عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


الرسائل - د.عبدالله رابي

صفحات: [1]
1
الاستاذ أنطوان الصنا المحترم
تحية
تحليل رائع وموفق لربط المتغيرات السياسية، وطرح موضوعي لظاهرة مهمة جدا تراود تفكير العديد من المهتمين وغير المهتمين في الشؤون السياسية.
وقد تناولتَ الموضوع وفق المعطيات التاريخية التي أحاطت الحزب الشيوعي وربطها بالتشتت الفكري والسلوكي عند بعض المنتمين اليه ،فمنهم كما تفضلت أنضموا الى الاحزاب القومية وبل الى الاحزاب الدينية ، وبعضهم انتقلوا العيش في بيئةالنقيض من الفكر الماركسي تماما في البلدان الراسمالية. فما ذكرت تماما هي مؤشرات من الازدواجية في الفكر المنتمين الى الحزب الشيوعي.
وارى شخصيا أن هذه الازدواجية تكونت اضافة الى ما تفضلت به،عدم استيعاب العديد من المنتمين الى الحزب الشيوعي في البلدان النامية وبما فيهم بعض من أبناء شعبنا الكلداني والاشوري والسرياني لمضامين النظرية والتطبيقية للفكر الماركسي. وان أحد الاسباب الرئيسة لتراجع الفكر الشيوعي السياسي من تمكنه في توجيه الفكر البشري والمجتمع بما أقتضته النظرية الماركسية هو عدم المسايرة لافكار منظري الشيوعية الحديثة مثل أفكار(التوسير )وتيار البنيوية الماركسية الحديثة وما جاء به في نظريته البنيوية ( تالكوت بارسونز )لتحليل المجتمع وحركته التاريخية ،فاصرار سياسيُ الماركسية بالتوجهات التقليدية كان أحد أهم العوامل الاساسية لانهيار البنية السياسية الماركسية .
شكرا على تسليطك الضوء على هذه الظاهرة وهذا التساؤل المهم ،وعلى التحليلات الفكرية المتنوعة التي تتمتع بها ،مما يدل على سعة المعرفة والادراك السليم للواقع والسمو الفكري.
تحياتي
د . عبدالله رابي

2

الاخ العزيز هنري سركيس المحترم
شكرا على مداخلتكم القيمة وكلمات الاطراء ،وتقييمكم للمقالة بوصفها علمية وذات تحليل دقيق .
نعم أخي هنري تعد المقالة رسالة موجهة الى سياسي شعبنا المنكوب لعله أن ينالوا الفائدة المرجوة للنهوض به، ومن ثم يتخلوا عن اهدافهم الضيقة المتمثلة في تحقيق المصالح الشخصية فقط من نشاطهم السياسي . وهي تُضاف الى الكتابات التي يأتي بها الاخوة الكتاب من أبناء شعبنا الذين يكتبون بحيادية في نظرتهم وتفسيرهم للظواهر .
ولا تنسى اني من المتابعين لكتاباتكم التي تتميز في محتوياتها بوفرة المفاهيم العلمية والتفسيرات المعتمدة على الموضوعية والحيادية في رؤيتكم للوقائع والاحداث .
تحيتي ومحبتي
د . عبدالله رابي

3
الاخ العزيز كوركيس أوراها منصور المحترم
شكرا على مداخلتكم القيمة وملاحظاتكم الرائعة التي أضفتموها على المقال ،فاني أتفق معكم تماما بأن الاستعدا هو من أهم عناصر العمل لكي يحقق النجاح ،فطالما لا يوجد الاستعداد لهؤلاء للعمل في الميدان فسوف يتراوحون في مكانهم لا محال
تحيتي ومحبتي

أخي العزيز زيد ميشو المحترم
شكرا على المداخلة القيمة ،وما تفضلت به هو المقصود من المقال ،فهم يغضون النظر عن العوامل الذاتية ،وحتى أذا شُخصت من قبلهم لكن يتداركوها ،ويركزون على المصالح الشخصية ومن هو الرقم واحد في القائمة .واما بالنسبة للتنظيمات المختارة والمستحوذة على الاموال فأعتقد ان تلك التنظيمات ابوابها مفتوحة للجميع ،ومن جهة اخرى لابد المنافسة باية طريقةوأمكانية بناء العلاقات .
تحيتي ومحبتي

الاخ العزيز أنطوان الصنا المحترم
شكرا على كلمات الاطراء من لدنكم تجاهنا ،ورايكم وتصنيفكم للمقال ،كما ان ما تفضلت به من ملاحظات قيمة نابعة من صاحب فكر واقعي متابع للاحداث وما يجري في العمل السياسي لاحزابنا عززت مكانة المقالة ونتائجها .
تحيتي ومحبتي

الاخ العزيز خوشابا سولاقا المحترم
صديقي العزيز الكاتب المتالق دائما بكتاباتك المختارة من جراء خبرة ممتازة ونظرة شمولية للوقائع .شكرا على تقييمك للمقال وما أبديتم من ملاحظات التي جاءت من رجل له خبرة عملية ونظرية في المجال السياسي ،واني أتفق معكم تماما بما تفضلتم به من نقاط مهمة اساسية في العمل السياسي ، فعلا ليس هناك رؤية فكرية أو نهج فكري لكي تعمل بمقتضاه الاحزاب السياسية .أن ما أصاب القادة السياسيين من الاحباط كان عاملا لاسقاطه على من يخالفهم الراي ،وعليه أنا ضد فكرة وجود رئيس أو مسؤول الحزب لاكثر من دورتين انتخابيتين ، لانه سيتحول حتما الى دكتاتور شئنا أم أبينا،وان كان النظام الداخلي للحزب يقر بذلك ،فهناك خطأ في صياغته لانه يمنح صفة الدكتاتورية للمسؤول لبقائه لفترة طويلة مهما تكون الاعذار .فلابد هناك من يحل محله وتمنح الفرصة للاخرين ،فكل شخص له أمكاناته وتصوراته واستعداداته وفقا لقانون الفروق الفردية ،يمكن أن تُستغل في تطوير العمل الحزبي
تحيتي ومحبتي لكم وللعائلة الكريمة

أخي الدكتور ليون برخو المحترم
شكرا على مداخلتكم القيمة ،وأضافتك التي لا يمكن الاستغناء عنها دائما ، وما تفضلت به هو عين الصواب لما يحدث في البلدان النامية .
تحيتي ومحبتي

الاخ والعزيز نبيل دمان المحترم
شكرا على تقييمكم للمقال وملاحظاتكم القيمة ،نعم الاسماء وان لم نذكرها فهي معروفة ،وما تفضلت به من اننا بحاجة الى أنقاذ شعبنا فهو الصواب بعينه ،وننشاد الجميع من خلالكم الى التكاتف والعمل لخير شعبنا المنكوب .
تحيتي ومحبتي

الاخ العزيز عبدالاحد سليمان المحترم
شكرا على تقييمكم الرائع للمقال ، وما تفضلتم به من دور الانانية السلبي هو من العوامل المهمة الاساسية لفشل أحزابنا ،فلابد من مراجعة الذات ،ولكن مثلما ذكرتم هل هناك أستعداد للاعتراف بالخطأ ؟
تحيتي ومحبتي

الاخ يوهانس المحترم
شكرا على المداخلة ،أنا معكم هناك دور لعامل المالي ولكن أثبتت التجارب لا يمكن ان تعتمد على متغير واحد فقط لتحقيق النجاح في أي مشروع ،مثال بسيط اقدمه لكم ،انظر الى العراق الذي يمتلك اضخم احتياطي للنفط في العالم ومن البلدان الغنية في العالم ولكن ما الذي يعمله المال؟ اذا لم لم يكون هناك انسان يتصرف به ويؤهل المال ،نظريتك تسمى علميا
نظرية التفسير من البعد الواحد ،لايمكن الاخذ بها حاليا في كل مجالات الحياة فلكل ظاهرة تتبناها هناك اكثر من مئة عامل لها التاثير بشكل متفاوت على تكوينها .
تحيتي ومحبتي

الاخ لوسيان المحترم
شكرا على المداخلة واضافتك القيمة ،وما تفضلت به من المصطلح ( العدو المسعور ) الذي يتصرف بجنون وبدون هدف ويحطم كل شيء ،وهذا التصرف الذي يتصرفه هو أيضا ناجم من الاحباط الذي يُصيب الانسان ،فهي أعراض الهستيريا الناجمة من الاحباط الذي يمنع الشخص من أشباع حاجاته البايولوجية والمكتسبة .
تحيتي ومحبتي

الاخ العزيز سان ديف المحترم
شكرا على مداخلتكم وتقييمكم للمقال ،وان ما أضفت من معلومات قيمة وعلمية ومفاهيم أساسية أعطت قوة ومكانة أكثر للمقال ،وهي دليل على تمتعك برؤية أكاديمية رائعة.
تحيتي ومحبتي

الاخ العزيز فوزي دلي المحترم
شكرا على كلمات الاطراء والتقييم للمقال ،واما مسالة تأثير القوى الكبرى فهو احد أهداف المقال لكي أنبه الفاشلون بانكم بحاجة الى التواصل مع المستجدات والمتغيرات ودراسة الواقع ومراجعة الذات ،فالبقاء والتراوح في نفس المكان سوف لا يجني منه الاحزاب شيئا ،فعليها مسايرة الوضع الراهن واستيعاب اللعبة السياسية والتضامن مع الاحزاب الاخرى .
تحيتي ومحبتي

الاخ العزيز نذار عناي المحترم
شكرا على مداخلتكم وتقييمكم للمقال ،وبالاخص يأتي هذا التقييم من شخص له رؤية علمية ثاقبة وخزين من المعلومات والمعرفة العلمية والفكر البناء ،وكلنا أخي نذار أجزاء من البناء الفكري ،لابد أن يقدم كل واحد شيئا ليتكامل هذا البناء لنحقق النتائج الايجابية لخدمة الانسانية وشعبنا المنكوب .
تحيتي ومحبتي

الاخ سامي المحترم
شكرا على مداخلتك المختصرة والعملية
تحيتي ومحبتي
أخوكم
د . عبدالله مرقس رابي

4
                       فشل بعض الاحزاب والمهتمين بالنشاط القومي
                            ونظرية الاسقاط النفسي والاجتماعي
د . عبدالله مرقس رابي
باحث أكاديمي
   
                 في البدء ، أود القول أنني سوف لم أذكر أسم لناشط سياسي أو قومي أو حزب سياسي في سياق تحليلي للموضوع ،وأنما أترك لهم التحسس الذاتي بعد قراءة المقالة ومدى مطابقة نتائجها بأدائهم السياسي والقومي .وذلك أنطلاقا من طريقة لمعالجة المشكلات الاجتماعية يستخدمها الباحثون الاجتماعيون. ففي الثمانينات من القرن الماضي كنت أعمل خبيرا أجتماعيا أضافة الى عملي التدريسي في أحد المراكز الاجتماعية ،فمن جملة المشكلات المطروحة هي  الوالدين مع الابناء، فكانوا في مقابلاتهم للباحثين الاجتماعيين أنهم يلومون الاخرين ، مثل الجيران وأصدقاء السوء وأحيانا المدرسة في وقوع تلك المشكلات مع أبنائهم ،ولكن يتبين من تحليل الحالات بأنهم الاساس أي الوالدين في وقوعها. فمن الصعوبة مواجهتهم وقول الحقيقة مباشرة ،فلجأت لجنة الخبراء الى جمع أعداد من هؤلاء وعرض أمامهم أفلام تعرض وتشخص حالتهم ،أو نجمعهم ونلقي المحاضرات التوجيهية عن نفس المشكلات ، وهنا ساتبع نفس الطريقة ولم أذكر أحد أو أية جماعة ،وأنما كل من يقرأ سيراجع ذاته ويفكر بالموضوع.
 بين فترة وأخرى تظهر على مواقع شعبنا  الصحفية الالكترونية أو في مواقع اخرى مقالات أو في ثنايا بعض المقالات المكتوبة من قبل بعض الكتاب ، تعبر في محتواها عن عوامل فشل بعض الاحزاب السياسية من أبناء شعبنا أو الناشطين في تحقيق طموحاتهم واهدافهم ، فمثلا بعض الاحزاب لم تحقق اهدافها منذ تأسيسها في الحصول على المقاعد البرلمانية في العراق سواء في بغداد أو في اقليم كوردستان بالدرجة الاساس ، وعدم تمكن النشطاء كسب الراي العام لابناء شعبنا ،أو عدم تمكنها  من تمثيل أدوار اللعبة السياسية مع الاحزاب الكبيرة في العراق ،أو بعبارة أخرى فشلها في تحقيق وجودها على الساحة السياسية في العراق.
 ولعدم تحقيق هذه الاهداف يحاول الكتاب  أو التنظيمات نفسها بطرح مبررات تؤكد فيها على أن العوامل الخارجية هي المسؤولة عن أخفاقها وفشلها متناسية ومتغاضية عن ذكر الاسباب الحقيقية المتمثلة بالعوامل  الداخلية الذاتية .وتلوم البيئة السياسية المحيطة، بما فيها الاحزاب والمؤسسات الاخرى من شعبنا الكلداني والسرياني والاشوري، أو الى بعض الاشخاص القياديين، أو المؤسسة الدينية ، أو قد ينسبون أخفاقاتهم الى أشخاص ساهموا في رسم الخارطة السياسية الحديثة بعد سقوط نظام البعث،أو أن بعض المؤسسات أو الاحزاب تحاول سحب البساط من تحت أقدام أحزابهم .أية تنظيمات يتحدثون عنها هؤلاء الناشطين من الكتاب ؟ تلك التي لم نلمس وجودها ولو بابسط مظاهره مع شعبنا المنكوب المُهجر!!!! وأي بساط ؟ هل هو بساط سندباد السحري الاسطوري الذي ينقل بهم من قرية الى اخرى في نشاطاتهم؟ !!!
 ولاجل  أن يدرك الجميع ماهو السبب لهذه التحليلات والكتابات التي يقدمونها والتي نسميها تحليلات ذو البعد الواحد، ساحاول أن ابين بطريقة علمية لتحليل هذه المواقف والادعاءات معتمدا على أحدى نظريات علم النفس الاجتماعي التي أسسها " سيجموند فرويد " وهي مدرسة التحليل النفسي مستفيدا من أسسها في تطبيقها على المهتمين بالنشاط القومي باعتبارهم مجموعة بشرية لها اهداف وطموحات تبتغي تحقيقها .
   لكي يسعى الفرد تحقيق أهدافه  في الحياة ،أو تسعى الجماعة لتحقيق أهدافها، لابد ان تجتمع عوامل ذاتية وموضوعية ،أي عوامل داخلية وخارجية . وقد تصل تلك العوامل الى اكثر من مئة عامل، ويتوهم الذي يعتقد بأن الظاهرة الاجتماعية يكفي ان يكون عاملا واحدا مسؤولا في التاثير عليها ، وفي هذه المقالة لن أتطرق عن العوامل الداخلية المسؤولة حيث ستدخل في سياق التكرار . وأصبحت معروفة لدى النشطاءالمعنيين والمهتمين بالشان السياسي . بل ساركز الاجابة على السؤال الاتي : لماذا يحاول هؤلاء توجيه اللوم الى الاخرين في اخفاقهم وفشلهم لتحقيق اهدافهم ؟سأتناول التحليل  معتمدا على قانون علمي توصلت اليه مدرسة التحليل النفسي وأتخذه الباحثون الاجتماعيون طريقة للتحليل الاجتماعي للجماعات والافراد .

الاحباط
      ماهو الاحباط ؟
                    يكون لدى الفرد أو المجموعة البشرية مثل الجماعة السياسية أو الدينية أو الاسرية أو الرياضية ... الخ دافع أو مجموعة من الدوافع تسعى الى تحقيقها وأشباعها بألحاح، مما تزداد الرغبة في الطموح ،سواء كانت هذه الدوافع فطرية أو مكتسبة ، الفطرية مثل حب الزعامة والقيادة ، تحقيق الشهرة ، كسب الاموال ،والمكتسبة تلك التي يتلقاها في الاسرة مثل تنشئة الابناء على حب الزعامة نفسها أو تطعيم شخصية الفرد بالمفاهيم العشائرية التقليدية مثلا ، أو التقليد لما يجري من النشاطات في البيئة السياسية.وقد تكون هذه الدوافع شعورية أو لا شعورية .
لكي يحقق الفرد أو الجماعة التوازن النفسي  أو الاستقرار النفسي والاجتماعي للشعور بالارتياح يجب أن يلبي الدافع ألذي يعبر عنه بالهدف في السياسية أو محاولة أشباعه .وعندما لا يتمكن أشباعه مباشرة فينتج عنه أحباطا نفسيا على مستوى الفرد ،أو أحباطا اجتماعيا على مستوى الجماعة .
فالاحباط حالة نفسية ،واذا شمل مجموعة من الافراد يسعون تحقيق هدف مشترك يتحول الى حالة أجتماعية ،تكون للجماعة دوافع وطموحات يصعب عليها أشباعها فتتحول حالتها من الارتياح والشعور بالانشراح والسرور الى حالة الشعور بالضيق والاستياء والتذمر ،فتحاول الجماعة البحث عن مخرج من هذه الحالة أو على الاقل التخفيف من تأثيراتها ،وهنا تنطبق الحالة على النشطاء القوميين الذين فشلوا في تحقيق دوافعهم ، مما فقدوا التوازن والاستقرار النفسي والاجتماعي .فلو كانت التنظيمات السياسية قد كسبت كرسي في البرلمان لعبرت بالانشراح والسرور مثلا ،ولكن لعدم التمكن من تحقيق ذلك بدات تشعر بالضيق والتذمر ، فهي بتصريحاتها وكتاباتها تبحث لمخرج عن الازمة والاحباط. وكيف يتحقق ذلك ؟
  عندما يفشل الفرد أو الجماعة مع مكنوناته أو مكنوناتها الداخلية النفسية والاجتماعية التي تحاول الحفاظ على الاستقرار والتوازن النفسي والاجتماعي .يلجأ حينئذ الجهاز النفسي ( لا أقصد هنا الجهاز التنفسي فهناك فرق بين الاثنين ،لكي لايتوهم بعض القراء الاعزاء )يلجأ هذا الجهاز الى " حيل التوافق " أي الدفاع عن النفس المضطربة وتسمى ايضا " ميكانيزمات الدفاع " لكي تخفف حالة التوتر والشد والاحباط ،ومن تلك الحيل أو الميكانزمات الدفاعية : الكبت ، الاسقاط ، الازاحة ، التسامي ، التبرير ... الخ .
تتسم هذه القوى النفسية الدفاعية بالمرونة والخديعة والالتواء في التعامل الداخلي للجماعة لكي تُرضي الرغبات المتعارضة ، واذا لم تنجح في تحقيق ذلك لازاحة الاحباط ،تتحول الى ضغوط نفسية واجتماعية ذات طابع مثير ومؤثر على السلوك فتبدو الجماعة في حالة عدم الاتزان أمام ومع الاخرين ومن نتائجها فقدان السيطرة على الاعصاب والسلوك العام ،وهذا ما يحدث فعلا مع النشطاء القوميين  الفاشلين في تعاملهم مع الاخرين. ومن الميكانيزمات الدفاعية التي تستعين هذه الجماعة بها لا شعوريا  لفشلهم وأحباطهم وللتخلص من هذا الاحباط هي :

الاسقاط النفسي والاجتماعي

        يعتبر الاسقاط حيلة من حيل الانا الفردية أو الجماعية كما في الحزب السياسي ، فينسب الفرد أو الجماعة الى غيرها حيلا وأفكارا مستمدة من خبرتهم ، ترفض الجماعة الاعتراف بها لما تسببه من الفشل والالم لاستبعاد العناصر النفسية المؤلمة عن حيز الشعور ،فما يواجه الفرد او الجماعة هي الادراكات التي تأتيها من الداخل والخارج ،اي عوامل خارجية وداخلية هي المسؤولة عن البناء والتوافق لتحقق الاهداف .
يقول " فرويد " العوامل الخارجية تكون سهلة التشخيص ، اما الداخلية فلا ترحم ،فيهرب منها الفرد أو تهرب الجماعة منها وتسقطها دون شعور من أخفاقاتهم الداخلية غير المرغوب بها الى الخارج المحيط بهم ، فتشن الجماعة هجوما لا شعوريا لالصاق عيوبها ونقائصها ونقائضها على الاخرين ،فتنسب أسباب الفشل الى غيرها .وهذا ما يحدث فعلا عند المعنيين في دراستي هذه ،فهم دائما  ينسبون اسباب فشلهم في تحقيق أهدافهم البرلمانية مثلا وأثبات وجودهم على الساحة السياسية العراقية الى أشخاص آخرين أو مؤسسات اخرى ،فلا تخلو مقالة أو مناسبة الا وان جاء ذكر لاحزاب اخرى وأشخاص آخرين في الحديث ،فالعيوب التي يعانون منها داخليا يُلصقونها بهؤلاء .كأن يقولوا الحزب الفلاني لايعترف بنا كقومية ،أو البطريرك الفلاني لا يدعمنا ،أو الاحزاب الفلانية تهمشنا ، او المؤسسة الفلانية او الحزب الفلاني مستحوذ على أموال شعبنا، والعديد من أنواع اللوم والتنسيب وبل أحيانا تكون عند بعضهم مقترنة بعبارات مثل، ألاعداء والخونة ، الاقصائيون ، وما شابه من النعوت التي تعبر عن الغضب والانفعال لغرض التنفيس عن الضغوط النفسية  .
لو افترضنا بأن غيرهم من الاحزاب أو المؤسسات هي سببا في أخفاقهم ، لماذا لا يقوم هؤلاء بايجاد الحلول المناسبة لكي ينافسوا الاخرين الذين هم السبب في فشلهم ؟ لماذا لا يراجعون ذاتهم ؟ ويقومون بما هو معروف في التخطيط ،التقييم وثم التقويم لما هو خطأ في مماراستهم بدلا من لوم الاخرين،لماذا لا يحاولون أثبات وجودهم في الساحة السياسية بتشخيص الخلل في أدائهم ؟،كثيرا مايبررون أن الانتخابات في العراق غير نزيهة . نعم أنا شخصيا اعترف بها ،ولكن تشمل الجميع في عدم نزاهتها ،ولماذا لا يجيدون الفن السياسي بما فيه التحالفات والخدع والطرق السياسية التي من الممكن في مثل هذه الظروف غير النزيهة لكي يحققوا أهدافهم مثلما تعمل  الاحزاب الاخرى من وسائل وأمكانات لتحقيق الاهداف ؟ لماذا  لاينافسون الاخرين بوسائل تلائم الظروف السياسية في العراق ؟ فاذن يفتقدون مواهب المهارة وبناء العلاقات وتكييف الوضع والممارسات ،بينما يمتلكها غيرهم .والاخرين الذين حققوا أهدافهم ، لايعني أنهم أحزاب مثالية ،فالكل لهم مشاكلهم الداخلية وأنشقاقاتهم ،ولكن بالرغم من ذلك يجيدون اللعبة السياسية ويعملون في الساحة السياسية.
 يبرر النشطاء القوميين الفاشلين فشلهم في النقص المالي ،بينما الاحزاب الاخرى لها من المال ليساعدها في تحقيق أهدافها . طيب ولماذا لها المال ولم يكن عندهم المال ؟ مما يدل هناك خلل في الادارة والطروحات وكسب المال وتوظيفه للعمل السياسي،ويقولون أن أبناء مكوننا القومي لا يمتلكون الوعي القومي ،نعم هو كذلك لو افترضنا ،ولكن لماذا غيرهم يمتلكون الوعي القومي ياترى ؟ لماذا لا يستفيدوا من تجربة الاحزاب الاخرى التي تعمل بجدارة في الساحة السياسية في كسب الجماهير وتوعيتهم ؟ مما يدل وجود خلل في فن كسب الرأي العام لقضيتهم . ومن حجج الفاشلين أن الاحزاب الكبيرة في العراق تدعم وتسند الاحزاب الاخرى.ولماذا لا يتمكنوا هم من تحقيق المناورة السياسية لكسب دعم الاحزاب الكبيرة لهم ؟أذ أن الظروف والمستجدات والمتغيرات هكذا سياسة تتطلب.
كل هذه الممارسات أدلة دامغة على أن مسالة وضع اللوم على الاخرين من قبل النشطاء القوميين والاحزاب الفاشلة، هي أسقاط نفسي أجتماعي لكي يبعدون الاسباب الذاتية المؤدية الى الفشل .فعليه لكي يحققوا أهدافهم أن يراجعوا ذواتهم ويدرسوا معوقاتهم ،ويشخصوا الداء ويقيموا أدائهم وثم يقوموا أدوارهم. وينزلوا الى الساحة والى العمل الميداني ويخططوا لكسب المال وكسب الرأي العام وبناء العلاقة بين الاحزاب الاخرى سواء مع أحزاب شعبنا  أو الاحزاب الكبرى في العراق، وبعدها سيرون كيف أن للعوامل الخارجية لا تتمكن من تقييد نشاطها . 

5
الدكتور ليون المحترم
تحية
   موضوع آخر من مواضيعك المهمة التي تعبر عن واقع الحال لشعبنا ولغتنا بمعالجة أكاديمية صحفية رائعة،فنحن بأمس الحاجة جميعا لتناول هكذا مواضيع لكي تحيد وتقيد الكتابات غير الاكاديمية البعيدة عن المنهجية.
اتفق معكم بأن اللغة هي الاساس في تحديد انتماء الفرد الى جماعة بشرية ما ، وأن الحفاظ على اللغة يعني أستمرارية الجماعة في الحياة،فاللغة هي الوسيلة التي تكوَن العناصر الحضارية للمجتمع أو أية جماعة بشرية تتخذ مؤشرا معينا لها لتميز ذاتها عن الجماعات الاخرى ،فعن طريق اللغة نميز جماعة بشرية عن اخرى ولماذا ؟ ساجاوب وفقا لمعطيات النظرية الرمزية التفاعلية ،حيث تؤكد :
الانسان كائن اجتماعي بالطبع يولد مزودا بالقدرات والقابليات التي تصقلها البيئة الاجتماعية لكي يتأهل للعيش والتكيف مع الجماعة التي ينتمي اليها،والانسان لا يستطيع العيش بمعزل عن الاخرين ،وقد عاش البشر منذ القدم بشكل جماعات صغيرة ،ثم كبيرة فيما بعد ونظمت حياتها وشؤونها، وتكونت اللغة بحكم التفسيرالاساسي للمراحل الثلاث الاتية:
 1 - ان البشر يتصرفون حيال الاشياء على اساس ما تعنيه تلك الاشياء لهم
2 - هذه المعاني هي نتاج للتعامل الاجتماعي في المجتمع الانساني
3 - وتحور هذه المعاني وتُعدل ،ويتم تداولها عبر عملية تأويل يستخدمها كل فرد في تعامله مع الاشارات التي يواجهها .
أن الرمز الدال هو المعنى المشترك وهو يتطور في سياق عملية التفاعل الاجتماعي ،والتفاعل الاجتماعي يولد المعاني ، والمعاني تشكل عالمنا ، ومعنى هذا اننا نخلق عالمنا بما نضفي عليه من معاني ، والرمز الدال يمنح البشر القدرة على التامل في ردود افعالهم وللاستعداد لها في خيالهم.
هذه العملية التفاعلية نخلق بواسطتها عالمنا المشترك، واما داخليا ومع الفرد فيحدث : أن الرمز الدال يثير في نفسي ردة فعل ذاتها التي يُثيرها في الاخرين ،أنه يمكنني النظر الى نفسي كما ينظر أليَ الاخرون ،هذا هو أنا : نفسي كما يراها الاخرون ، اما الوجه الاخر من ذاتي فهو الجزء الذي ينظر الى ذاتي ( أنا أفكر فيَ ).فكل هذه العملية لا يمكن ان تحدث بدون اللغة التي تعطي لكل شيء في الحضارة رمزا ويتفاعل الافراد في ضوء تلك الرموز ،وثم تميز الجماعة البشرية عن غيرها .
فاللغة اساسية لكي يواصل شعبنا بأية تسمية في الحياة ، فهي التي تحدد ثقافتنا ورموزها لكي تميزنا عن الاخرين .
ولكن اسئلة مهمة على الاكادميين من أبناء شعبنا الاهتمام بها وهي من وجهة نظري:
ما مدى تحدي شعبنا لظروف الشتات ؟
هل بالامكان أن نستمر في أحياء ثقافتنا ولغتنا بدون وجود كيان دولة لشعبنا لتشريع القوانين التي تساند استمرارية ثقافتنا ؟
وماذا عن العولمة والانصهار الحضاري ؟
ولكن كما تفضلت في مقالك ، علينا التأكيد على دور الكنيسة وانشاء مؤسسات لاحياء اللغة .بينماارى ستبقى الاسئلة اعلاه مطروحة بالرغم من ذلك .
واماعبارتك:
(هل هناك علاقة للدين والمذهب بالهوية؟ بالطبع الجواب المباشر هو كلا. الهوية والقومية شيء والدين والمذهب شيء اخر تماما.)انتهى الاقتباس
 فادرك وجود عدم الوضوح في تحديد معنى مفهوم الهوية هنا ، فالهويةتأتي للتعبير عن مفاهيم متعددة كأن نقول الهوية القومية ، الهوية السياسية ، الهوية الدينية ، الهوية الطبقية ... الخ . واللغة تلعب دورا هاما في صياغة المفاهيم لكل من هذه الجماعات لتميزها عن غيرها . واكتفي بهذا القدر عن الهوية لانها تحتاج الى توضيح أوسع ،وعليه احاول ان اكتب مقالا خاصا عن الموضوع ومستل من كتابي الذي سيرى النور قريبا الموسوم( الاشوريون ، الكلدان ، السريان / وعقدة التسمية )
ولو لا يجوز نشر محتويات الكتاب قبل طبعه ولكن على خاطرك وخاطر القراء الاعزاء سانشر مقالا مستلا منه قريبا .
تحياتي ،ولك التوفيق والمزيد من المقالات الرائعة التي تلقي الضوء على مواضيع تهم شعبنا الكلداني والاشوري والسرياني.
د . عبدالله رابي

6
                        الرابطة الكلدانية
                    ليست ثمرة النكسة الكلدانية مطلقا
د . عبدالله مرقس رابي
باحث أكاديمي
في البدء اريد القول ، بأن المقال هو تعبير عن وجهة نظري في الرابطة الكلدانية منطلقا  من متابعتي الشخصية للحدث .                     
 يريد البعض من كتاب النكسة الكلدانية ربط تأسيس الرابطة بنكستهم بحجج واهية لا أساس لها ،فمسودة النظام الداخلي التي هي قابلة للنقاش والتعديل في المؤتمر التاسيسي للرابطة الكلدانية واضحة الابعاد والاهداف لكل قارىء وهي بمفترق الطرق بما تؤكد عليه النكسة الكلدانية، فشتان بين الاثنين.

الرابطة هي مشروع نادى لتاسيسه غبطة البطريرك مار لويس روفائيل الاول ساكو بطريرك الكنيسة الكلدانية ووضع أهدافها في نداء له للمؤمنين لوضع التدابير اللازمة لتأسيسها ،وجاءت الاهداف المذكورة في مسودة النظام الداخلي متطابقة لما ذكر غبطته في ندائه التاريخي ،فالرابطة قبل كل شيء انها تستبعد التعصب القومي الذي ينادي به اعلام النكسة ،فلا أعتقد بان الرابطة ستكون مفتوحة لمن يتعصب ويتقوقع على نفسه ، فهي تجمع ولا تفرق وتعمل من أجل شعبنا بكل مكوناته ،وتنطلق من ارض الوطن وسوف لم تكن معلقة في الفضاء أو في المهجر فهي تبدأ من بغداد وتدار شؤونها من هناك وليس من المهجر ، ولكن أبناء الكلدان في المهجر سيكونوا دعما وسندا لها ، فهي جسر لربطهم مع أبناء شعبنا في الوطن الام.

أما  النكسة فلم تعمل غير تفكيك البيت الكلداني ،وأبعدت الكلدان من المشاركة في العملية السياسية في البلد لخطواتها غير المدروسة بموضوعية وعقلية منفتحة.وجعلت من أتباعها أن يتقوقعون على أنفسهم وينادون من المهجر فقط ، فحصروا انفسهم في دائرة ضيقة ،بعيدة عن التعاون والمشاركة مع الاحزاب الاشورية والسريانية العاملة في العراق وبما فيها المجلس الكلداني السرياني الاشوري الذي بحث ويبحث دائما عن القواسم المشتركة بين أبناء شعبنا لكي ينطلق في العملية السياسية منها .

الرابطة تعمل من أجل الكلدان وثم المسيحيين بكافة طوائفهم كما عملت الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية في الازمة الحالية لشعبنا الكلداني والسرياني والاشوري بدون تمييز يُذكر ،صحيح أنها أخذت تسمية الرابطة الكلدانية ،فهذا بتصوري لا يعني أنها تعمل وفق نظام منغلق على نفسه ، فهي تعمل من أجل نيل حقوق الكلدان وبما فيهم المسيحيين من السريان والاشوريين ، فلم تؤكد في مناسباتها على الكلدان فقط وتهمل ابناء شعبنا  الاخرين .

ما الذي تعنيه العبارات المكونة للاهداف " فهي تعمل من أجل الحفاظ والدفاع عن حقوق الكلدان والمسيحيين الاجتماعية والثقافية والسياسية "
" تكون سندا لأستمرار الوجود الكلداني والمسيحي في البلد الام"
تطوير البلدات الكلدانية والمسيحية "
فمن هم مسيحي البلد الام ؟ أ  ليسوا أضافة الى الكلدان ،الاشوريين والسريان والارمن ؟فلو حصلت نكبة أو أحتاجت الى مساعدة قرية آشورية أو سريانية، فهل  تبقى الرابطة مكتوفة الايدي لانهم ليسوا بكلدان؟ بالطبع كلا بل تتسارع الخطى لانقاذهم .
" نشر التراث المشرقي والكلداني " فهل يقتصر التراث المشرقي على الكلدان ؟ فلو كان ذلك بنظر الرابطة لما ذكرت التراث المشرقي والكلداني الذي يشمل تراث الاشوريين والسريان أيضا .

هكذا أن الرابطة تنطلق من ايمانها باننا الكلدان والاشوريين والسريان شعب واحد ، ولعوامل تاريخية ودينية وسياسية واجتماعية فرقت الشعب النهريني الى طوائف دينية ،فالتسميات الاثنية هي تسميات أُطلقت تاريخيا ومكانيا على ابناء الرافدين في الجنوب والشمال من البلاد .

الرابطة الكلدانية هي ثمرة العقل المدبر لها غبطة البطريرك مار لويس ،وليست من تدبير آخر ،فلا أعتقد بأمكان الاخرين تحييدها الى التعصب فهي رؤية تعبر بنظرة موضوعية للواقع الاجتماعي والثقافي والسياسي للكلدان وارتباطها بمكونات شعبنا الاخرى من الاشوريين والسريان ، وعلاقاتهم مع مكونات الشعب العراقي لكي تجد صيغا مقبولة للعيش المشترك وفق مبدأ احترام الاخر . فلا أعتقد هناك مجال لتضييق رؤية الرابطة وحصرها في زاوية لا تتمكن من تحقيق أهدافها كما حصر النكسويون أنفسهم في زاوية ضيقة .

أتفق تمام بما جاء به الاستاذ أنطوان الصنا المحلل الاعلامي والسياسي المعروف من أبناء شعبنا ومع تأييده للكتاب كوركيس اوراها ويوحنا بيداويذ ولوسيان في رده المرقم 6 على مقال الاخ سيزار هرمز الموسوم " السينودس الاستثنائي ،الرابطة الكلدانية من ثمار النهضة الكلدانية "تلك المقال التي افتقرت الى البرهان في أن الرابطة هي ثمرة النهضة الكلدانية، فلم أكتشف من قراءتي لها أية دلائل ليمنحها هذه الصفة،وثم اتفق بما جاء به الاخ ابلحد سليمان في رده رقم 7 من المقال المذكور.
فملاحظاتهم التحليلية للمسالة كانت مجدية وموضوعية وصائبة ،فلا حاجة الى تكرارها من قبلي.

7
الاخ العزيز رابي قشو ابراهيم المحترم
تحية
شكرا ايها العزيز والمبدع لهذا الموضوع الشيق والممتع ،حيث نقلتنا من أجواء الصخب والعناد والصراع والسياسة والقومية والتسميةوالنظريات وما شابه ذلك ،التي لا نهاية لها الى عالم الفن المريح الذي يُريح الاعصاب ،فالفرد دائما بحاجة الى الترفيه والاستمتاع  بالاغاني لينشط الجانب النفسي له كما الرياضة تنشط جسم الانسان،والفن الغنائي ظاهرة ملازمة لحياة الانسان منذ البداية ،بحيث مورس الغناء في كل المناسبات الاجتماعية والاقتصادية ،وبدأ لي بوضوح بأنك تتمتع وتمتلك هوايات متعددة جميلة جدا ،فهي انعكاس لشخصيتك الهادئة والرزينة ،فأعمال الانسان واقواله ماهي الا مؤشرا وتعبيرا لشخصيته ،فهذه الهوايةالتي مارستها منذ ايام الصبا هي دليل على روحيتك المرحة والفرحة والهادئة وهذا يتضح بجلاء في ردودك  على المقالات أيضا .
وشكرا لانك ذكرتنا بأيام زمان في قرانا في شمال العراق ،ففعلا كنا نرغب السماع للاغاني الكوردية وهذا نابع من تأثير البيئة، كما كان أبناء شعبنا في المدن وسهل نينوى يتمتعون بالاغاني العربية .
تمنياتي لك بالعطاء الدائم
تحياتي
د . رابي

8
الاخ الاستاذ العزيز خوشابا سولاقا المحترم
تحية
وقد عجبني جدا تحليلك الموضوعي لمسالة الحقوق والواجبات بين الدولة والفرد مستندا على مفاهيم نظرية العقد الاجتماعي التي كانت الانطلاقة الاولى من أفكارها لقيام الحكومات الديمقراطية الحديثة في عالم الغرب.
اما تطبيقها على حالة العراق فقد أبدعت ابداعا متميزا وباستقرائية واقعية لربط الاحداث والموضوع بطبيعة الحكومات المتعاقبة وتقسيمها الى ثلاث مراحل تاريخية سياسية ويعد تفسيرك وافيا وشاملا وعلميا،مثل كل محاولاتك السابقة .
المرحلتان الاولى والثانية معلومة وبحسب تفسيرك تماما ، واما الثالثة التي بدأت بعد عام 2003 ،أحب ان اضيف لما تفضلت به من تفسير :
اذا كانت المرحلة الثانية ، مرحلة الثورات المسلحة مخلة ببنود العقد الاجتماعي ،وقد حللت ذلك واتفق معك تماما، ولكن المرحلة الثالثة فهي اكثر اخلالا بتلك البنود ،وذلك لازدواجيتها الظاهرة في سياستها ،فهي من جهة تحاول تطبيق الديمقراطية التي هي أحدى الاركان للوصول الى السلطة ،ومن جهة أخرى فأن مضامين فلسفتها السياسيةهي الغاء الاخر ولان معظمها احزاب دينية وهي معروفة بان ما تتبناه من أفكار هي مطلقة لا تقبل النقاش ،فمن هنا تنشأ الصراعات ،وتحولت من صراعات فكرية الى دموية ،فبدأت الفوضى العارمة في البلد فلم توفي الاحزاب التي تصل الى السلطة ببنود العقد الاجتماعي ، وضعفت سلطة القانون ،والنتيجة، الافراد أيضا سيتحول سلوكهم الاجتماعي الطبيعي الذي يلتزم ببنود العقد الى طبيعته الغرائزية والى سلوك غوغائي ،فيظهر الفساد الاداري ،وتنتشر الجريمة بأنواعها وهذا الذي يحصل في عراق اليوم .
شكرا اخي المهندس "الاجتماعي" خوشابا ثانية ،واتمنى أن يحذو اخوتنا الكتاب بكتابة مثل هذه المواضيع التي تترك أثرا ايجابيا للجميع ،ونحن بأمس الحاجة اليها اليوم،وقد تكون عامل أثارة وتحفيز للاحزاب السياسية لكي تُعيد النظر في سياستها لخدمة المجتمع .
تحيتي
اخوكم
د . رابي

9
بعد الاستئذان من الاخ الدكتور ليون
الاخ سان ديف المحترم
 عجبتني مداخلتك القيمة عن نظرية المعرفة ولهذا خصصت بعض الوقت لمناقشة مثل هذا الموضوع المهم لعله ان نستفيد منه جميعا.
نظرية المعرفة تدور محاورها ومواضيعها في الاجابة على الاسئلة المهمة الاتية:
ماهي المعرفة؟ كيف تنشأ؟ كيف تتغير وتتطور؟ وكيف يقوم توافقها مع الواقع الموضوعي ؟ ماذا يجب القيام به لاجل جعل هذا التوافق أوفى واعمق ؟
وظهرت أتجاهات معرفية للاجابة على الاسئلة المذكورة بدأ بالمعرفة السحرية ومرورا بالميتافيزيقيا وانتهاءا بالمعرفة الوضعية وكل اتجاه استخدم طرق معينة للاجابة على الاسئلة ،فالميتافيزيقيا هي المنهجية التي استخدمتها الاديان المعروفة بالسماوية في دعم مفاهيمها المجردة وحاولت الترميز لتلك المفاهيم لتقريبها الى العقل البشري للناس العاديين ،ومن صفات الفكر لهذا الاتجاه الفكري هي "المطلق " اي كل ما يأتي به المفكر هو مطلق وعليه جاء تأثيره على المفاهيم الدينية ولاي دين بان ما جاء به هو مطلق لا يقبل النقاش فهنا جاءت ظاهرة الغاء الاخر اي عدم قبوله وهو الواقع في المذاهب الدينية والاديان نفسها .
اما كيف نتحول الى مرحلة قبول الاخر ؟ فنظرية المعرفةمن خلال اجابتها لسؤال كيف تتغير وتتطور المعرفة ؟استطاع المفكرون التوصل الى الوضعية والتي منها انطلق المفكرون على اعتبار الفكر هو نسبي وثم الظاهرة هي نسبية وعليه الان في الفكر المعاصر أحد اركانه هو قبول الاخر وهنا المقصود الفكر الاجتماعي. والاخ ليون برخو ينطلق من هذا المفهوم باعتقادي وفي ضوء تفسيراته ،ومن هذا المنطلق الفكري المعاصر بدات الكنيسة تقبل الاخر وما اوضحها في التطلعات الفكرية لبابا فرنسيس ، ولكن الاديان الاخرى لا تزال تتمحور في دهاليز الميتافيزيقيا المطلقة بافكارها فهي تلغي الاخر وخير مثال داعش اليوم ومعظم الناس لانه نحتاج الى سنين لكي نغير الواقع كما احتاجت اوربا لاكثر من قرن حتى وصلت الى الفكر النسبي الذي يفسر نشوء المعرفة اعتمادا على الحواس اضافة الى العقل بحسب " كانط " الذي بدأها قبل اكثر من قرن.
واالميتافيزيقيا موجودة في كل الاديان حتى الطوطمية للشعوب البدائية ولكن بتفسير معكوس وهو البدء من الاحساس بالخالق الذي هو الجد الاعلى لهم وكان يعيش بين افراد القبيلة يوما ما وثم تحول الى الروح غير المرئي فدخلت في مجال الميتافيزيقيا هنا ،لانه تحول الى ما وراء الطبيعة وهو يسيطر على افعالهم وحياتهم العامة وحروبهم ومسكنهم وزادهم وكل شيء ،كما هو تماما في الاديان الاخرى ،وأما في الاديان المعروفة بالسماوية فبدأت من المطلق الميتافيزيقي وثم تحولت الى وضع الرموز لتجسيد تلك الافكار التي لا يدركها الا من اشتقها في عقله " كما تفضلت في تعقيبك ".وفي كل الاديان اذا تجسيد موجود ولكن باتجاهات متباينة، لانه في الطوطمية عندما تحولت من الحاسية الى الميتافيزيقيا بدأت بتجسيد روح الاله في جسم مادي كان يكون ريش او راس لطير او افعى وما شابه وقس كل الاديان غير السماوية على هذا المنوال .
وعن الاديان التي جئت بمثال عنها ،الايزيدية والزرادشتية واضيف اليها الصابئة وهي تسمى بالاديان الباطنية وذلك لان في طيات تعاليمها من الوثنية والسماوية ولهذا تُميز عن السماوية والوضعية .ومن هنا جاء تقبل هذه الاديان رموز غيرهم لانها فعلا قد تكون جزءا من تعاليمهم ،كنت اتمنى لو كان مثالك غير الاسماء في تقبل الرموز فلو ذكرت مثلا التطواف عند الايزيدية التي هي من الاسلام والقيامة من المسيحية وامور اخرى لسنا بصددها .واما الاسماء المشتركة عندهم مع المسلمين وكما ايضا عند الصابئة في جنوب العراق قد يكون تفسير اخر لها وهو التاثير المحلي والغالبية والتقلبات الدينية عند بعض من مؤمنيها والرجوع الى دينهم الاولي وهكذا .
أما تفسير مسالة تمسك الاتباع بالرموز وهي ناتجة كما تفسرها الدراسات الاجتماعية والنفسية من جراء عامل التنشئة الاجتماعية التي يتلقاها الفرد من طفولته وهو بين أحضان امه  فهي تتحول الى اللاشعور وتبقى راسخة في ذهنه باعتبار انها مثالية حيث تلقاها من المثل الاعلى له الوالدين والمعلم ورجل الدين فلا يمكن تغييرها الا بالقوة والتهديد بالموت كما اعطانا التاريخ امثلة لها في بلداننا .وأبسط الامثلة لهذه العملية هي وضع طفل من والدين مسيحيين منذ ولادته في عائلة اخرى من  دين اخر لتربيته فاي من الرموز سوف يتقبل ؟ بالطبع رموز الدين للعائلة البديلة، وهنا كما هو معروف الظاهرة الشائعة في البلدان الغربية وهي التبني لاطفال من شعوب طوطمية لتعيش معها او من هندوسية او غيرها فتتطبع بمفاهيم التي تتباناها العائلة البديلة .
وفي رد المرقم 20 هناك بعض الافكار الاخرى قد تكمل ما جئت به الان.
شكرا اخي سان لمداخلتك العلمية وارجو اني وفقت في توصيل الفكرة .
تحياتي
د .رابي
 
 

10
الاخوة الاعزاء المحترمون
كوركيس أوراها
فوزي دلي
سامي ديشو
عبدالاحد سليمان
كلدانيا
يسعدني أن اقدم جزيل الشكر لمداخلتكم القيمة وما أضفتموه من معلومات لتعزيز ما جاء في المقال .
تقبلوا تحياتي
د . رابي

11
                        أختيار الاسقف المناسب
                       لأبرشية مار ادي الكلدانية
 د. عبدالله مرقس رابي
    باحث أكاديمي
                     
                 
                 أُعلن في الخامس عشر من الشهر الماضي عن أختيار الخوري عمانوئيل شليطا أسقفا لابرشية مار أدي الكلدانية في كندا ،وجاء أختياره بعد أن قدم المطران مار حنا زورا راعي الابرشية التقاعد لبلوغه السن التقاعدية .

أن أبرشية مار أدي الكلدانية في كندا أبرشية فتية حديثة العهد، لا يعدو عمرها أكثر من ثلاث سنوات وستة أشهر ،وقد تاسست في 10 / 6 / 2011، ونُصب أول أسقف عليها سيادة المطران مارحنا زورا المتقاعد حاليا .ومركزها كاتدرائية الراعي الصالح في مدينة تورنتو عاصمة ولاية أونتاريو ،أحدى المدن الكبرى في شمال أمريكا .
وقد أشرف على بنائها المطران حنا زورا منذ أن كان وكيلا بطريركيا ،فبذل كل ما بوسعه لتشمخ قلعة دينية للكنيسة الكلدانية في بلاد المهجر ،وكانت حصيلة الشجاعة والاخلاص والسخاء والعطاء والصلوات التي بُذلت من قبل مؤمني الكلدان في المدينة وبأدارة وحكمة وصبر ومباركة سيادته.فتنورت كنيسة الراعي الصالح لكي تنطلق خدمة ابرشية مار ادي منها .

وفي ضوء الحوار الذي أجراه مؤخرا الاعلامي " شوقي  قونجا " في أذاعة صوت الكلدان في مشيكن تمكنت من الوقوف على بعض من الخصائص التي يتميز بها الخوري عمانوئيل ،اضافة الى استقرائي أمكاناته من تاريخه الكهنوتي.

يتمتع الاب عمانوئيل بفترة طويلة من الخدمة الكهنوتية ، فهي 28 سنة منذ أن نسبه المطران المتقاعد مار ابراهيم ابراهيم في ابرشية مار توما للخدمة في ولاية كاليفرونيا الامريكية ،وثم مباشرته في كنيسة ماريوسف في ولاية مشيكن ،وبعد حصول الموافقات الاصولية من مطران زاخو والعمادية المرحوم مار حنا قلو لتثبيته في ابرشية مار توما .

وقد أهلت هذه الخدمة الطويلة المطران المنتخب بأن يكتسب خبرة متميزة وكفاءة عالية في الادارة الكنسية ،فعُرف عنه، التنظيم في العمل والحرص على المسؤوليات التي أنيطت له من قبل راعي الابرشية . كما يتميز بأمكانيته وكفاءته في حسم الامور بدقة ،وهو حريص ومتابع لامور الكنيسة التي يخدمها من أعقدها والى أبسطها ،فلو كشف الخوري عمانوئيل لمصباح كهربائي عاطل في الكنيسة فيقدم بنفسه ودون الانتظار الى تبديله،فكيف ياترى سيكون بمسؤولية راعي الابرشية ؟

وتمتع أيضا بالنزاهة ومنح المحبة والاحترام للاخرين المحيطين به ولمن يخدمهم ،وعلى أثرها أستطاع أن يٌحيط نفسه بقدر كبير من المحبين ،فتراه محاطٌا دائما باعداد كبيرة من الشباب المنظمين بانشطة مختلفة في الكنيسة .
ولهذه الخدمة الطويلة أستطاع المطران المنتخب الاب عمانوئيل أن يكتسب خبرة للتعاطي مع الوقائع والظروف الاجتماعية والثقافية والنفسية والحياة اليومية للمجتمع في بلاد المهجر، وتعرفه على طبيعة القيم والتقاليد التي تؤثر في التفاعل الاجتماعي ،وتكون  له ألمام في طبيعة الشباب والمراهقين وطرق التعاطي مع الاطفال وتربيتهم وتأثيرات الاعلام في السلوك وما الذي يطمحه الشباب .

فهو يدرك تماما مجريات الاحداث والقوانين وطبيعة المجتمع بكل أبعادها،خصوصا لكونه كاهن لابرشية كبيرة لها مكانتها وادارتها الناجحة منذ تاسيسها برعاية المطران مار ابراهيم  واستمرارها بعد تسلم رعايتها المطران مار فرنسيس قلابات .فهي أبرشية مشهود  لتاريخها في العطاء والخدمة لاعداد كبيرة من المؤمنين من خلال أنشطتها الدينية .وساعد أيضا وجوده كاهنا في أبرشية مار توما على بناء علاقات طيبة ومتينة مع زملائه الكهنة من الابرشية ،ومن الطوائف الاخرى في المدينة.

ساعدت ثقافته المتميزة وتعليمه العالي في التكيف والتعاطي مع المؤمنين في المهجر وأكتساب ما ذكرته آنفا من الخبرة ،فهو حاصل على شهادة الدكتوراة من روما عام 1987 في اللاهوت الكتابي ، ويتقن بطلاقة اللغات ، الانكليزية والفرنسية والايطالية مما ساعد ذلك في التكيف في المهجر بيسرِ، وتمكنه تحديدا في بناء العلاقة مع الاجيال المولودة والتي نشأت في المهجر ،فهي مسألة مهمة جدا على الكاهن أو المطران في بلدان الانتشار أن يتمتع بها، والا سيلاقي الصعوبة في العمل الكهنوتي.

 لتمتعه بالخصائص الشخصية المذكورة آنفا وخبرته للتعاطي وادراكه لطبيعة المجتمع في المهجر أهلته ليكون راعيا ناجحا لابرشية مار أدي في كندا . فسوف لن يلقي الصعوبات في أدارته بل تساعده تلك العوامل في التكيف السريع والانسجام مع المؤمنين والحياة الاجتماعية في عموم الابرشية .

في سياق الحوار معه في المقابلة الاذاعية تبين أن للخوري عمانوئيل على معرفة سابقة تامة بجميع الكهنة في الابرشية ،وله علاقات مع الجميع مبنية على المحبة والاحترام المتبادل ,اما عن ظروف الابرشية العامة وبحسب قوله فليس مطلعا عليها ، فهو يتمنى بالصلوات والتعاون مع الكهنة والمؤمنين سيواصل خدمة الابرشية، وأستنادا الى هذه المعطيات، في الحقيقة كان أختياره ليكون أسقفا لابرشية مارأدي موفقا بأمتياز .

ولكون الابرشية حديثة في تأسيسها ،ولان فترة رعاية المطران مار حنا زورا لها قصيرة،فلا بد أنها بحاجة الى الكثير في أدارتها .فهناك النقص الحاد في عدد الكهنة وأبنية الكنائس ، والابرشية تمتد على مساحة شاسعة في بلد يعد ثاني أكبر مساحة في العالم ،فعلى سبيل المثال تبعد أحدى كنائس الابرشية في  مدينة فانكوفرعن مركز الابرشية برحلة طيران لمدة خمس ساعات.
ولحداثة الابرشية وانتشار المؤمنين الكلدان في مدن صغيرة متباعدة وعدم وجود الكنائس والكهنة لتغطية الخدمات والطقوس الدينية، بالاضافة الى العدد الكبير من الكلدانيين الذين يعيشون في مدينة تورنتو الكبرى وضواحيها، ولبعد سكن المؤمنين من الكنائس في مختلف الخورنات ، أو لاسباب معينة شخصية وقد لجأ أعداد منهم الى الكنائس الاخرى من غير الكلدانية،وقد تكون هذه الحالة أكثر أهمية وألحاحا لكي يبدأ مطراننا الجليل بالحد منها .

و يكون توفير الكهنة وبناء الكنائس أكثر الامور الحاحا أيضا ، فعلى سبيل المثال يسكن في تورنتو الكبرى أكثر من( 12000) نسمة من الكلدانيين ( لاتوجد أحصائية رسمية موحدة ) وتخدمهم كنيسة واحدة وهي كنيسة الراعي الصالح مركز المطرانية وكاهن واحد أُستعيض مؤقتا للخدمة،بينما هذا العدد الكبير قد يحتاج الى ثلاث كنائس أو أكثر.
ناهيك عن حاجة الخورنات الى بناء العلاقات في الانشطة المشتركة وخاصة بين فئة الشباب ،وقد يكون قلة الكهنة والبعد الجغرافي عائقا لعدم تحقيق ذلك .

بالطبع أن الخوري عمانوئيل المطران المنتخب سيوظف خبرته ومؤهلاته التي تكونت لديه من جراء خدمته الكهنوتية الطويلة في المهجر ولتمتعه بروحية شبابية ،وادارة ناجحة اكتسبها من أبرشية معروفة بادارتها المتميزة في خدمة وتطوير أبرشية مار أدي في كندا،ولوجود كهنة شباب يتميزون بالعطاء المتميز في خورناتهم والتعاون والتضامن معهم، وتشكيله للمجلس الابرشي وبالتعاون مع العلمانيين ذوي الخبرة في المجالات المتعددة وترسيخ المواهب الشبابية من أبناء الابرشية سيساعد كل هذه العوامل بان تتكلل ادارة المطران الجديد مار عمانوئيل شليطا بالنجاح والسمو لتحقيق الاهداف الايمانية المتوخاة .

اتمنى للاسقف الجديد مار عمانوئيل  النجاح الباهر والتوفيق في مسؤوليته ،ولكم تهانينا القلبية الخالصة راجيا من الرب أن يحفظه لنا.

12
                        " لا أذهب الى بغداد فقط
                      وانما لاي مكان توجهُني الكنيسة"
  د . عبدالله مرقس رابي
      باحث أكاديمي
                       عنوان المقالة جواب لسؤال الاعلامي " شوقي قونجا" في أذاعة صوت الكلدان في مشيكن الامريكية، وجهه الى الاب باسل يلدو المنتخب للرسامة الاسقفية كمعاون بطريركي في بغداد في مقابلة معه مؤخرا، - الرابط أدناه - وكان السؤال :كيف ترى الكهنة الشباب في تحملهم المسؤولية لاختيارهم أساقفة وانت ذاهب الى بغداد  الصعوبات والمخاطر ؟.
فكان جواب الاب يلدو نعم أنها مسؤولية كبيرة وليست سهلة، وانما علينا تحملها مهما تكن ، فأني لا أذهب الى بغداد فقط ، بل  مستعد الذهاب الى اي مكان آخر توجهني الكنيسة .فالكنيسة تطلب مني ذلك وعلينا ان نعتبر أنفسنا جنود ليسوع المسيح . فلابد أن أقبل هذا العطاء بفرح وسرور .
لهذا الجواب من كاهن شاب مُنتخب للاسقفية أبعاد عظيمة يعبر عنها وهو متوجه الى بغداد عاصمة أسوء وأخطر بلد في العالم ،بلد الحروب الدامية والتفجيرات المفاجئة، والفساد الاداري ،والجريمة بكل أنواعها والفقر  والخطف والقتل على الهوية وبالاخص الهوية الدينية.
فهي رسالة واضحة لمن يكرس نفسه لخدمة الكنيسة ونشر رسالة المسيح التي لا تعرف حدودا ملتهبة أو أماكن مشتعلة ،فقبوله الاب يلدو التوجه الى بغداد هو أيفاء لعهد قطعه أثناء تلبية نداء الروح القدس ليكون كاهنا في كنيسة المسيح وما عهد به من الطاعة لرؤسائه .فهو لم يفكر آنذاك بأنه سيرسم كاهنا أو أسقفا ليخدم في مكان آمن وهادىء ومناخ معتدل ومحاط بالاغنياء.ولهذه الاسباب قالها الاب باسل أنه يذهب لاي مكان فأنا جندي ليسوع المسيح ،فالجندي لا يعيش في المكان الآمن بل يكون معرضا في خدمته الى المخاطر والصعوبات الجسيمة.
فهي رسالة جريئة للآخرين ،ولمن لهم آذان ليسمعوا ،فهي نابعة من ارادته الحقيقية ،والا لاستطاع بسهولة رفض أنتخابه كأسقف للخدمة في بغداد وله فيها تجربة مريرة وقاسية ،ويبقى يخدم كاهنا في بلد الامان والتكنولوجيا التي تُسهل الحياة. وينام ويستيقظ وهو في غاية السعادة والاطمئنان، وبالرغم من أنه  في عمر الشباب فيتوقع فرص أفضل له  ،ولكن فضًل بغداد وما يجري فيها على بقائه في مكانه الآمن ،معبرا عن ذلك في أجابته لسؤال آخر من الاعلامي بقوله: انا لست أحسن و أفضل من غبطة البطريرك والاساقفة والكهنة الذين يخدمون في بغداد والمؤمنين الساكنين فيها .
أن قبول الكاهن باسل يلدو وأستجابته لمن أنتخبوه لدرجة الاسقفية والخدمة في بغداد هي تعبير فعلي وصميمي للطاعة والالتزام ، وهو أدراك عميق لسر الكهنوت الذي يحمله ،فهو فرح كما قال في سياق اجاباته ليس لانه سيكون أسقفا، بل لاختياره ليكون أسقفا ،فلا تحزنوا يقول لاحبته المودعين لاني متوجه الى بغداد للخدمة هناك بل أفرحوا فهو أختيار ومشيئة روح القدس.ويقول أن ذهابي الى بغداد هي رسالة تضامن مع من هم هناك من الاساقفة والكهنة والمؤمنين ، رسالة التشجيع للعمل اينما طُلب من الكاهن دون الاكتراث للظروف التي يمر بها بلدنا .

أختيار موفق للاسقفية

                     فضٌل غبطة البطريرك مار لويس والسيهنودس في الكنيسة الكلدانية أن يكون الأختيار للاسقفية من الكهنة الشباب لتطعيم الادارة الكنسية بحيوية من دماء شبابية لهم خبرتهم المنسجمة مع التغيرات الحياتية الحديثة والى جانب الاساقفة من الاعمار المتقدمة ،وهكذا كان رأي الاب باسل الذي هو من مواليد 1970 بالاساقفة الشباب:
 انهم يتفاعلون مع معطيات عصرنا والعقلية المعاصرة للمؤمنين التي تتأثر بالخصائص الحضارية والثقافية ،فهم يتعاطون مع التغيرات السريعة. ويدركون ماذا يريد المؤمن وبأي عقلية يفكر ،فهم أفضل من يتعامل مع التكنولوجية الحديثة ،الاعلام المتطور ، فهو سيسعى الى تطوير الاعلام الكنسي لانه يعتبره رسالة وخدمة للكنيسة وواجهة له  ،الاساقفة الشباب يدركون الضغوطات التي تتعرض الكنيسة لها وكيفية التعامل للحد منها ،مع تأكيده أيضا على ضرورة وجود الى جانب الاساقفة الشباب من المتقدمين بالعمر ،فلهم الخبرة والحكمة ومنهم نتعلم ونكيف ما نتعلمه مع المتغيرات المعاصرة في أدارة الكنيسة.
يعد أختيار الاب باسل موفقا لانه يجمع بين بيئتين مختلفتين من العمل الكهنوتي،فهو خدم في بغداد منذ رسامته كاهنا وسكرتيرا لمثلث الرحمات البطريرك مار عمانوئيل دلي ،وفي ظروف ليست أجود من الظروف الامنية والسياسية الحالية في بغداد ، وثم عمله في أبرشية مار توما الكلدانية في مشيكن الامريكية ،فأكتسب خبرة العمل في أبرشيات الانتشار التي تختلف ظروفها وبيئتها الاجتماعية والحضارية عن أبرشيات العراق،فهو سيكون كما قال عونا في تبادل الخبرات للتضامن والتعاون بين الابرشيات في الانتشار والبطريركية والابرشيات الاخرى ،فهو يتمتع بعلاقات واسعة مع الاساقفة والكهنة ومع الكنائس الاخرى ،فيمكن أن يوظفها في الادارة كمساعد للبطريرك في بغداد.
ونظرا لما يتمتع الاب باسل من تعليم عالي لكونه حاملا شهادة الدكتوراة في اللاهوت من روما وله عدة مؤلفات في مواضيع مختلفة ومقالات منشورة في مجلات مختلفة ،ستساعده هذه الميزة الثقافية والعلمية الى العمل من أجل الرقي والتجديد في ادراة الكنيسة الكلدانية نحو الافضل لكي تنسجم مع معطيات الفكر البشري المعاصر والتخلص من الترسبات التاريخية المعيقة لتكييف النظام العلائقي في الكنيسة كمؤسسة سواء بين الاكليروس أنفسهم أو مع العلمانيين لترسيخ دورهم الحقيقي والاستفادة من خبراتهم في الشؤون الكنسية.
وأخيرا نتمنى للاب باسل يلدو التوفيق والنجاح في خدمته الاسقفية ليكون عضوا فعالا في الكنيسة الى جانب غبطة البطريرك وأخوته الاساقفة والكهنة والمؤمنين أجمعين،ولتكن رسامته فرح وبشرى عظيمة ورسالة لها مغزى روحي للاخرين للاقتداء بها . 
 http://www.chaldeanvoice.com/mod.php?mod=interviews&modfile=item&itemid

13
الاخ الدكتور ليون برخو المحترم
بعد قراءتي لمقالتك القيمة والمستندة على الاسس العلمية في التحليل التي قد لا يستعين اكثرية كتابنا الاعزاء بها في التحليل والرد ،وقد استخلصت الملاحظات الاتية :
استخدم الدكتور ليون أحدث النظريات العلمية في التفسير للظاهرة الاجتماعية وتحليل النص ،ويتخذها المختصون في مختلف ميادين المعرفة العلمية لدراسة الظاهرة، كل واحد وبحسب منهجيته .وباختصار والتقريب ،أن الامثلة التي جاء بها الكاتب هي دلائل ومؤشرات دامغة لما أعتمدته هذه النظرية في التعاطي مع الاخرين المختلفين .
المعرفة ،وبما فيها العلمية ،بنظر الابستميلوجيا هي نسبية ،فما توصل اليه العلماء قبل مئة سنة كانت  معرفة حقيقية مطلقة،بينما في يومنا هذا ليست كذلك ،فالحقيقة الموضوعية تتطور تاريخيا ،وأكتمالها يتنامى مع أكتشافات جديدة .أي بمعنى آخر التعبير عن الحقيقة الموضوعية يتوقف على الظروف التاريخية الملموسة وربط الظاهرة بمتغيراتها الانية ،وعلى هذا الاساس يعتبر كل تطور للمعرفة البشرية وبما فيها تطور المعرفة العلمية تبدلا لبعض الحقائق باخرى تعبر عن الحقيقة الموضوعية بمزيد من الدقة ،وعليه لا يمكن أن تكون هناك حقيقة مطلقة بل " حقيقة نسبية ".فمعرفتنا دائما هي نسبية لانها تتوقف على مستوى تطور المجتمع وحالة العلم.فغدا قد يتضح أن معارفنا لهذا اليوم هي خاطئة ،سواء للظاهرة الطبيعية أو الاجتماعية.
 ومن اساسياتها هي الاهتمام باللغة  في تحليل النص ، لتفهم الباحث الخصائص الفكرية والثقافية الحضارية للجماعة أو المجتمع المبحوث.
 وقد ابدع الدكتور ليون في رده ودعمه لمحاولاته التحليلية للنص انطلاقا  من النظرية المعرفية ،ولكن ارى دائما بأن المعترضين على منهجه يعانون من مشكلتين اساسيتين ،أو بعبارة أخرى أن بعض من قُراء الدكتور ليون لهم مشكلتين مع كتاباته وهما :
اولا ،عدم التمييز بين الجانب الاداتي للمؤسسة الدينية الذي يمثل الاشخاص المقيمين على المؤسسة وقوانينها الموضوعة من قبلهم ،وبين الجانب الروحي الذي يمثل العقائد الايمانية أو اللاهوت ،الذي لا يُدخله الاخ ليون في تحليله أبدا ويتجنبه تماما .
وعليه أُشبه موقفه هنا بما جرى في الخمسينيات وما بعدها لعالم الاجتماع الكبير علي الوردي الذي أعترض في كتاباته على أداء وأفعال علماء الدين المسلمين وأعتراضه على تعاليمهم ومناهضته لطبيعة القيم والتقاليد السائدة في العراق آنذاك ،بعدما جاء محملا بالفكر الامريكي المعاصر آنذاك ،فجوبه بعنفوان من اصحاب الفكر المحافظ المقاومين للتقدم الاجتماعي .فتعرض الى أنواع شتى من الاعتراضات والانتقادات ،ولكن كان مقاوما فكريا لهم لاداء رسالته العلمية الاكاديمية .
وأما المشكلة الثانية ،فأن معظم القراء الاعزاء يفتقدون الى ما توصل اليه العلم ومتابعة التطورات النظرية ،وبخاصة في العلوم الاجتماعية والانسانية التي ينطلق من أسسها للتحليل والتفسير ،وباستناده لما توصلت اليه نظرية المعرفة التي تؤكد على " نسبية الظاهرة "والتي تؤكد على تجرد الباحث من أنتماءاته العاطفية والطائفية والسياسية والقومية والدينية والطبقية لكي يحقق نتائج موضوعية .أضافة الى أن الدكتور ليون يستخدم في مواضعه الكلمات المثيرة ويختار عناوين لمواضيعه تُثير القارىء التي هي من الاسس المعتمدة في التحليل الصحفي ،فهو يمزج بين اساسيات الصحافة العلمية والتحليل الاكاديمي .
 وأما الذي اراه سلبيا في كتابات الاخ ليون هو استخدامه لبعض العبارات ذات التأثير على نفسية القارىء الذي ينتمي الى المؤسسة التي يضعها في تحليله’ فلو يخفف منها لكي يحقق اسس مخاطبة الاخرين بتمامها .
اتمنى لكم عزيزي الدكتور ليون التوفيق ،فانت باحث وصحفي اعتقد على أبناء شعبنا الكلداني والاشوري والسرياني أن يفتخروا بكم لانك أحد أبنائه الذين لهم أبداعات علمية على مستوى عالمي وفي الجامعات الرصينة .
د . رابي
 

14
الاخ العزيز آشور بيث شليمون المحترم
شلاما
شكرا على مداخلتك ورأيك بمعالجتي للموضوع.
ولكن عزيزي آشور استغربت من عبارة " الاتجاه الصحيح " ،فاريد أن أو ضح الاتي: وأعتقد انه كلام مكرر في كل مناسبة
أنا أكاديمي ،لا أتعامل مع الظواهر في دراستها سياسيا أو طائفيا أو طبقيا ... الخ وانما ادرس الظاهرة واية ظاهرة كانت، فالمختصين يعتبرونها ظاهرة اجتماعية،ادرسها كما هي لا كما اريد ،مثلما وضح الدكتور ليون مشكورا في تعقيبه الاخير.
الباحث الاجتماعي يدرس ويبحث فيما يثير انتباهه في المجتمع على كل الاصعدة والمستويات والميادين الحياتية.فهناك طرق منهجية لاختيار موضوع الدراسة ،ومنها ما يُثير في الاعلام،فالاعلام وسيلة مهمة للباحث لكي تساعده في اختيار منها مواضيعه لانه اي الاعلام يضع ويرصد كل ما يدور في المجتمع من أحداث ،وبعدها يأتي دور الباحث .
فأنا اليوم أفكر هكذا وغدا أفكر بطريقة أخرى معتمدا على المعطيات والمستجدات التي تحصل على الظاهرة وما اكسبه من معلومات من المحيط ،والا ماهو الفرق بين الباحث والسياسي المؤدلج.
فكتبت  مثلا دراسة عن  جرائم ذوي الياقات البيض اي الاغنياء فاني لم أجامل الاغنياء على حساب دراسة ميل بعضهم للاجرام المدمر.وتطرقت عدة مرات الى الظواهر السلبية في الكنيسة الكلدانية ،فلم أجامل لاني كلداني ومنتمي اليها ،هذه أمثلة دونتها لكي تتأكد أخي العزيز أنا اكتب باتجاه الاكاديمية،تاركا ورائي الانتماءات السياسية والطائفية والطبقية ... الخ
واخيرا
اعتذر من القراء الاعزاء والمعقبين منهم باني سوف لم أرد لان الموضوع اخذ مداه والفكرة واضحة ،ومن جهة اخرى ما كنت اتصور بان الرد على التعقيبات يأخذ الكثير من وقتي .
ولا يسعني الا ان أشكر الاخوة مارتن البازي وفادي الفادي اللذان أعقبا مؤخرا ،وما جاء به من ملاحظة قيمة الاستاذ سامي خنجرو في مداخلته الاخيرة ،وعلى ما وضحه الاخ الدكتور ليون برخو في رده الاخير.
دمتم جميعا والى اللقاء في دراسة قادمة.
د . رابي

15
الاخ العزيز موفق نيسكو المحترم
تحية
اتمنى لك دوام الصحة والعافية
شكرا على جهودك المبذولة لكتابتك الرد على دراستي وليس بحث كما تفضلت او مقال ،فهناك فرق بين الدراسة والبحث .
لي الشرف للتعرف على حضرتك ،و قد قدمت نفسك " رجل تاريخ " لا أدري ما المقصود بهذا المصطلح حيث لا يوجد في التداول العلمي مثله .وان كنت تقصد مختص في التاريخ او باحث هاوي او كاتب عن الخبرة فكنت اتمنى لو وضحت اكثر لانه هناك فرق بينهم  لاني اعمل في العمل الاكاديمي منذ عام 1983 في بغداد والموصل ولم اسمع عن الاخ موفق نيسكو مؤرخا،ولكن أقرأ أحيانا مقالاتك في المواقع الالكترونية،ولم يصلني كتاب أو ما شابه من حضرتكم، وحتما لكنت اعرفك لاني من صنف العلوم الاجتماعية والانسانية وكل عملي هو في كلية الاداب والذي اعرف فقط من الاخوة السريان كمؤرخ أكاديمي هو الاستاذ الدكتور يوسف الطوني ،وعلى كل حال لي الشرف الكبير للتعارف عليكم واعتبرني صديقا لكم اذا رغبتم بذلك.
أخي موفق القدير
  كما قلت اعلاه انك اجهدت نفسك كثيرا في كتابتك للرد ،وذلك لاني أشرت عدة مرات الى ان دراستي هذه هي من منظور سوسيولوجي اي علم الاجتماع فلا علاقة لي بالتاريخ ابدا وليس باللاهوت أيضا ،فهناك فرق بين المؤرخ والثيولوجي والاجتماعي والنفسي والاثاري في دراسة الظاهرة فكل واحد له خلفيته المنهجية ودراسته الاكاديمية المختلفة ،مع ان هناك تداخل بين العلوم لكن يظل كل علم محتفظ بمنهجيته في البحث والدراسة .فارجو ان تحصى كم مرة وكم مناسبة اكدت في سياق الدراسة اني لست لاهوتيا واني انطلق من علم الاجتماع وعليه .
اولا :  انااخترت موضوع الدراسة وفقا لقواعد اختيار موضوع الدراسة التي هي اول خطوة من خطوات البحث العلمي الاجتماعي"فلست مؤرخا لكي تصحح لي عنوان الدراسةالتي اعتمدت على منهج دراسة الحال الذي قد يكون على مستوى فرد أو جماعة أو مجتمع فمثلا ممكن ان اتناول فردا معينا للدراسة مثل ما عملت ولا يحق لي منهجيا اختيار اثنين او اكثر،او اختار جماعة مثلا ككنيسة او مدرسة او فريق كرة قدم او مجتمع معين باكمله "ممكن مراجعة كتب في البحث العلمي الاجتماعي رجاءا للمزيد من المعلومات "
ثانيا : انا لم اقوم بعملية تحقيق تاريخي لظاهرة ما مثلما يقوم به المؤرخ المختص وأنما اقتبست عبارات فقط واعتبرتها مؤشرات للدراسة لكي تتضح البيئة النفسية والاجتماعية التي عقدت فيها المجامع  فانا لم اكتب تاريخ ،وهذه العبارات اقتبستها تحديدا من المصادر المشار اليها ادناه ولم اغير العبارة أبدا .فعندما قرات عدة مصادر وشاهدت ان هذه العبارات مكررة فيها ومؤلف قد اعتمد على اخر اقدم منه وهكذا فرجعت الى كتاب الاب البير ابونا الشهير في وسط شعبنا الكلداني والاشوري والسرياني فاقتبست منه العبارات.
ثالثا : انا لم ادرس ما ناقش المجتمعون ابدا فليس لي عبارة واحدة عن ما هي طبيعة المناقشات وماذا ناقشوا ابدا، لانه ذلك من اختصاص اللاهوت،وانما دراستي هي عن البيئة اي بيئة المجامع وليس البيئة الطبيعيةلا تتوهم رجاءا،ولم اكتب عن افكار اي واحد من المناقشين سوى كان مار نسطوريوس موضوع دراستي او اوطيخا او قورلس او غيرهم فافحص الدراسة جيدا واذا اكتشفت هناك الاشارة الى تعليم من تعاليمهم فلك كل الحق .
رابعا: انا لم ازور او اغير في التاريخ لاني اصلا لم اكتب دراستي في التاريخي فلم اقوم بتحقيق تاريخي وقلت هذا خطأ او هذا صحيح وهذا حدث وهذا لم يحدث وهذا تناقض او لا.فانا كتبت تحليلا اجتماعيا لبيئة المجامع وفقا للمؤرخين وليس اجتهادا مني كما تتصور .
خامسا : في سياق ردك كتبت عبارة " انك تقول وتكتب ما دونته من المصدر " لم اقل انا وانما قلت قبل البدء بتدوين العبارات انها مستلة من كتاب الاب البير ابونا كما هي ووضعتها بين قوسين كما تلاحظ ،اي للامانة العلمية لكل كاتب أن يضع المقتبس بين قوسين وهذا ما عملت اخي العزيز ،فهذه ليست عباراتي لاقولها .
سادسا : عزيزي الاخ موفق انا لم اهرطق أحدا كما تقول ولا ابري أحدا من الهرطقة هل انا الديان لكي اقوم بذلك ؟ انا درست الهرطقة بمفهومها السوسيولوجي وليس الديني فما لي من اوطيخا او غيره لكي اهرطقه لو تمعنت في الدراسة جيدا لعرفت انا ضد اية محاولة للهرطقة لانها لا تتماشى مع الفكر البشري المعاصر ، وانا بالمناسبة لم امنح قانونا لتبرئة مار نسطوريوس او غيره والذين هرطقوا بعضهم وانما درست الاجابة على سؤال لماذا نهرطق ؟
سابعا :اخي موفق العزيز قلت انك لست سياسيا وعليه لاينسجم قولك مع ذلك " لتقول لي انها ليست دراسة علمية وانما محاولة للتعاطف مع السريان النساطرة،علما اني لم اقرا واسمع بهذا القوم من قبل فهل تقصد الاخوة الاشوريين النساطرة ؟ اذا كان ذلك فاذن دخلت ضمن الساسة والتسييس لانه لايمكن لكاتب اكاديمي الغاء قوم او شعب لانه يدرس الظاهرة كما هي لا كما يريد .وايضا ليس معقولا بان تقيم دراستي انها علمية او لا ، لانك غير مجاز في علم الاجتماع وانا قلت دراستي هي في علم الاجتماع ولا يقيمها احد الا بروفيسور في علم الاجتماع وبعدد ثلاث كما هو معروف في السياق الاكاديمي ،فلو قلت ان دراستي هي في التاريخ فلك كل الحق ومعك اثنان اخران وبمستوى بروفيسور في التاريخ ،ارجو ان لا تاخذ ما ذكرت من مسالة التقييم هو اني لا احترم وجهة نظرك ، لا ابدا اني احترمها جدا ولكن تقيس انها علمية او غير ذلك فهذا غير مقبول اكاديميارجاءا.هذا هو السياق المعمول به في كل الجامعات في العالم .
واود ان اذكرك اخي موفق بالنسبة للتعاطف مع غيري اذا كنت تقصد الاخوة الاشوريين من الكنيسة الشرقية ،فارجو ان تلاحظ ان 4 اشوريين فقط من المعقبين واشادوا بالدراسةو12 من الكلدان و4 لم اتمكن من تحديدهم لانهم اسماء مستعارة و1 سرياني هو حضرتك، فلمن تعاطفت؟ولست سياسيا لكي اتعاطف فلم انتم لحزب من احزاب شعبنا الرافديني ولا حزب اخر انا حاليا باحث اكاديمي متقاعد وليس غير.
واخيرا اقول جهودك مشكورة ولكن لا علاقة لها بالدراسة ،وكما اشكر الاخ لوسيان الذي سبقني في الرد واكد ان الدراسة هي من منظور سوسيولوجي واذا تسال اي مختص سيكون ذلك جوابه .شكرا ادامك الرب
المصادر المعتمدة هي عديدة ولكن العبارات مقتبسة من المصدر الاول ومن الثاني وقرات مصادر عديدة للمقارنة والتاكيد ولكن ساسجل لك فقط الاتي لانه من حقك ان تطلب المصدر ولو لسنا نحن في مناقشة قضائية لان حتى في مناقشة دكتوراة او ماجستير لا يثير المناقش هذا السؤال ولكن لاني اشرت اسفل الدراسة المصادر موجودة بحوزتي فساكتب منهااحتراما لك ولجهدك.
الاب البير ابونا ، تاريخ الكنيسة الشرقية ، الجزء الاول ،الفصل السادس المعنون أفسس وخلقيدونيةمن ص 78 والى ص 94
 أدي شير ،تاريخ كلدو واثور ،المجلد الثاني الفصل الثامن من ص 128والى136
عشرات مجلات نجم المشرق وفيها مقالات لاباء الكنيسة نفسها عن الموضوع
Chrisopher Baumer;The Church of The East :p 42 وما بعدها.رجاءا قارن العبارات المقتبسة ،واذا ظهر خطأ قد يكون غير مقصود وانما عشوائي.
تحيتي ومحبتي
د . رابي

16
الاخ العزيز ثائر حيدو المحترم
تحية
شكرا على مداخلتك و تقييمك للمقال ،وكما أشكرك على مقارنتك بين ما يتميزون به رجال الدين في الماضي والحاضر  ، ونتمنى أن يتم تسوية المشكلات القائمة في كنيستنا بأذن الرب باسرع وقت.
تحيتي
د . رابي

17
الاخ العزيز أيشو شليمون المحترم
تحية
 شكرا على مداخلتك القيمةوكلماتك الجميلةالمعبرة ،كما اشكرك على الرابط الذي وضعته لزيادة المعلومات القيمة التي يحتويها الرابط تلك المرتبطة بالاشكالية اللغوية واللاهوتية ليكون مكملا لموضوعي الذي تناولته من منطلق سوسيولوجي
تحيتي
د . رابي

18
Mr. David Ankawa
Thank you for your input, and I appreciate your kind admiration
Dr. Rabi

19
الاخ  المهندس سامي ديشو خنجرو المحترم

تحية وتقدير

حسنا عملت أنزلت موضوعك الرائع هذا عن اللاهوت لكي يكون مكملا لموضوعي الذي تناولت فيه المسالة من منظور سسيولوجي، لنعطي للاخوة القراء نظرة تكاملية عن الموضوع،ومن هذا المنطلق تكون العلوم متكاملة مع بعضها وهذه هي الصيغة المطبقة في عصرنا في البلدان المتقدمة ،فلا يمكن  اختصاص معين الاستغناء عن غيره فكل ميادين المعرفة العلمية مكملة لبعضها .

عاشت ايدك على الموضوع ،وقد قرأته سابقا فهو تحليل علمي موضوعي عن الانشقاقات الكنسية ،وقد عالجته بنظرة معاصرة يتقبلها القارىء.

تحيتي ومحبتي

د . رابي

المصدر http://www.mangish.com/forum.php?action=view&id=8017#ixzz3PzkwMlmn

20
الاخ أبا جون المحترم
تحية
شكرا على مداخلتك وكلمات الثناء وما وضعت من معلومات ترتبط بالاحداث التاريخية والكنيسة.
بالطبع هناك علاقة وقد تكون احد اسبابها بين النهضة الفكرية في اوربا وانتقال العلماء واللاهوتيين من العاصمة البيزنطينية الى ايطاليا وثم انتشارها في عموم اوربا .فالاتصال الحضاري بين المجتمعات هو أحد العوامل لاكتساب المعرفة والتقدم العلمي والنهوض بالمجتمع.وهكذا نرى ان البلدان النامية " النائمة " في عصرنا وهي لا تحرك ساكنا بل تعتمد على الاتصال الحضاري مع المجتمعات الاخرى لتحاول تطوير مجتمعاتها.
ولابد من وجود تداخل أيضا بين المذاهب الدينية على أساس تفسير الانتشار الحضاري .
تحيتي ومحبتي
د. رابي

21
الاستاذ العزيز الشماس  القدير بطرس آدم المحترم
تحية
شكرا على مداخلتك القيمة وتوضيحاتك حول الدراسة وآراء بعض الاخوة المعقبين ،كما أشكرك على رأيك بما أكتبه من مقالات ودراسات .
الشماس القدير:
أنا معك تماما أن صراع الامبراطوريتين كان أحد أسباب انتشار التعاليم النسطورية أضافة الى عوامل أخرى وهي باعتقادي ،وجود لاهوتيين كبار تبنوا تعاليمه ونشروها بالاضافة الى كون أفكاره أكثر قربا للعقلية البشرية مما ساعد على أدراكها، والا لماذا استمرت بالانتشار بعد سقوط الدولة الساسانية وثم الفارسية وترسخت في المنطقةشرقا.وعلينا اخي الشماس ان لا ننسى أنه في الجانب الاخر أيضا لعبت السلطة والقوة في منع انتشار تعاليم نسطوريوس وبالمقابل رسخت أفكار خصمه وكما تشير أحداث المجامع الكنسية التي جرت في ظل الدولة البيزنطية وبطلب من الامبراطور نفسه ،فلو افترضنا كما قلت في احد الردود أن السلطة رجحت أفكار نسطوريوس على خصومه لكان الان معظم المسيحيين من النساطرة .
وأما عن أستغلال المقال من قبل بعض الاخوة لأجل التهجم على الكنيسة فأمر غير مقبول عندي ،فكل الكنائس لها أخطائها في مسيرتها التاريخية بدون أستثناء، فهكذا نرى كنيسة روما تعلن عن أخطائها وتحاول أيجاد صيغ أخرى في التعاطي لمنع تكرارها ، وما الرؤية الفكرية لقداسة البابا فرنسيس الحالي الا نبراسا مضيئا لوضع أسس موضوعية منسجمة مع معطيات العصر لتتحرك الكنيسة الكاثوليكية وفقها ونتمى من كل الكنائس أن تبدي مثل هذا التحرك وأخص بالذكر الكنيسة القبطية الارثودكسية.
فالغاية من هكذا مواضيع
تكون للتبصير وأثارة المعنيين للعمل نحو الافضل لخدمة الكنيسة .فأنا طرحت الموضوع في سياق غير لاهوتي تماما ،وانما من الاستناد الى اساسيات الحقل المعرفي الذي اختص به.
تحيتي ومحبتي
د . رابي

22
الاخ والاستاذ القدير جاك الهوزي المحترم
تحية
شكرا على مداخلتك القيمة التي تفضلت بها ،فهي حتما تُضفي قوة للدراسة هذه .
انا معك تماما لا زلنا كعلمانيين جميعا وبدرجات متفاوتة نعيش بعقلية الترسبات القديمة التي اصبحت جزء من أفكار البعض بحيث تؤثر في تعاطيهم الفكري والعلائقي مع الاخرين ،ولا تنسى اخي العزيز أن العديد من رجال الدين هم أكثر تمسكا بتلك العقلية مما تؤثر على المشاعر الايمانية للمؤمنين وتعرقل المسيرة الكنسية.
تحيتي ومحبتي
د . رابي

23
أخي وصديقي العزيز نبيل دمان المحترم
تحية
 شكرا على كلمات الثناء الرائعة من لدنكم تجاهي وثقتكم بنا لدعوتكم للاستمرار بالكتابة،فسوف أعمل ما بوسعي أن اكتب بشمولية في تفسير الظواهر والاحداث منطلقا من الفكر الوضعي ونابذا النزعة العاطفية التي تجعل من الباحث متحيزا في نظرته وتفسيره للظواهر الاجتماعية أو غيرها .كن مطمئن اخي العزيز طلبك سيكون دائما في ذا كرتي.
وأود القول انني من المعجبين بكتاباتك الهادئة والجميلة التي ارى انك تتوخى منها دائما أهداف انسانيةرائعة.
وكما انني دائما أتذكر لحظة تعارفنا على المائدة المستديرة في احدى نوادي ساندييكو الاجتماعية بصحبة أصدقاء آخرين قبل اربعة أعوام ،فكانت لحظة مُشرفة وممتعة ومقترنة بالسعادة لانها لحظة تعرف على كاتب رائع مثل نبيل دمان
تحيتي ومحبتي
د . رابي

24
الاخ المهندس عبدلاحد قلو المحترم
تحية
شكرا على مداخلتك والتعبير عن رأيك .
واود أن أبين الاتي بالنسبة الى استغرابك من انتشار التعاليم النسطورية :
اعتقد من وجهة نظري ودراستي وتدريسي لعلم الاجتماع الديني وما تراكمت من خبرة متواضعة عندي عن هذا الموضوع ،بان الافكار التي جاء بها مار نسطوريوس كانت الاقرب من غيرها الى العقلية البشرية وادراك الحواس لها لانها تميل الى التفسير العلمي أكثر من الميتافيزيقي المجرد.أضافة الى وجود مؤيدين كثيرين من  كبار لاهوتي عصره مما لم يتم أخماد تعاليمه في مكانها كما أُخمدت بدع فردية كثيرة في مكانها وتقييد انتشارها كما يذكر لنا التاريخ .وثانيا ساعدت الدولة الساسانية في ترسيخها ونشرها مثلما جرى في الجانب الاخر الذي تغض النظر فيه ،اي الامبراطورية البيزنطية التي تدخلت عن طريق الامبراطور نفسه وبقوة سيوف الجنود في ترجيح الافكار كما يشتهي الامبراطور وحاشيته وزوجته في المجامع الكنسية المذكورة في دراستي ،فلو افترضنا جدلا أن السلطة والقوة كانت لجانب نسطوريوس وليس قورلس أ لم يكن معظم المسيحيين اليوم نساطرة؟
فلماذا نقول علينا دراسة الظاهرة بشمولية وليس احادية التفسير.
أما رايك وهذه وجهة نظرك على كل حال عن ان التعاليم النسطورية كانت سلبية على الكنيسة المشرقية .طيب ان تلك التعاليم حافظت على وحدة الكنيسة المشرقية الى القرن السادس عشر الميلادي،أ ليس صحيحا ؟ .ولكن في الطرف الغربي كان هناك اربعة  كنائس متفرقة في التعاليم والتي هي الكنيسة البيزنطية والانطاكية والاسكندرية والرومانية في روما.
 واما منذالقرن المذكور انقسمت الكنيسة المشرقية وبنظرة موضوعية لسببين رئيسيين نظام الوراثة للسدة البطريركية مع ازدياد نفوذ كنيسة روما عبر ارسالياتها في الكنيسة التي كانت الى ذلك اليوم موحدة في ظل التعاليم النسطورية ولم تقسمها ، أضافة الى عوامل حب السلطة والمطامع الشخصية والفقر لشعبنا آنذاك والتخلف الصحي وغيرها ،وليس هذا فحسب هل كانت التعاليم النسطورية سائدة في الكنائس الاخرى لتقسمها عقيدة وشعبا ؟ فمن قسم الكنيسة البيزنطية الى قسمين روم كاثوليك وروم ارثودكس وقسم اخر كنيسة اليونانيين  والقبطية اقباط ارثودكس واقباط كاثوليك
 والانطاكية سريان ارثودكس وسريان كاثوليك وظهور كنيسة المارونيين المنشطرة من السريان أيضا والارمن كذلك ومع استحداث بطريركية اللاتين في القدس ،كل هذا جرى ولكن بغياب التعاليم النسطورية .أ ليس التقسيم أحد أسبابه الكنسية الرومانية ؟ واقول أحد اسبابه.وناهيك عن الانشقاقات التي ظهرت في العالم الغربي منذئذ وبلغت ذروتها الى المئات وبغياب التعاليم النسطورية.
اخي العزيز عبدالاحد لكي نفسر الاحداث بشمولية علينا الابتعاد عن النظرة الاحادية  لكي تكون نتائجنا اكثر موضوعية.
فالحقيقة يمكن حجبها بالغربال وذلك بعملية بسيطة وضع عليه قطعة قماش داكنة وثم حتى اشعة الشمس سوف لم تخترقها!!!!
علما اني لست من المؤيدين لاستخدام الامثلة الشعبية في كتاباتي .واني احترم رايك واعتز دائما بكل الاراء.
تحيتي ومحبتي
د . رابي

25
الاخ الرائع قشو ابراهيم المحترم
شلاما وايقارا
شكرا على كلمات الثناء الرقيقة والمشجعة والراي القيم وثقتكم بما اكتب ورضاكم عنا والمكتوبة بلغتنا الجميلة.
 اني معك بقولك :انه في الايمان المسيحي لا يوجد ابطال او تجريد البطريرك من كهنوته ،ومع الاسف هذا الذي حصل لمار نسطوريوس مما يدل على التدخل الانساني بكل تفاصيل القضية واستخدام القوة والاستعانة بالسلطة الامبراطورية في تجريده من منصبه البطريركي ونفيه،فمن هنا نقول لابد من تغيير اتجاهات الكنائس بعضها تجاه البعض لكي تنسجم مع تطور الفكر البشري المعاصر
تحيتي ومحبتي
د . رابي

26
الاستاذ القدير يوسف شكوانا المحترم
تحية
شكرا جزيلا على كلماتك المشجعة والجميلة والمؤيدة لدراستي هذه ،وكما لتفضلكم لقرائتها .
اتفق معك تماما أن اللاهوتيين هم الذين يتقنون التعاطي مع المفاهيم التي يتوصلون لضياغتها وتحديد أطارها الفكري التجريدي وعلاقتها بالمفاهيم الاخرى بالطريقة الاستنباطية العقلية ،ولهذا السبب تكون معقدة وغير قابلة للاستيعاب من الاخرين بسهولة ،لانها من استنتاجاتهم العقلية الفردية دون استخدام الحواس الاخرى لتحديد اطارها الفكري .وهذا هو الفرق بين اللاهوت الحديث الذي يؤكد على ربط ما جاء في الكتاب المقدس بالبيئة التي نبعت وحدثت فيها ودون تناولها حرفياواللاهوت القديم ،وبهذا يكون اللاهوت قد اقترب من الفكر الوضعي المعاصر .
كما أشكرك على ما اضفت من معلومات تدعم الدراسة واخص بالذكر ما استعنت به من كتاب الاستاذ نجيب اسطيفان وأطروحة أختك الكريمة في اللاهوت بحسب ظني .وكما عجبتني أمثلتك الرائعة لتقريب الفكرة للقارىء العزيز فشتان بين امثلتك والامثلة الشعبية التي قيلت في مرحلة فكرية تأملية استنباطية من الفكر البشري  والت اعتمدت على الخبرة الانسانية،ومع الاسف لا يزال البعض يستخدمها في تفسيراتهم .
اخي يوسف :تساؤل مهم في نقطة 6 من تعقيبك ،وهذا يرجع برأي الى الازدواجية في التعاطي بصورة لا شعورية التي يعاني الفرد منها لعدم ادراكه ما يجري وجرى من جهة وما تلقاه من التنشئة الاجتماعية من اسرته , بالاضافة الى ماتفضلت به ،ان هرطقة مار نسطوريوس لم تكن لاهوتية بل انسانية ،والا لم تنتشر الى اقاصي الشرق في سومطرة ،فهي لم تكن ببدعة فردية بسيطة قراناها في التاريخ وخمدت في مكانها ..
تحيتي ومحبتي
د. رابي

27
الاخ والاستاذ القدير عبدالاحد سليمان المحترم
تحية
شكرا على رايك القيم فيما اكتب دائما .
اتفق معك تماما انه حدثت اخطاء في المسيرة التاريخية للكنائس أجمعها لاسباب باتت معروفة ،كما تفضلت منها غلبة النزعة الانسانيةلدى الاكليروس والمطامع الشخصية في المناصب.وما كتاباتنا نحن العلمانيين الا وسيلة للتبصير العلمي للمعنيين ،فالتبصير هو أحد الوسائل التي يرجع المختصين اليه لدراسة ومعالجة المشاكل وتجاوز الاخطاء معتمدا على مبدأ أن الفرد أو الجماعة لايمكن ان يرى أو يتحسسواالخطأ في ذواتهم .لذلك هم بحاجة الى التبصير وكل واحد منا ،فهذا هو هدفنا ،ونترك التنفيذ لاهل القرار كما تفضلت .
اكرر شكري اخي عبدالاحد فان اراؤكم مقبولة عندي لتجردها من النزعة العاطفية
تحيتي ومحبتي
د . رابي

28
الاخ نوئيل رزق الله المحترم
تحية
شكرا على مداخلتك باضافتك للمعلومات التاريخية التي تبين بوضوح كيف حدث التعاطي مح وقائع المجامع الكنسية
تحيت ومحبتي
 د . رابي

29
أخي العزيز زيد المحترم
شكرا لمداخلتك القيمة والرائعة وخاصة تاتي من صحفي متالق ومتالم لما تمر به كنيستنا المشرقية ونحن نشاركك الالم ذاته،عبرت اخي زيد بصراحة عن رايك ولك مبرراتك التي تقتنع بها ،فهدفنا هنا هو لتبادل الاراء والاستفادة منها لمعالجة الامور المطروحة .
اخي زيد القدير
اود ان اوضح الفكرة هذه وباختصار وارجو ان وفقت لتوصيلها:
المجتمع البشري برمته يمر بمراحل حضارية ،ولكل مرحلة خصائصها الفكرية والاجتماعية والدينية والسياسية ...الخ ولكن طالما أن المجتمع البشري مقسم الى مجموعات بشرية لعوامل تاريخية وبيئية منذ القدم واطلقت عليها تسميات مختلفة لسبب واخر،فعليه يؤكد العلماء بان تلك المجموعات البشرية مرت بالمراحل الحضارية نفسها وبأزمنة متفاوتة أي بعضها سبق الاخر لعوامل متعددة ،فبعضها استمرت بالتقدم واخرى اخفقت .
فالمجتمع الغربي قد مر بنفس المراحل التي مر بها المجتمع الشرق اوسطي بتناحرات وتقاطعات والى الحرب العالمية الثانية وثم بدات المجتمعات الغربية تتعاطى بالعقلية المعاصرة بكل ابعادها،في الوقت الذي كانت مجتمعاتنا متقدمة جدا عنها ولكن لظهور الديانة الاسلامية التي جاءت بمفاهيم رسخت مما كانت عليه القبائل من عقلية، والحديث عنها طويل وهي معروفة فتراجعت مجتمعاتنا تدريجيا وبالمقابل تطورت الغربية ،وهنا تتساءل وتقول وما لنا نحن ؟ نعم اننا كنا على مدار 1400 سنة ولا يزال تحت تاثير تلك العقلية شئنا ام ابينا لانها اصبحت العقلية التي تدير شؤون المجتمع،فلا زلنا في تقاطعنا واختلافنا مستمرين ،وعليه هو هدفنا الان من اعادة النظر الى الظواهر بعقلية تتلائم مع العصرنة الحديثة لنتسلخ من العقلية القديمة.
على كل حال الحديث مطول لربما يحتاج الى دراسة مفصلة
تحيتي ومحبتي
د. رابي

30
الاخ يوهانس المحترم
تحية
شكرا لقرائتك للدراسة ،وارجو أن لا تتسرع باصدار الحكم ،كما الاحظك في معظم ردودك على الاخوة الكتاب ،ان وضعك الرابط في مداخلتك  لمقال فيه معلومات عن مار نسطوريرس لهو دعم عالي للدراسة واعطيت مثلا رائعا على ان كيف يهرطقون بعضهم فالذي هرطق النساطرة نفسه يهرطق كافة المسيحيين وبما فيهم الارثودكس  الاخرين كما ذكرت في متن الدراسة فوفقا لتعاليم قورلس ليس مقبولا سر عمادك المسيحي فاذا ترغب بالزواج من واحدة من اتباع قورلس اي الاقباط الارثودكس عليك وعلى اي واحد ان يتعمذ من جديد ،بمعنى اننا هرطوقيين من وجهة نظرهم،فلماذا تسارعت اخي العزيز لوضع الرابط ،فهنا ليس لكي تعطي للقارىء صورة عن نسطوريرس بل لكشق من يهرطقه ،وكيف كان قورلس هرطوقيا من قبل الاخرين فلا مجال هنا للحديث عنه/ علما اني اكدت مرارا من خلال متن الدراسة لا علاقة لي بما قال المتخاصمين والمهرطقين لبعضهم وانما تناولت الموضوع وفقا لاختصاصي المعرفي.
على كل حال اتمنى لك التوفيق دائما
تحيتي ومحبتي
د .رابي

31
الاخ الدكتور ليون برخو المحترم
تحية الى الصحفي اللامع من أبناء شعبنا الذي يسلط الضوء دائما على الظاهرة التي تخصنا جميعا مما يحفزنا للكتابة عنها لكي تتكامل دراستها من أبعادها المختلفة .وشكرا لمداخلتك القيمةوالمعبرة .
نعم اخي ليون نحن بحاجة ماسة الى دراسة ماضينا وعلاقة كنائسنا مع بعضها بعقلية منفتحة تتلائم مع معطيات العصر الحديث ،وليس بمذهبية الهرطقة وكيل الاتهامات ،بل احترام الراي المتبادل والفكر ،وتاكيدا لما تفضلت فان الكنيسة هي بحاجة الى التنوير الفكري لتنسجم مع التغيرات المجتمعية السريعة.
تحيتي ومحبتي
د . رابي

32
الاخ العزيز المهندس سامي ديشو المحترم
تحية
شكرا لمداخلتك القيمة وكلماتك الجميلة المشجعة دوما ،وانا بدوري أثني على ماتكتبه لنا من مقالات قيمة وثرية بالمعلومات عن كنيستنا المشرقية متناولا اياها بموضوعية وبطريقة مجردة من النزعات الانتمائية
تحيتي ومحبتي
د . رابي

33
الاخ لوسيان المحترم
تحية
شكرا على مداخلتك ،ولما تفضلت من أجابة لتساؤل الاخ سامي
نعم ان افكار مار نسطوريرس انتشرت في مناطق واسعة بهدوء وامان بحيث وصلت الى سومطرة شرقا ،وعليه لابد من تسليط الضوء عليه بمنهجية فكرية معاصرة تتوافق مع معطيات العصر الحديث ،لطالما يستفيد منها المعنيون .
تحيتي ومحبتي
د . رابي

34
الاستاذ القدير والكاتب اللامع والهادىء المتزن
الاخ العزيز خوشابا سولاقا المحترم
تحية
تُزيدني شجاعة واتحمس اكثر للكتابة الاعلامية عندما ارى في الحقيقة كتاب من أمثالك يكتبون ويطرحون ويحللون الظواهر بطريقة علمية موضوعية التي تعد مؤشرا واضحا بانك تتمتع بمعرفة واسعة وخبرة حياتية ناضجة رائعة ،وكما أظن انك سياسي ،فقليل من السياسيين يكتبون بطريقتك المجردة من الايديولوجية السياسية .
تعجبني فيكم الروح الوحدوية وبطريقة تؤكد عليها دائما في طروحاتك بحيث تفرض الاحترام المتبادل بين مكونات شعبنا الرافديني الاصيل ومذاهب كنيستنا المشرقية .
نعم اخي خوشابا ( للعلم اسمي ايضا كان خوشابا ،وهناك قصة كيف أصبح عبدالله من جراء كاتب النفوس في منكيش )- لتلطيف الجو - قرأت مقالك الموسوم " ما كتب من قبل البشر في تطبيق العقيدة المسيحية كطقوس وتقاليد ليس مقدسا بل يمكن تغييره "ففي الحقيقة لا أخفي عليك أنها كانت احدى الدوافع الاساسية التي دفعتني الى اجراء الدراسة هذه لدعم ما جئت به من افكار قيمة موضوعية فهذه الدراسة هي مكملة لما طرحت في مقالك ،أضافة الى ما كُتب من قبل بعض الاخوة ولكن بطريقة مثيرة للمشاعر نحو الاخرين مع الاسف ،فحاولت طرح أفكاري بالموضوع بطريقة تخص ميدان عملي .ولربما تتساءل لماذا لم ارد او اعلق على مقالتك فاختصر السبب " مشاغل المهجر ".
ختاما، شكرا لكلماتك الجميلة المشجعة ورأيك القيم في الدراسة
تحيتي ومحبتي
د . رابي

35
الاخ سامي المحترم
تحية وتقدير
شكرا على قرائتك للمقالة وجهودك في وضعك الاستفسارات ،وهذا جواب عام لاسئلتك ارجو ان وفقت لينال رضاك:
 بالطبع ان المفكر الكنسي مار نسطوريوس يصلح ليكون مثالا وليس المقصود أنه المثل الاعلى ،انما،الدراسة أصلا تدور حوله ،فهذه اخي سامي طريقة تسمى في البحث العلمي الاجتماعي " دراسة الحال " كأحدى طرق دراسة الظواهر ،ولما كان لعهود طويلة ولا يزال مثار اهتمام الاخرين لفكره اللاهوتي وهو موضوع الساعة المطروح لوحدة كنيستنا المشرقية ،فكانت الدراسة محاولة لتسليط الضوء على ملابسات الظاهرة ومتغيراتها لعله يمكن الاستفادة منها،واما انه هرطق الاخرين فان الاخرين ايضا اتهموه بالهرطقة ،فلما كانت الهرطقات متبادلة فيعني لابد من اعادة النظر بما حصل بحيث ينسجم كما قلت مع متطلبات التقدم الفكري المعاصر،فالفكر الحديث لايدرس الظاهرة وهي مجردة من المتغيرات المرتبطة بها ،وللاستزادة وكما ذكرت في الدراسة محاولتي هي سوسيولوجية ولم اتطرق الى ما قاله نسطورس وكيف اختلف مع غيره بل اهتمامي هو لماذا وهل علينا هرطقة الاخرين ؟وهذا ما اجابت الدراسة عنه .
أما سؤالك :هل التناول العلمي للظواهر يسمح بتغيير البديهيات ،فانه سؤال مبهم بالنسبة لي لم اتمكن من معرفة المقصود به تماما .
شكرا وتقبل تحياتي
د . رابي

36
الاستاذ القدير والكاتب المتميز الاخ انطوان الصنا المحترم
تحية
أني بصراحة اقولها اخي انطوان ،ان ردودك الهادئة على الاخوة الكتاب سواء كانوا متفقين معك أو مخالفين لرايك ، وما تكتبه من خلال رصدك للظواهر ومحاولتك ربط المتغيرات ببعضها يجعلني القول انكم بحق تمتلكون الروح الابداعية في العمل الصحفي والتحليل السياسي ،واما مرورك لقراءة المقال هذا هو اضافة رائعة لمداخلاتك التي لا يمكن الاستغناء عنها لما تضيفه من معلومات اخرى قيمة النابعة من خبرتكم المعرفية ،فلك الشكر لكلمات الثناء ووصفك المقال كدراسة موفقة،واني متفق معك تماما في قولك ان تواكب الكنيسة العصرنة وبدون المساس بالثوابت العقائدية ،وثم طرحك لموضوع مشاركة العلمانيين بادارة الكنيسة ،وان يشمل ايضا وضع الافكار والطروحات العلمية فلا غرابة أن أشهر اللاهوتيين في جامعات العالم هم من العلمانيين .
تحيتي ومحبتي
د. رابي

37
الاخ أحيقر يوخنا المحترم
تحية وتقدير
شكرا على مروركم لقراءة المقال ،واقدر مشاعرك النبيلة المعبرة في رغبتكم لوحدة كنيستنا المشرقية ،وما علينا نحن العلمانيين أن نقدم آراءنا لعله يستفيد منها أصحاب الشان من رجال الدين كما تفضلت ليدرسوا هذه الاشكالات ويعيدوا النظر فيها ،فالمجتمع البشري يعيش في مرحلة فكرية الكل يساهم في وضع الافكار للدراسة والمعالجة .
تحيتي ومحبتي
د . رابي

38
                    هل يجوز هرطقة ألآخر بسبب الاختلاف؟
                           مار نسطوريوس مثالا

د . عبدالله مرقس رابي
    باحث أكاديمي
                 
              مقدمة
                             يكتب بعضٌ من الكتاب عن مواضيع مثيرة لمشاعر القارىء بحيث تُكون لديه مواقف سلبية تجاه الاخرين .يعتمد هؤلاء الكتاب على ما يتوفر لديهم من الكتب الدينية التاريخية القديمة ،أو تأثرا بالنزعة العاطفية التي تكونت لديهم عبر التنشئة الاجتماعية الاسرية التي تُبعده عن العقلانية فيصبح أسيرا لها ،فلا يكترث الا مما غُرس في ذهنه تجاه الظاهرة فلا يتمكن التخلص منها فتمنعه من التفكير العقلاني الذي يستند على العلوم الحديثة الوضعية.
 ومن هذه المواضيع التي تُثار حاليا ،وفي الوقت الذي نحن بأمس الحاجة الى تجاوزها وطي صفحة الماضي ، هي عن التعاليم النسطورية التي نوقشت واحتدم النقاش حولها منذ اكثر من 1500 سنة في ظل ظروف فكرية لا تستند على المنهجية الاستقرائية ، بل على الاستنباط الاستنتاجي وبمؤازرة عوامل سياسية وشخصية كما سياتي ذكرها.
 وقد يستغرب البعض من طريقة تناولي للموضوع ،لان الطريقة التي يتبعونها في دراسة الظواهر الاجتماعية والدينية  قد تخالف الطريقة العلمية في دراسة هذه الظواهر .فيتسرع بأصدار حكمه على المقال ،ولكن الباحث العلمي يتمسك بنتائج دراسته حتى وان كانت مخالفة للرأي العام الى أن تٌدحض من قبله أو من قبل الباحثين الاخرين .
تنطلق هذه الدراسة من منهجية علم الاجتماع والمفاهيم التي يستخدمها علم الاجتماع الديني في دراسة الظواهر الدينية ،فسوف لن أناقش الاختلاف العقائدي واللاهوتي وتفصيلاته فذلك من أختصاص الثيولوجيا .والمحاولة هي الاجابة على فرضية مفادها : " هل يجوز هرطقة الاخر بسبب الاختلاف" ؟وجئت بالنسطورية مثالا لدراسة الحال ومستندا عل التحليل السوسيولوجي ،وعلى مبدأ "نسبية الظاهرة الاجتماعية"
الفلسفة والعلم
            الفلسفة هي الدراسة التاملية لما تبحث فيه العلوم مباشرة ،فهي تحصر نفسها في دائرة من المشاكل ،وتقوم على التفهم والتجريد والتاملات الشخصية ،معتمدة على العقل في الاستنباط ،فهي لا تحمل غير ارادة فردية محتملة ،ولا تقبل الخضوع على التجربة .كانت الفلسفة الى القرن السابع عشر الميلادي جامعة لكل العلوم الطبيعية والاجتماعية ،وبدأت تنشق منها بفضل غاليلو ونيوتن وديكارت واوكست كومت وسان سيمون.
أما العلم ،فهو عبارة عن المعرفة المنسقة التي تنشأ من الملاحظة والدراسة والتجريب أي ان العلم لا يكتفي بالعقل فقط في دراسة اصول الظواهر الطبيعية والاجتماعية ، بل يتعدى ذلك الى الحواس الاخرى للاستقراء.وباجراءات منسقة بدقة للتحري عن حقيقة الاشياء وبالتناسب مع مضمون المستجدات البيئية،  وبموضوعية التي يتطلب الالتزام بها من قبل الباحث الذي يتخلى عن ذاته .فالفلسفة هي افكار مطلقة ،بينما العلوم الوضعية لها نظريات وقوانين تُكتشف بالتجربة،وأن كانت النظرية بحاجة الى مراجعة قد تُستبدل باخرى أو تُضاف اليها تفسيرات جديدة .
أن الغرض من هذه المقارنة بين العلم والفلسفة هو لقياس موقع الكتابات والاجتهادات الفلسفية والدينية في القرون الاولى الميلادية ،وتحديدا القرن الخامس الذي تميز مسيحيا بعقد المجامع والاجتهادات العقائدية والانشقاقات الكنسية ومنها موضوع الدراسة .
تقع تلك الاجتهادات والافكار بخصوص العقائد الدينية ضمن الكتابات الفلسفية القديمة ،فلم تكن العلوم قد انتقلت الى طورها الوضعي ،بل كانت في أحضان الفلسفة الام التي بنت أفكارها كما أشرت على الاستنباط التأملي .بعد أن اسس العلم الحديث قواعده ،بدأت الدراسات اللاهوتية " ثيولوجيا " وكذلك الفلاسفة المعاصرين هجر ميدان الميتافيزيقيا ليتقربوا تدريجيا من الميدان العلمي الوضعي ،فالعصر الحديث هو عصر الفلسفة العلمية " الابستيميلوجيا " . فأذا لابد من أعادة النظر في كل ما كُتب في تلك الفترة بطريقة تتناسب مع المستجدات العلمية والبيئية .

الدين والتنشئة الاجتماعية
                            الظاهرة الدينية في مواصفاتها هي ظاهرة أجتماعيةلانها عامة لافراد المجتمع،فالطفل يولد كتلة بايولوجية ،فهو لايمكن أن يختار مايشاء من الظواهر الاجتماعية ومنها الدينية.هذه حقيقة اجتماعية في علم الاجتماع ،فكل فرد منذ ولادته ينمو جسديا وتنمو معه عن طريق الاكتساب التعاليم الدينية واللغة والاساطير، وكلها من ميراث جماعته التي تتناقل عبر الاجيال وليست من صنعه .فيرى الانسان عند بلوغه محاطا ومقيدا بجملة من المعايير الدينية التي توجه افكاره وسلوكه وممارساته، والانحراف عنها يؤدي الى العقاب الديني أو احيانا المدني .
تعد دراسة المجتمعات البدائية الحالية البعيدة عن تأثيرات الحضارة الحديثة مختبرا واقعيا لعلماء الاجتماع لكشف الاسرار عن طبيعة الاديان في العصور القديمة .وقد توصل الانثروبولوجيون الى ان عادات وتقاليد وطقوس هؤلاء هي مثل تلك التي عاشها الانسان في المجتمعات القديمة ،فتبين أن العقائد الدينية تختلف مكانيا وزمانيا شأنها شأن الظواهر الاجتماعية الاخرى .
العقائد الدينية
              " وهي وسيلة أتخذتها الاديان لتحفظ ألاذهان من التشتت ،وعلى المؤمن أن يسلم بحقيقتها ويؤمن بها بدون تردد وفقا لمبدأ" الحرمان الديني "وكلما يزداد أتباع الديانة الواحدة تتعقد العقائد والممارسات والطقوس وتزداد الانشقاقات ،فعليه نلاحظ عند الديانات الطوطمية التجانس لقلة اتباعها مقارنة مع الدين المسيحي .
يشير علماء الاجتماع من خلال دراستهم للاديان البشرية الى وجود عوامل متعددة لانشطارها الى مذاهب عقائدية تتباين في بعض من أفكارها ،منها البعد الزمني من مؤسس الديانة وأتباعه ،فكلما مرت فترة على البداية الاولى لانتشار الديانة تبدأ الاجتهادات تظهر حول شخصية المؤسس والاختلاف في تفسير العقائد والتعاليم التي تبنتها الديانة .وتساعد العوامل الجغرافية التي تؤدي الى العزلة الاجتماعية ،والسياسية والشخصية المتمثلة بالنزعة الجسدية في توسيع الهوة بين المجتهدين ،وبمرور الزمن تصبح التغيرات الفكرية العقائدية ثابتة ويزداد عدد المعتقدين بها .
ومن الحقائق العلمية في علم الاجتماع الديني ، أن الاجتهادات الفكرية العقائدية لاتباع الديانة الواحدة كانت على أوجها في الانتشار في المرحلة الفكرية الاستنباطية التأملية ،أي قبل ظهور المرحلة الوضعية للعلوم في دراسة الظاهرة الطبيعية والاجتماعية في القرن الثامن عشر .فولد الانشطار العقائدي في تلك الفترة نوعا من الصراع الفكري بين المذاهب بحيث وصل الى تبادل التراشق والتحريم والهرطقة ،فكل مذهب يعد ما وضعه سليما وحقيقيا في تفسيره للعقائد .
لن تسلم الديانة المسيحية من هذه الانشطارات المذهبية وكانت على أشدها منذ مطلع القرن الخامس الميلادي ،ولا سيما بين أساتذة المدرسة الانطاكية برئاسة " تيودوروس المصيصي " وتبناها وأيدها بشدة بطريرك القسطنطينية " مار نسطوريوس ". وكنيسة الاسكندرية برئاسة " قورلس ".
نسطوريوس
             تشير عدة مصادر تاريخية كنسية أنه من مواليد "جرمانيقي " في سورية سنة 381 ميلادية .تلقى العلم في مدينة أنطاكية ،وتاثر بتعاليم تيودوروس المصيصي .وقد كان ذكيا وفصيح الكلام في التعبير عن آرائه ، في 10 نيسان من سنة 428 رُسم بطريركا في العاصمة البيزنطية .منذ توليه السدة البطريركية بدا بنشر تعاليم تيودوروس .
وقد كان شديد الجدال مع "قورلس " بطريرك الاسكندرية منذ سنة 412 ،فبدأ كل واحد يشرح موقفه ونظرته وتفسيره لطبيعة المسيح ،وكل منهما دافع عن آرائه بالوسائل والبراهين .فمثلما أُتهم نسطوريوس بوضعه سري التجسد والفداء في خطر ، أيضا أُتهم الطرف الاخر وضع وحدة المسيح في خطر في نظرتهم الثنائية .فأصبح كل واحد ينظر الى الاخر هرطوقيا !!! .
والهرطقة هي : "أتجاه فكري لا يتوافق مع نظام عقائدي معين ،فيحاول ضم أو الغاء مفاهيم عقائدية من النظام السائد " .فهو أختلاف فكري بين المفكرين أو بين الجماعات التي تتبنى  كل منها أفكار معينة ، وتتهم بعضها البعض بالهرطقة،أي الخروج عن الاسس الدينية التي وضعها مؤسس الديانة .
ما كتبه المؤرخون عن الاوضاع السائدة منذ بداية القرن الخامس الميلادي
                            كما ذكرت في البدء سوف لا أناقش الافكار اللاهوتية ،ولكن لكي ابرهن صحة فرضية الدراسة ،لابد من تحليل سوسيولوجي للاوضاع السائدة منذ مطلع القرن الميلادي الخامس حيث بدأت الجدالات وانعقاد المجامع بدأً من أنعقاد مجمع " أفسس " سنة 431 م ،وثم أفسس الثاني سنة 449 ،ومجمع خلقيدونية عام 451 م .ساقتصر على عرض بعض من العبارات المستلة من كتاب الاب البير ابونا المعنون " الكنيسة الشرقية "كما هي وبدون تغيير، وقد وردت أيضا في مصادر تاريخية كنسية عديدة أقدم من الكتاب المذكور وقد اعتمد عليها نفسه المؤلف، ومنها على سبيل المثال ، كتاب " أدي شير "المعنون " كلدو وآثور " المجلد الثاني . وذلك للوقوف على الظروف والملابسات التي رافقت انعقاد هذه المجامع والفترات التي تخللتها ،وأهم هذه العبارات المختارة:
" أن جلوس ملوك الروم في القسطنطينية رفع مرتبة الكرسي البطريركي القسطنطيني وفاق الكرسي الاسكندري منزلة ولذلك كان بطاركة الكرسي الاخير يحسدون بطاركة كرسي القسطنطينية ،فحدثت بينهما منازعات شديدة "
" اتفاق بين روما والاسكندرية ضد نسطورس البطريرك "
" الامبراطور تاودسيوس بدأ التدخل لحسم النزاع "
"تخلفوا اساقفة عن الحضور للموعد المقرر لصعوبة النقل وأخطار الطريق"
" كتب يوحنا بطريرك أنطاكية مع مطارنة سورية الى قورلس يستمهله قليلا ،فلم يصبر بل قرر افتتاح المجمع قبل وصول الاباء بكاملهم "
"دُعي نسطوريوس لهذه الجلسة ولكن أمتنع مع ستة اساقفة "
"لم يولي قورلس ذلك أهمية "
"أوصى الامبراطور الذي دعُي الى مجمع أفسس الثاني بعزل - هيبا – وبايجاد خلف له على كرسي الرها" "الاساقفة الذين أبوا أُرسلوا الى المنفى بقوة الحكومة "
" لعبت الاهواء البشرية دورها الكبير في اقناع الامبراطور وبطانته والتأثير على المتنفذين في البلاط لمحاولة ترجيح كفة على أخرى "
" هكذا أن مجمع افسس ،رغم ما تخلله من الشوائب والتصرفات التعسفية التي ابداها كل فريق ضد خصمه"
" بعد وصول البطريرك يوحنا بطريرك أنطاكيا مع مجموعة من الاساقفة وعلم ماحدث في المجمع ،وبالغبن الذي لحق بالبطريرك نسطوريوس ،فعقد هو أيضا مجمعا وعزل قورلس ومؤيديه"
" أعتبر الشرقيون قورلس منحرفا عن الايمان القويم "
"تدخلت السلطة الحاكمة لنفي بعض المطارنة الموالين لنسطوريوس "
 " توصل أوطيخا الى كسب نفوذ واسع في البلاط الامبراطوري مما أتاح له أن يساعد اصدقاءه ويقضي عل أعدائه "
" الامبراطور تادوسيوس كان ألعوبة بين الموالين لاوطيخا ،فأستعمل نفوذه لرفع الشجب عنه "
" عُرف مجمج القسطنطينية بمجمع اللصوص "
" ضم مجمع أفسس الثاني 130 أسقفا معظمهم من مؤيدي الامبراطور "
" التف حول المجمع جملة من الرهبان الغوغائيين ومن عملاء الامبراطور ،للضغط على المجتمعين وأجبارهم على أتخاذ القرار لصالح أوطيخا "
" أما ممثلوا بابا لاون لم يتسن لهم التعبير عن رايهم باليونانية،وقد أجلسوهم بعيدين عن بعضهم في المجمع لمنع التشاور بينهم "
" لم يسمحوا على قراءة رسالة البابا "
" سادت الفوضى وعم الاضطراب وتدخل الجنود بسيوفهم المستلة ولاذ بعض الاساقفة بالفرار "
" بعد أعادة الهدوء جمع ديوسقورس عددا كبيرا من تواقيع الاباء تحت الضغط والتهديد "
" لما بلغت هذه الاخبار الى البابا الروماني ،أبدى أسفه وأستيائه الشديدين لهذه الاجراءات التي أُتخذت تحت ستار الدفاع عن الحقيقة الارثودكسية "
" تمكنت بولكيريا  زوجة الامبراطور مرقيان سنة 450 تجزم السيطرة على الوضع حتى على الصعيد الديني ،وعملت على تقليص من نفوذ ديوسقورس وزجت أوطيخا في السجن "
" دعى الامبراطور مرقيان الى عقد مجمع في فينيقية سنة 450 في ايلول قبل ان يتلقى جوابا من البابا "
" أمر الملك أن ينتظروه الاساقفة المجتمعين لحين قدومه "
" هدد الامبراطور بأتخاذ أجراءات صارمة بحق كل من تسول له نفسه بمقاومة هذه المقررات "المقصود في مجمع خليقدونية سنة 451 .
" أن الاباء في أحدى الجلسات ،وبغياب ممثلي البابا قرروا أعطاء أهمية كبرى لكرسي القسطنطينية وتحوله الى سلطة واسعة توازي سلطة الكرسيين الاسكندري والانطاكي ،بل تضاهي سلطة الكرسي الرسولي في روما "
" أقحم تيودوروس ربولا جدالا جرى في العاصمة البيزنطية فحقد ربولا عليه "
" وعُرف برصوما أن يكسب بدهائه عطف الحاكمين الذين أستغلوه لاغراضهم السياسية "
" وسرعان ما تلبدت الغيوم السماء ثانية بالسحب الدكناء وأخذت الامور تتردى بين الجاثليق ومطران نصيبين "
كانت هذه العبارات اضافة الى العديد منها واكثر ألما وقسوة  مدونة في الكتب - لايمكن ان تدون في هذه الدراسة المختصرة - مؤشرات حقيقية طالما وردت في التراث الكنسي وفي مصادر مختلفة كُتبت من قبل الاكليروس نفسه والعلمانيين .ومن تحليل هذه المؤشرات يمكن الاستنتاج مايأتي :
أولا : يتبين جليا دور السلطات السياسية المتمثلة بالامبراطور نفسه والسلطات المحلية في الضغط على المجتمعين في المجامع المذكورة ، وان هذه المجامع قد حُددت مكانيا وزمانيا من قبل الامبراطور.انطلاقا لكسب الرأي العام للمصلحة المتبادلة بين السلطة والاساقفة المتجادلين. ويبدو أن السلطات الحكومية كان لها باع طويل في عزل وتثبيت من تشاء من الاساقفة ،وكذلك أن كل تحركات الاساقفة كانت مرصودة من قبل السلطة تماما ،فأكثر الادلة عمقا ووضوحا هو :تهديد الامبراطور باتخاذ اجراءات صارمة بحق كل من تسول له نفسه بمقاومة مقررات المجمع.
 ثانيا : غُلبة النزعات الانسانية الجسدية الدنيوية عند الاساقفة على الروحانية وذلك يتبين بوضوح،حبهم للسلطة وتبوء المراكز الدينية ، الحقد المتبادل بينهم ، الوشاية عند السلطات لاجل تحقيق مصالحهم، الرشاوي المقدمة لهم والمقدمة من قبلهم ،المراوغة والتحايل على بعضهم،وكثيرا ما وصفوا الخصم بالعدو اللدود.
ثالثا : لعبت العلاقات الثنائية وتبادل المصلحة والمنافع بين الاساقفة أنفسهم في ترجيح كفة على اخرى من المتنازعين حتى بالرغم من أنه لم يكن مقتنعا بما جاء صاحبه من أفكار،اضافة الى الاسقاط النفسي المتمثل اتخاذ موقف معادي تجاه الاخر بسبب العلاقة السيئة بينهما في الماضي .
رابعا : كان للعوامل الجغرافية دورا مهما في عدم التوصل الى صيغ عادلة وفسح المجال للعديد من الاساقفة للمشاركة في المجامع في الوقت المناسب للتعبير عن آرائهم وافكارهم ، لضعف وسائط النقل ومخاطر الطريق وبعد الابرشيات عن بعضها .
خامسا : كانت منطقة بلاد النهرين العليا منطقة الصراع بين الامبراطوريتين الفارسية والبيزنطية ، لذلك لعبت ظروف الصراع والحروب دورا مهما في الانشقاقات الكنسية آنذاك.
سادسا :  أضطلعت الترجمة دورا كبيرا في عملية النقاش الدائر بينهم للتعبير عن أفكارهم ،فمهما يتقن الانسان لغة الاخرين لابد وان يتلقى صعوبة في التعبير عن أفكاره وخاصة عندما تكون فلسفية ودقيقة ومعقدة مثل الافكار الدينية .
الاستنتاج
  بالاضافة الى خصائص المرحلة الفكرية التي طُرحت ونوقشت الافكار العقائدية التي تتميز بافكار النزعة الفردية التاملية،أليست الاحداث والظروف التي أحاطت بتلك المجامع عاملا مؤثرا في عدم حسم الافكار الصحيحة؟ كيف يتمكن الفرد من طرح أفكاره وهو محاط بمثل تلك المؤامرات والضغوطات المذكورة ؟بالطبع لايتمكن أن يرجح كفة النقاش لصالحه ،لابل لم يمنح المجال له للحضور وبمعيته أساقفته ومؤيديه.
اذن اين تكمن الهرطقة ومن هو الهرطوقي ؟ طالما ان النقاشات حُسمت في ظل الابتزاز والضغط والتهديد والطرد وحتى التدخل بالسلاح . فكل مجموعة هرطقة الاخرى ،وثم الذي كان محقا يوما ما بعدها قد زجه الامبراطور في السجن وعزله ونفى تعاليمه.وبعد ان انتصر قورلس ، وحرم نسطورس ،فهو الاخر أي قورلس حُرم  فيما بعد من قبل البطريرك الانطاكي يوحنا ،فكل فريق ينظر الى الاخر انه هرطوقي .
لكي نصل الى نتيجة فكرية سليمة يجب تهيئة بيئة مريحة وصالحة واستقلالية تامة للمناقشين لحسم موضوع النقاش ،وليس عن طريق وضع السيوف على الرقاب والتهديد،فمن هذا المنطلق أرى أن الامور لم تحسم في تلك المجاميع لمعرفة الاصح من العقائد المختلف عليها، فكيف كانت المواقف لو أن البطريرك نسطوريوس أستطاع الفوز وتثبيت أفكاره وقبولها؟.
ارى أنه لو كان نسطوريرس هرطوقيا لما انتشرت أفكاره في مساحات شاسعة من الارض واعداد كبيرة جدا من المؤمنين منذ أن تبنى الجاثليق" آقاق " و25 أسقفا أفكاره في المدائن وانطلقوا منها لنشر الايمان المسيحي .وذلك لسبب بسيط وهو شدة الخوف من حالة الهرطقة والحرم الكنسي ،لكن بالعكس لم يعيروا أهمية لها .
فتوالت الاجيال وهي مؤمنة بالافكار النسطورية ،وأصبحت من الثوابت لترسخها في عقلية المؤمن الذي تلقاها من اسرته عن طريق التنشئة الاجتماعية التي تكون له موقفا ايجابيا وفقا لمبدأ، أن ما يتلقى من والديه هو المثل الاعلى ،فبدأت بالنسبة للفرد الافكار النسطورية هي المُثل العليا والحقيقية ،كما في المقابل يحدث نفس الاتجاه بالنسبة الى المؤمن في المذاهب الاخرى الارثودكسية والكاثوليكية وغيرها ، خذ مثلا الاقباط الارثودكس ،فهم لايؤمنون بمعموذية مؤمني الطوائف المسيحية الاخرى قاطبة وبما فيها الارثودكسية ،وكم من حالات الزواج حدثت بين أبناء الاقباط وبناتهم للطوائف الاخرى ،فهم يرفضون هذا الزواج ما لم يتم تعميذ غير القبطي الارثودكسي ،والمعروف يبدأ الانسان مسيحيا منذ نيله سر العماذ  بالدرجة الاساس ،فهل يدل ذلك عدم اعتراف الاقباط الارثودكس بمعمودية غيرهم انهم يهرطقون الاخرين ؟ بالطبع نعم لان عدم اعتراف بمعمودية الاخرين انهم لايعترفون بهم كمسيحيين مؤمنين .
ومن هنا يمكنني القول :ليس الاختلاف في الفكر ذريعة لهرطقة الاخر ونحن نعيش في عصر تكشف لنا الافكار العلمية النسبية في الظواهر الاجتماعية التي تكونها وتصقلها التنشئة الاجتماعية ومن الصعوبة التخلي عنها ،وبل المجتمعات تخطو خطوات سريعة لقبول الاخر واحترامه طالما أنه لا يترك التمسك بافكاره خطرا على الاخرين، منطلقة بتأثُرها بالقاعدة العلمية التي مفادها " دراسة الظاهرة كما هي لا كما يجب وفقا لما يحمل الباحث من الافكار السابقة عنها .
وأخيرا أقول :بالطبع أن هذه الملابسات والظروف والاحداث التي أحاطت في المجامع التي عٌقدت في القرن الخامس الميلادي ،موثوقة ومعلومة لدى جميع المذاهب الدينية المسيحية وبما فيها الفاتيكان.فلماذا لا يُعاد النظر في تسويتها .فهل من المنطق  العلمي الحديث  نتمكن من جزم وتمييز الصح عن الخطأ في مثل تلك البيئة ؟وأرى أن السكوت عنها وأهمالها وتبادل الهرطقة في عصرنا هذا ماهو الا مؤشر دامغ بأن أصحاب الشأن لا يزالوا يعيشون تحت وطأة الفكر البشري في القرون ما قبل الوسطى.ولا تزال الاهواء والنزعات البشرية والجسدية تغلب عندهم على الروحية .وهذا ينطبق على المفكرين والكتاب العلمانيين المروجين للتمييز المذهبي وهرطقة الاخر.فشعبنا الكلداني والاشوري والسرياني في هذا اليوم بأمس الحاجة الى التضامن وقبول الاخر وكتابة ما يوحدنا،وذلك ليتمكن التصدي للظروف الماساوية التي يمر بها ،وثم لكي يحقق وجوده في بلدان الاغتراب ويرسخ هويته.

