عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


الرسائل - المونسـنيور بيوس قاشا

صفحات: [1]
1
السيد عبدالاحد سليمان بولص المحترم
شكرا جزيلا على مداخلتك المفيدة والمختصرة واسمح لي ان اقول بان العنوان طريق الى معرفة الحقيقة التي ربما ستحصل ما تراه من تطورات في المنطقة وفي سهل نينوى ليس بالهيّن ونحن اليوم نحتاج الى الهنا الرب يسوع المسيح وليس التغني بقوميتنا وطائفتنا وطائفيتنا وعنصريتنا ومصالحنا ولا نحب الا من نحبهم بسبب مصالحنا ونجلس الفاسد في مقدمة المصلين الا يكفي في هذا الزمن هذه المصالح علينا ان ننظر الى شعبنا انه يموت انه يُرحل انه يهاجر لاننا لم ندرك اين الهنا وماهي الحقيقة التي يجب ان نحياهنا وعذرا اليس الهنا من نحن نريده
نعم غايتي الاولى والاخيرة هو ثباتي في المسيح الحي فلا اخاف ما دام الرب يسوع معي وحسب ماقلته يا سيدي المحترم وما علينا الا ان ننظر الى السماء ونرفع رؤوسنا لنرى ماذا يحدث ولنفهم ما تريده السماء وما يريده شعبنا مناصبنا وكراسينا ام وحدتنا وهدفنا في الخدمة والعطاء ليس الا وشكرا وباركك رب السماء

2
حبيبي سيد غيث موسيس المحترم
اشكرك من كل قلبي على مداخلتك واقول لك ان العنوان ما هو الا الخوف من الاتي اذا لا نوحّد كلمتنا وندرك جيدا هدفنا في مسيرة الحياة وغايتي الاولى والاخيرة ان افتخر باصالة المسيحية في العراق وحضارتهم وان اكون نموذجا في العيش وفي الحياة . واذا لم نوحد افكارنا وكلمتنا فالرحيل هو يشتتنا ولا نبقى الا اثار كما بقيت اثار البابليين والسومريين واسف ان اقول ربما نقرا السلام على المسيحية في العراق
مع محبتي

3

سيد وليد حنا بيداويذ المحترم
محبة الرب معك وسلامه يحلّ عليك
شكرا على مداخلتك ولكن اسالك بحق المسيح الحي متى أُعطيت لنا الحقوق واذا ما اُعطيت لنا فبالقطارة تُعطى والسبب يعود الينا لاننا نفتش عن اله بطوننا واله احزابنا وطائفتنا وطائفيتنا وقوميتنا ولا نفتش عن اله يسوع المسيح الحي الذي احبنا حتى الموت ومشكلتنا اننا ننحني لرجال مخلوقين مثلنا وربما فاسدين ونخضع لهم من اجل مصالحنا وكراسينا ومناصبنا ولا نكشف الفاسد بيننا لانه ربما سيكون يوما ذراعنا المساعد من اموال لا يملكها وهذا ما يحصل اليوم . فحينما اقول هذه المقوله احزموا حقائبكم فالرحيل غدا لا اقصد فيها اطلاقا ان نهاجر او نتشاءم او ان نرحل من البلاد بل بالعكسما هي الا صوت صارخ في البرية ليسمع كبار الزمن وكبار المعابد والرئاسات الموقرة اننا بحاجة الى كلمة واحد وهدف واحد فان كنا ننشد البقاء فلنوحد الهدف واما اذا بقينا على هذه الحال ونجعل الفاسد قديسا ومن الطائفية دربنا ومن القومية رسالتنا ومن طائفتنا الاقرب الى السماء فقد ضاعت حقيقة الانجيل المقدس بشرى الحياة وفي ذلك سنترك ونرحل ليس الا وشكرا ومع محبتي

4

شكرا جزيلا للسيد وليد حنا بيداويذ والسيد اخيقر يوخنا لمداخلتهما في الموضوع احبائي لنحزم حقائبنا فالرحيل غداً"
نعم انتم في الطريق الصحيح الذي يقودنا الى حقيقة البقاء للشهادة لمسيحيتنا وربما هذه اقولها من الناحية العاطفية فاسمحوا لي ان أقول ان الجالسين في البلدان الاوربية او امريكا او استراليا يتنعمون بمسيرة الحياة الدنيوية وهذا من حقهم ومن صميم الانسانية فهل تعلمون ان كل يوم تغادر من بغداد عائلتين او ثلاثة وانا كنت من الرجال الكنائس الاوفياء انادي لا للرحيل فالعراق ارضنا ونحن اصلاءه وهذا ما كنات تنادي به الكنيسة الجامعة والتي احبها وقداسة البابا وقد قالها الارشاد الرسولي عام 2012 بان نحن القلة  يجب ان تكون للشهادة للمسيح .
باسم المسيح الحي اسالكم هل نحن اليوم نشهد لمسيحنا ام نشهد لاحزابنا ولقوميتنا ولطائفتنا ولطائفيتنا ومصالحنا فاليوم قُسمنا اكثر من انقساماتنا والمسيحي لا يعلم اليوم الى اين يتوجه والى اين سيكون مصيره ألم تعلمون اننا يوما كنا مسيحين قبل ان نكون طائفيين واحزاب وكتل وقوميات هل نميت فينا المسيح بسبب قوميتنا وطائفتنا وكتلنا واحزابنا كم وكم من البيانات صدرت وكم وكم وقفنا امام المايكروفونات لنعلن حقوقنا ومنذ 2003 ولحد اليوم لم يلتقِ المسيحيون عبر احزابهم وكتلهم وقومياتهم وطائفيتهم واسال اين هي الحقوق التي اكتسبناها فالمسيحي الذي يشهر اسلامه الا تدرون ان اولاده القاصرين يُسجلون قاصرين واين هي المادة 26 واين هي حقوقنا في التعليم ولعلك لم تطّلع على كتب اللغة العربية التي يقراها طلابنا ، وحرية الايمان واين هي  مكانتنا بين القوميات العراقية  فنحن لسنا عنصريين ولا نريد دولة باسم المسيحيين فبلدنا واحد ووطنا واحد وشعبنا واحد عُرفنا وعشنا ولا زلنا وما هذه إلا دروس الاستعمار ، هل سنبقى نستعطي حقوقنا وهل سنبقى مطيعين خنوعين ام سيكون الحل الرحيل ليس الا واخرى واخرى
فيا احبائي سيدنا وليد وسيدنا اخيقر انا معكم فان العنوان مخيف  وانا معكم ان احمل صوت الرجاء والامل وانا معكم ان لا نفرغ بلادنا من وجودنا وخاصة انا رجل الايمان واحمل بكل وفاء نداء المسيح الحي وانجيله الطاهر ان اكون علامة رجاء وان كانت الغيرة قد تدخل قلوب الكثيرين بما اقوله ولكن سابقى شاهدا للحقيقة كما قال عني البابا بندكتس السادس عشر في المقابلة الخاصة في الفاتيكان يوم 11 كانون الثاني عام 2011 وان كان الكلام غير مقبول عني فتلك مشكلة من يقرا مقالاتي ففيها حبي لابنائي ووفائي لكنيستي وامانتي لوطني وان كانت هذه الامور قد تغيرت بسبب المصالح والقرابة المزيفة والعواطف البائسة و و و .
عذرا ان كنت قد اطلت ولكن كنت ولا زلت من الذين كانوا اوفياء قبلنا واستشهدوا بسبب الحقيقة ومنهم المطران بولس فرج رحو الذي تكلمت معه ظهرا قبل استشهاده وفي نفس النهار وربما انا ايضا ساسلك نفس الطريق وتلك مشيئة الله . وختاما ما نحتاج اليه رجالا مؤمنين  بالقضية وليس مذيعين لها ، رجالا يحلمون بمستقبل امين لمسيحيينا الذين لحد اليوم لم يجدوا راحة في نفوسهم منذ اربعة عقود ولنا من هؤلاء الكثيرين المخلصين من رجال الكنائس والمعابد والاحزاب ولكن شيئ واحد ينقصنا وهو مانحتاجه كلمة موحدة ، اناساً مؤمنين بوطنهم ، اناساً يحبون كنيستهم ، اناسً يعرفون رجالاتهم المخلصين الاوفياء وليس الجالسين على مناصب الدنيا لمصالح مزيفة  وهم غير مستحقين .فمار بولس يقول " لنا رب واحد ومعمودية واحدة وايمان واحد واله واحد "
شكرا والف شكر لكما يا احبتي فلتكن يدكم بيدي وايادينا كلنا سواء كي نقول كلمة الحقيقة في وجه الاقوياء ليس الا والمجد ليسوع المسيح . مع محبتي انا الفقير

5
أحبائي لِنَحزِمَ حقائبَنا ... فالرحيلُ غداً
المونسنيور د. بيوس قاشا
في البدء
إن الأوضاع السياسية والمتأزّمة تؤرق وجودنا وحقيقة مسيرة حياتنا، وتجعلنا نحمل حقائبنا    لنرحل اليوم قبل غدٍ، كما إن تقلبات هذه الأوضاع في شرقنا الممزَّق وما تخلّفه من آثار مدمِّرة
 دفعـــت العديــــد بل الآلاف من مسيحيينـــا إلى الهجـــرة وإلى الرحيــل وهذا ما جعـــل تعايشنــا مع غيرنـــا والمختلف عنا تعايشاً قاسياً وصعباً بعد أن كنّا إخوة في التنوع وعبر ديانات مختلفة، ولكن ما حصل أنه قد فسدت النيّات، وملكت الطائفية، وأصبح الجهاد باسم الدين كما باسم الإله كارثة أودى بالبشر الضعفاء إلى حيث الهلاك، فكان حرف "النون" عنواناً كما كانت الحرب الدينية، وكانت نتائجها الرحيل والهجرة، وحملت في عاصفتها عناوين مختلفة في الكراهية وحبّ الأنانية بملء روح الطائفية بعد أن كنا بلاد الأصلاء والملاذ الآمن والعيش الرغيد والمسامح الكريم.
خشبة ... ومسيرة
في مثل هكذا زمانٍ أسود وتاريخٍ مزيَّف وحياةٍ بائسة ومصالح متبادلة وضمائر مشتراة، وفي زمنٍ تكثر فيه الكراسي المسروقة وتزداد المناصب المَحْمِيّة من كبار زمننا ودنيانا بسبب الفساد والنفاق، كما في زمن دعتنا الطائفية أحبابها والحدود المرسومة دستورها والمناطق المنزوعة جيرانها بسبب الصورة المزيَّفة، حيث تبقى الحقيقة معلَّقة على خشبة العار لا أحد يهتم بها ولا مَن يسأل عنها ولا عن أصولها وأصلائها بعد أنْ ملكت ثقافة الموت على قلوب الكبار الفاسدين، وجعلت من مسيرة الحياة خطفاً وإرهاباً ونزاعاً وتدميراً للحقائق وللمقدَّسات، وهدماً للقِيَم، والإعلان عن زوالها عبر زوال المسيحية بسبب الخوف والحروب كما بسبب فقر إيماننا، وانحسار شركائنا، وانغلاقنا على طائفتنا، وحبّنا لأنانية مصلحية للحفاظ على مواقفنا وأمكنتنا،وإنْ كنا ندرك أن ذلك نفاق وخطيئة جسيمة لا يغفرها إلا الغسل بالماء وبنفحة الروح الإلهي السماوي، لأننا نحن أردنا ذلك من أجل أن تبقى ألوهيتنا فينا وأن يكون الآخر البريء تحت ظلها... تلك هي الحقيقة المزيَّفة التي يريدونها، ونتساءل: هل بدأ الموت البطيء يأخذ مجاله في مؤمنين كانوا يوماً أقوياء بالمسيح الحي وأصبحوا اليوم مجتهدين في الرحيل كما في الضياع؟، وهل يمكننا أن نقول إن المسيحية بدأت في الزوال رغم بقاء المسيحيين حاملين الهوية الرسمية التعريفية دون الهوية الإيمانية العماذية؟.
مسيحية ... وزوال
نحن نتساءل: هل المسيحية في الوطن كما في الشرق إلى زوال؟، ماذا يقول المسيحي عمّا يحصل في عراقنا الجريح وفي شرقنا الممزَّق من عداءٍ وانقسامٍ واستملاك واستحداث؟،هل سنواجه الإنقراض والضياع؟، هل سينتهي وجودنا التاريخي والحضاري والإيماني؟، هل سيأتي داعش علينا مرة أخرى بلباس إرهابي جديد ويحتلّ نفوسنا كما سهولنا وأرضنا ويدنّس ترابنا ومعابدنا؟، وهل بإرهابه يُكتَب لنا الخلاص ويُسجَّل لنا البقاء أم سنكون في هزيمة ثالثة وأكيدة لا تُعرف عقباها بسبب الذين أرادونا في حمايتهم فكانوا هم الأوائل في هزيمتنا؟، وهل سنفترش مرةً أخرى الحدائق والشوارع وتُبدَّل مساكننا بخيم بائسة وبكرفانات خانقة؟.
مصالح ... وفساد
لقد أتت الساعة، وهي الآن، أن نعترف بسلبياتنا قبل إيجابياتنا، وبأنانياتنا الحزبية والمكوِّناتية والوجودية قبل شموليتنا وحقيقة شعوبنا، بطائفيتنا ومصالحنا قبل كفاءاتنا، وقدرتناعلى الهدم  قبل قدرتنا على البناء، بحقيقة الفاسدين السرّاق قبل الدفاع عن فسادهم، وسرقتهم لمال الضحايا والمهجَّرين، بمعرفة أنانيتنا قبل وحدة كلمتنا،فلا يجوز أن تُستباح القِيَم من أجل النفعية والمصلحية، ولا يجوز إستغلال عبثي للدين وإخضاعه للسياسة ولمصلحة كبار المعابد والزمن.ومن المؤسف أن يكونوا هم الأوائل في نكران أصولهم وإنسانيتهم ومسسيحيتهم وهم يدركون جيداً قيمة أرضنا وأصولها، وتواجد شعبنا وسيرته الحياتية المؤلمة. فاليوم نحن بحاجة للتحرك نحو النظر لِمَا تشهده أيامنا من الإقتتال الأخوي وكسب المصالح الفاسدة، وتلك دعوة لنا أن يدرك كل منا مدى مسؤوليته إزاء المواطن من أجل حقيقة الوطنالواحد من شماله إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه، كي لا تُفسَد تربتنا المقدسة فتولد لنا أجيالٌ شريرة، كما آن الأوان أن نقرّب شعوبنا قبل أن نفرّقهم لأننا بأمسّ الحاجة إلى عمل مشترك وكلمة موحَّدة ونظرة صائبة، فالزمن والساعة لا يرحمان أحداً، ولا نعلم توقيتهما(متى13:25)، فيقولوا لنا "إرحلوا، فدياركم قد بيعت، وأرضكم قد سُلبت، ودنياكم ليست هنا، بل إحملوا حقائبكم، والرحيل حلالكم، ولا مَخْلَص لكم غيره".
وجوه ... ومصالح
إن الأوضاع الحالية لا يمكن أن نغيّرها بسبب تأصّلها في مسيرة حياتنا، لذلك ما نحتاج إليه هو نشر ثقافة الحقيقة عملاً بقول المسيح الحي:"قولوا الحق والحق يحرركم" (يو32:8)، ولا يجوز أن نكون تبعية لأناس كبار أو صغار يستهزءون بوجودنا وبمستقبلنا، ويجعلون من أنفسهم آلهة لدنيانا بكلامٍ معسول وأذرعٍ مفتوحة وضحكاتٍ مزيَّفة ومناداةٍ قضائية، وهذه كلها ربما ليست إلا عواطف كي يزرعوا في نفوسنا ترتيلة الأشرار والمنافقين "بالروح بالدم"،فيسجل التاريخ حينذاك أسماءنا فاسدين، لمشاريع خاصة ومصالح آنية،لأشخاص أحببناهم كي يكونوا مُلْكَنا وحسب إرادتنا، ومستعدين لخنوعهم أمامنا،وإنني متأكد أنّ هذه ستُميتنا يوماً لأننا سنشهد ـــ كما يقول قداسة البابا فرنسيس ـــ "لمشاريعنا الخاصة" وهذا ما يحصل فعلاً، والحقيقة أقول إننا لسنا أمام هموم الناس ومعاناتهم بل نحن نواجه همومنا كي نميت جارنا، نشهد لتزيّف حقيقتنا، وإذا ماحصل هذا كله فلنرفع رؤوسنا (لوقا21:28)،ولنهيئ حقائبنا، فإنّ رحيلنا قد دنا، لأن كبار الزمن لا يجالسون إلا كبار الفاسدين ولا يمجّدون إلا هم أنفسهم. فحتى متى تتغير الوجوه وإسطوانة الإحترام الكاذب والتباهي والتعالي!،فهل يجوز أن يكون بعض الفاسدين تحت رعايتنا؟، ألم يخلق الساكن في السماء كفوئين آخرين؟، هل لأننا نحبهم؟، ولكن بئس ذلك الحب إنْ كان ضد وصية السماء، ففي ذلك نحن غافلون عن كتاب المحبة والحياة الذي سطّره إنجيل المسيح الفادي بقوله:"إن كنتم تحبون مَن يحبكم فأيّ أجر لكم" (لو32:6).
خراب ... ودمار
بعد وجودٍ دام أكثر من ألفي سنة، وأصالةٍ في أرض الأجداد، ها هوذا داعش يخرّب كل ما بنيناه، فحمل إلينا الخراب والدمار والألم النفسي،فكان أنْ مَلَكَتْأمراضٌ علينا،وبغتةً تموت الحياة أو نُبتلى بمرض آخر عضال سببه هذا كله،والخوف من البقاء بسببه وبسبب الجماعات المتطرفة، وهذا ما حصل لنا،ربما من خوفنا وربما بسبب تصفيقنا واحتضاننا لأنظمة جائرة ولكبار مزيَّفين بشعارات حملناها إليهم كي يكونوا دائماً تماثيل صمّاء على كراسي الحقيقة ونحن لهم عبيد خاضعون، فهم يدّعون إننا في حمايتهم وتحت أنظارهم والحقيقة عكس ذلك فما نحن إلا عبيد لرجالات فاسدة، ووكلاء غير أمناء على مسيرتنا ورعايتنا، كما هم طغاة وآلهة لأنانياتهم، ومن المؤسف أن يكون كبارنا مخدوعين بأشكالهم وجمال قاماتهم وطيب ألسنتهم وشرتونية كلامهم، وما ذلك إلا شهادة لحقيقتهم البائسة، فبئس ما يملكون... إنهم جائرون.
مفترق طرق
أحبائي،نعم نحن أمام مفترق طرق بل أمام ضياع مقياس زمننا وإشارات مسيرة حياتنا، فمرّة يقولون لنا أنتم أصلاء ويُبعدوننا عن حقيقة أرضنا، ويوقّعوا لنا جوازات رحيلنا، أو يقبلوننا نازحين ومهجَّرين، أو ينعتوننا بأقليات بائسة، وفي ذلك لا سلاح لنا إلا الطاعة والخضوع والقبول بما حصل وما حلّ وبما يحدث لنا شئنا أم أبينا. فالتاريخ شاهد لمسيرة آبائنا وأجدادنا، كيف كانوا أمراء الزمن عليهم في دنياهم وفي سهولنا وودياننا وأراضينا، وكم كانت الحياة بهيّة بشروقها على حضارتنا وثقافتنا، أما اليوم فنحن نُباع ونُشترى ليس بثلاثين من الفضة كما حصل للمسيح الرب بل بأبخس الأثمان ليس إلا!.
في الختام
في الختام أقول: أين إنتمائنا إلى المسيح الحي؟، فمسيحيتنا ليست حديثة العهد، ونحن لسنا غرباء أو ضيوف وإنْ كنا قد أصبحنا لها شئنا أم أبينا، ومع هذا لا يجوز أن نفقد قِيَم إيماننا وأخلاقيتنا وجوهرها، فإنْ كان داعش قد دمّر منازلنا ونهب وسرق وأحرق ديارنا ومعابدنا فهذا لا يعني أبداً أن نجعل إيماننا إيماناً خائفاً، فالمسيح كان أول الذين أُضطُهدوا،كما كان أول الشهداء من أجل حقيقة حبّ السماء بقوة قيامته. فما علينا إلا أن نجعل من المحنة مخرجاً كما يقول مار بولس:"لتستفيقوا أن تحتملوا" (1كو13:10). فلابدّ من حمل الصليب وعبور نفق الموت من أجل رجاء الحياة، ولنعلم أن الحقيقة مهما تعذّبت واضطُهدت لا تموت وإنْ باعها كبار الزمن. فلا نخف من ذيول الرذيلة المزيَّفة التي تخدّر شعوبها بكلمات تجميلية وألسنة عاطفية ودعائية، أمام ذلك كله علينا التمسك بالصلاة والحوار مع الله ومع الإنسان، وهذه هي الشهادة الأمينة وهي أنْ نكون طلاباً في مدرسة "تحت أقدام الصليب"، حينذاك حتى لو رحلنا فرحيلنا يكون برفقة الصليب وحامله وهو سيقودنا إلى جبل الخلاص، هناك نسمع صوته يقول:"لا تخافوا،أنا معكم حتى إنقضاء الأزمان"(متى20:28). فلنتمسك بأرضنا، ولنعيد بناء منازلنا، ففيها لنا تاريخ واسم وهوية وحضارة، ولا يجوز أن ننحني عبيداً لمخطط تهجيرنا وإضعاف وجودنا وإنْ كان الوضع صعباً ـــ يقول الكاردينال ماروبياتشينا،كاردينال الكنيسة المتالمة:"علينا أن نتعلم من شهادتنا".فحمل الحقائب والرحيل لا يعني إلا إضعاف تاريخنا وثقافتنا، وإخلاء شرقنا ومسيحيتنا. فلننتبه إلى أنفسنا ولنكن أحراراً وليس عبيداً، فما علينا إلا أن نداوي مجتمعنا، ونجتثّ من بيننا الفاسد الكريه الذي يتظاهر بوداعة الحَمَل البرئ وهو من الداخل حاقد كريه، فاسد شرير، ولنضع محلّه الكفوء النزيه، فلا يجوز أن يبقى الفاسد السارق مهما كان صنفه ، حاكماً على كرسي الزمن فما ذلك إلا خطيئة لا يغفرها ربّ العلاء الذي يدعونا إلى تخطّي حواجز الزمن والتاريخ من أجل مستقبل أجيالنا وأفضله لأبنائنا وحقيقة لأصالتنا.
نعم، أمام ما يحصل، أسأل ، هل سنحمل حقائبنا ونرحل يوماً؟،هل نقبل أنْ نُفنى ونموت ، فنكون سبباً في فقدان مسيحيتنا.فياربّ، إجعلنا أنْ نحمل إيماننا فنثّبت أقدامنا في أرضنا،فثقتنا ما هي إلا بكَ وليس في غيرك ،لأنك أنت الحقيقة، وعلى كلامك سنلقي شباكنا ( يو6:21 )  مؤمنين بشهادتك، لذا ،وبعونك، لن نحزم حقائبنا ونرحل مهما كانت المصائب لا اليوم ولا غداً، فالأرض أرضنا ونحن فيها أصلاء ليس إلا... نعم،آمين.



6
نص الكلمة التي القاها المونسنيور الدكتور بيوس قاشا في المؤتمر الإعلامي المسيحي الثاني برعاية غبطة البطريرك الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي  تحت عنوان الاعلام المسيحي ... نحو الاتحاد . والذي عُقد في لبنان في دير سيدة البير لجمعية راهبات الصليب ـــ بقنّايا – لبنان في 29 ايلول 2017 .

أقدم شكري الجزيل للقائمين على رعاية هذا المؤتمر "الإعلام المسيحي نحو الإتحاد"، وبالأخص الأخ نور وقناة نورسات وتيلي لوميار الفضائية. واسمحوا لي أنْ اقول: ما أنا إلا صفحةٌ تحملُ تاريخَ أمَّةٍ ووطنٍ أَحبَبْتُهُ وإنْ كان جريحاً، أحْبَبْتُ لبنان الأرز كما أحْبَبْتُ رافدينَ العراق، وأرزتُه تعانق نخلةَ العراق وشربل القديس يعانق سيدةَ النجاة، شفيعةَ شهدائنا وضحايانا. نعم، أنا بينكم صفحةٌ بيضاء فلنكتب عليها سويةً، أنتم وأنا، إعلامَ مسيحيتِنا في إتحادنا وليس في طائفيتنا.
إنَّ الكنيسة اليوم، وفي شرقِنا المعذَّب، تمرُّ بمرحلةِ إرتباكٍ وغليانٍ وأزمةٍ، في حالةِ ضياعٍ وفقدانِ الهوية الوجودية. والسؤال يبقى بلا جواب: هل ستدوم مسيحيتُنا؟، هل سيبقى وجودٌ للمكوِّن المسيحي في مجتمعاتِنا الشرقية؟، هل سيبقى الإنجيلُ محافظاً على كلمةِ البشارة؟، وهل سيبقى المسيحيون في ضبابيةِ المفاهيم الإنجيلية، التي لا تقتصر فقط على مجتمعاتِنا الشرقية بل تتخطّاها لتشمل العالَمَ بأسره؟، هل فعلاً سنتَّحدُ يوماً بعدما عُرِفنا بطائفيَّتِنا وانقساماتِنا؟، وهل نحن نؤمن أنّ لنا إيمانٌ واحد، وربٌّ واحد،  ومعموديةٌ واحدة، وإلهٌ واحد (أفسس5:4-6)؟، وإلا ما نفعُ كراسينا ومناصبِنا، وما نفعُ كلمةِ المسيح الذي قال:"أتركْ كلَّ شيءٍ واتبعني" (مرقس21:10)... نعم أسئلةٌ عِدَّة ترافقُ مسيرتَنا المشرقية.
   لاشكَّ أن الكنائس الشرقية ــــ والتي تضمّ العائلات الروحية المسيحية من كاثوليكية وأرثوذكسية وإنجيلية ــــ تنظر إلى الإعلام بوصفه وسيلةً فعّالةً في إيصال الرسالة المسيحية ، رسالة الخلاص والفداء، فكنائسنا ما وجودها إلا شهادةٌ للمسيح وعملاً بقوله:"إذهبوا وتلمذوا جميعَ الأمم وعمّذوهم باسم الآب والابن والروح القدس، وعلّموهم أنْ يحفظوا جميعَ ما أوصيتُكم به. وها أنا معكم طوال الأيام إلى انقضاء الدهر" (متى 19:28-20).
   إنّ مجيءَ وحلولَ عصرِ المعلوماتية أدخَلَ الكنيسةَ الشرقية في أزمةٍ حقيقية، وفي هذا المزيج الصاخب من المشهد المعلوماتي الجديد تجدُ الكنيسةُ نفسَها في مواجهةِ تحدّ،ٍ وهو تحديد موقعِها في علاقةٍ حِوارية بين متطلبات هذا الوضع المُسْتَجِدّ في فوائدِهِ كما في مخاطرِهِ، بحيث يجب عليها أنْ تحافظَ على هويَّتِها دون التخلّي عمّا تؤمن به. والسؤال هنا يطرح نفسَهُ: كيف تستطيع الكنيسة في مجتمعاتِنا الشرقية، وأمامَ هذا المشهد الإعلامي والمعلوماتي، حيث الثقافاتُ المتنوعة والعديدة، أنْ تُتِمَّ رسالتَها التبشيرية الإنجيلية، وأنْ تجيبَ على سؤالٍ يتردَّدُ باستمرار: ماذا يعني أنْ يكونَ الإنسانُ مسيحياً اليوم؟، وهل ستدوم المسيحيةُ في مجتمعاتِنا الشرقية كما دامت منذ ألفي سنة ونيفٍ، ونحن لا زلنا نعيش عدمَ إتحادِنا وإعلامِنا المنقسم.
   صحيح إنَّ هذه الضبابية في المفاهيم حول المسيحية والمسيحيين، لا تقتصر فقط على مجتمعِنا الشرقي بل تمتد الى مجتمعات أخرى ، والذي يقاوم الإرهاب والشرّ والخطيئة، خاصةً بعدما إستفحلَ داعش الإجرامي، الذي أبادَ كلَّ شيء دون وجهِ حق، ودمّرَ كلَّ شيء، ونحن لم يكن في يدِنا حيلةٌ، بل كنا ضحايا ومهجَّرين ونازحين وراحلين أمامَهُ وأمامَ غيره، ولا زلنا حتى الساعة. وحتى الذين إدَّعَوا حراستَنا وحِفْظَ أراضينا، تركونا وحيدين، فكُتِبتْ علينا الهزيمةُ، وهذا كلُه يدعونا إلى أنْ نسمّي الحقائق بأسمائِها كي نستطيعَ مناقشتَها واستيعابَها.
   من المؤكَّد إننا شرقيون، بل مشرقيون، بعودةٍ إلى سببِ وجودِنا. فالشرقَ وطنُنا، وفيه نجدُ مسكَنَنا ومستقبَلَنا، وفيه أملُ أولادِنا وأحفادِنا وسبب حياتِنا. وحينما يكون المواطن في حبّ وطنه يتجسّد الوطن في داخله، فيكون الوطن هو العنوان، وهنا يتكاتف الوطن والمواطن في إتحاده، وينتج عنهما حبّ الوطن، وما أغلاه، وما أجمله، بل وما أقساه!!!، وهنا تبدأ رسالةُ الإعلام في جعلِ مسيرةِ الحياة تتبلور بتقنيةٍ عالية، لذا يجب أنْ نُدرِكَ مَن نحن، وإلى أين متَّجهون، في إرادةٍ واحدة، لأنَّ استخدامَ وسائل الإعلام الحديثة بطريقة صحيحة ومعلوماتية مُوجَبَة، تساعدنا في نهضةِ الإعلام الكنسي في العيش المشترك، بيننا أولاً ثمّ مع أبناء وطننا، وخاصةً مع أبناء شرقنا بل مع مؤمني كنائسِنا، وإن كان هذا ليس سهلاً.
   نعم، إنَّ الأوضاع في شرقِنا مؤلمة، وهي تدعونا إلى إفراغِ البلاد والهجرةِ والرحيل، ولا تستطيع كنائسُنا الشرقية ومجتمعاتُنا أنْ تزرعَ وجوديةَ البقاء للشهادة في أرضِنا لسببٍ أو لآخر، فهي تنادي عِبْرَ الإعلام أنَّ قدسيةَ مشرِقِنا وطينَ شرقِنا مقدسٌ لأننا مخلوقون منه، وهناك يقابلها إعلامٌ رخيص ملؤه النفاق والتطبيل والمراءاة والكذب والمصلحة والطائفية، لذا عليها أنْ نُدرك ذلك كي ترسمَ كنائسُنا الشرقية سويةً رؤيةً واحدةً خاصة، في وحدة الكلمة واتحادِ الرسالة، وإنَّ ذلك لهو مَطْلَبُ الإرشادِ الرسولي "من أجلِ كنائس الشرق الأوسط" " شركة وشهادة" والذي عُقد في روما للفترة من 10-24 تشرين الأول (أكتوبر) عام  2010، وبطلبٍ من رؤساءِ الكنائس الشرقية الكاثوليكية من أجلِ معالجةِ أمورِ المنطقة بعد الإضطهادات التي حلّتْ بالكنيسة وبالمسيحيين وهجرتِهم، وسُلِّمَت الوثيقةُ إلى رؤساءِ الكنائس في بيروت من قِبَلِ البابا بندكتس السادس عشر في إحتفالٍ مهيب في 16 أيلول (سيبتمبر) عام 2012. فماذا تنفع الإنفرادية والطائفية والمحاصصة إذا كان كبارُ معابِدِنا قد علّموا مؤمنيهم بصورةٍ أو بأخرى هذه الطائفية المقيتة، وكأنَّ الإرشادَ الرسولي الذي أُعْطِيَ لنا قد وضعناه على رفِّ التاريخ ليكونَ كلمةً صامتةً بعد أن تجاهلناه إعلاماً وجودياً ومسيحياً وحياتياً، والذي كان يجب أن نسلك طريقه ، بدلا من تجاهله!، فرجال المعابد، هم أنفسهم مدعوون أن يعيشوا حقيقةِ وجودنا، فلا وحدة ولا إتحاد، كما لا إرشاد ولا رسالة، فلسنا بحاجةٍ إلى قراءةِ أسطرٍ ملؤها عبارات قواعدية إيمانية، وما فائدتها إذا لا تعمل فينا ولا في مسيحيتِنا، وخاصةً نحن أمامَ سيلٍ من المعلومات الضديّة، فتكون النتيجة حتماً إفراغَ الشرق والرحيل، وحينذاك نقول:"إقرأوا السلامَ على الشرق المسيحي"، فقد أفرغناه من وجودِنا لأننا لم نحيا وحدَتَنا ولا إتحادَنا، فضاعَ إعلامُنا، وماتت كلمتُنا في داخلِنا، وأصبحنا تائهين في صحراءِ الضياع،  والسبب سببُنا وليس تعاليمَ مسيحِنا والرسول بولس يقول "مَنْ هُوَ بُولُسُ؟ وَمَنْ هُوَ أَبُلُّوسُ؟ بَلْ خَادِمَانِ آمَنْتُمْ بِوَاسِطَتِهِمَا، وَكَمَا أَعْطَى الرَّبُّ لِكُلِّ وَاحِدٍ "( 1كو 5:3) ، نعم عذراً اقولها،  لنسلك طريق التوبة والمحبة والخدمة كي لا نكون طائفيين بل مسيحيين، نعم مسيحيين في إتحادنا وليس في فرقتنا وهذا من صميم إعلامنا وما يدعونا إليه إرشادُنا لكنائسنا..ومن له أذنان سامعتان فليسمع وليفهم ( متى 43:13) نعم وآمين.

7
اخوتي المعلقين

شكرا جزيلا وبارككم الرب وما ينقصنا ان نؤمن بحقيقتنا وليس بمصالحنا وماربنا
جعلنا الرب في هذه الارض ليس لبناء برج بابل بل لبناء كنائسنا ومسيحيتنا بعيش انجيلنا
وفي ذلك سنكتشف حقيقتنا وشكر للسيد ظافر شنو وحسام سامي وادور عوديشو وعمار
فليبارككم رب السماء وكفانا يارب مما يحلّ بنا فلتتغير الوجوه ولتمت المصالح والكراسي الفاسدة والمزيفة ولتذهب الى غير رجعة الطائفية والانانية وحب الاصدقاء
المزيفين والمدراء السارقين واجعلنا في حمايتك فلا نثق الا بك نعم وامين

8
عفواً ومغفرة ياإلهي... أنا إلهُكَ
المونسنيور د. بيوس قاشا
في البدء:
   الحقيقة إننا نعيش في مجتمع مجنون _ وخاصة في مجتمعنا _ يدفعنا إلى حافة الانفجار، ومن النادر أن تجد إنساناً وسط هذا الصخب والجنون لا يشكو من التوتر والقلق والتوجس على المستقبل، يشكو الإكتئاب والحزن والناس وسوء معاملتهم وحبهم لأنانيتهم المهلكة ، وعصبيتهم المقيتة ، وكبريائهم القاتلة، وطائفيتهم المميتة ،ومحسوبيتهم المصلحية ،ومحاصصتهم الطائفية، ومناصبهم المسروقة ، ومراكزهم المباعة ، كما ويشعر البشر بأنهم تائهين لا أهداف لهم، وإنْ وُجدَتْ فهي متناقضة مبعثرة، ولم تعد هناك لذّة في العمل أو منفعة في الحياة... إنها سلسلة متصلة من الضيق والغضب والضغط والانفعال وأخيراً الموت .
عالم مجنون
إنسان العصر الحديث إنسان قلق ومتوتر، والبشر عامة ونحن المسيحيين خاصة نتخبط اليوم أمام مآسي عديدة لم يكن لنا فيها لا ناقة ولا جمل وإنما قادونا مثل الخراف خضوعاً وخنوعاً هنا في وطننا وفي أنحاء عديدة من شرقنا المعذَّب وأنحاء أخرى من هذا العالم البائس حيث الظلم والألم واليأس والمستقبل المجهول لنا ولأجيالنا ولأحفادنا، ولا نعلم أين صوب مسيرتنا وإلى أين نحن نتجه.وأمام ما يحصل يجعلنا أن نحمل أفكاراً ملؤها الخوف والجبن والضعف والتعاسة بسبب انتشار الشر وانعكاساته على الأصعدة الاجتماعية والسياسية والعائلية والطائفية في فوضى عارمة وشغبٍ وحروبٍ تكفيرية وديموغرافية، وظلمٍ وقمعِ الآخر البرئ في تدمير الإنسان الآخر المختلف. وكما يقال "يدنا على قلبنا" وبالتعبير الشعبي" إيدنا على قلبنا" مما سيحلّ بالمسكونة وبالمسيحية، فالكثير منا يعيش بلا هدف واضح، يرقص مع الأغنية ويولول مع العدّادين ولا يعلم ماذا يصنع وأين محلّه من الإعراب في مجال وجوده وحقيقة ترابه... إنه صراع نفسي ، فإذا سألتَه: لماذا ترقص أو تولول؟، يجيبك: هذه هي الحياة، وإنْ كان الهدف الوجودي قد ضاع .
أين نحن
ما نحتاج إليه أن نقف أو نتوقف ونتأمل وننظر بعيداً عن المحاصصة والطائفية المقيتة، فالرب يسوع لم يقل "إذهبوا إلى القرية الفلانية" بل قال:"إذهبوا إلى العالم كله وأعلنوا بشارة الإنجيل" (مر15:16). فالزمن ليس لصالحنا، وهو يدعونا أن نرى أين نحن منه، ولا نقتل طموحنا، فالفيلسوف "توماس كارليل" يقول:"ليس علينا أن نتطلع إلى هدف يلوح لنا باهتاً من بعيد، وإنما علينا أن ننجز ما بين أيدينا من عمل واضح بيِّنٍ". وإنْ كنا نفكر في بقعة أو غنيمة لعل وعسى تكون حصتنا من وعود الساسة المصلحيين،  وكبار الزمن الفاسدين،  فصعب علينا فمَن يحمينا ومَن يحترمنا، أقولها: ألم يتركوننا لوحدنا نتقاسم الألم والهجرة والرحيل بسبب داعش واخواته وهم على بساط الحرير نائمين؟، ألم يسرق داعش أموالنا وأحرق بيوتنا ونهب أمتعتنا وهم يعلنون إنهم في حمايتنا ؟، ألم يكن بإمكانهم الوقوف معنا قبل أن يجلسوا على موائد عشائهم؟، يكفي إننا افترشنا الحدائق والشوارع تائهين ولا أحد يبالي بنا، فالمصلحةُ كانت الحقيقةَ ولكن قوتنا وشجاعتنا واحتمالنا وصبرنا بالمسيح الحي، وثباتنا على قوة إيماننا بعماذنا،  جعلتنا نحمل الرجاء رغم المصائب التي حلّت بنا ، ونحن نستعطي وجودنا ، ولقمة عيشنا ، بعد أن كنا نملأ الدنيا فرحاً وخبزاً وصلاةً.
ماذا نريد
أقولها إننا كثيراً لا نعرف ما نحن فيه، بل كلنا أصبحنا اليوم بلا هدف واضح وهذا ما يظهر أن ذلك أحد صراعاتنا النفسية والتي قد لا نلاحظها أحياناً. إننا لا نعرف بالضبط ماذا نريد، وقد نتهرب من الإجابة، لذا علينا أن نعرف أين نحن مما يحصل في البلاد، ولندرك جيداً أننا لسنا أدوات فتنة ولسنا في وطن غريب بل في وطننا وإنْ خسرنا ثقتنا بوكلائنا وبرؤسائنا ولم تكن بالمستوى المطلوب، فمنذ الاحتلال عام 2003 ولحد اليوم، تصريحات مطمئنة، بيانات قواعدية، كلمات ترحيبية، زيارات تفقدية ، وعود بائسة ، وعبارات للأصلاء، ولكن كل ذلك كلام في كلام، ولا نملك ما يجب أن يكون ،اذ لا شيء في ايدينا وإذا وجدناه سرقناه ، وجعلناه من حلالنا ، وتلك مشكلة كبارنا ،فنحن كنا ولا زلنا ضحية القانون والدستور والبرلمان، وضحية الطائفية والمحاصصة، وضحية عنف وحسابات سياسية وضحية فساد حمله كبار الدنيا والزمن الذين اقاموهم مسلطين علينا وهم من اصولهم فاسدون، فقد عُرِفوا في زمن النظام واليوم أصبحوا حملاناً وديعة ليس إلا .
هويتنا سلاحنا
لندرك جيداً أن هويتنا تتخطى مشرقيتنا، فهي هوية تتّسع وسع الكلمة حيث تشمل الجميع، وهي سلاح نعتزّ به ومختلف عن باقي الأسلحة. فنحن مسيحيون ولكننا لسنا مسيحيين من أجل ذواتنا بل من أجل العالم،والمسيحي ليس مسيحياً بالهوية بل بعيش حياة العماذ، والنور ليس نوراً لذاته كما إن المسيح لم يكن لذاته( يوحنا 12:8). لقد كان واضحاً في كلامه "اذهبوا وتلمذوا كل الأمم" (متى19:28) فأنتم شهود لي، شهود الحق وليس الخضوع والخنوع أمام قياصرة المال والفساد من مكونات مختلفة وشهود القتل والانتقام بل أنتم شهود للملكوت، وليس كلمات غانية لعظماء مزيّفين ، ولكبار فاسدين،  ولأناس طائفيين ، لأننا اخترنا هويتنا مع رسالتنا فعرفنا مصيرنا إذ أن الهوية تكشف الرسالة، والرسالة تبقى هوية، وهويتنا ليست شهادة نحملها، بل نحملها من الغائب إلى الحاضر. إنْ صعدنا إلى السماء وجدناه وحتى إلى الجحيم (اف 8:4) فهو هناك لأن المسيح دخل جحيم بشريتنا فأنار ظلمته"( افسس 8:4).. هذه هي رسالتنا أن نقول حقيقة هويتنا في وجه الأقوياء، فنحن أبرياء، وسبب خطيئتنا ، هم ، كبار الزمن ، وسرّاق المناصب،  ومنافقو المسيرة، كان أنْ أصبحنا ما نحن عليه بلا كلمة ولا وجود بل مسيَّرين وخاضعين وأكيداً خانعين، وهذه نتيجة حبّنا لمصالحنا وأنانياتنا وكبريائنا ودفاعنا عن الفاسدين الذين نحسبهم قديسين كي نُعطى ما لا يملكون،  لتبرير محبتنا واحترامنا، وما هم في الحقيقة إلا أناس يحتاجون الى قانون العدل والسؤال إنهم ضالمون بل اكثر من ذلك إنهم ذئاب الزمن.
غابة ادغال
إننا اليوم نقف أمام أخطار تداهمنا من الخارج كما في الداخل، وإننا نعيش أياماً قاسية ، وأوقات عصيبة فرضتها علينا تحديات لم تكن وغير مسبوقة، ووفرت فرصة للمتطرفين وذوي النزاعات الطائفية والأنانية ومن كافة الألوان والأطياف فشنّوا علينا حربهم البغيضة التي كرّست الطائفية وزرعت بذور الحقد والكراهية والتعصب فكان دخول داعش الإجرامي إلى بغديدا الحبيبة وقرى ومدن سهل نينوى تدنيساً لأرضنا،وإجراماً بحقنا ،بعد أن جعلوا منها غابة أدغال إذ لم يبقَ للإنسانية وجود، وللحضارة تاريخ، وبات الخطر مضاعَفاً من خلال تهجير مبرمج وعبر فرض الشريعة والتعاليم الأصولية كي نكون أهل ذمّة ودافعي جزية، وحُسبنا من الذين عليهم التكفير والقتل، ونسوا أو تناسوا ما نحن إلا أحرار ، وأبناء أحرار،  عكس ما هم عليه، ولكن لا حيلة لدنيانا،  فقد زيّفوا التاريخ ، وباعوا الأسماء ، وغيّروا المناصب والكراسي ، وهدموا الحضارة في ماضيها ، كما في حاضرها، وأصبحنا ــ شئنا أم أبينا ــ عبيداً مرة لهؤلاء ، وأخرى لأولئك ونحن لهم شاكرون وممجدون ، وبئس شعوب تزيف تاريخاً وتقتل أصلاء وتقول ما نحن إلا أمناء في حمايتكم.
دولار الزمن
هذه الأمور وأخرى في مسيرة الألم والوجود والتي قادتنا إلى المجهول، يؤلمني أن أقول إننا لم ندرك جيداً _ نحن بالذات _ وجودَنا ، فسارعنا الخطى وراء الفاسدين لنحصل منهم على دولار الزمن، وأجلسناهم في مقدمة الأبرياء البسطاء ، في المحافل أو في مؤتمرات أو في المعابد ،كي نقدم لهم الشكر المصلحي والطائفي، فيكونوا لنا عوناً وما هم إلا قادة عميان. هذه المسيرة المؤلمة تقودني إلى أن أقول نتيجة ما أعيشه وأراه أن إله السماء لا ينفعني بشيء فأنا إله الدنيا وعلى الإله أن يكون في طاعتي وسماع أوامري، فكل واحد منا هو إله لذاته، يؤلّه مَن يشاء ومتى ما يشاء ومن أجل مَن يشاء، وهذه هي شريعة اليوم، وكما يقول المزمّر " قال الجاهل في قلبه " ليس إله " فَسَدوا ورجسوا بافعالهم وليس من يعمل صلاحاً" (مز 1:14) فمَن منا إذا ما سمع نصيحة في بيت عبادة حملها إلى عائلته وأولاده ، وعلّمهم إياها ليكونوا في مسيرة المسيحية والشهادة الإيمانية، لا أظن!!!، عكس ما شهد التاريخ بالامس إذ إن آباءنا وأجدادنا كانوا يحملون كلمة الحق في أفواههم ومسيرة الصدق بأقدامهم ، ووفاء الأمانة بأياديهم، أما اليوم فقد تغير الموقف والهدف واستُبدل بمواقف تجعلنا أن نكون آلهة لهذا الزمن العولّمي المزيف، فالحقيقة يجب أن تقال وهو أنه لا يمكن أن نقوم بعمل إلا متى ما نشاء وحسب ما نشاء وننسى أن هناك معبد الرب يدعونا إلى أن نكون للإله الحي، لإله السماء وليس لإله الدنيا والزمن وربما لا توافقوني على هذه المسيرة ولكن ذلك ما أراه حقيقةً. ومسيرة الحياة أكبر وأجلّ برهان لما يحصل اليوم لعالمنا، وفي هذا يقول ربنا "تعرفون الحق والحق يحرركم" (يو32:8).ولنعرف جيداً يا أحبائي إننا نعيش لحظتنا هذه، فالماضي قد انتهى ولا نملك أن نستعيده، والمستقبل لا نعلم منه هل ستتمّ جملتنا التي نقولها أم لا! إذ ليس من السهل إذا كنا لا نخوض معركة طويلة وملزمة تدور بين إلهي المزيَّف وإله السماء الحقيقي إله يسوع المسيح الرب . وما حصل لنا ما كان إلا تجربة قاسية وربما ذلك كان من إله السماء ليقول لنا:"لا تؤلّهوا أنفسكم، وكفاكم تقدّسون الفاسدين وتقرّبون شهود الزور وتُفسدون ضمائر الأبرياء ، كما تشاؤون ، وتعاملون معارضيكم بخباثة المسيرة لغنائم مصلحية كي تدوم مصالحكم ومناصبكم وحملاتكم، ولكي يقول الناس عنكم كل جيد وصالح وما ذلك إلا تزييف الحقيقة وتأليه الذات بينما يقول ربنا:" ولا تدعوا أحداً على الأرض يا أبانا لأن لكم أباً واحداً هو الآب السماوي" (متى8:23).
ختاماً...
   نعم، نحن في زمنٍ فاسد، ونكتب تاريخاً مزيَّفاً، ونعيش حياةً صاخبة، ونظلم أبرياء لأنهم قالوا كلمة الحق كي نُفسد حياتهم في زورٍ وبهتانٍ وقضاءٍ مرتشٍ، وهكذا يحلو لنا كي نكون في صفوف المؤتمرات الأولى فنبيع القداسة بالفساد، والبرارة بالدنس، والوفاء بالحقد والكراهية، والأمانة بحبّ الذات، والعدالة بالكذب والوجوه،والكفاءة بالمصلحة، وفي ذلك كله ما نحن إلا آلهة لدنيانا ولزمننا وللمحيطين بنا والذين سلبوا إرادتنا ، وسرقوا عقولنا ، بكذبهم وغشّهم، ويحسبون أنفسهم في ذلك إنهم أبرياء، صدّيقون، مخلصون، أمناء، والحقيقة عكس ذلك بالتمام والكمال.
   نعم ، إن المسيح الرب يدعونا إلى أنْ نحمل حقيقة البشارة والشهادة الأمينة لحقيقة الحياة والوفاء الأكيد لحقيقة عماذنا، فلتتوحد كلمتنا قبل توحيد مصالحنا ولتتفق قلوبنا قبل تكاتف أيادينا ، والحقيقة إما نحن في الوجود أو في الرحيل أو نحن مطيعون ، خانعون بل أبكميون ولا يجوز ان نقول كلمة من أجل حريتنا وحقوقنا وهنا تكمن الحقيقة كي نعرف من نحن واين سنكون لنحيا سر عماذنا بصعودنا إلى الجبل من أجل حقيقة صلاتنا، فندرك حقيقة الاله المزّيف ونعبد الاله الحقيقي في يسوع المسيح الرب ، وختاماً ، عفواً يا إلهي فأنا عبدُكَ ومسبحّك ولستُ إلهَك، فاقبلْ يارب إعتذاري وإعترافي بك.فأنت إلهي وليس لي غيرك اثق به إلا أنت . نعم وآمين.



9
آهات في مسيرة الحياة

المونسنيور د. بيوس قاشا
ما أجملها مسيرة الحياة ، وما أغناها حياة الحقيقة ، انها سِمة المحبة والخير والبركة ، سِمة التواضع والوداعة ، وتلك شهادةٌ لحياة الالم التي أُعطينا فداءً بها ، ومحطاتها رسالة وانبعاث ، وإن كانت مؤلمة ، ومكللة بشوك الزمن ، وهذا ما دعاني أن أقف في تلك المحطات ، لأعاين رسالتي ، وهمومي وآهاتي ومآسي الزمن ، وكبرياء الكائن الذي طُرد من فردوس العلي ، بسبب شهوته وفساده ، فاليكم ما أدركته وما تعلَّمته ، إنها محطات لحقيقة الحياة ، ليس إلا .
- أين نحن من الذي يحصل، يقتلون منا ويذبحوننا ونحن نُصدر بيانات ونسكت،وأصوات الكبار والصغار والجمعيات واللجان وما شاكلها تعلو وفي اليوم التالي تَبُحّْ. وهنا يكون التساؤل: أين كبار زمننا ، وقادة أحزابنا ، وأمراؤنا، ومندوبو لجان خلاصنا، هل تركوا ساحة الشرف كي لا تُكتَب لهم الشهادة؟.
- الكفاءة نعمة من رب السماء، والذكاء رسالة يحمل فيها الإنسان نِعَمها ، ولكن أنْ تُدفَن الكفاءة والذكاء بحديث أشخاص فاسدين وحاقدين فذلك تشويه للسماء ولنِعَمِها. إنها حرب شعواء بين الشياطين السود والملائكة البيض،فضاعت المسؤولية وتاهت القوانين ،  وفي ذلك يقول أفلاطون:"الشخص الصالح لا يحتاج القوانين لتُخبره كيف يتصرف بمسؤولية، أما الشخص الفاسد فسيجد دائماً طريقة ما للإلتفاف على القوانين".
- إنه زمن فيه نبيع حقيقتنا كي نربح أيامنا وأمكنتنا وأزلامنا، فنرسم لنا ملامح مستقبل ونهاية لمعارضينا، ونميت الكفوئين كي لا نبقى نحن في خانة المدراء الفاسدين فنُبعد عنا كل حقيقةِ وطنٍ وإخلاصِ شعبٍ. فهل سمعتم بوطن يبيع شعبه، وبرئيس يبيع أعداده؟، أليس ذلك زمن الضياع والفساد وشهادة زور؟، ومع هذا كله سيبقى الله على كل شيء شهيد وقدير.
- حتى ما يكون النفاق سبيلاً إلى الأعالي، وتكون الوجوه آيةً للتسامي، نعرف الحقيقة ونزيّفها، ونعرف الكذب وأحباله ونقدّسه، ونعرف الزور وشهوده فنزكّيه إلى الصلاح والبِرّ، ونشير إلى الفاسد ونباركه، وله يليق الإحترام والخضوع. ولا زلنا  نخاف أن نقول الحقيقة، من أجل عدم ضياع مناصبنا ومآربنا واحتراماً لها كي لا نفقدها، فهي لنا آلهة ونحن لها عبيد، والحقيقة هي "إن العبد لا يعلم ما يصنع سيده" ( يو 15:15).
   - حتى ما نبقى في حالة إتّهام الأبرياء ونحن مدركون براءتهم، ونُنسب إليهم أباطيلَ وأحاديثَ شيطانيةً فنجعل منهم مجرمين ونحن نعلم أنهم أبرياء، لا جريمة تشوب مسار حياتهم، ونعمل هذا كله كي نُبعدهم عن سبيل الحياة من أجل الدنيا وحلاوتها والمصلحة ومكوناتها... ألسنا نحن الشياطين، بل شياطين سود ليس إلا!!.
- حتى ما نبقى نتاجر بخرزات سبحتنا وطولها ولونها وصنفها وقيمتها وقينات عباداتنا، ونجعل السامعين والرائين والمطيعين أن يُدركوا أن هذه دنيانا وهذه مآربنا في تمجيد اسم الله (جلّ جلاله) وننسى إننا في ذلك لا نمجّد إلا أنفسنا ولا نعبد إلا كبرياءنا، وطريق السماء ومآرب تمجيد الإله تكون في السيرة والمسيرة، في الطهارة والبرارة، في الشهادة والحقيقة، وليس بوقوفنا أمام أنظار مَن لهم العيون كي نُحسَب عندهم قديسين ونحن قد ملكنا كبرياءً ورياءً وغشّاً ليس إلا!!!.
- كنائسنا تحمل رسالة الإنجيل للبشارة بالمسيح الحي، فهي أماكن عبادة وصلاة، وفيها يرتفع الدعاء ببخور المصلّين إلى حيث الأعالي، وما ذلك إلا خبر مفرح لبشرى الحياة. أتمنى أن لا تكون كنائسنا مذياعاً للحفلات والسهرات من أجل الدنيا ومحاسنها، بل أن تكون ورقة بيضاء. فالأنشودة تقول "يا إله الخير أيها الرحمن، إقبل منا هذه الصلاة، واجعل منها يا ربنا للخطأة غفراناً"، فلا يمكن أن تكون الكنيسة قناة فضائية دنيوية.
- كنائسنا معابد صلاة، فيها نرفع دعاءنا إلى ربنا العليّ العظيم، وأيادينا ضارعة إلى ملك الكون، ولكن أن تكون صلاتنا وأن يكون دعاؤنا ورفع ايادينا بقلوب فاسدة ونيّات قذرة، في القتل والسرقة، فما ذلك إلا " فرّيسية الروح " (لوقا: 18) " وصدّوقية الشريعة وكتّابها " ( متى: 23) ، ونجعل من رب الكون عبداً (أستغفر ربي)، وعليه أن يعمل ما أشاء وليس ما يشاءه... ألسنا في ذلك مطيعون، وربّ السماء يقول لا ييليق السجود إلا لربّ الكون ليس إلا!!!.
- عجيب الإنسان في أمره، يعمل على طول بقاء حياته وهو يدرك جيداً أنه في قبضة الباري وإرادته، يربح جوازاً للخلاص والهروب كي لا تفنى دنياه وينسى أن يربح جوازاً للعبور نحو العلياء والمحبوب، ينادي بإنه باقٍ حتى دهر الدهور وينسى أنه في لحظة يُعلَن مجرى الأمور... فما أتعس الحياة حينما لا نفهم إرادة باريها، ولا نحب خالقها، ولا نقدس ساعتها.
- كانون كباراً ودون استحقاق، فلا علم ولا علماء، ولا شهادة ولا امتياز، بل تابعون أمناء وعبيد أوفياء وإنْ كانت الحقيقة تنادي بأنهم لا يستحقون، فلا آذان تسمع ولا عيون تؤمن، والسامعون لهم مراؤون، والناظرون إليهم مصلحيون، وهكذا شاءت إرادتهم. فعبيد اليوم مهانون خاضعون خانعون، وكبار الزمن _ وإنْ كانوا سرّاقاً _ فهم قديسون معلَنون.
- قالوا عنا إننا سرّاق وعلى القضاء إكمال إجراءاته، فسرقتهم لا يغفرها لا إله الحياة ولا إله الزمن، فيكتبون السماء بأسمائهم فهي مُلْكٌ لهم، هكذا أرادت آلهتهم وهذا الذي يجب أن يكون، فالحقيقة لا تكمن في القول والتهمات بل الحقيقة تحمل شهادة الحياة ، وفي ذلك يدركون جيدا من هم السراق وكيف يلتفون على الحقيقة لغاية في قلوبهم ، ليس إلا!!!.
- شاءت إرادة السماء أنْ حلّ ما حلّ فينا، وتلك إرادته سبحانه وتعالى. كما شاءت الدنيا أنْ تسيّرنا حسب هواها وأهدافها ولكن علينا أن نمتلئ من نِعَم السماء فتتلاحم أيادينا وتتعزز إرادتنا، فثقل الحياة ليس بإمكاننا حمله إلا إنْ كنا أوفياء لتربتنا ولأجيالنا وأحفادنا، ونطلب عون الله، وإنْ كان الإرهاب قد منح حياة لا يملكها، وتوصل الدنيا إلينا رسالة الدمار والتهميش والتهجير فيكتب لنا الزمن تاريخاً مزيَّفاً بالتهنئة وكباره... فتلك مصيبة المصائب وحقيقة النوائب.
- ألا يكفي زمن الحروب المميتة والطائفية المقيتة والعشائرية الهزيلة والقومية القبلية كي ننادي بالمواطنة الصالحة والعمل المشترك، وأنْ نضع الحقيقة والشهادة من اجلها وفي مكانها من أجل الوطن كي لا يبقى محتَلاًّ، فتُسلَب إرادته وإرادتنا، ويبقى مشتَّتاً بأبنائه وانتماءاتهم.والله بكل شيء عليم ، نعم وآمين .

10

نداء عاجل ..أين رمزنا ، "صليبو دحايي"
شكرا جزيلا اخي وعزيزي ظافرشنو السامي الاحترام
ان عبارة " ولا نقف مكتوفي الأيدي فنحني رؤوسنا لكل عابر سبيل يريد منا أن نكون ذبيحةً وقرباناً كإسحق ابن إبراهيم"
لم اكن اقصد فيها ما فسرته انت او شرحته
فالعبارة قسمتها الى ثلاثة اقسام
1-   " عبارة ولا نقف مكتوفي الأيدي" معنى ذلك ان الزمان هذا يجب ان يعلمنا وحدة الكلمة في المشسيحية الواحدة ونعمل جهدنا كي نعود الى ديارنا ونبني قرانا والا ضعنا في متاهة المصالح والسياسة .
2-   " وفنحني رؤوسنا لكل عابر سبيل " اعني فيها علينا ان نقلع الخوف من قلوبنا ولا نبقى على هامش المسيرة اذ يعتبرنا كل واحد يعبر الطريق ان الخوف يملك على قلوبنا ، فيعيبوننا كما استهزوا بالمسيح الحي وهو في طريقه الى جبل الجلجلة .
3-   اما عبارة  " أن نكون ذبيحةً وقرباناً كإسحق ابن إبراهيم"  اننا بسبب خوفنا وضعفنا اما نرحل او نستسلم للامر الوقع فنكون بذلك ضحية لليمين واليسار ويقدموننا قربابا كما قال الرب يسوع حينما يضطهدونكم " انهم يقدمون قربانا لله ."
في هذا الجواب البسيط اكيدا انا مؤمن انك ادركت الحقيقة وانني منتبه اكثر من القارئ المحترم الى ما يخطه يراعي وانتبه جيدا في كل حرف او كلمة اسطرها . لان المسيرة ليست في الكتابة فقط ولكن الكتابة ما هي الا سبيل الى الطريق المستقيم في حقيقة الايمان والحياة . فانا منتبه جدا لما اكتب ولما اقول ولما اسطر .
واذ اقدم شكري اتمنى من الرب ان يمنحك نعمة تحتاجها لمسيرة الحياة واقبل داخلتك بصدر رحب فذلك ينبوع الخير والمحبة في حقيقة الايمان
ودمتم في محبة المسيح
محبك المونسنيور الدكتور بيوس قاشا

11
  بمناسبة الذكرى الثالثة لاحتلال أراضي سهل نينوى

نداء عاجل ..أين رمزنا ، "صليبو دحايي"!؟
المونسنيور د. بيوس قاشا

   نعم، أربعة عشر قرناً ومسيحيو الشرق يعانون من الإرهاب والإضطهاد، فقد قدّمــــــــوا ملايين الضحايــــا لأجل الحفــــاظ على عقيدتهــــم الدينيــــة وكيــــــانهم المسيحي وبنـــــــاء
أوطانهم بروح التضحية والإخلاص، ومع هذا فإن حملات اضطهاد المسيحيين أخذت منذ القِدَم مسلكاً واحداً هو القضاء عليهم بمختلف الوسائل، بدءاً بأجدادنا وأسلافنا _ ونحن اليوم أولادهم وأحفادهم _ الذين كانوا يعيشون في الوسط الأصولي الداعشي الإرهابي وبمختلف مسمّياته في أراضي سهل نينوى وفي ظلّ رحمتهم المزيَّفة، مدّاً وجزراً وفي أغلب الأماكن كانوا وكنّا ولا زلنا، وفي كل الأزمنة نشعر بالمذلّة والخوف والرعب والسيف المسلَّط دائماً وأبداً على رقابنا، وإشعارنا بأنّ حياتنا لا قيمة لديهم.
   والحديث عن ما حلّ بنا لا يوصَف بإنشائه ولا يُحكى بمسيرته الشيطانية المجرمة ولا يُقاس بميزان السرقات المتعددة والمختلفة، ولا يمكن للأسطر أن تحكي قصتنا البائسة، فقد كان طوفاناً إرهابياً أصولياً حمل معه مالاً وتاريخاً وحضارةً وتعايشاً، ولم يترك للتاريخ سوى حكايات يندى لها الجبين في قصص مرعبة، ويتأوّه أمامها السامعون وتصمت الألسن ولا يبقى للحديث مجالاً لأن كل شيء قد أصبح في خبر كان.
   نعم، فليكن ذلك مقبولاً بالرغم منا، ولكن أنْ تُسرَق رموزنا وتُهان سبل إيماننا وتُدَنَّس بأيادي وارجل الدواعشيين، فتلك جريمة لا تغفرها آيات أُنزلت مهما طالت أو مهما قصُرت، وما على الجهات الحكومية وقوات الإقليم أن تكون أمام الحدث سيفاً لإعادة مقدّساتنا ورموز إيماننا، وكنوزنا الأثرية والحضارية من مخطوطات وكتب دينية ووثائق وسجلات كنسية، وهنا الحديث يكثر عن أن أُخبر عن أمر كل كنيسة في باخديدا المطرودة، حيث كان لكل كنيسة "صليب الاحتفالات" وهو الصليب الحي "صليوا دحايي" " صليب الحياة "  علامةً ورمزاً تحتفل به في مناسبات أعيادنا وأزمنة عقيدتنا السماوية الإلهية. ففي كنائسنا الخمسة (الطاهرة الكبرى، مار يوحنا، مار بهنام وسارة، مار يعقوب، مار زينا) صلبان من فضة ومطلية بذهب خالص تحمل أيقونة مقدسة من خشب صليب المسيح الحي أو ذخيرة قديسين، هذه كلها سُرقت، ولا زالت حتى الساعة في مجال الضياع والفقدان، وهي أثمن من كل ممتلكاتنا وحضارتنا، إنها رموزنا وقدسياتنا، ولكن الوحشية التي لبسها الداعش الأصولي قد دنّست كل شيء، والذي ابتُلينا به في عراقنا خاصة وفي شرقنا عامة.
   أمام ما حصل، أناشد حكومتي الموقَّرة وقوات البيشمركة والحشد الشعبي في ربوع شمالنا العزيز أن تعمل جاهدة على العثور عليها، وأن تدخل بيتاً بيتاً من بيوت الأعراب الذين أحاطوا حوالينا في سهل نينوى، وعبر إمكانياتهم الأمنية ومقدراتهم الإستخبارية أن تعمل جاهدة ومخلصة من أجل العثور عليها، وإلا ماذا تعني نداءات العودة والعيش المشترك وإعادة بناء ما دمّره داعش إذا كانت رموزنا قد سُرقت ودُنّست من أناس يحملون أصولية بائسة وإرهاباً مجرماً، وفي هذه الدعوة أناشد جميع رؤسائنا الدينيين وشعبنا الأبيّ _ الذين ذاقوا الأمرَّين في هذا العراق العظيم من شماله إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه _ على التضامن والمطالبة بحقنا الإيماني والسماوي المشروع، ولا نقف مكتوفي الأيدي فنحني رؤوسنا لكل عابر سبيل يريد منا أن نكون ذبيحةً وقرباناً كإسحق ابن إبراهيم، وكفانا خضوعاً وخنوعاً وهروباً وحمل الحقائب من أجل ملء البطون والنوم الهانئ، فالقلوب أدرى بربّها وبقوة إيمانها وبحقيقة عقيدتها، وكفانا تقاعساً وصياحاً وصراخاً وإصدار بيانات ليسمعنا العالم، فبئس ذلك إنْ كنا لا نسمع أولاً صياحنا وصراخنا وندرك تقاعسنا قبل غيرنا.
   كما أناشد رجال الكوتا المحترمين والأحزاب السياسية والمنظمات المسيحية والإسلامية الإنسانية وشعب سهل نينوى وجميع ذوي الإرادة الطيبة وبالخصوص أبناء بخديدا الكرام، أناشدهم أن يوحّدوا كلمتهم أمام النهر الجارف لمسيرة إيماننا والخطر الآتي إلينا. فلنعلن مطالبنا، ولنناشد كبار الزمن ومسؤولي الدنيا والضمائر الحية، أن تعمل الجهات الرسمية على اكتشاف مَن هو الداعشي السارق ومَن إشترك وشارك في هذه الجريمة في سرقة صلباننا _ صلبان المسيح الحي _ وإلا ما الفائدة أن نعود إلى ديارنا ولا زال الحرامية واللصوص والسرّاق يجولون ويمرحون وينتظرون فرصة أخرى سانحة ليقتلوا ويميتوا ويذلّوا ويذبحوا البقية الباقية لشعبنا.
   هذا نداء أوجّهه لجميع ابناء شعبنا وذوي الإرادة الصالحة في عراقنا العزيز أن نقف موقفاً واحداً موحَّداً، ولنشارك مخلصين في كشف مَن سرق رموزنا وحرق كنائسنا وهدم مذابحنا وكسّر صلباننا، وإلا عبثاً نحاول أن نحافظ على شعبنا ببقاء كراسينا وصوت بياناتنا وعدم وحدتنا، وما ذلك إلا حقيقة مزيَّفة. إنه مطلب وسؤال من صميم حياتي كتبتُه، وفي مسيرة عقيدتي أرسله إليكم، فأنتم شهود على ذلك، أليس كذلك!؟. وشكراً لكل مَن ساهم ويساهم في لمّ شملنا سياسياً ودينياً وشعباً وأحزاباً، فقد قال الرب المسيح الحي:"مَن ليس معكم فهو عليكم" (لوقا 50:9)، و"مَن ينكرني قدّام الناس أنكره أنا أيضاً قدّام أبي الذي في السموات" (متى33:10)... نعم وآمين ودمتم.

12
بمناسبة الذكرى الثالثة لاحتلال اراضينا في سهل نينوى

بين المسلمين والمسيحيين ... خناق أم عناق؟
المونسنيور د. بيوس قاشا
  في البدء...
ربما شاءت الإرادة الإلهية أنْ نُطرَد من بيوتنا وتُسرق أموالنا وتُحرق منازلنا ونلجأ إلى الغربة من أجل بقاء الحياة. وأمام هذه المأساة بل الإبادة والضياع لم يُسمَع صوت بكائنا ولا أنين آهاتنا ولا ألم معاناتنا إلا من قليل من كبار الزمن ورؤساء الدنيا والجالسين على كراسي الحكم والنظام، فكان مَن مَدّ لنا يد الرحمة والعون وكلٌّ حسب قدرته وإمكانياته، ولذلك نحن لهم شاكرون. ولكن الحقيقة لم تقال بعدُ، والسؤال يظهر جلياً ليجد نفسه بلا جواب: هل بين المسلمين والمسيحيين حروب وخصام أم عِداء عبر آيات وحقيقة الإيمان؟، وهل لا زال المسلمون _ ومنذ أمد بعيد _ يكفّروننا ويصغّروا قاماتنا ويقلّلوا من وجودنا وقيمته؟، وهل الإسلام الأصولي أدرك أن عليه أن يترك مسار التكفير والذمّة والجزية كي يكون في مسيرة العيش المشترك وقبول المختلف عنه في كامل الحقوق عبر إنسانية الحياة ونِعَم السماء، بل أقولها حقيقة وتلك إرادة المسيح الحي الذي أوصانا بها إذ قال:"قولوا الحق والحق يحرركم" (يو32:8)؟، هل بين المسلمين والمسيحيين _ وبعد صراعات فكرية وطائفية _ وعلى مدار الزمن والسنين، عناق أم خناق؟.
   المجرم الداعشي
   يقول لنا الزمن في كباره ومصالحه أنْ عودوا إلى دياركم وابدأوا الحياة وكأنّ شيئاً لم يحصل، أو لم يكن، وما أجمله من كلام بل وما أغناه من فكر ومسيرة، وهكذا يُنشد أيضاً كبار معابدنا وسياسيّو حكوماتنا دون أن يُظهروا لنا ما هي السبل التي يجب إتّباعها لمستقبل لا يتكرر علينا هجومه الداعشي الوحشي في شراسة البشر القاتلة وأصوليتهم. وهل بناء الجدران والحيطان أهم بكثير من إعادة ثقة الإنسان في مسيرة الزمان ومستقبل الأيام؟، لا أعلم، وليس بإمكاني أن أعطي جواباً لسؤال لا أجد له حلاً بسيطاً، بل عليّ أن أدفن الحقد الذي يسكن في قلبي والكراهية التي ترافق مسيرتي والبغض الذي ينظر إلى الذي ظلمني وقتلني وسرقني، ويزأر أمام كل وجه شوَّهَتْه آيات التكفير وعلامات الذمّة والتصغير، ولم أجد في ذاتي وأمام عيوني إلا الأصالة المذبوحة والهجرة البائسة والتراب المدنَّس بأرجل الدواعش الأشرار، وما تلك إلا أخطار تداهمنا ليلاً وحتى نهاراً.
      أصوات ... وأصوات
   وأيضاً أسأل المرجعيات والمشايخ والعلماء الموقَّرين، وعلى اختلاف مذاهبهم ومدارسهم وعلمائهم وانتماءاتهم، هل أتت فتاواهم بإيقاف تكفير المسيحيين، وهل حرّمتهم من قتلهم أو منعتهم من فرض جزية عليهم أو إجبارهم على إعتناق الإسلام وحرمان أي نوع من الممارسات اللاإنسانية واللاأخلاقية التي تمسّ أمان واستقرار وسلامة المسيحيين وممتلكاتهم؟.
   نعم، كانت أصوات من عدد من المرجعيات الموقَّرة والعلماء المحترمين تُعلَن من على منابر الخطابة في المساجد والجوامع، ولكن أية فائدة تعمل في قلبٍ يؤمن بما يقوله إيمانه بقتل كل كافر مختلف عنه وذلك حلال عليه وكأنه يقدّم خدمة لرب الجلالة الذي جعله نائباً عنه ليفتك ويقتل ويطهّر الأرض منهم ومن بلاياهم. فنحن اليوم نعيش في وسط أصولي داعشي إرهابي، ملأ الأرض فساداً وجريمةً وتكفيراً. أليس من حقهم أن يشعر المسيحيون _ أنهم على مدار الزمان ومسيرة الأيام _ بالمذلّة والخوف والرعب والسيف المسلَّط دائماً وأبداً على رقابهم، وإشعارهم بأنهم "صاغرون" (التوبة 29).
   وطن واحد
   إننا نحن المسيحيين نشعر إننا مع المسلمين شعب واحد، وهمومنا ومعاناتنا واحدة وفي وطن واحد، إنها رسالة وهذه ليست صدفة بل إرادة من الله تجسدت في أرضنا ومشيئته علينا، وندرك جيداً أن ألمنا واحد ونحن كلنا نركب قارباً واحداً لا وجود فيه للحواجز والجدران العازلة، وليس فيه نبوءات عن القتل والتكفير والذمم، بل في هذا القارب نتقاسم الحياة، وفيه نعيش معاً ونموت معاً ونواجه مصائبنا وعواصفنا معاً عبر تظافر جهودنا، ونعمل جاهدين كي لا تنقسم إرادتنا وهدفنا، فإذا انقسمنايغرق قاربنا ونغرق جميعاً معه... أليس كذلك!!!.
   رجال الإيمان
   ما أراه على الأخوة الإسلام أن يعلو صوتهم في وجه الإرهاب والتطرف حقاً وحقيقةً لإزالة ثقافة الخوف والترهيب والموت والتي يحملها الأصوليون الذين يدّعون أنهم إسلام ولا إسلام غيرهم والعكس صحيح، إذ أقول لا يمكن للدين أن يكون سبب تفرقتنا، فالوقوف في وجه الموت المهدِّد لنا رسالة سامية بل مقدسة، وهذا ما يدعونا إلى تعزيز الحوار والتلاقي في اكتشاف النقاط والخطوط البيضاء التي تجمعنا وليس الخطوط الحمراء والتي تفرّقنا في محو مساحات الاختلاف والعزلة والتفرقة، فالدين لله والمواطنون مؤمنون كلٌّ بدينه ولا دين فرّق عن آخر إلا بعيشه وقبوله وما نحن إلا رجال إيمان وليس رجال دين، فالدين علاقة ما بين الخالق والمخلوق، بين الإنسان والعليّ العظيم، أما رجال الإيمان فهم مَن يحملون الإيمان في صدورهم وسواعدهم، في غفرانه وتواضعه، لأن رجال الإيمان هم رجال خدمة في تواضع مسيرة الحياة.
   تفسيرات متطرفة
هل يجوز في هذا الزمن أن نقبل التفسيرات المتطرفة للنصوص الدينية؟، ألم يقل يوماً سماحة السيد عمار الحكيم:"إن النصوص المجتزأة يُراد منها إثارة الفتنة بين الطوائف" (17/5/2017)؟، أليس هو الآن زمن مراجعة المناهج في مدارسنا وكتبنا من أجل أن يزداد كل واحد معرفة بالآخر، وننشّئ أجيالنا بمسؤولية تجاه الجار والقريب والآخر المختلف؟، ألم يحن الوقت لإيقاف إصدار الفتاوى وآيات تكفّر أهل الكتاب وحاملوه؟، ألم يأتِ الزمان الذي فيه يُنَزَّل الخطيب من على المنارة وهو يلقي خطابه الديني المميت؟، أين هي حرية العبادة والدين والهوية؟، أين مسار قومية كل إنسان وبطاقته الوطنية؟، فالمكونات _ ومنهم المسيحيون _ وإنْ كانوا أقليات فهم مع الأغلبية يتقاسمون، وينشدون دستوراً واحداً يُصاغ فيه حقوقنا وواجباتنا وعلى السواء، فالدين لله والوطن للجميع، وللمؤمنين دينهم وإيمانهم، وللدولة دستورها وقانونها، فلا يمكن أن تدين الدولة بما تشاء الأغلبية، ولا يمكن للمؤمنين أن يؤمنوا بما يُكتَب لهم وما ليس بإرادتهم، وهذه هي الحقيقة بأَمِّ عينها، وهذا ما يجب أن يكون، بل وهذا ما يجب أن يحمله الدستور ليس إلا!!!.
   مستقبل شعبنا
   لاشكّ إننا نقف جميعاً وعلى حافة مرحلة تاريخية خطيرة وحساسة من حياة بلدنا العزيز ومستقبل شعبنا، وصحيح إن المنطقة تمرّ بتطرف لا يوصف وثقافة التعصب والطائفية المقيتة، وهذا لا يعني أن نسير مسارها بل أن نحدّد رؤيتنا ومصيرنا وما هي الدولة التي نصبو إليها ولتكن لكل المواطنين فهي مبنية على احترام هوية الآخر وحرية إيمانه ومبادئه واحترام رموز دينه وليس في السيطرة الدينية أو العددية أو الطائفية أو العشائرية أو القرابة أو النسابة، لأن قضيتنا ليست قضية وجود فقط بل قضية رسالة وخاصة في هذا العالم المضطرب وسط تحديات لا حصر لها. وقد قيل كثيراً أن الإرهابيين لا يمتّون إلى الإسلام بِصِلة ولكنهم يمضون في تجاهل الفكر الذي يتغلغل بين الأجيال الصاعدة والذي يعلن أن الجنة تُضمَن بقتل الأبرياء. فالمسيحيون لا يبغون هكذا جنّات، ولا يسعون إلى إقتنائها أو ربحها وحتى لو مجاناً، فجنّتهم هي في رسالتهم المُحِبّة لتراب إحتضنهم من أصولهم.
   فقد قال يوما سماحة السيد عمار الحكيم:"إن المكوِّن المسيحي ليس إضافة عددية بل نوعية، يحمل حضارةً وفكراً وتاريخاً في هذا البلد، وقوة العراق تكمن في هذا التنوع"، ودعا إلى الوقوف متضامنين لكسر الحواجز والتأكيد على القِيَم المشتَرَكة وهذا يحتاج إلى سعة صدر واحتواء وتقريب وجهات النظر (12/3/2013)... أمام هذا الحديث، أليس من أحكام واضحة من الإسلام تجاه المسيحيين وهي إشهار إسلامهم أو دفع الجزية أو القتل، ويجب قتال اليهود والنصارى لإرغامهم على الدخول في الإسلام، كما يجب قتال الصابئة والمجوس... فهل يجوز العودة إلى الخناق بعد ألفي عام من مسيرة الدنيا.
  الخاتمــة
   إن المسيحية رسالة محبة ولا غيرها، فالمسيح الحي قال "وصية جديدة أعطيكم أنْ أحبوا بعضكم بعضاً كما أنا أحببتكم"(يو34:13) . فالحب يوصل إلى العناق في القيم المشتركة وفي تضامن الإنسانية أولاً ثم في المواطنة، والمأساة التي حلّت بنا تدعونا جميعاً نحن أبناء العراق بجميع مكوّناتهم أنْ يكونوا يداً واحداً وصوتاً واحداً ولا نكون عبيداً لجيراننا وتبعية لدول الاقليم والذين من حولنا ، مطيعين وخنوعين  رغم إرادتنا ، بل علينا أن لا نصنع إلا إرادة شعبنا وما هو خير لأجيالنا. فعناقنا يدعونا إلى نبذ الخناق، وما العناق بين الأخوة إلا رسالة السماء... فليتعانق المسلمون والمسيحون وما أجمله ليس إلا... نعم وآمين.


13
المسيحيون أمام عناوين مخيفة 
المونسنيور بيوس قاشا
  في البدء
   تاريخ المسيحية مجبول منذ ولادته بالإضطهاد والقتل والمجازر والصلب والطرد، ذلك كان شأن كل التلاميذ ثم الكنيسة الأولى المضطَهَدة (لو12:21-19)، ونسير في تاريخ الإضطهاد في شرقنا حتى نصل إلى مذابح سيفو والإبادة التي حصلت على يد العثمانيين.
كما ولا زالت اليوم تُكمّل الإبادة مسيرتَها بطرق متنوعة وبخطط عديدة في قلع الأصلاء من أرضهم وطردهم من حقيقة ترابهم وإفراغ الشرق منهم ومن بلاياهم _ كما يزعمون _ إنها جراثيم ضد الإنسانية تجعل من الدين إعلاماً لتدمير الآخر بتشويه التفسير، وجعله علامة في رفض المختلف ورفض الآخر وإنْ كان كتابياً، وهذا ما يجعل أنْ يقال أنّ المسيحيين على وشك الإنقراض وضحايا للإبادة الجماعية المخيفة وسلوك سيئ لمسيرة الإنسان المتحضر.

  هبة العلي
على المسيحيين أن يعودوا إلى الأصل وإلى الينبوع الذي لا ينضب، إنه المسيح الحي. فالتنوع مطلوب، وقبول الآخر المختلف ضرورة، وتلك خبرة كنسية إيمانية عاشها قبلنا مسيحنا الحي مع تلاميذه بخبرته وخبراتهم، ولكن ما جمعهم هو "المحبة الكاملة" (يو34:13) التي ملكت على قلوبهم دون محاباة. فالإيمان بالله يعني الإيمان بأن المحبة أقوى من كل شيء "وأعظمهنّ المحبة" (1كو13:13) حتى من الإنسان نفسه، لأنها هبة من العلي، فهي أقوى من الموت، وهي ركيزة الحقائق كما إنها حقيقة الإيمان وبها إجتاز المسيح وتلاميذه كل الحدود دون تحديد صعوبة الحياة وعمق الألم، وما ذلك إلا نداء لمسيرة مسيحيتنا كي يكون المسيح الحي حاضراً في كل لقاء ومع كل إنسان، لأن الموقف المسيحي نابع من موقف المسيح الحي ولا يجوز أن تسود الإنسانية إلا المحبة، ليس إلا!!.

  رسالة أم ضياع
إن المسيحيين يشعرون بالألم من مسيرة بعض السياسيين وكبار الزمن والدنيا الذين لا يسألون إلا عن مآربهم ومصالحهم ومنافعهم، ولم يكن بإمكانهم أن يردّدوا إلا بعض البيانات والإستنكارات، والكلام الصارخ،  والتأوّه تجاه ما إرتكبه تنظيم الدولة الإسلامية حيث الدواعش وما هم إلا قادة أشرار لمسيرتها. كما إن الغرب لم يتّخذ إلا موقفاً متفرجاً مما حصل حتى أدرك أن ذلك ربما سيمزقهم في دورهم، فكانت الحرب ضد الدواعش الأشرار. وأمام هذين الموقفين أتساءل: هل المسيحية ستختفي، تلك التي عُرفت وسبقت حضارتها الإسلامَ
بـ (600) عام؟، أليس ذلك إجحاف بحق المسيحيين في أن يبادوا في بلدانهم!، وهل لا يمكن للكوتا الخاصة بالمسيحيين أن تُدرك ما رسالتها أمام هذا الضياع؟، فإنني أخاف أن أقول: لعلّ الكتل الكبيرة تتنازع فيما بينها كي تكون جزءاً منها، والكتل لهم خاضعون.

   عنف وقتل
كَثُرَ الكلام عن التشدد الإسلامي والإرهاب الداعشي، وعن حركات تكفيرية تقود المجتمع إلى زعزعة وحدته وإداء مكوناته في إختلافاتهم، كما إن الحديث عن هيمنة المجتمع السلفي على المجتمع الإسلامي إضافة إلى ما يحمله من العنف والقتل والإبادة، هذه العناوين وأخرى مثلها عناوين مخيفة لا تحمل إلا الدمار والعنف وإهانة الآخر مختلفاً كان أم لا. إنه تشدد وتعصب وتكفير في حق مَن يخالف الآراء والمعتقد، والمسيحيون ليسوا في منأى عن هذه العناوين المرهبة، فهم ضحاياها شئنا أم أبينا، لذلك تراهم يخافون من الآتي وينامون بقلق ويصبحون بخوف على مصيرهم ومصير عوائلهم وأموالهم وممتلكاتهم وإنْ كانت حال كل الناس هذه الأيام من مسلمين ومسيحيين، وإنْ كان الفكر الديني المتشدد والمتطرف ما عاد حكراً على أتباع دين من دون آخر، فالكل في باحة الخسارة، والكل يعيش واقعاً مريراً.

   شهادة لأصالتنا
ما نحتاج إليه خطاباً دينياً معتدلاً من على المنابر، يقبل الآخر المختلف ويقرّ بحقوق كل إنسان في العيش وعدم التكفير، في دولة مدنية تصون المواطن في حقوقه وتضمن مستقبله بغضّ النظر عن إنتمائه، فآية الكهف (29) تقول:(مَن شاء فليؤمن ومَن شاء فليكفر). فلنتضامن ضد الشر والإرهاب من أجل مشاركة فاعلة في محاربة كل داعش لوقف هذا الجنون، ليس فقط في الميدان وساحة العمل بل في مجالات الإعلام والمدارس والجامعات من أجل وقف كل سلاح ومال عن إرهاب الزمن وأشرار آخر الزمان، والعمل على البقاء في الوطن شهادة لأصالتنا ومسيرة إيماننا.

   رجاء ودعوة
   هل نتفاعل من أجل مستقبلنا وبالذات في وطننا الجريح، وأنا في ذلك لستُ بسيطاً وساذجاً وإنْ كان ما نراه لا يمكن أن نتفاعل مع كل ما يحدث حولنا وأمام عيوننا ومسمع آذاننا ومرأى أبصارنا، ولكن ما أدركه أن الكلمة الأخيرة هي لله وليس للشرّ. ولنتذكر التجربة الثالثة للمسيح الحي بعدما صام أربعين يوماً وأربعين ليلةً قال للشرير:"اذهب يا إبليس، للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد" (لو8:4).
نعم، إن هذا الإيمان سبيلنا في عيش الرجاء "والرجاء لا يخيب" (رو5:5) وإنْ كان الوضع الراهن لا يشير بأي حلّ قريب أو نهاية الفاسد الشرير فإن الذي هو أقوى من الموت لا يمكن أن يقتله أحد في داخلنا لأن إيماننا رسالة سامية من أجل وجودنا، ورجاؤنا ما هو إلا في يد الله القدير، وتلك دعوة كي نقف ونستمر في مقاومته وليس للتنازل له. فطريق الجلجة كان طويلاً ولم يكن مريحاً بل متعباً، فلننهض إذا ما سقطنا، فمعلّمنا ومسيحنا سقط ثلاث مرات ولم يتراجع عن الوصول الى جبل الجلجلة (متى 32:27) فما بلانا؟، فالعزيمة هي إيماننا في قيم سامية وليس رحيلنا في حمل حقائبنا واختفائنا.
   دمعة وصمود
إن الكنيسة تحافظ على وديعة الإيمان، كما إنها تسهر عليها وعلى نموّها حيّة في نفوس المؤمنين، لتكبر يوماً بعد آخر إنطلاقاً من واقعها ورسالتها. وإذ تؤمن المسيحية بأن الله قادر على كل شيء، وهو الذي يُخرج الحياة من الموت ويُحيي العظام بكثرة رحمته فهو يقودنا إلى العمل والصمود وتحدّي الصعاب وبرجاء أكيد في العزيمة. فالمسيحيون أبناء القيامة، وبسبب ذلك يجب أن يبقوا شهوداً في الشرق ولا يمكن الرحيل عنه أو تركه، ومسؤوليتهم دعوة إلى الصمود والثبات كي لا نصبح كلنا من المهجَّرين قسراً والنازحين والراحلين لأنه دون ذلك تكون سياستنا وبياناتنا لعبة أمم ولا أكثر... وتلك حقيقة توصلنا إلى الله الرحمن، ونمتلكها كشهادة لمسيرتنا.

   يحيا الرئيس
كانوا في زمن مضى يفرضون علينا قوميتنا بدكتاتوريتهم، وكانوا يسجّلون تاريخنا ولغتنا من أهل الأعراب، والحقيقة لم تكن لمصلحتنا بل لمصالح سياسية آنية في حينها، واليوم وإن تغيّرت الصورة _ فالملقى واحداً _ فكل واحد منا يفتش عن قومية تأويه ليسكن في تاريخ الحياة ومن المؤسف لحد الآن لم نعرف سبيلنا ولا مصالحنا الأصيلة، بل أنانياتنا في مصالحنا وأحزابنا وحركاتنا وطائفيتنا. ولم نكن ندري عنوان قوميتنا التي ورثناها من آبائنا وأجدادنا بل من أرضنا وأصالتنا، كما كنا في ذلك اليوم عبيداً مطيعين لِمَن يقودنا في الخوف والتهديد، من أجل المصالح والمدائح، وكنا نهتف لكبيرهم وقائدهم ورئيسهم "يحيا الرئيس" و"بالروح والدم نفديك"، واليوم نحن أحرار مضطَهَدون ولا زلنا نهتف " تحيا أنانيتنا وقوميتنا المنغلقة في عزلتنا، وطائفيتنا الانفرادية"، ولكن الحقيقة إننا نسبح في بحر هائج وأمواجه ترتطم في صخرة تاريخنا. ومن المؤسف نحن سعداء حينما نكون لها ولكن بئس تلك السعادة، فلو سألت اليوم أحد أبسط أبناء شعبنا ورجالاته، عن قوميته وطائفيته، فيجيبك وبكل بساطة وسذاجة "أنا مسيحي" ولا شيء آخر.

  زوال وشدة
إننا نعيش في محنة لا توصف بقساوتها وفسادها، كما إن أوقاتنا مصيرية وحاسمة تجاه شعبنا ووجودنا، ولعلّ ذلك إمتحان من ربّ العلا كي يطهّرنا من الداخل وينقّينا وينزع من قلوبنا كل ما من شأنه يعيق مسيرة إيماننا ووفائنا، حاملين روح المحبة رغم مسيرة العداوة التي نلاقيها، وإنْ كانت أحياناً تضعنا على المحك، فأمّا أن نبقى ونشهد لحقيقة وجودنا أو نزول مع أجيالنا وأحفادنا. فزوالنا هو زوال شعبنا، فما علينا إلا أن ندافع بعضنا عن بعض، والشدّة التي تلاقينا تعكس ظلّها على الجميع في أماكننا المقدسة وفي عقر دورنا، وتقودنا إلى ثقافة بائسة في إقصاء الآخر والتعالي، وترافقها مسيرة زرع الأحقاد والسلبيات المدمِّرة.

   الخاتمة
نحن مسؤولون أمام العالم لنشهد معاً للتاريخ والوقوف في وجه كل مَن يريد أنْ يشوّه هذا التاريخ. فالعالم يتفرج علينا أكثر مما ينظرنا ويستهزء بنا وبانقساماتنا وبطائفيتنا وعشائريتنا وقوميتنا، بمصالحنا المزيّفة وكراسينا الزائلة، فيزرع الفتنة والخصام ويقودنا إلى الإقتتال فنفني بعضنا بعضاً شئنا أم أبينا، وما ذلك إلا نفاق وخبث ورياء. فنحن نرفض الموت عبيداً من أجل حياة شوهها الفاسدون وأصحاب المصالح والأصوات العالية، وما علينا إلا أن نقف صدّاً منيعاً أمام ثقافة الخوف والعزلة، ونرفض المبدأ القائل أن هناك أقليات دينية بحاجة إلى حماية، فنحن كلنا جزء من تراب هذه الأرض، والقانون العادل دستورنا، وكلنا شعب هذه الأرض، لنا ما نعمل فيها، ولنا فيها ماضينا، ونحيا حاضرنا من أجل مستقبلنا ومستقبل عيالنا وأجيالنا، عند ذاك لا نخاف من العناوين التي تُسمّى لنا أو نُنعت بها من أجل طردنا ونكران إيماننا، والحقيقة في وحدة كلمتنا، وكلمة في شهادة مسيرتنا، ليس إلا... نعم وآمين.

14





15
رد للدكتور زهير بني
ان مقالي هو بحت مقال ايماني ولا علاقة له بالسياسة
فالنا مقالاتي كلها من الجانب الايماني وليس السياسي وشكرا وان كان احيا مثل هذا المقال يشتم منه رائحة السياسة
مع محبتي
المونسنيور بيوس قاشا

16
المنبر الحر / نعم ... أنا "سورايا"
« في: 17:41 24/03/2017  »
نعم ... أنا "سورايا"

المونسنيور بيوس قاشا
  في البدء
   المسيحية رسالة، والإنجيل ليس كتاباً بل مسيرة حياة نحياه في مسيحيتنا كي نحمله إلى الآخرين، فالمعلّم علّمنا قائلاً:"اذهبوا إلى العالـم وتلمـذوا الأمـم"(متى19:28)، فالمسيح ليس مُلْكنا بل هو لكل إنسان آتٍ إلى العالم، فنعلن له رسالة الإنجيل في البشارة الحسنة، وما هذه البشارة إلا
نبوءة السماء وعطاؤها، فكلنا واحد في جسد المسيح "فإذا تألم عضو تألم الجسد كله" (1كور26:12) وهذا ما يجعلنا أن ننفي من مسيرة حياتنا طائفيتنا وأقليتنا وأغلبيتنا كي نجعل الآخرين أخوة لنا وليس عبيداً أو تابعين لإرادتنا أو لأفكارنا أو حتى لمخططاتنا، فالمسيحية تنادي بقبول الآخر المختلف واحترام إيمان الآخر وفي ذلك نحمل البركة إلى الآخرين إذ قال:"باركوا ولا تلعنوا" (رو14:12).
   الرجاء بالمسيح
عمَّذتُ طفلاً، وطُلِبَ مني أنْ أُعطيه إسماً، فأسميتُه "سورايا"، وإنْ كان زمانُنا مخيفاً وضائعاً، فالأسماء فيه مبتلاة والتسميات مشترات خوفاً من أو استعباداً لغيره، فلم أسمّيه "كلدو" ولا "آشور" ولا "نهرين" ولا "رافدين"، ولم أسمّيه "آرامياً" أو "سريانياً" أو "كلدانياً" أو "أرمنياً" ولا حتى "مارونياً" خوفاً من أن يكبر في القامة عنصرياً أو طائفياً أو أقلياً، ويعيش أغلبية فيكره الأقلية، ولكن أردتُ أنْ يكون إسمه مسموعاً في الآذان ومقبولاً في الرحيل والهجرة، في الغرب وغروبه وفي الشرق ومشارقه. فعند الغرباء الأجانب ربما يفسّرون إسمَه من تبعية العنصرية فلا يقبلون بَصْمَتَهُ ثم رحيلَه، وعند الآخرين ينعتونه طائفياً فلا يسمحون له بالمواطنة وينجح الأصوليون في تسميته كافراً ويحلّلون دمه، ومن خوفي من تسميته في هويته أو في جوازه كي لا يكون مرفوضاً ومهجَّراً علّمتُه أن لا يخاف من الدنيا، فالرجاء بالمسيح الحي. تمنيتُ أنْ أسمّيه كاثوليكياً أو أرثوذكسياً ولكن خوفاً من أن لا يكون أميناً لِدِينِه وإيمانه، ولا يعرف عنهما شيئاً إلا سطحيات الزمن، ومع هذا تراجعتُ فبدأتُ أرشده وأعلّمه مبادئ الإيمان، فهو خُلِقَ لله ولمسيحه ولإنجيله، ثم لشعبه وأرضه، وأردتُ أن يعرف أنّ الكنيسةَ أرضٌ مقدسة وإنّ وطنَه ترابٌ أحبّه الله فمنه خَلَقَه وفيه وضعه، فهو مسيحي له ولغيره.
   في مركز الناصرة
شبّ الطفل وكبر في القامة أمام الناس (لوقا 52:2) فسجَّلتُه طالباً في مركز الناصرة للتعليم المسيحي ليكبر أيضاً في الحكمة والنعمة أمام الله (لوقا 52:2) وكنتُ له معلِّماً، وأرشدتُه في طريق الحقيقة ليقف في وجه كبار الزمن الفاسدين من الداخل وهم عنهم _ قال المسيح الحي _ ذئابٌ خاطفة (متى15:7)، فيقدّسون ذواتهم ولا يقبلون أنْ تُكسَر كلماتهم وتُعدَّل أفكارهم... إنهم الكبرياء بالذات.
   تعليم وإيمان
علّمتُه، أنّه حُمِلَ صغيراً إلى بيت الرب بكراً وفاتح رحمٍ ليحمل الضعفاء إلى حيث المتعَبين والثقيلي الأحمال فالمسيح الرب يريحهم (متى28:11).
علّمتُه، أنّ الإيمان ليس أغلبية وأكثرية أو أقلية وطائفية بل إنّ الإيمان هو في مسيرة الحياة وفي قلبها، وما نعيشه في السيرة والمسيرة، وإنه صدق ومحبة ورحمة وعمل، وقول المسيح للأبرص:"هل تؤمن؟"... إنها الحقيقة (لوقا 19:17).
علّمتُه، أنّ المسيحية رسالة سماوية قبل أن تكون بشرية، وإنّ الإنسانية حقيقة وليس وَهَم، وما علينا إلا أنْ نكون خدّاماً لكلمة الحقيقة، فالمسيح الربّ قال:"مَن كان فيكم كبيراً فليكن خادماً" (مر43:10).
علّمتُه، أنّ الجائعَ يجب أنْ يُعطى ويُزاد لا أن يكون مرفوضاً ومطروداً، فالمسيح جائع إلينا (متى31:25-46) قبل أنْ نجوع لأنفسنا، وإنّ الظلمَ والفسادَ مرفوضان مهما صَغُرا أو كَبرا، فهو قال:"لا تسرق ولا تظلم" (الوصية السابعة).
علّمتُه، أنْ لا يسرق من مال غيره، أو يجعل نفسه طاهراً فيسرق فساده من دنياه ليكون طاهراً أمام الناس والملأ، فيكون قديساً أمام ناظريهم ولكن الربَّ يعرف النوايا والخفايا (أع 21:4).
علّمتُه، أن المسيحية لا تحمل خطوطاً حمراء بل هي الحياة لكل الناس "فيه كانت الحياة" (يو4:1)، ولا يكون رئيساً يحب بعضاً ويكره بعضاً، ولا يجامل أقاربه ومعارفه وأصدقاءه وأحبّاءه، ولا تكن المصلحة هدفه، بل أردتُه أن يكون خادماً للكل، فالمسيح الرب قال:"أنا بينكم مثل الذي يخدم" (لو27:22).
علّمتُه، أنّ الله يحيا في القلوب، ففيها كانت الحياة قبل الطوائف والمعابد والمذابح، فربّنا يدعونا أنْ نترك كل شيء على المذبح ونصالح أخانا، وليس أنْ ننتمي لذواتنا أو نعتبر أنفسنا نحن وليس غيرنا (متى23:5-24).
علّمتُه، أنّ اللهَ أمينٌ حتى الموت وليس مخافةً أو جبروتاً. فالمخافة حكمة وسبيلها الله، والجبروت قوة وسبيله الحب، والرب يسوع لم يمت من أجله، ولا من أجل عشيرته ولا طائفته، بل أعطى حياته من أجل العالم كلّه وأعطاها حتى الموت (يو16:3).
علّمتُه، أنّ الفاسدين فاسدون، ومَن يحامي عنهم يسرق وصية الله، ويشوّه صورته، ويشترك في خطيئته مهما كان مركزه أو مقامه، فبالفساد يمكن شراء كل شيء. والإنسان لا يملك شيئاً حتى الذي له ليس له، فالرب يقول:"والذي أعدَدْتَه لِمَن يكون" (لو20:12).
علَّمتُه، أنْ لا يرافق النميمة ولا مسيرة الإفتراء، وأنْ يكون مسيحياً يحفظ أسرار الآخرين وليس إشهارهم، وعلّمتُه أنْ لا يجالس مثل هؤلاء الناس ولا يصدق كل ما يقال له من قريب أو بعيد، بل أن يكونَ مؤدباً في مسيرته ومحتشماً في كلامه ولا يحابي أحداً من أجل مصلحته، صادقاً في كلامه، لا يهاب كبار الزمن ولا صغار الدنيا لأنَّ أساسه مبني على صخرة المسيح (متى 7).
علّمتُه، أنْ يقول الحقيقة في وجه الأقوياء والفاسدين الذين يقفون في الصفوف الأولى والأمامية في المعابد بحجّة أنهم أطهار القلوب وسليمي النيّات وقادة الشعوب وقلوبهم مليئة حقداً وبغضاً وكرهاً... إنهم شيطان اسود وشجرة رديئة لا تعطي إلا ثمراً رديئاً وإنْ إخضرّت أوراقها (متى 18:7).
علّمتُه، أنّ ما يجب أنْ يكون هو ما ينقصنا، وإنّ ما عندنا ليس مُلْكَنا، فكل شي هو لله، ومنه وإليه يعود، وما نحن إلا وكلاء، وما على الوكيل إلا أنْ يكون أميناً، والأمانة رسالة ومحبة (متى45:24).
علّمتُه، أنّ الرحمة سبيله إلى العيش، وأنَّ لا مناص من ذلك ليكون كريماً في عينَي الربّ، كما كان السامري صالحاً (لوقا10).
علّمتُه، أنْ يقول "آمين" لمشيئة الرحمن عملاً بقول المعلّم "لتكن مشيئتكَ يا الله" (متى39:29) كي لا يتكبّر في الدنيا والأزمان (متى39:29).
علّمتُه، أنْ لا يكون في خلاف مع معبده ليتركه ويذهب إلى معبد آخر معتبراً أن مسيح معبده قد أضاع الحقيقة ونسي أنه هو الابن الضالّ الذي ترك معبده ووالده( لوقا 15) .
علّمتُه، أنه مهما حصل عليه أن يقول "أنا سورايا" كي يمحو من عقله وقلبه كل التسميات والأنانيات، كل العشائريات والطائفيات والقَبَليات، كلّ الأنا وحبّ الذات، ولكي أعلّمه أنّ الربَّ جائعٌ وعطشانٌ إلى نفوسنا وليس إلى سواعدنا، وإنّ الربَّ غريبٌ بيننا ومسجونٌ بسبب نكراننا له، وحبّنا لأنفسنا ولمناصبنا وكراسينا وزماننا ومواقعنا، "والعبد الشرير، يقول ربنا، يُرمى في الظلمة البرّانية هناك يكون البكاء وصرير الأسنان" (متى42:23).
علَّمتُه، أنْ يكونَ مطيعاً لرؤسائه وإخوته وليس عبداً، وأن يعبد الرحمن الرحيم وليس أولياء الأمور والزمن، فاللهُ حيٌّ لا يموت.
علَّمتُه، أنْ يكونَ أميناً للحقيقة ولا يفتش عن القضاء من أجلِ منصبٍ مسروقٍ لكبار الدنيا في مصلحة "الأنا"، فالمسؤولُ خادمٌ وليس قاضٍ.
علَّمتُه، أنْ يعطيَ كلَّ ذي حقٍّ حقَّهُ ولا أنْ يتلاعبَ بميزانِ اللهِ وعدلِهِ من أجلِ نيَّةٍ أو مصلحةٍ أو نظرةٍ أو حسابٍ.
  الخاتمة
ختاماً، علّمتُه، أنْ يكون شاهداً للحقيقة مهما جارت الدنيا والزمن، وأنْ يكون كلاً للكل وخادماً للكل ومُحبّاً للكل، لأنه ينتمي إلى الكلّ، وليس إلى قوميته أو طائفته، ولا يمكن أن يكون خادماً لمذبحه ومعبده، بل هو مُلْكٌ للآخرين (مر35:9). فالمعبد والمذبح لله في مجده، وللكلّ في صلاته... نعم، سَمَّيتُه سورايا، بل أنا سورايا من أجل الكل، حينذاك بإمكاني أن أكون كلدانياً أو سريانياً أو أرثوذكسياً أو أرمنياً أو حتى مارونياً... نعم أنا سورايا... نعم وآمين.


17
عذراً:... المسيحيون أصلاء
مهجَّرون ، راحلون ، مطرودون أم عائدون

   في البدء
   ما هذا الواقع المرير الذي نعيشه، بل ما هذه القساوة التي تتّسم فيها قلوب البشر؟، وما هذا الاضطهاد الذي تعانيه شعوبنا وأبرياؤنا بالحق والحقيقة في أرض الوطن التي أصبحت مجبولة بدماء الشهداء والضحايا الأبرياء، وملونة بألوان الشعوب البائسة في العراق الجريح؟... مشاهد مؤلمة ترينا حقد وكراهية الدواعش الذين دنّسوا أرضنا بأعمالهم الشيطانية، وباعوا ضمائرهم بحلّ الآيات والتكفير مدّعين أن كل ذلك غنائم ونسوا أنها سرقات في وضح النهار والسارق لا يرث ملكوت الله (1كو9:6)، ولكنهم في ذلك يشترون جنّتهم، هكذا يقول لهم دينهم وتعليمهم. ولكن مهما توغّلوا في الجرائم ستبقى أصولنا في أرضنا وجذورها في سهلنا، ومهما كانت المصالح السياسية يتقاسمها كبار الزمن وأسياد دنيانا ستبقى الحقيقة في تاريخ المسيرة ولن نموت، وإنْ متنا سنحضن ترابنا ونُنشد لسمائنا كلمات الحب وأغنية السلام وأنشودة الرجاء وترتيلة الأمل والبقاء.

ضحايا أبرياء
   هذا المشرق عُرف بأصالته وبأصوله، والمسيحيون أصلاء، والتاريخ شاهد على حقيقة الحياة هذه، والأجيال ترافق هذه المسيرة. إنهم أصلاء الأرض وأصيلو الحضارة ولكن قد ملأأ الخوف قلوبهم وسالت دماؤهم دون ارتكاب أية جريمة، فهم ضحايا أبرياء منذ الإبادة في زمان قد ولّى وحتى اليوم، فهم مطرودون ومخطوفون، سلبوابيوتهم وعقاراتهم ومساكنهم، وقد نهبوا كل ما يملكون حتى ما وهبهم الله من خيرات وبركات، ولكن ما ذلك إلا مؤامرة بل جريمة لإهلاك مسيحيي الشرق وطردهم من ديارهم من أجل بناء عالم وحيد في الكلمة والآية وكأنه في عمل الإرهاب هذا يدافعون عن حقيقة قول السماء في مجتمع لا يقبل مجتمعاً مختلفاً عنه وكأنهم أُنزلوا من علُ فيحمّلوننا وزر إنزالهم فنكون ضحايا وحملاناً لإبراهيم، وكل ذلك مُحال أمام عيوننا ومسامعنا وإحساسنا وليس لنا لا حول ولا قوة إلا استنكار وبيان، والمؤامرات رغم ذلك تزداد عنفاً واضطهاداً وتدميراً ولا أعلم إنْ كنا نُدرك مداها كي نمدّ أيادينا في قبضة واحدة فيساعدنا وينقذنا مَن بيديه القرار والحلّ.

