عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


الرسائل - المونسـنيور بيوس قاشا

صفحات: [1]
1
رسالة مفتوحة الى غبطة ونيافة ابيناالكاردينال مار روفائيل الاول ساكو السامي الاحترام
نعم : أنتم لنا ملاّحٌ وراعٍ

في البدء
أعلن البابا فرنسيس يوم 20 أيار الماضي في صلاة التبشير الملائكي عن ترقيته لأربعة عشــــر كاردينـــالاً جديداً، وجاء اسم غبــطة البـــطريرك لويس روفائيل ساكو (الكلي الطوبى) في المرتبة الأولى، من بينهم أحد عشر ناخباً للبابا و3 من المتقاعدين، والبطريرك ساكو من ضمن الكرادلة الناخبين.ان هذا الحدث الذي شهدته كنيسة العراق بطائفتها الكلدانية ما هو إلا علامة لتأكيد إيمان الشعب الذي شهد لمسيرة الهجرة والنزوح والتكفير وفي هذا الزمن القاسي .بهذا الخبر رقصت قلوبنا وابتهجت افئدتنا وزغردت افواهنا واستولى الفرح على وجودنا وتجسد العيد بيننا بمسيرة الحياة في كنيسة العراق الشاهدة والشهيدة .

طوائف ومسيرة
في 9 شباط 2010، أُعلن عن تأسيس مجلس رؤساء الطوائف، وقد استبشرنا حينها كلنا خيراً، وتنفس المؤمنون رائحة المسكونية التي نحن في انتظارها كي تتفتّح في حياة المؤمنين فتكون وحدة الكلمة والإيمان، وأن يكون المجلس ممثِّلاً للحضور المسيحي، ويعمل على تفعيل التعاون المشترك دون التدخل في خصوصيات الكنائس أو الكيانات الخاصة لأيٍّ منها.. وكل هذا وبعد ثمان سنوات لم يتحقق منها شيء إلا النزر اليسير، وهذا ما جعل غبطته حينها أن يُظهر عدم ارتياحه لهيكلية مجلس رؤساء الطوائف المسيحية في العراق، فأصدر في 3 كانون الثاني 2017 بياناً أعلن فيه إنسحاب الكنيسة الكلدانية، وطالب بإجراء تعديلات واعتماد تسمية "مجلس كنائس العراق" بدلاً من "مجلس رؤساء الطوائف المسيحية"، وتفعيل دوره خصوصاً وإنه حتى الآن لم يقدم شيئاً كبيراً يُذكر.
 نعم يا رؤوسائي الكرام إنَّ كنيستي اليوم في وطني تشعر إنها وحيدة وحائرة ومضطَهَدة وشهيدة، ويحمل أولادها مستقبلاً مبهَماً من أجل البقاء أو الرحيل، وهذا ما يجعل أن تتسرب إليها المياه وخوفي أن تغرق في أفكار ضالّة كموجات عارمة، لأن كبار الزمن ورجال العابد  غير مهتمين بشأنها وشأن ركّابها وقوة الأمواج التي تناطحها، فهناك مَن يتركها دون أن يعرف لماذا قائلاً: لا يجوز البقاء فيها، فالقائمون عليها من المتعصبين والمختلفين والطائفيين، وقل ما شئت في هذا الشأن والسبب ربما يعود إلى أن حضورهم في الكنيسة لم يكن إلا تماثيل صامتة، فلم يتعلموا طرق الإيمان في رفع الصلاة بتقوى القلوب.فما أقسى الزمن الذي نحن نعيش أيامه، هل هو زمن الإضطهاد ربما؟، هل هو زمن المآسي والأنانية ربما؟، هل هو زمن التهجير والرحيل ربما؟، هل هو زمن النزوح وإفراغ البلد ربما؟... كل هذه تذكّرنا بمأساة القرن الماضي، ما حلّ بأجدادنا وكيف فتكوا بهم وقتلوهم ورحّلوهم وذبحوهم كخراف ونحروهم ككفرة وكأنّ تلك الغيمة السوداء توقفت على رؤوسنا فأصبحنا دخلاء في أرضنا، وغرباء عن تراب خُلقنا منه، ولا يمكن أن ننسى ما حصل للشهيد المطران فرج رحو والاب رغيد والشمامسة رفاقه وما حصل بكنيسة سيدة النجاة واستشهاد 47 بينهم الابوان وسيم وثائر ، كما  لا زلنا نذكر ما قام به الارهابيون من أعمال شريرة وراح ضحيتها أبرياء.ولا زالوا حتى اليوم يفتكون بنا كما لا زال السطر لم ينته. أتساءل: أين المجلس الموقر، من هذا كله ، وأين أصبحنا؟، أين أصبحت أمّنا الكنيسة المقدسة؟، هل ضيّعنا السبيل وتهنا في طرق الدنيا والزمن وأصبحنا نلفّ دنيانا لنجد أبواب معابدنا؟، وهل إيمان آبائنا وأجدادنا كان إيماناً صورياً وعاطفياً؟، وأخذنا نتساءل: أين هو المعيار الحقيقي للإيمان، للعبادة؟، وأين هو الإيمان الصحيح؟، أين نحن وأين هي كنيسة العراق اليوم، بل كنيسة الغد، بل كنيستنا الآن؟. ولكن لنعلم أن الكنيسة قبل كل شيء ليست فقط طائفة أو رعية أو حظيرة أو مسمّيات مختلفة وبإسم أشخاص بل هي لراعيها يسوع المسيح الذي قال:"انا هو الراعي اصالح ...." (     )، فهو يعمل فيها كونه الكائن الحي، نولد به بالعماد، ونتغذى بقربانه فننمو ونتوحد معه، وهذا سبيل كنيسته وأما سبيل كنائسنا ؟

ساكو كاردينال
الحقيقة أن الكنيسة اليوم بحاجة إلى عَنصرة جديدة تهبّ على العالم وعلى ساكني هذا العالم وعلى القائمين عليها، وهنا كانت نفحة الروح بمواهبه بأنْ أعطت لنا السماء رسولاً يحمل صليب المسيح ليشهد على ذلك بإيمانه، ويعمل بضميره وبالروح والقلب من أجل تجديد ونفض الغبار عن مسيرة الكنيسة عبر مجالس كنسية، جاعلاً أن لا تبقى أسيرة الخوف وسجينة الطائفية، فما عليه في هذا الزمان إلا أن يحضن حتى الأعداء -وان لا عداوة في المسيحية - الذين يظنّهم خارجين عن سياق مسيرته، فالمسيح الرب قال:"أحبوا أعداءكم... صلّوا من أجل الذين يضطهدونكم" (لو27:6-28)، يذهب إليهم _ وربما هم الخروف الضال _ فيأتي بهم لأن الكنيسة لا تتجدّد إذا لا تحمل سِمات الروح ومواهبه على مرّ الأجيال، فهي تجمع في شبكتها من كل جنس، وتجمع من بينهم الخطأة فيشعرون بما أحدثته الخطيئة في داخلهم من تمزق، فهم بحاجة إلى غفران لينهضوا من كبوتهم وليس معاداتهم بسبب آخرين شوّهوا سمعتهم وبصائرهم، وربما هؤلاء الآخرون هم أفسد الأصدقاء، ويتراؤون انهم  أقدس الحكماء. فما نحتاجه هو الغفران لتبدأ الكنيسة مسيرة جديدة براعٍ حمل أفكاراً ونظرات ومثالاً وحقيقة لابدّ من أن تكون من أجل حقيقة الكنيسة، فهي تحتاج إلى تقديس ذاتها فالمسيح قال:"لأجلهم أقدس ذاتي ليكونوا هم أيضاً مقدَّسين بالحق" (يو19:17) وهنا كان مخطط الرب عبر اعلان قداسة البابا فرنسيس بتسمية البطريرك ساكو كاردينلا للكنيسة الجامعة . 
غبطة ونيافة ابينا ساكو ، أن يعيَّن كاردينالاً من قبل قداسة البابا فرنسيس ، فما ذلك الا عَنصرة جديدة لكنيسة العراق وليس فقط للكنيسة الكلدانية وإنْ كان من حقها أن تقول هذه الحقيقة، ولكننا نحن اليوم في زمن نُحسَد عليه، فالعراق يفرغ من مسيحييه، ومؤمنونا يقصدون جمعيات وافدة، وخلافات بين كبار المعابد وخدّامها، آفة تشكّك مسيرة الكثيرين. وهنا أعاتب سيدنا( سيادة المطران يوسف توما ، مطران كركوك ، الجزيل الاحترام ، بعد أن أطلب بركته فليس من الصحة أن يقول انّ هدية البابا إلى كنيستنا وان الكنيسة الكلدانية التي كانت تناضل ضد التعصب والإرهاب فإنها ذات مغزى، فإنها قدمت العديد من الشهداء ربما فيه شيء من الصحة. ولكن يا سيدنا لا تنسى الماضي القريب الذي شهد كارثة كنيسة سيدة النجاة وضحاياها فهي الشاهد الأكيد، وإذا عدنا إلى القرن الماضي ستجد ما أعطته العديد من الكنائس شهداء ليعجز اللسان عن ذكر أسمائهم وأعدادهم، فأرجو عفواً سيدنا أن تزيل أحياناً الطائفية والمصلحة في مثل هكذا مناسبات، فالبابا أهدى الكاردينالية لغبطة سيدنا ساكو وما هو إلا لكنيسة العراق المتألمة والمهاجرة ، وهذا ما قلته أنت في سطر سابق لكلمتك "إن هذا الترشيح هو علامة على شموليتنا"، ما أجملها من عبارة!، ولكن ألا يكفي من أن نكون طائفيين أو إنفراديين لوحدنا وكأنّ الدنيا لنا والسماء لمصيرنا، فهذا لا يجوز في هذا الشرق القاسي. والكلدان ليسوا فقط السكان الاصليون للعراق بل كل المسيحيين وكل العراقيين هم السكان الاصليون وإنْ كان المسيحيون بصورة خاصة أصلاء، فالعلاقة بين الكنائس اصيلة ومتجذرة. وفرحة الكنيسة هي فرحة كنيسة العراق حيث توجهها البابا فرنسيس بان جمع شملنا حول غبطته ونيافته لنكون معه صوتا من اجل كنيسة العراق ويكون لها راعيا امينا ومحبا.
علامة متميزة
نعم، يكفينا فخرا واعتزازا ، ان كاردينالنا السامي الوقار غبطة ابينا سيدنا ساكو ، عمل ولا يزال يعمل  من أجل السلام دون كلل، ذهب، رحل، حطّ رحاله، قال، صرّح، عبّر، قل ما تشاء فهو يستحق هذه الألقاب، وقد شهدناه في الأيام القاسية لداعش كما شاهدنا وسمعنا آباءنا الروحيين ورؤساء كنائسنا والعديد من الخَدَمة الصغار كانوا علامة لروحانية واحدة حملها الروح إلى العالم حيث الكنيسة تشهد بتاريخ مسيرتها، فقد دافع وناشد الحكومات والسلطات المحلية والدولية والذين بيدهم القرار إنْ كانوا رجالاً رسميين أو مقدسين أو مسؤولين من أجل أن يعود السلام والأمان ويعود شعبنا إلى بناء قراه ومدنه، نعم حملَ هموم الكنيسة والشعب والمؤمنين وقضاياهم ، انها علامة متميزة في مسيرة الكنيسة الواحدة. ليس إلا!.
فاسمحوا لي ان أناشدكم يا سيدنا الكاردينال أن كان مستطاع ان تعملوا على تغيير الوجوه والنيات في جميع مجالات الكنيسة وفعالياتها ، من أجل صفاء الجو المشحون الذي تمرّ به الكنيسة، وإبعاد الفاسدين والمسؤولين المهتمين بشؤوننا كما يقولون والذين شوّهوا بمسيرتهم أصالة المسيحية وإنْ كانوا قريبين منكم أو من طائفتكم أو من طوائف عدة،أو مراكز مهمة ، او دوائر محتلفة ، وجعلوا من انفسهم قادة وقديسين ،  فالله لم يخلق شخصاً ابديا واحداً لقيادة سفينة الحياة او لاجيال لا تحصى ولسنين عديدة ، بل خلق ومنح مواهب عديدة لأشخاص عديدين فقراء كانوا ام اغنياء ،ولزمن محدود ، واعملوا على تشكيل لجان انقاذ يحملون حقيقة العمل والايمان فالوجوه الجديدة سمة تجديد الكنيسة وتحمل رسالة سامية ولو لفترات عبر الكنيسة من اجل المسكونية وبالامكان تغيير وجوههم واتيان بوجوه اخرى  لم نتعود على مشاهدتها ، فكونوا لها من أجل قول الحقيقة دون خوف، وتغيير مجال المسيرة كي تنهض كنيسة العراق. فإذا ما فاقت الكنيسة ورجالها من نومها يفيق العراق كله من سباته مع مسؤوليه، فأنتم صفحة  بيضاء نكتب عليها ما نشاء، وهذا ما علّمتَنا إياه نيافتكم في مناسبات عديدة ولقاءات متعددة في ان نقول الحقيقة في وجه الاقوياء . وكفانا رجاءً عيش المحسوبية والطائفية والقومية، وليُغلَق باب العشائرية والقبلية والقرابة والمصلحة، فالزمان ليس لصالحنا، ووجودنا على المحكّ. فاعملوا سويةً، فكنائسكم تكتب لكم تاريخكم، ومؤمنيكم ينتظرون منكم ثمار وحدتكم وخدمتكم "فالشجرة الصالحة تثمر ثمراً صالحاً" (متى17:7)... أنتم هذه الشجرة التي من أجلها أتيتم وضحّيتم ومنحكم الرب أقدس ما يملك فكونوا من أجل شعبكم قديسين "فالرب هو قدوس" (1بط16:1).ومبروك لكم الكاردينالية وكرسيها وسلطانها وابوتها .
المونسنيور د. بيوس قاشا
ختام وتهنئة
نعم هنيئا لكم قبعتكم الكاردينالية فسفينة الكنيسة في العراق الجريح تنظر اليكم وانتم لها وتنتظر منكم وانتم ملاحها ، نعم أنتم ملاح ماهر ، وراع ساهر ، فمبروك لكم يا نيافة ابينا الكاردينال هذا المنصب المقدس والرفيع ، ولننتظر لنقطف يوما ثمار الروح ، والله على ما اقوله شهيد ، واختم طالبا بركتكم الابوية بعد تقبيل يمينكم المقدسة ، ودمتم . نعم وامين 

2
رسالة مفتوحة إلى الفائزين للدخول في قبة البرلمان

عذراً .. يا ممثلي شعبنا .. كونوا أمناء وأوفياء
المونسنيور د. بيوس قاشا
   في البدء
أستمحيكم عذراً في بدء مقالي هذا، وإنني أضع نفسي وأقوالي ووجودي المتواضع
ورسالتي المقدسة أمام أنظاركم ولكم كل الحق والحقيقة في أن تكتبوا تعليقاتكم كما تشاء إرادتكم وكما تتصورون أهدافكم، وقولوا ما يطيب لكم وما شئتم أن تقولوه، وسجّلوا ملاحظاتكم وكونوا شهوداً لما أقوله وما أفكر به، ولكن كونوا أمام مسؤولية ضمائركم، وحقيقة إيمانكم، ووفاءكم لشعبكم، فأنتم من أجل رسالة سامية أتيتم، ومن أجل فدائه إنتخبكم شعبكم، فلا تبيعوا حقيقة إيمانكم ومسيرة ضمائركم كسلعة من أجل الغيرة والحقد والحسد والكراهية والتجارية، فالأنانية إذا سمحتم لها مجالاً ستتربّع في قلوبكم، والمصلحة تنتظر وتراقب ساعة ضياعكم، والعولمة المؤلَّهة تُفرغ عقولكم وقلوبكم من الإله الحقيقي يسوع المسيح كي تتربعوا أنتم على كراسي مسروقة، ومناصب مباعة، وغايات مشتراة، وأوليات مبهمة، فتسترخصوا ضمائر شعبكم وتبيعوها في مزاد ساحاتكم، وتجعلون من أنفسكم أبرياء من خطايا إرتكبتموها بحقكم كما بحق شعبكم البائس الراحل والمهاجر بسببكم، وبعد أن لعب الشيطان الرجيم دوراً هاماً في مسيرة حياتكم، فانتبهوا إلى أن لا تعودوا إلى زمن الكراسي والمناصب، وزمن الطائفية والقومية، وزمن العشائرية والقبلية، وزمن المصلحة والمحسوبية، ولكن بالعكس إعملوا على إحياء زمن الشهادة للحقيقة وإنْ كلّفتكم حياتكم، لذا أقول لا تبخلوا أن تكونوا لها حاملين، ولإسمها ذائعين، وتحت شفاعتها مؤمنين.

  مسيرة الصراع
نعم، إنتهت مسيرة الصراع في سباق الإنتخابات. قاسيتم ما قاسيتم، سهرتم، خطّطتم، ذهبتم ورحلتم هنا وهناك من بلدة إلى أخرى ومن مدينة إلى جارتها ومن قرية إلى قرية، فكان السهل، كما الوطن، أمامكم ساحة واسعة لنضالكم ومستقبلكم، ومن المؤكَّد كنتم رسلاً لتحملوا رسالة إيمانكم سياسياً واجتماعياً، ونعمة العماذ تتراءى على وجوهكم كما على جبين كل واحد منكم، وها قد وصلنا جميعاً إلى نهاية المطاف وحُسمت الإنتخابات بنتائجها، ففاز مَن فاز، ومبروك للفائز، وهاردلك للآخر.

  كلمة حق
نعم، أكتب أسطراً ملؤها حقيقة الحياة وشهادة الإيمان كملحق لرسالة كتبتُها تحت عنوان "كلمة من أجلكم" قبل حوالي فترة من الزمن وبالتحديد في 9 نيسان 2018، وما أتمناه منكم أن تكون لكم آذاناً صاغية لإدراك وفهم ما تسمعون وما تقرأون، وما يتردد عبر إعلام موجَب أو سالب في رسالة الوطن والكنيسة والدنيا. ولا يسعني إلا أن أقول بدءاً مبروك، إنها كلمة الحق أمامكم وإنْ كان في داخلي يحاربني التشاؤم بشكل غريب ولا يسمح مجالاً للتفاؤل ليكون أمام الأنظار بسبب ما حلّ بنا وبسبب البؤس الذي ملأ قلوبنا وعشناه في الحروب التي دارت على رؤوسنا، والحصار الذي أنهك قِوانا، وكم كنتُ قريباً في هذا كله من آلام شعبنا ومرارة حياتنا. ولا يزال السؤال يجدد استفساره: إلى أين نحن نتجه؟، وصوب أي هدف نتوجه؟، فهل ستكونوا أمناء للشعب الذي انتخبكم أم لمصالحكم؟، وهل ستقولون بكل شجاعة حقيقة الحدث في وجه الأقوياء من رجال الدنيا والزمن والمعابد، أم ستكونون خاضعين وخانعين لمراكزهم وكراسيهم وتخوتهم، ولا تشعرون بجوع أبنائكم أو بعطشهم إلى الحقيقة في دستور الحياة والوطن؟. لذا إنني أرى همومي أكبر من طاقتي، والحياة بالنسبة لي ما هي إلا ضياع وكفر بحقيقة الإنسان البريء، كما هي  مسيرة مؤلمة نحو مستقبل مجهول، ولا زالت الهجرة كما الرحيل ينخران في أجسادنا ووجودنا، وأصبح كل واحد منا يعلن من على المنابر أو في المجالس بأننا يوماً سنرحل ولا يجوز البقاء في هذا البلد المخيف وأمام رجال خانوا شعوبهم، فذلك اليوم ليس ببعيد.

   السبيل الصحيح
إن مستقبل شعبنا رهنٌ بمستقبل وحدتكم، وحدة أفكاركم وأهدافكم، ومدى بُعدكم الواحد عن الآخر، فهل فكرتم بأن تعملوا من أجل تراصف صفوفكم؟، فالمرحلة التي نجتازها خطيرة أكثر من خطر داعش الإرهابي، واعلموا أن الحروب التي خضناها كُتبت علينا دون إرادتنا، ولا زال أولادنا في صفحة عدم الوجود منذ سنين طويلة، وبعد حروب عديدة، كما إن قوانين بلدنا تجعلنا من التبعية المحبوبة لمصالح محسوبة، وأمام هذا كله وأخرى عليكم أن تعرفوا أننا ذقنا آلاماً لم تكن في الحسبان، لذلك أخاف أن لا تكون إنقساماتكم تؤدي بنا إلى نهاية المطاف وهو الضياع الأكيد، فتعمل على إفراغ قراكم ومدنكم وكنائسكم من مؤمنيكم وأبناء شعبكم، فما عليكم إلا أن تنسوا الماضي ومآسيه لتبدأوا حاضراً ومستقبلاً بربيعه وليس كالربيع العربي البائس، وهذا لن يكون أكيداً إلا بتضامنكم وما ذلك إلا السبيل الصحيح والسراط المستقيم "والله بكل شيء عليم" (سورة الحجرات؛ آية 16) وهذا سيرسم لكم صفحة تاريخ وجودكم ليقول لكم: أنتم كنتم ولا زلتم وأحفادكم، وستبقون أصلاء كما أنتم، فالعراق أرضكم أولاً وأخيراً، أصلاً وأصالةً وأحراراً، والمسيح الحي يقول:"إذا حرركم الابن صرتم بالحقيقة أحراراً" (يو36:8).

   مذلّة ... وهوان
أحبائي... إنكم تقفون اليوم أمام مخاطر تداهمكم أنتم ونحن من الداخل كما من الخارج، فأنتم لا زلتم أهل ذمّة، ومرشَّحين لدفع الجزية والتكفير عند بعض من أبناء الدنيا. ومن المؤكَّد أنكم تعلمون جيداً كم عشتم أياماً قاسية وأوقاتٍ عصيبة فُرضت عليكم، كما لا زلتم عند البعض تشعرون بسببهم بالمذلّة والهوان في كل الأزمنة والأوقات وهم أنفسهم الذين دنّسوا أرضنا وكنائسنا، وأجرموا بحقنا، وجعلوا من أرضنا غابة أدغال، ومحوا الإنسانية من وجوههم فأصبحوا ذئاب الحياة، وأفسدوا ما استطاعوا، وإنْ كان بإمكانهم ذبحنا لعملوه دون خجل ولا حياء، فهم من أجل هذا كانوا وسيبقون، وفي هذا كله أدعوكم أن تحدّدوا رؤيتكم ومصيركم، فلا تبيعوا الحقيقة من أجل مصالحكم، ولا تخافوا أن تقولوها أمام كبار الزمن الفاسدين والذين يحتضنون الحيتان الصغيرة، ويكتبون أسماءهم إنهم من الأبرياء، وهم شياطين سود إذ عملوا على تشييع الحق إلى مثواه الأخير. إحملوا رسالة شعوبكم وهمومهم، وأفرغوا عنكم روح التعصب والحقد والطائفية المقيتة والأنانية الحزبية والخضوع سجوداً للفاسدين من أجل حمايتهم، ولا تزيدوا مساحات الإختلاف بينكم بل إعملوا على إزالة التفرقة والأولية، فكلكم واحد، وأنتم كلكم متساوون في حبّنا لكم واحترامنا لشخوصكم، وكلكم مسؤولون عن شعوبكم وشعبكم، وبكلمتكم الواحدة الموحَّدة تكونون صوتاً واحداً لأنكم جميعاً قطيع المسيح الحي "أنتم خرافي" (يو4:10)، ومسؤوليتكم جميعاً هي أمام الله. فقضيتكم ليست فقط قضية وجود بل أيضاً تحملون رسالة خاصة في عالم مضطرب يشهد تحديات لا حصر لها، فأعدائكم يعملون في ظلمة قراراتهم على إبعادنا وإفراغ ديارنا، فيطيّبون رحيلنا، وأنتم جميعكم في قارب واحد تخوضون فيه عباب البحر الواسع، وفي هذا القارب تعيشون معاً وتموتون معاً. لذا أناشدكم: كفاكم الخوض في معارك جانبية ولا تدوروا بعدُ في حلقات مفرغة وفي صراع من أجل المصالح والمحاصصة، واعلموا أن لكم أباً واحداً هو "الآب السماوي" (متى9:23) فقد حانت "ساعتكم الآن لتفيقوا من نومكم" (رو11:13) فلكم سيد واحد هو المسيح (متى10:23)، ومستقبل أجيالنا وأحفادنا في رقابكم وأنتم تتحملون وزرهم لأنكم ضيّعتم مستقبلهم بسبب خلافاتكم وصراعاتكم ومصالحكم وأهوائكم ولهوكم ونسيتم أن تكونوا أمناء لمسيحيتكم، فوصية واحدة أوصانا الرب إذ قال:"أحبوا بعضكم بعضاً كما أنا أحببتكم" (يو34:13) واعملوا "كل واحد منكم ما يرضي أخاه لخير البنيان المشترك" (رو3:15) "مسالمين جميع الناس" (رو4:12).

   الإرشاد الرسولي
نعم، إرفعوا أصواتكم في وجه الشرّ والفساد والإرهاب والتطرف، وقاوموا ثقافة الخوف والموت، واحملوا شجاعة الإيمان و"ترس الحياة" (أفسس16:6)، وقدّسوا تراب أرضكم، وارفعوا شأن وطنكم، ولا تقبلوا تفسير آياتٍ وفتاوى من أجل تدميركم، ولا تسمحوا بإصدارها، فالإرهاب داعش أسود يفسد الحقيقة والخير والبركة، وضعوا في هذا كله ونصب أعينكم رسالة المحبة والتعايش والحوار، فالإرشاد الرسولي "شركة وشهادة" أوصى بهذا كله ونادت به كنائسنا المشرقية إذ يقول:"إن كنيستكم في الشرق الأوسط تحجّ إلى هذه الأرض المباركة منذ فجر الإيمان المسيحي وهي تواصل بشجاعة شهادتها ثمرة حياة شركة مع الله ومع القريب" (عدد1) و"شركتكم هي حياة الله نفسها التي يعطيها لنا بالروح القدس وهي جامعة كما أنها منفتحة على أشقائنا اليهود والمسلمين وعلى جميع الأشخاص" (عدد3).
   
   الختام
واليوم، وإذ وصلتم إلى قبة البرلمان، لا تكونوا ممثّلين لأحزابكم ولأقربائكم ولمصالحكم ولمنابركم، بل كونوا من أجل شعبكم ووجوده، واعلموا أنه بدون وحدتكم ستخسرون أرضكم ووجودكم، وماذا ينفع إن ربحتم جيوبكم ومناصبكم ومصالحكم وخسرتم أنفسكم (مرقس 36:8). فاصلحوا الفاسدين، ولا تكونوا من الحامين عنهم والذين لا يقرّون بسرقتهم وحقدهم لأنهم مؤمنين بأن كبار الزمن عنهم يدافعون. وفي الختام، أدعو لكم خالق السماء وساكنها أن يطيل في أعماركم، ويأخذ بأياديكم ويبارككم، لتكونوا أمناء وليس أمراء، وأوفياء وليس بخلاء، فحبّكم لأرضكم وشعبكم يدعوكم أن تسهروا الليالي "على القطيع من الذئاب الخاطفة" (متى15:7)، ولتكن قضايا شعبكم مصائر مسيرة أعمالكم ومسؤولياتكم وواجباتكم، ولا تكونوا متصارعين فيما بينكم فالتاريخ لا يرحم أحداً، فأمام أنظاركم يُسلَب سهل نينوى خطوة تلو خطوة فتموت أصولكم وتغادركم أرضكم ويتيه شعبكم "واتفقوا برأي واحد وبقلب واحد ولسان واحد" (رومية5:15)، واحملوا أثقال بعضكم بعضاً وهكذا تقضون شريعة المسيح (غلا2:6) و"ليكن أكبركم خادمكم" (متى11:23) وكفاكم من طَرقِ أبوابِ السياسة المزيفة التي تضعكم في حلبة الصراع من أجل البقاء في تدمير واحدكم الآخر، حتماً ستكون هذه نهايتكم (لا سمح الله) إذا ما واصلتم صراعاتكم الزائلة وأقوالكم المزيفة وأهدافكم المتعصبة، فأنتم إخوة أشدّاء و"أبوكم واحد هو الآب السماوي" (متى8:23). واعلموا أن الأشد خطراً هو أن يتخلى المسيحيون عن رسالتهم وشهادتهم، فالمسيحية لا تزول إذا أراد لها المسيحيون ألاّ تزول. فالكنيسة معكم، فهي ليست حاكماً أو نظاماً بل مهمتها أن تربط مسيرة حياتكم وشعبكم بالمسيح الرب ، وحرية العيش والإيمان، وليبارككم ربّ السماء، فلا تخافوا أبداً من قول الحقيقة، فالمسيحيون أصول وأصلاء وليس طوائف وغرباء... ليس إلا!، نعم وآمين. 

3
محطات في مسيرة الرجاء
المونسنيورد. بيوس قاشا
في البدء
إنها المحطة الاولى من محطات عديدة مرّت علينا من أيام الأحتلال وإلى الآن ،  أرويها لكم أيها القرّاء الكرام   لتعرفوا حقيقة الأمور( لوقا 4:1)  دون رتوش، ولتُدركوا وتعلموا أنّ  الإتّكال على رب السماء شجاعةٌ إيمانية، فهو الذي  وعدنا أنه سيرسل مَن يتكلم ويجيب عنّا أمام كبار الزمن الأشرار الذين يشوّهون مسيرة الإيمان، فليكن لكم رجاء باسم
يسوع، فإنه أحبّنا حتى الموت(1كو 15: 19)  وفدانا ليعلّمنا أنّ طريق السماء هو غير طريق الدنيا المزوَّرة، فأرجوكم أن تعيشوا وتثبتوا في إيمانكم ولا تخافوا ولا تشكّوا ( متى28:10) . فمسيرة حياتنا محطات املٍ  ورجاء ، فإلى المحطة الأولى .
كان ذلك الصباح مشرقاً بشمسه، وعظيما بقداسته، وكبيراً بمناسبته، وكم كان هواءُه عذباً، الساعة تشير إلى العاشرة والثلث صباحاً. غادرتُ مقرّ رعيتي مار يوسف الكائنة في منطقة الكرخ ، إلى منطقة الرصافة ، حيث مقرّ الأبرشية السريانية ، للمشاركة في الإجتماع الشهري لكهنة الأبرشية ومأدبة الغداء التي أقامها المطران متي شابا متوكه (رئيس الطائفة آنذاك) بمناسبة سيامته كاهناً وأسقفاً. وكان قد فُجِّر قبل يوم بالضبط سيارة مفخخة امام مقهى شعبي قرب مرقد الشيخ عبدالقادر الكيلاني في منطقة باب الشيخ وسط بغداد.وراح ضحيته اربعة قتلى و24 مصابا " .   إنتهى الإجتماع، وبعد المشاركة في الغداء الذي دعانا إليه سيادته _ والذي أقيم في دار إحدى العاملات في دار المطرانية حينها (الآنسة "م")، حيث كانت تقيم في بناية خاصة تابعة للطائفة _ كانت الساعة تشير إلى الثالثة والربع عصراً بتوقيت بغداد،. ألقيتُ التحية على الحاضرين من سيادة المطران والكهنة، وشكرتُ الآنسة "م" على الدعوة، لأعود بعدها إلى رعيتي مار يوسف في المنصور. كان الوضع الأمني متأزّماً جداً في بغداد بين الإخوة الأعداء، وحرب الطائفية على أشدّها وفي أماكن متفرقة، فالضحايا الأبرياء يسقطون، وجثث ملقاة هنا وهناك، وكان القتل على الهوية ، والأسماء كانت هي الفاصل المميت، وكان للإرهاب دورٌ في عدم إستقرار الأمن في بغداد. وكوني أحد سكان منطقة الكرخ، كنتُ قد أستأجرتُ _ للعمل معي _ سائقاً ويدعى "أبو علاء" من أجل ذهابي وإيابي فهكذا كان يتطلب الأمر حينها.

ساحة التحرير
وصلتُ إلى منطقة ساحة التحرير وسط بغداد، وبعد إجتيازي إيّاها بأمتار قليلة، وأمام بناية وزارة الإعلام سابقاً، أوقفتني سيطرة شرطة لا أعلم هل هي سيطرة وهمية أم سيطرة حكومية إذ لا يوجد علامة تشير إلى أن السيطرة نقطة رسمية وحكومية وكان تعدادها ثلاثة أشخاص، شرطيَّين وضابط، يرتدون زي الشرطة وبرفقتهم سيارة زرقاء اللون بلون الشرطة العسكرية المعتاد،  وبدون لوحة تعريفية مرورية، مما يعني شكاً أنها سيارة للشرطة. نظرتُ فإذا بالشارع خالٍ من المارّة تماماً. نعم، إستوقفني الشرطيان الواحد عمره لا يتجاوز (19سنة) والآخر ربما يقترب من (24سنة) ، وأشهر أحدهما سلاحه في وجهي، وفتحا بعنف باب السيارة، وفي حالة هجومية أنزلاني بسرعة غريبة من مقعدي، وما هي إلا لحظات حتى وجدتُ نفسي خارج السيارة، فيما دخل الخوف إلى قلب سائق السيارة ، حيث كانت حرب الطائفية مستعرة تماماً في العاصمة بغداد، ومن خوفه أخذ يتلعثم في الكلام، حينها أجبروه على البقاء في  السيارة وعدم الكلام والحركة "يلا إركب السيارة واكعد وما تحجي شي وما تتحرك"، وأشاروا إليه مجبرين إيّاه بالبقاء في السيارة دون حركة. وأنا لم أكن أبالي بشيء ولم يكن الخوف قد ملك قلبي وحواسي، كما لم أكن أظنّ أنّ مشكلتهم معي ، كوني أولاً مسيحياً، وثانياً رجل دين، وثالثاً كنتُ مرتدي جبة رجال المعابد، كما لم أكن أحمل سلاحاً، وهذه علامة أكيدة لمسيحيتي ولدرجتي الدينية. وحتى هذه اللحظة لم أشعر بأي خوف، ولكن الحقيقة كانت غير ما كنتُ أفكر، إذ كنتُ أنا المقصود من قِبَل هؤلاء. صرخ أحدهما في وجهي وبكل شراسة وقال:"تعال إنزل حالاً هنا أنت مطلوب من الجهات الأمنية وأكو كتاب بإلقاء القبض عليك"، فقلتُ لهم:"عفواً يمكن أنتو متوهمين"، ردَّ بكل عصبية:"لا إحنا ما متوهمين"!!!.

منع التجول
نعم، أُمرتُ بمغادرة مقعد السيارة. أنزلاني خارج المركبة، ومدّ أحد الشرطيين يديه في جَيْب الجبّة الأمامية وأخرج للحال _ ودون إذن _ بطاقتي الشخصية (هوية الأحوال) وجهاز الموبايل ومفاتيح الكنيسة وقال لي مرة أخرى:"إنتَ أكو عليك إلقاء قبض"، قلتُ له:"على ماذا؟ وشنو المشكلة أو الجريمة اللي عملتها"، فقال:"إحنا ما نعرف هسة راح ناخذك للضابط مالنا ونشوف بعدين". وبدأ يفتش ويقلّب في الموبايل عن الأسماء الموجودة وأرقام الهواتف، ثم قادني إلى ضابط كان جالساً في مقدمة سيارة شوفرليت زرقاء اللون أيضاً خلف العمارة (كما قلت عمارة وزارة الإعلام سابقاً) التي أوقفوني بجانبها، لا أعلم هل هو ضابط أم لا، لا أعلم، لأنه كان مرتدياً زيّاً نصفه الأعلى يدلّ على أنه زيّ الشرطة والقسم الأسفل بنطلون جينس بلون خاكي، وسيارته هذه كانت تبعد عن مكان توقيفي حوالي عشرين متراً.
في هذه الأثناء طرق بابَ مخيّلتي قولُ الرب يسوع:"لا تخافوا، أنا معكم" (متى 20:28)، "الروح هو الذي يتكلم عنكم" (متى20:10 و مرقس 11:13)، فشعرتُ في داخلي أن قلبي قد إمتلأ شجاعة إيمانية، وأية شجاعة!. ولما قادوني إلى الضابط لم أشعر بأية حركة فيها علامات الخوف. وسألني كعَلامة إستجواب عن إسمي بعد أنْ إطّلع على بطاقتي الشخصية التي سلّمها إليه الشرطي، وقال لي:"إنتَ شسمك واشعندك إنت هنا لي هسة"، فأجبتُه:"إسمي هو شخصيتي وهويتي، وأنا رجل دين مسيحي، واسمي مكتوب عندك بالبطاقة الشخصية اللي موجودة بين إيديك"، فأجابني:"وين تعمل؟ وشنو شغلك؟ وليش إنت هْنَا؟ ما تعرف أكو منع التجول بهالمنطقة!!"، فقلتُ له:"لا ما أعرف أكو منع التجول وبعدين كنت بواجب خاص بالكنيسة وهذا شي يخصني"، فقال:"إنت ما تعرف شكنسويت"، ثم أعاد السؤال بطريقة أخرى:"شنو الجريمة اللي سويته حتى يكون عليك أمر إلقاء القبض؟"، أجبتُه:"أنا ما عملت أي جريمة وإنت توجّه تهمة عليّ هذا ما مقبول منك وهذا إدّعاء باطل وغير صحيح ورّيني أمر إلقاء القبض أنا ما عندي شي أنا رجل دين مسيحي لا أقول إلا الحق وما ممكن أقول كلمة كذب وهاي كلها من شيمة مسيحيتي وإيماني"، وواصلتُ الحديث وقلتُ له:"أترجاك إعطيني هويتي الشخصية حتى أرجع للكنيسة قبل ما تبدي الدني تظلّم وأروح أعبر إلى منطقة الكرخ وتعرف اليوم عدنا عيد القديسة السيدة مريم العذراء، مريم أمّ عيسى اللي القرآن الكريم يبجّلها ويقدّسها واليوم عدنا صلوات لتكريمها" (وفعلاً كان ذاك النهار يوم الخميس، عيد الحبل بلا دنس، 8 كانون الأول 2005).

أمَرَ الضابط
   بعد هذه الاثناء، عاد الشرطي إلى حيث صديقه الآخر بأمر من الضابط قائلاً له:"أتركنا وَحدْنا روح إنت لشغلك". تركنا لوحدنا، وبقينا أنا والضابط، حينها أحسستُ بحركة شجاعة في داخلي تدفعني ولم أشعر بشيء إلا بحرارة الشجاعة تلتهب بي دون أن أعرف لماذا. مددتُ يدي لأصافحه، وقلتُ له:"أنت هوني بوحدك وأكيد تعبان وعطشان"، أجابني:"لا أنا مو تعبان ولا عطشان"، فقلت له:"العفو"، وفي حركة غير مرسومة مددتُ يدي إلى جيبي فوجدتُ فيه قطعتين من جكليت الماكنتوش _ وهما اللتان حفظتهما من دعوة الغداء التي أقامها سيادة المطران متوكا إذ كنت آملاً أن أقدمهما لساعور الكنيسة المدعو "ف"  فأخرجتُ واحدة وقدمتها له احتراماً، وأعطيتُه إياها وقلتُ له:"الله يساعدك وأكّلك ليش ما تحلّي ثمّك أنتَ هوني بوحدك والوضع مو زين وأكيد إنت شوية تعبان"، وللحال تغيرت ملامح وجهه وأخذته "الصفنة"، وفي حركة رياضية إستطعتُ أنْ أعطيه "الجكليت" وأسحب من يده بطاقتي الشخصية بحركة لا أعلم كيف قمتُ بها، فصرخ في وجهي وقال:"إنت وين رايح"، قلت له:"أروح أشوف السايق مالتي"، وبسرعة تركتُه عائداً إلى حيث ينتظرني السائق ولا أعلم ما حصل له بعد أن تركته لأكون أمام الضابط، الذي لم يستطيع متابعتي ربما خوفاً من مرور دوريات الحكومة آنذاك، أقولها وأنا شاكٌّ في ذلك.
   
موبايل واسماء
وقصدتُ الشرطيين، فقال لي أحدهما:"شنو طلعت بريء ماكو أمر إلقاء القبض عليك"، قلت له:"لا ماكو أنا رجل دين مسيحي ما عندي شي"، وطلبتُ من الذي بيده الموبايل أن يعطيني إيّاه، فوجدته لا زال يقلّب بلائحة الأسماء الموجودة في الجهاز، فقلتُ له بكل هدوء:"هذا الجهاز ما يفيدك، لو يفيدك كان إنطيتونو إلك هدية، هو جهاز قديم وما بينو شي إلا أرقام خاصة برجال الدين والكنيسة"، فقال لي:"ما يهم ما أعطيلك هو إلا أشوف الأسماء والأرقام، ولازم تدفع مبلغ من المال"، وأضاف:"يعني شكد تكدر تدفع؟"، فقلتُ له:"ما عندي ولا فلس بجيبي، حتى اليوم أنا ناسي محفظتي وفلوسي بالكنيسة"، ونظرت هنا وهناك وفي داخلي غليان وأقول "يا رب ماهذه اللعبة وما هذا الإتهام وما هذه الرشوة"، نظرت وكان الشارع خالٍ من البشر، من الرايح والجاي، فقلت له:"يا أخي يا سيدنا يا محترم إذا إنت جوعان خليني أروح أجيبلك شي اللي أشوفو فرد لفة حتى تاكل واللي راح أجيبو هو بركة بس أظن ماكو واحد مفَتِّح"، فأجاب:"لا أنا أريد فلوس"، قلت له:"أنا ما عندي فلوس ما تشوفني لابس ملابس الفقراء هاي اللي يسمّوها جبة مال رجال الدين هذا يعني أنا مُلْك الناس والفقراء"، ثم سألتُه راجياً:"أرجوك أعطيني جهاز الموبايل خلّيني أروح لكنيستي والوقت هسّة متأخر"، فقال لي:"شلون أخلّيك تروح وإنت ما أنطيت شي؟"، قلتُ له:"عندي جكليت ماكنتوش بجيبي وهذا جكليت مشهور وطيب"، وأخرجت الجكليت من جيبي، وقدمتها له فأخذها واستطعتُ أن أمدّ يدي الأخرى وأصافحه، ثم أخذتُ جهاز الموبايل بسرعة غريبة وصديقه الشرطي الآخر لا زال ينظر إلينا، وانذهل، وحالاً، وفي لحظات صعدتُ السيارة، والسائق لا زال جالساً أمام المقود لا يستطيع الحركة أو الوقوف أمام الشرطي بسبب الخوف الذي كان يملأ قلبه والأمر الذي فُرِض عليه وأُلزِم به، وبقي ساكتاً صامتاً متفرجاً على ما يحصل، ومن المؤكد أنّ الشرطي قال في نفسه بأنه لا يمكن أن يربح مني شيئاً لذلك لم يبالي بشيء حينما صعدتُ السيارة.

ساعة الفرج
   وإذ أقفلتُ الباب، ما كان من السائق (أبو علاء) إلا أن قاد السيارة بسرعة جنونية كالبرق، نظرتُ إليه فوجدتُه يرتجف من الخوف ووجهه أصفر، وقد بانت عليه ملامح الفزع، فقلتُ له:" إنها ساعة الفرج ، روح بسرعة، يلا سوق بسرعة ولا تخاف أبو علاء، المسيح الحي راح يخلّصنا، أكو الله يحمينا وشفت شلون حمانا"، ولم تكن إلا دقائق حتى وجدنا نفسينا عابِرَين جسر السنك الذي يربط منطقة الرصافة بالكرخ من جانب ساحة الوثبة ومنطقة السنك والجانب الآخر وزارة الإعلام في الصالحية، فاطمئنّ السائق كونه عبر إلى منطقته، ولاحت علامات السكينة على محيّاه، وهدأت أعصابه الخائفة. أما أنا فقد أخذتني (الصفنة) وقلت في نفسي:"عظيم هو الرب، نعم الروح يتكلم فينا وهذا ما شفتونو فعلاً... شكراً إلك يا رب، وشكراً للقديسة مريم اللي حَمِتْنا"، حينها قلتُ للسائق (أبو علاء):" تعرف يا أبو (أبا) علاء إحنا الناس الأبرياء ما نخاف أن نكون صادقين لأن نعرف أنّو ربنا راح يحمينا، وإنتَ شفتْ عيسى الحي شلون جا وخلصنا"، فرددتُ مرة أخرى "شكراً لك يا رب".    

صلاة الصليب
من بعد هذه الحادثة قمتُ بتأليف صلاة أسميتُها "صلاة الصليب المقدس"، وكان ذلك صباح الاثنين 12 كانون الأول 2005 وأنا في كنيسة مار كوركيس بالغدير إذ كنتُ أعمل كقاضي بداءة في المحاكم الكنسية الموحَّدة. كتابتها كانت عبر تلقين وحديث بجهاز الموبايل مع سكرتيرة الكنيسة _ ولتأليفها حَدَثٌ سنرويه لاحقاً بمشيئة الرب _ والتي لا زلتُ أتلوها كما نتلوها كل يوم أحد مع أبناء الرعية وبعد نهاية القداس الإلهي أي بعد البركة الختامية، وكان للحدث "حقيقة الإيمان" أنْ لا تخافوا" (متى 20:28).
نعم، هذه محطة  من محطات زمن الرجاء التي عشتُ مراحلها ومسيرتها المؤلمة، حيث كنتُ الكاهن الوحيد في منطقة الكرخ الذي لم يغادر بغداد بسبب الحصار والحروب التي مرّت، فكان الرب حافظي وكانت العذراء حاميتي، وسأطلب من ربّ السماء نعمةً كي أواصل الحديث عمّا حصل عبر حلقات " محطات في مسيرة الرجاء".


الخاتمة
وبعد حوالي نصف ساعة من الحدث، أُدرج الخبر من على أحد المواقع الألكترونية، وقرأه أحد الأساقفة الأجلاء (م. و) واتصل بي وقال:"أبونا أرجوك بلكي تطلب من مسؤول الموقع أن يلغي الخبر لحساسية الأيام والزمن"، فكان أنْ إتصلتُ بمدير الموقع وبعد جهد جهيد إستطعت أن أكلّمَه عبر الموبايل وطلبتُ منه راجياً أن يرفع الخبر من على أسطر صفحات الموقع، فأُخفي الخبر الألكتروني وهذا ما حصل... ربما هناك مَن لا يأخذ الحكاية على منظر الجدّ، أو ربما هناك مَن يستهزء قائلاً كيف أنّ قطعة من الماكنتوش كان لها دور في مسيرة الخلاص التي حصلت. لذا أقول عزيزي القارئ: الحقيقة تُقال مهما كان الحدث ،  هل تعلم يا اخي ،أن ما هو مستطاع عند الله هو غير مستطاع عند البشر (لو27:18 ومر27:10)، لذا فمن الناصرة كان شيء صالحٌ (يو46:1)، كما أن ربّنا بإمكانه أن يقيم من الحجر أولاداً لإبراهيم (متى9:3)... هذا هو إيماني في حقيقة ما رويتُه لكم.إنه محطة من محطات الرجاء .. نعم وآمين.
                             (كُتب هذا الحدث في يوم الخميس، الثامن من كانون الأول عام 2005، عيد العذراء المحبول بها بلا دنس،
                                         الساعة الثامنة والربع ليلاً، وعلى ضوء الفانوس بسبب إنقطاع التيار الكهربائي). 

4
عذراً...كلمتان في مسيرة الحياة
المونسنيور بيوس قاشا
في البدء
   عندما ننظر إلى تاريخ عالمنا وحالته الحاضرة بعلومه وتقدمه
وبدواعشه تغمرنا التعاسة والقلق حيث نرى ونسمع ونشاهد ما يحدث وما يحصل من إجرام وظلم وفساد، وما تنتجه الكوارث
 من مآسي وخسائر بشرية ومادية، والأدهى ، أن الإنسان الذي مارس قديماً إجرامه ووحشيته على أخيه الإنسان ما زال يقوم اليوم
بالاعمال عينها. وبسبب هذه التناقضات الصارخة كثرت هموم الإنسان ومشاكله، وأصبحت مسالك الحياة خطرة، ولا زال البشر الأبرياء يتألمون من آفات الحروب والنزاعات التي تلقي  بثقلها على الحياة الخاصة، فردية كانت أم عامة، وأصبح وجودنا نحن المسيحيين في الشرق قضية موت أو حياة. نعم، إنها مرحلة شديدة الخطورة ولا نعلم مداها وتبعاتها، هل هي على المدى القريب أو على المدى البعيد!.

هذا حالنا:
   هذا هو حالنا أمس واليوم، ففي الأمس القريب والبعيد ثمّة توترات وصراعات نشبت منذ البدايات بين البشر كما بين أتباع المسيح حول السلطة والأولوية، وكذلك خلافات في البقاء والوجود، وهذه كلها كانت مليئة بمشاعر الحسد والغيرة والأنانية والبغضاء والكراهية، كما نخرت في جسم الكنيسة الواحد، في حين أن الرب وصية واحدة أعطانا وهي" وصية المحبة الإلهية"(     ) ، لذلك نرى الكثيرين ومنهم الأقربين تعساء أكثر من كل الناس لأنهم لم يعيشوا هذه المحبة بكل أبعادها، بل بالعكس فقد راحوا يعيشون أحياناً إنسانهم القديم الذي لا يصير أو يرفض أن يصير إنساناً. وكما كان حال التلاميذ أمس هكذا حالهم اليوم إذ ليس أفضل من حال مَن سبقوهم.
   يكفي أن نلقي نظرة سريعة إلى حالهم اليوم لنرى كم أن هناك خصام وانقسام ونزاع وصراع،  وعشائرية وطائفية وقومية ومحسوبية بدل الوئام والإنسجام والسلام ووحدة الهدف والغاية، وهذا ما يجعلنا أن نرى أيضاً كم أن مشاعر الغيرة والحسد والحقد والكراهية والإنفرادية والمصلحية تعتمر قلوب الكثيرين منهم ، ويستثمرون هذه بدل تلك، وهذا ما يجعلني أن أقول أننا لم نستفد من عِبَر الماضي البعيد والقريب، ولم نحصد ثمار آلامنا وهزيمتنا وتهجيرنا كي نكون في الوحدة والتماسك والتجديد واحترام القيم في قول الحقيقة عبر مسيرة الحياة.

رسالة حقيقة :
   أقولها، إذا أردنا أن نكون أوفياء لمسيحيتنا علينا أن لا نخاف مظالم الناس بل نعلنها للملأ بكل شجاعة، كما علينا أن نبقى في مقاومة الظلم والعنف والفساد، وكفانا أن نُجلس الفاسد في أولى الصفوف ونبجّلُه بما لا يستحق، ونستقبله بأجمل ترحيب وكأنه أمير أُرسل من قِبَل ربّ العباد، وهذا ما يجعل رسالتناالمسيحية رسالة خنوع وليست رسالة حقيقة. وصحيح أنه لم نُخلَق ولا يجوز أن تكون مهمتنا الدخول في صراع، بل لا يجوز أيضاً أن نكون خانعين أمام المظالم وعبيداً سيئين أمام محبّي المصالح الضيقة وإرادتهم الفاسدة وشهواتهم الشريرة وشهاداتهم المزيَّفة والزورية.

حواء الامس:
   صحيح نحن المسيحيين عانينا ولا زلنا، واحتملنا الآلام بصبر وإيمان ولا زلنا حتى الساعة، والخوف يملأ قلوبنا من الآتي إلينا، ولا زال لبعض منا بذرة الإيمان لديهم لا تدعهم يغادرون أرض أجدادهم، ولكن كما كانت حواء بالأمس ،لا زالت اليوم تلعب دور الرحيل والهجرة بطرق بائسة مدَّعية أن الله لا يتذكّرهم، وأن أقرباءها ينتظرونها في أرض الله الواسعة، فتُفسد حياة الشهادة في أرض الأجداد من أجل الرحيل نحو أرضٍ تدرّ لبناً وعسلاً، فتُهدي لآدم تفاحة ألكترونية ، لأنه لا يمكنها أن تبقى صامتة أمام ما يحصل دون أن تلعب دوراً في إفساد بذرة الخليقة على صورة العلي ومثاله (تك26:1) من أجل أن تجعل من حب الأرض ضياعاً وفقداناً وموتاً، وهذه علامة من علامات الزمن... إنها أميرة الدنيا أمام آدم الضعيف، ووزيرة الجنة أمام الثقافة الإلكترونية، وفي هذا فقدنا الإنسان وفقدنا قيمته كما فقدنا الأرض ومُلكيتها، وغفلنا عن نداءات المعابد وخدّامها في أن نكون شهوداً وشهداء ليس إلا!.

حياة وموت:
   من المؤكد أننا بقدر ما نتغنّى بالمسيحية ورسالتها وعظمة إنجيلها إنْ لم نحياها كمسيحيين فأي دينونة تنتظرنا؟، وكيف سنقف أمامها؟، فعلينا أن نصغي ونحفظ ما كُتب إلينا وما سلّمنا إيّاه سيد السماوات حيث عاشه الكثيرون ولم يكن يوماً كلاماً ونظريات، بل كان المسيح بيننا ومن بعده رسله، وما تلك إلا وديعة الإيمان. ولنعلم أن الله يريد أن يجلب الحياة حيث يوجد الموت، وكفانا من الفقر الإيماني والروحانية الصحراوية، فلا زلنا نفتش عن المال والسلطة بينما الحقيقة تدعونا إلى أن نقرأ كتاب حقيقة إيماننا ووجودنا ومسيرتنا لندرك أنه كتاب مؤلم بسبب انقساماتنا وطائفيتنا ومصالحنا. ولا يجوز أن يبقى الإنجيل بعيداً عن مسيرة حياتنا، فإذا استمر التباعد بيننا وبين معابدنا ورجالها ، فلن يكون هناك مستقبل لمسيحيتنا ولمسيحيينا في أرضنا وربما نقرأ السلام في آخر المطاف.
   
مواطنة واصالة :
إنني أخاف أن تضيع المواطنة والأصالة في أرض أجدادنا بسبب انقساماتنا وفي ذلك سنشابه الجنود الذين "ليتم الكتاب القائل اقتسموا ثيابي بينهم، وعلى لباسي ألقوا قرعة" (يو19: 23- 24، مز22: 18). ، كلٌّ يريد حصّته ويرحل، وفي هذا أخاف أيضاً أن يمحو التاريخ وجودنا بعد الذي نشهده على ساحة الوطن وساحة بخديدا من خلاف واختلافات، من مصالح وعشائريات، من طوائف وكيانات، من تكتّلات وتشكيلات، من أقوياء وضعفاء، من فقراء وأغنياء، من آدم وحواء، من مصالح وفساد، ويُكتَب بدلَ هذا التاريخ الأصيل الذي عاشه أجدادنا وآباؤنا وبُناة ديارنا ومعابدنا وكنائسنا وحضاراتنا، يُكتَب تاريخاً مزيَّفاً يهوى مصالح البشر وأهداف الحركات والأحزاب والتكتّلات والطائفيات والأئتلافات ، بأسطر حماية الفاسد المعروف والذي يحميه كبار الزمن، فما ذلك إلا تدمير لحقيقة التاريخ ومسيرة المسيحية في أرض الوطن المباع مع الشعوب الأصيلة، وإعلانٌ بزوالنا من حقيقة أرضنا بسبب غايات ومسمّيات وديموغرافيات متعددة لأنه لا مجال للأصلاء أن يُظهروا حقيقتهم خوفاً من أقرانهم البائسين والفاسدين الذي يطلقون شعارات فارغة لكسب عددٍ من الأبرياء الأصلاء، لذا فمن المؤكَّد أن حقيقتهم ستموت يوماً شئنا أم أبينا إذا ما استمرت حالة انقساماتنا في مسيرتنا المؤلمة كما هي اليوم.
   إنني أتألم حينما أرى المواطن البريء سلعةً تُباع وتُشترى، وهذا ما أراه في مسيرة الوطن وما نجده، ومن المؤسف هذا حال الكثيرين أمام رجال الدنيا وكبار الزمن وحرّاس المعابد، وكما يقول المَثَل "الفقير فقير وإنْ لبس ثوباً من ذهب"، فكفانا كبرياءَنا وحمايةَ مصالحنا ، وعن أناس عُرفوا بفسادهم والذين سرقوا قوت المهجَّرين وأحوال المواطنين. فحتى ما يبقى شاهد الحقيقة وفقير الدنيا مكبَّلاً بالسلاسل ومقيَّداً بأوامر مصلحية وسلطوية، وربما أحياناً يُمنح الفقير والشاهد جرعةً مسمومة للتخلّص من شكواه وصراخه ليبقى الفاسد متربّعاً على عرش الدنيا المزيَّف بسندٍ ودعمٍ وحمايةٍ من كبار الدنيا ومن أجل تجارة المصالح، وننسى أن ننظر إلى يسوع الحي الذي علّمنا وسار أمامنا ليرشدنا إلى طريق الحقيقة في" مقاسمة الفقراء والخطأة"  ( متى 11:9) وشهود الحقيقة مسيرتهم.

شاهد وفقير:
   ما أكثر الذين يتراكضون وراء المال الحرام على حساب الأيتام والأرامل والمهجَّرين والنازحين الذين يفتشون عن امتيازات ليست من حقهم وليست مكتوبة بأسمائهم، بينما الشاهد والفقير يبحثان عن لقمة عيش ومكان آمن ليستقرا فيه داخل الوطن وخارجه. أين الضمير الذي يسمع نداء واستغاثة الشاهد؟، أين النخوة المسيحية التي تشهد لحقيقة الإيمان؟، فإنني حتى اليوم كنتُ أفتخر بوطني وبشعبي، وإنني أخاف لعلّني أكون من الذين يخجلون حتى من جوازاتهم، فأكون لاجئاً، فلا آذان تسمع الحقيقة، ولكن بدلا منها نجد أيادي تحضن الفاسدين ليس إلا!.
 إن أشد الأخطار هو أن يتخلّى المسيحيون عن رسالتهم وشهاداتهم التي يمكن إيجازها بالإبتعاد عن الصليب ومسيرته، ويهملون آيات الإيمان والصبر والرجاء حتى تنقضي هذه الأيام السوداء. فلا يمكن للمسيحيين أن تزول مسيحيتهم إذا أرادوا لها ذلك. فالكنيسة مع الوطن ومع كل مواطن، وهي ليست لحاكم أو نظام، مرتفعة فوق الجميع، ومهمتها ربط كل شيء بالمسيح يسوع. فما نحتاجه أن نتعامل بالضمير وليس بالمنصّات والمنابر ، والتهديد والوعيد، بالغيرة والكذب ، ولا يجوز أن يكون رجال المعابد والعاملين فيها ، تابعين لأحزاب أو حركات أو جمعيات لغاية أو لغايات، فلننتبه هناك مصالح عديدة تُمَرَّر ومخططات بين ظهرانينا وخلف شخوصنا. فلنكفّ عن تقطيع بعضنا البعض وزرع بذور الطائفية المقيتة، ومَن لا يستطيع فعل شيء في هذا المجال عليه أن لا يكون حجر عثرة في طريق المسيرة المسيحية والإيمان الإنجيلي، ومَن بإمكانه أن يعمل فليعمل لأجل شعبنا المظلوم والإصطفاف معه إنْ كان شخصاً مستقلاً أو حركةً أو حزباً سياسياً أو منظمة كبار كانوا ام صغاراً، فلا يوجد في التاريخ إلا مَن يدخل التاريخ، ولا تفتخر الكنيسة إلا بأشخاص أخضعوا ذواتهم شهادة للحقيقة من أجل الشعب البائس. فحامل مشعل الإيمان _ وإنْ كان ضعيفاً أمام أقوياء الزمن والذين بيدهم سلطة الدنيا المزيفة _ فهو لا يمكن أن يحني قامته لغير السيد المسيح الحي، وهو يدرك أن شهادته ما هي إلا حمل هموم شعبه وفكر المتألمين والمظلومين دون الانغماس في ترّهات الدنيا.

مرحلة حاسمة:
   إنتبهوا، أقول ، لا تشوّهوا صورة الأصيل والمواطن البريء وإبن شعبكم، بل اسمحوا له بتحقيق وجوديته وإنسانيته فهو اليوم مرهون كما أن صورته مرهونة بعدة عوامل وبعدد من الأسباب ومن أجل غايات، واعملوا أن يحلم بمستقبل ينقله من حالة يائسة وبائسة إلى كرامة إنسانيته ليكون حراً مستقلاً، فهو الركيزة الأساسية وكلنا أبناء هذا الشعب الجريح، فلا يمكن بعدُ أن تكون الطائفية أو العشائرية أو المحسوبية هي مَن تحمي شعبنا وخاصة نحن على أبواب الانتخابات، فإنها خطوة مهمة للغاية في اختيار الناس الكفوئين لخدمة الوطن والشعب والكنيسة، وليس لأنه من قوميتي أو طائفتي أو طاعةً لفلان وفلان واحتراماً لمنصب ومركز، فلا يجوز أبداً أن يكون الناخب شاهدَ زور فمن هنا يبدأ الفساد وهنا تبدأ الخطيئة ، ويبدأ التغيير... إنها مرحلة حاسمة. نعم، إنها دعوة كي نداوي إنشطارنا، كي لا تخيّبنا عواقبه بعد أن نكون قد ضيّعنا مسار طريقنا بانتماءاتنا المختلفة لمصالح متعددة منها كبريائية وأنانية، فالإنقسامات للمسيحيين ما هي إلا خسارة فادحة واضطهاد من أنفسنا لشعبنا، و"أعداء الإنسان أهل بيته" (متى36:10). فلنفتح أعيننا لمسيح الإيمان وليس لمسيح التاريخ والثقافة، فإذا ما كان لنا إيمان عميق به سنرى كل شيء قد تغيّر بقوته ونعمته وبشهادتنا الحقة.

الخاتمة :
   ختاماً: فاليوم أبناء شعبنا ليسوا جائعين إلى الخبز وليسوا عطاشى إلى الماء بل إلى سماع كلمات الرب إذ يقول:"كونوا واحداً كما نحن واحد" (يو21:17)، "أنا والآب واحد" (يو30:10)، لأنني أُدرك أن سبب ضعف الكنيسة في شرقنا ووطننا حاجتها إلى الصليب الضائع منها. فكل إنسان يشتكي ويصرخ من ظلم وقع عليه ويلوم الله على كل شيء، والحقيقة إننا محتاجين أن نعود إلى الصليب بحقيقة الخلاص وشهادة الحقيقة التي علّمنا إياها ربّ الحياة يسوع المسيح ، فشعبنا يتقوى ويمتلئ رجاءً وشجاعة عندما نرى المسيحية التي نتكلم عنها، عندما نرى السيد والإنجيل الذي نحبه، ونرى أشخاصاً يحبون ويجسّدون هذا الإيمان حتى النهاية... فشعبنا صليبنا، وعلينا حمله بكل فرح وإيمان وليس كسمعان القيرواني جبراً ومصلحةً، فأنتم لا تستعطون شيئاً من أحد حينما تطالبون بحقوق شعبكم. فكفانا نقطّع بعضنا البعض، وان كنّا ضحية السياسات الفاسدة ، لنعمل من اجل عودتنا الكريمة وبناء سهلنا وديارنا ومعابدنا وتلك رسالة ووصية الاجداد في أن " لا نخاف" ( متى 28:10) . فإنْ كان شعبنا مظلوماً فلأنكم حافظتم على فسادكم ومصالحكم وغاياتكم ومناصبكم... فلا تبيعوا شعبكم وأرضكم لأنكم أمراء الديرة بل كونوا خدّاماً لبناء الديرة، ولا تكن أسماءكم في الحصاد ومنجلكم مكسور، وايضا لا تنزلوا الى المعركة وانتم غير مسلحين بايمان المسيح الحي . . نعم إنه ايماننا بالمسيح ، إنهما كلمتان وبس ..نعم وآمين.

5
شكرا لمشاركتكم وليبارككم رب السماء

اسس الايمان هي ما تعلمني الكنيسة المقدسة من تعاليمها وشرحها للانجيل المقدس وتعاليم الرسل والاباء القديسين
والاصنام التي انجرفنا بها هي عبادة من اشاء مفسرا الانجيل كما اشاء واعلن تعليمي كما اشاء والايمان ما هو الا هبة من رب السماء واحياه كما تريد مني الكنيسة المقدسة والجامعة الرسوليه نعم هذا هو الايمان الصحيح ايماننا بالثالوث الاقدس بالاب والابن والروح القدس ولكل من الاقالنيم رسالته السماوية والخلاصية وهم بايماننا اله واحد وقد اعلمنا ذلك يسوع المسيح ربنا عبلر انجيله والكنيسة امنا نعم ربما هناك تعابير جادل فيها الاباء في نشاة المسيحية في طبيعة المسيح ودور العذراء ووصل الينا وهذه من خلال اللجان اللاهوتية ستجد طريقها والمهم ان يكون لنا ايمان بالمسيح الحي وبانجيله المقدس ورسالة الروح القدس المعزي وما تعلمه الكنيسة امنا من شرحها للعقائد المسيحية وتعاليم الاباء فنحن نؤمن بكنيسة واحدة جامعة مقدسة رسوليه . وشكرا ومحبتي لكل المشاركين ولتباركم يد الله القديرة ودمتم .

المونسنيور بيوس قاشا

6
كنيستنا أم ضعف ايماننا

المونسنيور بيوس قاشا

في البدء
إننا في ظروف صعبة من الحياة، وإزاء تخلّي بعض المؤمنين عن التمسك بإيمانهم وطقوسهم ، بأمانتهم ووفائهم ، بمسيحهم وكنيستهم، وتسللهم الى ما يسمى بكنائس او جمعيات او معابد ، وفدت الى ارضنا بالامس القريب ، وحتى اليوم ، ولا زالت . لذا نتساءل مثل إيليا: إنْ كان الله قد نبذ شعبه، إنْ كان الرب قد نسي كنيسته الاصيلة في عمق المشرق المعذب ، ما هذه الاوجاع ، لماذا نُضطهد ، حتى ما قتل الأبرياء ، في هذا كله نشعر أيضاً مثل النبي إيليا بالوحدة والغربة في وسط شعبنا، ونتعجب أشد العجب من خيارات أبناء جيلنا ومن تهاملهم وتخلّيهم عن أسس الإيمان الصحيح، وانجرافهم وراء أصنام جديدة ، وتعاليم جديدة ، وجمعيات جديدة ، شكلاً ولوناً وحجماً وغاية ... ويعود السؤال نفسه مرة أخرى إلى أذهاننا: هل نبذ الله شعبه؟... أين أصبحت أمّنا الكنيسة المقدسة؟ هل ضيّعنا الطريق التي توصلنا إلى أبوابها؟ هل ايمان ابنائنا واجدادنا كان ايمانا صوريا ... أين هو المعيار الحقيقي للإيمان؟ للعبادة؟ وأي إيمان هو الصحيح ؟ وهل طقوس كنائسنا سندٌ لايماننا ، ام اصبحت طقوسنا  حركاتٍ بالية لا يابه بها احد ... أين نحن، وأين  هي كنيسة اليوم ،بل كنيسة الغد،  بل كنسيتنا الآن؟.

شعب الله
من المؤكد ان ملامحَ الكنيسة الأولى بدأت مع مخلّع كفرناحوم، حيث الجماهير المحتشدة والأربعة الذين حملوا الُمقعَد إلى حيث يسوع...نعم  هنا ظهرت ملامحُ أبناء الله في اجتماعهم في بيت لسماع كلام الله، وبيت الله يعني كنيستنا، كما هي خيمة العهد القديم... فالكنيسة، قبل كل شيء، هي شعب الله، وهي الحظيرة والرعية التي فيها وبها يَعمل المسيح القائم ، وهي ككل كائن حي ، تولد بالعماذ وتتغذى بالقربان، فتنمو وتتوحد. وهي مقدسة، وقداستها تقوم في المسيح القدوس لانه اساس قداستها ، . وهي جامعة كما أرادها المسيح بالذات، أي لا يحدّها زمان أو مكان، وهي لكل إنسان،فهي ليست مسجلة باسم شخص مهما كان بل هي خاصة المسيح ، وتنتشر في كل الأقطار كما دعاها المسيح ان تذهب " اذهبوا الى العالم كله" ( متى 19:28) فيها يتابع المؤمن خبرتَه الإيمانية التي بدأت بالعماذ، وتتوضح معالمُها يوماً بعد يوم من خلال قراءة أحداث حياتنا على ضوء خبرة يسوع لاسيما خبرة الموت والقيامة. والكنيسة تحمل طابعاً شمولياً، فهي الوحدة والقداسة والرسالة. فهي تسعى إلى تقديس الناس لتقربهم من الله بما تضع في متناولهم من وسائل وخصوصاً الأسرار المقدسة. ففي ذلك تعني الكنيسة المقدسة الفصل والتكريس. ففي سفر الخروج، عندما اقترب موسى من أرض تجلّى فيها الله، سمع صوت الله يقول له:"لا تدنُ إلى هنا. اخلع نعليكَ من رجليكَ، فإن الموضع الذي أنت فيه قائم أرض مقدسة" (خر 5:3)... هكذا حضور الله يوجب علاقة جديدة.

ايمان وبشرى
لقد شبّه الرب يسوع ملكوت الله بشبكة أُلقيت في البحر ، فجمعت من كل جنس. والكنيسة تجمع جميع أنواع الناس ، ومن بينهم خطأة يشعرون بما أحدثته الخطيئة في داخلهم من تمزق. وهي تقدم _ على مثال مؤسسها السيد المسيح _ ما يحتاجون إليه من غفران لينهضوا من كبوتهم، فهي تحتاج إلى تقديس ذاتها في شخص المنتمي إليها، "لأجلهم أقدس ذاتي ليكونوا هم أيضاً مقدسين بالحق (يو19:17). كما ان  الكنيسة شاهدة لرسالة الإيمان والبشرى، وشهيدة من أجل أبنائها في تقديسهم... إذن هي مدعوة لأن تنطلق في رسالتها إلى العالم كله من الجليل، المكان الذي يرمز إلى الشمولية والخطيئة، لان العالم يحتاجه اليوم وكل يوم ومن المؤسف هناك من  ينصب نفسه داعية ، في أنه اكتشف طريقا جديدة بل مسيحا جديدا قائلا: كفاكم بعبادات وطقوس بالية بل ميتة فلا غير المسيح حسب قول مار بولس إلى تلميذه " لأَنَّهُ يُوجَدُ إِلهٌ وَاحِدٌ وَوَسِيطٌ وَاحِدٌ بَيْنَ اللهِ وَالنَّاسِ: الإِنْسَانُ يَسُوعُ الْمَسِيحُ" (1تيمو 5:2) فيجد نفسه مصلحا بل اكثر من ذلك، يترك كنيسته الاصيلة ويعود يقول ان كل الكنائس هي واحدة .

الكنيسة وبلدي
واليوم تشعُر الكنيسة في بلدي بأنها وحيدة وحائرة ومضطهدة وشهيدة ، كأنها على متن سفينة سريعة العطب، تتسرب إليها المياه من كل جانب،فهناك من يتركها دون ان يعرف لماذا ، متأملا انه لا يجوز البقاء فيها  وهناك من يدرك  وهناك من لا يدرك أنها لن تثبت إلا عبر الصلاة في الإيمان والمحبة لكي تنتصر على كل المحن والصعوبات، وأيمانها الوحيد والأخير هو أن الله أصبح في يسوع وبصورة نهائية عمانوئيل "الله معنا"، الذي يقودها لتشرح وتعلّم أبناءها كأمّ ومعلّمة، تشرح لهم كلمة الله وتحفظ لنا وديعة الإيمان، وتتابع تنشئة الأمم كي يصبحوا رسلاً يتبعون طريق المعلم ليشهدوا حتى أقاصي الأرض.اذن عطاء كنيستنا يعني قوة إيماننا، فإذا كانت كنيستنا خائرة أحياناً في نقل البشرى إلى العالم، فما ذلك إلا دليل على ضعف محبتها للرب، وعدم تجاوبها مع الروح القدس الحال فيها. لذلك يترتب علينا كمؤمنين أن نعي القدرة الكامنة فينا. قدرة الروح القدس الذي حلّ على الكنيسة يوم العَنصرة وما زال يحلّ على المؤمنين في المعمودية. هذا الروح، متى دُعينا وأَصغينا لحركاته، يجددنا ويقوينا، وما من تجديد ممكن في الكنيسة أو في حياة المؤمنين إلا من فعل الروح القدس.

كنيستنا وهوانا
اليوم كثيراً من الأحيان نبيع كنيستنا بسبب هوى هوانا، ومصلحة من مصالحنا، وبسبب أشخاص يعملون لكبريائنا ، ومن اجل ارازقنا خضراء كانت ام حمراء أم صفراء ، أو حجز بطاقة سفر الى أرض الله الواسعة ، لأننا نؤمن أن الخلاص بنا وليس بغيرنا ، او بعيش رغيد وهذا لا يعني إلا إدراكنا الناقص لإيمان آبائنا وأجدادنا الذي استلمناه وورثناه من جرن العماد وفي كنيستنا الجامعة .. نعم، ربما ذلك صحيح حينما نقول: أن كنيسة اليوم بحاجة إلى عَنصرة جديدة تهب على العالم، عالم الباطن، عالم الضمير والروح والقلب من أجل تجديده ونفض الغبار عنه.وهذا لا يعني ان اجعل نفسي مُصلِحا لها ولرجالها ، لذا يطيب لي ان اتساءل ماذا تعني الكنيسة التي لا تحتفل بعشاء الرب القائم؟.ماذا تعني الكنيسة التي تشتري أناساً بزاد الدنيا الزائل؟.ماذا تعني الكنيسة التي لا تؤمن بالأسرار وبسلطة الأولوية البابوية  والرسولية والولاية الكهنوتية؟.ماذا تعني الكنيسة التي لا تحمل أولادها الخطأة إلى كرسي الاعتراف - وان كنّا اليوم قد استبعدناه عن ضمائرنا - أمام مَن خوّلته ليربط ويحلّ بسلطان مؤسسها يسوع الفادي؟.انني ارى اننا نحن لسنا اليوم بحاجة إلى كنيسة تجمعنا فقط يوم الأحد وان كان ذلك عملا بوصية الرب " قدس يوم الرب" (     )  وتقديسنا هو كسر الخبز وكاس الخلاص .ما يجعلنا ان ننظر بكل عمق  نحن اليوم بحاجة إلى كنيسة تحيا وتعيش إيماننا، وترشدنا إلى طريق الحياة في رسالة المسيح الخلاصية.نحن بحاجة إلى كنيسة تحتفل بعشاء الرب وليس باجتماع لاكل الخبز ، ورجالها يربطون ويحلون وكانهم اولياء الله عليها ، وتدفع بأبنائها إلى تبشير كل إنسان، والحقيقة لا ولاية لهم ولا كهنوت،  وهل تلك دعوة مقدسة؟ ان امنا الكنيسة  هي التي تعلّمنا دائماً في أن نقول:"ماران آثا" تعال أيها الرب يسوع. لأنه معها ومعنا حتى نهاية العالم "ها أنا معكم طوال الأيام حتى نهاية العالم" (متى 20:28 ) ، فهو معنا منذ البداية وحتى النهاية، معنا يرافقنا لنكون معاً جماعة الكنيسة، جماعة الملكوت.

الكنيسة والروح
نعم، خاف الرسل عندما اختبروا غياب الرب، ووبّخهم ربنا على ذلك (لوقا 36:24)  وخافوا من عاقبة تنكّرهم له، ولكنهم خافوا أكثر عندما تراءى لهم بعد قيامته، في ذلك كلنا أسرى الخوف، ولكن المسيح الذي أحب كنيسته وأسسها لتنطلق في مسيرة الخلاص، حرّرها من الخوف بكل أنواعه... وهذا النداء كان لهم دور الشهادة للرسل الذين حملوا الكنيسة عبر إعلانهم البشرى السارة. لا نيأس ولا نفقد الأمل، بل لنتسلّح بالتوبة والصلاة مبتعدين عن كل ممارسة دنيوية، وواضعين حياتنا في يدي الله حتى يأتي ملكوته.

نفخة وسلطان
بعد مرور حوالي ألفي سنة على حدث القيامة لا يزال الرب يضرب لكنيسته موعداً ليلتقيها، فيجدد لها عطية السلام ونفخة الروح القدس وسلطان مغفرة الخطايا، ويعطيها ذاته جسداً ودماً كي يغذيها ويرسلها ملحاً للأرض ونوراً للعالم.فهلاّ وجدت الكنيسة في ذلك رجاءً وعزاءً في مواجهة تقاعس الكثيرين من أبنائها، وحصناً وملجأً في مواجهة هجمات المشككين والمضطهدين؟... فكنيسة اليوم ما زالت تتجدد وتعيش بقوة الروح القدس وإرادة الرب في وصية المحبة ، ففتور الكنيسة في نقل البشرى دليل على ضعف محبتنا، وعدم تجاوبنا للروح القدس. لذا يترتب علينا أن نعي القدرة الكامنة فينا، قدرة الروح القدس الذي حلّ على الكنيسة مازال يحلّ على المؤمنين في المعمودية، هو يجددنا ويقوينا، وما من تجديد ممكن في الكنيسة أو في حياة المؤمنين ولو توفرت له جميع العناصر البشرية إلا هو من فعل الروح القدس.
    الختام 
اليوم يدعونا المسيح، وكل واحد باسمه، لنكون حاملي رسالته الخلاصية الى عوائلنا ثم إلى العالم كله. اختارنا المسيح لنكون كبطرس ومتى ويوحنا، وليس كيهوّذا الذي خانه ونحن نخونه بتقاعسنا عن تأدية واجبنا، ولهونا بامور الدنيا المزيفة ،فنقضي اقدس اوقاتنا في اللهو واللعب وكأنّ الرب لا يرانا فنشهد حقيقة أنفسنا غشاً ورياءً كي نكون للكبار عبيدا، وما ذلك إلا مصالحنا ،  وعن تقاعسنا في احترام اساقفتنا القديسين وكهنتنا الغيارى ،  إننا في ذلك نخون المسيح ونسلّمه إلى الموت من جديد... ولنسأل أنفسنا ، هل نحن اليوم نفتح له آذاننا والقلوب، أم أن صخب هذا العالم ووسائله الصارخة تمنعنا من رؤية ما يريده الروح القدس، وسماع ما يأمر به.فما ينقصنا أحياناً شجاعة لكي نكون أمناء لله،وليس الى اصحابنا ومصالحنا فلا نهوى الا ما نهوى وليس لنا الا هم وهنّ ، لاسيما عندما نقف موقف الدفاع عن إيماننا... ولنسأل أيضاً أنفسنا:أين نحن من المسيح؟... أين نحن من كلمته حينما يقول لنا في بولس الرسول  " وَلكِنْ إِنْ بَشَّرْنَاكُمْ نَحْنُ أَوْ مَلاَكٌ مِنَ السَّمَاءِ بِغَيْرِ مَا بَشَّرْنَاكُمْ، فَلْيَكُنْ «أَنَاثِيمَا»"( غلاطية 8:1)! "؟... أين نحن من كنيسته؟.مَن هو المسيح بالنسبة لنا؟. كما يقول مار بولس " أفأستعطف الآن الناس أم الله؟ أم أطلب أن أرضي الناس؟ فلو كنت بعد أرضي الناس، لم أكن عبدا للمسيح " ( غلاطية 1:10).ولنعلم إن يسوع حاضر بيننا ، ليساعدنا على عيش هذه الساعات الصعبة ، من مسيرة زمننا فلا نخاف مادام الرب معنا فمن علينا ، وليدرك الجميع وبالاخص الذين يكتشفون طريقا جديدة انّ أمنا  الكنيسة تقول في طقسها السرياني ما نصه " ان جاء احد وبشركم بخلاف ما بشرناكم فليكن محروما من البيعة فقد ظهرت تعاليم مختلفة من كل جانب وطوبى لمن بتعليم الله يبدا ويكمل " . نعم وامين



7
إلى المرشحين من أبنائنا لدورة البرلمان المقبلة

كلمة من أجلكم

في البدء
 
يسرني في البدء أن اهنئكم، بحلول أعياد القيامة المجيدة، من صميم الفؤاد وأدعو
لكم ولبلدنا بالخير والسلام والمحبة، ولينصر الرب شعبنا على الأشرار والإرهاب بجاه المسيح الذي إنتصر على الموت وغلب الجحيم وخلّصنا. ومار بولس يقول في رسالته:"لنخلع الإنسان القديم ونلبس الإنسان الجديد. فكل شي جديد بالمسيح القائم" (أفسس22:4-24). نعم، "فهو حيّ بيننا". ومع مسيرة الإنتخابات _ التي نحن سائرون نحوها _ أُمنيتي أن أرافقكم لأكون لكم كلمة من أجلكم ومن أجل حقيقة شعبكم وما ذلك إلا رسالة سماوية وإن سمحتم فهأنذا.

حقيقة وإيمان
 
إسمحوا لي أن أقول _ وأنتم أعلم مني بذلك _ كنّا وكانت أرضنا وكان سهلنا وربوع ديارنا عامرة، بالأمس بأجدادكم، واليوم بكم وأنتم أهلها، وهي لكم أمّاً حملتكم في صغركم، وهلهلت يوم عماذكم، وزغردت ساعة زفافكم وعرسكم، وبعد أيام وسنين تعودون إليها فتحتضنكم لتذكر ذكراكم ومقامكم في السماء كما على مذابح الرب. نعم، تذكّروا دائماً أنكم الأصول والأصلاء، أنتم الأصالة وعمود البقاء، وحين تموت أصولكم فلا تذكار لكم، وما أتعس الإنسان بدون جذور، فلا تجعلوهم يقلعون أصولكم والويل إذا كنتم لهم مساعدين.
لا تخافوا، فأنتم لستم مستَورَدين... نعم، أنتم لستم جاليات ولا أقليات في إنتماءاتكم، ولا عابري سبيل أو أهل ذمّة أو ضيوفاً عند أحد أو عند شعوب، وارفضوا أنْ يُنظَر إليكم كذلك، فأنتم مكوَّن أساسي، حاملون كرامة الإنجيل وحرية المعتقد، فلستم كفّاراً بل أنتم مؤمنون بالذي أرسله الله كلمة إلى مريم (سورة آل عمران؛ 45) وهو من عمل الروح القدس. ومسيحيتكم من صميم أرضكم وشرقكم، وفي هذه الأرض المشرقية إنتشرت البشرى السارة (مرقس15:16) فكانت نوراً للأمم ومجداً للشعوب. فأرضكم أرض المسيح الحيّ الذي أحبّكم حتى الموت (فيلي8:2)، وحضوركم علامة يعمل الكثيرون على دفنها وتشييعها ورحيلها وإنْ أمكن حتى قراءة الفاتحة على بقائها، فأنتم أعرق وأقدم مراكز روحية مسيحية في المشرق الجريح وإنْ كان صحيحاً بانّ أعدادكم تراجعت وبشكل مقلق بسبب الظروف السياسية والأمنية التي ألمّت بكم وهمّشتكم وجعلتكم تُبّاعاً من أجل مآرب المصالح المزيفة والكراسي المسروقة والمناصب المشتراة والتي عنها يدافع كبار الزمن بأنهم الحقيقة، وفي ذلك يغشّون أنفسهم أو يضعون على عيونهم ما لم تره العيون حقيقة. فلا تستسلموا للواقع الذي يرسمه لكم الأعداء بل إعملوا وخطّطوا لغدٍ أفضل من يومكم، وعالجوا قضاياكم وهمومكم وهواجسكم ـ التي تعصف بكم ـ في تكريس الخطاب الديني المُحبّ والمليء بالرحمة والتسامح، والمتصالح في قبول الآخر المختلف والمهمَّش المنبوذ، بعيداً عن ثقافة التكفير والتحريض والكراهية. فبدلاً من التحريض الطائفي والمذهبي ليكن خطابكم خطاباً ملؤه روح الأخوّة والمحبة والخير واحترام الآخر، ولا تكونوا من المكفّرين، فأنتم بدلاً من ذلك إملأوا عقولكم حكمةً وتفكيراً للنهوض بواقعكم الأليم، واجعلوا من سلبياتكم إنموذجاً إيجابياً يُحتذى به في معالجة الأمور والقضايا بالتروّي والتعقّل... نعم، إنجيلكم يحثّكم على أنْ يُشار إليكم بالبنان.

أجراس وكنائس

أقولها: ما يؤلمني أن أجد شعبي مهجَّراً شارداً نازحاً... ما يؤلمني أن أجد شعبي يستعطي في كل الطرقات... ما يؤلمني أن أجد شعبي يرحل إلى كل المحيطات... ما يؤلمني أن أجد حكمة شعبي قد تاهت في كل القارات، وضاعت الحقيقة، وأصبح الفساد قداسة، والكذب حقيقة، والغش رياء، والكراهية سبيلاً، والعولمة المزيفة طريقاً، والصلاة رياء، والمختلِف عدوّاً، والأرض غريبة، واعلموا أن مسكني قد هُدم وأُفرغ من ساكنيه ومن أهله وأصحابه ومالكيه، وأصبحنا عبيداً لدستور مزيَّف شُغْلُه هدمَ كينونتنا وقلعَ جذورِنا، ومُشرَّعاً ضد عقيدتنا وحرية إيماننا في محو تاريخنا وتدمير حضارتنا، فلا شي غير المال والجاه والكراسي، ومن المؤسف أن تكون تلك أحاسيسي. واعملوا أن إنحيازكم إلى كل إنسان مظلوم ومضطَهَد _ وهذا هو عمق الإنجيل ورسالة الإيمان _ أن تكونوا معزّين للمظلومين والمعذَّبين والمأسورين والمضطَهَدين والمستَهدَفين، وكونوا ملحاً وخميرةً لهذه الأرض، وبقاؤكم هو مصدر خير وبركة وبناء وتضحية. فاعملوا على إعادة بناء أوطانكم ودوركم ومنازلكم، وفكّروا في مشاريع رزق لأولادكم وأحفادكم، ولا تستسلموا لليأس والقنوط وتجعلوا التاريخ يضلّكم ثم يشهر بكم بأنكم بعتم أرضكم ووطنكم بأكلة عدس كما فعل قبلكم عيسو من أجل معدته ودنياه. فواجبنا أن نفتش عن حقيقة الإنسان والله، وعن الحاجة إلى العمل معاً كي لا نعيش في قلق الحياة والخوف من القادم والإرهاب من الجار، فأنتم ملتزمون للعمل لصالح أرضكم وكنيستكم وأصالتكم بعمل يهدف للخير معاً.
نعم، أنتم باقون في منطقتكم، وستبقى أجراس كنائسكم في هذا المشرق العربي تدقّ وبأصوات متناغمة ومعلِنَة أنكم شهود للحياة وشهداء من أجل الحقيقة في إعلان قِيَم المحبة والأخوّة والتلاقي. وتذكّروا دائماً أن المسيح قام حقاً قام. واعلموا أنكم قضية، وقضيتكم أرضكم وكل الوطن، فكونوا مدافعين عن حقوقكم وأرضكم ولا راحلين عن وطنكم، فأنتم وطن والوطن أرضكم وإنْ كان الكثيرون قد غادروه فذلك شأنهم، فالمسيح الرب واحد، أرسله الله لخلاصنا ولا يمكن أن يكون هناك مسحاء آخرين إلا دجّالين، وخوفي أن لا تكونوا كذلك... فلا تيأسوا، فمن المؤكد أن الإرهاب في النهاية سيختفي.

أرملة ... وذئاب

تشجعوا، لا تخافوا يا أحفاد الرجال الأوفياء وبُناة المعابد الأمناء، فالأرض أرضكم فلا تتهاونوا في حمايتها، فهي تناديكم لا تتركوني أرملة فالذئاب كثيرون وإنْ لبسوا ثوب القداسة، وتزيّنوا بزينة الطهارة، وجلسوا على كراسي الزمان، فما هم إلا فاسدون يتاجرون بما لا يملكون، ويحصدون ما لم يزرعوه (متى 24:25)، فأنتم اليوم، وأرضكم ووطنكم أمام مصير مجهول إنْ كنتم قد غادرتموه من أجل ملء البطون وراحة البال وتربية العيال، فالهجرة نخرت صفوفنا وشتّتت كياننا وهدمت حضارتنا فتلاشى وجودنا، ولم يبق لنا من ذكر في تاريخ مسيرة الوطن. واعلموا أن الأرض بمقياسها بنت عشيرتكم ومعبدكم وعائلتكم كما هو وليدكم، ومستقبل أرضكم نداء لا تساويه أثمان بل هو أغلى حتى من عيالكم، فالرب أعطاكم ما لم تفكروا فيه، وما لم تتعبوا به، ومنحكم وطناً ورأى ذلك حسناً (تك 1) فلا تكونوا سلعة للجيران _ شرقاً كانوا أم غرباً، شمالاً أو تيمناً (جنوباً) _ الذين قتلوا آباءكم وأجدادكم يوماً، بل كونوا معهم حكماء النيّة وسليمي السيرة وقائلي الحقيقة وإنْ كانوا أقوياء، ولا تكونوا خروفاً أو حَمَلاً كحَمَل إبراهيم لأنهم يوماً سيسوقونكم إلى المحافل ويطردونكم ويذبحونكم وتُقادون بالسلاسل، بل إحملوا مشعل الإيمان وتشجعوا وترس الصلاة وتقوّوا بالذي فداكم على خشبة العار (مز10:95) فكانت لكم خلاصاً، بهذه ستنتصرون.
تذكّروا قسطنطين وأمّه هيلانة، ولا تسلّموا أنفسكم لهيرودس الزمان _ وما أكثرهم في هذه الحال _ ولا إلى بيلاطس الجائر بحكمه وما أكثر كراسيهم، فأنا بينكم ومعكم نعمل إرادة الإله من أجل الإنسان وخلاصه في شهادة للحقيقة. فلتتماسك أيادينا بقلبٍ واحدٍ ونيّةٍ واحدةٍ، وكفى أن نكون بضاعة للأحزاب والحركات، والديمقراطيات والتوجّهات، والعشائريات والقبائليات والمناصب الزائلة، ولا زلنا نعاني الأمَرَّين كبقية الشعوب والمواطنين على أيدي فئات لا تُقيم أي إعتبار لنا واحترام لمشاعرنا الدينية، وتتلاعب بمصيرنا ومستقبل أبنائنا وكأننا دخلاء على هذا البلد وما شابه ذلك. كونوا كما قال البابا فرنسيس:"إرفعوا دائماً أصواتكم لكبارهم بإسكاتهم كي لا تغييب قيمكم ولا تكونوا ضحايا للخديعة، فإنّ مَن بيدهم القرار لهم أساليب كثيرة ليجعلوكم صامتين"  (البابا فرنسيس في أحد السعانين؛ 2018)، قولوا الحقيقة في وجه الأقوياء، ولا تسيروا في تشييعها وأنتم قتلتموها، ولا تكونوا من الذين يؤمنون بالإنسان وانتم تشوّهون وجه الله المحب.

لحظة ورجعة
 
مرّت المحنة بداعشها وبمآسيها وآلامها، بزواياها المظلمة وسقوفها المهدومة، وإنْ كانت أذيالها طويلة وقاسية. والشكر لربّ السماء الذي أوصلنا إلى هذه المرحلة من مسيرة المحنة التي نكبت بنا في السادس من آب عام 2014، والتي فيها كنتم كالخراف أمام ذئاب غادرة، وفي تلك الليلة المخيفة والمفزعة كانت الهزيمة، حيث افترشتم حدائق أرض الشمال، وأصبحتم حينها تستعطون حتى منازلكم وكرامتكم بعد أن دُمّرت بيوتكم ونُهبت أموالكم، وأصبحتم تائهين في شوارع المدينة وساحات الإنضباط والتفتيش، وربما _ بل من المؤكد _ أن الغلطة لم تكن غلطتكم، بل كنتم فريسة لمصالح سياسية وديموغرافية وحزبية، من قريب أو من بعيد. إنها لحظة ولّت دون رجعة، وإن شاء الله وبعون سيدة بغديدا أمّنا القديسة مريم بثولتا (العذراء). ولكن إنتبهوا من الآن _ عبر أساقفتكم الحكماء وكهنتكم الأوفياء ومؤمنيكم البسلاء _ أن تكونوا بالمرصاد للشرير والفاسد أينما كان، وانتبهوا أنْ "لا يأتونكم بثياب الحملان" (متى15:7) وبكلام ملؤه العسل والمذاق، وأنتم لهم مصفّقون، فالمستقبل لا يرحم أحداً، كما إن التاريخ لا يجامل الحقيقة، ولا يطاله التشويه أو التبديل أو التزوير، كما إنه لا يترك صغيرة ولا كبيرة، نافعة أو ضارة، إلا ودوّنها في كتاب مبين (سورة النساء؛ 144).

خبز وسياسات

إنّ ذاكرة الشعوب لا تمحوها الحروب والإرهاب، فلا تكونوا خبزاً للسياسات المزيَّفة، بل كونوا مِمَّن يريدون أن ينتفعوا من تجارب الماضي، واستخلاص العِبَر والدروس، فأنتم أغنى حضارة وأسمى ذاكرة على وجه البسيطة. وانتبهوا واحرزوا من العقول المزيَّفة ومن الحكماء الفاسدين. واعلموا أنكم شعبكم وشعبكم أنتم ، فلا تتقدموا للبرلمان من أجل جيوبكم ومصالحكم الكبريائية الدولارية، ولا من أجل محسوبياتكم وأقربائكم وطائفياتكم، بل إعملوا بكل شجاعة من أجل أرضكم وأصالتكم ووطنكم، ولنتذكر وأقول لكم: إن ما حدث في كنيسة سيدة النجاة _ وكنتُ سامعاً وحيداً للآهات، وشاهداً لِمَا حلّ بها من تدمير وقتل الأبرياء المصلّين _ لن تكون الأخيرة إلا إذا عرفتم مقام أنفسكم وقيمة سياساتكم ومنهج مسيرتكم بروح المواطنة والتمسّك بها وحبّ الوطن، كي لا تسمحوا للكوارث والمآسي والمحن تنتابكم مرة أخرى كما حصل مع داعش. فلا أحد معكم إذا كنتم مشتّتين، منفردين، محبّين لذواتكم وأنانياتكم، بل إعملوا من أجل وحدة وطنكم ومحبّة ترابكم وشعبكم، وإعادة بناء مدنكم وقُراكم، وحقيقة مسيرتكم المسيحية والإيمانية والإجتماعية، تاركين الخيارات الطائفية والمذهبية والسياسية والمصلحية والقومية الضيقة خلف ظهوركم، وانتبهوا من رفع الشعارات التعبوية من أجل دغدغة المشاعر فما تلك إلا بالونات وزوبعة في فنجان، فأنتم أحفاد المؤمنين الغيارى. فكونوا شهوداً للحقيقة وشهداء من أجلها، واعلنوا من بينكم الفاسد واعملوا على إصلاحه وليس على تقديسه، قولوها بأعلى أصواتكم فالمسيح الحيّ ربنا كان لها شاهداً، وإلا سيكون الضياع والفشل وداعش أسود آخر، فلا تحلموا بالعودة، فالأحلام تُشيَّع نهاراً، بل عودوا إلى دياركم، وكونوا أحفاد الذين كانوا من أجل العراق، أبناء الرافدين وأبناء دار السلام وأور أبينا إبراهيم. أنتم أبناء الجبل والوادي والسهل، والقرى والمدن. عودوا إلى دوركم واسكنوها، وارجعوا إلى كنائسكم المقدسة وزيّنوها بطقوسكم السريانية والكلدانية والآشورية والأرمنية... كونوا رسالة وطريقاً نحو السماء.

الختام
 
حينذاك لا تخافوا، فالشعب سينتخبكم لأنكم له ومن أجله، ومنه كنتم وأتيتم ولا زلتم. سيبقى المسيح حيّاً فينا، فلا تخافوا مهما كانت الجمعة العظيمة قاسية فهناك نور أمل ورجاء بالقيامة المجيدة وفيكم، ألم يقل المسيح:"مَن آمن بي وإن مات فسيحيا" (يو25:11). فشهادتكم لمسيرتكم، مسيرة من أجل أحفادكم ومدنكم، ورجاؤكم ورجاؤنا بالمسيح الحي "فالمسيح قام حقاً قام"، واعلموا أن الإنسان هبة من عند الله وهو عطيته وصورته، والله وحده سيد الحياة، وهو الذي أرادنا هنا لنؤدي شهادة حسنة ليس لها بديل، وتلك دعوتنا السامية. وفي ذلك سنتمنى للكفوء أن يأخذ مكانه ويفتح عينيه (لو:28:24) ليقرأ ما أرسلَتْه السماء من أجل الإنسان، وما أبدعه المسيح الحي بقيامته من أجل إعلان ملكوته، وهكذا تقضون شريعة المسيح وإن ظنّ أحد أنه شيء... لا تتطلّعوا إلى أمجادكم الشخصية وإبراز ذاتكم وعضلاتكم من أجل صورة مزيّفة، ولا تكن رغبتكم بالكلام والمواعيد، فستنجرفون وراء الأخضر، وتبيعون الفقير وقضية وطنكم، وتحمّلكم لمسؤولياتكم يعني القدرة على زرع نبتة الحقوق وليس لزرع المنافسة والقتال والغيرة بينكم. فلتكن ضمائركم يقظة خوفاً من هبوب العاصفة، فستجدون أن منازلكم وقصوركم قد بُنيت على الرمال الكاذبة والمواعيد المرجوَّة الفاسدة فيكون سقوطها عظيماً (متى 27:7). ويقول مار بولس:"إعلموا أن كل شيء طاهر للطاهرين وأما للنجسين وغير المؤمنين فليس شيء طاهراً بل قد تنجس ذهنهم أيضاً وضميرهم. يعترفون بأنهم يعرفون الله ولكنهم بالأعمال ينكرونه إذ هم رجسون" (1تيطس 15:1-16)، و"كونوا قدوة للمؤمنين في الكلام، في التصرف، في المحبة، في الروح، في الإيمان، في الطهارة، في قول الحقيقة في وجه الأقوياء دون خوف والشهادة لحقوقكم..." (1طيماثاوس 12:4).
وأخيراً يقول البابا القديس يوحنا بولس الثاني:"لا تيأسوا ولا تستسلموا أبداً، لا للإحباط ولا للخوف، بل عليكم أن تحملوا أمانة إيمانكم في قلوبكم"... ومبروك لكم ترشيحكم، وإن شاء الله فوزكم... فالمسيح قام... حقاً قام... نعم وآمين.



8

الى الاخ العزيز ظافر شنو الموقر
تحياتي ومحبتي
ربما يكفي لي شرفا وفخرا انني تعرفت عليك عبر المراسلة من موقع عنكاوة الاغر وتعليقاتك على مقالات عديدة وهذا لي شرف كبير ان يكون لي اخ دون ان اراه كما يقول ربنا يسوع " كلكم اخوة "
عزيزي استاذي ظافر
اني ما كتبته في هذا المقال " الى من يهمه الامر " اخوض فيه مواضيع عديدة واذهب لاعاتب الذين شنوا الحروب علينا والزمونا الحصار دون ارادة منا فنحن شعب ووطن لم يكن لنا لا ناقة ولا جمل في موضوع الحروب والحصار والطائفية الا اليسير من الذين باعو انفسهم لمصالح سياسية واخرى غيرها ومن جميع المكونات والعقائد . هذا اولا اما ما جاء في الرد على مقالتك اقول هل نحن فعلا مهيئين لنفهم ماذا يريد شعبنا كما تقولون" شعبنا " وهل فعلا لنا ثقافة حب الارض والوطن وان كانت ظروف الوطن قاسية فما يحصل هو اننا لانجسد اطلاقا ما جاء في الانجيل لربنا يسوع المسيح الذي سبق واعلمنا انهم يضطهدونكم ويطردونكم وووو بمعنى ذلك ان نصف الانجيل يجب ان يوضع على جانب ( استغفر الرب ) فانا ما قلته ايضا لمل البطون ويلهو بالحياة ما اقصده اننا احيانا على مسيرة حياتنا بالكذب امام رؤوسائنا كي لا نظهر انفسنا الا  قديسين ونحن من الداخل غير ذلك ز هذا جانب ايضا وهل يجوز افراغ البلد من مسيحييه وعفوا داعش اراد ذلك اليس كذلك . هل تعلم انني قاسيت الامرين منذ عام 1983 حيث استلمت رعاية كنيسة مار يوسف في بغداد واقولها " الحقيقة لا اعلم انت اين تسكن يا سيدنا ظافرداخل البلد ام خارجه " فقاسيت الحروب والخوف والحصار والحرب الايرانية العراقية وحرب الخليج الثانية ثم الحرب الامريكية وايضا الحصار وكم قُتل من الاطفال في الحصار واليوم شعبنا يموت بسبب امراض قاتلة ، ولم اترك بغداد حتى في اعتى الايام وخاصة الحرب الطائفية كما تركها الكثيرون ايمانا مني وحبي للمسيح الحي وان اكون وفيا له وللانجيل المقدس ولكن كل هذه الايام القاسية التي مرت لم تخيفني يوما لان الرب كان معي ومعكم فلا نخاف اذا هناك ايمان وان كان كبار الزمن لا يفتشون الا عن مصالحهم ويزينون مسيرة حياتهم بحقائق مبهمة .ولم اسمع منهم كلمة معزية في ذلك .وهذا لا يعني انني احبهم واحترمهم .نعم انا لا انكر اولئك الذين احتملوا الالام والعذابات وشهادتهم للمسيح من ابناء شعبنا الطيبين فلا داعي ان نسال عن شعبنا وبحجته كي نربح تصفيق كبار الدنيا والزمن والمعابد  ونكون مثالا يحتذى به ونحن غير صادقين حتى مع انفسنا . ثم اسالك هل حينما تمر ذكرى كارثة سيدة النجاة وفيها كنت الاول من اقتحم وعاين كل شيى فالذين كانوا ضمن الكارثة ربما يقولون او قالوا وهم في حالة مؤلمة وغير طبيعية ولكنني رايت وعاينت وحينما اتكلم عنها اقول حقيقة ما رايت فهل تعلم في ذكراها لا احد من اهلي الضحايا والشهداء يشاركوننا في الصلاة لان كلهم رحلوا . فهل كانت سيدة النجاة سببا للهزيمة ام للشهادة ولا اخوض اكثر في هذا المجال فقد اكون في اعين الكثيرين غير صائب فاقدم اعتذاري .
اخيرا نعم سيدنا ظافر الموقر ، خضت في مواضيع عديدة وغايتي فيها معروفة امام القراء وواضحة وضوح الشمس. فارجو اعتذاري منك للاطالة وسابقى لك وفيا ولشعبي ومهما قالوا عني او ظلمني كبار الزمن لمصالح او لاسباب اخرى كما اتهمني ربما الاحبة والاصدقاء بامور عديدة لغايات في قلوبهم فتلك محطات مؤلمة ولكنها مواقف تجعلني ان اثبت ايماني في المسيح الحي الذي من اجله ساموت متى يدعوني وسيذكر التاريخ كذب ونفاق الكثيرين وما اجمل التاريخ حينما يكون شاهدا للحقيقة ويكفي فخرا انني علمت ابنائي ما نحن الا شهود وشهداء واخذ الكثيرون يستعملون هذه العبارة . وشكرا لنعمة الرب يسوع ومحبتي لك وكل احترامي
محبك بيوس


9

شكرا جزيلا لكما من كل قلبي يا سادتي يا كرام الاستاذ الجليل يوسف ابو يوسف
والاستاذ ميخائيل ديشو المحترمين
ما كتبته هو سؤالنا كلنا ان حقيقة المواطنة لا يفهمها الا الذي يدرك عظمة ترابه وارضه وليس هزيمته فقط ليملا
ليملا البطون ويلهو بالحيات ومن جميع الدرجات
ونحن اما تغيير كما نشاءه
ومطالب كما نحتاجه واننا نؤله بشرنا من اجل غايات
واللبيب من الاشارة يفهم
فاذا كنت تسمعني فارجو منك ان تفهمني
مع محبتي الغالية وشكرا

10
إلى من يهمّه الأمر
هل مَن يسمع ويفهم؟... أم ماذا!!

المونسنيور د. بيوس قاشا
     في البدء
مرّت بلادنا بحروب عديدة كُتبت علينا، وبحصار واحتلال، وهُدمت بيوتنا وشُتِت أبناء وطننا،
وقُتِل وفُقد أعدادٌ من مواطنينا، بل أعداد لا تُحصى،  وجُرح الالاف !!  فهل تعلمون ما عدد الذين قُتلوا وخُطفوا وشُرّدوا إضافة إلى الجرحى الذين لا تُحصى أعدادهم. والمخيف أننا لا زلنا ندفع الثمن غالياً بسبب الحروب التي شُنَّت علينا وما حلّ بنا، كما لا زلنا حتى الساعة نعيش أزمات تلو أزمات، وطائفيات وعشائريات، ولم نعد ندري إلى أين نتوجه وأين هو السبيل الصحيح والسراط المستقيم.