ملاحظة : تجنبت الحاق المصادر المعتمدة في الدراسة لكي لا تأخذ مجالا من الصفحات ،وهي موجودة بحوزتي وشكرا للقارىءالعزيز

39
الاستاذ القدير عبدالاحد سليمان المحترم
تحية
أود الاشارة الى انك قدمت تحليلا وافيا لمقال الاستاذ عزمي البير الموسوم " قداس الخيمة قراءة وتحليل لمقالة الباحث د . عبدلله مرقس رابي " .وقد وضعت النقاط على الاحرف بصراحة في تعقيبك على المقال المذكور ،ورفدتنا بمعلومات أضافية واقعية التي تدل على المامك بالاحداث والوقائع ونظرتك الموضوعية نحوها وبدون مجاملة لاي كان .وما اشارتك وتنبيهك للاخ عزمي الى وجود الاخرين من الذين كتبوا عن هذه الظاهرة الاليمة في كنيستنا وبعنجهية واهانة لرموزنا الدينية وفي مقدمتهم غبطة البطريرك مار لويس ،فكان عليه ان يتناول النقد والتحليل بشمولية محاولا المقارنة الموضوعية بين الاسلوب والمحتوى لكل من كتب .
شكرا استاذ عبدالاحد لصراحتك وغيرتك على الكنيسة ولمحاولاتك التبصيرية في اماكن الخلل فهي احدى الاساليب المتبعة لدراسة وحل المشكلات ، فالسكوت والتقوقع وعدم المشاركة يعني المساهمة في تاخير كنيستنا ، بينما كشف متغيرات الحالة وربطها ببعضها هي مساهمة لتطوير كنيستنا .
وارجو ان تسمح لي أن اقدم شكري للاخ ثائر حيدو على ما قدمه في تعقيبه من تساؤلات قيمة جديرة بالاهتمام . وكما اشكر الاخ كوركيس اوراها على ما قدمه من ملاحظات قيمة معبرة عن الواقع الاليم في ساندييكو .
وكما اود الاشارة الى تعقيب الاخ ناصر عجمايا لتصحيح قوله:  "الدليل الاستاذ عبدالله رابي هو عضو رئاسة مؤتمر النهضة " فالصحيح هو رئيس المؤتمر لانتخابي من قبل المؤتمرين ولكن منحت الفرصة للسيد ابلحد افرام لادارة بعض جلسات المؤتمر .
واخيرا لا يسعني الا ان اقدم لك ازكى التهاني بمناسبة حلول راس السنة الميلادية ولكل الاخوة القراء والمسيحيين من شعبنا الاشوري والكلداني والسرياني واخص بالذكر اخوتنا المهجرين وان يكون لهم عام الخير لكي يرجعوا الى بلداتهم ليرنموا ويشكروا الرب في كنائسهم ،والى كل رجال الدين بمختلف الطوائف المسيحية .وشكرا
تحيتي ومحبتي
د . عبدالله مرقس رابي

40

أخي الاستاذ عزمي البير المحترم
تحية وتقدير
ليس لي الا ان اشكرك لتفضلك لقراءة مقالتي المعنونة " في خيمة الميلاد مع المهجرين وتمنياتي لابرشية ماربطرس " وكتابتك لتعقيب او نقد مستقل منفرد .أود أن أبين الاتي :
بالنسبة الى تساؤلك عن المقصود والهدف من المقال ليس لي أية أضافة على ما قدمه مشكورا الاستاذ الباحث الناقد المعروف حنا شمعون في تعقيبه ،فهو قد أبدع في تشخيص من المقصود والهدف من المقال تماما . فقط اذا تسمح اقول للاخ حنا " انا لست من موالين النهضة الكلدانية ،بل من الموالين للنهضة الاشورية والسريانية والكلدانية لانهم شعب واحد ،وهذا ما أكدته في عقر دار ساندييكو لكل الاخوة".
كما أبدع الاخوة المعقبين مشكورين كل من عبدالاحد سليمان وهاني مانويل وسامي ديشو في ما تم ذكره من معلومات وملاحظات على مقالك فلم يتركوا لي شيء لكي اقوله .
الا انه اخي الاستاذ عزمي اود التأكيد على مسالتين مهمتين ولو ان الاخوان اشاروا اليها وهما:
اولا : تحقيق الموضوعية في البحث العلمي يعتمد على المنهجية المتبعة لدراسة الظاهرة في جمع المعلومات والبيانات ،أي باستخدام المنهج الاستقرائي والابتعاد عن المنهج التاملي الذي عفى عنه الزمن وأصبح فقط مادة للدراسة للطلبة المختصين ،فالمنهج الاستقرائي يعتمد على مبدأ " الباحث يستقرأ الواقع كما هو لا كما يجب " فالنتيجة تكون تحصيل لربط المتغيرات المتفاعلة مع بعضها ،وليس وفق ما يتأمله الباحث ،فالتامل طريقة فلسفية استخدمها رواد الفلسفة قديما وهي مرفوضة تماما في العلوم الاجتماعية في عصرنا في سياقات البحث العلمي الرصين بعد اوكست كومت " فهنا لست اعلاميا او صحفيا ولم اكتب كصحفي وانما كباحث ولهذا اذكر دائما " باحث اكاديمي " وارجو ان تصل الى التمييز بين الصحفي والباحث "لا مجال هنا للمقارنة.
أما ثانيا : ما يتعلق في التدخل بالشؤون الكنسية ، فاعطيك الحق بذلك لو كان تدخلي أو تدخل غيري من الاخوة الكتاب بالشؤون العقائديةالايمانية ،بل تدخلنا هو بالشؤون الادارية لاعتبار الكنيسة كمؤسسة اجتماعية . فهل لا حظت اخي عزام احد من الكتاب قد كتب شيئا عن مسالة تجديد القداس في الطقس الكلداني ، بالنسبة لي لم اجد احدا ، لانه لا يحق لنا كعلمانيين ان نتدخل هنا فلا يمكن ان نحل مكان الاكليروس في تحديد نظام القداس . ولكن قد يحق لنا التدخل مثلا في اللغة في الشؤون المالية والادارية ودور العلمانيين والضبط الاداري وما شابه .
وان تدخل العلمانيين بالشؤون الكنسية أصبحت مألوفة بمقاييس الزمكانية ، بتاكيد القوانين الكنسية المستجدة من قبل المجمع المسكوني في الستينات من القرن الماضي ولا تزال بحاجة الى تجديدها وبتاكيدات قداسة البابا في عدة مناسبات وكذلك اصبح واضحا تاكيد غبطة البطريرك مار لويس ساكو على دور العلمانيين وما اعلانات البطريركية وبتصريح من غبطته في دعوة العلمانيين الى تقديم مقترحاتهم وملا حظاتهم الى البطريركية قبل انعقاد السيهنودس وفي مناسبات اخرى الا مؤشرات رضى وقبول الاكليروس في تدخل العلمانيين واخص بالذكر منهم الاختصاصيين .أليس هذه جميعها دلائل دامغة على منحنا الحق في التدخل بالشؤون الكنسية ؟ .علما كما يعرف الجميع ان الكنيسة هي المؤمنيين والاكليروس .
اخي الاستاذ القدير عزام ، ان نظرية ابائنا واجدادنافي قرانا بقولهم" نعم نعم ابونا وقول الاكليروس للعلمانيين هذا موشغلك "قد عفى عليها الزمن ولكن من واجبنا احترام الاكليروس ونقول لهم نعم فيما يخص العقائد وما يُتلى علينا من الارشادات الدينية ونعم واجبة علينا دائما ولكن عندما نرى الخطأ الجلي وسكتنا عنه يعني ذلك قد ساهمنا في تاخير ادارة وشؤون كنيستنا أما اذا نبصر المعنيين فاننا ساهمنا في تطوير كنيستنا لكي تساير المتغيرات الحياتية بحيث لا تمس الايمان .
اتمنى لك استاذ عزمي البير ازكى التهاني والتبريكات بمناسبة حلول السنة الميلادية الجديدة ،واما اعتذارك في تعقيبك اخي عزمي لا يستوجب ولم اطلبه ،ومع هذا يدل على تواضعك وحرصك واهتماماتك بالفكرة اكثر من الشخص الكاتب ، فلا اساءة تعرضت اليها في مقالك ،ولكن استغرابي كان من قولك " المساس بمشاعر الشعب " بينما يعرف الاخوة القراء جميعا ان مقالاتي لا تحتوي مفاهيم الاساءةوبل دائم التاكيد على الظاهرة ،وكما استغربت لماذا اصبحت كبش الفداء علما العشرات من الاخوة يكتبون عن نفس الظاهرة ومع الاسف بعضهم يستخدمون العنجهية والاساءة الفظيعة للرموز الدينية وغيرهم ، فكان لاجدر والافضل  منح الشمولية في مقالك.
يسعدني اخيرا ان اقدم لقرائنا الاعزاء ازكى التهاني بمناسبة السنة الميلادية الجديدة ،ولكل المسيحيين من شعبنا الاشوري والكلداني والسرياني واخص بالذكر الاخوة المهجرين بعنوة وان يكون عام خير لهم لكي يرجعوا الى قراهم وبلداتهم ليرنموا ويشكروا الرب في كنائسهم .
تحيتي ومحبتي
د . عبدالله رابي     


41
[/b][/b][/font][/size][/color]
الاخ العزيز سيزار المحترم
آسف جدا على عدم الجواب لتساؤلك المرتبط بالرابطة الكلدانية الذي مفاده " هل تستطيع ان تقنعني ان الرابطة الكلدانية لن يكون هناك تدخل لرجال الدين فيها "لاتظن اخي العزيز اني اهملت او استغفلت السؤال فهو مهم جدا ولكن كتبت الرد في ساعة متأخرة من الليل لانها ايام العيد، ففي الحقيقة فاتني السؤال، وشكرا على التذكير .جرت مناقشات وكُتبت مقالات عديدة عن هذا الموضوع ،فالفكرة كانت فكرة غبطة البطريرك مار لويس واعلنها في موقع البطريركية للجميع ليقدموا ارائهم عن الموضوع ،فبادرت من جهتي الى كتابة مقترح اولي للنظام الداخلي وامور اخرى وناقشتها مع غبطته وكتبت مقالات تعضيدية للتوعية بأهمية الرابطة وكتب غيري من الاخوة الكتاب وبعضهم كتاباتهم لم تكن معتمدة على الاسس العلمية للانتقاد وكانما النقد من اجل النقد والمخالفة للراي سواءكان صائبا ام خطأ،ولا ادري اذا وصلت مقترحات اخرى للبطريركية ام لا ولكن كانت مفتوحة للجميع .أما مدى تدخل رجال الدين فمرارا اكدت شخصيا وغبطته اكد في مقالاته ومقابلاته الاعلامية :ان الرابطة ستكون علمانية لا يتدخل بها رجال الدين الا في بداية تاسيسها لكي تأخذ شرعيتها من السهنودس وثم ستكون الادارة بمسؤولية العلمانيين تماما وللعلم كان ضمن مقترحي في النظام الداخلي بان يكون الرئيس الفخري والروحي للرابطة بطريرك الكنيسة الكلدانية فلم يوافق مار لويس الجزيل الاحترام. وكل شي مدروس وحاضر ولكن لم تحن الفرصة لتاسيسها بسبب العاصفة الهوجاء التي عصفت بشعبنا المسيحي فاصبحت المسالة وفق مبدا البحث عن الاهم قبل المهم، وانني على يقين ان الرابطة الكلدانية ستكون علمانية صرفة مع دعم الكنيسة .انما كيف؟ لو افترضنا احتاج فرع استراليا للرابطة مثلا على اقامة مشروع او برنامج فبالامكان الاستعانة بكاهن او اسقف الرعية للمساعدة وهنا الدور يكون المساعدة لا غير والحديث طويل عن هذا الموضوع اخي سيزار ، ومع هذا لو افترضنا وهذا الفرض مُستبعد ان رجل الدين يتدخل في شؤونها وما المانع طالما ليست منظمة سياسية ،انا ضد تدخل رجل الدين في شؤون التنظيمات السياسية وليس الجمعيات او غيرها . علما في النظام الداخلي المقترح يتضمن فقرة لايجوز لرجل الدين الانضمام الى الرابطة فكيف يكون تدخل رجل الدين ؟
على كل حال استاذ سيزار ايملي لديك واذا عندك استفسار اخر يمكنك مراسلتي وشكرا.وملاحظة اخرى اخي سيزار ارجو ان لا تفهمني خطأ من اني اشك بامكانيتك المعرفية والكتابية عندما قلت يمكنك مراجعة مصدر عن البحث العلمي ،فاقصد من ذلك قليل من الكتاب يقتنون الكتب المنهجية التي يمكن الاستفادة منها للكتابة فهذا هو غرضي وليس غيره رجاءا .واشكرك على اقتنائك كتابي ،وباذن الرب سارسل لك كتابي القادم وهو في طريقه للطبع.
الاخ العزيز رابي قشو المحترم
شكرا على تهانيك بمناسبة العيد وبدوري اهنئك والعائلة الكريمة وكل عام وانتم بخير
شكرا على مداخلتك الرائعة بلغة الام وتسليطك الضوء على ماينجزه غبطة ابينا البطريرك مار لويس ساكو ،فكل ما ذكرت حقا ينطبق على غبطته وفعلا انه بذل جهودا لا يمكن ان يتصورها العقل البشري بالرغم من الصعوبات والظروف التي تمر بها كنيستنا المشرقية بكل فروعها في الوطن ،فهو سيبقى في ذاكرة الاجيال القادمة وسوف تعجز الكتب من تدوين منجزاته الانسانية والدينية والادارية
مع تحيتي ومحبتي لك.
الاخ العزيز الاستاذعبدلاحد سليمان الجزيل الاحترام
شكرا على تهانيك بمناسبة العيد وبدوري اقدم لك وللعائلة الكريمة ازكى التهاني وكل عام وانتم بخير .كما اشكرك على مداخلتك  القيمةوتحليلك الرائع عن الذي يحس بالخطا ،نعم هناك العنجهي والمتسامي الذي لايدرك من حواليه الا نفسه كأنما كل شيء له وكل مايقوله هو الاصح ، فالحياة اخي عبدلاحد تجارب ولابد ان يستفيد الشخص منها ويستثمر الايجابية منها وينبذ السلبيةويتداركها. وهذا الموضوع يطول الحديث فيه يحتاج الى مقالات ، واختصر الكلام بان الذي يتصرف بالعنجهية والتقوقع على الذات تسمى شخصيته " الشخصية التي لا تنمو " في علم النفس .
واشكرك ايضا لوضعك الرابط للرسالة التاريخية الاخيرة لغبطة البطريرك مار ساكو . وبالمناسبة انني اشك بمحتوى الرسالة المقروؤة في كنائس ابرشية مار بطرس وما هومكتوب بها بالضبط لان الكاهن القدير ميخائيل بزي عندما قراها لم يكملها مجرد قدم شرح لها . او قد يكون صحيحا لان الكاردينال ساندري يبدو من متابعتي انه يتعامل مع الكنائس الشرقية الكاثوليكية بازدواجية ،فعليه اناشد الكنائس المذكورة الانتباه الى هذا الموضوع الحساس .محبتي وتحيتي
الاخ العزيز المهندس القدير سامي ديشو المحترم
كل عام انت والعائلة بخير
شكرا على عبارات الثناء التي تكرمنا بها دائما وانا لااستحقها لاني لا اعمل شيئا الا انني اكتب من اجل ان اتعلم ويستفيد الاخوة القراء مما نكتب فكل الافكار محترمة عندي باستثناء تلك المقترنة بالعنجهية والتهجم غير المبرر والكلمات البذيئة التي لا ينطق بها الا المفلس فكريا بالضبط مثلما تناقش شفهيا مع شخص ما وبالاخير عندما يعجز من تقديم الحجج المنطقية يبدأ بالصراخ والتهجم . تحيتي ومحبتي

42

الاخ فاروق المحترم
كل عام وانت بخير
نعم اتمنى كل الخير لكنيستنا وأن يتحقق باية طريقة كانت ، ولكن يظل الاسلوب الذي تبعته ابرشية ماربطرس الكلدانية لم يكن بالمستوى المطلوب من وجهة نظري ، لان رجل الدين مقيد منذ رسامته بالطاعة التي هي أحدى اهم اركان كهنوته.
شكرا على قراءتك للمقال ،تقبل تحياتي
 د . رابي

الاخ سيزار المحترم
كل عام وانت بخير
شكرا على المشاعر التي تكنها تجاهي
ولابد لي مادام انا في عطلة أن اجاوب على تساؤلاتك
اولا لا ادري ماهو مفهومك للاكاديمية ؟
بالنسبة الى عدم الموضوعية في طرحي بالرغم من كوني اكاديمي ،فاعتقد انا اطبق كل خطوات تحقيق الموضوعية ولكن يبقى للقارىء تقيمه مدى توفر الموضعية في المادة المقروؤة ولا مجال لي ان اوضح ماهية اسس الموضوعية بالامكان ان ترجع الى كتب اصول البحث العلمي وحبذا في العلوم الاجتماعية.فانا لا اميل الى غبطة البطريرك وانتقد الاخر بل بقدر الامكان اجمع المادة للموضوع وابدأ بتحليلها واستقرا اراء ذوي العلاقة ،وفي مقال لي انتقدت موقع البطريركية لضعف الاسلوب المتبع في الكتابة في مقال الموسوم أهكذا يكافىء غبطة البطريرك مار ساكو واعتقد قد قراتها ،وفي اخرى أيضا انتقدته عن زيارته لقداسة مار دنخا بطريرك الكنيسة الاشورية في بعض من جوانبها .
ومن جهة اخرى عندما اقول القانون الكنسي الهش  نعم تاكيدي هوعلى التناقضات الموجودة بشكل غير طبيعي في مواده القانونية سواء التي يستعين غبطة البطريرك بها او سيادة المطران مار سرهد ولي مقال اخر بينت بعض من التناقضات فيه . فهو بحاجة الى مراجعة فعلا لان من تحليلي الاولي له تبين لي ان المشرع مرتبك جدا في صياغة المواد القانونية ولماذا؟ قد تكون احد اسبابه هو محاولة الفاتيكان فرض سلطة مطلقة على الكنائس الشرقية الكاثوليكية ومن جهة اخرى مجاملة تلك الكنائس ببعض المواد في تحديدسلطتها ،والحديث طويل في هذه المسالة وهذه قناعتي التي استندت في التاكيد عليها من خبرتي المتواضعة في تدريس علم الاجرام واصلاح المجرمين وعشرات البحوث في الجريمة زائدا تدريسي لقانون العقوبات في جامعة الموصل علاوة قد استعنت ببعض الاصدقاء المختصين في القانون وعرضت عليهم هذا القانون فاتفقوا معي .
واما تساؤلك عن مساهمتي في نكسة الكلدان ،نعم اقول بكل صراحة لي دور كما للاخرين وكانت اول تجربة لي خارج نطاق عملي الاكاديمي فلم احضر قبله مؤتمر الا وكان مؤتمر علمي في مجال اختصاصي ولكن لاسباب معينة ولالحاح شديد قد حضرت المؤتمر ورُشحت لادارته ولم اتوقع انه سيحصل ما حصل ،فكانت تجربة في حياتي وثم تدريجيا اكتشفت الاخطاء في التعامل مع حدث يتدخل رجال الدين فيه.
ولا ادري اذا لك علم عندما كُلفت للتنسيق بين الاحزاب الكلدانية السياسية قبل مؤتمر ديترويت وتم اجتماع التنسيق في ساندييكو اعترضت اعتراضا شديدا وقلت بالحرف الواحد اذا تم هذا الاجتماع داخل اروقة الكنيسة او حضر رجل دين مهما يكن فالاجتماع سوف لم يتم ،وتعرفهم من كان في الاجتماع وممكن الاستفسار عن صحة المعلومة .وذلك لاني كنت مدركا ان حضورهم سيعرقل سير الاجتماع وسيوجه بحسب قناعتهم ،وهكذا كان شرطي مع الاخوة في المنبر الديمقراطي الكلداني الموحد في ديترويت ، بعد دعوتهم لي للحضور هو ، بشرط ان لا تكون جلسات المؤتمر تحت اشراف رجال الدين كما حدث في ساندييكو وفعلا جرى مثل ما اتفقنا ما عدا جلسة الافتتاحية وهذه مسالة طبيعية .
واما مسالة القسم فهي جاءت مفاجئة لنا جميعا وبتاكيد العديد من الحاضرين وألزمنا بامر الواقع .
واهم من هذا كله هو في عدة مناسبات اكدت بعد اعتراض العديد من الاخوة على تغيير مواقفي ، أكدت بانني لست سياسيا ابدا وانما باحث ، والباحث يمكن ان يغير افكاره بحسب توفر وتراكم المعلومات والبيانات حول ظاهرة ما وهذه حالة معروفة للعاملين في ميدان البحث العلمي ،فالباحث هو غير السياسي المؤدلج بفلسفة حزبه وانا تعاملت مع كلا المؤتمرين اللذين تراستهما لكوني باحث وليس سياسي .
 شكرا  استاذ سيزار على مداخلتك واتمنى قد وصلت الفكرة من تساؤلاتك .
تحياتي ومحبتي
د . رابي

43
                       في خيمة الميلاد مع المُهجرين
                        وتمنياتي لابرشية مار بطرس
 د . عبدالله مرقس رابي
     باحث أكاديمي
                      صمم غبطة البطريك مار لويس ساكو بطريرك الكلدان في العالم بأن يُقيم قداس الميلاد لهذه السنة في خيمة مع المهجرين ليكون معهم، مثل ولادة اليوم الطفل عمانوئيل ، اي  " الله معنا " .لاننا نحتاج الله في حياتنا .وهكذا أقام غبطته قداس الميلاد معهم  في خيمة متواضعة وليس في كاتدرائية ضخمة والى جانبهم لانهم بحاجة اليه ،أقامه مع المهجرين المنسيين من المجتمع الدولي ،والذين لا مأوى لديهم يقون برد الشتاء القارص ولا شجرة الميلاد موضوعة في بيوتهم لكي توضع تحتها هدايا بابا نوئيل لاطفالهم ،كان مع المعوزين والمرضى والعاطلين عن أعمالهم ،ومع الذين أُبعدو من كنائسهم التي كانت مكان رفع صلواتهم ومزاميرهم وشكرهم للرب ، فأين يحتفلون بقداس الميلاد ؟ فأستجاب غبطة مار ساكو ليكون معهم في الخيمة المباركة ليعكس مشاعر المحبة والرعاية وليقول كلنا معكم في طريق الجلجلة ، كلنا معكم لاستقبال الرب في ميلاده فلا تخافوا .
لخيمة الميلاد معاني ودلالات نفسية وأجتماعية وسياسية  ،فهي تعبر عن المشاركة في مائدة واحدة ، والتضامن الاجتماعي والشعور الوجداني ، مشاركة المؤمنين في ظروفهم المفروضة عليهم،مشاركة الاب للابناء .تعبر خيمة الميلاد عن منح روح التفاؤل وتقوية الايمان والمحبة والصبر ، خيمة الميلاد رمز للتضحية والصمود لاعلاء كلمة الرب وهي رسالة الى الكل لتقول : نحن باقون وعلى العهد سائرون وبه ملتزمون ، شارك غبطته مع المضطهدين والمتألمين ليخفف عنهم معاناتهم ويبشرهم بولادة المخلص رب السلام وليقول : اننا واحد ، وليس فينا كبير أو صغير.وجود غبطته بينهم عامل لترسيخ مبادء الروح الجماعية ،وأيضا يعبر عن بقائهم معهم ولم يسبقهم الى المهجر .
  ولعل حضور السيد نيجرفان البرزاني الاحتفال المقدس له دلالات سياسية  واشارات من الحكومة لرعاية اخوتنا المهجرين وأكدعلى  تضامنه معهم وعبرعن مشاعر حكومة وأقليم كوردستان عن معاناتهم  فكل ما جاء في كلمته هو تعبير عن الفلسفة التي تتميز بها حكومة ورئاسة الاقليم تجاه المكونات الاثنية  فهم قدموا ما بوسعهم لتدارك الازمة وتوفير الامان .
ان هذه الخيمة المقدسة  هي رسالة الى كل المعنيين بأننا اصحاب الارض الحقيقيين ولا يمكننا ان نفرط بها وهي الارض التي تلقت واستقبلت كلمة المسيح مباشرة من رسل السيد المسح .
هكذا نراه دائما البطريك ساكو لا يعرف الراحة والسكينة بل الحركة واليقظة والمشاركة مع أبنائه افراحهم وآلامهم ،وليس كما يقول البعض في مقالاتهم يقررون وينصحون وينعتون الاخرين باسوء ما يُقال .هكذا نراه يصافح الطفل والمُسن والشباب والمرضى ،ويسمع الى همومهم ومعاناتهم ، وليس جالسا ليعبر في مقال أو كرازة لزرع الفتن والخصومات والحقد كما يعبرون البعض عن مدفونات عقلهم الباطني .
نعم أن مار لويس ما يؤدي الا واجبه الابوي ،ولكن ألا يستحق الثناء والتقدير والطاعة والتضامن والتعاون معه من أجل النهوض بكنيستنا الكلدانية المتألمة ؟ ولكن مع الاسف لا يزال البعض لا يقيمون أعمال غبطته باستحقاق ورؤية موضوعية لتدارك كل الخلافات.
هناك البطريك ساكو معهم في خيمة الميلاد ، في الوقت الذي نرى تذمرا وخيبة آمال وفوضى وتهديدات بالقانون والمحاكم في ثاني أكبر أبرشية كلدانية ،أبرشية ماربطرس ، تلك الحالة التي أصبحت على لسان كل مؤمن ليقول : ماذا يجري في ساندياكو ؟ وليس على لسان الكتاب فقط ، وضع محرج ، الكل يأسف على ما وصلت الحالة اليه، راعي الابرشية يهدد المؤمنين بالمحاكم !!!!! أليس هذا تخبط في الادارة ؟ ألم يكن هناك من حلول الا المحاكم وضد من ،المؤمنون الكلدان الذين يعبرون عن موقفهم تجاه الكهنة المفصولين .؟
 كنت اتمنى بحلول عيد الميلاد ،ميلاد السلام والمحبة والتواضع والتسامح قد أستقرت الامور في هذه الابرشية ،وكنت اتمنى ارى سيادة المطران مارسرهد جمو الى جانب غبطة البطريرك مشاركا قداس الميلاد في خيمة الميلاد ليقدم رسالة المحبة والتواضع والسلام وليقول للمهجرين لستم لوحدكم واننا معكم ، كنت اتمنى لو تكللت ابرشية مار بطرس بالطاعة المفروضة في قوانين الكنيسة للرؤساء ،مثلما طلب سيادته من كهنته الطاعة لراعي ابرشيتهم واستلام التعليمات منه، فالطاعة مفروضة عليه تجاه رئيسه واستلام التعليمات منه.وليس بتبرير ان الطاعة هي لكرسي روما مستندا الى بعض النصوص القانونية المتناقضة في القانون الكنسي التي أراها وضعت بتخبط وارباك من المشرع وعليه جاءت متناقضة في العديد من نصوصها .
 كنت اتمنى بقية الكهنة والرهبان المنذورين بقرار البطريرك الامتثال له ،ولكن الاندفاعات الجسدية غلبت الروحانية الايمانية ورسالتهم الكهنوتية والرهبانية , فهم يريدون العيش بأمان متناسين بأن الرب هو الذي يحميهم ، ومتناسين لماذا دخلوا الرهبنة والكهنوت ،هل لكي يعيشوا في القصور أم يعيشوا حيثما الاضطهاد والالام والمعاناة ؟.
كنت اتمنى ارى كهنة اخرين حلوا محلهم من العراق وبينما هم نراهم مع المؤمنين في خيمة الميلاد ليشعروا بقية الكهنة والرهبان باننا واحد نتألم مع بعضنا ونفرح مع بعضنا . فهل ياترى لو ساوت الامور بهدوء ومناقشة وأخذ وعطاء كما بدأها غبطة البطريك برسائل داخلية ومكالمات هاتفية ، واذعانهم لقرار البطريركية والتحاقهم في ابرشياتهم واديرتهم،هل ياترى كان غبطة البطريرك ينسى أويهمل الشواغر في كنائس ابرشية ماربطرس ؟ لتكون حجة الابرشية في استئنافهم المرفوع الى الفاتيكان بحسب القوانين الهشة ، واقول هشة لانه لم أر قانونا لمؤسسة أو دولة أو حزب تقول في احدى نصوصه كما هو قانون 1319" طلب الاستئناف يوقف الحكم " فأي عاقل شرع هذا القانون وعلى أي منطق قد أستند؟ ، فهل من المعقول المحكوم عليه أو المجرم " ارجو أن لا تستغربوا"  من استعمالي  كلمة المجرم ، فهي واردة بوضوح ومستعملة في مجموعة القوانين الكنسية في الفصل الخاص " الجرائم والعقوبات على وجه عام " اضافة الى كلمات  الطرد والمحكوم عليه والحط والحرم الكبير " راجع القوانين الكنسية الشرقية رجاءا  " فهل من المعقول المحكوم عليه يبقى طليقا بعد ادانته لكي يمارس عمله ،؟ لاتوجد في اية من القوانين بهكذا حالة فالمحكوم عليه يجرد من حقوقه وتسلب حريته الى ان يصدر قرار الاستئناف فيودع السجن ، ولكن بالطبع هنا الحالة هي الكنيسة فلا وجود للسجن بل يمكن ايقافه عن ممارسة عمله لحين ورود حكم الاستئناف . ألم ينتبه المشرع في القانون الكنسي لهذا النص القانوني . واذا تساءل أحد ليس هنا محكمة أو محامي أو مدعي عام وما شابه ، ولكن القانون الكنسي يُقر بأن قرار البطريرك هو حالة خاصة قوته هي قوة القانون " راجع القوانين الكنسية الشرقية رجاءا "البند 3 من قانون 1402
كنت يوما ما متفاءل على أن النهضة الكلدانية ستنطلق من أبرشية ماربطرس ، ولكن أخطأت التقدير فلم تكن نهضة كلدانية بل نكسة كلدانية ،ومنذ بدايتها وذلك للتدخل المباشر لرجال الدين في توجيه العلمانيين مما عكس ذلك في القضية الكلدانية وحدث التخبط والارباك في عملهم وكانت النتيجة الفشل الذريع  ،و طالما منبرها الاعلامي يقبل المقالات التي تسيىء للكلدان  ورموزهم  وبرضى المسؤولين على الموقع،فلم نتوقع الانفتاح الفكري وقبول الاخر ،بل أن التعصب يزداد والتقوقع يتعمق  .
اتمنى النهاية لقضية ابرشية ماربطرس، النهاية المُفرحة التي تعبر عن الامتثال لقرارات البطريركية ،وثم مبادرة البطريركية الى رعاية وأحتضان من كان يوما قد رفض الطاعة والتكيف مع الظروف والضغوط التي تمر بها كنيستنا في العراق

44
الاخ الكاتب كوركيس أوراها منصور المحترم
شكرا لمشاعرك وتقييمك لما كتبته ،فأنت عندي من الكتاب الذين ينطلقون من مبدأ الحرص وأستقراء الواقع وبعيد عن المزاجية.
الاخ الكاتب جاك يوسف الهوزي المحترم
شكرا على مرورك وقراءتك المقال ،ولا تنسى أني من المعجبين باسلوبك الهادىء الرزين في الكتابة فأرجو ان تواصل .
الاخ يوهانس المحترم
شكرا لقراءتك المقال .
الاخ الكاتب يوحنا بيداويذ المحترم
شكرا لاعجابك بالمقال ورضاك عن ما اكتبه .بالطبع لانها متطابقة مع أفكارك التضامنية الرائعةالتي تعبر عنها في كتاباتك.
الاخ فوزي دلي المحترم
شكرا وكل ما قدمته هو قناعتي بالاذاعة واستقرائي للواقع العملي.
الاخ الكاتب قشو ابراهيم نيروا المحترم
أحيي أصرارك الدائمي بالكتابة بلغتنا الام العريقة وقد قرأت تعليقك القيم واتمنى ان تكتب دائما بهذا الخط فهو سهل لي ،للعلم اعرف لغتنا قراءة وكتابة منذ أن كنت في السادس الابتدائي ولكن لم امارسها ،على كل حال اشكرك على كلمات الثناء والمشاعر الاخوية ،نعم بأذن الرب ان كتاباتي وستكون دائما بالاتجاه الذي يؤكد على التوافق والتقارب بين مكونات شعبنا من الاشوريين والكلدان والسريان لاننا امة واحدة ولا تحتاج الى برهان واجتهاد لان المقومات التي جنابك ذكرتها من اللغة والدم والدين واحدة عند الكل .
تحياتي ومحبتي لكم جميعاوالى جميع القراء في المنبر الحر
د . رابي

45
الاخوة المعقبين الاعزاء
تحية لكم جميعا متمنيا لكم التوفيق، أسمحوا لي أن اعبر عن شكري وتقديري لحضراتكم
الاخ الشماس صهيب الصناتي المحترم
شكرا على مرورك وقراءة المقال
الاخ سمير ( مسيحي عراقي ) المحترم
شكرا على مرورك وقراءة المقال
الاخ الكاتب المبدع خوشابا سولاقا المحترم
شكرا على كلماتك الرقيقة ومشاعرك الاخوية والمعبرة بالواقعية ورضاكم بالمقال ،واني في الحقيقة ارى في عيونكم الامل والتفاؤل في ترسيخ مبدأ لم شمل شعبنا تحت راية موحدة كما أشكرك للاضافة الرائعة التي تفضلت بها وستكون ضمن مقالتي القادمة
الاخ أحيقر المحترم
شكرا على مرورك وقراءة المقال ومقترحاتك ، هكذا هم دائما الاخوة في اذاعة الكلدان كما يؤكد جنابكم الساحة مفتوحة للعمل .تحياتي لاهلنا في تورينتو
الاخ عبدالاحد سليمان المحترم
شكرا على مرورك وملاحظاتك القيمة والتي تزيدني معرفة وعلما.
الاخ لوسيان المحترم
شكرا على قراءتك للمقال وعلى اضافتك القيمة فمنها أستقي المزيد من المعرفة .
الاخ قيصر شهباز المحترم
شكرا على كلماتك التي تُزيدني فخرا وملاحظاتك الرائعة المعبرة لتمنياتك عن مستقبل شعبنا.
اخوكم ومحبكم
د . رابي


46

                       أذاعة صوت الكلدان
                    لا تطرح الشعارات بل الانجازات
د . عبدالله مرقس رابي
    باحث أكاديمي

                تعهد كادر اذاعة صوت الكلدان في مدينة ديترويت الامريكية منذ ان دخل تنظيم داعش الارهابي الى مدينة الموصل ليواصلوا دعمهم لمهجري شعبنا الكلداني والسرياني والاشوري الذي يمر باحلك الظروف واظلمها في بلده الام وعلى ارضه التاريخية .فبين حين وآخر يطلعنا هذا الكادر بأنشطة تصب في خدمة شعبنا ،ومنها النشاط الاخير في 24 /11 / 2014 على قاعة ( بيلا ) في مدينة ديترويت . وبالتعاون مع أبرشية مار توما الرسول الكلدانية وبرنامج تبني عائلة الذي يقوده (باسل بقال ) المعروف في حرصه ومشاعره الانسانية تجاه المحتاجين والمضطهدين من أبناء شعبنا ، فقد جمع اكثر من خمسة ملايين دولار منذ تأسيسه للبرنامج  وجميعها تذهب مباشرة نقدا أو خدماتيا الى من يحتاجهم من أبناء شعبنا في العراق وسو ريا والاردن ولبنان وتركيا .
 
وقد حضر الى الامسية التضامنية أكثر من 600 شخص ،يتقدمهم الاسقفان الجليلان مار فرنسيس قلابات مطران أبرشية مارتوما ومار ابراهيم ابراهيم المطران المتقاعد ومجموعة من الاباء الكهنة ،ويذهب ريع الامسية مباشرة الى لجنة البطريركية الكلدانية برئاسة المطران مار بشار ومار اميل في العراق لصرفه على أحتياجات أبناء شعبنا المهجرين.

 ومما هو جدير بالذكر أن المطرانين مار فرنسيس ومار ابراهيم أبدى حرصهما منذ دخول داعش الى الموصل  في تشكيل لجنة رئيسة في الابرشية لدعم المهجرين ،وشكلت لجان أخرى فرعية تقدم خدماتها مباشرة للمحتاجين ،وهي لجنة أطباء الرحمة برئاسة الدكتور ( مصعب كبي ) حيث تمكنوا من فتح 7 مستوصفات واثنتان في طريقهما للتاسيس أيضا ، وبرنامج التعليم الذي يساهم في سد أحتياجات المدارس المستحدثة ،ويتم صرف مبالغ أخرى لاقتناء الحاجات الاساسية للمهجرين من الغذاء والادوية والكساء والسكن .

وقد تم أختيار فعاليات متنوعة للامسية بعناية ودقة وكانت جميعها تعبر وتعكس واقع شعبنا المهجر من حيث معاناته ومآسيه وأحتياجاته والدعوة للتضامن وتقديم المساعدات .فتضمن برنامج الامسية التضامنية ،قصائد شعرية أبدع في القائها الشعراء شوقي قونجا ، يلدا قلا،دكتور  صباح قيا وجميل أوسي ،والمرنمة اللبنانية في تقديم الترانيم وقُدمت مقاطع مسرحية وأغاني جميلة ،والقى الاعلامي فوزي دلي كلمة معبرة ومثيرة عن مأساة شعبنا المهجر ،وقد نالت هذه المنوعات رضى الحاضرين لكونها تصب جميعها للتعبير عن أحوال شعبنا المضطهد على أرضه.

ماهي الدلالات المستخلصة عن هذه النخبة النشيطة؟

تعد مسالة تقديم الدعم للمهجرين من أبناء شعبنا هو الهدف الاساسي لانشطتهم منذ بداية المأساة فكل مايؤدونه من عمل لابد وان ينصب في خدمة شعبنا المنكوب ،فهم يعيشون الحدث فعلا ،فما الاعمال التي يقدمونها الا تعبير عن مشاعرهم الانسانية والمسؤولية تجاه أبناء شعبنأ .

تتفهم هذه الفئة النشيطة بأن الوضع المرحلي الذي يمر به شعبنا يتطلب توجيه كل المساعي لانقاذه من محنته ، على عكس  الذين لا يزالوا يتصارعون على الكراسي والمصالح . وهم لا يكترثون أهمية للتشبث بالاصالة وحفر الابار التاريخية ليوقع فيها غيرهم من أبناء شعبهم ،فهم أبناء اليوم وليسوا من يعيشون قبل خمسة ألاف سنة ويدعون الاصالة لهم بينما الشعب الان بحاجة لابسط ما يُقدم له.

فهم  ليسوا مثل هؤلاء الذين يعيشون بأحلام وبطولات الماضي السحيق التي أصبحت مجرد تاريخ مكتوب أو بقايا رقم طينية أو قطع تماثيل في المتاحف ويتركون شعبهم بآلامه سواء من الكلدان أو الاشوريين أو السريان . بل هم يُنسقون ويخططون في كيفية مساعدة شعبنا اليوم.

ليسوا هؤلاء الخيرين منهمكين في كتاباتهم عن تهميش الكلدان من قبل بليمر أو زوعا أو المجلس الشعبي الكلداني السرياني الاشوري أو من النائب يونادم كنا . بل يدركون تماما أن البيت الكلداني عليه أن يعتمد على نفسه وينافس غيره منافسة شريفة لا بالاسقاطات الشخصية ،فهم لا يلوموا أحدا في فشل الكلدان لتحقيق مبتغاهم بل يحترمون كل مكونات شعبنا من الكلدان والسريان والاشوريين ، ويدركون أن الخلل هو بالكلدان أنفسهم أكثر قبل أن يكون غيرهم السبب.

وهم هؤلاء الذين أستجابوا منذ البدء طلب البطريركية الكلدانية عن مساعدة أبنائها في الخارج لاخوتهم في الداخل ،فمنذ ذلك اليوم لا يعرفون الملل والسكون بل أبدوا بكل طاقتهم للتعاون مع الكنيسة في  أبرشية الرسول مار توما في مشيكن الامريكية لتلبية ذلك النداء البطريركي معتبرين أننا جميعا مسيحيون.

فهم لا يعاتبون ولا يشكون ولا يتذمرون يوما ما مثلما عودنا الاخرون على قولهم "ان بطريركنا همشنا ولا ينادي بتسميتنا " فهم يدركون الواقع و يسعون للعمل القومي والانساني بأنفسهم لانهم علمانيون .
لا نقرأ يوما مقالة أو تصريحا  لهم ليعلنوا عن أنفسهم ،وليسوا منشغلين بالقال والقيل انترنيتيا أو اعلاميا بل همهم هو العمل من أجل جمع لقمة العيش والكسوة والحليب وتهيئة المدارس للتعليم والسكن لابناء شعبنا الذي لا يزال مُبعدا عن ارضه .

أنهم منهمكون بجمع التبرعات ،وغيرهم يطلقون تصريحاتهم ويكتبون مقالاتهم مليئة من تعابير الحقد والكراهية لاخوته الاشوريين والسريان بقولهم :  الاعداء الاشوريين والنساطرة الهراطقة وما شابه من تعابير كأنما حرب بلا هوادة قائمة بينهم ،ولكن هؤلاء الاعلاميين والنشطاء يؤكدون مرارا أننا أخوة وأننا شعب واحد واننا نعتز بكلدانيتنا كما أيضا نعتز بالاشوريين والسريان ، فهم يدركون تماما أن العدو البغيض هو من هُجر وأضطهد شعبنا ورموه على الطرقات وهم داعش وليسوا الاشوريين.
ينطلق كادر اذاعة صوت الكلدان من مبدأ أننا جميعا مسيحيون وأن داعش يوجه سمومه نحوهم وليس فقط نحو الكلدان أو الاشوريين أو السريان . فعلينا أن ندرك الواقع وأن لانعيش في الماضي السحيق .

كل أعمالهم منسقة ويسودها التعاون وتوزيع الادوار ، ويعملون بروح جماعية لايمكن أن تميز من هو القائد ومن هو التابع بل تراهم يدا واحدة، مستوى واحد وقلب واحد ، وعليه تكون نتائجها متفقة مع مسعاهم ،فهم عمليون وجديون لا يصرفون وقتهم في وضع التوصيات والمقترحات في الايميلات وكلها بدون جدوى .فهم يدركون تماما أن الوقت ثمين لابد من العمل .

لم أرَ هؤلاء يوما ما يتجادلون ويبحثون عن التسمية لمضيعة وقتهم ،بل ما يؤكدونه أننا شعب واحد والجدالات لا تخدم شعبنا المنكوب بل تزيده مأساةً .

وهم كلدان يتميزون باليقظة والجدية ،بينما الاحزاب الكلدانية لا تزال تبحث أسباب أخفاقها وفشلها ،ونشطاء الكتاب من الكلدان يقولون لا لاقصاء الكلدان من قبل بليمر وزوعا ،ولم ينزلوا يوما الى العمل الجدي سواء داخل الوطن أو في المهجر .

وتعجز الاقلام عن الكتابة لتسطر الكثير الكثير مما يتميزون به الاعلاميون والفنيون في أذاعة صوت الكلدان في مشيكن وما سطرته فهو قليل بحقهم ،فكيف لا ، حيث كل خطوة يخطونها هو جني الثمار ومن أيدي محبيهم من ابناء شعبنا والى اخوتهم  المهجرين ،ولكي يرى ويسمع من كان على بعد بضعة أمتار عن موقع أحتفالهم لمناصرة شعبنا ،وبالرغم من أن الدعوة عامة للجميع وأُعلنت في الكنائس والاذاعات والصحف ،ولم يحضروا لانهم مشغولين بهتافاتهم وشعاراتهم ونداءاتهم الانترنيتية للدوران في حلقة فارغة .

وأخيرا تمنياتي لكل كادر أذاعة صوت الكلدان بالتوفيق والنجاح الدائميين لخدمة شعبنا الكلداني والاشوري والسرياني المسيحي في كل مكان ، فهم حقا يدركون المسؤولية تجاه شعبنا وليسوا أهل الشعارات والهتافات بل أصحاب المنجزات .

47
                               " ليون برخو "
                        دروسك المُستخلصة موضوعية ولكن ....
د . عبدالله مرقس رابي
    باحث أكاديمي
               قدم الدكتور " ليون برخو " تحليلا صحفيا أكاديميا في منتهى الدقة والموضوعية في مقاله الموسوم " الدروس التي في الامكان أستخلاصها من الازمة التي تعصف بالكلدان وكنيستهم "رابط1، محاولا ربط الحدث الاخير المتمثل ببيان البطريركية الكلدانية في توقيف بعض الكهنة والرهبان عن الخدمة في العلاقة بين الفاتيكان والكنيسة الكلدانية وما سوف يترتب من تداعيات عن هذه العلاقة.مستندا على منهج " تحليل الخطاب " الذي غالبا ما يستخدمه الصحفيون ،فاعتبر كل ما كُتب من البيانات وردود الافعال نصوصا لتحليله .
قبل أن أدخل بموضوع المقال ، أرى من الضروري أن أضيف الى ما أكد عليه في مقدمة المقال عن مسالة ربط النص بالعوامل البيئة التاريخية والثقافية والاجتماعية ،عوامل أخرى وهي البيئة الطبيعية والخصائص الشخصية المكتسبة والموروثة للكاتب ،حيث جميعها تؤثر بالنص وتساعد هذه العوامل على أدراكه ،وهذا ما يؤكده علم الاجتماع المعرفة ، ومن هذا المنطلق تكون اللغة عاملا مؤثرا في الظواهر الاجتماعية وحركات المجتمع سلبا أو أيجابيا .
أن تحليلك للعلاقة بين الفاتيكان من خلال المجمع الشرقي كأحدى المؤسسات الفرعية للفاتيكان صائب على أعتبار أنه أحد العوامل المؤثرة في تأزيم الوضع الاداري في الكنائس الشرقية الكاثوليكية التي تطلق عليها الكنائس المستقلة ذاتيا ومنها كنيستنا الكلدانية .ولذلك كانت هذه المسألة من الاجندة الاساسية التي طرحها بطاركة كنائس الشرق الكاثوليكية في أعمال الجمعية العمومية لمجمع الكنائس الشرقية الكاثوليكية المنعقد للفترة بين 19 – 22 من شهر تشرين الثاني من عام 2013 بحسب ماجاء في كلمة بطريرك الموارنة والمقترحات المقدمة، وقد مضى سنة كاملة على انعقاده ودون الخروج بنتائج ملموسة. - وقد شخصت تداعيات هذه العلاقة على الكنائس الشرقية الكاثوليكية في مقال مستقل رابط2 -.
 تبين في حينه وبعد دراستي وتحليل للقوانين التي تنظم العلاقة بين الفاتيكان وهذه الكنائس ،أن التناقض الحاصل في بعض القوانين هو أحد العوامل المؤثرة على الوضع الاداري في كنيستنا الكلدانية مما يتشبث الاساقفة والكهنة في ابرشيات الانتشار بها فتعكس في تعاملهم مع البطريركية بازدواجية .وهذا ما حصل فعلا في ابرشية ماربطرس الكلدانية في غرب أمريكا حيث تشبثوا بالقانون رقم 150 البند 2 الذي ينص " القوانين التي يسنها سينودس أساقفة الكنيسة البطريركية ويصدرها البطريرك ، اذا كانت قوانين طقسية ،تسري في كل أنحاء العالم ،أما أذا كانت قوانين تنظيمية ،أو تعلق الامر بسائر قرارات السينودس ،فلها قوة القانون داخل حدود منطقة الكنيسة البطريركية " .
بينما الابرشية المذكورة تغاضت النظر بقانون الذي يناقض القانون المذكور اعلاه والمرقم 88 ونصه " على أساقفة الكنيسة البطريركية أن يؤدوا للبطريرك الاكرام والتوقير ،ويقدموا له الطاعة الواجبة ، وعلى البطريرك أن يعاملهم بأحترام مماثل ويحوطهم بمحبة أخوية" . فأين أبرشية ماربطرس في أكليروسها من هذا القانون الذي تغاضوا عنه في بياناتهم وأعتراضاتهم . فهل من حق الابرشية الاعتراض لانها مرتبطة اداريا بالفاتيكان أم عليها الطاعة للبطريرك لانها مفروضة عليها قانونيا ،ولو أنه بتقديري مسالة توقيف الكهنة والرهبان لا ترتبط بالقانون رقم 150 بند 2 لان هؤلاء أساسا مشكلتهم مع أبرشياتهم ورهبنتهم داخل حدود البطريركية .ومن جهة أخرى لاتقبل الابرشية وبتصريح من المطران مار سرهد جمو بأن تكون تابعة أو تحت وصايا االدخلاء على كنيستنا الكلدانية . فلابد كما تفضلتَ أن يعاد النظر بوجود المجمع الشرقي في الفاتيكان وأن تقتصر علاقة الكنائس الشرقية الكاثوليكية بالفاتيكان على الشركة الايمانية دون الادارة المباشرة .
دكتور ليون ، كل الدروس التي استخلصتها من الخطاب المنشور مؤخرا موضوعية بكل المقاييس العلمية ولكن لا أتفق معك بخصوص تأكيداتك وتفسيرك الدائم على وجود ارتباط قوي بين الكنسية وديمومة احياء اللغة الكلدانية ،فدعني اناقش هذه المسالة أنطلاقا من مبدأ دراسة الظاهرة الاجتماعية.
تفضلت وأكدت قولا أننا لايمكن ادراك وفهم النص او الخطاب بتجريده من السياقات التاريخية والثقافية والاجتماعية ،أي بمعنى أنه لوجردنا الخطاب من هذه المقاييس ،أو أعتمدنا مقياسا واحدا في تفسيره ،حينئذ سيكون التفسير ناقصا ولم نصل الى النتيجة .لو قسنا مسالة دراسة أحياء اللغة واستمرارها كظاهرة أجتماعية على قياس تحليل النص ،يقودنا ذلك الى القول بأننا لانستطيع أن نحلل العوامل المسؤولة عن أحياء اللغة وارجاعها الى عامل واحد كما تؤكد على عامل الكنيسة فقط وفي عدة مناسبات .
المعروف مبدأيا في دراسة الظاهرة الاجتماعية ومنها اللغة ،لايمكن دراستها بأسناد وجودها وتكوينها الى عامل واحد ،وقد أصبحت النظرة الاحادية في دراسة الظاهرة في العلوم الاجتماعية مرفوضة تماما وأن اراد الباحث دراسة تاثير عامل واحد عليه أستبعاد العوامل الاخرى وبعمليات أحصائية متقدمة لابد أن يطبقها لكي يصل الى طبيعة العلاقة بين ظاهرتين فقط .
فعند دراسة مسالة أحياء اللغة الكلدانية التي نحن بصددها ،لايمكن أن نلوم الكنيسة لوحدها لانه هناك عدة عوامل مسؤولة عن أحيائها ،فهناك الاسرة التي اعتبرها هي العامل الاهم والاساس في أحياء اللغة واستمرارها، المدرسة ، الاعلام ، مكانة اللغة من بين اللغات السائدة ، وجود حكومة تدعم أستمرارية اللغة ، العامل السياسي ،واهتمام السياسيين ،اللغة السائدة حيث وجود الكلدان .الرغبة الشخصية في التعلم ،وهناك عدة عوامل تدعم وجود اللغة واستمرارها فلا يمكننا وضع اللوم على الكنيسة التي هي جزء بسيط من المسالة .
فلو أراد الباحث أجراء دراسة في ضوء الفرضية القائلة : هناك علاقة بين أحياء اللغة ودور الكنيسة .
فهذه الفرضية المفتوحة الجانبين عند أختبارها  - وهي التي تؤكد في مقالاتك عليها – لابد أن يستبعد تأثير العوامل الاخرى المتعددة بأستخدام معامل الارتباط الجزئي كمقياس أحصائي ، وهذا لا يمكن لانه من الصعوبة السيطرة في استبعادها ،وبالطبع ستكون النتيجة ناقصة ولم تغط موضوع الدراسة ،فيضطر الباحث الاستعانة بمعامل الارتباط المتعدد الذي يربط ظاهرة أحياء اللغة بعدة عوامل ،وثم أستخدام معامل الانحدار المتعدد لكي يتبين اي من هذه العوامل أكثر تأثيرا على أحياء اللغة الكلدانية وديمومتها .فالمسالة معقدة جدا دكتور ليون ،فلايمكن التعميم نظريا في مثل هذه الحالات لانها ستكون مرفوضة أكاديميا .
  ومن متابعتي تبين أن معظم الكنائس الكلدانية لها برامج في التواصل مع اللغة الكلدانية بتشجيع الصغار والكبار لتعلمها ،نعم يقضي معظم وقته المطران مار سرهد جمو في عقد حلقات دراسية عن الهوية واللغة والطقوس الكنسية، ولكن ليس لوحده  ،فخذ مثلا أبرشية مار توما الكلدانية في ديترويت الامريكية ،فمنذ تسلم المطران مار ابراهيم رعايته للابرشية كثف جهوده على ديمومة المجتمع الكلداني فركز على بناء الكنائس اينما حل الكلدان، اشرف على تاسيس معظم كنائس ابرشية مار بطرس قبل تاسيسها أضافة الى كنائس ابرشيته التي بلغت 11 كنيسة وجميعها بنيت في عهده ، وكان جلٌ تفكيره من سيخدم هؤلاء الكلدان الذين يتزايد عددهم تدريجيا فاستطاع رسامة 14 كاهنا بعد تخرجهم من الاكليريكية اللاتينية وبعد تدريسهم اللغة الكلدانية والخدمة بالطقس الكلداني ،وحاليا 8 آخرون في طريقهم الى التخرج والرسامة ،وقسم منهم من مواليد أمريكا . وللابرشية في مركزها مدرسة عامرة منذ سنة 1990 ومتكونة من عدة صفوف لتعليم اللغة الكلدانية للصغار والكبار وتمنح شهادات تخرج تقديرية لهم ،وتُدار من قبل نخبة متميزة من المعلمين .وهكذا في كل كنائس الابرشية برامج لتعليم اللغة .
و بالنسبة الى أبرشية مار أدي الكلدانية في تورينتو الكندية ، باشر منذ رعايتها المطران مار يوحنا زورا سنة 1992 في تشجيع الصغار والكبار للانضمام الى مدرسة كنيسة الراعي الصالح حيث مركز الابرشية لتعليم اللغة وأداء الطقوس الكلدانية وجميعها باللغة الكلدانية وبوجود معلمين أكفاء تحت أشراف ومتابعة المطران مباشرة ،حيث بلغ عدد التلاميذ في المدرسة لعام 2009 اكثر من 200 تلميذا أبتدأً من الروضة وحتى الاعدادي ، وضمن برنامج معترف به من قبل الحكومة الكندية ،وقد أثمرت جهود المطران يوحنا زورا في أعتبار اللغة الكلدانية أحدى اللغات المعترف بها ضمن وزارة التعليم العالي في مقاطعة اونتاريو الكندية.
وهنا في كنيسة مار توما التي اتردد اليها ،فان الاب نياز توما دائم التأكيد في كرازته على تشجيع الوالدين لانضمام الابناء الى المدرسة المجازة رسميا لتعليم اللغة الكلدانية فهي تضم حاليا 60 طالبا وطالبة ،وهكذا في كنيسة ماريوسف في لندن برعاية الاب عامر ساكا وكنيسة العائلة المقدسة برعاية الاب داود بفرو، ولا استبعد أن كل الكنائس تقدم هذه البرامج سواء داخل العراق أو في المهجر ،ولكن هل يكفي ذلك لديمومة اللغة الكلدانية :أعتقد الجواب كلا ،لانه هناك عدة عوامل مسؤولة لاحيائها وديمومتها .
أن مسالة تشتت الكلدان في مختلف أنحاء العالم يعد من الاسباب الاساسية في انصهارهم في المجتمعات الاخرى لسيادة ثقافة ولغة اخرى حيث وجودهم.عدم وجود حكومة ودولة ترعى اللغة لتقوم بتاسيس المدارس واعتبار اللغة الكلدانية اللغة الرسمية للبلد يعد عاملا معوقا لاحياء اللغة، فنرى
دائما الجماعت الاثنية التي لا دولة لها وقد اندثرت لغتها او في طريقها للاندثار ، والعوامل السياسية التاريخية في بلدنا الام كانت لها الاثر الكبير في تراجع لغتنا ، سيادة اللغات الاخرى في المجتمع الذي يتواجد فيه الكلدان وحتى في عقر دارهم بلاد النهرين . واكثر العوامل تأثرا باعتقادي هي الاسرة ، فالتنشئة الاجتماعية التي يتلقاها الطفل والمفاهيم اللغوية المستخدمة هي المؤثرة في البناء الفكري للانسان – واذا اردنا الحديث عن أهمية هذه العوامل نحتاج الى مجلدات - . فلا تتمكن الكنيسة لوحدها أحياء اللغة ما لم تساندها العوامل المذكورة ، ففي الوقت الذي نركز على دور الكنيسة علينا أن لا نهمل هذه المتغيرات الاساسية .
ولماذا لم ندرس الموضوع من جهته الاخرى ، أي البحث في مدى تأثير هذه العوامل مجتمعة لجعل الكنيسة واضطرارها بأن تقوم باداء الطقوس والصلوات بلغات غير كلدانية ،لكي نحد من تأثيرها ،فماذا تعمل الكنيسة اذا لا تتحقق رغبة عند الافراد في تعلم لغتهم الام ؟ وهل تبقى الكنيسة مكتوفة الايدي وتصر على اللغة الكلدانية في تادية الطقوس المطلوبة ولكن دون وصول معانيها الى المصلين .فلابد لكي تقوم الكنيسة بدرورها لتادية الرسالة الدينية أن تعوض باللغة السائدة في المجتمع الموجود فيها الكلداني.
فلا تتصور مهما بذلت الكنيسة من جهود في احياء اللغة والحرص على تأدية المراسيم الدينية بها ، لايمكنها ذلك طالما لا يمكننا تقليص من دور العوامل المذكورة .
وهناك مسالة أخرى يؤكد عليها الدكتور ليون وهي ،دور الكنيسة في أحياء التراث والحفاظ عليه ، ، فلا أدري أي من التراث يقصد حضرته ؟هل تراث الكنيسة المرتبط بطقوسها ؟ أم التراث الاجتماعي ؟ فاذا كان القصد التراث الكنسي فهذه مسالة تحتاج الى دراسة أمكانية تكيف التراث مع التغيرات والمستجدات الثقافية والاجتماعية وظروف العمل وما شابه . فلنتذكر دائما ارتباطنا بأمور الحياتية اليومية حاليا ليس كما كان يربط آباءنا وأجدانا في قرانا ومدننا . وهكذا نقيس الامور الاخرى في ضوء هذا المتغير .
وأما اذا يقصد التراث الاجتماعي الكلداني ،فهذا ليس من واجب الكنيسة فليس من واجبها مثلا أحياء فلكلور الازياء وعادات الزواج وتقاليده ،فهذه الامور تؤديها الجمعيات والمراكز الثقافية وما شابه ،ولو أحيانا تقوم الكنيسة ببعض من هذه الممارسات .
خلاصة القول ، لايمكن أسناد مسالة أندثار لغتنا وتراثنا الى المؤسسة الكنسية فقط ونظريا دون الاعتماد على دراسات شاملة تغطي الظاهرة المدروسة لنصل الى نتائج تساعدنا على أحياء اللغة ، فالتشبث بالكنسية لوحدها لا يوصلنا الى بر الامان لغويا.
الهوامش :
 في حوزتي رابط يبين أشراف المطران ماريوحنا زورا على تعليم اللغة الكلدانية ،ولكن مع الاسف لم اتمكن فنيا من وضعه هنا  .
 رابط رقم 1
http://www.ankawa.com/forum/index.php?topic=757968.0
 رابط 2
http://www.ankawa.com/forum/index.php/topic,712859.0/nowap.html

48
                        " جونسون سياويش "
            بين قراءة الوضع السياسي ومستقبل شعبنا
                            رؤية وتحليل
د . عبدالله مرقس رابي
باحث أكاديمي
                       نشر الاستاذ " جونسون سياويش " الوزير المستقيل في حكومة أقليم كوردستان الحالية مقالة معبرة وموضوعية في معظم جوانبها لقراءة وتحليل الوضع السياسي والصراعات المحتدمة بين الاقطاب الرئيسية في المنطقة من السنة والشيعة ، ودور الدول الاقليمية في المنطقة كالسعودية وايران في تفعيل حدة هذه الصراعات ،وثم بَين محللا النفوذ الامريكي في المنطقة ،ومشخصا الاثار التي تركتها وستتركها الاحداث السياسية والعلاقات الدولية على جغرافية وديمغرافية وسياسة المنطقة الشرق الاوسطية ،وثم ربط تلك التغيرات بأحوال شعبنا الكلداني ، الاشوري ، السرياني وتداعياتها على مستقبله .وأخيرا وضع مقترحات يناشد فيها الاحزاب السياسية للتكاتف والتعاون للعمل لانقاذ ما تبقى من شعبنا في العراق وبالتعاون مع الكنيسة.
وفيما يأتي رؤيتي فيما طرحه الوزير المستقيل من رؤى للصراع الدائر بين القوى المحلية والدولية وحالة شعبنا ومستقبله:
أولا : أبدع في تحليله للاحداث الجارية في المنطقة وتشخيصه للقوى الطائفية والدول الاقليمية التي تلعب ادوارها في الصراع، وشخص العوامل الاساسية المساهمة في أشعال المنطقة ،وثم شخص تداعيات هذه الاحداث على المنطقة وبعدها على شعبنا . وقد ارجع الاوضاع المضطربة بالدرجة الاساس بين السنة والشيعة فقط واعتبرهما قطبي الصراع متناسيا القطب الثالث وهو الكورد ،القطب الذي لعب دورا لا يقل أهمية في تأجيج الصراعات لتحقيق المصالح القومية والامنية المعروفة لهم ،فالاقطاب الثلاثة أضطلعت بدور كبير في الصراع ،وكانت النتيجة التأثير السلبي على شعبنا . وفي الوقت الذي يتحدث المحللين الكورد بصراحة عن دور الاقطاب المذكورة بما فيهم الكورد فيما يحصل ، ولكن المحللين من أبناء شعبنا يتجنبون دائما في تحليلهم مشاركة الكورد وتأثيرهم على الوضع في المنطقة،وقد عالج جزء من هذا الموضوع الكاتب " ابرم شبيرا " ببراعة في مقالته الموسومة " أفراغ المسيحيين من مناطقهم وفق نظرية المؤامرة ".
ثانيا : أنفراد الولايات المتحدة الامريكية في التحكم في العلاقات الدولية وأنها القوة الوحيدة في العالم وتركزه على انها اعادة لسياسة القطب الواحد ،أعتقد وبحسب المؤشرات ،المسالة هي معكوسة ، حيث ان روسيا تحاول أن تستعيد مكانتها المؤثرة في السياسة الدولية بدليل معارضتها للخطوات التي تتخذها أمريكا بهذا الخصوص ومواجهتها ووضع الشروط أمام القطب الامريكي ،أضافة على النمو الكبير لبروز القطب الصيني بدليل أن الاقتصاد الصيني سيكون أقوى اقتصاد في العالم قريبا جدا ، فعلية ستؤثر على العلاقات الدولية بقوة أقتصادها وستغير من المعادلة السياسية.
ثالثا : أما وصفه لدور الكنيسة بأنه ضعيف تجاه معاناة شعبنا بعد تعرضه للتهجير والاضطهاد ،فلم يكن موفقا الوزير سياويش في رايه ، أذ أن كل المؤشرات الميدانية تثبت بأن الكنيسة لعبت دورا كبيرا على المستويات الثلاث المحلي والاقليمي والعالمي ،وبالطبع الفروع المختلفة لكنائس شعبنا ولكن دور الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية كان بارزا جدا في تعاطيها مع الاحداث ومعاناة شعبنا على الارض . وباتت معروفة للجميع وجلية ،  والوقائع تبرهن ذلك .فلا يمكن أن يوصف دورها بالضعيف ، فلو لا تحرك رؤوساء كنائس شعبنا الكلداني ، الاشوري ، السرياني وبالتعاون مع الكنائس الاخرى في المنطقة ، لما تحرك الرأي العام الشعبي العالمي والرأي الرسمي للحكومات خطوة واحدة تجاه رعاية أبناء شعبنا المهجرين، وباستقطابها الراي العام أستطاعت تلبية أحتياجات شعبنا المنكوب كحد أدنى  .ولولاها لشاهدنا الاسوء لما يتعرض له شعبنا المضطهد في ظل المساعدات والخطوات المخيبة للآمال التي تسعى لتقديمها الحكومة المركزية ، او حكومة الاقليم معذورة لانها هي الاخرى تتعرض الى الحصار المالي من حكومة بغداد فلم يكن بمقدورها سد أحتياجات النازحين بأعدادهم الضخمة.
أتفق مع الوزير جونسون في مسالة عدم تأثير الكنيسة على الحكومات العالمية والقوى المهيمنة في التدخل السريع لانقاذ شعبنا والاقليات الاخرى ،ولكن لايرجع السبب في أخفاق الكنيسة وعدم المتابعة وأنما السبب الحقيقي في رايي هو: كما تفضلت لا تزال الولايات المتحدة الامريكية تنفرد كقوة مهيمنة على العلاقات الدولية والسياسة العالمية ، فهي تتبنى نظرية " تبادل المنفعة " وتسمى في علم الاجتماع والاقتصاد نظرية " الاختيار العقلاني " أو تسمى " سعر كل شيء ".أذ يتوهم العديد عندما يظنون بأن السياسة الامريكية يحركها الكونكرس الامريكي أو الرئيس الامريكي ، أنما المحركون هم المستشارون في مختلف العلوم الانسانية والاجتماعية والادارية والمالية والقادة هم المنفذون . ففي ضوء هذه النظرية توجه السياسة الامريكية بوصلة الاحداث والصراعات والسياسات في العالم بحسب مصالحها فهي تعطي سعر لكل شيء وتختار الوضع والموقف عقلانيا دون التأثر بالعواطف الانسانية ،فهي تتبنى هذه السياسة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية لغرض السيطرة على الاقتصاد العالمي وباية صيغة ، حتى لو تطلب الامر فناء شعوب بأكملها من على الارض .
فالسياسة الامريكية لا تتعاطى مع المجتمعات البشرية في ضوء مبدأ أنساني كأن جماعة ما تعرضت للاضطهاد فعليها مساندتها والوقوف الى جانبها ،ولكن تقرر التدخل بعد دراسة مستفيضة والتوصل الى نتيجة مفادها :هل سيجلب تدخلها ومساندة الجماعة أو الشعب المظلوم المنافع الاقتصادية ومدى المساهمة في استمرارية سيطرتها على الاقتصاد العالمي؟في حينها أذا رأت هناك اكتساب للمنافع فتتدخل وعلى الفور وتحدد الفترة الزمنية لانهاء التدخل والقضاء على الظالم بحسب المعطيات ، فغالبا نسمع ونقرأ هذه الايام تصريحات المسؤولين الامريكان بأن القضاء على " داعش " يتطلب فترة زمنية معينة ،لماذا لان وجود داعش لا يزال يخدم المصالح الامريكية في المنطقة لاستخدام هذا التنظيم الارهابي ورقة ضاغطة على الدول الاخرى . دون الاكتراث للوجود الانساني ومساندة المضطهدين .
فالكنيسة وصلت الى الموائد المستديرة والى صناع القرار في امريكا والدول الاوربية ووضعت مطاليبها ،كما تمكن الاتحاد الاشوري العالمي ،وممثلي المجلس الكلداني السرياني الاشوري ومنظمات المجتمع المدني الكلداني في استراليا ومبادرات شخصية من السيدان جوزيف كساب وسامي يونو وغيرهم في ديترويت الامريكية وبالتعاون مع الكنيسة ،تمكنوا هؤلاء وضع وطرح مآساة شعبنا على طاولة برلمانات الدول وحتى على طاولة الكونغرس الامريكي ولكن بدون جدوى .لماذا ؟ ببساطة لانها ترى في وفوفها الى جانب شعبنا سوف لا تكتسب أية منافع سياسية أو أقتصادية، وبمعنى آخر لان كفتي الميزان في مسالتي مناصرة شعبنا من قبل أمريكا وتحقيق مصالحها غير متوازنة ، فلو أرادت مساندة شعبنا لعملت منذ دخولها العراق في 2003 وعلى مرأى منها تفجر الكنائس ويشرد المسيحيين ودون ان تفعل شيئا ،بينما تسارعت لتلبية المطاليب الكوردية لان الكورد يستقطنون منطقة أستراتيجية ولهم ثقلهم السكاني وبامكانها استخدام أراضيهم للانطلاق لتحقيق مصالحها في المنطقة ،وهذا الذي يتحقق في الاحداث الاخيرة ، والامثلة على هذا التصرف السياسي متعددة للقوى المهيمنة .
رابعا : أتفق مع الكاتب " جونسون " في قوله أن شعبنا فقد الثقة بقدرة وأمكانية أحزاب شعبنا ووممثليه في مواجهة التحديات الجديدة التي تواجه شعبنا المضطهد لضعف أدائها دون تشخيص عوامل ضعفها وتلكؤها .أنما أرى ومن المؤشرات والمتابعة أن أحزاب شعبنا ليست ضعيفة أو أخفقت في مواجهة التحديات بعد ظهور داعش الاجرامي،بل يظهر جليا منذ طهورها على الساحة السياسية العراقية ،فهي فشلت بدليل ما تعرض له شعبنا بكل مكوناته الاثنية منذ تبدل نظام الحكم في العراق ،فتعرض الى التهجير من مناطق سكناه في المدن العراقية في الجنوب والوسط ، تعرض الى الاغتيالات والاعتداءات على الممتلكات ،وفُجرت الكنائس في كل مكان باستثناء محافظات أقليم كوردستان ولم تتمكن من وضع حد لتلك المآسي سواء الاحزاب أو الممثلين في البرلمان. وفي رأيي يمكن حصر عوامل أخفاقها باربعة عوامل أساسية وهي :
1 – تفضيل المصالح الشخصية لكوادر الاحزاب وممثليهم في البرلمانات وفي الحكومة لمصالحهم الشخصية على المصلحة العامة لشعبنا ، وواضحا ذلك في صراعهم غير الطبيعي على الكرسي في البرلمان أو الوزارة دون الاكتراث لما يعانيه شعبنا منذ سنة 2003 ،بأستثناء شخصكم لاجرائكم التاريخي لتقديم استقالتكم من منصبكم الوزاري ، ذلك كان علامة مُشرفة ومثلا عاليا لمن يتحسس ويشعر ويتالم مع شعبه ،فكان المفروض منهم أن يحذو هذه الخطوة قبل الاحداث الاخيرة طالما لا منفعة أو تأثير لقرارات الدولة من خلال وجودهم في البرلمان والوزرارة .
2 – يحاول كل حزب السعي الى أستحواذ القيادة والانفراد بها والانفراد في العمل ليبين لشعبنا بأنه صاحب المبادرة .وذلك لنقص خبرتهم في المنافسة الشريفة والنافعة فبدلا من توجيه التنافس لاجل الابداع فوجه الى الصراع ثم الفشل .
3 – أرتباط أحزاب شعبنا بالكتل السياسية الكبيرة ،مما أصبحت أسيرة تحركات وتوجهات تلك الكتل وحتى أذا تعارضت تلك التوجهات مع مصالح شعبنا .
4 – تشبث الاحزاب الاشورية والكلدانية والسريانية بالتسمية التي يجب أن تطلق على شعبنا مستندة على ما يمكن أن يتماشى مع آرائها وفلسفتها من الكتابات التاريخية ، ويدل بوضوح مدى مساهمة هذه الظاهرة في عدم التوافق بين الاحزاب والعمل معا باخلاص، لتعصب كل جهة لتسمية معينة.
وقد فصل التحليل لاخفاق احزاب شعبنا الكاتب" أنطوان الصنا " في مقالته الموسومة "أسباب فشل تجمع تنظيماتنا في العراق"
 خامسا : تعترف بوضوح بفشل أحزاب شعبنا وممثليه بمواجهة التحديات ،ولكن السؤال الذي يفرض نفسه أستاذ " جونسون" هو : لماذا تريد تكرار الاعتماد عليهم في تفعيل مقترحك الحالي طالما فشلوا في تجربتهم ؟فهنا تتمنى أن تفكر الاحزاب بأن تضع مصالح واهداف الكبرى لشعبنا فوق انانيتها ومصالحها وفوق كل الاعتبارات .فهل ستتحقق الاماني ؟ أنا شخصيا متشائم لان المعطيات والمؤشرات الحالية لا توحي بذلك . وعليه حاولت تطعيم التجمع بالكنيسة ، وأعتقد هذا أعتراف ضمني منك في اعتراف بدور الكنيسة في الاحداث الاخيرة والتي عوضت عن دور الاحزاب ،وهنا تناقض نفسك عندما تفضلت بالقول أن دور الكنيسة كان ضعيفا .
وأرى طلبك بمشاركة الكنيسة ولو مرحليا في التجمع عبر ممثليها مسالة في غاية الاهمية فلها مكانتها وصوتها المسموع عند الشعب والراي العام العالمي وان كان صوتها مسموعا بشكل محدود عند القوى العظمى التي تبحث عن مصالحها كما وضحت آنفا . وباعتقادي أن مطلبك لتفعيل دور الاحزاب ثانية وبمشاركة الكنيسة يجب أن يقترن بمسالة تخلص الاحزاب من الاسباب التي ذكرتها وذكرها الاخرين في أخفاقها لمواجهة الاحداث وتحقيق مصالح شعبنا .
وأيضا طالما أنهم فشلوا فلماذا لاتطلب وتطعم هذا التجمع المقترح باحزاب لم تتمكن الوصول الى قبة البرلمان والمشاركة في الحكومة ،وقد يمكن الاستفادة من كوادرها سواء من أحزاب كلدانية او سريانية او آشورية ؟
سادسا : يبدو لي مطلبك بخصوص المستقلين في الفقرة الثامنة من مقترحاتك غير واضح . فما المقصود يتولون الاشراف ؟ هل يوجهون تحركات الاحزاب ؟ وما المقصود بمتابعة مقرراتهم ؟ كما ماهو المقصود بحفظ بياناتهم ومذكراتهم ؟ فهل تعني أن المستقلين يقلدون دور السكرتارية ؟ فلماذا لم يكن هناك مشاركة فعالة للمستقلين في اجتماعات ممثلي شعبنا واحزابنا  ويكون لهم صوت .فهناك من له القدرات الفكرية والعطاءات الميدانية قد تفوق بكثير قدرات الممثلين الحاليين .
سابعا : أن دعوتك لفصائل شعبنا في سورية لكي تتوحد مع فصائل شعبنا في العراق أنها مبكرة جدا ،وذلك لان تلك الفصائل تعيش في خضم ظروف سياسية تختلف عن ماهو في العراق ، فكلا الدولتين لهما ظروف خاصة وقوانين مختلفة لا تتلائم مع بعضها، وقد تزداد التعقيدات بهذه المشاركة لعدم وجود رؤية واضحة للاحزاب واهدافها ،كما أنه هل أتفقت الفصائل في العراق لكي تدعو تلك التي في سوريا ؟ فلو تُترك الفصائل السورية لشعبنا أن تعمل لوحدها أفضل ،وأذا تحقق شيئا ملموسا يمكن التعاطي بينهما مستقبلا ،لا بل ليمتد هذا التعاطي لفصائل شعبنا في ايران وتركيا ولبنان .
  تشكر على المبادرة واتمنى ان تحقق طموحاتك الساعية من أجل شعبنا المنكوب.

49
                                                            أ هكذا يُكافأ غبطة البطريرك ساكو؟ !


د . عبدالله مرقس رابي
باحث أكاديمي


                   هناك من الكتاب يتعمد البحث والتنقيب في أعمال أو تصريحات الغير وتصرفاته ،لعله يجد خطأَ أو زلة أو فلتة ما ليقوم على الفور بأنتقاده ، وما هي هذه المحاولة من هذا القبيل الا لاشباع غريزة حب الانتقاد التي تقود الى أشباع غريزة حب الظهور ، مستهدفا من وراء ذلك أن يسمو بنفسه مقابل أن يحط من شأن الاخرين .وبالطبع من يقدم على هذا الاسلوب من النقد فيدخل ضمن النقد الهدام .
 عملية النقد مطلوبة ، وهي مكملة لمسألة تقييم  الاعمال كأحدى خطوات التخطيط في المؤسسات العامة والمشاريع الخاصة ،أو قد تتم عملية االانتقاد لاداء وتصريحات وافعال الافراد. وتنطلق المجتمعات المتقدمة من أسلوب النقد الذي يُعد أحد أسرار تقدمها،ولكن تنطلق منه باسلوب هادف بناء يدعم الثقة بالنفس للفرد المنتقد أو المؤسسة المنتقدة ويشجع نحو التقدم في الاعمال بحيث لن تكون عملية الانتقاد عاملا معوقا للطموحات.والانتقاد هو علم بحد ذاته يخصص دروس له في معاهد العلم فهو تخصص يحتاج الى دراسة وخبرة.
يتميزالنقد البناء بأنه يهدف الى" اضافة أشياء اخرى للمنتقد لتعزز روح العمل عنده ،ويحفز ويشجع ويكون دافعا من أجل تحسين المنتقد ودفع اعماله نحو الافضل ،ولابد أن يلتزم الناقد بالقواعد الموضوعية ،لان الانتقاد هو الحد من عمل لا ينسجم مع الواقع الاجتماعي والسياسي والاداري وغير مرغوب به وليس هدفه أثارة المزيد من الضعائن ".
فعليه عند النقد يستوجب أختيار الزمان والمكان المناسبين والطريقة المناسبة ،والاسلوب اللائق وأختيار الكلمات والعبارات بدقة متناهية لكي لا تقلل أو تجرح من شأن الشخصية المنتقدة ،فالناقد عليه أن يفكر ويتساءل :ماذا يريد من ايصاله للمنتقد وماهي أهدافه ومقترحاته وكيف يساعد المنتقد في تحقيق ما يريد .
وأما النقد الهدام ،يهدف الى  "اهانه المنتقد وتثبيط عزيمته وطموحه للتواصل ،فهو ينبع من الغضب والانفعال الواضحين في نوعية الكلمات والعبارات المستخدمة في النقد ،تلك التي تعبر عن أيذاء وجرح مشاعر وأحاسيس المنتقد  والتشهير به" .والنقد غالبا ما يكون موجها لشخصيته وليس للنص أو العمل.وفي النقد الهدام يفتقد الناقد الى الخبرة في المبدأ النفسي المعروف في علم النفس " التغذية الراجعة " ذلك المبدأ الذي يستعين به الباحثون والمقيمون لاداء الاخرين وتقديم النصائح للتخلص من المشكلات النفسية والاجتماعية .
بعد هذه المقدمة أعرج الى الانتقادات التي تعرض لها غبطة البطريرك ساكو والمنشورة على بعض من المواقع الالكترونية وبالاخص على موقع " كلدايا نيت " ذلك الموقع الذي غالبا ما يحتوي على مقالات ومواضيع  تكون موجهة بخط واسلوب واحد مثل تلك المواقع والصحف التي تمتلكها الاحزاب السياسية وتوجهها وفقا لايديولوجيتها الفكرية .
وهنا في مقالتي لا أخص شخص معين ، حيث تناولت الموضوع بشكل عام لكي لا يفسر تحليلي في ضوء  الاسماء بل المادة التي تحتويها  تلك المقالات .
أتفق مع الاب " بولس ساتي " عندما قال في مقالته " أندهش من قدرة الكثيرين على الكتابة عن أي شيء وبسرعة شديدة دون التروي والبحث والمراجعة للمعلومات التي يقومون بنشرها" وبالتأكيد أندهاش في مكانه عن هذ المقالات النقدية، فهي فعلا  توصف : بعدم الدقة  في المعلومات كما سيتبين ، وأفتقارها الى قواعد النقد والانتقاد ، تعكس الاسلوب المخابراتي في طرحها، فماذا تعتبر عملية كشف البريد الشخصي ؟ أليست تجاوزا على مبدأ الثقة والاحترام المتبادل ؟ وتصفية الحسابات بدليل ما أحتوته من عبارات تجريح واستهتار واستهزاء ،فهل من المعقول أن يهدي أحدهم في نهاية مقالته النقدية فديو لاغنية لغبطة البطريرك ؟ ماذا نسمي ذلك ؟ أليس استهتارا  وتعديا على الرموز الدينية ؟ وينشرها موقع أبرشية مار بطرس الرسمي ذلك الموقع الذي يستوجب على المشرفين عليه أبداء الطاعة والاحترام لرئيس مؤسستهم ورمزها البطريرك بحسب القوانين الكنسية وبحسب ما نطقوا به أثناء رسامتهم الكهنوتية . وفي مقالات أخرى ومنشورة في مواقع شعبنا عبارات لا تليق برموزنا مثل ، سيد ابراهيم وسيد سرهد وسيد ساكووما شابه من العبارات التي لا تدل على الاحترام أبدا.
 ومن الامور التي أحتوتها المقالات ، وتحتوي مقالات أبناء شعبنا ولا بل كتاب البلدان النامية على العديد من الامثلة الشعبية . تلك الامثلة التي لا تعد شيئا في القياس العلمي ،لانها قيلت في الفترة المرحلة الفكرية للعقل البشري التي سبقت المرحلة الاستقرائية أي في المرحلة الاستنباطية المعتمدة على التأمل في دراسة الظاهر .فالعلوم الاجتماعية حديثا تعتبرها من التراث الاجتماعي لانها تكونت من خبرة الانسان في الحياة في الجوانب الاجتماعية فهي لا تصلح الان لقياس الظواهر المدروسة ، فهي قيلت في زمان ومكان محددين ،علاوة على أن هذه الامثلة هي عبارة  عن نوع من الفن الادبي كالشعر تماما تحتاج الى توضيح وتفسير لانها دائما تعبر عن المكنونات النفسية اللاشعورية والمكبوتة في العقل الباطني للانسان، فغالبا لا يفهمها الا قائلها مما تُربك للقاريء استيعاب المقال . كما يقول الكاتب ( لوسيا ن) الكاتب المعروف في دقته وسعة معلوماته في الطرح  عندما يناقش الاخرين في موقع عينكاوة.
وبالمناسبة - جاء حديث مع مجموعة من الاصدقاء في جلسة اجتماعية ، وكنت قد قرأت مقالا لاحد الكتاب وجاء به المثل الشعبي القائل " طنبورة وين والعرب وين " وكنا نتحاور عن المقال ،فقلت لاحدهم هل تعرف معنى هذا المثل الشعبي ،فاجاب نعم : يعني العرب لا تعرف العزف على الطنبورة فهي آلة موسيقية خاصة بالكورد والترك ، فضحكت ،فقال لي لماذا تضحك ؟ وبالطبع من مجموع خمسة في جلستنا لم يعرف أحد معنى المثل.وهذا جواب متوقع من كل مجيب ، فوضحت له معنى الصحيح للمثل الشعبي هذا وبأية مناسبة قيل ،وصراحة لولا أحد الاصدقاء الدليم من البو عيسى قد وضحه لي أيام زمان لما عرفت معنى هذا المثل الشعبي.فاستغرب الجميع وقال احدهم الا يخجل كاتب المقال ويذكر مثل هذا المثل في مقالته ؟فالامثال الشعبية لا يمكن أستخدامها اذا يعتبر الكاتب نفسه أنه يخاطب الاخرين بعقلية المنطق الحديث الاستقرائي.وان كانت مقالة أنشائية في الفن الادبي أو صحفية فهذا لا ضرر فيه.
   
وماهي حجج هؤلاء النقاد وأصحاب بعض  الردود والتعليقات ؟

أعتبروا النقاد بان بيان البطريركية الخاص بالكهنة والرهبان الذين يخدمون في أبرشيات غير ابرشايتهم الاصلية وأديرتهم بأنه تهديد . ولماذا يعتبر تهديد ا؟ جميعهم يعملون في مؤسسات رسمية أو غيرها ،أو بعضهم يديرون مؤسسات . اليس لتلك المؤسسات قواعد وقوانين تنظيمية للضبط الاداري مثل قواعد التوبيخ والانذار والفصل ؟ والا هي مؤسسات تعمها الفوضى والارباك في العمل .فلماذا يُعد بيان البطريركية تهديدا وتكرر هذه الكلمة عدة مرات في المقال الواحد ؟ ولماذا لم تعتبر توبيخا أو انذارا ؟
يعتبرون أن بيان البطريركية موجه الى أبرشية مار بطرس الكلدانية دون غيرها .ماذا تعمل يا ترى البطريركية وان اغلبية المقصودين من الكهنة والرهبان هم في هذه الابرشية ؟أليس هذا تأجيج للخلافات وتوسيع رقعتها بين الابرشية والبطريركية، لان المسالة باتت واضحة للجميع فلماذا هذه الاثارة المتعمدة من قبل النقاد ؟فلو كانوا حريصين على وحدة كنيستنا الكلدانية لا قترحوا لتضييق الفجوة لا لتوسيعها .صحيح أن لهذه الابرشية انجازات وخدمات للمؤمنين ، ولكن لنكن حياديين، في الجانب الاخر لها مواقف سلبية وتصرفات غير مقبولة،ولها مردوداتها السلبية على الادارة الكنسية والمؤمنين.وضحها لنا العديد من الكتاب والمهتمين سواء من داخل الابرشية او من خارجها في مقالاتهم وردودهم.
ذكر بعضهم بأن هذا البيان هو عبارة عن محاولة انتقامية وتشهير من قبل البطريرك ساكو تجاه بعض الكهنة والرهبان او الاساقفة . ولماذا ينتقم البطريرك ؟ من هم هؤلاء هل هم أعدائه ؟ هل سبق وأن تلقى غبطته الاذى والاعتداء من أحدهم ؟وهل ينافسوا غبطته بالرئاسة  أو أي شيء آخر مثلا؟ الانتقام يحصل بين اثنين عندما ينافس احدهم الاخر حول مسالة ما ويحبط الاخر من تحقيق هدفه فيحاول أنزال الاذى البدني أو النفسي في خصمه ، اوسبق قد حصل اعتداء عليه أو اهانة من قبل غيره. فهنا لايوجد شيء يُذكر من هذا القبيل بين غبطته وهؤلاء الاباء لكي ينتقم منهم ، وعليه فأن البيان هو توجيه توبيخ وانذار لهم لغرض الضبط الاداري .
هناك من كتب بأن البيان هو معاكسة غبطة البطريرك لابرشية ماربطرس في غرب أمريكا لانها وعلى رأسها سيادة المطران مار سرهد يؤكدون على ترسيخ المفاهيم القومية للشعب الكلداني. هذه حجة لا أساس لها ،لماذا ؟ وكما قال الاب بولس ساتي : لم استلم يوما ما بيانا خطيا من البطريركية يدعوني الى عدم الاعتراف بقوميتي الكلدانية أو عدم الاعتزاز بها ،وهكذا بدوري أتصلت مع ثلاث كهنة أصدقاء البارحة للاستفسار عن نفس الموضوع فأكدوا لم نستلم ونحن أحرار بما نفتخر به من قومية . اعتقد أن موقف غبطته واضح جدا من هذا الموضوع ولم يأت ذكره هنا الا لهدف الاستفزاز وتوسيع الخلافات ، فالبطريرك ساكو لم ينكر يوما ما هويته القومية سواء أمام الاعلام أو في أية مناسبة أخرى .ولكن موقفه يتجلى في أنه ليس من واجبات رجل الدين أن يتدخل ويروج القضايا السياسية بما فيها القومية لكي لا يقصر في أداء واجباته الدينية الروحية . ويؤكد دائما هذا شأن يخص العلمانيين ،وان تدخل أحدهم  في السياسة ويروج مثل هذه المفاهيم يتحمل تبعاتها هو شخصيا ،ولكن لم يمنع أحدا، فهو يعمل وفقا للمقاييس الدينية وليست العلمانية ،و يتفهم من هو الكاهن أو الراهب والاسقف ، ومن هو العلماني وما المطلوب من كل واحد منهم . ومما هو جدير بالذكر هناك فرق في مساندة ومناشدة السياسيين والحكومات لاحقاق الحقوق من جهة والتدخل في السياسة من جهة أخرى .
ولعل أيضا موضوع الهجرة الذي حُشر في بعض الانتقادات هو لاغراض الاستفزاز وتوسيع الخلافات ، أي وفقا لمنظورهم، أن غبطة البطريرك يعاكس ابرشية مار بطرس لانهم يشددون ويروجون لهجرة شعبنا المسيحي من العراق . واضح جدا ان غبطته يدرك تماما أن مسالة الهجرة تعود لقرار شخصي لا يمكن لاحد منع الاخرين من الهجرة مهما كان في موقع المسؤولية ، فهو مدرك لحقوق الانسان في الانتقال وتغيير مكان أقامته ، وان كانت بعض تصريحات البطريرك ساكو بشان تشجيعه البقاء وعدم الهجرة فكانت في مرحلة لها ظروفها ، لكن بعد الاحداث الاخيرة وما تلقاه شعبنا المسيحي من أضطهادات وتهجير ومآسي بدأ يعبر عن موقفه بطريقة اخرى تعكس الواقع،وهذا هو الاسلوب الصحيح في ربط المتغيرات مع بعضها وفقا للمعطيات والمستجدات .
وهل يريدون من غبطته وأخوته الاساقفة والكهنة أن يغادروا العراق ويتركوا من تبقى من المؤمنين في عذاب ؟ فماذا يقول الشعب ؟، وأنا متأكد لو عملها غبطته لكانت السهام متوجهة نحوه بالقال والقيل ،لاحظوا ان بطريركنا شد حزامه قبل رعيته وترك العراق!!! ،والدليل ما يتعرض له قداسة مار دنخا رئيس الكنيسة المشرقية الاشورية من انتقادات لوجوده في شيكاغو لظروف تاريخية وسياسية استوجبت وجود الكرسي هناك .
ولا أدري لماذا جاءت قضية زيارة مار ساكو الى قداسة ماردنخا في مقال أحد الكتاب الناقدين. فلا مناسبة لذكرها  .أن زيارة غبطته لمار دنخا رأس الكنيسة المشرقية الاشورية لم تأت من قبل سياسي لكي توصف زيارة الاستهانة والاستخفاف ليضع نفسه والكنيسة الكلدانية بمثل هذا الموقف،أنما زيارته هي زيارة مستندة على أسس روحية دينية وليس غير ذلك ،منطلقا من التعاليم المسيحية، والدليل أجابته لتساؤل مار دنخا عن الوحدة القومية أولا لتسهل الوحدة الايمانية ، حيث أجابه هذه المسالة تُترك للعلمانيين ليتخذوا قراراتهم ونحن كرجال دين يهمنا الوحدة الايمانية والروحية . أليس هذا جواب غبطته ؟ هل يدل الجواب على الاستهانة وما شابه من الفاظ أم جواب منطقي وحازم وجريء  موجها لقداسة مار دنخا ؟
يقول أحدهم  للبطريرك أين وصلت محاولاتك لانقاذ الميسحيين من محنتهم في العراق ؟ فهي محاولات متسمة بالتوسل لانقاذهم ولا تتمكن من طرح القضية قانونيا وتأتي بالحجج . أليس هذا موقف أستهزائي بغبطته ؟ أصبح جليا للجميع ،الشعب ،رؤوساء وملوك الدول ، السياسيون ، رؤوساء الطوائف الدينية ، وكالات الاعلام المختلفة ، أن مار ساكو بطريرك الكلدان كان المتابع الاول والمهتم الاول في قضية طرح مأساة المسيحيين وغيرهم للراي العام ولكل الحكومات والمنظمات الدولية ، وبعد أستفساراته ومناقشاته مع أخوته البطاركة والاساقفة ، مسافرا من دولة الى اخرى ،لقاءاته المتكررة مع قادة الدول والمجالس النيابية والمنظمات وطرح المسالة قانونيا ومداولته لها بالححج والمنطق لنيل حقوقنا ،فهل هذا يعتبر توسل؟أعتقد أن الذي لم يكن يعرف الكلدان شعبيا أو رسميا في المجتمع العالمي فقد عرفهم عن طريق البطريرك مار ساكو وليس عن طريق رحلتين الى واشنطن ، أو عن طريق مقالات النهضة الكلدانية والامثلة الشعبية التي يبدو تأثيرها محدود جدا.
وقد وردت مغالطات في بعض المقالات ومنها كأمثلة :
منح درجة الشرف لسيادة المطران المتقاعد مارابراهيم ابراهيم ،بينما هذه الدرجة تمنح قانونيا وتلقائيا للاسقف المتقاعد ولم يمنحها غبطته حصرا بسيادة المطران ابراهيم ( راجع قوانين الكنائس الشرقية ).
وقيل ان البطريرك مار ساكو يستصغر المؤمنين ،كيف ومتى ؟ هل هناك بطريركا حاليا للطوائف الاخرى أو من بطاركة الكلدان السابقين ينشر طلبه وندائه اعلاميا لشعبه ومثقفيه تقديم ما لديهم من مقترحات في مختلف الشؤون المالية والادارية والطقسية للنهوض بواقع كنيستنا ؟ ومن غيره ناشد ويناشد قبل انعقاد السيهنودس السنوي شعبه ليقدم مقترحاته وفقا لاجندة السيهنودس وببيان واضح ؟ أ لم يعلن للجميع المساهمة لوضع برنامج تأسيس الرابطة الكلدانية ؟ والتي لم يقبل غبطته أن تُسمى الا بالكلدانية لاعتزازه بهويته الكلدانية ،بالرغم من أن بعض المهتمين عرضوا عليه تسميات أخرى ، مثل الرابطة المسيحية . الم يعلن غبطته نداءا للجميع لوضع مقترحاتهم لاخراج شعبنا المسيحي من مآسيه الحالية ولا يزال الاعلان على الصفحة الاولى من موقع البطريركية؟( راجع موقع البطريركية).
وكذلك من المعلومات غير الدقيقة اعلان الكنائس في شمال العراق لمغادرة المهجرين لقاعات الكنائس، والمعلومة الصحيحة هي محاولة افراغ المدارس لبدء الموسم الدراسي من المهجرين بعد تهيئة المساكن لهم حتى لو تكلف المال ، وبحسب تصريح المطران بشار في اذاعة صوت الكلدان .
 وأخيرا طلع علينا أحد المجتهدين لكي ينتقد شعار البطريرك مار ساكو الذي اطلقه عند أختياره بطريركيا ليفنده ويؤكد عدم الحاجة اليه ويسانده زميله الاخر . هل نسيتم أن لكل كاهن أو أسقف أو بطريرك أو البابا نفسه لهم شعارات يطلقونها أثناء رسامتهم أو أختيارهم لمنصبهم ؟ فهل حلال لهم وحرام لغبطة مار ساكو؟ .
استنتج مما تقدم بأن تلك الانتقادات الموجهة لغبطة البطريرك مار ساكو تحججا ببيان البطريركية حول الكهنة والرهبان ليست مبنية على أسس موضوعية ، فهي موجهة فقط  للمضايقة وزعزعة الثقة بالنفس .ولما كان بيان البطريركية ضعيفا في صياغته فهل يحتاج لكل هذه الضجة؟ ولكن انا متأكد أن غبطته أكبر من أن يتأثر عطاؤه بمثل هذه الانتقادات.
أتمنى من البطريركية تطوير الكادر الاعلامي لها ولموقعها الاعلامي لكي لا تكون الاخطاء أو الصياغات سببا أو حجة لنقد البطريركية وأحراج غبطة البطريرك أمام المعنيين .كما نؤكد اننا بامس الحاجة في مثل هذا اليوم للتضامن، كلدان ، أشوريين ، سريان وكل المسيحيين لتخليص شعبنا من مآسيه ونقترح ونتعاون للبناء ونتسم بالهدوء والصبر ونتجنب الغضب والانفعال ونفكر بمستقبل شعبنا المجهول .ولننتهز الفرصة ولنا بطريركا ذكيا وواسع الثقافةوالمعرفة وأمكانيات خطابية بحسب الموقف والمستجدات وذو خبرة طويلة في عمله على المستوى المحلي والاقليمي والعالمي ،معروف  لدى الاوساط السياسية والدينية ومن كل الاديان والمذاهب ،وشجاع لالقاء كلمته على السامعين ولكن بروحية بعيدة عن الجرح والاساءة الى المستمع .



 



 

 






50
           
                لاتزال الحكومة العراقية مقصرة في أنقاذالمهجرين
                    في ضوء لقاء أذاعة صوت الكلدان مع
                         المطران مار بشار وردة
د . عبدالله مرقس رابي
باحث أكاديمي

          اذاعة صوت الكلدان  في مدينة ديترويت الامريكية كل اسبوع ومنذ الأزمة التي حلت بشعبنا كل برامجها خُصصت لدعم ابناء شعبنا وكنيستنا الكلدانية من خلال التواصل اليومي والأسبوعي مع غبطة ابينا البطريرك ومع المطارنة المهتمين في العراق للوقوف على اخر المستجدات والأحتياجات , وهكذا تتواصل مع كنيستنا في ابرشية مار توما الرسول الكلدانية وبتنسيق من المنبر الديمقراطي الكلداني الموحد  لتقديم ما يمكن تقديمه في هذا الأتجاه  . في الأسابيع وقبل عيد الشكر سيكون لها مهرجان تضامني ( شعر – موسيقى – فديو – اغنية  ) كلها تصب في تحفيز ابناء الجالية للأستمرار في التبرع , المبلغ الذي سيُجمع سيذهب لدعم صندوق الابرشية ليصل مباشرة الى المعنيين في البطريركية ومنه الى احتياجات شعبنا  .
 وفي آخر لقاء أجراه الاعلامي المعروف " شوقي قونجا " من أذاعة صوت الكلدان مع سيادة المطران مار بشار وردة رئيس اساقفة اربيل للكنيسة الكلدانية ،وبمداخلة من الناشط في جمع التبرعات واغاثة شعبنا (باسل بقال ) المعروف في مواقفه الانسانية وغيرته الجامحة في مساعدة المنكوبين من أبناء شعبنا في كل مكان وضمن برامج الاغاثة التي يعدها باستمرار وبدون توقف . أتضح من هذا اللقاء المهم آخر المستجدات لاحوال شعبنا المُهجر من قبل العصابات الاجرامية الذي انتهى به المطاف في أقليم كوردستان العراق.
في البدء عبر سيادته عن شكره لما يبذله المسيحيون من جهود كبيرة في التعاون مع الكنيسة في العراق لتدارك ومواجهة المآساة التي ابتلى بها شعبنا جراء الاحداث الاخيرة ،وفي سؤال عن المستجدات في الوضع الراهن لاحوال المهجرين وكيفية التعاطي معهم وجهه الاعلامي (شوقي ) للمطران مار بشار،حيث أجاب:
مرَ أكثر من خمسين يوما على تهجير أبناء شعبنا من قراهم في سهل نينوى ،وبالرغم من تعاطي الكنيسة مع الحدث لوحدها وقد تمكنت من وضع برامج لتقديم الخدمات للمهجرين وكان التركيز على مسالة أيوائهم وأيجاد المسكن لهم بدلا من بقائهم في الحدائق العامة والساحات ففتحت أبواب قاعات الكنائس والمدارس  لهم واستطاعت اللجنة وبمؤازرة الشباب المتطوعين الى متابعة أحتايجاتهم ،وبعد أن كانت المنظمات المدنية تُساهم في تقديم الطعام وبعض المعونات الاخرى في البداية ولكن تدريجيا تباطأت في الاسابيع الثلاثة الاخيرة وأصبحت مساهماتهم محدودة، وعليه فأن الكنيسة هي الوحيدة التي تقوم بوضع السبل الكفيلة لرعايتهم معتمدة على التبرعات السخية التي نفتخر بها المقدمة من اخوتنا في المهجر.
وأستطرد سيادته في حديثه وأكد على أن المشاكل تزاد يوما بعد يوم وبالاخص لان موسم الشتاء قادم لا بل الان بدأت درجات الحرارة تنخفض في المنطقة مما سيؤدي الى التعرض لمعوقات كبيرة لاننا بحاجة الى أسكان تلك العوائل التي تعيش في الخيم التي لا تقاوم البرد وهطول الامطار،ومن جهة أخرى فان المهجرين تركوا بيوتهم في ايام الصيف وعليهم ملابسهم الصيفية والان جاءهم الشتاء، فتواجهنا مشكلة الكساء المطلوبة لموسم البرد .ومن المشاكل الاخرى التي تواجههم وجود العديد من المهجرين في المدارس وبالاخص في مدينة عينكاوة فهي بحاجة الى أفراغها لكي يتمكن أبناء المدينة من مواصلة دراستهم ، علما أن وزارة التربية في الحكومة العراقية ستوفر المدارس  لابناء المهجرين لتبدأ الدراسة في 15 من الشهر العاشر بحسب قول سيادته .
ولكن الاهم في ما جاء في المقابلة تأكيد مار بشار على الدور السلبي للحكومة المركزية للمشاركة في رعاية المهجرين وأيجاد الحلول المناسبة للصعوبات والمشاكل التي يعانون منها ،وكما قال في مقابلته مع عمار الحكيم أحد القياديين البارزين في السياسة العراقية أثناء زيارته لمدينة أربيل ، لا يوجد دور للحكومة المركزية التي هي الاساس في مواجهة الكوارث والمآسي التي يتعرض اليها الشعب ،فمهما تقوم به الكنيسة فأنها لا تتمكن من تحمل المواجهة كالدولة التي لها نظام مؤسسات ومتابعة ولها الامكانيات والميزانية المالية  ،فأكد بأن دورها معدوم  لرعايتهم ، ومما هو جدير بذكره وعدت بأن توزع المنح الشهرية لهم والتي هي مستحقاتهم وأبسط حقوقهم  الانسانية ، ولكن لا يوجد لحد الان أي فعل جدي على الارض بأية صيغة من الصيغ، فمجرد وعود لا غيره .
 ويأمل سيادته من السيد الحكيم أن يؤثر في الجهات المختصة في الحكومة العراقية لتحرك نفسها وتتحمل مسؤوليتها تجاه المهجرين والحد من مآسيهم كما رأى بنفسه خطورة وضعهم . وكما يأمل من  غبطة البطريرك مار لويس سيشدد ويؤثر وكما يسعى دائما لكي تتدخل الحكومة المركزية لمواجهة المخاطر.
وتداخل السيد (باسل بقال) ليسأل سيادة المطران عن أحتياجات المهجرين وما المطلوب من الاجراءات للوقاية من آثار الشتاء . وأكد في سؤاله عن عدد العوائل المحتاجة الى أسكانهم في البيوت  وبأمكانهم المساهمة وبذل الجهود اللازمة . فأجاب تجهيز وتدبير الكسوة الشتوية التي يفتقدها جميعهم أضافة الى أيوائهم في المساكن لتحميهم من الامطار والبرد .فبشره  - عادل – في غضون ثلاثة أسابيع سيكون 10000 معطف شتوي جاهز وبمتناول لجنة المتابعة بالاضافة الى الاحتياجات الاخرى الاساسية للموسم الشتوي ،وتعمل اللجنة في أبرشية مار توما برئاسة وتوجيه المطران مار فرنسيس قلابات بكل جهودها لتأمين أحتياجات المهجرين بقدر المستطاع وهم على هذا المنوال منذ بدء الازمة ولا يزال ساهرون على مد يد العون لشعبنا في العراق .
أذن حديث المطران مار بشار شهادة واضحة على أن دور الحكومة المركزية معدوم في التدخل في مواجهة المآسي التي يتعرض لها المهجرون من المسيحيين والايزيدين والتي هي السبب لنزوحهم من ديارهم  لعدم تمكنها من بسط نفوذها على سهل نينوى لكي يستتب الامن فيه ولمواجهة العصابات الارهابية التي استغلت الفراغ الامني في المنطقة، وبالاخص لكونه من المناطق المتنازع عليها مع أقليم كوردستان .
الحكومة العراقية سواء في عهد المالكي أو العبادي تقع عليها المسؤولية الكبرى في رعاية المهجرين ومواجهة مشاكلهم مهما كانت المبررات ،طالما أن الحكومة لها وزارات لكل منها مسؤوليتها والانكى وجود وزارة الهجرة والمهجرين ضمن تكوينها .لو أعتبرنا جدلا أن وزارتي الدفاع والداخلية منهمكتا في مواجهة الاعتداءات الارهابية ، ولكن ماذا عن وزارة الاسكان والهجرة والنقل وكل الوزرات ذات العلاقة في مسؤولياتها لتوفر الاحتياجات للمواطنين في الاوضاع الاضطرارية والكوارث ،ام ان منتسبيها منهمكون في الفساد الاداري وتوجيه الاموال المخصصة لوزاراتهم الى البنوك للمنفعة الشخصية، فكل ما نسمع ونقرأ في الاعلام وما يصرح به هو تشكيل لجان وسنقوم بكذا وكذا ولكن لا يوجد فعل جدي على الارض .
أين كانت اللجنة العليا للنازحين المشكلة برئاسة نائب رئيس الوزراء صالح المطلك لحد الان ليأتي ويصرح بعد مرور ما يقارب شهرين على الكارثة الاسراع لانشاء 20 الف وحدة سكنية تضم خيما بعدة طبقات مقاومة للحريق وأضاف حولنا 50 مليار دينار الى اللجنة الفرعية في أقليم كوردستان لتوزيعها على النازحين .أليس هذا متأخر جدا في ظل دولة غنية وحكومة منتخبة حريصة على الشعب بمقاييسها ؟
لو كان المبرر عدم الاتفاق على الميزانية لحد الان في مجلس النواب ، أليس لحكومة تقود بلدا غنيا بموارده مثل العراق أن يكون له ميزانية مخصصة للكوارث في البلد ؟ وهل الاوضاع التي تعرض لها المواطنون بكل مكوناتهم من تهجير ورعب وما رافق ذلك من المآسي بحاجة الى الانتظار للاتفاق على الميزانية والناس معرضة للموت يوميا ؟حقا لا توجد حكومة مثل الحكومة العراقية بكل المقاييس في العالم .
لو كان العراق بلدا فقيرا لقلنا الحق مع الحكومة العراقية، ولكن المعروف عنه بلد غني بموارده وايرادته، ولا يحتاج الى برهان وقرائن ، وأخيرا وبحسب أنباء ( المدى ) صرح وزير المالية العراقية ،(أن مجموع الايرادات التي دخلت خلال السبعة أشهر الاولى من سنة 2014 بلغت 64 ترليونا ومائة وخمسين مليار دينار .وكشفت اللجنة النيابية المختصة أن حكومة المالكي أنفقت كل المبلغ المتأتي من عوائد النفط بالرغم من أنها لم تدفع مبالغ البترودولار للبصرة والمحافظات المنتجة ،ولم تدفع موازنة أقليم كوردستان ).
كما أعلنت وزارة النفط مؤخرا تصدير أكثر من 65 مليون برميل وتحقيق ايرادات زادت عن سبعة بلايين دولار خلال حزيران الماضي ،وبالرغم من الصراعات الدائرة في العراق الا أنه أرتفعت صادرات النفط العراقي من المرافىء الجنوبية في تموز الماضي مقتربة من مستوى قياسي ،حيث بلغ متوسط الصادرات النفطية 52. 2 مليون برميل يوميا .
نستنتج أن العراق هو بلد غني بالرغم من الصراعات الداخلية ومحدودية الصادرات النفطية لاقتصارها على الموانىء الجنوبية ،ولكن كيف يتم التصرف بهذه الاموال  فهناك حتما تُرتكب جرائم ذوي الياقات البيض كما يسميها علماء الاجتماع من أصحاب النفوذ والقرار والسلطة في الدولة العراقية ويُترك الشعب يعاني من الارهاب والدمار والمآسي وليدبر حاله بنفسه .وأقول الحق مع الاحزاب السياسية التي تشارك في تشكيل الحكومة ونواب البرلمان ما عدا بالطبع النائبة ( فيان دخيل ) وليس الحق مع الشعب لانه اي- الشعب - غمس أصبعه في الحبر البنفسجي ومنح صوته لهؤلاء ليتربعوا على الكراسي ويتصارعوا عليها والشعب الذي أختارهم في نكبة لا مثيل لها.فهل يتعلم الشعب العراقي الدرس ؟
ومما هو جدير بالذكر فأن أحزاب شعبنا الاشوري والكلداني والسرياني هي جزء لا يتجزأ من المهزلة السياسية التي يمر بها البلد ،ولو ان بعضها سجلت تواجدا محدودا قياسا الى حجم الكارثة والنكبة التي تعرض لها شعبنا المسيحي فهي الاخرى أدارت وجهها الحقيقي عن الشعب وتوجهت نحو الصراع على الكراسي ،وتركت  الشعب يتكفل بأحواله ويدبر أموره ، ألم يستحق هذا الشعب المشرد من دياره بعض ولو يسير من المدخولات الضخمة لنوابنا ووزرائنا تذهب لرعايته لوقت محدد الى أن يتجاوز المحنة ويرجع المهجرون الى بلداتهم  ؟
ومن جراء هذه المهزلة السياسية والصراع على المصالح الشخصية بات الثقل الكبير على الكنيسة فلو لا التحركات المكوكية للبطاركة الاجلاء وعلى رأسهم البطريرك مار لويس ساكو وتشكيل لجنة من الاساقفة للمتابعة الميدانية ودعم ومؤازرة أبرشيات الانتشار والخيرين من أبناء شعبنا المسيحي في المهجر لكان شعبنا المسيحي في خبر كان .
رابط المقابلة http://www.chaldeanvoice.com/mod2.php?mod=interviews&modfile=item2&itemid=24

 

51
رسالة مفتوحة الى الكاتب المهندس خوشابا سولاقا المحترم

الدكتور عبدالله مرقس رابي
باحث أكاديمي
                 
            في البدء تحية لك ،وأثمن جهودكم المبذولة دائما لمتابعة شؤون شعبنا المتالم الاشوري والكلداني والسرياني ، الشعب الرافديني العريق ،وأني من المتابعين الدائميين لقراءة ما يسطره قلمكم الرائع والمعتدل الذي يدفع بالقارىء الى الجمع والوحدة والتكاتف والتماسك والتضامن بين أبناء شعبنا المنكوب ،بدلا من التشذرم والتفكك والاختلاف والصراع .وبالطبع هناك اخوة معك من الكتاب وهم سائرون في النهج ذاته.
   أذا كان البعض من السياسيين والكتاب يرون في اعتدالكم وأنصافكم لطرح المواضيع التي تعكس أحوال شعبنا هو نتيجة ما حدث لكم في التخلي عن الحركة الديمقراطية الاشورية ،لكن أرى شخصيا أنها مسالة طبيعية وأبداعية طالما أنك تفكر وتكتب وتبحث ، ففي هذه الحالة بأمكانك أن تغير أفكارك وارتبطاتك السياسية ،لان البحث يغير قناعة القائم به متاثرا بما يتوصل اليه من المستجدات الفكرية .
وقد يرى البعض ، على السياسي أن يكون مبدئي ،وأن لا يتخلى عن حزبه السياسي أبدا. ولكن أستخلصت الدراسات في علم الاجتماع السياسي بأن هذه نظرة تقليدية للسياسيين في البلدان النامية ،صحيح على السياسي أن يلتزم بأيديولوجية حزبه ويكون مخلصا لمبادئه ،ولكن أذا تغيرت قناعته لبحثه المتواصل فعليه ليحقق أخلاصه ويثبت على مبادئه أن يعلن عن ما توصل اليه والا يبقى أسيرا لايديولوجية متقوقعة أستاتيكية لا فائدة منها ،فالسياسي عندما يرى بأن الفلسفة السياسية التي يتبناها حزبه لاتسنجم مع المتغيرات والاوضاع المرحلية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية والفكرية الراهنة، أو تبنى الحزب فكرة لا تلائم مع أفكار المنتسب. فله العذر المشروع في التخلي عن تلك الفلسفة التي لا تعرف الدينميكية في طياتها.فهذا ما حدث مثلا هنا في كندا ،عندما كان الحزب الليبرالي في سدة الحكم تبنى وشرع قانون الاعتراف بالزواج المثلي،أي أباحية الجنسية المثلية ،ولكن في الانتخابات اللاحقة فشل الحزب المذكور من الفوز بالاغلبية لفقدانه العديد من منتسبيه ومؤازريه لتبني وتشريع القانون اعلاه .
لكن مع الاسف تُفسر هذه الحالة أحيانا هي نتيجة الصراعات المصلحية والشخصية ،ولكن اراها شخصيا بانها حالة التواصل الفكري المستمرة وتشخيص عدم الفائدة من الافكار القديمة التقليدية للحزب الذي ينتسب اليه الفرد ،تلك الافكار التي تحول دون تحقيق الحزب السياسي لاهدافه ، وهذا ما يحصل للاحزاب السياسية في البلدان النامية .
    تاتي هذه الرسالة بمناسبة نشر مقالتك الموسومة " دعوة الى تبني تسمية ، الناطقين بالسريانية بدلا من المكون المسيحي "على المنبر الحر في موقع عينكاوة، فهي مقالة رائعة وقيمة بمحتواها الفكري الذي يتبنى مقترحا يسعى الى الوحدة ،فأثمن هذه المبادرة ،وطالما يسعى أخوة آخرون من الكتاب المهتمين الى نفس الهدف ، وأتمنى أن تُترجم الى أرض الواقع وأن لم ينته المطاف بما أقترحت من تسمية ،ولكنها هي الخطوة الاولى والبداية ونقطة الانطلاق للمضي والاستمرار بالنهج الوحدوي .
أخي العزيز خوشابا ومن خلالكم الاخوة الكتاب والقراء المهتمين جميعا :
  منذ قيامي لجمع معلومات  في سنة 1997 لتاليف كتابي الموسوم " الكلدان المعاصرون " والمنشور سنة 2001 ،وثم محاولتي الاخيرة في تاليف كتاب ودراسة موسعة بعنوان " الاشوريون ، الكلدان ، السريان ، وصراع التسمية "والذي سيرى النور قريبا جدا وبالطبع من منطلق انثروسوسيولوجي أستخلصت ما يأتي :
1 – تكونت قناعة يقينية لي بأننا عرق أثني واحد .
2 – لعب المؤرخون دورا سلبيا في تدوين التاريخ لفقدان الامانة العلمية والموضوعية لديهم ،وأخص بالذكر القدماء منهم لعدم أتباعهم المنهجية في كتباتهم وغالبا ما دونوا المعلومات من تفسيراتهم الشخصية وخصوصا ما يتعلق بالجوانب المعنوية المجردة من الحضارة.
3 – أضطلعت مسألة الترجمة والاشتقاقات اللغوية دورا سلبيا في ضياع تسمية شعبنا .
4 – كان للدين والكتاب من رجال الدين دورا بارزا في تشويه التسمية .
5 – ان الكتاب المتأثرين بأيديولوجيات سياسية كان لهم الاثر البارز في تشويه هوية شعبنا لمحاولتهم لتمرير أفكارهم وفقا لمصالح أحزابهم .
6 – تبين في السنين الاخيرة ظهور نمط من الكتاب الذين كان لهم دورا سلبيا كبيرا في ضياع وتشويه هويتنا القومية ،وثم في تجذير وتعميق الخلافات ،وهم الذين يكتبون بالتاريخ ومن خلفيات أكاديمية واختصاصات ليست لها صلة بالتاريخ ،فتراه مختصا بالفن والرياضيات والفيزياء والقانون والمحاسبة واللاهوت وكتب مجلدا ضخما بالتاريخ وتوصل الى أن الجماعة الاثنية التي ينتمي اليها هي الاصل ويُرجع وجودها منذ بداية الخليقة ، كأن يقول الكلدان ولا غيرهم ،أو آشوريين ولا غيرهم ، او سريان ولا غيرهم ،مع أحترامي لمثل هؤلاء ،اقول كل واحد بأمكانه جمع مئات المصادر ويؤلف كتابا ومجلدات عن ظاهرة ما ،ولكن هل يستطيع الاجابة بما تحتوي تلك المصادر من معلومات ،كيف ولماذا ومتى ليتمكن أن يحلل النص ويقارنه لان المعروف في علم التاريخ والعلوم الانسانية والاجتماعية مناهج المقارنة والتحليل ودراسة الحال تختلف عن نظيرتتها في العلوم الطبيعية .
ربما سائل يسأل وماذا عن الكتاب القدامى والذين كتبوا وبدون أختصاصات ودون وجود الجامعات ؟ أقول نعم ذلك صحيح،ولكن معظم ما كتبوه تبين لاحقا عند ظهور المدرسة الوضعية في الفكر البشري للبحث والدراسة ، خطأ ، بدأً من الفيلسوف الكبير في زمانه افلاطون وغيره ـ وهذا ينطبق على الرحالة والمؤرخين القدامى  - وهذه مسالة أكاديمية بحاجة الى تفصيلات لا مجال لذكرها هنا -  لكن بأختصار أن طبيعة الفكر البشري تميزت بحالة الجمع كل مجالات المعرفة عند المفكر الواحد الذي دُعي بالفيلسوف . فتراه نفس المفكر يكتب بالكيمياء والفن والرياضيات والاحياء والفيزياء والادب واللغة والنفس والاجتماع ... الخ بينما لتطور وسائل وطرق جمع المعلومات المعرفية ظهرت الاختصاصات العلمية ولكل منها ميدانها المعرفي وطرقها واساليبها المنهجية الخاصة في البحث والاستقصاء.
7 – وأخيرا تكونت لي قناعة تامة ، ان اختلافنا وتشبثنا سواء كلدان أو اشوريين أو سريان بالتاريخ والاصول والتسمية ،هي أحد العوامل الاساسية البارزة في ضياعنا وفقدان حقوقنا كسكان أصليين في بلدنا ونكباتنا التاريخية والمعاصرة ولا يزال بعض الاخوة متقوقعون ومصرون على ذلك ومعظم أبناء شعبنا يتألمون ومتشردون  وينامون خارج دورهم وبلداتهم وقراهم معرضين الى الالام والمآسي التي لم يتعرض اليها شعب في التاريخ المعاصر .
على كل حال ، ادعوك أخي خوشابا وكل من يؤازرك في أفكاره ويسعى الى الخير لشعبنا المتألم والمتشتت الى السير والاستمرار لتطبيق الافكار الوحدوية على ارض الواقع فالاصرار والطموح والتحدي المدروس ،كلها من صفات الشخصية المبدعة وفقا لعلم نفس الشخصية .مع تمنياتي لكم بالتوفيق.
د . عبدالله مرقس رابي
كندا في 20 من ايلول 2014                 

52
                                                          أنت السامريُ الحنون
                                                           يا غبطة البطريرك
  د . عبدالله مرقس رابي
       باحث أكاديمي
                         
                في مقالة لغبطة البطريرك  مار لويس روفائيل الاول ساكو المنشورة على موقع البطريركية في الاول من الشهر الجاري الموسومة " السامري الحنون ، كم نحن اليوم بحاجة اليه" يصف غبطته سلوك ثلاثة أشخاص في مثل يسوع عن السامري الصالح" لوقا 10 : 30 – 36 " وهم الكاهن واللاوي والسامري، ويربطها بالاحداث المأساوية لشعبنا في العراق اليوم . فمنها جاء قوله :كم نحن بحاجة الى السامري الحنون اليوم .
 أفرزت الاحداث الاخيرة التي أبتلى بها شعبنا العراقي وبالاخص المكون المسيحي والايزيدي وبعض الفرق الاخرى على يد الارهاب الاجرامي ،أفرزت العديد من الكهنة واللاويين وثم السامريين ،ولكن أرى وبدليل لغة الارقام من متابعتي الاحداث من وهلتها الاولى بأن السامري الاول وقدوتهم هو غبطتكم . نعم أنت السامري القدوة الذي يعترف بالاخر دون النظر الى اللون والدين و العنصر والاثنية  والغني والفقير،وبذلك تجتاز الحواجز فالكل عندك واحد ،المسلمون والايزيديون والكاكائيون والمسيحيون ،والكورد والعرب والتركمان والشبك والاشوريون والسريان والكلدان .
أنت الذي تقوم بالعمل ولا تكتفي بالمعرفة النظرية مثل الكاهن ، ويتجنب المريض كي لا يموت بيده ويتنجس مثل اللاوي، فتتحرك بسرعة وتذهب وتأتي ولا تحسب الملل في حساباتك ،فتأخذك الشفقة والحنية ، فالشريعة والقوانين تقوم عندك على القلب وليس على الافكار النظرية فحسب .فدائما أراك  المبادر الاول لتحمل المسؤولية التي تحملها السامري في مثل يسوع ،وتعرف كيف تتصرف وما هو الوقت المناسب وتمنح منه جزءاً لكل واحد بدون أستثناء .
غبطة البطريرك مار لويس : أعمالك ولقاءاتك ومبادراتك وتصريحاتك ونداءاتك المتكررة ،جميعها مؤشرات دامغة على تضامنك ورعايتك ومحبتك للمحتاج المنكوب،فأنت الذي تزور وتتفقد الانسان الذي هو بين الحياة والموت الفارش على الطرقات وتحت الجسور وفي الاماكن المكتظة بهم ،فتسمع اليهم وتتحسس همومهم  ،الطفل الذي حرمه اللصوص المجرمين من الحياة البريئة والمسن الذي يعاني من مرضه أو تعبه والمرأة التي حملت مصاعب الكارثة والشباب الذين فقدوا فرصتهم لمواصلة الحياة والطلبة الذين يبحثون عن مصيرهم ،وتوصي وتقترح كل ذلك من أجلهم، مثل الرجل  الذي أوقعه اللصوص وكان بين الحياة والموت وتحنن اليه السامري.
ومما هو جدير بالذكر ،أن أخوتك البطاركة في الشرق الاوسط  للمارونيين والروم الكاثوليك والسريان الارثودكس والسريان الكاثوليك ،وهكذا أخوتك الاساقفة من مختلف الكنائس الكلدانية والسريانية والاشورية الذين يعيشون مع الشعب المنكوب ليلا ونهارا لم تقتصر مشاركتهم على النداءات فحسب ، بل أن زياراتهم الميدانية وتفقد احوال النازحين وتبرعاتهم السخية وتضامنهم معك في سبيل أنقاذ شعبنا من محنته الا دلالات واضحة على أنهم أيضا هم السامري الحنون ،لا بل في الحقيقة عبروا عن الوحدة الصميمية بين المذاهب المسيحية دون رجوعهم للتاريخ والاختلافات والنعرات والقومية وما شابه، فكل مسيحي حول العالم شعر وأحس هذا التضامن وهذا التعبير الاخوي الحقيقي لان مصيرهم واحد وأن الارهابيين يوجهون سهامهم المسمومة ضد كل المسيحيين وليس لفئة دون أخرى.
 وليس خافيا لاحد بأن ما قمت به من أنشطة منذ بداية النكبة ولحد اليوم طالما ان الاعلام بمختلف وسائله يتابعها تفصيليا . فمن متابعتي الشخصية  تمكنت من حصر أحصائي بسيط لها مصنفة بحسب نوع النشاط ،فهي دليل واقعي وملموس لحجم المشاركة والحرص الشديد لكم والتعبير عن مشاعرك لابناء الكنيسة وجيرانهم من الاقليات الاخرى ،وما هي الا برهان على فرضيتي المعنون بها المقال " أنك السامري الحنون يا غبطة البطريرك.وفيما يأتي جدولا أحصائيا يبين طبيعة أبرز الانشطة التي مارسها لمدة أقل من ثلاثة أشهر ويمارسها لحد هذه اللحظة غبطة البطريرك مار لويس بالاضافة الى واجباته الدينية المعتادة :
نوع النشاط                                                          التكرار 
-----------                                                       ------------
 أبرز رسائل التضامن والنداءات التي تلقاها                        41
زيارة الوفود والشخصيات له                                         30 
 زياراته الميدانية للمسؤولين والعوائل النازحة                     19
النداءات التي بعثها الى الرؤوساء والمنظمات الدولية              17               
لقاءات وسائل الاعلام معه                                             9                         
المجموع                                                                116

"المصدر وكالات الانباء والفضائيات والمواقع الالكترونية وأخص بالذكر موقع البطريركية الكلدانية الرسمي "
كانت رسائل التضامن التي تلقاها غبطته من قداسة البابا فرنسيس والبطاركة والكرادلة والاساقفة من حول العالم ولمختلف المذاهب المسيحية،والمسؤولين القياديين في الحكومة العراقية وأقليم كوردستان والمنظمات الدولية ومنظمات المجتمع المدني العراقية والكتل السياسية والامراء ورجال الدين الاسلامي ومن أبرزهم شيخ الازهر والامام السيستاني.
وأما الذين أستقبلهم غبطته في قلايته البطريركية في بغداد والصيفية في أربيل وهم البطاركة والكرادلة والاساقفة والوزراء  وأبرزهم رئيس وزراء فرنسا الاسبق ووزير خارجية لبنان والسفراء الاجانب في العراق ،وممثلي الاحزاب العراقية ووفود من المسلمين العراقيين للتعبير عن تضامنهم مع المسيحيين ومنظمات المجتمع المدني .
بينما تمثلت الزيارات التي قام بها مار لويس بالدرجة الاساس تلك التي التقى خلالها مع العوائل النازحة منذ تهجير ابناء الموصل المسيحيين  مرورا بنزوح أبناء سهل نينيوى الى اقليم كوردستان ،سواء لوحده أو برفقة ضيوفه من البطاركة والكرادلة أو أخوته الاساقفة ،أضافة الى زيارته لرئيس الجمهورية العراقية ورئيس اقليم كوردستان والى المرجع الديني الاسلامي الشيعي  الامام علي السيستاني،وزيارات أخرى الى خارج العراق للبرلمان الاوربي والاتحاد الاوربي .
وكانت نداءاته موجهة الى قداسة البابا فرنسيس ورئيس منظمة الامم المتحدة والبرلمانات ومنظمات الاغاثة والرئيس الامريكي والاتحاد الاوربي .
وأبرز لقاءاته الاعلامية هي مع الفضائيات العالمية والعربية والعراقية والاذاعات والصحف اليومية موضحا فيها مدى المآىسي التي يعاني منها شعبنا المسيحي والمكونات الاخرى من الشعب العراقي، وكان يطلق من خلالها أيضا النداءات الى اصحاب العلاقة والقرار في العراق والعالم.
فهل نحتاج عزيزي القارىء الى براهين اكثر من هذه لنقول لغبطة البطريرك مار لويس ساكو أنه" السامري الحنون "؟
                                                 

53
                                                   لماذا تتغاضى منظمة المؤتمر الاسلامي
                                                  عن أضطهاد المسيحيين والأيزيديين؟
د . عبدالله مرقس رابي
باحث أكاديمي
                  تعد منظمة المؤتمر الاسلامي من المنظمات الدولية الكبيرة ،حيث تضم في عضويتها 57 دولة أسلامية .تاسست عام 1969 في الرباط في المملكة المغربية ردا على حريق المسجد الاقصى في القدس،وتعتبر المنظمة بمثابة الصوت الذي يُوحِدُ ويجمع ويتكلم بأسم العالم الاسلامي. وتنفرد المنظمة كونها جامع كلمة الامة وممثل  للمسلمين في مختلف أنحاء العالم بحسب ماجاء في مقدمة نظامها .
   لم تُشعر هذه المنظمة العالم ولم تُعبر عن موقفها  ،أدانة أو أستنكارا على أضعف الاحتمالات ولم تحرك ساكنا تجاه الاحداث الاخيرة التي بدأت بأضطهاد المسيحيين والايزيديين والكاكائية والتركمان والشبك الشيعة منذ أحتلال مدينة الموصل في بداية شهر حزيران الماضي من قبل العصابات الاجرامية المتشددة  التي تمارس أفعالها العنصرية منطلقة من العقائد الاسلامية ، ومهما كان مصدر صناعة هذه الجماعات الارهابية الذي يختلف المحللون في أثباته ،فانها تمارس عملها بأسم الدين الاسلامي ،وعليه أستوجب أن تكون منظمة المؤتمر الاسلامي المبادرة الاولى في تحديد موقفها والاحالة دون تحقيق هذه الجماعات لاهدافها الشريرة.
من مراجعتي لميثاق وأتفاقات ونظام هذه المنظمة ،تبين أنها لاتعمل وفق ما دونته وما اتفق أعضائها عليه حيال الارهاب.فأنطلاقا من أدبياتها ساناقش موضوع صمتها تجاه أضطهاد المسيحيين والايزيديين .
وفقا لميثاقها ترمي المنظمة الى ( حماية صورة الاسلام الحقيقية والدفاع عنها والتصدي لتشويه صورة الاسلام وتشجيع الحوار بين الحضارات والاديان ).وهنا اطرح السؤال للمنظمة أ لستم على دراية بأن ما تقوم به الجماعات الارهابية هو بأسم الدين الاسلامي ؟ فهي تقطع رؤوس الابرياء وتسبي نساؤهم وتستولي عل ممتلكاتهم وتطردهم الى البراري حفاة من بيوتهم ، أو أجبارهم واكراههم على أعتناق الاسلام وتدمير المعالم الحضارية والكنائس والمعابد والجوامع والحسينيات،كل هذه الممارسات على مرأى من الدول الاعضاء في المنظمة .فلماذا السكوت أليس هذا تشويه لصورة الاسلام ؟فكيف سيتم الحوار بين الحضارات والاديان وجماعات أرهابية في وضح النهار تُخير الناس بين الدخول في الدين الاسلامي أو قطع رؤوسهم ، أويُسلبون ويُطردون  من موطنهم الاصلي ،وتحت راية الاسلام.
لماذا لا تنطلق دول الاعضاء من المادة رقم 1 من معاهدة منظمتهم لمكافحة الارهاب الدولي لسنة 1999؟ حيث جاء( عملا بتعاليم شريعتنا الاسلامية السمحاء التي تنبذ كل أشكال العنف والارهاب ،خاصة ما كان منه قائما على التطرف ،وتدعو الى حماية حقوق الانسان ،وهي الاحكام التي تتمشى معها مبادىء القانون الدولي واسسه التي قامت على تعاون الشعوب من أجل اقامة السلام ) .أليست هذه الممارسات تدخل ضمن العنف والارهاب من منظوركم  ؟ وانتم تعرٌفون الارهاب كما يلي وفقا لمنظمتكم في المادة 1 ، الفقرة 2 لمعاهدة 1999  ( الارهاب هو كل فعل من أفعال العنف أو التهديد به أيا كانت بواعثه أو أغراضه ،يقع تنفيذا لمشروع أجرامي فردي أو جماعي ويهدف الى القاء الرعب بين الناس أو ترويعهم بأيذائهم أو تعريض حياتهم أو أعراضهم أو حريتهم أو أمتهم أو حقوقهم  للخطر أو ألحاق الضرر بالبيئة أو بأحد المرافق أو الاملاك العامة والخاصة أو أحتلالها والاستيلاء عليها أو تعريض أحد الموارد الوطنية أو المرافق الدولية للخطر أو تهديد الاستقرار أو السلامة الاقليمية أو الوحدة السياسية أو سيادة الدولة المستقلة ).فهو تعريف شامل فعلا لمفهوم الارهاب ،ولكن أين أنتم من الافعال التي تمارسها هذه الجماعات ؟ فهي تقوم بما أعتبرتموه أرهابا في تعريف المنظمة الرسمي .فهناك التهديد والترويع والايذاء والاعتداء على الاعراض والحريات الدينية والحاق الضرر في البيئة والاحتلال وتهديد الاستقرار فلماذا السكوت المطبق؟.
من التدابير الاحترازية التي وضعتها المنظمة لمكافحة الجرائم الارهابية ،جاء في المادة( 3 فقرة أ )مايأتي ( على دول الاعضاء الحيلولة دون أتخاذ اراضيها مسرحا لتخطيط أو تنظيم أو تنفيذ الجرائم الارهابية أو الشروع أو الاشتراك فيها بأية صورة من الصور بما في ذلك العمل على منع تسلسل العناصر الارهابية أو لجوئها اليها أو أقامتها على أراضيها فرادى أو جماعات أو أسستقبالها أو أيوائها أو تدريبها أو تسليحها أو تمويلها أو تقديم اية تسهيلات لها).اين الدول الاسلامية المحيطة بالعراق مثل تركيا والسعودية وقطر وغيرها من هذه التدابير ؟ فكل ماورد  في الميثاق الذي تعاهدت عليه دول الاعضاء من حيث التدابير لمكافحة الارهاب تمارس العكس ، فتركيا تسهل مرور الارهابيين من أراضيها وتدربهم والسعودية وقطر تمولهم وتؤيهم وتستقبلهم وتسلحهم وترسلهم لابادة المختلف عنهم دينا ومذهبا .
ألا تتناقض هذه الممارسات مع الهدف الاساسي لمنظمة المؤتمر الاسلامي الذي وُرد في ميثاقها وينص ( تعزز الدول الاعضاء وتساند على الصعيدين الوطني والدولي الحكم الرشيد والديمقراطية وحقوق الانسان والحريات الاساسية وسيادة القانون )وثم تؤكد في بند آخر ( تعمل المنظمة على محو العنصرية )؟
تناقض واضح فالدول المنضوية تحت هذه المنظمة تعزز بسكوتها وصمتها الرهيب الحكم الدموي والمتخلف وسلب الحريات الدينية والحقوق الاجتماعية والسياسية،وأنعدام القانون ، فالامر والنهي هو للخليفة المزعوم دون غيره .
من غرائب الحكومات الاعضاء في المنظمة هي دعوة الملك السعودي عبدالله بن عبدالعزيز في 15 / 8 / 2012 الى عقد مؤتمر اسلامي في مكة لمناقشة القضايا العربية الاسلامية الساخنة وفي مقدمتها المذابح التي يرتكبها النظام الاسدي ضد الشعب السوري الشقيق . فعلا أمر غريب في تعاطي دولة مثل السعودية لها دور مهم وأساسي ومؤثر في منظمة المؤتمر الاسلامي تعد ما يقوم به النظام الاسدي في سوريا مذابح ،بينما تسكت وتتغاضى عن المجازر التي ترتكبها العصابات الاجرامية باسم الدين ضد الايزيديين وطرد المسيحيين السكان الاصليين من دورهم وتسليبهم واكراههم لاعتناق الدين الاسلامي .فهل تعد السعودية هذه الممارسات نزهة أم بطولات ؟ ولماذا لم تدعو هي أو غيرها من الدول الاعضاء الى عقد مؤتمر أسلامي لمناقشة الاوضاع المأساوية التي تمارس بأسم الدين في العراق ؟أم أنها تغافلت ذلك لان ما تمارسه الجماعات الاجرامية هو ضد المسيحيين والايزيديين والاقليات الاخرى؟
وقد دعمت السعودية  ودول اسلامية أخرى في المنظمة بما لها من المال والامكانات لدعم مسلمي البوسنة والهرسك لينالوا أستقلالهم ودعت الدول الغربية لاتخاذ الاجراءات الحاسمة آنذاك للتسريع في أنقاذ المسلمين .في حين لا يسلم المسيحيين والايزيديين من أجرام الجماعات التكفيرية في العراق فحسب ولكن يطال المسلمين الشيعة من العرب والشبك والتركمان أيضا .فأية أزدواجية هذه في المواقف تجاه نفس الاحداث ؟لماذا اعتبرتم الاعتداء على مسلمي البوسنة والهرسك أعتداء على الحقوق الدينية وأنها أبادة جماعية؟ وتتغاضون عن ما يحدث ضد المسيحيين وغيرهم كأنما بفلسفتكم ليس أعتداء على الحقوق الدينية التي ثبتموها في ميثاقكم .
منذ بدء الاعتداءات المتكررة على المسيحيين وغيرهم من الاقليات في العراق ومن متابعتي للاحداث والاعلام لم أر أية دولة من الدول الاعضاء في منظمة المؤتمر الاسلامي قد أتخذت خطوات جدية على كل المستويات سواء الاستنكار والتنديد أعلاميا أو المساندة الانسانية للمضطهدين أوالاسناد العسكري ،ولم تصدر اية فتوى تجاه ما يقوم به دعاة الدولة الاسلامية من هذه المنظمة التي تعتبر نفسها بأنها (جامع كلمة الامة وممثل المسلمين  وبمثابة الصوت الذي يوحد ويجمع ويتكلم بأسم العالم الاسلامي وتؤكد على أنها منظمة تسعى لتعزيز السلم والامن بين مختلف شعوب العالم).
وكل ما نلمسه هو السكوت المطبق على المستوى الرسمي أو الشعبي ،حيث كان باستطاعة الدول الاعضاء في المنظمة الاسلامية تنظيم تظاهرات شعبية أستنكارية على أبسط الاحتمالات ،أو المساهمة الانسانية للمضطهدين في تقديم الغذاء والدواء والماء والكسوة للمهجرين من مدنهم الذين ينامون في العراء وتحت الجسور، فلو لا نداء الكنائس وأخص بالذكر النداءات واللقاءات المتكررة لغبطة البطريرك مار لويس روفائيل الاول ساكو بطريرك بابل على الكلدان في العالم ، ودعم أقليم كوردستان رئاسة وحكومة الذي عمل المستحيل بحسب أمكاناته وأيوائه لهؤلاء النازحين لكانت الكارثة تتضاعف سوءاً فسوءاً.
 أن عدم التحرك لدول الاعضاء في منظمة المؤتمر الاسلامي جديا على الارض لمساعدة العراق وأقليم كوردستان لدحر هؤلاء المجرمين الذين يسفكون دماء الابرياء  ويضطهدون ويسلبون بسبب الهوية الدينية، يدل بكل وضوح بأنها راضية ومقتنعة ومؤيدة لممارسات المجرمين الارهابية، وألا ماذا يفسر هذا السكوت منطقيا ؟فلو أرادت أن تعيش هذه البلدان في عالم متعدد الحضارات سلميا وتنبذ كل ممارسات العنصرية وأنتهاك لحقوق الانسان التي أوردتها في ميثاقها كحبر على ورق دون أن نلمسه على ارض الواقع ،عليها أن تراجع ذاتها ومواقفها مما يحصل في العراق وتكون صريحة في رغبتها لدحر من ينتهك حقوق الاخرين وحرياتهم الدينية والاجتماعية والسياسية بغطاء ديني ومذهبي مقيت ومتخلف .وألا يمكن تفسير حالة التغاضي هذه عن الجرائم المرتكبة تحت راية الاسلام من قبل الارهابيين هي تعبير عن العقل الباطني لحكومات ومواطني الدول الاعضاء في منظمة المؤتمر الاسلامي ،أي أنها راضية ومقتنعة بما يجري لانهم هكذا تلقوا في تنشئتهم الاسرية والدينية ، ولا يمكنهم التخلص منه حيث ترسخت في الاعماق النفسية ،عدم قبول الاخر دينيا وحتى مذهبيا ،فيكتفون بالتظاهر الشكلي أمام الخلق على أنهم غير ذلك .


54
                                                                         مٌعجزة طاقم
                                                           أذاعة صوت الكلدان في ديترويت
د . عبدالله مرقس رابي
باحث اكاديمي

                     منذ أن أطلق البطريرك مار لويس روفائيل الاول ساكو بطريرك بابل على الكلدان ندائه لمساعدة المتضررين  النازحين المهجرين قسرا من الموصل وتوابعها بسبب الاضطهاد الذي تعرضوا اليه من العصابات التكفيرية ،منذ ذلك الحين تسارعت الكنائس والجمعيات الخيرية والمراكز الاعلامية لتلبية نداء غبطته .وأحدى هذه المؤسسات الاعلامية هي أذاعة صوت الكلدان في مدينة ديترويت الامريكية التي أصبحت موضع أفتخار لشعبنا المسيحي بمختلف مكوناته الاثنية لِما تؤديه من نشاطات اعلامية لتغطيتها كل الاحداث المتعلقة بشعبنا سواء في الوطن أو في المدينة التي تبث منها حيث مقر ابرشية مارتوما الكلدانية، ففيها أكبر تجمع كلداني في العالم ، وتعيش فيها أكبر جالية تتحدث العربية في امريكا من المسيحيين والمسلمين.
    وقد تاسست هذه الاذاعة عام 1980 م ،فأستطاع كادرها الاعلامي والفني من أكتساب خبرة فنية واعلامية على مدى 34 سنة فحققت مكانة اعلامية وشعبية  في الجالية العراقية وغيرها في مدينة ديترويت .وهي أذاعة كلدانية مستقلة تبث برامجها المتنوعة باللغتين الكلدانية والعربية ،تلك البرامج التي أصبحت المفضلة لدى الجالية لتأثيرها المباشر والعميق في الرأي العام لمصداقيتها ودقتها وصراحتها في نقل الخبر وتغطيتها للنشاطات والاحداث الدينية والاجتماعية والفنية والاقتصادية والتاريخية للمجتمع الكلداني وغيرهم من المكونات الاثنية في ولاية مشيكن.وهي السباقة دائما في أجراء اللقاءات مع كبار رجال الدين والسياسيين والفنيين والمبدعيين وكبار الاقتصاديين وأصحاب الكفاءات العلمية وغيرهم من أبناء الجالية .
       تساهم أذاعة صوت الكلدان في تغطية الاحداث المأساوية التي يمر بها شعبنا المسيحي في العراق من التهجير والنزوح والاضطهاد الديني لمتابعتها كل التطورات وبثها لمستمعيها على مدار الساعة،وكان من أبرز اللقاءات التي أجراها كادرها الاعلامي مؤخرا مع الاشخاص الذين هم في التماس المباشر مع هذه الاحداث تلك التي أُجريت مع:
  غبطة البطريرك مار لويس روفائيل الاول ساكو ،حوار من بغداد حول الاحداث في شمال العراق
  سيادة المطران مار يوسف توما رئيس أساقفة كركوك والسليمانية ،حوار من كركوك حول الاحداث في  شمال العراق
الاب فيليب نجم الوكيل البطريركي الكلداني في مصر ، حوار حول الاحداث في شمال العراق
سيادة المطران مار فرانسيس قلابات راعي أبرشية مارتوما في ديترويت ،حوار حول أحداث الشمال  .
  ولكن المفاجئة الكبرى التي تلقيناها من أذاعة صوت الكلدان هي التي قام بها كادرها الاعلامي والفني وبعض المتطوعين من ابناء شعبنا وهم : الاعلاميون ،فوزي دلي وشوقي قونجة وضياء ببي والفني ساهر يلدو، ومجموعة من الاشخاص المتطوعين ،اضافة للتعاون الذي ابداه الاستاذ باسل بقال المسؤول عن برنامج ( تبني عائلة مهجرة ) .وقد أستطاع هؤلاء الغيارى بخبرتهم الاعلامية وقدرتهم التأثيرية على الرأي العام ،وبسبب ما يتمتعون به من علاقات أجتماعية ومصداقية في العمل الاعلامي وحبهم للعمل الجماعي والاحترام الذي يتلقونه من الجالية بكل مكوناتها ،تمكنوا هؤلاء المبدعين من أستحصال مبلغ من التبرعات مقداره 150000 مائة وخمسون الف دولار أمريكي خلال فترة قياسية لا مثيل لها ولم تتجاوز ثلاث ساعات فقط  لا غيرها عن طريق الاتصال الهاتفي بالاذاعة من قبل المتبرعين وذلك يوم السبت المصادف 16 / 8 / 2014 من الساعة الواحدة ظهرا, وصمموا لرفعها الى ربع مليون دولار .فاية قدرة يتميزون بها هؤلاء؟ أليست معجزة ؟ في الحقيقة يعجز الادباء من وصفها ،حدثٌ لم نسمع بمثله من قبل وخصوصا في مجتمعنا .
هذه هي الارادة الحقيقية في العمل الجماعي وحب الخير والعطاء والتكافل ،وهي تعبير عن المشاعر الانسانية العميقة تجاه المنكوبين والمضطهدين ،وهم يعبرون عن الوفاء لشعبهم في أوقات المحن،ويقدرون معاناة شعبهم، ويتنكرون لمصالحهم الشخصية ويضعون مصلحة الشعب فوق كل الاعتبارات،فهم مَثلٌ للاقتداء بهم ،وليس بمن يتصارعون على الكراسي ويبحثون عن المناصب بحجة أن الشعب أنتخبهم ،وأي أنتخاب ؟ بديمقراطية العراق والكتل الكبيرة!!! بالطبع يُستثنى منهم الوزير ( جونسون سياويش ) في حكومة أقليم كوردستان لاستقالته من منصبه بحسب المبررات التي قدمها للتضامن مع شعبه المتألم ،وليس بمن يتمردون عن كنيستهم ويتخلون عن الطاعة لرؤسائهم التي نطقوا بها عند رسامتهم الكهنوتية،وبمن يتشبثون بالقومية والتاريخ  والاقاليم والامبراطوريات لشعبنا، وكذلك اولئك الذين يجادلون حول الاصالة  لعدم تداركهم  للمقاييس الزمكانية للظواهر البشرية الاجتماعية،وليس بمن يتبادل الشتائم والنصائح في الايميلات والمواقع الالكترونية .  والشعب نائم على الطرقات ومتشرد من قراه ومدنه ،وجُرد من كل مقومات الحياة الانسانية ،والاطفال حُرموا من براءة طفولتهم والطلبة ينادون ويبحثون عن حل لمواصلة دراستهم  .فهم في وادي والشعب في وادٍ آخر.
نعم لنحيي طاقم أذاعة صوت الكلدان في ديترويت  والايدي السخية التي تبرعت ونقدر شعورهم بالمسؤولية تجاه شعبنا المضطهد ولهم كل الحب والاحترام فهم في الحقيقة فرسان الكرامة والشموخ والانسانية الصادقة عبر الاثير وعلى الارض.


