مسيحيّو الشرق – أي مصير؟
المطران ميشال قصارجيالمسيحيون في الشرق، حضور وايمان وشهادةالمسيحيون في الشرق عنوان كبير، شعوب وحضارات ولدت في بلاد تجسد فيها المسيح ابن الله. شعوب لعبت دورً مميزاً، هذا الدور اليوم في تقلص وانحسار، وضع صعب، عدم استقرار، قلق على المصير والوجود.
مسألة مسيحيي الشرق، تطرح علينا اسئلة مصيرية، هاجس يقلقنا جميعاً، أين المصير، وماذا بعد؟ أوطاننا تقدست بحضور المسيح، هنا ولد المسيح، الخسارة ستكون كبيرة لنا وللكنيسة وللعالم اذا لا سمح الله اختفت المسيحية في هذه البقعة من العالم.
أ - التحديات التي يواجهها مسيحيو الشرق الآوسط:إن الصراعات السياسية والتحولات الكبيرة الجارية حالياً في بعض الدول العربية تؤثر تأثيراً مباشراً على حياة المسيحيين عامة، التيارات الفكرية، الاصولية الدينية، غياب التوجيه والرؤيا الواضحة، عوامل تقلقنا جميعاً. ان تناقص عدد المسيحيين في كل الدول العربية، هو نتيجة وسبب في آن واحد، انه نتيجة الشعور الأقلي الذي يحكم عقدة الغربة في الديار ويدفع الى الهجرة عنها، التماساً للتكافؤ في مجتمعات ديمقراطية، تعترف بحقوق الانسان.
لكل بلد مشرقي نكهته وحلاوته، ولكل بلد مشرقي مأساته وعقده.
فالإحتلال الاسرائيلي للأراضي الفلسطينية جعل الحياة صعبة، سواء في حرية الحركة والاقتصاد والحياة الدينية، وسواء في التضييق على الحريات، ففي العراق اطلقت الحرب العنان لقوى الشر لدى الطوائف الدينية والتيارات السياسية، فأسقطت ضحايا من كل العراقيين، والطامة الكبرى حلت بالمسيحيين الذي اصبحوا هائمين في رحاب الدنيا، مهجّرين، يتسكعون على أبواب السفارات طمعاً في تأشيرة دخول الى بلاد أخرى.
وبالرغم من أن المسيحيين يشكلون أقلية بسيطة في كل مكان تقريباً من الشرق الوسط باستثناء لبنان.
ففي ايران وتركيا (أقل من 1%) وفي مصر (10%) وفي فلسطين (1%) وفي العراق (2%)، ولكن الخطر يكمن في الإنطواء على الذات والخوف من الآخر، لذا يلزم تقوية الايمان وتدعيم الروابط الاجتماعية، والتضامن الفعلي بين مكونات مجتمعنا، دون السقوط في فخ الغيتو والانغلاق.
أما في لبنان ينقسم المسيحيون انقساماً عميقاً على الصعيد السياسي والطائفي، ولايملك احداً مشروعاً رائداً، مما يجعل المسيحيين في حالة من الغيبوبة بانتظار صدمة تغير هذا الشلل والفشل في ادارة المجتمع المسيحي في لبنان. إن الاعتداءات المتكررة والمنظمة والتي تستهدف الوجود المسيحي في الشرق توجب على مسيحيي لبنان أن ينطلقوا بمرحلة جديدة على المستوى الديني والسياسي والاجتماعي. تدل الاحصاءات المتوافرة في شتى الكنائس، أن نسبة مرتفعة من أبنائها قد هجرت أوطانها الى بلدان الانتشار ، حيث تجد صعوبة في المحافظة عل خصوصيتها، وتنقطع شيئاً فشيئاً عن مساقطها ، لتندمج اجيالها التالية في مجتمعات جديدة، تؤمن لها جزءاً من كرامة العيش والمساواة في المعاملة، وفرص التقدم من دون منّة أو خشية من أحد.
السؤال هل نحن في هذا الشرق مجرد اعداد تتكاثر وتتقلص، وما هو دورنا ورسالتنا وكيف تتجلى لنا عناية الله في مسيرتنا عبر كل هذه الاحداث؟ ماذا يطلب منا الله، هل نبقى لنعيش التزامنا في مسيرة الاحداث التي هي مسيرة العناية والنعمة الإلهية؟ ام نهاجر؟
الواقع أيضاً يثبت وللأسف أن المسيحيين مقصيون عن مواقع السلطة على امتداد دول المشرق خلا لبنان الذي بدأ به التهميش المسيحي .... وبالتالي فإن المسيحيون ليسوا شركاء فعليين في القرار، وهذا يولد احباطاً وانكفاءً وانسحاباً.