    كبار الدنيا
أقولها: لنسأل مَن هم الذين قادوا الحروب؟، ومَن هم الذين قرّروا الحصار؟ وفرضوا الإحتلال ؟على شعب لم يكن له لا ناقة ولا جمل، لا في الحروب ولا في الإحتلال ولا في الحصار، والذي راح حينها حوالي (3000) طفل عراقي ضحية لقرار بائس!. ألم يكن بإمكانكم أيها الكبار أن تدركوا أن ذلك يأتي في مجال تدمير الطفولة وإهانة  حقوق الإنسان وفساد القيم والأخلاق وتشتت العوائل والشعوب؟ ولكن ألم تكن تلك إرادتكم؟ فعملتم على دفن حقوق المكوّنات والأقليات وأنتم تنادون بحقوق الإنسان، فجعلتمونا، كما أصبحنا رغم شهدائنا، من الدرجة الأخيرة في الحفاظ على حقوقنا؟، ألم تكونوا أنتم والآخرين والمصالح السبب في هذه الأزمات وخلق النعرات في الطائفية والعشائرية؟، ألم تدركوا أن شعبنا قد أُهين في كل المجالات وأصبح في قوائم مهملة ومنسية في إحصائيات الدول؟، هل يجوز ذلك؟، هل تعلمون إننا لا زلنا نعاني ضياع السلام والأمان منذ سنين عديدة ومن نصف قرن تقريباً؟، فإن أردتم أن تنعم بلادنا بمستقبل آمن فاعملوا من أجل أن يكون السلام في شرقنا عبر مسيرة الخير والمحبة وليس عبر البيانات والقرارات ومن على منابر الدول، أليس كذلك؟. فهل من الأخلاق أن يضيع السلام في طرق ديارنا، ويُباع بمصالح بائسة ، وتبقى شعوبنا تئنّ من وطأة الحروب والقتال، ويبقى وطننا ضحية لصراعات دولية ودينية وديموغرافية وحسب مشيئتكم !!. فإنني أسأل: أين دور كبارنا قبل كبار الدنيا؟، هل هو عبر أسطر الجرائد وإذاعة الإعلام أم ماذا؟.

     وطن الحروب
كان وطننا في السابق ـــــ كما الأزمنة التي مرّت بأجيالها وقرونها ـــــ وطن الحضارات والعلم، وأصبحنا اليوم وطن الحروب والخصومات، فلم نعد نجد أمام أبصارنا إلا تهجيراً ونزوحاً وداعشاً، فآثارنا سُرقت، وهُدمت بيوتنا وديارنا، ونُهبت أموالنا وحلالنا، أمَا كنتم تعلمون ما سيحصل لنا وبنا من داعش الإرهاب؟. والسؤال هو: مَن أتى به ليكفّرنا ويطردنا ويسرق رزقنا الذي ربحناه بعرق جبيننا (تك 1      )؟، نعم، أليس ذلك من أجل دولار أخضر أشتريتم وطنيتنا وإخلاصنا ونفوطنا بل وانسانيتنا ؟ وأصبحنا نحن والوطن سلعة تباع وتشترى كما تشاء المصالح، فضاع كل شيء ولم نعد نملك شيئاً، وما نملكه ليس مُلْكنا، كما أنعم الله على بلدنا بالخيرات والبركات، بالنفوط والغاز، فهي من أجل أولادنا وشعبنا، من أجل تقدمنا وبناء وطننا، فقد كنا نحيا ملء قدر إمكانياتنا، ونرضى برزقنا، ونهنأ بنهارنا وراحة في ليالينا.

    كرامة شعبنا
ألم يكن ـــــ ونحن نمرّ بمأساة الحياة ـــــ أن تعيدوا إلينا علمنا، وتعلّمونّ حب وطنكم (وطننا)؟. ألا يكفي ملء بطوننا ، ونهب كنوزنا وتهجير عقولنا، وسرقة كفاءاتنا ، ولمّ شمل مواطيننا، وتمزيق رباط وطنيتنا ومواطنتنا، بحجّة حمايتهم والمحافظة عليهم. وحصل ماحصل، وهو إننا ذُبحنا كلنا، كما أصبحت نفوطنا وخيرات بلدنا مُلْكاً لمصالحكم ومحرَّمة علينا، وأمسينا فقراء، وأصبح شعبنا بسببكم فقيراً يتسوّل بين طرقات الأزقّة والشوارع ويستعطي من كبار الزمن،ومن منظمات مصلحية دولية ، وأمست أجيالنا بلا مدارس، ومستشفياتنا بلا دواء ولا أطباء، فأين كرامة شعبنا، وأين حقيقة نعمتنا؟ أليس كذلك؟، وهل تعلمون أنه بسبب ما حصل أصبحنا تائهين في مسيرة الحياة، وأصبح الرزق فساداً، والنهار مخيفاً، والراحة لم تعد ذكرى؟، وفي كل ذلك كنتم تتفرّجون علينا، وتطبخون مواعيد تحريرنا كما كنتم تقولون، إذ كنتم مدركين تماماً أنه ليس باستطاعتنا سوى الطاعة والخنوع وليس فقط الخضوع، وربما السبب سببنا.ألستم أنتم من تقولون ، إن كبارنا ورؤساءنا وسياسيينا غير متّفقين ولا متّحدين، بل منقسمين وغير منتمين إلى حقيقة وطنهم، ويفتشون عن مصالحهم وعشائرياتهم وطائفياتهم وقبائلهم، وربما حسناً تقولون وفي ذلك كثير من الحقيقة، ولكن أليس السبب هو سببكم أيضاً؟، ألستم أنتم الذين تشجعونهم على بيع مصالح أوطانهم ؟من أجل ملء جيوبهم ونسيان حب وطنهم وفدائه وخلاصه من أزماته؟، فأنتم تشترون وتبيعون كبارنا، وكل هؤلاء جعلتموهم سلعة للمصالح وحسب ما تهوى نيّاتكم لأجل خير غاياتكم ومن أجل أمان بلادكم. أليس كذلك!.

    حدود حريتنا
نعم، فبعد تهجيرنا آويتمونا في كرفانات، ومنحتمونا دواءكم، وكنا راضين بنعمتكم وعطاءكم، ودعونا بالسلام لشعوبكم ولأوطانكم، ولكن ألم يكن هذا الغذاء وهذا الدواء وهذه الكرفانات مفيدة لشعوب بائسة ودول فقيرة لولا عملية داعش الإرهابي التي خيّمت على نفوسنا وبيوتنا، والتي كتب التاريخ مسيرة الألم التي عشناها؟. كما كان لنا حرية العبادة ولا أكثر من ذلك، وهنا تقف حدود حريتنا، وبئس الحدود التي تؤشَّر من قبل البشر، ففي ذلك ينسون أن الله قال:"هي ذي الأرض كلها لكم" (تك1)، يعني لجميع الشعوب، فلماذا تعلّموا حكّامنا أن حرية الإيمان حرية مقدسة ؟ كما هو الحال في بلادكم. ولكن أين هو تحقيقها وعيشها كما ولا زالت قضايانا في أروقة مكاتبهم وكأننا من الكافرين ولا نستحق العيش إلا حسب تعليماتهم وتعليماتكم ؟ والتي أنتم أتيتم بها ، وهذا ما قاد الإرهاب إلى هدم معابدنا وكنائسنا وتنزيل صلباننا من على قببها كما كان شأن ساعات الحرب بعد أن فجّرها داعش الإرهاب.

     مستقبل أجيالنا
نعم، لقد قدّمتم لنا دستوراً لحريتنا ولديمقراطيتكم من أجل ديمقراطيتنا، ونحن نفتخر بأول قانون للحياة ودستورها، بحمورابي وآخرين، فقد كنّا ندرك دورنا ومواطنتنا على قدر ما وُهب لنا من نِعَم السماء، فأعطينا شهداء، فما كُتِب فيه لا يليق بنا وبكم قبل أن يكون عاملاً من أجل وطننا وحرية إنساننا وسعادة شعبنا، وما فيه يكفي ليفرّق بين شعبنا وأرضنا ويجعلنا جميعاً أقليات بائسة ،ولا نملك شيئاً، فكلنا مُلْكٌ للكلمة وإعلامها وليس للأرض الطيبة، ولكن بسبب الدستور الذي كتبتموه وصادرتموه لنا ولمسيرة أيامنا ، فهو مليء بثغرات الدمار والقتال والتفرقة والتقسيم وتدمير الحقوق؟، وجعلتم من ديمقراطيتكم وحريتكم سبيلاً لنا للدمار ولكم فيها حقوق مصالحكم. فلقد كنا شعباً واحداً متآلفاً، وكنا وطناً واحداً، متساوين في الحقوق والواجبات، كما كنا بلداً آمناً نحيا فيه ونبني مستقبلنا ومستقبل أولادنا، ولم نكن نحلم إننا يوماً سنكون من الحاملين لحقائبهم وراحلين، أو من المهجَّرين على طرق العالم، فلماذا عملتم على تقسيمنا مسيحيين ومسلمين وصابئة وايزيديين ؟. وفي اختيار منهاجكم التقسيمي هذا، جعلتم منا طوائف سُنيّة وأخرى شيعية وثالثة كردية ورابعة تركمانية ثم مسيحية وأنتم تدركون جيداً إن ذلك سبب لتدميرنا ليس إلا!. فلماذا جئتم بالحروب والحصار،وفي ذلك كنتم  سبباً في تفشّي الفساد بديارنا وهدم مستقبل أجيالنا، وأصبحنا مشرَّدين ومهجَّرين من بلد إلى آخر.فنحن عراقيون ، رافديون ، أليس كذلك؟.

     دعوات الرحيل
أليس من الواجب الأخلاقي أن تعيدوا بناء ما هُدمتم في وطننا، أليس من الاخلاق أن تحافظوا على مواطنينا من أجل عدم إفراغ أوطانهم؟ بدل أن تأخذوهم تحت عناوين ومسميات مختلفة ، لم نسمع بها من قبلُ، ولم تخطر يوماً على بالنا، من أجل بقاء شعوبكم وخدمة بلدانكم ، بل لا زلتم أحياناً تُصرّحون بأنه بعد سنوات لن يبقى مسيحيٌ في العراق أو في الشرق وما شاكل من هذه الأقاويل،فأنتم تعلنون وأنتم تصرحون ،  وهذا ما يؤيّد مرادكم ويحقق مطالبكم الظاهرة والخفية،  بدل أن تكونوا روّاداً لسموّ الأخلاق في إعادة البناء والأمن والاستقرار وتثبيت أبناء الوطن في أرضهم، من أجل الشهادة لمسيحيتهم ، والتعايش مع الاخر المختلف ، وأنتم كل يوم تغنون بالتعايش والمعايشة والبقاء في الارض ، فبئس هذه الازدواجية في التعامل مع الشعوب المضطهدة والاصيلة ، وأصبح القارئ والسامع لا يدرك غاياتكم ، ومآربكم .  فبحق المبادئ التي تؤمنون بها واليافطات الانسانية التي ترفعونها ، الم تحن الساعة كي تنصفوا الأنسان العراقي وتعودوا إلى حقيقته،  والذي دُمّر قلبه قبل أن يموت جسده، وبيع شخصه وهو جنين في بطن أمّه، وقبل أن يرى شمس الوطن المحرقة وجفاف الشتاء؟ كما أليس من واجبكم الأخلاقي أن تعيدوا وتعملوا على إيقاف دعوات الرحيل وإفراغ البلد بمشاريع ترفد الكفاءات، وتزرعوا بذار العلم في أرض الوطن الجريح... فأنتم بلاد الحرية والعلم والتكنولوجيا، ونحن نقرّ ونعترف بذلك ،أليس كذلك؟.
    الخاتمة
إلى متى نبقى صامتين؟، وإلى متى نسجد لكبار المصالح ؟ ونكون عبيداً لأناس وظيفتهم خدمتنا والمحافظة على وجودنا والإعلان عن أصالتنا وليس إستعبادنا؟، فالرب أوصانا أن نقول الحق فنكون أحراراً (يو32:8) وليس شهود زور من أجل حفظ ماء وجه الكبار الفاسدين، الذين يسرقون بكل أدب واحترام ، وهم من آل بيت الحقيقة يُسمّون ،  فلماذا نركض وراء العبودية؟، ألا يكفي ما حلّ بنا وما قاسيناه؟. إنهم يجلسون ويحاكموننا في المجالس التأديبية، وينهبون ويكذبون ويسرقون بأصول ولا أحد يعرف مكنوناتهم إلا الله (العلي العظيم) والذي على كل شيء قدير، ويعلنون أخباراً مزيّفة عبر التواصل الإجتماعي المزيّف ولا أحد يحاسبهم، بل لا لوم عليهم لأنّ الدنيا تحميهم، والدستور يقيهم،  والمناصب تستر خفاياهم.
نعم، فاليوم قبل الغد لنطالب برفض الوجوه التي إستعبدتنا دون أصل حق، وحَكَمَتْنا زمناً كبيراً، فاليوم نحتاج شباباً هم رجالٌ يخافون الله (لو19:16-31) ويقدّسون اسمه (لوقا 2:11)، ويخدمون البشر، ويعلّمون طريق السماء، ويعلنون الحق، ويصلحون الفاسدين بدل حمايتهم وتسميتهم بما لا يستحقون من ألقاب ومهما كانت المصالح والنيات. ولكن هل هي معبَّدةٌ تلك الطريق بعد أن صار الإنسان يعبد الدنيا وكبارها ولهوها، وهو لهم ولها خَرَّ سجوداً، ومن المؤسف أقولها؟فنحن اليوم نؤله بشراً ، وختاماً اُردد، ما يقوله المسيح الحي "من له أذنان سامعتان فليسمع"(متى43:13)، بل من له أذنان سامعتان فليفهم ، فهل هناك مَن يسمع ويفهم؟ وعذراً ، نعم ،إنها الحقيقة ولكن الحقيقة شُيِعَت والعزاء لحامليها . نعم وآمين.
 


11
بمناسبة الذكرى الخامسة لانتخاب البابا فرنسيس

فرنسيس الفاتيكان من أجل الإنسان

المونسنيور د. بيوس قاشا
من المؤكد إن الكنيسة أمّنا تحمل إلينا حقيقة الإنجيل المقدس أمانةً منها حسب وصية الرب، كما تؤكد رسالتها وفقاً لقصد الله الآب في رسالة الابن والروح القدس... هكذا يقول المَجْمَع الفاتيكاني الثاني (الدستور العقائدي في الكنيسة؛ عدد1). وقداسة البابا يرعى الكنيسة المقدسة عملاً بقول الرب يسوع لبطرس "أنتَ الصخرة وعلى هذه الصخرة أبني كنيستي" (متى18:16) وأيضاً "إرعَ خرافي" (يو16:21) و"ما ربطتَه على الأرض يكون مربوطاً في السماء، وما حللتَه على الأرض يكون محلولاً في السماء" (متى19:16) ثم "وأنتَ إذا شئتَ، فثبّت إخوتكَ" (لو32:22).
نعم، إن خليفة بطرس أول الرسل يقود الكنيسة ويسوسها بعصمة وسلطة إلهيَّتَيْن، كما أقامه الرب يسوع راعياً على رأس الرسل، واضعاً في شخصه مبدأً وأساساً دائميَّين ومنظورَيْن للوحدة في الإيمان والشركة، ليقود سفينة الكنيسة في هذا العالم المتلاطم والذي تضربه أمواج العولمة المزيَّفة، وأعاصير الإلحاد واللامبالاة، ونقل الأخبار الكاذبة، ودمار الحروب والتهجير واللجوء، والربّ يمنحه شجاعة وقوة وإيماناً مردّداً من أجله وأجلهم "لا تخافوا" (متى27:14).
البابا هو للعالم كله "كلاًّ للكل" (كور22:9)، وهذا ما يتصف به البابوات جميعاً. واليوم البابا فرنسيس قد إشتهر بتواضعه ودفاعه عن العدالة الإجتماعية والمحافظة عن شؤون العقيدة، وإذ إكتفى بالعيش في شقته الصغيرة، جعل من شخصه أباً وأخاً للفقراء كما للأغنياء، يشارك الفقراء همومهم ومآسيهم وصعوبة معيشتهم، ويعمل في فكره كما في مسيرة حياته أنْ لا يترك فقيراً أو مهمَّشاً ينام دون عشاء أو قوت الدنيا، فتلك المطاعم شاهدة على محبته... إنها إنسانيات مسيحية، وما ذلك إلا شهادة على تفانيه ومحبته "كنتُ عرياناً فكسوتموني" (متى36:25)، فإليه يقصد الفقراء كما الرؤساء، فلم يجد نفسه إلا من أجل الإنسان، مسيحياً كان أم مسلماً، يهودياً أم بوذياً، عربياً أم أجنبياً، أسوداً أم أبيضاً أم أسمراً، فقد إستطاع أن يستقطب أنظار العالم قاطبةً، مخبراً بحقيقة الفقراء ووجودهم بيننا، ومعلِّماً للأغنياء وأصحاب المناصب والمعالي، سموّ الخدمة والعطاء، كي يحمل إلى الجميع سلاماً وخيراً وبركة وكلمة صادقة من أجل حقيقة أمينة.
البابا فرنسيس: أكيد لا ينسى تثبيت إخوته في الإيمان (لو32:22) كما في حقيقة المسيرة، حيث يوجّههم أن يكونوا بجانب خرافهم، وأن يتعلّموا شمّ رائحة خرافهم كراعٍ صالح (يو11:10) يفتش عن غنمه وحملانه، ويحمل الشهادة للمسيح القائم من بين الأموات، فهو  يقرأ علامات الأزمنة على ضوء إنجيل الفقراء، فانفرد بخطّ مسيرته. وفي ذلك يرى أعمال الله التي لا تُحصى، مكمِّلاً ما قاله البابا بندكتس السادس عشر:"إن الطريق إلى روما يشكّل جزءاً من شمولية رسالته كمبعوث إلى الأمم والشعوب كي يؤسس الكنيسة الكاثوليكية الجامعة... لذا فعلى روما أن تكشف الإيمان للعالم أجمع، وعليها أن تكون مكان التقاء الإيمان الواحد" (عصر تسلّمه مقاليد الأبرشية روما؛ 5 أيار 2005).
البابا فرنسيس: منذ بداية حبريته، وعبر خِطَبه وعِظاته الموسمية واليومية في البازيليك أو دار القديسة مرتا، يؤكد على التزامه ونهجه طريق إكتشاف الفقير وحاجاته، وفي الدفاع عن المهمَّش والسجين والمقعَد والساهر على طرقات البشر الغير المبالين، الغير المهتمين، الذين يجعلون من الدنيا ولهوها واللعب فيها سبيلاً للوصول وتحقيقاً لمآربهم، كما يعلن قداسته التزامه الثابت بالدفاع عن حقوق هؤلاء وآخرين، فهم سريعو العطب ولكنهم ثمينو القيمة لأنهم يستأهلون البحث عنهم وحمايتهم، محاولاً أن يدرك الجميع، مؤمنون وعلمانيون، إنه من أجل ذلك جاء المسيح وجال في شوارع اليهودية والناصرة وليس في قصر هيرودس وبيلاطس، وصَرْحِ حنّان وقيافا، وما إلى ذلك.
البابا فرنسيس: هو ذا يفتش عن طُرقٍ مظلمة ليجد مشرَّداً متروكاً على حافة الطريق وقد أنهكته الدنيا ومآسيها كسامري صالح، فيحمله في قلبه، ويوصي به كي يُعتنى به، ومهما كانت المسافة يجاهد ليلتقي بالبعيدين كما القريبين، ويدعو الجميع رجالاً ونساءً، أفراداً وجماعات، إلى العطاء والخدمة، والإهتمام بالمقعدين والمعوزين.
البابا فرنسيس: يناشد الشباب أن يشهدوا لحقيقة الحياة والحب، ويكلّم الأطفال ويقبّلهم عملاً بقول معلّمه الإلهي "دعوا الأطفال يأتون إليّ ولا تمنعوهم" (لوقا16:18). يعمل جاهداً لتفقد الملاجئ والمستشفيات والمصحّات، ويفتش عن المرذولين والمنبوذين والذين رماهم المجتمع بعيداً عنه، وما أكثرهم، كما كان حال الأبرص (لاويين46:13)، ولا يهتم إلا في رفع صوته عالياً حيث يسود الظلم والقهر والتهجير والفساد، ويجد الرحمة سبيلاً. ينادي بالحرية للمأسورين وبالغفران للتائبين، فرحمته تجعله أن يترك ذبيحته ويذهب ليأتي بالنعجة الضائعة، فسبيل الرحمة التي يحملها يعيشها في حقيقة المسيح الذي إختاره.
البابا فرنسيس: يدعو جميع الذين بسلطانهم زمام أمور الدنيا بإبعاد شبح الحروب والنزاعات ودمار الإرهاب، ويدعو للشرق كما للغرب بالسلام والأمان، ومن أجله يدين بقوة جميع أشكال الظلم والفساد، فهو يسير في المسيح مهاجراً على الدروب ليحمل الجميع إنجيل المحبة والسلام.
البابا فرنسيس: نعم، إنه يرفض ثقافة الحرب من أجل بناء ثقافة الحياة، وهذا ما جعله ينادي بسلامٍ آمن لمنطقة الشرق الأوسط وبالخصوص لسورية والعراق ومصر وليبيا ولبنان، ولمناطق العالم المشتعِلة بنار الحروب والقتال والتفجير والإرهاب، كما يعمل على مدّ الجسور، جسور الغفران والمسامحة، من أجل محو النفعية والأنانية والمصلحة الضيقة في قتل الأبرياء أبناء الله الخالق، وما أكثرهم اليوم في هذا السبيل سائرون، من الأقربين كانوا أو من البعيدين.
البابا فرنسيس: ما أجمله حينما ينحني على الإنسان مليئاً برحمة السماء، فيحمله من عذاب الدنيا وسوء المعيشة وإهانة كرامته إلى سموّ المسيح، بالمحبة التي يحتضنه بها، وبالرحمة التي يُظهرها عملاً بتعليم الرب "كونوا رحماء كما أن أباكم هو رحيم" (لو36:6)، وإنْ كانت رحمته هذه إزعاجاً للسامعين ولكبار الزمن والدنيا، فهو بعمله هذا إمتدادٌ لرحمة الله.
البابا فرنسيس: يدعو بصوته الجهوري أن يكون الأغنياء وكبار الدنيا، وجليسو الكراسي وأصحاب المناصب،  وأمراء الدنيا ومسلّطو الحكم، أن يكونوا رحماء ومحبّين للمهمَّشين والمرذولين، ولعلّ في ذلك يطلب آذاناً صاغية من الأقربين كما من البعيدين، ليتعلّموا أن تلك أقدس رسالة يحملها الإنسان من أجل الإنسان، من أجل عدم تشويه وجه الله، وفي ذلك يناشد الرعاة أن يكونوا قديسين، ويعلنوا كرازة الخلاص وبشارة الحياة، وأن يكونوا صدىً لكلمة الله الذي صار جسداً مثلنا.
البابا فرنسيس: إنه يقرأ علامات الأزمنة في ضوء الإنجيل ليرى من خلالها أعمال الله وفعل الإيمان، كما يعمل على أن يكون للعائلة محامياً ولكرامتها، كي تنال حقوقها، داعياً ومظهراً مكاناً يليق بما جمعه الله كي لا يفرّقه الإنسان (متى6:19)، مدافعاً عن كرامة الكائن البشري منذ اللحظة الأولى لتكوينه... إنه صوت الحقيقة والحياة كما هو صوت المتألمين والمظلومين... إنها كلمات ومسيرة حياة تهزّ القلوب بعد أن تفعل فعلها في العقول، لتعلن حقيقة بركة الكنيسة في سر الزواج المقدس واهتمامها. 
البابا فرنسيس: يعمل جاهداً أن يبقى واقفاً وصدّاً ثابتاً لا يخاف ولا ييأس ولا يرتاب رغم مخاوف الإرهاب وتهديدات الأشرار، وفي ذلك لا يحمل إلا إنفتاحاً وحواراً وشجاعةً ورجاء في أن يكون علامة حوار مع العالم ومع الديانات، حواراً مع المؤمنين وغير المؤمنين... وما تلك إلا علامات ملكوت الله في التاريخ.
البابا فرنسيس: يقطع مسافات ليملأ الساحات معلناً حقيقة الحياة والبقاء في عيش السلام، ومن أجل التعايش وقبول الآخر المختلف وغير المختلف في القومية والدين والطائفة والعشيرة، من أجل التناغم بين الشعوب والتي أصبحت اليوم هذه التسميات بضاعةً للتجارة كما للمتاجرة بها، وفي هذا كله تراه مليئاً بألم وحب، بألم مشاركاً فيه الفقراء والمهمَّشين، وحبٍ من أجل أن يحيا الجميع كراماً، حاملين خبزة واحدة لقوت حياتهم.
البابا فرنسيس: مسيح الصلاة والإيمان، وما أحلاها وما أعمقها حينما يعلن "من فضلكم إذكروني في صلاتكم"  في كل مناسبة. إنه يحملنا أن نكون في صلاة مستدامة من أجله كي يكون الرب في عونه. وفي طلبه البسيط هذا للصلاة يعلّمنا أن لا شيء يمكن أن يكون نافعاً كمفعول الصلاة الإيمانية النابعة من قلب الإنسان البسيط. إنه فعل تواضع من أجل الإنسان ليعلن عون الله وعظمة نعمته، وفي ذلك يعلن لنا جميعاً إن الإتّكال على الله ما هو إلا صلاة ودواء لرحمة الله كي تحلّ علينا جميعاً، فنكون بذلك رجال صلاة قبل أن نكون رجال حكمة دنيوية مزيّفة... وما أكثرهم في هذا الزمان الفاسد، ليس إلا!.
نعم هذا هو البابا فرنسيس، بل هو أكثر من هذه الأسطر... إنه كتاب مفتوح يقرأ كل إنسان صفحاته البيضاء ليكتب عليها كل ما يشاء، من إحترام ومحبة لهذه الرسالة التي يحملها قداسته بتواضعه السامي وبساطته المعهودة ونظرته المُحِبّة ومشاعره المتألمة من أجل الذين يقصدونه، وفرحاً من أجل الذين يطلبون بركته الأبوية، معتبراً إيّاهم أبناءً يفتشون عن حقيقة الكلمة لإعلانها معه بين الشعوب والسامعين.. إنها كلمة المسيح الحي.. إنها البشرى السارة.. فهو بحق وحقيقة رسول بيننا، بل مسيح يحمل عاهاتنا ويفرح في عرسنا ويتألم لمآسينا، وفي هذا كله ، تعلنون ملكوت الله الذي أحبنا... فأنتم من أجل الإنسان... ليس إلا!.
نعم، إنه قاموس الرحمة والتواضع والمحبة والحقيقة في بساطة الحياة. فمبروك لكم يا قداسة البابا ذكرى إنتخابكم، ونعلن لكم إننا لن ننساكم في صلواتنا. فلتباركنا يمينكم، لنبقى أمناء لإيماننا، وشاهدي لحقيقة المسيح الحي وليس لكبريائنا وأنانياتنا، ولا لعبادة مصالحنا وتأليه إنسانيتنا، بل أوفياء لكنيستنا المقدسة الجامعة الرسولية... نعم يا قداسة البابا، فأنتم ذلك الوجه الذي يظهر لنا إنكم أباً رحيماً وصبوراً دائماً... نعم وآمين.

12

احبائي
نحن خلقنا بمحبة الله لنا والرب ارادنا رسل الحقيقة وما موضوعي الا ان اكون امام واجب الحياة
فالزمن ليس لصالحنا والحقيقة يدفنها اصحاب المصالح وشهود الزور ويا ما اكثرهم
في هذا الزمن البائس فارجو ان تكون كلمتكم وان يكون تعليقكم بسمو محبتكم وحقيقة شخصكم فكلنا اخوة
والاختلاف سمو وعطاء اما الخلاف لن يجعلنا ان نصل الى الحقيقة واعلموا ان اصحاب المصالح
ينتظرونا خلافاتنا ليثبتوا في مناصبهم ويجعلوا من انفسهم الهة مزيفة
ختاما لكم محبتي فانتم امام مسؤولية تاريخية مسيحية ايمانية بل وجودية وشكرا لكم جميعا ايها الكتاب المحترمون
محبكم بيوس قاشا

13
مرة أخرى...
أنرحل .. أم نبقى .. أم ماذا؟

في البدء

أقولها في حقيقة المسيرة إننا لا زلنا أمام واقع جديد ومؤلم وفي مسيرة متعِبة وفي قلق أخذ من سنّي أعمارنا والخوف من مستقبلنا ومن الآتي إلينا وما الذي سيلاقيه
أجيالنا، بل أين سيكون إيمان مسيحيتهم وخاصة في ظروف عشناها بسبب داعش وإرهابه، فاليوم من المؤكد إننا أمام مفترق طرق بل أمام مجهول وضياع لم نشهد مثلهما، فالفرقة قد مَلَكَت على عقول أبناء وطننا، والكراهية أخذت مسارها في قلوبنا، والطائفية المقيتة أصبحت بركة مقدسة، والمصلحة والقومية قد ثبّتتا ركائزهما في بلد كان يُعرَف بحضارته وسموّه بأخلالقه وتفانيه وعلمه وقِيَمه، وهذا قليل من كثير نحن لا زلنا فيه بل لا زلنا نحياه... نعم ونعم.   واليوم حضورنا المسيحي مرتبط بتاريخ مميت وبانقسامات ومآسي وآلام لا حدّ لها، فكلٌّ يريد أن يكنز حضيرته ويجمع خرافه، فلا وحدة إلا بالبيانات والتصريحات وهذا ما يُضعف قوتنا ويبقى عائقاً كبيراً إذ أهملنا إدراكنا لمفهومنا الوحدوي لمسيحيتنا دون أن ندرك أن الخراف ليست خرافنا إنما خراف المسيح الحي الذي جمعنا في إنجيل واحد ومعمودية واحدة وإيمان واحد (أف5:4)، فكلٌّ منا يريد أن ينشئ مشاريعه بحسب ما يراه دون النظر إلى الراعي الواحد (حزقيال23:34) بينما يتناقص عددنا وتضعف همّتنا في عيش إيماننا فنقع في حيرة منه، وتملك علينا الأقدار لتقودنا إلى الخسران في كل المجالات... ليس إلا!.

موت بطيء

نعم، ماذا نقول عمّا يحصل في وطن أحبّنا في صغرنا وأحببناه ونحن في بطون أمّهاتنا؟. نعم، ماذا نقول عن مسيرة شرقنا المعذَّب والمعذِّب بأيامه؟. نعم، ماذا نقول بشأن وجودنا وبحقيقة أرضنا وتاريخ عيشنا في أيام قيل عنها إنها حَسَنة وأصبحت اليوم لنا كابوساً؟، فهل سيكون مصيرنا الإنقراض والضياع ولا حتى ساعة سلام؟. وهنا أسأل نفسي وأسألكم يا كبار زمننا والذين بأياديهم مقاليد دنيانا ودون منازع: هل بدأ الموت البطيء يتسلل إلى أجسادنا فيكسر قاماتنا ويهدد وجودنا؟، وهل سيفرغ وطننا وشرقنا من وجودنا كما حصل يوماً؟، وهل هناك مخطط لطرد الأصلاء بعد وجود دام أكثر من ألفي سنة لفسح المجال أمام جمعيات وافدة بل مستورَدة لتشهد لبقائها؟، وهل أصبحنا في طاعة داعش والإرهاب أو مساعدين له في حالة ضياعنا ورحيلنا؟، أليس هذا كله مبدأه الفساد بينما الإنجيل المقدس يذيع ما أعلمنا به الرب في أنه "سنتألم ونُضطَهَد فلا تجزعوا وستُسلَّمون إلى العذاب وتُقتَلون" (متى6:24-9)؟، وهل أصبحنا لا نفرّق بين حقيقة الإيمان ومآرب داعش؟، وهل لا زلنا ننظر مصالحنا ولا شيء آخر وأصبحنا لا نبالي إلا بها ونسينا شعبنا وقضاياه عملاً بالمَثَل الفرنسي "من بعدي الطوفان"؟... فإن كان الأمر هكذا فبئس لنا!.

مؤمنون حكماء

نعم، لندرك حقيقة أمورنا وخطورة شهادتنا ومخاوف وضعنا، ولنعلم أن الإنجيل المقدس لا يحمله إلا المؤمنون، ومؤمنون حكماء وليس تعساء. ولنعلم جيداً أنّ هنا كانت ولادتنا وهنا يجب أن يكون موتنا، ولكن مع الأسف أصبح العديد يسألون عن مآربهم وغاياتهم الدنيوية وهنائهم وراحة بالهم وملء بطونهم ووقوفهم صفوفاً لنيل ما قسمته الدنيا من السيد الأخضر كي يخبروا بالمال الحرام بطلبات وإنْ كانت أحياناً كاذبة ومزورة  ومصطنعة. إنها مسيرة هذا الزمن، ولا حاجة لوجوب وصية الرب التي تقول "لا تكذب ولا تشهد للزور" وما أكثرهم في هذا الزمان شهود في الزور والكذب، من أجل غايات فاسدة... أليس كذلك!.

صبغة وجودك

نعم، هل كُتب علينا الرحيل كي نفرغ بلدنا إلى أوطان تخصّنا بإنسانيتها؟، فغايتنا فيها ليست فقط العيش الهنيء ولكن نتطلع إلى أبعد من ذلك، إلى جمع مبالغ تعوّضنا عمّا فقدناه بدل أن ندرك أن بقاءنا هو قوة لضعفنا، هو صخرة لبنائنا، هو شهادة لإنجيلنا، وإلا ماذا يعني لمّ الشمل، هل نحن مضطَهَدون؟، وإنْ كنا مضطَهَدين أليس ذلك كلام المسيح الحي؟، ألم نعد إلى ديارنا؟، ألم تقف معنا المنظمات الكنسية المسيحية والإنسانية وتعمل من أجلنا ومعنا كي نعود ونثبت في أرضنا كي لا نقول يوماً إنهم سرقونا وسرقوا عقاراتنا وسجّلوها بأسمائهم إنْ لم يكن أولاً السبب سببنا؟، فهل فقدنا ثقتنا بربّنا وبكنيستنا وبأرضنا وبوصيته التي دعتنا أحبّاء وليس عبيداً أو ضيوفاً؟، فالرب قالها دون أن يعلن ذلك في مؤتمرات حنّان وقيافا وهيرودس عبر إعلامهم، بل قال "مَن آمن بي..." (يو25:11) "مَن أحبّني" (يو23:14)، وقال "أنا الكرمة وأنتم الأغصان" (يو5:15)، أليس ذلك إقراراً بإيمان ورثناه من إيمان أجدادنا وآبائنا وجرن عماذنا؟... وإلا ماذا يعني الرحيل!، وهذا كله يعبّر خير تعبير عن فكر مسيحي وذهنية متجذرة في إنجيلنا، فلا يمكن بل لا يجوز أن يكون الإضطهاد والطرد سبباً في أن يثني عزيمتنا ويُثني همّتنا عن إيماننا بل يجب أن يكون لنا قوة وشهادة وإلا لماذا كتب الرسول بولس رسائله وقال:"هأنذا يُراق دمي" (2طيم6:4-7). إن هذا كله يجب أن يزيدنا إصراراً على الشهادة لمعتقدنا، فرجائنا لا يخيب يقول الرب (مز18:9). فقد سبقنا الشهداء في هذه المسيرة من أجل حياة الحق، وصحيح إنك برحيلك تُبقي على حياتك ولكنك إذا كنت تدري أو لا تدري فإنك تدفن صبغة وجودك فلا يحقّ لك الرحيل أبداً لأنك سئمتَ من الحياة في بلاد محتلَّة أو في وطن أفسدته النيّات، فقوتك معي ببقائك، وحقيقتك في وجودنا أنت وأنا، وشهادتك في إنجيلنا، وإنسانيتنا في عملنا سويةً بمستشفياتنا ومدارسنا وعياداتنا وملاجئ معمّرينا... إنها شهادة المسيحية فلا يحق لك الرحيل بسبب دعوة الدنيا، فالرسولان بطرس وبولس لم يذهبا إلى روما ليعيشا الهناء بل كانا مدركَيْن إنهما سيموتان في عاصمة الرومان المحتلين، ولكن إدراكهما لمسيرة الإنجيل وحقيقته قرّرا الذهاب، أما أنتَ فإنْ كان رحيلك لإعلان بشارة المسيح والإنجيل فهدفك مقدس وطوبى لك، وإنْ لم يكن ذلك فمع الأسف الشديد!.

صوت البابا

نعم، يقول البابا فرنسيس في رسالته الميلادية إلى مهجَّري العراق وسوريا 2014:"لدينا جميعاً مسؤولية كبيرة ولن تكونوا وحدكم في مواجهتها ولهذا أشجّعكم وأعبّر لكم عن مدى قيمة حضوركم ورسالتكم في هذه الأرض... فأنتم وسط معاناتكم روّاداً لحياة الكنيسة والبلد الذي تعيشون فيه. واعلموا إن الكنيسة قريبة منكم وتؤازركم وسنواصل مساعدتكم من خلال الصلاة والوسائل الأخرى الممكنة. فآلامكم تقدّم إسهاماً لقضية الوحدة ولا يقدَّر ذلك بثمن، إنها مسكونية الدم التي تتطلّب إستسلاماً واثقاً لعمل الروح"، ويواصل قداسته رسالته بقوله:"أنتم في وضع مأسوي وأنتم تعيشون في بيئة غالبية مسلمة ويمكنكم أن تساعدوا مواطنيكم المسلمين على أن يقدموا باستبصار صورة أكثر أصالة عن الإسلام كما يريد كثيرون منهم التعايش بين الجميع وهذا يعود بالفائدة على الجميع وعلى المجتمع. فأنتم مدعوون في المنطقة لتكونوا صانعي السلام والمصالحة والنمو لتعزّزوا الحوار وتبنوا الجسور تماشياً مع روح التطويبات (متى3:5-12) وتعلنوا إنجيل السلام وتكونوا منفتحين على التعاون مع كل السلطات الوطنية والدولية".

عبر البحار

نعم، الخوف والهاجس إستوليا على نفوسنا ومقدّراتنا، وأصبحنا مطيعين بل خاضعين، وبدأنا نفعل ما نشاء وكما نشاء دون أن ندرك أحياناً إننا قد غيّرنا مسيرتنا الإيمانية بهاجس مزوَّر وبخوف مصطنع لا يتوافق وتعاليم المسيح الحي، وأصبح الإنجيل مثل الحقائق الأخرى، ولا يمكننا أن ندافع عن وجودنا بسبب ما حُشر في عقولنا وما هُدّدت به أفكارنا، وما ذلك إلا تناقض واختلاف حيث أصبحنا نعامل إنجيلنا وكلماته المقدسة بإنجيل كتبناه وسطّرناه للمسيرة المزيفة ولم نعد نستطيع أن نخبر به حتى أجيالنا وتسلسل أولادنا، أليس ذلك أزمة إيمانية؟، فجعلنا من الحقائق المزيفة حقائق سماوية وأهملنا تعاليمه، وأصبحت مسيحيتنا في مسيرة الدنيا التي تروق لنا وتطيعنا لأننا آلهتها، ومن المؤسف إننا قد نسينا عصور الإضطهاد ومآسي الشهداء وأصبحنا لا نهتمّ لمناسباتهم، فشخوص أهاليهم كلهم أصبحوا عبر البحار والمحيطات في دنيا الإغتراب، يأكلون ويسهرون، يشترون ويبيعون ويخزنون (لو28:17) وهذا حقهم الطبيعي، ولكن أين الحقيقة الإنجيلية؟... أقولها وإنْ لن تقبلوها مني فذلك شأنكم، ولكنني أؤمن بما أقول في وجه كبار الزمن والدنيا، فنحن شهود وشهداء، وهذه مسيرتنا الإنجيلية... ليس إلا!.

شهادة وحقيقة

أحبائي، "لا تخافوا أو تخجلوا من كونكم مسيحيين، يقول قداسة البابا بندكتس السادس عشر، إن العلاقة مع يسوع تجعلكم مستعدين للتعاون مع مواطنيكم مهما كان إنتمائهم الديني"... فعيشوا حقيقة مسيحيتكم في قول الحقيقة في وجه كبار الزمن الذين باعوا الوطن وباعونا دون أن ندري من أجل مصالحهم، لذا فالشهادة ليست بهذه السهولة، والسبب لا زال ثعالب الحياة وحيتان الفساد وبائعو الإرهاب وحاملو الحقد والكراهية يحسبون حساباتهم، ومع هذا أقول لكم: آمنوا إن الحقيقة لن تموت، وستظهر يوماً شئنا أم أبينا، ففي بقائنا شهادة لمسيرة أبنائنا وأجدادنا وحبّنا لتربتنا وشهادتنا عبر صليبٍ حملناه عملاً بكلام المسيح الرب والذي أصبح لنا خلاصاً.

أقدام ... وصليب

نعم، نرحل أم نبقى! دعوة لنا كي نتمسك بالصلاة وبالحوار مع الله قبل أن نحاور أنفسنا من أجل الشهادة للحقيقة وليس لتزييفها، فعلينا أن نكون طلاباً في مدرسة "تحت أقدام الصليب" فحينذاك لو رحلنا سيكون رحيلنا برفقة صليب المسيح الذي سيقودنا إلى الخلاص، وإنْ بقينا سيبقى الصليب علامة شهادتنا، وسيكون عنواناً في شجرة حياتنا كي تعطي ثمراً صالحاً لجائعي الزمان والدنيا. لذا لا يجوز أن نفقد إيماننا وأخلاقياتنا وإنْ دُمّرت منازلنا ونُهبت وسرُقت وأُحرقت ديارنا وأُنزلت صلبان كنائسنا من قببها، وهذا كله لا يعني أن نجعل إيماننا سلعة للرحيل، ولكن علينا أن ندرك أن الرب خلقنا هنا لنبقى هنا، ودعانا إلى أن ندرك أن الحياة لا تخلو من صليب، وإنه لا قيامة بدون الصليب، وهذا ما يجعلنا أن نجعل من المحنة مخرجاً كما يقول مار بولس:"استفيقوا أن تحملوا" (1كو13:10). فلابدّ من حمل الصليب وبه سندرك أن الحقيقة مهما تعذبت واضطُهدت وزُوّرت وبيعت لا تموت ولا تفنى وإنْ إشتراها كبار الزمن من أجل مصلحة مزيفة... فلا تخافوا مما يحصل، فالحياة لنا بالمسيح يسوع وليس الهناء بالرحيل، وليس البقاء بالهجرة والرحيل، إنه موت الأصالة وضياع ترابنا، فلا داعي الغناء بحب أرضنا، بل مَن يرحل فتلك إرادته وذلك شأنه، ومَن يبقى فذلك حسّه وهذا إيمانه، ولكن لنعلم إننا قوة في وحدتنا، وإننا موت في فرقتنا، ولننتبه كي لا نضيّع مفتاح ملكوت السماوات، فالمفتاح قد ضاع عندما إنشغلنا بأموال الدنيا وأملاك العالم، وجاء الإرهاب فحصد الأخضر واليابس، ففي ذلك مسيحيتنا موضوعها إنسان وشهادة وملكوت، فالمسيح الحي لم يأتي ليؤسس مملكة إقتصادية أو سياسية أو مصلحية بل جاء ليُتمّ مشروع الخلاص... إنه جاء ليطلب ما قد هلك (لو10:19).

الخاتمة

ختاماً، للمسسيحي حريته الشخصية في البقاء أو في الرحيل عن الوطن، وهجرته نتيجة الأزمات المتلاحقة والحروب المستمرة دون الرجوع إلى الكنيسة ودون أن تكون الكنيسة مسؤولة عن كل تصرفاته، وبالمقابل فالكنيسة تعمل على تحصين مؤمنيها بالإرشاد والصلاة، وعلى المؤمنين المواطنين المسيحيين أن لا يجرحوا ضميرهم المسيحي الذي يُملي عليهم مسؤولية "الشهادة في الإيمان" لتاريخ وتراث آبائنا وقديسينا وشهدائنا، وسيبقى السؤال يتردد في معابدنا ومنازلنا وبيننا: أنرحل أم نبقى أم ماذا؟... نعم ماذا بعدُ!... نعم وآمين.

14
عذراً... يا كبارَ شعبِنا، لا تدفنوا رجاءَ شعبِكم!!!
المونسنيور د. بيوس قاشا
   في البدء... والانتخابات على الابواب:
   كانت المسيحية ولا زالت تنشد السلام والخير وتسعى إلى تفادي الحروب وتنشر علامة الحوار والعيش المشترك من أجل ثقافة لمحو لغة السيف والتي نهايتها سقوط الأبرياء، وازدياد مساحة الحقد والكراهية بين الشعوب، وولادة العنف والدمار لبشرية خُلقت لتكون ساعداً
لبناء الخير والمحبة، وليس سبباً في تدمير ما عمّره الإنسان. ولكن مع الأسف إن أوضاعنا السياسية والإجتماعية متأزمّة إلى درجة تدمير الوطن وتقسيمه، وجعل الضعفاء الأبرياء يحملون حقائبهم ليرحلوا إلى حيث أرض الله الواسعة، إذ لا يمكنهم بعدُ تحمّل ما يحصل في البلد من أزمات وخاصة في وطننا كما في شرقنا، حيث أصبح العيش (المعيشة) والحصول عليها بعرق الجبين _ كما أرادها سبحانه تعالى _ من المستحيلات، كما حلّت الطائفية رائداً أولاً، ثم المحاصصة والمصلحة والأنانية في سراط شيطاني لغايات في الفساد ومن جميع جوانبه حيث القِيَم والأخلاق ليس إلا!!!.

   حدث وطني
   أحبائي، ونحن مقبلون على حدث وطني واجتماعي يرسم مستقبلنا في البقاء أو في الرحيل، وبعد أربع سنوات عشناها في الخوف والفزع ولا زلنا، وتحت أمرة الفاشلين والفاسدين والذين نصّبوا أنفسهم قديسين في مسيرة حياتهم البائسة ليكونوا في الصفوف الأولى، فها هي الإنتخابات وفي دورتها الرابعة تناشدنا جميعاً وتذكّرنا بأننا مسيحيون قبل أن نكون طائفيين، وبأنّ الله أرادنا في هذا الشرق. صحيح إن القومية رسالة الأصلاء ولكن ما نفع القومية بدون إيمان في المسيحية!!، وما نفع المسيحية دون التشبّه بربنا يسوع المسيح في أن نحيا الإنجيل وحسب تعليم الكنيسة أمّنا!!، فرسالة المسيح سامية في القِيَم والأخلاق ومسيرة الحياة.

   بشر أم غنم
   تعلمون جيداً إن الإنتخابات على الأبواب ، وبعد أن طُردنا من قرانا ومدننا وعدنا وأية عودة! إنها بائسة حتى فقدان الأمل، ولكن بهمّة الطيبين من كبار المعابد والمخلصين للوطن ولتربتنا عدنا مطيعين لأوامر وتعاليم كنائسنا وكبارنا وأنتم أيضاً، ولكن نحن بشر أم غنم!! ومع هذا عدنا من أجل أرضنا وإيماننا ومن أجلكم، فلا خدمات ولا أمان ولا كهرباء ولا حتى أبسطها ومختلفها _ لذا أرجو منكم أيها السياسيون المحترمون وأناشدكم أن تعلموا وأنتم ترشّحون أنفسكم _ وهنيئاً لكم هذا المسار وهذه الغاية _ إن شعبنا أمام مفترق طرق بل أمام ضياع أكيد إذا ما استمرت الأوضاع بهذه الطريقة وبهذا المسلك، إنها إشارات الموت والرحيل لا بل إشارات الضياع في قلع أصولنا من أرض أجدادنا وآبائنا التي رَوَوْها بعرق جبينهم. فكفاكم من إنقسامات في أحزاب مختلفة وجميل أن تكونوا في مكوِّن ما و ليس في خلاف الرأي، ولكن ما أجمل الإختلافات بين الأحبة... إنها سموّ التعددية وعطاء الكلمة الموحَّدة. فالله هو الوحيد الذي يعطي معنى لحياة الإنسان. 

   وحّدوا كلمتكم
   نعم، سياسيّينا ومرشحي شعبنا، إن مستقبلكم ومستقبل شعبكم رهن بوحدتكم وإدراككم لمسؤولياتكم، فمن خبرة شعبنا الذي قاسى الأمرَّيْن في هذا البلد ومنذ زمن قد يكون أكثر من مائة عام، وما الآلام التي ذاقها بسببكم أنتم لأنكم لا تعرفون أن توحّدوا كلمتكم بل تنتمون إلى مصالحكم الخاصة ولا تنظرون إلا إلى مناصبكم، وكم هي الفائدة التي تجنونها من خلالها، وكم هي المبالغ التي ستقتنونها، ومَن هم الذين عليهم تتّكلون وإن كانوا فاسدين، ففي ذلك تنسون أن الرب يسوع قال:"دعوتُكم أحبائي ولم أدعكم عبيداً لأنني أحببتكم فأعلمتُكم بكل شيء" (يو15:15)، فكلنا أحبّاء الله فهو لم يدعُ بعضاً بل كلاً، ومن المؤسف أن تختاروا كبرياءكم وأنانياتكم ومصالحكم الخفية والظاهرة فتأتون بِمَن تشاؤون وإنْ كانوا فاسدين فتجعلوا منهم أسياداً فاشلين، أو تعملوا على اختيار أمكنة تجعلكم أن تستولوا على حقوق الشعب البائس بمصالحكم وما هي الضرائب التي يجب أن يدفعونها لكم في معاملاتهم وتمشية أمورهم والسبب يعود لأنكم أسيادهم... لا... لا... هذا لا يجوز بل إحملوا الحقيقة والخدمة في آنية من خزف من أجل الحياة فالرب قال:"أنا الطريق والحق والحياة" (يو6:14)، وما أنتم إلا كبار أمناء بل يجب أن تكونوا أمناء وأوفياء لخدمة شعبكم وليس لضرائبكم "مَن كان فيكم كبيراً فليكن خادماً" (متى 26:20؛ مر43:10)، وإذا كان المسيح مات على الصليب من أجلنا فهذا يعني إنه يرى في كل منا أكثر من شخص خاطئ ومحدود. لذا أرجو منكم أن تحددوا رؤيتكم ومصيركم، وأفرغوا عقولكم وقلوبكم ونيّاتكم من روح التعصب وحبّ المال في الطائفية المقيتة وفي الأنانية الحزبية، ولا تجعلوا إرادتكم في مناصب مصلحية أو تأتون بأشخاص من أجل مصالحكم وأنتم تعرفون جيداً إنهم من الذين شوّهوا مسيرة الحياة بفسادهم وشرورهم. وأوصيكم أن لا تخافوا في أن تعملوا ذلك لأن عالم شعبنا مضطرب إلى حدّ بيع كل شيء والرحيل بعيداً عنكم وإن كان ذلك "فمَن يأتمنكم على ما لا تملكون؟" (لو1:16-13). فكلنا معكم وفي قارب واحد فإذا إنقسمتم وانقسمنا، إنقسم المركب وغرقتم وغرقنا وغرق شعبنا، وماتت قِيَمُنا ورُحِّلَت أخلاقنا وحقيقة شعبنا لأننا قد شيّعنا حقيقة وجودنا وعمق إيماننا في مسيحنا الحي والرب، وما نستحق في ذلك إلا قول المسيح الحي:"اذهبوا عني يا ملاعين..." (متى41:25).

   لعنة أجيالنا
   نعم، أقولها أحبائي، إنتبهوا فالوقت ليس لنا، والمستقبل لن يُكتَب لنا، والتاريخ سيسجّل فرقتنا، ولعنة أجيالنا ستلاحقنا، والأصالة ستُنزَع منا شئنا أم أبينا لأننا بدأنا نكتب تاريخاً مزيَّفاً من أجل أشخاص أشرار نرقص لاستقبالهم ونهلّل لهم وكأننا في عرس قانا (يو1:2-11)، ونكرمهم بما لا يستحقون كون مصلحتنا هي المبتغى، ونُطعمهم بما يحلو لهم ثمّ لنا، ونودّعهم بتحية وبأحسن من إستقبالهم، بينما يطرق الفقير إبنُ شعبنا  بابنا فنقول له "إنتظر فالزمان ليس زمانك!"، ومع الأسف ففي هذا كله كتبنا مصالحنا لأننا نؤمن إنهم يملكون كل شيء وهم في الحقيقة لا يملكون شيئاً وإنما خائنون لأمانات ليست مُلكهم بل سُلِّمت بأياديهم، فهم يجعلون من بيوتهم بيوت المال لتوزيع الأموال، فيوزعونها كيفما يشاؤون وحسب ما يشاؤون ولمن يشاؤون، والمسيرة في مثل هذه الطريق بائسة ويائسة ومزيفة، والشعب يدرك ولكن لا يمكنه إلا أن يكون مطيعاً خنوعاً صامتاً، لأن القوي قد حطّ رحاله والضعيف يقترب من دعائه لرب السماء، ليُنزِل مراحمَه ، وإذا ما قال الحقيقة أُدرج في سجل المعارضين، وقُدِّمَ للقضاء ، وجُعلتْ حياته أياماً معدودة.
نعم ، سأبقى أقول لكم يا أحبائي، لا تخافوا أبداً، كونوا شهوداً للحقيقة ، فالمسيح الحي علّمنا أن نفتش عن المرضى والبرص والعميان والعرج، فكونوا مسيحاً آخر يقول ربنا:"إذا صَنَعْتَ غَدَاءً أَوْ عَشَاءً فَلاَ تَدْعُ أَصْدِقَاءَكَ وَلاَ إِخْوَتَكَ وَلاَ أَقْرِبَاءَكَ وَلاَ الْجِيرَانَ الأَغْنِيَاءَ، لِئَلاَّ يَدْعُوكَ هُمْ أَيْضاً، فَتَكُونَ لَكَ مُكَافَاةٌ. بَلْ إِذَا صَنَعْتَ ضِيَافَةً فَادْعُ: الْمَسَاكِينَ، الْجُدْعَ، الْعُرْجَ، الْعُمْيَ، فَيَكُونَ لَكَ الطُّوبَى إِذْ لَيْسَ لَهُمْ حَتَّى يُكَافئُوكَ، لأَنَّكَ تُكَافَئ فِي قِيَامَةِ الأَبْرَارِ" (لو13:12-13)، وكما يقول مار بولس:"أكمل في جسدي ما نقص من آلام المسيح" (كولوسي24:1)، وكفاكم الذهاب إلى هيرودس وحنّان وقيافا وبيلاطس والفريسيين والكتبة والسامريين فهؤلاء كلهم تلقون عليهم التحية بمناسبة أو بغير مناسبة، وتكتبون أسماءكم في سجلاتهم عربون حبّكم لوفائهم المزيّف وشعبكم يئنّ، فهولاء كلهم وصفهم ربنا بالثعلب كما قال لهيرودس:"امضوا وقولوا لهذا الثعلب" (لو32:13). بينما ، ابناء شعبنا  يدعونكم أن تنزعوا الأقنعة من وجوهكم وتذهبوا للقائهم ، فالمسيح الرب يقول لنا " أنا الكرمة وأنتم الاغصان " ( يو5:15) معنى ذلك كلنا في المسيرة شاهدون ، فلا يجوز بعدُ وبعدَ كل الذي حصل فينا وبنا،أن يُترك شعبنا ، فبئس أناس تعلن إنها تفتش عن شعبنا وتهتم به في إحتياجاته ومطالبه وحقيقة عيشه فما ذلك  إلا إعلانات ويافطات يقرأها السائر في دروب الحياة، ومثل هؤلاء لا يستحقون إلا كلمة المسيح أن ينالوا بئس المصير (متى41:25).

   حرية وكلمة
   أحبائي كبار شعبنا ، أحبكم أكثر من نفسي ومن ذاتي، وكل يوم أرفع صلاةً كي تحملوا شجاعة إيمانكم، وما تقولونه عني قولوه،  فتلك حرية الكلمة سلباً كانت أم إيجاباً وحسب ما ترونه، فالغيرة والحسد والأنانية مسالك في مثل ذلك، ولكن سأبقى أنشد الحقيقة في وجه الأقوياء الذين باعوا الحقيقة بمصالح سيكشفها التاريخ في يومنا أو غدنا وفي ذلك يقول ربنا:"ليس خفيٌّ إلا سيظهر ولا مكتومٌ إلا سيُعلَن" (لو17:8). وسنقرأ عنها في سفر الحياة (رؤ12:20و15؛ رؤ19:22) وليس في أخبار مزيَّفة ينقلها كبار الدنيا والزمن لأسيادهم ، ليكونوا يوماً تحت سترهم ورحمتهم، ويرسموا لهم مستقبلاً فيمجّدهم البشر الفقير، ويصفقوا لهم جائعو الحياة، فدنيانا تدعونا اليوم أن نؤلّه كل بشر وكل شيء وننسى أن السماء تعاش في أرضنا شهادة للحقيقة ومن أجلها، وفي التفتيش عن الشعب الفقير الذي يقاسي ليلاً ونهاراً طبيعة دنيانا وخوفاً وبرداً، وكبارنا ينعمون صباحاً ومساءً بما تشتهي القلوب والمَعِدات والمجالسُ الفاسدة والضحكات المزيَّفة وينسون إن من مواهب الروح مخافة الله... نعم، ليس إلا!!!.

  عرس وبشارة
   أحبائي، إختاروا لكم مَن يعمل في التفتيش عن شعبكم ومستقبله، ولا تغلقوا أبوابكم أمام الفقير والمهمَّش وتفتحونه على مصراعيه أمام كباركم وأسيادكم، فلا فرق بين إنسان وإنسان، فالمسيح أحبّ بطرس وأحبّ يهوذا وكلاهما دُعيا إلى عرس قانا والبشارة، ولكن نعم وإنْ كان لكل واحد مكانه فالمحبة لا تعرف ذلك أبداً، فلا تدفنوا الكفاءة والذكاء، وافرحوا لغيركم حينما ترونه بموهبة الله أي بثماره يحيا، فالروح يمنح نِعمَه على مؤمنيه ولا يتاجر بها "فموهبة الروح هي العلم والمعرفة والتقوى والحكمة" (غلا22:5)، وغيّروا وجوهاً كانت جالسة على كراسي لا تستحقها وكانت لكم مصلحة وتيقّنوا فغداً لناظره قريب، فبعد خلاف قد يحصل بينكم سيقولون عنكم كل سوء ويفضحون أعمالكم الخفية والظاهرة ويسرقون مال الشعب المهجَّر والنازح والمطرود وأنتم صاغرون (سورة التوبة؛ سورة 9؛ آية 29).

  الختام
وختاماً، إنني أحبكم لأن الربّ يسوع أوصاني وأوصاكم "أن نحبّ" إذ قال إنها وصية جديدة أن "تحبّوا بعضكم بعضاً" (يو34:13)، فالوصية أُعطيت لنا ولكم وليس لغيرنا، وحينما نشهد للحقيقة لا يعني أنكم أعداء بل تلك حقيقتكم، فلا تتصارعوا بينكم كي تأخذوا كل واحد منكم حصّته من الفريسة بل كونوا كلمة واحدة، ولا تبيعوا أرضكم وحقيقة وجود شعبكم ومستقبل أبنائكم بصحن عدس كما فعلها عيسو (تك31:25-34)، ولا تكونوا سبب هزيمتنا، فنحن نشكر مساعيكم وعطاءكم في سبيلنا وسبيل شعبكم ولكن ما نحتاجه أن تكونوا شهوداً للحقيقة وشهداء لها ولمحبتكم، وكونوا في خدمتكم لشعبكم أوفياء ولإيمانكم أمناء كما لتربتكم، ولا تجعلوا شعبكم ينام جائعاً، فبئس أمّة ترقص لموت أبنائها، وبئس شعبٍ يُهان من أسياده، فلا تكونوا شهود زور في مجالس كبار الدنيا والزمن وما أكثرهم اليوم، واجعلوا من حياتكم شهادة أصيلة وما ذلك إلا أصالة إيمانكم.
عودوا للإنجيل إلى الرب الذي هو الخير، فلا تدفنوا الرجاء الموجود في قلب كل إنسان، كما أدعوكم أن تجعلوا عودة أبنائنا إلى أراضيهم ومدنهم وقراهم سبباً أكيداً لرجائهم، ولنضع إيماننا في الرب. والدعوة التي هي لنا كي يبقى هذا الشرق المختلط بين المسيحيين والمسلمين يقدم رسالة إلى العالم أن أهله قادرون على العيش معاً والسير معاً إلى الأمام. وسأرفع صلاتي وأسأل ربي أن يمنح ماهو لخير شعبكم وشعبنا ، ولكم أن تكبروا في مواهبه المقدسة في العلم والمعرفة والحكمة والتقوى أمام الله وأمام الناس (لو52:2). وكل ذلك يدعوكم الى تغيير الوجوه الفاسدة وإن كانوا من المقربين ، وختاماً مبروك لكم فوزكم وحصولكم على أصوات شعبكم، وتهنئتي واحترامي ومحبتي  لكل واحد منكم باسمه وشخصه ،  ولشعبنا المحبة والتحية . فكلّكم أخوة معي، وكلّكم أبناء شعبنا ولا فرق بينكم "فالمسيح ، ربكم واحد ، وايمانكم واحد،  ومعموديتكم واحدة " ( افسس5:4) إلا بالعطاء والخدمة فأنتم عراقيون قبل أن تكونوا مسيحيين  وانتم مسيحيون قبل أن تكونوا طائفيين ، وانتم من شعبنا وشعبنا منكم ، فرجاءً لا تدفنوا رجاءَ شعبكم وإن كنتم كباراً ، نعم و نعم وآمين.

   
   


15
احبائي
كل عام وانتم بخير
وليبارككم رب السماء ويمنحكم النعم والركات وما يحصل من النقاش والتعليق على المقال لا يجوز بهذه الطريقة التي تجرح مشاعر الاخرين بل يجب التعليق بكل حرية ولكن مع احترام الاخر ورموزه وقوميته وايمانه فالرب ربنا جميعا وليس رب كتلة واحدة او قومية واحدة او طائفة فاناشدكم ان نكون يدا واحدة في هذا الزمن القاسي الذي ابعدنا عن اهلنا واقاربنا واملاكنا واصبحنا نتيه في ديار عبر البحار والمحيطات شاكرين كل واحد قدم لنا خدمة او وقف معنا بكل محبة
فارجو واناشدكم ان لا يكون التعليق في جرح الاخر وليكن بكل حرية ولكن باحترام يفوق مصالحنا الشخصية  وختاما شكرا لكم على تعليقاتكم وادعو لكم بالنعم والخيرات واياما مباركة


16
رسالة مفتوحة إلى سماحة الفقيه العلاّمة الشيخ عبد اللطيف الهميّم
المونسنيور د. بيوس قاشا
إلى سماحة العلاّمة الفقيه الشيخ عبد اللطيف الهميّم السامي الإحترام
رئيس ديوان الوقف السني في العراق
والأمين العام لجماعة علماء ومثقفي العراق

   في البدء    
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
ونحن نحتفل بذكرى ميلاد المسيح الحي الذي به بشّرت الملائكة في الإنجيل كما في القرآن، يسرني أن أرفع إلى مقامكم السامي أجمل التهاني وأطيب الأماني طالباً من الذي كان كلمة إلى مريم:"يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ" (سورة آل عمران؛ سورة 3؛ آية 45) "فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا" (سورة التحريم؛ سورة 66؛ آية 12). كما يسرني أن أهنئكم بحلول العام الميلادي الجديد طالباً من ربّ السماء أن يمنح بلادنا السلام والأمان وأن يعيد أبناءنا إلى دياره وقراه ومدنه وكفانا حروباً وقتالاً... وبعدُ؛
بهذا الإيمان وبهذه الثقة بربّ السماء الذي ينظر إلينا بعين الرحمة والحنان "الرحمن الرحيم" أكتب إلى مقامكم السامي أسطراً قليلة نابعة من محبتي لكم واحتراماً لمركزكم السامي وشخصيتكم الموقرة، كما أتمنى فيها لكم عمراً مديداً وساعداً أميناً لخدمة شعبنا المهجَّر والمطرود من دياره، ولنداوي سويةً جراحات عراقنا الذي إبتُلي بالحروب والحصار والإحتلال وأخيراً بداعش الإرهابي، ولندرك فساد الفكر الداعشي وسموم المسيرة الداعشية بتفسيره لآيات الكتاب كما يحلو له وكما يشاء، وهذا ما يجعل شعبنا المسيحي أن ينازعه الخوف ويصارعه الأمان، ولأن ذلك قد حصل فينا فقد يتجه إلى حمل حقائبه ويرحل بل ويهاجر متأملاً عظمة الحياة وبؤس الدنيا التي يحياها وفساد المسيرة الزمنية التي يعيشها، ففكره يقوده إلى أجياله وأحفاده وأولاده مفتشاً عن بلد أمين وعن وطن وفيٍّ له.

  نحن وداعش
سيّدنا العلاّمة: ما يحصل في عراقنا مؤلم جداً، فهل رأيتم شعباً أصيلاً مهجَّراً ونازحاً من دياره دون أي سبب ودون وجه حق؟، ومن المؤسف أن المهجَّرين من ديارهم لحدّ اليوم قد بلغ عددهم حوالي مليون ونصف المليون، ونتساءل: هل بنينا ليحرق داعش ديارنا؟، هل زرعنا ليشعل داعش حقولنا؟، هل خلّفنا نسلاً ليقتله داعش ويمحو أصوله وأصالته؟، هل جمّلنا مدننا وقرانا لكي يأتي داعش ويهدمها ويفجّرها على رؤوس أصحابها ويفخّخها فتكون حجارةً وركاماً وكأنه قد فُوِّض من العلي ليجعل من الأرض التي حملت الحياة والإنسان، يجعلها موتاً ودماراً؟.

   شجرة وتهنئة
فباسم دينكم الحنيف ورسالتكم السامية وفقهكم المشرِّف أتوجه إليكم أن تُدركوا الخطر الذي لا زال يداهمنا كما يداهمكم، والموت الذي ينتظرنا وينتظركم، والرحيل الذي كُتب علينا وعليكم، والنزوح الذي أُصدر بحقنا دون إرادتنا، أنْ تُسكتوا أفواهاً تزرع الفتنة والبلبلة، وتُدينوها بل وتكفّروا أناساً يحملون الحقد والكراهية في مسيرتهم الزمنية. فالمسيحيون بميلاد المسيح يفرحون، بشجرة الميلاد أو بزينة، وما الشجرة إلا زينة الخضراء والحياة فأيّ ضرر منها أن لا يحتفل الأخوة الإسلام بشرائها، وحسب قول الشيخ المحترم إمام جامع "أبواب الجنة"، كما إن التهنئة بالعيد رسالة محبة وفرح واحترام وسلام وليست رسالة قتل ودمار وكراهية. أليس أنتم القائلون "وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا" (سورة النساء؛ سورة 4؛ آية 86)؟، وألستم أنتم مَن تقولون "السلام عليكم" وهذا يعني سلامكم يحلّ على جميع الناس كما نحن علّمنا المسيح الحي أن نقول دائماً "السلام معكم" وكلانا نعمل من أجل السلام. وهنا يسرني أن أنقل إليكم البادرة الإنسانية المُحِبَّة من شيخ الأزهر حيث نشرت جريدة صوت الأزهر على صفحتها الأولى صورة احتفالية كُتِبَ عليها "كلمة الله المسيح عيسى بن مريم. سلامٌ عليه يوم وُلِدَ"، وأضافت الجريدة "إن المشيخة الأزهرية بشخص رئيسها الشيخ أحمد الطيب اهتمت بالميلاد، وهو حَرَصَ دائماً على تهنئة البابا وخصوصاً منذ خروج دعوات تحريم تهنئة غير المسلمين في أعيادهم، وتعتبر ذلك من البِرّ".    
فأناشدكم كي تكونوا علامة لمحو الخوف من قلوب أبنائنا، ولزرع الفرح في حقيقة مسيرتهم، وكونوا أمناء لرسالة الرحمة التي أُرسلتم من أجلها، واحملوها إلى أهلكم وجاركم وأصيل بلدكم كي لا نضيع في مجاهل الدنيا ونرحل عبر المحيطات والبحار والرب شاهد على أفعالنا فهو القدير الذي قال "وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ" و"هُوَ السَّمِيعُ المُجِيبُ" (سورة سبأ؛ سورة 34؛ آية 50 وسورة المائدة؛ سورة 5؛ آية 76).

   جامع وخطيب
نقلت إلينا وكالات الأنباء خبراً مفاده أن خطيب جامع "أبواب الجنة" في منطقة عَرَفَة بكركوك وخلال خطبة الجمعة 15/12/2017 قد حرّم زينة أعياد الميلاد وتهنئة المسيحيين بهذه المناسبة، ووصف تلك الأعمال بأنها أعمال الكفّار... انتهى الخبر.
   وفي اليوم التالي علمت بطريركية الكلدان بهذا الخبر ومن مصادر موثوقة ووصفته بأنه خبر مسموم للتعايش بين المكونات المختلفة في كركوك، فأدانته بشدة. كما إن غبطة أبينا البطريرك مار روفائيل الأول ساكو بطريرك بابل على الكلدان أدان محذِّراً من أن هذا الخطاب يؤجّج الكراهية بين المسيحيين كما يصبّ في مسار عدم التعايش المشترك ويُبعد قيم التسامح والأخوّة والاحترام والتي أحوج إليها البلاد في هذا الوقت بالذات، كما أدانت هذا العمل مما يتعارض مع التعاطف الكبير الذي نراه في بغداد ومدن أخرى مع المسيحيين في عيد الميلاد من خلال إقامة أشجار الميلاد في أماكن عديدة، كما أضاف أن مثل هذا الخطاب يعمل على تفكك النسيج العراقي والعيش المشترك.

   البقية الباقية
   أمام هذا الخطاب وخطابات أخرى، ستبقى مسألة وجودنا وحقيقة مسيرة حياتنا على المحكّ في هذا الوطن الذي نحن أصوله وأصلاءه، وربما مثل هذه الخطابات ستجعل الضعفاء منا أن يحملوا حقائبهم ويرحلوا خوفاً من تكرار مسيرة داعش الإرهابية والأفكار التي زرعها في العديد من الأنفس الضعيفة، كما يسبّب هذا الخطاب خوفاً عميقاً من تقاسم الحياة والتعايش مع غيرنا والمختلف عنا وبالخصوص مع الأخوة المسلمين، ويصبح تعايشاً قاسياً وصعباً بعد أن كنا إخوة في التنوع وعبر ديانات مختلفة. وإنني في هذا المسار لستُ متشائماً بل أقولها حقيقةً أخاف إذا ما تكررت هذه الخطابات وأمثالها إذ لا يمكن أنْ تُحمَد عقباها، فوطننا اليوم بحاجة إلى أن نداوي جراحاته بسبب ما حلَّ فينا وبشعبنا بعد أنْ طُردنا من قرانا ومدننا وبدخول داعش الإرهابي، فقتل ما قتل، وسبى ما سبى، جاعلاً من نفسه إلهاً شريراً لدنيا فاسدة، وأخاف أن لا تُفسَد نياتِ آخرين كانوا ولا زالوا من الخلايا النائمة لتكون يوماً داعشاً آخر وبلباسٍ آخر فتهلك بقيتنا الباقية فنبقى بلا وطن، وتلك كارثة وأقل ما تعني هو الهلاك في عاصفة هوجاء من الكراهية وحبّ الأنانية بروح آيات تُفسَّر بما يحلو لهم.

   طاعة وانصياع
   أليس هذا مسارٌ مُنَظَّم ليزيلوا المسيحية من الوجود في العراق كما في الشرق؟، وماذا سيقول المسيحي حينما يسمع نفخات الهلاك وخطب الموت من على المنابر والمنائر، والسامعين فاتحين أفواههم ولا يفقهون شيئاً كما لا يفهمون إلا ما يقوله الخطيب ــــ مع احترامي ومحبتي للخطباء المعتدلين ولخطاباتهم أيضاً ــــ الذي جعل نفسه وليّاً وأميراً بآيةٍ أُنزِلَت إليه من السماء ويفسّرها ويحلّلها بالشكل الذي يطيب له وما على السامعين والآخرين إلا الطاعة والإنصياع، فلا مَن ينطق ببنت شفّة ولا من شجاع يسدّ أفواهاً كهذه؟، فالله محبة، قبل أن يختار رجالاً يبث فيهم روح الحقد والكراهية، وقبل أن يجعل من النصارى كفّاراً وأهل ذمّة ويدعو إلى قتلهم وإهلاكهم وطردهم، لذا فلا يجوز تهنئتهم ولا المشاركة في أعيادهم... ليس إلا!.

   حقوق ودستور
   نحن لا نريد شيئاً غير حقوقنا في وطنيتنا وفي دستور عادل وأمين، فيه الجميع متساوون، فليس هناك أغلبية أو أقلية بل هناك وطن ومواطنون، ولا نقبل أن تحكمنا قوانين وشرائع لا تعترف بحرية إيماننا وبحرية عباداتنا، وتُملي علينا ما تراه مناسباً قبل أن يكون مناسباً لنا. وليعلم الجميع إننا فقدنا الكثير الكثير مثل بقية المواطنين، نعم فقدنا أولادنا في الحروب وفي الحصار وفي هذه السنين الأخيرة مع داعش الإرهابي، كما خسرنا ما ربحناه بعرق جبيننا وما جمعناه لمستقبل أجيالنا وأولادنا، فكل شيء قد ضاع ولم يبقَ لنا إلا الوجود الصوري، فهل قد أتت الساعة وحلّ وقت محو وجودنا؟، فقد ضاع منا الكثير بسبب وجودنا وعيشنا في بلدان كانت مُلْكُ آبائنا وأجدادنا، كما كنا أخوة للمسلمين والمسيحيين، واعلموا كنا في بلدنا نزرع حقولنا ونحصد سنابلنا ونجمع غلاّتنا ونربّي مواشينا وأبقارنا، وكم كنا في بلدنا هذا نبنيه بطابوقة عقلنا النيّر وفكرنا المسالم ويدنا المليئة بالحنان وقدمانا السائرتان في طريق الخير والمحبة والسلام، نعم نحو السلام، ولم نقتل يوماً أو نتكبّر يوماً على جارنا بل كان جارنا أخانا نتقاسم الحياة بمُرّها، فللمسيحيين تاريخ أصيل في هذا البلد وفي الشرق بأكمله وبالخصوص في بناء حضارة الرافدين وما بين النهرين... والله عالم بكل شيء، إنه عالم الخفايا والظواهر... فنجّنا يارب "رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ" (سورة التحريم؛ سورة 66؛ آية 11).

   وقف ... وكركوك
لقد صرّح مدير الوقف السنّي في كركوك الشيخ الأستاذ أحمد المدرّس بقوله:"لقد وصلت مثل هكذا أقاويل"، وأضاف قائلاً:"لقد اتصل بي محافظ كركوك وكالة راكان سعيد حول ذلك وبدورنا أبلغناه بعدم علمنا بهكذا أمور"، ثم أضاف:"إن الوقف السنّي يتبرأ من هكذا أفعال ولا تمثّله"، كما أكد عزمه على فتح تحقيق في الموضوع والإيعاز بتشكيل لجنة لتحقق وتحلل الخطبة وسوف تتخذ القرارات المناسبة.

   داعش والنهاية
نعم، إستنكر مدير الوقف السنّي الشيخ أحمد المدرّس في كركوك هذا الخطاب التحريضي وصرّح بأن خطيب الجامع المذكور ليس تابع لمديرية الوقف السنّي إنما هو شخص متبرع في أن يكون إمام وخطيب جامع دون مقابل. أتساءل: هل يمكن أن نفهم ماهي الصورة الحقيقية؟، أليس الذي يعمل إماماً في الجوامع والمساجد مُعيَّن من قِبَل الوقف السنّي؟، هل يمكن لإمام أن يصعد المنارة دون تعيينه رسمياً في خدمة المسجد والجامع لأنّ مهمته لا تنحصر فيما يقول فقط بل بما يسمعه الحاضرون من خطب وأحاديث؟، وهل يجوز تحريض الإخوة المؤمنين في الإسلام على غير ما ينادي به الدين الحنيف؟، ألا يعلم الشيخ الخطيب أن مدينة كركوك يسكنها العديد من المكوِّنات والأقليات (العربية، الكوردية، التركمانية، السريان والكلدان والآشوريين) ويختلفون في المذاهب؟، فمن الصحيح أن يبشّر بعيش مشترك وبسلام وأمان والعمل به ومن أجله، وأكثر من ذلك بأن يُشعرهم دون خوف إن وطنهم واحد وإن كلّهم للوطن ومن أجل الوطن، أليس مثل هذه الخطابات التحريضية والقاتلة خطابات مميتة وتحمل أفكاراً داعشية وربما من نوع آخر؟.
نعم، لقد أعلن معالي رئيس الوزراء إننا قد قضينا على داعش عسكرياً، والشكر لقواتنا المسلحة بانتماءاتهم المختلفة، إن ذلك حقيقة، ولكن ما نحتاج إليه الآن أن نقضي على أفكاره وآياته وخطاباته وتفسيرها القاتل والمميت، ومحاربة التطرف بجميع أشكاله وتسمياته، وتعزيز الأخوّة بالوطن والإنسانية، والتعاون على الحب والتسامح، وقد يختلف الكثيرون في طرق وطقوس العبادة والمقدسات ولكن يبقى المسيحيون والمسلمون أخوة بل أكثر من ذلك... إنه فساد بصور داعشية، أليس كذلك؟!.

   احترام وحوار
هل تعلم سيّدنا الفقيه والعلاّمة الهَمِيْم والهميّم ــــ وأنت من كبار العارفين ــــ أنه حينما يدخل الحقد والكراهية والعدوانية قلب الإنسان يضيع كل شيء وتبدأ العنصرية والطائفية والأنانية والأصولية بحصادها ودمارها للحياة كما يفعل الجراد، وتحرق الأخضر واليابس، وتدمّر ما بنته الإنسانية المتطلعة إلى حياة آمنة، وتهدم أركان السلام، وتشوّه وجه الحقيقة السماوية، وهنا يأتي دور الأديان والحوار من أجل العيش في العمل وبكل اجتهاد على محاربة كل أشكال العنف والدمار والإرهاب ومن أجل الحفاظ على القيم عبر حوار أمين ورسالة محبة. وفي الدين المسيحي كما في الإسلام دور إنساني ثم إيماني لزرع الإنسجام والاحترام وقيم الحياة، وفي هذا الصدد يقول وإليه يدعو رئيس المجلس البابوي للحوار بين الأديان الكاردينال توران:"إن العالم بحاجة إلى مسيحيين ومسلمين يتبادلون الإحترام والتقدير، وعليهم العمل معاً والمضي قُدُماً في درب الحوار. وإذا كانت قد نشأت على مرّ القرون منازعات وعداوات كثيرة بين المسيحيين والمسلمين فالمَجْمَع الفاتيكاني الثاني المقدس يحضّ الجميع على أن يتناسوا الماضي ويتصرفوا بإخلاص إلى التفاهم المتبادل ويصونوا ويعزّزوا سوية العدالة الإجتماعية والخيور الأخلاقية والسلام والحرية لفائدة الناس" (تصريح "في عصرنا"، رقم 3). وفي هذا الصدد أيضاً يقول قداسته مؤكداً أن العنف لا يتوافق وطبيعة الله ولا مع طبيعة النفس البشرية بل الحوار الذي يساعد على البحث في دروب المصالحة والعيش ضمن احترام هوية الآخر. والمَجْمَع الفاتيكاني الثاني واضح أمام الإخوة الإسلام حيث ينطلق المَجْمَع الفاتيكاني الثاني تجاه الإسلام "تنظر الكنيسة بعين الإعتبار أيضاً إلى المسلمين الذين يعبدون الإله الواحد، القيوم الرحيم، الضابط الكل، خالق السماء والأرض، إله كل البشر". فقد صرّح البابا بندكتس السادس عشر في زيارته إلى جزيرة قبرص (4-6/6/2010):"على الرغم من الإختلافات، فالمسلمون إخوة لنا وعلينا أن نشجّع على رؤية مشتركة للحوار معهم".
فليس هناك دين صحيح أو غلط، فكل الأديان صحيحة إذا ما كنت تدعو إلى المحبة والتفاهم كون علاقتها مع الله عمودياً ومع الإنسان أفقياً، وحتميتها سماوية بالذين يؤمنون بها. فالأمر ليس متعلق بالله بقدر ما هو متعلق بمحبتنا ورسالتنا الإنسانية، فالله أعطانا الخلاص وعلّمنا طريق السماء، وعلينا أن نكون أوفياء لهذا العطاء ولهذا التعليم ولهذا الحب، ولايجوز أن نشوّه ذلك.

  الخاتمة
   ولكي لا أطيل عليكم أختم ببعض الكلمات شاكراً صبركم ومعتذراً من طول رسالتي، فإنني أكنُّ لكم المحبة الخالصة والاحترام المتبادل. نعم، قلنا إن مسيحيي العراق أصلاء أرض الرافدين، وقد استقبلوا الإسلام بروح التعايش والمحبة، وعاشوا بروح التسامح مع مكونات أرضنا الجريحة، وأطاعوا الحكومات والقوانين، ولما جاء داعش فتك بهم وكأنهم أعداء، وطردهم من قراهم ومدنهم... إنها مأساة الزمن.
   لذا أسأل: أليس بالإمكان أن نكون لهم أخوة ونتمسك جميعنا بأرضنا وأصالتنا؟، أليس من الوجدان أن نقول إن أرضنا حقنا قبل غيرنا؟، ألا يكفي الاضطهاد الطائفي والتبديل الديموغرافي؟، أليس من الواجب تبديل الدستور إلى مواد وأبواب تكون في خدمة الشعب والوطن وليس من أجل الأغلبية والعشائرية والقومية؟. فشعبنا يهاجر ويرحل، نعم بسبب داعش ولكن بسبب الوضع الأمني الغير المستتب، وفي ذلك لا زالت السياسة الرسمية تتجاهل العواقب التي تنجم عن وحدانية الانتماء وإلغاء وتهميش الهويات وهذا سيقودنا إلى غياب المسيحيين، وكما ويعني طغو وطغيان الصراع الطائفي على السطح، ذلك إن وجود المسيحيين إلى جانب المسلمين يعطي للأمّة هذا الطابع المتنوع.
   أمام هذا كله أناشد سماحتكم وأقول: إن المسيحيين هم بحاجة إلى مساندتكم في أن تسدّوا الأفواه التي تضطهدنا من أشخاص جعلوا أنفسهم وكلاء السماء، وأن تُصدروا توضيحاً وتعليمات من قِبَلكم باسم وقفكم الموقَّر أن تصمت هذه الخلايا النائمة كي لا يعود داعش جديد بلباسٍ جديد، وأن تزرعوا كلمات المحبة والتسامح من على المنائر والمنابر وتُعلنونها جهاراً بأن المسيحيين أخوة للإسلام، وكلانا نتقاسم مسيرة جراح العراق، وما علينا إلا أن نكون أمناء لتربتنا وأوفياء لوطننا ومتعايشين في المحبة والأخوّة، فالمسيح الحي يقول:"أَحِبُّوا بَعْضكُمْ بَعْضاً كَمَا أَنَا أَحْبَبْتُكُمْ" (يو12:15).
   وختاماً، أدعو ربّ السماء أن يمنح بلادنا السلام والأمان وأن يحفظكم من كل مكروه وشر... ودمتم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته



17
السفير الايطالي الجديد لدى العراق يزور كنيسة مار يوسف للسريان الكاثوليك
زارَ صباح  الاربعاء 13 كانون الأول 2017 سعادة السفير الايطالي الجديد المُعتمد لدى جمهورية العراق السيد برونو انتونيو باسكوينو كنيسة  مار يوسف للسريان الكاثوليك  في المنصور، وكان في استقباله المونسنيور بيوس قاشا خوري الكنيسة
وفي هذا اللقاء تناول الطرفان الحديث عن وضع المسيحيين والمكونات في سهل نينوى وقد تمنى السفير الايطالي الجديد ان يبدا العراق بانفتاح نحو مستقبل جديد بعد تحرير اراضيه من داعش كما تمنى ان يعم السلام والامان والاستقرار في العراق والمنطقة واكد ان ايطاليا مستعدة للمشاركة في اعمار المحافظات المتضررة ومنها سهل نينوى ومن جانبه اكد المونسنيور للسفير الايطالي الجديد على ان العراق محتاج الى مساعدة جميع الدول في مجال الاعمار بعد ان شرح له باسهاب عن الاوضاع في سهل نينوى وفي الختام تمنى المونسنيور لسعادة السفير طيب الاقامة والموفقية في مهمته في العراق


18
بمناسبة عيد الميلاد المجيد
                                                               
سادتي، شكراً ..أحبّوا شعبَكم.. نعم أَحبّوه!!
المونسنيور د. بيوس قاشا

   في البدء
بمناسبة حلول طفل السماء بيننا، يسرّني أن أرفع إلى مقامكم السامي أجمل التهاني وأقدسها في روحانيتها، طالباً لكم عمراً مديداً بنعمة ربّ السماء والأرض، ذاك الذي أشرق علينا من علوّ السماء ليزورنا نحن الجالسين في ظلال الموت وتعب الحياة. ويسرني أن أكتب إليكم أسطراً ملؤها الحقيقة والشهادة بنعمة السماء وحقيقة الحياة شاكراً تفانيكم وعطائكم من أجل شعبكم، مقدِّماً لكم الاحترام الكبير لمقامكم السامي وهذه إحدى خصالي، فأنتم إخوتي وما أنا بينكم إلا مثل الذي يخدم (لوقا 27:22). كما يسرني أن أهنئكم وأبناء وطني بتحرير أراضينا من داعش الإرهاب، ولتكن يمين الرب بركة على شعبنا ووطننا، وليحلّ السلام بعودة أهلنا إلى ديارهم شاكراً رب السماء على منحه وخيراته، طالباً إليه أن يساعدنا في احتمال آلامنا وهموم حياتنا، واسمحوا لي أن أقول؛    

   خوف ورعب
نقول الحقيقة وإنْ كانت مؤلمة، فاليوم نحن أمام أخطار تداهمنا من الخارج كما من الداخل، من القريبين ومن البعيدين، ولا يزال مخطط طردنا وإفراغ البلد منا يسير بأدب وتوازن وبحسب المرسوم والمطلوب، نعم إنه المخطط، إذ لا زال الخوف والرعب مسلَّطين على مسيرة حياتنا كما هو السيف على رقابنا شئنا أم أبينا، وإنْ كانت تُخمد حقيقته بين فترة وأخرى ولكن لا زلنا وسنبقى كفّاراً وأهل ذمّة شئنا أم أبينا. كما إننا نعيش أياماً قاسية وأوقات عصيبة فرضتها علينا تحديات لم تكن مسبوقة من داعش الإرهابي ومن ضياع القانون وفساد الأشخاص بألوانهم وأطيافهم وما ذلك إلا مذلّة زمان عبر زمان، ولا زالت الأغلبية والطائفية والعشائرية كما القومية تزرع بذور التعصب والمصلحة للنيل من وجودنا وحقيقة وطنيتنا "كي نُحسَب مثل غنم للذبح" (رو36:8). ومن المؤسف أن أقول، إنه زمن سيء للغاية حيث بدأنا نضيّع طريق مسيرتنا، فالضمائر قد بيعت من كبار الزمن كما من صغار الدنيا، والكراهية كما الأنانية قد أثمرتا مصلحة وطائفية، وجعلتا من هذه الضمائر آلهة مدنَّسة تجالس الكبار من أجل المناصب والكراسي، وأصبحت الضمائر البريئة مجرمة ومحكوماً عليها بالإعدام أو بالطرد أو قضاء حياتهم في السجون، بينما الضمائر الفاسدة تُنشد الحقيقة المزيفة فنسيت أن الحقيقة لا تُشترى ولا تُباع وإنما هي موهبة من رب السماء.

  مرارة العيش
نعم، ربما يقول الكثيرون إنني متشاءم ولا أملك ذرة من التفاؤل، وكل واحد حُرّ فيما يقول أو يأكل أو يشرب أو يلبس، تلك حرية الإنسان، وعليّ احترامها، ولكن أقولها ليس لكي أوصَف بالمتشائم بل لكي أقول الحقيقة مجرَّدة كما حصلت وكما حلّت فينا. فما حلَّ بنا وبعراقنا وبشعبنا مؤلم للغاية، فالبؤس قد ملك على العديد من عوائلنا فأصبح الكثيرون يستعطون في الطرق والأزقة وساحات المدينة، وشوارع الحارة، في المناسبات كما في الأعياد، صباحاً وظهراً وعصراً ومساءً وحتى ليلاً من أجل جمع ثمن القوت الذي يقيته ويقيت عائلته، إنها مرارة العيش بعدد من الآهات والحسرات، ولا نعلم كيف ستكون خاتمتنا، وحتى ما ننتظر بعدَ أن أدركنا البؤسُ والفقرُ والموتُ ونحن أحياء!!!.

   كرامة شعبكم
أحبائي؛ أرجو أن تدركوا أن مصيركم واحد، فهيئوا قلوبكم ليس بروح التعصب والأنانية المصلحية، ولا تعملوا على ربح مساحات في الاختلاف والخلاف، في العزلة والقومية البائسة، من أجل  قطعة في قرى وأرض وسهل، وكل واحد منكم ما يطيب له، فيكون الجسد فريسة لكم قبل أن تكونوا حرّاساً له ولأصحابه ولشعبكم، فأنتم أؤتمنتم على بقاء شعبنا وليس على تقسيمه غنيمة بينكم وبين أحزابكم وقومياتكم وطائفياتكم وحتى عشائركم والتي أوصلتنا إلى ما نحن فيه، ولا أعلم إنْ كنا قد تعلّمنا الدرس المفيد أم لا. ففي فرقتكم هذه ذقنا المرارة، وجاءنا الدمار ليقودنا إلى الموت أو الضياع أو إلى الرحيل لأن انقساماتكم أكبر وأعمق من حبكم لشعبكم والتضحية من أجله، وأسأل مَن منكم ينام جائعاً أو أي واحد منكم يسأل عن حاجة البؤساء الذين جعلتموهم تجارة لمآربكم تربحونها ربما بفضّتكم أو بقليل منها وبذلك تضيع كرامة شعبكم، كي يبقوا دوماً مستعطين، فكرامة الحياة أثمن من بياناتكم ومؤتمراتكم إذا كنتم لا تُنصفون محبتكم وكرامة شعبكم.

   صوت الحقيقة
نعم، يقول مار بولس في رسالته "كل سلطة هي من الله" (روم1:13-7) لأن ليس سلطة إلا من الله فليست للتسلط بل للخدمة على مثال ربنا يسوع (يو1:13-16)، لذلك أدعوكم إلى إفراغ عقيدتكم الطائفية والعشائرية والقومية  من محتوياتها ومن تعصبها، وتُميتوا أنانية أحزابكم، فخراف شعبكم قد إلتهمتها الذئاب لأنها رأتكم نائمين ومأجورين ولا يهمكم أمر الخراف (يو1:10) فهي لا تتبعكم لأنها لا تعرف صوتكم (يو4:10) بل تسمع أصواتاً. فآذان الخِراف لا يمكن أن تسمع أكثر من صوت واحد، فكيف وأنتم تعلنون أصواتاً عشرة أو أكثر، وكيف ستستطيع الخراف أن تفهم وتدرك أين هو صوت الحقيقة من هذه الأصوات، لذلك أقول، مسؤوليتكم هي أمام الله مسؤولية واحدة وليس مسؤولية أحزابٍ عديدة وحركات مختلفة وهيئات متشعبة، واعلموا أيضاً أن قضيتكم واحدة ما هي إلا وجود شعبكم وحقيقة قراكم ومدنكم بل أكثر من ذلك وطنكم... إنها رسالتكم السامية، فاحملوها في قلوبكم قبل أن تكون على أفواهكم، فإنني من أجلكم أحمل هموم الحياة والضياع ومسيرة مؤلمة لمستقبل مجهول، وكم أتمنى أن أتفاءل ولكن روح التشاؤم يرفرف فوق مسيرتي وما ذلك إلا شهادة لحقيقة نعيشها معكم إنْ كنتم لا تُخلصون لشعبكم وتنقذونه ليس بكلمة أفواهكم ولا بسبب مصالحكم أو بيد منفردة وحيدة بل بشجاعتكم وإيمانكم بمسيحكم الحي وبكلمتكم الواحدة من أجل هدف واحد، فمستقبل شعبكم كما مستقبلكم رهنٌ بوحدتكم وبقراركم الواحد الموحَّد، وفي تراصّ صفوفكم، فلا تجعلوا أنفسكم تجارة أو سلعة يبيعونكم فيها المصلحيون كعملاء ويشترون ضمائركم ويقتلون كلمتكم وينزعون وجوهكم ويجنون ثمار إيمانكم وربما السبب سببكم. واعلموا جيداً أن السبيل إلى وحدة الكلمة هو تضامنكم قلبياً وليس صورياً كي تعودوا لتحمّل مسؤولياتكم في إعادة البناء والعمران، وما ذلك إلا مهمتكم التاريخية في إثبات شعبكم بركائزه الوطنية والمسيحية قبل العشائرية والطائفية والقومية ليس إلا!.
 
   مرة اخرى
   قبل أيام خاطبكم داعش الإرهابي مرة أخرى بقوله البائس "تهديد جديد من داعش للمسيحيين، يتوعد فيه بتحويل احتفالات العيد إلى بكاء وعويل"، أيجوز أن نبقى ضحية للقاصي والداني، للإرهاب والإجرام، للقتل والتكفير، للذمة ودفع الجزية، لحرف النون والنصراني... إنها ثقافة الموت كما هي ثقافة العبودية. فهل لا يدعوكم إيمانكم عبر كلام المسيح الحي أن تحملوا رسالة كنيستكم المقدسة وتصدّوا هكذا تصريحات بائسة وتقفوا موقف التضامن في شجاعة الإيمان من الأصول الداعشية والأفكار الإرهابية والتفسيرات المتطرفة والخطب القاتلة والمميتة فما ذلك إلا من الشيطان، بل من الشيطان الأسود ــ وما أكثر الشياطين هذا الزمان ــ فهو يريد حرق مخطوطات ماضيكم وأوراق حاضركم وأصالة عقيدتكم. فنحن، أقولها، أمام حروب دينية وعقائدية، وكل يدافع عن إلهه بحلال الذي يشاؤه، لأنهم أرادونا أن نكون بائسين ويائسين وخائفين، بل هكذا وجدوا أنفسهم ووجدونا حملاناً تحت الطلب ومتى يشاؤون، ومن المؤسف من الهاربين. لذا أرجو أن تعلموا أنّ كنائسكم ومعابدكم وتربتكم تناديكم، فاصغوا إلى آهات مؤمنيكم وحسرات أمهاتنا وأمهاتكم وبكاء أطفالكم وأطفالنا، وكونوا أنتم قادة صالحين ورعاة متفانين، يعلنون المسيح وإنجيله، وقِفُوا في وجه الفاسدين وإنْ كانوا من أقربائكم أو من أحبّتكم أو سبباً لمصالحكم، وأقولها إعلموا أن وجودكم على المحكّ إذا ما  خنتم الأمانة التي أُعطيت لكم من ربكم كما من شعبكم ليس إلا!!!.

  تجارب وقنابل
أمام ما يحصل أقف اليوم متعجباً وأتمعّن جيداً بما يدور في محيط وطني من ربح كبار زمننا وهم يتصارعون بينهم وأبناء شعبي ضحية لهم. وأقول مَن سيقودنا إلى الخلاص وإلى إدراك الحقيقة؟، فالعذاب قد ملك على مسيرة أيامنا ولم نربح شيئاً من حروب دارت في ديارنا، فمَن سيعيننا في حمل صليبنا، هل نرسل في طلب سمعان قيرواني آخر؟، والموت قد ملك على نفوسنا كما المرض الخبيث حصد نصف رجالنا ونسائنا بسبب هزيمتنا، كما لا زلنا نعاني من الحروب التي شُنّت علينا، فأصبحنا تجارب لقنابلهم وساحة لمعاركهم، وما ذلك إلا شهادة أمينة لحقيقتنا. لذا فالزمن يدعونا أن لا نلهوا بضياع وقتنا وانشغالنا بأمور كبريائنا وحماية فاسدينا وشهداء زور يشهدون على خيانتهم لوصية الرب التي أوصانا بها قبل أن يحملها إلينا موسى نبي العبرانيين (خر21:19)... فهل شهادتنا هي أصالة إيماننا؟.

   الخاتمة
نعم، أقول خاتماً، كونوا مخلصين بضمائركم، وحكماء في تسيير أموركم، وأوفياء في عيش وحدتكم. وقولوا كلمتكم الواحدة والموحَّدة، فالتاريخ لا يرحم الذين يعبدون بشراً أو يبيعون ويشترون مصلحة لأن الغاية هي أن نكون لساكن السماء وليس لعبيد الدنيا والجاه. فأمانتكم لشعبكم هي إخلاصكم لمسيرتكم الإيمانية والمسيحية، فربّ السماء كان وفياً وأميناً لنا إذ أرسل ابنه من أجلنا ليخلّصنا... إنها حقيقة الحياة... إنه الكلمة التي تجسدت بيننا ليعلّمنا أنْ "قولوا الحق والحق يحرركم" (يو32:8). فليحفظكم الرب القدير، متمنياً لكم سنة مباركة وكل عام وأنتم بخير وشعبنا قد عاد إلى أرضه من أجل وطنه وإيمانه ودمتم... نعم وآمين.


19
المنبر الحر / وجودنا صليب دائم
« في: 06:09 21/11/2017  »

وجودنا صليب دائم


في البدء
صحيح إن عالمَ اليوم عالمٌ مريضٌ في روحه وجسده وحواسه ، وإن كل ما في العالم يخيف ويزرع الهمّ، ويغدو الإنسانُ أكثرَ شراسةٍ في كراهيته لأخيه الإنسان إذ لا يرى فيه إلا عدواً ومنافساً.هذا ما نراه، وما نسمعه، وما نشاهده عبر التلفاز والمذياع وحديث الإعلام بجميع جوانبه وعديد منابعه وهذه كلها تؤرّق وجودنا ومسيرة أيامنا،اقولها شهادة للحقيقة نحن اليوم أمام مفترق طرق بل أمام ضياع مقياس زمننا وإشارات مسيرة حياتنا،نعم ،انها  أزمنة بائسة وأيام سود ونهارات متعبة وليالي مخيفة وسط المصالح المتبادَلَة والضمائر المشتراة، وفي زمن يُقدَّس فيه الفاسدون ويُبجَّل فيه شهود زور ومنافقون.

ايام قاسية
هل تعلمون إننا في وطن لا نعرف اين محلّنا وأين مكاننا بل نفتش عن ديارنا ونخاف أن نسكن فيها لأن الزمن غدّارٌ والأيام قاسية،وما نحن الا مرادهم وارادتهم  والأغلبية مسلمة بشيعتها وسُنّتها، والثانية كردية بسنّتها وفيليّتها، والتركمانية بعدها تتقدم  ومعهم الشبك والكاكائيين، ثم نحن يُقرأ إسمُنا وإسم وطنِنا، وما غايتهم إلا تقسيمات طائفية مهينة لمكونات الوطن المختلفين وخاصة الأصلاء منهم، ومن المؤسف إنهم يريدون أن يكتبوا تاريخاً جديدا كما فعل السابقون لمصالحهم وطائفيتهم ... ما هذا المسلك المشين؟، وما هذه الطرق البائسة؟، وما هذا القانون ؟، وما هذه الإرادة السيئة والمشبوهة؟.

عرش الامراء
ما أكثرهم في الدنيا شهود زور وكذّابون من أجل حقائق مزيفة ومنصباً مسروقاً ودولاراً مباعاً لأنانية دنيوية في تشويه حقيقة الإنسان بحماية كبار الدنيا وهمّة أوليائها الفاسدين والطائفيين والإعلاميين المدجَّجين بسلاح الدمار، والذين يجعلون أنفسهم علماء ومفسّرين وإداريين وقادة في زوايا حقيقة الحياة ليسكنوا في عرش الأمراء وينسون أنهم في ذلك ما هم إلا منتسبو الزوايا المظلمة الذين إذا كُشِف أمرهم أصبحوا علكة لسان من القاصي والداني، إذ "ليس خفيٌّ إلا سيظهر ولا مكتومٌ إلا سيُعلَن" (لو17:8).

حقيقة ارضنا
نعم ، مرة يقولون لنا أنتم أصلاء ويبعدوننا عن حقيقة أرضنا ويوقّعوا لنا جوازات رحيلنا، أو يقبلوننا نازحين ومهجَّرين، أو ينعتوننا بأقليات بائسة، وفي ذلك لا سلاح لنا إلا الطاعة والخضوع والقبول بما حصل وما حلّ وبما يحدث لنا شئنا أم أبينا، فالتاريخ شاهد لمسيرة آبائنا وأجدادنا كيف كانوا أمراء الزمن عليهم في دنياهم وفي سهولنا وودياننا وأراضينا، وكم كانت الحياة بهية بشروقها على حضارتنا وثقافتنا، أما اليوم فنحن نباع ونُشترى بثلاثين من الفضة كما حصل للمسيح الحي، بل بأبخس الأثمان ليس إلا!!!.

فقراء الزمن
هل تعلمون يا أبناء شعبنا إن اختلافنا في المواقف المسيحية يعود إلى إننا قد بعنا أنفسنا واشترينا دولاراً مسروقاً من كبار فاسدين، وضيّعنا سياستنا، وفشلنا في إظهار مطالبنا، وتعرضنا إلى ضغوط كبيرة كي نبيع أرضنا لأطرافٍ قد ملكت إرادتنا وملأت بطوننا خبز الدنيا الجائع، وأصبحنا نخاف من ظلنا ومن سبب وجودنا ونحيا بلا حماية وحراسة حتى أراضينا التي ورثناها من آبائنا وأجدادنا المخلصين المؤمنين الذين عملوا في كل مجال لينقلوا إلينا ملكيتها ونحن اليوم لا ندرك ذلك جيداً لأننا بعيدون عن الصلاة ومناجاة ربنا، وثانياً عن روح إنسانيتنا وعمق إخوّتنا، ولم نعد ندرك ماذا يعني الغفران والمسامحة "أترك كل شيء على المذبح..." (متى23:5-24) وذلك ليس سببه فقراء الزمن وبؤساء الحياة وعميان المسيرة بل كبار القانون والسلطان والكراسي كما المناصب والتي سُرقت وبيعت والمصالح شاهدة ، والرب يقول:"مَن كان فيكم كبيراً..." (متى26:20)، ومن المؤسف اننا أهملنا أنجيلنا ودستورنا المسيحي وجعلناه كتاباً لا يقرأه ولا يتعلم منه إلا صاعدو سفينة نوح ليس إلا!!!.

ذئاب مفترسة
ماذا لو عرف كبار الزمن حقيقتهم ووقفوا معلنين توبتهم ، قبل شعوبهم ،  وما هم إلا عبيد لمصالحهم، فيتنازلوا عما اشتروه بدولار أخضر، بمعانقةاستعراضية ، وبكلمة منمّقة ؟ولكن اقولها متى ندرك ذلك؟، ولكن مهما بقينا على ما نحن فيه لا يمكن أن نصعد مركب نوح أبداً أبداً. ومن المؤسف فيما يغلق كبار الزمان والمعابد آذانهم كي لا يسمعوا إلا كلماتهم وتبرئتهم من دنسهم وخطيئتهم، إنهم صغار الذئاب. لذلك أوصيكم يا أحبائي أن تعيشوا حقيقة مسيحيتكم في لقاء الألم، وقولوا الحقيقة في وجه كبار الدنيا والزمن وإنْ كلّفكم ذلك حياتكم،فالمسيح الحي ربنا يقول " قولوا الحق والحق يحرركم " (    ) وغاندي يقول " اقول الحق في وجه الأقوياء "  فثعالب التزييف وشهود الزور وحيتان الفساد وبائعو الإرهاب وحاملو الحقد وتجّار الكراهية لا زالوا يراقبونكم لكي يُميتوا إرادتكم وشجاعتكم وهم يعبثون في الأرض فساداً. فقد وصفهم ربنا بقوله:"امضوا وقولوا لهذا الثعلب" (لو32:3)، وما أكثرهم اليوم ونحن في زمن دواعش الكذب والنفاق والمراءات والمصالح. نعم، قولوا الحقيقة فلا يمكن أن تموت يوماً بل عودوا إلى دياركم فهي ملك لكم  وعمّروها ولا تخافوا من مسيرة الأبالسة الأشرار، فلا يمكن أن يموت الخير إذا ما كنتم أقوياء بالمسيح الحي....

ابناء شعبنا
مرة أخرى أقولها وبألم كبير وبآهات ساخنة وتمنيات غير مستجابة: وجدتُهم أصلاء ولكن مختلفين، والخلاف يسود انظاره كل طرف بعيداً عن الآخر، ينشدون الغرباء ولا يمدّون أياديهم لأبناء جلدتهم من عظمهم ولحمهم حسب قول آدم:"هذا عظم من عظامي ولحم من لحمي" (تك23:2). وانتهى الاحتفال وكل طرف ينظر إلى الآخر باشمئزاز وبزاوية من عينيه مظهراً أنه لا يرى أحداً فيزيّف حقيقته رافعاً شعاراً "أبناء شعبنا"، ويا للأسف!. إن الواجب يدعونا في هذا الزمن أن نطرق أبواب أبنائنا لنظهر لهم إننا خدّامهم لأننا أوائلهم. علينا توحيد كلمتنا من أجل مسيرتنا الحياتية وليس تفريق مكوناتنا فنكون أحزاباً وحركات وممثلين، ناسين أن في ذلك لا نكون إلا صيداً سهلاً ومكوَّناً مهمَّشاً، وسيبقى صراخنا لا يسمعه إلا القادر على كل شيء  ، اما الراؤون الفاسدون، يعملون كل شيء كي نبقى بلا حقيقة من أجل حقوقنا، بل نحن كنا ولا زلنا وسنبقى كما نحن كنا ولا زلنا وسنبقى وما تلك إلا حالة الأعراب ، وأدركنا جيداً في ذلك إننا لا نعرف معنى المحبة (يو34:13) ولا نميزها عن معنى النفاق وتوابعه  (    ) ولا معنى الخدمة والتواضع، فتضيع الإرادة وتُدفن الحقوق ونموت نحن ويموت الوطن برحيلنا إلى الآخرة أو إلى المحيطات والبحار حيث الدنيا والضياع ليس إلا!.