حقيقة الاضطهاد
   نعم، مرّ السادس من آب 2014 وما حمله إلينا بلياليه ونهاراته، لقد كان يوم الإبادة بالحق والحقيقة، ولا يمكن لإبن سهل نينوى _ مواطن القرى المسيحية والمكونات المسالمة _ أنْ ينسى ما حلّ به وما قاساه وما احتمله، فقد تعرض للنهب والسلب، للتهجير والتكفير، في إبادة تاريخية لم يُسجّل قبلها التاريخ إلا في الأزمنة الغابرة ولا زال يدفع ضريبة التهجير حتى الساعة ويشدّ الرحيل حتى اللحظة وحقيقة الاضطهاد في المسيرة كلها... ما هذا النهج الأصولي المقيت؟، أسألكم _ بالله عليكم _ ما هي الخطيئة التي ارتكبها شعبنا حتى يُطرَد من دياره؟، ما هي الجريمة التي ارتكبها شعبنا حتى تُنهَب أمواله وتُسرَق ممتلكاته وتُحرَق بيوته ومساكنه؟، وما هي الحيلة التي قام بها شعبنا حتى تُنهَب مخازنه ويُطرد بلباس الليالي؟، عرياناً خرج من بطن أمّه (سفر الجامعة 15:5) وهاهو عرياناً يطرده داعش الإرهابي المجرم، وما الإجرام إلا كلمة لا تفي بحقه.
   شعوب جارتنا سنيناً وأعواماً، أكلت من أرزاقنا، خُدمت من على موائدنا، عُلّمت ووُضعت في صف الحضارة من قِبَل كفاءاتنا بثقافتها وعلمها وعقولها النيّرة لكي تنيرهم، ولكنهم أحبوا الظلمة على النور (يو3:19)، فهجموا علينا كوحش، والوحش حين يصيد صيده يأكل فيشبع وينام ولكن ما حمل هؤلاء الإرهابيون إليهم، إنهم أكلوا وشبعوا وفي بيوتنا ناموا لياليهم ثم أحرقوا ودمّروا وكسروا وحفروا مغاور خنادقهم كجرذان تمشي في ليالي الدنيا الفاسدة وهم يحملون على جباههم ما رسمه الله لقائين القاتل(تك 15:4)... وبئس تاريخ إذا كان ينصفهم يوماً بآية أو بكلمة أُنزلت عليهم.

إلى دياري
   أليس من حقي أن أخاف من العودة إلى دياري؟، أليس من حقي أن أسأل مَن هذا الجار الذي كان يوماً عبداً وخانعاً أصبح قاتلاً وإرهاباً ويريد اليوم أن تتحنّن عليه الدنيا والحياة فتُنصفه عن سرقته وإرهابه وتدميره للأبرياء الأصلاء الذين كانوا في مسيرة البناء والعطاء حيث لم تحمل قلوبهم يوماً حقداً على جارهم أو كراهية تجاهه، فلماذا هذه المجازاة؟، وما تلك إلا جرائم نناشد فيها أنْ لا تعبر عبور الفساد بل في حقيقة العدالة وقانون الزمن.
   نعم، إبتُلينا في صراعات طائفية مقيتة، ومذهبية مميتة، في عولمة مزيفة ودنيا فاسدة ومصالح أنانية ودينية مكفّرة بفتواها، ومَن يرتكبها لا يعتبر نفسه إلا من حقه أن يكون جاراً لكبار الزمن ولكراسي الدنيا. فهل ابتُلينا بهم أو بوطن باعوه لأنانياتهم، أو طاعة خانعة ومزيفة لرئاسات أُدرجت في مسار الدستور الذي مزّق شعبنا ومكوِّناتنا، وكسّر أعمدة الوطن وحبّه وأصخبوا نشيد مقامه؟.

رجاء وبقاء
   نعم، سيبقى أملنا كبيراً ورجاءً ملؤه الحياة والبقاء، وشوقنا سيتجدد كل صباح ومساء في العودة لاستنشاق هواء سهل نينوى ونسماته العليلة، ورائحته ستبقى عالقة في أنوفنا تصعدها كل صباح ومساء شهيقاً لأنفاسنا ينشد عودتنا وإنْ كانت مؤلمة وأليمة، فالأرض أرضنا مهما دنّسها الأشرار، والأرض أرضنا مهما لوّثها الفاسدون، والأرض أرضنا مهما قالوا عنّا راحلون، وصحيح أننا في عودتنا متألمين، فالله رحمن رحيم وأمين سيرافقنا في مسيرتنا، إنه سبيل المستقيم في قلوب الأبرياء وليس في كتب وآيات الإرهاب ولو كَرَه الكافرون
(سورة الصف؛ آية 8)، فنحن الحقيقة بعينها وبأَمِّ حقيقتها، وعودتنا ستكون بعونه لوحة نزيل فيها عن قلوبنا الخوف لكي نقف يوماً صدّاً إذا ما كان الإرهاب يعاود جرائمه وسرقاته ومسالكه البغيضة، وأرضنا لن نبيعها ولن نبكي عليها إلا بأغلى دموع نسكبها ونحن لها صادقون (سورة الحجر؛ آية 64).
   ما نحتاجه أن تكون الأجهزة الأمنية أمينة على حماية كل أبناء سهلنا، أمينة على بقائنا ووجودنا، وفيّة على أصالتنا وتاريخنا، فما مزّقه داعشه وما نهبه وسلبه وما أحرقه ودمّره سنكون له بُناة من جديد ولن نسمح بعد اليوم أن نكون مهجَّرين أو مطرودين، ولن نترك ديارنا من أجل خبزة الصباح وجلسة المساء والنيام حتى الظهر بل سنسهر من أجل حماية أرضنا، وسنذيع عبر مزمار داود "عودوا إلى مساكنكم فربّ الجنود ينتظركم"، فلا تيأسوا ولا تخافوا مِمَّن يقتلون الجسد (متى28:10)وليس بإمكانهم أن يعملوا شيئاً آخر فأنتم حقيقة الحياة والحياة فيكم لأن خالقكم ربّ الجنود وليس ربّ الإرهاب، لأن خالقكم يسمعنا حينما ندعوه بصراخنا ليلاً ونهاراً "فهو من جميع مضايقهم ينقذهم" ( مز34: 18).

مسيرة الرحيل
   نعم، من حق شعب أن يرحل، هكذا تقول مسيرة الحياة وتُنشد عولمة الزمن، ونحن في عالم لا يعرف كيف يسكت ولا يعرف متى يكون الصمت والهدوء. إننا في عالم يزداد في الصخب والصياح، وكلٌّ ينادي "ما أتعبني وما أشقاني"، فلا تخافوا وإنْ طالت ساعات ليلنا، ولا تكونوا سبباً في اقتلاع جذورنا من أرضنا برحيلنا وهجرتنا وطردنا، فأنتم أصلاء الحضارة بل بُناتها، ولا تكن أرضكم الموعودة (تك 15:18-21) إلا أرضكم التي من ترابها خُلقتم وما أعظم عمل الله فهو أرادكم في هذه الديار شهادة لحقيقة حب الله وشهوداً لمسيرة الخلاص في المسيح الحي الذي أحبّنا حتى الموت من أجلنا (رو8:5)، وإلا هل يعجبكم أن تُخلى هذه الأرض من مسيحية إيماننا، من إيمان أجدادنا، من مذابح كنائسنا، من صوت يصدح بالصفرو والرمشو والذبيحة؟، ما بالكم أيها الأحبة فأنتم لستم إلا خراف بين ذئاب (متى16:10) فلا تخافوهم (متى27:14)ندعوكم أن تكونوا شجعاناً، فالرب يسوع يقول لا تخف أيها القطيع الصغير (لو32:12) فالحياة ليست في عالم الزمن بل في دنيا الملكوت، فحيث إيمانكم هناك حقيقتكم، وحيث شهادتكم هناك دياركم، وحيث أنتم شهود فأنتم لها آمنون.

والعـودة صوت
   هل ستبقى العودة صوتاً إعلامياً أم رسالة إنسانية أم جواباً سياسياً أم إخراجاً تلفازياً؟، فالخدمات تنادي بعد تدميرها، والسرقات تصيح بعد غياب كل شيء، وحتى الزوايا المظلمة تشهد _ وبكل تأكيد _ على جرم داعش وجريمة الإرهاب، والمخازن والصومعات والأديرة والمعابد تنشد حقيقة تدميرها، وأزاد الظلاميون في تدمير كل شيء، وطال الاحتلال كل شبر وكل بيت وشارع، وحتى أبراج الهاتف قُلعت وأُذيب رصاصها، شاهدة على أخلاق السرقة التي تشهدها العناصر المجرمة... إنهم مملكة الشرّ، بل هم جوقة بعلزبوب(2ملوك1: 2؛ متى22:12-24)... والله في ذلك خير العارفين.

  في الختام
   نعم، متى تشهد الحياة لحقيقة الوجود ومتى تنزع من الأصوليين أفكارهم الإرهابية، ومتى يحمل الجميع الحوار والحكمة في الكلمة والمسيرة وفي وحدة الهدف!... أيجوز أن نبقى ضحايا العنف والإرهاب؟، أنبقى مطرودين من ديارنا رغم أصالتنا وأصولنا؟، أنبقى مهجَّرين بين أصقاع العالم والدنيا رغم تعلّقنا بأرضنا؟، ألا يرحمنا التاريخ ونحن الذين كتبناه؟... حتى متى نُشترى بصدقه ونُباع بفلسين في زوايا الدنيا المظلمة.
   فيا كبار الزمن وأسياد الكراسي، كفانا كلاماً وبيانات واستنكارات وشجباً وكل ذلك أوهام إنْ لم تكن الحقيقة شاهدة على مسيرة الأيام والوطن. فدرب المسيح في الجلجلة انتهى بالقيامة، أما دربنا نحن كان ولا زلنا وهل سنبقى نسير فيه!، فمتى تكون القيامة ومتى يقال عنا "لكم حقوقكم، والدستور ينصفكم، ومسيرة الحياة ترافقكم. فأنتم الأصالة والحضارة والتاريخ"، وفي ذلك تُكتب نهاية المأساة، فلا مطرودون ولا مهجَّرون ولا راحلون بل عائدون... نعم، إنها الحقيقة بأَمِّ عينها ليس إلا!.



18
عذراً عذراً...
نحن كنائس وليس طوائف
المونسنيور بيوس قاشا
   في البدء
كل الاحترام والتبجيل لرؤساء الكنائس الأجلاء، وما مقالي هذا إلا غيرة على بيت
الرب وشعبنا الذي يعيش طريق الجلجلة والشهادة والإضطهاد، وما أنا في ذلك إلا مطيع وخادم وأمين على ما أُعطيتُ من النِعَم والخيرات لأن الوكيل يجب أن يكون أميناً ووفياً. وأعتذر بكل قوة عن عبارات ربما ستُحسَب إنها ليست في محلّها، فأنا لا أطلب إلا الغفران والصفح وما غايتي إلا أن أكون صوتاً صارخاً في السهل الذي كُتب باسمنا ولم يُرسَم بعد على خارطة الحياة والطبيعة. فلا زلنا مشتّتين ورُحَّل من بلد إلى آخر وبؤساء، نصطفّ في طوابير كي نأخذ قوتنا وأرزاقنا ونأكل وننام ولا يُطلَب منا أكثر، وهذا ما يجعل رسالتنا تضيع وإرادتنا تموت.

   هذا ماحصل    
في صبيحة الثلاثاء، 3 كانون الثاني 2017، أُعلن من على قناة عشتار الفضائية بأن رؤساء مجلس الطوائف المسيحية في العراق عقدوا اجتماعاً في كنيسة الروم الأرثوذكس ببغداد وأعلنوا فيه عن إعادة تأسيس المجلس بعد انسحاب الكنيسة الكلدانية من المجلس. ومما جاء في بيان رؤوساء مجلس الطوائف المسيحية:
"إن أعضاء المجلس يعبّرون عن أسفهم لقرار غبطة البطريرك مار لويس روفائيل الأول ساكو انسحاب الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية من المجلس ومنذ الثالث عشر من كانون الأول من العام الماضي (2016)".
كما ذكر البيان "أن المجلس عمل على انتخاب أمانة سرّ جديدة له مجدِّداً كما تمّ وبالإجماع انتخاب الأمين العام للدورة الثالثة بعد تعديل المادة الخامسة من البند الأول من قرار تشكيل المجلس".
ولكن لم يذكر ماهي المواضيع التي أُدرجت في جدول الأعمال، فالبيان جاء مقتَضَباً وذكرها عابراً بتواقيع السادة الأساقفة الحاضرين لهذا الاجتماع.

   من الماضي القريب
وبعد ستة أعوام ونيف، وفي صباح الثلاثاء، التاسع من شباط عام 2010، أُعلن عن تأسيس مجلس رؤساء الطوائف المسيحية في العراق، وقد إستبشرنا حينها خيراً، وتنفس المؤمنون رائحة المسكونية في مرحلتها الأولى ولكن!!!... وقد جاء في بيان التأسيس ما نصّه:
"إن المجلس يهدف إلى توحيد الرأي والموقف والقرار في الشؤون بين كنائس العراق فيما بينها وتجاه الدولة من أجل ازدهار وتقرير الحضور المسيحي وتفعيل التعاون والعمل المشترك دون التدخل في خصوصية الكنائس أو الكيانات الخاصة لأيٍّ منها".
كما ذكر البيان أيضاً "إن المجلس سيضطلع بتنشيط الحوار والمبادرات المسكونية بين الكنائس الأعضاء مع كنائس العالم والرئاسات الكنسية المختلفة، والانفتاح على الآخر، والعلاقة مع الأخوة المسلمين، فضلاً عن رعاية قضية التعليم المسيحي وتحديد مناهجه في المدارس الحكومية بالتنسيق مع الجهات الرسمية. والعمل على تشريع قانون الأحوال الشخصية للمسيحين في العراق وتعزيز التزام المسيحيين في الحياة العامة ضمن حقوق المواطنة والمشاركة وبناء الوطن الواحد".
وذكر البيان أيضاً "إن المجلس ضمّ في حينها جميع الطوائف المعتَرَف بها من قبل الدولة العراقية وعدها (14) طائفة كما جاء في الجريدة الرسمية لوقائع العراقية بعددها 2867 في 18/1/1982".

   من دار البطريركية
وفي التاريخ ذاته والنهار عينه صدر بيان موقَّع من رئاسة البطريركية الكلدانية فيه يعلن غبطة أبينا البطريرك مار روفائيل الأول ساكو (بطريرك بابل على الكلدان) عدم إرتياحه لهيكلية مجلس الطوائف المسيحي في العراق والذي انعقد في الثالث من كانون الثاني الحالي (2017)، ومن تسميته مقترحاً إجراء تعديلات واعتماد تسمية "مجلس كنائس العراق" بدلاً من "مجلس رؤساء الطوائف المسيحية"، وتفعيل دوره وخصوصاً أنه حتى الآن لم يقدم شيئاً كبيراً. كما أعلن البيان أن المجلس لحدّ الآن غير معتَرَف به من قِبَل الدولة ولا يمثّل جهة رسمية. وأظهر البيان في نصوصه أيضاً بعض المقترحات التي يراها غبطته مناسبة لهذه المرحلة منتقداً هيكلية المجلس الإدارية وترؤُس جلساته، ودعا إلى التعديلات التي يجب أن تكون لوضع المجلس في المسار الصحيح ومُبدياً أفكاره البنّاءة لذلك.

   الحقيقة وحاملها
في مقابلة لقداسة البابا بندكتس السادس عشر في الحادي عشر من كانون الثاني عام 2012، وبينما أنا أهدي لقداسته كتاب كارثة كنيسة سيدة النجاة _ التي عشتُ ليلها وهولها، وأحصيتُ ضحاياها وشهداءها، وصوّرتُ مآسيها وكارثتها _ وبينما أنا أهدي الكتاب قال قداسته:"يا أبانا، أنتَ شاهد للحقيقة"، فقلتُ:"أية حقيقة؟"، أجاب:"هذه"، ومن حينها أكّدتُ على نفسي أن لا أقول إلا الحقيقة بعينها وأن أواصل قولها وإنْ كانت مؤلمة وتقودني إلى تحمّل المآسي، فالمسيح الرب قال:"قولوا الحق والحق يحركم" (يو 32:8).
كم من مرة منذ تأسيس المجلس _ وبأمانة سيادتكم، وحديثي إلى سيادة المطران آفاك أسادوريان (الجزيل الاحترام)،  الأمين العام لمجلس رؤساء الطوائف المسيحية،الذي أكنّ له الاحترام الكبير _وفي مناسبات ولقاءات عديدة، كم وكم قدّمتُ نفسي لخدمتكم وخدمة المجلس إعلامياً، معلناً كل خدماتي وبكل أمانة، منذ تأسيس المجلس ولحدّالساعة وخاصة بعدما نلتُ شهادة الماجستير في الإعلام والصحافة، فكان يأتيني الردّ إمّا بالصمت أو بعدم الجواب أو ببسمة خفيفة لا يبقى ظلّها إلا ثوانٍ، وإمّا بقوله "ليس هناك مَن يرشّحك في هذا المجال أثناء الاجتماع"، وإنْ كنتُ أعرف أن أحد كبار المجلس قال لي يوماً أنه  قد اقترح اسمي مرة ولكنه لم ينل الموافقة،  فتلك آية البشر وهذه مسيرة الأيام.أسأل: هل أنا غريب عن بغداد التي قاسيتُ فيها الحروب والحصار؟، هل أنا غريب عن آلام مسيحيي بغداد والعراق بعدما تركها الكثير من الرعاة، بل جميعهم، خوفاً من هول الصواريخ والقنابل، وقمتُ أزور المؤمنين بدراجة هوائية وقاسيتُ معهم خوفهم وفزعهم، كما وقمتُ في سنة الحرب عام 2003 بدفن عدد كبير من ضحايا الحرب في حدائق الدور والمنازل إذ لم يكن من السهولة الوصول إلى المدافن وقمتُ بنقلها بعد أن توقفت الحرب والقصف بمساعدة أناس طيبين ذوي مروءة ورجولة؟، ولا زلتُ لحدّ الساعة أعمل بما أعطاني الرب من النِعَم من أجل خدمة أبناء شعبي ومصالحهم. فأنا لم أقترف إثماً بتقديم ذاتي لخدمة المجلس وأمانته، وإنْ لم يحبّذ البعض أن أكون لغاية في النفس لا يعلمها إلا الخالق العظيم... فليكن اسم الرب مبارَكاً.

   سادتي الكرام:
إنا نعيش في زمن لا نُحسَد عليه، فهو زمن يذكّرنا بالاضطهاد والوعيد والتهجير والنزوح الذي حلّ بآبائنا وشعبنا، ولا زلنا نتذكر مجازر 1915 في تركيا و1930 عندما ذُبح الآف من المسيحيين وطُردوا من ديارهم في طور عابدين وماردين وهو نفسه اليوم ما يحصل في سهل نينوى وبوحشية لا توصَف، ولا زال شعبنا يحتمل نير الهجرة البائسة. فكثرة الآلام والمآسي والحروب وما عانيناه منذ الاحتلال عام 2003 وحتى اليوم لا يوصَف ولا يصوّره إلا الأعداء الذين دمّروا كل شيء وأحرقوا بيوتنا وأملاكنا وسرقوا ونهبوا غنائماًمن الكفّار والنصارى، إضافة إلى أنهم ينعتوننا بتسميات تحلو لهم ولوحشيتهم. وهل يمكن أن ننسىما حصل بكنيسة سيدة النجاة من حيث تذكّرنا بالأعمال الشريرة التي قام بها الإرهابيون المجرمون، وراح ضحيتها ضحايا وأبرياء كانوا مجتمعين للصلاة؟.

   حوار مع الزنبقة
في حوار نُشر على صفحات مجلة الزنبقة عام 2010مع سيادة الأمين العام لمجلس الطوائف المسيحية في العراق_ وربما كنا قد سبقنا الحدث _ أنقل إليكم نصّه:
** الزنبقة: أنتم سيادة الأمين العام لمجلس مطارنة العراق، هناك مجالس كنسية متعددة: مجلس مطارنة بغداد، مجلس مطارنة نينوى، مجلس مطارنة الشمال. هل هناك توافق بين هذه المجالس في عمل مشترك من أجل الرسالة المسيحية في العراق؟.
* سيادته: هناك اتصال متواصل ومستمر في التشاور الدائم بين جميع رؤساء الكنائس المسيحية ومجالسهم، ونحن الآن في طور التنسيق بين الجميع لتشكيل مجلس عام للطوائف المسيحية في العراق. وقد خوّلني المجلس في بغداد أن أتصل بالمجالس المحلية وبالسادة المطارنة والأساقفة، لذلك سافرتُ إلى المحافظات الشمالية، وزرتُ السادة الأساقفة وتباحثتُ معهم في كيفية تأسيس مجلس يضمّ كافة الطوائف المسيحية في العراق. ولكي يكون هذا المجلس موفَّقاً في أعماله يجب أن يصاغ له نظام داخلي، وهذا ما قمنا به، إذ وضعنا مسودّة النظام. وكوننا نعيش في العراق في ظروف إستثنائية وغير طبيعية منذ عام 2003 وإلى اليوم، فقد كان من الصعوبة إلى عقد لقاء نتبادل بيننا العديد من الأفكار من أجل إعداد مسودّة النظام إعداداً جيداً، ولكن ومع الأسف هناك العديد من المطارنة لا يحبّذون المجيء إلى بغداد، وبعض منهم لا يريدون السفر إلى المحافظات الشمالية، وبهذا لم يرَ النظام الداخلي النور لحدّ الساعة. فمتى سيكون موعد ولادة النظام!!؟.
** الزنبقة: ولكن يا سيدنا، ألا يعني هذا، أو ألا يقودنا إلى التفكير بالعنصرية حينما نقول "رئيس طائفة"؟.
* سيادته: صحيح، ولكن الكنيسة هي المكان حيث يلتقي المؤمنون بالمسيح، فهم مسيحيون. وعلينا أن نستخدم كلمة "طائفة" كما تستخدمها جريدة الوقائع العراقية، كما أحبّذ في نفس الوقت استعمال كلمة "كنيسة" و"رؤساء كنائس".

   حقائق وتساؤلات
عالم اليوم أكثر عنفاً ممّا كان عليه في الأمس، فالتقدم العلمي التكنولوجي والتسليحي سائر نحو إبادة المخلوق والمخلوقات، ووسائل الاتصال الإجتماعي سلاح ذو حدّين فهي تذيع المستور والمعلَن، وتخلط أحياناً بين الاثنين لتُظهر تزييف الحياة التي يحملها الفاسدون والسرّاق المبارَكون. كما لقد فشل التحالف في توفير الأمن في العراق الذي إنحدر إلى الفوضى، وأصبح المسيحيون ضحايا صراع السلطة الطائفي البغيض. فالنزاعات العشائرية والعقائدية تمزقنا جميعاً،ولقد تأخر الكثير من قادة الغرب إلى إتّخاذ الخطوات الملموسة لحماية المسيحيين في الشرق.
منذ عام 2010 _ حيث في هذا العام إنبثق مجلسكم الموقَّر _ وإنه من المؤكد أنكم تعرفون كيف كنا قبل تشكيل المجلس وأين أصبحنا بعد تشكيله. سابقاً كنا مواطنين واليوم نحن مهجَّرون... بالأمس كنا سكّاناً واليوم نازحون وبائسون... بالأمس كنا ننام في بيوتنا واليوم نلفّ الكرفانات والخيام ودفع الإيجارات... بالأمس كنا نزرع حدائقنا ونقطف ورودها واليوم نجمع دموعنا ونقطف آهاتنا... بالأمس كان المدير منزَّهاً طاهراً فكراً وجيهاً ونيّةً واليوم المدير والموظف سارق وفاسد يتعامل بالطائفية والعشائرية والقرابة المزيَّفة لمصالح معينة وهو قديس في أعين البشر المرائين... بالأمس كنّا نملك وطناً وأرضاً وعراقاً واليوم نحن لا نملك حتى الهواء الذي نستنشقه، بل نحن غرباء وأناس مأجورون، وشعبنا يموت على جانب الطريق وحافته... بالأمس لم يكن لنا لجاناً وشؤوناً تهتم بنا وكان الفرح يملأ صدورنا واليوم لنا لجان وشؤون ومجالس، والقائمون عليها يهتمون بأنفسهم أولاً ويملأونا صدورنا ألماً وحزناً وآهات وحسرات... بالأمس فقدنا دورنا وأعمالنا وكسب أرزاقنا والآن فقدنا حتى بيوتنا، وما هو القادم أن نرحل ونترك لهم كل شيء، جرّدونا من كل شيء، المال والمجوهرات...بالأمس كنّا ننام وأبواب دورنا مفتوحة فلعلّ هناك مَن يقصدنا فالبيت بيته وأما اليوم لا نعلم أين توجهت أبواب دورنا... بالأمس كنّا نجول في شوارع مدينتنا واليوم قد أضعنا حتى عنوان حاراتنا...إننا قلقون على كل شيء.

   أتساءل:
أين مجلس الطوائف من كل الذين يُقتَلون، فراداً أو جماعات أو وحداناً؟، من الذين يرتزقون من أجل لقمة العيش والذين عملوا في البسطات وفي الخدمة في مخازن الخمور أو عمال في الصيرفة، أو من الذين يُطرَدون من وظيفتهم ويحاربونهم ليتركوها، أو من الذين يسرقون أموالهم وعقاراتهم؟.وأين أصبحنا من الأحوال الشخصية التي لحدّ الآن لم يتحرك فيها ساكنٌ، وقد قُرِّر منذ إقرار المجلس أنكم ستسعون، والمسعى بعد ست سنوات لم يراوح إلا في محلّه، فالقاصرون إسلام شئنا أم أبينا، والشريعة توصي بذلك ولا مجال آخر؟.
أين المجلس من سقوط قرانا ومدن سهل نينوى بيد داعش الإرهابي؟، ما الذي فعله أبناء هذا السهل المميت؟، ما الذي اقترفته أياديهم حتى يلوَّث بدماء الضحايا والأبرياء من أهله وسكانه؟. فالسهل كان مهمَلاً ومتنازَعاً عليه واعتبرنا ذلك طبيعياً، والحياة فيه آمنة،بهمّة أهله وأبنائه. ولولا إرادة سكّانه ونزلائه وأهله لكان أكثر تأخراً، فكانوا علامة بناء لمدنهم بإصرارهم.
   أين المجلس وبياناته ولجانه المتنوعة العناوين وحاملة الإعلام؟، وعن أي إعلام مسيحي تتكلمون اليوم؟،وهل هناك من إعلام مسيحي مسؤول في هذا البلد الجريح؟... تعجبتُ مرة من أحد الرموز المحترمة _وقد حضر مؤتمراً عن دور الإعلام في كنائس الشرق وبلدانهم في بيروت ممثِّلاً لكنائس العراق _فما كان منه إلا أن تكلم عن مجلتين فصليَّتين خاصتين بكنيسته ونسي أن هناك إعلاماً مكتوباً آخر، ونسي الإعلام الحقيقي ومآسي الشعب الجريح... أي إعلام هذا؟.
أين نحن من لمّ شمل المسيحيين؟، صحيح إن كلاًّ يهتم بشؤون كنيسته، وماذا يعني بعدم التدخل بخصوصيات، ولكن نسيتم ما هو دور الجمعيات الكنسية التي دخلت العراق منذ الاحتلال عام 2003 ولحد اليوم، فهل تعلمون أن روّادهم ومؤمنيهم يملئون كنائسهم وهم من أبنائنا من الكلدان والسريان والأرمن بطوائفهم وكنائسهم بكاثوليكيتهم وأرثوذكسيتهم؟، وهل تعلمون أنهم يعملون على إقرار حقوقهم في الدولة وأمام دستور يهتم بتشكيل مجلس خاص يجمعهم تحت مسمَّى واحد وعقيدة واحدة؟، فأين نحن من أنفسنا، من أصلاء الشرق المسيحيين؟، وما هي خصوصياتنا؟.
أين المجلس من كتب الدراسة الإعدادية والمتوسطة والإبتدائية- وحتى اطفال الحضانة -، التي يقرأ ويتثقف فيها أولادنا وطلابنا وطالباتنا المسيحيين؟، هل تصفحناها لنجد ما لا يطيب لإيماننا ولحريتنا وعبادتنا؟، وهل أدركتم ما محتواها؟. فهل تعلمون إنني أتذكر أحد أصدقائي السبتيين كان لإبنته إمتحاناً وزارياً (بكلوريا) عليها أن تؤديه يوم السبت، وكون السبت يوماً مقدساً عند السبتيين فهل تعلمون أن إبنته لم تمتحن احتراماً ليوم السبت وأجّلت الامتحان إلى الدور الثاني؟... لا أقول شيئاً في هذا الشأن ولكن هذه حقيقة إيمان والدها وإيمانها...أين نحن من مسكونيتنا؟، فإنْ حضرنا الصلاة في كنيسة غير كنيستنا فمن باب الاحترام أو نرسل مَن ينوب عنا كي لا نكون سبيلاً للحديث والعتاب؟.
هل يمكن لأبنائنا المسيحيين البقاء في ظل الإضطهاد الديني والداعشي والنزاعات الدائرة في أرض العراق التي فيها وُلدنا وترعرعنا، وفيه بدأنا مسيرة أيامنا ووضعنا أساساً لعمل أرزاقنا؟... فاليوم لسنا إلا نازحين بائسين مهجَّرين، بعدما دمّر داعش الإجرامي كل شيء. فأين الإعلام المسيحي "العراقي"، نعم "العراقي"_ كما قلتُ سابقاً_لكي يفضح ذلك؟، ومَن قال هذه أرضنا، نعم نعلن عنها، والحقيقة فحتى أرضنا ليست لنا؟... ولكن أسال: ما الذي اقترفناه، وما الذي صنعته أيدينا حتى نُطرَد؟، ولماذا من قُرانا؟... سؤال لا جواب له.   هل الكنيسة اليوم تحتاج فقط إلى بيانات إستنكار أو طلب استرحام من أجل تعديل مادة أو باب من الدستور أو من أحد القوانين؟، ألسنا من الأصلاء؟، ألا يجب أن يكون الدستور مُنصفاً للجميع؟، فأبناء الوطن متساوون في الحقوق والواجبات وأنتم أدرى بذلك مني أنا الإنسان البسيط.

   ما أتمناه...
* أن أجد كنيستي في العراق في مسيرة وحدة الكلمة، فإنجيلنا واحد ومسيحنا واحد وعماذنا واحد وقرباننا واحد، وكنائسنا بيوت عبادة للثالوث الأقدس وآباؤنا في إيمانهم واحد. فزمن الإضطهاد ليس زمن الكراسي والرئاسات.فالبابا فرنسيس يقول:"إن دماء شهداء المسيحيين واحدة"، فلم يقل هذه دماء الكاثوليكي وأخرى دماء الأرثوذكسي أو الآثوري، وهذا ما يدعونا إلى أن نجعل من رئاساتنا "كلمة خادمة" إذ يقول الرب:"مَن كان فيكم كبيراً فليكن خادماً" (مرقس 43:10) وأيضاً "أنا بينكم مثل الذي يخدم" (لوقا 27:22). فالسريان بكنائسهم المختلفة والكلدان والأرمن كلهم يحملون مع الصليب قطعة قماش علامة للمسيح الذي مسح أرجل تلاميذه بمنشفة واحدة. نعم، وهذا زمن الشهادة ما هو إلا رسالة يحملها إلينا المسيح عبر الأحداث لنُدرك عظمة توحيد الكلمة، وكما قلتُ "الكلمة الخادمة".
* أن أجد كنيستي في العراق تضع المؤمن المناسب في المكان المناسب، فهو لا يملك مالاً بل هو مال الدولة في يديه وما عليه إلا أن يكون أميناً ونزيهاً وأن يبتعد عن القرابة والنسب، عن الطائفية والعشائرية المقيتة، عن المحسوبية والمصلحية،فالمسؤول خادم أمين للمحتاج وليس لبقاء الدنيا الزائلة، وفي نفس الوقت من حقنا أن نفتخر بطقوس كنائسنا وبقومية شعبنا ليس إلا!.
* أن أجد كنيستي في العراق تحمل الإنجيل قبل القنديل، وأن تحمل الحقيقة في وجه الأقوياء كما يقول غاندي، والمشبوهون الذين يرسمون لأنفسهم قداسة المسيرة وهم "في الداخل ذئاب خاطفة" (متى 15:7)،كما يقول ربنا، يذهبون ويرحلون ويمرحون ويسرقون، يلعبون كما يشاؤون فهم في حسابتهم مخلصون، منزَّهون، ويرون الأمور بعينين مفتوحتين، ويرفعون صلاتهم بيدين مفتوحتين، ويقفون أمام قدس الأقداس وأمام أنظار الفقراء والعشّارين والمشاهدين المصلّين، أزكياء النفوس وقديسي الزمن والحقيقة هي مزيَّفة بأشخاصها وأعمالهم، ولا يدرون أن "الرب هو فاحص القلب ومختبر الكلى" (ارميا 10:17)، وما الإنسان إلا حامل المصالح، وأما الرب فحامل الحقيقة، والقداسة الحقة هي في السيرة والمسيرة، وكما يقول قداسة البابا فرنسيس:"هؤلاء لا يحملون من فضائل المسيحية شيئاً وهم عار على المجتمع الكنسي".
* أن أجد  كنيستي يداً واحدة وكلمة واحدة أمام رؤساء الزمن وفي حقيقة الإيمان، فالرب قال:"ليكن الجميع واحداً"(يو21:17)، فالحقيقة أن نكون مجتمعين وليس فراداً، فمن المؤكد أن الكل يحملون غيرة إيمانية ومآسي الشعب القاسية وهذا ما يدعونا إلى أن نكون في رسالة واحدة وليس أي شيء آخر.
* أن أجد وأقرأ أننا نُسمّى "أبناء الكنيسة" بمعنى أبناء كنيسة المسيح وليس "أبناء الطائفة"، فنحن لسنا تبّاع السياسة التي تُفرَض علينا شئنا أم أبينا، بل نحن أبناء "كنوشتو" أو عيتو (كنيسة)، كنيسة واحدة، أبناء كنيسة المسيح يسوع، وبذاك يكون رؤساؤنا، رؤساء كنائس وليس أمراء طوائف أو عشائر كما يقول غبطة أبينا البطريرك مار روفائيل الأول ساكو.
هل يجوز أن تعلّموا أولادنا سبل الطائفية والعشائرية والحزبية!، فالنرجسيات لا مجال لها في قاموس المسيح المُحبّ والخادم، ولا تدرّسوهم حيث الأنا والذات، فالمسيح لم يقل يوماً أنا كاثوليكي أو أنا أرثوذكسي أو أنا ناصري أو أنا من بيت لحم،ولم يقل أنا كلداني أو أنا سرياني أو أنا آثوري أو أنا أرمني، كذلك لم يقل أنا عبراني أو يهودي أو سامري أوكرمليسي أو قره قوشي أو عينكاوي أو مصلاوي _ وإنْ كانت هذه كلها واجبة وثابتة وحقيقية _ ولكن الحقيقة الأولى إننا للمسيح. فالمسيح مات من أجل الجميع ومن أجل خطايانا (رو23:3؛ و2كو14:5) وأيضاً"حياتي هي المسيح" (فيليبي20:1-23)وليس شيئاًآخر. فللعنف أشكال مختلفة ومؤدَّبة في كثير من الأحيان ولكنه عنف بحدّ ذاته، والعنف ليس العلاج لعالمنا المُفتَّت يقول البابا فرنسيس(رسالة السلام؛ 1 كانون الثاني 2017).نعم، لقد أُصِبنا بأمراض وعاهات،نُهبت أموالنا، وسُرقت أرواحنا، ورحلنا قبل زمانناإلى حيث الآخرة. فالمرض أكل في أجسادنا، والحقد والكراهية تعشعش في قلوبنا وعقولنا، والحزبية والطائفية والمصلحة أضاعت حتى ساعات مستقبلنا وآمال أجيالنا التي ستحاكمنا يوماً، فلا تغيير حصل بل كل ينتهي من حيث يشاء، و"حيث الجثة هناك تجتمع النسور" هكذا يقول الإنجيل المقدس (لو 37:17؛ متى 28:24).

   الخاتمة
فلنسأل: لماذا الذي حصل؟، هل أدركتم أننا ضحايا السياسة البائسة والمصالح الفاسدة المزيفة وأصبحنا حَمَل إبراهيم؟،أكيداًإنني أؤمن أن حقل المعركة الحقيقي هو القلب البشري لأنه من باطن الناس ومن قلوبهم تنبعث المقاصد السيئة (مر21:7)، كما أؤمن بأن راحيل ستبقى تبكي على بنيها ولن تكفّ عن البكاء ما دامت المسيرة عاطفية واحترامية ومصلحية، إذ نخاف أن نقول أننا خدام ولسنا رؤساء، والحقيقة تكمن في أن الخدمة هي رئاسة ليس إلا!، ونخاف أن ننبّه الفاسد والمخطئ "بسبب المصلحة والقربى والجيرة"، ففي ذلك أضعنا حتى أبناء الديرة، وجعلنا من الحقيقة كلمة عارية، كيف ونحن أبناء القيامة. نعم، إنها ظروف قاسية نعيشها ونحياها ولم نكن نتوقعها، ومَن منا كان يتوقع أن يحصل ما حصل؟، فشعبنا يتألم وهو قلق على مستقبل الساعة قبل مستقبل الغد... إنه يستحق أن نقف معه ليس عبر البيانات والإستنكارات والنداءات والزيارات الموسمية واستقبال الأصدقاء والأحبّة والأقربين، فلندرك إننا خدّام وليس أصحاب مصالح، رؤساء كنائس وليس أمراء عشائر وطوائف،  ولنعلم أن مسيحيتنا رمز لإيماننا، ولتكن كنيستنا _ وليس طائفتنا _ بيت مسيحنا ومسيحيتنا، فيها نحيا وفيها نموت، لها نمدّ أيادينا وإليها تتوجه عقولنا، فنحن أهلاً لها وهي كنيستنا، إنها أمّنا، هكذا يقول البابا بولس السادس، نعم أمّنا ليس إلا!... وعذراً نعم عذراً، ولكن سأبقى أسأل:ما الذي حصل من ذلك اليوم إلى الآن؟، وما هو التغيير؟.فلتتحد أيادينا وقلوبنا، ولنعمل مجتمعين في حمل رسالة واحدة وفي مسيرة واحدة أمام كبار الزمن والمسؤولين، فنكون بذلك من العاملين بقول المسيح الرب "أنتم في المسيح يسوع قريبين"(أفسس13:2)، وأنا أومن أنكم جديرين بالمحبة والإحترام، وإنكم من أجلنا كنتم وستبقون كنيسة واحدة ليس إلا!، نعم كنائس في المسيح الواحد لا طوائف... نعم وآمين.




19

إلى الأخوة مايكل سيبي وأوديشو يوخنا وكنعان شماس وناظر عناي
سلام في المسيح يسوع

أهنئكم في بداية كلمتي وأقدم لكم شكري الجزيل على تعليقاتكم واهتمامكم بكتاباتي وبالرسالة التي وجهتُها إلى سماحة السيد عمار الحكيم. نعم، أقرّ وأعترف أن الرسالة طويلة بل طويلة جداً وإني ككاهن لا أقول إلا الحقيقة فقد قال عني البابا بندكتس السادس عشر يوم مقابلتي له في 19/1/2012 "أنتَ شاهد للحقيقة" فكلماتي في هذه الرسالة المطوَّلة كلمات الحقيقة وليست كلمات (بايخة) كما قال بعض منكم وهذا من حقكم أن تقولوا ما تشاؤون فكل إنسان حر بأعماله وبأقواله ولكن الحقيقة لا يقولها إلا مَن يؤمن بها وأنا ككاهن سأبقى شاهد للحقيقة مؤمناً بقول المسيح "قولوا الحق والحق يحرركم" وهذه الجملة كتبتُها في بداية رسالتي ليس إلا. فشعبنا وتاريخه لا يحتاج فقط إلى هذه الرسالة المطوَّلة ولكن يحتاج إلى كتب تحكي قصتنا ما فعله بنا الإرهاب والدواعش والإسلام الأصولي والعصابات المجرمة فأنا ما رويتُه وما كتبتُه نقطة في بحر من العذاب والآلام في هذا الشرق الجريح فالمسيحيون هم خميرة هذا الشرق ولا يجوز أن نُفسد الخميرة لأننا حاملين إيمان المسيح وسنواصل المسيرة لنفتش عن الخاطئ ليتوب فهو الذي قال:"أحبوا أعدائكم، باركوا لاعنيكم" والحكيم من الكلام يفهم.. ورسالتي هذه كانت شهادتي لحقيقة مسيرة الحياة التي نحياها ويا ليتكم تكونون طرفاً إيجابياً كي نعالج قضايانا بطيبة خاطر وبحقيقة الوجود وليس بحمل الحقائب والرحيل والكلام من البلد البعيد فنحن في وسط الأزمة وفي وسط الحريق، ما نحتاجه أن تُدركوا ذلك ليس إلا!... ودمتم لنا إخوة أحبّة وليبارككم طفل المغارة وربّ السماء مع محبتي.
المونسنيور بيوس قاشا

20
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
"قولوا الحق والحق يحرركم" (المسيح يسوع)
 "مَن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق" (الإمام الحسين)
إلى/ سماحة السيد عمار عبد العزيز الحكيم السامي الوقار (حفظه الله ورعاه)
رئيس المجلس الأعلى الإسلامي العراقي ورئيس التحالف الوطني العراقي

    سلام ومحبة واحترام...
أتمنى لكم كل الخير والبركات، ولشعبنا التحرير وحرية الحياة من داعش الإرهاب، ولوطننا الأمان والسلام، داعياً ربّ السماء، الرحمن الرحيم، المحب والغفور، المسالم والكريم، أن يمنحكم وافر العلم والإيمان للسير في تحرير الإنسان وخدمته في الحقوق والقانون والعدالة، كما يطيب لي أن أكتب إلى سماحتكم الموقرة _ ومن خلالكم _ إلى المجس الأعلى الإسلامي العراقي والتحالف الوطني العراقي هذه الأسطر في رسالة أخوية، مسؤولة _ وأنتم أدرى بمحبتي واحترامي لسماحتكم الموقرة _ وأنا ابن هذه الأرض الطيبة والجريحة من سنين بل من عقود، أكتبها بملء المحبة والحقيقة، بعد إنعقاد مؤتمر المجلس الأعلى للصحوة الإسلامية التاسع، والذي ترأستموه أنتم، سماحتكم الموقرة، وذلك للفترة من الثاني والعشرين وحتى الثالث والعشرين من تشرين الأول لماضي، وفي عقر داركم المَضيف، وأمام أنظاركم وسماعكم ورؤيتكم، وبداية عمليات "قادمون يا نينوى" لتحرير مدن وقرى وقصبات نينوى فجر السابع عشر من أكتوبر الماضي، ولمّ شملها في سهولها ووديانها إلى الوطن الأمّ بعد إغتصابها من داعش الإرهابي الأصولي.
فأنا جئتكم _ أنا الضعيف، وبثقة تامة، ومحبة خالصة، وشعور وطني، واحترامي لمرجعيتكم لا حدّ له _ هنا لأقول ما ينتظره المسيحيون في بلادنا ولعلّه يختلف عمّا ترونه وتسمعونه، ولماذا ينادون بحقوقهم، إنهم شعب أصيل، وما يحملونه هو رسالة سامية، بإخلاص وتفانٍ... وبعد؛

في البدء
إنني مواطن عراقي بأصولي، ومن المكوّن المسيحي الأصيل، ابن هذه الأرض الرافدينية، وفي بغديدا (الموصل _ نينوى) سكني وأصالتي، فيها ترعرعتُ، وفي مدارسها نلتُ قسطي من الثقافة، وفي كنائسها إرتويتُ من ينبوع إيمانها. فأنا مسيحي محافظ وفي الآن ذاته منفتح نحو جميع المكوّنات وأولهم إخوتي المسلمين الذين إستقبلهم أجدادي بترحاب ومحبة، وعاشوا وتعايشوا لحدّ العقد الأخير رغم بعض النزاعات والخصومات في الزمن الغابر، وكذلك نحو الشبك والإيزيدية والصابئة المندائية والتركمان. وأعمل جاهداً في حمل شعلة المحبة في مسيرتي الكنسية من أجل الآخر المختلف حينما يقصد بيتنا للصلاة والمشاركة، وسماحتكم كانت المَثَل الرائع في هذه المسيرة، وفي كنيسة مار يوسف في المنصور، واليوم أنا أخدم في بغداد ومنذ 37 عاماً، وبعد قره قوش وبرطلة، ولا أعتبر مهام رسالتي إلا أن أفتش عن الإنسان وكل إنسان في المحبة والاحترام، ولا أريد أن أطيل بل إيجازي في المقدمة واجب في ملء الضرورة.

مسيرة ورسالة
 أنا كاهنٌ، يعني خادمٌ، وشعار خدمتي "أنا بينكم مثل الذي يَخْدُم". فأنا إنسان أحمل في داخلي مسيرة الألم والفرح، هموم الحياة وهموم أهلي ووطني، في أحداث تتسابق مع كوارثها في الحروب كما في الحصار وأيضاً في السقوط والإحتلال، وفي كل هذا لا صوت يُسمَع بسبب ضجيج الدنيا وإطلاقات البنادق وانفجار القنابل وصعق البارود، فيقع الأبرياء قتلى بل شهداء، ولعلّكم أنتم كبير السماحات والسيادات أدرى بعلمي وهموم الوطن. ففي رسالتي _ أنا الضعيف _ تجدون فيها الحقيقة حيث علّمنا السيد المسيح أن نقول الحق إذ قال:"قولوا الحق والحق يحرركم"، في كلماتها ورسالة في أسطرها، وما أرويه هنا ما هو إلا مختصر جداً جداً للحالة البائسة التي يعيشها شعبنا المطرود وما يجب أن نكون بعد طرد داعش الإرهاب من قُرانا ومدننا وقصباتنا. إننا نتوجه إليكم ومن خلالكم إلى شعبنا، فأنتم رفيق الدرب وزميل الرسالة وعطاء المسيرة، فأنتم ونحن شعب واحد ووطن واحد ولغة واحدة، وتقاليدكم ونحن نفسها، وهمومنا ومعكم واحدة كما المعاناة وكذلك الشكليات، فنكتب تاريخاً واحداً لكيانٍ واحد. فمن طينة واحدة خُلقنا وجُبلنا ولا يمكن أن نقبل القسمة على اثنين أو السير في مسارين أو سكّتين. وأنتم كبار العارفين والمدركين لحقيقة الحياة، فلقد كان _ نعم كان _ بلدي يئنّ تحت حكم الدكتاتورية المقيتة والحروب التي أحرقت شبابنا في أتون النار القاتلة، ومنها إنطلقنا إلى الحصار حيث العديد من أبرياء الدنيا من الأطفال ماتوا بسبب نقص الغذاء والدواء، وكانت الدنيا بعوالمها تنظر إلينا وتتألم لشعبنا المسكين الرازخ تحت نير العبودية والحروب والحصار، فلا حرية ولا كلمة ولا صوت، بل تأوّه وبكاء وأسف. فالإرهاب دمّر كل شيء، إنها جرائم فريدة وشاذة لا نعرف أصولها ولم نسبر غورها وفروعها وتفرعاتها في تاريخ عُرِفَ بالألف الثالث.

الإرهاب وداعشه
لقد مرّ عامان ونيّف على إقتلاع شعبنا من أرض آبائه وأجداده في قرى ومدن سهل نينوى في السادس من آب (أغسطس) عام 2014. نعم، مرَّ عامان ونيّف _ حتى فجر التحرير في 17 تشرين الأول 2016 _ على إقتلاع شعبنا من أرض آبائه وأجداده في قرى ومدن سهل نينوى،  بعملٍ إجراميٍّ شنيع، بلغ درجة الإبادة العِرقية والدينية، إرتكبَتْه زمر داعش الإرهابية الإجرامية، ومثيلاتُه من المنظمات الإرهابية، التي تكفّر الإنسان، وكلَّ كائنٍ لا يَدين بما تَدين ولا يسلم بما تسلم به. وفي الوقت نفسه يواصل فيه الإرهاب المزيَ من جرائمِهِ البشعة ومحاولاتِه المتوحشة. نعم، طردونا من منازلِنا، وقتلونا أمامَ أنظارِهم، وأَبعدونا عن قُرانا قسراً وكرهاً وحقداً، وعن مدنِنا كفراً وتكفيراً، وعن أحبّائِنا عنوةً، وعن جيرانِنا غدراً، والسبب يعود إليهم وإلينا، فهم سبقونا في الهزيمة ونحن لم نكن مستعدين لها، بل بالأحرى لم يعلّمونا حمايةَ مدنِنا وقُرانا وأملاكِنا، فضاع كلُّ شيءٍ، وأصبحنا تائهين في العَراء ليلاً ونهاراً، وفي شوارعِ المدينة وساحاتِها وأرصفتِها وحدائقِها وساحاتِ دور العبادة، والتترُ لَبِسَ حُلّةَ الإرهابِ بداعشِهِ وسوادِ الدواعشِ بإرهابه، وشرّعوا سيوفَهم تخويفاً وتنكيلاً، وعقيدتَهم جبراً أو جزيةً، وكأنَّ الكلمةَ الطيبة لم تُمْسِ صَدَقَةً بل دُفِنَتْ، وأنشودةَ الحياة قد غاب صوتُها ولم يبقَ للإنسانيةِ وجودٌ ولا للحقيقةِ إعلانٌ، بل أصبحت غابةَ أدغالٍ، وما حصل وما يحصل أعادَنا إلى القرون الغابرة، وإلى ما كُتِبَ عن أجدادِنا وهروبِهم وهزيمتِهم أمام السيف الذي شُرِّع عليهم غدراً وقسوةً وكرهاً لأبناء المسيح الحي في الماضي القريب والحاضر الجديد من الجيرةِ والدير،. فكانوا ضحيةَ عنفٍ وإرهابٍ ومصالحَ، لم يكن لهم فيها لا ناقةً ولا جمل، بل حساباتٍ سياسية ومصالحَ دنيوية لتسوية الحسابات وإعادة ترتيب المِنطقة بالمنطق الذي يشاؤه كبارُ الدنيا في مؤامراتِ المخططين، كما هو حال الزمن.

في الماضي القريب
كنتم قد صرّحتم سماحتكم بتاريخ 1 تشرين الثاني 2010 ودنتم حينها الجريمة البشعة التي طالت أبناءنا المسيحيين في كنيسة سيدة النجاة في منطقة الكرادة وسط بغداد، حيث جاء في بيانكم ما نصّه:"... ضحايا راحوا بسبب همجية هذه العصابات الإجرامية. وإنّ ما يدمي القلب ويستفز الضمير الإنساني أن يتعرض الأبرياء في العراق ومنهم إخوتنا المسيحيين إلى القتل بدم بارد، وما يدمي القلب أن تتم هذه الجرائم من قبل تنظيمات تدّعي زوراً وكذباً إنتماءها إلى الإسلام والإسلام منها براء"... كما أوضحتم حينها في بيانكم:"أن الإسلام دين التسامح والتعايش وهو يرفض أشد الرفض هدر الأرواح وقتل النفس ظلماً وعدواناً، وما جرى من جريمة بشعة تعتبر واحدة من أجلى مصاديق الظلم والعداوة"، وأضفتم أيضاً:"إننا ندين بشدة هذه الجريمة البشعة ونوجّه أنظار الحكومة وأجهزتها الأمنية أن تضع في أولوياتها حماية أرواح المواطنين العراقيين من الإستهداف الدموي كما ندعوها إلى التحقيق في هذه الجريمة النكراء ومحاسبة المقصرين".

نعم ... ونعم
إن وطننا موطن تعايش بين أديان وطوائف وقوميات متعددة، وليس في تاريخ العراق حروب أهلية أو قتل أو غدر بالجار القريب. والذي يزور العراق يجد أن الصابئة يعيشون بجوار المسلمين، والمسيحيين بجوار الإيزيديين، وليس هناك أحياء منعزلة أو منفصلة عن بعضها البعض إلا في هذه السنين الأخيرة ومع مجيء الإحتلال وفي زمن داعش الإرهابي الإجرامي، والدم المسيحي الذي أُريق مساء الأحد 31 تشرين الأول 2010 شاهدٌ على همجية الفكر الصحراوي ورعونته، الذي يمنّي نفسه بتناول الإفطار في جنة الفردوس ويعانق حور العين بعد وجبة عشاء دسمة مع الأولياء والصالحين، فراح ضحيتها مسلمون ومسيحيون ومكونات، ولا أدري أي وليّ أو أي صالح يجالس هؤلاء السفّاحين، فالجنة ليست للقتلة المجرمين، وليست الرحمة للشياطين الذين ذبحوا وفجّروا وقتلوا وسرقوا ونهبوا وحلّلوا كل حرام وغزوا كل آمن وأبعدوا كل مسالم وأحرقوا الأطفال وهم على صدور أمهاتهم. أين هي الضمائر الحية؟، وأين نحن من هؤلاء الذين يكفّروننا وهم في وجودهم كفرة وقتلة؟، إنهم يحملون تراثاً جنونياً قاسياً وضميراً حيوانياً مميتاً، فلقد دمّروا كل شيء، حتى الحجر أدانهم فما حال البشر!... فويل للقتلة من جحيم إستعجلوها في الدنيا قبل الآخرة، فنحن لا زلنا على صليب العذاب والغربة، والتهجير جريمة بحق الشعوب المسالِمَة والمُحبّة للتعايش.

فعل الإرهاب
نعم، إننا نعيش هذه الأيام أوقات عصيبة فرضتها علينا تحديات لم تكن، وغير مسبوقة، ووفرت فرصة ثمينة للمتطرفين وذوي النزعات الشعوبية والطائفية من كافة الألوان والأطياف لشنّ حربهم البغيضة التي تكرّس الطائفية وتزرع بذور الحقد والكراهية والتعصب، ويبدو هذا جلياً في عراقنا أكثر من غيره من البلدان. ومنذ دخول داعش الإرهابي إلى أرض وطني دنّس قريتي ومدينتي، الموصل وسهل نينوى وحتى اليوم، من حينها راودتني فكرة كتابة الرسالة إلى سماحتكم، كونكم أنتم الرئيس الأعلى للمجلس الإسلامي، واستلامكم للمهمة الجديدة في رئاسة التحالف الوطني العراقي، وطوال هذه الفترة كانت الفكرة تنمو يوماً بعد يوم في داخلي ومخيلتي، والأحداث تتسارع في مسيرة مؤلمة، إلى أن أتت الساعة ليسجّل يراعي الضعيف هذه الكلمات عبر أسطر تسقيها دموع الحياة القاسية، ومسرّات ألم الإضطهاد، في رسالة تكون هي الأولى، حاملة حقيقة الإنسانية المتألمة في شعبنا الجريح. فغاية رسالتي هو تخفيف المصيبة التي يعيشها أبناء بلدتي وشعوب منطقتي المسالمين، بعد أن طردهم داعش الإرهابي وعملاؤه من ديارهم وفقدوا كل شيء، منازلهم ومحتواها، أملاكهم وأحلامهم، ولم يبقَ أمامهم إلا الهزيمة والإلتجاء إلى كوردستان حيث الأمان، وفي دول الجوار وعبر المحيطات، وهناك فرشوا الحدائق وملأوا الشوارع ذهاباً وإياباً، جلوساً ونظرةً، واليوم أغلبهم يسكنون عمارات بائسة لم يكتمل بناؤها وحتى محيطها، وآخرون هاجروا وقلوبهم حزينة حتى الموت على فراق أرضهم.

نعم، رحلوا إلى بلدان الجوار شمالاً وغرباً، جنوباً وشرقاً، باحثين عن ملجأ يَقيهم، وعن أمن يحميهم، وعن يد تعانقهم، وعن كلمة تواسيهم، وعن محبة ترافقهم، وعن شعور بنجدتهم، ولكن لا من مجيب ولا من حديث ولا من عزاء، ولا زالت حتى اليوم مسيرتهم دون هدف وإرادة، دون علم ودراية، ووضعهم مأسوي بدرجة إمتياز... هذا هو بيت القصيد، إنهم مهجَّرون، إنهم نازحون، فالحقوق مسلوبة، والحقيقة مصلوبة، والعدالة حوكمت، والقضاء إرهاب، شعوب تائهة أم أصيلة، هل نستحق أن نحيا ونواصل مسيرة البناء أم علينا أن نكون تبعية مهمَّشة لا دور لها إلا ملء البطون والنوم والصمت المريب؟، ألستم أنتم زارعي بذار حقوق الإنسان، ألا يجوز أن تزرعوا ذلك في حقول قُرانا ومدننا وحول مساكننا؟، ألا يجوز أن تمدّوا أياديكم كسحابة لحماية شعبنا الممزَّق والمضطَهَد والمطرود من مساكنه وقُراه ومدنه؟، هل لا يجوز تعويض أبناء بلدي وأبناء ديرتي لِمَا فقدوه من أموال وممتلكات كما رفعتم ذلك رايةً في مناسبات عدة، حيث كنتم كلمة الحقيقة، ودولار التعويض، وطابوقة البناء، وكونكريت الحياة لمدّ الجسور بين الأبناء والأصلاء في إعادة الإعمار والبناء واستمرار الحياة هبة الله، رب السماء والأرض، وكعطية لنحميها أنتم ونحن؟.

نعم، لقد ذقنا لوعة الإرهاب والتهجير والتقاتل مع الآخرين وفيما بيننا، وعرفنا _ وما زلنا _ كل التجارب المدمِّرة. إننا نقف اليوم أمام هذه الأخطار التي تداهمنا من الخارج كما في الداخل، ونطرح تساؤلات علّها توقظ في القادة والقوى والمراجع المعنية والمحترمة حسّ المسؤولية الكبيرة بل التاريخية، وهذا ما لنا فيه رجاء وأمل في الحياة والتعايش وتفعيل البيانات والإعلانات وكل الإمكانيات في ضمائر حية ليس إلا!.
نعم، أربعة عشر قرناً ومسيحيو الشرق يعانون من الإرهاب والإضطهاد، قدّموا ملايين الضحايا لأجل الحفاظ على عقيدتهم الدينية وكيانهم وبناء أوطانهم بروح التضحية والإخلاص، ومع هذا فإن حملات إضطهاد المسيحيين أخذت منذ القدم مسلكاً واحداً هو القضاء عليهم بمختلف الوسائل. فالمسيحيون يعيشون في الوسط الأصولي الداعشي الإرهابي في أراضي سهل نينوى وفي أغلب الأماكن وهم يشعرون في كل الأزمنة بالمذلّة والخوف والرعب والسيف المسلَّط دائماً وأبداً على رقابهم، وإشعارهم بأن حياتهم لا قيمة لها لديهم، كما إن ممتلكاتهم ليست لهم بل يستولي عليها كل قدير شرير، فالسلبيات التي تركها داعش على المجتمع كبيرة جداً، وحل تلك السلبيات يحتاج إلى جهود جبارة من الحكومة المحترمة وبتعاون كل الشعب ومن المجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية والمدنية، ولا يوجد بديل آخر إلا نبذ التحاصص والطائفية والعشائرية والأغلبية، فالبلد والوطن للجميع.

أنتم لها
نعم، نحن في حاجة إلى زعماء أمثالكم، ورجال دولة يخاطبون المستقبل، ويدركون أن دور المسيحيين لن يُمحى إلا بفكر حضاري متطور حقيقي ذهب من أجله شهداء ودفعوا حياتهم ثمن إعلان حقيقتهم وحقيقة إيمانهم. فالمسيحيون ليسوا أدوات فتنة وليسوا أكياس رمل، وليسوا في وطن غريب بل في وطنهم، وفيه لهم كرامتهم، أما الغريب فلا كرامة له فيه، ومرضهم إنهم يحبون وطنهم ولا يفصلهم عنه الألم والشدة والضيق، فهم ماتوا ولا زالوا من أجل وجود وطنهم، إنهم شهداء أحياء. لذا نناشد سماحتكم في أن نخرج من كهوف الماضي، فنمدّ أيادينا كما نحن مع أمثالكم الطيبين، فأنتم كلمة وراية من أجل الأقليات والمكونات، وأنتم المرجعية التي تُنشد الحقيقة، فالمسيحيون أمناء وليسوا تُبّاع للغرب بل مخلصين لأوطانهم، فهم يحترمون كل شخص، لذا علينا أن نتكاتف معاً ونقبل كل منا الآخر وعلى دينه ولونه ومعتقداته، فنحن اليوم لا نحتاج إلى إزدواجية المعايير فالوضع العام معقَّد بغياب المشروع السياسي وبتعدد السيناريوهات حيث لا تلوح في الأفق مؤشرات إيجابية، فهناك أطماع في الأرض كما في السلطة كما في المال، والمراكز وملامح التقسيم واضحة، والخوف من الآتي _ ولا سمح الله _ يقودنا إلى خسران بلداتنا في سهل نينوى، وهذا ما يدعونا إلى أن نمدّ الأيادي ونشارك الأفكار في الحوار، ونناشدكم أنتم السماحات المحترمة  والمرجعيات الموقرة أن نكون شركاء لكم في مسيرة الوطن ومصير الحياة، فأجيالنا تناديكم وتنادينا أن نكون أمناء لمستقبلهم، وعلينا أن نكتب لهم تاريخ بنائنا لأوطاننا وليس بطرد أو تهميش مكوناته بدستور يهمل الحقوق في القانون والواجبات. ومن هنا كانت بدايةُ الكارثةِ بحقٍّ وحقيقة، بمآسيها وتَبِعاتِها، ولا زالت تجرُّ أذيالَ اليأسِ والقنوط حتى الساعة، كما مَلَكَ القَدَرُ الأسودُ على مسيرةِ الحياة.

ونحن من حقنا
أليس من حقّي أنْ أسأل: حتى ما نكونُ أرقاماً هزيلة؟، أفي بلدي أكون نازحاً، لاجئاً، مهجَّراً، أنا المسيحي ابنُ هذه الأرض الطيبة التي رويتُها بدمائي وعَرَقي، وعملتُ فيها بسواعدي وفكري، وسرتُ فيها شامخاً متكبِّراً بألوانِ رايتها؟، أليس ذلك من حقي وحق حريتي أنْ أكونَ رايةً وحقيقةً، شاهداً ومؤمناً؟، أليس من حقي أنْ أدافعَ عن وجودي وإلا عبثاً أنا هنا؟. فأنا لستُ عبداً لكلماتِ دستورٍ ينكر وجودي، ولستُ خانعاً وخاضعاً لإراداتٍ تسلبُ حريتي وأموالي وأطفالي، وأنا لستُ إلا أصلاً وأصالةً، عمقاً وقلباً، فكراً ورسالةً، حضارةً وتراثاً، فمهما باعوا الحقيقةَ من أجل كراسي الزمن ومتاعبِ الدنيا، فالحقيقة علامةٌ وليست بضاعةٌ، وإنْ كانت تُباعُ اليومَ في سوقِ النخاسة ويشتريها مَن يملك مالاً وعبيداً وجاريات ومن الحَسَب والنسب والقربى، أما أنا سأبقى أنشد هويتي واعتزازي ببلدي وبأرضِهِ رسالةَ وجودي وعراقيّتي... فالرافدان شاهدان، وحمورابي وشريعتُهُ قاضٍ يعلن حكم الحقيقة، وسأبقى أحضن ترابي ووطني وأحمل مشعلَ إيماني، وما ذلك إلا رسالةُ الحقيقة، وهذه رايتي ليس إلا!.

ومن هنا أقول: على المرجعيات الدينية المحترمة _ وعلى إختلاف مذاهبها _ إصدار فتاوى صريحة تُحرّم على الأصوليين قتل المسيحيين أو فرض الجزية عليهم أو إضطهادهم أو إجبارهم على إعتناق الإسلام وحرمان أي نوع من الممارسات اللاإنسانية التي تمسّ أمان واستقرار وسلامة المسيحيين في العراق وبلدان الشرق الأوسط.

في ذكرى الأربعينية المؤلمة
ونحن نحتفل بالذكرى الأربعينية الأليمة لإستشهاد الإمام الحسين (عليه السلام)، الذي جاء لإصلاح أمّته، فقد قال لأخيه محمد بن الحنفية في وصية له:"إني لم أخرج أشراً، ولا بطراً ولا مفسداً، ولا ظالماً، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمّة جدي. أريد أن آمر بالمعروف وأنهي عن المنكر فمَن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق، ومَن ردّ عليّ هذا أصبر حتى يقضي الله بيني وبين القوم بالحق، وهو خير الحاكمين"، وكما قال يوماً الإمام علي (عليه السلام):"إذا أُعطي لي الكرسي لحكمتُ لليهود بالتوراة، وللنصارى بالإنجيل، وللإسلام بالقرآن".
من هذه الذكرى الأليمة أناشدكم يا سماحة السيد (حفظكم الله ورعاكم)، وأناشد معكم الأخوة المسلمين في عراقنا الجريح في التحالف الوطني العراقي والمجلس الأعلى الإسلامي العراقي، والمكونات العراقية الأصيلة والمحتَرَمة، داعين لكم وللوطن السلام والأمان والخير، وحاملين الصفح والغفران من أجل إعادة بناء وطننا الجريح كنزاً لأجيالنا القادمة، في طرد الإرهاب بعيداً عن ديارنا وعن ترابنا، وكل عام ونحن وأنتم أخوة في المسيرة وفي الأصالة كما في السيرة، بكل صفاء النية، مؤمناً أن كل شيء هو مُلْك الله، فكانت المحبة تقدمةً وعطيةً من السماء كي لا تزداد الإنقسامات والتصدّعات الإجتماعية، مما يستدعي تعزيز التسامح والوحدة لوضع حدّ لموجة الخوف والحقد والكراهية التي تسود في المنطقة عامة وعراقنا خاصة. فقد أصبح لزاماً علينا جميعاً أن نعمل يداً بيد _ في هذه الأوقات العصيبة تحديداً _ لتعزيز روح التسامح وترسيخها بغض النظر عن الدين والجنس والتراث والثقافة، وتعزيز قدرة التصدي لنزعات التطرف والحقد والكراهية والإنقسام، وعلينا أن نعمل جاهدين لنسمو فوق خلافاتنا، والعمل على ترسيخ قيم الرحمة والإعتدال والعدالة ومحاربة الفاسدين في مجتمعنا.   

معكم ومع الأخوة المسلمين
إننا شعب واحد، ووطننا واحد، وهمومنا ومعاناتنا واحدة... إنه تاريخ المسيرة، وربّ السماء سيد التاريخ. وهذه الرسالة ليست صدفةً أو قَدَراً أو حالةً عابرة بل هي مشيئة الله علينا، فله نطيع إرادته وإليه نسلّم أمرنا، وهذا ما أكده الإرشاد الرسولي لكنائس الشرق الأوسط أيضاً عام 2010، ولا زلنا نتقاسم الآلام والإرهاب والتطلعات معاً، فقد أُقتلعنا من أرضنا، وحُصرنا في بعض أطراف وطننا، وشُتّتنا في كل بقاع الأرض، وهُجّرنا من بيوتنا وقرانا ومدننا، فألمنا واحد وألمنا وحدنا، فنحن واحد في قارب واحد لا وجود فيه للحواجز والجدران العازلة، في هذا القارب نتقاسم الحياة، وفيه نعيش معاً ومعاً نموت، ولا يمكن أن نواجه العواصف والأعاصير إلا معاً بتظافر جهودنا، أما إذا إنقسمنا أو إنقسم القارب على نفسه فإنه يغرق ونغرق جميعنا معه.   هذا كله يجعلنا مسؤولين بعضنا عن بعض أمام الله والتاريخ والعالم، أمام الله الذي نمتثل لمشيئته، ونمثل أمامه معاً، وإليه نرفع أدعيتنا وصلواتنا، وإليه نوجه همومنا وهموم إخوتنا وآمالهم وآمالنا وتطلعاتنا. ومن المؤكد أمام التاريخ أن الله سبحانه وتعالى سيحاسبنا على حبّنا لتاريخ وقدسية ترابنا، وعلى مواقفنا أحدنا من الآخر، ويحاسبنا عمّا كسبت أو خسرت نفوسنا، فنحن مسؤولون بعضنا عن بعض أمام التاريخ، نشهد للماضي الجريح وللحاضر الذي نواجهه وللمستقبل الضبابي وكيف سنبنيه، فإذا كان الله معنا سيساعدنا على حمل مسؤولية رصيدنا في الحاضر والمستقبل. وأمام العالم نحن مسؤولون ونشهد معاً لتاريخنا في الدفاع بعضنا عن بعض في وجه كل مَن يريد أن يشوّه هذا التاريخ. إن العالم ينظر إلينا، ويستقوي علينا بانقساماته، ويتسلل إلينا من خلال طائفياتنا وعشائرياتنا ليزرع الفتن أو يؤجّجها ومن ثم يتفرج علينا ونحن نتقاتل، ليأتي بعد ذلك بِلَومٍ ونفاق وحنين ليضع السلام فيما بيننا وفق مصالحه وأنانياته ومخططاته في تقسيمنا أو توحيدنا.

أما التطرف الديني
لقد ظهرت أصوليات التطرف الديني كموجة عاصفة عصفت بنا جميعاً بعيداً الواحد عن الآخر، لا بل عصفت بالعالم كله، وملأتنا تعصباً وأيّ تعصب، إنه التعصب الأعمى وإلى الإقصاء والموت، وهذا ما حصل في بلادنا ووطننا، وملأت الطائفية والمذهبية والمحسوبية قلوبنا، وحملناها تطرفاً دينياً في تعاليمنا، وما نريد أن يستمع المختلف عنا حقيقتنا المزيَّفة وتعصبنا المقيت، ومن المؤكد أن هذا التعصب لا يرحم أحداً، وما نجم منه ما كان إلا قتلاً وتشريداً وخطفاً وإرهاباً باسم الدين وشراً ضد الله والإنسانية. إنها معاناة بلداننا، وهذه لا يمكن أن تكون صوت الله، فالخالق يعلّمنا أن لا نقتل بل يأمرنا بالمعروف، يأمرنا بالتعارف والتحبب والتعاون لأن التطرف يشوّه صورة الله ويشوّه صورة الإنسان، ولا يمكن أن يكون الله مصدر القتل وهو الذي علّمنا أنه أحبنا فخلقنا على صورته ومثاله. فالله مصدر الحياة وله الحق وحده باستردادها، وفي ذلك يقول البابا فرنسيس:"لا يمكن لأي جريمة أن تُرتَكَب باسم الله، لأنّ الله ليس إله فوضى بل إله سلام"، وأيضاً "لا أعتقد أنه من الصواب الربط بين الإسلام والعنف".
نعم، هاهوذا جيشنا الباسل وشرطتنا الإتحادية ومتطوّعو الحشد الشعبي والعشائري _ وبقرار من حكومتنا الموقرة _ يهبّ لتحرير نينوى وأقضيتها وقراها من براثن داعش الإرهابي ومنذ فجر السابع عشر من تشرين الأول الماضي (فالرحمة لشهدائنا والشفاء لجرحانا والنصر لشعبنا)، وهذا ما يدعونا إلى أن نحارب التطرف معاً _ كما كان هدفكم في المؤتمر التاسع للمجلس الأعلى للصحوة الإسلامية _ فرسالتنا هي أن نرفض الموت ونطالب بالحياة وبكرامة كل إنسان، ويجب أن يعلو صوتنا معاً في وجه الإرهاب والتطرف، لذا يجب أن نكون جبهة واحدة تقف في وجه ثقافة الخوف والترهيب والموت، فلا يمكن للدين وأساسه أن يكون سبب تفرقتنا، فإنسانيتنا وعروبتنا وماضينا وحاضرنا ونضالنا المشترك وإيماننا بالله الواحد خالق هذا الكون وخالق الإنسان، فالوقوف معاً في وجه الموت المهدِّد لنا رسالة سامية بل مقدسة، وهذا ما يدعونا إلى تعزيز الحوار والتلاقي، وما علينا إلا أن نكتشف نقاط التلاقي ولا نزيد مساحات الإختلاف والعزلة والتفرقة، فالمواطنون مؤمنون كلٌّ بدينه، فلا أقليات ولا مكوِّنات ولا جماعات بل أصلاء، وكلنا من تراب هذا الوطن، وكلنا شعب هذه الأرض، فيه يعلو صوتنا وفيه تقوى سواعدنا وفيه تقدس الحياة مسيرتنا كما في الماضي هكذا في حاضرنا وغداً في مستقبلنا، وهذا ما يدعونا إلى أن نحمل رسالة واحدة وقانوناً واحداً ودستوراً عادلاً تكتبه قلوبنا بأقلام عدالة الله وعدالتنا وحقوقنا ومساواتنا في المسؤوليات والواجبات والحقوق والحريات. وبالمحبة والتعايش وقبول الآخر علينا جميعاً أن نواجه التفسيرات المتطرفة للنصوص الدينية، ونضع في قالب نصوغه لمصالحنا ولهوانا، وننسب كل ذلك أن تلك آية من الله وفتوى من العلياء، بل تدعونا الحقيقة في الحوار والإلتزام بقدسية الإنسان وعقيدة الحياة في أنّ كل أخ له في الإنسانية مساحة محترَمَة فيها يدلو بإيمانه ويحيا بنِعَمه، وما دينه إلا عبادة لخالقه. فليس أحدٌ وليٌّ على الآخر، فالله خالقنا وهو وليّنا، ولا يجوز القول أن كل دين غير دين الإسلام كفرٌ وضلال، وكل مكان للعبادة على غير دين الإسلام هو بيت كفر وضلال، أو مَن إعتقد أنّ الكنائس والمعابد هي بيوت الله وإنّ الله يُعبَد فيها، أو أنّ ما يفعله اليهود والنصارى والمكوّنات الأخرى عبادة لله فهو كافر. أليس من المؤلم أن نحرّم ما نشاء ونحلّل ما نشاء وكأننا قد فُوِّضنا من رب السماء أن نكون على الآخرين أمراء، فنحرّم عليهم حتى تهنئة العيد وأخرى لأنهم من الكفرة؟، أليست القلوب هي التي تناشد الرحمن الرحيم في الصلاة وتناشد الإنسان في الحياة؟، فما ذلك إلا علامة الإنسانية التي أبدعها الخالق العظيم، فلماذا هذه المواقف والتي تُنتج أشخاصاً يحلّلون قتل الكافر وبرأيهم ذلك حلال لأنهم يقتلون الكفّار والمرتدّين، وما ذلك إلا حاضنات للإرهاب؟، فما علينا إلا تجفيف مصادر هؤلاء الإرهابيين وإفراغ أفكارهم من القتل المدمّر لمسيرة الحياة.
   كما علينا أن نراجع مناهج مدارسنا وكُتُبنا لنثبت للشعوب أننا شعب واحد، وإن كل واحد منا يزداد معرفة بالآخر وتقديراً لدين الآخر، فندرس تاريخنا المشترك، وننشأ نحن وأجيالنا بمسؤولية تجاه الجار والقريب والآخر المختلف، ونبني بتربيتنا الإنسانية مجتمعاً سِمَتُه المحبة والتسامح والإخاء، وهذا ما يدعونا إلى إعادة كتابة الدستور من أجل بناء وطننا، في جعل الحق والحقيقة مسيرة للحياة في دستور مدني منصف وعادل، يحمي شعبي ومكوّناتي وحقوقي، وعدم السماح لتفتيت الشعب بإصدار فتاوى ومواد وأبواب وآيات تكفّر أهل الكتاب وحاملوه، كالمادة (26) من الدستور، فتغييرها حق من أجل مسيرة شعبنا الأصيل في حرية العبادة والدين والهوية والقومية في البطاقة الوطنية، وتلك علامات النجاح من أجل العيش المشترك، ورسالة الآخر المختلف، والتعامل بالمساواة بين الأغلبية والأقلية، فالدين لله والوطن والدولة للجميع، وللمؤمنين دينهم وللدولة دستورها، فلا يمكن أن تدين الدولة بما نشاء كذلك لا يمكن للمؤمنين أن يؤمنوا بما يُكتَب لهم وما ليس بإرادتهم.   
   علينا أيضاً أن ندافع عن رموزنا من أي تهجّم أو إعتداء في محاربة إقصاء الآخر باسم الدين والذي يريده العدو أن يكون فتنة بيننا، وأن يصبح وسيلة لزرع الأحقاد والكراهية بدلاً من أن يكون وسيلة لنشر المحبة والوئام. فالإعلام الديني الملتزم هو الطريق الصائب لتعزيز ثقافة الإخاء والوحدة والعيش المشترك، والحقيقة والعدالة تدعونا أن نكون أمناء للوطن وللشعب، وهذا ما يدعونا إلى فتح ملفات جرائم داعش الإرهابي ومحاكمته، ولكن لحدّ الآن لم يتم فتح ملف جرائم داعش ولم يتعرض مَن يُلقى القبض عليهم لمحاكمات علنية، بل هناك بلدان لا تزال في قوانينها تعتبر الإنتماء إلى داعش جنحة وليس جريمة، أليست هذه أمكنة وأوطان لإحتماء داعش والمجرمين فيها؟، فتهديد داعش يطال الكل بل إن فكره المتطرف يختفي وراء بعض المنظمات من حاضنات الكراهية وعدم قبول الآخر، والسير ضد شرعية حقوق الإنسان وحرية التعبير والأديان، وتمويله بأموال الشعوب البريئة وتشجيعه عبر القنوات الفضائية والمؤسسات الإعلامية، وفي بعض دور العبادة ورجالاتها.
   نعم، إن الأوقات والأزمنة والسنين والأيام التي نحياها في عراقنا الجريح حاسمة ومصيرية وخاصة بعد أن لوّثها داعش بإرهابه المجرم، فهذا ما يدعونا إلى تحمل مسؤولياتنا تجاه بعضنا البعض ومزيداً من الإيمان أمام الله والإنسان، إيماناً منفتحاً وليس حاقداً أو بغيضاً، وعلينا أن نصطبغ بشجاعة غير مسبوقة _ بل تكلّف ربما حياتنا _ لنقف في وجه الفاسدين الحاقدين الذين يزرعون بذور الحقد وإقصاء المختلف وينادون بالموت، وإلا سنجعل من مستقبلنا مستقبلاً على المحكّ نحن وأجيالنا وأبناء منطقتنا، والحقيقة تتطلب إمّا أن نزول معاً أو نحيا معاً من أجل حياة أجيالنا وأحفادنا.
   صحيح إن حياتنا قاسية بل مُرّة بمرارة مسيرة الأيام المؤلمة، فمنذ سنوات نعاني الظلام والحصار والحروب والإحتلال بصوره المختلفة وبإتجهاته العديدة، إنها محنة وأيّة محنة، فقد أودت حتى بإنسانيتنا وربما بإيماننا، ولكن لا زلنا ثابتين على حقيقة الوطن الجريح، وربما للرب شؤون في ذلك كي ينقّينا من الداخل ويجعل قلبونا في مسيرة صائبة لا تعيقها محن الدنيا، كي نربّي إنساناً مؤمناً يدعو إلى نقاء الأفكار وصفاء القلوب وجميل الحياة.
   ربما هناك حقبات حصلت في تاريخ مسيرة الوطن والمنطقة وشعوبها فيها تعصُّب وقتل باسم الدين، ومن المؤكد أن هناك مَن يستخدم الدين لأغراض سياسية أنانية، فالتطرف لا دين له، وهو ليس حكراً على أتباع دينٍ ما دون سواه، فالجميع يجب أن يكونوا في محاسبة النفس وتطهير البيت من أي تطرف لأجل قدسية وحقيقة إيماننا.
   نعم، إن مستقبلنا رهن بوحدتنا وتراصّ صفوفنا. لقد عاش شعبنا خبرة آلام سنين عديدة في الحروب والحصار والإحتلال، وارتدّت علينا بشكل مأسوي لا يوصَف، وهذا ما يدعونا أن نتعلم منها الكثير، وأهم ما تُعلّمنا هذه الآلام هو أن الإنقسامات لا تؤدي إلى الدمار، ولكن كلما تضامنّا معاً ووضعنا أيدينا في أيدي بعضنا سنكون في السبيل الصحيح، ولكن إذا أضعنا شعبنا نكون قد غرقنا بل مُتنا قبل تشييعنا.
ولا شكّ أننا نقف جميعاً على حافة مرحلة تاريخية خطيرة وحساسة من حياة بلدنا العزيز ومستقبل شعبنا الكريم، ولا ريب أننا ندرك أيضاً ضرورة أن تتلاحم كل الجهود الوطنية المخلصة لتقول كلمتها وتتحمل مسؤولياتها إزاء التحديات التي تواجهنا من أجل مهمة تاريخية في بناء الوطن والسير به نحو برّ السلام والأمان والتقدم بعد أن تخلّفنا في مسيرتنا وفي جميع الإتجاهات أعواماً عديدة.
   صحيح أن المنطقة تمرّ بتطرف لا يوصف، وثقافة التعصب والطائفية المقيتة، وهذا لا يعني أن نسير مسارها بل أن نحدد رؤيتنا ومصيرنا وما هي الدولة التي نصبو إليها، ولتكن لكل المواطنين، ومبنية على إحترام هوية الآخر وحرية الإيمان والعبادة واحترام الدين في المساواة والعدل والحرية وليس في السيطرة الدينية أو العددية الأغلبية، أو الطائفية، أو العشائرية، أو القرابة والنسابة. فمسؤوليتنا هي أمام الله، كما هي قضيتنا، فقضيتنا ليست قضية وجود فقط بل قضية رسالة وخاصة في هذا العالم المضطرب وسط تحديات لا حصر لها، وما علينا من جديد إلا أن نطلق معاً صرخة أمل "أنّ الله أمين وعادل وحكيم"، ومن المؤكد أن حكمته ستنتصر على الكراهية وشرّها، حينها سنرى إنساناً جديداً يسمو بروحه حتى يبلغ محبة كل أخ وأخت في هذه الأرض.
نعم، نقول: إنَّ شرقَنا يشهد إحتلالاً من الأصوليين ومن الإرهاب، كما إنَّ المسيحيين في الشرق يواجهون ما هو أخطر من التحديات، إنهم يواجهون أزمةَ وجودٍ وحضورٍ وضياع، فهل سيصبحون آثاراً أو بقايا أو ذكريات؟، فقد أصبحت كنائسنا خربةً، وهُدمت بِمِعْوَلِ داعش والإرهاب، وهذا ما كشفه جيشنا الباسل البطل يوم تحرير قرانا ومدننا وقصباتنا في سهل نينوى في السابع عشر من تشرين الاول الماضي . فكنائسنا حُرقت، ومساكننا أُشعلت وسُرقت وهُدمت ونُهبت، والبعض لم يبقَ لها أثر عين. كُسرت صلباننا، وأُنزلت من على مناراتها، وأقول: لماذا يخاف الدواعش من الصليب، فالصليب لا يخيف؟، فما هو إلا علامة محبة المسيح الحي _ كما جاء في القرآن الكريم _ لكل الناس. أليس المسيح رسول المحبة؟، فالصليب ليس علامة خوف أو فزع، بل علامة للخلاص وحسب إيماننا.
هكذا أرادوا لنا أن نكون، فأَسْمونا مرة أقليّةً وأخرى طائفة وثالثة جالية، وإعلامهم ينقل مآسينا ولكن لا يوجد مَن يواسينا،وما ثقتنا إلا بهمتكم ،  وباتَ الخطرُ مضاعَفاً علينا من خلال تهجيرٍ مبرمجٍ وعِبْرَ فرضِ الشريعةِ والتعاليم الأصولية كي نعيش كأهلَ الذمّة. ندرك أيضاً أن تلاحم كل الجهود الوطنية المخلصة بأصعب وأحلك مراحلها، وكل خطوة في الإتجاه الخاطئ يمكن أن تؤدي بنا إلى المزيد من الكوارث، فمستقبلنا رهن بوحدتنا وتراصّ صفوفنا، وإن أي خلل من هذه الزاوية سيرتدّ سلباً، لا بل بشكل مأساوي، ومن أهم ما تعلّمه هو أن الفرقة والإنقسامات لا تؤدّي إلا إلى الدمار، كلما وقفنا معاً وتضامنّا ووضعنا أيدينا في أيدي بعضنا البعض أخذ مسارنا الوطني الوجهة الصحيحة، وإذا تفرّقنا غرقنا.
كفانا تكراراً لما يحدث، فقبل قرن بالتمام (1915) تعرّض عدة ملايين منّا في هذه المنطقة لمأساة إبادة مروّعة، وكان العثمانيون لها أمراء، وجاءت داعش الآن لتكررها، وهي لا تختلف عن متطرفي العثمانيين، لذا على الدول والمرجعيات الدينية اليوم أن تقف معاً بمواجهة هذه الآيديولوجية وتفكيكها من خلال نشر ثقافة الحرية والعمل بالعقل، والإنفتاح والتسامح والمحبة والإخاء والتعايش واحترام حقوق الإنسان والإختلاف والتعددية، وحرية الأديان في ممارسة الإيمان، وهذا لا يمكن إلا عبر عملية تنشئة وتثقيف وتطوير للمناهج الدراسية التي باتت مصدراً للتشدّد الديني بشكل كبير، وتهيئة أُسس السلام والإستقرار والتعاون والعدالة، واعتماد الحوار الحضاري والهادئ والشجاع في حلّ الأزمات التي طالت كل البلاد وأنهكت العباد، والسعي لبناء دولة مدنية، دولة قانون ومؤسسات تُبنى على المواطنة لا غير.
فلنعلم جيداً أن الأمريكان شدّدوا _ لدى إحتلالهم العراق عام 2003 _ على الطائفية والمسمّيات والمحسوبيات والأغلبيات والعشائريات، فربحوا المعركة وخسرنا نحن رسالة الوطنية والقومية وحبّ التراب، ولم تجمعنا راية واحدة بل عدة رايات، وقُسّم الشعب ولم يتم إحتواء كل العراقيين في فكرة واحدة مؤمنة بالدولة العلمانية والمدنية واختيار الديمقراطية الحقيقية، ولم نعد نشعر بضرورة العمل الواحد المشترك، فكلنا مهمَّشون وبدرجات متفاوتة، إنهم هكذا أرادونا وهكذا شئنا، إنها الحقيقة، وهذا ما حصل.   
صحيح إن الإرهابيين لا يمتّون إلى الإسلام بِصِلَة، ولكنهم يمضون في تجاهل الفكر الذي يتغلغل بين الأجيال الصاعدة، والذي يعلن أن الجنة تُضمَن بقتل الأبرياء، وهذا في القرن الحادي والعشرين، ومَن يعنيه هذا التحذير باستمرار وهو يرى التقهقر بين طبقات شعوب حُشرت في زوايا العجز والجهل؟. ألا يكفي الخوض في معارك جانبية؟، ألا يكفي ما حلّ بنا كي نتصالح تحت راية واحدة وفوق تربة مقدسة واحدة؟، ألم يشعر السياسيون أنهم أحياناً يدورون في حلقات مفرغة من صراعات المصالح والمحاصصة، وهذا لكَ وتلكَ لي، وأعطني حصتكَ فأعطيكَ مقعدكَ؟، وتاهت الحقيقة بين أقاويل المسيرة المزيفة. أليس المفكرون غارقين في مسائل الهوية غير آبهين بالهدف في إسقاط داعش فكرياً بعد أن طردته حكومتنا الموقرة بجيشها وحشدها وبشمركتها وعشائرها؟. فالداعش مرض خبيث، بل رسالة شريرة، كما كانت يوماً النازية والشيوعية والفاشية. أَمَا آن الأوان لكي يبادر المسلمون المعتدلون والحضاريون وقابلو الآخر المختلف وغير المسلمين من ذوي الإرادة الطيبة للعمل سوية ولخروج بموقف واضح ومحدّد للتعامل بجديّة وليس بسطحية مع قضايا الوطن ومكوناته من موضوع التطرف والإرهاب الذي يشكل خطراً علينا وعلى البشرية كلها، وأن ينصهروا في جبهة موحَّدة لمواجهة الإنغلاق والتطرف والكراهية الرافضة للعيش المشترك والمواطنة والحضارة والحداثة وبناء مستقبل أوطاننا وأجيالنا؟، فخطيئتهم في رقابنا إذ لم نهيئ لهم مستقبلاً بسبب خلافاتنا وصراعاتنا ومصالحنا وأهوائنا، ونعمل جاهدين كي نزرع ثقافة الحياة وليس الموت والقتل والدمار، فداعش وجهاديّوه يعتقدون أن الجنة تحت أقدامهم، ويضمنونها بقتل الأبرياء بحزام ناسف أو بسيارة مفخخة أو بعبوة لاصقة أو بإطلاقة صامتة أو بتهديد مميت، وما شابه ذلك من إنجازات شريرة لتدمير الإنسان، بينما الإمام علي (عليه السلام) يقول:"إنْ لم يكن أخوكَ في الدين فهو أخوكَ في الخلقة"، فهل نحتاج إلى قرن كامل لنفهم النتيجة الحتمية؟، أنبقى نراوح في محلاّتنا بسبب مصالح القريبين والبعيدين؟، أليس الوطن هو الغاية وسبيل المسيرة من أجل مستقبلنا جميعاً؟، أيجوز أن نسجّل عقارات وطننا بأسماء جيراننا كي لا تُدفَن مصالحنا وننسى أن ذلك من حق أبنائنا وأجيالنا؟. ربما يقول البعض: لعلّ الحوار سيُنتج شيئاً إيجابياً؟، وهل يمكن الحوار مع داعش؟، لماذا تتكرر الأخطاء ولا تَعالج الأمور؟، وهذا ما يجعلنا تقديم ملايين الضحايا من الأبرياء!.
    خاتمة
أختم رسالتي هذه _ وإنْ كنتُ أريد أن أطيل معكم، فالحديث معكم رسالة حب وحقيقة وإحترام ، كقول المسيح الحي " قولوا الحق والحق يحرركم " ليس إلا!_ ولكن أقدم إعتذاري لعدد صفحات رسالتي هذه وطول أسطرها، ولكنها حقيقة الحياة في مسار الوطن ، وكم يقول الامام الحسين (عليه السلام ) " الله أولى بالحق " . كما أدعو ربّ السماء أن يطيل في أعماركم وذوي الإرادة الطيبة، وأن يبارك ربّ السماء شعبنا ووطننا، ويمنح السلام والأمان، لكي ننشد كلنا أنشودة الوطن الواحد "حبّنا لوطننا وأرضنا وترابنا"، ولتكن قضايا شعبنا المسيحي ومكوّناتنا من أولويات مسؤولياتكم وواجباتكم تجاه أصلاء الوطن، ولتكن مسيرة الحوار تجمعنا لبناء وطن حضاري لأجيالنا وأحفادنا، فالتاريخ لا يرحم أحداً إنما يسجّل عظمة العطاء في مسيرة الإنسان، وليكن ربّ السماء شاهداً على حقيقة الكلمة كي نكون أمناء وأوفياء لأصلاء البلاد ولمكوّناته، في التعايش والحوار وقبول الآخر المختلف، في حرية الدين والعبادة والإيمان، في المساواة في الحقوق والواجبات، وليس هناك درجات في المكونات متفاوتة أو ناقصة، ولا أغلبية أو أقلية، بل الكل أصلاء ومواطنون.
وفي الختام أدعو لكم بالعمر المديد في العطاء والسيرة والمسيرة، فأنتم الراية، وما تشهدون له للحقيقة والعطاء سيكون سجلاً حافلاً في مسيرة مرجعيتكم الموقرة، وليكن تحرير اراضينا من قِبَل جيشنا الباسل وشرطتنا الاتحادية ومتطوعي الحشد الشعبي والعشائري والبشمركة وبقرار من حكومتنا الموقرة ، ليكن نقطة انطلاق في المصالحة ، في دستور يضمن حقوق الجميع دون تفرقة ، وفي حكومة مدنية تراعي الجميع في حرية الكلمة والايمان وقبول الاخر المختلف ، من اجل اعادة بناء العراق الجريح ، في المحبة والاخلاص للوطن وللتراب وللأنسان ، " فكلنا إخوة وما علينا إلا أن نحب بعضنا بعصاً هكذا يقول السيد المسيح الحي ، " وإن لم نكن إخوة في الدين فنحن إخوة في الخلق " هكذا يقول الأمام علي عليه السلام . وختاماً
                      ( الرحمة لشهدائنا والشفاء لجرحانا والنصر لشعبنا والسلام لبلدنا والمصالحة لأيادينا ).
                                                  والله على ما أقوله شهيد... ودمتم.


محبكم وأخوكم
المونسنيور بيوس قاشا
خوري كنيسة مار يوسف للسريان الكاثوليك


21
للكاتب نمرود قاشا
شكرا جزيلا ايها الكاتب والاعلامي الكبير نمرود ميخا قاشا لتفضلك ونشر الخبر وباسم ابناء رعية مار يوسف اقدم لك الشكر الجزيل .
عزيزي نمرود انها بادرة اعلامية وتوثيقية وذي روابط وطنية وجيشنا وحشدنا والبشمركة والشرطة كلهم يحتاجون الى مؤازرتنا عبر الصلاة وقول الحقيقة فليباركك رب السماء ويمنحك النعمة لتواصل مسيرة الاعلام للمسيح الحي الذب احبنا حتى الموت فلنقدس الهنا وليس الهتنا ولنسجد لربنا وليس لبشرنا .دمت اخا عزيزا وشكرا ولا تخف ابدا ان تقول الحق في وجه الاقوياء فالمسيح الرب علمنا ان نقول الحق وهو يحرركم . وحقيقتنا هي تحرير اراضينا فلنعمل على بنائها ولنكن ليس حاملي الحقائب بل حاملي ارجاء والامل ودمت
محبك بيوس قاشا

22
السيد ظافر شنو السامي الاحترام
شكرا جزيلا على تحيتك واحترامك ومحبتك في بداية ردك فمحبتك هي التي جعلتك ان تكون كلمة واحتراما . وبعد
نعم في الفقرة الاخيرة ذكرت ما نصه " ونكون نحن القادة في هذا المجال الوثني " بمعنى اننا حينما نؤله دنيويتنا وانانيتنا وما يطيب لنا فذلك كله يعمله الوثنيون بينما نحن لا اله لنا الا الخالق المحب والرب يسوع المسيح والروح القدس.. فدنيانا تجعلنا اليوم ان ننسى الاله الحقيقي يسوع المسيح من اجل ارادات مزيفة ودنيوية .
اما سؤالك يا عزيزي " ان تسمية مخلصنا يسوع المسيح بالاله الحقيقي .. هذا اساس من حقيقة ايماننا ولا يمكن ان اوضح ذلك في اسطر قليلة فالمسيح الرب قد تميز بصفات الهية بانه " هو الله " "الابن" الذي ظهر في الجسد كما يقول مار بولس وولد من مريم العذراء ويقول ايضا " لما تم ملء الزمان ارسل الله ابنه مولودا من عذراء تحت الناموس ليفدي الذين هم تحت الناموس " وقد ظهرت الوهيته جليا بالاعاجيب والايات واقامة الموتى وطرد الارواح .. وتوما يظهر علنا ذلك حينما يقول " ربي والهي " ( يو: 28:20) واشعيا يقول هوذا العذراء تحبل وتلد ابنا ويدعون اسمه عمانوئيل الذي تفسيره الله معنا " ( اش 14:7) واشعيا ايضا يدعوه " الها قديرا "(  6:9)وفي 2كو 7و8 يقول " يحل فيه كل مل اللاهوت.
اما في انجيل يوحنا فيا عزيزي ظافر شنو الموقر كله يتكلم عن الوهية ربنا ومخلصنا يسوع المسيح ويوحنا المعمذان يقول " انا قد رايت وشهدت ان هذا هو ابن الله " ( يو1: 32-34) .
هذا قليل من كثير في ايضاح الوهية المسيح وبامكانك ان تراسلني على البريد الخاص وانا لك خادم ومطيع واقول خاتما ان دعاك الرب فتقدم في محبته وازد ايمانك فمسيرة الحقيقة هي في المسيح يسوع .
والف شكر وتمنيا لك الخير ونعمة المسيح تحل عليك وتباركك . نعم وامين
 محبك
المونسنيور بيوس قاشا

23
كنائسنا معابد صلاة لله ... ليس إلا !!!
المونسنيور بيوس قاشا
حلّ ما حلّ بنا بعد هزيمتنا من قُرانا ومدننا بسبب داعش الإجرامي، وما حلّ بنا ألقى
بضلاله على كنائسنا ومسيرة عوائلنا وسبل معيشتنا  وربح أرزاقنا، وأصبحنا نتساءل:
أين دور كنائسنا ورؤسائنا؟، أين الكنيسة من جريمة داعش؟، هل خَفَتَ صوتُها من خوفِها أم تندب حظَّها ومسيرتَها بسبب ما حصل بتشتّت أبنائها؟، ولكن رؤسائها وبجاه حكمتهم جعلتهم يسألون عن أبنائهم، فطوبى لكنائسنا وطوبى لرؤسائنا، فلولا هذه الحكمة لتاهت شعوبنا في مجاهل الزمن وأماكن النزوح والهجرة والطائفية المقيتة بين الأحزاب والحركات، بين الجمعيات والإتحادات، بين العولمة والإيمان. والسؤال اليوم: متى ستُعيدنا الكنيسة أو رؤساؤنا إلى ديارنا ومنازلنا؟. إننا نعيش رجاءً مهزوزاً، فهي تُملي علينا آمالاً ربما لن تتحقق، وتنادي بالأرض التي لفظناها أو أرادونا أن نهاجر منها، وربما (لا سمح الله) نلوم كنائسنا ورؤسائنا، وكنا نحن السبب والمسبِّب، إذ لا يخلو العتاب من عتاب أنفسنا نحن أهل الديرة والدار، آل البيت والأبناء، أبناء المحلة والقرية والمدينة.
   يعلّمنا إيماننا المسيحي أن الكنيسة هي جماعة المؤمنين، ويكونون جسداً واحداً في المسيح، وهي واحدة جامعة مقدسة رسولية، كما هي بيت الله المكرَّس للعبادة، وبيت الملائكة الذين يسبّحون معنا. لو عدنا إلى ماضي الآباء، فقد كانوا يعتبرون الكنيسة هي الأسقف يحاط به جماعة المؤمنين، وكلهم حول مذبح الله. فالكنيسة في معناها الحقيقي ليس فقط جماعة المؤمنين ولكن جماعة المؤمنين حول سرّ الأفخارستيا.
   إذن، في الكنيسة تعيش جماعة المؤمنين التي تحيا حياة مقدسة، وتشترك في الأسرار الإلهية التي يمارسها كهنوت مقدس مثلما يتضح من قول القديس بولس لرعاة مدينته أفسس:"احترزوا لأنفسكم ولجميع الرعية التي أقامكم الروح القدس فيها أساقفة لترعوا كنيسة الله التي اقتناها بدمه" (أفسس 28:2). السؤال الذي يطرح نفسه وبكل ثقل إيماني ووجودي: أين هي الكنيسة من مسيرة الألم والنزوح؟، هل الكنيسة تستطيع اليوم أن تعيدني إلى دياري؟، لماذا الذي حصل بأبنائها؟، مَن هو السبب ومَن هو المسبِّب؟، ولماذا اليوم وليس أمس، وبعد 13 عاماً من النزاع المناطقي؟، أين هو الجواب الوافي الأكيد لحقيقة الواقع والواقعة؟.
أكيداً كان الناس سابقاً يهتمون بأمور دنياهم والحصول على أرزاقهم، فكان منهم فلاحون وأصحاب حِرَف بسيطة أو يملكون دكاكين فقيرة، وكان رزقهم حلال، لم تعرف مسيرتهم الفساد المالي أو الغش في التعامل والمعاملة كمدراء هذا الزمن، وقرابتهم لم تعرف لا الطائفية ولا المحسوبية أو العشائرية، بل كانوا كلهم يحترمون الآخرين بدرجاتهم وأماكنهم، وكانوا حينما يمرّ الكاهن في حارتهم يخلعون "جراويتهم" من رؤوسهم وينحنون، وإذا ما قال الكاهن أمراً ما أو وصيةً أطاعوا بكل احترام ودون جدل ولا نقاش، كما كانوا يستشيرون الكنيسة في كل شاردة وواردة، ومنها ينهلون الجواب الشافي في قبول الصلح بين المتخاصمين. كانوا أناساً بسطاء ومؤمنين، والميرون شاهد على جبينهم، فكانت الشهادة سبيل الحياة، ويعشّرون ما يملكون عملاً بوصية الكنيسة، وهمّهم الوحيد أن يكونوا أوفياء لإيمانهم وأمناء لمسيحيتهم، يعملون من أجل خلاصهم، طائعين ومطيعين لرؤوسائهم، وإن جادلوا رؤوساءهم فبالاحترام واللياقة والحُسنى، مملوئين من إيمانهم، غيورين على إنجيلهم ومسيحهم، ولكن لما بلغوا مسيرة العولمة أو بالأحرى دخلت العولمة إلى قدس أقداس حياتهم، وتحولت الحروب من قوس ومنجنيق إلى قاذفات وصواريخ، وانتقل العلم من الطب الشعبي إلى الطب الإلكتروني، وتوصل الإنسان في تغيير مسار الإتصالات من الحَمَام الزاجل إلى الإلكترونيات والذبذبات وأجهزة تنصّت غريبة عجيبة بحجم الذبابة ممكن أن تنقل لك جواب أسئلة الإمتحان الوزاري بغشّ مؤدَّب، وأكثر من ذلك فقد وجد الناس ضالّتهم في هذا العلم القادم إليهم بمسيرة سهلة وتركوا جانباً عاداتهم العائلية واحترامهم للدرجات والمرتبات وأصبحوا لا يبالون بها، فأخذ كبار العمر يقولون: لقد ماتت القِيَم ورحلت الأخلاق، ولا حرية إلا أن نكون آلهة نؤلّه مَن نشاء، فما الذي حدث؟، ولماذا تغيرت قِيَم الناس وعلم البساطة وحقيقة الإيمان إلى الحرية المزيفة، وإلى علم الضياع والثراء والجنس والخطيئة، وإلى الإيمان بمَن نشاء، واختراع الإله الذي نريده، بل نؤله مَن نشاء وننسى الإله الحقيقي يسوع المسيح؟... وأمام هذه الأحداث تقف الكنيسة لتعلن بصوتها:"لا تتركوا إيمانكم وقِيَمكم. انتبهوا من الآلهة التي تعبدونها"، فالإله الحقيقي ما هو إلا يسوع المسيح الوسيط الوحيد (1تيم5:2) وهو في صميم الكنيسة بل هو صميم رسالتها وعمق إيمانها، ولا تخترعوا لكم كنائس جديدة مدّعين أن كنائسنا قد هرمت، فبنينا لنا كنائس خاصة بدل كنيسة المسيح الحقيقية التي هجرناها وأصبحت غريبة عنا.
إذن الكنيسة بناء مخصَّص للعبادة المسيحية، أي محل اجتماع المؤمنين الحالّ بينهم الروح القدس. يقول سفر أعمال الرسل:"فأقاما سنة كاملة يجتمعان إلى جماعة الكنيسة فعلّما جمعاً كبيراً" (أعمال 26:11)، وهو المبنى المشيَّد لهذا الغرض. ويقول بولس الرسول:"لكي نعلم كيف يجب أن نتصرف في بيت الله الذي هو كنيسة الله الحي، عمود الحق وقاعدته" (1تيمو 15:3). وللكنيسة رسالة سامية هي السير بالمؤمنين نحو خلاص أنفسهم وأجسادهم في إعلان محبة الله للبشر أجمعين، إذ يقول البابا فرنسيس: الكنيسة بيت جميع الناس لأن المسيح هو لكل الناس، ولن يقوى عليها الشيطان ومكائده "وأبواب الجحيم لن تقوى عليها" (متى 18:16)، "كنيسة ممجَّدة لا عيب فيها ولا غضن ولاشي يشبه ذلك بل تكون مقدسة غير معيبة" (أفسس 21:5)... هذه حقيقة الكنيسة.
أما اليوم وقبل كل شيء، واجب الشكر والإحترام للكنائس القديمة التي تخلع فيها نعليك (موسى في سفر التكوين) قبل أن تطأ قدميكَ أرضها المقدسة، وتلبس ما هو مخصص لدخول قدس الأقداس ومذبحها، فقد علّمتنا الكتب وكذلك اللاهوت أن قدس الأقداس ما هو إلا سكنى الله "الخاص"، أما ما يحصل اليوم، فأبناؤنا يريدون أن تكون الكنيسة من بُناة تعاليمهم ومن صياغتهم، وإنجيلها يساير حياتهم العولمية، وقدسيتها لا مكان لها، وقدس أقداسها لا معنى له، ففي هذا يسعى بعض القائمين عليها أن تكون كنائسهم وحتى قدس أقداسها مسرحاً، ولباسهم لا يليق بالمكان المقدس بحركاتهم البهلوانية ذهاباً وإياباً، وساحة لمسيرتهم وعودتهم، ومرتعاً لمدعوّيهم وبالخصوص إذا كانوا غرباء عن الدار، جالسين يضحكون، يمرحون، يصفّقون، يثرثرون بما طاب من الحديث المعسول والمرغوب والمكروه، وكأنهم في مسرح مفتوح فيه تلتقي الناس لتسأل عن أحوال بعضها البعض قبل أن يدركوا أن هذا مكان الصلاة والصمت والهدوء والتأمل والحديث مع الخالق المعبود، ويرون أن كل شيء لديهم جميلاً، وأجواء الإختلاط بلا ضوابط بحركات غريبة عجيبة، مدّعين أنهم بعملهم هذا يبشّرون بالإنجيل الجديد للعهد الجديد، ما قبل داعش وما بعد داعش، وفي ذلك يدركون فيعقلوا، أنهم حاملو رسالة، ونسوا أو تناسوا أن ذلك ما هو إلا وثنيات، وتدنيس للقدسيات والمقدسات، والقائمون غير مبالين بل مشجعين لما يحصل ولما يشهدون، ومن المؤسف ان تكون تلك إرادة القائمين عليها، وكأن ذلك حقيقة الإيمان، ثم يبرّرون أنفسهم فيسرعوا _ وكما يحلو لهم _  في إتّهام الجمعيات المستورَدَة وإنْ كانت غير بريئة، والحقيقة تقال أصبحوا هم المستوردين والمخترعين، ونسوا أنه كان من الواجب أن يُخرجوا الخشبة من أعينهم قبل أن يُخرجوا القذى من أعين الآخرين (متى 5:7)، فأولئك تلك خدمتهم وذلك ديدنهم، أما نحن فالحقيقة مختلفة تماماً.
هناك مَن يريد من الكنيسة أن تتبع تعاليمهم وإرشاداتهم فهم الآمرون والمنفّذون، وما رسالتهم في الحضور إلى الكنيسة إلا مراقبة المؤمنين وراعيهم لكي يُصدروا أوامرهم بشكواهم بحقيقة الكنيسة التي هم فيها يؤمنون، متناسين أو ناسين أنهم مؤمنون، فلا هم مسيحيون ولا المسيح، مؤسِّس الكنيسة وبانيها ومركزها. وهنا يكمن التساؤل ونتساءل: يا ترى، أهذا هو دور المؤمن تجاه مسيرة كنيسته؟، أليس ذلك فشل في مسيرة الروح والمسيحية والإيمان؟، وهل الكنيسة المسيحية بالنسبة لهم سبيلاً لغايات وعنواناً لهوية؟، وهل الكنيسة هي كما أشاء أنا، أم كما يريدها يسوع المسيح بانيها؟، فأنا أذهب لأصلّي، لا أذهب لأمارس دور "الحاكم المنافق" و"شاهد زور" و"القاضي الظالم" (لوقا 6:18). 
وإذا دعتهم الكنيسة إلى الصلاة والسجود والتأمل مؤمنة بما يقول الرب يسوع:"صلّوا كل حين ولا تملّوا" (لوقا 1:18) وأيضاً "إن هذا الجيل الشرير لا يخرج إلا بالصوم والصلاة" (مر29:9)، فتراهم لا يبالون، وإذا ما أدركوا فقلّة منهم. كما ويريدون من الكنيسة إقامة القداديس على هواهم وهديهم وحسب توقيتاتهم دون تطويل وتعريض، وإذا ما عتبتهم على عدم حضورهم إلى كنيستهم يبرّرون ذلك أن لهم أصدقاء في الكيف واللهو في معابد أخرى. وإذا ما كان الحديث معهم بالطاعة، تركوا كنيستهم ورحلوا إلى كنائس أخرى، زرافاتٍ ووحداناً، وإلى حيث الجمعيات، ففي ذلك كلها تكون النتيجة حتمية، ربحية، تأليهية، تشهيرية وتشويهية، وهناك يقدمون حساب وجودهم (متى 15:25)، حساب ذهابهم وإيابهم، ويوقّعوا بصماتهم بأنهم حضروا فيأخذون المقسوم راضين ومرضيين، مرتاحين متأوهين، لِمَا حصلوا عليه ولِمَا جنوا من أرباح لم يجنوها في عقر دارهم ودورهم، ويبرّرون عدم حضورهم وتعلّقهم بكنيستهم بقولهم "أنتم لا تعرفون أن تفسروا لنا الكتب" (لوقا 27:24)، ففي الجمعية الفلانية ينجحون في ذلك، والقائم على ذلك ليبرالي منفتح إلى حدّ الضياع ونسيان مركز دعوته، ويبدأون بشتم القائمين عليهم من كنيستهم والتقليل من إحترامهم وربما إتّهامهم بسرقة ما هو لهم حسب تفكيرهم، ويعتبرون أنفسهم أنهم حقيقة لا لبس فيها، وينسون ذواتهم أنهم أصبحوا آلة للنميمة والإفتراء.
يا أحبائي، نعم الكنيسة تعمل بالروح القدس، هذه ناحية أساسية فيها، وإنها تنمو في العدد، وهذه ناحية جانبية، وإنها مصدر الآيات والمعجزات، وتلك ناحية ثالثة "وجعل كل شيء تحت قدميه رأساً للكنيسة التي هي جسده" (أفسس 23:1)، كما هي خيمة موسى التي التقى فيها بربّه ليكون عوناً له وقوةً لساعده. فالكنيسة التي تتحدث بالروح القدس تصارع الخطيئة، فمن الكنيسة ترتفع صراخات البشر نحو الله في وقت الضيق، وعلى مذابحها تُرفَع وتُقدَّم ذبائح عن خطايا البشر، فتداوي جراحاتهم. فالكنيسة رسالة يحملها بعد إتمام صلواته وفرضه، ومهمة تشهد عن حب الله لنا جميعاً، فقد "أحبّ المسيح الكنيسة وسلّم نفسه لأجلها لكي يقدسها مطهِّراً إياها بغسل الماء بالكلمة ليجعلها كنيسة مجيدة لا دنس فيها ولا غضن ولا شيء يشبه ذلك بل تكون مقدسة غير معيبة" (أفسس 27:5).
نعم، الكنيسة جسد المسيح القدوس "ليكون هيكلاً مقدساً في الرب" (أفسس 21:2)، يطهّر المؤمنين من كل خطيئة، "وبه أنتم أيضاً مثبتون معاً لتصيروا مسكناً لله في الروح" (أفسس 25:27)، فمهمتها الأولى تقديس النفوس وإشراكهم في خيور النظام الفائق الطبيعة، فهي تجعلنا أن ننمو بنور وقوة كلمة الله، وترشدنا إلى طريق الخلاص، وتحمينا من الشرور، وتعلّمنا القيام بأعمال الرحمة (البابا فرنسيس)، فهي في هذا مهتمة بمقتضيات حياة الناس اليومية... فلنجعل محبتنا واحترام كنائسنا في قدسيتها دليلاً أكيداً على حبّنا، فنحن لها ومن أجلها وفيها نكبر بالقامة والنعمة أمام الله وأمامها.
فلا يجوز أبداً أن نجعل من قدس الأقداس ما هو غير لائق لتشويه أمكنة عبادتنا مبرّرين ذلك بأعمالنا المؤلَّهة، ونكون نحن القادة في هذا المجال الوثني، فتصفيق الشعب والحاضرين ونحن نلعب ونمرح على صحن قدس الأقداس ما هي إلا وثنيات كما فعلها الرومان حينما كانوا يقدمون أو يرمون الشهداء المسيحيين أمام أفواه الأسود. فاحترامنا لقدس الأقداس هو احترامنا لمسكن الله، وعلى القائمين أن ينتبهوا بأن يملأوا قلوبهم صلاة ودعاء، وأن يكونوا أنموذجاً ومثالاً في السيرة والمسيرة، وإذا أرادوا أن يلهوا بمسيرة حياتهم فلكل كنيسة قاعة تجمعهم للإحتفال والترفيه وليس للهو والغناء، وأخيراً وأخيراً "فمَن لا يُحسن تدبير بيته فكيف يعتني بكنيسة الله" (1تيمو 5:3)... إنها أمّنا ومعلّمتنا، منها ننهل في سبيل الحياة، وفيها نرفع أدعيتنا إلى رب السماء.
ختاماً، للكنيسة رسالة سامية مقدسة، لذا يجب علينا نحن القائمين عليها أن نحافظ على قدسيتها كما يقول الكتاب "قم إخلع نعليك فالأرض مقدسة" (موسى في سفر التكوين). ولنتعلّم أن نكون في الصلاة قبل المؤمنين، نتهيأ للذبيحة الإلهية، فالكاهن الذي يصلّي تجد رعيته خلية صلاة، والقائم على الكنيسة يجب أن يتعلم "كيف يجب أن يتصرف في بيت الله الذي هو كنيسة الله الحي، عمود الحق وقاعدته" (1تيمو 15:3)، لكي تبقى الكنيسة معبداً للتأمل والصلاة ليس إلا !!!.. نعم وآمين.

