عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


الرسائل - هاشم عبود الموسوي

صفحات: [1]
1
مبادرة إنسانبة مباركة يقوم بها خمسة أكاديمين من إحدى الجامعات الخاصة في أربيل



د.هاشم عبود الموسوي

الثقافة بمفهومها الشمولي التشبيكي الواسع هي نمط معيشة الناس والإطار المرجعي التفعيلي لكل مظاهر السلوك، وتأتي مقاربة مسألة الثقافة عموماً وثقافة المبادرة في سياق التعريف الذي وضعه تايلور من أنها تُمثّل هذا الكل المركب من العادات والتقاليد والأعراف والقيم والمواقف والاتجاهات والآداب والفنون، وكل ما صنعته وتصنعه يد الإنسان وعقله بصفته كائناً اجتماعياً، وتتسع آليات العلاقة بين الثقافة والمبادرة لتشمل ثنائية افتراضية تؤكد أن الثقافة هي المحدد الرئيسي لنمط النشاط البشري سواء أكان هذا النشاط اقتصادياً أم اجتماعياً أم سياسياً أم غيره. إن الثقافة الداعمة للإتكالية تدفع دوماً في اتجاه التهميش والتغييب الاجتماعي وتحويل الإنسان إلى متلقٍ تعوزه إمكاناته عن المبادرة والاعتماد على الذات، وتختصره تنشئته في حدوده الكمية الجسدية حتى يصير مقتنعاً ومستسلماً، وبهذا يحاصر الإنسان ذاتياً ويتماهى بوضعية المتلقي بل ويصير سجيناً لها، وهو في الغالب أكثر هشاشة اجتماعياً.
وفي المقابل تكون الثقافة الداعمة للمبادرة والمشاركة والاعتماد على الذات في اتجاه التمكين لا التسكين وخلق فرص العمل بدل البحث عنها والعطاء بدل الاستعطاء، وذلك على حد قول فرانسيس فوكوياما في كتابه "الثقة" الذي يرى أنه لا يمكن أن يُقام بناء اجتماعي مستقر ومؤسسات اجتماعية فاعلة باستدامة دونما اعتبار للعادات الإيجابية والتقاليد والأخلاق النابذة للتواكل والداعمة للمبادرة، ولا يُمكن صوغ ذلك إلا من خلال عملٍ واعٍ يُعزّز البعد الثقافي المنشود، ويبرز هنتنجتون في كتابه "صدام الحضارات" هذا التوجّه بقوله أن جميع المجتمعات ستضطر إلى توجيه اهتمام أكبر إلى الثقافة الداعمة للمبادرة والعطاء والقادرة على التعامل مع المشكلات في مستواها الذاتي والمحلي وحتى العالمي. إن عبارة ثقافة المبادرة والعمل تعبير عن مجموعة من الخصائص الذاتية والمجتمعية والعالمية، فالفرد ينضح بما في إناء مجتمعه. وكل إناء بما فيه ينضح، إذ قلما تجد ثقافة المبادرة في معتقدات أفراد مجتمع لا يتوجّه ثقافياً نحو المبادرة فهو إذاً فاقد للشيء غير مُعطٍ له، والعكس في المقابل.

وهكذا فكر خمسة أكاديمين من أقسام علمية متنوعة في جامعة جيهان في أربيل (رغم زحمة واجباتهم التربوية و التعليمية المضنية ) في البدء بمبادرة إجتماعية وإنسانية واعية تؤكد وعيهم والبعد الثقافي الذي يتحلون به ، وذلك من خلال جمع
التبرعات المادية والعينية للعوائل المهجرة قسرا و النازحة الى أربيل والمدن القريبة منها ، وقد قاموا بعدة زيارات الى تلك العوائل المنكوبة وجلسوا مع أطفالهم وغنوا لهم ، وأدخلوا البهجة إليهم .. وقد ذكر لي أحد أفراد هذه المجموعة ، بأنه لم يشعر في حياته يوما بمثل هذا الإرتياح والسعادة ، وهو يرى وجوه الأطفال وهم فرحين بتواجد هؤلاء الأكاديمين معهم يحملون لهم ما أستطاعوا أن يحملوه .


2
هنئة لمناسبة أعياد الميلاد المجيد ورأٍس السنة الميلادية الجديدة
لنستمد من رسالة السيد المسيح معاني الحب، والتسامح، ولنسعى لترسيخ قيم الاخوة عبر سلوكنا وأقوالنا ..
لمناسبة أعياد الميلاد المجيد ورأس السنة الميلادية الجديدة، أتمنى لكم اياما مباركة ترفل بالصحة والسلامة، وأسأل الباري تعالى ان يمن علينا بالأمن والامان.
وكل عام ونحن معا نواصل تمنياتنا من أجل عالم أقل توحشا، عالم يرفل بالسلام والمحبة، عالم تسوده قيم التسامح والاخاء.
اخوكم : هاشم عبود الموسوي



3
أدب / أسئلة وبلا جواب
« في: 19:17 10/12/2014  »