اهلها ولها
لقد تعلّمنا فن الرحيل وعبور المحيطات بتأشيرة مزوَّرة، وبالوقوف أمام أبواب الإقامة لتكون يوماً من حصتنا لكوننا أضعنا بوصلة الإله والحياة والتراب، وغيّرنا اتجاهنا حسب إرادتنا وغايتنا وإنْ كانتا مزيَّفَتين ولكن لأن الحقيقة هكذا يجب أن تكون لأننا نحن نشاء، فنحن لسنا إلا إله الدنيا والمصالح والغايات، وكما يقول ربنا " ألم يقل الكتاب أنكم الهة " (     ) .  أن نكون في هكذا مسيرة ونحن ندّعي إننا أهلها وآلها، وإن الأرض أرضنا والهواء هواءنا، ولا ينقصنا شيء إلا مدحاً وتبجيلاً لمكانة مركزنا ولضخامة منصبنا ولعظمة وجودنا، بل أكثر من ذلك ما نحتاجه خنوعاً وركوعاً سجَّداً لننال بركتهم وحصتنا من الميراث الدنيوي الزائل... إنها كبرياء بأَمّ عينها، وأنانية بحقيقتها، ومصلحية بمركزها،وعشائرية بفحواها  ويبقى المسكين لعازر منطرحاً على تحت المائدة  (لو21:16) ينتظر الفُتات وإنْ كان يستحق أن يكون على المائدة، ولكن المصالح أروته كذلك ، والمراد هو السامي المتعالي شئنا أم أبينا... يا بئس هذا الزمان!!!.
احبائي : لا يجوز أن نبيع ضمائرنا الحية إلى إبليس الكراهية والأنانية وإلى ذوي المصلحة ومن أجلها، والذين يجعلون من البشر آلهة وينسون أن الله هو إله الحق والخير وإله السماء، وإنه خلقَ بشراً كفوئين، متواضعين، أذكياء من مواهب الروح، وليس أشرار يجالسون الكبار من أجل الدنيا ورؤسائها وزمانهم ومناصبه وكراسيه.

الارشاد الرسولي
انه الإرشاد الرسولي لكنائسنا الشرقية والمشرقية، ثمرة إجتماعات ودراسات وأخذ وعطاء بين الفاتيكان وكنائس الشرق من أجل المسار والمصائر، فقد ضاع صوته وسط طبول الحرب التي عادت إلى الشرق الأوسط لتُقرَع وسط أصوات الترنيم والصلاة للبابا فرنسيس من أجل إسكات تلك الطبول. فالشرق الذي هو جوهر الإرشاد لم يمنح سكانه هدوءاً وسكينةً لكي يفكر بطرق النزول بالإرشاد إلى الشارع وإلى حيّز التطبيق إلى جانب الحثّ على قراءته، فضاع صوت الإرشاد وسط ضجيج أصوات اللاجئين والمهجَّرين وأنين الطائرات التي نقلت عشرات الألوف من أبناء الشرق ومن بينهم ألوف مؤلَّفة من المسيحيين الذين يحثّهم على "البقاء" في الشرق وعلى الاستمرار بإغنائه بالفكر والعلم والتواضع. فوسط هذا الضجيج المكثَّف ماذا ترانا نعمل بالإرشاد. فبواسطته يجب الانتقال من التسامح الديني إلى الحرية الدينية، ولكن لا زال اسم الله يُستَخدم لتبرير المصالح والسياسات، وتبرير لجوئنا إلى العنف، إن ذلك لفي غاية الخطورة. ولكن مهما كان سيبقى الإرشاد علامةَ انتصارٍ ورجاءٍ وأملٍ في حياة المسيحيين تماماً كما شاهد قسطنطين رؤية الصليب وسمع صوتاً يقول له "بهذه العلامة ستنتصر".

الخاتمة
أخيراً ، لنعلم إن مستقبلنا لن يتحقق في ظل انقساماتنا وما أكبرها، وما أكثر أطرافها، وما أعمق طائفيتها وقوميتها، ومن حق شعبنا أن يفتش عن مهرب أو ملجأ وسط تنامي الأحقاد والحركات المتطرفة وما أقساها إذا كانت منا وفينا.ولنعلم إن آلام القديسين وآلام شعبنا  هي ذات قيمة خلاصية إذا أُشركت بآلام الجلجلة وكوبدت باستسلام إلى مشيئة الله، بل بفرح، لأن الله تنازل وقبل إشراكنا في تدبيره الخلاصي الذي هو فرح الإرادة البشرية ولذّتها.فالله جعل الإنسان سيداً على الخليقة ليجمّلها بالفضائل لا ليشوّهها بالنقائص.نعم وجودنا صليب دائم وحمله لا يكون بالهزيمة والرحيل بل نزرعه بالرجاء والثبات ، ولا يمكن للرجاء إلا أن يكون في عمق الواقع هدفاً واحداً هو الوصول إلى الحقيقة والشهادة لها ومهما قالوا عنا وارادونا كفارا واهل ذمة فما نحن إلا اصلاء ، فليدركوا أنّ صليبنا ما هو إلا رسالتنا ولا يمكن أن ننكر حبنا للذي حمل الصليب من أجلنا فمنه تعلمنا أنّ وجودنا وحقيقتنا ما هي إلا صليب دائم وسنشهد لهذه الحقيقة ما دمنا في مسيرة الحياة ،وسنبقى اوفياء وأمناء لهذا الحب مهما شوِهَت الحقيقة وبيعت الدنيا والكراسي وليفهموا هولاء  اننا ابناء الحقيقة والشهادة  في رسالة المسيح الحي ومن له اذنان سامعتان فليفهم " (    ) ،  نعم وامين  .


20
وين الحل؟ ... وين مستقبلنا؟

المونسنيور د. بيوس قاشا
    في البدء
إننا ـــ والحقيقة شاهدة ـــ نعيش في زمن من أحرج أزمنة تاريخ كنائسنا ومسيرة إيماننا كما هي مجتمعاتنا، والأزمة ضاربة أطنابها في سائـر الميادين الإيمانية والإجتماعية والحياتية، والكل  يسأل عن سبب هذه الأزمات والظلمات، "والكثيرون بل كلّهم ينتظرون أجوبة لأسئلتهم ويحلمون بمستقبل واعد". كما يسأل المؤمن هل لا يزال المسيح الحي في نظرنا نحن المسيحيين نور العالم
(يو12:8)؟، والحقيقة فلا من جواب إلا بيانات واستنكارات وشجبٍ، واليوم بعد أن أخذ وجود المسيحيين في الشرق الأوسط يتضاءل باستمرار "فهناك خطر حقيقي من أن يضمحلّ تماماً. إنهم يتعرضون إلى عملية محو تقريباً" حسب قول الكاردينال بيترو بارولين في مؤتمر نظّمته جمعية الكنيسة المتألمة في شهر أيلول الماضي (2017). كما إنّ الهجرة نزيف خطير يجب إيقافه، والوقت يمرّ بسرعة، والتغييرات في البلاد عديدة، وهذا يستدعي إصدار حزمة من القوانين الضامنة لحقوق المكوِّن المسيحي وصيانة حقوقه والمشاركة الفعّالة في القرارات التي تخصّ شؤونه.
     أشنعمل
وين الحل، وين مستقبلنا؟... ما أدراك ما هذه العبارات وأخرى مثلها في هذا الصدد وكلها ناتجة عن آلام نفسية مصاب بها شعبنا بأكمله والمسيحيون والمكوِّنات بأسرها، هم ونحن لا ندرك جيداً ما الذي يحصل وما هو المخطط الناتج عن مسيرة الحروب والاحتلال والدواعش وغيرها وأين تكمن المصالح الدولية في الكبرى منها، كما هي عبارات يطلقها شعبنا المسيحي ليفتش عن ملاذٍ آمن، فهو لا يفكر في الرحيل والهجرة لو كان هناك مَن يُؤَمِّن له طيبةَ مسيرةِ الأيام وحلاوتَها، وحريةَ الإيمان وعباداتِه، وعيشَ الحقيقة في حريتها، ولأنه لا يجد مَن يثبّت أقدامه في حقيقة الوطن فأين يرحل! وأين الحل؟ أين المستقبل؟ شوقت يرتاح البلد؟ أشنعمل! وين الحل؟ وين مستقبلنا؟ "نهاجر وإلاّ لأ"! "إنْ هاجرنا ضعنا وإذا بقينا قُتلنا بل كُتِبَ علينا الموت أو الخنوع!"، متى نرى أرباب الكراسي يملأون قلوبهم خدمةَ شعوبهم بدلاً من ملء جيوبهم وزيادة حساباتهم، وتدقيق وارداتهم، وإصدار أوامر قضائية وتحقيقات شيطانية؟، راح نبقى نعيش هالحياة! كل يوم حرب! كل يوم حصار! اليوم انخطف فلان! اليوم صار تفجير مفخخة! اليوم الطرق مغلقة! وكل يوم يمرّ بأعجوبة الباري وليس بحكمة العبد المخلوق وذكائه الخارق، بل هي يد الله القوية التي تحمينا وتجعلنا نواصل مسيرة الأيام بلياليها ونهاراتها. هذه كلها كانت لنا مانشيتاً مخيفاً ومحرّماً وساخناً وعنيفاً، يُقرأ في راحتنا كما في نومنا، وأخذنا نخاف حتى من ألوانه ومن ظلّه، فقد أصبحنا عبيداً لمدراء فاسدين بحماية كبار الزمن ورجاله، والشعب البائس يفتش عن مَن ينشده نحو المراعي الخصبة ليكون في نعمة الحياة وليس نقمة الفساد، أو في الذين سرقوا أموال المهجرين بحجّة إنهم قائمون على رعايتهم، كما اشتروا البراءة مِمَّن سرقوهم بين أوراق الزمن فيكونوا أبرياء بل أولياء الله أمام عيون البشر.
    ليلة سوداء
نعم، إننا أمام أوضاع عاصفة ومؤشرات سياسية مخيفة مليئة بالأزمات والتباينات، فهي تورق وجودنا وتشوّه حقيقة مسيرتنا، وربما هناك نداء قد نبت في داخلنا يجعلنا أن نخاف، بل مَلَكَ الخوف علينا بسبب ما يحصل من زمن بعيد وبالخصوص من زمن احتلال داعش الإرهابي لقرانا ومدننا والذي لم تشهد أجيالنا ولا نحن مثله قط. ففي تلك الليلة السوداء كانت الهزيمة المُرّة (6/8/2017)، بل الجريمة التي إرتُكبت ضدنا فكان أن إستولى الإرهاب على ممتلكاتنا، وطُردنا من ديارنا عنوةً وبكل قساوة مريرة، وأعلَمَنا التاريخ بعد ذلك أن ما حصل من ترتيب شرير من أجل مصالح دنيوية زائلة، فكنا نحن الضحية شئنا أم أبينا، فما كان علينا إلا الطاعة... وأية طاعة!؟.

     جمال وقتال
نعم، إن وطننا اليوم ممزَّق إلى طوائف وأقليات وقوميات ومذاهب وأحزاب ومكونات لا تُعَدّ ولا تُحصى، ففي وحدتها جلالٌ وجمال، وفي فرقتها دمارٌ وقتال، وهذا ما يرسم فينا آثاراً يزيّفها التاريخ، ممّا حدا بالكثيرين أن يقولوا "وين نروح"،... هذه الأقاويل جعلت من تعايشنا مع الآخر المختلف والمشارك في هزيمتنا تعايشاً مُرّاً وقاسياً إضافة إلى الزمان الذي أخذ يخذلنا وكأننا عبيد لا حول لنا ولا قوة، فعاصفته جعلتنا في مهبّ الرحيل، وسُمّيت بإسمنا عناوين مختلفة في الكراهية والمذهبية والعرقية وحتى القومية بدلاً من أن نكون أصلاء بمسيحيتنا كما كان أجدادنا بمسيحيتهم، ويبقى السؤال: ما العمل أمام هذه السنين العِجاف؟، مَن ينقذني من يد الموت هذا؟ كما ردّدها قبلنا بولس الرسول (رومية7:24). وإذا كانت  ظروف عديدة عصفت بمنطقتنا وهجّرتنا من ديارنا فلا أظن هناك إمكانية لإيقاف هذا النزيف خاصة بعد أن تأصّلت في الأنفس تدمير الثقة في الأرض التي وَلَدَتْه، وبالناس المرائين الذين يعتبرون أنفسهم مخلصين وقديسين وهم في الحقيقة سرّاق ولصوص. فالشرخ كبير بين المسيحيين والمكوِّنات الأخرى المختلفة، ولا أمل بعودة هذه الثقة، واتجاهها ما هو إلا خيبة أمل لأنها لا تنسجم مع المبادئ الإنسانية كما مع المبادئ الاحترامية.
     داعش وبعده
كنّا نتساءل قبل تحرير أراضينا وقرانا ومدننا إذا ما إنتهى داعش الإرهابي فماذا بعده؟، وما هو مصيرنا؟، وكان هذا السؤال لغزاً مخيفاً لنا ولغيرنا وخاصة بعدما أدركنا إننا ندخل قتالاً لنُزَجّ في حربٍ مميتة، وندخل حصاراً كي نحارب ثالثة، وهلمّ جراً. حيث كنا نرى أنفسَنا أننا وسط هذا القتال ونحن لا نحمل سيفاً ولا بندقية، وهنا كانت مصيبة المصائب وحقيقة النوائب، وجُعِلنا ولا زلنا نرى إننا سنختفي من الوجود بعدما خسرنا مناطقنا وكنائسنا وممتلكاتنا، وأخذوا يقتسمون على ثوبنا (متى35:27) ووجودنا كما شاءوا وطاب لهم ولأحزابهم ولمقدّراتهم الإستهلاكية مستهدفين بذلك دون أن ندري مسيرة أجيالنا وأصالتنا، وعاملين على تهجيرنا أو صَمّ أفواهنا... وإلا فما الرحيل إلا حلاً!!!. فالبُنى التحتية قد دُمّرت بطريقة شبه كاملة، وبالتالي فالعودة صعبة، والهاجس على المستقبل لا يزال يتربّع على مسيرة أيامنا وجرّنا إلى صراع لا علاقة لنا به ولا يجوز ذلك لأنهم عملاء لغيرهم ونحن خاضعون لهم شئنا أم أبينا، هذه كلها كانت سبباً في صراعاتنا، فالشمال تمدّد، وعمليات الديموغرافية وقطع الأراضي على قدمٍ وساق في إحتلالنا وفي تسجيلنا تبعية شئنا أم أبينا. فهل هناك مخطط لتهجيرنا وبيعنا وشرائنا!!؟، لأن كل شيء مباح،  فالمصالح قد التقت، وراحت الدول تفتح أبوابها بتأشيرات الرحيل، وهناك مَن يعمل تحت عباءة جهات سياسية لإفراغ العراق من المسيحيين وإضعافهم حتى داخل الوطن.
     مصير مجهول
صحيح إن مناطقنا تحررت بيد جيشنا والمقاتلين النشامى، ولكن دماراً كبيراً لحق بها، وبالتالي فالعودة إليها صعبة وقاسية، فهاجس المستقبل بدأ ينمو من حينها، وبعد ثلاث سنين أثمر هجرةً وخوفاً وآلاماً نفسية. فكم وكم سرقه المنون بسبب مرض عضال وأخرى، وآخرون رسموا لنا خارطة نزاعهم على صدرورنا ونحن لا ناقة لنا في أمرهم ولا جمل، بدلاً من أن يقَدَّم الدعم لمناطقنا كي تكون جزءاً أمينا لوطننا وليس مناطق نزاع يتصارعون على إصطيادها. فبعد أن كنا أحراراً في مدننا جعلونا عبيداً لقراراتهم، كما تمّ قضم أراضينا دون علمنا ولا موافقتنا، وأصبحنا في مصيرٍ مجهول لأننا كنا ولا زلنا الحلقة الأضعف في الوجود. فكبارنا في هذا الزمن لا زالوا متفرقين بعد أن عانينا منهم الكثير بسبب دوافعهم المصلحية وطرق وصولهم، فلا نعلم اليوم برحمة مَن نكون: برحمة المجاهدين المكفّرين أم برحمة ملوكنا المتخاصمين أم برحمة حدودنا التي فيها نحن متنازعين؟، هل نحن تحت رأفة الخالق العظيم أم إرادة كبارنا الحاضرين والمنقسمين؟، ألا نعلم أن التاريخ سيحاكمنا كما سيحاكم كبارنا، وإنه لا يمكنهم تزييف ما كتبوه وإنْ كانوا يختارون فرصاً ليزيّفوه؟، ولنعلم إننا ما نحن إلا أقلية مَحْمِيّة وعلينا إدراك ذلك كي لا نتعرض لعملية محو تقريباً ليس إلا!!!.

     عقل حكيم
لنقرأ واقع وطننا جيداً وكذلك واقع مسيرتنا كي نستطيع أن نرسم لنا الطريق الصحيحة بِحَنَكة سياسية وعقل حكيم إنطلاقاً من مصلحة مؤمني كنائسنا وليس من مصلحة أحزابنا وحركاتنا وقومياتنا الشخصية أو الفئوية، وكفانا دغدغة المشاعر كما يفعل الكثيرون منهم كي يرضوا نزواتهم من أجل مكاسب مسروقة ومزيَّفة تكون لصالحهم. فَعِلَّتنا هي في ثقافة الفساد الطاغية في شراء الذمم. فنحن لا ندرس التاريخ، فهل تعلمون أنه تم إذلالنا بإبادة تاريخنا ونخاف أن نقول الحقيقة خوفاً على مصالحنا التي أصبحنا لها عبيداً بعد أن أفرغنا حقدنا وكراهيتنا وغضبنا وبغضنا على بعضنا البعض لأننا لا نُدرك إننا رعاة ورعاة لشعب الله وليس أسياد ورجال مناصب وكراسي وكبار الإدارات، فالبابا فرنسيس يقول:"أنتم رعاة لشعب الله" (موعظة قداسة البابا فرنسيس لدى ترؤسه قداس الرسامة الكهنوتية لكوكبة جديدة من أبرشية روما بتاريخ 7/5/2017).
     مشروع واضح
يعاني المسيحيون من إغتصاب لحقوقهم في العديد من الوجوه، إذ أن هناك العشرات من الذين تم الإستيلاء على عقاراتهم وأراضيهم بأساليب الغشّ والإبتزاز والسرقة الواضحة، لذا علينا أن نتعلّم كيف نواجه إستحقاقات البقاء أو الدفاع عن حقوقنا في حياة آمنة، والشراكة الوطنية مع المكوِّنات الأخرى في رسم حاضر أو مستقبل العراق ضمن مشروعٍ وطني. لا يمكن أن تتحقق آمالنا التي نطمح لها إذا لم يكن لدينا برنامج عمل متكامل وآليات تنفيذية، عليه يجب أن نوجّه كلامنا لمسؤولينا الموقرين أولاً: لماذا هذا التفريط الواضح لعراقيين وطنيين لا غبار على وطنيتهم وأغلبهم من الخبرات التي يمكن أن تساهم مساهمة فعّالة في بناء وطنهم العراق؟. فما نحتاجه هو مشروع واضح ودعم من قبل الأطراف المتنفذة في البلاد حفاظاً على بقاء المسيحيين.
ولنعلم إننا نسكن مناطقنا منذ قرون، ولنا تاريخ واسم وهوية وحضارة، ولا يجوز فرض واقع جديد وهوية جديدة وحضارة جديدة علينا تحت مُسمَّيات أرادوها مُلْكاً لهم ونحن ساكتين وسائرين _ كالطرشان في الزفة (مع إعتذاري لهذا المَثَل الشعبي). فالكاردينال ماورو بياتشينتا يقول:"إنه وضع يسبّب القلق للكنيسة الجامعة بأسرها لأن اختفاء المسيحيين من الشرق الأوسط من شأنه أن يسبّب إضعاف التاريخ والثقافة والمجتمع في تلك المنطقة". ومن المؤسف أن نرى أوروبا العجوز تخجل من جذورها المسيحية، فهناك مناطق كالشرق الأوسط قد يفقد فيها المرء حياته لكونه مسيحياً، لذا بالإضافة إلى حمل مساعدتنا إليهم علينا أن نتعلم فهم شهاداتنا البطولية، فالحل الوحيد هو أن نواجه تاريخنا، ونرحب به ونعانقه. فمستقبلنا رهن ببقائنا وتحمّلنا رغم إختلافاتنا... فهل البقاء في الإختلاف وليس في مغادرتنا؟.
    الخاتمة
أحبائي: إن الرسالة تدعونا لا أنْ نهرب من الشرّ والألم بل أن نقاوم هبوب العواصف وأمطار السيول ورياح الإضطهاد وإطلاقة الحقد والكراهية بعجين في تراب وطننا نبني فيه مسيرة حبّنا لأرضنا كي لا نضيع بين قتلى الزمن، فنحن شعب نوجَد في أرضنا بل أرضنا توجد فينا وتحيا من دماء عروقنا، ولا نقبل بأن نفنى ونموت كي نكون سبباً في ضياع إيماننا وفقدان مسيحيتنا، فتُقلع جذورنا وتموت أصولنا في أرضٍ غنّينا لها أغانينا وزمّرنا لها ورقصنا من أجلها "هذي الكاع ما ننطيها، إيشوع ومريم ساكن فيها". فما حصل حصل، وما حلّ فينا حلّ دون إرادتنا وعدم علمنا وإستعدادنا، فقلوبنا لا زالت وستبقى تفيض بِنِعَم إيماننا ولا أجمل، فمعركتنا كما يقول مار بولس "مصارعتنا ليست مع اللحم والدم" (أفسس12:6)، فإمّا نوجد كشعب مسيحي أصيل في أرض الله وإما أن نموت، وهذه الحقيقة هي التي يجب أن نحملها لأجيالنا ونشهد لها فإننا شهود الحقيقة وليس شهود الزور، وهذا حلّنا ومستقبلنا ليس إلا... نعم وآمين.


21
السيد عبدالاحد سليمان بولص المحترم
شكرا جزيلا على مداخلتك المفيدة والمختصرة واسمح لي ان اقول بان العنوان طريق الى معرفة الحقيقة التي ربما ستحصل ما تراه من تطورات في المنطقة وفي سهل نينوى ليس بالهيّن ونحن اليوم نحتاج الى الهنا الرب يسوع المسيح وليس التغني بقوميتنا وطائفتنا وطائفيتنا وعنصريتنا ومصالحنا ولا نحب الا من نحبهم بسبب مصالحنا ونجلس الفاسد في مقدمة المصلين الا يكفي في هذا الزمن هذه المصالح علينا ان ننظر الى شعبنا انه يموت انه يُرحل انه يهاجر لاننا لم ندرك اين الهنا وماهي الحقيقة التي يجب ان نحياهنا وعذرا اليس الهنا من نحن نريده
نعم غايتي الاولى والاخيرة هو ثباتي في المسيح الحي فلا اخاف ما دام الرب يسوع معي وحسب ماقلته يا سيدي المحترم وما علينا الا ان ننظر الى السماء ونرفع رؤوسنا لنرى ماذا يحدث ولنفهم ما تريده السماء وما يريده شعبنا مناصبنا وكراسينا ام وحدتنا وهدفنا في الخدمة والعطاء ليس الا وشكرا وباركك رب السماء

22
حبيبي سيد غيث موسيس المحترم
اشكرك من كل قلبي على مداخلتك واقول لك ان العنوان ما هو الا الخوف من الاتي اذا لا نوحّد كلمتنا وندرك جيدا هدفنا في مسيرة الحياة وغايتي الاولى والاخيرة ان افتخر باصالة المسيحية في العراق وحضارتهم وان اكون نموذجا في العيش وفي الحياة . واذا لم نوحد افكارنا وكلمتنا فالرحيل هو يشتتنا ولا نبقى الا اثار كما بقيت اثار البابليين والسومريين واسف ان اقول ربما نقرا السلام على المسيحية في العراق
مع محبتي

23

سيد وليد حنا بيداويذ المحترم
محبة الرب معك وسلامه يحلّ عليك
شكرا على مداخلتك ولكن اسالك بحق المسيح الحي متى أُعطيت لنا الحقوق واذا ما اُعطيت لنا فبالقطارة تُعطى والسبب يعود الينا لاننا نفتش عن اله بطوننا واله احزابنا وطائفتنا وطائفيتنا وقوميتنا ولا نفتش عن اله يسوع المسيح الحي الذي احبنا حتى الموت ومشكلتنا اننا ننحني لرجال مخلوقين مثلنا وربما فاسدين ونخضع لهم من اجل مصالحنا وكراسينا ومناصبنا ولا نكشف الفاسد بيننا لانه ربما سيكون يوما ذراعنا المساعد من اموال لا يملكها وهذا ما يحصل اليوم . فحينما اقول هذه المقوله احزموا حقائبكم فالرحيل غدا لا اقصد فيها اطلاقا ان نهاجر او نتشاءم او ان نرحل من البلاد بل بالعكسما هي الا صوت صارخ في البرية ليسمع كبار الزمن وكبار المعابد والرئاسات الموقرة اننا بحاجة الى كلمة واحد وهدف واحد فان كنا ننشد البقاء فلنوحد الهدف واما اذا بقينا على هذه الحال ونجعل الفاسد قديسا ومن الطائفية دربنا ومن القومية رسالتنا ومن طائفتنا الاقرب الى السماء فقد ضاعت حقيقة الانجيل المقدس بشرى الحياة وفي ذلك سنترك ونرحل ليس الا وشكرا ومع محبتي

24

شكرا جزيلا للسيد وليد حنا بيداويذ والسيد اخيقر يوخنا لمداخلتهما في الموضوع احبائي لنحزم حقائبنا فالرحيل غداً"
نعم انتم في الطريق الصحيح الذي يقودنا الى حقيقة البقاء للشهادة لمسيحيتنا وربما هذه اقولها من الناحية العاطفية فاسمحوا لي ان أقول ان الجالسين في البلدان الاوربية او امريكا او استراليا يتنعمون بمسيرة الحياة الدنيوية وهذا من حقهم ومن صميم الانسانية فهل تعلمون ان كل يوم تغادر من بغداد عائلتين او ثلاثة وانا كنت من الرجال الكنائس الاوفياء انادي لا للرحيل فالعراق ارضنا ونحن اصلاءه وهذا ما كنات تنادي به الكنيسة الجامعة والتي احبها وقداسة البابا وقد قالها الارشاد الرسولي عام 2012 بان نحن القلة  يجب ان تكون للشهادة للمسيح .
باسم المسيح الحي اسالكم هل نحن اليوم نشهد لمسيحنا ام نشهد لاحزابنا ولقوميتنا ولطائفتنا ولطائفيتنا ومصالحنا فاليوم قُسمنا اكثر من انقساماتنا والمسيحي لا يعلم اليوم الى اين يتوجه والى اين سيكون مصيره ألم تعلمون اننا يوما كنا مسيحين قبل ان نكون طائفيين واحزاب وكتل وقوميات هل نميت فينا المسيح بسبب قوميتنا وطائفتنا وكتلنا واحزابنا كم وكم من البيانات صدرت وكم وكم وقفنا امام المايكروفونات لنعلن حقوقنا ومنذ 2003 ولحد اليوم لم يلتقِ المسيحيون عبر احزابهم وكتلهم وقومياتهم وطائفيتهم واسال اين هي الحقوق التي اكتسبناها فالمسيحي الذي يشهر اسلامه الا تدرون ان اولاده القاصرين يُسجلون قاصرين واين هي المادة 26 واين هي حقوقنا في التعليم ولعلك لم تطّلع على كتب اللغة العربية التي يقراها طلابنا ، وحرية الايمان واين هي  مكانتنا بين القوميات العراقية  فنحن لسنا عنصريين ولا نريد دولة باسم المسيحيين فبلدنا واحد ووطنا واحد وشعبنا واحد عُرفنا وعشنا ولا زلنا وما هذه إلا دروس الاستعمار ، هل سنبقى نستعطي حقوقنا وهل سنبقى مطيعين خنوعين ام سيكون الحل الرحيل ليس الا واخرى واخرى
فيا احبائي سيدنا وليد وسيدنا اخيقر انا معكم فان العنوان مخيف  وانا معكم ان احمل صوت الرجاء والامل وانا معكم ان لا نفرغ بلادنا من وجودنا وخاصة انا رجل الايمان واحمل بكل وفاء نداء المسيح الحي وانجيله الطاهر ان اكون علامة رجاء وان كانت الغيرة قد تدخل قلوب الكثيرين بما اقوله ولكن سابقى شاهدا للحقيقة كما قال عني البابا بندكتس السادس عشر في المقابلة الخاصة في الفاتيكان يوم 11 كانون الثاني عام 2011 وان كان الكلام غير مقبول عني فتلك مشكلة من يقرا مقالاتي ففيها حبي لابنائي ووفائي لكنيستي وامانتي لوطني وان كانت هذه الامور قد تغيرت بسبب المصالح والقرابة المزيفة والعواطف البائسة و و و .
عذرا ان كنت قد اطلت ولكن كنت ولا زلت من الذين كانوا اوفياء قبلنا واستشهدوا بسبب الحقيقة ومنهم المطران بولس فرج رحو الذي تكلمت معه ظهرا قبل استشهاده وفي نفس النهار وربما انا ايضا ساسلك نفس الطريق وتلك مشيئة الله . وختاما ما نحتاج اليه رجالا مؤمنين  بالقضية وليس مذيعين لها ، رجالا يحلمون بمستقبل امين لمسيحيينا الذين لحد اليوم لم يجدوا راحة في نفوسهم منذ اربعة عقود ولنا من هؤلاء الكثيرين المخلصين من رجال الكنائس والمعابد والاحزاب ولكن شيئ واحد ينقصنا وهو مانحتاجه كلمة موحدة ، اناساً مؤمنين بوطنهم ، اناساً يحبون كنيستهم ، اناسً يعرفون رجالاتهم المخلصين الاوفياء وليس الجالسين على مناصب الدنيا لمصالح مزيفة  وهم غير مستحقين .فمار بولس يقول " لنا رب واحد ومعمودية واحدة وايمان واحد واله واحد "
شكرا والف شكر لكما يا احبتي فلتكن يدكم بيدي وايادينا كلنا سواء كي نقول كلمة الحقيقة في وجه الاقوياء ليس الا والمجد ليسوع المسيح . مع محبتي انا الفقير

25
أحبائي لِنَحزِمَ حقائبَنا ... فالرحيلُ غداً
المونسنيور د. بيوس قاشا
في البدء
إن الأوضاع السياسية والمتأزّمة تؤرق وجودنا وحقيقة مسيرة حياتنا، وتجعلنا نحمل حقائبنا    لنرحل اليوم قبل غدٍ، كما إن تقلبات هذه الأوضاع في شرقنا الممزَّق وما تخلّفه من آثار مدمِّرة
 دفعـــت العديــــد بل الآلاف من مسيحيينـــا إلى الهجـــرة وإلى الرحيــل وهذا ما جعـــل تعايشنــا مع غيرنـــا والمختلف عنا تعايشاً قاسياً وصعباً بعد أن كنّا إخوة في التنوع وعبر ديانات مختلفة، ولكن ما حصل أنه قد فسدت النيّات، وملكت الطائفية، وأصبح الجهاد باسم الدين كما باسم الإله كارثة أودى بالبشر الضعفاء إلى حيث الهلاك، فكان حرف "النون" عنواناً كما كانت الحرب الدينية، وكانت نتائجها الرحيل والهجرة، وحملت في عاصفتها عناوين مختلفة في الكراهية وحبّ الأنانية بملء روح الطائفية بعد أن كنا بلاد الأصلاء والملاذ الآمن والعيش الرغيد والمسامح الكريم.
خشبة ... ومسيرة
في مثل هكذا زمانٍ أسود وتاريخٍ مزيَّف وحياةٍ بائسة ومصالح متبادلة وضمائر مشتراة، وفي زمنٍ تكثر فيه الكراسي المسروقة وتزداد المناصب المَحْمِيّة من كبار زمننا ودنيانا بسبب الفساد والنفاق، كما في زمن دعتنا الطائفية أحبابها والحدود المرسومة دستورها والمناطق المنزوعة جيرانها بسبب الصورة المزيَّفة، حيث تبقى الحقيقة معلَّقة على خشبة العار لا أحد يهتم بها ولا مَن يسأل عنها ولا عن أصولها وأصلائها بعد أنْ ملكت ثقافة الموت على قلوب الكبار الفاسدين، وجعلت من مسيرة الحياة خطفاً وإرهاباً ونزاعاً وتدميراً للحقائق وللمقدَّسات، وهدماً للقِيَم، والإعلان عن زوالها عبر زوال المسيحية بسبب الخوف والحروب كما بسبب فقر إيماننا، وانحسار شركائنا، وانغلاقنا على طائفتنا، وحبّنا لأنانية مصلحية للحفاظ على مواقفنا وأمكنتنا،وإنْ كنا ندرك أن ذلك نفاق وخطيئة جسيمة لا يغفرها إلا الغسل بالماء وبنفحة الروح الإلهي السماوي، لأننا نحن أردنا ذلك من أجل أن تبقى ألوهيتنا فينا وأن يكون الآخر البريء تحت ظلها... تلك هي الحقيقة المزيَّفة التي يريدونها، ونتساءل: هل بدأ الموت البطيء يأخذ مجاله في مؤمنين كانوا يوماً أقوياء بالمسيح الحي وأصبحوا اليوم مجتهدين في الرحيل كما في الضياع؟، وهل يمكننا أن نقول إن المسيحية بدأت في الزوال رغم بقاء المسيحيين حاملين الهوية الرسمية التعريفية دون الهوية الإيمانية العماذية؟.
مسيحية ... وزوال
نحن نتساءل: هل المسيحية في الوطن كما في الشرق إلى زوال؟، ماذا يقول المسيحي عمّا يحصل في عراقنا الجريح وفي شرقنا الممزَّق من عداءٍ وانقسامٍ واستملاك واستحداث؟،هل سنواجه الإنقراض والضياع؟، هل سينتهي وجودنا التاريخي والحضاري والإيماني؟، هل سيأتي داعش علينا مرة أخرى بلباس إرهابي جديد ويحتلّ نفوسنا كما سهولنا وأرضنا ويدنّس ترابنا ومعابدنا؟، وهل بإرهابه يُكتَب لنا الخلاص ويُسجَّل لنا البقاء أم سنكون في هزيمة ثالثة وأكيدة لا تُعرف عقباها بسبب الذين أرادونا في حمايتهم فكانوا هم الأوائل في هزيمتنا؟، وهل سنفترش مرةً أخرى الحدائق والشوارع وتُبدَّل مساكننا بخيم بائسة وبكرفانات خانقة؟.
مصالح ... وفساد
لقد أتت الساعة، وهي الآن، أن نعترف بسلبياتنا قبل إيجابياتنا، وبأنانياتنا الحزبية والمكوِّناتية والوجودية قبل شموليتنا وحقيقة شعوبنا، بطائفيتنا ومصالحنا قبل كفاءاتنا، وقدرتناعلى الهدم  قبل قدرتنا على البناء، بحقيقة الفاسدين السرّاق قبل الدفاع عن فسادهم، وسرقتهم لمال الضحايا والمهجَّرين، بمعرفة أنانيتنا قبل وحدة كلمتنا،فلا يجوز أن تُستباح القِيَم من أجل النفعية والمصلحية، ولا يجوز إستغلال عبثي للدين وإخضاعه للسياسة ولمصلحة كبار المعابد والزمن.ومن المؤسف أن يكونوا هم الأوائل في نكران أصولهم وإنسانيتهم ومسسيحيتهم وهم يدركون جيداً قيمة أرضنا وأصولها، وتواجد شعبنا وسيرته الحياتية المؤلمة. فاليوم نحن بحاجة للتحرك نحو النظر لِمَا تشهده أيامنا من الإقتتال الأخوي وكسب المصالح الفاسدة، وتلك دعوة لنا أن يدرك كل منا مدى مسؤوليته إزاء المواطن من أجل حقيقة الوطنالواحد من شماله إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه، كي لا تُفسَد تربتنا المقدسة فتولد لنا أجيالٌ شريرة، كما آن الأوان أن نقرّب شعوبنا قبل أن نفرّقهم لأننا بأمسّ الحاجة إلى عمل مشترك وكلمة موحَّدة ونظرة صائبة، فالزمن والساعة لا يرحمان أحداً، ولا نعلم توقيتهما(متى13:25)، فيقولوا لنا "إرحلوا، فدياركم قد بيعت، وأرضكم قد سُلبت، ودنياكم ليست هنا، بل إحملوا حقائبكم، والرحيل حلالكم، ولا مَخْلَص لكم غيره".
وجوه ... ومصالح
إن الأوضاع الحالية لا يمكن أن نغيّرها بسبب تأصّلها في مسيرة حياتنا، لذلك ما نحتاج إليه هو نشر ثقافة الحقيقة عملاً بقول المسيح الحي:"قولوا الحق والحق يحرركم" (يو32:8)، ولا يجوز أن نكون تبعية لأناس كبار أو صغار يستهزءون بوجودنا وبمستقبلنا، ويجعلون من أنفسهم آلهة لدنيانا بكلامٍ معسول وأذرعٍ مفتوحة وضحكاتٍ مزيَّفة ومناداةٍ قضائية، وهذه كلها ربما ليست إلا عواطف كي يزرعوا في نفوسنا ترتيلة الأشرار والمنافقين "بالروح بالدم"،فيسجل التاريخ حينذاك أسماءنا فاسدين، لمشاريع خاصة ومصالح آنية،لأشخاص أحببناهم كي يكونوا مُلْكَنا وحسب إرادتنا، ومستعدين لخنوعهم أمامنا،وإنني متأكد أنّ هذه ستُميتنا يوماً لأننا سنشهد ـــ كما يقول قداسة البابا فرنسيس ـــ "لمشاريعنا الخاصة" وهذا ما يحصل فعلاً، والحقيقة أقول إننا لسنا أمام هموم الناس ومعاناتهم بل نحن نواجه همومنا كي نميت جارنا، نشهد لتزيّف حقيقتنا، وإذا ماحصل هذا كله فلنرفع رؤوسنا (لوقا21:28)،ولنهيئ حقائبنا، فإنّ رحيلنا قد دنا، لأن كبار الزمن لا يجالسون إلا كبار الفاسدين ولا يمجّدون إلا هم أنفسهم. فحتى متى تتغير الوجوه وإسطوانة الإحترام الكاذب والتباهي والتعالي!،فهل يجوز أن يكون بعض الفاسدين تحت رعايتنا؟، ألم يخلق الساكن في السماء كفوئين آخرين؟، هل لأننا نحبهم؟، ولكن بئس ذلك الحب إنْ كان ضد وصية السماء، ففي ذلك نحن غافلون عن كتاب المحبة والحياة الذي سطّره إنجيل المسيح الفادي بقوله:"إن كنتم تحبون مَن يحبكم فأيّ أجر لكم" (لو32:6).
خراب ... ودمار
بعد وجودٍ دام أكثر من ألفي سنة، وأصالةٍ في أرض الأجداد، ها هوذا داعش يخرّب كل ما بنيناه، فحمل إلينا الخراب والدمار والألم النفسي،فكان أنْ مَلَكَتْأمراضٌ علينا،وبغتةً تموت الحياة أو نُبتلى بمرض آخر عضال سببه هذا كله،والخوف من البقاء بسببه وبسبب الجماعات المتطرفة، وهذا ما حصل لنا،ربما من خوفنا وربما بسبب تصفيقنا واحتضاننا لأنظمة جائرة ولكبار مزيَّفين بشعارات حملناها إليهم كي يكونوا دائماً تماثيل صمّاء على كراسي الحقيقة ونحن لهم عبيد خاضعون، فهم يدّعون إننا في حمايتهم وتحت أنظارهم والحقيقة عكس ذلك فما نحن إلا عبيد لرجالات فاسدة، ووكلاء غير أمناء على مسيرتنا ورعايتنا، كما هم طغاة وآلهة لأنانياتهم، ومن المؤسف أن يكون كبارنا مخدوعين بأشكالهم وجمال قاماتهم وطيب ألسنتهم وشرتونية كلامهم، وما ذلك إلا شهادة لحقيقتهم البائسة، فبئس ما يملكون... إنهم جائرون.
مفترق طرق
أحبائي،نعم نحن أمام مفترق طرق بل أمام ضياع مقياس زمننا وإشارات مسيرة حياتنا، فمرّة يقولون لنا أنتم أصلاء ويُبعدوننا عن حقيقة أرضنا، ويوقّعوا لنا جوازات رحيلنا، أو يقبلوننا نازحين ومهجَّرين، أو ينعتوننا بأقليات بائسة، وفي ذلك لا سلاح لنا إلا الطاعة والخضوع والقبول بما حصل وما حلّ وبما يحدث لنا شئنا أم أبينا. فالتاريخ شاهد لمسيرة آبائنا وأجدادنا، كيف كانوا أمراء الزمن عليهم في دنياهم وفي سهولنا وودياننا وأراضينا، وكم كانت الحياة بهيّة بشروقها على حضارتنا وثقافتنا، أما اليوم فنحن نُباع ونُشترى ليس بثلاثين من الفضة كما حصل للمسيح الرب بل بأبخس الأثمان ليس إلا!.
في الختام
في الختام أقول: أين إنتمائنا إلى المسيح الحي؟، فمسيحيتنا ليست حديثة العهد، ونحن لسنا غرباء أو ضيوف وإنْ كنا قد أصبحنا لها شئنا أم أبينا، ومع هذا لا يجوز أن نفقد قِيَم إيماننا وأخلاقيتنا وجوهرها، فإنْ كان داعش قد دمّر منازلنا ونهب وسرق وأحرق ديارنا ومعابدنا فهذا لا يعني أبداً أن نجعل إيماننا إيماناً خائفاً، فالمسيح كان أول الذين أُضطُهدوا،كما كان أول الشهداء من أجل حقيقة حبّ السماء بقوة قيامته. فما علينا إلا أن نجعل من المحنة مخرجاً كما يقول مار بولس:"لتستفيقوا أن تحتملوا" (1كو13:10). فلابدّ من حمل الصليب وعبور نفق الموت من أجل رجاء الحياة، ولنعلم أن الحقيقة مهما تعذّبت واضطُهدت لا تموت وإنْ باعها كبار الزمن. فلا نخف من ذيول الرذيلة المزيَّفة التي تخدّر شعوبها بكلمات تجميلية وألسنة عاطفية ودعائية، أمام ذلك كله علينا التمسك بالصلاة والحوار مع الله ومع الإنسان، وهذه هي الشهادة الأمينة وهي أنْ نكون طلاباً في مدرسة "تحت أقدام الصليب"، حينذاك حتى لو رحلنا فرحيلنا يكون برفقة الصليب وحامله وهو سيقودنا إلى جبل الخلاص، هناك نسمع صوته يقول:"لا تخافوا،أنا معكم حتى إنقضاء الأزمان"(متى20:28). فلنتمسك بأرضنا، ولنعيد بناء منازلنا، ففيها لنا تاريخ واسم وهوية وحضارة، ولا يجوز أن ننحني عبيداً لمخطط تهجيرنا وإضعاف وجودنا وإنْ كان الوضع صعباً ـــ يقول الكاردينال ماروبياتشينا،كاردينال الكنيسة المتالمة:"علينا أن نتعلم من شهادتنا".فحمل الحقائب والرحيل لا يعني إلا إضعاف تاريخنا وثقافتنا، وإخلاء شرقنا ومسيحيتنا. فلننتبه إلى أنفسنا ولنكن أحراراً وليس عبيداً، فما علينا إلا أن نداوي مجتمعنا، ونجتثّ من بيننا الفاسد الكريه الذي يتظاهر بوداعة الحَمَل البرئ وهو من الداخل حاقد كريه، فاسد شرير، ولنضع محلّه الكفوء النزيه، فلا يجوز أن يبقى الفاسد السارق مهما كان صنفه ، حاكماً على كرسي الزمن فما ذلك إلا خطيئة لا يغفرها ربّ العلاء الذي يدعونا إلى تخطّي حواجز الزمن والتاريخ من أجل مستقبل أجيالنا وأفضله لأبنائنا وحقيقة لأصالتنا.
نعم، أمام ما يحصل، أسأل ، هل سنحمل حقائبنا ونرحل يوماً؟،هل نقبل أنْ نُفنى ونموت ، فنكون سبباً في فقدان مسيحيتنا.فياربّ، إجعلنا أنْ نحمل إيماننا فنثّبت أقدامنا في أرضنا،فثقتنا ما هي إلا بكَ وليس في غيرك ،لأنك أنت الحقيقة، وعلى كلامك سنلقي شباكنا ( يو6:21 )  مؤمنين بشهادتك، لذا ،وبعونك، لن نحزم حقائبنا ونرحل مهما كانت المصائب لا اليوم ولا غداً، فالأرض أرضنا ونحن فيها أصلاء ليس إلا... نعم،آمين.



26
نص الكلمة التي القاها المونسنيور الدكتور بيوس قاشا في المؤتمر الإعلامي المسيحي الثاني برعاية غبطة البطريرك الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي  تحت عنوان الاعلام المسيحي ... نحو الاتحاد . والذي عُقد في لبنان في دير سيدة البير لجمعية راهبات الصليب ـــ بقنّايا – لبنان في 29 ايلول 2017 .

أقدم شكري الجزيل للقائمين على رعاية هذا المؤتمر "الإعلام المسيحي نحو الإتحاد"، وبالأخص الأخ نور وقناة نورسات وتيلي لوميار الفضائية. واسمحوا لي أنْ اقول: ما أنا إلا صفحةٌ تحملُ تاريخَ أمَّةٍ ووطنٍ أَحبَبْتُهُ وإنْ كان جريحاً، أحْبَبْتُ لبنان الأرز كما أحْبَبْتُ رافدينَ العراق، وأرزتُه تعانق نخلةَ العراق وشربل القديس يعانق سيدةَ النجاة، شفيعةَ شهدائنا وضحايانا. نعم، أنا بينكم صفحةٌ بيضاء فلنكتب عليها سويةً، أنتم وأنا، إعلامَ مسيحيتِنا في إتحادنا وليس في طائفيتنا.
إنَّ الكنيسة اليوم، وفي شرقِنا المعذَّب، تمرُّ بمرحلةِ إرتباكٍ وغليانٍ وأزمةٍ، في حالةِ ضياعٍ وفقدانِ الهوية الوجودية. والسؤال يبقى بلا جواب: هل ستدوم مسيحيتُنا؟، هل سيبقى وجودٌ للمكوِّن المسيحي في مجتمعاتِنا الشرقية؟، هل سيبقى الإنجيلُ محافظاً على كلمةِ البشارة؟، وهل سيبقى المسيحيون في ضبابيةِ المفاهيم الإنجيلية، التي لا تقتصر فقط على مجتمعاتِنا الشرقية بل تتخطّاها لتشمل العالَمَ بأسره؟، هل فعلاً سنتَّحدُ يوماً بعدما عُرِفنا بطائفيَّتِنا وانقساماتِنا؟، وهل نحن نؤمن أنّ لنا إيمانٌ واحد، وربٌّ واحد،  ومعموديةٌ واحدة، وإلهٌ واحد (أفسس5:4-6)؟، وإلا ما نفعُ كراسينا ومناصبِنا، وما نفعُ كلمةِ المسيح الذي قال:"أتركْ كلَّ شيءٍ واتبعني" (مرقس21:10)... نعم أسئلةٌ عِدَّة ترافقُ مسيرتَنا المشرقية.
   لاشكَّ أن الكنائس الشرقية ــــ والتي تضمّ العائلات الروحية المسيحية من كاثوليكية وأرثوذكسية وإنجيلية ــــ تنظر إلى الإعلام بوصفه وسيلةً فعّالةً في إيصال الرسالة المسيحية ، رسالة الخلاص والفداء، فكنائسنا ما وجودها إلا شهادةٌ للمسيح وعملاً بقوله:"إذهبوا وتلمذوا جميعَ الأمم وعمّذوهم باسم الآب والابن والروح القدس، وعلّموهم أنْ يحفظوا جميعَ ما أوصيتُكم به. وها أنا معكم طوال الأيام إلى انقضاء الدهر" (متى 19:28-20).
   إنّ مجيءَ وحلولَ عصرِ المعلوماتية أدخَلَ الكنيسةَ الشرقية في أزمةٍ حقيقية، وفي هذا المزيج الصاخب من المشهد المعلوماتي الجديد تجدُ الكنيسةُ نفسَها في مواجهةِ تحدّ،ٍ وهو تحديد موقعِها في علاقةٍ حِوارية بين متطلبات هذا الوضع المُسْتَجِدّ في فوائدِهِ كما في مخاطرِهِ، بحيث يجب عليها أنْ تحافظَ على هويَّتِها دون التخلّي عمّا تؤمن به. والسؤال هنا يطرح نفسَهُ: كيف تستطيع الكنيسة في مجتمعاتِنا الشرقية، وأمامَ هذا المشهد الإعلامي والمعلوماتي، حيث الثقافاتُ المتنوعة والعديدة، أنْ تُتِمَّ رسالتَها التبشيرية الإنجيلية، وأنْ تجيبَ على سؤالٍ يتردَّدُ باستمرار: ماذا يعني أنْ يكونَ الإنسانُ مسيحياً اليوم؟، وهل ستدوم المسيحيةُ في مجتمعاتِنا الشرقية كما دامت منذ ألفي سنة ونيفٍ، ونحن لا زلنا نعيش عدمَ إتحادِنا وإعلامِنا المنقسم.
   صحيح إنَّ هذه الضبابية في المفاهيم حول المسيحية والمسيحيين، لا تقتصر فقط على مجتمعِنا الشرقي بل تمتد الى مجتمعات أخرى ، والذي يقاوم الإرهاب والشرّ والخطيئة، خاصةً بعدما إستفحلَ داعش الإجرامي، الذي أبادَ كلَّ شيء دون وجهِ حق، ودمّرَ كلَّ شيء، ونحن لم يكن في يدِنا حيلةٌ، بل كنا ضحايا ومهجَّرين ونازحين وراحلين أمامَهُ وأمامَ غيره، ولا زلنا حتى الساعة. وحتى الذين إدَّعَوا حراستَنا وحِفْظَ أراضينا، تركونا وحيدين، فكُتِبتْ علينا الهزيمةُ، وهذا كلُه يدعونا إلى أنْ نسمّي الحقائق بأسمائِها كي نستطيعَ مناقشتَها واستيعابَها.
   من المؤكَّد إننا شرقيون، بل مشرقيون، بعودةٍ إلى سببِ وجودِنا. فالشرقَ وطنُنا، وفيه نجدُ مسكَنَنا ومستقبَلَنا، وفيه أملُ أولادِنا وأحفادِنا وسبب حياتِنا. وحينما يكون المواطن في حبّ وطنه يتجسّد الوطن في داخله، فيكون الوطن هو العنوان، وهنا يتكاتف الوطن والمواطن في إتحاده، وينتج عنهما حبّ الوطن، وما أغلاه، وما أجمله، بل وما أقساه!!!، وهنا تبدأ رسالةُ الإعلام في جعلِ مسيرةِ الحياة تتبلور بتقنيةٍ عالية، لذا يجب أنْ نُدرِكَ مَن نحن، وإلى أين متَّجهون، في إرادةٍ واحدة، لأنَّ استخدامَ وسائل الإعلام الحديثة بطريقة صحيحة ومعلوماتية مُوجَبَة، تساعدنا في نهضةِ الإعلام الكنسي في العيش المشترك، بيننا أولاً ثمّ مع أبناء وطننا، وخاصةً مع أبناء شرقنا بل مع مؤمني كنائسِنا، وإن كان هذا ليس سهلاً.
   نعم، إنَّ الأوضاع في شرقِنا مؤلمة، وهي تدعونا إلى إفراغِ البلاد والهجرةِ والرحيل، ولا تستطيع كنائسُنا الشرقية ومجتمعاتُنا أنْ تزرعَ وجوديةَ البقاء للشهادة في أرضِنا لسببٍ أو لآخر، فهي تنادي عِبْرَ الإعلام أنَّ قدسيةَ مشرِقِنا وطينَ شرقِنا مقدسٌ لأننا مخلوقون منه، وهناك يقابلها إعلامٌ رخيص ملؤه النفاق والتطبيل والمراءاة والكذب والمصلحة والطائفية، لذا عليها أنْ نُدرك ذلك كي ترسمَ كنائسُنا الشرقية سويةً رؤيةً واحدةً خاصة، في وحدة الكلمة واتحادِ الرسالة، وإنَّ ذلك لهو مَطْلَبُ الإرشادِ الرسولي "من أجلِ كنائس الشرق الأوسط" " شركة وشهادة" والذي عُقد في روما للفترة من 10-24 تشرين الأول (أكتوبر) عام  2010، وبطلبٍ من رؤساءِ الكنائس الشرقية الكاثوليكية من أجلِ معالجةِ أمورِ المنطقة بعد الإضطهادات التي حلّتْ بالكنيسة وبالمسيحيين وهجرتِهم، وسُلِّمَت الوثيقةُ إلى رؤساءِ الكنائس في بيروت من قِبَلِ البابا بندكتس السادس عشر في إحتفالٍ مهيب في 16 أيلول (سيبتمبر) عام 2012. فماذا تنفع الإنفرادية والطائفية والمحاصصة إذا كان كبارُ معابِدِنا قد علّموا مؤمنيهم بصورةٍ أو بأخرى هذه الطائفية المقيتة، وكأنَّ الإرشادَ الرسولي الذي أُعْطِيَ لنا قد وضعناه على رفِّ التاريخ ليكونَ كلمةً صامتةً بعد أن تجاهلناه إعلاماً وجودياً ومسيحياً وحياتياً، والذي كان يجب أن نسلك طريقه ، بدلا من تجاهله!، فرجال المعابد، هم أنفسهم مدعوون أن يعيشوا حقيقةِ وجودنا، فلا وحدة ولا إتحاد، كما لا إرشاد ولا رسالة، فلسنا بحاجةٍ إلى قراءةِ أسطرٍ ملؤها عبارات قواعدية إيمانية، وما فائدتها إذا لا تعمل فينا ولا في مسيحيتِنا، وخاصةً نحن أمامَ سيلٍ من المعلومات الضديّة، فتكون النتيجة حتماً إفراغَ الشرق والرحيل، وحينذاك نقول:"إقرأوا السلامَ على الشرق المسيحي"، فقد أفرغناه من وجودِنا لأننا لم نحيا وحدَتَنا ولا إتحادَنا، فضاعَ إعلامُنا، وماتت كلمتُنا في داخلِنا، وأصبحنا تائهين في صحراءِ الضياع،  والسبب سببُنا وليس تعاليمَ مسيحِنا والرسول بولس يقول "مَنْ هُوَ بُولُسُ؟ وَمَنْ هُوَ أَبُلُّوسُ؟ بَلْ خَادِمَانِ آمَنْتُمْ بِوَاسِطَتِهِمَا، وَكَمَا أَعْطَى الرَّبُّ لِكُلِّ وَاحِدٍ "( 1كو 5:3) ، نعم عذراً اقولها،  لنسلك طريق التوبة والمحبة والخدمة كي لا نكون طائفيين بل مسيحيين، نعم مسيحيين في إتحادنا وليس في فرقتنا وهذا من صميم إعلامنا وما يدعونا إليه إرشادُنا لكنائسنا..ومن له أذنان سامعتان فليسمع وليفهم ( متى 43:13) نعم وآمين.

27
اخوتي المعلقين

شكرا جزيلا وبارككم الرب وما ينقصنا ان نؤمن بحقيقتنا وليس بمصالحنا وماربنا
جعلنا الرب في هذه الارض ليس لبناء برج بابل بل لبناء كنائسنا ومسيحيتنا بعيش انجيلنا
وفي ذلك سنكتشف حقيقتنا وشكر للسيد ظافر شنو وحسام سامي وادور عوديشو وعمار
فليبارككم رب السماء وكفانا يارب مما يحلّ بنا فلتتغير الوجوه ولتمت المصالح والكراسي الفاسدة والمزيفة ولتذهب الى غير رجعة الطائفية والانانية وحب الاصدقاء
المزيفين والمدراء السارقين واجعلنا في حمايتك فلا نثق الا بك نعم وامين

28
عفواً ومغفرة ياإلهي... أنا إلهُكَ
المونسنيور د. بيوس قاشا
في البدء:
   الحقيقة إننا نعيش في مجتمع مجنون _ وخاصة في مجتمعنا _ يدفعنا إلى حافة الانفجار، ومن النادر أن تجد إنساناً وسط هذا الصخب والجنون لا يشكو من التوتر والقلق والتوجس على المستقبل، يشكو الإكتئاب والحزن والناس وسوء معاملتهم وحبهم لأنانيتهم المهلكة ، وعصبيتهم المقيتة ، وكبريائهم القاتلة، وطائفيتهم المميتة ،ومحسوبيتهم المصلحية ،ومحاصصتهم الطائفية، ومناصبهم المسروقة ، ومراكزهم المباعة ، كما ويشعر البشر بأنهم تائهين لا أهداف لهم، وإنْ وُجدَتْ فهي متناقضة مبعثرة، ولم تعد هناك لذّة في العمل أو منفعة في الحياة... إنها سلسلة متصلة من الضيق والغضب والضغط والانفعال وأخيراً الموت .
عالم مجنون
إنسان العصر الحديث إنسان قلق ومتوتر، والبشر عامة ونحن المسيحيين خاصة نتخبط اليوم أمام مآسي عديدة لم يكن لنا فيها لا ناقة ولا جمل وإنما قادونا مثل الخراف خضوعاً وخنوعاً هنا في وطننا وفي أنحاء عديدة من شرقنا المعذَّب وأنحاء أخرى من هذا العالم البائس حيث الظلم والألم واليأس والمستقبل المجهول لنا ولأجيالنا ولأحفادنا، ولا نعلم أين صوب مسيرتنا وإلى أين نحن نتجه.وأمام ما يحصل يجعلنا أن نحمل أفكاراً ملؤها الخوف والجبن والضعف والتعاسة بسبب انتشار الشر وانعكاساته على الأصعدة الاجتماعية والسياسية والعائلية والطائفية في فوضى عارمة وشغبٍ وحروبٍ تكفيرية وديموغرافية، وظلمٍ وقمعِ الآخر البرئ في تدمير الإنسان الآخر المختلف. وكما يقال "يدنا على قلبنا" وبالتعبير الشعبي" إيدنا على قلبنا" مما سيحلّ بالمسكونة وبالمسيحية، فالكثير منا يعيش بلا هدف واضح، يرقص مع الأغنية ويولول مع العدّادين ولا يعلم ماذا يصنع وأين محلّه من الإعراب في مجال وجوده وحقيقة ترابه... إنه صراع نفسي ، فإذا سألتَه: لماذا ترقص أو تولول؟، يجيبك: هذه هي الحياة، وإنْ كان الهدف الوجودي قد ضاع .
أين نحن
ما نحتاج إليه أن نقف أو نتوقف ونتأمل وننظر بعيداً عن المحاصصة والطائفية المقيتة، فالرب يسوع لم يقل "إذهبوا إلى القرية الفلانية" بل قال:"إذهبوا إلى العالم كله وأعلنوا بشارة الإنجيل" (مر15:16). فالزمن ليس لصالحنا، وهو يدعونا أن نرى أين نحن منه، ولا نقتل طموحنا، فالفيلسوف "توماس كارليل" يقول:"ليس علينا أن نتطلع إلى هدف يلوح لنا باهتاً من بعيد، وإنما علينا أن ننجز ما بين أيدينا من عمل واضح بيِّنٍ". وإنْ كنا نفكر في بقعة أو غنيمة لعل وعسى تكون حصتنا من وعود الساسة المصلحيين،  وكبار الزمن الفاسدين،  فصعب علينا فمَن يحمينا ومَن يحترمنا، أقولها: ألم يتركوننا لوحدنا نتقاسم الألم والهجرة والرحيل بسبب داعش واخواته وهم على بساط الحرير نائمين؟، ألم يسرق داعش أموالنا وأحرق بيوتنا ونهب أمتعتنا وهم يعلنون إنهم في حمايتنا ؟، ألم يكن بإمكانهم الوقوف معنا قبل أن يجلسوا على موائد عشائهم؟، يكفي إننا افترشنا الحدائق والشوارع تائهين ولا أحد يبالي بنا، فالمصلحةُ كانت الحقيقةَ ولكن قوتنا وشجاعتنا واحتمالنا وصبرنا بالمسيح الحي، وثباتنا على قوة إيماننا بعماذنا،  جعلتنا نحمل الرجاء رغم المصائب التي حلّت بنا ، ونحن نستعطي وجودنا ، ولقمة عيشنا ، بعد أن كنا نملأ الدنيا فرحاً وخبزاً وصلاةً.
ماذا نريد
أقولها إننا كثيراً لا نعرف ما نحن فيه، بل كلنا أصبحنا اليوم بلا هدف واضح وهذا ما يظهر أن ذلك أحد صراعاتنا النفسية والتي قد لا نلاحظها أحياناً. إننا لا نعرف بالضبط ماذا نريد، وقد نتهرب من الإجابة، لذا علينا أن نعرف أين نحن مما يحصل في البلاد، ولندرك جيداً أننا لسنا أدوات فتنة ولسنا في وطن غريب بل في وطننا وإنْ خسرنا ثقتنا بوكلائنا وبرؤسائنا ولم تكن بالمستوى المطلوب، فمنذ الاحتلال عام 2003 ولحد اليوم، تصريحات مطمئنة، بيانات قواعدية، كلمات ترحيبية، زيارات تفقدية ، وعود بائسة ، وعبارات للأصلاء، ولكن كل ذلك كلام في كلام، ولا نملك ما يجب أن يكون ،اذ لا شيء في ايدينا وإذا وجدناه سرقناه ، وجعلناه من حلالنا ، وتلك مشكلة كبارنا ،فنحن كنا ولا زلنا ضحية القانون والدستور والبرلمان، وضحية الطائفية والمحاصصة، وضحية عنف وحسابات سياسية وضحية فساد حمله كبار الدنيا والزمن الذين اقاموهم مسلطين علينا وهم من اصولهم فاسدون، فقد عُرِفوا في زمن النظام واليوم أصبحوا حملاناً وديعة ليس إلا .
هويتنا سلاحنا
لندرك جيداً أن هويتنا تتخطى مشرقيتنا، فهي هوية تتّسع وسع الكلمة حيث تشمل الجميع، وهي سلاح نعتزّ به ومختلف عن باقي الأسلحة. فنحن مسيحيون ولكننا لسنا مسيحيين من أجل ذواتنا بل من أجل العالم،والمسيحي ليس مسيحياً بالهوية بل بعيش حياة العماذ، والنور ليس نوراً لذاته كما إن المسيح لم يكن لذاته( يوحنا 12:8). لقد كان واضحاً في كلامه "اذهبوا وتلمذوا كل الأمم" (متى19:28) فأنتم شهود لي، شهود الحق وليس الخضوع والخنوع أمام قياصرة المال والفساد من مكونات مختلفة وشهود القتل والانتقام بل أنتم شهود للملكوت، وليس كلمات غانية لعظماء مزيّفين ، ولكبار فاسدين،  ولأناس طائفيين ، لأننا اخترنا هويتنا مع رسالتنا فعرفنا مصيرنا إذ أن الهوية تكشف الرسالة، والرسالة تبقى هوية، وهويتنا ليست شهادة نحملها، بل نحملها من الغائب إلى الحاضر. إنْ صعدنا إلى السماء وجدناه وحتى إلى الجحيم (اف 8:4) فهو هناك لأن المسيح دخل جحيم بشريتنا فأنار ظلمته"( افسس 8:4).. هذه هي رسالتنا أن نقول حقيقة هويتنا في وجه الأقوياء، فنحن أبرياء، وسبب خطيئتنا ، هم ، كبار الزمن ، وسرّاق المناصب،  ومنافقو المسيرة، كان أنْ أصبحنا ما نحن عليه بلا كلمة ولا وجود بل مسيَّرين وخاضعين وأكيداً خانعين، وهذه نتيجة حبّنا لمصالحنا وأنانياتنا وكبريائنا ودفاعنا عن الفاسدين الذين نحسبهم قديسين كي نُعطى ما لا يملكون،  لتبرير محبتنا واحترامنا، وما هم في الحقيقة إلا أناس يحتاجون الى قانون العدل والسؤال إنهم ضالمون بل اكثر من ذلك إنهم ذئاب الزمن.
غابة ادغال
إننا اليوم نقف أمام أخطار تداهمنا من الخارج كما في الداخل، وإننا نعيش أياماً قاسية ، وأوقات عصيبة فرضتها علينا تحديات لم تكن وغير مسبوقة، ووفرت فرصة للمتطرفين وذوي النزاعات الطائفية والأنانية ومن كافة الألوان والأطياف فشنّوا علينا حربهم البغيضة التي كرّست الطائفية وزرعت بذور الحقد والكراهية والتعصب فكان دخول داعش الإجرامي إلى بغديدا الحبيبة وقرى ومدن سهل نينوى تدنيساً لأرضنا،وإجراماً بحقنا ،بعد أن جعلوا منها غابة أدغال إذ لم يبقَ للإنسانية وجود، وللحضارة تاريخ، وبات الخطر مضاعَفاً من خلال تهجير مبرمج وعبر فرض الشريعة والتعاليم الأصولية كي نكون أهل ذمّة ودافعي جزية، وحُسبنا من الذين عليهم التكفير والقتل، ونسوا أو تناسوا ما نحن إلا أحرار ، وأبناء أحرار،  عكس ما هم عليه، ولكن لا حيلة لدنيانا،  فقد زيّفوا التاريخ ، وباعوا الأسماء ، وغيّروا المناصب والكراسي ، وهدموا الحضارة في ماضيها ، كما في حاضرها، وأصبحنا ــ شئنا أم أبينا ــ عبيداً مرة لهؤلاء ، وأخرى لأولئك ونحن لهم شاكرون وممجدون ، وبئس شعوب تزيف تاريخاً وتقتل أصلاء وتقول ما نحن إلا أمناء في حمايتكم.
دولار الزمن
هذه الأمور وأخرى في مسيرة الألم والوجود والتي قادتنا إلى المجهول، يؤلمني أن أقول إننا لم ندرك جيداً _ نحن بالذات _ وجودَنا ، فسارعنا الخطى وراء الفاسدين لنحصل منهم على دولار الزمن، وأجلسناهم في مقدمة الأبرياء البسطاء ، في المحافل أو في مؤتمرات أو في المعابد ،كي نقدم لهم الشكر المصلحي والطائفي، فيكونوا لنا عوناً وما هم إلا قادة عميان. هذه المسيرة المؤلمة تقودني إلى أن أقول نتيجة ما أعيشه وأراه أن إله السماء لا ينفعني بشيء فأنا إله الدنيا وعلى الإله أن يكون في طاعتي وسماع أوامري، فكل واحد منا هو إله لذاته، يؤلّه مَن يشاء ومتى ما يشاء ومن أجل مَن يشاء، وهذه هي شريعة اليوم، وكما يقول المزمّر " قال الجاهل في قلبه " ليس إله " فَسَدوا ورجسوا بافعالهم وليس من يعمل صلاحاً" (مز 1:14) فمَن منا إذا ما سمع نصيحة في بيت عبادة حملها إلى عائلته وأولاده ، وعلّمهم إياها ليكونوا في مسيرة المسيحية والشهادة الإيمانية، لا أظن!!!، عكس ما شهد التاريخ بالامس إذ إن آباءنا وأجدادنا كانوا يحملون كلمة الحق في أفواههم ومسيرة الصدق بأقدامهم ، ووفاء الأمانة بأياديهم، أما اليوم فقد تغير الموقف والهدف واستُبدل بمواقف تجعلنا أن نكون آلهة لهذا الزمن العولّمي المزيف، فالحقيقة يجب أن تقال وهو أنه لا يمكن أن نقوم بعمل إلا متى ما نشاء وحسب ما نشاء وننسى أن هناك معبد الرب يدعونا إلى أن نكون للإله الحي، لإله السماء وليس لإله الدنيا والزمن وربما لا توافقوني على هذه المسيرة ولكن ذلك ما أراه حقيقةً. ومسيرة الحياة أكبر وأجلّ برهان لما يحصل اليوم لعالمنا، وفي هذا يقول ربنا "تعرفون الحق والحق يحرركم" (يو32:8).ولنعرف جيداً يا أحبائي إننا نعيش لحظتنا هذه، فالماضي قد انتهى ولا نملك أن نستعيده، والمستقبل لا نعلم منه هل ستتمّ جملتنا التي نقولها أم لا! إذ ليس من السهل إذا كنا لا نخوض معركة طويلة وملزمة تدور بين إلهي المزيَّف وإله السماء الحقيقي إله يسوع المسيح الرب . وما حصل لنا ما كان إلا تجربة قاسية وربما ذلك كان من إله السماء ليقول لنا:"لا تؤلّهوا أنفسكم، وكفاكم تقدّسون الفاسدين وتقرّبون شهود الزور وتُفسدون ضمائر الأبرياء ، كما تشاؤون ، وتعاملون معارضيكم بخباثة المسيرة لغنائم مصلحية كي تدوم مصالحكم ومناصبكم وحملاتكم، ولكي يقول الناس عنكم كل جيد وصالح وما ذلك إلا تزييف الحقيقة وتأليه الذات بينما يقول ربنا:" ولا تدعوا أحداً على الأرض يا أبانا لأن لكم أباً واحداً هو الآب السماوي" (متى8:23).
ختاماً...
   نعم، نحن في زمنٍ فاسد، ونكتب تاريخاً مزيَّفاً، ونعيش حياةً صاخبة، ونظلم أبرياء لأنهم قالوا كلمة الحق كي نُفسد حياتهم في زورٍ وبهتانٍ وقضاءٍ مرتشٍ، وهكذا يحلو لنا كي نكون في صفوف المؤتمرات الأولى فنبيع القداسة بالفساد، والبرارة بالدنس، والوفاء بالحقد والكراهية، والأمانة بحبّ الذات، والعدالة بالكذب والوجوه،والكفاءة بالمصلحة، وفي ذلك كله ما نحن إلا آلهة لدنيانا ولزمننا وللمحيطين بنا والذين سلبوا إرادتنا ، وسرقوا عقولنا ، بكذبهم وغشّهم، ويحسبون أنفسهم في ذلك إنهم أبرياء، صدّيقون، مخلصون، أمناء، والحقيقة عكس ذلك بالتمام والكمال.
   نعم ، إن المسيح الرب يدعونا إلى أنْ نحمل حقيقة البشارة والشهادة الأمينة لحقيقة الحياة والوفاء الأكيد لحقيقة عماذنا، فلتتوحد كلمتنا قبل توحيد مصالحنا ولتتفق قلوبنا قبل تكاتف أيادينا ، والحقيقة إما نحن في الوجود أو في الرحيل أو نحن مطيعون ، خانعون بل أبكميون ولا يجوز ان نقول كلمة من أجل حريتنا وحقوقنا وهنا تكمن الحقيقة كي نعرف من نحن واين سنكون لنحيا سر عماذنا بصعودنا إلى الجبل من أجل حقيقة صلاتنا، فندرك حقيقة الاله المزّيف ونعبد الاله الحقيقي في يسوع المسيح الرب ، وختاماً ، عفواً يا إلهي فأنا عبدُكَ ومسبحّك ولستُ إلهَك، فاقبلْ يارب إعتذاري وإعترافي بك.فأنت إلهي وليس لي غيرك اثق به إلا أنت . نعم وآمين.



29
آهات في مسيرة الحياة

المونسنيور د. بيوس قاشا
ما أجملها مسيرة الحياة ، وما أغناها حياة الحقيقة ، انها سِمة المحبة والخير والبركة ، سِمة التواضع والوداعة ، وتلك شهادةٌ لحياة الالم التي أُعطينا فداءً بها ، ومحطاتها رسالة وانبعاث ، وإن كانت مؤلمة ، ومكللة بشوك الزمن ، وهذا ما دعاني أن أقف في تلك المحطات ، لأعاين رسالتي ، وهمومي وآهاتي ومآسي الزمن ، وكبرياء الكائن الذي طُرد من فردوس العلي ، بسبب شهوته وفساده ، فاليكم ما أدركته وما تعلَّمته ، إنها محطات لحقيقة الحياة ، ليس إلا .
- أين نحن من الذي يحصل، يقتلون منا ويذبحوننا ونحن نُصدر بيانات ونسكت،وأصوات الكبار والصغار والجمعيات واللجان وما شاكلها تعلو وفي اليوم التالي تَبُحّْ. وهنا يكون التساؤل: أين كبار زمننا ، وقادة أحزابنا ، وأمراؤنا، ومندوبو لجان خلاصنا، هل تركوا ساحة الشرف كي لا تُكتَب لهم الشهادة؟.
- الكفاءة نعمة من رب السماء، والذكاء رسالة يحمل فيها الإنسان نِعَمها ، ولكن أنْ تُدفَن الكفاءة والذكاء بحديث أشخاص فاسدين وحاقدين فذلك تشويه للسماء ولنِعَمِها. إنها حرب شعواء بين الشياطين السود والملائكة البيض،فضاعت المسؤولية وتاهت القوانين ،  وفي ذلك يقول أفلاطون:"الشخص الصالح لا يحتاج القوانين لتُخبره كيف يتصرف بمسؤولية، أما الشخص الفاسد فسيجد دائماً طريقة ما للإلتفاف على القوانين".
- إنه زمن فيه نبيع حقيقتنا كي نربح أيامنا وأمكنتنا وأزلامنا، فنرسم لنا ملامح مستقبل ونهاية لمعارضينا، ونميت الكفوئين كي لا نبقى نحن في خانة المدراء الفاسدين فنُبعد عنا كل حقيقةِ وطنٍ وإخلاصِ شعبٍ. فهل سمعتم بوطن يبيع شعبه، وبرئيس يبيع أعداده؟، أليس ذلك زمن الضياع والفساد وشهادة زور؟، ومع هذا كله سيبقى الله على كل شيء شهيد وقدير.
- حتى ما يكون النفاق سبيلاً إلى الأعالي، وتكون الوجوه آيةً للتسامي، نعرف الحقيقة ونزيّفها، ونعرف الكذب وأحباله ونقدّسه، ونعرف الزور وشهوده فنزكّيه إلى الصلاح والبِرّ، ونشير إلى الفاسد ونباركه، وله يليق الإحترام والخضوع. ولا زلنا  نخاف أن نقول الحقيقة، من أجل عدم ضياع مناصبنا ومآربنا واحتراماً لها كي لا نفقدها، فهي لنا آلهة ونحن لها عبيد، والحقيقة هي "إن العبد لا يعلم ما يصنع سيده" ( يو 15:15).
   - حتى ما نبقى في حالة إتّهام الأبرياء ونحن مدركون براءتهم، ونُنسب إليهم أباطيلَ وأحاديثَ شيطانيةً فنجعل منهم مجرمين ونحن نعلم أنهم أبرياء، لا جريمة تشوب مسار حياتهم، ونعمل هذا كله كي نُبعدهم عن سبيل الحياة من أجل الدنيا وحلاوتها والمصلحة ومكوناتها... ألسنا نحن الشياطين، بل شياطين سود ليس إلا!!.
- حتى ما نبقى نتاجر بخرزات سبحتنا وطولها ولونها وصنفها وقيمتها وقينات عباداتنا، ونجعل السامعين والرائين والمطيعين أن يُدركوا أن هذه دنيانا وهذه مآربنا في تمجيد اسم الله (جلّ جلاله) وننسى إننا في ذلك لا نمجّد إلا أنفسنا ولا نعبد إلا كبرياءنا، وطريق السماء ومآرب تمجيد الإله تكون في السيرة والمسيرة، في الطهارة والبرارة، في الشهادة والحقيقة، وليس بوقوفنا أمام أنظار مَن لهم العيون كي نُحسَب عندهم قديسين ونحن قد ملكنا كبرياءً ورياءً وغشّاً ليس إلا!!!.
- كنائسنا تحمل رسالة الإنجيل للبشارة بالمسيح الحي، فهي أماكن عبادة وصلاة، وفيها يرتفع الدعاء ببخور المصلّين إلى حيث الأعالي، وما ذلك إلا خبر مفرح لبشرى الحياة. أتمنى أن لا تكون كنائسنا مذياعاً للحفلات والسهرات من أجل الدنيا ومحاسنها، بل أن تكون ورقة بيضاء. فالأنشودة تقول "يا إله الخير أيها الرحمن، إقبل منا هذه الصلاة، واجعل منها يا ربنا للخطأة غفراناً"، فلا يمكن أن تكون الكنيسة قناة فضائية دنيوية.
- كنائسنا معابد صلاة، فيها نرفع دعاءنا إلى ربنا العليّ العظيم، وأيادينا ضارعة إلى ملك الكون، ولكن أن تكون صلاتنا وأن يكون دعاؤنا ورفع ايادينا بقلوب فاسدة ونيّات قذرة، في القتل والسرقة، فما ذلك إلا " فرّيسية الروح " (لوقا: 18) " وصدّوقية الشريعة وكتّابها " ( متى: 23) ، ونجعل من رب الكون عبداً (أستغفر ربي)، وعليه أن يعمل ما أشاء وليس ما يشاءه... ألسنا في ذلك مطيعون، وربّ السماء يقول لا ييليق السجود إلا لربّ الكون ليس إلا!!!.
- عجيب الإنسان في أمره، يعمل على طول بقاء حياته وهو يدرك جيداً أنه في قبضة الباري وإرادته، يربح جوازاً للخلاص والهروب كي لا تفنى دنياه وينسى أن يربح جوازاً للعبور نحو العلياء والمحبوب، ينادي بإنه باقٍ حتى دهر الدهور وينسى أنه في لحظة يُعلَن مجرى الأمور... فما أتعس الحياة حينما لا نفهم إرادة باريها، ولا نحب خالقها، ولا نقدس ساعتها.
- كانون كباراً ودون استحقاق، فلا علم ولا علماء، ولا شهادة ولا امتياز، بل تابعون أمناء وعبيد أوفياء وإنْ كانت الحقيقة تنادي بأنهم لا يستحقون، فلا آذان تسمع ولا عيون تؤمن، والسامعون لهم مراؤون، والناظرون إليهم مصلحيون، وهكذا شاءت إرادتهم. فعبيد اليوم مهانون خاضعون خانعون، وكبار الزمن _ وإنْ كانوا سرّاقاً _ فهم قديسون معلَنون.
- قالوا عنا إننا سرّاق وعلى القضاء إكمال إجراءاته، فسرقتهم لا يغفرها لا إله الحياة ولا إله الزمن، فيكتبون السماء بأسمائهم فهي مُلْكٌ لهم، هكذا أرادت آلهتهم وهذا الذي يجب أن يكون، فالحقيقة لا تكمن في القول والتهمات بل الحقيقة تحمل شهادة الحياة ، وفي ذلك يدركون جيدا من هم السراق وكيف يلتفون على الحقيقة لغاية في قلوبهم ، ليس إلا!!!.
- شاءت إرادة السماء أنْ حلّ ما حلّ فينا، وتلك إرادته سبحانه وتعالى. كما شاءت الدنيا أنْ تسيّرنا حسب هواها وأهدافها ولكن علينا أن نمتلئ من نِعَم السماء فتتلاحم أيادينا وتتعزز إرادتنا، فثقل الحياة ليس بإمكاننا حمله إلا إنْ كنا أوفياء لتربتنا ولأجيالنا وأحفادنا، ونطلب عون الله، وإنْ كان الإرهاب قد منح حياة لا يملكها، وتوصل الدنيا إلينا رسالة الدمار والتهميش والتهجير فيكتب لنا الزمن تاريخاً مزيَّفاً بالتهنئة وكباره... فتلك مصيبة المصائب وحقيقة النوائب.
- ألا يكفي زمن الحروب المميتة والطائفية المقيتة والعشائرية الهزيلة والقومية القبلية كي ننادي بالمواطنة الصالحة والعمل المشترك، وأنْ نضع الحقيقة والشهادة من اجلها وفي مكانها من أجل الوطن كي لا يبقى محتَلاًّ، فتُسلَب إرادته وإرادتنا، ويبقى مشتَّتاً بأبنائه وانتماءاتهم.والله بكل شيء عليم ، نعم وآمين .

30

نداء عاجل ..أين رمزنا ، "صليبو دحايي"
شكرا جزيلا اخي وعزيزي ظافرشنو السامي الاحترام
ان عبارة " ولا نقف مكتوفي الأيدي فنحني رؤوسنا لكل عابر سبيل يريد منا أن نكون ذبيحةً وقرباناً كإسحق ابن إبراهيم"
لم اكن اقصد فيها ما فسرته انت او شرحته
فالعبارة قسمتها الى ثلاثة اقسام
1-   " عبارة ولا نقف مكتوفي الأيدي" معنى ذلك ان الزمان هذا يجب ان يعلمنا وحدة الكلمة في المشسيحية الواحدة ونعمل جهدنا كي نعود الى ديارنا ونبني قرانا والا ضعنا في متاهة المصالح والسياسة .
2-   " وفنحني رؤوسنا لكل عابر سبيل " اعني فيها علينا ان نقلع الخوف من قلوبنا ولا نبقى على هامش المسيرة اذ يعتبرنا كل واحد يعبر الطريق ان الخوف يملك على قلوبنا ، فيعيبوننا كما استهزوا بالمسيح الحي وهو في طريقه الى جبل الجلجلة .
3-   اما عبارة  " أن نكون ذبيحةً وقرباناً كإسحق ابن إبراهيم"  اننا بسبب خوفنا وضعفنا اما نرحل او نستسلم للامر الوقع فنكون بذلك ضحية لليمين واليسار ويقدموننا قربابا كما قال الرب يسوع حينما يضطهدونكم " انهم يقدمون قربانا لله ."
في هذا الجواب البسيط اكيدا انا مؤمن انك ادركت الحقيقة وانني منتبه اكثر من القارئ المحترم الى ما يخطه يراعي وانتبه جيدا في كل حرف او كلمة اسطرها . لان المسيرة ليست في الكتابة فقط ولكن الكتابة ما هي الا سبيل الى الطريق المستقيم في حقيقة الايمان والحياة . فانا منتبه جدا لما اكتب ولما اقول ولما اسطر .
واذ اقدم شكري اتمنى من الرب ان يمنحك نعمة تحتاجها لمسيرة الحياة واقبل داخلتك بصدر رحب فذلك ينبوع الخير والمحبة في حقيقة الايمان
ودمتم في محبة المسيح
محبك المونسنيور الدكتور بيوس قاشا

31
  بمناسبة الذكرى الثالثة لاحتلال أراضي سهل نينوى

نداء عاجل ..أين رمزنا ، "صليبو دحايي"!؟
المونسنيور د. بيوس قاشا

   نعم، أربعة عشر قرناً ومسيحيو الشرق يعانون من الإرهاب والإضطهاد، فقد قدّمــــــــوا ملايين الضحايــــا لأجل الحفــــاظ على عقيدتهــــم الدينيــــة وكيــــــانهم المسيحي وبنـــــــاء
أوطانهم بروح التضحية والإخلاص، ومع هذا فإن حملات اضطهاد المسيحيين أخذت منذ القِدَم مسلكاً واحداً هو القضاء عليهم بمختلف الوسائل، بدءاً بأجدادنا وأسلافنا _ ونحن اليوم أولادهم وأحفادهم _ الذين كانوا يعيشون في الوسط الأصولي الداعشي الإرهابي وبمختلف مسمّياته في أراضي سهل نينوى وفي ظلّ رحمتهم المزيَّفة، مدّاً وجزراً وفي أغلب الأماكن كانوا وكنّا ولا زلنا، وفي كل الأزمنة نشعر بالمذلّة والخوف والرعب والسيف المسلَّط دائماً وأبداً على رقابنا، وإشعارنا بأنّ حياتنا لا قيمة لديهم.
   والحديث عن ما حلّ بنا لا يوصَف بإنشائه ولا يُحكى بمسيرته الشيطانية المجرمة ولا يُقاس بميزان السرقات المتعددة والمختلفة، ولا يمكن للأسطر أن تحكي قصتنا البائسة، فقد كان طوفاناً إرهابياً أصولياً حمل معه مالاً وتاريخاً وحضارةً وتعايشاً، ولم يترك للتاريخ سوى حكايات يندى لها الجبين في قصص مرعبة، ويتأوّه أمامها السامعون وتصمت الألسن ولا يبقى للحديث مجالاً لأن كل شيء قد أصبح في خبر كان.
   نعم، فليكن ذلك مقبولاً بالرغم منا، ولكن أنْ تُسرَق رموزنا وتُهان سبل إيماننا وتُدَنَّس بأيادي وارجل الدواعشيين، فتلك جريمة لا تغفرها آيات أُنزلت مهما طالت أو مهما قصُرت، وما على الجهات الحكومية وقوات الإقليم أن تكون أمام الحدث سيفاً لإعادة مقدّساتنا ورموز إيماننا، وكنوزنا الأثرية والحضارية من مخطوطات وكتب دينية ووثائق وسجلات كنسية، وهنا الحديث يكثر عن أن أُخبر عن أمر كل كنيسة في باخديدا المطرودة، حيث كان لكل كنيسة "صليب الاحتفالات" وهو الصليب الحي "صليوا دحايي" " صليب الحياة "  علامةً ورمزاً تحتفل به في مناسبات أعيادنا وأزمنة عقيدتنا السماوية الإلهية. ففي كنائسنا الخمسة (الطاهرة الكبرى، مار يوحنا، مار بهنام وسارة، مار يعقوب، مار زينا) صلبان من فضة ومطلية بذهب خالص تحمل أيقونة مقدسة من خشب صليب المسيح الحي أو ذخيرة قديسين، هذه كلها سُرقت، ولا زالت حتى الساعة في مجال الضياع والفقدان، وهي أثمن من كل ممتلكاتنا وحضارتنا، إنها رموزنا وقدسياتنا، ولكن الوحشية التي لبسها الداعش الأصولي قد دنّست كل شيء، والذي ابتُلينا به في عراقنا خاصة وفي شرقنا عامة.
   أمام ما حصل، أناشد حكومتي الموقَّرة وقوات البيشمركة والحشد الشعبي في ربوع شمالنا العزيز أن تعمل جاهدة على العثور عليها، وأن تدخل بيتاً بيتاً من بيوت الأعراب الذين أحاطوا حوالينا في سهل نينوى، وعبر إمكانياتهم الأمنية ومقدراتهم الإستخبارية أن تعمل جاهدة ومخلصة من أجل العثور عليها، وإلا ماذا تعني نداءات العودة والعيش المشترك وإعادة بناء ما دمّره داعش إذا كانت رموزنا قد سُرقت ودُنّست من أناس يحملون أصولية بائسة وإرهاباً مجرماً، وفي هذه الدعوة أناشد جميع رؤسائنا الدينيين وشعبنا الأبيّ _ الذين ذاقوا الأمرَّين في هذا العراق العظيم من شماله إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه _ على التضامن والمطالبة بحقنا الإيماني والسماوي المشروع، ولا نقف مكتوفي الأيدي فنحني رؤوسنا لكل عابر سبيل يريد منا أن نكون ذبيحةً وقرباناً كإسحق ابن إبراهيم، وكفانا خضوعاً وخنوعاً وهروباً وحمل الحقائب من أجل ملء البطون والنوم الهانئ، فالقلوب أدرى بربّها وبقوة إيمانها وبحقيقة عقيدتها، وكفانا تقاعساً وصياحاً وصراخاً وإصدار بيانات ليسمعنا العالم، فبئس ذلك إنْ كنا لا نسمع أولاً صياحنا وصراخنا وندرك تقاعسنا قبل غيرنا.
   كما أناشد رجال الكوتا المحترمين والأحزاب السياسية والمنظمات المسيحية والإسلامية الإنسانية وشعب سهل نينوى وجميع ذوي الإرادة الطيبة وبالخصوص أبناء بخديدا الكرام، أناشدهم أن يوحّدوا كلمتهم أمام النهر الجارف لمسيرة إيماننا والخطر الآتي إلينا. فلنعلن مطالبنا، ولنناشد كبار الزمن ومسؤولي الدنيا والضمائر الحية، أن تعمل الجهات الرسمية على اكتشاف مَن هو الداعشي السارق ومَن إشترك وشارك في هذه الجريمة في سرقة صلباننا _ صلبان المسيح الحي _ وإلا ما الفائدة أن نعود إلى ديارنا ولا زال الحرامية واللصوص والسرّاق يجولون ويمرحون وينتظرون فرصة أخرى سانحة ليقتلوا ويميتوا ويذلّوا ويذبحوا البقية الباقية لشعبنا.
   هذا نداء أوجّهه لجميع ابناء شعبنا وذوي الإرادة الصالحة في عراقنا العزيز أن نقف موقفاً واحداً موحَّداً، ولنشارك مخلصين في كشف مَن سرق رموزنا وحرق كنائسنا وهدم مذابحنا وكسّر صلباننا، وإلا عبثاً نحاول أن نحافظ على شعبنا ببقاء كراسينا وصوت بياناتنا وعدم وحدتنا، وما ذلك إلا حقيقة مزيَّفة. إنه مطلب وسؤال من صميم حياتي كتبتُه، وفي مسيرة عقيدتي أرسله إليكم، فأنتم شهود على ذلك، أليس كذلك!؟. وشكراً لكل مَن ساهم ويساهم في لمّ شملنا سياسياً ودينياً وشعباً وأحزاباً، فقد قال الرب المسيح الحي:"مَن ليس معكم فهو عليكم" (لوقا 50:9)، و"مَن ينكرني قدّام الناس أنكره أنا أيضاً قدّام أبي الذي في السموات" (متى33:10)... نعم وآمين ودمتم.

32
بمناسبة الذكرى الثالثة لاحتلال اراضينا في سهل نينوى

بين المسلمين والمسيحيين ... خناق أم عناق؟
المونسنيور د. بيوس قاشا
  في البدء...
ربما شاءت الإرادة الإلهية أنْ نُطرَد من بيوتنا وتُسرق أموالنا وتُحرق منازلنا ونلجأ إلى الغربة من أجل بقاء الحياة. وأمام هذه المأساة بل الإبادة والضياع لم يُسمَع صوت بكائنا ولا أنين آهاتنا ولا ألم معاناتنا إلا من قليل من كبار الزمن ورؤساء الدنيا والجالسين على كراسي الحكم والنظام، فكان مَن مَدّ لنا يد الرحمة والعون وكلٌّ حسب قدرته وإمكانياته، ولذلك نحن لهم شاكرون. ولكن الحقيقة لم تقال بعدُ، والسؤال يظهر جلياً ليجد نفسه بلا جواب: هل بين المسلمين والمسيحيين حروب وخصام أم عِداء عبر آيات وحقيقة الإيمان؟، وهل لا زال المسلمون _ ومنذ أمد بعيد _ يكفّروننا ويصغّروا قاماتنا ويقلّلوا من وجودنا وقيمته؟، وهل الإسلام الأصولي أدرك أن عليه أن يترك مسار التكفير والذمّة والجزية كي يكون في مسيرة العيش المشترك وقبول المختلف عنه في كامل الحقوق عبر إنسانية الحياة ونِعَم السماء، بل أقولها حقيقة وتلك إرادة المسيح الحي الذي أوصانا بها إذ قال:"قولوا الحق والحق يحرركم" (يو32:8)؟، هل بين المسلمين والمسيحيين _ وبعد صراعات فكرية وطائفية _ وعلى مدار الزمن والسنين، عناق أم خناق؟.
   المجرم الداعشي
   يقول لنا الزمن في كباره ومصالحه أنْ عودوا إلى دياركم وابدأوا الحياة وكأنّ شيئاً لم يحصل، أو لم يكن، وما أجمله من كلام بل وما أغناه من فكر ومسيرة، وهكذا يُنشد أيضاً كبار معابدنا وسياسيّو حكوماتنا دون أن يُظهروا لنا ما هي السبل التي يجب إتّباعها لمستقبل لا يتكرر علينا هجومه الداعشي الوحشي في شراسة البشر القاتلة وأصوليتهم. وهل بناء الجدران والحيطان أهم بكثير من إعادة ثقة الإنسان في مسيرة الزمان ومستقبل الأيام؟، لا أعلم، وليس بإمكاني أن أعطي جواباً لسؤال لا أجد له حلاً بسيطاً، بل عليّ أن أدفن الحقد الذي يسكن في قلبي والكراهية التي ترافق مسيرتي والبغض الذي ينظر إلى الذي ظلمني وقتلني وسرقني، ويزأر أمام كل وجه شوَّهَتْه آيات التكفير وعلامات الذمّة والتصغير، ولم أجد في ذاتي وأمام عيوني إلا الأصالة المذبوحة والهجرة البائسة والتراب المدنَّس بأرجل الدواعش الأشرار، وما تلك إلا أخطار تداهمنا ليلاً وحتى نهاراً.
      أصوات ... وأصوات
   وأيضاً أسأل المرجعيات والمشايخ والعلماء الموقَّرين، وعلى اختلاف مذاهبهم ومدارسهم وعلمائهم وانتماءاتهم، هل أتت فتاواهم بإيقاف تكفير المسيحيين، وهل حرّمتهم من قتلهم أو منعتهم من فرض جزية عليهم أو إجبارهم على إعتناق الإسلام وحرمان أي نوع من الممارسات اللاإنسانية واللاأخلاقية التي تمسّ أمان واستقرار وسلامة المسيحيين وممتلكاتهم؟.
   نعم، كانت أصوات من عدد من المرجعيات الموقَّرة والعلماء المحترمين تُعلَن من على منابر الخطابة في المساجد والجوامع، ولكن أية فائدة تعمل في قلبٍ يؤمن بما يقوله إيمانه بقتل كل كافر مختلف عنه وذلك حلال عليه وكأنه يقدّم خدمة لرب الجلالة الذي جعله نائباً عنه ليفتك ويقتل ويطهّر الأرض منهم ومن بلاياهم. فنحن اليوم نعيش في وسط أصولي داعشي إرهابي، ملأ الأرض فساداً وجريمةً وتكفيراً. أليس من حقهم أن يشعر المسيحيون _ أنهم على مدار الزمان ومسيرة الأيام _ بالمذلّة والخوف والرعب والسيف المسلَّط دائماً وأبداً على رقابهم، وإشعارهم بأنهم "صاغرون" (التوبة 29).
   وطن واحد
   إننا نحن المسيحيين نشعر إننا مع المسلمين شعب واحد، وهمومنا ومعاناتنا واحدة وفي وطن واحد، إنها رسالة وهذه ليست صدفة بل إرادة من الله تجسدت في أرضنا ومشيئته علينا، وندرك جيداً أن ألمنا واحد ونحن كلنا نركب قارباً واحداً لا وجود فيه للحواجز والجدران العازلة، وليس فيه نبوءات عن القتل والتكفير والذمم، بل في هذا القارب نتقاسم الحياة، وفيه نعيش معاً ونموت معاً ونواجه مصائبنا وعواصفنا معاً عبر تظافر جهودنا، ونعمل جاهدين كي لا تنقسم إرادتنا وهدفنا، فإذا انقسمنايغرق قاربنا ونغرق جميعاً معه... أليس كذلك!!!.
   رجال الإيمان
   ما أراه على الأخوة الإسلام أن يعلو صوتهم في وجه الإرهاب والتطرف حقاً وحقيقةً لإزالة ثقافة الخوف والترهيب والموت والتي يحملها الأصوليون الذين يدّعون أنهم إسلام ولا إسلام غيرهم والعكس صحيح، إذ أقول لا يمكن للدين أن يكون سبب تفرقتنا، فالوقوف في وجه الموت المهدِّد لنا رسالة سامية بل مقدسة، وهذا ما يدعونا إلى تعزيز الحوار والتلاقي في اكتشاف النقاط والخطوط البيضاء التي تجمعنا وليس الخطوط الحمراء والتي تفرّقنا في محو مساحات الاختلاف والعزلة والتفرقة، فالدين لله والمواطنون مؤمنون كلٌّ بدينه ولا دين فرّق عن آخر إلا بعيشه وقبوله وما نحن إلا رجال إيمان وليس رجال دين، فالدين علاقة ما بين الخالق والمخلوق، بين الإنسان والعليّ العظيم، أما رجال الإيمان فهم مَن يحملون الإيمان في صدورهم وسواعدهم، في غفرانه وتواضعه، لأن رجال الإيمان هم رجال خدمة في تواضع مسيرة الحياة.
   تفسيرات متطرفة
هل يجوز في هذا الزمن أن نقبل التفسيرات المتطرفة للنصوص الدينية؟، ألم يقل يوماً سماحة السيد عمار الحكيم:"إن النصوص المجتزأة يُراد منها إثارة الفتنة بين الطوائف" (17/5/2017)؟، أليس هو الآن زمن مراجعة المناهج في مدارسنا وكتبنا من أجل أن يزداد كل واحد معرفة بالآخر، وننشّئ أجيالنا بمسؤولية تجاه الجار والقريب والآخر المختلف؟، ألم يحن الوقت لإيقاف إصدار الفتاوى وآيات تكفّر أهل الكتاب وحاملوه؟، ألم يأتِ الزمان الذي فيه يُنَزَّل الخطيب من على المنارة وهو يلقي خطابه الديني المميت؟، أين هي حرية العبادة والدين والهوية؟، أين مسار قومية كل إنسان وبطاقته الوطنية؟، فالمكونات _ ومنهم المسيحيون _ وإنْ كانوا أقليات فهم مع الأغلبية يتقاسمون، وينشدون دستوراً واحداً يُصاغ فيه حقوقنا وواجباتنا وعلى السواء، فالدين لله والوطن للجميع، وللمؤمنين دينهم وإيمانهم، وللدولة دستورها وقانونها، فلا يمكن أن تدين الدولة بما تشاء الأغلبية، ولا يمكن للمؤمنين أن يؤمنوا بما يُكتَب لهم وما ليس بإرادتهم، وهذه هي الحقيقة بأَمِّ عينها، وهذا ما يجب أن يكون، بل وهذا ما يجب أن يحمله الدستور ليس إلا!!!.
   مستقبل شعبنا
   لاشكّ إننا نقف جميعاً وعلى حافة مرحلة تاريخية خطيرة وحساسة من حياة بلدنا العزيز ومستقبل شعبنا، وصحيح إن المنطقة تمرّ بتطرف لا يوصف وثقافة التعصب والطائفية المقيتة، وهذا لا يعني أن نسير مسارها بل أن نحدّد رؤيتنا ومصيرنا وما هي الدولة التي نصبو إليها ولتكن لكل المواطنين فهي مبنية على احترام هوية الآخر وحرية إيمانه ومبادئه واحترام رموز دينه وليس في السيطرة الدينية أو العددية أو الطائفية أو العشائرية أو القرابة أو النسابة، لأن قضيتنا ليست قضية وجود فقط بل قضية رسالة وخاصة في هذا العالم المضطرب وسط تحديات لا حصر لها. وقد قيل كثيراً أن الإرهابيين لا يمتّون إلى الإسلام بِصِلة ولكنهم يمضون في تجاهل الفكر الذي يتغلغل بين الأجيال الصاعدة والذي يعلن أن الجنة تُضمَن بقتل الأبرياء. فالمسيحيون لا يبغون هكذا جنّات، ولا يسعون إلى إقتنائها أو ربحها وحتى لو مجاناً، فجنّتهم هي في رسالتهم المُحِبّة لتراب إحتضنهم من أصولهم.
   فقد قال يوما سماحة السيد عمار الحكيم:"إن المكوِّن المسيحي ليس إضافة عددية بل نوعية، يحمل حضارةً وفكراً وتاريخاً في هذا البلد، وقوة العراق تكمن في هذا التنوع"، ودعا إلى الوقوف متضامنين لكسر الحواجز والتأكيد على القِيَم المشتَرَكة وهذا يحتاج إلى سعة صدر واحتواء وتقريب وجهات النظر (12/3/2013)... أمام هذا الحديث، أليس من أحكام واضحة من الإسلام تجاه المسيحيين وهي إشهار إسلامهم أو دفع الجزية أو القتل، ويجب قتال اليهود والنصارى لإرغامهم على الدخول في الإسلام، كما يجب قتال الصابئة والمجوس... فهل يجوز العودة إلى الخناق بعد ألفي عام من مسيرة الدنيا.
  الخاتمــة
   إن المسيحية رسالة محبة ولا غيرها، فالمسيح الحي قال "وصية جديدة أعطيكم أنْ أحبوا بعضكم بعضاً كما أنا أحببتكم"(يو34:13) . فالحب يوصل إلى العناق في القيم المشتركة وفي تضامن الإنسانية أولاً ثم في المواطنة، والمأساة التي حلّت بنا تدعونا جميعاً نحن أبناء العراق بجميع مكوّناتهم أنْ يكونوا يداً واحداً وصوتاً واحداً ولا نكون عبيداً لجيراننا وتبعية لدول الاقليم والذين من حولنا ، مطيعين وخنوعين  رغم إرادتنا ، بل علينا أن لا نصنع إلا إرادة شعبنا وما هو خير لأجيالنا. فعناقنا يدعونا إلى نبذ الخناق، وما العناق بين الأخوة إلا رسالة السماء... فليتعانق المسلمون والمسيحون وما أجمله ليس إلا... نعم وآمين.


33
المسيحيون أمام عناوين مخيفة 
المونسنيور بيوس قاشا
  في البدء
   تاريخ المسيحية مجبول منذ ولادته بالإضطهاد والقتل والمجازر والصلب والطرد، ذلك كان شأن كل التلاميذ ثم الكنيسة الأولى المضطَهَدة (لو12:21-19)، ونسير في تاريخ الإضطهاد في شرقنا حتى نصل إلى مذابح سيفو والإبادة التي حصلت على يد العثمانيين.
كما ولا زالت اليوم تُكمّل الإبادة مسيرتَها بطرق متنوعة وبخطط عديدة في قلع الأصلاء من أرضهم وطردهم من حقيقة ترابهم وإفراغ الشرق منهم ومن بلاياهم _ كما يزعمون _ إنها جراثيم ضد الإنسانية تجعل من الدين إعلاماً لتدمير الآخر بتشويه التفسير، وجعله علامة في رفض المختلف ورفض الآخر وإنْ كان كتابياً، وهذا ما يجعل أنْ يقال أنّ المسيحيين على وشك الإنقراض وضحايا للإبادة الجماعية المخيفة وسلوك سيئ لمسيرة الإنسان المتحضر.

  هبة العلي
على المسيحيين أن يعودوا إلى الأصل وإلى الينبوع الذي لا ينضب، إنه المسيح الحي. فالتنوع مطلوب، وقبول الآخر المختلف ضرورة، وتلك خبرة كنسية إيمانية عاشها قبلنا مسيحنا الحي مع تلاميذه بخبرته وخبراتهم، ولكن ما جمعهم هو "المحبة الكاملة" (يو34:13) التي ملكت على قلوبهم دون محاباة. فالإيمان بالله يعني الإيمان بأن المحبة أقوى من كل شيء "وأعظمهنّ المحبة" (1كو13:13) حتى من الإنسان نفسه، لأنها هبة من العلي، فهي أقوى من الموت، وهي ركيزة الحقائق كما إنها حقيقة الإيمان وبها إجتاز المسيح وتلاميذه كل الحدود دون تحديد صعوبة الحياة وعمق الألم، وما ذلك إلا نداء لمسيرة مسيحيتنا كي يكون المسيح الحي حاضراً في كل لقاء ومع كل إنسان، لأن الموقف المسيحي نابع من موقف المسيح الحي ولا يجوز أن تسود الإنسانية إلا المحبة، ليس إلا!!.

  رسالة أم ضياع
إن المسيحيين يشعرون بالألم من مسيرة بعض السياسيين وكبار الزمن والدنيا الذين لا يسألون إلا عن مآربهم ومصالحهم ومنافعهم، ولم يكن بإمكانهم أن يردّدوا إلا بعض البيانات والإستنكارات، والكلام الصارخ،  والتأوّه تجاه ما إرتكبه تنظيم الدولة الإسلامية حيث الدواعش وما هم إلا قادة أشرار لمسيرتها. كما إن الغرب لم يتّخذ إلا موقفاً متفرجاً مما حصل حتى أدرك أن ذلك ربما سيمزقهم في دورهم، فكانت الحرب ضد الدواعش الأشرار. وأمام هذين الموقفين أتساءل: هل المسيحية ستختفي، تلك التي عُرفت وسبقت حضارتها الإسلامَ
بـ (600) عام؟، أليس ذلك إجحاف بحق المسيحيين في أن يبادوا في بلدانهم!، وهل لا يمكن للكوتا الخاصة بالمسيحيين أن تُدرك ما رسالتها أمام هذا الضياع؟، فإنني أخاف أن أقول: لعلّ الكتل الكبيرة تتنازع فيما بينها كي تكون جزءاً منها، والكتل لهم خاضعون.

   عنف وقتل
كَثُرَ الكلام عن التشدد الإسلامي والإرهاب الداعشي، وعن حركات تكفيرية تقود المجتمع إلى زعزعة وحدته وإداء مكوناته في إختلافاتهم، كما إن الحديث عن هيمنة المجتمع السلفي على المجتمع الإسلامي إضافة إلى ما يحمله من العنف والقتل والإبادة، هذه العناوين وأخرى مثلها عناوين مخيفة لا تحمل إلا الدمار والعنف وإهانة الآخر مختلفاً كان أم لا. إنه تشدد وتعصب وتكفير في حق مَن يخالف الآراء والمعتقد، والمسيحيون ليسوا في منأى عن هذه العناوين المرهبة، فهم ضحاياها شئنا أم أبينا، لذلك تراهم يخافون من الآتي وينامون بقلق ويصبحون بخوف على مصيرهم ومصير عوائلهم وأموالهم وممتلكاتهم وإنْ كانت حال كل الناس هذه الأيام من مسلمين ومسيحيين، وإنْ كان الفكر الديني المتشدد والمتطرف ما عاد حكراً على أتباع دين من دون آخر، فالكل في باحة الخسارة، والكل يعيش واقعاً مريراً.