24
في رحاب شفاعة القديس البابا يوحنا بولس الثاني

شاهد على حكاية الطفل "الأعجوبة"


يقول ربنا يسوع في بشارته الإنجيلية:"دعوا الأطفال يأتون إليّ ولا تمنعوهم فإن لمثل هؤلاء ملكوت السماوات" (متى 14:19)... إنها دعوة المعلّم لأبناء الأرض لعيش قداسة السماء مع قلوب الأطفال البريئة، فهي حقيقة المسيح الرب وشهادة للبشرى الحسنة.

الطفل (الشاب) مهند (يوسف) بكر لأبيه (كندي فريد حنا نور الدين) وأمّه (نادية عكوبي شمعون جزراوي). توفي عمّه "مهند" يوم الثلاثاء، العاشر من أيلول عام 2002، بمرض عضال واختطفه الموت في فترة قصيرة جداً لم تدم أكثر من شهر واحد. كان مهند المرحوم ضابطاً في الجيش العراقي برتبة ملازم أول، وعُرف بقامته اليافعة، أسمر اللون، عريض الكتفين، قويّ البُنية. بعد ستة عشر يوماً بالتمام والكمال من وفاة عمّه، وُلد مهند (يوسف) يوم الخميس، السادس والعشرين من أيلول عام 2002، حمله والداه وجدّته يوم الجمعة الخامس والعشرين من تشرين الأول  2002 إلى الكنيسة لينال سرّ العماذ المقدس وسرّ التثبيت من يديَّ الضعيفتين آنذاك (حسب سجلات الكنيسة)، حسب طقس كنيستنا السريانية الكاثوليكية، ودُعي الطفل بأربعة أسماء: مهند (تذكاراً لعمّه)، يوسف (تكريماً لاسم رعيتنا مار يوسف)، بيوس (محبةً براعي الكنيسة)، وبطرس (علامة لصخرة الكنيسة)... هذا ما فسّرته لي جدّته (صبيحة اسطيفان البنا) آنذاك.

بدأ الطفل ينمو ويكبر في القامة والنعمة والحكمة أمام الله وأمام الناس (لوقا 52:2)، وسارت مسيرة أيامه وأشهره وأعوامه، وإذا بـ "يوسف" الصبي يشعر فجاة بألم في صدره، ويعاني من ضيق التنفس الشديد فقيل أنه مصاب بـ "ربو أطفال حاد" وكاد يخنقه أحياناً، ولمرات عدة خلال ساعات النهار كما في ساعات الليل، فأُدخِلَ يوسف مستشفى الطفل المركزي في حي الإسكان ببغداد والقريب من موقع الكنيسة وسكنى والداه يوم الجمعة، الخامس عشر من تموز عام 2005، وعمره لا يتجاوز الثلاث سنوات، وفي المستشفى سأل والد الطفل وجدّته الطبيب المشرف على علاج مهند، مِن ماذا يعاني وما هو المرض الذي أصابه فجأة، فتشكّلت لجنة من 8 أطباء (3 طبيبات و5 أطباء)، وترأس اللجنة مدير المستشفى آنذاك الدكتور حقي إسماعيل (الراوي أو الغراوي أو العزاوي لا أتذكر بالضبط)، وقد عُرف بذكائه وحذاقته وخبرته الطبية في مجال تخصصه الطبي للأطفال. ولكن بعد شهرين غدره الإرهابيون في سني الحرب الطائفية في العراق فأردوه قتيلاً بعمل إجرامي شنيع.

وبعد إجراء العديد من الفحوصات قررت اللجنة أن الفايروس الذي يحمله هو أمر مميت، فصدر من مساعد الطبيب الدكتور "مكي حمادي" وبمعيّة اللجنة أن الطفل مصاب بـ "ذات الرئة الحاد" ومسبباً للوفاة أو الإصابة بمرض عضال لا شفاء منه، وهذا ما سُجِّل على طبلة الطفل المريض، فقرروا إسعاف الطفل بجرعة كيمياوية ضد مرض السرطان، وبسبب هذه الجرعة بدأت أمعاء الطفل تنزف دماً مما إستدعى أن تُجرى له عملية فحص مختبرية مستعجلة  بالناظور، فنُقل الطفل على الفور إلى مستشفى مدينة الطب يوم الأربعاء، 20 تموز 2005، لاجراء الفحص اللازم بواسطة الناظور ولمعرفة سبب النزيف، ولكن الطبيب (أخصائي الناظور) لم يستطع أن يقرر شيئاً رغم نتيجة الناظور، فأُعيد الطفل ثانية إلى مستشفى الطفل المركزي.

إنها ليلة الأعجوبة
ليلة الأحد، 24 تموز 2005
أتتني جدّته (صبيحة اسطيفان) تبكي وبدموع لا سخونة مثلها، وكانت ساحة الكنيسة حينها قد فرغتْ من مؤمنيها من بعد حضور قداس مساء يوم الأحد، وأما أنا فكنتُ لا زلتُ أتخطى في ساحة الكنيسة، فأتت ووقعت عند رجليّ تقبّلها طالبة مني أن أرفع صلاة لشفاء مهند الصغير، فأقمتُها وعزّيتُها وطلبتُ منها الإستسلام لمشيئة الله والكفّ عن البكاء، واصطحبتُها إلى الكنيسة ورفعتُ معها صلاة قصيرة أمام القربان المقدس، وغادرنا الكنيسة، وقلتُ لها:"ليس لي شيء أعطيكِ إياه (أعمال 6:3)، ولكن في محفظتي صورة للبابا القديس يوحنا بولس الثاني، لقد شفاني من مرض عانيتُ منه 12 عاماً بالتمام والكمال، وأنا كلّي يقين إذا كان لكِ إيمان بهذا فاذهبي واعملي (يو 27:4) ما أقول. خذي هذه الصورة _ بعد أنْ قبَّلتُها _ وضعيها تحت وسادة الطفل مهند ولننتظر يد الرب الصانعة العجائب"، ووعدتُها إنني غداً صباحاً ساقوم بزيارة الطفل في المستشفى، فأجابتني:"إذا تلحق علينو أبونا"، فقلتُ لها:"ألم أقل لكِ إنْ كان لكِ إيمان فستنالين مرادكِ (يو24:11)"، فشكرتني وغادرت ولا زالت الدموع تنهمر من عينيها ولكن بوادر وجهها جعلتني أؤمن أن الحقيقة المنتظرة ستتحقق، فأخذَت الصورة وعادت إلى المستشفى مسرعة (يو28:4) وكلها رجاء أن الشفاء آتٍ لا محالة، وعند وصولها المستشفى أخبرتني بأنها وضعت الصورة تحت وسادته كما طلبتُ منها، وكان الليل قد أسدل سواده على المسكونة (يو1:20) والطفل في غيبوبة الألم بل الموت المحتم، والوالدان لم تفارق أنظارَهما وجهَ الطفل.

ومع ساعات الفجر الأولى (متى 1:28) صرخ الطفل باكياً "ماما ماما، بابا بابا"، فانذهل الوالدان والجدّة، وأخذت مسارات الدموع مجراها نحو الخدود مما حصل للطفل، وقاما مسرعين (لوقا 33:24) فوجدوا الطفل وقد فتح عينيه وهو ينظر إليهم، ودقائق معدودة وعاد الطفل للنوم ثانية. وفي الصباح جاء طبيب الدورية ليزور مرضاه فرأى الطفل بعافية كاملة وقد فتح عينيه، أما والديه فكانت الإبتسامة قد ملكت على وجوههما، فقرر الطبيب مغادرته المستشفى. فانذهل الأطباء وتعجب الحاضرون... إنها يد الرب القديرة _ كما كانت مع الرسل _ لا زالت تعمل فينا.

وصباح الاثنين، 25 تموز 2005، "صباح الأعجوبة" كنتُ قد قررتُ الذهاب إلى زيارته في المستشفى، ولكن جهاز الهاتف كان لي بالمرصاد، حيث اتصلت بي جدّته لتعلمني بالأمر الذي حصل (لوقا 35:24)  وبالخبر المفرح، ومن فرحها تلعثمتْ بكلمات حديثها ولكنني فهمتُ أنها قالت "أن البابا القديس يوحنا بولس الثاني قد زار الطفلَ ليلاً ومنحه الرب بشفاعته الشفاء التام"، مما دعاني الواجب بعد ذلك على زيارته، وتقديم الشكر لِنِعَم القادر على كل شيء. واليوم الشاب (مهند) منذ أن نال الشفاء يتمتع بصحة جيدة، وقد رُسِمَ شماساً في كنيستنا يوم الجمعة، 12 أيلول 2014، وكان هميماً في خدمته مُحبّاً لكنيسته ومطيعاً لإخوته الشمامسة، حيث في فترة قصيرة تعلّم خدمة القداس وبعض الأمور الطقسية الأخرى، وله صوت رخيم وطفولي، ولكن آلمني فراقُه حيث غادر بغداد مع والديه إلى الديار المصرية طالباً اللجوء إلى أستراليا في آذار الماضي 2016.

ما دفعني إلى كتابة هذه الحكاية هو الروح الذي تحتفل به الكنيسة هذه الأيام بـ "سنة الرحمة و"أيام الشبيبة العالمية"، فهناك صوت كان يتردد في داخلي "قم كلّم الناس بهذا الخبر"، حيث دعاني مرات عدة إلى سرد هذه الحكاية، ولكن كنتُ أتردد في ذلك حتى اليوم خوفاً من حديث السذاجة أو البساطة الذي ممكن أن أُوصَف به من الأقربين أو من الغرباء. ولكن بعد أن سردتُ قبل أيام "حكاية الأعجوبة"، تشجعتُ، فدفعني الصوت لأقصَّ هذه حكاية "الطفل الأعجوبة"... إنه الروح نفسه الذي جعلني أن أكون شاهداً لحقيقة كنتُ أومن بها برجاء أكيد... فكنتُ شاهداً في الألم كما كنتُ شاهداً في الشفاء، فهناك مَن يصدق حكايتي وشهادتي وهناك مَن لا يأخذها على محمل الجدّ، فكل إنسان حُر بما يؤمن أو يقول، المهم أن نعيش إيماننا (لوقا 6:17)... كما إنني سردتُ هذا الحادث بعدما طلبتْ أمّي الكنيسة أنْ تُكتب فضائل البابا يوحنا بولس الثاني لإعلان تطويبه، وقدّمته إلى سيادة المطران (س) الجزيل الاحترام والذي قال حينها إنه سيرفع التقرير إلى الجهات المعنية بهذا الشأن في الفاتيكان.
إنها إرادة الرب... أليس ذلك عمل السماء بشفاعة القديس البابا يوحنا بولس الثاني!!... ما مطلوب من الإنسان هو أن يؤمن ولا يشكّ بعمل الله ويده القادرة على كل شيء، فهو سينقذنا من المرض ومن الشرير، ألا نقل في صلاة الأبانا "ولكن نجّنا من الشرير"!... ما عليه إلا أن نستسلم لإرادته السماوية "لتكن مشيئتك" (متى 10:6)... إنها الحقيقة... نعم، إنها الحقيقة... نعم يا رب زد إيماني في هذا الزمن القاسي... والمجد ليسوع المسيح... وآمين.   

25

لقد مرّ عامان على إقتلاعِ شعبنَا من أرض آبائَه وأجدادَه في قرى ومدنِ
سهل نينوى في السادس من اب ( اغسطس) عام 2014 بعمل إجرامي شنيع بلغ درجةَ الإبادة العرقية والدينية إرتكبته زمرُ داعش الإرهابية الأجرامية ومثيلاتُه من المنظمات الإرهابية التي تكفّر الإنسان وكلَّ كائن لا يدين بما تدين ولا يسلم بما تسلم به.
نعم، ونعم وصحيح، حلّ ما حلّ فينا بسبب داعش والإرهاب، ومن عامِنا هذا حيث الذكرى الثانية للنزوح البائس وبدايةُ الكارثةِ بحق وحقيقة، بمآسيها وتبعاتها، ولا زالت تجرّ أذيالِ اليأس والقنوط حتى الساعة، كما ملكَ القدرُ الأسود على مسيرةِ الحياة مما جعلني أعيدُ ذكرياتي إلى ما حلّ بكنيسة سيدة النجاة وكأنَّ الكارثةَ آنذاك كانت جرسَ إنذارٍ وناقوسَ ميعادٍ لِمَا سيحلّ بالمسيحيين وبالمسكونة (متى26:21) وأصبحنا أداةً لصنّاع السياسة ولمخططي خارطات الطرق الاستعمارية.
نعم هوذا الإجتياح الداعشي يدخل عامه الثالث في سهل نينوى، وفي الوقت نفسه يواصل فيه الإرهابُ المزيدَ من جرائمه البشعة ومحاولاتِه المتوحشة. نعم، طردونا من منازلنا، وقتلونا أمامَ أنظارهم، وأبعدونا عن قُرانا قسراً وكرهاً وحقداً، وعن مدننا كفراً وتكفيراً، وعن أحبائنا عنوةً، وعن جيراننا غدراً، والسبب يعود إليهم وإلينا، فهم سبقونا في الهزيمة ونحن لم نكن مستعدين لها، بل بالأحرى لم يعلّمونا حمايةَ مدننا وقُرانا وأملاكِنا، فضاع كل شيء وأصبحنا تائهين في العراء ليلاً ونهاراً، وفي شوارع المدينة وساحاتِها وأرصفتِها وحدائقِها وساحاتِ دور العبادة والتترُ لبس حُلّةَ الإرهاب بداعشه وسواد الدواعش بإرهابه، وشرّعوا سيوفَهم تخويفاً وتنكيلاً، وعقيدتَهم جبراً أو جزيةً، وكأن الكلمةَ الطيبة لم تُمسِ صدقةً بل دُفنت، وأنشودةَ الحياة قد غاب صوتُها ولم يبقَ للإنسانية وجودٌ ولا للحقيقةٍ إعلان، بل أصبحت غابةَ أدغالٍ، وما حصل وما يحصل أعادنا إلى القرون الغابرة وإلى ما كُتب عن أجدادنا وهروبِهم وهزيمتِهم أمام السيف الذي شُرع عليهم غدراً وقسوةً وكرهاً لأبناء المسيح الحي في الماضي القريب والحاضر الجديد من الجيرة والديرة. فكانوا ضحيةَ عنفٍ وإرهابٍ ومصالحَ لم يكن لهم فيها لا ناقة ولا جمل بل حساباتٌ سياسية ومصالحُ دنيوية لتسوية الحساباتِ وإعادةِ ترتيبِ المنطقة بالمنطق الذي يشاؤه كبارُ الدنيا ومؤامراتُ المخططين، واصبحوا بعد ليلة الهزيمة أمام مستقبل مجهول ولم ترافقهم إلا الآهات والدموعُ وضربُ الخدود، فبعد أن كانوا شعباً آمناً _ وإنْ بلا حقوق .امسوا شعبا تائهاً في صحراء الدنيا وغاباته .
نقول: إن شرقنا يشهد احتلالاً من الأصوليين ومن الإرهاب، كما إن المسيحيين في الشرق يواجهون ما هو أخطر من التحديات، إنهم يواجهون أزمة وجود وحضور وضياع، فهل سيصبحون آثاراً أو بقايا أو ذكريات؟... هل تصبح كنائسهم خرباً وتُهدَم بمعول داعش والإرهاب؟.... هل سيرحمنا التاريخ حينما يقولون كانوا هنا، لقد مرّوا من هنا؟.. فقد أصبحنا أقلية وبات الخطر مضاعَفاً علينا من خلال تهجير مبرمج وعبر فرض الشريعة والتعاليم الاصولية نعيش أهل الذمّة.
ألا يخجل الاصوليون عندما يقولون إنهم مسلمون والإسلام مصدر شريعتهم؟والاسلام منهم براء . عن أية شريعة يتكلمون أمام جرائم داعش؟. أو أية شريعة يطبّقون وأبناء الوطن مشرَّدون ومهجرون ونازحون ؟...إرحموا العراق الجريح وشعبه، فسبحانه وتعالى منح لنا شريعة لتجمعنا وليس حقيقة لتفرقنا؟.. هل أرادنا سيوفاً وحراباً ثم خراباً ودماراً أم أرادنا غصناً وزيتوناً؟...ألم نعلم أن هذه الآلات ماهي إلا لقائين(تك4) ولهيرودس(متى 17:2-18)، وللمحاربين الفاشلين الذين لا يدركون سموّ الحوار، الذين يقتلون الأبرياء من أجل كبريائهم وغزواتهم.
 من حقي أن أسأل: حتى ما نكون أرقاماً هزيلة؟... أفي بلدي أكون نازحاً، لاجئاً مهجَّراً أنا المسيحي ابن هذه الأرض الطيبة التي رويتُها بدمائي وعرقي، وعملتُ فيها بسواعدي وفكري، وسرتُ فيها شامخاً متكبّراً بألوان رايتها؟... أليس ذلك من حقي وحق حريتي أن أكون رايةً وحقيقةً، شاهداً ومؤمناً؟... أليس من حقي أن أدافع عن وجودي وإلا عبثاً أنا هنا؟... فأنا لستُ عبداً لكلماتِ دستورٍ ينكر وجودي، ولستُ خانعاً وخاضعاً لإراداتٍ تسلب حريتي وأموالي وأطفالي، وأنا لستُ إلا أصلاً وأصالةً، عمقاً وقلباً، فكراً ورسالةً، حضارةً وتراثاً، فمهما باعوا الحقيقة من أجل كراسي الزمن ومتاعب الدنيا. فالحقيقة علامة وليست بضاعة وإنْ كانت تباع اليوم في سوق النخاسة ويشتريها مَن يملك مالاً وعبيداً وجاريات ومن الحَسَب والنسب والقربى، وفي ذلك يصنعون إرادتهم ويتبعون أنانيتهم ويرفعون علامة كبريائهم من أجل تدمير الآخر المختلف عنهم فكراً وعقيدةً وحواراً، فهم في عملهم يحقدون، وفي فكرهم يقتلون، وفي حوارهم يفرضون ليس إلا!، وكأن السماء قد سُبيت إليهم كما بيع يوسف(تك37) في الأزمنة الغابرة، وما تلك إلا جريمة إبادة بمعناها الإجتماعي والإنساني، أما أنا سأبقى أنشد هويتي واعتزازي ببلدي وبأرضه رسالة وجودي وعراقيتي... فالرافدان شاهدان، وحمورابي وشريعته قاضٍ يعلن حكم الحقيقة، وسأبقى أحضن ترابي ووطني وأحمل مشعل إيماني، وما ذلك إلا رسالة الحقيقة، وهذه رايتي ليس إلا،
يا رؤساء الدنيا والزمن ،  يا سادة يا اجلاء 
هل تعلمون ما حلّ بنا ، بسبب حروبكم وبدواعشكم ، قُتل ابرياؤنا ، هُدمت اوطاننا ، هُجر ابناؤنا ، ماتوا من الخوف والفزع والارهاب ، اصيبوا بامراض مميتة ، طُردت عقولنا من اوطاننا ، بيع شعبنا بصفقات بائسة ، فاسمعوا صراخنا فلا تتهاونوا في ما يحصل لنا فالاصولية غايتها غزو العالم،  وتدمير الشعوب ، وانتم ادرى بذلك منّا ، يا من  حملتم وبلدانكم  راية حقوق الانسان وشعار الدفاع عن الشعوب المضطهدة ، انتم تعرفون في بلادكم الحرية باصنافها، وقبول الاخر وحماية الطفولة وحقوق المراة ، فنحن ننتظركم وننشد همتكم وانسانيتكم لتحرير اراضينا ونعود اليها وندخلها آمنين .فقد طالت مصيبتنا وصودر صبرنا ولا قوة لنا الا برب السماء وبحقيقتكم ليس الا فانشدوا معنا كي نعود الى ارضنا فانظارنا نحو ارضنا نعم وامين.

26
في رحاب شفاعة القديس البابا يوحنا بولس الثاني
حكاية أعجوبة
   المونسنيور بيوس قاشا
   باشرتُ ببناء كنيسة مار يوسف للسريان الكاثوليك في المنصور بجانب
 الكنيسة القديمة التي لم تعد تفي لاستيعاب المؤمنين وكان ذلك في آب 1989،
 بعد أن تم وضع حجر الأساس لها في 17 تموز من عام 1989، وبعد ثلاث سنوات من العمل والتوقف بسبب الحرب (1990)، كان تكريس الكنيسة في التاسع عشر من آذار عام 1993 وفي عيد شفيعها مار يوسف، من قبل المطران متي شابا متوكا (الجزيل الاحترام)، مطران الأبرشية حينها،ومن هنا كانت حكايتي، بل وقبلها بشهر بدأتُ أعاني آلاماً في مفصل الركبة اليسرى وبالتحديد في 21 شباط 1993، وإذ كان الألم يزداد يوماً بعد آخر، وبإلحاح من الطيبين من أبناء الرعية، بدأتُ بمراجعة أطباء عديدين _ وكان الألم جداً قاسياً _ وبين فترة وأخرى كان العلاج الطبيعي أحد المسكّنات الضرورية، وتناول الأدوية وإرشادات الأطباء المحترمين كلها لم تُجْدِ نفعاً، وما كان ذلك إلا علاجاً نفسياً، وتهدئةَ أعصاب، وإسكاناً لحالة الألم، ولم أكن أشعر بأي تحسن، حتى كانت تنتابني أحياناً حالات اليأس والقنوط ولكن كنتُ أتشجع، أقولها بكل حقيقة وصراحة، إذ كنتُ أفكر أن كل يأس هو صليب، وكل صليب هو علامة محبة ومشاركة، وبقيتُ على هذه الحالة سنين طويلة، حتى ساءت نفسيتي جداً ولم أعد أستطيع ركوب السيارة أو قيادتها أو صعود الدرج، أو الوقوف لفترات طويلة، أو ثني الركبة في حالة الجلوس، وكم وكم بكيت من الالم  ، كل هذه كانت تزيد من مخاوفي ،  وأنا في الأربعين من عطاء السنين، وبعد مراجعاتٍ عدّة ولأطباء عديدين كان إتفاق الجميع على إستبدال المفصل، ومن هؤلاء الأطباء الدكتور نظير مطلوب (أخصائي الظهر والعمود الفقري) والدكتور أحمد محمد صالح الراوي (أخصائي الظهر والعمود الفقري)، والدكتور مظفر كركجي (أخصائي المفاصل والعظام)، وقد نصحني الأطباء الثلاثة بالسفر إلى خارج العراق لاستبدال المفصل وبالخصوص الدكتور نظير مطلوب-  وهو من أبناء رعيتنا - الذي كان يلحّ عليّ كثيراً، وإنني لا زلتُ أحتفظ ببعض الوصفات الخاصة بالأطباء الذين راجعتُهم حينها، وبسبب الحصار الإقتصادي الظالم الذي كان مخيِّماً على العراق لم يكن باستطاعتي أن أذهب خارج العراق لضعف إمكانياتي المادية، كما لم أفاتح رؤسائي الكنسيين حينها بأنني أعاني من ألم في الركبة بحالتي المادية وخوفاً واحتراماً وشيئاًآخر، ولكن بمساعدة إحدى الرهبانيات العامرة، سافرتُ إلى إحدى دول المنطقة وأجريتُ عدة فحوصات وكان القرار قائماً لكل المراجعات الطبية "لابدّ من تبديل المفصل" وقرروا ان الحالة ممكن تتحسن ، ولكن ليس مئة في المئة. ولما علم  المطران ماريان أولش، البولوني الجنسية (سفير الفاتيكان في العراق) بحالتي هذه، والذي كان لي معه صداقة حقيقيه وأخوية بمعنى الكلمة حيث كان يزورني بين فترة وأخرى وأحياناً برفقة الأب المرحوم لويس شابي ( كاهن_ خوري _  كنيسة مار يوسف للكلدان خربندة) _ بعد أن يزور السفارة الروسية والتي كانت قريبة من الكنيسة جداً، حيث كان له صداقة خاصة مع السفير الروسي حينها، قبل أن تنتقل إلى المكان الحالي _وفي أيام التحول الروسي (بروستريكا) أتاني مرة ورآني في حالة أليمة جداً فقال لي:"عليك أن تسافر على حسابي الخاص للعلاج في الأردن"، فطلبتُ منه حينها التريث لعلّ وعسى، وقلت له:"لقد راجعتً مستشفى وأطباء وأكّدوا لي أن علاجي لا يكمن إلا بتبديل المفصل"، وبقيتُ على هذه الحالة أتعاطى المسكّنات والأدوية العلاجية سنين عديدة حتى وفاة البابا القديس يوحنا بولس الثاني.
  ليلة 5 نيسان 2005:
وبينما كنتُ أتابع الصلوات الخاصة التي كانت تُتلى وجسد القديس مسجّى أمام الزائرين في بازيليك مار بطرس بالفاتيكان لإلقاء النظرة الأخيرة، كنتُ أتابع معهم صلاة الوردية والقداس الإلهي والصلوات الأخرى، وفي تلك الليلة ركعتُ أمام فراشي على الأرض (رغم الألم الشديد الذي كنتُ أعاني منه ) وصلّيتُ وطلبتُ من الرب طلباً خاصاً قائلاً:"يا رب، إنْ كنتَ تريد مني أن أواصل عملي ورسالتي فامنحني الشفاء بشفاعة البابا يوحنا بولس الثاني، أعطني شفاءً لركبتي ولحالتي النفسية اليائسة، وإذا كنتَ لا تريد فتلك إرادتكَ ( لوقا 42:22    ) وليتمجد اسمك"... هذا ما قلتُه ولم أُزِدْ عليه شيئاً، وكانت الساعة تشير إلى العاشرة ليلاً، وبينما كنتُ أتطلّع إلى الجماهير الزائرة لإلقاء النظرة الأخيرة عبر التلفاز، والتي  كانت تصلّي صلاة الوردية المقدسة، كنتُ أصلّي معها باللغة الايطالية رغم ضعف لغتي حينها. نعم،بكل حرارة كنتُ أصلّي، وبدموع ساخنة، وطلب نابعٍ من أعماقي قائلاً "يا رب، حتى ما هذا الألم"،وإذ أنا على هذه الحالة غلبني النعاس ونمتُ على البسيطة (الأرض) حيث كنتُ راكعاً، دون أن أدري ما الذي حصل، إنما ما علمتُ أنني استيقظتُ حوالي الخامسة فجراً، وهي ساعة إستيقاظي غالباً، ولم أجد نفسي إلا وأنا منبطحاً على الأرض والتلفاز يبثّ وينقل مراسم النظرة الأخيرة وصلوات الجماهير، فاستيقظتُ حينها ورسمتُ إشارة الصليب على جبهتي، وقمتُ متّكأً على حافة الفراش كي أنهض من مكاني، ولكن أحسستُ أن لا شيء يؤلمني،ولم أتذكر إنني كنتُ أعاني من ألم في المفصل، فقلت:"سبحانكَ يارب"،فكانت لي تلك الليلة، ليلة التحول الإيماني والنفسي والعلاجي والصحي، فوقفتُ بقامتي المتواضعة وشكرتُ ربّ السماء على ما حصل لي بشفاعة البابا يوحنا بولس الثاني، حينها قمتُ وارتديتُ ملابسي الكهنوتية كي أذهب وأقيم قداسي اليومي السري في حوالي السادسة والنصف.
نعم، كانت لي تلك الليلة ، ليلة الشفاء، ومنذ ذلك اليوم وحتى الساعة لا أعاني أبداً من أي ألم، وقد راجعتُ العديد من الأطباء بعد ذلك، وأجروا الفحوصات الضرورية لي في مستشفى اليرموك التعليمي،  وكانت فحوصاتهم إيجابية، فأمسكت عن العلاج، وتركتُ الأدوية بعيداً، وها أنا حتى الساعة _بنعمة الرب _أعمل في ميدان رسالتي بكل إخلاص ، شاهدا للحق والحقيقة ولشفاعة البابا القديس يوحنا بولس الثاني .
وبعد حوالي شهر من حالتي الجديدة، أعلمتْ الكنيسة المؤمنين في العالم، عبر الصلوات والإعلانات الكنسية أنْ تُكتَب فضائل البابا يوحنا بولس الثاني والأشفية التي تحصل بشفاعته وإِخبار المراكز الكنسية بذلك للتهيئة لإعلانه طوباوياً، فقمتُ بسرد هذا الحادث تفصيلياً مع بعض العلاجات الطبية من الأطباء الذين ذكرتُهم وقدمتُه إلى سيادة المطران (س) الجزيل الاحترام الذي قال لي أنه سيرفع ذلك إلى الجهات المعنية في هذا الشأن في الفاتيكان ، وثقتي كبيرة .المهم إنني أعلم(    )   أن الرب شفاني بشفاعة البابا يوحنا بولس الثاني وقال لي:" قم إحمل نفسك وامضِ فإيمانكَ خلّصكَ"(يوحنا 1    ) ... أنا الذي كنتُ أعاني من عام 1993 حتى عام 2005 _أي ما يقارب اثنتي عشرة سنة _من الآلام القاتلة، وأصبح الرقم 5و6 من فجر شهر أيار من كل عام ساعة الشفاعة.
نعم،إنها حقيقة عشتُها وها أنا أرويها بعدما سمعتُ صوتاً يتردد في داخلي منذ حوالي شهر يقول  " قم كلّم الناس (     )   بهذا الخبر،فالبشر بحاجة إلى حقيقة الإيمان"، فقمتُ ، وها أنا أقصّ لكم يا قرائي الأعزاء ما حصل معي... من هنا أقول:إن الإيمان موهبة سماوية يمنحنا إياها ربّ السماء لكي نحياها ونعيشها في الألم كما في الفرح، فهي تجعلنا أن نكون رسلاً لبشارة الخلاص(متى 19:28    ) ، لإنجيل الرب يسوع المسيح الحي الذي أحبنا حتى الموت، وهذه رسالتي أن أكون للمسيح، مهما قاسيتُ في طريق الدنيا من عذابات، فالرب لن ينسَنا، وهو الذي قال:"لا تخافوا، أنا معكم"( متى 19:28     )  و"فليكن لكم إيمان" ( مرقس 22:11   )...نعم يا رب أنا أؤمن.
أكيد هناك مَن يعرف بحكاية ألمي ، وهناك من يصدق حكايتي هذه مع الألم، وهناك مَن يأخذها في مسيرة جادة، وهناك مَن لا يأخذها على محمل الجد، أو يقول عنها إنها رواية ساذجة، أو ربما يفكر أموراً أخرى تخصّه، فكل واحد له حرية الإيمان والتفكير والتعبير ، المهم أن نعيش إيماننا ( لوقا 6:17)، ولا تبرد حرارته فينا، أو نتشكك فيه بسبب ماحصل وما حلّ فينا بسبب داعش والاهاب .وأقول بكل ثقة وبعمق إيماني وبحقيقة بينّة ما حصل لي كلُ ما أعلم(    ) ،" إنني كنت أعاني سنين، والآن أعلم أن الرب شفاني بشفاعة البابا القديس يوحنا بولس الثاني"،والله على ما أقوله شهيد... نعم وآمين، وما لي أن أقول إلا "المجد ليسوع المسيح".
                                                                             مع محبتي


27
بمناسبة ذكرى النزوح الثانية

بداية النهاية
الخاتمة: مضطَهَدون ومتأصِلون في الرجاء

المونسنيور بيوس قاشا
في البدء
ها قد وصلنا إلى مسك الختام في مقالنا "بداية النهاية" بعد حلقتين متتاليتين
حملت الأولى عنواناً "اضطهاد وسؤال في المصير" والثانية "أصلاء ومستقبل في المجهول" وهاهي الخاتمة، خلاصة الحلقتين، تحمل عنواناً "مضطَهَدون ومتأصِلون في الرجاء"، ندرج كلماتها لفائدة القرّاء عبر نظرة لعلّها تكون في مسيرة الحقيقة وكشاهد لها، فالحياة ما هي إلا حقيقة المحبة التي تجسدت لأجلنا(غلا4:4) .وأرادَتنا أن نعتمذ باسمها فنكون شهوداً وشهداءَ ليس إلا!.
نعم هوذا الإجتياح الداعشي يدخل عامه الثالث في سهل نينوى، وفي الوقت نفسه يواصل فيه الإرهاب المزيد من جرائمه البشعة ومحاولاته المتوحشة لكسر إرادة العراقيين وتكريس جراحهم وارتكاب أبشع الانحرافات المدمِّرة ضدهم بعد أن خلّفت هذه الجرائم نتائج غير مسبوقة من القتل والتهجير والاختطاف وتدمير الممتلكات والاعتقال والسبي وإجبار المواطنين على تغيير إنتماءاتهم الدينية بما يُرضي نزعته البدائية الضالّة ونسف المعالم الآثارية الحضارية التي يتميز بها تراث وطننا.
نقول: إن الشرق الأوسط _ إنْ جاز القول _ يشهد احتلالاً من الأصوليين ومن الإرهاب، كما إن المسيحيين في الشرق يواجهون ما هو أخطر من التحديات، إنهم يواجهون أزمة وجود وحضور وضياع، فهل سيصبحون آثاراً أو بقايا أو ذكريات؟... هل تصبح كنائسهم خرباً وتُهدَم بمعول داعش والإرهاب؟... وهل ستسمّى كراسي كنائسنا إنهم على أنطاكيا وسائر الاغتراب أم بابل وسائر الشتات؟... هل سيرحمنا التاريخ حينما يقولون كانوا هنا، لقد مرّوا من هنا؟... وإنْ كانت هذه الحقائق مُرّة في حقيقتها وشؤم في مصيرها فهي حقيقة في واقعها، فمن هنا أقول: إن المسيحيين مسؤولون هم أولاً عن مصيرهم قبل كل شيء، هل يؤمنون بأن لديهم رسالة لشرقهم؟... هل هم مستعدون للتضحية أم أنّ قِبْلَتهم الجديدة والمزمَعَة هي الرحيل إلى الغرب وإلى الهجرة حيث أرض الله الواسعة؟، فيزداد القول الذي يؤكد بعدم انتماء المسيحي إلى شرقه وإن هذا الشرق لا يقدم له شيئاً، ففي بلده لا كرامة ولا حرية أو مساواة ولا حتى مستقبل، فقد أصبحنا أقلية وبات الخطر مضاعَفاً علينا من خلال تهجير مبرمج وعبر فرض الشريعة والتعاليم الإسلامية إرتدائياً لأثوابنا ولطبيعة أكلنا وشربنا وغيرها من الممارسات وكأننا نعيش أهل الذمّة.

في الماضي القريب
من المؤكَّد ومن دون شك أن الحملة العسكرية على العراق أدخلت شعوبنا وشعوب الشرق في مرحلة تاريخية جديدة أكثر سوءاً ومأسوية وبشكل خاص ومضاعَف على الأقليات المسيحية، فالاحتلال أجّج النزاعات والاحتقانات الطائفية والمذهبية والصراعات العرقية الكامنة بين شعوب المنطقة وداخل الدولة الواحدة، كما تنامت في ظل الاحتلال بشكل لافت ومخيف الإتجاهات الإسلامية المتشددة والتكفيرية وانتشار المنظمات الإرهابية، كما كان الاحتلال فرصة للإرهاب بدأ يقتل العشرات ويهجّر الآلاف من مسيحيي الموصل وسهل نينوى وكأنه استهداف منظَّم ومن غير أن يكونوا طرفاً في الصراعات المذهبية والطائفية، فهل هناك من وجود مخطط لإفراغ الوطن والشرق والمنطقة من المسيحيين بتعاون محلي وإقليمي ودولي وحاملين مبدأ على أن الصليبية ما هي إلا حملة على الإسلام والمسلمين بمساعدة بعض وسائل الإعلام والفضائيات العربية والإسلامية الرسمية والخاصة والتي أصبحت منبراً مفتوحاً لفقهاء الإرهاب والقتل ولتأجيج العِداء الآيديولوجي ضد المسيحيين؟، وقد أزاد في هذا الاضطهاد الدساتير وقوانين الدول العربية والإسلامية التي تهمّش المسيحيين وشعوبهم وتنتقص من حقوقهم وكأنهم رعايا وليسوا بمواطنين، وفي ذلك كله تتفاقم محنة المسيحيين المشرقيين وتغضّ النظر عن الأعمال الإرهابية ضد المسيحيين، وتساوم على حقوقهم مع قِوى المعارضة الإسلامية، وهذا ما جعل المسيحيين يدفعون أثماناً باهظة جرّاء الاحتلال.

الواقع والاضطهاد
لقد مرّ عامان على إاقتلاع شعبنا من أرض آبائه وأجداده في قرى ومدن سهل نينوى بعمل إجرامي شنيع بلغ درجة الإبادة العرقية والدينية إرتكبته زمر داعش الإرهابية الأجرامية ومثيلاته من المنظمات الإرهابية التي تكفّر الإنسان وكل كائن لا يدين بما تدين ولا يسلم بما تسلم به.
نعم، ونعم وصحيح، حلّ ما حلّ فينا بسبب داعش والإرهاب، ومن عامنا هذا حيث الذكرى الثانيةللنزوح البائس وبداية الكارثة بحق وحقيقة، بمآسيها وتبعاتها، ولا زالت تجرّ أذيال اليأس والقنوط حتى الساعة، كما ملكَ القدر الأسود على مسيرة الحياة مما جعلني أعيد ذكرياتي إلى ما حلّ بكنيسة سيدة النجاة وان كان بعض يغنّون باسمها، مصلحةً وجهاراً، ليس إلا!، أما نحن فلها محقّون وما كان إقتحامي إلا لإحصاء عدد الشهداء والضحايا والقتلى _وإلا كيف عرف الإعلام أعدادهم _وكأن الكارثة آنذاك كانت جرس إنذار وناقوس ميعاد لِمَا سيحلّ بالمسيحيين وبالمسكونة (متى26:21) من طرد واضطهاد، وقتل وتهجير، ونهب لأملاكهم، وسرقة لأموالهم، والاستيلاء على بيوتهم، كما تذكرتُ جيداً تلك المخطوطة التي قرأتُها _ وهي في حوزتي _ والتي تحكي بالوقائع والتفاصيل مذابح تركيا 1915، وما حلّ بهم أيام العصمليّة والإبادة العثمانية، وبعد مائة عام أُعيدت الإبادة _ وإنْ كانت الأولى لم يُحكَم عليها بعد _ وهذه المرة بتقنية فائقة وبمخطط شيطاني إجرامي بعلم كبار الزمن وتخطيط من أجل مصالح واهداف لا يدركها إلاّ صنّاع القرار، ويُراد بها رسم خريطة عراقنا والشرق، وأعادوا أعمال العنف والقتل والدمار والنهب والسلب والخطف وتصدير الأملاك وتحقير الكيان بـ "نون" نكرة ليسإلا، ولم نسمع إلا نداءات وبيانات واستنكارات من على المنابر وكما يقول المَثَل "زرعوا ليأكلوا هم"، فحصدونا ضحايا لهم والدول وقانونهم معطَّل بسبب مخططاتهم، وأصبحنا أداة لصنّاع السياسة ولمخططي خارطات الطرق الاستعمارية.
فراغ وضياع
إن عدم إدراكهم (المسيحيين) للمتغيرات الزمنية وتَجَدُّد شكل العالم وبقائهم شكلاً ومضموناً دون الإنتباه بحكم تغيير الأزمنة التي هي سُنّة المخلوقات بحيث أصبحت حكايات كبارنا وسياسيّينا ومدرائنا وكلماتهم ونصائحهم حديثاً فارغاً، مُملّة في آذان السامع، من كثرة تكرار مفرداتها خلال عشرين قرناً ولم ينتبهوا إلى مَن الذي يخاطبونه في كل مرحلة خلال هذا الزمن الطويل. هذا ما جعلنا نصل إلى حالة الفراغ والضياع والتساؤل: ما العمل ونحن نعاني سكرات الفناء بل الموت والنهاية والختم بحجر كبير (متى 64:27)، فنحن الآن قومٌ لا وجود لنا، وفي عالم سريع التغيير علينا أن نصحو ونبني الإرادة اللازمة لإعادة العليل إلى حالته الصحية، وهذا لن يتم إلا بقطع حبل السُرّة مع الإدارات الفاسدة والحركات والأحزاب الغير المدركة لحقيقة الوطن، وغير المهتمة للشؤون الحياتية لأبناء قومنا والسهر على مصالحهم، وذلك في التحرر من عباءة الإتّكاليين الذين يعتبرون أنفسهم آلهة الزمن وهم ساسة فاسدون، يشترون مناصبهم بحيل ماكرة ومحسوبية مزيَّفة وعنهم كبارنا يبرقون، والطاعة هنا واجب وخنوع، فهم يرون أن قوتهم في غيرهم أو في محتلّهم، والحقيقة هي غير ذلك. فالتعامل بالضمير ليس تعامل المنصّات والمنابر والتهديد والوعيد،وفضح الآخرين وتشويه سمعتهم برسائل لا تليق بمرسليها مكانةً وإدارةً ومركزاً، إنهم فاشلون،وليسوا إلا صوتاً مزّيفاً، عكس يوحنا، فيوحنا كان صوتاً صارخاً في البرية (مر3:1) حيث الصدى إلى مدى غير محدود عكس الأصوات العاكسة من على المنابر.إنها تحولات مرعبة... فما هي القراءة لدى مَن يَدّعون تمثيلنا من مدنيين ودينيين لهذه التحولات على مجمل الساحة الدولية كما في المنطقة عامة؟.لنتعلم ونقول إنه لا يجوز إدانات فقط ولا عدم الإكتفاء بالمناشدة بل بالضغط وبجميع الوسائل السلمية عشائرياً ومحلياً ودولياً بإيقاف كافة المساعدات المالية والعسكرية لتنظيم داعش وسائر التنظيمات الإرهابية والأصولية، وإيجاد طرق حاذقة للوصول إلى مركز القرار لإحقاق حق شعبنا المظلوم ومناشدة الدول الإسلامية إلى عدم تشجيع التيارات الإرهابية والدينية التكفيرية والتي تنادي بالجهاد وتجعل الدين رأس حربة لقتل الآخر المختلف، وتدعوهم بالكفّار، وتفرض عليهم الجزية أو الانتماء أو القتل أو يكونوا من أهل الذمّة لديهم.
لذاعلينا أن نرفض هذه المهازل عن طريق جعل المطالبة بحقوقنا الوطنية قبل القومية والدينية هدفنا جميعاً، حتى وإنْ اختلفت نظرة أحدنا إلى المفهوم الوطني والقومي عن الآخر في هذه المرحلة الحرجة خصوصاً لأن مسألة وجودنا أصبحت على المحكّ.لنحدّد مواقفنا ولا نحافظ على عروشنا،لنعرف جيداً أننا ننتمي إلى وطن وليس إلى طائفة أو دين.نحن اليوم لا نحتاج إلى التفاعل العاطفي وكيف إذا كان صوت المؤمن هو صوت الحقيقة!.من المؤسف أن نبيع الوطن أو لا يكون لنا دور وكأننا من المتفرجين.إننا نحتاج إلى مشروع مسيحي ولكن غياب هذا المشروع جعلنا بلا قرار، لذا لا يمكن لمسيحيي الشرق أن يبقوا ساكتين وصامتين، ولا نريد أن نجابه العنف بالعنف، نريد أن نعيش مواطنين متساوين بالحقوق، فنحن هذه بلداننا مع إخواننا ونحن حرّاسها، نحن بُناة حضارة المحبة والحياة.

البقاء في الوطن
نعم،أمام ما يحصل يجب أن لا نسكت...أين صرختنا بل أين صرخاتنا؟... هل لم يكن ممكناً أن نكون شبيهين بسيدة الأيزيدية فيان الدخيل ونوصل صوتنا بل نجعل من أصواتنا ترنّ في المحافل الدولية وقضايا الأمم المتحدة، كما فعلت فأوصلت صوتها إلى العالم؟... لذا أسأل: هل أصبح صوتنا خافتاً بين الناس؟... فإنْ خَفَتتْ أصواتنا فأين صوت المهتمين بشؤوننا، الذين يُدعوَن، أنهم لشعبنا وللشعوب الأصيلة، بينما الحقيقة لا يفقهون منها نقطة،ولا يعرفوا إلا غاياتهم ومصالحهم، فهم لا يفهمون في السياسة علمها،ولا يحملون إلا عناوين فارغة؟... كما أسأل:أين دمعتنا من هذه الأحداث الأليمة التي تدعونا إلى التعمق في فهم وعيش إيماننا المسيحي لكي نزيل من قلوبنا وعقولنا كل الهواجس والمخاوف؟... ولابدّ لهذه الأحداث من أن تدفعنا إلى وقفة ضمير وتضامن مع إخواننا المعذَّبين والمضطَهَدين، فلا يمكننا أن نسكت عن هذه الجرائم بحق شعوبنا، ولا يمكن أن نمرّ على قصة لاجئ وكأن شيئاً لم يحصل، ولا يمكن أن نغرق في بحر اللامبالاة... نعم، عدم السكوت وتوظيف القِوى عما يحدث والأخطر أن كثيرين منهم أصبحوا غير مبالين لما تقوم به داعش،كما أن كثير من المسيحيين هاجروا إلى الخارج وأصبحوا ضحية داعش مرتين، مرة عندما هاجروا ومرة ثانية عندما يمرّون على الخبر مرور الكِرام، والحقيقة الأشد خطراً بل فشل ذريع هو أن يتخلى المسيحيون عن رسالتهم وشهاداتهم التي يمكن إيجازها بحمل الصليب في سبيل بقائهم، لذلك على المسيحيين التمسك بالإيمان والرجاء والمحبة والصبر حتى تنقضي هذه الأيام السوداء. فالمسيحية لن تزول إذا أراد لها المسيحيون ألا تزول،والمخطط في ذهننا، هو ضعفنا، هو المخطط بعينه. عدم ثقتنا بذاتنا وبسبب ما نعيشه في طائفية ومحسوبية القشور مبتعدين عن مسيحيتنا، أن يتصرف رجالنا وكبارنا بأنانية تجاه  بعضهم البعض لغايات في العدد والأغلبية، والحقيقة أن المسيح ربّنا علّمنا عكس ذلك تماماً.

الإرشاد الرسولي
وفي العودة إلى الإرشاد الرسولي نتساءل:أين نحن من الإرشاد؟... ألم يفهم شعبنا ماذا يعني الإرشاد ولماذا وُقِّع قبل أحداث كنيسة سيدة النجاة؟... أليس ذلك رسالة سماوية إيمانية لشعوب منطقة الشرق الأوسط لكي يتهيئوا لمسيرة قاسية ولتجربة إيمانية كعاصفة البحر التي حلّت بالرسل (لو22:8).ففي الرابع عشر من أيلول (سبتمبر) عام 2012، وبمناسبة احتفال الكنيسة الجامعة بعيد ارتفاع الصليب المقدس، سلّم قداسة البابا بندكتس السادس عشر وثيقة الإرشاد الرسولي للكنيسة في الشرق الأوسط _ والذي حمل عنواناً "شركة وشهادة" _ في احتفال مهيب أُقيم في بيروت، وحمل الإرشاد إلى مسيحيي الشرق مخطَّطاً إيمانياً داعياً إياهم إلى التمسك بالأرض وعيش الرجاء، في إبعاد اليأس مهما كانت طريق الزمن قاسية، كما ناشد الإرشاد المسيحيين وحثَّهم على البقاء في الوطن وعدم بيع الأملاك (فقرة 32)، وأكّد حقيقة الألم والاضطهاد:"يشعر المسيحيون بنوع خاص في هذا الشرق بأنه شرق تقييدي وعنيف، ويجدون (أي المسيحيون) أنفسهم غالباً في موقف دقيق بشيء من الإحباط وفقدان الأمل، بسبب الصراعات وحالات الغموض. كما يشعرون بالمهانة، ويعلمون أنهم ضحية محتملة لأي اضطرابات قد تقع" (فقرة 31)، وأيضاً:"الشرق الأوسط بدون أو حتى بعدد ضئيل من المسيحيين ليس الشرق الأوسط، لأن المسيحيين يشاركون مع باقي المؤمنين في صنع الهوية الخاصة للمنطقة. فالجميع مسؤولون عن بعضهم بعضاً أمام الله" (فقرة 31)، وأيضاً:"إن الشهادة المسيحية أولى أشكال الرسالة، وهي جزء من دعوة الكنيسة الأصيلة" (فقرة 66)، و"سيبارك الله سيرتكم وسيهبكم روحه لمواجهة التعب اليومي، "لأنه حيث يكون روح الرب تكون الحرية"" (2كو17:3) (فقرة 36).
     الكنيسة ومهمتها
للكنيسة مهمة واحدة وهي ربط كل شيء بالمسيح. نعم،لقد لعبت الكنيسة برجالها وكهنتها وعلمانييها دوراً رائداً أمام الأحداث الأليمة التي أحاطتها من حولها فكانت هي الملجأ الأول للكل، وكان حضورها فاعلاً وواضحاً وثابتاً. فتحت أبوابها للاجئين والجائعين، للمتألمين والجرحى، وتحولت قاعاتها لمنامات وعيادات ومستشفى للاعتناء بالمرضى، وفي وسط كل هذا التهديد والضغط الشديد وقفت سنداً وعاموداً ثابتاً للشعب المؤمن محاوِلَةً تشديد عزمه وتثبيت أقدامه على أرضه، محافظةً على الإرث المسيحي بكل صمود ومحبة.ولكن مهما كان الدور كبيراً فالمأساة لا توصَف والكارثة التي حلّت لا تُقاس إلا بمعيار الإبادة وقتل الشعوب البريئة وخاصة أمام التحولات التي يشهدها العراق والمنطقة والتي إنسحبت على الكنيسة، وكذلك بسبب نزيف الهجرة إلى بلدان الانتشار المختلفة وتحديات التشتت والتبعثر والذوبان، كلها تشكّل خطراً على وحدة الكنيسة وحضورها وأمام وسائل الاتصال الاجتماعي والتي قلبت القِيَم. هذا الوضع المعقَّد والمتنوع لا يمكن تجاهله أو المرور عليه مرور الكرام، إنما يتطلب دراسة وتحليلاً لتقديم رؤية واضحة وبرنامج عمل منهجي لمستقبل الكنيسة.وللوصول إلى رؤية واضحة ومعالجات عملية بعيداً عن العقلية الإتكالية، ولا يجوز الجلوس في أماكننا نراقب وننتظر، والمنطقة تغلي وتزحف نحو مستقبل مجهول الملامح في النظر القريب وربما إلى ضياع وانقسام في النظر البعيد.نتغلب على أنفسنا ونكفّ عن تقطيع بعضنا البعض، ومَن لا يستطيع فعل شيء في هذا المجال عليه أن لا يكون حجر عثرة في طريق مَن بإمكانه العمل من أجل وحدة ومصلحة شعبنا المظلوم والإصطفاف معه إن كان شخصاً مستقلاً، حزباً أو حركةًأو تجمعاً سياسياً، رجل دين، منظمات إنسانية واجتماعية أو غيرها، فالتاريخ أمين ولا يوجد في التاريخ إلا مَن يدخل التاريخ.

بندكتس ورسالته
حاول قداسة البابا بندكتس السادس عشر في رسالته "خلصنا في الرجاء" والتي أصدرها عام 2008 على إظهار المسيحية على أنها دين مبني على الرجاء، وقد أعطى أمثلة عديدة من الكتاب المقدس ومن حياة الكنيسة ليؤكد على أنه مهما اشتد الظلم والاضطهاد، ومهما تعاظمت شكوك الإنسان وهمومه، يبقى لنا الرجاء بالخلاص، فالمسيح نال الخلاص من أجلنا ونحن لا نزال نرجو ثمرات هذا الخلاص في الحياة الأبدية.
نعم، عاش المسيحيون إيمانهم الملئ بالرجاء منذ عصر الاضطهادات وعلى مرّ العصور لأنهم يعرفون أنهم يمتلكون خيرات أفضل من الخيرات الآنية، لذلك كانوا قادرين على ترك كل شيء لأنهم وجدوا أساساً لحياتهم، أساساً باقياً لا يستطيع أحد أن ينزعه منهم، وإيماننا يرتكز على هذا الرجاء الذي حمله إلينا الإله _ الإنسان. من المؤكد أن الله موجود رغم الألم والشر، ويقيننا أن لا شرّ يدوم ولا ألم يبقى سوى الله ومحبته، فالتجسد مجّد ذاته وسط كثير من الألم وأرض تئنّ من قتل عشرات من أطفال بيت لحم حينها، بحد ذاته دليل على حضور الله في الألم، وتكتمل المسيرة بالصلب والموت، ولا تنتهي بل تبدأ بتحول جذري بالقيامة وتبدأ مسيرة ليست بجديدة بل مكمّلة لها وبلا نهاية، وكما قال أحد الكتّاب:"لا أعرف الجواب لمعضلة الشر ولكني أعرف المحبة".

     الكاردينال بورك
اعتبر الكاردينال ريمون بورك الأمريكي في 25 أيار 2016، أن الشهادة هي الردّ على تدهور وضع الكنيسة والعالم!.تحدث الكاردينال بورك، خلال منتدى روما من أجل الحياة، عن الاقتراف المحتَمَل للأخطاء من داخل الكنيسة بشأن حقائق العقيدة والأخلاق داعياً المطارنة إلى "فهم الحاجة الطارئة إلى التعبير بوضوح وشجاعة عن حقائق الإيمان"، وأضاف: أنه على المسيحيين أن يكونوا جاهزين للشهادة محبةً بالمسيح وكنيسته.وعبّر عن قلقه بشأن هذا المنظور المتمحور حول الانسان والعالم خاصةً داخل الكنيسة مما يؤدي بالبعض إلى الإمتثال للواقع الموضوعي لنعمة الزواج على اعتبارها مثالاً بسيطاً نسعى إلى الإمتثال له. قد تأخذ الشهادة أشكال مختلفة: شهادة الدم لكن أيضاً الاضطهاد الذي يمنع المسيحيين من ممارسة إيمانهم. لكن شهادة الاضطهاد ليست سوى مشاركة في آلام ربنا يسوع المسيح وهي بالتالي تعطي فرحاً أعمق للمسيحيين بغض النظر عن الألم، ويضيف:"إن الكاثوليك مدعوّون اليوم، وأكثر من أي وقتٍ مضى، إلى الدفاع عن الحقيقة التي يعلّمنا إياها يسوع حتى ولو نتج عن ذلكخسارة الممتلكات والمضايقة والسجن. لا يسعنا سوى أن نبقى أوفياء لربنا يسوع المسيح وللحقيقة التي ينقلها من خلال كنيسته المقدسة مهما كانت الآلام ومهما بلغت حدة الاضطهاد الذي يتربّص بنا".

حقي وجودي
من حقي أن أسأل: حتى ما نكون أرقاماً هزيلة؟... أفي بلدي أكون نازحاً، لاجئاً مهجَّراً أنا المسيحي ابن هذه الأرض الطيبة التي رويتُها بدمائي وعرقي، وعملتُ فيها بسواعدي وفكري، وسرتُ فيها شامخاً متكبّراً بألوان رايتها؟... أليس ذلك من حقي وحق حريتي أن أكون رايةً وحقيقةً، شاهداً ومؤمناً؟... أليس من حقي أن أدافع عن وجودي بصوتٍ مُحب وأيادٍ ضارعة وصلاةٍ خاشعة لأعلن معنى وجودي وإلا عبثاً أنا هنا؟... فأنا لستُ عبداً لكلماتِ دستورٍ ينكر وجودي، ولستُ خانعاً وخاضعاً لإراداتٍ تسلب حريتي وأموالي وأطفالي، وأنا لستُ إلا أصلاً وأصالةً، عمقاً وقلباً، فكراً ورسالةً، حضارةً وتراثاً، فمهما باعوا الحقيقة من أجل كراسي الزمن ومتاعب الدنيا. فالحقيقة علامة وليست بضاعة وإنْ كانت تباع اليوم في سوق النخاسة ويشتريها مَن يملك مالاً وعبيداً وجاريات ومن الحَسَب والنسب والقربى، وفي ذلك يصنعون إرادتهم ويتبعون أنانيتهم ويرفعون علامة كبريائهم من أجل تدمير الآخر المختلف عنهم فكراً وعقيدةً وحواراً، فهم في عملهم يحقدون، وفي فكرهم يقتلون، وفي حوارهم يفرضون ليس إلا!، وكأن السماء قد سُبيت إليهم كما بيع يوسف(تك37) في الأزمنة الغابرة، وما تلك إلا جريمة إبادة بمعناها الإجتماعي والإنساني، أما أنا سأبقى أنشد هويتي واعتزازي ببلدي وبأرضه رسالة وجودي وعراقيتي... فالرافدان شاهدان، وحمورابي وشريعته قاضٍ يعلن حكم الحقيقة، وسأبقى أحضن ترابي ووطني وأحمل مشعل إيماني، وما ذلك إلا رسالة الحقيقة، وهذه رايتي ليس إلا، مؤمناً أن الرب معنا حتى الموت. وسأقول هنا: إذا كنّا لا نؤمن بتاريخ آبائنا وأجدادنا فقد أضعنا الحقيقة، ألم يكتبوا لنا لنقرأ ونفهم ونحيا؟... فنحن لم ولن نكون سرّاقاً للحواسم أو إرهابيينَ للجواسم.
ألا يخجل الإسلام الأصولي عندما يقولون إنهم مسلمون والإسلام مصدر شريعتهم؟... عن أية شريعة يتكلمون أمام جرائم داعش؟... أوأية شريعة يطبّقون وأبناء الوطن مشرَّدون في الشوارع؟...إرحموا العراق الجريح وشعبه، لنسأل سبحانه وتعالى هل منح لنا شريعة تفرقنا أم حقيقة تجمعنا؟... هل أرادنا سيوفاً وحراباً ثم خراباً ودماراً أم أرادنا غصناً وزيتوناً؟...ألم نعلم أن هذه الآلات ماهي إلا لقائين(تك4) ولهيرودس(متى 17:2-18)، وللمحاربين الفاشلين الذين لا يدركون سموّ الحوار، الذين يقتلون الأبرياء من أجل كبريائهم وغزواتهم.

     مرة أخرى
قداسة البابا بندكتس السادس عشر _ وعبر الإرشاد الرسولي _ يضعنا اليوم ، كما وضعنا بالأمس ، أمام مسؤوليات الإيمان التي استلمناها من جرن العماد، وَوَسَمت وجوهنا بميرون مقدس، لنكون جنوداً أوفياء من أجل كنائسنا، من أجل تثبيت وتقوية هويتنا المسيحية، فنرى الرؤيا الواضحة عن معنى حضورنا ووجودنا وتقاسمنا للحياة. نعم، لنمشِ على دروب الشهادة التي سلكها المسيحيون في بلادنا الشرقية، وفي ذلك يشجعنا قداسته وجماعاتنا المسيحية كي نظلّ متجذرين في أرض أجدادنا في شراكة القلب والنفس مع جميع المؤمنين المعمَّذين، ليس فقط أمانةً وحفاظاً على الوجود والهوية والتراث، بل أيضاً كي نتابع باختيارنا حياة الشهادة والإستشهاد، وقد تميز بها عبر قرون عديدة حضور المسيحيين في الشرق، وما أجمله من كلام.،بل طوبى لِمَن يدرك معناه.
نعم،إن غياب الصوت المسيحي ووجوده سبّب في افتقار المجتمعات وخسارةً للتعددية التي تميّزت بها بلدان الشرق الأوسط. نعم، لنفتح أبواب قلوبنا وكنائسنا، فالأقفال ومفاتيحها في أيادينا جميعاً، ولنفتح الأبواب ليس فقط على مصراعيها بل بروح الشركة والشهادة والتواضع، فالكنيسة هل هي كنيسة المؤمنين أم كنيسة المصلّين؟... إنها مبنية على صخرة البشارة وعمرها ألفين عاماً، لذا لا يحق حتى للقيّمين على الشأن المسيحي في الشرق أن يتنازلوا عن هذا المجد الذي أُعطي لهم لأنه أرث الكنيسة جمعاء. فمجد الرسالة المسيحية أُعطي لأبناء هذا الشرق ولنرى الأيام، إنها أفضل مستشار، فلنأخذ خوذة الخلاص (أفسس 17:6) و"سيف الروح الذي هو كلمة الله" (17:6) من أجل الإعلان جهاراً بسرّ الإنجيل الذي لأجله نحن سفراء بدلاً من سماع دقات ناقوس الخطر بل الفشل في الإيمان للصمود في الرجاء... وهذه هي البشارة الجديدة.

في الختام
ختاماً، الكنيسة مع الوطن ومع كل مواطن، وهي ليست لحاكم أو نظام، مرتفعة فوق الجميع من أجل خدمة الجميع وليس لخدمة بعض منّا، ومَن هَوَتهم أفئدتنا من أجل مصالحنا، أصيلة وقديمة قِدَم التاريخ بل ومن قبله... هذا هو عالمنا اليوم، فأين نحن من فهمه؟. نحن لسنا هنا لندغدغ العواطف ونضحك بوجوه الفاسدين تمليقاً وكذباً ورياءً ومصلحةً، ونقدّسهم في صفوفنا وديارنا ومعابدنا، وفي أول السطور نُجلسهم ونجالسهم وكأنهم أمراء ديرتنا وعندهم تكمن مصالحنا وملء بطوننا بأموال ليست أموالهم ونحن لهم خانعون، وننسى إن شعبنا لا زال يئنّ في بستان الزيتون، والإرهاب _ ولسان حالنا يقول:إنْ كان مستطاع أطرد الداعش والإرهاب والحاكم الفاسد ومدراء السرقات وأصحاب المصالح والغزوات، ولكن "لا مشيئتنا بل إرادتك" (لو42:22)، " ولا مشيئة النزاهة بل حقيقة عدالتك" ، فنحن نؤمن بما يقول ربنا:" ليس خفيّ إلا سيظهر ولا مكتومٌ إلا سيُعلَن" (مر22:4). فما نحتاج إليه اليوم  هو مشروع مسيحي، ولكن غياب هذا المشروع جعلنا بلا قرار، وهذه الأحداث ما هي إلا مناسبة لنعيد قراءة حياتنا المسيحية ونكتشف أن هذا الليل المظلم الذي نعيشه سيعبر لا محالة، وإن السلام والأمان سيعمّان على هذه الأرض طالما أن إيماننا يرتكز على شخص السيد المسيح، إيماناً مبنياً على الرجاء، ورجاءاً يتحقق فيه الخلاص، فالمسيح هو رجاؤنا،ورجاءنا فيه لا يخيب، فقد قال في إنجيله المقدس:"ها أنا معكم حتى انقضاء الدهر" (متى20:28)، وأيضاً "إرفعوا رؤوسكم فإنّ خلاصكم قد دنا" (لو28:21).
أكيد إن فجر القيامة قادم لا ريب فيه، فلا الحقيقة إلا وتُبان، وأكيد سيعود أبناؤنا إلى مدنهم وبلداتهم وقراهم عبر ضمانات قوية ودولية ووطنية لصيانة أمنهم وكرامتهم وإرادتهم في الحياة الحُرّة ضمن فضاء الوطن. فلنشدّ على أيادي شعبنا، ونحثّه على إبقاء جذوة الرجاء، ولابدّ لليل أن ينجلي ويبزغ فجر العودة عمّا قريب، فنحن نثق ملء الثقة بوعد الرب بأن يبقى وسط كنيسته فلا تتزعزع أبداً... فلا تفقدوا إيمانكم، بل تشجّعوا وتشدّدوا ثابتين في الرب يسوع القائل:"لا تخافوا، ثقوا إني غلبتُ العالم" (يو33:16).فالرسل وأباؤنا أُضطهدوا بالأمس واليوم نحن بدورنا ، ولكن الحقيقة تبقى أننا ثابتون في الرجاء فمهما قامت به الجماعات الأصولية الداعشية،  من تدمير وهدم لكنائسنا واديرتنا ، وسلبت أملاك أبناء شعبنا ومقتنياتهم ناشرة ظلامَ الموت والدمار، وطردتنا من قرانا ومدننا، سنبقى ثابتين في أرضنا ،ومتأصلين في وطننا ، في الرجاء ، ليس في هذه الدنيا فقط ، بل بيسوع المسيح ، القائل:"لا تخافوا، ثقوا إني غلبتُ العالم" (يو33:16) وشكرا للقراء الأعزاء الذين رافقوني في مسيرة المقال حتى الختام. نعم وامين .

28
بمناسبة الذكرى الثانية للنزوح

بداية النهاية
الحلقة الثانية: أصلاء ومستقبل في المجهول


في البدء
حملت الحلقة الأولى من موضوعنا بداية النهاية عنواناً "اضطهاد وسؤال في المصير"، وأما الحلقة الثانية فعنوانها "أصلاء ومستقبل في المجهول".
نتساءَل، أليس من حق شعبنا أن يعيش؟... أيبقى يفتش عن ملاذٍ آمن في الهجرة إلى الخارج، وتكون النتيجة شعب مشتَّت في سبل الحياة بسبب ما حلّ بهم من مظالم، وما هي إلا ردّة فعل يائسة بعد كل الذي حصل والذي لم يكن فيه أحد ولم يأتِ على بال أحد؟... إنها مهزلة التاريخ، بل مهزلة المصالح والمخططات الفاسدة. شعوب تُحرَم من أراضيها، تُسرَق أملاكها وأموالها، تُطرَد من ديارها، تُهجَّر رغماً عنها، تُدمَّر حضارتها التي ترقى إلى آلاف السنين، وتُهدم كنائسها ومزاراتها... إنه فعل صارخ بل قبيح بحق الشعوب البريئة. فمدننا وقُرانا وبلداتنا والتي استولى عليها داعش أصبحت عرضة للنهب خاصة من قِبَل الجيران الذين أصبحوا داعشيين هم أنفسهم أو ساندين لهم.

     نكون أو لا نكون
كان العالم صامتاً، ولا يزال صمته أمام كارثة تهجيرنا وقتلنا، إلا ما هو له ولمصالحه. وكلنا نعلم كيف أن داعش قام بتوجيه إنذار من خلال منابر المساجد للمسيحيين بإعلان براءتهم عن الديانة المسيحية واعتناق الإسلام مقابل بقائهم أو مغادرة المدينة وقرى وبلدات سهل نينوى في الموصل خلال 48 ساعة، وباشر بعدها بقتل العشرات من المسيحيين كما وهرب مئات الألوف، ثم قامت عناصر التنظيم بكتابة الحرف "نون" على بيوت المسيحيين لكي يميزوهم عن المسلمين. فالمسيحيون شعوب غير مرغوب فيهم، وما ذلك إلا مخطط إجرام وإفراغ ليس إلا، فإفراغ الوطن من شريحة المسيحيين والأقليات فعل إجرامي وظلم صارخ بحق الشرعية الدولية والإقليمية والمحلية، بحق شريحة مسالمة، كانت وفية في أصولها وفي تسلسلها. أيجوز أن تكون المسيحية المسالمة في حكم المنتهية حيث ترقى حضارتها إلى آلاف السنين، وقد بدأت تفقد قاعدتها ووجودها؟... أليس ذلك هدم وتحطيم للأسس الأخلاقية وقيم الحضارة الإنسانية والثقافية التي بدأتها ولا زالت تحياها عبر مسيرة الإنجيل المقدس؟... فالحقيقة إننا نعيش حقبة تاريخية غير مسبوقة في عصرنا، أيجوز أن نُحرَم من حقوقنا المدنية؟... إنه ظلم يستحق أن يُرفَع أمام منبر المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، كما توصل الغرب، أو من خلال ضعفنا إلى شراء ضمائر بعض منا، فأدرك جيداً أن أمضى سلاح في تدمير هذه المجتمعات هي التيارات الإسلامية الأصولية وليس التدخل المباشر فيها. فماذا يعني هذا كله!، وهذا ما يجعلنا أن ننسى هويتنا المسيحية والوطنية كي نكون في مهب الريح... نكون أو لا نكون.

ألم الماضي
نعم، طردونا من منازلنا، وقتلونا أمام أنظارهم، وأبعدونا عن قُرانا قسراً وكرهاً وحقداً، وعن مدننا كفراً وتكفيراً، وعن أحبائنا عنوةً، وعن جيراننا غدراً، والسبب يعود إليهم وإلينا، فهم سبقونا في الهزيمة ونحن لم نكن مستعدين لها، بل بالأحرى لم يعلّمونا حماية مدننا وقُرانا وأملاكنا، فضاع كل شيء وأصبحنا تائهين في العراء ليلاً ونهاراً، وفي شوارع المدينة وساحاتها وأرصفتها وحدائقها وساحات دور العبادة في قيظ الصيف وحرّ السماء، أصبحنا شعباً تائهاً يتسوّل من أجل الوجود، ويفرش العراء من ثم إنتقل إلى خيم بائسة في حدائق الكنائس والمعابد والمزارات وفي أروقتها وساحاتها ومماشيها في حالة يرثى لها... بؤس وشقاء، عويل وبكاء، راحيل تبكي على بنيها ولا تريد أن تتعزّى (متى 18:2)، فأولادها في عمارات عارية يسكنون، ولا أحد يبالي بهم إلا الأرض الطيبة التي احتضنتهم               _ أرض شمالنا العزيز _ وجعلتهم من آلِها وأهلها حيث هزيمتهم لم ترى ساعاتها الفجرية، فواحد رصد مسيرتهم، وراقب سيرهم، بِعُراهم وبلباسهم... إنه الرحمن الرحيم، وهو في علوّ سمائه، كما إطّلع على عبيده وهم يفتشون عن مأمن آمن ومسكن هام وعبور أكيد... نعم، لقد كانت عملية تهجير المسيحيين عملية أشبه ما تكون "الإبادة الجماعية" بل هي الإبادة الجماعية، بالحقيقة والواقع.

من المؤسف
في 13 تشرين الثاني 2014، زار الرئيس أوباما (بورما) لإجبار الحكومة هناك لحماية الأقلية المسلمة ومنحهم كل الحقوق، والمعلوم إنهم ليسوا أصول الوطن ولا من أصله بل هم مهاجرون من بنغلادش وما جاورها، هذا من جانب، ومن جانب آخر، فإن مسيحيي العراق شُرِّدوا وقُتلوا وقُطعت أرزاقهم وهُجّروا وفُجّرت كنائسهم تحت أنظار ومسمع كبار الدنيا والزمن والأمم المتحدة، ولم تحرَّك عضلة في جسم الرئيس، وربما كانوا يستمتعون بمشاهد انفجارات الكنائس، ولم نسمع إدانة قوية واحدة يوم وقوع الكارثة بل ما سمعناه إدانات بسيطة لا تليق بشعب أبيّ حامل الحضارة والسلام وقيم الأخوّة والمحبة... فحتى ما يكون شعبنا في الدرجات الدنيا!! والحقيقة شاهدة نحن أصلاء وأصول هذه البلاد، ومن المؤسف لم يبدأ الغرب في إلقاء بال لمن تبقّى من مسيحيي العراق إلا بعد السلوكيات الوحشية لتنظيم داعش، بعد تفاقم خطر داعش، بدأ الزعماء الدنيويون والسياسيون في الغرب يلقون بالاً للمسيحيين ولكن ذلك متأخراً وضئيلاً جداً، فلم يحصل كما فعل الرئيس كلنتون في يوغسلافيا حينها، بل أعلن الرئيس أوباما أن داعش لا يمكن القضاء عليه وإخراجه من العراق إلا بعد 3 أو 5 سنوات وكأن القضية مدروسة ومعروفة وحُدِّدت أُسسها وقد حان وقتها، ومن المؤسف أن لا تخترق منهجية العقل وحقيقة الحدث رسالة الحياة، ألم يقل أنه معجب برسالة قداسة البابا وبمواعظه الأخلاقية والوجدانية والمثالية والتي زلزلت مشاعره ودغدغت عواطفه (جريدة النهار ايلول 2013)؟... ألم تكن رسالة قداسة البابا وإعلاناته المتكررة عن إبادة المسيحيين حافزاً للرؤساء ودافعاً أميناً وأكيداً لرفع أصوات الإدانة عالية؟... ألم يكن بإمكان أوباما أن يقوم بزيارة إلى هؤلاء الذين هُجِّروا قسراً ونزحوا من بيوتهم وهم فيها كانوا أمينين ليطّلع على الحقيقة؟... ألم يحن الوقت لإنصاف هذه الشعوب الكريمة البائسة؟... أليست سرقة أموالهم وممتلكاتهم إهانةً وإذلالاً للشعب المسيحي؟... ألم يحن الوقت بعد أم لا زالوا حُملاناً تحت سكين إبراهيم بل ساطور داعش والإرهاب وكبار المصالح؟... وحتى ما يبقى هذا مصيرنا!!!.

     حوادث وحقائق
في كتاب بول بريمر عن الحديث الذي دار بينه وبين المرحوم البطريرك عمانوئيل دلي (رحمه رب السماء)، طالب هذا الأخير أحقيّته في تمثيل المسيحيين في مجلس الحكم، فكان جواب بريمر:"إن وجودكم في العراق هلامي"، فذلك لا يعني شيء للوجود المسيحي في البلاد، فالعالم مليارين ونصف مسيحي بهويته وأوطانه، والشعب العراقي بلا هوية وطنية وقومية، وما هذه الشريحة إلا ضئيلة، ولا شيء تعني بالنسبة إليه بأن تكون مسيحياً، وعندما لم يرضى البطريرك لهذا الجواب غضب، فكان تعليق بريمر وجوابه:"إنك لا تمثل شيئاً.أين مسيحيتك من ردّة فعلك؟، ماذا يعني هذا النقيض؟"، أي بمعنى أنكم تبشرون بشيء، وتطلبون نقيضه.   
نسأل: ما الذي تغيّر على حال المسيحيين في باكستان حيث يُشْوَون على النار في ساحات عامة باحتفالات جماهيرية وبحضور مسؤولين، وهذه دولة عضوة في هيئة الأمم وحليف أمريكا منذ أكثر من نصف قرن؟... ألم يسمعوا رؤساء الدول والقادة الكبار حالة المسيحيين في نيجيريا وكينيا وليبيا ولبنان القريب وما حلّ بسوريا والعراق ومصر؟... أليست هذه أمام مرأى من عيونهم وأمام مسمع من آذانهم؟... إنها حقيقة مُرّة وإنْ قلناها باحترام تجاه الذين يعرفوننا في زياراتهم ويواسوننا، ولكن... المؤلم المقصود هو إذلالنا لإدراكهم بأننا لا هوية لشخوصنا ولا لشعبنا، ولا مجال لمسيرة الحياة وقيمة شموخنا، فلا حدود لنا ولا معرفة بنا ولا حقيقة لوجودنا إلا حقيقة ظاهرنا وربما مزيَّفة في داخلهم.

    نحن والمسؤولون
مَنْ مِنَ المسؤولين الكبار في العالم يلتقيه بطاركتنا المغبوطون وأساقفتنا الأجلاء عبر سفراتهم المكوكية إلى أوروبا وأمريكا وأستراليا والصين، إنهم وهم يزورون ويتزاورون مع المسؤولين، من أجل قضيتنا يحملونها في قلوبهم وعلى لسانهم ومطالبهم ويستقبلونهم بكلمة طيبة وروح أخوية منفتحة (مزيفة)، وتكون النَعَم كلمة الحق والحقيقة، ولكن الحقيقة لا تصل إلا إلى توجيه الجمعيات الإنسانية إلى حقيقة البطون وملؤها ليس إلا، فنحن لا نحتاج إلى مساعدات بقدر حاجتنا إلى كرامة كي لا نتحول شحّاذين يطرحون قضية شعبنا وأحقيّته في الوجود في أرضه وما هي أسباب طرده وتهجيره، وليس فقط طلب المساعدات من ألبسة مستعمَلَة وشيء من السيولة وكأننا خُلقنا شحّاذين ومتسوّلين على قارعات الطرق، عاجزين عن تدبير خبزنا كفافنا وكفاف عيالنا، وحتى لو أتيحت لهم فرصة الله عزّ وجلّ... ومن المؤسف أنهم يطرحون ذلك إيماناً برسالتهم أمام المسؤول ولكن لا يعير أحد أهمية لكلامهم لأن العالم المعاصر وساسته لا يؤمنون إلا بما هو لصالحهم ولمخططهم، فنحن مطارَدون في كل أرجاء الكرة الأرضية، وإنها الحقيقة شئنا أم أبينا.

     ما نحتاج
ما نحتاج إليه أمام هذا الوضع المأسوي، بل قبل كل شيء، أن نؤمن بالواقع الذي تُمرَّر مصالحه ومخططاته بين ظهرانينا، فنحن لسنا إلا من المتفرجين والناطرين قسمتنا دون إرادتنا ليأكل الأسد والنمر أولاً... فالمنطقة في غليان، ولا سكون، والأحزاب والأقوام يحصدون غلاّت الشعوب ويمصّون دماءهم ويسلبون ما لهم وما ليس لهم بعد أن أصبح الفساد سيرة ومسيرة. فالعراق في صراع طائفي ومذهبي وإقليمي، صراع وجود من أجل البقاء، صراع النفوط والمصالح والسياسات المدمِّرة وشريعة الغاب... إنه جثة هامدة، كلٌّ ينهش من حيث يشاء ومتى ما يشاء وحين يشاء (لو 37:17)، فنحن ليس مَن ينهشنا نسراً ولكن إرهاباً مزيَّفاً، كلمة حاقدة، إرادة شريرة، داعشاً إسلامياً أصولياً، ومحسوبية قاتلة وطائفية مميتة، حيث قتل ملايين من المسيحيين وبالخصوص من الأرمن، في الماضي القريب، وحتى الساعة، أليس هذا ما يجعلنا أن ندرك أن الواقع هو الاضطهاد، والحقيقة هي القتل والذبح والتهجير، وآلتها السيف والإطلاقة والساطور والتحقير والتكفير من كبار الخلفاء وعبيدهم الأمراء ومن صغار الزمن سرّاق الحياة وغير مبالين بأن الوطن والإنسان هبتان من الله لأبنائه، وإن الخليقة صورته؟... وبئس المخططين والمنفذين والمدّعين والمكفّرين فما هم إلا أشرار... إنهم أحفاد هيرودس وبيلاطس الذي خلط دماء الجليليين بذبائحهم (لو1:13)، وكأن التاريخ يصف لنا السيوف والمسلّطين ورسالتهم الشريرة في الدنيا للبقاء، ففي ذلك ما هم إلا بشر مفترسون، وأمّة قاتلة، ودولة إرهابية تذبح الأبناء الأصلاء كي تقلع جذورهم من التاريخ والحياة، وجعلوا من حقيقة الكتب رسالة مزيَّفة ليس إلا!!!.

سؤال اليوم
سؤال اليوم، سؤال ناقص بلا رجاء ولا أمل: هل سنعود؟، فقد طال الزمان ومالت السنون إلى الغروب والنسيان، وغابت الشمس عن كشف قضيتنا... وعود ووعود، فالأغنياء قد رحلوا أحراراً، كونهم يملكون نِعَماً وخيرات، درهماً ودولاراً، بحيلة أو بشراء تأشيرة بمال فاسد أو عبر المراكب والأمم، فالمهم أن يرحلوا، أن يكون كل منهم إله الساعة وأهل الواو وفيتامينه، ومن حقهم أن يسبقونا في الرحيل، فهل هناك حقاً أمل في العودة إلى ديارنا وقُرانا ومدننا؟... إنه سؤال الفقراء ومحدودي الدخل... سؤال الذين لا معين لهم كونهم ليسوا أصدقاء أو أقرباء روّاد دور العبادة والأديرة لكي يرحّلوهم ويلمّوا شملهم، وكأن خلاص أصدقاء أرباب العبادة فقط، هم من مدعوّي العرس وهؤلاء فقط يجب أن يذوقوا العشاء (يو1:2-11)؟ إنه سؤال الذين يؤمنون بقدسية ترابهم دون النظر إلى غنى المصالح وبهجة الدنيا والزمن، وهؤلاء أعدادهم بعدد الأصابع إنهم فقراء وساكنو الساحات وفارشو الطرق، وهؤلاء ليسوا في المحسوبية ولا في الطائفية وليسوا من أقرباء الأمراء وحاشياتهم، ولا من السادة وكبار القوم ومديري الحركات وقائدي الثورات، بل هم فقراء الرحمن ومعوَّقو البابا فرنسيس، إنهم الأغلبية الحقيقية وليس الأغلبية الكبريائية المصلحية.

نعم، إنه سؤال الساعة، هل يطرقوا أبواب الهجرة والرحيل، والكنيسة، أيضاً، تضعهم أمام حريتهم واختياراتهم؟... هل يبقون وينتظرون مَن يملأ بطونهم ويشفي غليلهم بكلمات الرجاء والأمل وإنْ كان بعض منهم في حالة الشك واليأس، صباح مساء، ويزداد شكّهم صباحاً حينما يخافون من المستقبل، وينامون مساءً تعساء وبؤساء على مصيرهم ومصير أولادهم؟ إنني أتعجب لأناس يملئون علينا إراداتهم، ويعتبرون أنفسهم قاداتنا زوراً، ويسيرون واذيال أثيابهم وبناطيلهم تدعونا للأنحناء، ويزداد تعجبي حينما يقدسون فاسدي الزمن، وينزهونهم من كل دنسٍ، وهؤلاء يعتبرون أنفسهم أسياداً ومسلطين بمالٍ ليس لهم، وكأن الله (سبحانه وتعالى) لم يُنزِل من السماء غيرَ هؤلاء، ويستمعون إلى آخرين وهم يطوّلون كتاباتهم، ويملكون جوازات الرحيل، يسافرون حينما يشاؤون، فيلعبون ويمرحون ويقولون بتوصية تعبدية:"إبقوا ثابتين في بلادكم"، إقرأوا آيات الإنتظار، أيَ إنتظار؟ إنتظار المستقبل المجهول؟ ويطيّبوا خواطرهم بكلام الأحبّة "أنتم أصلاء، ولكن حقيقتكم لا تعلمونها"، وهي أنّ مستقبلكم في مجهول، ليس إلا   نعم وآمين... وإلى الحلقة الأخيرة... إنها الخاتمة.


29
   بمناسبة الذكرى المؤلمة الثانية للنزوح

بداية النهاية
الحلقة الأولى: اضطهاد وسؤال في المصير

المونسنيور بيوس قاشا
   في البدء
في صحف"الغارديان ونيويورك تايمز" المعروفةوالعريقة بشهرتها وبوسع
انتشارها بدأت تتصدّر إيحاءات واضحة وجليّة من المراكز القريبة منها بأن الشرق في مدى السنوات الخمس القادمة سوف لن يبقى فيه مسيحيٌ واحدٌ ، إنه تصريح خطير وبالغ الأهمية ، ويحمل حقيقة مؤلمة إذا ما تحقق، وإنه لمن يفهم لغة الغرب أي إنه قرار وسينفَّذ ضمن هذه الفترة، بالخصوص إذا كانت مصالحهم تتوافق مع هذا الإيحاء أو هذا المخطط. كما نشر مراسل صحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية "دانيل ويلياميز" في العراق وباحث سابق في مؤسسة هيومان رايتس وتش تقريراً حول معاناة المسيحيين العراقيين تحت عنوان "انتهاء المسيحية في العراق"، قائلاً:"إن جزء من خطاب الرئيس الأمريكي "باراك أوباما" في 10 سيبتمر2015، والذي دار حول تنظيم داعش، كان ضرورة مساعدة المسيحيين وغيرهم من الأقليات الدينية الذين طُردوا من المدن والقرى في شمال البلاد".
وحسب تقرير جديد صدر عن مؤسسة الإعانة البريطانية التي يدعمها رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون، فإن المسيحية يمكن أن تنقرض في العراق في غضون 5 سنوات.وكان هذا التقرير الذي يبحث في شؤون الاضطهاد الذي تتعرض له جماعات المسيحيين عبر أرجاء العالم، حيث جمعته المؤسسة الناشطة في مجال الإغاثة لصالح الكنيسة، معروضاً للقراءة أمام مجلس اللوردات البريطاني قبل أيام قليلة. وبموجب ملاحظات أدلى بها رئيس الوزراء البريطاني كاميرون لصحيفة "كاثوليك هيرالد"، فقد بدا واضحاً دعم الأخير لتفاصيل التقرير وما ورد فيه، لاسيما حقيقة أن المسيحية تتعرض إلى عملية تمييز ممنهجة ضدها، وإن أبنائها يُستَغَلّون ويُطرَدون من أوطانهم ومنازلهم حتى، وإن ذلك يجري كل يوم دون إنقطاع.وتقول مجلة "نيوزويك": إن "هذا التقرير يسلط الضوء على محنة المسيحيين في العراق، هذا البلد الذي عانى عدم الاستقرار السياسي منذ حرب العام 2003 فضلاً عن الاضطهاد الذي جاء به تنظيم داعش الإرهابي الذي أمكن له أن يقلّص أبناء هذه الطائفة إلى حوالي ربع مليون مسيحي عراقي بعد أن كان عددهم يربوا على 1,5 مليون في زمن النظام السابق.
نعم، إنها مقدمة مخيفة ومسيرة متشائمة وإن كانت كذلك فأنا لستُ متشائماً ولكن يجب أن نكون حكماء العقل والفهم والإدراك أمام هذه التقارير حقيقة كانت أم لا، واقعية كانت أم لا،أكيدة كانت أم لا، المهم أن ننتبه ونحن حاملين أملاً ورجاءً... فالمسيحي لا يُعرَف بدينه ولا بمذهبه وقوميته بل بوطنه.

   أمل ودمار
ما هذا الذي يحصل في عراق الخير، في أرض الآباء والأجداد، في سهل نينوى المسيحي وبلداته؟. هل هو حقيقة الحقد والكراهية، أم عراك من أجل كراسي المصالح والمحسوبيات، أم أحداث أليمة خلّفتها ظروف قاسية وأوقات حاسمة ومصيرية مرّت بالعراق بسبب حكّامه ومناصبه وكراسيه، وأوصلتنا إلى ما نحن فيه من حالة اقتتال وتهجير ونزوح وتشريد؟. ظروف قاسية بسبب حروب بالية أكلت أموالنا وحصدت أجساد أبنائنا وإنْ لم يكن لنا فيها غير إخلاصنا وحقيقة إيماننا وحبنا لذرات ترابنا، وربما هذا لم يدركه إخوتنا في الوطن إلا أننا غرباء، فاجتمعوا من أجل إزالتنا ومحو أصالتنا وتشويه سلوكنا من أجل حقيقة بائسة أرادوها ليبرّروا مآربهم، وأصبحنا لا نرى إلا إننا راحلون، ولا نقرأ إلا إننا مغادِرون ولا مصير لنا في أرضنا، ولا نفكر إلا بأن الأرض تلفضنا. فبعد حروب مرّت علينا كغمامة سوداء، وحصار ظالم حصد أجساد الأبرياء والأطفال والنساء، ودخلنا تاريخ الاحتلال وكنا نأمل ولكن أملنا أصبح لنا دماراً، فأتانا داعش الإرهابي، أخافنا باسمه وهجّرنا بأعلامه وأجبرنا على ترك بيوتنا وممتلكاتنا، وفرض علينا جزيته وذمّته لا لسبب إلا لأننا مسيحيون، وأصبحنا صيداً سهلاً أمام أنظار كبار الدنيا ومخططات المصالح، وكُتب علينا الموت أو الرحيل من أجل شعوب أخرى وإنْ كانت غريبة الأصول. هكذا هو الألف الثالث، وذلك يجب أن يكون.

   حلول وقرارات
بالأمس كما اليوم لا زلنا نفتش عن حلول ناجعة وقرارات جدية لوجودنا المسيحي وحقيقة أرضنا ونقاء ديموغرافيتها في قُرانا ومدننا وبلادنا المسلوبة قسراً ودون إرادتنا وبلا أحقية، ولكن حتى الساعة بلا جدوى ولا أمل لعودتنا إلى ديارنا، ولا مجال للوعود التي قيلت ومن على المنابر تُذاع، ولا بصيص نور يرينا سبيل الحقيقة في سؤال لماذا الذي حصل؟... وما هي الخطيئة التي ارتكبناها وطال صبرنا؟... وفي ذلك يتجدد سؤالنا كل صباح من صباحاتنا الأليمة وكل مساء من مساءاتنا الحزينة حتى ما يا أبانا؟...حتى ما يا سيدنا؟... حتى ما يا إلهنا؟... ويأتينا الجواب خيالاً نعتبره حقيقة "إن شاء الله غداً"، نعم غداً ستُقرَع أجراس العودة، ومَن سيقرعها؟... هل الرحلات المكوكية لأصحاب الصفوف الأولى أو المؤتمرات العالمية التي فيها نكشف أسرارنا ليقرروا أهدافهم، أو اجتماعات إقليمية ومحلية وعائلية ليسألوا عن عددنا وكم بقينا، وهل سنبقى أو هل سيدوم وجودنا أم ستموت حضارتنا. فالإعلام شيطان أخرس وعليم في سرقة أخبارنا وأقليتنا وبطاقة وطنيتنا وهوية أحوالنا ليعلن كثعلب ماكر أن هؤلاء لا زالوا في الحياة فلا حسم لقضيتهم، وهو يدرك أن لا قضية لنا لأن مصالحنا وكبرياءنا أعمتا أنظارنا، وأضاعتا حقوقنا، وأطرشتا آذاننا، وأصبحنا عمياناً نقود شعوباً تائهة (متى 14:15) وكأننا آلهة المسيرة (يو34:10)، فكُتب علينا النزوح وبمذلّة ، لم أقرأ عن مثيلاتها ، إلا أيام الحزب الشيوعي والماسونية، وافترشنا أراضي الجيران في حدائق وكرفانات وأخرى، وأعلنّا فشلنا بسبب تقديس فسادنا وفساد مدرائنا وأصحابنا وكبار مسيرتنا، وإن لم تكن الدراهم مُلكهم بل مُلك سيدهم وسجّلنا مالهم مالنا... إنها معاناة في أزمنة صعبة وحالة أسوأ.

   حضور واستهداف
نعم، يقول غبطة أبينا البطريرك روفائيل الأول ساكو:"إن معظم المسيحيين كانوا يعيشون في المدن الكبرى وفي الريف لاسيما في قرى سهل نينوى، ويشتغلون "في مجالات الحياة"، وحضورهم كان مؤثراً بسبب ثقافتهم وإخلاصهم، ولكن بسقوط النظام (الاحتلال) بدأ مسلسل استهدافهم بشكل مباشر مما دعاهم إلى الهجرة وهدّد وجودهم الكارثي في المنطقة" (ساكو؛ كانون الأول 2004). هُجّروا وتوزّعوا على أرض كوردستان في ليلة مشؤومة مساء وفجر 6 آب 2014 أي قبل حوالي اثنين وعشرين شهراً ومنها إلى أرجاء المسكونة بدءاً من الأردن _ لبنان _ تركيا _ مصر على أمل الوصول حيث اللجوء بأنواعه، وما هو إلا جواب السؤال إلى أين؟. وهناك قرّروا البقاء ولا أمل في العودة. إنها أوقات حاسمة ومصيرية. إنها هزيمة وأية هزيمة. إنها إبادة جماعية لا وصف لها ولا مقياس، فالضحايا لا يقاسون اليوم بأعدادهم بل بوفاء مرؤوسيهم. إنه زمن الطائفية والمحسوبية والعشائرية والـ "عمّك خالك"، زمن المصالح والأنانيات ، بدءاً بكبار الزمن وانتهاءً بصغير الخدم وهؤلاء يُكتَب لهم النجاح إذا كنّا لهم من المهتمين وقارئي علامات الزمن وإلا ضاعت حقوقنا وأصبحنا تائهين في مسارات البحار الهائجة، لا ندري أين يحلّ مركبنا، وهل سنبقى نصيد شملنا فقد تعبنا كما تعب أحباءنا طوال الليل "تعبنا الليل كله ولم نَصِدْ" ( يوحنا 6:21). إنه ضياع.

  مصير وكارثة
أهذا هو مصيرنا!... أناس يموتون لأنهم مختلفون. نحن شعوب مسيحية لألفي سنة ونيف، بالأمس القرني ذَبَحَنا الجيران في إبادة لا توصَف، واليوم يعيدون تلك الكارثة وبصور أكثر تقنية. فعدوّ الأمس هو عدو اليوم، فهُدّد وجودنا حسب قانون الدول ووفق معاييره. ألم يؤكد ذلك الإعلان المشترك الذي وقّع عليه البابا فرنسيس والبطريرك كيريل للكنيسة الأرثوذكسية( كوبا 12شباط 2016) بـ "أن جميع العوائل والقرى والمدن لإخواننا وأخواتنا في المسيح تمّ إبادتها كلياً في العراق وسوريا، ودعا المجتمع الدولي إلى توحيد الكلمة في مواجهة الإرهاب والعنف"، وهذا ما أكّده البرلمان الأوروبي في مؤتمرات عدّة وكيف أن داعش ترتكب الإبادة الجماعية ضد المسيحيين والأقليات الدينية.
   نعم، قلتُها، ما حلّ بالمسيحيين كارثة بل إبادة واقتلاع من أصولهم، وهذا يعكس المسيرة المؤلمة لهم في أزمنة الحكم المختلفة، فهم كانوا ولا زالوا بلا حقوق حتى الصورية منها، والجريمة الكبرى هي الحروب التي خاضوها دون إرادتهم بأوامر صدرت إليهم وأودت بحياة عدد كبير من أبنائنا، منهم قُتلوا ومنهم سُجّلوا في سجلات المعوقين، ومنهم أُسروا ولحد الآن لا زالت عودتهم في خبر كان،ولا أحد يسأل عنهم، واليوم داعش يفتك ولا يزال يفتك كما يشاء بمدنهم وفي تدمير كنائسهم وأديرتهم وسلب ممتلكاتهم وتجريدهم من كل شيء وكأنهم آلهة الشر _ بل هم كذلك _ وأمام أنظار الجميع، الصغار والكبار، الحكّام والمرؤوسين... إنهم ضحايا. إنهم بين المطرقة والسندان عبر جرائم لا تُعَدّ ولا تُحصى، مرة في الخطف والسلب وأخرى في التهجير ومصادرة الممتلكات وثالثة في تغيير الانتماء الديني والقومي والديموغرافي لا لسبب سوى لأنهم مسيحيون، ووضعوهم أمام مستقبل مجهول وخيارات ثلاث أما إعتناق الإسلام أو دفع الجزية أو القتل، وأذاقوهم العذابات المريرة وأصبحوا تائهين كما حصل لقايين (تكوين 14:4)، وأصبحت الأرض التي رافقتهم في مسيرة الحياة لغيرهم وبعد أجيال وأجيال من العيش والإقامة، والحقيقة شاهدة إنهم ارتكبوا بحق المسيحيين أفعالاً بقصد التدمير بشقَّيه الكلي والجزئي، وأمام هذا كله كان ردُّ الفعل الدولي غيرَ منصفٍ وعادلٍ بحقهم، فمنذ سنوات وعصابات إرهابية تعيث فساداً في أرضنا أمام مرأى ومسمع الجميع من دول عظمى ومنظمات دولية، وإذا ما كان هناك ردّ فلم يكن بالمستوى المطلوب إزاء التدمير الذي لاقوه، فقد طالت أيام النزوح، وزادت قوة العصابات التي قتلت واغتصب ونهبت مدناً بأكملها وشرّدت مئات الآلاف من المسيحيين العراقيين... أليست هذه كلها إبادة وفق معايير القانون الدولي في ارتكاب أفعال بقصد التدمير!!!.

  مسيحية ووجود
ألا يحق لنا السؤال عن مصيرنا جميعاً؟... هل نحن سنبقى في حالة حرب وهزيمة، في حالة نزوح وهجرة ورحيل؟... هل ستطول الحالة أم ستنتهي؟... ماذا سنقول لأجيالنا؟... ومتى سنساهم ونشارك في سن قوانين بلدنا لنعلن حقوقنا وحقيقتنا ؟... هذه الأسئلة وأخرى تجول في فكر وخاطر كل مسيحي عراقي في الداخل والخارج. فالمسيحيون الذين خدموا هذا البلد بتفانٍ وإخلاص منذ آلاف السنين استبشروا خيراً حينها بسقوط النظام لعلّه سينصفهم ويحقق حقوقهم، إلا أن الذي حصل كان عكساً تماماً، فلا أحد سائلٌ عن وجودهم، والمقولة التي تقول "أن المسيحيين هم خميرة الشرق في ثقافتهم" أصبحت في خبر كان كما هو حال الحضارة في أصولهم... إنها ساعة _ أقولها _ على المسيحيين وضع استراتيجية في الصمود لمساعدة المسيحي على الثبات في أرض الأجداد، فلا يجوز بعد للمسيحي أن يفكر فقط في الرحيل وهو يخلع عنه أصوله في أرضه، ولا يجوز له أن يبقى دون رؤية حقيقية لوجوده وإلا كل شيء ماضٍ نحو الخراب والدمار واستئصال الجذور والوجود، صحيح، فإذا بقينا نعتمد الأعمال المرتجلة في عقد اجتماعات وحضور مؤتمرات، والتراخي أمام المنظمات وكأننا أفقر الفقراء ومن دون نتيجة، فلا مستقبل لنا، ولكن الحقيقة تدعونا إلى تظافر الجهود ككنائس ورؤساء. فالكنيسة تمثل حضور الله على الأرض، والمسيحيون أحراراً ولدوا وأحراراً يموتون كما كانوا للشرق نوره وملحه. فالمشكلة ليست في الوجود فقط بل في النعاس (متى 2:25)، فإذا نعسنا ضاع شرقنا ونبقى عمياناً وتموت الهوية ورسالتنا، وتتكرر خيانة يهوذا (مرقس44:14) وإنْ كانت ليست الخيانة الوحيدة في التاريخ ولكنها الأعظم، وستُحدّد خيانتُنا مصيرَنا وحقيقة وجودنا إذ بعنا ضمائرنا وعقولنا ليس مقابل المال فقط بل جعلنا شعبنا يصيح "أصلبه" وهم لا يدركون أن المسيح أتى إلى العالم ليخلّصنا.
نعم، يمضي العمر وقد تم ذبحنا "وحُسِبْنا مثل غنم للذبح"(رو36:8) وأكيداً توهم الذين يقتلوننا أنهم يقدمون لله عبادة (يو 2:16)، وهنا يجب أن نتوقف ولننتبه فالجلوس في أماكننا لنراقب الأحداث وننتظر الآتي ونراوح محلّنا ونرى بأعيننا غليان الشرق وفيضان المستقبل المجهول والعديم الملامح وصدور الحلول بحقنا، فقد أضعنا قضيتنا، وشاركنا في محو وجودنا، ولا يملون علينا إلا ما يريدونه هم، وسنبقى مشرَّدين نفتش عن أفراد عائلاتنا ولن نجدهم إلا مشتتين في أقاصي الأرض. فاليوم لن نحتاج إلا إلى مشروع مسيحيوليس إلى التفاعل العاطفي، ولكن غياب هذا المشروع جعلنا بلا قرار، ولا زالت الذكرى الثانية البائسة للنزوح تجرّ أذيال اليأس والقنوط حتى الساعة، مما جعلني أعيد ذكرياتي إلى ما حلّ بكنيسة سيدة النجاة واقتحامي لإحصاء عدد الضحايا والشهداء والقتلى وكنت فيها الشاهد الواعي للحقيقة التي حلّت ، وكأن الكارثة آنذاك كانت جرس إنذار وناقوس ميعاد لِمَا سيحلّ بالمسيحيين وبالمسكونة (متى26:21) من طرد واضطهاد، وقتل وتهجير، ونهب لأملاكهم، وسرقة لأموالهم، والإستيلاء على بيوتهم، كما كان الحال في مذابح سابقة... فكان الرحيل والهجرة.