55
                                                     تجربة أبناء منكيش في المهجر لدعم النازحين لبلدتهم
د . عبدالله مرقس رابي
باحث أكاديمي

                                 أفرزت الاوضاع المأساوية التي يمر بها المسيحيون في العراق مواقفا اجتماعية لها أبعاد تكافلية وتماسكية وتضامنية .عكست المشاعر الموحدة للمسيحيين  مهما أختلفت أنتماءاتهم الاثنية والمذهبية والقروية . وبعد النزوح السكاني الجماعي للمسيحيين من بلداتهم في سهل نينوى تخلصا من العصابات الداعشية الاجرامية وصل الى بلدة منكيش اكثر من 430 عائلة من تلك القرى المسيحية والايزيدية . وبالرغم من محدودية أمكانات سكان البلدة، وتضاعف عدد العوائل الوافدة ثلاث مرات تقريبا لعدد العوائل المنكيشية في البلدة ،وقدوم العوائل النازحة بدفعة واحدة بهذه الاعداد ، الا أن  أبناء منكيش فتحوا أبواب بيوتهم لهم بدون أستثناء بحيث شاركت اكثر من ثلاث عوائل في بيت واحد ، ولما فاق العدد فُتحت أبنية المدارس والروضات والابنية التابعة للكنيسة وقاعاتها لايوائهم . وتسارع أبناء منكيش لتقديم الخدمات والاعانات اللازمة لضيوفهم.
أما في المهجر فقد أنتاب ابناء منكيش شعورا انسانيا تجاه هؤلاء النازحين بأنهم بحاجة الى اسناد لتلبية أحتياجاتهم ،ولكي لا يقصرأبناء بلدتهم المقيمين فيها تجاه ضيوفهم، أطلق موقع منكيش الاعلامي وبمبادرة من الدكتور جورج مرقس جنو المشرف العام للموقع الالكتروني وبتعضيد من صاحب الامتياز ( ايسر موفق ) والاداريين جميعا ندائه الى أبناء منكيش أينما وجدوا في دول الانتشار للمساهمة في التبرع  لغرض دعم النازحين الى بلدتهم من المسيحيين والايزيديين الذين حلوا ضيوفا على أهل منكيش وتلبية أحتياجانهم المتنوعة الاساسية. بالاضافة الى ما تبرعوا به في الخورنات الكنسية التي يتبعونها في المهجر على اثر النداء الذي أطلقه غبطة البطريرك مار لويس روفائيل الاول ساكو بطريرك بابل على الكلدان في العالم .
  وكان أبناء منكيش رهن الاشارة لتلبية النداء فعلى الفور تشكلت لجان فرعية في كل مدينة يتمركز المنكيشيون فيها بكثافة في بلدان المهجر للمباشرة في جمع التبرعات ،فتسارع الغيارى الى التبرع وبوقت قياسي ولا يزال التبرع جاري وأعضاء اللجان يعملون جميعهم  بجد وأخلاص،  ومن ثم ارسال المبالغ  بوجبات منتظمة الى الاب القدير( يوشيا صنا ) راعي خورنة كنيسة مار كوركيس في منكيش،والذي شكل بدوره لجنة كنسية تقوم بمتابعة التصرف بتلك الاموال لتحقيق الهدف الانساني تجاه ضيوف منكيش الكرام .
ويدير هذه التجربة  الدكتور( جنو) من مدينة ويندزر الكندية بدقة وانتظام وشفافية وروح تعاونية وأخوية  ، وذلك لتمتعه بخبرة عالية في الادارة والاشراف التي أكتسبها من عمله الاداري كمعاونا للعميد في المعهد الطبي الفني وثم مساعدا لرئيس الجامعة الى أن تقاعد ، أضافة الى مؤهلاته الذاتية من الصبر وسرعة البديهية في الاداء ولطفه وطيبته الانسانية وقدرته العلمية وكفاءته العالية في التنظيم، ويحقق الادارة الناجحة بالتعاون مع أعضاء اللجان الفرعية المنتشرة في المهجر الذين هم أيضا أُنتخبوا لكفاءتهم وخبرتهم في الادارة والعمل الجماعي وحُسن علاقاتهم الاجتماعية.( الرابط أدناه).
ليست هذه المرة الاولى تحتضن وتستضيف منكيش الوافدين أليها في العصر الحديث ،حيث نزح الى منكيش مجموعة من العوائل الاثورية سنة 1933 هربا من الاضطهاد الموجه ضدهم آنذاك من الحكومة العراقية ومكثوا تحت حماية أهل منكيش وأستضافتهم  لحين مغادرتهم الى سورية وأصدار العفو لاحقا،  وهناك حالة النزوح من أبناء القرى في صبنا على أثر الاضطرابات التي حصلت أثناء قيام الثورة الكوردية في مطلع الستينيات من القرن الماضي ،حيث وفد الى منكيش العديد من العوائل لتلك القرى ففتحوا المنكيشيين أبواب بيوتهم لهم وتقاسموا المعيشة معهم في ظل تلك الظروف الاقتصادية والامنية والسياسية المضطربة الى أن هاجروا تدريجيا الى المدن العراقية الاخرى , ونزح الى منكيش أيضا في الستينيات من القرن الماضي أعدادا كبيرة من العوائل الكوردية قدِمت من القرى المجاورة لفقدان الامن فيها ،وفتح أبناء منكيش بيوتهم لهم وعاشوا جنبا الى جنب سوية  حتى صدور بيان 11 آذار سنة 1970 فرجعوا الى قراهم .
في الحقيقة أنها تجربة متكاملة  ورائعة ولها أهداف أنسانية سامية تُسهم بجزء من الاسناد المالي للنازحين من أبناء شعبنا المسيحي المضطهد في العراق لتلبية أحتياجاتهم ورعايتهم الى أن يأتي يوم الذي به تنتصر أرادة المحبين للسلام دائما . فهي تجربة تحقق أهداف أساسية هي :المساعدة المباشرة للنازحين الى البلدة لان الاموال المُتبرعة ستصرف جميعها لسد أحتياجاتهم ،و الدعم المعنوي لابناء البلدة المقيمين فيها، ورفع العبء عنهم لعدم تركهم لوحدهم لتحمل المسؤولية لاداء واجبات الضيافة اللائقة ،وأنها ستٌخفف  العبء عن البطريركية في التخطيط والمتابعة الميدانية لتلبية أحتياجات المهجرين، أضافة الى أنها ستحقق جمع تبرعات مضاعفة لاسناد النازحين مع تلك التي تمنح من الكنيسة والجمعيات الخيرية.
    وهكذا لو خطت جميع القرى والبلدات المسيحية في أقليم كوردستان مثل هذه الخطوة لاسهمت مساهمة كبيرة في دعم النازحين لاستضافتهم  الى يوم الرجوع  لبيوتهم . فمن المعروف لكل بلدة وقرية مسيحية من أقليم كوردستان أبناء في بلاد المهجر بنسب متفاوتة،وبأمكانهم المساهمة المباشرة في الدعم المالي لضيوفهم في قراهم وبلداتهم لو أرادوا الاستفادة من هذه التجربة ،وبحسب معرفتي هناك بلدات أخرى تمارسها لتحقيق التكافل الاجتماعي ،ونطمح المزيد والمزيد .
هناك مسالة مهمة لابد الاشارة اليها ،قد يظن البعض بان مثل هذه التجربة تعكس التعصب القروي أو التقوقع القروي مما يخالف المشاعر الانسانية والانفتاح نحو الكل وتساوي الكل . ولكن أجتماعيا ونفسيا لها تفسير آخر وكما يلي :
 أن مسالة الانتماء الى الجماعة هي من أحدى الغرائز التي يتزود بها الانسان طبيعيا ،وتتطور مع نموه الاجتماعي والنفسي والبايولوجي ،فيرى نفسه أنه مٌلزم لاشعوريا للانتماء الى جماعات بشرية معينة ،وأولى هذه الجماعات هي العائلة ،وثم تليها العشيرة ،وبعدها القرية والمجتمع الاقليمي ويليه المجتمع الكبير في بلده ,اخيرا الانتماء للمجتمع البشري .أو قد يكون متغير الانتماء هو العقائد الدينية فالانسان يشعر بالانتماء الى كنيسة معينة محلية وثم المذهب الديني وبعدها الدين الذي يجمع عدة مذاهب،وهكذا قد يكو المتغير هو الاثنية أو الانتماء السياسي وحتى على مستوى المؤسسات الصغيرة كالمدرسة مثلا وهكذا تتكون حلقات انتمائية محيطة بالانسان ولكل منها درجة من الانتماء في قوتها وشدتها .
ولما كان هذا الشعور بالانتماء جزءا من نمو شخصية الفرد فلا يستطيع أن يتخلص منه مهما تؤثر المتغيرات المكتسبة تباعا على شخصيته كالتعليم والعمر والنضج الفكري ،فهناك من يقول أنا  لا أهتم بالانتماء القروي أو الديني أو الجغرافي وما شابه وأن الكل عندي سواسية ، عندما يقولها يعني بها أنه ليس عنصريا أي ـ لايميز على  أساس هذه المتغيرات  ،نعم أنه مٌحق في ذلك ،ولكن مسألة الشعور بالانتماء لا يستوجب أن تكون على أساس التمييز وفق متغيرات الانتماء ـ وأنما على أساس الاهتمام تباعا بالحلقات الاجتماعية المحيطة به الى أن تنتهي بالحلقة الكبرى التي هي الانتماء البشري الانساني ،أي أنه يعتز بابناء قريته أو مذهبه الديني ولكن هذا لا يمنع الاعتزاز واحترام الاخرين الذين يختلفون عنه،فأذا تجاوز هذا الاعتزاز الى كره الاخرين سيتحول ذلك الى مرض أجتماعي ناجم عن ما تلقاه في التنشئة الاجتماعية الاسرية منذ طفولته .
دافع الانتماء الى الجماعة يولد مع الانسان ولكن التنشئة الاجتماعية التي يتلقاها الفرد في حياته وبالذات في فترة الطفولة تهذب هذا الدافع وتوجهه طبقا لما يسود في الجماعة من المعايير الاجتماعية التي تقيس النظرة الى الاخر المختلف ،فأما سيكون التهذيب هو الافراط في التنكر لانتمائه ،أو سيكون التهذيب عنصريا لان الفرد سيتلقى مفاهيم التعصب والتقوقع والغاء الاخر المختلف، وهاتان الحالتان هما مرضيتان،  أو قد تكون حالة التهذيب معتدلة بحيث يٌكون شخصية متزنة في أنفعالها الانتمائي، أذ تٌصقل  تلك الشخصية  على أساس الاعتزاز بالانتماء وحبه لجماعته،  وفي نفس الوقت يعتز ويحترم الاخر المختلف كما هو ، وهنا ستتكون الشخصية السوية السليمة .
 عليه وفقا لهذا الاتجاه فأن  مثل هذه التجربة الانسانية التي طرحتها لا تدخل ضمن الاطار التعصب القروي أو ماشابه ،وذلك لان الهدف الاساسي كما ذكرت أعلاه هو دعم النازحين من القرى الاخرى دون النظر الى انتماءاتهم المذهبية والدينية أو الاثنية ،فهي مساعدات مٌقدمة الى أبناء تللسقف وباقوفة وباطنايا والقوش وبعشيقة وبرطلة وبخديدا والموصل ـ والى اليزيديين والمسلمين والمسيحيين ، وأثنيا الى الاكراد والكلدان والسريان والشبك والعرب.فلها هدف أنساني سامي يتجاوز التعصب القروي والاثني والديني وليس الى أبناء قرية منكيش .
فالعمل ضمن هذا الاطار الانساني سيحقق تضامنا كبيرا بين أبناء شعبنا لانقاذ ومساندة من تعرض الى الاضطهاد المنظم من قبل العصابات التكفيرية ، وستحقق  التماسك الاجتماعي وتقلل من المشكلات التي يتعرضون الاخوة النازحين اليها بشكل مباشر وسريع . 
http://www.mangish.com/forum.php?action=view&id=7063

56
ليتضامنَ المسيحيون
لدرء المخاطر المتوقعة
د . عبدالله مرقس رابي
باحث أكاديمي

                        أصبح واضحا للرأي العام الرسمي والشعبي محليا واقليميا وعالميا ما يتعرض له المسيحيون في العراق على أنها جرائم أبادة جماعية تُرتكب بحقهم وبالاخص في مدينة الموصل جراء الاحداث الاخيرة على يد الارهابيين من المسلمين المتطرفين .وقد نفذ الارهابيون ما سعوا اليه من تهجير المسيحيين وسلب ممتلكاتهم المنقولة وغير المنقولة باستخدام أبشع الاساليب وأحقرها ،ونتج عنها التحطيم المعنوي والنفسي والاجتماعي والاقتصادي والصحي ،تلك التأثيرات التي تُعد هي الاخرى جرائم تنص عليها القوانين الدولية .لم ينته السيناريو لحد الان ،فمن المتوقع تَعرُض المسيحيون في بلداتهم وقراهم المحيطة بمدينة الموصل الى كارثة ستكون أكثر دمارا وسوءاً  وبؤساً وشقاءاً من التهجير والسلب ،وذلك عندما يحاول هؤلاء المجرمين توسيع رقعة سيطرتهم الجغرافية بأتجاه سهل نينوى حيث الكثافة السكانية العالية لشعبنا ، في ظل الصمت الدولي وتلكؤ الامم المتحدة غير الطبيعي تجاه الاحداث. ومن هنا جاء عنوان المقال في التأكيد على مفهوم ( المخاطر المتوقعة ) طالما هناك غموض في تفسير الاحداث ،الامر الذي يقودنا الى القول بأن المسألة هي أكبر مما نتصورها محليا لوجود أيدي خفية تُحرك الدمى الارهابية .فيحتم على المسيحيين وكل من موقعه سياسيا وكنسيا ومدنيا وفكريا أن يتحمل المسؤولية للبحث عن وضع التدابير الوقائية فيما أذ تطورت الاحداث في سهل نينوى نحو الاسوء.
   فما هو المطلوب من كل واحد بحسب مؤهلاته وقدراته  في المرحلة الراهنة ؟ وبدوري وضمن سياق أختصاصي سأضع تفسيرا لآهمية التضامن الاجتماعي في ضوء نظرية المثير والاستجابة في التعلم ولكي نتعلم جميعنا .
يتكون كل مجتمع من مؤسسات متنافسة في الظروف المستقرة والطبيعية ،وتحتوي على افراد يتميزون بخصال ومفردات متباينة بحكم قانون ( الفروق الفردية )،وهم في وضع التنافس أيضا ،وقد تحصل بينهم الاختلافات في المواقف الاجتماعية والسياسية والدينية ،وهذه حالة طبيعية أذا لم تتحول الى صراع ونزاع أجتماعي .لكن ستختلف الحالة عندما يتعرض المجتمع الى أخطار خارجية ،فحينئذ يتطلب الوضع تحول السلوك الفردي الى السلوك الجمعي الذي يتميز بالعقل الجمعي ليوحد الافراد لدرء المخاطر عنهم. ولكن متى تتم هذه الحالة ؟
    لبناء أية علاقة أجتماعية أو نشوء أية ظاهرة أجتماعية لا بد  أن تتضمن ( المثير والاستجابة ) ،والمثير هو حادث أو منبه أو محرك يحدث في البيئة المحيطة بالانسان ويوقظ في نفسه الاحساس والمحاولة  لقيام بفعل من الافعال لحدوث الاثارة الداخلية في النفس البشرية ، كشعور الانسان الحاجة الى الطعام وشعوره بالخطر أو الخوف ،وعلى أثر هذا الشعور يحاول الفرد الاستجابة لذلك المثير ،فالاستجابة هي ردة فعل باسلوب وسلوك ما عندما يتعرض الفرد للمثير .
وتطبيقا لذلك يعتبر حدث تعرض المسيحيين في مدينة الموصل الى الاضطهاد مثيرا أو منبها لهم ،فيضطرون الى أتخاذ الاجراءات والتدابير الوقائية لابعاد الاثار المتوقعة من الفعل ،فيكون ما يتبنى من سلوكيات وردة فعل هي بمثابة الاستجابة للمثير ،ويتطلب في مثل هذه الحالات الشديدة الخطورة والمصيرية ،أن لا تكون ردود الافعال أنفعالية ومتشنجة وعشوائية وفوضوية ،بل يتطلب التنسيق والتدبير ،وسوف لم يتحقق التدبير ما لم تتوفر فرصة التضامن الاجتماعي .
فالتضامن الاجتماعي حاجة ملحة ومشتركة بين افراد المجتمع ،وهي حاجة الدفاع عن النفس ،ولا يتيسر تحقيقها ألا في الحياة المشتركة. ويأتي التضامن بسبب عجز الفرد من الصمود أمام التحديات المتمثلة بالارهاب .ولما كان الافراد مختلفين فيما بينهم في قدراراتهم ومواهبهم ،فلابد هنا الحاجة الى التضامن الذي يعد أتفاقا مع الغير من الذين يختلفون عنه ماديا وأجتماعيا ومعرفيا وقياديا .وهو مسؤولية الجميع كل بحسب امكانياته ،وهو أيضا التزام عاطفي وقيمي برموز تتصل بالهوية العامة والثقافة المشتركة ،فالذي يتحلى بالتضامن ويندفع اليه ،له شخصية مفعمة بالمشاعر الانسانية والحس الاجتماعي .
أن درجة التضامن تعتمد على طبيعة الجماعة والمؤسسات السائدة في المجتمع التي تؤثر تأثيرا مباشرا على أنماط سلوك الفرد ،فيظهر التضامن عندما تكون :
المقاييس والقيم مشتركة
وجود مصالح مشتركة
ألتزام الفرد باخلاقية وسلوكية جماعته
أن هذه المقومات متوفرة تماما عند المسيحيين العراقيين ،فالقيم الاجتماعية ومقاييس المفاهيم العامة مشتركة بين الجميع تحت تأثير البيئة الجغرافية والاجتماعية الواحدة والتاريخ المشترك ،والقيم الدينية ،وطالما أنهم يبحثون سوية الى سبل الحياة الكريمة والعيش بسلام وأمان ورخاء وفي ظل عدالة أجتماعية ، فأن مصالحهم مشتركة أيضا ،وكذلك الفرد المسيحي ملتزم بأخلاقية وسلوكية جماعته الدينية ولا يمكنه التخلي عن تلك المبادىء التي تلقاها أثناء التنشئة الاجتماعية .ومن رصد للأحداث ومتابعتها تبين جليا بوجود مظاهر التضامن بين أبناء شعبنا المسيحي ،ومن أبرزها : تعاون الكنائس بمختلف الطوائف لتجاوز الازمة والمتابعة المستمرة من رجال الدين  ،وأندفاع أبناء البلدات والقرى المسيحية لفتح أبواب بيوتهم أمام أخوانهم المهجرين من الموصل ، وحملة التبرعات من قبل المسيحيين في دول الانتشار ،وما المسيرات الاحتجاجية التي يؤدونها في المدن المختلفة وأخص بالذكر مسيرة مدينة عينكاوة الا تعبيرا للشعور بمسؤولية التضامن لغرض اعلام وتحريك الرأي العام الرسمي والشعبي بالوضع المأساوي لمسيحي العراق.
ماذا يحقق التضامن الاجتماعي ؟
 للتضامن الاجتماعي مردودات كثيرة فهو : يخفف من حدة التوتر النفسي وآثار الارهاب التي يتعرض لها المسيحيون ،ويؤدي الى التآزر والتحالف والاتفاق على الرأي ،وثم الاتجاه نحو الاندماج والانضمام تحت راية واحدة ،ومن نتائجه تجديد الطاقة بعدما يخمد الحماس وتضعف الهمم ، ويدفع الافراد للتحرك بعيدا عن الانانية والعمل بأكثر من عقل ،كل بحسب مؤهلاته وأمكاناته .وثم أستعادة الثقة العامة لمواجهة الازمة .
  ولكي نحقق تضامناً أفضل في المرحلة الراهنة ونحن أمام توقعات توسع نطاق الارهاب باتجاه بلدات شعبنا المسيحي في سهل نينوى يتطلب :
     التركيز على المصلحة العامة لكي تعلو على المصلحة الشخصية من قبل منظمات المجتمع المدني والاحزاب السياسية والكنائس في هذه الظروف القلقة .
    التماسك والتضامن عموديا ، ابتداءً من مراكز صنع القرار في القيادات الكنسية والسياسية .
    الالتفاف والتعاون مع الكنيسة وتقدير وتقييم المحاولات الرائدة التي يقدمها رؤوساء الكنيسة ،وفي مقدمتهم أبينا البطريرك مار لويس روفائيل الاول ساكو بطريرك الكلدان ، وغبطة البطريرك مار أغناطيوس يوسف الثالث يونان بطريرك السريان الكاثوليك  ،والاساقفة الاجلاء للجهود التي يبذلوها في طرح قضية شعبنا للرأي العام الشعبي والرسمي عبر زياراتهم الميدانية ولقاءاتهم الاعلامية والرسمية دوليا ومحليا لتحريك المشاعر الانسانية  تجاه محنة مسيحي العراق .
  الكف والابتعاد عن أثارة النعرات الطائفية والقومية والاتهامات الشخصية بين الاحزاب السياسية لشعبنا من مكوناته الاثنية الاشورية ،الكلدانية ، السريانية ونبذ حالة القال والقيل والتشكي والتذمربينهم.
ألتزام الوسائل الاعلامية التي يديرها أبناء المكونات الثلاث من المواقع الالكترونية والصحف اليومية بعدم نشر أي موضوع أو تعليق يثير هذه النعرات لانها لاتخدمنا بالذات في المرحلة الراهنة .
 التنسيق لاجراء اللقاءات مع صناع القرار في الدول المتقدمة لتوخي الفوضى والارتباك والالتباس عند الاطراف المعنية .
التأكيد وبل التشديد على الحماية الدولية المؤقتة لشعبنا المسيحي في مناطق تواجده بكثافة والمعرضة الى المخاطر المتوقعة في كل يوم وبل ساعة في سهل نينوى لتكون حاجزا أمنيا بين بلداتنا ومصادر الارهاب في مدينة الموصل .
التركيز على التعاون مع حكومة أقليم كوردستان طالما أصبح التواجد الكثيف للمسيحيين ضمن الحماية العسكرية الكوردية ،وتقدير وتقييم الدور الذي يبذله الاقليم رئاسة وحكومة في حماية المسيحيين وما تصريح  الرئيس مسعود البارزاني المعبر عن الحس الانساني تجاه المسيحيين ( أما أن نحيا سوية أو نموت سوية ) الا رسالة واضحة للعالم على مدى الوعي الكامل لحقوق الانسان في أقليم كوردستان ،والرغبة الحقيقية في العيش المشترك بسلام وأمان ونبذ العنصرية.
التنسيق لتوفير البدائل من البنى التحتية التي أفتقدتها التجمعات السكانية المسيحية في سهل نينوى بسبب حجبها من الموصل .
ألتزام المسيحيين العراقيين في دول الانتشار تجاه الازمة والمخاطر التي تعرض له أخوتهم في العراق على المستوى المالي وطرح القضية في المحافل الدولية، والتأثير على الرأي العام .
 

57
رسالة مفتوحة الى الاحبة الكتاب والقراء الموقرون في موقع عينكاوة المتميز

م / أعتذار
          أود أن أقدم اعتذاري الشديد الى كل الاخوة الكتاب والقراء الاعزاء بدون أستثناء لحجبي الردود على مقالاتي  ،اني أحترم وجهة نظر الجميع ،فكل شخص له وجهة نظر وموقف تجاه الظواهر السياسية أو الاجتماعية وماشابه تتبلور لديه تأثرا بخبرته الحياتية  ،.لكن حجبي للردود هو لسببين رئيسيين هما :
1 –أحترام الاخر واللياقة الادبية مطلوبة مني الرد على المعلق أو الناقد سواء كان مؤيدا لافكاري أو مختلفا ،لكن لا أمتلك الوقت الكافي للرد . اتمنى أن تصلني الردود على البريد الالكتروني وحينئذ سارد بتأني وبحسب ما يتوفر الوقت .
2 – وجود مع الاسف بعض الاخوة يحاولون توجيه الموضوع الى نقاشات عقيمة خارج اطار المقال ،مما يفقد قيمته .هذا ما لمسته عند العديد من السادة الكتاب في الردود على مقالاتهم.
وقد سبق وناشدني أخوة أعزاء متعددون  من الكتاب والقراء على عدم حجب الردود ،منهم الصحفي الاكاديمي العالمي الدكتور ليون برخو والاخ الكاتب والمحلل السياسي اللامع أنطوان الصنا والصحفي المتمرس زيد ميشو والاعلامي فوزي دلي والدكتور العزيز جورج مرقس جنو والاخ عبدالاحد سليمان بولص وكوركيس أوراها منصور وابلحد مرقس وعوديشو المنو وآخرون وصلتني نداءاتهم تلفونيا أو ايميليا .
وكما أقدم أعتذاري الخاص للاخوة الذين علقوا على مقالي لهذا اليوم ( لقاء البطريركين المشرقيين ) وثم رُفعت ردودهم ،أذ حدث سهو في عدم الحجب ،وهم كل من الاخوة آشور كوركيس ،وتيري بطرس ،وسامي ديشو .أقدم شكري واعتزازي لهم وللجميع .
تحيتي ومحبتي لكم
الدكتور عبدالله مرقس رابي
كندا في 17 / 7 / 2014

58
لقاء البطريركين المشرقيين
رأي وتحليل
د . عبدالله مرقس رابي
      باحث أكاديمي
                    جاء المقال توافقا مع ما أكد عليه غبطة البطريرك مار لويس في رسالته الرعوية بمناسبة عيد مارتوما  ،الموسومة ( الكنيسة الكلدانية بين الواقع والطموح ) ، تلك الرسالة التي عبر خلالها عن بعض المؤشرات التي تُشخص واقع الكنيسة الكلدانية ،والتي سبق وأن طُرحت من قبل بعض الكتاب والمهتمين ،ولمسها غبطته شخصيا من زياراته الميدانية للابرشيات الكلدانية .وانطلاقا من الكتابة بواقعية ومن دون استسلام للاحباط من جراء الظروف الماساوية التي يمر بها شعبنا ،ومن تأكيد غبطته في ختام الرسالة ،أذ طلب من الجميع رفده بآرائهم ومقترحاتهم وافكارهم حول محاور الرسالة بما يُفيد كنيستنا وشعبنا ، ساكتب عن هذه المحاور تباعا لعله سنحقق الفائدة المرجوة ،ولاهمية موضوع زيارة مار لويس التاريخية  الى البطريرك مار دنحا  في 12 حزيران الماضي، وتداعياتها  ، اعطيت الاولوية  للموضوع.
       حرص البطريرك مار لويس منذ تسلمه السدة البطريركية قبل اكثر من سنة على تنشيط وتفعيل السبل من أجل وحدة كنيسة المشرق ،وقد طرح الموضوع في عدة مناسبات ،وعبًر في نداءاته الرعوية المستمرة عن الرغبة لتحقيقها ،وكانت أبرز المناسبات وأكثرها أهمية الزيارة المذكورة اعلاه ، وذلك لانها تعد الاولى من نوعها بين البطريركين الموقرين ،ولما لها من أبعاد نفسية وأجتماعية لانها مباشرة وجها لوجه وبدون وسيط يُذكر،وكذلك تعكس مدى أهتمام وأصرار وادراك الطرفين الضرورة القصوى للتقارب والنقاش لأزالة المعوقات من أمام طريق الكنيستين للوحدة .
  يطلق على الحوار الذي تحقق أو المفاوضات التي تجري بين الكنيستين علميا ( المفاوضات الابتكارية ) من ضمن مجموعة متعددة من أنواع المفاوضات – لست الان بصددها – بحسب تصنيف ( فرد آيكل ) في جامعة جورج تاون الامريكية ،والذي مفاده  ( خلق علاقة جديدة لانشاء مؤسسة جديدة ،الامر الذي يكون من شأنه تغيير طبيعة العلاقة بين الاطراف المتحاورة ) .ولانجاح أية عملية للحوار لابد ان تتضح  المقومات التالية : الهدف ، المواقف ، الاساليب الشخصية ، الاتصالات ، النزعة العاطفية ، الوقت وتنظيم الفريق .
وانطلاقا من هذا المفهوم فان الحوار بين البطريركين يهدف الى خلق مؤسسة جديدة في دمج المؤسستين، أي ابتكار مؤسسة جديدة من الوحدة المرتقبة.ولكن الموقف هنا لتحقيق الهدف  تباين من الوهلة الاولى أو اللقاء الاول ،وذلك للاختلاف في الالية لسيطرة وهيمنة الافتراضات أو التصورات المسبقة للاحداث ، وطبيعة التفكير عند  الطرفين،فالبطريرك مار لويس أنطلق  لتفعيل وحدة الكنيسة من المفهوم الديني أستنادا الى الغاية الانجيلية " ليكونوا واحدا " ( يوحنا 16 : 11 ). بينما أنطلق البطريرك مار دنحا من المفهوم الاجتماعي وهو " الوحدة القومية بين مؤمني الكنيستين " . وهنا تحققت أحدى النتائج التي توصلت اليها الدراسات الاجتماعية التي تشير الى أن الحوار أو المفاوضات بين الاطراف تتأثر بالثقافة ،وهنا لا أقصد بالثقافة المستوى التعليمي ،بل العناصر المعنوية من حضارة المجتمع ،. كيف ذلك ؟ تعرض المؤمنون في الكنيسة الشرقية الاشورية تاريخيا الى جملة من المتغيرات الاجتماعية منذ القرن السادس عشر وزاد تأثيرها في القرن التاسع عشر عندما كانت عمليات الانشقاق في الكنيسة الشرقية على أوجها ،ومن أبرز تلك المتغيرات هي منح السلطة الزمنية والروحية للبطريرك ، مما تكون بحكم قانون ( التمركز السلالي ) الانثروبولوجي ، الاندماج بين الافعال الاجتماعية الحياتية والمفاهيم الدينية عبر الاجيال المتعددة سمة فكرية للمجتمع الاشوري المعاصر ،فتميز الاكليروس في الكنيسة الشرقية الاشورية بأن يكون  أكثر اهتماما في المسائل الاجتماعية والسياسية من الاكليروس في الكنيسة الكلدانية ،فاصبحت في الاولى مثل هذه المسائل تعطى لها الاهمية والاولوية كما للمسائل الدينية  ،وهذا التاثير واضح جدا لاقدام الكنيسة في تغيير تسميتها تاريخيا ،فبعد أن كانت الكنيسة الشرقية أصبحت الكنيسة الشرقية النسطورية ، وأخيرا أستقرت على الكنيسة الشرقية الاشورية ،تلك التسمية التي أعطت لها البعد القومي الاثني. ومن جانب آخر تشير الدراسات الاجتماعية والنفسية الى أن : بعض القيم والتقاليد الاجتماعية أقوى تأثيرا في سلوك الفرد من القيم الدينية تاريخيا وحاضرا ،بدليل أن العديد من المفاهيم الدينية في الاديان السماوية والوضعية قد تأثرت في وجودها وصياغتها بالقيم الاجتماعية ،والامثلة عليها متعددة لا مجال هنا لذكرها . فالحوار مع الكنيسة الشرقية الاشورية سيتاثر بذلك الارث الحضاري والاجتماعي الموروث لوجود نظام أجتماعي تلقيني لم يتحرك خارج نطاق منظوماته.
فلا غرابة من أن يفاجىء غبطة البطريرك مار دنحا الوفد الزائر بقوله (أن وحدة شعبنا القومية هي التي تحقق وحدة كنيستنا ). فهو الرأي الذي تبلور عنده تاريخيا لانه تلقى تنشئة أجتماعية تمزج بين المفاهيم الدينية والاجتماعية وتعطي لهما الاهمية نفسها .  بينما أكد في جوابه البطريرك لويس ( الوحدة القومية مسؤولية العلمانيين بالدرجة الاولى ،والوحدة الكنسية هي مسؤوليتنا ).فالوحدة بين الكنائس بمفهوم مار لويس هي ( أنها ليست فدرالية كنائس بل شركة مبنية على وحدة الايمان والاحتفال بالاسرار المقدسة ووحدة الرسالة الانجيلية ،والكنيسة مجمعية بطبيعتها لانها شركة ).وعلق مار ابراهيم ابراهيم من الكنيسة الكلدانية وقال ( أن كنيسة المشرق كانت تضم شعوبا وقوميات عديدة فما الضرر أن تضم اليوم أقواما مختلفة لان الكنيسة جامعة ). لاحظ أخي القارىء كيف تختلف المفاهيم بين الاكليروس في الكنيستين .
 وتحقق المقوم الاخر من الحوار عن طريق الاتصال المباشر ،بدون وجود وساطة ،وذلك لان الامور واضحة ولكن سمة بعض الاختلافات البسيطة وأبرزها الادارية تشكل مصدرا في الافتراق تاريخيا بين الكنيستين .
وكان مقوم الاساليب الشخصية في اللقاء من الامور المهمة ،ويتمثل في طريقة أداء المتحاورين والاستقبال ونوع الملابس واسلوب المخاطبة والتحية والتي تشير الدراسات الى أنها تختلف باختلاف الثقافات ،فعلى سبيل المثال ، المخاطبة بالاسم الاول للشخص في الثقافة العربية والفرنسية واليابانية يعتبر سلوكا يدل على عدم الاحترام ،أما الامريكي أو الكندي يعتبر مناداة الشخص باسمه سلوكا وديا ومن ثم فهو امر طيب ،وهكذا يختلف نوع وطريقة أداء التحية مثلا وامور أخرى .ومن أبرز المواقف في الاساليب الشخصية التي لفتت انتباه المتطلعين للحوار هو طريقة أستقبال الوفد المرحلية ،بدأت باستقبال الوفد من قبل أسقفين وثم انتظار الوفد حتى قدوم غبطة البطريرك مار دنحا ،وثم الموقف الاخر هو تقبيل البطريرك  مار لويس يد مار دنحا ،مما أثار الموقفين أستياءا وجدلا وتذمرا عند بعض من أتباع الكنيسة الكلدانية ،وان لم يكن معلنا ،بل الجريدة غير الرسمية التي نطلق عليها في علم الاجتماع ( نميمة المجتمع ) كانت واضحة .
ارى شخصيا أن الموقفين هما تعبير لسلوك شخصي ،فالشخص حر في طريقة التعبير لاحترام الاخر ،أذ يعتمد السلوك المتبع على السمات الشخصية للانسان والمؤثرات في التنشئة الاجتماعية التي تصقل شخصية الانسان بمفاهيم اجتماعية يترجمها في تفاعله الاجتماعي مع الاخرين ،فاذا تفاعل مار لويس مع الموقف في احترام نظيره البطريرك بهذه الطريقة هي مسالة شخصية بحتة تعبر عن ما تلقى في تنشئته الاجتماعية ،وادراكه لطبيعة ولغة الايماءات ومدى تأثيرها في الحوار بين الاشخاص . وأما الاستقبال المرحلي ، فيرجع الى طريقة المراسيم  المعتمدة  لدى الكنيسة الشرقية الاشورية وتصوراتها عن الوفد الزائر ،فمن المعروف ان المراسيم المعتمدة في الاستقبال والضيافة تختلف من مجتمع الى آخر ومن مؤسسة الى اخرى.
ويأتي تفسير هذا التذمر بحسب التحليل الاجتماعي، التوارث في النظرة المترسخة في عقلية الفرد الشرقي تجاه رئيسهم سواء كان رمزا أجتماعيا كشيخ العشيرة أو رمزا دينيا أو سياسيا في لقاءاته مع الاخرين المناظرين له بأن لايتنازل بالاداء التعبيري للاخر ،وهذا يناقض علميا أسس نجاح الحوار الذي يتطلب التنازل من الطرفين لتحقيق عملية التكيف وثم الوصول الى الهدف . .وقد ترك الموقفان انطباعا سلبيا عند البعض .الا انهما لا تشكلان ذات أهمية مقارنة مع أهداف الزيارة التاريخية التي ترمي الى الوحدة الكنسية .
ومن المقومات الاساسية لنجاح الحوار هي :النزعة العاطفية لدى المتحاورين .فاذا أمتلك أحد الاطراف الحساسية العاطفية المفرطة تجاه الحدث والامور التي تناقش ،والطرف الاخر ينظر الى تلك الاحداث بطريقة عقلانية ،فالطرفان يبتعدان عن بعضهما في تحقيق الهدف من الحوار . وعليه يتطلب في حوار الكنيستين عدم سيطرة ثقافة غيبوبة الماضي في النقاش ،وأذا كان الحنين الى الماضي والتاريخ شيء من الايجابية ،اذ ما أحسن توظيف هذا الماضي .ولكن اذا يرى المتحاور في احداث التاريخ مرجعا أساسيا لانطلاق عملية الحوار فتلك مصيبة المصايب ،لانه يتذكر الماضي جيدا ويوظفه في الحوار بينما ينسى أو يتغافل دروسه بسرعة غريبة .ولا يعي التطورات السريعة جدا في الفكر وفي كافة نواحي الحياة الاجتماعية التي لا تتماشى مع الانماط السابقة من الحياة ، بل قد تتناقض معها . فالاستكانة الى الماضي في حوار الكنيستين لايخدمهما أبدا ، بل سيعرقل المسيرة وتفعيل الوحدة المنشودة ، وعلى المتحاورين فهم التاريخ والاحداث في سياقها الزمكاني .
وأما مسالة التوازن والاعتدال فهي من المتطلبات الاساسية في الحوار والتفاوض ، فاحادية الفكر والانغلاق الذي عادة يمارس بصورة لا شعورية ولوجود افتراضات مسبقة ثابتة للحوار ، لا تجدي نفعا في التفاوض بين الكنيستين .فالطبيعة البشرية الموروثة والمتمثلة بالدوافع أو ما تعرف الغرائز تصقل شخصية الفرد معتدلة بالتفاعل مع البيئة المحيطة بالفرد منذ الطفولة .فالغالبية العظمى من الناس تقع سمات شخصيتهم في الوسط الاعتدالي من المقياس التكويني للشخصية وبالطبع في أطار المجتمع الذي يعيش فيه الفرد .ولكن لعوامل متعددة – لا مجال لذكرها هنا – قد يحدث تطرف الى أحد القطبين السلبي أوالايجابي من المقياس التكويني ،ففي الحالتين ستنعكس سلبا في التفاعل الاجتماعي مع الاخرين .
وتطبيقا على موضوع المقالة / طالما أن المؤسسة تتكون من الافراد الذين تكونت شخصيتهم وفقا لقانون المقياس التكويني للشخصية .فاذا سيتاثر حوار المؤسسة بطبيعة هذا التكوين . فالكنيستين الشرقية الاشورية والكلدانية تعدان مؤسستان مقبلتان على الحوار ،فلابد أن يحرص المتحاورون على التوازن والاعتدال ،وأن لا يصران على الاتجاه نحو القطبين من المقياس التكويني فكلما ابتعد المتحاورون نحوهما كلما كانت فرص النجاح ضئيلة في تحقيق الاهداف .
فالتنازلات مطلوبة من الطرفين لتحقيق التوازن الذي يأتي من استبعاد الفكر الاحادي والاصرار عليه في الحوار ،فمثلا ،أطلق غبطة البطريرك مار دنحا رأيه في الوحدة القومية أولا ،ولكن عندما نأتي للحوار سنرى أن الشعب الذي يتحدث عن ضرورة وحدته قوميا ليتوحد كنسيا ،فهو في الواقع شعب واحد طالما مقومات المجتمع هي ذاتها عند الاشوريين المعاصرين والكلدانيين المعاصرين فلهما ،تاريخ مشترك ،لغة واحدة ، ديانة واحدة ، قيم وتقاليد مشتركة .بيئة جغرافية واحدة . فهنا يتطلب الامر التركيز على الادارة الكنسية والاليات الاخرى  التي تسمو على كل أعتبار  في الحوار ولتترك التسمية عند  شعورالفرد فهو الذي يتحمل مسؤولية تحديدها طالما هي من الصفات المكتسبة للشخصية فله القرار  وليس لاي جهة أخرى سواء كان كلدانيا أو سريانيا أوآشوريا ، فالوحدة الكنسية كخطوة أولى ستحقق الاحترام المتبادل بين الاثنيات وتزول المعوقات التي تقف في طريقهم على مختلف الاصعدة  .
ومن الامثلة الاخرى في تحقيق التوازن في القياس التكويني لعملية الحوار ساورد الاتي ، التطرف في التواضع، فالتواضع الذي يتميز غبطة البطريك مار لويس به ارى في الافق ومع جل أحترامي وتقديري له يتجه نحو القطب الموجب من المقياس لدرجة كبيرة ،مما يؤدي الى فقدان التوازن ،فتاكيده في رسالته الرعوية الموسومة ( الكنيسة الكلدانية بين الواقع والطموح )على قوله ( من أجل تحقيق الوحدة الكنسية أقبل يد قداسته بل رجله !! ) فهي مؤشر للاتجاه تواضعا نحو القطب الايجابي الذي له نفس التداعيات لو اتجه نحو القطب السلبي .فالتواضع مطلوب من الطرفين لكي تتعادلا كفتي الميزان ،والا سوف تنعكس في الحوار . وتلك لا أتمناها ابدا ،بل أتمنى وجود بطريرك واحد للكنيسة الشرقية ليكون رمزا لوحدة فروعها .
ولتكن الاحداث الاخيرة التي تعرض لها شعبنا في مدينة الموصل ومعاناته في سهل نينوى حافزا الى الوحدة ،فالارهاب لا يطال  الكلدان أو الآشوريين أو السريان ،بل يتعاطى مع شعبنا لاننا مسيحيين  ، فالمصير واحد مهما أختلفنا  .

59
الاخ أمير المالح المحترم
أقدم التعازي لكم ولعائلة المالح لمناسبة رحيل اخوكم الدكتور سعدي المالح   
فعلا انه حدث مؤلم ومفاجىء
وقد خدم الراحل شعبه ووطنه باخلاص وتفاني
نطلب من الرب ان يحفظه في ملكوته السماوي الابدي
وان يبعد عن عوائلكم كل مكروه وحزن
اخوكم
الدكتور عبدالله رابي
كندا


60
رسالة مفتوحة الى غبطة البطريرك مار لويس الاول
والاساقفة الكلدان الاجلاء
ليكن دور العلمانيين عمليا وليس هامشيا
الدكتور عبدالله مرقس رابي
باحث أكاديمي

              أعلنت البطريركية الكلدانية في 22 / 5 / 2014 عن موعد انعقاد السينودس القادم في 24 من شهر حزيران الحالي لغاية 28 منه ، مبينا فيه المواضيع التي ستطرح للمناقشة في جدول أعمال السينودس ،ومنها الموضوع السابع الذي يخص " دور العلمانيين في الكنيسة" حيث تشير الفقرة السابعة الى " الاستفادة من قدرات العلمانيين ومواهبهم في مواجهة التحديات والتطلعات الراهنة ،وأعطاؤهم دورهم في اللجان والمؤسسات الكنسية " .  وقد يكون التثبيت والتأكيد على هذه المسالة المهمة في السينودس انطلاقا مما جاء في المجمع الفاتيكاني الثاني عن دور واهمية العلمانيين في الكنيسة ،اذ يؤكد المجمع " ان العلماني ينال الاسرار المقدسة الثلاثة (المعمودية والتثبيت والمناولة ) وعليه يحصل على هبة خاصة ويصبح مكرسا للعمل في الكنيسة التي هي مجموع العلمانيين المؤمنين مع الاكليروس ومتحدين ليساهموا في عمل الكنيسة في الفكر والقرار والتنفيذ،لان العلماني هو قوة الكنيسة ورجاؤها لانه رسول يعيش في وسط العالم .ولا يعني عمل العلماني تنازل الكاهن من احدى واجباته له ،انما هو حق له وواجب عليه".
      وانطلاقا من القانون الكنسي الكاثوليكي والخاص بالكنائس المستقلة ،تلك التي تتمتع بالحكم الذاتي والمرتبطة بالفاتيكان .يشير البند 3 من قانون رقم 15 الى "ولهم الحق بحسب ما يتمتعون به من علم واختصاص ومكانة ،بل عليهم الواجب ان يبدو رايهم لرعاة الكنيسة في الامور المتعلقة بخير الكنيسة ،وان يطالعوا سائر المؤمنين على هذا الراي مع عدم الاخلال بسلامة الايمان والاحترام الواجب للرعاة ومع وضع المصلحة العامة وكرامة الانسان في الاعتبار". وكذلك جاء في قانون رقم 408 بند 1 "العلمانيون الذين يتميزون بما يجب من معرفة وخبرة ونزاهة ،اهل لان تستمع اليهم السلطات الكنسية كخبراء أو مستشارين سواء كأفراد أو كاعضاء في مختلف المجالس أو اللقاءات الرعوية والابرشية والبطريركية " .
وكذلك جاءت اهمية الموضوع من الفلسفة التي تبناها غبطة البطريرك مار لويس التي تنعكس في افكاره الموضوعية والمستندة على الاسس العلمية والمشاركة الجماعية للمؤمنين في المؤسسة الكنسية منذ تسلمه السدة البطريركية، وتأكيده في جميع المناسبات على اهمية دور العلمانيين للاستفادة من خبراتهم في ادارة شؤون الكنيسة . ويرى غبطته لمنح الشرعية التامة لهذا الدور وتعميمه على الابرشيات فلا بد من ان يكتسبها من السينودس ،وعليه اصبح موضوعا مهما للمناقشة ضمن جدول أعمال السينودس المرتقب .
من ملاحظة القوانين الكنسية المذكورة  اعلاه يتبين بوضوح :
ان الكنيسة هي مجموع الاكليروس والمؤمنين العلمانيين ومتحدين مع بعضهم
ان عمل العلمانيين اساسي في ثلاث مراحل ،الفكر أي طرح الاراء والقرار،بمعنى المشاركة في اتخاذ القرار وثم التنفيذ ،اي  لا يقتصر دورهم على ابداء الرأي فحسب بل يتعدى ذلك الى اتخاذ القرار والتنفيذ .
تمنح بوضوح هذه القوانين شرعية لاستماع السلطات الكنسية لآرائهم باعتبارهم مستشارين او خبراء.
أي أن لكل مؤمن مؤهلاته وقدراته الذاتية ومواهبه التي يتمتع بها ،قد لا تتوفر عند الكاهن أو الاسقف أو البطريرك ،ويمكن أستغلالها في ادراة شؤون الكنيسة .
غبطة البطريرك والاساقفة الاجلاء
التغير الاجتماعي مسالة حتمية ومُقرة علميا ،فالتغير لابد منه في جميع مناحي الحياة ،فهناك التغير في الفكر البشري الذي يُحتم التغير في المكونات الحضارية المادية ،وتحديدا التكنولوجية ، وبدورها تؤثر لتلحق تغيرا في القيم والاعراف والتقاليد الاجتماعية ،ومواقف الافراد من المفاهيم الدينية ،وذلك لزيادة نسبة المتعلمين ،وتطور المعرفة ،وأعتماد الفرد على نفسه وأمكاناته الذاتية في أتخاذ القرارات وتحديد مواقفه واتجاهاته نحو الظواهر الاجتماعية المختلفة .وكل مرحلة بحاجة الى أستحداث متطلبات ادارية وفنية لخلق الانسجام والتكيف مع المتغيرات الجديدة لغرض تجاوز المشكلات المتوقعة .
ولما كانت المؤسسة الدينية أحدى المؤسسات الاجتماعية التي تشارك في البناء الاجتماعي ،فعليه تؤثر وتتأثر بالمؤسسات الاجتماعية الاخرى ،فكريا ، أداريا ، وعلائقيا ،ولكي تتجاوز المؤسسة الكنسية مرحلتها التقليدية لتواكب المتغيرات ،فلابد من أعادة النظر في النمط الاداري والفني والعلائقي على مستوى العلاقات مع المؤمنين وعلاقتها مع المؤسسات الاجتماعية الاخرى ،وهذا يتم عن طريق تشريع قوانين جديدة لتنظيم الكنيسة ،أضافة الى تنشئة الاكليروس أثناء دراستهم الاكليريكيةً لتؤهلهم لمواكبة التغيرات. وبما أن تأهيل الاكليروس يتركز في أكتسابه للمعرفة الدينية الى جانب الالمام بالمعرفة العامة للعلوم الاخرى، لذا سيكون العمل الاساسي للكاهن هو العمل الروحي وأما تلك الاعمال المرتبطة بالاختصاصات الاخرى سيكون ثانويا ،ومن هنا لابد من ترسيخ فكرة تقسيم العمل في المؤسسة الدينية لمشاركة العلمانيين بشكل فعال .
ان المام الكاهن  بالمعرفة الاجتماعية والاقتصادية والادارية والقانونية وغير ذلك من جوانب المعرفة عن طريق تلقيه العلوم ذات الصلة بها أثناء دراسته  لا يعني بأن الكاهن قد أكتسب الخبرة بحيث تؤهله أن يكون خبيرا أداريا أو أجتماعيا أو اقتصاديا أو نفسيا وما الى ذلك ،بقدر أنه أكتسب المعرفة الدينية لتؤهله أن يكون مرشدا روحيا وعقائديا .ففي هذه الحالة لايمكن بكل المقاييس العلمية أن يقلد الكاهن دور الاداري والاقتصادي والاجتماعي والنفسي والقانوني والسياسي في عمله الكهنوتي .وأذا مارس الكاهن تلك الادوار يعرض مسيرة المؤسسة الكنسية الى الارباك في العمل والتلكؤ في تحقيق اهدافها الدينية .
بعد أستقراء ميداني لادارة العديد من الكنائس ظهر أن الكاهن لايزال يمارس الادوار الفنية المذكورة الى جانب وظيفته الاساسية  في الارشاد الروحي ، الامر الذي يؤدي الى زعزعة وأرباك العلاقة بينه وبين المؤمنين ويعرض نفسه الى التساؤلات ،ليس لان الكاهن ينحرف ويُتهم، بل يرتكب أخطاءأً قد تكون جسيمة أحيانا لعدم أتقانه فن ممارسة الادوار غير الدينية. أن أستمرارية ممارسة الكاهن لتلك الادوار ناجمٌ من أمتداد تأثير المرحلة التقليدية للمؤسسة الدينية والمجتمع دون مراعاة ومواكبة التغيرات التي حصلت في الفكر البشري .
حاولت كنيستنا الكلدانية أجراء التغيرات المطلوبة وفقا لما جاء بالقوانين الكنسية التي أستحدثت جراء المجمع الفاتيكاني الثاني والمذكورة اعلاه المرتبطة بدور العلما نيين ،لكن تلك الاجراءات والتغيرات كانت بطيئة جدا لعدم القدرة الفكرية والعقلية للاجيال المستمرة في العمل الكهنوتي سواء من الكهنة أو الاساقفة من أستيعاب وتقبل الافكار الجديدة ،بحيث يتمكن من الاعتماد والاستشارة بخبرات العلمانيين لتأدية الادوار  الاخرى  من غير الارشاد الديني .ظنا منه بأنه مُفوض من الله ليعمل ما يشاء متوهما أن هذا التفويض برأيي يقتصر على أداء وتقديم اسرار الكنيسة المعروفة للمؤمنين والتي لا يحل لغيره من البشر تأديتها .فهو مُفوض مثلا بمنح سر الزواج  والافخارستيا ولكن ليس مفوضا لوضع خطة لاستثمار أموال الكنيسة وفرضها على الواقع لانه قد يقع بأخطاء فنية في عملية الاستثمار لافتقاده الى المعرفة التامة بمجرياتها أو حل لمشكلة أجتماعية بين الزوجين أو التدخل المباشر في الشؤون السياسية .
غبطة البطريرك والاساقفة الاجلاء
    لهذه الاسباب لاتزال عملية المشاركة الفعلية للعلمانيين وتأدية أدوارهم في ادارة شؤون الكنيسة متبعثرة وهامشية وغير منتظمة في كنيستنا الكلدانية .
أذن كيف يتطلب أن يكون دور العلمانيين في الكنيسة ،وما هي الاجراءات التي يستوجب القيام بها ،وما هو النمط الفكري الذي يستوجب أن يتميز به الكاهن والاسقف لكي ينسجم مع المرحلة الجديدة ؟ وهذه وجهة نظري في الاجابة على التساؤلات المذكورة .
أن لا يقتصر دور العلمانيين في الانخراط بمجالس الخورنات والابرشيات للخدمة العامة التقليدية في الكنيسة لمساعدة الكاهن او الاسقف باعمال بسيطة ،لان الباب مفتوح امام كل المؤمنين للانضمام لهذه المجالس ،وقد يكون بعضهم غير مهنيين وأصحاب خبرة فنية علمية في مختلف ميادين المعرفة ،فمن الافضل ان يكون اختيار خاص لاصحاب الخبرات والمؤهلات من بين المؤمنين ليكونوا كاستشاريين لراعي الخورنة أو الابرشية وبمختلف الاختصاصات ،ولا يُشترط وجودهم ضمن مجلس الخورنة ،لكي يلجأ الكاهن أو الاسقف اليهم عند الحاجة  .
التركيز في المعاهد الاكليريكية التابعة للبطريركية وفي الابرشيات على توعية فعلية لتلاميذها لتفهم الدور الاساسي للعلمانيين ومبرراته في المؤسسة الكنسية ،ولتشمل هذه التوعية للكهنة الحاليين ، كذلك من الضروري جدا التركيز والتوعية  للتفسير الصحيح لمفهوم "وكيل المسيح على الارض " .بحيث يُميز بين هذه الوكالة في منح الاسرار الكنسية المقدسة  والاعمال الروحية وتلك الاعمال التي لا يستوجبها التفويض الالهي ليتسنى للعلمانيين أداء دورهم الفعلي ضمن الاطار الفكري لهذه المسالة ،فمثلا عندما يتطلب ترميم كنيسة ما ، أو وضع برنامج لتدريس اللغة لابناء الابرشية ،هل تدخل ضمن الاطار الفكري لمسالة التفويض الالهي ؟ ،أعتقد أنها خارجة عن هذا الاطار .فهنا تكمن المشكلة "التصور الخاطىء في تفسير فكرة التفويض الالهي لرجل الدين " بحيث تُحبط وتُعيق من مشاركة العلمانيين في أدارة الكنيسة  .
أن لا تقتصر المسالة على القول فقط ،فكثيرا ما يكرر الكاهن او الاسقف في كرازته على دور العلمانيين قائلا :"ما هي الكنيسة ؟الكنيسة ليست كومة حجارة وبناء ،بل هي أنتم المؤمنون وعليه لكم دورا فيها كما لي ايضا "فكثيرا ما نسمع هذه العبارة ولكن تقف لحد القول دون الفعل فالكاهن والاسقف ما يريده هو الذي سيتحقق في كل المجالات  الروحية وغير الروحية وهذا هو الواقع لحد هذه اللحظة ،فكثيرا ما يقولون ويؤشرون على رؤوسهم أن هذا الذي يخطط وينفذ ما يخططه، كأنما توقف تفكير البشرية عند تفكيره والاخرين لا يفقهون شيئا .
توعية الكهنة الالتزام بادوارهم الروحية في المؤسسة الكنسية دون التطفل للادوار الاخرى التي تخص العلمانيين ، وأخص بالذكر الكهنة الجدد لكي لا  يسيروا على خطى الاجيال السابقة ، صحيح أن الكهنة تلقوا دراسات في العلوم غير الروحية ،ولكن لا يعني ذلك انهم تأهلوا لاداء ادوارهم في سياق تلك الاختصاصات ، لان الاكليريكي يتلقى الاساسيات لتلك العلوم فقط  فالعديد من المشكلات الاجتماعية التي تُعرض على الكاهن من المؤمنين ،يُزيدها تعقيدا بدلا من حلها، ولا أظن أن بمقدور اغلب الكهنة التمييز مثلا  بين السلوك الجمعي والسلوك الاجتماعي للمؤمنين فلكل منهما  أسبابه وتداعياته، فما حدث أخيرا من أحداث مؤسفة في كاتدرائية الراعي الصالح لابرشية مار أدي في تورنتو في خميس الصعود لم يكن سلوكا أجتماعيا بل يدخل ضمن السلوك الجمعي الذي لا يستطيع تفسيره الا اهل الاختصاص، وليس بامكان الكاهن أيضا ارشاد المخطوبين حينما يلتقي معهم قبل منحهم سر الزواج بطرق تحديد النسل والتخطيط العائلي ،وامور اخرى متعددة لا تدخل ضمن عمله الاساسي ، فليس عيبا أن يرشد الكاهن المؤمن  عند الحاجة الى ذوي الاختصاص ،وهكذا في المجالات الاقتصادية والتخطيط والادارة والسياسة وغيرها ، وفي أرشاده للمؤمن الى مراجعة العلماني المختص يكون مؤشرا لأداء العلمانيين ذوي الخبرات لدورهم فعليا في المؤسسة الكنسية الى جانب الكهنة .
يُفضل الاستعانة أيضا براي العلمانيين عند ترشيح الكهنة للاسقفية ،فهم أكثر تطلعا وأحتكاكا من أسقف الابرشية على أعماله ومدى صلاحيته ليكون اسقفا .
يستحسن أن لا تلعب عوامل المناطقية والانتماءات القروية والعلاقات الشخصية دورا في تحديد مستشاري الكهنة والاساقفة ،بل تعتمد على أسس موضوعية و تستند على المؤهلات الحقيقية لهم ، وقد يُلاحظ أحيانا أن بعض الكهنة يستعينون بآراء غيرهم من العلمانيين تجاه أمور معينة تخص الكنيسة ،ولكن تعتمد عملية أختيارهم على العلاقات الشخصية التي تربطهم ببعض العلمانيين من غير الاختصاصات العلمية المهنية ،او يلجأ الى الاثرياء من العلمانيين كأنما الراي الصائب هو عند هؤلاء الاثرياء،حتى لو كوَن ثروته من بيع الباجلاء ولكن يفتقد الى الخبرة في الموضوع المطروح له ، مما يؤدي الى التخبط والارتباك لمواجهة الموقف المطلوب معالجته.
ليكون دور العلمانيين في الكنيسة ذو فاعلية منظمة ومدروسة ، وعليه يستوجب تنظيم دورهم بلائحة من القواعد التي تُميز أعمالهم ،وتُحدد ما الذي يقومون بأدائه ومتى على الكاهن أستشارتهم ،وتُعمم على الكنائس ،ومساءلة الكاهن الذي يهمش هذا الدور. ويفضل أن تمنح الشرعية لتلك اللائحة من السينودس .
لمنح الاهمية للموضوع وتفعيل دور العلمانيين يستوجب أعلان اسماء المختارين   من المستشارين العلمانيين في كل خورنة وأبرشية ،ويكون للبطريركية دراية  بتلك الاسماء .
واقترح أيضا لاهمية الموضوع أن تُقيم الكنيسة مؤتمرا شاملا يجمع الاساقفة والكهنة والعلمانيين ذوي الخبرات والمؤهلات لدراسة الموضوع ووضع الاسس السليمة لتفعيل دور العلمانيين في الكنيسة بشكل فعال .
 ولا أقصد هنا التحجيم الكلي لدور الكاهن أو الاسقف بالمسائل غير الروحانية ،بل أعتماد مبدأ أبداء الراي والاستفادة من مشاركة الاطراف المعنية في وضع آليات وخطط لتنفيذ العمل المناط  للعلمانيين ، والتخلص من مبدأ " حق الفيتو " للكاهن ،فاذا مارسه ،بوضوح يعني ذلك الرجوع الى المربع الاول وهو يحق للكاهن أن يقرر ما يشاء وما يراه مناسبا لافكاره وتطلعاته ،ويبقى دور العلمانيين مهمشا فعلا ، ولكن اتمنى العكس تبادل الخبرات والاراء لتحقيق دورا هاما وفعليا للعلمانيين لخدمة الكنيسة أنطلاقا من الشعور بالمسؤولية الفردية نحو الاخرين.
أتمنى لكم النجاح والموفقية في أجتماعكم السينودسي المرتقب وشكرا
كندا
في 1 / 6 / 2014. 
                 



61
الرابطة الكلدانية
وقرع أجراس الخطر

د . عبدالله مرقس رابي
باحث أكاديمي

                       
                          أطلق غبطة البطريرك مار لويس روفائيل الاول بطريرك الكلدان صرخته الابوية الرعوية الشهيرة التي لم يسبقها مثيل لبطريرك كلداني، أو اي بطريرك للطوائف المسيحية في الشرق الاوسط الملتهب والمضطرب  الى العالم بأجمعه ،الى الحكام والى الكنيسة بشموليتها وكل من تهمه المسالة .وذلك في 26 / 4 / 2014 حينما قال غبطته في كلمة له : " اقرع أجراس الخطر ،وأعلن أننا كنيسة منكوبة ". وقد أعلن ذلك غبطته لاستقرائه الميداني المعتمد على الملاحظة  والدقة في ربط المتغيرات للواقع الحالي للكنيسة في العراق . فدعى كل المعنيين الى شد الانتباه والتركيز واتخاذ الاجراءات الجدية للحد من هذه الكارثة .
  يعد اعلان البطريرك لهذه المأساة بمثابة انذار رسمي صادر من اعلى سلطة كنسية ،فالواجب يتحتم على ابناء الكنيسة باكليروسها ومؤمنيها العلمانيين الى تكريس الجهود سياسيا واعلاميا وعلى كل المستويات المحلية والاقليمية والعالمية للتحرك بجدية وكل بحسب ما تتوفر الامكانات والفرصة للمشاركة في الحد من هذه النكبة ،وان لا تقتصر التحركات على الكتابة الانتقادية فحسب وتكرار الافكار عن اسباب هجرة  المسيحيين التي باتت معروفة للكل ،بل يجب أن يكون التحرك شموليا ومدروسا وسريعا، ونابعا من الشعور بالمسؤولية وأدراك الفرد انه امام أختبار انساني تجاه شعب أقتربت ساعته للانقراض ولو من على أرضه التاريخية.
  ولما كانت الكنيسة هي جمع من المؤمنين ،فوجودها مرتبط بوجودهم في بقعة جغرافية محددة ،وتمكنهم العيش بامان وطمأنينة وتوفر كل المقومات الحياتية الاساسية للاستمرار في بيئتهم ،بينما نرى أفتقاد المسيحيين تلك المقومات في العراق، ولا سيما في السنين الاخيرة التي تعرضوا خلالها الى أبشع أصناف الاضطهاد والتهجير، وقلعه من أرض الاجداد وبشكل خاص بعد سنة 2003 للاضطرابات الامنية التي أجتاحت البلد والمنطقة الاقليمية في الشرق الاوسط،مما تسببت تلك التغيرات الى دفعهم لترك المنطقة تدريجيا بصورة جماعية لم يشهد لها مثيل في التاريخ المعاصرلاسباب باتت معروفة للجميع كما ذكرنا ،وأبرزها تلك التي لخصها غبطته في كلمته التاريخية .
أطلق البطريرك صرخته لكي يتحمل كل واحد مسؤوليته للمشاركة في الحد من الكارثة ،ولما كانت الظاهرة متشعبة ومعقدة في تكوينها وحدوثها ،فالمسالة تتطلب التكاتف من الجميع وبمختلف الاختصاصات لوضع السبل الكفيلة التي تنقذ كنيستنا من النكبة ،ويُفترضُ في مقدمتهم السياسيين من أبناء شعبنا في العراق والجماعات الضاغطة منهم في بلدان الانتشار ،ولكن كما يبدو من أستقراء الواقع ، أن الرغبة الحقيقية مفقودة على كل المستويات للتحرك ،وأصبح مكشوفا بان السياسيين ميدانيا لايفكروا بشيء الا بمصالحهم الشخصية ، بدليل منافستهم الهزلية في انتخابات مجلس النواب العراقي مؤخرا كما قرأنا وسمعنا وشاهدنا في مختلف وسائل الاعلام لدرجة وصلت الحالة بهم الى التخوين والنيل من بعضهم البعض من أجل الكرسي.
وأما منظري هذه الاحزاب " أذا صح التعبير " فهم منهمكون لاكثر من عقد في كشف سر مهم من أسرار الكون ،وهو سر التسمية القومية لشعب بيث نهرين  التي اصبحت شغلهم الاساسي، ودون الاكتراث لما يحدث لهذا الشعب المنكوب ، فكل همومهم وجهودهم منصبة على الاصالة لمن ؟ فهم اسرى التاريخ الذي يُكتب بحسب الاهواء والامزجة والايديولوجيات السياسية ،والاخطر من ذلك كتابته من غير الاختصاصيين في علمي التاريخ والاثار .
ولتمتع مفكرينا وقادتنا بهذه العقلية السقيمة والمتقوقعة والاناوية ، لا ارى شخصيا فائدة مرجوة منهم لانقاذ شعبنا من نكبته ومحنته ،ولهذا السبب الاساسي ،من المهم جدا تفعيل مسألة تأسيس الرابطة الكلدانية المقترحة من قبل غبطة البطريرك لتكون منبرا شموليا من خلالها يتحرك المهتمين الى الحد من الكارثة الواقعة على شعبنا المسيحي بكل طوائفه ، رابطة تتحرك من الواقع والمهنية ،  وليس من احلام الامبراطوريات البائدة قبل آلاف السنين ،ولتكن رابطة الجميع ،وأن لاتسعى لمنافسة أحد لكراسي البرلمان او المحافظة ، بل تستند على من يرى مصلحة شعبه لكي ينهض ويستقر ويعيش بكرامة ،فهي لا تسعى الى سحب البساط من تحت الاحزاب السياسية كما يتصور البعض ،لان انطلاقها ليس أيديولوجيا، حيث ان من شروطها الاساسية في طلب الانتماء هو أن يكون المتقدم مستقلا لكي يتحرك وفقا لاهداف الرابطة وليس وفقا لايديولوجية وبرنامج حزبه ، فهي لا تعير اهمية للجدالات التاريخية العقيمة ،وانما تؤكد اننا شعب واحد ومصيرنا مشترك والكل يسند ويحترم الاخر ،لان الجميع مستهدفين في الاضطهاد والتهجير والاعتداء والتهميش ، فهي تتحرك من الواقع وكما هو عليه شعبنا من الاحوال.
سوف تتبنى الرابطة فلسفة شعور الفرد بالمسؤولية تجاه الاحداث التي تصيب شعبنا فينطلق من قدراته وامكاناته المتاحة ليقدم ما باستطاعته فكريا وتخطيطيا وماليا لتحقيق أهداف الرابطة التي ستسهم بدورها في الحد من المخاطر والمشاكل المختلفة التي يتعرض لها شعبنا المسيحي في العراق، تلك المسؤولية التي ستكون مستقلة من الفكر الجمعي المتأثر بايديولوجيات سياسية تتمحور فلسفتها على المصلحة الحزبية الضيقة ،وتُقيد الفرد في ترجمة قدراته في قالب ونطاق محدد لا يمكنه تجاوزه، لانه مكبل بأفكار محددة مفروضة عليه.
ستكون الرابطة الكلدانية ردة الفعل الواقعية والمعبرة لنداء البطريرك مار لويس في اعلانه بان الكنيسة هي منكوبة ،فهي التي تسمع جديا رنين الاجراس التي تُقرع لتنبه العالم أجمع بان كنيستنا في العراق في خطر وان شعبنا على وشك الزوال،وذلك لشمولية اهدافها وبرامجها التي تتوخى الى تحقيقها ، وحياديتها ، وثم انها ستكون بمباركة كنسية ،وأن تحركها لا يتعارض والتعليم الكنسي .فالاسراع والتحرك في دعم فكرة تاسيس الرابطة ،سيكون عاملا اساسيا في المساهمة للحد من النكبات التي يتعرض اليها شعبنا المسيحي بكل مكوناته،لكي توفر عوامل الاستقرار والعيش السليم على أرضه التي رُويت من دم الشهداء في المسيحية على مر العصور.

62
كُتاب شعبنا في ضوء
 محاضرة " سمير خوراني"
عن الاعلام المسيحي
الدكتور عبدالله مرقس رابي

       تناول الدكتور سمير خوراني أمور أساسية عن الاعلام المسيحي في محاضرته الموسومة " أشكاليات خطابنا الاعلامي المسيحي بين الواقع والطموح – مقاربة نقدية " التي القاها في قاعة جمعية الثقافة الكلدانية في عينكاوا في 2 /3 / 2014 . وفي قراءة لمحاور المحاضرة المنشورة على موقع عينكاوا  وقراءتي لمقالات العديد من كتابنا يمكن استخلاص ما يأتي :
  اعتقدُ ان الدكتور سمير، فضلّ أن يطلق تسمية ،الاعلام المسيحي ، بدلا من أن يشير الى التسمية الاثنية لشعبنا تجنبا من مشاكل التسمية العويصة ،وحسناً ما فعل . ومن هذا العنوان يوحي للقارىء بان البصمة والفكر الاكاديمي في الطرح كان جليا في محاور المحاضرة ،اذ لم تظهر أية توجهات أو آثار لايديولوجية سياسية معينة،فالمحاضرة كانت منتظمة بخطة منهجية رائعة وموضوعية ،وقد تناول ابعاد الظاهرة بشمولية واتساق في ربط المتغيرات المعتمدة والمستقلة من خلال استقرائه للمعلومات الميدانية ذات الصلة بموضوع المحاضرة.
    وقد شخص الدكتور خوراني التحديات التي تواجه الاعلام المسيحي ولخصها في متغيرات اساسية وهي : قمع النظام العربي وفرض اللغة العربية ،وهجرة المسيحيين ،والارهاب الاسلامي السلفي وثم العولمة .وهذه المتغيرات تعد بمثابة عوامل خارجية تؤثر في الاعلام المسيحي. فعلا انها تشكل خطرا على تواصل تقدم الخطاب الاعلامي المسيحي لكي يعتمد على الموضوعية والاسس العلمية لتوصيل الرسالة الى شعبنا  ،باعتبار ان الاعلام هو المرآة العاكسة لديناميكية المجتمع في نشاطانه الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والفنية والعلمية.
      كان الدكتور " خوراني " موفقا في تشخيصه الازمة في لغة وتحليل الخطاب في اعلامنا المسيحي ،وقد استقرأ بموضوعية بأن لغة الاعلام مؤدلجة من قبل الاحزاب السياسية لشعبنا ،فمن تحليل النصوص الاعلامية التي تُبث وتُكتب يتبين أستغلال الثغرات والصراعات التاريخية وأثارتها لغرض التسقيط السياسي ،والتفرقة الاجتماعية ،وألغاء الاخر ،وعدم القبول بالواقع الاجتماعي لشعبنا ،فمثلا ، النص الذي يحتوي بين سطوره عبارات مثل " أعداء الكلدان " أعداء الاشوريين " أعداء السريان " الخونة المتأشورين والمتكلدنين ،المتآمرون،هو نص تحريضي ويثير التباعد والتفرقة بين أبناء الشعب الواحد ،هل يعي هؤلاء ما هو مفهوم العدوان ؟ فالعدوان الاجتماعي هو أحدى العمليات الاجتماعية التي تُطلق على الصراع الاجتماعي بين فردين أو جماعتين لانزال الاذى بالخصم ،وقد تكون نتيجته القتل أو الاعاقة . فكم مرة وقع العدوان بين الاشوريين والكلدان والسريان يا ترى بحيث حدث القتال ؟ وكم مرة شهرت الحركة الديمقراطية الاشورية سيفها بوجه الحزب الديمقراطي الكلداني ،أو كم مرة شهر المجلس الشعبي الكلداني السرياني الاشوري سيفه بوجه احزاب شعبنا ومتى رفعت الاحزاب الكلدانية سيوفها بوجه الاحزاب الاشورية والسريانية ؟ ولكن نرى العكس في الواقع الاجتماعي، فأينما وُجدت تجمعات من أبناء شعبنا بمختلف أثنياته ،فأنهم يعيشون بأنسجام وتوافق وسلام ،ولكن العدوان يقع بين كتابنا فقط على المواقع الالكترونية .
       أليس ما تحتويه النصوص الاعلامية لبعض كتاب شعبنا على الشتائم والاستهزاء وكلمات بشعة تعبر عن الرذيلة وبأبشع صورها مؤشرا ت لتدني مستوى اعلامنا ؟ تلك العبارات التي لا يمكن نطقها أذ تقشعر منها الابدان ،وقد تصل الحالة الى ذروتها في الشتائم من خلال الردود تجاه الذي لايتفق مع أفكار الكاتب ،فهي شخصنة لا محال ، وليست الردود من أجل الاحترام المتبادل للاراء ، وقد توصلت الدراسات النفسية والاجتماعية الى أن الصياح والانفعال والهستيريا التي يعبر عنها بالشتائم عند المناقشين سواء لفظيا أو كتابيا، ما هي الا التهرب من المواجهة والتستر خلفها ،فهي اليات الانسان الدفاعية في اللاشعور تطفو الى السطح عند الحاجة. ويعتقد ان مايكتبه هو الحقيقة بعينها ولا يمكن لاحد الاعتراض أو ابداء الرأي لجهلهم أو تجاهُلهم بأن كل فرد أو مجتمع يعد ما يؤمن به هو الحقيقة ،فلا أقول شيئا عن الحقيقة الا ما توصلت اليه أنا وزميلتي الدكتورة فهيمة كريم في الثمانينات من القرن الماضي في بحث مشترك عن" اجرام النساء " ميدانيا في مدينة الموصل .حيث كانت أجابات "الباغيات" في عينة البحث هكذا " في الحقيقة أن ما نقوم به هو فعل سليم وحق مشروع طالما نحن مقتنعات به" ،تصور عزيزي القارىء" الكل" وحتى المنحرفين يبررون أفعالهم بالحقيقة . فأية حقيقة تتحدثون عنها وانتم تبحثون عن ظواهر مرً عليها الاف السنين؟ يتفق علماء الاجتماع على أن"  الانسان يرى الحقيقة وفقا لمصلحته ومألوفات محيطه ،فأذا اتحدت مصلحته مع تلك المألوفات الاجتماعية ،صعب عليه أن يعترف بالحقيقة المخالفة لهما ولو كانت ساطعة كالشمس في رابعة النهار " – الوردي ،مهزلة العقل البشري –.
      وقد تبين أيضا ،ان بعض الكتاب الذين لهم القدرة والأمكانية للكتابة الادبية الفنية الانشائية يتصورون بأنهم محللون اعلاميون وباحثون من الطراز الاول لاتقانهم اللغة نحويا وتعبيريا لاستخدامهم المفردات المتنوعة والبلاغية في نصوصهم الاعلامية ،ولكنها بعيدة عن التحليل العلمي الاستقرائي المعتمد على المناهج العلمية.يقول عالم الاجتماع العراقي " علي الوردي" بصدد اللغة في الكتابة في رد صحفي له عام 1979 عبر لقاء مجلة العربي معه عندما تلقى سؤالا عن سذاجة لغته في الكتابة ،فيقول :" اللغة وسيلة وليست غاية ،وأذا نحن ركزنا على اللغة أكثر من الموضوع الذي نحن بصدد طرحه للقارىء ،لربما لم نصل الى الهدف والغاية ،فنظل نتخبط ونلف وندور ونلهث وراء اللغة والتركيز على المفردة ،وربما قد نبتعد عن الموضوع ونتيه مابين المصطلحات ،أذ أن الهدف هو الموضوع لا اللغة " وهذا هو الرأي الجامع لكل الباحثين المنهجيين .فمعظم الكتاب لايميزون بين اللغة العلمية البسيطة التي لا تحتاج الى القاموس اللغوي لفك رموزها،وتلك اللغة الفنية والبلاغية والمطعمة بالامثلة الشعبية وابيات الشعر التي  لاتعني شيئا في العلم، فهي تعبير عن المكنونات النفسية لقائلها فقط ، وهم يفتخرون ويتباهون في ذكرهم والتلميح للقارىء بأنهم يمتلكون مكتبة ضخمة تحتوي أمهات الكتب،ولكن العبرة ليست بامتلاك الكتب،فأي فرد بمقدوره القيام بذلك مثل اية هواية أخرى ،انما العبرة هي كيف وبأي منهجية وعقلية يتعامل مع تلك الكتب ؟ .
       وقد صنف الدكتور "خوراني " معوقات الخطاب الاعلامي المسيحي الى خارجية وداخلية ،فأعتبر كل مايرتبط من متغيرات ذات صلة بشعبنا هي معوقات خارجية  أحبطت من المستوى الخطاب الاعلامي المسيحي،كالصراع السياسي ومعضلة التسمية والتقوقع الطائفي والمناطقي ،وثقافة البعث الموروثة من النظام السابق التي يقصد بها الغاء الاخر.واما العوامل الداخلية ،فهي في نظره تلك المتغيرات المرتبطة بالاعلام نفسه اي المؤسسات الاعلامية والاعلاميين ،ومن أبرزها ،عدم وجود ثقافة اعلامية، والمقصود بها النقص في الخبرة الاعلامية ،فهو يؤكد أن أغلب العاملين والكتاب في المؤسسات الاعلامية معظمهم هواة أو أدباء ،وعليه سيهتم الاعلام بالفن والادب والتاريخ اكثر مما يهتم بالاعلام كمهنة.وأعتبرالخطاب السائد في الاعلام المسيحي هو الخطاب السياسي المتأثر بالاحزاب السياسية والطائفية ،وهوأعلام لا يعتمد مبدأ الراي والرأي الاخر ،وأنه اعلام غير محترف ولا يحمل نفسا ديمقراطيا .
     وتماشيا مع تطلعاته الاكاديمية ،فقد وضع جملة من المعالجات كمحاولة للحد من معوقات الاعلام المسيحي ومنها ، الاستقلالية والحرية ،وخلق اعلام مهني يتسم بالحيادية ،ويُبنى على أرض الواقع وليس مجرد أحلام ،بمعنى على الاعلاميين معالجة الوضع الراهن وتشخيص المشاكل المعاصرة لشعبنا ،وليس التشبث بالاحداث التاريخية التي قد مرت عليها الاف السنين التي تُؤجج المشاعر الانسانية وتخلق الصراعات بين مكونات شعبنا المسيحي .ويؤكد على نبذ الحس المناطقي والعشائري والمذهبي  في الاعلام ،ويشدد المحاضر على ،أننا بحاجة الى اعلام وحدوي في الخطاب مع الحفاظ على الخصوصية السياسية وقبول الاخر .
   ووضع الدكتور " خوراني " جملة من الاليات تضمن تحقيق البدائل ومنها ، تبادل الخبرات الاعلامية مع مسيحي الشرق الاوسط ،واستثمار رؤس الاموال ،والتعاون والتنسيق بين المؤسسات ،والتوعية الاعلامية لاهمية الاعلام،وحث الشباب الى الاقدام للانخراط في أقسام الاعلام العلمية في الجامعات لكي يتخصص منتسبي المؤسسات الاعلامية ،وأخضاع العاملين الى دورات تأهيلية في الاعلام ،ويؤكد على تبني المؤسسات الاعلامية وجود مختصين مستشاريين في اللغة وعلم النفس والاجتماع والسياسة ،فهي العلوم ذات الصلة بالانسان واجتماعياته وحضارته ،وهي التي تتمكن من الوقوف على المكنونات النفسية للانسان ، والتي تساعد بدون شك في وضع البرامج الاعلامية ،وثم يشير الى اهمية وجود مراكز للدراسات والاحصاء لتقييم وتقويم عمل المؤسسات الاعلامية .
        وقد تميزت محاضرة الدكتور سمير خوراني ببصمتها الاكاديمية في تحليل الظاهرة الاعلامية لشعبنا المسيحي،فهي عبارة عن دراسة شاملة لتغطية الجوانب المتعددة للاعلام المسيحي . وقد أكدت بدوري مرارا في مقالاتي السابقة على تلك الامور التي بحثها " خوراني " منطلقا  لبناء اعلام يعتمد على الاسس العلمية لتفادي الصراعات،والتخلي عن التاريخ السحيق الذي لا يخدم قضيتنا وأنما نلجأ الى حاضرنا ونفكر بمستقبلنا،ونؤكد على قبول الاخر وتوحيد كلمتنا لاننا شعب يتجه ديمغرافيا واجتماعيا للانصهار والاندماج بالمجتمعات الكبيرة بسبب الهجرة الدائمية الى بلدان الانتشار ،ولم تكن مقالة الاستاذ " بطرس هرمز نباتي " الاخيرة والموسومة " لنتق الله ونكف عن هذه المهاترات " الا صرخة من أكاديمي آخر أيضا لكتابنا وأحزاب شعبنا السياسية .والى متى سنتشبث بالتاريخ  ياترى لكي نشتم بعضنا ؟.
     
         

63
نداء البطريرك مار لويس ساكو
لتأسيس الرابطة الكلدانية
د. عبدالله مرقس رابي
باحث أكاديمي

                   دأب غبطة البطريرك مار لويس بطريرك الكلدان منذ تسلمه السدة البطريركية قبل سنة االى حشد الطاقات من اجل بناء البيت الكلداني الذي تأزم في المستويات المتعددة ، كنسيا ,اجتماعيا وثقافيأ وديمغرافيا بفعل الظروف السياسية المضطربة وفقدان الامن وسيادة القانون في العراق،فهو في دوامة من التفكير والمناقشات البناءة من اجل أيجاد الصيغ المناسبة لمعالجة وحد كل ما يتعرض له الكلدان  والمسيحيين عامة في وطنهم الام من المعانات بمجملها .
       أن ما حقق غبطته ويحقق من انجازات أصبح معروفا عند الجميع ، فمنذ البدء التفت الى الاصلاح الاداري والتنظيمي والمالي في الكنيسة ،بأعتبارها هي التي تجمع وتوحد المؤمنين وتشجعهم على البقاء في الوطن ،فنظم الابرشيات والخورنات بتفقده المستمر لكل منها ،والاطلاع المباشر على أحتياجاتها ،وما الاسراع في تعيين الاساقفة في الابرشيات الكلدانية الشاغرة الا انجازا كبيرا ومؤشرا لابقاء وديمومة الحيوية في الكنيسة الكلدانية ،وأشعار المؤمنين بأن الكنيسة ستحضنهم بالرغم من كل الظروف السيئة التي يمر بها البلد ،فهي علامة ترسيخ مفاهيم البقاء والالتصاق بارض الاجداد ،ومؤشر لاهمية ودور ووجود المسيحيين في العراق الى جنب الاطياف الاخرى من الشعب العراقي .
      وليس خافيا على أحد الدور الذي لعبه وباستمرار في ترسيخ مبادىء السلام والاخوة والعيش المشترك في الوطن الجريح العراق ، فهو يطرح مبادراته على كل المستويات السياسية داخل البلد وعلى النطاق الدولي ،ليس من اجل العراقيين فحسب، بل من أجل دعم السلام في الشرق الاوسط الملتهب والمضطرب بسبب الصراعات السياسية والدولية ،فلا تمر مناسبة الا وشارك بها ليؤكد على نشر السلام وتقديم المقترحات الموضوعية لتحقيقه بين كل الاطياف الدينية في المنطقة ومكونات الشعب العراقي بشكل خاص .
       يضع غبطة البطريرك في أولويات أهتماماته تثبيت ودعم المسيحيين للبقاء في أرض الاجداد،وقد أخذت هذه المسالة بعدا عميقا في تفكيره فهو دائم البحث عن سبل بناءة لمكافحة الهجرة المستمرة من ابناء شعبنا الى بلدان الانتشار . فالى جانب أنجازاته المتعددة في الفترة القياسية من رعايته للبطريركية ،وقد أطلق يوم أمس ندائه ومقترحه الهام الى المؤمنين عامة ،وأصحاب الفكر والمعرفة والقدرات بشكل خاص ليعلن ويطرح مسالة في غاية الاهمية وهي "تأسيس رابطة كلدانية " وما أعلانه لهذه المبادرة للمناقشة الا انعكاس لمدى احترامه للراي الاخر ،وحرصه واهتمامه بمناقشة الامور مع الاخرين والاستفادة من الفكر الجمعي ونبذ الانفرادية في الادارة .
    من مطالعة ما اعلن غبطته مبدئيا وبشكل اولي عن فكرة تأسيس الرابطة الكلدانية ، أنه يحدد أهدافها برؤية دقيقة وموزونة علمية وشاملة لبناء البيت الكلداني داخليا ،  ومد جسور البناء مع كافة المسيحيين في الوطن من السريان والاشوريين والارمن ،وثم كافة الاطياف الاخرى ،وأهم ما يرمي غبطته من تحقيقه لتأسيس هذه الرابطة ما يأتي :
1 – حشد طاقات الكلدان في العراق وفي دول الانتشار وبالاخص الطاقات الفكرية والثقافية والمالية لتعزيز العلاقات داخل البيت الكلداني ومع الاشقاء كافة لتحقيق الوحدة الكنسية .
2 – تعمل من أجل الدفاع عن حقوق الكلدان والمسيحيين كافة في العراق ،وهذه اشارة هامة تعكس حب البطريرك للانفتاح ونبذه للتقوقع على الذات ،فالرابطة ليست من أجل الكلدان فحسب بل لتعمل من أجل المسيحيين كافة .
3 – ستكون هذه الرابطة قوة ضغط لاستمرار وجود الكلدان في البلد الام من خلال النتائج الثقافية والاقتصادية والاجتماعية والحقوقية التي ستحققها .
4 – ومن أهم أهدافها ،الحفاظ على تراثنا المشرقي والكلداني منه .
5 – ومن أبرز مهامها ، الحد من المشكلات الاجتماعية التي يتعرض لها الكلدان في الوطن الام ،منها مساعدة العوائل المحتاجة ،توفير فرص العمل عن طريق الاستثمار وضغطها على أصحاب القرار في الدولة لتحقيق المساوات بين جميع اطياف المجتمع العراقي لمنح الفرصة للاقوام الاصلية الصغيرة في حجمها ،ولكن العظيمة في نوعيتها وكفاءتها في العيش بسلامة وأمان وكرامة تليق بها.
6 – ستكون هذه الرابطة جسرا للعلاقة بين الكلدان في الانتشار والكلدان في البلد الام ،للاستفادة من الطاقات المتنوعة لكلدان المهجر في دعم أخوتهم في البلد .ومن جهة أخرى ستكون جسرا هاما بين الكلدان وبقية المسيحيين من الطوائف الاخرى في الكنيسة الشرقية برمتها من الاشورية والسريانية والارمنية والمارونية والروم الملكية والقبطية ،لتحقيق التقارب والتعاون وتبادل الخبرات .
7 – ستنظم وترتب العلاقة بين الكلدان وأطياف المجتمع العراقي الاخرى من غير المسيحية لتحقيق سبل العيش المشترك بالامان والطمأنينة .
وبهذه المناسبة الرائعة ولهذا النداء القيم من أبينا البطريرك نهيب بكافة المؤمنين من ذوي الخبرة والاختصاص والقدرات الى التجاوب لهذه المبادرة التي لها ابعاد انسانية لتحقيق أهداف سامية تليق بالبيت الكلداني والمسيحيين كافة في الشرق الاوسط ،وليقدم كل واحد مقترحاته وبحسب أمكاناته أينما وجد . فالجميع أمام مسؤولية تاريخية انسانية ترتبط بالمسيحيين كافة .ونتمنى النجاح والموفقية لهذه المبادرة  برعاية غبطة البطريرك مار لويس ساكو،ولابد أنها ستلقى الصدى من الجميع.
كندا
7 /2 / 2014

64
المؤتمر الكلداني العام
النجاح في أتخاذ القرارات والاخفاق في التنفيذ
د . عبدالله مرقس رابي
باحث أكاديمي

                        قد يتساءل القارىء الكريم ما المناسبة من هذه المقالة وأن المؤتمر عُقد وانتهى ومضى عليه أكثر من ستة أشهر.؟ نعم سؤال مشروع ووجيه ، فالدافع من المقالة هو ربط بعض الكتاب مؤخرا في كتاباتهم مسألة زيارة السيد ريان صادق الملقب ( الشيخ ) الى مدينة ساندييكو الامريكية بالمؤتمر الكلداني في مشيكن .وتساؤل الاخ " لوسيان " الكاتب المعروف في المنبر الحر لموقع عينكاوة لمداخلاته الموضوعية  لمقالات كتاب شعبنا عن موقف المؤتمر الكلداني عن الاحداث الجارية حاليا.حيث جاء في احدى تعليقاته على المقال الموسوم " نقاش مع منتقدي موقف البطريرك وتصريحه الاخير حول هوية الشيخ " للكاتب يوحنا بيداويذ " المؤتمرات الكلدانية الاخيرة فشلت فشلا ذريعا بأن تشكل قائمة أنتخابية وركضت خلف شيخ لدعم مجتمع عشائري بدوي ولكي يحصلوا على اصوات العرب ".وعليه حاولت تسليط الضوء على المسألة.
                  تلقيت في شهر نيسان من عام 2012 دعوة من تنظيم المنبر الديمقراطي الكلداني الموحد للمشاركة في اللجنة التحضيرية التي ستقوم بتنظيم التدابير اللازمة لاقامة مؤتمر كلداني عام في مدينة ديترويت الامريكية برعايته ،وقد اعتذرت في البداية لعدم التمكن من التواصل لانشغالي ولم يتوفر الوقت الكافي لامنحه للعمل في اللجنة .ولكن لاصرار السادة في قيادة التنظيم لمشاركتي في اللجنة فابديت الموافقة ،وبعد أن اصبحت لي قناعة بأن  الفلسفة  التنظيمية للمنبر الديمقراطي الكلداني الموحد ،تتميز بمبادىء معتدلة بعيدة عن التعصب والانفرادية بالعمل ،فلبيت طلبهم .  فمن مبادئهم الاساسية هي ، قبول الآخر كما هو لا كما يجب وفقا لتصوراتهم ،يمتلكون نظرة موضوعية للاحداث الجارية في العراق، وبالطبع مايخص شعبنا الكلداني والاشوري والسرياني ،ويتعاملون بارادة وطنية ديمقراطية ،ويدعون في كل المناسبات الى الحوار البناء والتعاون والعمل الجماعي لتحقيق الاهداف ،ونبذ الانفراد في أتخاذ القرارات ،وهذا ما لمسته فعلا من خلال تواجدي معهم ميدانيا ،مما شجعني الموقف لانضم الى اللجنة التحضيرية مستقلا وبعيدا عن اية تأثيرات أيديولوجية سياسية .
             كان الدافع الاساسي لقادة المنبر في أقامة مؤتمر كلداني عام هو أدراكهم وقناعتهم بعد دراسة واقع البيت الكلداني ،بأن هذا البيت يعاني من التعثر والانفرادية في العمل القومي والسياسي ،وأيمانا منهم بالعمل الجماعي سيحققون الافضل والانسب للخطوة اللاحقة سياسيا وقوميا ( العمل المشترك، توحيد الخطاب القومي الكلداني وصولا الى توحيد التنظيمات ). وبعد مشاورات مع الاحزاب السياسية الكلدانية والمستقلين الناشطين ،تبنى المنبر الديمقراطي الكلداني الموحد عقد المؤتمر الكلداني العام في ديترويت المدينة الامريكية للفترة من 15والى 19 من شهر أيار لعام 2013 .
        بعد مرور أكثر من ستة أشهر على عقد المؤتمر ،تكونت لي قناعة بان المؤتمرين قد اخفقوا تماما في تفيذ مقررات المؤتمر ، وللتطورات الحالية التي ظهرت ميدانيا واعلاميا حول مسالة الانتخابات البرلمانية المركزية العراقية،ارى من الضروري ان أطرح انطباعي الشخصي عن المؤتمر وتداعياته واشخص اسباب الاخفاق ،طالما كنت على متابعة تفصيلية ومشاركة فعلية في كل الاجراءات التنظيمية قبل واثناء وبعد انتهاء المؤتمر لعضويتي في اللجنة التحضيرية ،ورئاستي لجلسات المؤتمر ومتابعة  الاحداث ما بعد المؤتمر ،وسوف لا تكون النتائج التي توصلتُ اليها مزاجية واسقاطية، لانني أستخدمت أداة الملاحظة العلمية المقننة في جمع المعلومات وتحليلها بحكم عملي باحثا أجتماعيا .
       والملاحظة
 هي من الادوات المهمة المستخدمة في العلوم الاجتماعية للبحث العلمي ،والمقصود هنا ،الملاحظة العلمية ،وليست الملاحظة العابرة،والملاحظة العلمية هي ،الانتباه المقنن والمقصود والموجه لدراسة الظواهر الاجتماعية بما فيها سلوك الافراد والجماعات المتفاعلة بقصد تفسيرها وتشخيص أسبابها لاختبار الفروض . ولعل أهم أنواع الملاحظة ، الملاحظة بالمشاركة أو المعايشة ،التي يتطلب تطبيقها من الباحث ان يؤدي دورا في الجماعة أو المجتمع ،لكي تتقبله الجماعة كواحدا منها لا كباحثا ، ويُفضل الباحثون الاجتماعيون والانثروبولوجيون الملاحظة بالمشاركة ،لانها توفر للباحث الفرصة للحصول على معلومات دقيقة ووفيرة ،ويكون صورة واقعية للظاهرة المدروسة فيتوصل الى تحليل عميق لامكانياته في أستخدام الحواس الخمسة في جمع الحقائق.
    عليه تمكنت من تطبيق قواعد الملاحظة العلمية المقننة والمقصودة أثناء عملي مع الجماعات التي شاركت في المؤتمر في مراحله المتعددة .وفيما يأتي ما توصلت اليه شخصيا ،وأرجو أن لاتعتبر هذه التحليلات بانها تعبر عن راي  أي حزب من الاحزاب المشاركة  في المؤتمر .وأبرز ما توصلت اليه ما يأتي :
1 – بذل السادة أعضاء المنبر الديمقراطي الكلداني الموحد في مشيكن جهودا أستثنائية في الاعداد والتنظيم والتحضير للمؤتمر من خلال لجنتين ،الاولى ضمت الناشطين  في المجال القومي الكلداني من جميع أنحاء العالم بما فيه الوطن الام لتقوم بوضع المحاور الاساسية للمؤتمر والاتصالات بالمدعوين .واما الثانية تلك اللجنة التي شُكلت للعمل الميداني لاجراء التدابير اللازمة للتهيئة لعقد المؤتمر ، الاموال لتحقيق بيئة ملائمة ميدانيا من حيث توفير السكن للاقامة والقاعات المناسبة لجلسات المؤتمر والضيافة..فأعتمد المنبر على التمويل الذاتي للمؤتمر حصرا باعضائه ومؤازريه من أصحاب رؤوس الاموال ،وكان هذا عاملا مهما لاستقلالية القرارات التي أُتخذت في المؤتمر.
2 – لما كانت سياسة المنبر الانفتاح والعمل الجماعي أنطلق بعض أعضاء اللجنة الى دعوة كل الاحزاب الكلدانية  بدون أستثناء ومنظمات المجتمع المدنية وبعض الكتاب الكلدان والمهتمين بالشأن القومي الاخرين ، ولكن لحسم المواضيع المطروحة بالتصويت لم يكن بالامكان دعوتهم ،وهذا مؤشر على مدى التعصب والتقوقع الذاتي لبعض اعضاء اللجنة غير المبرر  وانعكس ذلك أيضا في أروقة المؤتمر وتنفيذ مقرراته. وقد طرح بعض من الاعضاء في اللجنة من حزب التجمع الوطني الكلداني مسالة دعوة السيد ريان صادق الى المؤتمر ،ولكن لم تحصل موافقة الاكثرية في اللجنة لعدم تمكن صاحب الفكرة من تزويد اللجنة بمعلومات كافية عن السيد ريان صادق سواء كانت شخصية او سياسية أو ثقافية .كما هو معمول به في كل المؤتمرات . علما اكد نفس العضو على امكانيته لدعوة رئيس الوزراء المالكي ومستشاره الخزاعي وتأكيده على حضورهم الى المؤتمر.
3 – دُعيت كافة التنظيمات القومية لشعبنا الكلداني والسرياني والاشوري العاملة في مشيكن لحضور الحفل الافتتاحي.كما دُعيت الاحزاب السياسية العراقية الاخرى كافة أضافة الى القنصل العراقي في مشيكن،وممثلين عن سماحة السيد السيستاني ،وممثلا عن حكومة أقليم كوردستان.
4 – دُعي السادة الاساقفة للابرشيات الكلدانية في شمال أمريكا وهي أبرشية مارتوما في مشيكن ومار بطرس في غرب الولايات المتحدة الامريكية ومار ادي في كندا الى الحفل الافتتاحي فقط ،وعليه لم يحمل المؤتمر صفة دينية على الاطلاق طالما أقتصر حضور الاساقفة الاجلاء على الحفل الافتتاحي والقائهم لكلمات عبرت عن وجهة نظرهم ،ومباركة من غبطة البطريرك مار لويس روفائيل الاول بطريرك الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية،حيث أرسل رسالة خاصة الى المؤتمر وقُرأت في يوم الافتتاح ونشرت في كراس المؤتمر .بالعكس من مؤتمر ساندييكو الذي أُعتبر مؤتمرا بتدخل  جلي من رجال الدين فيه بكل تفاصيله ،أنما في مؤتمر مشيكن لم يكن هناك حضور أو مداخلة من رجل الدين بتاتا في جلسات المؤتمر ،وكنت مقررا ،لو حصل أي تدخل لمنعته ،لان موقفي واضح من تدخل رجال الدين في مثل هذه المناسبات .
5 – توصل المؤتمر الى نتائج أيجابية ولم يتوقعها المؤتمرون لشموليتها وتوافقها مع أهداف ومحاور المؤتمر ،وعليه أن المؤتمر كان ناجحا بالمقاييس التنظيمية طالما أن نتائجه تطابقت مع اهدافه ومقبولة من قبل المؤتمرين كافة ،وأن أية أشارة الى فشله في بأعتقادي غير صحيحة ،أنما الفشل واضح وضوح الشمس في تطبيق وتفعيل القرارات وتنفيذها على ارض الواقع ،وهنا يتحمل المسؤولية الهيئة المنبثقة من المؤتمر واتحاد القوى السياسية الكلدانية الذي تشكٌل نتيجة لمقررات المؤتمر،وبحسب راي وقناعتي ودراستي للموضوع تكمن عوامل فشل تطبيق مقررات المؤتمر الى الاسباب الاتية:
أولا : لم يكن هناك تنسيق كامل ومدروس بين أتحاد القوى السياسية الكلدانية الذي تكون من الحزب الديمقراطي الكلداني والمنبر الديمقراطي الكلداني الموحد وحزب التجمع الوطني الكلداني وثم الحزب الوطني الكلداني ، ولجنة  المتابعة المنبثقة من المؤتمر التي تشكٌلت من بعض المؤتمرين تطوعا منهم ،وذلك لتنصلهم وعدم شعور معظمهم  بالمسؤولية في المشاركة في العمل الميداني،باستثناء اللجنة المالية التي وضعت خطة عملية لتوفير الاموال باشراف الدكتور بولس ديمكار.
ثانيا : الاسقاطات الشخصية في الحوارات التي جرت بين الاحزاب السياسية في أجتماعاتهم في اتحاد القوى السياسية ولاسيما قيادي الحزب الديمقراطي الكلداني وحزب التجمع الوطني الكلداني ،تلك الاسقاطات التي كانت نتيجة لسوء العلاقة بين قيادي الحزبين منذ تاسيس حزب التجمع ،وقد أستطاع المؤتمر وبامكانية كل من الدكتور نوري منصور السكرتير العام للمنبر الديمقراطي الكلداني الموحد والدكتور نوري بركة من أحتواء تلك العلاقة وسوء التفاهم ،وتعهدهم في نبذ كل ما حصل وطي صفحة الماضي. ولكن لاسباب تافهة جدا برايٌ رجعت كما سبق من العلاقة السيئة والتقاطع التام لمبررات غير مقنعة ،وعلى أثر تلك الخلافات أعلن حزب التجمع الوطني الكلداني الانسحاب من أتحاد القوى السياسية الكلدانية،ولم تفلح المحاولات في أبقائهم واستمرارهم في الاتحاد.
ثالثا : تبين لي أن تسرُع حزب التجمع الوطني الكلداني من الانسحاب لم يكن مفاجئة لان قيادي هذا الحزب كانوا مترددين من الحضور الى المؤتمر ،وكأنما حضورهم هو لارضاء الجهة المضيفة للمؤتمر ،ومن جهة أخرى تصريحاتهم المستمرة لوجود لهم دعم  ووعود من كتل سياسية كبيرة ،وتبين ذلك من قوة عىلاقتهم مع السيد ريان صادق ،ومن أبرز أسباب الخلاف بين الحزبين هو عدم قناعة حزب التجمع الكلداني في المشاركة مع الحزب الديمقراطي الكلداني في الانتخابات البرلمانية القادمة ، اضافة الى مسألة تمويل قائمة الانتخابات التي ستكون تحت مظلة القوى السياسية الكلدانية الموحدة ،مما برروا موقفهم في الانسحاب لتأخر أقرار من وكيف ستمول القائمة الانتخابية ،وسيتبين فيما بعد أنهم لم يرشحوا انفسهم لحد هذه اللحظة لخوض الانتخابات .
رابعا :  كان لتحفظ الامين العام لحزب الديمقراطي الكلداني لفقرتين من الميثاق المبرم بينهم وهما ، عدم ترشيح القيادي الاول والثاني لكل حزب الى انتخابات البرلمان والثانية تجرى القرعة لتحديد ترتيب الاسماء في القائمة الموحدة ،وأصرار قيادي التجمع الكلداني الوطني على الفقرتين سببا في تعميق الخلافات وفقدان الثقة بين الحزبين.
خامسا : بالرغم من الدعوات المتكررة من الدكتور نوري منصور باعتباره الرئيس الحالي لاتحاد القوى السياسية الى تهدئة الوضع وتجاوز الخلافات وتفضيل المصلحة القومية العليا للشعب الكلداني على المصالح والعلاقات الشخصية ،وتأكيده على التصويت على مواضيع الخلاف بطريقة حضارية ، مع الاسف ،فلم تكن هناك أستجابة من الطرفين .
سادسا : بادر المنبر الديمقراطي الكلداني الموحد وبمقترح تبناه السيد فوزي دلي  القيادي فيه معتمدا على آراء سابقة طُرحت من قبل بعض السادة لتشكيل مكتب عمل لاحياء المحادثات بين الاحزاب السياسية وتقريب وجهات النظر لامكانية الاتفاق لقائمة  كلدانية موحدة للانتخابات البرلمانية .وقد باشر هذا المكتب عمله  بجدية وبجهود أستثنائية وبتواصل مستمر من المحادثات مع الاطراف المعنية ،لا سيما الحزبين الديمقراطي الكلداني والتجمع الوطني الكلداني ،وذلك بعد ان تبين هناك قائمتين كلدانيتين لا محال لخوض الانتخابات هما ، " بابليون " و" اور الوطنية " .
سابعا : بدأ مكتب العمل محادثاته مع قيادي حزب التجمع الوطني الكلداني باعتبارهم من المشاركين في قائمة بابليون ،وصرحوا بأنهم الطرف الرئيسي مع السيد ريان صادق،وأن أحتاج الامر الى مرشحين ،فكل قيادة الحزب سيرشحون انفسهم ،لمسنا في المكتب وجود تناقضات في تصريحات السادة في هذا الحزب وعدم الوضوح في أحاديثهم ،واصرارهم في البداية على عدم التعاطي مع قيادة الحزب الديمقراطي الكلداني وعدم خوض الانتخابات معهم، وبعدها صرح لنا أحد قياديه " لا علاقة لنا بقائمة بابليون ويمكن التفاوض مع السيد ريان مباشرة وهو رئيس القائمة .
ثامنا : كلف المكتب بعض من أعضائه للالتقاء مع السيد ريان لنتمكن من معرفة الحقيقة ومدى امكانياتهم من توحيد القائمتين ،والنتيجة باءت بالفشل لاصرار كل من الطرفين على شروطه .
تاسعا : كان تعامل المكتب مع قائمة بابليون على استناد أن حزب التجمع الوطني الكلداني يتبنى هذه القائمة وهو من المشاركين في المؤتمر .ووجود اثنان من الكلدانيين المشاركين في المؤتمر من ضمن المرشحين في القائمة .
عاشرا : توقف المكتب المكلف بتقريب المواقف لتوحيد القائمتين بالفشل ،ولم يصدر أي تصريح رسمي من اللجنة المنبثقة من المؤتمر  لحد هذه اللحظة لتحديد موقفها من القائمتين وأي منها لها الشرعية من المؤتمر .وعليه لا علاقة لزيارة السيد ريان الى أمريكا بالمؤتمر الكلداني وأنما الدعوة الموجهة اليه هي من الكنيسة في ساندييكو ،بالرغم من تبليغ المكتب لاعضائه من المدينة المذكورة للتريث في توجيه الدعوة ليتسنى الاطلاع على شخصية السيد ريان سياسيا وانتمائيا وثقافيا ولكن بدون جدوى .
ألحادي عشر : تبين لي ان المستقلين الذين شاركوا في المؤتمر بالرغم من أعلان حياديتهم في المواقف ،لكن ظهر نوع من التعاطف مع حزب على حساب الحزب الاخر ،وكتمانهم للصراحة في التعامل وأبداء الرأي ، وأخص بالذكر الناشطين الكلدان في مدينة ساندييكو الامريكية  وأستراليا .
ألثاني عشر : لاحظت أن التركيز ما بعد المؤتمر هو خوض الانتخابات البرلمانية وكانما هي التوصية أو القرار الوحيد المنبثق من المؤتمر الكلداني ، علما أن المؤتمر توصل الى قرارات مهمة للعمل الميداني القومي الكلداني ومن أبرزها تفعيل سبل تقوية الوعي القومي الكلداني،والاعلام ،ولعل الاهم وباعتقادي هو الانفتاح الذي اقره المؤتمر للاحزاب القومية لشعبنا الكلداني والسرياني والاشوري وبناء العلاقات معهم على مبدأ الاحترام المتبادل،والتنسيق مع الكنيسة لتحديد دورها واهميتها  وتعاونها في الحصول على حقوق الكلدان ، والتمويل لتلك الانشطة التي لو بدأ العمل بها لكانت مساندة لعملية خوض الانتخابات.ولكن كل القضايا أُهملت، وكان التركيز على الانتخابات البرلمانية ،الشيء الذي يبدو واضحا أن المصالح الشخصية وتحقيق الطموحات الشخصية كانت بارزة في التعاطي مع البعض بدون أحراج ،مفضلين تلك المصالح على المصلحة العامة لقضية شعبنا بمكوناته الثلاثة ومتناسين هموم وتطلعات شعبنا المضطهد والمحروم من أبسط حقوقه ،ولماذا لا ؟ طالما تلك الاحزاب هي من نفس صنف الاحزاب الاخرى من شعبنا الكلداني والسرياني والاشوري التي يفتخرون بصراعاتهم وخلافاتهم وانشقاقاتهم المتكررة من أجل شيء واحد فقط هو الطموح الشخصي المتمثل بجموح غرائز التملك وحب الظهور ومرض القيادة وحب التسلط  والانانية القاتلة.

كندا في 8 / 1 / 2014


65
مواقف الكنيسة الكاثوليكية
وتطور العقل البشري
د . عبدالله مرقس رابي
باحث أكاديمي

        المقدمة
                   ألهدف من هذه المقالة هو محاولة الربط بين مواقف الكنيسة الكاثوليكية التي تُدار شؤونها من الفاتيكان في ارجاء المعمورة ،سواء على الكنائس الخاضعة لها مباشرة أو تلك التي تتمتع باستقلالية ،أو أدارة ذاتية ،مثل كنائسنا الشرقية التي يرأُسها البطريرك وتطور العقل البشري ،أي بمعنى آخر المحاولة للأجابة على الفرضية الاتية : هل تغير تعاطي الفاتيكان مع الكنائس الاخرى والظواهر الاجتماعية والاحداث العلمية والسياسية وغيرها تحت تاثير تطور العقل البشري ؟وعليه تتكون الفرضية من متغيرين الاول موقف الكنيسة الكاثوليكية وهو المتغير المعتمد والثاني تطور العقل البشري وهو المتغير المستقل ،وساعتمد على منهجي تحليل المضمون والمقارن لغرض الوقوف على النتائج . مستندا على مفاهيم ونظريات علم اجتماع المعرفة ،ومن بين هذه النظريات " أن لكل زمان ومكان مفكرون ،تؤثر أفكارهم وتتأثر بالبيئة الاجتماعية السائدة ،والمقصود بالبيئة الاجتماعية : كل نواحي الحياة السياسية والدينية والاقتصادية والثقافية والعائلية والقانونية وغيرها" . وتأتي هذه المقالة تواصلا لمقالات متعددة كتبتها عن الكنيسة لكي تكتمل الفكرة .
          والدافع من المقال هو رد عام عن المقالات التي ظهرت مؤخرا على مواقع شعبنا، ومن قبل بعض الكتاب وبالاخص منهم الصحفي  الدكتور ليون برخو الذي كتب وبالحاح عن الدور السلبي الذي لعبته الكنيسة اللاتينية كمؤسسة في التاثير تاريخيا على الكنيسة الشرقية، وما نتج عنها من ردود أفعال متباينة من الكُتاب الاخرين  .كانت هذه المقالات عبارة عن تحليل صحفي هدفها جذب انتباه واستثارة القارىء، وهذه هي أحدى الطرق التي يتعامل معها الصحفي في الكتابة الصحفية ،وهي في غاية الاهمية لتنبه الباحثين وأصحاب الشأن لدراسة القضية .وتناولت  أي المقالات تحليل الظاهرة انطلاقا من القياس الاستنباطي ،وهذه الطريقة قديمة جدا في القياس وهي ترجع الى عصر الفلاسفة التأمليين ،وباتت طريقة لايُعتمد عليها في تفسير الظواهر الطبيعية والاجتماعية  .  بينما حاليا يتوجه المفكرون الى الطريقة الوضعية الاستقرائية التي تعتمد على جمع البيانات والمعلومات عن الظاهرة المدروسة وتحليلها منهجيا.
        وأستخدمَ أيضا هؤلاء الكتاب نظرية ( البعد الواحد ) في التحليل ،تلك النظرية التي تفسر نشوء الظاهرة في ضوء العامل الواحد ،وهي مرفوضة حاليا في التفسير والتحليل ومثل تلك النظريات /نظرية كارل ماركس في تفسيره لحركة التاريخ الاجتماعي في ضوء العامل الاقتصادي فقط ،وسيجموند فرويد الذي يُرجع نشوء الظاهرة والتفاعل الاجتماعي الى غريزة الجنس فقط ، ولومبروزو الذي فسر الاجرام في ضوء العامل البايولوجي فقط ، وقد ظهرت ردود أفعال لهذه النظريات، فمثلا ظهرت الماركسية الجديدة التي هي أكثر شمولية من نظرية ماركس ، وظهرت نظريات عديدة فندت كل من آراء فرويد ولومبروزر في تفسير التفاعل والاجرام ،وهكذا هؤلاء فسروا التغير الذي حصل في الكنيسة الشرقية في ضوء عامل واحد، هو الكنيسة اللاتينية المتمثلة حاليا بالفاتيكان.

تطور العقل البشري والفاتيكان
                                  كان رأي الفلاسفة القدامى عن العقل هو " أن العقل موهبة طبيعية تنمو من تلقاء ذاتها سواء عاش الانسان في مجتمع أم عاش منذ ولادته وحيدا منعزلا " ظلت هذه الفكرة قائمة عند المفكرين الى القرن السادس عشر حيث بدأت محاولات المفكرين في تفسير ظاهرة العقل على انه نتاج المجتمع، وهو لاينضج وينمو اِلا بوجود التفاعل الاجتماعي ،وقد غَيًر( ديكارت  1596 – 1650 ) مجرى تفسير المعرفة وتحصيلها بطريقة القياس الاستنباطي التي أعتبرت الظواهر مطلقة الى تفسيرها بطريقة القياس الاستقرائي التي تعد الظواهر نسبية في وجودها ،وهكذا بدأت ثورة فكرية عظيمة في الفكر البشري كانت سببا في ظهور النظريات والقوانين العلمية لاحقا وعلى أثرها تغيرت معالم الحياة في الصناعة والزراعة والسياسة والدين والاقتصاد والشؤون الاجتماعية،فشُرعت قوانين جديدة  لتنظيمها.
          وجاء عالم الاجتماع الفرنسي الذي يعد مؤسسا لعلم الاجتماع ( أوكست كومت 1798 – 1857 ) وسماه ( الفيزياء الاجتماعية )ليكتشف ثلاث مراحل تطورية لتقدم العقل البشري وتغير نمط التفكير وهي : المرحلة الاولى : الدينية التي تقوم على تفسير الظواهر الطبيعية والاجتماعية في ضوء المفاهيم الدينية وارجاع نشوء اية ظاهرة الى الالهة،والمرحلة الثانية هي : الميتافيزيقية التي تقوم على التأمل النظري والبحث المطلق وثم المرحلة الثالثة وهي الوضعية التي تقوم على الملاحظة والبحث عن أسباب الظاهرة بمنهجية نسبية غايته كشف القوانين العلمية،وبين أن المجتمعات تتباين في أجتيازها لهذه المراحل .
       فلا بد من دراسة قوانين الحركة الاجتماعية والكشف عن مدى التقدم الذي تخطوه الانسانية في تطورها،لكي نتمكن من أدراك مظاهر الحياة القانونية والسياسية والدينية والاخلاقية والاجتماعية من خلال معرفتنا لظاهرة تطور الفكر البشري.فالتقدم هو سير اجتماعي نحو هدف ما لايمكن الوصول اليه الا بعد المرور بادوار مهمة محددة ،فالمجتمع يسير وفقا لقوانين ضرورية تحدد مسيرة التقدم له والشروط والظروف الملائمة لذلك .فأنطلق الباحثون من مبدأ تعدد القوانين، أو الاسباب المسؤولة في تحديد معالم الظاهرة ونبذ طريقة ربطها بالعامل الواحد، أي علينا عند دراسة الظاهرة أن لا نجردها من الواقع المحيط والمتغيرات المرتبطة بها .   
      لا ينمو عقل الانسان أِلا في حدود ألاطار الذي يضعه المجتمع له ،أي ضمن الثقافة الاجتماعية السائدة ،فلكل مرحلة يمر بها المجتمع " عقلٌ بشريٌ " ألذي يكون نتاج لتلك المرحلة ،فالنظريات وبل القوانين العلمية التي تفسر الظواهر الفلكية الكونية وما توصلت اليه العلوم في المجالات المتعددة كما نرى اليوم ،لايمكن للعقل البشري أستيعابها تدريجيا لو رجعنا تاريخيا الى الوراء .فما كان من فلسفة وافكار في الفترة الميتافيزيقية من التفكير لايمكن ادراكها من قبل المجتمع في التاريخ القديم ،وأن ما أكتشفه وأخترعه العقل البشري من النظريات والافكار في المرحلة الوضعية من التفكير مِثل ما توصل اليه نيوتن واينشتاين وفلسفة سان سيمون واوكست وكارل ماركس وغيرهم ،لم يكن بمقدور الانسان من أستيعابها في العهود السابقة ,ولم يكن بأمكان الانسان في القرن التاسع عشر من أستيعاب قدرة الاجهزة الحديثة في الاتصال والنقل وأختراق الفضاء وما الى ذلك من الظواهر . وقد كان العلماء أنفسهم حتى أواخر القرن التاسع عشر يعتقدون أن الذرات هي أصغر دقائق المادة وغير قابلة للانشطار،وقبل 500سنة كان الناس يعتقدون ان الارض هي مركز الكون والشمس والكواكب الاخرى تدور حولها ،بينما الانسان المعاصر يدرك أن الارض والكواكب هي التي تدور حول الشمس .
     وهكذا بالنسبة الى الظواهر الاجتماعية من القيم الدينية والسياسية والعلائقية والاعراف والعادات والسلوكيات والافعال بشكل عام تباين قبولها من فترة زمنية الى اخرى، فالظاهرة التي نراها اليوم مقبولة ومعقولة قد تصبح بعد فترة مرفوضة،وكانت النظرة اليها مختلفة ايضا في السابق،وقد تكون أيضا نفس الظاهرة مقبولة في مجتمع ما،بينما مرفوضة  في مجتمع آخر . فتعليم النساء قبل 80 سنة كان مرفوضا تماما في مجتمعنا ولكنه أصبح مقبولا في يومنا هذا ،ولم تكن ظاهرة قيادة المرأة وتقلدها المناصب السياسية والادارية مقبولا في القرن التاسع عشر في العالم الغربي بينما تتصدر المراة الرجل في قيادة المجتمع اليوم، والامثلة على هذه التباينات متعددة .وعليه يقول علماء الاجتماع ،شتان بين تفكير القرون الوسطى وتفكير القرن العشرين ونحن في القرن الحادي والعشرين .فهناك مقاييس ذهنية يطبقها الفرد في تفكيره تختلف عما كانت عليه قبل قرن أو أكثر،فالحقيقة المطلقة اليوم فقدت قيمتها وحل محلها النسبية.فما هو حق في نظري ونظرك ،قد يكون باطلا في نظر الاخرين " ولا تخلو أية ظاهرة من محاسن،كما أنها لا تخلو من المساوىء أيضا، فعلينا أن لا نضع عقولنا في قوالب الاسلاف من حيث لانشعر كما عمل الفلاسفة القدامى لحفظهم ما قال السلف لهم.
      أذن كيف نفسر تطور عقل المؤسسة الدينية الكاثوليكية،الفاتيكان اليوم ،موضوع البحث، وفقا للمعطيات العلمية ألانفة الذكر؟ وكيف يتعاطى هذا العقل في مراحل تطوره مع ما حوله من الظواهر بما فيه الكنائس الشرقية؟لنحاول الاجابة على السؤالين .
  الفاتيكان
           لا أُفضلُ الخوض في تاريخ نشوء الكنيسة الرومانية الكاثوليكية ،ولا أُفضل الخوض في ما تعتقده من المفاهيم الدينية وأختلافها مع الكنائس الاخرى لكي لا أنحرف عن موضوع الدراسة،وليس من اختصاصي من جهة أخرى.وعليه ساتناول كما ذكرت في المقدمة، الموضوع من منظور علم الاجتماع المعرفة معتبرا هذه المؤسسة ظاهرة أجتماعية بمعنى أنها تتفاعل تاريخيا مع المحيط بتاثير متبادل.
تطور عقل الفاتيكان
                      كان المجتمع البشري برمته عند انتشار المسيحية لا يزال يعيش تحت تاثير العقلية التي تفسر الظواهر استنادا الى المفاهيم الدينية ،ماعدا في أثينا وروما اللتان كانتا تحت تأثير الافكار الميتافيزيقية لفلاسفتهم المعروفين من سقراط وأفلاطون وأرسطو وغيرهم، أي كما ذكرنا أعلاه ان تفسير الظواهر عندهم يرجع الى قوى خارقة ،وكانت فكرة الحقيقة المطلقة هي السائدة بمعنى ان مايؤمن به الانسان هو مطلق بالنسبة له ،فلكل جماعة بشرية آنذاك افكار دينية تؤمن بها وتعد مطلقة لا جدال عليها وكان هذا النمط من التفكير أحد العوامل الاساسية التي أدى الى الانشقاقات في الكنيسة المسيحية ،أضافة الى عوامل سياسية وبيئية أخرى .
             فالكنيسة الرومانية ومعها الكنائس الاخرى الشرقية أعتقدت بمفاهيم دينية أعتبرتها مطلقة في الكمال ،فمن دراستنا لتاريخ الكنيسة نكتشف ظهور جماعات بشرية اعتقدت بمفاهيم دينية وفقا لمعايير أبتدعتها لتبرر عقيدتها ،فلم تكن الكنيسة الرومانية الكاثوليكية هي الوحيدة التي اعتبرت ما تؤمن به هو المطلق وله الكمال ،بل النسطورية والارثودكسية أيضا امتازتا بتلك العقلية التي هي عند الكنيسة الرومانية الكاثوليكية ،ولاستمرارية العقل البشري تحت تأثير هذه المرحلة،ظلت الكنائس ترشق بعضها البعض باتهامات الهرطقة وبطلان تعاليمها والتحريمات المتبادلة على مر العصور.وكما نوهت أعلاه أن تغير نمط التفكير يتباين من جماعة الى أخرى ومن زمن ألى آخر ،بالطبع فأن المؤسسة الدينية تكون أشد من غيرها التزاما وتشبثا بالحقيقة المطلقة من المؤسسات المجتمعية الاخرى .وبدليل أن المذاهب المسيحية أصرت التمسك بما تؤمن به ولا تعترف بالاخر،بالرغم من المجامع المسكونية المعروفة التي عُقدت لمحاولة الخروج بنتائج لوحدة الايمان، ولكن كانت تنتهي تلك المجامع بتعميق الخلافات والتحريمات ،وأتساع الفجوة بينها، وهكذا الحال في الاديان الاخرى غير المسيحية.
         ومن جملة المؤثرات البيئية الاخرى التي أثرٌت بالكنيسة الرومانية هي طبيعة النظام السياسي الامبراطوري الذي استمر في ترسيخ شرعيته بمباركة الكنيسة فأصبحت سلطته مطلقة في كل نواحي الحياة، وكانوا هؤلاء سندا لسلطة الكنيسة وتشريعاتها  من جهة أخرى ،أي علاقة متبادلة وتأثير متبادل ،فلم يقتصر رفض كل جديد على الكنيسة بل أيضا الحكومات وافراد المجتمع الذين خضعوا لملوكهم خضوعا تقديسيا رفضوا كل جديد في المجتمع ،وللاسناد المتبادل بين الاقطاعيين والكنيسة ،أصبحت مسالة تلقي العلوم محظورة على من لاينتمي الى طبقة النبلاء والكنيسة ،ولهذا السبب يُذكر تاريخيا وجود دور كبير وعظيم للكنيسة في تطوير العلوم بمختلف المجالات فالعديد من العلماء في الطبيعيات والعلوم الاجتماعية كانوا من الرهبان والعديد  من الافكار التي تبنت نشوء التكنولوجية بدأت في الاديرة ،وهذا مؤشر اِيجابي لدور الكنيسة الرومانية الكاثوليكية الذي يهمله الذين ينقدونها.
          ومن العوامل الاخرى المهمة التي تأثرت المؤسسة الكنسية الرومانية بها هي ،تلك النظريات العنصرية التي رسخت افكارا ومواقفا عنصرية للجماعات البشرية تجاه بعضها، وأخص بالذكر التي أدعت على تفوق الانسان الابيض الاوربي على باقي سكان المعمورة ،وأعتبر نفسه سيد الجنس البشري ،وقد دلت الاحداث التاريخية – لست الان بصددها – اِن الاوربيين تعاملوا مع المجموعات البشرية التي سيطروا عليها بعد تطور وسائط النقل والاكتشافات الجغرافية ما وراء البحار تحت عقلية عنصرية تأثرا بتلك الافكار .
 وهنا قد يُطرح سؤال ،ما علاقة المؤسسة الدينية بتلك الافكار العنصرية ؟ الجواب بسيط ، طالما أن المؤسسة تُدار من قبل البشر وهؤلاء تلقوا تنشئة اجتماعية في طفولتهم ورسخت في عقولهم مثل تلك الافكار ،فبالرغم من تلقيهم التنشئة الدينية أثناء اعدادهم وفقا للتعاليم المسيحية ،لكن ستظل التلقينات الطفولية ملازمة للفرد ،انما في العقل الباطني ،وعندما يتعرض الى موقف ما قد تُثار تلك الافكار ويعبر عنها لاشعوريا بالرغم من أنه رجل دين ،وهنا أود الاشارة ألى أن هذه الحالة لا تنطبق على من هو من العنصر الاوربي فقط بل على جميع الناس ،وعليه من يكتب عن ما أقترفه رجال الدين في المؤسسة الدينية الكاثوليكية تجاه الاخرين ينبه القارىء ،ان تلك التصرفات لاتخصها وأنما عامة في البشرية  .
مدى تاثير العقلية الفاتيكانية على الكنيسة الشرقية ؟
                                                      ألاحظ من الكتابات الاخيرة حول العلاقة التاريخية بين الكنيسة الرومانية اللاتينية "الفاتيكان " والشرقية، يفسر أصحابها تلك العلاقة دائما بالتاثير السلبي لكنيسة الرومان الكاثوليكية على الكنيسة الشرقية، ويعزون أسباب التغيرات الحاصلة في الكنيسة الشرقية الى عامل واحد وهو الكنيسة الرومانية الكاثوليكية وساطرح وجهة نظري في الظاهرة هذه كما يأتي:
لا أحد يمكن ان ينكر الاثار السلبية التي تركتها الكنيسة الرومانية على الكنيسة الشرقية ،بدليل الانشقاقات التي حدثت فيها ،ولا أريد ان اكرر تلك الاثار حيث بحثتها في مقالتين سابقتين .ولكن لكي أكون أكثر منهجيا في طرحي للمسالة ،لابد الاجابة على هذا السؤال ،هل الكنيسة الرومانية كانت المسؤولة الوحيدة لتلك الاثار ؟ بالطبع من مراجعة تاريخ الكنيسة الشرقية يتبين وباختصار ،أن ثمة عوامل داخلية كانت أكثر قوة في التأثير على الكنيسة الشرقية وهي:
1 - نظام الوراثة التي آلت اليه الكنيسة في الرئاسة البطريركية عام 1450 وفقا لمرسوم أصدره الجاثليق شمعون الرابع " شمعون الباصيدي "لكي تنحصر الرئاسة البطريركية في اسرته بحيث تتوارث لابن الاخ أو لأبن العم. وبعد موت شمعون السابع المعروف "أبن ماما " سنة 1551، قبل قسم من النساطرة بأبن أخيه " دنخا " خلفا له على الكرسي ،بينما أعترض قسم آخر فاختاروا رئيس دير الربان هرمزد " سولاقا دانيال " لكي يكون بطريركيا ولكن باتحاد مع روما . اشتد الانشقاق وعزم العديد من النساطرة الى الانضمام للكنيسة الكلدانية الكاثوليكية عندما ظهرت حالة لايمكن أن يتقبلها ويدركها عاقل وهي أختيارالبطاركة بحكم الوراثة  وهم في سن الطفولة وكانت لهذه الظاهرة تداعيات سلبية في ادارة الكنيسة الشرقية النسطورية فيما بعد ،وأصبحت هذه القصة معروفة للجميع لاحاجة للتفاصيل ،ولكن المهم أنها تعد مؤشرا أساسيا لانشقاق الكنيسة الشرقية .
وعليه بدأ تدخل الكنيسة الرومانية الكاثوليكية في تنظيم المنضمين الجدد اليها ،فتوجهت الارساليات الرهبانية اللاتينية الى المنطقة ،وقد تركت تلك الارساليات آثار أيجابية على أبناء الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية في الوعظ الديني  والتعليم والصحة والثقافة وقدمت خدماتها لكل المذاهب ولغير المسيحيين أيضا ،(وأحيل القارىء الكريم الى كتاب الشماس المعروف" بهنام حبابة" الموسوم " الاباء الدومنيكان في الموصل " حيث التفاصيل عن تلك الخدمات) .
والمهم هنا لكي نربط متغيرات البحث لابد طرح السؤال الاتي :هل يعتقد أحد لو تأمل جديا بما قدمته أعلاه من صورة تكوينية لعقلية الكنيسة الرومانية في تأثرها بما أُحيطت به تاريخيا، سوف لن تنعكس في تعاطيها مع الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية في ذلك الزمان ؟بالطبع أنعكست في ظل تلك العقلية ،ولكن لم تكن الكنيسة الرومانية في ذلك الزمان لوحدها تمتلك تلك العقلية بل كل الكنائس والاديان الاخرى كما وضحت أعلاه ،وعليه أن لانفهم علاقة الكنيستين بتجريدها من العوامل الاخرى الموضوعية والذاتية .
2 – من العوامل الاخرى التي أثرت على الكنيسة الشرقية النسطورية هو التخلف الثقافي والاجتماعي لابنائها من جراء ما خلفه نظام الوراثة البطريركية والبطاركة الاطفال من الصراعات الداخلية بين أبناء الكنيسة الشرقية والجمود الفكري والتخلف الذي أصابها جراءهذه المسألة ،مما حاول البعض تجنب ذلك الوضع بدخولهم الى الكثلكة.
3 – تعرض كل من الرؤساء الدينيين في الكنيستين الى الاستغلال من قبل الحكام المحليين مما دفع بعضهم الى ابرام اتفاقات محلية عشائرية مع أولئك الحكام للنيل من الجماعة الاخرى مما خلف ذلك نوع من الكراهية وفقدان الثقة والتحريمات الدينية بين الجماعتين فتوسعت الفجوة الاجتماعية والفكرية  بين أبناء الكنيستين.
4 – تعتبر الفترة التي تزايد عدد االمؤمنين في الكنيسة الشرقية الذين تحولوا الى الكثلكة أحلك الفترات وأشدها توترا بحيث تمخضت عنها الاضطهادات تجاه أبناء الكنيسة الشرقية من قبل الاتراك وبعض من آغوات الكورد في ظل نظام سياسي ديني وعشائري متخلف.
5 – وأما مسالة التراث والطقوس في الكنيسة الكلدانية ،لايمكن وضع اللوم كله على الفاتيكان في تغييرها ،وقد يرجع السبب الى عوامل أخرى ترتبط بالظروف الموضوعية المحيطة بالكنيسة نفسها ،فهي تقع جغرافيا ضمن دول فرضت على أبناء الكنيسة لغتها الرسمية كالعربية والفارسية والتركية ،مما أدى الى تراجع اللغة الكلدانية( سميها ما تشاء لا يهمني ) تعليميا وحتى تربويا في العائلة وأخص بالذكر عند هؤلاء الذين عاشوا في المدن، فاذا لم يفهم المؤمن في الموصل أو بغداد وبالاخص الاجيال الحالية اللغة الكلدانية فما الفائدة من حضوره الى الكنيسة ،لان المعروف ،لابد من المصلي ان يندمج مع صلاته ويكون واعيا لها لانها واسطة بينه وبين الرب،لابل أن المؤمنين جميعهم لايفهموا وحتى أغلب الشمامسة اللغة الكلدانية المقروءة في الكنائس أذ يرددونها كالببغاء ،وللوقوف على هذه المسالة أقوم بين حين وآخر بطرح سؤال لبعض المؤمنين عن شرح معنى صلاة "لاخو مارن وقديشا آلاها التي نرددها في القداس الالهي ومن أبناء القرى ،يكون الجواب لا أعرف !!. وبل أيضا ضمن هؤلاء من شمامسة هذا الزمن، فلا أعتقد أن للفاتيكان تدخل وأثر يذكر في هذه المسألة المهمة لان البطريرك يوسف أودو وضع حدا لها  .ولكن ثمة عوامل أخرى علينا أن نبحث عنها بدلا من أتهامنا للفاتيكان في محو هويتنا وطقوسنا .وذلك أن القوانين التي تؤكد على أستمرارية اللغة والطقوس لكنائس الحكم الذاتي واضحة كما أشرت اليها في مقال سابق لي.
6 -  التغير الاجتماعي والاقتصادي والتكنولوجي بسبب المدنية  والتصنيع التي اجتاح المنطقة بعد الحرب العالمية الثانية ،كان هذا التغير سببا رئيسيا في تغير ظروف العمل والتعليم والوقت المتاح للانسان وتقيده بتعليمات البيروقراطية الادارية ،فلم يعد وقت الانسان ملكا له بل للمؤسسات التي يعمل فيها ،ولمن يعمل ،وبدورها أثرت في نزعته الدينية والوقت الملائم لصرفه في أداء الطقوس وحضوره في الكنيسة ،وعليه باتت تلك الطقوس التي مورست في كنائسنا في القرن التاسع عشر وبداية العشرين لاتتوافق وتنسجم مع نمط الحياة منذ منتصف القرن العشرين ،فمثلا اذا لم يعتاد المؤمنون الحضور الى صلاة الرمش والصبح، فلمن يؤديها الشمامسة والكهنة؟علاوة على مبدأ الانتشار والاقتباس الحضاري بين المجتمعات وبالاخص الذي ازداد وِزره في عصرنا ،حيث بسب الاحتكاك لابد وان تدخل الى ثقافتنا الطقسية واللحنية مستجدات او أنماط من ثقافات مذهبية أخرى قد تنسجم مع واقعنا الحالي وهذه المسالة لايمكن السيطرة عليها طالما هناك قانون الانتشار والاقتباس الحضاري . 
 
 أذن كيف بدأ تغير عقل الفاتيكان ؟
                                      الكل على معرفة من التغير الهائل في جميع نواحي الحياة الذي افرزه التقدم في التفكير البشري في جانبيه المادي والاجتماعي ،وكما اشرت اعلاه منذ منتصف القرن السادس عشر بدأت بوادر التغير في البحث العلمي ،فبدات المرحلة الوضعية في الدراسة .فتغيرت العقلية التي تعزو تفسير وحدوث الظواهر والحركات الاجتماعية الى قوى خارقة الى عقلية تعزوها لاسباب وضعية ،فظهرت النظريات العلمية الجديدة في مجالات المعرفة كافة، الطبيعية والاجتماعية ، وعلى اثرها انبثقت ثورة تكنولوجية وثورة في الفكر الاجتماعي والسياسي والاقتصادي  ،وكان من نتائجها التغير السريع في الحياة الاجتماعية والسياسية والدينية ،فأنهار النظام الاقطاعي الذي كان السند الاساسي للكنيسة ،فبدات الطبقة الوسطى في المجتمع تلعب دورا رئيسيا في شؤون المجتمع ،وبدأ نظام الدول القومية ،وأضطرت الحكومات الجديدة الى سن قوانين جديدة تواكب التغيرات التي حصلت في بلدانهم ،فظهرت قوانين تخص الاسرة والعمل وعن المراة والتعليم والاعلام وحرية الفرد والفكر وفي جميع مجالات الحياة .كل هذه التغيراة أثرت تدريجيا في العقل البشري ومواقف الافراد تجاه الظواهر ومنها الدينية.
                     بدأ تدريجيا يتقلص دور الكنيسة امام تحديات العقلية البشرية الجديدة ،وكان المنعطف الجديد في التغير هو بعد انهماك الدول الاوربية وماتلقته المجتمعات الاوربية من المآسي في الحرب العالمية الثانية ،فحصلت تطورات عظيمة في الفكر البشري وكان من نتاجها اعلان لائحة حقوق الانسان التي كانت عاملا اساسيا في تغيير معالم الحياة العامة ليس في اوربا لوحدها بل في العالم كله . واستمرت الاكتشافات والاختراعات في مجالات متعددة وشرعت قوانين جديدة لظواهر غير مالوفة سابقا في حرية الاعلام والحقوق المدنية والشخصية والتعبير عن الرأي وحرية المرأة ومساواتها مع الرجل ورعاية الطفولة ،كل هذه التغيرات جاءت على أثر النظريات العلمية التي وضعها علماء النفس والاجتماع والانثربولوجية والسياسة  والاقتصاد والادارة،وترجمها الى ارض الواقع السياسيون في حكوماتهم. 
               أستمر العقل البشري في التقدم ،فأحدث تغيرا هائلا في العقدين الاخيرين من القرن العشرين بسبب الاختراعات الالكترونية .وعلى أثرها تطورت وسائط النقل السريعة ووسائل الاتصال والاعلام وأستخدمت في كل مجالات الحياة ، وعلى كل المستويات وبمتناول كل الافراد ولم تكن حكرا لطبقة دون اخرى أو لفئة عمرية دون أخرى ،وبأختصار جعلت من العالم قرية صغيرة. ولازلنا في هذه المرحلة من العقل البشري والله أعلم ما الذي سيعقبها.
      هل نعتقد أن الكنيسة كانت بمعزل عن هذه التغيرات التي حصلت في البشرية ؟ بالطبع كلا ، لاسباب أهمها تراجع النزعة الدينية عند الافراد ،فقدان الكنيسة لسلطتها في تشريع القوانين التي تنظم الحياة الاجتماعية ،انضمام جيل من رجال الدين اليها يتمتعون بعقلية المرحلة الجديدة من تطور العقل البشري .  وعليه كانت نتائج المجمع المسكوني الذي عُقد في مطلع الستينات من القرن الماضي في روما أكبر برهان موضوعي ومؤشر واضح على التغير في " عقل الفاتيكان " تجاه التغيرات الحاصلة في المجتمع البشري وتفهم الوضع الراهن لكي تواكب هذه التغيرات ،فمنذ ذلك الحين بدا البابا بولس السادس في تشكيل لجنة موسعة لاعادة النظر في القوانين التي تنظم علاقة الفاتيكان مع الكنائس الاخرى ، وأولى التجديدات هو الاعتراف بالكنائس الاخرى وطي صفحة الخلافات والتحريمات التي ابعدت بين الكنائس في السابق ، وهناك أمثلة متعددة لانفتاح الفاتيكان مع الكنائس الاخرى في العقدين الاخيرين ، أولها تقارب مع الكنيسة الشرقية النسطورية في عقد التسعينات في تشكيل لجنة مشتركة لدراسة أمكانات الشركة بين الكنيستين ،وأملنا أحيائها من جديد من قبل غبطة البطريرك مارلويس روفائيل  الاول ويستجيبوا له غبطة البطريركين مار دنخا ومار أدي ،وثم الانفتاح الى الكنيسة الارثودكسية ،فكم هي مؤثرة عبارة رئيس أساقفة السريان الارثودكس في حضوره للصلاة التي دعى اليها البابا فرنسيس من أجل سوريا حيث قال " أن بادرة البابا فرنسيس ودعوته الى سهرة صلاة من أجل سوريا تُظهر لنا كيف ان الصلاة قادرة على تغيير مجرى التاريخ " والمقصود هنا تغيير العلاقة بين الفاتيكان والكنيسة الارثودكسية . ولعله الزيارة الاخيرة للبابا" تاوضروس" للأقباط الارثودكس الى الفاتيكان والتي اعتبرها زيارة محبة وتعميق المودة والسعي نحو الوحدة الايمانية ،خير دليل على أنفتاح الفاتيكان .
    ولم يقتصر أنفتاحها على الكنائس الاخرى بل الاديان الاخرى .فالحوار بين الفاتيكان والاسلام متواصل عبر لجان خاصة، وقد أشاد " أكمل الدين أحسان أوغلو " الامين العام لمنظمة التعاون الاسلامي برؤية البابا فرنسيس المنفتحة على الحوار بين الاديان ،ودعوة البابا الاخيرة لشيخ الازهر للعودة الى الحوار ورحب الاخير بها. وأختم هذه الامثلة بالدعوة التي وجهها البابا فرنسيس الى رئيس تحرير جريدة " ريبوبليكا " الايطالية المعروفة بتوجهاتها اليسارية والناهضة عادة للاكليروس والكنيسة بشكل عام ردا على رسالتين قد بعث بها رئيس تحريرها " أوجينو سكالفاري " وكان جواب البابا صدمة أيجابية ومثيرة لرئيس التحرير عندما عبر البابا عن قناعته بانه  "من الاهمية بمكان أن يتم الحوار بين ملحدين ومؤمنين عن موضوع هام مثل موضوع الايمان ،بل هو واجب ينبع من طبيعة الايمان المسيحي الحوارية".
ومن هذا التحليل المقارن بأمكاني قبول الفرضية التي وضعتها في المقدمة التي تؤكد على وجود علاقة بين تطور العقل البشري ومسالة تعاطي الفاتيكان مع الاحداث المجتمعية والكنائس الشرقية الكاثوليكية منها والعامة.
أذن ما المطلوب ؟
                أنطلاقا من مبدأ النسبية العلمية ، وصحة هذه الفرضية ،علينا أن ندرك ونأخذ بقانون حتمية التغير،فالتغير لا بد منه في كل المجتمعات وفي كل الازمنة ،وأن كان نسبيا في سرعته بين المجتمعات ولكن لابد منه ،وعلينا القبول أيضا لكل زمان عقلية بشرية تؤثر في التفكير وثم يحدد هذ التفكير المعايير والمقاييس التي يرى ويفسر الانسان الظاهرة انطلاقا منها .وثم علينا أن ندرك أن محاولة تفسير أية ظاهرة وفقا لعامل واحد لا تصلح لهذا العصر من العقل البشري.
            علينا أن نركز على الحاضر والمستقبل، وكل المؤشرات العلمية تؤكد على أنهما السبيل الى التقدم وليس العيش في ذكريات وما قيل في الماضي ،وان لا نستغل صراعات الماضي التي وجدت لذلك الزمان في علاقاتنا اليوم ،فما ذنبنا نحن بما أقترفه اجدادنا قبل مئات السنين لا بل قبل آلاف السنين فأية عقلية تستسيغ هكذا تفكير ؟ أذا قبلنا بهكذا عقلية ،فعلينا أن نقبل بما وضعه في حينها صدام حسين عن معاقبة أبن العم او أو أو، فيما اذا انضم أحد الى المعارضة لحكمه ،تؤكد لائحة حقوق الانسان وكل القوانين الوضعية أن الشخص هو المسؤول عن فعله وهو يتحمل تبعاته ،فما ذنبنا نحن الكلدان والاشوريين والسريان المعاصرين أن نتحمل تبعات الماضي، وهذا ينطبق على كل الحالات سواء الفاتيكان أم غيرها . هكذا يقول المنطق النسبي العلمي الحديث أما أذا أخذ أحد بالمنطق القديم معناه انه يعيش في الاغتراب عن واقعه.
           وختاما أقول كما أكده عالم الاجتماع الكبير الدكتور علي الوردي " المشكلة أن البعض لا يعترفون بوجود فكر جديد ولا يهتموا بما أكتشف العلماء اليوم في النظريات تكاد تنسخ النظريات القديمة ، حيث يعيش أحدهم بين الكتب القديمة وهو يكاد لا يخرج منها وقد تراه أحيانا مغرورا بها،يظن أنها جاءت بالقول الفصل ولا حاجة له أذن بالسعي وراء علم جديد ".فاقول أخواني القراء الكرام يكتفي أن تهزنا الكتب التاريخية التي غالبا ما تكتب لاسقاطات شخصية أو أيديولوجية أو لمنافع شخصية فهم وعاظ السلاطين .وأن قرأ أحدنا الكتب التاريخية ،أتمنى أن يخصص بعض من وقته لقراءة كتب الانثروبولوجية والاجتماع والنفس فهي التي تقوده الى معرفة النفس البشرية .
واترككم بتمنيات سعيدة بمناسبة عيد الميلاد المجيد وراس السنة الميلادية الجديدة ،متمنيا أن تكون سنة خير لشعبنا الاشوري والسرياني والكلداني ولعراقنا الحبيب والبشرية جمعاء .
وأخيرا أقدم شكري لكل القراء الكرام الذين يتابعون ما أكتبه ،وشكري للاخوة الدكتور ليون برخو وعبدالاحد سليمان بولص وزيد ميشو ولوسيان وغيرهم لم تسعفني الذاكرة بأسمائهم الذين اثنوا في مداخلاتهم على مقالاتي السابقة.
المصادر المعتمدة في البحث هي 20 مصدرا فلا أتمكن من وضعها لكي لا تأخذ مساحة أكبر.
كندا في 22/ 12 / 2013

 
 

   
                           

66
تداعيات ،لعدم وجود السلطة للبطريركيات المشرقية الكاثوليكية على ابرشيات الانتشار
 على أبرشيات الانتشار

د. عبدالله مرقس رابي
باحث أكاديمي

مقدمة

              أنطلق في هذه المقالة لتحليل العلاقة بين الكرسي الرسولي في الفاتيكان والكنائس المعروفة بالكنائس الشرقية التي أتحدت في شركة الايمان من القوانين التي وضعتها الكنيسة في روما لتنظيم علاقتها الادارية والايمانية مع الكنائس المذكورة ،وهنا أتجنب المداخلة في المسالة الايمانية ذلك الجزء الاساسي من المؤسسة الدينية لانه لا شأن لي به فهو خارج عن أختصاصي ،انما ساركز على الجانب العلائقي الاداري وأليات تنفيذ هذه العلائق.
      ياتي اعداد هذه المقالة بدافع القاء ضوء على بعض القوانين التي تنظم العلاقة بين الكنائس الشرقية الكاثوليكية وكرسي روما الرسولي لمناسبة أنعقاد اعمال " الجمعية العمومية لمجمع الكنائس الشرقية الكاثوليكية" بعد خمسين سنة من أنعقاد المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني ،وقد بدأت أعمالها في 19 من الشهر الجاري وانتهت في 22 منه .
       تحدث في الجلسة الافتتاحية " مار بشارة بطرس الراعي " بطريرك الموارنة متناولا في القسم الاول من موضوعه "هوية الكنائس الشرقية القانونية والليتورجية والمجمعية " في ضوء الافكار المطروحة منذ انعقاد المجمع الفاتيكاني الثاني،ومن النقاط الاساسية المطروحة في المذكرة المقدمة الى البابا فرنسيس " علاقة الكنائس الشرقية مع الكرسي الرسولي الروماني ،الكنسية والادارية والراعوية في الشرق وعالم الانتشار ". وفي البيان الختامي تم التاكيد على هذه النقاط البارزة.
     يدل بوضوح ان البطاركة الاجلاء المجتمعين في جعبتهم مسالة مهمة شددوا عليها وهي تنظيم أو اعادة النظر في القوانين الكنسية الشرقية التي تنظم العلاقة الادارية مع كرسي روما ،ولاسيما سلطة البطريركيات على ابرشياتها في بلدان الانتشار. ومن هنا تأتي أهمية تسليط الضوء على النظم الادارية لانه لابد أن الاجتماع قد يشكل لجانا لدراسة المواضيع المطروحة.

