبا، وأمه خيّاطة‏.
 
الرئيس الكولومبي السابق خوليو طربيه، ابن مهاجر لبناني، وكارلوس منعم الذي حكم الأرجنتين، سوري الأصل، وغيرهم الكثير من النخب المهاجرة في أمريكا اللاتينية.

وكلما اتّسعت مساحة التسامح، زخر التنوع الذي يغني المجتمع بالأفكار والمشاريع، والابتكارات، وحيثما حلّ التعصب،
انحدرت الشعوب الى التخلف والحروب الاهلية، ومعارك الكراهية التي تقتل زهور الابداع، وتمنع الشمس عنها.

وهناك الكثير من المهاجرين الذي لا يبحثون عن المال، ومنهم من بلدان عربية ونفطية غنية، وعلى رغم انهم يتمتعون بمعدلات دخل عالية، في أوطانهم، فانهم يهجرونها، ويهرعون الى دول ديمقراطية متسامحة.
بل انّ رجال اعمال ومليارديرات، يؤاثرون بلدان الغرب بسبب الحرية والاعتدال، والأمن، فيحرصون على نقل أرصدتهم من بلدانهم اليها، ويفضّلون الاستثمار فيها.

فواز حجار، مهاجر سوري، بدأ عمله بمشروع "بيتزا" صغير، وحين دخل الرئيس الأميركي الأسبق، جورج بوش الأب، وزوجته باربرا بوش، مطعمه، صدفةً ، لشراء قطعة بيتزا، سمحا له بإطلاق اسميهما على المأكولات التي يحضّرها، لتطبق شهرته، الآفاق. 
 
ووصلت ثقافة تقبّل الآخر، واحترامه، الى اقصى انفتاحها، حين تجد مهاجرا نجح في دولة مثل الولايات المتحدة او ألمانيا، لكنه يجاهر بحبّه لبلده الأصلي، ويرفع علمه حتى في المحافل الرسمية، من دون ان يثير ذلك، الحفيظة.

كان الرئيس السابق للولايات المتحدة الأمريكية نيكسون، يتحدث دائما على القيم الإنسانية والرحمة، التي طُبّقت بشكل عملي لا تنظيري، كما هو الحال في البلدان العربية والإسلامية، حيث يكثر الكلام وينقص الفعل، وانتقد ذات يوم افراد شعبه بالقول ان "بعض الأمريكيين يميل إلى تصوير المسلمين على أنهم نمط واحد من الناس غير المتمدنين، غير النظيفين، المتوحشين وغير العقلانيين"، محذرا من نزعة العنصرية والكراهية، التي إذا ما تمكّنت من الشعوب، نخرتها، وحالت دون وقوفها، قوية، ماجِدة، تحت الشمس.
adnanabuzeed@hotmail.com


7
السؤال الخالد.. لماذا تخلّفنا؟

عدنان أبوزيد

لا يزال السؤال التقليدي الذي تنشغل به مختلف المنابر الفكرية والإعلامية، منذ عقود، يضغط بشكل غير مسبوق: لماذا تأخر العرب عن حضارة العصر؟.

تصفّح غوغل، يتيح رصد أعداد لا حصر لها من البحوث والدراسات، من مختلف الاتجاهات الفكرية، يتقاذف فيها أسباب الانكفاء الحضاري، علمانيون واسلاميون، من سياسيين واقتصاديين ورجال دين، وباحثين، فيما لم يسفر هذا الجهد عن نتائج محسوسة تساهم في تقليل الفوارق بين الأمم المتحضرة والمتأخرة، بعد ان تحوّل الى نقاش عبثي للدفاع عن المصالح والعقائد، لا الحقائق.

الجديد في الإشكالية الحضارية هذه، انّ الكثير من أبناء الشعوب العربية والإسلامية، باتوا يٌخدعون بوهم تقلّص التفاوتات، لاعتقادهم ان حيازة الأدوات المادية من سيارة وتلفون ووسائل اتصال، وتقنيات، يجعلهم في مصاف الدول المتطورة، فيما الحقيقة ان التباينات تتّسع بشكل غير مسبوق، لا سيما في مجالات الاستقرار المجتمعي، والسلم الأهلي، والصناعات والابتكارات المحلية، والهوية الثقافية، والسلوك الحضاري.
وفي الدول النفطية الغنية، بشكل خاص، يكاد ينعدم تمييز الاختلافات الحضارية، بسبب الغشاوة على العيون والعقول التي تتسبّب بها الحضارة الخدمية الجاهزة، التي لا يبدع فيها المواطن، ولا يشارك فيها الا بقدر بسيط، حيث كل شيء مستورد وجاهز، وهو ما يحصل في العراق، على سبيل المثال، لا الحصر.