   الهجرة والحقيقة
أمّا نزيف الهجرة، فتلك مصيبة الكوارث وحقيقة مؤلمة، ورسالة المصالح وغاية الحقد وعدم قبول الآخر في أن نكون أو لا نكون. وما يؤلمني أن أكتب _ إذ قال أحدهم _ يكفي لي أن أصبغ أحذية أهون لي من أعيش في... ربما وربما أمام سرقة كل ما ملكوا ويملكون من مستمسكات رسمية وأموالهم التي كانوا يظنون أنهم سيورثونها لعيالهم وأحفادهم باتوا اليوم بلا مأوى، و"حتى فلس الأرملة" (مر42:12) ضاع عن أنظارهم فراح العدد الأكبر منهم يبحث عن مستقبل في بلد آمن، من أجل ملجأ هادئ، فلا بلد بعد اليوم، بلد الأصلاء والأصليين، فبقلاوة نينوى بدهنها وسكّرها دُعشت، والكنيسة الخضراء هُدمت، والدولاب كُسّر وأَجلُه قد حانَ، وشيّعوه بالتفخيخ والتفجير، ولم يعد يسأل عن أحبائه وأصوله، والفرات نشف ولم يعد يكون، وهكذا أراد أصحاب الأمر والشؤون، فكل ذلك وأخرى تركوها خلفهم ورحلوا مدّعين أن لا وجود لهم بعدُ في هذه الدِيَار، متمّمين قول الشاعر:"بالأمس كانوا هنا واليوم قد رحلوا"، وقول أصولهم رحل من هنا على رجاء القيامة أبناء البلد الأصلاء، فقد أبعدهم الإرهاب إلى عبور البحار والمحيطات بدعوة رسمية وبرسالة ولادية وبناتية وشملية وبأشكال أخرى متعددة وطرق لا يعرفها إلا مطابع القرار وختم الأسرار.فالحروب والصراعات الطائفية وتداعياتها على تدهور الوضع الأمني والاقتصادي وغياب سيادة القانون والمساواة خلافاً لما هو موجود في الدول المتقدمة وتنامي التطرف الديني، كل هذه الأمور أدّت وتؤدي إلى اجتثاث المسيحيين وتدفعهم إلى الهجرة، علماً أن هذا النزيف هو خسارة للبلد والمنطقة.
نعم،لقد نخرت الهجرة صفوفنا وشتّتت كياننا وهدمت حضارتنا فتلاشى وجودنا ولم يبقَ لنا من ذكر في تاريخ مسيرة الوطن وخاصة نحن السريان بشقَّينا، ففي الأمس القريب أصابتنا تدريجياً مع الحروب والحصار ونكران الحقوق وباسم الأقليات والمكوِّنات، واليوم بسرعة لم تكن في الحسبان بالخطف والإرهاب والقاعدة وداعش، ففقدنا حقوقنا وخسرنا أملاكنا أو بعناها برخص من أجل عدم العودة والفرار، ومحى التاريخ ذاكرتنا ولم نعد نبالي بوجودنا إنسانياً ومسيحياً في أرض الرافدين التي عشنا فيها وبنينا حضارتنا ورفعنا اسم أجدادنا وآبائنا.
صحيح إن الهجرة اختيار حُرّ وكل حسب قناعاته واختياراته، ولكن يجب أن ندرك أن الهجرة، فردية كانت أم جماعية، فهي ليست بحد ذاتها حلاً مثالياً وإنْ كان آنيّاً بسبب الوضع الراهن، فالخوف من الرحيل وعدم العودة وخاصة ما سنعانيه من أطفالنا الذين سيكبرون في الخارج فلا أرض لهم إلا حيث هم، فهذا ما يدعونا إلى الخوف من الآتي و من المؤسف لازال البعض لا يبالي به ، بل أقولها حقيقة وليس شؤماً _ شئنا أم أبينا _ إننا لا نملك من مقومات تجعلنا أن نصلح ما أفسده الدهر وما جناه الخوف، وما شوّهه صاحب السلطان وذو الضمير الفاسد، والشيطان القديس ،ونخاف أن نقول الحقيقة كي تهمل مشاريعنا ، وان كان على حساب الضمير والايمان ، وكأننا عبيد لا نملك سوى الخنوع ولا مستقبل لنا إلا بوجودنا عبيداً ، أليست هذه تحديات قاسية .

خاتمة الحلقة الاولى :
إنها تحديات... نعم تحديات الضياع والتبعثر والذوبان وهذه هي الحقيقة، إنه قد ضاع صوتنا، وضاع وجودنا، فهل يمكن للمسيحية البقاء في ظلّ الامتداد الديني والمذهبي والقومي والطائفي ،ومسيرة  النزاعات الدينية والقبلية والعشائرية و..و .. الحاصلة والأمن الغير المستتب، بسبب الدواعش والميليشيات؟ أليست هذه التحديات إضطهاد وابادة ، اليست هي التي  قادتنا الى السؤال في المصير، اقولها بكل ألم نعم والف نعم  ، والى حلقة قادمة (الثانية) من "بداية النهاية"... نعم وآمين.


30
شكر و تقدير من الاب المونسنيور بيوس قاشا

وإذ تحلّ علينا الذكرى (20) لصدور مجلة الزنبقة (15 أيار 1996- 15 أيار 2016)
يتقدم

المونسنيور بيوس قاشا رئيس تحريرها بالتهنئة القلبية إلى جميع القراء الأعزاء وأبناء رعية مار يوسف ويقدم لهم الشكر الجزيل فهم سندوا وساندوا مادياً ومعنوياً في استمرارية وديمومة صدورها وانتشارها لكي تبقى شاهدة لمسيرة الحياة رغم الظروف القاسية التي مرّت فيها. كما يشكر جميع مدراء المواقع الالكترونية الذين كانوا  يعلنون  مواعيد صدورها على صفحات مواقعهم  وباخصوص موقع ابونا الاغر وموقع عنكاوة وزينيت وليباركنا جميعا رب السماء لاعلان كلمة الحقيقة في البشرى السارة في وقته وغير وقته .


31
لنحكّم عقولنا في السيرة والمسيرة

المونسنيور بيوس قاشا
   في البدء
أُهنئ قرّائي الكرام بقيامة المسيح الحي من بين الأموات، ذاك الذي أحبنا حتى الموت، فقد بُعِثَ حياً، فهو يحيا فينا... إنه رسالة وحياة... وكل عام وجميعنا رسل الخير والسلام والبشرى والخبر السار ودمتم.
نعم، تحدياتٌ عديدة تواجه المسيحيين في بقاع الشرق الأدنى والشرق الأوسط، كما أخذ الإرهابيون بقتل المسيحيين وتكفيرهم وطردهم من قراهم ومدنهم وهدم حضارتهم وإنزال صلبان كنائسهم وكسرها ورميها وإجبارهم على دفع الجزية وبيع ممتلكاتهم أو الإستيلاء عليها باسم ممتلكات الغزوات من غنائم حروب وقتال، كما قامت بعض التيارات الأصولية بنهب وسلب عقارات المسيحيين الأبرياء والذين لم يرتكبوا خطيئة بحق شعوبهم سوى أنهم أمناء لإيمانهم وأوفياء لأوطانهم، وأجبرتهم القوة وأصوات الوعيد والتهديد بأن يهاجروا ويتركوا بلدانهم فيكونوا ضحايا التعصب الأعمى، وهذا أخذ يمتد في مساحات هذا الشرق، وفي أوطان مختلفة، كما أخذت التيارات المنغلقة تمتد جذورها في أسس الحياة اليومية وإجبار الضحايا أن يكونوا مطيعين خنوعين وإلا بقاؤهم فناء، والسيف هو فانيهم... وهذا ما يجعلني أنشد أنّ الأديان لا تحمل إلا دعوة إلى التسامح والغفران، كما تدعو إلى الخير والعدالة والأخوّة ومحبة الإنسان "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ" (الحجرات؛ 13) وهذا ما يتطلب من المؤمنين بشريعة قبول الآخر بالتسامح. فالتسامح رسالة تعترف بوجود الآخر وبالغير، المختلف، فرداً كان أم جماعة، كما يعترف بشرعية ما لهذا الغير من وجهة نظر ذاتية في الإعتقاد بكل حرية، فلا إكراه في الدين، وما الدين إلا علاقة الإنسان مع خالقه، ثم مع مَن في دنياه، من أجل تنمية وتعزيز المساحات الإنسانية المشتركة بين البشر أجمعين، وكأخوة في رحاب الله الواسعة.
وأمام هذه التحديات يقف المسيح الحي مناشداً البشرية بأهلها بعيش المحبة عبر مسيرة الحياة من أجل الإنسان في حقيقة الرحمة والغفران والكلمة... وفي هذا يوصي قداسة البابا فرنسيس في مرسومه "يوبيل الرحمة" _ الذي فيه تلتزم الكنيسة _ بكرازة جديدة، وفيه يدعو الجميع ويدعوكم إلى طريق العودة في التوبة نحو الآب الذي أحبّنا، لذلك لنعرف ونفهم بعضنا بعضاً بشكل أفضل، ولنترك كل شكل من أشكال الإنغلاق والإزدراء، ولنبعد كل شكل من أشكال العنف والتمييز.

   بولس وشاوول
من المؤكَّد أنكم قرأتم سيرة بولس الرسول، والرسول هذا أحد حواري السيد المسيح الذي قال عنه القرآن الكريم "فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا" (التحريم؛ 12 والأنبياء؛91)، "وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ" (البقرة؛ 87 والبقرة؛ 253 والمائدة؛ 110)... نعم، إنه المسيح الحي، وإنْ لم تكونوا قد قرأتموها فهي ذي الحكاية كما أُنزلت، وإذا ما استأنستم بمسيرة حياته، أتمنى أن يكون مَثَلَكم في السيرة والمسيرة، في الإيمان والحياة، في الشهادة والحقيقة، فبولس هذا هو نفسه الذي حمل اسم "شاوول" وكان يهودياً واشتهر بسطوته على الكنيسة وعلى مؤمنيها، وكان يدخل بيوتهم ويطرد مَن فيها ويسبيهم كما أنتم  اليوم، كما كان يجرّ رجالاً ونساءً ويسلّمهم إلى السجن، وفي هذا كله كان "يَظُنُّ كُلُّ مَنْ يَقْتُلُكُمْ أَنَّهُ يُقَدِّمُ خِدْمَةً للهِ" (يوحنا2:16)، كما يقول هو عن نفسه في شهادة أمينة (يقول):
"أَمَّا شَاوُلُ فَكَانَ لَمْ يَزَلْ يَنْفُثُ تَهَدُّداً وَقَتْلاً عَلَى تَلاَمِيذِ الرَّبِّ، فَتَقَدَّمَ إِلَى رَئِيسِ الْكَهَنَةِ (الحاخام) وَطَلَبَ مِنْهُ رَسَائِلَ إِلَى دِمَشْقَ، إِلَى الْجَمَاعَاتِ، حَتَّى إِذَا وَجَدَ أُنَاساً مِنَ الطَّرِيقِ، رِجَالاً أَوْ نِسَاءً، يَسُوقُهُمْ مُوثَقِينَ إِلَى أُورُشَلِيمَ. وَفِي ذَهَابِهِ حَدَثَ أَنَّهُ اقْتَرَبَ إِلَى دِمَشْقَ فَبَغْتَةً أَبْرَقَ حَوْلَهُ نُورٌ مِنَ السَّمَاءِ، فَسَقَطَ عَلَى الأَرْضِ وَسَمِعَ صَوْتاً قَائِلاً لَهُ:"شَاوُلُ، شَاوُلُ! لِمَاذَا تَضْطَهِدُنِي؟" فَقَالَ:"مَنْ أَنْتَ يَا سَيِّدُ؟" فَقَالَ الرَّبُّ:"أَنَا يَسُوعُ الَّذِي أَنْتَ تَضْطَهِدُهُ". فَقَاَلَ وَهُوَ مُرْتَعِدٌ وَمُتَحَيِّرٌ:"يَا رَبُّ، مَاذَا تُرِيدُ أَنْ أَفْعَلَ؟" فَقَالَ لَهُ الرَّبُّ:"قُمْ وَادْخُلِ الْمَدِينَةَ فَيُقَالَ لَكَ مَاذَا يَنْبَغِي أَنْ تَفْعَلَ". وَأَمَّا الرِّجَالُ الْمُسَافِرُونَ مَعَهُ فَوَقَفُوا صَامِتِينَ، يَسْمَعُونَ الصَّوْتَ وَلاَ يَنْظُرُونَ أَحَداً. فَنَهَضَ شَاوُلُ عَنِ الأَرْضِ، وَكَانَ وَهُوَ مَفْتُوحُ الْعَيْنَيْنِ لاَ يُبْصِرُ أَحَداً. فَاقْتَادُوهُ بِيَدِهِ وَأَدْخَلُوهُ إِلَى دِمَشْقَ. وَكَانَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ لاَ يُبْصِرُ، إِلى أَنْ ذَهَبَ إِلى حيثُ أَرادَهُ الله، وهُناكَ وَضَعَ حَنَانِيَّا يَدَيْهِ عَلَى رَأسِهِ فَلِلْوَقْتِ وَقَعَ مِنْ عَيْنَيْهِ شَيْءٌ كَأَنَّهُ قُشُورٌ، فَأَبْصَرَ فِي الْحَالِ، وَقَامَ وَاعْتَمَدَ. وَلِلْوَقْتِ جَعَلَ يَكْرِزُ فِي الْمَجَامِعِ بِالْمَسِيحِ (أعمال الرسل 1:9-20)... وما أصدقها من مسيرة في حقيقة هدفها.

   وشاهد آخر
   كما يقول شاهد آخر من حواري المسيح وهو إسطيفانوس، أول شهداء المسيح الحي الذي تظطهدونه، والذي إستشهد حباً بسيده _ والتي يحلو لكم تسميتها بالنصرانية، والحقيقة ما أدراكم ماهي المسيحية وما هي النصرانية _ قال لليهود:"يا قساة الرقاب، لماذا تقاومون الحقيقة"، وتملئوا آذانكم صوت القنابل وطبول تدمير الحضارة، وفي ذلك جعلتم من إنسانيتكم الملوَّثة بالدماء حقيقة مزيَّفة، ورذيلة واضحة في قتل الأبرياء وتكفير المؤمنين الأتقياء، وحرقتم كتب الثقافة والإيمان بالله والعليّ القدير، وجعلتم من سيرتكم إجراماً وإرهاباً وخطيئةً وسواداً، واقتفيتم ما شئتم، ومكرتم وسع أفكاركم ولكن كان "اللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ" (آل عمران؛ 54).

   صراخ وأمهات
لا أعلم هل أنتم ملائكة لأبالسة الشرّ أم أبالسة لملائكة الجحيم؟... هل أتيتم من أرضٍ ملأتكم حقداً وشرّاً أم أنتم تجسيد لأفكار صُنعت في مقرّ الجحيم وفي سواد الظلام؟... فلا ترتوي أفواهكم إلا من دماء الأبرياء، نعم من دماء الأبرياء، ولا تشبع بطونكم الجوفاء إلا من أشلاّء ملائكة الجنة، الصغار والرضّع والصبيان، ولا تمتلئ آذانكم إلا من صراخ الأمّهات التقيّات على المغدورين من فلذّات أكبادهم وأنين جرحاهم وفقدان أحبّتهم، ولم تُشبِعوا شهواتكم إلا بسبي البريئات من المختلف عنكم لأنهن أَطهر منكم، وفي ذلك ما أنتم إلا مخالب للشيطان الرجيم بسواد اللباس المميت، وله أنتم صاغرون،"إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ" (البقرة؛ 115).
   
  المسيح حيّ
بإمكانكم أن تتصفّحوا بشارة الإنجيل للمسيح الحي حيث"يُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ" (آل عمران؛ 48)، فهو الذي قال:"أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ" (آل عمران؛ 49)، أو أن تقرأوا بعض آيات من إصحاحاته، سترون أنه يقودكم إلى حقيقة الحياة "إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلاَ تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ" (البقرة؛ 119) "فَقَدْ أَبْلَغْتُكُم مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَرَبِّي عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ" (هود؛ 57)، فهو يرسم لكم مخططاً لمسيرة السلام والتوبة والحقيقة والدفاع عن الله، إنه الرحمن الرحيم."فَاسْتَغْفَرُواْ اللَّهَ فستجدوا اللَّهَ تَوَّاباً رَّحِيماً" (النساء؛ 64)، وإذا ما اعتبرتموه كتاب الكفّار والنصارى فأنتم "فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ" (الأنعام؛ 74). نعم، ولا تكونوا من الظالمين كي لا تكونوا "فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ" (مريم؛ 38)، فقد قال القرآن الكريم أيضاً:"قُل رَّبِّي أَعْلَمُ مَن جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ" (القصص؛ 85)، نعم "لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ" (الشعراء؛ 97 والأنبياء؛ 54).
فإنه _ أي المسيح _ هو كلمة الله "إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ" (آل عمران؛ 45)، و"هذَا هُوَ ابْنِي الْحَبِيبُ. لَهُ اسْمَعُوا" (لوقا 35:9)، وقد أعادها مرتين وفي حدَثَيْن هامَّيْن من مسيرة الخلاص والفداء والتي أعلنها المسيح الحي داعياً إياكم إلى محبته تعالى والإعتراف بخطاياكم كي تُدركوا ما أعظم حب الله، فقد قال:"لَيْسَ لأَحَدٍ حُبٌّ أَعْظَمُ مِنْ هذَا: أَنْ يَضَعَ أَحَدٌ نَفْسَهُ لأَجْلِ أَحِبَّائِهِ" (يوحنا 13:15)، فالله دعانا جميعاً أحبّاء وليس عبيداً، "لاَ أَعُودُ أُسَمِّيكُمْ عَبِيداً،لأَنَّ الْعَبْدَ لاَ يَعْلَمُ مَا يَعْمَلُ سَيِّدُهُ، لكِنِّي قَدْ سَمَّيْتُكُمْ أَحِبَّاءَ لأَنِّي أَعْلَمْتُكُمْ بِكُلِّ مَا سَمِعْتُهُ مِنْ أَبِي" (يوحنا 15:15) وهذه هي الحقيقة "إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ" (آل عمران؛ 37)، "إِنَّهُ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ" (البقرة؛١٢٧).

   سلاح وحوار
نعم، أنتم أقوياء بسلاح القتل وتتوعدون ولكن الحقيقة أنتم أضعف خلق الله، لأن القوة ليست بسلاح الغرب ومصانعه وفتاوى الشرق ورجاله بل بسلاح الحوار المحب. فالقوي رسالته الحوار، والكلمة الطيبة "صَدَقة"، والسلام ليس إلا، وما أراه لا تؤمنون بقضية غير تدمير الآخر المختلف وكأن الجاهلية وعصورها وثقافتها قد تجسدت فيكم، فأفرغتم في عقولكم المظلمة جهلاً وتخلّفاً، وسكنت فيكم خطيئة سادوم وعامورة، وجعلتم ورسمتم مسيرتكم وأنفسكم أنكم سفّاكي دماء النقاء لتُظهروا فساد دمائكم، وزرعتم في زوايا العالم والموت والبلدان شرّاً ودماراً وكأنكم آلهة لأشرار القصور، فدمّرتم حضارة السماء، وأَمَتّم إنسانية النطفة، وشوّهتم صورة خالقها بأعمالكم المشينة في حرق الضحايا الأبرياء "إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ" (الكهف؛ 13)، وسكبتم غضب جهلكم وظلاميّتكم ليظهر إرث وحشيّتكم وعلم أصولكم، وأظهرتم ما أنتم إلا "ذِئَابٌ خَاطِفَةٌ" (متى 15:7) لتعيدوا البشرية إلى عصر الغاب في حكم الظلام، وبئس مَن كان لكم دليلاً ومرشداً، "وكان الله خير الراشدين وهو "عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" (آل عمران؛ 165).

   جنة ونون
ما أجمل البشارة بجنّة الله وبالسماء السابعة، ومن الواجب علينا كلنا أن نحمل هذه البشارة إلى الخلق أجمعين، ولكن الحقيقة أنكم جعلتم منها جنّة لأوهامكم وأحلامكم وسباياكم وحورياتكم، فرسمتم أسطورة العبث بخلق الله، وكتبتم مسيرة الإغتصاب نهج أفكاركم، فبعتم ما شئتم من جنّتكم إلى عبيدكم، فهل الجنة الموعودة قد سَلَّمت إليكم مقاليد مفاتيحها أم أنتم سرقتم ذهب الملأ لتصوغوا لكم مفاتيح الشر، فتتقاسموا بأجواء السماء وتزرعوا الشرّ والكراهية في طيّات الأرض، فأنتم عبيد جنّاتكم، ونحن أحباء سيدنا، وأصبحتم _ وما ملكتم _ قبوراً وأنتم لا زلتم تدبّون البسيطة بهواكم ورذيلتكم... أهذه هي بشارتكم؟. "فاسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلاَ تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ" (هود؛ 52)، و"تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ" (هود؛ الآية 61).
هل تعلمون أن السماء التي يبشر بها المسيح الحي تحوي على "مَا لَمْ تَرَ عَيْنٌ، وَلَمْ تَسْمَعْ أُذُنٌ، وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى بَالِ إِنْسَانٍ: مَا أَعَدَّهُ اللهُ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَهُ" (1كورنثوس9:2)؟... وهل تعلمون أن الناس فيها يوم القيامة "لأَنَّهُمْ فِي الْقِيَامَةِ لاَيُزَوِّجُونَ وَلاَ يَتَزَوَّجُونَ، بَلْ يَكُونُونَ كَمَلاَئِكَةِ اللهِ فِي السَّمَاءِ" (متى 30:22)؟، عكس جنّتكم التي تجري من تحتها جداول الدموع وأنهار الدماء، ويقطنها أشلاّء القتلى وصراخ الأمهات إنه "مَثْوَى الظَّالِمِينَ" (سورة آل عمران؛ الآية 151)، بسبب ما ذبحت سيوفكم وسواطيركم وهي تشكو ربها "لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ" (يوسف؛ 2)، "وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ" (النمل؛ 93).
هدّدتم روما وقداسة البابا، والبابا فرنسيس _ رسول الرحمة والمحبة _ قابلكم بالصلاة والغفران عملاً بقول المسيح الحي:"لكِنِّي أَقُولُ لَكُمْ أَيُّهَا السَّامِعُونَ: أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ، أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ، بَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ، وَصَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ. مَنْ ضَرَبَكَ عَلَى خَدِّكَ فَاعْرِضْ لَهُ الآخَرَ أَيْضاً، وَمَنْ أَخَذَ رِدَاءَكَ فَلاَ تَمْنَعْهُ ثَوْبَكَ أَيْضاً. وَكُلُّ مَنْ سَأَلَكَ فَأَعْطِهِ، وَمَنْ أَخَذَ الَّذِي لَكَ فَلاَ تُطَالِبْهُ. وَكَمَا تُرِيدُونَ أَنْ يَفْعَلَ النَّاسُ بِكُمُ افْعَلُوا أَنْتُمْ أَيْضاً بِهِمْ هكَذَا. وَإِنْ أَحْبَبْتُمُ الَّذِينَ يُحِبُّونَكُمْ، فَأَيُّ فَضْل لَكُمْ؟" (لوقا 27:6-32).
هدّدتم وسلبتم بيوت النصارى، ورسمتم حرف (ن)، وتعني أننا خاصة المسيح الناصري، وهذا ما نفتخر به إذ قال مار بولس يوماً ونحن اليوم نرددها ونحياها "حياتي هي للمسيح" (فيليبي22:1)، وجعلناها علامة وكلمة إيمان وخلاص وقوة لنا "فَإِنَّ كَلِمَةَ الصَّلِيبِ عِنْدَ الْهَالِكِينَ جَهَالَةٌ، وَأَمَّا عِنْدَنَا نَحْنُ الْمُخَلَّصِينَ فَهِيَ قُوَّةُ اللهِ" (1كورنثوس18:1)، ومار بولس يقول:"وَأَمَّا مِنْ جِهَتِي، فَحَاشَا لِي أَنْ أَفْتَخِرَ إِلاَّ بِصَلِيبِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي بِهِ قَدْ صُلِبَ الْعَالَمُ لِي وَأَنَا لِلْعَالَمِ" (غلاطية 14:6)، وأيضاً "لأَنِّي لَمْ أَعْزِمْ أَنْ أَعْرِفَ شَيْئاً بَيْنَكُمْ إلاَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ وَإِيَّاهُ مَصْلُوباً" (1كورنثوس2:2). فالصليب الذي كان جهالة عند اليهود والأمم أصبح عندنا علامة خلاص وفداء، وحملناه على صدورنا، وعلّقناه في رقابنا، ووضعناه في واجهات ديارنا إيماناً وشهادةً وبشارةً وما ذلك إلا حقيقة ومبين "وَاتَّقُو اللهَ وَهُوَ الَّذِيَ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ" (الأنعام؛ 72)، "إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا. إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً" (النساء؛ 58).
   من المؤكد أنكم سمعتم ولا زلتم تسمعون بالمسيح الحي، صانع الأعاجيب، والقدير المرسَل من الله لخلاصكم وخلاص كل إنسان من الخطيئة، فهو روح الله وكلمته، وقيل عنه في القران الكريم:"السَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً" (مريم؛ 33)، بهذا جئتُ لأشرح عنه لكم، وأروي مسيرته كما جاءت من الحواريين الأربعة الذين حملوا الحقيقة إليكم وإلى كل سكان المعمورة... إنه حَمَل إليكم البشرى السارة، وأَحَبَّ الجميع حتى الموت، وصرخ بأعلى صوته:"وَأَمَّا أَنَا فَقَدْ أَتَيْتُ لِتَكُونَ لَهُمْ حَيَاةٌ" (يوحنا10:10)، "فتُوبُوا،لأَنَّهُ قَدِ اقْتَرَبَ مَلَكُوتُ السَّماوَاتِ" (متى 2:3)، وشهد عنه يوحنا (يحيى) بن زكريا الكاهن (النبي) حينما قال:"يَنْبَغِي أَنَّ ذلِكَ يَزِيدُ وَأَنِّي أَنَا أَنْقُصُ" (يوحنا 13:3)، ودعا تلاميذه (يوحنا) إلى إتّباعه بقوله أنه مشيحا الذي ننتظره، إنه الحَمَل.


   محبة وحقيقة
بهذا أدعوكم إلى اكتشاف حقيقة هذا المسيح الحي الذي تضطهدونه وتقتلون أتباعه ومؤمنيه، وتهدمون مزاراته وكنائسه ومعابده وأديرته، وتدنّسون مقابرهم ومقدّساتهم، وتنعتونهم بالنون والكفّار والمشركين، والحقيقة تقول "إنهم المرجعية الأكيدة"... ألم يقل:"فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ"، وأيضاً "وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ" (الأنبياء؛ 7).
نعم، فيه تجدون الحياة وتجدونها أوفر، وإذا آمنتم تكون لكم أوفر وأوفر. فقد حمل هو محبته إليكم، وأوصى أتباعه أن يحملوها إلى كل كائن وإنسان فدعاهم أحباءَه فهل أبلغ من هذه الكلمات، وهل أسمى من هذا الفكر؟، إنه فكر سماوي يقود الإنسان إلى الحياة والخلاص من الشر والخطيئة ومن عبودية إبليس، ليكون حراً طليقاً أكيداً، وما الحقيقة إلا أن "تَعْرِفُونَ الْحَقَّ، وَالْحَقُّ يُحَرِّرُكُمْ" (يوحنا 32:8).
أليست لكم، تلكم دعوة مجانية بالذي فيه الحياة؟... هل يجوز أن تنشدوا الجنّة بقتل الأبرياء بأحزمة التفجير وسيوف النحر ومناجل الدمار؟... أليست السماء مكاناً لملائكة الله وأنتم جعلتم من أنفسكم أبالسة الجحيم، وتنادون بالحق وتتأزّرون وأنتم تذبحون شهود الحق والحقيقة؟... أبهذا تكحّلون وجوهكم وتظهرون للناس أنكم مرسَلين من رب السماء وأنتم بالحقيقة طاردو الأصلاء وزارعو العبوات ومفخِّخو الأبرياء، وتتمنطقون بأحزمة ناسفة لتُميتوا الذين خلقهم الله على صورته ومثاله؟... أهكذا تزرعون بذور ثقافة السيف وحضارة الكراهية والتفخيخ وسكب الدماء؟، فالمسيح قال:"لأَنَّ كُلَّ الَّذِينَ يَأْخُذُونَ السَّيْفَ بِالسَّيْفِ يَهْلِكُونَ" (متى 52:26)، وقال القرآن الكريم:"وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ" (البقرة؛ 190) و"لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ" (البقرة؛ 256)، وأيضاً:"وَلاتُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ" (العنكبوت؛ 46)، فهم مؤمنون ويحبّون حتى أعدائهم ولا يقاتلون أحداً.
ولكي تكونوا أمناء لمسيرتكم عليكم أن تكسروا سيوف الذبح والقتل، وأن تغسلوا أياديكم كما فعلها يوماً هيرودس لعلّ وعسى، وتلك آية "لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ" (البقرة؛ 183)، واعلموا أن "لِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ" (البقرة؛ 104). وأن المسيحية كانت قبلكم، والحقيقة إنها لا تعرف الحقد والكراهية والعداوة، فهي لا يهمّها الشدة والضيق والإضطهاد والجوع والعُري، ولا الخطر ولا السيف ولا أية خليقة تفصلها عن الإيمان بالمسيح ومحبته واتّباعه، اذ يقول مار بولس الرسول:"مَنْ سَيَفْصِلُنَا عَنْ مَحَبَّةِ الْمَسِيحِ؟ أَشِدَّةٌ أَمْ ضِيْقٌ أَمِ اضْطِهَادٌ (النبذ أو الموت بسبب عدم قبولنا)، أَمْ جُوعٌ أَمْ عُرْيٌ أَمْ خَطَرٌ أَمْ سَيْفٌ؟ (التهديد بالموت بأي وسيلة؟)، وَلكِنَّنَا فِي هذِهِ جَمِيعِهَا (بالرغم من كل هذا) يَعْظُمُ انْتِصَارُنَا بِالَّذِي أَحَبَّنَا (المسيح)، حتى إنه مات من أجلنا. فَإِنِّي مُتَيَقِّنٌ (في قناعة تامة) أَنَّهُ لا شَيء يَقْدِرُ أَنْ يَفْصِلَنَا عَنْ مَحَبَّةِ اللهِ الَّتِي فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا" (رومية 35:8 و37-39). وهل أسمى من هذه الرسالة أن تكون مسيرة محبة ، فتوبوا وعودوا الى ينابيع الحقيقة فالأنجيل رسالة محبة ليس إلا .

   الخاتمة
   نعم، إنها دعوة لنا ولكم أنْ نحكّم عقولنا من أجل بناء مجتمع تعيش فيه الإنسانية بالتسامح والمحبة والغفران، كي نبني لأجيالنا أوطاناً وعمراناً، ونزرع بذور العلم والمعرفة، في مسيرة الحياة، فأجيالُنا تنادينا، وكُتُبنا ترشدنا إلى الحقيقة، وإنسانيتنا تدلّنا على العيش والغفران، فنحمل المحبّة في مسالك الطرق، فتكون مشعلاً لنا ينير دروبنا، وملحاً لنا لتطعّم أعمالنا، حينذاك نُنشد سويةً لرب السماء، السبح والحمد للإله الذي أحبّنا، فخلقنا كي نحيا ونحمل رسالة السلام والمحبة في أزمنة الدنيا...إنها دعوة المسيح الحي وما أقدسها، إنه الرؤوف والكثير الرحمة... إنه الرحمن الرحيم... نعم ونعم وآمين.


32
عذراً ... لندرك أين وجودنا
المونسنيور بيوس قاشا
   في البدء
إن الإرهاب يُكفّر المسيحيين ويقتلهم ويهدد حياتهم في العديد من مختلف دول العالم وتحديداً في الشرق الأوسط في العراق وسوريا ومصر ولبنان وليبيا... ونسأل من أين جاء هؤلاء الذين يتشدقون باسم الدين، والدين منهم براء، لينكلوا بالبشر والحجر دون حياء وأمام  مرأى من أبناء البسيطة، شرقاً وغرباً، شمالاً وجنوباً، وربما بتواطئ من الجيران في مسيرة لاستعمار جديد يعيدنا إلى مآسي الزمن البائد
وإلى نكبات المسيحيين أمام العثمانيين والسلاطين. فالوضع المربك الذي نحياه في العراق ربما سيطول لسنوات على مستوى طرد الإرهاب والداعش ثم البناء والإعمار والعودة وعلى جميع المستويات، وهذا يستدعي منا أن ندرك أين وجودنا وهل سنكتب مستقبلنا، أم سنرتكب خطيئة جسيمة.

   أوهام فاسدة
نحن اليوم في مواجهة أساليب إرهابية مختلفة التنوع وغريبة الأفكار، فما يلزمنا أن نواجه بعقلانية حاملين الحوار والحكمة في الكلمة وفي المسيرة، في وحدة هدفنا وليس تعداد نوعياتنا. فاليوم أقولها: لن يرحمنا التاريخ إذا كنا منقسمين حباً بكراسينا ومناصبنا وغير مبالين بفقراء شعبنا ومهمَّشي ديارنا وحاملي أفكارنا الذين أردناهم لنا عبيداً وإنْ أُشترينا بصدقة وحيكت مهامنا في زوايا الدنيا المظلمة، وإنْ قُدّست مهامُنا بسبب أوهام فاسدة لتدمير الأبرياء كما فعل بيلاطس يوم أدان المسيح الحي كلمة الإله، وجعله ضحية نفاق قيافا وحنّان وشكوى يهوّذا ونكران بطرس (متى 69:26)، ولكن البريء سار في درب الجلجلة ولم يبالي بكبار الزمن ورجال الحكم، ولم ييأس أبداً لأنه آمن أن الله لا يتركه  (يو10:14)، وإن الآب الذي أرسله سيجده... وهذه الحقيقة لابدّ أن يدركها الذين على أرجل الزمن قاسوا قاماتهم وقوالب المناصب أهداب أثوابهم فكانوا هم، وليمت الضحايا الأبرياء وإلى غير رجعة ومن بعدهم الطوفان كما يقول المَثَل.

   الإرشاد الرسولي
ما قاله الإرشاد الرسولي للكنيسة في الشرق الأوسط في احتفال مهيب أُقيم بعد القداس في بيروت وترأسه قداسة البابا الفخري يبندكتس السادس عشر في الرابع عشر من أيلول عام 2012 وحمل عنوانً "شركة وشهادة"، وقد جاء في صفحاته ما نصّه:"الشرق الأوسط بدون أو حتى بعدد ضئيل من المسيحيين ليس الشرق الأوسط، لأن المسيحيين يشاركون مع باقي المؤمنين في صنع الهوية الخاصة للمنطقة. فالجميع مسؤولون عن بعضهم بعضاً أمام الله" (فقرة 31)... أمام هذه الفقرة يضعنا الإرشاد الرسولي أمام الحقيقة، حقيقة وجودنا. فالأرض أرضنا، وإفراغنا لها يعني هناك لا أرض شرق أوسطية. فالأصلاء _ وإنْ بعدد محدود _ هم أصلاء وما عليهم إلا أن يتمسكوا بأرضهم في عيش الرجاء وفي إبعاد اليأس مهما كانت طريق الزمن قاسية، ويحثهم على البقاء في الوطن وعدم بيع الأملاك (فقرة 31)، ويؤكد حقيقة الآلام والإضطهاد، فهو ضحية محتَمَلة لأي اضطرابات (فقرة 31).

  حقيقة وغفران
ما الذي صنعناه واقترفناه كي نُطرَد من بيوتنا وتُنهَب أملاكنا وأموالنا ونستوطن أوطاناً مختلفة خوفاً، هل لأننا أمناء لإيمان المسيح الناصري أم لأننا أوفياء لحب أرضنا وتربتنا؟... فما الذي صدر عنا؟، هل لأننا حملنا شعاراً ملؤه المحبة والحقيقة والغفران؟، هل لأننا أردنا بحضارتنا أن نجدد الأرض بروح رب السماء؟، أليس الذي حصل هو اضطهاد لمكوِّن، وتدمير لحضارة عريقة، واقتلاع لجذور أصيلة؟، هل الحقيقة أن ما حلّ بنا من حقهم في غزوات عفا عليها الزمن؟، وهل حقيقة العيش هي في النهب والسلب وقتل الآخر وتدمير البريء في مصالح إحصائية فاسدة؟، فالأملاح قاتلة للبشر بارتفاع ضغطها، والمصالح آفة لذبح الأبرياء في تقسيم الأرض وتشتيت الأبناء.
   الهجرة مرة أخرى
وإنْ كان الحديث عنها قد فات زمانه، فالبلدان قد إرتوت من عرق جبين المهاجرين الذين ضحّوا بالغالي والرخيص، فعبروا البحار والمحيطات من أجل البقاء، ولكن الحقيقة لم يكن بإمكانها أن تُزيَّف، فهو خائف على عائلته وأولاده وأمواله، فهو ينشد بلداً ملئ بالإنسانية غير بلده... وهذه حقيقة مؤلمة في أن نكون أو لا نكون. وما يؤلمني أن أكتب _ كما قلتُها سابقاً _ يكفي لي أن أعمل صباغاً للأحذية أهون لي من أن أعيش هنا... فهم ينشدون مستقبلاً في بلدٍ آمن بدلاً من رقصة الجوبية وبقلاوة نينوى، وهذه كلها أصبحت أملاك الداعشيين الإرهابيين. وكنيسة الطاهرة والدير الأعلى وبهنام وسارة ويونان (يونس النبي) ترسم العذابات التي قاسها مسيحيو الموصل ومدنها وقُراها، والعالم يتفرج وكأننا أمام وحوش كاسرة تفترس مَن تشاء وتهدم ما تشاء.

   التاريخ شاهد
المنطقة بشكل عام، والعراق بشكل خاص، تشهد تطورات مخيفة ومرعبة، وممكن أن تكون مدخلاً لحرب كونية جديدة، وعراقنا لحد اللحظة لا يعرف أين هو من كل هذه الأحداث وما يجري من دوامة مخيفة، والنار تأخذ ذيول أثواب الشعب قليلاً فقليلا، فهو يفكر في عدة خيارات بل خيارات عدة، فهم يرحلون عنوةً وغصباً بسبب داعش ومسيرته المميتة، وآخرون فقراء في صراع ونزيف الدم وكأنه عقاب ليس فردي بل جماعي. فشعب بأكمله، ومواطنو مدن وقرى بأعدادهم يُرحَّلون والتاريخ شاهد وبئس تاريخ لا يحكي الحقيقة، فأفرغوا البلد من الكفاءات والثقافات وحاملي العقول والعلوم وصانعي التاريخ، وأصبحوا نكرات في شوارع المدن وساحات الدول، ولم يعد أحد من الساسة يفكر ماذا يأكل الشعب وماذا سيشرب، ليس هذا المهم، فاحتلال أرضنا حصل دون إرادتنا واحتلال عقولنا مآرب ومصالح، ويبقى المهم مَن الجالس على الكرسي بل الكراسي، ومَن يعانق المنصب أو يبتلع لكي لا يظهر أنه المصيبة، ومسيرة المشروع الطائفي يسير قُدُماً ليسكن في قلوب كبار الزمن بمختلف أديانهم وطوائفهم ومحسوبياتهم وقومياتهم، وهمهم أن يبيعوا الهوية العراقية، هوية الحقيقة، بفساد الزمن والمصلحة ،من أجل هوية أنانية ودنيوية، بدلاً من ان يكونوا شهوداً لحقيقة الكلمة، وكنا نحن ولا زلنا الضحية لِسِمان البطون، والشهية لحاملي السيف والساطور، ومسحوا هويتنا وكم كانوا يتمنون أن يقولوا لنا "إرحلوا"، وقد رحلنا حقاً ومُسحت أسماء قُرانا وسكنانا وأصبحنا من المتوطنين ليس إلا!.

   الخاتمة
رسالتنا هي اللقاء مع الله في مسيرة أديان غايتها خدمة الإنسان من أي دين أو طائفة انتمى. فدعوات التهجير والقتل ومصادرة الأملاك وتهديد المكوِّنات بمختلف أجناسها ما هو إلا خطر يمحو وجود الإنسان مع تشويه الأديان في حمل عنفوان التكفير والإرهاب... لذا فرسالة الأديان هي واحدة عندما تلتقي في الإله الذي أحبنا حتى النهاية، وهذا الحب شهادة يحمل إلينا احترام الآخر،  ويجعله أمانة في أعناقنا، وذمة في مسيرة حياتنا... هذا ما ننشده بدلاً من رقصة الجوبية ليس إلا!. فالرقص حركة تنتهي بساعاتها أما الأمان فرسالة تدوم مدى حياتنا، فهل أدركنا أين وجودنا، وبُعدَ هدفنا، ورسالة إرشادنا الرسولي، أمام الذي يحصل فينا، أم بعدُ لا زلنا نراوح في مكاننا، كي نحصد ثمار مصالحنا، من حقل لم نتعب فيه!!. إنها مأساة الزمن الفاسد، ألا يكفي تزوير الحقيقة، فالحقيقة شهادة وحرية (يو 31:8)، نعم شهادة وإن بيعت لمصالح من أجل تشويهها، والحقيقة حينما تقال، يكون قائلها قريباً من الله، إنها المسيح الحي، الذي سكن بيننا... نعم، فلندرك أين محلنا ووجودنا، ولا نَخَف المصالحَ مهما كان البحر مالحاً، وكل عام والجميع بخير، وبركة رب السماء تحل علينا جميعاً، الرحمن الرحيم، نعم وآمين.


33
ربي والهي ... أين كنتَ ... في النزوح؟

المونسنيور بيوس قاشا
   في البدء
   من المؤكد إننا نعيش في كوكب هش، وفي عالم يشوبه المرض والفيضانات والزلازل والحروب والإرهاب والدواعش وأخواتها، كما نحن في بلد سادته أعمال العنف والقتل والفساد، ويهيمن فيه الحذر ويخيم عليه الحزن والسؤال حول المصير والمستقبل، ويستسلم فيه الناس للهشاشة والضعف والمعاناة، وسواء كانت المعاناة مأساوية أم عادية فإنها تتربص بنا عن قرب... فما هذا الذي يحصل؟... وما هذه المأساة؟... وإلى ماذا يهدف إليه الله في عالـم مجنون
كهذا؟... ولماذا يسمح الله بذلك؟... أين الله الذي يُنسَب إليه الفضل بالأشياء الصالحة ولا يتلقى اللوم على الأمور السيئة؟.

  أيوب والمزمّر
   وبعد النزوح وفي زيارتي إلى بلدة عنكاوة في السادس عشر من شهر آب (أغسطس) 2014، وأنا أتجول بين الذين كانوا يفترشون الحدائق والأرصفة والشوارع بعد طردهم من قراهم ومدنهم، وفي كل ركن من أركان البلدة كنتُ أسمع أصواتٍ لسؤال يؤرق التاريخ ومسيرة الأيام المتعَبَة: لماذا لا يتدخل الله؟... لماذا يسمح الله بالحرب؟... لماذا يسمح الله بالجوع؟... لماذا لم يُستأصل داعش والإرهاب قبل أن يغزو قُرانا ومدننا؟... لماذا طُردنا منها؟... هل هذا هو جزاء أمانتنا ووفائنا لوطننا وإيماننا وانسانيتنا؟... ما الذي اقترفناه بحق الجيران وبحق البشرية؟... أليس في قُرانا كنائس ومعابد؟... لماذا يسمح الله في النزوح، بل أين كان الله في النزوح؟... هل نحن اخترنا ذلك؟... هل أصبحنا مثل أيوب الذي كانت له النظرة الصحيحة وسط بؤسه عندما كان يفكر في إمكانية الانقراض إذ قال:"إذا رجوت الهاوية بيتاً لي، وفي الظلام مهدت فراشي وقلت للقبر أنت أبي وللدود أمّي وأختي، فأين إذاً آمالي؟ آمالي مَن يعانيها (أيوب 13:17-14). والمزمر ينشد:"تعبت من صراخي، يبس حلقي، كلّت عيناي في انتظار إلهي"، وأيضاً "إنه وقت عمل للرب فقد نقضوا شريعتك ( مز3:69)؟... وهنا يبدو أن الله يدرك تماماً أسباب احتجاجنا بالإضافة إلى حاجتنا لأن نستنبط غضباً ضد الألم.

   شر وإرهاب
   صراعي مع الإيمان يدور حول السبب الذي جعل الله لا يتدخل، في حين كان في وسعه أن يُنهي كل أزمة ويُفشل كل مخطط. فالله أب سماوي يحبنا حتى بذل الذات وأكيداً يرسل خيراته وبركاته لشعبه ولعبيده، وأما لماذا ينظر إلينا دون أن يرافقنا في المسيرة، وخاصة في مسيرة النزوح والاضطهاد والطرد؟ هذا ما جعلني أقول وأسأل: أين الله عندما أتألم؟... ولماذا هذه الأمور السيئة تحدث؟... لماذا يسمح الله للشر بأن يأخذ مجراه؟... وهل يمكن أن يكون شيئاً صالحاً في مثل هذه الأحداث؟... في هذه الحالة سيستمر صراعي ولن يتوقف، ومن المؤكد فكري يصرخ أنه لا يوجد كتاب يستطيع أن يحلّ مشكلتي في الألم كما في النزوح إلا هو نفسه الذي أسأل عنه. وربما السؤال يعود أن الله صالح ونحن أحرار، بمعنى ذلك نحن مسؤولون عن الضياع والمعاناة اللذين نسهم في صنعهما، فلماذا يسمح الله بالشروالإرهاب؟... بل لماذا يسمح الله بجريمة داعش؟.

   ويستمر السؤال
   ويستمر السؤال: لماذا تحدث أمور سيئة للأشخاص الصالحين؟... لقد نظروا إلى العالم كأنه أرض للعدو، كوكب فاسد يحكمه أبو الأكاذيب، ساحر المصيبة. وماذا ينبغي لنا أن نتوقع من كذب الشيطان؟. فعندما قدم رئيس هذا العالم حلاً مغرياً ومختصراً لمشكلات الأرض، لم يسخر يسوع بافتراضه امتلاك السلطة لكنه اختار نقيض ما قدمه في صالح حل أبطأ وأكثر كلفة لكنه حلّ دائم.
   يقول الكاتب فيليب يانسي في كتابه "السؤال الذي لا يغيب": عندما يقول الإنسان الحقيقة يكون قريباً من الله، فإذا قلت لله "أنا منهك ومكتئب بشكل لا يمكن أن تعبّر عنه الكلمات، وأنا لا أحبك بتاتاً الآن، وأبتعد عن معظم الأشخاص الذين يؤمنون بك"، فهذه تكون أصدق العبارات التي نطقتُ بها يوماً. وإذا أخبرتني بأنك قلتَ لله "كل ذلك ميؤوس منه وليس لديّ أدنى دليل على أنك موجود لكني أحتاج إلى مساعدة، فهذا يجلب الدموع إلى عيني، دموع الفخر بك للشجاعة التي احتجتَ إليها لتكون صادقاً، صادقاً حقاً.
   قوة وصمت
   إيماني يجعلني أن أصدق بما سيكون له معنى، فقط عند النظر إلى ما حدث في الماضي، وإيماني يعلّمني أنه عندما يصيبنا الألم فإن الله يتيح لنا الفرصة لنزيد قوة في الصمت وننتبه إلى الرسائل المصيرية التي كنا بخلاف ذلك سنتجاهلها. فالله يهمس إلينا في ضعفنا ويتحدث في ضميرنا، لكنه يصرخ في آلامنا. إنه يستخدم مكبّراً للصوت لإيقاظ عالم أصمّ في داخلنا وإشعار إحساسنا الإيماني بحقيقة العماذ الذي اصطبغنا به والذي يجعلنا أن نفهم الحقيقة وهي أن الله يدخل العالم من خلالنا، ومع ذلك لا تزال أسئلة عدة تصرخ: لماذا حصل ذلك يا الله؟... هل تريدنا أن نعاني ونموت؟ أم تقودنا إلى جواب بولس الرسول الذي قال:"مبارك الله أبو ربنا يسوع المسيح، أبو الرأفة وإله كل تعزية، الذي يعزينا في كل ضيقنا حتى نستطيع أن نعزي الذين هم في كل ضيقة بالتعزية التي نتعزى نحن بها من الله (2كو 3:1-4)؟. من المؤكد أننا بشر، والبشر من التراب وإلى التراب سيعودون، هكذا يقول سفر التكوين. غير إن الحقيقة في الكيفية التي تكون بها حياة بعضنا مع بعض في حضور المحبة غير المشروطة وغير المحدودة يخفف ألم القلوب المحطَّمة وقهر النزوح المخيف، ويضمّد الجراح ويعزّي النفوس ويجدد الحياة في سيرتها وفي ذلك تكون الحقيقة أي أن الله يصبح مرئياً عبر أشخاص يعيشون الرسالة من خلال الكنيسة.
   
   جوا ب لسؤال
   من المؤكد إننا نتوق إلى معرفة جواب للسؤال: أين هو الله في الألم؟ أين هو الله في النزوح؟ أين هو الله في جريمة داعش المميتة؟ أين الكنيسة عندما أتألم؟ ألا يهتم الله لذلك؟ كيف يمكن أن يسمح الله بشيء من هذا القبيل؟ فقد تجاوز الألم والإرهاب حدود اللامعقول، فهل ذلك سيدعونا إلى إرسال رسالة إلى الله، رسالة فيها يُسطّر تجاوز حدود المعقول ما يحلّ بنا. إنها معاناة قاسية ولا وصف لها غير القاتلة والمميتة مجالاتها النفسية والجسدية والمادية والثقافية والصحية. وهل ربنا يسوع نحى جانباً الأسئلة التي تهدف إلى معرفة السبب إلا عندما كان يريد أن يدحض نظريات الفريسيين والتلاميذ التي لا تقبل الجدل والقائلة أن المعاناة عقاب؟. أكيداً نحن جميعاً سنموت، والبعض سيموتون وهم مسنّون، في سنّ صغيرة بصورة مأسوية أو في عمر الشباب أو في سن الرجولة والشيخوخة، "فالخليقة منذ ولادتها وحتى الساعة لا زالت تئنّ وتتمخض كما هي الحال في الألم والولادة" (رو 22:8)... أمام كل هذا ليس لنا سوى الرجاء العتيد، المختلف عن التفاؤل الساذج بأن قصة يسوع في الموت والقيامة معاً تعطي الدليل الساطع على ما سيفعله الله للكوكب كله. وبولس الرسول يذهب إلى أبعد من ذلك ليعترف بصراحة أنه دون القيامة فإن كرازته وإيمانه باطلان، ثم أعلن بوضوح بلمسة حزن:"إنْ كان لنا في هذه الحياة فقط رجاء في المسيح فإننا أشقى جميع الناس" (1كو 19:15).
   صحيح إن مسيحيتنا ربما لا تخفف بأية طريقة من وطأة المعاناة وعواقبها وآلامها، ولكن إن ما تفعله هو إنها تمكّنك من قبولها ومواجهتها والعمل من خلالها، وفي نهاية المطاف تمكّننا من معرفة الحقيقة، وإلى أن يحين ذلك الوقت نتمسك بالوعد القائل: إن إله كل تعزية لم يهجرنا لكنه يستمر في عمله البطئ والثابت ليعيد إلى حالته ما أفسده الشر والموت، والله يمنحنا النعمة ويقدم لنا حلولاً في طريق الحقيقة حينما نرى محبة الله عبر الألم. فالله لم يسيطر على حرية الإنسان ولم يمنع الشر من الحدوث بدلاً من ذلك ما قصد به البعض شراً جعله الله خيراً.

   أسبوع وأنموذج
إن أسبوع الآلام أجمل أنموذج لنا في المعاناة والطرد والقتل والإهانة، وكلنا نؤمن ونعرف من خلال الأناجيل المقدسة ما احتمله الرب يسوع من الإهانات، وما تلقّاه أسوأ ما يمكن للأرض أن تقدمه. فالشر والموت اتفقا في ظلم المسيح، ولكن الحقيقة لم تكن فيهما بل في فجر الأحد حيث المسيح القائم الذي قاد التلاميذ إلى إدراك ذلك جيداً تدريجياً في إشارات صغيرة عرفاه، فمع تلميذي عماوس عند كسر الخبز، وعلى بحيرة طبرية في شيء من السمك، ومع توما "ربي وإلهي"، وهكذا بدأ يتغير نمط حياة التلاميذ وإنْ كانت في البداية لم يتغير منها كثيراً ولكنها أعطت لهم طريقاً جديداً للولوج إلى عالم الزمن مصدقين ومؤمنين وراجين أن كل شيء سيتغير ذات يوم، وستكون البشارة هي الدافع الأكيد لإعلان الكرازة في شوارع الجليل واليهودية وأورشليم، في شوارع بغداد ودمشق والقاهرة وبيروت، ومنها إلى العالم، حاملة أخباراً سارة في الخلاص... وما تلك إلا حقيقة الإيمان ومسيرة الرجاء.
   
   أين الله؟
   من المؤكد أننا نرغب في معرفة الإجابة على سؤال: أين الله؟ أين الله في نزوحنا؟ أين الله حينما تواجهنا تجارب مؤلمة وإرهاب مميت ونزوح قاتل؟ وتنتابنا الشكوك في مسيرة حياتنا الزمنية وتصل حتى أدراج إيماننا. وهنا لابدّ أن نقول أن الرب يسوع نفسه تساءل على الصليب:"إلهي إلهي لم تركتني" (متى 46:27)... أمام هذا الصراخ والسؤال يبدو وكأن الله قد تخلى عن المسيح، ولعله سيتخلى عنا وفي أحلك اللحظات، ولكن عندما نستمر في دراسة الأحداث التي توالت بعد الصليب فإن الحقيقة تنكشف بأنه "لا يوجد شيء يمكن أن يفصلنا عن محبة الله ولا حتى الموت" (رو 37:8-39). وهذا ما يؤكده لنا أن الله معنا حتى حينما لا نشعر بوجوده وسطنا، ويمكننا أن نثق بمواعيده بـ "أنه لن يهملنا" (عبر 5:13)، وأقول: فالله أحياناً يسمح بما يكرهه حتى يخفف ما يحبه. نحن نثق بأن لدى الله المهيمن القدرة على فعل أكثر من هذا.
   وإذ نحن نبني ثقتنا على حقيقة أن الله لا يكذب ولا يتغير ولا يُهمل بل أمين معنا إلى الأبد، فلا نضع رجاءنا بما هو منظور أو مفهوم "فإن ضيقاتنا الأرضية تعطينا مجداً أبدياً يفوق كل معاناتنا" (2كو 16:4-18)، "فلنا ثقة في كلمة الله التي تقول أنه دائماً ما يجعل الأشياء تعمل معاً للخير للذين يحبونه، الذين هم مدعوون حسب قصده" (رو 28:8).

  قوة ونعمة
إن يسوع ربنا دخل العالم في أوقات بائسة ومفجعة ليرسم لنا طريق السماء في الجانب الآخر. ويوضح سفر الرؤيا كيف سيكون ذلك الجانب "وسيمسح الله كل دمعة من عيونهم، والموت لا يكون فيما بعد ولا يكون حزن ولا صراخ ولا وجع فيما بعد لأن الأمور الأولى قد مضت... ها أنا أصنع كل شيء جديداً" (رؤيا 4:21).
   وإنه قادر على جعل الخير يسود حتى في أسوأ الشرور. ما أحتاج إليه أن أجعل ما يحدث يتلاءم مع رسالة الخير. هذه الأفكار لا تغيب عن فكري، إننا نتلمس طريقنا باستمرار نحو النور بينما نعيش في الظلمة.
   كما لي الثقة بأن الله سيكون معنا وسيمنح لنا لكل حالة طارئة قدر ما نحتاج إليه من قوة ونعمة للمقاومة وللاحتمال ولكن لا يمنح ذلك في ماضينا لئلا نعتمد على أنفسنا بل يعيطنا إياه في حينه كي نعتمد عليه وحده، وهذا الإيمان يجعلني أن أتغلب على كل خوف وعلى كل قلق بشأن المستقبل والسؤال. فالله ينتظر منا حقيقة صادقة ومصيراً أبدياً عبر صلوات نابعة من الفؤاد لتأتي بثمار وثمار صالحة. فالموت سبيل لطرق الحرية وهو بداية الحقيقة وإذا نظرنا إلى ذلك اليوم في الجلجلة يبرز أنموذج أمامنا عن الله الذي يحوّل هزيمة ظاهرة إلى نصر حاسم.

   الخاتمة
   لهذا فرغم عدم رؤيتنا للخير الذي يحرك الله الأمور تجاهه، إلا أننا يمكن أن نثق أنه سيأتي وقت عندما نفهم الأمور بوضوح. فاليوم نحن نعيش ولنا مفهوم محدود لأمورالله، "ولكن سيأتي اليوم الذي نعرف ونفهم فيه كل الأشياء" (أيوب 5:8 وإشعيا 29:40). و"يُعْطِي الْمُعْيِيَ قُدْرَةً وَلِعَدِيمِ الْقُوَّةِ يُكَثِّرُ شِدَّةً. اَلْغِلْمَانُ يُعْيُونَ وَيَتْعَبُونَ وَالْفِتْيَانُ يَتَعَثَّرُونَ تَعَثُراً. وَأَمَّا مُنْتَظِرُو الرَّبِّ فَيُجَدِّدُونَ قُوَّةً. يَرْفَعُونَ أَجْنِحَةً كَالنُسُورِ. يَرْكُضُونَ وَلاَ يَتْعَبُونَ يَمْشُونَ وَلاَ يُعْيُونَ" نفهم أين يكون الله عندما نتألم؟ فرسالتنا في هذه الظروف القاسية والنزوح القاتل والانتظار المميت أن نؤمن أنه هو لنا "الرجاء الأكيد الذي لا يخيب" (رو5:5) وأيضاً "لأنه وعدنا فهو أمين" (عبر23:10). وإن هذا الإيمان وهذا الرجاء عاملان أساسيان هدفهما عندما لا يتمكن الإنسان من رؤية يدي الله فإنه يرى قلبه في ثقة الأبناء للآباء والآباء للأبناء، وإنه لن يهلك أبداً. فعندما تخور قوى الإنسان هو هذا الوقت الذي تستطيع فيه أن تستريح في حضرته عالماً أن "قوته تكمن في ضعفك" (2كو 9:12-10). ما حصل لنا في النزوح من المؤكد ان يسوع المسيح ربنا كان معنا، معنا نحن أبناء هذا الجيل الفاسد الشرير، كان معنا كي لا نحزن ولا نخاف ولا نيأس، لأن تعزيتنا تكمن في إيماننا بأن "يوم الرب قريب" وما علينا إلا أن نكون مستعدين ونصرخ مثل توما "ربي وإلهي"، حينذاك نرى الله يرافقنا في مسيرة الحياة فنعرف أين كان، كان فينا ومعنا،  نعم وآمين.


34
   في الذكرى الخامسة لكارثة سيدة النجاة

حقيقتنا في ذكرى شهدائنا

المونسنيور بيوس قاشا
   في البدء
نعم، إن عالم اليوم وبعد إرهاب داعش، يغرق في مادية الدنيا والعولمة، مساءً أكثر منه
صباحاً، والمحسوبية والطائفية تغزو الأفكار والنيّات، وبخطى حثيثة لم يسبق لها مثيل وكأن عجلتها تدور بسرعة البرق، حاملة رعوداً وصواعق تملأ النفوس خوفاً وفزعاً، في اتّهام
الأبرياء بحقائق مزيفة. وباتت مسيرة الإيمان مناسباتية، وكلٌّ منا يؤلّه مَن يشاء ومتى يشاء ليكون له وثناً كما كان لسارة زوجة أبينا إبراهيم. وحقيقة التقوى أمست عاطفية واحترامية وانتقائية، والصراع في النفس داخلها وخارجها وفي كل ساعة من ساعات نهارنا وليلنا، ولا زال يحتدم لغايات دنيوية زائلة، ولمصالح أنانية مسروقة، ولصداقات احترامية مميتة، فيضيع الوقت في الحديث الفارغ بكذبة نعتبرها صادقة بل واجبة، كما يفقد الحاكي رسالته وحقيقته أمام أشخاص نضيرهم ولا يربط بينهم إلا المصلحة والضحكة المزيفة والمقولة التافهة في لسانٍ مزيف ومملِّق ولاعن للحقيقة بوزنها وكبرها عبر صداقات العصر والمساء، وأمسينا نحن وإيماننا ربما من الذين يخجلون في إعلانه كما هو شأن بشارة المسيح، وخائفين أن تُعلن الحقيقة أمام الجالس والمسامر كي لا نخسر دنيانا، فتضيع الحقيقة التي نشأت في قلب عالم يشهد لتحولات تدميرية في طرد واضطهاد الإنسان، وتبقى الرسالة تنتظر حاملها والوفي إلى إيصالها، وفي هذا تُدفن الإنسانية وتفوز المصلحة والمادية والمحسوبية... وهذا ما تريده عولمة الدنيا في أن ننظف ثوب الرئيس من أدران الزمن، ونمسح غباره من ذراتٍ كي يكون طاهراً أمام أنظار العولمة، والحقيقة هي غير ذلك!.

   الشهادة وفاء

   أمام هذا كله مَن منا لا يستذكر شهداء الحياة بمسيرتهم وعطائهم، الشهداء الذين خطفتهم العصابات، شهداء كنيسة سيدة النجاة، والحياة لا تبخل اليوم بإعلان ذكراهم، وهذا فخر لنا أن نكون أمناء في أن التضحيات ما هي إلا شهادة للإيمان ولحقيقة الحياة وحب الوطن وتربته، وفي ذلك نخلّد لحظة عماذهم وصبغتهم، ونرسمها في ضمائرنا رسالة وكلمة وأبدية، لتكون لنا سبيلاً في الحقيقة، وطريقاً في الحياة، ومنارةً نقتبس منها ضوء الخالق، سبحانه وتعالى الذي أحبّ حقيقتنا فأوصلنا إلى هذا الدرب الأمين. فالشهادة هنا أسمى معاني الوفاء لتحرير الذات من أنانية الفكر في لقاء المحب الأسمى والحياة في الأبدية الموعودة.

   البابا فرنسيس

   قال البابا فرنسيس:"إن اضطهاد المسيحيين اليوم أشدّ مما كان عليه في القرن الأول للكنيسة. والكنيسة اليوم تشهد عدد شهداء يتجاوز كثيراً فترتها الأولى، وإننا نرى إخواننا يُضطَهدون وتُقطَع رؤوسهم ويُصلَبون بسبب دينهم أمام أعين الجميع وكثيراً مع صمتنا المتواطئ، وهم لا يخجلون من الصليب وما هم إلا أمثلة رائعة. إن العنف في الشرق الأوسط يُرتَكَب باسم الله، وهو الأمر الذي لم يعد يتّفق مع عصرنا الحالي"، وأضاف:"أنه لا يتصور استمرار هذا الفكر حتى يومنا هذا حيث وصلنا إلى تناقضات خطيرة جداً" (14 حزيران 2014؛ دار القديسة مرتا)... ودعا إلى صحوة الضمائر بشكل واسع لدى جميع الذين يتحملون مسؤوليات على المستوى المحلي والدولي (نوفمبر 2014؛ ديسمبر 2014).


   حقائق وشواهد   
   ما يقوم به داعش، الحامل للتعصب التنظيمي والمنهج القاتل والفكر المميت والهدّام والذي لم يستثنِ أحداً، وحتى حرمة القبور ونبشها وكسر الصلبان وهدم الكنائس، فقد دنّسوا وسكبوا حقدهم على المسيحيين حتى النهاية دون أي رادع، وهدموا الآثار حاملة الحضارة الإنسانية والتاريخية بمسيرة سنيها وأجيالها والعائدة للبدايات الأولى لظهور إيماننا المسيحي وحمل عقيدتها... وما هذه الحقائق إلا شواهد أمينة في رسالة حملها إلينا شهداؤنا الذين صبغوا جدران أديرتنا بمسيرة حبّهم ولون دمائهم. والأحياء اليوم يسيرون على النهج نفسه، فهم يصبغون حياتهم بصبرٍ يفوق صبر أيوب، ويخلطون عرق جبينهم بخبزتهم وهم خائفين، وهم لا زالوا ثابتين على إيمانهم، وحامين لجدران كنائسهم وأديرتهم.

  سلعة رخيصة
في كل ساعة من ساعات نهاراتنا وحتى ليالينا نشهد مشهداً مؤسفاً ومؤلماً، مشهداً مخيفاً يحملنا إلى حالة نفسية غريبة لا توصَف، لا بصراعها ولا بعبئها، أو نسمع أخباراً تقصف مسيرة إعمارنا في خطف وسلب ونهب وتفجير، وأصبحنا في حالة غريبة ومريبة، فكلها إهانات واحتقارات وعدم مبالاة، فلا حقوق ولا وجود، وأصبحنا في مسيرة مليئة بمتفجرات الدنيا وألغام الطرق وعبوات المفترقات، وبقنابل عمياء تقتل الأبرياء وتجعلهم في زنزانات ظلماء لا نسمة فيها ولا هواء. وما يحصل ما هو إلا طغيان واستبداد وإجرام... إنه واقع مُرّ نعيشه رغم أنفنا _ شئنا أم أبينا _ فأصبحنا بذلك سلعة رخيصة بسعرها، وحقيرة بوجودها، وضياعاً بل مشردين في شوارع المدينة ونسينا كتابة ملفاتنا، فدفاتر مدارسنا قد بيعت وأقلامُنا انكسرت ولم يبقَ لنا إلا التأوّه والسؤال. ولم نعد نجد اتجاهنا وطاعتنا وإلى أين نحن ماضون _ بل سائرون _ على مدار الزمن القاسي. أنقبل المجازفة أم نخاف الموت أم نسعى للبقاء أم نخشى الفناء؟... أنحمل الصليب أم نرفض الصلب؟... كل شيء نراه موتاً وفناءً وصلباً، وحتى مسيرة الأيام كلها رعب وسؤال لماذا ولماذا ولماذا... إنها كلمات وفقرات وألفاظ تقودنا إلى هدم حائط رجائنا وكسر معنويات إيماننا، إنها محطات تقتلنا قبل قتلنا.

  حوار وحوارات
   قالوا عنّا كفّار، وإننا سنرث جهنم يوماً ما، والنار تنتظرنا لتميتنا لأننا من الذين كفروا وليس من الذين هادوا، وفي ذلك نحن أعداء الله وأعداء الإسلام، ولا يجوز الكلام عن الجنة فقد سُلبت من أيادينا فأصبحنا بلا مساحة الحقيقة، ولم نعد نعرف حدود التفكير، وختموا الكلمة بلعننا (لعنة) وأية لعنة، لعنة بتاكيدها، فضاع الحق والحقيقة، ولا يجوز السؤال والمناقشة، ولا التحليل والمجازفة. وإنْ كانت مبادرات عدة وندوات ولقاءات عُقدت، وبيانات صُدّرت ضمن برامج حوار الأديان، أو الحوار وقبول الآخر المختلف... نعم، حوار وحوارات، ولكن كل شيء انتهى إلى لا شيء، وفي ذلك كان الفشل مطلقاً.

   سؤال ولاجواب   
نسأل ونحن ننتظر جواباً: لماذا كُتب علينا الاضطهاد؟، ولماذا حتى الساعة نخاف فنهرب والإعلام يُعلمنا إنها مؤامرةٌ إقليميةٌ بل دوليةٌ، فمن أجل شعب تموت شعوب وما سيحل وحتى ما. ما يخيفنا ما حلّ فينا، هل حققت المؤامرة أهدافها؟، هل اكتمل مخططها أم لا زالت هناك زوايا مظلمة في مسيرة نعتبرها حقوقيةً للإنسان وحياتيةً للشعوب، فالجيران الاشرار لا زالوا بداعشهم وإرهابهم يجولون في ديارنا وحاراتها، في مخادعنا ومنازلنا، في الأزقّة وحنايا المعابد، يسرقون ويستبيحون كل شيء، يدنّسون كنائسنا، يكسرون صلباننا، باسم الله يحلّلون غزواتهم ويحطّمون تماثيل رموزنا، إنها أملاكُ النصارى والكفار، ويعلنون أنفسهم حماةً لسابع جار، فبئسهم، فأولُ جار لهم سرقوه ثم قتلوه دون أن يدركوا أنهم هم الكفّار. ما أراه إن صمودنا وثباتنا بإيماننا _ وفي قيد الحياة بعد المآسي التي ارتُكبت بحقنا، وجحافل الشهداء التي سارت أمام أنظارنا، وهدم كنائسنا، وبيع أوطاننا وأراضينا _ مرهونٌ بثباتنا في المسيح الحي، المسيح الكرمة، وفيها نحن الأغصان، وبغيره لا يمكن أن نحيا أو نحمل ثمراً كي نكون أغصاناً تحمل الخير ولا شيء غير الخير، كي نكون أملاً في الرجاء ومسيرة الإيمان.

   نرفض الموت
    إننا أصلاء وها نحن اليوم شهداء بلا قضية، فالقضية دارت في أروقةِ الكبار والانتظارُ مرضٌ لنا ودمار. ما أُدركه حتى الساعة، إننا عنوان الحياة في وطن نرفض فيه أن نموت، فنحن أبناء القيامة، وإن الرب لا زال ينادينا لا تخافوا، ثقوا بالمسيح الحي وبالصليب كُتب لنا النصر بل هو انتصر بالصليب وأرادني أن أشاركه الانتصار بالقيامة ومهما كان النهار قاسياً والظلام مخيفاً ستكون القيامة فرحاً ونوراً مضيئاً وما علينا إلا أن نكون صوتاً للإيمان. فإن كان الصليب صلبَ الموت فنحن بإلهنا المسيح الحي أبناءُ القيامة، أبناء الحي بين الأموات. ومأساتُنا دعوةٌ لنا للتوبة، لكبار كنائسنا وصغار معابدنا وخدّام أديرتنا ومؤمني رعايانا.

   الخاتمة
   نعم، الرب يعلم بحالنا، وهو يعلم أن صليب الحياة لا زال ثقيلاً كما لا زال الألم يتنهد فينا. فيا رب بحرُنا هائج وأنفسنا ترتعد خوفاً من الغرق وإيماننا يقول أنك أنت خلاصنا وما يدك إلا القدرة بالذات... فشرقنا يموت معذَّباً ولكن رجاؤنا أننا سنقوم من جديد. فيا رب، ألا تكفي سنة من الهجرة والنزوح، ألستَ أنت الذي زرتَ أرضنا بعد تسعة أشهر في مغارة هي الكون بأكمله، فلتكن مشيئتك، وما الدماء التي سفكت في أرض وطن الشهادة، وفي صحن سيدة النجاة، إلا رسالة سامية نحملها زاداً للطريق وخبزاً للجياع إلى الإيمان، وينبوعاً يروي العطاشى إليك، فاقبل أرواح شهدائنا التي انتقلت إليك واجعل من وجودنا رسالة محبة سامية نحملها إلى مبغضينا، وتلك حقيقتنا وفي ذكرى شهدائنا نصرخ إليك قائلين: نعم، تعال أيها الرب يسوع فنحن بحاجة إلى زيارتك، لتجدد عقولنا وأفكارنا بكلمة الحقيقة وقلوبنا بدماء القداسة، كي نبقى شهداءَ أُمناء، وشهوداً أوفياء، وما تلك إلا حقيقتنا، في أقدس ذكرى لشهدائنا، نعم وآمين.


35
بمناسبة الذكرى السنوية الأولى
لنزوح أبناء سهل نينوى من قراهم


نسمات في مناجاة العذراء

المونسنيور بيوس قاشا
صباحُكِ خيرٌ يا سيدتي، يا سيدةَ السماء، يا قديسة، يا عذراء
صباحُكِ خيرٌ من المهجَّرين النازحين، يا أمَّ التعساء
إليكِ أشكو حالي، هذا الصباح، يا مزيلةَ الشقاء
فالأرضُ قد دُنِّسَتْ، والترابُ يناجيكِ صباحاً ومساء
وأهلي قد رحلوا، ولم يبقَ منهم إلا أنا والفقراء البؤساء
قتلوا شعبَنا، وأهانوا رموزَنا والأبرياء
بإطلاقةٍ صامتة، وبعبوةٍ لاصقة... إنهم جبناء
زرعوا في النفوسِ خوفاً، وأقاموا فزعاً في حي الأقوياء
والبشر أمرُهُم عجيب، يحتفلون بالظلم نصراً، وهم في ذلك سعداء
ويقتلون الحقيقةَ والحرفَ والكلمة، وعيونُهم عمياء
ويقدّسون الفاسدَ والظالمَ باسم رايةِ السماء
يقولون إنه نزيه... أليس ذلك بئسَ الثناء
من أجل مصالِحِهم ومراكزِهم... فما هم إلا تُعساء
حقدٌ وبغضٌ وكراهية، وجورٌ في غيرةٍ حمقاء
فالحقيقةُ شُيِّعت بعدما أدانها زوراً كبارُ الرؤساء
نشروا عني وكتبوا ما شاءوا... صوراً ورسائلَ ونداء
واليوم مصالح ودولار وقصور... وما تلك إلا حالة وجفاء
ومع هذا سيبقى قلمي يحكي الحقيقة، ولكنهم عن ذلك غرباء
وأسأل قلمي: هل أنتَ رمزٌ، أم قتلوكَ لأنكَ عطاء
أمشي وحدي وسريعاً كالبرق، كي لا أنظر إلى الوراء
وأُنشدُ هذه أرضُنا، وهنا أصلُنا، وسنبقى فيها أوفياء
لا زلتِ يا مريم هذا الصباح، كما في عرسِ قانا، مع العروس السمراء
هناكَ كانت كلمة وحقيقة، وأعجوبة من الناصرة الخضراء
تاجَرْنا بكلِّ شيء، حتى القضية ضاعت بين الفرقاء
قتَلْنا الإنسانية، ومزَّقنا الهوية، وكأنه لا حياةَ ولا بقاء
وهنا كما هناك، فالموصل مدينتُنا، وفيها تُشرقُ شمسُ الحدباء
إحفظيها يا مريم، يا سيدةَ العالمين، يا أُمَّ الكونِ والرجاء
ففي أُمّ الأعجوبة، كنتِ للزائرين حمايةً وحصناً وشِفاءْ
فاليوم نناجيكِ، لتكوني لنا سَدّاً منيعاً، وللشرفاء
فبغدادُ بغدادُنا، والعراقُ وطنُنا، والتكبيرُ يُرفَعُ في كربلاء
فمهما طالت مدةُ العَثَرات، وانفجارُ العبوات على الأبرياء
لن نرحلَ عن بلدِنا، فقد كُتِبَ باسمِ الأحفادِ والأبناء
فبلدُنا أيقونةٌ، وصورتُكِ يا مريم عليها نُقِشَتْ... بإرادةِ العلياء
سنبقى نزرعُ الفرحَ، مهما كَبُرَت أرضُ اليَبسِ ومياهُ الجَفاء
سنبقى نَنشُدُ البسمةَ، ونزيّنها على الثغور، فلا بكاء
فاجعلي وطني لا يموت، ولن يموت، ما دمتِ أنتِ مريمَ العذراء
فلا تحوّلي ساحاتِنا إلى دمار، وأحياءَنا إلى ضياع، فكلُّنا معكِ أحبّاء
رطّبي قلوبَ الحاضرين يا مريم، وامنحي الشجاعةَ والدواء
للمرضى والحزانى، والمسافرين والباكين، فأنتِ لهم ضياء
يا رسولةَ الصلاة، تحت ظلِّ جِلبابِكِ استُرينا، دونكِ نحن بؤساء
يا أمَّ العالَمين، ازرعي الأملَ في القلوب، فأنتِ سيدةُ النساء
ومهما ارتفعتْ أسِنَّةُ الحِراب، وامتُشِقَت السيوف، سنبقى معكِ شهوداً وشهداء
ومهما أُضيعت الحقيقةُ، وهوجِمت البرارةُ، ستبقى الأسماء
فالقلوبُ تعشقُ الحقيقةَ، والعيونُ لا تحتاج إلا إلى حبٍّ وضياء
فحينما أركعُ أمامَ تمثالِكِ، أرى في عينيكِ ذلك البهاء
فأتأمّلُ العراقَ بشعبِهِ وأرضِهِ، بأطفالِهِ وشيوخِهِ الأبرياء
وأرسمُ أمامَ وجهي خارطةً، ملؤها سلاماً يا عراق
أنتِ السلامُ... أنتِ أُمُّ الحنا... فاذكرينا يا مينا الضعفاء
وقولي له: ألا يكفي العذابُ لأبناءِ بلدٍ، ارتوتْ جداولُهُ من دماء
فرياح الخريفِ، وحرُّ الصيف اللاهب، ما هي إلا فناء
نحن نضحك على أنفسِنا، والعيون تبكي على سوءِ الحالِ والبلاء
وسأظلُّ أحرقُ البخورَ، وأُوقِدُ الشموعَ، وأصلّي بكلِّ حناء
ومهما خنقَتْني أشواكُ التُهَم، وإهلاكُ الآخر من السُفَهاء
أرفضُ الاستسلامَ لليأسِ والكذبِ والاتّهام، وما ذلك إلا إدّعاء
ومهما بُنيت الجدرانُ والحدودُ العازلة، أمام السكان والأحياء
سأبقى جسراً للمحبةِ والتسامحِ والغفران، فأنتِ أمّي يا عذراء
أريد من هذا النهار، أنْ تتشابكَ أيادينا، وبكلِّ صفاء
وفي ذلك أصوغُ لكِ تاجاً، وأضعه إكليلاً على رأسِكِ، يا أُمَّ الأولياء
فأنا لا أبيع المفردات ولا الكلمات، بل أنا كلمةٌ صامتةٌ وصمّاء
فَبِصَمتي أقولُ حقيقةً على السامعين والسامعات، يا أُمَّ الشرفاء
فالعراقُ سيبقى يفتخرُ بأعجوبةِ وحمايةِ، سيدة العالمين والسماء
فأنتِ الطبيبُ لجُرحي، وأنتِ الحبيبُ لحبّي، ومن أجلي دون عناء
أبحثُ عنكِ في الطرقات، وأكتبُ عنكِ الذكريات
أنحني إجلالاً وحباً وشكراً، حيث كنا في النهار معكِ، سعداء
فيا مريم، يا سيدةَ الرافدين، يا أُمَّ النهرين، يا أُمَّ العراق
أنتِ سيدةُ الشهداء، أنتِ أمُّ الضحايا، وكل الأبرياء
إحفظي شعبَنا، وباركي بلدَنا، وقدسي ترابَنا، يا قديسةَ السماء
ختاماً، مهما جارتِ الدنيا علينا والزمان، وإنْ كنا تعساء
فاليوم يوم رجاء، مهما قال عنا الإرهابُ التعساء
سأبقى أُحبُّ العذراء، وأقولُ لها دوماً، نهارُكِ سعيد
نعم، نهارُكِ سعيد، يا سيدتي، يا عذراء
نعم، نعم، نهارُكِ سيدتي، سعيدٌ، يا سيدةَ السماء، يا مريم، يا قديسة، يا عذراء




36
عزيزي الغالي واستاذي الجليل الاستاذ بطرس نباتي
السامي الاحترام
سلام ومحبة
شكرا جزيلا على ردك وتعليقك على الرسالة فان غايتي الاولى والاخيرة كانت ان لا ينسى كبار الزمن ورؤساؤنا هذه الجريمة التي
ارتكبت بحق ابناء سهل نينوى ومنهم المسيحيين كما اردت من هذه الرسالة ان ابقى صوتا صارخا في برية الحياة لان اليوم كما العلم
ان الحقيقة شُيعت والاسالة هُدمت وان الانسان الفاسد اصبح نزيها وننسى قول الرب يسوع الذي علمنا ان نحيا المحبة في الحقيقة والرحمة
نعم سرق كل شي منا ولكن لا زال الايمان وسيبقى يحيا فينا الة الموت وسنيقى نكنز كنوزا في السماء حيث لا يصل اليها سارق ولا يفسدها داعش
شكرا جزيلا مرة اخرى استاذي بطرس نباتي الموقر ما نحتاج الية قول الحقيقة وليس تزيييف الحقيقة كما نشاء ولمن نشاء ومتى نشاء
فاليوم تباع القيم لمصالح الدنيا كما ذكرت والغرب واعس او غير واع فما يحصل ابادة الانسانية التي قدسها الله بسكونه بيننا ليقاسمنا الحياة
فاليوم صراع بين الخير والشر بين الاله المحب والشر المزيف الحاقد والفاسد من اجل تدمير الانسان بعولمة مزيفة .
 مرة اخرى شكرا والف شكر واجعلني ان اكون دائما تلميذا في مدرستكم
مع محبتي وتحياتي لكم وللعائلة الكريمة والشكر لعنكاوة كوم
محبك بيوس قاشا


37

عزيزي نزار مارزينا ججي عناي السامي الاحترام
شكرا جزيلا على مشاركتك وردك
واعلم ان الحقيقة لا تخفيها الظلمة واتمنى ان تراقب دائما كما قلت فحقيقتنا المسيح نور العالم وكن كلمة الحقيقة في زمن الفساد
ومحبتي لك وصلاتي من اجلك ليباركك الرب يسوع
شكرا والف شكر
محبك المونسنيور بيوس قاشا

38
عزيزي الغالي سيزار ميخا هرمز السامي الاحترام
سلام ومحبة
اتمنى لك كل الخير وللعائلة الكريمة وشكرا على تعليقك وما ذلك الا علامة المسؤولية وتضميد الجراح
فنح اليوم شعب مضطهد وما كبار الدنيا والزمن الا ان يكونوا صوتا صارخا ليس لمصالحهم بل لخدمة كل انسان
مرة اخرى شكرا جزيلا وسارفع غدا صلاة لاجلكم ليكون الرب في عونكم
محبك بيوس قاشا


39
  بمناسبة مرور عام على التهجير والنزوح

                 ولكم الشكر ...
                                         والشكر واجب يا قداسة البابا فرنسيس

     سلام بالمسيح الرب...
في البدء... نقبّل يدكم المباركة ونطلب بركتكم الأبوية وشفاعة صلاتكم... وبعد،
تحية بنوية مليئة بصبغة الإيمان التي اقتبلتُها يوم عماذي مع عظمة نعمة الكهنوت التي مُنحت لي وأنا لا أستحق، إذ ما أنا إلا بشر ضعيف... ولكي أكون وفياً وأميناً لرسالتي الإنسانية والكهنوتية والاجتماعية، أردتُ أن أسطّر لقداستكم أسطراً قليلة أحمل فيها هموم شعبي ورعيتي وهمومي إليكم، ناقلاً لكم حقيقة ومسيرة شعب يُضطهد ويُطرد ويُشتَّت ويُنزح ويهاجر، وفيها أقدم لكم الشكر الجزيل لمشاركتكم ألمنا وهجرتنا ونزوحنا وطردنا في الصلاة اليومية والبركة الأبوية والرسائل الرسولية والمبعوثين الشخصيين نيافة الكاردينال فيلوني والكاردينال ساندري والكاردينال بارباران والكاردينال أنجلو سكولا ورؤساء الكنائس الذين تعاضدوا معنا، وواجب الشكر واجب مقدس، وأرجو أن تعتبروني مثل ذلك الأبرص الوحيد الذي عاد ليقدم الشكر للرب يسوع، فما شعبي وأنا إلا بحاجة إلى بركتكم ووقفتكم المُحبّة كما في الإنسانية والمسيحية... وبعد،

     مسيرة ... وحياة
   أنا من سكنة قره قوش (بغديدا) المسيحية الكاثوليكية بنسبة 97% من سكانها. ترعرعتُ فيها، ومن ثقافتها وأصولها تعلمتُ، وضمن جدران المعهد الكهنوتي للآباء الدومنيكيين تربّيتُ وتدربتُ في مسيرة كهنوتية، كما احتضنتني كلية لاون للاهوت والفلسفة في القاهرة، وارتُسمتُ كاهناً لمذبح الرب بنعمة من لدنه وأنا البشر الضعيف في 1 تموز 1979، ولا زلتُ أخدم في بغداد منذ عام 1983 بعد أن خدمتُ في قره قوش خمس سنوات وعايشتُ الحروب والحصار والاحتلال والسقوط ثم إرهاب داعش ولحد الساعة، وقد تشرفتُ بمقابلتكم مع وفد من رعية مار يوسف في بغداد في الرابع من أيلول عام 2013 وأهديتُ لكم كتابي المسوم "فرنشيسكو... فقير الفاتيكان" وهو أول كتاب صدر باللغة العربية بعد 100 يوم من حبريتكم كحبر أعظم في الفاتيكان، وشكري للرب الذي قاد مسيرتي إلى هذه اللحظة.
   في ظل ما يجري في بلادنا من حروب ونزاعات ومجازر حصدت مئات الآلاف من البشر، وشرّدت الملايين عن منازلهم وقُراهم، لابدّ _ أقول _ من إتّباع المسيح ومن السعي في نشر العدالة والسلام والمحبة إذا ما أردنا الاقتداء بربّنا، ويجوز لأي ظرف أو حدث أن يمنعنا من الالتزام بالعمل في سبيل المحبة والسلام... فأنا أؤمن أن المسيحية الحقة مبنية على المحبة الفادية، والصليب فخر المسيحية الحقة بالمسيح يسوع الرب، فحينما تلتقي المحبة بالألم يتغير مفهوم الألم وتصبح الحياة هبة روحية، ويتحول الموت من مخيف ومرعب إلى جسر ذهبي يعبر بنا من حياة الأرض إلى السعادة الأبدية الدائمة كما يقول الرسول بولس:"إني أحسب كل شيء خسارة من أجل معرفة المسيح يسوع ربي" (فيليبي 8:3).

     قداسة البابا فرنسيس
     واقع ... وحقيقة

   نعم، كان بلدي يئنّ تحت حكم الدكتاتورية المقيتة والحروب التي أحرقت شبابنا في أتون النار المميتة، وهجّرتهم بدموع الألم والأسى، ومنها انطلقنا إلى الحصار حيث العديد من أبرياء الدنيا من الأطفال ماتوا بسبب نقص الغذاء والدواء والحليب، وكانت الدنيا بعوالمها تنظر إلينا وتتألم لشعبنا المسكين الرازح تحت نير العبودية والحروب والحصار، فلا حرية ولا كلمة ولا صوت، بل تأوّه وبكاء وأسف.
   نعم، كنا ننتظر قرار التحرير وليس قرار الاستعباد والاحتلال... كنا ننتظر التحرر من الخطيئة والعبودية، وكنا نأمل خيراً لمستقبل أولادنا وأجيالنا، ولكن ما حصل لم يكن في الحسبان، فقد أصبحنا حملاناً يذبحوننا متى شاءوا وحسب طلبهم، وأُحصينا في عِداد الموتى، وكُتب علينا الضياع والتشرد والتيه، فتُوِّجت الطائفية أميرة بدكتاتوريتها، وأخذت المذهبية مسيرة قاتلة بزواياها المتعددة، وبدأت المحسوبية الخانقة والمصالح الأنانية، وأصبح الإنسان قايين آخر، فتفشّى الكذب والسرقة والسلب والنهب والتفجير والتفخيخ والتهديد والوعيد وكأن الدنيا لم تكن حسب قول إلهنا:"ورأى الله كل شيء حسناً" (تك 1). فدمّرت الحروب بلدنا، وجاء الحصار فأركعنا كلنا، وحلّ ما حلّ فينا من مآسي، ولا أعلم هل كان ذلك لتدمير البلاد أم لسقوط الرئيس أم لسقوط الحكم، وكنا في كل لحظة ننتظر ما الذي سيحلّ في المسكونة (متى 24) مؤمنين بقول ربنا يسوع:"ارفعوا رؤوسكم فإن خلاصكم قد دنا" (لو 28:21)، ولا زلنا لحد الساعة ننتظر اكتمال قول المسيح الرب، وما يحصل الآن ما هو إلا بداية دمار الأرض بدءاً بأرضنا وأجيالنا.

     الموصل ... وسهل نينوى
   في العاشر من حزيران عام 2014، إستولى داعش الإرهابي على الموصل العريقة بمسيحييها، والمتعايشة مع المسلمين والمكونات الأخرى، فطرد المسيحيين وسبى نساءهم واستولى على أملاكهم وأجبرهم أن يدفعوا الجزية أو يعلنوا إسلامهم أو يغادروا مدنهم وقراهم... وهكذا لما حلّ السادس من آب عام 2014 دخل داعش الإرهابي أرض سهل نينوى ففقدت القرى المسيحية سكانها وأموالها، وتشتت أهلها في الشوارع والأزقة والساحات والكنائس والمباني الفارغة يفتشون عن ملجأ آمن في كوردستان، وهؤلاء الإرهابيون تسلّحوا بغرائز الوحشية وهم مجرَّدين من أية مسحة إنسانية... إنها حقيقة مُرّة... إنها حرب الشر والخطيئة بحق الشعوب البريئة.
   كما إن الإرهاب دمّر الدولة وهياكلها، أنزل الصلبان من قبب كنائسنا، وأحرق صور قديسينا ورموزنا، هدم المدارس وأحرق مكاتب علمها، فرض تعليمه الإرهابي في رياض الأطفال، أهان المرأة وسباها... نعم، قبل أيام استذكرنا الذكرى الأولى المؤلمة لطردنا في 6 آب (أغسطس) 2014، وقبل يومين من توقف الحرب الشرسة والمدمِّرة العراقية – الإيرانية في 8 آب 1988 والتي راح ضحيتها مئات الألوف من القتلى وملايين من الجرحى والأسرى والمفقودين، وترمّلت الملايين من النساء ومن جميع المكونات، وكم كنتُ أتمنى أن تكون هذه المناسبة ذكرى تحرير وليس ذكرى تدمير... وأمام هذه المشاهد المؤلمة كنتم أنتم الكلمة والحقيقة والشهادة _ كما فعل أسلافكم المقدسين _ ونظرتم إلى شعبي بعين الرحمة والحنان، وتكلّمتم _ وبصوت سمعه العالم بأسره بحكّامه وشعوبه _ وقلتم: لا للإضطهاد، فالمسيحيون أصلاء وأبناء الحوار والعيش المشترك... كنتم حينها ولا زلتم حتى الساعة روّاد الدفاع عن قول الحقيقة عملاً بقول ربنا يسوع:"قولوا الحق، والحق يحرركم" (يو 33:8)، وأعلنتم "أن اضطهاد المسيحيين المشرقيين بمختلف طوائفهم هو اضطهاد للكنيسة، وإن دماء المسيحيين دماء واحدة".

     قداسة البابا فرنسيس
   منذ دخول داعش الإرهابي أرض وطني دنّس قريتي ومدينتي الموصل وقرى سهل نينوى، وبدأت الأحداث تتسارع في مسيرة مؤلمة وحاملة للحقيقة الإنسانية المتألمة في شعبنا الجريح الذي طرده داعش وعملاؤه من ديارهم وفقدوا كل شيء: منازلهم ومحتواها، أملاكهم وأحلامهم، ولم يبقَ أمامهم إلا الهزيمة والإلتجاء إلى كوردستان حيث الأمان، وهناك فرشوا الحدائق وملأوا الشوارع... واليوم، لا زال أغلبهم يسكنون عمارات بائسة لم يكتمل بناؤها، وآخرون كرفانات لا تليق بسكنى أناس احترموا إنسانيتهم ومسيرة حياتهم، وآخرون هاجروا وقلوبهم حزينة حتى الموت على فراق أرضهم... نعم، رحلوا إلى بلدان الجوار شمالاً وغرباً، جنوباً وشرقاً، باحثين عن ملجأ يقيهم، وعن أمن يحميهم، وعن يد تعانقهم، وعن كلمة تواسيهم، وعن محبة ترافقهم، وعن رحمة تسترهم، وعن شعور بنجدتهم، ولكن لا من مجيب ولا من حديث ولا من عزاء _ ولم يكن صوت الدول الكبرى إلا صوتاً خافتاً، أما صوت الكنيسة بكم كان صوت الشهادة وقول الحقيقة _ ولا زالت حتى اليوم مسيرتهم دون هدف وإرادة، دون علم ودراية، ووضعهم مأساوي بدرجة امتياز... إنهم مهجَّرون... إنهم نازحون... فالحقوق مسلوبة، والحقيقة مصلوبة، والعدالة حوكمت، والقضاء إرهاب، شعوب تائهة أم أصيلة؟، لباسنا سواد وما كسوتنا إلا أكفان... هل نستحق أن نحيا أم علينا أن نكون تبعية مهمَّشة لا دور لها إلا ملء البطون والنوم والصوت الحزين، وممنوع علينا أن نحيا إنجيلنا ونعلنه ونعلّمه، ولا زال الصوت يصرخ كل صباح ومساء هل سنعود؟، متى سنعود؟، كيف سنعود؟، مَن يحمينا؟، مَن يدافع عنا؟، مَن يعيد حقوقنا ومَن يعوّض أموالنا؟، وما أملنا إلا بكم أن تمدّوا أياديكم كسحابة ببركتكم الأبوية لحماية شعبنا الممزَّق والمضطَهَد والمطرود... فالحياة استمرارية في هبة الله رب السماء والأرض، وهي أسمى من المصالح، والإنسان أسمى من المخططات، والتاريخ حقيقة سيعلنها لأجيال الدنيا وأجيالنا. ولا زالت الدنيا والشر والخطيئة يمجدون الموت والقتل والدمار وازدراء الحياة من قبل إرهاب مميت لا يحترم الحياة بقدسيتها والدنيا ببشرها... إنه التحدي الأكبر للإنسانية أن يعالَج من جذوره، بل تُقلَع جذوره.
   نعم، منذ دخول داعش إلى أرض قرانا ومدننا في سهل نينوى، كنتم يا قداسة البابا فرنسيس بصوتكم الإيماني المعلِن للحقيقة تصرخون كيوحنا المعمذان على مسامع كبار العالم وحكّامه أنْ "أوقفوا قتل المسيحيين واضطهادهم"، وإلى الأبناء المهجرين النازحين "كونوا على ثقة أن المسيح معكم، وليكن الرجاء سبيلكم، والتعزية مرافِقة لأية شدة تحتملونها"، وما إرسالكم لمبعوثين من قداستكم إلا علامة مضيئة في حقيقة مسيرة الألم لشعوب المسيحية في الشرق، ورسائلكم وخطاباتكم لمناسبات عدة ومختلفة.

    رسالتكم الميلادية...
   فرسالتكم يا قداسة البابا فرنسيس في عيد الميلاد 2014، والموجَّهة إلى مسيحيي الشرق الأوسط، كانت تحمل رجاءً أميناً إذ أمعنتم كيف أن نغمات الترانيم الميلادية تمتزج بالدموع والتنهدات، وأعلنتم كيف أن ولادة ابن الله في جسدنا البشري ما هو إلا سر تعزية يفوق الوصف. فقد ظهرت نعمة الله ينبوع الخلاص لجميع الناس (طيما 11:2)، وفيها أعلنتم حقيقة الآلام والمحن التي تافقمت بسبب النزاعات التي تعذب المنطقة وممارسة شتى أنواع الانتهاكات والممارسات لا تليق بالإنسان، وصرختم مع الرسالة أنه لا يمكنكم نسي الجماعات التي تعاني الاضطهاد وخاصة حملتم أفكاركم بشكل خاص بالأطفال والأمهات والمسنّين والمهجَّرين واللاجئين، وأعربتم عن قربكم وتضامنكم مع الجميع. كما أعلنتم قرب الكنيسة وتضامنها... إنها كلمة تعزية ورجاء، وتمنّيتم أن يكون المسيحيون شهوداً ليسوع، ويتحملون مسؤولية في الأرض حيث ولدت المسيحية وانتشرت، وقلتم مناشداً المسيحيين "إنهم الكنز الأثمن للمنطقة"، شاكراً إياهم على جهدهم. كما أعلنتم معانقتكم للشباب عناقاً أبوياً طالباً أن ينمو نمواً إنسانياً ومسيحياً، مذكّراً إياهم أن لا يخافوا أو يخجلوا من أن يكونوا مسيحيين... حملت الرسالة إلى الجميع مشاعر عزاء وحقيقة محبة نائب المسيح لأبناء الشرق العزيز، محمِّلاً إياهم مسؤولية كبيرة، وإنهم ليسوا وحدهم في المواجهة فالبابا يشجعهم، وشهادتهم مفيدة لقداسته مذكّراً أن لا ينسوا الصلاة لأجله وسط معاناتهم (عيد الميلاد، 23 ديسمبر 2014).

     شاهد ... وصوت
   نعم، بصوتكم من أجل المتألمين تعلنون الحقيقة من على منابر الفاتيكان، منابر الدول الكبرى، الفقيرة والغنية، تقودون سفينة الإيمان في بحر هذا العالم المتلاطم بأمواج هائلة وزوابع وأعاصير لم يسبق لها مثيل حيث يتم البحث عن أبعاد المسيح خارج العالم. فأنتم اليوم كلاً للكل (1كو 22:9)، للشرق والغرب، من أجل كرامة الإنسان وكرسول للسلام والمحبة وكلمة الحق، أي بمعنى ذلك أنتم مكان التقاء الإيمان الواحد كما يقول البابا بندكتس (7 أيار2005)... تجوبون العالم لتفتشوا عن الفقراء، لتناشدوا الشباب، لتكلموا الأطفال. تفتقدون المرضى والمهمشين، وتسألون عن المرذولين والمنبوذين، وترفعون الصوت عالياً حيث يسود الظلم والقهر والتهجير. تنادون بالحرية للمأسورين ولإبعاد شبح الحرب للدفاع عن كرامة الإنسان وإدانة بقوة جميع أشكال الظلم. ترفضون ثقافة الحرب من أجل ثقافة الحياة. تمدّون جسور الحب والمسامحة والغفران لبناء في عائلة مسكونية واحدة. أنتم شهود للضمير الحي الذي أخذ كبار الزمن يتاجرون به ربحاً وخسارة، ويعلو صوتكم لكي تكون كنوز الأرض لخدمة بناء جنة الله. تناشدون الأساقفة لكي يكونوا رعاة قديسين ويتوجهون نحو الشواطئ. تدعون الكهنة لكي يكونوا خدّاماً أمناء... فأنتم صوت المتألمين ونداء المظلومين ورحمة المستضعفين... إنكم انفتاح وحوار، حوار مع سائر الديانات، وحوار مع كل البشر حتى غير المؤمنين.
   أنتم في روما وعيناكم على القطيع والحظيرة معاً، على الشاطئ وفي داخل الحارة. لقد انكشفت فيكم أعظم قوة هي المحبة حتى بذل الذات، وأعلنتم لكل الناس أن الرب لا يجوع في جوهره بل في قديسيه، ولا يعطش بطبيعته بل في فقرائه، وفي ذلك أعلنتم أنكم مع الفقراء لأجل المسيح الفقير.

    القديس يوحنا بولس الثاني
   إنه لمن الفخر والاعتزاز أن أذكر هنا المسيرة الرائعة والمُحبة لقداسة البابا القديس يوحنا بولس الثاني تجاه عراقنا الجريح بشجاعة إيمانية وأبوية مسؤولة إذ وقف البابا يوحنا بولس الثاني في وجه محبي الحروب عبر خطاباته وتصريحاته، مندداً بآلات القتل الهمجية وبفكرة الحرب المعتادة، فقد كان يعرف أن الأقليات الأتنية والدينية في العراق هم مَن سيدفعون ضريبة الحروب.
   في 25 كانون الأول 1990، طلب من الحكومة العراقية الانسحاب من أرض الكويت وأن ترعى الأمم المتحدة مصالحة جدية بين الدولتين، فقد وجّه نداءً مناشداً الدول الكبرى بضرورة نبذ الحرب لأن الحرب مغامرة لا تعرف التوقف.
   في 4 كانون الثاني 1991، طالب وزراء الدول الأوروبية بالسعي إلى إرساء السلام دون اللجوء إلى آلات الموت المدمِّرة والمرعبة... نداءات عديدة وجهها إلى صدام حسين وجورج بوش (الأب) وإلى الأمين العام للأمم المتحدة وإلى البطاركة والأساقفة المعنيين بشأن العراق ولكن لم تفلح، وقصفت طائرات التحالف العراق ومحصّلتها آلاف الضحايا.
   حاول قداسته الضغط على الأمم المتحدة بفكّ الحصار المفروض والذي اعتبره بالغير الإنساني والمجحف بحق الشعوب. وبمبادرة منه في كسر الحصار، طلب زيارة العراق في 1999 خارقاً العقوبات ولكن الزيارة لم تكتمل.
   في 25 كانون الأول 2002، ناشد المجتمع الدولي بوقف الحملات العمياء والغير المبرَّرة لشنّ الحرب على العراق إذ قال:"الحرب ليس بنكبة وتنتهي، الحرب أداة تدمر الإنسان"... في رسالة حملها الكاردينال تشيغاراي، حث البابا النظام بضرورة التعاون مع الأمم المتحدة للتوصل إلى السلام... بدأت الحرب 2003، ودخل الجيش الأمريكي إلى العراق وأسقط النظام فغرق في الفوضى والسرقات والاغتيالات وتصفيات الحسابات، وكان المسيحيون أولى ضحايا الحرب العراقية الأمريكية في عملياتٍ انتحارية وخطف من قبل جماعات متطرفة وعصابات وميليشيات.

     الشكر واجب
نعم، شكراً لكم يا قداسة الحبر الأعظم البابا فرنسيس... شكراً لكل كلمة صارخة في وجه الشر والألم والإرهاب... شكراً لكل نظرة ملؤها الألم على ما يحصل وما يحلّ بمسيحيي الشرق وسكانه... شكراً لكل وقفة شامخة أصبحتم لنا، بل معنا وفينا، سمعاناً قيروانياً، فأزحتم عنا الألم بمواساتكم، ومسحتم دموع عيوننا بتعزيتكم... شكراً لأياديكم التي ملأت دنيانا وأجسادنا خبزاً وخيراً وبركةً... شكراً لكم وليمينكم التي باركتنا ورافقتنا في الهجرة والنزوح وضلّلتنا غمامة كما كانت يدا موسى لشعب إسرائيل... شكراً لكم فقد اصبحتم لنا نعمةً وكسوةً وبيتاً وخيمةً وأملاً، وأصبحنا معكم حجاجاً نمشي في طريق متعرجة كجبل تجلى عليه ربنا يسوع المسيح، فهناك ينتظرنا الله ليطرد عنا شياطين الدنيا وأشرار الحارات وإرهاب الدواعش.
شكراً لكم لأنكم علّمتمونا _ ورغم صعوبة مسيرتنا _ أن نحمل الإنجيل إلى الآخرين، وسلاماً وحواراً للتعايش، ومقاسمة الطبيعة وخيراتها... فالكنيسة كما يقول البابا بولس السادس تحتاج إلى قديسين وليس إلى أبطال.
فشكراً لكم يا قداسة البابا فرنسيس، ومهما كُتِبَت الكلمة "شكراً" بعدد وأرقام لا تفي بحقكم فأنتم المسيح الرب الذي أحبنا حتى بذل الذات، وسيبقى صوتكم يرنّ في آذان رؤساء الدنيا أنْ أوقفوا اضطهاد المسيحيين... اضطهاد الإنسان... وسنبقى للكنيسة الكاثوليكية الجامعة ولكم أوفياء وأمناء في الإيمان كما في المسيرة... وتأكدوا من صلاتنا لأجل نياتكم كل يوم... وأتمنى أن أقابلكم قريباً في لقاء الأربعاء... نعم، شكراً وشكراً وشكراً... نعم وآمين.