   شهادة لأصالتنا
ما نحتاج إليه خطاباً دينياً معتدلاً من على المنابر، يقبل الآخر المختلف ويقرّ بحقوق كل إنسان في العيش وعدم التكفير، في دولة مدنية تصون المواطن في حقوقه وتضمن مستقبله بغضّ النظر عن إنتمائه، فآية الكهف (29) تقول:(مَن شاء فليؤمن ومَن شاء فليكفر). فلنتضامن ضد الشر والإرهاب من أجل مشاركة فاعلة في محاربة كل داعش لوقف هذا الجنون، ليس فقط في الميدان وساحة العمل بل في مجالات الإعلام والمدارس والجامعات من أجل وقف كل سلاح ومال عن إرهاب الزمن وأشرار آخر الزمان، والعمل على البقاء في الوطن شهادة لأصالتنا ومسيرة إيماننا.

   رجاء ودعوة
   هل نتفاعل من أجل مستقبلنا وبالذات في وطننا الجريح، وأنا في ذلك لستُ بسيطاً وساذجاً وإنْ كان ما نراه لا يمكن أن نتفاعل مع كل ما يحدث حولنا وأمام عيوننا ومسمع آذاننا ومرأى أبصارنا، ولكن ما أدركه أن الكلمة الأخيرة هي لله وليس للشرّ. ولنتذكر التجربة الثالثة للمسيح الحي بعدما صام أربعين يوماً وأربعين ليلةً قال للشرير:"اذهب يا إبليس، للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد" (لو8:4).
نعم، إن هذا الإيمان سبيلنا في عيش الرجاء "والرجاء لا يخيب" (رو5:5) وإنْ كان الوضع الراهن لا يشير بأي حلّ قريب أو نهاية الفاسد الشرير فإن الذي هو أقوى من الموت لا يمكن أن يقتله أحد في داخلنا لأن إيماننا رسالة سامية من أجل وجودنا، ورجاؤنا ما هو إلا في يد الله القدير، وتلك دعوة كي نقف ونستمر في مقاومته وليس للتنازل له. فطريق الجلجة كان طويلاً ولم يكن مريحاً بل متعباً، فلننهض إذا ما سقطنا، فمعلّمنا ومسيحنا سقط ثلاث مرات ولم يتراجع عن الوصول الى جبل الجلجلة (متى 32:27) فما بلانا؟، فالعزيمة هي إيماننا في قيم سامية وليس رحيلنا في حمل حقائبنا واختفائنا.
   دمعة وصمود
إن الكنيسة تحافظ على وديعة الإيمان، كما إنها تسهر عليها وعلى نموّها حيّة في نفوس المؤمنين، لتكبر يوماً بعد آخر إنطلاقاً من واقعها ورسالتها. وإذ تؤمن المسيحية بأن الله قادر على كل شيء، وهو الذي يُخرج الحياة من الموت ويُحيي العظام بكثرة رحمته فهو يقودنا إلى العمل والصمود وتحدّي الصعاب وبرجاء أكيد في العزيمة. فالمسيحيون أبناء القيامة، وبسبب ذلك يجب أن يبقوا شهوداً في الشرق ولا يمكن الرحيل عنه أو تركه، ومسؤوليتهم دعوة إلى الصمود والثبات كي لا نصبح كلنا من المهجَّرين قسراً والنازحين والراحلين لأنه دون ذلك تكون سياستنا وبياناتنا لعبة أمم ولا أكثر... وتلك حقيقة توصلنا إلى الله الرحمن، ونمتلكها كشهادة لمسيرتنا.

   يحيا الرئيس
كانوا في زمن مضى يفرضون علينا قوميتنا بدكتاتوريتهم، وكانوا يسجّلون تاريخنا ولغتنا من أهل الأعراب، والحقيقة لم تكن لمصلحتنا بل لمصالح سياسية آنية في حينها، واليوم وإن تغيّرت الصورة _ فالملقى واحداً _ فكل واحد منا يفتش عن قومية تأويه ليسكن في تاريخ الحياة ومن المؤسف لحد الآن لم نعرف سبيلنا ولا مصالحنا الأصيلة، بل أنانياتنا في مصالحنا وأحزابنا وحركاتنا وطائفيتنا. ولم نكن ندري عنوان قوميتنا التي ورثناها من آبائنا وأجدادنا بل من أرضنا وأصالتنا، كما كنا في ذلك اليوم عبيداً مطيعين لِمَن يقودنا في الخوف والتهديد، من أجل المصالح والمدائح، وكنا نهتف لكبيرهم وقائدهم ورئيسهم "يحيا الرئيس" و"بالروح والدم نفديك"، واليوم نحن أحرار مضطَهَدون ولا زلنا نهتف " تحيا أنانيتنا وقوميتنا المنغلقة في عزلتنا، وطائفيتنا الانفرادية"، ولكن الحقيقة إننا نسبح في بحر هائج وأمواجه ترتطم في صخرة تاريخنا. ومن المؤسف نحن سعداء حينما نكون لها ولكن بئس تلك السعادة، فلو سألت اليوم أحد أبسط أبناء شعبنا ورجالاته، عن قوميته وطائفيته، فيجيبك وبكل بساطة وسذاجة "أنا مسيحي" ولا شيء آخر.

  زوال وشدة
إننا نعيش في محنة لا توصف بقساوتها وفسادها، كما إن أوقاتنا مصيرية وحاسمة تجاه شعبنا ووجودنا، ولعلّ ذلك إمتحان من ربّ العلا كي يطهّرنا من الداخل وينقّينا وينزع من قلوبنا كل ما من شأنه يعيق مسيرة إيماننا ووفائنا، حاملين روح المحبة رغم مسيرة العداوة التي نلاقيها، وإنْ كانت أحياناً تضعنا على المحك، فأمّا أن نبقى ونشهد لحقيقة وجودنا أو نزول مع أجيالنا وأحفادنا. فزوالنا هو زوال شعبنا، فما علينا إلا أن ندافع بعضنا عن بعض، والشدّة التي تلاقينا تعكس ظلّها على الجميع في أماكننا المقدسة وفي عقر دورنا، وتقودنا إلى ثقافة بائسة في إقصاء الآخر والتعالي، وترافقها مسيرة زرع الأحقاد والسلبيات المدمِّرة.

   الخاتمة
نحن مسؤولون أمام العالم لنشهد معاً للتاريخ والوقوف في وجه كل مَن يريد أنْ يشوّه هذا التاريخ. فالعالم يتفرج علينا أكثر مما ينظرنا ويستهزء بنا وبانقساماتنا وبطائفيتنا وعشائريتنا وقوميتنا، بمصالحنا المزيّفة وكراسينا الزائلة، فيزرع الفتنة والخصام ويقودنا إلى الإقتتال فنفني بعضنا بعضاً شئنا أم أبينا، وما ذلك إلا نفاق وخبث ورياء. فنحن نرفض الموت عبيداً من أجل حياة شوهها الفاسدون وأصحاب المصالح والأصوات العالية، وما علينا إلا أن نقف صدّاً منيعاً أمام ثقافة الخوف والعزلة، ونرفض المبدأ القائل أن هناك أقليات دينية بحاجة إلى حماية، فنحن كلنا جزء من تراب هذه الأرض، والقانون العادل دستورنا، وكلنا شعب هذه الأرض، لنا ما نعمل فيها، ولنا فيها ماضينا، ونحيا حاضرنا من أجل مستقبلنا ومستقبل عيالنا وأجيالنا، عند ذاك لا نخاف من العناوين التي تُسمّى لنا أو نُنعت بها من أجل طردنا ونكران إيماننا، والحقيقة في وحدة كلمتنا، وكلمة في شهادة مسيرتنا، ليس إلا... نعم وآمين.

34





35
رد للدكتور زهير بني
ان مقالي هو بحت مقال ايماني ولا علاقة له بالسياسة
فالنا مقالاتي كلها من الجانب الايماني وليس السياسي وشكرا وان كان احيا مثل هذا المقال يشتم منه رائحة السياسة
مع محبتي
المونسنيور بيوس قاشا

36
المنبر الحر / نعم ... أنا "سورايا"
« في: 17:41 24/03/2017  »
نعم ... أنا "سورايا"

المونسنيور بيوس قاشا
  في البدء
   المسيحية رسالة، والإنجيل ليس كتاباً بل مسيرة حياة نحياه في مسيحيتنا كي نحمله إلى الآخرين، فالمعلّم علّمنا قائلاً:"اذهبوا إلى العالـم وتلمـذوا الأمـم"(متى19:28)، فالمسيح ليس مُلْكنا بل هو لكل إنسان آتٍ إلى العالم، فنعلن له رسالة الإنجيل في البشارة الحسنة، وما هذه البشارة إلا
نبوءة السماء وعطاؤها، فكلنا واحد في جسد المسيح "فإذا تألم عضو تألم الجسد كله" (1كور26:12) وهذا ما يجعلنا أن ننفي من مسيرة حياتنا طائفيتنا وأقليتنا وأغلبيتنا كي نجعل الآخرين أخوة لنا وليس عبيداً أو تابعين لإرادتنا أو لأفكارنا أو حتى لمخططاتنا، فالمسيحية تنادي بقبول الآخر المختلف واحترام إيمان الآخر وفي ذلك نحمل البركة إلى الآخرين إذ قال:"باركوا ولا تلعنوا" (رو14:12).
   الرجاء بالمسيح
عمَّذتُ طفلاً، وطُلِبَ مني أنْ أُعطيه إسماً، فأسميتُه "سورايا"، وإنْ كان زمانُنا مخيفاً وضائعاً، فالأسماء فيه مبتلاة والتسميات مشترات خوفاً من أو استعباداً لغيره، فلم أسمّيه "كلدو" ولا "آشور" ولا "نهرين" ولا "رافدين"، ولم أسمّيه "آرامياً" أو "سريانياً" أو "كلدانياً" أو "أرمنياً" ولا حتى "مارونياً" خوفاً من أن يكبر في القامة عنصرياً أو طائفياً أو أقلياً، ويعيش أغلبية فيكره الأقلية، ولكن أردتُ أنْ يكون إسمه مسموعاً في الآذان ومقبولاً في الرحيل والهجرة، في الغرب وغروبه وفي الشرق ومشارقه. فعند الغرباء الأجانب ربما يفسّرون إسمَه من تبعية العنصرية فلا يقبلون بَصْمَتَهُ ثم رحيلَه، وعند الآخرين ينعتونه طائفياً فلا يسمحون له بالمواطنة وينجح الأصوليون في تسميته كافراً ويحلّلون دمه، ومن خوفي من تسميته في هويته أو في جوازه كي لا يكون مرفوضاً ومهجَّراً علّمتُه أن لا يخاف من الدنيا، فالرجاء بالمسيح الحي. تمنيتُ أنْ أسمّيه كاثوليكياً أو أرثوذكسياً ولكن خوفاً من أن لا يكون أميناً لِدِينِه وإيمانه، ولا يعرف عنهما شيئاً إلا سطحيات الزمن، ومع هذا تراجعتُ فبدأتُ أرشده وأعلّمه مبادئ الإيمان، فهو خُلِقَ لله ولمسيحه ولإنجيله، ثم لشعبه وأرضه، وأردتُ أن يعرف أنّ الكنيسةَ أرضٌ مقدسة وإنّ وطنَه ترابٌ أحبّه الله فمنه خَلَقَه وفيه وضعه، فهو مسيحي له ولغيره.
   في مركز الناصرة
شبّ الطفل وكبر في القامة أمام الناس (لوقا 52:2) فسجَّلتُه طالباً في مركز الناصرة للتعليم المسيحي ليكبر أيضاً في الحكمة والنعمة أمام الله (لوقا 52:2) وكنتُ له معلِّماً، وأرشدتُه في طريق الحقيقة ليقف في وجه كبار الزمن الفاسدين من الداخل وهم عنهم _ قال المسيح الحي _ ذئابٌ خاطفة (متى15:7)، فيقدّسون ذواتهم ولا يقبلون أنْ تُكسَر كلماتهم وتُعدَّل أفكارهم... إنهم الكبرياء بالذات.
   تعليم وإيمان
علّمتُه، أنّه حُمِلَ صغيراً إلى بيت الرب بكراً وفاتح رحمٍ ليحمل الضعفاء إلى حيث المتعَبين والثقيلي الأحمال فالمسيح الرب يريحهم (متى28:11).
علّمتُه، أنّ الإيمان ليس أغلبية وأكثرية أو أقلية وطائفية بل إنّ الإيمان هو في مسيرة الحياة وفي قلبها، وما نعيشه في السيرة والمسيرة، وإنه صدق ومحبة ورحمة وعمل، وقول المسيح للأبرص:"هل تؤمن؟"... إنها الحقيقة (لوقا 19:17).
علّمتُه، أنّ المسيحية رسالة سماوية قبل أن تكون بشرية، وإنّ الإنسانية حقيقة وليس وَهَم، وما علينا إلا أنْ نكون خدّاماً لكلمة الحقيقة، فالمسيح الربّ قال:"مَن كان فيكم كبيراً فليكن خادماً" (مر43:10).
علّمتُه، أنّ الجائعَ يجب أنْ يُعطى ويُزاد لا أن يكون مرفوضاً ومطروداً، فالمسيح جائع إلينا (متى31:25-46) قبل أنْ نجوع لأنفسنا، وإنّ الظلمَ والفسادَ مرفوضان مهما صَغُرا أو كَبرا، فهو قال:"لا تسرق ولا تظلم" (الوصية السابعة).
علّمتُه، أنْ لا يسرق من مال غيره، أو يجعل نفسه طاهراً فيسرق فساده من دنياه ليكون طاهراً أمام الناس والملأ، فيكون قديساً أمام ناظريهم ولكن الربَّ يعرف النوايا والخفايا (أع 21:4).
علّمتُه، أن المسيحية لا تحمل خطوطاً حمراء بل هي الحياة لكل الناس "فيه كانت الحياة" (يو4:1)، ولا يكون رئيساً يحب بعضاً ويكره بعضاً، ولا يجامل أقاربه ومعارفه وأصدقاءه وأحبّاءه، ولا تكن المصلحة هدفه، بل أردتُه أن يكون خادماً للكل، فالمسيح الرب قال:"أنا بينكم مثل الذي يخدم" (لو27:22).
علّمتُه، أنّ الله يحيا في القلوب، ففيها كانت الحياة قبل الطوائف والمعابد والمذابح، فربّنا يدعونا أنْ نترك كل شيء على المذبح ونصالح أخانا، وليس أنْ ننتمي لذواتنا أو نعتبر أنفسنا نحن وليس غيرنا (متى23:5-24).
علّمتُه، أنّ اللهَ أمينٌ حتى الموت وليس مخافةً أو جبروتاً. فالمخافة حكمة وسبيلها الله، والجبروت قوة وسبيله الحب، والرب يسوع لم يمت من أجله، ولا من أجل عشيرته ولا طائفته، بل أعطى حياته من أجل العالم كلّه وأعطاها حتى الموت (يو16:3).
علّمتُه، أنّ الفاسدين فاسدون، ومَن يحامي عنهم يسرق وصية الله، ويشوّه صورته، ويشترك في خطيئته مهما كان مركزه أو مقامه، فبالفساد يمكن شراء كل شيء. والإنسان لا يملك شيئاً حتى الذي له ليس له، فالرب يقول:"والذي أعدَدْتَه لِمَن يكون" (لو20:12).
علَّمتُه، أنْ لا يرافق النميمة ولا مسيرة الإفتراء، وأنْ يكون مسيحياً يحفظ أسرار الآخرين وليس إشهارهم، وعلّمتُه أنْ لا يجالس مثل هؤلاء الناس ولا يصدق كل ما يقال له من قريب أو بعيد، بل أن يكونَ مؤدباً في مسيرته ومحتشماً في كلامه ولا يحابي أحداً من أجل مصلحته، صادقاً في كلامه، لا يهاب كبار الزمن ولا صغار الدنيا لأنَّ أساسه مبني على صخرة المسيح (متى 7).
علّمتُه، أنْ يقول الحقيقة في وجه الأقوياء والفاسدين الذين يقفون في الصفوف الأولى والأمامية في المعابد بحجّة أنهم أطهار القلوب وسليمي النيّات وقادة الشعوب وقلوبهم مليئة حقداً وبغضاً وكرهاً... إنهم شيطان اسود وشجرة رديئة لا تعطي إلا ثمراً رديئاً وإنْ إخضرّت أوراقها (متى 18:7).
علّمتُه، أنّ ما يجب أنْ يكون هو ما ينقصنا، وإنّ ما عندنا ليس مُلْكَنا، فكل شي هو لله، ومنه وإليه يعود، وما نحن إلا وكلاء، وما على الوكيل إلا أنْ يكون أميناً، والأمانة رسالة ومحبة (متى45:24).
علّمتُه، أنّ الرحمة سبيله إلى العيش، وأنَّ لا مناص من ذلك ليكون كريماً في عينَي الربّ، كما كان السامري صالحاً (لوقا10).
علّمتُه، أنْ يقول "آمين" لمشيئة الرحمن عملاً بقول المعلّم "لتكن مشيئتكَ يا الله" (متى39:29) كي لا يتكبّر في الدنيا والأزمان (متى39:29).
علّمتُه، أنْ لا يكون في خلاف مع معبده ليتركه ويذهب إلى معبد آخر معتبراً أن مسيح معبده قد أضاع الحقيقة ونسي أنه هو الابن الضالّ الذي ترك معبده ووالده( لوقا 15) .
علّمتُه، أنه مهما حصل عليه أن يقول "أنا سورايا" كي يمحو من عقله وقلبه كل التسميات والأنانيات، كل العشائريات والطائفيات والقَبَليات، كلّ الأنا وحبّ الذات، ولكي أعلّمه أنّ الربَّ جائعٌ وعطشانٌ إلى نفوسنا وليس إلى سواعدنا، وإنّ الربَّ غريبٌ بيننا ومسجونٌ بسبب نكراننا له، وحبّنا لأنفسنا ولمناصبنا وكراسينا وزماننا ومواقعنا، "والعبد الشرير، يقول ربنا، يُرمى في الظلمة البرّانية هناك يكون البكاء وصرير الأسنان" (متى42:23).
علَّمتُه، أنْ يكونَ مطيعاً لرؤسائه وإخوته وليس عبداً، وأن يعبد الرحمن الرحيم وليس أولياء الأمور والزمن، فاللهُ حيٌّ لا يموت.
علَّمتُه، أنْ يكونَ أميناً للحقيقة ولا يفتش عن القضاء من أجلِ منصبٍ مسروقٍ لكبار الدنيا في مصلحة "الأنا"، فالمسؤولُ خادمٌ وليس قاضٍ.
علَّمتُه، أنْ يعطيَ كلَّ ذي حقٍّ حقَّهُ ولا أنْ يتلاعبَ بميزانِ اللهِ وعدلِهِ من أجلِ نيَّةٍ أو مصلحةٍ أو نظرةٍ أو حسابٍ.
  الخاتمة
ختاماً، علّمتُه، أنْ يكون شاهداً للحقيقة مهما جارت الدنيا والزمن، وأنْ يكون كلاً للكل وخادماً للكل ومُحبّاً للكل، لأنه ينتمي إلى الكلّ، وليس إلى قوميته أو طائفته، ولا يمكن أن يكون خادماً لمذبحه ومعبده، بل هو مُلْكٌ للآخرين (مر35:9). فالمعبد والمذبح لله في مجده، وللكلّ في صلاته... نعم، سَمَّيتُه سورايا، بل أنا سورايا من أجل الكل، حينذاك بإمكاني أن أكون كلدانياً أو سريانياً أو أرثوذكسياً أو أرمنياً أو حتى مارونياً... نعم أنا سورايا... نعم وآمين.


37
عذراً:... المسيحيون أصلاء
مهجَّرون ، راحلون ، مطرودون أم عائدون

   في البدء
   ما هذا الواقع المرير الذي نعيشه، بل ما هذه القساوة التي تتّسم فيها قلوب البشر؟، وما هذا الاضطهاد الذي تعانيه شعوبنا وأبرياؤنا بالحق والحقيقة في أرض الوطن التي أصبحت مجبولة بدماء الشهداء والضحايا الأبرياء، وملونة بألوان الشعوب البائسة في العراق الجريح؟... مشاهد مؤلمة ترينا حقد وكراهية الدواعش الذين دنّسوا أرضنا بأعمالهم الشيطانية، وباعوا ضمائرهم بحلّ الآيات والتكفير مدّعين أن كل ذلك غنائم ونسوا أنها سرقات في وضح النهار والسارق لا يرث ملكوت الله (1كو9:6)، ولكنهم في ذلك يشترون جنّتهم، هكذا يقول لهم دينهم وتعليمهم. ولكن مهما توغّلوا في الجرائم ستبقى أصولنا في أرضنا وجذورها في سهلنا، ومهما كانت المصالح السياسية يتقاسمها كبار الزمن وأسياد دنيانا ستبقى الحقيقة في تاريخ المسيرة ولن نموت، وإنْ متنا سنحضن ترابنا ونُنشد لسمائنا كلمات الحب وأغنية السلام وأنشودة الرجاء وترتيلة الأمل والبقاء.

ضحايا أبرياء
   هذا المشرق عُرف بأصالته وبأصوله، والمسيحيون أصلاء، والتاريخ شاهد على حقيقة الحياة هذه، والأجيال ترافق هذه المسيرة. إنهم أصلاء الأرض وأصيلو الحضارة ولكن قد ملأأ الخوف قلوبهم وسالت دماؤهم دون ارتكاب أية جريمة، فهم ضحايا أبرياء منذ الإبادة في زمان قد ولّى وحتى اليوم، فهم مطرودون ومخطوفون، سلبوابيوتهم وعقاراتهم ومساكنهم، وقد نهبوا كل ما يملكون حتى ما وهبهم الله من خيرات وبركات، ولكن ما ذلك إلا مؤامرة بل جريمة لإهلاك مسيحيي الشرق وطردهم من ديارهم من أجل بناء عالم وحيد في الكلمة والآية وكأنه في عمل الإرهاب هذا يدافعون عن حقيقة قول السماء في مجتمع لا يقبل مجتمعاً مختلفاً عنه وكأنهم أُنزلوا من علُ فيحمّلوننا وزر إنزالهم فنكون ضحايا وحملاناً لإبراهيم، وكل ذلك مُحال أمام عيوننا ومسامعنا وإحساسنا وليس لنا لا حول ولا قوة إلا استنكار وبيان، والمؤامرات رغم ذلك تزداد عنفاً واضطهاداً وتدميراً ولا أعلم إنْ كنا نُدرك مداها كي نمدّ أيادينا في قبضة واحدة فيساعدنا وينقذنا مَن بيديه القرار والحلّ.

حقيقة الاضطهاد
   نعم، مرّ السادس من آب 2014 وما حمله إلينا بلياليه ونهاراته، لقد كان يوم الإبادة بالحق والحقيقة، ولا يمكن لإبن سهل نينوى _ مواطن القرى المسيحية والمكونات المسالمة _ أنْ ينسى ما حلّ به وما قاساه وما احتمله، فقد تعرض للنهب والسلب، للتهجير والتكفير، في إبادة تاريخية لم يُسجّل قبلها التاريخ إلا في الأزمنة الغابرة ولا زال يدفع ضريبة التهجير حتى الساعة ويشدّ الرحيل حتى اللحظة وحقيقة الاضطهاد في المسيرة كلها... ما هذا النهج الأصولي المقيت؟، أسألكم _ بالله عليكم _ ما هي الخطيئة التي ارتكبها شعبنا حتى يُطرَد من دياره؟، ما هي الجريمة التي ارتكبها شعبنا حتى تُنهَب أمواله وتُسرَق ممتلكاته وتُحرَق بيوته ومساكنه؟، وما هي الحيلة التي قام بها شعبنا حتى تُنهَب مخازنه ويُطرد بلباس الليالي؟، عرياناً خرج من بطن أمّه (سفر الجامعة 15:5) وهاهو عرياناً يطرده داعش الإرهابي المجرم، وما الإجرام إلا كلمة لا تفي بحقه.
   شعوب جارتنا سنيناً وأعواماً، أكلت من أرزاقنا، خُدمت من على موائدنا، عُلّمت ووُضعت في صف الحضارة من قِبَل كفاءاتنا بثقافتها وعلمها وعقولها النيّرة لكي تنيرهم، ولكنهم أحبوا الظلمة على النور (يو3:19)، فهجموا علينا كوحش، والوحش حين يصيد صيده يأكل فيشبع وينام ولكن ما حمل هؤلاء الإرهابيون إليهم، إنهم أكلوا وشبعوا وفي بيوتنا ناموا لياليهم ثم أحرقوا ودمّروا وكسروا وحفروا مغاور خنادقهم كجرذان تمشي في ليالي الدنيا الفاسدة وهم يحملون على جباههم ما رسمه الله لقائين القاتل(تك 15:4)... وبئس تاريخ إذا كان ينصفهم يوماً بآية أو بكلمة أُنزلت عليهم.

إلى دياري
   أليس من حقي أن أخاف من العودة إلى دياري؟، أليس من حقي أن أسأل مَن هذا الجار الذي كان يوماً عبداً وخانعاً أصبح قاتلاً وإرهاباً ويريد اليوم أن تتحنّن عليه الدنيا والحياة فتُنصفه عن سرقته وإرهابه وتدميره للأبرياء الأصلاء الذين كانوا في مسيرة البناء والعطاء حيث لم تحمل قلوبهم يوماً حقداً على جارهم أو كراهية تجاهه، فلماذا هذه المجازاة؟، وما تلك إلا جرائم نناشد فيها أنْ لا تعبر عبور الفساد بل في حقيقة العدالة وقانون الزمن.
   نعم، إبتُلينا في صراعات طائفية مقيتة، ومذهبية مميتة، في عولمة مزيفة ودنيا فاسدة ومصالح أنانية ودينية مكفّرة بفتواها، ومَن يرتكبها لا يعتبر نفسه إلا من حقه أن يكون جاراً لكبار الزمن ولكراسي الدنيا. فهل ابتُلينا بهم أو بوطن باعوه لأنانياتهم، أو طاعة خانعة ومزيفة لرئاسات أُدرجت في مسار الدستور الذي مزّق شعبنا ومكوِّناتنا، وكسّر أعمدة الوطن وحبّه وأصخبوا نشيد مقامه؟.

رجاء وبقاء
   نعم، سيبقى أملنا كبيراً ورجاءً ملؤه الحياة والبقاء، وشوقنا سيتجدد كل صباح ومساء في العودة لاستنشاق هواء سهل نينوى ونسماته العليلة، ورائحته ستبقى عالقة في أنوفنا تصعدها كل صباح ومساء شهيقاً لأنفاسنا ينشد عودتنا وإنْ كانت مؤلمة وأليمة، فالأرض أرضنا مهما دنّسها الأشرار، والأرض أرضنا مهما لوّثها الفاسدون، والأرض أرضنا مهما قالوا عنّا راحلون، وصحيح أننا في عودتنا متألمين، فالله رحمن رحيم وأمين سيرافقنا في مسيرتنا، إنه سبيل المستقيم في قلوب الأبرياء وليس في كتب وآيات الإرهاب ولو كَرَه الكافرون
(سورة الصف؛ آية 8)، فنحن الحقيقة بعينها وبأَمِّ حقيقتها، وعودتنا ستكون بعونه لوحة نزيل فيها عن قلوبنا الخوف لكي نقف يوماً صدّاً إذا ما كان الإرهاب يعاود جرائمه وسرقاته ومسالكه البغيضة، وأرضنا لن نبيعها ولن نبكي عليها إلا بأغلى دموع نسكبها ونحن لها صادقون (سورة الحجر؛ آية 64).
   ما نحتاجه أن تكون الأجهزة الأمنية أمينة على حماية كل أبناء سهلنا، أمينة على بقائنا ووجودنا، وفيّة على أصالتنا وتاريخنا، فما مزّقه داعشه وما نهبه وسلبه وما أحرقه ودمّره سنكون له بُناة من جديد ولن نسمح بعد اليوم أن نكون مهجَّرين أو مطرودين، ولن نترك ديارنا من أجل خبزة الصباح وجلسة المساء والنيام حتى الظهر بل سنسهر من أجل حماية أرضنا، وسنذيع عبر مزمار داود "عودوا إلى مساكنكم فربّ الجنود ينتظركم"، فلا تيأسوا ولا تخافوا مِمَّن يقتلون الجسد (متى28:10)وليس بإمكانهم أن يعملوا شيئاً آخر فأنتم حقيقة الحياة والحياة فيكم لأن خالقكم ربّ الجنود وليس ربّ الإرهاب، لأن خالقكم يسمعنا حينما ندعوه بصراخنا ليلاً ونهاراً "فهو من جميع مضايقهم ينقذهم" ( مز34: 18).

مسيرة الرحيل
   نعم، من حق شعب أن يرحل، هكذا تقول مسيرة الحياة وتُنشد عولمة الزمن، ونحن في عالم لا يعرف كيف يسكت ولا يعرف متى يكون الصمت والهدوء. إننا في عالم يزداد في الصخب والصياح، وكلٌّ ينادي "ما أتعبني وما أشقاني"، فلا تخافوا وإنْ طالت ساعات ليلنا، ولا تكونوا سبباً في اقتلاع جذورنا من أرضنا برحيلنا وهجرتنا وطردنا، فأنتم أصلاء الحضارة بل بُناتها، ولا تكن أرضكم الموعودة (تك 15:18-21) إلا أرضكم التي من ترابها خُلقتم وما أعظم عمل الله فهو أرادكم في هذه الديار شهادة لحقيقة حب الله وشهوداً لمسيرة الخلاص في المسيح الحي الذي أحبّنا حتى الموت من أجلنا (رو8:5)، وإلا هل يعجبكم أن تُخلى هذه الأرض من مسيحية إيماننا، من إيمان أجدادنا، من مذابح كنائسنا، من صوت يصدح بالصفرو والرمشو والذبيحة؟، ما بالكم أيها الأحبة فأنتم لستم إلا خراف بين ذئاب (متى16:10) فلا تخافوهم (متى27:14)ندعوكم أن تكونوا شجعاناً، فالرب يسوع يقول لا تخف أيها القطيع الصغير (لو32:12) فالحياة ليست في عالم الزمن بل في دنيا الملكوت، فحيث إيمانكم هناك حقيقتكم، وحيث شهادتكم هناك دياركم، وحيث أنتم شهود فأنتم لها آمنون.

والعـودة صوت
   هل ستبقى العودة صوتاً إعلامياً أم رسالة إنسانية أم جواباً سياسياً أم إخراجاً تلفازياً؟، فالخدمات تنادي بعد تدميرها، والسرقات تصيح بعد غياب كل شيء، وحتى الزوايا المظلمة تشهد _ وبكل تأكيد _ على جرم داعش وجريمة الإرهاب، والمخازن والصومعات والأديرة والمعابد تنشد حقيقة تدميرها، وأزاد الظلاميون في تدمير كل شيء، وطال الاحتلال كل شبر وكل بيت وشارع، وحتى أبراج الهاتف قُلعت وأُذيب رصاصها، شاهدة على أخلاق السرقة التي تشهدها العناصر المجرمة... إنهم مملكة الشرّ، بل هم جوقة بعلزبوب(2ملوك1: 2؛ متى22:12-24)... والله في ذلك خير العارفين.

  في الختام
   نعم، متى تشهد الحياة لحقيقة الوجود ومتى تنزع من الأصوليين أفكارهم الإرهابية، ومتى يحمل الجميع الحوار والحكمة في الكلمة والمسيرة وفي وحدة الهدف!... أيجوز أن نبقى ضحايا العنف والإرهاب؟، أنبقى مطرودين من ديارنا رغم أصالتنا وأصولنا؟، أنبقى مهجَّرين بين أصقاع العالم والدنيا رغم تعلّقنا بأرضنا؟، ألا يرحمنا التاريخ ونحن الذين كتبناه؟... حتى متى نُشترى بصدقه ونُباع بفلسين في زوايا الدنيا المظلمة.
   فيا كبار الزمن وأسياد الكراسي، كفانا كلاماً وبيانات واستنكارات وشجباً وكل ذلك أوهام إنْ لم تكن الحقيقة شاهدة على مسيرة الأيام والوطن. فدرب المسيح في الجلجلة انتهى بالقيامة، أما دربنا نحن كان ولا زلنا وهل سنبقى نسير فيه!، فمتى تكون القيامة ومتى يقال عنا "لكم حقوقكم، والدستور ينصفكم، ومسيرة الحياة ترافقكم. فأنتم الأصالة والحضارة والتاريخ"، وفي ذلك تُكتب نهاية المأساة، فلا مطرودون ولا مهجَّرون ولا راحلون بل عائدون... نعم، إنها الحقيقة بأَمِّ عينها ليس إلا!.



38
عذراً عذراً...
نحن كنائس وليس طوائف
المونسنيور بيوس قاشا
   في البدء
كل الاحترام والتبجيل لرؤساء الكنائس الأجلاء، وما مقالي هذا إلا غيرة على بيت
الرب وشعبنا الذي يعيش طريق الجلجلة والشهادة والإضطهاد، وما أنا في ذلك إلا مطيع وخادم وأمين على ما أُعطيتُ من النِعَم والخيرات لأن الوكيل يجب أن يكون أميناً ووفياً. وأعتذر بكل قوة عن عبارات ربما ستُحسَب إنها ليست في محلّها، فأنا لا أطلب إلا الغفران والصفح وما غايتي إلا أن أكون صوتاً صارخاً في السهل الذي كُتب باسمنا ولم يُرسَم بعد على خارطة الحياة والطبيعة. فلا زلنا مشتّتين ورُحَّل من بلد إلى آخر وبؤساء، نصطفّ في طوابير كي نأخذ قوتنا وأرزاقنا ونأكل وننام ولا يُطلَب منا أكثر، وهذا ما يجعل رسالتنا تضيع وإرادتنا تموت.

   هذا ماحصل    
في صبيحة الثلاثاء، 3 كانون الثاني 2017، أُعلن من على قناة عشتار الفضائية بأن رؤساء مجلس الطوائف المسيحية في العراق عقدوا اجتماعاً في كنيسة الروم الأرثوذكس ببغداد وأعلنوا فيه عن إعادة تأسيس المجلس بعد انسحاب الكنيسة الكلدانية من المجلس. ومما جاء في بيان رؤوساء مجلس الطوائف المسيحية:
"إن أعضاء المجلس يعبّرون عن أسفهم لقرار غبطة البطريرك مار لويس روفائيل الأول ساكو انسحاب الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية من المجلس ومنذ الثالث عشر من كانون الأول من العام الماضي (2016)".
كما ذكر البيان "أن المجلس عمل على انتخاب أمانة سرّ جديدة له مجدِّداً كما تمّ وبالإجماع انتخاب الأمين العام للدورة الثالثة بعد تعديل المادة الخامسة من البند الأول من قرار تشكيل المجلس".
ولكن لم يذكر ماهي المواضيع التي أُدرجت في جدول الأعمال، فالبيان جاء مقتَضَباً وذكرها عابراً بتواقيع السادة الأساقفة الحاضرين لهذا الاجتماع.

   من الماضي القريب
وبعد ستة أعوام ونيف، وفي صباح الثلاثاء، التاسع من شباط عام 2010، أُعلن عن تأسيس مجلس رؤساء الطوائف المسيحية في العراق، وقد إستبشرنا حينها خيراً، وتنفس المؤمنون رائحة المسكونية في مرحلتها الأولى ولكن!!!... وقد جاء في بيان التأسيس ما نصّه:
"إن المجلس يهدف إلى توحيد الرأي والموقف والقرار في الشؤون بين كنائس العراق فيما بينها وتجاه الدولة من أجل ازدهار وتقرير الحضور المسيحي وتفعيل التعاون والعمل المشترك دون التدخل في خصوصية الكنائس أو الكيانات الخاصة لأيٍّ منها".
كما ذكر البيان أيضاً "إن المجلس سيضطلع بتنشيط الحوار والمبادرات المسكونية بين الكنائس الأعضاء مع كنائس العالم والرئاسات الكنسية المختلفة، والانفتاح على الآخر، والعلاقة مع الأخوة المسلمين، فضلاً عن رعاية قضية التعليم المسيحي وتحديد مناهجه في المدارس الحكومية بالتنسيق مع الجهات الرسمية. والعمل على تشريع قانون الأحوال الشخصية للمسيحين في العراق وتعزيز التزام المسيحيين في الحياة العامة ضمن حقوق المواطنة والمشاركة وبناء الوطن الواحد".
وذكر البيان أيضاً "إن المجلس ضمّ في حينها جميع الطوائف المعتَرَف بها من قبل الدولة العراقية وعدها (14) طائفة كما جاء في الجريدة الرسمية لوقائع العراقية بعددها 2867 في 18/1/1982".

   من دار البطريركية
وفي التاريخ ذاته والنهار عينه صدر بيان موقَّع من رئاسة البطريركية الكلدانية فيه يعلن غبطة أبينا البطريرك مار روفائيل الأول ساكو (بطريرك بابل على الكلدان) عدم إرتياحه لهيكلية مجلس الطوائف المسيحي في العراق والذي انعقد في الثالث من كانون الثاني الحالي (2017)، ومن تسميته مقترحاً إجراء تعديلات واعتماد تسمية "مجلس كنائس العراق" بدلاً من "مجلس رؤساء الطوائف المسيحية"، وتفعيل دوره وخصوصاً أنه حتى الآن لم يقدم شيئاً كبيراً. كما أعلن البيان أن المجلس لحدّ الآن غير معتَرَف به من قِبَل الدولة ولا يمثّل جهة رسمية. وأظهر البيان في نصوصه أيضاً بعض المقترحات التي يراها غبطته مناسبة لهذه المرحلة منتقداً هيكلية المجلس الإدارية وترؤُس جلساته، ودعا إلى التعديلات التي يجب أن تكون لوضع المجلس في المسار الصحيح ومُبدياً أفكاره البنّاءة لذلك.

   الحقيقة وحاملها
في مقابلة لقداسة البابا بندكتس السادس عشر في الحادي عشر من كانون الثاني عام 2012، وبينما أنا أهدي لقداسته كتاب كارثة كنيسة سيدة النجاة _ التي عشتُ ليلها وهولها، وأحصيتُ ضحاياها وشهداءها، وصوّرتُ مآسيها وكارثتها _ وبينما أنا أهدي الكتاب قال قداسته:"يا أبانا، أنتَ شاهد للحقيقة"، فقلتُ:"أية حقيقة؟"، أجاب:"هذه"، ومن حينها أكّدتُ على نفسي أن لا أقول إلا الحقيقة بعينها وأن أواصل قولها وإنْ كانت مؤلمة وتقودني إلى تحمّل المآسي، فالمسيح الرب قال:"قولوا الحق والحق يحركم" (يو 32:8).
كم من مرة منذ تأسيس المجلس _ وبأمانة سيادتكم، وحديثي إلى سيادة المطران آفاك أسادوريان (الجزيل الاحترام)،  الأمين العام لمجلس رؤساء الطوائف المسيحية،الذي أكنّ له الاحترام الكبير _وفي مناسبات ولقاءات عديدة، كم وكم قدّمتُ نفسي لخدمتكم وخدمة المجلس إعلامياً، معلناً كل خدماتي وبكل أمانة، منذ تأسيس المجلس ولحدّالساعة وخاصة بعدما نلتُ شهادة الماجستير في الإعلام والصحافة، فكان يأتيني الردّ إمّا بالصمت أو بعدم الجواب أو ببسمة خفيفة لا يبقى ظلّها إلا ثوانٍ، وإمّا بقوله "ليس هناك مَن يرشّحك في هذا المجال أثناء الاجتماع"، وإنْ كنتُ أعرف أن أحد كبار المجلس قال لي يوماً أنه  قد اقترح اسمي مرة ولكنه لم ينل الموافقة،  فتلك آية البشر وهذه مسيرة الأيام.أسأل: هل أنا غريب عن بغداد التي قاسيتُ فيها الحروب والحصار؟، هل أنا غريب عن آلام مسيحيي بغداد والعراق بعدما تركها الكثير من الرعاة، بل جميعهم، خوفاً من هول الصواريخ والقنابل، وقمتُ أزور المؤمنين بدراجة هوائية وقاسيتُ معهم خوفهم وفزعهم، كما وقمتُ في سنة الحرب عام 2003 بدفن عدد كبير من ضحايا الحرب في حدائق الدور والمنازل إذ لم يكن من السهولة الوصول إلى المدافن وقمتُ بنقلها بعد أن توقفت الحرب والقصف بمساعدة أناس طيبين ذوي مروءة ورجولة؟، ولا زلتُ لحدّ الساعة أعمل بما أعطاني الرب من النِعَم من أجل خدمة أبناء شعبي ومصالحهم. فأنا لم أقترف إثماً بتقديم ذاتي لخدمة المجلس وأمانته، وإنْ لم يحبّذ البعض أن أكون لغاية في النفس لا يعلمها إلا الخالق العظيم... فليكن اسم الرب مبارَكاً.

   سادتي الكرام:
إنا نعيش في زمن لا نُحسَد عليه، فهو زمن يذكّرنا بالاضطهاد والوعيد والتهجير والنزوح الذي حلّ بآبائنا وشعبنا، ولا زلنا نتذكر مجازر 1915 في تركيا و1930 عندما ذُبح الآف من المسيحيين وطُردوا من ديارهم في طور عابدين وماردين وهو نفسه اليوم ما يحصل في سهل نينوى وبوحشية لا توصَف، ولا زال شعبنا يحتمل نير الهجرة البائسة. فكثرة الآلام والمآسي والحروب وما عانيناه منذ الاحتلال عام 2003 وحتى اليوم لا يوصَف ولا يصوّره إلا الأعداء الذين دمّروا كل شيء وأحرقوا بيوتنا وأملاكنا وسرقوا ونهبوا غنائماًمن الكفّار والنصارى، إضافة إلى أنهم ينعتوننا بتسميات تحلو لهم ولوحشيتهم. وهل يمكن أن ننسىما حصل بكنيسة سيدة النجاة من حيث تذكّرنا بالأعمال الشريرة التي قام بها الإرهابيون المجرمون، وراح ضحيتها ضحايا وأبرياء كانوا مجتمعين للصلاة؟.

   حوار مع الزنبقة
في حوار نُشر على صفحات مجلة الزنبقة عام 2010مع سيادة الأمين العام لمجلس الطوائف المسيحية في العراق_ وربما كنا قد سبقنا الحدث _ أنقل إليكم نصّه:
** الزنبقة: أنتم سيادة الأمين العام لمجلس مطارنة العراق، هناك مجالس كنسية متعددة: مجلس مطارنة بغداد، مجلس مطارنة نينوى، مجلس مطارنة الشمال. هل هناك توافق بين هذه المجالس في عمل مشترك من أجل الرسالة المسيحية في العراق؟.
* سيادته: هناك اتصال متواصل ومستمر في التشاور الدائم بين جميع رؤساء الكنائس المسيحية ومجالسهم، ونحن الآن في طور التنسيق بين الجميع لتشكيل مجلس عام للطوائف المسيحية في العراق. وقد خوّلني المجلس في بغداد أن أتصل بالمجالس المحلية وبالسادة المطارنة والأساقفة، لذلك سافرتُ إلى المحافظات الشمالية، وزرتُ السادة الأساقفة وتباحثتُ معهم في كيفية تأسيس مجلس يضمّ كافة الطوائف المسيحية في العراق. ولكي يكون هذا المجلس موفَّقاً في أعماله يجب أن يصاغ له نظام داخلي، وهذا ما قمنا به، إذ وضعنا مسودّة النظام. وكوننا نعيش في العراق في ظروف إستثنائية وغير طبيعية منذ عام 2003 وإلى اليوم، فقد كان من الصعوبة إلى عقد لقاء نتبادل بيننا العديد من الأفكار من أجل إعداد مسودّة النظام إعداداً جيداً، ولكن ومع الأسف هناك العديد من المطارنة لا يحبّذون المجيء إلى بغداد، وبعض منهم لا يريدون السفر إلى المحافظات الشمالية، وبهذا لم يرَ النظام الداخلي النور لحدّ الساعة. فمتى سيكون موعد ولادة النظام!!؟.
** الزنبقة: ولكن يا سيدنا، ألا يعني هذا، أو ألا يقودنا إلى التفكير بالعنصرية حينما نقول "رئيس طائفة"؟.
* سيادته: صحيح، ولكن الكنيسة هي المكان حيث يلتقي المؤمنون بالمسيح، فهم مسيحيون. وعلينا أن نستخدم كلمة "طائفة" كما تستخدمها جريدة الوقائع العراقية، كما أحبّذ في نفس الوقت استعمال كلمة "كنيسة" و"رؤساء كنائس".

   حقائق وتساؤلات
عالم اليوم أكثر عنفاً ممّا كان عليه في الأمس، فالتقدم العلمي التكنولوجي والتسليحي سائر نحو إبادة المخلوق والمخلوقات، ووسائل الاتصال الإجتماعي سلاح ذو حدّين فهي تذيع المستور والمعلَن، وتخلط أحياناً بين الاثنين لتُظهر تزييف الحياة التي يحملها الفاسدون والسرّاق المبارَكون. كما لقد فشل التحالف في توفير الأمن في العراق الذي إنحدر إلى الفوضى، وأصبح المسيحيون ضحايا صراع السلطة الطائفي البغيض. فالنزاعات العشائرية والعقائدية تمزقنا جميعاً،ولقد تأخر الكثير من قادة الغرب إلى إتّخاذ الخطوات الملموسة لحماية المسيحيين في الشرق.
منذ عام 2010 _ حيث في هذا العام إنبثق مجلسكم الموقَّر _ وإنه من المؤكد أنكم تعرفون كيف كنا قبل تشكيل المجلس وأين أصبحنا بعد تشكيله. سابقاً كنا مواطنين واليوم نحن مهجَّرون... بالأمس كنا سكّاناً واليوم نازحون وبائسون... بالأمس كنا ننام في بيوتنا واليوم نلفّ الكرفانات والخيام ودفع الإيجارات... بالأمس كنا نزرع حدائقنا ونقطف ورودها واليوم نجمع دموعنا ونقطف آهاتنا... بالأمس كان المدير منزَّهاً طاهراً فكراً وجيهاً ونيّةً واليوم المدير والموظف سارق وفاسد يتعامل بالطائفية والعشائرية والقرابة المزيَّفة لمصالح معينة وهو قديس في أعين البشر المرائين... بالأمس كنّا نملك وطناً وأرضاً وعراقاً واليوم نحن لا نملك حتى الهواء الذي نستنشقه، بل نحن غرباء وأناس مأجورون، وشعبنا يموت على جانب الطريق وحافته... بالأمس لم يكن لنا لجاناً وشؤوناً تهتم بنا وكان الفرح يملأ صدورنا واليوم لنا لجان وشؤون ومجالس، والقائمون عليها يهتمون بأنفسهم أولاً ويملأونا صدورنا ألماً وحزناً وآهات وحسرات... بالأمس فقدنا دورنا وأعمالنا وكسب أرزاقنا والآن فقدنا حتى بيوتنا، وما هو القادم أن نرحل ونترك لهم كل شيء، جرّدونا من كل شيء، المال والمجوهرات...بالأمس كنّا ننام وأبواب دورنا مفتوحة فلعلّ هناك مَن يقصدنا فالبيت بيته وأما اليوم لا نعلم أين توجهت أبواب دورنا... بالأمس كنّا نجول في شوارع مدينتنا واليوم قد أضعنا حتى عنوان حاراتنا...إننا قلقون على كل شيء.

   أتساءل:
أين مجلس الطوائف من كل الذين يُقتَلون، فراداً أو جماعات أو وحداناً؟، من الذين يرتزقون من أجل لقمة العيش والذين عملوا في البسطات وفي الخدمة في مخازن الخمور أو عمال في الصيرفة، أو من الذين يُطرَدون من وظيفتهم ويحاربونهم ليتركوها، أو من الذين يسرقون أموالهم وعقاراتهم؟.وأين أصبحنا من الأحوال الشخصية التي لحدّ الآن لم يتحرك فيها ساكنٌ، وقد قُرِّر منذ إقرار المجلس أنكم ستسعون، والمسعى بعد ست سنوات لم يراوح إلا في محلّه، فالقاصرون إسلام شئنا أم أبينا، والشريعة توصي بذلك ولا مجال آخر؟.
أين المجلس من سقوط قرانا ومدن سهل نينوى بيد داعش الإرهابي؟، ما الذي فعله أبناء هذا السهل المميت؟، ما الذي اقترفته أياديهم حتى يلوَّث بدماء الضحايا والأبرياء من أهله وسكانه؟. فالسهل كان مهمَلاً ومتنازَعاً عليه واعتبرنا ذلك طبيعياً، والحياة فيه آمنة،بهمّة أهله وأبنائه. ولولا إرادة سكّانه ونزلائه وأهله لكان أكثر تأخراً، فكانوا علامة بناء لمدنهم بإصرارهم.
   أين المجلس وبياناته ولجانه المتنوعة العناوين وحاملة الإعلام؟، وعن أي إعلام مسيحي تتكلمون اليوم؟،وهل هناك من إعلام مسيحي مسؤول في هذا البلد الجريح؟... تعجبتُ مرة من أحد الرموز المحترمة _وقد حضر مؤتمراً عن دور الإعلام في كنائس الشرق وبلدانهم في بيروت ممثِّلاً لكنائس العراق _فما كان منه إلا أن تكلم عن مجلتين فصليَّتين خاصتين بكنيسته ونسي أن هناك إعلاماً مكتوباً آخر، ونسي الإعلام الحقيقي ومآسي الشعب الجريح... أي إعلام هذا؟.
أين نحن من لمّ شمل المسيحيين؟، صحيح إن كلاًّ يهتم بشؤون كنيسته، وماذا يعني بعدم التدخل بخصوصيات، ولكن نسيتم ما هو دور الجمعيات الكنسية التي دخلت العراق منذ الاحتلال عام 2003 ولحد اليوم، فهل تعلمون أن روّادهم ومؤمنيهم يملئون كنائسهم وهم من أبنائنا من الكلدان والسريان والأرمن بطوائفهم وكنائسهم بكاثوليكيتهم وأرثوذكسيتهم؟، وهل تعلمون أنهم يعملون على إقرار حقوقهم في الدولة وأمام دستور يهتم بتشكيل مجلس خاص يجمعهم تحت مسمَّى واحد وعقيدة واحدة؟، فأين نحن من أنفسنا، من أصلاء الشرق المسيحيين؟، وما هي خصوصياتنا؟.
أين المجلس من كتب الدراسة الإعدادية والمتوسطة والإبتدائية- وحتى اطفال الحضانة -، التي يقرأ ويتثقف فيها أولادنا وطلابنا وطالباتنا المسيحيين؟، هل تصفحناها لنجد ما لا يطيب لإيماننا ولحريتنا وعبادتنا؟، وهل أدركتم ما محتواها؟. فهل تعلمون إنني أتذكر أحد أصدقائي السبتيين كان لإبنته إمتحاناً وزارياً (بكلوريا) عليها أن تؤديه يوم السبت، وكون السبت يوماً مقدساً عند السبتيين فهل تعلمون أن إبنته لم تمتحن احتراماً ليوم السبت وأجّلت الامتحان إلى الدور الثاني؟... لا أقول شيئاً في هذا الشأن ولكن هذه حقيقة إيمان والدها وإيمانها...أين نحن من مسكونيتنا؟، فإنْ حضرنا الصلاة في كنيسة غير كنيستنا فمن باب الاحترام أو نرسل مَن ينوب عنا كي لا نكون سبيلاً للحديث والعتاب؟.
هل يمكن لأبنائنا المسيحيين البقاء في ظل الإضطهاد الديني والداعشي والنزاعات الدائرة في أرض العراق التي فيها وُلدنا وترعرعنا، وفيه بدأنا مسيرة أيامنا ووضعنا أساساً لعمل أرزاقنا؟... فاليوم لسنا إلا نازحين بائسين مهجَّرين، بعدما دمّر داعش الإجرامي كل شيء. فأين الإعلام المسيحي "العراقي"، نعم "العراقي"_ كما قلتُ سابقاً_لكي يفضح ذلك؟، ومَن قال هذه أرضنا، نعم نعلن عنها، والحقيقة فحتى أرضنا ليست لنا؟... ولكن أسال: ما الذي اقترفناه، وما الذي صنعته أيدينا حتى نُطرَد؟، ولماذا من قُرانا؟... سؤال لا جواب له.   هل الكنيسة اليوم تحتاج فقط إلى بيانات إستنكار أو طلب استرحام من أجل تعديل مادة أو باب من الدستور أو من أحد القوانين؟، ألسنا من الأصلاء؟، ألا يجب أن يكون الدستور مُنصفاً للجميع؟، فأبناء الوطن متساوون في الحقوق والواجبات وأنتم أدرى بذلك مني أنا الإنسان البسيط.

   ما أتمناه...
* أن أجد كنيستي في العراق في مسيرة وحدة الكلمة، فإنجيلنا واحد ومسيحنا واحد وعماذنا واحد وقرباننا واحد، وكنائسنا بيوت عبادة للثالوث الأقدس وآباؤنا في إيمانهم واحد. فزمن الإضطهاد ليس زمن الكراسي والرئاسات.فالبابا فرنسيس يقول:"إن دماء شهداء المسيحيين واحدة"، فلم يقل هذه دماء الكاثوليكي وأخرى دماء الأرثوذكسي أو الآثوري، وهذا ما يدعونا إلى أن نجعل من رئاساتنا "كلمة خادمة" إذ يقول الرب:"مَن كان فيكم كبيراً فليكن خادماً" (مرقس 43:10) وأيضاً "أنا بينكم مثل الذي يخدم" (لوقا 27:22). فالسريان بكنائسهم المختلفة والكلدان والأرمن كلهم يحملون مع الصليب قطعة قماش علامة للمسيح الذي مسح أرجل تلاميذه بمنشفة واحدة. نعم، وهذا زمن الشهادة ما هو إلا رسالة يحملها إلينا المسيح عبر الأحداث لنُدرك عظمة توحيد الكلمة، وكما قلتُ "الكلمة الخادمة".
* أن أجد كنيستي في العراق تضع المؤمن المناسب في المكان المناسب، فهو لا يملك مالاً بل هو مال الدولة في يديه وما عليه إلا أن يكون أميناً ونزيهاً وأن يبتعد عن القرابة والنسب، عن الطائفية والعشائرية المقيتة، عن المحسوبية والمصلحية،فالمسؤول خادم أمين للمحتاج وليس لبقاء الدنيا الزائلة، وفي نفس الوقت من حقنا أن نفتخر بطقوس كنائسنا وبقومية شعبنا ليس إلا!.
* أن أجد كنيستي في العراق تحمل الإنجيل قبل القنديل، وأن تحمل الحقيقة في وجه الأقوياء كما يقول غاندي، والمشبوهون الذين يرسمون لأنفسهم قداسة المسيرة وهم "في الداخل ذئاب خاطفة" (متى 15:7)،كما يقول ربنا، يذهبون ويرحلون ويمرحون ويسرقون، يلعبون كما يشاؤون فهم في حسابتهم مخلصون، منزَّهون، ويرون الأمور بعينين مفتوحتين، ويرفعون صلاتهم بيدين مفتوحتين، ويقفون أمام قدس الأقداس وأمام أنظار الفقراء والعشّارين والمشاهدين المصلّين، أزكياء النفوس وقديسي الزمن والحقيقة هي مزيَّفة بأشخاصها وأعمالهم، ولا يدرون أن "الرب هو فاحص القلب ومختبر الكلى" (ارميا 10:17)، وما الإنسان إلا حامل المصالح، وأما الرب فحامل الحقيقة، والقداسة الحقة هي في السيرة والمسيرة، وكما يقول قداسة البابا فرنسيس:"هؤلاء لا يحملون من فضائل المسيحية شيئاً وهم عار على المجتمع الكنسي".
* أن أجد  كنيستي يداً واحدة وكلمة واحدة أمام رؤساء الزمن وفي حقيقة الإيمان، فالرب قال:"ليكن الجميع واحداً"(يو21:17)، فالحقيقة أن نكون مجتمعين وليس فراداً، فمن المؤكد أن الكل يحملون غيرة إيمانية ومآسي الشعب القاسية وهذا ما يدعونا إلى أن نكون في رسالة واحدة وليس أي شيء آخر.
* أن أجد وأقرأ أننا نُسمّى "أبناء الكنيسة" بمعنى أبناء كنيسة المسيح وليس "أبناء الطائفة"، فنحن لسنا تبّاع السياسة التي تُفرَض علينا شئنا أم أبينا، بل نحن أبناء "كنوشتو" أو عيتو (كنيسة)، كنيسة واحدة، أبناء كنيسة المسيح يسوع، وبذاك يكون رؤساؤنا، رؤساء كنائس وليس أمراء طوائف أو عشائر كما يقول غبطة أبينا البطريرك مار روفائيل الأول ساكو.
هل يجوز أن تعلّموا أولادنا سبل الطائفية والعشائرية والحزبية!، فالنرجسيات لا مجال لها في قاموس المسيح المُحبّ والخادم، ولا تدرّسوهم حيث الأنا والذات، فالمسيح لم يقل يوماً أنا كاثوليكي أو أنا أرثوذكسي أو أنا ناصري أو أنا من بيت لحم،ولم يقل أنا كلداني أو أنا سرياني أو أنا آثوري أو أنا أرمني، كذلك لم يقل أنا عبراني أو يهودي أو سامري أوكرمليسي أو قره قوشي أو عينكاوي أو مصلاوي _ وإنْ كانت هذه كلها واجبة وثابتة وحقيقية _ ولكن الحقيقة الأولى إننا للمسيح. فالمسيح مات من أجل الجميع ومن أجل خطايانا (رو23:3؛ و2كو14:5) وأيضاً"حياتي هي المسيح" (فيليبي20:1-23)وليس شيئاًآخر. فللعنف أشكال مختلفة ومؤدَّبة في كثير من الأحيان ولكنه عنف بحدّ ذاته، والعنف ليس العلاج لعالمنا المُفتَّت يقول البابا فرنسيس(رسالة السلام؛ 1 كانون الثاني 2017).نعم، لقد أُصِبنا بأمراض وعاهات،نُهبت أموالنا، وسُرقت أرواحنا، ورحلنا قبل زمانناإلى حيث الآخرة. فالمرض أكل في أجسادنا، والحقد والكراهية تعشعش في قلوبنا وعقولنا، والحزبية والطائفية والمصلحة أضاعت حتى ساعات مستقبلنا وآمال أجيالنا التي ستحاكمنا يوماً، فلا تغيير حصل بل كل ينتهي من حيث يشاء، و"حيث الجثة هناك تجتمع النسور" هكذا يقول الإنجيل المقدس (لو 37:17؛ متى 28:24).

   الخاتمة
فلنسأل: لماذا الذي حصل؟، هل أدركتم أننا ضحايا السياسة البائسة والمصالح الفاسدة المزيفة وأصبحنا حَمَل إبراهيم؟،أكيداًإنني أؤمن أن حقل المعركة الحقيقي هو القلب البشري لأنه من باطن الناس ومن قلوبهم تنبعث المقاصد السيئة (مر21:7)، كما أؤمن بأن راحيل ستبقى تبكي على بنيها ولن تكفّ عن البكاء ما دامت المسيرة عاطفية واحترامية ومصلحية، إذ نخاف أن نقول أننا خدام ولسنا رؤساء، والحقيقة تكمن في أن الخدمة هي رئاسة ليس إلا!، ونخاف أن ننبّه الفاسد والمخطئ "بسبب المصلحة والقربى والجيرة"، ففي ذلك أضعنا حتى أبناء الديرة، وجعلنا من الحقيقة كلمة عارية، كيف ونحن أبناء القيامة. نعم، إنها ظروف قاسية نعيشها ونحياها ولم نكن نتوقعها، ومَن منا كان يتوقع أن يحصل ما حصل؟، فشعبنا يتألم وهو قلق على مستقبل الساعة قبل مستقبل الغد... إنه يستحق أن نقف معه ليس عبر البيانات والإستنكارات والنداءات والزيارات الموسمية واستقبال الأصدقاء والأحبّة والأقربين، فلندرك إننا خدّام وليس أصحاب مصالح، رؤساء كنائس وليس أمراء عشائر وطوائف،  ولنعلم أن مسيحيتنا رمز لإيماننا، ولتكن كنيستنا _ وليس طائفتنا _ بيت مسيحنا ومسيحيتنا، فيها نحيا وفيها نموت، لها نمدّ أيادينا وإليها تتوجه عقولنا، فنحن أهلاً لها وهي كنيستنا، إنها أمّنا، هكذا يقول البابا بولس السادس، نعم أمّنا ليس إلا!... وعذراً نعم عذراً، ولكن سأبقى أسأل:ما الذي حصل من ذلك اليوم إلى الآن؟، وما هو التغيير؟.فلتتحد أيادينا وقلوبنا، ولنعمل مجتمعين في حمل رسالة واحدة وفي مسيرة واحدة أمام كبار الزمن والمسؤولين، فنكون بذلك من العاملين بقول المسيح الرب "أنتم في المسيح يسوع قريبين"(أفسس13:2)، وأنا أومن أنكم جديرين بالمحبة والإحترام، وإنكم من أجلنا كنتم وستبقون كنيسة واحدة ليس إلا!، نعم كنائس في المسيح الواحد لا طوائف... نعم وآمين.




39

إلى الأخوة مايكل سيبي وأوديشو يوخنا وكنعان شماس وناظر عناي
سلام في المسيح يسوع

أهنئكم في بداية كلمتي وأقدم لكم شكري الجزيل على تعليقاتكم واهتمامكم بكتاباتي وبالرسالة التي وجهتُها إلى سماحة السيد عمار الحكيم. نعم، أقرّ وأعترف أن الرسالة طويلة بل طويلة جداً وإني ككاهن لا أقول إلا الحقيقة فقد قال عني البابا بندكتس السادس عشر يوم مقابلتي له في 19/1/2012 "أنتَ شاهد للحقيقة" فكلماتي في هذه الرسالة المطوَّلة كلمات الحقيقة وليست كلمات (بايخة) كما قال بعض منكم وهذا من حقكم أن تقولوا ما تشاؤون فكل إنسان حر بأعماله وبأقواله ولكن الحقيقة لا يقولها إلا مَن يؤمن بها وأنا ككاهن سأبقى شاهد للحقيقة مؤمناً بقول المسيح "قولوا الحق والحق يحرركم" وهذه الجملة كتبتُها في بداية رسالتي ليس إلا. فشعبنا وتاريخه لا يحتاج فقط إلى هذه الرسالة المطوَّلة ولكن يحتاج إلى كتب تحكي قصتنا ما فعله بنا الإرهاب والدواعش والإسلام الأصولي والعصابات المجرمة فأنا ما رويتُه وما كتبتُه نقطة في بحر من العذاب والآلام في هذا الشرق الجريح فالمسيحيون هم خميرة هذا الشرق ولا يجوز أن نُفسد الخميرة لأننا حاملين إيمان المسيح وسنواصل المسيرة لنفتش عن الخاطئ ليتوب فهو الذي قال:"أحبوا أعدائكم، باركوا لاعنيكم" والحكيم من الكلام يفهم.. ورسالتي هذه كانت شهادتي لحقيقة مسيرة الحياة التي نحياها ويا ليتكم تكونون طرفاً إيجابياً كي نعالج قضايانا بطيبة خاطر وبحقيقة الوجود وليس بحمل الحقائب والرحيل والكلام من البلد البعيد فنحن في وسط الأزمة وفي وسط الحريق، ما نحتاجه أن تُدركوا ذلك ليس إلا!... ودمتم لنا إخوة أحبّة وليبارككم طفل المغارة وربّ السماء مع محبتي.
المونسنيور بيوس قاشا

40
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
"قولوا الحق والحق يحرركم" (المسيح يسوع)
 "مَن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق" (الإمام الحسين)
إلى/ سماحة السيد عمار عبد العزيز الحكيم السامي الوقار (حفظه الله ورعاه)
رئيس المجلس الأعلى الإسلامي العراقي ورئيس التحالف الوطني العراقي

    سلام ومحبة واحترام...
أتمنى لكم كل الخير والبركات، ولشعبنا التحرير وحرية الحياة من داعش الإرهاب، ولوطننا الأمان والسلام، داعياً ربّ السماء، الرحمن الرحيم، المحب والغفور، المسالم والكريم، أن يمنحكم وافر العلم والإيمان للسير في تحرير الإنسان وخدمته في الحقوق والقانون والعدالة، كما يطيب لي أن أكتب إلى سماحتكم الموقرة _ ومن خلالكم _ إلى المجس الأعلى الإسلامي العراقي والتحالف الوطني العراقي هذه الأسطر في رسالة أخوية، مسؤولة _ وأنتم أدرى بمحبتي واحترامي لسماحتكم الموقرة _ وأنا ابن هذه الأرض الطيبة والجريحة من سنين بل من عقود، أكتبها بملء المحبة والحقيقة، بعد إنعقاد مؤتمر المجلس الأعلى للصحوة الإسلامية التاسع، والذي ترأستموه أنتم، سماحتكم الموقرة، وذلك للفترة من الثاني والعشرين وحتى الثالث والعشرين من تشرين الأول لماضي، وفي عقر داركم المَضيف، وأمام أنظاركم وسماعكم ورؤيتكم، وبداية عمليات "قادمون يا نينوى" لتحرير مدن وقرى وقصبات نينوى فجر السابع عشر من أكتوبر الماضي، ولمّ شملها في سهولها ووديانها إلى الوطن الأمّ بعد إغتصابها من داعش الإرهابي الأصولي.
فأنا جئتكم _ أنا الضعيف، وبثقة تامة، ومحبة خالصة، وشعور وطني، واحترامي لمرجعيتكم لا حدّ له _ هنا لأقول ما ينتظره المسيحيون في بلادنا ولعلّه يختلف عمّا ترونه وتسمعونه، ولماذا ينادون بحقوقهم، إنهم شعب أصيل، وما يحملونه هو رسالة سامية، بإخلاص وتفانٍ... وبعد؛

في البدء
إنني مواطن عراقي بأصولي، ومن المكوّن المسيحي الأصيل، ابن هذه الأرض الرافدينية، وفي بغديدا (الموصل _ نينوى) سكني وأصالتي، فيها ترعرعتُ، وفي مدارسها نلتُ قسطي من الثقافة، وفي كنائسها إرتويتُ من ينبوع إيمانها. فأنا مسيحي محافظ وفي الآن ذاته منفتح نحو جميع المكوّنات وأولهم إخوتي المسلمين الذين إستقبلهم أجدادي بترحاب ومحبة، وعاشوا وتعايشوا لحدّ العقد الأخير رغم بعض النزاعات والخصومات في الزمن الغابر، وكذلك نحو الشبك والإيزيدية والصابئة المندائية والتركمان. وأعمل جاهداً في حمل شعلة المحبة في مسيرتي الكنسية من أجل الآخر المختلف حينما يقصد بيتنا للصلاة والمشاركة، وسماحتكم كانت المَثَل الرائع في هذه المسيرة، وفي كنيسة مار يوسف في المنصور، واليوم أنا أخدم في بغداد ومنذ 37 عاماً، وبعد قره قوش وبرطلة، ولا أعتبر مهام رسالتي إلا أن أفتش عن الإنسان وكل إنسان في المحبة والاحترام، ولا أريد أن أطيل بل إيجازي في المقدمة واجب في ملء الضرورة.

مسيرة ورسالة
 أنا كاهنٌ، يعني خادمٌ، وشعار خدمتي "أنا بينكم مثل الذي يَخْدُم". فأنا إنسان أحمل في داخلي مسيرة الألم والفرح، هموم الحياة وهموم أهلي ووطني، في أحداث تتسابق مع كوارثها في الحروب كما في الحصار وأيضاً في السقوط والإحتلال، وفي كل هذا لا صوت يُسمَع بسبب ضجيج الدنيا وإطلاقات البنادق وانفجار القنابل وصعق البارود، فيقع الأبرياء قتلى بل شهداء، ولعلّكم أنتم كبير السماحات والسيادات أدرى بعلمي وهموم الوطن. ففي رسالتي _ أنا الضعيف _ تجدون فيها الحقيقة حيث علّمنا السيد المسيح أن نقول الحق إذ قال:"قولوا الحق والحق يحرركم"، في كلماتها ورسالة في أسطرها، وما أرويه هنا ما هو إلا مختصر جداً جداً للحالة البائسة التي يعيشها شعبنا المطرود وما يجب أن نكون بعد طرد داعش الإرهاب من قُرانا ومدننا وقصباتنا. إننا نتوجه إليكم ومن خلالكم إلى شعبنا، فأنتم رفيق الدرب وزميل الرسالة وعطاء المسيرة، فأنتم ونحن شعب واحد ووطن واحد ولغة واحدة، وتقاليدكم ونحن نفسها، وهمومنا ومعكم واحدة كما المعاناة وكذلك الشكليات، فنكتب تاريخاً واحداً لكيانٍ واحد. فمن طينة واحدة خُلقنا وجُبلنا ولا يمكن أن نقبل القسمة على اثنين أو السير في مسارين أو سكّتين. وأنتم كبار العارفين والمدركين لحقيقة الحياة، فلقد كان _ نعم كان _ بلدي يئنّ تحت حكم الدكتاتورية المقيتة والحروب التي أحرقت شبابنا في أتون النار القاتلة، ومنها إنطلقنا إلى الحصار حيث العديد من أبرياء الدنيا من الأطفال ماتوا بسبب نقص الغذاء والدواء، وكانت الدنيا بعوالمها تنظر إلينا وتتألم لشعبنا المسكين الرازخ تحت نير العبودية والحروب والحصار، فلا حرية ولا كلمة ولا صوت، بل تأوّه وبكاء وأسف. فالإرهاب دمّر كل شيء، إنها جرائم فريدة وشاذة لا نعرف أصولها ولم نسبر غورها وفروعها وتفرعاتها في تاريخ عُرِفَ بالألف الثالث.

الإرهاب وداعشه
لقد مرّ عامان ونيّف على إقتلاع شعبنا من أرض آبائه وأجداده في قرى ومدن سهل نينوى في السادس من آب (أغسطس) عام 2014. نعم، مرَّ عامان ونيّف _ حتى فجر التحرير في 17 تشرين الأول 2016 _ على إقتلاع شعبنا من أرض آبائه وأجداده في قرى ومدن سهل نينوى،  بعملٍ إجراميٍّ شنيع، بلغ درجة الإبادة العِرقية والدينية، إرتكبَتْه زمر داعش الإرهابية الإجرامية، ومثيلاتُه من المنظمات الإرهابية، التي تكفّر الإنسان، وكلَّ كائنٍ لا يَدين بما تَدين ولا يسلم بما تسلم به. وفي الوقت نفسه يواصل فيه الإرهاب المزيَ من جرائمِهِ البشعة ومحاولاتِه المتوحشة. نعم، طردونا من منازلِنا، وقتلونا أمامَ أنظارِهم، وأَبعدونا عن قُرانا قسراً وكرهاً وحقداً، وعن مدنِنا كفراً وتكفيراً، وعن أحبّائِنا عنوةً، وعن جيرانِنا غدراً، والسبب يعود إليهم وإلينا، فهم سبقونا في الهزيمة ونحن لم نكن مستعدين لها، بل بالأحرى لم يعلّمونا حمايةَ مدنِنا وقُرانا وأملاكِنا، فضاع كلُّ شيءٍ، وأصبحنا تائهين في العَراء ليلاً ونهاراً، وفي شوارعِ المدينة وساحاتِها وأرصفتِها وحدائقِها وساحاتِ دور العبادة، والتترُ لَبِسَ حُلّةَ الإرهابِ بداعشِهِ وسوادِ الدواعشِ بإرهابه، وشرّعوا سيوفَهم تخويفاً وتنكيلاً، وعقيدتَهم جبراً أو جزيةً، وكأنَّ الكلمةَ الطيبة لم تُمْسِ صَدَقَةً بل دُفِنَتْ، وأنشودةَ الحياة قد غاب صوتُها ولم يبقَ للإنسانيةِ وجودٌ ولا للحقيقةِ إعلانٌ، بل أصبحت غابةَ أدغالٍ، وما حصل وما يحصل أعادَنا إلى القرون الغابرة، وإلى ما كُتِبَ عن أجدادِنا وهروبِهم وهزيمتِهم أمام السيف الذي شُرِّع عليهم غدراً وقسوةً وكرهاً لأبناء المسيح الحي في الماضي القريب والحاضر الجديد من الجيرةِ والدير،. فكانوا ضحيةَ عنفٍ وإرهابٍ ومصالحَ، لم يكن لهم فيها لا ناقةً ولا جمل، بل حساباتٍ سياسية ومصالحَ دنيوية لتسوية الحسابات وإعادة ترتيب المِنطقة بالمنطق الذي يشاؤه كبارُ الدنيا في مؤامراتِ المخططين، كما هو حال الزمن.

في الماضي القريب
كنتم قد صرّحتم سماحتكم بتاريخ 1 تشرين الثاني 2010 ودنتم حينها الجريمة البشعة التي طالت أبناءنا المسيحيين في كنيسة سيدة النجاة في منطقة الكرادة وسط بغداد، حيث جاء في بيانكم ما نصّه:"... ضحايا راحوا بسبب همجية هذه العصابات الإجرامية. وإنّ ما يدمي القلب ويستفز الضمير الإنساني أن يتعرض الأبرياء في العراق ومنهم إخوتنا المسيحيين إلى القتل بدم بارد، وما يدمي القلب أن تتم هذه الجرائم من قبل تنظيمات تدّعي زوراً وكذباً إنتماءها إلى الإسلام والإسلام منها براء"... كما أوضحتم حينها في بيانكم:"أن الإسلام دين التسامح والتعايش وهو يرفض أشد الرفض هدر الأرواح وقتل النفس ظلماً وعدواناً، وما جرى من جريمة بشعة تعتبر واحدة من أجلى مصاديق الظلم والعداوة"، وأضفتم أيضاً:"إننا ندين بشدة هذه الجريمة البشعة ونوجّه أنظار الحكومة وأجهزتها الأمنية أن تضع في أولوياتها حماية أرواح المواطنين العراقيين من الإستهداف الدموي كما ندعوها إلى التحقيق في هذه الجريمة النكراء ومحاسبة المقصرين".

نعم ... ونعم
إن وطننا موطن تعايش بين أديان وطوائف وقوميات متعددة، وليس في تاريخ العراق حروب أهلية أو قتل أو غدر بالجار القريب. والذي يزور العراق يجد أن الصابئة يعيشون بجوار المسلمين، والمسيحيين بجوار الإيزيديين، وليس هناك أحياء منعزلة أو منفصلة عن بعضها البعض إلا في هذه السنين الأخيرة ومع مجيء الإحتلال وفي زمن داعش الإرهابي الإجرامي، والدم المسيحي الذي أُريق مساء الأحد 31 تشرين الأول 2010 شاهدٌ على همجية الفكر الصحراوي ورعونته، الذي يمنّي نفسه بتناول الإفطار في جنة الفردوس ويعانق حور العين بعد وجبة عشاء دسمة مع الأولياء والصالحين، فراح ضحيتها مسلمون ومسيحيون ومكونات، ولا أدري أي وليّ أو أي صالح يجالس هؤلاء السفّاحين، فالجنة ليست للقتلة المجرمين، وليست الرحمة للشياطين الذين ذبحوا وفجّروا وقتلوا وسرقوا ونهبوا وحلّلوا كل حرام وغزوا كل آمن وأبعدوا كل مسالم وأحرقوا الأطفال وهم على صدور أمهاتهم. أين هي الضمائر الحية؟، وأين نحن من هؤلاء الذين يكفّروننا وهم في وجودهم كفرة وقتلة؟، إنهم يحملون تراثاً جنونياً قاسياً وضميراً حيوانياً مميتاً، فلقد دمّروا كل شيء، حتى الحجر أدانهم فما حال البشر!... فويل للقتلة من جحيم إستعجلوها في الدنيا قبل الآخرة، فنحن لا زلنا على صليب العذاب والغربة، والتهجير جريمة بحق الشعوب المسالِمَة والمُحبّة للتعايش.

فعل الإرهاب
نعم، إننا نعيش هذه الأيام أوقات عصيبة فرضتها علينا تحديات لم تكن، وغير مسبوقة، ووفرت فرصة ثمينة للمتطرفين وذوي النزعات الشعوبية والطائفية من كافة الألوان والأطياف لشنّ حربهم البغيضة التي تكرّس الطائفية وتزرع بذور الحقد والكراهية والتعصب، ويبدو هذا جلياً في عراقنا أكثر من غيره من البلدان. ومنذ دخول داعش الإرهابي إلى أرض وطني دنّس قريتي ومدينتي، الموصل وسهل نينوى وحتى اليوم، من حينها راودتني فكرة كتابة الرسالة إلى سماحتكم، كونكم أنتم الرئيس الأعلى للمجلس الإسلامي، واستلامكم للمهمة الجديدة في رئاسة التحالف الوطني العراقي، وطوال هذه الفترة كانت الفكرة تنمو يوماً بعد يوم في داخلي ومخيلتي، والأحداث تتسارع في مسيرة مؤلمة، إلى أن أتت الساعة ليسجّل يراعي الضعيف هذه الكلمات عبر أسطر تسقيها دموع الحياة القاسية، ومسرّات ألم الإضطهاد، في رسالة تكون هي الأولى، حاملة حقيقة الإنسانية المتألمة في شعبنا الجريح. فغاية رسالتي هو تخفيف المصيبة التي يعيشها أبناء بلدتي وشعوب منطقتي المسالمين، بعد أن طردهم داعش الإرهابي وعملاؤه من ديارهم وفقدوا كل شيء، منازلهم ومحتواها، أملاكهم وأحلامهم، ولم يبقَ أمامهم إلا الهزيمة والإلتجاء إلى كوردستان حيث الأمان، وفي دول الجوار وعبر المحيطات، وهناك فرشوا الحدائق وملأوا الشوارع ذهاباً وإياباً، جلوساً ونظرةً، واليوم أغلبهم يسكنون عمارات بائسة لم يكتمل بناؤها وحتى محيطها، وآخرون هاجروا وقلوبهم حزينة حتى الموت على فراق أرضهم.

نعم، رحلوا إلى بلدان الجوار شمالاً وغرباً، جنوباً وشرقاً، باحثين عن ملجأ يَقيهم، وعن أمن يحميهم، وعن يد تعانقهم، وعن كلمة تواسيهم، وعن محبة ترافقهم، وعن شعور بنجدتهم، ولكن لا من مجيب ولا من حديث ولا من عزاء، ولا زالت حتى اليوم مسيرتهم دون هدف وإرادة، دون علم ودراية، ووضعهم مأسوي بدرجة إمتياز... هذا هو بيت القصيد، إنهم مهجَّرون، إنهم نازحون، فالحقوق مسلوبة، والحقيقة مصلوبة، والعدالة حوكمت، والقضاء إرهاب، شعوب تائهة أم أصيلة، هل نستحق أن نحيا ونواصل مسيرة البناء أم علينا أن نكون تبعية مهمَّشة لا دور لها إلا ملء البطون والنوم والصمت المريب؟، ألستم أنتم زارعي بذار حقوق الإنسان، ألا يجوز أن تزرعوا ذلك في حقول قُرانا ومدننا وحول مساكننا؟، ألا يجوز أن تمدّوا أياديكم كسحابة لحماية شعبنا الممزَّق والمضطَهَد والمطرود من مساكنه وقُراه ومدنه؟، هل لا يجوز تعويض أبناء بلدي وأبناء ديرتي لِمَا فقدوه من أموال وممتلكات كما رفعتم ذلك رايةً في مناسبات عدة، حيث كنتم كلمة الحقيقة، ودولار التعويض، وطابوقة البناء، وكونكريت الحياة لمدّ الجسور بين الأبناء والأصلاء في إعادة الإعمار والبناء واستمرار الحياة هبة الله، رب السماء والأرض، وكعطية لنحميها أنتم ونحن؟.

نعم، لقد ذقنا لوعة الإرهاب والتهجير والتقاتل مع الآخرين وفيما بيننا، وعرفنا _ وما زلنا _ كل التجارب المدمِّرة. إننا نقف اليوم أمام هذه الأخطار التي تداهمنا من الخارج كما في الداخل، ونطرح تساؤلات علّها توقظ في القادة والقوى والمراجع المعنية والمحترمة حسّ المسؤولية الكبيرة بل التاريخية، وهذا ما لنا فيه رجاء وأمل في الحياة والتعايش وتفعيل البيانات والإعلانات وكل الإمكانيات في ضمائر حية ليس إلا!.
نعم، أربعة عشر قرناً ومسيحيو الشرق يعانون من الإرهاب والإضطهاد، قدّموا ملايين الضحايا لأجل الحفاظ على عقيدتهم الدينية وكيانهم وبناء أوطانهم بروح التضحية والإخلاص، ومع هذا فإن حملات إضطهاد المسيحيين أخذت منذ القدم مسلكاً واحداً هو القضاء عليهم بمختلف الوسائل. فالمسيحيون يعيشون في الوسط الأصولي الداعشي الإرهابي في أراضي سهل نينوى وفي أغلب الأماكن وهم يشعرون في كل الأزمنة بالمذلّة والخوف والرعب والسيف المسلَّط دائماً وأبداً على رقابهم، وإشعارهم بأن حياتهم لا قيمة لها لديهم، كما إن ممتلكاتهم ليست لهم بل يستولي عليها كل قدير شرير، فالسلبيات التي تركها داعش على المجتمع كبيرة جداً، وحل تلك السلبيات يحتاج إلى جهود جبارة من الحكومة المحترمة وبتعاون كل الشعب ومن المجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية والمدنية، ولا يوجد بديل آخر إلا نبذ التحاصص والطائفية والعشائرية والأغلبية، فالبلد والوطن للجميع.

أنتم لها
نعم، نحن في حاجة إلى زعماء أمثالكم، ورجال دولة يخاطبون المستقبل، ويدركون أن دور المسيحيين لن يُمحى إلا بفكر حضاري متطور حقيقي ذهب من أجله شهداء ودفعوا حياتهم ثمن إعلان حقيقتهم وحقيقة إيمانهم. فالمسيحيون ليسوا أدوات فتنة وليسوا أكياس رمل، وليسوا في وطن غريب بل في وطنهم، وفيه لهم كرامتهم، أما الغريب فلا كرامة له فيه، ومرضهم إنهم يحبون وطنهم ولا يفصلهم عنه الألم والشدة والضيق، فهم ماتوا ولا زالوا من أجل وجود وطنهم، إنهم شهداء أحياء. لذا نناشد سماحتكم في أن نخرج من كهوف الماضي، فنمدّ أيادينا كما نحن مع أمثالكم الطيبين، فأنتم كلمة وراية من أجل الأقليات والمكونات، وأنتم المرجعية التي تُنشد الحقيقة، فالمسيحيون أمناء وليسوا تُبّاع للغرب بل مخلصين لأوطانهم، فهم يحترمون كل شخص، لذا علينا أن نتكاتف معاً ونقبل كل منا الآخر وعلى دينه ولونه ومعتقداته، فنحن اليوم لا نحتاج إلى إزدواجية المعايير فالوضع العام معقَّد بغياب المشروع السياسي وبتعدد السيناريوهات حيث لا تلوح في الأفق مؤشرات إيجابية، فهناك أطماع في الأرض كما في السلطة كما في المال، والمراكز وملامح التقسيم واضحة، والخوف من الآتي _ ولا سمح الله _ يقودنا إلى خسران بلداتنا في سهل نينوى، وهذا ما يدعونا إلى أن نمدّ الأيادي ونشارك الأفكار في الحوار، ونناشدكم أنتم السماحات المحترمة  والمرجعيات الموقرة أن نكون شركاء لكم في مسيرة الوطن ومصير الحياة، فأجيالنا تناديكم وتنادينا أن نكون أمناء لمستقبلهم، وعلينا أن نكتب لهم تاريخ بنائنا لأوطاننا وليس بطرد أو تهميش مكوناته بدستور يهمل الحقوق في القانون والواجبات. ومن هنا كانت بدايةُ الكارثةِ بحقٍّ وحقيقة، بمآسيها وتَبِعاتِها، ولا زالت تجرُّ أذيالَ اليأسِ والقنوط حتى الساعة، كما مَلَكَ القَدَرُ الأسودُ على مسيرةِ الحياة.

ونحن من حقنا
أليس من حقّي أنْ أسأل: حتى ما نكونُ أرقاماً هزيلة؟، أفي بلدي أكون نازحاً، لاجئاً، مهجَّراً، أنا المسيحي ابنُ هذه الأرض الطيبة التي رويتُها بدمائي وعَرَقي، وعملتُ فيها بسواعدي وفكري، وسرتُ فيها شامخاً متكبِّراً بألوانِ رايتها؟، أليس ذلك من حقي وحق حريتي أنْ أكونَ رايةً وحقيقةً، شاهداً ومؤمناً؟، أليس من حقي أنْ أدافعَ عن وجودي وإلا عبثاً أنا هنا؟. فأنا لستُ عبداً لكلماتِ دستورٍ ينكر وجودي، ولستُ خانعاً وخاضعاً لإراداتٍ تسلبُ حريتي وأموالي وأطفالي، وأنا لستُ إلا أصلاً وأصالةً، عمقاً وقلباً، فكراً ورسالةً، حضارةً وتراثاً، فمهما باعوا الحقيقةَ من أجل كراسي الزمن ومتاعبِ الدنيا، فالحقيقة علامةٌ وليست بضاعةٌ، وإنْ كانت تُباعُ اليومَ في سوقِ النخاسة ويشتريها مَن يملك مالاً وعبيداً وجاريات ومن الحَسَب والنسب والقربى، أما أنا سأبقى أنشد هويتي واعتزازي ببلدي وبأرضِهِ رسالةَ وجودي وعراقيّتي... فالرافدان شاهدان، وحمورابي وشريعتُهُ قاضٍ يعلن حكم الحقيقة، وسأبقى أحضن ترابي ووطني وأحمل مشعلَ إيماني، وما ذلك إلا رسالةُ الحقيقة، وهذه رايتي ليس إلا!.

ومن هنا أقول: على المرجعيات الدينية المحترمة _ وعلى إختلاف مذاهبها _ إصدار فتاوى صريحة تُحرّم على الأصوليين قتل المسيحيين أو فرض الجزية عليهم أو إضطهادهم أو إجبارهم على إعتناق الإسلام وحرمان أي نوع من الممارسات اللاإنسانية التي تمسّ أمان واستقرار وسلامة المسيحيين في العراق وبلدان الشرق الأوسط.

في ذكرى الأربعينية المؤلمة
ونحن نحتفل بالذكرى الأربعينية الأليمة لإستشهاد الإمام الحسين (عليه السلام)، الذي جاء لإصلاح أمّته، فقد قال لأخيه محمد بن الحنفية في وصية له:"إني لم أخرج أشراً، ولا بطراً ولا مفسداً، ولا ظالماً، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمّة جدي. أريد أن آمر بالمعروف وأنهي عن المنكر فمَن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق، ومَن ردّ عليّ هذا أصبر حتى يقضي الله بيني وبين القوم بالحق، وهو خير الحاكمين"، وكما قال يوماً الإمام علي (عليه السلام):"إذا أُعطي لي الكرسي لحكمتُ لليهود بالتوراة، وللنصارى بالإنجيل، وللإسلام بالقرآن".
من هذه الذكرى الأليمة أناشدكم يا سماحة السيد (حفظكم الله ورعاكم)، وأناشد معكم الأخوة المسلمين في عراقنا الجريح في التحالف الوطني العراقي والمجلس الأعلى الإسلامي العراقي، والمكونات العراقية الأصيلة والمحتَرَمة، داعين لكم وللوطن السلام والأمان والخير، وحاملين الصفح والغفران من أجل إعادة بناء وطننا الجريح كنزاً لأجيالنا القادمة، في طرد الإرهاب بعيداً عن ديارنا وعن ترابنا، وكل عام ونحن وأنتم أخوة في المسيرة وفي الأصالة كما في السيرة، بكل صفاء النية، مؤمناً أن كل شيء هو مُلْك الله، فكانت المحبة تقدمةً وعطيةً من السماء كي لا تزداد الإنقسامات والتصدّعات الإجتماعية، مما يستدعي تعزيز التسامح والوحدة لوضع حدّ لموجة الخوف والحقد والكراهية التي تسود في المنطقة عامة وعراقنا خاصة. فقد أصبح لزاماً علينا جميعاً أن نعمل يداً بيد _ في هذه الأوقات العصيبة تحديداً _ لتعزيز روح التسامح وترسيخها بغض النظر عن الدين والجنس والتراث والثقافة، وتعزيز قدرة التصدي لنزعات التطرف والحقد والكراهية والإنقسام، وعلينا أن نعمل جاهدين لنسمو فوق خلافاتنا، والعمل على ترسيخ قيم الرحمة والإعتدال والعدالة ومحاربة الفاسدين في مجتمعنا.   

معكم ومع الأخوة المسلمين
إننا شعب واحد، ووطننا واحد، وهمومنا ومعاناتنا واحدة... إنه تاريخ المسيرة، وربّ السماء سيد التاريخ. وهذه الرسالة ليست صدفةً أو قَدَراً أو حالةً عابرة بل هي مشيئة الله علينا، فله نطيع إرادته وإليه نسلّم أمرنا، وهذا ما أكده الإرشاد الرسولي لكنائس الشرق الأوسط أيضاً عام 2010، ولا زلنا نتقاسم الآلام والإرهاب والتطلعات معاً، فقد أُقتلعنا من أرضنا، وحُصرنا في بعض أطراف وطننا، وشُتّتنا في كل بقاع الأرض، وهُجّرنا من بيوتنا وقرانا ومدننا، فألمنا واحد وألمنا وحدنا، فنحن واحد في قارب واحد لا وجود فيه للحواجز والجدران العازلة، في هذا القارب نتقاسم الحياة، وفيه نعيش معاً ومعاً نموت، ولا يمكن أن نواجه العواصف والأعاصير إلا معاً بتظافر جهودنا، أما إذا إنقسمنا أو إنقسم القارب على نفسه فإنه يغرق ونغرق جميعنا معه.   هذا كله يجعلنا مسؤولين بعضنا عن بعض أمام الله والتاريخ والعالم، أمام الله الذي نمتثل لمشيئته، ونمثل أمامه معاً، وإليه نرفع أدعيتنا وصلواتنا، وإليه نوجه همومنا وهموم إخوتنا وآمالهم وآمالنا وتطلعاتنا. ومن المؤكد أمام التاريخ أن الله سبحانه وتعالى سيحاسبنا على حبّنا لتاريخ وقدسية ترابنا، وعلى مواقفنا أحدنا من الآخر، ويحاسبنا عمّا كسبت أو خسرت نفوسنا، فنحن مسؤولون بعضنا عن بعض أمام التاريخ، نشهد للماضي الجريح وللحاضر الذي نواجهه وللمستقبل الضبابي وكيف سنبنيه، فإذا كان الله معنا سيساعدنا على حمل مسؤولية رصيدنا في الحاضر والمستقبل. وأمام العالم نحن مسؤولون ونشهد معاً لتاريخنا في الدفاع بعضنا عن بعض في وجه كل مَن يريد أن يشوّه هذا التاريخ. إن العالم ينظر إلينا، ويستقوي علينا بانقساماته، ويتسلل إلينا من خلال طائفياتنا وعشائرياتنا ليزرع الفتن أو يؤجّجها ومن ثم يتفرج علينا ونحن نتقاتل، ليأتي بعد ذلك بِلَومٍ ونفاق وحنين ليضع السلام فيما بيننا وفق مصالحه وأنانياته ومخططاته في تقسيمنا أو توحيدنا.

أما التطرف الديني
لقد ظهرت أصوليات التطرف الديني كموجة عاصفة عصفت بنا جميعاً بعيداً الواحد عن الآخر، لا بل عصفت بالعالم كله، وملأتنا تعصباً وأيّ تعصب، إنه التعصب الأعمى وإلى الإقصاء والموت، وهذا ما حصل في بلادنا ووطننا، وملأت الطائفية والمذهبية والمحسوبية قلوبنا، وحملناها تطرفاً دينياً في تعاليمنا، وما نريد أن يستمع المختلف عنا حقيقتنا المزيَّفة وتعصبنا المقيت، ومن المؤكد أن هذا التعصب لا يرحم أحداً، وما نجم منه ما كان إلا قتلاً وتشريداً وخطفاً وإرهاباً باسم الدين وشراً ضد الله والإنسانية. إنها معاناة بلداننا، وهذه لا يمكن أن تكون صوت الله، فالخالق يعلّمنا أن لا نقتل بل يأمرنا بالمعروف، يأمرنا بالتعارف والتحبب والتعاون لأن التطرف يشوّه صورة الله ويشوّه صورة الإنسان، ولا يمكن أن يكون الله مصدر القتل وهو الذي علّمنا أنه أحبنا فخلقنا على صورته ومثاله. فالله مصدر الحياة وله الحق وحده باستردادها، وفي ذلك يقول البابا فرنسيس:"لا يمكن لأي جريمة أن تُرتَكَب باسم الله، لأنّ الله ليس إله فوضى بل إله سلام"، وأيضاً "لا أعتقد أنه من الصواب الربط بين الإسلام والعنف".
نعم، هاهوذا جيشنا الباسل وشرطتنا الإتحادية ومتطوّعو الحشد الشعبي والعشائري _ وبقرار من حكومتنا الموقرة _ يهبّ لتحرير نينوى وأقضيتها وقراها من براثن داعش الإرهابي ومنذ فجر السابع عشر من تشرين الأول الماضي (فالرحمة لشهدائنا والشفاء لجرحانا والنصر لشعبنا)، وهذا ما يدعونا إلى أن نحارب التطرف معاً _ كما كان هدفكم في المؤتمر التاسع للمجلس الأعلى للصحوة الإسلامية _ فرسالتنا هي أن نرفض الموت ونطالب بالحياة وبكرامة كل إنسان، ويجب أن يعلو صوتنا معاً في وجه الإرهاب والتطرف، لذا يجب أن نكون جبهة واحدة تقف في وجه ثقافة الخوف والترهيب والموت، فلا يمكن للدين وأساسه أن يكون سبب تفرقتنا، فإنسانيتنا وعروبتنا وماضينا وحاضرنا ونضالنا المشترك وإيماننا بالله الواحد خالق هذا الكون وخالق الإنسان، فالوقوف معاً في وجه الموت المهدِّد لنا رسالة سامية بل مقدسة، وهذا ما يدعونا إلى تعزيز الحوار والتلاقي، وما علينا إلا أن نكتشف نقاط التلاقي ولا نزيد مساحات الإختلاف والعزلة والتفرقة، فالمواطنون مؤمنون كلٌّ بدينه، فلا أقليات ولا مكوِّنات ولا جماعات بل أصلاء، وكلنا من تراب هذا الوطن، وكلنا شعب هذه الأرض، فيه يعلو صوتنا وفيه تقوى سواعدنا وفيه تقدس الحياة مسيرتنا كما في الماضي هكذا في حاضرنا وغداً في مستقبلنا، وهذا ما يدعونا إلى أن نحمل رسالة واحدة وقانوناً واحداً ودستوراً عادلاً تكتبه قلوبنا بأقلام عدالة الله وعدالتنا وحقوقنا ومساواتنا في المسؤوليات والواجبات والحقوق والحريات. وبالمحبة والتعايش وقبول الآخر علينا جميعاً أن نواجه التفسيرات المتطرفة للنصوص الدينية، ونضع في قالب نصوغه لمصالحنا ولهوانا، وننسب كل ذلك أن تلك آية من الله وفتوى من العلياء، بل تدعونا الحقيقة في الحوار والإلتزام بقدسية الإنسان وعقيدة الحياة في أنّ كل أخ له في الإنسانية مساحة محترَمَة فيها يدلو بإيمانه ويحيا بنِعَمه، وما دينه إلا عبادة لخالقه. فليس أحدٌ وليٌّ على الآخر، فالله خالقنا وهو وليّنا، ولا يجوز القول أن كل دين غير دين الإسلام كفرٌ وضلال، وكل مكان للعبادة على غير دين الإسلام هو بيت كفر وضلال، أو مَن إعتقد أنّ الكنائس والمعابد هي بيوت الله وإنّ الله يُعبَد فيها، أو أنّ ما يفعله اليهود والنصارى والمكوّنات الأخرى عبادة لله فهو كافر. أليس من المؤلم أن نحرّم ما نشاء ونحلّل ما نشاء وكأننا قد فُوِّضنا من رب السماء أن نكون على الآخرين أمراء، فنحرّم عليهم حتى تهنئة العيد وأخرى لأنهم من الكفرة؟، أليست القلوب هي التي تناشد الرحمن الرحيم في الصلاة وتناشد الإنسان في الحياة؟، فما ذلك إلا علامة الإنسانية التي أبدعها الخالق العظيم، فلماذا هذه المواقف والتي تُنتج أشخاصاً يحلّلون قتل الكافر وبرأيهم ذلك حلال لأنهم يقتلون الكفّار والمرتدّين، وما ذلك إلا حاضنات للإرهاب؟، فما علينا إلا تجفيف مصادر هؤلاء الإرهابيين وإفراغ أفكارهم من القتل المدمّر لمسيرة الحياة.
   كما علينا أن نراجع مناهج مدارسنا وكُتُبنا لنثبت للشعوب أننا شعب واحد، وإن كل واحد منا يزداد معرفة بالآخر وتقديراً لدين الآخر، فندرس تاريخنا المشترك، وننشأ نحن وأجيالنا بمسؤولية تجاه الجار والقريب والآخر المختلف، ونبني بتربيتنا الإنسانية مجتمعاً سِمَتُه المحبة والتسامح والإخاء، وهذا ما يدعونا إلى إعادة كتابة الدستور من أجل بناء وطننا، في جعل الحق والحقيقة مسيرة للحياة في دستور مدني منصف وعادل، يحمي شعبي ومكوّناتي وحقوقي، وعدم السماح لتفتيت الشعب بإصدار فتاوى ومواد وأبواب وآيات تكفّر أهل الكتاب وحاملوه، كالمادة (26) من الدستور، فتغييرها حق من أجل مسيرة شعبنا الأصيل في حرية العبادة والدين والهوية والقومية في البطاقة الوطنية، وتلك علامات النجاح من أجل العيش المشترك، ورسالة الآخر المختلف، والتعامل بالمساواة بين الأغلبية والأقلية، فالدين لله والوطن والدولة للجميع، وللمؤمنين دينهم وللدولة دستورها، فلا يمكن أن تدين الدولة بما نشاء كذلك لا يمكن للمؤمنين أن يؤمنوا بما يُكتَب لهم وما ليس بإرادتهم.   
   علينا أيضاً أن ندافع عن رموزنا من أي تهجّم أو إعتداء في محاربة إقصاء الآخر باسم الدين والذي يريده العدو أن يكون فتنة بيننا، وأن يصبح وسيلة لزرع الأحقاد والكراهية بدلاً من أن يكون وسيلة لنشر المحبة والوئام. فالإعلام الديني الملتزم هو الطريق الصائب لتعزيز ثقافة الإخاء والوحدة والعيش المشترك، والحقيقة والعدالة تدعونا أن نكون أمناء للوطن وللشعب، وهذا ما يدعونا إلى فتح ملفات جرائم داعش الإرهابي ومحاكمته، ولكن لحدّ الآن لم يتم فتح ملف جرائم داعش ولم يتعرض مَن يُلقى القبض عليهم لمحاكمات علنية، بل هناك بلدان لا تزال في قوانينها تعتبر الإنتماء إلى داعش جنحة وليس جريمة، أليست هذه أمكنة وأوطان لإحتماء داعش والمجرمين فيها؟، فتهديد داعش يطال الكل بل إن فكره المتطرف يختفي وراء بعض المنظمات من حاضنات الكراهية وعدم قبول الآخر، والسير ضد شرعية حقوق الإنسان وحرية التعبير والأديان، وتمويله بأموال الشعوب البريئة وتشجيعه عبر القنوات الفضائية والمؤسسات الإعلامية، وفي بعض دور العبادة ورجالاتها.
   نعم، إن الأوقات والأزمنة والسنين والأيام التي نحياها في عراقنا الجريح حاسمة ومصيرية وخاصة بعد أن لوّثها داعش بإرهابه المجرم، فهذا ما يدعونا إلى تحمل مسؤولياتنا تجاه بعضنا البعض ومزيداً من الإيمان أمام الله والإنسان، إيماناً منفتحاً وليس حاقداً أو بغيضاً، وعلينا أن نصطبغ بشجاعة غير مسبوقة _ بل تكلّف ربما حياتنا _ لنقف في وجه الفاسدين الحاقدين الذين يزرعون بذور الحقد وإقصاء المختلف وينادون بالموت، وإلا سنجعل من مستقبلنا مستقبلاً على المحكّ نحن وأجيالنا وأبناء منطقتنا، والحقيقة تتطلب إمّا أن نزول معاً أو نحيا معاً من أجل حياة أجيالنا وأحفادنا.
   صحيح إن حياتنا قاسية بل مُرّة بمرارة مسيرة الأيام المؤلمة، فمنذ سنوات نعاني الظلام والحصار والحروب والإحتلال بصوره المختلفة وبإتجهاته العديدة، إنها محنة وأيّة محنة، فقد أودت حتى بإنسانيتنا وربما بإيماننا، ولكن لا زلنا ثابتين على حقيقة الوطن الجريح، وربما للرب شؤون في ذلك كي ينقّينا من الداخل ويجعل قلبونا في مسيرة صائبة لا تعيقها محن الدنيا، كي نربّي إنساناً مؤمناً يدعو إلى نقاء الأفكار وصفاء القلوب وجميل الحياة.
   ربما هناك حقبات حصلت في تاريخ مسيرة الوطن والمنطقة وشعوبها فيها تعصُّب وقتل باسم الدين، ومن المؤكد أن هناك مَن يستخدم الدين لأغراض سياسية أنانية، فالتطرف لا دين له، وهو ليس حكراً على أتباع دينٍ ما دون سواه، فالجميع يجب أن يكونوا في محاسبة النفس وتطهير البيت من أي تطرف لأجل قدسية وحقيقة إيماننا.
   نعم، إن مستقبلنا رهن بوحدتنا وتراصّ صفوفنا. لقد عاش شعبنا خبرة آلام سنين عديدة في الحروب والحصار والإحتلال، وارتدّت علينا بشكل مأسوي لا يوصَف، وهذا ما يدعونا أن نتعلم منها الكثير، وأهم ما تُعلّمنا هذه الآلام هو أن الإنقسامات لا تؤدي إلى الدمار، ولكن كلما تضامنّا معاً ووضعنا أيدينا في أيدي بعضنا سنكون في السبيل الصحيح، ولكن إذا أضعنا شعبنا نكون قد غرقنا بل مُتنا قبل تشييعنا.
ولا شكّ أننا نقف جميعاً على حافة مرحلة تاريخية خطيرة وحساسة من حياة بلدنا العزيز ومستقبل شعبنا الكريم، ولا ريب أننا ندرك أيضاً ضرورة أن تتلاحم كل الجهود الوطنية المخلصة لتقول كلمتها وتتحمل مسؤولياتها إزاء التحديات التي تواجهنا من أجل مهمة تاريخية في بناء الوطن والسير به نحو برّ السلام والأمان والتقدم بعد أن تخلّفنا في مسيرتنا وفي جميع الإتجاهات أعواماً عديدة.
   صحيح أن المنطقة تمرّ بتطرف لا يوصف، وثقافة التعصب والطائفية المقيتة، وهذا لا يعني أن نسير مسارها بل أن نحدد رؤيتنا ومصيرنا وما هي الدولة التي نصبو إليها، ولتكن لكل المواطنين، ومبنية على إحترام هوية الآخر وحرية الإيمان والعبادة واحترام الدين في المساواة والعدل والحرية وليس في السيطرة الدينية أو العددية الأغلبية، أو الطائفية، أو العشائرية، أو القرابة والنسابة. فمسؤوليتنا هي أمام الله، كما هي قضيتنا، فقضيتنا ليست قضية وجود فقط بل قضية رسالة وخاصة في هذا العالم المضطرب وسط تحديات لا حصر لها، وما علينا من جديد إلا أن نطلق معاً صرخة أمل "أنّ الله أمين وعادل وحكيم"، ومن المؤكد أن حكمته ستنتصر على الكراهية وشرّها، حينها سنرى إنساناً جديداً يسمو بروحه حتى يبلغ محبة كل أخ وأخت في هذه الأرض.
نعم، نقول: إنَّ شرقَنا يشهد إحتلالاً من الأصوليين ومن الإرهاب، كما إنَّ المسيحيين في الشرق يواجهون ما هو أخطر من التحديات، إنهم يواجهون أزمةَ وجودٍ وحضورٍ وضياع، فهل سيصبحون آثاراً أو بقايا أو ذكريات؟، فقد أصبحت كنائسنا خربةً، وهُدمت بِمِعْوَلِ داعش والإرهاب، وهذا ما كشفه جيشنا الباسل البطل يوم تحرير قرانا ومدننا وقصباتنا في سهل نينوى في السابع عشر من تشرين الاول الماضي . فكنائسنا حُرقت، ومساكننا أُشعلت وسُرقت وهُدمت ونُهبت، والبعض لم يبقَ لها أثر عين. كُسرت صلباننا، وأُنزلت من على مناراتها، وأقول: لماذا يخاف الدواعش من الصليب، فالصليب لا يخيف؟، فما هو إلا علامة محبة المسيح الحي _ كما جاء في القرآن الكريم _ لكل الناس. أليس المسيح رسول المحبة؟، فالصليب ليس علامة خوف أو فزع، بل علامة للخلاص وحسب إيماننا.
هكذا أرادوا لنا أن نكون، فأَسْمونا مرة أقليّةً وأخرى طائفة وثالثة جالية، وإعلامهم ينقل مآسينا ولكن لا يوجد مَن يواسينا،وما ثقتنا إلا بهمتكم ،  وباتَ الخطرُ مضاعَفاً علينا من خلال تهجيرٍ مبرمجٍ وعِبْرَ فرضِ الشريعةِ والتعاليم الأصولية كي نعيش كأهلَ الذمّة. ندرك أيضاً أن تلاحم كل الجهود الوطنية المخلصة بأصعب وأحلك مراحلها، وكل خطوة في الإتجاه الخاطئ يمكن أن تؤدي بنا إلى المزيد من الكوارث، فمستقبلنا رهن بوحدتنا وتراصّ صفوفنا، وإن أي خلل من هذه الزاوية سيرتدّ سلباً، لا بل بشكل مأساوي، ومن أهم ما تعلّمه هو أن الفرقة والإنقسامات لا تؤدّي إلا إلى الدمار، كلما وقفنا معاً وتضامنّا ووضعنا أيدينا في أيدي بعضنا البعض أخذ مسارنا الوطني الوجهة الصحيحة، وإذا تفرّقنا غرقنا.
كفانا تكراراً لما يحدث، فقبل قرن بالتمام (1915) تعرّض عدة ملايين منّا في هذه المنطقة لمأساة إبادة مروّعة، وكان العثمانيون لها أمراء، وجاءت داعش الآن لتكررها، وهي لا تختلف عن متطرفي العثمانيين، لذا على الدول والمرجعيات الدينية اليوم أن تقف معاً بمواجهة هذه الآيديولوجية وتفكيكها من خلال نشر ثقافة الحرية والعمل بالعقل، والإنفتاح والتسامح والمحبة والإخاء والتعايش واحترام حقوق الإنسان والإختلاف والتعددية، وحرية الأديان في ممارسة الإيمان، وهذا لا يمكن إلا عبر عملية تنشئة وتثقيف وتطوير للمناهج الدراسية التي باتت مصدراً للتشدّد الديني بشكل كبير، وتهيئة أُسس السلام والإستقرار والتعاون والعدالة، واعتماد الحوار الحضاري والهادئ والشجاع في حلّ الأزمات التي طالت كل البلاد وأنهكت العباد، والسعي لبناء دولة مدنية، دولة قانون ومؤسسات تُبنى على المواطنة لا غير.
فلنعلم جيداً أن الأمريكان شدّدوا _ لدى إحتلالهم العراق عام 2003 _ على الطائفية والمسمّيات والمحسوبيات والأغلبيات والعشائريات، فربحوا المعركة وخسرنا نحن رسالة الوطنية والقومية وحبّ التراب، ولم تجمعنا راية واحدة بل عدة رايات، وقُسّم الشعب ولم يتم إحتواء كل العراقيين في فكرة واحدة مؤمنة بالدولة العلمانية والمدنية واختيار الديمقراطية الحقيقية، ولم نعد نشعر بضرورة العمل الواحد المشترك، فكلنا مهمَّشون وبدرجات متفاوتة، إنهم هكذا أرادونا وهكذا شئنا، إنها الحقيقة، وهذا ما حصل.   
صحيح إن الإرهابيين لا يمتّون إلى الإسلام بِصِلَة، ولكنهم يمضون في تجاهل الفكر الذي يتغلغل بين الأجيال الصاعدة، والذي يعلن أن الجنة تُضمَن بقتل الأبرياء، وهذا في القرن الحادي والعشرين، ومَن يعنيه هذا التحذير باستمرار وهو يرى التقهقر بين طبقات شعوب حُشرت في زوايا العجز والجهل؟. ألا يكفي الخوض في معارك جانبية؟، ألا يكفي ما حلّ بنا كي نتصالح تحت راية واحدة وفوق تربة مقدسة واحدة؟، ألم يشعر السياسيون أنهم أحياناً يدورون في حلقات مفرغة من صراعات المصالح والمحاصصة، وهذا لكَ وتلكَ لي، وأعطني حصتكَ فأعطيكَ مقعدكَ؟، وتاهت الحقيقة بين أقاويل المسيرة المزيفة. أليس المفكرون غارقين في مسائل الهوية غير آبهين بالهدف في إسقاط داعش فكرياً بعد أن طردته حكومتنا الموقرة بجيشها وحشدها وبشمركتها وعشائرها؟. فالداعش مرض خبيث، بل رسالة شريرة، كما كانت يوماً النازية والشيوعية والفاشية. أَمَا آن الأوان لكي يبادر المسلمون المعتدلون والحضاريون وقابلو الآخر المختلف وغير المسلمين من ذوي الإرادة الطيبة للعمل سوية ولخروج بموقف واضح ومحدّد للتعامل بجديّة وليس بسطحية مع قضايا الوطن ومكوناته من موضوع التطرف والإرهاب الذي يشكل خطراً علينا وعلى البشرية كلها، وأن ينصهروا في جبهة موحَّدة لمواجهة الإنغلاق والتطرف والكراهية الرافضة للعيش المشترك والمواطنة والحضارة والحداثة وبناء مستقبل أوطاننا وأجيالنا؟، فخطيئتهم في رقابنا إذ لم نهيئ لهم مستقبلاً بسبب خلافاتنا وصراعاتنا ومصالحنا وأهوائنا، ونعمل جاهدين كي نزرع ثقافة الحياة وليس الموت والقتل والدمار، فداعش وجهاديّوه يعتقدون أن الجنة تحت أقدامهم، ويضمنونها بقتل الأبرياء بحزام ناسف أو بسيارة مفخخة أو بعبوة لاصقة أو بإطلاقة صامتة أو بتهديد مميت، وما شابه ذلك من إنجازات شريرة لتدمير الإنسان، بينما الإمام علي (عليه السلام) يقول:"إنْ لم يكن أخوكَ في الدين فهو أخوكَ في الخلقة"، فهل نحتاج إلى قرن كامل لنفهم النتيجة الحتمية؟، أنبقى نراوح في محلاّتنا بسبب مصالح القريبين والبعيدين؟، أليس الوطن هو الغاية وسبيل المسيرة من أجل مستقبلنا جميعاً؟، أيجوز أن نسجّل عقارات وطننا بأسماء جيراننا كي لا تُدفَن مصالحنا وننسى أن ذلك من حق أبنائنا وأجيالنا؟. ربما يقول البعض: لعلّ الحوار سيُنتج شيئاً إيجابياً؟، وهل يمكن الحوار مع داعش؟، لماذا تتكرر الأخطاء ولا تَعالج الأمور؟، وهذا ما يجعلنا تقديم ملايين الضحايا من الأبرياء!.
    خاتمة
أختم رسالتي هذه _ وإنْ كنتُ أريد أن أطيل معكم، فالحديث معكم رسالة حب وحقيقة وإحترام ، كقول المسيح الحي " قولوا الحق والحق يحرركم " ليس إلا!_ ولكن أقدم إعتذاري لعدد صفحات رسالتي هذه وطول أسطرها، ولكنها حقيقة الحياة في مسار الوطن ، وكم يقول الامام الحسين (عليه السلام ) " الله أولى بالحق " . كما أدعو ربّ السماء أن يطيل في أعماركم وذوي الإرادة الطيبة، وأن يبارك ربّ السماء شعبنا ووطننا، ويمنح السلام والأمان، لكي ننشد كلنا أنشودة الوطن الواحد "حبّنا لوطننا وأرضنا وترابنا"، ولتكن قضايا شعبنا المسيحي ومكوّناتنا من أولويات مسؤولياتكم وواجباتكم تجاه أصلاء الوطن، ولتكن مسيرة الحوار تجمعنا لبناء وطن حضاري لأجيالنا وأحفادنا، فالتاريخ لا يرحم أحداً إنما يسجّل عظمة العطاء في مسيرة الإنسان، وليكن ربّ السماء شاهداً على حقيقة الكلمة كي نكون أمناء وأوفياء لأصلاء البلاد ولمكوّناته، في التعايش والحوار وقبول الآخر المختلف، في حرية الدين والعبادة والإيمان، في المساواة في الحقوق والواجبات، وليس هناك درجات في المكونات متفاوتة أو ناقصة، ولا أغلبية أو أقلية، بل الكل أصلاء ومواطنون.
وفي الختام أدعو لكم بالعمر المديد في العطاء والسيرة والمسيرة، فأنتم الراية، وما تشهدون له للحقيقة والعطاء سيكون سجلاً حافلاً في مسيرة مرجعيتكم الموقرة، وليكن تحرير اراضينا من قِبَل جيشنا الباسل وشرطتنا الاتحادية ومتطوعي الحشد الشعبي والعشائري والبشمركة وبقرار من حكومتنا الموقرة ، ليكن نقطة انطلاق في المصالحة ، في دستور يضمن حقوق الجميع دون تفرقة ، وفي حكومة مدنية تراعي الجميع في حرية الكلمة والايمان وقبول الاخر المختلف ، من اجل اعادة بناء العراق الجريح ، في المحبة والاخلاص للوطن وللتراب وللأنسان ، " فكلنا إخوة وما علينا إلا أن نحب بعضنا بعصاً هكذا يقول السيد المسيح الحي ، " وإن لم نكن إخوة في الدين فنحن إخوة في الخلق " هكذا يقول الأمام علي عليه السلام . وختاماً
                      ( الرحمة لشهدائنا والشفاء لجرحانا والنصر لشعبنا والسلام لبلدنا والمصالحة لأيادينا ).
                                                  والله على ما أقوله شهيد... ودمتم.