مقتضب عن تاريخ تنظيم القوانين
                                       كانت ولا تزال الكنائس الشرقية الكاثوليكية منذ شراكتها الايمانية مع الكرسي الرسولي في روما بين فترة واخرى في مناقشات ومداخلات حول المسائل السلطوية والطقوسية لكنائسهم مع كرسي روما الرسولي ،أنما المسالة الايمانية كانت محسومة منذ البدء باقرار ايمان موحد ،وألا أن لم يكن الايمان نفسه فلم تتم الشركة.  
     مرت مسالة وضع القوانين الكنسية الخاصة بالكنائس الشرقية الكاثوليكية لتنظيمها وتنظيم علاقتها مع الكرسي الرسولي في روما بعدة مراحل بدأًًًًً من اليوم الذي أعلن فيه البابا بيوس التاسع أهمية تنظيم قوانين تخص الكنائس الشرقية ،وعلى أثر هذا الاهتمام اسس "مجمع نشر الايمان للشؤون الطقسية الشرقية "عام 1862 .
      رأت اللجنة المكلفة للتحضير لانعقاد المجمع الفاتيكاني الاول ،أن الكنائس الشرقية بحاجة ماسة الى مجموعة من القوانين الكنسية يقوم عليها تنظيمها الكنسي ،أنما هذه اللجنة عدلت في وقت لاحق عن رأيها مقترحة نظاما واحدا للكنسية بأسرها . وقد أدى هذا التغير في الرأي الى أرتفاع الاصوات المشرقية في قاعة المجمع تأييدا لحماية النظام الكنسي الشرقي ،ومن ألمع الذين تحدثوا وأعترضوا هو البطريرك يوسف أودو بطريرك بابل على الكلدان ،أِذ دافع في الجلسة السادسة عشر للمجمع بقوة عن التنوع " فيما لايمس الايمان " .على أثرها توقف المجمع الفاتيكاني الاول قبل تمامه لتدهور الاوضاع .ولو لا هذا البطريرك لاصبحت كل الكنائس الشرقية بأسرها المعروفة اليوم تعمل بالطقس اللاتيني .  
      ثم تشكلت لجان مشتركة من خبراء الشرقيين والكرادلة في روما ،فأُقرت القوانين تدريجيا ،وأُعيد النظر ببعضها ألآخر،وثم أُقرت البعض الآخر في مجمع الفاتيكاني الثاني ،وفي عهد البابا بولس السادس شُكلت لجنة حبرية عام 1972 لأعادة النظر في القانون الكنسي الشرقي وأُعلن  عن ما توصلت اللجنة اليه تباعا.ولا تزال تُستحدث قضايا تستوجب صياغة قوانين جديدة أو أعادة النظر بالقوانين المعمول بها .

بعض القوانين الكنسية
                  اِن بعض من القوانين التي تنظم الكنائس الشرقية الكاثوليكية والتي تعتبر متمتعة بالسلطة الذاتية أو تُنعت بالمستقلة شُرعت لاجل تنظيم السلطة الكنسية وتحدد السلطة البطريركية على الكنيسة .يعد الحبر الروماني رأس الكنيسة بحسب ماجاء في مجموعة القوانين المتعلقة بالسلطة الكنسية ،فالقانون رقم 44 بند1 يشير الى " يحرز الحبر الروماني السلطان الاعلى التام على الكنيسة بانتخابه على وجه شرعي وقبوله لهذا الانتخاب بالاضافة الى السيامة الاسقفية " وفي قوانين اخرى متعدد تَتَبين سلطته على الكنيسة وعلى البطريكيات المستقلة فمثلا في القانون رقم 370 يؤكد على الطاعة للحبر الروماني اذ جاء فيه " على الاكليروس واجب خاص في أبداء الاحترام والطاعة للحبر الروماني والبطريرك والاسقف الايبارشي ".
     وفي القانون 92 بند1،  يحدد ولاء وطاعة البطريرك للحبر الروماني حيث يشير الى " على البطريرك أن يبرز وحدة الشركة في الرئاسة بدرجاتها مع الحبر الروماني خليفة القديس بطرس،بالولاء والتوقير والطاعة الواجبة للراعي الاعلى للكنيسة باسرها " .بينما تمنح صلاحيات سلطوية للبطاركة على كنائسهم بحسب قوانين اخرى ولكن يجب أن يتم كل امر بمعرفة الحبر الروماني .
    تظهر بوضوح سلطة البطريرك في القانون 56 حيث يؤكد المشرع " البطريرك هو أسقف له السلطان على جميع الاساقفة بما في ذلك الميتربوليت ،وعلى سائر مؤمني الكنيسة التي يرئسها وفقا للشرع المعتمد من قبل سلطة الكنيسة العليا".اِنما بحسب قانون 78 البند 2 تتحدد سلطة البطريرك ضمن الحدود الجغرافية للبطريركية حيث يؤكد على " بوسع البطريرك ممارسة سلطانه على وجه صحيح ضمن حدود منطقة الكنيسة البطريركية فقط ،ما لم يلبث غير ذلك ،اِما من طبيعة الامر ،واِما من الشرع العام أو الخاص المعتمد من الحبر الروماني " وفي القانون رقم 103 يؤكد المشرع على " للبطريرك أن يدعو سينودس أساقفة الكنيسة البطريركية ألى الانعقاد وأن يرأسه ".
وفي القانون 150 البند 2 يميز بين السلطة الادارية والطقوسية للبطريرك على الايبرشيات التي تقع خارج حدود المنطقة الجغرافية وقد يشير الى " القوانين التي يسنها سينودس أساقفة الكنيسة البطريركية ويصدرها البطريرك ، اِذا كانت قوانين طقسية ،تسري في كل أنحاء العالم ،أما اِذا كانت قوانين تنظيمية أو تعلق الامر بسائر قرارات السينودس ،فلها قوة القانون داخل حدود منطقة الكنيسة البطريركية "
وعليه تؤكد الفاتيكان على الارتباط الاداري للابرشيات الخارجية في تدخلها المباشر لتعيين الاساقفة حيث ينص القانون 149 على " على سينودس اساقفة الكنيسة البطريركية أن ينتخب وفقا لقوانين انتخاب الاساقفة ،ثلاثة مرشحين لا أقل للاضطلاع بوظيفة اسقف ايبارشي أو اسقف مساعد أو اسقف معاون خارج حدود المنطقة الكنسية البطريركية ويقدم عن طريق البطريرك الى الحبر الروماني لتعيينهم "
   وأما لبيان العلاقة بين الاساقفة والبطريرك فأن القانون رقم 88 يوضحها بما يلي " على اساقفة الكنيسة البطريركية أن يُؤدوا للبطريرك الاكرام والتوقير ،ويقدموا له الطاعة الواجبة ،وعلى البطريرك أن يعاملهم بأحترام مماثل ويحوطهم بمحبة أخوية " وينص القانون رقم 150 البند 1 " للاساقفة المقامين خارج حدود منطقة الكنيسة البطريركية جميع حقوق وواجبات السينودسية التي لسائر الاساقفة تلك الكنيسة مع سريان القانون 102 البند 2 " والذي جاء فيه " يجب أن يُدعى الى سينودس أساقفة الكنيسة البطريركية جميع الاساقفة المرسومين التابعين لنفس الكنيسة دون سواهم ،أينما كانوا مقيمين "
الاستنتاج
          من مراجعتي لقوانين الكنائس الشرقية الكاثوليكية التي تنظمها وتنظم علاقتها مع الفاتيكان مقر الكرسي الرسولي الروماني والتي تعد بالمئات ،تبين : أن هذه الكنائس هي في شركة أيمانية مع الكنيسة الرومانية الكاثوليكية ،وأنها تخضع لسلطة مطلقة للطاعة للحبر الروماني وهو يمثل رأس الكنيسة وكل ما يقره لا يمكن نقضه ،وأنما تمنح هذه القوانين السلطة لهذه الكنائس على طقوسها ولها الحرية في أدائها وتؤكد على الاهتمام واستلهام من تراث الاباء في كنائسهم ، ولكن أغلب الامور الاساسية التي تُقر في سينودساتها  يجب أن تتم موافقة أو علم الحبر الروماني بها .والقضية المهمة التي تُثير الانتباه والجدية في الدراسة هي السلطة المطلقة للفاتيكان اداريا على الابرشيات التي تقع خارج الحدود الجغرافية للبطريركيات التي تعرف أيضا بابرشيات الانتشار، باستثناء السلطة على الطقوس التي تمارس في كنائسهم .
  تشير بوضوح القوانين المذكورة أعلاه ،ان الفاتيكان لها الحق في أختيار اساقفة الابرشيات بعد ترشيحهم من السينودس،وتشير الى ان مايقره السينودس لا تسري قوته على الابرشيات في الانتشار ما عدا ما يرتبط بالطقوس،ولكن من جهة أخرى ،أكتشف نوع من التناقض في تنظيم هذه العلاقة فالقانون رقم 88 واضح في المحتوى حيث يؤكد على أبداء الطاعة الواجبة للبطريرك من قبل الاساقفة بدون أن يحدد طاعة ادارية او ما تخص بالطقوس ،فطالما لا تسري قوة قرارات السينودس الادارية على اساقفة الانتشار بحسب القانون 150  البند 2 ،فاذا قد يتشبث الاسقف به فيما لوحصل سوء للعلاقة بينه والبطريركية  باعتبار تقع أبرشيته خارج الحدود الجغرافية ،وهذا الذي يحصل فعلا هذه الايام.
   ومن جهة أخرى هناك عدم وضوح في القانون رقم 150 البند 1 الذي يؤكد فيه المشرع للاساقفة المقامين خارج الحدود البطريركية " حقوق وواجبات السينودسية " وهذا يتناقض مع القانون نفسه في البند 2 الذي  يؤكد فيه المشرع لا سلطة ادارية للبطريرك على اساقفة الانتشار،فكيف سيؤدون واجباتهم يا ترى ؟ وهذا ما يتناقض مع القانون 88 الذي يؤكد على الطاعة من قبل الاساقفة بدون تحديد اماكن اقامتهم للبطريرك ،فهل هذه الطاعة تشمل أساقفة الداخل ؟
  ما هي الحكمة من عدم سريان قوة قرارات السينودس التي تخص الادارة على أبرشيات الانتشار ؟
    لا يمكنني الكشف عن الحكمة من الموقف الفاتيكان تجاه الابرشيات الواقعة خارج حدود البطريركيات ، فهي لم تُستحدث ضمن الأطار الجغرافي لكرسي روما الرسولي فما علاقة هذا الكرسي جغرافيا مع استراليا والامريكيتين ،فلو تقع ضمن حدودها الجغرافية في اوربا فلها الحق في أدارتها مثلا .هذه ابرشيات تشكلت لظروف خاصة لتجمع مؤمنين لبطريركية معينة في بقعة جغرافية بحكم عوامل الهجرة، ولا يعني هذا الانتقال الجغرافي خروج هؤلاء من سلطة كنيستهم ،فهم المؤمنون الذين كانوا ضمن حدود البطريركية يوما ما ولم تكن السلطة الادارية للفاتيكان تشملهم .
ان لجوء الفاتيكان على هذا النهج القانوني لتبرير السلطة لا حكمة له ولا مبرر ،فلو فرضنا جدلا عدم وجود وسائط نقل متطورة أو وسائل الاتصال السريعة كما كان قبل منتصف القرن الماضي، سنقول من الاجدر أن تدير الفاتيكان هذه الابرشيات للصعوبة أو فقدان التواصل مع البطريكية ،لكن في يومنا هذا أصبح العالم قرية صغيرة بفضل تطور وسائل الاتصال والنقل السريعة التي لم يتصورها العقل البشري في ذلك الزمان .
    وأن وجدت في السابق مناطق جغرافية محددة للكنائس الرسولية ،فقد أنحصرت تلك الحدود الجغرافية بسب تأخر وسائط النقل أيضا ،بالاضافة الى العامل السياسي الذي يتمثل بتدخل الامبراطوريات تاريخيا في الشؤون الدينية  مثل هذا التدخل واضح من الاحداث التاريخية للكنيسة ،لابل ان تلك الحدود الجغرافية تشكلت للكنائس من جراء قوة الامبراطوريات في توسعها وفرض سلطتها فكانت سلطة البطريركية مرتبطة بمدى توسع سلطة الامبراطوريات .
        اني أرى في هذا الاجراء الفاتيكاني سيؤدي الى تقسيم الكنائس البطريركية على نفسها طالما لا توجد سلطة بطريركية على اساقفة الانتشار الا على الطقوس فقط ،وان هذه البطريكيات تتعرض الى ظاهرة النمو السكاني السلبي بسب الهجرة المتفاقمة لمؤمنيها الى دول الانتشار ،فالهجرة هي جماعية وسريعة جدا ،وكل المؤشرات السياسية والامنية والاقتصادية تؤكد في المناطق الجغرافية لهذه البطريكيات الى تفاقمها يوما بعد يوم من جراء الحروب المستمرة على السلطة والاضطهاد على الهوية الدينية من قبل المتشددين الاسلاميين وعدم تمكن الحكومات القائمة من ضبط الامن وحماية المسيحيين في بلدانهم ،وهذا ما نلاحظه جليا في العراق وسوريا  .
     وعليه الانتباه الى مسالة أخلاء الشرق الاوسط من المسحيين تلك الظاهرة التي تجعل من ابرشيات البطريركيات ان تنتقل الى دول الانتشار عاجلا أم آجلا  مما يعني ستمحو تلك البطريكيات من خارطة الكنيسة بحكم القوانين الفاتيكانية التي تبرر سلطتها الادارية على ابرشيات الانتشار،فستبقى الكنائس الشرقية الكاثوليكية بدون ابرشيات تُذكر.وتمحو هويتها،وعليه اتمنى من غبطة البطاركة الاجلاء انهم قد وضعوا أسسا وخطة عمل مع الفاتيكان لاعادة النظر ببعض القوانين التي تخص علاقتها الادارية مع البطريكيات وخاصة في الانتشار لوضع حد لهذه المسالة الجادة والمرتبطة بكيان وهوية الكنائس الشرقية الكاثوليكية ،ولتجنب تقسيمها وتفاقم الاشكالات بين الابرشيات والبطريركية .وطالما ان الكنائس الكاثوليكية مشتركة في ايمانها فلا يستوجب هذا التدخل الاداري المباشر.  


67
عقوبة الاعدام
بين القبول والرفض
د. عبدالله مرقس رابي
باحث أكاديمي


مقدمة
                       في مقالٍ للاستاذ ضياء بطرس رئيس هيئة حقوق الانسان / كوردستان، المعنون " الغاء عقوبة الاعدام بالنسبة لجميع الجرائم وايا كانت الظروف " والمنشور في 9 – 11  -2013 على موقع عينكاوة ،أراد الكاتب من القراء أبداء رأيهم ومناقشة الموضوع . بالطبع يتميز الموضوع باهمية كبيرة  لنشر ثقافة حقوق الانسان المطلوبة من الجميع ،وهو يطبق مبادىء الامم المتحدة في ايجاد ثقافة عالمية لحقوق الانسان من خلال نقل المعرفة والمهارات وتشكيل الاتجاهات ،وهي القضية التي تهم معظم الدول المنضوية تحت منظمة الامم المتحدة وكل شعوب العالم ، اذ تتصاعد الحركات والنداءات من المنظمات الانسانية لتكريس ونشر ثقافة حقوق الانسان بكل مضامينها الاجتماعية والشخصية والثقافية والسياسية. واما القضية التي أثارها الاستاذ ضياء هي جديرة بالاهتمام لانها ترتبط بحياة الانسان،فالمادة 3 من اعلان حقوق الانسان تشير الى " كل أنسان له حق في الحياة والعيش ". وفي المادة السادسة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية جاء ( الحق في الحياة حق ملازم لكل أنسان وعلى القانون أن يحمي هذا الحق ولا يجوز حرمان أحد من حياته تعسفا ).
    أفتخر  لكون السيد "بطرس " من أبناء شعبنا في مقدمة المدافعين عن حقوق الانسان في العراق الذي أنهكته الحروب المستمرة ،وسببت انتشار ثقافة التمييز العنصري والديني والقومي والمذهبي والجنسي ومختلف أشكال التمييز الاخرى ، فهو يذكرني بالعلامة الدكتور " شارل مالك " المسيحي اللبناني الذي كان من بين الثلاثة الذين كلفوا بصياغة أعلان حقوق الانسان لاول مرة ،وهما السيدة "ايلنور روزفيلت " الامريكية والبروفيسور " رينيه كاسان " الفرنسي ،ومراجعته من قبل الخبير الكندي " جون همفوي " في سنة 1948 ،وتم أعلانه في باريس في العاشر من كانون الاول من نفس السنة.
        كانت فكرة حقوق الانسان مقترحا مقدما من دولة " بنما " بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية.ولكن أختلفت ردود الفعل للدول في منظمة الامم المتحدة تجاه هذ المقترح ،فقد رفضته الاتحاد السوفيتي حيث اعتبرته تدخلا وتجاوزا على سيادة الدولة والتدخل بالشؤون الداخلية لها . وقابلته بريطانيا ببرود بسبب علاقاتها مع مستعمراتها ،وأما الوفد الامريكي كان مترددا ومنقسما .وكانت مناقشاتهم تستند على الخلفيات الاجتماعية والسياسية والدينية والثقافية لمجتمعاتهم. فأخذت المناقشات تعبر عن طابع الصراع الفكري والفلسفي المتأثر بالابعاد السياسية والخلفيات الثقافية للحضارات ،وكان أكثر المسيطرين على المناقشات هو " شارل مالك ".
    أن منظمة العفو الدولية هي من اولى المنظمات العالمية التي دعت الى الغاء عقوبة الاعدام ،ولكن ظلت الدول في جدل حول الموضوع بسبب خصوصية كل بلد من الناحية الدينية والانظمة العقابية التي تتيح أستخدام هذه العقوبة كحد أقصى،وعلى أثر الاهتمام بهذا الموضوع أعتمدت الجمعية العامة للامم المتحدة عام 1989 في 15 – كانون الثاني بروتوكول الاختياري الثاني الملحق بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والذي يتعلق بالغاء عقوبة الاعدام،ودخل حيز التنفيذ في 11 – 7 – 1991 ،وصادق عليه حتى نهاية التسعينات من القرن الماضي 28 دولة فقط وليس من بينها دولة عربية .
 ولتعريف القارىء بالبروتوكول الاول ،فهو : جزء من الشرعة الدولية لحقوق الانسان ،يمكن اللجنة المعنية بتطبيق حقوق الانسان من أستلام الشكاوي المقدمة من الافراد الذين يدعون أنهم ضحايا انتهاكات حقوق الانسان المقرر في العهد الدولي ،وقد أُعتمد في 23 – 3 – 1976،وصادق عليه حتى اواخر التسعينات 92 دولة .
 الجريمة :
             الجريمة ظاهرة اجتماعية سلبية ،ترتبط بالفرد القائم بالفعل الاجرامي والمجتمع الذي يعيش فيه ،فالجريمة هي كل فعل يعاقب عليه القانون بعقوبة جزائية .ويرتب القانون العقوبة للسلوك المرفوض اجتماعيا بحسب الفلسفة السياسة الجنائية والتشريعية المتبعة في الدولة والمتأثرة بالبيئة الاجتماعية من حيث معتقداتها الدينية وتراثها الحضاري والنظام السياسي والاقتصادي .فهناك اختلافات في القوانين الجزائية زمانا ومكانا في المجتمع البشري ،وهذا يضفي على الجريمة طابع النسبية . وعليه أن تعريف الجريمة قانونيا في زمن ما ومكان ما يكون مقبولا ،ألا أنه لايستمر هذا التعريف في زمن ومكان آخر .ولعله أبسط الامثلة هو :القانون العراقي،ففي نظام الحكم السابق أعتبر سلوك المعارضة السياسية فعلا أجراميا موجها ضد الدولة وأمنها ،ولكن أولئك المنفذين للقانون آنذاك أُعتبر سلوكهم حاليا فعلا أجراميا، تأثرا بالنظام السياسي السائد في المرحلتين ،أو قد تعتبر أفعالا أجتماعية مقبولة وتعد من القيم المثلى في بعض المجتمعات ولكن نفس تلك الافعال تٌعد سلوكا أجراميا ،وأبسط الامثلة على ذلك هو : الجنسية المثلية التي يعتمد تفسيرها كفعل من مجتمع الى آخر وقد يعاقب عليه في البلدان العربية ووصلت عقوبته في العراق في عهد النظام السابق الاعدام ،بينما نفس الفعل مباح في كندا ودول أوربية أخرى وتنظم العلاقة على أنها علاقة زواج .
         يحدد القانون الجزائي أركان الجريمة ،كما يحدد ردة الفعل الاجتماعية عليها .ولكي يكون الفعل جريمة يجب أن تتوفر فيه الاركان الثلاثة : أولهما : الركن المادي الذي يمثل السلوك الصادر من الفرد .والثاني الركن الشرعي وهو الصفة غير المشروعة للسلوك التي تأتي من خضوعه لنص قانوني ويترتب على أنتهاكه عقوبة أو تدبير أحترازي .وأما الركن الثالث هو المعنوي ويتمثل بأدراك الفرد وأختياره " الارادة " عند قيامه بالسلوك لتحدد مسؤوليته الجنائية ومساءلته وبالتالي وصفه مجرما أذا ثبت ذلك أنه مخالف للقانون .
المجرم
       مما تقدم يمكن تعريف المجرم، كل أنسان أقترف جريمة ،وكان أهلا للمسؤولية أثناء أرتكاب الفعل الاجرامي ،وكانت له أرادة معتبرة ،اتجهت أتجاها مخالفا للقانون.
المسؤولية الجنائية
                    أثارت مسألة مدى تحمل الانسان المسؤولية لارتكابه الفعل الاجرامي منذ القدم ولا يزال الى يومنا هذا أختلاف كبير بين المفكرين والمختصين في القانون وعلماء الاجرام والاجتماع والنفس ،لانه هذه العلوم مشتركة في دراسة الجريمة والمجرم وظروف أرتكابها.وعليه لايزال هؤلاء يبحثون للاجابة على هذا السؤال : هل الانسان وهو يرتكب الجريمة مجبرا " مسيرا " أم مخيرا الى ذلك ؟ وللاجابة عليه أنقسموا الى ثلاث اتجاهات .
الاول : مذهب حرية الاختيار
                           ويسمى بالمذهب التقليدي ويتلخص في تاكيده على أن الانسان يمتلك حرية في تقدير السلوك أو الفعل الذي يرتكبه ،فهو حر في الاختيار دون أن يكون مجبرا أو مسيرا من جهة خارجة عن ذاته ،وهذا يستلزم أن يكون مدركا لافعاله ووميزا لها.فاذا ارتكب الانسان وفقا لهذا التفسير جريمة فان ارتكابها هو بمحض ارادته وبامكانه تجنب هذا الفعل وعليه يكون مسؤولا عن فعله .
 ثانيا : مذهب الجبر
 يستمد هذا المذهب تبريراته من النظرية الواقعية التي تطبق قوانين السببية الحتمية على تصرفات الانسان .ينكر أصحاب هذا المذهب تماما أفكار المدرسة التقليدية الانفة الذكر،فافعال الانسان من منطلق أفكاره ليست وليدة الارادة الحرة ،فهو يشعر ظاهريا أنه يفعل ذلك بمحض أرادته ، ألا أن ارادته في الواقع ليست حرة بل تتكيف وتتوجه تبعا للمؤثرات الخارجية المحيطة به في الواقع الاجتماعي الذي يعيشه،أو لعوامل تكمن في تكوين شخصيته.
وقد أرتبطت أفكار أصحاب هذا المذهب بالتقدم الذي أحرزته العلوم الطبيعية في كشف وجود قوانين تحكم ظواهر الكون ،مما أدى بعلماءالقانون والاجتماع الى تطبيق تلك النتائج على أفعال الانسان ومنها الجريمة ،فأعتبروا الظواهر الاجتماعية نتيجة حتمية لاسباب معينة .
ثالثا : المذهب التوفيقي
         يرى المختصون في العلوم المهتمة بالجريمة بعد دراسات ميدانية علمية متعددة وتبلور الافكار الفلسفية الحديثة، أن كل من المذهبين السابقين قد تطرفا في رأيهما ،ووفقا لارائهم أن الانسان لايتمتع في تصرفاته بحرية مطلقة ،ولا يخضع بصورة مطلقة أيضا الى قوانين السببية الحتمية ،الا انهم يرون ،أن الانسان كائن واع ِ يدرك مايحيط به ،كما أنه يستطيع تحديد غاياته التي يسعى لتحقيقها بافعاله .فثمة ظروف محيطة به تدفعه لارتكاب سلوك ما ،ولكن له قدرا من الادراك بما يفعله فتتيح له الحرية ولو بشكل من الاشكال للاختيار والتمييز .
العقوبة
          هي الجزاء الذي يقرره القانون الجنائي لتحقيق مصلحة المجتمع تنفيذا لحكم قضائي على من تثبت مسؤوليته عن الجريمة ،تتلخص أهدافها في ضبط السلوك الاجتماعي وتحقيق المصلحة الاجتماعية والعدالة .وتقر القوانين أن تكون العقوبة واحدة لجميع افراد المجتمع بدون تمييز على اساس الانتماء الديني أو السياسي والعرقي والطبقي وما شابه.وأما فكيف تُحدد العقوبة ؟ يكمن ذلك في تأثُر الفلسفة العقابية بفلسفة المسؤولية الجنائية ،فكلما كانت فلسفة المذهب التقليدي سائدة ،كانت نظرة المشرعين لقانون العقوبات منصبة نحو الفعل الاجرامي من حيث ضخامته دون النظر الى المجرم كشخص وما الظروف المحيطة به أثناء أرتكابه للجريمة .وعليه أُنزلت بالمجرمين أشد العقوبات وكانت الفلسفة العقابية السائدة هي التخلص من المجرم في تعذيبه أو فنائه من الوجود باعدامه بشتى الوسائل.
     أما بعد أنتشار آراء المذهب الواقعي في تحديد المسؤولية الجنائية بدأت الفلسفة العقابية تتغير تدريجيا ،فرفضت المدرسة الوضعية في علم الاجتماع التي بدأها الايطالي " لومبرورزو " في منتصف القرن الثامن عشر وثم " فيري " مبدأ المعاقبة المتساوية للمجرم ،أي بدأت التشريعات تأخذ بنظر الاعتبار شخصية وظروف المجرم.وعلى أثرهم أكد بعض الجنائيين ولا سيما الاجتماعيين منهم ومن بينهم " الكونت غرامتيكا " وزملائه ممثلوا مدرسة الدفاع الاجتماعي الايطالية،أن المجتمع هو الذي يحدد الافعال بانها جريمة، أي ان وجود الجريمة يفترض وجود المجتمع .
    فاصبحت الفكرة من وضع القواعد القانونية هي لحماية المجتمع وأفراده ومصالحهم ،فلما كانت الافعال تختلف في شدة تأثيرها على المجتمع ،فأستوجب صياغة القواعد القانونية العقابية في ضوء ذلك التأثير ،فاصبحت الغاية من العقوبة الردع والوقاية عن طريق عزل المجرم عن المجتمع ،وتحددت أنواع الجرائم بثلاث مستويات هي : الجناية التي تتراوح عقوبتها بين خمسة سنوات والى الاعدام كحد أقصى ،والجنحة التي تتراوح العقوبة بين ثلاثة أشهر وخمسة سنوات ،والمخالفة التي تتراوح العقوبة بين يوم واحد والى ثلاثة أشهر أوبغرامة مالية .وهذا التصنيف يتباين من بلد الى اخر .
    وقد تأثرت الفلسفة العقابية حديثا بنتائج الدراسات التي أُجريت من قبل المختصين في علم الاجتماع والنفس والاجرام فتحولت النظرة من مجرد عزل المجرم وعقابه الى نظرة عزل المجرم عن المجتمع من أجل أصلاحه وتهذيبه وتقويم سلوكه عن طريق برامج أصلاحية تُطبق في المؤسسات الاصلاحية ،فاعتبر هدف العقاب ردع المجرم وتحقيق سلامة المجتمع وأمنه بدلا من الانتقام ،ويكون العمل الاصلاحي هو مكمل للعقاب لا بديل له . وأما عقوبة الاعدام ،كان لها حيز من الاهتمام الكبير عند الباحثين والمختصين .
عقوبة الاعدام
                يقصد بالاعدام عقوبة الموت ،وهي عملية ازهاق روح المحكوم عليه بوسيلة يُحددها القانون ،وهي اقدم العقوبات وأشدها قسوة ،وقُررت لعدد كبير من الجرائم.وغالبا ما كان تطبيقها بحسب مزاج الملك أو حاكم المقاطعة وثم بمرور الزمن أصبحت تُنظم بقانون.وبسبب تطور الفكر البشري الذي أستطاع تغيير الاتجاهات نحوها، بدأ تطبيقها ينحصر تدريجيا لجرائم محددة ،أبرزها جرائم المخلة بأمن الدولة والقتل العمد ولاصحاب الجرائم المتعددة والسطو المسلح والابادة الجماعية والخيانة الكبرى للدولة والتجسس .
  وقد بادرت بعض البلدان الى الغاء عقوبة الاعدام ،ولكن رجعت الى تطبيقها بحسب الظروف والمخاطر التي يتعرض لها المجتمع ،كما حصل لايطاليا التي الغتها 1899 ثم اعادتها 1930،وكذلك الاتحاد السوفيتي الغتها 1947 واعادتها 1958 ، أما في العراق فلم تخلو القوانين العقابية من قواعد لتطبيق هذه العقوبة في مختلف العصور ولم يذكرنا التاريخ اية محاولة لالغائها ،وهي مقررة في القانون العراقي لجرائم خطرة مثل الجرائم المخلة بامن الدولة وجرائم التي تؤدي الى الموت من خلال الاعتداء على المرافق العامة وبعض جرائم القتل العمد.   
        ينقسم المفكرون المهتمون في عقوبة الاعدام الى فريقين في مواقفهم نحو الغائها أو بقائها ،حيث يرى الفريق المطالب بالغائها وجود عدة دعائم تؤيد مطالبتهم ،منها ،أن الله يهب الحياة للانسان وليس المجتمع فهو الذي يقرر،وهي عقوبة لا تنسجم مع روح العصر لانها ضد الشعور الانساني الذي يتوجه نحو فلسفة الاصلاح الاجتماعي للمجرم ،وان عملية وجود عقوبة الاعدام في المجتمع لم تشير الى ردع للجريمة .ولايمكن تدارك آثار عقوبة الاعدام اذا تبين خطأ تنفيذها .
    ويرى مناصروا أبقاء عقوبة الاعدام فيبررون موقفهم بدعائم أهمها بما أن المجتمع لم يهب الحياة للفرد لكي يسلبها ينطبق هذا على تقييد حرية الفرد أيضا ،ويؤكدون على ان لا يُنظر الى الشخص فقط في القضية وانما لماذا لانفكر ما خلفه فعل المجرم من زهق ارواح ،ولا يمكننا معرفة مدى قابلية هذه العقوبة في ردع الجريمة لعدم توفر وسائل واقعية لقياس الظاهرة، وأما عدم فسح عقوبة الاعدام فرصة لاصلاح المجرم فهو زعم لا يمكن الاستناد عليه ،اذ لو ألغيت سيكون البديل السجن المؤبد ،وهذه العقوبة غير مجدية هي الاخرى لاصلاحه لان بقائه في السجن الانفرادي يكون مردوده النفسي أكثر سلبا وشقاءا من الاعدام ،وكل محاولة لاصلاحه لا تنفع لان الاصلاح يهدف الى أعادته للمجتمع .
بالرغم من هذه الدعائم لكلا الفريقين فأن المؤشرات في المجتمع البشري تؤكد على الميل نحو الغاء هذه العقوبة ،فمنذ صدور اعلان حقوق الانسان عام 1948 بدا العد التنازلي للبلدان التي تطبق عقوبة الاعدام وذلك للتكثيف الاعلامي ونشر الوعي وبمختلف الوسائل التي تقدمه منظمة العفو الدولية .وقد خصصت المادة 6 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي بدأ تنفيذه منذ23 – 3 – 1976 لكي توضع قواعد تخص عقوبة الاعدام ( راجع الامم المتحدة / المفوضية السامية لحقوق الانسان  ).
 ولعدم وجود الدقة في الاحصاءات المرتبطة بعقوبة الاعدام ولسريتها لبعض الدول ،أنما تتمكن منظمة العفو الدولية من الحصول عليها بطرق متعددة، ولكن لايمكن الاعتماد عليها في تعميم النتائج، ومن الاحصاءات التي وفرتها هذه المنظمة تبين بأن عدد الدول التي تتطبق عقوبة الاعدام أنخفض في العقدين الاخيرين وبالعكس ارتفع عدد الدول التي لاتطبق هذه العقوبة ففي سنة 1991 بلغ عدد الدول التي طبقت عقوبة الاعدام 32 دولة،وارتفع عدد الدول التي الغتها الى 48 دولة وفي سنة 2010 انخفض الى 23 دولة طبقت العقوبة، بينما ارتفع عدد الدول التي ألغتها الى 96 دولة وفق آخر الاحصاءات  وكما نلاحظ من الجدول أدناه
السنة                             عدد الدول التي تتطبق عقوبة الاعدام                    عددالدول التي لا تطبقها
1991                                     32                                                      48
1995                                     37                                                      59
2000                                     27                                                      75
2005                                     22                                                      86
2010                                     23                                                      96
          ويمكن تصنيف البلدان بحسب مدى تطبيق عقوبة الاعدام لعام 2010 كما يأتي
لا توجد عقوبة الاعدام لكل الجرائم             96
منعت عقوبة الاعدام للجرائم العادية            9
منعت تطبيقها تحت التجربة ،أي لم تنفذها     34
لعشر سنوات الاخيرة
المطبقة لعقوبة الاعدام                        58
وفيما يأتي ترتيب خمسة أعلى دول في عدد حالات الاعدام في العالم لعام2010  باستثاء الصين لان عدد الحالات فيها بالالاف سنويا فهي شاذة أحصائيا
الدولة                              عدد حالات الاعدام المٌنفذة
أيران                                     أكثرمن   252
اليمن                                         أكثر من  63
كوريا الشمالية                              أكثر من  60
الولايات المتحدة الامريكية                   46
السعودية                                    أكثر من  27 
وتشير آخر أحصاءات العفو الدولية الى ،على الاقل 682 من الاشخاص أُعدموا في العالم ماعدا الصين بالطبع،وأنخفض عدد الدول التي تطبق عقوبة الاعدام الى 21 دولة فقط عام 2012.
ولعدم تمكن منظمة العفو الدولية من ضبط الاحصاءات لحجبها من بعض الدول فلا يمكننا من أثبات فيما اذا كانت عقوبة الاعدام رادعة، اي تنخفض الجرائم الاخرى في البلدان التي تطبقها وترتفع نسبتها في البلدان التي لاتطبقها ،أنما هناك أحصائية دقيقة للولايات المتحدة الامريكية التي تؤكد الفرضية القائلة بان عقوبة الاعدام غير رادعة ،حيث تشير الاحصاءات كما هو مبين في الجدول أدناه الى أن الولايات التي تطبق فيها عقوبة الاعدام ترتفع نسبة جرائم القتل فيها كاخطر الجرائم المرتكبة ،بينما نلاحظ انخفاض نسبة جرائم القتل في الولايات التي لا تطبق عقوبة الاعدام مما يدل بوضوح بأن عقوبة الاعدام ليست رادعة اي ان نسبة الجرائم ترتفع بالرغم من وجود هذه العقوبة.( النسبة تشير في الجدول لكل 100000 نسمة ).
السنة                  نسبة جرائم القتل في الولايات                      نسبة جرائم القتل في الولايات       الفرق النسبي
                        التي تطبق عقوبة الاعدام                            التي لا تطبق عقوبة الاعدام
1991                           9.94                                                     9.27                          7%
1995                           8.59                                                     6.78                          27%
2000                           5.70                                                     4.25                          35%
2005                          5.87                                                      4.03                          46%
2010                          5.00                                                      4.01                          25%
خلاصة القول :يتبين من تقارير منظمة العفو الدولية ومفوضية حقوق الانسان أن الوعي الاجتماعي والسياسي وبلورة الرأي العام العالمي يتجه صوب الغاء عقوبة الاعدام طالما أنها غير رادعة ،اي لاتوجد مؤشرات الى انخفاض نسبة الجرائم المرتكبة بالرغم من تطبيقها ،وبالعكس كما لاحظنا من البيانات المتوفرة عن الولايات المتحدة الامريكية أن الولايات التي تطبق فيها عقوبة الاعدام ترتفع نسبة جرائم القتل بينما تنخفض نسبتها في الولايات التي لا تطبقها .ومن المعروف عالميا لاتزال الجريمة متفاقمة بالرغم من تطبيق هذه العقوبة في مختلف البلدان وبالاخص النامية منها .
     ولما كانت أسباب الجريمة متعددة ترتبط بشكل مباشر بالبيئة الاجتماعية والدينية والاقتصادية والسياسية المحيطة بالفرد ،اضافة لعوامل ترتبط بتكوين شخصيته فأنها ستظل قائمة طالما أن اسبابها تكون مستمرة الوجود في المجتمع،فمن هذا المنطلق على الجهات المسؤول أستئصال هذه الاسباب بقدر الامكان وبالذات تلك التي تدفع بالافراد الى ارتكاب الجرائم البشعة التي تكون ضحيتها زهق ارواح الاخرين كما هي العمليات الارهابية والقتل على الهوية الدينية والقومية والسياسية والتي اصبحت ميزة من مزايا البلدان الشرق أوسطية.
حيث كبح الدوافع الارهابية يكون عاملا لميل المجتمع نحو التشجيع لالغاء عقوبة الاعدام ،ولكن طالما أنها ستكون قائمة فان الرأي العام سيطالب بانزال اقسى العقوبات بهؤلاء .فالمسالة تحتاج الى تكثيف الجهود من منظمات المجتمع المدني وهيئات حقوق الانسان المنتشرة في الدول النامية لتنشيط التعاون بين الحكومات للقضاء على جذور الارهاب ،فالمسالة ليست بالغاء عقوبة الاعدام من عدمه ،فلو أفترضنا بان عقوبة الاعدام ألغيت في العراق المعاصر فهل سيؤدي الى انخفاض نسبة الجرائم والاخص الارهابية؟ وبالاتجاه الاخر اذا ؟ظلت عقوبة الاعدام قائمة كما هي الان فهل هناك انخفاض في نسبة الجرائم المرتكبة وبالاخص الارهابية ،اعتقد ان المؤشرات اليومية تدل على عدم الجدوى من عقوبة الاعدام في ردع الارهاب.
فمن هنا تاتي اهمية أستئصال جذور الارهاب اولا لكي نتمكن من توجيه الرأي العام العراقي نحو الغاء عقوبة الاعدام فطالما يكون الارهاب قائما فلا يمكننا من تحريك الرأي العام لالغاء عقوبة الاعدام ،لان الاثار التي يتركها الارهاب هي ابادة جماعية ويطال ضد الابرياء .وعليه أفضل بان تنصب المسالة في التوعية بهذا الاتجاه مرحليا على الغاء تنفيذ عقوبة الاعدام للجرائم السياسية والجنسية المثلية أو تعدد الجرائم وثم تأتي مرحلة الغائها لجرائم القتل العمد الفردي وهكذا .
المصادرالمعتمدة
Federal Bureau Of Investigation In U.S.A ,FBI
Amnesty   International  Research, Death Penalty Information Center 2013
Modern  Sociological  Theory , George  Ritzer
The Study Of Social  Problem , Earl  Rubington
أصول علم العقاب ، عبدالرحمن محمد، 2001
لطيفة المهداتي، حدود سلطة القاضي التقديرية في تفريد الجزاء، 2005
أمين مصطفى ،علم الجزاء الجنائي، 1995
ومصادر اخرى
كند/ا في 17 تشرين الثاني 2013


       

68
اتركوا منكيش وشأنها
ولماذا؟
د. عبدالله مرقس رابي
باحث اكاديمي

                      منذ أن نشر موقع عينكاوة نداء عِبر رسالة  أطلقها مجموعة من ثلاث أشخاص مجهولي الهوية بعنوان " أهالي منكيش يستغيثون ويطلبون النجدة " في 19/9 / 2013 ،وجهت أنظار المهتمين من أبناء شعبنا الى بلدتنا منكيش للوقوف على ما الذي يجري ؟وقد تبين لاحقا أن الرسالة مفبركة من قبل جماعة غير معروفة ومدفوعة من قبل تنظيم سياسي لتحقيق مكاسب انتخابية ـ لانها تزامنت مع انتخابات برلمان أقليم كوردستان العراق .وكان الدافع من وراء العملية واضحا جدا ،وأن ما جاء ذكره من معلومات لا تمس الحقيقة ،حيث أن الامور جرت في بلدتنا منكيش بشكلها الطبيعي وفقا للضوابط الرسمية كما وردنا من هناك.
وكانت غايتها القصوى أثارة الفتنة بين أبناء بلدتنا والاخوة الاكراد القاطنين فيها وبرضى أهلها،وذلك من خلال التذكير بعدد الشهداء الذين سقطوا على أرض منكيش وملابسات استشهادهم ،فهم شهداء معروفون لدى أهالي بلدتنا.لا يخفى على أحد منهم ظروف استشهادهم ، فمنهم اُستشهدوا لحالات اجرامية فردية ،وآخرون لاسباب سياسية، أو خلال تواجدهم في الافواج الخفيفة ،أو أثناء خدمتهم العسكرية أسوة بكل العراقيين .
وقد منح سكان منكيش أصواتهم لقائمة 127 التي تضم " الاحزاب الكلدانية السريانية الاشورية "،وذلك أخلاصا ووفاءا من أبناء منكيش لتلك الخدمات الاسكانية والترفيهية والخدمية التي قدمها المجلس الشعبي لهم منذ تاسيسه،وهذا ما نلمسه على الواقع " وقد ذكرت هذه المشاريع في مقالاتي المنشورة في موقع منكيش حصرا عن بلدة منكيش "،ومن جهة أخرى أن هذا السلوك هو القاعدة المعروفة في كل البلدان الديمقراطية ،اذ يمنح المواطنون أصواتهم للاحزاب التي تقدم برامجا افضل لهم .ٍ
يبلغ عدد سكان منكيش  حسب آخر احصائية أجريتها بالتعاون مع بعض الاخوة الغيورين من بلدتي منكيش،أكثر من 6000 نسمة موزعين في بلدان العالم ،و1000 نسمة فقط تمسكوا بارضهم وثبتوا عليها في منكيش بحسب أحصائية وفرها لي السيد مدير الناحية مشكورا قبل بضعة أشهر، بالاضافة الى 2000 نسمة من الاكراد الذين هاجروا اليها منذ الثمانينات من القرن الماضي أي ان نسبة الكلدان فيها 33% فقط ،ولو لا الهجرة المعاكسة من مدن العراق اليها بعد عام 2003 ،لبلغ تعدادهم 759 نسمة حيث يمثل هذا العدد سكان منكيش الكلدانيين فقط سنة 1996 أثناء أحصاء ميداني شامل أجريته عندما كنت أجمع المعلومات لتاليف كتاب " منكيش بين الحاضر والماضي "وتبين حينئذ أن نمو سكان منكيش هو سلبيا بسبب الهجرة المستمرة الى خارج العراق ولا تزال لمن تتحقق الفرصة له، أي لولا الهجرة المعاكسة كما أشرت أعلاه لكان العدد أقل من هذا كثيرا .  
وللاجابة على سؤالي، لماذا نترك منكيش وشأنها؟سأوضح الاتي
أولا : يعتز ويفتخر سكان منكيش بتسميتهم الكلدانية المعاصرة ،مثلما يعتز ويفتخر الاخوة الاشوريين والسريان  المعاصرين" وفي نفس الوقت يعتقدون بأننا شعب واحد مع الاشوريين والسريان بالرغم من أختلاف المذهب الديني.وقد يتبادر الى ذهن البعض بأن ما أشرت اليه هو من أجتهادي الخاص ،ليس كذلك ، أذ من أستطلاعاتي الميدانية تتراكم لدي المعلومات حول هذا الموضوع ،واني حاليا منشغل بقياس الرأي العام لسكان منكيش حول هذا الموضوع وتاتي النتائج تباعا بعد أن وضعت مقياسا للرأي العام منطلقا من أسس البحث العلمي الرصين، وساعلن عن هذه النتائج قريبا بعد اكتمالها ،أذ أن عامل التباعد المكاني يُعيقني لانجاز هذا المشروع بسرعة " واتمنى بل وأقترح للمهتمين بهذه المسالة أن يحذو بنفس الاتجاه في كل قرية أو بلدة كلدانية واشورية وسريانية  معاصرة، ليكون الشعب هو الحاسم وليس الاحزاب السياسية التي تفسر الموضوع حسب فلسفتها ومصالحها الخاصة. وبهذه المناسبة أقترح أيضا بأن يتم قياس الرأي العام لشعبنا في سهل نينوى لاستحداث المحافظة ومنح الحكم الذاتي له، لان سكان المنطقة هم المعنيون بالمحافظة من عدمها . بدلا من الجدال العقيم  الدائر بين المهتمين بشؤون شعبنا .
 أرى أن لكل شخص منظوره الخاص الى الظواهر الاجتماعية يتبناه نتيجة جملة من العوامل الذاتية والبيئية التي يخضع لها الكاتب ،وهذا ما تعلمته وأختبرته على مدى أكثر من 30 سنة في علم الاجتماع المعرفة الذي يهتم بالمعرفة والعارف.وسأطرح وجهة نظري في هذا الموضوع ، المستخلصة من الدراسات الميدانية المعاصرة وليس من الخوض في دهاليز التاريخ كما يفعل البعض ، وهم من أختصاصات بعيدة عنه سواء كانوا من الكتاب الكلدانيين أو الاشوريين أو السريان المعاصرين ، وذلك لان المسألة تخص بلدتي منكيش التي كتبت عنها كتابا أجتماعيا وقادتني عملية الكتابة الى جمع المعلومات التفصيلية من بين الاسطر المكتوبة في المصادر والعمل الميداني ولا أزال .
قبل كل شيء، ولكي لايُساء الظن، أود التأكيد على أنني مقتنع تماما على أننا شعب واحد له تاريخ مشترك ولغة واحدة وقيم وتقاليد واحدة وجغرافية محددة عاش عليها منذ القدم ،وبتسمياته التاريخية، الكلدان والاشوريون والسريان ، وقد صُغت أفكاري مفصلا في كتابي المعنون"الكلدان المعاصرون "الصادر سنة 2001،اعتمادا على المنهج السسيوأنثروبولوجي.وانا مع كل الاحزاب من شعبنا  التي تضع برامجها لخدمته،فقد سألني أحد الاصدقاء ذات مرة عبر البريد الالكتروني عن الحزب أو الجهة التي انتمي اليها فأجبته اني مستقل لكن مع كل الاحزاب السياسية الكلدانية والاشورية والسريانية التي تخدم شعبنا الكلداني والسرياني والاشوري، وآخر سألني أيضا وقال : يبدو أن مواقفك قد تغيرت بالنسبة لهذه القضية ،فأجبت ،أنني باحث والباحث يبحث على الدوام ويدرس الظواهر فاذا ظهرت مستجدات في دراساته عن الظاهرة فأنه سيغير رأيه وفق النتائج المستجدة فالباحث لايرى ويدرس الظواهر كما يجب وانما كماهي ،عكس المرتبط سياسيا فأنه سيواكب أيديولوجية حزبه أي فلسفته الفكرية ولا يستطيع تجاوز موقف الحزب من القضايا المطروحة فاذا حصل ذلك فانه سينال العقاب ،وعليه حتى وان كان كاتبا سيوجه اهتماماته ولا ينتقي المعلومات من المصادر الا تلك التي تتماشى مع فلسفة الحزب .
  أنطلق في التحليل لدراساتي عن الموضوع من المنهج الانثروبولوجي،"علم الانسان " الترجمة الحرفية له،وأرجو أن يُفهم هنا عندما تتم الاستعانة بقوانين الانثروبولوجية العلمية في دراسة الشعوب ،لا تقتصر على القانون الطبيعي الذي تختص به الانثروبولوجية الطبيعية، والذي يمثل الصفات الطبيعية للانسان التي يمكن ملاحظتها مباشرة أو يمكن الحصول عليها من اختبار "دي ،أن ،أي " .وأنما نستعين بقوانين الانثروبولوجية الاجتماعية والحضارية والنفسية تلك القوانين التي تكمل بعضها البعض وتساعدنا على تمييز شعوب العالم الى أثنيات واعراق وأقوام ،تلك القوانين التي تعتمد على قياسات علمية  يعتمدها الانثروبولوجيون وعلماء الاجتماع والنفس  لغرض بنائها - لست بصدد تفصيلها- وأنما أذكر واحدا مهما هو " جمع البيانات عن طريق الملاحظة والمشاركة "أي معايشة الباحث المجتمع المدروس والمشاركة في الفعاليات والانشطة اليومية للافراد لكي يتوصل الى الابعاد النفسية والاجتماعية والاقتصادية ونمط التفكير لهم، ومن ثم صياغة القوانين العلمية . أي بمعنى آخر لا نتصور أن اختلاف الاثنيات يكمن في الجانب البايولوجي الطبيعي وانما في كل الجوانب الاخرى المذكورة ومن ضمنها بالطبع اللغة.
وهكذا اقول من استنتاجاتي :  لا يمكننا الاعتماد بالدرجة الاساسية على مايكتبه المؤرخون لنا من معلومات عن الحياة الاجتماعية والنفسية كالمشاعر القومية مثلا واللغوية غير المنظورة ، والتي ترجع الى 7000 سنة ، أو حتى الى عصور متأخرة،وذلك لان الحضارات البشرية في داينميكية مستمرة وفي تلاقح مستمر بفعل عاملي الانتشار والاقتباس الحضاريين،وكما هو معروف فأن نشوء الافكار القومية جاء متأخرا فقد كانت بدايته القرن السادس عشر في شمال أوربا ،وثم تبلورت النزعة القومية في منتصف القرن الثامن ،وعلى أثر ذلك نشأت الدول القومية ،أي بمعنى لم تكن النزعة القومية معروفة قبل هذا التاريخ ، وعليه فلا وجود شيء اسمه القومية العربية أو الكوردية أو الاشورية أو السريانيةأو الكلدانية أو الالمانية أو الفرنسية قبل هذا التاريخ .وعليه انطلق من هذا المبدأ عندما أقول الكلدان والاشوريين والسريان المعاصرين.
فقد برهن الانثروبولوجيون هذه الظاهرة من خلال دراساتهم المستفيضة عن الشعوب البدائية المعاصرة في الغابات الاستوائية والامازون وجنوب شرقي آسيا وفي الجزر النائية التي لم تصلها الحضارة الجديدة.حيث عايش الباحثون تفاصيل الحياة الاجتماعية لهذه الشعوب ،ومارسوا الانشطة اليومية لهم لكي يحللوا الادراك العقلي والفكري والعقائدي لهم، فتبين أن النزعة الانتمائية لديهم لاتعتمد على المفهوم القومي بقدر ما هي معتمدة على النزعة القبلية.وهكذا استفادت الدراسات الاكاديمية في مختلف الاختصاصات من الدراسات الانثروبولوجية عن الشعوب البدائية في تفسير أصول العديد من الظواهر كالعائلة والزواج والدين والاقتصاد والقانون وغيرها في المجتمع البشري ،حيث أن تلك المجتمعات أصبحت بمثابة مختبر علمي ميدأني لدراساتهم.
عندما أدرس المشاعر القومية لابناء شعبنا ،لا اعتمد على ما قيل من قبل الاحزاب السياسية أو الكتب التاريخية التي لا تتمكن من تفسير هذه الظاهرة دون الرجوع الى المنهج الانثروبولوجي ،كتلك الفرضيات التي يتشبث بها البعض تحت تأثيرات أيديولوجية ومعتمدة على المنطق القديم في تحليلها ،كأن نقول " ان سكان القرى التي هي على أرض آشور هي آشورية " ،منكيش أو أية قرية أخرى تقع على ارض آشور حاليا ،فاذا منكيش وغيرها آشورية . أو مثل تلك الفرضية التي تقول عندما تسقط الامبراطوريات يُباد الشعب ، الامبراطورية الاشورية سقطت عام 613 قبل الميلاد ،فاذا الاشوريون أُبيدو تماما ، وتنطبق أيضا على الكلدان .مثل هذه التفسيرات تعتمد على المنطق الاستنباطي القديم الذي وضعه ارسطو طاليس الفيلسوف اليوناني ،الذي لا تأخذ العلوم الانسانية به اليوم لتفسير الظواهر الاجتماعية ،بل تعتمد المنطق الحديث الذي يعتمد على الاستقراء ،أي جمع المعلومات عن الظاهرة المدروسة وثم تحليلها .
 فعندما أدرس ظاهرة الانتماء القومي في منكيش مثلا لا يمكنني الاعتماد على الفرضية المذكورة والتفسير المذكور،بل ألجأ ألى جمع المعلومات ميدانيا، ساستعين بالاحداث واحاديث الناس ، فمثلا لم يثبت لي من دراستي الميدانية سنة 1996 أن أحدا من المسنين في منكيش ذكر كلمة آشوريين عند وصف احداث سميل وحماية الهاربين من القرى المجاورة من مجلمخت وكوندكوسا الى منكيش بل كل ما نُطق به هو"تيارايي : أو, بزنايي " فكلما كنا نمر في طريقنا ومنذ طفولتنا من قرية "كوري كافانا " ونسال الكبار لمن هذه القرية ،الجواب تيارايي وهكذا عند السؤال من كان يسكن قبل 1933 قرية " ملجمخت " فالجواب تيارايي ، وعندما كنا نمر من أمام قرية باكيرات ونسال اهالينا لمن هذه القرية فيقولون  بزنايي، ولا يزال الى يومنا هذا تطلق على مأساة سميل وتداعياتها " فرمان دتيارايي " وليس فرمان دآشورايي ،فهل كانوا أهالين وآبائنا "بهليي" لدرجة لم يعرفوا انهم ’آشوريون لكي يقولوها لنا.
 وألجأ الى دراسة التراث ،قياس مشاعر الناس تجاه الظاهرة المدروسة ،اللغة ، الانشطة والممارسات اليومية ,اضافة الاخذ بنظر الاعتبار وهو عامل مهم جدا ، التلاقح الحضاري عن طريق الاقتباس والانتشار بواسطة الحروب بين الشعوب ،فكم من مرة هدمت منكيش وبنيت اخرى على الانقاض /وكم من المرات تغيرت تسميتها بحسب العوامل الدينية واللغوية ،وكم من الجماعات البشرية قدم اليها وغادرها، وكثيرا ما يتحجج بعضهم بان أصول العديد من العشائر في منكيش أو القرى الاخرى قد انحدرت من قرى هكاري وعلى هذا الاساس انهم آشوريون،ومن أثبت علميا أنهم آشوريون أو, كلدان أو سريان ؟ ،وهذا ماينطبق على المنطقة باسرها من القرى والمدن.
فمن يتعصب و يُرجع اصول الاثنيات الثلاث الاشورية والسريانية والكلدانية الى اثنية واحدة كلدانية او آشورية او سريانية ويلغي الاخريات ومنذ الاف السنين فذلك غير منطقي ، فكيف يقتنع الكلداني بانه مستمر في الحياة بعد سقوط دولتهم وانما لا يقتنع باستمرار الشعب الاشوري في الوجود بعد سقوط دولتهم؟ ،وهكذا بالنسبة للاشوري كيف يقتنع بأبادة الكلدان لانهم تعرضوا للاضطهاد الديني في موطنهم؟ ولم يقتنع بأبادة الاشوريين، فلماذا لايقتنعوا بفكرة هروب الكلدان من الجنوب بسبب الاضطهاد  وتوجههم شمالا ؟،علما هناك ادلة منذ الحملات العسكرية الاشورية وحملهم للكلدان كاسرى في مناطقهم ،أو هروب الكلدان من الاضطهاد الديني نحوالمناطق الوعرةفي شمال العراق.فاذايتضح وجليا بان ما يدلي به البعض نحو هذه الظاهرة متأثر بالايديولوجية السياسية . لانه ببساطة تشير كل الدراسات الى انه لم تظهر النزعة القومية عند الشعوب الا بعد القرن السادس عشر كما ذكرنا أعلاه .ومن هذا المنطلق نقول لنترك المسالة للفرد فهو صاحب الحق في تقرير مايشعر به وليس ما يفرض عليه.ولنحترم بعضنا البعض ونتكاتف ونتعاون والا نحن معرضين للاندماج مع الشعوب الاخرى لا محال.
أما الجواب الثاني عن سؤالي فهو :
تعد منكيش مركز ناحية الدوسكي المسماة نسبة الى عشائر الدوسكي الكوردية.وهي القرية الوحيدة في الناحية كلدانية مسيحية ومحاطة ب 58 قرية كوردية أسلامية ،ماعدا قرية " كوندكوسا "الاشورية .ويعيش في منكيش كما ذكرت اعلاه 2000 كوردي ولهم جامعين لتقديم الخدمات الدينية.وأما سكان منكيش من الكلدان فهم 1000 نسمة ولهم كنيسة واحدة وتعدادهم يتميز بنمو سلبي بسبب الهجرة الفتاكة . وهذه هي أحدث الاحصائيات التي وصلتني قبل ثلاثة شهور من مديرية ناحية منكيش.
من خلال دراستي الميدانية كما قلت لاغراض تاليف كتابي عن بلدتي ، تبين بأن العلاقات بين منكيش والقرى الكوردية كانت تاريخيا مبنية على التقارب والعلاقات الاجتماعية التي أمتازت بالطيبة والاحترام المتبادل فكل الاسر المنكيشية كانت لها اسر صديقة في القرى الكوردية ،ولم تحدث اية صدامات جماعية بينهم على الاطلاق ،فكان دائما المنكيشيون يشعرون بالامان والهدوء في ناحيتهم وهي محاطة بقرى كوردية ،ولحد قيام الثورة الكوردية عام 1963 كانت المنطقة تعيش بأمان وأبرز مثال على ذلك هو مبيت الاهالي ليلا في موسم جني العنب من الكروم التي تشتهر بها منكيش ولمدة شهرين تقريبا في المزارع نفسها دون أية حوادث تذكر،الذي يسمى موسم " الطماشا " ،ولان الحكومة المركزية كانت مسيطرة على مركز الناحية ولم تخضع القرى الاخرى لسيطرتها ،فلا بد من وقوع ضحايا من أهالي منكيش بسبب الحرب الدائرة بين الثوار الاكراد والحكومة ،فاستشهد بعض الافراد مثلا وهم في طريقهم للسفر الى دهوك أو خروجهم على مسافة بعيدة من القرية للعمل الزراعي وما شابه.
ولم يكن استشهاد المختار حنا صنا عام 1956 الا غدرا بسبب مسالة الحدود .وأما حنكرا وقد استشهد عن طريق الخطأ فكان المقصود أحد الاكراد المخاصمين وليس هو ،وقصة استشهاده معروفة لدى المنكيشيين ،وأما الباقين أستشهدوا لاسباب ذكرتها في مقدمة المقال .
كان الآغوات هم المسؤولون عن الامن والضبط وبالتعاون مع مختار منكيش والوجهاء تاريخيا. فبالرغم من تواجد كثيف للاكراد من القرى المجاورة منذ سنة 1963 في منكيش ،أذ كانت دور المنكيشيين مفتوحة لهم فسكنوا في البيوت غير المؤهولة التي غادرها أصحابها الى بغداد وتوزعت العوائل الكوردية في البيوت الاخرى بتخصيص غرفة لهم ،وبالرغم من هذا التواجد فلم تحدث اية اضطرابات تذكر ’حيث كان الاغا المرحوم جعفر البيسفكي مسؤولا على امنها وحريصا على القرية من كل سوء .كانت تبادل الزيارات العائلية المتبادلة تتميز بالعلاقات الجيدة بين الكورد والكلدان ،وكانت المشاركات في الافراح والاحزان قائمة بينهم فلم يخلو عرس منكيشي من الاكراد يعبرون عن فرحتهم وبهجتهم لزواج جيرانهم،وهكذا لنا من ذلك العهد أصدقاء من الكورد حضرنا المدرسة سوية  وشاركنا اللعب سوية وسافرنا سوية ولم نشعر بفرق بيننا على أساس الدين أو القومية .
أستمرت هذه الحالة حتى سنة 1970 حيث عم السلام بعد 11 آذار ،فغادرت العوائل الكوردية متطوعة ,واتذكر ومعي كل المنكيشيين كيف كانت المواقف محزنة وتراجيدية عندما كانت تلك العوائل تودع جيرانها المسيحيين ،وكان الفراق صعبا بعد عُشرة أخوية.
وبدأت العوائل الكوردية ثانية يزداد عددها في منكيش منذ بداية الثمانينات من القرن الماضي بحكم الوظيفة في دوائر الناحية ’وثم حصولهم على قطع اراضي سكنية بحسب القوانين الحكومية  وليس عن طريق الاستيلاء،وازداد عددهم بعد ألاستقرار الامني منذ 1991 فوصل عددهم الى المذكور اعلاه ،وهم يعيشون مع بعضهم بالمحبة والتعاون ولاحترام المتبادل والاخوة ،فأستمرت  ثانية الانشطة الاجتماعية المشتركة بكل جوانبها وأشكالها دون أية أضطرابات تذكر ،فهناك العيش المشترك والمصير المشترك.بين الكلدان والكورد ،ويضطلع دورا مهما كبيرا اغا آزاد أبن المرحوم جعفر آغا  لتقوية أواصر المحبة والاحترام وحفظ الامن وبالتعاون مع المختار والوجهاء من بلدتنا " فقبل شهرين اتصلت تلفونيا معه ،فقلت هل تعرفني ،فأجابني يكفي أن تقول أنا منكيشي " كم هي هذه العبارة عظيمة ولها أبعاد نفسية وأجتماعية لا حدود لها ،فهي تكفي لتفنيد ما قيل مؤخرا عن المنكيشيين وعلاقتنا مع الكورد ،وهو الاغا نفسه الذي كان في موكب أستقبال غبطة البطريرك مار لويس ساكو في زيارته الاخيرة الى منكيش الى جانب المنكيشيين .
ولهذا أقول أتركوا منكيش وشأنها فلها خصوصيتها الاجتماعية والسكانية والتاريخية ، ولا يمكن أن تخترق جدارها الاجتماعي ونسيجها السكاني المتحد أية محاولة فحتما ستكون بائسة ، فالذين يزرعون الفتن لا وجود لهم بين أهالي منكيش من الكلدان والكورد ، فهم يحترمون الكورد والاشوريين والسريان، فلم يفكروا يوما بوجود فرق بينهم .فالا تخافون من زرع الفتن واحزاب شعبنا وكل المهتمين يسعون لبقاء وتشبث شعبنا بارضه /فهل هذه الطريقة السليمة هي عندكم لبقاء شعبنا على ارضه؟ أم نفكر بخلق سبل العيش المشترك بين جميع مكونات الشعب العراقي لنحافظ على سلامتهم.  
                    

69

المطران مار توما روكس* خنجرخان
وقضية كلدان الملبار
في ضوء رسائل البطريرك مار يوسف أودو
الدكتور عبدالله مرقس رابي
باحث اكاديمي

                 قدمت الاسر المنكيشية على مر السنين عددا من أبنائها لخدمة الكنيسة ونشر كلمة الرب ،وشكلوا اكليروسا يفتخر به سكان المنطقة والكنيسة الكلدانية .ومما يؤسف عليه أنني لم أتمكن من حصر جميع الاكليروس من أهالي منكيش في العهود الاولى ما قبل دخول الكثلكة ،عدا ما ورد ذكره عن الطوباوي ( قفريانوس ) من ( بيت مكوشي ).(وقد تحدثت عنه في سلسلة مقالاتي عن منكيش والمنشورة في موقع منكيش حصرا ،الحلقة رقم 11 )  وورد ذكر القس ( خوشابا )في العهد النسطوري القريب، ويعتقد أنه كان آخر كاهن نسطوري في منكيش ،وله أحفاد في القرية ويشكلون الان عائلة ( آل قاشا ) نسبة أليه، كما أورد ذلك بعض المسنين من هذه العائلة، وينتسب أليها الاب(ممتاز عيسى قاشا )وظهر المطران مارتوما روكس خنجرخان أكثر شهرة ومكانة في تاريخ الاكليروس من أبناء منكيش  القرن التاسع عشر،وعليه ساسلط الضوء على حياته كطرف رئيسي في القضية الملبارية الكلدانية.
                                          المطران مار توما روكس خنجرخان
وهو أحد أبناء عائلة خنجرو الحالية ،ولكن جاء ذكر لقبه في سجل الرهبنة الانطونية الكلدانية وفي رسائل البطريرك مار يوسف السادس أودو ( خنجرخان )، ولد في منكيش في مطلع القرن التاسع عشر بدليل أنه دخل الرهبنة الانطونية الكلدانية في 20/ 4 /1823 . رُسم كاهنا في الموصل في كنيسة( مسكنتة ) على يد المطران ( مار يوسف السادس أودو ) بتاريخ 3/ 12 /1848 .
       وقد أحتمل الاضطهادات الكثيرة التي شنها حاكم العمادية آنذاك على الاديرة الكلدانية وتحديدا على دير( مار هرمزد ) المطل على سفح جبل القوش ،وذلك بتحريض من ( بيت أبونا ) ضد هؤلاء الرهبان الكاثوليك باعتبار ان ممتلكات الدير ترجع الى هذه العائلة ، حيث نُهب الدير وتشرد الرهبان لعدة مرات،ففي سنة 1835 سجن مار توما عندما كان راهبا في الدير مع المطران مار يوسف أودو في العمادية على أثر تلك الاضطهادات .
       أُنتخب في 20/ 9 / 1860 ليكون أُسقف لابرشية عقرة والزيبار ،لكنه أعتذر . وبعد ثلاثة أيام أي في 23 /9 /1860 أنتخب مطرانا للملبار في الهند  عندما ظهرت بوادر القضية الملبارية مابين بطريركية بابل الكلدانية والكرسي الرسولي في روما ،تلك القضية التي ارادت روما من جعل كلدان الملبار تحت رعايتها وادارتها مباشرة ، وتغيير طقسهم الكلداني ،بينما أعترض البطريرك مار يوسف السادس أودو على هذا التصرف الصادر من روما ،مما بادر لارسال مطرانا كلدانيا الى الملبار وبطلب والحاح منهم، أي من كلدان الملبار تحديا لتلك التصرفات التي كانت تدخلا مباشرا في شوؤن الكنيسة الكلدانية . 
      أشترط مار توما قبل رسامته أن تكون أسامته لابرشية البصرة ،وبموافقة المطارنة المجتمعين في الموصل، أسامه البطريرك ماريوسف السادس أودو مطرانا على البصرة في التاريخ أعلاه. وسافر الى الهند عن طريق البحر ،ومكث هناك قرابة سنة واحدة،وثم رجع الى الموصل في شهر تموز عام 1862 .مكث في القلاية البطريركية منذ 24 / 4 / 1863 معاونا بطريركيا ،أي مساعدا للبطريرك في تدبير شؤون الكنيسة ،وبعدها أتجه الى ألقوش وأستقر هناك في الدير .وقد حضر الاحتفال بوضع الحجر الاساس لكنيسة اللاتين في الموصل المعروفة بكنيسة الساعة في 9 / 4 / 1866 ،وحضر أيضا مجمع انتخاب البطريرك ( مار أيليا عبو اليونان ) في دير السيدة قرب ألقوش سنة 1878 .وتوفي في 24 / 3 / 1889 ،ودفن في كنيسة ( مسكنتة ) في الموصل .* *
   وقد رافق المطران مارتوما خنجرخان البطريرك المعروف مار يوسف السادس أودو منذ أن كان راهبا وثم كاهنا،ذلك البطريرك الذي أشتهر في قضية الملبار الهندية كما أشرنا أعلاه، فكسب مارتوما شهرته أيضا لموافقته أن يكون زائرا وموفدا من قبل البطريرك الى الهند في أصعب الظروف التاريخية والعصيبة والمهمة، وفي ظل أسوء علاقة بين البطريركية الكلدانية وكرسي روما حول كلدان الملبار .وفي هذه المقتطفات التي أخترتها من رسائل البطريرك مار يوسف يتبين مدى أهتمام الاخير بالمطران مار توما.
      تلبية لرغبة الملباريين في الهند وفقا لرسالتهم الموقعة من قبل 187 كنيسة كلدانية و650 كاهنا الموجهة للبطريرك مار يوسف أودو في شباط 1853 ،يطالبون فيها البطريرك( ارسال اسقفا من بين الكلدان والطقس الكلداني،ليتخلصوا من عبودية اللاتين أعداء طقسنا ،هؤلاء الذين أتلفوا حوذرتنا وابطلوا كزناـ وشوهوا كتبنا الخدمية ،لقد شوهوا طقسنا واحتقروا لغتنا وصلواتنا ،فهم بالحقيقة غرباء عنا فأصبحنا نحن غرباء عن ذاك الذي هو رئيسنا الشرعي وأبونا الطبيعي ،ورغم كونهم دخلاء فهم يريدون التسلط علينا ،هؤلاء الظلام والرؤساء غير الشرعيين.....الخ ،ويصرحون بأنه لايعرفون غيره رئيسا لهم فاعتبروه بطريركهم الشرعي والقومي)( ص10- 11  رسائل مار يوسف السادس اودو بطريرك الكلدان ،ترجمة المطران ابراهيم ابراهيم والشماس خيري فومية 2010 ).
     ففي رسالة البطريرك ماريوسف المؤرخة في 1 تشرين الاول عام 1860 في مدينة الموصل، والموجهة الى مار توما خنجرخان يقول فيها ( لأخينا الحبيب مار توما خنجرخان ميطرافوليط "براث ميشان " البصرة الكلي الوقار ،بالرب السلام.
أما بعد أننا بطريرك بابل ومعنا جميع أخوتنا احبار الكنيسة الكلدانية الجزيلي الاحترام ، قد أخترناك وأمرناك بالذهاب الى بلد الملباريين في الهند ،لتقف على أحتياجات المسيحيين الكاثوليك أبناء طقسنا الكلداني في تلك الامصار....ألخ .كتبنا لك  هذه الرسالة للتأكيد والاطمئنان ،وسلمناها بيدك لتكون حجة عند الحاجة وأبرازها )وكانت الرسالة موقعة من قبل سبعة مطارين ومعهم الرئيس العام لرهبنة مارهرمزد الكلدانية.
      وفي رسالته المؤرخة في 12 تشرين الثاني عام 1860 في مدينة الموصل ،والموجهة الى كلدان الملبار ،وأرسلها بيد مار توما نفسه وجاء فيها : ( قد رسمنا أسقفا اخانا مار توما الموقر ،هذا الذي كان ومنذ العام 1828 م ،ولهذا اليوم يعمل بأمرتنا ،بصفته وكيلنا وهو الذي كان يرعى ويدبر جميع اعمالنا بصفته أمينا لسرنا ،ورغم ذلك فقد بترناه عنا ،وارسلناه الى طرفكم ،وقد قبلنا بهذه الخسارة كي يكون لبنائكم وفائدتكم ) ص 21. وجاء في الرسالة أيضا ( ثم أعلموا أننا هنا من جهتنا قد لبينا طلباتكم ، الطلبات التي أنتم وآباؤكم طلبتموها ومنذ زمن، وبالحاح من كرسينا البابلي،بدموع سخية ،واستغاثات حزينة وحسرات كئيبة . أي ، ها أننا قد ارسلنا لكم مطرانا كلدانيا من بني قومكم وأمتكم ، فالمطلوب منكم وما يلزم عليكم عمله الان هو : أن تقبلوه بغلية الفرح وتكرموه باطاعتكم اياه ووفاقكم معه كما يليق بدرجته المقدسة .....الخ ص 22 ).
    ويأتي ذكر مارتوما في الرسالة المطولة والمؤرخة في 14 /تشرين الثاني عام 1860  والموجهة الى كلدان الملبار( واننا مستعدون اذا لزم الامر ،أن نضحي من أجلكم لتحريركم من أيدي سالبي حريتكم الكنسية ،ولاعادتكم بسلام الى طقس آبائكم الحقيقي ،الذي قبلوه من الرسل الطوباويين وسلموه لكم مع الكتب المقدسة وباللغة الكلدانية التي هي لغة مملكة بابل .ص 24 ) ويقول مار يوسف ( وعليه فبرهانا على محبتنا لكم واشفاقا عليكم نرسل اليكم أبننا العزيز وأخانا الموقر مار توما مطران البصرة حسب حقوق كرسينا عليكم.نرسل لكم هذا الاخ ليزوركم نيابة عنا ويرى أحوالكم وليثبتكم ويعزيكم لتجابهوا صنائع وتجارب الشرير،وأظهروا وبواسطة نائبنا المذكور محبتكم واستسلامكم الشامل للكرسي البابلي ص26 -27 )ويؤكد ( أن تعملوا وتواظبوا على اتمام أوامرنا وتنبيهاتنا وارشاداتنا ونصائحنا التي باسمنا يعطيكم اياها مار توما. ص 28 ).
       وجاء في رسالة مرسلة من المطارنة الكلدان الى كلدان الملبار والمؤرخة في 14 تشرين الثاني عام 1860 ،حيث يقولون ( ولاظهار اهتمامكم الصادق لنا ،نرتأي انه حينما يصل مار توما بمراحم الرب على مقربة من بلدكم ،لا يليق به أن يدخله دخلا بسيطا وعاديا ،بل ليمكث في بلدة مجاورة لبلدكم ،حتى تزف لكم بشرى وصوله وغاية مجيئه مع نسخ من رسالة ابينا البطريرك حول ارساله ،فتذهبون انتم للقائه وزيارته وأظهار عظيم محبتكم وغيرتكم ووفاقكم ،ونطلب منكم ردا صريحا وموقعا من جميع كهنة ووكلاء ورؤساء الكنائس وشعب ملبار كله .حينئذ اذا قمتم جميعكم وفرزتم انفسكم من اللاتين ،واعتقتم رقابكم من نيرهم وتجاوزتم ضيقاتكم أمام العالم وأمام عظماء مملكة الانكليز ومواطنيكم ،وأظهرتم جليا بأنه هو راعيا لكم ، وأخرجتم اللاتين الذين بالاكراه يريدون أن يتحكموا فيكم ،ورافقكم عدد من أناس معروفين من لدن " كوبار " المحافظ والحاكم الكبير على " مدراس " ،وذلك لادخال المطران توما بكل وقار وزياح الى مدنكم وكنائسكم ،حينئذ يدخل كراعي الى رعيته ،وكمطران الى كرسيه ص 37 ) . ويشيروا الاساقفة في رسالتهم الى ( فأخانا مارتوما ،وبلا شك عند زيارته للكنائس سيشيد المدارس حيث يجد الحاجة اليها ،فأقبلوه كما تقبلون البطريرك بشخصه واعملوا بحسب قوانينه واكرموه كأب ،ولا تقصروا في خدمته . ص 39 ) .
      وفي مستهل رسالة البطريرك مار يوسف أودو المؤرخة في تشرين الثاني 1860 الموجهة الى مارتوما  ويدون فيها الوصايا والقوانين يقول ( أنا يوسف أودو بطريرك بابل لاخينا الموقر مار توما خنجرخان مطران "براث ميشان " الموفد من قبلنا ومن قبل جميع مطارنة أمتنا الكلدانية الى الملبار وعموم الهند من الكلدان والهراطقة وغير المؤمنين الذين في تلك الامصار.ص 40 ) .
    وفي رسالته من الموصل والمؤرخة في 15 تشرين الثاني لعام 1860 والموجهة الى المطران مار توما عند وصوله بابل ( بغداد ) وهو في طريقه الى الملبار يقول : ( الى أخينا الحبيب مار توما السامي الاحترام ،السلام بالرب،لتعلم وأنت في الطريق التي ستسلكها ،قد تصادفك صعوبات وتجارب كثيرة ،بأشكال وأصناف مختلفة ،ومن كل الجهات وبوجه خاص تلك التي سيثيرها عليك وبلا سبب مبغضونا المعروفون لديك ،لكن رغم كل ذلك لا تفزع ولا تخاف ولا يضطرب قلبك من أي كان لان الله معك.....ألخ  ص 44 ).
   وجاء في رسالة البطريرك التي تُعد رد على رسالة المطران توما والمؤرخة في 10 كانون الاول من عام 1861 في الموصل ( الى أخينا مار توما المملوء مدحا وغيرة السلام بربنا لتعلم سيادتكم،باننا اليوم استلمنا رسالتكم المؤرخة في 10 كانون الاول ،وتعرفنا على كل ما أحتوته من الافكار ،اننا نشكر الرب على سلامتك وغيرتك للرب وغيرها من اهتماماتك خدمة للقريب،كما وعلى أتمامك أوامرنا وبحرص ....ألخ ص 45 ).
     وفي رسالة الملباريين في المنطقة الشرقية المؤرخة في 30 آب 1861 جاء فيها ( قارئ اللبيب ،حينما سافر مار توما الى بلاد الهند ووصل لتلك الديار ،فرح به كلدان تلك الامصار ،فأخذوا يكتبون له الرسائل ويرسلون الوفود من جهاتها الاربعة ممن كانوا تحت سلطة بطريرك بابل،أي لا ممن كانوا تحت سيطرة اللاتين ...الخ ص 47 )  وأما رسالة الملبار الشرقيين المرسلة الى المطران توما في نفس التاريخ اعلاه ،جاء فيها ( كلنا نحن كلدان المنطقة الشرقية نقول : لايخفى على سيادتكم بانه ولمرات عدة أرسلنا اليكم شمامسة من لدننا ليُرتسموا كهنة ،فارسلتموهم بدون رسامة معللين بذلك بعلل شتى.والان كلنا وبصوت واحد عمداء الكهنة والكهنة وكبار القوم نستغيث بكم ونقول : سيدنا انتم هو رئيسنا ومطراننا الكلداني ،وكلنا تبعناك واتحدنا معكم ،وعليه أُعتُبرنا كلنا هراطقة ومُحرمون من قبل المطران " برنردوس " اللاتيني ،فالى من نذهب ؟ليس الا لدى أبوتكم ...الخ ص 48 ) .
   وأما الرسالة الموجهة من البطريرك مار يوسف أثناء وجوده في روما الى المطران مارتوما والمؤرخة في 7 أيلول 1861 يقول فيها : (  الى أخينا العزيز مار توما الكلي المديح والوقار،بربنا السلام ،لا يخفاكم كيف كانت الخلافات والخصومات بيننا وبين " أماتون " القاصد الرسولي الموقر بشأن كلدان الملبار وغيرها . وأنه أوفدناكم الى تلك البلاد . ونزولا عند رغبة ودعوة قداسة الحبر الاعظم وان صعب علينا ترك مقر كرسينا البطريركي ،بدأنا السفر الى روما ،والان وبعون الله وصلنا بسلام وبرفقتنا مار بطرس دينتالي الموقر .وبعد وصولنا روما عاصمة قداسة سيدنا البابا فقد أعلن لنا عن أرادته ، أي يجب وقبل أن يبدأ معنا بالتحقيق في الامور الخاصة بقضية الملبار ولاتمام رغبة الشعب الكلداني الذي يرغب في نيل مبتغاه قال : لتعد أحوال ملبار الى سابق عهدها " أي كما كانت قبل وصول المطران مار توما خنجرخان " وبما أننا مطيعون لصوت راعي الكنيسة ورأسها المنظور ،لم نشأ مضادة أرادته ،أذ طاعته هي واجبة علينا .لذا أيها الاخ الموقر أننا نطلب من سماحتكم وحال استلامكم رسالتنا هذه مغادرة أرض الملبار والعودة الى مقر كرسيكم في براث ميشان ....ألخ ص 49 ).
    وكتب البطريرك مار يوسف رسالة أخرى الى مار توما وهو في روما ومؤرخة في 23 شباط 1870 جاء فيها ( الى مارتوما خنجرخان الجزيل الاحترام ،سلام ،وبعد لا يخفاكم انه قبل هذه الرسالة وبعد وصولنا روما أرسلنا لك ثلاث رسائل أخرى ،الاولى في 29 كانون الاول ،والثانية في 15 كانون الثاني ،والثالثة في 8 شباط الذي صادف اليوم الاخير من أيام صوم الباعوثا . وفي ثلاثتهم كتبنا لك كل ماكان ابلاغك ضروريا ." وهي رسالة مطولة يوضح البطريرك ما جرى من محادثات بينه وبين البابا وماجرى في المجمع من الاختلافات ،وكذلك ذكر فيها كيف خدعهم القاصد الرسولي "نيقولا " وهم في حلب في طريقهم الى روما، لولا تلك الخدعة لرجع البطريرك ووفده الى الموصل من حلب دون حضوره المجمع كما ذكر في متن الرسالة. ص 82 – 87 ) .
 وفي 18 ايار 1870 وجه البطريرك من روما رسالة اخرى الى المطران مارتوما جاء فيها ( لاخينا الحبيب مار توما خنجرخان الجزيل الاحترام ،بالرب سلام ،ليكن معلوم لديك بأننا قبل هذه الرسالة كنا قد أرسلنا لك ولجماعة الموصل وآخرين رسائل عديدة كلها ليدك وآخرها الرسالة التي ارسلتها في 11 أيار 1870 ،نطلب منك أن تبلغنا استلامك لتلك الرسائل ،وان تخبرنا بما يحدث بين ظهرانيك ،ويطلعه عن مايجري في روما من موضوعات ورفوضات في المجمع والمتعلقة " بعصمة البابا " تحديدا .ص 90 – 92 ) .
    وجاء في رسالة أخرى من البطريرك وهو في روما والمؤرخة  في 28 تموز 1870 (لاخينا مار توما خنجرخان الجزيل الاحترام ،السلام بالرب ،اعلم ،انه من جهة أعمالنا قد انتهينا ،والتأم المجمع برفض المائة والستون " عقيدة " العصمة وبعدم تنازلهم عن صلاحيتهم ،وكذلك نحن وبطاركة الروم والموارنة والسريان لم نحضر الجلسة الختامية ويعلم بذلك الجميع والمائتين من المؤيدين وافقوا لانهم يعتاشون على مساعدات البابا والباقون وافقوا خوفا ورياءا وطمعا بالمال والهدايا التي ينالونها بسبب مناصبهم ...ألخ ص 92 – 93 ).
 وجاء ذكر المطران مار توما في رسالة البطريرك ماريوسف الموجهة الى مار ايليا مطران عقرة والزيبار والمؤرخة في سنة 1874 ويشرح فيها ما آل أليه شعبنا الكلداني في الملبار .ص117 . وفي رسالة موجهة من القس أوغسطين المرسل الى الهند من قبل البطريرك أودو والمؤرخة في 6 كانون الاول 1874 جاء ذكر مارتوما خنجرخان في سياق حديثه عن الاعمال الشنيعة التي ارتكبها اللاتين في الهند تجاه الكلدان الملبار ،ويحث  الرؤساء على عدم الاستماع الى الدومنيكان وأن لايخافوا من حروماتهم لان هذه الحرومات ليست من الكنيسة . ص135 .
   وذكر البطريرك مار يوسف في رسالته الموجهة الى مار أيليا ميطرافوليط الملبار في 26 تموز 1875 في الدير الجديد " وهو دير السيدة " ذكر حضور مار توما خنجرخان في مراسيم رسامة مطرانين للكلدان . ص149 .وأخيرا جاء ذكر مار توما خنجرخان في رسالة البطريرك الموجهة الى مطران العمادية مار بولس من القوش والمؤرخة في 21 كانون الثاني 1877 ،والتي فيه يعلمه برسائل التهديد والوعيد التي وصلته من قداسة البابا عن طريق الاباء الدومنيكان .ص 180 .
يتبين من الرسائل المرسلة من قبل البطريرك مار يوسف السادس أودو الى المطران مارتوما خنجرخان مباشرة ،أو الى غيره وجاء ذكره فيها ،يتبين بوضوح:
 بأن مارتوما كان يتمتع بمكانة عالية ورائعة  في الكنيسة الكلدانية أثناء خدمته الكهنوتية والاسقفية وخاصة في القضية الملبارية ،مما يدل أنه لعب دورا مهما في تلك الاحداث لان معظم رسائل البطريرك كانت موجهة اليه من روما ليطلعه على مجريات الامور وتفاصيلها هناك .
أن محتوى هذه الرسائل يتمركز حول القضية الملبارية الكلدانية ،واتخاذ التدابير الرعوية لتخليص كلدان الملبار من سيطرة اللاتين وفرض طقوسهم عليهم .
من قراءة تفصيلية لهذه الرسائل المتبادلة بين البطريرك ووكيله مارتوما ـ يتضح جليا مدى الضغوط التي تلقاها رجال الدين في الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية من المرسلين الكرملين والدومنيكان في محاولة منهم لتغيير الموروث الكنسي الكلداني من الطقوس والتقاليد والسلطة ، ومحاولتهم لربطهم اداريا بسلطة كرسي روما مباشرة .
أستغلوا اللاتين المرسلين الى ديارنا والذين تجولوا في قرانا، طيبة الشعب الكلداني والاكليروس بشتى الوسائل كما يُذكر في الرسائل لتغيير مواقفهم والايقاع بين المؤمنين ورجال الدين ،وعليه انقسم الاهالي في القرية الواحدة والكهنة والاساقفة الى فريقين المؤيدين لروما بالضد من المؤيدين لبقاء تقاليدنا وطقوسنا وسلطتنا الكنسية.
تؤكد الرسائل المتبادلة وبوضوح وصراحة على التصرفات القمعية والمشينة والتخويفية وحتى الاستهزائية التي لا تليق برجال الدين التي استخدمت من قبل اللاتين للقمع الفكري وتغيير الاتجاهات من قبل مستويات دينية متقدمة في الرتب الكنسية كالقاصد الرسولي لاخضاع المؤمنين الى سلطة روما .
أشارة واضحة في الرسائل المتبادلة وجود الوعي القومي عند رجال الدين الكلدان في تلك الفترة اكثر مما هوعليه الان اذ نلاحظ دائما تكرار في الرسائل عبارات مثل ،الشعب الكلداني ـ الامة الكلدانية ـ وابراز اصالة الشعب وانتمائهم الى بابل ،واللغة الكلدانية. ،ويبدو جليا أن تأثير المعهد الكهنوتي الدومنيكاني في الموصل ( معهد ماريوحنا الحبيب ) كان له التأثير على هذه المفاهيم القومية على تلاميذه من حيث لا يشعرون ويدركون ما يجري حولهم، وقد درسوا فيه  وأعمارهم لا تزيد عن اثنتي عشرة سنة ،وبالرغم من تدريس اللغة الكلدانية الى جانب الفرنسية.
ربما سائل يقول : ما مدى مصداقية ما نُقل عن اولئك اللاتين ؟ الرسائل المتبادلة بين رأس الكنيسة الكلدانية ووكيله وأساقفته هي خير برهان على ذلك .وعليه نتمنى ان تُبنى العلاقة المعاصرة بين الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية وكرسي روما على مبادئ الاحترام المتبادل وحق تقرير المصير والابتعاد عن الخضوع والوصاية السلطوية والتدخل المباشر بالشؤون الادارية لكنيستنا ووضع حلول لسلطة الكرسي البابوي على الابرشيات الخارجية وفقا لمبدأ ان الارض ليست ملكا لجهة دينية دون أخرى.وذلك بتعديل المادة القانونية الكنسية التي تعالج تعاطي الفاتيكان مع الابرشيات الكاثوليكية غير اللاتينية التي تقع خارج الحدود الجغرافية للبطريركية .أذ يعد هذا مفهوما مصطنعا بكل المقاييس  لاستحواذ السلطة وفرضها على الغير ،فليس هناك حدود جغرافية تذكر لاي كرسي رسولي من الكراسي التقليدية المعروفة في الكنيسة ,لكي تفرض هذه الحدود الان .
          ----------------------------------------------------------
•   روكس: هوشفيعه سمي به عند اسامته مطرانا
•   المصادر المعتمدة
•   سجل الرهبنة الانطونية الكلدانية
•   رسائل مار يوسف ألسادس أودو بطريرك الكلدان ،تعريب وتحقيق المطران ابراهيهم ابراهيم والشماس خيري فومية ،مشيكن 2010 .
 
     

         
       


70
مفهوم المؤسسة بين
ليون برخو والقراء
د. عبدالله مرقس رابي
باحث أكاديمي

                        من متابعتي لمقالات الدكتور الصحفي  ليون برخو ، وبالاخص تلك المتعلقة بتحليل بعض الظواهر في المؤسسة الدينية ، تبين أنه غالبا ما يستخدم مفهوم " المؤسسة " بشكل غامض وغير واضح مما يعكس ذلك عدم الوضوح عند القراء، فيظهر نوع من الاختلاف والالتباس ثم سوء الفهم للمسالة من قبلهم أيضا،وقد يرجع السبب الى ما يؤكد عليه الدكتور برخو بنفسه مرارا ، هو" الكتابة  عن ظاهرة ما لابد ان معالجتها تتم من قبل الاكاديمي المختص" ، وطالما أنه صحفي اكثر من أن يكون أختصاصي في موضوع محدد ،فمن حقه الكتابة في اي موضوع او ظاهرة تلفت نظره ،وأنما الاخفاق في استخدام المفاهيم يكون امرا واردا لعدم الالمام بها ،ولان المفاهيم المسخدمة من قبل الصحفيين غالبا ما تكون أجتماعية والتي تتباين استعمالاتها من حقل معرفي الى آخر،حيث انفسهم أصحاب الاختصاص يختلفون فيما بينهم في مناسبات أستخدامها في بحوثهم ودراساتهم فكيف عند غير الاختصاصيين،وذلك لسبب واضح واساسي هو ،أن الظاهرة الاجتماعية نسبية في تكوينها زمانا ومكانا. .
  ولما كان الموضوع الذي يطرحه "برخو " باستمرار هو من المواضيع التي يهم كل شخص ينتمي الى المؤسسة الدينية ويهمنا جميعا ،وعليه أحاول تفسير هذا المفهوم وتوضيح المقصود به من منظور منهجية علم الاجتماع لاعتباره من المفاهيم الاساسية في فلسفة هذا العلم لعله قد نُزيل بعضا من الغموض لدى الجميع .
 ينطلق علماء الاجتماع في تحليلهم ودراستهم للمجتمع البشري من ألبنية الاجتماعية التي تتكون من عدة مؤسسات أجتماعية في حالتها الاستاتيكية أي في حالة استقرارها في فترة زمنية معينة بهدف الكشف عن القوانين التي تحكم التضامن بين النظم الاجتماعية، والديناميكية ،دراسة قوانين الحركة الاجتماعية والسير الالي للمجتمعات الانسانية أي دراسة الاجتماع البشري وانتقاله من حالة الى اخرى.( اوكست كومت 1798 – 1857 ) .
  تعد الوظيفية البنائية النظرية الاساسية في علم الاجتماع التي تفسر البنية الاجتماعية المتكونة من عدة مؤسسات اجتماعية ،فهي تؤكد ان المجتمع هو نسق بنائي يتكون من مجموعة النظم الاجتماعية ( المؤسسات الاجتماعية )وترتبط بالافعال الاجتماعية من أجل تلبية حاجات الافراد،وتؤثر فيما بعضها ،فلو حدث تغير ولو جزئي في أحدى المؤسسات سيحدث تغيرا في المؤسسات الاخرى .
    يعرف علماء الاجتماع المؤسسة الاجتماعية : أنها تتكون من مجموعة من الافراد متضامنة ولهم فلسفة فكرية محددة لتحقيق اهداف معينة وفق أدوار منتظمة ومنسقة بهيكلية محددة في أطار المؤسسة وللافراد أتصالات افقية وعمودية فيما بينهم ،وهم في علاقات تبادلية تأثيرية مع المؤسسات الاخرى. ولايمكن الاستغناء عن هذه المؤسسات في المجتمع البشري مهما كانت طبيعته،فقد توصل الانثروبولوجيون في دراستهم للمجتمعات البسيطة البدائية على ان البناء الاجتماعي لهذه المجتمعات يتكون من انساق ونظم أجتماعية تشكل مؤسسات تلبي كل منها حاجة اساسية لكي تتمكن تلك المجتمعات من التواصل في الحياة الاجتماعية .
    وفي ضوء هذا الاستنتاج حصر علماء الاجتماع التنظيم خمسة مؤسسات اجتماعية تشكل البناء الاجتماعي للمجتمع ومهما تكن درجة تطوره وهي : المؤسسة العائلية أو ( القرابية ) ،المؤسسة الدينية ، المؤسسة السياسية ، المؤسسة الاقتصادية ،المؤسسة التعليمية . وقد أضاف الباحثون حديثا مؤسسات استوجب وجودها في المجتمعات المتحضرة المعاصرة مثل المؤسسة الاعلامية والترفيهية. ويدرس علماء الاجتماع هذه المؤسسات باتجاهين هما ( الماكروي ) أي دراسة الكل والثاني (المايكروي ) أي دراسة مؤسسة واحدة أو ظاهرة من الظواهر الاجتماعية لغرض الوصول الى قوانين علمية للاستعانة بها في تنظيم وتخطيط شؤون المجتمع لتحقيق التوازن بين الانساق الاجتماعية لاستمرار الحياة،ويأتي مبرر علماء الاجتماع لكي يطلق عليها " أجتماعية " لان وجودها مبني على نمط العلاقات الاجتماعية السائدة بين الافراد المنتمين اليها ،أذ أن كل الانشطة والادوار التي يؤديها الافراد هي عبارة عن علاقات وأفعال أجتماعية، فلو أنعدم التفاعل الاجتماعي بين الافراد لأصبحت معدومة الفائدة فلا حاجة لها.
   ينظر اليها الباحثون الاجتماعيون من منطلق يختلف عن غير الاختصاصيين ، فهي ليست عبارة عن أبنية مادية ملموسة ومكائن ومعدات ومركبات وهياكل ومعابد وكنائس وأموال وكساء وغذاء ، أو ليست كما هو مفهوما أداريا مؤسسة انتاجية كشركة الغزل والنسيج، أو مؤسسة خدمية كمؤسسة النقل الداخلي مثلا ،بل هي أطار فكري أجتماعي ناتج عن تفاعل مجموعة من الافراد تستخدم الاشياء المذكورة وسائلا لتأدية الوظيفة الاجتماعية لتحقيق الاهداف ،ويختلف نمط وطبيعة هذه الاشياء من مجتمع الى آخر زمانيا ومكانيا ،أي أن المؤسسة الاقتصادية موجودة في المجتمع البدائي والنامي والمتحضر ولكن قد تكون العصا المستخدمة من قبل الشعوب البدائية لالتقاط الاثمار من الاشجار واستخراج الدرنيات من الارض لتوفير الغذاء هي الوسيلة التي يستخدمها الافراد في المؤسسة الاقتصادية  مقابل بعض الادوات اليدوية في المجتمع النامي والتكنولوجية المتطورة في البلدان الصناعية المستخدمة لانتاج الغذاء .
   ونقيس على ذلك المؤسسة العائلية، فالعائلة في المجتمع البدائي تعيش في كوخ مبني من أوراق الاشجار وسيقانها وبسيطة جدا قياسا للعائلة التي تعيش في دار مبنية بشكل هندسي في البلدان النامية وهي الاخرى تختلف عن تلك الدار المتطورة في البلدان المتقدمة المزودة بمختلف وسائل الراحة ،وتنطبق الحالة على المؤسسة الدينية ،فالشامان أو الكاهن أو الساحر الذي هو رجل الدين في المجتمعات البدائية يعيش في كوخ بسيط وقد يمتلك بعض الادوية النباتية والمعطرات والادوات البسيطة ،بينما يؤدي رجل الدين وظيفته الدينية بكنائس ضخمة كما نراها وطقوس وممارسات منسقة لايمكن قياسها ببعض حركات الشامان البدائي .يمكننا القول بان فكرة المؤسسة الاقتصادية والعائلية والدينية وهكذا كل المؤسسات الاخرى موجودة في كل المجتمعات ولكن الذي يختلف هو الوسيلة المستخدة لتحقيق الاهداف التي هي واحدة في كل المجتمعات .
     لو طبقنا القانون الكونتي نسبة الى ( كونت ) في الاستاتيكية والديناميكية على هذه المؤسسات ،سيتبين بان كل مؤسسة لها حالة استاتيكية مستقرة في كل المجتمعات وهي الوظيفة التي تقدمها ،أي الدور الذي تؤديه كل مؤسسة من خلال الادوار التي تؤديها الاجزاء المتكون منها نسق المؤسسة،حيث تشير الدراسات الاجتماعية والانثروبولوجية على أن المؤسسات الاجتماعية في البناء الاجتماعي للمجتمع تؤدي الوظيفة ذاتها بالرغم من اختلاف درجة التطور لذلك المجتمع زمانيا ومكانيا.
وأما الحالة الداينميكية للمؤسسة ،فهو التغير الحاصل في البناء ،أي في التشكيل الهرمي وطبيعة الادوار ونمط الاشخاص الذين يؤدون هذه الادوار،من حيث خصائصهم الديمغرافية من التعليم والمهنة والاتجاهات السياسية ، وثم الجوانب المادية البيئية المرتبطة بالمؤسسة .وقد ثُبت علميا بأن هذه العناصر المرتبطة بالمؤسسة الاجتماعية تتغير زمانيا في نفس المجتمع ومكانيا بين المجتمعات البشرية بفعل عوامل التغير الاجتماعي وتطور العقل البشري ،مما يحدث تغيرات في مؤسسة معينة فيمتد تأثير هذا التغير الى باقي المؤسسات الاخرى.
  لوأخذنا المؤسسة الاسرية مثلا ،نلاحظ بأن وظيفتها الاساسية عبر المراحل التاريخية لكل المجتمعات وكذلك من خلال المقارنة الانثروبولوجية بين المجتمعات البشرية من حيث درجة تطورها،أن هذه الوظيفة هي واحدة لم تتغير تتمثل بتنظيم السلوك الجنسي والانجاب وتوفير الضمان العاطفي للافراد وثم التنشئة الاجتماعية للابناء،وانما الذي تغير في العائلة زمنيا والاختلاف الحاصل بين المجتمعات في المؤسسة العائلية هو هيكليتها وأدوار أعضائها ، فالعائلة تكون في المجتمعات التقليدية كبيرة الحجم ،يطلق عليها الاسرة الممتدة أو المركبة لمعيشة أكثر من جيلين سوية ،بينما المجتمعات الحديثة تتميز بوجود العائلة النووية المتكونة من الوالدين والابناء فقط ،يتغير دور الام أيضا فبدلا من اعتبار الام هي مخلوقة لتحضير وجبات الطعام والاعتناء بالاطفال في المجتمعات البدائية والتقليدية بينما الام في المجتمعات الحديثة تخرج لتؤدي أدوارا أخرى مثلما هي عند الرجل،وقد تسكن العائلة في بيت بسيط مبني من أغصان الاشجار وباعداد كبيرة من الاعضاء ،بينما يعيش الوالدين وطفلين فقط في مبنى ضخم في المجتمع المتقدم .
  وهكذا بالنسبة الى المؤسسة السياسية ،نلاحظ بان وظيفتها في تحقيق العدالة وتوفير الامن الداخلي والخارجي للمجتمع ووضع القوانين وتنفيذها هي وظيفة ثابتة بالرغم من اختلاف المجتمعات مكانيا وزمانيا ،لكن الذي يتغير في المؤسسة السياسية هو هيكلها والادوار التي تؤديها ،فبدلا من مؤسسة سياسية بسيطة في تركيبها في المجتمعات البدائية التي تمثل بشيخ القبيلة وحاشيته والاعتماد على العرف في تحقيق العدالة وثم الاعتماد على فرسان القبيلة لحمايتها بابسط الاسلحة اليدوية ،نلاحظ تعقد الادوار التي تمارسها المؤسسة السياسية في المجتمع المتحضر في النواحي المذكورة من حيث تعدد القوانين ،والاحزاب السياسية المشاركة في الحكم ،والاسلحة المتطورة المستخدمة لحماية المجتمع .أو قد تتغير طبيعة النظام السياسي وفلسفته وتسميته ،بدأًًَ بالنظام القبلي ’والدكتاتوري ،والديمقراطي ، الاشتراكي ، الراسمالي ،ولكن مهما تعددت هذه الانماط فوظيفتها واحدة لاتتغير.
   الذي يهمنا هنا ،هو المؤسسة الدينية ،شأنها شأن المؤسسات الاخرى في البناء الاجتماعي ،فهي تؤدي وظيفة واحدة في مختلف المجتمعات البشرية زمانيا ومكانيا ،تلك الوظيفة التي تتمثل في وضع أفكار وممارسات تنظم العلاقة بين أعضائها والخالق ،فهي تحدد طبيعة الافكار والمعايير التي يستند عليها الافراد في تحديد موقفهم من االميتافيزيقيا ( ماوراء الطبيعة ) ومبنية على عوامل الحذر ما بعد موت الانسان،أذ سينال العقاب أو الثواب من الخالق بغض النظر عن أختلاف طبيعته،ألذي قد يكون الجد الاعلى للقبيلة بمفهوم المجتمعات البدائية ـ أو الله بمفهوم الاديان السماوية وهكذا بالنسبة الى الاديان الباطنية التي تحتوي في طيات أفكارها تصورات مقتبسة من أديان مختلفة، وهذا يمثل الجانب الاستاتيكي الثابت للمؤسسة الدينية . وتعد المعتقدات التي تتبناها المؤسسة الدينية مقدسة لايمكن المس بها أو انتهاكها من قبل الافراد .
     هذه هي المسألة التي دائما وفي كل طرحه عن المؤسسة الدينية يؤكد عليها الدكتور برخو فهو حذر من انتهاك هذه المعتقدات للمؤسسة الدينية التي يوجه انتقاداته اليها فيقول ( علينا أن نميز بين المؤسسة الدينية والرسالة السماوية ) وهنا هو بيت القصيد الذي يشوه الفكرة بالنسبة للقارئ فقد تكون واضحة بالنسبة له لكن يشوبها الضبابية والغموض بالنسبة الى القارئ ،فهو يكتفي بالعبارة المذكورة دون التمييز والتوضيح مما يقوله . وهوالخطأ الذي يقع به الدكتور برخو لان الرسالة السماوية التي تتمثل الافكار والمعتقدات التي تتبناها المؤسسة الدينية هي نفسها جزء لا يتجزأ من المؤسسة ،فيعرض نفسه الى الانتقادات وقد تكون تلك الانتقادات أيضا في غير محلها لان المسألة متلخبطة للقارئ وسببها هو تعبير الدكتور برخو وكيفية ايصال المعلومة.
  ولكي تتضح الامور أكثر ، نأتي الى الجانب الديناميكي للمؤسسة الدينية ،كما تبين أن الوظيفة للمؤسسة الدينية هي ثابتة وواحدة في مختلف المجتمعات ،بينما الجزء الاخر المتغير فيها هو الهيكلية ونمط الادوار وطبيعة الاشخاص الاداريين( رجال الدين ) للمؤسسة والمؤمنين من حيث خصائصهم الديمغرافية من التعليم،المهنة ،الظروف الاقتصادية ، التنشئة الاجتماعية التي يتلقاها من الاسرة والخصائص العقلية ،والمواقف النفسية والاستعدادات الذاتية التي قد تميل الى التسلط أو الانحراف أو التمرد والانجراف وراء المغريات وماشابه  ،وتشمل التغيرات أيضا طبيعة العلاقة بين المؤسسة الدينية وباقي المؤسسات الاخرى ،تلك العلاقة التي تحدد نفوذ ومكانة وسلطة المؤسسة على المؤسسات الاخرى أو مدى خضوع المؤسسة الدينية للمؤسسات الاخرى،وتشمل التغيرات البيئة المادية للمؤسسة الدينية التي قد تكون كوخا صغيرا أو معبدا أو كنيسة ضخمة أو قد تكون المؤسسة في منطقة جغرافية ذات بيئة أجتماعية محافظة تقليدية أو بيئة أجتماعية متحضرة تخضع للافكار التي تفسر الظواهر في معطيات العوامل الموضوعية وليست الغيبية الميتافيزيقية ،وهذه هي الجوانب التي تتعرض الى الانتقادات من الدكتور برخو .
  اذا، الاداريون في المؤسسة الدينية أي رجال الدين بمفهوم المؤسسة الدينية المسيحية هم من ضمن الجانب الداينميكي المتغير من النسق المؤسساتي ،فهم ألذين يتغيرون في طبيعتهم النفسية،و في تفسيرهم للمعتقدات وطريقة التعامل مع المؤمنين . وكما قلنا في البداية بأن المؤسسات تؤثر بعضها بالبعض وقد يكون هذا التأثير شديدا على مؤسسة دون أخرى،فنلاحظ أن التغيرات التي حصلت في المؤسسات الاخرى في المجتمع منها التعليمية التي أتاحت الفرصة للغالبية العظمى من أفراد المجتمع لكي ينالوا تعليمهم ،  والسياسية التي أبتعد عن التأثيرات الدينية في تشريعها للقوانين وأبتعادها من التأثيرات التي تلقتها سابقا من المؤسسة الدينية،  والاقتصادية التي انتجت أعظم أجهزة للتواصل الاجتماعي وانتاج المعلوماتي الهائل ،وكما حدث التغير في أدوار المؤسسة العائلية وتأثيرها المباشر على أبنائها لتنافس الوسائل الاعلامية وحتى الاحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدنية في الـتاثير عليهم لابل أكثر قوة وتوجيها للمواقف والاتجاهات من العائلة .
هذا التغير الحاصل في مؤسسات البناء الاجتماعي كان له بلا شك تأثيرا واضحا وكبيرا في المؤسسة الدينية،وبالطبع في جانب البنائي لها ،فالظروف التي أحاطتها المؤسسة الدينية المسيحية الكاثوليكية أو تحت أي مذهب آخر عبر المراحل التاريخية المختلفة  ليست ذات الظروف التي تحيط بها الان ـوذلك للتغير الذي حصل في المؤسسات الاخرى وطال التأثير عليها ،وقد أحدثت هذه التغيرات تبدلا بالافكار التي يحملها رجال الدين والتي بدورها أحدثت تبدلا في طبيعة العلاقة بينهم وبين المؤسسات الاخرى في قيادة وأدارة الكنيسة ،ومواقفهم تجاه المؤمنين فهناك فرق شاسع بين مؤمن القرون الوسطى والمؤمن في عصرنا ،لا بل هناك فرق بين مؤمن في قرانا والمؤمن في المهجر . فأذا تغيرت أدوار رجال الدين وبالتالي ستتغير الطقوس والانشطة الدينية التي يمارسها رجال الدين ومعهم المؤمنين بحكم التغيرات الحاصلة .
  وخلاصة القول ،أتضح أن المؤسسة الدينية واحدة من المؤسسات التي يتكون منها البناء الاجتماعي ذات التأثير المتبادل ،وتبين أن للمؤسسة الدينية جوانب ثابتة وهي الوظيفة المتمثلة بوضعها العقيدة التي تتبناها وتمثل ( الرسالة السماوية ) في الاديان السماوية ،وجوانب أخرى متغيرة وهي الادوار التي يمثلها رجال الدين ،هذان الجانبان لم يتمكن الدكتور برخو من توضيحها حين طرحه وتفسيره لظاهرة المؤسسة الدينية الكاثوليكية ،فالخطأ هو قوله في سياق أفكاره وطروحاته (أنا لا أعني في أنتقادي الرسالة السماوية بل المؤسسة الدينية ) فهو من حيث لايدري ينتقد الرسالة السماوية التي هي المعتقدات التي وضعها مؤسس الديانة عندما يقول بل أنني انتقد المؤسسة الدينية وهو خطأ غير مقصود ، لان كما مر من تحليلنا أن الرسالة هي جزء من المؤسسة ،ولكن التعبير الاصح هو القول :اني لا انتقد الرسالة بل الادوار التي يمثلها الاكليروس وطبيعة العمل والعلاقات السائدة لكي يتجنب الدكتور برخو المزج والخلط في المفاهيم .وأخيرا قد يرى البعض أن المؤسسة الدينية والتي تمثلها الكنيسة في المسيحية ليست مؤسسة وهذا خطأ ناتج من الضعف في حقول المعرفة المختلفة ,ولكن الذي يُفسر بأنها مؤسسة هو من أجل التنظيم الاجتماعي وفهم المجتمع والبناء الاجتماعي وتفسير حركة المجتمع .   
 
   عذرا لعدم ذكر المصادر لاغراض الاختصار فهي في حوزتي ومن يريد الاطلاع يمكن مراسلتي عبر الموقع وشكرا
   


71
الدلالات المستخلصة من البيان الختامي
لسهنودس البطريركية الكلدانية
وفي ضوء اللقاء الاخير لصوت الكلدان مع سيادة المطران مارابراهيم ابراهيم
د. عبدالله مرقس رابي
استاذ وباحث اكاديمي

                         تضطلع القيادة في المؤسسة أو اي تنظيم أجتماعي دورا كبيرا الى جانب العوامل الاخرى الذاتية والموضوعية في التخطيط والمتابعة لتحقيق الاهداف ،وفي مؤسستنا الدينية الكلدانية الكاثوليكية برز دور القيادة بعد تسلم غبطة البطريرك مار لويس روفائيل الاول ساكو السدة البطريركية ،ففي فترة قياسية لا تتجاوز الخمسة أشهر تمكن بجدارة في التهيئة لعقد السيهنودس الكنسي المقرر أقامته سنويا ولكن مرت اربعة سنوات من دون انعقاد ،وعليه ظلت العديد من المسائل الكنسية الهامة معلقة بدون أجراء .
وبعد أن وضع غبطته برنامجا شاملا لمناقشته مع الاباء الاساقفة كما أشار اليه سيادة المطران مار ابراهيم ابراهيم في لقاء أجراه الاستاذ شوقي قونجا في أذاعة صوت الكلدان مع سيادته أثر عودته من بغداد ، وجه الدعوة لهم لحضور السينودس للفترة بين5 -  11 من شهر حزيران الحالي ،وقد تلبى الدعوة جميعهم باستثناء راعي ابرشية مار بطرس سيادة المطران مارسرهد جمو لاسباب غير معلنة ،في الوقت الذي كان حضوره مهما جدا لتقديم مقترحاته ومشاركته في المناقشات بشكل مباشر ليكون هناك التأير المتبادل والوصول الى تحقيق المطلوب.
ومن الدلالات المستخلصة من السينهودس من وجهة نظري يمكن أجمالها كما يأتي :
 عكس أنعقاد السينهودس عدة رسائل عامة موجهة للجميع ومن أبرزها ،
أولا  : عقدُ السيهنودس على ارض الوطن وفي العاصمة بغداد في الظروف الامنية السيئة دليل واضح ورسالة الى الشعب العراقي بكل مكوناته لتؤكد ، نحن مسيحيو العراق، سكان البلد الاصليين ولا يمكننا التخلي عن ارض الاجداد مهما تعرضنا اليه من أضطهاد وبؤس وظلم،فبالرغم من تشتتنا ،لكن نعود لنطلق رسالتنا في السلام والاستقرار والعمل والبناء من ارضنا العراقية.
ثانيا  :تشير تلبية الاباء الاساقفة لدعوة غبطة البطريرك لحضور السيهنودس في بغداد ،دليل واضح على مدى تمتع البطريرك مارلويس ساكو بشخصية كارزماتية مؤثرة في استخدامه الحكمة واساليب الاقناع وتغيير الاتجاهات والمواقف لان بعض من الاباء الاساقفة انفسهم لم يبادروا وبل رفضوا سابقا الحضور الى بغداد لعقد السيهنودس .
ثالثا : مشاركة القادة السياسيين العراقيين وتلبية الدعوة الموجهة لهم لتناول عشاء المحبة والسلام  من غبطة البطريرك مار لويس أمر في غاية الاهمية ، اذ تشير الى تمتع ابينا البطريرك بمكانة رائعة وقيمة وتقديرواحترام عند الاطراف السياسية المختلفة في العراق وتعكس في أهمية دوره لصنع السلام والتوفيق وايجاد سبل المصالحة والتكافل من أجل الشعب العراقي وانقاذ الوطن من شر الحرب الطائفية المدمرة ، ومن ثم يُفهم ان هذه الامكانية هي دليل على تمتع الكنيسة الكلدانية بدور تاريخي انساني ومرتبط بالوطن لتحقيق السلام العادل والشامل والمحبة وبغض الانانية في السلطة وادارة البلد .
رابعا : عبرت نتائج السيهنودس عن عدم صحة التفسيرات والتكهنات لبعض الكتاب من شعبنا التي أزدادت في الفترة الاخيرة لتفسير أقوال أبينا البطريرك وما سوف يتمخض عنه السيهنودس ،مما يدل بوضوح اخفاقهم لتفسير المعطيات لافتقارهم لاساليب الفن الصحافي ،أو التحليل العلمي الاستقرائي السليم ،بل أن أغلب تفسيراتهم تعتمد على المنطق الاستنباطي القديم في تفسير النصوص أو الظواهر ، والذي من ميزاته تدخل العوامل الشخصية للكاتب في التفسيرات والتحليلات مثل ، الاسقاطات الشخصية والعلاقات وتاثير العواطف التي تبعد الانسان من التفكير العقلاني مما تؤثر على نتائجه .وكذلك أخفق بعضهم في تفسير محتوى البيان الختامي للاعتماد على التحليل المتأثر بالعوامل الذاتية ،فقد غاب عن ظنهم بان هناك مقررات قد تكون سرية ولم تعلن الى يوم دراستها وحسمها ،وما أدلى به سيادة المطران ابراهيم ونوه أليه في جوابه للاخ شوقي في مقابلته لسؤال عن قضية المطران مار باوي،حيث أجاب مار ابراهيم أنها كانت من أولويات البرنامج ودرست القضية وفقا للقوانين الكنسية وان هذه القوانين واضحة وسيعلن في حينه عن النتائج  .لايعد هذا الادلاء الا مؤشرا على أخفاق من هتف بفرح على عدم ذكر قضية مارباوي في البيان الختامي مما فسروا ذلك على أنها حُسمت سلبا ولكن ظهر العكس. وهذا ينطبق على ما تكهنوا به بالنسبة الى المسائل القومية والهوية.
 وأما ما يمكن استدلاله من البيان الختامي للسهنودس فتشمل من وجهة نظري بما يأتي :
 أولا : كانت اهتمامات الاباء الاساقفة منصبة في ترتيب البيت الكلداني الذي انهكته الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية المحلية والاقليمية التي سادت المنطقة منذ عام 1992 وزادت بؤسا وقساوة بعد 2003 . ومن الامور التي نوقشت وفقا للبيان ومقابلة سيادة المطران ابراهيم هي :
 1  - التأكيد على الوحدة ، وحدة كنيستنا الكلدانية لكي نتجاوز الاختلافات الابرشية ،فانها تمثل جسدا واحدا ،وثم تعمل بتوجه اداري وفقا للقوانين الكنسية التي تنظم العلاقة بين الاكليروس مع بعضهم من جهة ومع المؤمنين من جهة اخرى، وركزت التوصيات على ألتزام الكهنة بالاصول الادارية في تنقلاتهم والانصياع الى القوانين الكنسية والمركزية وعدم تجاوز لهذه الاصول الادارية ،التي تعكس تنظيما أداريا يحقق اهداف الكنيسة الروحية وراحة الكهنة ،وفي الالتزام الاداري ستنبذ المزاجية والانانية الشخصية والعلاقاتية في التعامل بين الاكليروس .
2 – التأكيد على الطقوس الموحدة في كل الابرشيات بعدما ظهرت في الفترة الاخيرة المزاجية في انتقاء الطقوس وممارستها من قبل الاساقفة وبل من قبل الكهنة ايضا .
3 – تطوير المعاهد الاكليريكية  التي تهتم بتنشئة الكهنة وفتح ابوابها وتقدم خدماتها لكل الطوائف المسيحية في العراق ، تلك الخطوة الهامة برأيي التي تفتح آفاق التقارب والتكافل ووحدة الايمان بين الطوائف جميعا عندما يشترك كهنتها في تنشئة ودراسة موحدة .
4 – التأكيد على الابرشيات الشاغرة وترشيح المؤهلين لدرجة الاسقفية لاشغال هذه الابرشيات،وثم تقديم الطلب الى الفاتيكان لاستحداث أبرشية في اوربا باعتبارها خارج الحدود الجغرافية للبطريركية الكلدانية .
5 - كانت من أولويات الاهتمام بالدوائر المالية في الكنيسة وأعادة تنظيمها ،ونتمنى بان تكون واحدة من هذه الامور المالية هي النظر في مسالة التكافؤ المالي بين الابرشيات ،وبين الكنائس في الابرشية الواحدة.
ثانيا : رسالة واضحة على تمسك الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية بعقيدتها الكاثوليكية بشراكتها مع كنيسة روما . مما يدل على ان اية محاولة للوحدة مع الكنائس الاخرى بما فيها الكنيسة الشرقية الاشورية ستكون وفقا على هذا المبدأ الروحي والاداري . والتبعية واضحة لكرسي البابا في الفاتيكان  وهذا ما أكده السيهنودس كما نوه أليه سيادة المطران ابراهيم في اذاعة صوت الكلدان  ،الامر الذي لا يستسيغه الاطراف غير الكاثوليكية في هذه التبعية ، وعليه ان أية محاولة للوحدة لا بد أن ترافقها تنازلات أدارية بالدرجة الاساس وألا ستكون الوحدة متوقفة في حدود التكافل والتضامن ولاحترام المتبادل .
ثالثا : ركز الاساقفة المجتمعين على القضايا الاجتماعية التي تخص المؤمنين في الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية ومن أبرزها:
 1 – الحد من مشكلة الهجرة التي تؤثر سلبا في النمو السكاني للمسيحيين في ارض الاباء ، والتوجيه لتشكيل لجنة من الاكليروس والعلمانيين لدراسة الموضوع بجدية ، وبهذه المناسبة ادعو البطريركية بأن تشكل اللجان من المختصين في شؤون الهجرة واوضاع المجتمع لكي تحقق الدراسة نتائج موضوعية مبنية على الاسس العلمية .
2 – أناط السيهنودس بحسب البيان الختامي تعليم اللغة وتطويرها ونشر الوعي القومي الى العلمانيين ،مما يوحي الى أهمية هذه المسائل بالنسبة الى الكنيسة ولكن أن يتحمل مسؤوليتها العلمانيون لكي لا يحيد الاكليروس عن واجباتهم ومسوؤلياتهم الروحية الايمانية التي هي رسالتهم لكل البشرية بدون استثناء، وأيضا أدعو البطريركية الى التعاون مع المختصين في اللغة وعلم النفس والانثروبولوجية وعلم الاجتماع  في  مسالة تطوير اللغة وأن لاتقتصر على اناس مجرد يعرفون بناءوتصريف اللغة الكلدانية أو تحت اي مسمى آخر  .
3 – التأكيد على ارتباط وتواصل المؤمنين المنتشرين في جميع أنحاء العالم مع الكنيسة وبطريكيتها في البلد الام لانهم أحفاد أولئك ألذين نشروا الايمان في اقاصي الارض ،وعليم الثبات في ايمانهم وأن لايتزعزع أمام المغريات المادية .
4 – عكس البيان الختامي ، وهي الهوية الكنسية ،فجاء فيه "تفتخر كنيستنا بهويتها الكلدانية لانها تعود بتاريخها الى زمن الرسل ،الى مارتوما وأدي وماري "مما يدل بوضوح بان الرسالة المسيحية التي بدأتها كنيستنا كانت وتاسست على يد الرسل في "كوخي " في بلاد الكلدانيين على ارض بلاد النهرين ،وعلينا أن نفتخر بهذه الهوية التاريخية .
5 – دعوة صريحة وتأكيد على أن العمل السياسي والقومي هو متروك للعلمانيين المقتدرين ، نعم فهو الموقف المطلوب من الكنيسة والاكليروس مهما تكن درجته الكهنوتية ،لكي لا يمتزج العمل السياسي والقومي مع الرسالة الروحية التي كرس حياته من أجلها لخدمة كل البشرية ،وفعلا أثبتت التجارب من تدخل بعض رجال الدين في مثل هذه المسائل بانها فاشلة وحدث نوع من التخبط واللامسؤولية والتدخل بشؤون العلمانيين السياسيين وبل حتى في شؤون الكتاب والمهتمين بالشأن القومي وذلك من خلال انعكاس السلوك الفردي في التعامل مع الاخرين أسقاطا من الفكرة التسلطية لرجل الدين كما هي سائدة في المؤسسة الكنسية , وبهذه المناسبة أُثمن الموقف الرائع والمسؤول الذي أبداه سيادة المطران مارابراهيم راعي ابرشية مارتوما في مشيكن على وقوفه بمسافة بعيدة ومكوثه في مكتبه وبعيدا عن جلسات المؤتمر الكلداني العالمي الذي اقيم في مشيكن للفترة من 15 – 19 من الشهر الماضي ،فاقتصر وجوده على مباركة للمؤتمر في افتتاحيته وثم الختام بقداس الهي اقامه بالمناسبة .
رابعا : ولما كانت الكنيسة وشعبها المؤمن محاطة بالبيئة السياسية والاجتماعية والدينية كونتها العوامل التاريخية والدينية والسياسية بمرور الزمن ،فلابد من تحديد نمط العلاقة والتعامل مع الوضع القائم والمستجدات والاوضاع المتغيرة ،فجاء تأكيد الاباء الاساقفة على الوعي العميق في اهمية العلاقة المسيحية والاسلامية في الشرق لحاجتها الى الدعم والمساندة والمبنية على الاحترام المتبادل ،الامر الذي سيؤدي بمسيحي الشرق بالتمسك والارتباط بأرضهم التاريخية .
وعلى هذا الاساس أيضا لتضطلع الكنيسة الكلدانية بدور مهم في نشر ثقافة السلام والمحبة والتآخي بين جميع مكونات الشعب العراقي وتلعب دورا مهما في المصالحة الوطنية للحد من سفك الدماء في بلدنا العراق والعيش بسلام ووئام .
وأخيرا أقدم التهاني لاساقفتنا الاجلاء لنجاح السيهنودس الكلداني الذي طال ترقب الجميع لانعقاده ،وتمنياتي للنجاح دائما الى مخطط ومعد البرنامج السيهنودسي الذي كان شاملا في محتوياته وواقعيا ومستخلصا من الوضع الخاص لكنيستنا والوضع العام لمجتمعنا العراقي البطريرك مارلويس روفائيل ساكو الاول .
كندا في 16/6/2023




 

72
المؤتمر الكلداني العام
وشمولية الاهداف
الدكتور عبدالله مرقس رابي
استاذ وباحث أكاديمي

                     المؤتمر لغويا ،أسم مكان من " اِئتمر" ،فهو مكان للتشاور والبحث في أمر ما ،واِنه الحدث الاكبر تمييزاَ عن الاجتماع الاعتيادي لمجموعة معينة ،وهناك أنواع متعددة من ألمؤتمرات بحسب أهدافها والجهات ألمنظمة لها،كأن تكون مؤتمرات سياسية دولية أو حزبية ،تخطيطية ،علمية، صحفية ،رئاسية.وقد تكون المؤتمرات سنوية أو بحسب الحاجة الملحة الى انعقادها .
      تمخضت عن التغيير السياسي الذي حدث في العراق بعد 2003 جملة تحولات جذرية في البنى السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية ،تلك التحولات التي لم تكن مألوفة للشعب العراقي، وبل لمعظم البلدان النامية في القياسات السياسية ،منها التحول الديمقراطي غير المدروس في التهيئة له ،وظهور أحزاب متعددة الاتجاهات ومصنفة على عدة اعتبارات ، منها وطنية ودينية وقومية ،ومنها تَجمعُ بسياستها بين أكثر من اِعتبارٍ فأصبحت تعاني ليس من أزدواجية ثنائية بحسب وانما ازدواجية ثلاثية مركبة أو أكثر ، مما أفتقدت الى التوازن الطبيعي في التعاطي  مع غيرها.
        تحول المجتمع العراقي الى فئات اجتماعية تميزها عن بعضها مفاهيم قومية ،وفئات مذهبية متأثرة بالمفاهيم الدينية ،وعلى أثر هذا الافراز الخطير اِحتدم الصراع بين هذه الفئات المصنفة قوميا ودينيا ومذهبيا منذ ذلك الحين ولايزال سقوط الضحايا من ألابرياء قائم يوميا ومن مختلف فئات المجتمع العراقي . 
      وعلى أثر هذه الحالة ،حاولت كل فئة اِثبات وجودها لكي تشارك في العملية السياسية التي أعتمدت على اُسس ومبادىء اُستُنبطَت من المفاهيم الدينية والقومية ،ومن هذا المنطلق رأى الشعب الكلداني أهمية التكيف والانسجام مع طبيعة التغير الحاصل واِلا سوف لا يتمكن من التواصل لنَيل حقوقه القومية اِسوة بالجماعات القومية الاخرى،ولجملة من العوامل الذاتية والموضوعية تلكأ الشعب الكلداني من الظفر للحصول على حقوقه ،مما تضطر الاحزاب السياسية الكلدانية،وكذلك المهتمين المستقلين بمختلف فئاتهم الاجتماعية والفكرية والاقتصادية الاهتمام في ترتيب البيت الكلداني وبنائه للصمود أمام التحديات المتوقعة في ظل الظروف السياسية القائمة في العراق اِضافة الى توجيه الانظار للشعب الكلداني في الشتات ليتمركز حول تراثه والاحتفاظ على هويته واِيجاد السبل الكفيلة في تكيفه مع الشعوب الاخرى في بلدان المهجر ومع الاستمرارية بجوده كشعب له تراث وهوية ولغة وثقافة تميزه عن غيره.
     وقد تبنى أكثر الاحزاب الفعالة والنشيطة في المهجر "المنبر الديمقراطي الكلداني الموحد " عقد المؤتمر الكلداني العام في مدينة ديترويت الامريكية بعد  أن توصل الى قناعة بان العمل السياسي للاحزاب الكلدانية مُبعثر وبحاجة الى تنسيق ووحدة في الخطاب السياسي وصولا الى توحيد هذه الاحزاب اذا تهيأت الظروف والمتطلبات المساعدة لدمجها ،ومن هذا المنطلق وبالتعاون مع  الغيارى من النشطاء المستقلين تقرر عقد المؤتمر تحت شعار" وحدتنا ضمان لنيل حقوقنا القومية والوطنية ".
       وبعد تنسيق وتحضير دام أكثر من سنة من قبل لجنة أشتملت على أعضاء من مختلف بقاع العالم ومن الوطن الام،استطاع هؤلاء بصبرهم وتفانيهم واخلاصهم لقضية شعبنا أن يحددوا المحاور الاساسية للمؤتمر وباجواء من الديمقراطية واحترام الرأي الاخر،ولم يمر موضوع مقترح من أحد الا وان يُصوت عليه ليثبت في جدول الاعمال،وقد عكست تماما فلسفة المنبر الديمقراطي الكلداني الموحد في مجريات وأعمال اللجنة ، تلك الفلسفة التي تؤكد على روح العمل الجماعي والتنسيق والشمولية والتعاون في العمل السياسي ،فبالرغم من أن هذا التنظيم بادر لرعاية المؤتمر والتمويل لعقده ذاتيا الا أنه أعتبر المؤتمر هو مؤتمر الكلدان جميعهم ،وعليه ضمت اللجنة أعضاء من مختلف الاحزاب الكلدانية والمستقلين ليتداولوا الاراء والتحضير له.
   كان موضوع بناء الذات الكلدانية في التنسيق ووحدة الخطاب السياسي وبل الاندماج للاحزاب الكلدانية الاكثر تداولا وأهتماما من قبل اللجنة،اضافة الى توحيد القائمة الانتخابية . وادركت اللجنة ان هذا الطموح لايمكن أن يتحقق الا بالعمل الجماعي وتفعيل أسس نجاحه في التأكيد على النحنوية ونبذ الانوية في بيتنا الكلداني، ومن الاهتمامات التي يتبناها المؤتمر هو الواقع الاعلامي والمالي للانشطة الكلدانية التي تسهم في دعم الروح القومية للشعب الكلداني،أضافة الى اللغة والرموز التراثية ، ودور الشباب والاسرة في الوعي القومي الكلداني ،ومشاكل الهجرة والبطالة في صفوف الشباب في بلد الام والتغيير الديمغرافي لقرانا التاريخية وغيرها من الامور المطروحة . 
   وأصبحت من أولويات المؤتمر أيضا ايجاد سبل التواصل ومد جسور اللقاء مع الاحزاب الاشورية والسريانية وفقا لمبادىء الاحترام المتبادل لكي يتمكن شعبنا الكلداني والاشوري والسرياني لاحقاق حقوقه القومية والوطنية ،وثم وضع رؤية تنسيقية مع الاحزاب السياسية الوطنية العاملة في العراق لكي تتبلور فكرة التعاطي السليم مع شعبنا الاصيل في بلاد الرافدين ،وليكون شعبنا الكلداني مكونا اساسيا يشارك في العملية السياسية والتنمية في العراق .ومن هذا المنطلق ستكون مرفوضة في هذا ألمؤتمر كل المعاني والمفردات والمؤشرات ذات المغزى التعصبي التي يتشبث البعض بها لوصف احزابنا الكلدانية السياسية .
    يوجه كل أبناء شعبنا الكلداني انظارهم الى المؤتمر الكلداني العام في مشيكن منتظرين ما سيحققه من نتائج أيجابية لتخدم شعبنا في الوطن والمهجر ،وما رسالة غبطة البطريرك مار لويس روفائيل الاول بطريرك الكنيسة الكلدانية الموجهة الى المؤتمر في 11 / 4 /2013 الا مؤشرا للاهتمام الذي توليه كنيستنا في المؤتمر الذي سيحضره نخبة من العلمانيين السياسيين والمستقلين المهتمة بقضية شعبنا حول العالم ومن بلدنا الحبيب ويشاركهم في يوم الافتتاح رجال الدين الافاضل وممثلي كافة التنظيمات السياسية والحكومية .وتعد رسالة ابينا البطريرك بمحتوياتها التي تمثلت في التركيز على بناء بيتنا الكلداني  وتمنياته لنجاح المؤتمر برهان على أن مايكتبه البعض ليست الا أوهام لا تمس الحقيقة ،فما يكتب من قبلهم لايستوفي شروط الصحافة المبدأية والنزيهة. 
    سيشكل المؤتمر انعطافة هامة في تاريخ شعبنا الكلداني المعاصر وعلى طريق طويل من التحولات والمواقف السياسية لبناء مستقبل أفضل وزاهر في التفعيل الحقيقي للمحاور المختلفة التي وضعها المؤتمرون ،وأخيرا نتطلع أن يسفر المؤتمر عما نأمله من نتائج تسهم في دعم القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لشعبنا الكلداني بهمة أبنائه الغيارى مع تمنياتنا أن يكون المؤتمر القادم في ارض الوطن وبحسب ما تسمح به الظروف .   