                                            بيوس قاشا


40
بمناسبة الذكرى الأولى لنزوح أهل سهل نينوى

رسالة مهجَّر إلى الرئيس أوباما
المونسنيور بيوس قاشا
     سيادة الرئيس باراك حسين أوباما السامي الاحترام/ رئيس الولايات المتحدة الأمريكية
     السادة أعضاء مجلس النواب والشيوخ الأمريكي الأجلاء
     سلام ومحبة واحترام...
   أتمنى لشعبكم ولبلدكم ولكم كل الخير والبركات، وأدعو رب السماء، الرحمن الرحيم، المحب حتى الأبد، أن يمنحكم وافر النِعَم للسير في خدمة الإنسان وبناء الأوطان في الحقوق والقانون والعدالة، كما يطيب لي أن أكتب إلى سعادتكم هذه الأسطر بمناسبة الذكرى الأولى لنزوح شعبنا من قرى ومدن سهل نينوى... وبعد؛
     سيدي الرئيس
     السادة أعضاء مجلس النواب   
إنني مواطن عراقي من أصلاء البلاد ومن المسيحيين، وفي بغديدا سكني وأصالتي، وفيها ترعرعتُ، وفي مدارسها تثقّفتُ، وعلى صفات أقلامها نشأتُ، وبصبغة العماذ اصطبغتُ. فأنا مسيحي محافِظ وفي الآن ذاته منفتح إلى جميع المكونات من المسلمين والشبك والإيزيديين والصابئة، وهذه كانت دائرة حياتي ومسيرتي، واليوم أنا أخدم في كنيسة ببغداد منذ 33 سنة بعد أن خدمتُ خمس سنوات، في بغديدا وبرطلة، ولا أريد أن أطيل بل الإيجاز في ذلك هو الواجب.
   أنا كاهنٌ، يعني خادمٌ، وشعار خدمتي "أنا بينكم مثل الذي يخدم". فأنا إنسان أحمل في داخلي مسيرة الألم والفرح، هموم الحياة وهموم أهلي ووطني، في أحداث تتسابق مع كوارثها في الحروب كما في الحصار كما في السقوط والاحتلال، وفي كل هذا لا صوت يُسمَع بسبب ضجيج الدنيا وإطلاقات البنادق وانفجار القنابل وصعق البارود، فيقع الأبرياء قتلى بل شهداء، ولعلّكم أنتم كبير الرؤساء وحكّام الأوطان والدول وقائد لأكبر دولة عُرفت بتاريخها وأيامها، وأعضاء برلمانها عُرفوا بتضحياتهم ودقة رؤيتهم ومسيرة المخطط من أجل الحياة. فتَقدُّم علمكم وقوةُ اقتصادكم ما هما إلا رسالة لبناء العالم الحُرّ والحقوق... فهذه رسالتي أنا الضعيف، تجدون فيها الحقيقة في كلماتها، ورسالة في أسطرها، وما أرويه هنا ما هو إلا مختصر جداً جداً للحالة البائسة التي يعشها شعبنا المطرود.
     سيدي الرئيس
     السادة أعضاء مجلس النواب
نعم، كان بلدي يئنّ تحت حكم الدكتاتورية المقيتة والحروب التي أحرقت شبابنا في أتون النار القاتلة، ومنها انطلقنا إلى الحصار حيث العديد من أبرياء الدنيا من الأطفال ماتوا بسبب نقص الغذاء والدواء. وكانت الدنيا بعوالمها تنظر إلينا وتتألم لشعبنا المسكين الرازخ تحت نير العبودية والحروب والحصار، فلا حرية ولا كلمة ولا صوت، بل تأوّه وبكاء وأسف.
   المهم كلنا كنا ننتظر قراركم، ولكن لم نكن نعلم ملحقاته. فقرار تحرير العراق، عنوان الحياة... إنه التحرير من الشر بل من الخطيئة التي أُجِّلَ مفعولها. فالكلمة قوية بمعناها ورائعة بشكلها وعظيمة بتحقيقها. وكم من آمال كنا نبني _ ومن المؤكَّد _ منها على صخرة الإيمان ومنها في وديان الرمال، ومهما كان من أمرٍ كنا نتأمل خيراً، وكنا نقول أن المستقبل سيكون زاهراً، وإن الحياة ستُصاغ من جديد وملؤها رغد العيش وحرية الفكر، وإن العراق بأرضه وشعبه سيحمل رقم (21) من ولايات بلد الخير والعلم والتقدم أمريكا، بل العولمة بعلمها وبمراجيحها، فلا خوف بعدُ ولا يأس بعدُ، لا فقر ولا فاقة، لا حكم ولا سيطرة، وستكون الطرق سالكة بلا حواجز فاصلة وعازلة وقاتلة، تحمل اليأس وقطع الرجاء، فهي علامات سلبية بوجودها وإيجابية بدمارها لنفسية الإنسان وحقيقة الأخوّة، وفي كل ذلك بدأ حلمنا يكبر ويكبر حتى أصبحنا ضفدعاً بكبريائنا، ولكن كانت النتيجة أنْ إنفجرنا وأصبحنا في عِداد الموتى، وكُتِبَ علينا الضياع والتشرد والتيه، فتُوِّجت الطائفية ملكة، وأخذت المذهبية زواياها، وبدأت المحسوبية مسيرتها المميتة، فتفشّى الكذب والسرقة والسلب والنهب والتفجير والتفخيخ والتهديد والوعيد وكأن الدنيا لم تكن حسب قول كتابنا "ورأى الله كل شيء حسناً" (تك1)، وكأنّ بلدي يتأمل عظمة البناء بعد حروب مدمِّرة وبعد سقوطٍ قادته أميركا العظمى، وبدأتُ أتصور أن بلدي سيكون أنموذجاً من عدة نماذج أقامتها أميركا بتجارب قوية الثبات وحقيقة الوجود كالألمانية واليابانية والكورية والكويتية، لأن أعمدتها ستؤسَّس من أعظم دولة في العالم، والمسكونة بعلمها وتقنياتها، باقتصادها ودولارها، بقانونها وحمايات حقوقها. وحلمتُ _ ومن حقي أن أحلم _ أن بلدي سينعم بالرخاء وبفضاء الحرية والقانون، بعطاء الفكر ورسالة الحياة، وسيكتب رصاص القلم تاريخاً مشرقاً، وسنكون أكيداً بلداً حضارياً.
   وأمام كل هذا لم أكن أفكر ماذا وراء كل ذلك، من الحروب إلى الحصار إلى السقوط. خيالات تراودني وأنسج أحلاماً، وأردد في داخلي "هل هذه هي الحقيقة أم مصالح الحقيقة أم حقيقة المصالح؟"، ولم أكن أعلم هل أنا مُحتَل أم مُحرَّر؟، هل كان السقوط لرئيس أم سقوط لحكم أم سقوط لوطن؟، أإلى الوادي القريب أم إلى عمق الوديان أم إلى الهاوية القاتلة؟... فالإيجابية كانت أول كلمة في ضميري وفكري ومعالم عيوني بحدقتها ونظرتها وتأملها، ولم أكن أسمع يوماً أن هناك صوتاً يقول أننتظر الآتي أم لا. فحقيقة الخطوبة لا تكون في الرقص بل في خاتمة الموسيقى، والحكم ليس في عاطفة الضحك بل انتظار الآتي كما علّمنا المسيح الحي، ما الذي سيحلّ في المسكونة (متى 24).
   وجالت الخواطر في أفكاري، وبدأتُ أتأمل وأتمرّد على ذاتي، وأصف أفكاري بالمراوِغة، هل الحقيقة التي حلّت بنا هي وهم أم نشوة من أساليب الفرح؟، وهل التحرير أصبح حلماً للرجال التعساء وسرعان ما ذهبت خيوطه مع الريح؟... بين أفكاري والفشل دارت مسألة طلاق الواحد للآخر. فالفشل كان مطلَّقاً، ربما من أبناء شعبي حيث الوفاق بعيداً عن القلوب، ولا مجال للغفران ليتربّع في مكانه بل يراوح خائفاً مذعوراً، والأحاديث على طاولات هباء ليس إلا، وكل شيء أصبح معكوساً وفي اتجاهات مختلفة للظاهر والمستور، والسبب أن أحباء الوطن أوصلوا البلاد إلى هذه الحالة المؤلمة، وإلى مسيرة نحن ندور اليوم في فلكها.
   نعم، لقد استيقظتُ على حلم لم أكن أعلم أنه سيتحقق، عكس ما حلمتُ. أفقتُ وكأنني في عالم عنوانه قبل التاريخ. دخان ونار وقتل وكارثة، وأية كارثة أصابتنا... إنها بداية دمار الأرض بدءاً بأرضنا.
   أتمنى أن أسأل، ولكن لا أعلم هل مسموح لي بذلك أم لا، ولا أريد أن أجرح شعوركم أو شعور شعوبكم الأبيّة، فالشعوب محتَرَمة بقيمها وأخلاقها وعلمها وكوادرها، والسؤال: هل لا تعملون لإنقاذ بلدي؟، هل أنتم سمحتم للإرهاب المتوحش أن يدمّر وطننا ويطردنا من منازلنا ومساكننا؟، هل أنتم سمحتم للإرهاب أن يسرق أموال الفقراء وخيرات الوطن بوحشية لا توصَف بل لا يمكن وصفها لمختلف الأساليب الوحشية التي قام بها وارتكابه جرائم بحق البشر والحجر، بحق الحيوان والجدران، بحق الحضارة والآثار، بحق الإنسانية والطفولة؟، هل أدركتم أن ما يحصل هو من صناعة الموت ونشر الظلام والقتل، وما الشعار الذي رفعه الإرهابيون "أكثر عنفاً" إلا علامة سيئة في مسيرة الحياة والحرية التي تقودها دولتكم الموقَّرة بين دول العالم؟، هل أدركتم أن الإرهابيين مسلَّحون بغرائز الوحشية وهم مجرَّدون من أية مسحة إنسانية؟... إنها حقيقة مُرّة. هل أدركتم أن مغازلة الشر خطيئة بحق الشعوب البريئة؟، وإنْ كان الحق لا يُحتَرم، كيف نؤمن بدوائر حقوق الإنسان؟، وكيف سنقول الحقيقة ونحن جُهّالها من أصولها وحتى منابعها وشواخصها؟.
   هل أدركتم أن الإرهاب دمّر الدولة وهياكلها، ونهب المستشفيات والخستخانات، وهدم المدارس وأحرق كتبها، وفرض تعليمه الإرهابي في رياض الأطفال، وحتى مشاعل العلم أخذت تنطفئ؟، أهان المرأة وكرامتها والحياة وعنوانها. هل أدركتم جيداً عنف الإرهاب في قتل الأمريكيين الأبرياء من الصحفيين والأطباء والعاملين في الحقول الإنسانية؟... وسارت مسيرة الإرهاب في تدمير كل الشعوب والأوطان ومنها وطني وشعبي... إنها جرائم فريدة وشاذة، لا نعرف أصولها ولا نسبر فروعها وتفرعاتها في تاريخ عُرف بالألف الثالث.
   هل تعلمون ما حصل بعد الإحتلال؟، لقد أصابنا الفقر والجهل والمرض والتخلف، وأصبحنا نفتقر إلى كل مقومات الحياة في الحرية والأمن والكرامة، ولا أعلم إنْ كان هذا المبتغى مما حصل بعد التحرير، لم يكن إلا تدميراً وانتهاكاً قادنا إلى الذبح والتفخيخ والتفجير وعلى بركة الله وباسم الله، وضاعت ثقافة التسامح، وشُيّعت سبل الحوار، وكل ذلك تحت راية سوداء مقدسة وأحكام مخيفة، كل ذلك أمام أعينكم يا سيادة الرئيس وسماع آذانكم وأنظاركم، وهذا ما جعلني أن لا أتخيل _ بل لا استطيع أن أتخيل _ عنوان هدفكم إنْ كان التحرير أم غيره، وما هي الأهداف المعلَنة والخفيّة السريّة من مسؤوليتكم، فنحن اليوم نعيش في قبور حُفرت للأحياء قبل الأموات، بل نحن في عِداد الموتى ومشاريع استشهاد وإنْ كنا أحياء وعلى أرض الله نُرزَق ومن عنده الخيرات.
     سيدي الرئيس
     السادة أعضاء مجلس النواب
   نعم، إنني أنحني إجلالاً للتضحيات الكبيرة التي قدَّمتها قواتكم المسلحة بمختلف أصنافها، وكل الوقار للشباب الأميركي الذي أعطى حياته من أجل حقيقة وطنه. فالدنيا بكم سخاء، والمليارات التي صُرفت هي عرق جبينكم ومن نتاجه، وفي هذا يسعدني أن أذكّركم أننا وقفنا قلباً وروحاً وصلاةً معكم يوم الحادي عشر من سبتمبر عام 1991، بكينا من أجلكم ومن أجل شعبكم، وإن خفيةً، ومن أجله صلّينا في كنائسنا وبيوتنا، ورحمةً دعونا لشهدائكم كما اليوم لشهدائنا، وكنا معكم كلمةً وحقيقةً وإدانةً لهذا الإجرام، ومرّت السنون وكانت كارثة كنيسة سيدة النجاة _ والتي رأيتُ تفاصيل أحداثها بكل دقة من الألف إلى الياء، وكنت شاهداً لها _ وقد نقلتُ هذا الكلام تفصيلاً إلى السناتور المحترم جون ماكين رئيس وفد الكونغرس الأمريكي والسيناتور لندس كراهام والسيناتور جو ليبرمان المحترمين وبحضور السفير الأمريكي آنذاك، الذين قاموا بزيارة إلى بلدي الجريح بعد أحداث كنيسة سيدة النجاة وبالضبط يوم الثلاثاء 9/11/2010.
     سيدي الرئيس
     السادة أعضاء مجلس النواب
   بعد أيام سنحتفل بالذكرى الأولى لطردنا من قُرانا ومساكننا في سهل نينوى، 6 أغسطس 2014، وكم كنتُ أتمنى أن تكون مناسبة تحرير وليس ذكرى تدمير، أمام هذه المشاهد المؤلمة، ألم يحن الوقت أن تنظروا إلى شعبي بعين الرحمة والحنان؟، ألسنا في ديانتنا المسيحية _ كما الإسلام كما الأخرى _ أن الله رحمنٌ رحيم؟، ألم يقل ربنا يسوع في إنجيله:"كونوا رحماء فإن أباكم السماوي هو رحيم" (لوقا 36:6)؟، وفي القرآن الكريم أليست البسملة علامة رحمة رب السماء؟... وأسأل الآن: كيف سنعود؟، ومتى سنعود؟، مَن يحمينا؟.
منذ دخول داعش الإرهابي إلى أرض وطني دنّس قريتي ومدينتي، الموصل وسهل نينوى وحتى اليوم، من حينها راودتني فكرة كتابة الرسالة إلى معاليكم وإلى السادة أعضاء مجلس النواب الكرام، وطوال هذه الفترة كانت الفكرة تنمو يوماً بعد يوم في داخلي ومخيلتي، والأحداث تتسارع في مسيرة مؤلمة إلى أن أتت الساعة ليسجّل يراعي الضعيف هذه الكلمات عبر أسطر تسقيها دموع الحياة القاسية، ومسرّات ألم الاضطهاد... في رسالة تكون هي الأولى، حاملة حقيقة الإنسانية المتألمة في شعبنا الجريح، فغاية رسالتي هو تخفيف المصيبة التي يعيشها أبناء بلدتي وشعوب منطقتي المسالمين بعد أن طردهم داعش الإرهابي وعملاؤه من ديارهم وفقدوا كل شيء، منازلهم ومحتواها، أملاكهم وأحلامهم، ولم يبقَ أمامهم إلا الهزيمة والالتجاء إلى كردستان حيث الأمان، وهناك فرشوا الحدائق وملأوا الشوارع ذهاباً وإياباً، جلوساً ونظرةً، واليوم أغلبهم يسكنون عمارات بائسة لم يكتمل بناؤها وحتى محيطها، وآخرون هاجروا وقلوبهم حزينة حتى الموت على فراق أرضهم. نعم، رحلوا إلى بلدان الجوار شمالاً وغرباً، جنوباً وشرقاً، باحثين عن ملجأ يَقيهم، وعن أمن يحميهم، وعن يد تعانقهم، وعن كلمة تواسيهم، وعن محبة ترافقهم، وعن شعور بنجدتهم، ولكن لا من مجيب ولا من حديث ولا من عزاء، ولا زالت حتى اليوم مسيرتهم دون هدف وإرادة، دون علم ودراية، ووضعهم مأسوي بدرجة امتياز... هذا هو بيت القصيد، إنهم مهجَّرون، إنهم نازحون، فالحقوق مسلوبة، والحقيقة مصلوبة، والعدالة حوكمت، والقضاء إرهاب، شعوب تائهة أم أصيلة، هل نستحق أن نحيا ونواصل مسيرة البناء أم علينا أن نكون تبعية مهمَّشة لا دور لها إلا ملء البطون والنوم والصمت المريب؟، ألستم أنتم زارعي بذار حقوق الإنسان، ألا يجوز أن تزرعوا ذلك في حقول قُرانا ومدننا وحول مساكننا؟، ألا يجوز أن تمدّوا أياديكم كسحابة لحماية شعبنا الممزَّق والمضطَهَد والمطرود من مساكنه وقُراه ومدنه؟، هل لا يجوز تعويض أبناء بلدي وأبناء ديرتي لِمَا فقدوه من أموال وممتلكات كما رفعتم ذلك رايةً يوم احتلال الكويت حيث كنتم، كلمة الحقيقة، ودولار التعويض، وطابوقة البناء، وكونكريت الحياة لمدّ الجسور بين الأبناء والأصلاء في إعادة الإعمار والبناء واستمرار الحياة هبة الله، رب السماء والأرض، وكعطية لنحميها أنتم ونحن؟.
     سيدي الرئيس
     السادة أعضاء مجلس النواب
نعم، بحق رب السماء إعملوا على إعادة شعبنا إلى مدنه، وحرّروا بلداننا من أيدي داعش الإرهابي واطردوهم إلى غير رجعة، فالحياة أسمى من المصالح، والإنسان أسمى من المخططات، والتاريخ هو الحقيقة سيعلنها لأجيالكم وأجيالنا... إنكم كنتم هنا من أجل إعادة الحياة بسموّ التضحيات، وكم كنتُ أتأمل أن نحتفل بعودتنا إلى قُرانا ومدننا وليس بمرور الذكرى الأولى لإرهاب داعش على أبناء سهل نينوى ومكوناته المختلفة... إنه الضمير الحي الذي به نُظهر الحقيقة بدلاً من أن يكون التاريخ أسطر الخزي والعار. فعمليات التطهير العرقي والإبادة الجماعية التي طالت أبناء شعبنا والأقليات لا يمكن أن تمرّ مرور الكرام وأن تكون ريحاً في صحراء قاحلة، بل أن تحمل رسالة الإدانة... ألا يكفي الإهانة بحقنا؟... فاليوم كلنا سواد، وملابسنا سوداء، وما كسوتنا إلا أكفان... ألا يكفي تمجيد الموت والقتل والدمار وازدراء الحياة من قِبَل إرهاب مميت لا يحترم الحياة بقدسيتها، والدنيا ببشرها؟... إنه التحدي الأكبر للإنسانية إن لم يُعالَج من جذوره، بل تُقلَع جذوره.
     سيدي الرئيس
     السادة أعضاء مجلس النواب
   نعم، أطلتُ في رسالتي، فالمختصر كان مفيداً، ولكن حالي وأحوالي قد فسدا في الحياة، وما يخلّصني هو الرجاء والأمل. فأنا لستُ أضع لكم سياسة وخططها _ وأنتم أستاذ وبلدكم علماؤها _ فما أنا إلا أشكو حالي وحال شعبي الذي يُنعَت اليوم بالأقلية والجالية والطائفة، إنه يجول شوارع الدنيا وحدائقها ليجد مَن يلوذ به، ومكاناً يحميه بعد أن خسر كل شيء ولم يبقَ له إلا شفاعة السماء. فالمسيح الرب الحي قال:"ثقوا، فقد غلبتُ العالم" (يو33:16)... فنحن بحاجة إلى قدراتكم وعلمكم وإنسانيتكم وسلامكم ليس إلا، ولا أكثر!. فلكل شيء نهاية، ولكل حرب خاتمة، ولكل إرهاب نهاية، ولكل معضلة حل، وما نراه إلا وجه الله.
   وأخيراً، نعم، كل إحترامي لكم يا سيدي الرئيس السامي الإحترام، ولكم أيها السادة أعضاء مجلس النواب الأجلاء، وأملي أن أجد آذاناً صاغية ومكاناً في قلوبكم... ليحفظ الله بلدكم وليبارك شعبكم. وأترككم وبلدكم في حماية الرب القدير... وكما هو شعاركم، أردد أنا وأقول I TRUST IN MY GOD... ودمتم في حماية سيدة السماء، سلطانة السلام، نعم وآمين.



41
أنسعى للبقاء ام نخشى الفناء

المونسنيور بيوس قاشا

   في البدء
   من المؤكد نحن اليوم أمام مستقبل مجهول، وشعورنا بالوطن وبقدسية ترابه
والانتماء إليه أصبح في خبر كان بل حتى في خبر إنّ، لا بل نلوم الوطن ومَن أتوا ضيوفاً وكانوا جيراننا نلومهم على طردنا دون أن نقترف إثماً بحقهم بل هم في سنين عديدة كانوا يرتزقون من محبتنا واحترامنا، وهذا ما جعل الكثير من أبنائنا يستعطوا ليكونوا مسجَّلين في سجلات الرحيل لأجل راحة البال وحقيقة الحياة وكان ذلك مبتغى الإرهاب ونداء الأشرار، وحتى في رحيلنا نخاف هل سيقبلوننا نزلاء أو سنبقى دخلاء، وإنْ كُتب علينا أننا مهجَّرين ومهاجرين، وهل ستطول مدة بقائنا في الأرض التي أرادتنا ضيوفاً؟، وهل فعلاً سيكون رحيلنا إلى البعيد البعيد عبر البحار والمحيطات، عبر القارات والمحطات، فالأمر لا يكهن به حتى كُهّانه المصريين وسحرتهم، كما ليس من السهولة أن تُرسَم لنا مسيرة الحياة وقد نحتاج إلى سنين وأعوام... فلماذا، نعم لماذا؟، ألم نكن أصلاء بيوتنا وأحجار مساكننا، فلماذا الذي حصل؟

   البابا فرنسيس
   ندّد البابا فرنسيس بالاضطهاد الذي وصفه بـ "الوحشي" الذي يمارَس ضد الأقليات، وأدان البابا قتل وتشريد السكان في مدنهم وقال:"أمام أعيينا وأمام صمتنا، إنهم هيرودس المعاصرين الذين تلطّخت أياديهم بالدماء. أفكّر أيضاً في الأطفال الذي يُقتَلون في هجمات بالقنابل". وقال ايضا بابل هي رمز للشر والخطيئة، وهي تسقط بسبب الفساد،هذا ما قاله البابا فرنسيس في عظته في القداس الالهي ليوم الخميس، 27 تشرين الثاني 2014، القديسة مرتا فقد كانت تعتبر نفسها سيدة على العالم وعلى ذاتها، ولكن عندما تكثر الخطيئة تضعف القدرة على المواجهة ويبدأ العفن والانحلال، وهذا ما يحصل أيضاً مع الأشخاص الفاسدين ذلك لأن الفساد يمنحكَ أولاً بعض السعادة والسلطة ويجعلك تفتخر بذاتك فلا يترك مكاناً للرب ولا للارتداد. ففساد الخطايا المتعددة، هوفساد الروح الوثني وروح العالم، وهذا النوع من الفساد هو الأسوأ. وهذه الثقافة الفاسدة تجعلنا نشعر بالاكتمال والاكتفاء كما ولو أننا في الجنة، ولكنها عفنة ومُنتَنَّة في داخلها. وفي صورة بابل يمكننا أن نرى كل مجتمع وكل ثقافة لا بل كل شخص بعيد عن الله وعن محبة القريب. فهل نحن شبيهون ببابل الفاسدة المكتفية بنفسها أو بأورشليم المتلهية.

   ملء العقول
   وستبقى لماذا.. تُزعج مضجعي وتبلبل أفكاري حتى أوراقي؟... لماذا كانت لماذا... كي نعيش هذه الحالة البائسة؟... أليست المقالات والبيانات والتعقيبات والردود وحضور المؤتمرات وإلقاء المداخلات وغيرها من الأمور أن تصنع لنا معجزة فتظهر وتشرح لنا لماذا حلّ بنا ما حلّ. فشعبنا التائه والمشرَّد، المسكين الضائع، المهجَّر والنازح، بدأ يتقزز من كل الأحداث والحوادث ومن رائحتها الكريهة، فربما حاملوها ليسوا مخلصين لقضيتهم أو لا يهمهم حمل الصليب الذي فُرض عليهم. فنحن اليوم لسنا بحاجة إلى مناصب وزيارات تعاطفية لمسؤولين وإداريين ودوليين إلى لاجئينا وإنْ كان هذا في باب القبول، ولكن ما نحتاج إليه إلى ترجمة هذه العواطف وهذه الاحترامات إلى أعمال حقيقية على أرض الواقع وفي صفحات الدستور، وهذه هي الشهادة للحقيقة، لأن الحقيقة _ وإنْ كان قسم منها في ملء البطون _ ولكن الحقيقة الثابتة هي في ملء العقول كي تملأ البطون. فأرضنا بيعت، ومساكننا نُهبت، وأديرتنا دُنّست، وكتبنا أُحرقت، وأسأل لماذا هذا كله؟، نحن لم نقترف شيئاً بحق الأشرار والصالحين، وهذه هي الحقيقة بعينها .

   قديم وجديد
   أمام هذا كله ولا زلنا حتى الساعة لسنا بمستوى يؤهلنا تجاوز مشاكلنا الداخلية وتعويض خسائر شعبنا وإيجاد مجال للثقة والرجاء بالعودة والبناء من جديد، ولسنا بمستوى من الإيمان في خلع الإنسان القديم ولبس الإنسان الجديد (أفسس 24:4). وإذا كان هذا لحد الساعة فمن العبث الحديث عن حقوقنا وعن وحدتنا، فالصلاة الموحَّدة لا تنبع من الشفاه بل تلهج بها القلوب، وليست صفاتها القوة والتأسف بل دليلها دموع الألم والحب كي تصل إلى الفداء وله ينبغي أن يكبر ولي أن أنقص (يو30:3). فكلنا نريد أن نكبر، ولا أحد منا يريد أن ينقص لتظهر الحقيقة والكلمة، وفي البدء كان هو الذي علّمنا أن نثق به حتى الموت (يو27:16). فنحن لسنا بحاجة إلى شفقة كمستَعطين في شوارع العالم، بل حالنا يجب أن يكون كبقية أطياف ومكونات وأصلاء البلد، لذلك علينا أن ندرك جيداً كيف نمدّ الأيادي نحن في الداخل وأبنائنا في الخارج فنكون صوتاً واحداً وحقيقة واحدة في محاربة فساد المحسوبية والمحاصصة، وكفى الخنوع والخضوع باتّضاع _ وليس بتواضع الذات حيث تعليم السماء _ لأشخاص مزيفين يرسمون لنا مسيرتهم وعلينا أن نكملها حرفياً شئنا أم أبينا وإلا كنا من الضالّين.
   واقع اليم
   نعيش اليوم واقعاً مريراً، بل قاسياً، بل اضطهاداً بالحق والحقيقة. فهل لا زالت الكبرياء والأنانية تتسلط على بَنات أفكارنا؟، هل لسنا بعدُ بالمستوى الذي يؤهلنا تجاوز مشاكلنا الداخلية وبجوانبها المتعددة؟، هل لا زال هناك عدم الفهم والتحزبات والمحاصصة والصداقات والمحسوبيات والاصطفافات الضيقة من آل البيت أو من الأقرباء والتي أضاعت على الواقع حقيقته فأصبح الفساد نزاهة، والكذب حقيقة، والمراوغة والإلتواء سبيل النجاح، والغش علامة الفوز بالآتي... أليس الواقع الأليم هذا من صنع أنانياتنا وكبريائنا ومحسوبياتنا؟، ألا نتحمل جميعاً المراتب الدنيا إلى العليا وكل واحد جزء منه، إنه خلل لا نعرف دواءه وإنْ كنا نعرف داءه، وحدّث ولا حرج في ذلك، فالحقيقة ستُبان إنْ الآن أو لاحقا.

   طال ليلنا
   ما أطول ليلنا ولا أعلم إن كان ينجلي، فقوى معروفة بأهدافها من مشرقنا أو من غربنا تريد اقتلاعنا من هذا المشرق، مهد المسيحية، أصلاء الأرض وأصيلو الحضارة، وأقولها _ والخوف والفزع يدغدغ أفكاري ومسارات دمائي _ إنها تنجح ونجاحاً باهراً، مرة في الرحيل وأخرى في الأرض الموعودة، وثالثة في الخطف والسلب والنهب وأخرى بأفكار بائسة ويائسة مليئة بعدم الثقة والرجاء حتى وإن كان الإيمان إيماناً بالمسيح الرب إضافة إلى الشكوك، إنها مكائد ومؤامرات تُحاك أمام عيوننا ويقرأونها على مسامعنا ولا أعلم هل كنا ندرك مداها كي نمدّ أيادينا إلى مَن ينقذنا فنحن شعب لا نعرف إلا بساطة المسيرة سذَّجاً نصدّق الكل وكل شيء من غير فهم ولا حيطة ولفقرنا نستَغَل وليس مكائد الحياة لبقية الشعوب كما يقول المثل "يقتلونه ويسيرون في جنازته"... يقتلونهم ويغسلون أياديهم علامة لبراءتهم، يقتلونهم ويعلنون أنهم المدافِعون عن حقوقهم وهم الأَولى بالمعروف والركوع والخضوع والخنوع، وهم المستمعين صراخ الفقراء "بالروح بالدم نفديك يا باشا". ويبقى السؤال: لماذا ولماذا ولماذا؟... إنها لماذا بقدر دموع الرجال حيث تحت أقدامهم اهتزت الأرض فزعاً واضطربت خوفاً... إنها لماذا المسيح حيث قال لخادم قيافا:"لماذا تضربني؟"... نعم، لماذا تضربني؟.

   العمل غائب
لماذا ونحن نحتفل بالذكرى الأليمة لمرور سنة على طردنا وتهجيرنا، السادس من آب (أغسطس) 2015، والعمل الدولي غائب وبدون تنسيق وغير مبالٍ بمسيرتنا المؤلمة، فأحبارنا الأجلاء كانوا يوماً أمراء على منصاتهم وصرخوا وأعلنوا بأعلى أصواتهم "يا قوم، يا عالم، هناك شعب يموت، هناك شعوب تُستأصل من جذورها، هناك أصلاء يُطرَدون من أرضهم، ورؤساء كنائسنا وغبطات آبائنا ركبوا البحر والجو والبرّ وقابلوا واستقبلوا كبار الدنيا ومخططي المؤتمرات والأوطان ومنسقي الأزمنة وسمعوا وعوداً وتمنيات ولا زال لحد اليوم لم نشهد حلاً أو بشارة بحلٍّ سريع وشامل لقضيتنا، فإن كانت قضية فلسطين قد باعها أعرابنا أخاف نحن أيضاً لا نبيع قضيتنا بسكوتنا وقبولنا بواقع كُتب على جباهنا وأُودع في قلوبنا وما علينا إلا أن نخضع خانعين أو خائفين ولكن ثقتنا مهما ملك اليأس على قلوبنا فرجاؤنا بمسيرتهم الشاهدة يكون انتعاشاً ليس إلا!... ولكن أقولها خائفاً أن لا تطول حتى قضيتي كما طالت قضية فلسطين حينذاك سيخرس لساني إلى الأبد.

الاضطهاد لماذا
نعم، نستمر بسؤالنا: لماذا كُتب علينا الاضطهاد، ولماذا حتى الساعة نخاف فنهرب ونتزعزع، والإعلان يُعْلِمنا أنها مؤامرة إقليمية دولية؟... ما يخيفنا بعدما حلّ ما حلّ بنا، هل حققت المؤامرة أهدافها وهل اكتمل مخططها، أم لا زالت هناك زوايا مظلمة في مسيرة نعتبرها حقوقية للإنسان وحياتية للشعوب؟، لماذا نحن قبل مائة عام مجازر ومذابح بسبب مصالح أهل الحروب البائسة، فيها كان المسيحيون ضحايا وكِباش فداء؟... وهاهو التاريخ يعيد نفسه بصورة بشعة في زمن منظمات تدّعي إنسانيتها فهي تتحسّر علينا ولا حلّ في يديها، فقد كُتب علينا أن ندفع ضريبة الشر لوحشية الإرهاب، ضريبة الماء والحياة، بل حتى ضريبة الهواء، ولا أعلم إنْ كانوا في مسيرة إنسانية أم في حقيقة حيوانية شريرة بائسة.

لنتّقِ الله
لماذا نحن شعبٌ ممزَّق بأحزابنا وأهدافنا، بتعددنا، بأعلامنا وراياتنا، أليس من الحقيقة أن نرجع إلى صوابنا وإنْ كان ماضينا لم يعلّمنا حقيقة مسيرتنا وعيش إيماننا؟، أليس من الواجب اليوم _ ونحن في هذه المحنة متخبّطون _ أن نتَّقِ الله في شعبنا المظلوم على أمره؟، أليس من الواجب أن نرجع إلى صوابنا لكي يتفقد الله بقيتنا الباقية أو ما تبقّى من شعبنا ليزيد المحبة ويفيضها في النفوس أجمعين، فنتصافح ونتنازل ونغفر ونتوحّد هدفاً ورايةً وعلماً؟، ألسنا نحن الذين زرعنا أصول الحضارة وعلامة التاريخ في أرض الأجداد وأصبحنا اليوم _ بسبب عدم تمسكنا ووحدتنا وشرذمتنا _ خرافاً أمام أشرار الدنيا في الدواعش الإرهابية حاملي عنوان الهمجية وقطع الرؤوس والسقوط الأخلاقي، وجعلوا بلدنا خراباً وعاثوا به فساداً وجعلونا أسفل السافلين، وأصبحنا في فوضى لا توصَف؟... فلا نعلم لمن نمدّ أيادينا ليخلصنا من الغرق، فبحرنا هائج وأنفسنا ترتعد خوفاً، وإيماني يقول أنْ لا أحد يخلصنا إلا يد الرب القدير.
الخاتمة
   كل يوم نتساءل: أنقبل المجازفة أم نخاف الموت؟، أنسعى للبقاء أم نخشى الفناء؟، أنحمل الصليب أم نرفض الصلب؟، كل شيء نراه، موتاً، فناءاً، صلباً. وحتى مسيرة الأيام كلها رعب، والسؤال: لماذا ولماذا؟... إنها كلمات وفقرات وألفاظ تقودنا وتسعى لتهديم حائط رجائنا وكسر معنويات إيماننا. إنها كلمات تقتلنا قبل قتلنا، بل أحياناً كلمات تنافي مسيحيتنا وربما كلمة الشكوك وقطع الرجاء هي العليا، نعم رفض الرجاء وإبعاد الإيمان، وفي النتيجة لا حياة، بل بعيدة عن حقيقة الحياة الأبدية. ولكن ما أدركه أن ربي وإلهي كتب لنا النصر بالصليب بل هو انتصر بالصليب وأرادني أن أشاركه الانتصار بالقيامة فنكون صوت الإيمان، فإن كان الصليب صلَبَ الموت فنحن بإلهنا المسيح الحي أبناء قيامة، أبناء الحي بين الأموات، نعم وآمين


42

مأساة النزوح .. وتسعة أشهر مرّت

المونسنيور بيوس قاشا
هاهي مأساة النزوح تدخل شهرها التاسع ولا زال صليب الحياة ثقيلاً كما لا زال الألم يتنهد
 في داخلنا، لماذا؟، نعم لماذا؟، فنحن عنوان الحياة في وطن نرفض فيه أن نموت فالأمل فيه رجاؤنا والمسيح فيه إيماننا.
   ѻ نعم، تسعة أشهر مرّت ولا زال السؤال: لماذا، لماذا، لماذا؟، إنها لماذا بقدر مأساتنا ودموع الرجال تزلزل الأرض تحت أقدامهم. نعم، اهتزت الأرض فزعاً واضطراباً وخوفاً... إنها لماذا بقدر حجم مأساتنا كما قال ربنا يسوع المسيح يوماً لخادم حنّان وقيافا:"لماذا تضربني؟"، والساعة نقول: نغم، لماذا أُطرَد من دياري، ألا أنها كلمةُ الحق.
   ѻ تسعة أشهر مرت والجيران الأشرار بداعشهم وإرهابهم يجولون في ديارنا وحاراتها، في مخادعنا ومنازلنا، في الأزقّة وحنايا المعابد، يسرقون ويستبيحون كل شيء، يدنّسون كنائسنا، يكسرون صلباننا، باسم الله يحلّلون غزواتهم ويحطّمون تماثيل رموزنا، إنها أملاكُ النصارى والكفار، ويعلنون أنفسهم حماةً لسابع جار، فبئسهم، فأولُ جار لهم سرقوه ثم قتلوه دون أن يدركوا أنهم هم الكفّار.
   ѻ تسعة اشهر مرت ونحن لا زلنا نُعرَف بساكني الخيام وناطري الكرفان وحاملي الآلآم وشاردين بين الأنام لا نعرف متى ينبلج الفجر والصباح ومتى تغيب الدنيا والزمان، وأصبحنا ضياعاً بل مشردين في شوارع المدينة ونسينا كتابة ملفاتنا فدفاتر مدارسنا قد بيعت وأقلامُنا انكسرت ولم يبقَ لنا إلا التأوّه والسؤال.
   ѻ تسعة اشهر مرت ونسأل: هل سنعود؟، وإذا عدنا هل سنكون أم نرى ما لم تره عين ونسمع ما لم تسمع به أذن؟، فنموت صغاراً في عقر دورنا كما مات لعازر، فلا رابوني في الدار وما الجيران إلا أشرار الزمان.
   ѻ تسعة اشهر مرت ولا زال ليلنا لم ينجلِ، ولا زال الخوف والفزع يدغدغ أفكارنا ومسارات دمائنا مرة في البقاء وأخرى في الرحيل إلى الأرض الموعودة وثالثة في الخطف والسلب والنهب... إنها مكائدٌ ومؤامراتٌ تُحاك أمام عيوننا من كبار الدنيا بشرقهم وغربهم، بأقاليمها وبلدانها، ويقرأون بياناتهم على مسامعنا ولا نعلم هل كنا ندرك مداها كي نمدّ أيادينا إلى مَن ينقذنا.
   ѻ تسعة أشهر مرت ولا زال الألم يقلق مضجعي ويبلبل أفكاري في سؤال "لماذا"، لماذا هذه الحالة البائسة، أليست المقالات والبيانات والتعقيبات والردود وحضور المؤتمرات وإلقاء المداخلات من شأنها أن تصنع لنا معجزاتٍ، فشعبنا تائه، مسكين، ضائع، مهجَّر ونازح، وبدأ يتقزز من كل الأحداث والحوادث ورائحتها الكريهة، فربما حاملوها ليسوا مخلصين لها أو لا يهمهم أمر صليبهم، فالشعب ليس بحاجة إلى مناصب ومزيّفات وزيارات إعلامية لمسؤولين وإداريين ودوليين إلى لاجئينا وإن كان هذا في باب القبول والشكر، ولكن السؤال: لماذا لا نترجم ذلك إلى جوابٍ شافٍ في صفحات الدستور لأن الحقيقة _ وإنْ كان قسم منها في البطون _ لكن الحقيقة الثابتة في ملء العقول، فأرضنا بيعت ومساكننا هُدمت ونُهبت وأديرتنا دُنّست، وأسأل لماذا؟، فنحن لم نقترف جرماً وإنما كنا أبرياء.
   ѻ تسعة اشهر مرت ونحن لا زلنا أمام مستقبل مجهول وشعورنا بالوطن وقدسية ترابه والانتماء إليه أصبح في خبر كان بل حتى في اسم إنّ، نلوم الوطنَ ومَن أتوا إليه ضيوفاً، كانوا جيراننا، سنين عديدة كانوا يرتزقون من محبتنا وكَرَمنا واحترامنا، وهم اليوم أشرارٌ بدواعشهم وأصبحنا نحن مُهجَّرين ومهاجرين، نزلاء ودخلاء، وعيوننا في الرحيل إلى البعيد البعيد، عبر البحار والمحيطات، عبر القارات والمحطات... فالأمر لم ينتهِ بعدُ. فحتى في رحيلنا نخاف هل سيقبلوننا نزلاء أو سنبقى دخلاء وإن كُتب علينا أننا مهجَّرون ومهاجَرون؟، وهل ستطول مدة رحيلنا ولن نعود؟.
   ѻ تسعة أشهر مرت وشعبنا لا يعرف إلا بساطة المسيرة سُذجاً، نفتح أبوابنا للقاصي والداني وليس لنا مكائد كبقية الشعوب، أما هم فيقتلون ويغسلون أياديهم كبيلاطس ويعلنون أنهم أنزلوا علينا آياتهم، وإنهم الأَولى بالمعروف وما علينا إلا الخضوع ةالركوع تمجيداً لهم بالروح بالدم نفديك يا باشا.
   ѻ تسعة أشهر مرت والعمل الدولي غائبٌ يراوح في ساحة الميدان، وربما غير مبالٍ بمسيرتنا المؤلمة، فأحبارنا ألأجلاء كانوا يوماً أمراء على منصاتهم وصرخوا وأعلنوا أصواتهم "يا قوم، يا عالم، هناك شعب يموت، يهجَّر، يُشتَّت. هنالك شعب يُستأصل"... وكبار كنائسنا الأعزاء ركبوا البحر والجو والبر وجالوا وقابلوا واستقبلوا كبار الدنيا ومخططي المؤتمرات وتغيير الأوطان ومنسقي الحروب والأزمنة فأسمعوهم وعوداً وتمنياتٍ ولا نزال حتى الساعة ننتظر بشارةً تنقلنا إلى الحل الأمين فقد أصبحنا قضية وأتمنى أن لا نكون قضية فلسطين فقد باعها الأعرابيون وأنا أيضاً أخاف من أن نبيع قضيتنا بسبب خوفنا بسكوتنا وقبولنا بواقع كُتب على جباهنا وما علينا إلا الخضوع صغاراً وأن نردد بنعم لا نهاية لها وإن كان لها بداية.
   ѻ تسعة أشهر مرت ونحن نتساءل: أنقبل المجازفة أم نخاف الموت أم نسعى للبقاء أم نخشى الفناء؟... أنحمل الصليب أم نرفض الصلب؟... كل شيء نراه موتاً وفناءً وصلباً وحتى مسيرة الأيام كلها رعب وسؤال لماذا ولماذا ولماذا... إنها كلمات وفقرات وألفاظ تقودنا إلى هدم حائط رجائنا وكسر معنويات إيماننا، إنها محطات تقتلنا قبل قتلنا.
   ѻ تسعة أشهر مرت ونحن ننتظر جواباً لسؤال: لماذا كُتب علينا الاضطهاد؟، ولماذا حتى الساعة نخاف فنهرب والإعلام يُعلمنا إنها مؤامرةٌ إقليميةٌ بل دوليةٌ. ما يخيفنا ما حلّ فينا، هل حققت المؤامرة أهدافها؟، هل اكتمل مخططها أم لا زالت هناك زوايا مظلمة في مسيرة نعتبرها حقوقيةً للإنسان وحياتيةً للشعوب.
   ѻ تسعة أشهر مرت وإبادةُ العثمانيين لنا لا زالت سيوفُها مشرَّعةً في وجوهنا لقطع رقابِنا، ومذابحُها تذكرنا بمصالحَ المتحاربين. كان أجدادُنا حينها خرافاً وضحايا وكباشاً وفداءً وهاهو التاريخ يعيد اليوم ذاكرتَه بصور بشعة في زمنِ منظماتٍ تدّعي إنسانيتها، فقد كُتب علينا أن ندفع ضريبة الشر لوحشية إرهابها، ضريبة الماء والحياة، وحتى ضريبة الهواء.
   ѻ تسعة أشهر مرت وفيها أصبحنا ضياعاً وأمسينا مشرَّدين في شوارع المدينة وأزقتِها وساحاتِها، نفتش عن هويتنا فقد ضاعت منا البصمةُ والأختامُ ولم نعلم أين القريب وأين الجار، أين الوطن وأين الدار، اين مسيرتنا عبرَ الأجيال... إننا أصلاء وها نحن اليوم شهداء بلا قضية فالقضية دارت في أروقةِ الكبار والانتظارُ مرضٌ لنا ودمار.
   ѻ تسعة أشهر مرت ولا زال شعبنا ممزَّق في أحزابه وأهدافه وتعددِ أعلامه وراياته، أليست الحقيقة أن نرجع إلى صوابنا؟.. أليس من الواجب أن نتَّقِ الله في شعبنا المظلوم على أمره؟. أليس من الواجب أن نسأل الله كي يفتقد شعبه ببقيتنا الباقية أو ما تبقى من شعبنا ليزيد المحبة ويفيضها في النفوس فتتصاغر وتتنازل وتغفر وتوحّد هدفاً ورايةً وعلماً؟ ولنعلم أننا حضارةٌ وتاريخٌ، أصلاء في أرض الأجداد والشهداء ومن المؤسف أصبحنا في فوضى لا توصف وأصبحنا مستأجرين بعد أن كنا أصليين.
   ѻ تسعة أشهر مرت ولا زلنا حتى الساعة لسنا بمستوى يؤهلنا تجاوز مشاكلنا الداخلية وتعويض خسائر شعبنا وإيجاد مجالاً للثقة والرجاء بالعودة والبناء ولسنا بمستوى من الشهادة للحقيقة بدل الفساد في خلع الإنسان القديم ولبس الإنسان الجديد، ومن العبث الحديث عن حقوقنا وعن وحدتنا إذا لا نوحّد صلاتَنا فهي لا تنبع من الشفاه بل تلهج بها القلوب وليست صفاتُها التأوّه والتأسف بل دليلُها دموعٌ ومحبة كي تصل إلى الفداء "له ينبغي أن ينمو ولي أن أنقص"، فكلنا نريد أن نكبر بأساليب خادعة ولا أحد يريد أن يتواضع ليقول الحقيقة، فنحن لسنا بحاجة إلى شفقةٍ كمستضعفين في شوارع العالم بل إلى مدّ الأيادي في الدتخل كما في الخارج فنكون صوتاً واحداً في محاربة المحسوبية وفسادِها والمحاصصةِ وكبارِها وكفى الخنوع لأشخاص يزيّفون مسيرتهم وإلا كنا من الضالّين.
   ѻ تسعة أشهر مرت ولا زال الواجب يناديني أن نزيد اجتماعاتنا في بيوتِ الرب وكنائسنا، نُمضي ليالينا في الصلاة والسهر والتوبة ونقضي أيامنا في الصوم والغفران، إن مؤتمراتِنا أكثرُ كلماتٍ من صلواتنا فالنفس في الصلاة تنتعش وأما الجسد ففي السفر يستجم... وربنا قال "صلّوا ولا تملّوا"، ويذكّرنا أنجيلنا أن ربَّنا يسوع كان يصعد الجبل ليصلّي، ليقضي الليل كله في الصلاة... أليس هذا هو سؤال الرب لنا في هذا الزمن؟... نعم، لنصلِّ فالصلاة مفتاحُ باب السماء وما علينا إلا أن نكون طلاباً تحت أقدامِ الصليب إنَّ ذلك مفتاحاً لنزوحنا ولمأساتنا.
   ѻ نعم، ما أُدركه بعد تسعة أشهر... إن الرب لا زال ينادينا لا تخافوا، ثقوا بالمسيح الحي وبالصليب كُتب لنا النصر بل هو انتصر بالصليب وأرادني أن أشاركه الانتصار بالقيامة ومهما كان النهار قاسياً والظلام مخيفاً ستكون القيامة فرحاً ونوراً مضيئاً وما علينا إلا أن نكون صوتاً للإيمان. فإن كان الصليب صلبَ الموت فنحن بإلهنا المسيح الحي أبناءُ القيامة، أبناء الحي بين الأموات. ومأساتُنا دعوةٌ لنا للتوبة، كبار كنائسنا وصغار معابدنا وخدّام أديرتنا ومؤمنو رعايانا ليس إلا!.
   ѻ نعم يا رب... أنت تعلم بحالنا... فيا رب بحرُنا هائج وأنفسنا ترتعد خوفاً من الغرق وإيماننا يقول أنك أنت خلاصنا وما يدك إلا القدرة بالذات... فشرقنا يموت معذَّباً ولكن رجاؤنا أننا سنقوم من جديد.فيا رب ألا تكفي تسعة أشهر من الهجرة والنزوح ، الستَ أنت الذي زرتَ أرضنا بعد تسعة أشهر في مغارة هي الكون بأكمله ، فلتكن مشيئتك ، نعم تعال أيها الرب يسوع فنحن بحاجة الى زيارتك .. نعم وآمين

43
نحو العراق 00 على أجنحة الصلاة
نحن والمهجرون (النازحون) ... معاً نصلّي كي نعود
الجمعة 22 أيار 2015

   بمناسبة مرور تسعة أشهر على نزوح عوائلنا من سهل نينوى، وتضامناً مع صلوات الشهر المريمي وعيد القديسة ريتا (22 أيار) والذكرى (98) لظهور عذراء فاتيما (13 أيار 1917) تدعوكم الخطوط السماوية، عبر رعية مار يوسف للسريان الكاثوليك في المنصور _ بغداد _ العراق، إلى المشاركة معنا في رحلة سياحية قصيرة في رحاب السماء، تحملنا فيها أجواء التوبة والصلاة نحو عراقنا الجريح لفترة ساعتين فقط. وعلى كل مسافر أن يحمل معه، بالإضافة إلى تذكرة السفر، حقيبة مليئة بالصلاة والتأملات والأزهار والهدايا، لتُقَدَّم لأمنا القديسة مريم العذراء، وهمومنا ومشاكلنا لإبنها يسوع المسيح. وإذا ما نسي المسافر حقيبته في المطار، بإمكانه الإستعانة بحقيبة برنامج الرحلة.
   للحجز والمعلومات والإطلاع على برنامج الرحلة: أنقر على   www.maryousif.org
   لتقديم آرائكم واقتراحاتكم وانطباعاتكم، الإتصال بـ   al_zanbaqa@ymail.com
   ثمن التذكرة: هبة مجانية لجميع المؤمنين من المسيحيين وغير المسيحيين مقدَّمة من رب السماء عبر رعية مار يوسف ونرجو من الجميع المشاركة في هذه الرحلة.
   بإمكانك اصطحاب مَن تريد: صغاراً وكباراً، شباباً، أطفالاً وأجنّةً. فالطائرة وسعها وسع الكرة الأرضية، فهي تستوعب كل القلوب، سماوية كانت أم أرضية.
   على المشاركين في الرحلة ملء استمارة المشاركة بإرسال صلاة أو دعاء أو طلبة لقراءتها أثناء رحلة الصلاة أمام المسافرين المصلّين.
   لغرض الحصول على الإقامة: راجع مدرسة "تحت أقدام الصليب".
    يتمنى كابتن الرحلة، رب السماء:
          أ) أن تجتمع العائلة بأكملها للصلاة.
         ب) أن تتكون فرق شبابية أو أصدقاء أو صديقات للاجتماع للصلاة سوية.
          ج) من المحبَّذ وضع تمثال المصلوب وأمّه القديسة مريم أو أي صورة.
   إذا ما حصل قطع في التيار الكهربائي بسبب الظروف الجوية، يتمنى الكابتن أن تُشعل كل فرقة صلاة شمعة من بدء الصلاة.
   أثناء الرحلة يرجى الابتعاد عن العالم في غلق الموبايلات وأجهزة التلفاز والمذياع والمسجّلات كي لا تؤثر على الإلكترونيات الروحية للطائرة، كما يرجو كابتن الرحلة أن تتوقف عملية السير للمركبات وللأفراد مدة فترة الصلاة لغرض فتح باب الله والإنصات  إلى السماء عبر التأمل والتوبة والصلاة..
    لغرض فتح باب الله، أدخل إلى مخدعكَ، فتجد المفتاح ينتظركَ، ليفتح لك باب الله، لتبدأ الصلاة.
   بعد انتهاء الرحلة والنزول إلى أرض الله، ستُقدَّم وجبة عشاء شعبية لجميع الركاب المصلّين ، فيها بهارات إيمانية للحماية من الضغط والسكر والدهون... مع الممنونية.

   مدير الرحلــــة: خوري الرعية بيوس قاشا
   طاقم الرحلة: أعضاء جمعية أصدقاء القربان وأعضاء المجلس الرعوي
   موعد الرحلة: 5:00 عصراً
   تاريخ الرحلة: الجمعة 22 أيار 2015
برنامج الرحلة

    الافتتاحية 00 موسيقى هادئة
    صلاة الأبانا
    ترتيلة "اليوم كنتُ":
1)   اليومَ كنتُ راكعاً أصلّي / ربّي دعاني ثمَّ قالَ لي / يا ولدي أعطني قلبََكْ / خُذْهُ يا خالقي وربّي / يا ولدي أعطني قلبََكْ / خُذْهُ يا مالكي وحُبّي
2)   الكلُّ حقاً إلى الموتِ واصلْ / والعمرُ أيضاً كالظلِّ زائِلْ / مَنْ دونَكَ يا ربَّ السماء / أعطي لكَ قلبي السقيمْ / مَن دونكَ يا ربَّ السماءْ / أنتَ أنتَ ملكي الكريم
    مزمور 25:
   إِليكَ يا ربُّ أرفَعُ نفسي / يا إلهي عليكَ توكَّلتُ / فلا تَدَعني أُخزى / لا تَشمَتْ بي أعدائي / أيضاً كلُّ مُنتظريكَ لا يَخْزَوا / ليَخزَ الغادرونَ بلا سببٍ / طُرُقَكَ يا ربُّ عرِّفني / سُبُلَكَ علِّمني / درِّبني في حقِّكَ وعلِّمني / لأنكَ أنتَ إلهُ خلاصي / إيَّاكَ انتظرتُ اليومَ كلَّهُ / اذكُرْ مراحِمَكَ يا ربُّ وإحساناتِكَ / لأنها منذُ الأزل هي / لا تذكُرْ خطايا صِبايَ ولا مَعاصِيَّ / كرَحمَتِكَ اذكُرني أنتَ من أجل جودِكَ يا ربُّ / الرَّبُّ صالِحٌ ومستقيمٌ / لذلك يعلِّمُ الخُطاةً الطريقَ / يدرِّبُ الوُدَعاءَ في الحقِّ / ويعلِّمُ الودعاءَ طُرُقَهُ / كلُّ سُبُلِ الربِّ رحمةٌ وحقٌّ / لحافِظي عهدِهِ وشهاداتِهِ / مِنْ اجلِ اسمِكَ يا ربُّ / اغفرْ اثمي لأنَّه عظيمٌ / مَنْ هو الإنسانُ الخائفُ الربَّ؟ / يعلِّمُهُ طريقاً يختارُهُ / نفسُهُ في الخيرِ تبيتُ / ونسلُهُ يَرثُ الأرضَ / سِرُّ الربِّ لخائفيهِ / وعهدُهُ لتعليمِهِمْ / عَينايَ دائماً إلى الربِّ / لأنه هو يُخرِجُ رِجلَيَّ مِنَ الشبَكَةِ / التَفِتْ إليَّ وارحمني / لأني وحيدٌ ومسكينٌ أنا / افرُجْ ضِيقاتِ قلبي / مِنْ شدائدي أخرِجني / انظُرْ إلى ذُلّي وتعبي / واغفِرْ جميعَ خطايايَ / انظُرْ إلى أعدائي لأنهمْ قد كثُروا / وبُغْضاً ظُلماً أبغَضوني / احفَظْ نفسي وأنقِذني / لا أُخزى لأني عليكَ توكَّلتُ / يَحفَظُني الكمالُ والاستقامةُ / لأني انتظرتُكَ / يا اللهُ اِفْدِ إسرائيلَ / مِنْ كلِّ ضِيقاتِهِ. 
    صلاة جماعية
    ترتيلة "يا رب ارحمنا"
    صلاة الوردية المقدسة معروضة على الداتا شو
    التأمل اليومي ... طلبة مريم العذراء
    سكوت 00 تأمل (5 دقائق)
    ترتيلة "حبُّكِ يا مريم"
    فصل من الإنجيل المقدس 00 تعليق بسيط (الأب فيليب الدومنيكي)
    سكوت وتأمّل (5 دقائق)
    طلبات ...
    صلاة القديسة ريتا في الشدائد والأمور المستحيلة:
في الشدائد والمصائب المؤلمة/ إني أستغيثُ بكِ/ أنتِ المدعوَّة قديسة الأمور المستحيلة/ وأملي كبيرٌ جداً/ للحصول بشفاعتِكَِ على جميع طلباتي/ إنقذي قلبي المسكين المحطَّم/ والمحاط بأشواك الشدائد من كلِّ الجهات/ ووفري الراحة لبالي/ والهدوء لأفكاري المضطَرِبة/ من أهوال الحوادث القاسية.
وإني أرى من المستحيل/ أنْ أحصلَ على النِعَم بواسطة خليقةٍ أُخرى/ أُكرِّر يا شفيعتي الحنون/ إنَّ لي ثقة عظيمة بكِ/ أنتِ التي اختاركِ الله عزَّ وجَلّ/ لتدافعي عن قضايانا واحتياجاتِنا/ أمامَ عِزَّتِهِ الإلهية/ مع سائر القديسين/ وبالأخص في الأمور الأشدّ صعوبةً وتعقيداً.
إنْ كانت خطاياي الكبيرة/ تجعلُ منّي حاجزاً/ مِنَ الصعب جداً إجتيازه بسهولة/ لِنَيل النِعَم والمواهب/ فأرجو أيتها القديسة العظيمة الشهرة والإستجابة/ أنْ تلتمسي لي مِنْ لَدُنِ الله الرحوم/ المغفرة والتوبة الحقيقية عن خطاياي الكثيرة/ واعداً بعدم الرجوع إليها حتى الموت/ ولا تسمحي أنْ يطولَ أنيني كثيراً/  وكسّري القيود/ وفرّحي قلبي الحزين بمنحي المطلوب يا بحرَ النِعَم/ وأجيزي الأملَ الكبيرَ نحوكِ/ وأنا أتعهد بدوري/ أنْ أشهرَ وأذيعَ في كلِّ مكان/ فعل رحمتَكِ وشفاعتَكِ الفعّالة/ أمام جميع منكسري القلوب والبائسين/ يا أيتها العروس البهيّة ليسوع المصلوب/ تضرّعي لأجلي الآن ودائماً آمين.
    حمل الصليب وزياحه داخل الكنيسة ... ثم الختام بصلاة الصليب المقدس
         ثم نتقاسم كلنا عشاء المحبة الشعبي
                 وشكرا جزيلا للمشاركين
 
صلاة جماعية

أيّها الربُّ الإله/ يا مَن أَبْدَعْتَ الكونَ والطبيعةَ والحياة/ بكلمةٍ منكَ/ ولمّا أخْطأت البشرية/ كان حبُّكَ هو الفداء بالمسيح يسوع/ الذي مات على الصليب/ وكانت القيامةُ حياةً جديدة/ إننا نتوسَّلُ إليكَ بكلِّ ثقةٍ/ أنْ تستجيبَ إلى دعائِنا/ فتُرسِلَ روحَكَ القدوس/ ليُنيرَ عقولَ البشر/ فيُدركوا أنَّ أعظمَ عطيَّةٍ وَهَبَها الله للإنسان هي الحياة/ نرفعُ إليكَ قلوبَنا/ طالبينَ غفراناً وصفحاً/ عن كلِّ ما ارتكبناه تجاهَكَ/ وتجاه الإنسان الذي يعيشُ معنا/ وتجاه ذواتِنا/ جدِّد فينا روحَ الإيمان/ لكي نواصِلَ مسيرةَ بشارةِ الإنجيل بروحٍ جديدة/ وتبشيرٍ جديد/ وطرقٍ جديدة/ واعملْ فينا لكي نُعطي ثمراً/ يكونُ شهادةً لمسيحيتِنا/ يا يسوع القائم من بين الأموات/ اجعلْ منا دُعاةَ سلامٍ ومحبة/ وكفانا حرباً وألماً/ فبحقِّ بكاءِ الأطفال/ وآهاتِ الشيوخ/ ودموعِ النِسوة/ ولهفةِ الشباب/ وتطلُّعاتِ الشابات/ وتسبِحةِ الشمامسة/ وبركةِ الكهنة/ ونحنُ جاثونَ أمامَ صليبكَ/ إرفعْ كلَّ المعانات عن كواهلِنا/ وأَعِدْنا إلى بيوتِنا ومنازلِنا وقرانا/ واجعلنا أنْ نعملَ إرادَتَكَ/ فأنتَ العطاءُ/ ونحنُ صورتكَ ومثالكَ/ لا تجعل أنْ نشوِّهَ هذه الصورة بعلاماتِ السيوفِ والحروب/ بل أجعلنا أداةً لمحبتِكَ/ وكلُّنا ثقةٌ بأنكَ تواصِلُ المسيرةَ معنا/ رغم صعوبةِ حياتِنا/ فانظرْ إلينا بعينِ الرحمةِ والحنان/ وهَبْ نعمةَ السلام والأمان لنا/ ولعراقنا الجريح وللعالم أجمع/ واملأ قلوبَنا محبةً/ فنزرع الحب حيث البغض/ والغفران حيث الحقد/ والمسامحة حيث الإساءة/ ولتكن أمّنا مريم محامية لنا من كَيْدِ الأشرار/ واجعلنا أنْ نتأمّلَ عَمَلَكَ الإلهي في مسيرة الحياة/ بصمتٍ وإصغاء/ فباركنا يا رب/ بشفاعةِ العذراءِ مريم/ ومار يوسف شفيعِ عوائلِنا/ آمين.


44
خوفنا نعم خوفنا .. ورجاؤنا

المونسنيور بيوس قاشا
   في البدء :
   احتفلنا قبل أيام بحدث القيامة ، وكل عام ، والقرّاء الأحبة بألف خير. حدث القيامة حدثٌ
سماوي، أثبت إيماننا في مسيرة إنسانيتنا بعد أن شوّهناها بخطيئتنا ومسيرة فسادنا وكبرياء صداقاتنا ومصالح أنانياتنا وحقد غيرتنا وبغض أفكارنا وقتلنا أبرياء الحقيقة، إنها الإنسان العتيق كما يقول بولس الرسول، فكانت القيامة ، الإنسان الجديد (افسس 24:4)  الذي فيه يتنازل كبير الزمن ويتّضع ويطلب الغفران من فقير الحياة، ويعلن أمام الجميع أنه لا يستحق شيئاً، بل ومهما كان مستحقاً فليس ذلك من فضله بل من مشيئة رب السماء... إنها دعوة ليظهر بياض أفكاره وحقيقة محبته وفساد صداقته وزيف ثرثرته وما ذلك إلا حقيقة القيامة في زمن عولمت الدنيا مسيرتها بفساد حامليها وطغى الشيطان واستعبد العالم والقلوب والشعوب، ومهما كان فالله خير العابدين ،  ليس إلا!.

   بعد مائة عام :
   السادس من آب 2014، يوم ليس كبقية الأيام وليلة ليست كبقية الليالي، يوم الإبادة بليلها، لا يمكن أن ينساه المرء من أهل سهل نينوى ومواطني القرى المسيحية المسالمة والمكونات الأخرى، فيه تعرضوا إلى طرد ونهب وتهجير وقتل في إبادة جماعية لم يسجل مثلها التاريخ إلا قبل مائة عام حيث الإبادة الأولى (1915-1917)،  التي أودت بحياة مليوني مسيحي بأرمنه وبمكوناته. فبعد مائة عام لا زال شعبنا المسيحي يدفع ضريبة الوجود والحياة، ضريبة الحمايات والسياسات البائسة، والنهج الأصولي المقيت، وبسببها أضعنا حتى مقدساتنا بأحجارها ومعابدها وهياكلها وأصبحنا حَمَلاً نُذبَح متى يشاؤون إلى أن أوصلونا إلى داعش الإرهابي وأقرانه البائسين الذين تفننّوا في القتل والذبح والسبي والتهجير ليس فقط في بلدنا بل طالت مسيحيينا في شرقنا وفي أفريقيا، في نيجيريا كما في الصومال ووصولاً حتى كينيا وأثيوبيا ، فنحن كنا ولا زلنا نحمل صليبنا ليس فقط في أسبوع آلام واحد بل أصبحت الأيام لنا أسابيع وأسابيع آلام، وفي كل ذلك بقي إيماننا بالمسيح الحي حامينا وشاهدنا ومقوٍّ لمسيرتنا مؤمنين بربنا الذي قال:"ثقوا فقد غلبت العالم" (يو33:16)، ولنعلم أن الله معنا وهو مع المتّقين .

   الخوف ،  نعم الخوف: 
   الخوف.. حالتان في الصحيح ، حلم العودة يراودنا، والرحيل يكتب محطاته، نحن، المهجَّرون، النازحون، كلنا قد وقعنا في الفخ الذي نُصب لنا، ولا زال الزمان وغابره ولحد اليوم وساعته في صراعات طائفية مقيتة، ومذهبية مميتة، ودينية بفتواها، وفي هذه كله لم يكن لنا ولن يكون لنا ناقة ولا جمل ولكن ابتُلينا بجيراننا، إنهم يرسمون لنا مخططاً ويكتبون لنا علامة أنْ اتركوا، فالتراب بل الوطن ليس لكم، ويمحون من أفئدتنا حبّه وميزته، ويكسرون أعمدة البناء والبقاء، التشبث والثبات في أرضنا والتي تقيّأَتْنا رغم حبنا لها، ولا زال أملنا وشوقنا في العودة لاستنشاق نسماته، ورائحته لا تزال _ نعم لنا _ شهيق أنفاسنا ينشد عودتنا وإنْ كانت مؤلمة وأليمة، فنحن في عودتنا متألمين ولأجلها فاعلين، وإن كان الألمُ أشدَّ من ليلة طردنا، فالله رحيم وأمين سيرافقنا في مسيرتنا ، إنه السبيل المستقيم ولو كره الكارهون .
   الخوف .. من المؤكد أن العودة ستكون لوحة خوف حقيقي لا يرسمها لنا إلا خيالنا،ولن تراها إلا عيوننا ، ولن نبكي لها إلا بدموعنا ، الخوف من كل شيء، والسؤال سيكون حينها: هل دورنا مفخَّخة؟، هل مداخلها مفخَّخة؟، هل شوارعنا وأزقّتنا مفخَّخة؟، ويزداد السؤال: هل العناصر الأمنية ستكون أمينة على حمايتنا بعدما سلّمت مساكننا وأملاكنا ومخازننا ومعابدنا بغمضة عين ، وبمزمار خافت صوته،  في ليلة لا تضاهيها ليلة في الهروب والخوف والفزع وصراخ الأطفال ، وبكاء النساء،  وتأوهات العجائز (العجزة)،  وكبار السنين ،  وفي حالات بائسة ويائسة ودون أن يرجف لهم جفن، وهذا ما سيجعل الثقة وعنصرها متزعزعاً خوفاً من أن الحالة ستتكرر ثانية، بصورة ناقمة وبرجال غير الذين كانوا وستكون الكارثة أكبر من سابقاتها وعزرائيل الأصوليين سيلعب حُرّاً طليقاً فيبيد ويهدم ويكسر...فنحن اليوم في قبضة الارهابيين والشياطين إنه زمن الشر بالحق والحقيقة، زمن قبضة الشيطان على العالم البائس .
   الخوف .. ويُعاد السؤال ثانية: هل ستكون الأصوات من أجل العودة عملاً إعلامياً أم رسالة سياسية أم جواباً تلفزيونياً. فالخدمات أساسياتها هُدمت وفُجّرت، والسرقات طالت حتى الزوايا المظلمة في الطابق العلوي كما في السفلي، وحتى المخازن والصومعات بأديرتها ومقدساتها، بكتبها وسجادها، وأزاد الظلاميون في حقدهم حتى إبادة كل شيء، فعطية الكهرباء وأنابيب المياه ومضخات الحقول والمزارع، فكل شيء في صناديق القمامة، وأصبحت جبال تأوي الذئاب والقوارض والجرذان والحشرات القاتلة ولم يبقَ لنا أن نعلن إلا أن احتلال الشر طال كل شبر وكل بيت وكل شارع، فلم يبقَ حتى ما نعلن ونبثّ إشارة وذبذبة فأبراج الهاتف قُلعت وأُذيب رصاصها وسرق فولاذها، ونُبش الكيبل لإخراج هاتفه ولإحراق محتوياته، فلا بثّ ولا توصيل، لا ضوء ولا تحميل، لا ماء ولا إسالة، لا بلدية ولا وحدات، لا أمانة ولا منظّفين، خوف وجنون إنها مملكة الشر، إنها جوقة الشياطين... والسؤال يختم بقوله: هل نحن في صراع بين الخير والشر؟، هل العالم كتب نهايته؟... لعلّ وعسى! نعم ،  وكان الله خير العارفين.
   الخوف... باخديدا وقُرانا ومدننا في سهل نينوى، معالمها دُمّرت، مراقدنا ومزاراتنا ، اثارنا ، كلها في مجاهل الموت والدمار والتهديم ، ونُهبت آليات البلدة باسم الغنائم ،  وفُكِّكت مكائنها وحُلّت مساندها، كيف سيعود أصحابها بعد أن استنزفوا جميع مدخراتهم وما ملكت أيمانهم بمال الدنيا وليس بحريم اللهو، حيث الهجرة كانت ملاذهم والنزوح كان إيوائهم، فالشهادة قائمة على أن مقتنياتهم بعثرتها الأيادي السوداء أصحاب القلوب الغليظة والنيات الشريرة والأدمغة الإرهابية، فلا أثاث ولا موجودات ولا شيء، أموال جُمعت في سنين عمر كامل وممتلكات أفنوا اصحابها أعمارهم في وجودها ولمهّا، ماذا ستكون الحال؟، بل كيف ستكون؟... لا أحد يكهن بها إلا حاملوها ومرضاها والتعويض حينذاك يكون الفيتامين الأكيد لفقر الحياة بعصير التعويض للمتضررين جراء العمليات الحربية والعسكرية إضافة إلى ما دمّره الإرهاب الشرير بداعشه وهذا ما يحتاج إلى إرادة صلبة في جهدٍ مضنٍ يمنح منحاً لمشاريع تكون آية في إعادة الحياة لضمان البقاء والاستمرار، وهنا يجب أن تلعب المنظمات الإنسانية في الإغاثة الدولية وهيئات بلا حدود دوراً كبيراً وأساساً في أن تكون يد الخير والعون.ولا نحتاج للمصالح المزيفة لكبار الدنيا الفاسدين والذين قتلوا حقيقة الحياة بكبريائهم المزيف وحسبنا الله وهو رب العرش العظيم .
      الخوف... مشاهد مؤلمة سنراها كما سبقنا فوصفناها، وربما يبقى السؤال والذي من أجله كان داعش وحاضنه، كان إرهابه وشروره، أن تتصرف لبيع تربتنا وعرض أملاكنا ودورنا للمزايدة بدولار مزيَّف، وبدينار بخس، فالداء نفسي ولا دواء إلا الرحيل، والأكثر ألماً أن تباع، فهم من أجل ذلك حصل ما حصل وحلّ ما حلّ، ومن أجل ذلك أعلنوا تحريرها، واللعبة الديموغرافية نتيجة حتمية شئنا أم أبينا، فلا من يحمينا ولا من يهيب بنا لإعادة أصولنا وجذورنا مرة أخرى، فالساحة السياسية مشتعلة، والمصالح تتقاسم كبار دنيانا وأسياد زمننا، وهم في اجواء غير أجوائنا ، والبسطاء في حيرة من أمرهم، فتموت العادات وتُمحى التقاليد بعد أن أُحرقت كتب ثقافتنا وإشحيم صلواتنا، وبيعت مخطوطاتنا ، وطُمرت حضارتنا ومُحي تاريخنا ، كي لا يقول كائن ، انهم كانوا هنا يوما ، وهذا أمر شيطاني لتغيير نسيج بساطنا باجتماعيته وإنسانيته، وأصبحت تركيبتنا فراداً أو جماعة متباعدة ومتصارعة ومتشتتة. نعم، الداء النفسي وحالة أحوالنا إما يقوداننا إلى الموت والانفجار وإما إلى المرض وداء العار، والحكاية سنحياها ونشاهدها وسنسمع أنين المبتلين بها،إذا ما أطال الله في أعمارنا بنسيم أنفاسنا،  والتي أخذت مسارها في النفوس وفي الواقع ، ولكن الله فاحص الكلى والقلوب ، بكل شيء عليم.
   الخوف... في الجانب الإيماني والمسيرة المسيحية ربما يتخلل الشك أو يقوى لدى البعض، فللوازع الديني في مثل هذه الحال يلعب دوراً مزدوجاً ربما سيأخذ مَنحاً قوياً رغم الألم والمعاناة أو يقلّ لدى الآخرين، ومن المؤكد كل ذلك حسب المعطيات آنذاك والتنشئة كعامل في الحكمة والوعي والهوية والانتماء، وفي هذا يجب على رجال الكنيسة أن يلعبوا دوراً مسؤولاً وكبيراً، ملؤه المسيح الحي في التجسد في قلوبنا ومسيرة حياتنا من أجل كلمة المحبة والمسامحة والصلح وقبول الآخر المختلف،  من أجل نبذ كل خلاف نشأ وينشأ، والعمل من أجل وحدة الُّلحمة الوطنية بين الأبناء المختلفين، وحمل الرسالة المسيحية في حب الأعداء لأجل توبتهم، فالمسيح مات من أجلنا كلنا وهذه أقدس رسالة يحملها المسيحي في شهادة لإيمانه وعملاً بإنجيله المقدس، فنحن لا نحمل حقداً إلا لأعمال الشر والموت ولا يجوز أن يكون لنا وزرة مثل وزرتهم، فالرب قال:"أحبوا أعداءكم، باركوا لاعنيكم، صلّوا لأجل الذين يضطهدونكم، باركوا ولا تلعنوا" (متى 44:5). وكان الله غفوراً رحيماً .
   الخوف... عن ماذا سينتاب النازح على أثر الصدمة والواقعة الأليمة التي حلّت، بما سيعانيه وبما سيلاقيه، من أحداث عبر أشخاص، وهذا ربما سيدعو السكان إلى نزوح عكسي حينذاك سيكون المصير مؤلماً بل أسوأ بسبب حضور إرادات وغايات انتقائية، ربما كانت دفينة أو كانت مبيتة وربما هذا يدعو إلى اتهام الجماعة بِقُراها ومدنها وساكنيها، وننسى أن الفرد لا يمثل الجماعة، وحالة التعميم لا يجوز فرضها أو تسميتها. فالمسيحية تدعو كل واحد منا حمل أخطائه ويجب أن نميز ونفرز بين الصالحين والأشرار الفاسدين والأبرياء ونكون علامة خير للحقيقة من أجل إيجاد الحلول في التقارب بين الناس وفرزها كي تكون الحقيقة ليس في زارع البغض والكراهية والتفرقة بل في حاصد الغفران والمسامحة والقبول ولله الحمد محب الابرار والصديقين .

   لا خوف ولا يأس
لا ينبغي على المسيحي أن يستسلم لليأس ، انه كلام قداسة البابا فرنسيس (عظته ليوم الخميس 27 نوفمبر 2014 ، في دار القديسة مارتا بالفاتيكان) . واضاف ، عندما تكثر الخطيئة تضعف القدرة على المواجهة ويبدأ الضعف والانحلال وهذا ما يحصل مع الاشخاص الفاسدين ، فالفساد يمنحك اولا بعض السعادة والسلطة ويجعلك تفتخر بذاتك فلا يترك مكانا للرب ولا للارتداد ، انه فساد الخطايا المتعددة ، فساد الروح الوثني وروح العالم ، انه أسوأ فساد ، وان هذه الثقافة الفاسدة تجعلنا نشعر بالاكتمال والاكتفاء كما لو اننا في الجنة ولكنها عفنة ومنتنة في داخلها ، فالرسالة التي تحملها الينا الكنيسة ليست رسالة خراب وإنما هي وعد ورجاء فربنا يسوع يقول لنا بوضوح " واذا اخذت هذه تحدث فانتصبوا قائمين وارفعوا رؤوسكم لان افتدائكم اصبح قريبا " (لو 25:21) ، وعندما نفكر بالنهاية مع خطايانا وتاريخنا الشخصي لنفكر بالفرح الذي دُعينا اليه ولنرفع رؤوسنا ، صحيح ان الواقع اليم وهناك العديد من الحروب والكراهية والحسد والفساد ولكن نطلب من الرب نعمة ان نكون دائما مستعدين للفرح السماوي الذي ينتظرنا .

   الخاتمة . المسيح رجاؤنا:
   ومن المؤكد أن الحالة التي ستواجهنا تدعونا إلى أن نكون حكماء وعقلاء، فمجتمعاتنا العائدة لا تحتاج مع احترام المسمّيات ، إلى أحزاب تنهش بأجسامنا وتسرق أولادنا وانتماءاتهم، ومنظمات وجمعيات تكبر على فقراتها، وحركات تحتكر لنفسها مال غيرها وتحلل ما تشاء وتستهزئ ببسطائها، ومجموعات تفتخر بكبريائها كما لا تحتاج الى كبار يدّعونا انهم هم البيه ولبعض من أَحبَتِهم وإن كانوا من الفاسدين ، بل الى خدام بين شعوبهم ( لو27:22) ، وكل واحد منا له مدلولاته وغاياته ناسياً أو متناسياً مأساتنا ونزوحنا ومدّعياً أن ما حصل كان حدثاً ومضى، وعلى الحقيقة ما تحتاجه أن تشكل في كل محلة أو زقاق أو قرية أو مدينة أو محافظة مجلساً محلياً يقوده العقلاء والحكماء لوضع حلول أمينة وأكيدة وتابعة لكي يكون دعامة لجميع الوجهات الرسمية كي تطبق القوانين من اجل تفعيلها بعدالة الحقيقة واحترام المكوّن مهما كانت درجته ومكانته ، فلا نيأس فالله نصير البائسين ، فلا نخف بل لنملأ قلوبنا علامات الرجاء ورموز الأمل والحقيقة ، فالرجاء تاريخ أمين وحصن منيع ، أما الخوف ما هو إلا حالات بائسة .. فلا نخف فالمسيح الرب معنا ، وهو رجاؤنا ،  وسبق وأعلمنا أن لا نخف . إنه الرحمن الرحيم،  نعم وآمين.


45
عذراً... تلك هي الشهادة الأمينة!!
المونسنيور بيوس قاشا
   في البدء
دلائل عديدة تشير إلى الآتي إلينا، بعد داعش، والمجتمع الدولي، أمام ما    حصل وما يحصل، من المؤكد أنه يخطط لمرحلة ما بعد داعش. فبعد الربيع العربي المزيّف والداعش الإرهابي، ماذا سيحصل لنا؟، وما هو الخفي الذي لم
يُعلَن حتى اليوم، بل حتى الساعة؟، وماذا بعد تهجير المسيحيين والمكونات الإيزيدية والشبكية وأخرى؟، ماذا بعد سلب ونهب بيوتنا، ومساكننا وأمتعتنا،  وطردنا من مساكن قضينا فيها مسيرة أيامنا، وفيها زرعنا أمل أجيالنا وأملنا، وكان جيراننا أول الفائزين بالحواسمية ، وأقرباء إنسانيتنا، ومَن كان يدّعي يوماً، أنهم حماتنا بعروبتهم الأصولية أو بأخرى، لأنهم أول جار، وأصبحنا أمام مستقبل مجهول كُتب لنا، فكنا حروفه وعلينا تطبيقه... إنه شريعة، وأية شريعة، إرهابية بالحق والحقيقة، بالكلمة والواقع، وهذا سرد قليل من حيوانية الإرهاب، وشريعة الغاب، وأمطار الربيع العربي المزيفة.

  شهود وأصلاء
نعم، نحن مسيحيين ولكننا لسنا مسيحيين من أجل ذواتنا بل من أجل العالم، فالنور ليس نوراً لذاته كما لم يكن المسيح لذاته. لقد كان واضحاً في كلامه "اذهبوا وتلمذوا كل الأمم وعلّموهم" (متى 19:28) فأنتم شهود لي، شهود الحق وليس الخضوع والخنوع أمام قياصرة المال وبائعي الملكوت من أجل التكفير في ولاية، وإمارة مليئة  بشهوة القتل والانتقام، شهود للملكوت،  وليس لكلمات خاوية ولملوك مزيفين، شهود حتى الشهادة... هذا هو دورنا، فلماذا نخاف ساعة الموت، ولكن أو ليس من أجل تلك الساعة، ساعة الحقيقة مدعوون!، نعم ساعة المحبة والحقيقة ما هي إلا ساعة الموت ، بل ساعة الخلاص ، ومن اجلها جاء ربنا (يو27:12)  ولِمَ التعجب، ألم يلبس إلهنا ضعفنا وحمل الصليب ؟، ألم يتجلى في هشاشة سر الغفران؟.
نعم، قلتها وقالوها وكتبها التاريخ ، ويدركها الأعداء قبل آل البيت إنّ المسيحيين أصلاء، نعم أصلاء ونسيج في الأصالة، ولا يجب أن يُنظَر إليهم بقصر النظر بل بحقيقة وأصالة الوطن والمواطن، فهم شركاء لخيرات الوطن ومع جميع أبنائه، والحقيقة إنهم ليسوا أقليات ولا يجوز معاملتهم بهذه النعرة البائسة كما ليسوا من الجاليات أو طوائف فهم لم يأتوا استيراداً عاماً أو خاصاً بل هم في ضمير الوطن وحقيقة الشعب، فلا يجوز الاعتداء عليهم أو طردهم وتكفيرهم، كما لا يجوز تسفيرهم وتهجيرهم وترحيلهم بل أن يكونوا وحدة واحدة، وبحرية القانون والأصالة أن يمارسوا إيمانهم لإنجيلهم وعباداتهم لمسيحيتهم. فالإيمان عقيدة يختارها الإنسان بهبة الحرية، إنها هبة من رب السماء وليس فضلاً أو مكرمةً من حكّام هذا الزمن البائس أو كبار الدنيا الزائلين وبتسلسل عناوينهم أو رؤساء المنابر وبأعدادهم الرقمية والمسؤولية.


   حالنا وزمننا...
حالنا يزداد سوءاً، وزمننا زمن الأزمات والهزيمة والفساد، ليس هزيمة الموصل وسهل نينوى، وليس فساد السرقة وما شاكلها فحسب بل هزيمة الأخلاق والصدق والحقيقة والثقافة والتاريخ والشجاعة، وفساد المصلحية والطائفية وعقودها وتبرئتها وأوراق المحسوبية وأسطر الكبرياء والأنانية لقتل الأبرياء وهم في دورهم ساكنين، وفي حالهم سالكين، وفي طريقهم سائرين، ولشهادتهم حاملين، ولقيم إنسانيتهم مبجّلين، ولكن صراع الحقيقة سيبقى شامخاً مهما اخترع الأشرار ما يسيئ إلى الآخرين وعقيدتهم ومسيرة إيمانهم وغيرة رسالتهم ووفاء عطائهم،من كسر الصلبان وتزييف الصور ونشرها وهدم الكنائس،  فبين الهزيمة والحقيقة صراع وأي صراع، صراع طائفي ومصالح تتآمر بعضها ضد بعض من أجل تسجيل الفساد آيةً، والكذب حقيقةً، ومن الزور شهادةَ حسنِ سيرةٍ وسلوكٍ، بمساحة عباءاتهم، وعلوّ أياديهم، يسيرون في أسواق المدينة ويتربّعون في ساحاتها ليعلنوا الزيف والكذب والمحسوبية والطائفية حقيقة للتجارة البخسة لتدمير الآخرين الأبرياء والمختلفين وهذا ما أوصلنا إلى حال لا نُحسَد عليه بل كله سوءاً، ويأتي السؤال: هل نبقى نطمطم على حقيقة مزيفة؟، وهل مَن يسأل ومَن يجيب؟، وهل سنشهد يوماً لأولئك المزورين والكذابين والفاسدين والمزيفين في أقفاص الاتهام وتُعلَن الحقيقة من على منارات الزمن، في الجوامع والمساجد ودور العبادة، عبر البلاد وعبر البحار والمحيطات والأوطان؟، أم أن كبير الدنيا _ وإنْ كان فاسداً _ يبقى صنماً معبوداً ومبجَّلاً وله يجب الانحناء، ولسلطته الخضوع والخنوع، وله يُنشَد "بالروح بالدم نفديك يا بيه"... فبئس الحال وبئس الزمان حيث الفاسدون يتسابقون في نهب حسابات الوطن في وضح النهار، باسم فقراء الدنيا،  وبائسي الحالة،  ومهجري الحروب، إنهم من المفلسين، والرب يسوع قال:"تعرفون الحق والحق يحرركم" ( يو32:8)، وهو الذي قال للخادم الذي لطمه أمام منبر قيافا:"لماذا تضربني، ألأني قلتُ الحقيقة؟" (يو22:18). فحقيقتنا إننا اصلاء الوطن وأبرياء المسيرة في عيش الإيمان بوفاء وحمل الرسالة بوداعة كي نكون أمناء... ليس إلا!.

   انتماؤنا وإيماننا
إن انتماءنا الديني انتماء إلى إيماننا بالمسيح ومسيرة تراثنا وحقيقة تأريخنا انتماء إلى عقائد عرفناها خلاصية لمسيرتنا ضد الخطيئة وشرائع مُنحت لنا من أمّنا الكنيسة انطلاقاً من حقيقة إنجيلنا، في عبادات ووصايا أُعطيت لنا عوناً كي يُكتب لنا الخلاص، بقيم وفضائل وأخلاق لجمال أجسادنا وحقيقة أفكارنا وبراءة أرواحنا، وهذا كله يتجسد في الإنسان الحامل أيضاً لحقيقة المحبة والسلام واحترام الآخر المخالف، لأن إيماننا يعلمنا أن إلهنا لا يحتاج إلى مَن يخدمه بل إلى مَن " يخدم الإنسان أخاه الإنسان" (متى28:20) ، وفي هذا كله بل في هذا فقط يكون قد خدم الله خير خدمة، وفي ذلك تكون الألفة هي أساس الانتماء في التعاون مع الشريك الآخر من أبناء الوطن الواحد وعلى قاعدة المساواة والاحترام المتبادل، ولكن المخيف حينما يصبح الانتماء الديني مكوناً أساسياً في الوطن فقد يصيبه الخلل آجلاً أم عاجلاً.


   خطابات وبيانات
ألا يكفي ما نسمعه من خطابات وبيانات وأحاديث عبر الهواء، فلا آذان صاغية ولا عيون رائية أمام صور كبار الدنيا والزمن. فاستعراض الضحكات والبسمات أمام الكاميرات ينقل لنا أخباراً مزيفة، وإن القرارات قد أينعت وأثمرت وحان قطافها، والحقيقة هي غير ذلك، فالحال لا زال في شرقنا مأسوياً ولا زلنا متألمين، وكلنا نفتش عن ملاذٍ آمن وعن بلدٍ يأوينا وعن قانون يحمينا، فقد اتُّهمنا بالكفر والتكفير، بعبادة الأصنام وتابعي النصرانية وعدم التوحيد، ليحلّلوا قتلنا، ويخلو شرقنا منا، فالشرق للعرب والإسلام والغرب للمسيحيين النصارى والكفار... إنه الإرهاب في حقيقته والإهانة بكبريائها، إنه فساد يضاف إلى فساد المال ألا وهو فساد في القيم والأخلاق، إنها الإهانة بضميرها وتهمة بعمق كنايتها، وأمام هذا كله نتساءل: هل نحن أبرياء من دماء أبنائنا؟، هل غسلنا أيدينا كما فعل بيلاطس؟ (متى 24:27)... أم ماذا!.
   
   مصالح وسلطة
من المؤسف أن تكون مصالح السلطة والاستعباد والبترول أهم من مصلحة الإنسان، كما من المؤسف أن يكون البترول العربي والإسلامي أغلى من الإنسان المسيحي أو المسلم المنفتح أو المكون الآخر، فخيرات بلادنا في خدمة إنساننا يجب أن تكون، وليس لمصلحة المحتل... وهذا ما يجب أن يكون. والعكس هو الإسلام العربي والأصولي والذي ينادي بثقافة وكراهية الآخر ونبذه فتكون خيرات البلاد لهم وليس لغيرهم لأنهم كفّار الدنيا. فعملية إدانة قتل المسيحيين والمكونات واضطهادهم عملية ضد الله وضد الإنسان وضد أديان السلام، فنحن اليوم لسنا بحاجة إلى فتاوى تكبر في نفوسنا وتخيفنا حتى من ظلّنا، فالأصولية لا زالت مسؤولة عن تعميم ثقافة البغض بين العديد من المذاهب الإسلامية والديانات الأخرى في غاية منهم لقتل الآخر البرئ، وهذا ما جعل الانقسامات والخلافات الدينية ما بين المسلمين أنفسهم تأخذ مسارها بين أبناء المنطقة إضافة إلى الخطاب الديني المتشدد الذي بدأ يأخذ مساحة أكبر من استحقاقه، كما تكاثرت الحركات الشاهدة والمؤيدة للعنف من أجل تحقيق أهدافها. إنهم يكفرون الأفراد والمجتمعات تتبنى الإرهاب سبيلاً وحيداً للوصول إلى ما يصبون إليه، فتخاف الصلبان وتكسرها، وتهدم الكنائس وتقتل المصلّين فيها، تسرق وتستولي على أموال المؤمنين كحالة كتبها الشرع وقرروها بالسيوف وقطع الأعناق ولم يبقَ شيء إلا أن يقال للخالق (سبحانه وتعالى، عذراً وسماحةً) "عليك أن لا تخلق مَن هم كفرة ونصارى ومشركين"... ليس إلا!.

  مصيره ومصيرنا
سبق ربّنا وأعلمنا أن مصيرنا لن يكون أفضل من مصيره "سيخرجونكم من المجامع وستأتي ساعة يظن فيها كل مَن يقتلكم أنه يقرّب قرباناً لله" (يو 2:16)، وهذا ما تحقق في المسيح، وهاهو يتجسد في مسيرة حياتنا، إنها حقيقة شهد لها المسيح ليعلّمنا أن نشهد بدورنا للحقيقة ولا نخفي في أعماقنا وما يجعلنا أن ندمّر ونقطع مسيرة الأبرياء أو نشكّ بمسيرتهم غيرةً وحسداً وكبرياءً ، وهم أمام ربهم يرزَقون. فالمسيح حَمَلُ الحقيقة، والحقيقة اليوم حَمَلُ الإيمان، والإيمان قاعدة مسيحيتنا، ولنا الثقة أن المسيح فادينا. مهما كانت الحقيقة مزيفة في أفكار الطائفيين والمَصلحين في المحسوبية والمنصوبية والكُرسَوية، فالمسيح يبقى اللاهوت الناصع في القيامة المجيدة، وهكذا أبطال الإيمان يموتون وهم يشهدون ضد الحقيقة المزيفة التي يتغنى بها المتربعون على سلطان الزمان ولكن ليس ذلك نهاية المسيرة، فالمسيرة الحقيقية للابطال هي الشهادة لقيامتهم على مثال قائد المئة الذي أعلن "بالحقيقة كان هذا ابن الله" (مر39:15). فالقيامة آتية لا ريب فيها، وقول الحقيقة ، كما يقول المهاتما غاندي ، في وجه الاقوياء ، أمر لابدّ منه وقد أتت الساعة، فاليوم نحياها عبر آلامنا وشهادتنا لحقيقتها أمام قيافا الدنيا (يو22:18) وحنّان الزمن (يو24:18) وبيلاطس الفاسد ، وهيرودس المراوغ... إنهم ثعالب... ليس إلا!.

  حبنا وسلاحنا
سلاح الحب هو ينير هويتنا، نعم اخترنا هويتنا ونتألم كما تألم تائهاً وأن نُذبَح كما ذُبح وأن نُصلَب ونموت كما صُلب هو فنستحق حينها أن ندعى مسيحيين ليس حروفاً على ورق بل شهادة للهوية. فالهوية ليست شهادة نحملها بل نحملها من الغائب إلى الحاضر، من المسيح الذي اعتمذنا باسمه إلى مسيرة حياتنا التي نحياها في أعمارنا، وإذا صعدنا إلى السماء وجدناه وحتى إلى الجحيم فهو هناك. نعم، لقد دخل المسيح جحيم بشرنا فأنار ظلمته وحسب التلميذ أن يكون مثل معلّمه (متى 25:10)، فعواصف الشتاء لا يقبلها إلا الغفران وربيع الحريات لا يدخله إلا الأحرار والأحرار هم الذين يشهدون للحقيقة وليس لمصلحة الطائفية والمحسوبية والمعرفية وإنْ كانوا أقوياء بظهرانيهم، فالظلم اليوم يغطي سماء وجودنا ولا زلنا نتنفس وننام في حين يذهب المعلّم ليصلّي فقد قال لتلاميذه:"أمكثوا ههنا" (متى 38:26)، وبين هنا وهناك يجب أن نصير حيث سجد المسيح ونصب لنا صليبه جسراً تعبر المحبة فوق وادي الموت الذي ابتلعنا بعولمة فاسدة، فالبابا بندكتس السادس عشر قال:"أترك الصليب لأعانق المصلوب"... هذا هو سبيل الحقيقة في عالم الدنيا المزيف، فالمأساة يومية وعلينا أن نعيد قراءة هذه المأساة بمقياس مسيرتنا، فلا يجوز أن نحب مصالحنا كي ندفنَ أبرياء الإيمان، ونفضّل أفكارنا من أجل مصالح مزيّفة، كي يقال عنا ما هو في الكذب والنفاق ، هو الحقيقة ، بئس مثل هذه الشهادة ،إنها إرهاب الثرثرة كما يقول البابا فرنسيس ( سانت مرتا 23 اذار 2015) ، بل علينا ان نشهد وبصوت السماء ، ما أجمل حقيقة الحياة ، كما علينا أن نحلّ محلّ القيرواني في حمل ثقل الصليب، ولنعلم جيداً أن كنائسنا لا تُعرَف بصلبانها بل بحياة سيدها في مؤمنيها، بمصلوبها، فالصليب بحمله يرسم لنا لوحة الفداء والمصلوب بموته يُتِمُّ لنا مخطط الله الآب في سر التجسد والفداء،  فلنكن صوت الحقيقة في زمن الهزيمة والفساد، تلك هي الشهادة الأمينة ، نعم وآمين.

46
أحبائي المُهجَّرين ... الحقيقة لا تموت

المونسنيور بيوس قاشا
في البدء
تُجابهنا اليوم تعقيدات الحياة بفروعها وساحاتها، بوسعها واختلافها، وأمامها تصيبنا الحيرة،
وينتابنا اليأس، ويزداد همّنا ويثقل نير حياتنا ويعلن السؤال وجوده، ويدرك جيداً أن لا أحد
 يطلق عنان الجواب ليقول لنا من أين نبدأ وإلى أين ننتهي..هل نبدأ بالداعش وإرهابه، أم بالهجرة وضياعها، أم بالوطن الجريح ودمائه، أم بالنزوح وآلامه أم بالمستقبل وجهله أم باقتناء المال وفقدانه، أم بفساد الزمن وعقائده، أم بقتل الأبرياء وسياساته، فنحن نسأل اليوم ولا أحد يشفي غليلنا ولو بحقيقة بحجم الخردل تفرز مفارق حياتنا، وتهدّئ روعنا، ومسيرتنا ترسم الطريقَ التي نسلكها لعلّ وعسى سنجد ضالّتَنا ونعود إلى حقيقة إيماننا ومحبتنا لأرضنا، فترانا لا نعرف أين نمضي وأين هو الاتجاه، فنصاب بالأرق ليلاً من خوفنا وبالوهن والضياع نهاراً من عطبنا، وربما يصدق في ذلك ما قاله يوماً هنري كيسنجر:"إن كنت لا تعرف أين تريد الذهاب فكل طريق سيذهب بك إلى لا شيء".

ساعة الحرب
   نعم لأننا لم نكن نعرف أية طريق نسلك ولذلك لم نحصد غير الفشل وكل شيء توقف في مسيرة حياتنا. فساعة الحرب قد أُعلنت دقاتُها ضدنا وضد الإنسان والضآن وضد كل ما هو مسيحي ونصراني (هكذا أسمونا)، وبوق العساكر قد أعلن موافقتَه، وهاونات الشر بدأت تدكّ مرابَعنا وخرابها ملأ المسكونة وكل ذلك كان في مخطط لم نشهد له وكنا نائمين عن إدراك عمقه وأسراره وهاملين وقوعه، فأكلنا وشربنا ورقصنا وبنينا وزوّجنا وتزوّجنا وزرعنا وحصدنا، وكل شيء توقف وأزاد في فشلنا سؤالُنا لأنفسنا عن ماضي ارتكبناه بحقنا بعدما تركنا ديارنا وقُرانا ومساكننا وهرولنا مثل غنم أمام ذئاب الأصولية والإرهاب الشرير، وعصاباته وزواياه ،  التي لا تعرف الرحمة ولا الإنسانية والتي أجرمت بحقنا جميعاً يا أبناء أمتي.
   وها نحن نلحف أرض الله الواسعة بِحَرِّها وبردها، بمطرها وثلجها، بقساوتها وعنفوانها، بجوعها وعريها، بغربتها وعبوديتها، وهذا ما يذكّرنا بربنا يسوع برفقة يوسف ومريم وصوت هيرودس يلاحقهم إلى حيث مصر الآمنة (متى 13:2)، مصر الفراعنة، إلهة النيل الأبدية، وفي كل ذلك أستُبيح قتلنا وهُدرت دماؤنا ونُهبت منازلنا وقُتلت مواشينا وأخرى بيعت في سوق نخاستهم وأسواق الحرامية وحلّلوا كل حرام فكانت آياته قد أُنزلت علينا ولكنهم لم يدركوا أن المسيحية لا تبالي بكنوز الأرض وخيرات الدنيا (متى 20:6) بل بحقيقة السماء وفي ذلك كانوا وسيبقون من الأشرار، ومع المسيح لسانُ قولهم يسمعهم "لرب السماء تسجدون وإياه وحده تعبدون" (متى 10:4).

الرب يرافقنا
   من المؤكد أن المسيح الرب وقع مراراً تحت عبء الصليب (متى 32:27) لكنه لم يرزح تحت نير الألم ولم ييأس من أن قوة الله هي ثقته وإن الله معه على مواصلة الطريق، فكان ينهض ويتابع مسيرته. ولنعلم جيداً أن الرب يرافقنا على الطرق، والضعيف منا يحمله على كتفيه "فَكَتِفَي الرب القائم من بين الأموات مكان يتّسع للجميع" هكذا يقول القديس فرنسيس السالسي. فالوقوع _ كما حصل لنا في الهجرة الحالية والنزوح _ أمر طبيعي في محاربة الشر لنا والإرهاب ولكن ذلك لا يجوز أن يتركنا في اليأس أو يتحكّم بنا وفي جميع المجالات الوطنية منها والمهنية والعائلية والأخلاقية والروحية. فإيماننا يعلّمنا أنّ درب الصليب انتهت بالمسيح إلى القيامة، فإنْ شئنا أن يكون نصيبنا مثل نصيبه ينبغي أن يكون تحمّلنا مثل تحمّله إبتداءً من بستان الزيتون، إذ أن واقع موت المسيح على الصليب وقيامه يصيبنا جميعاً نحن الذين نحمل بذور الملكوت (متى 28:26-29). وبولس الرسول يقول:"إن مجد الله يتجلى في الصليب" (1كو 2:2-5)، والصليب هو قمة المحبة وحكمة الله ومحور الخلاص الذي هو نعمة الله المجانية للبشرية قبل مجيئه وفي مجيئه وبعده.

صليب المسيح
   نعم، لنعلم جيداً أن شجرة الصليب تُغرَس في عظامنا اليابسة الجافة فنقول "لا للموت" لأن الصليب فينا ما هو إلا شجرة الحياة وثمارها الحب، والحب أقوى من الموت، والمسيحي هو الذي يحمل صليبه مع المسيح بروح الاشتراك في سرّ الفداء وبحمل صليب غيره، مثل المسيح، بروح التضامن والمحبة. وهو حينما يحمل صليب غيره يحمل صليب المسيح لأن صليب الغير وصليب المسيح صليب واحد. وعلى حد قول القديس أوغسطينوس "مسيح آخر" يحمل صليبه وصليب قريبه لأن صليب المسيح صليبنا وصليبنا صليب المسيح. ونحن، نعم، وإنْ كنا مهجَّرين نعرف أن الله أمين ولا يدعنا نُمتَحَن فوق طاقاتنا بل يجعل أيضاً مع المحنة مخرجاً لتستفيقوا أن تحتملوا (1كو13:10)... فلابدّ من حمل الصليب وعبور نفق الموت.

وصية جديدة
   كثيرون يكفّروننا ويتاجرون بضمائر الشعب وكما يشاؤون، وكثيرون يتعاملون بشكل خبيث ليعيدوا غنائمهم المصلحية في الكذب والنفاق، في المراوغة والملاطفة، في الحيلة والمكر، في الحقيقة المزيفة والكلمة المنمَّقة، إنها تجارة بخسة ورسالة بائسة ومسيرة خاسرة وإن ثبتت أياماً وأشهراً وسنين ستنجلي الحقيقة وإن قالوها في المخادع، وستعلن على سطوح المنازل (لو12:3)... إنها أزمة عقل وضمير وجريمة إبادة الآخر في نشر القيم الفاسدة عبر قيادة مزيفة لدنيا الزمن والعولمة بسبب عيش البغضاء بدل أن نخرج من ذواتنا لنشهد لحقيقة الحقيقة ونذهب إلى الآخر المختلف عنا فكراً ونظرةً، والرب يسوع علّمنا أنه لم يثأر على ذاته إنما أعطى دماءه حُباً إذ قال:"أعطيكم وصية جديدة..." (يو34:13). ومهما يكن سنبقى نختار هدفاً، وهدفنا ما هو إلا عودتنا إلى أرضنا. فنحن لا نريد أن نبقى قضية كبقية القضايا التي حيكت من أجل تدمير الشعوب، بل نختار هدفاً يستحق منا العناء والدماء والفداء، هدفاً يحمل معناه وحقيقته في رجالٍ أشدّاء حاملين الشجاعة والأمانة والوفاء، أمام رجال يحملون أسماء بلا حقائق وشهادات بلا وقائع، وعلامات مزيفة بلا ضمير، ويرفعون أصواتهم بضاعة أمام قوى الزمن "اقتلوهم إنه معارضون... إنهم نون" في غيرة ضد الأصلاء والأصيلين، فالمسيحي مدعو أن ينخرط ويتقوى لا أن يسامح ويبتعد، ولا أن يُهمَّش لمجرد مهاجتمه.

خسارة ارضنا
   مهما كانت الذاكرة المسيحية مجبولة بالمآسي والاضطهادات فهي مدعوّة إلى تذكّر العلامات المضيئة في التاريخ، فالرب يصنع الصلبان لكنه يصنع معها الأكتاف. لنستذكر القديسة شموني وأولادها السبعة والتي استشهدت في زمن الطاغية أنطيوخس ملك أنطاكية وبعد أن رأت بأَمِّ عينها الطاغية وهو يعذّب أولادها ويقتلهم، كَبُرَ إيمانها وتشجعت إرادتها وأدركت أن تلك صلبان الرب لها أكتاف الحياة، فقد شهدت أنها امرأة جبارة في إيمانها وثباتها وعاطفتها بعمق روحانيتها... ويكفي أن يحمل المؤمن اسم المسيحي حتى يصبح حمل الاسم تحدياً له ولمعنى حياته، وفي هذا كله يكون التاريخ شاهداً لعدم خسارة أرضنا. فكبار الزمن ومخططاتهم ما هي إلا خسارة أرضنا. إنه ابتزاز دنيء، فدماؤنا في كنيسة سيدة النجاة لم تنشف ودموعنا لم تنقطع،ورسالتنا كانت شهادة شاهدة ليس إلا،  فأين المنطق والإنصاف إذا كنا فقط نولول ونثرثر من على ما يكروفونات الزمن، فالتنظيم الإرهابي يهجّرنا وآخرون يفتحون أبوابهم لترحيلنا والغاية الوحيدة التي ننشدها هي العودة إلى ديارنا وهذه هي المسؤولية الحقيقية، أن لا نبيعَ أرضنا، لذلك يقول البابا فرنسيس:"ما أراه اليوم أن يسوع يبكي، فقد قفلنا قلوبنا وقلوب رعاة الكنيسة في وجهه" (20 نوفمبر 2014، قداس في سانتا مرتا).

علاقة وحوار
   لتدخل الكلمة أعماقنا، فنلمس حقيقتها ودفئها وعنوانها، فنقبلها ونستسلم بثقة لإلهنا ليحقق فعله الخلاصي من خلالنا، لأن إلهنا لا يريد تحقيق فعله الخلاصي لحياتنا لوحده بل يريد أن يشارك الإنسان في ذلك لأنه مبادرة مجانية وبدون استحقاق منا وبقبول حُرّ من الإنسان. لذا علينا أن نبدأ بمعرفة مَن نحن وحقيقة الإله الذي يطرق أبوابنا ليهذّبنا ويرينا ثقل النير وكنوز السماء فنريه همومنا وآلامنا ومعاناتنا إنْ كنا في الخيم ساكنين أو في الكرفانات لاجئين أو في عمارات عارية أو في فنادق عامرة أو مهجَّرين بعد أن تركنا دورنا ومنازلنا ومقتنياتنا وأحلامنا ونجونا بأنفسنا، ونسينا أن أبوابنا لا زالت مغلقة أمام الرب ولا أحد يفتح له، وهاهو يبكي، فهو يمثّلنا في هجرتنا ونزوحنا من أجل أن يهذبنا ويرينا ويسمعنا أنه "هو الطريق والحق والحياة" (يو6:14).
   فاليوم نحن مدعوون إلى أن ندخل في علاقة مع الآخرين، فالحوار الذي دار بين الرب يسوع وإبليس بعد أن صام أربعين يوماً كان حوار الحقيقة والإيمان وهُزم الشر وللرب سُجد وله تجب العبادة (متى 10:4)، وبئس مَن يبني جدراناً فاصلة بدل الجسور الموصِلة، وبئس مَن يعتبر نفسه إله الدنيا وينسى أن يقيم علاقات الحوار. وبئس مَن يقتل الحقيقة بضمير الفساد، وبئس مَن يحصد المصالح بمناجل الاشرار، والعلاقة الصحيحة ما هي إلا أن نكون مثل إلهنا، أن نطرق أبواب الأخوة المختلفين، وهذه هي المتعة الحقيقية في الحياة، في أن تكون مشغولاً بهدف تعرف أنه ذا قيمة كبيرة بدلاً من أن تكون كتلة أنانية صغيرة من الأوجاع والمظالم شاكياً أن العالم لن يكرّس نفسه من أجل سعادتك" (جورج برناردشو).