محبكم وأخوكم
المونسنيور بيوس قاشا
خوري كنيسة مار يوسف للسريان الكاثوليك


41
للكاتب نمرود قاشا
شكرا جزيلا ايها الكاتب والاعلامي الكبير نمرود ميخا قاشا لتفضلك ونشر الخبر وباسم ابناء رعية مار يوسف اقدم لك الشكر الجزيل .
عزيزي نمرود انها بادرة اعلامية وتوثيقية وذي روابط وطنية وجيشنا وحشدنا والبشمركة والشرطة كلهم يحتاجون الى مؤازرتنا عبر الصلاة وقول الحقيقة فليباركك رب السماء ويمنحك النعمة لتواصل مسيرة الاعلام للمسيح الحي الذب احبنا حتى الموت فلنقدس الهنا وليس الهتنا ولنسجد لربنا وليس لبشرنا .دمت اخا عزيزا وشكرا ولا تخف ابدا ان تقول الحق في وجه الاقوياء فالمسيح الرب علمنا ان نقول الحق وهو يحرركم . وحقيقتنا هي تحرير اراضينا فلنعمل على بنائها ولنكن ليس حاملي الحقائب بل حاملي ارجاء والامل ودمت
محبك بيوس قاشا

42
السيد ظافر شنو السامي الاحترام
شكرا جزيلا على تحيتك واحترامك ومحبتك في بداية ردك فمحبتك هي التي جعلتك ان تكون كلمة واحتراما . وبعد
نعم في الفقرة الاخيرة ذكرت ما نصه " ونكون نحن القادة في هذا المجال الوثني " بمعنى اننا حينما نؤله دنيويتنا وانانيتنا وما يطيب لنا فذلك كله يعمله الوثنيون بينما نحن لا اله لنا الا الخالق المحب والرب يسوع المسيح والروح القدس.. فدنيانا تجعلنا اليوم ان ننسى الاله الحقيقي يسوع المسيح من اجل ارادات مزيفة ودنيوية .
اما سؤالك يا عزيزي " ان تسمية مخلصنا يسوع المسيح بالاله الحقيقي .. هذا اساس من حقيقة ايماننا ولا يمكن ان اوضح ذلك في اسطر قليلة فالمسيح الرب قد تميز بصفات الهية بانه " هو الله " "الابن" الذي ظهر في الجسد كما يقول مار بولس وولد من مريم العذراء ويقول ايضا " لما تم ملء الزمان ارسل الله ابنه مولودا من عذراء تحت الناموس ليفدي الذين هم تحت الناموس " وقد ظهرت الوهيته جليا بالاعاجيب والايات واقامة الموتى وطرد الارواح .. وتوما يظهر علنا ذلك حينما يقول " ربي والهي " ( يو: 28:20) واشعيا يقول هوذا العذراء تحبل وتلد ابنا ويدعون اسمه عمانوئيل الذي تفسيره الله معنا " ( اش 14:7) واشعيا ايضا يدعوه " الها قديرا "(  6:9)وفي 2كو 7و8 يقول " يحل فيه كل مل اللاهوت.
اما في انجيل يوحنا فيا عزيزي ظافر شنو الموقر كله يتكلم عن الوهية ربنا ومخلصنا يسوع المسيح ويوحنا المعمذان يقول " انا قد رايت وشهدت ان هذا هو ابن الله " ( يو1: 32-34) .
هذا قليل من كثير في ايضاح الوهية المسيح وبامكانك ان تراسلني على البريد الخاص وانا لك خادم ومطيع واقول خاتما ان دعاك الرب فتقدم في محبته وازد ايمانك فمسيرة الحقيقة هي في المسيح يسوع .
والف شكر وتمنيا لك الخير ونعمة المسيح تحل عليك وتباركك . نعم وامين
 محبك
المونسنيور بيوس قاشا

43
كنائسنا معابد صلاة لله ... ليس إلا !!!
المونسنيور بيوس قاشا
حلّ ما حلّ بنا بعد هزيمتنا من قُرانا ومدننا بسبب داعش الإجرامي، وما حلّ بنا ألقى
بضلاله على كنائسنا ومسيرة عوائلنا وسبل معيشتنا  وربح أرزاقنا، وأصبحنا نتساءل:
أين دور كنائسنا ورؤسائنا؟، أين الكنيسة من جريمة داعش؟، هل خَفَتَ صوتُها من خوفِها أم تندب حظَّها ومسيرتَها بسبب ما حصل بتشتّت أبنائها؟، ولكن رؤسائها وبجاه حكمتهم جعلتهم يسألون عن أبنائهم، فطوبى لكنائسنا وطوبى لرؤسائنا، فلولا هذه الحكمة لتاهت شعوبنا في مجاهل الزمن وأماكن النزوح والهجرة والطائفية المقيتة بين الأحزاب والحركات، بين الجمعيات والإتحادات، بين العولمة والإيمان. والسؤال اليوم: متى ستُعيدنا الكنيسة أو رؤساؤنا إلى ديارنا ومنازلنا؟. إننا نعيش رجاءً مهزوزاً، فهي تُملي علينا آمالاً ربما لن تتحقق، وتنادي بالأرض التي لفظناها أو أرادونا أن نهاجر منها، وربما (لا سمح الله) نلوم كنائسنا ورؤسائنا، وكنا نحن السبب والمسبِّب، إذ لا يخلو العتاب من عتاب أنفسنا نحن أهل الديرة والدار، آل البيت والأبناء، أبناء المحلة والقرية والمدينة.
   يعلّمنا إيماننا المسيحي أن الكنيسة هي جماعة المؤمنين، ويكونون جسداً واحداً في المسيح، وهي واحدة جامعة مقدسة رسولية، كما هي بيت الله المكرَّس للعبادة، وبيت الملائكة الذين يسبّحون معنا. لو عدنا إلى ماضي الآباء، فقد كانوا يعتبرون الكنيسة هي الأسقف يحاط به جماعة المؤمنين، وكلهم حول مذبح الله. فالكنيسة في معناها الحقيقي ليس فقط جماعة المؤمنين ولكن جماعة المؤمنين حول سرّ الأفخارستيا.
   إذن، في الكنيسة تعيش جماعة المؤمنين التي تحيا حياة مقدسة، وتشترك في الأسرار الإلهية التي يمارسها كهنوت مقدس مثلما يتضح من قول القديس بولس لرعاة مدينته أفسس:"احترزوا لأنفسكم ولجميع الرعية التي أقامكم الروح القدس فيها أساقفة لترعوا كنيسة الله التي اقتناها بدمه" (أفسس 28:2). السؤال الذي يطرح نفسه وبكل ثقل إيماني ووجودي: أين هي الكنيسة من مسيرة الألم والنزوح؟، هل الكنيسة تستطيع اليوم أن تعيدني إلى دياري؟، لماذا الذي حصل بأبنائها؟، مَن هو السبب ومَن هو المسبِّب؟، ولماذا اليوم وليس أمس، وبعد 13 عاماً من النزاع المناطقي؟، أين هو الجواب الوافي الأكيد لحقيقة الواقع والواقعة؟.
أكيداً كان الناس سابقاً يهتمون بأمور دنياهم والحصول على أرزاقهم، فكان منهم فلاحون وأصحاب حِرَف بسيطة أو يملكون دكاكين فقيرة، وكان رزقهم حلال، لم تعرف مسيرتهم الفساد المالي أو الغش في التعامل والمعاملة كمدراء هذا الزمن، وقرابتهم لم تعرف لا الطائفية ولا المحسوبية أو العشائرية، بل كانوا كلهم يحترمون الآخرين بدرجاتهم وأماكنهم، وكانوا حينما يمرّ الكاهن في حارتهم يخلعون "جراويتهم" من رؤوسهم وينحنون، وإذا ما قال الكاهن أمراً ما أو وصيةً أطاعوا بكل احترام ودون جدل ولا نقاش، كما كانوا يستشيرون الكنيسة في كل شاردة وواردة، ومنها ينهلون الجواب الشافي في قبول الصلح بين المتخاصمين. كانوا أناساً بسطاء ومؤمنين، والميرون شاهد على جبينهم، فكانت الشهادة سبيل الحياة، ويعشّرون ما يملكون عملاً بوصية الكنيسة، وهمّهم الوحيد أن يكونوا أوفياء لإيمانهم وأمناء لمسيحيتهم، يعملون من أجل خلاصهم، طائعين ومطيعين لرؤوسائهم، وإن جادلوا رؤوساءهم فبالاحترام واللياقة والحُسنى، مملوئين من إيمانهم، غيورين على إنجيلهم ومسيحهم، ولكن لما بلغوا مسيرة العولمة أو بالأحرى دخلت العولمة إلى قدس أقداس حياتهم، وتحولت الحروب من قوس ومنجنيق إلى قاذفات وصواريخ، وانتقل العلم من الطب الشعبي إلى الطب الإلكتروني، وتوصل الإنسان في تغيير مسار الإتصالات من الحَمَام الزاجل إلى الإلكترونيات والذبذبات وأجهزة تنصّت غريبة عجيبة بحجم الذبابة ممكن أن تنقل لك جواب أسئلة الإمتحان الوزاري بغشّ مؤدَّب، وأكثر من ذلك فقد وجد الناس ضالّتهم في هذا العلم القادم إليهم بمسيرة سهلة وتركوا جانباً عاداتهم العائلية واحترامهم للدرجات والمرتبات وأصبحوا لا يبالون بها، فأخذ كبار العمر يقولون: لقد ماتت القِيَم ورحلت الأخلاق، ولا حرية إلا أن نكون آلهة نؤلّه مَن نشاء، فما الذي حدث؟، ولماذا تغيرت قِيَم الناس وعلم البساطة وحقيقة الإيمان إلى الحرية المزيفة، وإلى علم الضياع والثراء والجنس والخطيئة، وإلى الإيمان بمَن نشاء، واختراع الإله الذي نريده، بل نؤله مَن نشاء وننسى الإله الحقيقي يسوع المسيح؟... وأمام هذه الأحداث تقف الكنيسة لتعلن بصوتها:"لا تتركوا إيمانكم وقِيَمكم. انتبهوا من الآلهة التي تعبدونها"، فالإله الحقيقي ما هو إلا يسوع المسيح الوسيط الوحيد (1تيم5:2) وهو في صميم الكنيسة بل هو صميم رسالتها وعمق إيمانها، ولا تخترعوا لكم كنائس جديدة مدّعين أن كنائسنا قد هرمت، فبنينا لنا كنائس خاصة بدل كنيسة المسيح الحقيقية التي هجرناها وأصبحت غريبة عنا.
إذن الكنيسة بناء مخصَّص للعبادة المسيحية، أي محل اجتماع المؤمنين الحالّ بينهم الروح القدس. يقول سفر أعمال الرسل:"فأقاما سنة كاملة يجتمعان إلى جماعة الكنيسة فعلّما جمعاً كبيراً" (أعمال 26:11)، وهو المبنى المشيَّد لهذا الغرض. ويقول بولس الرسول:"لكي نعلم كيف يجب أن نتصرف في بيت الله الذي هو كنيسة الله الحي، عمود الحق وقاعدته" (1تيمو 15:3). وللكنيسة رسالة سامية هي السير بالمؤمنين نحو خلاص أنفسهم وأجسادهم في إعلان محبة الله للبشر أجمعين، إذ يقول البابا فرنسيس: الكنيسة بيت جميع الناس لأن المسيح هو لكل الناس، ولن يقوى عليها الشيطان ومكائده "وأبواب الجحيم لن تقوى عليها" (متى 18:16)، "كنيسة ممجَّدة لا عيب فيها ولا غضن ولاشي يشبه ذلك بل تكون مقدسة غير معيبة" (أفسس 21:5)... هذه حقيقة الكنيسة.
أما اليوم وقبل كل شيء، واجب الشكر والإحترام للكنائس القديمة التي تخلع فيها نعليك (موسى في سفر التكوين) قبل أن تطأ قدميكَ أرضها المقدسة، وتلبس ما هو مخصص لدخول قدس الأقداس ومذبحها، فقد علّمتنا الكتب وكذلك اللاهوت أن قدس الأقداس ما هو إلا سكنى الله "الخاص"، أما ما يحصل اليوم، فأبناؤنا يريدون أن تكون الكنيسة من بُناة تعاليمهم ومن صياغتهم، وإنجيلها يساير حياتهم العولمية، وقدسيتها لا مكان لها، وقدس أقداسها لا معنى له، ففي هذا يسعى بعض القائمين عليها أن تكون كنائسهم وحتى قدس أقداسها مسرحاً، ولباسهم لا يليق بالمكان المقدس بحركاتهم البهلوانية ذهاباً وإياباً، وساحة لمسيرتهم وعودتهم، ومرتعاً لمدعوّيهم وبالخصوص إذا كانوا غرباء عن الدار، جالسين يضحكون، يمرحون، يصفّقون، يثرثرون بما طاب من الحديث المعسول والمرغوب والمكروه، وكأنهم في مسرح مفتوح فيه تلتقي الناس لتسأل عن أحوال بعضها البعض قبل أن يدركوا أن هذا مكان الصلاة والصمت والهدوء والتأمل والحديث مع الخالق المعبود، ويرون أن كل شيء لديهم جميلاً، وأجواء الإختلاط بلا ضوابط بحركات غريبة عجيبة، مدّعين أنهم بعملهم هذا يبشّرون بالإنجيل الجديد للعهد الجديد، ما قبل داعش وما بعد داعش، وفي ذلك يدركون فيعقلوا، أنهم حاملو رسالة، ونسوا أو تناسوا أن ذلك ما هو إلا وثنيات، وتدنيس للقدسيات والمقدسات، والقائمون غير مبالين بل مشجعين لما يحصل ولما يشهدون، ومن المؤسف ان تكون تلك إرادة القائمين عليها، وكأن ذلك حقيقة الإيمان، ثم يبرّرون أنفسهم فيسرعوا _ وكما يحلو لهم _  في إتّهام الجمعيات المستورَدَة وإنْ كانت غير بريئة، والحقيقة تقال أصبحوا هم المستوردين والمخترعين، ونسوا أنه كان من الواجب أن يُخرجوا الخشبة من أعينهم قبل أن يُخرجوا القذى من أعين الآخرين (متى 5:7)، فأولئك تلك خدمتهم وذلك ديدنهم، أما نحن فالحقيقة مختلفة تماماً.
هناك مَن يريد من الكنيسة أن تتبع تعاليمهم وإرشاداتهم فهم الآمرون والمنفّذون، وما رسالتهم في الحضور إلى الكنيسة إلا مراقبة المؤمنين وراعيهم لكي يُصدروا أوامرهم بشكواهم بحقيقة الكنيسة التي هم فيها يؤمنون، متناسين أو ناسين أنهم مؤمنون، فلا هم مسيحيون ولا المسيح، مؤسِّس الكنيسة وبانيها ومركزها. وهنا يكمن التساؤل ونتساءل: يا ترى، أهذا هو دور المؤمن تجاه مسيرة كنيسته؟، أليس ذلك فشل في مسيرة الروح والمسيحية والإيمان؟، وهل الكنيسة المسيحية بالنسبة لهم سبيلاً لغايات وعنواناً لهوية؟، وهل الكنيسة هي كما أشاء أنا، أم كما يريدها يسوع المسيح بانيها؟، فأنا أذهب لأصلّي، لا أذهب لأمارس دور "الحاكم المنافق" و"شاهد زور" و"القاضي الظالم" (لوقا 6:18). 
وإذا دعتهم الكنيسة إلى الصلاة والسجود والتأمل مؤمنة بما يقول الرب يسوع:"صلّوا كل حين ولا تملّوا" (لوقا 1:18) وأيضاً "إن هذا الجيل الشرير لا يخرج إلا بالصوم والصلاة" (مر29:9)، فتراهم لا يبالون، وإذا ما أدركوا فقلّة منهم. كما ويريدون من الكنيسة إقامة القداديس على هواهم وهديهم وحسب توقيتاتهم دون تطويل وتعريض، وإذا ما عتبتهم على عدم حضورهم إلى كنيستهم يبرّرون ذلك أن لهم أصدقاء في الكيف واللهو في معابد أخرى. وإذا ما كان الحديث معهم بالطاعة، تركوا كنيستهم ورحلوا إلى كنائس أخرى، زرافاتٍ ووحداناً، وإلى حيث الجمعيات، ففي ذلك كلها تكون النتيجة حتمية، ربحية، تأليهية، تشهيرية وتشويهية، وهناك يقدمون حساب وجودهم (متى 15:25)، حساب ذهابهم وإيابهم، ويوقّعوا بصماتهم بأنهم حضروا فيأخذون المقسوم راضين ومرضيين، مرتاحين متأوهين، لِمَا حصلوا عليه ولِمَا جنوا من أرباح لم يجنوها في عقر دارهم ودورهم، ويبرّرون عدم حضورهم وتعلّقهم بكنيستهم بقولهم "أنتم لا تعرفون أن تفسروا لنا الكتب" (لوقا 27:24)، ففي الجمعية الفلانية ينجحون في ذلك، والقائم على ذلك ليبرالي منفتح إلى حدّ الضياع ونسيان مركز دعوته، ويبدأون بشتم القائمين عليهم من كنيستهم والتقليل من إحترامهم وربما إتّهامهم بسرقة ما هو لهم حسب تفكيرهم، ويعتبرون أنفسهم أنهم حقيقة لا لبس فيها، وينسون ذواتهم أنهم أصبحوا آلة للنميمة والإفتراء.
يا أحبائي، نعم الكنيسة تعمل بالروح القدس، هذه ناحية أساسية فيها، وإنها تنمو في العدد، وهذه ناحية جانبية، وإنها مصدر الآيات والمعجزات، وتلك ناحية ثالثة "وجعل كل شيء تحت قدميه رأساً للكنيسة التي هي جسده" (أفسس 23:1)، كما هي خيمة موسى التي التقى فيها بربّه ليكون عوناً له وقوةً لساعده. فالكنيسة التي تتحدث بالروح القدس تصارع الخطيئة، فمن الكنيسة ترتفع صراخات البشر نحو الله في وقت الضيق، وعلى مذابحها تُرفَع وتُقدَّم ذبائح عن خطايا البشر، فتداوي جراحاتهم. فالكنيسة رسالة يحملها بعد إتمام صلواته وفرضه، ومهمة تشهد عن حب الله لنا جميعاً، فقد "أحبّ المسيح الكنيسة وسلّم نفسه لأجلها لكي يقدسها مطهِّراً إياها بغسل الماء بالكلمة ليجعلها كنيسة مجيدة لا دنس فيها ولا غضن ولا شيء يشبه ذلك بل تكون مقدسة غير معيبة" (أفسس 27:5).
نعم، الكنيسة جسد المسيح القدوس "ليكون هيكلاً مقدساً في الرب" (أفسس 21:2)، يطهّر المؤمنين من كل خطيئة، "وبه أنتم أيضاً مثبتون معاً لتصيروا مسكناً لله في الروح" (أفسس 25:27)، فمهمتها الأولى تقديس النفوس وإشراكهم في خيور النظام الفائق الطبيعة، فهي تجعلنا أن ننمو بنور وقوة كلمة الله، وترشدنا إلى طريق الخلاص، وتحمينا من الشرور، وتعلّمنا القيام بأعمال الرحمة (البابا فرنسيس)، فهي في هذا مهتمة بمقتضيات حياة الناس اليومية... فلنجعل محبتنا واحترام كنائسنا في قدسيتها دليلاً أكيداً على حبّنا، فنحن لها ومن أجلها وفيها نكبر بالقامة والنعمة أمام الله وأمامها.
فلا يجوز أبداً أن نجعل من قدس الأقداس ما هو غير لائق لتشويه أمكنة عبادتنا مبرّرين ذلك بأعمالنا المؤلَّهة، ونكون نحن القادة في هذا المجال الوثني، فتصفيق الشعب والحاضرين ونحن نلعب ونمرح على صحن قدس الأقداس ما هي إلا وثنيات كما فعلها الرومان حينما كانوا يقدمون أو يرمون الشهداء المسيحيين أمام أفواه الأسود. فاحترامنا لقدس الأقداس هو احترامنا لمسكن الله، وعلى القائمين أن ينتبهوا بأن يملأوا قلوبهم صلاة ودعاء، وأن يكونوا أنموذجاً ومثالاً في السيرة والمسيرة، وإذا أرادوا أن يلهوا بمسيرة حياتهم فلكل كنيسة قاعة تجمعهم للإحتفال والترفيه وليس للهو والغناء، وأخيراً وأخيراً "فمَن لا يُحسن تدبير بيته فكيف يعتني بكنيسة الله" (1تيمو 5:3)... إنها أمّنا ومعلّمتنا، منها ننهل في سبيل الحياة، وفيها نرفع أدعيتنا إلى رب السماء.
ختاماً، للكنيسة رسالة سامية مقدسة، لذا يجب علينا نحن القائمين عليها أن نحافظ على قدسيتها كما يقول الكتاب "قم إخلع نعليك فالأرض مقدسة" (موسى في سفر التكوين). ولنتعلّم أن نكون في الصلاة قبل المؤمنين، نتهيأ للذبيحة الإلهية، فالكاهن الذي يصلّي تجد رعيته خلية صلاة، والقائم على الكنيسة يجب أن يتعلم "كيف يجب أن يتصرف في بيت الله الذي هو كنيسة الله الحي، عمود الحق وقاعدته" (1تيمو 15:3)، لكي تبقى الكنيسة معبداً للتأمل والصلاة ليس إلا !!!.. نعم وآمين.

44
في رحاب شفاعة القديس البابا يوحنا بولس الثاني

شاهد على حكاية الطفل "الأعجوبة"


يقول ربنا يسوع في بشارته الإنجيلية:"دعوا الأطفال يأتون إليّ ولا تمنعوهم فإن لمثل هؤلاء ملكوت السماوات" (متى 14:19)... إنها دعوة المعلّم لأبناء الأرض لعيش قداسة السماء مع قلوب الأطفال البريئة، فهي حقيقة المسيح الرب وشهادة للبشرى الحسنة.

الطفل (الشاب) مهند (يوسف) بكر لأبيه (كندي فريد حنا نور الدين) وأمّه (نادية عكوبي شمعون جزراوي). توفي عمّه "مهند" يوم الثلاثاء، العاشر من أيلول عام 2002، بمرض عضال واختطفه الموت في فترة قصيرة جداً لم تدم أكثر من شهر واحد. كان مهند المرحوم ضابطاً في الجيش العراقي برتبة ملازم أول، وعُرف بقامته اليافعة، أسمر اللون، عريض الكتفين، قويّ البُنية. بعد ستة عشر يوماً بالتمام والكمال من وفاة عمّه، وُلد مهند (يوسف) يوم الخميس، السادس والعشرين من أيلول عام 2002، حمله والداه وجدّته يوم الجمعة الخامس والعشرين من تشرين الأول  2002 إلى الكنيسة لينال سرّ العماذ المقدس وسرّ التثبيت من يديَّ الضعيفتين آنذاك (حسب سجلات الكنيسة)، حسب طقس كنيستنا السريانية الكاثوليكية، ودُعي الطفل بأربعة أسماء: مهند (تذكاراً لعمّه)، يوسف (تكريماً لاسم رعيتنا مار يوسف)، بيوس (محبةً براعي الكنيسة)، وبطرس (علامة لصخرة الكنيسة)... هذا ما فسّرته لي جدّته (صبيحة اسطيفان البنا) آنذاك.

بدأ الطفل ينمو ويكبر في القامة والنعمة والحكمة أمام الله وأمام الناس (لوقا 52:2)، وسارت مسيرة أيامه وأشهره وأعوامه، وإذا بـ "يوسف" الصبي يشعر فجاة بألم في صدره، ويعاني من ضيق التنفس الشديد فقيل أنه مصاب بـ "ربو أطفال حاد" وكاد يخنقه أحياناً، ولمرات عدة خلال ساعات النهار كما في ساعات الليل، فأُدخِلَ يوسف مستشفى الطفل المركزي في حي الإسكان ببغداد والقريب من موقع الكنيسة وسكنى والداه يوم الجمعة، الخامس عشر من تموز عام 2005، وعمره لا يتجاوز الثلاث سنوات، وفي المستشفى سأل والد الطفل وجدّته الطبيب المشرف على علاج مهند، مِن ماذا يعاني وما هو المرض الذي أصابه فجأة، فتشكّلت لجنة من 8 أطباء (3 طبيبات و5 أطباء)، وترأس اللجنة مدير المستشفى آنذاك الدكتور حقي إسماعيل (الراوي أو الغراوي أو العزاوي لا أتذكر بالضبط)، وقد عُرف بذكائه وحذاقته وخبرته الطبية في مجال تخصصه الطبي للأطفال. ولكن بعد شهرين غدره الإرهابيون في سني الحرب الطائفية في العراق فأردوه قتيلاً بعمل إجرامي شنيع.

وبعد إجراء العديد من الفحوصات قررت اللجنة أن الفايروس الذي يحمله هو أمر مميت، فصدر من مساعد الطبيب الدكتور "مكي حمادي" وبمعيّة اللجنة أن الطفل مصاب بـ "ذات الرئة الحاد" ومسبباً للوفاة أو الإصابة بمرض عضال لا شفاء منه، وهذا ما سُجِّل على طبلة الطفل المريض، فقرروا إسعاف الطفل بجرعة كيمياوية ضد مرض السرطان، وبسبب هذه الجرعة بدأت أمعاء الطفل تنزف دماً مما إستدعى أن تُجرى له عملية فحص مختبرية مستعجلة  بالناظور، فنُقل الطفل على الفور إلى مستشفى مدينة الطب يوم الأربعاء، 20 تموز 2005، لاجراء الفحص اللازم بواسطة الناظور ولمعرفة سبب النزيف، ولكن الطبيب (أخصائي الناظور) لم يستطع أن يقرر شيئاً رغم نتيجة الناظور، فأُعيد الطفل ثانية إلى مستشفى الطفل المركزي.

إنها ليلة الأعجوبة
ليلة الأحد، 24 تموز 2005
أتتني جدّته (صبيحة اسطيفان) تبكي وبدموع لا سخونة مثلها، وكانت ساحة الكنيسة حينها قد فرغتْ من مؤمنيها من بعد حضور قداس مساء يوم الأحد، وأما أنا فكنتُ لا زلتُ أتخطى في ساحة الكنيسة، فأتت ووقعت عند رجليّ تقبّلها طالبة مني أن أرفع صلاة لشفاء مهند الصغير، فأقمتُها وعزّيتُها وطلبتُ منها الإستسلام لمشيئة الله والكفّ عن البكاء، واصطحبتُها إلى الكنيسة ورفعتُ معها صلاة قصيرة أمام القربان المقدس، وغادرنا الكنيسة، وقلتُ لها:"ليس لي شيء أعطيكِ إياه (أعمال 6:3)، ولكن في محفظتي صورة للبابا القديس يوحنا بولس الثاني، لقد شفاني من مرض عانيتُ منه 12 عاماً بالتمام والكمال، وأنا كلّي يقين إذا كان لكِ إيمان بهذا فاذهبي واعملي (يو 27:4) ما أقول. خذي هذه الصورة _ بعد أنْ قبَّلتُها _ وضعيها تحت وسادة الطفل مهند ولننتظر يد الرب الصانعة العجائب"، ووعدتُها إنني غداً صباحاً ساقوم بزيارة الطفل في المستشفى، فأجابتني:"إذا تلحق علينو أبونا"، فقلتُ لها:"ألم أقل لكِ إنْ كان لكِ إيمان فستنالين مرادكِ (يو24:11)"، فشكرتني وغادرت ولا زالت الدموع تنهمر من عينيها ولكن بوادر وجهها جعلتني أؤمن أن الحقيقة المنتظرة ستتحقق، فأخذَت الصورة وعادت إلى المستشفى مسرعة (يو28:4) وكلها رجاء أن الشفاء آتٍ لا محالة، وعند وصولها المستشفى أخبرتني بأنها وضعت الصورة تحت وسادته كما طلبتُ منها، وكان الليل قد أسدل سواده على المسكونة (يو1:20) والطفل في غيبوبة الألم بل الموت المحتم، والوالدان لم تفارق أنظارَهما وجهَ الطفل.

ومع ساعات الفجر الأولى (متى 1:28) صرخ الطفل باكياً "ماما ماما، بابا بابا"، فانذهل الوالدان والجدّة، وأخذت مسارات الدموع مجراها نحو الخدود مما حصل للطفل، وقاما مسرعين (لوقا 33:24) فوجدوا الطفل وقد فتح عينيه وهو ينظر إليهم، ودقائق معدودة وعاد الطفل للنوم ثانية. وفي الصباح جاء طبيب الدورية ليزور مرضاه فرأى الطفل بعافية كاملة وقد فتح عينيه، أما والديه فكانت الإبتسامة قد ملكت على وجوههما، فقرر الطبيب مغادرته المستشفى. فانذهل الأطباء وتعجب الحاضرون... إنها يد الرب القديرة _ كما كانت مع الرسل _ لا زالت تعمل فينا.

وصباح الاثنين، 25 تموز 2005، "صباح الأعجوبة" كنتُ قد قررتُ الذهاب إلى زيارته في المستشفى، ولكن جهاز الهاتف كان لي بالمرصاد، حيث اتصلت بي جدّته لتعلمني بالأمر الذي حصل (لوقا 35:24)  وبالخبر المفرح، ومن فرحها تلعثمتْ بكلمات حديثها ولكنني فهمتُ أنها قالت "أن البابا القديس يوحنا بولس الثاني قد زار الطفلَ ليلاً ومنحه الرب بشفاعته الشفاء التام"، مما دعاني الواجب بعد ذلك على زيارته، وتقديم الشكر لِنِعَم القادر على كل شيء. واليوم الشاب (مهند) منذ أن نال الشفاء يتمتع بصحة جيدة، وقد رُسِمَ شماساً في كنيستنا يوم الجمعة، 12 أيلول 2014، وكان هميماً في خدمته مُحبّاً لكنيسته ومطيعاً لإخوته الشمامسة، حيث في فترة قصيرة تعلّم خدمة القداس وبعض الأمور الطقسية الأخرى، وله صوت رخيم وطفولي، ولكن آلمني فراقُه حيث غادر بغداد مع والديه إلى الديار المصرية طالباً اللجوء إلى أستراليا في آذار الماضي 2016.

ما دفعني إلى كتابة هذه الحكاية هو الروح الذي تحتفل به الكنيسة هذه الأيام بـ "سنة الرحمة و"أيام الشبيبة العالمية"، فهناك صوت كان يتردد في داخلي "قم كلّم الناس بهذا الخبر"، حيث دعاني مرات عدة إلى سرد هذه الحكاية، ولكن كنتُ أتردد في ذلك حتى اليوم خوفاً من حديث السذاجة أو البساطة الذي ممكن أن أُوصَف به من الأقربين أو من الغرباء. ولكن بعد أن سردتُ قبل أيام "حكاية الأعجوبة"، تشجعتُ، فدفعني الصوت لأقصَّ هذه حكاية "الطفل الأعجوبة"... إنه الروح نفسه الذي جعلني أن أكون شاهداً لحقيقة كنتُ أومن بها برجاء أكيد... فكنتُ شاهداً في الألم كما كنتُ شاهداً في الشفاء، فهناك مَن يصدق حكايتي وشهادتي وهناك مَن لا يأخذها على محمل الجدّ، فكل إنسان حُر بما يؤمن أو يقول، المهم أن نعيش إيماننا (لوقا 6:17)... كما إنني سردتُ هذا الحادث بعدما طلبتْ أمّي الكنيسة أنْ تُكتب فضائل البابا يوحنا بولس الثاني لإعلان تطويبه، وقدّمته إلى سيادة المطران (س) الجزيل الاحترام والذي قال حينها إنه سيرفع التقرير إلى الجهات المعنية بهذا الشأن في الفاتيكان.
إنها إرادة الرب... أليس ذلك عمل السماء بشفاعة القديس البابا يوحنا بولس الثاني!!... ما مطلوب من الإنسان هو أن يؤمن ولا يشكّ بعمل الله ويده القادرة على كل شيء، فهو سينقذنا من المرض ومن الشرير، ألا نقل في صلاة الأبانا "ولكن نجّنا من الشرير"!... ما عليه إلا أن نستسلم لإرادته السماوية "لتكن مشيئتك" (متى 10:6)... إنها الحقيقة... نعم، إنها الحقيقة... نعم يا رب زد إيماني في هذا الزمن القاسي... والمجد ليسوع المسيح... وآمين.   

45

لقد مرّ عامان على إقتلاعِ شعبنَا من أرض آبائَه وأجدادَه في قرى ومدنِ
سهل نينوى في السادس من اب ( اغسطس) عام 2014 بعمل إجرامي شنيع بلغ درجةَ الإبادة العرقية والدينية إرتكبته زمرُ داعش الإرهابية الأجرامية ومثيلاتُه من المنظمات الإرهابية التي تكفّر الإنسان وكلَّ كائن لا يدين بما تدين ولا يسلم بما تسلم به.
نعم، ونعم وصحيح، حلّ ما حلّ فينا بسبب داعش والإرهاب، ومن عامِنا هذا حيث الذكرى الثانية للنزوح البائس وبدايةُ الكارثةِ بحق وحقيقة، بمآسيها وتبعاتها، ولا زالت تجرّ أذيالِ اليأس والقنوط حتى الساعة، كما ملكَ القدرُ الأسود على مسيرةِ الحياة مما جعلني أعيدُ ذكرياتي إلى ما حلّ بكنيسة سيدة النجاة وكأنَّ الكارثةَ آنذاك كانت جرسَ إنذارٍ وناقوسَ ميعادٍ لِمَا سيحلّ بالمسيحيين وبالمسكونة (متى26:21) وأصبحنا أداةً لصنّاع السياسة ولمخططي خارطات الطرق الاستعمارية.
نعم هوذا الإجتياح الداعشي يدخل عامه الثالث في سهل نينوى، وفي الوقت نفسه يواصل فيه الإرهابُ المزيدَ من جرائمه البشعة ومحاولاتِه المتوحشة. نعم، طردونا من منازلنا، وقتلونا أمامَ أنظارهم، وأبعدونا عن قُرانا قسراً وكرهاً وحقداً، وعن مدننا كفراً وتكفيراً، وعن أحبائنا عنوةً، وعن جيراننا غدراً، والسبب يعود إليهم وإلينا، فهم سبقونا في الهزيمة ونحن لم نكن مستعدين لها، بل بالأحرى لم يعلّمونا حمايةَ مدننا وقُرانا وأملاكِنا، فضاع كل شيء وأصبحنا تائهين في العراء ليلاً ونهاراً، وفي شوارع المدينة وساحاتِها وأرصفتِها وحدائقِها وساحاتِ دور العبادة والتترُ لبس حُلّةَ الإرهاب بداعشه وسواد الدواعش بإرهابه، وشرّعوا سيوفَهم تخويفاً وتنكيلاً، وعقيدتَهم جبراً أو جزيةً، وكأن الكلمةَ الطيبة لم تُمسِ صدقةً بل دُفنت، وأنشودةَ الحياة قد غاب صوتُها ولم يبقَ للإنسانية وجودٌ ولا للحقيقةٍ إعلان، بل أصبحت غابةَ أدغالٍ، وما حصل وما يحصل أعادنا إلى القرون الغابرة وإلى ما كُتب عن أجدادنا وهروبِهم وهزيمتِهم أمام السيف الذي شُرع عليهم غدراً وقسوةً وكرهاً لأبناء المسيح الحي في الماضي القريب والحاضر الجديد من الجيرة والديرة. فكانوا ضحيةَ عنفٍ وإرهابٍ ومصالحَ لم يكن لهم فيها لا ناقة ولا جمل بل حساباتٌ سياسية ومصالحُ دنيوية لتسوية الحساباتِ وإعادةِ ترتيبِ المنطقة بالمنطق الذي يشاؤه كبارُ الدنيا ومؤامراتُ المخططين، واصبحوا بعد ليلة الهزيمة أمام مستقبل مجهول ولم ترافقهم إلا الآهات والدموعُ وضربُ الخدود، فبعد أن كانوا شعباً آمناً _ وإنْ بلا حقوق .امسوا شعبا تائهاً في صحراء الدنيا وغاباته .
نقول: إن شرقنا يشهد احتلالاً من الأصوليين ومن الإرهاب، كما إن المسيحيين في الشرق يواجهون ما هو أخطر من التحديات، إنهم يواجهون أزمة وجود وحضور وضياع، فهل سيصبحون آثاراً أو بقايا أو ذكريات؟... هل تصبح كنائسهم خرباً وتُهدَم بمعول داعش والإرهاب؟.... هل سيرحمنا التاريخ حينما يقولون كانوا هنا، لقد مرّوا من هنا؟.. فقد أصبحنا أقلية وبات الخطر مضاعَفاً علينا من خلال تهجير مبرمج وعبر فرض الشريعة والتعاليم الاصولية نعيش أهل الذمّة.
ألا يخجل الاصوليون عندما يقولون إنهم مسلمون والإسلام مصدر شريعتهم؟والاسلام منهم براء . عن أية شريعة يتكلمون أمام جرائم داعش؟. أو أية شريعة يطبّقون وأبناء الوطن مشرَّدون ومهجرون ونازحون ؟...إرحموا العراق الجريح وشعبه، فسبحانه وتعالى منح لنا شريعة لتجمعنا وليس حقيقة لتفرقنا؟.. هل أرادنا سيوفاً وحراباً ثم خراباً ودماراً أم أرادنا غصناً وزيتوناً؟...ألم نعلم أن هذه الآلات ماهي إلا لقائين(تك4) ولهيرودس(متى 17:2-18)، وللمحاربين الفاشلين الذين لا يدركون سموّ الحوار، الذين يقتلون الأبرياء من أجل كبريائهم وغزواتهم.
 من حقي أن أسأل: حتى ما نكون أرقاماً هزيلة؟... أفي بلدي أكون نازحاً، لاجئاً مهجَّراً أنا المسيحي ابن هذه الأرض الطيبة التي رويتُها بدمائي وعرقي، وعملتُ فيها بسواعدي وفكري، وسرتُ فيها شامخاً متكبّراً بألوان رايتها؟... أليس ذلك من حقي وحق حريتي أن أكون رايةً وحقيقةً، شاهداً ومؤمناً؟... أليس من حقي أن أدافع عن وجودي وإلا عبثاً أنا هنا؟... فأنا لستُ عبداً لكلماتِ دستورٍ ينكر وجودي، ولستُ خانعاً وخاضعاً لإراداتٍ تسلب حريتي وأموالي وأطفالي، وأنا لستُ إلا أصلاً وأصالةً، عمقاً وقلباً، فكراً ورسالةً، حضارةً وتراثاً، فمهما باعوا الحقيقة من أجل كراسي الزمن ومتاعب الدنيا. فالحقيقة علامة وليست بضاعة وإنْ كانت تباع اليوم في سوق النخاسة ويشتريها مَن يملك مالاً وعبيداً وجاريات ومن الحَسَب والنسب والقربى، وفي ذلك يصنعون إرادتهم ويتبعون أنانيتهم ويرفعون علامة كبريائهم من أجل تدمير الآخر المختلف عنهم فكراً وعقيدةً وحواراً، فهم في عملهم يحقدون، وفي فكرهم يقتلون، وفي حوارهم يفرضون ليس إلا!، وكأن السماء قد سُبيت إليهم كما بيع يوسف(تك37) في الأزمنة الغابرة، وما تلك إلا جريمة إبادة بمعناها الإجتماعي والإنساني، أما أنا سأبقى أنشد هويتي واعتزازي ببلدي وبأرضه رسالة وجودي وعراقيتي... فالرافدان شاهدان، وحمورابي وشريعته قاضٍ يعلن حكم الحقيقة، وسأبقى أحضن ترابي ووطني وأحمل مشعل إيماني، وما ذلك إلا رسالة الحقيقة، وهذه رايتي ليس إلا،
يا رؤساء الدنيا والزمن ،  يا سادة يا اجلاء 
هل تعلمون ما حلّ بنا ، بسبب حروبكم وبدواعشكم ، قُتل ابرياؤنا ، هُدمت اوطاننا ، هُجر ابناؤنا ، ماتوا من الخوف والفزع والارهاب ، اصيبوا بامراض مميتة ، طُردت عقولنا من اوطاننا ، بيع شعبنا بصفقات بائسة ، فاسمعوا صراخنا فلا تتهاونوا في ما يحصل لنا فالاصولية غايتها غزو العالم،  وتدمير الشعوب ، وانتم ادرى بذلك منّا ، يا من  حملتم وبلدانكم  راية حقوق الانسان وشعار الدفاع عن الشعوب المضطهدة ، انتم تعرفون في بلادكم الحرية باصنافها، وقبول الاخر وحماية الطفولة وحقوق المراة ، فنحن ننتظركم وننشد همتكم وانسانيتكم لتحرير اراضينا ونعود اليها وندخلها آمنين .فقد طالت مصيبتنا وصودر صبرنا ولا قوة لنا الا برب السماء وبحقيقتكم ليس الا فانشدوا معنا كي نعود الى ارضنا فانظارنا نحو ارضنا نعم وامين.

46
في رحاب شفاعة القديس البابا يوحنا بولس الثاني
حكاية أعجوبة
   المونسنيور بيوس قاشا
   باشرتُ ببناء كنيسة مار يوسف للسريان الكاثوليك في المنصور بجانب
 الكنيسة القديمة التي لم تعد تفي لاستيعاب المؤمنين وكان ذلك في آب 1989،
 بعد أن تم وضع حجر الأساس لها في 17 تموز من عام 1989، وبعد ثلاث سنوات من العمل والتوقف بسبب الحرب (1990)، كان تكريس الكنيسة في التاسع عشر من آذار عام 1993 وفي عيد شفيعها مار يوسف، من قبل المطران متي شابا متوكا (الجزيل الاحترام)، مطران الأبرشية حينها،ومن هنا كانت حكايتي، بل وقبلها بشهر بدأتُ أعاني آلاماً في مفصل الركبة اليسرى وبالتحديد في 21 شباط 1993، وإذ كان الألم يزداد يوماً بعد آخر، وبإلحاح من الطيبين من أبناء الرعية، بدأتُ بمراجعة أطباء عديدين _ وكان الألم جداً قاسياً _ وبين فترة وأخرى كان العلاج الطبيعي أحد المسكّنات الضرورية، وتناول الأدوية وإرشادات الأطباء المحترمين كلها لم تُجْدِ نفعاً، وما كان ذلك إلا علاجاً نفسياً، وتهدئةَ أعصاب، وإسكاناً لحالة الألم، ولم أكن أشعر بأي تحسن، حتى كانت تنتابني أحياناً حالات اليأس والقنوط ولكن كنتُ أتشجع، أقولها بكل حقيقة وصراحة، إذ كنتُ أفكر أن كل يأس هو صليب، وكل صليب هو علامة محبة ومشاركة، وبقيتُ على هذه الحالة سنين طويلة، حتى ساءت نفسيتي جداً ولم أعد أستطيع ركوب السيارة أو قيادتها أو صعود الدرج، أو الوقوف لفترات طويلة، أو ثني الركبة في حالة الجلوس، وكم وكم بكيت من الالم  ، كل هذه كانت تزيد من مخاوفي ،  وأنا في الأربعين من عطاء السنين، وبعد مراجعاتٍ عدّة ولأطباء عديدين كان إتفاق الجميع على إستبدال المفصل، ومن هؤلاء الأطباء الدكتور نظير مطلوب (أخصائي الظهر والعمود الفقري) والدكتور أحمد محمد صالح الراوي (أخصائي الظهر والعمود الفقري)، والدكتور مظفر كركجي (أخصائي المفاصل والعظام)، وقد نصحني الأطباء الثلاثة بالسفر إلى خارج العراق لاستبدال المفصل وبالخصوص الدكتور نظير مطلوب-  وهو من أبناء رعيتنا - الذي كان يلحّ عليّ كثيراً، وإنني لا زلتُ أحتفظ ببعض الوصفات الخاصة بالأطباء الذين راجعتُهم حينها، وبسبب الحصار الإقتصادي الظالم الذي كان مخيِّماً على العراق لم يكن باستطاعتي أن أذهب خارج العراق لضعف إمكانياتي المادية، كما لم أفاتح رؤسائي الكنسيين حينها بأنني أعاني من ألم في الركبة بحالتي المادية وخوفاً واحتراماً وشيئاًآخر، ولكن بمساعدة إحدى الرهبانيات العامرة، سافرتُ إلى إحدى دول المنطقة وأجريتُ عدة فحوصات وكان القرار قائماً لكل المراجعات الطبية "لابدّ من تبديل المفصل" وقرروا ان الحالة ممكن تتحسن ، ولكن ليس مئة في المئة. ولما علم  المطران ماريان أولش، البولوني الجنسية (سفير الفاتيكان في العراق) بحالتي هذه، والذي كان لي معه صداقة حقيقيه وأخوية بمعنى الكلمة حيث كان يزورني بين فترة وأخرى وأحياناً برفقة الأب المرحوم لويس شابي ( كاهن_ خوري _  كنيسة مار يوسف للكلدان خربندة) _ بعد أن يزور السفارة الروسية والتي كانت قريبة من الكنيسة جداً، حيث كان له صداقة خاصة مع السفير الروسي حينها، قبل أن تنتقل إلى المكان الحالي _وفي أيام التحول الروسي (بروستريكا) أتاني مرة ورآني في حالة أليمة جداً فقال لي:"عليك أن تسافر على حسابي الخاص للعلاج في الأردن"، فطلبتُ منه حينها التريث لعلّ وعسى، وقلت له:"لقد راجعتً مستشفى وأطباء وأكّدوا لي أن علاجي لا يكمن إلا بتبديل المفصل"، وبقيتُ على هذه الحالة أتعاطى المسكّنات والأدوية العلاجية سنين عديدة حتى وفاة البابا القديس يوحنا بولس الثاني.
  ليلة 5 نيسان 2005:
وبينما كنتُ أتابع الصلوات الخاصة التي كانت تُتلى وجسد القديس مسجّى أمام الزائرين في بازيليك مار بطرس بالفاتيكان لإلقاء النظرة الأخيرة، كنتُ أتابع معهم صلاة الوردية والقداس الإلهي والصلوات الأخرى، وفي تلك الليلة ركعتُ أمام فراشي على الأرض (رغم الألم الشديد الذي كنتُ أعاني منه ) وصلّيتُ وطلبتُ من الرب طلباً خاصاً قائلاً:"يا رب، إنْ كنتَ تريد مني أن أواصل عملي ورسالتي فامنحني الشفاء بشفاعة البابا يوحنا بولس الثاني، أعطني شفاءً لركبتي ولحالتي النفسية اليائسة، وإذا كنتَ لا تريد فتلك إرادتكَ ( لوقا 42:22    ) وليتمجد اسمك"... هذا ما قلتُه ولم أُزِدْ عليه شيئاً، وكانت الساعة تشير إلى العاشرة ليلاً، وبينما كنتُ أتطلّع إلى الجماهير الزائرة لإلقاء النظرة الأخيرة عبر التلفاز، والتي  كانت تصلّي صلاة الوردية المقدسة، كنتُ أصلّي معها باللغة الايطالية رغم ضعف لغتي حينها. نعم،بكل حرارة كنتُ أصلّي، وبدموع ساخنة، وطلب نابعٍ من أعماقي قائلاً "يا رب، حتى ما هذا الألم"،وإذ أنا على هذه الحالة غلبني النعاس ونمتُ على البسيطة (الأرض) حيث كنتُ راكعاً، دون أن أدري ما الذي حصل، إنما ما علمتُ أنني استيقظتُ حوالي الخامسة فجراً، وهي ساعة إستيقاظي غالباً، ولم أجد نفسي إلا وأنا منبطحاً على الأرض والتلفاز يبثّ وينقل مراسم النظرة الأخيرة وصلوات الجماهير، فاستيقظتُ حينها ورسمتُ إشارة الصليب على جبهتي، وقمتُ متّكأً على حافة الفراش كي أنهض من مكاني، ولكن أحسستُ أن لا شيء يؤلمني،ولم أتذكر إنني كنتُ أعاني من ألم في المفصل، فقلت:"سبحانكَ يارب"،فكانت لي تلك الليلة، ليلة التحول الإيماني والنفسي والعلاجي والصحي، فوقفتُ بقامتي المتواضعة وشكرتُ ربّ السماء على ما حصل لي بشفاعة البابا يوحنا بولس الثاني، حينها قمتُ وارتديتُ ملابسي الكهنوتية كي أذهب وأقيم قداسي اليومي السري في حوالي السادسة والنصف.
نعم، كانت لي تلك الليلة ، ليلة الشفاء، ومنذ ذلك اليوم وحتى الساعة لا أعاني أبداً من أي ألم، وقد راجعتُ العديد من الأطباء بعد ذلك، وأجروا الفحوصات الضرورية لي في مستشفى اليرموك التعليمي،  وكانت فحوصاتهم إيجابية، فأمسكت عن العلاج، وتركتُ الأدوية بعيداً، وها أنا حتى الساعة _بنعمة الرب _أعمل في ميدان رسالتي بكل إخلاص ، شاهدا للحق والحقيقة ولشفاعة البابا القديس يوحنا بولس الثاني .
وبعد حوالي شهر من حالتي الجديدة، أعلمتْ الكنيسة المؤمنين في العالم، عبر الصلوات والإعلانات الكنسية أنْ تُكتَب فضائل البابا يوحنا بولس الثاني والأشفية التي تحصل بشفاعته وإِخبار المراكز الكنسية بذلك للتهيئة لإعلانه طوباوياً، فقمتُ بسرد هذا الحادث تفصيلياً مع بعض العلاجات الطبية من الأطباء الذين ذكرتُهم وقدمتُه إلى سيادة المطران (س) الجزيل الاحترام الذي قال لي أنه سيرفع ذلك إلى الجهات المعنية في هذا الشأن في الفاتيكان ، وثقتي كبيرة .المهم إنني أعلم(    )   أن الرب شفاني بشفاعة البابا يوحنا بولس الثاني وقال لي:" قم إحمل نفسك وامضِ فإيمانكَ خلّصكَ"(يوحنا 1    ) ... أنا الذي كنتُ أعاني من عام 1993 حتى عام 2005 _أي ما يقارب اثنتي عشرة سنة _من الآلام القاتلة، وأصبح الرقم 5و6 من فجر شهر أيار من كل عام ساعة الشفاعة.
نعم،إنها حقيقة عشتُها وها أنا أرويها بعدما سمعتُ صوتاً يتردد في داخلي منذ حوالي شهر يقول  " قم كلّم الناس (     )   بهذا الخبر،فالبشر بحاجة إلى حقيقة الإيمان"، فقمتُ ، وها أنا أقصّ لكم يا قرائي الأعزاء ما حصل معي... من هنا أقول:إن الإيمان موهبة سماوية يمنحنا إياها ربّ السماء لكي نحياها ونعيشها في الألم كما في الفرح، فهي تجعلنا أن نكون رسلاً لبشارة الخلاص(متى 19:28    ) ، لإنجيل الرب يسوع المسيح الحي الذي أحبنا حتى الموت، وهذه رسالتي أن أكون للمسيح، مهما قاسيتُ في طريق الدنيا من عذابات، فالرب لن ينسَنا، وهو الذي قال:"لا تخافوا، أنا معكم"( متى 19:28     )  و"فليكن لكم إيمان" ( مرقس 22:11   )...نعم يا رب أنا أؤمن.
أكيد هناك مَن يعرف بحكاية ألمي ، وهناك من يصدق حكايتي هذه مع الألم، وهناك مَن يأخذها في مسيرة جادة، وهناك مَن لا يأخذها على محمل الجد، أو يقول عنها إنها رواية ساذجة، أو ربما يفكر أموراً أخرى تخصّه، فكل واحد له حرية الإيمان والتفكير والتعبير ، المهم أن نعيش إيماننا ( لوقا 6:17)، ولا تبرد حرارته فينا، أو نتشكك فيه بسبب ماحصل وما حلّ فينا بسبب داعش والاهاب .وأقول بكل ثقة وبعمق إيماني وبحقيقة بينّة ما حصل لي كلُ ما أعلم(    ) ،" إنني كنت أعاني سنين، والآن أعلم أن الرب شفاني بشفاعة البابا القديس يوحنا بولس الثاني"،والله على ما أقوله شهيد... نعم وآمين، وما لي أن أقول إلا "المجد ليسوع المسيح".
                                                                             مع محبتي


47
بمناسبة ذكرى النزوح الثانية

بداية النهاية
الخاتمة: مضطَهَدون ومتأصِلون في الرجاء

المونسنيور بيوس قاشا
في البدء
ها قد وصلنا إلى مسك الختام في مقالنا "بداية النهاية" بعد حلقتين متتاليتين
حملت الأولى عنواناً "اضطهاد وسؤال في المصير" والثانية "أصلاء ومستقبل في المجهول" وهاهي الخاتمة، خلاصة الحلقتين، تحمل عنواناً "مضطَهَدون ومتأصِلون في الرجاء"، ندرج كلماتها لفائدة القرّاء عبر نظرة لعلّها تكون في مسيرة الحقيقة وكشاهد لها، فالحياة ما هي إلا حقيقة المحبة التي تجسدت لأجلنا(غلا4:4) .وأرادَتنا أن نعتمذ باسمها فنكون شهوداً وشهداءَ ليس إلا!.
نعم هوذا الإجتياح الداعشي يدخل عامه الثالث في سهل نينوى، وفي الوقت نفسه يواصل فيه الإرهاب المزيد من جرائمه البشعة ومحاولاته المتوحشة لكسر إرادة العراقيين وتكريس جراحهم وارتكاب أبشع الانحرافات المدمِّرة ضدهم بعد أن خلّفت هذه الجرائم نتائج غير مسبوقة من القتل والتهجير والاختطاف وتدمير الممتلكات والاعتقال والسبي وإجبار المواطنين على تغيير إنتماءاتهم الدينية بما يُرضي نزعته البدائية الضالّة ونسف المعالم الآثارية الحضارية التي يتميز بها تراث وطننا.
نقول: إن الشرق الأوسط _ إنْ جاز القول _ يشهد احتلالاً من الأصوليين ومن الإرهاب، كما إن المسيحيين في الشرق يواجهون ما هو أخطر من التحديات، إنهم يواجهون أزمة وجود وحضور وضياع، فهل سيصبحون آثاراً أو بقايا أو ذكريات؟... هل تصبح كنائسهم خرباً وتُهدَم بمعول داعش والإرهاب؟... وهل ستسمّى كراسي كنائسنا إنهم على أنطاكيا وسائر الاغتراب أم بابل وسائر الشتات؟... هل سيرحمنا التاريخ حينما يقولون كانوا هنا، لقد مرّوا من هنا؟... وإنْ كانت هذه الحقائق مُرّة في حقيقتها وشؤم في مصيرها فهي حقيقة في واقعها، فمن هنا أقول: إن المسيحيين مسؤولون هم أولاً عن مصيرهم قبل كل شيء، هل يؤمنون بأن لديهم رسالة لشرقهم؟... هل هم مستعدون للتضحية أم أنّ قِبْلَتهم الجديدة والمزمَعَة هي الرحيل إلى الغرب وإلى الهجرة حيث أرض الله الواسعة؟، فيزداد القول الذي يؤكد بعدم انتماء المسيحي إلى شرقه وإن هذا الشرق لا يقدم له شيئاً، ففي بلده لا كرامة ولا حرية أو مساواة ولا حتى مستقبل، فقد أصبحنا أقلية وبات الخطر مضاعَفاً علينا من خلال تهجير مبرمج وعبر فرض الشريعة والتعاليم الإسلامية إرتدائياً لأثوابنا ولطبيعة أكلنا وشربنا وغيرها من الممارسات وكأننا نعيش أهل الذمّة.

في الماضي القريب
من المؤكَّد ومن دون شك أن الحملة العسكرية على العراق أدخلت شعوبنا وشعوب الشرق في مرحلة تاريخية جديدة أكثر سوءاً ومأسوية وبشكل خاص ومضاعَف على الأقليات المسيحية، فالاحتلال أجّج النزاعات والاحتقانات الطائفية والمذهبية والصراعات العرقية الكامنة بين شعوب المنطقة وداخل الدولة الواحدة، كما تنامت في ظل الاحتلال بشكل لافت ومخيف الإتجاهات الإسلامية المتشددة والتكفيرية وانتشار المنظمات الإرهابية، كما كان الاحتلال فرصة للإرهاب بدأ يقتل العشرات ويهجّر الآلاف من مسيحيي الموصل وسهل نينوى وكأنه استهداف منظَّم ومن غير أن يكونوا طرفاً في الصراعات المذهبية والطائفية، فهل هناك من وجود مخطط لإفراغ الوطن والشرق والمنطقة من المسيحيين بتعاون محلي وإقليمي ودولي وحاملين مبدأ على أن الصليبية ما هي إلا حملة على الإسلام والمسلمين بمساعدة بعض وسائل الإعلام والفضائيات العربية والإسلامية الرسمية والخاصة والتي أصبحت منبراً مفتوحاً لفقهاء الإرهاب والقتل ولتأجيج العِداء الآيديولوجي ضد المسيحيين؟، وقد أزاد في هذا الاضطهاد الدساتير وقوانين الدول العربية والإسلامية التي تهمّش المسيحيين وشعوبهم وتنتقص من حقوقهم وكأنهم رعايا وليسوا بمواطنين، وفي ذلك كله تتفاقم محنة المسيحيين المشرقيين وتغضّ النظر عن الأعمال الإرهابية ضد المسيحيين، وتساوم على حقوقهم مع قِوى المعارضة الإسلامية، وهذا ما جعل المسيحيين يدفعون أثماناً باهظة جرّاء الاحتلال.

الواقع والاضطهاد
لقد مرّ عامان على إاقتلاع شعبنا من أرض آبائه وأجداده في قرى ومدن سهل نينوى بعمل إجرامي شنيع بلغ درجة الإبادة العرقية والدينية إرتكبته زمر داعش الإرهابية الأجرامية ومثيلاته من المنظمات الإرهابية التي تكفّر الإنسان وكل كائن لا يدين بما تدين ولا يسلم بما تسلم به.
نعم، ونعم وصحيح، حلّ ما حلّ فينا بسبب داعش والإرهاب، ومن عامنا هذا حيث الذكرى الثانيةللنزوح البائس وبداية الكارثة بحق وحقيقة، بمآسيها وتبعاتها، ولا زالت تجرّ أذيال اليأس والقنوط حتى الساعة، كما ملكَ القدر الأسود على مسيرة الحياة مما جعلني أعيد ذكرياتي إلى ما حلّ بكنيسة سيدة النجاة وان كان بعض يغنّون باسمها، مصلحةً وجهاراً، ليس إلا!، أما نحن فلها محقّون وما كان إقتحامي إلا لإحصاء عدد الشهداء والضحايا والقتلى _وإلا كيف عرف الإعلام أعدادهم _وكأن الكارثة آنذاك كانت جرس إنذار وناقوس ميعاد لِمَا سيحلّ بالمسيحيين وبالمسكونة (متى26:21) من طرد واضطهاد، وقتل وتهجير، ونهب لأملاكهم، وسرقة لأموالهم، والاستيلاء على بيوتهم، كما تذكرتُ جيداً تلك المخطوطة التي قرأتُها _ وهي في حوزتي _ والتي تحكي بالوقائع والتفاصيل مذابح تركيا 1915، وما حلّ بهم أيام العصمليّة والإبادة العثمانية، وبعد مائة عام أُعيدت الإبادة _ وإنْ كانت الأولى لم يُحكَم عليها بعد _ وهذه المرة بتقنية فائقة وبمخطط شيطاني إجرامي بعلم كبار الزمن وتخطيط من أجل مصالح واهداف لا يدركها إلاّ صنّاع القرار، ويُراد بها رسم خريطة عراقنا والشرق، وأعادوا أعمال العنف والقتل والدمار والنهب والسلب والخطف وتصدير الأملاك وتحقير الكيان بـ "نون" نكرة ليسإلا، ولم نسمع إلا نداءات وبيانات واستنكارات من على المنابر وكما يقول المَثَل "زرعوا ليأكلوا هم"، فحصدونا ضحايا لهم والدول وقانونهم معطَّل بسبب مخططاتهم، وأصبحنا أداة لصنّاع السياسة ولمخططي خارطات الطرق الاستعمارية.
فراغ وضياع
إن عدم إدراكهم (المسيحيين) للمتغيرات الزمنية وتَجَدُّد شكل العالم وبقائهم شكلاً ومضموناً دون الإنتباه بحكم تغيير الأزمنة التي هي سُنّة المخلوقات بحيث أصبحت حكايات كبارنا وسياسيّينا ومدرائنا وكلماتهم ونصائحهم حديثاً فارغاً، مُملّة في آذان السامع، من كثرة تكرار مفرداتها خلال عشرين قرناً ولم ينتبهوا إلى مَن الذي يخاطبونه في كل مرحلة خلال هذا الزمن الطويل. هذا ما جعلنا نصل إلى حالة الفراغ والضياع والتساؤل: ما العمل ونحن نعاني سكرات الفناء بل الموت والنهاية والختم بحجر كبير (متى 64:27)، فنحن الآن قومٌ لا وجود لنا، وفي عالم سريع التغيير علينا أن نصحو ونبني الإرادة اللازمة لإعادة العليل إلى حالته الصحية، وهذا لن يتم إلا بقطع حبل السُرّة مع الإدارات الفاسدة والحركات والأحزاب الغير المدركة لحقيقة الوطن، وغير المهتمة للشؤون الحياتية لأبناء قومنا والسهر على مصالحهم، وذلك في التحرر من عباءة الإتّكاليين الذين يعتبرون أنفسهم آلهة الزمن وهم ساسة فاسدون، يشترون مناصبهم بحيل ماكرة ومحسوبية مزيَّفة وعنهم كبارنا يبرقون، والطاعة هنا واجب وخنوع، فهم يرون أن قوتهم في غيرهم أو في محتلّهم، والحقيقة هي غير ذلك. فالتعامل بالضمير ليس تعامل المنصّات والمنابر والتهديد والوعيد،وفضح الآخرين وتشويه سمعتهم برسائل لا تليق بمرسليها مكانةً وإدارةً ومركزاً، إنهم فاشلون،وليسوا إلا صوتاً مزّيفاً، عكس يوحنا، فيوحنا كان صوتاً صارخاً في البرية (مر3:1) حيث الصدى إلى مدى غير محدود عكس الأصوات العاكسة من على المنابر.إنها تحولات مرعبة... فما هي القراءة لدى مَن يَدّعون تمثيلنا من مدنيين ودينيين لهذه التحولات على مجمل الساحة الدولية كما في المنطقة عامة؟.لنتعلم ونقول إنه لا يجوز إدانات فقط ولا عدم الإكتفاء بالمناشدة بل بالضغط وبجميع الوسائل السلمية عشائرياً ومحلياً ودولياً بإيقاف كافة المساعدات المالية والعسكرية لتنظيم داعش وسائر التنظيمات الإرهابية والأصولية، وإيجاد طرق حاذقة للوصول إلى مركز القرار لإحقاق حق شعبنا المظلوم ومناشدة الدول الإسلامية إلى عدم تشجيع التيارات الإرهابية والدينية التكفيرية والتي تنادي بالجهاد وتجعل الدين رأس حربة لقتل الآخر المختلف، وتدعوهم بالكفّار، وتفرض عليهم الجزية أو الانتماء أو القتل أو يكونوا من أهل الذمّة لديهم.
لذاعلينا أن نرفض هذه المهازل عن طريق جعل المطالبة بحقوقنا الوطنية قبل القومية والدينية هدفنا جميعاً، حتى وإنْ اختلفت نظرة أحدنا إلى المفهوم الوطني والقومي عن الآخر في هذه المرحلة الحرجة خصوصاً لأن مسألة وجودنا أصبحت على المحكّ.لنحدّد مواقفنا ولا نحافظ على عروشنا،لنعرف جيداً أننا ننتمي إلى وطن وليس إلى طائفة أو دين.نحن اليوم لا نحتاج إلى التفاعل العاطفي وكيف إذا كان صوت المؤمن هو صوت الحقيقة!.من المؤسف أن نبيع الوطن أو لا يكون لنا دور وكأننا من المتفرجين.إننا نحتاج إلى مشروع مسيحي ولكن غياب هذا المشروع جعلنا بلا قرار، لذا لا يمكن لمسيحيي الشرق أن يبقوا ساكتين وصامتين، ولا نريد أن نجابه العنف بالعنف، نريد أن نعيش مواطنين متساوين بالحقوق، فنحن هذه بلداننا مع إخواننا ونحن حرّاسها، نحن بُناة حضارة المحبة والحياة.

البقاء في الوطن
نعم،أمام ما يحصل يجب أن لا نسكت...أين صرختنا بل أين صرخاتنا؟... هل لم يكن ممكناً أن نكون شبيهين بسيدة الأيزيدية فيان الدخيل ونوصل صوتنا بل نجعل من أصواتنا ترنّ في المحافل الدولية وقضايا الأمم المتحدة، كما فعلت فأوصلت صوتها إلى العالم؟... لذا أسأل: هل أصبح صوتنا خافتاً بين الناس؟... فإنْ خَفَتتْ أصواتنا فأين صوت المهتمين بشؤوننا، الذين يُدعوَن، أنهم لشعبنا وللشعوب الأصيلة، بينما الحقيقة لا يفقهون منها نقطة،ولا يعرفوا إلا غاياتهم ومصالحهم، فهم لا يفهمون في السياسة علمها،ولا يحملون إلا عناوين فارغة؟... كما أسأل:أين دمعتنا من هذه الأحداث الأليمة التي تدعونا إلى التعمق في فهم وعيش إيماننا المسيحي لكي نزيل من قلوبنا وعقولنا كل الهواجس والمخاوف؟... ولابدّ لهذه الأحداث من أن تدفعنا إلى وقفة ضمير وتضامن مع إخواننا المعذَّبين والمضطَهَدين، فلا يمكننا أن نسكت عن هذه الجرائم بحق شعوبنا، ولا يمكن أن نمرّ على قصة لاجئ وكأن شيئاً لم يحصل، ولا يمكن أن نغرق في بحر اللامبالاة... نعم، عدم السكوت وتوظيف القِوى عما يحدث والأخطر أن كثيرين منهم أصبحوا غير مبالين لما تقوم به داعش،كما أن كثير من المسيحيين هاجروا إلى الخارج وأصبحوا ضحية داعش مرتين، مرة عندما هاجروا ومرة ثانية عندما يمرّون على الخبر مرور الكِرام، والحقيقة الأشد خطراً بل فشل ذريع هو أن يتخلى المسيحيون عن رسالتهم وشهاداتهم التي يمكن إيجازها بحمل الصليب في سبيل بقائهم، لذلك على المسيحيين التمسك بالإيمان والرجاء والمحبة والصبر حتى تنقضي هذه الأيام السوداء. فالمسيحية لن تزول إذا أراد لها المسيحيون ألا تزول،والمخطط في ذهننا، هو ضعفنا، هو المخطط بعينه. عدم ثقتنا بذاتنا وبسبب ما نعيشه في طائفية ومحسوبية القشور مبتعدين عن مسيحيتنا، أن يتصرف رجالنا وكبارنا بأنانية تجاه  بعضهم البعض لغايات في العدد والأغلبية، والحقيقة أن المسيح ربّنا علّمنا عكس ذلك تماماً.

الإرشاد الرسولي
وفي العودة إلى الإرشاد الرسولي نتساءل:أين نحن من الإرشاد؟... ألم يفهم شعبنا ماذا يعني الإرشاد ولماذا وُقِّع قبل أحداث كنيسة سيدة النجاة؟... أليس ذلك رسالة سماوية إيمانية لشعوب منطقة الشرق الأوسط لكي يتهيئوا لمسيرة قاسية ولتجربة إيمانية كعاصفة البحر التي حلّت بالرسل (لو22:8).ففي الرابع عشر من أيلول (سبتمبر) عام 2012، وبمناسبة احتفال الكنيسة الجامعة بعيد ارتفاع الصليب المقدس، سلّم قداسة البابا بندكتس السادس عشر وثيقة الإرشاد الرسولي للكنيسة في الشرق الأوسط _ والذي حمل عنواناً "شركة وشهادة" _ في احتفال مهيب أُقيم في بيروت، وحمل الإرشاد إلى مسيحيي الشرق مخطَّطاً إيمانياً داعياً إياهم إلى التمسك بالأرض وعيش الرجاء، في إبعاد اليأس مهما كانت طريق الزمن قاسية، كما ناشد الإرشاد المسيحيين وحثَّهم على البقاء في الوطن وعدم بيع الأملاك (فقرة 32)، وأكّد حقيقة الألم والاضطهاد:"يشعر المسيحيون بنوع خاص في هذا الشرق بأنه شرق تقييدي وعنيف، ويجدون (أي المسيحيون) أنفسهم غالباً في موقف دقيق بشيء من الإحباط وفقدان الأمل، بسبب الصراعات وحالات الغموض. كما يشعرون بالمهانة، ويعلمون أنهم ضحية محتملة لأي اضطرابات قد تقع" (فقرة 31)، وأيضاً:"الشرق الأوسط بدون أو حتى بعدد ضئيل من المسيحيين ليس الشرق الأوسط، لأن المسيحيين يشاركون مع باقي المؤمنين في صنع الهوية الخاصة للمنطقة. فالجميع مسؤولون عن بعضهم بعضاً أمام الله" (فقرة 31)، وأيضاً:"إن الشهادة المسيحية أولى أشكال الرسالة، وهي جزء من دعوة الكنيسة الأصيلة" (فقرة 66)، و"سيبارك الله سيرتكم وسيهبكم روحه لمواجهة التعب اليومي، "لأنه حيث يكون روح الرب تكون الحرية"" (2كو17:3) (فقرة 36).
     الكنيسة ومهمتها
للكنيسة مهمة واحدة وهي ربط كل شيء بالمسيح. نعم،لقد لعبت الكنيسة برجالها وكهنتها وعلمانييها دوراً رائداً أمام الأحداث الأليمة التي أحاطتها من حولها فكانت هي الملجأ الأول للكل، وكان حضورها فاعلاً وواضحاً وثابتاً. فتحت أبوابها للاجئين والجائعين، للمتألمين والجرحى، وتحولت قاعاتها لمنامات وعيادات ومستشفى للاعتناء بالمرضى، وفي وسط كل هذا التهديد والضغط الشديد وقفت سنداً وعاموداً ثابتاً للشعب المؤمن محاوِلَةً تشديد عزمه وتثبيت أقدامه على أرضه، محافظةً على الإرث المسيحي بكل صمود ومحبة.ولكن مهما كان الدور كبيراً فالمأساة لا توصَف والكارثة التي حلّت لا تُقاس إلا بمعيار الإبادة وقتل الشعوب البريئة وخاصة أمام التحولات التي يشهدها العراق والمنطقة والتي إنسحبت على الكنيسة، وكذلك بسبب نزيف الهجرة إلى بلدان الانتشار المختلفة وتحديات التشتت والتبعثر والذوبان، كلها تشكّل خطراً على وحدة الكنيسة وحضورها وأمام وسائل الاتصال الاجتماعي والتي قلبت القِيَم. هذا الوضع المعقَّد والمتنوع لا يمكن تجاهله أو المرور عليه مرور الكرام، إنما يتطلب دراسة وتحليلاً لتقديم رؤية واضحة وبرنامج عمل منهجي لمستقبل الكنيسة.وللوصول إلى رؤية واضحة ومعالجات عملية بعيداً عن العقلية الإتكالية، ولا يجوز الجلوس في أماكننا نراقب وننتظر، والمنطقة تغلي وتزحف نحو مستقبل مجهول الملامح في النظر القريب وربما إلى ضياع وانقسام في النظر البعيد.نتغلب على أنفسنا ونكفّ عن تقطيع بعضنا البعض، ومَن لا يستطيع فعل شيء في هذا المجال عليه أن لا يكون حجر عثرة في طريق مَن بإمكانه العمل من أجل وحدة ومصلحة شعبنا المظلوم والإصطفاف معه إن كان شخصاً مستقلاً، حزباً أو حركةًأو تجمعاً سياسياً، رجل دين، منظمات إنسانية واجتماعية أو غيرها، فالتاريخ أمين ولا يوجد في التاريخ إلا مَن يدخل التاريخ.

بندكتس ورسالته
حاول قداسة البابا بندكتس السادس عشر في رسالته "خلصنا في الرجاء" والتي أصدرها عام 2008 على إظهار المسيحية على أنها دين مبني على الرجاء، وقد أعطى أمثلة عديدة من الكتاب المقدس ومن حياة الكنيسة ليؤكد على أنه مهما اشتد الظلم والاضطهاد، ومهما تعاظمت شكوك الإنسان وهمومه، يبقى لنا الرجاء بالخلاص، فالمسيح نال الخلاص من أجلنا ونحن لا نزال نرجو ثمرات هذا الخلاص في الحياة الأبدية.
نعم، عاش المسيحيون إيمانهم الملئ بالرجاء منذ عصر الاضطهادات وعلى مرّ العصور لأنهم يعرفون أنهم يمتلكون خيرات أفضل من الخيرات الآنية، لذلك كانوا قادرين على ترك كل شيء لأنهم وجدوا أساساً لحياتهم، أساساً باقياً لا يستطيع أحد أن ينزعه منهم، وإيماننا يرتكز على هذا الرجاء الذي حمله إلينا الإله _ الإنسان. من المؤكد أن الله موجود رغم الألم والشر، ويقيننا أن لا شرّ يدوم ولا ألم يبقى سوى الله ومحبته، فالتجسد مجّد ذاته وسط كثير من الألم وأرض تئنّ من قتل عشرات من أطفال بيت لحم حينها، بحد ذاته دليل على حضور الله في الألم، وتكتمل المسيرة بالصلب والموت، ولا تنتهي بل تبدأ بتحول جذري بالقيامة وتبدأ مسيرة ليست بجديدة بل مكمّلة لها وبلا نهاية، وكما قال أحد الكتّاب:"لا أعرف الجواب لمعضلة الشر ولكني أعرف المحبة".

     الكاردينال بورك
اعتبر الكاردينال ريمون بورك الأمريكي في 25 أيار 2016، أن الشهادة هي الردّ على تدهور وضع الكنيسة والعالم!.تحدث الكاردينال بورك، خلال منتدى روما من أجل الحياة، عن الاقتراف المحتَمَل للأخطاء من داخل الكنيسة بشأن حقائق العقيدة والأخلاق داعياً المطارنة إلى "فهم الحاجة الطارئة إلى التعبير بوضوح وشجاعة عن حقائق الإيمان"، وأضاف: أنه على المسيحيين أن يكونوا جاهزين للشهادة محبةً بالمسيح وكنيسته.وعبّر عن قلقه بشأن هذا المنظور المتمحور حول الانسان والعالم خاصةً داخل الكنيسة مما يؤدي بالبعض إلى الإمتثال للواقع الموضوعي لنعمة الزواج على اعتبارها مثالاً بسيطاً نسعى إلى الإمتثال له. قد تأخذ الشهادة أشكال مختلفة: شهادة الدم لكن أيضاً الاضطهاد الذي يمنع المسيحيين من ممارسة إيمانهم. لكن شهادة الاضطهاد ليست سوى مشاركة في آلام ربنا يسوع المسيح وهي بالتالي تعطي فرحاً أعمق للمسيحيين بغض النظر عن الألم، ويضيف:"إن الكاثوليك مدعوّون اليوم، وأكثر من أي وقتٍ مضى، إلى الدفاع عن الحقيقة التي يعلّمنا إياها يسوع حتى ولو نتج عن ذلكخسارة الممتلكات والمضايقة والسجن. لا يسعنا سوى أن نبقى أوفياء لربنا يسوع المسيح وللحقيقة التي ينقلها من خلال كنيسته المقدسة مهما كانت الآلام ومهما بلغت حدة الاضطهاد الذي يتربّص بنا".

حقي وجودي
من حقي أن أسأل: حتى ما نكون أرقاماً هزيلة؟... أفي بلدي أكون نازحاً، لاجئاً مهجَّراً أنا المسيحي ابن هذه الأرض الطيبة التي رويتُها بدمائي وعرقي، وعملتُ فيها بسواعدي وفكري، وسرتُ فيها شامخاً متكبّراً بألوان رايتها؟... أليس ذلك من حقي وحق حريتي أن أكون رايةً وحقيقةً، شاهداً ومؤمناً؟... أليس من حقي أن أدافع عن وجودي بصوتٍ مُحب وأيادٍ ضارعة وصلاةٍ خاشعة لأعلن معنى وجودي وإلا عبثاً أنا هنا؟... فأنا لستُ عبداً لكلماتِ دستورٍ ينكر وجودي، ولستُ خانعاً وخاضعاً لإراداتٍ تسلب حريتي وأموالي وأطفالي، وأنا لستُ إلا أصلاً وأصالةً، عمقاً وقلباً، فكراً ورسالةً، حضارةً وتراثاً، فمهما باعوا الحقيقة من أجل كراسي الزمن ومتاعب الدنيا. فالحقيقة علامة وليست بضاعة وإنْ كانت تباع اليوم في سوق النخاسة ويشتريها مَن يملك مالاً وعبيداً وجاريات ومن الحَسَب والنسب والقربى، وفي ذلك يصنعون إرادتهم ويتبعون أنانيتهم ويرفعون علامة كبريائهم من أجل تدمير الآخر المختلف عنهم فكراً وعقيدةً وحواراً، فهم في عملهم يحقدون، وفي فكرهم يقتلون، وفي حوارهم يفرضون ليس إلا!، وكأن السماء قد سُبيت إليهم كما بيع يوسف(تك37) في الأزمنة الغابرة، وما تلك إلا جريمة إبادة بمعناها الإجتماعي والإنساني، أما أنا سأبقى أنشد هويتي واعتزازي ببلدي وبأرضه رسالة وجودي وعراقيتي... فالرافدان شاهدان، وحمورابي وشريعته قاضٍ يعلن حكم الحقيقة، وسأبقى أحضن ترابي ووطني وأحمل مشعل إيماني، وما ذلك إلا رسالة الحقيقة، وهذه رايتي ليس إلا، مؤمناً أن الرب معنا حتى الموت. وسأقول هنا: إذا كنّا لا نؤمن بتاريخ آبائنا وأجدادنا فقد أضعنا الحقيقة، ألم يكتبوا لنا لنقرأ ونفهم ونحيا؟... فنحن لم ولن نكون سرّاقاً للحواسم أو إرهابيينَ للجواسم.
ألا يخجل الإسلام الأصولي عندما يقولون إنهم مسلمون والإسلام مصدر شريعتهم؟... عن أية شريعة يتكلمون أمام جرائم داعش؟... أوأية شريعة يطبّقون وأبناء الوطن مشرَّدون في الشوارع؟...إرحموا العراق الجريح وشعبه، لنسأل سبحانه وتعالى هل منح لنا شريعة تفرقنا أم حقيقة تجمعنا؟... هل أرادنا سيوفاً وحراباً ثم خراباً ودماراً أم أرادنا غصناً وزيتوناً؟...ألم نعلم أن هذه الآلات ماهي إلا لقائين(تك4) ولهيرودس(متى 17:2-18)، وللمحاربين الفاشلين الذين لا يدركون سموّ الحوار، الذين يقتلون الأبرياء من أجل كبريائهم وغزواتهم.

     مرة أخرى
قداسة البابا بندكتس السادس عشر _ وعبر الإرشاد الرسولي _ يضعنا اليوم ، كما وضعنا بالأمس ، أمام مسؤوليات الإيمان التي استلمناها من جرن العماد، وَوَسَمت وجوهنا بميرون مقدس، لنكون جنوداً أوفياء من أجل كنائسنا، من أجل تثبيت وتقوية هويتنا المسيحية، فنرى الرؤيا الواضحة عن معنى حضورنا ووجودنا وتقاسمنا للحياة. نعم، لنمشِ على دروب الشهادة التي سلكها المسيحيون في بلادنا الشرقية، وفي ذلك يشجعنا قداسته وجماعاتنا المسيحية كي نظلّ متجذرين في أرض أجدادنا في شراكة القلب والنفس مع جميع المؤمنين المعمَّذين، ليس فقط أمانةً وحفاظاً على الوجود والهوية والتراث، بل أيضاً كي نتابع باختيارنا حياة الشهادة والإستشهاد، وقد تميز بها عبر قرون عديدة حضور المسيحيين في الشرق، وما أجمله من كلام.،بل طوبى لِمَن يدرك معناه.
نعم،إن غياب الصوت المسيحي ووجوده سبّب في افتقار المجتمعات وخسارةً للتعددية التي تميّزت بها بلدان الشرق الأوسط. نعم، لنفتح أبواب قلوبنا وكنائسنا، فالأقفال ومفاتيحها في أيادينا جميعاً، ولنفتح الأبواب ليس فقط على مصراعيها بل بروح الشركة والشهادة والتواضع، فالكنيسة هل هي كنيسة المؤمنين أم كنيسة المصلّين؟... إنها مبنية على صخرة البشارة وعمرها ألفين عاماً، لذا لا يحق حتى للقيّمين على الشأن المسيحي في الشرق أن يتنازلوا عن هذا المجد الذي أُعطي لهم لأنه أرث الكنيسة جمعاء. فمجد الرسالة المسيحية أُعطي لأبناء هذا الشرق ولنرى الأيام، إنها أفضل مستشار، فلنأخذ خوذة الخلاص (أفسس 17:6) و"سيف الروح الذي هو كلمة الله" (17:6) من أجل الإعلان جهاراً بسرّ الإنجيل الذي لأجله نحن سفراء بدلاً من سماع دقات ناقوس الخطر بل الفشل في الإيمان للصمود في الرجاء... وهذه هي البشارة الجديدة.

في الختام
ختاماً، الكنيسة مع الوطن ومع كل مواطن، وهي ليست لحاكم أو نظام، مرتفعة فوق الجميع من أجل خدمة الجميع وليس لخدمة بعض منّا، ومَن هَوَتهم أفئدتنا من أجل مصالحنا، أصيلة وقديمة قِدَم التاريخ بل ومن قبله... هذا هو عالمنا اليوم، فأين نحن من فهمه؟. نحن لسنا هنا لندغدغ العواطف ونضحك بوجوه الفاسدين تمليقاً وكذباً ورياءً ومصلحةً، ونقدّسهم في صفوفنا وديارنا ومعابدنا، وفي أول السطور نُجلسهم ونجالسهم وكأنهم أمراء ديرتنا وعندهم تكمن مصالحنا وملء بطوننا بأموال ليست أموالهم ونحن لهم خانعون، وننسى إن شعبنا لا زال يئنّ في بستان الزيتون، والإرهاب _ ولسان حالنا يقول:إنْ كان مستطاع أطرد الداعش والإرهاب والحاكم الفاسد ومدراء السرقات وأصحاب المصالح والغزوات، ولكن "لا مشيئتنا بل إرادتك" (لو42:22)، " ولا مشيئة النزاهة بل حقيقة عدالتك" ، فنحن نؤمن بما يقول ربنا:" ليس خفيّ إلا سيظهر ولا مكتومٌ إلا سيُعلَن" (مر22:4). فما نحتاج إليه اليوم  هو مشروع مسيحي، ولكن غياب هذا المشروع جعلنا بلا قرار، وهذه الأحداث ما هي إلا مناسبة لنعيد قراءة حياتنا المسيحية ونكتشف أن هذا الليل المظلم الذي نعيشه سيعبر لا محالة، وإن السلام والأمان سيعمّان على هذه الأرض طالما أن إيماننا يرتكز على شخص السيد المسيح، إيماناً مبنياً على الرجاء، ورجاءاً يتحقق فيه الخلاص، فالمسيح هو رجاؤنا،ورجاءنا فيه لا يخيب، فقد قال في إنجيله المقدس:"ها أنا معكم حتى انقضاء الدهر" (متى20:28)، وأيضاً "إرفعوا رؤوسكم فإنّ خلاصكم قد دنا" (لو28:21).
أكيد إن فجر القيامة قادم لا ريب فيه، فلا الحقيقة إلا وتُبان، وأكيد سيعود أبناؤنا إلى مدنهم وبلداتهم وقراهم عبر ضمانات قوية ودولية ووطنية لصيانة أمنهم وكرامتهم وإرادتهم في الحياة الحُرّة ضمن فضاء الوطن. فلنشدّ على أيادي شعبنا، ونحثّه على إبقاء جذوة الرجاء، ولابدّ لليل أن ينجلي ويبزغ فجر العودة عمّا قريب، فنحن نثق ملء الثقة بوعد الرب بأن يبقى وسط كنيسته فلا تتزعزع أبداً... فلا تفقدوا إيمانكم، بل تشجّعوا وتشدّدوا ثابتين في الرب يسوع القائل:"لا تخافوا، ثقوا إني غلبتُ العالم" (يو33:16).فالرسل وأباؤنا أُضطهدوا بالأمس واليوم نحن بدورنا ، ولكن الحقيقة تبقى أننا ثابتون في الرجاء فمهما قامت به الجماعات الأصولية الداعشية،  من تدمير وهدم لكنائسنا واديرتنا ، وسلبت أملاك أبناء شعبنا ومقتنياتهم ناشرة ظلامَ الموت والدمار، وطردتنا من قرانا ومدننا، سنبقى ثابتين في أرضنا ،ومتأصلين في وطننا ، في الرجاء ، ليس في هذه الدنيا فقط ، بل بيسوع المسيح ، القائل:"لا تخافوا، ثقوا إني غلبتُ العالم" (يو33:16) وشكرا للقراء الأعزاء الذين رافقوني في مسيرة المقال حتى الختام. نعم وامين .

48
بمناسبة الذكرى الثانية للنزوح

بداية النهاية
الحلقة الثانية: أصلاء ومستقبل في المجهول


في البدء
حملت الحلقة الأولى من موضوعنا بداية النهاية عنواناً "اضطهاد وسؤال في المصير"، وأما الحلقة الثانية فعنوانها "أصلاء ومستقبل في المجهول".
نتساءَل، أليس من حق شعبنا أن يعيش؟... أيبقى يفتش عن ملاذٍ آمن في الهجرة إلى الخارج، وتكون النتيجة شعب مشتَّت في سبل الحياة بسبب ما حلّ بهم من مظالم، وما هي إلا ردّة فعل يائسة بعد كل الذي حصل والذي لم يكن فيه أحد ولم يأتِ على بال أحد؟... إنها مهزلة التاريخ، بل مهزلة المصالح والمخططات الفاسدة. شعوب تُحرَم من أراضيها، تُسرَق أملاكها وأموالها، تُطرَد من ديارها، تُهجَّر رغماً عنها، تُدمَّر حضارتها التي ترقى إلى آلاف السنين، وتُهدم كنائسها ومزاراتها... إنه فعل صارخ بل قبيح بحق الشعوب البريئة. فمدننا وقُرانا وبلداتنا والتي استولى عليها داعش أصبحت عرضة للنهب خاصة من قِبَل الجيران الذين أصبحوا داعشيين هم أنفسهم أو ساندين لهم.

     نكون أو لا نكون
كان العالم صامتاً، ولا يزال صمته أمام كارثة تهجيرنا وقتلنا، إلا ما هو له ولمصالحه. وكلنا نعلم كيف أن داعش قام بتوجيه إنذار من خلال منابر المساجد للمسيحيين بإعلان براءتهم عن الديانة المسيحية واعتناق الإسلام مقابل بقائهم أو مغادرة المدينة وقرى وبلدات سهل نينوى في الموصل خلال 48 ساعة، وباشر بعدها بقتل العشرات من المسيحيين كما وهرب مئات الألوف، ثم قامت عناصر التنظيم بكتابة الحرف "نون" على بيوت المسيحيين لكي يميزوهم عن المسلمين. فالمسيحيون شعوب غير مرغوب فيهم، وما ذلك إلا مخطط إجرام وإفراغ ليس إلا، فإفراغ الوطن من شريحة المسيحيين والأقليات فعل إجرامي وظلم صارخ بحق الشرعية الدولية والإقليمية والمحلية، بحق شريحة مسالمة، كانت وفية في أصولها وفي تسلسلها. أيجوز أن تكون المسيحية المسالمة في حكم المنتهية حيث ترقى حضارتها إلى آلاف السنين، وقد بدأت تفقد قاعدتها ووجودها؟... أليس ذلك هدم وتحطيم للأسس الأخلاقية وقيم الحضارة الإنسانية والثقافية التي بدأتها ولا زالت تحياها عبر مسيرة الإنجيل المقدس؟... فالحقيقة إننا نعيش حقبة تاريخية غير مسبوقة في عصرنا، أيجوز أن نُحرَم من حقوقنا المدنية؟... إنه ظلم يستحق أن يُرفَع أمام منبر المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، كما توصل الغرب، أو من خلال ضعفنا إلى شراء ضمائر بعض منا، فأدرك جيداً أن أمضى سلاح في تدمير هذه المجتمعات هي التيارات الإسلامية الأصولية وليس التدخل المباشر فيها. فماذا يعني هذا كله!، وهذا ما يجعلنا أن ننسى هويتنا المسيحية والوطنية كي نكون في مهب الريح... نكون أو لا نكون.

ألم الماضي
نعم، طردونا من منازلنا، وقتلونا أمام أنظارهم، وأبعدونا عن قُرانا قسراً وكرهاً وحقداً، وعن مدننا كفراً وتكفيراً، وعن أحبائنا عنوةً، وعن جيراننا غدراً، والسبب يعود إليهم وإلينا، فهم سبقونا في الهزيمة ونحن لم نكن مستعدين لها، بل بالأحرى لم يعلّمونا حماية مدننا وقُرانا وأملاكنا، فضاع كل شيء وأصبحنا تائهين في العراء ليلاً ونهاراً، وفي شوارع المدينة وساحاتها وأرصفتها وحدائقها وساحات دور العبادة في قيظ الصيف وحرّ السماء، أصبحنا شعباً تائهاً يتسوّل من أجل الوجود، ويفرش العراء من ثم إنتقل إلى خيم بائسة في حدائق الكنائس والمعابد والمزارات وفي أروقتها وساحاتها ومماشيها في حالة يرثى لها... بؤس وشقاء، عويل وبكاء، راحيل تبكي على بنيها ولا تريد أن تتعزّى (متى 18:2)، فأولادها في عمارات عارية يسكنون، ولا أحد يبالي بهم إلا الأرض الطيبة التي احتضنتهم               _ أرض شمالنا العزيز _ وجعلتهم من آلِها وأهلها حيث هزيمتهم لم ترى ساعاتها الفجرية، فواحد رصد مسيرتهم، وراقب سيرهم، بِعُراهم وبلباسهم... إنه الرحمن الرحيم، وهو في علوّ سمائه، كما إطّلع على عبيده وهم يفتشون عن مأمن آمن ومسكن هام وعبور أكيد... نعم، لقد كانت عملية تهجير المسيحيين عملية أشبه ما تكون "الإبادة الجماعية" بل هي الإبادة الجماعية، بالحقيقة والواقع.

من المؤسف
في 13 تشرين الثاني 2014، زار الرئيس أوباما (بورما) لإجبار الحكومة هناك لحماية الأقلية المسلمة ومنحهم كل الحقوق، والمعلوم إنهم ليسوا أصول الوطن ولا من أصله بل هم مهاجرون من بنغلادش وما جاورها، هذا من جانب، ومن جانب آخر، فإن مسيحيي العراق شُرِّدوا وقُتلوا وقُطعت أرزاقهم وهُجّروا وفُجّرت كنائسهم تحت أنظار ومسمع كبار الدنيا والزمن والأمم المتحدة، ولم تحرَّك عضلة في جسم الرئيس، وربما كانوا يستمتعون بمشاهد انفجارات الكنائس، ولم نسمع إدانة قوية واحدة يوم وقوع الكارثة بل ما سمعناه إدانات بسيطة لا تليق بشعب أبيّ حامل الحضارة والسلام وقيم الأخوّة والمحبة... فحتى ما يكون شعبنا في الدرجات الدنيا!! والحقيقة شاهدة نحن أصلاء وأصول هذه البلاد، ومن المؤسف لم يبدأ الغرب في إلقاء بال لمن تبقّى من مسيحيي العراق إلا بعد السلوكيات الوحشية لتنظيم داعش، بعد تفاقم خطر داعش، بدأ الزعماء الدنيويون والسياسيون في الغرب يلقون بالاً للمسيحيين ولكن ذلك متأخراً وضئيلاً جداً، فلم يحصل كما فعل الرئيس كلنتون في يوغسلافيا حينها، بل أعلن الرئيس أوباما أن داعش لا يمكن القضاء عليه وإخراجه من العراق إلا بعد 3 أو 5 سنوات وكأن القضية مدروسة ومعروفة وحُدِّدت أُسسها وقد حان وقتها، ومن المؤسف أن لا تخترق منهجية العقل وحقيقة الحدث رسالة الحياة، ألم يقل أنه معجب برسالة قداسة البابا وبمواعظه الأخلاقية والوجدانية والمثالية والتي زلزلت مشاعره ودغدغت عواطفه (جريدة النهار ايلول 2013)؟... ألم تكن رسالة قداسة البابا وإعلاناته المتكررة عن إبادة المسيحيين حافزاً للرؤساء ودافعاً أميناً وأكيداً لرفع أصوات الإدانة عالية؟... ألم يكن بإمكان أوباما أن يقوم بزيارة إلى هؤلاء الذين هُجِّروا قسراً ونزحوا من بيوتهم وهم فيها كانوا أمينين ليطّلع على الحقيقة؟... ألم يحن الوقت لإنصاف هذه الشعوب الكريمة البائسة؟... أليست سرقة أموالهم وممتلكاتهم إهانةً وإذلالاً للشعب المسيحي؟... ألم يحن الوقت بعد أم لا زالوا حُملاناً تحت سكين إبراهيم بل ساطور داعش والإرهاب وكبار المصالح؟... وحتى ما يبقى هذا مصيرنا!!!.

     حوادث وحقائق
في كتاب بول بريمر عن الحديث الذي دار بينه وبين المرحوم البطريرك عمانوئيل دلي (رحمه رب السماء)، طالب هذا الأخير أحقيّته في تمثيل المسيحيين في مجلس الحكم، فكان جواب بريمر:"إن وجودكم في العراق هلامي"، فذلك لا يعني شيء للوجود المسيحي في البلاد، فالعالم مليارين ونصف مسيحي بهويته وأوطانه، والشعب العراقي بلا هوية وطنية وقومية، وما هذه الشريحة إلا ضئيلة، ولا شيء تعني بالنسبة إليه بأن تكون مسيحياً، وعندما لم يرضى البطريرك لهذا الجواب غضب، فكان تعليق بريمر وجوابه:"إنك لا تمثل شيئاً.أين مسيحيتك من ردّة فعلك؟، ماذا يعني هذا النقيض؟"، أي بمعنى أنكم تبشرون بشيء، وتطلبون نقيضه.   
نسأل: ما الذي تغيّر على حال المسيحيين في باكستان حيث يُشْوَون على النار في ساحات عامة باحتفالات جماهيرية وبحضور مسؤولين، وهذه دولة عضوة في هيئة الأمم وحليف أمريكا منذ أكثر من نصف قرن؟... ألم يسمعوا رؤساء الدول والقادة الكبار حالة المسيحيين في نيجيريا وكينيا وليبيا ولبنان القريب وما حلّ بسوريا والعراق ومصر؟... أليست هذه أمام مرأى من عيونهم وأمام مسمع من آذانهم؟... إنها حقيقة مُرّة وإنْ قلناها باحترام تجاه الذين يعرفوننا في زياراتهم ويواسوننا، ولكن... المؤلم المقصود هو إذلالنا لإدراكهم بأننا لا هوية لشخوصنا ولا لشعبنا، ولا مجال لمسيرة الحياة وقيمة شموخنا، فلا حدود لنا ولا معرفة بنا ولا حقيقة لوجودنا إلا حقيقة ظاهرنا وربما مزيَّفة في داخلهم.