73
الدكتور برخو
بين الصحافة والاكاديمية
وكُتاب المقاهي الشعبية
الدكتور عبدالله مرقس رابي
باحث اكاديمي
           المقدمة

                        من الحقول المعرفية التي تدرس الصحافة هو علم الاجتماع الاعلامي الذي يركز في دراسته على عمليات الاعلام والاتصال وتحليل مضامين الرسائل الاعلامية، سواء كانت احداث أو مقالات أو معلومات حول ظاهرة ما ،ومدى تأثير المواضيع الاعلامية على الفرد والمجتمع.ويشير علماء الاجتماع الاعلامي ان التاثير الاعلامي يعتبر من الظواهر الاجتماعية التي يمكن مراقبتها وتوظفيها لنقل المعارف الى الفرد ،وبما ان الفرد ينفعل لتأثره بالمادة الاعلامية فيحاول المختصون تحويل هذا الانفعال الفردي الى سلوك جماعي يُستغل في تنمية القدرات الاجتماعية .
الدافع الى كتابة المقال
            ان السبب الذي دفعني لكتابة هذا المقال،هو العبارة التي جاء بها الدكتور ليون برخو في تعقيبه على المعقبين في مقاله الموسوم"نعم تسمياتنا صنيعة الاستعمار ،ولكن ليس لغتنا وموروثنا – تعقيب على البطريرك مار لويس روفائيل الاول"والعبارة هي"واخيرا كوني اكتب في منتديات شعبنا،هذا معناه انني لا أرى نفسي الا مثل اي واحد من القراء والكتاب ،المنتديات هي مقاهي شعبية ،والذي يرتاد المقهى معناه حاله حال الكل وان حمي الوطيس لا تفيد في المعمعة، الشهادة أو المكانة العلمية،كلنا سوى". واما الهدف من المقال هو الاجابة على السؤال الاتي : ماذا نصنف كتابات الدكتور ليون برخو ،صحفية أم أكاديمية أم كتابات المقاهي الشعبية؟وما هو نمط كتابات كُتابنا؟. ولدراسة الموضوع استخدمت منهج تحليل المضمون والمقارنة فهما من المناهج المهمة التي يستعين بهما الباحث الاجتماعي لدراسة ظاهرة ما.هذا وكانت مقالاته المنشورة على مواقع شعبنا هي موضوع الدراسة.وقبل الولوج في الموضوع لابد من توضيح ما المقصود من بعض المفاهيم التي وردت في عنوان المقال وهي:.
الصحافة:
 تُعرف الصحافة بانها مهنة الصحفي في تجميع الاخبار السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية،ويحللها وينشرها في وسائل الاعلام المختلفة .وتُحقق الصحافة وظائف اساسية هي ؛نقل الاخبار والاحداث العامة وتحليلها ،الاستطلاع أو مراقبة البيئة ،توثيق الاحداث لتصبح مصدرا للتاريخ،تكوين المواقف وتوجيهها لبناء الرأي العام حول ظاهرة ما ،التحليل للظواهر المختلفة ،الاعلان والدعاية ،ووظيفة الترفيه والتسلية.
      وأما الصحفي :هو كل من اتخذ الصحافة مهنة له، يمارسها بعد اجتياز المتطلبات العلمية التي تؤهله لهذه المهنة،فهو لايكتب من فراغ ،ولا يوجه رسالته الى المجهول ،بل يسعى لتحقيق هدف معين من خلال وظائف الصحافة المذكورة.
    بينما الصحافة الاكترونية
 هي تلك الصحافة التي تُمارس عبر الشبكة العنكبوتية ،وقد ترتبط بالصحف الورقية المطبوعة فتكون نسخة منها ،او قد تكون منشورة في مواقع الكترونية يمتلكها افراد أو جماعات أو مؤسسات رسمية وغير رسمية متنوعة.
الاكاديمية :
 يرجع الاصل اللغوي لهذا المصطلح الى اللغة اليونانية ،وقد أُُطلق على المدرسة التي انشأها الفيلسوف اليوناني افلاطون سنة 386 قبل الميلاد في حديقة اكاديمس المسماة على اسم الاله اكاديموس في مدينة اثينا،وثم حافظ تلاميذه على هذا اللقب ،وظلت التسمية تُطلق على المجامع العلمية والادبية والفنية فانتشرت في جميع انحاء العالم،بينما تعرف الاكاديمية كمصطلح على انها تلك الدراسات والبحوث والاعمال التي يؤديها حاملي الشهادات العليا والدرجات العلمية  وبمختلف الاختصاصات في الاقسام العلمية او المراكز العلمية التابعة للجامعات.
واما الاكاديمي
 فهو الذي يحمل المؤهلات والدرجات العلمية المتدرجة من المدرس والاستاذ المساعد وثم الاستاذ بعد ان يقضي فترة زمنية وله مجموعة من البحوث القيمة أو الاصيلة ومقيمة من اكاديمي يحمل درجة علمية اعلى بين كل درجة من هذه الدرجات العلمية ،والاكاديمي هو الذي مارس أو يمارس العمل التدريسي في الجامعات والمراكز العلمية التابعة لها ويستمر في العطاء والانجاز العلمي، وقد اوقف حياته للتحصيل المعرفي من اجل الوصول الى الدرجة العلمية لتؤهله للبحث العلمي المستوفي للشروط المنهجية وتطوير المعرفة الانسانية لخدمة المجتمع البشري ،فهو لا يعرف الراحة وانما غارق في البحث والاستقصاء في المكتبة أو في المختبر ،مما يؤدي ذلك الى تميزه بحياة تختلف عن غيره،فاصبح الاكاديمي في هذا العصر الذي يُطلق عليه عصر الاختصاصات الدقيقة محركا لخطط التنمية للموارد البشرية والاقتصادية في المجتمع ،وعليه يتمتع بدور خطير في المجتمع البشري . وعلى هذا الاساس عندما يطلق احد الكتاب على نفسه، أو اطلق على كل من يحمل شهادة الدكتوراه والماجستير انه اكاديمي وهو  يعمل خارج الحرم الجامعي هو خطأ كبير جدا ،وكذلك تطلق التسمية خطأ على خريجي الجامعات ،فلا يجوز ذلك طالما لم يمارسوا التدريس الجامعي والاستمرار في البحث العلمي ،وعليه هناك فرق بين التحصيل العلمي والتحصيل الدراسي .
ومن هو الناشط السياسي
 وهناك من يكتب ويتحدث في مناسبات معينة يُطلق عليه الناشط السياسي ،والمقصود به ذلك الشخص المهتم بالشؤون السياسية،وله افكاره وآراؤه حول القضايا السياسية المحلية والوطنية والدولية ،ولا يشترط ان يكون منتميا الى حزب سياسي ،ويتميز بالحيوية والبروز والعمل المستمر مقارنة مع غيره ويستمد افكاره ومعرفته من ما يقدمه الاكاديميون في مجال العلوم الاجتماعية والانسانية واحيانا من حيث لايدري وليس لكتاباته او طروحاته قيمة علمية لعدم توفر الشروط المنهجية فيها ولاتحمل المصداقية ،وهي غير اختصاصية،فلايمكن الاعتماد عليها في التنمية والتخطيط . ومن تكرار وجود الناشط السياسي ضمن وسائل الاعلام المرئية والمكتوبة والمسموعة ،قد يؤدي الى تكوين بناء نفسي من الاغراءات بالشهرة وثم يتحول الى نمط آخر في ادائه، يتمثل المحاولة لتحقيق مصالحه الشخصية اكثر من توصيل الرؤية ،وغالبا ما يتعرض الى الانتقادات لنيل منه ومن سمعته.
   وأما المقصود بالمقاهي الشعبية
فهي تلك المحلات أو الاماكن التي يتردد اليها الناس بمختلف خصائصهم الديمغرافية من حيث العمر والتعليم والحالة الزواجية والاجتماعية والاقتصادية ،ولكن غالبا ما يتردد اليها العاطلون عن العمل ،وذلك للتسلية ،وقد تجري بين رواد المقاهي الشعبية حوارات ونقاشات حول مواضيع واحداث اجتماعية وسياسية واقتصادية متنوعة واحيانا تكون حامية جدا بحيث تنتهي بالمشادة الكلامية والقذف والتشهير والاساءة الشخصية،لابل هناك حالات تصل الى الاعتداء البدني وشهر السلاح .
     بعد هذه التوضيحات عن المفاهيم الواردة في المقالة ،فهل نعتبر المواقع الالكترونية من المقاهي الشعبية؟
لو اجرينا المقارنة بين رواد المواقع الالكترونية ورواد المواقع الشعبية سنصل الى نتيجة انه فعلا تعتبر مقاهي شعبية لبعض منهم ،فلا فرق بينهما ،فهم يكتبون ما لايعرفون به مثلما يتحدثون في المقهى الشعبي بمواضيع لا معرفة لهم بها فهي مجرد للتسلية والتنفيس عن مكنونات العقل الباطني لهم، وثم يغادر المقهى سالما هادئا أو منفعلا ومهموما فهي لحظة ومرت، وثم اللامبالات.وكذلك في المواقع الالكترونية تتكرر الحالة ،فيكتب بعضهم للتسلية والاساءة للاخرين ،والنقد من اجل النقد والعناد والاصرار على الرأي وعدم احترام اراء الاخرين، وكثيرا ما تحتوي كتابتهم من التناقضات ، تلك الحالات التي تعبر عن الخصائص الشخصية لهم وكما يحدث بين المتحدثين في المقاهي الشعبية تماما. . فتلاحظ المهندس او الطبيب والمحاسب والقانوني وبمستويات دراسية مختلفة فمنهم خريجي الاعدادية والمعاهد يكتبون فيما هو خارج عن اختصاصهم، وما كتاباتهم الا عبارة عن خطابات سياسية انشائية لاثارة عواطف القارىء ليكسبه الى جانبه والى مايفكر به الكاتب ،فكيف مثلا خريج معهد الادارة في المحاسبة او ادراة المخازن او المهندس او الفيزيائي يكتب عن قضايا تاريخية او اجتماعية وهو يفتقد الى ابسط مقومات المنهجية والطرق التحليلية في التاريخ او الاجتماع او اللغة او علم النفس لمجرد أنه يقرأ كتاب او كتابين عن الموضوع، في حين يحتاج المرء الى سنوات دراسية لاتقل عن اربعة اعوام لكي يتفهم اصول المعرفة تلك مثل مااتقن اصول الهندسة او المحاسبة او الفيزياء مثلا،  وبل يقدم مقترحاته وتوصياته الى المؤسسات والاحزاب السياسية، فمهما يكتب هؤلاء لايمكن ان نعتمدها علميا وانما حديث المقاهي الشعبية، وهنا لا اقصد احدا انما الكل سواء كان عربيا او كرديا اوانكليزيااو فرنسيا او كلدانيا او اشوريا وسريانيا .فهذا مثال مقتبس من مقال لاحد كتاب شعبنا يقول " لانها حالة مرضية يعكسونها على الاخرين بما هم عليه وهذا هو الاسقاط بعينه كما يسميه علم النفس السلوك"لاحظ ان هذا الفيلسوف والبحاثة والاستاذ الكبير كما لقبه احد المعقبين على مقالته لانه يعبر عن ما في ذهنه ،يفسر في ضوء علم النفس لكن لايدري أية مدرسة نفسية فسرت الاسقاط النفسي، اذ ان المدرسة السلوكية لم تفسره بل مدرسة التحليل النفسي التي يتزعمها سيجموند فرويد.
واين المصيبة
واين المصيبة الكبرى نفس الكاتب المفكر يقول في مقالته "وأنا الذي كنت قد انتقدته بشكل علمي ومضوعي وتاريخي" لاادري كيف يصرح هذا الكاتب الكبير انه موضوعي ولكن ليس له المام بالنظريات العلمية ،فمن قال في كتاباته اني اكتب بموضوعية وعلمية ومنهجية وشفافية صدقوا انه عكس ذلك لان الفرد لايمكن ان يقيم نفسه، فالكاتب لايمكنه ان يقيم كتاباته بنفسه انها موضوعية او علمية بل غيره يقيمون ذلك فلا احد يقول انا على خطا بل دائما كل ما يقوم به هو الصحيح وهو المثالي .وياتي غيره ويقول الكلدان منذ بدء الزمان او احدهم يقول الاشوريون او السريان منذ بدء الزمان ،اذا كانت كتاباتهم تتقدمها هكذا عناوين فكيف سيكون المتن ياترى ؟منذ القدم ولا اقول منذ بدء الزمان يناقش ويحلل الفلاسفة والعلماء متى بدأ الزمان ومتى سينتهى فلم يفلحوا فكيف هؤلاء حددوا بداية الزمن ؟
   وأما عن الاقتباس فحالة كتابنا تؤلمنا كثيرا لانهم يقتبسون ويزورون بالفقرة المقتبسة، وقد قرات مقالات وفيها اقتباسات من كتبي الشخصية والتزوير واضح فيها واكتفي بهذا المثال البسيط كتب احدهم "منكيش قرية اشورية تقع شمال مدينة دهوك ويسكنها....الخ "ويذكر المفكر المزور المصدر المعتمد عليه في اسفل مقالته بصراحة "د.عبدالله مرقس رابي ،منكيش بين الماضي والحاضر "ما هذه الكتابات الموضوعية اذا كان اخينا في قرارة نفسه ان منكيش اشورية ليحتفظ ذلك لنفسه وان لا يأتي ويعتمد على مصدر والمصدر بريء من هذه المعلومة فأنا لم اكتب منكيش اشورية او كلدانية او سريانية فمن اين جاء بهذه العبارة ولصقها بمصدري الشخصي.وبل زُورت كتب كثيرة من هذا القبيل.لا مجال لذكرها.
التناقض
      وأما عن التناقض ،فانها مليئة ومشبعة كتابات كُتابنا بها في المقال أو في التعقيبات، ففي تعقيب على احد المقالات يقول المعقب " استاذنا الكبير --- أنا بصراحة اوافقكم كليا على ما ورد في مقالكم " وبالطبع هذا المقال يفند الكلدانية ويؤكد على الاشورية ،ولكن في مناسبات اخرى نفس المعقب يقول " نحن شعب واحد واخوة ولنبدأ تاريخ جديد وصفحة جديدة وما شابه" وفي مقال اخر يقول احدهم " وليس صحيحا ان نبقى اسرى لما نمتلكه من معلومات لم تستند على اراء ذوي التخصص في مجال تاريخنا كشعب وكنائس ومذاهب وغيرها" ومن جهة اخرى يمتدح من يؤكد على ان الاصل هو مكونه الاثني.وهناك من يعطي في الاونة الاخيرة توصياته للبطريرك في الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية بان لايتدخل في الشؤون السياسية والقومية ،وبعين اخرى يبارك لبطريرك مار دنخا للكنيسة الشرقية الاشورية رسائله المحتوية على الاثارة القومية والغاء الاخر ويتغنى بنفسه بامجاد البطاركة الذين استشهدوا لتدخلهم بالشؤون السياسية، فله بنظر كاتبنا حلال ولغيره حرام .
     ويلاحظ على معظم الكتابات انها مكتوبة بتاثير ايديولوجي واضح فالكتبة المنتمين الى الاحزاب السياسية من الكلدان والاشوريين والسريان لا يستطيعون الانفلات من سجن الايديولوجية فهم ملزمون بان يسايروا مبادىء أحزابهم وفلسفتهم ومواقفهم نحو الظواهر السياسية وغيرها فكثيرا ما يوظفون التاريخ في الصراع الاثني وهذه كارثة بحق شعبنا بمختلف مكوناته فالتاريخ لايكذب ابدا بينما الكاتب فيه هو من يصنع الكذب .
الجهل بالاختصاصات
وأما الجهل بالاختصاصات العلمية واضح جدا عند عموم كتابنا ولانهم كتاب المقاهي الشعبية فهم لايتمكنوا من التمييز بين الميادين وطبيعة الظاهرة التي يدرسها كل اختصاص ،لابل منظمي المؤتمرات والندوات يجهلون ذلك، فعلى سبيل المثال تأكيدهم على المختصين في التاريخ واللغة فقط.ويعد الاستعانة بدراساتهم وآرائهم حول اللغة والاصول الاثنية عمل غير صحيح، فهم يفتقدون الادراك ان العلوم متكاملة ومترابطة مع بعضها وان الاتجاه السائد في البحث العلمي هو تشكيل فريق من مختلف الاختصاصات لدراسة الظاهرة، فمثلا لدراسة اللغة يجب أن لا نكتفي بالمختص اللغوي فقط، بل اننا بحاجة الى اختصات تدرس اهمية اللغة ودورها في الاتصال الاجتماعي ووظيفتها الاجتماعية وكيف تؤثر في بناء الشخصية، وهي الاختصاصات الانثروبولوجية وعلوم النفس والاجتماع لمساندة المختص في  تركيب اللغة وصرفها .
    وهناك ظاهرة اكثر خطورة في هذا المجال واخص بالذكر لغتنا باية تسمية كانت ،وهي الرجوع الى بعض متقني اللغة ولكن ليسوا من المختصين في اللغة، بل لهم مؤلفات في الصرف والنحو فاصبح مختصا بها وهذا لايكفي مهما يمتلك من مؤلفات ان لم يكن اكاديميا لاننا نعيش في عصر الاختصاص والتزود بالمعرفة المنتظمة والبحث الرصين ،وهذا ينطبق على الذين يكتبون كتبا في التاريخ والاثار ولكن خلفيتهم الدراسية قد تكون في اختصاصات اخرى كالقانون والسياسة والهندسة والادارة وغيرها ومثل هذه المؤلفات باطلة علميا ما لم تكن اكاديمية ومن مختص قضى دراسته في ذلك الحقل، فالذي يقضي عشر سنوات في دراسته للتاريخ واصول البحث فيه يعترف انه لايتمكن من ضبط دراسته للتاريخ فيأتي غير المختص لمجرد اعتمد على عشرات الكتب والف كتابا في التاريخ،ويعتبر نفسه خبيرا أو مختصا في التاريخ،نعم كل واحد يستطيع العمل ذلك،لكن كيف وباية طريقة منهجية يتعامل مع تلك المصادر والمراجع ياترى ؟ وهنا يمكن ان نصنفهم ضمن كتابات المقاهي الشعبية وليس غير ذلك .ومن هذا المنطلق يفضل على كل من يكتب مقالا ان يذيل المقال باختصاصه حتى وان لم يذكر المستوى الدراسي لكي يتعرف القارىء على الخلفية الدراسية والعلمية للكاتب ويتمكن من تقرير مدى صحتها ومنهجيتها ويمكننا التمييز فيما اذا كان الكاتب مجرد ناشط سياسي أو كاتب هاوي أو صحفي أو مختص .
     واكثر ما يؤلمنا هو فقدان اخلاق الصحافة والكتابة، ولكم امثلة قاسية جدا تشير وتبرهن على عدم الالتزام بابسط اخلاقيات الصحافة التي تُدَرس لسنة دراسية كاملة في قسم الاعلام في الجامعات ومنها: العاهرات، الكذاب،المتهور، السخيف، التافه،الوجه الاسود،المنافق،القومجي،الانفصالي،الطرطور،القزم،العربنجي، العراب، الدوني،المنحط ،وغيرها لاتحصى .
 ولكن ماذا عن الدكتور برخو،هل هو من رواد المقاهي الشعبية الالكترونية ؟
من مراجعتي لمقالات متعددة له المنشورة في مواقع شعبنا وبعض الصحف العربية تمكنت من تحليل محتواها،فاستنتجت ماياتي :  انها فعلا مقالات اكاديمية يتبع في كتابتها المنهجية الصحفية تماما فهي مستوفية لشروط الكتابة الصحفية من حيث التوقيت مع وقوع الحدث والتاثير والوقع النفسي الذي يتركه على القارىء بسبب العنوان الذي يختاره لمقالته ،وانها تخلو من كلمات التجريح والتشهير والاساءة، وبل تخلو لابسط كلمات الاساءة مثل تلك التي يأتي بها بعض الناشطين السياسيين . وأما كيف نبرهن ذلك فهذه بعض من عناوين المقالات العائدة للدكتور برخو:"نعم تسمياتنا صنيعة الاستعمار....الخ" ،"مهرجان الجوقات والاخويات في السويد ضربة قاصمة....الخ"،" المدارس السريانية فخر لشعبنا والذي يعرقل عملها يقترف الخيانة الكبرى"،"تركة ثقيلة وملفات خطيرة تنتظر البطريرك الجديد"، "ملاحظات هامة جدا على شعبنا اخذها في عين الاعتبار"،"هل ستصبح الدول العربية دولا فاشلة".
     لاحظ العبارات او الكلمات
 التي تثير انتباه القارى ويستدرجه للقراءة كما في عناوين مقالاته،"البطريرك يفجر قنبلة" "قنبلة مزلزلة" بطش الاستعمار" "لا اخشى المؤسسة ولا أخشى رجل الدين" والحبل على الجرار" ساقاومه" وأتحدى " أجدادنا العظام" اقسم بالله " الغالبية الساحقة" لفضح النهج المدمر ":ان له وقع الصاعقة ". ان مثل هذه العناوين والعبارات التي يستعملها الدكتور برخو في كتاباته لاتصلح ان تكون عناوين لبحوث علمية أو تتضمن البحوث والمقالات العلمية مثل هذه العبارات.فهي صحفية لا محال.ومن جهة اخرى تختلف عن مقالات التي تكتب من قبل الناشطين السياسيين التي تحتوي في مضامينها على الانتهازية والمراوغة وبروز الاهداف الشخصية والتاكيدات على الانا والتاثيرات الايديولوجية.
    لان الدكتور برخو اكاديمي ويتعاطى مع البيئة الاكاديمية فنلاحظ دائما وقلما تخلو مقالته من التاكيد على الاكاديمية في الكتابة فيقول "احاول ان لا اكتب أو اتكلم في غير اختصاصي " "الشعوب الحية تفعل العكس تماما تهمش ولا تعير أية أهمية لكل من يكتب في غير اختصاصه "،"وتعلين شأن المختصين وتسمع لهم وتعمل حسب نصيحتهم" "وعنوان احدى مقالاته كان " الى الاستاذ ابرم شبيرا ومنه الى كل كتاب ومثقفي شعبنا قللوا من الكتابة في غير اختصاصاتكم رجاءا"الدليل العلمي والبحث الاكاديمي الرصين" " الامم الحية ومثقفيها وكتابها يأخذون العلم والتجربة والبرهان والدليل الاكاديمي محمل الجد للرقي والحضارة "ويقول "لنتخذ ولو لمرة واحدة في تاريخنا المعاصر خطوة مهمة كهذه بطريقة حضارية ونترك شانها للعلماء والاكادميين والمختصين في صفوف شعبنا ".
مبادئه الصحفية
   يتناول مقالاته وفقا للمبادىء الصحفية الاكاديمية ،لذا نلاحظ انه يتوقف عند تشخيص الظاهرة وتحليلها وفق السياقات المعتمدة في فن الصحافة ويترك المجال للمختصين في نمط الظاهرة التي حررها بعد ان اثار ولفت انتباه الباحثين عنها،حيث وضع المعالاجات ليس من اختصاص الصحافة ،بل تتحول الى المختص،فاذا تناول موضوعا عن ضعف القومي لدى مكون اثني مثلا ،أو موضوعا عن الجريمة يقتصر عمله في نقل القصة وتحليلها بشكل مبسط ومن ثم يُترك العمل للباحث المختص لدراسة الوضوع منهجيا وعلميا ليقدم المعالجات.
 ولكن في تعقيبه على المعقبين في مقالته الاخيرة الموسومة "نعم تسمياتنا...الخ " نسف الدكتور برخو كل ما يؤكد عليه من الاكاديمية والمنهجية عندما قال عبارته المشار اليها في بداية مقالتي هذه والتي توحي للقارىء ان الدكتور برخو حاله حال من يكتب في المقاهي الشعبية، فلماذا ينادي ويؤكد على الاكاديمية وفي نفس المقال يقول العبارة "التعقيب هو بمثابة نقاش بين اكاديمي واكاديمي " اي يقصد بينه وبين البطريرك مار لويس روفائيل الاول .ولكن اخفق الدكتور برخو في ذلك كيف هو نقاش اكاديمي ويؤكد دائما على الاكاديمية ومن جهة يقول حالي حال من يكتب في المقاهي الشعبية طالما اني اكتب بها ،وهنا تساؤلي له، هل يعني ذلك يجب علينا ان لا نأخذ ما تكتبه بمحمل من الجدية وانه ليس ما تكتبه فكر اكاديمي طالما انك تساوي نفسك بمن ترجوهم الكفاية من الكتابة غير الاكاديمية ؟
من يتردد الى المقاهي؟
    من المعروف يتردد الى المقاهي الشعبية الواقعة على طرقات المدن مختلف الفئات الاجتماعية بدأ من الأمي والى الاكاديمي ،ولكن هل سيتصرف الجميع على مبدأ واحد متشابه؟ ،بحسب رايي كلا ، لان الاستجابة للمؤثر وفق قوانين علم النفس الاجتماعي تختلف من شخص الى آخر بسبب الاستعداد الذي يمتلكه الفرد، أو تأثرا بالتنشئة الاجتماعية التي تلقاها  من اسرته أو بحسب الطبيعة الشخصية وعقدها لمن يشترك بما يدور في المقهى، فهناك من يشتم ،والبعض ينافق ،أو يطلق عبارات الاساءة الشخصية تجاه الاخرين والبعض من يضرب ويعتدي ،وقد يكون هادئا في حواره وآخر ينتابه الصياح الهستيري،وهناك من يقبل الرأي الاخر ويحترم النقاش، وبالعكس هناك من يعاند ويلغي الاخر ولايسكت الا ان ينال منه بابشع الطرق ،وعين العقل تشبه مواقعنا بالمقاهي الشعبية هذه تماما، ولكن ليس كما تعتقد ان الاكاديمي هو نفسه الأمي، وليس الناشط السياسي كالاكاديمي، وليس المختص في الهندسة ويتناول موضوع تاريخي مثل المختص في التاريخ وليس مايوصي به خريج معهد الادارة حول ظاهرة اجتماعية ونفسية مثل ما يوصي به المختص في علم النفس وهكذا.
 اعتقد ان الدكتور برخو كان منفعلا بسبب التعقيبات غير اللائقة احيانا وتحدث بهذا المنطق وان لم يكن ذلك فلا فرق بينه وبين كتاب المقاهي الشعبية ،بينما مقالاته وتأكيداته  توحي غير ذلك تماما،لانه يختار عناوين ومواضيع اعلامية سياسية واجتماعية ويستخدم اسلوب التضخيم بدلالة العبارات والكلمات التي اشرنا اليها ،وعنصر الضخامة يرتبط ارتباطا وثيقا بالدلالة الاعلامية ومدى اهتمام افراد المجتمع بها.
ماذا نصنف مقالاته؟
  ومن هذا المنطلق استطيع ان اصنف مقالات الدكتور برخو ضمن النظريات الاعلامية المتعلقة بالقائم بالاتصال التي تصنف على انها مرتبطة بالمرسل أو القائم بالاتصال وتحديدا تصنف مقالاته تحت نظرية " الرصاصة أو الحقنة تحت الجلد " اذ تعتمد هذه النظرية على ان وسائل الاعلام تؤثر تأثيرا مباشراوسريعا في الجمهور المتلقي ،وان الاستجابة لهذه الرسائل مثل رصاصة البندقية تؤثر بعد انطلاقها"،ويكون هذا التأثير السريع جليا في المجتمع الذي تسوده الصراعات مثل شعبنا الكلداني والاشوري والسرياني اكثر من المجتمعات المستقرة .
      
      

      

74
ما الذي أعرفه عن
غبطة البطريرك مار لويس روفائيل الاول ساكو؟

الدكتورعبدالله مرقس رابي
أستاذ وباحث اكاديمي

                       تلقى الشعب الكلداني حول العالم بفرح عظيم نبأ اختيار الاسقف مار لويس ساكو بطريركا على الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية في السهنودس الذي عقد في الفاتيكان لغرض اختيار البطريرك الجديد في 28 شباط 2013،فعلا كانت بشرى التجديد والاصالة والوحدة التي جاء بها شعارا غبطة البطريرك لمسؤوليته الجديدة،ولم تقتصر الفرحة عند الكلدان بل تعدت المؤمنين في كل الكنائس الشرقية ،مما يدل وجود مغزى لتسنمه السدة البطريركية للجميع .
       تعرفت على الاب لويس ساكو في الموصل في مطلع السبعينات من القرن الماضي معرفة شخصية وعائلية،وقد تلقى تنشئة اجتماعية في احضان اسرة كريمة أصيلة، تسود المحبة والاخلاص والسعادة والتواضع والاحترام بين افرادها، ومبنية على الاسس الدينية المسيحية والاخلاقية السليمة ،ومتميزة بخصالها الاجتماعية المهذبة والمتسمة بروح المودة  ، تلك المفاهيم التي تلقاها من لدن والده الشماس روفائيل وتواضع ومحبة والدته .
     وقد عرفته كاهنا متميزا في مدينة الموصل وهو يخدم في كنيسة ام المعونة في الدواسة منذ سنة 1986 ،تلك الكنيسة التي كانت اكثر نشاطا من الكنائس الاخرى في الموصل ،وقد كان جل اهتمامه بالشباب المسيحي ،فاحتضنهم ولبى متطلباتهم الدينية والاجتماعية والتربوية الصالحة ،وذلك من خلال البرامج المتنوعة التي نظمها ونسق لها لتربية النشىء على المفاهيم الدينية  التي كانت من اولى ما يركز عليه.
       وقد لاحظت نشاط كنيسة ام المعونة من خلال الدورات اللاهوتية التي نظمها الاب لويس لشباب الخورنة  متضمنة العلوم الدينية ومحاضرات فلسفية و نفسية واجتماعية ،ناهيك عن المحاضرات والندوات الاخرى الاسبوعية التي استعان بها بزملائه الكهنة واساتذة جامعة الموصل في اختصاصات نفسية واجتماعية لبناء الشباب المسيحي المتكامل تربويا، ولحبه المفرط للعلم بادر من اول وهلة الى تاسيس مكتبة زاخرة بالكتب في الكنيسة لتكون مصدرا للمهتمين بالمعرفة .
      تبين لي ومن خلال احتكاكي المباشر مع سيادته انه يتحلى بخصائص شخصية تثير الدهشة والاعجاب من كل الذين عملوا معه ،فهو هادىء الطبع ،يمتلك ثقة عالية بالنفس ، قابليته في التحكم بالغضب ، القدرة على المبادأة ، والسرعة في ابداء الرأي ،التزام الحكمة ، الذكاء ، القدرة على التفكير ،ومن اهم صفاته الشجاعة التي تميز بها ولكن لم يعبرعنها بالقوة والغضب بل بالحكمة والتأني ،تميز بالمرونة في علاقاته مع مختلف الفئات الاجتماعية والطبقات العمرية مع الصغار والمراهقين والشباب وكبار السن .
   وقد تميز بالتواضع الكبير ،ولهذا بالرغم من تضلعه بالمعرفة وحصوله على الشهادات العلمية العالية  في تاريخ اباء الكنيسة ودراسة مقارنة في الدين الاسلامي وثم تاريخ العراق ،الا انه كان دائما يستشير ذوي الخبرة من اصدقائه الكهنة والشمامسة والعلمانيين ،وعند اللقاء معه يشعرك بالاطمئنان والاهمية والتقدير بغض النظر عن المكانة الاجتماعية للفرد ،فهو يحترم آراء الاخرين ولو اختلفوا معهم فلم يؤكد يوما على ان ما يدور في ذهنه هو الذي سيتم ويجب الاخذ به .وكان دائم التأكيد على دور العلمانيين في بناء الكنيسة كمؤسسة دينية .
      وأما على المستوى المجتمعي في مدينة الموصل نال الاب لويس وهو كاهن ثقة الجميع شعبا وحكومة محلية ،وقد احترم من قبل الجميع من المسلمين  ،من العرب ،والكورد ،ومن جميع الطوائف المسيحية في المدينة  ،وعليه اكتسب خبرة في التعامل مع المجتمع الذي يعد من اكبر المجتمعات تباينا في الخصائص الديمغرافية ،ولما لا وهو يتميز بكل الصفات التي تؤهله لنيل التقدير من مختلف فئات المجتمع الموصلي ،وقد كان صاحب المشورة في شؤون المجتمع المحلي  دائما . وقد ظل على حالته الاب لويس الى ان غادر خورنته في عام 1997 الى بغداد ليتسلم مسؤولية جديدة في المعهد الكهنوتي تاركا فراغا كبيرا .
         وقد تسلم الاسقف مار لويس ساكو ابرشية كركوك الكلدانية في احلك الظروف الامنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية منذ عام 2002 ،وانما بالفطنة والحكمة والانفتاح والمثابرة والخبرة استطاع ان يضطلع دورا كبيرا في هذه  المدينة التي  تعد من المناطق الاكثر حساسية وتوترا وصراعا في العراق ،فاصبح رجل السلام بين كل الفئات الاجتماعية والسياسية والدينية فيها .وعلى اثرها حصل على عدة اوسمة تعبر عن ايمانه المسيحي واهتمامه بحقوق الانسان وكونه رسول السلام والمحبة والاخوة ،ومناداته بالاستقرار والتسامح والعيش المشترك والكرامة والحرية ،فهو الذي دوما يؤكد على الوفاق والحوار الذي يعده الاسلوب الحضاري والانساني لحل المعضلات الاجتماعية والسياسية.
      وعليه استقى من خبرته ما يجب ان يتميز به البطريرك الجديد بعد استقالة البطريرك الكاردينال مارعمانوئيل دلي،حيث جاء في آخر رسالة له بمناسبة عيد الميلاد الاخير " لنصل من اجل كنيستنا المشرقية الكلدانية ،ليعطينا الرب راعيا جديدا ،رجل ايمان وصلاة ومحبة ومعرفة وحكمة ،يكون بطريرك النهضة والتطور والوحدة والاصالة والتجديد والانفتاح والحوار والتفاعل بين مختلف الطوائف والاديان ،يدعم الوجود المسيحي ويفعله في المجال الروحي والوطني والثقافي والتربوي والخدمي والاجتماعي ".
      وليس احد اكثر من اخوته الاساقفة معرفة ودراية بهذه الخصال الشخصية والثقافية والاجتماعية والدينية ،فعليه كان قرارهم في انتخابه راعيا لكنيستنا الكلدانية الكاثوليكية صائبا ومدروسا وموفقا في كل جوانبه،وهكذا اصبح لنا بطريركا هو مارلويس روفائيل الاول ساكو ،فهو فخر لنا وأملنا في تحقيق مايؤكد عليه دوما وابدا،ففي مقابلة معه اجراها الناشط والصحفي المعروف الاستاذ فوزي دلي من اذاعة صوت الكلدان في مشيكن يوم السبت 3 شباط  ،قال غبطة البطريرك في اجابته لاسئلة الاخ فوزي :
    " لنتاكثف جميعا لبناء بيتنا الكلداني ،في الحوار والمناقشة واحترام اراء الاخرين وتعاون اخوتي الاساقفة معي، وقال: ليس زمن الدكتاتورية وانما الحوار المتبادل للوصول الى الحلول لكل ما يعترضنا ،واشاد سيادته بدور العلمانيين في بناء الكنيسة فقال: نحن بحاجة اليهم في الكنيسة لاننا كلنا شركاء فيها ،واستطرد وقال: لابد من تشكيل لجان لدراسة كل الظواهر والاشكاليات ويشارك معنا اخوتنا الكهنة والرهبان والراهبات والعلمانيين وستكون هناك منهجية واضحة ومعلنة للجميع ،ويشترك معنا المختصين في علوم الاجتماع والنفس واللغة وغيرهم ،  واكد على الانفتاح مع الكنائس الشرقية الاخرى,الاثورية والسريانية,والحوار وايجاد سبل الحياة المشتركة مع المسلمين.
    فاذا ليتكاثف الجميع السادة الاساقفة والكهنة والرهبان والراهبات والعلمانيين والمختصين لكي يحقق راعينا الكبير شعاره "الاصالة ،الوحدة ،التجديد " واخيرا اقدم لكم اخلص التهاني بهذه المناسبة السعيدة متمنيا لكم الموفقية في المسؤولية الكبيرة والثقيلة في مثل هذه الايام العصيبة والمشحونة بالصراعات المحلية والاقليمية والدولية ،وبوركت العائلة التي احتضنتك وعلمتك الطريق لكرم الرب .   
       
     
     
         

75
الخطوة اللاحقة
للكنيسة الكلدانية الكاثوليكية

الدكتور عبدالله مرقس رابي
استاذ وباحث اكاديمي

                               في نبأ اعلنه الموقع الرسمي لبطريركية بابل الكلدانية في 19 / 12 /2012 جاء فيه " قدم غبطة البطريرك الكاردينال مارعمانوئيل الثالث دلي استقالته من منصب رئيس الكنيسة الكلدانية الى الحبر الاعظم البابا بندكتس السادس عشر وفق قانون الكنائس الشرقية المادة 2 /126 ، وقبل الحبر الاعظم الاستقالة وقام بتعيين سيادة المطران جاك اسحاق مدبرا بطريركيا لحين انعقاد سينودس الكنيسة الكلدانية في روما بتاريخ 28 / 1 /2013 ".
    في ضوء النبأ المعلن  انتهت الخطوة الاولى من تحرك كنيستنا في مسألة مراجعة الذات ،فهي في الحقيقة خطوة جريئة وشجاعة من ابينا البطريرك مارعمانوئيل في طلبه الاستقالة لادراكه ما الت اليه صحته وقدرته جسميا لكي يقود الكنيسة في احلك ظروف تمر بها لعوامل بيئية خارجية وداخلية ، تلك التي ذكرتها في بحثي الموسوم "نحو حركة اصلاحية في الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية "ونشر في عدة مواقع شعبنا اضافة الى ما كتب من قبل العديد من السادة الكتاب الحرصين على مؤسستنا الدينية .
     نعم بذل البطريرك مارعمانوئيل جهدا كبيرا ومسؤولية عظيمة في حقبة تعتبر من اخطر المراحل التاريخية واكثرها توترا في تاريخ الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية في التاريخ المعاصر ،ولا تختلف عن ما تعرضت له في القرون الاولى في تاريخها للاضطهاد من قبل الفرس المجوسيين، والمغول التتر فيما بعد ،فقد بدأت مسؤليته في عام 2003  ، العام الذي دخلت العراق والمنطقة الاقليمية برمتها في مرحلة تاريخية لا تعرف الا سيل الدماء والتكفير،والتناحر الطائفي والظلم الذي يتلقاه الانسان على اساس دينه ومذهبه، بالاضافة الى ما خلفه الحصار الاقتصادي منذ سنة 1991 من مآسي ومخاطر على الشعب العراقي بكل مكوناته .
      لقد تعرضت كنيستنا الى ابشع انواع الاضطهادات من القتل الذي طال الكهنة والاساقفة والمؤمنين، وتهجير وتدمير الكنائس وبشكل جماعي امام انظار العالم ولم يحرك احد ساكنا ،في ظل هذه المآسي والظروف القاسية، وبالرغم من كل هذه الظروف فلم يغادرالبطريرك مار عمانوئيل صومعته، الا لحالات الضرورة القصوى في المنطقة المشتعلة بغداد تلك التي اصبحت اسوء عواصم العالم واخطرها واكثرها فسادا في المقاييس العالمية، بصبره وصلواته صمد وثابر فهو الذي قال في احدى المناسبات "اخر من يغادر البلد ساكون انا "فعلا ان الظروف السياسية الشاذة في العراق اتعبت ابينا البطريرك فاصبحت كنيستنا ضحية الصراعات الطائفية المتخلفة والصراعات على الكرسي الذهبي وتحت غطاء الديمقراطية المزيفة.
      أما الخطوة اللاحقة من مراجعة الذات وتقييم وضع كنيستنا ،يتحمل مسؤوليتها وتبعاتها السادة الاساقفة الذين سيلتقون في سهنودسهم الكنسي في روما الشهر المقبل ،ستكون حقا المسؤولية التاريخية باعناقهم وتفكيرهم الجدي لاختيار احدهم بطريركا ليتولى الادارة الكنسية في هذه الاحوال المعقدة والشائكة ،فالمنتخب سيتحمل الثقل الكبير لان كنيستنا تحاط بظروف لا يمكن الاستهانة بها داخليا خارجيا .وليكن السهنودس المرتقب اطلاقة فعلية لحركة تصحيحية واصلاحية في كنيستنا ،ليس من حيث العقائد وانما الادارة والعلاقات والتنمية بكل جوانبها الاقتصادية والاجتماعية.
        لعل ان اهم مقومات هذا الاصلاح هو اختيار البطريرك الانسب على رأس الكنيسة ،فالظروف الحالية تتطلب بطريركا يتميز بسمات العصر تؤهله لتسيير الامور الكنسية في مثل هذه المتغيرات السريعة، وملما بكل الاحداث والتطورات المتلاحقة والعسيرة التي تحصل على الساحة العراقية والاقليمية ليتمكن من معالجة تأثيراتها على المؤسسة الكنسية في جوانبها الديمغرافية والعلاقاتية والاعلامية والمالية. وقد استخلصت من الدراسات السابقة العلمية في حقول المعرفة الادارية وعلم النفس والاجتماع سمات القائد والقيادة التي يجب ان يتميز بها, وطالما ان رأس المؤسسة الدينية يتم اختياره بالطريقة الديمقراطية من قبل السادة الاساقفة ،فيدل ذلك انه يمتلك صفة القائد وليس الزعيم الذي يتميز بدكتاتوريته، فالقيادة هي علاقة انسانية اجتماعية ايجابية هادفة تقوم على القناعات والخيارات الطوعية .وليست بحكم اي مظهر من مظاهر الخشية والخوف من الاستبداد كما هو في الزعامة المفروضة على الجماعة،فالقائد يستمد سلطته وصلاحيته من اللوائح القانونية والتي تمكنه من فرض هذه السلطة على مرؤسيه.
    وينبغي على السادة الاساقفة تبني مثل هذه النتائج العلمية في عملية الاختيار،والابتعاد عن العلاقات الشخصية والنزعات الذاتية الضيقة والقروية التي قد تؤدي الى الوقوع في فخها وثم تعكس في العلاقة بين البطريرك المنتخب والمرؤوسين،واهم السمات والصفات التي استخلصتها للاعتماد عليها في عملية الانتخاب هي :
        + لا بد ان يتحلى بالسمات والصفات الشخصية الاتية :الثقة بالنفس ،القدرة على المبادأة والسرعة في ابداء الرأي التزام الحكمة ، قابلية التحكم بالغضب ،وتحمل الضغوط ،النضج الاجتماعي ،التميز بالمرونة ،الذكاء ،القدرة على التفكير والتحليل ، الشجاعة ،نبرات صوتية حماسية ،دافع الانجاز ،ودافع تحقيق الذات، قوة اليقظة .
        + قابلية تشجيع روح الخلق والابداع والمبادرة في مرؤوسيه عن طريق اثارة الحماس وبالاخص لدى الكهنة الشباب.
        + يدرك انه غير كامل ،فينبغي عليه عدم التردد في استشارة ذوي الخبرةعند الحاجة من الكهنة والعلمانيين ،وان يستبعد هو او غيره من رجال الدين عبارة "بروني ليلي شولوخ " وقد ولى ذلك الزمان .
        + ان يكون مؤمنا باهمية ودور العلمانيين في المؤسسة الدينية.
        + القدرة على مراقبة الكهنة الشباب عن كثب لمعرفة مقدراتهم وقدراتهم والاعتدال بمعاملتهم فلا يكون قاسيا بشدة ،وان لايتراخى في معاملتهم .واهم من ذلك ادراكه انهم جيل الثورة المعلوماتية وما لها من معاني وابعاد هذه الثورة .
        + الاعتناق لمفاهيم التعاون والعمل الجماعي .
        + يشعر الاخرين بالاهمية والتقدير ويحترم الاراء ولو اختلفت مع ارائه ، والثناء مطلوب دائما.
        + قادر على الاتصال والتواصل بطريقة فاعلة ومؤثرة مع الاخرين من خارج مؤسستنا الدينية ،وما احوجنا الى رئيس للكنيسة في هذه الظروف المليئة بالتناقضات الاجتماعية والصراعات الساسية والاجتماعية والدينية ،فلابد ان يكون ملم بطبيعة مكونات الشعب العراقي، ويفضل من يتقن اللغات المحلية ،العربية والكوردية وحتى التركمانية.
        + يرفض الاملاءات من الاخرين باستثناء الاستشاريين من العلمانيين.
        + القدرة على التنازل من الافكار التقليدية التي يحملها ولا تتناسب مع العناصر الحضارية والافكار السائدة في مجتمع العولمة .
       + نظرا للبيئة الفكرية والسياسية والقومية المعاصرة في العراق يتطلب من راس الكنيسة الكلدانية توحيد الجهود لتبني مفهوم قومي محدد "وقد عالج هذه الفقرة الكاتب نزار ملاخا في مقالته الموسومة ،ماذا نريد وكيف نريد الباطريرك القادم ؟ " المنشورة في تاريخ 20 / 12 / 2012.
       + القدرة على البناء والالتزام لتنفيذ استراتيجيات عقلانية للاعمال في ضوء احتمالات مستقبلية لاحتياجات الكنيسة.
       + القدرة على اتقان " التغذية الراجعة السلوكية " وهي معلومات حول سلوك سابق نقلت الى الحاضر وتؤثر في السلوك المستقبلي .
      أما على صعيد المؤسسة الدينية ، يتطلب مراجعة الذات بعد الخطوة الثانية اي بعد انتخاب البطريرك ،وليكن شعارها دائما " كن غير راضي " بمعنى ان المؤسسة الدينية لا تقتنع بما هي عليه الان ،لان الرضى بواقعها يجعلها جامدة وغير قادرة على التحول نحو الافضل ،فعليها مراجعة اسباب الاخفاق والمشكلات والظواهر السلبية التي صادفتها في مسيرتها ،واين تكمن اسبابها ،في الرئاسة ،الاساقفة ،الكهنة ، المؤمنين ، اللوائح القانونية ، البيئة المحيطة .وعلى كنيستنا اذا ارادت النجاح ان تضع امامها عند مراجعة الذات ، القانون النفسي العلمي " اذا كان الخلل فينا لا نحس به فيخدعنا ، فالمرء أو الجماعة أو المجتمع يرى بوضوح اخطاء غيره ويتغاضى عن اخطائه وسلبياته " وبهذه الطريقة تستطيع مؤسستنا الدينية ان تحول مؤشر الفشل والاحباط الى النجاح والتفاؤل.
      واخيرا ليس هدفي من وضع هذه المقترحات امام السادة الاساقفة الانتقاص من افكارهم وشخصيتهم بقدر اني اهدف الى تبادل الاراء ومنح دور للعلمانيين في ادارة المؤسسة الدينية ،فكلما احترمنا اراء بعضنا كلما نميل الى السلوك الحضاري المعاصر والذي يخدمنا في التكيف والانسجام مع متطلبات العصر الدائمة التغير ،وقد عجبتني فقرة في المقالة الموسومة للكاتب " ابرم شبيرا " الاخيرة المنشورة على مواقع شعبنا في تاريخ 14 /12 / 2012، وهي "هناك ازمة فكرية ونفسية تطوق عقلية قادة تنظيماتنا السياسية والقومية والدينية ،اعتقد شخصيا انها تقوم على نوع من الشك والريبة تجاه الاخر ،وبالتالي ان كل ما يصدر من الاخر هو موضوع شك وريبة ولا يفسرونه الا كونه تهجم واهانة وتخريب ... الخ "انتهى الاقتباس .
       املى من اساقفتنا الاجلاء وكهنتنا الافاضل وكل المؤمنين ان لا يفسروا ما يكتب من قبل كتابنا بمختلف اختصاصاتهم تهجم واهانة وتخريب بل هو طرح الاراء لعله الاستفادة منها في البناء والتطوير والازدهار .وكما قلت في مقالتي السابقة الباحث يبحث سواء وضعت ابحاثه على الرفوف ام انها ترى النور في العمل الميداني فهذه رسالة للبحث العلمي لا بد ان نؤديها . 


     
     
   
               

76
اختيار الاب داود بفرو
لمرتبة الاركذياقون فخر لنا

الدكتور عبدالله مرقس رابي
      في نبا رائع ومفرح اطلقته ابرشية مار ادي الكلدانية الكاثوليكية في كندا بتاريخ 22 / 11 / 2012 مفاده،قيام راعيها المطران مار يوحنا زورا الجزيل الاحترام باصدار أمره الرعوي الاداري بتعيين الاب داود بفرو راعي كنيسة العائلة المقدسة في مدينة ويندزر بمرتبة نائب الاسقف العام " الاركذياقون " للابرشية المذكورة اضافة الى الى خدمته في خورنته الحالية .وستقام مراسيم التنصيب وتلبيس الصليب والمحبس الخاص بهذه المرتبة في 24 /1 /2013.
 تعتبر ابرشية مار ادي الكلدانية احدث ابرشية كلدانية، حيث تاسست في 10 /6 /2011، ونصب اول اسقف عليها سيادة مار يوحنا زورا، ومركزها في كاتدرائية الراعي الصالح في مدينة تورنتو عاصمة ولاية اونتاريو ، تلك الكاتدرائية الكلدانية الكاثوليكية التي اشرف سيادته على بنائها وتاسيسها وبذل كل ما بوسعه لتشمخ قلعة دينية كلدانية في بلادالمهجر،فشجاعة واخلاص الكلدان في مدينة تورينتو بعطائهم السخي وصلواتهم، وادارة وحكمة وصبر ومباركة الراعي مار يوحنا زورا نورت كنيسة الراعي الصالح لتنطلق منها خدمة راعيها الجليل لابرشية مار ادي .
 وهي اكبر ابرشية مترامية الاطراف، لان كنائسها تنتشر على امتداد كندا ثاني اكبر بلد مساحة في العالم .وبحكم التوزيع الجغرافي للجالية الكلدانية ادى الى تباعد كنائس الابرشية  عن بعضها بالاف الكيلومترات، فمثلا تبعد كنيسة فانكوفر عن مركز الابرشية حوالي ست ساعات سفر بالطائرة، وعليه جاء قرار راعي الابرشية السليم بادراك اهميته وفاعليته لكي ينصب الاب داود بفرو المساعد الاسقفي العام لهذه الابرشية المترامية ليكون عونا له، وللمشاركة في ادارتها والسعي لنهضتها وشد مؤمنيها الى طريق الرب الذي هو الهدف الاسمى للجميع .
      فكان الراعي الجليل صائبا في هذا الاختيار ،وذلك لما يتمتع الاب بفروا بخبرات شخصية ومؤهلات ادارية ودينية تمتد الى 34 سنة مكنته ان يكون مؤهلا لاي منصب ديني يكلف به او يترقى اليه .ولنا الثقة الكاملة بان يكون الاب بفرو اهلا لها ومقتدرا للمشاركة مع الراعي الجليل مار يوحنا واخوته الكهنة جميعا في الابرشية لدفع مسيرة الابرشية قدما للنهوض بها لخدمة المؤمنين الكلدان في كندا .   
     وقد خدم الاب بفرو في معظم كنائس الابرشية ، في اقامة القداديس والطقوس الدينية اضافة الى مايقدمه في خورنة العائلة المقدسة في مدينة ويندزور منذ سنة 2001 ولمدة ثلاث سنوات ،وقد اسسس كنيسة مار توما في هاملتون  وماريوسف في لندن اونتاريو، وزار العديد من الكنائس في غرب كندا من فترة الى اخرى لتقديم الخدمة للمؤمنين الكلدان. فبالرغم من مشقات الطرق في ايام الشتاء الكندي القارص ومخاطر الطريق بسبب الثلوج المتراكمة لم يبخل الاب بفرو في تلبية احتياجات المؤمنين في هذه المدن،وبعد ان جاءها الكهنة انحصرت واجباته في كنيسته الحالية .
 وأما عن الاب داود بفرو قبل قدومه الى كندا
 ولد الاب داود بفرو عام 1942  في بلدة منكيش في اسرة عريقة اصيلة، عرفت محبة المسيح ووصايا الرب،فتلقى داود الابن تنشئة اجتماعية مزودة بمفاهيم دينية وخصال اجتماعية مهذبة متسمة بروح المودة والمحبة والتعاون والاحترام التي تمتاز المجتمعات الريفية بها . وعليه كانت نتيجتها ان لبى نداء الرب لكي يدخل الى كرمته ليعمل ويجني ثمارها ،وهكذا دخل داود بفرو الشاب اليافع في الثانية عشرة من عمره الى معهد ماريوحنا الحبيب الكهنوتي في الموصل عام 1954 ليتلقى مختلف العلوم الدينية والفلسفية واللغات ،وثم رسم كاهنا في 12 /6 / 1966 ليبدأ مسيرة الرب ونشر كلمته .
                فانضم الاب داود الى كوكبة ابناء منكيش الذين انضموا قبله الى كرمة الرب ،حيث تشير سجلات الاديرة والكنائس الى انضمام اكثر من اربعين شاب منكيشي الى الرهبنة الانطونية الكلدانية منذ تجديدها عام 1808 على يد الاب جبرائيل دنبو،بل وان الرهبان الستة المؤسسين الاوائل للرهبنة الانطونية الكلدانية هم من شباب منكيش بحسب سجلات الرهبنة الانطونيةالكلدانية. وعند اجراء فرز احصائي في سجل الرهبنة الانطونية عام 1996 اثناء قيامي بجمع المعلومات لتاليف كتاب منكيش ،تبين ان بلدة منكيش جاءت بالمرتبة الثالثة بعد القوش وتلكيف في العدد المطلق لرهبان الانطونية الكلدانية منذ تجديدها .واذا اخذنا بنظر الاعتبارالمتغير الديمغرافي اي عدد السكان "نسبة وتناسب "لقلة سكان منكيش بالنسبة للبلدتين فانها تاتي بالمرتبة الاولى .أما عن الكهنة فبلغ عددهم 26 كاهنا منذ دخولها بالكثلكة عام 1798 حتى يومنا هذا ،وثلاثة منهم ارتقوا الى الدرجة الاسقفية ومنهم المطران مارتوما روكس خنجرو الذي رسمه البطريرك يوسف اودو مطرانا على الملبار في الهند. المصدر "سجل الرهبنة الانطونية الكلدانية باللغة العربية " . 
             كان أول المشوار للاب داود هو خدمة قرى ابرشيته في العمادية فعمل هناك متنقلا لاداء الخدمة وواجباته الكهنوتية بين تلك القرى الوعرة الاراضي والبعيدة وفي ظل ظروف سيئة مناخيا وامنيا ،وبعد ان تعرض لحادث انقلاب سيارته في طريقه الى العمادية في احد الوديان ، وارادة الرب خلصته وحمته من كل مكروه واذى، فعثر عليه احد المارة ليساعده ونقله الى المركز الصحي توجه الى بغداد للمعالجة .
    وبعد شفائه بدا الخدمة عام 1972 في كنائس متعددة في بغداد بتوجيه من غبطة البطريرك مار بولس شيخو بتنسيبه لابرشية البطريركية، وثم تسلم خورنة كنسية مار توما في النعيرية .ودأب منذ بداية عمله في كنيسة مار توما على بذل الجهود ليكون في خدمة ابناء خورنته ،وقد اهتم في مختلف الانشطة الكنسية التي واكبت التغيرات الاجتماعية والحضارية والثقافية فنظم الاخويات الشبابية واهتم بالتعليم المسيحي وابدى اهمية كبيرة لتنشئة الصغار على المفاهيم والمبادىء الدينية، وقد تلمذ على يده من الشباب الذين اختارهم الرب كهنة لكنيسته.وتعلق به ابناء خورنته وعاش معهم حياة مليئة بمحبة روحية مسيحية ومعبرة بالوفاء والاخلاص.
     وبعد ان انهكت الحرب العراقية الايرانية القوة الاقتصادية للعراق وتلاها الحصار الاقتصادي تاسس فرع اخوية " كاريتاس الخيرية العالمية " في بغداد وتراسه الاب داود بفرو اضافة لخدمته في كنيسة مارتوما من سنة 1992 والى 1999 .وقد نالت الاخوية نجاحا باهرا في ادارته لها وتنسيقاته للحصول على الغذاء والاموال لمساعدة المحتاجين من كل اطياف الشعب العراقي ،فقد بذل جهودا حثيثة في تعجيل مسيرة تلك الاخوية في العراق نحو الافضل لتلبي احتياجات المؤمنين المسيحيين وغيرهم.
     وفي سنة 2001 باشر عمله في كنيسة العائلة المقدسة في مدينة ويندزور الكندية ،وبعد ان تسلم بناية الكنيسة في حالة بنائية قديمة محتاجة الى الادامة، فبدأ بالتعاون مع ابناء الرعية بمحبة مسيحية واخلاص وحكمة ودراية وخبرة ادارية في ترميمها وتمكنوا من اخراجها بصورتها البهية والرائعة، وتمكن أيضا وبمساعدة وتعاون الجميع من ايفاء كل الديون المستحقة،فاصبحت مركزا لتقديم الخدمات للمؤمنين الذين يترددون اليها ،فنظم الاخويات الشبابية ومدرسة للتعليم المسيحي للصغار .وانطلق منها الى مدينتي هاملتون ولندن لخدمة الكلدان فيهما كما اشرنا اعلاه ولمدة ثلاث سنوات .
   حقا كان اختيار الراعي الجليل مار يوحنا زورا لمساعده في ادارة شؤون الابرشية موفقا ومدروسا بكل جوانبه ولتكون خطوة للنهوض بالابرشية وتقديم افضل الخدمات الدينية للمؤمنين، فالاب بفرو تمكن في فترة عشرة سنوات من اكتساب الخبرة العملية للعمل ككاهن  في المجتمعات الغربية، اذ ان العمل في مجتمع مغاير في عاداته وتقاليده وقيمه وسياسته الاجتماعية في حقوق الانسان وطريقة التعامل مع الافراد بمختلف صنوفهم الاجتماعية والثقافية والعمرية عن ما هو عليه في مجتمعاتنا الشرقية تحتاج الى خبرة ومؤهلات وتعايش الواقع لكي يتمكن الكاهن من اداء واجبه ويحسن التصرف مع المؤمنين باداء يتكيف مع الاوضاع الجديدة، وما اصعبها عندما يتعامل مع افراد يعيشون في خضم الصراعات الثقافية والاجتماعية او مع جيل قد تربى في احضان المجتمع الغربي ،اضافة الى اتقان اللغة التي هو بامس الحاجة اليها للتعامل اليومي.
   فنتمنى الموفقية والنجاح للاب داود بفرو في منصبه الديني الجديد، فان اختيارك فخر لمحبيك وابناء خورنتك وكل المؤمنين في ابرشيتنا ولنا جميعا ، وليكن اختيارك هو تعبير للمحبة والاخلاص والتفاني والتواضع والاحترام والتعاون بين اسقفنا وكهنتنا  والمؤمنين على امتداد ابرشية مار أدي الكلدانية الكاثوليكية ومن الرب التوفيق .   

77
ليكن سينودس القادم انطلاقة
 نحو الاصلاح في الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية


الدكتور عبدالله مرقس رابي
استاذ وباحث اكاديمي

                        يبدو ان السادة الاساقفة الكلدان الكاثوليك قد اتفقوا لعقد السينودس الذي اصبح انعقاده حلما للمهتمين بالشأن الكنسي ومؤمني بطريركية بابل الكلدانية الكاثوليكية وذلك في بيروت العاصمة اللبنانية في 28 من الشهر الحالي ،بعد ان طالت فترة عدم انعقاده الى اكثر من ثلاث سنوات .ولكن للاسف الشديد افادتنا معلومات لاحقة بان السينودس الذي ننتظره علمانيون وكهنة وكل المهتمين قد تم تاجيله الى وقت قريب، وذلك لاسباب غير منطقية ومبررات غير مقنعة، فهي بالطبع لاسباب الانقسام، مطارنة الخارج ومطارنة الداخل ومطارنة السهل ومطارنة الجبل ،ولكن في الحقيقة ارى ان السادة المطارنة من اصله لايرغبون بانعقاد السينودس لكي تبقى كنيستنا على فراغ من الادارة المركزية الحازمة لتحل اللامركزية في الادارة  ،فهل يعقل رسل السلام والمحبة والتواضع ان يختلفوا على مكان انعقاد السينودس ؟ الم يفكروا على قدر حبة خردل ان مؤمني الكنيسة من الاكليروس والعلمانيين هم متلهفين لتنظيم شؤون كنيستنا ؟ ام اننا بحاجة الى ربيع كلداني ليثور الكهنة على مطارنتهم ومعهم العلمانيون ؟كيف يطلب الاساقفة الطاعة من كهنتهم وهم لا يتفقون على ابسط الامور؟ ، فالاختلاف على مكان انعقاد السينودس ليس مبررا مقنعا بل هناك العديد من العوامل المرتبطة باللاشعور من مكنوناتهم النفسية.
  وليكن السينودس المرتقب عقده قريبا فرصة لالتقاء خدام المسيح ورسله متحلين بالمحبة والتواضع والوضوح بالراي والموقف والحكمة والعدالة والتعاون والابتعاد عن كل النزعات الذاتية في تصلب الراي والتسلطية والكبرياء والنزعات القرابية والجغرافية في اتخاذ قراراتهم . لتكن فرصة لمراجعة الذات المؤسساتية ووضع على طاولتهم كل السلبيات التي اعترضت مسيرة الكنيسة ومعالجتها بموضوعية وعقلانية بعيدة عن الانفعالات التي لا تخدم ولا تقر ماهو ايجابي وصالح لكنيستنا ،ولتكن لهم الارادة السليمة للعمل الجاد للاصلاح الاداري ووضع السبل الكفيلة للنهوض بمؤسستنا الكنسية نحو الافضل لكي تتمكن من شق طريقها وتحقيق اهدافها في وسط تحديات المجتمع الحديث ،مجتمع الثورة المعلوماتية والتحولات السريعة لجعل الكنيسة مواكبة لهذه التغيرات.
       لتكن مسألة الاتفاق على مكان انعقاد السينودس خطوة اولى للاتفاق على كل ما يخدم كنيستنا التي عانت الكثير من حيث الادارة والتمويل وتشتت مؤمنيها بسبب الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية القاسية في المنطقة الجغرافية للبطريركية ولا سيما في العراق . عليه فاذا تخلف احدهم عن الحضور فانه لايسعى لانقاض كنيستنا ويكون تعنته بمثابة التهرب من مواجهة الواقع لانه يفكر بمعالجة الامور بفكرة تسلطية ومزاجية وناكرا للتعاون والانفتاح ومناقشة الامور بجدية .
    وانطلاقا مما ثبته المجمع الفاتيكاني الثاني عن دور واهمية العلمانيين في الكنيسة ،اذ يؤكدالمجمع " ان العلماني ينال الاسرار المقدسة الثلاثة (المعمودية والتثبيت والمناولة ) وعليه يحصل على هبة خاصة ويصبح مكرسا للعمل في الكنيسة التي هي مجموع العلمانيين المؤمنين مع الاكليروس ومتحدين ليساهموا في عمل الكنيسة في الفكر والقرار والتنفيذ،لان العلماني هو قوة الكنيسة ورجاؤها لانه رسول يعيش في وسط العالم .ولا يعني عمل العلماني تنازل الكاهن من احدى واجباته له ،انما هو حق له وواجب عليه".
      وانطلاقا من القانون الكنسي الكاثوليكي والخاص بالكنائس المستقلة ،تلك التي تتمتع بالحكم الذاتي والمرتبطة بالفاتيكان .ففي الباب الاول الخاص بالمؤمنين وما لهم جميعا من حقوق وواجبات ،يشير البند 3 من قانون رقم 15 الى "ولهم الحق بحسب ما يتمتعون به من علم واختصاص ومكانة ،بل عليهم الواجب ان يبدو رايهم لرعاة الكنيسة في الامور المتعلقة بخير الكنيسة ،وان يطالعوا سائر المؤمنين على هذا الراي مع عدم الاخلال بسلامة الايمان والاحترام الواجب للرعاة ومع وضع المصلحة العامة وكرامة الانسان في الاعتبار".    وكذلك جاء في قانون رقم 408 بند 1 "العلمانيون الذين يتميزون بما يجب من معرفة وخبرة ونزاهة ،اهل لان تستمع اليهم السلطات الكنسية كخبراء أو مستشارين سواء كأفراد أو كاعضاء في مختلف المجالس أو اللقاءات الرعوية والابرشية والبطريركية "
     استنادا الى هذه المبادىء والقوانين الكنسية ساطرح بعض الاراء والمقترحات التي ربما ستساعد في تغيير الحال في مؤسستنا الدينية متجنبا الجوانب المتعلقة بالايمان ،فهي خارجة عن اختصاصي ،انما ستخص الادارة والاداء وبعض المظاهر التي من الممكن تطويرها في مؤسستنا على ان لا تمس عقائدنا وطقوسنا الدينية. ومما هو جدير بالذكر هناك من يتوهم بعدم وجود علاقة بين علم الاجتماع ودراسة المؤسسة الدينية ،فقد كانت هذه المؤسسة من الميادين المهمة التي تناولها علماء الاجتماع في دراساتهم منذ نشاة علم الاجتماع وعليه ظهر علم الاجتماع الديني الذي يدرس هذه الظواهر في المؤسسة الدينية :الرئاسة والمرؤوسين / المركزية واللامركزية / الموضوعية  /الصراع والوفاق /المنافسة والتعاون.وتنطوي الدراسة الاجتماعية للمؤسسة الدينية على تحليل العلاقات الاجتماعية ونظام السلطة وتحليل العمليات الاجتماعية داخلها .
   وقد اعتبر علماء الاجتماع علاقة المؤسسة الدينية بالمجتمع علاقة اجتماعية حيوية يجب ان تدرس وفق منظور علمي ذلك لما لها من مكانة فاعلة ومنفعلة في منظومة المجتمع ومفاصله.ومن هذه الاهمية لعلم الاجتماع في دراسة المؤسسة الدينية وقد جاء التأكيد على علمي الاجتماع والنفس قانونيا دون غيرهما لكي تتضمن المناهج الدراسية للاكليريكيات، حيث جاء في القانون الكنسي رقم 352 البند 2 " ينبغي تنشئة الطلبة اولا في فن التعليم المسيحي والوعظ والاحتفالات الطقسية وادارة الرعية والحوار التبشيري مع غير المؤمنين الفاترين ،ووسائل الاتصال الاجتماعي ،بدون اهمال مواد المساعدة علم النفس وعلم الاجتماع الرعوي.
 وفيما ياتي بعض من المقترحات التي توصلت اليها من دراسة اعدتها عن المؤسسة الكنسية لعله قد يستفيد منها السادة الاساقفة المجتمعين ،علما انني قدمت تحليلا لاسباب كل ظاهرة من الظواهر التي ساتطرق اليها ادناه في الجزء الاول من دراستي المنشورة في مواقع شعبنا ،وعليه ساتجنب ذكرها ثانية وساكتفي بالمقترحات :
   اولا : الشؤون الادارية :
                      الادارة نشاط انساني يشمل كافة مجالات الحياة بغية الوصول الى تحقيق نتائج متقدمة من اجل تطوير العمل وتحقيق الاهداف ولم تتحقق الادارة الناجحة ما لم تتوفر فيها عناصر التعاون والتخطيط السليم والعلاقات الاجتماعية الايجابية المبنية على التفاهم والانفتاح وقبول الاخر لكي يشعر المشاركون في العملية الادارية باهميتهم من خلال العلاقة مع الاخرين ،ولعل اهم عنصر هو توفر القيادة الكفوءة في الادارة وتحمل سمات القيادة الناجحة. ولكي نحقق ادراة ناجحة في مؤسستنا الدينية اقترح الاتي :
     1 – وضع حل جدي للعلاقة والاتصال بين رجال الدين عموديا وافقيا اي بين الدرجات الكهنوتية المتشابهة اولا وبين الدرجات الكهنوتية المختلفة في مستوياتها .وذلك بالانفتاح الحقيقي بين الاساقفة في علاقاتهم وتداولاتهم بشان الكنيسة بحيث تكون مسالة طرح الاراء معتمدة على العوامل الموضوعية بالتخلص والتجرد من العوامل الذاتية المتمثلة بالنزعة الجغرافية القروية والعلاقات الخاصة والتصلب بالراي .اما في العلاقات العمودية يجب ان تمتاز بالاحترام المتبادل بين المستويات الكهنوتية والتخلص من النظرة الاستعلائية من قبل الاساقفة تجاه الكهنة ،بل ينبغي الاستفادة من خبراتهم وكفاءاتهم العقلية التي تستوعب التغيرات المجتمعية الحديثة اكثر من بعض الاساقفة التقليديين للمشاركة في اتخاذ القرارات الرعوية . نعم الطاعة مفروضة على الادنى تجاه الاعلى ،ولكن لو تصرف الاعلى تجاه الادنى من منطلقات خاطئة وغير ملائمة لا يستوعبها الكاهن المعاصر بحكم الاختلاف في النظرة الى الظواهر المختلفة وفقا لمبدا اختلاف الاجيال فهل نحصر العلاقة بالطاعة العمياء؟بالطبع كلا،وعليه ارى حتمية تفهم الاساقفة التقليدين لراي الكاهن الشاب والتأني في مناقشته حول العديد من الامور.
   2 – انطلاقا من نقطة اعلاه اقترح اختيار كهنة مشهود لهم بالكفاءة والخبرة في الادارة للمشاركة كاعضاء في السينودس للاستفادة من تلك الخبرات وان لايعتمد مصير بطريركية مترامية الاطراف حول العالم على خمسة عشرة اسقفا،وقد يتحقق التواصل السليم بين الدرجات الكهنوتية لمنح الاعتبار لشخصية الكاهن واهمية وجوده ضمن المؤسسة الدينية ،ومن جهة اخرى فهو اكثر تماسا مع المؤمنين من غيره ومتطلعا على مشاكل الابرشيات ميدانيا .
   3 – في علم الادارة ومن منظور المدرسة السلوكية تؤكد الدراسات على اهمية القائد ودوره في العملية الادارية من حيث الصفات التي يجب ان يتحلى بها، النفسية والاجتماعية والذهنية والصحة العامة والقدرة على الاتصال والمتابعة،ولما كان البطريرك هو القائد الاعلى للكنيسة ،فعليه ان يتميز بتلك الصفات لتتحقق القيادة الناجحة .وفي الوقت الذي نكن جميعا لغبطة البطريرك الاكرام والتبجيل ،ينبغي الاقرار منه بعدم التمكن من القيام بواجبات الرئاسة البطريركية ويتفهم بموضوعية ما آلت اليه بطريركية بابل الكلدانية الكاثوليكية من التلكؤ الاداري وفقدان السلطة والتنسيق بين الابرشيات وخصوصا في الاوضاع الراهنة المتدهورة يوما بعد اخر في المنطقة الجغرافية للبطريكية بسبب تقدمه بالعمر، وما يصاحب التقدم بالعمر من تاثيرات على الشخصية والحد من العطاء .وقد المحت القوانين الكنسية ضرورة تخلي البطريرك عن منصبه اذا لم يكن قادرا على التواصل في الخدمة ،فقد جاء في القانون الكنسي رقم 126 بند 1:"يشغر الكرسي البطريركي بوفاة البطريرك او بتخليه " ويشير القانون رقم 62 الى " ان البطريرك الذي يتخلى عن وظيفته ،يحتفظ بلقبه وكرامته لا سيما في الاحتفالات الطقسية ،كما له الحق ان يخصص له ،برضاه مقر مناسب لاقامته ،وان توفر له سبل المعيشة من اموال الكنيسة البطريركية ،تكفل له الحالة اللائقة بلقبه " وفي بند 2 من قانون 126 جاء ايضا " قبول تخلي البطريرك عن منصبه من اختصاص سينودس اساقفة الكنيسة الكاثوليكية بعد استشارة الحبر الروماني ما لم يقصد البطريرك الحبر الروماني بطريقة مباشرة " نستنتج من القوانين المذكورة، بالرغم من ان الكنيسة لا تجبر البطريرك الاحالة الى التقاعد ولكن بوضوح تشير وتشعره بضرورة التخلي عن منصبه باقرار منه طالما انه ليس قادرا في مزاولة واجبه .
   واما بالنسبة الى الاساقفة فان القانون الكنسي رقم 210  بند 1 واضح جدا في مضمونه ،حيث يؤكدعلى " يرجى الاسقف الابرشي الذي اتم الخامسة والسبعون من عمره أو لم يعد كفوءا بوظيفته لاعتلال صحته أو لسبب اخر هام ان يتقدم بتخلية عن وظيفته " وعليه اقترح اذا اصر غبطة البطريرك على مواصلة واجبه ان يختار السينودس احد الاساقفة ليدير شؤون البطريركية وكالة أو اقناع غبطته التخلي عن منصبه في الحديث الصريح عن احوال البطريريكية التي تتفاقم يوما بعد اخر،وثم اعفاء الاساقفة الذين تجاوزوا سن التقاعد  من اعمالهم .
   4 – انهاء مسالة الشواغر في الاسقفيات وترك الابرشية بدون راعي لفترة طويلة كما هو عليه في ابرشية زاخو ونوهدرا واوربا والبصرة طالما هناك كهنة اكفاء لملىء هذه الشواغر .
   5 –  اجراء دراسة موسعة حول العلاقة بين البطريكية والفاتيكان لوضع اسس العلاقة المبنية على تبعية العقائد والايمان ،ووضع حد للتدخل في اختيار الاساقفة المرشحة اسمائهم من قبل البطريركية مما يسبب ذلك في تاخر تعيينهم ومن جهة اخرى اختيارهم لكهنة غير اكفاء من بين المرشحين  .وهناك نصوص قانونية متعددة تشير الى تدخل الفاتيكان بشؤون البطريركية يمكن مراجعتها في القانون الكنسي الخاص بالكنائس المستقلة .(لي دراسة خاصة عن هذا الموضوع ) .
  6 -  توحيد مواقف الابرشيات نحو الظواهر العامة،كالسياسية والاجتماعية ،ووضع حد للتصريحات الاعلامية الفردية بتعيين ناطق اعلامي رسمي للبطريركية لتجاوز مسالة انقسام الاساقفة والكهنة في ارائهم تجاه الاحداث الجارية الى مؤيد ومعارض ومحايد .
  7 – وضع اسس ثابتة لتوحيد الطقوس بين الابرشيات ،فمن ناحية العقيدة الايمانية متوحدة لا غبار عليها ،انما الجزء الثاني من مكونات الدين الذي يتمثل بالطقوس، فنرى اختلاف واسع بين الابرشيات وبين الكنائس في نفس الابرشية احيانا فعندما تزور كنائس متعددة ستلقي تباين في اداء الطقوس سنرى بدايات ونهايات مختلفة للقداس ،واختلاف شاسع في تأدية الطقوس الخاصة بالمناسبات الدينية فهناك من يلتزم بها وهناك من لا يقرها ابدا .واقترح لتجاوز هذه المسالة المزاجية في اداء الطقوس تشكيل لجنة متابعة لتفحص باستمرار مدى قيام الكاهن بتطبيق التعليمات المركزية بهذا الشأن وان تكون احدى نقاط التنافسية للترشيح الى المراتب الاعلى.
    8 – المركزية في تنظيم اموال الكنيسة بحيث يكون هناك موازنة مالية بين الابرشيات ذات الدخل العالي والتي تعاني من النقص في المدخولات .
9 – توحيد قواعد اختيار مجالس الخورنات ومجالس الابرشيات في قانون ينظم لهذا الغرض.
ثانيا : تفعيل دور العلمانيين في المشاركة الفعالة في ادارة الكنيسة:
                المؤسسة الدينية تنظيم اجتماعي يتالف من خليط غير متجانس من الافراد ثقافيا واجتماعيا واقتصاديا ونفسيا ،ولكل منهم خبراته وتطلعاته الحياتية، ومؤهلاته العلمية وبمستويات مختلفة ويمكن ان تصب جهودهم في خدمة المؤسسة الدينية .وقد اكدت الكنيسة الكاثوليكية على دور المؤمنين العلمانيين في ادارة شؤون الكنيسة في مناسبات عديدة .ولاهمية دور العلمانيين في ادارة شؤون الكنيسة بالتعاون مع جماعة الاكليروس ، شرعت الكنيسة الكاثوليكية قوانين تشير الى اهمية دورهم ومشاركتهم الفعالة ،فبالاضافة الى القوانين المذكورة في مقدمة المقال ،جاء في قانون رقم 143 بند 6 "مشاركة اثنين من العلمانيين في المجمع البطريركي ".واما قانون 238 يشير الى " من بين الذين يدعى الى المجمع الابرشي ويحضره 10 علمانيون ينتخبهم المجلس الرعوي ان وجد على ان لايتعدى عدد العلمانيين ثلث اعضاء المجلس الابرشي " .
    وفي ضوء ما جاء في هذه القوانين من اهمية لمشاركة العلمانيين في الشؤون الادارية الكنسية اقترح :
 1 – استشارة العلمانيين في مسالة ترشيح الكهنة الى المرتبة الاسقفية – على الاقل عينة ممثلة من المؤمنين الذين يقيمون في حدود الابرشية التي يخدم فيها الكاهن - . لتضاف الى استشارة الاساقفة لكي تتبلور فكرة جدية وواضحة عن امكانات ومؤهلات الكاهن لمدى استحقاقه هذه المرتبة . وكذلك الحال بالنسبة الى عملية اختيار البطريرك وليكن ما قام به الاقباط العلمانيين في المشاركة الفعلية في اختيار بطريركهم مؤخرا خطوة مثالية  لكي تتخذ بها كنيستنا  .
2 –تشكيل المجالس الابرشية ومجالس الخورنات متضمنة في عضويتها العلمانيين ،اذ تفتقد العديد من الخورنات الى مجالس الخورنة وتفتقد ايضا مجالس الابرشيات من مشاركة العلمانيين .
3 – والاهم هو مشاركة عدد من العلمانيين من اصحاب الخبرة في الشؤون الادارية في السينودس الدوري لابداء ارائهم في العديد من القضايا المتعلقة في ادارة الكنيسة .
ثالثا : بناء شخصية الكاهن :
       ان مسالة اعداد تلاميذ المدرسة الكهنوتية او الكليات التابعة للبطريركية لها اهمية قصوى وبعد استراتيجي لان المعد هو كاهن او اسقف المستقبل . وبهذا الصدد اقترح:
 1 -  تزويد الطلبة بمختلف انواع المعرفة ،اضافة الى العلوم الدينية الخاصة بالدين المسيحي يتناول دراسة الاديان الاخرى ،السماوية والباطنية كالمندنائية واليزيدية والاديان الوثنية .
 2 – تدريس اضافة الى مادة الفلسفة المعتاد تدريسها علوم انسانية واجتماعية اخرى مثل الانثروبولوجية وعلم النفس وعلم الاجتماع والقانون المدني والتاريخ ،ولا اقصد هنا التاريخ الكنسي بل تاريخ الحضارات البشرية،وان لايقتصر تعليم اللغة على تصريفها وبنائها بل الى اهميتها كوسيلة للاتصال والتفاهم .حيث ان هذه العلوم تسهم في بناء شخصية الكاهن لانها تزوده بخصائص الشخصية الناجحة في القيادة لكونه قائدا في عمله الكهنوتي ،وتعرفه على الطبيعة البشرية ،وعلى البناء الاجتماعي للمجتمع وتفاعلاته من منطلقات متعددة وليس من المنطلق الديني فحسب ،ومن ثم تساعد هذه المناهج العلمية على اكتساب الكاهن على خصائص الشخصية الكارزماتية التي تمنحه القدرة على التاثير بالاخرين للاعتقاد بما يعتقد هو وهذه مهمة جدا لرجل الدين لتأدية مهام عمله كمبشر لرسالة المسيح.
رابعا : اللغة والشعور القومي :
   ان ابرز ما يميز الشعوب عن بعضها البعض هي اللغة وشعور الانتماء القومي الذي يتبلور عند الفرد عن طريق التنشئة الاجتماعية ،وكلاهما اللغة والشعور القومي ظاهرتان يعتز كل فرد بهما سواء في المجتمعات التقليدية أوالمتحضرة،اذ تحقق هاتين الظاهرتين غريزة الانتماء عند الفرد لكي يشعر بوجوده المتميز عن الاخرين لانهما يدعمان الروح الجماعية والانتمائية له.ولاهمية اللغة والشعور القومي في حياة الفرد فلهما ذات الاهمية في المؤسسة الدينية ،فاللغة اساسية في فهم واستيعاب العقيدة الدينية وهي عامل الجذب والارتياح عند ممارسة الطقوس والصلوات باللغة التي يتقنها اتباع المؤسسة الدينية ،ومن هذا المنطلق نلاحظ ان المجمع الفاتيكاني الثاني اجاز الكنائس اللاتينية التابعة مباشرة الى الكنيسة الرومانية لاقامة طقوسهم وصلواتهم بلغتهم المحلية وليس باللاتينية التي فرضت عليهم من الفاتيكان تاريخيا وقد اكد المشرع في القوانين الكنسية على اهمية ثقافة الشعوب حيث جاء في القانون رقم 20 البند 1 "الطقس هو التراث الليتورجي واللاهوتي والتنظيمي المتسم بثقافة الشعوب وظروف تاريخها ويعبر عنه بالطريقة الخاصة التي يعيش بها الايمان لكل كنيسة متمتعة بحكم ذاتي ".
       واما في كنيستنا الكلدانية الكاثوليكية، نلاحظ تعقد لغوي بارز في اقامة الصلوات والطقوس الاخرى ، يضطر الكهنة الى استعمال اللغتين الكلدانية المعروفة بالارامية قديما والعربية في كنائس المنطقة الجغرافية للبطريركية ولا سيما في المدن . وذلك بسب اتقان بعض المؤمنين الحديث باللغة العربية فقط ،تحدثوا بها واصبحت لغتهم لاسباب تاريخية واجتماعية ودينية لست الان بصددها ،وتتعقد المسالة اكثر في بلدان المهجر التي اصبحت ملاذ ابناء الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية ،حيث  نشأ جيل جديد  آخر لايتقن اللغتين العربية والكلدانية بل يتقن لغة المجتمع الذي يعيش فيه كأن تكون الانكليزية والفرنسية وغيرها من اللغات .وتزداد المشكلة تفاقما عندما لا يمتلك المؤمنون كنيسة خاصة لهم لاقامة القداديس والطقوس بحريتهم لكي تتاح الفرصة للكاهن لكي يقيم اكثر من قداس .ومن المشكلات التي لاحظتها اثناء اجراء الدراسة هو ان جميع المؤمنين لايتمكنوا من استيعاب وفهم الصلوات والطقوس التي تمارس باللغة الارامية القديمة مما تكون مشاركتهم سطحية في الصلوات .
       وقد لاحظت عدم اكتراث العديد من الكهنة بموضوع اللغة والشعور القومي مبررين ذلك ان المهم هو ان تصل الفكرة الى المؤمنين بغض النظر عن لغة الاتصال ،هنا يكون الحق معه فيما اذا كان الجميع يتحدثون تلك اللغة ولكن لا يحق ذلك عندما تكون هناك عائلتين او ثلاث تتحدثن العربية مثلا وتقام الطقوس باللغة العربية وتهمل لغة الجميع التي يعتزون بها ويستسيغونها وتعايشوا معها جيلا بعد جيل .اذ ان اللغة وما يترتب عنها من انتماء قومي حالة طبيعية يعتز بها الفرد مهما توصل الى رقي حضاري انساني فهي ظاهرة اجتماعية تلازم الفرد مثلما تلازمه ظاهرة الدين.وعليه اقترح :
 1 – ترجمة كتب الصلوات والقداس من اللغة الارامية القديمة الى اللغة الكلدانية الحديثة ليستسيغها المؤمنون ويشعروا بالارتياح بنشوة اللغة على مسامعهم .
2 – طالما ان الاسرة الكلدانية تتحدث مع ابنائها في بلدان المهجر باللغة الكلدانية فاذا سيتعلمون هذه اللغة،وعليه ماهو المانع من اقامة الصلوات باللغة الكلدانية الحديثة ،حيث ان تعويد وتشجيع المؤمنين من الجيل الجديد الى سماعهم للصلوات باللغة الغريبة امر لا مبرر له بل يشجعهم على نسيان لغتهم الاصلية والاصابة بالازداوجية الحضارية .
خامسا : التدخل السياسي لرجل الدين :
      ان عالم السياسة مسالة حساسة جدا بالنسبة الى رجال الدين المسيحيين  ،اذ ان الغالبية العظمى منهم لا يؤيدون فكرة تدخل رجل الدين بالسياسة ، نعم انها فكرة عظيمة وصائبة جدا ،حيث ان لكل من الحقلين الديني والسياسي خصوصيات في التعامل مع الاحداث وافراد المجتمع فمثلا السياسي يكذب ،يفكر في تحقيق مصالح شخصية ومصالح حزبه ،يراوغ في تعامله مع الاخرين اذا تتطلب الامر ،احيانا يضطر الى القتال دفاعا عن ايديولوجيته ،يلغي الاخر فلا يقبل الا جماعته السياسية وافكاره ،وغيرها من السلوكيات والمواقف من هذا القبيل يضطر السياسي ان يلتزم بها بحكم عمله .فهل ياترى ان الكاهن او الاسقف مستعد لكي يمتلك هذه الخصال ؟بالطبع لا ،لانه سوف تتعارض مع مبادىء وقيم رسالته الدينية .
       فاذن نقترح ان يقف رجل الدين على مسافة بعيدة من التدخل المباشر في السياسة ويتركها لاهل السياسة المؤهلين لها في تجاربهم الحياتية ،ويقتصر عمله على مباركة الانشطة السياسية التي تقوم بها الاحزاب السياسية ،والتعاون في مسالة تلبية احتياجاتهم عندما تطلب الامر ،وتشجيع المؤمنين للانخراط في الاحزاب السياسية لانهم أثناء تأتدية دورهم السياسي سيدعمون مؤسستهم الكنسية ويحققون لها مكانة امام الحكومات المحلية .
وفي مؤسستنا الكنسية الكلدانية الكاثوليكية تظهر اشكالية تستحق المعالجة وهي مسالة دعم الشعور القومي ،فالغالبية العظمى من رجال الدين لايكترثون اهمية لها، وبالاخص في ظل الظروف التي يعيشها المؤمنون في العراق حيث النزعة الدينية والقومية السائدة في العلاقات السياسية والتعاطي وفقها بين الاحزاب وافراد المجتمع ،وعليه اقترح بهذا الصدد تفهم رجال الدين لاهمية المفاهيم القومية التي لا تعني انها مسالة التدخل السياسي بقدر ما هي الا تعزيز الروح الجماعية لدى المؤمنين وتحديد هويتهم القومية لتميزهم عن غيرهم ،فهنا تستدعي الضرورة ان تعمم البطريركية تعاليمها بهذا الشان لكي يتخذ جميع الكهنة والاساقفة مواقف ثابتة وموحدة تجاه هذه المسالة المهمة ،ولكي يتجاوزوا تصريحاتهم الفردية كأن يقول احدهم اننا اكراد والاخر عربا والاخر نحن طائفة او مذهب ديني ،وهنا ايضا تاتي اهمية اعداد الكهنة في المدارس الكهنوتية لتلقينهم العلوم المهتمة بالحضارات وثقافة الشعوب وبناء الشخصية وماشابه ذلك.  
     لتكن هذه المقترحات محاولة متواضعة للحد من بعض المظاهر السلبية التي تعاني منها كنيستنا ،وبالرغم من تشاؤم البعض بان لا فائدة مما يكتبه العلماني ،لكن ارى ان لا نصاب بخيبة الامل والاحباط ابدا فالباحث يبحث ويقترح كلما يرى ظاهرة تستوجب الدراسة سواء وضعت على الرفوف أو التزمت ميدانيا ،وكل ما ذكرته لم يتحقق ما لم تكن هناك ادارة حازمة وناجحة ومتميزة وتعاون جدي بين السادة الاساقفة والكهنة الافاضل.

 

78
الاسرة وعلاقتها بالجريمة

الدكتور عبدالله مرقس رابي
استاذ وباحث اكاديمي

 
تناولت عدة دراسات ظاهرة الإجرام من مختلف جوانبه، من حيث أسبابه وضبطه، وتمتد هذه الدراسات إلى ما يقارب قرناً من الزمن، منذ أن فتح العالم الإيطالي المعروف (لومبروزو) باب العلم لدراسة المجرم ودون الاقتصار على دراسة الجريمة فقط، فكثرت البحوث لتشخيص الأسباب المؤدية إلى الإجرام، ومنها ما يتعلق بالجوانب الاجتماعية التي تتضمن العوامل الأسرية، سواء للبالغين من المجرمين أو الأحداث الجانحين.
 
  وتعرف الجريمة قانوناً. هي كل فعل يقرر له النظام القانوني عقوبة جنائية. وتعرف اجتماعياً: تلك الأفعال التي تمثل خطراً على المجتمع أو تجعل من المستحيل تحقيق التعايش والتعاون بين الأفراد والذين يكونونه.

إن الاهتمام بالعوامل الأسرية وعلاقتها بالجريمة امتداد للأفكار التي نظرت إلى الجريمة كظاهرة اجتماعية، حيث يعد الوسط الاجتماعي الأسري من العوامل الاجتماعية المهمة التي تدفع الفرد لإرتكاب الجريمة، فليس هناك شك في أن وجود الأسرة في حد ذاته يعد عاملاً من العوامل المهمة للتنشئة الاجتماعية السوية. لأن وجود الأسرة هو الذي يسمح للفرد بالتدرب على الحياة الاجتماعية. حيث ما يضعه المجتمع من معايير وقواعد أخلاقية يتم نقلها إلى الأفراد عن طريق التنشئة الاجتماعية، فهذه القواعد تضبط بشكل فاعل السلوك الفردي لصالح المجتمع. إذ تبدأ علاقة الأسرة مع الأبناء منذ ميلادهم، وتؤكد الدراسات الاجتماعية والنفسية أن تجارب التعلم الأولى للأطفال في التنشئة المبكرة تؤسس أنماطا للسلوك والعادات والتصورات التي تتسم بالديمومة، والتأثير في استجابات الفرد عند النضج.

وبهذا تكون الأسرة الوحدة الاجتماعية الأولى التي تحدد وتصقل شخصية الفرد طالما أنها تلعب دوراً هاماً وبارزاً
ولعل هذا هو السبب الرئيس في أن نسبة كبيرة من البحوث ومدارس الفكر في علم الإجرام خلال القرن الماضي قد اهتمت بالعلاقة بين الحالة الأسرية والجريمة. إذ أنها أحياناً لا تعدو أن تكون إحدى الجماعات العديدة التي قد ترتبط بالسلوك المنحرف، سواء كان هذا الارتباط في ضوء المعايير أو في ضوء العلاقات الاجتماعية. ويتبين بوضوح دور الأسرة المؤثر والفعال بالجريمة في المجتمع المعاصر، إذ أن المتغيرات الجديدة كالتحضر، والتصنيع، والحراك الاجتماعي وشبكات الاتصال المعقدة، وانساق القيم المتغيرة، كان لها الشأن في الأثر على بناء الأسرة وأداء وظائفها، فحولت بعض الأسر إلى حالة التصدع.

ففي دراسة لكل من (شلدون جلوك) و(اليانور جلوك)  على (500) نزيل في إصلاحية (ماستثوسس) ظهر ان حوالي 60% من النزلاء جاءوا من أسر متصدعة، وفي دراسة أخرى لكل من (شو) و(ماكاي) حول الوضع الأسري لمجموعة من المنحرفين وجد أن 42.5% منهم جاءوا من أسر متصدعة بالمقارنة مع مجموعة ضابطة حيث أن 36.1% كانوا من الأسر غير المتصدعة. وفي ألمانيا توصل (بون هوبر) من دراسة (110) من المجرمين الخطيرين الذين حكم عليهم، أن 45% قد أحاطت بهم ظروف أسرية سيئة.

وما يتعلق بالتعامل بين الوالدين والأبناء، فقد وجد (هيلي وبرونر) في دراستهما على (4000) حالة أن 40% منهم قد جاءوا من أسر ينعدم فيها التقويم وتسود التنشئة الخاطئة.وبالنسبة إلى الحرمان العاطفي، فقد وجد (هير تزول وستوريا) بفحصهما عدداً من الدراسات حول الموضوع، بأن هناك علاقة بين الجريمة والحرمان العاطفي للأبناء بسبب فقدان أحد الوالدين.
  تسهم الظروف الاقتصادية السيئة للاسرة في توفر الفرص لابنائها من الاقدام الى السلوك الاجرامي كالسرقة والانحرافات الجنسية .ومن جهة اخرى ان هذه الظروف قد تدفع بالوالدين للسلوك الاجرامي وثم تعد بمثابة مشاهد حيوية لكي يتعلم الابناء هذا السلوك ،وقد تضطر الاسرة الى العيش في مناطق متخلفة من المدينة أو السكن في دور مشتركة ،مما تتيح الفرصة وفقا لمبدا الاحتكاك والتقليد الاجتماعي لتعلم السلوك المنحرف بانواعه ،لان مثل هذه المناطق تكون قريبة الى وسط المدينة التي تكتظ بدور الملاهي الليلية وبؤر الدعارة والتواصل مع اصدقاء السوء. وبصورة عامة فان الاسر التي تعاني من قلة المدخول الشهري سيكون ابنائها اكثر عرضة للسلوك الاجرامي لعدم تمكن الوالدين من تلبية حاجات ابنائهم الاساسية وبالاخص لاولئك الذين تكون لهم دوافع التقليد للآخرين الذين يمتلكون مثل تلك الحاجات بيسر .
        ان ادمان احد الوالدين او كلاهما لتناول المسكرات والمخدرات يسهم في دفع الابناء الى الانحراف،وذلك لانهم يتحررون من توجيه ورقابة الوالدين مما يؤدي بهم الى تقليد والديهما او يلجاؤون الى اماكن تعوض حاجاتهم العاطفية وقد تكون  تلك الاماكن نفسها بؤر للجريمة.
      ان انشغال الوالدين في العمل خارج البيت لساعات طويلة من العوامل التي توفر فرص لانحراف الابناء لضعف الرقابة اولا ،وثانيا لفقدانهم العطف والحنان الذي هم بامس الحاجة اليه دائما من كلا الوالدين ،وقد يتوهم بعض الاباء بان الابناء ليسوا بحاجة الى عطفهم مثلما هو عطف الامهات ،نعم انه تصور خاطئ لان الدراسات النفسية والاجتماعية تشير الى ان الابناء بحاجة الى الاب كما هم بحاجة الى الام .وقد تبرز هذه الحالة بوضوح عند الاسر المهاجرة التي تبدا من جديد لبناء حياتها الاقتصادية والاجتماعية فينشغل الوالدين بالعمل لساعات طويلة للتعويض عن ما خسرته العائلة في رحلتها نحو المهجر وبالاخص هؤلاء الذين يعملون باشغال شاقة ولساعات طويلة ، وكذلك الذين يمتلكون بعض الاعمال الصغيرة مثل البقاليات والمطاعم التي يتناوب الوالدين في ساعات العمل الطويلة للحفاظ على ادامة عملهم ،تنعكس هذه الحالة في منح حرية واسعة للابناء من الجنسين للاحتكاك مع اصدقاء السوء ،وعدم متابعة دراستهم وفقدان العطف كما اشرنا انفا .
       ان النزاعات المستمرة بين الوالدين،وقد تكون لاتفه الاسباب في البيت وامام انظار الابناء ،واتهامات بعضهما البعض لامور قد تكون منبهة او محفزة للابناء الى التفكير بها وتقليدها ،او بسب الصخب والصياح والاضطراب اليومي ينزعج الابناء، فيحاولون الهروب من الدار للتخلص من الوضع المزري الذي لا يطاق، وفي هذه الحالة ايضا سيلجاؤون الى اماكن لاشباع حاجاتهم العاطفية ،وقد يخفق بعضهم و وعليه سيكون مصيرهم الاجرام.
      تعد البنت امها مثلا اعلى لها وكذلك الابن بالنسبة لابيه ،فعندما تقوم الام ببعض الممارسات غير اللائقة تجاه الاخرين وتجاه نفسها من الكره والغش والتحايل والكذب والانفعال غير المبرر وعدم المبالات في التعليم والتزود بالمفاهيم الثقافية، ووفقا لمبدا التقمص النفسي اللاشعوري ستتقمص البنت شخصية الام وتكون النتيجة ان تلك المظاهر ستحملها شخصية البنت وقد تشجعها للسلوك الانحرافي طالما انها عادات سيئة بالمقاييس الاجتماعية، وتنطبق هذه الحالة في العلاقة بين الاب والابن ايضا .
      يعد الاعلام الذي دخلت وسائله الى كل بيت وبمتناول كل فرد من الاسرة احد عوامل المساعدة لاكتساب السلوك الاجرامي ،واهمها التلفزيون والكومبيوتر ،فاذا اساء الابناء استعمالها لغرض اشباع بعض الحاجات الطبيعية من خلال المواد الاعلامية التي تعرض، وبكل سهولة بامكان المراهق تدوير الجهاز الاعلامي حيثما ومتى ما يشاء فهي توفر فرص لرؤية المشاهد الخلاعية ومشاهد العنف وفنون الاجرام بانواعه ،فاذا كان الوالدين من الذين لايكترثون لخطورة الاعلام على ابنائهم من الجنسين او من الذين لا يمتلكون خبرة في استعمال الكومبيوتر وماهية المساوىء في استعماله، ستكون هناك حتما فرصة للابناء الذين لهم الاستعداد لاستغلال هذه الاجهزة للتروي عن حاجاتهم النفسية والجسدية وفرصة لتعلم السلوك الاجرامي مجانا.
   ومن جهة اخرى فان للكومبيوتر دور سلبي اذا اساء احد استعماله ،اي عندما تصل الحالة الى مسالة الادمان من قبل الابناء والوالدين ،حيث ان الادمان سيؤدي بهم الى قضاء اوقات طويلة لتصفح ملفات الكومبيوتر المتنوعة الاهداف والمواضيع ،فتضاعف هذه الحالة عدد الساعات التي لم يقضيها افراد الاسرة فيما بينهم ،مما تضعف من الالتقاء الوجداني وتبادل الحديث والاراء والالفة والافراح معا ،وقد تؤدي هذه الوضعية الى تكوين علاقات شكلية بين افراد الاسرة خالية من الشحنات الانفعالية العاطفية التي تقوي الصلات بينهم،لذا ستكون عملا غير مباشر للسلوك الاجرامي لان سوء العلاقة وضعفها وتباعد افراد الاسرة فيزيقيا وعاطفيا ستحرر الابناء من الضبط الاجتماعي الاسري .
       ومن اخطر الحالات التي تعرض الابناء الى السلوك الاجرامي هي مسألة التمييز من قبل الوالدين تجاه الابناء وقد تظهر هذه الحالة منذ الطفولة وتستمر في حياة الفرد،وقد يخلق هذا التمييز اثارا نفسية في حياتهم الاجتماعية تؤدي الى الاضطراب السلوكي للحرمان العاطفي الذي يفتقده الفرد جراء هذا التمييز وقد يبرر الوالدين انهما لايميزان بين اولادهم ابدا ولكن قد تصدر منهم بعض المواقف تجاه الابناء بصورة لا شعورية وثم يتلقاها الابناء بردود سلبية وشعور بانه لايصلح لشيء اولا جدوى من وجوده في الحياة والا لماذا يفضل والديه غيره .وقد تخلق مثل هذه الحالة التمرد عند الغير المفضل ويلجأ الى حيث اشباع حاجاته العاطفية بسلوكيات مرضية انحرافية لكي يجد نفسه واهمية ذاته في الحياة .
       لعل من ابرز العوامل الاخرى التي تساعد افراد الاسرة الى الانحراف هو وجود حالة الطلاق ،اذ بينت الدراسات الاجتماعية ان العديد من الاحداث الجانحين قد جاؤا من اسر متصدعة بسبب الطلاق ،وقد يتعرض الابناء وهم اطفال بالذات الى وضع غير طبيعي .فبعد ان كانوا يشعرون بالضمان والمحبة والهدوء وتلبية الحاجات كافة بين والديهم وفجأة يرون انفسهم موزعين بين الولاء للام او للاب،وهذا يخلق عدم الضمان العاطفي والنفسي وينتابهم الخوف من الضياع في المستقبل ،فتتكون عندهم عقد نفسية،اهمها الشعور بالنقص ،وقد يسبب ذلك فشلهم في الحياة الاجتماعية السوية وبالتالي يتعرضون الى نتائج وخيمة وقد تصل الى الانحراف .
     وخلاصة القول ان للاوضاع الاسرية الاقتصادية والنفسية والعلائقية لها دور مهم في دفع افرادها الى عالم الجريمة ,ولايشترط ان يندفع الفرد مباشرة الى السلوك الاجرامي عندما يتعرض لها ،بل قد تظهر تاثيراتها مستقبلا ،بالرغم من تحسن احواله الاقتصادية ،فما هي جرائم ذوي الياقات البيض عند الاغنياء واصحاب السلطة والقوة في المجتمع نتيجة لتعرض الفرد لمثل هذه التنشئة الاجتماعية في اسرته.واحيانا تظهر عند المتعلمين والمثقفين عندما تتوفر الفرصة بشكل من الاشكال ،وغالبا ما يعبر المثقف عن هذا السلوك في كتاباته وانشطته الثقافية بصورة لاشعورية موجها الروح العدوانية نحو الاخرين .وايضا تظهر انعكاسات هذه الاوضاع بعد الزواج فما حالة الخيانة الزوجية مثلا احدى نتائجها .وهكذا تبين ان الغالبية العظمى من المجرمين الكبار قد تعرضوا في حياتهم الاسرية الى مثل هذه المواقف .

79
التعصب طريق مسدود
لا يخدم شعبنا
الدكتور عبدالله مرقس رابي
استاذ وباحث اكاديمي

                        افرزت التغيرات السياسية بعد انهيار نظام الحكم في العراق سنة 2003 حالة شاذة في نظام  الحياة السياسية والاجتماعية على مختلف الاصعدة ،لانها عقبت تغيير سياسي مفاجىء ذو نظام دكتاتوري اتخذ من اسس نظرية الحزب الواحد في الحكم اساليبا لحركة المجتمع العراقي سياسيا واجتماعيا وثقافيا واقتصاديا، وعليه عندما سقط النظام بدأت تطفو مخزونات العقل الباطني للانسان العراقي الى السطح اي من الكبوت اللاشعوري بسبب القمع النفسي الذي فرضه ذلك النظام الى الشعور بسبب الانفراج الذي حصل.
   كانت من جملة تلك المكبوتات ،حرية التعبير عن الراي ،حرية الانتماء السياسي ،حرية الاعلان الفرد العراقي عن انتمائه القومي أو الطائفي وغيرها ، ولما كانت هذه الثورة عملاقة لانها تكالبت عمالقة القوى العالمية لاسقاط نظام تربع على عقول العراقيين عشرات السنين،الا انه كانت ثورة فوضوية غير مدروسة بالمقاييس السياسية بدليل النتائج التي تمخضت عنها ،وان كانت مدروسة من قبل تلك القوى لتحطيم العراق فهذا شان آخر . فاذن التخلص من عامل القمع والفوضى التي خلفتها هذه الثورة ،ارجعت التركيبة النفسية للفرد العراقي الى العصور المتخلفة التي تتميز بعقلية التفسير الديني للظاهرة الاجتماعية .
   من خصائص التركيبة النفسية والاجتماعية للفرد العراقي التي تشكلت جراء الفوضى الاجتماعية والسياسية هي التعصب القومي والتعصب الديني تلك الخاصيتين اللتين بداتا تضمحلان من نفسية الانسان في العالم المتحضر بينما بدات من جديد تنمو في المجتمعات النامية ومنها العراق بعد التغيير بدعم من الاحزاب السياسية التي تاخذ من العقائد الدينية فلسفة وتسترا لتبرير وجودها ،وثم من  تلك الاحزاب التي انطلقت في صيرورتها من المفاهيم القومية .
       ولان المجتمع العراقي من المجتمعات اللامتجانسة اثنيا ودينيا ومذهبيا ،فساعد ذلك على التناحر القومي والديني والمذهبي وانعكست على التناحر السياسي بين الاحزاب الكبيرة المتنفذة في الحكم بالرغم من وجود دستور قانوني وضع من قبل هذه الاحزاب نفسها ولكن تضرب الدستور عرض الحائط عندما تتعرض مصالحها المالية والسياسية للخطر مما استدعت الحالة منذ سنة التغيير والى يومنا هذا عن عدم الاستقرار بدليل فقدان الامن وارتفاع عدد الضحايا يوميا وتخلف البرامج التنموية المختلفة .
      لم ينجو شعبنا المسيحي بمذاهبه المختلفة من ٍٍهذه المأسات التراجيدية التي سببتها المفاهيم القومية،فنرى الاحداث التي تعرض لها ابناء شعبنا المتمثلة في :سقوط يوميا عدد من الضحايا ،وتشريد العديد من مناطقهم السكنية،واضطرارهم لترك بلدهم وتعرضهم للمستقبل المجهول ،وتفجير الممتلكات والكنائس ،والتهديد المستمر بالقتل لمن صمد ،وتفشي البطالة بين القوى العاملة في سن العمل منهم لترك وظائفهم السابقة تحت التهديد من جهة وعدم فسح الفرصة للشباب للعمل بسبب المحسوبية السائدة في مؤسسات الدولة، وما تتعرض اليه قرانا وبلداتنا من التغيير الديمغرافي المتعمد والمخطط له وبالاخص في محافظة نينوى ،والاخطر من هذا كله القلق النفسي والاجتماعي الذي ينتاب شعبنا جراء هذه الاوضاع، والحقيقة لولا حكومة اقليم كوردستان التي تتمتع بالاستقرار، واستقطابه لابناء شعبنا من المناطق الملتهبة لكانت الحالة اكثر قسوة واضمحلالا وتدهورا .
      ففي الوقت الذي يتعرض ابناء شعبنا لهذه المأساة فان احزابنا التي افرزتها السياسة الحديثة في العراق منشغلة بامرين مهمين تركا بصمات واضحة على الاساءة والفرقة والتدمير النفسي والاجتماعي وانماء التخلف بين ابناء شعبنا وهما :اولا انشغالهم بمصالحهم الذاتية ,وثانيهما التعصب القومي الذي اضعف شعبنا امام التحديات التي يتعرض اليها كما اسلفنا اعلاه ذلك التعصب الذي هو موضوع مقالتي هذه .
قبل البدء في تشخيص مدى تاثير التعصب على شعبنا لابد من تقديم تعريفا اجرائيا له وماهيته وعوامله وآثاره وسماته النفسية والاجتماعية بشىِء من الاختصار،فالتعصب كما يراه (البورت ) هو التفكير السيىء عن الاخرين دون وجود دلائل كافية فهو اتجاه سلبي نحو جماعة عنصرية او دينية أو قومية ،فيكون الفرد موقفا متصلبا نحو جماعة من الاشخاص. حيث ان المتعصبين اكثر تصلبا من غيرهم في الحياة الاجتماعية والفكرية والسياسية والدينية ،فهم يرون الاخر باطار سلبي ولهم حكم مسبق نحو الجماعة بدون سند منطقي . فالتعصب هو تحيز اعمى لفرد أو جماعة أو لمذهب أو دين أو فكر سياسي، وهو مرض يفتك بالمجتمع ويدمر فيه روابط الالفة والمحبة والتماسك ويدفع بالمجتمع الى الضياع والتمزق فهو رؤية احادية للاشياء والافكار .
        من خصائص الشخصية المتعصبة ،انها متسلطة ومضطربة نفسيا وتتمسك تمسكا صارما بالقيم المتفقة مع تطلعاتها وتمتاز بسلوك نمطي غير قابل للتغير.ويحمل المتعصب الكراهية والحقد والانتقام ،وهو يتقلب مع من يؤيده ومهما كان الذي يؤيده ملحدا أو مؤمنا او بركماتيا نفعيا ،انما الذي يختلف معه يصبح خصمه وعدوا له .وهو دائم الصراع مع نفسه وعاجزا عن التكيف مع المستجدات ،والمتصلب في الرأي يكون فاشلا في تكوين العلاقات الاجتماعية وهو يقترب من الانحراف نحو المرض العصابي والذهاني .
   اما اهم العوامل المسؤولة عن تميز الفرد واكتسابه صفة التعصب هي تلك العوامل التي ترتبط بالتنشئة الاجتماعية للفرد في اسرته ،اذ يضطلع الوالدين في تكوين وبلورة فكرة التعصب عند ابنائهم منذ طفولتهم ،فالاطفال يتقبلون آراء الوالدين وتصبح عندهم المثل العليا في حياتهم فينطلقون وفقا لما تمليه هذه المثل وتوجههم ،وبالطبع ان هذه المثل هي نفسها السائدة في المجتمع أو الجماعة المرجعية التي تنتمي اليها الاسرة كالقبيلة او جماعة قومية او دينية او مذهبية او جماعة سياسية، فتقوم الاسرة بنقلها الى الابناء منذ الصغر ،ويتضاعف تأثير الوالدين كلما ازداد احتكاك الابناء بهم ،وعليه ستكون من الصعوبة ان تقوم التاثيرات الخارجية عن الاطار الاسري بتعديلها،لا بل قد تكون التاثيرات الخارجية احيانا هي الداعمة والمشجعة للتعصب ففي هذه الحالة سيكون المتعصب اكثر خطورة على المجتمع، وبالاخص الاعلام الموجه الذي يتبنى ايديولوجية سياسية أو دينية معينة أو المناهج الدراسية في المدارس والاحزاب السياسية.
        أما فرويد يرى ان التعصب ينمو في ضوء بعض الميكانيزمات مثل الاسقاط والتبرير .وتشير الدراسات النفسية ان كل مرض او انحراف سلوكي او نزعات في السلوك مثل التعصب والتطرف له جذوره التكوينية في مرحلة عمرية من مراحل النمو النفسي ،فالتعصب في علم النفس كما يقول عالم النفس المصري المعروف "مصطفى زيور " هو اشكالية في الادراك والتفكير والسلوك .
أما النظرية الصراعية في علم الاجتماع ،تؤكد على ان التعصب آفة اجتماعية تؤدي الى النزاع بين الجماعات التي يتكون منها المجتمع ،فالصراع الطبقي ماهو الا انعكاس للتعصب الذي تتميز به الطبقات الاجتماعية تجاه البعض ،واذا تكون المجتمع من اثنيات ومذاهب دينية متعددة سيتعرض الى نزاعات قد تصل احيانا الى دموية وابادة بشرية ،وهذا مايحصل الان في مناطق الشرق الاوسط.
     اما منظري الوظيفية يؤكدون على ان التعصب ظاهرة اجتماعية له وظيفة انطلاقا من مبدا ان كل الموجودات والظواهر موجودة لحاجة المجتمع اليها للحفاظ على توازن النسق الاجتماعي وديمومته ،لكن بعض هذه الظواهر لها وظائف سلبية يعكس وجودها آثارا  لا يتقبلها الجميع وتكون وسيلة لشحن المجتمع بالمشكلات الاجتماعية منها ، التعصب والجريمة بانواعها .
     واما مظاهر التعصب بين ابناء شعبنا الكلداني والاشوري والسرياني المعاصر تتجلى في مسالة الانتماء القومي والهوية ،تلك الظاهرة التي برزت معالمها الى الوجود بعد عام 2003 ،وقد لعبت الاحزاب السياسية من الاثنيات الثلاث في ترسيخ مفاهيم التعصب بعدما اكدت في انظمتها الداخلية انها هي الاصل وحاولت كل جهة سياسية الغاء الاخر.
   ولعل اهم العوامل المساعدة لهذا التعصب ظهور دراسات ومؤلفات اجريت من قبل اشخاص غير اختصاصيين من ابناء شعبنا تاثرت افكارهم بالايديولوجيات السياسية التي انتموا اليها وقد حاولوا بشتى الوسائل البحث عن عبارة او قول لاحد الكتاب من المستشرقين او من كتابات رجال الدين والتي غالبا تعد كتابات غير اكاديمية لكي تكون تلك العبارة مبررا لالغاء الاخر، فيقول احدهم اننا جميعا اشوريين منذ آلاف السنين، واخر يقول اننا كلدان منذ آلاف السنين والسرياني كذلك ،وبالمقابل ان الاكتشافات العلمية تفاجئنا بحقائق عن الوجود البشري الذي يمتد الى ملايين السنين فعجبا هل لهم العصا السحرية لكي يؤكدوا ويثبتوا انهم الاصل منذ ملايين السنين لكي يقولوا نحن ولا غيرنا ؟  .
   وقد درسوا التاريخ لا لكي نستفيد منه لحاضرنا ومستقبلنا بل لترسيخ مفاهيم الحقد والكراهية بين ابناء شعبنا،اليس من السخرية ان نتجادل على امر مضى عليه الاف السنين من غير ان ننتفع منه لحاضرنا او لمستقبلنا شيئا ،ومن اعجب العجب ان ينتاب الغرور بعضهم الى حد الادعاء بان كلمة الحق لا تخرج الا من فمه ومايسطره قلمه وحده لا شريك له،حيث قال الفيلسوف البيروني في كتابه "الاثار الباقية عن القرون الخالية " "ان التعصب عند الكتاب هو الذي يحول دون تقريرهم الحق"نعم ان الكلدان والاشوريين والسريان عاشوا في بلاد النهرين منذ القدم ونحن احفادهم لو قبلنا جدلا ،ولكن هل من عاقل يعقل اننا نتمكن من فرز هؤلاء ؟ بالطبع كلا ،لان من تحليل المحكات الانثروبولوجية والجغرافية واللغوية والدينية والقيمية  تشير الى اننا شعب واحد معاصر والا اية محاولة اخرى لتفريق ابناء هذا الشعب يعني توظيفها لتحقيق مصالح شخصية،والا لماذا هذا الاصرار العقيم الذي لا يخدمنا ،بل يخدم من يريد النيل منا والاستحواذ على بلدنا .
       وقد تطورت حالة التعصب عند بعض الكتاب الى الشتائم المتبادلة والاساءة الشخصية المقرونة بمتابعتهم وتهديد بعضهم والايقاع بهم والاساءة لسمعتهم  ،وهكذا ظهرت كيانات في كل من الجماعتين الاشورية والكلدانية المعاصرتين لتصبح اداة لترويج التعصب ، فماذا تعني مثلا تشجيع الكتاب الكلدان الى الكتابة لمقاطعة المطرب الفلاني لسبب قوله انا اشوري وأحترم الاحزاب الاشورية ، وماذا يعني قول احد الاساقفة من الكنيسة الشرقية لنقاطعهم تماما ولا نتعامل معهم في مختلف الانشطة لكي لا نمنحهم القوة ،وماذا تعني ايضا ان بعض الكتاب من الكلدان والاشوريين اصبحت مقالاتهم اذا صح التعبير مقالات استخباراتية لفضح الاخرين كانما هناك جهاز استخباراتي متبادل موجه للبعض .
      تعقد المؤتمرات والندوات وتوجه الدعوات لمن تتماشى افكاره مع الجهة التي تنظم المؤتمر واذا اختلف احدهم مع تلك الجهة في افكاره فهذا عدو لايستحق الدعوة. اليس مايجري في مواقع شعبنا يشير الى التعصب الاعمى، فتلك مواقع كلدانية تستنفر كل ما بحوزتها الى الايقاع بالاشوريين وهناك بالطرف الاخر مواقع لا ترحم وتقهر الكلدانيين كانهم في حرب ضروس؟الا يكتفي بهذه المؤشرات لكي نقول ان ابناء شعبنا الكلداني والاشوري والسرياني المعاصر مصابون بمرض التعصب؟
  ومن الغريب والعجيب والمذهل ان يستغل هذا التعصب باطنيا لتحقيق المصالح الذاتية ،واكتفي بمثال واحد لحدث لا يزال خبره على موقع عينكاوة الذي هو توضيح من المجلس الشعبي الكلداني السرياني الاشوري الذي صرح بمناسبة اخفاق ممثلينا في البرلمان العراقي لتحقيق عضوية احد افراد شعبنا في مفوضية الانتخابات ،وكيف يكشف هذا التصريح ما يجري وراء الكواليس .وما التصلب في الرأي عند الكتاب والنزعة التسلطية عند قادة الاحزاب السياسية وعدم التسامح من جهة وعدم المرونة مع النفس ومع الغير الا من مظاهر التعصب الاعمى الذي تكون تحت تاثير العوامل اعلاه .
   لو حاولنا مقارنة عوامل تكوين التعصب وآثاره التي ذكرتها في المقدمة مع حالة شعبنا يتبين اننا فعلا مصابون بمرض التعصب العصابي النفسي. حيث اننا في حالة نفور وعدم التماسك، ومجتمع مختل التوازن اجتماعيا ،وما السلوك التعبيري الوجداني للعديد من ابناء شعبنا الذي يتمثل بالكراهية المفرطة والغاء الاخر،وضعف الحس الانساني في التواصل مع الاخرين بل المحاولة بالايقاع به وتدميره باساليب ملتوية ،وتفشي الحقد والاضطراب في العلاقات بين مكوناتنا الثلاث ،ليست هذه الاثار الا حالة تعبيرية وجدانية للتعصب الاجتماعي . 
     مضت حوالي عشر سنوات ونحن في هذه المهزلة الفكرية والنفسية والاجتماعية والسياسية التي عكست على شعبنا بسمومها ولم نصل الى قناعة الحوار الذي هو الاجدر والوسيلة الحضارية الاسمى في التحليل وتبادل الافكار والاقتناع ، والتواصل من خلاله يؤدي الى نتائج ايجابية ، ولكي يتم الحوار يجب ان تتوفر في المتحاورين قيم التسامح وقبول الاخر وحق الاختلاف وعدم الاقصاء وان تتوفر عند رجال الدين قبل العلمانيين وعند السياسيين قبل العامة من ابناء شعبنا ،ومن ثم سنحقق الوحدة الحقيقية بمنح الفرصة لكل الاطراف للعمل من اجل المصلحة العليا لشعبنا.
 واخيرا اقول ألم يأت الزمان لتتفتح الاذهان   

مصادر معتمدة :
الدكتور اسعد الامارة، سايكولوجية الشخصية
الدكتور علي الوردي ،مهزلة العقل البشري
George Ritzer. Modern  Sociological Theory
   Richard A. King.   Introduction  to  Psychology
   Phillip R. Shaver .Human Aggression and Violence
         
           

             

80
دور الاسرة في بناء الشخصية المتوازنة للابناء

الدكتور عبدالله مرقس رابي
استاذ وباحث اكاديمي   
 
     الاسرة جماعة اساسية في الحياة الاجتماعية ومظهر رئيسي لكل مجتمع بشري, وبغض النظر عن شكلها فأنها تشير الى العلائق التي تتصل بعملية الانجاب والتي تنظم بواسطة القانون أو العرف، وهي المؤسسة الاجتماعية الوحيدة التي تضطلع دورا هاما في حياة الانسان وبالاساس منذ الميلاد وحتى نهاية الطفولة المتأخرة لحد عشرة سنوات. اذ اصبح قانونا علميا معروفا في علم الاجتماع ان للاسرة الدور الهام في صقل شخصية الطفل. وفقا للمعايير والقواعد الاجتماعية التي تتبعها الاسرة في المجتمع اذ هي الوسيلة الوحيدة لنقل المفاهيم والقيم والاعراف الاجتماعية التي تعد المثل العليا في المجتمع الى الاجيال اللاحقة بحيث تغرس في اذهانهم وتبقى جزءا من شخصيتهم, وتؤثر في تصرفهم في مقتبل العمر بصورة لا شعورية بالرغم من التأثيرات الخارجية للعناصر الحضارية الجديدة.     فلا بديل للاسرة في صقل شخصية الانسان وفقا للمفاهيم التربوية السليمة التي ينشرها كل مجتمع. ولها الامكانية في توجيه الشخصية باتجاهاتها الاجتماعية التي تراها مناسبة للتكيف مع المجتمع، بالرغم من بعض الميول التي يحملها بعض الافراد التي قد تكون منافية للاعراف.

اننا بأمس الحاجة لدور الاسرة في المهجر لتحقيق التنشئة الاجتماعية السليمة للابناء بحيث تمكن ابنائها في التواصل مع الحياة الجديدة التي تختلف العناصر الحضارية لها عن تلك المجتمعات القادمة منها،لكي تحافظ الاجيال القادمة على هويتهم الحضارية دون الانصهار في المجتمع الغربي انصهارا كليا. وقد يعتقد البعض من غير الاختصاصيين اننا قدمنا الى المجهر وعلينا تقليد كل العناصر الحضارية القائمة لكي نتمكن العيش وتحقيق الاهداف، لان المجتمع الغربي مثال متقدم للمجتمعات الاخرى, انما في الحقيقة هذا الافتراض غير المدروس لا يمكن الاعتماد والاخذ به. اذ القدوم الى هذه المجتمعات هو لدوافع اجتماعية واقتصادية وثقافية وفكرية وسياسية تتباين من مهاجر الى اخر، فرضتها عليهم مجتمعاتهم وحكوماتهم. أي أن الاغلبية لم يقدموا طوعا وبرغبة جامحة بل أن الأيحاء واللاشعور بتأثير العوامل المذكورة دفعت الفرد ان يغادر بلده, و ثانيا ان المجتمع الغربي مليء بالتناقضات الاجتماعية اليومية والتفاعلات الاجتماعية المزدوجة في السلوك.

     علينا التمييز بين ظاهرتين اجتماعيتين اساسيتين وهما التكيف الاجتماعي والتمثيل الاجتماعي (الانصهار الاجتماعي). فالعملية الاولى, اي التكيف الاجتماعي تعني ببساطة تنازل الفرد عن بعض قيمه وتقاليده لكي ينسجم مع الواقع الجديد, وأما التمثيل الاجتماعي فهو ذلك الانصهار الكلي في المجتمع الجديد بكل مفرداته الاجتماعية والثقافية والاقتصادية و النفسية, ويتخلى عن كل ما تربى وعاش عليه في الماضي. انما هذه العملية شاقة وفقا لنتائج الدراسات والابحاث النفسية والاجتماعية التي اجريت في مختلف انحاء العالم, لأن الانسان لا يمكن ان يتخلى بكل سهولة ويسر عن كل العناصر الحضارية التي عاشها في مجتمعه الاول منذ الطفولة فهي مغروسة وراسخة في ذهنه ويتصرف بها الفرد بطريقة لاشعورية حتى ولو اراد تقليد المجتمع الجديد. فيتظاهر بالتقليد الاعمى, وقد تحدث عملية الانصهار الاجتماعي عند الجيل الثالث أو الرابع.      وعليه ايجاد الموازنة السلوكية في التصرف اليومي عن طريق الحفاظ على القيم والتقاليد الاساسية الضرورية التي حملها من المجتمع الاول, ويساير ما هو مهم وما يحقق مصلحته الشخصية ومصلحة الجماعة الاثنية التي ينتمي اليها بحيث لا تتنافى مع القوانين الرسمية, ويستوجب في هذه الحالة تجنب ظهور وبروز حالة الصراع الاجتماعي بين الوالدين والابناء لانها ظاهرة حتمية لابد منها ،بمعنى ان الاباء لايتقبلون المستجدات الحضارية بسهولة كما يتقبلها الابناء ،فالوعي لهذه المسالة مطلوبة في عملية التنشئة الاجتماعية من الوالدين ،وعليهم تفهم مخاطر هذا الصراع وانعكاساته على سلوك الابناء،فهنا تكمن ضرورة التقيد بالموازنة واختيار الاساليب المناسبة التي تنسجم مع مايؤمن به الوالدين من القيم والتقاليد وما اكتسب الابناء من التقاليد والسلوكيات في المجتمع الجديد.
  واذا فقدت هذه الموازنة ستكون الاجواء الاجتماعية مهيئة لظهور مشكلات اجتماعية مرتبطة بالعلاقات الاجتماعية والقرابية او مشكلات شخصية كالأصابة بمرض نفسي او الجريمة بانواعها ، واللجوء الى المخدرات والممنوعات  والانتحار وبالأخص اولئك الذين يحملون الاستعداد والميل للانحراف الاجتماعي وذلك لفقدان الرعاية العاطفية الصحية من قبل الوالدين لاصرارهم على نقل ما هم يرغبون به الى الابناء ويتجنبون في التاكيد على ما يرغب به الابناء. ومن اهم مايجب على الوالدين ادراكه هو التقرب الى نفسية ابنائهم المراهقين اذ ان هذه المرحلة العمرية هي من اخطر المراحل واكثرها حساسية في حياة الابناء ،فعلى الاباء التطلع نحو متطلبات ورغبات ابنائهم المراهقين وتلبية حاجاتهم وبوعي كامل وتوجيه سليم ليتفهموا مشاكلهم وتوضيح التغيرات النفسية والجسدية والفكرية التي تصاحب هذه الفترة الحرجة من حياتهم حيث ضبط وتوجيه السلوك في هذه المرحلة العمرية يعني خلق شخصية متوازنة، ولكن بالاعتماد على ما تلقاه في طفولته ايضا.

     ومن هذا المنطلق فان الاسرة تضطلع دورا اساسيا لاحداث التكيف الاجتماعي السليم وليس الانصهار الاجتماعي لكي تهيىء بيئة اجتماعية تمتاز بالموازنة والادراك الحقيقي لمجريات الوقائع اليومية للمجتمع الغربي الجديد فتكون هي الوسيلة في الوقاية والتخلص أو الحد من المشكلات الاجتماعية. فالاسرة المستقرة في العلاقات الاجتماعية بين اعضائها وبالدرجة الاساس  بين الوالدين تهيىء بيئة سليمة لنقل المفاهيم والاتجاهات الاجتماعية التي وصلت من الاجداد الى الابناء بشكل مقبول بحيث ان محافظة الوالدين على تلك القيم والمفاهيم وممارستها أمام الابناء ومتابعة الابناء في المشاركة بالفعاليات والممارسات الاجتماعية المستوحاة من التراث الاجتماعي تسهم في نقلها وتطبيعها في اذهان الابناء وبالاخص منذ طفولتهم, مثلا تعويد الاطفال على أهمية دور الكبير بالسن في الاسرة وطاعته وأهمية مشاركة الوالدين في مناقشة اتجاهاتهم ومواقفهم الحياتية ضرورة اجتماعية لبناء شخصية متوازنة بين التراث والعناصر الحضارية الجديدة التي تحيط بنا والتأكيد على المفاهيم الدينية التي تساعد في بناء شخصية سليمة بعيدة عن الانحراف، والتخلص من الصراعات بين الوالدين لكي تتحقق علاقة زوجية توحي وتعبر عن العواطف الايجابية من الحب وقبول الاخر وتجنب مشاحناتهم من ظهورها امام الاطفال ،فهناك العديد وبل اغلب الوالدين يظنون ان تلك المشاحنات الجارية بينهما لا تؤثر على اطفالهم لانهم صغار السن فهم لايدركون ماذا يفعلون . علاوة على دور الاسرة في دفع الابناء نحو الاهتمام بالتواصل الدراسي الذي يدعم السلوك السليم ويغير الاتجاهات والمواقف نحو الافضل لكي تنسجم مع الواقع الاجتماعي ويعد من اكثر العوامل تاثيراعلى سلوك الفرد ويجعل من الافراد التكيف الايجابي مع المجتمع لانه يتفهم مايجري في المجتمع من الانشطة المختلفة ويكون قادرا للتمييز بين ما هو الصالح وما هو السيء .

81
منح شهادة الدكتوراه للسيد حبيب تومي


   استنادا للمادة 4 من نظام الجامعة العربية المفتوحة لشمال امريكا وكندا
                                     "شؤون الدراسات العليا "

   ومابذله الطالب حبيب يوسف صادق تومي من جهد في دراسته ودفاعه عن اطروحته الموسومة
                    "البارزانيون ودورهم السياسي في المسالة الكوردية " 

                   وكونها مستوفية للشروط العلمية والمنهجية تقرر منحه     
                          شهادة دكتوراه فلسفة في العلوم السياسية
     بتاريخ 12/8 2012 في مكتب رئاسة الجامعة في مدينة هاملتون الكندية
 فالف تهنئة من رئاسة الجامعة للدكتور حبيب تومي وتمنياتنا له بالتوفيق والنجاح الدائم
               
الدكتورصالح الرفاعي
رئيس الجامعة

82
اعلان عن المؤتمر القومي الكلداني الثاني


م / دعوة مشاركة في البحوث

             الى السيدات المدعوات والسادة المدعوين للمشاركة في المؤتمر الكلداني الثاني المنعقد في مدينة ديترويت الامريكية برعاية المنبر الديمقراطي الكلداني الموحد للفترة من 5/ 9 /2012 ولغاية 8 / 9 /2012.
نود اعلامكم ان المحاور التي تدور حولها البحوث لمناقشتها في المؤتمر والتي تنسجم مع اهدافه وتطلعات المؤتمرين هي كما مدون ادناه.ويرجى تزويدنا بملخص البحث او ورقة العمل التي تسعون لاعدادها في فترة 15 يوما من تاريخ هذا الاعلان .وان يصل البحث أو ورقة العمل كاملين بعد 40 يوما اعتبارا من التاريخ ادناه ،كما ويرجى ان لا تزيد عدد الصفحات عن 15 ورقة (حجم 8.5 × 11 انج) .ولنا كل الثقة بانكم سترفدون المؤتمر بمقترحات بناءة لتحقيق اهدافه لخدمة الشعب الكلداني في كل مكان .

المحور الاول : المطلوب بحوث أو ورقة عمل حول نيل الكلدان حقوقهم القومية والوطنية واهم المواضيع المفضلة
1.   دور الاحزاب الكلدانية السياسية
2.   دور الجماهير الكلدانية
3.   دور المؤسسة الكنسية
4.   الدعم المالي
5.   وضع ستراتيجيات العمل الميداني
المحور الثاني : حول تنمية الوعي القومي
واهم المواضيع المفضلة
1.   الاهتمام بمكون الشباب الكلداني
2.   دعوة المرأة والاسرة لتفعيل دورها في تنمية الوعي القومي
3.   رعاية اللغة الكلدانية بايجاد سبل لتعليمها  ونشرها
4.   دور منظمات المجتمع المدني الكلداني في دعم الوعي القومي
5.   تنشيط التراث الاجتماعي لتنمية الوعي القومي
المحور الثالث : العلاقات مع الاحزاب الاخرى
1.   البحث في العلاقة بين الكلدان والاحزاب الوطنية
2.   البحث في التواصل مع الاحزاب الاشورية والسريانية  
المحور الرابع :بحوث عن مقومات لبناء الوحدة في الخطاب السياسي للاحزاب الكلدانية السياسية

  لكم منا جزيل الشكر والتقدير لاهتمامكم وتعاونكم
ملاحظة :يرجى ارسال الملخص والبحث أو ورقة العمل على احد الايميلات
dr.rabi5@gmail.com
info@chaldeansun.com
مع تحيات اللجنة المشرفة على البحوث
المؤتمر الكلداني الثاني
3 تموز  2012

83
من يقف وراء تهميش الكلدان ؟الجزء الثاني
 (النص الكامل للمحاضرة التي القيت في ندوة مشيكن في 9/3/2012 برعاية المنبر الديمقراطي الكلداني الموحد)
الدكتور عبدالله مرقس رابي
استاذ وباحث اكاديمي

                     بعد ان عرضت مقدمة عامة عن الموضوع ومظاهر تهميش الكلدان في الجزء الاول ساتناول الان ابرز العوامل التي تؤدي الى تهميشم الكلدان ،ومن خلالها سيتبين من يقف وراء تهميشهم. وقد تمكنت من خلال متابعتي للأوضاع السياسية والاجتماعية السائدة في العراق منذ عام 2003 ان اصنف اهم هذه العوامل كما يأتي:
  أولا :العوامل الذاتية  ثانيا : العوامل الموضوعية المحيطة. ثالثا : العوامل التاريخية.وفيما يأتي تفسير موجز لها.
 اولا :العوامل الذاتية : والمقصود بها العوامل المتعلقة بالبيت الكلداني نفسه ،اي العوامل الداخلية ،وهذه حالة طبيعية في كل جماعة بشرية ،لابد وان تتعرض من الداخل الى مواقف يتبناها الافراد فتؤثر على مسيرة الجماعة فتحول دون تحقيق أهدافها، ومن خلال متابعتي ودراستي لها ، تبين انها تشمل العوامل الاتية وهي مرتبطة بعضها بالبعض :
1 – ضعف الروح القومية عند الغالبية الكلدانية ، تعد المشاعر القومية عنصرا هاما في تحفيز الافراد للعمل السياسي ، وبالرغم من اعتزاز الكلداني بانتمائه الى امته الكلدانية والافتخاربهذا الانتماء والدليل الواضح هو ،عندما نسأل الكلداني عن انتمائه القومي فالجواب يكون كلداني وكلما يتعرض للسؤال المفتوح من انت ؟يكون جوابه كلداني ،وهذه الحالة يرجع تفسيرها الى التنشئة الاجتماعية التي تلقاها من اسرته منذ الطفولة وتقبلها وفقا لمبدأ الايحاء النفسي كما هو الحال في كل القوميات  ، الا ان مشاعره القومية تكاد شبه معدومة،ولربما سائل يقول فاذن لماذا ضعف الروح القومية عند الكلدان طالما ان جوابهم هو نحن كلدان ؟اجابتي لهذا السؤال هو انطلاقا من مبدأ تقوية الروح الانتمائية للجماعة البشرية الذي هو بامس الحاجة الى التحفيز اي خلق وتحفيز  عوامل التأثير النفسية والاجتماعية، وستكون الاستجابة لتلك المحفزات هي تقوية الشعور القومي ،وهذه المحفزات كانت ولاتزال بعض الشيء ضعيفة عند الكلدان ،أما ما هي هذه المحفزات ،انها ستتضح في تفسيري للعوامل الاخرى اللاحقة.
2 – ضف الاهتمام باللغة :تعد اللغة بكل المقايسس النفسية والاجتماعية عاملا مهما لدعم المشاعر القومية عند الفرد في المجتمع البشري ،وهذا العامل بات مهملا في الوسط الكلداني ،واسبابه ترتبط بعوامل خارجية سنبينها لاحقا واخرى داخلية تشتمل على :عدم وجود مؤسسات مؤهلة علميا لتعليم اللغة للاجيال ،اذ كانت الكنيسة لوحدها تقوم بهذه المهمة وركزت في اهتماماتها لتعليم اللغة من اجل اقامة الصلاة وليس للحياة الاجتماعية، فضلا انها افتقدت الى النحو اللغوي ماعدا بالطبع في الاكليريكيات الدينية التي كانت غايتها اعداد رجال الدين. وتبدو العملية معكوسة تماما في الاهتمام اللغوي ،فكلما رجعنا الى التاريخ منذ اليوم نرى ان الاهتمام اللغوي كان الافضل حيث المدارس الملحقة بكل كنيسة في المدينة والقرية وكانت تعلم اضافة الى اللغة، العلوم الاخرى. انما تدريجيا اقتصر تعليم اللغة على التنشئة الاجتماعية في الاسرة،لذا اصبحنا مثل العرب تماما كما كانوا في الماضي اصحاب لغة محكية فقط دون معرفة كتابتها الى ان طوروا حروفنا الارامية ومن ثم اصبحت لهم لغة محكية وكتابية . ولعله يأتي عامل اختلاف اللغة المحكية الكلدانية عن تلك اللغة التي تبناها الكلدان في اداء طقوسهم الدينية التي لايفهمها العامة منهم وحتى ان الاكثرية الذين يؤدونها في اثناء الصلوات والطقوس يرددونها كالببغاء،فهي لغة تختلف عن التي نتحدث بها .اي بمعنى آخر ما الفائدة من لغة لا تؤدي وظيفتها في التواصل الاجتماعي ،فاللغة التي نتواصل بواسطتها اجتماعيا هي التي نتحدث بها وليست اللغة المحصورة في الاديرة والكنائس ،وعليه يستوجب تطويرها وترجمة صلواتنا ولغة طقوسنا اليها .
3 – الهجرة من الريف الى المدينة :أثرت موجات الهجرة للعوائل الكلدانية الى المدينة في هجر لغتهم ايضا وذلك لتحقيق مبدأ النفسي التسامي لملاحقة الاغلبية في المدينة الذين يتكلمون العربية ،مما اضطرت الاجيال اللاحقة تدريجيا الحديث بالعربية واهمال الكلدانية. وثم بدأ تأثير الهجرة الى البلدان الغربية أكثر وضوحا في الاجيال اللاحقة لاضطرارهم تعلم لغة المجتمع الجديد مما انحصرت اللغة الكلدانية عند الوالدين فقط .
4 – فقدان التواصل التراثي : يعد التراث من العناصر المهمة التي تربط وتشد الفرد الى جماعته لان التذكير بالتراث الاجتماعي والفلكلوري يجعل من الفرد ان يكون على تماس دائمي مع المجتمع الكلداني تاريخيا وحاضرا وعليه سيحدد التراث هويته القومية لتميزه عن الاخرين.
5 – ضعف دور رجال الدين  : يكاد دور رجال الدين معدوما في الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية في تقوية الروح القومية عند الكلدانيين وذلك تبريرا منهم ان الدين لا علاقة له بالقومية والسياسة .ولكن مثل هذا الموضوع لايشكل مسألة سياسية بقدر ماهي مسألة اجتماعية ودينية ،فالربط بين اللغة واجتماعيات الانسان والدين معادلة مهمة لربط الفرد بمؤسسته الدينية وبالتالي تقوية الايمان وفقا للمقاييس النفسية ، وهذه المسالة تظهر بوضوح في كنائس المهجر فبدلا من ممارسة الصلاة والطقوس باللغة العربية ،ظهرت ايضا لغة المهجر ،واعني بها لغة بلد الاقامة ،هذه ظاهرة خطرة جدا على مصير اللغة الكلدانية فالاجيال ستتعود على اللغات الجديدة وتبتعد عن لغة الام.
6 – عدم الاتفاق بين الاحزاب الكلدانية السياسية على صيغة مبرمجة لتوحيد خطابها والعمل الجماعي لتحقيق اهدافها مع الحفاظ على الخصوصيات الفردية لكل حزب أو منظمة مدنية لكي تتمكن من مقاومة هذا التهميش.
ثانيا :العوامل الموضوعية : والمقصود بها تلك العوامل الخارجية المحيطة بالكلدان ،من السياسية والاجتماعية والحضارية، ويمكن حصر هذه العوامل بما يأتي :
1 – التلكؤ في ظهور الاحزاب السياسية عند الكلدان : ان مسألة تأخر ظهور الاحزاب السياسية عند الكلدان أثرت تأثيرا كبيرا في ضعف الوعي القومي ومطالبة الحقوق السياسية والقومية قياسا للاحزاب الاشورية والكردية ،فالاشورية بدأت بتشكيلاتها السياسية مع تطورات الحركة الكردية  والاستفادة من هذه الحركة لمشاركتها سياسيا وعسكريا لمعارضة الحكومة المركزية اذ ساعدت على تبلور الفكر القومي تدريجيا عند الجماعة الاشورية ،بينما لم يظهر حزب قومي يطالب بالحقوق القومية للكلدان الا سنة 2000 ،ولو انه تشكلت بعض الانشطة الكلدانية في المهجر الا ان تاثيرها على الكلدان في البلد الام كان محدودا .
    وعليه نرى تاريخيا ان الكلدان قد انضموا الى احزاب سياسية غير كلدانية مثل الحزب الشيوعي وحزب البعث والحزب الديمقراطي الكردستاني ولايزال انضمامهم قائما على الاحزاب الفاعلة حاليا في العراق وهي تستقطب اعدادا من السياسيين والمثقفين الكلدان تحت خيمتها .
2 –  الحاكم المدني الامريكي (بول بليمر): اضطلع بليمر دورا كبيرا في مسالة تهميش الكلدان منذ سنة 2003 بسبب جهله لطبيعة العلاقة بين الاثنيات الثلاث الكلدانية والاشورية والسريانية والتقارب الذي حصل بينه وبين يونادم كنا مسؤول الحركة الاشورية الديمقراطية ،اذ استطاع الاخير التأثير على خطة بليمر في رسم سياسة التعاطي مع الاثنيات في الدستور وتشكيل الحكومات المتعاقبة ومستندا في ذلك على فلسفة حزبه التي تؤكد على اقصاء الكلدان كقومية تاريخية والتأكيد على التعاطي معهم كطائفة دينية وساعد على تثبيت هذه الفلسفة المهمشة للكلدان ماياتي .
3 – ظهور المجلس الكلداني السرياني الاشوري في اقليم كوردستان بتعضيد من سركيس آغا جان العضو في الحزب الديمقراطي الكوردستاني  : كان لتشكيل هذا المجلس واستغلاله للاموال المخصصة للمسيحيين التي لاتزال غامضة المصدر تأثيرا بالغا على الكلدان،حيث تمكن سركيس وبطريقة ذكية مدروسة استغلال هذه الاموال في استقطاب العديد من المنظمات الكلدانية المدنية والسياسيين في الاحزاب السياسية الكلدانية الى جانبه، مما ادى الى انشطار هذه الاحزاب وبالتالي الى ضعفها فاصبح تاثيرها على الساحة السياسية محدودا .
 واستطاع ان يكسب الراي العام الكلداني وخصوصا في القرى الكلدانية بسبب الظروف الاقتصادية والامنية المتوترة في العراق وبالاخص استغلال ضعف الكلدانيين الذين لجأوا الى الاقليم من المحافظات الاخرى بسبب الاضطهاد الديني الذي تعرضوا اليه من الجماعات الدينية الاسلامية المتشددة. ولعل المذكرة التي رفعها هذا المجلس الى لجنة وبرلمان كوردستان لتثبيت التسمية المركبة وانصياع البرلمان وحكومة الاقليم الى ما املأ عليهم سركيس كان لها التأثير العميق في الكلدان مما ساعد ذلك الى تعاطي الحكومة الكوردستانية مع المجلس المذكور دون غيره  ،مما يدل بوضوح ان تأثيره على القرار السياسي في الاقليم واضح جدا ،وهذا قد يعود سببه الى نمط العلاقة الخفية بينه وبين المتنفذين في اقليم كوردستان والا لماذا لم يستطيع التأثير على الحكومة المركزية في اقرار مايرغب به.
وبالرغم من كونه عضوا بارزا في الحزب الديمقراطي الكوردستاني الا ان انتمائه القومي الاشوري كان له التأثير الكبير في تسخير مشروعه لصالح الاشوريين بالدرجة الاساس ،وهذه حالة طبيعية للانسان اذ لايتمكن من التنصل من جماعته الاثنية التي تربى على قيمها وتقاليدها على الرغم من الانتماءات الخارجية للاطار المرجعي لتلك الجماعة ،فتمكن من تحقيق مصالح مزدوجة الاتجاه لحزبه السياسي وجماعته من جهة اخرى.
4 – الوسائل الاعلامية : لعبت الوسائل الاعلامية التي يمتلكها الاشوريون والمجلس الكلداني السرياني الاشوري دورا كبيرا في عملية تهميش الكلدان وذلك لامرين اساسيين ،أولهما :انها تعد اي الوسائل الاعلامية آداة اساسية للتواصل الاجتماعي والسياسي والفكري، فهي التي تحفز المشاعر القومية للجماعة الاثنية .وثانيا ان الوسائل الاعلامية اداة لتوصيل الرسالة الفلسفية والسياسية لجماعة ما الى الجماعات القومية التي تتعاطى معها .
وقد افتقد الكلدان الوسائل الاعلامية المرئية ،مما أثر ذلك سلبا على نشاطهم السياسي وكسب الراي العام للكلدان والقوميات الاخرى التي تشترك معها في الوطن ،اذ لم يتمكن الكلدان في توصيل رسالتهم القومية للآخرين على عكس الاشوريين الذين امتلكوا هذه الوسائل مما تمكنوا من توصيل رسالتهم واحياء تراثهم وكسب الراي العام لقضيتهم .
ومن جهة اخرى لعبت قناة عشتار الفضائية دورا كبيرا في ارباك العرب والكورد للتعاطي وعدم تفهم حقيقة العلاقة بين الجماعات الاثنية الثلاث الكلدان والاشوريين والسريان ،وذلك لتوجيه برامجها من قبل المجلس الشعبي الذي حاول صناعتها لخدمة مصالحه وسخرها لتثبيت فلسفته وكانت ولا تزال التاثيرات الاشورية في برامج هذه القناة الاعلامية واضحة.
5- عدم ظهور احزاب كلدانية اخرى في العراق تعمل الى جانب الحزب الديمقراطي الكلداني .اذ ان وجود احزاب اخرى يساعد تبادل الافكار والتعاون وتشكيل جبهة سياسية لتواجه التهميش وثم ان وجود احزاب متعددة يساعد على التعويض فيما اذا اخفق أحد هذه الاحزاب في العملية السياسية .
ثالثا : العوامل التاريخية :ثمة عوامل تاريخية كان لها التاثير الواضح في عملية تهميش الكلدان ولعل ابرزها :
1 – النظام الطائفي الذي اعتمدته الدولة العثمانية في التعاطي مع الجماعات المختلفة التي خضعت لحكمها من غير السنة،وقد لازمت هذه الطريقة الحكومات التي تعاقبت على الحكم في العراق فاتبعت نفس النهج مع غير المسلمين،بدليل انها ضمت الى مجالس الاعيان الرؤساء الدينيين لغيرالمسلمين وكان البطريرك الكلداني ممثلا للكلدان ،وبل استمرت هذه الحالة ايضا في العراق اليوم مما اثر على عطاء الاحزاب الكلدانية السياسية وتهميشهم .
2 - الاضطهادات التي تعرض لها الكلدان تاريخيا من قبل بعض الحكام والامراء المحليين بسبب انتمائهم الديني مما اضطر العديد منهم الى ترك البلاد واللجوء الى حيث الامان .ومن جهة اخرى، بالاخص من وجد من الكلدان في المدن اضطروا الحديث باللغة العربية للاختفاء والتمويه لكي لا يطالهم الاضطهاد ،مما ساعد ذلك الى فقدانهم اللغة الكلدانية الام ،فأثرت العملية على وعيهم القومي سلبا  .