لقد نجحت الدول "النامية" انْ لم تكن "المتخلّفة" في جعل مجتمعاتها سوقا مفتوحة ليس للبضاعة المادية فحسب، بل
للسلعة الثقافية والفكرية، وهو انفتاح محمود، لكنها فشلت في التأسيس لسلعة وطنية على ذات المستوى من التأثير والأداء، وفيما اتخُمت الشوارع بالإعلانات الضوئية عن الأحزاب، والمشاريع الثقافية والمعرفية، والاقتصادية، فان هذه الكيانات تحوّلت الى نجوم ناجحة إعلاميا، لكنها فاشلة في التغيير والبناء وانتشال الناس من التخلف والضياع.

واستعارت الدول، تجارب منظمات المجتمع المدني، ومنتديات الحوار، والمؤسسات الاجتماعية، والبحثية، لكنها أصبحت في النتيجة أذرعا سياسية للقوى المتنفذة، وغرقت في الفساد.

وحتى في وسائل الإنتاج المادي، فانّ الذي استورد المكائن الانتاجية، أنتج سلعا فاسدة لا تضاهي المنتوج الأجنبي.

كل ذلك، يعود الى اعتماد الانقلاب الشكلي، والديكورات السياسية والاجتماعية والعلمية، فيما بقيت الأمراض والمشاكل، على حالها، بعد ان تحولت القيميّة الى ادّعاء.

أحد الأمثلة الشاخصة في عراق اليوم، العدد "المرعب" من الجامعات في مختلف المدن التي تخرّج مستويات متدنية
في العلم وتطبيقاته، وفي دولة مثل هولندا فانّ مهارات خريج مدرسة صناعة تتفوق على تلك التي يمتلكها خريج جامعة في العراق في ذات الاختصاص.

كما ان الفلاح الألماني يتفوق كثيرا في مهنيته، وابداعه وقدره على الابتكار، من الكثير خريجي كليات الزراعة ومعاهدها، في بلدان "العالم الثالث".
 
أحد أسباب الترهّل في الانطلاق الى المستقبل الذي يمسح الفوارق الحضارية، هو بنية الانسان الفكرية، المدمنة على الأنماط الفكرية النقلية، التي تلتفت كثيرا الى الماضي، وتنظر من خلال ثقبه الى المستقبل، الامر الذي يجعلها تسير بأثقال من العقد التاريخية والدينية ومظاهر النفاق الاجتماعي.
وكان نتيجة ذلك، تحوّل الفرد الى شخص تنظيري عاطفي، ومجادل بارع في النصوص الدينية والسياسية والتاريخية، فيما الابداع والابتكار، ينحسر.
 
التكدسات الماضوية، وهي تتفاجأ بتطورات العصر السريع المستوردة وليست المستنبطة من قبل الفرد، ولّدت غالبية مشوّهة فكرياً وسلوكياً، قادت الى انفصام واضح في ذات الفرد، بين مثاليات تحفل بها النصوص المحفوظة عن ظهر قلب، وبين الواقع المرير الذي يعاني من نقص الخدمات في مختلف القطاعات.
انّ الارتهان إلى الخطاب الاجتماعي والسياسي، والإعلامي، الحالي سوف يعوق وظيفة العقل الجمعي الابتكاري،

لان التلقين والتربية في المدرسة والمجتمع القائم على النرجسية الماضوية، والافتخار بأمجاد غابرة، واليقين بانّ ما لدينا من معتقدات هي أفضل من مثيلاتها لدى الاخرين، تضغط على العقل، وتجعله أسير الحدود التي رسمها لنفسه، وتقذف به خارج معادلة التطور والانفتاح.

adnanabuzeed@hotmail.com


8
هل يحترم العراقيّ الوقت؟

عدنان أبوزيد

مع انّ الوقت الذي يفرّ من أيدينا كل يوم، هو رحلة الى المستقبل، الا اننا نشعر بخسارته، ويتعاظم الإحساس بفقدانه أكثر، كلما تقدّم بنا العمر، وزاد الالتفات الى الماضي.