    نحن والمسؤولون
مَنْ مِنَ المسؤولين الكبار في العالم يلتقيه بطاركتنا المغبوطون وأساقفتنا الأجلاء عبر سفراتهم المكوكية إلى أوروبا وأمريكا وأستراليا والصين، إنهم وهم يزورون ويتزاورون مع المسؤولين، من أجل قضيتنا يحملونها في قلوبهم وعلى لسانهم ومطالبهم ويستقبلونهم بكلمة طيبة وروح أخوية منفتحة (مزيفة)، وتكون النَعَم كلمة الحق والحقيقة، ولكن الحقيقة لا تصل إلا إلى توجيه الجمعيات الإنسانية إلى حقيقة البطون وملؤها ليس إلا، فنحن لا نحتاج إلى مساعدات بقدر حاجتنا إلى كرامة كي لا نتحول شحّاذين يطرحون قضية شعبنا وأحقيّته في الوجود في أرضه وما هي أسباب طرده وتهجيره، وليس فقط طلب المساعدات من ألبسة مستعمَلَة وشيء من السيولة وكأننا خُلقنا شحّاذين ومتسوّلين على قارعات الطرق، عاجزين عن تدبير خبزنا كفافنا وكفاف عيالنا، وحتى لو أتيحت لهم فرصة الله عزّ وجلّ... ومن المؤسف أنهم يطرحون ذلك إيماناً برسالتهم أمام المسؤول ولكن لا يعير أحد أهمية لكلامهم لأن العالم المعاصر وساسته لا يؤمنون إلا بما هو لصالحهم ولمخططهم، فنحن مطارَدون في كل أرجاء الكرة الأرضية، وإنها الحقيقة شئنا أم أبينا.

     ما نحتاج
ما نحتاج إليه أمام هذا الوضع المأسوي، بل قبل كل شيء، أن نؤمن بالواقع الذي تُمرَّر مصالحه ومخططاته بين ظهرانينا، فنحن لسنا إلا من المتفرجين والناطرين قسمتنا دون إرادتنا ليأكل الأسد والنمر أولاً... فالمنطقة في غليان، ولا سكون، والأحزاب والأقوام يحصدون غلاّت الشعوب ويمصّون دماءهم ويسلبون ما لهم وما ليس لهم بعد أن أصبح الفساد سيرة ومسيرة. فالعراق في صراع طائفي ومذهبي وإقليمي، صراع وجود من أجل البقاء، صراع النفوط والمصالح والسياسات المدمِّرة وشريعة الغاب... إنه جثة هامدة، كلٌّ ينهش من حيث يشاء ومتى ما يشاء وحين يشاء (لو 37:17)، فنحن ليس مَن ينهشنا نسراً ولكن إرهاباً مزيَّفاً، كلمة حاقدة، إرادة شريرة، داعشاً إسلامياً أصولياً، ومحسوبية قاتلة وطائفية مميتة، حيث قتل ملايين من المسيحيين وبالخصوص من الأرمن، في الماضي القريب، وحتى الساعة، أليس هذا ما يجعلنا أن ندرك أن الواقع هو الاضطهاد، والحقيقة هي القتل والذبح والتهجير، وآلتها السيف والإطلاقة والساطور والتحقير والتكفير من كبار الخلفاء وعبيدهم الأمراء ومن صغار الزمن سرّاق الحياة وغير مبالين بأن الوطن والإنسان هبتان من الله لأبنائه، وإن الخليقة صورته؟... وبئس المخططين والمنفذين والمدّعين والمكفّرين فما هم إلا أشرار... إنهم أحفاد هيرودس وبيلاطس الذي خلط دماء الجليليين بذبائحهم (لو1:13)، وكأن التاريخ يصف لنا السيوف والمسلّطين ورسالتهم الشريرة في الدنيا للبقاء، ففي ذلك ما هم إلا بشر مفترسون، وأمّة قاتلة، ودولة إرهابية تذبح الأبناء الأصلاء كي تقلع جذورهم من التاريخ والحياة، وجعلوا من حقيقة الكتب رسالة مزيَّفة ليس إلا!!!.

سؤال اليوم
سؤال اليوم، سؤال ناقص بلا رجاء ولا أمل: هل سنعود؟، فقد طال الزمان ومالت السنون إلى الغروب والنسيان، وغابت الشمس عن كشف قضيتنا... وعود ووعود، فالأغنياء قد رحلوا أحراراً، كونهم يملكون نِعَماً وخيرات، درهماً ودولاراً، بحيلة أو بشراء تأشيرة بمال فاسد أو عبر المراكب والأمم، فالمهم أن يرحلوا، أن يكون كل منهم إله الساعة وأهل الواو وفيتامينه، ومن حقهم أن يسبقونا في الرحيل، فهل هناك حقاً أمل في العودة إلى ديارنا وقُرانا ومدننا؟... إنه سؤال الفقراء ومحدودي الدخل... سؤال الذين لا معين لهم كونهم ليسوا أصدقاء أو أقرباء روّاد دور العبادة والأديرة لكي يرحّلوهم ويلمّوا شملهم، وكأن خلاص أصدقاء أرباب العبادة فقط، هم من مدعوّي العرس وهؤلاء فقط يجب أن يذوقوا العشاء (يو1:2-11)؟ إنه سؤال الذين يؤمنون بقدسية ترابهم دون النظر إلى غنى المصالح وبهجة الدنيا والزمن، وهؤلاء أعدادهم بعدد الأصابع إنهم فقراء وساكنو الساحات وفارشو الطرق، وهؤلاء ليسوا في المحسوبية ولا في الطائفية وليسوا من أقرباء الأمراء وحاشياتهم، ولا من السادة وكبار القوم ومديري الحركات وقائدي الثورات، بل هم فقراء الرحمن ومعوَّقو البابا فرنسيس، إنهم الأغلبية الحقيقية وليس الأغلبية الكبريائية المصلحية.

نعم، إنه سؤال الساعة، هل يطرقوا أبواب الهجرة والرحيل، والكنيسة، أيضاً، تضعهم أمام حريتهم واختياراتهم؟... هل يبقون وينتظرون مَن يملأ بطونهم ويشفي غليلهم بكلمات الرجاء والأمل وإنْ كان بعض منهم في حالة الشك واليأس، صباح مساء، ويزداد شكّهم صباحاً حينما يخافون من المستقبل، وينامون مساءً تعساء وبؤساء على مصيرهم ومصير أولادهم؟ إنني أتعجب لأناس يملئون علينا إراداتهم، ويعتبرون أنفسهم قاداتنا زوراً، ويسيرون واذيال أثيابهم وبناطيلهم تدعونا للأنحناء، ويزداد تعجبي حينما يقدسون فاسدي الزمن، وينزهونهم من كل دنسٍ، وهؤلاء يعتبرون أنفسهم أسياداً ومسلطين بمالٍ ليس لهم، وكأن الله (سبحانه وتعالى) لم يُنزِل من السماء غيرَ هؤلاء، ويستمعون إلى آخرين وهم يطوّلون كتاباتهم، ويملكون جوازات الرحيل، يسافرون حينما يشاؤون، فيلعبون ويمرحون ويقولون بتوصية تعبدية:"إبقوا ثابتين في بلادكم"، إقرأوا آيات الإنتظار، أيَ إنتظار؟ إنتظار المستقبل المجهول؟ ويطيّبوا خواطرهم بكلام الأحبّة "أنتم أصلاء، ولكن حقيقتكم لا تعلمونها"، وهي أنّ مستقبلكم في مجهول، ليس إلا   نعم وآمين... وإلى الحلقة الأخيرة... إنها الخاتمة.


49
   بمناسبة الذكرى المؤلمة الثانية للنزوح

بداية النهاية
الحلقة الأولى: اضطهاد وسؤال في المصير

المونسنيور بيوس قاشا
   في البدء
في صحف"الغارديان ونيويورك تايمز" المعروفةوالعريقة بشهرتها وبوسع
انتشارها بدأت تتصدّر إيحاءات واضحة وجليّة من المراكز القريبة منها بأن الشرق في مدى السنوات الخمس القادمة سوف لن يبقى فيه مسيحيٌ واحدٌ ، إنه تصريح خطير وبالغ الأهمية ، ويحمل حقيقة مؤلمة إذا ما تحقق، وإنه لمن يفهم لغة الغرب أي إنه قرار وسينفَّذ ضمن هذه الفترة، بالخصوص إذا كانت مصالحهم تتوافق مع هذا الإيحاء أو هذا المخطط. كما نشر مراسل صحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية "دانيل ويلياميز" في العراق وباحث سابق في مؤسسة هيومان رايتس وتش تقريراً حول معاناة المسيحيين العراقيين تحت عنوان "انتهاء المسيحية في العراق"، قائلاً:"إن جزء من خطاب الرئيس الأمريكي "باراك أوباما" في 10 سيبتمر2015، والذي دار حول تنظيم داعش، كان ضرورة مساعدة المسيحيين وغيرهم من الأقليات الدينية الذين طُردوا من المدن والقرى في شمال البلاد".
وحسب تقرير جديد صدر عن مؤسسة الإعانة البريطانية التي يدعمها رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون، فإن المسيحية يمكن أن تنقرض في العراق في غضون 5 سنوات.وكان هذا التقرير الذي يبحث في شؤون الاضطهاد الذي تتعرض له جماعات المسيحيين عبر أرجاء العالم، حيث جمعته المؤسسة الناشطة في مجال الإغاثة لصالح الكنيسة، معروضاً للقراءة أمام مجلس اللوردات البريطاني قبل أيام قليلة. وبموجب ملاحظات أدلى بها رئيس الوزراء البريطاني كاميرون لصحيفة "كاثوليك هيرالد"، فقد بدا واضحاً دعم الأخير لتفاصيل التقرير وما ورد فيه، لاسيما حقيقة أن المسيحية تتعرض إلى عملية تمييز ممنهجة ضدها، وإن أبنائها يُستَغَلّون ويُطرَدون من أوطانهم ومنازلهم حتى، وإن ذلك يجري كل يوم دون إنقطاع.وتقول مجلة "نيوزويك": إن "هذا التقرير يسلط الضوء على محنة المسيحيين في العراق، هذا البلد الذي عانى عدم الاستقرار السياسي منذ حرب العام 2003 فضلاً عن الاضطهاد الذي جاء به تنظيم داعش الإرهابي الذي أمكن له أن يقلّص أبناء هذه الطائفة إلى حوالي ربع مليون مسيحي عراقي بعد أن كان عددهم يربوا على 1,5 مليون في زمن النظام السابق.
نعم، إنها مقدمة مخيفة ومسيرة متشائمة وإن كانت كذلك فأنا لستُ متشائماً ولكن يجب أن نكون حكماء العقل والفهم والإدراك أمام هذه التقارير حقيقة كانت أم لا، واقعية كانت أم لا،أكيدة كانت أم لا، المهم أن ننتبه ونحن حاملين أملاً ورجاءً... فالمسيحي لا يُعرَف بدينه ولا بمذهبه وقوميته بل بوطنه.

   أمل ودمار
ما هذا الذي يحصل في عراق الخير، في أرض الآباء والأجداد، في سهل نينوى المسيحي وبلداته؟. هل هو حقيقة الحقد والكراهية، أم عراك من أجل كراسي المصالح والمحسوبيات، أم أحداث أليمة خلّفتها ظروف قاسية وأوقات حاسمة ومصيرية مرّت بالعراق بسبب حكّامه ومناصبه وكراسيه، وأوصلتنا إلى ما نحن فيه من حالة اقتتال وتهجير ونزوح وتشريد؟. ظروف قاسية بسبب حروب بالية أكلت أموالنا وحصدت أجساد أبنائنا وإنْ لم يكن لنا فيها غير إخلاصنا وحقيقة إيماننا وحبنا لذرات ترابنا، وربما هذا لم يدركه إخوتنا في الوطن إلا أننا غرباء، فاجتمعوا من أجل إزالتنا ومحو أصالتنا وتشويه سلوكنا من أجل حقيقة بائسة أرادوها ليبرّروا مآربهم، وأصبحنا لا نرى إلا إننا راحلون، ولا نقرأ إلا إننا مغادِرون ولا مصير لنا في أرضنا، ولا نفكر إلا بأن الأرض تلفضنا. فبعد حروب مرّت علينا كغمامة سوداء، وحصار ظالم حصد أجساد الأبرياء والأطفال والنساء، ودخلنا تاريخ الاحتلال وكنا نأمل ولكن أملنا أصبح لنا دماراً، فأتانا داعش الإرهابي، أخافنا باسمه وهجّرنا بأعلامه وأجبرنا على ترك بيوتنا وممتلكاتنا، وفرض علينا جزيته وذمّته لا لسبب إلا لأننا مسيحيون، وأصبحنا صيداً سهلاً أمام أنظار كبار الدنيا ومخططات المصالح، وكُتب علينا الموت أو الرحيل من أجل شعوب أخرى وإنْ كانت غريبة الأصول. هكذا هو الألف الثالث، وذلك يجب أن يكون.

   حلول وقرارات
بالأمس كما اليوم لا زلنا نفتش عن حلول ناجعة وقرارات جدية لوجودنا المسيحي وحقيقة أرضنا ونقاء ديموغرافيتها في قُرانا ومدننا وبلادنا المسلوبة قسراً ودون إرادتنا وبلا أحقية، ولكن حتى الساعة بلا جدوى ولا أمل لعودتنا إلى ديارنا، ولا مجال للوعود التي قيلت ومن على المنابر تُذاع، ولا بصيص نور يرينا سبيل الحقيقة في سؤال لماذا الذي حصل؟... وما هي الخطيئة التي ارتكبناها وطال صبرنا؟... وفي ذلك يتجدد سؤالنا كل صباح من صباحاتنا الأليمة وكل مساء من مساءاتنا الحزينة حتى ما يا أبانا؟...حتى ما يا سيدنا؟... حتى ما يا إلهنا؟... ويأتينا الجواب خيالاً نعتبره حقيقة "إن شاء الله غداً"، نعم غداً ستُقرَع أجراس العودة، ومَن سيقرعها؟... هل الرحلات المكوكية لأصحاب الصفوف الأولى أو المؤتمرات العالمية التي فيها نكشف أسرارنا ليقرروا أهدافهم، أو اجتماعات إقليمية ومحلية وعائلية ليسألوا عن عددنا وكم بقينا، وهل سنبقى أو هل سيدوم وجودنا أم ستموت حضارتنا. فالإعلام شيطان أخرس وعليم في سرقة أخبارنا وأقليتنا وبطاقة وطنيتنا وهوية أحوالنا ليعلن كثعلب ماكر أن هؤلاء لا زالوا في الحياة فلا حسم لقضيتهم، وهو يدرك أن لا قضية لنا لأن مصالحنا وكبرياءنا أعمتا أنظارنا، وأضاعتا حقوقنا، وأطرشتا آذاننا، وأصبحنا عمياناً نقود شعوباً تائهة (متى 14:15) وكأننا آلهة المسيرة (يو34:10)، فكُتب علينا النزوح وبمذلّة ، لم أقرأ عن مثيلاتها ، إلا أيام الحزب الشيوعي والماسونية، وافترشنا أراضي الجيران في حدائق وكرفانات وأخرى، وأعلنّا فشلنا بسبب تقديس فسادنا وفساد مدرائنا وأصحابنا وكبار مسيرتنا، وإن لم تكن الدراهم مُلكهم بل مُلك سيدهم وسجّلنا مالهم مالنا... إنها معاناة في أزمنة صعبة وحالة أسوأ.

   حضور واستهداف
نعم، يقول غبطة أبينا البطريرك روفائيل الأول ساكو:"إن معظم المسيحيين كانوا يعيشون في المدن الكبرى وفي الريف لاسيما في قرى سهل نينوى، ويشتغلون "في مجالات الحياة"، وحضورهم كان مؤثراً بسبب ثقافتهم وإخلاصهم، ولكن بسقوط النظام (الاحتلال) بدأ مسلسل استهدافهم بشكل مباشر مما دعاهم إلى الهجرة وهدّد وجودهم الكارثي في المنطقة" (ساكو؛ كانون الأول 2004). هُجّروا وتوزّعوا على أرض كوردستان في ليلة مشؤومة مساء وفجر 6 آب 2014 أي قبل حوالي اثنين وعشرين شهراً ومنها إلى أرجاء المسكونة بدءاً من الأردن _ لبنان _ تركيا _ مصر على أمل الوصول حيث اللجوء بأنواعه، وما هو إلا جواب السؤال إلى أين؟. وهناك قرّروا البقاء ولا أمل في العودة. إنها أوقات حاسمة ومصيرية. إنها هزيمة وأية هزيمة. إنها إبادة جماعية لا وصف لها ولا مقياس، فالضحايا لا يقاسون اليوم بأعدادهم بل بوفاء مرؤوسيهم. إنه زمن الطائفية والمحسوبية والعشائرية والـ "عمّك خالك"، زمن المصالح والأنانيات ، بدءاً بكبار الزمن وانتهاءً بصغير الخدم وهؤلاء يُكتَب لهم النجاح إذا كنّا لهم من المهتمين وقارئي علامات الزمن وإلا ضاعت حقوقنا وأصبحنا تائهين في مسارات البحار الهائجة، لا ندري أين يحلّ مركبنا، وهل سنبقى نصيد شملنا فقد تعبنا كما تعب أحباءنا طوال الليل "تعبنا الليل كله ولم نَصِدْ" ( يوحنا 6:21). إنه ضياع.

  مصير وكارثة
أهذا هو مصيرنا!... أناس يموتون لأنهم مختلفون. نحن شعوب مسيحية لألفي سنة ونيف، بالأمس القرني ذَبَحَنا الجيران في إبادة لا توصَف، واليوم يعيدون تلك الكارثة وبصور أكثر تقنية. فعدوّ الأمس هو عدو اليوم، فهُدّد وجودنا حسب قانون الدول ووفق معاييره. ألم يؤكد ذلك الإعلان المشترك الذي وقّع عليه البابا فرنسيس والبطريرك كيريل للكنيسة الأرثوذكسية( كوبا 12شباط 2016) بـ "أن جميع العوائل والقرى والمدن لإخواننا وأخواتنا في المسيح تمّ إبادتها كلياً في العراق وسوريا، ودعا المجتمع الدولي إلى توحيد الكلمة في مواجهة الإرهاب والعنف"، وهذا ما أكّده البرلمان الأوروبي في مؤتمرات عدّة وكيف أن داعش ترتكب الإبادة الجماعية ضد المسيحيين والأقليات الدينية.
   نعم، قلتُها، ما حلّ بالمسيحيين كارثة بل إبادة واقتلاع من أصولهم، وهذا يعكس المسيرة المؤلمة لهم في أزمنة الحكم المختلفة، فهم كانوا ولا زالوا بلا حقوق حتى الصورية منها، والجريمة الكبرى هي الحروب التي خاضوها دون إرادتهم بأوامر صدرت إليهم وأودت بحياة عدد كبير من أبنائنا، منهم قُتلوا ومنهم سُجّلوا في سجلات المعوقين، ومنهم أُسروا ولحد الآن لا زالت عودتهم في خبر كان،ولا أحد يسأل عنهم، واليوم داعش يفتك ولا يزال يفتك كما يشاء بمدنهم وفي تدمير كنائسهم وأديرتهم وسلب ممتلكاتهم وتجريدهم من كل شيء وكأنهم آلهة الشر _ بل هم كذلك _ وأمام أنظار الجميع، الصغار والكبار، الحكّام والمرؤوسين... إنهم ضحايا. إنهم بين المطرقة والسندان عبر جرائم لا تُعَدّ ولا تُحصى، مرة في الخطف والسلب وأخرى في التهجير ومصادرة الممتلكات وثالثة في تغيير الانتماء الديني والقومي والديموغرافي لا لسبب سوى لأنهم مسيحيون، ووضعوهم أمام مستقبل مجهول وخيارات ثلاث أما إعتناق الإسلام أو دفع الجزية أو القتل، وأذاقوهم العذابات المريرة وأصبحوا تائهين كما حصل لقايين (تكوين 14:4)، وأصبحت الأرض التي رافقتهم في مسيرة الحياة لغيرهم وبعد أجيال وأجيال من العيش والإقامة، والحقيقة شاهدة إنهم ارتكبوا بحق المسيحيين أفعالاً بقصد التدمير بشقَّيه الكلي والجزئي، وأمام هذا كله كان ردُّ الفعل الدولي غيرَ منصفٍ وعادلٍ بحقهم، فمنذ سنوات وعصابات إرهابية تعيث فساداً في أرضنا أمام مرأى ومسمع الجميع من دول عظمى ومنظمات دولية، وإذا ما كان هناك ردّ فلم يكن بالمستوى المطلوب إزاء التدمير الذي لاقوه، فقد طالت أيام النزوح، وزادت قوة العصابات التي قتلت واغتصب ونهبت مدناً بأكملها وشرّدت مئات الآلاف من المسيحيين العراقيين... أليست هذه كلها إبادة وفق معايير القانون الدولي في ارتكاب أفعال بقصد التدمير!!!.

  مسيحية ووجود
ألا يحق لنا السؤال عن مصيرنا جميعاً؟... هل نحن سنبقى في حالة حرب وهزيمة، في حالة نزوح وهجرة ورحيل؟... هل ستطول الحالة أم ستنتهي؟... ماذا سنقول لأجيالنا؟... ومتى سنساهم ونشارك في سن قوانين بلدنا لنعلن حقوقنا وحقيقتنا ؟... هذه الأسئلة وأخرى تجول في فكر وخاطر كل مسيحي عراقي في الداخل والخارج. فالمسيحيون الذين خدموا هذا البلد بتفانٍ وإخلاص منذ آلاف السنين استبشروا خيراً حينها بسقوط النظام لعلّه سينصفهم ويحقق حقوقهم، إلا أن الذي حصل كان عكساً تماماً، فلا أحد سائلٌ عن وجودهم، والمقولة التي تقول "أن المسيحيين هم خميرة الشرق في ثقافتهم" أصبحت في خبر كان كما هو حال الحضارة في أصولهم... إنها ساعة _ أقولها _ على المسيحيين وضع استراتيجية في الصمود لمساعدة المسيحي على الثبات في أرض الأجداد، فلا يجوز بعد للمسيحي أن يفكر فقط في الرحيل وهو يخلع عنه أصوله في أرضه، ولا يجوز له أن يبقى دون رؤية حقيقية لوجوده وإلا كل شيء ماضٍ نحو الخراب والدمار واستئصال الجذور والوجود، صحيح، فإذا بقينا نعتمد الأعمال المرتجلة في عقد اجتماعات وحضور مؤتمرات، والتراخي أمام المنظمات وكأننا أفقر الفقراء ومن دون نتيجة، فلا مستقبل لنا، ولكن الحقيقة تدعونا إلى تظافر الجهود ككنائس ورؤساء. فالكنيسة تمثل حضور الله على الأرض، والمسيحيون أحراراً ولدوا وأحراراً يموتون كما كانوا للشرق نوره وملحه. فالمشكلة ليست في الوجود فقط بل في النعاس (متى 2:25)، فإذا نعسنا ضاع شرقنا ونبقى عمياناً وتموت الهوية ورسالتنا، وتتكرر خيانة يهوذا (مرقس44:14) وإنْ كانت ليست الخيانة الوحيدة في التاريخ ولكنها الأعظم، وستُحدّد خيانتُنا مصيرَنا وحقيقة وجودنا إذ بعنا ضمائرنا وعقولنا ليس مقابل المال فقط بل جعلنا شعبنا يصيح "أصلبه" وهم لا يدركون أن المسيح أتى إلى العالم ليخلّصنا.
نعم، يمضي العمر وقد تم ذبحنا "وحُسِبْنا مثل غنم للذبح"(رو36:8) وأكيداً توهم الذين يقتلوننا أنهم يقدمون لله عبادة (يو 2:16)، وهنا يجب أن نتوقف ولننتبه فالجلوس في أماكننا لنراقب الأحداث وننتظر الآتي ونراوح محلّنا ونرى بأعيننا غليان الشرق وفيضان المستقبل المجهول والعديم الملامح وصدور الحلول بحقنا، فقد أضعنا قضيتنا، وشاركنا في محو وجودنا، ولا يملون علينا إلا ما يريدونه هم، وسنبقى مشرَّدين نفتش عن أفراد عائلاتنا ولن نجدهم إلا مشتتين في أقاصي الأرض. فاليوم لن نحتاج إلا إلى مشروع مسيحيوليس إلى التفاعل العاطفي، ولكن غياب هذا المشروع جعلنا بلا قرار، ولا زالت الذكرى الثانية البائسة للنزوح تجرّ أذيال اليأس والقنوط حتى الساعة، مما جعلني أعيد ذكرياتي إلى ما حلّ بكنيسة سيدة النجاة واقتحامي لإحصاء عدد الضحايا والشهداء والقتلى وكنت فيها الشاهد الواعي للحقيقة التي حلّت ، وكأن الكارثة آنذاك كانت جرس إنذار وناقوس ميعاد لِمَا سيحلّ بالمسيحيين وبالمسكونة (متى26:21) من طرد واضطهاد، وقتل وتهجير، ونهب لأملاكهم، وسرقة لأموالهم، والإستيلاء على بيوتهم، كما كان الحال في مذابح سابقة... فكان الرحيل والهجرة.

   الهجرة والحقيقة
أمّا نزيف الهجرة، فتلك مصيبة الكوارث وحقيقة مؤلمة، ورسالة المصالح وغاية الحقد وعدم قبول الآخر في أن نكون أو لا نكون. وما يؤلمني أن أكتب _ إذ قال أحدهم _ يكفي لي أن أصبغ أحذية أهون لي من أعيش في... ربما وربما أمام سرقة كل ما ملكوا ويملكون من مستمسكات رسمية وأموالهم التي كانوا يظنون أنهم سيورثونها لعيالهم وأحفادهم باتوا اليوم بلا مأوى، و"حتى فلس الأرملة" (مر42:12) ضاع عن أنظارهم فراح العدد الأكبر منهم يبحث عن مستقبل في بلد آمن، من أجل ملجأ هادئ، فلا بلد بعد اليوم، بلد الأصلاء والأصليين، فبقلاوة نينوى بدهنها وسكّرها دُعشت، والكنيسة الخضراء هُدمت، والدولاب كُسّر وأَجلُه قد حانَ، وشيّعوه بالتفخيخ والتفجير، ولم يعد يسأل عن أحبائه وأصوله، والفرات نشف ولم يعد يكون، وهكذا أراد أصحاب الأمر والشؤون، فكل ذلك وأخرى تركوها خلفهم ورحلوا مدّعين أن لا وجود لهم بعدُ في هذه الدِيَار، متمّمين قول الشاعر:"بالأمس كانوا هنا واليوم قد رحلوا"، وقول أصولهم رحل من هنا على رجاء القيامة أبناء البلد الأصلاء، فقد أبعدهم الإرهاب إلى عبور البحار والمحيطات بدعوة رسمية وبرسالة ولادية وبناتية وشملية وبأشكال أخرى متعددة وطرق لا يعرفها إلا مطابع القرار وختم الأسرار.فالحروب والصراعات الطائفية وتداعياتها على تدهور الوضع الأمني والاقتصادي وغياب سيادة القانون والمساواة خلافاً لما هو موجود في الدول المتقدمة وتنامي التطرف الديني، كل هذه الأمور أدّت وتؤدي إلى اجتثاث المسيحيين وتدفعهم إلى الهجرة، علماً أن هذا النزيف هو خسارة للبلد والمنطقة.
نعم،لقد نخرت الهجرة صفوفنا وشتّتت كياننا وهدمت حضارتنا فتلاشى وجودنا ولم يبقَ لنا من ذكر في تاريخ مسيرة الوطن وخاصة نحن السريان بشقَّينا، ففي الأمس القريب أصابتنا تدريجياً مع الحروب والحصار ونكران الحقوق وباسم الأقليات والمكوِّنات، واليوم بسرعة لم تكن في الحسبان بالخطف والإرهاب والقاعدة وداعش، ففقدنا حقوقنا وخسرنا أملاكنا أو بعناها برخص من أجل عدم العودة والفرار، ومحى التاريخ ذاكرتنا ولم نعد نبالي بوجودنا إنسانياً ومسيحياً في أرض الرافدين التي عشنا فيها وبنينا حضارتنا ورفعنا اسم أجدادنا وآبائنا.
صحيح إن الهجرة اختيار حُرّ وكل حسب قناعاته واختياراته، ولكن يجب أن ندرك أن الهجرة، فردية كانت أم جماعية، فهي ليست بحد ذاتها حلاً مثالياً وإنْ كان آنيّاً بسبب الوضع الراهن، فالخوف من الرحيل وعدم العودة وخاصة ما سنعانيه من أطفالنا الذين سيكبرون في الخارج فلا أرض لهم إلا حيث هم، فهذا ما يدعونا إلى الخوف من الآتي و من المؤسف لازال البعض لا يبالي به ، بل أقولها حقيقة وليس شؤماً _ شئنا أم أبينا _ إننا لا نملك من مقومات تجعلنا أن نصلح ما أفسده الدهر وما جناه الخوف، وما شوّهه صاحب السلطان وذو الضمير الفاسد، والشيطان القديس ،ونخاف أن نقول الحقيقة كي تهمل مشاريعنا ، وان كان على حساب الضمير والايمان ، وكأننا عبيد لا نملك سوى الخنوع ولا مستقبل لنا إلا بوجودنا عبيداً ، أليست هذه تحديات قاسية .

خاتمة الحلقة الاولى :
إنها تحديات... نعم تحديات الضياع والتبعثر والذوبان وهذه هي الحقيقة، إنه قد ضاع صوتنا، وضاع وجودنا، فهل يمكن للمسيحية البقاء في ظلّ الامتداد الديني والمذهبي والقومي والطائفي ،ومسيرة  النزاعات الدينية والقبلية والعشائرية و..و .. الحاصلة والأمن الغير المستتب، بسبب الدواعش والميليشيات؟ أليست هذه التحديات إضطهاد وابادة ، اليست هي التي  قادتنا الى السؤال في المصير، اقولها بكل ألم نعم والف نعم  ، والى حلقة قادمة (الثانية) من "بداية النهاية"... نعم وآمين.


50
شكر و تقدير من الاب المونسنيور بيوس قاشا

وإذ تحلّ علينا الذكرى (20) لصدور مجلة الزنبقة (15 أيار 1996- 15 أيار 2016)
يتقدم

المونسنيور بيوس قاشا رئيس تحريرها بالتهنئة القلبية إلى جميع القراء الأعزاء وأبناء رعية مار يوسف ويقدم لهم الشكر الجزيل فهم سندوا وساندوا مادياً ومعنوياً في استمرارية وديمومة صدورها وانتشارها لكي تبقى شاهدة لمسيرة الحياة رغم الظروف القاسية التي مرّت فيها. كما يشكر جميع مدراء المواقع الالكترونية الذين كانوا  يعلنون  مواعيد صدورها على صفحات مواقعهم  وباخصوص موقع ابونا الاغر وموقع عنكاوة وزينيت وليباركنا جميعا رب السماء لاعلان كلمة الحقيقة في البشرى السارة في وقته وغير وقته .


51
لنحكّم عقولنا في السيرة والمسيرة

المونسنيور بيوس قاشا
   في البدء
أُهنئ قرّائي الكرام بقيامة المسيح الحي من بين الأموات، ذاك الذي أحبنا حتى الموت، فقد بُعِثَ حياً، فهو يحيا فينا... إنه رسالة وحياة... وكل عام وجميعنا رسل الخير والسلام والبشرى والخبر السار ودمتم.
نعم، تحدياتٌ عديدة تواجه المسيحيين في بقاع الشرق الأدنى والشرق الأوسط، كما أخذ الإرهابيون بقتل المسيحيين وتكفيرهم وطردهم من قراهم ومدنهم وهدم حضارتهم وإنزال صلبان كنائسهم وكسرها ورميها وإجبارهم على دفع الجزية وبيع ممتلكاتهم أو الإستيلاء عليها باسم ممتلكات الغزوات من غنائم حروب وقتال، كما قامت بعض التيارات الأصولية بنهب وسلب عقارات المسيحيين الأبرياء والذين لم يرتكبوا خطيئة بحق شعوبهم سوى أنهم أمناء لإيمانهم وأوفياء لأوطانهم، وأجبرتهم القوة وأصوات الوعيد والتهديد بأن يهاجروا ويتركوا بلدانهم فيكونوا ضحايا التعصب الأعمى، وهذا أخذ يمتد في مساحات هذا الشرق، وفي أوطان مختلفة، كما أخذت التيارات المنغلقة تمتد جذورها في أسس الحياة اليومية وإجبار الضحايا أن يكونوا مطيعين خنوعين وإلا بقاؤهم فناء، والسيف هو فانيهم... وهذا ما يجعلني أنشد أنّ الأديان لا تحمل إلا دعوة إلى التسامح والغفران، كما تدعو إلى الخير والعدالة والأخوّة ومحبة الإنسان "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ" (الحجرات؛ 13) وهذا ما يتطلب من المؤمنين بشريعة قبول الآخر بالتسامح. فالتسامح رسالة تعترف بوجود الآخر وبالغير، المختلف، فرداً كان أم جماعة، كما يعترف بشرعية ما لهذا الغير من وجهة نظر ذاتية في الإعتقاد بكل حرية، فلا إكراه في الدين، وما الدين إلا علاقة الإنسان مع خالقه، ثم مع مَن في دنياه، من أجل تنمية وتعزيز المساحات الإنسانية المشتركة بين البشر أجمعين، وكأخوة في رحاب الله الواسعة.
وأمام هذه التحديات يقف المسيح الحي مناشداً البشرية بأهلها بعيش المحبة عبر مسيرة الحياة من أجل الإنسان في حقيقة الرحمة والغفران والكلمة... وفي هذا يوصي قداسة البابا فرنسيس في مرسومه "يوبيل الرحمة" _ الذي فيه تلتزم الكنيسة _ بكرازة جديدة، وفيه يدعو الجميع ويدعوكم إلى طريق العودة في التوبة نحو الآب الذي أحبّنا، لذلك لنعرف ونفهم بعضنا بعضاً بشكل أفضل، ولنترك كل شكل من أشكال الإنغلاق والإزدراء، ولنبعد كل شكل من أشكال العنف والتمييز.

   بولس وشاوول
من المؤكَّد أنكم قرأتم سيرة بولس الرسول، والرسول هذا أحد حواري السيد المسيح الذي قال عنه القرآن الكريم "فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا" (التحريم؛ 12 والأنبياء؛91)، "وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ" (البقرة؛ 87 والبقرة؛ 253 والمائدة؛ 110)... نعم، إنه المسيح الحي، وإنْ لم تكونوا قد قرأتموها فهي ذي الحكاية كما أُنزلت، وإذا ما استأنستم بمسيرة حياته، أتمنى أن يكون مَثَلَكم في السيرة والمسيرة، في الإيمان والحياة، في الشهادة والحقيقة، فبولس هذا هو نفسه الذي حمل اسم "شاوول" وكان يهودياً واشتهر بسطوته على الكنيسة وعلى مؤمنيها، وكان يدخل بيوتهم ويطرد مَن فيها ويسبيهم كما أنتم  اليوم، كما كان يجرّ رجالاً ونساءً ويسلّمهم إلى السجن، وفي هذا كله كان "يَظُنُّ كُلُّ مَنْ يَقْتُلُكُمْ أَنَّهُ يُقَدِّمُ خِدْمَةً للهِ" (يوحنا2:16)، كما يقول هو عن نفسه في شهادة أمينة (يقول):
"أَمَّا شَاوُلُ فَكَانَ لَمْ يَزَلْ يَنْفُثُ تَهَدُّداً وَقَتْلاً عَلَى تَلاَمِيذِ الرَّبِّ، فَتَقَدَّمَ إِلَى رَئِيسِ الْكَهَنَةِ (الحاخام) وَطَلَبَ مِنْهُ رَسَائِلَ إِلَى دِمَشْقَ، إِلَى الْجَمَاعَاتِ، حَتَّى إِذَا وَجَدَ أُنَاساً مِنَ الطَّرِيقِ، رِجَالاً أَوْ نِسَاءً، يَسُوقُهُمْ مُوثَقِينَ إِلَى أُورُشَلِيمَ. وَفِي ذَهَابِهِ حَدَثَ أَنَّهُ اقْتَرَبَ إِلَى دِمَشْقَ فَبَغْتَةً أَبْرَقَ حَوْلَهُ نُورٌ مِنَ السَّمَاءِ، فَسَقَطَ عَلَى الأَرْضِ وَسَمِعَ صَوْتاً قَائِلاً لَهُ:"شَاوُلُ، شَاوُلُ! لِمَاذَا تَضْطَهِدُنِي؟" فَقَالَ:"مَنْ أَنْتَ يَا سَيِّدُ؟" فَقَالَ الرَّبُّ:"أَنَا يَسُوعُ الَّذِي أَنْتَ تَضْطَهِدُهُ". فَقَاَلَ وَهُوَ مُرْتَعِدٌ وَمُتَحَيِّرٌ:"يَا رَبُّ، مَاذَا تُرِيدُ أَنْ أَفْعَلَ؟" فَقَالَ لَهُ الرَّبُّ:"قُمْ وَادْخُلِ الْمَدِينَةَ فَيُقَالَ لَكَ مَاذَا يَنْبَغِي أَنْ تَفْعَلَ". وَأَمَّا الرِّجَالُ الْمُسَافِرُونَ مَعَهُ فَوَقَفُوا صَامِتِينَ، يَسْمَعُونَ الصَّوْتَ وَلاَ يَنْظُرُونَ أَحَداً. فَنَهَضَ شَاوُلُ عَنِ الأَرْضِ، وَكَانَ وَهُوَ مَفْتُوحُ الْعَيْنَيْنِ لاَ يُبْصِرُ أَحَداً. فَاقْتَادُوهُ بِيَدِهِ وَأَدْخَلُوهُ إِلَى دِمَشْقَ. وَكَانَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ لاَ يُبْصِرُ، إِلى أَنْ ذَهَبَ إِلى حيثُ أَرادَهُ الله، وهُناكَ وَضَعَ حَنَانِيَّا يَدَيْهِ عَلَى رَأسِهِ فَلِلْوَقْتِ وَقَعَ مِنْ عَيْنَيْهِ شَيْءٌ كَأَنَّهُ قُشُورٌ، فَأَبْصَرَ فِي الْحَالِ، وَقَامَ وَاعْتَمَدَ. وَلِلْوَقْتِ جَعَلَ يَكْرِزُ فِي الْمَجَامِعِ بِالْمَسِيحِ (أعمال الرسل 1:9-20)... وما أصدقها من مسيرة في حقيقة هدفها.

   وشاهد آخر
   كما يقول شاهد آخر من حواري المسيح وهو إسطيفانوس، أول شهداء المسيح الحي الذي تظطهدونه، والذي إستشهد حباً بسيده _ والتي يحلو لكم تسميتها بالنصرانية، والحقيقة ما أدراكم ماهي المسيحية وما هي النصرانية _ قال لليهود:"يا قساة الرقاب، لماذا تقاومون الحقيقة"، وتملئوا آذانكم صوت القنابل وطبول تدمير الحضارة، وفي ذلك جعلتم من إنسانيتكم الملوَّثة بالدماء حقيقة مزيَّفة، ورذيلة واضحة في قتل الأبرياء وتكفير المؤمنين الأتقياء، وحرقتم كتب الثقافة والإيمان بالله والعليّ القدير، وجعلتم من سيرتكم إجراماً وإرهاباً وخطيئةً وسواداً، واقتفيتم ما شئتم، ومكرتم وسع أفكاركم ولكن كان "اللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ" (آل عمران؛ 54).

   صراخ وأمهات
لا أعلم هل أنتم ملائكة لأبالسة الشرّ أم أبالسة لملائكة الجحيم؟... هل أتيتم من أرضٍ ملأتكم حقداً وشرّاً أم أنتم تجسيد لأفكار صُنعت في مقرّ الجحيم وفي سواد الظلام؟... فلا ترتوي أفواهكم إلا من دماء الأبرياء، نعم من دماء الأبرياء، ولا تشبع بطونكم الجوفاء إلا من أشلاّء ملائكة الجنة، الصغار والرضّع والصبيان، ولا تمتلئ آذانكم إلا من صراخ الأمّهات التقيّات على المغدورين من فلذّات أكبادهم وأنين جرحاهم وفقدان أحبّتهم، ولم تُشبِعوا شهواتكم إلا بسبي البريئات من المختلف عنكم لأنهن أَطهر منكم، وفي ذلك ما أنتم إلا مخالب للشيطان الرجيم بسواد اللباس المميت، وله أنتم صاغرون،"إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ" (البقرة؛ 115).
   
  المسيح حيّ
بإمكانكم أن تتصفّحوا بشارة الإنجيل للمسيح الحي حيث"يُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ" (آل عمران؛ 48)، فهو الذي قال:"أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ" (آل عمران؛ 49)، أو أن تقرأوا بعض آيات من إصحاحاته، سترون أنه يقودكم إلى حقيقة الحياة "إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلاَ تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ" (البقرة؛ 119) "فَقَدْ أَبْلَغْتُكُم مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَرَبِّي عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ" (هود؛ 57)، فهو يرسم لكم مخططاً لمسيرة السلام والتوبة والحقيقة والدفاع عن الله، إنه الرحمن الرحيم."فَاسْتَغْفَرُواْ اللَّهَ فستجدوا اللَّهَ تَوَّاباً رَّحِيماً" (النساء؛ 64)، وإذا ما اعتبرتموه كتاب الكفّار والنصارى فأنتم "فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ" (الأنعام؛ 74). نعم، ولا تكونوا من الظالمين كي لا تكونوا "فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ" (مريم؛ 38)، فقد قال القرآن الكريم أيضاً:"قُل رَّبِّي أَعْلَمُ مَن جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ" (القصص؛ 85)، نعم "لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ" (الشعراء؛ 97 والأنبياء؛ 54).
فإنه _ أي المسيح _ هو كلمة الله "إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ" (آل عمران؛ 45)، و"هذَا هُوَ ابْنِي الْحَبِيبُ. لَهُ اسْمَعُوا" (لوقا 35:9)، وقد أعادها مرتين وفي حدَثَيْن هامَّيْن من مسيرة الخلاص والفداء والتي أعلنها المسيح الحي داعياً إياكم إلى محبته تعالى والإعتراف بخطاياكم كي تُدركوا ما أعظم حب الله، فقد قال:"لَيْسَ لأَحَدٍ حُبٌّ أَعْظَمُ مِنْ هذَا: أَنْ يَضَعَ أَحَدٌ نَفْسَهُ لأَجْلِ أَحِبَّائِهِ" (يوحنا 13:15)، فالله دعانا جميعاً أحبّاء وليس عبيداً، "لاَ أَعُودُ أُسَمِّيكُمْ عَبِيداً،لأَنَّ الْعَبْدَ لاَ يَعْلَمُ مَا يَعْمَلُ سَيِّدُهُ، لكِنِّي قَدْ سَمَّيْتُكُمْ أَحِبَّاءَ لأَنِّي أَعْلَمْتُكُمْ بِكُلِّ مَا سَمِعْتُهُ مِنْ أَبِي" (يوحنا 15:15) وهذه هي الحقيقة "إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ" (آل عمران؛ 37)، "إِنَّهُ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ" (البقرة؛١٢٧).

   سلاح وحوار
نعم، أنتم أقوياء بسلاح القتل وتتوعدون ولكن الحقيقة أنتم أضعف خلق الله، لأن القوة ليست بسلاح الغرب ومصانعه وفتاوى الشرق ورجاله بل بسلاح الحوار المحب. فالقوي رسالته الحوار، والكلمة الطيبة "صَدَقة"، والسلام ليس إلا، وما أراه لا تؤمنون بقضية غير تدمير الآخر المختلف وكأن الجاهلية وعصورها وثقافتها قد تجسدت فيكم، فأفرغتم في عقولكم المظلمة جهلاً وتخلّفاً، وسكنت فيكم خطيئة سادوم وعامورة، وجعلتم ورسمتم مسيرتكم وأنفسكم أنكم سفّاكي دماء النقاء لتُظهروا فساد دمائكم، وزرعتم في زوايا العالم والموت والبلدان شرّاً ودماراً وكأنكم آلهة لأشرار القصور، فدمّرتم حضارة السماء، وأَمَتّم إنسانية النطفة، وشوّهتم صورة خالقها بأعمالكم المشينة في حرق الضحايا الأبرياء "إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ" (الكهف؛ 13)، وسكبتم غضب جهلكم وظلاميّتكم ليظهر إرث وحشيّتكم وعلم أصولكم، وأظهرتم ما أنتم إلا "ذِئَابٌ خَاطِفَةٌ" (متى 15:7) لتعيدوا البشرية إلى عصر الغاب في حكم الظلام، وبئس مَن كان لكم دليلاً ومرشداً، "وكان الله خير الراشدين وهو "عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" (آل عمران؛ 165).

   جنة ونون
ما أجمل البشارة بجنّة الله وبالسماء السابعة، ومن الواجب علينا كلنا أن نحمل هذه البشارة إلى الخلق أجمعين، ولكن الحقيقة أنكم جعلتم منها جنّة لأوهامكم وأحلامكم وسباياكم وحورياتكم، فرسمتم أسطورة العبث بخلق الله، وكتبتم مسيرة الإغتصاب نهج أفكاركم، فبعتم ما شئتم من جنّتكم إلى عبيدكم، فهل الجنة الموعودة قد سَلَّمت إليكم مقاليد مفاتيحها أم أنتم سرقتم ذهب الملأ لتصوغوا لكم مفاتيح الشر، فتتقاسموا بأجواء السماء وتزرعوا الشرّ والكراهية في طيّات الأرض، فأنتم عبيد جنّاتكم، ونحن أحباء سيدنا، وأصبحتم _ وما ملكتم _ قبوراً وأنتم لا زلتم تدبّون البسيطة بهواكم ورذيلتكم... أهذه هي بشارتكم؟. "فاسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلاَ تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ" (هود؛ 52)، و"تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ" (هود؛ الآية 61).
هل تعلمون أن السماء التي يبشر بها المسيح الحي تحوي على "مَا لَمْ تَرَ عَيْنٌ، وَلَمْ تَسْمَعْ أُذُنٌ، وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى بَالِ إِنْسَانٍ: مَا أَعَدَّهُ اللهُ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَهُ" (1كورنثوس9:2)؟... وهل تعلمون أن الناس فيها يوم القيامة "لأَنَّهُمْ فِي الْقِيَامَةِ لاَيُزَوِّجُونَ وَلاَ يَتَزَوَّجُونَ، بَلْ يَكُونُونَ كَمَلاَئِكَةِ اللهِ فِي السَّمَاءِ" (متى 30:22)؟، عكس جنّتكم التي تجري من تحتها جداول الدموع وأنهار الدماء، ويقطنها أشلاّء القتلى وصراخ الأمهات إنه "مَثْوَى الظَّالِمِينَ" (سورة آل عمران؛ الآية 151)، بسبب ما ذبحت سيوفكم وسواطيركم وهي تشكو ربها "لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ" (يوسف؛ 2)، "وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ" (النمل؛ 93).
هدّدتم روما وقداسة البابا، والبابا فرنسيس _ رسول الرحمة والمحبة _ قابلكم بالصلاة والغفران عملاً بقول المسيح الحي:"لكِنِّي أَقُولُ لَكُمْ أَيُّهَا السَّامِعُونَ: أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ، أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ، بَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ، وَصَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ. مَنْ ضَرَبَكَ عَلَى خَدِّكَ فَاعْرِضْ لَهُ الآخَرَ أَيْضاً، وَمَنْ أَخَذَ رِدَاءَكَ فَلاَ تَمْنَعْهُ ثَوْبَكَ أَيْضاً. وَكُلُّ مَنْ سَأَلَكَ فَأَعْطِهِ، وَمَنْ أَخَذَ الَّذِي لَكَ فَلاَ تُطَالِبْهُ. وَكَمَا تُرِيدُونَ أَنْ يَفْعَلَ النَّاسُ بِكُمُ افْعَلُوا أَنْتُمْ أَيْضاً بِهِمْ هكَذَا. وَإِنْ أَحْبَبْتُمُ الَّذِينَ يُحِبُّونَكُمْ، فَأَيُّ فَضْل لَكُمْ؟" (لوقا 27:6-32).
هدّدتم وسلبتم بيوت النصارى، ورسمتم حرف (ن)، وتعني أننا خاصة المسيح الناصري، وهذا ما نفتخر به إذ قال مار بولس يوماً ونحن اليوم نرددها ونحياها "حياتي هي للمسيح" (فيليبي22:1)، وجعلناها علامة وكلمة إيمان وخلاص وقوة لنا "فَإِنَّ كَلِمَةَ الصَّلِيبِ عِنْدَ الْهَالِكِينَ جَهَالَةٌ، وَأَمَّا عِنْدَنَا نَحْنُ الْمُخَلَّصِينَ فَهِيَ قُوَّةُ اللهِ" (1كورنثوس18:1)، ومار بولس يقول:"وَأَمَّا مِنْ جِهَتِي، فَحَاشَا لِي أَنْ أَفْتَخِرَ إِلاَّ بِصَلِيبِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي بِهِ قَدْ صُلِبَ الْعَالَمُ لِي وَأَنَا لِلْعَالَمِ" (غلاطية 14:6)، وأيضاً "لأَنِّي لَمْ أَعْزِمْ أَنْ أَعْرِفَ شَيْئاً بَيْنَكُمْ إلاَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ وَإِيَّاهُ مَصْلُوباً" (1كورنثوس2:2). فالصليب الذي كان جهالة عند اليهود والأمم أصبح عندنا علامة خلاص وفداء، وحملناه على صدورنا، وعلّقناه في رقابنا، ووضعناه في واجهات ديارنا إيماناً وشهادةً وبشارةً وما ذلك إلا حقيقة ومبين "وَاتَّقُو اللهَ وَهُوَ الَّذِيَ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ" (الأنعام؛ 72)، "إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا. إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً" (النساء؛ 58).
   من المؤكد أنكم سمعتم ولا زلتم تسمعون بالمسيح الحي، صانع الأعاجيب، والقدير المرسَل من الله لخلاصكم وخلاص كل إنسان من الخطيئة، فهو روح الله وكلمته، وقيل عنه في القران الكريم:"السَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً" (مريم؛ 33)، بهذا جئتُ لأشرح عنه لكم، وأروي مسيرته كما جاءت من الحواريين الأربعة الذين حملوا الحقيقة إليكم وإلى كل سكان المعمورة... إنه حَمَل إليكم البشرى السارة، وأَحَبَّ الجميع حتى الموت، وصرخ بأعلى صوته:"وَأَمَّا أَنَا فَقَدْ أَتَيْتُ لِتَكُونَ لَهُمْ حَيَاةٌ" (يوحنا10:10)، "فتُوبُوا،لأَنَّهُ قَدِ اقْتَرَبَ مَلَكُوتُ السَّماوَاتِ" (متى 2:3)، وشهد عنه يوحنا (يحيى) بن زكريا الكاهن (النبي) حينما قال:"يَنْبَغِي أَنَّ ذلِكَ يَزِيدُ وَأَنِّي أَنَا أَنْقُصُ" (يوحنا 13:3)، ودعا تلاميذه (يوحنا) إلى إتّباعه بقوله أنه مشيحا الذي ننتظره، إنه الحَمَل.


   محبة وحقيقة
بهذا أدعوكم إلى اكتشاف حقيقة هذا المسيح الحي الذي تضطهدونه وتقتلون أتباعه ومؤمنيه، وتهدمون مزاراته وكنائسه ومعابده وأديرته، وتدنّسون مقابرهم ومقدّساتهم، وتنعتونهم بالنون والكفّار والمشركين، والحقيقة تقول "إنهم المرجعية الأكيدة"... ألم يقل:"فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ"، وأيضاً "وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ" (الأنبياء؛ 7).
نعم، فيه تجدون الحياة وتجدونها أوفر، وإذا آمنتم تكون لكم أوفر وأوفر. فقد حمل هو محبته إليكم، وأوصى أتباعه أن يحملوها إلى كل كائن وإنسان فدعاهم أحباءَه فهل أبلغ من هذه الكلمات، وهل أسمى من هذا الفكر؟، إنه فكر سماوي يقود الإنسان إلى الحياة والخلاص من الشر والخطيئة ومن عبودية إبليس، ليكون حراً طليقاً أكيداً، وما الحقيقة إلا أن "تَعْرِفُونَ الْحَقَّ، وَالْحَقُّ يُحَرِّرُكُمْ" (يوحنا 32:8).
أليست لكم، تلكم دعوة مجانية بالذي فيه الحياة؟... هل يجوز أن تنشدوا الجنّة بقتل الأبرياء بأحزمة التفجير وسيوف النحر ومناجل الدمار؟... أليست السماء مكاناً لملائكة الله وأنتم جعلتم من أنفسكم أبالسة الجحيم، وتنادون بالحق وتتأزّرون وأنتم تذبحون شهود الحق والحقيقة؟... أبهذا تكحّلون وجوهكم وتظهرون للناس أنكم مرسَلين من رب السماء وأنتم بالحقيقة طاردو الأصلاء وزارعو العبوات ومفخِّخو الأبرياء، وتتمنطقون بأحزمة ناسفة لتُميتوا الذين خلقهم الله على صورته ومثاله؟... أهكذا تزرعون بذور ثقافة السيف وحضارة الكراهية والتفخيخ وسكب الدماء؟، فالمسيح قال:"لأَنَّ كُلَّ الَّذِينَ يَأْخُذُونَ السَّيْفَ بِالسَّيْفِ يَهْلِكُونَ" (متى 52:26)، وقال القرآن الكريم:"وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ" (البقرة؛ 190) و"لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ" (البقرة؛ 256)، وأيضاً:"وَلاتُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ" (العنكبوت؛ 46)، فهم مؤمنون ويحبّون حتى أعدائهم ولا يقاتلون أحداً.
ولكي تكونوا أمناء لمسيرتكم عليكم أن تكسروا سيوف الذبح والقتل، وأن تغسلوا أياديكم كما فعلها يوماً هيرودس لعلّ وعسى، وتلك آية "لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ" (البقرة؛ 183)، واعلموا أن "لِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ" (البقرة؛ 104). وأن المسيحية كانت قبلكم، والحقيقة إنها لا تعرف الحقد والكراهية والعداوة، فهي لا يهمّها الشدة والضيق والإضطهاد والجوع والعُري، ولا الخطر ولا السيف ولا أية خليقة تفصلها عن الإيمان بالمسيح ومحبته واتّباعه، اذ يقول مار بولس الرسول:"مَنْ سَيَفْصِلُنَا عَنْ مَحَبَّةِ الْمَسِيحِ؟ أَشِدَّةٌ أَمْ ضِيْقٌ أَمِ اضْطِهَادٌ (النبذ أو الموت بسبب عدم قبولنا)، أَمْ جُوعٌ أَمْ عُرْيٌ أَمْ خَطَرٌ أَمْ سَيْفٌ؟ (التهديد بالموت بأي وسيلة؟)، وَلكِنَّنَا فِي هذِهِ جَمِيعِهَا (بالرغم من كل هذا) يَعْظُمُ انْتِصَارُنَا بِالَّذِي أَحَبَّنَا (المسيح)، حتى إنه مات من أجلنا. فَإِنِّي مُتَيَقِّنٌ (في قناعة تامة) أَنَّهُ لا شَيء يَقْدِرُ أَنْ يَفْصِلَنَا عَنْ مَحَبَّةِ اللهِ الَّتِي فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا" (رومية 35:8 و37-39). وهل أسمى من هذه الرسالة أن تكون مسيرة محبة ، فتوبوا وعودوا الى ينابيع الحقيقة فالأنجيل رسالة محبة ليس إلا .

   الخاتمة
   نعم، إنها دعوة لنا ولكم أنْ نحكّم عقولنا من أجل بناء مجتمع تعيش فيه الإنسانية بالتسامح والمحبة والغفران، كي نبني لأجيالنا أوطاناً وعمراناً، ونزرع بذور العلم والمعرفة، في مسيرة الحياة، فأجيالُنا تنادينا، وكُتُبنا ترشدنا إلى الحقيقة، وإنسانيتنا تدلّنا على العيش والغفران، فنحمل المحبّة في مسالك الطرق، فتكون مشعلاً لنا ينير دروبنا، وملحاً لنا لتطعّم أعمالنا، حينذاك نُنشد سويةً لرب السماء، السبح والحمد للإله الذي أحبّنا، فخلقنا كي نحيا ونحمل رسالة السلام والمحبة في أزمنة الدنيا...إنها دعوة المسيح الحي وما أقدسها، إنه الرؤوف والكثير الرحمة... إنه الرحمن الرحيم... نعم ونعم وآمين.


52
عذراً ... لندرك أين وجودنا
المونسنيور بيوس قاشا
   في البدء
إن الإرهاب يُكفّر المسيحيين ويقتلهم ويهدد حياتهم في العديد من مختلف دول العالم وتحديداً في الشرق الأوسط في العراق وسوريا ومصر ولبنان وليبيا... ونسأل من أين جاء هؤلاء الذين يتشدقون باسم الدين، والدين منهم براء، لينكلوا بالبشر والحجر دون حياء وأمام  مرأى من أبناء البسيطة، شرقاً وغرباً، شمالاً وجنوباً، وربما بتواطئ من الجيران في مسيرة لاستعمار جديد يعيدنا إلى مآسي الزمن البائد
وإلى نكبات المسيحيين أمام العثمانيين والسلاطين. فالوضع المربك الذي نحياه في العراق ربما سيطول لسنوات على مستوى طرد الإرهاب والداعش ثم البناء والإعمار والعودة وعلى جميع المستويات، وهذا يستدعي منا أن ندرك أين وجودنا وهل سنكتب مستقبلنا، أم سنرتكب خطيئة جسيمة.

   أوهام فاسدة
نحن اليوم في مواجهة أساليب إرهابية مختلفة التنوع وغريبة الأفكار، فما يلزمنا أن نواجه بعقلانية حاملين الحوار والحكمة في الكلمة وفي المسيرة، في وحدة هدفنا وليس تعداد نوعياتنا. فاليوم أقولها: لن يرحمنا التاريخ إذا كنا منقسمين حباً بكراسينا ومناصبنا وغير مبالين بفقراء شعبنا ومهمَّشي ديارنا وحاملي أفكارنا الذين أردناهم لنا عبيداً وإنْ أُشترينا بصدقة وحيكت مهامنا في زوايا الدنيا المظلمة، وإنْ قُدّست مهامُنا بسبب أوهام فاسدة لتدمير الأبرياء كما فعل بيلاطس يوم أدان المسيح الحي كلمة الإله، وجعله ضحية نفاق قيافا وحنّان وشكوى يهوّذا ونكران بطرس (متى 69:26)، ولكن البريء سار في درب الجلجلة ولم يبالي بكبار الزمن ورجال الحكم، ولم ييأس أبداً لأنه آمن أن الله لا يتركه  (يو10:14)، وإن الآب الذي أرسله سيجده... وهذه الحقيقة لابدّ أن يدركها الذين على أرجل الزمن قاسوا قاماتهم وقوالب المناصب أهداب أثوابهم فكانوا هم، وليمت الضحايا الأبرياء وإلى غير رجعة ومن بعدهم الطوفان كما يقول المَثَل.

   الإرشاد الرسولي
ما قاله الإرشاد الرسولي للكنيسة في الشرق الأوسط في احتفال مهيب أُقيم بعد القداس في بيروت وترأسه قداسة البابا الفخري يبندكتس السادس عشر في الرابع عشر من أيلول عام 2012 وحمل عنوانً "شركة وشهادة"، وقد جاء في صفحاته ما نصّه:"الشرق الأوسط بدون أو حتى بعدد ضئيل من المسيحيين ليس الشرق الأوسط، لأن المسيحيين يشاركون مع باقي المؤمنين في صنع الهوية الخاصة للمنطقة. فالجميع مسؤولون عن بعضهم بعضاً أمام الله" (فقرة 31)... أمام هذه الفقرة يضعنا الإرشاد الرسولي أمام الحقيقة، حقيقة وجودنا. فالأرض أرضنا، وإفراغنا لها يعني هناك لا أرض شرق أوسطية. فالأصلاء _ وإنْ بعدد محدود _ هم أصلاء وما عليهم إلا أن يتمسكوا بأرضهم في عيش الرجاء وفي إبعاد اليأس مهما كانت طريق الزمن قاسية، ويحثهم على البقاء في الوطن وعدم بيع الأملاك (فقرة 31)، ويؤكد حقيقة الآلام والإضطهاد، فهو ضحية محتَمَلة لأي اضطرابات (فقرة 31).

  حقيقة وغفران
ما الذي صنعناه واقترفناه كي نُطرَد من بيوتنا وتُنهَب أملاكنا وأموالنا ونستوطن أوطاناً مختلفة خوفاً، هل لأننا أمناء لإيمان المسيح الناصري أم لأننا أوفياء لحب أرضنا وتربتنا؟... فما الذي صدر عنا؟، هل لأننا حملنا شعاراً ملؤه المحبة والحقيقة والغفران؟، هل لأننا أردنا بحضارتنا أن نجدد الأرض بروح رب السماء؟، أليس الذي حصل هو اضطهاد لمكوِّن، وتدمير لحضارة عريقة، واقتلاع لجذور أصيلة؟، هل الحقيقة أن ما حلّ بنا من حقهم في غزوات عفا عليها الزمن؟، وهل حقيقة العيش هي في النهب والسلب وقتل الآخر وتدمير البريء في مصالح إحصائية فاسدة؟، فالأملاح قاتلة للبشر بارتفاع ضغطها، والمصالح آفة لذبح الأبرياء في تقسيم الأرض وتشتيت الأبناء.
   الهجرة مرة أخرى
وإنْ كان الحديث عنها قد فات زمانه، فالبلدان قد إرتوت من عرق جبين المهاجرين الذين ضحّوا بالغالي والرخيص، فعبروا البحار والمحيطات من أجل البقاء، ولكن الحقيقة لم يكن بإمكانها أن تُزيَّف، فهو خائف على عائلته وأولاده وأمواله، فهو ينشد بلداً ملئ بالإنسانية غير بلده... وهذه حقيقة مؤلمة في أن نكون أو لا نكون. وما يؤلمني أن أكتب _ كما قلتُها سابقاً _ يكفي لي أن أعمل صباغاً للأحذية أهون لي من أن أعيش هنا... فهم ينشدون مستقبلاً في بلدٍ آمن بدلاً من رقصة الجوبية وبقلاوة نينوى، وهذه كلها أصبحت أملاك الداعشيين الإرهابيين. وكنيسة الطاهرة والدير الأعلى وبهنام وسارة ويونان (يونس النبي) ترسم العذابات التي قاسها مسيحيو الموصل ومدنها وقُراها، والعالم يتفرج وكأننا أمام وحوش كاسرة تفترس مَن تشاء وتهدم ما تشاء.

   التاريخ شاهد
المنطقة بشكل عام، والعراق بشكل خاص، تشهد تطورات مخيفة ومرعبة، وممكن أن تكون مدخلاً لحرب كونية جديدة، وعراقنا لحد اللحظة لا يعرف أين هو من كل هذه الأحداث وما يجري من دوامة مخيفة، والنار تأخذ ذيول أثواب الشعب قليلاً فقليلا، فهو يفكر في عدة خيارات بل خيارات عدة، فهم يرحلون عنوةً وغصباً بسبب داعش ومسيرته المميتة، وآخرون فقراء في صراع ونزيف الدم وكأنه عقاب ليس فردي بل جماعي. فشعب بأكمله، ومواطنو مدن وقرى بأعدادهم يُرحَّلون والتاريخ شاهد وبئس تاريخ لا يحكي الحقيقة، فأفرغوا البلد من الكفاءات والثقافات وحاملي العقول والعلوم وصانعي التاريخ، وأصبحوا نكرات في شوارع المدن وساحات الدول، ولم يعد أحد من الساسة يفكر ماذا يأكل الشعب وماذا سيشرب، ليس هذا المهم، فاحتلال أرضنا حصل دون إرادتنا واحتلال عقولنا مآرب ومصالح، ويبقى المهم مَن الجالس على الكرسي بل الكراسي، ومَن يعانق المنصب أو يبتلع لكي لا يظهر أنه المصيبة، ومسيرة المشروع الطائفي يسير قُدُماً ليسكن في قلوب كبار الزمن بمختلف أديانهم وطوائفهم ومحسوبياتهم وقومياتهم، وهمهم أن يبيعوا الهوية العراقية، هوية الحقيقة، بفساد الزمن والمصلحة ،من أجل هوية أنانية ودنيوية، بدلاً من ان يكونوا شهوداً لحقيقة الكلمة، وكنا نحن ولا زلنا الضحية لِسِمان البطون، والشهية لحاملي السيف والساطور، ومسحوا هويتنا وكم كانوا يتمنون أن يقولوا لنا "إرحلوا"، وقد رحلنا حقاً ومُسحت أسماء قُرانا وسكنانا وأصبحنا من المتوطنين ليس إلا!.

   الخاتمة
رسالتنا هي اللقاء مع الله في مسيرة أديان غايتها خدمة الإنسان من أي دين أو طائفة انتمى. فدعوات التهجير والقتل ومصادرة الأملاك وتهديد المكوِّنات بمختلف أجناسها ما هو إلا خطر يمحو وجود الإنسان مع تشويه الأديان في حمل عنفوان التكفير والإرهاب... لذا فرسالة الأديان هي واحدة عندما تلتقي في الإله الذي أحبنا حتى النهاية، وهذا الحب شهادة يحمل إلينا احترام الآخر،  ويجعله أمانة في أعناقنا، وذمة في مسيرة حياتنا... هذا ما ننشده بدلاً من رقصة الجوبية ليس إلا!. فالرقص حركة تنتهي بساعاتها أما الأمان فرسالة تدوم مدى حياتنا، فهل أدركنا أين وجودنا، وبُعدَ هدفنا، ورسالة إرشادنا الرسولي، أمام الذي يحصل فينا، أم بعدُ لا زلنا نراوح في مكاننا، كي نحصد ثمار مصالحنا، من حقل لم نتعب فيه!!. إنها مأساة الزمن الفاسد، ألا يكفي تزوير الحقيقة، فالحقيقة شهادة وحرية (يو 31:8)، نعم شهادة وإن بيعت لمصالح من أجل تشويهها، والحقيقة حينما تقال، يكون قائلها قريباً من الله، إنها المسيح الحي، الذي سكن بيننا... نعم، فلندرك أين محلنا ووجودنا، ولا نَخَف المصالحَ مهما كان البحر مالحاً، وكل عام والجميع بخير، وبركة رب السماء تحل علينا جميعاً، الرحمن الرحيم، نعم وآمين.


53
ربي والهي ... أين كنتَ ... في النزوح؟

المونسنيور بيوس قاشا
   في البدء
   من المؤكد إننا نعيش في كوكب هش، وفي عالم يشوبه المرض والفيضانات والزلازل والحروب والإرهاب والدواعش وأخواتها، كما نحن في بلد سادته أعمال العنف والقتل والفساد، ويهيمن فيه الحذر ويخيم عليه الحزن والسؤال حول المصير والمستقبل، ويستسلم فيه الناس للهشاشة والضعف والمعاناة، وسواء كانت المعاناة مأساوية أم عادية فإنها تتربص بنا عن قرب... فما هذا الذي يحصل؟... وما هذه المأساة؟... وإلى ماذا يهدف إليه الله في عالـم مجنون
كهذا؟... ولماذا يسمح الله بذلك؟... أين الله الذي يُنسَب إليه الفضل بالأشياء الصالحة ولا يتلقى اللوم على الأمور السيئة؟.

  أيوب والمزمّر
   وبعد النزوح وفي زيارتي إلى بلدة عنكاوة في السادس عشر من شهر آب (أغسطس) 2014، وأنا أتجول بين الذين كانوا يفترشون الحدائق والأرصفة والشوارع بعد طردهم من قراهم ومدنهم، وفي كل ركن من أركان البلدة كنتُ أسمع أصواتٍ لسؤال يؤرق التاريخ ومسيرة الأيام المتعَبَة: لماذا لا يتدخل الله؟... لماذا يسمح الله بالحرب؟... لماذا يسمح الله بالجوع؟... لماذا لم يُستأصل داعش والإرهاب قبل أن يغزو قُرانا ومدننا؟... لماذا طُردنا منها؟... هل هذا هو جزاء أمانتنا ووفائنا لوطننا وإيماننا وانسانيتنا؟... ما الذي اقترفناه بحق الجيران وبحق البشرية؟... أليس في قُرانا كنائس ومعابد؟... لماذا يسمح الله في النزوح، بل أين كان الله في النزوح؟... هل نحن اخترنا ذلك؟... هل أصبحنا مثل أيوب الذي كانت له النظرة الصحيحة وسط بؤسه عندما كان يفكر في إمكانية الانقراض إذ قال:"إذا رجوت الهاوية بيتاً لي، وفي الظلام مهدت فراشي وقلت للقبر أنت أبي وللدود أمّي وأختي، فأين إذاً آمالي؟ آمالي مَن يعانيها (أيوب 13:17-14). والمزمر ينشد:"تعبت من صراخي، يبس حلقي، كلّت عيناي في انتظار إلهي"، وأيضاً "إنه وقت عمل للرب فقد نقضوا شريعتك ( مز3:69)؟... وهنا يبدو أن الله يدرك تماماً أسباب احتجاجنا بالإضافة إلى حاجتنا لأن نستنبط غضباً ضد الألم.

   شر وإرهاب
   صراعي مع الإيمان يدور حول السبب الذي جعل الله لا يتدخل، في حين كان في وسعه أن يُنهي كل أزمة ويُفشل كل مخطط. فالله أب سماوي يحبنا حتى بذل الذات وأكيداً يرسل خيراته وبركاته لشعبه ولعبيده، وأما لماذا ينظر إلينا دون أن يرافقنا في المسيرة، وخاصة في مسيرة النزوح والاضطهاد والطرد؟ هذا ما جعلني أقول وأسأل: أين الله عندما أتألم؟... ولماذا هذه الأمور السيئة تحدث؟... لماذا يسمح الله للشر بأن يأخذ مجراه؟... وهل يمكن أن يكون شيئاً صالحاً في مثل هذه الأحداث؟... في هذه الحالة سيستمر صراعي ولن يتوقف، ومن المؤكد فكري يصرخ أنه لا يوجد كتاب يستطيع أن يحلّ مشكلتي في الألم كما في النزوح إلا هو نفسه الذي أسأل عنه. وربما السؤال يعود أن الله صالح ونحن أحرار، بمعنى ذلك نحن مسؤولون عن الضياع والمعاناة اللذين نسهم في صنعهما، فلماذا يسمح الله بالشروالإرهاب؟... بل لماذا يسمح الله بجريمة داعش؟.

   ويستمر السؤال
   ويستمر السؤال: لماذا تحدث أمور سيئة للأشخاص الصالحين؟... لقد نظروا إلى العالم كأنه أرض للعدو، كوكب فاسد يحكمه أبو الأكاذيب، ساحر المصيبة. وماذا ينبغي لنا أن نتوقع من كذب الشيطان؟. فعندما قدم رئيس هذا العالم حلاً مغرياً ومختصراً لمشكلات الأرض، لم يسخر يسوع بافتراضه امتلاك السلطة لكنه اختار نقيض ما قدمه في صالح حل أبطأ وأكثر كلفة لكنه حلّ دائم.
   يقول الكاتب فيليب يانسي في كتابه "السؤال الذي لا يغيب": عندما يقول الإنسان الحقيقة يكون قريباً من الله، فإذا قلت لله "أنا منهك ومكتئب بشكل لا يمكن أن تعبّر عنه الكلمات، وأنا لا أحبك بتاتاً الآن، وأبتعد عن معظم الأشخاص الذين يؤمنون بك"، فهذه تكون أصدق العبارات التي نطقتُ بها يوماً. وإذا أخبرتني بأنك قلتَ لله "كل ذلك ميؤوس منه وليس لديّ أدنى دليل على أنك موجود لكني أحتاج إلى مساعدة، فهذا يجلب الدموع إلى عيني، دموع الفخر بك للشجاعة التي احتجتَ إليها لتكون صادقاً، صادقاً حقاً.
   قوة وصمت
   إيماني يجعلني أن أصدق بما سيكون له معنى، فقط عند النظر إلى ما حدث في الماضي، وإيماني يعلّمني أنه عندما يصيبنا الألم فإن الله يتيح لنا الفرصة لنزيد قوة في الصمت وننتبه إلى الرسائل المصيرية التي كنا بخلاف ذلك سنتجاهلها. فالله يهمس إلينا في ضعفنا ويتحدث في ضميرنا، لكنه يصرخ في آلامنا. إنه يستخدم مكبّراً للصوت لإيقاظ عالم أصمّ في داخلنا وإشعار إحساسنا الإيماني بحقيقة العماذ الذي اصطبغنا به والذي يجعلنا أن نفهم الحقيقة وهي أن الله يدخل العالم من خلالنا، ومع ذلك لا تزال أسئلة عدة تصرخ: لماذا حصل ذلك يا الله؟... هل تريدنا أن نعاني ونموت؟ أم تقودنا إلى جواب بولس الرسول الذي قال:"مبارك الله أبو ربنا يسوع المسيح، أبو الرأفة وإله كل تعزية، الذي يعزينا في كل ضيقنا حتى نستطيع أن نعزي الذين هم في كل ضيقة بالتعزية التي نتعزى نحن بها من الله (2كو 3:1-4)؟. من المؤكد أننا بشر، والبشر من التراب وإلى التراب سيعودون، هكذا يقول سفر التكوين. غير إن الحقيقة في الكيفية التي تكون بها حياة بعضنا مع بعض في حضور المحبة غير المشروطة وغير المحدودة يخفف ألم القلوب المحطَّمة وقهر النزوح المخيف، ويضمّد الجراح ويعزّي النفوس ويجدد الحياة في سيرتها وفي ذلك تكون الحقيقة أي أن الله يصبح مرئياً عبر أشخاص يعيشون الرسالة من خلال الكنيسة.
   
   جوا ب لسؤال
   من المؤكد إننا نتوق إلى معرفة جواب للسؤال: أين هو الله في الألم؟ أين هو الله في النزوح؟ أين هو الله في جريمة داعش المميتة؟ أين الكنيسة عندما أتألم؟ ألا يهتم الله لذلك؟ كيف يمكن أن يسمح الله بشيء من هذا القبيل؟ فقد تجاوز الألم والإرهاب حدود اللامعقول، فهل ذلك سيدعونا إلى إرسال رسالة إلى الله، رسالة فيها يُسطّر تجاوز حدود المعقول ما يحلّ بنا. إنها معاناة قاسية ولا وصف لها غير القاتلة والمميتة مجالاتها النفسية والجسدية والمادية والثقافية والصحية. وهل ربنا يسوع نحى جانباً الأسئلة التي تهدف إلى معرفة السبب إلا عندما كان يريد أن يدحض نظريات الفريسيين والتلاميذ التي لا تقبل الجدل والقائلة أن المعاناة عقاب؟. أكيداً نحن جميعاً سنموت، والبعض سيموتون وهم مسنّون، في سنّ صغيرة بصورة مأسوية أو في عمر الشباب أو في سن الرجولة والشيخوخة، "فالخليقة منذ ولادتها وحتى الساعة لا زالت تئنّ وتتمخض كما هي الحال في الألم والولادة" (رو 22:8)... أمام كل هذا ليس لنا سوى الرجاء العتيد، المختلف عن التفاؤل الساذج بأن قصة يسوع في الموت والقيامة معاً تعطي الدليل الساطع على ما سيفعله الله للكوكب كله. وبولس الرسول يذهب إلى أبعد من ذلك ليعترف بصراحة أنه دون القيامة فإن كرازته وإيمانه باطلان، ثم أعلن بوضوح بلمسة حزن:"إنْ كان لنا في هذه الحياة فقط رجاء في المسيح فإننا أشقى جميع الناس" (1كو 19:15).
   صحيح إن مسيحيتنا ربما لا تخفف بأية طريقة من وطأة المعاناة وعواقبها وآلامها، ولكن إن ما تفعله هو إنها تمكّنك من قبولها ومواجهتها والعمل من خلالها، وفي نهاية المطاف تمكّننا من معرفة الحقيقة، وإلى أن يحين ذلك الوقت نتمسك بالوعد القائل: إن إله كل تعزية لم يهجرنا لكنه يستمر في عمله البطئ والثابت ليعيد إلى حالته ما أفسده الشر والموت، والله يمنحنا النعمة ويقدم لنا حلولاً في طريق الحقيقة حينما نرى محبة الله عبر الألم. فالله لم يسيطر على حرية الإنسان ولم يمنع الشر من الحدوث بدلاً من ذلك ما قصد به البعض شراً جعله الله خيراً.

   أسبوع وأنموذج
إن أسبوع الآلام أجمل أنموذج لنا في المعاناة والطرد والقتل والإهانة، وكلنا نؤمن ونعرف من خلال الأناجيل المقدسة ما احتمله الرب يسوع من الإهانات، وما تلقّاه أسوأ ما يمكن للأرض أن تقدمه. فالشر والموت اتفقا في ظلم المسيح، ولكن الحقيقة لم تكن فيهما بل في فجر الأحد حيث المسيح القائم الذي قاد التلاميذ إلى إدراك ذلك جيداً تدريجياً في إشارات صغيرة عرفاه، فمع تلميذي عماوس عند كسر الخبز، وعلى بحيرة طبرية في شيء من السمك، ومع توما "ربي وإلهي"، وهكذا بدأ يتغير نمط حياة التلاميذ وإنْ كانت في البداية لم يتغير منها كثيراً ولكنها أعطت لهم طريقاً جديداً للولوج إلى عالم الزمن مصدقين ومؤمنين وراجين أن كل شيء سيتغير ذات يوم، وستكون البشارة هي الدافع الأكيد لإعلان الكرازة في شوارع الجليل واليهودية وأورشليم، في شوارع بغداد ودمشق والقاهرة وبيروت، ومنها إلى العالم، حاملة أخباراً سارة في الخلاص... وما تلك إلا حقيقة الإيمان ومسيرة الرجاء.
   
   أين الله؟
   من المؤكد أننا نرغب في معرفة الإجابة على سؤال: أين الله؟ أين الله في نزوحنا؟ أين الله حينما تواجهنا تجارب مؤلمة وإرهاب مميت ونزوح قاتل؟ وتنتابنا الشكوك في مسيرة حياتنا الزمنية وتصل حتى أدراج إيماننا. وهنا لابدّ أن نقول أن الرب يسوع نفسه تساءل على الصليب:"إلهي إلهي لم تركتني" (متى 46:27)... أمام هذا الصراخ والسؤال يبدو وكأن الله قد تخلى عن المسيح، ولعله سيتخلى عنا وفي أحلك اللحظات، ولكن عندما نستمر في دراسة الأحداث التي توالت بعد الصليب فإن الحقيقة تنكشف بأنه "لا يوجد شيء يمكن أن يفصلنا عن محبة الله ولا حتى الموت" (رو 37:8-39). وهذا ما يؤكده لنا أن الله معنا حتى حينما لا نشعر بوجوده وسطنا، ويمكننا أن نثق بمواعيده بـ "أنه لن يهملنا" (عبر 5:13)، وأقول: فالله أحياناً يسمح بما يكرهه حتى يخفف ما يحبه. نحن نثق بأن لدى الله المهيمن القدرة على فعل أكثر من هذا.
   وإذ نحن نبني ثقتنا على حقيقة أن الله لا يكذب ولا يتغير ولا يُهمل بل أمين معنا إلى الأبد، فلا نضع رجاءنا بما هو منظور أو مفهوم "فإن ضيقاتنا الأرضية تعطينا مجداً أبدياً يفوق كل معاناتنا" (2كو 16:4-18)، "فلنا ثقة في كلمة الله التي تقول أنه دائماً ما يجعل الأشياء تعمل معاً للخير للذين يحبونه، الذين هم مدعوون حسب قصده" (رو 28:8).

  قوة ونعمة
إن يسوع ربنا دخل العالم في أوقات بائسة ومفجعة ليرسم لنا طريق السماء في الجانب الآخر. ويوضح سفر الرؤيا كيف سيكون ذلك الجانب "وسيمسح الله كل دمعة من عيونهم، والموت لا يكون فيما بعد ولا يكون حزن ولا صراخ ولا وجع فيما بعد لأن الأمور الأولى قد مضت... ها أنا أصنع كل شيء جديداً" (رؤيا 4:21).
   وإنه قادر على جعل الخير يسود حتى في أسوأ الشرور. ما أحتاج إليه أن أجعل ما يحدث يتلاءم مع رسالة الخير. هذه الأفكار لا تغيب عن فكري، إننا نتلمس طريقنا باستمرار نحو النور بينما نعيش في الظلمة.
   كما لي الثقة بأن الله سيكون معنا وسيمنح لنا لكل حالة طارئة قدر ما نحتاج إليه من قوة ونعمة للمقاومة وللاحتمال ولكن لا يمنح ذلك في ماضينا لئلا نعتمد على أنفسنا بل يعيطنا إياه في حينه كي نعتمد عليه وحده، وهذا الإيمان يجعلني أن أتغلب على كل خوف وعلى كل قلق بشأن المستقبل والسؤال. فالله ينتظر منا حقيقة صادقة ومصيراً أبدياً عبر صلوات نابعة من الفؤاد لتأتي بثمار وثمار صالحة. فالموت سبيل لطرق الحرية وهو بداية الحقيقة وإذا نظرنا إلى ذلك اليوم في الجلجلة يبرز أنموذج أمامنا عن الله الذي يحوّل هزيمة ظاهرة إلى نصر حاسم.

   الخاتمة
   لهذا فرغم عدم رؤيتنا للخير الذي يحرك الله الأمور تجاهه، إلا أننا يمكن أن نثق أنه سيأتي وقت عندما نفهم الأمور بوضوح. فاليوم نحن نعيش ولنا مفهوم محدود لأمورالله، "ولكن سيأتي اليوم الذي نعرف ونفهم فيه كل الأشياء" (أيوب 5:8 وإشعيا 29:40). و"يُعْطِي الْمُعْيِيَ قُدْرَةً وَلِعَدِيمِ الْقُوَّةِ يُكَثِّرُ شِدَّةً. اَلْغِلْمَانُ يُعْيُونَ وَيَتْعَبُونَ وَالْفِتْيَانُ يَتَعَثَّرُونَ تَعَثُراً. وَأَمَّا مُنْتَظِرُو الرَّبِّ فَيُجَدِّدُونَ قُوَّةً. يَرْفَعُونَ أَجْنِحَةً كَالنُسُورِ. يَرْكُضُونَ وَلاَ يَتْعَبُونَ يَمْشُونَ وَلاَ يُعْيُونَ" نفهم أين يكون الله عندما نتألم؟ فرسالتنا في هذه الظروف القاسية والنزوح القاتل والانتظار المميت أن نؤمن أنه هو لنا "الرجاء الأكيد الذي لا يخيب" (رو5:5) وأيضاً "لأنه وعدنا فهو أمين" (عبر23:10). وإن هذا الإيمان وهذا الرجاء عاملان أساسيان هدفهما عندما لا يتمكن الإنسان من رؤية يدي الله فإنه يرى قلبه في ثقة الأبناء للآباء والآباء للأبناء، وإنه لن يهلك أبداً. فعندما تخور قوى الإنسان هو هذا الوقت الذي تستطيع فيه أن تستريح في حضرته عالماً أن "قوته تكمن في ضعفك" (2كو 9:12-10). ما حصل لنا في النزوح من المؤكد ان يسوع المسيح ربنا كان معنا، معنا نحن أبناء هذا الجيل الفاسد الشرير، كان معنا كي لا نحزن ولا نخاف ولا نيأس، لأن تعزيتنا تكمن في إيماننا بأن "يوم الرب قريب" وما علينا إلا أن نكون مستعدين ونصرخ مثل توما "ربي وإلهي"، حينذاك نرى الله يرافقنا في مسيرة الحياة فنعرف أين كان، كان فينا ومعنا،  نعم وآمين.


54
   في الذكرى الخامسة لكارثة سيدة النجاة

حقيقتنا في ذكرى شهدائنا

المونسنيور بيوس قاشا
   في البدء
نعم، إن عالم اليوم وبعد إرهاب داعش، يغرق في مادية الدنيا والعولمة، مساءً أكثر منه
صباحاً، والمحسوبية والطائفية تغزو الأفكار والنيّات، وبخطى حثيثة لم يسبق لها مثيل وكأن عجلتها تدور بسرعة البرق، حاملة رعوداً وصواعق تملأ النفوس خوفاً وفزعاً، في اتّهام
الأبرياء بحقائق مزيفة. وباتت مسيرة الإيمان مناسباتية، وكلٌّ منا يؤلّه مَن يشاء ومتى يشاء ليكون له وثناً كما كان لسارة زوجة أبينا إبراهيم. وحقيقة التقوى أمست عاطفية واحترامية وانتقائية، والصراع في النفس داخلها وخارجها وفي كل ساعة من ساعات نهارنا وليلنا، ولا زال يحتدم لغايات دنيوية زائلة، ولمصالح أنانية مسروقة، ولصداقات احترامية مميتة، فيضيع الوقت في الحديث الفارغ بكذبة نعتبرها صادقة بل واجبة، كما يفقد الحاكي رسالته وحقيقته أمام أشخاص نضيرهم ولا يربط بينهم إلا المصلحة والضحكة المزيفة والمقولة التافهة في لسانٍ مزيف ومملِّق ولاعن للحقيقة بوزنها وكبرها عبر صداقات العصر والمساء، وأمسينا نحن وإيماننا ربما من الذين يخجلون في إعلانه كما هو شأن بشارة المسيح، وخائفين أن تُعلن الحقيقة أمام الجالس والمسامر كي لا نخسر دنيانا، فتضيع الحقيقة التي نشأت في قلب عالم يشهد لتحولات تدميرية في طرد واضطهاد الإنسان، وتبقى الرسالة تنتظر حاملها والوفي إلى إيصالها، وفي هذا تُدفن الإنسانية وتفوز المصلحة والمادية والمحسوبية... وهذا ما تريده عولمة الدنيا في أن ننظف ثوب الرئيس من أدران الزمن، ونمسح غباره من ذراتٍ كي يكون طاهراً أمام أنظار العولمة، والحقيقة هي غير ذلك!.

   الشهادة وفاء

   أمام هذا كله مَن منا لا يستذكر شهداء الحياة بمسيرتهم وعطائهم، الشهداء الذين خطفتهم العصابات، شهداء كنيسة سيدة النجاة، والحياة لا تبخل اليوم بإعلان ذكراهم، وهذا فخر لنا أن نكون أمناء في أن التضحيات ما هي إلا شهادة للإيمان ولحقيقة الحياة وحب الوطن وتربته، وفي ذلك نخلّد لحظة عماذهم وصبغتهم، ونرسمها في ضمائرنا رسالة وكلمة وأبدية، لتكون لنا سبيلاً في الحقيقة، وطريقاً في الحياة، ومنارةً نقتبس منها ضوء الخالق، سبحانه وتعالى الذي أحبّ حقيقتنا فأوصلنا إلى هذا الدرب الأمين. فالشهادة هنا أسمى معاني الوفاء لتحرير الذات من أنانية الفكر في لقاء المحب الأسمى والحياة في الأبدية الموعودة.

   البابا فرنسيس

   قال البابا فرنسيس:"إن اضطهاد المسيحيين اليوم أشدّ مما كان عليه في القرن الأول للكنيسة. والكنيسة اليوم تشهد عدد شهداء يتجاوز كثيراً فترتها الأولى، وإننا نرى إخواننا يُضطَهدون وتُقطَع رؤوسهم ويُصلَبون بسبب دينهم أمام أعين الجميع وكثيراً مع صمتنا المتواطئ، وهم لا يخجلون من الصليب وما هم إلا أمثلة رائعة. إن العنف في الشرق الأوسط يُرتَكَب باسم الله، وهو الأمر الذي لم يعد يتّفق مع عصرنا الحالي"، وأضاف:"أنه لا يتصور استمرار هذا الفكر حتى يومنا هذا حيث وصلنا إلى تناقضات خطيرة جداً" (14 حزيران 2014؛ دار القديسة مرتا)... ودعا إلى صحوة الضمائر بشكل واسع لدى جميع الذين يتحملون مسؤوليات على المستوى المحلي والدولي (نوفمبر 2014؛ ديسمبر 2014).


   حقائق وشواهد   
   ما يقوم به داعش، الحامل للتعصب التنظيمي والمنهج القاتل والفكر المميت والهدّام والذي لم يستثنِ أحداً، وحتى حرمة القبور ونبشها وكسر الصلبان وهدم الكنائس، فقد دنّسوا وسكبوا حقدهم على المسيحيين حتى النهاية دون أي رادع، وهدموا الآثار حاملة الحضارة الإنسانية والتاريخية بمسيرة سنيها وأجيالها والعائدة للبدايات الأولى لظهور إيماننا المسيحي وحمل عقيدتها... وما هذه الحقائق إلا شواهد أمينة في رسالة حملها إلينا شهداؤنا الذين صبغوا جدران أديرتنا بمسيرة حبّهم ولون دمائهم. والأحياء اليوم يسيرون على النهج نفسه، فهم يصبغون حياتهم بصبرٍ يفوق صبر أيوب، ويخلطون عرق جبينهم بخبزتهم وهم خائفين، وهم لا زالوا ثابتين على إيمانهم، وحامين لجدران كنائسهم وأديرتهم.

  سلعة رخيصة
في كل ساعة من ساعات نهاراتنا وحتى ليالينا نشهد مشهداً مؤسفاً ومؤلماً، مشهداً مخيفاً يحملنا إلى حالة نفسية غريبة لا توصَف، لا بصراعها ولا بعبئها، أو نسمع أخباراً تقصف مسيرة إعمارنا في خطف وسلب ونهب وتفجير، وأصبحنا في حالة غريبة ومريبة، فكلها إهانات واحتقارات وعدم مبالاة، فلا حقوق ولا وجود، وأصبحنا في مسيرة مليئة بمتفجرات الدنيا وألغام الطرق وعبوات المفترقات، وبقنابل عمياء تقتل الأبرياء وتجعلهم في زنزانات ظلماء لا نسمة فيها ولا هواء. وما يحصل ما هو إلا طغيان واستبداد وإجرام... إنه واقع مُرّ نعيشه رغم أنفنا _ شئنا أم أبينا _ فأصبحنا بذلك سلعة رخيصة بسعرها، وحقيرة بوجودها، وضياعاً بل مشردين في شوارع المدينة ونسينا كتابة ملفاتنا، فدفاتر مدارسنا قد بيعت وأقلامُنا انكسرت ولم يبقَ لنا إلا التأوّه والسؤال. ولم نعد نجد اتجاهنا وطاعتنا وإلى أين نحن ماضون _ بل سائرون _ على مدار الزمن القاسي. أنقبل المجازفة أم نخاف الموت أم نسعى للبقاء أم نخشى الفناء؟... أنحمل الصليب أم نرفض الصلب؟... كل شيء نراه موتاً وفناءً وصلباً، وحتى مسيرة الأيام كلها رعب وسؤال لماذا ولماذا ولماذا... إنها كلمات وفقرات وألفاظ تقودنا إلى هدم حائط رجائنا وكسر معنويات إيماننا، إنها محطات تقتلنا قبل قتلنا.

  حوار وحوارات
   قالوا عنّا كفّار، وإننا سنرث جهنم يوماً ما، والنار تنتظرنا لتميتنا لأننا من الذين كفروا وليس من الذين هادوا، وفي ذلك نحن أعداء الله وأعداء الإسلام، ولا يجوز الكلام عن الجنة فقد سُلبت من أيادينا فأصبحنا بلا مساحة الحقيقة، ولم نعد نعرف حدود التفكير، وختموا الكلمة بلعننا (لعنة) وأية لعنة، لعنة بتاكيدها، فضاع الحق والحقيقة، ولا يجوز السؤال والمناقشة، ولا التحليل والمجازفة. وإنْ كانت مبادرات عدة وندوات ولقاءات عُقدت، وبيانات صُدّرت ضمن برامج حوار الأديان، أو الحوار وقبول الآخر المختلف... نعم، حوار وحوارات، ولكن كل شيء انتهى إلى لا شيء، وفي ذلك كان الفشل مطلقاً.

   سؤال ولاجواب   
نسأل ونحن ننتظر جواباً: لماذا كُتب علينا الاضطهاد؟، ولماذا حتى الساعة نخاف فنهرب والإعلام يُعلمنا إنها مؤامرةٌ إقليميةٌ بل دوليةٌ، فمن أجل شعب تموت شعوب وما سيحل وحتى ما. ما يخيفنا ما حلّ فينا، هل حققت المؤامرة أهدافها؟، هل اكتمل مخططها أم لا زالت هناك زوايا مظلمة في مسيرة نعتبرها حقوقيةً للإنسان وحياتيةً للشعوب، فالجيران الاشرار لا زالوا بداعشهم وإرهابهم يجولون في ديارنا وحاراتها، في مخادعنا ومنازلنا، في الأزقّة وحنايا المعابد، يسرقون ويستبيحون كل شيء، يدنّسون كنائسنا، يكسرون صلباننا، باسم الله يحلّلون غزواتهم ويحطّمون تماثيل رموزنا، إنها أملاكُ النصارى والكفار، ويعلنون أنفسهم حماةً لسابع جار، فبئسهم، فأولُ جار لهم سرقوه ثم قتلوه دون أن يدركوا أنهم هم الكفّار. ما أراه إن صمودنا وثباتنا بإيماننا _ وفي قيد الحياة بعد المآسي التي ارتُكبت بحقنا، وجحافل الشهداء التي سارت أمام أنظارنا، وهدم كنائسنا، وبيع أوطاننا وأراضينا _ مرهونٌ بثباتنا في المسيح الحي، المسيح الكرمة، وفيها نحن الأغصان، وبغيره لا يمكن أن نحيا أو نحمل ثمراً كي نكون أغصاناً تحمل الخير ولا شيء غير الخير، كي نكون أملاً في الرجاء ومسيرة الإيمان.

   نرفض الموت
    إننا أصلاء وها نحن اليوم شهداء بلا قضية، فالقضية دارت في أروقةِ الكبار والانتظارُ مرضٌ لنا ودمار. ما أُدركه حتى الساعة، إننا عنوان الحياة في وطن نرفض فيه أن نموت، فنحن أبناء القيامة، وإن الرب لا زال ينادينا لا تخافوا، ثقوا بالمسيح الحي وبالصليب كُتب لنا النصر بل هو انتصر بالصليب وأرادني أن أشاركه الانتصار بالقيامة ومهما كان النهار قاسياً والظلام مخيفاً ستكون القيامة فرحاً ونوراً مضيئاً وما علينا إلا أن نكون صوتاً للإيمان. فإن كان الصليب صلبَ الموت فنحن بإلهنا المسيح الحي أبناءُ القيامة، أبناء الحي بين الأموات. ومأساتُنا دعوةٌ لنا للتوبة، لكبار كنائسنا وصغار معابدنا وخدّام أديرتنا ومؤمني رعايانا.

   الخاتمة
   نعم، الرب يعلم بحالنا، وهو يعلم أن صليب الحياة لا زال ثقيلاً كما لا زال الألم يتنهد فينا. فيا رب بحرُنا هائج وأنفسنا ترتعد خوفاً من الغرق وإيماننا يقول أنك أنت خلاصنا وما يدك إلا القدرة بالذات... فشرقنا يموت معذَّباً ولكن رجاؤنا أننا سنقوم من جديد. فيا رب، ألا تكفي سنة من الهجرة والنزوح، ألستَ أنت الذي زرتَ أرضنا بعد تسعة أشهر في مغارة هي الكون بأكمله، فلتكن مشيئتك، وما الدماء التي سفكت في أرض وطن الشهادة، وفي صحن سيدة النجاة، إلا رسالة سامية نحملها زاداً للطريق وخبزاً للجياع إلى الإيمان، وينبوعاً يروي العطاشى إليك، فاقبل أرواح شهدائنا التي انتقلت إليك واجعل من وجودنا رسالة محبة سامية نحملها إلى مبغضينا، وتلك حقيقتنا وفي ذكرى شهدائنا نصرخ إليك قائلين: نعم، تعال أيها الرب يسوع فنحن بحاجة إلى زيارتك، لتجدد عقولنا وأفكارنا بكلمة الحقيقة وقلوبنا بدماء القداسة، كي نبقى شهداءَ أُمناء، وشهوداً أوفياء، وما تلك إلا حقيقتنا، في أقدس ذكرى لشهدائنا، نعم وآمين.


55
بمناسبة الذكرى السنوية الأولى
لنزوح أبناء سهل نينوى من قراهم


نسمات في مناجاة العذراء

المونسنيور بيوس قاشا
صباحُكِ خيرٌ يا سيدتي، يا سيدةَ السماء، يا قديسة، يا عذراء
صباحُكِ خيرٌ من المهجَّرين النازحين، يا أمَّ التعساء
إليكِ أشكو حالي، هذا الصباح، يا مزيلةَ الشقاء
فالأرضُ قد دُنِّسَتْ، والترابُ يناجيكِ صباحاً ومساء
وأهلي قد رحلوا، ولم يبقَ منهم إلا أنا والفقراء البؤساء
قتلوا شعبَنا، وأهانوا رموزَنا والأبرياء
بإطلاقةٍ صامتة، وبعبوةٍ لاصقة... إنهم جبناء
زرعوا في النفوسِ خوفاً، وأقاموا فزعاً في حي الأقوياء
والبشر أمرُهُم عجيب، يحتفلون بالظلم نصراً، وهم في ذلك سعداء
ويقتلون الحقيقةَ والحرفَ والكلمة، وعيونُهم عمياء
ويقدّسون الفاسدَ والظالمَ باسم رايةِ السماء
يقولون إنه نزيه... أليس ذلك بئسَ الثناء
من أجل مصالِحِهم ومراكزِهم... فما هم إلا تُعساء
حقدٌ وبغضٌ وكراهية، وجورٌ في غيرةٍ حمقاء
فالحقيقةُ شُيِّعت بعدما أدانها زوراً كبارُ الرؤساء
نشروا عني وكتبوا ما شاءوا... صوراً ورسائلَ ونداء
واليوم مصالح ودولار وقصور... وما تلك إلا حالة وجفاء
ومع هذا سيبقى قلمي يحكي الحقيقة، ولكنهم عن ذلك غرباء
وأسأل قلمي: هل أنتَ رمزٌ، أم قتلوكَ لأنكَ عطاء
أمشي وحدي وسريعاً كالبرق، كي لا أنظر إلى الوراء
وأُنشدُ هذه أرضُنا، وهنا أصلُنا، وسنبقى فيها أوفياء
لا زلتِ يا مريم هذا الصباح، كما في عرسِ قانا، مع العروس السمراء
هناكَ كانت كلمة وحقيقة، وأعجوبة من الناصرة الخضراء
تاجَرْنا بكلِّ شيء، حتى القضية ضاعت بين الفرقاء
قتَلْنا الإنسانية، ومزَّقنا الهوية، وكأنه لا حياةَ ولا بقاء
وهنا كما هناك، فالموصل مدينتُنا، وفيها تُشرقُ شمسُ الحدباء
إحفظيها يا مريم، يا سيدةَ العالمين، يا أُمَّ الكونِ والرجاء
ففي أُمّ الأعجوبة، كنتِ للزائرين حمايةً وحصناً وشِفاءْ
فاليوم نناجيكِ، لتكوني لنا سَدّاً منيعاً، وللشرفاء
فبغدادُ بغدادُنا، والعراقُ وطنُنا، والتكبيرُ يُرفَعُ في كربلاء
فمهما طالت مدةُ العَثَرات، وانفجارُ العبوات على الأبرياء
لن نرحلَ عن بلدِنا، فقد كُتِبَ باسمِ الأحفادِ والأبناء
فبلدُنا أيقونةٌ، وصورتُكِ يا مريم عليها نُقِشَتْ... بإرادةِ العلياء
سنبقى نزرعُ الفرحَ، مهما كَبُرَت أرضُ اليَبسِ ومياهُ الجَفاء
سنبقى نَنشُدُ البسمةَ، ونزيّنها على الثغور، فلا بكاء
فاجعلي وطني لا يموت، ولن يموت، ما دمتِ أنتِ مريمَ العذراء
فلا تحوّلي ساحاتِنا إلى دمار، وأحياءَنا إلى ضياع، فكلُّنا معكِ أحبّاء
رطّبي قلوبَ الحاضرين يا مريم، وامنحي الشجاعةَ والدواء
للمرضى والحزانى، والمسافرين والباكين، فأنتِ لهم ضياء
يا رسولةَ الصلاة، تحت ظلِّ جِلبابِكِ استُرينا، دونكِ نحن بؤساء
يا أمَّ العالَمين، ازرعي الأملَ في القلوب، فأنتِ سيدةُ النساء
ومهما ارتفعتْ أسِنَّةُ الحِراب، وامتُشِقَت السيوف، سنبقى معكِ شهوداً وشهداء
ومهما أُضيعت الحقيقةُ، وهوجِمت البرارةُ، ستبقى الأسماء
فالقلوبُ تعشقُ الحقيقةَ، والعيونُ لا تحتاج إلا إلى حبٍّ وضياء
فحينما أركعُ أمامَ تمثالِكِ، أرى في عينيكِ ذلك البهاء
فأتأمّلُ العراقَ بشعبِهِ وأرضِهِ، بأطفالِهِ وشيوخِهِ الأبرياء
وأرسمُ أمامَ وجهي خارطةً، ملؤها سلاماً يا عراق
أنتِ السلامُ... أنتِ أُمُّ الحنا... فاذكرينا يا مينا الضعفاء
وقولي له: ألا يكفي العذابُ لأبناءِ بلدٍ، ارتوتْ جداولُهُ من دماء
فرياح الخريفِ، وحرُّ الصيف اللاهب، ما هي إلا فناء
نحن نضحك على أنفسِنا، والعيون تبكي على سوءِ الحالِ والبلاء
وسأظلُّ أحرقُ البخورَ، وأُوقِدُ الشموعَ، وأصلّي بكلِّ حناء
ومهما خنقَتْني أشواكُ التُهَم، وإهلاكُ الآخر من السُفَهاء
أرفضُ الاستسلامَ لليأسِ والكذبِ والاتّهام، وما ذلك إلا إدّعاء
ومهما بُنيت الجدرانُ والحدودُ العازلة، أمام السكان والأحياء
سأبقى جسراً للمحبةِ والتسامحِ والغفران، فأنتِ أمّي يا عذراء
أريد من هذا النهار، أنْ تتشابكَ أيادينا، وبكلِّ صفاء
وفي ذلك أصوغُ لكِ تاجاً، وأضعه إكليلاً على رأسِكِ، يا أُمَّ الأولياء
فأنا لا أبيع المفردات ولا الكلمات، بل أنا كلمةٌ صامتةٌ وصمّاء
فَبِصَمتي أقولُ حقيقةً على السامعين والسامعات، يا أُمَّ الشرفاء
فالعراقُ سيبقى يفتخرُ بأعجوبةِ وحمايةِ، سيدة العالمين والسماء
فأنتِ الطبيبُ لجُرحي، وأنتِ الحبيبُ لحبّي، ومن أجلي دون عناء
أبحثُ عنكِ في الطرقات، وأكتبُ عنكِ الذكريات
أنحني إجلالاً وحباً وشكراً، حيث كنا في النهار معكِ، سعداء
فيا مريم، يا سيدةَ الرافدين، يا أُمَّ النهرين، يا أُمَّ العراق
أنتِ سيدةُ الشهداء، أنتِ أمُّ الضحايا، وكل الأبرياء
إحفظي شعبَنا، وباركي بلدَنا، وقدسي ترابَنا، يا قديسةَ السماء
ختاماً، مهما جارتِ الدنيا علينا والزمان، وإنْ كنا تعساء
فاليوم يوم رجاء، مهما قال عنا الإرهابُ التعساء
سأبقى أُحبُّ العذراء، وأقولُ لها دوماً، نهارُكِ سعيد
نعم، نهارُكِ سعيد، يا سيدتي، يا عذراء
نعم، نعم، نهارُكِ سيدتي، سعيدٌ، يا سيدةَ السماء، يا مريم، يا قديسة، يا عذراء




56
عزيزي الغالي واستاذي الجليل الاستاذ بطرس نباتي
السامي الاحترام
سلام ومحبة
شكرا جزيلا على ردك وتعليقك على الرسالة فان غايتي الاولى والاخيرة كانت ان لا ينسى كبار الزمن ورؤساؤنا هذه الجريمة التي
ارتكبت بحق ابناء سهل نينوى ومنهم المسيحيين كما اردت من هذه الرسالة ان ابقى صوتا صارخا في برية الحياة لان اليوم كما العلم
ان الحقيقة شُيعت والاسالة هُدمت وان الانسان الفاسد اصبح نزيها وننسى قول الرب يسوع الذي علمنا ان نحيا المحبة في الحقيقة والرحمة
نعم سرق كل شي منا ولكن لا زال الايمان وسيبقى يحيا فينا الة الموت وسنيقى نكنز كنوزا في السماء حيث لا يصل اليها سارق ولا يفسدها داعش
شكرا جزيلا مرة اخرى استاذي بطرس نباتي الموقر ما نحتاج الية قول الحقيقة وليس تزيييف الحقيقة كما نشاء ولمن نشاء ومتى نشاء
فاليوم تباع القيم لمصالح الدنيا كما ذكرت والغرب واعس او غير واع فما يحصل ابادة الانسانية التي قدسها الله بسكونه بيننا ليقاسمنا الحياة
فاليوم صراع بين الخير والشر بين الاله المحب والشر المزيف الحاقد والفاسد من اجل تدمير الانسان بعولمة مزيفة .
 مرة اخرى شكرا والف شكر واجعلني ان اكون دائما تلميذا في مدرستكم
مع محبتي وتحياتي لكم وللعائلة الكريمة والشكر لعنكاوة كوم
محبك بيوس قاشا


57

عزيزي نزار مارزينا ججي عناي السامي الاحترام
شكرا جزيلا على مشاركتك وردك
واعلم ان الحقيقة لا تخفيها الظلمة واتمنى ان تراقب دائما كما قلت فحقيقتنا المسيح نور العالم وكن كلمة الحقيقة في زمن الفساد
ومحبتي لك وصلاتي من اجلك ليباركك الرب يسوع
شكرا والف شكر
محبك المونسنيور بيوس قاشا

58
عزيزي الغالي سيزار ميخا هرمز السامي الاحترام
سلام ومحبة
اتمنى لك كل الخير وللعائلة الكريمة وشكرا على تعليقك وما ذلك الا علامة المسؤولية وتضميد الجراح
فنح اليوم شعب مضطهد وما كبار الدنيا والزمن الا ان يكونوا صوتا صارخا ليس لمصالحهم بل لخدمة كل انسان
مرة اخرى شكرا جزيلا وسارفع غدا صلاة لاجلكم ليكون الرب في عونكم
محبك بيوس قاشا


59
  بمناسبة مرور عام على التهجير والنزوح

                 ولكم الشكر ...
                                         والشكر واجب يا قداسة البابا فرنسيس

     سلام بالمسيح الرب...
في البدء... نقبّل يدكم المباركة ونطلب بركتكم الأبوية وشفاعة صلاتكم... وبعد،
تحية بنوية مليئة بصبغة الإيمان التي اقتبلتُها يوم عماذي مع عظمة نعمة الكهنوت التي مُنحت لي وأنا لا أستحق، إذ ما أنا إلا بشر ضعيف... ولكي أكون وفياً وأميناً لرسالتي الإنسانية والكهنوتية والاجتماعية، أردتُ أن أسطّر لقداستكم أسطراً قليلة أحمل فيها هموم شعبي ورعيتي وهمومي إليكم، ناقلاً لكم حقيقة ومسيرة شعب يُضطهد ويُطرد ويُشتَّت ويُنزح ويهاجر، وفيها أقدم لكم الشكر الجزيل لمشاركتكم ألمنا وهجرتنا ونزوحنا وطردنا في الصلاة اليومية والبركة الأبوية والرسائل الرسولية والمبعوثين الشخصيين نيافة الكاردينال فيلوني والكاردينال ساندري والكاردينال بارباران والكاردينال أنجلو سكولا ورؤساء الكنائس الذين تعاضدوا معنا، وواجب الشكر واجب مقدس، وأرجو أن تعتبروني مثل ذلك الأبرص الوحيد الذي عاد ليقدم الشكر للرب يسوع، فما شعبي وأنا إلا بحاجة إلى بركتكم ووقفتكم المُحبّة كما في الإنسانية والمسيحية... وبعد،

     مسيرة ... وحياة
   أنا من سكنة قره قوش (بغديدا) المسيحية الكاثوليكية بنسبة 97% من سكانها. ترعرعتُ فيها، ومن ثقافتها وأصولها تعلمتُ، وضمن جدران المعهد الكهنوتي للآباء الدومنيكيين تربّيتُ وتدربتُ في مسيرة كهنوتية، كما احتضنتني كلية لاون للاهوت والفلسفة في القاهرة، وارتُسمتُ كاهناً لمذبح الرب بنعمة من لدنه وأنا البشر الضعيف في 1 تموز 1979، ولا زلتُ أخدم في بغداد منذ عام 1983 بعد أن خدمتُ في قره قوش خمس سنوات وعايشتُ الحروب والحصار والاحتلال والسقوط ثم إرهاب داعش ولحد الساعة، وقد تشرفتُ بمقابلتكم مع وفد من رعية مار يوسف في بغداد في الرابع من أيلول عام 2013 وأهديتُ لكم كتابي المسوم "فرنشيسكو... فقير الفاتيكان" وهو أول كتاب صدر باللغة العربية بعد 100 يوم من حبريتكم كحبر أعظم في الفاتيكان، وشكري للرب الذي قاد مسيرتي إلى هذه اللحظة.
   في ظل ما يجري في بلادنا من حروب ونزاعات ومجازر حصدت مئات الآلاف من البشر، وشرّدت الملايين عن منازلهم وقُراهم، لابدّ _ أقول _ من إتّباع المسيح ومن السعي في نشر العدالة والسلام والمحبة إذا ما أردنا الاقتداء بربّنا، ويجوز لأي ظرف أو حدث أن يمنعنا من الالتزام بالعمل في سبيل المحبة والسلام... فأنا أؤمن أن المسيحية الحقة مبنية على المحبة الفادية، والصليب فخر المسيحية الحقة بالمسيح يسوع الرب، فحينما تلتقي المحبة بالألم يتغير مفهوم الألم وتصبح الحياة هبة روحية، ويتحول الموت من مخيف ومرعب إلى جسر ذهبي يعبر بنا من حياة الأرض إلى السعادة الأبدية الدائمة كما يقول الرسول بولس:"إني أحسب كل شيء خسارة من أجل معرفة المسيح يسوع ربي" (فيليبي 8:3).