المسؤولية هنا ليست فقط على الآخرين، إنما التراجع والتقهقر هو أيضاً وليد عدم التزامنا وعمق معرفتنا بدورنا، وفقداننا لجوهر رسالتنا، إننا ملح لهذه الأرض، ونور في هذه الظلمات، فهل لا زلنا نؤمن بأننا الملح والنور؟
في هذا الصدد يقدم النموذج العراقي صورة معبرة، لتغيير الأزمنة، وتبدل المعادلات، وسقوط حضارات، وانقراض سلالات.
إن الوجود المسيحي في الشرق بمعنى الحضور والفعالية بات رمزياً ويحتاج الى حركة نريدها عاجلة تدرأ الخطر المصيري الداهم.
إن الرهان على تكاثر المسيحيين في المدى المنظور غير واقعي والتفكير في عودة المنتشرين منهم غير عملي ، ربما هي البدائل الرسالية والرسولية التي يفترض استنباطها لصون وجود المسيحي في الشرق الذي يسيطر عليه الإسلام.
ب- الاصولية والاستراتيجية الدولية:تتأجج الاصولية في انحاء العالم وقد عرفت الاديان نماذج منها في عصور وامكنة متفاوتة الحقيقة أن الغرب ليس مسيحياً كما يدعي العالم الاسلامي، أو على الأقل لم يعد كذلك، فاستهداف المسيحيين اليوم في بلاد الرافدين مظهراً عادياً لثقافة تعتبر المسيحيين غربيين وكفار، ولا تعترف لهم بأي ندية، والغرب غافل ومتغافل عما يرى هناك تحت ستار أن هؤلاء مرتزقة إرهابيين، أضف الى ذلك غياب الدولة عن حماية مواطنيها، وعدم وجود رؤيا ومخطط كنسي لدرء هذا الواقع المرير.
يجب أن لا ننسى أبداً أن ما أعلنه لنا يسوع في انجيله سوف يضطهدونكم، هنيئاً لكم اذا عيروكم، كلمات تتردد صداها في انحاء كبيرة في مشرقنا العربي.
مقابل هذا الخطر، من الأهمية بمكان أن تأخذ كنائس الغرب وحاضرة الفاتيكان خصوصاً والبطريركيات والكنائس في عين الاعتبار خطة علمية مدروسة، ومنهجية مركّزة لتحقيق وتثبيت المسيحيين في الشرق، وهذا أيضاً وللاسف غير موجود فعلياً إلاّ من بعض البيانات الفضفاضة التي تثلج القلوب عند سماعها وتتبخر وتندثر في لحظات قليلة، السبب عدم وجود قيادات دينية لها بُعد رؤيا وتخطيط.
فالمطلوب منا اولاً كمسيحيين وقبل أن نضع اللوم على الآخرين ان نضطلع نحن في كنائسنا بدور اساسي، لا في المجاملة ، عبارات التملق، واعلان الولاء للانظمة ، بل في استنباط الحقائق المؤيدة بالنصوص.المسيحي بطبعه لا يحتمل حياة الذل والتبعية يكفي أن نستعيد فصول الملحمة الفاجعة التي عاشها الشعب الارمني والكلداني والاشوري والسرياني والماروني، في شهادته المزدوجة لايمانه الحي وحضارته الانسانية البهية.
لماذا هذا التقهقر في مجتمعاتنا الشرقية؟ إن موقف المسيحيين في كنائسنا ومجتمعاتنا تجاه كل التحديّات متنوع ومختلف:
1- فهناك المسيحي المؤمن الملتزم الذي يقبل ويعيش ايمانه باخلاص في حياته الخاصة والعامة.
2- وهناك المسيحي العلماني الذي يضحي بايمانه من اجل مبادئه الحزبية والسياسية ولا يهتم كونه مسيحي ملتزم، له حقوق وعليه واجبات.
3- وهناك المسيحي الهامشي لا يهمه سوى مصلحته الشخصية ، صاحب جواز سفر جاهز، مبدأه "شو لبنان قائم عليي" وهو ممتلىء قلقاً وهماً.
لذلك على ضوء ما تقدّم أرى أن شرقنا بحاجة الى اهتداء شخصي جديد، ابتداءً من الرعاة المسؤولين مروراً بالمؤمنين، اهتداء وتوبة، بحيث تصير حياتنا شهادة لحب الله تتجلى بدينامكية جليّة وعلاقة شخصية مع ربنا يسوع المسيح القائم من بين الأموات.