التوصيات :
بعد تحديد العوامل التي تساعد على تهميش الكلدان لابد من وضع بعض التوصيات لتكون بمثابة مقترحات لعله يمكن الاستفادة منها في حل او من التحديد لتفاقم المعضلة:
1 – ادعو الى عقد مؤتمر عالمي مكملا لمؤتمر النهضة الكلدانية سنويا لتدارس الاسس الكفيلة لدعم المسيرة السياسية الكلدانية واقترح ان تكون المبادرة من المنبر الديمقراطي الكلداني الموحد بالتعاون مع الحزب الديمقراطي الكلداني وحزب التجمع الوطني الكلداني والمؤسسة الدينية والاتحادات والاندية الكلدانية حول العالم .وادعو ايضا الى تحديد مدينة مشيكن الامريكية مقر اعداده للثقل السكاني الكلداني في المدينة .
2 – تشكيل جبهة سياسية من الاحزاب الكلدانية التي تنهج سياسة واضحة خالية من اي تردد تجاه القضية الكلدانية وتعمل بشكل مباشر في العراق.
3 – حث الابرشيات الكلدانية الكاثوليكية لتساهم في التعاون مع الاحزاب السياسية لنشر الوعي القومي عند الكلدان،وتوحيد مواقف رجال الدين بمختلف مستوياتهم الاكليريكية نحو القضية الكلدانية .
4 – تبادل الخبرات بين مؤسسات المجتمع المدني الكلدانية والشخصيات الاكاديمية المستقلة ومن له اهتمام بالشان القومي من الاشخاص المستقلين .
5 – استحداث فروع للمنبر الديمقراطي الكلداني الموحد والتجمع الوطني الكلداني في مدن وبلدات العراق للعمل الى جانب الحزب الديمقراطي الكلداني .
6 – التواصل المستمر لمفاتحة الحكومة العراقية في المركز والاقليم لتثبيت القومية الكلدانية في دستور الاقليم الكوردستاني.
7- التواصل على كسب الراي العام السياسي لبلدان ذات التاثير السياسي العالمي.
8 - انشاء صندوق مالي لاستغلاله في دعم القضية الاعلامية الكلدانية بالدرجة الاساس والتسريع لانشاء محطة تلفزيونية فضائية.
9 – اجراء تعداد سكاني للكلدان عبر الابرشيات الكلدانية وتشكيل لجنة من الاختصاصيين لهذا الشان .
10 –تشكيل لجنة من الاختصاصيين لتحديد
 يوم لاحياء اللغة الكلدانية والتراث الاجتماعي
 يوم لشهيد الكلداني واقترح ان يكون يوم استشهاد المطران مار بولس فرج رحو
تعميم العلم الكلداني الموحد المعمول به حاليا
تعميم النشيد القومي الكلداني المعمول به حاليا
11 – نظرا لقلة العدد السكاني لبعض الاثنيات في العراق يتم  مفاتحة الحكومتين المركز والاقليم ليمنح الدستور سلطة لرئيس الجمهورية ورئيس الاقليم لتعيين اعضاء في البرلمان في حالة عدم فوز مرشحي بعض الجماعات في الانتخابات البرلمانية ،كما هو معمول به في معظم بلدان العالم .ويسري هذا الاجراء في انتخابات مجالس المحافظات ومراكز الاقضية والنواحي .
12 – رفع مذكرة الى الحكومة الامريكية توضح مدى تأثير افعال بول بليمر اثناء توليه لمهامه في العراق في مسالة تهميش الكلدان وطلب اعتذار رسمي منه معلنا في الوسائل الاعلامية وموجهة نسخة منه الى حكومة العراق المركزية والاقليم معا.
13 – حث الحكومة العراقية المركزية والاقليم الى التعاطي مع الكلدان والاشوريين والسريان بحسب الانتماء الاثني وليس الديني بما فيها توزيع اعضاء البرلمان والوزارات ،والتعامل مع هذه الاثنيات وفقا للثقل الديمغرافي لكل منها.
14 –الاهتمام والتركيز على الشباب الكلداني  في التوعية القومية ،ودعم نشاطاتهم الفنية والرياضية والعلمية للوقاية من الاندماج الاجتماعي الكلي في المجتمعات الاخرى وتحديدا في بلدان المهجر.

           
       

84
من يقف وراء تهميش الكلدان
وماهي الخيارات السياسية لشعبنا؟

(النص الكامل للمحاضرة التي القيت في ندوة مشيكن في 9/3/2012 برعاية المنبر الديمقراطي الكلداني الموحد)الجزء الاول
الدكتور عبدالله مرقس رابي
استاذ وباحث اكاديمي

                            ساتجاوز في هذه المحاضرة من تقديم شرح مفصل عن الكلدان، لان وجود الكلدان اصبح جليا  منذ بدء الحضارة البشرية قبل الاف السنين في بلاد النهرين ،هذا ماأكدته التنقيبات الاثرية لمختلف الفئات من الاثاريين ،واقصد الكتاب الوطنيين ،الكتاب المستشرقين والكتاب من مفكري شعبنا . وحصل ان جماعة بشرية توجهت شمالا من جنوب  بلاد النهرين واستقرت في موضع الذي يطلق عليه اليوم "الشرقاط " حيث الاله اشور يتعبد هناك من قبل السوبارتيين ، فسميت تلك الجماعة البشرية نسبة اليه "الاشوريون ". وأما السريان فهي تسمية حديثة اطلقت على الاراميين اي الكلدان الذين عاشوا في الجزيرة العليا من بلاد النهرين فيما بعد، قد تكون قبل دخولهم المسيحية أو بعدها واني ارجح الرأي الثاني .
         على كل حال منذ عام 1998 بدات الكتابة والبحث عن الاثنيات الثلاث وحصلت لي قناعة تامة وهي :ان تراكم العوامل التاريخية والسياسية والاجتماعية والانثروبولوجية في بلاد النهرين سبب التملغم البايولوجي  والاقتباس الحضاري في العادات والقيم والتقاليد لتعاقب الحضارات الوطنية والاجنبية.مما أدى في النتيجة تاريخيا واجتماعيا وسياسيا ظهور جماعات اثنية ثلاثة وهم الكلدان والاشوريون والسريان في بلاد النهرين المعاصر . وعليه انطلاقا من فلسفة علم الاجتماع ومنهجيته اشير دائما في طروحاتي الى ان مسألة الانتماء القومي يجب ان تترك للفرد ،فهو تحت تأثير ما تلقاه من التنشئة الاجتماعية التي ستحدد مشاعره القومية وهذا فعلا ما حصل ويحصل ،ولا يجوز فرض عليه المشاعر القومية فذلك ضد المبادىء الاجتماعية والقوانين الوضعية . واني اتعامل في التعاطي مع هذه الاثنيات وفقا لمبدأ الاحترام المتبادل للمشاعر القومية للاثنيات الثلاث ،وأما اذا تلكأت احدى هذه الاثنيات من الاحترام المتبادل فحينها ستتلقى الرد الاجتماعي المماثل وفقا لمعطيات مبدأ لكل فعل اجتماعي رد فعل اجتماعي.
     وقبل البحث في موضوع اسباب التهميش الذي نحن بصدده ،لابد من تحديد معنى "التهميش".فمن الناحية اللغوية لم نعثر في معجم لسان العرب عليها ،ولا يمكن اجراء تصريفات الميزان النحوية الاربعة عليها المعروفة في اللغة العربية:فعل ،يفعل ،فعلا ،فاعل..أي همش ،يهمش، مهمشا ،هامش . ويشير علماء اللغة العربية الى عدم وجود معنى لكلمة همش ،أما كلمة (هامش)تأتي اسم مكان ويرادفها كلمة" حاشية " .وتعني المساحة خارج الاطار الاحمر المعد للكتابة في الدفتر.
      وقد استعملت كلمة التهميش مجازيا في الكتابات السياسية والاجتماعية والاقتصادية لتعني:غياب الاعتبار،القيمة،المعنى،عدم الاعتناء، حرمان المشاركة،والتجاهل .والتهميش بمعنى التجاهل يظهر بمستويات اجتماعية وعلائقية مختلفة،فمثلا يظهر بين الاصدقاء،الاقرباء،وبين أفراد الاسرة الواحدة،وبين الجماعات الدينية،الجماعات العرقية،المستويات الفكرية،الايديولوجية،والطبقات الاجتماعية ،أي بمعنى الاهمال واللامبالات لفرد تجاه الاخر أوجماعة تجاه الاخرى في المجتمع،ويفسر التهميش عدم الاعتراف بالجماعة أو الفرد، أي بوجودهما،وعدم اعطاء الفرصة ولو بسيطة لتقديم ما يمتلكون من قدرات ذاتية على جميع الاصعدة.فيجد أحد الاطراف انه مهمش،أي أنه موجود كوجود فعلي ولكن مبعد من مزاولة العمل المجدي والحقيقي.وهذه الظاهرة تحصل نتيجة وضع الطرف المتسلط الاقوى العراقيل أمام الطرف الاخر مما يحبط عنه فرصة العمل أو طرح الأفكار، أو المشاركة بمختلف أنواع الاعمال وابعاده عن المركز تجاه الاطراف.
   يبدو واضحا ان استعمال مفهوم التهميش يأتي في المناسبات والاحداث والعلاقات والظواهر السياسية ،سواء على المستوى العالمي أو المحلي ،فمثلا نجد ان الدول الكبرى التي تبحث عن مصالحها مع الدول الاخرىتهمش تلك التي لا تؤيد سياستها الخارجية ،وتبعدها من عملية صناعة القرار السياسي على المستوى العالمي.فالدول المهيمنة والتي تمتلك القوة العسكرية والاقتصادية والنفوذ السياسي تعتبر المركز، وأما الاخرى فهي على الهامش في كل المحافل والعلاقات الدولية،وهذا ما نلاحظه جليا في علاقة الولايات المتحدة الامريكية ودول العظمى الاخرى في تعاملها مع البلدان الاخرى وحتى على منبر الامم المتحدة وما يرتبط بها من المنظمات والمؤسسات .
   وأما على المستوى المحلي في عالمنا اليوم يبدو أن المجتمعات التي تدار الديمقراطية فيها بشكل حقيقي تخلق توازنا في القوى السياسية بحيث انها تشارك بصناعة القرار على حد ثقلها وامكاناتها ورضى الشعب عنها والذي يلعب دورا مهما في مؤازرة حزب سياسي دون آخر معتمدا على البرنامج السياسي الذي يطرحه ذلك الحزب.وأما البلدان التي لا تتحقق الديمقراطية في تداولها السياسي،فهي على نوعين :الاول ذات الانظمة الدكتاتورية التي تعتبر كل الجماعات غير الموالية للنظام في موضع التهميش .وأما النوع الثاني تلك الحكومات التي تتعاطى مع الديمقراطية لكن بطريقة عبثية ،فتحاول الجماعات الاكثرية الاستحواذ على نظام الحكم ولو بتدبيرات تهديدية واستفزازية وتسلطية ،فتصبح الجماعات الاخرى مهمشة ،فكل جماعة سياسية أو دينية أو مهنية ،واجتماعية لم تحصل على حقوقها ومشاركتها الفعالة بادارة البلد تشعر بالتهميش .وبعبارة أدق ان الديمقراطية في البلدان النامية لم تستند على الاسس الصحيحة لتطبيقها فهي هشة وقابلة نتائجها للتزوير طالما هناك الاكثرية المتنفذة .
      وفي العراق امتاز الوضع السياسي قبل عام 2003 بنظام دكتاتوري اعتبر كل الجماعات السياسية هامشية في ادارته السياسية التعسفية ،اذ تبنى فلسفة الحزب الواحد في ادارة شؤون البلد،فاصبح الحزب البعث الحاكم هو المركز وأما الباقون هم الاطراف المهمشة .  وعلى أثر سقوطه في العام المذكور دخلت الاحوال السياسية في العراق طورا جديدا وشاذا بكل المقاييس السياسية ،فعمت الفوضى لضعف المؤسسات القضائية والتنفيذية وظهور أحزاب موالية الى الانتماء الطائفي المتخلف وتضاعفت المحسوبية والتناحر على المناصب القيادية ،وانتشر الفساد بانواعه المختلفة الاداري والاجتماعي والاقتصادي والمالي والتربوي.
     الاخطر مما ظهر هو استغلال احزاب ذات التاثير السياسي الطائفي النظام الديمقراطي الجديد الذي جاءت به امريكا دون تمهيد الرأي العام له والمجتمع العراقي الذي تحول فجأة من الحكم الدكتاتوري الى الديمقراطي وهذه من الحالات الخطرة التي يتعرض لها المجتمع وفقا للتفسير السوسيولوجي(لست الان بصددها )،استغلت الاحزاب الطائفية المشاعر الدينية والمذهبية لافراد المجتمع لتسلق السلم القيادي في البلد وبدأت تدريجيا تستحوذ على مرافق الدولة المتنوعة.
        وقد خلقت هذه الحالة اعتراضات من احزاب وجماعات اثنية على طريقة واسلوب الحكم ومدى مشاركتهم فيه فاعتبرت وضعها وضعا مهمشا قياسا للاحزاب الكبيرة لعدم قناعتها بما يجري في الساحة السياسية،فاعتبرت الاحزاب العلمانية نفسها مهمشة ،وعلى الصعيد المذهبي تعتبر الاحزاب السنية مهمشة والمسيحيون واليزيديون والصابئة،وأما على المستوى القومي يعتبر التركمان والكرد الفيليين والشبك والكلدان أنفسهم في وضع التهميش.
فماهي مظاهر تهميش الكلدان ؟
           يعتقد بعضهم ان الكلدان غير مهمشين لوجود وزراء وكلدان في مناصب عليا ووسطى في الحكومة المركزية وحكومة اقليم كوردستان .ويذهب بعضهم ايضا القول كيف يعد الكلدان مهمشين وان الخدمات العامة تشمل كل القرى الاشورية والسريانية والكلدانية، وان الاعلام الاشوري هو في خدمة الجميع . ولكن هؤلاء اما لايمكنهم تفسير وادراك معنى ومظاهر التهميش او يتظاهرون بذلك فهم لا يعون ما يقولون لانهم تحت تأثير المخدر الايديولوجي.
  ارى بالنسبة الى الادعاء الاول الذي يشير الى وجود كلدان يتقلدون مناصب ادارية في مختلف المستويات ،ان هؤلاء ليسوا كلدانا لانهم  منتسبين أو موالين لاحزاب غير كلدانية مثل الحركة الاشورية اوالمجلس الكلداني السرياني الاشوري،وعليه منطقيا سيخدمون مصالح احزابهم ولايمكنهم العزوف عن فلسفتها والا سينالوا الجزاء من حزبهم السياسي. فلو اعتبرنا ان (زيد )من الكلدانيين تقلد منصب وزاري بترشيح من قبل الاحزاب الاشورية أو المجلس الشعبي ،وكلا الحزبين لايعترفان بالقومية الكلدانية في نظامهم الداخلي،فهم علنيا واعلاميا يحاولون بشتى الوسائل المتاحة التأثير واقناع الرأي العام في العراق ان الكلدان هم طائفة دينية أو مذهب ديني وهذا ماحدث فعلا على لسان مسؤول الحركة الاشورية .ونرى مثل هذا الادعاء ايضا في الانظمة الداخلية لجميع الاحزاب الاشورية بدون استثناء .فهل يا ترى سيحيد هذا المرشح للوزارة من قبلهم عن فلسفتهم ؟ذلك ليس من المنطق فهل يعتبر هذا فعلا كلدانيا ويدافع عن حقوق الكلدان ؟بالطبع لا.
   أما الادعاء الثاني بأن الخدمات المقدمة من قبل الدولة تشمل كل القرى والبلدات بدون استثناء ،هل هؤلاء يخاطبون المغفلين ام انهم مغفلون ؟كيف ستفرق الدولة في تقديم الخدمات بين القرى سوى المسيحية منهأ أو غيرها أو الكلدانية والاشورية ؟الاحزاب لا تقدم الخدمات وانما الدولة وسلطتها التنفيذية هي التي تقدم الخدمات .فاذا تميزت الحكومة في تقديم خدماتها فانها بلا شك حكومة عنصرية فهل يرضى هؤلاء ان تكون حكومتهم عنصرية ؟قد يتصور بعضهم ان سركيس آغا جان لم يفرق في اعمار القرى .نعم لم يفرق ولماذا ؟هل ان الاموال التي نفقت هي من صندوقه الخاص ؟ لا بالطبع فمهما كانت مصادرها فهي اموال مشروعة للشعب المسيحي بمختلف فئاته .
ماهو راي الكاتب في الحركة الاشورية الذي قال في احدى مقالاته ان الاعلام الاشوري او اعلام المجلس لايفرق؟ ،لينظر ويستطلع هو وامثاله الى المواقع او عندما يجري التحقيق التلفزيوني عن قرية كلدانية او سريانية ماذا يسميها المعلق التلفزيوني ،هل سمع ذلك؟ يسميها القرية الاشورية الفلانية، فعندهم كل القرى والبلدات الكلدانية اشورية اليس هذاصحيحا؟ هل  قامت قناة عشتار أو القناة الاشورية بتقديم الدعاية الاعلامية لمرشحي الكلدان اثناء الانتخابات ؟بالتأكيد انها بثت الدعاية المضادة لهم .هل هناك اكثر من هذا التهميش من قبل الاحزاب الاشورية بما فيهم المجلس الشعبي؟ ،والذي ادى الى ارباك الحكومتين المركزية والاقليم في التعاطي مع الجماعات الاثنية الثلاث؟فكم من مرة سمعنا من المسؤولين يقولون احترنا ماذا نسميكم ؟وكيف نتعامل معكم ؟   
     اذن ماهي العوامل التي جعلت الكلدان الذين هم القومية الثالثة وسكان البلد الاصليين في وضع التهميش؟أو بعبارة اخرى من يقف وراء تهميش الكلدان؟للاجابة على هذا السؤال تمكنت من خلال متابعتي للاحداث السياسية والاجتماعية والادارية منذ سنة 1992في العراق ان اصنف هذه العوامل وفقا للتحليل السوسيولوجي ،فالجماعة البشرية التي تخفق في تحقيق أهدافها لابد ان تتعرض لجملة من العوامل ،ومهما بلغ حجمها واختلفت عناصرها الحضارية فهي تتعرض الى العوامل المذكورة أدناه ،وتختلف شدة التأثير من جماعة الى أخرى لارتباطه  بالحجم ونوع العناصر الحضارية والتكنولوجية التي تمتلكها، وقوة العوامل الموضوعية ونوعها اضافة الى الخصائص الديمغرافية للجماعة مثل معدل الاعمار والتعليم والمهن ونسبة الجنسين وغيرها .ولما كان الكلدان جماعة بشرية لها خصوصيتها الحضارية وعليه يمكن تطبيق منهجية دراسة الحال عليها – ويمكن تحديد العوامل المؤثرة في تهميش الكلدان-  ومن خلالها سيتبين من الذي يقف وراء تهميشهم - كما يأتي :يتبع في الجزء الثاني رجاءا


85
اقدم التهاني والتبريكات لك ولكل الاخوة الاداريين في موقع عينكاوة الالكتروني بمناسبة حلول عيد القيامة المجيدة
متمنيا لكم جميعا الصحة والسعادة
اخوكم الدكتور عبدالله رابي

86
المنبر الديمقراطي الكلداني الموحد
رؤية تحليلية
الدكتور عبدالله مرقس رابي
استاذ وباحث اكاديمي
                                  من المعروف في السياق الاكاديمي ،لايمكننا الفصل بين النظرية والتطبيق الميداني الذي يعتمد على اسلوب المشاهدة والملاحظة المقننة .فاذا اعتمدنا على قياس الظاهرة الاجتماعية على الاساس النظري فقط ، حينها لا نتمكن من تحديد ملامحها وابعادها ما لم تقترن العملية بالممارسة الميدانية ،وكذلك اذا اقتصرنا على المشاهدة الميدانية دون قراءة الافكار النظرية والوقوف عليها ،لا جدوى من العمل الميداني أيضا .
      احاول ربط ما تؤكد عليه هذه القاعدة المنهجية في تقديم رؤية انطباعية مدروسة عن تنظيم سياسي سبق وان قرأت عن فلسفته وافكاره ، ومنحتني فرصة المشاهدة والاتصال المباشر مع منتسبيه مؤخرا، تلك المشاهدة الميدانية التي رسخت من التفاعل بين الرؤية النظرية والميدانية للوقوف على حقيقة هذا التنظيم الذي ظهر في العمل السياسي انعكاسا للتغيير الذي حدث في العراق بعد عام 2003 ،وتزايد العدد السكاني للشعب الكلداني في بلدان المهجر.
      وقد أدركت وشخصت من اتصالي المباشر مع النخبة السياسية للمنبر الديمقراطي الكلداني الموحد في الندوة التي اقامها في مدينة ديترويت الامريكية مؤخرا، العديد من الافكار والرؤى الشخصية الحقيقية لهذه النخبة . وعليه لمست منهم ميدانيا ،التوازن الفكري ،وعدم الانفعال في التعاطي مع من يخالفهم الرأي،بل قبول الاخر كما هو عليه لا كما يجب وفقا لتصوراتهم ،ويمتلكون نظرة ورؤية موضوعية للاحداث الجارية في العراق ،ومايخص الكلدان والاشوريين والسريان ،ويتعاملون بارادة وطنية ديمقراطية وقومية ،فهم في كل المناسبات يدعون الى الحوار البناء والتعاون بين المكونات الاثنية في العراق  .
   فما يخص شعبنا الكلداني ،تبين بوضوح اعتزازهم وتمسكهم بالهوية الكلدانية، وانها ليست موضع مساومات سياسية ابدا بالنسبة لهم . فهم يؤكدون دائما على بناء البيت الكلداني ،ويرون هناك حاجة كبيرة للحوار القومي بين الاحزاب والقوى السياسية الكلدانية من اجل تفعيل العمل السياسي لتحقيق الاهداف العامة لشعبنا الكلداني، ويتبنون مبدأ التعاون بين الكنيسة والمنظمات الكلدانية المدنية والسياسية لتبارك وتدعم النشاطات التي تقيمها تلك المنظمات لتحقيق المكاسب المنشودة. وعليه نرى دائما مشاركة كل المنظمات المدنية الكلدانية في النشاطات التي يقيموها بين فترة واخرى، فهم يسعون دائما الى تحقيق موقف كلداني موحد نحو القضايا الوطنية وتجاه علاقة الكلدان بالاشوريين والسريان.
      يتخذ اعضاء المنبر مواقف صريحة وفعلية تجاه مسألة تهميش الكلدان منذ سقوط النظام السياسي الدكتاتوري عام 2003 ،فهم يرون ان الكلدان اقل من غيرهم نيلا لحقوقهم الوطنية والسياسية والاجتماعية في ظل الظروف الراهنة في العراق.فهم يسعون بجد واخلاص الى رفع هذا التهميش بكل الوسائل ،ولعل رغبتهم في وحدة البيت الكلداني لتكون السبيل الموضوعي لتحقيق الاهداف والطموحات السياسية والاجتماعية للشعب الكلداني، هي الغاية الاساسية في كل مناسباتهم ونشاطاتهم.فهم دائما جادون في تحقيق السبل الكفيلة لتمكنهم من خدمة شعبنا الكلداني في البلد الام والمهجر.
    واما على المستوى العلائقي بين مكونات شعبنا الاثنية ،فهم يسعون دائما الى التنسيق والتعاون مع كل التنظيمات للعمل وتحقيق الاهداف والمثل العليا لشعبنا وفقا لمبدأ الاحترام المتبادل بعيدا عن التقوقع والانفعال والغاء الاخر،ويدركون تماما ان الوحدة بين الكلدان والسريان والاشوريين لايمكن تحقيقها الا باتخاذ موقف مشترك نحو هذه المبادىء لكل المكونات.  وعليه يرفضون رفضا قاطعا اية تسمية مصطنعة كالتسمية التي استحدثت اخيرا(الكلدان السريان الاشوريين) التي تخل بمشاعر الفرد القومية والاجتماعية والنفسية.ولكن يؤكدون دائما على توحيد صفوف شعبنا لكي يكون قادرا لصد التهميش والاضطهاد الذي يتعرض له يوميا في بلده العراق.
      تعبر فلسفة المنبر تجاه القضية الوطنية ،السعي الى بناء عراق ديمقراطي موحد يطبق الديمقراطية بنزاهة ومعبرة عن ارادة الشعب بكل اطيافه القومية والدينية ،وان يكون التعاطي المدني هو السائد في التداول السياسي والاجتماعي والثقافي بين هذه المكونات . ويؤكد على نشر ثقافة الولاء للوطن لتكون الهدف السامي لكل حزب سياسي وجماعة دينية وقومية.
   ويمكن ايجاز نظرتهم ،بأنها نظرة موضوعية للاحداث ،ومواقف صريحة مبنية على التعاون والتفاعل الايجابي بين مكونات شعبنا ،فهم نخبة سياسية واعية ومدركة للوضع الراهن ،وتنادي لاعلاء شأن الامة الكلدانية وتفعيل الوحدة الكفيلة بالاحترام المتبادل بين الكلدان والسريان والاشوريين.فهم حلقة سياسية حرة مستقلة في مواقفها ورؤيتها ،ولايمكن التأثير على مبادئهم مهما كانت الاغراءات .
  واخيرا اتمنى التقدم والمزيد من العطاء لمنتسبي هذا التجمع السياسي ،ولا احبذ ذكر الاسماء لانهم يمتلكون اسما مشتركا واحدا هو(المنبر الديمقراطي الكلداني الموحد ) الذي يعتزون به جميعهم.والمزيد من التلاحم والتعضيد المتبادل بين المنبر والاحزاب الكلدانية الاخرى لاسيما الحزب الديمقراطي الكلداني وحزب التجمع الوطني الكلداني ومنظمات المجتمع المدنية الاخرى الكلدانية ومنها الاتحاد العالمي لكتاب وادباء الكلدان والمجلس الكلداني العالمي وكافة المراكز الثقافية والجمعيات الكلدانية المنتشرة في بلدان المهجر والبلد الام.

 
     

   
   

 

87
السناتور الامريكي ريك سانتورم
وصدى النهضة الكلدانية
الدكتور عبدالله مرقس رابي
باحث واستاذ اكاديمي

                     تعد بلاد النهرين مهد الحضارات ،تلك الحضارة التي بدأها الشعب الكلداني ،وهذه حقيقة تاريخية لايختلف اثنان في صحتها ،تلك الحضارة التي وضعت الاسس الاولى للمعرفة العلمية بجوانبها المختلفة،وقدمت للبشرية سبل التقدم والرقي الاجتماعي والاقتصادي والسياسي .مرت السنون ،وتوالت العصور فاختلف عطاء الامة الكلدانية متأثرا بمتغيرات الاوضاع السياسية .وبالرغم من فقدانهم للسلطة والحكم ،فان عطاء الفرد الكلداني استمر بشكل وآخر في مختلف العصور التاريخية ، ذلك العطاء الذي جعل من الكلدان امة حية لم تندثر ،بل حافظت على خصالها في الحكمة والمعرفة والصبر والتأني .
 وبعد أن شعر الكلدان بعد التغيرات السياسية عام 2003 في العراق انهم محاطون بدسائس ومحاولات لمحو هويتهم القومية ومكانتهم ووجودهم بين الشعب العراقي ،تكاثفوا وتآزروا المخلصون من ساستهم ومفكريهم وبمساندة رجال الدين من الاساقفة والكهنة الذين يرون ان الامة الكلدانية لابد ان تنهض،وعليه بادروا للتخطيط السليم لاحتواء هذه الازمة المفتعلة.( ولا تعني الدعوة الى النهضة ،انعدام عطاء الامة الكلدانية ،انما النهضة للحد من متغيرات التي تحاول النيل منها واحباطها في مكانها).
تكاثفت جهود المخلصين الاوفياء لوضع اسس هذه النهضة ،وبمرور الايام نقطف من ثمارها داخل البلد الام ،او في المهجر لتغذي الروح المعنوية لشعبنا الكلداني، فلم يكن البيان البطريركي في رفض تمثيل يونادم كنا لشعبنا الكلداني ،وقبله بيان السينودس الذي الغى التسميات الغريبة المصطنعة لشعبنا الكلداني  ،والتحام وتكاتف القوى المخلصة المتمثلة في الحزب الديمقراطي الكلداني والمنبر الديمقراطي الكلداني الموحد واتحاد الادباء والكتاب الكلداني العالمي والمجلس الكلداني العالمي وحزب التجمع الوطني الكلداني ومنظمات المجتمع المدنية الكلدانية والمستقلين والمفكرين  في مختلف ارجاء العالم ومشاركتهم الفعالة في تبادل الخبرات والتعاون على كافة الاصعدة ،الا صدى هذه النهضة المؤثرة .
وأخيرا تجلى صدى النهضة الكلدانية في الدعوة الرسمية التي وجهت من قبل السناتور الامريكي السابق ريك سانتورم المرشح الجمهوري الى الكلدان عبر مؤسساتهم وتنظيماتهم الاجتماعية في الولايات الامريكية لدعمه في الانتخابات الرئاسية الامريكية المقبلة وفقا بما جاء في مقالته التي نشرها الدكتور نوري بركة في الموقع الالكتروني كلدايا نيت ( وفي رسالة الكترونية وصلتني من الاستاذ نبيل رومايا ان المرشح الديمقراطي كيري بيترز في ولاية مشيكن ايضا اجتمع مع الناشطين الكلدان في نادي شنان لدعمه في الانتخابات الرئاسية) ،اذ تعد هذه الحالة مؤشرا متقدما على ما حققه الكلدان في المهجر لضمان حقوقهم والتي تمتد انعكاساتها الايجابية الى الشعب الكلداني في العراق بسبب التأثير المباشر للسياسة الامريكية الخارجية على بلدان العالم الثالث ومنها بالطبع العراق الذي أهمل بكل السياقات السياسية الوجود القومي للشعب الكلداني .
ولو ان من الناحية المنطقية تتأثرالسياسة الامريكية منذ الخمسينات من القرن الماضي في علاقاتها الداخلية والخارجية بنظرية التبادل التي تعتمد مبدأ الاختيار العقلاني للعلاقات الاجتماعية على الاصعدة السياسية والاقتصادية وفي مختلف نواحي الحياة، وبالاساس في تعاملها في السياسة الخارجية مع شعوب العالم المختلفة .وقد ارتبطت هذه النظرية باسم كل من (جورج هومانز)و(بيتر بلاو )،وتدعي نظريتهما في منطلقها الاساسي : (ان البشر يمارسون سلوكا يجلب لهم منافع ويشبع لديهم الحاجات المختلفة )ويعتقد علماء الاجتماع ان فكرة التبادل المنفعي تعد مصدرا من مصادر التضامن الاجتماعي ، اذ أن صورة المجتمع عند هذه النظرية تتلخص في أن نشاطات البشر المتبادلة ترمي الى الحصول على الحد الاقصى من المنفعة ،وهي تركز في ذلك على العقلانية التي يتبعها افراد المجتمع في تقرير أفعالهم ،فهم يسعون الى اختيار تصرفاتهم وعلاقاتهم على اساس التبادل المنفعي ،فالانتخابات للرئاسة الامريكية هي مظهر من مظاهر هذه العلاقة .فهنا الشعب الكلداني يكون طرفا من المعادلة العلائقية والمرشح الطرف الاخر ،فيسعى الطرفان لتحقيق أهدافهما من خلال تكامل هذه العلاقة .
 أما هنا ليست المسألة هي مدى مصداقية الوفاء بالوعود من جانب المرشحين للرئاسة اثناء فوزهم ،انما الدعوات التي اطلقها هؤلاء المرشحين للشعب الكلداني في الولايات المتحدة الامريكية لمساندتهم ودعمهم لتحقيق فوزهم ،هي دليل واضح على تأثير البرامج التي اطلقها مؤتمر النهضة الكلدانية الذي عقد في مدينة ساندييكو الامريكية في العام الماضي بهمة منظمات المجتمع الكلداني المدنية وابرشية مار بطرس الكلدانية الكاثوليكية بمباركة روحية من راعيها الجليل مار سرهد يوسب جمو، وتلاه مؤتمر السويد.
 فهي المرة الاولى التي  يناشد المرشحون للرئاسة الامريكية دعم الكلدان لهم ومساندتهم ، وتصريحاتهم عن الاحوال السياسية والاجتماعية والحضارية للشعب الكلداني في عراق اليوم وتقديم الدعم الكامل لهم عند فوزهم .ويعد هذا التطور حدث خطير في السياسة الامريكية لاتخاذها موقفا جديدا نحو الشعب الكلداني ،وعليه سيكون هذا الحدث احتوءا للموقف الذي اتخذه وليم بريمر سنة 2003 تجاه الكلدان بتأثيرات صادرة من يونادم كنا بشكل وآخر في حينها فاستمرت الحالة كما هي عليه الان . وقد توهم هو ومن يسانده ان الكلدان يتراوحون مكانهم ،لكن كما نؤكد دائما فهم أهل الحكمة والدراية والتأني في معالجة الامور.
 وفي هذه المناسبة أدعو تواصل المؤتمرات الكلدانية حيثما وجدت المنظمات والمؤسسات الاجتماعية والاحزاب السياسية الكلدانية في أرجاء المعمورة ،واخص بالذكر في ولاية مشيكن الامريكية حيث الثقل السكاني الكبير والتجربة والخبرة العريقة للكلدان في السياسة الامريكية، تلك الدولة المتنفذة في السياسة العالمية لتحقيق مبدأ التبادل المنفعي الذي تبنته الولايات الامريكية داخليا وخارجيا .وأتمنى من الكلدان في استراليا ان تخطو مثل هذه الخطوات للتأثير على مواقف الحكومة الاسترالية تجاه الشعب الكلداني في العراق ،ويساير الخطوة نفسها الكلدان في كندا وفرنسا وغيرها من البلدان المؤثرة في التغيير السياسي العالمي ، ولتتكاثف الجهود من الكلدان في العراق الذين لايزايدون على هويتهم ووجودهم وبناء علاقاتهم مع الاشوريين والسريان ومع كافة الاثنيات القومية في المجتمع العراقي على المبدأ الحضاري الذي تتبناه الشعوب المتقدمة، قبول واحترام الآخر والتعايش السلمي .   


 

88
حوار الدكتور نوري منصورمع
النائب يونادم كنا
رؤية وتحليل
الدكتور عبدالله مرقس رابي
استاذ وباحث اكاديمي مستقل

                                أجرت محطة تلفزيون أم.ي.أي الفضائيةالتي تبث من ولاية مشيكن الامريكية يوم الجمعة المصادف 27/1/2012 لقاءا مباشرا مع الدكتور نوري منصور السكرتير العام للمنبر الكلداني الديمقراطي الموحد ،واشترك في اللقاء النائب يونادم كنا العضو في البرلمان العراقي وسكرتير الحركة الاشورية الديمقراطية عبرالهاتف من العراق.
  كان لهذا اللقاء اهمية بالغة لتغطيته االتساؤلات المرتبطة ببيان البطريركية الكلدانية الكاثوليكية وبشكل مباشر مع النائب يونادم كنا الذي كان الطرف الاساسي في القضية التي تخص الوقف المسيحي والديانات الاخرى، وأهم ابرز الاسئلة التي طرحها مقدم البرنامج الاستاذ(وليد جعدان) وموجهة الى النائب كنا هي: جاء في البيان البطريركي انك لاتمثل المسيحيين بل تمثل الحركة الاشورية الديمقراطية .ماهو ردك على ذلك ؟
  وقد استعرض كنا خلفيات الموضوع وما جرى من عمليات التغيير لمدراء الوقف المسيحي التي طرحت لاكثر من مرة من قبله في الوسائل الاعلامية، واعلن ان عمانوئيل الشماع لم يباشر في عمله لكي يغير،وأكد ان كل ما جرى تم وفق الضوابط القانونية والادارية، ولايوجد اي تدخل شخصي من قبلي . ونكر اية علاقة له بالتغيير الذي حصل في ادارة الوقف المسيحي، وكرر بعض المواقف التي يبرر ويبرهن من خلالها على انه ممثلا للمسيحيين، فاراد ان يعيد لاذهان المشاهدين ان البطريرك عمانوئيل دلي اكد له سابقا عدة مرات انه ممثل المسيحيين وكثيرا ما طلب منه الاستشارة والتدخل في قضايا متعددة تخص المسيحيين.ودعم موقفه بالبراءة التي منحها له بابا الفاتيكان في مقابلة له في روما بانه يمثل المسيحيين في العراق. وبدى استغرابه من ان البطريرك عمانوئيل دلي يصدر مثل هذا البيان ليشير الى عدم شرعيته كممثل للمسيحيين، وقال ان البطريرك لم يقرأ البيان .
  ادار مقدم البرنامج الى الدكتور نوري وسأله عن رايه فيما قاله النائب يونادم .فاجاب بصراحة تامة على ماتحدث به النائب كنا وقال :ان بيان البطريركية واضح جدا بخصوص عدم قبولهم بتمثيلك للمسيحيين، وصحيح ان البطريرك لم يقرأ البيان انما اوعز الى الاستاذ نامق جرجيس لقراءته وهذه مسألة اعتيادية ممكن ان تحدث في كل المؤسسات، قد يكتب الخطاب أو البيان من قبل احد المساعدين وينقح من قبل رئيس المؤسسة،أويكتب من قبل رئيس المؤسسة ويقرأمن قبل أحد مساعديه، وهذا ما جرى في هذه المناسبة تماما، واستطرد قائلا ألم يحدث هذا معك أحيانا؟ وعبر عن رايه بقوله الموجه ليونادم لو بقيت على مسافة بعيدة عن الموضوع لكان الافضل من تدخلك المباشر الذي يعني تسييسه، وما يؤكد قولنا ان الذي عين هو من منتسبي الحزب الذي ترأسه، وعليه وجه بسؤال الى النائب كنا مفاده هل استشرت الطوائف المسيحية حول الموضوع؟فقال نعم ان العديد من الخورنات الكنسية لم تكن راضية عن أداء رعد الشماع في الوقف المسيحي،وعلى هذا الاثر اجرينا اللازم.
  وهنا كشف الدكتور نوري الخطأ والتناقض الذي اوقع النائب كنا نفسه فيه اذ قال ان عمانوئيل الشماع لم يعين لكي يغير ،ومن جهة اخرى يقول ان العديد من الخورنات لم تكن راضية عن أدائه فاذا كيف عرف ادائه وهو لم يستلم عمله في المكتب؟وكذلك ذكرالنائب كنا في حديثه عن تطورات القضية،: وقال ان الشماع استلم مكتبه.فقال الدكتور نوري كيف استلم مكتبه وهو لم يعين ؟.
أما السؤال الثاني الذي طرحه مقدم البرنامج الى النائب كنا هو:ماهو أصل الخلاف بينكم وبين الكلدان؟
أجاب النائب لاأساس من الصحة لهذا الموضوع أبدا،لا يوجد اي نوع من الخلاف بين الكلدان والاشوريين وردا لهذا الجواب غير المقنع بالنسبة الى الدكتور نوري منصور ومقدم البرنامج، تلقى سؤالا آخرا وهو اساسا  جواب السؤال الاخير مفاده:لماذا تتهم بتهميش الكلدان اذن؟وكان الجواب :
من يقول ان الكلدان مهمشون لاتوجد مثل هذه المواقف أبدا وجاء بالمثال الاتي: من سنة 2003 ولحد الان استلموا المسيحيين 20 وزارة في الحكومات المتعاقبة ،وكان 16 منهم من الكلدان فاين التهميش هنا،واستطرد بالحديث وقال نحن شعب واحد وامة واحدة لافرق ولاخلاف بيننا وانما هذه ادعاءات بعض من بقايا النظام السابق وهم يحاولون التفريق بيننا و الاساءة الى سمعتي لكي لا افوز في الانتخابات القادمة.
وتدخل الدكتور نوري قائلا: أولا ان هؤلاء  الوزراء الكلدان هم من منتسبي الاحزاب الاشورية والمجلس الشعبي الكلداني السرياني الاشوري، وماهو اسم هذه الامة وأسم هذا الشعب وماهي قومية هذه الامة؟فهناك الشعب العراقي مثلا يتكون من العرب والكرد والكلدان والاشوريين والارمن وغيرهم وكل واحد منهم له قوميته .
في البدء حاول النائب كنا التهرب من الاجابة لانه سؤال مثير للغاية بالنسبة له ويتحسس منه لكي لايقع في تناقض ولكن فعلا وقع.فاجاب وقال :نحن امة واحدة وشعب واحد له تاريخ وتقاليد ولغة واحدة ومصير مشترك .وقال الدكتور نوري: نعم كذلك ولكن ماهي قوميته وهل تعترف بالقومية الكلدانية ؟ويبدو من تصريحاتكم في كل مناسبة انكم لاتعترفون بالقومية الكلدانية ،وجاء بعدة امثلة منها :في ندوة لكم في مدينة ساندييكو الامريكية قلت لايوجد شي اسمه كلدان واتحدى من يأتي باثر مذكور فيه اسم الكلدان عبر بلاد النهرين،وفي الفضائية البغدادية قلت في اجابتك لسؤا ل وجه اليك من هم الكلدان؟ان كل اشوري دخل الى الكثلكة اصبح كلداني.
فاضطر النائب كنا للقول نحن كلدان سريان اشوريين لا فرق بيننا ،وكل واحد حر في اختياره لقوميته فاجابه الدكتور نوري ان هذه ليست تسمية قوم واضحة فهي تسمية قطارية مرفوضة . ولم يعقب النائب كنا عن هذه المداخلة واكتفى قائلا : لايوجد اي خلاف بيننا واني اناشدكم بتشكيل لجنة من المغتربين والتوجه الى العراق لتقصي الحقائق عما يدور هنا ومستعد لتلبية المصاريف كافة.
واجاب الدكتورنوري جوابا واضحا واكثر موضوعية نحن لانصبو الى شيء سوى ان يكون هناك تبادل مشترك من الجميع في الاعتراف بالاخر ونتعاون من اجل مصلحة الجميع.
وكن السؤال الاخير الذي وجه الى النائب يونادم هو:ما هي اخبار مشروع اقامة محافظة سهل نينوى؟
اجابه ان هذا المشروع مرتبط بالظروف العامة والسياسية في البلد ،فالعراق اداريا متوجه نحو اللامركزية و انشاء اقاليم ومحافظات جديدة مثل الزبير وتلعفر وطوزخرماطو، وسننتظر ما الذي سيحدث .وأخيرا تبادل المتحاورون الشكر والتحايا.
 استخلصت من متابعتي لهذا الحوار المهم الذي تمحورت الاسئلة فيه حول البيان البطريكية الكلدانية الكاثوليكية مايأتي:
 ان حركات وتعابير وايماءات الوجه وطريقة الجلوس وحركات اليدين والصوت وحركة الشفتين والانفعال والغضب  والسرعة في الكلام والهدوء واستقرار حركة الجسم والاتزان في الكلام وعدم المقاطعة بدون استئذان والصوت العالي ،كلها هذه مؤشرات تكشف مدى الحقيقة وعدمها في كلام المتحاور ليتسنى للمحلل الوصول الى الهدف . كان الدكتور نوري منصور في الاستوديو وقد بدأ عليه من أول لحظة والى انتهاء الحوار هادئا ومنسجما ومتزنا في سلوكه مع المتحاورين وصبورا الى ان يفسح المجال له للحديث ولم الاحظ عليه اية حركة لتشير الى القلق أو الغضب،ولهذا كانت اجوبته اكثر موضوعية وانسجاما في الحوار.
و مع الاسف لم يظهر النائب يونادم كنا في استوديو المحطة الفضائية وقد اشترك مع المتحاورين عبر الهاتف ،وعليه لم يتسن لي التعرف على تلك المؤشرات ماعدا نبرة الصوت ومقاطعته للمتحاور الثاني وهذا ما لاحظته حيث كان غاضبا ومنفعلا لتحدثه بسرعة وبصوت عال،فالغضب وسرعة الكلام اثناء الحوار تشير الى محاولة المتحدث التغطية على الحقائق والتهرب من الاجابة على الاسئلة الموجهة.
 فعلا لم تكن بعض من اجاباته مباشرة وبالاخص ما تعلق بالقومية ، وايضا اوقع نفسه بعدة تناقضات مما يوحي الى عدم الصراحة في الحديث،وكان التناقض واضحا في عدة مواقف منها:مسألة رعد الشماع أنفة الذكر بقوله انه لم يباشر في العمل، وجاء بعدها ليقول ان الخورنات لم تكن راضية من عمله،فكيف ان تلك الخورنات لم ترض من عمله وهو لم يباشر عمله على حد تعبيره.وموقف آخر على تناقضه عندما قال اني لم اتدخل في مسألة التغيير ،حيث ماحدث هي اجراءات قانونية ،بينما المؤشرات تؤكد انه تدخل بصورة مباشرة وقالها في الحوار، اني استخدمت صلاحياتي البرلمانية.
ولم يكن دقيقا في كلامه والذي كرره في اكثر من لقاء ،بان البطريرك عمانوئيل لم يقرأ البيان ،ويمكن تفسير هذه العبارة التي اكد عليها عدة مرات،ان النائب يوناد يعتقد بوجود اطراف يحاولون النيل منه واساءة سمعته واستخدموا رأس الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية لتحقيق ذلك ،أو ان البطريرك ليس مؤهلا في حالته الصحية وتقدمه في السن ليتخذ مثل هذه الاجراءات مالم يدفع من الاخرين.ولكن نسأل النائب فما هو دور المعاون البطريركي الذي ظهر مع البطريرك اثناء قراءة البيان؟
وتناقض في كلامه وافعاله حينما قال :كل واحد حر في اختيار قوميته ،فهل هذا ينطبق مع اقواله المعروفة في الغاء القومية الكلدانية ؟ وهناك تناقض صريح عندما قال ان قومية هذا الشعب هي كلدانية سريانية آشورية ،ماهي هذه الازدواجية انه لايعترف بغير القومية الاشورية بينما يصرح بالتسمية المركبة .وهل سأل نفسه النائب يونادم عندما قال: انه شعب واحد له تاريخ ومصير واحد ولغة وقيم واحدة لماذا تسميه هذا الشعب اشوريا ولم تسميه كلدانيا أو سريانيا .يمكن القول انه يتمتع بشخصية لها قابلية التلون بعدة الوان لتغيير تصريحاته في مختلف المناسبات اعتمادا على طبيعة المناسبة وظروفها.
وقد برر النائب كنا مسألة عدم تهميش الكلدان بعدد الوزارات التي قلدها الكلدان،فهل اراد ان يوهمنا أو انها محاولة لاحتواء الموضوع ولم يذكر الى أي من الاحزاب انتموا هؤلاء الوزراء ولمن خدموا ؟بالطبع ان كل منهم سيحاول تحقيق اهداف حزبه السياسي والكلدان يدفعون الثمن.واني على يقين ان المقصود من كلامه (لاأحد يتمكن من ابعادي عن الكلدان) يعني من الكنيسة الكلدانية وليس الشعب الكلداني .
  وأما تشبثه وتأكيده على ان البطريرك عمانوئيل دلي كثيرا ما لجأ اليه للاستشارة بعدة مواقف واحداث تخص المسيحيين هي مسالة يراد منها احتواء الاحداث، والا هو نائب في البرلمان ويدرك القوانين جيدا ومنها التي تجيز للشعب سحب ثقته من العضو المنتخب حينما لم يخدم قضيتهم ويحقق مطامحهم.
وأما تأكيده على ان الذين يثيرون القضايا التي تسيىء للعلاقة بين الكلدان والاشوريين هم من بقايا النظام البائد فهو زعم باطل فهي محاولة اصغاء اللامعقول على المعقول بتبريرات وهمية لكي يتنصل من المسؤولية هو وحزبه عن طبيعة هذه العلاقة .فهو الادرى منا جميعا ان العديد وبل الغالبية  الذين يقلدون مناصب قيادية عالية ووسطى وفي مختلف الاصعدة والوزارات في الدولة العراقية هم من بقايا النظام البائد فلماذا يصب غضبه على اهله؟
   وأخيرا اود القول للنائب يونادم كنا والاحزاب الاشورية كافة والمتعاطفين معهم مسألتين لااكثر:
ان الكلدان قوم وهكذا تلقينا في تنشئتنا الاسرية كما تلقاها الاشوري والسرياني ولايمكن لاحد ان يجرد الفرد من قوميته ابدا الا في حالة الطمع بالمصالح الشخصية، وهذا ما توصلت اليه في دراساتي المتعددة في ميدان عملي . وأما المسألة الثانية هي ان الاحترام والاعتراف المتبادل بين الاثنيات الثلاث هو السبيل في وحدتنا والحفاظ على وجودنا من الكلدان والاشوريين والسريان وليس في الغاء الاخر . 
           
 

   
   
 

89
الدلالات الهامة المستخلصة
من بيان البطريركية الكلدانية
الدكتور عبدالله مرقس رابي
استاذ وباحث اكاديمي مستقل

     أصدرت بطريركية بابل على الكلدان الكاثوليك في العالم في 15 من الشهر الجاري بيانا هاما لتحديد موقفها الرسمي من مشكلة تورط النائب يونادم كنا في البرلمان العراقي  في رسم معالمها لاسباب باتت معروفة لافراد شعبنا الكلداني في كل مكان ،وهي اصراره غير المبرر في تدخله المباشر بطرق ملتوية لتغيير مدير الوقف المسيحي العضو الارتباطي بين الحكومة العراقية والطوائف المسيحية كافة.
     فاجأ البيان البطريركي العديد من المؤسسات والافراد لعدم توقعهم من ان الكلدان ستكون لهم يوما ما صحوة ونهضة لتبكم كل من يتجاوز على مشاعرهم وكرامتهم فهم اهل الفطنة والحكمة والتأني في تعاطيهم مع الاحداث،ولعل أبرز آثار هذه المفاجأةهي ارتباك أقلام الكتاب من الحركة الاشورية الديمقراطية ومن يتعاطف معهم ، بحيث فقدوا اعصابهم وتمادت اقلامهم لتسطر العبارات غير اللائقة في العرف الصحفي والرسالة الاعلامية وأنزلوا غضبهم على شخصية غبطة البطريرك عمانوئيل دلي بصورة مباشرة وعلى كتاب الكلدان الاحرار،لضعفهم وفقدان حججهم المنطقية وتدنيهم المعرفي،مما يدل بوضوح على تخبطهم وسوء تصرفهم  .
     لم تكن تلك الردود مستوفية شروط التحليل العلمي المعروفة والمتداولة ،وقد استنتجت من قراءتي لها بأنها تفتقد الى ابسط معايير تحليل المحتوى .فكان تحليلهم حرفيا لمحتوى البيان، فهي الطريقة التي يتبعها البسطاء من الناس غير المسلحين بالمعرفة واساليب التحليل .بحيث ان بعضهم عجزوا من استيعابه، فلجأوا الى استخلاص نقاط الضعف اللغوية فيه،وركزوا على مسألة تغيير الاسماء وتمثيل الادوارالوظيفية دون تشخيصهم للبعد المستتر منه.
      فالتحليل الحرفي لايفي بالغرض ولايمكن بواسطته ان نستنبط من المحتوى شيئا مفيدا ،لانها طريقة تعمل بتجريد الحدث من الاطارالموضوعي المتمثل بالابعاد الاجتماعية والسياسية والنفسية المرتبطة فيه ، فالاسلوب الصحيح هو ربط الظاهرة المدروسة بما يحيطها من الابعاد المذكورة لكي نقف على معالمها وأهدافها ،ولما كان البيان تعبيرا عن موقف البطريركية تجاه ظاهرة ادارية واجتماعية وسياسيةُ،فاذا لابد التساؤل لماذا هذا البيان وماهي الرسالة التي يعبر عنها ولمن ؟ .
       وعليه ساحاول في هذه المقالة تسليط الضوء على البيان البطريركي باسلوب الربط الزمكاني وما أفرزته البيئة الاجتماعية والسياسية في المجتمع العراقي من عناصر أثرت على الشعب الكلداني ،وفيما يأتي خطوات التحليل:
  أولا:  لم يهدف البيان الى التعبير عن الشكوى لتغيير الاشخاص لتوليهم  المنصب الوظيفي فحسب، فهي المسألة الظاهرية التي أدركها العديد من السياسيين والكتاب من البيان وكأنما هي المقصودة فقط،ولكن هناك أهداف ضمنية تعد بمثابة رسالة واضحة للشعب العراقي عموما والكلداني خاصة .
ثانيا : عبر البيان عن موقف الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية والشعب الكلداني من التطورات التي حصلت منذ عام 2003 ،ذلك الموقف الرافض لما يجري من الاوضاع السياسية والادارية في الحكومة العراقية لاخفاقها في السيطرة على زمام الحكم والانقسامات الطائفية التي دمرت البلد واصبح العراق يحكم بقانون الغاب بعيدا عن القوانين الانسانية بدليل الصراعات السياسية القائمة بين الكتل السياسية حول المناصب منذ ظهورها،وعدم اتخاذ الخطوات الجدية في ترسيخ الاستقرار والامن الاجتماعي والاقتصادي للشعب العراقي لانشغال الساسة في تحقيق مآربهم الخاصة .
 ثالثا : وعليه اعتبر البيان مسألة تدخل يونادم كنا في تغيير مدير الوقف المسيحي بطرق ملتوية ومحسوبية واضحة، ومنحه لاحد منتسبي حزبه نموذجا من الفساد الاداري الذي يحصل يوميا في الدولة العراقية،ويدل على ضعف القانون الاداري وعدم الثبات على حالة واحدة ،فهو مرهون بأهواء وأمزجة السياسيين المتنفذين .
رابعا : ومن المعاني التي يتضمنها البيان هي نفاذ صبر الكنيسة الكلدانية والشعب الكلداني من طريقة تعاطي الحكومة والاحزاب السياسية معهما،مما استوجب الاعلان عن موقفهم في التذمر ومطالبتهم باعادة النظر في اسلوب العمل مع الشعب الكلداني لاعتباره مكونا اصيلا من مكونات الشعب العراقي.
خامسا : تضمن البيان رسالة واضحة للحكومة العراقية والاحزاب السياسية ،انه لايمكن ان يمثل الكلدان الا ابناء الكلدانيين ،ولا يمثل الكلدان في المحافل العراقية الا الاحزاب الكلدانية أوالشخصيات المستقلة منهم،مما يستوجب اعادة النظر في الاسلوب الانتخابي ليمثل كل من الكلدانيين والاشوريين والسريان بحسب ثقلهم الديمغرافي للوقاية من فوز المرشحين وصعودهم على اكتاف المسيحيين ومن ثم يخدموا مصالح احزابهم السياسية،وفي هذه الحالة يدفع الكلدان الثمن ، كما يجري على ارض الواقع، فممثلوا الاحزاب الاشورية يخدموا مصالحهم الذاتية ويرمي ممثلوا المجلس الكلداني والسرياني والاشوري الى  تحقيق مصالح واهداف مجلسهم، فهؤلاء جميعهم وصلوا الى البرلمان باصوات كلدانية لثقلهم السكاني وتحت ذريعة انهم مسيحيون لافرق بينهم.وعليه يتوهم من يؤكد على أن اكثرية الاعضاء المسيحيين في البرلمان العراقي هم من الكلدان ،فهؤلاء لايمكنهم تجاوز اهداف وفلفسة احزابهم تجاه الكلدان.
سادسا : رفض البيان ضمنا كل المحاولات التي من شأنها التأثير على الهوية القومية الكلدانية،تلك المحاولات التي تؤديها الاحزاب الاشورية والمجلس الكلداني السرياني الاشوري،اذ جاء البيان لينبه وينصح وعليهم التعاطي مع الكلدان في ضوء مبدأ الاحترام المتبادل.
سابعا :حفز البيان ابناء الشعب الكلداني للتمسك بقوميتهم الكلدانية ،طالما ان كنيستهم تولي أهمية لها وهذا ما لمسناه فعلا من الاحزاب الكلدانية ومنظمات المجتمع المدنية الكلدانية الداعمة لنيل الحقوق القومية للشعب الكلداني دون ارتباطها بجهات تسيرها بحسب مصالحها ،وما ان اعلن البيان الصحفي فتوالت ردود التأييد والدعم من الحزب الديمقراطي الكلداني والمنبر الكلداني الديمقراطي الموحد وحزب التجمع الوطني الكلداني واتحاد الكتاب والادباء الكلدان العالمي والمجلس الكلدان العالمي والمراكز الكلدانية في استراليا وشيكاغو الامريكية ومنظمات عديدة اخرى،مما يستدعي الامر ايضا لتحرك الحزب الديمقراطي الكلداني في الوطن لتعبئة الجماهير الكلدانية والتوعية في أهمية البيان وترجمته ميدانيا   .
ثامنا  : يعد بيان البطريركية الكلدانية رسالة واضحة لرجال الدين في الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية لاتخاذ موقف موحد تجاه القضايا القومية للشعب الكلداني وتحديد موقفهم وعلاقتهم مع الاحزاب الاشورية ومجلس الكلداني السرياني الاشوري وفقا لمقاييس الاحترام المتبادل لا لفرض ارادتهم على الكهنة والاساقفة تحت تأثير المغريات المالية التي تمنحها تلك الجهات .اذ نرى من متابعتنا ان الزيارات المتكررة من قبل الوفود الممثلة لتلك الاحزاب لبعض الخورنات والابرشيات تلقي تأييدا من لدن الاساقفة والكهنة دون الانتباه الى مسألة مهمة هي :هل ان هذه الاحزاب تعمل لمصلحة الكلدان ام لتحقيق مصالحها واهدافها؟ ،فمثلا هل تساءل القس جميل نيسان في كنيسة الصعود في بغداد عندما منح رعد كجه جي شهادة تأييد ان الاخير سيخدم الشعب الكلداني ام الحزب الاشوري المنتمي اليه وببساطة العبارة لانتوقع منه الخدمة للشعب الكلداني وهو تحت أمرة الحركة الاشورية الديمقراطية التي تسعى دائما للنيل من الهوية القومية لشعبنا الكلداني،فالبيان هو اشارة لاساقفتنا الاجلاء والكهنة الافاضل ليوحدوا كلمتهم وموقفهم حول المخططات التي تحاك من قبل هذه الاحزاب لتجميد دور الكلدان في الشأن السياسي .ولتكن مواقف ابرشيتا مار توما ومار بطرس في امريكا نموذجا تقتدي به كل ابرشية وكهنتها من الابرشيات الكلدانية في مسألة التعاون مع منظمات المجتمع المدنية والاحزاب السياسية الكلدانية لرفع الشأن الكلداني ونهضته.
تاسعا :توصلت البطريركية الكلدانية والشعب الكلداني الى ان القياديين وأعضاء البرلمان العراقي من المسيحيين لم يحركوا ساكنا تجاه الشعب المسيحي منذ عام 2003 وبالذات تجاه الكلدان منهم،وعليه جاء البيان ليكون اشارة لسحب الثقة من هؤلاء الممثلين كما هو المعمول في الانظمة الديمقراطية اذا صح التعبير( اذا هناك نظام ديمقراطي في العراق) ،ولكن من وجهة نظري لايوجد ولن نجد يوما من الايام طالما تتسيطر الاحزاب الدينية على الهرم السياسي.
 


90
نعم يونادم كنا لايمثلنا
انها نهضة كلدانية حقا
   

الدكتور عبدالله مرقس رابي
استاذ وباحث اكاديمي

                            يدرك المتابع لتاريخ الكلدان المعاصر بوضوح ،ان وسائل وطرق تعامل الكلدان مع الاوضاع السياسية في البلدان التي يقيمون فيها وفي بلدنا الام العراق تمتاز بالحكمة والفطنة والصبر والتأني واحترام الاخرين بما فيهم الحكام على مختلف ايديولوجياتهم السياسية ،الا ان بعد الاحتلال الامريكي للعراق سنة 2003 لاسقاط النظام السابق وتدمير العراق حضاريا واقتصاديا وعلميا وثقافيا ،تحول النظام السياسي في بغداد الى نظام دينيي طائفي تحكمت فيه الاحزاب الدينية المحافظة التي تتبنى التعاليم الدينية في فلسفتها السياسية، تغيرت طبيعة العلاقة بينهم والحكومة الجديدة في ضوء المتغيرات المستجدة.
    وقد تأثرت طريقة التمثيل في البرلمان العراقي بتلك الفلسفة الطائفية، فقسم العراق الى مناطق شيعية وسنية،ولضمان حصة الاكراد والتركمان في البرلمان تم تقسيم الحصص من جهة اخرى على اساس قومي ، وخصصت خمسة مقاعد للمسيحيين المكون الديني الذي يشمل كما هو معروف من الكلدان الكاثوليك الذين يمثلون الاغلبية بنسبة 75% وتتوزع نسبة 25% بين النساطرة (الاشورين المعاصرون)والسريان الكاثوليك والسريان الارثودكس والارمن الكاثوليك والارمن الارثودكس واللاتين والروم الكاثوليك والارثودكس،وعلى اساس هذه النسبة ستكون حصة الكلدان الاغلبية اربعة مقاعد والطوائف الاخرى مقعدا واحدا فقط.وعليه لضمان حصة المكون الكلداني الاصيل في البرلمان كان على مفوضية الانتخابات ان تعلن المنافسة على اربعة مقاعد من المرشحين الكلدان ومقعد واحد للمكونات الاخرى من المسيحيين وفي كلتا الحالتين لو تعاملت المفوضية مع الكلدان على اساس ديني طائفي أو قومي فهم الاغلبية .
       ولكن كما بدأ من الانتخابات الماضية كانت عملية التمثيل في البرلمان معقدة بحيث منحت المقاعد الخمسة للمسيحيين على اساس ديني ،انما الترشيح كان قائما على الاساس القومي للطوائف المسيحية وكانت لهذه الازدواجية في التعاطي أثرا سلبيا لحرمان الكلدان وتهميشهم من التمثيل البرلماني وذلك لسببين رئيسين هما:
 أولا: لعب الحاكم المدني الامريكي (بول بريمر)دورا قذرا في وضع اسس النظام السياسي في العراق بعد الاحتلال،وكان من ابعاد هذا الدور تقرب منه يونادم كنا مسؤول الحركة الديمقراطية الاشورية والمعروف بشخصيته المراوغة والمتصيدة لتحقيق الاحلام الوهمية للاشورية التي لاوجود لها منذ سقوطها عام 612 قبل الميلاد على يد الكلدان ، وقد ساعد هذا التقارب الذي حصل بطرق كشفت فيما بعد على اعلاء شأنه في الساحة السياسية في الوقت الذي غابت فيه الاحزاب السياسية الكلدانية في بغداد لتأدية دورها، فاعطي زخم كبير للاحزاب الاشورية وهمش الكلدان وحصرهم بتصريحات غير منطقية على انهم طائفة دينية، وعليه تبنت الاحزاب السياسية العربية والكردية هذه الفكرة الخاطئة نحو الكلدان.
 ثانيا: وكان للعمل الذي اقدم عليه سركيس آغاجان في تأسيسه المجلس الكلداني السرياني الاشوري وتبنيه التسمية الثلاثية الهزلية والمثيرة للاندهاش والسخرية ،بدعم غيرمحدود من اقليم كوردستان -ولايزال لغز هذا الدعم مجهولا لحد الان -  تأثيرا كاملا في احباط الكلدان في العملية السياسية سواء في الاقليم أو في بغداد العاصمة،وذلك لمشاركته في القوائم الانتخابية،أي المجلس وترشيح الاشخاص الموالين له من الكلدان والاشوريين والسريان .
 علاوة ان عملية الانتخابات لم تكن نزيهة وقد تخللتها خروقات عديدة في حينها معروفة للجميع ،فهي انتخابات البلدان النامية وبالطبع ستكون نائمة ،وعليه يتوهم الذين يعتقدون ان كنا وجماعته انتخب من قبل الكلدان والسريان والاشوريين لان التمثيل واسس الترشيح اساسا كانت مبنية على طرق غير صحيحة كم بينت آنفا .
  استحوذ مناصري آغا جان ومرشحي الحركة الديمقراطية الاشورية على المقاعد المخصصة للمسيحيين وعلى اثرها استبعدوا الكلدان بهذه الطريقة الملتوية من المشاركة في العملية السياسية العراقية ،وقد توهمت الاحزاب السياسية العربية والكردية ان المسيحيين هم طوائف متعددة كما هم المسلمون ولايفضلون الا مرشحي طوائفهم.
    وقد توهم يونادم كنا توهما كبيرا عندما رأى نفسه اللاعب الوحيد في الساحة وبدأ تجميع ما بوسعه من امكانات لتحقيق فلسفة حزبه الشوفينية التي تؤكد على اقصاء والغاء الاخرين ،وطاب له في الحديث باسم المسيحيين وباسم الامة الاشورية وطوائفها السريانية والكلدانية كما يحلو له تسميتها وبارك بطريرك الامة الاشورية الوهمية تلك المحاولات في رسالته الرعوية لعيد الميلاد الاخير .
  نعم توهم كنا ،لان الكلدان بالمرصاد، كنيستهم الحريصة على مؤمنيها واقلام كتابهم التي دوختهم وجعلتهم لايميزون يسارهم عن يمينهم،فهي حقا نهضة كلدانية بعد ان شعر الشعب الكلداني بتهميشه واقصائه في العملية السياسية والادارية في بلده العراق قبل ان يكون بلد العرب والكرد والاشوريين المعاصرين الذين جاء بهم الانكليز من جبال ولاية حكاري التركية ,فلم يكن هناك من يسمى نسطوريا أواشوريا في الاراضي العراقية قبل نهاية الحرب الكونية الاولى .اذ ان الحكومات العراقية المتعاقبة تعاطت سياسيا واداريا مع الكلدان فقط دون غيرهم،الم تشعر الاحزاب والحكومة الحالية باخطائها في تعاملها مع الغربى عن الارض العراقية وأهل العراق وورثته الكلدان ،نعم الكلدان لهم الحق في وراثتهم للعراق لان دولتهم كانت آخر دولة اقيمت على الارض العراقية من السكان الاصليين.
     لماذا اذن يمثلنا يونادم كنا؟ سؤال مطروح على الحكومة العراقية والاحزاب السياسية العاملة في العراق اليوم،فاذا لم تعرفوا الحقائق فهذه هي:
  انكم تتعاطون مع الشعب العراقي ضمن السياقات الطائفية الدينية ،فان يونادم ينتمي الى ألطائفة النسطورية التي تشكل نسبة ضئيلة جدا من المسيحيين في العراق فهو لايمثل الكاثوليك الكلدان والسريان والارمن واللاتين، والارثودكس السريان والروم والارمن.أما اذا تتعاطون وفقا للسياقات القومية فان يونادم اشوري معاصر نازح من الاراضي التركية أثناء الحرب العالمية الاولى،وعلى اي اساس يمثل الشعب الكلداني والسرياني والارمني.اليس هذا تخبط ومهزلة في السياسة العراقية الحالية ؟أ تجهلون أم تتجاهلون هذه الحقائق؟
  وعليه لاتستغربوا من الصوت الكلداني الاصيل ،صوت البطريرك عمانوئيل الثالث دلي الذي انطلق من قلايته موجها اليكم والى كل المعنيين ليقول ان يونادم كنا لايمثل المسيحيون جميعهم بالذات الكاثوليك منهم وضمنا الكلدان هم من الكاثوليك ،قد يتوهم البعض ويعتبر ان هذا تدخلا سياسيا من قبل رجل الدين،فهو لم يطالب بمنصب سياسي ولايحرض المسيحيين على انهم كلدان بكل طوائفه،والغاء الهوية القومية للآخرين كما فعل البطريرك النسطوري مار دنحا قبل أيام معدودة ،فكل ماجاء في بيان غبطته هو ايضاح للمسؤولين السياسيين في الحكومة العراقية ان هذا الشخص لايمثل الكاثوليك ،فهومن حقه ان ينظم علاقات المؤمنين والكنيسة الكاثوليكية في العراق بطريقة مناسبة مع الحكومة العراقية تضمن حقوقنا  ،وبالاخص طالما هناك سياقات طائفية في التعامل السياسي مع الشعب العراقي.
     ومن هذا المنطلق نضم صوتنا مع غبطة البطريرك لاعادة النظر من قبل الحكومة العراقية في تعاملها وتعاطيها مع الشعب الكلداني ويمثله اشخاص كلدانين كاثوليك يتانفسون على المناصب المقررة لهم في البرلمان أو في الشوؤن الادارية الاخرى,وليس وفقا لمزاج اشخاص لاينتمون الى الكنيسة الكاثوليكية والشعب الكلداني. وعلى الوسائل الاعلامية العراقية ان تعي تماما ان يونادم كنا لاتعطي تصريحاته التي يطلقها صدى الا لدى الاشوريين المعاصرين فقط، أو عند النساطرة من المسيحيين.
اعتذر من القراء الاعزاء لخروجي قليلا عن السياق الاكاديمي في طرح الفكرة هذه المرة وذلك كما يقال طفح الكيل ونفذ الصبر .

91
اقليم كوردستان
والموقف من المسيحيين
الدكتور عبدالله مرقس رابي
استاذ وباحث اكاديمي

                        يتكون المجتمع الكوردي من مجموعة الافراد الذين يتحدثون اللغة الكوردية ،وأما المجتمع الكوردستاني فهم مجموعة الافراد الذين يعيشون على ارض كوردستان ويتكون من اقوام مختلفة وهم الكلدان الذين يعدون سكان الارض الاصليين والاثوريين والارمن والتركمان والعرب وباكثرية كوردية ،ويدينون باغلبية اسلامية وثم مسيحية وايزيدية وكاكئية.وقد عاشوا تاريخيا جنبا الى جنب وانصهروا لعوامل تاريخية واقتصادية واجتماعية وسياسية ليكونوا المجتمع الكوردستاني المعاصر بمختلف اديانه وطوائفه وقومياته.
    ولما كانت الاغلبية في المجتمع الكوردستاني هم الكورد ،فأذا زمام الامور والمبادرة في التكافل والتكافؤ الاجتماعيين تبدأمنهم لتحقيق مجتمع يعيش تحت ظلال السلام والحرية بكل ميادينها واتجاهاتها ومستوياتها ،وعليه المعني في هذه المقالة هو المجتمع الكوردي لوضع رؤية سوسيولوجية في طبيعته وتركيبه واثر ذلك في تعاطيه مع غير الكورد في المجتمع الكوردستاني.
      عاش الكورد تاريخيا دون وجود دولة ذات سيادة تدار من قبلهم لتنظيم حياتهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية ،فهم تعرضوا للغبن والظلم لعدم الاكتراث من الميثاق الدولي في تقسيم تركات الدولة العثمانية بعد الحرب الكونية الاولى ,مما سبب ذلك في تشتتهم بين دول المنطقة وباكثرية في تركيا والعراق وايران(والى جانبهم ايضا الكلدان سكان المنطقة الاصليين)،ومنذ البدء حاولت هذه الدول سياسة التتريك والتفريس والتعريب ،محاولة بذلك محو الهوية الثقافية والحضارية والقومية للكورد،ولما كان الموضوع الذي اتطرق اليه يخص كورد العراق فاذا التأكيد سيكون منصبا عليهم.
    بدأت البادرة الاولى في تاريخ الكورد المعاصر للنهضة في الاقرار لنيل حقوقهم من الدول الخاضعة لها من قبل كورد العراق فبعد محاولات سياسية سلمية فاشلة مع الحكومة المركزية في بغداد قبل عام 1961 من القرن الماضي وشعورهم بالاحباط ، بادرت نخبة واعية من الكورد وفي مقدمتهم العائلة البارزانية باعلان الثورة المسلحة لنيل حقوق الكورد،فبدأت الشرارة الاولى للثورة في شهر ايلول من عام المذكور.وفي رايي لاتزال هذه الثورة قائمة الى ان يتم تحقيق كامل الحقوق في دولة مستقلة ليس على حساب الاراضي العراقية فحسب وانما ان تشمل كل الدول حيث يعيش الكورد.
       يعد التغير السياسي الذي بدأ في المنطقة منذ عام 1991 عاملا اساسيا في زعزعة المنطقة الشرق اوسطية برمتها،ولكن كان متغيرا ايجابيا تجاه المجتمع الكوردي بحيث استطاع الكورد من استغلال المتغيرات الحاصلة لمنفعتهم لنيل حقوقهم فاصبحت قضيتهم اكثر شمولية ومعروفة في السياسة العالمية،فمنذ 1992 بدأ الاستقرار يعم كوردستان العراق دون سواه من المناطق العراقية ،وتعد الان من اكثر المناطق الشرق اوسطية اسقرارا وأمنا وسلاما .
     بدأت النهضة الفكرية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية،فوضع الدستور العلماني بمحاوره واصدرت لائحة حقوق الانسان .وعلى اثرهما تشكلت الاحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني وانتشرت سياسة قبول الاخر، واسست الجامعات التي تعد مؤشرا اساسيا في تقدم المجتمع البشري وتحسنت كل ميادين الحياة وبفترة قصيرة  قياسية،ولكن مع وجود بعض الثغرات سوى السياسية اوالخدمية اوالاقتصادية (لست الان بصددها) تحقق التعايش السلمي في المجتمع الكوردستاني،واصبحت منطقة الاقليم ملاذا آمنا للمسيحيين الذين تعرضوا الى ابشع صنوف الاضطهاد في المناطق العراقية الاخرى.
    ومع كل التغيرات الايجابية التي حدثت في كوردستان العراق على مختلف الاصعدة،تفاجأ الجميع بالاحداث المفجعة في الثاني من كانون الثاني لسنة 2011 التي جرت في قضاء زاخو وسميل ومدينة دهوك واماكن متفرقة اخرى من محافظة دهوك،تلك الاحداث التي تمثلت بالاعتداءات المباشرة على ممتلكات المسيحيين والايزيديين التجارية،وذلك من قبل جماعة اثيرت مشاعرها وعواطفها بشحنات انفعالية مصدرها الفكر الديني بدليل انها حدثت بعد صلاة الجمعة وانطلقت من المسجد،ومهما يكن مصدر هذه الفتنة الدينية الا انها احدثت شرخا كبيرا في الاوضاع المستقرة والامنة في اقليم كوردستان واصابت المعتدى عليهم بالذعر النفسي والقلق الاجتماعي.
  والسؤال المهم هنا هو هل ستتكرر مثل هذه الاحداث في الاقليم الآمن؟ وفقا للنظرة السوسيولوجية والمؤشرات الميدانية ارى ولحد اعداد هذه المقالة ان هذه الاحداث ستكون محدودة جدا ولن تتكرر على الاغلب وذلك انطلاقا من المحكات الاتية
اولا: من خلال متابعة رد الفعل السياسي والاجرائي السريع والتحرك الفوري من رئاسة الاقليم وحكومته عن كثب لمتابعة الحدث،وعدم الاقتصار على الاستنكار الاعلامي كما يحدث في اجزاء اخرى من العراق ،تبين ان ذلك لم يصدع العامة من الشعب بل اصدع القيادة السياسية ايضا.فبدأ الرد سريعا،وأول هذه الردود ما تحدث به رئيس الاقليم مسعود البارزاني (ساضطر لحمل السلاح بنفسي لحماية المسيحيين)،تلك العبارة التي لها وقع نفسي كبير ذو انعكاسات توحي بالتأمل السلمي والاهتمام الجدي من قبل الكورد للحد من الاعتداءات على المسيحيين وغيرهم. فكانت عملية الايعاز من قبل رئاسة الاقليم في تشكيل لجنة على الفور للتحقيق في الحادث مؤشرا آخرا عى رد الفعل الايجابي ,ومن ثم اخذت اجراءات وتغييرات ادارية في محافظة دهوك والتي اشتملت المناصب الادارية التي كانت السبب في الخلل الامني في المحافظة .
ثانيا:التوجه العلماني العام في الحكومة الكوردية استنادا الى دستور الاقليم الذي يحتوي على عدة بنود تؤكد على حرية الفرد في الانتماء الديني ،وحرية اتباع الديانات المختلفة في ممارسة طقوسها وانشطتها علنيا،وقد رفع الاقليم منذ البداية شعارا( الدين لله والوطن للجميع ).
ثالثا:ان الغالبية العظمى من الاحزاب السياسية في اقليم كوردستان هي احزاب علمانية في مبادئها وفلسفتها، وعليه ان مواقفها تجاه مثل هذه الظواهر ستكون بموضوعية متناهية،العكس من الاحزاب في الحكومة المركزية حيث ان غالبيتها هي دينية طائفية تستند على مبدأ الغاء الاخر.
رابعا:لاتزال المفاهيم العشائرية سائدة في الاقليم والتي تساعد على شد الروابط الاجتماعية ،مثل النخوة والشهامة والوفاء والعصبية القبلية وحماية افراد العشيرة، حيث ان كل عشيرة كردية تتحمل مسؤوليتها تجاه المواطنين المسيحيين ضمن حدودها الجغرافية بحكم التقاليد والقيم العشائرية التي لا تزال تتحكم في سلوك المواطن الكوردي،وفعلا ظهرت عدة مواقف انطلاقا من هذا المبدأ الاجتماعي من شيوخ ووجهاء العشائر الكوردية في المنطقة.
خامسا: كل التقديرات السياسية الموضوعية تشير هذه الايام الى ان الكورد سيفاجئوا العالم باعلان الدولة الكوردية في ليلة وضحاها ،لان الاوضاع التي تمر بها المنطقة عموما والعراق بشكل خاص مهيأة لاعلانها،فالعرب منشغلون بثوراتهم الخريفية وليس الربيعية بنظري والحكومة العراقية المركزية منشغلة في صراعاتها على الكراسي ،ولعله ان سياسة الاحزاب في بغداد المبنية على مبدأ الغاء الاخر بسبب النعرات الطائفية القاتلة ادت الى ضعف الحكومة والسلطة القضائية وانتشار الفساد الاداري والمالي بحيث لم يشهد تاريخ العراق المعاصر اسوء من هذه الاوضاع،وعليه وفقا لمبدأ اعلان الدولة سيحرص الاقليم على ديمومة الاستقرار الامني والسياسي وسيادة القانون والحرية الفردية وتطبيق بنود لوائح حقوق الانسان لكي يظهر الكورد في صورة حضارية انسانية متطورة امام الحكومات العالمية لتنال رضى الدول العظمى المهيمنة على السياسة الدولية،ومن هذا المنطلق ستقضي على كل فتنة من هذا القبيل وتبتر جذورها على الفور.
سادسا:نجح الاقليم وبرهن للعالم على انه قادر على تطبيق الديمقراطية واستقلالية القضاء  بشكل افضل من الدول المجاورة والحكومة المركزية،وهذه تساعد على انتشار المفاهيم الانسانية وقبول الاخر على ماهو عليه لاكما يجب.
سابعا :ان الاحزاب المعارضة في الاقليم لاتستند على ارضية جماهيرية واسعة وبما فيها الاحزاب الدينية مقارنة بالحزبين الكبيرين في الاقليم واللذان يمتازان بفلسفتهما العلمانية والصدى الجماهيري الواسع ،وعليه فان تأثير الاحزاب المعارضة على الجماهير الكوردية شبه معدوم،فسوف لن تنجح اية محاولة من قبل الاحزاب الدينية المعارضة لزعزعة الامن والاستقلرار .
ثامنا :لااتوقع من الكورد ان يتجاهلوا دور المسيحيين في الثورة الكوردية منذ انطلاقها ولحد الان ،فهم تعرضوا الى ما تعرض له الكورد من الاضطهاد والتشريد وسلب الحقوق ،وهم ايضا حملوا السلاح الى جانبهم للدفاع عن االثورة الكوردية.
تاسعا:ليس من صالح الاقليم ان تستمر الاضطرابات فيه ،وفقدان الامن والطمأنينة،لانها ستكون عائقا للاستثمار الاقتصادي من قبل الشركات الاجنبية التي لاتستطيع ابرام عقودها في الاقليم في جو يتسم بفقدان الامن والاستقرار,وعليه ستسرع حكومة الاقليم الى القضاء على مثل هذه الحوادث.
عاشرا:الاهم من كل ماذكرت هو ان عملية تعرض الكورد الى الاضطهاد والغبن وسلب الحقوق والممارسات اللاانسانية التي وقعت عليهم تاريخيا من قبل الاكثرية من العرب والفرس والاتراك ومحاولة امحاء هويتهم القومية ،ستكون كل هذه الاوضاع عاملا مؤثرا ومنبها لسلوكهم لكي لايتخذوا نفس المواقف تجاه الاخرين الاقلية في الاقليم تلك الاقلية التي تعد السكان الاصليين للاقليم.       
         
         
       
                     

92
مدى تورط قادة شعبنا
في جرائم ذوي الياقات البيض
الدكتور عبدالله مرقس رابي
بروفيسور في علم الاجتماع

             في البدء اود اعلام القاريء العزيز اني لا اقصد شخصا محددا في محتويات هذه المقالة العلمية بل اعتبرها درسا في علم الاجتماع الجنائي موجها خصوصا الى قادة شعبنا الكلداني والاشوري والسرياني (طبعا المنتخبون بديمقراطية البلدان النامية المزيفة)،ويمكن من ذوي الثروة من ابناء شعبنا الاستفادة منها في البلد أوالمهجر  لمراجعة الذات فيما اذا قد تورطوا بمثل هذه الجرائم، وان بعضهم قد يكونوا لاول مرة يسمعون اويقرأون عنها. وقد استخلصت هذه المقالة من عدة بحوث اكاديمية عن الجريمة اعدتها للاغراض العلمية والتخطيطية ،ومن تدريسي لمادتي علم الاجرام واصلاح المجرمين،  وثم من خبرتي الميدانية للاتصال المباشر مع المجرمين البسطاء والخطرين منهم،سواءالمحكومين بالسجن أو الاعدام .
     تعرف الجريمة قانونيا :هي كل فعل يقرر له النظام القانوني عقوبة جنائية ،أوهي كل سلوك يعاقب عليه بموجب القانون .وأما اجتماعيا تعرف بأنها ذلك السلوك الموجه ضد مصالح المجتمع ككل ،أو هي خرق للقواعد والمعايير الاخلاقية للجماعة.وأما سايكولوجيا فتعني الجريمة اشباعا لغريزة انسانية بطريقة شاذة لا ينتهجها الانسان العادي في ارضاء الغريزة نفسها وذلك لخلل كمي أو شذوذ كيفي في هذه الغريزة مصحوبا بعلة أو اكثر في الصحة النفسية .
   أما جريمة (ذوي الياقات البيض)فهي الجريمة التي يرتكبها اصحاب النفوذ السياسي والوظائف ذات الشأن الرفيع والمتقدم في الدولة باستغلال الامتيازات الوظيفية المناطة لهم .ويرتكب مثل هذه الجريمة ايضا اصحاب الثروات والمصالح ذوي القدرة العالية لتكوين العلاقات مع المتنفذين في الدولة،وقد اطلق هذه التسمية عالم الاجرام الامريكي(أدوين سذرلاند 1883-1950)،لان مرتكبيها هم من الاغنياء الذين يرتدون القمصان البيضاء تمييزا عن جرائم الطبقة الفقيرة في المجتمع الذين غالبا ما يرتدون القمصان الزرقاء ذات الدلالة على العمل اليدوي.
   كانت النظريات العلمية قبل (سذرلاند) تفسرعملية ارتكاب الجرائم الاقتصادية بمؤشر عامل الفقر،اعتمادا علىالنظرة السائدة في عالم الجريمة التي هي اقتصار الجرائم على الطبقات الفقيرة دون الطبقات المتنفذة في المجتمع .انما (سذرلاند ) اثار انتباه العلماء والباحثين لدراسة الجرائم التي يرتكبها ذوي الياقات البيض والتي تعد اكثر خطورة من الجرائم المرتكبة من قبل فقرا بسطاء،فهناك فرق كبير في التأثير على المجتمع بين جريمة سرقة بعض النقود من قبل عامل بسيط لحاجته اليها وتلك التي يرتكبها صاحب معمل للمواد الغذائية بسبب الغش المتعمد في صناعة حليب الاطفال مثلا ،اوتلك العقود التي يبرمها صاحب النفوذ في الدولة مع شركات قد تكون وهمية بمليارات الدولارات التي تسحب من اموال الشعب.
  وغالبا نرى ان من يرتكب مثل هذه الجرائم يكونوا طلقاء في المجتمع ،بينما تزداد نسبة المجرمين من الطبقات الفقيرة في السجون ،وذلك لتمتع اصحاب ذوي الياقات البيض بمكانة اجتماعية واقتصادية وسياسية ،أو يكونوا علاقات مقترنة بمنح الاموال مع جهات متنفذة في الدولة ،الامر الذي يمكنهم من ملاحقة القانون .
بعد هذه المقدمة ساعرج الى موقف قادة شعبنا الذين يمثلون شعبنا الكلداني والاشوري والسرياني في العراق (طبعا المنتخبون بديمقراطية البلدان النامية)،ومدى تورطهم بجرائم ذوي الياقات البيض.
       يمر العراق باوضاع سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية سيئةلم يشهد لها مثيل في تاريخه،وقد اشار تقرير منظمة الشفافية العالمية الى ان العراق يحتل المركز الثالث في الفساد الاداري من مجموع 178 دولة بعد الصومال ومينمار. وذكرت صحيفة (واشنطن بوست) بعددها الصادر في 23/9/2008 أن 13 مليار دولار من أموال الاعمار في العراق اهدرت عبر مشاريع وهمية من عناصر فاسدة في الحكومة العراقية وجاءت آخر الارقام لتشير ان 250 بليون دولار من الاموال اهدرت في العراق بعد سقوط النظام السابق،مما يدل بوضوح ان صناع القرار وقادة اصحاب النفوذ متورطون بجرائم الفساد الاداري والمالي التي تعد احدى انواع جرائم ذوي الياقات البيض التي ترتكب من قبل اشخاص يستغلون وظائفهم ونفوذهم وبالتعاون مع الاخرين من اصحاب المصالح الذين هم خارج النظام الحكومي في المجتمع العراقي.
      اذ ان حالة الصراع على السلطة هي رسالة واضحة عن تفشي الفساد الاداري والمالي الذي يعرف- بسوء استخدام النفوذ العام لتحقيق ارباح خاصة- فكل كتلة سياسية تحاول السيطرة على أجهزة الدولة لتحقيق مصالحها ،حتى ولو بطرق غير شرعية في الحكومة المركزية، ويتنافس المسؤولون واقربائهم في الحزبين المتنفذين في اقليم كوردستان للاستحواذ على المشاريع الضخمة العملاقة وابرام العقود ,والكل يعلم ان غالبيتهم امتازوا بحياة اقتصادية رديئة أو متوسطة قبل مجيئهم الى سدة الحكم ،أما الان يتمتعون بحياة من الترف والبذخ والانفاق والرفاهية في المعيشة ،فتلك هي قصورهم واموالهم تشهد على ذلك داخل العراق وخارجه ،ذلك الثراء الفاحش والمثير للاعجاب الذي لايتمكن من يماثله من المواطنين العراقيين اقتصاديا ومهنيا واجتماعيا ان يكتسبه بل اصبح يتراوح في مكانه ،فمن اين هذا الثراء ياترى؟
   وهناك امثلة متعددة على تورط هؤلاء في هذه الجرائم لامجال لذكرها هنا  ،فالمشاريع لصناعية والتجارية والخدمية الضخمة لابد ان تمر من خلال مؤسسات الدولة التي تسيطر عليها الكتل السياسية ،اذ تجري اتفاقات مضاعفة في القيمة ومخالفة لقيمتها الحقيقية لكي تذهب الاموال غير المعلنة الى حسابات هؤلاء المسؤولين.فكثيرا ما تسلم المشاريع الى الدولة بعد الانجاز بمواصفات هزيلة لاتتطابق مع شروط العقود المبرمة لانجازها .واكتفي الاشارة الى نتائج المراقبة التي تولاها (ستيوارت بوين)المفتش الامريكي العام الخاص للعراق ومفادها ان شركة (بارسونز ديلاوير)لم تنفذ سوى ثلث مشاريع البناء البالغة 53 المقررة في عقودها .وقال التقرير: ان ملايين الدولارات تبددت في مشاريع غير منجزة او توقفت او اهملت .مم يدل على وجود ايادي خفية اجرامية حالت دون تحقيق هذه المشاريع لكسب اموال غير شرعية مستغلة نفوذها السياسي والاداري.
   وأما مايتعلق الامر بالمتنفذين من الكلدان والاشوريين والسريان في العراق وبالاخص قادة الاحزاب السياسية ،والذين يرتبطون بشكل وآخر مع الاحزاب السياسية الاخرى العاملة في العراق.فانهم طالما يعيشون الحالة السياسية الشاذة السائدة في العراق ويتفاعلون مع الاحداث الجارية ،فانهم لابد من تورط بعضهم في جرائم ذوي الياقات البيض، ولو ان اغلبيتهم لايتمتعون بنفوذ سياسي وقيادي مؤثر في الدولة العراقية واقليم كوردستان .انما المسالة هي ارتباطهم وتبعيتهم لاحزاب وقادة من المكونات الاثنية الاخرى  تجعلهم يتورطون بمثل هذه الجرائم.
    وقد تبين ان العديد منهم ينحدرون من تبعيات اجتماعية واقتصادية رديئة لايمكن مقارنتها مع ماهم عليه حاليا من الثراء بعد ان شاركوا في العملية السياسية في البلد،وعليه يوحي لنا انهم قد تورطوا في جرائم ذوي الياقات البيض بسبب استغلال مناصبهم ومكانتهم الادارية وشراكتهم مع الكتل السياسية الاخرى.ومن الواضح ان المشاريع التي نفذت في بلداتنا وقرانا الكلدانية من الدور السكنية وترميم الكنائس وبعض مشاريع الانشطة الاجتماعية الاخرى لاترتقي لمستوى بحيث تؤدي الوظيفة المتوخاة منها وبالاخص الدور السكنية التي تفتقر الى المواصفات الصحية.
   ولا يزال مصدر تمويل هذه المشاريع مجهولا ولم يصرح به لحد الان اي مسؤول سياسي أو اداري،بل قيلت بعض التخمينات عن ذلك من قبل الكتاب ،واصبحت قضية التمويل هذه على لسان كل فرد من ابناء شعبنا .وقد تم التكتيم عن مصدر هذه الاموال، وحصرالتصرف بها بيد احدهم دون غيره من ابناء شعبنا وعليه لم يتعرف احدا على حجم هذه الاموال الممنوحة والمخصصة لشعبنا في العراق .
    ويبدو ان التصرف بها يتحكم بالمزاج الشخصي،بحيث استغلت لتحقيق طموحات شخصية،فقد منحت من هذه الاموال لمن يؤيد المواقف الشخصية لمانحها ،وأما الذي يعترض فيحرم منها سواء على مستوى الفرد او الجماعة . وسخرت هذه الاموال لتدوير الماكنة الاعلامية لتحقيق أهداف المجلس الشعبي الكلداني السرياني الاشوري وتحديدا للاحزاب الاشورية المنطوية تحت خيمة هذا المجلس دون غيرها .  وقد انتفع العديد من افراد شعبنا الذين هم آداة مسخرة لتنفيذ اجندات الممول،وما ثراءهم المفاجىء الا دليلا لذلك،ووهبت لرجال الدين الذين أيدوا الممول بتصرفاته واعماله،دون ان يكترثوا هؤلاء باهمية التعرف على مصدر هذه الاموال ومدى شرعيتها .
     ان الكتمان على مصدر هذه الاموال وكيفية التصرف بها ماهية الامحاولة للتغطية على المنافع الشخصية وما يجري وراء الكواليس من اعمال قد تورط القائمون بها في جرائم ذوي الياقات البيض لاستغلال نفوذهم السياسي وموقعهم الاداري.
         ان الوعي بطبيعة جرائم ذوي الياقات البيض من قبل قادة شعبنا الكلداني والاشوري والسرياني له اهميته القصوى وخصوصا وهم يعيشون الاوضاع االسياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية المتردية في العراق ولايزال المستقبل غامضا امامهم ،ففي مثل هذه الاوضاع تتكون الارضية الخصبة لنمو هذه الجرائم وبلورتها ويتورط بها العديد منهم طالما انهم على ارتباط مباشر أو غير مباشر مع القوى السياسية المتنفذة في المجتمع العراقي.

93
أيام النهضة الكلدانية
في السويد رسالة تاريخية واضحة
الدكتور عبدالله مرقس رابي
استاذ وباحث اكاديمي

          عقد في الفترة بين 15و19من الشهر الحالي تشرين الاول عام 2011 في عدة مدن من المملكة السويدية تحت شعار اجاد في اختياره القائمون للتحضير لتلك الايام الرائعة في تاريخ الكلدان هو(حقوق الانسان للشعب الكلداني والتكامل بين الشعب الكلداني وبلدان الانتشار) فهو شعار يترجم الى الواقع ابرز مقررات المؤتمر االكلداني الاول الذي عقد في سينديكو الامريكية في 30 من شهر نيسان الماضي.اذ اوصى ذلك المؤتمر على التأكيد لدراسة الوضع الحالي للشعب الكلداني في بلدان المهجر لكي يحقق التكامل والاستقرار في المجتمعات الجديدة و مع الارتباط بالتراث الكلداني والحفاظ على الهوية الكلدانية اينما يحل الكلدان .
        ومن متابعة نشاطات واحداث المؤتمر اثناء انعقاده ،وبالذات تلك المحاضرات التي القاها المطران( سرهد يوسب جمو) في اماكن مختلفة في المدن السويدية ،وما جاء الاساتذة المشاركون من تأكيدات في كلماتهم والاتصالات الرسمية للمؤتمرين ،وما تبع ذلك من حضور جماهيري يومي لجلسات المؤتمر،وروعة التنظيم الاداري لوقائعه ،يمكن ان نستخلص الى القول ان ايام هذا المؤتمر النهضوي هي رسالة واضحة وبينة رسخها المؤتمرون ووجهت لمستويات متعددة وابرز ما تتضمن هذه الرسالة التاريخية الاتي:
       اولا : انها اشارة الى كل المتآمرين على النيل من الهوية القومية للكلدن ،على ان الشعب الكلداني قادرمن نيل حقوقه في بلده الام وبلدان المهجر،وانه شعب عريق يتعامل مع الاوضاع والمتغيرات بفطنة وحكمة للتواصل في الحياة على مر العصور.
        ثانيا: رسالة واضحة الى الاساقفة والكهنة في الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية ،ان بمقدورهم المشاركة الفعالة والتعاون مع العلمانيين لنشر الوعي القومي الكلداني دون التلكؤ واتخاذ موقف اللامبالات من اهمية هذا الموضوع على المستوين الديني والقومي، أو بعضهم يقولون ولايفعلون .وعليهم الالتزام بموقف ثابت طالما انهم وقعوا على المذكرة التي تخص المفهوم القومي في اجتماعهم في مدينة عينكاوة سنة2005.
        ثالثا: تعد تلك الايام رسالة واضحة للجميع، ان الصوت الكلداني بامكانه ان يصل الى كل القنوات السياسية والمحافل والمنظمات الدولية التي تهيمن على القرارات السياسية وصناعتهاسس في عالم اليوم.
       رابعا: ولما كانت الهجرة من ابناء شعبنا الكلداني مستمرة من بلد الام الى بلدان المهجر وبازدياد مضطرد بحيث اصبح عددهم يزيد عن ما هو في داخل العراق لسوء الاوضاع العامة هناك، وتهميش هذا الشعب الاصيل في المشاركة في الحياة السياسية بشكل جدي تليق باصالته.وعليه كانت هذه النشاطات رسالة واضحة من النهضة الكلدانية على انها مهتمة بالاوضاع الاجتماعية والثقافية لكلدان المهجر لنيل حقوقهم الانسانية وتنظيم شؤونهم لكي يتحقق تكاملهم واستقرارهم و وتكيفهم في المجتمعات المستقبلة لهم للحفاظ على هويتهم القومية .
     خامسا :رسالة مهمة على ان مؤتمر النهضة الكلدانية يهتم ويدعم مواصلة اللغة الكلدانية سواء على المستوى الرسمي أو الاجتماعي عن طريق التنشئة الاجتماعية الاسرية التي لابديل عنها في تواصل الاجيال الكلدانية في تراثهم،لا كما يظن البعض بان المؤتمر قد يستغفل اهمية اللغة للوعي القومي الكلداني .
   سادسا: يوجه لنا المؤتمر رسالة واضحة بخصوص اهمية التعاون والتكاتف للمنظمات السياسية والمدنية للشعب الكلداني من اجل المساهمة في نهضة الكلدان .وما اتحاد الاندية الكلدانية في السويد ابرز مثال لهذا التعاون من اجل تحقيق اهداف الامة الكلدانية في العالم لتتخذ هذه التنظيمات خطوات متماثلة في كل البلدان وبالاخص في ولاية مشيكان الامريكية حيث اكبر تجمع كلداني في العالم.
    سابعا: بين المؤتمر امكانية وقدرة مثقفي الكلدان الاكادميين وغيرهم المساهمة في نشر الوعي القومي وايجاد سبل كفيلة للنهضة الكلدانية والتصدي لكل المؤآمرات التي تحيط بالشعب الكلداني.
  واخيرا نثمن ونفتخر بما قدمه الكلدان الاصلاء في السويد في مبادرتهم المكملة للمؤتمر الكلداني في سينديكو الامريكية،وما قدمه المطران سرهد جمو والكهنة والكتاب والاداريين من انشطة ثقافية وادارية كللت ايام المؤتمر بالنجاح لايصال المعلومة والرسالة.

94
معاناة المهاجرين
من الاختلاف في النظام الاجتماعي
الدكتور عبدالله مرقس رابي
بروفيسور في علم الاجتماع

                               يزداد سنة بعد اخرى عدد المهاجرين القادمين من البلدان النامية ذات الانظمة الاجتماعية المحافظة نسبيا في البلدان الغربية الصناعية. وقد تتباين الخصائص الشخصية والاجتماعية والثقافية لهؤلاء القادمين ،الامر الذي يؤدي الى الاختلاف في مسألة الاستقرار والتكامل مع المجتمع الجديد لوجود فرق شاسع في البناء القيمي والانظمة الاجتماعية واللوائح القانونية التي تنظم الحياة الاجتماعية والعلائقية بين افراد المجتمع.
    فهناك تباين في منظومة الاعراف والقيم والتقاليد الاجتماعية والسلوكيات اليومية التي تحددها تلك القيم التي تربى عليها الانسان .مما يخلق هذا التباين نوع من الازمات الاجتماعية وقد تتحول بعضها الى مشكلات اجتماعية عويصة يلجأ المهاجرون الى المحاكم لحلها .
   تشير الدراسات الاجتماعية في علم الاجتماع الى ان التنشئة الاجتماعية التي يتلقاها الفرد عن طريق الاسرة منذ لحظة الميلاد تنقل اليه النظم القيمية التي تحدد علاقاته مع غيره من الافراد ،وتصقل مواقفه واتجاهاته نحو الظواهر الاجتماعية .على سبيل المثال موقفه من حرية المرأة وموقفه من الظواهر الدينية والسياسية وعلاقات القرابة و الجيرة وتربية الابناء والازياء والمودة التي غالبا ما تكون من اهتمامات المرأة والابناء المراهقين في الاسرة .
    ويشمل تأثير عملية التنشئة الاجتماعية ايضا في تحديد السلوكيات اليومية للفرد،فهي التي تحدد سلوكيات استعمال المائدة ،وطبيعة المحادثة والمناقشة في امر ما ، فهي تحدد اداب الكلام بين افراد الاسرة الواحدة،والتعامل بين الصغير والكبير ،ولما كانت التنشئة الاجتماعية هي المسؤولة عن نقل اللغة الى الافراد فهي التي تحدد نبرة الكلام ونغمته .فمثلا نلاحظ ان التنشئة الاجتماعية في المجتمعات الشرقية تعود الفرد الكلام بنبرة صوتية عالية اثناء الحديث وهي طبيعية جدا في الحديث اليومي  ،بينما تلك النبرة التي اذا حصلت في المجتمعات الغربية بين الافراد  تؤول كأنما تهديد او شكوى وتذمر.
      لايقتصر الدور في المجتمعات النامية على الاسرة في تحديد التقاليد وسلوكيات الفرد بينما يتعدى هذا الدور الى النظام القرابي بدرجاته المختلفة ،بدأ بالمقربين جدا من اباء وامهات الزوجين والخوال والاعمام ،وثم العشيرة ،مثل تقديم المشورة في مسألة معينة ،ومساعدة الفرد في حل مشاكله الاجتماعية كالتي تظهر بين الزوجين او بين الاباء والابناء، والمساعدات المالية بدون مقابل .وقد تشمل تدخلات الاقرباء ايضا في مسألة اختيارشريك أو شريكة الحياة وخصوصا في المناطق الريفية .ولاغرابة ان الاقرباء يتدخلون في كل تفاصيل الفرد الحياتية في المجتمعات النامية.
      ويأتي نظام الجيرة والمجتمع المحلي بعد الاقرباء الاطار الذي يرتبط به الفرد ارتباطا وثيقا ،وقد تظهر حالات تبادل المشورات في حل المشاكل الاجتماعية والمساعدات المالية ،وتبادل الزيارات بدون موعد سابق محدد ،وقد يلم الجيران احيانا باسرار جيرانه بشكل طبيعي ودون اثارة اية مشكلة .وفي المجتمعات النامية يضطلع رجل الدين دورامهما في معالجة الازمات التي يعاني منها الفرد ,وقد يلجأ الزوجان مثلا اليه لحل الخلافات بينهما ،او يطلب منه تقديم النصائح للابناء الذين يشتكون منهم الاباء .
  ينقل المهاجر معه من البلدان النامية ما انطبع في عقليته واصبحت جزأ من شخصيته الى المجتمع الغربي المهاجر اليه ،فهو يعجز عن التخلص منها ويحتاج الى سنوات عديدة لكي يضعها وراءه ،وهذه المسألة بالطبع تتباين بحسب الخصائص الشخصية للافراد وفقا لمنظومة الفروق الفردية .وقد يأتي المهاجر الى البلدان الغربية دون معرفة سابقة بالعناصر الحضارية والنظم القانونية لهذه المجتمعات .وقد يصر البعض على التمسك بما حمله من مجتمعه الاصلي وحتى ان كانت على النقيض بما هو موجود في المجتمع الجديد،وعليه يحاول التصرف في ضوء قوانين وقيم وتقاليد بلده تلك التي لاتنسجم مع واقع الحياة الاجتماعية ووسائل الضبط الاجتماعي في المجتمع الجديد .
      فالمجتمع الغربي الصناعي يتميز في صقل شخصية الفرد بمفردات اجتماعية ذات مضمون مادي وفردي،فهناك لوائح التي تمنح حرية الفرد في ابداء رايه ،والتعبير عن مشاعره ،وكذلك اللوائح التي تمنح الحرية للمرأة وتحدد طبيعة العلاقة بين الزوجين من جهة وبقية افراد الاسرة من جهة اخرى ، مما تجعل من الفرد ان يعتمد على نفسه في العيش ومواجهة الحياة الاجتماعية ويبتعد فيها عن الوالدين والاقرباء وغيرهم ،وان حدثت الازمات بين الزوجين فيعتمد كل منهما على نفسه ويلجأ الى الطرق الرسمية لحلها بعيدا عن الاهل والاصدقاء .
      يخلق الاختلاف فيما يحمله الفرد من مجتمعه وما هو قائم في المجتمع الجديد من قيم وقوانين ازمات نفسية وصراعات شخصية تنتهي بمشكلات اجتماعية وقد تصل الى المحاكم الرسمية.انما قد تكون تلك المشاكل ساذجة لاتستوجب عرضها الى المحاكم لو تأمل الطرفان المتخاصمان بطبيعة العلاقة بينهما.ويؤثر هذا التباين القيمي في التنشئة الاجتماعية للابناء بطبيعة الحال.وكثيرا ما نرى وقوع مثل هذه الازمات بين الزوجين أو بين الاباء والابناء وذلك لاختلاف القواعد واللوائح القانونية التي تحدد العلاقة بينهما في المجتمع الجديد عن مجتمع القديم للمهاجر .   




95
محافظة سهل نينوى
لمصلحة من ؟

الدكتور :عبدالله مرقس رابي
استاذ وباحث اكاديمي

                              يتناول الاعلام في هذه الايام بمختلف وسائله قضية استحداث محافظة (سهل نينوى)،بعد ان بدأ ممثلي شعبنا الكلداني والاشوري والسرياني( المنتخبين بطرق ديمقراطية شاذة وفقا للممارسات الديمقراطية المدججة بالعنف والتخويف والوعيد للناخبين ،كما هو الحال في بلدان العالم الثالث).جولاتهم ومقابلاتهم لعرض القضية على قادة الكتل السياسية في العراق ،وثم قيام وفد منهم بمحاولات لكسب الرأي العام لشعبنا في المهجر .ولاهمية الموضوع احاول ان اتناول الموضوع وفقا لرؤية سوسيولوجية بعيدة عن التأثيرات الايديولوجية السياسية التي توقع الكاتب في مازق من التحيز والابتعاد عن الموضوعية .
     تناول الموضوع عدد من الكتاب من بينهم الرافضين والمؤيدين لاستحداث هذه المحافظة ،تأثرا منهم بفلسفة احزابهم أوتعبيرا عن آراءهم الشخصية .وقد شخصت مقال الاستاذ (حبيب تومي )الموسوم-المحافظة المسيحية المفترضة تحترق في اتون المصالح المتناقضة –انه يحتوي على طرح  موضوعي وقريب جدا من التحليل الاكاديمي من غيره- بينما  طرحت بعض الاراء وهي بعيدة عن التحليلات المنهجية وذلك يرجع  الى تطفل بعض الكتاب في اختصاصات علمية غير اختصاصاتهم- كما اكد على ذلك الاستاذ ليون برخو من قبل في احدى مقالاته-فعلى سبيل المثال حاول احدهم مقارنة التقسيم الاداري لبعض البلدان مثل الجزائر وسورية وغيرها دون المعرفة باساليب واسس التقسيمات الحضرية والريفية والتدرج في الوحدات الادارية لكل بلد . ان مثل هذا الموضوع يحتاج الى المختصين في التخطيط الحضري والاقليمي والاقتصاد والسكان والاجتماع والجغرافية لرفع توصية الى الجهات السياسية التنفيذية.
     ان موضوع استحداث محافظة سهل نينوى ليس وليد الساعة فهو امتداد لمطلب المجلس الشعبي الكلداني السرياني الاشوري الذي يتزعمه سركيس اغا جان بتأييد منقطع النظير من حكومة اقليم كوردستان،ذلك المطلب الذي دعى اليه المجلس المذكور هو الحكم الذاتي لشعبنا في مناطق تواجده .وبعد ان ثبت عدم تحقيق ذلك اتخذت الفكرة منحا اخرا وهو استحداث محافظة مسيحية بعد ان اطلق هذه التسمية جلال الطالباني رئيس الجمهورية العراقية وبالطبع بدون تفكير وتخطيط مسبق على اثر حادثة كنيسة سيدة النجاة في 21 تشرين الاول عام 2010 في بغداد .وبعد ان اكتشف المعنيون بالموضوع ان تسمية المحافظة المسيحية محاولة خاطئة لان المنطقة التي تشملها يتواجد فيها اقوام اخرى من غير المسيحين وهم المسلمون واليزيديون مما اضطروا الى تسميتها بمحافظة سهل نينوى.
        ان مسألة استحداث محافظة او سلطة اقليمية ممكنة في كل زمان ومكان اذا استدعت الظروف الموضوعية والموجبة لذلك.فاذا تطلب استقطاع جزء من اراضي محافظة ما لزيادة عدد السكان وعدم تمكن الحكومة المحلية من تغطية الخدمات الاقتصادية والامنية والاجتماعية والتعليمية والبنى التحتية لعموم المحافظة يستوجب ذلك اقتضاءا للمصلحة العامة .ولكن ماذا عن استحداث محافظة سهل نينوى ولمصلحة من ؟هل سيحقق الشعب الكلداني والسرياني والاشوري مصلحته ؟ام ستحقق مصالح اطراف اخرى؟للاجابة عن هذه الاسئلة ساتناول الموضوع منطلقا من المحكات الاتية:
اولا : الوضع الامني " استدعت الحالة الامنية السيئة في العراق الى التأكيد لانشاء منطقة آمنة للمسيحيين لكي لاتطالهم يد الارهاب .وتبلورت هذه الفكرة بعد تعرض الكنائس الى التفجيرات ،وقتل وتهجير بالتهديد للعوائل المسيحية ونشر الرعب والابتزاز بين المسيحين في انحاء مختلفة من العراق ،مما اضطرت اعداد ضخمة من العوائل المسيحية الى ترك اماكنها السكنية واللجوء الى دول الجوار أو الى اقليم كوردستان حيث الامان النسبي الذي يتمتع به هذا الاقليم .
ليس الوضع الامني مبررا كافيا لاستحداث هذه المحافظة ،وذلك لان جميع مكونات الشعب العراقي تتعرض الى قسوة الارهاب اليومي ،مما تستدعي الحالة الى سلطة قوية لضبط الامن لكي يشمل الجميع ،والتصميم لحماية المواطنين بدلا من الانشغال في توزيع الكراسي والصراع من أجل المال كأنما الحكومة في وادي والشعب في وادي آخر يحترق بلهيب الارهاب.وليست نتيجة الاستطلاع الذي اجرته مؤخرا مؤسسة( ريبوتايشن الامريكية) في اعتبار العراق مع شريكته ايران اسوأ بلد في العالم الا دليل على الانحطاط الفعلي للحكومة العراقية.
ثانيا :الدعم الكردي للمشروع"      تبنى هذه الفكرة المجلس الكلداني السرياني الاشوري الذي ابتدعته الحكومة الكوردية وساندته بحيث استطاع الاستحواذ على المقاعد البرلمانية في الحكومة المركزية واقليم كوردستان- بالطبع كما ذكرنا بالطريقة الديمقراطية المرافقة بالتهديد والتخويف والتزييف لافراد شعبنا وهذه الممارسات معروفة في كافة البلدان النامية فكيف في الحالة االسياسية الشاذة في العراق؟
   ولما كان هذا المجلس من ابتكار الكورد فاذا الفكرة لاستحداث المحافظة هي فكرة كوردية خالصة،بدليل الحماس والدعم الواضحين في تصريحات المسؤولين الكورد في كل المناسبات لهذا المشروع،ولعل الاجتماع الاخير لاحزاب منطقة اقليم كوردستان وترأسه الحزب الديمقراطي الكوردستاني في تلكيف مؤخرا اشارة واضحة للدعم الكوردي للمشروع  ،والا لماذا لم تبد المحاولة جهة اخرى غير كوردية لطرح الموضوع؟  ولماذا ياترى اخذت الحكومة الكوردية بزمام المبادرة ؟ان الجواب واضح جدا من متابعة الاوضاع السياسية والتغيرات في المنطقة وطروحات الحكومة الكوردية ،ولعل يأتي عامل العبور الجغرافي سببا اساسيا ،والمقصود به تمديد جغرافية الاقليم لضم الاراضي التي تطالب بها حكومة الاقليم من محافظة نينوى ،ومما يدعم قولنا ان الكل على علم ان اساس الفكرة هي قيام منطقة حكم ذاتي للمسيحيين والحاقها باقليم كوردستان .وثانيا تحاول حكومة كوردستان استغلال هذه المواقف ذات المدلول الانساني في كسب الرأي العالمي انها حكومة مانحة لحقوق الانسان بكل مفرداتها للتهيئة في بناء مقومات الدولة الكوردية ومن اهمها لكي تنال مكانتها بين دول العالم الغربي هي مسألة ضمان حقوق الانسان.
   فاذن اصبحت مسألة استحداث محافظة سهل نينوى ورقة عمل كوردية لكسب اللعبة السياسية.ولكن لو كانت الحكومة الكردية صادقة في  محاولتها هذه لتبدأ اولا وضع حدا لتجاوزاتها ضد الكلدان تلك التي تمثل التجاوزات على القرى الكلدانية على امتداد الاقليم والتجاوز على المفاهيم القومية للشعب الكلداني ،وثم لماذا لاتمتد المحافظة لتشمل قضاء زاخو والشريط الحدودي لمحافظة دهوك وصولا الى العمادية حيث انتشار القرى والبلدات الكلدانية قبل ظهور الاكراد في المنطقة وما الاطلال الاثرية والمكتشفات واسما ء القرى خير دليل لذلك.
ثالثا :محك التواجد التاريخي للمسيحيين في المنطقة " يعد هذا العامل مبررا يتمسك به القائمون علىاستحداث المحافظة الامنة ,فعلا يتواجد الكلدان والسريان وقليل من الاشوريين المعاصرين في هذه المنطقة ،ولكن الشعب الكلداني كان منتشرا في بلاد النهرين قبل توافد العرب والكرد والتركمان والشبك وغيرهم بآلاف السنين.وعليه يعد العراق بلده ولم يفكر الكلداني يوما ما بان تحدد له منطقة ما ليتواجد فيها .بل عاش مع مكونات الشعب العراقي متفاعلا ومتكيفا مع الحضارات التي تلت بعد سقوط الدولة الكلدانية ومنسجما لمختلف الاوضاع السياسية والاجتماعية . فاذا الخيار ليس لهم بل مفروض عليهم من الجهات التي ترى انها ستحقق مصالحها من تأسيس المحافظة .
رابعا: مبرر القضاء على البطالة بين ابناء شعبنا والحد من الهجرة: لاتحتاج المسألة الى تحليل مطول عن مدى قضاء عملية استحداث المحافظة على البطالة والهجرة بين ابناء شعبنا الكلداني والسرياني والاشوري،وذلك بدليل ان البطالة بين افراد المجتمع العراقي بحسب وزارة التخطيط مؤخرا تتراوح بين 40%و60%فعلا انها نسبة مفزعة واما البطالة في الاقليم فهي 14% طبعا المعلن عنها. ستكون المحافظة مرتبطة بالحكومة المركزية ،والاخيرة لاتتمكن من القضاء على هاتين الظاهرتين فكيف ستحصل المعجزة ويتم القضاء عليها في محافظتنا ؟ ومهما بلغت مشاريع التنمية فيها فلا تستطيع الحد من البطالة طالما ان المحافظة مرتبطة تمويلا وتخطيطا بالوضع العام في العراق .
        اما عن الهجرة ،فالموضوع يحتاج الى بحث مطول وعليه اكتفي القول :ان الدلائل تشير ان القرى والبلدات الكلدانية التي تقع ضمن منطقة اقليم كوردستان التي تمتاز بوضع امني فرغت نسبيا من سكانها ،لماذا ياترى؟ممايدل ان ظاهرة الهجرة ترتبط بعوامل متعددة وليس عامل الوضع الامني فحسب فهناك العوامل الجاذبة في البلدان المستقبلة للمهاجرين تدفع بهم لترك اوطانهم وهي متعددة منها على سبيل المثال حرية الرأي ،الديمقراطية الحقيقية ،التسهيلات اليومية ،والراحة النفسية والجسدية التي تمنحها التكنولوجية الحديثة للافراد علاوة على الشمل العائلي والقائمة طويلة .وهذا لايعني عندما تستحدث محافظة ستقضي على هذه العوامل لكي تحد من الهجرة ،انما قد تستجد عوامل اخرى تدفع بالافراد الى مغادرة محافظتهم.
   خامسا :مبرر تطوير الخدمات العامة والارتكازية التي تفتقر اليها المنطقة.لاتحتاج ايضا هذه المسألة الى نقاش مطول ،بل الذي اكتفي قوله هل يتمتع المواطن العراقي من جنوبه والى شماله بمياه شرب صالحة والكهرباء والمجاري والتنظيف البيئي والصحة العامة على مدار الساعة ؟لكي يكون استحداث المحافظة عاملا للقضاء عليها ،هذا غير وارد الا اذا كان لدى الاداريين وقادتها العصا السحرية ليكونوا منها (جمهورية افلاطون)أو(المدينة الفاضلة )كما وضعها الفارابي.وهذه لاتتحقق الا في خيال وتفكير الفلاسفةفقط.
    ليست المسالة ان نكون ضد أو مع استحداث محافظة سهل نينوى لان كل فرد منا يتمنى ذلك اليوم الذي يكون لشعبنا دولة وليس محافظة لكي يكون هوسيد الموقف ولا الخضوع ،لتستحدث هذه المحافظة سواء برغبة سكان المنطقة ،أو قسريا من اصحاب النفوذ أوضمن المخطط الامريكي لتجزئة العراق،وهنا لااحد بمقدوره الردع. ولكن ماذا نتوقع لمستقبل الوضع العام فيها ؟ ساحاول هنا تسليط الضوء على اهم الاثار السلبية المتوقعة في ضوء المعطيات السياسية والاجتماعية .
اولا:الصراع الاثني بين مكونات شعبنا: من المعروف لكل من يتابع اخبار احزابنا السياسية الكلدانية والسريانية والاشورية انها لاتعترف اعترافا قوميا ببعضها البعض وتظهر جلية هذه الحالة عند الاشوريين المعاصرين اكثر من غيرهم .واما الكلدان والسريان فهما اكثر قبولا للاخر فيما اذا ظهر من الاشوريين نفس المشاعر .لكن وكما اكدت في عدة مقالات لي لايمكن ان تركن هذه الفئات الاثنية يوما ما الى التوافق والتكيف مع بعضها بالاعتراف المتبادل لانها اصبحت امرا واقعيا.ولعل اخر مقابلة مع ابرز قادة الاشوريين في القناة البغدادية يونادم كنا في برنامج سحور سياسي في 11آب 2011 ، يقول في اجابته لسؤال مقدم البرنامج من هم الكلدان ؟ان كل اشوري دخل الى المذهب الكاثوليكي سمي كلداني.ويطلعك احد الكتاب الاشوريين ليقول نعم لمحافظة سهل نينوى،فهي خطوة لتحرير اشور!!! امثلة حديثة جدا عن هذا الموضوع .فاذن من المتوقع عدم التكيف لهذه الاثنيات مع بعضها شعبيا وسياسيا لان الاكثرية في المنطقة هم من السريان والكلدان واما لاشوريين فهم القلة وعليه سيثيرون المشاكل لغرض اثبات وجودهم .
 ثانيا: الصراع المتوقع مع الاثنيات الاخرى" اثناء تحضيري لاطروحة الدكتوراة سنة1993عن التحضر في مدينة الموصل تبين بان محافظة نينوى تمتاز بتباين سكاني كبير اذ ان درجة التجانس فيها لاتزيدعن 10%فقط وهذا ما توصل اليه احد زملائي التدريسيين في جامعة الموصل الاستاذ موفق ويسي في دراسة انثروبولوجية للمحافظة .مما يشير ذلك الى ان مثل هذه المناطق تكون اكثر البيئات البشرية مضطربة وساخنة في احداثها ،وخصوصا عندما تضعف سيادة القانون وضعف الدولة .وكما هو معلوم  لاتوجد فترة في التاريخ المعاصر للعراق اكثر ضعفا في القانون من المرحلة الحالية .
  يؤيد بعض من اليزيدين الموالين للحكومة الكردية والشبك الشيعة قيام هذه المحافظة ،لكن هل سيتكيفون مع المسيحيين في ادارتها الم يتصارع الجميع للاستحواض على السلطة والسيادة والمصالح؟فاذن قد يكون المردود سلبي على شعبنا اكثر بوجود المحافظة من عدمها .
 ثالثا:استمرارية تعرض المسيحيين في المناطق الاخرى من العراق الى الاضطهاد"بالطبع سيمكث المسيحيون في مناطق سكناهم من أجزاء العراق الاخرى ،ولكن قد يتعرضوا للاضطهاد اكثر،لان المحافظة المستحدثة ستكون ذريعة بيد الارهابيين لدفع ابناءشعبنا الى ترك مناطق سكناهم عنوة ومن سيرفض فمصيره الموت.
 رابعا: استمرارية البطالة والهجرة بين ابناء شعبنا " كما هو معروف ان المنطقة المعدة لاستحداث المحافظة هي منطقة زراعية برمتها ،فلو حدثت جدلا التنمية الاقتصادية وانشأت المصانع وتوسع العمران ،كل ذلك سيكون على حساب المناطق الزراعية التي تؤثر سلبا على عموم السكان فيها لان الزراعة هي المصدر الاساسي للمعيشة لاغلبية السكان ,ومن ناحية اخرى لو افترضنا جدلا انها اصبحت منطقة تزهو بالامان والسلام ،ستصبح منطقة جذب المسيحيين وبل الشبك واليزيديين والكرد من مناطق اخرى من العراق ،وهنا سيحدث خلل في معادلة التوازن البيئي بحسب نظرية (مالثوس السكانية )،اي زيادة عدد السكان عن المصادر الطبيعية في البقعة الجغرافية،وعليه ستكون هذه العوامل مصدرا للبطالة ثم التفكير بالهجرة.
خامسا :ان المنطقة المشمولة هي منطقة التنازع بين الاكراد والحكومة المركزية ،وهنا نكون قد وضعنا شعبنا في مأزق اكثر خطورة ، وفي محرقة يصعب اطفاء نارها . ومما هو مؤكد ان فكرة انشاء المحافظة هي فكرة كردية خالصة ،سيؤول ذلك الى فرض من الحكومة الكردية على ادارتها ان تطالب بضمها الى اقليم كوردستان وهنا تكون قد تحققت الاهداف الكبرى للحكومة الكردية وهذا هو الجواب على تساؤل الدراسة هذه.ولكن حينها ستزداد قسوة العرب على سكان المحافظة .
وخلاصة القول نتمنى وجود منطقة آمنة لشعبنا الكلداني والسرياني والاشوري تحت اية تسمية ادارية ولكن بعيدة عن التأثيرات السياسية واتمنى ان تكون هذه الدراسة قد توصلت الى افكار يقتدي بها القادة غير الاختصاصيين من ابناء شعبنا لكي يتجنبوا من الوقوع في المخاطر وتشتيت ما تبقى من شعبنا في العراق لاجل اشباع مصالحهم الشخصية فحسب والتروي والتأني في التفكير في مثل هذ المشروع.       
 
             
                       
 
       

96
ظواهر لابد الاشارة اليها
عند بعض رجال الدين
الدكتور عبدالله مرقس رابي
بروفيسور في علم الاجتماع

        تعد المؤسسة الدينية احدى اهم المؤسسات الاجتماعية التي يتناولها علماء الاجتماع في دراساتهم وبحوثهم العلمية في ميدان علم الاجتماع الديني ،لانها تشكل جزأ مهما من البناء الاجتماعي للمجتمع البشري بمختلف مستوياته وانماطه.وهي مرتبطة بتبادل تأثيري مع المؤسسات الاخرى التي يتكون منها البناء الاجتماعي،كالمؤسسة السياسية والتعليمية والاقتصادية والعسكرية والاعلامية وغيرها .وقد اعتمد هذا التأثير المتبادل في قوته وشكله ونتائجه على المرحلة الحضارية للمجتمع ،اذ قديما كان لها التأثير العميق في المؤسسات السياسية وفي كل نواحي الحياة الاجتماعية والاقتصادية ،وظل هذا التأثير العميق واضح في المراحل التاريخية للمجتمع البشري حتى بوادر ظهور النهضة الفكرية والثورة التكنولوجية  في بداية القرن السابع عشر في اوروبا،والى سقوط الدولة العثمانية في نهاية الحرب العالمية الاولى 1918 في الشرق .
     استمدت المؤسسة الدينية وفقا للتحليل السسيولوجي قوتها التأثيرية على المؤسسات الاخرى وعلى افراد المجتمع البشري بصورة عامة من عاملين اساسيين هما :اولا نزعة الخوف من المجهول بعد الموت عند البشر،وبما انها اي المؤسسة الدينية هي التي تولت مهمة الفلسفة الفكرية لربط الانسان بالخالق منذ نشأة المجتمع البشري،وعلى اثرها تكونت العقائد الدينية وتنوعت في صيغتها وعناصرها زمانيا ومكانيا .وعلى هذا الاساس يخضع الانسان للتعاليم الدينية لكي يشعر بالاطمئنان بعد الموت.وثانيا استمدت تأثيرها من مبدأ التفويض الالهي الذي تبلورت فكرته منذ نشأة البشرية ،وقد اختلقته المؤسسة الدينية لمسؤوليها لديمومة شرعية السلطة باعتبارهم وكلاء الخالق على الارض،وتتجلى هذه الفكرة في كل المؤسسات الدينية قديما وحديثا ،في الاديان الوثنية والسماوية .
     يتولى مهام المؤسسة الدينية اشخاص اعدوا تربويا وفكريا لهذا الغرض وتطلق عليهم تسميات مختلفة في المجتمعات البشرية منها :الشامان والساحر والكاهن اوالشيخ وعالم الدين اورجل الدين في المجتمعات البدائية القديمة و المعاصرة  وتختلف التسميات بحسب مرتباتهم ووظائفهم الهرمية.كان لهؤلاء الدور الكبير في المجتمعات التقليدية والبسيطة في تأثيراتهم الاجتماعية والسياسية على افراد المجتمع ،بل كانوا الطبقة المتعلمة والمتنفذة الى جانب قصور الامبراطوريات والدول واصحاب السلطة بانواعها البسيطة والمعقدة .وبمرور الزمن تقلص نفوذهم ودورهم امام التقدم الفكري والنهضة المعرفية في عموم العالم، وبالاخص بعد ان توفرت الفرص لابناء كل الطبقات الاجتماعية لكي يتلقوا تعليمهم واكتسابهم مختلف انواع المعرفة التي بواسطتها تمكنوا من تجاوز معارف رجال الدين والتفوق عليهم.
       ولكن لايزال العديد من افراد المجتمع البسطاء وبالذات في المجتمعات النامية التقليدية ينظرون الى رجل الدين بنفس المعاييرالسابقة ،وعليه يكون تأثيرهم اي رجال الدين على مجتمعاتهم اكثر مما هو في البلدان المتقدمة .ومن جهة اخرى بدأت المؤسسة الدينية بتطوير الراغبين من الدخول في هذا المسلك باعدادهم فكريا بمختلف انواع المعرفة الى جانب الاعداد اللاهوتي،مثل الفلسفة وعلم الاجتماع وعلم النفس وغيرها من العلوم الاجتماعية التي تكسبهم خبرة للتغيرات الاجتماعية في المجتمع البشري وقد لاحظت مثل هذا التنوع في المناهج الاكاديميةاثناء تدريسي في اكليريكية السريان الارثودكس في الثمانينات من القرن الماضي.
       بعد هذه المقدمة عن المؤسسة الدينية بصورة عامة ساتناول تلك المؤسسة الدينية التي تهمني هي المؤسسة الدينية الكلدانية الكاثوليكية لانتمائي اليها مؤمنا بما تمليها من عقائد ثيولوجية لانني عشت ونشأت منذالصغر ومحاط بها ومحتك فيما بعد بكهنتها واساقفتها وحرصا على ديمومتها ورفع شأنها لابد من خدمة هذه المؤسسة ولكن باسلوب علمي معتمد على الاسس المنهجية في التحليل للمؤسسات الاجتماعية والمؤسسة الدينية واحدة منها ،والذي يهمني هو تحليل سلوكيات ومواقف من يتولى ادارتها وليس العقيدة التي تتبناها،أو تاريخها لان ذلك ليس من اختصاصي .
      ليست هذه المحاولة  التحليلية هي مجرد معلومات سمعتها من هذا وذاك التي تقال في المجالس الاجتماعية للمؤمنين اليومية لكي يعبروا عن تذمرهم وعدم رضاهم من سلوك الكاهن او الاسقف ،بل هي رؤية تحليلية لمواقف وسلوكيات وانشطة وكتابات وتصريحات رجال الدين لمدة تصل الى 30 سنة من متابعة مبرمجة .
     لايوجد اختلاف بين رجل الدين وغيره من العلمانيين لانه كائن بشري له دوافعه  الموروثة ،ولايعني دخوله الى السلك الكهنوتي تغيرت تلك الدوافع واصبحت مثالية لتميزه عن غيره،بل تبقى تلك الموروثات والتنشئة الاجتماعية التي يتلقاها من اسرته منذ صغره جلية في تصرفاته وذلك اعتمادا عى تحليل بسيط في شكله و لكن عميق في مضمونه وهو:كل من يدخل الى السلك الكهنوتي يخضع الى جملة من التأثيرات الدينية التي تعد عاملا اومتغيرا مستقلا وسلوكه هو المتغير المعتمد ،فلو استبعدنا متغير الدوافع والتنشئة الاجتماعية عن المعادلة هذه تكون النتيجة:كل رجال الدين من نمط سلوكي واحد،ولكن هذه النتيجة لم ولن تحصل ابدا وفقا لمبدأ الفروق الفردية .
      من متابعتي لمواقف وسلوكيات رجال الدين في مؤسستنا الدينية (وهنا اقصد برجل الدين كافة المراتب الاكليروس من الكهنة والاساقفة والبطاركة)شخصت بعض المظاهر التي تكاد ان تكون عامة في كل المؤسسات الدينية وبدرجات متباينة ولكن كما قلت  لايهمني الا مؤسستي الدينية ،والنتائج التي توصلت اليها لايمكن تعميمها على كافة رجال الدين بل المسألة نسبية وليست مطلقة :
 اولا : النقص المعرفي لدى اغلب رجال الدين مما ادى الى التلكؤ في مواصلة التغيرات الفكرية والاخص منهم الجيل الاول           ويرجع السبب في ذلك الى طبيعة المناهج الدراسية التي خضعوا اليها اثناء اعدادهم للسلك الكهنوتي ،اذ من مراجعتي لمناهج بعض المعاهد وجدت ان المواد الدراسية تركز على المواضيع الدينية لدرجة الاهمال لحقول المعرفة الاخرى التي تهمهم في حياتهم الكهنوتية العملية مثل علم النفس والاجتماع والاننثروبولوجية والادارة والقانون والتاريخ والاديان المقارن تلك الحقول المعرفية التي تزودهم بمعلومات علمية في مجالات متعددة تخص البشرية.
 وقد شخصت بعض المشكلات الاجتماعية لبعض الافراد قد راجعوا رجال الدين لحلها ولكن النتيجة كانت تفاقم المشكلة اكثر وقد مرت لدي حالات متعددة من هذا النمط،، وفي اصغائي لمحاضرات ومواعظ  بعض رجال الدين لاحظت انها تحتوي على اخطاء جسيمةعند تحدثهم عن مواضيع تربوية واجتماعية لان غالبا ما يكون تحليلهم للظاهرة من منطلق البعد الواحد وهذا غير مقبول في فلسفة العلوم الاجتماعية والتربوية .فلو كان ملما رجل الدين بالمجالات المتعددة لحقول المعرفة ليوجه صاحب المشكلة الى المختصين لا ان يزيدها تفاقما .وقد ترجع هذه الظاهرة الى نظرة رجال الدين لانفسهم ونظرة العديد من الافراد على ان الكاهن هو الادرى وان ما ينطق به هو الاصح وهذه متراكمة في ذهن رجال الدين والافراد تاريخيا منذ ان كان الكاهن الاكثر معرفة في مجتمعه المحلي،ولكن يجهل بانه يعيش حاليا في مجتمع وفر الفرص التعليمية للجميع واصبح هو متخلفا نسبة الى العديد من افراد المجتمع .
    وفي حديث جرى مع احد الاساقفة من كبار السن قبل سنوات حول موضوع ما وتحديدا حول مريم العذراء فقلت له في سياق الحديث ان مريم العذراء مذكورة في القرآن عشرات المرات ،فتفاجىء المطران وقال:ولما تذكر مريم العذراء في القرآن وما المناسبة؟ ،وقلت سيدنا هل قرأت القرآن ،فاجابني لا لماذا اقراه .فقلت فكيف اذا تعرف عن مايحتويه وغيره من الكتب، والامثلة من هذا النمط متعددة لامجال لذكرها .
ثانيا:عدم وعي معظم رجال الدين في الكنيسة الكلدانية للمفهوم القومي .
ترتبط هذه الظاهرة بالمسألة اولا اعلاه، ويرجع السبب الى عدم وجود مادة التاريخ والدراسات الاجتماعية في المعاهد الدينية التابعة للبطريركية الكلدانية ،وعدم الاكتراث بما يكتبونه الكتاب العلمانيين حول الموضوع بسبب عقدة الشطارة،اي عقدة (التفوق على غيرهم) التي يعانون منها.وعليه ان مسألة توحيد التوجه نحو هذه الظاهرة امر ضروري وملح في الفترة الراهنة لكي يظل الترابط بين الكنيسة والشعب اكثرتجاذبا وتنسيقا.وبالرغم من تأكيدات بعض الاساقفة والكهنة وفي مقدمتهم المطران( سرهد جمو) في كتاباتهم ودراساتهم ،الا ان الاغلبية لا يشعرون باهمية هذا الموضوع وعلى الاقل في ظل الاوضاع السائدة في عراق الطوائف والقوميات .صحيح قد يعترض البعض ويقول هذا ليس من واجب رجل الدين واختصاصه ،ولكن مثلما ينتمي رجل الدين الى طائفة دينية معينة فهو ينتمي الى مجموعة بشرية لها لغتها وتاريخها وتراثها الاجتماعي .ولم تكن عملية الحد من تلاوة الصلوات والقداديس في الكنيسة الرومانية باللغة اللاتينية الا شعورا من الفاتيكان باهمية تبديلها باللغات القومية المحلية التي تجعل من الانسان اكثر انسجاما وارتباطا بالمؤسسة الدينية .اذ ان اللغة ومايترتب عنها من انتماء قومي حالة طبيعية يعتزبها الفرد مهما توصل الى رقي حضاري انساني فهي ظاهرة تلازم الفرد مثلما تلازمه ظاهرة الدين .
 ثالثا: تأثرهم بالنزعة الجغرافية:
   والمقصود هنا بالنزعة الجغرافية ميل رجل الدين الى اختيار مواقفه نحو الظواهر المختلفة اعتمادا على انتمائه المناطقي ،قريته اوبلدته اومدينته .وقد اصبحت جلية للشعب ان العلاقات القائمة بين رجال الدين مبنية على اساس هذا الانتماء لدرجة اصبحت هذه النزعة تؤثر في عملية اتخاذ القرارت في المجمع السينودسي الذي يعقد بين فترة واخرى ،لابل قسمت اساقفتنا في الفترة الاخيرة الى قسمين مطارنة الشمال ومطارنة السهل.وقد بات واضحا امام الجميع ان النزعة الجغرافية تؤثر في عملية اختيار وترشيح الكهنة لرتبة المطران وبالاخص للابرشيات الخارجية .مما تسبب هذه الحالة في اختيار كهنة غير مؤهلين لرتبة المطران وفي المقابل يتراوح الكاهن المؤهل في مكانه.ويظهر ايضا ان عدم محاسبة الكهنة على بعض التصرفات التي لاتليق بمكانتهم تعتمد على هذا المبدأ غير العادل .
   رابعا: دافع التملك المفرط عند البعض:
      ان غريزة التملك حالة طبيعية عند البشر، ولكن تتباين بين الافراد من تطرف سالب الى تطرف موجب والمتوسط المعتدل يحتل مسافة بين القطبين السالب والموجب ، وبما ان رجل الدين كائن اجتماعي له دوافعه الطبيعية، وعليه لابد ان يتكون عنده دافع التملك معتمدا على الاستعداد الوراثي او التنشئة الاجتماعية التي اكتسبها من اسرته قبل الالتحاق بالسلك الكهنوتي.وعليه ياترى هل يستطيع رجل الدين الذي له دافع التملك الجامح من كبحه؟بالطبع لا وهذا مانلاحظه عند بعض من رجال الدين .وقد تكون الرغبة عنده لجمع المال مبررا لضمان مستقبله اثناء الشيخوخة وتقاعده .نعم الحق معه لكن لويتمكن من الاعتدال في دافعه هذا سيكون الافضل .ويكون الحق مع رجل الدين في جمع المال لوكان مسؤولا عن عائلة لكي يضمن لهم حياة اجتماعية سليمة .واذا افرط رجل الدين في حبه للمال سيكون عاملا للتركيز عليه بدلا من اداء رسالته اي سينشغل بادارة المال ويعطي له الاولوية في اجندته (فحيث يكون كنزك،هناك ايضا يكون قلبك)انجيل متى اصحاح16 :21 .
    يعد موقف رجل الدين من المال عاملا مثيرا لتحديد موقف العلمانيين منه، فالكاهن الذي يكتفي بكفافنا يومنا يكون كبيرا في نظر المؤمنين وقدوة لهم ومثار اعجاب، وفعلا تركوا بعضهم انطباعا مثيرا للاعجاب كما فعل البطريرك (بولس شيخو) الذي توفي ولم يترك مالا ،وكل من يعرف القس( اوغسطين صادق) من أهالي دهوك ٍفهو على علم انه توفي ولم يترك فلسا في جعبته. وهو الذي رد على الدولة عندما منحته سيارة خاصة وقال لااريدها لي،بل لتكن سيارة لنقل تلاميذ التعليم المسيحي وهذا ما حدث فعلا،وتوفي الخوري( هرمزالصنا) من أهالي القوش وينفق أخوه (شمعون ) على  أدويته ورعايته الصحية ابان الحصار الاقتصادي في الموصل .وهناك فرق كبير بين منزلة هؤلاء في عيون الناس والذين يتركون اموالا وتصبح علة لصراع الاخوة.ولعله اخطر واكثر اثارة لمشاعر المؤمنين هي الظاهرة التي برزت مؤخرا لتمجيد مؤسس المجلس الشعبي على حساب قضايا الامة الكلدانية وذلك للسخاء اللامحدود الذي كرم بعض رجال الدين من قبله عربونا لتأييده المجلس سواء كان على خطأ في طروحاته اوصحيح. وكم بالاحرى ستكون منزلة رجل الدين الذي يوقف امواله لتصرف على الفقراء والكنيسة،بالطبع سيكبر عند العامة ويكون مثلا للقداسة . 
خامسا :سوء الادارة في مؤسستنا الدينية :
  ترجع اسباب التلكؤ الاداري الى عوامل اساسية اهمها :
1-:  سيطرة النزعة الفردية عند اغلب رجال الدين اذ يميل اغلبهم الى المفاهيم الدكتاتورية في تعاملهم مع افراد المؤسسة الدينية الاخرين والمعروفين (العلمانيين)وهذه النزعة متأصلة في النظام العقلي لهم بسبب التعاليم الدينية التي تؤكد على انهم وكلاء المسيح على الارض ،ومما هوجدير بالذكر ووفقا للدراسات الانثروبولوجية ان رجال الدين في كل الاديان لهم هذا التصور فالكل هم وكلاء الخالق بدأ من الوثنية القديمة وحتى المجتمعات الطوطمية المنتشرة حاليا في العالم والى الديانات السماوية .وان كانت هذه الوكالة اومبدأ التفويض الالهي يشمل كل تفاصيل الحياة في الاديان غير المسيحية ،انما اعتقد في المسيحية تشمل على تأدية الاسرار الكنسية المعروفة بحيث لايستطيع أحد من العلمانيين تأديتها، وان شؤون الحياة العامة الاخرى لايمكنهم البت فيها وتترك لاهل الاختصاص.ويبدو من ملاحظاتنا ان رجل الدين يعتبرالكنيسة ملكا له متجاهلا ان تلك الكنيسة بنيت بسواعد افراد المؤسسة الدينية ،فهو الذي يقرر بيعها ،ويقرر تأثيثها والى ابعد من ذلك اذا تتطلب الامر نقله الى كنيسة أخرى يمانع بحجة انه الذي أسس الكنيسة ولايمكن تسليمها لغيره.-الامثلة على هذه التصرفات والمواقف عديدة ولكن لاحاجة لذكرها فهي معروفة للكل- .وتسسب هذه النزعة الفردية التحكم الفردي في أموال الكنيسة تلك الاموال التي هي التبرعات المختلفة لافراد المؤسسة الدينية.وان أغلبهم على جهالة بالاسس العلمية والادارية والفنية المهنية في الشؤون المالية التي تتطلب هذه الايام دراية ودقة في التصرف كنفقات وايرادات .وان حجب التفاصيل المالية عن الافراد ماهي الا ظاهرة سوء التصرف وانبهار النزعة الفردية له ،تلك الظاهرة التي تفقد الثقة برجل الدين واساءة العلاقة بينهم.ومما يذكر وجود مجالس الابرشيات او الخورنات لكن الاغلبية منها عديمة المسوؤلية ولايمكنها ان يبدي اعضاؤها الرأي ،بل انها شكلية ومسيرة وفق رغبات رجال الدين .
2-: فقدان السلطة المركزية .تمتاز المؤسسة الدينية الكلدانية الكاثوليكية ضعفا في الاداء الاداري بسسب عدم وجود قدرة اوسلطة مركزية من الرئاسة البطريركية وهي تبدو كما وصفها المطران (لويس ساكو )في مقابلة معه مؤخرا من قبل موقع كلدان اوربا انها(حارة كل من ايدو الو)فعلا تعاني مؤسستنا هذه الايام بفقدان المركزية والضبط العملي والاداري، ومن مظاهر هذا الضعف :
التسيب من قبل الكهنة في التسرب من ابرشية الى اخرى دون الاستئذان من المافوق ،كثيرا ما يسافر الكاهن الى خارج العراق لقضاء اجازته او لزيارة اقربائه والا يفاجيء الجميع بعدم رجوعه وتصميمه على البقاء في ابرشية اخرى .ومن المظاهر الاخرى اصدار الاساقفة تعليمات ادارية او مالية لتنظيم ابرشياتهم باستقلالية دون الرجوع الى الرئاسة البطريركية وكانما كل ابرشية هي امبراطورية مستقلة لايربطها مع غيرها شيء سوى العقيدة.
 (كنت جالسا في احد الايام مع كاهن صديق وكان يتحدث تلفونيا مع رئيس ابرشيته حول موضوع حصول الموافقة لرسامة احد شمامسته لتبة الشماس الانجيلي فرد المطران بعدم الموافقة فذكره الكاهن باقدام المطران الفلاني لرسامة شمامسة انجيليين ،وردعليه هو يرسم ولكن انا لا).وفي اثناء زيارتي لاحد الاساقفة في مكتبه رايته منفعلا ومرتبكا جدا ،سألته عن السبب،واجابني "الا رأيته وهو نازل القس الفلاني ،وقلت نعم ومابه واجابني :يقول لي اذا لم تسمح  بنقلي الى بغداد سأترك العمل الكهنوتي واعطيك ملابسي ،وفعلا بدأ ذلك الكاهن عمله في احدى كنائس بغداد ولم نعرف باية طريقة  !!!
  ومن المظاهر الاخرى ،عدم وجود تنسيق في تنظيم شوؤن الخورنات اذ لكل منها قواعد خاصة مكتوبة اوغير مكتوبة تختلف عن غيرها ،وبعض الاساقفة او الكهنة لايعترفون بتشكيل لجان اومجالس لادارة شوؤن الابرشية او الخورنة،بل ما يقرره الكاهن او الاسقف هو الفيصل في القضايا المختلفة.وكثيرا ما نرى الاختلافات في المسائل الطقسية ،فهناك اختلاف في فقرات القداس ،في اتمام سر الزواج ومراسيم الاسرار الكنسية الاخرى وما شابه ذلك.
وقد ادى هذا الضعف الى بروز ظاهرة اتخاذ القرار الفردي لرجل الدين كاهنا او اسقفا في تحديد موقفه من الانشطة السياسية وتكوين العلاقة مع المؤسسات المجتمعية الاخرى والفردية ايضا في التصريحات الصحفية الاعلامية بحيث قد يحدث احيانا التناقض في تصريحاتهم نحو الظواهر العامة في المجتمع ،ومن الامثلة على ذلك الاختلاف في المواقف الفردية بينهم تجاه المفاهيم القومية فمنهم من يؤكد على المفهوم القومي الكلداني وبعض الاخر يتخذ موقف اللامبالات واخرين يرفضون ويهملون التأكيد على ذلك ومنهم محايدين تجاه القضية .ومن المظاهر المهمة عن هذا الموضوع هو انقسامهم الى مؤيد ورافض ومحايد تجاه التسمية المركبة التي فرضت على شعبنا الكلداني والسرياني والاشوري، اذ نرىبعضهم ينقادون وراء المجلس الشعبي الكلداني والسرياني والاشوري غير مكترثين للاثار التي تركها هذا المجلس على عموم الكلدان .
3-:عدم وجود المركزية في تنظيم اموال المؤسسة الدينية :
تعاني المؤسسة الدينية الكلدانية الكاثوليكية من سوء التنظيم والتنسيق  المالي ،اذ يلاحظ ان اموال الخورنة والابرشية تنظم كأنما هي دولة مستقلة عن الرئاسة البطريركية والابرشيات الاخرى ،فهناك ابرشيات غنية جدا كابرشية مار توما في ولاية مشيكان الامريكية التي باستطاعتها تمويل العديد من الابرشيات الاخرى المحتاجة وكذلك ابرشية عينكاوة، وهناك ابرشيات تضم خورنات غنية واخرى فقيرة .وعلى هذا الاختلا ف في الامكانات المالية يمكن التنسيق بين الكنائس والابرشيات في خلق موازنة مالية بحيث تتمكن جميعها من تلبية متطلباتها ،اليست الكنيسة جامعة رسولية واحدة ؟فما هو المانع من مساعدة الكنائس بعضها طالما هناك فائض مالي في ميزانياتها؟
4-:تدخل الفاتيكان في اختيار الاساقفة والبطاركة :
       من ملاحظتنا للوضع الحالي في اختيار الاساقفة والبطاركة يتبين انه لايتم ذلك الا بموافقة الفاتيكان الامر الذي يؤدي الى تأخر اختيار الاساقفة وبقاء الابرشيات معلقة بدون اسقف لمدة طويلة ، وهذه حالة غير طبيعية لسببين اولهما ان الفاتيكان غير ملمة بالسيرة الذاتية الواقعية والموضوعية والخصائص الشخصية للكهنة المرشحين لدرجة الاسقف، وقد تبين ذلك بمرور الزمن لاختيار كهنة غير مؤهلين لادارة الابرشيات اوتم اختيار اساقفة غير مؤهلين للمنصب البطريركي،وثانهما ان الترشيح للدرجتين يتأثر بالعلاقات القائمة بين الكهنة من جهة والاساقفة من جهة اخرى سوى بسبب المحك الجغرافي او لمصالح شخصية بينهم ولعل الانقسام المعروف والمشهور بين الاساقفة في الاجتماع الذي عقد بعد وفاة البطريرك بيداويذ لاختيارخليفته هو خير دليل على ما نقول . ان تدخل الفاتيكان لحل المشاكل الادارية في الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية مؤشر واضح على سوء وضعف الادارة والقوانين فيها ،والا لماذا لم تحسم مسألة الانتخابات او الموافقة على انتخاب الكاهن للاسقفية دون الرجوع الى الفاتيكان اذ ان اهل البيت ادرى بامورهم من غيرهم؟وان كان هذا اتفاق بين الكنيستين ،فماهو المبرر اليس الكلدان قادرون على تنظيم كنيستهم ام هي عقدة الغرب المتفوق قد سيطرت على عقول المدبرين لكنيستنا ايضا ؟
5- التقدم بالعمر وعلاقته بالادارة :
 تشير الدراسات بوجود علاقة بين التقدم بالعمر عند الانسان وفقدان الذاكرة القصيرة التي هي القدرة على استيعاب المعلومات وارجاعها .ويجب هنا ان نميز بين فقدان الذاكرة لاحداث الماضي والذاكرة القصيرة ،فالاولى هي مرض يصاب الانسان به لاسباب نفسية وعضوية وليس للعمر علاقة فيه اذ يتعرض اليها الانسان في مختلف المراحل العمرية بينما فقدان الذاكرة القصيرة مرتبطة بالعمر.اذ تؤدي حالة التقدم بالعمر الى اضطراب التفكير والحكم على الامور مما تعكس على طرق الاتصال الاجتماعي .ولما كانت قيادة المؤسسة الدينية مسؤولية كبيرة وعليه يجب ان يمتاز رجل الدين القائد بسلامة التفكير واعتداله لكي يتحسس كل الامور برؤية واضحة وعادلة لكي لايسبب الغبن والظلم الذي ينافي التعاليم الدينية.
   القائد الاداري بحاجة الى سلامة التفكير والذاكرة لكي يتمكن من التواصل مع الاحداث المتوقعة ،ولكي يتعامل مع الاخرين بوعي وثبات في الموقف وعدم التقلب بين اونة واخرى في افكاره اذ ذلك يسبب ارباكا للعملية الادارية لان القرارات التي يصدرها لم تكن مبنية على اسس تفكيرية سليمة .ومن جهة اخرى فان الاضطراب في تفكير الاداري الديني يسبب ايضا فقدان المؤسسة الدينية لهيبتها ومقامها بالنسبة الى المؤسسات الاخرى.  ومن هذا المنطلق فان مؤسستنا الدينية بحاجة الى مراجعة الذات بالنسبة الى هذا الموضوع لاهميته القصوى لخلق وادامة ادارة ناجحة تحقق الاهداف المرجوة.
  خلاصة القول ،تشير الدلائل الى ان المؤسسة الدينية الكلدانية بحاجة ماسة لدراسة ومراجعة الذات لكي تتمكن من تشخيص المعوقات والاخطاء التي تعيق مسيرتها لتحقيق رسالتها السامية .وان الاعتراف بالاخطاء دليل على التواضع والصدق مع النفس والثقة بالنفس وتذليل الكبرياء .اذ انها بحاجة الى الاعتراف بان الكنيسة لا تشمل رجال الدين فحسب بل كل المؤمنين لكي يؤدي كل واحد دوره بحسب مواهبه وقدراته الذاتية .وهي بحاجة الى الغاء الفلسفة القديمة التي تقلص من دور العلمانيين وتنتقل الى مقتدرات التفكير الموضوعي في التعامل مع الاحداث وتفعيل الادوار والانشطة التي تحقق الوظيفة الدينية .وهي بحاجة الى امحاء فكرة الاستبدادية في اتخاذ القرار واللجوء الى تبني المفاهيم الديمقراطية المعاصرة لكي تستطيع ان تواكب الفكر المعاصر .وهي بحاجة الى وضع اسس موضوعية في العلاقات القائمة بين الاكليروس والابتعاد عن الاسس الذاتية في التعامل مع الاخرين.و اعضاء الاكليروس ايضا بحاجة الى التخلي عن المناطقية والقرابية والمصالح الذاتية في مواقفهم تجاه بعضهم عن البعض .
 واتمنى اخيرا ان لاتفهم هذه المؤشرات على انها موجهة لشخص معين في مؤسستنا الدينية ،انما هي محاولة منهجية لدراسة واقعها .حيث ان تقدم البلدان والمؤسسات بانواعها وتطويرالبرامج في كل الميادين مقترن بالدراسات وتشخيص السلبيات لكي يتم تجاوزها لتحقيق الرسالة الهادفة.           
     