     قداسة البابا فرنسيس
     واقع ... وحقيقة

   نعم، كان بلدي يئنّ تحت حكم الدكتاتورية المقيتة والحروب التي أحرقت شبابنا في أتون النار المميتة، وهجّرتهم بدموع الألم والأسى، ومنها انطلقنا إلى الحصار حيث العديد من أبرياء الدنيا من الأطفال ماتوا بسبب نقص الغذاء والدواء والحليب، وكانت الدنيا بعوالمها تنظر إلينا وتتألم لشعبنا المسكين الرازح تحت نير العبودية والحروب والحصار، فلا حرية ولا كلمة ولا صوت، بل تأوّه وبكاء وأسف.
   نعم، كنا ننتظر قرار التحرير وليس قرار الاستعباد والاحتلال... كنا ننتظر التحرر من الخطيئة والعبودية، وكنا نأمل خيراً لمستقبل أولادنا وأجيالنا، ولكن ما حصل لم يكن في الحسبان، فقد أصبحنا حملاناً يذبحوننا متى شاءوا وحسب طلبهم، وأُحصينا في عِداد الموتى، وكُتب علينا الضياع والتشرد والتيه، فتُوِّجت الطائفية أميرة بدكتاتوريتها، وأخذت المذهبية مسيرة قاتلة بزواياها المتعددة، وبدأت المحسوبية الخانقة والمصالح الأنانية، وأصبح الإنسان قايين آخر، فتفشّى الكذب والسرقة والسلب والنهب والتفجير والتفخيخ والتهديد والوعيد وكأن الدنيا لم تكن حسب قول إلهنا:"ورأى الله كل شيء حسناً" (تك 1). فدمّرت الحروب بلدنا، وجاء الحصار فأركعنا كلنا، وحلّ ما حلّ فينا من مآسي، ولا أعلم هل كان ذلك لتدمير البلاد أم لسقوط الرئيس أم لسقوط الحكم، وكنا في كل لحظة ننتظر ما الذي سيحلّ في المسكونة (متى 24) مؤمنين بقول ربنا يسوع:"ارفعوا رؤوسكم فإن خلاصكم قد دنا" (لو 28:21)، ولا زلنا لحد الساعة ننتظر اكتمال قول المسيح الرب، وما يحصل الآن ما هو إلا بداية دمار الأرض بدءاً بأرضنا وأجيالنا.

     الموصل ... وسهل نينوى
   في العاشر من حزيران عام 2014، إستولى داعش الإرهابي على الموصل العريقة بمسيحييها، والمتعايشة مع المسلمين والمكونات الأخرى، فطرد المسيحيين وسبى نساءهم واستولى على أملاكهم وأجبرهم أن يدفعوا الجزية أو يعلنوا إسلامهم أو يغادروا مدنهم وقراهم... وهكذا لما حلّ السادس من آب عام 2014 دخل داعش الإرهابي أرض سهل نينوى ففقدت القرى المسيحية سكانها وأموالها، وتشتت أهلها في الشوارع والأزقة والساحات والكنائس والمباني الفارغة يفتشون عن ملجأ آمن في كوردستان، وهؤلاء الإرهابيون تسلّحوا بغرائز الوحشية وهم مجرَّدين من أية مسحة إنسانية... إنها حقيقة مُرّة... إنها حرب الشر والخطيئة بحق الشعوب البريئة.
   كما إن الإرهاب دمّر الدولة وهياكلها، أنزل الصلبان من قبب كنائسنا، وأحرق صور قديسينا ورموزنا، هدم المدارس وأحرق مكاتب علمها، فرض تعليمه الإرهابي في رياض الأطفال، أهان المرأة وسباها... نعم، قبل أيام استذكرنا الذكرى الأولى المؤلمة لطردنا في 6 آب (أغسطس) 2014، وقبل يومين من توقف الحرب الشرسة والمدمِّرة العراقية – الإيرانية في 8 آب 1988 والتي راح ضحيتها مئات الألوف من القتلى وملايين من الجرحى والأسرى والمفقودين، وترمّلت الملايين من النساء ومن جميع المكونات، وكم كنتُ أتمنى أن تكون هذه المناسبة ذكرى تحرير وليس ذكرى تدمير... وأمام هذه المشاهد المؤلمة كنتم أنتم الكلمة والحقيقة والشهادة _ كما فعل أسلافكم المقدسين _ ونظرتم إلى شعبي بعين الرحمة والحنان، وتكلّمتم _ وبصوت سمعه العالم بأسره بحكّامه وشعوبه _ وقلتم: لا للإضطهاد، فالمسيحيون أصلاء وأبناء الحوار والعيش المشترك... كنتم حينها ولا زلتم حتى الساعة روّاد الدفاع عن قول الحقيقة عملاً بقول ربنا يسوع:"قولوا الحق، والحق يحرركم" (يو 33:8)، وأعلنتم "أن اضطهاد المسيحيين المشرقيين بمختلف طوائفهم هو اضطهاد للكنيسة، وإن دماء المسيحيين دماء واحدة".

     قداسة البابا فرنسيس
   منذ دخول داعش الإرهابي أرض وطني دنّس قريتي ومدينتي الموصل وقرى سهل نينوى، وبدأت الأحداث تتسارع في مسيرة مؤلمة وحاملة للحقيقة الإنسانية المتألمة في شعبنا الجريح الذي طرده داعش وعملاؤه من ديارهم وفقدوا كل شيء: منازلهم ومحتواها، أملاكهم وأحلامهم، ولم يبقَ أمامهم إلا الهزيمة والإلتجاء إلى كوردستان حيث الأمان، وهناك فرشوا الحدائق وملأوا الشوارع... واليوم، لا زال أغلبهم يسكنون عمارات بائسة لم يكتمل بناؤها، وآخرون كرفانات لا تليق بسكنى أناس احترموا إنسانيتهم ومسيرة حياتهم، وآخرون هاجروا وقلوبهم حزينة حتى الموت على فراق أرضهم... نعم، رحلوا إلى بلدان الجوار شمالاً وغرباً، جنوباً وشرقاً، باحثين عن ملجأ يقيهم، وعن أمن يحميهم، وعن يد تعانقهم، وعن كلمة تواسيهم، وعن محبة ترافقهم، وعن رحمة تسترهم، وعن شعور بنجدتهم، ولكن لا من مجيب ولا من حديث ولا من عزاء _ ولم يكن صوت الدول الكبرى إلا صوتاً خافتاً، أما صوت الكنيسة بكم كان صوت الشهادة وقول الحقيقة _ ولا زالت حتى اليوم مسيرتهم دون هدف وإرادة، دون علم ودراية، ووضعهم مأساوي بدرجة امتياز... إنهم مهجَّرون... إنهم نازحون... فالحقوق مسلوبة، والحقيقة مصلوبة، والعدالة حوكمت، والقضاء إرهاب، شعوب تائهة أم أصيلة؟، لباسنا سواد وما كسوتنا إلا أكفان... هل نستحق أن نحيا أم علينا أن نكون تبعية مهمَّشة لا دور لها إلا ملء البطون والنوم والصوت الحزين، وممنوع علينا أن نحيا إنجيلنا ونعلنه ونعلّمه، ولا زال الصوت يصرخ كل صباح ومساء هل سنعود؟، متى سنعود؟، كيف سنعود؟، مَن يحمينا؟، مَن يدافع عنا؟، مَن يعيد حقوقنا ومَن يعوّض أموالنا؟، وما أملنا إلا بكم أن تمدّوا أياديكم كسحابة ببركتكم الأبوية لحماية شعبنا الممزَّق والمضطَهَد والمطرود... فالحياة استمرارية في هبة الله رب السماء والأرض، وهي أسمى من المصالح، والإنسان أسمى من المخططات، والتاريخ حقيقة سيعلنها لأجيال الدنيا وأجيالنا. ولا زالت الدنيا والشر والخطيئة يمجدون الموت والقتل والدمار وازدراء الحياة من قبل إرهاب مميت لا يحترم الحياة بقدسيتها والدنيا ببشرها... إنه التحدي الأكبر للإنسانية أن يعالَج من جذوره، بل تُقلَع جذوره.
   نعم، منذ دخول داعش إلى أرض قرانا ومدننا في سهل نينوى، كنتم يا قداسة البابا فرنسيس بصوتكم الإيماني المعلِن للحقيقة تصرخون كيوحنا المعمذان على مسامع كبار العالم وحكّامه أنْ "أوقفوا قتل المسيحيين واضطهادهم"، وإلى الأبناء المهجرين النازحين "كونوا على ثقة أن المسيح معكم، وليكن الرجاء سبيلكم، والتعزية مرافِقة لأية شدة تحتملونها"، وما إرسالكم لمبعوثين من قداستكم إلا علامة مضيئة في حقيقة مسيرة الألم لشعوب المسيحية في الشرق، ورسائلكم وخطاباتكم لمناسبات عدة ومختلفة.

    رسالتكم الميلادية...
   فرسالتكم يا قداسة البابا فرنسيس في عيد الميلاد 2014، والموجَّهة إلى مسيحيي الشرق الأوسط، كانت تحمل رجاءً أميناً إذ أمعنتم كيف أن نغمات الترانيم الميلادية تمتزج بالدموع والتنهدات، وأعلنتم كيف أن ولادة ابن الله في جسدنا البشري ما هو إلا سر تعزية يفوق الوصف. فقد ظهرت نعمة الله ينبوع الخلاص لجميع الناس (طيما 11:2)، وفيها أعلنتم حقيقة الآلام والمحن التي تافقمت بسبب النزاعات التي تعذب المنطقة وممارسة شتى أنواع الانتهاكات والممارسات لا تليق بالإنسان، وصرختم مع الرسالة أنه لا يمكنكم نسي الجماعات التي تعاني الاضطهاد وخاصة حملتم أفكاركم بشكل خاص بالأطفال والأمهات والمسنّين والمهجَّرين واللاجئين، وأعربتم عن قربكم وتضامنكم مع الجميع. كما أعلنتم قرب الكنيسة وتضامنها... إنها كلمة تعزية ورجاء، وتمنّيتم أن يكون المسيحيون شهوداً ليسوع، ويتحملون مسؤولية في الأرض حيث ولدت المسيحية وانتشرت، وقلتم مناشداً المسيحيين "إنهم الكنز الأثمن للمنطقة"، شاكراً إياهم على جهدهم. كما أعلنتم معانقتكم للشباب عناقاً أبوياً طالباً أن ينمو نمواً إنسانياً ومسيحياً، مذكّراً إياهم أن لا يخافوا أو يخجلوا من أن يكونوا مسيحيين... حملت الرسالة إلى الجميع مشاعر عزاء وحقيقة محبة نائب المسيح لأبناء الشرق العزيز، محمِّلاً إياهم مسؤولية كبيرة، وإنهم ليسوا وحدهم في المواجهة فالبابا يشجعهم، وشهادتهم مفيدة لقداسته مذكّراً أن لا ينسوا الصلاة لأجله وسط معاناتهم (عيد الميلاد، 23 ديسمبر 2014).

     شاهد ... وصوت
   نعم، بصوتكم من أجل المتألمين تعلنون الحقيقة من على منابر الفاتيكان، منابر الدول الكبرى، الفقيرة والغنية، تقودون سفينة الإيمان في بحر هذا العالم المتلاطم بأمواج هائلة وزوابع وأعاصير لم يسبق لها مثيل حيث يتم البحث عن أبعاد المسيح خارج العالم. فأنتم اليوم كلاً للكل (1كو 22:9)، للشرق والغرب، من أجل كرامة الإنسان وكرسول للسلام والمحبة وكلمة الحق، أي بمعنى ذلك أنتم مكان التقاء الإيمان الواحد كما يقول البابا بندكتس (7 أيار2005)... تجوبون العالم لتفتشوا عن الفقراء، لتناشدوا الشباب، لتكلموا الأطفال. تفتقدون المرضى والمهمشين، وتسألون عن المرذولين والمنبوذين، وترفعون الصوت عالياً حيث يسود الظلم والقهر والتهجير. تنادون بالحرية للمأسورين ولإبعاد شبح الحرب للدفاع عن كرامة الإنسان وإدانة بقوة جميع أشكال الظلم. ترفضون ثقافة الحرب من أجل ثقافة الحياة. تمدّون جسور الحب والمسامحة والغفران لبناء في عائلة مسكونية واحدة. أنتم شهود للضمير الحي الذي أخذ كبار الزمن يتاجرون به ربحاً وخسارة، ويعلو صوتكم لكي تكون كنوز الأرض لخدمة بناء جنة الله. تناشدون الأساقفة لكي يكونوا رعاة قديسين ويتوجهون نحو الشواطئ. تدعون الكهنة لكي يكونوا خدّاماً أمناء... فأنتم صوت المتألمين ونداء المظلومين ورحمة المستضعفين... إنكم انفتاح وحوار، حوار مع سائر الديانات، وحوار مع كل البشر حتى غير المؤمنين.
   أنتم في روما وعيناكم على القطيع والحظيرة معاً، على الشاطئ وفي داخل الحارة. لقد انكشفت فيكم أعظم قوة هي المحبة حتى بذل الذات، وأعلنتم لكل الناس أن الرب لا يجوع في جوهره بل في قديسيه، ولا يعطش بطبيعته بل في فقرائه، وفي ذلك أعلنتم أنكم مع الفقراء لأجل المسيح الفقير.

    القديس يوحنا بولس الثاني
   إنه لمن الفخر والاعتزاز أن أذكر هنا المسيرة الرائعة والمُحبة لقداسة البابا القديس يوحنا بولس الثاني تجاه عراقنا الجريح بشجاعة إيمانية وأبوية مسؤولة إذ وقف البابا يوحنا بولس الثاني في وجه محبي الحروب عبر خطاباته وتصريحاته، مندداً بآلات القتل الهمجية وبفكرة الحرب المعتادة، فقد كان يعرف أن الأقليات الأتنية والدينية في العراق هم مَن سيدفعون ضريبة الحروب.
   في 25 كانون الأول 1990، طلب من الحكومة العراقية الانسحاب من أرض الكويت وأن ترعى الأمم المتحدة مصالحة جدية بين الدولتين، فقد وجّه نداءً مناشداً الدول الكبرى بضرورة نبذ الحرب لأن الحرب مغامرة لا تعرف التوقف.
   في 4 كانون الثاني 1991، طالب وزراء الدول الأوروبية بالسعي إلى إرساء السلام دون اللجوء إلى آلات الموت المدمِّرة والمرعبة... نداءات عديدة وجهها إلى صدام حسين وجورج بوش (الأب) وإلى الأمين العام للأمم المتحدة وإلى البطاركة والأساقفة المعنيين بشأن العراق ولكن لم تفلح، وقصفت طائرات التحالف العراق ومحصّلتها آلاف الضحايا.
   حاول قداسته الضغط على الأمم المتحدة بفكّ الحصار المفروض والذي اعتبره بالغير الإنساني والمجحف بحق الشعوب. وبمبادرة منه في كسر الحصار، طلب زيارة العراق في 1999 خارقاً العقوبات ولكن الزيارة لم تكتمل.
   في 25 كانون الأول 2002، ناشد المجتمع الدولي بوقف الحملات العمياء والغير المبرَّرة لشنّ الحرب على العراق إذ قال:"الحرب ليس بنكبة وتنتهي، الحرب أداة تدمر الإنسان"... في رسالة حملها الكاردينال تشيغاراي، حث البابا النظام بضرورة التعاون مع الأمم المتحدة للتوصل إلى السلام... بدأت الحرب 2003، ودخل الجيش الأمريكي إلى العراق وأسقط النظام فغرق في الفوضى والسرقات والاغتيالات وتصفيات الحسابات، وكان المسيحيون أولى ضحايا الحرب العراقية الأمريكية في عملياتٍ انتحارية وخطف من قبل جماعات متطرفة وعصابات وميليشيات.

     الشكر واجب
نعم، شكراً لكم يا قداسة الحبر الأعظم البابا فرنسيس... شكراً لكل كلمة صارخة في وجه الشر والألم والإرهاب... شكراً لكل نظرة ملؤها الألم على ما يحصل وما يحلّ بمسيحيي الشرق وسكانه... شكراً لكل وقفة شامخة أصبحتم لنا، بل معنا وفينا، سمعاناً قيروانياً، فأزحتم عنا الألم بمواساتكم، ومسحتم دموع عيوننا بتعزيتكم... شكراً لأياديكم التي ملأت دنيانا وأجسادنا خبزاً وخيراً وبركةً... شكراً لكم وليمينكم التي باركتنا ورافقتنا في الهجرة والنزوح وضلّلتنا غمامة كما كانت يدا موسى لشعب إسرائيل... شكراً لكم فقد اصبحتم لنا نعمةً وكسوةً وبيتاً وخيمةً وأملاً، وأصبحنا معكم حجاجاً نمشي في طريق متعرجة كجبل تجلى عليه ربنا يسوع المسيح، فهناك ينتظرنا الله ليطرد عنا شياطين الدنيا وأشرار الحارات وإرهاب الدواعش.
شكراً لكم لأنكم علّمتمونا _ ورغم صعوبة مسيرتنا _ أن نحمل الإنجيل إلى الآخرين، وسلاماً وحواراً للتعايش، ومقاسمة الطبيعة وخيراتها... فالكنيسة كما يقول البابا بولس السادس تحتاج إلى قديسين وليس إلى أبطال.
فشكراً لكم يا قداسة البابا فرنسيس، ومهما كُتِبَت الكلمة "شكراً" بعدد وأرقام لا تفي بحقكم فأنتم المسيح الرب الذي أحبنا حتى بذل الذات، وسيبقى صوتكم يرنّ في آذان رؤساء الدنيا أنْ أوقفوا اضطهاد المسيحيين... اضطهاد الإنسان... وسنبقى للكنيسة الكاثوليكية الجامعة ولكم أوفياء وأمناء في الإيمان كما في المسيرة... وتأكدوا من صلاتنا لأجل نياتكم كل يوم... وأتمنى أن أقابلكم قريباً في لقاء الأربعاء... نعم، شكراً وشكراً وشكراً... نعم وآمين.

                                            بيوس قاشا


60
بمناسبة الذكرى الأولى لنزوح أهل سهل نينوى

رسالة مهجَّر إلى الرئيس أوباما
المونسنيور بيوس قاشا
     سيادة الرئيس باراك حسين أوباما السامي الاحترام/ رئيس الولايات المتحدة الأمريكية
     السادة أعضاء مجلس النواب والشيوخ الأمريكي الأجلاء
     سلام ومحبة واحترام...
   أتمنى لشعبكم ولبلدكم ولكم كل الخير والبركات، وأدعو رب السماء، الرحمن الرحيم، المحب حتى الأبد، أن يمنحكم وافر النِعَم للسير في خدمة الإنسان وبناء الأوطان في الحقوق والقانون والعدالة، كما يطيب لي أن أكتب إلى سعادتكم هذه الأسطر بمناسبة الذكرى الأولى لنزوح شعبنا من قرى ومدن سهل نينوى... وبعد؛
     سيدي الرئيس
     السادة أعضاء مجلس النواب   
إنني مواطن عراقي من أصلاء البلاد ومن المسيحيين، وفي بغديدا سكني وأصالتي، وفيها ترعرعتُ، وفي مدارسها تثقّفتُ، وعلى صفات أقلامها نشأتُ، وبصبغة العماذ اصطبغتُ. فأنا مسيحي محافِظ وفي الآن ذاته منفتح إلى جميع المكونات من المسلمين والشبك والإيزيديين والصابئة، وهذه كانت دائرة حياتي ومسيرتي، واليوم أنا أخدم في كنيسة ببغداد منذ 33 سنة بعد أن خدمتُ خمس سنوات، في بغديدا وبرطلة، ولا أريد أن أطيل بل الإيجاز في ذلك هو الواجب.
   أنا كاهنٌ، يعني خادمٌ، وشعار خدمتي "أنا بينكم مثل الذي يخدم". فأنا إنسان أحمل في داخلي مسيرة الألم والفرح، هموم الحياة وهموم أهلي ووطني، في أحداث تتسابق مع كوارثها في الحروب كما في الحصار كما في السقوط والاحتلال، وفي كل هذا لا صوت يُسمَع بسبب ضجيج الدنيا وإطلاقات البنادق وانفجار القنابل وصعق البارود، فيقع الأبرياء قتلى بل شهداء، ولعلّكم أنتم كبير الرؤساء وحكّام الأوطان والدول وقائد لأكبر دولة عُرفت بتاريخها وأيامها، وأعضاء برلمانها عُرفوا بتضحياتهم ودقة رؤيتهم ومسيرة المخطط من أجل الحياة. فتَقدُّم علمكم وقوةُ اقتصادكم ما هما إلا رسالة لبناء العالم الحُرّ والحقوق... فهذه رسالتي أنا الضعيف، تجدون فيها الحقيقة في كلماتها، ورسالة في أسطرها، وما أرويه هنا ما هو إلا مختصر جداً جداً للحالة البائسة التي يعشها شعبنا المطرود.
     سيدي الرئيس
     السادة أعضاء مجلس النواب
نعم، كان بلدي يئنّ تحت حكم الدكتاتورية المقيتة والحروب التي أحرقت شبابنا في أتون النار القاتلة، ومنها انطلقنا إلى الحصار حيث العديد من أبرياء الدنيا من الأطفال ماتوا بسبب نقص الغذاء والدواء. وكانت الدنيا بعوالمها تنظر إلينا وتتألم لشعبنا المسكين الرازخ تحت نير العبودية والحروب والحصار، فلا حرية ولا كلمة ولا صوت، بل تأوّه وبكاء وأسف.
   المهم كلنا كنا ننتظر قراركم، ولكن لم نكن نعلم ملحقاته. فقرار تحرير العراق، عنوان الحياة... إنه التحرير من الشر بل من الخطيئة التي أُجِّلَ مفعولها. فالكلمة قوية بمعناها ورائعة بشكلها وعظيمة بتحقيقها. وكم من آمال كنا نبني _ ومن المؤكَّد _ منها على صخرة الإيمان ومنها في وديان الرمال، ومهما كان من أمرٍ كنا نتأمل خيراً، وكنا نقول أن المستقبل سيكون زاهراً، وإن الحياة ستُصاغ من جديد وملؤها رغد العيش وحرية الفكر، وإن العراق بأرضه وشعبه سيحمل رقم (21) من ولايات بلد الخير والعلم والتقدم أمريكا، بل العولمة بعلمها وبمراجيحها، فلا خوف بعدُ ولا يأس بعدُ، لا فقر ولا فاقة، لا حكم ولا سيطرة، وستكون الطرق سالكة بلا حواجز فاصلة وعازلة وقاتلة، تحمل اليأس وقطع الرجاء، فهي علامات سلبية بوجودها وإيجابية بدمارها لنفسية الإنسان وحقيقة الأخوّة، وفي كل ذلك بدأ حلمنا يكبر ويكبر حتى أصبحنا ضفدعاً بكبريائنا، ولكن كانت النتيجة أنْ إنفجرنا وأصبحنا في عِداد الموتى، وكُتِبَ علينا الضياع والتشرد والتيه، فتُوِّجت الطائفية ملكة، وأخذت المذهبية زواياها، وبدأت المحسوبية مسيرتها المميتة، فتفشّى الكذب والسرقة والسلب والنهب والتفجير والتفخيخ والتهديد والوعيد وكأن الدنيا لم تكن حسب قول كتابنا "ورأى الله كل شيء حسناً" (تك1)، وكأنّ بلدي يتأمل عظمة البناء بعد حروب مدمِّرة وبعد سقوطٍ قادته أميركا العظمى، وبدأتُ أتصور أن بلدي سيكون أنموذجاً من عدة نماذج أقامتها أميركا بتجارب قوية الثبات وحقيقة الوجود كالألمانية واليابانية والكورية والكويتية، لأن أعمدتها ستؤسَّس من أعظم دولة في العالم، والمسكونة بعلمها وتقنياتها، باقتصادها ودولارها، بقانونها وحمايات حقوقها. وحلمتُ _ ومن حقي أن أحلم _ أن بلدي سينعم بالرخاء وبفضاء الحرية والقانون، بعطاء الفكر ورسالة الحياة، وسيكتب رصاص القلم تاريخاً مشرقاً، وسنكون أكيداً بلداً حضارياً.
   وأمام كل هذا لم أكن أفكر ماذا وراء كل ذلك، من الحروب إلى الحصار إلى السقوط. خيالات تراودني وأنسج أحلاماً، وأردد في داخلي "هل هذه هي الحقيقة أم مصالح الحقيقة أم حقيقة المصالح؟"، ولم أكن أعلم هل أنا مُحتَل أم مُحرَّر؟، هل كان السقوط لرئيس أم سقوط لحكم أم سقوط لوطن؟، أإلى الوادي القريب أم إلى عمق الوديان أم إلى الهاوية القاتلة؟... فالإيجابية كانت أول كلمة في ضميري وفكري ومعالم عيوني بحدقتها ونظرتها وتأملها، ولم أكن أسمع يوماً أن هناك صوتاً يقول أننتظر الآتي أم لا. فحقيقة الخطوبة لا تكون في الرقص بل في خاتمة الموسيقى، والحكم ليس في عاطفة الضحك بل انتظار الآتي كما علّمنا المسيح الحي، ما الذي سيحلّ في المسكونة (متى 24).
   وجالت الخواطر في أفكاري، وبدأتُ أتأمل وأتمرّد على ذاتي، وأصف أفكاري بالمراوِغة، هل الحقيقة التي حلّت بنا هي وهم أم نشوة من أساليب الفرح؟، وهل التحرير أصبح حلماً للرجال التعساء وسرعان ما ذهبت خيوطه مع الريح؟... بين أفكاري والفشل دارت مسألة طلاق الواحد للآخر. فالفشل كان مطلَّقاً، ربما من أبناء شعبي حيث الوفاق بعيداً عن القلوب، ولا مجال للغفران ليتربّع في مكانه بل يراوح خائفاً مذعوراً، والأحاديث على طاولات هباء ليس إلا، وكل شيء أصبح معكوساً وفي اتجاهات مختلفة للظاهر والمستور، والسبب أن أحباء الوطن أوصلوا البلاد إلى هذه الحالة المؤلمة، وإلى مسيرة نحن ندور اليوم في فلكها.
   نعم، لقد استيقظتُ على حلم لم أكن أعلم أنه سيتحقق، عكس ما حلمتُ. أفقتُ وكأنني في عالم عنوانه قبل التاريخ. دخان ونار وقتل وكارثة، وأية كارثة أصابتنا... إنها بداية دمار الأرض بدءاً بأرضنا.
   أتمنى أن أسأل، ولكن لا أعلم هل مسموح لي بذلك أم لا، ولا أريد أن أجرح شعوركم أو شعور شعوبكم الأبيّة، فالشعوب محتَرَمة بقيمها وأخلاقها وعلمها وكوادرها، والسؤال: هل لا تعملون لإنقاذ بلدي؟، هل أنتم سمحتم للإرهاب المتوحش أن يدمّر وطننا ويطردنا من منازلنا ومساكننا؟، هل أنتم سمحتم للإرهاب أن يسرق أموال الفقراء وخيرات الوطن بوحشية لا توصَف بل لا يمكن وصفها لمختلف الأساليب الوحشية التي قام بها وارتكابه جرائم بحق البشر والحجر، بحق الحيوان والجدران، بحق الحضارة والآثار، بحق الإنسانية والطفولة؟، هل أدركتم أن ما يحصل هو من صناعة الموت ونشر الظلام والقتل، وما الشعار الذي رفعه الإرهابيون "أكثر عنفاً" إلا علامة سيئة في مسيرة الحياة والحرية التي تقودها دولتكم الموقَّرة بين دول العالم؟، هل أدركتم أن الإرهابيين مسلَّحون بغرائز الوحشية وهم مجرَّدون من أية مسحة إنسانية؟... إنها حقيقة مُرّة. هل أدركتم أن مغازلة الشر خطيئة بحق الشعوب البريئة؟، وإنْ كان الحق لا يُحتَرم، كيف نؤمن بدوائر حقوق الإنسان؟، وكيف سنقول الحقيقة ونحن جُهّالها من أصولها وحتى منابعها وشواخصها؟.
   هل أدركتم أن الإرهاب دمّر الدولة وهياكلها، ونهب المستشفيات والخستخانات، وهدم المدارس وأحرق كتبها، وفرض تعليمه الإرهابي في رياض الأطفال، وحتى مشاعل العلم أخذت تنطفئ؟، أهان المرأة وكرامتها والحياة وعنوانها. هل أدركتم جيداً عنف الإرهاب في قتل الأمريكيين الأبرياء من الصحفيين والأطباء والعاملين في الحقول الإنسانية؟... وسارت مسيرة الإرهاب في تدمير كل الشعوب والأوطان ومنها وطني وشعبي... إنها جرائم فريدة وشاذة، لا نعرف أصولها ولا نسبر فروعها وتفرعاتها في تاريخ عُرف بالألف الثالث.
   هل تعلمون ما حصل بعد الإحتلال؟، لقد أصابنا الفقر والجهل والمرض والتخلف، وأصبحنا نفتقر إلى كل مقومات الحياة في الحرية والأمن والكرامة، ولا أعلم إنْ كان هذا المبتغى مما حصل بعد التحرير، لم يكن إلا تدميراً وانتهاكاً قادنا إلى الذبح والتفخيخ والتفجير وعلى بركة الله وباسم الله، وضاعت ثقافة التسامح، وشُيّعت سبل الحوار، وكل ذلك تحت راية سوداء مقدسة وأحكام مخيفة، كل ذلك أمام أعينكم يا سيادة الرئيس وسماع آذانكم وأنظاركم، وهذا ما جعلني أن لا أتخيل _ بل لا استطيع أن أتخيل _ عنوان هدفكم إنْ كان التحرير أم غيره، وما هي الأهداف المعلَنة والخفيّة السريّة من مسؤوليتكم، فنحن اليوم نعيش في قبور حُفرت للأحياء قبل الأموات، بل نحن في عِداد الموتى ومشاريع استشهاد وإنْ كنا أحياء وعلى أرض الله نُرزَق ومن عنده الخيرات.
     سيدي الرئيس
     السادة أعضاء مجلس النواب
   نعم، إنني أنحني إجلالاً للتضحيات الكبيرة التي قدَّمتها قواتكم المسلحة بمختلف أصنافها، وكل الوقار للشباب الأميركي الذي أعطى حياته من أجل حقيقة وطنه. فالدنيا بكم سخاء، والمليارات التي صُرفت هي عرق جبينكم ومن نتاجه، وفي هذا يسعدني أن أذكّركم أننا وقفنا قلباً وروحاً وصلاةً معكم يوم الحادي عشر من سبتمبر عام 1991، بكينا من أجلكم ومن أجل شعبكم، وإن خفيةً، ومن أجله صلّينا في كنائسنا وبيوتنا، ورحمةً دعونا لشهدائكم كما اليوم لشهدائنا، وكنا معكم كلمةً وحقيقةً وإدانةً لهذا الإجرام، ومرّت السنون وكانت كارثة كنيسة سيدة النجاة _ والتي رأيتُ تفاصيل أحداثها بكل دقة من الألف إلى الياء، وكنت شاهداً لها _ وقد نقلتُ هذا الكلام تفصيلاً إلى السناتور المحترم جون ماكين رئيس وفد الكونغرس الأمريكي والسيناتور لندس كراهام والسيناتور جو ليبرمان المحترمين وبحضور السفير الأمريكي آنذاك، الذين قاموا بزيارة إلى بلدي الجريح بعد أحداث كنيسة سيدة النجاة وبالضبط يوم الثلاثاء 9/11/2010.
     سيدي الرئيس
     السادة أعضاء مجلس النواب
   بعد أيام سنحتفل بالذكرى الأولى لطردنا من قُرانا ومساكننا في سهل نينوى، 6 أغسطس 2014، وكم كنتُ أتمنى أن تكون مناسبة تحرير وليس ذكرى تدمير، أمام هذه المشاهد المؤلمة، ألم يحن الوقت أن تنظروا إلى شعبي بعين الرحمة والحنان؟، ألسنا في ديانتنا المسيحية _ كما الإسلام كما الأخرى _ أن الله رحمنٌ رحيم؟، ألم يقل ربنا يسوع في إنجيله:"كونوا رحماء فإن أباكم السماوي هو رحيم" (لوقا 36:6)؟، وفي القرآن الكريم أليست البسملة علامة رحمة رب السماء؟... وأسأل الآن: كيف سنعود؟، ومتى سنعود؟، مَن يحمينا؟.
منذ دخول داعش الإرهابي إلى أرض وطني دنّس قريتي ومدينتي، الموصل وسهل نينوى وحتى اليوم، من حينها راودتني فكرة كتابة الرسالة إلى معاليكم وإلى السادة أعضاء مجلس النواب الكرام، وطوال هذه الفترة كانت الفكرة تنمو يوماً بعد يوم في داخلي ومخيلتي، والأحداث تتسارع في مسيرة مؤلمة إلى أن أتت الساعة ليسجّل يراعي الضعيف هذه الكلمات عبر أسطر تسقيها دموع الحياة القاسية، ومسرّات ألم الاضطهاد... في رسالة تكون هي الأولى، حاملة حقيقة الإنسانية المتألمة في شعبنا الجريح، فغاية رسالتي هو تخفيف المصيبة التي يعيشها أبناء بلدتي وشعوب منطقتي المسالمين بعد أن طردهم داعش الإرهابي وعملاؤه من ديارهم وفقدوا كل شيء، منازلهم ومحتواها، أملاكهم وأحلامهم، ولم يبقَ أمامهم إلا الهزيمة والالتجاء إلى كردستان حيث الأمان، وهناك فرشوا الحدائق وملأوا الشوارع ذهاباً وإياباً، جلوساً ونظرةً، واليوم أغلبهم يسكنون عمارات بائسة لم يكتمل بناؤها وحتى محيطها، وآخرون هاجروا وقلوبهم حزينة حتى الموت على فراق أرضهم. نعم، رحلوا إلى بلدان الجوار شمالاً وغرباً، جنوباً وشرقاً، باحثين عن ملجأ يَقيهم، وعن أمن يحميهم، وعن يد تعانقهم، وعن كلمة تواسيهم، وعن محبة ترافقهم، وعن شعور بنجدتهم، ولكن لا من مجيب ولا من حديث ولا من عزاء، ولا زالت حتى اليوم مسيرتهم دون هدف وإرادة، دون علم ودراية، ووضعهم مأسوي بدرجة امتياز... هذا هو بيت القصيد، إنهم مهجَّرون، إنهم نازحون، فالحقوق مسلوبة، والحقيقة مصلوبة، والعدالة حوكمت، والقضاء إرهاب، شعوب تائهة أم أصيلة، هل نستحق أن نحيا ونواصل مسيرة البناء أم علينا أن نكون تبعية مهمَّشة لا دور لها إلا ملء البطون والنوم والصمت المريب؟، ألستم أنتم زارعي بذار حقوق الإنسان، ألا يجوز أن تزرعوا ذلك في حقول قُرانا ومدننا وحول مساكننا؟، ألا يجوز أن تمدّوا أياديكم كسحابة لحماية شعبنا الممزَّق والمضطَهَد والمطرود من مساكنه وقُراه ومدنه؟، هل لا يجوز تعويض أبناء بلدي وأبناء ديرتي لِمَا فقدوه من أموال وممتلكات كما رفعتم ذلك رايةً يوم احتلال الكويت حيث كنتم، كلمة الحقيقة، ودولار التعويض، وطابوقة البناء، وكونكريت الحياة لمدّ الجسور بين الأبناء والأصلاء في إعادة الإعمار والبناء واستمرار الحياة هبة الله، رب السماء والأرض، وكعطية لنحميها أنتم ونحن؟.
     سيدي الرئيس
     السادة أعضاء مجلس النواب
نعم، بحق رب السماء إعملوا على إعادة شعبنا إلى مدنه، وحرّروا بلداننا من أيدي داعش الإرهابي واطردوهم إلى غير رجعة، فالحياة أسمى من المصالح، والإنسان أسمى من المخططات، والتاريخ هو الحقيقة سيعلنها لأجيالكم وأجيالنا... إنكم كنتم هنا من أجل إعادة الحياة بسموّ التضحيات، وكم كنتُ أتأمل أن نحتفل بعودتنا إلى قُرانا ومدننا وليس بمرور الذكرى الأولى لإرهاب داعش على أبناء سهل نينوى ومكوناته المختلفة... إنه الضمير الحي الذي به نُظهر الحقيقة بدلاً من أن يكون التاريخ أسطر الخزي والعار. فعمليات التطهير العرقي والإبادة الجماعية التي طالت أبناء شعبنا والأقليات لا يمكن أن تمرّ مرور الكرام وأن تكون ريحاً في صحراء قاحلة، بل أن تحمل رسالة الإدانة... ألا يكفي الإهانة بحقنا؟... فاليوم كلنا سواد، وملابسنا سوداء، وما كسوتنا إلا أكفان... ألا يكفي تمجيد الموت والقتل والدمار وازدراء الحياة من قِبَل إرهاب مميت لا يحترم الحياة بقدسيتها، والدنيا ببشرها؟... إنه التحدي الأكبر للإنسانية إن لم يُعالَج من جذوره، بل تُقلَع جذوره.
     سيدي الرئيس
     السادة أعضاء مجلس النواب
   نعم، أطلتُ في رسالتي، فالمختصر كان مفيداً، ولكن حالي وأحوالي قد فسدا في الحياة، وما يخلّصني هو الرجاء والأمل. فأنا لستُ أضع لكم سياسة وخططها _ وأنتم أستاذ وبلدكم علماؤها _ فما أنا إلا أشكو حالي وحال شعبي الذي يُنعَت اليوم بالأقلية والجالية والطائفة، إنه يجول شوارع الدنيا وحدائقها ليجد مَن يلوذ به، ومكاناً يحميه بعد أن خسر كل شيء ولم يبقَ له إلا شفاعة السماء. فالمسيح الرب الحي قال:"ثقوا، فقد غلبتُ العالم" (يو33:16)... فنحن بحاجة إلى قدراتكم وعلمكم وإنسانيتكم وسلامكم ليس إلا، ولا أكثر!. فلكل شيء نهاية، ولكل حرب خاتمة، ولكل إرهاب نهاية، ولكل معضلة حل، وما نراه إلا وجه الله.
   وأخيراً، نعم، كل إحترامي لكم يا سيدي الرئيس السامي الإحترام، ولكم أيها السادة أعضاء مجلس النواب الأجلاء، وأملي أن أجد آذاناً صاغية ومكاناً في قلوبكم... ليحفظ الله بلدكم وليبارك شعبكم. وأترككم وبلدكم في حماية الرب القدير... وكما هو شعاركم، أردد أنا وأقول I TRUST IN MY GOD... ودمتم في حماية سيدة السماء، سلطانة السلام، نعم وآمين.



61
أنسعى للبقاء ام نخشى الفناء

المونسنيور بيوس قاشا

   في البدء
   من المؤكد نحن اليوم أمام مستقبل مجهول، وشعورنا بالوطن وبقدسية ترابه
والانتماء إليه أصبح في خبر كان بل حتى في خبر إنّ، لا بل نلوم الوطن ومَن أتوا ضيوفاً وكانوا جيراننا نلومهم على طردنا دون أن نقترف إثماً بحقهم بل هم في سنين عديدة كانوا يرتزقون من محبتنا واحترامنا، وهذا ما جعل الكثير من أبنائنا يستعطوا ليكونوا مسجَّلين في سجلات الرحيل لأجل راحة البال وحقيقة الحياة وكان ذلك مبتغى الإرهاب ونداء الأشرار، وحتى في رحيلنا نخاف هل سيقبلوننا نزلاء أو سنبقى دخلاء، وإنْ كُتب علينا أننا مهجَّرين ومهاجرين، وهل ستطول مدة بقائنا في الأرض التي أرادتنا ضيوفاً؟، وهل فعلاً سيكون رحيلنا إلى البعيد البعيد عبر البحار والمحيطات، عبر القارات والمحطات، فالأمر لا يكهن به حتى كُهّانه المصريين وسحرتهم، كما ليس من السهولة أن تُرسَم لنا مسيرة الحياة وقد نحتاج إلى سنين وأعوام... فلماذا، نعم لماذا؟، ألم نكن أصلاء بيوتنا وأحجار مساكننا، فلماذا الذي حصل؟

   البابا فرنسيس
   ندّد البابا فرنسيس بالاضطهاد الذي وصفه بـ "الوحشي" الذي يمارَس ضد الأقليات، وأدان البابا قتل وتشريد السكان في مدنهم وقال:"أمام أعيينا وأمام صمتنا، إنهم هيرودس المعاصرين الذين تلطّخت أياديهم بالدماء. أفكّر أيضاً في الأطفال الذي يُقتَلون في هجمات بالقنابل". وقال ايضا بابل هي رمز للشر والخطيئة، وهي تسقط بسبب الفساد،هذا ما قاله البابا فرنسيس في عظته في القداس الالهي ليوم الخميس، 27 تشرين الثاني 2014، القديسة مرتا فقد كانت تعتبر نفسها سيدة على العالم وعلى ذاتها، ولكن عندما تكثر الخطيئة تضعف القدرة على المواجهة ويبدأ العفن والانحلال، وهذا ما يحصل أيضاً مع الأشخاص الفاسدين ذلك لأن الفساد يمنحكَ أولاً بعض السعادة والسلطة ويجعلك تفتخر بذاتك فلا يترك مكاناً للرب ولا للارتداد. ففساد الخطايا المتعددة، هوفساد الروح الوثني وروح العالم، وهذا النوع من الفساد هو الأسوأ. وهذه الثقافة الفاسدة تجعلنا نشعر بالاكتمال والاكتفاء كما ولو أننا في الجنة، ولكنها عفنة ومُنتَنَّة في داخلها. وفي صورة بابل يمكننا أن نرى كل مجتمع وكل ثقافة لا بل كل شخص بعيد عن الله وعن محبة القريب. فهل نحن شبيهون ببابل الفاسدة المكتفية بنفسها أو بأورشليم المتلهية.

   ملء العقول
   وستبقى لماذا.. تُزعج مضجعي وتبلبل أفكاري حتى أوراقي؟... لماذا كانت لماذا... كي نعيش هذه الحالة البائسة؟... أليست المقالات والبيانات والتعقيبات والردود وحضور المؤتمرات وإلقاء المداخلات وغيرها من الأمور أن تصنع لنا معجزة فتظهر وتشرح لنا لماذا حلّ بنا ما حلّ. فشعبنا التائه والمشرَّد، المسكين الضائع، المهجَّر والنازح، بدأ يتقزز من كل الأحداث والحوادث ومن رائحتها الكريهة، فربما حاملوها ليسوا مخلصين لقضيتهم أو لا يهمهم حمل الصليب الذي فُرض عليهم. فنحن اليوم لسنا بحاجة إلى مناصب وزيارات تعاطفية لمسؤولين وإداريين ودوليين إلى لاجئينا وإنْ كان هذا في باب القبول، ولكن ما نحتاج إليه إلى ترجمة هذه العواطف وهذه الاحترامات إلى أعمال حقيقية على أرض الواقع وفي صفحات الدستور، وهذه هي الشهادة للحقيقة، لأن الحقيقة _ وإنْ كان قسم منها في ملء البطون _ ولكن الحقيقة الثابتة هي في ملء العقول كي تملأ البطون. فأرضنا بيعت، ومساكننا نُهبت، وأديرتنا دُنّست، وكتبنا أُحرقت، وأسأل لماذا هذا كله؟، نحن لم نقترف شيئاً بحق الأشرار والصالحين، وهذه هي الحقيقة بعينها .

   قديم وجديد
   أمام هذا كله ولا زلنا حتى الساعة لسنا بمستوى يؤهلنا تجاوز مشاكلنا الداخلية وتعويض خسائر شعبنا وإيجاد مجال للثقة والرجاء بالعودة والبناء من جديد، ولسنا بمستوى من الإيمان في خلع الإنسان القديم ولبس الإنسان الجديد (أفسس 24:4). وإذا كان هذا لحد الساعة فمن العبث الحديث عن حقوقنا وعن وحدتنا، فالصلاة الموحَّدة لا تنبع من الشفاه بل تلهج بها القلوب، وليست صفاتها القوة والتأسف بل دليلها دموع الألم والحب كي تصل إلى الفداء وله ينبغي أن يكبر ولي أن أنقص (يو30:3). فكلنا نريد أن نكبر، ولا أحد منا يريد أن ينقص لتظهر الحقيقة والكلمة، وفي البدء كان هو الذي علّمنا أن نثق به حتى الموت (يو27:16). فنحن لسنا بحاجة إلى شفقة كمستَعطين في شوارع العالم، بل حالنا يجب أن يكون كبقية أطياف ومكونات وأصلاء البلد، لذلك علينا أن ندرك جيداً كيف نمدّ الأيادي نحن في الداخل وأبنائنا في الخارج فنكون صوتاً واحداً وحقيقة واحدة في محاربة فساد المحسوبية والمحاصصة، وكفى الخنوع والخضوع باتّضاع _ وليس بتواضع الذات حيث تعليم السماء _ لأشخاص مزيفين يرسمون لنا مسيرتهم وعلينا أن نكملها حرفياً شئنا أم أبينا وإلا كنا من الضالّين.
   واقع اليم
   نعيش اليوم واقعاً مريراً، بل قاسياً، بل اضطهاداً بالحق والحقيقة. فهل لا زالت الكبرياء والأنانية تتسلط على بَنات أفكارنا؟، هل لسنا بعدُ بالمستوى الذي يؤهلنا تجاوز مشاكلنا الداخلية وبجوانبها المتعددة؟، هل لا زال هناك عدم الفهم والتحزبات والمحاصصة والصداقات والمحسوبيات والاصطفافات الضيقة من آل البيت أو من الأقرباء والتي أضاعت على الواقع حقيقته فأصبح الفساد نزاهة، والكذب حقيقة، والمراوغة والإلتواء سبيل النجاح، والغش علامة الفوز بالآتي... أليس الواقع الأليم هذا من صنع أنانياتنا وكبريائنا ومحسوبياتنا؟، ألا نتحمل جميعاً المراتب الدنيا إلى العليا وكل واحد جزء منه، إنه خلل لا نعرف دواءه وإنْ كنا نعرف داءه، وحدّث ولا حرج في ذلك، فالحقيقة ستُبان إنْ الآن أو لاحقا.

   طال ليلنا
   ما أطول ليلنا ولا أعلم إن كان ينجلي، فقوى معروفة بأهدافها من مشرقنا أو من غربنا تريد اقتلاعنا من هذا المشرق، مهد المسيحية، أصلاء الأرض وأصيلو الحضارة، وأقولها _ والخوف والفزع يدغدغ أفكاري ومسارات دمائي _ إنها تنجح ونجاحاً باهراً، مرة في الرحيل وأخرى في الأرض الموعودة، وثالثة في الخطف والسلب والنهب وأخرى بأفكار بائسة ويائسة مليئة بعدم الثقة والرجاء حتى وإن كان الإيمان إيماناً بالمسيح الرب إضافة إلى الشكوك، إنها مكائد ومؤامرات تُحاك أمام عيوننا ويقرأونها على مسامعنا ولا أعلم هل كنا ندرك مداها كي نمدّ أيادينا إلى مَن ينقذنا فنحن شعب لا نعرف إلا بساطة المسيرة سذَّجاً نصدّق الكل وكل شيء من غير فهم ولا حيطة ولفقرنا نستَغَل وليس مكائد الحياة لبقية الشعوب كما يقول المثل "يقتلونه ويسيرون في جنازته"... يقتلونهم ويغسلون أياديهم علامة لبراءتهم، يقتلونهم ويعلنون أنهم المدافِعون عن حقوقهم وهم الأَولى بالمعروف والركوع والخضوع والخنوع، وهم المستمعين صراخ الفقراء "بالروح بالدم نفديك يا باشا". ويبقى السؤال: لماذا ولماذا ولماذا؟... إنها لماذا بقدر دموع الرجال حيث تحت أقدامهم اهتزت الأرض فزعاً واضطربت خوفاً... إنها لماذا المسيح حيث قال لخادم قيافا:"لماذا تضربني؟"... نعم، لماذا تضربني؟.

   العمل غائب
لماذا ونحن نحتفل بالذكرى الأليمة لمرور سنة على طردنا وتهجيرنا، السادس من آب (أغسطس) 2015، والعمل الدولي غائب وبدون تنسيق وغير مبالٍ بمسيرتنا المؤلمة، فأحبارنا الأجلاء كانوا يوماً أمراء على منصاتهم وصرخوا وأعلنوا بأعلى أصواتهم "يا قوم، يا عالم، هناك شعب يموت، هناك شعوب تُستأصل من جذورها، هناك أصلاء يُطرَدون من أرضهم، ورؤساء كنائسنا وغبطات آبائنا ركبوا البحر والجو والبرّ وقابلوا واستقبلوا كبار الدنيا ومخططي المؤتمرات والأوطان ومنسقي الأزمنة وسمعوا وعوداً وتمنيات ولا زال لحد اليوم لم نشهد حلاً أو بشارة بحلٍّ سريع وشامل لقضيتنا، فإن كانت قضية فلسطين قد باعها أعرابنا أخاف نحن أيضاً لا نبيع قضيتنا بسكوتنا وقبولنا بواقع كُتب على جباهنا وأُودع في قلوبنا وما علينا إلا أن نخضع خانعين أو خائفين ولكن ثقتنا مهما ملك اليأس على قلوبنا فرجاؤنا بمسيرتهم الشاهدة يكون انتعاشاً ليس إلا!... ولكن أقولها خائفاً أن لا تطول حتى قضيتي كما طالت قضية فلسطين حينذاك سيخرس لساني إلى الأبد.

الاضطهاد لماذا
نعم، نستمر بسؤالنا: لماذا كُتب علينا الاضطهاد، ولماذا حتى الساعة نخاف فنهرب ونتزعزع، والإعلان يُعْلِمنا أنها مؤامرة إقليمية دولية؟... ما يخيفنا بعدما حلّ ما حلّ بنا، هل حققت المؤامرة أهدافها وهل اكتمل مخططها، أم لا زالت هناك زوايا مظلمة في مسيرة نعتبرها حقوقية للإنسان وحياتية للشعوب؟، لماذا نحن قبل مائة عام مجازر ومذابح بسبب مصالح أهل الحروب البائسة، فيها كان المسيحيون ضحايا وكِباش فداء؟... وهاهو التاريخ يعيد نفسه بصورة بشعة في زمن منظمات تدّعي إنسانيتها فهي تتحسّر علينا ولا حلّ في يديها، فقد كُتب علينا أن ندفع ضريبة الشر لوحشية الإرهاب، ضريبة الماء والحياة، بل حتى ضريبة الهواء، ولا أعلم إنْ كانوا في مسيرة إنسانية أم في حقيقة حيوانية شريرة بائسة.

لنتّقِ الله
لماذا نحن شعبٌ ممزَّق بأحزابنا وأهدافنا، بتعددنا، بأعلامنا وراياتنا، أليس من الحقيقة أن نرجع إلى صوابنا وإنْ كان ماضينا لم يعلّمنا حقيقة مسيرتنا وعيش إيماننا؟، أليس من الواجب اليوم _ ونحن في هذه المحنة متخبّطون _ أن نتَّقِ الله في شعبنا المظلوم على أمره؟، أليس من الواجب أن نرجع إلى صوابنا لكي يتفقد الله بقيتنا الباقية أو ما تبقّى من شعبنا ليزيد المحبة ويفيضها في النفوس أجمعين، فنتصافح ونتنازل ونغفر ونتوحّد هدفاً ورايةً وعلماً؟، ألسنا نحن الذين زرعنا أصول الحضارة وعلامة التاريخ في أرض الأجداد وأصبحنا اليوم _ بسبب عدم تمسكنا ووحدتنا وشرذمتنا _ خرافاً أمام أشرار الدنيا في الدواعش الإرهابية حاملي عنوان الهمجية وقطع الرؤوس والسقوط الأخلاقي، وجعلوا بلدنا خراباً وعاثوا به فساداً وجعلونا أسفل السافلين، وأصبحنا في فوضى لا توصَف؟... فلا نعلم لمن نمدّ أيادينا ليخلصنا من الغرق، فبحرنا هائج وأنفسنا ترتعد خوفاً، وإيماني يقول أنْ لا أحد يخلصنا إلا يد الرب القدير.
الخاتمة
   كل يوم نتساءل: أنقبل المجازفة أم نخاف الموت؟، أنسعى للبقاء أم نخشى الفناء؟، أنحمل الصليب أم نرفض الصلب؟، كل شيء نراه، موتاً، فناءاً، صلباً. وحتى مسيرة الأيام كلها رعب، والسؤال: لماذا ولماذا؟... إنها كلمات وفقرات وألفاظ تقودنا وتسعى لتهديم حائط رجائنا وكسر معنويات إيماننا. إنها كلمات تقتلنا قبل قتلنا، بل أحياناً كلمات تنافي مسيحيتنا وربما كلمة الشكوك وقطع الرجاء هي العليا، نعم رفض الرجاء وإبعاد الإيمان، وفي النتيجة لا حياة، بل بعيدة عن حقيقة الحياة الأبدية. ولكن ما أدركه أن ربي وإلهي كتب لنا النصر بالصليب بل هو انتصر بالصليب وأرادني أن أشاركه الانتصار بالقيامة فنكون صوت الإيمان، فإن كان الصليب صلَبَ الموت فنحن بإلهنا المسيح الحي أبناء قيامة، أبناء الحي بين الأموات، نعم وآمين


62

مأساة النزوح .. وتسعة أشهر مرّت

المونسنيور بيوس قاشا
هاهي مأساة النزوح تدخل شهرها التاسع ولا زال صليب الحياة ثقيلاً كما لا زال الألم يتنهد
 في داخلنا، لماذا؟، نعم لماذا؟، فنحن عنوان الحياة في وطن نرفض فيه أن نموت فالأمل فيه رجاؤنا والمسيح فيه إيماننا.
   ѻ نعم، تسعة أشهر مرّت ولا زال السؤال: لماذا، لماذا، لماذا؟، إنها لماذا بقدر مأساتنا ودموع الرجال تزلزل الأرض تحت أقدامهم. نعم، اهتزت الأرض فزعاً واضطراباً وخوفاً... إنها لماذا بقدر حجم مأساتنا كما قال ربنا يسوع المسيح يوماً لخادم حنّان وقيافا:"لماذا تضربني؟"، والساعة نقول: نغم، لماذا أُطرَد من دياري، ألا أنها كلمةُ الحق.
   ѻ تسعة أشهر مرت والجيران الأشرار بداعشهم وإرهابهم يجولون في ديارنا وحاراتها، في مخادعنا ومنازلنا، في الأزقّة وحنايا المعابد، يسرقون ويستبيحون كل شيء، يدنّسون كنائسنا، يكسرون صلباننا، باسم الله يحلّلون غزواتهم ويحطّمون تماثيل رموزنا، إنها أملاكُ النصارى والكفار، ويعلنون أنفسهم حماةً لسابع جار، فبئسهم، فأولُ جار لهم سرقوه ثم قتلوه دون أن يدركوا أنهم هم الكفّار.
   ѻ تسعة اشهر مرت ونحن لا زلنا نُعرَف بساكني الخيام وناطري الكرفان وحاملي الآلآم وشاردين بين الأنام لا نعرف متى ينبلج الفجر والصباح ومتى تغيب الدنيا والزمان، وأصبحنا ضياعاً بل مشردين في شوارع المدينة ونسينا كتابة ملفاتنا فدفاتر مدارسنا قد بيعت وأقلامُنا انكسرت ولم يبقَ لنا إلا التأوّه والسؤال.
   ѻ تسعة اشهر مرت ونسأل: هل سنعود؟، وإذا عدنا هل سنكون أم نرى ما لم تره عين ونسمع ما لم تسمع به أذن؟، فنموت صغاراً في عقر دورنا كما مات لعازر، فلا رابوني في الدار وما الجيران إلا أشرار الزمان.
   ѻ تسعة اشهر مرت ولا زال ليلنا لم ينجلِ، ولا زال الخوف والفزع يدغدغ أفكارنا ومسارات دمائنا مرة في البقاء وأخرى في الرحيل إلى الأرض الموعودة وثالثة في الخطف والسلب والنهب... إنها مكائدٌ ومؤامراتٌ تُحاك أمام عيوننا من كبار الدنيا بشرقهم وغربهم، بأقاليمها وبلدانها، ويقرأون بياناتهم على مسامعنا ولا نعلم هل كنا ندرك مداها كي نمدّ أيادينا إلى مَن ينقذنا.
   ѻ تسعة أشهر مرت ولا زال الألم يقلق مضجعي ويبلبل أفكاري في سؤال "لماذا"، لماذا هذه الحالة البائسة، أليست المقالات والبيانات والتعقيبات والردود وحضور المؤتمرات وإلقاء المداخلات من شأنها أن تصنع لنا معجزاتٍ، فشعبنا تائه، مسكين، ضائع، مهجَّر ونازح، وبدأ يتقزز من كل الأحداث والحوادث ورائحتها الكريهة، فربما حاملوها ليسوا مخلصين لها أو لا يهمهم أمر صليبهم، فالشعب ليس بحاجة إلى مناصب ومزيّفات وزيارات إعلامية لمسؤولين وإداريين ودوليين إلى لاجئينا وإن كان هذا في باب القبول والشكر، ولكن السؤال: لماذا لا نترجم ذلك إلى جوابٍ شافٍ في صفحات الدستور لأن الحقيقة _ وإنْ كان قسم منها في البطون _ لكن الحقيقة الثابتة في ملء العقول، فأرضنا بيعت ومساكننا هُدمت ونُهبت وأديرتنا دُنّست، وأسأل لماذا؟، فنحن لم نقترف جرماً وإنما كنا أبرياء.
   ѻ تسعة اشهر مرت ونحن لا زلنا أمام مستقبل مجهول وشعورنا بالوطن وقدسية ترابه والانتماء إليه أصبح في خبر كان بل حتى في اسم إنّ، نلوم الوطنَ ومَن أتوا إليه ضيوفاً، كانوا جيراننا، سنين عديدة كانوا يرتزقون من محبتنا وكَرَمنا واحترامنا، وهم اليوم أشرارٌ بدواعشهم وأصبحنا نحن مُهجَّرين ومهاجرين، نزلاء ودخلاء، وعيوننا في الرحيل إلى البعيد البعيد، عبر البحار والمحيطات، عبر القارات والمحطات... فالأمر لم ينتهِ بعدُ. فحتى في رحيلنا نخاف هل سيقبلوننا نزلاء أو سنبقى دخلاء وإن كُتب علينا أننا مهجَّرون ومهاجَرون؟، وهل ستطول مدة رحيلنا ولن نعود؟.
   ѻ تسعة أشهر مرت وشعبنا لا يعرف إلا بساطة المسيرة سُذجاً، نفتح أبوابنا للقاصي والداني وليس لنا مكائد كبقية الشعوب، أما هم فيقتلون ويغسلون أياديهم كبيلاطس ويعلنون أنهم أنزلوا علينا آياتهم، وإنهم الأَولى بالمعروف وما علينا إلا الخضوع ةالركوع تمجيداً لهم بالروح بالدم نفديك يا باشا.
   ѻ تسعة أشهر مرت والعمل الدولي غائبٌ يراوح في ساحة الميدان، وربما غير مبالٍ بمسيرتنا المؤلمة، فأحبارنا ألأجلاء كانوا يوماً أمراء على منصاتهم وصرخوا وأعلنوا أصواتهم "يا قوم، يا عالم، هناك شعب يموت، يهجَّر، يُشتَّت. هنالك شعب يُستأصل"... وكبار كنائسنا الأعزاء ركبوا البحر والجو والبر وجالوا وقابلوا واستقبلوا كبار الدنيا ومخططي المؤتمرات وتغيير الأوطان ومنسقي الحروب والأزمنة فأسمعوهم وعوداً وتمنياتٍ ولا نزال حتى الساعة ننتظر بشارةً تنقلنا إلى الحل الأمين فقد أصبحنا قضية وأتمنى أن لا نكون قضية فلسطين فقد باعها الأعرابيون وأنا أيضاً أخاف من أن نبيع قضيتنا بسبب خوفنا بسكوتنا وقبولنا بواقع كُتب على جباهنا وما علينا إلا الخضوع صغاراً وأن نردد بنعم لا نهاية لها وإن كان لها بداية.
   ѻ تسعة أشهر مرت ونحن نتساءل: أنقبل المجازفة أم نخاف الموت أم نسعى للبقاء أم نخشى الفناء؟... أنحمل الصليب أم نرفض الصلب؟... كل شيء نراه موتاً وفناءً وصلباً وحتى مسيرة الأيام كلها رعب وسؤال لماذا ولماذا ولماذا... إنها كلمات وفقرات وألفاظ تقودنا إلى هدم حائط رجائنا وكسر معنويات إيماننا، إنها محطات تقتلنا قبل قتلنا.
   ѻ تسعة أشهر مرت ونحن ننتظر جواباً لسؤال: لماذا كُتب علينا الاضطهاد؟، ولماذا حتى الساعة نخاف فنهرب والإعلام يُعلمنا إنها مؤامرةٌ إقليميةٌ بل دوليةٌ. ما يخيفنا ما حلّ فينا، هل حققت المؤامرة أهدافها؟، هل اكتمل مخططها أم لا زالت هناك زوايا مظلمة في مسيرة نعتبرها حقوقيةً للإنسان وحياتيةً للشعوب.
   ѻ تسعة أشهر مرت وإبادةُ العثمانيين لنا لا زالت سيوفُها مشرَّعةً في وجوهنا لقطع رقابِنا، ومذابحُها تذكرنا بمصالحَ المتحاربين. كان أجدادُنا حينها خرافاً وضحايا وكباشاً وفداءً وهاهو التاريخ يعيد اليوم ذاكرتَه بصور بشعة في زمنِ منظماتٍ تدّعي إنسانيتها، فقد كُتب علينا أن ندفع ضريبة الشر لوحشية إرهابها، ضريبة الماء والحياة، وحتى ضريبة الهواء.
   ѻ تسعة أشهر مرت وفيها أصبحنا ضياعاً وأمسينا مشرَّدين في شوارع المدينة وأزقتِها وساحاتِها، نفتش عن هويتنا فقد ضاعت منا البصمةُ والأختامُ ولم نعلم أين القريب وأين الجار، أين الوطن وأين الدار، اين مسيرتنا عبرَ الأجيال... إننا أصلاء وها نحن اليوم شهداء بلا قضية فالقضية دارت في أروقةِ الكبار والانتظارُ مرضٌ لنا ودمار.
   ѻ تسعة أشهر مرت ولا زال شعبنا ممزَّق في أحزابه وأهدافه وتعددِ أعلامه وراياته، أليست الحقيقة أن نرجع إلى صوابنا؟.. أليس من الواجب أن نتَّقِ الله في شعبنا المظلوم على أمره؟. أليس من الواجب أن نسأل الله كي يفتقد شعبه ببقيتنا الباقية أو ما تبقى من شعبنا ليزيد المحبة ويفيضها في النفوس فتتصاغر وتتنازل وتغفر وتوحّد هدفاً ورايةً وعلماً؟ ولنعلم أننا حضارةٌ وتاريخٌ، أصلاء في أرض الأجداد والشهداء ومن المؤسف أصبحنا في فوضى لا توصف وأصبحنا مستأجرين بعد أن كنا أصليين.
   ѻ تسعة أشهر مرت ولا زلنا حتى الساعة لسنا بمستوى يؤهلنا تجاوز مشاكلنا الداخلية وتعويض خسائر شعبنا وإيجاد مجالاً للثقة والرجاء بالعودة والبناء ولسنا بمستوى من الشهادة للحقيقة بدل الفساد في خلع الإنسان القديم ولبس الإنسان الجديد، ومن العبث الحديث عن حقوقنا وعن وحدتنا إذا لا نوحّد صلاتَنا فهي لا تنبع من الشفاه بل تلهج بها القلوب وليست صفاتُها التأوّه والتأسف بل دليلُها دموعٌ ومحبة كي تصل إلى الفداء "له ينبغي أن ينمو ولي أن أنقص"، فكلنا نريد أن نكبر بأساليب خادعة ولا أحد يريد أن يتواضع ليقول الحقيقة، فنحن لسنا بحاجة إلى شفقةٍ كمستضعفين في شوارع العالم بل إلى مدّ الأيادي في الدتخل كما في الخارج فنكون صوتاً واحداً في محاربة المحسوبية وفسادِها والمحاصصةِ وكبارِها وكفى الخنوع لأشخاص يزيّفون مسيرتهم وإلا كنا من الضالّين.
   ѻ تسعة أشهر مرت ولا زال الواجب يناديني أن نزيد اجتماعاتنا في بيوتِ الرب وكنائسنا، نُمضي ليالينا في الصلاة والسهر والتوبة ونقضي أيامنا في الصوم والغفران، إن مؤتمراتِنا أكثرُ كلماتٍ من صلواتنا فالنفس في الصلاة تنتعش وأما الجسد ففي السفر يستجم... وربنا قال "صلّوا ولا تملّوا"، ويذكّرنا أنجيلنا أن ربَّنا يسوع كان يصعد الجبل ليصلّي، ليقضي الليل كله في الصلاة... أليس هذا هو سؤال الرب لنا في هذا الزمن؟... نعم، لنصلِّ فالصلاة مفتاحُ باب السماء وما علينا إلا أن نكون طلاباً تحت أقدامِ الصليب إنَّ ذلك مفتاحاً لنزوحنا ولمأساتنا.
   ѻ نعم، ما أُدركه بعد تسعة أشهر... إن الرب لا زال ينادينا لا تخافوا، ثقوا بالمسيح الحي وبالصليب كُتب لنا النصر بل هو انتصر بالصليب وأرادني أن أشاركه الانتصار بالقيامة ومهما كان النهار قاسياً والظلام مخيفاً ستكون القيامة فرحاً ونوراً مضيئاً وما علينا إلا أن نكون صوتاً للإيمان. فإن كان الصليب صلبَ الموت فنحن بإلهنا المسيح الحي أبناءُ القيامة، أبناء الحي بين الأموات. ومأساتُنا دعوةٌ لنا للتوبة، كبار كنائسنا وصغار معابدنا وخدّام أديرتنا ومؤمنو رعايانا ليس إلا!.
   ѻ نعم يا رب... أنت تعلم بحالنا... فيا رب بحرُنا هائج وأنفسنا ترتعد خوفاً من الغرق وإيماننا يقول أنك أنت خلاصنا وما يدك إلا القدرة بالذات... فشرقنا يموت معذَّباً ولكن رجاؤنا أننا سنقوم من جديد.فيا رب ألا تكفي تسعة أشهر من الهجرة والنزوح ، الستَ أنت الذي زرتَ أرضنا بعد تسعة أشهر في مغارة هي الكون بأكمله ، فلتكن مشيئتك ، نعم تعال أيها الرب يسوع فنحن بحاجة الى زيارتك .. نعم وآمين

63
نحو العراق 00 على أجنحة الصلاة
نحن والمهجرون (النازحون) ... معاً نصلّي كي نعود
الجمعة 22 أيار 2015

   بمناسبة مرور تسعة أشهر على نزوح عوائلنا من سهل نينوى، وتضامناً مع صلوات الشهر المريمي وعيد القديسة ريتا (22 أيار) والذكرى (98) لظهور عذراء فاتيما (13 أيار 1917) تدعوكم الخطوط السماوية، عبر رعية مار يوسف للسريان الكاثوليك في المنصور _ بغداد _ العراق، إلى المشاركة معنا في رحلة سياحية قصيرة في رحاب السماء، تحملنا فيها أجواء التوبة والصلاة نحو عراقنا الجريح لفترة ساعتين فقط. وعلى كل مسافر أن يحمل معه، بالإضافة إلى تذكرة السفر، حقيبة مليئة بالصلاة والتأملات والأزهار والهدايا، لتُقَدَّم لأمنا القديسة مريم العذراء، وهمومنا ومشاكلنا لإبنها يسوع المسيح. وإذا ما نسي المسافر حقيبته في المطار، بإمكانه الإستعانة بحقيبة برنامج الرحلة.
   للحجز والمعلومات والإطلاع على برنامج الرحلة: أنقر على   www.maryousif.org
   لتقديم آرائكم واقتراحاتكم وانطباعاتكم، الإتصال بـ   al_zanbaqa@ymail.com
   ثمن التذكرة: هبة مجانية لجميع المؤمنين من المسيحيين وغير المسيحيين مقدَّمة من رب السماء عبر رعية مار يوسف ونرجو من الجميع المشاركة في هذه الرحلة.
   بإمكانك اصطحاب مَن تريد: صغاراً وكباراً، شباباً، أطفالاً وأجنّةً. فالطائرة وسعها وسع الكرة الأرضية، فهي تستوعب كل القلوب، سماوية كانت أم أرضية.
   على المشاركين في الرحلة ملء استمارة المشاركة بإرسال صلاة أو دعاء أو طلبة لقراءتها أثناء رحلة الصلاة أمام المسافرين المصلّين.
   لغرض الحصول على الإقامة: راجع مدرسة "تحت أقدام الصليب".
    يتمنى كابتن الرحلة، رب السماء:
          أ) أن تجتمع العائلة بأكملها للصلاة.
         ب) أن تتكون فرق شبابية أو أصدقاء أو صديقات للاجتماع للصلاة سوية.
          ج) من المحبَّذ وضع تمثال المصلوب وأمّه القديسة مريم أو أي صورة.
   إذا ما حصل قطع في التيار الكهربائي بسبب الظروف الجوية، يتمنى الكابتن أن تُشعل كل فرقة صلاة شمعة من بدء الصلاة.
   أثناء الرحلة يرجى الابتعاد عن العالم في غلق الموبايلات وأجهزة التلفاز والمذياع والمسجّلات كي لا تؤثر على الإلكترونيات الروحية للطائرة، كما يرجو كابتن الرحلة أن تتوقف عملية السير للمركبات وللأفراد مدة فترة الصلاة لغرض فتح باب الله والإنصات  إلى السماء عبر التأمل والتوبة والصلاة..
    لغرض فتح باب الله، أدخل إلى مخدعكَ، فتجد المفتاح ينتظركَ، ليفتح لك باب الله، لتبدأ الصلاة.
   بعد انتهاء الرحلة والنزول إلى أرض الله، ستُقدَّم وجبة عشاء شعبية لجميع الركاب المصلّين ، فيها بهارات إيمانية للحماية من الضغط والسكر والدهون... مع الممنونية.

   مدير الرحلــــة: خوري الرعية بيوس قاشا
   طاقم الرحلة: أعضاء جمعية أصدقاء القربان وأعضاء المجلس الرعوي
   موعد الرحلة: 5:00 عصراً
   تاريخ الرحلة: الجمعة 22 أيار 2015
برنامج الرحلة

    الافتتاحية 00 موسيقى هادئة
    صلاة الأبانا
    ترتيلة "اليوم كنتُ":
1)   اليومَ كنتُ راكعاً أصلّي / ربّي دعاني ثمَّ قالَ لي / يا ولدي أعطني قلبََكْ / خُذْهُ يا خالقي وربّي / يا ولدي أعطني قلبََكْ / خُذْهُ يا مالكي وحُبّي
2)   الكلُّ حقاً إلى الموتِ واصلْ / والعمرُ أيضاً كالظلِّ زائِلْ / مَنْ دونَكَ يا ربَّ السماء / أعطي لكَ قلبي السقيمْ / مَن دونكَ يا ربَّ السماءْ / أنتَ أنتَ ملكي الكريم
    مزمور 25:
   إِليكَ يا ربُّ أرفَعُ نفسي / يا إلهي عليكَ توكَّلتُ / فلا تَدَعني أُخزى / لا تَشمَتْ بي أعدائي / أيضاً كلُّ مُنتظريكَ لا يَخْزَوا / ليَخزَ الغادرونَ بلا سببٍ / طُرُقَكَ يا ربُّ عرِّفني / سُبُلَكَ علِّمني / درِّبني في حقِّكَ وعلِّمني / لأنكَ أنتَ إلهُ خلاصي / إيَّاكَ انتظرتُ اليومَ كلَّهُ / اذكُرْ مراحِمَكَ يا ربُّ وإحساناتِكَ / لأنها منذُ الأزل هي / لا تذكُرْ خطايا صِبايَ ولا مَعاصِيَّ / كرَحمَتِكَ اذكُرني أنتَ من أجل جودِكَ يا ربُّ / الرَّبُّ صالِحٌ ومستقيمٌ / لذلك يعلِّمُ الخُطاةً الطريقَ / يدرِّبُ الوُدَعاءَ في الحقِّ / ويعلِّمُ الودعاءَ طُرُقَهُ / كلُّ سُبُلِ الربِّ رحمةٌ وحقٌّ / لحافِظي عهدِهِ وشهاداتِهِ / مِنْ اجلِ اسمِكَ يا ربُّ / اغفرْ اثمي لأنَّه عظيمٌ / مَنْ هو الإنسانُ الخائفُ الربَّ؟ / يعلِّمُهُ طريقاً يختارُهُ / نفسُهُ في الخيرِ تبيتُ / ونسلُهُ يَرثُ الأرضَ / سِرُّ الربِّ لخائفيهِ / وعهدُهُ لتعليمِهِمْ / عَينايَ دائماً إلى الربِّ / لأنه هو يُخرِجُ رِجلَيَّ مِنَ الشبَكَةِ / التَفِتْ إليَّ وارحمني / لأني وحيدٌ ومسكينٌ أنا / افرُجْ ضِيقاتِ قلبي / مِنْ شدائدي أخرِجني / انظُرْ إلى ذُلّي وتعبي / واغفِرْ جميعَ خطايايَ / انظُرْ إلى أعدائي لأنهمْ قد كثُروا / وبُغْضاً ظُلماً أبغَضوني / احفَظْ نفسي وأنقِذني / لا أُخزى لأني عليكَ توكَّلتُ / يَحفَظُني الكمالُ والاستقامةُ / لأني انتظرتُكَ / يا اللهُ اِفْدِ إسرائيلَ / مِنْ كلِّ ضِيقاتِهِ. 
    صلاة جماعية
    ترتيلة "يا رب ارحمنا"
    صلاة الوردية المقدسة معروضة على الداتا شو
    التأمل اليومي ... طلبة مريم العذراء
    سكوت 00 تأمل (5 دقائق)
    ترتيلة "حبُّكِ يا مريم"
    فصل من الإنجيل المقدس 00 تعليق بسيط (الأب فيليب الدومنيكي)
    سكوت وتأمّل (5 دقائق)
    طلبات ...
    صلاة القديسة ريتا في الشدائد والأمور المستحيلة:
في الشدائد والمصائب المؤلمة/ إني أستغيثُ بكِ/ أنتِ المدعوَّة قديسة الأمور المستحيلة/ وأملي كبيرٌ جداً/ للحصول بشفاعتِكَِ على جميع طلباتي/ إنقذي قلبي المسكين المحطَّم/ والمحاط بأشواك الشدائد من كلِّ الجهات/ ووفري الراحة لبالي/ والهدوء لأفكاري المضطَرِبة/ من أهوال الحوادث القاسية.
وإني أرى من المستحيل/ أنْ أحصلَ على النِعَم بواسطة خليقةٍ أُخرى/ أُكرِّر يا شفيعتي الحنون/ إنَّ لي ثقة عظيمة بكِ/ أنتِ التي اختاركِ الله عزَّ وجَلّ/ لتدافعي عن قضايانا واحتياجاتِنا/ أمامَ عِزَّتِهِ الإلهية/ مع سائر القديسين/ وبالأخص في الأمور الأشدّ صعوبةً وتعقيداً.
إنْ كانت خطاياي الكبيرة/ تجعلُ منّي حاجزاً/ مِنَ الصعب جداً إجتيازه بسهولة/ لِنَيل النِعَم والمواهب/ فأرجو أيتها القديسة العظيمة الشهرة والإستجابة/ أنْ تلتمسي لي مِنْ لَدُنِ الله الرحوم/ المغفرة والتوبة الحقيقية عن خطاياي الكثيرة/ واعداً بعدم الرجوع إليها حتى الموت/ ولا تسمحي أنْ يطولَ أنيني كثيراً/  وكسّري القيود/ وفرّحي قلبي الحزين بمنحي المطلوب يا بحرَ النِعَم/ وأجيزي الأملَ الكبيرَ نحوكِ/ وأنا أتعهد بدوري/ أنْ أشهرَ وأذيعَ في كلِّ مكان/ فعل رحمتَكِ وشفاعتَكِ الفعّالة/ أمام جميع منكسري القلوب والبائسين/ يا أيتها العروس البهيّة ليسوع المصلوب/ تضرّعي لأجلي الآن ودائماً آمين.
    حمل الصليب وزياحه داخل الكنيسة ... ثم الختام بصلاة الصليب المقدس
         ثم نتقاسم كلنا عشاء المحبة الشعبي
                 وشكرا جزيلا للمشاركين
 
صلاة جماعية

أيّها الربُّ الإله/ يا مَن أَبْدَعْتَ الكونَ والطبيعةَ والحياة/ بكلمةٍ منكَ/ ولمّا أخْطأت البشرية/ كان حبُّكَ هو الفداء بالمسيح يسوع/ الذي مات على الصليب/ وكانت القيامةُ حياةً جديدة/ إننا نتوسَّلُ إليكَ بكلِّ ثقةٍ/ أنْ تستجيبَ إلى دعائِنا/ فتُرسِلَ روحَكَ القدوس/ ليُنيرَ عقولَ البشر/ فيُدركوا أنَّ أعظمَ عطيَّةٍ وَهَبَها الله للإنسان هي الحياة/ نرفعُ إليكَ قلوبَنا/ طالبينَ غفراناً وصفحاً/ عن كلِّ ما ارتكبناه تجاهَكَ/ وتجاه الإنسان الذي يعيشُ معنا/ وتجاه ذواتِنا/ جدِّد فينا روحَ الإيمان/ لكي نواصِلَ مسيرةَ بشارةِ الإنجيل بروحٍ جديدة/ وتبشيرٍ جديد/ وطرقٍ جديدة/ واعملْ فينا لكي نُعطي ثمراً/ يكونُ شهادةً لمسيحيتِنا/ يا يسوع القائم من بين الأموات/ اجعلْ منا دُعاةَ سلامٍ ومحبة/ وكفانا حرباً وألماً/ فبحقِّ بكاءِ الأطفال/ وآهاتِ الشيوخ/ ودموعِ النِسوة/ ولهفةِ الشباب/ وتطلُّعاتِ الشابات/ وتسبِحةِ الشمامسة/ وبركةِ الكهنة/ ونحنُ جاثونَ أمامَ صليبكَ/ إرفعْ كلَّ المعانات عن كواهلِنا/ وأَعِدْنا إلى بيوتِنا ومنازلِنا وقرانا/ واجعلنا أنْ نعملَ إرادَتَكَ/ فأنتَ العطاءُ/ ونحنُ صورتكَ ومثالكَ/ لا تجعل أنْ نشوِّهَ هذه الصورة بعلاماتِ السيوفِ والحروب/ بل أجعلنا أداةً لمحبتِكَ/ وكلُّنا ثقةٌ بأنكَ تواصِلُ المسيرةَ معنا/ رغم صعوبةِ حياتِنا/ فانظرْ إلينا بعينِ الرحمةِ والحنان/ وهَبْ نعمةَ السلام والأمان لنا/ ولعراقنا الجريح وللعالم أجمع/ واملأ قلوبَنا محبةً/ فنزرع الحب حيث البغض/ والغفران حيث الحقد/ والمسامحة حيث الإساءة/ ولتكن أمّنا مريم محامية لنا من كَيْدِ الأشرار/ واجعلنا أنْ نتأمّلَ عَمَلَكَ الإلهي في مسيرة الحياة/ بصمتٍ وإصغاء/ فباركنا يا رب/ بشفاعةِ العذراءِ مريم/ ومار يوسف شفيعِ عوائلِنا/ آمين.


64
خوفنا نعم خوفنا .. ورجاؤنا

المونسنيور بيوس قاشا
   في البدء :
   احتفلنا قبل أيام بحدث القيامة ، وكل عام ، والقرّاء الأحبة بألف خير. حدث القيامة حدثٌ
سماوي، أثبت إيماننا في مسيرة إنسانيتنا بعد أن شوّهناها بخطيئتنا ومسيرة فسادنا وكبرياء صداقاتنا ومصالح أنانياتنا وحقد غيرتنا وبغض أفكارنا وقتلنا أبرياء الحقيقة، إنها الإنسان العتيق كما يقول بولس الرسول، فكانت القيامة ، الإنسان الجديد (افسس 24:4)  الذي فيه يتنازل كبير الزمن ويتّضع ويطلب الغفران من فقير الحياة، ويعلن أمام الجميع أنه لا يستحق شيئاً، بل ومهما كان مستحقاً فليس ذلك من فضله بل من مشيئة رب السماء... إنها دعوة ليظهر بياض أفكاره وحقيقة محبته وفساد صداقته وزيف ثرثرته وما ذلك إلا حقيقة القيامة في زمن عولمت الدنيا مسيرتها بفساد حامليها وطغى الشيطان واستعبد العالم والقلوب والشعوب، ومهما كان فالله خير العابدين ،  ليس إلا!.

   بعد مائة عام :
   السادس من آب 2014، يوم ليس كبقية الأيام وليلة ليست كبقية الليالي، يوم الإبادة بليلها، لا يمكن أن ينساه المرء من أهل سهل نينوى ومواطني القرى المسيحية المسالمة والمكونات الأخرى، فيه تعرضوا إلى طرد ونهب وتهجير وقتل في إبادة جماعية لم يسجل مثلها التاريخ إلا قبل مائة عام حيث الإبادة الأولى (1915-1917)،  التي أودت بحياة مليوني مسيحي بأرمنه وبمكوناته. فبعد مائة عام لا زال شعبنا المسيحي يدفع ضريبة الوجود والحياة، ضريبة الحمايات والسياسات البائسة، والنهج الأصولي المقيت، وبسببها أضعنا حتى مقدساتنا بأحجارها ومعابدها وهياكلها وأصبحنا حَمَلاً نُذبَح متى يشاؤون إلى أن أوصلونا إلى داعش الإرهابي وأقرانه البائسين الذين تفننّوا في القتل والذبح والسبي والتهجير ليس فقط في بلدنا بل طالت مسيحيينا في شرقنا وفي أفريقيا، في نيجيريا كما في الصومال ووصولاً حتى كينيا وأثيوبيا ، فنحن كنا ولا زلنا نحمل صليبنا ليس فقط في أسبوع آلام واحد بل أصبحت الأيام لنا أسابيع وأسابيع آلام، وفي كل ذلك بقي إيماننا بالمسيح الحي حامينا وشاهدنا ومقوٍّ لمسيرتنا مؤمنين بربنا الذي قال:"ثقوا فقد غلبت العالم" (يو33:16)، ولنعلم أن الله معنا وهو مع المتّقين .

   الخوف ،  نعم الخوف: 
   الخوف.. حالتان في الصحيح ، حلم العودة يراودنا، والرحيل يكتب محطاته، نحن، المهجَّرون، النازحون، كلنا قد وقعنا في الفخ الذي نُصب لنا، ولا زال الزمان وغابره ولحد اليوم وساعته في صراعات طائفية مقيتة، ومذهبية مميتة، ودينية بفتواها، وفي هذه كله لم يكن لنا ولن يكون لنا ناقة ولا جمل ولكن ابتُلينا بجيراننا، إنهم يرسمون لنا مخططاً ويكتبون لنا علامة أنْ اتركوا، فالتراب بل الوطن ليس لكم، ويمحون من أفئدتنا حبّه وميزته، ويكسرون أعمدة البناء والبقاء، التشبث والثبات في أرضنا والتي تقيّأَتْنا رغم حبنا لها، ولا زال أملنا وشوقنا في العودة لاستنشاق نسماته، ورائحته لا تزال _ نعم لنا _ شهيق أنفاسنا ينشد عودتنا وإنْ كانت مؤلمة وأليمة، فنحن في عودتنا متألمين ولأجلها فاعلين، وإن كان الألمُ أشدَّ من ليلة طردنا، فالله رحيم وأمين سيرافقنا في مسيرتنا ، إنه السبيل المستقيم ولو كره الكارهون .
   الخوف .. من المؤكد أن العودة ستكون لوحة خوف حقيقي لا يرسمها لنا إلا خيالنا،ولن تراها إلا عيوننا ، ولن نبكي لها إلا بدموعنا ، الخوف من كل شيء، والسؤال سيكون حينها: هل دورنا مفخَّخة؟، هل مداخلها مفخَّخة؟، هل شوارعنا وأزقّتنا مفخَّخة؟، ويزداد السؤال: هل العناصر الأمنية ستكون أمينة على حمايتنا بعدما سلّمت مساكننا وأملاكنا ومخازننا ومعابدنا بغمضة عين ، وبمزمار خافت صوته،  في ليلة لا تضاهيها ليلة في الهروب والخوف والفزع وصراخ الأطفال ، وبكاء النساء،  وتأوهات العجائز (العجزة)،  وكبار السنين ،  وفي حالات بائسة ويائسة ودون أن يرجف لهم جفن، وهذا ما سيجعل الثقة وعنصرها متزعزعاً خوفاً من أن الحالة ستتكرر ثانية، بصورة ناقمة وبرجال غير الذين كانوا وستكون الكارثة أكبر من سابقاتها وعزرائيل الأصوليين سيلعب حُرّاً طليقاً فيبيد ويهدم ويكسر...فنحن اليوم في قبضة الارهابيين والشياطين إنه زمن الشر بالحق والحقيقة، زمن قبضة الشيطان على العالم البائس .
   الخوف .. ويُعاد السؤال ثانية: هل ستكون الأصوات من أجل العودة عملاً إعلامياً أم رسالة سياسية أم جواباً تلفزيونياً. فالخدمات أساسياتها هُدمت وفُجّرت، والسرقات طالت حتى الزوايا المظلمة في الطابق العلوي كما في السفلي، وحتى المخازن والصومعات بأديرتها ومقدساتها، بكتبها وسجادها، وأزاد الظلاميون في حقدهم حتى إبادة كل شيء، فعطية الكهرباء وأنابيب المياه ومضخات الحقول والمزارع، فكل شيء في صناديق القمامة، وأصبحت جبال تأوي الذئاب والقوارض والجرذان والحشرات القاتلة ولم يبقَ لنا أن نعلن إلا أن احتلال الشر طال كل شبر وكل بيت وكل شارع، فلم يبقَ حتى ما نعلن ونبثّ إشارة وذبذبة فأبراج الهاتف قُلعت وأُذيب رصاصها وسرق فولاذها، ونُبش الكيبل لإخراج هاتفه ولإحراق محتوياته، فلا بثّ ولا توصيل، لا ضوء ولا تحميل، لا ماء ولا إسالة، لا بلدية ولا وحدات، لا أمانة ولا منظّفين، خوف وجنون إنها مملكة الشر، إنها جوقة الشياطين... والسؤال يختم بقوله: هل نحن في صراع بين الخير والشر؟، هل العالم كتب نهايته؟... لعلّ وعسى! نعم ،  وكان الله خير العارفين.
   الخوف... باخديدا وقُرانا ومدننا في سهل نينوى، معالمها دُمّرت، مراقدنا ومزاراتنا ، اثارنا ، كلها في مجاهل الموت والدمار والتهديم ، ونُهبت آليات البلدة باسم الغنائم ،  وفُكِّكت مكائنها وحُلّت مساندها، كيف سيعود أصحابها بعد أن استنزفوا جميع مدخراتهم وما ملكت أيمانهم بمال الدنيا وليس بحريم اللهو، حيث الهجرة كانت ملاذهم والنزوح كان إيوائهم، فالشهادة قائمة على أن مقتنياتهم بعثرتها الأيادي السوداء أصحاب القلوب الغليظة والنيات الشريرة والأدمغة الإرهابية، فلا أثاث ولا موجودات ولا شيء، أموال جُمعت في سنين عمر كامل وممتلكات أفنوا اصحابها أعمارهم في وجودها ولمهّا، ماذا ستكون الحال؟، بل كيف ستكون؟... لا أحد يكهن بها إلا حاملوها ومرضاها والتعويض حينذاك يكون الفيتامين الأكيد لفقر الحياة بعصير التعويض للمتضررين جراء العمليات الحربية والعسكرية إضافة إلى ما دمّره الإرهاب الشرير بداعشه وهذا ما يحتاج إلى إرادة صلبة في جهدٍ مضنٍ يمنح منحاً لمشاريع تكون آية في إعادة الحياة لضمان البقاء والاستمرار، وهنا يجب أن تلعب المنظمات الإنسانية في الإغاثة الدولية وهيئات بلا حدود دوراً كبيراً وأساساً في أن تكون يد الخير والعون.ولا نحتاج للمصالح المزيفة لكبار الدنيا الفاسدين والذين قتلوا حقيقة الحياة بكبريائهم المزيف وحسبنا الله وهو رب العرش العظيم .
      الخوف... مشاهد مؤلمة سنراها كما سبقنا فوصفناها، وربما يبقى السؤال والذي من أجله كان داعش وحاضنه، كان إرهابه وشروره، أن تتصرف لبيع تربتنا وعرض أملاكنا ودورنا للمزايدة بدولار مزيَّف، وبدينار بخس، فالداء نفسي ولا دواء إلا الرحيل، والأكثر ألماً أن تباع، فهم من أجل ذلك حصل ما حصل وحلّ ما حلّ، ومن أجل ذلك أعلنوا تحريرها، واللعبة الديموغرافية نتيجة حتمية شئنا أم أبينا، فلا من يحمينا ولا من يهيب بنا لإعادة أصولنا وجذورنا مرة أخرى، فالساحة السياسية مشتعلة، والمصالح تتقاسم كبار دنيانا وأسياد زمننا، وهم في اجواء غير أجوائنا ، والبسطاء في حيرة من أمرهم، فتموت العادات وتُمحى التقاليد بعد أن أُحرقت كتب ثقافتنا وإشحيم صلواتنا، وبيعت مخطوطاتنا ، وطُمرت حضارتنا ومُحي تاريخنا ، كي لا يقول كائن ، انهم كانوا هنا يوما ، وهذا أمر شيطاني لتغيير نسيج بساطنا باجتماعيته وإنسانيته، وأصبحت تركيبتنا فراداً أو جماعة متباعدة ومتصارعة ومتشتتة. نعم، الداء النفسي وحالة أحوالنا إما يقوداننا إلى الموت والانفجار وإما إلى المرض وداء العار، والحكاية سنحياها ونشاهدها وسنسمع أنين المبتلين بها،إذا ما أطال الله في أعمارنا بنسيم أنفاسنا،  والتي أخذت مسارها في النفوس وفي الواقع ، ولكن الله فاحص الكلى والقلوب ، بكل شيء عليم.
   الخوف... في الجانب الإيماني والمسيرة المسيحية ربما يتخلل الشك أو يقوى لدى البعض، فللوازع الديني في مثل هذه الحال يلعب دوراً مزدوجاً ربما سيأخذ مَنحاً قوياً رغم الألم والمعاناة أو يقلّ لدى الآخرين، ومن المؤكد كل ذلك حسب المعطيات آنذاك والتنشئة كعامل في الحكمة والوعي والهوية والانتماء، وفي هذا يجب على رجال الكنيسة أن يلعبوا دوراً مسؤولاً وكبيراً، ملؤه المسيح الحي في التجسد في قلوبنا ومسيرة حياتنا من أجل كلمة المحبة والمسامحة والصلح وقبول الآخر المختلف،  من أجل نبذ كل خلاف نشأ وينشأ، والعمل من أجل وحدة الُّلحمة الوطنية بين الأبناء المختلفين، وحمل الرسالة المسيحية في حب الأعداء لأجل توبتهم، فالمسيح مات من أجلنا كلنا وهذه أقدس رسالة يحملها المسيحي في شهادة لإيمانه وعملاً بإنجيله المقدس، فنحن لا نحمل حقداً إلا لأعمال الشر والموت ولا يجوز أن يكون لنا وزرة مثل وزرتهم، فالرب قال:"أحبوا أعداءكم، باركوا لاعنيكم، صلّوا لأجل الذين يضطهدونكم، باركوا ولا تلعنوا" (متى 44:5). وكان الله غفوراً رحيماً .
   الخوف... عن ماذا سينتاب النازح على أثر الصدمة والواقعة الأليمة التي حلّت، بما سيعانيه وبما سيلاقيه، من أحداث عبر أشخاص، وهذا ربما سيدعو السكان إلى نزوح عكسي حينذاك سيكون المصير مؤلماً بل أسوأ بسبب حضور إرادات وغايات انتقائية، ربما كانت دفينة أو كانت مبيتة وربما هذا يدعو إلى اتهام الجماعة بِقُراها ومدنها وساكنيها، وننسى أن الفرد لا يمثل الجماعة، وحالة التعميم لا يجوز فرضها أو تسميتها. فالمسيحية تدعو كل واحد منا حمل أخطائه ويجب أن نميز ونفرز بين الصالحين والأشرار الفاسدين والأبرياء ونكون علامة خير للحقيقة من أجل إيجاد الحلول في التقارب بين الناس وفرزها كي تكون الحقيقة ليس في زارع البغض والكراهية والتفرقة بل في حاصد الغفران والمسامحة والقبول ولله الحمد محب الابرار والصديقين .

   لا خوف ولا يأس
لا ينبغي على المسيحي أن يستسلم لليأس ، انه كلام قداسة البابا فرنسيس (عظته ليوم الخميس 27 نوفمبر 2014 ، في دار القديسة مارتا بالفاتيكان) . واضاف ، عندما تكثر الخطيئة تضعف القدرة على المواجهة ويبدأ الضعف والانحلال وهذا ما يحصل مع الاشخاص الفاسدين ، فالفساد يمنحك اولا بعض السعادة والسلطة ويجعلك تفتخر بذاتك فلا يترك مكانا للرب ولا للارتداد ، انه فساد الخطايا المتعددة ، فساد الروح الوثني وروح العالم ، انه أسوأ فساد ، وان هذه الثقافة الفاسدة تجعلنا نشعر بالاكتمال والاكتفاء كما لو اننا في الجنة ولكنها عفنة ومنتنة في داخلها ، فالرسالة التي تحملها الينا الكنيسة ليست رسالة خراب وإنما هي وعد ورجاء فربنا يسوع يقول لنا بوضوح " واذا اخذت هذه تحدث فانتصبوا قائمين وارفعوا رؤوسكم لان افتدائكم اصبح قريبا " (لو 25:21) ، وعندما نفكر بالنهاية مع خطايانا وتاريخنا الشخصي لنفكر بالفرح الذي دُعينا اليه ولنرفع رؤوسنا ، صحيح ان الواقع اليم وهناك العديد من الحروب والكراهية والحسد والفساد ولكن نطلب من الرب نعمة ان نكون دائما مستعدين للفرح السماوي الذي ينتظرنا .

   الخاتمة . المسيح رجاؤنا:
   ومن المؤكد أن الحالة التي ستواجهنا تدعونا إلى أن نكون حكماء وعقلاء، فمجتمعاتنا العائدة لا تحتاج مع احترام المسمّيات ، إلى أحزاب تنهش بأجسامنا وتسرق أولادنا وانتماءاتهم، ومنظمات وجمعيات تكبر على فقراتها، وحركات تحتكر لنفسها مال غيرها وتحلل ما تشاء وتستهزئ ببسطائها، ومجموعات تفتخر بكبريائها كما لا تحتاج الى كبار يدّعونا انهم هم البيه ولبعض من أَحبَتِهم وإن كانوا من الفاسدين ، بل الى خدام بين شعوبهم ( لو27:22) ، وكل واحد منا له مدلولاته وغاياته ناسياً أو متناسياً مأساتنا ونزوحنا ومدّعياً أن ما حصل كان حدثاً ومضى، وعلى الحقيقة ما تحتاجه أن تشكل في كل محلة أو زقاق أو قرية أو مدينة أو محافظة مجلساً محلياً يقوده العقلاء والحكماء لوضع حلول أمينة وأكيدة وتابعة لكي يكون دعامة لجميع الوجهات الرسمية كي تطبق القوانين من اجل تفعيلها بعدالة الحقيقة واحترام المكوّن مهما كانت درجته ومكانته ، فلا نيأس فالله نصير البائسين ، فلا نخف بل لنملأ قلوبنا علامات الرجاء ورموز الأمل والحقيقة ، فالرجاء تاريخ أمين وحصن منيع ، أما الخوف ما هو إلا حالات بائسة .. فلا نخف فالمسيح الرب معنا ، وهو رجاؤنا ،  وسبق وأعلمنا أن لا نخف . إنه الرحمن الرحيم،  نعم وآمين.


65
عذراً... تلك هي الشهادة الأمينة!!
المونسنيور بيوس قاشا
   في البدء
دلائل عديدة تشير إلى الآتي إلينا، بعد داعش، والمجتمع الدولي، أمام ما    حصل وما يحصل، من المؤكد أنه يخطط لمرحلة ما بعد داعش. فبعد الربيع العربي المزيّف والداعش الإرهابي، ماذا سيحصل لنا؟، وما هو الخفي الذي لم
يُعلَن حتى اليوم، بل حتى الساعة؟، وماذا بعد تهجير المسيحيين والمكونات الإيزيدية والشبكية وأخرى؟، ماذا بعد سلب ونهب بيوتنا، ومساكننا وأمتعتنا،  وطردنا من مساكن قضينا فيها مسيرة أيامنا، وفيها زرعنا أمل أجيالنا وأملنا، وكان جيراننا أول الفائزين بالحواسمية ، وأقرباء إنسانيتنا، ومَن كان يدّعي يوماً، أنهم حماتنا بعروبتهم الأصولية أو بأخرى، لأنهم أول جار، وأصبحنا أمام مستقبل مجهول كُتب لنا، فكنا حروفه وعلينا تطبيقه... إنه شريعة، وأية شريعة، إرهابية بالحق والحقيقة، بالكلمة والواقع، وهذا سرد قليل من حيوانية الإرهاب، وشريعة الغاب، وأمطار الربيع العربي المزيفة.

  شهود وأصلاء
نعم، نحن مسيحيين ولكننا لسنا مسيحيين من أجل ذواتنا بل من أجل العالم، فالنور ليس نوراً لذاته كما لم يكن المسيح لذاته. لقد كان واضحاً في كلامه "اذهبوا وتلمذوا كل الأمم وعلّموهم" (متى 19:28) فأنتم شهود لي، شهود الحق وليس الخضوع والخنوع أمام قياصرة المال وبائعي الملكوت من أجل التكفير في ولاية، وإمارة مليئة  بشهوة القتل والانتقام، شهود للملكوت،  وليس لكلمات خاوية ولملوك مزيفين، شهود حتى الشهادة... هذا هو دورنا، فلماذا نخاف ساعة الموت، ولكن أو ليس من أجل تلك الساعة، ساعة الحقيقة مدعوون!، نعم ساعة المحبة والحقيقة ما هي إلا ساعة الموت ، بل ساعة الخلاص ، ومن اجلها جاء ربنا (يو27:12)  ولِمَ التعجب، ألم يلبس إلهنا ضعفنا وحمل الصليب ؟، ألم يتجلى في هشاشة سر الغفران؟.
نعم، قلتها وقالوها وكتبها التاريخ ، ويدركها الأعداء قبل آل البيت إنّ المسيحيين أصلاء، نعم أصلاء ونسيج في الأصالة، ولا يجب أن يُنظَر إليهم بقصر النظر بل بحقيقة وأصالة الوطن والمواطن، فهم شركاء لخيرات الوطن ومع جميع أبنائه، والحقيقة إنهم ليسوا أقليات ولا يجوز معاملتهم بهذه النعرة البائسة كما ليسوا من الجاليات أو طوائف فهم لم يأتوا استيراداً عاماً أو خاصاً بل هم في ضمير الوطن وحقيقة الشعب، فلا يجوز الاعتداء عليهم أو طردهم وتكفيرهم، كما لا يجوز تسفيرهم وتهجيرهم وترحيلهم بل أن يكونوا وحدة واحدة، وبحرية القانون والأصالة أن يمارسوا إيمانهم لإنجيلهم وعباداتهم لمسيحيتهم. فالإيمان عقيدة يختارها الإنسان بهبة الحرية، إنها هبة من رب السماء وليس فضلاً أو مكرمةً من حكّام هذا الزمن البائس أو كبار الدنيا الزائلين وبتسلسل عناوينهم أو رؤساء المنابر وبأعدادهم الرقمية والمسؤولية.