عبثاً نحاول اختراع العجائب واستنباط النظريات التي تهدف الى تدوير الزوايا، ولكنها لن ولن تغير شيئاً في مقومات ومفهوم البقاء والاستمرار في هذا الشرق، فقط الشهادة وحدها الشهادة للمسيح تعطينا الدواء الشافي لحضورنا المسيحي، لأنه لا علو ولا عمق، لا بعد ولا قرب، لا غنى ولا فقر، كما لا كثرة ول قلّة تفصلنا عن جوهر كياننا وعن شهادتنا للمسيح.
وحدها الوحدة الفعلية بين الكنائس تعطينا هذا الزخم في رسالتنا والعمق في ايماننا، وتبعد عنا روح التنافس الأعمى، لذلك علينا العودة الى جذورنا المسيحية الاولى،" وكان جماعة المؤمنين قلباً واحداً وروحاً واحدة...." أعمال (4/32-34 ) .
الشهادة قوة في ذاتها، المسيحية محبة مبادىء وقيم ، المسيحية لا تعادي ، لا تفتري ، لا تنتقم، لا تزيف، لا تخدع، لا تنتفض، لا تحقد، لا تسرق، لا تقتل، لا تزن، لا تحسد، لا تتباهى ولا تتكبر.
فهل نحن حقاً في هذا الشرق، وخاصة كنائسنا نعيش هذه الكلمات؟
نذهب ونبشر الآخرين وندعوهم لقبول الرب يسوع.
هذا حسن ولكن كم يكون رائعاً لو تقوم كنائسنا بحملة هداية المسيحيين الى المسيحية .
ليس من يقرع صدره ويقول: يا رب يا رب، يدخل ملكوت السماوات، بل من يعمل مشيئة أبي الذي في السماوات.
المسيحية الحقيقية هي الحصانة الأولى والأخيرة لإستمرارنا في هذا الشرق.
اعذروني اذا كنت أنتقد مسيحيّتي فهذا برأيي الهدف الأول والعنوان الأول لموضوع مسيحيي الشرق، أين المصير؟
مصيرنا بين أيدينا، فلنعمل على نفض غبار اللامبالاة والهامشية والانعزالية، انعزالية حتى بين الكنائس المختلفة، كل كنيسة تسعى لتحصين امبراطوريتها، وتغلق أبوابها عن سماع الآخرين، هل أبالغ بذلك لا أظن!
فالكنيسة هي بيت الله، والكاهن هنا ليس ممثلاً أو مطرباً بل هو مسيح آخر، القراءات ليست قراءات ببغائية، العظات ليست انشاءً مملاًّ، بل رشد وارشاد.
الحبرية ليست ايقونات وصلبان، الأسقفية خدمة وخدمة وخدمة، الكهنوت خدمة وتواضع، الرئاسة ليست مكاتب ودواوين بل روح وروح وروح.
سيدنا وربنا تكلّل بالشوك لا بالذهب المرصّع بالألماس.
عذراً منكم، منكم من يقول وما علاقة كل ذلك بموضوعنا اليوم، أقول كل المشكلة هي في مفاهيمنا الخاطئة لكنيستنا وايماننا وممارستنا.
لذلك نجد اشمئزازاً وكرهاً وانتقاداً للمسيحية، وهل المسيحية في هذا الشرق حجارة صماء، وهياكل جوفاء، أم إنها بشر مؤمنون ورعاة صالحون وقديسون؟
الحداثة والالحاد والعلمنة والمادية تقض مضاجعنا نحن المسيحيين، باسم المدنية والعصرنة ننتهك أقدس مقدساتنا.
الله في شرقنا حائر، تجسّد في أرضنا الطيّبة، وأعطانا جسده ودمه، وخلّصنا بموته وقيامته. ونحن اخترنا الهرب والتقوقع خلف متاريس أوهامنا الآنية، خلف آلهة اخترناها واخترعناها على قياسنا.
إن شرذمة المسيحيين ورواسب الإنقسامات التاريخية، والخلافات حول العقيدة وعبادة الربّين واغراءات السلطة الزمنية، أدّت وتؤدي الى تشتّت وضياع الكيان المسيحي. مسؤولية إعادة الإنصهار، تقع على عاتق المرجعيات الروحية. يقول الرب كونوا واحداً وإن تعددتم ، فما قيمة القاب وامجاد وتراث وحضارات بلا مؤمنين، وماذا يفيدنا تراثنا المشرقي على اختلافه اذا قادنا الى الزوال والهجرة والنهاية؟
ثم نقولها بدون خفر ولا حياء، إن المسيحية المتبقية في الشرق مهدّدة بالاضمحلال ما لم تحقق درجة كافية من التضامن المخلص بين جميع مكوناتها، علينا ابتداع صيغ جديدة للتعاون والتكامل بين الكنائس كلها لانقاذ المصير المشترك.