97
الوحدة الكلدانية والاشورية والسريانية
هل تتحقق وكيف؟

الدكتور عبدالله مرقس رابي
بروفيسور في علم الاجتماع


      الاختلاف سمة اساسية في الطبيعة البشرية، وقد اثبتتها نظرية " الفروق الفردية" تلك النظرية التي تؤكد على عدم وجود فردين متساوين في الصفات الطبيعية،ماعدا التوأمين المنشطرين من بيضة واحدة.فالانسان يولد وهو مزود بالعديد من الاستعدادات والقابليات والدوافع المتنوعة ،وتتباين شدتها في التأثير على السلوك من فرد الى آخر،وتشير الدراسات الحديثة في علم الاجتماع الى ان البيئة الاجتماعية تؤثر بنسب مختلفة في صقل وتوجيه هذه الدوافع،بحيث تتفاعل الدوافع والمتغيرات البيئية مع بعضها لتشكل شخصية الانسان فتحدد مواقفه واتجاهاته نحو الظواهر الاجتماعية .
  يعد الشعور القومي واحد من الظواهر الاجتماعية الذي يصقل ويحدد نتيجة لتفاعل الدوافع مع البيئة الاجتماعية،فهو مركب من دافع الانتماء الطبيعي الذي يتزود به الانسان منذ الولادة، والتنشئة الاجتماعية التي يتلقاها الفرد ايضا منذ الولادة.فالانسان يولد وهو مزود بدافع الانتماء الى جماعة بشرية، وهذا الدافع تنظمه وتوجهه الاسرة التي ينتمي اليها الفرد ،فهي بدورها تزوده بالمفاهيم القومية عن طريق نقل التراث الاجتماعي والرموز الاجتماعية ذات المغزى الانتمائي والاندماج الروحي مع الجماعة القومية التي تنتمي الاسرة اليها،وبذلك تحدث عملية التمثيل الذهني التي تبلور الشخصية القومية والانفعالات الوجدانية، بحيث لايتمكن الفرد التنصل من الانتماء القومي له مهما تكون قوة العوامل الخارجية التي تحاول النيل من شخصيته القومية.
   وفقا لهذا المبدأ العلمي تكونت المفاهيم القومية للجماعات الاثنية  البشرية,فاصبحت جزا من شخصية افرادها لايمكن امحائها من التركيبة الذهنية لهم.ولعل ان ما تعرض اليه الاكراد على سبيل المثال من الظلم والاضطهاد ومحاولات محو الهوية القومية لهم تاريخيا من قبل الترك والعرب والفرس ابرز مثال لثبات  مصداقية هذا المبدأ. فبالرغم من ذلك  ظلت الشخصية القومية الكردية تصارع هذا الاضطهاد بطرق مختلفة لتثبت للعالم الهوية القومية الكردية بأنها هوية واقعية لايمكن محوها من  الوجود الانساني على الاساس العلمي لهذا القانون الطبيعي والاجتماعي.وهذا ماينطبق على الجماعات الاثنية الثلاث الكلدانية والاشورية والسريانية ,فهي جماعات يعتز افرادها بهويتهم الاجتماعية وانتمائهم القومي بحيث لايمكن للفرد في اية جماعة ان ينكر هويته القومية مهما تكن الاسباب.وهكذا بالنسبة للجماعات الاثنية الاخرى في العالم التي ناضلت من اجل هويتها القومية منذ سقوط الانظمة السياسية الامبراطورية.
   تنقسم الجماعات البشرية على نفسها جراء العوامل التاريخية والدينية والسياسية والحضارية ،بحيث تتشكل جماعات تتباين في مشاعرها القومية واساليبها الفكرية ومواقفها الثقافية والسياسية بالرغم من انتمائها الجذري الواحد.وهذا ماحدث بالنسبة الى الكلدان والاشوريين والسريان ،فثمة عوامل تاريخية سياسية ودينية وثقافية ونفسية ادت الى تبلور انتماءات قومية لكل جماعة بحيث ترسخت المفاهيم القومية في شخصية الافراد فلا يمكنهم نكرانها ونبذها من التركيبة الفكرية لهم، وهكذا تكون الواقع الحالي لهذ الجماعات الاثنية ،وعليه فان الادعاء بالاصالة التاريخية لا يحرك ساكنا طالما ان التمركز السلالي قد اخذ ابعاده وتأثيراته النفسية والاجتماعية في ذهن الفرد .
  وبعد هذه المقدمة هل يمكن تحقيق الوحدة بين الكلدان والاشوريين والسريان بعد فرض هذا الواقع بفعل العوامل التاريخية؟
تعرف الوحدة بانها تنظيم اجتماعي متوازن، وهي تأتي بمفاهيم متعددة، كأن نقول وحدة عسكرية، وحدة دينية،وحدة سياسية،وحدة ادارية وهكذا.الوحدة على كافة الاصعدة تأتي نتيجة الاختلاف،فلا وجود للوحدة دون ان يسبقها اختلاف،ولا يعني الغاء الاختلاف بين الجماعات البشرية الثلاث هو تحقيق للوحدة، انما الاحترام المتبادل وادراك هذا الاختلاف هو الذي يدعم الوحدة .فالاختلافات الفكرية والثقافية والسياسية يجب ان لا تدار بعقلية الاقصاء بل ان تستند على مبدأ القيم التسامحية والتعاون والتعدد والاداء الواعي .
    لايمكن ان تتحقق الوحدة التي تسعى الجماعات الثلاث اليها بالقمع والتنكيل والضغط السياسي كما يمارسه المجلس الكلداني السرياني الاشوري بمساندة الحكومة المحلية التي افرزته الى الواقع الاجتماعي والسياسي في العراق،وكما تؤكده فلسفة الاحزاب الاشورية المختلفة التي تدار بعقلية ذات مغزى انوي والغائي للجماعاتين الاخريتين الكلدانية والسريانية.وقد مورست اعمال القمع والضغط السياسي على جماعات قومية متفرقة في العالم من قبل الحكومات والجماعات القومية الاغلبية في المجتمع ولكن دون جدوى ،وانما بالعكس هذه الانفعالات و الممارسات العدوانية لا تلغي الاختلاف وانما تزيد الصراع والتعنت والتراجع عن الوحدة بين الجماعات الاثنية ،وهذا الواقع الحالي الذي يحدث بين الكلدان والاشوريين والسريان المعاصرين فكلما زادت الجماعة الاشورية اصرارا على الغاء الاخر كلما تثير الانفعال الانتمائي القومي والالتصاق به اكثرعند الكلدان والسريان .
    فالتوحيد القسري والقمعي لافراد المجتمع يزيدهم اختلافا وصراعا ،فهو يخالف الطبيعة البشرية القائمة على الاختلاف والتنوع بين الافراد والامثلة عليها متعددة ،فلو نظرنا الى اعضاء الجسم نراها مختلفة في تركيبها وشكلها ووظيفتها ،لكنها متحدة لديمومة الانسان فلولا هذا الاختلاف لما عاش الانسان ،وانظر الى الكون كيف تعمل الاجرام السماوية المختلفة بتوازن ودقة متناهية ليستمر الكون في مسيرته البقائية ,واقرب الامثلة الى واقعنا نحن ما حصل بعد سقوط الانظمة الدكتاتورية في العالم الغربي بعد النهضة الفكرية والثورة التكنولوجية وظهرت الاحزاب السياسية المختلفة في مبادئها ويتكون البلد الواحد من قوميات متعددة، ولكن تحت مبدأ احترام وعدم الغاء الاخر تستمر الحياة بشكل طبيعي كالماكنة التي تختلف اجزائها لا لتتصارع وانما لتحقق الوحدة وبناء المجتمع.وفي المجال العلمي تختلف الاختصاصات المعرفية فيما بينها ،ولكن تتكامل مع بعضها لتكون فرق عمل لتحقيق مشاريع تنموية في البلد فيتعاون المهندس والاحصائي ومختصي في العلوم الاجتماعية والانسانية مثلا لانشاء مصنع ما او مدرسة ما اذ لايكون الاعتماد على المهندس فقط لنقول ما الحاجة الى علم النفس والديمغرافية لبناء المصنع .بالطبع مثل هذه الامور لم تتبلور في البلدان النامية لحد الان وعليه نرى الفرق الكبير بينها والعالم الغربي في كل مناحي الحياة.
    وعندما نتأمل في الامثلة السابقة نستنتج ان الوحدة التي تحققت بين المكونات المادية او البشرية لم تأت قسرا لتحقق الهدف ,بل انها جاءت على اسس وثوابت منطقية التي تفسر ان الوحدة هي:
   الضمير او الوجدان( الضمير طبعا هوحصيلة بناء الشخصية) فهي شعورية وتلقائية وايمان وقناعة   ,والوحدة هي التضامن والتماسك الاجتماعيين ،وهي توجيه الهدف ليس لجماعة واحدة وانما لجماعات متعددة،وهي قائمة على الاحترام المتبادل والفائدة المتبادلة ،وهي تحترم الفروق الفردية والتنشئة الاجتماعية ،فالوحدة تتحقق لان الهدف واحد بالرغم من الاختلافات وهذا ما لمسته ميدانيا عندما حضرت المؤتمر الكلداني العالمي في مدينة سانتييكو الامريكية ،كيف تعيش الجماعة الاثورية مع الكلدان بتضامن واحترام الاخر في وجوده، ولايزال صدى الكلمات التي اطلقها المطران مار باوي سورو وتبقى تلازمني عندما تفضل بقوله (انني اثوري واعتز بذلك وكذلك احترم الكلداني ومدى اعتزازه بقوميته ،نعمل سوية لتحقيق الوحدة الوجدانية النابعة من الشعور في الاحترام المتبادل ) وهكذا نرى مدى الاحترام وتقبل الكلدانيين وفي مقدمتهم مار سرهد جمو للشعب الاثوري وعليه تتواصل كل من الجماعتين في العيش المشترك والوحدة الحقيقية النابعة من تقدير الذات والاخرين  .
   وفي نطاق هذا السياق المعرفي للوحدة يستوجب اطلاق حوار بين الجماعات الاثنية الثلاث قوامه حرية الرأي والتعبير واحترام الاخر وجودا ورأيا،فالوحدة بين الكلدان والاشوريين والسريان بحاجة دائمة الى منهجية حضارية بعيدة عن التعصب والتقوقع على الذات وبعيدة عن الانوية بل تؤكد على النحنوية التي تقودهم الى الوحدة الحقيقة .والوحدة بينهم لاتتحقق بفرضها عليهم كما يجري الان ولايمكن انجازها بقرار بل باكتشاف سبل العمل للتلاقي والاندماج بين الجماعات الثلاث .
   وقد لمسنا من تجمع التننظيمات السياسية لشعبنا في الاونة الاخيرة محاولة الوحدة بين الكلدان والاشوريين والسريان لابأس بها وعلى الاقل في توحيد الخطاب السياسي ،ولكن لا تزال محاولة مشلولة ترتكز على ركيزة شكلية هشة وقد تسقط بمجرد هبة رياحية خفيفة .ولماذا ياترى؟ انها مشلولة لانها ليست نابعة من الوجدان النفسي والضمير الاجتماعي واحترام الاخر وتبدو وكأنها محاولة لارضاء افراد الجماعات الثلاث لزيادة الانتقادات الموجهة اخيرا الى الاحزاب السياسية العاملة في الساحة العراقية ،والدلائل علىذلك هي :
اصرار المجلس الشعبي الكلداني السرياني الاشوري على فرض التسمية المصطنعة لشعبنا ومحاولته تمرير برامجه على الاحزاب الاخرى.والدليل الاخر بقاء الاحزاب الاشورية على فلسفتها التعصبية وتعنتها على الغاء الاخر وذلك في بياناتها الفردية وانظمتها الداخلية ووسائل اعلامها وعدم طرحها البديل الذي هو الاحترام المتبادل واقرارها بالوجود القومي للكلدان والسريان(بالطبع ليس الكلدان والسريان بحاجة الى اقرار الاشوريين بالوجود القومي لهما لان وجودهم تاريخي ولكن اقرارهم هو دليل على حسن النية في التعامل معهما) ومن الادلة الاخرى عدم احترام الخصوصيات والافادة من التنوع الفكري والثقافي .
    تتحقق الوحدة عندما تغير الاحزاب السياسية الاشورية فلسفتها الالغائية بكل جدية في انظمتها الداخلية  ،وتغيير فلسفة اعلامها وفقا لاسس احترام الرأي وقبول الاخر واحترام التاريخ لكل الجماعات .ويقوم المجلس الشعبي الكلداني السرياني الاشوري بتغيير سياسته في التعامل مع الاحزاب الاخرى واحترام التسميات الثلاث الكلدان والاشوريين والسريان وتراجعه عن مذكرته المرفوعة الى البرلمان الكوردستاني .وانني على يقين انه لا تتحقق وحدة ابدا دون امحاء هذه المؤشرات  بين الجماعات الثلاث .انما الوحدة الحقيقية تكمن في التمعن بما ذكرته من اركان الوحدة معتمدا على الاسس العلمية لتفسيرها، ولا اعتقد هناك من يعترض على الوحدة لكن لا كما تفرض بل الوحدة النابعة من الشعور المتبادل والتضامن الاجتماعي .     
       
               
 
       
   
   
     
     

98
بمناسبة رحيل الراهب الكلداني مقاريس المنكيشي

الدكتور عبدالله مرقس رابي
استاذ جامعي

              انتقل الى الاخدار السماوية الراهب الكلداني (مقاريس هرمز يونان ) في ليلة الاحد 22/5/2011 في دير السيدة بالقرب من بلدة القوش الكلدانية المعروفة باحتضانها العدد الاكبر من رهبان الكلدان لوجود دير الربان هرمزد على جبلها الشامخ ومن ثم دير السيدة الواقع على ضاحيتها الشرقية .
       ولد الراهب مقاريس سنة 1913 في قرية منكيش كما هو مدون في سجل الرهبنة الانطونية الكلدانية المترجم من اللغة الكلدانية الى اللغة العربية،والذي اطلعت عليه عند انشغالي بتاليف كتاب (منكيش بين الماضي والحاضر)سنة1995  من دير ماركوركيس بالقرب من مدينة الموصل .وبحسب السجل المذكور دخل الى الدير سنة 1928 وليس سنة 1924كما جاء مؤخرا ،وبرفقة اخيه سمعان اللذان دخلا معا الى الدير في نفس السنة المذكورة .واسمه الحقيقي العلماني قبل دخوله الدير هو (كلو) وامااسم اخيه كان قبل دخوله الدير (بولص).وقد سميا باسم اثنين من الرهبان المنكيشيين اللذين سبقهما في الدير وتوفيا من بيث شابي وهما (الراهب سمعان الشابي )1870 واخيه (مقاريس الشابي)1874 . ولان الراهب مقاريس الشابي توفي  في 21/2/1927 وعليه من التأكيد ان الراهب مقاريس هرمز دخل سنة 1928 الى الدير لان الاخير سمي باسم الاول بحسب سجل الرهبنة الامر الذي لايجوز فيه اطلاق الاسم قبل الوفاة.وبدليل ان دخوله جاء مع اخيه سمعان سوية اذ يذكر السجل عن الراهب سمعان دخل الى الدير سنة 1928.
    نذر النذور المؤبدة سنة 1930،خدم في دير مار كوركيس وربان هرمزد والسيدة ،وتعين للخدمة في السليمانية ،وفي سنة 1981 انتخب مدبرا رابعا للرهبنة في زمن الاب ابراهيم يوسف الرئيس العام للرهبنة .وفي سنة 1982 تعين في دير روما ،ومن ثم رجع وعاش في دير السيدة منذ 1997.وقد جاء ترتيبه رقم 41 من الرهبان المنكيششين اللذين دخلوا الرهبنة الانطونية منذ تجديدها على يد الاب جبرائيل دنبو سنة 1808 .
    وقد امضى الراهب مقاريس 83 سنة في خدمة كلمة الرب بكل تواضع وخشوع،وقد كرس حياته منذ الطفولة لهذه الخدمة مفضلا حياة الزهد والفقر والبساطة والصراحة والعفة والطيبة على حياة المغريات والملذات والكبرياء  ،اذ ترك بخصائله المذكورة اثرا في نفس كل فرد التقى معه من اخوته الرهبان والعلمانيين حيثما عمل وحل .وقد ودع الراهب الصالح من قبل الاطفال اللذين تراصفوا بمسيرة امام جثمانه الطاهر لنقله الى قبو الرهبان ليرقد مع اخوته الرهبان .ولكن صدى مقاريس سيبقى الى الابد نسمعه في كل حين ليكون مثالا للاجيال من الرهبان ورجال الدين عامة .
    وبمناسبة رحيل اخر راهب كلداني منكيشي لابد الاشارة الى ان بلدة منكيش وبحسب سجل الرهبنة الكلدانية الانطونية جاءت بالمرتبة الثالثة بعدد الرهبان اللذين انضموا الى الرهبنة بعد القوش وتلكيف وقد بلغ عددهم 41 راهبا،وقد رسم احدى عشر منهم كهنة خدموا في مختلف القرى والبلدات الكلدانية .
    وتجدر الاشارة ايضا الى اهم مبادرة من قبل شباب منكيش وشجاعتهم للانضمام الى الرهبنة الانطونية الكلدانية اثناء تجديدها من قبل الاب جبرائيل دنبو.اذ ذكر في سجل الرهبنة ( جاءوا في سنة 1808 ستة رهبان من قرية منكيش مع الاب جبرائيل دنبو دون غيرهم ،وهؤلاء الرهبان هم في تسلسل 1 – 6 في سجل الرهبنة وهم على التوالي الراهب كدو،هرمزد،داويذ،ابلحد،خوشابو والسادس الراهب خوشابو شورو،وثم زاد عددهم تدريجيا ).ويبقى السؤال هنا لماذا جاء تجديد الرهبنة الانطونية الكلدانية على يد الرهبان المنكيشيين دون غيرهم علما ان بلدات مثل القوش وتلكيف وتللسقف وبطنايا هي الاقرب الى دير ربان هرمزد في جبل القوش؟.
   وقد يكون السبب بتقديري تمتع منكيش بمكانة ذات شأن في المنطقة عند حكام العمادية في تلك الفترة والعلاقة الجيدة والطيبة  بين اهالي منكيش ووالي العمادية في زمن المختار هرمز خنجروالمعروف بشجاعته وجرأته وهو الذي هدم اخر قرية كوردية متجاوزة في اراضي منكيش متحديا والي العمادية ،وتعرف عند اهل منكيش لحد الان – ماثا دقورذايي- ويسميها الاكراد- منكيشكي خرابا – ويذكر ان والي العمادية بسط سيطرته ونفوذه الى تخوم القوش .حيث جاء في السجل المذكور عدة مرات ومن فترة الى اخرى كانت عساكر والي العمادية تهجم على الدير ويتشرد الرهبان ويلقى القبض على بعضهم ويساقون الى العمادية بتحريض من بيت (ابونا)والنساطرة في تخوم العمادية لان هؤلاء الرهبان كانوا على المعتقد الكاثوليكي . وثم يذكر مدون السجل كان اهالي منكيش يتوسطون عند الوالي لاطلاق سراحهم،ومن ثم يبدأ الرهبان بأحياء الدير ثانية وهكذا. (  وقد جاء ذكر لهذه الاحداث اضافة الى سجل الرهبنة الانطونية الكلدانية في :كتاب بطرس نصري ذخيرة الاذهان الجزء الثاني ص 445،وفي كتاب –خلاصة تاريخية لكنيسة الكلدان لاوجين تسران ص111 .)
    ودعنا الراهب الصالح مقاريس الكلداني الذي كان من واضعي الاحجار الاساسية للرهبنة الانطونية الكلدانية التي ستبقى رمزا عظيما تفتخر بها الامة الكلدانية دوما وابدا .ودعناه ولكن ذكرياته الابوية والانسانية ستبقى خالدة . ودعنا الراهب الطاهر الذي انجبته منكيش واحتضنته الرهبنة الانطونية الكلدانية وصلوا اهالي القوش لاجله لحبهم لكل راهب مر من حقولهم وطرقات بلدتهم .
           
   


 
               

99
الاصالة الكلدانية
في ساندييكو الامريكية

الدكتور عبدالله مرقس رابي

                               تعد اللقاءات الاجتماعية والسياسية ظاهرة ذات مدلول تضامني وركيزة اساسية للتشاور في شوؤن الجماعات البشرية ودراسة اوضاعها والتخطيط السليم لمستقبلها،فهي ظاهرة حضارية تستند على الاسس الحديثة في الحوار المباشر وطرح الافكار تنسيقا لخدمة المجتمع.وانطلاقا من هذا المبدأ بادرت التجمعات الكلدانية وبمؤازرة ابرشية مار بطرس الكلدانية والاثورية الكاثوليكية في مدينة ساند ييكو الامريكية في ولاية كاليفورنيا للقيام في تحقيق مثل هذا اللقاء تحت تسمية " المؤتمر الكلداني العالمي " ولاول مرة في التاريخ الحديث للكلدان وتحت شعار شامل هو"النهضة الكلدانية " وذلك لاثارة الفرد الكلداني الذي يعتز بقوميته ان الكلدان يتعرضون لاحباط اجتماعي ونفسي وسياسي مصدره قوى ذات نفوذ غير طبيعي في العراق.
        تحاور العديد من الكتاب والمفكرين المهتمين بالشأن القومي الكلداني لتحقيق هذا المؤتمر لاشهر عديدة شعورا منهم بان الكلدان هم بامس الحاجة في الظروف الراهنة للتشاور وتصحيح المسارات والمواقف السياسية،وقد تبلورت الفكرة بعد مناقشات عديدة ،وفي حينها لبت هذا المطلب القومي التجمعات الكلدانية في ساندييكو الامريكية "حيث الاصالة الكلدانية"،
   وبعد توجيه الدعوات للعديد من التجمعات الكلدانية والمفكرين والباحثين السياسيين والمستقلين،واعلان موعد المؤتمر في 30 اذار والى 1 نيسان ،توافد المدعوون الى ساندييكو من مختلف انحاء العالم والعراق للمشاركة بهذا الحدث الكبير الذي كان بمثابة صدمة صاعقة للعديد من المؤسسات والاحزاب التي لم تتوقع من الكلدان يوما ما سيعقدون مثل هذا المؤتمر العالمي .
    وصلنا الى ساندييكو، وللوهلة الاولى تجلت الاصالة الكلدانية في التجمع الكلداني فيها بدأ من رجال الدين الافاضل واللجنة التحضيرية للمؤتمر والجمهور الكلداني الذي كان حاضرا لمؤازرة ودعم هذا المؤتمر،اذ ان توافدهم الكبير في الجلسة الافتتاحية يعد مؤشرا كبيرا للشعور القومي الكلداني الذي يمتازون به والاصالة الكلدانية التي يفتخرون بها .
    لمست شخصيا وعلى المستوى الميداني لمدة ثلاثة ايام ان الكلدان في هذه المدينة جادون في تحقيق نهضة كلدانية اجتماعية، اقتصادية،  سياسية،وثقافية شاملة .فالجميع تكاثفوا وتضامنوا وكل واحد ادى دوره المطلوب لدفع مسيرة المؤتمر الى الامام .حيث التعاون اللامحدود،في تهيئة كل المستلزمات والوسائل التي ساعدت المؤتمرين لنيل راحتهم  للقيام بواجباتهم تجاه المؤتمر .
  ساند رجال الدين، والشباب ،والشابات،والراهبات وكل كلداني غيور على قومه في توفير المسكن الملائم والنقل الملائم والاطعام والترفيه الذي وفرته التجمعات الكلدانية مساءا لتخفيف الارهاق اليومي للمؤتمرين ،فلم يتردد احدهم اذا طلب منه اي عمل يؤديه، كانت مساندتهم لبعضهم البعض كمساندة اعضاء الجسم الواحد لبعضها البعض .ولا افضل ذكر الاسماء لان شعوري تجاه الجميع واحد ،لم يبخل احد منهم في تحقيق اي طلب لاخوتهم الزائرين من اللحظة الاولى في المطار، لحظة اللقاء والفرح والى اللحظة الاخيرة في المطار ،لحظة الوداع والمحبة. وبعد كل هذا الا يستحق هؤلاء ان نصفهم بالاصالة الكلدانية ؟.
   وكانت هذه المواقف من الكلدان في ساندييكو دعما هائلا للمؤتمر للخروج بنتائج ايجابية تسعى لخدمة كل كلداني في بلدان المهجر والوطن،تلك النتائج التي سيلمسها الكلدان تدريجيا ومن حين لاخر في التطبيقات الواقعية وعلى مختلف الاصعدة .
واخيرا تحية حب ووفاء الى كل كلدانية وكلداني واثوري في ساندييكو الذين احتضنوا اول مؤتمر كلداني عالمي، ذلك الحدث الذي كان حلما، وبسواعدهم تحقق ميدانيا .شكرنا وتقديرنا لكم يا اسود بابل ،شكرنا وتقديرنا للمفكرين والباحثين والسياسيين الكلدان المعاصرين الذين ساهموا في احياء هذا المؤتمر تطوعا منكم لغيرتكم على الامة الكلدانية ،اذ قطعتم المسافات الطويلة من الكيلومترات وبدون مقابل مالي ومنصب سياسي يذكر ،وانما حبا منكم لنهضة الكلدان.   
     



   
                       
                     

100
المؤتمر الكلداني الاول
اهداف وتبريرات

الدكتور عبدالله مرقس رابي
استاذ في علم الاحتماع


         سيعقد في 30 آذار الجاري والى الاول من نيسان المؤتمر الكلداني الاول في مدينة سانتييكو الامريكية بعد جهد كبير من مجموعة من ابناء شعبنا الكلداني الغيارى الذين تطوعوا لانجاز هذا المشروع القومي بعيدا عن الضغوط السياسية واملاءات اصحاب النفوذ في بلد الحرية ،حرية الفكر والرأي وقبول الاخر.
ليكن الفرق بينه وبين المؤتمرات التي تعقد في البلدان النامية والعراق واحد منها  هو، ان المؤتمرين احرار في التعبير عن آرائهم وطروحاتهم،وصياغة مقترحاتهم،بالعكس مما يجري اثناء انعقاد المؤتمر في البلدان النامية التي تفتقر الى ابسط القواعد الاساسية في منح الحرية للمؤتمرين وحتى في  المؤتمرات العلمية منها، حيث الاملاءات الفكرية والتوصيات الجاهزة مسبقا من الاحزاب والشخصيات المتنفذة في المجتمع النامي،اذ ان كل مايدور في رحاب المؤتمر يكون وفق ايديولوجية موضوعة من قبل المتنفذين، وهذا ماجرى فعلا في السنوات الاخيرة في العراق ومنها اقليم كوردستان العراق.
     يعد هذا المؤتمر الاول من نوعه ينظم من قبل الكلدان لدراسة شؤونهم في الوطن والعالم،فهو بمثابة حلقة فكرية لربط االاحداث التي تعرض الكلدان اليها في الماضي و الحاضر والتنسيق والتخطيط للمستقبل الكلداني .فهو ليس لاجل اطلاق شعارات لتمجد القادة واصحاب المال،انما يركز على التداول الفكري لصياغة الاسس السياسية والاجتماعية والاقتصادية لتغيير واقع الحال لشعبنا الكلداني.
     ليست الغاية من المؤتمر بث الدعاية للمؤتمرين للحصول على المناصب السياسية  كما يدعي البعض فهؤلاء المشاركين جميعهم وبدون استثناء هم حملة الشهادات الجامعية  من مختلف الاختصاصات العلمية،التاريخية والهندسية والاجتماعية والطبية والاعلامية واللغوية والاقتصادية والادارية وغيرها،فلو كانت غايتهم هي الحصول على المناصب والمال لأيدوا وشاركوا  في المؤتمرات المؤدلجة في العراق فهي خير وسيلة لتحقيقها.
   الغرض الاساسي للمؤتمر هو مراجعة الذات الكلدانية وحشد الطاقات لمختلف افراد المجتمع الكلداني للنهضة الشاملة واثارتهم على ان الهوية القومية للكلدان تتعرض لمؤثرات هدامة تحاول النيل منها بشتى الوسائل.فهو الخطوة الاولى واللبنة الاولى والانطلاقة الاولى للبناء الحضاري والثقافي للكلدان سواء في الوطن او بلدان المهجر،وستلحقه مؤتمرات اخرى تلم جميع الاحزاب ومنظمات المجتمع المدني لتكتمل عملية البناء تدريجيا.
  ليست الغاية من المؤتمر هي تأسيس حركة انفصالية ،بل المؤتمر يسعى لايجاد السبل الكفيلة للوحدة،لكن لا كما يفهمها الاخرون بترتيب الكلمات مثل(الكلدان السريان الاشوريين)،فهي وحدة جوفاء لا تمتلك الحيوية.وستكون الوحدة التي يقرها المؤتمر وحدة التضامن والتماسك مع الاشوريين والسريان،ستكون وحدة قبول واحترام الاخر،وحدة المشاعر المتبادلة وتقدير الخصوصيات لكل جماعة اثنية  يتكون منها شعبنا.
   سيضع المؤتمر ضمن اولوياته الاسس الفعالة لتحفيز الاحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني الكلدانية للعمل الجاد في عالم السياسة اليوم،وكيفية النهوض بالمجتمع الكلداني لكي يتجاوز السبات القومي والضمور السياسي والخلافات السياسية.وسيعمل المؤتمر لايجاد ارضية مشتركة مبنية على مبادىء التعامل الجدي والتضامن مع الاحزاب الاشورية والسريانية لتوحيد القرار السياسي ونبذ الخلافات ذات المردود السلبي على مجتمعنا .
لتطمئن النفوس التواقة للغة الكلدانية، ان جميع المشاركين في المؤتمر هم من الجيل الذي تعلم اللغة في الكنائس المحلية،نجيدها قراءة وكتابة ،ولكن هكذا شاءت الاقدار نكتب بالعربية التي فرضت علينا منذ ولادتنا – كما انكم تكتبون بها -  لكي نتمكن من التكيف الاجتماعي مع الاكثرية العربية في بلادنا,ذلك التكيف الذي اقترن بعامل الخوف،حيث كنت اتحدث مع زملائي الاساتذة الكلدان اثناء عملي في جامعة الموصل باللغة الكلدانية واستاجبتهم على الفور كانت بالعربية وهم انفسهم اليوم ينادون لنكتب بلغتنا الام!
 نعم وبحسب رأيي نحن بامس الحاجة لتطوير لغتنا ولكي تنسجم مع واقع الحال،ولا نكتفي بترددها في الكنائس والسامعين لا يستوعبون كلمة واحدة وحتى بعض من الذين يرددونها،هذا هو الواقع ابينا اوشئنا،لنركز في مؤتمرنا على احياء اللغة ،اللغة التي نفهمها وتكون وسيلة الاتصال الاجتماعي، وليست اللغة التي تصبح سببا من الابتعاد من صلواتنا وكنيستنا وتضعف الشعور القومي عند شبابنا،فاللغة حية ومن خصائصها النمو والتبدل لكي تتواصل مع التغير الحضاري،ولا اقصد هنا تبديل لغتنا باخرى ،بل تطوير اللغة المحكية والتي يتداولها الكلدان حاليا.
  اراد القائمون بالتحضير للمؤتمر الاستقلالية،وعدم الارتباط باية جهة سياسية اوحكومية،وعليه اصبح التمويل لمقتضيات المؤتمر ذاتي،وكان ذلك احد الاسباب التي دفعت باللجنة التحضيرية في تحديد عدد المدعويين اليه،مما اثارت الحالة مشاعر بعض الكتاب والناشطين الكلدان الذين لم توجه الدعوة اليهم للحضور فكتبوا انتقاداتهم على وقائع التحضير للمؤتمر واشتملت ايضا توقعاتهم بنتائج المؤتمر منها التشاؤمية واخرى مشجعة . ومهما تكن هذه الانتقادات فهي مقبولة لانها تحفز المؤتمرين نحو الافضل وتلافي الثغرات،وهي تعكس ايضا مشاركتهم وطرح اافكارهم لتحقيق شعار المؤتمر( النهضة الكلدانية).
 ولكن لماذا التشاؤم ؟ الايكفي بانه اول مؤتمر كلداني يبحث في مصائر امتنا الكلدانية وواقعها والتخطيط لمستقبل افضل على كل الاصعدة ؟ الا يكفي بانه سيطرح واقع الحال لشعب اصيل في العراق على طاولة الجمعيات العالمية التي تهتم بشؤون المجتمع الدولي؟ الايكفي بانه سيكون خطوة اولية لتغيير المواقف والاتجاهات نحو امتنا الكلدانية ،سواء داخل العراق او في المهجر؟ الايكفي انه سيضع برامج التواصل الاجتماعي والحضاري للكلدان في المهجر ودعم الاجيال الشابة التي تكاد تنصهر مع المجتمعات الغربية.
   اعتقد ان هذه التساؤلات تكفي ان نفتخر باول مؤتمر كلداني ونشجع القائمين في الاعداد له ونشكرهم على المبادرة الرائعة التي كنا بانتظارها منذ زمن بعيد،بدلا من توجيه اسهم الطعن والاحباط والتشاؤم كقولهم(ان المؤتمر لم يغير من الواقع شيئا).
  واخيرا للامانة المنهجية الموضوعية اعتذر من السادة الكتاب الذين سبقوني في الكتابة عن المؤتمر وقد ذكرت بعض من العبارات التي وردت في مقالاتهم عن هذا الموضوع، واخص بالذكر الاساتذة،حبيب تومي ونزار مالاخايا وبطرس ادم والشماس الدكتور كوركيس مردو وسيزار ميخا ومايكل سيبي،وغيرهم.
 
   
     
   
   
   
       

101
الكلدان
وبرلمان اقليم كوردستان
الدكتور عبدالله مرقس رابي
استاذ جامعي

   تجتاح هذه الايام موجة غضب شعبية عارمة في منطقة الشرق اوسطية وبالتحديد في البلدان العربية تجاه الاحزاب التي تتحكم بزمام الحكم الابدي دون منافس كانما البلد ملك خاص للحزب الحاكم والرئيس الواحد دون منازع اوهناك نوع من التفويض الالهي لايمكن تجاوزه من الاخرين.
وبالرغم من ان العراق يخطو ببطىء نحو نظام ديمقراطي حديث الاان قلة التجربة السياسية للاحزاب المتنافسة على السلطة زائدا الطائفية والفكر الديني الذي يوجه ايديولوجية  معظم الاحزاب والتأثير المرجعي وانشغال الاحزاب بتقسيم مواقع السلطة، وتدخل الدول المجاورة بشكل مباشر في دعم الطرف الموالي لها،كلها تحول دون حصول تقدم ملموس في نظام الحكم في العراق.مما ادى ذلك الى انتشار الفساد الاداري ونقص الخدمات الاساسية والبطالة الحادة في صفوف الشباب،وعلى اثر ذلك التحق الشعب العراقي بمسيرة الغضب السائدة في المنطقة.
      واما في اقليم كوردستان العراق فان الانتعاش والرفاهية الاجتماعية افضل بالقياس لعموم العراق بسبب الاستقرار الامني،والقوانين العلمانية التي يشرعها الاقليم وعدم تأثرها بالطائفية،والتوجهات العلمانية لاكثرية الاحزاب المتنافسة على السلطة في الاقليم عكس ماهو قائم في الحكومة المركزية،اضافة الى تزود الاحزاب الكردية بالتجربة السياسية اكثر من غيرها.
     الا اننا نرى ان الاقليم لم ينجو من مسيرات الغضب هو الاخر،مما يدل ميدانيا على وجود ثغرات في طبيعة النظام السياسي،ولعل اهمها عدم التخطيط المناسب لتوفير الخدمات وانتشار البطالة في صفوف الشباب وبالذات خريجي الجامعات والفساد الاداري والمالي،اوعدم التمثيل الحقيقي لبعض الاحزاب الصغيرة في السلطة والبرلمان اعتقادا منهم استحواذ الاحزاب الكبيرة على المنافع والتحكم بالحياة السياسية والعامة لشعب كوردستان العراق.
    وفي رد فعل لبرلمان اقليم كوردستان اصدر في 23 شباط 2011 قرارا  هاما ضم 17 فقرة .تؤكد على وضع حلول لمعالجة مطاليب المتظاهرين،والتحقيق في التجاوزات التي حدثت اثناء المسيرات الشعبية،واذا ترجمت هذه الفقرات الى ارض الواقع يعني ذلك ان هذا القرار يعد نقلة حضارية تاريخية في اقليم كوردستان.
   وقد اثار انتباهي من خلال قراءتي للقرار الفقرتين 12و17، اذ تنص فقرة 12 (تقديم مقترحات الى البرلمان الكردستاني بهدف تنفيذ الاصلاحات الشاملة من قبل الكتل واللجان البرلمانية بالتعاون مع مجلس الوزراء والافادة من الاطراف السياسية ومنظمات المجتمع المدني والتدريسيين الجامعيين والخبراء والمواطنين الحياديين لمناقشتها ومتابعة تنفيذها باسرع وقت ممكن).واما الفقرة 17نصت على(تشكيل لجنة خاصة تضم ممثلي جميع الكتل السياسية في البرلمان بهد المتابعة والاصغاء الى مطالب المتتظاهرين).
   تحتوي الفقرتان على شمولية واضحة في مشاركة كل الاطراف السياسية والمدنية والخبراء واساتذة الجامعة لتقديم المقترحات،انما تشير الفقرة 17 الى تشكيل لجان تضم ممثلي الكتل السياسية في البرلمان .خطوة عظيمة،لكن سؤال موجه الى البرلمان نفسه :من سيمثل الاحزاب الكلدانية طالما انها غير حاضرة في البرلمان؟
  نعم ان الكلدان شريحة مهمة من المكون الكوردستاني ولكن تعاني من التهميش المبرمج بدليل لم تحصل على المقاعد البرلمانية في الانتخابات الاخيرة ليس السبب لعدم وجود قاعدة جماهيرية لها كما يدعي البعض ،ولكن بسبب التأثيرات الجانبية التي حصلت ايام التحضير للانتخابات من قبل النفوذ اللامعقولة لمجلس الشعبي الكلداني السرياني الاشوري وخلطه للاوراق السياسية ودعمه اللامعقول ايضا له من قبل الحزب الديمقراطي الكوردستاني لاسباب معظمها خافية للجميع.
  قد يقول البعض لماذا لم تحقق الاحزاب الكلدانية فوزا بمقاعد البرلمان في ضوء الانتخابات الديمقراطية؟نعم الانتخابات ديمقراطية ولكن ماذا؟ هل يعقل ان تجرى انتخابات ديمقراطية في البلدان النامية دون خروقات لتحقيق مصالح لاحزاب دون اخرى؟البلدان النامية بالرغم من تطبيقاتها للديمقراطية الا ان الاحزاب لا تزال تسيطر عليها ايديولوجيات الحزب الحاكم الواحد ومهما حاولت بعضها التخلص من عقلية الحزب الحاكم الواحد لكنها لاتستطيع لسببين رئيسين وفقا لتحليل الدراسات الاجتماعية وهما،لاتزال العقلية القبلية مسيطرة على منتسبي الاحزاب والتي من اساسياتها الحكم الابدي للشيخ والولاء المطلق له.ويصنف علماء الاجتماع المجتمعات النامية بالمجتمعات المقدسة اي تسود عقلية ذات خصائص دينية محافظة  تحاول دائما المحافظة عى ما هو قائم من الاعراف والقيم الاجتماعية والدينية والسياسية وتعد مقدسة لايجوز تجاوزها مطلقا .وعليه لايتوهم البعض على ان الانتخابات في البلدان النامية تمارس بحرية فردية وتمتاز بنزاهة وشفافية.لكنها تحتاج الى فترة طويلة لكي تكتسب خبرة ونضجا سياسيا لقبول الاخر ومنح استحقاقاته.ومن جهة اخرى ان اقليم كوردستان يخطو نحو الديمقرطية بشكل افضل قياسا عما هو سائد في المنطقة عموما.
    لكي تنفذ فقرات القرار البرلماني المذكور ولتحقيق الفقرة 12و17 ارى ووفقا لتحليلي لمجريات الاحداث وتكملة لمتطلبات الكلدان من وجهة نظري ما يأتي:
اولا :اعادة النظر في عملية تمثيل الكلدان في البرلمان الكوردستاني لكي تتاح فرصة امام المكون الكلداني للتعبير عن هويته القومية ومشاركته في صناعة القرار السياسي لغرض بناء الاقليم .
ثانيا : تحديد وبل الغاء النفوذ القسري لمجلس الشعبي الكلداني السرياني الاشوري على الكلدان اذ ان هذا المجلس لايمثل الشعب الكلداني فهو يمثل شعبا مصطنعا بقرار سياسي ونفوذ شخصي من قبل وزير المالية السابق في حكومة الاقليم (سركيس اغا جان).
ثالثا :ولما كانت غاية المجلس الشعبي بداية توحيد الخطاب السياسي للاحزاب المنطوية تحت مظلتة الا انه تحول الى حزب سياسي لمنافسته الاحزاب نفسها في الانتخابات وهذ النقيض في عينه.
رابعا:توزيع التخصيصات المالية بشكل متساوي يعتمد على الحجم السكاني للحزب ويحدد من صلاحية المجلس الشعبي في استحواذه على الحصة الكبيرة من الاموال المخصصة للاحزاب ومنظمات المجتمع المدني.
خامسا :طالما لوجود ثغرات في عملية الانتخابات البرلمانية اقترح منح صلاحية لرئيس الاقليم لتعيين اعضاء من الكتل غير الفائزة بمقاعد برلمانية لاي سبب كان،لتشارك في عملية التشريع القانوني،ولكي لاتشعر بالتهميش في الوطن.
سادسا : الغاء الازدواجية في التعامل مع الكلدان قوميا ودينيا اي ارى من الضروري جدا التعاطي مع الاثنيات القومية على اساس قومي لاديني كما هوجاري حاليا في الاقليم والحكومة المركزية.فمثلا وقد اوفد برلمان كوردستان وفدا الى البرلمان الاوربي من 7 – 11 من شباط 2011يمثل المسيحيين واعضائه من المجلس الشعبي الكلداني السرياني الاشوري.بالطبع هذا الوفد لايمثل الشعب الكلداني ولايمثل المسيحيين لان هناك مسيحيين كرد وارمن وتركمان في كركوك.
سابعا :اعادة النظر في المادة الخامسة من دستور اقليم كوردستان العراق التي تسمي الاقوام في كوردستان،اذ جاءت تسمية الكلدان السريان الاشوريين تلك التسمية التي فرضت على لجنة صياغة الدستور من قبل اغا جان وباعترافه الشخصي في مقابلة صحفية  معه من قبل موقع عينكاوة الالكتروني عندما قال (حدثت اشياء كثيرة في غيابي وقد صححتها)وان يكون البديل الكلدان والسريان والاشوريين.
ثامنا :لكي ينفذ القرار البرلماني الذي نحن بصدده على مشاركة الكلدان في اللجان المقترحة لكي تكتمل عملية دراسة احتيجات المتظاهرين بشكل معقول وملموس وحيادي.
  تاسعا : شمول الكلدان النازحين من المناطق الاخرى من العراق بنفس  الحقوق التي يمتاز بها غيرهم من الاسكان والتعليم والعمل طالما انهم سكان المنطقة اصلا،حيث لوحظ وكما وصلنا تمييز واضح ضدهم لعدم منح فرصة الحصول على السكن الذي وفرته حكومة الاقليم في بعض القرى الكلدانية اسوة بالاخرين.

102
احتمالية التزوير في التعداد السكاني
وتضرر الكلدان ثانية
الدكتور عبدالله مرقس رابي
بروفيسور في علم الاجتماع


     نظرا لاهمية التعداد السكاني الاكاديمية والميدانية ,خصصت هذا المقال لتوضيح بعض الامور التي قد تحصل اثناء التعداد من قبل بعض المتنفذين .التعداد السكاني هو مسح اجتماعي شامل للمجتمع ,توضع البيانات المفصلة والمستحصلة من المسح لوضع برامج التنمية الشاملة لغرض دفع عجلة التقدم للمجتمع .واحيانا اخرى تستغل نتائج التعداد لتحقيق اغراض سياسية ,وبالذات لاجل المناطق المتنازع عليها ,او لتقرير حصة الجماعات المحلية العرقية والاكثرية في البرلمانات والمناصب الحكومية.
     وقد يحدث هذا الاستغلال في المجتمعات ذات النظام الطائفي والقومي في المنافسات السياسية التي تتمثل في المجتمعات النامية حيث الضعف في الوعي السياسي وعدم الاستقرار في وضع قوانينها ودساتيرها,  بينما ينعدم الى حد ما في المجتمعات التي قطعت شوطا كبيرا في تجربتها الديمقراطية والمنافسة السياسية التي تبنى على اسس مبدئية علمانية وعلى القانون الوضعي الذي يستمد قوته من المجتمع.
      اذا كان الغرض من نتائج التعداد هو التنمية المجتمعية ,فعملية التعداد تسير خطواتها بشكل سليم لا غبار عليها ولم تكن في موضع الشك.واما اذا سبقت عملية التعداد صراعات سياسية طائفية فهنا تكمن المشكلة العويصة في التلاعب والتزوير في نتائج التعداد لصالح القوى المتنفذة في المجتمع.وهذا هو بيت القصيد في التعداد السكاني المزمع عقده في العراق.
     يعيش المجتمع العراقي في ظروف اجتماعية وسياسية غير مستقرة ,حيث الصراعات السياسية ذات المغزى الديني الطائفي والبعيدة عن المفاهيم الوضعية التي تسند وتحقق الاستقرار الاجتماعي ,والخلط والتشويه في المفاهيم القومية,ونفوذ اصحاب المصالح والمال,والتأثير في الراي العام من قبل رجال الدين في كل الاديان باساليبهم التخويفية المرعبة للبسطاء من افراد المجتمع. ولاجل هذه العوامل يمكن التنبؤ ان التزوير وتغيير نتائج التعداد جائزةفي العراق.                             
     السؤال المهم الذي يمكن طرحه هو : كيف يمكن اجراء التزوير في نتائج التعداد السكاني؟
صرح رئيس الجهاز المركزي للاحصاء (مهدي العلاق) حول التعداد قوله(ان معالجة البيانات بعد عملية التعداد ستتم في مركز ادخال ومعالجة البيانات الخاص وان هذا المركز صمم وفق احدث المواصفات ,وسيكون له دور كبير في ادخال البيانات الخاصة بالتعداد واظهار النتائج في وقت قياسي)وعن امكان الخطأ واحتمال اثارة بعض المشكلات لاسيما في بعض المدن مثل كركوك قال(تم رفد المركز ببرنامج احصائي حديث لاتحتمل نسب الخطأ وسيتم اختباره قبل استخدامه في عملية فرز الاستمارات).
     اتفق مع رئيس المركز الاحصائي على تصريحه على توفر الاجهزة الحديثة ,فهي سهلة المنال ,لكن ماذا عن العنصر البشري الذي يقوم بجمع البيانات ؟اي بعبارة اخرى ماذا عن العدادين وميولهم السياسية ؟وماذا عن تأثير السلطات المحلية على الرأي العام والتوجيه المبرمج للاحزاب السياسية ومظاهر الاستغلال لافراد المجتمع ؟اليس بامكان العداد وضع الاجابة التي تناسب وميوله السياسية؟.
     اذا كانت عملية الفرز للبيانات تتم وفق برنامج متطور وتحت رقابة وطنية ودولية ,لكن عملية جمع المعلومات لايمكن ضبطها طالما لايتوفر العدادالمحايد والمناسب في عراق اليوم.اذ ان عملية التزوير محتملة بالاخص في السؤال المخصص للقومية فهو السؤال المهم الذي يهمنا مناقشته لصلته بموضوع المقال.فمن المعروف في استمارات البحث في العلوم الانسانية اما ان تكون الاسئلة مفتوحة وهذه تستخدم في البحوث الاستطلاعية ,كأن نقول :ما هي قوميتك ؟ونترك الاجابة للمبحوث ,او تكون الاسئلة مغلقة كأن نقول:ماهي قوميتك؟عربية – كردية – كلدانية –اشورية - تركمانية ,حيث يؤشر المبحوث على احد الاحتمالات.
     وبحسب علمي من وسائل الاعلام ان سؤال القومية الموجه للمواطنين في استمارة التعداد هو سؤال مفتوح اي ان الاجابة متروكة للمواطن .وذلك لحساسية الموضوع في عراقنا اليوم فهناك الشبك من يقول انهم عرب واخر يقول انهم اكراد وهذا ينطبق على اليزيديين, ومشكلة الكلدان والاشوريين والسريان التي تعد اكثر المشاكل تفاقما ,اذ تتداخل المفاهيم القومية لعدم وجود رؤية واضحة لافراد هذه الجماعات عن انتمائهم القومي.
     وباعتقادي ان الكلدان سيكونوا اكثرهم تضررا كما حدث لهم في العمليات الانتخابية السابقة وذلك للاسباب الاتية:
1-التاثير المباشر من المجلس الشعبي الكلداني السرياني الاشوري فهو سيعمل بكل طاقاته البشرية والمالية والعلاقاتية مع اصحاب النفوذ لكي يضع برامج لتوجيه الشعب الكلداني لكي يؤشر في استمارة التعداد التسمية المشؤومة المخترعة والمفروضة على عقول الناس (كلداني سرياني اشوري).
2-عدم وجود وعي قومي ذو تأثير على موقف الكلداني من تحديد انتمائه القومي وهذه حقيقة يجب الاعتراف بها وذلك لتداخل المفهوم القومي مع المفهوم الديني عند الاغلبية وتأخر تشكيل الاحزاب السياسية عند الكلدان يعد عاملا اساسيا في تلكؤ الوعي القومي.وعليه نرى التشتت في المواقف ,فبعضهم يميلوا الى الاشورية ليس لايمانهم ان الاشورية قومية بل لتحقيق مصالح شخصية وطموحات سلطوية او وقعوا تحت تأثيرات الصداقةأو القرابة او للنقص في التركيبة النفسية لهم.وبعضهم سيؤشر ان قوميته هي عربية وبالاخص الذين يعيشون في المدن ,واما من هم في المهجر فموقفهم هو موقف اللامبالات كما حدث في عملية الانتخابات .
3- عدم وجود تنسيق جدي بين الاحزاب السياسية الكلدانية في تحديد المواقف والاتجاهات من الممارسات السياسية في البلد .
4 – تلكؤ رجال الدين في الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية من نشر الوعي القومي وعدم التعاون مع التنظيمات السياسية ومنظمات المجتمع المدني مقارنة برجال الدين في الكنائس النسطورية الذين نادرا ما يخلو وعظهم اوكلماتهم في المناسبات العامة من التأكيد على العمل القومي الاشوري.
5 – ومن اهم العوامل تأثيرا هو الانتماء القومي للعداد الذي سيدخل الى البيت الكلداني ,فاذا كان من المنتفعين من خيرات المجلس الشعبي...الخ ومؤيدا لسياسته حتما ان تلك العائلة ستؤشر على القومية المصطنعة حتى ولو اصرت على وضع القومية الكلدانية  اذ كلنا نتذكر ايام الزامنا بتسجيل القومية العربية في التعدادات السكانية السابقة بالرغم من ان بعض العدادين وضعوا القومية الكلدانية لارضاء المواطن لكن فيما بعد شطبت. وماذا لو حصل ان اصبحت حصة عائلة كلدانية من عداد اشوري او متأشور؟حتما ستكون مثل العائلة المذكورة اعلاه التي هي من نصيب المجلس الشعبي .
ومن هذا المنطلق نؤيد رئيس الجهاز المركزي للاحصاء بان عملية الفرز ستتم بتحكم برنامج متطور لايقبل الخطأ بل اخالفه في عملية جمع البيانات اذ لايمكن الجزم بصحتها طالما سيقع العداد تحت التأثيرات السياسية.
ولدواعي الضرورة بهذه المناسبة ولتجنب تشتت الكلدان ثانية اقترح لاحزابنا ومؤسساتنا القومية ما ياتي:
1 – تشكيل لجنة مشتركة من المؤسسات المدنية والاحزاب السياسية للتكاتف والتنسيق لوضع برنامج مكثف لنشر الوعي القومي وتوعية افراد شعبنا الكلداني باهمية التعداد السكاني للكلدان.
2 – تشكيل لجنة من مختلف التنظيمات للتنسيق مع المؤسسة الكنسية لتمارس دورها في هذا المجال .
3- يفضل ان يتم تعداد شامل لكل الابرشيات الكنسية يسبق التعداد الرسمي لكي تتم المقارنة بين النتيجتين وبذلك ستكشف كل محاولات التزوير والتاثير.وهذه عملية بسيطة جدا لاتكلف الاالقليل ويمكن الاستعانة  بخبراء في الاحصاء وعلم النفس والاجتماع من ابناء الابرشية.
4- تحميل المجلس الشعبي الكلداني السرياني الاشوري رسميا المسؤولية في التاثيرات المحتملة على ابناء شعبنا قبل التعداد وتذكير هذا المجلس ان التعداد هو اختبار ميداني علمي لاختيار الفرد انتمائه القومي بحرية لا بالفرض القسري كما حدث في الانتخبات البرلمانية .وعليه ناشدوا المجلس المتنفذ ان يترك الفرد في تحديد شعوره القومي.
5 – تكثيف اعلامي لكتاب شعبنا في الصحف المحلية والمواقع الالكترونية  طالما نفتقد لمحطة تلفزيونية .
6 – ليكون من واجبات اللجنة اخبار السطات المحلية رسميا من احتمال وقوع التاثيرات الجانبية في عملية التعداد من فبل العدادين. 

     
 
       
   

103
نعم الكلدان
بحاجة الى التذكير باصولهم وتراثهم

الدكتور عبدالله مرقس رابي
استاذ في علم الاجتماع


   يخضع المجتمع البشري بحكم عوامل حتمية التغير الى جملة من المؤثرات التي تحوله من حالة الىاخرى. وقد تختلف هذه المؤثرات زمانيا ومكانيا بحسب طبيعتها وقوة تأثيرها ومدى مقاومة العوامل الداخلية المحافظة لتلك المؤثرات.وبحكم هذا التغير فان العناصر الحضارية التي تتكون منها الحضارة تتبدل لكي تنسجم مع الواقع الجديد للمجتمع.
    كانت الاسرة في المجتمع التقليدي هي المؤسسة الاجتماعية الاساسية التي تقوم بوظيفة الحفاظ على التراث ,لكن بحتمية التغير المشار اليه تحولت العديد من وظائفها الى المؤسسات الاخرى كالمؤسسة التعليمية والاعلامية والسياسية مثل التعليم والاقتصاد والترفيه, واقتصرت على تأدية الوظائف العاطفية والجنسية والانجاب. اما الحفاظ على التراث فكانت الاسرة تقوم كليا بتادية هذه الوظيفة الهامة بالنسبة لموضوعنا (التذكير)قديما انما اقتصر هذا النشاط في التأثير على شخصية الابناء في الفترة المبكرة من عمرهم.ولكن عند مشاركتهم في الانشطة المختلفة عبر المؤسسات الاجتماعية تؤثر في مواقفهم واتجاهاتهم نحو موضوع الاصل والتراث والانتماء,وقد تتفق مفاهيمها مع تلك المفاهيم التي تلقاها الفرد من اسرته فتزيدها دعما واصرارا او قد تختلف معها فتؤثر عليه سلبا .اذ ان بعض الاسر مثلا لاتهتم باي شكل من الاشكال بتنمية روح  الانتماء القومي والاعتزاز بالاصل والتراث وحتى احيانا باللغة التي تحدث بها اجدادهم في تريية الابناء ,وهذه تعتمد على مدى وعي الوالدين باهميتها,او بسبب الاتجاهات السياسية لهما التي لاتكترث اهمية لهذه الظواهرالاجتماعية,وقد تضطلع  الضغوط السياسية السائدة في البلد وفلسفة الحزب الحاكم كما كانت الحال في عهد النظام البائد دورا مهما في تغيير المفاهيم القومية لدى الافراد,وما الزام المواطنين من الكلدان والسريان والاثوريين في تسجيل القومية العربية في خانة القومية الا نموذجا واضحا لدور الضغوط السياسية في التأثير السلبي في مواقف الافراد.ويضاف على ذلك مكونات المادة الدراسية في المدارس التي توضع مناهجها تأثرا بفلسفة الحزب الحاكم,وهذا ما جرى ايضا في عهد النظام السابق.ونتمنى بهذه المناسبة ان لاتحاول اليوم بعض الجهات بالضغط السياسي في الزام المواطنين على تدوين القومية التي تتفق ومصالحهم السياسية في العراق الذي يخطو خطوات في الديمقراطية .وان تتذكر تلك الجهات كيف عانت من هذا الضغط في التعدادات السكانية السابقة.
   ومن العوامل المهمة التي تدفع المسؤولين الى التذكير للاصول القومية والتراث ,الاوضاع السياسية السائدة حاليا في البلد ,تلك الاوضاع التي افرزت المفاهيم الدينية والقومية في تشكيل الاحزاب السياسية ورسم سياسة البلد الداخلية والخارجية وفقا للتقسيم الطائفي والقومي .فما على الكلدان الا انماء الروح القومية والوطنية لكي تمكنهم التواصل والتكيف مع هذه الاوضاع .
   ان الكلدان لايتساوون في مشاعرهم القومية ومعرفة الاصول القومية والتراث- هذا ينطبق على كل الاقوام- بحكم قانون الفروق الفردية, وذلك لتأثير العوامل المشار اليها ,وعليه نرى ان العديد من الاشخاص بحاجة الى التحفيز الغرائزي النفسي للتذكير باصولهم القومية وتراثهم.فهناك من لايميز بين الدين والقومية والطائفة ,وغيره لايعير اهمية لاصوله القومية واخر ليس له المام بالتاريخ لكي يمكنه من التعرف على انتمائه القومي,وبعضهم لايتكلمون لغتهم القومية لاسباب متعددة منها التنشئة الاسرية والخوف السياسي والتغيير الديني فهناك من المسلمين في جنوب العراق مثلا لهم مشاعرهم للانتماء للقومية الكلدانية بالرغم من ذلك لايتكلمون الكلدانيةالمعاصرة  .
   من غرائب الامور عند بعض الكتاب يترفعون عن مسالة تذكير الكلدان بانتمائهم القومي لان الكلدان ليسوا بحاجة لذلك,انما في كل المناسبات والمقالات التي تنشر من قبلهم يشتكون ويتذمرون من رجال الدين في كنيستنا الكلدانية الكاثوليكية لانهم يمارسون الطقوس الدينية ويقيمون الصلاة باللغة العربية واستبدلت الاناشيد والالحان التراثية التي ابدعوا اجدادنا بتنظيمها باخرى غريبة على ذوقنا ومسامعنا ولايشجعون على تدريس لغتنا.الايستحق هذا تذكير بتراثنا واصولنا الكلدانية؟
وهذا يعني بوضوح ان رجال الدين بحاجة الى التذكير بالتراث,فكيف الحال عند البسطاء من افراد شعبنا الكلداني ياترى؟ وعليه يجب ان نركز على ما نكتبه لكي لانقع بالتناقض في التفسير.
    ان مسألة التذكير بالتراث والانتماء القومي مهمة جدا اذ نرى سنويا وبشكل ثابت تقوم الحكومات الوطنية باقامة ودعم مشاريع المهرجانات السنوية التي تبرز التراث الشعبي على مستوى الوطن وتقام ايضا مهرجانات محلية في كل مدينة وقرية للتذكير بالانتماء القومي والاعتزاز بالتراث الشعبي للاجيال الحالية .و نجد في معظم البلدان مراكز علمية اكاديمية مختصة بالحفاظ على التراث وادامته ,وما فائدة مثل هذه الانشطة الا التحفيز للانتماء القومي والوطني لافراد المجتمع.
   ولما ان هذا الموضوع قد طرح بمناسبة التعداد السكاني المزمع اجراؤه في العراق قريبا ,اذا نحن بحاجة ماسة جدا بان تقوم احزابنا القومية الكلدانية بتذكير الكلدان باصولهم العرقية وتراثهم وامجادهم واهمية التاكيد على تثبيت القومية الكلدانية في استمارة التعداد السكاني وابعادها السياسية والاجتماعية ,وذلك عن طريق مختلف الوسائل الاعلامية لتحقيق الوعي القومي لابناء شعبنا ,ذلك الوعي الذي يدعم وجودنا القومي على ارض اجدادنا. اذ ان التعداد السكاني سيبين للجميع الثقل الديمغرافي للكلدان في العراق, وفي ضوئه ستعالج العديد من القضايا التي تهم شعبنا الكلداني. فالاحزاب السياسية والمنظمات المدنية الكلدانية الاخرى هي البديلة عن الاسرة اليوم لتقوم بهذه الوظيفة الاجتماعية .
   


104
الضغوط النفسية
بين العمل والحياة الاسرية
الدكتور :عبدالله مرقس رابي
بروفيسور في علم الاجتماع


      يؤثر التقدم التكنولوجي السريع في الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية للمجتمع البشري.ومن مظاهر هذا التأثير هو خلق فجوة بين طبيعة العمل الذي احدتته التكنولوجية والحياة الاسرية,تلك المؤسسة التي تعد من اهم المؤسسات الاجتماعية التي يتكون منها البناء الاجتماعي التي تضطلع دورا مهما في التنشئة الاجتماعية للابناء.اذ تشير الدراسات وابحاث منظمة الصحة العالمية ومكتب العمل الدولي  الى ان مشكلة الضغط النفسي تعد من اخطر المشاكل في وقتنا الحاضر لانها بمرور الزمن تؤثر علىصحة الافراد وتتحول الى امراض عضوية او نفسية معقدة او الى مشكلات اجتماعية وتهدد المصالح العامة ما لم يحسن الفرد التعامل معها, وقد اشارت نتائج الابحاث الدولية الى :
  1-  يعاني 60%من العمال الاوربيين من الضغوط النفسية.
2- يجد 66%من العمال الكنديين الصعوبة في التوفيق بين العمل والحياة العائلية.
3- يقضي 600 مليون من القوى العاملة في العالم اي بنسبة 22% اكثر من 48 ساعة اسبوعيا في العمل .
4- ان 75% من المشكلات الصحية في الولايات المتحدة الامريكية لها علاقة بشكل او باخر بالضغوط النفسيةمثل ,القرحة ,الصداع النفسي, ضغط الدم ,الارق, دقات القلب غير المنتظمة و غيرها.
5 – تقتل حوادث العمل 6300 شخص يوميا حول العالم اي تسبب في قتل 2.3 مليون سنويا وتاتي في مقدمة اسبابها الضغوط النفسية الناجمة عن الارهاق بسبب ساعات العمل الطويلة.
      يدل من هذه النتائج ان التكنولوجية الحديثة اثرت في الحياة النفسية والصحية والاجتماعية للقوى العاملة في العالم بسبب التغير الذي حصل في طبيعة وخصائص العمل الذي يزاوله الفرد .فالعمل التفليدي ذو الخصائص الاجتماعية التي تدعم الترابط الاسري تغير الى نموذج من العمل الصاخب والذي يتطلب الانجاز السريع والبيروقراطية المحددة بلوائح قانونية صارمة لايتخللها نوع من العواطف بل يجب تنفيذها والا سيفقد العامل عمله.وتعد ظاهرة قضاء الفرد ساعات طويلة في العمل لكي يستطيع مواكبة الارتفاع في المستوى المعاشي في الحياة العامة من اخطرها في تكوين الضغوط النفسيةوبالاخص عند الام العاملة.
يمكن تعريف الضغط النفسي:درجة استجابة الفرد للاحداث أو المتغيرات البيئية في حياته اليومية وهذه المتغيرات ربما تكون مؤلمة تحدث اثارا فسيولوجية لكنها تتباين بين الاشخاص وفقا لقانون الفروق الفردية.واهم مؤشرات الضغوط النفسية اضطرابات في النوم, اضطرابات الهضم ,اضطرابات في التنفس,خفقان القلب,التوجس والقلق على اشياء لاتستدعي لذلك,اعراض اكتئابية التوتر العضلي,الغضب لاتفه الاسباب ,التفسير الخاطىء لتصرفات الاخرين,الاجهاد السريع.
   أما كيف تتكون الضغوط النفسية ؟يؤدي التقدم التكنولوجي وظروف العمل الحديث وما يقضي الانسان من ساعات العمل الطويلة وقد تصل احيانا الى16ساعة يوميا الى زيادة الاعباء على النفس البشرية اذ لايتحمل النفس اعباء فوق الطاقة ,  ولا عضاء الجسم قابلية محددة  لكي تقاوم الارهاق الجسدي والنفسي الذي يبذله العامل, فكلما تضاعفت ساعات العمل تضعف من قابلية الجسم للعمل,  فينتج عنها زيادة الضغوط على الجسم وثم العقل مما يؤدي الى استنزاف الطاقة وتدميرها والنتيجة تكون الانهيار لان الغدد لا تعمل بصورة طبيعية مما تزيد من حالات الانفعال والغضب والكآبة والوسواس القهري والقلق النفسي لفقدان الفرد التركيز والسيطرة على الذات وهذه تزداد خطورة عند المتزوجين واولادهم .
   تنسحب خطورة هذه الحالة على الحياة الاجتماعية للاسرة,حيث كشفت الدراسات الاجتماعية وجود علاقة بين العمل غير الاعتيادي وارتفاع نسب الطلاق والانفصال والفقر وسوء تنشئة الابناء وسبب انحرافهم.ولعله ان هذا التأثير يكون اكثر فاعلية عندما يعمل الزوجان ولساعات عمل طويلة. ومن ابرز مظاهر التوتر الاسري هي.
1-سوء العلاقة بين الزوج والزوجة ,ان كلا الزوجين بحاجة لبعضهما لكي يحققا انفعالاتهما النفسية والجسدية في تبادل العواطف التي تدعم العلاقة الاجتماعية الموجبة بينهما وبالتالي تسود حالات التفاهم والرضى والانسجام.اما اذا صرف الزوجان وقتا طويلا في العمل يؤدي ذلك الى الانهماك الجسدي والنفسي واثناء الرجوع الى الدار قد لايستطيعا الانصراف الى تبادل الحديث والعواطف وخصوصا لانشغال الزوجة في ترتيب الامور المنزلية فهي مضطرة لتحضير وجبات الطعام ,التنظيف,الغسيل ,وتهيئة مستلزمات الاطفال وتوصيلهم من والى اماكن انشطتهم اليومية من المدارس والنوادي.ولايحس كل منهما الاانه بحاجة الى النوم لاستعادة القوى النفسية والجسدية والعقلية.وتكرارا لهذه الوضعية تؤدي الىفقدان     اواصر المودة والحب  بينهما وتبدأ تدريجيا علامات الانفعال لاتفه الاسباب والقلق والانهيار العصبي والنتيجة تكون التشنج في العلاقة الزوجية لعدم التمكن من القيام بواجباتهما الزوجية تجاه الاخر واخيرا تحدث المشكلات الاجتماعية التي تتفاقم يوما تلو الاخر ويتندم عليها كلاهما.
2-من ابرز نتائج سوء العلاقة بين الزوجين هي اللجوء الى الادمان على الكحول اوالمخدرات للتنفيس والتهرب من الحالة التي يعيشها .وهذه تكلفه اموالا قد لايستطيع تحقيقها من العمل وعليه قد يرتكب جرائم متنوعة لغرض الحصول عليها.ولعدم تحقيق احد الزوجين رغباته العاطفية والجنسية وقد يلجأ الى اشباعها خارج الاطار الاسري وبشكل غير شرعي وبالاخص عند وجود الجموح الجنسي لدى احدهما .تكفي هذه الاسباب ان تكون عاملا للطلاق او الانفصال في المجتمعات الغربية .انما تتطور في المجتمعات الشرقية الى القتل.
3 – تؤدي الضغوط النفسية بسبب العمل الشاق الى سوء تربية الابناء .
   طالما يقضي كل من الاب والام اوقاتا طويلة في العمل يؤدي ذلك الى الاهمال في تربية الابناء وبالذات في اعمار الطفولة والمراهقة اذ هم بامس الحاجة الى رعاية الوالدين.وقد يتوهم البعض عندما يتصورون ان رعاية الام كافية للابناء, فمتابعة الاب والتعبير العاطفي تجاههم بالحنان والحب والتساؤل عن انشطتهم اليومية لاتقل اهمية عن رعاية الام.فاذا فقد الابناء هذه الرعاية المباشرة من كلاهما بسبب الضغوط النفسية الناجمة عن ظروف العمل الشاق سوف يبحثون عن بدائل اخرى لاشباعها  وبالذات اصدقاء السوء  فاذا كان لاحدهم استعدادا للانحراف ستكون البيئة الجديدة مهياة ظروفها لتطوير ذلك الاستعداد .
قد يكون هذا الانحراف الادمان على المخدرات أو الكحول أو الممارسات الجنسية المبكرة وقضاء اوقات طويلة خارج الدار ولساعات متأخرة ليلا,وتكون النتيجة التخلف الدراسي مما تؤثر الحالة هذه في حياتهم المستقبلية او الاصابة بالامراض النفسية لان الشعور بالنقص من الحنان والرعاية من قبل الوالدين تؤدي الى تبلور الشخصية السايكوباثية عند الانسان فتحبط عنه امكانية التكيف الاجتماعي في المجتمع بصورة متكاملةٍٍٍٍٍ.
    قد يظن البعض بوجود بديل لرعاية ابنائهم مثل  الاجداد او احد الاقرباء او الخدم سيعوضون رعاية الوالدين ذلك وهم كبير وتهرب من المسؤولبة .اذ دلت الدراسات ان الحرص الشديد او الدلال المفرط من قبل هؤلاء يؤدي الى عدم التوافق مع تربية الوالدين مما يحدث صراع نفسي لدى الابناء بسبب التناقض بين تربية الوالدين وتربية البدائل المذكورة مما يحدث هذا الصراع ازدواجية في سلوك الابناء .
4- يلاحظ ان اثر الضغوط النفسية الناجمة عن ظروف العمل الشاق وساعات العمل الطويلة تبرز بوضوح عند الجماعات المهاجرة في البلدان الغربية لان المهاجر دائما يهمه اللحاق بالمستوى المعاشي لابناء البلدالمضيف او يحاول التعويض عن ما فقد من اموال قبل الهجرة لكي يستطيع اشباع عقدة النقص التي يشعر بها كل مهاجر تجاه افراد المجتمع الاخرين.وقد يتوجه كلا الوالدين الى العمل ومهما تكون ساعات العمل ,اويقضي ساعات طويلة في عمله الخاص دون اعارة اهمية للابناء وحاجتهم اليهما فعليه يفقدون بمرور الزمن السيطرة على الابناء وتوجيههم دراسيا وسلوكيا وتخليصهم من اصدقاء السوء.او يتخبط المهاجر في التربية ما بين ما تعلم من وسائل في مجتمعه القديم والوسائل المتاحة لتربية الابناء في المجتمع الجديد لعدم ادراكها او الجهل بقوانين البلد التي تخص تربية الابناء,وكثيرا ما يتخذون من مفهوم الحرية تعاملا خاطئا مع اركان الحرية الفردية في المجتمعات الرأسمالية.
         
   


 

105
الفرضيات الاشورية الوهمية
والمنطق القديم
تجاه الكلدان
الدكتور/ عبدالله مرقس رابي
بروفيسور في علم الاجتماع

   يعد المقال الحالي محاولة تفسيرية وفقا لمنهج تحليل المضمون احد مناهج علم الاجتماع لتحليل الدراسات الاجتماعية والتاريخية .فهي ليست محاولة تحقيق تاريخي ولا التهرب من التاريخ والاستعانة بعلم الاجتماع كما يظن الذين يفتقدون المعرفة الكاملة بطبيعة العلوم الاجتماعية وميادينها الدراسية ,اذ تعتبر الدراسات القومية من الميادين الاساسية في علم الاجتماع للبحث والتحليل.وذلك عن مايكتبه الكتاب الاشوريين والمتاشوريين من فرضيات وهمية لاتستند على المنطق الحديث في التحليل حول تشويه الهوية القومية الكلدانية.
   وقد دأب الكتاب الاشوريين المعاصرين على الركض وراء الحقيقة المطلقة ولم يصلوا اليها ولن يصلوا وقد خيل انهم وصلوا اليها لانهم يستندون في قياسهم للظواهر على المنطق القديم والبديهيات المألوفة ,وهذه البديهيات تختلف باختلاف الزمكان وهم لايكتفون بهذه البديهيات المألوفة بل يضعون لانفسهم بديهيات خاصة حيث تصير في أيديهم كالسيوف القاطعة يصولون ويجولون ويهاجمون بها كل شخص يكرهونه ,أو يفندون اية فكرة لاتميل مواقفهم اليها .
  نرى هذا واضحا في مقالاتهم وكتبهم ,فاذا احبوا رجلا مناصرا لقضيتهم من رجالات التاريخ رجعوا الى كل عمل قام به أو فكرة فاه بها واخذوا يجمعون الادلة النقلية للبرهنة على صحتها  وصلاحها في كل زمان ومكان ,أما الذي لايخدم مصلحة قضيتهم فكل اعماله وأقواله باطلة حتى التي وجدوا مثلها عند كاتبهم المحبوب.
   ان مشكلة الاشوريين هي كمشكلة الزمان ,فلو نسألهم (متى بدأ الزمان ومتى ينتهي؟وهل بدأ الزمان من نقطة لم يكن قبلها زمان؟وهل ينتهي الزمان في سيره الى نقطة لا يأتي بعدها زمان؟حكوا رؤوسهم ومطو شفاههم وقالوا لك اودعناك,ولعلهم يخشون ان تذهب بهم الى مستشفى المجانين).هكذا تدور عقولهم في حلقة فارغة لايمكنهم جزم ما يهدفون اليه ومايأتون به.
وما هو المنطق القديم الذي يعتمدونه الكتاب الاشوريين؟
المنطق القديم هو منطق(ارسطو طاليس)الذي بقي مرجع المفكرين في جميع العصور حيث اعتقدوا بانه المنطق العام الخالد الذي لايجوز فيه التبديل والتغيير.والمحور الذي يدور حوله منطق ارسطو القديم هو ما يسمى بالقياس,وهذا القياس يتسلسل تسلسلا تدريجيا من المعلوم الى المجهول أو من المقدمات الى النتائج,فمثلا :
لو اراد أحد دراسة ظاهرة التحضر مستخدما  المنطق القديم الاستنباطي للوصول الى الحقائق ستكون احدى بديهياته:
1_يميل المتحضر الى الحوار (مقدمة كبرى)
2_زيد متحضر(مقدمة صغرى)
3_اذن يميل زيد الى الحوار(نتيجة)
وهو يشترط ان تكون المقدمتان صحيحتين لكي تكون النتيجة صحيحة.يعمم الباحث هذه النتيجة دون ربطها بالمتغيرات المستقلة التي قد تؤثر في شخصية زيد من الفروق الفردية والحالة الاجتماعية والتعليمية والاقتصادية اذ ان هذه البيانات تساعده في اثبات مدى صحة الفرضية أو عدمها كما هو معروف في الطريقة الاستقرائية .فأصحاب المنطق القديم يعتقدون ان الظاهرة شيء جاهز قد انتهى أمره ولذا يعدون حكمهم عليه نهائيا لايجوز التبديل فيه.
   يستعمل مثل هذا القياس جريا وراء عواطف الكاتب ومصالحه,فاذا كره شخصا أو جماعة او مجتمعا يتعامل على طريقته المنطقية القديمة,ويستعمل هذا المنطق آلة بيده في سبيل ما يشتهي وما يرغب به,فهو يفرض الثبات في فكرته ويريد الاخرين الاستجابة لمنطقه الساكن ,بينما في الواقع هي متقلبة ومتغيرة من يوم الى اخر ,فهو لايستوعب التناقض في الظاهرة اذ كل شيء هو وليس هو في آن واحد(هيكل).أي ان كل فكرة تحتوي على نقيضها.فالمنطق القديم الذي يلتزمونه الكتاب الاشوريين كما يقول(توماس مور) هو منطق العقائد الموروثة لامنطق المعرفة النامية ولا يصلح لاكتشاف الحقائق الجديدة أو التثبت من صحة العقائد القديمة.وعليه نرى ايضا ان رجال الدين يستخدمون المنطق القديم للتأثير على عقول الناس لينجرفوا وراء افكارهم.ظل هذا المنطق سائدا في تفكير رجال الفكر الى حين ما جاء به عالم الاجتماع الفرنسي(اوكست كومت) 1798-1857الذي ابدع في وضع تسلسل زمني لتطور الفكر البشري(اللاهوتية-الميتافيزيقية-الوضعية).ووضع المنهج العلمي الاستقرائي لدراسة الظواهر الاجتماعية.
   من خلال متابعتي للعديد من الكتابات التي طرحت من قبل الكتاب الاشوريين والمتاشورين توصلت وباختصار مقتضب انهم يستخدمون المنطق القديم للتحقيق من صحة بعض الفرضيات الوهمية التي يستعينوا بها لالغاء الهوية القومية الكلدانية.ومن هذه الفرضيات:
 1-ان الكلدان قتلوا أو دخلوا الى الاسلام
القياس القديم المعتمد
الذين  عاشوا في جنوب بلاد الرافدين من غير المسلمين قتلوا أو دخلوا الاسلام
عاش الكلدان في جنوب بلاد الرافدين
اذن الكلدان قتلوا اودخلوا الاسلام
2-التسمية الكلدانية الحديثة اطلقت على الجماعة البشرية التي رجعت الى احضان الكنيسة الكاثوليكية بعد ان مرت عليها حوالي عشرة قرون تعتقد بالمذهب النسطوري.
القياس القديم المعتمد
النساطرة اشوريون
الكلدان سابقا من النساطرة
اذن الكلدان اشوريون
3-التجمعات البشرية في القرى والمدن المحيطة بنينوى هي آشورية
القياس
الذين  يعيشون على الاراضي المحيطة بنينوى هم اشوريون
يعيش الكلدان والسريان على الاراضي المحيطة بنينوى
اذن الكلدان والسريان اشوريون
4-الكلدان طائفة وليست قومية
القياس
النساطرة الذين دخلوا الكثلكةهم طائفة دينية
الكلدان دخلوا الى الكاثوليكية
اذن الكلدان طائفة
5-الاعتماد على ما كتب بين ثنايا الاسطر لمؤلفين من رجال الدين ,أوأقوالهم الشخصية غير المسؤولة,كما جاء به البطريرك روفائيل بيداويذ
القياس
كل ما يصرح به رجل الدين حتى للامور غير الدينية حقيقة
البطريرك روفائيل بيداويذ رجل دين
اذن ما صرح به روفائيل بيداويذ حقيقة
  تمعن في الفرضيات السابقة كيف انها تبدو ساذجة بالنسبة الى المنطق الحديث الذي يعتمد على الاستقراء,فهي وهمية لاتستند على التحليل العلمي وذلك للاسباب الاتية:
اولا-تعرض سكان بلاد الرافدين من جنوبه والى شماله منذ سقوط الدولة الكلدانيةفي 29تشرين الاول عام 539ق,م الى القتل والتشريد والتهجير والاضطهاد بدأ من الفرس المجوسين ومن ثم الدولة الاسلامية ومرورا بعهد المغوليين وانتهاءا بالدولة العثمانية.فاذا تعرض الكلدان الى هذه الاوضاع في الجنوب فلماذا لايتعرض الاشوريون اليها ايضا؟اذ ان كل الامبراطوريات التي حكمت بلاد النهرين بسطت نفوذها شمالا وجنوبا ولم تستثن احدا من الاقوام مما تعرض اليه الكلدان.واذا قلنا انهم تحصنوا في الجبال فان هذه الامبراطوريات تجاوزتها كما هو ابان الدولة الاسلامية التي يتحججون بها .لابل العديد منها عبرت الى بلاد النهرين من خلالها.فهل من عاقل يدرك ان الاشوريين استثنيوا من تلك الانتهاكات؟
ثانيا-يتجاهل كتاب الاشوريين حركة الهجرات البشرية التي بدأت منذ خلق البشرية ولاسباب متعددة.لعل اهم هذه الاسباب هي:العوز الاقتصادي الذي يؤدي الى المجاعات, الكوارث الطبيعية,البحث عن الامان من بطش بعض الحكام,الهجرة بسبب التمييز العنصري والديني والقومي للاقوام المسيطرة وهذا ما حدث في الماضي ولايزال قائما في العديد من البلدان.
وكثيرا ما تدلنا التنقيبات الاثرية على ان العديد من المدن والقرى قدبنيت على انقاض قرى اندثرت .فهل من المعقول ان سكان البلدات المحيطة بنينوى حاليا هم من الاشوريين الذين سقطت دولتهم قبل اكثر من الفي وخمسمائة سنة؟نرى مثلا ان تلكيف ومنكيش ودهوك وتللسقف وغيرها بنيت على انقاض قرى اخرى مما يدل على التجديد الديمغرافي في هذه التجمعات السكانية.وعليه ممكن القول ان اعدادا كبيرة من التجمعات السكانية المحيطة بنينوى هم من الكلدان مثلما وجد هناك حاليا العرب,الاكراد,التركمان,الشبك بحكم عوامل الهجرة البشرية.
ثالثا_ الاسرى بسبب الحروب.تعد ظاهرة الاسر من النتائج التي تفرزها الحروب في الماضي والحاضر.يتفق الطرفان المتحاربان على تبادل الاسرىفي الحروب المعاصرة في ضوء الاتفاقيات الدولية ,بينما في الماضي الاسرى لايمكنهم الرجوع الى ديارهم لاسباب اهمها:محاولة الدولة الغالبة تشتيت القوى المحاربة للطرف المغلوب لاضعافه ولكي لايتمكن من الانتقام.استخدام الاسرىكعبيد في الاعمال الشاقة,عدم الرجوع بعد انتهاء الحروب لبعد المسافة وعدم توفر وسائط النقل السريعة مما اضطروا الى البقاء ضمن حدود الدولة الغالبة.تشير الحوليات الاشورية نفسها ان ملوكهم عندما كانوا يغيرون على بلاد الكلدان في جنوب الرافدين اتوا باعداد هائلة من الاسرى وتوزعوا في المناطق المحيطة بنينوى .
رابعا- لو افترضنا جدلا ان التسمية الكلدانية اطلقت من قبل الفاتيكان على النساطرة المتكثلكين.لنتساءل لماذا هذه التسمية دون اخرى؟الا يمكن اطلاق الاشوريون الكاثوليك في حينها؟ولماذا لم يطلق عليهم بابلييون,اراميون,اكديون مثلا؟جميعها كانت تؤدي الى الانشقاق وتحقيق مآرب الفاتيكان كما يدعي البعض.علما ان الوثائق تشير الى ان المطران(طيموثاوس)مطران النساطرة الاوائل في قبرص اطلق هذه التسمية على جماعته المتكثلكة وليست الفاتيكان.ومن جهة اخرى ان التسمية الاشورية لاتتجاوز سنين قليلة اطلقت على الاثوريين الذين سميوا بهذه التسمية من قبل البعثات الانكليزية التبشيرية تنافسا مع البعثات الفرنسيةفي مطلع القرن الماضي بدليل واضح من شهود عيان اذ يذكر(كورش يعقوب)في كتابه في ص 13(اصبح تداول التسمية الاثورية في فترة الحرب العالمية الاولىوكانت تسمية غريبة على الاورميين)ولم يذكر يوسف ملك خوشابا في كتابه(حقيقة الاحداث الاثورية المعاصرة)اية تسمية اشورية.واني ارى ان بعض المتاشورين يتحجج بان المفاهيم القومية لم تكن متبلورة في العالم عندما اطلقت على الكلدان ,نعم لم تكن انما سياسيا فقط لكن تسميات الشعوب كانت قائمة انذاك وايضا نرجع ونقول لماذا هذه التسمية دون غيرها؟ولماذا مركز الكنيسة في ديار الكلدان في ساليق؟
خامسا- لا يعني الانشقاق الذي حصل هو استحداث مذهب جديد,لكن المسالة هي عملية التحول من المذهب النسطوري الى المذهب الكاثوليكي .فالمذاهب المسيحية معروفة لدى الجميع وهي الكاثوليكية والارثودكسية والبروتستانية وتفرعاتها والنسطورية وكل من هذه المذاهب تتضمن عشرات القوميات المختلفة.ولم تكن كلمة الطائفة ملحقة بالكلدان فحسب بل انها ملحقة بكل المذاهب الدينية فهو مصطلح تم تداوله في المخاطبات الرسمية في عهد الدولة العثمانية لكل المذاهب سواء الاسلامية او المسيحية اواليزيدية وغيرها.
  ومفهوم الطائفة ماهو الا مصطلح اجتماعي تعني به العلوم الاجتماعية مجموعة من الافراد تتجانس خصائصهم الاجتماعية والنفسية والاقتصادية والحرفية والدينية.ويطلق على مجموعات دينية واجتماعية وحرفية وبالاخص تم تداوله بشكل واسع في القرون الوسطى ولايزال هذا التداول قائما ,بل انحصر في المذاهب الدينية,اذ سابقا اطلق على المجموعات الحرفية ,مثلا طائفة الحدادين والنجارين وغيرهم.واستبدل  فيما بعد بمفهوم النقابة.
سادسا- واما بخصوص الحجة التي يتذرع بها الاشوريون المعاصرين المرتبطة ببعض مايكتبه رجال الدين بين ثنايا الاسطر.أو مايتفوه به .هو عين الصواب انهم لم يتحرروا من عقدة المنطق القديم ,اذ ان الفكر الحديث تحرر من الميثولوجيا وسلطة الكنيسة منذ القرن السادس عشر انما هم يتحججون بما يقوله رجل الدين .اذ ان سلطة رجل الدين هي ضمن حدود المؤسسة الدينية فقط ,ففي المسيحية تقتصر سلطته على ممارسة الاسرار الكنسية المعروفة ولاتتجاوز الى المسائل السياسية والاجتماعيةوالمالية والنفسية وغيرها.ولما كانت القومية والطائفة مفاهيم اجتماعية وسياسية اذن ليست من اختصاص رجل الدين.وحتى اذا كتب اوتفوه بامور غيردينية لسنا ملزمين الانصياع لذلك مطلقا لعدم تمتعه بسلطة دنيوية على افراد المجتمع.وهذا ما اكده ملك خوشابا المعروف عن عدم تمتع مار شمعون بسلطة دنيوية على الاثوريين في مخاطباته الرسمية انذاك مع الحكومة العراقية.فكيف يريد الاثوريون منا في عصر التنوير والمنطق الحديث ان نستجب لما تفوه به البطريرك روفائيل بيداويذ قبل حوالي عشرة اعوام في مقابلة تلفزيونية(كان جدي نسطوري ونحن طائفة).
لنسأل كم من الكتب العلمية اصدر بيداويذ في الشأن القومي والاجتماعي والنفسي والسياسي وحتى التاريخي لكي يتوصل لما تفوه به؟واذا كان جده نسطوريا فهذه ذريعة ساذجة اذ ان اجدادنا كانوا جميعهم نساطرة .ولماذا لم يسأل بيداويذ نفسه من كانوا هؤلاء النساطرة؟وقد كان ضمن النسطورية اقوام متعددة من العرب.الكرد,الاثوريين,الكلدان,التركمان,الافغان وغيرهم .وهذادليل واضح على النقص المعلوماتي له .ولا يعتبر هذا التصريح تصريحا رسميا بل انه موقف شخصي وليس شاملا يتعلق بالامة الكلدانية فالتشبث بما قاله ليس سوى هراء فلم يمثل احدا في قوله الا نفسه.لو كان حريصا على شعبه لاستقر وشارك معاناته في العراق في ظل الحصار الاقتصادي والهجرة والتهجير.بل انه فضل الاستقرار في جبال لبنان حيث الراحة والطمانينة.
سابعا:اما عن المسالة التي يثيرونها في كل المناسبات لايوجد تاريخيا شعب بتسمية الكلدان وانما هم جماعة مارسوا السحر والتنجيم.لست الان بصدد السرد التاريخي فيما يخص الموضوع لكي لااخرج من الاطار الفكري لاختصاصي.بل من مراجعتي المستفيضة للكتب التاريخية تبين ان وجود الكلدان تاريخيا هو قبل الاشوريين وليس الاشوريين الا جماعة منشقة من الكلدان وتوجهوا الى موقع اشور الذي سمي نسبة الى الاله اشور ,حاليا الشرقاط وثم عرفت الجماعة المنشقة نسبة الى هذا الاله.ولم يطلق على الاله تسمية اشور لان الاشوريين عبدوا هذا الاله انما العكس اطلقت تسمية الاله اشور على مجموعة بشرية.
وانثروبولوجيا لا بد هناك سببا لاطلاق تسمية على المجموعة البشرية كما هو سائدا في النظام العشائري,ولم يكن لكل جماعة تكونت تسمية خاصة بها من الخالق وانما بمرور الزمن تسمى باسم ما ولسبب ما.

خلاصة القول ارى ان الذرائع التي يتحجج بها الاشوريون ماهي الا فرضيات وهمية لا تستند على اسس المنطق العلمي الحديث .بدلا من دورانهم في حلقة مفرغة التوجه نحو التعاون والوحدة مع الجماعات العرقية لشعبنا ,الكلدان والسريان والاشوريون. لا لالغاء الاخر وان لاتكون الوحدة على حساب التسمية كما فعل المجلس الكلداني السرياني الاشوري.بل نريد ان تكون وحدة حقيقية فعالة تهدف الى توحيد القرار السياسي لكي ينال شعبنا حقوقه الكاملة على ارض اجداده.والا ان النمو الديموغرافي السلبي هو مؤشر خطير على شعبنا.




 
       



106
لماذا لقائمة أور الوطنية الكلدانيةالمرقمة 392
الدكتور عبدالله مرقس رابي
استاذ وباحث اكاديمي مستقل


  تحيط الامة الكلدانية في هذه الايام بالمؤامرات والدسائس من اطراف متعددة محاولة محو الهوية القومية لاعرق شعب وجد على ارض الرافدين منذ الاف السنين .ذلك الشعب الذي قدم للبشرية جمعاء اصول العديد من المعارف التي اعتمدت عليها العقول البشرية فيما بعد لتبني نظرياتها وقوانينها العلمية لخدمة البشرية.
  باتت معروفة تلك المؤامرات والدسائس لكل فرد في المجتمع العراقي وبالاخص من ابناء شعبنا الكلداني.فالقومية الرابعة التي اخترعها مدبروا المجلس الشعبي لاعطائه التسمية الهزلية لشعبنا هي أخطر مؤامرة وأجهلها ,فبدلا من تحقيق الوحدة بين ابناء شعبنا بتوحيد القرار السياسي شتت الى اربعة اقوام(الكلدان والاشوريون والسريان والكلدان السريان الاشوريين)دون استناد على نظريات وأفكار علمية استقرائية,بل استندوا على القرار السياسي والدعم المالي ذلك العامل المؤثر الحقيقي في استقطاب العديد من اشباه الكتاب الذين يجهلون التاريخ ومعاني القومية والمشاعرالانسانية واسس تكوين الشخصية القومية.ولجموح غرائز التملك وحب الظهور والسيطرةعندهم فهم مستعدون لتغيير اتجاهاتهم ومواقفهم من أجل اشباع هذه الغرائز.ومن جهة اخرى اكتسبوا العديد من ابناء شعبنا لاستغلال ظروفهم الاقتصادية والاجتماعية والنفسية التي افرزتها الظروف الشاذة في العراق,في الوقت الذي تعد الاموال التي انفقت حقا مشروعا لابناء شعبنا بصرف النظر عن الطريقة التي بواسطتها تم انفاقها.وما هذه المحاولة اليائسة من حزب المجلس الشعبي الا مؤامرة غير مباشرة لدعم الوجود الاشوري المتعصب الذي يعاني من عقدة النقص الديمغرافي.
  وأما الاحزاب الاشورية المتعصبة أصبحت أفكارها وادبياتها واضحة للجميع بانها تعيش في اوهام لاتعبر عن الواقع القومي لانها تطلق افكارا وفقا للمنطق الارسطوطاليسي القديم الذي يرفضه المنطق الاستقرائي الحديث,تلك الافكار التي تدعم محو الهوية القومية الكلدانية من الوجود القومي في العالم استنادا على بعض الفرضيات الوهمية التي تفتقر الى الاسس العلمية الدامغة,وقد اثبت المفكرون الكلدان بطلانها.
  ارى شخصيا وللاسباب المذكورة ان قائمة أور الوطنية هي بامس الحاجة في الانتخابات البرلمانية للصوت الكلداني اينما وجد,في القرية الكلدانية ,البلدة الكلدانية,المهجر لدعم المسيرة الكلدانية والنهضة الاجتماعية والاقتصادية والفكرية ,ولاثبات الوجود الكلداني العريق واحباط كل المؤامرات والدسائس ولتكن هذه الاصوات بنادق الديمقراطية موجهة الى كل من يسعى النيل من شعبنا.
د.عبالله رابي|عضو الهيئة التأسيسية لاتحاد العالمي لادباء وكتاب الكلدان


107
الجهل فيما قد علم
الرد على منصور السناطي
الدكتور عبدالله مرقس رابي
بروفيسور في علم الاجتماع



   نشر موقع عينكاوة ومواقع اخرى مقالتي الموسومة (التسمية المركبة لشعبنا ومهزلة العقل البشري )في 4 /8/2009 .وثم نشرت جريدة اكد الغراء المقالة نفسها في عددها 194 الصادر في 19 /8 /2009.وقد رد الكاتب منصور السناطي على المقالة المذكورة في موقع عينكاوة بتاريخ 4/8/2009 وفي جريدة أكد العدد 195   .
   في الحقيقة انني لا ارد على من يقوم مقالاتي لاحترامي لوجهة نظر الكاتب ,فكل انسان ينظر الى الظاهرة من منظوره الخاص وبحسب تأثره بالمألوفات الاجتماعية التي تحيط به ونشأ عليها.لكن في هذه المرة اود ان اشكر الكاتب السناطي لانه نبهني في رده هذا على بعض الامور التي يكررها بعض الكتاب وهو احد منهم في مقالاتهم أو ردودهم على الاخرين .مما قادني الى توضيحها ليس من النظرة الدونية الى الاخرين كما ذكرها الكاتب في رده بل من نظرة تعاونية وتبادل للخبرات .وفيما يأتي أهم هذه الامور التي تشير الى أن الكاتب لم يستوعب ما ورد في المقالة بل رد من أجل الرد كأنما تكليف سياسي :
   1_يشير الناقد الى ان ( مقالتي فيها نوع من التعميم غير الدقيق ) .مما يدل على ان الناقد يفتقر الى الخبرة الاكاديمية وطبيعة الاختصاصات العلمية ,اذ المختص في علم الاجتماع لايقصد في طرحه لاي موضوع الحالة المطلقة وانما النسبية ,وعليه سمي علم الاجتماع  (علم التبعيض )
   2_ ان المقالة لا تركز على المجلس الشعبي بقدر ما هو تركيزها على التسمية المركبة التي اخترعت ,بينما اهتم الناقد بالمجلس ومموله .ففقد الموضوعية في الرد وباعتقادي انها مقصودة اذ غير الكاتب السناطي مؤخرا اسلوب مقالاته التي امتازت سابقا بالاسلوب الادبي الصحفي الى الدفاعي والهجومي غير المبرر .
  3- افتتح عنوان مقالته بعبارة (رد على الدكتور عبدالله) هنا كلمة الرد ليست في مكانها لاني لم اخاطب الكاتب الناقد ولم تجر أية مناظرة شفهية أو تحريرية بيننا ولم يورد ذكره في المقالة .لماذا اذن هذا الرد ؟ فقد حشر نفسه بما لايعنيه وان كان ناشطا في حزب المجلس الشعبي فهو يقول ان المجلس ليس حزبا.يستحسن ان يذكر بدلا من كلمة الرد (تقويم المقالة ) (رؤية تحليلية )وهذا يدل على الافتقار لتحديد موضوع المقالة او البحث الذي يعد من اهم خطوات الكتابة .ناهيك عن ذكر كلمة (السيد ) فهي لم تكن رسالة شخصية اومكتوب رسمي وانما مقال علمي صحفي لابد من ذكر كلمات مثل الكاتب او الباحث .على كل حال ليست هذه مشكلة الكاتب السناطي فحسب وانما العديد من الكتاب .
  4- يقول الناقد (سأذكر بعض الفقرات التي يستوجب الرد عليها لاحتوائها على مغالات مقصودة ) هنا تكمن بعينها ظاهرة الاسقاط الشخصي الفرويدية ,فالشخص الذي يسلك سلوكا ما يحاول اسقاطه على الاخرين ولومهم ليبرر نفسه من تادية ذلك السلوك بحكم اللاشعور لانه يكون في حالة انفعالية .ولكن لماذا أقصد ؟ كل القراء الكرام والاصدقاء وغيرهم يعرفون تمام المعرفة انني لاأنتمي الى اية جهة سياسية او مجلس لكي تتأدلج افكاري .بل انا كاتب وباحث اكاديمي مستقل اكتب مقالاتي بلغة علمية بسيطة مفهومة للجميع اذ اني لاأكتب لافلاطون وارسطو وطه حسين .والشيء الوحيد الذي افتخر به انتمائي الى الامة الكلدانية العريقة ولا اقبل احدا كائنا من يكون ان يمس مشاعري القومية ويغير تسمية قوميتي حسب مزاجه ومصالحه الشخصية ليكون شعبي مهزلة امام الاخرين.ان ما ذكرته هو عبارة عن فكرة اردت ربطها بمتغيراتهاالمعتمدة والمستقلة بشكل مختصر وتقديمها للقاريء الكريم .والباحث الاجتماعي حر في اختيار ما يحس به من الظواهر لتكون موضوعا له .
   5 – يقول الناقد ( تعميم غير دقيق لا يستند على المستمسكات وبراهين او بحوث واحصائيات ميدانية) هذا الدليل الوافي ان الناقد السناطي لم يستوعب ماكتبته علميا .الذي تناولته هو عبارة عن فكرة راودتني هي (التسمية المخترعة لشعبنا ) فهي المحاولة الاولى في عملية البحث العلمي .فكلما يبدأالباحث للبحث في ظاهرة معينة لابد ان تراوده الفكرة اولا وثم الدراسة الاولية وبعدها البحث الميداني الذي يسند بالاحصاءات التي تطلبها .ولمزيد من المعلومات هناك عدة انواع من المناهج يمكن ان يختار الباحث منها حسب طبيعة الموضوع وهي معروفة في عالم البحث العلمي :المنهج الكمي الذي يعتمد على الاحصاءات وليس (الاحصائيات)كم تكتبها انت وغيرك .ويقترن بالبحث الميداني وهذ ا لايقر الا لاغراض اكاديمية أو تنموية في مؤسسة ما .والمنهج الكيفي الذ ي يستخدم الباحث رؤيته الشخصية وامكاناته العقلية لتفسير الظاهرة المدروسة .وهناك المنهج الاستطلاعي والوصفي والتحليلي..الخ.وهنا يجب التمييز بين المقالة العلمية التي يتبع كاتبها المنهجية العلمية والمقالة الصحفية التي تتبع الاسس الصحفية والمقالة الادبية التي يستخدم الكاتب فيها اللغة الفنية للاثارة العاطفية.
   5- يقول الناقد ( التسمية المركبة جاءت بعد المؤتمر الشعبي المنعقد في عينكاوة وحضرته 1200 شخصية سياسية ومستقلة وفي مختلف الاختصاصات فانبثق منها المجلس الشعبي السرياني الاشوري لتكون هذه تسمية مرحلية).
أولا انا لم اقصد تسمية المجلس فلتكن ما تكون ومن حق اي شعوب ان تؤدي الائتلاف وتوحد أهدافها ,انما المقصود التسمية الشنيعة التي اخترعها هذا المجلس لشعبنا فيما بعد.ثانيا لنتساءل من هم 1200شخصية ؟ بالطبع هم ممثلو الاحزاب والجمعيات والمنظمات وبعض الاكادميين ,المهم هنا هؤلاء الاكادميون ,ما هي البحوث العلمية المدعومة بالاحصاءات (التي تريدها انت) والتي قدمت الى المؤتمر ,وكيف تمت مناقشة هذه البحوث ان وجدت من قبل هذا العدد الكبير من المؤتمرين خلال يومين ؟
انا اقول وان حضر الاكادميون في البلدان النامية الى المؤتمرات لابد ان يتلقوا التأثير المباشر او غير المباشر من المسؤولين والممولين للمؤتمر أو الندوة .وقد حضرت العديد من المؤتمرات والندوات في داخل العراق ابان الحكم البائد .كنا نناقش الموضوع بحماس ومداولات علمية واخيرا تصاغ التوصيات بحسب توجيهات القائد الفذ .
ولك هذا المثال على عراق اليوم :قبل شهرين كنت عضوا في مناقشة اطروحة للدكتوراة لاحد طلابنا المقيمين في مدينة كربلاء في علم النفس الاجتماعي ,المهم كنت اقرا الاطروحة لكتابة ملاحظاتي والذي كنت اقرأعبارة عن خطبة في أحد الجوامع  تاركا المادة العلمية المطلوبة واثناء المناقشة قلنا له ما هذا ,اجاب هل تعتقدون الان التعليم مستقل لايتأثر بالايديولوجيات السياسية ؟هذه اطروحة علمية وكيف الحال في مؤتمر عينكاوة ؟.
والمهزلة الكبرى يقول الناقد ان التسمية المركبة هي مرحلية ,ولاأدري اذا كان هذا اجتهاد من السناطي أم لا .أو مخول من المجلس لكي يصرح في ذلك .وقد تفحصت النظام الداخلي للمجلس والمذكرتين المقدمتين الى لجنة صياغة الدستور في اقليم كوردستان والحكومة المركزية  اذ لاتوجد اية اشارة الى ان هذه التسمية موؤقتة . وان كانت كذلك فان هذه مهزلة عقلية تضاف الى الاولى .هل ان مشاعر الناس القومية العوبة يمكن تغييرها بين اونة واخرى ؟ان الافراد يسمون انفسهم بعملية الايحاء النفسي لا بالفرض .وكيف تقول مرحلية وينادي المجلس بتثبيتها اليس هذا تناقض واضح ؟
    6 – يقول الناقد السناطي (أما الادعاء بان الاموال من خزينة الاقليم فهل هناك دليل ؟ ) اولا اقتباسك ناقص انا قلت لوكانت من خزينة الاقليم .على كل حال ان مستمسكاتي الثبوتية هي ما صرح به الاستاذ مسعود البارزاني رئيس الاقليم في قاعة الشهيد سعد بمدينة اربيل مع جمع من مسيحيي الاقليم وهذا نص ما قاله (أنا فخور وأنا أرى بانه تم تحقيق وتنفيذ بعض من مطالبكم وما تبقى من هذه المطالب وبدعمكم نسعى لتحقيقها واكد على معلوماته بخصوص اعادة اعمار 102 قرية مسيحية وبناء 60 ديرا وتعمير 76 ديرا اخرى وتمنى ان لا تبقى قرية واحدة للمسيحيين غير معمرة)المصدر (جريدة الاتحاد الصحيفة المركزية للاتحاد الوطني الكوردستاني ).فاذا من نصدق الاستاذ مسعود رئيس الاقليم ام  وزير المجلس نمرود بيتو؟يبدو ان وزيرنا هذا لايدرك ماذا يجري حوله .
   7- يقول الناقد ان السيد عبدالله دافع عن المطران الدكتور لويس ساكو .هنا ايضا اقتباسك ناقص ذكرته كمثال في سياق الكلام ومعه ايضا الدكتور يوسف حبي الذي اسقطت ذكره وفعلا الدكتورساكو لايحتاج الدفاع ,ولكن لماذا تنسى ماتقوم به في الدفاع عن سركيس آغا جان هل انت مخول للدفاع عنه؟ .
   8- اعتقد ان العبارة ( لايجوز نقد من لم يكن بنفس المستوى العلمي) التي جاءت في مقالتي هي التي اغضبتك غضبا شديدا وبدات تضغط على القلم لكي تنقدني وتقول في عقلك الباطني سالقنه درسا ) اقول للناقد السناطي مرة اخرى لم تستوعب ماقلته لعدم تمييزك بين المستوى العلمي الذي يكتسبه الباحث من الدرجة العلمية التي تمنحها المؤسسة له نتيجة لخبرته و الشهادة الدراسية التي تؤهل الفرد لوضع (الدال )التي ازعجتك كثيرا وذكرت كلمة السيد رابي اكثر من تسع مرات .فهي اجازة للعمل ضمن حقل معرفي بعد اجتياز الطالب البرنامج المخصص .
علما اني لم اذكر ابدا ان الكتابة هي حكر لاصحاب الدال .بل قلت لايجوز نقد من لم يكن بنفس المستوى العلمي من قبل كاتب مبتديء يفتقر الى الخبرة العلمية لاجل النقد وتشويه سمعة غيره أو لارضاء اطراف اخرى على حساب الكاتب .كما اني لم انظر ابدا نظرة دونية الى الاخرين بل احترم كل من يمسك القلم ويكتب مهما كان مستواه الدراسي,ولكن لااحترم من ينقد الاخرين لتحقيق المصالح الشخصية .
   9- نعم يسعى الانسان دائما ان يكون غالبا ويكره ان يكون مغلوبا وهذ قانون علمي توصل اليه علماء الاجتماع ولست انا , والذي يرغب ان يكون مغلوبا فهو ذو شخصية مريضة غير طبيعية اي شخصية سيكوباثية يتلذذ بايذاء الاخرين له والخضوع لهم بمعنى اخر فهو مازوكي .( لاافضل الدخول بالتفاصيل ).
   10 – نعم الانسان يرى الحقيقة من خلال مصلحته والمالوفات المحيطة به .خذ هذه الامثلة لتكون المسألة اكثر وضوحا لك: عندما ينزل احد ضيفا على اسرة من الاسكيمو يلزم بان ينام مع الزوجة حيث الدفىء واذا يمانع سيعاقب الضيف لحد القتل .صادف في احد المؤتمرات عن الجريمة ان بروفيسورا اوربيا قلق جدا على ابنه ,سالناه عن السبب وكان جوابه (لقد تزوج ابني الغبي من فتاة باكر) .وفي القبائل البدائية في مجتمع التبت لايمكن للعريس الدخول على عروسه ما لم يدخل شيخ القبيلة اولا وثم بعده العريس .وعند القبائل الامزونية تعد السرقة من خصال الرجال الاقوياء فالذي لايستطيع النهب والسرقة فهو جبان .اليست هذه امثلة وافية وواقعية تؤكد على ان الانسان يرى الحقيقة تاثيرا بالمالوفات الاحتماعية .فهل الشرقي يفضل الزواج من فتاة غير باكر ؟ هل احد في الحضارات الحديثة يسمح ان تنام زوجته في حضن الضيف ام يعزل في غرفة خاصة ؟هل يقبل العريس في سناط ومنكيش ان يدخل المختار على عروسه قبله ؟اذا هكذا كل من هؤلاء يرى الحقيقة كما نشأ عليها بحكم قانون التمركز السلالي وعلى هذه الظواهر المختلفة بنى علماء الاجتماع قوانينهم وتأتي اليوم وتفند هذه القوانين لكي لاتعترض مصالح المجلس الشعبي . ( للمزيد من الامثلة والمعلومات راجع كتب علم الاجتماع والانثروبولوجية ).
   11 – نعم الانسان اناني ,اذ انها حالة طبيعية عند كل انسان اثبتتها الدراسات النفسية والاجتماعية الحديثة فكل عمل او سلوك يقوم به الانسان لابد ان يحقق شيئا لذاته ويفكر في ذاته قبل الاقدام على ذلك العمل حتى لو كان التعاون مثلا اذ ان تعاونه مع الاخرين يحقق له السعادة ,بناء علاقات  ,الشهرة . لماذا تكتب انت الم تسعى لتحقيق السعادة لان الاخرين يستفيدون الم تسعى للشهرة ,الم تسعى لتكوين الذات ؟فاذا كانت السلوكيات السلمية تعبر عن الانانية فكيف العدائية ؟ وعليه ماذكرنا هي من طبائع النفس البشرية لكن تتباين في شدتها من فرد الىاخر وفقا لقانون  (الفروق الفردية )الذي ذكرته في سياق نقدك .
   12 – يسالني الناقد السناطي .هل قمت باجراء احصائية لتعرف الشعور النفسي والاجتماعي لشعبنا ؟
نعم اجريت دراسة استطلاعية في الاردن على عينة من افراد شعبنا  ( راجع كتابي الموسوم الكلدان المعاصرون )مع هذ ا هناك عدة طرق يتبعها الباحث للاستنتاج كما ذكرتها آنفا .
وانت  تقول ( العكس هو الصحيح فمعظم ابناء شعبنا وكل من له نظرة مستقبلية طويلة لا يشعر بالتمايز كشعب واحد له من المقومات اكثر من اي شعب اخر ) والسؤال هل قمت ببحث ميداني لقياس هذه الفرضية ؟ وهل يحق لك التعميم ولايحق لغيرك ؟

واخيرا اتمنى لك ولكل الكتاب من شعبنا المزيد من الابداع والاستفادة من تبادل الخبرات فالحياة مدرسة نتعلم منها جميعا والتعلم لاينتهي بالحصول على الشهادة الدراسية ابدا .فكل معرفة يكتسبها الفرد في حياته هي اضافة لبناء شخصيته الفكرية .


www.acocolege.com

الجامعة العربية لشمال أمريكا المفتوحة    

108
التسمية المركبة لشعبنا
ومهزلة العقل البشري

الدكتور عبدالله مرقس رابي
بروفيسور في علم الاجتماع


    نشر عالم الاجتماع العراقي المعروف الدكتور علي الوردي في الخمسينات من القرن الماضي كتابه المعنون (مهزلة العقل البشري)محاولا تحليل النفس البشرية من خلال تصرفات الفرد وتفسيره للظواهر الاجتماعية ,ذلك الكتاب الذي يقودنا اليوم لتفسير صورة حقيقية لمهزلة العقل البشري فيما يخص التسمية الهزيلة المخترعة لشعبنا والتي لاتستند على أية اسس علمية انما كانت نتاج لعقلية بشرية استندت على القرارات السياسية وعلى النفوذ الفردي المدعوم بالاموال التي استغلت لكسب المواقف الاجتماعية والنفسية لافراد شعبنا الذي يعاني من سوء الاحوال الاقتصادية والامنية في عراق اليوم , فاذا نال الانسان منفعة من شخص ما ارتفعت قيمة ذلك الشخص لديه واصبح من الصالحين ويدعو الله ان يكثر من امثاله .فالاموال التي انفقت لاشباع الحاجات الاساسية من المسكن والماكل والملبس للاسر المنكوبة المهجرة قسرا من الجنوب العراقي ووسطه وماانفق على الاسر المحتاجة والتي تقيم اساسا في المنطقة الشمالية كان مصدرها من المجلس الشعبي,لكن في الواقع هي  من خزينة اقليم كردستان وعليه بكل بساطة كان بالامكان تخصيص المبالغ التي انفقت للتنمية الاقتصادية والاجتماعية  حسب اختصاصات الوزارات التنفيذية كما هو معتاد في الحكومات الاخرى. وان لم تكن فهناك لغز بحاجة الى شخصية باراسايكولوجية لحله.على كل حال مهما كان مصدرها من المفروض ان لاتستغل لكسب المصالح الشخصية والتاثير على مشاعر الافراد في مجتمعنا لتاييدهم كل ما يصدر من المجلس الشعبي وبالاخص ما يتعلق بتسمية شعبنا.
   بدات  العملية خطوة فخطوة فبين ليلة وضحاها سطع نجم لامع لم يكن معروفا لدى شعبنا فاصبح بمثابة المنقذ .فقد لمس العديد من افراد المجتمع المنفعة المباشرة منه .ولقي تأييدا من بعض أخرين ذوي الطموحات السياسية لتسلق السلم السياسي لتقليد المناصب الوزارية .حتى أن بعض الكتاب الجدد واغلبهم يفتقرون الى ابسط قواعد المنهج العلمي في الكتابة ومنهم لنا معرفة شخصية بهم لاتؤهلهم الخلفية العلمية للكتابة روجوا لتمجيد هذا الشخص الاسطوري ومجلسه الشعبي فاعتبروا كل الانشطة التي يشرف عليها هي الحقيقة , بل تمادت اقلامهم اللامنهجية لمجرد انهم يستعملون بعض الكلمات المستعارة من الكتب لتزيين مقالاتهم لنقد احد فلاسفة الكنيسة الشرقية الدكتور الباحث المطران لويس ساكووقد توهموا ان هذاالفيلسوف عندما ينطق بكلمة او يكتبها تكون موزونة على أثر الخلفية العلميةالغزيرةالتي يمتلكها و امتلكهاقبله الدكتور الاب يوسف حبي اللذان تفتخر الامة الكلدانية بهما, لاعلى بعض المقالات التي يكتبها ناقدوهم الذين يفتقرون الى ابسط قواعد النقد العلمي , منها لايجوزللكاتب نقد غيره مالم يمتلك المستوى العلمي نفسه او مقارب له فشتان ما بين هؤلاءوالدكتورساكو  .
   لكن الوصول الى الحقيقة هراء ما بعده هراء فالانسان يسعى دائما ان يكون غالبا ويكره ان يكون مغلوبا ,فهو يرى الحقيقة من خلال مصلحته ومألوفات محيطه فاذا اتحدت مصلحته مع تلك المالوفات الاجتماعية صعب عليه الاعتراف بالحقيقة المخالفة ولو كانت ساطعة كالشمس.فالانسان على توالي الدهور اناني يعيش داخل قوقعته الذاتية وهو لا يرى الحقيقة الا من خلال هذه القوقعة المحصنة ,وكل جماعة من الناس تعتقد ان عناصر حضارتها هي الصحيحة وان قيمها الاجتماعية هي المعيار الثابت الذي يمتاز به الحق عن الباطل .
   وكانت الخطوة الثانية ظهور المجلس الشعبي السرياني الاشوري في 12_13/3/2007 ليكون مجلسا يضم كافة مكونات شعبنا لاستقطاب افكار ابناء الشعب والعمل المشترك ولكن بعيدا عن التوجهات الحزبية والطائفية بحسب ما جاء في المادة3 من النظام الداخلي للمجلس ووضع المجلس اهدافا لخصها في المادة 5 من نظامه الداخلي لاتختلف عن سواه من منظمات المجتمع المدني .ولم يذكر هذا المجلس هو حزب سياسي ام لا .وقد تبين فيما بعد انه حزب سياسي ظهر لمنافسة الاحزاب السياسية الاخرى العاملة في الساحة بدليل اعلانه المشاركة في الانتخابات التي جرت مؤخرا .فمن المعروف عالميا المشاركة في الانتخابات البرلمانية تكون من قبل الاحزاب السياسية أو بعض الافراد المستقلين ,انما المجلس المذكور لم يعلن استقلاليته او عدمها .ألم تكن هذه صورة لمهزلة العقل البشري؟
   نعم كنا والعديد من الكتاب والمثقفين في بداية الامر مع المجلس لسعيه بالدرجة الاساس الى توحيد الخطاب السياسي للاحزاب السياسية وهو عمل نهدف اليه جميعا وحتى الاحزاب السياسية التي لم تنضو تحت مظلة المجلس اكدت في مناسبات عديدة  اننا مع كل عمل هادف يخدم مصالح شعبنا.
  لكن في الخطوة اللاحقة كانت مهزلة العقل البشري( الوردية) جلية في القرار الذي اقره المجلس وعلى اساسه رفع مذكرة هزيلة ومستنكرة الى لجنة صياغة الدستور في المجلس الوطني الكوردستاني  وجاء فيها تثبيت التسمية االمخترعة(الكلدان السريان الاشوريين)وهذه هي التسمية الواردة في المذكرةالمرفوعةفي الفقرة 3. واذاتمعنا في التسمية فانها تعبر عن خطأ نحوي بشع هو حسب قاعدة المضاف والمضاف اليه في اللغة العربية يعتبر الكلدان والسريان مضافين الى الاشوريين طالما ان كلمة الاشوريين جاءت مجرورة والمضاف اليه في اللغة العربية يكون مجرورا,وهذه تعد جزءا من العبارة وليست كلمة او تسمية ,فالمفروض ان تكون(الكلدان السريان الاشوريون). والعتب على الاكادميين والكتاب والمثقفين الذين اعتمدهم المجلس بحسب مقدمة مذكرتهم الموجودة على مكتبي.
 انما وفقا لقوانين علمي النفس والاجتماع وبحسب قانون فرويد العلمي ان هذا الخطا ماهو الا زلة قلم يعبر عنها الكاتب بما هو مدفون في العقل الباطني له ويظهر لاشعوريا اثناء الكتابة او على شكل فلتات اللسان وبطرق شتى لست في صددها الان.اليس هذا تعبيرا صريحا لما هو في العقل الباطني لممول المجلس الكلداني النسطوري آغاجان.(عفوا لم تأت عبارة الكلداني النسطوري هنا زلة قلم لاشعورية وانما تعبير شعوري عن قناعة تامة ان الاشوريين المعاصرين هم كلدان نساطرة اعتمادا على مبدألكل فعل اجتماعي رد فعل ).اليست هذه مؤامرة وهي في بدايتها لطمس هويتنا الكلدانية وهوية السريان ؟ اليست طريقة مكوكية لتعويض عقدة النقص الديمغرافي عند الكلدان النساطرةالمتاشورين .ولان المبادرة هي من فئة تعود الى شعبنا وعليه لايمكن ان نلوم المجلس الوطني الكوردستاني وحكومة الاقليم على موافقته أو عدم الموافقة.
    لااحد ينكر ان هذه االجماعات العرقية عاشت منذ القدم في بلاد النهرين واختلطت فيما بينها على مر العصور عن طريق مايسميه علماء الانثروبولوجية (التملغم البايولوجي)بحيث لا نستطيع انثروبولوجيا التمييز حاليابينهم وهذا الموضوع قد عالجته تفصيليا في كتابي الموسوم (الكلدان المعاصرون)المنشور سنة 2001 وتطرق اليها المؤرخ الكنسي الاب البير ابونا.على كل حال ان الشعب هو واحد بالمفهوم السياسي الاانه اجتماعيا( وهذا هو واقع الحال) ثلاث جماعات عرقية لكن بلغة واحدة وعادات وتقاليد وقيم اجتماعية ودينية واحدة الى حد ما وتاريخ مشترك الى حدما ايضا,انما حاليا لايشتركون مطلقا بشعور نفسي اجتماعي الذي لايدركه العديد من الكتاب انه من المقومات الاساسية للقومية نابع من التنشئة الاجتماعية والتمركز السلالي لافراد الجماعات الثلاث فلا أحد ينكر انتماءه القومي الا لاغراض مصلحية سياسية,وغالبا ماتسمع من احدهم يقول لافرق بيننا لكن في عقله الباطني خلاف ذلك انما هذا تعبير للمجاملات الاجتماعية اليومية وهذه لايمكن تفسيرها الا من قبل الاخصائيين .
   ووفقا لهذا المبدأ ان تحافظ كل جماعة بتسميتها افضل من اختراع تسمية تعبر عن مهزلة العقل البشري ,لكن يجب التأكيد على وحدة الخطاب السياسي لهم تجاه القضايا المصيرية طالما أن اهدافهم واحدة.حقا انها مهزلة اذ تبنتها فئة تبحث عن مصالحها الشخصية واستغلت الطبقات الاجتماعية ذات الدخل الواطيء وبالاخص افراد مجتمعنا السذج في المناطق الريفية .اليست هي تسمية هزيلة تستحدث بقرار سياسي وهذا لم يحدث في التاريخ حتى الاباطرة الذين سيطروا على عدةمناطق جغرافية لم يغيروا تسمية الشعوب المغلوبة .
   قبل اسابيع قدمني أحد الاصدقاء للتعرف على أحداساتذة التاريخ الكنديين فجرى بيننا نقاش بسيط بعد أن سألني عن البلد الذي قدمت منه فقلت بلاد النهرين(ميسوبوتميا) فقال من اية جماعة تاريخية فأجبته كلداني سرياني اشوري ,رد الاستاذ بقوله اعرف هذه الاقوام الى اي منهم تنتمي؟.قلت الثلاثة فابتسم ابتسامة عريضة وقال كيف ذلك ؟
اجبته هذه هي التسمية التي فرضت اليوم علينا في العراق الجديد بحجة اننا ننتمي الى اصل واحد ٍٍاجابني طيب لماذا لا يضاف العرب والعبرانيون اليكم طالما انهم من نفس الاصل بحسب نظرية العالم الاثاري (شلوتسر).
اليس هذا تعبيرا لمهزلة العقل البشري لنصبح اضحوكة بين مثقفي العالم؟كيف يقدم ممثلو هذا المجلس انفسهم الى المسؤولين في البلدان الغربية ؟الايستغرب السامع من هذه التسمية؟بالطبع يستغرب سيكبت الامر ويجامل الضيف فما أكثر المجاملات في هذه البلدان.
   وأخيرا قد يرى مؤيدو هذا المجلس ان محاولتهم لتوحيد الشعب ,انما كانت الحصيلة تفكيك الشعب بدليل ازدياد الهوةوتعميق الخلاف بين الاحزاب السياسية ,فانقسم سكان القرى والبلدات الكلدانية والكلدانية النسطورية والسريانية على نفسها وانقسم الكتاب والمثقفون الى عدة اتجاهات .فاين الوحدةياترى؟
   

109
رسالة مفتوحة الى فخامة رئيس أقليم كوردستان الاستاذ مسعود البرزاني
من البروفيسور الدكتور عبدالله مرقس رابي

تحية وبعد

 سيادة رئيس أقليم كوردستان المناضل مسعود البرزاني جئتكم بهذ الرسالة مستندا بما تحتويه على التحليل الاكاديمي فأرجو أن تعتبرها نداءا أكاديميا غير مرتبط بجهة سياسية معينة .
  فخامة الرئيس
                 لنا جميعا الفخر لانتمائنا الى ارض كوردستان العراق المباركة .واننا احفاد أعرق الاقوام البشرية التي شيدت أقدم الحضارات الانسانية في بلاد الرافدين (الكلدان) .انني لاأرغب الولوج في التفاصيل التاريخية انما سأتناول الموضوع من منظور علم الاجتماع السياسي والاجتماع الاثني .ففي المناسبة انهيت تاليف كتاب علم الاجتماع الاثنيات توا والذي يتناول موضوع القوميات كظاهرة اجتماعية ,وقد توصلت الى مرتكزات اساسية عن هذا الموضوع وابرزها:
 1ـ ان القومية ظاهرة اجتماعية موجودة قبل ولادة الانسان أي بمعنى ان الانسان يولد ومحاط بمجموعة من العناصر الحضارية يتلقاها عبر التنشئة الاجتماعية في اسرته فتتبلور شخصيته القومية بحيث لايستطيع التنصل منها الا لاسباب نفسية ومصلحية مريضة .ومن هذا المنطلق العلمي فالقومية لايمكن منحها للاشخاص بقرار سياسي او التصويت البرلماني . أي لاتمنح من قبل شخص ما أو مجموعة من الاشخاص لجماعة بشرية,فالقومية بالمفهوم النفسي والاجتماعي هي شعور الفرد بالانتماء الى جماعة بشرية .وكم هي سياسة الاتراك في تركيا تعسفية تجاه الشعب الكوردي ,انما لم نسمع يوما ما ان البرلمان التركي حاول التصويت لكي تعتبر هوية الاكراد (الاكراد الترك) .فالبرلمان في راي يناقش مسألة مدى تمثيل الافراد وما عددهم لقوم ما معتمدا على النسبة السكانية لا ان يناقش التسمية القومية او يمنحها.
2ـ من خلال اطلاعي على عدة مصادر علمية وسياسية بحكم عملي الاكاديمي لم أر ولم اسمع ولم اقرأ يوما ما عبر التاريخ ولا في ايامنا ان جماعة بشرية ما منحت اسما قوميا مصطنعا أو ادمجت عدة قوميات لتكون قومية مركبة .ومن خلال مراجعتي لوثائق الامم المتحدة واصداراتها لم يحدث هذا اطلاقا لانها تنافي لائحة حقوق الانسان التي تؤكد على حرية انتماء الاثني والديني للفرد.انما يجري هذا في ظل الحكومات الدكتاتورية لطمس الهوية القومية لمكونات الشعوب في البلد .ولست بحاجة الى تذكيركم بالامثلة فانتم اكثر اطلاعا على هذا الموضوع منا اذ اصبحت سياسات التعريب والتفريس والتتريك واضح لكل واحد في منطقتنا تجاه الكورد والكلدان والاشوريين .ولعل احدث ما قام به الدكتاتور صدام حسين عندما أمر اعادة كتابة التاريخ وفقا لمفاهيمه الشاذة وفعلا نفذ هذا الامر عام 1981 من قبل بعض الاساتذة الزاميا فلو تطالعون موسوعة العراق الحضارية سترون فيها عبارة (الكلدان العرب ) (الاشوريون العرب).
 لكن وفقا لمعطيات التقدم السياسي والحضاري التي تشهدها كوردستان العراق في العقدين الاخيرين في ظل سياستكم الحكيمة للتحولات الديمقراطية ومايرتبط بها من حقوق الانسان على ارض كوردستان والذي اصبح نظاما نموذجيا يحتذى به في الشرق الاوسط ونفتخر به في كل المناسبات العلمية والاجتماعية والسياسية .نأمل أن تحل هذه المعضلة على اسس فكرية واقعية بعيدة عن التاثيرات الشخصية.
3ـ ان اختراع التسمية المركبة (الكلدان السريان الاشوريين)مسالة غير علمية تفندها كل المفاهيم العلمية في العلوم الاجتماعية فلا يوجد تاريخيا ولا حاليا قومية مركبة بهذ الشكل واذا ثبتت فاسمحوا لي ان اقول ستكون نقطة ضعف في البرلمان الكوردي من الناحية العلمية والواقعية والحضارية .
4ـ فخامة الرئيس
                    من متابعتي للاحداث الجارية حول هذه المسالة تبين وجود تاثيرات شخصية على اعضاء لجنة صياغة الدستور ,ففي مقابلة شخصية مع السيد سركيس آغا جان لموقع عينكاوه الالكتروني صرح بعبارة (ان في غيابي ظهرت تغيرات حول هذه المسالة )ما معناه ان وجوده في كردستان له تاثيرات على المسيرة السياسية فيغير توجهات اعضاء البرلمان بحسب ما يرضى به شخصيا .اذ يعد هذا تدخلا خطيرا في شوؤن البرلمان والدولة فيؤثر على مصير الديمقراطية ويفقد البرلمان مصداقيته.
5ـ سيادة الرئيس الا ترون بوضوح ظهور التناقض الصريح في الدولة العراقية طالما ان اقليم كوردستان هو ضمن الاتحاد الفيدرالي العراقي فالدستور المركزي لم يقر مثل هذه التسمية الشنيعة فكيف سيتم التعامل رسميا مع هذه المجاميع .ولعلكم تسأل كم من الذين اقترح لهذه التسمية هم من اصحاب الاختصاصات العلمية الاجتماعية والتي تقع المسالة القومية ضمن اختصاصهم تلك العلوم التي يعد الاهتمام بمفاهيمها ذو اهمية جدية في البلدان المتقدمة وتعتبر احد اسرار التقدم الحضاري في البلدان الغربية .