   حالنا وزمننا...
حالنا يزداد سوءاً، وزمننا زمن الأزمات والهزيمة والفساد، ليس هزيمة الموصل وسهل نينوى، وليس فساد السرقة وما شاكلها فحسب بل هزيمة الأخلاق والصدق والحقيقة والثقافة والتاريخ والشجاعة، وفساد المصلحية والطائفية وعقودها وتبرئتها وأوراق المحسوبية وأسطر الكبرياء والأنانية لقتل الأبرياء وهم في دورهم ساكنين، وفي حالهم سالكين، وفي طريقهم سائرين، ولشهادتهم حاملين، ولقيم إنسانيتهم مبجّلين، ولكن صراع الحقيقة سيبقى شامخاً مهما اخترع الأشرار ما يسيئ إلى الآخرين وعقيدتهم ومسيرة إيمانهم وغيرة رسالتهم ووفاء عطائهم،من كسر الصلبان وتزييف الصور ونشرها وهدم الكنائس،  فبين الهزيمة والحقيقة صراع وأي صراع، صراع طائفي ومصالح تتآمر بعضها ضد بعض من أجل تسجيل الفساد آيةً، والكذب حقيقةً، ومن الزور شهادةَ حسنِ سيرةٍ وسلوكٍ، بمساحة عباءاتهم، وعلوّ أياديهم، يسيرون في أسواق المدينة ويتربّعون في ساحاتها ليعلنوا الزيف والكذب والمحسوبية والطائفية حقيقة للتجارة البخسة لتدمير الآخرين الأبرياء والمختلفين وهذا ما أوصلنا إلى حال لا نُحسَد عليه بل كله سوءاً، ويأتي السؤال: هل نبقى نطمطم على حقيقة مزيفة؟، وهل مَن يسأل ومَن يجيب؟، وهل سنشهد يوماً لأولئك المزورين والكذابين والفاسدين والمزيفين في أقفاص الاتهام وتُعلَن الحقيقة من على منارات الزمن، في الجوامع والمساجد ودور العبادة، عبر البلاد وعبر البحار والمحيطات والأوطان؟، أم أن كبير الدنيا _ وإنْ كان فاسداً _ يبقى صنماً معبوداً ومبجَّلاً وله يجب الانحناء، ولسلطته الخضوع والخنوع، وله يُنشَد "بالروح بالدم نفديك يا بيه"... فبئس الحال وبئس الزمان حيث الفاسدون يتسابقون في نهب حسابات الوطن في وضح النهار، باسم فقراء الدنيا،  وبائسي الحالة،  ومهجري الحروب، إنهم من المفلسين، والرب يسوع قال:"تعرفون الحق والحق يحرركم" ( يو32:8)، وهو الذي قال للخادم الذي لطمه أمام منبر قيافا:"لماذا تضربني، ألأني قلتُ الحقيقة؟" (يو22:18). فحقيقتنا إننا اصلاء الوطن وأبرياء المسيرة في عيش الإيمان بوفاء وحمل الرسالة بوداعة كي نكون أمناء... ليس إلا!.

   انتماؤنا وإيماننا
إن انتماءنا الديني انتماء إلى إيماننا بالمسيح ومسيرة تراثنا وحقيقة تأريخنا انتماء إلى عقائد عرفناها خلاصية لمسيرتنا ضد الخطيئة وشرائع مُنحت لنا من أمّنا الكنيسة انطلاقاً من حقيقة إنجيلنا، في عبادات ووصايا أُعطيت لنا عوناً كي يُكتب لنا الخلاص، بقيم وفضائل وأخلاق لجمال أجسادنا وحقيقة أفكارنا وبراءة أرواحنا، وهذا كله يتجسد في الإنسان الحامل أيضاً لحقيقة المحبة والسلام واحترام الآخر المخالف، لأن إيماننا يعلمنا أن إلهنا لا يحتاج إلى مَن يخدمه بل إلى مَن " يخدم الإنسان أخاه الإنسان" (متى28:20) ، وفي هذا كله بل في هذا فقط يكون قد خدم الله خير خدمة، وفي ذلك تكون الألفة هي أساس الانتماء في التعاون مع الشريك الآخر من أبناء الوطن الواحد وعلى قاعدة المساواة والاحترام المتبادل، ولكن المخيف حينما يصبح الانتماء الديني مكوناً أساسياً في الوطن فقد يصيبه الخلل آجلاً أم عاجلاً.


   خطابات وبيانات
ألا يكفي ما نسمعه من خطابات وبيانات وأحاديث عبر الهواء، فلا آذان صاغية ولا عيون رائية أمام صور كبار الدنيا والزمن. فاستعراض الضحكات والبسمات أمام الكاميرات ينقل لنا أخباراً مزيفة، وإن القرارات قد أينعت وأثمرت وحان قطافها، والحقيقة هي غير ذلك، فالحال لا زال في شرقنا مأسوياً ولا زلنا متألمين، وكلنا نفتش عن ملاذٍ آمن وعن بلدٍ يأوينا وعن قانون يحمينا، فقد اتُّهمنا بالكفر والتكفير، بعبادة الأصنام وتابعي النصرانية وعدم التوحيد، ليحلّلوا قتلنا، ويخلو شرقنا منا، فالشرق للعرب والإسلام والغرب للمسيحيين النصارى والكفار... إنه الإرهاب في حقيقته والإهانة بكبريائها، إنه فساد يضاف إلى فساد المال ألا وهو فساد في القيم والأخلاق، إنها الإهانة بضميرها وتهمة بعمق كنايتها، وأمام هذا كله نتساءل: هل نحن أبرياء من دماء أبنائنا؟، هل غسلنا أيدينا كما فعل بيلاطس؟ (متى 24:27)... أم ماذا!.
   
   مصالح وسلطة
من المؤسف أن تكون مصالح السلطة والاستعباد والبترول أهم من مصلحة الإنسان، كما من المؤسف أن يكون البترول العربي والإسلامي أغلى من الإنسان المسيحي أو المسلم المنفتح أو المكون الآخر، فخيرات بلادنا في خدمة إنساننا يجب أن تكون، وليس لمصلحة المحتل... وهذا ما يجب أن يكون. والعكس هو الإسلام العربي والأصولي والذي ينادي بثقافة وكراهية الآخر ونبذه فتكون خيرات البلاد لهم وليس لغيرهم لأنهم كفّار الدنيا. فعملية إدانة قتل المسيحيين والمكونات واضطهادهم عملية ضد الله وضد الإنسان وضد أديان السلام، فنحن اليوم لسنا بحاجة إلى فتاوى تكبر في نفوسنا وتخيفنا حتى من ظلّنا، فالأصولية لا زالت مسؤولة عن تعميم ثقافة البغض بين العديد من المذاهب الإسلامية والديانات الأخرى في غاية منهم لقتل الآخر البرئ، وهذا ما جعل الانقسامات والخلافات الدينية ما بين المسلمين أنفسهم تأخذ مسارها بين أبناء المنطقة إضافة إلى الخطاب الديني المتشدد الذي بدأ يأخذ مساحة أكبر من استحقاقه، كما تكاثرت الحركات الشاهدة والمؤيدة للعنف من أجل تحقيق أهدافها. إنهم يكفرون الأفراد والمجتمعات تتبنى الإرهاب سبيلاً وحيداً للوصول إلى ما يصبون إليه، فتخاف الصلبان وتكسرها، وتهدم الكنائس وتقتل المصلّين فيها، تسرق وتستولي على أموال المؤمنين كحالة كتبها الشرع وقرروها بالسيوف وقطع الأعناق ولم يبقَ شيء إلا أن يقال للخالق (سبحانه وتعالى، عذراً وسماحةً) "عليك أن لا تخلق مَن هم كفرة ونصارى ومشركين"... ليس إلا!.

  مصيره ومصيرنا
سبق ربّنا وأعلمنا أن مصيرنا لن يكون أفضل من مصيره "سيخرجونكم من المجامع وستأتي ساعة يظن فيها كل مَن يقتلكم أنه يقرّب قرباناً لله" (يو 2:16)، وهذا ما تحقق في المسيح، وهاهو يتجسد في مسيرة حياتنا، إنها حقيقة شهد لها المسيح ليعلّمنا أن نشهد بدورنا للحقيقة ولا نخفي في أعماقنا وما يجعلنا أن ندمّر ونقطع مسيرة الأبرياء أو نشكّ بمسيرتهم غيرةً وحسداً وكبرياءً ، وهم أمام ربهم يرزَقون. فالمسيح حَمَلُ الحقيقة، والحقيقة اليوم حَمَلُ الإيمان، والإيمان قاعدة مسيحيتنا، ولنا الثقة أن المسيح فادينا. مهما كانت الحقيقة مزيفة في أفكار الطائفيين والمَصلحين في المحسوبية والمنصوبية والكُرسَوية، فالمسيح يبقى اللاهوت الناصع في القيامة المجيدة، وهكذا أبطال الإيمان يموتون وهم يشهدون ضد الحقيقة المزيفة التي يتغنى بها المتربعون على سلطان الزمان ولكن ليس ذلك نهاية المسيرة، فالمسيرة الحقيقية للابطال هي الشهادة لقيامتهم على مثال قائد المئة الذي أعلن "بالحقيقة كان هذا ابن الله" (مر39:15). فالقيامة آتية لا ريب فيها، وقول الحقيقة ، كما يقول المهاتما غاندي ، في وجه الاقوياء ، أمر لابدّ منه وقد أتت الساعة، فاليوم نحياها عبر آلامنا وشهادتنا لحقيقتها أمام قيافا الدنيا (يو22:18) وحنّان الزمن (يو24:18) وبيلاطس الفاسد ، وهيرودس المراوغ... إنهم ثعالب... ليس إلا!.

  حبنا وسلاحنا
سلاح الحب هو ينير هويتنا، نعم اخترنا هويتنا ونتألم كما تألم تائهاً وأن نُذبَح كما ذُبح وأن نُصلَب ونموت كما صُلب هو فنستحق حينها أن ندعى مسيحيين ليس حروفاً على ورق بل شهادة للهوية. فالهوية ليست شهادة نحملها بل نحملها من الغائب إلى الحاضر، من المسيح الذي اعتمذنا باسمه إلى مسيرة حياتنا التي نحياها في أعمارنا، وإذا صعدنا إلى السماء وجدناه وحتى إلى الجحيم فهو هناك. نعم، لقد دخل المسيح جحيم بشرنا فأنار ظلمته وحسب التلميذ أن يكون مثل معلّمه (متى 25:10)، فعواصف الشتاء لا يقبلها إلا الغفران وربيع الحريات لا يدخله إلا الأحرار والأحرار هم الذين يشهدون للحقيقة وليس لمصلحة الطائفية والمحسوبية والمعرفية وإنْ كانوا أقوياء بظهرانيهم، فالظلم اليوم يغطي سماء وجودنا ولا زلنا نتنفس وننام في حين يذهب المعلّم ليصلّي فقد قال لتلاميذه:"أمكثوا ههنا" (متى 38:26)، وبين هنا وهناك يجب أن نصير حيث سجد المسيح ونصب لنا صليبه جسراً تعبر المحبة فوق وادي الموت الذي ابتلعنا بعولمة فاسدة، فالبابا بندكتس السادس عشر قال:"أترك الصليب لأعانق المصلوب"... هذا هو سبيل الحقيقة في عالم الدنيا المزيف، فالمأساة يومية وعلينا أن نعيد قراءة هذه المأساة بمقياس مسيرتنا، فلا يجوز أن نحب مصالحنا كي ندفنَ أبرياء الإيمان، ونفضّل أفكارنا من أجل مصالح مزيّفة، كي يقال عنا ما هو في الكذب والنفاق ، هو الحقيقة ، بئس مثل هذه الشهادة ،إنها إرهاب الثرثرة كما يقول البابا فرنسيس ( سانت مرتا 23 اذار 2015) ، بل علينا ان نشهد وبصوت السماء ، ما أجمل حقيقة الحياة ، كما علينا أن نحلّ محلّ القيرواني في حمل ثقل الصليب، ولنعلم جيداً أن كنائسنا لا تُعرَف بصلبانها بل بحياة سيدها في مؤمنيها، بمصلوبها، فالصليب بحمله يرسم لنا لوحة الفداء والمصلوب بموته يُتِمُّ لنا مخطط الله الآب في سر التجسد والفداء،  فلنكن صوت الحقيقة في زمن الهزيمة والفساد، تلك هي الشهادة الأمينة ، نعم وآمين.

66
أحبائي المُهجَّرين ... الحقيقة لا تموت

المونسنيور بيوس قاشا
في البدء
تُجابهنا اليوم تعقيدات الحياة بفروعها وساحاتها، بوسعها واختلافها، وأمامها تصيبنا الحيرة،
وينتابنا اليأس، ويزداد همّنا ويثقل نير حياتنا ويعلن السؤال وجوده، ويدرك جيداً أن لا أحد
 يطلق عنان الجواب ليقول لنا من أين نبدأ وإلى أين ننتهي..هل نبدأ بالداعش وإرهابه، أم بالهجرة وضياعها، أم بالوطن الجريح ودمائه، أم بالنزوح وآلامه أم بالمستقبل وجهله أم باقتناء المال وفقدانه، أم بفساد الزمن وعقائده، أم بقتل الأبرياء وسياساته، فنحن نسأل اليوم ولا أحد يشفي غليلنا ولو بحقيقة بحجم الخردل تفرز مفارق حياتنا، وتهدّئ روعنا، ومسيرتنا ترسم الطريقَ التي نسلكها لعلّ وعسى سنجد ضالّتَنا ونعود إلى حقيقة إيماننا ومحبتنا لأرضنا، فترانا لا نعرف أين نمضي وأين هو الاتجاه، فنصاب بالأرق ليلاً من خوفنا وبالوهن والضياع نهاراً من عطبنا، وربما يصدق في ذلك ما قاله يوماً هنري كيسنجر:"إن كنت لا تعرف أين تريد الذهاب فكل طريق سيذهب بك إلى لا شيء".

ساعة الحرب
   نعم لأننا لم نكن نعرف أية طريق نسلك ولذلك لم نحصد غير الفشل وكل شيء توقف في مسيرة حياتنا. فساعة الحرب قد أُعلنت دقاتُها ضدنا وضد الإنسان والضآن وضد كل ما هو مسيحي ونصراني (هكذا أسمونا)، وبوق العساكر قد أعلن موافقتَه، وهاونات الشر بدأت تدكّ مرابَعنا وخرابها ملأ المسكونة وكل ذلك كان في مخطط لم نشهد له وكنا نائمين عن إدراك عمقه وأسراره وهاملين وقوعه، فأكلنا وشربنا ورقصنا وبنينا وزوّجنا وتزوّجنا وزرعنا وحصدنا، وكل شيء توقف وأزاد في فشلنا سؤالُنا لأنفسنا عن ماضي ارتكبناه بحقنا بعدما تركنا ديارنا وقُرانا ومساكننا وهرولنا مثل غنم أمام ذئاب الأصولية والإرهاب الشرير، وعصاباته وزواياه ،  التي لا تعرف الرحمة ولا الإنسانية والتي أجرمت بحقنا جميعاً يا أبناء أمتي.
   وها نحن نلحف أرض الله الواسعة بِحَرِّها وبردها، بمطرها وثلجها، بقساوتها وعنفوانها، بجوعها وعريها، بغربتها وعبوديتها، وهذا ما يذكّرنا بربنا يسوع برفقة يوسف ومريم وصوت هيرودس يلاحقهم إلى حيث مصر الآمنة (متى 13:2)، مصر الفراعنة، إلهة النيل الأبدية، وفي كل ذلك أستُبيح قتلنا وهُدرت دماؤنا ونُهبت منازلنا وقُتلت مواشينا وأخرى بيعت في سوق نخاستهم وأسواق الحرامية وحلّلوا كل حرام فكانت آياته قد أُنزلت علينا ولكنهم لم يدركوا أن المسيحية لا تبالي بكنوز الأرض وخيرات الدنيا (متى 20:6) بل بحقيقة السماء وفي ذلك كانوا وسيبقون من الأشرار، ومع المسيح لسانُ قولهم يسمعهم "لرب السماء تسجدون وإياه وحده تعبدون" (متى 10:4).

الرب يرافقنا
   من المؤكد أن المسيح الرب وقع مراراً تحت عبء الصليب (متى 32:27) لكنه لم يرزح تحت نير الألم ولم ييأس من أن قوة الله هي ثقته وإن الله معه على مواصلة الطريق، فكان ينهض ويتابع مسيرته. ولنعلم جيداً أن الرب يرافقنا على الطرق، والضعيف منا يحمله على كتفيه "فَكَتِفَي الرب القائم من بين الأموات مكان يتّسع للجميع" هكذا يقول القديس فرنسيس السالسي. فالوقوع _ كما حصل لنا في الهجرة الحالية والنزوح _ أمر طبيعي في محاربة الشر لنا والإرهاب ولكن ذلك لا يجوز أن يتركنا في اليأس أو يتحكّم بنا وفي جميع المجالات الوطنية منها والمهنية والعائلية والأخلاقية والروحية. فإيماننا يعلّمنا أنّ درب الصليب انتهت بالمسيح إلى القيامة، فإنْ شئنا أن يكون نصيبنا مثل نصيبه ينبغي أن يكون تحمّلنا مثل تحمّله إبتداءً من بستان الزيتون، إذ أن واقع موت المسيح على الصليب وقيامه يصيبنا جميعاً نحن الذين نحمل بذور الملكوت (متى 28:26-29). وبولس الرسول يقول:"إن مجد الله يتجلى في الصليب" (1كو 2:2-5)، والصليب هو قمة المحبة وحكمة الله ومحور الخلاص الذي هو نعمة الله المجانية للبشرية قبل مجيئه وفي مجيئه وبعده.

صليب المسيح
   نعم، لنعلم جيداً أن شجرة الصليب تُغرَس في عظامنا اليابسة الجافة فنقول "لا للموت" لأن الصليب فينا ما هو إلا شجرة الحياة وثمارها الحب، والحب أقوى من الموت، والمسيحي هو الذي يحمل صليبه مع المسيح بروح الاشتراك في سرّ الفداء وبحمل صليب غيره، مثل المسيح، بروح التضامن والمحبة. وهو حينما يحمل صليب غيره يحمل صليب المسيح لأن صليب الغير وصليب المسيح صليب واحد. وعلى حد قول القديس أوغسطينوس "مسيح آخر" يحمل صليبه وصليب قريبه لأن صليب المسيح صليبنا وصليبنا صليب المسيح. ونحن، نعم، وإنْ كنا مهجَّرين نعرف أن الله أمين ولا يدعنا نُمتَحَن فوق طاقاتنا بل يجعل أيضاً مع المحنة مخرجاً لتستفيقوا أن تحتملوا (1كو13:10)... فلابدّ من حمل الصليب وعبور نفق الموت.

وصية جديدة
   كثيرون يكفّروننا ويتاجرون بضمائر الشعب وكما يشاؤون، وكثيرون يتعاملون بشكل خبيث ليعيدوا غنائمهم المصلحية في الكذب والنفاق، في المراوغة والملاطفة، في الحيلة والمكر، في الحقيقة المزيفة والكلمة المنمَّقة، إنها تجارة بخسة ورسالة بائسة ومسيرة خاسرة وإن ثبتت أياماً وأشهراً وسنين ستنجلي الحقيقة وإن قالوها في المخادع، وستعلن على سطوح المنازل (لو12:3)... إنها أزمة عقل وضمير وجريمة إبادة الآخر في نشر القيم الفاسدة عبر قيادة مزيفة لدنيا الزمن والعولمة بسبب عيش البغضاء بدل أن نخرج من ذواتنا لنشهد لحقيقة الحقيقة ونذهب إلى الآخر المختلف عنا فكراً ونظرةً، والرب يسوع علّمنا أنه لم يثأر على ذاته إنما أعطى دماءه حُباً إذ قال:"أعطيكم وصية جديدة..." (يو34:13). ومهما يكن سنبقى نختار هدفاً، وهدفنا ما هو إلا عودتنا إلى أرضنا. فنحن لا نريد أن نبقى قضية كبقية القضايا التي حيكت من أجل تدمير الشعوب، بل نختار هدفاً يستحق منا العناء والدماء والفداء، هدفاً يحمل معناه وحقيقته في رجالٍ أشدّاء حاملين الشجاعة والأمانة والوفاء، أمام رجال يحملون أسماء بلا حقائق وشهادات بلا وقائع، وعلامات مزيفة بلا ضمير، ويرفعون أصواتهم بضاعة أمام قوى الزمن "اقتلوهم إنه معارضون... إنهم نون" في غيرة ضد الأصلاء والأصيلين، فالمسيحي مدعو أن ينخرط ويتقوى لا أن يسامح ويبتعد، ولا أن يُهمَّش لمجرد مهاجتمه.

خسارة ارضنا
   مهما كانت الذاكرة المسيحية مجبولة بالمآسي والاضطهادات فهي مدعوّة إلى تذكّر العلامات المضيئة في التاريخ، فالرب يصنع الصلبان لكنه يصنع معها الأكتاف. لنستذكر القديسة شموني وأولادها السبعة والتي استشهدت في زمن الطاغية أنطيوخس ملك أنطاكية وبعد أن رأت بأَمِّ عينها الطاغية وهو يعذّب أولادها ويقتلهم، كَبُرَ إيمانها وتشجعت إرادتها وأدركت أن تلك صلبان الرب لها أكتاف الحياة، فقد شهدت أنها امرأة جبارة في إيمانها وثباتها وعاطفتها بعمق روحانيتها... ويكفي أن يحمل المؤمن اسم المسيحي حتى يصبح حمل الاسم تحدياً له ولمعنى حياته، وفي هذا كله يكون التاريخ شاهداً لعدم خسارة أرضنا. فكبار الزمن ومخططاتهم ما هي إلا خسارة أرضنا. إنه ابتزاز دنيء، فدماؤنا في كنيسة سيدة النجاة لم تنشف ودموعنا لم تنقطع،ورسالتنا كانت شهادة شاهدة ليس إلا،  فأين المنطق والإنصاف إذا كنا فقط نولول ونثرثر من على ما يكروفونات الزمن، فالتنظيم الإرهابي يهجّرنا وآخرون يفتحون أبوابهم لترحيلنا والغاية الوحيدة التي ننشدها هي العودة إلى ديارنا وهذه هي المسؤولية الحقيقية، أن لا نبيعَ أرضنا، لذلك يقول البابا فرنسيس:"ما أراه اليوم أن يسوع يبكي، فقد قفلنا قلوبنا وقلوب رعاة الكنيسة في وجهه" (20 نوفمبر 2014، قداس في سانتا مرتا).

علاقة وحوار
   لتدخل الكلمة أعماقنا، فنلمس حقيقتها ودفئها وعنوانها، فنقبلها ونستسلم بثقة لإلهنا ليحقق فعله الخلاصي من خلالنا، لأن إلهنا لا يريد تحقيق فعله الخلاصي لحياتنا لوحده بل يريد أن يشارك الإنسان في ذلك لأنه مبادرة مجانية وبدون استحقاق منا وبقبول حُرّ من الإنسان. لذا علينا أن نبدأ بمعرفة مَن نحن وحقيقة الإله الذي يطرق أبوابنا ليهذّبنا ويرينا ثقل النير وكنوز السماء فنريه همومنا وآلامنا ومعاناتنا إنْ كنا في الخيم ساكنين أو في الكرفانات لاجئين أو في عمارات عارية أو في فنادق عامرة أو مهجَّرين بعد أن تركنا دورنا ومنازلنا ومقتنياتنا وأحلامنا ونجونا بأنفسنا، ونسينا أن أبوابنا لا زالت مغلقة أمام الرب ولا أحد يفتح له، وهاهو يبكي، فهو يمثّلنا في هجرتنا ونزوحنا من أجل أن يهذبنا ويرينا ويسمعنا أنه "هو الطريق والحق والحياة" (يو6:14).
   فاليوم نحن مدعوون إلى أن ندخل في علاقة مع الآخرين، فالحوار الذي دار بين الرب يسوع وإبليس بعد أن صام أربعين يوماً كان حوار الحقيقة والإيمان وهُزم الشر وللرب سُجد وله تجب العبادة (متى 10:4)، وبئس مَن يبني جدراناً فاصلة بدل الجسور الموصِلة، وبئس مَن يعتبر نفسه إله الدنيا وينسى أن يقيم علاقات الحوار. وبئس مَن يقتل الحقيقة بضمير الفساد، وبئس مَن يحصد المصالح بمناجل الاشرار، والعلاقة الصحيحة ما هي إلا أن نكون مثل إلهنا، أن نطرق أبواب الأخوة المختلفين، وهذه هي المتعة الحقيقية في الحياة، في أن تكون مشغولاً بهدف تعرف أنه ذا قيمة كبيرة بدلاً من أن تكون كتلة أنانية صغيرة من الأوجاع والمظالم شاكياً أن العالم لن يكرّس نفسه من أجل سعادتك" (جورج برناردشو).

هذا ما حصل
   خائفون، هكذا هُزموا من أرضهم وديارهم وقُراهم وسكناهم، كل شيء توقف في مسيرة حياتهم بعد أن تركوه خوفاً وفزعاً من الإرهاب الشرير. وها هم اليوم في أرض الله الواسعة... نعم، أيها المهاجرون، ظروف الغدر أجبرتكم على النزوح هرباً من عصابات لا تعرف الرحمة ولا الإنسانية، وأجرمت بحقكم يا أبناء أمّتي، آلاف العائلات قُتلت ودُمِّرت واستُبيحت أرضكم وسُبيت غنائمكم وكريماتكم، فهم ليسوا إلا وحوش كاسرة لا تنشد إلا الموت والشقاء، ففيهم مات كل شيء لأنهم لا ينتمون إلا إلى إرهاب وما ذلك إلا ضعف حياتهم.
   نعم، لقد كانت قُراكم ومدنكم هي تاريخكم ومسيرتكم الإيمانية هي ماضيكم وحاضركم ومستقبلكم كما كانت مستقبل أجيالكم... نعم، تركتم مدنكم بعيونٍ تبكي دموعاً وحزناً على مواطنيكم وأرضكم وتاريخها، إذ ليس من السهل مغادرة أرضكم جبراً وقسراً لكي تفترشون الحدائق والأرصفة والعراء بعد أن سرقوا أموالكم وخزائنكم وأكياس معيشتكم وحتى بطاقات تعريفكم... فالوحوش الكاسرة كفّرتكم وحلّلت أموالكم غنائم، والحقيقة ما هم إلا سرّاق، وما حلّ بكم إبادة جماعية، لم يشهد العراق على مرّ العصور والأزمنة مثل الجرائم التي أُرتكبت بحقكم... إنه الإجرام بعينه. واعلموا أن الحقيقة لا تموت وإنْ باعها كبار الزمن لمصالح لهم ولأتباعهم، وما هم إلا ذيول الرذيلة المزيفة الذين يخدّرون شعوبهم بكلمات منجدية بعمق شرتونيتها، ويعتبرون ذلك أنه السراط المستقيم، بينما حقيقة الحياة لا تكمن إلا في خلع أثواب ملوكيتنا كي نعيش فقرهم وعوزهم، ونعاني برداً وعُرياً وخوفاً، وليس تمنيات وبيانات ودعوات، بل شهادات وحقائق، وإن حصل ما حصل، "وإنْ وقعنا سنقف ثانية" كما يقول المثل الياباني، المهم أن لا تفترّ رغبتكم، عليكم أن تتمسكوا بالصلاة وبالحوار مع الله، وهذه هي الشهادة الأمينة ليس إلا!. أن نكون طلاباً تحت أقدام الصليب.

الخاتمة
نعم، هذه شهادتنا ليست إلا. فانتبهوا يا أبناء جلدتي، أحملوا إيمانكم في آنية من خزف (2كور 7:4) وعيشوا حقيقة مسيحيتكم في لقاء الألم، وقولوا الحقيقة في وجه كبار الزمن، وثعالب الحياة، وحيتان الفساد، وبائعي الإرهاب والشر، ومعلمي الطائفية والمحاصصة والمحسوبية ،  كما قال ربنا يسوع يوماً لهيرودس:"إذهبوا وقولوا لهذا الثعلب" (لو32:13)، وما أكثر اليوم ثعالب زمن الإرهاب ، وحيتان الفساد ، نعم وما أكثرهم. ولا تخافوا أن تجعلوا صليب الرب يسوع مرافقاً لمسيرتكم ، فما أنتم إلا تلاميذه ، آمنوا بأن الحقيقة لا تموت، إننا سنرجع يوماً إلى ديارنا، نعم ونعم إلى ديارنا ، وهذه حقيقة إيماننا بصليب ربنا يسوع... نعم وآمين.   


67
بدل الرحيل ..
لنعانق الصليب ونحيا الإنجيل..
المونسنيور بيوس قاشا

في البدء

   نحن اليوم امام قصص مأسوية لا تنتهي ، وابطالها 
فقهاء الفتاوى القاتلة ، وأزلام الموت الارهابيون ، والذين كفرّونا ،
 ولا زالوا يكفروننا، ويعملون على محو إسمنا ، وطمر ديانتنا ،
 ويريدون منا ان نكون لهم عبيدا وسبايا تباع في سوق نخاستهم العفنة ، ويكتبون لنا الهزيمة دوما وابدا وليس هزيمة الموصل فقط بل ان استطاعوا هزيمة الوطن باكمله ، هزيمة القيم والاخلاق ، هزيمة الحضارة والأصالة ، والحقائق والصدق ، من اجل تشويه وجه التاريخ ، وفقرات كتاباته ، وسجلات احواله ، معتبيرن انفسهم المصلحين والأولين والخاتمين ، الامرين والناهين ، عبر تدمير الابرياء في نفوسهم كما في مجتمعاتهم واوطانهم ، كما انه ، ومن المؤكد ، أن الوطن خيمة مواطنيه والأنتماء اليه رسالة العلا ، ولا يمكن أن يكون لطائفة أو لعشيرة أو لقومية أو لديانة بل لجميع الأطياف بمذاهبهم وطوائفهم ودياناتهم، إذ أن تقسيم الوطن ما هو إلا محاصصة قاتلة، وإهانة لعمل السماء الرائع ، واحتقار لعمل الإله الخالق سبحانه وتعالى إذ قال:" أنموا وأكثروا وأملاوا الارض" (التكوين28:1)، وأيضاً في القرآن الكريم " إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ " (سورة الحجرات 13) ، وليس لنكون حصصاً وأجزاءً ومذاهبَ وطوائفَ وكفارا ونصارى ومسبيين ،وما ذلك من مسميّات ، كما أنّ الانتماء إلى الوطن رسالة سامية يؤكدها الانتماء إلى العقيدة الإيمانية والحقيقة القيمية في الفضائل ومسيرة الأخلاق عبر تاريخ الزمن ورعاية الشرائع والعبادات والوصايا من أجل دستور انتماء أكيد يحمل في طياته احترام الآخر وقيم عبادته وخدمة الآخر ونشله من بؤسه في رسالة سامية ملؤها المحبة والسلام والرحمة، فالله ما هو إلا رحمن رحيم.
مسيرة إيمان
   نعم، إن عالم اليوم ، يغرق في مادية الدنيا والعولمة ،  مساءً أكثر منه صباحاً، وباتت مسيرة الإيمان مزيفّة،وكلّ له إلهه ، وحقيقة التقوى أمست عاطفية واحترامية، والصراع بينهما في النفس وداخلها في كل ساعة من ساعات نهاراتنا وليالينا. وأمسى المسيحي خجلا من إعلان بشارة المسيح عيسى الحي وخائفاً مما سيُقال عن المُعلِن والمُعلَن والمؤمن، فتضيع حقيقة وجودنا وتُشَوَّه صورة دورنا في قلب العالم وننسى أن نكون أمناء لحمل الرسالة وأوفياء لإيصال البشرى في المُثُل والقِيَم والانتماء في الفضائل والأخلاق، في الرحمة والسلام، فنفكر في الرحيل وحمل حقائب الزمن، مدَّعين ومتأسفين أنه لم يبقَ لنا أحد من أهلنا وأقربائنا وحارتنا فيعشعش فكر الرحيل في أدمغتنا حتى تكتمل الآية والأعجوبة في أنْ نفرغ أوطاننا من انتماءاتنا برحيلنا وتبقى بشارة الحياة تنادي هذا وطنكم ، أباؤكم عاشوا هنا وأرضية عقاراتكم باسمائكم ، فلمّ الرحيل ، ولكن لا آذان لتسمع، فقد رحلّوا ورُحِلُّوا كلهم وليكن وراءهم الطوفان كما يقول المَثَل الفرنسي، فيموت قلب الوطن ولسانه يقول بحقيقة القول "مَن يحمي أولادي"، وينسون أن الله هو الحافظ الأمين ، والرازق الأكيد .
سفر جديد
   إن حمل رسالة الصليب والإنجيل حقيقة سماوية، وهذه الحقيقة واحدة متحدة في عمقها وفي وجودها، لا ترسم لنا إلا طريق السماء في الشهادة، فهي الجواب الشافي الأمين في حضور المسيح مهما كانت العقبات الطبقية والطائفية والثقافية... إنها قصة إيماننا، وحب السماء لنا في أرضنا، ومهما فقدنا من أموال وخيرات وجاه ومناصب وكراسي ومهما كان جلساؤنا وكبار زمننا وبائعو حقوقنا وسُرّاق أموالنا، فالحقيقة أكيدة أننا مدعوون إلى كتابة سفر جديد عن أعمال مسيحيينا ومؤمنينا  وتسطير رسائل رجائية وأَمَلية إلى أجيالنا النازحة والمهجَّرة والمهاجرة. فلا عمل سِلْمٍ دون بذل الذات من أجل الآخرين، ومشاركة المسيح في حمل الصليب، فلماذا الخوف إذاً!، ولا يمكن أن تكون حياة دون موت وصليب، والسبيل هو الخروج عن ذواتنا والتعرّي عن أنانيتنا وجشعنا ولامبالاتنا، فقد أصابنا الجمود والفتور والجهل، وأَلَّهْنا مَن نشاء ومتى نشاء، ولهم تنحني قاماتنا مطيعين وخائفين خوفا كي يكتبَ لنا الوجود والمكانة والكلمة ومع الاسف هذه هي اليوم شريعة المحبة المزيفة، ورقصنا حتى فجرنا، وتمرّدنا على الحياة وعطائها، وأكملنا مسيرتنا بفوضى ذاتية وعائلية ومجتمعية ووجودية وكأننا مراهقو الزمن وبائعو الطرق، ولم تعد بيوتنا تَسَعُنا " فأكلنا وشربنا وَبَنَيْنا وغرسنا وزوّجنا وتزوجنا الى أن دخل الارهاب مدننا" (لو27:17).
إنجيلنا وصليبنا
   أمام ما يحصل لنا من متغيرات، بل وما حلّ فينا، وفي ظل الظروف العصيبة التي مرّت بنا ولا زالت تشاطرنا مسيرة أيامنا فأُفرغت مناطقنا، وسلبت أمتعتنا، ونُهبت خيرات دُنيانا، وسُرق ذهب أعراسنا، وما ذلك إلا دعوتنا وحاجتنا إليها كي تتفاعل أفكارنا ونظراتنا وأحكامنا وتتعاضد طاقاتنا في لَمّ شملنا، في لقاء عيوننا، في نقاش أدوارنا، في غاية وجودنا، عبر مسيرة صلاتنا وعمق تأملنا بإرادة الله التي أضعناها أو حُجبت عن أنظارنا. كلنا رعاة ورعايا، مؤمنون رجالاً ونساءً، شيباً وشباباً، فيسند شبابنا أقدامَ شيوخنا وعجائزنا وكبار دنيانا كي لا يفني بعضنا بعضاً، فالحقيقة افترقنا أكثر مما اتّحدنا، وتكبّرنا أكثر مما أعلنّا أنفسنا خدّاماً، ورسمنا لنا طريق الخلاص بفكرنا ونسينا أن الحقيقة إنجيلنا وصليبنا طريق الأيمان وحقيقة المسيرة في حياة نحو البقاء من أجل الأبدية، كما عملت مريم فقد اختارت النصيب الأفضل الذي لن يُنزَع منها (لو 41:10-42).   
   نحن اليوم أمام خطاب تأييسي وتخويفي وتشجيعي على الهروب، بل نحن أمام أسئلة لا جواب لها إلا واحد وهو "لم يعد لنا دور في وطننا، ونحن لم يعد لنا أقرباء نحتفل معهم أو نحيا بجانبهم أو بقربهم" وكأننا نعامل دنيانا كي تكون مطيعة لأفكارنا وخيالاتنا، ومن المؤسف أن القريبين من أسماء الجاه ومناصب الكبار في زمننا ، هم الرسل الأولون ، لهذا التحول المخيف، وخطابهم وسؤالهم ما هو إلا خطاب وسؤال يدلان على أننا أناسٌ تنقصنا القناعة بأننا أصحاب رسالة، وينقصنا الإيمان بأن الله الذي خلقنا يشاركنا آلامنا ومسيرتنا كما كان مع الرسل في السفينة ( متى 26:8). وفي ذلك ترك الله لنا قِيَماً روحية تملأ رسالة خلاصية في البشارة الإنجيلية نسلك حسبها وحسب مضمونها ولم يترك لنا خرائطَ عسكرية وانسحاباتٍ تكتيكيةً، بل عيشَ المحبة والشهادة وهو معنا حتى نهاية العالم... ولنثق بهذا الكلام.
ألوان حقائبنا
   وانطلاقاً من هذه الثقة علينا أن نجعل من فكرنا منطلقاً فيتحول ضيقنا إلى اطمئنان وفرح وإيمان،" ثقوا إني غلبتُ العالم " (يو33:16) . فالمسيح ربنا لا يمكن أن يقف متفرجاً علينا أو على الحياد وهذا ما تقوله ثقتنا به. لذا علينا أن نكسب الثقة ونحافظ عليها ونُنميها في فحص ضميري وشخصي حول مسيرتنا وسلوكياتنا، فنحن شهود ليسوع المسيح، ومصير إيماننا لا يتوقف إلا على سموّ عطائنا وقيمة شهادتنا ونوعية حامليها وليس على ألوان حقائبنا وكبر حجمها أو صغرها أو قوة متانتها أم خفة حملها، وهذا ما يجب أن يتجسد في واقعنا الأيماني . ولنعلم ، لقد بات المسيحي مستَهدَفاً بشكل موجَّه ومركَّز. إن تكرار الاضطهادات بات أمراً خطيراً. فاحترام الكيانات المختلفة والعمل على درء الانتهاكات المروِّعة لحقوق الإنسان وسياسات المحاور الإقليمية والدولية التي قد تعرِّضه لخطر استباحة أرضه وتحويله إلى مسرح لصراعات الآخرين.
   فلا يجوز اليوم _ وعلى كل القيادات الإسلامية في المنطقة العربية _ أن تتوقف عن القول "أن داعش لا يمثّلنا".  فالحراك ضد هذه الموجة خجول جداً، وإن هذه نقطة هامة ، فالواجب الأول على الأخوة الإسلام أن يكونوا صوتاً فاعلاً وأكيداً للدفاع عن المسيحيين، فالإرهاب شوّه الدين الإسلامي كما كفّر الديانات المختلفة عنه ، كي لا يقول التاريخ أنّ إلأسلام والعروبة مسؤولان عما جرى ويجري تجاه إضطهاد المسيحيين. فما نحتاج إليه هو العودة إلى أخلاقنا المسيحية من أجل الضمانة الوحيدة والأكيدة لبقاء المسيحيين في الشرق وليس أي شيء آخر. فإذا رأى الشرق أننا مختلفين فإننا نُزيد على الحياة معنىً لا يوفره الآخرون، عندئذٍ يحافظ الشرق علينا. ولكن ما ينقصنا الشجاعة أحياناً لكي نكون أمناء لله لاسيما عندما نقف موقف الانفتاح إلى الآخر والدفاع عن إيماننا، وهذا ما يدعونا إلى أن نُحْسِنَ الإصغاء إلى الله وفي ذلك سنُحسِن الإصغاء إلى الآخرين، وبهذا نبني عالماً غير هذا الذي نتذمّر منه الآن.
مصيبة وكارثة
   أمام عالم المصيبة التي حلّت بمؤمنينا وكنائسنا، والكارثة التي أودت برحيل أبنائنا وضياع أموالنا وممتلكاتنا وفقدان خيراتنا. ألا يقودنا ذلك إلى ما قاله الرب يسوع:"اكنزوا لكم كنوزاً في السماء حيث لا يصل إليها سارق ولا يفسدها سوس (داعش)"؟. أليس أمام هذا كله نتصرف وكأننا لسنا أصحاب رسالة، وكأن المسيح لم يَعِدُنا بشيء ولم يثبّتنا برجاء دعوتنا؟... فنبدأ بالقول: أن هذا البلد لم يعد لنا، بل يجب أن نتركه، وتتعالى أصوات حواء بتأكيد تركه وإهماله بقولها "لا خبزة لنا فيه بعد"، أليس ذلك مؤامرة ننفذها على أنفسنا وآية أدخلت إلى سماع آذاننا صباحاً ومساءً، ليلاً ونهاراً، لحظةً ودقيقةً وساعة، ونقول: أن الدولة الفلانية تتآمر علينا، تنفذ مؤامرتها عبر آخرين، وفي ذلك ألا نتآمر كلنا على أنفسنا وننفذ المؤامرة على بعضنا البعض؟. أليس هذا حديث أصحاب مصالح وسوّاح رفاهية أم حديث أصحاب رسالة وبشارة إيمان؟. فلقد ازداد خطابنا في تشجيعه للهروب وعلى التفتيش عن الرفاهية والحصول على تأشيرة سفر إلى أرض الله الواسعة، هل هذا هو حديث أناس يؤمنون بأنهم أصحاب رسالة وبأن الله معهم فيثقوا بكلامه أم يريدون أن يعمل الله لهم ما يشاؤون هرباً ورحيلاً وهجرةً ومالاً وجاهاً وبنيناً وبناتٍ،  وإلا لا فائدة من كلمات البشارة ولا حياة في كلمات الإنجيل ولا مسيرة مع صليب الألم..."احملوا نيري عليكم وتعلموا مني"(متى29:11) ، و"على التلميذ أن يكون مثل معلّمه"(لو 41:6). ألم نكن في ذلك قد شابهنا أهل الأرض وتمركزنا واهتممنا بأنفسنا ورفاهيتنا وأكثر من ذلك بكبريائنا ونا. نا؟.وما أكثرها  هل أصبحنا في عالم لم يعرف المسيح أم في عالم يحمل اسم المسيح؟. أليس ممارسة التخويف والتيئيس  والتشجيع على الهروب كقناص نحتمي من قنصه؟.. أين نحن نحتمي ما دام القناص فينا وفي بيتنا وفي حارتنا ويعشعش في عمق عقولنا وأدمغتنا؟.
جائعون .. جائعون
نعم، أنا أؤمن أن الله يرى مآسينا، ويدرك ثقل صليب وأتعاب آلامنا، ويسمع صراخنا وأنين أمهاتنا وبكاء أطفالنا، فهو أكيد سيأتي لينقذنا وهو يؤكد ذلك في بشارة الحياة، وهذا أكبر ثقة وخلاص. فكلنا أولاً جائعون إلى كلمة الله بمقدار جوعنا إلى الخبز والدواء، وما علينا إلا أن نتضامن ونتقاسم، وإذا لم نشبع من كلمة الله لتصبح فينا حياة فذهابنا إلى الصلاة وإلى الكنيسة ما هو إلا أنشودة فقط وننسى أن كلمة الله نور لسبيلي (متى 4:4). ولا يجوز أن نطلب دون أن نحيا، فربنا يسوع لا يطلب منا أن نلغي الآلام والشقاء والتهجير وإنما يطلب منا أن نرى الشقاء وأن نسمع الأنين والصراخ والبكاء والأتعاب وإلا تكون قلوبنا من صخر بينما هي من لحم ودم... وإذا لم نكن قد تعلمنا من المسيح فما نفع مسيحيتنا، فهل من شرف أكبر من هذا أن يرسلنا المسيح كما أرسله الآب (يو 21:20)! وارسَلَنا رسلا من اجل كلمة الانجيل وليس قائد مؤسساتٍ واداري مكاتب ، وهل ضمانة أكبر من أن يكون المسيح معنا حتى نهاية العالم؟... ولكن هل نثق نحن بأنه معنا اليوم كما كان مع الرسل في الأمس ؟... فيومها لم يعودوا يرون إلا البحر الهائج والخطر المحدق بهم، ولم يعودوا يرون المسيح. نعم الله عالم بما هو خفي وهو يعرف ما شان مستقبلنا ومسيرة حياتنا والأكيد نحن الذين اعتمذنا باسمه انه سيقف الى جانبنا اذا اردنا عيش ايماننا به ففي مسيرة الايمان يعلمنا ان يكون ملجأنا وقوتنا ولكن علينا ان نقوم بالحديث عنه في داخلنا فنجده على الدوام معنا ولهذا علينا ان نمر بالعاصفة  واوقت صعبة وهذا ما اكده الرسول بولس اذ قال نعاني الصعاب ولكننا لا نُسحق ،  نُضطهد ولكن لا نياس وهذه حقيقة تظهر لنا اننا سنعاني خلال حياتنا فالمرور في الصعاب عبر مسيرة الايمان يكون الرب مصارعا من اجلنا وحاميا لنعمة حياتنا فهو ملجأنا في الشدة وهو قريب لمن يدعونه فنحن افضل من عصافير كثيرة . (متى 31:10) .
الخاتمة
واليوم في السبي، هل لا زال المسيحُ غايتَنا، والإنجيلُ لا زال بشارتنا والصليب قوة خلاصنا _ فالمسيح ربنا "هو هو أمس واليوم وإلى الأبد" (عبر8:13) أم أصبح إيماننا شعارات مفرغة لحياة عولمية عقيمة؟ فهم يريدون أن نحيا العيش الهانئ مع جليس الدنيا ولا نبالي بإرضنا وشرقنا المقدسين،وتموت قضيتنا كما ماتت أخرى ، فَلِمَ الخوف ولِمَ الرحيل، بل لنبقى شهوداً وشهداء، وهذا نداء الرب، والشهادة ليست إلا مسيرة حياة كما هي بذل الدماء من اجل المحب ، لنكن كنيسة ، فيها شجاعة في الشركة والمشاركة ، نحمل شجاعة الأيمان ، فراداً أو جماعةً ، كما كانت جماعة الكنيسة الاولى " قلباً واحداً ونفساً واحدةً"  (أع 32:4) وكما يقول البابا فرنسيس " لا تقفل الابواب بوجه الرب والصليب يرينا حب يسوع الذي يدفعه الى البكاء اليوم على الكنيسة ( 20 نوفمبر 2014 – دار القديسة مرتا) . فلمَ الخوف ، وبدل الرحيل لنعانق الصليب ونحيا الإنجيل. ولا نكون تباعاً لمؤسسات تجعلنا بين غريب ودخيل فنحن لسنا علاماتٍ بل شهادات ،  نعم وآمين.

68
يا مسيحيينا ... كفانا أن نكون عبيداً!
المونسنيور بيوس قاشا
   في البدء:
في زمنٍ فاسدٍ وتاريخٍ مزيّفٍ وحياةٍ صاخبةٍ ملؤها حب المال والدنيا وكراسيها، ومناصبها، وجاهها وجمالها، وحواءها وأنانيتها، وحسدها ونفاقها، وحيث ثقافة الموت تتصدر الحياة، وفي مسيرة الخطف المخيفة والإرهاب وتدمير المقدسات وهدم القيم والابتعاد عن المسيحية الأمينة. أمام هذا كله أتساءل:
هل المسيح لا زال بعدُ يدعونا لحمل البشارة؟. هل المسيح لا زال يريد منا أن نشهد لمسيحيتنا ووجود جرن عماذنا؟. هل المسيح بعدُ يدعونا لنحيا الإيمان ونأمل الرجاء ونلمس المحبة وعملياتها في الخدمة والطاعة والفقر والعفة والتواضع والغفران والمسامحة وقبول الآخر في حوار اللقاء؟. لماذا يكره المختلف مسيحية المسيحيين، وينعتهم بالكفّار؟. هل لا زالوا يقولون عنا إننا نحب مسيحهم ولا نحب مسيحيتهم؟. هل نحن فعلاً مسيحيون سطحيون لا ننشد إلا شهادةً للرحيل وكتابَ حسن السيرة والسلوك دون استحقاقنا ودون علمنا برسالة إيماننا وكنيستنا؟. وهل الصليب أصبح لنا عثرة مرة أخرى كما كان لليهود (كو23:1)، أم إن الإنجيل لا يجوز إعلانه خوفاً من أن يكون رسالة التبشير أو الإفصاح عن إعلانه بشارة الحياة والخلاص خوفاً من الأصولية الإرهابية المزيفة للدين؟. هل أصبح حديثنا لغة الهجرة وإنْ كنا مهجّرين، أم لفّةً هانئة وعلبةَ مشروب متربعةً قارسةَ المذاق؟.   

   إبادة جماعية...
هل وهل وهل... وأخرى مثلها. وأقول: أليست الحياة تظهر لنا رسالة تقول أن الحياة معركة يومية، وكما تقول مادري تيريزا:"الحياة فرصة عليك استغلالها". وصراعٌ أبدي بدأ بولادتنا ولا ينتهي حتى مع رحيلنا بل بانتهاء سني أرضنا، ونغادر الفانية وماضيها إلى حيث دُعي المخلوق من خالقه ليسكن في النعيم أو في الجحيم؟. مما لاشكّ فيه أننا كمسيحيين عشنا صعوباتٍ كثيرة ومآسي لا تُحصى ولا تُعَدّ، ولا يمكن أن نسمّي مسبّبيها لخوفنا من الآتي عنهم، فلا زلنا نعيش حاضرنا بمآسي ماضينا وماضي آبائنا وأجدادنا، طردٌ واتهام وتكفير وتهجير وسلب أملاكنا وتهديم بيوتنا وقتل أبنائنا، ولا زال المستقبل وما يحمله يعشعش في ضباب الفكر والهموم والعيش الأليم، وتحيط بنا الاضطهادات من كل حدب وصوب وتقتل همّتَنا جنيناً كي لا نكون، وإذا ما كنا بقدرة الخالق فعلينا أن نكون لهم عبيداً أو علينا أن نغادر في ليلةٍ لا ترانا فيها حتى نجوم السماء كون الخوف قد ملك على قلوبنا وأصبحنا كما يقول ربنا يسوع:"أنتم خراف بين ذئاب" (متى 16:10). وفي ذلك يكون تهجيرنا وتكون الغربة خارطة طريق لواقعنا، ليحلّ محلنا آخرون، وبسبب ذلك ترانا راحلين ولا نرى غير هذا وإن كانت هذه الأمور تلف كثيرين من مكونات شعبنا، إضافة إلى رسالة الإرهاب السيئة في حمل الضيق إلينا والعنف والتعب والطائفية فيكون العالم وعولمته متفرجاً وعارفاً بما يحصل ولكنه لا يحرك ساكناً وإذا ما حرّكه فكما يشاء، تهديدٌ واضح وإبادةٌ جماعية نظير الشمس، والظلام يزداد بكبر مآسينا وكوارثنا وبلايانا، فأين الشاهد الأمين لحقيقة الإبادة والتهجير والقتل والتدمير، فهم يعرفون إنها من صنعهم كما يعرفون ما نحن إلا أبرياء. ولكن!!!.

   أن نموت...

   المسيحية تعني شمولية الحياة، ومعنى ذلك إننا نتقاسم المسيرة في بناء الجسور وكسر الحواجز عبر البشارة بالعطاء والغفران والتوبة، ونشهد للدم من أجل الحياة "في أن يبذل الإنسان نفسه فداءً عن أحبائه" (يو13:15). والرسالة تدعونا لا إلى أن نهرب من الشر والألم بل أن نقاوم هبوب العواصف وأمطار السيول ورياح الاضطهاد وإطلاقة الحقد والكراهية بعجين في تراب وطننا، نبني فيه مسيرة حبنا لأرضنا كي لا نضيع بين قتلى الزمن. فنحن شعبٌ نوجد في أرضنا بل أرضنا توجد فينا وتحيا من دماء عروقنا ولا نقبل بأن نفنى ونموت كي نكون سبباً في ضياع إيماننا وفقدان مسيحيتنا، فتُقلَع جذورُنا وتموت أصولُنا في أرضٍ غنّينا لها أغانينا وزمّرنا لها ورقصنا من أجلها وأنشدنا "هذي الكاع ما ننطيها، ايشوع ومريم ساكنين فيها"... وما حصل حصل، وما حلّ فينا حلّ دون إرادتنا وعدم علمنا واستعدادنا، فقلوبنا لا زالت وستبقى تفيض بنِعَم إيماننا ولا أجمل، فمعركتنا              _ كما يقول مار بولس _ وصارعتنا ليست "مع اللحم والدم" (أفسس 12:6) فأما نوجَد كشعب مسيحي في أرض الله وإما أن نموت ليس إلا.

   قامات شامخة...

لنا كل الفخر بما قام به آباؤنا وأجدادنا وقد عُرفوا ببُناة الحضارة وبدورٍ كبير في النهضة، في التحرر من الدولة المستعبدة، المستعمرة، وهذا ما يُظهر أنهم رجالٌ أقوياء بالإيمان، وهذا ما يدعونا نحن أبناء هذا الجيل أن ننهض من سُباتنا لنسير برفقة المسيح فهو ينتظرنا كي تكون ثقتنا به حتى الموت فقد قال لنا:"ثقوا فقد غلبتُ العالم" (يو16:33). وفي ثقتنا هذه ما يجعلنا أن لا يخيب رجاءنا والعمل في ذلك ما نحتاج هو بلورة مسيرة حضورنا المسيحي وليس الرحيل بل يجب أن يبقى الأمل فينا حياً فهكذا فعل أجدادنا في الماضي وآباؤنا في القرن العشرين، وواجهوا حد سيوف الأعداء بقامات شامخة وبصدور عارية وبرقاب لا تنحني إلا لله، وعبر قرارات ظالمة حملوا حقيقة المسيح الحي فيهم، وبدمائهم سقوا شجرة الحياة الوافرة فكانت دماؤهم علامة سلام وينبوع خلاص، وحافظوا على وجودهم ودينهم المسيحي فكنا نحن أحفادهم نحدو الحياة كأبطال من أجل أرضهم وإيمانهم، وبدمائهم بذروا زرع الحياة لنحيا وننمو ونكبر ثم نشهد.

   رسالة وبقاء...
لننتبه قليلاً، فالمخططات عديدة تنازع مسيرتنا في أرضنا الأصيلة، ولا زال الربيع الدامي تجاهنا يفتك بنا ونفتش عن ملاذنا فلا علم لنا ولا دراية في ذلك، فالدمار والألم والحقد تجاهنا، والكراهية نحو وجودنا والبغضاء في مسيرتنا تنتقل من شخص إلى آخر ومن حارة إلى أخرى ومن بيت إلى آخر، وزادت المساحة فصارت من بلد إلى آخر وأصبحنا مذهباً مكروهاً وديناً كافراً وأمةً لا حول لها ولا قوة وشعباً يقاسي وحده، فكلٌّ يدلو بدلوه لأمته، فقد أدركوا إنهم زائلون إنْ لم يكونوا متحدين. ونحن، هل ندلو بدلونا؟ كي نجمع أفكارنا، ونوحّد هدفنا، فهناك المخلصون لا تغمض لهم أجفان فهم أصلٌ وأصلاء، رسالةٌ وبقاء، وهناك مَن يصعدون المنابر كبرياءً ويصيحون ويحيّون بأحسن التحايا وأروع الكلمات بأمريكيتها وغربيتها وعربيتها الشرتونية والحقيقة هم بعيدون عن إيمانهم في أصالتهم وأصولهم، ولا يرون إلا أنفسَهم وقاماتهم كنخلةٍ بطولها ليس إلا، ولا أظن يحملون رسالتهم بأمانة ووفاء وهم ينعتون أنفسهم بمخلّصي شعوبهم مدّعين أنهم سياسيو وأمراء الدنيا وأولياء الزمن والحكم وما هم إلا المارشال الأوحد، فهم فيتامين للهروب والنزوح، والطرد وإفراغ الوطن من حقيقة الأصول، وفي النهاية للرحيل، بكلمة غير مسؤولة أو بتجارة تدرّ بشراً وديناراً وقبلةً وضحكةً، من أجل ضحكة للحاضر المزيف، من أجل مستقبل الضمان، هؤلاء عُرف ماضيهم ولكن عجلة الدنيا سارت معهم فأضحوا بين ليلة وأخرى وصبحٍ وآخر أمراء وأولياء، وأمسوا وأصبحوا ثانية رؤساء، ومسلَّطين، وعناوين، وهذا ما جعلنا أن نكون من الخاسرين وإنْ كنا أو لا زلنا من الشاربين والآكلين، ولكن لا وجود لنا والحقيقة إنما هي للمتأوهين، نعم للمتأوهين على ظلم المسيرة، وهذه هي مزيفّات الحياة ليس إلا.

  درهم النفاق...
فنحن وطننا اهتزت أعمدته بسببنا وبسبب أهلنا، ألم يقول المسيح عيسى الحي:"أعداء الإنسان أهل بيته" (متى36:10)؟. نعم، اهتزت أساساتنا وابتُليت شعوبنا بفقر الاتحاد وزيادة الإنجماد في مال الدنيا والفساد وكأننا أصبحنا مدراء بنوك بعناد أو بمراد، فبيعت الحقيقة بأموالٍ مسروقة ودرهم النفاق والغش والرياء وكأن هذه هي الأصالة، ونسينا أن حقيقة الأصالة هي أن نكون للحقيقة شهداء وللإنجيل أمناء وللصليب أوفياء كي لا يقولوا عنا إننا دَفنّا حضارتنا ورفعنا راية الموت على حدود قرانا ومدننا وقصباتنا... إنها مظالم لم نتعرف إليها بشكل أمين، وكل ذلك ما سوى إلا صفقات مشبوهة لغايات دفينة في تجميل الصورة أمام المجتمع المسيحي البسيط والمجتمع الدولي المتفرج. فلماذا الهروب من الشر وكأننا غنم تهرول أمام ذئاب الزمن وعلامة الخوف على جباهنا تقول أنتم تركتم قريتكم ومدينتكم والساكن فيها ينتظركم؟. فقد هرولنا قبل طردنا، وطُردنا وسُرقنا بِبُعد نظرنا، وأصبحنا علامة خوف وهروب، وجعلنا من حياتنا فزعاً وضياعاً لحقيقة إيمانية، وفكّرنا أن أرضنا قد عشقت الإرهاب الآتي إليها ليدنّسها، ولكن الحقيقة يجب أن تقال هو إننا أحببنا الحياة المزيفة لغاية بقائنا، والرب يسوع قال:"اكنزوا لكم كنوزاً في السماء" (متى 20:6).

   أُصلاء ... أصلاء...

نقولها حقيقةً وواقعاً، فضروب الاعتداء على المسيحيين والمكونات الأخرى تجاوزت الحدود والأعداد، فقد تعرض شعبنا للإبادة منذ الستينات وحتى اليوم وكأننا كرة طائرة، مرة يرفعوننا ويهيبون بوجودنا وينشدون لنا "أصلاء، أصلاء"، وأخرى بكبسة قاسية وحاقدة يدمّرون كل شيء ويقتلون أجنّة الأمهات في بطونهن أو يرسمون لنا حلولاً ترقيعية ومبادرات مغلَّفة ببسمة سياسية وحقوق إنسانية مزيفة ويقولون إننا متساوون كما المكونات الأخرى، ولكن الفساد رسالة والكذب حقوق، لذا، لماذا يريدون منا الحضور المسيحي وهم لأبسط حقوق قد لا يفقهون وكأن الدستور مقدس أُوحي به من العلياء. فالدستور وضعته الأفكار والعقول وكتبته الأيادي والمطابع فبإمكان مَن وضعه وأبناءهم وأحفادهم ووكلاءهم أن يغيّروا ويعدّلوا ويحذفوا ما هو ضد الإنسان.

   ملحاً وطريقاً...
ما نحتاجه هو محاسبة أنفسنا، سائلين عن معوقات عملنا، هل نريد التغيير؟. هل نستطيع أن نحرر مناطقنا؟. هل حضورنا إيماني الرسالة والتزامنا حقيقة أرضنا أم تُحسَب الأيام بتسلسلها وكأننا هامشيين على هذه البسيطة وخُلقنا كي نكون بل كي لا نُحسب؟. أيجوز أن نعيد ذاكرتنا إلى تاريخ آبائنا وأجدادنا والتفكير في التزامنا برسالتنا وإيماننا؟... لذا يجب أن نجدد إيماننا بكنيستنا لتبقى نوراً كما هي ملحاً وطريقاً وخبزاً وماءً لعطاشى الحاضر وجائعي الحياة بأبواب مفتوحة كي ينير النور مسيرة أبنائها... لذا ما نحتاجه هو أن ندرك ما معنى حضورنا المسيحي في بلدنا الجريح... أكيد ما نحتاجه هو كلمة حق في شجاعة الكلمة. فلا يجوز أبداً أن ننغلق ونتقوقع على ذواتنا أو نذوب أو نستسلم للعنف خائفين، بل يجب أن يكون التحدي هو السراط المستقيم، هو القائم وسيبقى قائماً ومصيرياً. فالوطن وطننا وما نحن إلا أبناؤه ولسنا غرباء عنه، بل أن نكون شهوداً حقيقيين لإيماننا كما سنبقى لطريق الحق سالكين.
نحن كمسيحيين أمام أكبر أزمة إرهاب تطردنا من ديارنا باسم الإسلام (والإسلام منه براء)، إرهاب باسم الدين ولا يجوز ذلك. كما إن المسيحية وإنْ لا زالت منذ قيامها وحتى الساعة مجبولة بالمآسي فهي مدعوة إلى أن تكون العلامة المنيرة في تاريخ الإنسانية وتاريخ بلادنا، تاريخ مجبول بدماء قديسينا. فالأرض مقدسة، والتراب مكرَّس، وبقاء الأرض يعني بقاء الإنسان وما علينا إلا المشاركة في صنع التاريخ، تاريخ أرضنا وتاريخ شرقنا وتاريخ عالمنا، فحمل اسم المسيحي ما هو إلا تحدٍّ له معناه، وله رسالته، فهو خميرة العجين. صحيح ومن المؤكد نحن نبقى أقوياء بإيماننا وليست قوتنا بمحسوبيتنا أو مذهبيتنا، بطائفتنا أو بجاليتنا، بمكانتنا أو بجاهنا، بمالنا أو بمنصبنا، بحوّائنا أو بعنادنا، لأن دعوتنا هي الانخراط في التقوى، فما الطائفة إلا إطار الإيمان بينما الحقيقة هو إننا مؤمنون.

   البابا فرنسيس...
ومع البابا فرنسيس نشهد مثالاً حياً عن المحبة الخالصة والرحمة الإلهية داعياً مخلصاً لرفع الغبار عن مسيرتنا الكنسية والانطلاق نحو آفاقٍ جديدة هي بالأصل أساس مسيحيتنا... والجميع يتحمل المسؤولية في تحقيق تجديد الإيمان. ويقول قداسته أيضاً: ليفهم المسيحيون بعمق معنى انتمائهم إلى الكنيسة وبأن قائد هذه السفينة "هو هو اليوم وأمس وإلى الأبد" (عبر8:13)... فما نحتاجه هو شجاعة الإيمان ورسالة الشركة والشهادة، وليس أن نشاركهم في سيرة أعداء صليب المسح (قداس للبابا في دار القديسة مرتا 7/12/2014).
من المؤسف أن شبابنا وصلوا إلى حالة اليأس والشيخوخة قبل الأوان، فكفروا بأنفسهم وأصبحوا لا يبالون بسبب خوفهم، وأصبحنا ننتقم حتى من ذواتنا ولا نعرف هدف حياتنا. فالمسيحيون لا يجوز أن يقفوا متفرجين ولا محايدين بل أصلاء وأصيلين كونهم حاملو قدرات وكفاءات على مستويات عديدة. الحقيقة إن أبناء كنائسنا يشعرون اليوم بالإحباط وخيبة الأمل من جراء الوضع الحالي، ولا زالت الخيبة قائمة بالرغم ما حصل من متغيرات في المجالات الكنسية والحضارية، وقد زاد إحباطهم بنزوحهم وهجرتهم وتركهم لبلادهم وأصبحنا في زمن الاحتقار. بالأمس كنا مناطق متنازَع عليها، واليوم أصبحنا مهاجرين. بالأمس القريب قرروا أن لا قومية لنا بل نحن طائفة وأحياناً أقلية وأخرى جالية وأخرى جماعة، وبذلك أحنوا رؤوسنا وإرادتنا وأرادونا أن نصلّي كما يشاؤون وأن نقول لا كتاب لنا ولا مؤمنين، فكتابنا هو أوامرهم وخطبهم، وعنواننا ما زاد عنهم وكتبوا لنا ما علينا إلا قراءته وأرادونا عبيداً مطيعين، خنوعين، إذا ما ناشدنا حياة أمينة وكريمة، وإلا حُسبنا من المعارضين المارقين البائسين... إنها إبادة لحقيقة الجماعة ومسيرتها.

   الخاتمة...
مشكلتنا من هنا تنطلق ولا تُحَل بالبكاء والعويل والرحيل وكلام الخوف ولغة الهجرة، بل بالمثابرة تحت لواء الشجاعة والحقوق والاستمرار في أن نكون صوتاً صارخاً (مر3:1) ، ليس في الفيافي بل في آذان كبار الزمن والدنيا وأصحاب القرار ليس إلا، لأن ما يجري في شرقنا من المؤكد ليس صدفة بل علامة، وما إعلانها إلا علامات الأزمنة. لذا علينا أن نصنع مستقبلنا بحكمتنا ووداعتنا والمطالبة بحقوقنا، فنحن لا يجوز أن نكون عبيداً بل "نحن أخوة" كما يقول البابا فرنسيس و"نحن أحباء" كما يقول ربنا يسوع. وعلينا أن ندرك جيداً ماذا نريد وما ينتظرون، فإذا أرادوا لنا الرحيل والهجرة فَلِمَ الحديث عن الأصالة والأصلاء، عن الحضور المسيحي وقبول الآخر... فالأرض لنا ولهم، وفوقها نعيش نحن وهم وليس تحتها... وإذا خسرنا حقنا في أرضنا _ أقولها وبصوت مخيف ومؤلم _ فقد خسرنا كل شيء، وفي نهاية المطاف نذوب ونضمحل لأن الرحيل والتهجير كان بداية الحكاية ومن المؤسف، نهايتها أيضاً.
      فيا مسيحيينا،لا يجوز أن نكون عبيداً، فالمسيح ربنا سبق وأرشدنا إلى طرق الحق حيث يحررنا (يو32:8)، سلّحنا بثقة عدم الخوف وأعلمنا حقيقة الإيمان والمسيرة، فلا يجوز أبداً أن نكون عبيداً مطيعين، خنوعين، بل صوتاً وحقيقةً معلنة، كما لا يجوز أن ننتحل، كما يقول البابا فرنسيس، اسم المسيحية وفي باطننا وثني المسيرة، في عيش النفاق، بقول قداسته:"هؤلاء هم أعداء صليب المسيح، يأخذون الاسم ولكن لا يتبعون تعاليم المسيح". ألسنا اليوم، نحن مجانين الزمن، بحرب لا ربح منها بل كلنا فيها من الخاسرين، إن لم نوّحد كلمتنا، ومسيرة غايتنا، وإلا لا وجود لنا؟. أقولها خاتماً: كفاناً أن نكون عبيداً (يو15:15)، فنحن أحباء المسيح الرب، نعم وآمين.

 

69
في زمن .... فيه تمَّ ملْ الزمان
المونسنيور بيوس قاشا
  في البدء
ما أجمل هذه الكلمة، ففيها انتظرنا ملء الزمان كما يقول مار بولس الرسول:
"ولما تم ملء الزمان، أرسل الله ابنه مولوداً من امرأة تحت الناموس" (غلا 4:4). وفي الزمان سارت مسيرة الله نحو شعبه الخاطئ ليخلّصه بفداء ابنه من الخطيئة، فتجسد وسكن بيننا، وكما يقول القديس أغوسطينوس في زمان:"نزل الله إلينا ليرفع الإنسان إليه"... والزمان أدخل الرجال والنساء والأطفال في مسيرة الخلاص وأصبحت ساعته فاصلاً بين عهدين قديم وجديد، قبل الميلاد وبعد الميلاد. وفي الزمان بعد أن أبدَعَنا الخالق قادنا إلى جرن العماذ لنكون في زمن الخلاص. وفي زمان أرسل الرب يسوع تلاميذه قائلاً:"اذهبوا وعمّذوا كل الأمم..." (متى 19:28)، وفيه بدأت بشرى الإنجيل، وكانت الكنيسة في زمن البشارة وهاهي لحدّ اليوم أمينة لمؤسِّسها وفاديها، ومخلصة بيسوعها ، لشعبها ومؤمنيها، ونحن فيها، أولادها بالعماذ وعشاء سيدها.وهاهو الزمن يتجدد ثانية بمسيرته الأليمة في قُرانا ومدننا منذ التاسع والعاشر من حزيران أولاً واستمرت المسيرة أكثر تعقيداً بل تهديداً وطرداً في زمن الرحيل الثاني يوم السادس من آب عيد تجلي الرب.ولعظمة كلمة الزمن في مسيرة الحياة ومسيرتي، اخترتُ فقرات من هذه المسيرة لتكون فقرات للتأمل والصلاة وإعلان حقيقة يسوع المسيح الرب الذي فيه كانت الحياة ونور الناس (يو4:1)... نعم الزمن .. والزمان تلك حقائق ، اليكموها:
  في زمن ** لا سلطان على الذات في السيرة والمسيرة، ولا مجال لنبذ الخطيئة من قريب أو بعيد، فهي حلال في حرام، وهي سيدة الموقف والمواقف وسلطانة العبيد والأحرار، عاشقة لوط وهيرودس وداود وأكيداً آخرين... فكل شيء مباح بل يجب أن يباح هكذا تقول العولمة في تلفازها ومذياعها وانترنيتها وآي باتها، والحقيقة مهما كانت رسالتها فصوت البابا بيوس الثاني عشر يبقى يرنّ قائلاً:"من المؤسف ، أن الناس يؤمنون أن لا خطيئة" ليس إلا.
في زمن ** تَعَلَّمنا حضارة تشويه الآخر ، بسوء كلمةٍ وبِتُهمٍ باطلة وإطلاقة رحمة قاتلة وكل ذلك كي تبقى الدنيا لهم. فيها ومن خلالها يزمّرون ويرقصون، وبكبرياء القامة يقيسون مسافة الطريق غير متذكرين _ ومن المؤكد غير مؤمنين _ أن الحقيقة "هي الطريق والحق والحياة "( يو6:14) ، وما تلك إلا حقيقة المسيح يسوع ليس إلا.
في زمن ** يقدّسون الدنيا ويكرّسون أزلامها في الآمر والناهي، ويعبدون الصنم والوثن والإنسان، ويجلسون على الكراسي ويستزأرون بالمناصب ويعلون بالجاه ويبخّرون الفساد ساعات الفجر والصباح والظهر والمساء وكل ذلك كعبيد لجنّة آدم الموعودة وطاعةً للشيطان الرجيم كي يدوم زيفهم في تدمير الآخرين الأبرياء وقتل الحقيقة في صمتها الكبير أمام البعيدين والأقرباء.
   في زمن ** تُقتَل الحقيقة بجنينها وفي عقر أصولها وعنوانها كي لا تظهر أكاذيب الزمن وحيل الكبرياء في تدمير الآخرين لمصالحَ رُسمت ولغاياتٍ مزيفة. وتُملأ البطون بلا شرعية، وتثرثر الأفواه بلا علم ومعرفة، وتَلعن الألسن رجالها ونساءها بضمير حاقد كريه.
في زمن ** ينعتون الإسلام بالإرهاب (والإسلام منهم براء)، وباسم الإسلام يقتلون ويحرقون ويهدمون ويدنّسون كل كلمة وكل عمل الله وما بناه الإنسان، وكل ذلك باسم الدين... ليس إلا.
في زمن ** كُتب على المسيحيين أن يدفعوا الجزية ويُعلنوا الشهادة بالثلاث، ونسوا أو تناسوا أصحاب الأمراء ودليل الوصايا والشرائع. إن المسيحيين مؤمنو الإنجيل قد سبقوهم إلى تعاليم السماء في شريعةٍ لعهدٍ جديد اسمه عيسى الحي يسوع المسيح... ليس إلا.
في زمن ** تموت الحقيقة ولا تُبان في الأيام عبر مسيرتها في ضوئها أو ظلامها بل في نهاية الأزمان حينما يأتي صوت العلي الديّان. وكيف أنهم فيها وبها ومعها أبعدوا الحقيقة فاهتزت الكراسي ودخلوا قاعة الاجتماع لدراسة خطة الدنيا والبرلمان ، وأُعدم الأبرياء وعلا صوت رب السماء: كان عليكم أن تفعلوا خيرا ً لأحد إخوتي هؤلاء الصغار، وفي ذلك تكونون قد فعلتم لي ، "بما انكم فعلتموه باحد أخوتي هؤلاء الصغار( متى 40:25) "... ليس إلا.
في زمن ** هجّرونا من بيوتنا ولا زال الألم يملأ قلوبنا، والغفران سلعة بعناها ولم نشتريها، بل لم نشترِ مثلها أو شبيهة بها. فالمسيحية لا تكره أشخاصاً فهم صورة الإله بل تكره أعمالاً وشرورها فهي من صنع إبليس. ألم يقل ربنا:"أحبوا أعداءكم، باركوا لاعنيكم، وصلّوا لأجل الذين يضطهدونكم..." (متى 44:5).
في زمن ** أضعنا بوصلة الإله، "لتكن مشيئتك" (متى 10:6)، كلمتا بوصلة لمسيرة الحقيقة نحو السماء، ألم يقل ربنا:"اكنزوا لكم كنوزاً في السماء" (متى 20:6)، فلا زلنا حتى الساعة نولول على حالنا وما فقدناه، ومن حقنا أكيد، ولكن أليس "الرب أعطى والرب أخذ فليكن اسم الرب مباركاً" (أيوب 21:1)... ألم أقل إننا أضعنا البوصلة شئنا أم أبينا وبدّلناها باتجاه لا نعرف نحو مَن وإلى أين، فقد ضاع كل شيء، وإذا جاء ابن الإنسان فهل سيجد إيماناً على هذه الأرض ( لو 8:18)؟.
في زمن ** تخرّجنا كلنا من أكاديمية الرحيل، وأخذنا نحمل حقائبنا وإنْ كنا في بطون أمهاتنا بدعوة من إرهاب وحواء ومكاتب بيع التذاكر والتأشيرات بشرعيتها أو بسرقتها، ونسينا أن الوطن أغلى من الإنسان، وما قيمة الإنسان بدون وطن!!!. فالوطن لأبي وابني وحفيدي وتسلسلي مهما طال أو قصر عمر الإنسان ومهما تكبّر ومهما قسى ومهما أرهب ومهما دمّر ومهما قتل لا محالة في ساعةٍ سيموت، عرياناً يفوت، والوطن يبقى شاهداً للحقيقة... وما أجمله حينما تكون تلك الحقيقة بدمائنا مكتوبة، وبتربة وطننا وعماذنا مجبولة، وبمسيرة إيماننا بالمسيح يسوع موعودة، وبكلمات إنجيلنا مرسومة وموسومة ، وتلك حقيقة المحبة ، ليس إلا .
   في زمن ** عذراً كثُر فيه الحديث الغير المسؤول عن موقف آبائنا المغبوطين وأساقفتنا الأجلاء وكهنتنا الأحباء ، وما الذي عملوه لنا ؟ وما قدموه لنا  ؟  ولكن نسينا أن نشد على ايديهم لنيل بركتهم بشفاعة صلواتهم ، شاكرين عطاءهم ، ووقوفهم مع كل انسان في ازمته ، وان نصلي لأجلهم جميعاً كي تكون نِعَم الرب معهم ومعنا، فالراعي لا ينام إذا ما ضاع غنمه، والشكر واجب لهم فهم يعطون بكل طاقاتهم وحسب إمكانياتهم وسهروا على حياتنا وذاعوا مصابنا من على منابر روما والأمم والدول والحكومة والإقليم، وإنني مؤمن إنهم يحملون عبء حياتنا ومعاناتنا في الصيف كما في الشتاء، ويجب أن نستمر ونبقى،هم ونحن ، أن ندق ويدقوا على ابواب أصحاب القرار ، حتى يقوم مخططو القرار ويعطوا كل شيء كالحاح الأرملة (لو3:18) ... وما تلك إلا رسالة سامية، وإذا حصل ما هو عكس ذلك فلكل حالة وقواعد شواذ... وتلك هي الحقيقة... ليس إلا.
   في زمن ** وبعد الشكر للمخلصين الاوفياء ، لا مكان لنا في البلاد، فالأغلبية شيعية مسلمة وأخرى سنيّة مسلمة وأخرى كردية سنيّة وفيلية وبعدها التركمانية والشبك والكاكائيين، ثم نحن والمكونات... هذه تقسيمات شعبنا... فأين محلنا من الإعراب وإنْ كنا أصلاء، وهذا إقرار التاريخ ومسيرة الأيام وليس إقرار أشخاص. ما نحتاجه أن نطرق أبواب الحكومة والإقليم _ وبكل قوة _ وأنْ نعزّز علاقتنا مع الشيعة والسنّة والأكراد والتركمان، ونثبّت حقنا وحقوقنا في دستورنا أولاً ثم لا يجوز أن نهدأ أو نسكت أو يحيط بنا التعب والإرهاق، فالواجب أهم أن نبقى نطرق أبواب الواعين من الأوطان، لذا علينا توحيد كلمتنا ومبدأ مسيرتنا وهدف غايتنا في ألمانيا وإنكلترا وبريطانيا العظمى وأستراليا وأمريكا، نبقى ندقّ وبلا هوادة فلا راحة في الليل ولا سكوت في النهار. ورسالتنا هذه من أجل أجيالنا كي لا نكون مهمَّشين ومنسيين وحَمَل إبراهيم ، وهنا لابدّ من إبداء الشكر لرؤسائنا المغبوطين الذين أدركوا الغاية فكانوا لها مخلصين وهكذا أساقفتنا وكهنتنا _ وللرب الشكر،  ان اكون في المسيرة ذاتها _ الذين حملوا عبء الرسالة في قلوبهم ونصبوها أمام أعينهم وعاشوا مرارة شعبهم، فطرقوا الأبواب ولا زالوا، وسيبقون في هذا الخط سيراً وسهراً، كلمةً وصراخاً، صوتاً وحقيقةً... هذه أرضنا ونحن لها ولابدّ لنا من حقوقنا فيها مع حبّنا لغيرنا ، نعم ونعم .
في زمن ** من خوفنا تركنا بيوتنا وحاراتنا، قُرانا ومدننا، وأمست كنائسنا بلا أنشودة وأصبحت بلا سدرو الصباح، وأصوات أجراسنا خرساء وهلهولة العرس بُحت أصواتُها، ولا زالت قبورنا تنشد مصلّيها فلا من مجيب... وكان الضياع... وهل كان قلبنا  ملتهبا فينا ( لو32:24) في نفسنا حتى لا نقرأ أزمنة التاريخ ومسيرة الوطن... ألم يكن خطف المطرانين إبراهيم واليازجي علامة البداية!!... ألم يقل ربنا وكانت هذه البداية ( متى 8:24)، ولم تكن النهاية... ليس إلا.
في زمن ** أبواب منازلنا على مصراعيها مفتوحة، وهواء الدنيا بِحَرّه وبرده، بهبوبه شمالاً وجنوباً، من التيمن والمغرب... في حمله وفي انفراده قد ملأ أسطح مكاتبنا وشوّه صور قديسينا ولم يعد لنا مكاناً نسمع فيه حُكمنا، ومتى تكون عودتنا؟... وهل ستكون أم لا؟.
   في زمن ** يقلعون جذور المسيحية من الشرق ويضطهدون مؤمنيها علناً وخفيةً، ونقولها صراحةً شئنا أم أبينا إلا القلّة المؤمنة بالتعايش والحوار وقبول الآخر، ولكن مهما كانت الصعاب ومهما زاد الاضطهاد وتفاقم ستبقى المسيحية والمسيحيون يتقاسمون الحياة ويبنون الجسور ويكسرون الحواجز ويبشرون بالعطاء ويغفرون بالتسامح ويشهدون للدم من أجل الحياة في "أن يبذل الإنسان نفسه فداءً عن أحبائه" ( يو 15:13). والرسالة المسيحية تدعونا إلى عدم الهرب من الشر والألم بل أن نقاوم هبوب العواصف وأمطار الشتاء وسيول المياه ورياح الاضطهاد وإطلاقة الحقد والكراهية بحمامة السلام والغفران... فنحن شعبٌ لرسالة وبشارة ولا نقبل أن نفنى ونموت، فمعركتنا _ يقول مار بولس _ ليس مع اللحم والدم بل مع الأرواح الشريرة  (متى 17:16) ، فإما أن نوجد كشعب أصيل وإيمان أكيد وإما أن نموت على حنايا الطرق وزوايا الإقامة ليس إلا.
في زمن ** أصبحت الصلاة عبئاً، بل نيراً، لا يحمله حتى المدّعين بتقواهم إلا بعد تردد وتأوّه، والواعظون بخطبهم والقائمون على فروضهم لم يعد في جعبهم بضاعة الصلاة بل باعوا واشتروا ما شاءوا فأضاعوا، والصلاة _ كما أعلم _ مفتاح باب السماء، والويل لنا إذا أضعنا المفتاح ، نعم ونعم .
في زمن ** قصّرنا فيه ثوبنا، وأطلنا ذقننا، وعنترنا شواربنا ونوّعنا قَصَّةَ شَعرِنا، ولم يبقى لنا إلا أن نحصاه عدداً ولوناً، ولكن لا حيلة في ذلك فالخالق العظيم أسمى وعالم بكل شيء، فقد قال:"شعور رؤوسكم كله محصى" (متى 30:10).
في زمن ** لم يعد للكتاب مجالاً ولا قيمةً تُذكَر ولا فائدة منه في العالم كما في الحكاية، ولا للقلم يداً تمسك ولا لليراع مَن يحرّر بحبره ورصاصه، فكل شيء بلمسة زر يأتي أمام الشاشة ضمن قرية عالمية يأتيك ما يحلو لك وما تشاء وما لا تشاء، ما تشتهي وما لا تشتهي. والمشكلة هنا ربما لا نعرف أن نختار في الإصلاح ولا يقبله أبناء الدنيا، ولأن الفساد ربما مسيرة الكثيرين،وهل ستنتقل عدوته الى اجيالنا ، وسنبقى أمام سؤال وجواب، والنهاية ستكون ما نشاء وتموت القيم ، ويضيع الكتاب ، ويُشيّع المعلم ،  ليس إلا.
في زمن ** نبرّئ أنفسنا وأجسادنا، ونجعل من أفكار ذواتنا طاهرة نقية، والحقيقة لا يعلمها إلا خالق الخفايا والظاهر. وما يبان ما هو إلا حقيقة مزيفة وما هي إلا من صنع الإنسان، بل من صنع الشيطان.
في زمن ** الحكم لكبار الدنيا بأوامر هواهم وليس بما هو خفاهم، ولهم يجب أن نكون عبيداً ومطيعين وخنوعين وإلا فنحن متمردون وعلينا يصدر القرار والقانون، ومهما أرادوا لغيرهم فقد سبقوا  وسلبوها ، وما نحن إلا أرانب ، ويريدون أن نعيش تحت رحمتهم فهم الكلمة والآية، والآمر والناهي والرسل يعلموننا ان نكون خاضعين في الطاعة وليس عبيدين في الخنوع (رومية 3:12)  ، والحقيقة وقبول الاخر برأيه وفكره وعيشه ومهما دُنست الحقيقة ستظهر يوماً " لانه ليس خفي الا سيظهر"  ( متى 26:10)  ،  ليس الا .
في زمن ** نقدّس يوم الرب، نحياه بعشائه، والشعب يصرخ نهاراً وليلاً:"تعال أيها الرب يسوع" (رؤيا 20:22) ، فيه نقرأ كلمة الحياة، في إنجيل الخلاص، والمسيحي يشارك إذا شاء أو متى شاء، ولا يسأل إن كان واجباً أو محبةً أو إيماناً أو عادةً، فإنْ طالت الصلاة ضاع القداس بالدمدمة والتأوه، وإن اختُصرت الصلاة على الكلمة وبس ، دخلنا وخرجنا، والويل إذا سَببُ كل ذلك من القائمين عليها، فكل شيء حسب المزاج والأوقات، ولكل حالة حالها ولكل حادثة حديثها ولكل قداس صلاته، وأعمال الرسل يقول:"وكانوا يجتمعون بقلب واحد ونفس واحدة (أعمال 32:4) لكسر الخبز"... إنها القيامة... نعم ، ليس إلا .
   في زمن ** يدعونا الزمن إلى أن نغيّر، نغيّر ونعبر من عادة جمود الإيمان وإيمان العاطفة والإيمان الاحترامي إلى إيمان نابع من دماء الشهداء فكانوا أوفياء لنكون نحن أمناء، ونحمل مسيحيتنا ليس على أفواهنا بل في عيشنا وعمق عماذنا ومسيرة شهادتنا واستشهادنا، والحقيقة في حملي لحقيقة سيدة النجاة أن الشهداء هم في كل حين أحياء ولا يجوز أن تعبر هذه المحنة وهذه الكارثة _ وهي الواقعة الأليمة _ دون أن نكون قد عرفنا حقيقة إيماننا، وإلا لماذا نعيش فيه ونحيا!!!.
   في زمن ** مخطط إبادتنا أكبر من أفكارنا وأبعد من عقولنا، والتاريخ ملئ بالمؤامرات ولكن التاريخ ليس مؤامرة... علينا أن ندرك جيداً نحن المسيحيين لسنا هنا للبكاء رغم الأيام الظلامية والجاهلية، فالمسيحيون ليسوا خرافاً، بل نحن ضمير الشرق وحضورنا يجب أن يغيّر المجتمع وألا يبقى الإنجيل كلمة فارغة. فالإنجيل مشى على الطريق، أرض الحضارة، لا نموت، نحن في الشرق لنا رسالة وحضور وحقيقة. نعم، لقد غرقنا بأخطائنا وخطايانا، إننا في صراع مذهبي وقومي، وما ينقصنا هو أن نرفع أنظارنا إلى العلى فإن خلاصنا قريب... فلن نموت ساكتين، ولا يجوز أن نصمت صمتاً مريباً أو أن نرحل خوفاً، فلنا رجاء بالمسيح الذي قال:"أنا معكم حتى انقضاء الدهر" (متى20:28). وأملنا برؤسائنا الكنسيين المخلصين الأمناء والأوفياء لرعايتنا وخدمتنا ببذل الدم والعطاء رغم مسيرة الأيام وقساوتها. فالزمن زمن الشهادة وليس زمن الخذلان، ليس إلا.
   في زمن ** جعلنا الكذب بخفيفه وثقيله، ببياضه وسواده، بضاعة رابحة في سوق الدنيا والجاه، والحقيقة لا تقولها إلا الوصية "لا تكذب"، ولكن الناس آلهة هكذا قال المسيح الحقيقة . ألم يقل الكتاب "أنكم آلهة" (يو34:10) . وفي الكذب يكمل المراد إذ قيل: اكذب ثم اكذب ثم اكذب حتى يصدقك الآخرون. ومن المؤسف أن يكون كلامنا ، وأي كلام، بضاعة لزماننا بها نشتري ذمماً ، ونبيع ضمائراً . المهم في ذلك أن نكون في حسن سيرة امام الاسياد ، ومن اجلهم ، وكما يشاؤون ، وننسى ان الرب قال: دعوتكم احبائي لاني اعلمتكم بكل شيء" ( يو15:15) ، وايضاً "ليكن كلامكم نعم نعم ولا لا وما زاد على ذلك فهو من الشرير" (متى 37:5).
   في زمن **مع الكذب جعلنا أيضاً من الرياء طريقاً وفي الفساد حقاً ومن الرجاسة نعيماً، وأبدلنا وصية الحقيقة بوصية الزمن، وأرجعنا حكم السواد وكتبنا دستوراً بتوقيع أخنوخ وثبّتناه ، فغسل بيلاطس يديه ليعلن براءته ( متى 24:27) ، وأكد حنان وقيافا أنه لابدّ أن يموت (الحقيقة) فقد جدّف ( متى 65:26) ، ولكن الحقيقة كان " صامتاً لم يفتح فاه أمام الشر" ( اشعيا 7:53) ، فبسكوته أعلن جريمة الإنسان في الرياء والكذب والفساد، في الخطيئة والرجاسة، في الغيرة والحسد، في الشر والإثم، في السلب والنهب... وكل هذه اجتمعت في قبر الجمعة، وفي مخطط الله كانت القيامة، ففضُحت الشرور وهُدمت القبور وزال النفور وحتى الدهور تبقى الحقيقة هي القيامة بل هي المسيح يسوع... فما أطيب حكمكَ يا رب، وما أعدل أوامرك يا رب، وما أطيب نعيمكَ يا رب، وما أجمل طريقكَ يا رب... نعم وأمين، ليس إلا.
   في زمن **عُكست الآية فقيل "كن ظالماً وانعم بمقتناك حتى في ليلاك"، وحقيقة الآية تقول:"نم مظلوماً ولا تنم ظالماً"... والظلم رسالة يحملها الظالم عن حقده وغيرته على الحقيقة. فالكتاب يقول:"لا يرث الظالم ملكوت الله"، كما يقول:"بعرق جبينك تأكل خبز حياتك". فهل فكّرنا في غيرة وحقد قائين على أخيه هابيل، وامتلأ قلبه وأكمل مخططه القاتل... واليوم ، الظلم أنواع متعددة يُرسَم ويُخطط وينفذ، في الغاية والمسيرة والهدف... فلكل غاية مسارها ولكل مسيرة رجالها ولكل هدف غايته، أحياناً بكلمة نظلم بشراً وأخرى بشهادة زوّر نقتل بريئاً، وثالثة بسرقة نُميت عائلة،  وأخرى يرسمها الإنسان كما يشاء فيكون مخيفاً في واجهته وشريراً في عمق أفكاره وظالماً في حقيقته... فلا تنم أبداً ولا تسكت أبداً في قول الحقيقة، ولا تخف إذا ما كنتَ مظلوماً فالرب قد ظلموه قبلك، هو الذي قال:"لماذا تضربني ( 23:18) "، فهو لم يظلم أحداً، وهذه هي الحقيقة ، ليس إلا.
   ختاماً في زمن ** يشوّهون فيه وجه المسيحية كما ينكرون صليب المسيح، والحقيقة إن المسيحية صليب وإنجيل وكلاهما يحملان سلاماً ووئاماً إلى الناس فراداً ، ووحداناً،  وزرافات،  وجماعات. والبابا فرنسيس يقول:"لا وجود للمسيحية بدون الصليب، ولا وجود للصليب بدون يسوع المسيح. فالمسيحي الذي لا يفتخر بالمسيح المصلوب هو شخص لم يفهم معنى مسيحيته... هذا هو سر الصليب. فالصليب الذي نجده في كنائسنا وعلى المذبح ليس للزينة وليس مجرد علامة تميّزنا عن الباقين، بل الصليب هو سر، سر محبة الله" (القديسة مرتا، الثلاثاء 13/5/2014). والكنيسة تقوم على الصليب كما قامت على الدماء.. وصليبنا أن نشهد لوطننا وتربتنا وان نحيا له حبا به وبانجيل مسيحنا ولكن اليوم اصبحت شيئاً آخر. كما نشاء فنحن نختار ايات لنا فنجعل لنا انجيلنا وننسى انجيل ربنا فنحذف منه ما نشاء ونجعل ايات كما نشاء ، فالحقيقة ان شهداءنا الاوائل حملوا الصليب وحملوا الشهادة وغسلوا تربة الوطن بدمائهم ولم يحملوا حقائبهم ورحلوا ، بل كاموا شهداء للحقيقة وشهود للأيمان ، واقروا بان يسوع المسيح ربنا هو مخلصنا وهو ابن العلي كما دعاه الملاك ،، وما رسالته إلا الحب ، أحبَّ حتى أعداءَه ،  وعلّمنا بدورنا ان نحَّب،  ففي الزمن .. تمَّ ملء الزمان .. بل ملء الحب .. نعم وآمين .

70
سنبقى ننشد  قالاتِ إيماننا  ..
بأفرامها ويعقوبها .. مهما كان برديصانها

المونسنيور بيوس قاشا
في البدء :
   نعم، أرض شرقنا مرويّة بدماء شهدائنا، وعاش عليها آباء كنائسنا وقديسوها، وهي مهد الحضارات والأديان ومنبت الكنائس والأديار، ومنها أخذنا هويتَنا واصطبغنا بلون عماذنا وبنينا حضارتَنا ومذابحَ قرابينِنا. ونحن نفتخر بأننا شرقيون مسيحيون ولسنا مسيحيين من الشرق، فنحن لسنا أقلية بل نحن سكانٌ أصليون، فمسيحيتنا غنىً لشرقنا ولا يجوز إنكارُ ذلك فنحن منه وله ومن أجله، وفي ذلك يقول الإرشاد الرسولي:"إني أشجعهم على ترسيخ
هذه الأمانة الجميلة والبقاء ثابتين في الإيمان" (عدد35)، وأيضاً:"لا تخافوا من أحد ولا تضطربوا، بل قدّسوا المسيح في قلوبكم وكرّموه رباً، وكونوا في كل حين مستعدين للردّ على كل مَن يطلب منكم دليلاً على الرجاء الذي فيكم" (1بط 13:3-15عدد 36).

الإرشاد الرسولي:
   قال : المسيحيون، لكونهم جزءاً لا يتجزأ من الشرق الأوسط، أقاموا على مرّ العصور نوعاً من العلاقة مع محيطهم يُشكل مثالاً يُحتذى به، وتفاعلوا مع تديّن المسلمين وواصلوا عيش حياتهم وتعزيز قيم الإنجيل في ثقافة بيئتهم حسب إمكاناتهم وضمن حدود الممكن، ونتجت عن ذلك حياة تكافلية متميزة. ولهذا السبب من المنصف أنْ نقرّ بإسهام اليهود والمسيحيين والمسلمين في نشأة ثقافة غنية في الشرق الأوسط (عدد 24).
   نعم، وكما يقول الكاردينال بارولين أمين سر حاضرة الفاتيكان في 7/10/2014 وفي القداس الإلهي الذي شارك فيه السفراء البابويين في الشرق الأوسط قال:"إن هذه المجتمعات التي تقطن في هذه الأراضي منذ العصور الرسولية تجد نفسها تواجه حالات الخطر الجسيم والاضطهاد، وكثيراً ما تجبر على التخلّي عن كل شيء والفرار من بيوتها وبلدها. ومن المحزن أن نرى كيف أن قوات الشر مستمرة وكيف أن بعض العقول الفاسدة أقنعت أن العنف والإرهاب أساليب يمكن استخدامها لفرض إرادة المرء وسلطته على الآخرين وتحت راية دين معين".
   فالمواجهة ضرورية، وكلمة الحماية يجب أن تكون، فقد قال أيضاً:"الكنيسة لا يمكنها أن تبقى صامتة أمام اضطهاد أبنائها وبناتها، ولا يمكن للمجتمع الدولي أن يبقى محايداً إزاء الضحايا والمعتدين"، وأكد "أنه لا يجب إهمال أي وسيلة قد تُعَدّ نافعة لتخفيف معاناة المحتاجين ووقف المعتدين الذين لا لغة لهم سوى العنف والإرهاب".

حقيقة حياتية :
   أردتُ في هذا المقال وبشفاعة محبتي لقرائنا الكرام ، أن أواصل المسيرة مع الحقيقة وأبدأ فأقول: إن كلامي ليس إلا غيرة ايمانية " غيرة بيتك أكلتني " (يو 17:2)   وليس كبرياءً وتعالياً ، كما ، ليس ألفاظاً تجارية ولا دعاية إيمانية ولا مساحة إعلانية تلفازية، وإنما حقيقة حياتية تشهد لمسيرة الألم في بلد خُلقتُ من ترابِه، وجُبلتُ من طينه، ونُفختْ نسمةُ الروح كي أكون لله الخالق المحب في المسيح الذي باسمه اعتمذتُ، وبنعمته بدأتُ مسيرة الحياة في مآزيق وزوايا طرق الدنيا، وعبرها بدأتُ أقرأ وجودي كدعوة واختيار إلهي يساعدني لعيش مخطط الله ومشيئته مع رفاق المسيرة، وفيها اكتشفتُ إرادتَه وما يريده مني، حاملاً ضعفي إليه ليكون قوتي كي لا أتكبر بل يحيط بي تواضع الزمن في خدمة العلي.
   أقولها وعذراً ، كما ، وليست غايتي أن أجرحَ مشاعر الآخرين أو أقف مانعاً في مسيرة طرق الحياة، للسائرين على دروب الزمن ان حصلت كما ليس في جعبتي حقدا وكراهية ، ولكن أقول: إن مسيحيتَنا إذا ما سلكت سبل الهزيمة، وطرقَ الرحيل، تعني ذلك ساعداً أيمناً للإرهاب بصوره وتنوعاته، وإنْ كان المخطط إفراغَ بلدنا،  فالعتب علينا إنْ كنا في الوقت نفسه عبر مسالكَ أخرى عديدة تُؤَمِنْ لهم سبلَ الرحيل بانواعها المختلفة في لمّ الشمل ، وفي الكفالة بانواعها ، الدنيوية، والعائلية، والمقدسة، والمرتشية، والحقوقية، ولكل واحدة منها ، اسعارها وثمنها وحساباتها وتأشيراتها، وأمام بوابات عديدة ، من حيث ندري أو لا ندري،  فقد حصل لهم ما أرادوه وما خططوا له، واكتمل لهم المشوار وكما طاب لهم. أما الحقيقة، بالنسبة لي،  تعني أن نواجه الحياة بمآسيها وجلجلتها، بزيفها وخياناتها، كما هي واقع الحال كي لا تتعرض للنقد والطعون، بل الحقيقة تدعونا إلى أن نتحمل المسؤولية التاريخية إزاء صوت السماء بصوت الآب ورب الأكوان إذ قال:"وإذا ما جاء ابن الإنسان، أترى يجد الايمان على الأرض ( لو 8:18) ؟".

خطوات حازمة:
   نعم ، الحياة هي للأقوياء في الايمان ، وفي شهادة الدم ، والحقيقة ليست للراحلين والضعفاء أو للانتهازيين،الذين يزيّفون صباحات النهارات ويهللّون لساعات المساءات معلنين انهم ربحوا بالمال الفاسد ما شاءوا وجعلوا لهم " اصدقاء من مال الظلم"  ( لو 9:16) ،  بل علينا أن نخطو خطوات حازمة لتأمين الحياة والوجود وإنْ أصبحت أيامنا كأيام سواد حصلت قبلنا لشعوب بريئة، ومرّت على أوطان آمنة، فاليوم صحيح نتعذب ولكن أقولها ليس بوحدنا، كما إننا ليس بوحدنا في العالم نُضطَهَد، ولكن ما تدعونا إرادة الله أن ننظر بعين الحكمة في انتظار كلمة الآتي الينا والعريس الذي " لا نعلم ساعته" ( متى 36:24) ، فإيماننا بكنائسنا هو السبيل والحقيقة كي لا نكون دائماً أهدافاً للقتل والتكفير، ولا حملاناً كما أراد إبراهيم لابنه... فالصمود رسالة بلا خنوع، ولا يجوز أن نتنكّر لإيماننا وحضارتنا وثقافتنا وإلا تعرضنا للذبح بطرق حضارية منها قطع الرؤوس أو التشريد،او الابعاد او النكران، وحيل الزمان عالمة بما يصنعه الانسان  فهذا ما هو إلا عملية تدمير لوجود أثني،  وتطهير عرقي،  وجريمة إبادة جماعية وضد الإنسانية بل جريمة حرب... صحيح ربما لا يكون مَن يحرك ساكناً ليحمينا من حقيقة الواقع، ولكن التاريخ لا يكتبه إلا حاملو رجاء الإيمان بلا خوف في إعلان فساد وظلمة وجريمة تباع بجزية مرفوضة لخلافة بائسة من اجل رحيل مخيف  .

دينا ودنيا:
صحيح _ ولا جدل أو نقاش على الحقيقة _ أن هناك دواعٍ عديدة لترك الوطن، وأسباب ومسببات وافية لحمل الحقائب والرحيل وإعلانات الأغراء للمودة الحياتية في عيش مسيرة تائهة كان لها بداية ولم نعلم أصولها ولا زلنا لا نعلم نهايتها وختامها ومداها في البعيد أو القريب، بل كل شيء كالحٍ أسود، غائم، مسبباً عواصفَ اضطهادية، وبروقاً تدميرية، ورعوداً اقتلاعية، والحقيقة واحدة ليس إلا ، إنهم طردونا وقتلونا وشُنَّت حربٌ معلَنة على كنائسنا وصلباننا وحتى إنجيلنا وإنْ ذُكر في الآيات والكتب فنحن أمام أنظارهم لسنا إلا أقواماً غرباء على مسيرة الإنسان الذي خُلق على صورة الله ومثاله، وأقرباء من غابات الوحوش وقوتها ومن مسميات سماوية تكفيرية ملؤها البغضاء، فيُمارَس ضدُنا الاضطهادَ والتمييز والتخويف وترك الآلهة وكأنهم لا يعملون إلا لحقيقة إيمانهم، وما ذلك إلا صوت الله وآيته ، وإرادتهم صورة وكلمة شئنا أم أبينا لتصوير الجنة إنها مُلكهم ولا يحق لنا أن نكون حتى جيرانهم، فنحن لا نستحق إلا الرجم والقتل والطرد والعيش خارج المدينة بل الرحيل بعيداً وبعيداً، فالأرض التي نملكها ونحن أصولها أصبحت لهم ديناً ودنيا، سياسةً ومسيرة، وتلك حقيقةٌ لندركها وعلامةٌ منيرة ليس للقلق فقط بل نقطة ضياع في حقيقة الحياة.

اله الحقيقة:   
إننا أمام زمانٍ فاسد، وتاريخٍ مزيف، وحياةٍ صاخبة، ملؤها حب المال والدنيا والمنصب والجاه، وكل هذه تباع وتُشترى من كبار الزمن، بعددهم وانتماءاتهم، وميولهم وشهواتهم بفلس مسروق وبدينار ملؤه شهوة الدنيا والعين وما إلى ذلك. وما تواجهه كنائسنا وشعوبنا وصلباننا ما هو إلا خطراً كارثياً ،بل خطراً مستوحشاً، يجعلنا في ضياع الزمن هذا، وفي مجاهل الدنيا. والحقيقة يوصينا بها الرسول بولس قائلاً :"تجنبوا كل طمع وغش"، وكلَّ إِثْمٍ وَزِنًا، وَشَرٍّ وَخُبْثٍ،وحَسدٍ وَقتلٍ،  وَخِصَامٍ وَمَكْرٍ وَسُوءٍ ( رو1: 29 ) ، وفي ذلك تُصلَب الحقيقة، ومن على الصليب تنشد السماء وترتفع فوق موجات الأثير معلنة لتجّار النميمة، والافتراء والدرهم، والدينار والسلاح والساطور والحربة والإطلاقة، وهم لا زالوا على بسيطة الأرجل،أنَّ الحقيقة لا تموت ، وأنّ التاريخ يعلنهم، أنهم ليسوا الأقوياء وإنْ كانوا على الكراسي جلساء، بل أضعف الضعفاء، فقد بيع إله الحقيقة لشراء منصب العسكر والإطلاقة والحربة، وستبقى كلمة عيسى الحي المسيح يسوع ترنّ في أجواء الدنيا وأثير الزمان "تعرفون الحق والحق يحرركم" ( يو32:8) و"لا تخافوا من الذين يقتلون الجسد..."(متى 10: 28)  ولا تهتموا إنْ سرقوا منكم أموالكم ومقتناكم ومناصبكم وكراسيكم وجاهكم فالحقيقة ستبقى حقيقة مهما ألبسوها ثياب الصفاء المزيف والاستحقاق المباع والكمال المفقود، والفساد المنّزه، ودعوة السماء المزورة في الافتراء، فالسماء لا تتكلم في مسيرة الزمن بل تُصدر حكماً في نهايته، بقولها "تعالوا يا مباركي أبي رثوا المُلْكَ المُعَدّ لكم منذ تأسيس العالم" ( متى 34:25)  فلا نخافهم وإنْ قالوا عنا نصارى وكفّار... أليست هذه الحقيقة!!.


بوصلة السماء :
   وفي الإنجيل المقدس كتاب الحياة المفتوح في مسيرة الإنسان وخلاصه مساحة أولى لمفهوم المواطن والانتماء، مفهوم الحقيقة والعدل، مفهوم المسامحة والغفران، إضافة إلى أكبر مساحة ألا وهي المحبة والحب حتى بذل الذات... هذا الابداع في قيمة الحياة منحها الله للإنسان حيث نفخ فيه، وأرسل روحه، فجعلنا في ملكوت جديد ودعانا حاملي بشرى المحبة والخلاص، وجعلنا والصليب مسيرة الألم من أجل حقيقة القيامة في الحياة فقد قال:"مَن آمن بي وإنْ مات فسيحيا" ( يو25:11). فالمشكلة  أننا أضعنا بوصلة السماء وأتينا بدلها بوصلة الجحيم، وجعلناها حقيقة مزيّفة، وأصبحنا نتعاطى مع الجنة وكأنها مزرعتنا وحقلنا، نُدخل إليها وإليه، مَن نشاء ونسجلها بأسماء شياطين لأنه هكذا أردنا وهكذا فَتَونا بين جنة السماء وجنة الإنسان، وبدأنا نفسر فنطيع أحلامنا بمفهومنا، ونقرأ آياتِنا بألسنتِنا وعيونِنا، وصممنا على السير في ظلام السيرة والمسيرة بعد أن نصّبنا أنفسنا أسياداً وبامتياز، وأصبحنا لا نرى حقيقة الكتاب المفتوح من أجل الحقيق