هذا ما حصل
   خائفون، هكذا هُزموا من أرضهم وديارهم وقُراهم وسكناهم، كل شيء توقف في مسيرة حياتهم بعد أن تركوه خوفاً وفزعاً من الإرهاب الشرير. وها هم اليوم في أرض الله الواسعة... نعم، أيها المهاجرون، ظروف الغدر أجبرتكم على النزوح هرباً من عصابات لا تعرف الرحمة ولا الإنسانية، وأجرمت بحقكم يا أبناء أمّتي، آلاف العائلات قُتلت ودُمِّرت واستُبيحت أرضكم وسُبيت غنائمكم وكريماتكم، فهم ليسوا إلا وحوش كاسرة لا تنشد إلا الموت والشقاء، ففيهم مات كل شيء لأنهم لا ينتمون إلا إلى إرهاب وما ذلك إلا ضعف حياتهم.
   نعم، لقد كانت قُراكم ومدنكم هي تاريخكم ومسيرتكم الإيمانية هي ماضيكم وحاضركم ومستقبلكم كما كانت مستقبل أجيالكم... نعم، تركتم مدنكم بعيونٍ تبكي دموعاً وحزناً على مواطنيكم وأرضكم وتاريخها، إذ ليس من السهل مغادرة أرضكم جبراً وقسراً لكي تفترشون الحدائق والأرصفة والعراء بعد أن سرقوا أموالكم وخزائنكم وأكياس معيشتكم وحتى بطاقات تعريفكم... فالوحوش الكاسرة كفّرتكم وحلّلت أموالكم غنائم، والحقيقة ما هم إلا سرّاق، وما حلّ بكم إبادة جماعية، لم يشهد العراق على مرّ العصور والأزمنة مثل الجرائم التي أُرتكبت بحقكم... إنه الإجرام بعينه. واعلموا أن الحقيقة لا تموت وإنْ باعها كبار الزمن لمصالح لهم ولأتباعهم، وما هم إلا ذيول الرذيلة المزيفة الذين يخدّرون شعوبهم بكلمات منجدية بعمق شرتونيتها، ويعتبرون ذلك أنه السراط المستقيم، بينما حقيقة الحياة لا تكمن إلا في خلع أثواب ملوكيتنا كي نعيش فقرهم وعوزهم، ونعاني برداً وعُرياً وخوفاً، وليس تمنيات وبيانات ودعوات، بل شهادات وحقائق، وإن حصل ما حصل، "وإنْ وقعنا سنقف ثانية" كما يقول المثل الياباني، المهم أن لا تفترّ رغبتكم، عليكم أن تتمسكوا بالصلاة وبالحوار مع الله، وهذه هي الشهادة الأمينة ليس إلا!. أن نكون طلاباً تحت أقدام الصليب.

الخاتمة
نعم، هذه شهادتنا ليست إلا. فانتبهوا يا أبناء جلدتي، أحملوا إيمانكم في آنية من خزف (2كور 7:4) وعيشوا حقيقة مسيحيتكم في لقاء الألم، وقولوا الحقيقة في وجه كبار الزمن، وثعالب الحياة، وحيتان الفساد، وبائعي الإرهاب والشر، ومعلمي الطائفية والمحاصصة والمحسوبية ،  كما قال ربنا يسوع يوماً لهيرودس:"إذهبوا وقولوا لهذا الثعلب" (لو32:13)، وما أكثر اليوم ثعالب زمن الإرهاب ، وحيتان الفساد ، نعم وما أكثرهم. ولا تخافوا أن تجعلوا صليب الرب يسوع مرافقاً لمسيرتكم ، فما أنتم إلا تلاميذه ، آمنوا بأن الحقيقة لا تموت، إننا سنرجع يوماً إلى ديارنا، نعم ونعم إلى ديارنا ، وهذه حقيقة إيماننا بصليب ربنا يسوع... نعم وآمين.   


47
بدل الرحيل ..
لنعانق الصليب ونحيا الإنجيل..
المونسنيور بيوس قاشا

في البدء

   نحن اليوم امام قصص مأسوية لا تنتهي ، وابطالها 
فقهاء الفتاوى القاتلة ، وأزلام الموت الارهابيون ، والذين كفرّونا ،
 ولا زالوا يكفروننا، ويعملون على محو إسمنا ، وطمر ديانتنا ،
 ويريدون منا ان نكون لهم عبيدا وسبايا تباع في سوق نخاستهم العفنة ، ويكتبون لنا الهزيمة دوما وابدا وليس هزيمة الموصل فقط بل ان استطاعوا هزيمة الوطن باكمله ، هزيمة القيم والاخلاق ، هزيمة الحضارة والأصالة ، والحقائق والصدق ، من اجل تشويه وجه التاريخ ، وفقرات كتاباته ، وسجلات احواله ، معتبيرن انفسهم المصلحين والأولين والخاتمين ، الامرين والناهين ، عبر تدمير الابرياء في نفوسهم كما في مجتمعاتهم واوطانهم ، كما انه ، ومن المؤكد ، أن الوطن خيمة مواطنيه والأنتماء اليه رسالة العلا ، ولا يمكن أن يكون لطائفة أو لعشيرة أو لقومية أو لديانة بل لجميع الأطياف بمذاهبهم وطوائفهم ودياناتهم، إذ أن تقسيم الوطن ما هو إلا محاصصة قاتلة، وإهانة لعمل السماء الرائع ، واحتقار لعمل الإله الخالق سبحانه وتعالى إذ قال:" أنموا وأكثروا وأملاوا الارض" (التكوين28:1)، وأيضاً في القرآن الكريم " إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ " (سورة الحجرات 13) ، وليس لنكون حصصاً وأجزاءً ومذاهبَ وطوائفَ وكفارا ونصارى ومسبيين ،وما ذلك من مسميّات ، كما أنّ الانتماء إلى الوطن رسالة سامية يؤكدها الانتماء إلى العقيدة الإيمانية والحقيقة القيمية في الفضائل ومسيرة الأخلاق عبر تاريخ الزمن ورعاية الشرائع والعبادات والوصايا من أجل دستور انتماء أكيد يحمل في طياته احترام الآخر وقيم عبادته وخدمة الآخر ونشله من بؤسه في رسالة سامية ملؤها المحبة والسلام والرحمة، فالله ما هو إلا رحمن رحيم.
مسيرة إيمان
   نعم، إن عالم اليوم ، يغرق في مادية الدنيا والعولمة ،  مساءً أكثر منه صباحاً، وباتت مسيرة الإيمان مزيفّة،وكلّ له إلهه ، وحقيقة التقوى أمست عاطفية واحترامية، والصراع بينهما في النفس وداخلها في كل ساعة من ساعات نهاراتنا وليالينا. وأمسى المسيحي خجلا من إعلان بشارة المسيح عيسى الحي وخائفاً مما سيُقال عن المُعلِن والمُعلَن والمؤمن، فتضيع حقيقة وجودنا وتُشَوَّه صورة دورنا في قلب العالم وننسى أن نكون أمناء لحمل الرسالة وأوفياء لإيصال البشرى في المُثُل والقِيَم والانتماء في الفضائل والأخلاق، في الرحمة والسلام، فنفكر في الرحيل وحمل حقائب الزمن، مدَّعين ومتأسفين أنه لم يبقَ لنا أحد من أهلنا وأقربائنا وحارتنا فيعشعش فكر الرحيل في أدمغتنا حتى تكتمل الآية والأعجوبة في أنْ نفرغ أوطاننا من انتماءاتنا برحيلنا وتبقى بشارة الحياة تنادي هذا وطنكم ، أباؤكم عاشوا هنا وأرضية عقاراتكم باسمائكم ، فلمّ الرحيل ، ولكن لا آذان لتسمع، فقد رحلّوا ورُحِلُّوا كلهم وليكن وراءهم الطوفان كما يقول المَثَل الفرنسي، فيموت قلب الوطن ولسانه يقول بحقيقة القول "مَن يحمي أولادي"، وينسون أن الله هو الحافظ الأمين ، والرازق الأكيد .
سفر جديد
   إن حمل رسالة الصليب والإنجيل حقيقة سماوية، وهذه الحقيقة واحدة متحدة في عمقها وفي وجودها، لا ترسم لنا إلا طريق السماء في الشهادة، فهي الجواب الشافي الأمين في حضور المسيح مهما كانت العقبات الطبقية والطائفية والثقافية... إنها قصة إيماننا، وحب السماء لنا في أرضنا، ومهما فقدنا من أموال وخيرات وجاه ومناصب وكراسي ومهما كان جلساؤنا وكبار زمننا وبائعو حقوقنا وسُرّاق أموالنا، فالحقيقة أكيدة أننا مدعوون إلى كتابة سفر جديد عن أعمال مسيحيينا ومؤمنينا  وتسطير رسائل رجائية وأَمَلية إلى أجيالنا النازحة والمهجَّرة والمهاجرة. فلا عمل سِلْمٍ دون بذل الذات من أجل الآخرين، ومشاركة المسيح في حمل الصليب، فلماذا الخوف إذاً!، ولا يمكن أن تكون حياة دون موت وصليب، والسبيل هو الخروج عن ذواتنا والتعرّي عن أنانيتنا وجشعنا ولامبالاتنا، فقد أصابنا الجمود والفتور والجهل، وأَلَّهْنا مَن نشاء ومتى نشاء، ولهم تنحني قاماتنا مطيعين وخائفين خوفا كي يكتبَ لنا الوجود والمكانة والكلمة ومع الاسف هذه هي اليوم شريعة المحبة المزيفة، ورقصنا حتى فجرنا، وتمرّدنا على الحياة وعطائها، وأكملنا مسيرتنا بفوضى ذاتية وعائلية ومجتمعية ووجودية وكأننا مراهقو الزمن وبائعو الطرق، ولم تعد بيوتنا تَسَعُنا " فأكلنا وشربنا وَبَنَيْنا وغرسنا وزوّجنا وتزوجنا الى أن دخل الارهاب مدننا" (لو27:17).
إنجيلنا وصليبنا
   أمام ما يحصل لنا من متغيرات، بل وما حلّ فينا، وفي ظل الظروف العصيبة التي مرّت بنا ولا زالت تشاطرنا مسيرة أيامنا فأُفرغت مناطقنا، وسلبت أمتعتنا، ونُهبت خيرات دُنيانا، وسُرق ذهب أعراسنا، وما ذلك إلا دعوتنا وحاجتنا إليها كي تتفاعل أفكارنا ونظراتنا وأحكامنا وتتعاضد طاقاتنا في لَمّ شملنا، في لقاء عيوننا، في نقاش أدوارنا، في غاية وجودنا، عبر مسيرة صلاتنا وعمق تأملنا بإرادة الله التي أضعناها أو حُجبت عن أنظارنا. كلنا رعاة ورعايا، مؤمنون رجالاً ونساءً، شيباً وشباباً، فيسند شبابنا أقدامَ شيوخنا وعجائزنا وكبار دنيانا كي لا يفني بعضنا بعضاً، فالحقيقة افترقنا أكثر مما اتّحدنا، وتكبّرنا أكثر مما أعلنّا أنفسنا خدّاماً، ورسمنا لنا طريق الخلاص بفكرنا ونسينا أن الحقيقة إنجيلنا وصليبنا طريق الأيمان وحقيقة المسيرة في حياة نحو البقاء من أجل الأبدية، كما عملت مريم فقد اختارت النصيب الأفضل الذي لن يُنزَع منها (لو 41:10-42).   
   نحن اليوم أمام خطاب تأييسي وتخويفي وتشجيعي على الهروب، بل نحن أمام أسئلة لا جواب لها إلا واحد وهو "لم يعد لنا دور في وطننا، ونحن لم يعد لنا أقرباء نحتفل معهم أو نحيا بجانبهم أو بقربهم" وكأننا نعامل دنيانا كي تكون مطيعة لأفكارنا وخيالاتنا، ومن المؤسف أن القريبين من أسماء الجاه ومناصب الكبار في زمننا ، هم الرسل الأولون ، لهذا التحول المخيف، وخطابهم وسؤالهم ما هو إلا خطاب وسؤال يدلان على أننا أناسٌ تنقصنا القناعة بأننا أصحاب رسالة، وينقصنا الإيمان بأن الله الذي خلقنا يشاركنا آلامنا ومسيرتنا كما كان مع الرسل في السفينة ( متى 26:8). وفي ذلك ترك الله لنا قِيَماً روحية تملأ رسالة خلاصية في البشارة الإنجيلية نسلك حسبها وحسب مضمونها ولم يترك لنا خرائطَ عسكرية وانسحاباتٍ تكتيكيةً، بل عيشَ المحبة والشهادة وهو معنا حتى نهاية العالم... ولنثق بهذا الكلام.
ألوان حقائبنا
   وانطلاقاً من هذه الثقة علينا أن نجعل من فكرنا منطلقاً فيتحول ضيقنا إلى اطمئنان وفرح وإيمان،" ثقوا إني غلبتُ العالم " (يو33:16) . فالمسيح ربنا لا يمكن أن يقف متفرجاً علينا أو على الحياد وهذا ما تقوله ثقتنا به. لذا علينا أن نكسب الثقة ونحافظ عليها ونُنميها في فحص ضميري وشخصي حول مسيرتنا وسلوكياتنا، فنحن شهود ليسوع المسيح، ومصير إيماننا لا يتوقف إلا على سموّ عطائنا وقيمة شهادتنا ونوعية حامليها وليس على ألوان حقائبنا وكبر حجمها أو صغرها أو قوة متانتها أم خفة حملها، وهذا ما يجب أن يتجسد في واقعنا الأيماني . ولنعلم ، لقد بات المسيحي مستَهدَفاً بشكل موجَّه ومركَّز. إن تكرار الاضطهادات بات أمراً خطيراً. فاحترام الكيانات المختلفة والعمل على درء الانتهاكات المروِّعة لحقوق الإنسان وسياسات المحاور الإقليمية والدولية التي قد تعرِّضه لخطر استباحة أرضه وتحويله إلى مسرح لصراعات الآخرين.
   فلا يجوز اليوم _ وعلى كل القيادات الإسلامية في المنطقة العربية _ أن تتوقف عن القول "أن داعش لا يمثّلنا".  فالحراك ضد هذه الموجة خجول جداً، وإن هذه نقطة هامة ، فالواجب الأول على الأخوة الإسلام أن يكونوا صوتاً فاعلاً وأكيداً للدفاع عن المسيحيين، فالإرهاب شوّه الدين الإسلامي كما كفّر الديانات المختلفة عنه ، كي لا يقول التاريخ أنّ إلأسلام والعروبة مسؤولان عما جرى ويجري تجاه إضطهاد المسيحيين. فما نحتاج إليه هو العودة إلى أخلاقنا المسيحية من أجل الضمانة الوحيدة والأكيدة لبقاء المسيحيين في الشرق وليس أي شيء آخر. فإذا رأى الشرق أننا مختلفين فإننا نُزيد على الحياة معنىً لا يوفره الآخرون، عندئذٍ يحافظ الشرق علينا. ولكن ما ينقصنا الشجاعة أحياناً لكي نكون أمناء لله لاسيما عندما نقف موقف الانفتاح إلى الآخر والدفاع عن إيماننا، وهذا ما يدعونا إلى أن نُحْسِنَ الإصغاء إلى الله وفي ذلك سنُحسِن الإصغاء إلى الآخرين، وبهذا نبني عالماً غير هذا الذي نتذمّر منه الآن.
مصيبة وكارثة
   أمام عالم المصيبة التي حلّت بمؤمنينا وكنائسنا، والكارثة التي أودت برحيل أبنائنا وضياع أموالنا وممتلكاتنا وفقدان خيراتنا. ألا يقودنا ذلك إلى ما قاله الرب يسوع:"اكنزوا لكم كنوزاً في السماء حيث لا يصل إليها سارق ولا يفسدها سوس (داعش)"؟. أليس أمام هذا كله نتصرف وكأننا لسنا أصحاب رسالة، وكأن المسيح لم يَعِدُنا بشيء ولم يثبّتنا برجاء دعوتنا؟... فنبدأ بالقول: أن هذا البلد لم يعد لنا، بل يجب أن نتركه، وتتعالى أصوات حواء بتأكيد تركه وإهماله بقولها "لا خبزة لنا فيه بعد"، أليس ذلك مؤامرة ننفذها على أنفسنا وآية أدخلت إلى سماع آذاننا صباحاً ومساءً، ليلاً ونهاراً، لحظةً ودقيقةً وساعة، ونقول: أن الدولة الفلانية تتآمر علينا، تنفذ مؤامرتها عبر آخرين، وفي ذلك ألا نتآمر كلنا على أنفسنا وننفذ المؤامرة على بعضنا البعض؟. أليس هذا حديث أصحاب مصالح وسوّاح رفاهية أم حديث أصحاب رسالة وبشارة إيمان؟. فلقد ازداد خطابنا في تشجيعه للهروب وعلى التفتيش عن الرفاهية والحصول على تأشيرة سفر إلى أرض الله الواسعة، هل هذا هو حديث أناس يؤمنون بأنهم أصحاب رسالة وبأن الله معهم فيثقوا بكلامه أم يريدون أن يعمل الله لهم ما يشاؤون هرباً ورحيلاً وهجرةً ومالاً وجاهاً وبنيناً وبناتٍ،  وإلا لا فائدة من كلمات البشارة ولا حياة في كلمات الإنجيل ولا مسيرة مع صليب الألم..."احملوا نيري عليكم وتعلموا مني"(متى29:11) ، و"على التلميذ أن يكون مثل معلّمه"(لو 41:6). ألم نكن في ذلك قد شابهنا أهل الأرض وتمركزنا واهتممنا بأنفسنا ورفاهيتنا وأكثر من ذلك بكبريائنا ونا. نا؟.وما أكثرها  هل أصبحنا في عالم لم يعرف المسيح أم في عالم يحمل اسم المسيح؟. أليس ممارسة التخويف والتيئيس  والتشجيع على الهروب كقناص نحتمي من قنصه؟.. أين نحن نحتمي ما دام القناص فينا وفي بيتنا وفي حارتنا ويعشعش في عمق عقولنا وأدمغتنا؟.
جائعون .. جائعون
نعم، أنا أؤمن أن الله يرى مآسينا، ويدرك ثقل صليب وأتعاب آلامنا، ويسمع صراخنا وأنين أمهاتنا وبكاء أطفالنا، فهو أكيد سيأتي لينقذنا وهو يؤكد ذلك في بشارة الحياة، وهذا أكبر ثقة وخلاص. فكلنا أولاً جائعون إلى كلمة الله بمقدار جوعنا إلى الخبز والدواء، وما علينا إلا أن نتضامن ونتقاسم، وإذا لم نشبع من كلمة الله لتصبح فينا حياة فذهابنا إلى الصلاة وإلى الكنيسة ما هو إلا أنشودة فقط وننسى أن كلمة الله نور لسبيلي (متى 4:4). ولا يجوز أن نطلب دون أن نحيا، فربنا يسوع لا يطلب منا أن نلغي الآلام والشقاء والتهجير وإنما يطلب منا أن نرى الشقاء وأن نسمع الأنين والصراخ والبكاء والأتعاب وإلا تكون قلوبنا من صخر بينما هي من لحم ودم... وإذا لم نكن قد تعلمنا من المسيح فما نفع مسيحيتنا، فهل من شرف أكبر من هذا أن يرسلنا المسيح كما أرسله الآب (يو 21:20)! وارسَلَنا رسلا من اجل كلمة الانجيل وليس قائد مؤسساتٍ واداري مكاتب ، وهل ضمانة أكبر من أن يكون المسيح معنا حتى نهاية العالم؟... ولكن هل نثق نحن بأنه معنا اليوم كما كان مع الرسل في الأمس ؟... فيومها لم يعودوا يرون إلا البحر الهائج والخطر المحدق بهم، ولم يعودوا يرون المسيح. نعم الله عالم بما هو خفي وهو يعرف ما شان مستقبلنا ومسيرة حياتنا والأكيد نحن الذين اعتمذنا باسمه انه سيقف الى جانبنا اذا اردنا عيش ايماننا به ففي مسيرة الايمان يعلمنا ان يكون ملجأنا وقوتنا ولكن علينا ان نقوم بالحديث عنه في داخلنا فنجده على الدوام معنا ولهذا علينا ان نمر بالعاصفة  واوقت صعبة وهذا ما اكده الرسول بولس اذ قال نعاني الصعاب ولكننا لا نُسحق ،  نُضطهد ولكن لا نياس وهذه حقيقة تظهر لنا اننا سنعاني خلال حياتنا فالمرور في الصعاب عبر مسيرة الايمان يكون الرب مصارعا من اجلنا وحاميا لنعمة حياتنا فهو ملجأنا في الشدة وهو قريب لمن يدعونه فنحن افضل من عصافير كثيرة . (متى 31:10) .
الخاتمة
واليوم في السبي، هل لا زال المسيحُ غايتَنا، والإنجيلُ لا زال بشارتنا والصليب قوة خلاصنا _ فالمسيح ربنا "هو هو أمس واليوم وإلى الأبد" (عبر8:13) أم أصبح إيماننا شعارات مفرغة لحياة عولمية عقيمة؟ فهم يريدون أن نحيا العيش الهانئ مع جليس الدنيا ولا نبالي بإرضنا وشرقنا المقدسين،وتموت قضيتنا كما ماتت أخرى ، فَلِمَ الخوف ولِمَ الرحيل، بل لنبقى شهوداً وشهداء، وهذا نداء الرب، والشهادة ليست إلا مسيرة حياة كما هي بذل الدماء من اجل المحب ، لنكن كنيسة ، فيها شجاعة في الشركة والمشاركة ، نحمل شجاعة الأيمان ، فراداً أو جماعةً ، كما كانت جماعة الكنيسة الاولى " قلباً واحداً ونفساً واحدةً"  (أع 32:4) وكما يقول البابا فرنسيس " لا تقفل الابواب بوجه الرب والصليب يرينا حب يسوع الذي يدفعه الى البكاء اليوم على الكنيسة ( 20 نوفمبر 2014 – دار القديسة مرتا) . فلمَ الخوف ، وبدل الرحيل لنعانق الصليب ونحيا الإنجيل. ولا نكون تباعاً لمؤسسات تجعلنا بين غريب ودخيل فنحن لسنا علاماتٍ بل شهادات ،  نعم وآمين.

48
يا مسيحيينا ... كفانا أن نكون عبيداً!
المونسنيور بيوس قاشا
   في البدء:
في زمنٍ فاسدٍ وتاريخٍ مزيّفٍ وحياةٍ صاخبةٍ ملؤها حب المال والدنيا وكراسيها، ومناصبها، وجاهها وجمالها، وحواءها وأنانيتها، وحسدها ونفاقها، وحيث ثقافة الموت تتصدر الحياة، وفي مسيرة الخطف المخيفة والإرهاب وتدمير المقدسات وهدم القيم والابتعاد عن المسيحية الأمينة. أمام هذا كله أتساءل:
هل المسيح لا زال بعدُ يدعونا لحمل البشارة؟. هل المسيح لا زال يريد منا أن نشهد لمسيحيتنا ووجود جرن عماذنا؟. هل المسيح بعدُ يدعونا لنحيا الإيمان ونأمل الرجاء ونلمس المحبة وعملياتها في الخدمة والطاعة والفقر والعفة والتواضع والغفران والمسامحة وقبول الآخر في حوار اللقاء؟. لماذا يكره المختلف مسيحية المسيحيين، وينعتهم بالكفّار؟. هل لا زالوا يقولون عنا إننا نحب مسيحهم ولا نحب مسيحيتهم؟. هل نحن فعلاً مسيحيون سطحيون لا ننشد إلا شهادةً للرحيل وكتابَ حسن السيرة والسلوك دون استحقاقنا ودون علمنا برسالة إيماننا وكنيستنا؟. وهل الصليب أصبح لنا عثرة مرة أخرى كما كان لليهود (كو23:1)، أم إن الإنجيل لا يجوز إعلانه خوفاً من أن يكون رسالة التبشير أو الإفصاح عن إعلانه بشارة الحياة والخلاص خوفاً من الأصولية الإرهابية المزيفة للدين؟. هل أصبح حديثنا لغة الهجرة وإنْ كنا مهجّرين، أم لفّةً هانئة وعلبةَ مشروب متربعةً قارسةَ المذاق؟.   

   إبادة جماعية...
هل وهل وهل... وأخرى مثلها. وأقول: أليست الحياة تظهر لنا رسالة تقول أن الحياة معركة يومية، وكما تقول مادري تيريزا:"الحياة فرصة عليك استغلالها". وصراعٌ أبدي بدأ بولادتنا ولا ينتهي حتى مع رحيلنا بل بانتهاء سني أرضنا، ونغادر الفانية وماضيها إلى حيث دُعي المخلوق من خالقه ليسكن في النعيم أو في الجحيم؟. مما لاشكّ فيه أننا كمسيحيين عشنا صعوباتٍ كثيرة ومآسي لا تُحصى ولا تُعَدّ، ولا يمكن أن نسمّي مسبّبيها لخوفنا من الآتي عنهم، فلا زلنا نعيش حاضرنا بمآسي ماضينا وماضي آبائنا وأجدادنا، طردٌ واتهام وتكفير وتهجير وسلب أملاكنا وتهديم بيوتنا وقتل أبنائنا، ولا زال المستقبل وما يحمله يعشعش في ضباب الفكر والهموم والعيش الأليم، وتحيط بنا الاضطهادات من كل حدب وصوب وتقتل همّتَنا جنيناً كي لا نكون، وإذا ما كنا بقدرة الخالق فعلينا أن نكون لهم عبيداً أو علينا أن نغادر في ليلةٍ لا ترانا فيها حتى نجوم السماء كون الخوف قد ملك على قلوبنا وأصبحنا كما يقول ربنا يسوع:"أنتم خراف بين ذئاب" (متى 16:10). وفي ذلك يكون تهجيرنا وتكون الغربة خارطة طريق لواقعنا، ليحلّ محلنا آخرون، وبسبب ذلك ترانا راحلين ولا نرى غير هذا وإن كانت هذه الأمور تلف كثيرين من مكونات شعبنا، إضافة إلى رسالة الإرهاب السيئة في حمل الضيق إلينا والعنف والتعب والطائفية فيكون العالم وعولمته متفرجاً وعارفاً بما يحصل ولكنه لا يحرك ساكناً وإذا ما حرّكه فكما يشاء، تهديدٌ واضح وإبادةٌ جماعية نظير الشمس، والظلام يزداد بكبر مآسينا وكوارثنا وبلايانا، فأين الشاهد الأمين لحقيقة الإبادة والتهجير والقتل والتدمير، فهم يعرفون إنها من صنعهم كما يعرفون ما نحن إلا أبرياء. ولكن!!!.

   أن نموت...

   المسيحية تعني شمولية الحياة، ومعنى ذلك إننا نتقاسم المسيرة في بناء الجسور وكسر الحواجز عبر البشارة بالعطاء والغفران والتوبة، ونشهد للدم من أجل الحياة "في أن يبذل الإنسان نفسه فداءً عن أحبائه" (يو13:15). والرسالة تدعونا لا إلى أن نهرب من الشر والألم بل أن نقاوم هبوب العواصف وأمطار السيول ورياح الاضطهاد وإطلاقة الحقد والكراهية بعجين في تراب وطننا، نبني فيه مسيرة حبنا لأرضنا كي لا نضيع بين قتلى الزمن. فنحن شعبٌ نوجد في أرضنا بل أرضنا توجد فينا وتحيا من دماء عروقنا ولا نقبل بأن نفنى ونموت كي نكون سبباً في ضياع إيماننا وفقدان مسيحيتنا، فتُقلَع جذورُنا وتموت أصولُنا في أرضٍ غنّينا لها أغانينا وزمّرنا لها ورقصنا من أجلها وأنشدنا "هذي الكاع ما ننطيها، ايشوع ومريم ساكنين فيها"... وما حصل حصل، وما حلّ فينا حلّ دون إرادتنا وعدم علمنا واستعدادنا، فقلوبنا لا زالت وستبقى تفيض بنِعَم إيماننا ولا أجمل، فمعركتنا              _ كما يقول مار بولس _ وصارعتنا ليست "مع اللحم والدم" (أفسس 12:6) فأما نوجَد كشعب مسيحي في أرض الله وإما أن نموت ليس إلا.

   قامات شامخة...

لنا كل الفخر بما قام به آباؤنا وأجدادنا وقد عُرفوا ببُناة الحضارة وبدورٍ كبير في النهضة، في التحرر من الدولة المستعبدة، المستعمرة، وهذا ما يُظهر أنهم رجالٌ أقوياء بالإيمان، وهذا ما يدعونا نحن أبناء هذا الجيل أن ننهض من سُباتنا لنسير برفقة المسيح فهو ينتظرنا كي تكون ثقتنا به حتى الموت فقد قال لنا:"ثقوا فقد غلبتُ العالم" (يو16:33). وفي ثقتنا هذه ما يجعلنا أن لا يخيب رجاءنا والعمل في ذلك ما نحتاج هو بلورة مسيرة حضورنا المسيحي وليس الرحيل بل يجب أن يبقى الأمل فينا حياً فهكذا فعل أجدادنا في الماضي وآباؤنا في القرن العشرين، وواجهوا حد سيوف الأعداء بقامات شامخة وبصدور عارية وبرقاب لا تنحني إلا لله، وعبر قرارات ظالمة حملوا حقيقة المسيح الحي فيهم، وبدمائهم سقوا شجرة الحياة الوافرة فكانت دماؤهم علامة سلام وينبوع خلاص، وحافظوا على وجودهم ودينهم المسيحي فكنا نحن أحفادهم نحدو الحياة كأبطال من أجل أرضهم وإيمانهم، وبدمائهم بذروا زرع الحياة لنحيا وننمو ونكبر ثم نشهد.

   رسالة وبقاء...
لننتبه قليلاً، فالمخططات عديدة تنازع مسيرتنا في أرضنا الأصيلة، ولا زال الربيع الدامي تجاهنا يفتك بنا ونفتش عن ملاذنا فلا علم لنا ولا دراية في ذلك، فالدمار والألم والحقد تجاهنا، والكراهية نحو وجودنا والبغضاء في مسيرتنا تنتقل من شخص إلى آخر ومن حارة إلى أخرى ومن بيت إلى آخر، وزادت المساحة فصارت من بلد إلى آخر وأصبحنا مذهباً مكروهاً وديناً كافراً وأمةً لا حول لها ولا قوة وشعباً يقاسي وحده، فكلٌّ يدلو بدلوه لأمته، فقد أدركوا إنهم زائلون إنْ لم يكونوا متحدين. ونحن، هل ندلو بدلونا؟ كي نجمع أفكارنا، ونوحّد هدفنا، فهناك المخلصون لا تغمض لهم أجفان فهم أصلٌ وأصلاء، رسالةٌ وبقاء، وهناك مَن يصعدون المنابر كبرياءً ويصيحون ويحيّون بأحسن التحايا وأروع الكلمات بأمريكيتها وغربيتها وعربيتها الشرتونية والحقيقة هم بعيدون عن إيمانهم في أصالتهم وأصولهم، ولا يرون إلا أنفسَهم وقاماتهم كنخلةٍ بطولها ليس إلا، ولا أظن يحملون رسالتهم بأمانة ووفاء وهم ينعتون أنفسهم بمخلّصي شعوبهم مدّعين أنهم سياسيو وأمراء الدنيا وأولياء الزمن والحكم وما هم إلا المارشال الأوحد، فهم فيتامين للهروب والنزوح، والطرد وإفراغ الوطن من حقيقة الأصول، وفي النهاية للرحيل، بكلمة غير مسؤولة أو بتجارة تدرّ بشراً وديناراً وقبلةً وضحكةً، من أجل ضحكة للحاضر المزيف، من أجل مستقبل الضمان، هؤلاء عُرف ماضيهم ولكن عجلة الدنيا سارت معهم فأضحوا بين ليلة وأخرى وصبحٍ وآخر أمراء وأولياء، وأمسوا وأصبحوا ثانية رؤساء، ومسلَّطين، وعناوين، وهذا ما جعلنا أن نكون من الخاسرين وإنْ كنا أو لا زلنا من الشاربين والآكلين، ولكن لا وجود لنا والحقيقة إنما هي للمتأوهين، نعم للمتأوهين على ظلم المسيرة، وهذه هي مزيفّات الحياة ليس إلا.

  درهم النفاق...
فنحن وطننا اهتزت أعمدته بسببنا وبسبب أهلنا، ألم يقول المسيح عيسى الحي:"أعداء الإنسان أهل بيته" (متى36:10)؟. نعم، اهتزت أساساتنا وابتُليت شعوبنا بفقر الاتحاد وزيادة الإنجماد في مال الدنيا والفساد وكأننا أصبحنا مدراء بنوك بعناد أو بمراد، فبيعت الحقيقة بأموالٍ مسروقة ودرهم النفاق والغش والرياء وكأن هذه هي الأصالة، ونسينا أن حقيقة الأصالة هي أن نكون للحقيقة شهداء وللإنجيل أمناء وللصليب أوفياء كي لا يقولوا عنا إننا دَفنّا حضارتنا ورفعنا راية الموت على حدود قرانا ومدننا وقصباتنا... إنها مظالم لم نتعرف إليها بشكل أمين، وكل ذلك ما سوى إلا صفقات مشبوهة لغايات دفينة في تجميل الصورة أمام المجتمع المسيحي البسيط والمجتمع الدولي المتفرج. فلماذا الهروب من الشر وكأننا غنم تهرول أمام ذئاب الزمن وعلامة الخوف على جباهنا تقول أنتم تركتم قريتكم ومدينتكم والساكن فيها ينتظركم؟. فقد هرولنا قبل طردنا، وطُردنا وسُرقنا بِبُعد نظرنا، وأصبحنا علامة خوف وهروب، وجعلنا من حياتنا فزعاً وضياعاً لحقيقة إيمانية، وفكّرنا أن أرضنا قد عشقت الإرهاب الآتي إليها ليدنّسها، ولكن الحقيقة يجب أن تقال هو إننا أحببنا الحياة المزيفة لغاية بقائنا، والرب يسوع قال:"اكنزوا لكم كنوزاً في السماء" (متى 20:6).

   أُصلاء ... أصلاء...

نقولها حقيقةً وواقعاً، فضروب الاعتداء على المسيحيين والمكونات الأخرى تجاوزت الحدود والأعداد، فقد تعرض شعبنا للإبادة منذ الستينات وحتى اليوم وكأننا كرة طائرة، مرة يرفعوننا ويهيبون بوجودنا وينشدون لنا "أصلاء، أصلاء"، وأخرى بكبسة قاسية وحاقدة يدمّرون كل شيء ويقتلون أجنّة الأمهات في بطونهن أو يرسمون لنا حلولاً ترقيعية ومبادرات مغلَّفة ببسمة سياسية وحقوق إنسانية مزيفة ويقولون إننا متساوون كما المكونات الأخرى، ولكن الفساد رسالة والكذب حقوق، لذا، لماذا يريدون منا الحضور المسيحي وهم لأبسط حقوق قد لا يفقهون وكأن الدستور مقدس أُوحي به من العلياء. فالدستور وضعته الأفكار والعقول وكتبته الأيادي والمطابع فبإمكان مَن وضعه وأبناءهم وأحفادهم ووكلاءهم أن يغيّروا ويعدّلوا ويحذفوا ما هو ضد الإنسان.

   ملحاً وطريقاً...
ما نحتاجه هو محاسبة أنفسنا، سائلين عن معوقات عملنا، هل نريد التغيير؟. هل نستطيع أن نحرر مناطقنا؟. هل حضورنا إيماني الرسالة والتزامنا حقيقة أرضنا أم تُحسَب الأيام بتسلسلها وكأننا هامشيين على هذه البسيطة وخُلقنا كي نكون بل كي لا نُحسب؟. أيجوز أن نعيد ذاكرتنا إلى تاريخ آبائنا وأجدادنا والتفكير في التزامنا برسالتنا وإيماننا؟... لذا يجب أن نجدد إيماننا بكنيستنا لتبقى نوراً كما هي ملحاً وطريقاً وخبزاً وماءً لعطاشى الحاضر وجائعي الحياة بأبواب مفتوحة كي ينير النور مسيرة أبنائها... لذا ما نحتاجه هو أن ندرك ما معنى حضورنا المسيحي في بلدنا الجريح... أكيد ما نحتاجه هو كلمة حق في شجاعة الكلمة. فلا يجوز أبداً أن ننغلق ونتقوقع على ذواتنا أو نذوب أو نستسلم للعنف خائفين، بل يجب أن يكون التحدي هو السراط المستقيم، هو القائم وسيبقى قائماً ومصيرياً. فالوطن وطننا وما نحن إلا أبناؤه ولسنا غرباء عنه، بل أن نكون شهوداً حقيقيين لإيماننا كما سنبقى لطريق الحق سالكين.
نحن كمسيحيين أمام أكبر أزمة إرهاب تطردنا من ديارنا باسم الإسلام (والإسلام منه براء)، إرهاب باسم الدين ولا يجوز ذلك. كما إن المسيحية وإنْ لا زالت منذ قيامها وحتى الساعة مجبولة بالمآسي فهي مدعوة إلى أن تكون العلامة المنيرة في تاريخ الإنسانية وتاريخ بلادنا، تاريخ مجبول بدماء قديسينا. فالأرض مقدسة، والتراب مكرَّس، وبقاء الأرض يعني بقاء الإنسان وما علينا إلا المشاركة في صنع التاريخ، تاريخ أرضنا وتاريخ شرقنا وتاريخ عالمنا، فحمل اسم المسيحي ما هو إلا تحدٍّ له معناه، وله رسالته، فهو خميرة العجين. صحيح ومن المؤكد نحن نبقى أقوياء بإيماننا وليست قوتنا بمحسوبيتنا أو مذهبيتنا، بطائفتنا أو بجاليتنا، بمكانتنا أو بجاهنا، بمالنا أو بمنصبنا، بحوّائنا أو بعنادنا، لأن دعوتنا هي الانخراط في التقوى، فما الطائفة إلا إطار الإيمان بينما الحقيقة هو إننا مؤمنون.

   البابا فرنسيس...
ومع البابا فرنسيس نشهد مثالاً حياً عن المحبة الخالصة والرحمة الإلهية داعياً مخلصاً لرفع الغبار عن مسيرتنا الكنسية والانطلاق نحو آفاقٍ جديدة هي بالأصل أساس مسيحيتنا... والجميع يتحمل المسؤولية في تحقيق تجديد الإيمان. ويقول قداسته أيضاً: ليفهم المسيحيون بعمق معنى انتمائهم إلى الكنيسة وبأن قائد هذه السفينة "هو هو اليوم وأمس وإلى الأبد" (عبر8:13)... فما نحتاجه هو شجاعة الإيمان ورسالة الشركة والشهادة، وليس أن نشاركهم في سيرة أعداء صليب المسح (قداس للبابا في دار القديسة مرتا 7/12/2014).
من المؤسف أن شبابنا وصلوا إلى حالة اليأس والشيخوخة قبل الأوان، فكفروا بأنفسهم وأصبحوا لا يبالون بسبب خوفهم، وأصبحنا ننتقم حتى من ذواتنا ولا نعرف هدف حياتنا. فالمسيحيون لا يجوز أن يقفوا متفرجين ولا محايدين بل أصلاء وأصيلين كونهم حاملو قدرات وكفاءات على مستويات عديدة. الحقيقة إن أبناء كنائسنا يشعرون اليوم بالإحباط وخيبة الأمل من جراء الوضع الحالي، ولا زالت الخيبة قائمة بالرغم ما حصل من متغيرات في المجالات الكنسية والحضارية، وقد زاد إحباطهم بنزوحهم وهجرتهم وتركهم لبلادهم وأصبحنا في زمن الاحتقار. بالأمس كنا مناطق متنازَع عليها، واليوم أصبحنا مهاجرين. بالأمس القريب قرروا أن لا قومية لنا بل نحن طائفة وأحياناً أقلية وأخرى جالية وأخرى جماعة، وبذلك أحنوا رؤوسنا وإرادتنا وأرادونا أن نصلّي كما يشاؤون وأن نقول لا كتاب لنا ولا مؤمنين، فكتابنا هو أوامرهم وخطبهم، وعنواننا ما زاد عنهم وكتبوا لنا ما علينا إلا قراءته وأرادونا عبيداً مطيعين، خنوعين، إذا ما ناشدنا حياة أمينة وكريمة، وإلا حُسبنا من المعارضين المارقين البائسين... إنها إبادة لحقيقة الجماعة ومسيرتها.

   الخاتمة...
مشكلتنا من هنا تنطلق ولا تُحَل بالبكاء والعويل والرحيل وكلام الخوف ولغة الهجرة، بل بالمثابرة تحت لواء الشجاعة والحقوق والاستمرار في أن نكون صوتاً صارخاً (مر3:1) ، ليس في الفيافي بل في آذان كبار الزمن والدنيا وأصحاب القرار ليس إلا، لأن ما يجري في شرقنا من المؤكد ليس صدفة بل علامة، وما إعلانها إلا علامات الأزمنة. لذا علينا أن نصنع مستقبلنا بحكمتنا ووداعتنا والمطالبة بحقوقنا، فنحن لا يجوز أن نكون عبيداً بل "نحن أخوة" كما يقول البابا فرنسيس و"نحن أحباء" كما يقول ربنا يسوع. وعلينا أن ندرك جيداً ماذا نريد وما ينتظرون، فإذا أرادوا لنا الرحيل والهجرة فَلِمَ الحديث عن الأصالة والأصلاء، عن الحضور المسيحي وقبول الآخر... فالأرض لنا ولهم، وفوقها نعيش نحن وهم وليس تحتها... وإذا خسرنا حقنا في أرضنا _ أقولها وبصوت مخيف ومؤلم _ فقد خسرنا كل شيء، وفي نهاية المطاف نذوب ونضمحل لأن الرحيل والتهجير كان بداية الحكاية ومن المؤسف، نهايتها أيضاً.
      فيا مسيحيينا،لا يجوز أن نكون عبيداً، فالمسيح ربنا سبق وأرشدنا إلى طرق الحق حيث يحررنا (يو32:8)، سلّحنا بثقة عدم الخوف وأعلمنا حقيقة الإيمان والمسيرة، فلا يجوز أبداً أن نكون عبيداً مطيعين، خنوعين، بل صوتاً وحقيقةً معلنة، كما لا يجوز أن ننتحل، كما يقول البابا فرنسيس، اسم المسيحية وفي باطننا وثني المسيرة، في عيش النفاق، بقول قداسته:"هؤلاء هم أعداء صليب المسيح، يأخذون الاسم ولكن لا يتبعون تعاليم المسيح". ألسنا اليوم، نحن مجانين الزمن، بحرب لا ربح منها بل كلنا فيها من الخاسرين، إن لم نوّحد كلمتنا، ومسيرة غايتنا، وإلا لا وجود لنا؟. أقولها خاتماً: كفاناً أن نكون عبيداً (يو15:15)، فنحن أحباء المسيح الرب، نعم وآمين.

 

49
في زمن .... فيه تمَّ ملْ الزمان
المونسنيور بيوس قاشا
  في البدء
ما أجمل هذه الكلمة، ففيها انتظرنا ملء الزمان كما يقول مار بولس الرسول:
"ولما تم ملء الزمان، أرسل الله ابنه مولوداً من امرأة تحت الناموس" (غلا 4:4). وفي الزمان سارت مسيرة الله نحو شعبه الخاطئ ليخلّصه بفداء ابنه من الخطيئة، فتجسد وسكن بيننا، وكما يقول القديس أغوسطينوس في زمان:"نزل الله إلينا ليرفع الإنسان إليه"... والزمان أدخل الرجال والنساء والأطفال في مسيرة الخلاص وأصبحت ساعته فاصلاً بين عهدين قديم وجديد، قبل الميلاد وبعد الميلاد. وفي الزمان بعد أن أبدَعَنا الخالق قادنا إلى جرن العماذ لنكون في زمن الخلاص. وفي زمان أرسل الرب يسوع تلاميذه قائلاً:"اذهبوا وعمّذوا كل الأمم..." (متى 19:28)، وفيه بدأت بشرى الإنجيل، وكانت الكنيسة في زمن البشارة وهاهي لحدّ اليوم أمينة لمؤسِّسها وفاديها، ومخلصة بيسوعها ، لشعبها ومؤمنيها، ونحن فيها، أولادها بالعماذ وعشاء سيدها.وهاهو الزمن يتجدد ثانية بمسيرته الأليمة في قُرانا ومدننا منذ التاسع والعاشر من حزيران أولاً واستمرت المسيرة أكثر تعقيداً بل تهديداً وطرداً في زمن الرحيل الثاني يوم السادس من آب عيد تجلي الرب.ولعظمة كلمة الزمن في مسيرة الحياة ومسيرتي، اخترتُ فقرات من هذه المسيرة لتكون فقرات للتأمل والصلاة وإعلان حقيقة يسوع المسيح الرب الذي فيه كانت الحياة ونور الناس (يو4:1)... نعم الزمن .. والزمان تلك حقائق ، اليكموها:
  في زمن ** لا سلطان على الذات في السيرة والمسيرة، ولا مجال لنبذ الخطيئة من قريب أو بعيد، فهي حلال في حرام، وهي سيدة الموقف والمواقف وسلطانة العبيد والأحرار، عاشقة لوط وهيرودس وداود وأكيداً آخرين... فكل شيء مباح بل يجب أن يباح هكذا تقول العولمة في تلفازها ومذياعها وانترنيتها وآي باتها، والحقيقة مهما كانت رسالتها فصوت البابا بيوس الثاني عشر يبقى يرنّ قائلاً:"من المؤسف ، أن الناس يؤمنون أن لا خطيئة" ليس إلا.
في زمن ** تَعَلَّمنا حضارة تشويه الآخر ، بسوء كلمةٍ وبِتُهمٍ باطلة وإطلاقة رحمة قاتلة وكل ذلك كي تبقى الدنيا لهم. فيها ومن خلالها يزمّرون ويرقصون، وبكبرياء القامة يقيسون مسافة الطريق غير متذكرين _ ومن المؤكد غير مؤمنين _ أن الحقيقة "هي الطريق والحق والحياة "( يو6:14) ، وما تلك إلا حقيقة المسيح يسوع ليس إلا.
في زمن ** يقدّسون الدنيا ويكرّسون أزلامها في الآمر والناهي، ويعبدون الصنم والوثن والإنسان، ويجلسون على الكراسي ويستزأرون بالمناصب ويعلون بالجاه ويبخّرون الفساد ساعات الفجر والصباح والظهر والمساء وكل ذلك كعبيد لجنّة آدم الموعودة وطاعةً للشيطان الرجيم كي يدوم زيفهم في تدمير الآخرين الأبرياء وقتل الحقيقة في صمتها الكبير أمام البعيدين والأقرباء.
   في زمن ** تُقتَل الحقيقة بجنينها وفي عقر أصولها وعنوانها كي لا تظهر أكاذيب الزمن وحيل الكبرياء في تدمير الآخرين لمصالحَ رُسمت ولغاياتٍ مزيفة. وتُملأ البطون بلا شرعية، وتثرثر الأفواه بلا علم ومعرفة، وتَلعن الألسن رجالها ونساءها بضمير حاقد كريه.
في زمن ** ينعتون الإسلام بالإرهاب (والإسلام منهم براء)، وباسم الإسلام يقتلون ويحرقون ويهدمون ويدنّسون كل كلمة وكل عمل الله وما بناه الإنسان، وكل ذلك باسم الدين... ليس إلا.
في زمن ** كُتب على المسيحيين أن يدفعوا الجزية ويُعلنوا الشهادة بالثلاث، ونسوا أو تناسوا أصحاب الأمراء ودليل الوصايا والشرائع. إن المسيحيين مؤمنو الإنجيل قد سبقوهم إلى تعاليم السماء في شريعةٍ لعهدٍ جديد اسمه عيسى الحي يسوع المسيح... ليس إلا.
في زمن ** تموت الحقيقة ولا تُبان في الأيام عبر مسيرتها في ضوئها أو ظلامها بل في نهاية الأزمان حينما يأتي صوت العلي الديّان. وكيف أنهم فيها وبها ومعها أبعدوا الحقيقة فاهتزت الكراسي ودخلوا قاعة الاجتماع لدراسة خطة الدنيا والبرلمان ، وأُعدم الأبرياء وعلا صوت رب السماء: كان عليكم أن تفعلوا خيرا ً لأحد إخوتي هؤلاء الصغار، وفي ذلك تكونون قد فعلتم لي ، "بما انكم فعلتموه باحد أخوتي هؤلاء الصغار( متى 40:25) "... ليس إلا.
في زمن ** هجّرونا من بيوتنا ولا زال الألم يملأ قلوبنا، والغفران سلعة بعناها ولم نشتريها، بل لم نشترِ مثلها أو شبيهة بها. فالمسيحية لا تكره أشخاصاً فهم صورة الإله بل تكره أعمالاً وشرورها فهي من صنع إبليس. ألم يقل ربنا:"أحبوا أعداءكم، باركوا لاعنيكم، وصلّوا لأجل الذين يضطهدونكم..." (متى 44:5).
في زمن ** أضعنا بوصلة الإله، "لتكن مشيئتك" (متى 10:6)، كلمتا بوصلة لمسيرة الحقيقة نحو السماء، ألم يقل ربنا:"اكنزوا لكم كنوزاً في السماء" (متى 20:6)، فلا زلنا حتى الساعة نولول على حالنا وما فقدناه، ومن حقنا أكيد، ولكن أليس "الرب أعطى والرب أخذ فليكن اسم الرب مباركاً" (أيوب 21:1)... ألم أقل إننا أضعنا البوصلة شئنا أم أبينا وبدّلناها باتجاه لا نعرف نحو مَن وإلى أين، فقد ضاع كل شيء، وإذا جاء ابن الإنسان فهل سيجد إيماناً على هذه الأرض ( لو 8:18)؟.
في زمن ** تخرّجنا كلنا من أكاديمية الرحيل، وأخذنا نحمل حقائبنا وإنْ كنا في بطون أمهاتنا بدعوة من إرهاب وحواء ومكاتب بيع التذاكر والتأشيرات بشرعيتها أو بسرقتها، ونسينا أن الوطن أغلى من الإنسان، وما قيمة الإنسان بدون وطن!!!. فالوطن لأبي وابني وحفيدي وتسلسلي مهما طال أو قصر عمر الإنسان ومهما تكبّر ومهما قسى ومهما أرهب ومهما دمّر ومهما قتل لا محالة في ساعةٍ سيموت، عرياناً يفوت، والوطن يبقى شاهداً للحقيقة... وما أجمله حينما تكون تلك الحقيقة بدمائنا مكتوبة، وبتربة وطننا وعماذنا مجبولة، وبمسيرة إيماننا بالمسيح يسوع موعودة، وبكلمات إنجيلنا مرسومة وموسومة ، وتلك حقيقة المحبة ، ليس إلا .
   في زمن ** عذراً كثُر فيه الحديث الغير المسؤول عن موقف آبائنا المغبوطين وأساقفتنا الأجلاء وكهنتنا الأحباء ، وما الذي عملوه لنا ؟ وما قدموه لنا  ؟  ولكن نسينا أن نشد على ايديهم لنيل بركتهم بشفاعة صلواتهم ، شاكرين عطاءهم ، ووقوفهم مع كل انسان في ازمته ، وان نصلي لأجلهم جميعاً كي تكون نِعَم الرب معهم ومعنا، فالراعي لا ينام إذا ما ضاع غنمه، والشكر واجب لهم فهم يعطون بكل طاقاتهم وحسب إمكانياتهم وسهروا على حياتنا وذاعوا مصابنا من على منابر روما والأمم والدول والحكومة والإقليم، وإنني مؤمن إنهم يحملون عبء حياتنا ومعاناتنا في الصيف كما في الشتاء، ويجب أن نستمر ونبقى،هم ونحن ، أن ندق ويدقوا على ابواب أصحاب القرار ، حتى يقوم مخططو القرار ويعطوا كل شيء كالحاح الأرملة (لو3:18) ... وما تلك إلا رسالة سامية، وإذا حصل ما هو عكس ذلك فلكل حالة وقواعد شواذ... وتلك هي الحقيقة... ليس إلا.
   في زمن ** وبعد الشكر للمخلصين الاوفياء ، لا مكان لنا في البلاد، فالأغلبية شيعية مسلمة وأخرى سنيّة مسلمة وأخرى كردية سنيّة وفيلية وبعدها التركمانية والشبك والكاكائيين، ثم نحن والمكونات... هذه تقسيمات شعبنا... فأين محلنا من الإعراب وإنْ كنا أصلاء، وهذا إقرار التاريخ ومسيرة الأيام وليس إقرار أشخاص. ما نحتاجه أن نطرق أبواب الحكومة والإقليم _ وبكل قوة _ وأنْ نعزّز علاقتنا مع الشيعة والسنّة والأكراد والتركمان، ونثبّت حقنا وحقوقنا في دستورنا أولاً ثم لا يجوز أن نهدأ أو نسكت أو يحيط بنا التعب والإرهاق، فالواجب أهم أن نبقى نطرق أبواب الواعين من الأوطان، لذا علينا توحيد كلمتنا ومبدأ مسيرتنا وهدف غايتنا في ألمانيا وإنكلترا وبريطانيا العظمى وأستراليا وأمريكا، نبقى ندقّ وبلا هوادة فلا راحة في الليل ولا سكوت في النهار. ورسالتنا هذه من أجل أجيالنا كي لا نكون مهمَّشين ومنسيين وحَمَل إبراهيم ، وهنا لابدّ من إبداء الشكر لرؤسائنا المغبوطين الذين أدركوا الغاية فكانوا لها مخلصين وهكذا أساقفتنا وكهنتنا _ وللرب الشكر،  ان اكون في المسيرة ذاتها _ الذين حملوا عبء الرسالة في قلوبهم ونصبوها أمام أعينهم وعاشوا مرارة شعبهم، فطرقوا الأبواب ولا زالوا، وسيبقون في هذا الخط سيراً وسهراً، كلمةً وصراخاً، صوتاً وحقيقةً... هذه أرضنا ونحن لها ولابدّ لنا من حقوقنا فيها مع حبّنا لغيرنا ، نعم ونعم .
في زمن ** من خوفنا تركنا بيوتنا وحاراتنا، قُرانا ومدننا، وأمست كنائسنا بلا أنشودة وأصبحت بلا سدرو الصباح، وأصوات أجراسنا خرساء وهلهولة العرس بُحت أصواتُها، ولا زالت قبورنا تنشد مصلّيها فلا من مجيب... وكان الضياع... وهل كان قلبنا  ملتهبا فينا ( لو32:24) في نفسنا حتى لا نقرأ أزمنة التاريخ ومسيرة الوطن... ألم يكن خطف المطرانين إبراهيم واليازجي علامة البداية!!... ألم يقل ربنا وكانت هذه البداية ( متى 8:24)، ولم تكن النهاية... ليس إلا.
في زمن ** أبواب منازلنا على مصراعيها مفتوحة، وهواء الدنيا بِحَرّه وبرده، بهبوبه شمالاً وجنوباً، من التيمن والمغرب... في حمله وفي انفراده قد ملأ أسطح مكاتبنا وشوّه صور قديسينا ولم يعد لنا مكاناً نسمع فيه حُكمنا، ومتى تكون عودتنا؟... وهل ستكون أم لا؟.
   في زمن ** يقلعون جذور المسيحية من الشرق ويضطهدون مؤمنيها علناً وخفيةً، ونقولها صراحةً شئنا أم أبينا إلا القلّة المؤمنة بالتعايش والحوار وقبول الآخر، ولكن مهما كانت الصعاب ومهما زاد الاضطهاد وتفاقم ستبقى المسيحية والمسيحيون يتقاسمون الحياة ويبنون الجسور ويكسرون الحواجز ويبشرون بالعطاء ويغفرون بالتسامح ويشهدون للدم من أجل الحياة في "أن يبذل الإنسان نفسه فداءً عن أحبائه" ( يو 15:13). والرسالة المسيحية تدعونا إلى عدم الهرب من الشر والألم بل أن نقاوم هبوب العواصف وأمطار الشتاء وسيول المياه ورياح الاضطهاد وإطلاقة الحقد والكراهية بحمامة السلام والغفران... فنحن شعبٌ لرسالة وبشارة ولا نقبل أن نفنى ونموت، فمعركتنا _ يقول مار بولس _ ليس مع اللحم والدم بل مع الأرواح الشريرة  (متى 17:16) ، فإما أن نوجد كشعب أصيل وإيمان أكيد وإما أن نموت على حنايا الطرق وزوايا الإقامة ليس إلا.
في زمن ** أصبحت الصلاة عبئاً، بل نيراً، لا يحمله حتى المدّعين بتقواهم إلا بعد تردد وتأوّه، والواعظون بخطبهم والقائمون على فروضهم لم يعد في جعبهم بضاعة الصلاة بل باعوا واشتروا ما شاءوا فأضاعوا، والصلاة _ كما أعلم _ مفتاح باب السماء، والويل لنا إذا أضعنا المفتاح ، نعم ونعم .
في زمن ** قصّرنا فيه ثوبنا، وأطلنا ذقننا، وعنترنا شواربنا ونوّعنا قَصَّةَ شَعرِنا، ولم يبقى لنا إلا أن نحصاه عدداً ولوناً، ولكن لا حيلة في ذلك فالخالق العظيم أسمى وعالم بكل شيء، فقد قال:"شعور رؤوسكم كله محصى" (متى 30:10).
في زمن ** لم يعد للكتاب مجالاً ولا قيمةً تُذكَر ولا فائدة منه في العالم كما في الحكاية، ولا للقلم يداً تمسك ولا لليراع مَن يحرّر بحبره ورصاصه، فكل شيء بلمسة زر يأتي أمام الشاشة ضمن قرية عالمية يأتيك ما يحلو لك وما تشاء وما لا تشاء، ما تشتهي وما لا تشتهي. والمشكلة هنا ربما لا نعرف أن نختار في الإصلاح ولا يقبله أبناء الدنيا، ولأن الفساد ربما مسيرة الكثيرين،وهل ستنتقل عدوته الى اجيالنا ، وسنبقى أمام سؤال وجواب، والنهاية ستكون ما نشاء وتموت القيم ، ويضيع الكتاب ، ويُشيّع المعلم ،  ليس إلا.
في زمن ** نبرّئ أنفسنا وأجسادنا، ونجعل من أفكار ذواتنا طاهرة نقية، والحقيقة لا يعلمها إلا خالق الخفايا والظاهر. وما يبان ما هو إلا حقيقة مزيفة وما هي إلا من صنع الإنسان، بل من صنع الشيطان.
في زمن ** الحكم لكبار الدنيا بأوامر هواهم وليس بما هو خفاهم، ولهم يجب أن نكون عبيداً ومطيعين وخنوعين وإلا فنحن متمردون وعلينا يصدر القرار والقانون، ومهما أرادوا لغيرهم فقد سبقوا  وسلبوها ، وما نحن إلا أرانب ، ويريدون أن نعيش تحت رحمتهم فهم الكلمة والآية، والآمر والناهي والرسل يعلموننا ان نكون خاضعين في الطاعة وليس عبيدين في الخنوع (رومية 3:12)  ، والحقيقة وقبول الاخر برأيه وفكره وعيشه ومهما دُنست الحقيقة ستظهر يوماً " لانه ليس خفي الا سيظهر"  ( متى 26:10)  ،  ليس الا .
في زمن ** نقدّس يوم الرب، نحياه بعشائه، والشعب يصرخ نهاراً وليلاً:"تعال أيها الرب يسوع" (رؤيا 20:22) ، فيه نقرأ كلمة الحياة، في إنجيل الخلاص، والمسيحي يشارك إذا شاء أو متى شاء، ولا يسأل إن كان واجباً أو محبةً أو إيماناً أو عادةً، فإنْ طالت الصلاة ضاع القداس بالدمدمة والتأوه، وإن اختُصرت الصلاة على الكلمة وبس ، دخلنا وخرجنا، والويل إذا سَببُ كل ذلك من القائمين عليها، فكل شيء حسب المزاج والأوقات، ولكل حالة حالها ولكل حادثة حديثها ولكل قداس صلاته، وأعمال الرسل يقول:"وكانوا يجتمعون بقلب واحد ونفس واحدة (أعمال 32:4) لكسر الخبز"... إنها القيامة... نعم ، ليس إلا .
   في زمن ** يدعونا الزمن إلى أن نغيّر، نغيّر ونعبر من عادة جمود الإيمان وإيمان العاطفة والإيمان الاحترامي إلى إيمان نابع من دماء الشهداء فكانوا أوفياء لنكون نحن أمناء، ونحمل مسيحيتنا ليس على أفواهنا بل في عيشنا وعمق عماذنا ومسيرة شهادتنا واستشهادنا، والحقيقة في حملي لحقيقة سيدة النجاة أن الشهداء هم في كل حين أحياء ولا يجوز أن تعبر هذه المحنة وهذه الكارثة _ وهي الواقعة الأليمة _ دون أن نكون قد عرفنا حقيقة إيماننا، وإلا لماذا نعيش فيه ونحيا!!!.
   في زمن ** مخطط إبادتنا أكبر من أفكارنا وأبعد من عقولنا، والتاريخ ملئ بالمؤامرات ولكن التاريخ ليس مؤامرة... علينا أن ندرك جيداً نحن المسيحيين لسنا هنا للبكاء رغم الأيام الظلامية والجاهلية، فالمسيحيون ليسوا خرافاً، بل نحن ضمير الشرق وحضورنا يجب أن يغيّر المجتمع وألا يبقى الإنجيل كلمة فارغة. فالإنجيل مشى على الطريق، أرض الحضارة، لا نموت، نحن في الشرق لنا رسالة وحضور وحقيقة. نعم، لقد غرقنا بأخطائنا وخطايانا، إننا في صراع مذهبي وقومي، وما ينقصنا هو أن نرفع أنظارنا إلى العلى فإن خلاصنا قريب... فلن نموت ساكتين، ولا يجوز أن نصمت صمتاً مريباً أو أن نرحل خوفاً، فلنا رجاء بالمسيح الذي قال:"أنا معكم حتى انقضاء الدهر" (متى20:28). وأملنا برؤسائنا الكنسيين المخلصين الأمناء والأوفياء لرعايتنا وخدمتنا ببذل الدم والعطاء رغم مسيرة الأيام وقساوتها. فالزمن زمن الشهادة وليس زمن الخذلان، ليس إلا.
   في زمن ** جعلنا الكذب بخفيفه وثقيله، ببياضه وسواده، بضاعة رابحة في سوق الدنيا والجاه، والحقيقة لا تقولها إلا الوصية "لا تكذب"، ولكن الناس آلهة هكذا قال المسيح الحقيقة . ألم يقل الكتاب "أنكم آلهة" (يو34:10) . وفي الكذب يكمل المراد إذ قيل: اكذب ثم اكذب ثم اكذب حتى يصدقك الآخرون. ومن المؤسف أن يكون كلامنا ، وأي كلام، بضاعة لزماننا بها نشتري ذمماً ، ونبيع ضمائراً . المهم في ذلك أن نكون في حسن سيرة امام الاسياد ، ومن اجلهم ، وكما يشاؤون ، وننسى ان الرب قال: دعوتكم احبائي لاني اعلمتكم بكل شيء" ( يو15:15) ، وايضاً "ليكن كلامكم نعم نعم ولا لا وما زاد على ذلك فهو من الشرير" (متى 37:5).
   في زمن **مع الكذب جعلنا أيضاً من الرياء طريقاً وفي الفساد حقاً ومن الرجاسة نعيماً، وأبدلنا وصية الحقيقة بوصية الزمن، وأرجعنا حكم السواد وكتبنا دستوراً بتوقيع أخنوخ وثبّتناه ، فغسل بيلاطس يديه ليعلن براءته ( متى 24:27) ، وأكد حنان وقيافا أنه لابدّ أن يموت (الحقيقة) فقد جدّف ( متى 65:26) ، ولكن الحقيقة كان " صامتاً لم يفتح فاه أمام الشر" ( اشعيا 7:53) ، فبسكوته أعلن جريمة الإنسان في الرياء والكذب والفساد، في الخطيئة والرجاسة، في الغيرة والحسد، في الشر والإثم، في السلب والنهب... وكل هذه اجتمعت في قبر الجمعة، وفي مخطط الله كانت القيامة، ففضُحت الشرور وهُدمت القبور وزال النفور وحتى الدهور تبقى الحقيقة هي القيامة بل هي المسيح يسوع... فما أطيب حكمكَ يا رب، وما أعدل أوامرك يا رب، وما أطيب نعيمكَ يا رب، وما أجمل طريقكَ يا رب... نعم وأمين، ليس إلا.
   في زمن **عُكست الآية فقيل "كن ظالماً وانعم بمقتناك حتى في ليلاك"، وحقيقة الآية تقول:"نم مظلوماً ولا تنم ظالماً"... والظلم رسالة يحملها الظالم عن حقده وغيرته على الحقيقة. فالكتاب يقول:"لا يرث الظالم ملكوت الله"، كما يقول:"بعرق جبينك تأكل خبز حياتك". فهل فكّرنا في غيرة وحقد قائين على أخيه هابيل، وامتلأ قلبه وأكمل مخططه القاتل... واليوم ، الظلم أنواع متعددة يُرسَم ويُخطط وينفذ، في الغاية والمسيرة والهدف... فلكل غاية مسارها ولكل مسيرة رجالها ولكل هدف غايته، أحياناً بكلمة نظلم بشراً وأخرى بشهادة زوّر نقتل بريئاً، وثالثة بسرقة نُميت عائلة،  وأخرى يرسمها الإنسان كما يشاء فيكون مخيفاً في واجهته وشريراً في عمق أفكاره وظالماً في حقيقته... فلا تنم أبداً ولا تسكت أبداً في قول الحقيقة، ولا تخف إذا ما كنتَ مظلوماً فالرب قد ظلموه قبلك، هو الذي قال:"لماذا تضربني ( 23:18) "، فهو لم يظلم أحداً، وهذه هي الحقيقة ، ليس إلا.
   ختاماً في زمن ** يشوّهون فيه وجه المسيحية كما ينكرون صليب المسيح، والحقيقة إن المسيحية صليب وإنجيل وكلاهما يحملان سلاماً ووئاماً إلى الناس فراداً ، ووحداناً،  وزرافات،  وجماعات. والبابا فرنسيس يقول:"لا وجود للمسيحية بدون الصليب، ولا وجود للصليب بدون يسوع المسيح. فالمسيحي الذي لا يفتخر بالمسيح المصلوب هو شخص لم يفهم معنى مسيحيته... هذا هو سر الصليب. فالصليب الذي نجده في كنائسنا وعلى المذبح ليس للزينة وليس مجرد علامة تميّزنا عن الباقين، بل الصليب هو سر، سر محبة الله" (القديسة مرتا، الثلاثاء 13/5/2014). والكنيسة تقوم على الصليب كما قامت على الدماء.. وصليبنا أن نشهد لوطننا وتربتنا وان نحيا له حبا به وبانجيل مسيحنا ولكن اليوم اصبحت شيئاً آخر. كما نشاء فنحن نختار ايات لنا فنجعل لنا انجيلنا وننسى انجيل ربنا فنحذف منه ما نشاء ونجعل ايات كما نشاء ، فالحقيقة ان شهداءنا الاوائل حملوا الصليب وحملوا الشهادة وغسلوا تربة الوطن بدمائهم ولم يحملوا حقائبهم ورحلوا ، بل كاموا شهداء للحقيقة وشهود للأيمان ، واقروا بان يسوع المسيح ربنا هو مخلصنا وهو ابن العلي كما دعاه الملاك ،، وما رسالته إلا الحب ، أحبَّ حتى أعداءَه ،  وعلّمنا بدورنا ان نحَّب،  ففي الزمن .. تمَّ ملء الزمان .. بل ملء الحب .. نعم وآمين .

50
سنبقى ننشد  قالاتِ إيماننا  ..
بأفرامها ويعقوبها .. مهما كان برديصانها

المونسنيور بيوس قاشا
في البدء :
   نعم، أرض شرقنا مرويّة بدماء شهدائنا، وعاش عليها آباء كنائسنا وقديسوها، وهي مهد الحضارات والأديان ومنبت الكنائس والأديار، ومنها أخذنا هويتَنا واصطبغنا بلون عماذنا وبنينا حضارتَنا ومذابحَ قرابينِنا. ونحن نفتخر بأننا شرقيون مسيحيون ولسنا مسيحيين من الشرق، فنحن لسنا أقلية بل نحن سكانٌ أصليون، فمسيحيتنا غنىً لشرقنا ولا يجوز إنكارُ ذلك فنحن منه وله ومن أجله، وفي ذلك يقول الإرشاد الرسولي:"إني أشجعهم على ترسيخ
هذه الأمانة الجميلة والبقاء ثابتين في الإيمان" (عدد35)، وأيضاً:"لا تخافوا من أحد ولا تضطربوا، بل قدّسوا المسيح في قلوبكم وكرّموه رباً، وكونوا في كل حين مستعدين للردّ على كل مَن يطلب منكم دليلاً على الرجاء الذي فيكم" (1بط 13:3-15عدد 36).

الإرشاد الرسولي:
   قال : المسيحيون، لكونهم جزءاً لا يتجزأ من الشرق الأوسط، أقاموا على مرّ العصور نوعاً من العلاقة مع محيطهم يُشكل مثالاً يُحتذى به، وتفاعلوا مع تديّن المسلمين وواصلوا عيش حياتهم وتعزيز قيم الإنجيل في ثقافة بيئتهم حسب إمكاناتهم وضمن حدود الممكن، ونتجت عن ذلك حياة تكافلية متميزة. ولهذا السبب من المنصف أنْ نقرّ بإسهام اليهود والمسيحيين والمسلمين في نشأة ثقافة غنية في الشرق الأوسط (عدد 24).
   نعم، وكما يقول الكاردينال بارولين أمين سر حاضرة الفاتيكان في 7/10/2014 وفي القداس الإلهي الذي شارك فيه السفراء البابويين في الشرق الأوسط قال:"إن هذه المجتمعات التي تقطن في هذه الأراضي منذ العصور الرسولية تجد نفسها تواجه حالات الخطر الجسيم والاضطهاد، وكثيراً ما تجبر على التخلّي عن كل شيء والفرار من بيوتها وبلدها. ومن المحزن أن نرى كيف أن قوات الشر مستمرة وكيف أن بعض العقول الفاسدة أقنعت أن العنف والإرهاب أساليب يمكن استخدامها لفرض إرادة المرء وسلطته على الآخرين وتحت راية دين معين".
   فالمواجهة ضرورية، وكلمة الحماية يجب أن تكون، فقد قال أيضاً:"الكنيسة لا يمكنها أن تبقى صامتة أمام اضطهاد أبنائها وبناتها، ولا يمكن للمجتمع الدولي أن يبقى محايداً إزاء الضحايا والمعتدين"، وأكد "أنه لا يجب إهمال أي وسيلة قد تُعَدّ نافعة لتخفيف معاناة المحتاجين ووقف المعتدين الذين لا لغة لهم سوى العنف والإرهاب".

حقيقة حياتية :
   أردتُ في هذا المقال وبشفاعة محبتي لقرائنا الكرام ، أن أواصل المسيرة مع الحقيقة وأبدأ فأقول: إن كلامي ليس إلا غيرة ايمانية " غيرة بيتك أكلتني " (يو 17:2)   وليس كبرياءً وتعالياً ، كما ، ليس ألفاظاً تجارية ولا دعاية إيمانية ولا مساحة إعلانية تلفازية، وإنما حقيقة حياتية تشهد لمسيرة الألم في بلد خُلقتُ من ترابِه، وجُبلتُ من طينه، ونُفختْ نسمةُ الروح كي أكون لله الخالق المحب في المسيح الذي باسمه اعتمذتُ، وبنعمته بدأتُ مسيرة الحياة في مآزيق وزوايا طرق الدنيا، وعبرها بدأتُ أقرأ وجودي كدعوة واختيار إلهي يساعدني لعيش مخطط الله ومشيئته مع رفاق المسيرة، وفيها اكتشفتُ إرادتَه وما يريده مني، حاملاً ضعفي إليه ليكون قوتي كي لا أتكبر بل يحيط بي تواضع الزمن في خدمة العلي.
   أقولها وعذراً ، كما ، وليست غايتي أن أجرحَ مشاعر الآخرين أو أقف مانعاً في مسيرة طرق الحياة، للسائرين على دروب الزمن ان حصلت كما ليس في جعبتي حقدا وكراهية ، ولكن أقول: إن مسيحيتَنا إذا ما سلكت سبل الهزيمة، وطرقَ الرحيل، تعني ذلك ساعداً أيمناً للإرهاب بصوره وتنوعاته، وإنْ كان المخطط إفراغَ بلدنا،  فالعتب علينا إنْ كنا في الوقت نفسه عبر مسالكَ أخرى عديدة تُؤَمِنْ لهم سبلَ الرحيل بانواعها المختلفة في لمّ الشمل ، وفي الكفالة بانواعها ، الدنيوية، والعائلية، والمقدسة، والمرتشية، والحقوقية، ولكل واحدة منها ، اسعارها وثمنها وحساباتها وتأشيراتها، وأمام بوابات عديدة ، من حيث ندري أو لا ندري،  فقد حصل لهم ما أرادوه وما خططوا له، واكتمل لهم المشوار وكما طاب لهم. أما الحقيقة، بالنسبة لي،  تعني أن نواجه الحياة بمآسيها وجلجلتها، بزيفها وخياناتها، كما هي واقع الحال كي لا تتعرض للنقد والطعون، بل الحقيقة تدعونا إلى أن نتحمل المسؤولية التاريخية إزاء صوت السماء بصوت الآب ورب الأكوان إذ قال:"وإذا ما جاء ابن الإنسان، أترى يجد الايمان على الأرض ( لو 8:18) ؟".

خطوات حازمة:
   نعم ، الحياة هي للأقوياء في الايمان ، وفي شهادة الدم ، والحقيقة ليست للراحلين والضعفاء أو للانتهازيين،الذين يزيّفون صباحات النهارات ويهللّون لساعات المساءات معلنين انهم ربحوا بالمال الفاسد ما شاءوا وجعلوا لهم " اصدقاء من مال الظلم"  ( لو 9:16) ،  بل علينا أن نخطو خطوات حازمة لتأمين الحياة والوجود وإنْ أصبحت أيامنا كأيام سواد حصلت قبلنا لشعوب بريئة، ومرّت على أوطان آمنة، فاليوم صحيح نتعذب ولكن أقولها ليس بوحدنا، كما إننا ليس بوحدنا في العالم نُضطَهَد، ولكن ما تدعونا إرادة الله أن ننظر بعين الحكمة في انتظار كلمة الآتي الينا والعريس الذي " لا نعلم ساعته" ( متى 36:24) ، فإيماننا بكنائسنا هو السبيل والحقيقة كي لا نكون دائماً أهدافاً للقتل والتكفير، ولا حملاناً كما أراد إبراهيم لابنه... فالصمود رسالة بلا خنوع، ولا يجوز أن نتنكّر لإيماننا وحضارتنا وثقافتنا وإلا تعرضنا للذبح بطرق حضارية منها قطع الرؤوس أو التشريد،او الابعاد او النكران، وحيل الزمان عالمة بما يصنعه الانسان  فهذا ما هو إلا عملية تدمير لوجود أثني،  وتطهير عرقي،  وجريمة إبادة جماعية وضد الإنسانية بل جريمة حرب... صحيح ربما لا يكون مَن يحرك ساكناً ليحمينا من حقيقة الواقع، ولكن التاريخ لا يكتبه إلا حاملو رجاء الإيمان بلا خوف في إعلان فساد وظلمة وجريمة تباع بجزية مرفوضة لخلافة بائسة من اجل رحيل مخيف  .

دينا ودنيا:
صحيح _ ولا جدل أو نقاش على الحقيقة _ أن هناك دواعٍ عديدة لترك الوطن، وأسباب ومسببات وافية لحمل الحقائب والرحيل وإعلانات الأغراء للمودة الحياتية في عيش مسيرة تائهة كان لها بداية ولم نعلم أصولها ولا زلنا لا نعلم نهايتها وختامها ومداها في البعيد أو القريب، بل كل شيء كالحٍ أسود، غائم، مسبباً عواصفَ اضطهادية، وبروقاً تدميرية، ورعوداً اقتلاعية، والحقيقة واحدة ليس إلا ، إنهم طردونا وقتلونا وشُنَّت حربٌ معلَنة على كنائسنا وصلباننا وحتى إنجيلنا وإنْ ذُكر في الآيات والكتب فنحن أمام أنظارهم لسنا إلا أقواماً غرباء على مسيرة الإنسان الذي خُلق على صورة الله ومثاله، وأقرباء من غابات الوحوش وقوتها ومن مسميات سماوية تكفيرية ملؤها البغضاء، فيُمارَس ضدُنا الاضطهادَ والتمييز والتخويف وترك الآلهة وكأنهم لا يعملون إلا لحقيقة إيمانهم، وما ذلك إلا صوت الله وآيته ، وإرادتهم صورة وكلمة شئنا أم أبينا لتصوير الجنة إنها مُلكهم ولا يحق لنا أن نكون حتى جيرانهم، فنحن لا نستحق إلا الرجم والقتل والطرد والعيش خارج المدينة بل الرحيل بعيداً وبعيداً، فالأرض التي نملكها ونحن أصولها أصبحت لهم ديناً ودنيا، سياسةً ومسيرة، وتلك حقيقةٌ لندركها وعلامةٌ منيرة ليس للقلق فقط بل نقطة ضياع في حقيقة الحياة.

اله الحقيقة:   
إننا أمام زمانٍ فاسد، وتاريخٍ مزيف، وحياةٍ صاخبة، ملؤها حب المال والدنيا والمنصب والجاه، وكل هذه تباع وتُشترى من كبار الزمن، بعددهم وانتماءاتهم، وميولهم وشهواتهم بفلس مسروق وبدينار ملؤه شهوة الدنيا والعين وما إلى ذلك. وما تواجهه كنائسنا وشعوبنا وصلباننا ما هو إلا خطراً كارثياً ،بل خطراً مستوحشاً، يجعلنا في ضياع الزمن هذا، وفي مجاهل الدنيا. والحقيقة يوصينا بها الرسول بولس قائلاً :"تجنبوا كل طمع وغش"، وكلَّ إِثْمٍ وَزِنًا، وَشَرٍّ وَخُبْثٍ،وحَسدٍ وَقتلٍ،  وَخِصَامٍ وَمَكْرٍ وَسُوءٍ ( رو1: 29 ) ، وفي ذلك تُصلَب الحقيقة، ومن على الصليب تنشد السماء وترتفع فوق موجات الأثير معلنة لتجّار النميمة، والافتراء والدرهم، والدينار والسلاح والساطور والحربة والإطلاقة، وهم لا زالوا على بسيطة الأرجل،أنَّ الحقيقة لا تموت ، وأنّ التاريخ يعلنهم، أنهم ليسوا الأقوياء وإنْ كانوا على الكراسي جلساء، بل أضعف الضعفاء، فقد بيع إله الحقيقة لشراء منصب العسكر والإطلاقة والحربة، وستبقى كلمة عيسى الحي المسيح يسوع ترنّ في أجواء الدنيا وأثير الزمان "تعرفون الحق والحق يحرركم" ( يو32:8) و"لا تخافوا من الذين يقتلون الجسد..."(متى 10: 28)  ولا تهتموا إنْ سرقوا منكم أموالكم ومقتناكم ومناصبكم وكراسيكم وجاهكم فالحقيقة ستبقى حقيقة مهما ألبسوها ثياب الصفاء المزيف والاستحقاق المباع والكمال المفقود، والفساد المنّزه، ودعوة السماء المزورة في الافتراء، فالسماء لا تتكلم في مسيرة الزمن بل تُصدر حكماً في نهايته، بقولها "تعالوا يا مباركي أبي رثوا المُلْكَ المُعَدّ لكم منذ تأسيس العالم" ( متى 34:25)  فلا نخافهم وإنْ قالوا عنا نصارى وكفّار... أليست هذه الحقيقة!!.


بوصلة السماء :
   وفي الإنجيل المقدس كتاب الحياة المفتوح في مسيرة الإنسان وخلاصه مساحة أولى لمفهوم المواطن والانتماء، مفهوم الحقيقة والعدل، مفهوم المسامحة والغفران، إضافة إلى أكبر مساحة ألا وهي المحبة والحب حتى بذل الذات... هذا الابداع في قيمة الحياة منحها الله للإنسان حيث نفخ فيه، وأرسل روحه، فجعلنا في ملكوت جديد ودعانا حاملي بشرى المحبة والخلاص، وجعلنا والصليب مسيرة الألم من أجل حقيقة القيامة في الحياة فقد قال:"مَن آمن بي وإنْ مات فسيحيا" ( يو25:11). فالمشكلة  أننا أضعنا بوصلة السماء وأتينا بدلها بوصلة الجحيم، وجعلناها حقيقة مزيّفة، وأصبحنا نتعاطى مع الجنة وكأنها مزرعتنا وحقلنا، نُدخل إليها وإليه، مَن نشاء ونسجلها بأسماء شياطين لأنه هكذا أردنا وهكذا فَتَونا بين جنة السماء وجنة الإنسان، وبدأنا نفسر فنطيع أحلامنا بمفهومنا، ونقرأ آياتِنا بألسنتِنا وعيونِنا، وصممنا على السير في ظلام السيرة والمسيرة بعد أن نصّبنا أنفسنا أسياداً وبامتياز، وأصبحنا لا نرى حقيقة الكتاب المفتوح من أجل الحقيقة، وحقيقة الصليب من أجل الخلاص.   وفي ذلك أقولها: مهما حصل، ومهما قيل، ومهما كُتب، ومهما أُنزل، ومهما ومهما...، سيبقى المسيحي وفياً لإنجيله وأميناً لحمل صليبه، ففي ذلك تكمن الحقيقة مستسلماً لرجاءٍ لا يخيب.
   
أفرامها ويعقوبها:
   ما نحتاج إليه أن نتعلم طريق الحكمة فلا نخاف من هبوب الإعصار ورياح الاضطهاد حتى لو كان السبيل رسالة الاستشهاد.والبابا بندكتس يقول في هذا الصدد " المسيحي قبل كل شيء شاهد والشهادة لا تتطلب فقط تنشئة مسيحية ملائمة لفهم حقائق الايمان بل تنشد ايضا حياة متوافقةمع هذا الايمان نفسه للرد على متطلبات اناس زمننا " ( الكنيسة في الشرق الاوسط فقرة 67)  فالحب لأرضنا صبغة عماذنا وشهادتنا ، وقلوبنا تفيض بنِعَم إيماننا ولا أجمل!!!. أيجوز أنْ نفنى ونموت وننكر حب أرضنا فنشارك في اقتلاع جذورنا التي زمّرنا لها سنين عديدة وأنشدنا فيها تراتيل المحبة للوطن وقالات الإيمان بأفرامها ويعقوبها وغيرهم، ومن المؤسف أن يكون ذلك قد سبّب في  خوفنا وفزعنا وعدم تلاحمنا... أخاف من سلطان الدنيا على الذات ومن والي الخلافة على حقيقة الصياد.

عوسج وشوك :
   نعم، كل يوم تتفاقم معاناتنا ويتعمق عوزنا وتزداد إهاناتنا وتهميشنا، ويكبر ألمنا نفسياً واجتماعياً وفكرياً. وهاجس المستقبل وما يحمله إلينا في طيات مسيرته يُورق نومنا ويبلبل أهداف أفكارنا ويشتّت أمنياتنا ونُمسي ونُصبح ونُضحي سؤالاً بلا جواب، وإذا ما كان الجواب فكله حسرات وآهات، وأصبحنا عمياناً ولا نرى وأفواهاً ولكنها بكماء وألسنة ولكنها بلا نطق وحديث، وصَدَقَ قول المسيح:"لهم آذان ولا يسمعون ولهم عيون ولا يرون" ( متى 13:13) ، وأصبحت حياتنا لا تُنبت إلا عوسجاً وشوكاً ولماذا كل هذا!!!... أليس ذلك دليل وضياع وتشويه للصورة الحسنة التي خلقنا فيها إله إبراهيم وإسحق ويعقوب... واله اسمعيل ..الاله المحب والغفور!!!... أليس ذلك ضياع للقيم بمفرداتها ودمار في وصمة عار على جبين المنادين باسم الله وباسم القيم وحقوق الإنسان بعناوينه المتعددة في إبادة بشرية وإنسانية، كما تاهت حقوق الحيوان والنبات والذي لم تؤذيه شراك النار لا زال متسلقاً في مسارات فكره الضيقة في غايات وأنانيات وفي حياة حاقدة وكريهة وتحت أنظار منبر قادة العالم المزيَّف ورؤساء الأزمنة، عبيدِ الدنيا، وكراسي الصفوف، أمكنةِ الغش والرياء،  وقراراتِ كبار العالم وحكّامِه. وأمام هذا الشر كلِه ، والتجارة المزيفة هذه تبقى كلمة المسيح ترنّ في أذان المخلصين،  حاملي حقيقة الحياة "السماء والأرض تزولان وكلامي لا يزول" ( متى 35:24)

الخاتمة
   نعم، تلك حقيقة الحياة، ومعها لن نكون عبيداً لسياسات خارجة عن إرادتنا، والسكوت ما هو إلا علامة الردّ والرفض ليس إلا... فبئس وطن لفظ أبناءه وسارت قوافلهم وفي أحمالها يأس وقنوط.   لذا فلا خيار لنا إلا الصمود والبقاء في أرضنا كي لا نضيّع تاريخاً رافقناه في أيامه ورافقنا في مسيرة حضارتنا وبنائنا، وكُنّا له شهوداً وإيماناً، وحملناه في قلوبنا رسالة ومحبة كما هو الحال مع المسيح ربنا وصليبه المقدس... وهذا هو صليبنا... فمَن خسر أرضه خسر كل شيء.
   فالضرورة هي الوجود المسيحي في بلدان الشرق أوسطية، كما إن الرجولة ما هي إلا أن تجعل الناس يعيشون بأمان ورجاء لأن المستقبل هو لِمَن يزرع الرجاء في القلوب... فالأرض أرضنا، ولنا الحق فيها، ونحن فيها أصيلون منذ ألفي سنة ولا يجوز إنكار المسيح ، ولا يجوز الرحيل في ازقة الحياة تائهين وكأننا لا نملك أرضاً ولا مسكناً ، فأرضنا ، أرض الميعاد ، أرض الله والأنبياء ، ونحن أصحابها ، فلا نسيلُ دموعَ أرضنا بسبب جرمنا وتدميرنا لذراتها ، إنه تراب مقدس ونحن أبناء هذا التراب مهما لوّنه الاشرار وهذه تجربة المسيح الثالثة " قال له ابليس : "أعطيك كل هذه الممالك إن خررت لي ساجدا" ، أجابه ربنا يسوع : " للرب الهك تسجد وإياه وحده تعبد " ( متى 1:4-11).. نعم مع المسيح الرب نقولها كلمة وبشرى وحقيقة فللرب السجود وبه يليق العبادة وسنبقى ننشد ونزمّر قالات ايماننا بافرامها ويعقوبها مهما كان برديصانها ليس إلا .. نعم وآمين .

51
مسيحيونّا .. بين سراق الحواسم وإرهاب الجواسم

المونسنيور بيوس قاشا
   في البدء
   عذراً... أبدأ هذا المقال بما كتبه وعلّمه وبشّر به روح النبوّة في الكنيسة
 وصوت الحقيقة في حمله لرجاء الخلاص... إنه الإرشاد الرسولي، إرشادالمسيرة  والشهادة والاستشهاد، شركة وحياة، إنجيل الألف الثالث في حقيقة ربنا يسوع  المسيح، الحقيقة المطلقة والوديعة الحسنة والإعلان السماوي في الخلاص والقيامة "وفيه كانت الحياة، والحياة كانت نور الناس" (يو4:1)، فهو "الحي الذي لا يموت" (لو5:24).

   حقيقة الارشاد
   ففي الرابع عشر من أيلول (سبتمبر) عام 2012 وبمناسبة احتفال الكنيسة الجامعة بعيد ارتفاع الصليب المقدس، سلّم قداسة البابا بندكتس السادس عشر وثيقة الإرشاد الرسولي للكنيسة في الشرق الأوسط وحمل عنواناً "شركة وشهادة" في احتفال مهيب أُقيم في بيروت، أصل الشرق ومنبعه، قلبه وكلمته، وحمل الإرشاد إلى مسيحيي الشرق مخطَّطاً إيمانياً لعيش الرسالة الإنجيلية في إيصال بشرى الخلاص إلى أبناء المشرق المعذَّبين، داعياً إياهم إلى التمسك بالأرض وعيش الرجاء، في إبعاد اليأس مهما كانت طريق الزمن قاسية.
   فقد جاء في الصفحات التي حملها ما نصه:"الشرق الأوسط بدون أو حتى بعدد ضئيل من المسيحيين ليس الشرق الأوسط، لأن المسيحيين يشاركون مع باقي المؤمنين في صنع الهوية الخاصة للمنطقة. فالجميع مسؤولون عن بعضهم بعضاً أمام الله" (فقرة 31). وأيضاً "إن الشهادة المسيحية أولى أشكال الرسالة، وهي جزء من دعوة الكنيسة الأصيلة" (فقرة 66) و"سيبارك الله سيرتكم وسيهبكم روحه لمواجهة التعب اليومي، "لأنه حيث يكون روح الرب تكون الحرية"" (2كو17:3) (فقرة 36).
   ويناشد الإرشاد المسيحيين ويحثهم على البقاء في الوطن وعدم بيع الأملاك (فقرة 32)، ويؤكد حقيقة الألم والاضطهاد فيقول:"يشعر المسيحيون بنوع خاص في هذا الشرق بأنه شرق تقييدي وعنيف، ويجدون (أي المسيحيون) أنفسهم غالباً في موقف دقيق بشيء من الإحباط وفقدان الأمل،  بسبب الصراعات وحالات الغموض. كما يشعرون بالمهانة، ويعلمون أنهم ضحية محتملة لأي اضطرابات قد تقع" (فقرة 31).

   الواقع والاضطهاد
   نعم، ونعم وصحيح، حلّ ما حلّ فينا بعد التاسع والعاشر من حزيران الماضي، ثم السادس من آب الماضي أيضاً ومن عامنا هذا حيث النزوح الثاني وبداية الكارثة بحق وحقيقة، بمآسيها وتبعاتها، ولا زالت تجرّ أذيال اليأس والقنوط حتى الساعة، كما ملك القدر الأسود على مسيرة الحياة مما جعلني أعيد ذكرياتي إلى ما حلّ بكنيسة سيدة النجاة واقتحامي لإحصاء عدد الشهداء والقتلى وكأن الكارثة آنذاك كانت جرس إنذار وناقوس ميعاد لِمَا سيحلّ بالمسيحيين وبالمسكونة (متى26:21) من طرد واضطهاد، وقتل وتهجير، ونهب لأملاكهم،  وسرقة لأموالهم، والاستيلاء على بيوتهم، كما تذكرتُ جيداً تلك المخطوطة التي قرأتُها عن مذابح تركيا 1915 وأودت بحياة ملايين المسيحيين وبالخصوص من الأرمن، حينذاك أدركتُ أن الواقع هو الاضطهاد، والحقيقة هي القتل والذبح والتهجير، وآلتها السيف والإطلاقة والساطور والتحقير والتكفير من كبار الخلفاء وعبيدهم الأمراء ومن صغار الزمن سرّاق الحياة، وغير مبالين بأن الوطن والإنسان هبتان من الله لأبنائه، وإن الخليقة صورته. وبئس المخطِّطين والمنفّذين والمدّعين والمكفّرين فما هم إلا أشرار... إنهم أحفاد هيرودس وبيلاطس الذي خلط دماء الجليليين بذبائحهم (لو1:13) وكأن التأريخ يصف لنا السيوف والمسلَّطين ورسالتهم الشريرة في الدنيا للبقاء، ففي ذلك ما هم إلا بشر مفترسون وأمّة قاتلة ودولة إرهابية تذبح الأبناء الأصلاء كي تقلع جذورهم من التاريخ والحياة، وجعلت من حقيقة الكتب رسالة مزيَّفة ليس إلا.

   دموع راحيل
   كان العالم صامتاً أمام كارثة كنيسة سيدة النجاة، وواصل صمته أمام كارثة تهجيرنا وقتلنا ،  إلا ما هو له ولمصالحه... فهل صمته هذا كان استجابة لغنى خزائنه من نفوط الوطن الجريح، أم لأنه كان راضياً ليرى ويشاهد بل ويتفرج وربما كان عاجزاً عن قيامه بأي عمل ما، يوقف زحف الإرهاب في أرض القداسة حتى أدرك الأشرار إنهم ينتشرون بسلاح من خزائنهم، ويعبثون بالقيم في هدم المزارات والكنائس والمعابد والمقابر وتفجير المنائر والمراقد، في تشييع اليونسكو وحضارتها وآثارها وكأنهم أُرسلوا من إله الشر لينشروا الجُرم ويسيلوا الدماء البريئة، وحتى دموع راحيل (متى 18:2) لم توقظ ضمير العالم إلا بعد فوات الأوان، وما على الحقيقة إلا أن تجابه، فقد كان صمته مخيفاً، وسكوته جريمةً، وانتظاره مشاركةً... وجريمة الإبادة حلّت، وإبادة الإنسانية حصلت، وأُعيد صلب الحق بقرار الإرهاب ودولته، وإبادة البائس، وكتبوا علامة على بيوتهم، وسجّلوا عقاراتهم بأسمائهم كما حصل للمسيح الحي حيث اقترعوا على ردائه وكتبوا علامة على صليبه (متى37:27)، ولما جاءت ساعته (يو4:2) أعلن أنه مشيئة الله (لو42:22) وإنه سيحارب الشرير وفعلته وسيقف ضد الشر وأنواعه، وهذه كانت مشيئتهم بعد أن دفنت نسوة أورشليم أطفالها الأبرياء وفقدت آخرين .

   الجيرة والديرة
   نعم، طردونا من منازلنا، وقتلونا أمام أنظارهم، وأبعدونا عن قُرانا قسراً وكرهاً وحقداً، وعن مدننا كفراً وتكفيراً، وعن أحبائنا عنوةً، وعن جيراننا غدراً، والسبب يعود إليهم وإلينا، فهم سبقونا في الهزيمة ونحن لم نكن مستعدين لها، بل بالأحرى لم يعلّمونا حماية مدننا وقُرانا وأملاكنا، فضاع كل شيء وأصبحنا تائهين في العراء ليلاً ونهاراً، وفي شوارع المدينة وساحاتها وأرصفتها وحدائقها وساحات دور العبادة في قيظ الصيف وحرّ السماء، ولا أحد يبالي بنا... والشكر هنا واجب للأرض الطيبة التي احتضنتنا أرض شمالنا العزيز، وجعلتنا من آلِها وأهلها حيث هزيمتنا لم ترى ساعاتها الفجرية، فواحد رصد مسيرتنا، وراقب سيرنا، بعرانا وبلباسنا... إنه الرحمن الرحيم، وهو في علوّ سمائه، كما اطّلع على عبيده وهم يفتشون عن مأمن آمن ومسكن هام وعبور أكيد... فالزمان لنا معيد، والتتر لبس حُلّة الإرهاب بداعشه وسواد الدواعش بإرهابه، وشرّعوا سيوفهم تخويفاً وتنكيلاً، وعقيدتهم جبراً أو جزيةً، وكأن الكلمة الطيبة لم تُمسِ صدقة بل دُفنت، وأنشودة الحياة قد غاب صوتها ولم يبقَ للإنسانية وجود ولا للحقيقة إعلان، بل أصبحت غابة أدغال، وما حصل وما يحصل أعادنا إلى القرون الغابرة وإلى ما كُتب عن أجدادنا وهروبهم وهزيمتهم أمام السيف الذي شُرع عليهم غدراً وقسوةً وكرهاً لأبناء المسيح عيسى الحي في الماضي القريب والحاضر الجديد من الجيرة والديرة.

   الهجرة مصيبة
   أما نزيف الهجرة، فتلك مصيبة الكوارث وحقيقة مؤلمة، ورسالة المصالح وغاية الحقد وعدم قبول الآخر في أن نكون أو لا نكون. وما يؤلمني أن أكتب _ إذ قال أحدهم _ يكفي لي أن أصبغ أحذية أهون لي من أعيش في... ربما وربما أمام سرقة كل ما ملكوا ويملكون من مستمسكات رسمية وأموالهم التي كانوا يظنون أنهم سيورثونها لعيالهم وأحفادهم باتوا اليوم بلا مأوى، و"حتى فلس الأرملة" (مر42:12) ضاع عن أنظارهم فراح العدد الأكبر منهم يبحث عن مستقبل في بلد آمن، من أجل ملجأ هادئ، فلا بلد بعد اليوم، بلد الأصلاء والأصليين، فبقلاوة نينوى بدهنها وسكّرها دُعشت، والكنيسة الخضراء هُدمت، والدولاب كُسّر وأَجلُه قد حانَ، وشيّعوه بالتفخيخ والتفجير، ولم يعد يسأل عن أحبائه وأصوله، والفرات نشف ولم يعد يكون، وهكذا أراد أصحاب الأمر والشؤون، فكل ذلك وأخرى تركوها خلفهم ورحلوا مدّعين أن لا وجود لهم بعدُ في هذه الدِيَر، متمّمين قول الشاعر:"بالأمس كانوا هنا واليوم قد رحلوا" وقول أصولهم رحل من هنا على رجاء القيامة أبناء البلد الأصلاء، فقد أبعدهم الإرهاب إلى عبور البحار والمحيطات بدعوة رسمية وبرسالة ولادية وبناتية وشملية وبأشكال أخرى متعددة وطرق لا يعرفها إلا مطابع القرار وختم الأسرار.

   ما الذي فعلناه
   رحلوا وهم يسألون ويتساءلون، ما الذي صنعناه؟... هل لأننا مؤمنو فقير الصليب (يو25:19)؟... ما الذي فعلناه هل لأننا أبناء السلام والمجد في الأعالي (لو14:1)؟... ما الذي صدر عنا هل لأننا حملنا شعارنا محبةً وغفراناً كما أراد سيدنا "احبوا بعضكم بعضاً" (يو34:13) ؟... وأسئلة أخرى. ألم نكن نحن قد ضيّفنا جيراننا ولما حلّوا بيننا كنّا لهم ضيوف وهم آل بيوتنا؟... أهكذا تكون الجيرة في سرق أموالنا ونهب ممتلكاتنا، وتقولون لنا امكثوا ولا تتركوا بيوتكم وما عليكم إلا الجزية العتيقة الزمان أو ترك إيماننا الذي باسمه اعتمدنا وأصبحنا له شهود وسنبقى من أجله شهداء... يا بئس المطالب ويا سود الحقائق، وحتى شجر منازلنا شيّعته عواصفُ الإرهاب فيبس وأحنى قامتَه ومات، وأما أليفنا عطش وجاع وسُرق وأُخبر عنه أنه فارق الحياة خنقاً وجوعاً وعطشاً، فكان غذاءً للدود عبر رياح كريهة... أهذا هو الإله الذي تفتشون عنه وتؤمنون به وتعاليمه تنشرون؟... أهكذا أوصاكم يا أزلام الشر والإرهاب؟.
فنحن رغم رحيلنا لا نبالي بما فقدناه، فالمسيح ربنا علّمنا قائلاً:"لأن أباكم قد سُرَّ أن يعطيكم الملكوت"  (متى32:12) وأيضاً:"أكنزوا لكم كنوزاً في السماء حيث لا يصل إليها سارق ولا يفسدها سوس" "داعش" (متى33:12)، ومعها علّمنا أن نحب أعداءنا، وما هي إلا أعمالكم وشروركم وإرهابكم. وسبق وشرح لنا مسيرة حياتنا إذ قال:"يضطهدونكم ويقتلونكم" (متى9:24)... ولكن مَن أولاكم علينا وعلى أولادنا وأموالنا وممتلكاتنا؟... بأي أمر أصدرتم فتاواكم؟... هل تعملون عكس ما أوصاكم إله السماء.

   سرّاق وإرهاب
إنها محطات اضطهاد، من حكومات أو من دساتير أو مسيرة حياة وضعوها وكانت من أجل مصالحهم دون النظر إلى حقوقنا كشعب أصيل. فالمواطنة أمر الحقيقة وليس عنواناً ذليلاً، فهُمِّشت تعاليمنا وشُوّهت رسالتنا ودُمّرت حقوقنا وإنْ كنا أصلاء وأصيلين، وما علينا إلا الطاعة ولا يجوز النقاش، فالمرسوم لنا لا يسمح بذلك لأننا أقلية مهمَّشة، أكيداً مهمَّشة أو لا فائدة منها إلا لإعلانها عبر مايكروفونات الإعلام لإصلاح الصورة والسيرة، وفي ذلك أقول: ظهر لنا فرعون، ولكن أي فرعون!!!.
شعبنا المسكين يتعذب، يتألم بل ينازع أحياناً حتى الموت وقطع الأمل وضياع الرجاء. وسياسيو بلدنا وأبناء شعبنا يتصارعون على النوازع الخاصة، والمناصب الرفيعة، وطُرق صيد الحيتان،  لديمومة مسيرة الأنانية والكبرياء ، عبر نيّات تكاد تكون قد هُيّئت ، لإنجاح عملية النيات الفاسدة ، وحركاتنا،وجمعياتنا ، وأحزابنا،  ومُسمّياتنا الخاصة بنا لا زالت تراوح في محلها، وكل فخرها أن تكون لها ولضيق صدرها ليس إلا، بدلاً من أن يتضامنوا ويتآلفوا ويتكاتفوا للعودة إلى جذور الحقيقة في تشخيص الألم بسببه وأيامه واستفحاله لإدراك دواءه الناجع وعلاجه الأكيد، ولكن بالعكس تماماً وإعلاماً، وعدم التضامن والتآلف يقودنا إلى العنف والظلم والتهميش وقتل فقير الحياة لإعلاء غنى الدنيا وفي ذلك ما هم إلا من سرّاق الحواسم، وارهابي الجواسم، وقاتلي الأبرياء، وعسكر الخطف والإرهاب،  والتهديد والوعيد، وهذه الحقيقة لا يعلمها إلا الذي أحبنا وعلمنا أن نخرج الشياطين باسمه "باسمه تنبأنا وأخرجنا شياطين" (لو1:9).

   الخاتمة
حتى ما نكون أرقاماً هزيلة؟... أفي بلدي أكون نازحاً، لاجئاً مهجَّراً أنا المسيحي ابن هذه الأرض الطيبة التي رويتُها بدمائي وعرقي، وعملتُ فيها بسواعدي وفكري، وسرتُ فيها شامخاً متكبراً بألوان رايتها؟... أليس ذلك من حقي وحق حريتي أن أكون رايةً وحقيقةً، شاهداً ومؤمناً؟... أليس من حقي أن أدافع عن وجودي بصوت مُحب وأيادٍ ضارعة وصلاةٍ خاشعة لأعلن معنى وجودي وإلا عبثاً أنا هنا؟... فأنا لستُ عبداً لكلماتِ دستورٍ ينكر وجودي، ولستُ خانعاً وخاضعاً لإراداتٍ تسلب حريتي وأموالي وأطفالي، وأنا لستُ إلا أصلاً وأصالةً، عمقاً وقلباً، فكراً ورسالةً، حضارةً وتراثاً، فمهما باعوا الحقيقة من أجل كراسي الزمن ومتاعب الدنيا. فالحقيقة علامة وليست بضاعة وإن كانت تباع اليوم في سوق النخاسة ويشتريها مَن يملك مالاً وعبيداً وجاريات ومن الحَسَب والنسب والقربى وفي ذلك يصنعون إرادتهم ويتبعون أنانيتهم ويرفعون علامة كبريائهم من أجل تدمير الآخر المختلف عنهم فكراً وعقيدةً وحواراً ، فهم في عملهم يحقدون وفي فكرهم يقتلون وفي حوارهم يفرضون ليس إلا!، وكأن السماء قد سُبيت إليهم كما بيع يوسف في الأزمنة الغابرة، وما تلك إلا جريمة إبادة بمعناها الاجتماعي والإنساني، أما أنا سأبقى أنشد هويتي واعتزازي ببلدي، وبأرضه رسالة وجودي وعراقيتي... فالرافدان شاهدان، وحمورابي وشريعته قاضٍ يعلن حكم الحقيقة. وسأبقى أحضن ترابي ووطني وأحمل مشعل إيماني، وما ذلك إلا رسالة الحقيقة، وهذه رايتي ليس إلا، مؤمناً أن الرب معنا حتى الموت ، ورجاءنا فيه لا يخيب ، فقد قال في إنجيله المقدس:"ها أنا معكم حتى انقضاء الدهر" (متى20:28)، وأيضاً "ارفعوا رؤوسكم فإنّ خلاصكم قد دنا" (لو28:21)، وسأقول هنا إذ كنا لا نؤمن بتاريخ آبائنا وأجدادنا فقد اضعنا الحقيقة. ألم يكتبوا لنا لنقرأ ونفهم ونحيا؟. فنحن لم ولن نكون سرّاقاً للحواسم أو إرهابيينَ للجواسم، بل نحن" سنحب أعداءنا " ( متى 44:5) ، وسنبارك لاعنينا، و" سنصلّي من أجل مضطهدينا" ( متى 44:5) ، فهم أخوة لنا في الإنسانية وفي الخلاص، وصلاتنا هي أن يتوبوا، نعم أن يتوبوا... نعم وآمين.