واخيرا سيادة الرئيس ان الشعب الكلداني ينتظر حسمكم الايجابي لهذا الموضوع طالما من حقكم الدستوري النقض لمواد الدستور فيما اذا ترونها غير ملائمة وذات ابعاد سلبية على الاقليم .فما الضرر من لو ثبتت الواوات بين هذه الجماعات ,فالذي يريد ان يعمل من اجل مصلحة شعبه في كوردستان يكون مسوؤلا من موقعه سواء كان كورديا او كلدانيا او اشوريا او سريانيا او ارمنيا لينال حصته من التقدم الحضاري.
أدامكم الله عزا وفخرا لشعب كوردستان (الكورد والتركمان والكلدان والسريان والاشوريين والارمن)

البروفيسور الدكتور عبدالله مرقس رابي

رئيس قسم علم الاجتماع /الجامعة العربية لامريكا الشمالية

110
لماذا الغضب
على السينودس الكلداني
الدكتور عبدالله مرقس رابي
بروفيسور في علم الاجتماع /الجامعة العربية لشمال أمريكا

 أثارت احدى نتائج سينودس الاساقفة الكلدان الكاثوليك الذي عقد في 5-5-2009 في بلدة عينكاوة الكلدانية المتمثلة بالتوصية لتثبيت التسمية القومية الكلدانية زوبعة من الغضب والانفعال عند بعض الكتاب والتنظيمات السياسية الاشورية والمؤيدة لمجلس الشعبي الكلداني السرياني الاشوري في مقالاتهم وكتاباتهم الصحفية  .
بينما كانت تلك النتيجة نفسها مقبولة وبشدة عند البعض الاخر مما يدل انها حققت أهدافهم واعترضت أهداف الفريق الغاضب .
  ساحاول تحليل مدى أهمية هذه التوصية في ضوء بعض المعطيات الاجتماعية والسياسية والثقافية التي تؤثر في المرحلة الراهنة في مجتمعنا الكلداني , ولكي لاأناقض نفسي فاني من الذين أرى ضرورة عدم تدخل رجال الدين في الامور السياسية للمجتمع بل هنا يستوجب تدخلهم ورفع توصياتهم للجهات التنفيذية لكي نتجاوز المحن والظروف الصعبة التي يمر بها شعبنا الكلداني في العراق اليوم .ومن المبررات التي أراها مهمة لنجعل من توصياتهم عونا ودعما للاحزاب والتنظيمات السياسية الكلدانية مايأتي .
1- المرحلة أو الوضعية الاجتماعية والسياسية التي يمر بها المجتمع العراقي .
   صحيح ان الاتجاه العام للمجتمع البشري هو الفصل بين الدين والدولة ,لكن الوضع السياسي الحرج في العراق يتجه نحو ربط الدين في الدولة باستثناء اقليم كوردستان .فالاحزاب الدينية المهيمنة على الحكم تتلقى تعليماتها وتستمد فلسفتها وبرامجها من الشرائع الدينية ,ولا تستطيع التحرك لاتخاذ المواقف العامة الا بالرجوع الى الزعيم الروحي للطائفة الدينية .
ليكن أيضا تدخل رجال الدين في مجتمعنا الكلداني مقبولا ولو مرحليافي ابداء آرائهم وتوصياتهم ببعض الظواهر السياسية لكي تساعدنا في التكيف للوضع الاجتماعي والسياسي العام,فعلينا أن ندرك اننا نعيش ضمن اطار اجتماعي شرقي لايزال يؤكد على دور الدين في الحياة السياسية .
  ان مثل هذه التوجيهات ليست الزامية ذات سلطة سياسية وقانونية ,انما هي توصيات قدمها السينودس الى الجهات المختصة وصاحبة القرار .فالقرار يصدر بعد دراسة الموضوع من قبل برلمان كوردستان وحكومة الاقليم
وأعتقد ان البت فيه سيكون ايجابي لتثبيت التسمية لانها مطلوبة من قبل كل الاحزاب والتنظيمات الكلدانيةفي البلد.
  2- هناك جدال عقيم بين الكلدان والاشوريين حول التسميةالقومية وهذا الجدل برأي ووفقا لمعطيات واسس علم الاجتماع لاينتهي يوما ما لسببين اساسيين هما :
 اولا : ان ركائز التنشئة الاجتماعية الاسرية اساسية جدا وذات مفعول عميق كبير في تكوين الشخصية القومية فالتأثير الاسري على مواقف واتجاهات أبنائها الاجتماعية تتكون منذ الطفولة وتتحول الى الجزء اللاشعوري من الشخصية ,فهي مستحيلة الزوال من تفكيره الابسبب عوامل خارجية يتأثر بها الفرد لتحقيق مصالح خاصة تعبيرا عن غرائزه الطبيعية ,فالشخص الذي تتغلب عنده غريزة حب السلطة والظهور والشهرة والشعور بالنقص يحاول اللجوء الى جماعات أخرى لاشباع هذه الغرائز ,وكثيرا ما يلعب الاصدقاء دورا في هذه المسألة ,أوعدم اللامبالاة من الاسرة .لكن مهما يكن النكران لقوميتهم ففي دواخلهم كلدان وفي سلوكهم الظاهري هم اشوريون.
 ثانيا : اصرار الجانب الاشوري على التسمية الاشورية والغاء التسمية الكلدانية والسريانية والتحجج أن الكلدان طائفة دينية وتسميتهم مصطنعة من قبل الفاتيكان .(اظن قد عالجنا ومع كتاب آخرين هذا الموضوع فلا حاجة للتكرار).انما أقول لو فرضنا جدلا ان التسمية الكلدانية مصطنعة من قبل الفاتيكان حوالي عام 1551 فالاشورية أيضا مصطنعة من قبل البروتستانت في مطلع القرن الحالي عندما بدأتبشيرهم بين القبائل النسطورية في المناطق الجبلية الوعرة .
  بالمناسبة وقد اثار انتباهي ما جاء في كتيب بعنوان (تاريخ الاشوريين منذ بداية القرن العشرين )لأحد الاورميين (كورش يعقوب شليمون )وترجمة(وليم ميخائيل)في شيكاغو 1995 ولم يذكر المترجم ماهية اللغة التي ترجم الكتيب منها .وهوعبارة عن توثيق أحداث عاشها المؤلف نفسه .ففي فقرة – ماهو اسم قوميتنا يذكر مايأتي :(في فترة الحرب العالمية الاولى اتى الى اورمي بعض اخواننا الاشوريين من ايروان أحدهم كان معروفا ومثقفا عرف باسم الدكتور فريدون اتوريا ,أنا أذكر بدقة هذا الدكتور مع الاستاذ بنيامين ارسانس وزملاء لهم بدأوا بتداول وشرح الاسم الاشوري لاول مرة ففي البداية بدأ غريبا والكثير لم يقبلوا الاسم برحابة .وبمرور الوقت بدأ الاسم بالانتشار الى يومنا هذا )ص13 انتهى الاقتباس.
الا تعتبر هذه شهادة صريحة من رجل مثقف خريج الدراسة الاعدادية منذ عام 1914 وخدم ضابطا في الجيش المسمى(فرقة أورمي)سنة 1918 على أن التسمية الاشورية مصطنعة حديثا من قبل المبشرين البروتستانت .
وهذا ما تدعمه نتائج استفساراتي عن التسمية من رجال كبار السن كلدان وتيارايي واكراد جميعهم أكدوا لي ان التسمية الاشورية لم تكن معروفة لحد السنوات الاخيرة .اذعرفوا عند الاكراد (تياري)واطلقوا عليهم الكلدان (تيارايي)وهي محرفة من كلمة طورايي وأما المسنين من الاشوريين المعاصرين أكدوا ان أجدادنا عرفوا في الماضي القريب حسب مناطقهم الجغرافية أو التسمية القبلية مثل تيارايي,اشتنايي,بزنايي،اورمجنايي..الخ .
   يتبين وجود فرق زمني أكثر من 500 سنة بين التسميتين بحيث أصبح المفهوم القومي الكلداني أكثر ترسخا وعمقا في ذهنية الكلداني من الاشوري الذي لايزال بعضهم لايتدارك هذه التسمية بل يتخبط بين الانتماء الجغرافي والديني والقومي .وهذ واضح من التغيرات التي حصلت في تسمية كنيستهم من الكنيسة النسطورية الشرقية الى الكنيسة الاثورية وثم الكنيسة الشرقية الاشورية وشطرها الثاني الكنيسة الشرقية القديمة والله أعلم قد تتغير في المستقبل الى الكنيسة النسطورية الكلدانية لان مركزها الرئيسي كان في بلاد بابل وليس في قوجانس,وهكذا ايضا بالنسبة الى تسميات الجمعيات والنوادي الاجتماعية والاحزاب السياسية لهم.
   3- يعد هذا التدخل مهم جدا لتجاوز التسمية المصطنعة حديثا التي خالفت كل القوانين الطبيعية والاجتماعية والسياسية تلك التسمية التي أقرها المجلس الشعبي الكلداني السرياني الاشوري ذلك المجلس الذي تصور العديد انه عبارة عن اتحاد بين التنظيمات السياسية والاجتماعية للاقوام المذكورة لكي يحقق بحسب لائحة التنظيم الداخلي له وحدة الخطاب السياسي .لكن بعدئذ تبين ان الهدف الاساسي له هو استحداث تسمية موحدة بحسب مذكرتهم المقدمة الى لجنة صياغة الدستور في المجلس الوطني الكوردستاني حول التسمية الموحدة لشعبنا .
   وفي الحقيقة ان ماجاء في تلك الفقرة مخالف للواقع فالاحزاب السياسية لم تتوحد ولكل من هذه الاقوام اعتزاز وانتماء وارتباط بتسمية قوميته .فالمطلوب هو اتحادهم في الكلمة لا لالغاء الاخر أواختلاق تسمية قومية جديدة تثير مشاعر الناس .فالقومية لاتمنح أو تقر بقانون دستوري أواتفاق أشخاص معينين ,انما القومية شعور فردي في الانتماء الى جماعة بشرية ,وهذا الشعور ناتج عن التنشئة الاجتماعية الت تلقاها ضمن اطاره العائلي والمجتمعي ,والقومية موجودة قبل ولادة الفرد فهو لايرى نفسه بتأثير عمليات النمو البايولوجي والنفسي والاجتماعي الا محاطا بمجموعة كبيرة من القيم والعادات والسلوكيات واللغة .فالقومية لا يصطنعها الانسان ,انما هي التي تكون شخصية الانسان عبر القنوات العائلية المجتمعية عن طريق ما يسميه علماء الاجتماع (التمركز السلالي).
   يذكرنا هذا الموضوع بما أمر به صدام حسين في بداية الثمانينات من القرن الماضي في اعادة كتابة التاريخ من قبل نخبة من الاساتذة الجامعيين الذين ادلجت افكارهم وفقا لفلسفة الحزب الحاكم ,فمن الامور التي جاءت في سياق كتاباتهم للموسوعة التاريخية عن العراق القديم ورود عبارة(الكلدان العرب)و(الاشوريون العرب)و(الاموريون العرب)...الخ.فالتسمية المركبة هي عبارة عن الغاء الشخصية القومية لشعب ما,وليس عدم الرضى بالتسمية المركبة يعني تمزيق الشعب كما يظن البعض ,بل بالعكس ان التسمية المركبة هي التي تؤدي الى ضياع شخصية الفرد في الانتماء وتظهر الازدواجية الشخصية في تصرفه الاجتماعي والسياسي والثقافي.
   4- لماذا عندما يتدخل رجل الدين أويصرح بمواضيع لصالح الاشوريين أو المجلس الشعبي الكلداني السرياني الاشوري الكل بارك الله في ذلك الاسقف او الكاهن بينما الان تدخل اساقفة الكلدان لدعم التنظيمات الكلدانية سلوك غيرمقبول،فعندما نطق البطريرك روفائيل بيداويذ يوما ما وبشكل غير رسمي ان جدي كان نسطوريا أصبحت حجة للاشوريين بان الكلدان طائفة كأنما اصبح كلامه قانونا منزلا .والا يعتبر ما جاء به الاسقف النسطوري عمانوئيل يوسف في كندا عندما أهدى كتابه آشوريون أم كلدان الى الحكومة العراقية مثبتا فيه لاوجود لقومية كلدانية واوصى ان كل ما جاء في كتابه هو الحقيقة !

الخلاصة
         اني أرى كمختص في علم الاجتماع ولمدة 29 عاما واكاديمي لمدة 25 سنة ومؤلفا لعدة كتب وعشرات الابحاث لا يمكن حل معضلة التسمية القومية ابدا طالما ان القومية ظاهرة اجتماعية قبل أن تكون سياسية موجودة قبل ولادة الفرد ولا يمكن منحها قانونيا وان التشبث في التاريخ هدر للوقت .فعليه دراسة الواقع الاجتماعي أولا وترك الحرية للفرد للتعبير عن مشاعره القومية ,ولكي نتحدى المصاعب ونوحد كلمتنا (كلدان واشوريون وسريان)في الاتحاد في جبهة سياسية للتمثيل رسميا في المناسبات السياسية وغيرها دون الغاء الاخر بل الاحترام المتبادل وتوزيع المهام بشكل دوري.
 

 

   
 

111
قراءة تحليلية
لكتاب / آشوريون أم كلدان
للمؤلف /الاسقف عمانوئيل يوسف

الدكتور /عبدالله مرقس رابي
بروفيسور في علم الاجتماع


  قرأت الكتاب الموسوم ( آشوريون أم كلدان / بحث مختصر عن الهوية القومية لابناء كنيسة المشرق المعاصرين في بلاد النهرين) للاسقف عمانوئيل يوسف في كنيسة المشرق الاشورية /الناشر أبرشية كندا سنة 2008 في تورينتو قراءة مستفيضة ودقيقة اذ أنه يعد أحدث كتاب يتناول موضوعا معقدا جدا عن الكلدان والاشوريين من جهة ,و من الكتب الفريدة المكتوبة من قبل رجل دين وبالاخص في الكنيسة الشرقية الاشورية لقلة كتابها .وهذا واقع قد ذكره الباحث نفسه في متن الكتاب .
   في البدء لابد التنويه انني ساعالج هذا التحليل من منظور علم الاجتماع المعرفة الذي يحاول تشخيص العوامل المؤثرة في الكتابة سواء الشخصية منها أو الاجتماعية .وثانيا سأستخدم كلمة الباحث بدلا من أي لقب آخر وفقا الى لغة علم الاجتماع .مع تقديري وفائق احترامي للمؤلف الذي هو اسقف أبرشية .
   وقد بذل الباحث بشكل عام جهدا كبيرا في جمع المعلومات من مصادر متنوعة لمعالجة موضوع على أهمية من الحساسية بين الجماعتين العرقيتين (الكلدان والاشوريون) في فترة تمر الجماعتين بأصعب وأحلك الظروف السياسية والاجتماعية في العراق.وبالرغم من هذا الجهد الكبير تبين من قراءتي للكتاب انه لم يات بشيء جديد فهي معلومات معروفة ومكررة في كتب عديدة باستثناء ما ذكر من عوامل التي أدت الى انشقاق الكنيسة الشرقية القديمة عن الكنيسة الشرقية الاشورية .ومن جهة اخرى يفتقد الكتاب المنهجية العلمية والموضوعية في تناوله لظاهرة البحث .وما يأتي من الملاحظات هي عبارة لقياس مدى تطبيق المنهجية العلمية والموضوعية .
   1 ـ منهجية البحث
      أولا: أول ما يتصور القاريء أن الكتاب يتحدث بحسب عنوانه عن الكلدان والاشوريين بشيء من التفصيل ,لكن تركز فصول الكتاب على الكنيسة الشرقية منذ نشوئها وعلاقتها بكنيسة الرومان الكاثوليكية ,بحيث أن الباحث قد خرج عن الموضوع فمن مجموع عشرة فصول يتحدث في الفصل الثاني فقط عن الجماعتين .وعليه لو كان عنوان الكتاب ( الكنيسة الشرقية نشوئها وعلاقتها بكنيسة الرومان) لكان الافضل .
     ثانيا: لايجوز منهجيا وضع المقدمة كفصل من فصول الكتاب فهي تقع خارج الفصول .ولايجوز تحديد المفاهيم ضمن المقدمة وانما يخصص لها فصل مستقل .
     ثالثا : اعتمد الباحث على مصادر المستشرقين أكثر مما يعتمد على الكتاب الوطنيين من اساتذة الجامعة مثل طه باقر وعامر سليمان وغيرهم .فالمستشرقين كما هو معروف خلطوا الحابل بالنابل في دراستهم لآثار بلاد النهرين لنقص معلوماتهم الجغرافية والديمغرافية والعرقية عن المنطقة .
ومن جهة أخرى ركز الباحث على ما كتبه كل من يوسف حبي وألبير أبونا دون غيرهم .
     رابعا:نلاحظ التكرار للمعلومات في صفحات مختلفة من الكتاب ,وهذا التكرار يدل على عدة امور من اهمها:الضعف في تنسيق وتصنيف المعلومات ,التأكيد على مايبتغي الباحث تحقيقه ,افراغ الباحث ما في عقله الباطني اللاشعوري تجاه موضوع ما ,ويرمز التكرار ايضا الى مدى الغضب والانفعال المتأثر بهما الباحث أثناء الكتابة.على سبيل المثال قد كرر البحث عبارة(كنيسة الرومان الكاثوليكية)وكلمة البابا أكثر من مئة مرة.
     خامسا:تبين من طرحه للمواضيع انه يملك الحقيقة كلها اما غيره فعلى ضلالة.ومما هو مؤكد ان دراسة التاريخ الاجتماعي والسياسي للمجتمعات البشرية ليست ثابتة ومتوازنة عند كل الباحثين,فالمؤرخ غالباما يتأثر بانتماءاته الدينية والعرقية والسياسية في كتابة التاريخ.فالحقيقة مسالة نسبية فهي ليست مطلقة.وهذا ما اكده الباحث نفسه عندما يقول في ص91(كثيرا ما تاتي دراسات وبحوث جديدة سواء كانت علمية او تاريخية غيرها لدحض نظريات سابقة كانت لسنين او لقرون مرجعا عاما للمعرفة البشرية وكبديهيات).
   2ـلم تكن تسمية الكلدان(الطائفة الكلدانية)في القرن التاسع عشر لانها طائفة بل كانت الفلسفة السياسية للدولة العثمانية مستمدة من المفاهيم الدينية,وقد اعتبرت كل من ليسوا من السنة هم طوائف دينية اي بمعنى لا اهمية لها في المجتمع فالاساس هم أهل السنة.وعليه تعاملت الدولة مع الجماعات الدينية غير السنية بنظام الطوائف.
   3ـ يذكر الباحث في ص 13 عبارة(الحملات الصليبية)وهي حالة غريبة يؤكد عليها رجل ديني مسيحي بدرجة اسقف.لابل اكثر من ذلك يقول في حاشية الصفحة اعلاه(يمكن غفران جرائم كنيسة روما تجاه كنيسة المشرق في حالة واحدة الا وهي ان تعطي الحرية الكاملة للكنيسة الكلدانية للاتحاد بخط اجدادهم في كنيسة المشرق الاشورية)ويذكر في ص 124(قامت كنيسة الرومان الكاثوليكية بجريمة ثقافية يصعب غفرانها)الاترى انه تصريح ليس بمستوى اسقف ينعت كنيسة اخرى بالمجرمة اذ ان مثل هذه التصريحات تصدر عن السياسيين وعن القضاة في المحاكم لا من رجل ديني اذيفضل ان تكون تصريحاته توافقية ومعبرة عن المحبة والسلام واحتواء العداء لتطبيق ما جاء في الانجيل المقدس وفي آية ذكرها الباحث في حاشية ص 211 من بشارة متى مطلعها(احبوا أعدائكم وباركو لاعنيكم)فهل يحب الاسقف اعدائه ويبارك لاعنيه؟
   4 ـ يقول الباحث في ص 14(لابد من التاكيد ان سبب الخلاف انما كان من الخارج لا من الداخل)هنا طبعا يقصد الباحث الخلاف الذي حصل بين الاساقفة اثناء الانشقاق.يفقد الباحث الموضوعية العلمية تماما فالمعروف في دراسات علم الاجتماع ان اية تغيرات قيمية ودينية وسياسية لابد ان تتفاعل عوامل داخلية وخارجية لتسهم في التغيير .وعليه لماذا يهمل الباحث ويتهرب عن ذكر ما حصل عندما أقر البطريرك(شمعون الرابع الباصيدي)سنة 1437ـ 1476 ان تكون خلافة البطريرك وراثيةوتنحصر في اسرته خلافا للرسوم والقوانين الكنسية جمعاء.الم يكن ذلك عاملا مهما في الانشقاق؟.
   5 ـ يذكر الباحث في ص15(كانوا منذ فجر المسيحية وقبل كثلكة يوحنا سولاقا كلهم سورياي وكلمة السريان ليس لها قطعا اي صلة وعلاقة بقدماء الكلدان فهي لاتعني الكلداني او الارامي اوالبابلي اوالمسيحي وانما الاشوري نسبة الى الاشوريين ....الخ)اذا اطلقت على الاشوريين فقط عجبا ماذا سميوا الكلدان السيحيين في جنوب ووسط العراق,والذين ذكرت احصاءات عنهم في هامش ص 19.علاوة ان التسمية ليست محسومة لحدالان وكل ما يكتب عنها هي فرضيات لا اكثر.
   6ـ يقول الباحث في ص 17 (كانت قبل الانشقاق كل الطقوس الدينية مشتركة واحدة وقوميتهم واحدة ولغتهم مشتركة)لكن امتدت الكنيسة الشرقية من البحر المتوسط غربا والى الصين وسومطرة شرقا والى اليمن جنوبا .هل هذه الشعوب كلها كانت لغتهم واحدة؟بالطبع لاوقد ضمت الكنيسة الشرقية الكلدان والاشوريين والاراميين والعرب والفرس والتركمان والهنود والافغان وغيرهم.فعليه يجب ان يكون الباحث دقيقا في معلوماته.علما أنه يذكر في ص 38(أصبح أبناؤها ينتمون الى قوميات مختلفة).
   7 ـ يناقش الباحث في ص 38 موضوع اللغة محاولا التأكيد على أن ماتسمى الان اللغة السريانية ما هي الا اللغة الاشورية.لكن من المعروف ان اللغة المتداولة بين الكلدان والاشوريين ليست لغة كلدنية ولا آشورية اطلاقا بل لغة متطورة من اللغات التي سادت في بلاد النهرين على مر العصور.
   8ـ يذكر الباحث في هامش ص 49(ليس العلماء متفقين حول أصل الكلدان) ويكرر ذلك في ص59.من دراسة عدة مصادر يتبين ان العلماء ليس على أصل الكلدان غير متفقين فقط بل لم يتفقوا على أصل العديد من الاقوام من الاشوريين والسومريين والحثيين وغيرهم. .خذ مثلا اصل الساميين الذين اطلق لاول مرة تسميتهم(شلوتسر) سنة 1781 اعتمادا على العهد القديم ,ظلت التساؤلات قائمة لحد الان,كيف كانت اللغة السامية الاصلية؟ماهو الموطن الاصلي للساميين؟ارض اررات قرب ارمينية,بابل,الجزيرة العربية,علما أن (رولنسون وآخرون)اجروا التنقيبات فيها ولم يعثروا على مايشير الى ذلك .فكل ماكتب هو فرضيات لم تصل الى الحقائق الثابتة.
9 ـ من تناقضات الكاتب قوله(لاوجود للكلدان)ويقول(العصر البابلي الحديث 626ـ539 ق.م وفي بعض الاحيان يطلق عليه العصر الكلداني وليس على وجه الدقة)ومن جهة اخرى يشير في ص 50 الى(اهم الاقوام السامية التي كانت تسكن بلاد النهرين ما قبل الميلاد هم: الاكديون والبابليون والاشوريون والاراميون والكلدانيون والعرب والعبرانيون)وفي ص 55 يذكر(وهناك آراميون وكلدانيون اعتلوا عرش مملكة الامبراطورية البابلية)ويذكر ايضا(قاد الملك الاشوري سنحاريب 659 ـ681 ق.م جيوشه الى بابل وكسر وهزم التحالف الكلداني ـالارامي ـالعربي ـالعيلامي بقيادة مردوخ بلادان )وفي ص 58 يذكر(استطاع أخيرا أمير كلداني بالاستلاء على بابل واخراجها من السيطرة الاشورية ولكن الملك سنحاريب انتصر على التحالف الكلداني ـالعيلامي سنة703 ق.م.أليست هذه شواهد كافية لاثبات وجود الكلدان في بلاد النهرين الى جانب وجود الاشوريين؟
ويذكرها الباحث نفسه .فهو يحاول ان يخدع القارىء البسيط في تشويه الافكار واثبات العكس كما يرغب هو.
   10 ـيكررالباحث عبارة(علماء الاشوريات)متعمدا فهو يعرف كل المعرفة لماذا سميت بالاشوريات ,اذ أن التنقيبات التي اجريت في بلاد النهرين أول ما بدأها المستشرقون في نينوى وبلاد آشور فسميت دراساتهم بالاشوريات وثم شملت كل مناطق بلاد النهرين.وظلت هذه التسمية تطلق على كل بحث أو تنقيب على امتداد البلاد من سومر وبابل واشور.فهو خطأ شائع بين المستشرقين.

   11ـ يشير الباحث مثل غيره من المتعصبين السياسيين المؤدلجين في ص62 (اصبحت التسمية الكلدانية سائدة منذ زمن قريب فتأسست الطائفة الكلدانية سنة 1844 تأكيدا على شهادة المطران توما اودو وبطريرك روفائيل بيداويذ الذي يقول كان جدي قسا نسطوريا .ياايها الباحث لم يكن جد البطريرك بيداويذ لوحده نسطوريا بل كل ابناء بلاد النهرين كانوا نساطرة لكن من كانوا هؤلاء قوميا الم يكن منهم كما نوهنا سابقا العرب،الفرس، الكلدان،الاشوريون وغيرهم.هذه ليست حجج علمية يمكن الاعتماد عليهافي البحث العلمي .يبدو أنك ومعك المطران اودو والبطريرك بيداويذ لايمكنكم التمييز بين الطائفةوالقومية والدين والمذهب.
   ويشير في ص80الى(ان الكلدان الحاليين ما هم الا أحفاد الاشوريين ويقول هل من المنطق أن يقتنع المرء بان الكلدان وهم في قمة مجدهم خلال العصر الحديث للامبراطورية البابلية يتركون بابل الجميلة ويسكنون في خرائب آشور).من المعروف وانت ذكرت في كتابك قامت حروب بين الامبراطورية الاشورية وممالك الكلدان والاراميين وان لم تذكر لتشويه الحقائق اعداد الاسرى الذين نقلوا الى بلاد اشور حسبما جاء في حوليات ملوك الاشوريين.(راجع التفاصيل في كتاب حبيب حنونا الموسوم الكلدان في حوليات الملوك الاشوريين).
   
   ويذكر الباحث نتيجة للاضطهادات التي تعرضوا لها أبناء الكنيسة الشرقية من قبل الفرس المجوسيين ومرورا بظهور الاسلام والتتر المغوليين دخلوا الكلدان في الاسلام اوقتلوا .
وانا اقول اذا تعرض الكلدان الى الاضطهاد فقتلوا اودخلوا الاسلام.ولماذا لم يتعرض الاشورييون الى ذلك ايضا؟فالاشوريين مثل الكلدان كانوا تحت الحكم الفارسي المجوسي .والدولة الاسلامية امتدت من الاندلس غربا والى الصين شرقا وكانت المناطق الاشورية ضمن هذا الامتداد ايضا.
واذا تعرضوا الكلدان للابادة من قبل المغول .يجب ان يسبقهم الاشوريون لذلك لان المغول مروا من بلاد اشور قبل وصولهم الى بلاد الكلدان في الجنوب. فهل هذا يعني ان الاشوريين آنذاك امتلكوا الاسلحة الفتاكة من الدبابات والطائرات والصواريخ قاوموا الاعداء وافتقد الكلدان لهذه الاسلحة؟ولماذا يقوم بعض الملوك بابادة كاملة لمسيحيي بغداد والجنوب ولايقوم بذلك في شمال العراق هل خوفا من الاشوريين الاقوياء؟!اليست هذه الحالة من عجائب الدنيا؟!.

ولماذا لم تقل لاتوجد ابادة كاملة لاي شعب الا من الممكن ان بعضا من الكلدان قد فروا من الجنوب نحو المناطق الامنة وغالبا ما تكون المناطق الجبلية .وعلى هذا الاساس يوجد الاختلاف في اللغة بين القرى المسيحية في المنطقة الشمالية اذ نلاحظ ان عملية الاتصال والتفاهم اللغوي بين أفراد قريتين كلدانيتين تتم بشكل اسهل واكثر تفهما مما لو حدثت بين قرية كلدانية واخرى اشورية علاوة في الاختلاف في العادات والتقاليد. هل جاء هذا الاختلاف بسبب التباين المذهبي ؟طبعا لا قد يرجع الى الاختلاف في الاصول القومية.                                                                               
   لنقارن تلك الاحوال بما يحدث في العصر الحديث للشعوب الكلدانية والاشورية والسريانية والارمنية واليزيدية والصابئة .فعندما اضطهد الاتراك هذه الشعوب لم يدخلوا الكل الى الاسلام أو اوبيدوا انما هاجروا الى حيث الامان .ومايحدث حاليا في بلادنا بسبب الظروف الشاذة اذ سقطوا بعض المسيحيين شهداءا انما اعدادا هائلة منهم تركوا البلاد .
   هل هذه هي الموضوعية الاكاديمية في التحليل والبحث ؟أم هناك عوامل ذاتية في اللاشعور في العقل الباطني هي التي تحرك القلم للكتابة.
   12 ـ يذكر الباحث في حاشية ص127 (ان كتاب سيرة مار أدي ومار ماري في القرن الثالث الميلادي يذكرون ان شعب بلاد النهرين هم من البابليين والاشوريين .بينما  الوثائق الملكية الاشورية ثبتت وجود مقاطعة كلدو والكلدان)وهنا السؤال من هم اكثر وثوقا الوثائق الملكية التي كتبت عند قيام الاحداث أم من كتبوا سيرة مارماري .على كل حال اعتقد ان المصادر التي تذكر البابليين يكون ضمنا الكلدان جزءا منهم .ومن جهة اخرى تعتبر هذه من المؤشرات التناقضية عند الباحث.
   13 ـ في ص151 يقول الباحث (القول بأن ابراهيم قد جاء من اور الكلدان فهو زعم متأخر وغير دقيق لكتاب العهد القديم في فترة السبي البابلي 589ـ 539 ق.م) بينا من جهة اخرى يعترف الباحث في قضية انقسام اللغات في بابل .فعليه ان لايعترف في ذلك مثلما لايعترف بالاصل الجغرافي لابراهيم.وعلى كل حال انه تصريح خطير جدا لرجل دين بدرجة اسقف لايعترف ببعض ما جاء به العهد القديم .وهذا يدل ان الباحث يختار ما تؤيد افكاره من المصادر وينكر مالم تهمه لعدم الموضوعية في طرحه للموضوع.
   14 ـ يشير الباحث في ص 154 (ان اللغة التي تكلم الله بني البشر بها هي السريانية ويقصد بها طبعا الاشورية ) انني أقول هذه المسألة غير محسومة علميا وكل أتباع دين ما يعتبرون ان لغتهم هي لغة الفردوس والاولى من بين اللغات حتى الوثنيين منهم.
   وخلاصة القول ان الكاتب يفتقد الموضوعية فهو طالب أكاديمي المتوقع منه اكثر موضوعية في طرح المعلومات وتحليلها .لكن هناك اسقاط واضح للتعصب المذهبي والقومي والشخصي والعاطفي  في طروحاته .اذ من المعروف الباحث الاكاديمي يطرح الموضوع ويدرس الظاهرة كما هي لا كما يجب اوكمايريدها مثلما عملوا اصحاب المنطق القديم .
   جاء الكتاب ليذكر الشعبين الكلداني والاشوري بالمأساة والظروف التاريخية البائدة ,في اليوم الذي نحن بأمس الحاجة الى ايجاد عوامل دعم الوحدة وطي صفحات الصراع والماضي في الظروف المأساوية التي يمر الشعبان بهما في الوطن.فالباحث أغرق نفسه بتفاصيل تاريخية لا تخدم قضية المجتمع الاشوري والكلداني لتغييرهما نحو الافضل.
   وختاما أقول لا يستطيع أحد أن يمحوا من أذهان وشخصية الكلداني انتمائه القومي الكلداني فالقوميةليست منحة تعطى للانسان,انما هي موجودة قبل ولادته مثل كل الظواهر الاخرى,وعن طريق التنشئة الاجتماعية تتبلور الشخصية القومية للفرد بحيث لايستطيع التخلي عن قومه الا الشاذ الذي يهدف الحصول على مكاسب شخصية.
   للمزيد من المعلومات عن هذا الموضوع يمكن مراجعة مقالاتنا
  التصورالخاطىء ان الكلدان طائفة
تبلور القومية الشخصية .
   




   
   

112
ماذا نتوقع من الاحزاب الدينية
الدكتور عبدالله مرقس رابي
استاذ جامعي


  بدأ لابد الاشارة الى أن المقصود برجل الدين في هذه المقالة كل من هو بمثابة المختص في الشؤون الدينية ويقوم بالواجبات الدينية دون غيره من الافراد سواء في الاديان السماوية أو الباطنية أو الوثنية وفقا لفلسفة علم الاجتماع . أما الذي أعني به كل الاديان ولا اقصد دينا معينا لتلافي الالتباس والتفسير الخطأ لما سيرد في المقالة .

تشير الدراسات الاجتماعية والانثروبولوجية للشعوب البدائية والقديمة ان السلطة فيها استندت على الحق الالهي أي(التفويض الالهي).ولاتزال بعض القبائل الطوطمية القاطنة في الغابات الاستوائية والجزر النائية تمارس هذا النوع من السلطة .ففي الحضارات البشرية القديمة استند الملوك والاباطرة في سلطتهم على القوة وامتلاك مصادر الثروة والجاه ,وتأثير شخصيتهم الكارزماتية التي تمتاز بقابليات فذة مكنتهم من التأثير على عواطف واتجاهات الافراد ومواقفهم   مما خضعوا وأدوا الولاء المطلق لهم .وقد ساعدهم في تحقيق هذا الى جانب السيف نخبة من كهنة المعابد الذين لقنوا الناس التعاليم الدينية التي بررت شرعيتهم في السلطة حتى ولو كانوا من الظالمين.
   ظلت السلطة الدينية في اوربا تؤثر في الحكومات الاوربية والمجتمع بشكل عام الى بداية القرن السابع عشر بعد أن بدأت تلك الحكومات التحرر من السلطة الكنسية والتدخل في شؤونها .وأما في الشرق الاوسط ساد نظام الخلافة بعد انتشار الاسلام والذي يولي الافراد فيه ولاءا دون نقاش فيما يأمر وينهي به الخليفة فهو الاخر تفويض الهي لايجوز الطعن فيه أبدا مهما كانت النتائج من تصرفات الخليفة , دعم هذا النظام وعاظ السلاطين في خطبهم اذ دعوا الناس بان لايشتكون من الخليفة والسلطان وفهم دائما كما يقول عالم الاجتماع العراقي (الدكتور علي الوردي)يتزلفون الى الجلاوزة وأصحاب القوة .وعليه شعر الخليفة أو السلطان من جراء ايحاء هؤلاء الواعظين انه ظل الله على الارض ,حقا له الامر وعلى رعاياه الطاعة العمياء فان عصوا فهم زنادقة ملحدون يستحقون العقاب وعلى سبيل المثال ,لاينكر أحد أن العهد العثماني كان من أشد العهود التي شهدها التاريخ عسفا ولؤما ودناءة وسفكا للدماء ,ورغم ذلك كان الوعاظ يرفعون ايديهم عقب كل خطبة يدعون الله أن ينصر الدين والدولة معا.(الوردي- وعاظ السلاطين).وعلى هذا المنوال تعمل الحكومات التي تستند في شرعيتها على المبادىء الدينية وعلى وعاظ السلاطين.
   والان ماذا نتوقع من الاحزاب الدينية التي تستند في وضع فلسفتها على كتب التفسير والشرائع الدينية ؟
   الاحزاب الدينية هي احزاب سياسية يحاول أعضائها الوصول الى السلطة تحت الغطاء الديني مستمدة أيديولوجيتها وفلسفتها الفكرية من المفاهيم الدينية ,وتضع برامجها في ضوئها.وطالما ان كل دين أومذهب يرى في قياساته انه الافضل والامثل بين الاديان أوالمذاهب الاخرى لان مصدرها الخالق .فالمسؤول الروحي لذلك الدين أوالمذهب هو المفوض من الله لتطبيق التعليمات الدينية على الارض .وعليه فان الاحزاب الدينية طالما تستند على التعليمات الدينية فيرى كل حزب هو الافضل والامثل لادارة شؤون المجتمع ,ولاتستطيع اتخاذ القرارات الحاسمة الا بالرجوع الى المسؤول الروحي الاعلى الولي الفقيه أو أي رجل  ديني آخر لتكون أفكاره هي الاساسية لاصدار الفتاوى للتعامل مع الوقائع الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وحتى الشخصية في المجتمع.
   ان رجل الدين  يستمد أفكاره من الكتب المفسرة لمبادىء الدين وتعليماته ,والكتب المفسرة ,ما هي الا محاولات اجتهادية لاشخاص لايختلفون عن غيرهم من البشر لهم ميولهم وقيمهم وتنشئتهم الاجتماعية وظروفهم المجتمعية العامة التي تأثرت في أفكارهم وفلسفتهم بشكل وآخر.والاهم من ذلك لهم ماهو مكبوت في العقل الباطني من الرغبات التي لايتمكنوا من تحقيقها في حياتهم ,وعليه تعكس تلك الرغبات الشخصية في كتاباتهم ومواعظهم .مما يؤدي الى الاختلاف في مواقفهم وأفكارهم ,بدليل أن أي كتاب ديني الذي هو الكتاب الشرعي لأبناء ذلك الدين يفسر بطرق مختلفة في أزمنة وأماكن متعددة ,وهذا يدل على أن المفسر لايختلف عن البشر العاديين الا بقدراته العقلية مثله كأي مؤلف لكتاب آخر ,فهو ليس معصوم من الخطأ, وليس هناك مايبرر التفويض الالهي له,ولو كان ذلك واردا لاصبحت تفسيرات الكتب الدينية واحدة في كل زمان ومكان.وعليه يؤدي الوقوع في أخطاء قد تجلب على البشر الظلم ونشوب حروب الابادة الجماعية .وهي لاتقتصر على أتباع الديانات المختلفة بل أيضا تنشب بين أتباع الدين الواحد وفي المجتمع الواحد.كما حدث في الامراطورية الرومانية للاختلاف بين المذاهب المسيحية.وماحصل في المجتمع العربي الاسلامي بعد الثورة على الخليفة عثمان بن عفان وبعده الصراع الذي وقع على السلطة بين علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان (الوردي – وعاظ السلاطين). والى يومنا هذا لاتزال أثار ذلك الصراع قائمة بشكل وآخر .وخير مثال على ذلك مانلمسه في بلدنا العراق اليوم والذي ماهوالا امتداد له ,وحصيلته ان الشعب العراقي يقع ضحية للصراع على هذه السلطة التي يدعي كل طرف انه المخول من الله للحكم على البشر وله الاحقية في السلطة.
    وماذا نتوقع من الاحزاب الدينية التي تبني فلسفتها السياسية على مبادىء لاشخاص فسروا الكتب الدينية المقدسة التي لاجدال حول محتوياتها قبل الاف السنين .فهي تعتقد ,أي الاحزاب الدينية, ان السلف الصالح كان معصوما من الخطأ والعيب .وبهذا يريدون كل أفراد المجتمع أن يكونوا من طراز الخلق الصالح .وعلى هذا الموجب عليه أن لاننتظر من هذه الاحزاب تحريك المجتمع الى الامام والتقدم به نحو الافضل .حيث أكدت الدراسات الاجتماعية ان المجتمعات البدائية التي تؤمن وتتمسك بتقاليد الاباء والاجداد ايمانا كليا لاتخضع الى التغيير والتطور الا قليلا ,اذ أن الحالة تؤدي الى الجمود الفكري ولايكون التحرك الا في ضوء ما قاله الاجداد .ففي ضوء هذا الايمان لم تبدأ الثورة   الصناعية والنهضة العلمية في اوربا الا بعد أن فصلت السلطة عن الدين في بداية القرن السابع  عشر ,وقد أحبطت الكنيسة العديد من الافكار العلمية من مجرد اعلان أصحابها عن أفكارهم العلمية  الابداعية ,على سبيل المثال قد قيدت العالم المعروف (غاليلو) وحكم عليه بالمراقبة والاقامة الجبرية في داره عن اثباته لكروية الارض في القرن السادس عشر.وذلك الموقف الصارم الذي وقف رجال الدين ضد النظرية التطورية وغيرها ,ولكن فيما بعد صححوا موقفهم فتركوا العلم وشأنه .
   ان تاريخ البلاد العربية الاسلامية زاخر أيضا بمثل هذه المواقف ,وبل حتى في العصر الحديث فكل ما اوتي به من الغرب كفر وزندقة حتى لو كان الغاية منه مصلحة المجتمع وتقدمه .وقد اعترض رجال الدين على الاحزاب العلمانية ,واعترضوا على دخول النساء الى المدارس ,وهذا المثل الذي يجسد النظرة الرجعية والجمود الفكري عند رجال الدين ,وقد رفض رفضا قاطعا فقهاء (نجد)في السعودية عندما أدخل الملك عبدالعزيز سعود في بلاده المدارس الحديثة والمحطات اللاسلكية ,فقد أفتوا ان المدارس الحديثة تعلم الكفر والمحطات اللاسلكية تستخدم الشياطين في نقل الاخبار .(راجع الوردي –مهزلة العقل البشري- لمزيد من التفاصيل ص27 ).وترفض الاحزاب الدينية والجماعات  الدينية المتطرفة في كل انواع الاديان العديد من القوانين الوضعية التي تشرعها الحكومات العلمانية طالما أنها لاتستند على الكتب الدينية ,وهذا مايظهر جليا في العديد من البلدان مثل ,باكستان ,العراق,ايران,مصر,الجزائر,افغانستان والكويت وغيرها.
   ماذا نتوقع من الاحزاب الدينية التي تتعارض مفاهيمها مع الحرية الشخصية تماما ,فهي باختصار مقتضب تؤكد على خضوع الفرد لمبادىء الدين خضوعا كاملا لانقاش عليه أبدا.بينما تؤكد فلسفة حرية الفرد على الحرية في التعبير عن الراي,حرية الاعتقاد الديني والسياسي,حرية الاختيار لاسلوب الحياة الذي يراه الفرد مناسبا له من العلاقات الاجتماعية والماكل والمشرب والملبس.وهي تؤكد على حرية المراة ومساواتها مع الرجل واختيارها الحياة المناسبة لها.وتؤكد مبادىء الحرية الشخصية على حرية الاعلام,التعليم,الاقتصاد,الاجتماع , السياسة,السياحة والفن .كل هذه المبادىء تؤكدها المجتمعات والاحزاب الديمقراطية ,في الوقت الذي لاتتناسب وفلسفة الاحزاب والحكومات الدينية .فاذا ادعائها بالديمقراطية ادعاء باطل طالما لا تتوفر مبادىء الحرية الشخصية في فلسفتها .
   أية ديمقراطية نتوقع منها اذا لم تعط الفرصة في دساتيرها على ظهور التنظيمات السياسية التي تستند في وضع برامجها على القوانين الوضعية .وان ظهرت المحاولات الشكلية للديمقراطية فلا تعدو المنافسة بين الاحزاب الدينية نفسها ,وبالتالي فان مرجعها الاساسي هو رجل الدين الاعلى مقاما في البلد فلا يمكن ان يتصرف الحزب في السلطة ما لم يرجع اليه .وهذا ما نلمسه بوضوح في ايران اذ بين حين وآخر يقابل رئيس الجمهورية الولي الفقيه ,ويزاول رئيس الوزراء العراقي نفس المبدأ للتشاور مع الولي الفقيه وأخذ المشورة منه. على هذا الضوء يمكن القول لافرق بينها وبين الاحزاب الدكتاتورية التي لاتنافسها على السلطة أحزاب اخرى ,فكلاهما لايعطيان الفرصة للمنافسة السياسية .
   من الخصائص النفسية لمنتسبي الاحزاب الدينية الازدواجية في الشخصية السياسية ما بين الولاء الى الفقيه والعيش والولاء للوطن المحدد .لكن هاتين الظاهرتين متناقضتين ,فالدين لايلتزم بحدود وطنية ,فكل جماعة دينية متطرفة تحاول بكل الاساليب ,حتى الدموية منها في فرض نظام عالمي وفقا لاحكامها الدينية .فالسياسي الديني يتظاهر بالتقوى ويدعي التدين ,ولكن مع ذلك ذا اتجاه دنيوي يحاول استغلال المفاهيم الدينية في تحقيق رغباته الشخصيةالمكبوتة في العقل الباطني التي من أهمها حب السيطرة والغاء الاخر والاحقية له في ادارة شؤون المجتمع .متناسيا ان الاخرين أيضا قد تلقوا تنشئة اجتماعية استندت على مبادىء دينية لايمكن التخلي عنها مثله .
   خلاصة القول يجب أن لاتخدعنا الاحزاب الدينية بانها سياسية في حكمها فهي تتصرف في الظاهر كأنها ديمقراطية ولكن في العقل الباطني لمنتسبيها ماهي الا دكتاتورية ,ولها الحق المطلق في السلطة وهي ظل الله على الارض .وهي تستغل المبادىء الدينية في احداث الصراع الاجتماعي بدلا من استغلال وظيفة الدين السامية في الضبطالاجتماعي والتكافل والتماسك والسلام في المجتمع .
   ووفقا لهذه المعطيات والحقائق يجب أن لاتوهمنا الاوضاع السياسية في العراق الجديد بوجود ديمقراطية سليمة فهي حاليا مفروضة على الاحزاب المشاركة في الحكم من قبل الولايات المتحدة الامريكية ,فهي تلزم مشاركة الاحزاب الدينية والعلمانية معا في اللعبة السياسية .واني على يقين لو تخلت هذه الدولة عن العراق ,سوف لن تتوفر أية فرصة للاحزاب العلمانية للمشاركة في السلطة ,فهي تتقيد تدريجيا أمام دكتاتورية الاحزاب الدينية .
     



113
كتابات النهضة الفكرية لشعبنا
محاولة تحليلية
الدكتور:عبدالله مرقس رابي
أستاذ في الجامعة العربية الكندية


   تعد المعرفة العلمية وطرق تناولها ومعالجتها من العوامل الاساسية في التطور الحضاري لأي مجتمع,فهي آداة التغيير الاجتماعي والتكنولوجي والاقتصادي والسياسي له.ولكل مرحلة حضارية نمط من التفكير يتلائم وظروفها المختلفة.ففي بلاد النهرين مرت المعرفة العلمية ونمط التفكير بمراحل متعددة لست بصددها الان,وانما سأتناول المرحلة المعاصرة لكتابات كتاب شعبنا محاولا تحليلها من منظور علم الاجتماع المعرفة أحد فروع علم الاجتماع.
  وقد بدأت النهضة الفكرية لشعبنا مسارا جديدا بعد تغير النظام السياسي في العراق عام 2003 لاتاحة الفرصة الكاملة للتعبير عن الرأي والتخلص من عقدة الخوف التي تركزت في ذهن الكاتب في عهد الدكتاتورية ففي حينها أخذت الكتابات الصحفية  والدراسات الاكادمية مسار الموالاة للحكومة القائمة.بينما الان توجهت نتاجات كتابنا نحو القضايا القومية السياسية المصيرية لشعبنا عبر الوسائل الاعلامية المختلفة .فهي تؤدي وظيفة مهمة جدا في تحريك المشاعر القومية والوطنية وتعزيز الثقة بالنفس والشعوربالذات وبث روح التضامن والمودة بين أبناء شعبنا. ومهما تكن نوعية هذه الكتابات فهي ذو فائدة كبيرة جدا, حيث ان تسطير الكلمات ليس بالامر السهل  الذي يراه البعض, بل هي جهد كبير يؤديه الكاتب او الباحث خدمة لمجتمعه.
   في الوقت الذي نفتخر بالعدد الكبيرللمقالات المنشورة في الصحف اليومية والمواقع الالكترونية,انما تفتقر معظمها الى أبسط القواعد المنهجية العلمية للكتابة والبحث,وعليه تفتقد الموضوعية في تناولها للموضوع وهذا ينطبق على الردود لتلك المقالات أيضا.
   يقصد بالمنهجية الخطة العامة لوضع اطار نظري للعمل المكتوب,وهذه الخطة تتضمن خطوات تبدأ باعجاب وتساؤل الباحث عن ظاهرة ما فيضع تصوراته على شكل أسئلة عن أسباب نشوء الظاهرة وتشكلها,ويحاول اختبار هذه الاسئلة التي هي عبارةعن فرضيات في ذهنه.وبعدها تأتي مرحلة تحديد المفاهيم وثم جمع المعلومات التي قد تكون احصائية أو مصادر تحدثت عن الظاهرة.وتليها مرحلة التحليل والقياس الذي يعتمد على العقل أي طريقة(المنهج العقلي)أو على الترابطات الاحصائية اذا توفرت البيانات(المنهج الاحصائي)والمرحلة الاخيرة هي عرض النتائج والتعميم ,ولكل مرحلة تفصيلاتها واجراءاتها العملية.تساعد هذه الخطوات الباحث الالتزام بالموضوعية لأنها تحدد وتقيد عمله وفقا للقواعد المنهجية وتجرده من الانفعالات والنزعات العاطفية.وان كانت المنهجية مطلوبة للبحوث والدراسات الاكاديمية فهي ممكنة التطبيق في المقالات والكتابات الصحفية بطريقة مختصرة في ترتيب فقراتها وتناولها منطقيا.
   أما الموضوعية تعني دراسة الظواهر الاجتماعية كأشياء خارجة ومستقلة عن الباحث ,فهي احدى القواعد التي تتصف بها الروح العلمية التي تتضمن استقلالا فكريا لا تعترف الا بسلطة العقل,فهي عملية تنحية كل اعتبار انفعالي أوعاطفي أو قيمي أوطائفي أو أقليمي,والتحرر من سلطة العرف الاجتماعي,والايديولوجية السياسية.فالموضوعية العلمية هي التخلص من الاهواء السياسية والمذهبية والفكرية,والتخلص من التأثيرات والغايات والنزعات.ويكون منطق الباحث الموضوعي في التحليل خاضعا للعقل المجرد من التأثيرات المذكورة وغير متحيز لافراد يمثلون مراكز النفوذ والقوة في المجتمع.ولتحقيق الموضوعية يتطلب الابتعاد عن الاحكام الشخصية والقيمية والانفعالية,وهذا يتطلب بدوره فصل الذات والرغبات الشخصية والالتزام بالحياد الاخلاقي تجاه المجتمع البشري,والابتعاد عن الفكرة المسبقة والتعصب لاراءه,واحترام آراء غيره ولو كانت متباينة مع أفكاره لان الموضوعية هي:ملاحظة الظاهرة كما هي لا كما يجب.
   أثناء مراجعتي للعديد من المقالات والدراسات المنشورة في الصحف اليومية والمواقع الالكترونيةحاولت تحليل محتواها لمدى تطبيقها الموضوعية والمنهجية المشار الى خصائصهما أعلاه تبين أن الغالبية من المقالات الصحفية هي أقرب للمناقشات المحكية أي(ثقافة شفهية)منها للكتابة الصحفية المحددة بقواعد الصحافة التحريرية,وهي غير مرتبة للفقرات,أي عدم الربط المنطقي بينها,فهي تعبر عن عقلية أشباه المثقفين.وعليه نجد في غالبيتها بعض المسائل التي تعد مؤشرا لانحطاط المستوى الثقافي للكاتب,ومنها:
   *عدم تحديد موضوع الظاهرة المكتوب عنها,أي ما المقصود بها,ففي العلوم الاجتماعية تتباين المفاهيم زمانيا ومكانيا,ولم يحدد الهدف والغرض من المقالة.
   *مليئة بالاخطاء الاملائية والنحوية والامثلة عنها كثيرة فغالبا ما يخلط بين الضاد والظاءواستخدامات الهمزة,ومن الاخطاء النحوية سوء استخدام أدوات الجزم والنصب والعديد من القواعد النحوية الاخرى.فعليه يجب ان يلم الكاتب باصول اللغة التي يستعملها للكتابة,ولا ضرر أن يعرض مقالته على الاكثر خبرة منه بقواعد اللغة.وهنا يجب التمييز بين اللغة البسيطة العلمية التي يفهمها القارىء مهما يكن مستواه التعليمي.واللغة الادبية الفنية التي يستخدمها الادباء,ولغة الخطاب السياسي ,فمهما تكن اللغة لابد من ضبط احكامها وقواعدها .
   *ظهور كلمات مسيئة لسمعة الباحث وشخصيته,تصل أحيانا الى الشتيمة بالاخص عندما يكون المقال عبارة عن رد لموضوع كاتب آخر,على سبيل المثال كتابة كلمات(موعيب)(ليخجل)(خساسة)(خدم للاسياد),أوذكر الاتجاه السياسي السابق للكاتب وغيرها من الامورالتي لاتليق للكاتب المثقف بل صالحة للنطق بها في حالة المشاجرة بين الجيران,فهي الكلمات المعروفة باللغة السوقية التي يستعملها المراهقين وذوي التنشئة الاجتماعية الرديئة.وهذه الحالة يفسرها مبدأالنقص والتعويض في الشخصية المريضةالسايكوباثية .
   *يتبين من سياق ردود البعض على المقالات أنهم يفتقدون تماما المعلومات عن الخلفية العلمية للكاتب المعني فيقول أحدهم مثلا(  ليقرأ الكاتب المزيد من الكتب) ,من هنا تأتي أهمية ذكر اللقب العلمي اوالاختصاص للتعرف على مستوى العلمي والثقافي للكاتب.وقد يدون الكاتب أنه اختصاصي في الكتابات الارامية أوالاشورية اوالكلدانية لمجرد أنه كتب بعض المقالات عن موضوع ما.فالاختصاص لا يمنح للكاتب الا بعد التحصيل الدراسي الاكاديمي المتقدم,وقد يتساءل البعض ويقول ماذا عن الماضي لم تكن هناك الجامعات,والجواب أن تلك المرحلة الحضارية تختلف عن مرحلتنا الحالية,ولكل مرحلة خصائصها الثقافية .
   *تبين ان معظم الكتاب لم يتزودوا بالمعرفة الكافية عن موضوعاتهم,ولا الذين ينتقدون غيرهم يلموا بها,ولهذا تكون انتقاداتهم هدامة وليست بناءة.فيكتب أحدهم(ما الفائدة من الكتابات النظرية الاكاديمية ونحن بحاجة الى العمل الميداني)ذلك دليل واضح أنه يفتقد الى أبسط المعلومات عن العلاقة بين النظرية والعمل الميداني.
   *يبدو الخلط واضح جدا بين المقال الصحفي ونقل الخبر كأنما يريد الكاتب نقل الخبر عبر مقالته لا أن يبحث اسباب الظاهرة وعواملها وخصائصها,ويبدو الخلط أيضا بين المقالة والبيان الخطابي السياسي الذي يثير مشاعر الناس.
   *يظهر من سياق الكتابة أن الكاتب يكون مشدود الاعصاب وتحت ضغط نفسي انفعالي أثناء الكتابة كأنما المقالة بالنسبة له هي وسيلة لتفريغ شحنات الضغط النفسي.
   *يبدو واضح عدم احترام الرأي الآخر بدليل تفنيد الكاتب آراء الاخرين والغائها وتحيزه تحت التاثير الايديولوجي أوالطائفي أو القومي وبل الاقليمي والعشائري أيضا كأنما يحاول بأي شكل من الاشكال الاثبات ان أفكاره هي الاصوب والاسمى.ويعود ذلك الى العقلية المتاثرة بالسلطة الابوية والدكتاتورية في التعامل الاجتماعي.
   *تبين من خلال تحليل نصوص بعض المقالات أن الكاتب له خلفيته العلمية لاتتصل بالموضوع كأن يكون مهندسا,طبيبا,فيزيائيا.هذا لايعكس ضررا على الكتابة,لكن عليه التزود باساسيات الصحافة والمعرفة بالعلوم الاجتماعية والانسانية مثل علم النفس والاجتماع والانثربولوجية والسياسة والفلسفة.وهذا هو أحد أسباب الرد غير الموضوعي على مقالات الاخرين.
   عليه أن ظهور ما أشرنا اليه في تحليل نصوص المقالات دليل جلي على عدم الالتزام بالموضوعية والمنهجية العلمية,وما هي هذه الكتابات الا احكام شخصية وقيمية وانفعالية للكاتب.ففي الوقت الراهن نحن بأمس الحاجة الى مناقشة الافكاروالاستفادة منها بدلا من الصراعات الفكرية العقيمة وبالاخص تلك التي تعتمد كليا على التارخ القديم جدا.ومن الاجدر انتباه المسوؤلين عن الصحف والمواقع الالكترونية الى محتوى المقالات قبل نشرها لتعكس صورة راقية لكتابنا.
   


114
من أعلام الكلدان
الشماس ديشو بولس قلو





الدكتور: عبدالله مرقس رابي
 أستاذ جامعي

 
                 تفتخر خورنة مار توما الرسول للكلدان الكا ثوليك في هاملتون – كندا أن يكون الشماس ديشو بولس قلو أحد أعضائها وبل أحد الشمامسة المقتدرين والمبدعين. فهو يستوعب الطقس الكلداني استيعابا يؤهله لكي يكون خبيرا في هذا الطقس,ويتقن اللغة الارامية بمستو عال,وله قصائد ومدائح عديدة مؤلفة باللغة الكلدانية.
  ولد الشماس في بلدة منكيش التابعة لمحافظة دهوك في شمال العراق عام 1926 ميلادية, وتلقى التنشئة الدينية والاجتماعية الصالحة والمهذبة من والديه في ربوع هذه البلدة . 
  عند مجالستك للشماس ديشو تراه رجلا وقورا, هادئا, متواضعا , رحب الصدر, طيب المعاشرة, رفيع الخلق, ذو عقلية واقعية, تعرفه رجلا مبدعا ومتميزا من الوهلة الاولى يفرض احترامك له انعكاسا لما يتصف به من خصاال حميدة يستوجب على أساسها أن تمنحه كل اعتبار وتقدير. وهو صديق حميم للكتاب اذ يقضي معظم أوقاته في المطالعة التي يعتبرها غذاءا روحيا لكل انسان. ولا يبخل لرد أي استشارة في مجال اللغة والطقس الكلداني .
  أمضى الشماس ديشو حياة عملية فنية أهلته لها امكاناته الابداعية في تعلم اللغة الانكليزية والكتابة والادارة, فهو من القلائل في عهده في مطلع القرن الماضي امتاز بالكفاءة الفنية والاعمال التي تتطلب المعرفة العلمية والمهارة الادارية الحديثة.
ومن متابعة حياته العملية نرى ان الشماس عمل:
_ ثلاث سنوات في الجيش البريطاني بصفة جندي كاتب .
_ 43 سنة كاتب في شركة نفط العراق- دائرة المواد-
_ 5 سنوات مديرا لادارة شركة سويكو الفرنسية.
  وقد رسم شماسا رسائليا سنة 1947,وأمضى منذ ذلك الحين حياته في خدمة الكنيسة لاداء مختلف الانشطة ومنها.
*عمل في جمعية الرحمة الكلدانية لمدة 20 سنة في كركوك وهو أحد الاعضاء المؤسسين.
* عمل في أخوية قلب يسوع في كركوك 1949-1987.
* عضو مجلس الخورنة في بغداد لكنيسة مار بطرس وبولس 1994-2001 .
* مدرس مقامات الطقس الكلداني في المعهد الكهنوتي لبطريركية الكلدان الكاثوليكية لمدة سنتين.
  وأما أعماله الادبية فهي:
 أولا:الترجمة

* ترجمة كتاب تأملات شهر اذار لمار يوسف البار من تأليف القس عمانوئيل رسام من العربية الى الكلدانية.
*ترجمة كتاب تأملات قلب يسوع للقس بطرس حداد من العربية الى الكلدانية.
* ترجمة تأملات قلب يسوع تأليف أحد الاباء المرسلين من العربية الى الكلدانية.
* ترجمة ملحقات القداس الكلداني من الارامية الى الكلدانية.
* ترجمة كتاب صلوات الموتى من الارامية الى الكلدانية.
* ترجمة صلاة الصبح لايام الاحاد من الارامية الى الكلدانية.
* ترجمة مجموعة من التراتيل من العربية الى الكلدانية.

ثانيا: القصائد الشعرية.
 
* قصيدة شعرية في تاريخ منكيش.
*قصيدةشعرية لحياة مار كوركيس الشهيد.
* قصيدة شعرية لمارت شموني وأولادها السبعة.
* قصيدة شعرية لسلطانة مادوخت واخويها الشهيدين.
* قصيدة شعرية لحياة مار أدي.
* مجموعة قصائد شعرية في مناسبات الاستقباال لرؤساء الكنائس.
 
  وبعد وصوله المهجر في 21\12\2002 بدأ الخدمة في كنيسة مار توما الرسول للكلدان الكاثوليك في كندا_ هاملتون شماسا متألقا ومرشدا طقسيا للاخرين ومعلما لجوقة الكنيسة.

115
اللغة الارامية
وأشكالية الاتصال الاجتماعي


الدكتور: عبدالله مرقس رابي

أستاذ في الجامعة العربية الكندية


     يهتم العديد من الكتاب والباحثين الاكادميين المختصين في اللغات القديمة باللغة الارامية من حيث نشوئها وتركيبها اللغوي والنحوي وانتشارها ومدى تأثيرها على اللغات الاخرى . أما في هذه المقالة سأتناول الموضوع من منظور علم الاجتماع اللغة بعيدا عن النزعة التاريخية تلك النزعة التي أضحت محاولة غير موفقة في تفسير الظواهر الاجتماعية ما لم تربطها مع الواقع الاجتماعي المنظور .ولما كانت اللغة ظاهرة اجتماعية عليه لايمكن فهمها الافي علاقاتها مع مختلف أجزاء المجتمع والعناصر الحضارية .
    في البدء لابد من تقديم فكرة ملخصة عن اللغة الارامية وفقا للمصادر التاريخية : وهي من اللغات القديمة التي ظهرت في منتصف الالف الثاني قبل الميلاد في سورية وكانت لغة القبائل الارامية التي انتشرت قسم منها في بلاد النهرين , وقد حلت رسميا هذه اللغة لسهولة أبجديتها واستعمالها في التجارة محل اللغة البابلية والاشورية اللتان تطورتا من اللغة الاكدية. اذ تبنتها الامبراطورية الاشورية للتداول الاداري منذ 1100 ق م ,فأصبح الاداريون يتقنونها أكثر من اللغة الاشورية ,واستعملت في الدولة البابلية الحديثة (الدولة الكلدانية ) سنة 626 ق م للمخاطبات الرسمية , وأصبحت اللغة الرسمية في العهد الفارسي سنة 538 ق م لادارة شؤون الدولة ,وظلت اللغة الرسمية للدول المتعاقبة فانتشرت من ساحل البحر المتوسط غربا والى بلاد الصين شرقا ومن أرمينيا شمالا الى الجزيرة العربية جنوبا وبالاخص بعد أن فرضتها الكنيسة كلغة الطقس مثلما فرضت اللغة اللاتينية في اوروبا من قبل الفاتيكان .وبعد الفتح العربي الاسلامي في القرن السابع الميلادي تقلص نفوذها تدريجيا وتراجعت أمام اللغة العربية فظلت محصورة في الكنائس والاديرة لممارسة الطقوس واقامة الصلوات .
    تؤكد المصادر على أن اللغة الارامية اقتصرت في التداول الاداري ,مما يعني ان العامة من الناس كانوا يتحدثون اللغة البابلية والاشورية . فعليه يجب التمييز بين اللغة الرسمية واللغة المحكية المتداولة شعبيا التي هي لغة القوم أوالعرق الاجتماعي لجماعة بشرية معينة .فالدولة قد تتبنى لغة ما للتداول الاداري والمخاطبة في علاقاتها الرسمية مع الدول الاخرى ,لكن لايعني ذلك ان لغة الشعب هي تلك اللغة التي تتبناها الدولة . وهذه المسألة تتشابه مع ما يحدث في عصرنا الحاضر بوضوح في الدول التي كانت مستعمرات بريطانية وفرنسية واسبانية حيث تبنت هذه الدول لغة الاستعمار بشكل رسمي مع أن الشعب يتكلم لغته الخاصة .ونلاحظ ذلك أيضا في الدول الغربية التي هي مزيج من المهاجرين مثل كندا والولايات المتحدة الامريكية اذ أن اللغة الرسميةهي الانكليزية ,فهل يدل ذلك على أن كل السكان هم من الانكليز ,لا بالطبع فهم مزيج من الهنود والصينيون وسكان اوروبا والعرب والكلدان والاشوريين وغيرهم من الاقوام الاسيوية . وكذلك الحال في الوطن العربي فان اللغة الرسمية هي العربية لكن يوجد الى جانب العرب الاقباط والبربر والكرد والكلدان والاشوريين والسريان وغيرهم .
    اذا اللغة المحكية حاليا بين أفراد شعبنا ماهي الا حصيلة تطورية حضارية من التداخل اللغوي والتغير الحضاري الذي حدث في تاريخ بلاد النهرين .فالنتاجات الانسانية ما هي الا وسائل للاتصال في مرحلة من مراحلها يمكن تحليلها كما تحلل اللغة أيضا , عليه أن اللغة مرتبطة بالظواهر الاجتماعية والحضارية للمجتمع والمرحلة التي يعيشها الافراد .واستنادا الى هذا المنطق يؤكد علم الاجتماع الفرنسي (دوركايم ) لايمكن أن نعرف طريقة عمل شيء من الاشياء بتتبع تاريخه فحسب بل يتعين علينا أن ننظر اليه في علاقة اجزائه ببعضها , فاللغة اداة لادراك المادة والذات والادراك لا يكون الا بلغة ما وعن طريقها نميز ما يحيط بنا , واللغة لا تعد وسيلة لنقل الافكار والمفاهيم والتواصل فحسب وانما هي الاساس الفاعل المنتج لها . ويفترض لكل لغة وجود بيئة اجتماعية يلمس من خلالها وجود حاجة ملحة للتواصل مع أفرادها ,فلا يمكن عزلها عن الظواهر الاجتماعية الاخرى .ولما كانت البيئة الاجتماعية والحضارية متغيرة بحكم قانون حتمية التغير في المجتمعات البشرية لذلك فاللغة تتغير بمعانيها ومفرداتها .
    يؤكد علماء الاجتماع اللغة على عدم امكانية البحث لدراسة اللغة بذاتها ولذاتها وانما تعتبر مادة ثرية في تفسير الظواهر ومدى تأثير المواقف الاجتماعية على مستويات اللغة التي تساير التغير الذي يحدث في المجتمع ,فالتغير اللغوي لا يفسر الا في ضوء الظروف الحضارية .من هذا المنطلق فان اللغة الارامية وجدت للاتصال الاجتماعي في مرحلة من مراحل التطور الحضاري لشعبنا ,وان ثبت تركيبها اللغوي والنحوي وخطها الا ان المفردات التي تتركب منها اللغة اختلفت بمرور الزمن ,بحيث ظهر شق كبير بين اللغة التي نتحدث بها الان وتلك اللغة ,وبدليل واضح جدا ان الغالبية العظمى من افراد شعبنا لا يتقنوا اللغة الارامية الا بعد ترجمتها من قبل المترجمين ,ماعدا ثلاث قرى في سورية هي (معلولة )المسيحية  و(نجعا وجبعدين ) الاسلاميتين ,اذ أن سكان هذه القرى يتحدثون الارامية الفصحى حتى الشمامسة لايفهموا ماالمقصود بما يرددون من الصلوات الا القليل منهم ,وكذلك المؤمنون لا يمكنهم استيعاب ما يتلى على مسامعهم أبدا .
    وقد أيدت هذه الحقيقة البيانات التي حصلت عليها من استطلاع راي أجريته لعديد من أفراد شعبنا ,اذ أجاب 100%من أفراد العينة لايمكنهم فهم الصلوات والمزامير التي تتلى باللغة الارامية ,ونفس النتيجة أي 100% لايفهموا نشرة الاخبار التي تذاع من فضائية عشتار ,وأيد 100% من الافضل قراءة الصلوات والاخبار بلغتنا المحكية المتداولة .فاذا ما الفائدة من اللغة التي لاتؤدي وظيفتها الاتصالية في المجتمع البشري .مما يعني بوضوح أن شعبنا يعاني من الصعوبة البالغة في فهم اللغة الارامية ,فالحديث بها هو عقيم لافائدة منه ولا حصيلة اجتماعية ونفسية ,بل بالعكس ان الاتصال الاجتماعي بتداول اللغة المحكية له أثر بالغ في بناء الذات والشخصية القومية .فاللغة مرتبطة ارتباطا وثيقا بالمفهوم القومي فهي الرمز والوسيلة الاساسية في تحديد الهوية القومية للجماعة البشرية .ومن جانب اخر لابد أن تكون تسمية اللغة بالاسم القومي للشعب ,فالعرب يتحدثون العربية ,والكرد الكردية ,والانكليز الانكليزية وهكذا... ولكن كيف نقول الكلدان والاشوريون يتحدثون الارامية ؟ هذه الحالة لا تجوز وفقا لمنطق العلاقة بين العرق الاجتماعي واللغة .
    يؤثر عدم استيعاب اللغة في ظاهرة التكيف الاجتماعي للافراد مما يؤدي الى اغترابهم أي انفصالهم عن الواقع الاجتماعي والحضاري .ولتقريب الفكرة أكثر نستعين بالحالة التي يعيشمها أفراد شعبنا في المهجر ,فالجيل الاول من كبار السن وحتى الشباب لايتقنوا لغة البلاد التي يعيشون فيها مما يصادفون صعوبة في عملية التكيف والاندماج الاجتماعي والحضاري لعدم ادراك ما يجري في الحياة الاجتماعية اليومية فيصاب المهاجر بالاغتراب النفسي والاجتماعي اذ يعيش جسدا في المجتمع لكن اجتماعيا وروحيا فهو غريب عنه .وهذا يرجع الى عدم استيعاب لغة المجتمع الجديد استيعابا كليا الامر الذي يؤدي الى عدم تفهم العناصر الحضارية واليات العمل اليومي لهذه العناصر ومعانيها الاجتماعية وأبعادها النفسية .فادراك اللغة يعني ادراك الحضارة ,وادراك العناصر الحضارية يؤدي الى الاندماج في المجتمع الجديد .وهذا ينطبق على العلاقة بين افراد شعبنا واللغة الارامية ,فالزام الشعب للسماع عن ما يجري في الحياة اليومية بكل أبعادها السياسية والاجتماعية والاقتصادية باللغة الارامية يعني اخضاعهم للاغتراب الاجتماعي لعدم الادراك لما يقال ,مما تحصل فجوة حضارية كبيرة واشكالية في الاتصال الاجتماعي لعدم تأدية اللغة الارامية المفروضة وظيفتها الاجتماعية .
    هناك اشكالية اخرى في فرض هذه اللغة على جيل الصغار في المدارس ,فكما هو معروف في قوانين علم الاجتماع ان الاسرة هي المؤسسة الوحيدة التي تلقي التنشئة الاجتماعية لابنائها منذ الصغر بما فيه اللغة ,وهي ايضا الحلقة الاساسية لنقل الوقائع الحضارية اليومية بمختلف أنواعها من المجتمع الى الابناء ,وهكذا يتم بناء شخصية الانسان لاستيعابه العناصر الحضارية للمجتمع لادراكه اللغة المنقولة اليه بواسطة الاسرة .انما الذي يحدث الان هو قيام الاسرة بنقل العناصر الحضارية باللغة المحكية ,ومن جانب اخر يتلقى الصغار اللغةالارامية في المدارس مما يحصل نوع من الازدواجية والصراع اللغوي في ذات الفرد ,وهذه اشكالية كبيرة تؤثر على شخصية الفرد في مجتمعنا في  المستقبل  .
    الانسب أن تدرس اللغة المحكية بتطوير تركيبها النحوي في ضوء التركيب النحوي للغة الارامية وبنفس الخط اللغوي بدلا من التشويه الفكري والحضاري لابناء شعبنا .اذ أن لغتنا المحكية يفهمها كل فرد أينما يعيش فهي وسيلة الاتصال والتفاهم ,فعليه التأكيد عليها لتسهل هذه العملية لا على اللغة التي تحبطها .وبدلا من انشغال علماء اللغة من أفراد شعبنا بدراسة اللغة وتركيبها على أنها اللغة الفصحى عليهم تطوير لغتنا الحالية والتخلص من النزعة العاطفية على اعتبارها لغة الاجداد ,ولغة طقوسنا وصلواتنا .والتأكيد على ابعاد رجال الدين لعدم تاهلهم الاكاديمي والموضوعي في دراسة الظواهر الاجتماعية لانهم لايدركوا هذه اللغة الا بعد ترجمتها .
    اذا على المفكرين من شعبنا النظرة الى هذه الاشكالية بتعمق وجدية ,ودراستها واقعيا وموضوعيا ,وكذلك انضمام المختصين في العلوم الاجتماعية والنفسية الى المجالس واللجان المهتمة باللغة وتطويرها وفالمختص باللغة يدرسها من حيث تركيبها وأما الاجتماعي فيدرسها من حيث وظيفتها الاجتماعية ,وعلاقتها مع العناصر الحضارية في مرحلة ما .

   
               

116
الاعياد والمناسبات الدينية
في بلدة منكيش
الدكتور عبدالله مرقس رابي
    أستاذ جامعي

ان الهدف من هذه المقالة هو تعريف الاجيال بتراث شعبنا في مدننا وقرانا وحتى بين أفراد مجتمعنا في المهجر .اذ يعد التراث الاجتماعي أحد العوامل الاساسية في التواصل الحضاري وتثبيت الهوية القومية للمجتمع وتقوية أواصر الاتحاد والانتماء القومي للافراد.فهناك تراث اجتماعي مشترك بين مدن وقرى شعبنا في بلادالنهرين لابد من الاهتمام به اعلاميا وعلميا ليكون عنصرا فعالا في تقوية الوعي القومي لشعبنا الذي افتقده لعهود طويلة بسبب الاضطهادات السياسية والاجتماعية المتواصلة ,وقد اخترت جزءا من هذا التراث كنموذج في منكيش.
   يحتفل أهل منكيش قي المناسبات الدينية العامة والتي تخص أفراد شعبنا في كل المدن والقرى ففي عيد الميلاد يتجول الاطفال ليلة الميلاد في أزقة البلدة لزيارة العوائل فيمكثوا أمام باب الدار قائلين أهزوجة تدل على البشرى لميلاد المسيح وهي معروفة في منكيش ومطلعها (ميل ميلافا)وبعدها تخرج رية البيت لاستقبالهم وتوزع لهم الزبيب والجوز والتين المجفف والرمان ,وأما بعد دخول المنتوجات الصناعية فاشتملت على الحلويات المتنوعة .
    وفي ليلة عيد الدنح الذي يصادف 6 كانون الثاني من كل عام وهو ذكرى عماد السيد المسيح ,يجتمع أفراد الاسرة من الابناء والاحفاد ويجلس الابن البكر في الوسط ويحيط به الاخرون وينشر أحدهم عليه مواد غذائية يرغبها الجميع مثل اللوز والتين وفيما بعد أصبحت الحلويات ,ويحاول المحيطين التقاط ما يتمكن من هذه المواد .
    أما في عيد السعانين يكون الاحتفال بحمل الاولاد لاغصان الزيتون ,وقد يحضرها الساعور قبل العيد بيوم ,ويتجولون في أزقة البلدة مرتلين قائلين المدائح المعروفة في عيد السعانين .وفي عيد القيامة يصبغ الاهالي في سبت النور السابق للعيد البيض بالوان زاهية يحضرونها من النباتات البرية في الماضي ,وفي السنوات الاخيرة من الاصباغ التي تباع في الاسواق .وتدل البيضة الملونة على الحياة الجديدة التي جاءت بقيامة المسيح ,وفي أثناء القداس الاحتفالي الكبير الذي يقام فجر يوم العيد يجلب الاطفال معهم البيض ويتناولونه بعد اعلان القس قيامة المسيح (قيامتا) .وفي أيام العيد يتجمع الشباب في ساحات البلدة لكي يمارسوا لعبة (كسر البيض) فالذي تكسر بيضته يعد خاسرا .
    من المناسبات الدينية المعروفة في منكيش وابدى أهلها اهتماما متميزا بها والتي تتحول الى مهرجانات دينية واجتماعية هي :
1ـ    ذكرى مار كوركيس الشهيد التي تصادف 24 نيسان من كل عام وفي أجمل أيام منكيش الطبيعية حيث الربيع الذي يلبس الارض رداء" أخضر فتكسي الورود الجميلة كل مكان وتتفتح أزهار الاشجار فتختلط الالوان الطبيعية مع ألوان ملابس فتيات منكيش الجميلات اللواتي يسارعن الخطى مع ذويهن حيث المروج الرائعة والشمس الهادئةالتي ترسل أشعتها لتضرب الخدود الوردية فتزيدها رونقا وبهاء",انها حقا ساعات من العمر فكل شيء يضحك ,الطير والجبل والشجر والارض .وفي هذه المناسبة يتعاون أهل البلدة في الطبخ الجماعي لاكلة الهريسة فتنهال النذور على الكنيسة من الخرفان والديكة والحبية ,وتطبخ الاكلة بالقرب من الكنيسة ,ويقام القداس الاحتفالي ويخرج بعد نهايته موكب الاطفال والشمامسة ويتقدمهم القس حاملا صورة الشفيع مار كوركيس ويتوجه حيث الطعام ليباركه وثم يوزع بالتساوي حسب حجم الاسرة .ويعرف أن مار كوركيس هو شفيع منكيش وقد شوهدت له أعاجيب من أهل البلدة عندما كانت تتعرض الى الهجوم من قبل الاعداء بان هذا القديس ظهر ممتطيا حصانه ليبعد الاذى عن البلدة ورويت مثل هذه الحالات من قبل جماعة الاكراد وأفراد الشرطة المقيمين هناك .وفعلا لم يستطيع أحد من الاعداء النيل من منكيش مهما حاولوا وكرروا اعتداءهم .
   2 ـ ذكرى مارت شموني
    تصادف يوم الثلاثاء الاول من أيار دائما وهي من أيام الربيع الجميلة أيضا ,اذ يطلق على مقبرة البلدة (مارت شموني).واحياءا لهذه الذكرى يخرج الاهالي لزيارة المقبرة والمكوث هناك من الصباح الباكر والى المساء , وتطبخ أكلات متنوعة ,ويعد اقامة الصلاة وقراءة الانجيل وتلاوة الوردية في موقع يتوسط المقبرة يبارك القس الطعام بعد جمع كمية من كل أسرة فيأكل الناس مع ضيوفهم بشكل جماعات أو فرادى كل حسب رغبته .
 3  ذكرى مار توما :
    تصادف 3 تموز من كل عام ,يحتفل به المسيحيون الشرقيون في كل مكان ,بينما في منكيش له احتفال خصوصي متميز ,اذ يخرج الاهالي يعد حضور القداس الى البساتين الخضرالمحيطة بالبلدة على شكل جماعاتمتوزعة عليها ,وتطبخ الاكلات المتنوعة ,وتمارس ظاهرة رش الماء على بعضهم البعض ,وتقوم جماعات من الشباب من الجنسين بزيارة صومعة مار توما في الجبل المقابل للبلدة .
    4 عيد الصليب :
     يصادف 14 أيلول من كل عام .يحتفل أهل منكيش بذكرى اكتشاف الصليب المقدس وبمناسبة اعادته من المدائن الى القدس ,ويتم ذلك بجمع الرماد من البيوت وتوزع على شكل أكوام صغيرة على سطح الكنيسة وصب النفط عليها واشعالها في الليل بعد اقامة الصلاة والمراسيم المناسبة ,وكذلك تبادر كل اسرة باشعال النيران بالطريقة نفسها على سطح دارها فتحول البلدة ليلا الى منظر ولوحة جميلة جدا تضفي على الناس الابتهاج والسرور .
   تعد هذه المناسبات فرصة لجمع شمل الاحبة والاقرباء من سكان منكيش وضيوفهم من كل صوب في العراق .اذ ينتهز المهاجرون هذه الفرص للسفر الى بلدتهم للمشاركة في الاعياد .

117
تسمية بلدة منكيش
 الدكتور عبدالله مرقس رابي
  أستاذ جامعي ـ كندا

     أهدف من نشر هذه المقالة لكي يتعرف المهتمون بتراث شعبنا على احدى البلدات الكلدانية الجميلة التي يبلغ تعداد سكانها اكثر من (5000)نسمة منتشرين في أنحاء مختلفة من العالم ولم يبق فيها أكثر من (700) نسمة حاليا .وبالاخص الذين لم تتوفر الفرصة لهم الحصول أو الاطلاع على كتاب (منكيش بين الماضي والحاضر الذي ألفته سنة 1999 ).
    تقع منكيش في القسم الشمالي من العراق عند خطي طول 43,2 شرقا ودائرة عرض 36,5 شمالا وهي مركز ناحية الدوسكي . وتقع شمال مدينة دهوك على بعد (43)كم .ترجع اثار التجمعات البشرية المحيطة ببلدة منكيش الى (4000ـ4500) سنة قبل الميلاد .واما عن منكيش نفسها نلاحظ أن حادثا قد تناقلته الخلف عن السلف ولهج به الكبير والصغير هو ذلك اليوم الذي طارد به صيادون من القرى المجاورة حيوانا في غابة مجاورة ولم يستطيعوا الامساك به فاضرموا النار , فلما احترق شجر الغابة وخمدت النار دخلوها فعثروا على هيكل (معبد) ولما خرجوا تغنى أحدهم وقال خرجنا من (  بيت مكوشي) أي بيت المجوس مما يدل بوضوح على أن منكيش الحالية قد بنيت على أطلال قرية أخرى اندثرت ولا نعرف ,ولم يصلنا عنها شيء سوى أن هذا المعبد الذي ظل قائما حتى سنة 1929 اذ هدمه سكان البلدة وشيدوا على أنقاضه كنيستهم الحالية ,وعند الهدم شوهد أن الجدران الداخلية مكسوة بطبقة خارجية من الكلس وبعد ازالتها ظهرت الجدران القديمة مسودة وملطخة بالدم لكثرة ايقاد النار وذبح المحروقات داخل الهيكل ,مما يدل على أنه كان معبدا مجوسيا لسكان القرية القدماء وبعد دخولهم المسيحية أقاموا لهم مذبحا لتقديم ذبيحة القداس .
    تسميتها:
هناك ثلاث اجتهادات أو اراء تفسر معناها :
أولا: قد يكون اسمها مأخوذا من كلمتي (بيت مكوشي) الكلدانيتين أي (بيت المجوس) .ويحتمل أنه بعد العثور على المعبد ظل اسمها بيت مكوشي وبمرور الزمن وتعاقب الاجيال حرف الى منكيش .وما يدعم هذا القول أيضا العثور على بعض الاواني الخزفية وفي داخلها رميم الموتى بعد حرقهم بالنار كما هي عادة المجوس عند حفر أساسات كنيسة البلدة الحالية سنة 1929 .وعثر على العديد من أثار المجوس في أماكن مختلفة في ضواحي منكيش القريبة والبعيدة ,وعثر على مقابر لدفن الموتى حسب العادة المجوسية عند حراثة الاراضي الزراعية في البساتين والكروم .

ثانبا : وقد بكون هذا الاسم مشتقا من (منكيشية) أو (منكاش) الكلدانيتين ومعناهما (الذي لمس) كناية عن (مار توما) متلمذ المشرق الذي لمس جروح المسيح وجنبه المطعون اذ يوجد جوار البلدة دير وكنيسة على اسم مار توما موقعها في لحف الجبل الواقع جنوب منكيش ويبعد عنها زهاء نصف كيلومتر ,كما هناك بجانب هذه الاثار صومعة منقورة داخل الجبل تعرف بصومعة (قلاية) مار توما.

ثالثا: قد تكون تسميتها جاءت من كلمتين (بيت مخنشي)أي (محل الاجتماع) الذي تقرر فيه حرق الغابة من قبل صيادي القرى المجاورة عند ااكتشاف المعبدوبمرور الزمن اصبحت منكيش .

118
التصور الخاطىء
ان الكلدان طائفة دينية
الدكتور عبدالله مرقس رابي

استاذ جامعي- كندا

يتكون المجتمع البشري من مجتمعات متباينة في عناصرها الحضارية المادية والمعنوية  ,فهي مختلفة في وسائل الانتاج ,الفنون ,العلوم ,المعتقدات الدينية ,الاداب ,اللغة ,العادات ,التقاليد ,والقيم الاجتماعية . ويتركب المجتمع من جماعات اصغر تسمى بالمجتمعات المحلية , ولكل مجتمع محلي خصائص اجتماعية واقتصادية ونفسية وطرق العيش الخاصة تميزه عن غيره . وقد تكون البيئة الاجتماعية عاملا في تمييز المجتمعات المحلية عن بعضها مثل المجتمع الريفي والحضري .وتقسم الحالة الاقتصادية والمكانة الاجتماعية المجتمع الى طبقات اجتماعية متباينة العليا ,الوسطى , السفلى . ويضطلع الاعتقاد الديني دورا مهما في تقسيم المجتمع الى جماعات مختلفة تسمى (الطوائف الدينية ) .
     يعتبر مفهوم الطائفة من المفاهيم الاساسية التي يهتم بها علم الاجتماع ,فهو مثل العديد من المفاهيم الاجتماعية يشهد نوعا من التداخل والتباين والغموض زمانيا ومكانيا . ففي القرون الوسطى اطلق على الجماعات الحرفية مثل طائفة النجارين ,طائفة الحدادين وغيرهما. وفي الهند تعني الطائفة طبقة اجتماعية مغلقة لا تعطي لافرادها حق الانتقال الاجتماعي من طبقة الى أخرى ولكل طائفة واجباتها واعمالها الوظيفية المعينة ,ولها منزلة تنسب لافرادها منذ الولادة .لكن التعريف السائد للطائفة واكثرهم انتشارا هو : تعني جماعة دينية تعتقد بأفكار وتقيم ممارسات وطقوس دينية لتميزها عن الجماعات الاخرى ,وتدعي ان افكارها ومعتقداتها هي الاقوم والاصح من الافكار والمعتقدات الدينية للطوائف الاخرى ,واحيانا تنقسم الطائفة الواحدة على نفسها مكونة اكثر من جماعة دينية .وعليه ان كل جماعة دينية يمكن أن تسمى طائفة , كالطائفة الكاثوليكية ,الارثودكسية ,النسطورية ,وطائفة السنة والشيعة واليزيدية ...الخ .
     وأما كيف نشأت الطوائف ؟ فأن كل مؤسسة دينية تبدأ موحدة في أفكارها ومعتقداتها وبمرور الزمن تظهر الاجتهادات والتفسيرات الشخصية لاتباعها حول ما تحتوي من المعتقدات والممارسات والمواقف والاتجاهات نحو الظواهر الاجتماعية أونحو مؤسس الدين نفسه .وقد تلعب عدة عوامل ذاتية وموضوعية دورا كبيرا في ظهور الطوئف الدينية , من أبرزها المواقف الشخصيةلبعض رجال الدين أو علماء الدين ورغبتهم ودوافعهم الجامحة في المناصب وحب السيطرة والنفوذ وجذب اهتمام الناس . وياتي دور العامل السياسي في الماضي والحاضر من أهم العوامل في ظهور الطوائف الدينية وقد تتعرض المؤسسة الدينية الى ما تمليه المؤسسة السياسية من جهة ومن جهة أخرى تكون المؤسسة الدينية ضحية الصراعات القائمة بين الدول والاحزاب السياسية على مر العصور .وأما العامل الاجتماعي الذي يمثل اللغة ,العرقية ,والقيم الاجتماعية فهو الاخر يضطلع دورا مهما في ظهور الطوائف الدينية ..على أثر هذه العوامل ظهرت عدة طوائف اسلامية وأبرزها السنية والشيعية وتفرعتا الى طوائف عديدة مثل :السلفية ,الشافعية , الوهابية ,الدورزية ,الاسماعيلية وغيرها .وأما في المسيحية فان أثر هذه العوامل واضحا من خلال متابعتنا لتاريخ انتشارها .اذ منذ القرون الاولى بدأت الانشقاقات الطائفية فظهرت النصرانية , الكاثوليكية .الارثودكسية ,النسطورية ,الانكليكانية ,والبروتستانية .وانقسمت هذه الطوائف على نفسها أيضا لتكون طوائف دينية اكثر عددا وقد وصل الى المئات حاليا في أمريكا الشمالية .وقد ترسخت المفاهيم الطائفية في الجماعات الدينية تاريخيا بحيث يحدث نوع من التقاطع والصراع والاحقاد الاجتماعية والنفسية ,يترتب عن ذلك نشوب حروب دموية ومدمرة كما يحصل الان في العراق ومناطق عديدة من العالم .
     أما بالنسبة الى شعب بلاد النهرين من الكلدانيين والاشوريين والسريان دخل الى الديانة المسيحية منذ القرن الاول الميلادي .ونحو سنة 484 م انتشر المذهب النسطوري في الشرق وبالاخص ضمن حدود الدولة الفارسية ,وظل شعبنا ملتزما بعقيدته الى أن بدأ انضمام البعض الى روما في عهد البطريرك ( شمعون الرابع الباصيدي ) سنة 1437 _ 1476 ) بعد أن شرع قانونا بأن تكون الوراثة في البطريركية تنحصر في أسرته خلافا للرسوم والقوانين الكنسية جمعاء . فأثارت هذه القضية غضب البعض مما فضلوا الاتحاد مع الكرسي الرسولي في روما .واول من بدأ هذا الانضمام هم نساطرة القبرص وتدريجيا أزداد الانضمام وبالاخص بعد موت ( شمعون السابع  المعروف ابن ماما ) سنة 1551 م فقبل قسم كبير من النساطرة (دنخا ) ابن أخيه خلفا له على الكرسي باسم (شمعون الثامن ),بينما انعقد مجمع في الموصل من الاكليروس والمؤمنين برئاسة ثلاثة مطارنة ينوون الاتحاد مع الكرسي الرسولي في روما ,واختير (سولاقا دانيال ) فسافر الى روما لينال البراءة البابوية .
     لم يكن ذلك الانفصال عفويا بل مدروسا ومنسقا ,ولم يعني حينذاك هذا الانشقاق استحداث طائفة أو مذهب ديني جديد لان الشعب الكلداني عندما انشق عن الكنيسة الشرقية لم يأت بمعتقدات جديدة ليكون طائفة دينية أخرى وانما مجرد حدث تغيير من التعاليم النسطورية الى تعاليم الكنيسة الكاثوليكية في روما ,ولتمييزهم عن الذين بقوا على الكنيسة الشرقية سميوا الكلدان الكاثوليك تقديرا لانتسابهم الى بابل باعتبار أن بداية الرئاسة الكنيسة النسطورية الشرقية كانت في ديار بابل ومركزها في ساليق ضمن حدود اخر دولة لشعبنا .وهذه التسمية أصبحت ذريعة للاشوريين لاعتبار ان الكلدان طائفة وليسوا قوما .
     ان كل من قرأ تأريخ يلاد النهرين وتعمق فيه بموضوعية وعقلية مجردة من الايديولوجيات السياسية التي تؤثر في توجيه القاريء والكاتب نحو مبادئها السياسية سيكتشف أن وجود الكلدان كقوم في بلاد النهرين حقيقة لا يمكن الاختلاف عليها مثلما هي حقيقة وجود الاشوريين والاموريين والاكديين والسومريين . يدعي البعض ان الكلدان كانوا جماعة تمارس السحر والتنجيم ولم يكونوا قوما مثل غيرهم ,وما الضرر في ذلك حيث تشير الدراسات الانثروبولوجية  الى أنه لابد من مبرر أو سبب لتسمية أي جماعة بشرية ,فلابد لسبب لتسمية الكلدان كما هو أيضا في الاشورية وقد يرجع تسميتها الى اله اشور أو اسم شخص أو منطقة ,وايضا عرفوا الاراميين اما نسبة الى ارام او سكان المناطق العالية , وكما سميوا العرب نسبة الى جدهم يعرب أو لكونهم أصحاب الوبر أوسكان البادية .وهكذا لابد من سبب لتسمية أي قوم فاما قد يكون نسبة لاشخاص أو مهنة ,أو منطقة جغرافية ,أو صفة يمتازون بها دون غيرهم . فالمجتمع البشري لم يصنف بتسميات مختلفة منذ وجوده على الارض بل بمرور الزمن تكونت القبائل ثم الاقوام بتسميات متعددة ولاسباب مختلفة .
     تشير كل التنقيبات الاثرية والدراسات التاريخية الى وجود الاشوريين في المنطقة الشمالية من بلاد النهرين وفي الفترة الموازية لوجود الدولة البابلية في جنوب ووسط البلاد لحين قيام الدولة الكلدانية سنة 626 ق .م التي عرفت بالعصر البابلي الحديث وعلى أثرها سقطت الدولة الاشورية سنة 612 أو613 ق .م ,ثم سقطت الدولة الكلدانية في 29 تشرين الاول سنة 539 ق . م بدخول الجيش الفارسي الاخميني يقيادة قورش الى بابل ,وأول عمل قام به هو تشتيت الكلدان في الاقاليم الاخرى الخاضعة لسلطانه ,مثلما شتتوا من قبل ملوك الاشوريين أثناء اغارة جيوشهم على الاقاليم الجنوبية .اذن الكلدان قوم من الاقوام التي وجدت قديما على أرض بلاد النهرين بدليل ما جاءت التنقيبات من الحقائق عن دولتهم العظمى وشهرتهم الفائقة في العلم والمعرفة والفنون الحضارية المختلفة .
     ظلت بلاد النهرين تحت سيطرت الحكومات الاجنبية منذ سقوط بابل والى يومنا هذا ,لكن شعبها الاصلي بقى حيا وهو خليط من الكلدانيين والاشوريين والسريان .وقد عرف بالشعب المسيحي بعد دخوله في المسيحية منذ القرن الاول الميلادي ,ولم تظهر التسميات القومية له لسببين رئيسين أولا العامل الديني لان المسيحية لاتؤكد على التسميات القومية وليس لها شأن في السياسة ,والعامل الثاني هو عدم قيام دولة قومية أخرى بعد سقوط بابل . وعلى أثر دخوله في النسطورية في القرن الخامس الميلادي عرف بتسمية النساطرة وظلت هذه التسمية جارية الى يوم اتحاد قسم منهم مع الكرسي الرسولي في روما ـ كما ذكرت سابقا ـ وسمي هذا الجزء بالكلدان وظل الجزء الثاني معروفا بالنساطرة الى أواخر القرن التاسع عشر وبعدها الاثوريين وثم الاشوريين .
     يتحدث الشعب الكلداني بلغة السورث المحكية في مدننا وقرانا ويفهمها كل كلداني أينما يعيش في ألقوش ,عبنكاوة , دهوك ,منكيش , أرادن ,زاخو  والمهجر. وخلاصة القول ان الكلدانيين قوم عريق لهم تراثهم وتاريخهم ولغتهم وحضارتهم المادية وافكارهم ومعتقداتهم الدينية والمكان الواحد والدم الواحد ,كلها هذه تشكل المقومات الاساسية للقومية .اذن تسمية طائفة الكلدان خطأ شائع وعليه الاكتفاء بتسمية الشعب الكلداني لكي لا تختلط الامور في المجالس والمخاطبات الرسمية وعلى أثر هذا الاختلاط يعامل شعبنا كطائفة لا كقوم .

119
أثر كتابات رجال الدين في تشويه هوية الكلدان القومية

الدكتور عبدالله مرقس رابي
كندا             

    يعد هذا الموضوع مكملا لمقالتي السابقة الموسومة ( الدور السلبي لرجال الدين في المجتمع المعاصر ) ولاهميته في الظروف الراهنة لشعبنا خصصت هذه المقالة لمناقشة وطرح الدور الاكثر سلبا لرجال الدين من حيث كتاباتهم وبعض طروحاتهم وخطبهم في تشويه هوية الكلدان القومية. اذ تعد كتابات رجال الدين من العوامل المؤثرة في تشويه هوية شعبنا القومية لعدم وضوح المفهوم القومي في معظم كتاباتهم وغالباً ما  يمزج هؤلاء بين المفاهيم الدينية و القومية.  وقد طالعت العديد من الكتب والمقالات التي كتبها الاباء والاساقفة والكهنة والرهبان عن تاريخ الكنيسة وشؤونها, ومن هذه المتابعة أثارت انتباهي بعض العبارات والنصوص التي تشوه وتزيد المفاهيم القومية واللغوية غموضاً.  فعلى سبيل المثال لا الحصر هذه العبارات التي جاءت في متن بعض الكتب والمقالات.
     
      ففي المقال الموسوم (أرشيف البطريركية الكلدانية) للاب بطرس حداد, جاء "ان السلف الصالح كان يعتز باللغة الكلدانية فالمراسلات بين البطريركية والاكليروس كانت تتم بهذه اللغة الشريفة وتراجعت تدريجياً في عهد البطريرك عمانوئيل". واما في مقدمة مقاله في مجلة نجم المشرق عدد 3/4 استخدم عبارة "لمناسبة احتفال الطائفة الكلدانية" وفي المقال نفسه كتب عبارة "السجل مكتوب بالكلدانية" وعنون مقال اخر بعبارة " الكتابات السريانية في ديارات المشارقة". والكاتب الاب جاك اسحاق اطلق على أحد كتبه( المخطوطات السريانية والعربية في خزانة الرهبانية الكلدانية في بغداد).
     
     واما الكاتب الكنسي الاب البير ابونا فهو اكثرهم تخبطاً في استخدام المفاهيم, ففي مقال الموسوم (تطور الفكر اللاهوتي في كنيسة المشرق) جاءت عبارة "كانت لغة التعبير عن الديانة المسيحية هي الارامية في معظم مناطق بين النهرين....الخ" ويذكر في هوامش كتاب الرؤساء لتوما المرجي "والاب بولس بيجان الذي اعاد طبع النص الكلداني وغيره ممن كتبوا في الاداب السريانية.وجاء في سنة 1893 قام العلامة المستشرق الانجليزي السير ي.أبدج بنشر نص الكتاب باللغة الكلدانية, وايضاً حتى ان المرء ليعجب من سعة اطلاع هذا العالم على دقائق اللغة الكلدانية"
وتسمية جديدة غريبة جاء بها الاب البير ابونا هي " الكنيسة الكلدانية السريانية الشرقية الكاثوليكية" يا له من مجتمع او مذهب جديد مركب التسمية.  وعنون احد كتبه بعبارة "تاريخ الكنيسة السريانية الشرقية". وفي كتابه هذا جاءت عبارة " تقويم قديم للكنيسة الكلدانية النسطورية" وله كتاب بعنوان (ادب اللغة الارامية).                                                      وعنون الاب لويس ساكو (المطران حاليا ) احد كتبه بعبارة "اباؤنا السريان". وسمى الاب حنا شيخو احد كتبه بعبارة "كلدان القرن العشرين, دراسة مجملة عن المجتمع الكلداني". وفي مقال للمطران عمانوئيل دلي ( البطريرك حاليا ) في مجلة نجم المشرق جاءت عبارة " وكتبت الرسالة باللغة الكلدانية."وهناك العديد من الكتب والمقالات المليئة في طياتها مثل هذه العبارات الغامضة  لا مجال لذكرها .
     ومن متابعتي لبعض الخطب والتصريحات لاباء الكنيسة في المناسبات العديدة  تبين ايضا الغموض وعدم الوضوح في طروحاتهم .على سبيل المثال ما جاء في خطاب البطريرك روفائيل بيداويد, امام البابا يوحنا بولس الثاني في الفاتيكان في 14 تشرين الاول 1994, عبارة "الكنيسة الكلدانية" عدة مرات, وفي حديثه  في المقابلة التلفزيونية لمحطة لبنانية بأن " الكلدان مذهب والشعب الكلداني اشوري"فهو لايميز بين المذهب الديني والقومية.ذلك الحديث الذي استغله بعض افراد وكتاب الشعب الاشوري كورقة للترويج وتحقيق هدفهم الطوبائي لالغاء القومية الكلدانية  اذ انه  مجرد تعبير عن رايه الخاص فلا يمثل رأي المفكرين و الباحثين, وكيف استنتج ذلك ولم يستند على نظرية أو فرضية علمية, وان قصد البطريرك بيداويذ ان الكلدان كانوا نساطرة قبل دخولهم في الكثلكة, هذا لا يعني ان كل من يتبع التعاليم النسطورية في الكنيسة الشرقية هو اشوري .ففي الماضي بحسب الحقائق التاريخية المعروفة كانت قبائل كلدانية في مركز الكنيسة الشرقية (كوخي) المدائن وما حولها تتبع التعاليم النسطورية علاوة على ان هناك دلائل تاريخية تشير الى تهجير العديد منهم عبر العصور المختلفة نحو شمال بلاد النهرين, اضافة الى قبائل عربية وفارسية وتركمانية ومغولية وهندية وغيرها اتبعت الكنيسة الشرقية النسطورية مما يدل على ان كل اتباع هذه الكنيسة ليسوا من الاشوريين, لقد ضمت شعوباً مختلفة من قبرص غرباً الى جاوة والتبت والصين وسومطرة ومنشوريا والهند شرقا. ولاغرابة أن يكون البطريرك بيداويذ اشوريا ويرأس الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية طالما يتميز بسمات تؤهله لرئاسة هذه الكنيسة .فالدين لايربط بين الرئاسة والقومية والعشائرية ,حيث إنتشر الرسل والمؤمنين الاوائل في ارجاء العالم وترأسوا كنائس لشعوب تختلف عن إصولهم العرقية . ومن جهة اخرى لا يعد الالتزام برأي رجل الدين عن امور غير دينية واجب ,فهذه مسألة قومية اجتماعية سياسية وليست مسألة اجتهاد او تفسير ديني كمنح صفة القديس لأحد الرهبان أو الاساقفة على سبيل المثال, أو تغيير في الطقوس الدينية, حينها يقول الجميع نعم لأنه رأس الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية.
     وفي عام 1999 التقيت مع ثلاثة مطارنة من الكلدان في الاردن وانا في طريقي الى المهجر ودار الحديث معهم حول هذا الموضوع للاستفادة من معلوماتهم اذ كنت منشغلا في تأليف كتابي (الكلدان المعاصرون ) فطرحت عليهم سؤالا : من هم الكلدان ؟ وقد أجاب أحدهم ان الكلدان شعب قديم لا نعرف عنه شيئا ,وقال الثاني ان الكلدان هم جزء من مسيحي العراق , وأما الثالث أجاب ان الكلدان هم الاراميون وسمي فيما بعد بالكلدان . في الحقيقةتدل هذه الاجابات على النقص الفعلي في معلوماتهم عن الكلدان واصولهم وعن المفاهيم القومية فلا يمكن الاعتماد عليهم في نشر الوعي القومي بين افراد شعبنا .
      يبدومما تقدم الغموض وعدم الدقة جلياً في استخدام هؤلاء الاباء للمصطلحات القومية في كتاباتهم الدينيةوطروحاتهم, حيث التناقضات الواضحة بينهم واحياناً عند الكاتب نفسه في ذات المقالة, اذ يستخدم تعابير متعددة ويعني بها مفهوما واحدا, وهذه العبارات او المفاهيم المستخدمة هي : الكلدان, اللغة الكلدانية, اللغة الارامية, اللغة السريانية, الطائفة الكلدانية, الكلدانية السريانية, الكلدانية النسطورية, السريانية, الشعب الكلداني, المجتمع الكلداني, الاداب السريانية, النص الكلداني, الناطق بالسريانية, الاشورية, الاثورية, كلد واثور, ألا تثير الدهشة والحيرة هذه المفاهيم المتناقضة الغريبة والتي تربك الفرد الكلداني وتؤثر عليه سلبا في شعوره القومي وفهم قوميته!. وبالاخص العامة من الشعب اذ كما اشرت سابقا معظمهم يعتقدون ان ما يأتي به رجال الدين هو الاصح ولايجوز مناقشتهم ,بالاضافة الى اعتقاد البعض ان دراسة اللغة وما يتعلق بتراث شعبنا مرتبط بالكنيسة وهذا خطأ شائع .
  ساهم رجال الدين في دراسة تاريخ الكنيسة و امجاد الاباء وانتشار المسيحية في بلادنا مساهمة قيمة وجادة, بينما اخفقوا في تحديدهم للمفاهيم القومية, بالطبع هذا ليس من اختصاصهم,فقد اقتصرت دراستهم قبل رسامتهم الكهنوتية على اللغة الارامية الحديثة والعلوم الدينية والقوانين الكنسية دون دراسة تاريخ الاقوام والبلدان والحضارات والدراسات الاجتماعية. وعليه الالتزام بالحذر عند استخدام المفاهيم المذكورة اعلاه لكي لا يزيد من تشويه الافكار عند القارئ الكلداني, فهذه مسألة بعيدة عن اللاهوت اعني-المسألة القومية واللغوية- فهي ظواهر اجتماعية نفسية موضوعية وواقعية تحتاج الى البحث والاستقصاء المبني على المنهجية العلمية .




120
الدور السلبي لرجال الدين
في المجتمع المعاصر
تحليل سسيولوجي
الدكتور- عبدلله مرقس رابي
   
استاذ جامعي \ كندا

تشير الدراسات الاجتماعية والانثروبولوجية الى وجود نخبة من الاشخاص يتحكمون في تنظيم العلاقة بين افراد المجتمع و الخالق في المجتمعات البشرية القديمة والطوطمية البدائية التي لاتزال موجودة في المناطق النائية من العالم . وقد تحددت تلك العلاقة على نحو ان هذه النخبة من الكهنة هي الوحيدة المخولة للتحدث مع الخالق للتدخل في تقرير مصير المجتمع البشري اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا , وعليه اكتسبوا مكانة اجتماعية مرموقة اثرت بدورها في العامة من الناس لاعتقادهم ان تلك العلاقة مصدرها ( التفويض الالهي ) للتحكم في شؤون المجتمع .
  برزت هذه الظاهرة في الديانة الاسلامية لتاكيدها على عدم فصل الدين عن الدولة والرجوع الى الشريعة لتنظيم الحياة الاجتماعبة بابعادها المختلفة .وظهرت في المسيحية تدريجيا في اوربا يشكل واخر لحين بسطت الكنيسة سلطتها على معظم معالم الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وحتى العلمية للمجتمع الاوربي مثل تنصيب الملوك ومعارضة اصحاب النظريات والمكتشفات العلمية وكثيرا ما اعدمت محاكمها العلماء الذين لهم الفضل في تقدم البشرية .
  استمرت هذه الحالة لحين ظهور النهضة الفكرية التي بدات بوادرها في القرن السابع الميلادي اذ تمكنت من التأثير على الوضع القائم انذاك في العلاقة بين الكنيسة والمجتمع فأدت الى تقليص دور الكنيسة ورجال الدين في التحكم بشؤون المجتمع واقتصرت واجباتها في تنظيم وتأدية اسرار الكنيسة فقط محققة بذلك موقف المسيحية من هذا الموضوع الذي لخصه السيد المسيح في عبارة (اعطوا ما للقيصر للقيصر وما لله لله )- انجيل لوقا اصحاح 20 اية 24 - . وكثيرا ما نقرأ في تاريخ الكنيسة والطقوس الدينية التأكيد على الصلاة من أجل الحكام لكي يحكموا بعدالة وانسانية ويحققوا السلام دون ان يتدخلوا في شؤونهم الا في حالة تعرض المؤسسة الدينية الى التهديد والنيل من الايمان المسيحي فذلك من حقهم التدخل .
  ان تدخل رجل الدين في الشؤون السياسية والدنيوية الاخرى للمؤمنين يقود ذلك الى نوع من التحفيز النفسي للتمييز بين الافراد , في الوقت الذي يتطلب منه معاملتهم بالعدالة والمساواة , علاوة انه يهبط من عزيمة وشجاعة القادة السياسيين للدفاع عن حقوق شعبنا . فأذا حصل هذا التدخل سيكون ايديولوجيا كالاحزاب السياسية التي تعتبر كل منها الافكار التي تؤمن بها هي الامثل والاسمى ولاتعلو عليها مبادىء أخرى .
  يسود في بلاد الرافدين هذه الايام نوع من الديمقراطية وحرية التعبير عن الرأي اضافة الى النهضة الفكرية والوعي السياسي والقومي في مجتمعنا الكلداني .فهي فرصة تاريخية ثمينة لنيل حقوقنا القومية على ارضنا لم تتوفر من قبل .مما يجدر برجال الدين عدم التدخل فيما لايعنيهم من الامور بل فسح المجال للاحزاب السياسبة والمجالس الشعبية لحسم القضايا الراهنة لشعبنا سواء مسألة المنطقة الامنة أو غيرها من القضايا .اذ الخلفية العلمية والخبرة السياسية لهم لا تؤهلهم لرسم السياسة الاجتماعيةللمجتمع فهي تقتصر على دراسة اللاهوت والطقوس الدينية فقط , ومهما يمتلكون من الوعي المعرفي فأن مواقفه دائما تستند على انه مفوض من الله لكي يحل ويربط ما يشاء من الظواهر الاجتماعية
  هذا الموقف لايمكن الاستناد عليه في عصر التنوير والتقدم الحضاري والوعي الفكري عند عموم افراد المجتمع ,وقد يصلح ذلك في المجتمع الذي تسوده الامية والتخلف الحضاري كما في السابق اذ أن عدد المتعلمين كان محدودا والمستوبات العلمية العالية معدومة ,وعليه تفسر الظواهر الاجتماعية وفقا للمفاهيم الدينية .والكاهن كان المتعلم الوحيد مع بعض الشمامسة في المجتمع فهو المرجع الوحيد لمساعدة الافراد في حل مشاكلهم وأعتقادا منهم ان ما يقوله هو من عند الله فلا يجوز مناقشته بتاتا .أما اليوم فأن رجال الدين معظمهم في المستوى المتخلف قياساالى التقدم الاجتماعي والفكري الذي حصل في العالم ,وتراجعت مكانتهم الاجتماعية على أثر الوعي الحاصل لدى الافراد عن علاقة المؤسسة الدينية بالانشطة الاجتماعية الاخرىوعن دورهم في المجتمع المعلوماتي الحديث .
  يفضل أن يركز رجال الدين جل اهتمامهم في تأدية اسرار الكنيسة التي لايجوز لغيرهم تأديتها ووضع الحلول المناسبة للتصدعات التي طالما تحدث بينهم .والعمل على ايجاد الية بواسطتها يمكن التصدي للاعلام الفاسد الذي ينعكس سلبا على الايمان الديني للافراد .وليكن من واجباتهم الاساسية الصلاة من اجل القادة السياسيين لكي يتمكنوا من ادارة شؤون مجتمعنا في هذه الظروف الحرجة .
  يبدو حصول نوع من التخبط والخلط بين المفاهيم السياسية والقومية والدينية ,أي عدم التمييز بين ما هو سياسي أو ديني أوقومي ,وعدم الادراك ان قضايانا هي قومية سياسية تاريخية وليست دينية فحسب .
  واخيرا ان تدخل رجال الدين في قضايا شعبنا يعني بكل صراحة انها محاولة الانتكاس الفكري للرجوع للحياة البدائية الطوطمية ,واخطر من ذلك يؤدي الى تهميش دور الاحزاب السياسية والمجالس الشعبية لشعبنا ,وتغيير اتجاهات ومواقف الحكومة المركزية والاحزاب الاخرى نحوهم ,اضافة الى الاحباط المعنوي لقادة النهضة الفكرية والوعي القومي المتنامي لافراد شعبنا .وعليه يجب ان تترقى عقلية رجال الدين للتفهم واستيعاب الفرق ما بين المؤسسة الدينية ومؤسسات المجتمع الاخرى والتمييز ما بين مفهوم المؤمنين لتأدية واجباتهم الدينية وبين افراد المجتمع والتعامل معهم خارج نطاق  تلك الؤسسة .

121
تبلور الشخصية القومية
وتطبيقاتها على القومية الكلدانية

الدكتور عبدلله مرقس رابي
استاذ جامعي - كندا
يعد تبلور الشخصية القومية والانتماء الى الجماعة البشرية ضرورية جدا في حياة الانسان لكي يحدد مكانته الاجتماعيةبالنسبة للجماعات  الاخرى .لم تكن الشخصية القومية واضحة عند الافراد في الماضي لسببين هما الدين الذي لا يهتم بالشؤون القومية .ونظام الامبراطوريات السياسي الذي كان يتوسع عن طريق الحروب والزواج السياسي , أي زواج الملوك والامراء من بنات الملوك والامراء في المناطق الاخرى .
  انما ظهرت النزعة القومية قرابة القرن الثامن عشر ,وذلك لضعف السلطة الدينية في امور الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية وسقوط الامبراطوريات وقيام نظام الدول القومية .علاوة على انتشار الطباعة باللغة المحلية مما ساعد على نشاط الوعي القومي .
  يؤكد علماء الاجتماع والانثروبولوجية ان الانسان كائن اجتماعي بالطبع , فهو يولد مزودا بالقدرات والقابليات التي تصقلها البيئة الاجتماعية لكي يتأهل للعيش والتكيف مع الجماعة التي ينتمي اليها ,بفعل اللغة المتداولة بين الافراد الذين يتصرفون حيال الاشياء على اساس ما تعنيه تلك الاشياء لهم .وهذه المعاني هي نتاج للتعامل الاجتماعي في المجتمع الانساني . وبعدها تحور هذه المعاني وتعدل ويتم تداولها عبرة عملية تأويل يستخدمها كل فرد في تعامله مع الاشارات التي يواجهها عن طريق التفاعل الاجتماعي الذي يولد المعاني ,والمعاني تشكل عالمنا ,وهذا يعني أننا نخلق عالمنا بما نضفي عليه من معان .وان هذه المعاني تتغير وتتطور فان العالم  يتغير معها ويتطور .
  هذه العملية تنطوي على المجال الادراكي اوالمعرفي الذي يعتمد على التفكير والتصور الذهني عن الجماعة القومية , والمجال الانفعالي الذي يتضمن المشاعر والحوافز والرغبات عن الجماعة .اضافة الى المجال الفعلي الذي يتضمن الاعمال التي ينجزها الافراد .وتتوقف هذه المجالات على عملية التعلم التي تضطلع الاسرة دورا كبيرا فيها ,وتتحدد في ضوئها الشخصية القومية وفقا لمفاهيم انتقلت اليه عبر التنشئة الاجتماعية واصبحت جزءا لايمكن فصلها عن شخصيته  .
   تنطبق هذه العناصر على القومية الكلدانية التي تكونت لنشوء لغة خاصة باعضائها لا يفهمها غيرهم من الاقوام الاخرى, بفعل التراكم الثقافي عبر التاريخ. وتبلورت شخصية الكلداني القومية وفقا للمعايير الثقافية, والرموز الثقافية, ويفهم الفرد ذاته من تصور الاخرين له منذ الطفولة حيث تبلورت شخصيته وفقا لمفاهيم انتقلت اليه عن طريق التنشئة الاجتماعية وأصبحت جزءا لا يمكن فصلها عن شخصيته, فسيطرت على تفكيره ومجاله الانفعالي, ثم أن الافعال التي ينجزها الفرد تدور ضمن ثقافة قوميته. وهذا التصور اللاشعوري لشخصية الفرد يؤدي الى تقوية النزعة القومية عنده (روح الجماعة) , وتنمو عنده بمرور الزمن وبحكم (التمركز السلالي) عبر الاجيال, والارادة الكافية للشعور القومي, والانتماء والولاء, والتضامن, وهكذا لدى غيره من الافراد, وبالتالي تتشكل الجماعة القومية ويحاولون الحفاظ عليها.

     تكفي الفترة الزمنية, والتمركر السلالي عبر الاجيال, لتقوية روح الجماعة والشخصية القومية عند الكلدان المعاصرين, حيث تكونت الارادة القومية لدى الكلداني ولا يرضى تسميته بغير تسمية الكلداني. فأصبحت جزءا من كيانه ونطق بها لا شعوريا وفقا لاحكام الظاهرة الاجتماعية التي تنمو عند الفرد لاشعوريا كما أكدها عالم الاجتماع الفرنسي (أميل دوركايم) . فالقومية ظاهرة اجتماعية من صفاتها: أنها لا شعورية, والزامية, ولها زمان ومكان محددان وهي انسانية,.وموجودة قبل وجود الفرد فمهما حاول الاخرون تجريد الكلداني من كلدانيته لا تحصد هذه المحاولة غير الفشل مثلما لا يمكن تجريد العربي من عروبته, والاشوري من اشوريته, ولا السرياني من سريانيته.
     المعروف في علمي الاجتماع والنفس أن الاسرة تغرس المعاني والمفاهيم في أذهان أبنائها, وتنطبع كأحرف الطابعة على الورقة, ولا يمكن ازالتها مهما تعرض الفرد الى العوامل التي تتعارض مع المفاهيم الاجتماعية, وقد يكون التغيير في الجوانب المادية للانسان عملية سهلة جدا فيمكنه أن يتماشى مع المودة في الملابس, وقصة الشعر, وتبديل المسكن, والانتقال اقليميا, لكن من الصعب جدا تغيير المشاعر والقيم والتصورات الذهنية تجاه الحالة المعنوية مثل الانتماء القومي .

     الاسرة لها دور كبير في نقل معالم الثقافة المعنوية للجماعة القومية التي تنتمي اليها عن طريق التنشئة الاجتماعية الىأبنائها, فالشخصية القومية للفرد تتوقف على العمليات الاجتماعية التي تحيط به منذ ميلاده. باعتبار أن الوالدين هما المثل الاعلى له, وتجعل هذه التنشئة من اعتقاد الفرد الحازم بسمو و رفعة جماعته القومية, والاسرة الكلدانية تعلم الفرد الطرق الشعبية والاساليب الشعبية والاعراف الشعبية.  والاسلوب الشعبي يكون وليد تكرار العمليات السلوكية التي يقوم بها الفرد, في حياته اليومية, وهذه العمليات السلوكية هي انعكاس لعادات الفرد وعادات جماعته القومية, ويكتسب الفرد اسلوبه الشعبي بصورة غير شعورية, وعليه يتمسك به تمسكا شديدا, ويعتقد أنه اسلوب حقيقي وصحيح واخلاقي في أن واحد.

     التنشئة الاجتماعية للفرد هي التي تكسبه الشخصيةالقومية والانتماء القومي, حيث لا يرث الانسان قوميته بالولادة, فليس كلدانيا بالوراثة, ولا اشوريا, ولا كرديا, ولا عربيا لو افترضنا أنها وراثية, كيف سيكون شعور طفل كلداني رضيع شاءت الاقدار وعاش ونشأ في أحضان عائلة اشورية؟ هل ستكون شخصيته القومية كلدانية أم اشورية؟ بالطبع اشورية, وفقا للعمليات الاجتماعية والنفسية التي ذكرناها -انفا- وهكذا لو اخذنا طفلا عربيا رضيعا ليعيش في احضان عائلة كلدانية, بالطبع لا يكون له ذرة من الشخصية  القومية العربية بقدر ماتكون شخصيته كلدانية ولتقريب المسألة. لو أخذنا طفلا (بوذيا) ليعيش في احضان عائلة مسيحية, هل ستكون مشاعره بوذية أم مسيحية؟ بالطبع مسيحية, وبنفس الابعاد هي المسألة القومية.

     اذن كيف نجرد الكلداني, أو الاشوري أو السرياني أو الكردي وغيرهم من مشاعرهم القومية التي اكتسبها منذ طفولته؟ هذا لا يمكن فعله مهما خضع الفرد الى المؤثرات. الا اذا كانت تلك المؤثرات وسيلة لاشباع واكمال عقدة النقص عند الفرد, مثلا, يعاني من عقدة حب السيطرة, والزعامة واثبات الذات, أو عقدة التملك, أو عقدة النقص في المشاعر الجنسية, أو عقدة النقص العاطفي, أو كانت الشخصية بشكل عام سايكوباثية (مريضة). ففي حينها يمكن انكار انتمائه القومي, أو الديني, لكي يشبع عقدته في جماعة أخرى, فالشعور بالنقص عامل نفسي اجتماعي مهم يجعل الفرد يتخلى عن قومه بل من مقدساته أيضا, ويتمرد لعدم التمكن من مواصلة حياته الاجتماعية الطبيعية ضمن جماعته القوميةالمرجعية, وهذه حقائق علمية أكدتها الدراسات الاجتماعية والنفسية في مختلف المجتمعات البشرية.

     ووفقا لهذه المعايير,تتشكل الشخصية القومية للكلدان المعاصرون بانتمائهم القومي الذي تبلور في أذهانهم عبر التنشئة الاجتماعية, وايضا بالنسبة للاشوريين, أو السريان فمهما قيل للكلدان أن الاصول العرقية لهم هي اشورية, هذا لا يفي بالغرض لتغيير مشاعره القومية والعكس صحيح, مهما قيل للاشوريين أن أصولك العرقية كلدانية, أو ارامية أو غيرها, لا يفي ايضا بالغرض.

    نلمس هذه الحقيقة في مجتمنا المعاصر, فرغم من المحاولات السياسية الايديولوجية, ومهما كان التعمق في دراسة الاصول العرقية لاقوام بلاد النهرين, لا جدوى من التأثير على الهوية القومية للافراد, مما يدل على قوة المعايير الاجتماعية التي ذكرناها في صقل شخصية الفرد القومية, وتأصيل النزعة القومية عنده, فكم يشعر بالاشمئزاز والانفعال الاشوري عندما يقال له أنك كلداني أو عربي أو سرياني وكذلك نلاحظ هذه المشاعر عند الكلداني عندما يقال له أنك اشوري أو عربي وهذا ينطبق على العربي والكردي وغيرهم.

    ان مسألةالشخصية القومية عند الفرد هي المحك الاساسي في تمييز وفرز الانتماء القومي لسكان بلاد النهرين الاصليين الذين عاشوا على أرضه منذ فجر التاريخ والى يومنا هذا وعبر الاف السنيين فهو البديل عن المجادلات العقيمة, والافكار المعتمدة على التاريخ الطويل, وفي الوقت الذي لا يتفق المؤرخون على كل ما كتب بانه مطلق وحقيقة, بل أنها مجرد فرضيات وضعت استنادا الى بعض المتغيرات التي تحتاج الى برهان أدق وأشمل, وبالاخص في الظواهر العرقية واللغة وأصولها.

     نلاحظ أن كل كاتب يميل في كتباته الى فرضية دون أخرى حسب ما تتفق وأفكاره وانتماءاته السياسية والقومية, فهويعد المبررات والشواهد التي تعدمن اهتماماته هي الاصح والارقى في التفكير البشري, ويتخلى, أو يهمل الشواهد والحقائق الاخرى, أو يدعى أنها متحيزة.
     لكن مهما حاول الكاتب, أي كان انتماؤه الغوض في أعماق التاريخ, وبالاخص ما قبل ظهور الكتابة يجد صعوبة في الكشف عن الظواهر الاجتماعية على حقيقتها, وبالاخص في بلاد النهرين الذي كان محطة لعدة أقوام أصلية وغريبة, فامتزجت الدماء, وتداخلت اللغات, ولكن حقيقة واحدة تبقى لا يمكن الاختلاف عليها الا لاغراض سياسية, هذه الحقيقة هي:(أنها لايمكن ابادة قوم من الاقوام مهما بلغت الاعتداءات والمؤمرات التي تحبك من قبل الاقوام الاخرى, فالقوم حي الى الابد).
   واخيرا ارى ان المهم هوللاتحاد الكلداني الاشوري السرياني لا الغاء الاخرطالما ان تجريد الفرد من شخصيته القومية عملية صعبة وشاقة كما اكدت في المقال السابق.

122
للاتحاد الكلداني الاشوري السرياني
لا للتعصب
   
             
الدكتور عبدلله مرقس رابي
استاذ علم الاجتماع \ الجامعة الكندية العربية

  تثير سمة ديناميكية التاريخ السياسي في بلاد الرافدين الباحثين اكثر من غيرها من السمات الاجتماعية والاقتصادية للدراسة والبحث. وتعود هذه الديناميكية الى تنوع الشعوب التي تحكمت في مصير هذه المنطقة منذ سقوط اخر دولة وطنية في بلاد الرافدين هي الدولة الكلدانية عام 539 ق .م . وكان لهذا التنوع تاثيره البالغ في الشعب الرافدي ( الكلدان – الاشوريون – السريان ) لعدم اتاحة الفرصة ثانية لتسلم زمام الحكم وبسط نفوذه على ارضه , بل استمر تواصله الاجتماعي تحت ظل امبراطوريات الاقوام الغازية ,تارة يتعرض الى الاضطهاد واخرى العيش بأمان واستقرار اعتمادا على سياسة الملك الاجرائية
    يضاف الى ذلك سيطرة اللغة الارامية تدريجيا على عموم اللغات الموجودة في بلاد الرافدين فاختلطت ببعضها البعض واصبحت اللغة المحكية الحالية وليدة ذلك الاختلاط اللغوي ¸وهذا تطور طبيعي ومنطقي وفقا للمنظور الاجتماعي في تطور اللغة .والعامل الاكثر تاثيرا هو دخول سكان الرافدين الاصليين في الدين المسيحي الذي انتشر في الشرق باللغة الارامية فاصبحت اللغة الرسمية في الكنائس الشرقية علاوة انها كانت اللغة الرسمية للامبراطوريات المتعاقبة فاصبحت تسمية شعبنا محصورة ومعروفة بكلمة ( المسيحيون اوالنصارى ) لدى الشعوب الاخرى .لكن بالرغم من هذا الاختلاط اللغوي والتملغم البايولوجي الانثروبولوجي لشعب الرافدين الاصيل عليه لايمكن لاحد ان يتجاهل وبنكر انه خليط من الكلدان والاشوريين والاراميين ( السريان حاليا ) .
    والان مهما كانت التسمية للشعب الرافدي عليه يجب التركيز على انتهاز الفرصة التاريخية للاوضاع السائدة في البلاد طالما ان المفاهيم الديمقراطية مفروضة على السلطة السياسية من الخارج و اذ ان الفرصة متاحة للجميع للتعبير عن الرأي . وذلك لينال ولو قسط من حقوقه التاريخية والسياسية والاجتماعية والثقافية التي حرم منها لعهود طويلة جدا .
     الطربق الى كسب الحقوق هو برأينا في الاتحاد لا في التنازع والتعصب على تسمية معينة اولفئة اجتماعية دون اخرى . اذ ان منطق التعصب والجدل الذي يستخدمه البعض – وفقا للتحليل السوسيولوجي والسيكولوجي – هوعبث لا طائل وراءه ولا جدوى فيه , فلم نجد انسانا اقتنع يرأي خصمه نتيجة الجدل المنطقي وحده ,ان هذا الجدل قد يسكت الانسان وقد يقحمه احيانا ولكنه لا يقنعه , اويظل الانسان موءمنا بصحة رايه حتى النفس الاخيرة.
     حين يدافع الانسان عن مبادىء معينة يظن انه يريد بذلك وجه الحق والحقيقة ما دري انه بهذا يخدع نفسه , انه في الواقع قد اخذ مبادئه وعناصر حضارته من بيئته التي نشأ فيها تاثرا بالية التنشئة الاجتماعية التي تلقاها منذ صغره . وهو لو كان قد نشأ في بيئة اخرى لوجدناه يوءمن ويتعصب لمبادىء تلك البيئة من غير تردد .فكل من الكلداني والاشوري والسرياني قد نشأ تحت تأثير بيئة معينة تعصب لها .
    والواقع ان الانسان يوءمن بمبادئه التي ورثها عن ابائه والتي تمركزت في ذهنه واصبحت المثل العليا في حياته اولا ثم يبدأ بالتفكير فيها اخيرا اوتفكيره يدور غالبا حول تأييد تلك المبادىء , ومن النادر ان تجد شخصا بدل مبادئه وانتمائه جراء تفكيره المجرد وحده , ولابد ان يكون هناك عوامل اخرى نفسية واجتماعية تدفعه الى ذلك من حيث يدري اولا يدري كالشعور بالنقص او التهرب من الواقع الذي يعيشه بسبب الخلل في التنشئة الاجتماعية اولتحقيق مكاسب شخصية . حيث ان الانسان كلما ازداد تجوالا في الافاق واطلاعا عى مختلف الاراء والمذاهب الاجتماعية انفرج عنه اطاره الفكري الذي نشأ فيه واستطاع ان يحرر تفكيره من القيود قليلا او كثيرا , وكلما كان الانسان اكثر انفرادا كان اكثر تعصبا واضيق ذهنا فالذي لا يفارق بيئته التي نشأ فيها ولا يقرأ غير الكتب التي تمجد وتدعم مبادئه لا ننتظر منه ان بكون محايدا في الحكم على الامور ويكن اكتر الغاءا للاخر .
    وقد تشبه حالة المتعصب تلك الحالة التي تمتاز بها المرأة عند حجزها في البيت وقيد عليها افق التجوال والاختلاط فيصبح عقلها ساذجا الى ابعد حدود السذاجة . ولكن بعد تحررها بدأت تنافس الرجل في كل المجالات والاصعدة .
فالكلداني والاشوري والسرياني المتعصب هو نموذج لما وضحنا انفا حيث الضيق في بعد النظر وحصر التفكير في حدود تاريخية ضيقة لا تفي ولا تخدم مصالح المجتمع الكلداني الاشوري في المرحلة الراهنة والعكس صحيح ,فأصحاب التفكير الواسع يقربوا افراد المجتمع الى بعضهم البعض لتتوحد الكلمة و تتحقق المصالح المشتركة .
فالقضية ليست مجرد القول من نحن اشوريون ام كلدان ام سريان؟ فالقضية هي اكبر من ذلك لتشمل المصير المشترك , وقضية شعب اذا لم تتوحد كلمته سيكون في خبر كان اي الزوال و الانصهار المحتموم, فالظروف الراهنة في بلاد النهرين هي ارض خصبة لكي تنمو مشاعر الود و الوحدة والمصالح المشتركة الجماعية عند سكان بلاد النهرين الاصليين و التاخي مع الجماعات العرقية الاخرى المتواجدة عبر التاريخ.

123
في مهزلة العقل السياسي
التصريحات اللامعقولة للسياسيين العراقيين
الدكتور عبدلله مرقس رابي
استاذ في الجامعة الكندية العربية المفتوحة

جاءت في الاونة الاخيرة تصريحات لا منطقية وغير مقبولة من بعض السياسيين والاداريين في العراق الجديد تجاه المسيحيين او السكان الاصليين من (الكلدان والاشوريين والسريان) . وقد وردت في كتاب مجلس الوزراء العراقي السري والعاجل في 14 -8 -2007 والذي يحمل الرقم 42 – 1318 عبارة (الجالية المسيحيية) وصرح (ملا بختيار) مسؤول مكاتب العلاقات الخارجية في حزب الاتحاد الوطني الكردستاني في مقابلة معه على موقع الكتروني . ففي سياق اجابته عن سؤال يتعلق بالجبهة التركمانية حشر الكلدو اشور بقوله انهم مقيمون في كردستان العراق ولهم حق المواطنة الكاملة فيها ولكن ليس لهم اي ارض كلدو اشورية في كردستان العراق .
  يندهش الانسان من هذه التصريحات اللامسؤلة وغير المنطقية التي صدرت من اعلى سلطة ادارية في العراق وعن مسؤل في حزب سياسي يعد من الاحزاب السياسية الكبيرة في الساحة العراقية المضطربة , تلك الاحزاب التي كانت يوما ما في صف المعارضة للحكم الدكتاتوري السابق الذي حاول الغاء الهوية القومية لغير العرب وفقا لسياسته وتوجيهاته في المناسبات العديدة . ففي سنة 1985 كلفت مجموعة من الاكادميين العراقيين لاعادة كتاية التاريخ حسب ايديولوجية ومصالح السياسية للحزب الحاكم . فمن المحاولات التزويرية التي جاءت في موسوعة حضارة العراق عبارة (الكلدان والاشوريين العرب) وكذلك عدم ورود الكلدان والاشوريين كقوميات عرقية في استمارات التعداد السكاني ,مما اجبروا على تسجيل انتمائهم للقومية العربية, يا ترى هل هناك فرق بين هؤلاء والحكومة البائدة .
   يبدو ان الساسة في العراق الحديث يجهلون تاريخ بلاد الرافدين السياسي , لنذكرهم ان الحضارة والمدنية بدات عند السومريين قبل اكثر من 3000 سنة ,الاكديين , البابليين , االاشوريين , وثم الكلدان .وبعد سقوط بابل عام 539 قبل الميلاد حدثت الغزوات الخارجية بداً بالفرس الميديين, الفرس الاخميين ,السلوقيين ,الفرس الفرثيين ,والساسانيين ,وثم العرب المسلمين سنة 642 م .
   يمكن الاستنتاج ان الاقوام الاصيلة في بلاد الرافدين هم الاشوريين والكلدان وهم ورثة ارض الرافدين لا غيرهم من الذين نزحوا حديثاً من الجنوب والشمال فلهم الاحقية و الاولوية في الحقوق و الميراث الوطني و هذه اصبحت حقائق تاريخية معروفة و مثبتة علميا سواء من الباحثين المستشرقين او الباحثين الوطنيين. ليس هناك اي دليل في اللقى الاثرية و الاثار الشامخة على وجود كتابات عربية او كردية او تركمانية في العراق القديم الا اللغة السومرية و الاكدية و البابلية و الارامية. فلم يعرف العرب جنة الرافدين الا بعد الفتوحات الاسلامية  في القرن السابع الميلادي. ولا اثر حضاري دون باللغة الكردية في شمال الرافدين ,بل بالعكس تدل الاثار على ان كل المدن والقرى لها تسميات ارامية فهذه اربيل المحرفة من (الالهة الاربعة) وكرخ سلوخ (كركوك) واتتوك (دهوك) وغيرها المئات من المدن والقرى التي لا تزال تسمياتها ارامية او بدلت حسب تبدل الاوضاع والاحوال ,ولم يعثر العلماء الاثاريين على اي دليل اثري في جبال الرافدين سوى الاثار الاشورية والكلدانية .اذن الاثار تنطق بان بلاد الرافدين هي كلدانية اشورية ارامية (سريانية فيما بعد) من خليج الكلداني (العربي حاليا) والى الجزيرة العليا في تركيا شمالا .
   بالرغم من المحن والشدائدوقساوة الزمن تمسكوا الكلدان والاشوريون بارضهم ولم يعتبروا سقوط اخر دولة للشعب الرافدي الاصيل (الدولة الكلدانية) في 29 تشرين الثاني عام 539 قبل الميلاد على يد ضابط كلداني خائن تعاون مع الفرس بقيادة (قورش) نهاية لهم .فالكيان السياسي يزول ولكن الشعب يبقى حيا . وقد تعايش مع الواقع المفروض وتفهم المنطق التاريخي للتغير الحضاري فتكيف مع كل الجماعات العرقية التي استولت على بلاد الرافدين معتبرا ان الارض للجميع والحقوق متساوية , والعيش بسلام واحترام متبادل وعدم الغاء الاخر هي السبل لتحقيق الاسنقرار الرخاء.
     انني ارى وفقا للتحليل الاجتماعي والنفسي ان اطلاق مثل هذه العبارات اوكتابتها هي تعبير لاشعوري من الاشخاص يدل على ما هو مكبوت في العقل الباطني لهم الذي تكون نتيجة التنشئة الاجتماعية التي تلقوها من اسرهم او تاثيرا بالايديولوجية السياسية , فلا يستطيع الفرد التعبير بشكل دائمي عن القضايا المكبوتة بالعقل الظاهري بل يعبر عنها بفلتات اللسان وزلات القلم عندما تكون الفرصة ملائمة .
تعد مثل هذه الاحداث تعبيرا عن المهزلة السياسية والاضطرابات والتناقضات التي يعيشها العقل السياسي العراقي المعاصر ,فالانفصام في الشخصية السياسية واضحة نتيجة الضغوط الخارجية المتمثلة في فرض الديمقراطية والضغوط الداخلية للاحزاب نفسها التي هي بعيدة في مكوناتها الايديولوجية عن الديمقراطية ,اذ ان معظمها لا بل السلطة هي ضمن المبادىء والمفاهيم النظام الثيوقراطي (الديني) المفوض شرعاً من الاله والذي لا يتطلب النقاش كما هو في المفاهيم الديمقراطية .
  وان لم تكن هذه جزء من مهزلة العقل البشري فكيف تنقلب الامور ليكون اهل الدار جالية على ارضهم او ليس لهم ارض بل مواطنين فقط والغرباء هم اهل الدار والارض لهم ,وعجبا اين هو موطن الكلدان والاشوريين !! لنبحث عنه في بقاع الارض وشتاتها ولنرمي كل الكتب ونرجم كل الاثاريين والمؤرخين الذين اثبتوا ان عدن الرافدين هي عدن الكلدان والاشوريين والسريان فبل غيرهم ....

صفحات: [1]