صليبنا في الشرق هو فخرنا، علينا أن نحمله بسرور وتواضع ، مسؤولية مناطة: أولاً بالسلطات الكنسية وعملها المركز في المحافظة على الحضور المسيحي وتنميته.
وذلك:
1- العيش والحوار البناء مع جميع مقومات عالمنا المشرقي.
2- التمسك بالارض، وعدم التساهل والإنجراف نحو الربح السريع، الربح من جراء بيع الأراضي ...
3- المشاركة في العمل الإجتماعي والإقتصادي، والإهتمام بمشاريع التنمية، خصوصاً السكنية التي تساعد الشباب على تأسيس عيال والاستقرار في أرضهم.
4- استثمار علمي لموضوع المنتشرين المشرقيين وجذبهم نحو بلدانهم للمساهمة والمساعدة في النهضة المطلوبة.
5- العمل خاصة في لبنان، هذا البلد الصغير بحجمه والكبير برسالته للشرق كلّه، بأن يعي المسيحيون دورهم ويبتعدوا عن خصوماتهم السياسية الحادّة التي تفقدهم المناعة في تبؤهم مركز الصدارة في الدفاع عن الحرّيات والذود عن حقوق الانسان في الشرق كله.
شرقنا أمانة في أعناقنا، فلا ندع الهيكل ينهب منا، ويسقط فوق رؤوسنا ولا نكن شهود زور لمسيحية بدأت تخبو وتتلاشى.
حذار أيها الأحباء من اليأس والقنوط والإستسلام .ايماننا بشرقنا وبمسيحيتنا هو أكبر من حبة الخردل، وزناتنا سنتاجر بها ولن نخبأها. هكذا كنّا وهكذا تعلّمنا وهكذا سنبقى.
إن انتماءنا الى المسيح هو من يقوي فينا الاستمرارية غير آبهين بالتهويلات والاحصاءات.
ولأننا مسؤولين فإننا:
لن نيأس ولن نتراجع ولن ننطوي على ذواتنا ولن نفقد التزامنا. سنبقى نؤمن بأن الحصاد كثير، والخلاص قريب نحن أبناء كنائس عدم الزوال، نحن من سمعنا التطويبات وعملنا بها، نحن أبناء الشهداء.
لا نريد الهجرة، ولا اليأس، ولا التردّد، نحن أبناء المسيح، فمعه تسقط المصالح والمنافع والأنانيات وحسابات الربح والخسارة.
نعم لشرق مسيحي، مزدهر، منفتح، نعم لشرق مسيحي نابض بالقيم الإنجيلية. نعم لغد أفضل حيث الحب والإيمان والعطاء.
للأسف هناك توتر ديني ومذهبي يستهدف حضارات ومجتمعات مسيحية في هذا الشرق، وهذا يؤشر الى أمرين خطيرين:
الأول: محاولة تمزيق نسيج مجتمعاتنا الوطنية الكائنة على الانصهار والاندماج.
الثاني: خلق هواجس وخوف تدفع الكثيرين الى الانكفاء والانزواء فالرحيل. اسمحوا لي أن أقول بأن الشرق لن يكون شرقاً من دون جناحيه المسلم والمسيحي، وهذا لا يتحقق إلاّ من خلال تعزيز ونشر ثقافة الاعتدال والمحبة والاحترام المتبادل، وخاصة الاعتراف بحق الاختلاف في الدين والعقيدة.
إن هجرة المسيحيين من الشرق هي تفريغ للعروبة من اصالتها ومن حيثية وجودها، تفريغ من الهوية والثقافة والانفتاح والاعتدال.
ان مسيحيي الشرق ليسوا بأقلية طارئة، إنهم في أساس وجود هذا الشرق منذ ما قبل الاسلام، وهم أي المسيحيون ضرورة اسلامية، وقناعة والتزام وايمان مسيحي بهذا الشرق وأخيراً أقول: الشرق من دون المسيحيين هو صحراء قاحلة، لا لون ولا طعم ولا رائحة له.
+ المطران ميشال قصارجي
رئيس الطائفة الكلدانية في لبنان ----------------------
القيت المحاضرة في في مركز كاريتاس – سن الفيل الخميس 10/3/2011
موضوع المحاضرة: مسيحيّو الشرق – أي مصير؟