52
أمام أنظار الأمم والجلالات والحكام والأمراء :
من المؤسف : المسيحيون شعبٌ تُقلعُ أُصولُهم
المونسنيور بيوس قاشا
في البدء
   مرة أخرى ، وأمام الصمت العربي والدولي المريع ، وأمام ابادة انسانية لا حدود لها ومحو لتاريخ وتراث مسيحي
 عمره من عمر نشأة المسيحية في هذا الشرق،  يُصاب بلدنا بسهام العنف وسلاح الإرهاب وحراب الدمار وقتل الأبرياء وتكفير
 المؤمنين إضافة إلى حروب عديدة أودت بدمائنا الزكية وآخرها كان عام 2003  وما حصل حتى اليوم  مع الاحتلال الذي
 ملأ أفواهنا دماءً، وعيوننا دموعاً، وقلوبنا حسرةً وألماً على مَن فقدناهم، وحملت ما حملت موجة الاحتلال مدى الأيام دماراً في النفوس، تهجيراً للشعوب، وتقسيماً للمؤمنين، وكان الضياع عنواناً والمخطط الكبير رسالةً ولا أحد يعرف لماذا كل هذا من أولئك الذين ينادون باسم الإنسان الذي جعلوه عبداً وفريسةً وتائهاً على شكل قائين. فأخوه هابيل قد قُتل وكان يفتش عن مأوى آمن، ولكن صوت الله كان الرقيب الأمين. فمَن يكون رقيبنا الأمين ليقول لنا حقيقة الإرهاب واحتلال بلدان وشعوبها، وتشويه وجه إنسان خُلق على صورة الله ومثاله. وفي ذلك يتباهى أقوياء الزمن حينما يرسمون مخططات الحروب وهم مدركين جيداً أن مفتاح البناء بيدهم ومفتاح الدمار بأياديهم، وفي كل ذلك تكبر حسرتي وتطول نظرتي ويسألني رجائي حتى ما أكون شهيداً لعنف وإرهاب وإجرام ، حتى أقول بئس انسان استوحش  ، وبارك الرب بوحش مفترس استجلس حملا ( اشعيا).
وطني يُصلب
   صحيح لم يكن ببالي أو لم يخطر في أفكاري يوماً أن أتناول مقالاً لأصف ما حصل في التاسع من حزيران الماضي، فوجدتُ اليأس قد ملك على قلبي، وقلمي لم يعد يطاوعني، ونفسيتي التي بدأت تنسى ما حلّ يوم كارثة كنيسة سيدة النجاة حيث بدأتْ نبتة الأمل تنمو، ولكن ما جاء في الرابع والعشرين من حزيران الماضي برحيل أبناء بلدتي وقراي وهزيمتهم ليكونوا نازحين في قرى أخرى آمنة... أخذتُ أفكر ولكن دون جدوى، بل أردتُ أن أجمع أفكاري فلم أستطع حتى الساعة. فالواقع مؤلم، ووطني يُصلب ،  والهجرة قاتلة، والعنوان سخيف والطغاة لم يفكروا إلا بأنفسهم، والسلاح يعمل في الشعوب البريئة قتلاً وتدميراً وتهجيراً. لمسيحيين وآخرين ، فالمسيحيون تقلع اصولهم ، فبئس شعوب تبيع أوطانها للقتلة وللمجرمين ، وبئس شعوب تقلع اصولها من التاريخ والحياة ،  وبئس كبار لا يمدون أيادي المحبة في سلام الله، وبئس نفوط من اجل  نفوذ خزائن الجيوب إلى حقد وكراهية ليس فقط مميتة بل قاتلة للأصلاء الذين بعقولهم أدركنا أن نفوطنا ما هي إلا نعمة الله لشعوبها.
بحثاً عن الأمان
   نعم، دوامة العنف قد عادت من جديد لتؤكد هيمنتها على أشخاص باعوا ضمائرهم وملئوا صدورهم حقداً وكراهيةً وبغضاً، كما تؤكد هيمنتها على أرض عُرفت بحضارتها وثقافتها وعراقتها وتاريخها وشموخها في الماضي ومن هذا الزمن القاسي شراسة الحياة وقينة المسيّرة، وهذا كله جعلنا نحن المسيحيين الأسوأ حالاً بين مسيحيي العالم. فالانقسامات الحادة أخذت صدارتها في المناصب، والأوضاع الأمنية تواصل مسيرتها المتعَبَة، ولم نسلم من الاضطهاد والعنف والتكفير والقتل على هوية بائسة في ظل احتدام نزاع مذهبي وطائفي وأخرى لا تُحصى ولا تُعَدّ، وهذه أزادت في هواجس أبنائنا، فحملوا حقائبهم ورحلوا بحثاً عن أمان... وإلا ماذا يعني البقاء ونحن أمامهم في مجاهل الزمن والتاريخ والوجود، ولا يبالون إلا بغاياتهم وسهراتهم وممتلكاتهم وينسون أن الآخرين يذرفون دموعاً كونهم ليسوا في الوجود، وإنْ وُجدوا... إنهم شعوب تقاسي الألم، وتشكو التوتر والقلق، وتعاني الاكتئاب والاختناق والانفعال ،  فنكون تائهين في دروب الأصدقاء والحلفاء وربما الأعداء، فيملك اليأس ويزداد الاحباط وتموت الدنيا ومآربها والحياة وأمالها أمام كل ذلك يُكتب على قبورنا "يرقد هنا طريد الأوطان وقتيل المذهبية وبريء اللصوصية وكافر الحقيقة"، وما إلى ذلك من مسميات مزيَّفة شئنا أم أبينا، وما علينا إلا أن نبصم على ذلك خوفاً أو إيماناً فهذا مسار الدنيا وهذا مراد الأغلبية وذلك دمار الشعوب وقتل الحوار ودفن الأبرياء في قبور جماعية.
الارشاد الرسولي 
   كل الثناء وكل الحمد وكل الشكر لآبائنا المغبوطين ولسادتنا الأجلاء حاملي رسالة الإيمان من أجل الحياة لإعلان الحقيقة في عِظاتهم ورسائلهم، في زياراتهم الرسولية الرعوية وتفقدهم للمهجرين والمهاجرين، عاملين وحاثّين مؤمنيهم على التمسك بأرضهم وعيش الرجاء وإبعاد اليأس مهما كان طريق الزمن قاسياً ورسالة الألم سالكة، فالأرض أرض تبقى، والشعوب تفنى وتزول والتاريخ لا يرفع إلا راية المحبة والحضارة والسلام... وهذه مسيرة حملها إلينا الإرشاد الرسولي، تقودنا إلى العيش في الحقيقة، والشهادة لمسيرة الإيمان، والشراكة مع المتشابهين والمختلفين والمتضادين حتى الأعداء... فتلك رسالة تقدس الإنسان بحضوره وسط الجماعة أي الكنيسة . فالبابا فرنسيس يقول:"الكنيسة ليست لبطرس بل للمسيح، وبطرس يمجد المسيح في الكنيسة. وإلهنا هو إله بشر وليس إله حجر"... إنها علامات زمن الله وليست علامات من صنع الإنسان.
سماح رباني
   من المؤكد أن ما حلّ فينا وما حصل لنا وراءه مشيئة إلهية أو سماح رباني ليقول لنا كلمة الحقيقة في زمن عاد إلينا قائين ثانية بحقده وكراهيته، ببغضه وأنانيته، وما نحتاج إليه أن يكون ربنا على الصليب من أجلنا ليقول لنا "عبر الألم كانت القيامة، والقيامة بالألم أصبحت الحياة"، وما هذا إلا عمق إيماننا... ورغم الظلمة التي غطّت عيوننا، يملؤنا التساؤل عن حقيقة القيامة ونحن سالكون دروب المشقات كما حصل لتلميذي عماوس من أجل كلمة البشارة، ولكن في الواقع في هذا الزمن القاسي نحن مَن يحتاج للبشارة، لأنها لا تقوم على توصية بشرية يخطّها مِداد أرضي بل على وصية إلهية يكتبها الله بالذات بقوة روحه الحي فينا لمحو حقد الانتقام، لأن الانتقام يدعو إلى الانتقام، والدم يدعو إلى الدم، والأشخاص الأبرياء الذين قُتلوا ما هم إلا ضحايا قُدموا على المذابح الشيطانية كُرها وحقداً .
البشارة والأيمان
   ما ينقصنا أحياناً بل دائماً شجاعة كي نحمل الأمانة بكل وفاء ولاسيما عندما نقف موقف الدفاع عن إيماننا. فعالم اليوم يغرق أكثر فأكثر في المادية، وبات الإيمان والتقوى محارَبين من كل اتجاه، وصار إعلان البشارة خجولاً سواء بالنسبة لِمَن يعلن الإيمان ويبشر به أم بالنسبة لِمَن يسمع البشارة ويقبل الإيمان، فقد قال أحد الرهبان الفرنسيين في القرن التاسع عشر:"إن الحقيقة تخلص أحياناً مَن يسمعها، ولكنها تخلص دائماً مَن يقولها"... فالعالم يرفض الكنيسة لأن يسوع المسيح هو الشهيد الأكبر، جاء ليقول من على الصليب "وُلدت الكنيسة من على الصليب، وانتشرت وخلقت مجتمعاً جديداً بالقيامة المجيدة"... فيسوع المسيح لم تنته قضيته يوم الجمعة في ختم القبر بل انتهت في أحد القيامة، وفي ذلك أحمل قيماً لمجتمع يرفضها لأنه ليس منها في هذا زمن الانحطاط وإحقاق الكذب والغش وقول الدجل والنفاق بدل إعلان الحقيقة من أجل الحياة... تلك راية لا يحملها إلا المؤمنون مهما اشتدّت أزمنة الألم وازدادت حسرة المسيرة.
المحبة والمحبة
   من المؤكد أن المسيحي كان ولا زال وسيبقى رجلاً مسالماً وإنساناً يفتش عن الآخر عملاً بقول ربنا يسوع:"تحبوا بعضكم بعضاً" (يو17:15)، وفي ذلك لا يمكن أن تكون رسالته أو مهمته الدخول في صراع مع أبناء جلدته أو حارته أو سكان زقاقه، ولا يُطلب منه أن يكون خانعاً أمام المظالم وعبداً سيئاً أمام محبي المصالح الضيقة وإرادتهم في الأنانية المظلمة وهذا ما يدعوه أن لا يعيش على هامش حقائق الحياة خوفاً وهزيمة لكي يكون غريباً عن أرضه بعد أن سلبها الآخرون دون خجل، ولا يجوز هذا الموقف أن يجعله يبتعد عن تحمل المسؤولية والأمانة، بل تلك رسالة لأعلان الحقيقة "قولوا الحق والحق يحرركم" ( يو32:8)، وهي أنه مهما ابتعد أو أبعدوه عن أرضه وتراب وطنه فهو جزء منها ومنه، وما عليه إلا أن يكون شاهداً لهذه الحقيقة، مؤمناً أن الأوطان لا تزول، والتراب شهادة للخليقة، والتحديات لابدّ من مجابهتها بـ "وداعة الحمام" ( متى 16:10  ) و"حكمة الحيات" ( متى 16:10)، وما ذلك إلا دعوة الإرشاد الرسولي "شركة وشهادة" في أن يكون المسيحي شاهداً لمسيحه ومشارِكاً الجميع بمسيحيته، وهذا ما يجعله أن يشارك الآخرين لا أن يعلن إيمانه على طرق الحياة.
ثقة في الله
   صحيح إن عددنا يتضاءل، وكما قلتُ سابقاً في مقالات عدة، إن هذه المسيرة المؤلمة ستستمر ما دامت الأوضاع تسير من سيء إلى أسوأ وخاصة ما حدث بعد التاسع من حزيران الماضي حيث لا أحد كان يفكر أن ما وقع كان مخطَّطاً له وما يقابله لا أحد يفكر في حلول ناجعة تجعل الإنسان ثابتاً في أرضه ومُحباً لحبات ترابه... فالظروف التي تمرّ علينا، والإرادات السيئة التي تستحوذ على نفوسنا وأملاكنا وطرق معيشتنا وبغضهم لأمانتنا رغم أصالتنا في أرضنا، فالتاريخ لا يُزيَّف مهما حمله السيئون على صفحات مزركشة بكتاباتهم وإنشاءاتهم، فذلك لنا تحديات وتحديات هائلة لا مناص منها كما لا خلاص منها إلا بالثبات والشجاعة وإعلان الحقيقة مهما زُيّفت الكلمات والغايات، وما علينا إلا أن ننظر بعيون الإيمان ونستوقف أفكارنا ونثبّت لا فقط أقدامنا بل صوت أمانتنا كي نسمع صوت الرب وصداه يعمل في مسامعنا ومنها عبر سواعدنا، فنكون سفينة نوح الخلاصية بحقيقة الإيمان وليس بزيف الكبرياء والأنانية وبحكم الدنيا المزيفة، وفي ذلك نرسم نافذة منها نطلّ على الحدث دون خوف فهو معنا "لا تخافوا، أنا معكم" (متى 31:10). فمهما رقصت الأقدار وقصفت الهاونات وقعقع السلاح واطلقت النيران، ما يهمنا في كل ذلك أن نحافظ على إيماننا لننقله إلى أجيالنا لا لنجعله زوادة لحقائبنا، فالعالم الهائج يدعونا أن نفتش عن النجم حيث المولود (متى 2:2) فهو يكون لنا الدليل وسط شوائب العولمة المزيفة بأناس قدّسوا مآربهم المشوِّهة لوجوه الأبرياء، فغيّروا بوصلتهم وحالهم من أشرار إلى أبرار، وكتبوا أسماءهم في سجل الدنيا المزيفة، وأعلنوا أن لهم الحياة قد كُتبت، وما ذلك إلا كذباً وافتراءً كي يكون بجانبهم مَن هم أحباءهم فكانت ثقتهم فيهم ونسوا أن مَن لم تكن ثقته بالله فهو زائل، وتلك مسيرة الزمان في الغش والطغيان.
علامات ايمانية
   نعم، تحاليل عديدة تبثّ في أجسامنا سموماً من أجل هجرتنا وترك أوطاننا، ويمكن أن تقال الحقيقة إذا ما شئنا بأن شعبنا قد قاسى الأمرَّين في الماضي والحاضر، وتخوفنا من أن يأخذ الدرب منحاه مرة أخرى في المستقبل فتضيع الرسالة والرسول، وربما يشوهها أهلها وآل بيتها فتكون في خبر كان. فلا يمكننا بعد البقاء والشهادة، وتموت العلامات والسمات والحياة، وتضيع الحقيقة في أن الشهادة أثمن من الرحيل من أجل لقمة الزمن والوقوف ساعات أمام بيوت الإقامة لنيل دولار الأسواق. في ذلك علامات لنا ولسكان الأرض ومؤمنيها في أن نكون للرب... ألم يقل توما:"إلى أين نذهب يا رب وكلام الحياة الأبدية عندك" (يو 68:6). لا يجوز أبداً مهما علت جبال الصعاب ومهما ارتفعت أصوات الاضطهاد ومهما زادت حالات التنكيل والعذابات، ستبقى مسيرة إيماننا هي هي لا تُباع ولا تُشترى لا بروح المال والقرابة والطائفة والعشيرة والحماية وحتى القومية، وتبقى العلامات ايمانية الحياة وما هذه إلا أصوات تجربة من إبليس حاملاً روح الايمان المزيف الذي يعلن  صوته إلهاً بل عجلاً كما حصل في الزمن الغابر لحين سماع صوت موسى وهو يكسر لوحي الوصايا ليعلن أننا لم نحفظ وصية الرب الذي أرسلنا وعطية الكنيسة التي علّمتنا وإرشاد الآباء الذي رسم لنا مسار خارطة لطريق إيماننا كي نحمل إلى الآخرين محبة في أن "أذهبوا" (متى 19:28 )... ألم يكن يدرك ربنا أن في ذهابنا ربما سنُقتَل!!، وإلا لقال لنا ستُقتَلون، بل قال "ارفعوا رؤوسكم فإن خلاصكم قد دنا" (لو 28:21)... إنها لحظة إيمان بل حقيقة ليس إلا.
حقائق وخفايا
   لم نكن بحاجة إلى مغادرة أرضنا إن لم يكن هناك مخططات خفيّة ورسوماً سرية وقرارات أمنية وخرائط مخيفة تُرسم لنا وتخطط لتنفيذها، وما نحن لها إلا مطيعون، فليس بيدنا أن نجابه أو نضادد أو نصرخ أو ننتفض أو نتظاهر أو نعلن سوءها وحقارتها ونجاستها وكرهها وحقدها وشرها وإبليسيتها، فنحني لها قاماتنا المقدسة راحلة إلى حيث المحيطات وعبور البحار وكما هم يشاءون وليس كما نشاء، فنصبح بذلك علامات مسيَّرة لأهداف مدبَّرة لرسالة مؤامرة لإفراغ أكيد ورحيل بعيدٍ  فلا عيد لنا، وفي ذلك يصبح المثل القائل "إذا صاحب العيد بعيد يبقى العيد بعيد"... صاحب عيدنا حقيقة إيماننا، مسيحنا الحي، فإذا ما أبعدناه عن مصير زماننا فلا عيدٌ يُكتب لنا، ولا شهادة تعلَن لغيرنا لأننا نحن أردناها مطيعين مطأطئين بل وحتى خانعين وإن كانت الأفواه تصرخ وتزمجر.
   أن نغادر بلداننا وأوطاننا لطيب الإقامة حيث نحن راحلون لهدوء السكن، تلك غاية مبيتة وهدف من أجله حلّ ما حلّ فينا، فنكون بقولهم لنا كحيّة، تصيرون مثل الله وتعرفون كل شيء، هكذا يحلو لهم أن يقولوا لنا وننسى أن الله يطلب منا نفسنا في تلك الليلة (لو 20:12). يا لغباوتنا ويا لغشاوة عيوننا... ألم يكن قلبنا يبكّتنا على قلّة إيماننا، فالذي فعلناه ما هو إلا غاية ولأجلهم ليس إلا!!!.
ضحايا ابرياء
   من دون شك أسأل: ما الذي اقترفه المسيحيون كي نكون ضحية ويا للأسف، فعندما تهب عواصف الحروب وتحلّ أزمات الحياة يُتَّهم المسيحيون بأنهم هم السبب بل أسباب رغم علمهم أنهم شعوب مسالمة لا يتعاطون السياسة ولا حتى أبوابها يطرقون، فيبرّرون الاعتداء عليهم وتكفيرهم وهذه مسيرة أمينة للأشرار يعملون بها منذ قرون وأجيال وحتى اليوم بل حتى الساعة، وهذا ما يجعل الخوف يملك على قلوبنا وينصّب نفسه أميراً على بلداننا فنموت في أنفسنا أو نرحل ولا مسلك ثالث يغيّر اتجاهنا، فنخسر وجودنا ويخسرون كل حقيقتهم وهم لها مدركون ولكنهم يفعلون ذلك لأنهم هكذا كُتب لهم وعليهم أن يعملوا بما كُتب، والويل لمسيرة بهذا الطعم السيئ وبهذا الذوق الشرير وبهذا المسلك البائس، فقد أرادوها أن لا تكون تلك حقيقة مهما قيل غريباً عنها.
تساؤلات واخرى
   سنبقى نسأل أنفسنا _ وطالما تساءلنا منذ القرن الماضي وحتى اليوم على وطننا وشرقنا وخصوصاً بعد كارثة كنيسة سيدة النجاة، تلك الحملة الشرسة التي استهدفت وجودنا، وعن السبب الذي أوصلنا إلى ما نحن فيه حيث نُتَّهم في توتر العلاقات وفي طلب حماية المحتلين وتكفيرنا كما يحلو لأناس هذا الزمن _ هل لنا من حماية دولية أو وطنية أمام الذي يحصل في بلادنا وأوطاننا المشرقية أين نحن متجهون؟، أين موقعنا على خريطة الدنيا؟، ما هو دورنا في شرقنا الذي ينعتوننا به أننا منه ومن أجله خُلقنا؟، هل فعلاً ستصحو شعوب الشرق غير المسيحية بأديانها المختلطة أن المسيحي واحد منهم وأنه لأجلهم عمل أصيلاً في حضارة وثقافة وكرامة ومحبة، هل فعلاً سنسمع من على منائر المساجد والجوامع والمعابد مَن يدافع عنا قلباً وقالباً، فكراً وحقيقةً، عملاً وتعبداً، رسالةً ومسيرة، حياةً ومقاسمة، أم تنقلب الآية بأنهم سيغزون أموالنا وسيأمروننا بدفع جزيتهم ويفرضون علينا مآربهم ومشاربهم في المأكل والملبس والسيرة والمسيرة في القيام والقيام في الصحو والغفو، في العمل والراحة، في الحقوق والواجبات، في الكلام والصمت؟... هل ستُقطَع ألسنتنا كي لا نجدّف ولا نتذمر؟، هل ستُمحى أسماؤنا كي تُعلن أحوالهم؟، هل ستُقطع آذاننا كي لا نسمع أجراس كنائسنا؟، هل سيُقَص شعر رؤوسنا كي يعلنونا من زمرة الكافرين؟، هل سيُمنع عن أنوفنا نسيم وطننا كي يكتبوا مسيرة جهادهم بأن لا يحق لهم إلا عيشاً كعبيد، كغرباء، كدخلاء، يؤمَرون ولا يُرفَضون، يطيعون صغاراً شاءوا أم أبوا أمام هذا كله؟... زادت أسئلتنا أيضاً ولابد من قولها: هل ستُحرق دساتير منطقتنا المشرقية بل الأوسطية والآسيوية كي تكتب لحقيقة العيش وحوار الكلمة وحقيقة الوجود وعظمة الساعد، فلا للأغلبية شروط ولا للأقلية الخضوع، فيصحّ في ذلك قول يوحنا المعمدان الشهيد يحيى بن زكريا أمام المسيح عيسى الحي "كل واد يمتلئ" (لوقا 5:3). أمام هذه الأسئلة وأخرى بعددها وأضعافها يبقى المسيحي متردداً في مسيرته وحائراً في عنوانه وضائعاً في دنياه وخائفاً في محرابه وتائهاً في عمله وشارداً في أفكاره وبعيداً عن أمنياته، فلا الإنسانية في داخله تحيا مجالها، ولا الكرامة في عمقه لها رسالتها، ولا مسيحيته  في إيمانه لها حقيقتها.
الخاتمة : الصلاة هي الحل
   حلّ ما حلّ فينا ، وفي ذلك أقف منذهلاً (أرجو المعذرة) فتلك حقيقة... إنهم يحسبوننا أنه لا وجود لنا... فيوماً يطيّبون خواطرنا بأننا أبناء أصلاء لبلداننا وإننا حاملين حضارة الحياة وثقافة المسيرة فيصدرون قراراتهم وأوامرهم وتوصياتهم وأرقامهم، وينعتوننا بأننا جالية وأقلية وطائفة وتبعية ونصارى وأخرى، ولا يرسمون لنا مكاناً في ذلك إلا في ملحق أو تابع ولا أكثر، وهنا الشكر واجب للمخلصين الذين ينادون بحقيقة وجودنا.
   سبق البابا بندكتس السادس عشر وأدرك ألآتي إلى شعوب كنائس الشرق الأوسط، فأعلن مناشداً إياهم أن يكونوا شهوداً في هذا الشرق مهما عانت الكنيسة من الاضطهاد واشتدّ الظلم عليهم متمسكين بالرجاء وعدم اليأس بأن المسيح هو الخلاص الذي ناله من أجلنا ربنا يسوع كي نحيا فيه وله ومن أجله فنحمل ثماراً لحياة جديدة كما عاشها أجدادنا الذين سبقونا وعلى مرّ العصور والأجيال... وهذا ما حصل حيث يشهد المسيحيون في المرحلة الراهنة أبشع أنواع الترهيب والقمع والتهجير القسري والضغط المعنوي والإساءة لديهم، فما يتعرض له شعبنا في مناطق مختلفة من دول الشرق وخاصة في مدينة الموصل هو ذروة الهجمات الإرهابية الشرسة التي تستهدف هذه المرة وجوده في أرض الرافدين، وتهدف إلى استئصاله كلياً من أرض أجداده، وهذا الاستهداف أرهب المجتمع المسيحي في العراق ودفع بأبنائه إلى الرحيل من مناطق سكناهم.
      نعم، الصلاة تضطلع بدور بالغ الأهمية في معالجة القضايا القومية والسياسية الصعبة. فطوال تاريخ البشرية استطاع الأنبياء أن يخففوا من حدّة الأوضاع المتوترة من أجل الوصول إلى السلام والعدل. فتذكروا غاندي ومارتن لوثر كينغ والقديس يوحنا بولس الثاني، كم شهدوا على أن الدين يمكن أن يربح حرب مستعرة من دون حتى أن يرفعوا يداً واحدة... فدعونا نكنس من أفكارنا ما تعشعش، ونرفع قلوبنا إلى السماء... دعونا نخرج من مبانينا ونتجه إلى ذلك النور الساطع الذي ينير درباً واحداً لنتحرر من انانيتنا ونتجه إلى هناك وننهلّ من نفس المنبع الذي جمعنا يوماً، ولنعد من هناك متعانقين لنتعايش في حب وتفاهم "ولتكن كلمة عفوك لعدوك كلمة شكر لله الذي أحبك"... فرسالتنا هي تغيير القلوب من خلال كلمة الله في محاربة خطايا عصرنا من أجل حقيقة الحياة في الوصول إلى الوحدة في المواقف بعيداً عن أشكال العنف.وسيبقى ايماننا في الذي قام من القبر المسيح الحي يحيا فينا حتى ميناء الحياة ، فمهما طُردنا ومهما سُلبنا سنبقى امناء لانجيل المسيح وسنعود نبني كنائسنا ونرفع صلباننا ونكرّم تماثيلنا ولن نرحل عن ديارنا، ارض اجدادنا واماكن عبادتنا ،   فنحن ابناء الرجاء و لا حزن ولا خوف يبعدنا عن محبة المسيح ومحبة بعضنا البعض مسيحيين ومسلمين .. ومهما يكن من امر تبقى اجراس كنائسنا تقرع وصلوات رعايانا ترتفع وتلك رسالة الحقيقة في تاريخ الزمن .. فالمسيحيون اصلاء وأمناء مهما أُقتلعت  جذورهم واصولهم ، شاءوا أم أبوا ، مؤمنين بقول الرب يسوع " يقتلونكم ويطردونكم ويقولون عنكم كل كلمة من أجل اسمي ، إفرحوا وابتهجوا فإن أجركم عظيم في السماوات " ( متى 10:16-24   ) فوجودنا ليس في حياة الزمن بل في منازل الرب . ..  نعم وامين

53

عزيزي الاخ امير المالح السامي الاحترام
سلام
باسم ابناء رعية مار يوسف وباسم كادر تحير مجلة الزنبقة وباسمس شخصيا اعزيكم بوفاة المرحوم اخوكم سعدي اسكنه الرب سماءه الخالدة مع الابرار والصديقين وصلاتي اليوم لاجله ولراحة نفسه
وتعازينا القلبية وسيكون صوت الرب يسوع يدعوه من امن بي وان مات فسيحيا
عرفه التاريخ وعرعه الوطن وعرفته الكنيسة وكان علما وراية انه القضية وما اجملها ان تحملونها وان نحملها معكم
دمتم
محبكم المونسنيور بيوس قاشا


54
هذه أرضي .. هنا وطني .. هذا أيماني .. هنا شهادتي

المونسنيور بيوس قاشا

  في البدء حقيقة المقال
قبل أنْ أبدأ بتسطير هذا المقال، انتابني قلق ، وملأ الخوف زوايا مسيرتي، وتردّدتُ مرة ومرات إذ مَلَكَتْ على أفكاري صورٌ أتعبتني، وأُوحي إليَّ أن هناك انتقادات حادة تنتظرني وستلاحقني حيث أكون بسبب ما يحمله المقال ومضمونه، لأنني أنادي بعدم الهجرة، وكفى الرحيل إلى المعلوم أو المجهول، فأكون بذلك ضد خط مسار المخطَّط الخفي والذي يرسمه لنا الغرباء، وأيضاً أبناء الديرة والجيرة، عبر أشخاص لهم غايات وأساسات كما هم علامات في مسيرة الزمن من أجل تدمير شعبنا _ بدراية وتصميم وإن غير معلَن _ بإفراغ الوطن منهم وتهجيرهم إلى حيث كُتِبَ عنهم بعلمه المحدود كما في فكره القصير المدى... ولكن لنداء إيماني وإحساسي في عيش الحسّ الإيماني والحسّ الوطني سطّرتُ هذا المقال عملاً وطاعةً ووفاءً لرسالتي الكهنوتية، ولِمَا تقوله الكنيسة أمّي والإرشادات الرسولية، وما يوصي به آباء الكنيسة الأجلاء في مؤتمراتهم ولقاءاتهم، وأكثر من ذلك الحسّ الوطني الذي به أكون رايةً وكلمةً في مسيرتي وشاهداً للحقيقة أقول: هذه أرضي.. هنا وطني.. هذا إيماني.. هنا شهادتي.. ولا غير، مهما تكالبت الظروف وصَعُبَت مسارات الحياة، وقُتِلَ الحوار وإنْ كان جنيناً، ومُنِعَت الحقيقة من إعلانها وقولها على مسامع كبار الزمن وصغار الطرق، نفاقاً وغِشّاً وكذباً، والويل لنا ولزمننا ولكبار عالمنا الذين جعلوا من دنيانا حقيقة سماوية في عولمة مزيّفة.
    نعم صحيح ... وصحيح
صحيح إننا ندرك جيداً مخاوفنا ومعاناتنا، فبعضٌ منا فقدوا أعزّاءهم وأحبّاءهم وأهاليهم وحتى أموالهم وأملاكهم وهُجّروا من بيوتهم، وبهذا يكون المسيحيون في مقدمة المكوّنات التي تعرضت _ ولا زالت تتعرض _ للإقصاء سياسياً واجتماعياً وأيضاً ديموغرافياً وحتى وظيفياً، وفي ذلك كله يتناقص عددنا يوماً بعد يوم، إضافة إلى الآلاف من الشهداء السعداء الذين سكبوا دماءهم بسبب حقد الآخر وكراهيته للمسيحي المسالم، وأيضاً ما قاسوه بسبب تدمير أماكن عبادتهم وكنائسهم عبر انفجارات وإحراق وتهديد من قِبَل جماعات متشددة مدّعية إنها تعمل من أجل الله، وإنها نصّبَت نفسها الناطق باسمه تعالى ولها الحق في تفسير الإيمان وإصدار الفتاوى كما يحلو لها وكما تشاء، ولكل حالة ميزان خاص بها، وحكم بمرسوم معلَن على الملأ، وضاعت الحقيقة. إضافة إلى العصابات المسلحة المنفلتة حيث تم استخدام الدين لتبرير الأعمال الإجرامية والتي كلّفتنا أرواحاً وأموالاً وضحايا أبرياء _ ولهم الحق هكذا يقولون _ لأننا أصبحنا لهم غنائم حسب تبريراتهم واجتهاداتهم المزيفة المختلفة، وبسبب العنف الذي أخذ محلّه متصدّراً الكلمة الأولى والأخيرة، أصبحنا في متاهة المسيرة، وبمرور السنين تعرض أبناؤنا إلى أنواع الاضطهادات، إنها اضطهادات من حكومات أو من دساتير وضعها آخرون من أجل مصالحهم دون النظر إلى حقوقنا كشعب أصيل، فهُمِّشت تعاليمنا، وشُوِّهت رسالتنا، ودُمِّرت حقوقنا وإنْ كنا أصلاء وأصيلين، وما علينا إلا الطاعة ولا يجوز النقاش، فالمرسوم لنا لا يسمح بذلك لأننا أقلية ربما مهمَّشة، أكيداً مهمَّشة، أو لا فائدة منها إلا لإعلانها عبر مايكروفونات الإعلام لإصلاح الصورة والسيرة، وفي ذلك أقول: ظهر لنا فرعون، ولكن أي فرعون!... بل فراعنة.

   مسيرة حياة ... وسياسات قسرية
ومهما يكن من أمرٍ، ومهما قيل أو يقال، فالمسيحيون يعتزّون بجذورهم وتاريخهم الموغل في القِدَم والعائد إلى الحضارات العريقة، كان الإيمان لهم عقيدة بشهادتهم ومسيرة حياتهم ومنذ ألفي سنة وحتى الآن بِعُسره ويُسره، بمسيرته المؤلمة وبأيام انشراحه، وكانت حياتهم انحناءً للملك وخضوعاً وخوفاً، فالأنظمة المتعاقبة على مدار الألفيَّتَين، مورس ضد المسيحيين سياسات قسرية وتصغيرية إضافة إلى ما ذكرناه سابقاً عبر تهجيرهم من قُراهم شمالاً ومن مدنهم في الوسط وامتداداً حتى الجنوب، ولا زال لحدّ الساعة يُنظَر إليهم أحياناً وكأنهم غرباء بل أكثر من ذلك دخلاء، ولا يحق لهم إلاّ النداء عبر الهواء ولا من سامع إلا لغايات.

   بين الوطن والرحيل
صحيح وصحيح وصحيح، هناك دواعٍ لترك الوطن، والحقيقة ليس من قِبَل المسيحيين فقط إنما من قِبَل أقوام وطوائف وشعوب ومسمّيات، بسبب الظروف الأمنية والمعيشية والأصولية، وخطورة الوضع ومأسويته، والتوجه إلى الغرب لحفظ النفس من أجل العيش بحرية وأمان بعيداً عن العنف والاضطهاد والتمييز والذي أصبح يُمارَس ضد المسيحيين عبر محاولات إقصائهم من مناطقهم ، عبر إغراء الخضراء، وتسهيل مسارات الهجرة بتصوير الآتي بالجنة الموعودة... هكذا أرادها أحبّاء اليوم ومصالح الأمس والمستقبل، وما تلك إلا علامات مثيرة للقلق إلى حدٍ بعيد، وبذلك تواجه كنيستنا خطراً كارثياً بل خطراً إيمانياً ووجودياً.

   بين المواطنة والانتماء
في مفهوم المسيحية، الإنسان هو المساحة الأولى لمفهوم المواطَنة والانتماء، وهذا الإبداع المسيحي رسمه ربنا يسوع في ملكوت جديد، ودعانا لنشره بالطاعة لمشيئة الآب على الأرض كما في السماء، ولكن أضعنا البوصلة فأتينا الجحيم بدل السماء، وأصبحنا نتعاطى مع الشياطين أكثر من الله. نبشّر بقوة إبليس أكثر من الله، وأضعنا ربيع المسيحية بسبب ربيع الكون، وأصبحنا نفسّر حلمنا بمفهومنا لا بمفهوم المسيح وندائه،وتحت انوار الروح،  وبدأنا نشعل نورنا في ظلامنا ونسينا هبة الله أننا نور العالم لظلام العالم، ونصّبنا أنفسنا أسيادَ أنفسنا بالمطلق عكس أن نكون أسيادَ أنفسنا بسيادة المسيح ربّنا علينا، ونسلّم حالنا للذي دعانا. فالمسيحيون يوحّدهم حب الوطن وكلمة الحقيقة، ومسيرة الايمان، ننادي وننشد وبكل شجاعة أن الوطن يجمعنا وهو الهدف كي ننال حقوقنا.

   شهادة الحياة والدم
أقول: على المسيحيين قبل كل شيء أن يكونوا أوفياء للإنجيل، والإنجيل ليس صيغة تحريرية وحسب بل هو أيضاً في بعض الأحيان التخلّي عن بعض الوسائل والنظر إلى الآخر نظرة احترام وكرامة، والتسلّح بالرجاء. فمََن يعيش في اليأس لم يختبر المسيحية... كما إن عيش المسيحية يعني الشمولية، بمعنى أن على المسيحيين عيش كل الصفات التي يتمتعون بها، لا لأنفسهم وحسب بل مشاركتها والعمل بها في المجتمع أيضاً، وإشعاعهم يتخطى أشواط الواقع الرقمي... والكنيسة ما تحتاجه اليوم هو حاجتها إلى شهود وليس مبشرين، فإنّ على الواعظ التعليم ولكن أيضاً شهادة الحياة وشهادة الدم، والبشارة هي العطاء للآخر وبناء الجسور وتكسير الحواجز، وما ذلك إلا تحدٍّ... إنه إنجيل الالف الثالث.

   آباؤنا البطاركة
في مقالٍ قديم كنتُ قد سطّرتُه على المواقع الإلكترونية حينها، وفي بعض فقراته سطوراً من رسالة أصدرها آباؤنا الأجلاء البطاركة وعنوانها "الكنيسة وأرض الوطن" جاء فيها: أرض شرقنا مرويّة بدماء شهدائنا، عاش عليها آباء كنائسنا وقديسوها، وهي مهد الحضارات والأديان ومنبت الكنائس والأديار التي منها أخذنا هويتنا وإيماننا وحضارتنا. وحضورنا في هذا الشرق حيث أرادنا الله، يقتضي منا الأمانة للمسيح والتزام الشهادة لمحبته وتطبيق مبادئ إنجيله المقدس. ومهما تفاقمت الصعاب فإن لنا علامات رجاء ساطعة، فيما لكنائسنا من غنى روحي وثقافي واجتماعي ووطني " ( مؤتمر البطاركة السادس عشر بزمّار- لبنان  16 -21 تشرين الاول 2006) .

   آثار في الذاكرة
لنعلم جيداً أنه لا أحد يحرّك ساكناً ليحمينا في حقيقة الواقع، فالأصوات التي تحمل إرادة طيبة وانفتاحاً نحونا في الداخل هم أكثر من أولئك الذين يسمعون إلينا في الخارج. والذين يسجّلون في دفاتر ملاحظاتهم هم أسرار ليس إلا لما نعانيه، ولكن مخططاتهم لا علم لنا بها إلا ربّ السماء. وأما في الداخل يريدون لنا خيراً، ولكن الخوف أحياناً يملأ قلوبهم بسبب مجتمعهم أو أصولييهم فتضيع الحقيقة ويبقى السكوت والصمت جالسان على عرش الاضطهاد أمام ملأ الدنيا. والصمت هنا ليس حياداً، إنه سكوت عن فساد وظلم وجريمة... وتسير قافلتنا ونحن عبيد، أما لهؤلاء وأما لأولئك، والحل يكمن في الأخير في الرحيل والهجرة وبيع الممتلكات خوفاً من!... فلا أمل في العودة ولا حقيقة في الحياة... وهذا ما يدعونا إلى أن نفهم واقعنا جيداً حتى لو كان واقع يشهد الموت المرير، المهم أن نتعلم كيف نكون حكماء، فنخرج من هبوب الإعصار ورياح الاضطهاد والدمار إلى حياة الشهادة، حاملين حبنا لأرضنا، وقلوبنا تفيض بِنِعَم إيماننا ولا أجمل. فاليوم معركة الوجود أعتى من أي سلاح يحمله الأشرار، فإمّا أن نوجد كشعب مسيحي في أرض الله يسعى للسلام وإلى البناء، وإمّا أن نفنى ونموت وننكر أرضنا المشرقية ويضيع إيماننا وتضيع مسيحيتنا، وتُقلع أصولنا التي غنّينا لها آلاف السنين وزمّرنا بوجودنا فيها وأنشدنا تراتيل المحبة والإيمان والوطن. وسنبقى آثاراً في الذاكرة، ومن المؤسف ربما أضعناها بسبب خوفنا وفزعنا وعدم تلاحمنا، ومن ذلك  حتى شجرُنا لم يعد يُذكر أصوله، ونهرانا نشفت مياههما وحلّت محلّها دموعنا وآهاتنا، وكأن الدنيا ضاعت ولم تعد، ونسينا إن دنيانا ليست هنا وإنما حيث لا يصل إليها سارق ولا يفسدها سوس (لو33:12 )... إنها الحياة الأبدية حينما يشرق وجه المسيح علينا، فيقيمنا بغلبة الانتصار على الموت بشفاعة دمائنا وقديسينا وشهدائنا.

   الهجرة ... وسلطان اليوم
   من المؤكد نحن نواجه قرار المصير والوجود الإيماني المسيحي بسبب استمرار الهجرة، فالوجود رسالة يدعونا إلى أن نكون أمناء إلى حسّنا الإيماني والوطني، وعلينا أن نختار بوعي وإدراك ومسؤولية بين أن نصبر ونتحمّل، ونحمل الصليب ومسيرة الألم والمصائب والمعاناة والمظالم، وأن نتقبّل حتى قرار الموت ونكون في بلداننا شهوداً وشهداء... هكذا فعل أجدادنا في الماضي وآباؤنا في القرن العشرين، وواجهوا حدّ سيوف الأعداء بقاماتٍ شامخة وبصدورٍ عارية، وبرقابٍ لا تنحني إلا لله. وعبر قراراتٍ ظالمة حملوا حقيقة المسيح الحي فيهم، وبدمائهم سقوا شجرة الحياة الوافرة، فكانت دمائهم علامة سلام ومحبة وينبوع خلاص، وحافظوا على وجودهم ودينهم المسيحي، فكنا نحن أحفادهم، تحدّوا الحياة كأبطال من أجل أرضهم وإيمانهم.
نعم، دعوات مُحِبَّة من أجل البقاء، ومما لا شكّ فيه أن هذه الدعوات تحمل كلاماً جميلاً ونياتٍ بصور متعددة، وأهدافاً مختلفة ونوايا ومقاصد صادقة في معظمها أو في بعضها، كما صدرت نداءات مماثلة عن العشرات من القائمين في سلك المختارين من مسيحيين ومسلمين بتعدد طوائفهم وانتماءاتهم، ولم يستجب لها حاملو السيوف والبنادق، لأن المخطط أكبر من هؤلاء وأولئك، ولا زلنا في الربيع الدامي وهو ينتقل من عشيرة إلى عشيرة، ومن حارة إلى أخرى، ومن بلد إلى بلد، ومن مذهب إلى آخر، وأصبح الجميع في المعركة من الخاسرين. وهُزمت الأوطان، وابتُليت الشعوب بفقر الحال والمال والحياة، فضاعت القِيَم وبيعت الحقيقة بأموال مسروقة، ودرهم النفاق والغش والرياء، برفقة دينار المصلحة والأنانية والمحاصصة والمحسوبية، ودُمّرت الحضارة، ورُفعت راية الموت وثقافته، بينما الآية تقول. مظالم نتعرض لها بشكل شبه يومي، فالكراسي وكبارهم، كلّها وكلّهم، ليست سوى صفقات مشبوهة لتجميل الصورة أمام المجتمع الدولي، وخداع العامة وإسكاتهم مقابل تحقيق منافع ومصالح شخصية لا أكثر، ولإظهار الأنانية قبل أي شيء آخر، وفي ذلك قد أضاعوا السراط المستقيم _ وإنْ كانوا له _ وكما يشاءون.

   يسوع ... أيقونة الاضطهاد
قال البابا فرنسيس:"إن الاضطهاد لم ينتهِ بعد موت وقيامة يسوع، بل استمرت المضايقات على الكنيسة، واضطُهدت من الداخل إلى الخارج. ثم إذا قرئنا حياة القديسين، هم أيضاً عانوا الاضطهاد والعذاب لأنهم كانوا أنبياء"... وقال أيضاً:"إن كل الناس المختارين من الروح القدس _ ليقولوا الحقيقة ويعلنوها لشعب الله _ يعانون الاضطهاد. ويسوع هو أيقونة الاضطهاد الذي أخذ على عاتقه كل اضطهادات شعبه وحتى اليوم"... وأضاف:"نحن نعاني عقوبة الإعدام أو السجن إذا وُجد الإنجيل في المنزل، أو تمّ تعليم التنشئة المسيحية في بعض المناطق... إن تاريخ الاضطهاد هو مسيرة الرب، ومسيرة كل مََن يريد اتّباع الرب، إنما ستنتهي هذه المسيرة بالقيامة مثل ما فعل الرب... لم تنتِه بالصليب" (9 نيسان 2014؛ القديسة مرتا)... وقال أيضاً:"لا وجود للمسيحية بدون الصليب. فالمسيحية هي شخص رُفِعَ على الصليب. شخصٌ أخلى ذاته ليخلّصنا، فلا وجود للمسيحية بدون الصليب، ولا وجود للصليب بدون يسوع المسيح، فالمسيحي الذي لا يفتخر بالمسيح المصلوب هو شخص لم يفهم معنى مسيحيته... هذا هو سرّ الصليب. فالصليب الذي نجده في كنائسنا وعلى المذبح ليس للزينة، وليس مجرد علامة تميزنا عن الباقين، بل الصليب هو سرّ، سرّ محبة الله، (القديسة مرتا؛ الثلاثاء 13/5/2014).

   مسيرة تاريخية تناقصية
ابتدأت المسيرة المؤلمة منذ دخولنا عتبة الألف الثالث (2001)، وما حصل في 11 أيلول كان سبباً للهلع والخوف والمصير وبداية الربيع العربي القاتل، وازدادت في الثمانينات. كان تعدادنا ما بين المليون والمليوني نسمة ثم انخفضت هذه النسبة بسبب الهجرة خلال فترة التسعينات وحرب الخليج الثانية. وبعد احتلال العراق عام 2003 بدأت أعدادنا بالتناقص، ولوحظ انحسار كبير لوجودنا في العاصمة بغداد، فقدّرت المنظمات الدولية عدد المهاجرين المسيحيين من العراق بأكثر من 850 ألف مسيحي خلال الأعوام العشرة الماضية. فهُجّرت الآلاف من العوائل المسيحية من بيوتها عنوةً وعلناً أمام أنظار الحكومة وأمام أنظار المجتمع حتى أصبحت مدننا شبه خالية. لذلك نحن مدعوون إلى إبراز هويتنا ووجودنا وحقيقة حضورنا، عبر الوحدة والكلمة وليس عبر حمل الحقائب والرحيل إلى حيث أرض الله الواسعة، ومغريات الهجرة إلى خارج العراق، وعلى ما يبدو هناك مصالح لأشخاص وأحزاب واتجاه لإفراغ البلد من سكانه الأصليين... إنها نظرة خاطفة وسريعة على أوضاع أبنائنا المسيحيين في شرقنا، تبيّن لنا الحجم المخيف والمروّع للمعاناة والمآسي والمذابح التي تعرضوا _ ولا زالوا يتعرضون _ لها بسبب انتماءاتهم الدينية ومعتقداتهم ومبادئهم السلمية أمام أنظار العالم ومسمع حقوق الإنسان. أيليق بنا أن نتحدى وضعنا بحمل حقائبنا وببيع أملاكنا وبيوتنا والهجرة إلى البعيد البعيد شهادةً... لماذا ولمن!!!؟. ألا يجب علينا أن نكون بذاراً صالحة لأجيالنا، فتكون شهادتنا هي حقيقتنا، ولا يجوز أن نبقى تائهين على دروب الزمن، ومهاجرين وحاملين همومنا وبلايانا وصلباننا من أجل اللجوء والتوطين، وبذلك نقلع جذورنا من أرض أجدادنا، ونفرغ كنائسنا التي علينا واجب إنعاشها وحمايتها لتواصل مسيرة الإنجيل الخلاصية مسارها.
   نعم، رغم كل النداءات والدعوات التي يطلقها رجال الدين وغيرهم، فإن هجرة المسيحيين من العراق لا زالت مستمرة بشكل مخيف، وسبب ذلك معروف وواضح ولا يحتاج لتوضيح أو تفسير. إن الهجرة تستنزف وجودنا، وتسدّ آفاق مستقبلنا، ونحن نفتخر بأننا شرقيون مسيحيون ولسنا مسيحيين من الشرق، فنحن لسنا أقلية بل نحن سكان أصليون، لنا تاريخ أصبح جزءاً من تاريخ الشعوب، كنا ولا زلنا بُناة حضارة بلاد الرافدين والنيل، وساهمنا في نهضة اللغة والثقافة والمجتمع... فمسيحيتنا غِنىً لشرقنا ولا يجوز إنكار ذلك، فنحن منه وله ومن أجله.
لا يليق أن تكتظّ بوابات السفارات الأجنبية بنا خفيةً وبصورة لا يعلم بها إلا سبحانه وتعالى، ولا يسمع بها الجيران والأحبة وآل البيت، بطلبات اللجوء والهجرة ، وكأن العراق كله يهاجر هرباً من فقدان الهوية والفوضى والانهيار. ولكن من بين العراقيين مَن شهدوا هجرةً لا مبرر لها، ونزوحاً لا سابق له، مع إنهم جذوة العراق. فإنْ كان هناك أصوات تدعونا إلى أن نهمل البلاد ونغادرها بطرقٍ شتى وبسبلٍ مختلفة عبر منابر الزمن وسلاطين الدنيا وعبيد الكراسي بحجّة لمّ الشمل وحقوق الآخر، فالكنيسة ستبقى الشاهدة الأمينة مع أبنائها الأمناء على حقيقة الكرازة في أرض الوطن، ولكن أنادي قائلاً: أوقفوا نزيف الهجرة... أوقفوا هجرة المسيحيين عن العراق وسوريا ولبنان ومصر، بل والشرق الأوسط بأكمله.

   نعم... لنحافظ على أرضنا
الصمت والسكوت عن جرائم تُرتَكَب بحقنا ما هو إلا انسحاب غير مشرّف من المواجهة الحقة. والصمت ليس حياداً، إنه سكوت عن فساد وظلم وجريمة. فالأعداء لا يريدون أكثر من سكوتنا وصمتنا، وينشرون هم القتل والدمار والتنكيل. أيجوز أن نبقى على هذه الحالة وستبقى أوطاننا مرويّة بدمائنا، وتبقى مناجلنا سيوف مكسورة، ويبقى الغرب يشتري ضمائرنا ليحوّل حقولنا إلى مزرعة أشواك وعوسج وعلّيق؟. نعم، لنحافظ على أرضنا، فنحن لا قيمة لنا دون وطن يحمينا وليس يأوينا، وكفى أن نعيش مذلّة الغربة بلفة همبركر وعلبة بيبسي. فضياعنا ضياع لحضارتنا وأرثنا وتراثنا، وانقراضنا الحتمي آتٍ إذا تساهلنا في هذه المسيرة واستسهلناها خلال السنين القادمة، وسننصهر في أجيال وكيانات دون أن ندري... فالموت بكرامة حياة شاهدة، راية تعلن حقيقة الوجود، والموت في أرض الآباء والأجداد لابدّ أن ينبعث من جديد، والانبعاث سيكون أخضراً مثمراً زاهراً إذا ما كانت إرادة البقاء مُلكنا وفي يدنا وفي عمق حسّنا الإيماني، والحياة في الغربة موت إلى الأبد.
ما علينا إلا بالصبر، شبيه أيوب، وحتى قبول الموت من أجل البقاء في أرضنا وأرض أجدادنا وآبائنا... وإنْ بقينا اليوم بقية باقية، فكما قلتُ سابقاً، ما نحن إلا شهود وشهداء، وما نحن إلا خميرة لا تَفسد. فالوطن لا يُشترى بالعيش الرغيد والنوم الهانئ وسعادة الرحيل، إنما بالشهادة في حمل الصليب والإيمان، بعيش المسيحية والثبات في أرضه، كي نخصّبه ونرويه ونسقيه، وتسكنه أجيالنا أمانةً منا إليهم، ووفاءً منا لآبائنا وأجدادنا والذين سبقونا وقبورهم شاهدة على عطائهم وبقائهم وعرقهم ودمائهم.

   الخاتمة : سأبقى أُنشدُ
كفانا أن نكون أرقاماً هزيلة وشواهد شاخصة، فأنا لستُ لاجئاً في بلدي، أنا مسيحي ابن هذه الأرض الطيبة التي رويتُها بعرق جبيني وسواعدي، وحملتُها حباً في أعماق فؤادي، وزيّنتُها بدماء بريئة. لماذا الخوف؟... ألم يقل نبي الرجاء وخادم الله يوحنا بولس الثاني:"لا تخافوا ولا تستحوا أبداً عندما يجب أن تدافعوا عن حرياتكم وخاصة عن حرية القيم الإنجيلية التي تحيونها معاً". ما نحتاجه إلى تعبئة روحية ونظرة جريئة وبعيدة المدى في معنى وجودنا، وإلا عبثاً نحتمي خلف أنظمة، ونتحصّن وراء ضمانات، ونتطلّع إلى حمايات وسياجات، وعبثاً نسعى إلى تثبيت وجودنا على أرض نظنّها ثابتة تحت أقدامنا إذا لم نسمع كلمة الرب في أن ننعش إيماننا، فالروح _ حسب اعتقادي _ قد ابتعد عن مسيرة دعوتنا، وصوت الرب يوقظنا قائلاً:"حتى متى أكون معكم يا قليلي الإيمان" (لو25:8). إننا أبناء الرجاء، فلماذا نخاف _ نعم نحن _ من الاضطهاد... فعيشنا في الشرق كوننا جذور المسيحية الأصيلة، ونعيش الصليب، وبعد الصليب قيامة، حيث سيتعرف كل الشرق إلى وجه يسوع المسيح، لذلك علينا أن نؤمن أننا الخميرة ولسنا أرقاماً أو نسبة، ونحن لسنا من اللاجئين بل أنا مسيحي من بلدتي وقريتي ومدينتي وحارتي ووطني... وهذه رايتي. فنحيا شهادتنا حسب قول الكتاب:"فما نحتاج إليه من حرية وشجاعة، شهادة منا لما نحن عليه من رجاء" (1بط15:3)
نحن عراقيون قبل أن نكون مسيحيين، وهذه هويتنا ونعتزّ بها، واعتزازنا بمسيحيتنا وببلادنا ما هو إلا حرص على أمنه واستقراره. وهذه رايتي، أحملها ليس نفاقاً ولا كبرياءً مزيفاً بل أحياها حباً ووفاءً وعطاءً لأصولي وأصالتي، وستبقى الحقيقة شاهدة مهما تجبَّر كبار الدنيا ورجال الزمن، وجعلوا لهم آلهة من دنياهم وأزمنتهم... نعم سأبقى أُنشد "هذه أرضي... هنا وطني... هذا إيماني... هنا شهادتي..".إنها انشودتي حتى مماتي فلا نخف فالرب معنا حتى النهاية .. نعم وآمين


55
نحن اليوم ... كنيسة شاهدة وشهيدة
المونسنيور بيوس قاشا
في البدء
   في زمن عصفت على الوطن العربي المعاصر ، عواصف الفتنة ، ومسيرة
العنف القاتلة ، وحالة التمييز المخيفة ، والمطالبة باللون الواحد والطيـف الواحـد،  حتى
 داخل الدين الواحد، وفي خضمّ التخبّط العربي يجد المسيحيون أنفسهم غرباء عن أرضٍ أحبّوها وحملوها
إلى الحضارة، كما وفي خضمّ الأزمات التي يمرّ بها وطننا  وتأثره بما يجري من حوله في المنطقة من تحولات جذرية، وفي حالة الاضطراب التي تعصف بالشعوب والأوطان في منطقتنا المشرقية والاضطهاد المنظَّم والمخطَّط له في عقول كبار الزمن من أجل غايات ومصالح حاقدة تعصف بشعوبها الآمنة وبالخصوص بمسيحييها... أليس ذلك حالة اضطهاد وإنْ كانت تطال فرداً ثم جماعات، هاهي اليوم تطال الآن شعوباً وعشائر وأوطاناً.ا فلا المسيحيون واثقون من بقائهم في هذا الشرق ولا ربيع في تلك المنطقة التي عاشوا فيها منذ أكثر من ألفي عام.
الربيع العربي
   أسأل: مَن أطلق تسمية ما يحدث في الشرق العربي بـ "الربيع العربي"؟... ومن أين أتت هذه التسمية ومَن اذاعها على الملأ ؟... هل هي من صنع أعمالنا وأيادينا، أم تجارة خارجية استوردناها لمصالح أنانية، أم آخرون كتبوها لنا وصاغوها كي نتزين بها فتضيع كرامتُنا ويحكم السيفُ فينا والقتال والتكفير والكفار والتدمير والخراب؟... هل هم أحباؤنا الذين زيّنوا مانشات صحفنا بهذا العنوان البائس رغم ربيعه المدمّر أم أرادوه لنا كي نلوي ذراع بعضنا بعضاً ونتصارع ليس في ساحة الحلبة فقط بل حتى بيوتنا ومأوانا وساحات احتفالاتنا اصبحت حلبة صراع، وأي صراع ليس بين الأعداء بل بين الأخوة الأعداء؟... ما أقساه وما أحقره وما أدناه.
   وما يلفت النظر أكثر هو ارتفاع الأصوات في السنوات الأخيرة هنا وهناك وبشكل ملحوظ انعقاد مؤتمرات وندوات وإجراء حوارات في بلدان وأكثر في المنطقة العربية كما في الدول المنتمية إليها، إضافة في المحافل الدولية في أوروبا وألمانيا وأمريكا وعلى مستويات عالية بين المسؤولين في الحكومات والمنظمات الإنسانية والشعبية، وكلٌّ يفتش عن فرسه ليُسمع صهيلُ مصالِحِه في صدور دعوات عديدة وكلها تدعو وتنادي وتصرخ أوقفوا الاقتتال الطائفي، أوقفوا نزيف الهجرة، أوقفوا هجرة المسيحيين عن العراق وسوريا ولبنان ومصر بل والشرق الأوسط بأجمله. ومما لاشكّ فيه أن هذه الدعوات تحمل كلاماً جميلاً ونياتٍ بصور متعددة وأهداف مختلفة أو نوايا ومقاصد صادقة في معظمها أو في بعضها، كما صدرت نداءات مماثلة عن العشرات من القائمين في سلك المختارين من مسيحيين ومسلمين بتعدد طوائفهم وانتماءاتهم ولم يستجب لها حاملو السيوف والبنادق لأن المخطط أكبر من هؤلاء وأولئك، ولا زلنا في الربيع الدامي وهو ينتقل من حارة إلى أخرى ومن بلد إلى آخر ومن عشيرة إلى أخرى ومن مذهب إلى آخر، وأصبح الجميع في المعركة خاسرين، وهُزمت الأوطان وابتُليت الشعوب بفقر الحال والحياة ودُمّرت الحضارة ورُفعت راية الموت وثقافته.وبئس من  أطلق تسمية الربيع العربي ، على حالة أوطاننا ، ما أخبثه.
مخططات
صحيح إننا نعلم أنه يوجد أكثر من مخطط أصولي واحد في بلدان عربية ـ يقول أمين فهيم (عضو المجلس الحبري للعلمانيين) ـ أو غير عربية، وتهدف هذه المخططات التوسعية إلى غزو العالم بدءاً بالدول العربية، مستغلة استغلالاً أساسياً سلاح الدين وأموال النفط، هذا بالإضافة إلى هدفها النهائي ألا وهو (أصولة) العالم، لذا فإن الأقليات غير المسلمة في الأراضي الإسلامية والعربية ، هي في هرج. ومن الخطأ الجسيم أن نضع إخوتنا المسلمين جميعاً في كفّة واحدة لاسيما وأن الأغلبية الساحقة لا تحبذ تلك المخططات وإن كان التصاعد المقلق يشجع قدوم المتطرفين ، فنشهد اليوم رفعاً للحواجز بقيادة مفكرين مسلمين يريدون الدفاع عن جوهر دينهم ضد الأصوليين ويتهمونهم بتشويهه. كيف نتصرف حيال كل ذلك مما يتجاوز بكثير مسألة الأقليات الهزيلة ويهدد المجتمع بأسره ، كيف نتصرف أمام خطوة بهذا الحجم قد تستمر سنوات و سنوات.
ربنا يعلمنا
ما يعلّمنا ربنا أنْ لا نردّ على العنف بالعنف حتى لو دفاعاً عن النفس " أحبوا أعداءكم باركوا لاعنيكم " ( متى 44:5)  وإلا لأنتهكنا قاعدة المحبة، والمسيح قد أعطانا المثل على ذلك كيف نكون رسل سلام ومحبة إنْ نحن استعملنا الرصاص. إن الرسالة المسيحية تدعونا إلى عيش القيم بأنفسنا، فكيف نتوقع أن نستطيع نقل شيء لا نملكه أمام ترديات اجتماعية تُنتَهك فيها العدالة أحياناً، نحياها ونعيشها قبل أن نجرؤ على المناداة بها وإلا وبدلاً من أن نكون فاعلين لا نكون سوى مدعاة للشك والعثار، كيف لي أن أجرؤ على التحدث عن الفساد عندما أبتاع الضمائر بالرشاوي.
بعض حقوقنا
يقال عنا أقليات... وإن انتُهكت بعض حقوقنا فمن السذاجة لا بل من الخطورة بمكان أن نطالب بها بصفتنا مسيحيين، بل من الحكمة أن نقوم بذلك بصفتنا مواطنين، أي أن نطالب في بلدنا مثلاً من خلال تحرك مشترك أصله الحقيقة في المحبة من مسلمين ومسيحيين دفاعاً عن الحقوق التي حُرم منها عراقيون آخرون... إنها الشجاعة بعينها. هنا تكمن حقيقة سبب التمييز بحق المسيحيين، فالطريقة المثلى والنموذج للتحرر من أغلال الأقلية والطائفية أو الأتنية تكمن في الدفاع عن هذا المبدأ ذي الأهمية الكبرى، فقياس الأكثرية والأقلية في كل حالة، ليس الدين أو الجماعة أو العنصر، بل الحقوق، إذ كل شخص له الحق في الحصول على ما منحه دستوره وهذا ما يدعونا إلى أن يكون المسيحي علامة مصلحة كنيسته ومصلحة المسيحيين... وهذا ما يدعونا للتحرر من عقدة الأقلية في مغامرة من أجل الوطن. إنها مغامرة مخيفة ولكنها سموّ الشجاعة. فبناء المدينة الأرضية يعود إلى المسيحيين وإلى الإسلام، والبابا القديس يوحنا بولس الثاني يناشدنا قائلا:"ابنوا مدينتكم الأرضية مع إخوتكم المواطنين المنتمين إلى ديانات أخرى" (ر ج ك 10). 
بقية باقية
   مَن نحن؟... نحن بقية باقية بعدما غادَرَنا العديد من أهلنا وجيراننا وأصدقائنا وأقربائنا ومعارفنا، وهذا ما يدعونا وما يؤكد لنا أن نعرف وأن ندرك ما يجري وما يحدث ولماذا هذا كله يحصل في هذا الزمان ـ زمن الربيع العربي  المزيّف ،  ـ ويحصل ضدنا بالتحديد والتخصيص وإنْ لم يُعلَن عنه فالزمن له اصحابه "فالمثل يقول " لكل زمان دولة ورجال"، فهل يجوز نحن البقية الباقية وبعدما أدركنا ما يريده رجال الزمن ودولة الزمان (أيجوز) أن نخبئ أنفسنا في زوايا التاريخ وإنْ تركَنا الكثيرون وغادَرَنا العديدون وهاجرت الأغلبية للفّة شهية ومسكن وهوية وجرعة دوائية وولولوا علينا قائلين إنهم أقلية، فلنرحم بهم كي نكتب لنا نجاحاً بهياً.
   نعم، من المؤسف لقد تركَنا الكثيرون ولم يجربوا ولو لسقطة واحدة في حمل صليب يسوع ربنا، وهربوا مهرولين بأفكارهم قبل أقدامهم، وحاملين آذانهم قبل أن ترى عيونهم، وحازمين حقائبهم قبل رحيلهم وبئس مَن قادهم إلى حيث هم، فلا وطن ولا رسالة بل حضور وأيام ليس إلا. فاليوم مسيرتنا وشعبنا ومجتمعنا مسيرة طويلة وصعبة، متعرجة ومخيفة، تداخلت فيها عمليات وأنانيات ومحسوبيات وظروف وتضاريس ومصالح وهي تفرض ذاتها لأنها الأقوى حسب تحليلها وأن تبقى حتى أبد الآبدين حسب تقويمها الكاذب وكما تشاء وترسم لها مستقبلاً كي تنفذ مخططاً لا نعلم أصوله ولا نعلم غايته وإنما ما نعلمه إننا راحلون بلا حدود وهم باقون، وهكذا يتنبئون... وإلى أين ومتى تنتهي الرحلة، ولماذا لا نعلم؟... وما هي ملامحه؟... وحتى ما؟... وكل شيء في سؤال واستفهام.

مكّون أصيل
نحن مدعوون في هذا الزمن القاسي أن ندخل بستان الزيتون (متى 36:26) ، كما دخله ربنا يسوع المسيح متسلقاً جبله، حاملاً رسالة سامية ملؤها الحب  ومعلّماً إيانا أن لا نيأس من الحياة لأننا نخاف من الكأس، فهو من أجلنا سبقنا ومن أجلنا دعانا إلى الدخول دون يافطة السماح بالدخول ودون موافقات بشرية. فالدعوة الإلهية والبستان مساحة الإله ومسيرة الإنسان، فيه ينجلي صوت الروح وعمق الصلاة من أجل شعب ووطن، واختيارنا الدخول إليه لا يعني عيش الخنوع ولا الذمية بستار التبعية، وبقاؤنا فيه ما هو إلا شهادتنا كي نبقى ليس شواهد ولا أحكام هزيلة، بل شهود لمسيرة دعانا إليها الرب من أجل أرضنا، وأرضنا تقول لنا: أن الوطن ليس قضيتنا وإن الشهادة في الوطن تلك هي وما نعانيه ما هو إلا أزمة إيمانية خطيرة بسبب عقول مخرِّبة ونيات شريرة حاقدة تمنعنا من العيش وتؤكد لنا طيب الرحيل، داعين أن لا خيار أفضل مما يُرسَم لنا وإن كان هزيلاً ومخيفاً... أمام هذا كله أقول: لنصحو من سباتنا المعيب ولننطلق إلى البستان ولنصلّي، فالصلاة مفتاح القدر إذا ما رُسم لنا ذلك القدر. ولنعلم إن  دعوتنا وشهادتنا تتحققان في هذه البقعة من العالم حيث شاءت العناية الإلهية أن نحيا إيماننا ورسالتنا. في هذه المنطقة يحتشد أحد أعتى أعاصير الأحداث الدولية والإقليمية فهي تتأرجح بين السلام والحرب. كما أن تيار التعصب يمكن أن يطفح وامام تيار العيش المشترك بين مختلف الشعوب والثقافات والأديان. فالمسيحيون في هذا الشرق هم بذاره وسهوله ووديانه وجباله، مكوّن أصيل وجوهري في عمق الأرض ووجهه متطلع إلى السماء يختزن في ذاته ثم تجسده تلك الذات على الأرض.

هل بتنا نخاف الصليب
أقولها، نحن كلنا في المسيرة، ولكن أسأل: هل استسلمنا دون أن يطلب أحد منا الاستسلام؟... هل نسينا أننا رعاة وشهود حق؟... لقد التزمنا بقضية هذه المنطقة أشهرها شراسة ولكننا نتخاذل وننسحب عن وعي أو عن لا وعي. فرسالتنا تُفقَد يوماً بسبب فشلنا بأخذنا مبادرات جريئة تقوقعنا، وخوفنا على المصير واستباح أسطورة بقائنا في هذا الجيل، لأننا لا نريد أن نتذكر أننا كنا وسنبقى صوت حق وسط أصوات الكذب والرياء، فقدر الحق أن يُصلَب قبل أن ينتصر. هل بتنا نخاف الصليب والموت؟... هل نسينا أن نكون في الموقع الأمامي أو لا نكون؟... هل نسينا أننا يجب أن نسلك هنا في قلب الصِعاب والشدائد حياة مبنية على تطويبات الإنجيل ( متى 1:5-11) ؟. إن المسيح يرافقنا هو بنفسه في خضمّ الأمواج العواصف "ما بالكم خائفين يا قليلي الإيمان" (متى 26:8) وهو الذي يساعدنا ويسامحنا ويجمع شملنا ويوحّدنا، وهو الذي يغيّر حياتنا ويجعلنا ننمو في الإنسانية ويتقوى به رجاؤنا وهذا ما يدعونا إلى أنه يجب علينا أن نجيد بناء المستقبل بكل ما أُوتينا من الشجاعة والرجاء اللازمين لا فقط في إيجاد السبل وتوفرها بل أن نكتشف رسالتها ونرسمها في مسيرة الحياة عالمين ـ كما قال البابا القديس يوحنا بولس الثاني ـ "أنه جاء اليوم الذي علينا القيام فيه بالتبشير الجديد" (ع. م. 34).
كنيسة شاهدة وشهيدة
   الكنيسة ليست كنيسة تتباهى بأمجادها السالفة وتبكي على ما أخفقت فيه، فهذه علامات الشيخوخة. بل كنيسة شاهدة وشهيدة ، تحمل الشهادة بل شجاعة الشهادة كما قال بطرس الرسول" ما نحتاج إليه من حرية وشجاعة، شهادة منا لما نحن عليه من رجاء"  (1بط 15:3) ، من أجل أن تكون شعلة النور في الظلام(متى 14:5) ، والخميرة في العجين( متى 33:13) ، والملح في الأرض ( متى 13:5) أينما كانت، والشرق الأوسط مهيأ خير تهيئة لعمل كنيسة مسيحية هدفها الله لا ملكوت قيصر. فإن أخطر شهادة عكسية تكمن في عجز الجماعة الكنسية أو الرعية أو الحركة الرسولية عن الانفتاح على الآخرين، وعن توسيع حدود البشارة، وعن الخروج عن الحرم المقدس. فكل جمود وتخاذل رسولي خطيئة بحق الروح القدس وبحق البُعد النبوي المدوَّن في كل دعوة مسيحية، وأما الخوف من التجدد فهو خوف من الروح الذي يعطي الحياة. ، فمسيحيي الشرق الأوسط هم أمل شعوبهم. وإذ نحن في العشرة الأولى من الألف الثالث نحتاج إلى كنيسة توجه إليهم الكلام نفسه "لا تخافوا، انهضوا وامضوا فالمسيح بانتظاركم" ( متى 10:28 ) .
شهود للمسيح
   إن حضورنا في هذا الجزء من العالم يعني أن نكون شهوداً للمسيح ولمحبة الله نحو الجميع دون أية تفرقة. محبة تشهد أن الله واحد وثالوث حيث الوحدة لا تنفي التمايز وحيث تتقبّل الآخر وترحب به وتحترم اختلافه عنّا. قد نشعر يوماً بأن الصعوبات تفرّقنا وإن التشاؤم ينتاب نفوسنا بسبب المحيط الاجتماعي والثقافي والديني وهذا يجرنا التفكير أحياناً إلى اعتبار هذه الصعوبات لا تُذلَّل، إنها فرصة كي نتأمل ونفكر بالمسيحيين الأولين الذين نشئوا في شرقنا الأوسط، ولنتذكر أنهم واجهوا أوضاعاً أشد صعوبة من تلك التي نحن فيها فذلك ما يساعدنا على المُضي قُدُما مهما كلّف الأمر ولا أن نحمل حقائبنا لنرحل من أجل مسكن هانئ ولفّة دسمة وعلبة بيبسي مع الاضافة المجانية ومرح وسرح في دنيا العالم  وكأن الدنيا هي الختام المرجوّ. لقد جعلنا المسيح شعلة، أسأل وأخاف أسأل: هل انطفأت الشعله ومال النهار، نهار هذا الشرق، أم فُقدت البصيرة بعد فقدان البصر؟... ألا من مجال لندرك ـ ولو لفترة ـ نجاحنا في إرساء مفهوم الوطن وأتينا بمعجزة، فالرياح العاصفة أوصلته إلى شاطئ بعيد عن الحقيقة، والمسيحية إذا ابتعدت عن عمل الروح سيموت فيها روح الحضور والوجود.
في الختام
ما أفهمه جيداً وما أدركه إيمانياً وما أقبله مسيحياً أن المسيحية ليست استسلاماً ولا حياداً إيجابياً بل نحن رسالة محبة ونحن حروفها، نحن كرامها والكرام قليل، وبقية شاهدة وشهيدة، فإن بقينا في هذا الشرق فمن أجل قضية ورسالة وسنبقى هنا حتى إنجاز المهمة، وبهذه الرسالة وحدها كان ويكون بقاؤنا ومنها نستمد قوتنا ورجاءنا وعلّة وجودنا، وكاننا دُعينا إلى دعوة موسى في جبل حوريب.
فنحن في الشرق شمسه وعند مغربه ومضته الأخيرة، فلمسيحيتنا بداية ولا نهاية، وهكذا تسقط كل عظمة أمام وجودنا. إننا هنا منذ البدايات وسنبقى حتى النهايات مساهمين في تطور شؤون المنطقة كشهود بل كشهداء، والانتقال بها من زواريب الطائفية وأزقتها إلى ساحات الوطن وانفتاحه، فالمسيحية مواجهة وتحدّ، مواجهة الظلم والعنف والإجرام وتحدٍّ للقتل والتخلف.وعملا بقول قداسة البابا لشابين " لا تخافا، كونا شاهدين على الأمور التي عشتماها. إن بلديكما بحاجة إليكما. انهضا وامضيا"  (البابا يوحنا بولس الثاني في 25 كانون الثاني 1995؛ الأيام العالمية للشبيبة في مانيلا).
 نعم  في زمن المحن، إن الله موجود في قلب العاصفة، في قلب الأرض، في قلب الوفاء، في قلب الخلافات، في قلب الفشل وفي صميم النجاح، وفي الانتصار وفي فرح الأعراس ، وما وجودنا إلا شهادة حية ومن أجل قضية رسالتنا"  أن أذهبوا الى العالم بأسره وعلّموهم أن يحفظوا جميع ما اوصيتكم به " ( مت 20:28) ،أليس ذلك دعوة كي نكون كنيسة .. وكنيسة شاهدة وشهيدة ،  نعم وآمين .









56
نحن ... لا نجد في الآخر عدواً بل أخاً

المونسنيور بيوس قاشا
  ** في البدء
   واقع مؤلم ، وضع قاس ، والإرادات قلقه ، فلا مستقبل بانفراج قريب ولا مجال للأمل في
 تصحيح ما أُدرج في الخطأ ، والطريق لازالت وعرة المسلك ،  ومات الحس الوطني ومعه الحس
الإيماني. كل هذه تساؤلات على طاولة الحياة واستفسارات يحملها البسطاء اليوم كما حملها
بالأمس آخرون قبلهم، فهم يرسمون لمستقبلهم كما يقولون إنهم لم يعيشوا أيامهم ولم يــروا شيئاً من أعمارهم وينظرون بعيداً بعيداً عبر البحار والمحيطات وهم يحلمون كي يكونوا سراً في صفوف الهجرة أمام دعاة الرحيل دون علم من أقربائهم وكذلك بالغرباء، ويرفعون صلاة ويوقدون شموعاً ويحرقون بخوراً كي تكون التأشيرة ونيلها هذه الليلة قبل صباح غد فيحددون السفر في سواد الليل بلا وداع ولا سلام لا من الغريب ولا من الجار خوفاً من الحال وغدر الماضي وجهل الأتي فتُحمل الحقائب بأثمان وأي أثمان بعد أن بيع كل شيء، كل أرث، كل دار، فكل شيء من أجل إخلاء السبيل، من أجل الرحيل ، بل من أجل ألخلاص،  رافعين شعاراً "كفى تسمّراً في بيوتنا، وكفانا خوفاً على أولادنا وأموالنا، فقد ملك الإجرام وقتلنا الإرهاب ولم يبقَ لنا سبيل ، سوى الرحيل".

   ** كل الخوف
   مَن منا لا يقول _ وتلك حقيقة قبل إقرارها _ إننا نعيش أبشع مراحل اللاإستقرار وأضيق مراحل المصالح الشخصية والفئوية والتداخلات الفضولية والتكبرية والكبريائية والتعاليوية، والخوف كل الخوف من الحاصل ومن المصير. فالانقسامات ترصدنا، والشرذمات تنتظرنا، والاختلاف يتربع على عرش الإنسانية المتوحشة منادياً باستمرار صراع الحضارات في هدم الجسور وتركيز الجدران الفاصلة وتعميق الهوّات والحلافات فالنار لا تلتهب إلا بعد دخان بسيط وريح خفيفة... هكذا مسيرة الخلاف لا تستعير إلا عبر كلمة بسيطة وكلام حقير، فتُعلَن المصالح وتُستَكبر القلوب في عنصرية مقيتة وبتصنيف هزيل، فتموت الانتماءات وتُدفَن النظريات وتُشيَّع الحريات وتُتوَّج العزلة في بلدان الأصول وما الثمار إلا قوانين مزيفة لشعب يرى نفسه عذاباً أبدياً، بينما الحقيقة يقولها الرب يسوع المسيح في أن الشهادة هي للحق قولوا الحق والحق يحرركم " ( يو32:8)، والحقيقة في البدء وحاضراً وإلى الأبد.

  ** عامل قلق
   أليس التعصب شكلاً من أشكال نكران الله والإنسان معاً، حيث علامات المحبة الكائنة في قلب الإنسان، تتحول علامات للكراهية، وسمات التسامح تتحول إلى دعاوى القتل والتكفير... أليس الكراهية والحقد والإقصاء صفات الإرهاب؟. أليس الإرهاب محرَّماً؟... ألم تُعلن الكثير من التصريحات وصدرت العديد من المواقف من مسلمين ومن مسيحيين تحرّم العنف والإرهاب وتدعو إلى العيش المشترك وتقاسم الحقوق والواجبات في الوطنية بعد الإنسانية؟. أليس تكفير الآخرين وحلال قتلهم وطردهم وإهانتهم وتحقيرهم، عامل قلق لدى المسيحيين أينما حلّوا وتواجدوا، ولا يمكن أن نرتاح أوالقبول بمثل هذه الشعارات المهلكة؟... أليس ذلك تشييع لحرية الإنسان ورسالته الد ينية؟. أليس الآخر أيضاً ، يؤمن برسالته ، سماوية كانت أم طبيعية؟. أيجوز أن يُفرَض عليه إيمان الأغلبية وإرادتها ومآربها فيكون بذلك صاغراً مطيعاً شاء أم أبى ؟ إنها شريعة الأقوياء ،  والحقيقة تكمن في أن الدين لله والوطن للجميع، ولكل واحد دينه، في حلّه وترحاله. وما الرسالة إلا المحبة والآلفة وما ذلك إلا مسؤولية دينية ودنيوية، فبقدر ما تزداد الحياة قامة تزداد تحدياً ليس إلا.



  ** تنوعّنا تحدٍّ
   تنوّعنا نعمة سماوية، والتاريخ شاهد لحضارة المسيحيين في عيشهم مع إخوتهم الأسلام ، وما كانت المسيحية إلا ديانة السلام والمحبة، فهكذا حملها المسيح يسوع إلى سالكي طرق الحياة، فلا عِداء ولا ظلم ولا كراهية في مسيرة الدنيا، وعوض ذلك محبة ومسامحة وغفران... مبادئ سامية يدعو إليها مؤمنو الأديان من أجل التلاقي والعيش المشترك، وما ذلك إلا موقف يشهد لفهمنا لهبة الحياة وثمار الحوار وعطيته. فتنوعنا هذا ما هو إلا تحدٍّ دائم، والحوار والعيش المشترك ما هما إلا جناحا هذا التحدي... إنه رسالة خيار، فهو يدعو أهل الكتب السماوية أن يتقاسموا الحقوق بمسؤولية إنسانية دون تكفير  طرف صغير لإرضاء الأغلبية، ولا فرض وصاية أو حكم ارتداد شخص ينادي بإيمان يراد أن يحياه ولا أن يُفرض عليه. فحرية الإنسان في حرية إيمانه وليس في وصاية يقرّها المخلوق بدستوره الخاص، وليس بأمر من جبل حوريب كليم الله، وهذا ما يجب أن يكون خارطة طريق لمسيرة حياة شرعاً وقانوناً، وما ذلك إلا رسالة الخالق الرحمن الرحيم والباري العظيم.

  ** الإرشاد الرسولي
   والإرشاد الرسولي رسالة سماوية حملها إلينا البابا بندكتس السادس عشر، حمله إلى مسيحيي الشرق بأسره، يقول الإرشاد الرسولي:"يشعر المسيحيون بنوع خاص ولكونهم يجدون أنفسهم غالباً في موقف دقيق بشيء من الإحباط وفقدان بعض الأمل بسبب النتائج السلبية لتلك الصراعات ولحالات الغموض، ويشعرون غالباً بالمهانة، ويعلمون بفعل خبرتهم أنهم ضحايا محتَمَلة لأي اضطرابات قد تقع ومن الأهمية إذاً أن يفهم القادة السياسيون والمسؤولون الدينيون هذه الحقيقة ويعملوا على تفادي السياسات والاستراتيجيات الساعية إلى تفضيل جماعة بعينها لقيام شرق أوسط أحادي اللون، لا يعكس بأي شيء واقعه الإنساني والتاريخي الغني (31).
لا تخافوا من أحد ولا تضطربوا بل قدسوا المسيح في قلوبكم وكرّموه رباً وكونوا في كل حين مستعدين للرد على كل مَن يطلب منكم دليلاً على الرجاء الذي فيكم (1بط 15:13) (36). بينما يقرر كاثوليك من أبناء الشرق الأوسط إما بسبب الحاجة والتعب أو اليأس اتخاذ الخيار المأسوي بترك أرض أجدادهم وعائلتهم وجماعتهم المؤمنة، فإن آخرين وبالعكس ممتلئين بالرجاء يتمسكون بالبقاء في بلدهم وفي جماعتهم. إني أشجعهم على ترسيخ هذه الأمانة الجميلة والبقاء ثابتين في الإيمان (35).

   ** الحق وكل الحق
   ما يخيفنا، التطرف الديني، والخطاب التحريضي، والعودة إلى الأصولية، والتهديدات المميتة في عيش الإيمان، وما تلك إلا ذرائع ووسائط لتدمير الآخرين بألوهية بشرية وبأوامر مدمِّرة لعلاقات بين المؤمنين ودياناتهم، فذلك اعتداء على الأديان ورموزها وإقفال لأبواب الحوار، وطريقة لتقوية تيار التطرف، وتسويق طروحات لتعميق الصوت الطائفي، فتكون التفرقة والتباعد، فلا يمكن أمام هذه كلها أن نناشد المسيحيين أبناء كنائسنا أن يستمروا في العطاء عبر دورهم الحضاري والإيماني، فالضغوطات أصبحت أكثر من طاقتهم ومعاناتهم النفسية قبل الإيمانية من الإعلانات والنداءات التدميرية واستمرارها دون رادع أو حساب، وهذه كلها علامات أضرّت بالمسيحيين، فهي تهديدات لمسيرة إيمانية، وبها يشعر المسيحيون بنكران وجودهم... ومن المؤسف... وكأن لهم الحق وكل الحق.

   ** لنقف بثبات
   مع ما يحصل ، ما المانع أن يمارس كل فرد دوره بأمانة، كيف نقف نحن كمعلمين مكتوفي الأيدي، مطرقي الرأس، ننتظر دوماً أن تأتينا قرارات على أطباق جاهزة لا تتناسب وأذواقنا ولا تتناسب مع حواسنا ونلتهمها ونصمت فنصاب بعسر الهضم والقرحة والنفاخ أو نملأ بطوننا فننام ولا يُسمَع إلا شخيرنا ويضيع صوت الحقيقة وإعلانها لأن صاحبها قد أضاعها بدنياه... لماذا لا نمدّ أيادينا، ولا نحرر عقولنا، ولا نطلق ألسنتنا، لنحاول، لنقف بثبات، لنرصّ الصفوف ونحاكي الأديان والمؤمنين ونحاورها من أجل كلمة شجاعة وإيمان محب وروح تسامح وعطاء بلا حدود في خدمة أبوية، أخوية، وحرية مسؤولة دون استعباد، أو مذلّة أو تتابع، فنُرحَم لأننا فقراء الوجود وغير مبالين بحقنا في ذلك، ولنعلم أن الحوار رسالة سامية فيها يزول الغمام وتتضح المعالم، فالحوار منطقي ، مرجعه الأديان ، وحقيقته الأوطان ، وحامله الإنسان ولا شيء غير، فهو الغاية والرسالة، الوسيلة والسبيل، الحضارة والثقافة، لأن الأديان لا تدعو إلا إلى الخلق الحسن وعكسه يكون الجهل فجوة، وحوار الجاهلين ما هو إلا إنذار بكوارث تفوق مخاطرها الزلازل والبراكين... إن ذلك دعوة لنا كي نستأصل ما يؤلمنا من أصوله وليس من وجوهه، وبذلك نكون في السراط المستقيم وحقيقة الحياة في العيش والحوار.

   ** البابا فرنسيس
   وهاهو البابا فرنسيس، بابا الرحمة والفقراء، وكليم الحقيقة يعلن على الملأ حقيقة الشهادة فيقول:"إن زمن الشهداء لم ينتهِ، وإن لدى الكنيسة شهداء تفوق أعدادهم أعداد الشهداء في القرون الأولى من تاريخها. وفي الكنيسة أعداد كبيرة من الرجال والنساء الذين يتعرضون للوشاية ويُضطَهَدون وتقتلهم الكراهية ليسوع، فمنهم مَن قُتل لأنه كان يعلّم المبادئ المسيحية، ومنهم من قُتل لأنه كان يحمل الصليب، وفي عدد كبير من البلدان كانوا ضحايا الوشاية وتعرضوا للاضطهاد وهم إخوتنا وأخواتنا الذين يتألمون في زمن الشهداء".
   أقولها: هؤلاء هم المسيحيون، شهداء بالأمس واليوم وإلى الأبد، عملاً بقول الرسول بولس:"هو هو بالأمس واليوم وإلى الأبد" (عبر 8:13) ، وإيمانا بما قاله قداسة البابا فرنسيس ، اقول ،  لا يجوز أبداً إفراغ البلد من حضورنا مهما كان المخطط قاسياً بحقنا ومهما كان المخطط علامة إفراغ، المهم أن لا تسكت أفواهنا عن قول الحقيقة، فكلنا نتحمل مسؤولية إفراغ البلد من أصلائه واستئصال أصوله، فالرب يقول:"أعداء الإنسان أهل بيته" (متى36:10). فوجودي في بلدي علامة رجاء رغم عمق الألم وضباب الكراهية. ولنعلم أن بقاءنا ثابتين في بلداننا شهادة للمسيح الحي بيننا.حيث تجسد ما احتمله المسيح يسوع (كو 14:3)،

   ** شتاء دموي
      هذه فقرات يسيرة من مراحل الحياة الشاهدة على واقع المسيرة المؤلمة، فما يحصل في ساحات حياتنا وربوع بلداننا من الربيع العربي وغيره من الأصوليات القاتلة ما هي إلا شتاء دموي وصقيع مميت بمصالح معروفة ومعلَنة وإنْ لم تكن على الشفاه فهي في حسبان القلوب والبيوت وبمخطط واحد لا غيره وهي كفى بقاءنا في أرضنا، علينا أن ندفع فاتورة حسابنا كي يمرّروا ما في بالهم وما في نظرهم وعقيدتهم بدلاً من أن أن يسجدوا للذي أرادنا هنا خليقة محبة  ومسالمة، وعلامة وئام، وبسبب حبنا له حملنا حضارتنا فأعطينا خدمتنا للجميع وبيوت الشفاء لكبار السن والمعوقين، وزرعنا ثقافتنا في قلوب الطفولة والشباب، ورفعنا من قيمة النصف الآخر البشري عملاً بأن نكون رسل السلام والخير والرحمة، طاعة للكنيسة التي أحببناها وأحبتّنا فأحببنا وأخرى وأخرى.
   أقولها وبكل شجاعة وإيمان وشهادة الحياة... إن الواقع الذي نحياه _ كما قلتُ في مقالات سابقة _ مهما كان قاسياً فنحن لا نجد في الآخر عدواً بل أخاً نعانقه ونغفر له ولا ننتظر من ألآخر إلا مد اليد لتصافح بسلام وليس لتصرعه وتهدده بالرحيل بعيداً وبعيداً جداً، فنكون بذلك سلعة تُباع وتُشترى في أسواق التجارة مقابل شحنة بترول تجري في أنابيب لتُحيي بشراً وتُميت شعوباً.

   ** في الختام
   أمام كل هذا إنني واثق أن الرب لن يتركنا هكذا قال البابا فرنسيس ، " بل إنه باقٍ معنا ومن سماء مجده يقصدنا ويقودنا ويشفع بنا " ، فالمسيح لن يغيب عنا وهو قريب من كل واحد منا ، فنحن لسنا ابداً وحيدين في حياتنا فالمسيح الرب القائم ، محامي لنا يدافع عنّا ، .. كما انّ الزمن اليوم يدعونا ان نكون ، ونكون بكل بشجاعة وبملئ الشهادة ولا ان يُقال عنا ، كانوا هنا ،  بل أن نكون صوت الحقيقة نعلنها من على المنابر والدساتير والقوانين والحقوق والواجبات ، لأن الاصالة في ارضنا والامانة لايماننا تدعونا ان نبقى لوطننا شهداء ولايماننا شهود وفي هذا كله سننشد الحياة بكرامة الكلمة ومهما كان طريق الالم مخططا لنا لن يكون اقسى من درب الام المسيح والدعوة واحدة والكلمة واحدة اننا سنبقى اوفياء وأمناء وأصلاء وما هذه الا بلادنا وما هذا الا ترابنا .. ومهما سالت دماؤنا ودموعنا وطالت ايامنا واسودت ليالينا فالحقيقة واحدة نحن لسنا الا شهود وما وجودنا الا طعم الشهادة والدم ، وسيبقى وسنبقى للبلد علامات وئام وليس خصام ، وما وجودنا الا ضمانة لشعوب اوطاننا فلا يمكن يقول البابا فرنسيس" ان نجد شرقا اوسطيا بلا مسيحيين " .. من هنا نقول لا يمكن أن نكون عدواً لأخر مهما قاسينا الألم وحملنا الصليب بل أخاً واخاً نحبه حتى النهاية فمعلمنا يسوع المسيح  اوصانا أن نحب إذ قال "  احبوا بعضكم بعضاً " ( يو12:15) ، وقال أيضاً ، أحبوا اعداءكم  " ( متى 44:5)  نعم نعم .. نعم وآمين .  




57
عذراً أسألُ وطنَنا ..  أنبقى نستعطي حقوقَنا

المونسنيور بيوس قاشا
   
   البدء : الحقيقة
            " عذراً وعفواً لجميع القراء الأحبة .. لهذا العنوان ، وبكل ما يحمله من ألم ومعاناة ، فالراعي يحّب غنمَه والحقيقة صوتُ القطيع وراعيه " . حقيقتنا واقعنا، وواقعنا لا زال يثير قلقنا ، وخوفنا من المستقبل يضيف علامات على واقعنا بسبب قلة الأمن عبر التفجيرات التي تُصبح وتُمسي مع حياتنا ومسيرة إيماننا، والاغتيالات أزمنتها مصلحية، والانقسامات تزداد ، وأسبابها طائفية ومذهبية وربما عشائرية وقومية، واتهامات عرفتُها تدميرية وكبريائية ،  وأخرى بعيدة عن أنظارنا وقريبة من جيرتنا، كل ذلك يدفع على بقاء الوضع تعيساً مخيفاً مميتاً وفي غيبوبة لا نعرف مداها إلا في صالة الإنعاش، ووجودنا حقيقة وهو أننا كنا ولا زلنا نواصل المسيرة، فلا سلام لنا ولا أمن لنا ، للمواطنين وللمؤمنين وللآخرين عامة وهذا كله عامل مساعد بل رئيس في كشف الحقيقة عن واقعها تجاه وجودنا، كما وهذا ما يمنعنا من إحقاق حقوقنا ورسم خريطة وجودنا وحقيقة أرضنا التي شهدت لنا، ونحن لها أصولها وأصيلوها.
   دار .. دور
   نعم ، وبكل أمانة أقولها: نحن جزء أساسي من نسيجنا الوطني والمشرقي، وهذا ما يقرّه آباؤنا في الكنيسة ، بالأمس كما اليوم ، مثل غبطة الكاردينال بشارة الراعي وابينا البطريرك يوسف يونان وابينا البطريرك ساكو فما هم إلا أصوات محبتنا وحقائق لرسالتنا . فمن حقي ان أُعلن،  أليس نحن الذين تقاسمنا وجودنا وعبء حياتنا ونداءات وطننا منذ كنا وحتى الساعة رغم ما حوكمنا به وما قيل عنا ظلماً أكثر مما هو خطأ، ولا زلنا نتقاسم وجودنا الاجتماعي بكل صفاء في سبيل السلامة ووجودنا التاريخي والذي تشهد له الأجيال والأيام والقرون والقائم على العيش المشترك ونبذ الطائفية والعنف والحقد وتكفير الآخر.
   أكيداً وليس كبرياءً بل حقيقةً ومن واجبنا الإيماني نقول ونعلن: إننا نحب وطننا، ونلهث إلى الفخر بحبات ترابنا بجانب حبنا وفخرنا بكنيستنا وعقيدتنا وقوميتنا ، وفي هذا كله لن أجعل أنانيتي أقدس من الآخرين والأخريات دون أن أُسيء إلى مَن هم مختلفين عني سجوداً وكتاباً ، رسالةً وصلاةً ، كلمةً وثقافة ، فقراً ومسيرةً ، دعاءً وبخوراً. فأيامنا غريبة ببشرها ومتنوعة بعشائرها وعديدة بسكانها ، وما يزيد ألمنا أن كتبَنا لا تبشر إلا بنا، وننسى أن مَن منحها لها طلب منا أن نكون له أمناء، ولأبناء حارتنا أوفياء، ولكن الأسف كل الأسف لا زلنا لم نتعلم ولا حتى الدرس الأول "دار، دور"، ولم يجمعنا حتى "داران"، فنكون بذلك داراً، وفي الدار يسكن الآباء والأمهات والأولاد والبنات، ويحميهم سقف واحد، لغة واحدة، وأكثر من ذلك إنسانية واحدة... إنها الوحدة، بل إنها التحدي الأكبر والهدف الأسمى، ولا مستقبل لهذه الدار وسكانها من دونها، فمن خلالها يتحمل الجميع مسؤولياتهم بروح التواضع والمحبة والخدمة دون تشويش الأجواء التي بُنيت على حب الأشقاء.
   ألم تأتِ الساعة
   معروف هو تاريخ مسيحيتنا، وقليلون قرءوا عنه لأعتبارنا أصغر منهم، أو إهمالهم لنا بسبق الإصرار أو بدونه وهذا ظنهم، فهم لا يعرفون شيئاً عن تنشئتنا فكرياً ودينياً واجتماعياً ووطنياً، وتناسوا أحياناً دورنا الرئيس في بناء الحضارة النهرينية والرافدينية كي نكون في خانة المتفرجين أو ربما الناظرين أو الناطرين ليس إلا، فلا يحق لنا أن نقيم علاقات أساساتها تاريخية ، وحقيقتها أهمية التعايش أو العيش مع الآخرين بصورة أفضل.
   ألم يحن الوقت، ألم تأتِ الساعة، ألم يتم ملء الزمان ( غلا3:4) حتى ننتقل من الكلام إلى الأعمال. ألم ننتهي من تنقيط الحروف من أجل كلمات ، فنقلب صفحتنا إلى صفحة متقدمة وننمو كما هو حال الذين كانوا من قبلنا والذين هم معنا فنكون مثلهم أو على حالهم أو حتى أدنى منهم بقليل، كلمة وشهادة وحقيقة. فالحقوق يجب أن تكون متساوية كون الواجبات سادت بيننا في صفحات دستورنا، ومن المؤسف أقول: لا أعلم إنْ كان وُضع لنا أو لأجلنا أم لغيرنا، أو وضعوه لهم ولغاياتهم، وما علينا إلا أن نقول "نعم لا بأس به، إنه لنا" جاعلين من أنفسنا رجال سلام كي لا نُضطَهَد من ديارنا ونُقلَع من أصولنا وتقودنا المسيرة إلى حمل حقائبنا لأن الخوف ملأ قلوبنا ولا يُسمَح لنا أن نقول في وجه الأقوياء "لا"، كما فعلها غاندي يوماً وقالها.
   الحياة هبة :
      إن الحياة هبة من الله، والبابا بندكتس السادس عشر يقول: " إن الحياة البشرية هي مُلْك لله وحده، ولذا فكل مَن يتعدى على حياة الإنسان فكأنه يتعدى على الله نفسه. وعندما يفقد الإنسان معنى الله فهو يجنح إلى فقدان معنى الإنسان أيضاً وكرامته وحياته. حياة الإنسان هبة من عند الله وهو عطيته وصورته، والله هو إذن وحده سيد الحياة ولا يسوغ للإنسان أن يتصرف بها. فعلينا أن نحب ما يحبه الله ويرضاه ونبتعد عمّا لا يحبه" . والأديان تأخذ صميم رسالتها وأهميتها البالغة في إبعاد شبح الحروب والنزاعات الدينية والاجتماعية التي تُدمي قلب البشرية لأن اسم الله يجب أن يشكّل اسم سلام ومحبة بعد ثلم أسنّة الرماح وكسر كبرياء السلاح والابتعاد عن العنف والدمار من أجل تعزيز وتمتين وصقل مسيرة الحوار من أجل الاعتراف بحضور الآخر.
   إرثنا ثقيل
   نحن مدعوون ضميرياً بل وجدانياً بل أكثر من ذلك شهادة لمسيحيتنا إلى أن نحوّل واقعنا إلى نور القيامة (متى 6:28)  عبر حياة التجدد الملتزم والوفاء الأمين لقضية وجودنا. وعلينا أن نتقدم نحو صفحة جديدة ونترك صفحة الماضي الأليم التي خططنا لها بسكوتنا وخوفنا وهربنا وهزيمتنا ورحيلنا بعيداً عن أقوياء الزمن المتسلّحين بآلات القتل والتنكيل في التهديد والوعيد والتي كتبناها بحبرٍ أُجبرنا عليه فكنا مخطوطة سطّرناها بدمائنا وسجّلناها في سجلات الزمن والتاريخ ولكن لم يقرأها أحد كي يقول لنا ما هو حقنا، وأين وصلت قضيتنا. فإن إرثنا ثقيل، وما أراه إننا نقف عند مفترق الطرق وخاصة إذا ما نظرنا بجدية الإيمان وحقيقة الزمان وما حصل ويحصل لنا وحولنا بالأمس كما اليوم في شرقنا من آلام المخاض، وربما تكون الولادة عسيرة جداً أو إلى عملية قيصرية الظهور بسبب الظاهرة السكوتية التي في تاريخ الأيام تتسلط على الرؤية الحقيقية، ولا زال داء النسيان ينهش في جسمها كي لا تكون، وإنْ كانت فلتكن هزيلة ليس إلا.
   وقفة جادة
لأننا لا زلنا نُمتَحَن في إيماننا وفي سلوكنا وفي تحمّلنا وفي خيراتنا وترابنا وعبر مسيرتنا مرة ومرات، فلابدّ أن تتوحد كلماتنا وتتحد مشاريعنا وتُعرف قضيتنا، ولابدّ من وقفة تأملية عميقة أصيلة بجذورها من أجل معرفتها وإعلانها وحقيقة بوجودها من أجل عيشها والمطالبة بها كشجرة أصيلة في ترابها وعظيمة بثمارها ويافعة بجذوعها وخضراء مُحِبة بأوراقها، وكل ذلك أيضاً في وقفة جادة بما تحويه هذه الكلمة من آمال وآلام كي نرى وضعنا الحالي وما قاسيناه في الماضي ولا زلنا نستعطيه ونطالب به ولا من مجيب أو سميع أو فهيم، ولكن سنبقى نقول مع ربنا يسوع المسيح الذي قال:"قولوا الحق والحق يحرركم" ( يو32:8).
   امام هذا كله لا يمكن أن يتوقف نزيف الهجرة إذا لا نقف مواقف وجودية. فالهجرة اليوم مستمرة في العلن كما في الخفية، وبيوت مؤمنينا يبيعونها أو تُباع لهم بطرق مختلفة وبأنواع شتى، وكل ذلك سرطان في جسم الكنيسة الجامعة المقدسة الرسولية، وسرطان مخيف بدأ يستفحل في جسمنا، وتفرغ كنائسنا، ويخسر مجتمعنا شريحة أصيلة. فالهجرة شتّتتنا وشتّتت عيالَنا وأولادنا وحتى أجنّتَنا وهم في بطون أمهاتهن إلى أقطار العالم بدءاً بأمريكا وكندا وأستراليا ونيوزيلندة وانتهاءً ببريطانيا وأوروبا و.... فما معنى وجودنا إذا لا ندرك عظمة مسؤوليتنا ، وإيماننا بربنا يسوع المسيح إنه لا يتركنا ولن يتركنا على الإطلاق بل يوجّه ضمائرنا ويدلنا على الطريق ويعرف حقاً مَن هو أمين له ومَن يخون الأمانة.
   قلق دائم
   فنحن لحد اليوم لا زلنا لم نتعافى من الحقبة الماضية المؤلمة ولن نتعافى، وواصلت الحقبات الأخرى المختلفة نجاحها بترويج الحقد والقتل والتهميش والإذلال والاستغلال، وأخذوا يحاسبوننا على عدد قتلاهم إنْ كانوا قد قُتلوا، ولا يحاسبون أنفسهم على عدد قتلانا فذلك حق مقدس لهم ولكنه وللأسف واقع ظالم... لذا سأبقى أقول إن أرثنا ثقيل وثقيل جداً، ، فالمخاوف كثيرة بعددها وكبيرة بحجمها ، وسط براكين الكراهية والحقد والعنف التي تهدد قضيتنا التي نخاف أن نظهرها على صفحات كتاب الحقيقة ودستور الحياة ، ومسيرتها تحيط بمسيرة حياتنا من الوضع الأمني إلى الهجرة، إلى التصغير والتحقير، إلى الطائفية واللامبالاة، إلى كشف الحقيقة من مرتكبي الجرائم بحقنا ولماذا أسيلت دماؤنا، وأخرى كثيرة... هل نحن لا زلنا نشهد لأرضنا ودماء آبائنا لا زالت تصبغ ذرات ترابنا؟... هل نسينا ألوان ترابنا القانية ولونه الشهادي الكبير أمام منفعتنا الشخصية كأنها هي أساس كل شيء، بل هي كل شيء؟. إضافة إلى أننا نرى التطرف الديني يزداد أكثر فأكثر ويوماً بعد يوم وخاصة في زمن الربيع العربي المتعب، والحقيقة هناك مَن يقف وراءه ويغذيه ويخصص له أموالاً وبشراً وماكينة، وهذا ما جعل من طوائفنا المختلفة وخصوصاً مسيحيينا وأصحاب الديانات أن تعيش، ليس فقط وضعاً صعباً وغير مستقر، بل في قلق دائم محايد منهم إلى الهجرة وترك الوطن إلى دون رجعة. كما إن انتشار ثقافة الانفرادية والمحاصصة في الغالبية والأقلية ما يعني الإقصاء والتهميش على حساب المساواة في المواطنة الواحدة، إضافة أيضاً إلى ما تعلّمه ثقافة التخويف بخطابات دينية عبر هدم الجسور وتأسيس الفواصل وتقاطع البناء.
   انبقى بلا حماية
   أليس من حقنا أن نسأل أو نتساءل أو نستفهم: أين هو العراق الجديد؟... ما درجة المواطنة وما دور الدستور؟... فكما سردتُ، قبلاً وماضياً  فنحن منذ سنين وسنين ومرت أجيال وأجيال، واستُحدثت أحكام وقوانين وأبواب ونحن كما نحن، بل في تناقص مستمر وكي لا نكون مرضى وعليلين منذ ولادتنا فنقبل بمخططات حصلت لنا ولا زالت تُرسم لنا لتقسيم أفكارنا وكنائسنا ومؤمنينا قبل أرضنا، وقرارنا قبل منازلنا، وولائنا قبل عراقنا... أنبقى بلا حماية تُذكَر أولاً بقوة إيماننا ثم بحب ترابنا ثم بوحدة كلمتنا وهدفنا ومشاريعنا وقضيتنا؟...    وأسأل: هل لنا قضية نعمل من أجلها؟... هل لنا مَن هم نحتمي تحت إرشادهم ونخلص بفدائهم أم نحن لا زلنا مجموعات ومكوّنات وأحزاب كلٌّ يفتش عن شؤونه ورسومه ومخططاته، وننسى أن الأسمى هو الإنسانية المسيحية والحقيقة الحياتية والمساواة القانونية والعبادة في الضمير وحريته الإيمانية؟...
   وإلا، أليس من حق الكثيرين حمل الحقائب والرحيل؟... أليس من حق العديدين التفتيش عن ملاذ آمن دون الاستعاضة والاستعارة؟... أليس من حق عوائلنا أن تفتش عن مستقبل كنيستهم وأولادهم؟... أليس من الحق وبلا خوف أن نطالب بحقوقنا وأفكارنا وسبيل حريتنا وعيشنا؟... أليس من حقنا أن نتحرك كلنا سوية وأن لا نبقى جامدين؟ انبقى نستعطي ( عذراً ) كل يوم وفي كل جيل ،  فالرب يطلب منا أن نعمل ما دام النهار فهو رجاؤنا (2كو 10:1) ويريدنا أن نتحرك في العالم آخذين قرارات ومواقف تجنّبنا الوقوع في مغالط الحياة، فنخسر البقية الباقية، وسيبقى الذي لنا ( متى 29:25 ) ليس لنا.