الفرق بين الشعوب المتقدّمة والمتأخّرة، انّ الأولى لا تستدير الى الوراء، بل تجري الى الأمام، فيما الشعوب التي تعطّلَ الزمن عندها، تعيش في الماضي، وتنهل منه حاضرها، بأدق التفاصيل، ما جعل منها في حالة من ازدواجية التفكير، ماضوية الأدوات، لا تهتم للمستقبل الا كونه نسْخاً مطابقا للماضي.

لا ابالغ في القول، حسب تجربتي في العيش مع شعوب مختلفة، لاسيما الأوربية الغربية منها، انّ الزمن لدى الانسان العراقي يمر في حالة "تراخ شديد"، وانّ عقارب الساعة تتحرك بسرعة أقل، إذا ما عبّرنا عن ذلك مجازيا، واستسلمنا لنسبية الزمن.

والشعوب مثل الأفراد، فالفرد الذي تجاوز سن الأربعين، يشعر بمرور الوقت بدرجة أسرع، من الشخص الثلاثيني،

فيما الوقت كان بطيئا جدا في طفولة كليهما، ليتسارع رويدا، مع السنين.

الوقت الذي تقيسه المشاعر، يتباين كثيرا عن الذي يؤشره بندول الساعات الجامد الإحساس، وقد قرر العلماء في جامعة "هارفارد" الامريكية انشاء شبكة من الساعات الدقيقة، تحدّد الوقت بدقة متناهية لم يعرفها العالم من قبل تعتمد على سيل من معلومات توفرها ساعات تنشر في جميع أنحاء العالم بحسب تقرير نشرته مجلة "الفيزياء والعلوم الطبيعية" الامريكية.

الساعات تعتمد في الوقت الحاضر، على شبكات افتراضية وليست حقيقية ترتبط مع بعضها البعض في انحاء الكرة الارضية. ويعتقد العلماء ان هذه الطريقة الجديدة في حساب الوقت ستوفر دقة تعادل مائة مرة، أدق ساعة ذرية عرفها العالم الى الان، لا يتم تعديل انحرافها إلا بأقل من ثانية في كل 14 مليار سنة. وترتبط شبكة الساعات هذه بعشرة من الأقمار الصناعية، وتتواصل مع بعضها البعض ومع ساعة ذرية في المدار حول الأرض، حيث يرسل القمر الصناعي المعلومات الى الساعات على الأرض، لتصحيح أي انحراف في الوقت.

هذه الاكتراث للوقت هو سر تقدّم الأمم التي تسعى الى ساعات أكثر دقة، لكي يكون تعاملها مع المستقبل، أكثر حيوية، وأجزل عطاء، فلم يعد الوقوف طويلا عند الماضي، يشغل الشعوب طويلا، طالما انّ لا وقت يتوفر للانتظار على اطلاله بعد ان تعددّت أدوات اختزال الدقائق والساعات في العمل والدراسة، للوصول الى نتائج أفضل بأقل جهد، وأقصر وقت.

العراقيون الذين سُرق زمنهم لنحو عقود، تبدّد خلالها الوقت، والثروة، والبشر، مطلوب منهم تعويض ذلك اضعافا مضاعفة اذا ما ارادوا اللحاق بالمستقبل والخروج من نادي الدول التي لا تحترم الوقت ولا تدور في عجلة الزمن.

بل انهم يحتاجون الى تقويم زمني يختلف في تفاصيله توقيتاته عن الشعوب التي لم يفتها قطار التعليم والسلام والأمان،

وان لا تدع عقرب الساعة يقف عند محطة بابل واشور وأور، لأنها في مفردات العصر، ليست سوى أطلال زمنية، نعتز بها، ولا نقف عندها.

انّ الرؤية المكانية للوقت، تحتم ديناميكية التفكير، والتخلي عن التعصب الزمني، الذي يقود الى "التخشّب" الذي يخدع سهم الحاضر ويجعله يتّجه الى السالف، الآنف، لا الآتي، المُقْبِل.

وفي الواقع، فإننا لا زلنا نتعامل مع الوقت بمفردة عنفية، تقول: "الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك"، وهو مفهوم، لم يقدّم لنا مفهوما عمليا، او يحقّق لنا إنجازا، لأنه يصوّر الزمن غريما، يجب الانتصار عليه، من دون امتلاك أدوات مناسبة للحرب معه.
الكفاءة في "ترشيد" الوقت، يقرّب من الشعوب المتقدمة التي وضعت "العقرب" الصاعد للمستقبل، لا النازل الى الماضي، رمزا مقدسا.

بعد كل ذلك، انطلق في أفكار المقال، من التسليم بان المتابع يدرك الفرق بين الزمن والوقت.

صفحات: [1]