   مجيء رجاء
   أقول: ما عشتُه من بعد الاحتلال والسقوط، لهو في صميم مسيرة حياتي فالاحتلال والسقوط عنوان واحد ، غيّرا وجه الوطن ، وفتحا باب الديمقراطية المزيَّفة ، فحلّ ما حلّ فينا حيث الطائفية والعشائرية والاغلبية والاقلية والمذهبية والمناطقية والديموغرافية والمحسوبية والبلدية ووية عديدات لا تُعد ولا تُحصى ، وأصبحنا لا نبالي إلا بأنفسنا كقبائل في زمن الجاهلية، وأصبحنا نحن المسيحيين أقلية، والإرهاب أخذ مجالاً كبيراً في طردنا وتهديدنا وقتلنا ونهب بيوتنا وأملاكنا، وظهور الأصوليات أزادت في البليّة ألماً... ومع هذا فكنيسة الشهادة _ وإنْ لا زالت تعيش مرحلة الألم في درب الصليب _ ستبقى وفيّة لإيمانها. فمجيء قداسة البابا بندكتس السادس عشر إلى بيروت عام 2012 ومعه الإرشاد ، ومن بيروت إلى شرقنا العزيز، ما هو إلا مجيء رجاء وأمل لأجيالنا الصاعدة وشبابنا. ولكن ما يجب أن نعمله هو أن نوعّي أنفسنا وأولادنا بأن الرب له رسالة خاصة لنا في هذه الأرض المباركة، وفيها خلقنا الله ولها أرادنا. ورسالتنا اليوم ما هي إلا رسالة الحوار المثمر كما يقول السينودس، والثمار لا يمكن أن تُحصَد إذا لا نقوم بالاهتمام بالشجرة المثمرة. فثمار إيماننا تنضج بقوة عيشنا هذا الإيمان عبر الإرشاد الرسولي الذي سلّمه لنا قداسة البابا. فالمسؤولية ليست لرجال الكنيسة وحدهم فقط بل كلنا مسؤولون عن تجسد الإرشاد في مسيرة الإنجيل التي نحملها عبر بذرة الإيمان التي زرعها والدانا يوم عماذنا، فنكون بذلك أوفياء لهذه الرسالة وأمناء لكلمة البشارة.
   الختام عذراً
   أيجوز أن نبقى ننهش بعضنا بعضاً، كلٌّ يفتش عن مربعه وحصانه وقلعته وفيله عبر تناقضات تجعلنا أعداء، واختلافات تعلن منا دعاة حرب وصانعي جرائم بدل أن نكون طلاب سلام وتلامذة الحياة؟... هل نبقى دائماً من الخاسرين في معركة الحياة؟... أليس من الواجب الإيماني أن نكون ملحاً ونوراً وخميراً وزيتاً لمجتمعنا دون خوف لأن بقاءنا علامة أمل ورجاء ومشاركة بالرغم من تهديدات الموت والهلاك، وما ذلك إلا امتحان في إيماننا وسلوكنا. فعلينا أن نحمل الإنجيل حتى النهاية ولا يجوز المساومة على ذلك مهما كانت الشعارات واليافطات واللافتات . وما الأولوية إلا للإنسانية المسيحية في حمل حوار السلام من أجل التعايش، بل العيش الواحد المشترك ، وما ذلك إلا ضرورة من أجل علاقات مُحِبة على جميع الأصعدة لأننا أولاد لإبراهيم أبي الأنبياء كما يقول البابا بندكتس السادس عشر:"علينا مواصلة الحوار انطلاقاً من كوننا أولاداً لله الواحد الخالق الأسمى، وحاملي رسالة تستمد قوتها ونبوّتها وروحها كوننا أولاداً لإبراهيم" ، ومن خلال الحوار يدعو قداسته الى حرية العقيدة والعبادة والعيش المشترك .. وما ذلك إلا دندَنَنا وحمايتَنا وحقَنا . عبر وحدتنا في كلمتنا وغايتنا ومسيرتنا ليس إلا ، وعذراً عذراً . إنها الحقيقة  ، وشكراً ،  بل كل الشكر للمخلصين ذوي الارادة الطيبة والصالحة والذين يعملون ويشهدون لرسالتنا وبقائنا وعيشنا الواحد المشترك وما اكثرهم ، وإن شكرتم لأزيدنكم،  ..نعم وآمين. 



58
من المؤكد .. لا فائدة ولا معنى

المونسنيور بيوس قاشا
  * من المؤكد،
وفي علم الجميع، أن شرقَنا عامة وعراقَنا خاصة، موزائيكي بأديـــــانه ومذاهبه ومؤمنيه، وتعددي بطقوســــه
وتقاليده وعاداته ، وكبيرٌ في اختلافاته وانتماءاته وقبائله وعشائره، كما إن شرقَنا حاضنٌ لرسالات سماوية
لله الواحد الأحد ، اليهودية والمسيحية والإسلام ، رباطها المحبة والشهادة والرحمة، وفقدان أية واحدة مـــــن
هذه سوف يفقد غناه وتنوعه وفرادته وشهادته وأثره وحتى وجوده ، وربما حتى كيانه، فتتخلخل السواتر بسبب هشاشة البنيان وربما تحلّ كارثة يسجلها التاريخ ألماً وأسفاً وغباءً إذا ما سقط بسبب رياح الحقد والكبرياء والطائفية والأنانية والمذهبية والكراهية القاتلة بل والمميتة، معلناً أن كل ذلك كان مبنياً على رمال البحور ومن صنع جليد الشتاء، حينذاك ستجد الفتنة أرضيتها وأيّما أرضية ، خصبة، مهيأة، فتأتي وتسكن وتعمّر في القلوب كما قال ربنا يسوع المسيح (متى 45:12)  وتنادي الجارة فتجد فتنة أخرى ومن نوع آخر كونها تعشعشت في عمق القلوب وماتت الإنسانية بعدما شُيّعت صفات الحوار بسبب أناس وأشخاص حملوا رايتها وباعوا أنفسهم لكبريائهم ونكروا الحقيقة بسبب حقدهم وحبهم لمجال الشرير، فضاع الجوهر ودُمّر الكيان وقُتل الخيار وقُبر التنوع وضاع المجتمع وأصبح شرقنا أخيراً بلا شموس ولا أنوار، وضاعت معه أسطر الحياة في كتاب الزمن فلا حضارة ولا رافدين ولا تاريخ .

     * من المؤكد،
   ما حصل في بلدي من مآسي لا تُعَد ولا تُحصى، عديدة في تسلسلها ومخيفة في رواياتها حتى تقدمت عناوينَ الأعلام وملأت صحفَ الأخبار ودورَ الوكالات ومقراتِ أبنائها، وصُوِّرَ شعبُنا ويا للاسف بشعب دموي سِمته القتل والتدمير وسفك الدماء، وأية دماء!، دماء الأبرياء وضحايا في ضحايا العبوات وشهداء اللاصقات عبر مخطط لا نعلمه ولا نفهمه ولا ندري إتجاه مسيرته ، وإلى أين يكون مداه، شهداء مسلمون ومسيحيون وآخرون لمصلحة مَن لا أعلم ولن أعلم ما دامت الأخوّة عداوة ، والأخوة أعداء ، وما دامت الحياة حقد وكراهية وكبرياء، غيرة وأنانيه ،  بتخويف الفقراء والبسطاء وبسفك دمائهم وإن شاركوا في مسيرة البناء، والذين لا يملكون لا سلاحاً ولا سيفاً ولا حول ولا قوة، بل جُلّ ما هم ، أناس بسطاء ، كل ذلك لم يكن في الحسبان ولا على البال . فهُمّشت المهارات وأُبعدت الكفاءات وطُردت العلاقات ودُنست بيوت المقدسات ، ونُصبت موائد الحلفاء ، وحيكت المؤامرات وقُتل أبناء أقلياتنا ، فضاع وجودنا وشُرّد كياننا ولم يبقَ إلا قلة قليلة وهذه تنتظر الرحيل غداً مع دقات اجراس الهجرة ثانية وثالثة . بعددها واختلافاتها ومعهم قُتلَ الحقُ وصُلبت الحقيقة، وما حصل كان مخيفاً بل ومخيفاً جداً.

    * من المؤكد،
   إنني واحد من ملايين العراقيين الذين يحبون وطنهم وترابهم، ومن أجله يرفعون الصلوات. كما إنني واحد من الذين يعيشون حضارةَ الآخرين وتاريخها ومياهها وهواءها ومعجب بها، وإنني أحمل فكراً إنسانياً مُحباً صادقاً بريئاً لجميع أطياف بلدي ، فأنا شاهد لحقيقةٍ _ هكذا قالها لي يوماً البابا بندكتس السادس عشر _ وهكذا ارادتني سيدة النجاة ، وإن أخفاها آخرون ، كانوا أصلاً في المجهول ، أن اكون الشاهد الاول والوحيد حينها وساعتها وأن ارى ما كان وما حدث ، وسأبقى لها في احترامي لديانات ورموز مؤمني وطني بمذاهبهم وطوائفهم، وأحترم مقدِّراً غالبية الوطن كي تكون للأقلية رسالة وخدمة. وأنتمي بفكري إلى الإنسانية في إنجيل المسيح الحي في المحبة وفي الأخوة وسلوك طريق السلام وعيشه في البشارة وفي الشهادة وحتى الاستشهاد، فأنا رسالة مُحبة إلى العقول وكلمة بريئة إلى القلوب، فنمدّ الأيادي لتتلاحم الكلمات في أفكار حاملة للمسؤولية في الخدمة والعدالة وحرية الضمير، وما أنا في ذلك إلا خادم وضيع وعامل أمين ، شاهد وشهيد ،  ليس إلا.

     * من المؤكد،
   صوت الأرشاد الرسولي ، لا زال وسيبقى يعمل فينا من خلال كنيستنا المقدسة ، فهو يقول في الفقرة (فقرة 35):"إن المسيحيين بسبب الحاجة والتعب أو اليأس، يقررون اتخاذ الخيار المأسوي بترك أرض أجدادهم وعائلتهم وجماعتهم المؤمنة. وإن آخرين وبالعكس ممتلئين بالرجاء، يتمسكون بالبقاء في بلدهم وفي جماعتهم. إني أشجعهم على ترسيخ هذه الأمانة الجميلة والبقاء ثابتين في الإيمان. وآخرون هرباً من غياب الاستقرار والأمل في بناء مستقبل أفضل يختارون بلدان المنطقة ليعملوا فيها ويعيشوا".
   وكذلك في الفقرة (فقرة 67) فالمسيحي قبل كل شيء شاهد، والشهادة لا تتطلب فقط تنشئة مسيحية ملائمة لفهم حقائق الإيمان بل تُنشد أيضاً حياة متوافقة مع هذا الإيمان نفسه للرد على متطلبات أناس زمننا". وأما في الفقرة (فقرة 82) و"إن الأوضاع البشرية المؤلمة والناجمة عن الأنانية والقلق والرغبة الجامحة في السلطة قد تلد الإحباط وفقدان العزيمة. مع ذلك يوصي المسيح بالمداومة على الصلاة"... فلابد من الحفاظ على وجودنا عبر الشراكة والتفاعل.
   وخلال ذلك أستطيع أن أقول أنه ، على المسيحيين أن يؤمنوا أن ربنا وضعنا هنا لعيش المحبة، وعليهم أن يُدركوا النعمة الكبيرة التي أعطاهم إياها الله بأنهم ولدوا في الشرق وعلى أرض آبائنا ، وأجدادنا ، أرض الأنبياء ،  وهذا شرف كبير لهم .

     * من المؤكد،
   إننا إذا لا ننتبه إلى مسيرة الحياة وكل ما يحصل ستتبعثر مسيرتنا الزمنية وينفتح باب الضياع على مصراعيه وتضيع الحقوق وتفشل المنظمات المدنية ونصبح بلا قانون فلا هدف لنا ولا خطة طريق لمسيرتنا، والزمن سلاح سيفتك بأبنائه ولا يستثني من هذا المصير أحداً بسبب منظمات أو مؤسسات أو حركات أو أحزاب أو ائتلافات تختفي خلف لافتات ويافطات وشعارات إنسانية، والحقيقة غير هذا تماماً وحقاً وعملاً، وهذا ما لا يعلنه أحد ، فمصالحها وأهدافها اقدس من قبول الآخر وأهدافه وتطلعاته وإذا ما إختلفت عن أهدافه عُدَّ الاخر عدواً وأُضيفت الى صفاته وتعامله حقداً وغيرةً مميتة ، ومن المؤسف أن يكون هذا ،  وكما قال غبطة البطريرك مار بشارة الراعي:"هنالك أناس لا يريدون أن نقول الحقيقة، ولي حق أن أقول ما أراه مناسباً ما دمتُ حياً، ويجب على العالم أن يعي ما يجري من حولنا"... "أنا لستُ ضد أحد _ ويقول غبطته أيضاً _ أنا مع كل الدول والشعوب ولكن لا أريد أن نرى أنفسنا نُذبح كل يوم أمام مصالح وسياسات دولية ، أو غايات سوء لأشخاص لا يرون إلا كبرياءهم ، ونحن نريد أن نعيش سوية باحترام متبادل، فالمسيحيون لم يلعبوا ولو مرة واحدة دوراً معادياً ، والجميع يقولون إننا مواطنون صالحون، فلماذا يريدون قتلنا" ، أو تهميشنا ، وأن نخضع لأوامرهم ولألوانهم .

    * من المؤكد،
   إن التنوع الديني لغة الغِنى لوطني، ومسؤولية الحفاظ لا تقع فقط على عاتق الفاتيكان والكنيسة وقداسة البابا، أو على عاتق المجتمع الدولي وحده، بل من المؤكد وبدرجة أساسية على عاتق السلطات الممثِّلة للغالبية العربية والمسلمة وغيرها ، فهي مطالَبة بإظهار قبولها وحرصها على التعدد والتنوع _ ليس فقط عبر بيانات بل عبر تفعيل البيانات إلى حقائق واقعة بل ودامغة _ ورعايتهم واحتضانهم في دولهم للثبات والرسوخ من أجل بناء عالم الحضارات في تحقيق المساواة والشراكة الحقيقية والمواطَنة الصحيحة، وبدستور لا يعنيه الابواب والفقرات وصياغتها بل بالانسان وكل الانسان ، وكل انسان ، أولاً وأخيراً ، ليس إلا، بدلاَ من الانصياع إلى ما يسمى صراع الحضارات، فتنزلق إلى نموذج بعدم قبول الآخر في مذهبية واحدة وقومية واحدة وطائفة واحدة ودين واحد ولغة واحدة... فالشرق غني بتنوعاته، وبائس وفقير بانفراداته ، وبعدد تعدد المذاهب والطقوس والعادات والتقاليد بقدر ذلك يتجسد الحب والإنسانية وترتفع راية الوطن فوق هامات ابنائه ملؤها سلاما ووئاماً  .

     * من المؤكد،
   إننا عانينا في شرقنا وعبر اسفار التاريخ ومجلدات الزمن ، اضطهاداً منظَّماً وعاتيا ولا زلنا نعاني  _ عبر مضايقات لا تُعَد ولا تُحصى _ شئنا أم أبينا، علناً أو سراً، وظيفياً أو وجودياً، عقائدياً أو عاداتياً، مما يجعل الهجرة مصدر قلق. والأرض التي قامت عليها المسيحية بدأت تفرغ من اصلائها ومؤمنيها شيئاً فشيئاً، فمستقبل الوجود المسيحي _ بقاؤه أو زواله _ بدأ يشمل المنطقة بدولها وشعوبها، وبدأت بعض البلدان تعاني من فقدان الوجود المسيحي في أرضها، بأسباب داخلية كانت أم خارجية، وهناك مَن يموّل الإعتداءات عليهم بهدف عدم استقرار الحياة ،عبر تنامي التيارات الأصولية وملحقاتها، فكانت الهجرة حلاً،  حيث الراحة والأمان وتأمين فرص العمل، وبعد أن فتح الغرب ابوابها ، تسهيلات أُعطيت لهم وشجعتهم على الهجرة... فالهجرة مأساة، فمَن يتحمل مسؤولية تلك المأساة!... إنها كارثة إنسانية، فما هي المعالجات الممكنة؟.
   كما إن وجودنا كمسيحيين وفي شرقنا العربي بات مهدداً أكثر من أي وقت مضى، فالهجمات والدعوات إلى التكفير، والفتاوى القاتلة والنداءات إلى المحرَّم والممنوع والعنف الممارَس ضد الأبرياء باتت عنيفة ومميتة، وهذا ما حلّ بنا في السنين التي مرّت ولا زال القلق على المصير  يلاحقنا أو يزأر بنا ينتظر ساعة الصفر لكي يحاكمنا، ومن هنا نعيش حالة من الخوف على مستقبلنا إضافة إلى أننا دائماً ندفع ثمن الأزمات التي تهب على المنطقة وهذا ما يجعلنا دائماً نفتش عن ملاذ آمن في مكانٍ ما من العالم بعدما بدأنا نفقده في وطننا وأوطاننا وكأننا أصبحنا شريحة أو مجموعة أو أقلية أو طائفة... أو... أو... والتسميات عديدة، لم يعد مرحَّباً بنا إلا من قلّة حكيمة واعية وعاقلة.
   وأيضاً ، كمسيحيين نرفض رفضاً قاطعاً أن نعيش أهل ذمة كما حصل في الأمس، بل نحن شركاء مع الآخر، وهذه الشراكة عمرها الاف السنين، وإصرارنا على العيش في هذا الشرق ما هو إلا علامة وجودنا ، وما على الأخر إلا أن يكون دستورا جديداً وكتاباً مفتوحاً يقرأه الجميع ويذيعه على الجميع فيجعل من حقوق الأخر قويمة وحسب ايمانه وما ذلك الا شجاعة ايمانية نحتاجها اليوم وليس كنزاً مخفياً لا ينفع إلا صاحبه وفي ذلك اخاف من العث ( متى 19:6)  ومن السارق ولله في ذلك شؤون بل واعلم .
    
     * من المؤكد،
   نعم، " نحن لسنا زوّاراً في هذا الشرق أو مهاجرين إليه " ، كما يقول غبطة البطريرك يوسف الثالث يونان ( رسالة الميلاد2013 )  بل نحن أهل الأرض ومشرقيون أصليون وأصيلون، ومن المؤسف لم يوضَع يوماً ملفّنا على طاولات ومناضد المحاورين، وهذا ما يؤكد إننا لسنا على بال أحد، وبقاؤنا _ أقولها _ يعتبر مرهون بانتصار المعتدلين الذين يقبلون الآخر. أسأل: ألم يحن الأوان للمجتمعات أن تتحرك بدل أن تطلق الكلمات والشعارات وتصدّر البيانات فقط بعد أن كثرت المؤتمرات واللقاءات والمنتديات والاجتماعات ، أقليمية ودولية ووطنية ، حول مسيحيي الشرق ووجودهم والتحديات، وهذا ما حلّ فينا ، وما رأيناه ولمسته أيدينا ، ولكن لا زال يسجل ضياعنا؟. هل هو مخطط للشرق الأوسط الكبير أو الجديد وهل بدأ ينجح في زرع فكرة اقتلاع المسيحيين من هذا الشرق؟... الا يكفي صمّ الاذان عن الجرائم النكراء بقتلنا وحرق كنائسنا وأديرتنا ، وقتل كهنتنا ، واساقفتنا ، ومؤمنينا ، وخطفهم فرادا ووحدانا التي تمزق نسيج مسيحيتنا، وانسانيتنا ووطننا ،  فلا نحتاج بعد إلى خطابات تذكّر بضرورة الحفاظ على المسيحية المشرقية وعلى مشرق متنوع، بل نحتاج اليوم إلى تفعيل ما نقول عبر توقيع وإثبات، وإلى دستور واضح وصريح ومحق لحقوق كل إنسان... فالتاريخ قالها يوماً _ ويرددها كل يوم حاملو لسان الحق والحقيقة _ وهي أن المسيحيين ما هم إلا سكان الشرق ولم يتركوا بلدانهم ، لا مع مجيء الإسلام ودخوله ، ولا مع نشوب الحروب ، في المنطقة على امتداد التاريخ . فلا فائدة  ولا معنى أن يطالب المسلمون مقاسمة العيش المشترك ، والتضامن الإسلامي – المسيحي إذا ما تمّ تفريغ المنطقة من المسيحيين او يهجّرون حيث يُرسم لهم أو يُقتلون بصبغة تكفيرية ، مما حدا بالبابا فرنسيس أن يرفع صوته قائلاً " أنه لا يتصور شرق اوسط بدون مسيحيين "  ، وهذا ما نراه  اليوم في بعض المناطق في شرقنا العزيز .

    * من المؤكد،
   نعم ونعم ، هاهم المسيحيون اليوم يُقتَلَعون من جذورهم من قِبَل أناس متعصبين وأصوليين ، فأين هم كبار الزمن ، وأين هي وسائل الإعلام لكشف الحقيقة ؟... لا ينفكّ المسيحيون يطلبون المساعدة ويناشدون المجتمع الدولي ، بتنوعاته ومنظماته ، ولكن "لا حياة لِمَن تنادي". للأسف، يخشى عدد من كبار الزمن انتقاد الأصوليين والمتعصبين، ولكن كل ذلك على حساب مَن؟... نعم، على حساب كل مسيحي وكل الأقليات، وبسبب ذلك فإن فرارنا وانقراضنا بات وشيكاً ، وسيقولون أنهم كانوا يوماً هنا .
   أليس من حقنا أن ندافع عن حضورنا ووجودنا  ونؤكد على شهادتنا المشتركة في كل المجتمعات ، والمحافل الوطنية قبل الدولية والإقليمية ؟ وإنْ كنا وكانت أوطاننا تعاني من ترسبات الماضي، هذا لا يعني القبول بالأمر الواقع بل علينا النظر إلى المستقبل كي لا يكون مقترناً بالخوف والجزع بقدر ما يكون مرتبطاً بالموضوعية ، والواقع الايماني بحس المسيحية . فمن سالت دماؤه ، وحبر قلمه من أجل العيش المشترك ، وزرع السلام ، ويافطة الوئام ،  والحوار في تأكيد الضمير وحريته ، وقبول الاخر بايجابياته وسلبياته ، ما هو إلا رجل تاريخ ومسيرة . بل شجاع من اجل الشهادة للحقيقة ، من أجل معالجة المشكلة على الصعيد الكنسي وعلى جميع الاصعدة وإلا فلا فائدة ولا معنى،  .. نعم وآمين .


59
صرخة في  دروب الحقيقة

المونسيور بيوس قاشا
في البدء..تهنئة
مع حلول ذكرى ميلاد طفل المغارة يسرني أن أُهنئ قداسة البابا فرنسيس وأباءنا المغبوطين ، وساداتنا الأجلاء وإخوتي الكهنة والرهبان والراهبات والمؤمنين ،
ومسؤولي المواقع الالكترونية والعاملين في مجال الاعلام ، والساهرين على ايصال كلمة الحق ، وندعو الرب الذي سكن بيننا أن يمطر نعمه وخيراته وبركاته ،
 وان يجعلنا طلابا في مدرسة المذود الفقير ، حاملين الحس الايماني ، وحب الأرض ، وعطاء السماء وفقر البابا فرنسيس ، وأقول وكل عام والجميع بخير .

أحداث .. وعولمة
أحداث مؤلمة لا زالت ترافق مسيرة أبنائنا في شرقنا في هذا الألف الثالث، وقدازدادت وتيرتها منذ أشهر وحتى اليوم، فهي بذلك تذكّرنا بما احتمله وقاساه آباؤنا من الاضطهادات منذ نشأة المسيحية، واستمرت عبر قرون وأجيال وحتى الحربين العالميتين الأولى والثانية وحروب السنين العثمانية الأخيرة من الألفية الثانية. هذه الحروب أحرقت ضحايا لا تُعَدّ ولا تُحصى، كما رافقتها هجرة أجدادنا وآبائنا، واليوم نحن أحفادهم... وها هي المسيرة تتجدد حاملة الخوف والفزع عبر العنف الذي يحمله الأصوليون، والاضطهاد الذي تصمت أمامه أفواه لا حول لها ولا قوة، وعيون تنظر ولا ترى، كما إننا نتحرك كل يوم على وقع أحداث تتوالى وتتعاقب أمامنا ونحن فيها وحولها، ولا زالت تعمل فينا وتحصد أرواح الأبرياء، إضافة إلى عالم العولمة المزيفة التي تدغدغ حقيقة قلوب مؤمنينا ليحملوا حقائبهم ويرحلوا عبر هجرة منسَّقة ومخطَّط لها في عقول مريضة، ومعلنة أن شعب الله لا يجوز له العيش بعدُ في أرض أصوله ووطن أجداده. فالعنصرية قد ملكت في القلوب، والطائفية والمذهبية قد قتلت الأماني والإرادات، والتهميش كان الحقيقة، والاحتقار والتكفير كانا الكلمة الأولى والأخيرة والسبيل إلى الضياع والرحيل وإفراغ البلد.

   كنيسة الشرق
   نعم، في هذا الشرق وُلدت الكنيسة المقدسة، وبولادتها حمل أبناؤها إيمانهم بالرب ركيزة أساسية لإعلان بشرى الخلاص وحقيقتها، وهذا ما تعلنه كنيسة الشرق لتكون شاهدة حية على ينابيع الإيمان وأصول المسيحية، فهي الرئة الثانية لجسد المسيح حسب قول البابا الطوباوي يوحنا بولس الثاني، وهي تبشر وتشهد لكل ما قاله الرب يسوع وأعلمنا به ونبّهنا إليه كي نكون في استعداد دائم، وكي تبقى شهادتنا واعدة وشعلتها مشتعلة لا يقوى عليها قوات الشر والظلام.

   صوت المعلّم
   أمام ما يحصل يبقى صوت المعلّم، صوت الحق ينادينا. ويبقى العالم بحاجة إلى ثقافة الإنجيل، ثقافة الرجاء، بشرى الأمل من أجل الحياة. وتبقى الكنيسة برجالها ونسائها ومؤمنيها حاملة صوت الحق هذا كي تجمع ما تبقى لنا، وتسأل: أين نحن، وأين أصبحنا، وإلى أين نحن سائرون؟، وما هي زاوية اتجاهنا كي تكون أمينة لراعيها الإلهي الأول في نقل الكلمة أنْ "اذهبوا وعلّموهم" (متى 28:20)، حاملين رسالة المحبة والخدمة والحياة، إذ لا يجوز أن نبقى واقفين في أماكننا دون حراك، نراوح دون هدف وبلا رسالة بسبب خوفنا من الذي يحدث ومن الآتي إلينا، بل بالعكس علينا أن نحمل رحمةً ورجاءً وغفراناً، وهذه كلها تتطلب الكثير من الشجاعة والكثير من صلب الإرادة في نسيان الذات ونكران الأنا فهو علمنا قائلا ، في أن نطعم عدوّنا إذا جاع ونسقيه إذا عطش ولا نغلب الشر بالشر بل بالخير (رو 17:12-21).

   الحس الإيماني
   ما نفتقر إليه هو الحسي الإيماني وإلى إرادات الثبات في أرض الأجداد وعدم الهجرة والرحيل، فالحياة لا تقاس بسندويج النهار ونعاس الليل ووقفة أمام دار الإقامة، بل بالرسالة والهدف السامي، بالحس الإيماني النابع من عمق الأصول، لأن غياب أبنائنا يعني انتحار لوجودنا وافتقار لمسيحيتنا وخسارة لتعدديتنا وفقدان لأصولنا في مشرقنا الذي من أجله خُلقنا، ولأجله ُثُبتنا بمسحة إلهية كي نكون خميراً حية وعلامةً للحوار وقبول الآخر، ورسالةً لبناء جسور العبور والشراكة. فهجرتنا تعني هزيمتنا وقبولنا لخسارة نحن أردناها ليس إلا. أما حضورنا فما هو إلا من أولى واجباتنا وإعلان حقيقتنا في أننا حاملي بشرى الحياة وليس حقائب السفر.، في أننا أعمدة الوطن وليس أناس الرحيل. وفي ذلك أدعو أن يكون لنا آذاناً صاغية لدى عامة الناس كي يُدركوا ويعملوا ليس فقط من أجل يومهم بل من أجل رسالتهم. لذا ما نحتاج إليه هو الوعي، فالوعي قليل بل غائب، والحرب ضد المسيحية لن تنتهي، وإسكات الإرهاب لا يمكن أن يتوقف لا بل ربما يتحول إلى سبل أخرى وطرق مستَنبَطَة جديدة. ومهما يكن سيبقى الإنجيل، فالإنجيل حقيقة. كما لا يمكن أن نخجل من أن نكون مسيحيين، فلا تيأس، ولا يلج القنوط إلى قلبكَ، بل عش إيمانك بفرح وسلام بالرغم من الصعوبات ، عبر إتجاهات جديدة وسبل حاملة للرجاء والثقة.

   ضحية... وأية ضحية
   نعم، من المؤلم أن أرى المسيحي سلعة يُشترى ويباع في حقيقة واقعة خوفاً من، وهزيمة من، بسبب مفسدي الدهر عبر التعصب وقتله بدم بريء واضطهاده بتغذية فكر حاقد، ومعلنين أن الحياة لا تُكتَب للأبرياء بل لأقوياء الزمن ومفسدي الدهر الحالي بدولار عبر حوالات مزوَّرة في بيع ممتلكات وإنْ كانت مقدسة، وبخفية العيون وهمسة القلوب دون إدراكهم أن الله عليم بكل شيء.
   أليس ربنا هو الذي قال:"ما عملتموه في الخفاء سيُعلَن على السطوح" (متى 27:10). فيا لهم من فاسدين وإنْ كانوا مقرَّبين من الأعالي كفريسي الإنجيل... كم إنهم منافقون، يتظاهرون أمام واجهاتنا بأنهم لله ومن أجله يعملون وإياه يقصدون، ولكن الحقيقة هي غير ذلك بالتمام والكمال، بالحقيقة والأمان. وكم يحنو البشر أمامهم خاشعين وخاضعين بل وخانعين، وما غايات هؤلاء وأولئك إلا المصالح الأنانية والأهداف السوداء وتدمير الأبرياء مدّعين أن مواقفهم المضلِّلة لا تحارب إلا المتَّهمين، ولكن الحقيقة هي أن أنفسهم متهمّون ،  وما المتَّهمون إلا أبرياء، فقد باعوا حتى ضمائرهم بل لا ضمائر لهم، وإنما ما يملكون ما هو إلا من فضلات الضمائر، فمن المؤسف أن مَن يصفح ما هو إلآ صاحب القلب الكبير، وهو الضحية، وأية ضحية.

   اضطهاد... وإيماننا
   إنه اضطهاد واضح في العلن أو في الخفية، حينما ينعتوننا بأننا لا نستحق الحياة ، وبذلك يرسمون مخططاً لإهلاكنا واضطهادنا لكي يقلّ عددنا وتتطهر البلاد وتفرغ من وجودنا ، فإذا بهم بهذه الشهادة يولد مسيحيون جدد ومن أحسن طراز لأن الشخص الذي يدخل المسيحية في أيام الاضطهاد يكون من العناصر الشاهدة لإيمان الأصول التي لم تأتِ للإيمان نتيجة إغراء مادي أو منصب رئاسي، ولكن ما دفعه إلى المسيحية هو التضحية وعمق الإيمان اللذان دفعا هؤلاء الشهداء فتأثر بصمودهم وصبرهم وحبهم فجذبه المسيح بنعمته بوساطتهم، وحسب قول ترتليانوس "دماء الشهداء بذار الحياة". فإن كان الاضطهاد والاستشهاد لابدّ منه ولا مفرّ منه فهو مفيد لكيان الكنيسة، فهذه الهزّة العنيفة لحقيقة الإنسان كالشجرة التي يترتب عليها أن تسقط بعض أوراقها الصفراء ليكون هناك مكاناً للبراعم الجديدة والخضراء، وفي ذلك تبقى المسيحية وتدوم أعواماً وقروناً وستدوم إلى الأبد "إن أبواب الجحيم لن تقوى عليها" (متى 18:16). وكثيراً ما نشعر بأن الله لا يصغي إلينا ولا يستجيب إلى صلاتنا، فهذا دليل على ضعف إيماننا من جهة وعدم قوة صلاتنا من جهة أخرى، ودافع لنا بأن نثابر على الصلاة دون ملل وبلا انقطاع في هذه الأيام الصعبة أكثر من أي وقت مضى علّ الله يرأف بنا ويباركنا منيراً بوجهه علينا، فنحصل على المعجزة التي نحتاج إليها وهي أن يبارك الله أرضنا بالسلام.

ألقاب ..وصمتٌ
ما نحتاج إليه هو تفعيل قوانين دستورنا. يقولون "لا تهاجرون" ونِعْمَ القول، ولكن أعطونا حقوقنا، وقّعوا على حقيقة أصالتنا، اطردوا العنف من خطاباتكم، فالنزيف من صنعنا قبل أن يكون من صنع الغريب... فأين هي المعاهدات؟، وأين هي البيانات؟، وأين هي الاستنكارات؟... ألم تتجسد لحدّ اليوم؟، ألم تظهر للملأ لحدّ الساعة؟... فلا زلنا نلقَّب حسب إرادة الأشرار، مرة خنازير وأخرى كلاب وثالثة كفّار ورابعة وخامسة، والمعلّم صامت، والكنيسة مثل معلّمها، ورؤساؤنا ليس في يدهم حيلة إلا الصوم والصلاة، فأصواتهم قد بُحَّت ولا أحد يسمعها. الأمم المتفرقة تتّحد لتدميرنا ببياناتها، وتتّحد لإدانة قتلنا. ومن المؤتمرات تُسمع منا أخبارُنا كي تُرسم خططٌ لتدميرنا ولتهجيرنا عبر دول تحتاج إلينا وإلى سواعدنا وورقتنا ونفوطنا، وإنْ كنا لا نعلم فنحن نباع ولا في العلن، ونُشترى بأقل من ثلاثين من الفضة، ويملئوا بطوننا كلاماً وبيانات واستنكارات و، و، ومؤتمرات، مرة لأبناء أحزابنا وأخرى لقادة كنائسنا وثالثة لروّاد حركاتنا، فيعود المؤتَمِرون ولم يحملوا إلا صوراً وأحلاماً وذكريات وضاعت القضية ، بل تركوها عند مخارج القاعات أو في مداخل المطارات والمحطات .

نحن.. وألارملة
   صحيح إنهم يمتلكون سلاحاً، ويمتلكون قوة، ويبطشون بفقراء الله، ولكن لا يمكن أن تبقى لغة القوة تسود على ذوي الإرادة الصالحة، فبطشهم هذا يعني خوفهم، وقوتهم هذه تعني هزيمتهم، وسلاحهم هذا يعني رعبهم، فلا يمكن أن يبقوا إلى ما لا نهاية. نعم، إنهم خصم ظالم وشرير، إنهم جانب مظلم ومكفرّ، ولكن مهما نجحوا في مسيرة شرهم هذه لا يمكن أن يواصلوا، فالحقيقة يجب أن تنتصر أخيراً. ما ينقصنا أن يكون لنا الثقة بالرب والاستسلام لإرادة الله القدير.
   قد تكون المشكلة فينا وفي ضعفنا كوننا فقدنا الثقة بإله الرجاء بقولنا: طال مصابنا وزادت آلامنا ونسينا الله وتربّع اليأس على مجالس الحكم في داخلنا، وبدأنا نشكّ ونتردد ونتراجع بل ونتقهقر لأننا نخاف السيف وفعله وننسى أن هناك مَن سبق وأعلمنا أنّ "كل الذين ياخذون بالسيف بالسيف يهلكون" ( متى53:26). من هنا يجب أن نأخذ العبرة من كلام الحياة، فالأرملة لم تبطل ولم تسكت عن طلب حقها. ألم يقل المَثَل العربي "لا يضيع حق وراءه مُطالِب"، ولا يجوز أن نكون مِمَّن قال عنهم المسيح:"ولكن إذا جاء ابن الإنسان أتراه يجد الإيمان على الأرض" (لوقا 18 : 8  ). فالعالم الآن غارق في المادة، لذلك يسير في خطى متسارعة نحو الهلاك. فنحن المؤمنين لا نريد أن ننزلق في هذا المنزلق بل نبقى ثابتين على الإيمان والرجاء والمحبة.

مَن .. بطول عمرِنا
   نحن كشعوب مسيحية مظلومة شئنا أم أبينا وإنْ كان يُبكى على حالنا أو يشاركوننا ألمنا،وهولاء ذوي الارادة الطيبة لهم كل الشكر والتقدير،  فالحقيقة يجب أن نقولها، والحرية ومسيرة الحياة التي نحياها مقيَّدة بتعاليمهم الماورائية فيفرض علينا كيف يجب أن نحياها وكيف يجب أن نكون لها. واحتلال أرضنا وقُرانا وبلدنا ما هو إلا باحترام أحياناً وأخرى بغصب والأنكى بالتحايل من أجل إقامة مشروع أو ما شاكله، ولا زلنا نصرخ منذ أجيال وأجيال: أين أولادنا؟، مَن قتل أساقفتنا؟، أين كهنتنا؟،من خطفهم ؟  مَن قتل شعبنا؟، مَن أحرق كنائسنا؟، ومَن هذه تطول بطول عمرنا وطول سني حياتنا، ولسان حالنا يقول:"يا رب أنصفنا من خصمنا"... فأنا مؤمن بلجاجتنا وإلحاحنا ولا يجوز التراجع أمام القاتل، أمام الظلم، أمام الحقد والكراهية، سنبقى نصرخ وبصبرنا نحفظ صراخنا لننال ما نبتغيه وليس بحمل الحقائب والرحيل وترك الكنيسة جدراناً وشموعاً، مذبحاً ويسوعاً، بكاءً ودموعاً... فالظلم لا يمكن أن يستمر، ولابد أن تتحرك الضمائر مهما كانت قاسية، فمَثَلنا قاضي الظلم في إنجيل لوقا والذي قال لنا "لا تخافوا"، لم يقل ذلك ليُكتَب في الإنجيل بل لنحياه أيضاً ونؤمن ونثق ونبشر ونرجو. صحيح إن العنف لا زال يمزق أرضنا، والكثيرون محاصَرون يعانون ويشعرون بتهميش يزداد يوماً بعد يوم ويكبر معنا بساعاته، ومع هذا نحن القطيع الصغير مدعوون أن نفكر في بشارة جديدة كون الكنيسة تحتاج إلى قوة متجددة لتعيش إيمانها، وأن تكون علامة حية لحضور الرب القائم بالرجاء الذي يقوينا بثبات الإيمان وشجاعة الحياة وقول الحقيقة، لأنّ كنائسنا المشرقية ما هي إلا شاهدة حية على أصول المسيحية.

فوضى .. وإرهاب
   نحن المسيحيين ندفع ثمناً إضافياً لحالة الفوضى والصراع والعنف، فهم يستهدفون مباشرة كنائسنا ورجالنا وممتلكاتنا وصلباننا وأديرتنا في موجة اقتلاع مبرمجة وسط ذهول عربي وإسلامي ودولي وصمت ، وكل ما يجري مسرح اللامعقول، وما الخطف إلا نموذج آخر للاعتداء والتهجير وهدم وتدمير عشرات الكنائس التي يعود تاريخها إلى القرون الأولى للميلاد لا زال يعكّر المشهد على يد الإرهاب والعصابات المسلحة والمنفلتة والخارجة عن القانون حيث يتم استخدام الدين لتبرير الأعمال الإجرامية التي كلّفت المئات من حياة الأبرياء في مختلف مناطق وطننا وشرقنا، والاستيلاء على ممتلكات المسيحيين معتبرين إياهم غنائم يحق جمعها حسب تبريرات واجتهادات مختلفة.
   كفانا نقبل بوضع قضية وجودنا على شماعات مختلفة، مرة الإرهاب وأخرى العصابات والثالثة العنصريات والرابعة الحرامية والخامسة والسادسة وأخرى عديدة وبكل سهولة، وتسجَّل التهمة ضد مجهولين وغالباً ما يفلت المجرمون من العقاب. لقد بعنا أرضنا بحقيبة الرحيل، ولا زال استمرار نزيف الهجرة بشكل يومي، وهناك أكثر من عدد من الأشخاص يغادرون، وهذا لا يجوز. فصوت رؤساء كنائسنا ينادينا ويدعونا أن لا نبيع، لا نبيع مهما كان ذهب الدولار، فالأرض أسمى من ملايين الدولارات وإنْ سُرقت نصفها. من المؤسف أن تكون الورقة الخضراء دليلنا إلى حيث الضياع، فهناك مَن يبكي على حالنا ويولول على مصابنا فيسألنا عن عددنا، ولا أعلم ماذا يعني السؤال عن عدد وجودنا، وإنْ كان العدد ليس إلا قيمة رمزية.

   خاتمة
المسيحي الحقيقي الثابت في إيمانه مهما قيل عنه ومهما اضطُهد ومهما قاسى من الآلام في مجتمعه فهو ملح ونور وخميرة، يتفاعل وإنْ لم يكن بالحالة التي فيها، فهو يتفاعل بصلاته وبغفرانه وبحمله لرسالة المحبة وبدعوته الإنسانية بروح الوطنية من أجل إعلان الهوية المتأصلة في قداسة ترابه. مهما حصل فلا تفقدوا شجاعتكم، فاعلموا وتشجعوا "أنا غلبتُ العالم" (يو 33:16)، وسنبقى حاضرين ومستمرين بحضورنا وشهادتنا لمسيحييتنا. فنحن اليوم لسنا بحاجة إلى مَن يصيح على هواه ففي ذلك تضيع ليلاه، فإننا ندق ناقوس الخطر مع تنامي استهداف الجهاديين لمؤمنينا. ما نرجوه هو بقاء المسيحيين والتشبث بالأرض والوطن ، وإلا تبقى رسالتنا لا معنى لها ، ولا يمكن اعتبارها إلا لذرّ الرماد في العين كي لا يكون التفكير بهجرة الوطن هو الخيار المفروض أمام مواجهة خط الإرهاب وفقدان الحياة. هذه حقائق مرة ، لا يجوز أن نضع قناعاً عليها ، بل أن نكون يقظين أمام ما يحصل، ليس بعواطفنا بل بالتزامنا ومسؤوليتنا. نعم، إنها ظروف تاريخية معقدة عاشها آباؤنا ولا زلنا نحن أحفادهم نحياها وإنْ بصور متعددة واتجاهات مختلفة، وعبر تحديات هائلة لا مناص منها كما لا خلاص لها. ولكي نضع الأحداث في مكانها وزمانها وحجمها غير مكترثين بالناقمين والفاسدين والمجرمين، فإننا بذلك نعطي صورة وصدى عن واقع حقيقي وصورة موضوعية.فلنكن صرخة حق وليس عابري سبيل على دروب الحقيقة .



60
أصوات مسؤولة... ولكن

المونسنيور بيوس قاش
     في البدء
أسئلة واستفسارات عديدة نطلقها كل يوم منذ إعلان مسيرة الربيع العربي المتعبة، وإذا ما كانت هناك ردود وأجوبة فلم تكن ولن تكن إلا تخمينية وتحليلية ليس إلا. فالوضع الذي يعيشه المسيحيون، وواقع مستقبلهم الإيماني والوجـودي واقع مخيف، هذا ما يعلنه الجميع، وهذا ما يؤكده الإرشاد الرسولي لكنائس الشرق الأوسط "شركة وشهادة":"إن الأوضاع البشرية المؤلمة الناجمة
 عن الأنانية والقلق والرغبة الجامحة في السلطة قد تلد الإحباط وفقدان العزيمة" (82)، وأيضاً "إن خليفة بطرس لا ينسى محن وآلام المؤمنين بالمسيح ولاسيما العائشين في الشرق الأوسط، أن البابا يتحد معهم روحياً" (96). نعم، إنه واقع فيه الأصولية تدمر الانفتاح وتغلق أبواب الحوار وتهدم الجسور وترفض قبول الآخر، وتشوّه حضارة الثقافة عبر لقاءات وجوهها منظورة وخططها مستورة وآياتها طائفية ومناداتها عنصرية وفتاواها تكفيرية، وأخرى لا يعلمها إلا عالم الخفايا وما في القلوب والنيات، وفي هذا كله لا مستقبل ولا ثبوت ولا مجال غير إخلاء السبيل وحمل الحقائب من أجل الهجرة والرحيل، فتموت قضيتهم ويموت حسّهم الإيماني والوطني، وتبدأ حينئذٍ مسيرة الزمن المؤلمة.

     الحقيقة والتاريخ
   من دون شك أو أية نظرة تردد، فالحقيقة يسجلها التاريخ الأمين وهو أنه مهما قيل بحق المسيحيين ما هو إلا الحقيقة في الصميم، فهم سكان أصلاء لأوطانهم ومواطنون أصليون في بلدانهم، ولم يكونوا يوماً ضيوفاً أو لاجئين أو أقليات أو من المشفوق عليهم، بل حتى أصغر ذرة تراب تشهد لإيمانهم المسيحي ولحضارتهم الإنسانية ولتاريخهم الأمين لبناء دنياهم، وما ذلك إلا دعوة من الإرشاد الرسولي الذي يوصي بمسيحيي الشرق قائلاً:"اسعوا للعيش في اتحاد وشركة أخوية مع بعضكم في المحبة والاحترام المتبادل للشهادة" (36). وفي هذا كله عُرفوا بإخلاصهم والدفاع عن كرامة أوطانهم وشعوبهم وعملوا على بناء مجتمعاتهم، فكانوا شهداء واحتملوا الآلام والعذابات وقاسوا الحصار والظلم والاضطهاد، وسكبوا دماءهم دفاعاً عن مقدساتهم وتربتهم، وذلك ليكونوا دوماً شهوداً وشهداء لمسيرتهم الإنسانية والمسيحية، وما ذلك إلا انطلاقاً من حبهم وإيمانهم بالمسيح الحي له المجد، وهذا ما يدعو إليه الإرشاد الرسولي "إني أشجعهم على ترسيخ هذه الأمانة الجميلة والبقاء ثابتين في الإيمان" (35).

     حكم... وفتاوى
   وأمام هذا كله، بل ومع هذا كله، لا زالت الأفكار التكفيرية تخرج لنا بفتاوى القتل والطرد والتهجير والإبعاد وهدم الكنائس مدّعين أنهم لا يستحقون الحياة بل يضيفوا بوصفهم بأنهم خنازير بشرية، ويعلنوا ذلك على الملأ ولا مَن يحاسبهم أو يحاكمهم أو... أو... ففي الداخل نيات مبيَّتة ومخطط متَّفق عليه ومدفوع ثمنه من خيرات الأرض وإنْ كانت تحت أقدامنا، ويزيدوا من واجبهم أن يحاكموا مَن يشاءوا، فهم حاملو شريعة الله وإن الله كلّفهم بأن يكفّروا مَن يشاءوا فيضعوا الشعوب الأصيلة تحت حكم الفتاوى المخيفة والمدمِّرة، معلنين بقاءهم وموت الآخرين لتنحسر الساحة لمفسدي الدنيا وكبارهم وأسيادهم... إنها حالة الشيطان الرجيم ليس إلا. هذه المهمات الشريرة التي أعلنها الربيع العربي والغايات المقيتة التي تجسدت على واقع المسيرة أثّرت على وجودنا المسيحي تأثيراً أكيداً وواضحاً، تأثيراً مرعباً حتى النخاع، وبدأ عراقنا ورافديننا يفرغ من أصوله ومن أهله الأصلاء، والويل لشعوب تعيش بدون أصول، فمن المؤكد أن مسيرتهم ما هي إلا نحو الهاوية. واليوم _ وبعد الربيع العربي _ أصبح المسيحيون قلّة، وهذا ما خططوا له وأصبحت كلمتهم (المسيحيون) في مهب الريح وما هم إلا غرباء وإنْ ادّعوا وطنيتهم.

     المسيحي شاهد
   نعم، هكذا وبسبب ذلك واصلت عجلة الرحيل والهجرة دورانها ولن تتوقف حسب علمي بسهولة أو بإشارة أو بدعوة أو برجاء أو ببيان أو استنكار ليس لشيء لأن الأغلبية الساحقة التي هاجرت ورحلت إلى الأبد والذين لا زالوا أحياء في أوطانهم لم تعد تؤمن بما تتداوله الألسن وما تعلنه الأفواه، وما تلك إلا أصوات هزيلة وإنْ كانت محترمة، عبر الأثير، ولا تشعرهم بحسّهم الإيماني وحسّهم الوطني لا بل قد مات فيهم وشُيّع هذا الحس في نعوش الفناء، وأيضاً لأن كبار الزمن هم الواسطة في ذلك، وهم المشجّعون خفيةً في عدم البقاء والمكوث بدءاً بالأقرباء وآل البيت والأغنياء والأصدقاء، ويبقى الشاهد الوحيد للمسيح هو فقيرٌ وفقراء... وفي ذلك يقول الإرشاد الرسولي قائلاً:"المسيحي قبل كل شيء شاهد، والشهادة لا تتطلب فقط تنشئة مسيحية ملائمة لفهم حقائق الإيمان بل تنشد أيضاً حياة متواضعة مع هذا الإيمان نفسه للرد على متطلبات أناس زمننا" (67).
   
     أصوات محبة
   رغم كل الأصوات المُحبّة للبقاء، سارت قافلة المهاجرين في العراق، ولا زالت _ وفي أشدّها _ حتى الساعة وتنتظر مواصلة مسيرتها انطلاقاً من أبواب السفارات في الداخل والخارج... هذا في بلد إبراهيم. وانتقلت العدوى إلى مصر الفراعنة وسارت بكل رحابة إلى سوريا الحبيبة بمخطط أكثر خوفاً وأكثر ظلاماً، بمخطط لا نعرف القائمين عليه وما غاياتهم وإنما ما نعرف عنه أنه دمار لشعوب وبلدان، وهدم لأوطان من أجل بلدانهم وأوطانهم وشعوبهم، ولهم الحقوق ولغيرهم المآسي والهجرة عبر أحضان دافئة وأيادٍ مليئة وبدعوات مجانية عبر أجواء السماء، والوصول إلى حقيقة الحياة هي في الأرض التي إليها هرب قائين وإنْ كان صوت الله يلاحقه بمقتل أخيه هابيل.
   فالأرض ماتت، والحسّ شُيّع، والإيمان بعيسى الحي قد مُحي من الوجود، وهذا في شرقنا ما يطيب لنا لأننا تماثلنا بالشعب الصاخب بصوته أمام بيلاطس زماناً "أصلبه، أصلبه"، واليوم "كفانا، كفانا"، فبرأبّا أصبح لفة همبركر وعلبة بيبسي، وقرار بيلاطس وثيقة الحكم المزيف أصبح حقيقة هي نفسها اليوم دعوة الأرض لملء البطون، مكرَّسة لله بعلمنا، ومقدسة لنا بحياتنا... والسؤال يبقى: حتى ما الخوف يملأ قلوبنا؟... حتى ما لا يتجسد إنجيل بشارتنا في عمق رسالتنا وحياتنا؟... حتى ما ننسى ما قاله ربنا يسوع المسيح عبر جبال اليهودية ووديانها وتلالها وشوارع الناصرة والجليل وقُراها في نهاراتها ولياليها، "لا تخافوا" (متى 31:10)، "أنا معكم"  (متى 20:28)، وفي ذلك يقول الإرشاد الرسولي:"لا تخافوا من أحد ولا تضطربوا بل قدّسوا المسيح في قلوبكم وكرّموه رباً، وكونوا في كل حين مستعدين للردّ على مَن يطلب منكم دليلاً على الرجاء الذي فيكم" (1بط 13:3-15) (36).

     أصوات مسؤولة
   أمام هذه المآسي التي تشهدها شعوبنا المسلمة والمسيحية يندفع رؤساؤنا الكنسيون حاملو رسالة الشهادة والمحبة لإعلان حقيقة الحياة وإنْ كان من جانب واحد... إنهم أصوات مسؤولة، ويزرعون بذار السلام هنا وهناك عبر كلمات ولقاءات واجتماعات ومؤتمرات، وهذا ما يزرع فينا نحن القطيع الصغير الأمل والرجاء بأنّ هناك أصوات لا تنسنا وهناك مَن يشعر بأننا لا زلنا في الوجود، وهؤلاء الرؤساء نحمل إليهم كل احترام وتقدير، فهم رعاة أصلاء ورسل أمناء على حقيقة المسيح ووجوده في الكنائس والأديرة والشعوب والأوطان، وبأن الشهادة ستبقى أصيلة مهما قست مسارات الحياة وكلمات المنابر والكراسي، وفي ذلك نرجع إلى أيام الرسل الأولين الذين لم يخافوا حنّان وقيافا وأحكام كبار الزمن.

     مسيحيون مؤمنون
   ما يجب على المسيحيين هو أن يعيشوا حياتهم في أرض أجدادهم ويعملوا فيها ناظرين إلى رسالتهم الإنسانية والإيمانية قبل أي شيء آخر، فعليهم أن يكونوا مسيحيين مؤمنين ولا يكونوا فقط طائفة كأية طائفة مختلفة عنهم أو فئة اجتماعية في إحدى زوايا البلاد لأنها تدين بديانة مختلفة عن ديانة غيرهم، بل أن يحملوا إيمانهم في مسيرة إنسانيتهم دون خوف، ولا يُطلَب منهم ـــ أي من مؤمنينا المسيحيين ـــ أنْ يُظهروا الخنوع أمام المظالم والتكفير والتهجير وأنواع أخرى من الاعتداءات، وفي نفس الوقت لا يجوز للمسيحي أن يضع نفسه على هامش الوطن والمجتمع ولا أنْ يُستَغَل كَحَمَل فقير أو كعبد مطيع، ويقف حائراً في ما يدور حوله ويعلن أن ترابه يلفظه ولا خبزة له فيه، فهو لغيره وليس له، فتموت المسؤولية ويموت الحسّ وتضيع الحقيقة، بينما المسيحي الحقيقي يعرف إنه جزء من مجتمعه يشارك الجميع في البناء والتحديات في تحمل المسؤوليات عبر الحقوق الأكيدة والواجبات الجامعة.

     مسيحيتنا في أوطاننا
   صحيح إن الصراع في شرقنا أودى بنا إلى مآسي وقادنا إلى الضياع ولا يزال يقودنا إلى عدم الثبوت والاستقرار والضياع سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وحتى جيرانياً وحسيّاً وجغرافياً بسبب ما به امتلأت قلوبنا من حقد وكراهية وعدم قبول الآخر مقاسمته الحياة. فنحن نرى اليوم معاناتنا أكبر من طاقاتنا وتصورنا ولا مفرّ من احتمال آلام المسيرة مهما كانت قاسية، فالمآسي التي حلّت لم تتوقف حتى الساعة، فحتى ما يكون الاستقرار والقرار؟... وحتى ما تكون الحقيقة والكرامة؟... أيبقى الظلم بيلاطس آخر والقتل هيرودس، ويبقى الظالم حُرّاً يبني ويهدم حسب عقله وفكره الشرير ومصالحه الظالمة وأنانياته المدمِّرة، ويستهزئ بالأحرار الأبرياء الذين حوله ليكسبهم إلى دائرته المهينة والسير في خططه السوداء؟... وهذا ما يجرّ الناس إلى الهجرة والرحيل طلباً للطمأنينة ولمستقبل آمن لهم ولأبنائهم، وخوفاً من حكم الأقوى الأصولي الذي لا يراعي كرامات الإنسان وإنسانيته ورسالته.
   فمهما يكن من محطات المسيرة المؤلمة، فالمسيحية تدعونا أن نقبل دعوتنا أي أن نحيا مسيحيتنا في أوطاننا وليس في بلد آخر في العالم، فالمسيرة ما هي إلا دعوة إلى حياة صعبة اليوم وغداً، وعلينا أن نفتح عيون عقولنا وندرك ونقبل ونعي إن دعوتنا هذه علينا أن نقبلها برحابة الصبر ونقبل البقاء مضحّين بالمنافع مهما كبرت ومهما قُدّمت والتي قد نجدها في المهجر أو بلد الرحيل.
     الخاتمة
   وفي كل الأحوال _ وأقولها بكل إيمان _ مهما كانت الهجرة حلاً لبعضٍ منها ومهما قلّ عددنا أمام الغرباء سنبقى وسيبقى منا مَن يشهد ليسوع المسيح في أرضه مهما عملت زوايا التاريخ على إخفاء الإيمان المسيحي، وهذا ما يدعونا إلى أن ننتبه لمخططات سياسية، عالمية، أنانية، تكفيرية، تتجاهلنا أو تجهل مسيحيتنا ومؤمنينا، فلا العدد له أهمية في مسيرة الإيمان، لأن الإيمان لا يحيا في الأعداد وإنما في القلوب التي تحمله إلى الآخرين وتذوب كملح وخميرة، كما إن العدد ما هو إلا مصيدة ولسان حال الصحافة والإعلام لنُتَّهم بأننا لسنا إلا أقلية بين الأقليات، فئة صغيرة بل ضعيفة بين الفئات الكبيرة فتكون الشفقة حلاً ورحمة علينا، وتضيع بذلك هويتنا ويُمحى مسيحنا، وهكذا شاءوا وهكذا خططوا وهكذا يجب أن يكون، فيُحكَم علينا بسياسات مفروضة وفتاوى مدمِّرة، ويعلن الاضطهاد أو واقعون تحته بعيش الصراع والتخطيط... ويا ويل للمسيحي الخائف والذي أفرغ نفسه من الحس الترابي والإيماني، وأبعد عن قلبه عطاء الشهادة، ومحا رسالة الاستشهاد وكأنه إلى التراب عاد ولا يزال هو في الحياة. ولكن علينا أن نمتلئ من الرجاء الحي والأمل الأكيد أن الذي باسمه اعتمدنا يسير معنا في طريق عمّاوس، ويظهر معنا على شاطئ الجليل، ويزورنا في العليّة، ويرسلنا إلى العالم بأسره... نعم، بأسره وليس إلى وطن واحد أو بلد أبدي، بل إلى العالم كله... وما أصوات رؤسائنا الروحانيين إلا أصوات نبوية ومسؤولة في قول الحقيقة والشهادة أمام الله والناس، وما علينا إلا أن نقبل دعوتنا، ونحيا مسيحيتنا في أوطاننا وليس في بلد آخر، وعلينا أن نقبلها برحابة صدر مضحّين بالمنافع الدنيوية الزائلة مهما كبرت وزادت ومهما سهّلت لنا حياة الدنيا وأروت سهول الحياة، وأخفضت تلال المسيرة... فالحياة لا تعطي معناها إلا بالصليب، ولكن ما علينا إلا أن نكون أمام الصليب أُمناء .وما هذه الأصوات إلا أصوات مسؤولة ،  ليس إلا، نعم وآمين.

61
عزيزي الغالي برديصان السامي الاحترام
اعتذر اذا اسأت في التعبير فانا حينما اقول عروبتي كوني في بلاد العرب  وسنبقى نردد اننا اصلاء البلاد واصيلي الدار اما انا سابقى وفيا للمسيح الرب حتى مدى الحياة ولكل شريحة من المجتمعات تاريخ والحقيقة شاهدة واكرر اعتذاري واشكرك من كل قلبي ولو كان لي عنوانك لارسلت الاعتذار مباشرة اليك
مع محبتي
اخوك بيوس


62
 بمناسبة الذكرى الثالثة لكارثة سيدة النجاة                 
                                                          ملفُ وجودِنا .. وقِمَم العرب
المونسنيور بيوس قاشا
     في البدء
الإنسانية حوار وحياة... إنها كلمة مسؤولة، هذه الكلمة المسؤولة قادتني إلى أن أطالع ميثاق جامعة الدول العربية وبنوده وأبوابه وفقراته وملحقاته المتعددة، وإنْ كان حباً في الإطلاع فهو إيمان بأن الجامعة العربية بيتنا الكبير نحن أبناء اليعربية، وما يجمعنا ما هو إلا لغة الضاد وعروبة المسيرة. فالجامعة _ كما أعلم _ تعمل مـــــــــافي وسعها لتكون خادمة للجماهير وللشعوب
بمختلف أديانهم وبعديد معتقداتهم وانتماءاتهم عبر طوائفهم وأقلياتهم في المساواة وعيش  المحبة والاحترام المتبادل. فالمسيح يسوع، عيسى الحي، يقول:"مَن كان فيكم كبيراً فليكن خادماً" (متى26:20)، وأيضاً "أحبّوا بعضكم بعضاً" (يو34:13)، "فالإنسان إمّا أخٌ لك في الدين وإمّا نظير لك في الخلق" (الإمام علي عليه السلام)، من المؤكد، وما الإنسان إلا الهدف والغاية للجامعة، فما يؤلمنا تداويه وما يفرّقنا تجمعه، وما يُبعدنا تطرده وما يضطهدنا تلاحقه.
     كلمة مشجعة
في هذه الحالة المسؤولة، ومن إيماني بإنسانيتي وعروبتي ومسيحيتي بابن مريم، ولأننا نؤمن بكتب أوحى بها الله إلى رسله الأطهار وأخرى أنزلها على أصفيائه المختارين، أردتُ في هذه الكلمة أنْ أداوي جرحي بوصفة الجامعة الطبية وميثاقها، وأن أدغدغه ومهامها طارقاً عدداً من أبوابه ومعلِّقاً على العديد من فقراته انطلاقاً من الرسالة السامية التي تُعرف بها الجامعة وتحملها عبر مسارات الحياة وطرق العرب في بلدانهم المختلفة، وعبر زواياها الاجتماعية والإنسانية والحوارية والعيش المشترك، كي أكون حقيقة لصوت مجتمعنا العربي المسيحي ليس عبر الأثير ولكن من أجل قضية الوطن، والمواطن العربي والمسيحي، المواطن المخلص لبلده وإنسانيته وانتمائه والذي ينشد العيش المشترك والحوار الصادق منتظراً عبر كلمة الجامعة المشجعة وميثاقها واجتماعاتها الدورية أن يكون له ملء الحقوق في العبادة والإيمان، في الضمير والحياة، دون نقص أو تنقيص، بل في المساواة وإنْ اختلفت دياناتهم وعقائدهم وانتماءاتهم ليس إلا.
     ميثاق ومسيرة
وقبل كل مقام لابدّ من مقال، وهذا ما دعاني إلى أنْ أقرأ وأسجل على مسمع ومرأى من قرّاء الكلمة الأحبة فقرات من نصوص لميثاق الجامعة العربية. وتتضمن كلماتها أبلغ المعاني بل ولا أبلغ.
•   ففي الملحق (28) من مشروع تعديل ميثاق جامعة الدول العربية ما نصه: إدراكاً منهم (أعضاء الجامعة العربية) لواقع الوطن العربي وتعزيزاً لمكانته الحضارية وإمكاناته البشرية والمادية ولأهمية دوره في الإسهام في تقدم الحضارة الإنسانية وفي الحفاظ على السلم.
•   المادة (1) (فقرة 2): السهر على أن تضمن الدول العربية سلامة الإنسان في الوطن العربي وحقوقه بأشكالها كافة وتمكينه من ممارسة حرياته الأساسية لتحقيق مجتمع عربي يقوم على الديمقراطية والمساواة والعدالة الاجتماعية.
الفقرة (5): دعم السلم والأمن الدوليين والعمل على إقامة نظام دولي جديد يُبنى على الحرية والعدل والمساواة وفق مبادئ الأمم المتحدة.
•   المادة (2): تحقيقاً للأهداف المبينة في المادة الأولى:
فقرة (1): تعتبر الجامعة وأعضاؤها الإنسان غاية كل عمل سياسي واقتصادي واجتماعي، وإنه العنصر الأساسي في تحقيق كل تقدم حضاري.
(فقرة 6): تلتزم الدول الأعضاء بتسوية النزاعات بينها بالطرق السلمية وبالعمل على حلها في نطاق الجامعة.
     مَن.. ومَن.. ومَن!
      هذا، وحسب علمي المتواضع وإدراكي الفقير والمحدود، كان يجب أن يكون إستهلالاً كي أقول: مَن منا لا يذكر ما حلّ بمسيحيي العراق كما بمسلميه وشعبه منذ الاحتلال عام 2003 وحتى الساعة، لا يزال الإنسان يعاني ويقاسي مأساة الحياة والوجود والبقاء، ولا زال الموت الإرهابي يحصد أرواح الأبرياء (الإنسان) في الجوامع والمساجد والكنائس والمعابد، في التجمعات الشبابية، في الفواتح الاحترامية، في صفوف الطلبة وساحات المدارس، والمقاهي، والحدائق، ولم ينجو أحد من هذا الإرهاب المميت. والسؤال يبقى غامضاً: مَن وراء ذلك، مَن يخطط له، مَن يسنده، مَن ومَن ومَن...؟، هذا كله جعل شعبنا المسيحي ومؤمني كنائسنا، أصلاء الوطن وأصيلي الجذور، يغادرون ويرحلون جماعاتٍ ووحدانا، عوائل وأفراداً.
     كارثة ومآسي
      ولما حلّت كارثة كنيسة سيدة النجاة، والهجوم على المصلّين الأبرياء مساء الأحد، الحادي والثلاثين من شهر تشرين الأول (أكتوبر) عام 2010، ووصفتُها حينها في مقال بأنها كارثة أودت بحياة الأبرياء وقصمت ظهر وجودنا، فقد فتحت أبواب الهجرة والرحيل على مصراعيها، وبدأ الرحيل والترحيل إضافة إلى الهجرة والتهجير الطوعي والقسري، ليس في قلب الوطن ولكن حتى جهاته الأربعة وأصبحت تنشد الغاية ومن كل حدب وصوب، من الشمال كما في وسط البلاد وجنوبه، من مدنه وقراه، من شرائح مختلفة ومتعددة، ومَلَكَ الخوف قلوبهم فباعوا ممتلكاتهم بثمن لغاية التجّار وربما هكذا أرادوا لها، وفُتحت آفاقُ الرحيل عبر المحيطات البعيدة والبحار القريبة، كما ملئوا بلدان الأعراب منتظرين أمام أبواب الأمم الإنسانية أياماً وربما أشهراً وأحياناً سنيناً كي تمحى هوياتهم وتقطع انتماءاتهم من ترابهم الأصيل الذي لم يعد يحبهم، ومن جيرانهم الذين أصبحوا لهم أعداء المسيرة. نعم بعد كارثة كنيسة سيدة النجاة، حلّت مآسي الهجوم على بيوت المسيحيين في كل حيّ وشارع ومحلّة، من العاصمة الأبيّة بغداد السلام. وانتقل بعدها مخاض الألم من الرافدين إلى النيل إلى الهجوم على كنيسة القديسَيْن في مصر الفراعنة، والشعار واحد والصوت واحد والنيّة واحدة أنْ ارحلوا، أنتم كفّار المسيرة والإيمان، وما إلى ذلك من نداءات مقيتة ومميتة. وما هذا إلا محو الإنسانية من القلوب وشطب الآخر من الوجود بدعوة وبتفويض من رب الوجود، ويا للأسف، ليس لِمَا حصل وما يحصل وما سيكون ولكن للعقول والقلوب التي نست دماءها وعملية نبضها لتكون الحياة، وما الحياة إلا نعمة الخالق وليس فتوى العابد كي نكون له مطيعين.
     زيارة وتصريح
      أمام هذا كله، كانت زيارة الرئيس عمرو موسى الأمين العام للجامعة العربية في التاسع من كانون الثاني (يناير) عام 2011 إلى العراق الحبيب والعاصمة بغداد، والتقى حينها بكبار البلاد الرسميين، كما قام بزيارة خاطفة وسريعة إلى كنيسة سيدة النجاة وجولة في صحن الكنيسة المقدس وشاهدَ ما شاهدَ... دماءً، دماراً، آثارَ حريق، آثارَ تفجير، بل تفجيراتٍ. كلُّ شيء وكلُّ غرض، وكلُّ خطوة تنادي "هنا كان الإجرام، ومن هنا مرّ الإرهاب، وهنا قُتل الشهداء، وهنا سقط الأبرياء"، و.. و.. ، وببادرة إنسانية دبلوماسية، ربما سياسية، عقد سيادتُه _ وبعد لقائه قادة كنائسنا الموقرين _ مؤتمراً صحفياً قال فيه: إن زيارته إلى كنيسة سيدة النجاة هو لتقديم العزاء لأُسَر الضحايا الذين سقطوا في الهجوم الإرهابي الذي استهدف قبل أكثر من شهرين، مؤكداً أن المسلمين والمسيحيين أخوة عاشوا وسيعيشون مع بعضهم البعض... كما أكد أن المسيحيين جزء لا يتجزأ من النسيج العربي المشترك، مشيراً إلى ما حصل من استهداف للكنائس، كان مصدرَ قلق لنا جميعاً، داعياً الدول العربية إلى تحمّل مسؤولياتٍ مواطنيها كي تقطع الطريق على تدخل الغير في شؤونها الداخلية. كما أضاف الرئيس موسى: إن الأيام المقبلة ستكون أفضل للجميع، "نحن أخوة عشنا سوياً وسنبقى سوياً، وهذه الجريمة استثناء، والقادم هو بالتأكيد سيكون الأفضل...". كما أعرب عن أسفه لِمَا يتعرض له المسيحيون من هجمات إرهابية تستهدفهم في المنطقة العربية، وتعهد الأمين العام للجامعة العربية بدعم المسيحيين والوقوف بقوة ضد ما يتعرضون له من شرور بحسب قوله، كما أكد الرئيس موسى لقادة الطوائف المسيحية في العراق، إنه سيعرض قضية المسيحيين وتهديد أمنهم على القمة العربية المقبلة في الأسبوع المقبل في شرم الشيخ (حينها 2011) لحلّ هذا الأمر، مشدداً على أن موقف كبار الكنيسة يجب أن يدعم بقاء المسيحيين في أوطانهم العربية وعدم الانصياع وراء دعوات التهجير التي فتحتها بعض دول أوروبا. هذا وكان من بين الحاضرين نيافة الكاردينال عمانوئيل الثالث دلي بطريرك بابل على الكلدان والسفير البابوي المونسنيور جورجيو لنغوا والسادة أساقفة الكنائس وعدد من الآباء الكهنة والرسميين وبحضور بعض أهالي الشهداء والجرحى الذين لم يكونوا بعدُ قد رحلوا وهاجروا... أمام هؤلاء كلهم ناشدتُ بصوتي الضعيف وبمساعدة الحاضرين، وانطلاقاً من حبنا لوطننا ولقضيتنا، مطالبين الأمين العام للجامعة العربية الرئيس عمرو موسى بتضمين جدول أعمال القمة العربية المزمع عقدها في الأيام الآتية (حينها) قضية استهداف المسيحيين ووضع الحلول المناسبة، عملاً بما جاء في (الفقرة 2، مادة 1)، وأن يكون هناك خطوات واضحة من قبل الدول العربية لمساندة المسيحيين في الشرق الأوسط. وقد تفاءلتُ وآخرين خيراً لأن القضية أتت على لسان سيادته في تصريحه قبل أن تكون مطلباً ملحّاً من جميع الحاضرين ولكن...
     ثلاث سنوات
      وهاهي كنيسة العراق تحتفل في الحادي والثلاثين من هذا الشهر تشرين الاول (أكتوبر) 2013 بالذكرى الثالثة للكارثة والتي كنا فيها شهوداً حقيقيين لِمَا حلّ ولِمَا حصل، فرحمة العلياء للذين استشهدوا والشكر لرب السماء مانح  جرحاها الشفاء. وما يؤلمني _ ونحن في هذه الذكرى _ أن لا أجد أحداً من آل الشهداء والجرحى وأقربائهم إلا النزر اليسير اليسير في أرض الشهادة كي يحكوا القصة وواقعها ومداها لأجيالنا الصاعدة. فاليوم تجّار كثيرون يتاجرون بآلام البشر، مؤمنون ودنيويون، والتاريخ لم ولن يكتب لهم موقفاً في الحدث، أو حقيقة في مسيرة الألم، وإن رفعوا أصواتهم كبرياءً وصخباً، فقد أخذوا أجرهم قبل حلولها، وما ذلك إلا مصالح أنانية ضيقة الإطار ليسوّقوا طِباعهم ومصالحهم، وقساوة قلوبهم، ويعلنوا سلطتهم وشراكتهم وتضامنهم، ويحسّنوا صورهم بأن الله أرسلهم. فالحقيقة ليست في ذلك لأنها مسيرة مزيَّفة، بل الحقيقة لِمَن كان بشخصه شاخصاً، وبعينيه ناظراً، وبعقله متأملاً، وبقلبه متالماً، وبأذنيه سامعاً ومصغياً إلى صوت الأنين والتكبير كما إلى صوت الإنفجارات والدمار والانتحار وما إلى ذلك.
     شهداء العراق
      أمام هذه الكارثة وأمام قبور شهداء العراق، مسلمين ومسيحيين وصابئة وايزيديين وشبك وديانات، مؤمنين وغير مؤمنين، أقف إجلالاً وأحني قامتي امتثالاً وأصلّي رحمةً وإيماناً في أن الحياة ليست في الدنيا، فهي زائلة، وإنما بما يقوله التاريخ، وما تسجله صفحاته، وسأبقى أشعل شموعاً، إيفاءً وحباً وأيقونةً لأولئك الذين باسمهم سُجّل العراق... ولولا دماء الشهداء ما كان للحياة نسمة خضراء، ولا للمسيرة أمل ورجاء، ولكن ويا للأسف،  فلا دماء ، بل رحلة في عبور البحار والفيحاء، بحقائب لا تنفع حتى للنزلاء، والعذراء تسأل: أين الدماء؟، فكان الجواب من تحت السماء: لا منظر إلا ذكرى ، فلا عيون ولا ناظرون ،  فلا المارّة يمرّون ولا عابري السبيل يسألون، فلا تاريخ ولا دعاء. ولم يبقى إلا أناس يتذكرون ، فنحن لم نخلق للذكرى بل خُلقنا كي نحمل الدماء رسالة لنا نحو السماء ، لنحيا إيماننا ونرشد أجيالنا كي لا نكون فقط لهم أوصياء بل نحن محبين وأولياء وفي ذلك نكون أوفياء .
      مرّت سنوات ثلاث، ومرّت سنوها وأيامها وساعاتها، مرّت بمخاوفها ومآسيها، وغادَرَنا العديد، وفارَقَنا المزيد، ولكن أعود فأقول إلى سيادة الرئيس عمرو موسى السامي الاحترام والأمين العام (حينها): ما أجمل ما وُعدنا به، وما أغناه ما نُثر على الحاضرين حينها برداً وسلاماً بقوله إنه سيعرض قضية المسيحيين ووجودهم وتهديد أمنهم على أصحاب المعالي والسيادة في قمّة عربية.
      في ثلاث سنوات عُقدت ثلاث قِمَم: فالأولى عُقدت في شرم الشيخ 2011، وها قد رحلت. والثانية في بغداد السلام والمحبة 2012، خُتمت ودخلت التاريخ. والثالثة في الدوحة 2013 ، ولا زالت تعزّ علينا أيامُها. فماذا لو أُدرج ملف وضع المسيحيين خصوصاً والأقليات عموماً في أعمال هذه القمم الثلاث!، وماذا لو أُدرجت على أعمال قمة بغداد لدراسة وضع المسيحيين في العراق ووضع المسيحيين والأقليات حيث الأقوياء يأخذون حقوقهم والأصلاء يُبعَدون عن أرضهم ودون حق، ومنذ عام 2003 وحتى قمة الدوحة 2013، عُقدت اجتماعات عديدة للجان الجامعة العربية ومجالسها المختلفة. والرئيس عمرو موسى، وتدعو له بالموفقية، انتقل من قيادة الجامعة ليدخل عالم السياسة من باب الوطن الأصيل مصر القبط والفراعنة، فالشهرة والسمعة والعمل الدبلوماسي كلها عوامل وأعمدة للمسيرة الجديدة، ولا زال المسيحيون في العراق ينتظرون تحقيق العهود والوعود والوفاء بها وانعقاد القمة، وينتظرون قائلين: متى يوضع ملفّنا على مناضد الاجتماع؟، ومتى يكون للجامعة وقتاً مستَقطَعاً من أجل مسيحيي الشرق عامة والعراق ومصر وسوريا خاصة؟، فالله سبحانه قد أكمل خليقة الكون وما فيه في ستة أيام وفي "اليوم السابع استراح الله من جميع ما عمله" (تك 2:2)، ففي ذلك تم ملء الزمان (عب 4:4)، وكان حب الله متجسداً في الإنسان الذي خُلق على صورته ومثاله (تك26:1). نعم، ولا زلنا ننتظر ملء الزمان ليكون الأمثل، وهل سيكتمل الآتي، وهل هناك غير الأيام السبعة في أجندة الجامعة ربما، أم ننتظر رحيل البقية الباقية وتهجيرهم، وهو الذي قال (سيادته): إن الأيام القادمة ستكون أفضل؟ والعكس كان صحيحاً. فحتى الساعة نئنّ ونتألم ونقف على أبواب الغرباء فهم لنا دواء وإنْ كانوا أعداء، وهذا لم يره أحد ولا شاء ولكن للدنيا أحكام وأقدار وجلاء. نعم، بعد سيدة النجاة كانت عاصفة الهجوم على بيوت المسيحيين، ثم انتقلت عدوى الإرهاب إلى مصر القبط والفراعنة، الأصلاء وآل البيت، ثم رحلت نحو سوريا، واستمر مسلسل اغتيال المسيحيين وتهديدهم وتخويفهم وتدمير حضارتهم وشطب حتى ذكراهم، ولا زال المؤمنون يسألون: مَن قتل المطران فرج رحو؟، مَن قتل الآباء رغيد وبولس ويوسف؟، مَن خطف مطرانَي حلب إبراهيم واليازجي؟، وآباء آخرين... وأيضاً مَن أحرق الكنائس والكتب المقدسة و... و...، وستبقى "مَن" هي الأميرة السائدة، والقائد الأوحد، وسؤالاً لا جواب له في قاموس المحيط أو الجامع كما في منجد العرب الشهير، كما ولا زالت الجامعة تفتح أبواباً بِقِمَمِها من حينها، حتى اليوم، كما لا زال المسيحيون ينتظرون ملفّاتهم، فلعلّ الرقم قد غُيّر والتاريخ قد بُدّل، فلا الصادر ولا الوارد يعطي الجواب، وسيبقى الملف موضوعاً لا يؤخذ وارده ولا يصدر منه قراراً، فالأفضل الآتي ما هو إلا ملف بلا ترقيم وبلا تاريخ. وهنا لابدّ من إبداء الشكر للرؤساء ذوي الإرادة الصالحة في أنهم وضعوا أنفسهم لدراسة وضع المسيحيين أو افتتاح كنائس في بلدانهم تقديراً واحتراماً لمؤمني مسيحيي الشرق ولرسالتهم السماوية  .
     البابا في أوطان العرب
   تألّم البابا بندكتس السادس عشر لما رأى ما يحلّ بمؤمني كنائس الشرق الأوسط، فحمل مآسيهم وغيرهم في ضميره، وفكّر في قلبه، وأحبّ حتى النهاية، ولما أدرك قداسته تخوّفه من أن تفقد الكنيسة ثبات وجودها وعمق هويتها وأصالة إيمانها ونزوح أولادها وفقر مؤمنيها، فكان أن أعلن عن دعوته لإنعقاد سينودس خاص بكنائس الشرق الأوسط من أكتوبر (تشرين الأول 10-24/2010). وفي هذا أصاب قداسته المعضلة في عمقها وقوة مركزها، وأدرك _ وأكيداً بقوة الروح القدس _ أنه لابدّ من سينودس يدعو الكنيسة إلى تعميق مفهوم الشركة ورسالتها في الشهادة مع الكنيسة الكاثوليكية الأمّ، وكذلك مع الكنائس الأخرى على قول بولس الرسول:"إذا تألم عضو..." (1كو 26:12). نعم، إن قداسة البابا أدرك جيداً _ ومعه الكنيسة ورجالاتها _ بأن المسيحيين يتعرضون إلى مستقبل وجودهم في هذه أوطان العرب، مما حدا به أن يجعل من الإرشاد الرسولي عاملاً على تثبيتهم في عيشهم، وتشجيعهم على الاندماج في مجتمعاتهم، ليكونوا في عيش مشترك جامع في لبنان والعراق ومصر وسوريا وفي كل أنحاء الشرق الأوسط بكامله... فهذه المواقف وغيرها لا تزال الصوت، والضمير المسيحي الحقيقي الصادق والنقي، الذي لا يحمل إلا صفات الحبّة التي ماتت حباً كي تكون شاهدة لحقيقة الحياة وليس للأطماع الفاسدة في المنطقة ونهب خيراتها وتحقيق مصالحها الأنانية والذاتية.
     حكّامنا وطاعتنا
      نعم، نحن المسيحيون نكنّ الاحترام الكبير والواجب لكبار جامعتنا، وهذا الاحترام الكبير يوصينا به إيماننا والبابا فرنسيس ، بأنْ نصلّي من أجل حكّامنا والمسلَّطين علينا لأن سلطتهم هي من الله "لتخضع كل نفس للسلاطين الفائقة لانه ليس سلطان الا من الله " (رو 1:13). نعم، نحني قاماتنا لله عبادةً، ولهم احتراماً وخضوعاً وطاعةً ومحبةً. وربما هذا من جانب، ومن جانب آخر في هذه الفترة التي مرّت أكثر من ثلاث سنوات، التقى رؤساء كنائسنا سوية عبر مؤتمرات ولجان عمل ولا زالت الكنيسة تحمل نيرها لوحدها من أجل تقوية ذراع الحوار المشترك، من أجل زرع بذرة حوار الحياة، من أجل إقامة جسور توافق والعبور بكل أمانة إلى الحياة الفضلى، من أجل هدم الفواصل والعوازل. فالأرض أعطاها (منحها، سلّمها) الله في خلقه لجميع الناس على حدٍّ سواء "أنموا واكثروا وأملاوا الارض وأخضعوها" (تك 28:1)، وكل ذلك لتُعرف العالم، كي تتحمل المنظمة الأممية والجامعة العربية مسؤولياتهما تجاه هذه الشريحة الأصيلة التي ابتليت بالفتاوى والتهم وبأقوال التصغير، وما هذا إلا اضطهاد واضحً وإنْ كان خفيّاً أحياناً... وهنا لابدّ من ذكر بعض الرؤساء الساميي الاحترام في عقد بعض لقاءات ومؤتمرات في هذا الصدد. نعم، عملت الكنيسة عبر رؤسائها ما يجب أن يكون، ولكن هل اليد الواحدة تصفّق لما يجب؟... نعم، إنها تصفّق رائعاً إذا كانت يد الله هي اليد الأخرى، لذا فالكنيسة تنتظر من الجامعة وأعضائها يد العون والمساعدة، يد الصوت والكلمة، مدّ يد الشجاعة وإقرار الحقيقة. فالمسيحيون الأصلاء يستحقون كل ثناء لِمَا قاموا به في جعل بلدانهم مواطن الحضارة والثقافة والبناء بكل إخلاص وتفانٍ، وما كلمات وتصريحاتُ وبياناتُ رؤساءنا الأجلاء أمثال الكاردينال بشارة الراعي والبطريرك يونان السرياني الأنطاكي والبطريرك ساكو الكلداني البابلي وغريغوريوس لحّام وآخرين ما هي إلا أصوات المحبة والحوار والتعايش. وأظن من حقيقة الحياة وعملاً بميثاق الجامعة الموقرة أن تدعى هذه الاصوات إلى مقر الجامعة مجتمعة، وللاجتماع بالرؤوساء والأعضاء ليقدموا شرحاً عن مسيرة المسيحيين في بلدانهم الشرق أوسطية والتي يعتزون بها ومن أجلها ضحّوا بحياتهم ومن أجل بناء بلدانهم، وذلك من أجل ترسيخ أسس التعايش السلمي وما أجملها من أمنية. وكما أظن من أجل ذلك كانت الجامعة، ، فكم أتمنى إصدار بيان خاص يدعو الجميع إلى تقاسم حب الوطن وكلٌّ ينال حقوقه عملاً بواجباته في المساواة. وشكراً لحكامنا الاجلاء ،  ولرؤوسائنا المغبوطين ، في قممنا العربية ، للعمل من أجل ملف المسيحيين ووجودهم وما ذلك إلا راية نحملها لنعلن للناس وشعوب العالم بتكاتف الأديان السماوية عبر الكتب المقدسة والموحى بها والمنزلة، إنها رسالة ولا أجمل.
    لازلنا ننتظر
      ونحن الصغار من مكاننا نصلّي لمسيرة الكنيسة ونجاحها، ولا زلنا ننتظر جامعتنا وأفعالها وحقيقة وجودها، ننتظر أن نسمع صوتها عبر ملفّاتنا كي نبطّل قول "متى وأين"، ولسبع مرات... هل في ذلك نيات داكنة في الصورة التي تحملها الجامعة في أن لا نكون؟، هل في ذلك رسالة أو مخطط للرحيل، ؟... فالجامعة بأعضائها وربما بسبب ظروف شرقنا الأليمة يظهر أن لا مجال لها لدراسة ملف المسيحيين واضطهادهم، والفتاوى التي تصدر بحقهم من أشخاص يكفّرونهم متى شاءوا وكأنهم أقيموا حكّاماً عليهم. فأين الحرية الخاصة واين حرية العمل والإيمان والضمير؟ (فقرة 2و5 من المادة 1)... أليس الإنسان غاية؟، أليس هو العنصر الأساسي لتحقيق كل تقدم حضاري؟، أين المساواة والعدالة والديمقراطية (فقرة 2 مادة 1)؟، أين المساواة والحرية والعدل (فقرة 5)؟، فنحن لن نرضى أن نكون حُملاناً لإبراهيم في وقت منع الله إبراهيم أن يقدم ابنه ضحية، فكان الحَمَل "الخروف كبشاً" بدلاً، وإلا ماذا تعني الفتاوى أحياناً بتقديم مشروع القانون الذي يهدف إلى التضييق على بناء الكنائس أو هدمها أو أي مبانٍ دينية ، أو تدمير جميع الكنائس الموجودة في بلاد العرب، أو بعدم إلقاء التحية والتهنئة... أليس العيد ساعة الله في قلوبنا؟، أليس العيد عيد الحياة وفرح السماء.
      ماذا يعني صدور فتاوى من هذا النوع في زمن يتجه العالم نحو إقرار قانون الحريات وحق العبادة للجميع والضمير؟... فَهَدْم الكنائس لا يعني إلا هدم الآخر وقتله، فلم أسمع يوماً أن الكنائس كانت سبباً للدمار والهلاك والقتال، ولكن ما هي إلا بيوت الصلاة والدعاء وحمل رسالة الخلاص والمحبة وبشارة الحياة، وأبواب الكنائس مفتوحة للجميع أنْ يدخلوا ويصلّوا ويسمعوا ويشاركوا. فالكنائس تجمع المؤمنين باسم المسيح، وإنْ كانت لهم، فهي بيوت لجميع الناس للصلاة باسم عيسى الحي، يسوع المسيح. والذي علّمنا أن "اذهبوا إلى العالم كله ..." (متى 24).
      فلماذا التعصب ولماذا التحريض على القتل، ولماذا خلق مآسي؟، فالفتاوى المحرِّضة على القتل لا تُحمَد عقباها، وما هي إلا انحدار أخلاقي ونزول إلى الهاوية، والله أوصى بعدم القتل "ومن أجل ذلك... فمَن قتل نفساً بغير نفسٍ أو فسادٍ في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً، ومَن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً" (القرآن الكريم: سورة المائدة: 32).

     الإرشاد الرسولي
      الإرشاد الرسولي خارطة طريق لسكان ومواطني الشرق الأوسط، ومن الفقرات المهمة التي تضمنها:
      فقرة 24: يتقاسم المسيحيون مع المسلمين الحياة اليومية نفسها في الشرق الأوسط حيث وجودهم ليس عرضياً أو حديثاً إنما تاريخي.
      فقرة 21: تنظر الكنيسة الكاثوليكية إلى المسلمين بأعين التقدير، أولئك الذين يعبدون الله خصوصاً بواسطة الصلاة والزكاة والصيام.
      فقرة 28: يعيش المسيحيون الشرق أوسطيون منذ قرون الحوار الإسلامي _ المسيحي. إنه بالنسبة لهم حوار عبر الحياة اليومية ومن خلالها، ويدركون غنى الحوار وحدوده.
      فقرة 12: الشهادة الأصيلة تتطلب الاعتراف بالآخر واحترامه والانفتاح على الحوار في الحقيقة.
    خاتمة
    ختاما ، نعم ، إن الحضور المسيحي في بلادنا اليعربية  كان ولا يزال يشكّل تعبيراً واضحاً عن حقيقة الإنجيل المعاش عبر السلام والحوار، وما هذا إلا التزام الكنيسة من أجل قبول الآخر. فأهمية المسيحية ووجود المسيحيين في الشرق ودورهم، كتب عنه الكثيرون، وذاعت أنباؤه عبر قنوات وإذاعات سمعية وبصرية وحتى الكترونية لا تُحصى ولا تُعد، شهادة لإحقاق الحق وإنصاف الضعيف والبريء في مسيرة الحياة، ومعلنين أن على المسيحيين أن لا تُحبط عزيمتهم ولا تكلّ إرادتهم إذا ما صادفتهم عواتي الزمن، وقد أظهر ذلك جلياً قداسة البابا بندكتس السادس عشر حينما خاطب شريحة من الشباب في بكركي في الخامس عشر من أيلول 2012:"أعرف الصعوبات التي تعترضكم في حياتكم اليومية بسبب غياب الاستقرار والأمن... وفي عالم دائم الحركة تجدون أنفسكم أمام تحديات كثيرة وعسيرة... ورغم كل ذلك عليكم أن تكونوا كصنّاع لمستقبلكم ومستقبل بلادكم، وقوموا بدوركم في المجتمع وفي الكنيسة".وقبل أن اختم هذا المقال أنحني إجلالا ، لجميع العاملين من أجل الحياة ، في العيش المشترك،  والمساواة ، وحرية الضمير،  واحترام الآخر، ورافعا صلاتي لأجل ذلك ليس إلا ،والمقال هذا ، ما هو إلا شعوري الأيمانيي المسيحيي من أجل الغاية هذه،  وهذا ما علّمنا إياه البابا فرنسيس الذي قال في قداسه اليومي في كابلة القديسة مرتا في السادس عشر من أيلول " سبتمبر 2013 ، "ان كاثوليكيًّا صالحًا لا يتدخل في السياسة؟ هذا خطأ. هذه ليست الطريق الأصحّ. بل ان الكاثوليكي الصالح يتدخل في السياسة ويقدّم أفضل ما عنده. حتى تتمكن الحكومة من الحكم. ولكن أفضل شيء يمكننا ان نقدمه للحكومة هو الصلاة.: "صلّوا لجميع الرجال، الملوك وجميع الحكام " (رو1:13) وقال أيضاً" مسيحيّ لايصليّ للحكام ليس بمسيحيّ صالح. لا يمكننا أن نحكم دون حبّ الشعب ودون تواضع "." نعم سنشهد لإيماننا وسندعو من إجل إيصال رسالة الحياة والمحبة بالمسيح يسوع وسنصلي من أجل حكامنا وما ذلك إلا إنجيلنا ، والرحمة من رب العلياء ، لشهدائنا الأبرار في بلداننا اليعربية ، مسلمين، ومسيحيين، وديانات ،. نعم وآمين

63

عذراً..  من كنيسة الشهداء
 الى كنيسة الهجرة والرحيل!!

المونسنيور بيوس قاشا

   في البدء
حضورنا في هذه البلاد ليس صدفةً أو عبثاً أو ضياعاً لهدف أو لمسيرة أو لغاية، بل هو رسالة تحملنا إلى حيث مشيئة الله. وما يحصل معنا وبإمكاننا أن نخافها إذا لا نرغب في إتمامها فالله في ذلك خلقنا أحراراً وهو غفور رحيم. فحضورنا والوضع القائم لشعبنا ومؤمنينا اليوم في وطننا كما في شرقنا يتطلب وقفة حقيقية أمام الجميع لإثبات وجودنا لأننا أصبحنا غنيمة حرب للآخرين من حيث التجاوز على ممتلكاتنا وأراضينا لا بل أكثر من ذلك محاولات إبعادنا فارغي الأيدي كي يسجلوا عقاراتنا بأسماء مزّورة، هذا إضافة لِمَا خلّف الوضع لنا من مآسي ومن بينها تشتت شعبنا في أرجاء المعمورة .
   ما يحصل لنا
   لماذا العجب ! إن الهجمة البشعة التي تطال أبناءنا المسيحيين في شرقنا هي نفسها التي طالتهم في أزمنة غابرة وعابرة، وما حصل في الألفية الأولى وحتى اليوم وإنْ على فترات، أحياناً هادئة وأخرى مظلمة، فلكل مرحلة أساليبها وأدوات دمارها ولكن كلها تحمل نفس الحقد والكراهية أمام حالة التكفير والاستغلال ، والسجود للوثن والاستعباد، وتمثلت كلها بقتل المسيحيين وذبحهم ورميهم بين أنياب الوحوش بطرق وحشية أو عدائية لا تمتّ بصلة إلى النغمة الأنسانية، إضافة إلى إحلال حلالهم ونهب ممتلكاتهم ، وإطلاق السيوف تعمل بيد سيّافيها في رقاب الأبرياء في سفك دمائهم الزكية مبررين عمل ايديهم الملوثة بدماء الأبرار وتدمير معابدهم وكنائسهم وأديرتهم وحرقها، وهذه حقيقة لا ينكرها إلا المزيَّفون الحاقدون الذين أقاموا أنفسهم وكلاء عن الله على هذه البسيطة دون وجه حق ولا في مسيرة حلال، ولكن استهتاراً واستخفافاً وتأليهاً لمآربهم وأنانيتهم وكبريائهم بعيداً عن تعاليم الرحمن الرحيم. وفي كل ذلك يعملون على إطفاء نور شمعة الإيمان كي يُسدلوا الستار عن حقيقية المسيح والمسيحيين ، ولا زال  السيف هو السيد الحاكم في قطع رقاب الأبرياء والضعفاء، ؟....دون رادع من انسانية الحقوق ولكن حتى ما تبقى  لغة السيف هي الفاصلة، والسيّاف حاكما في قطع الرقاب ، انها لغة هجرّت اولادنا ورحلّت اكبادنا ، ومحت أسماءَنا من سجلات تربتنا .
   في الحقيقة
   في الحقيقة إن الكنيسة تحتاج من وقت إلى آخر إلى هزّة لتطهيرها، لتطهيرها من العناصر الضعيفة، والمعطَّلة، كي تتنقى من أجل حمل رسالتها إلى الأجيال الآتية بكل صفاء. فالاضطهادات مفيدة، وفترات الاستشهاد مفيدة لبيان الثبات والصمود، لبيان محبة الإنسان لله إنْ كان حقاً يحبه من قلبه. هناك كثيرون يتبعون الدين لأن تبعيتهم للدين تنفعهم، تنفعهم لدنياهم، لتأليه منافعهم. فالإنسان المتدين هذه تكسبه شهرة ونحن على حساب المسيح نكسب، على حساب الدين نكسب، والحقيقة أن نكون صادقين" فدماء الشهداء بذار الإيمان"، أي أن دم الشهداء يتحول إلى بذور تنبت منه نبتاً جديدة، وهذا ما لاحظناه على مرّ العصور، فثبات الشهداء ووقفتهم الشديدة والأمانة لسيدهم بهر بها غير المؤمنين فآمنوا.
   لذلك لا يجوز للمسيحي أن يعيش إيمانه على طرقات الحياة. صحيح أن عددنا يتضاءل وسيستمر في هذه المسيرة المتعِبة ما دامت الأوضاع تسير من سيء إلى أسوأ، وما دام لا أحد يفكر في الحلول الناجحة لثبات الإنسان في أرضه، وما دام أصحاب القرار يعملون مخططهم وإنْ كان في تدمير الآخر وبالخصوص المسيحي المنفتح والمسيحي المشرقي المتمسك بعقيدته حتى الموت.


   وطن بديل
   لم يبقَ لنا خبزةٌ في هذا البلد! تربتنا تضطهدنا! حتى ما نبقى على هذه الحالة!... فقرات قالوها وأزادوا في قولها الكثير من المؤمنين، كما أضيفت إليها أخرى بقولهم: هل من الضروري التشبّث بالأرض التي تلفظني؟ لماذا السكوت أمام ما يحصل ؟... ما أثقلها هذه الفقرات التي ترددها الأفواه، كل الأفواه، في كل آن وأوان .
   نعم، في الحقيقة إنها مرحلة دقيقة وهذا لا يقود إلا إلى طريق واحدة ألا وهو الهجرة والرحيل، وستبقى الرسالة التي تتطلب منا أن نفهم لماذا نهاجر من بلدنا أو لماذا نهجَّر من بلدنا معطّلة. مشرقية كنيستنا في خطر، وما يحصل مخيف ومخيف جداً، فموضوع الهجرة مؤلم فهو يفقرُ الحسَّ الإيماني الأرضي ويُغلّبُ حسَّ العولمة المزيفّة، ويشعر الإنسان أن الأرض التي احتضنته لم تعد تحبه ولا هو يبادلها الحب، فلا مجال للبقاء فيها، لذلك فهو يفتش عن أرض بديلة ووطن بديل من أجل الانتماء حتى وإنْ ارتاب في ذلك. وما يؤلمني اليوم أن أرى أن هناك حملة واضحة ينظّمها الغرب السياسي بواسطة أشخاص من شرقنا تهون مصالحهم وأنانياتهم ولا يفكرون إلا بإله المال والنفوط  فيكونوا علامة لتهجير مسيحيي الشرق من منازلهم وأوطانهم، والصمت مطبق أمام كل ما يحصل في هذه السرقة البشرية. فلكبار الزمن ولأسياده آذان ولا أعلم إنْ كانوا يسمعون أو يفهمون "مَن له أذنان سامعتان فليفهم" ( متى 13:13  ). وما يؤلمني أن أرى أبناء شعبنا يرحلون جماعاتٍ ووحدانا ، عوائلَ وأفرادا ، بدعوة من لمّ الشمل الدنيوي ، في ليلة وضحاها نصحى على جارنا وإذا به ليس في الحارة وإنّ أملاكه قد سُجلِّت عقاراتُها لأخرين أفسدوا الدنيا بأموالهم وفي هذا يصح القول من له الاولاد له البلاد وأرض العباد ، واخرون يكونون اذكياء ويعتبرون أنفسهم حكماء ، فيبيعون من بعيد عبر الايميل والانترنيت او بوسيط فرضَ نفسَه وان سرقَه ، المهم حفنةُ دولارات تصل الى الراحل بطريقة الحوالة السوداء او بدي جي ال الخضراء وأمتلا فكرنا من تداعيات تدعو الى الرحيل وأُفرغ عقلُنا وأُحبطت عزيمتُنا وقلَّ اعتزازُنا وربما نسينا أنَّ هذه كانت ارض ابائنا وأجدادنا وبدمائهم قد اقتنوا أمتارها ، وبألمِ سواعدِهم أخضرّت بساتينها ، واليوم ، نحن على الماشي نبيعها لا لشيء الا لكي نطّلقها من سجلات احوالنا فنلحق بالذين سبقونا فنكون مطيعين لأوامر صدرت من قاتلي الأصلاء ، مكرسين كانوا ام دنيويين ، وأخاف جدا حينما يكون القريب، من سماء الله ، ومن آلِه،  هو الوسيط الامين في ان يجعل الرحيل حلا نهائيا ناسيا انه سيموت يوما ويلفظه التاريخ وصفحات الزمن تلعنه وان كانوا قد زينوا صدره بنياشين الحكومات والحكام لانهم كان لهم عميلا وخادما اياما وزمانا ، وهم سبب رحيلنا وهجرتنا ، فهم الدعوة والكفالة والتحليق ،  وهذه هي الحقيقة بعينها ومن يلومني على حقيقة الكلمة فتلك اوسمة من اجل حب الوطن والحس الايماني وحقيقة الحياة التي بها امنت ومن اجلها اموت .. نعم هذا ما يحصل .
   هنا نموت  
   ولكن ، أيجوز أن نرحل ونهاجر بهذه الطريقة المزّيفة والتي فيها تستهوينا لفة الهمبركر وعلبة البيبسي المسمومة؟ أينَ هي كلمات إنجيلنا ؟ أين هي تحذيرات ربنا لرسله ثم لنا ؟ ... أين أصبح عطاؤنا، وأين أصبحت غيرتنا الإيمانية؟... أين دور معلّمينا وأطبائنا وكوادرنا والذين جميعاً عملوا من أجل إيصال ثقافة الإنجيل؟... ألم نقل دائماً أن مدارسنا كانت دائماً بيوت علم للأخوة الإسلام العرب ولغيرهم، وما للمسيحيين العرب من دور إلا وكانت الثقافة المسيحية رمزاً، ورمزاً من أجل الحياة. ألم نقل هنا ولدنا وهنا نريد أن نموت؟... أليست عبارة كررناها كلنا؟... أليست يافطة نحملها عبر طيات أيامنا ومساحات لقاءاتنا أم ماذا؟.
   كنيسة الشهداء
   عُرفت كنيستنا المشرقية منذ بشارة توما الرسول ثم مار ماري وأدي، ومنذ ولادتها، بكنيسة الشهداء. فقد ولدت من رحم الألم وفي مخاض الشدة العسير، وبقيت شاهدة وشهيدة وحتى الساعة إذ لا زالت مضطَهَدة علناً أو ضمناً كي لا يواصل أبناؤها حمل رسالة المسيح وإعلان بشرى الخلاص، فهي "عثرة لشعوب الأرض" ( روم33:9 . 1كو23:1  ).
   فما الشهادة إلا عنوان كنائسنا المشرقية ومسيرتنا الإيمانية وهذا ما سبق ربنا وأعلمنا به "سيسلمونكم الى المجالس .. شهادة لهم ، سيضطهدونكم ويطردونكم" ( مرقس 9:12). فسلاح مقاومتنا نابع من عمق إيماننا بجرن عمادنا، وما حمله إلينا آباؤنا في رحيلهم وترحالهم في زمن الشدة كما في زمن راحة البال... وهذا ما يجعلنا أن نقول: أنهم أعطوا ذواتهم وقدّموا رقابهم، وإلينا وجّهوا أنظارهم كي نقتفي آثار أقدامهم المبشِّرة فنكون بذلك شهوداً  وشهداء.
   وشهادة آبائنا لم تكن إلا شهادة حق، شهادة صدق، حملوها فخورين بدينهم وبتبعيتهم للمسيح، ولم يكن الصليب وحمله عاراً وإنما "فخراً وعزةً وقوة " ( 1كو18:1  )، رسموه على وجوههم وأيديهم، ووسموا به جباههم. من هنا كان للمسيحيين علامة دق الصليب في اليد إيماناً منهم كي لا تُمحى مسيحيتهم وخاصة في أزمنة الاضطهاد وعصور الاستشهاد، أزادوا في حبهم وتعلقهم بالمسيح أنهم خوفاً على أطفالهم الصغار غير القادرين على الكلام كانوا يدقون علامة الصليب على أياديهم تحسباً لو أوتي بالطفل أمام الحاكم، كانت هذه العلامة تنطق أنه مسيحي.   "مَن اعترف بي أمام الناس، أعترف به أمام ملائكة السماء. ومَن أنكرني قدام الناس، أنكرتُه قدّام أبي الذي في السموات" ( لوقا 9:12).
   مسيحية صامدة
   ستبقى المسيحية التي انطلقت شرارتها من شرقنا، وشعّت أنوارها في المسكونة باتجاهاتها الأربعة عبر الرسل والشهداء ستبقى صامدة ثابتة في قلوب المؤمنين الحقيقيين لا تزعزعها رياح الهجرة والرحيل رياح الزمن الهابّة من شرق أليم ومسموم رياح العولمة المزيَّفة، فالرب معها إذ قال:"وأبواب الجحيم لن تقوى عليها" (متى 18:16)،  ستبقى ثابتة كما في الماضي كذلك في الحاضر، أمام الأباطرة الوثنيين وأمام المكفّرين ألأصوليين أمام هبوب العواصف المؤلمة في طردهم وقتلهم وإزعاجهم كي ينالوا منها ومن مؤمنيها، وصمودهم جعل كل المحن تعبر وتتبدد وتتلاشى أمام حقيقة الإيمان التي حملوها في صدورهم، والقداسة التي عنونوا فيها مسيرة عطائهم، وإثبات أن صخرتهم ما هي إلا المسيح الرب، المسيح الحي، المسيح القائم من الموت.
   مسيحنا حيّ
   أحبائي القراء : أنقلوا هذه الحقيقة الى اجيالكم وعوائلكم وأحفادكم قبل أن تسموّا لهم اسماء وهم بعدُ أجنة في البطون ، وتشترون لهم حقائب وتأشيرات مرور بمال الدنيا وصكوك مزورة ،وهم على مقاعد العلم والحكمة ،  علموّهم حقيقة عماذهم ووسم صليبهم ووصية معلمهم وربهم ، وكونوا لهم رسلا وقولوا لهم ،  نحن باقون وشهادتنا باقية، فإيماننا حيٌّ فينا، ومسيحنا حيٌّ مهما هُجّرنا ومهما صُلبنا وطُردنا، فتلك رسالتنا أن نزرع الحب حيث البغض، والمسامحة حيث الحقد والكراهية. وكنيستنا ليست الا كنيسة الرجاء وليس كنيسة الهجرة أو الرحيل .
إنه زمن يدعونا إلى تجسيد الإيمان وليس إلى الهجرة او الرحيل... إنها الحقيقة. أقولها وكلي إيمان إن الشرق يحتاج إلينا، ليس إلى شخصنا ولكن إلى إيصال إنجيل المسيح في السلام والحقيقة، لأنه إذا فقد العالم هذا الإنجيل يعيش حالة دمار وخراب كالتي نعيشها اليوم ولنتذكر آباء كنائسنا المشرقية العِظام بشجاعة وعمق إيمانهم كيف وقفوا في وجه الحاكم المستبد والرئيس القاتل مدافعين عن إيمان أبنائهم ومؤمنيهم بكلمة الحقيقة كي لا نكون سبباً في أن نقبل مفهوم اختفاء مؤمنينا . لنكن شهوداً للمسيح في كل مجالات حياتنا دون خجل أو خوف، فنحن شهود  للمسيح بالقول والعمل، للمحبة والأخوّة الإنسانية في مجتمعاتنا العربية.
   المسيحي شاهد
   سيبقى المسيحيون الأمناء ،  متمسكون بجذورهم المسيحية في الشرق ومَن يريد أن يرحل ويهاجر، فليهاجر وليرحل، ولكن ليعلم أن الأرض ستبقى تشهد لحقيقة المسيح في إنجيل الحياة مهما أُفرغت من أهلها، ومهما أفرغها أهلها. فالمسيحية غيّرت وجه التاريخ، وجذورها ليس في المهاجرين والراحلين بل في الأصليين، والثابتين على صخرة الايمان ، لا يتزعزعون  فهي موجودة بعمق ثقافتنا وحضارتنا في هذه الأرض... نعم ، مسيحيتنا بسلوكنا ورسالتنا وليست بكلامنا وهويتنا. كما أنَّ الحضور المسيحي يجب ويجب أن يكون حقيقة إيمانية كما نادى بها آباؤنا البطاركة يوماً في رسالتهم "الحضور المسيحي في الش