أسئلة وبلا جواب



د.هاشم عبود الموسوي

أهو الزمنُ البغي ..
وللقوادِ ما شاءَ وشاءْ
حتى وإنْ باع التُرابْ؟
الحضارات التي بالأمسِ نوّرت السماءْ
قد باتَ يأكُلها الذُباب
أحتالُ ..
أطرحُ بالسؤالْ
وأدري ليس من أحدٍ ..
يُجيبُ على السؤال
ولرُبما يأسٌ أحلَ بنا
أورثنا هذا الضَلالْ
من الذي هَشَمَ أعشاشَ الطيورْ؟
وقرَّحَ الوطن المُسجى بالخيامْ
والعرايا وسط تيهٍ في العراءْ
وهبوب الريحِ لا يرحم ..
في هذا الشتاء
الأرضُ قد فقدت بكارتها
وضاجعها الخواءْ
العالمُ  الوحشيُ ..
يفترسُ التواريخ القديمةْ
وضفافُ أنهارٍ ..
تَشَحَّبَ لونها، حدَّ الجفاءْ
وثنيةٌ كُلّ الخطابات العقيمةْ
ما زلتُ أحزن أن حِلمِيَّ لا يدومْ
بساقي المقطوعِ .. كيف أسيرُ إلى النهايةْ
بصحاري وتخوم الخوف أصرخُ ..
أنّ لي وطناً ..
تضجَّر من صمتي ووهني ..
فمتى يا ربُ ..
تمنحني الإفادةْ
(( أنني قد عشتُ ..
في حلمي
وأسدلت الستارَ ..
على النهايةِ والبداية ))


4
أدب / (سقوط شهباء الحضارة)
« في: 18:31 11/06/2014  »
سقوط شهباء الحضارة

هاشم عبود الموسوي
شاعر من البصرة

10/6/2014
بالأمسِ في قرطبة الميساء ..
قد سكتت نوارسُ عُرسنا ..
فوقَ المنائرْ
واليوم في موصلنا الشهباءْ
تُنتهك المساجدُ والكنائسُ والمنابرْ
كيفَ الُلحى الشوهاء تغتالُ الحضارهْ ؟
هوذا جنونٌ ..
أن يضلَ المرءُ في هذا الزمانِ ..
بلا جنونْ
أيصحُ أني وسطَ غابْ ؟
إن لم اكن ذئباً ..
ستأكلني الذئابْ
ماذا سأقرأ في كتابكِ ياقتيلةْ
ماذا سأكتبُ في رمادكِ ..
عن شبق الخرابْ
كلماتي ميتةٌ ..
وتصرخُ في إنطفاءِ دمي المراقْ
سقطَ القناع ..
وصرتُ عرياناً بلا مأوى
ولا وطنٌ يلملمُ لي عظامي
وطني رمادٌ من حرائقْ
نحروكِ ياشهباءُ في وضحِ النهارْ
قتلوا القتيلَ وساروا خلفَ نعشهْ
حدباءُ يامعشوقة الله على كلِ العصورْ
كُنتِ التوازن والتألق والمصيرْ
سواكِ ياشهباءْ ..
لا مدنٌ ولا خيمٌ يلمُ هشيمَ عُمريْ
سواكِ ياشهباءْ ..
لا شريانَ يجري بالدماءْ ..
سواكِ ياشهباءْ ..
لن تلهث
نجومٌ في السماءْ
كم مرةً جاءَ المخاضْ؟
الفٌ والفان من الأعوامِ ..
نهبٌ للرياحْ
تتساقط الأشجارُ والأعوامُ ..
عاماً بعدَ عامْ
كم مرةً والموتُ هوَّمَ تحت جلدكِ
وكنتِ عنقاء التحديْ
ما أعلنوا يوماً قراركْ
سأظل أبحثُ عن إمامٍ ..
لم تلوثهُ السياسةْ



5
بعض دعوات الإستشهاد في سبيل ألله, كيف فهمها وأدّاها السلفيون في القرن الماضي()

د.هاشم عبود الموسوي

يرى جمال الدين الأفغاني (1839-1897) بأن سبب إنحطاط المسلمين وتخلفهم يعود إلى  ضياع الحداثة الدينية لديهم, وعندما تحول الدين لديهم إلى طقوس وشعائر وتقاليد ورسوم بلا معنى, وصارت العبادة عِبارة عن ممارسات صوفية خارقة, وبذلك أساء رجال الدين فهم الشريعة وتفسير العقيدة الصحيحة من حيث يعلمون ولا يعلمون.
في هذهِ الدراسة المُبسطة (والتي استعنتُ في كتابتها على وثائق ومصادر مُتنوعة), وعلى لقاءات مع بَعض من غُرِرَّ بِهم .. واستفاقوا على فداحة العَبَث الفكري الذي لازمهم طوالَ مُدّة مسايرتهم لتلك التوجهات المتطرفة, أُحاول أن أتعرض للطُرق التي استخدمتها التنظيمات الإسلامية السياسية المُعارضة لتجنيد الأعضاء وإعدادهم ليصبحوا عناصر عسكرية نشيطة.. كما سأحاول وصف أشكال وأساليب نشاطات هذهِ التنظيمات.
من المعلوم أن التجنيد في التنظيمات الدينية السياسية المعترضة يحمل طبيعة نشطة, أي هو عبارة عن مبادرة لاستقبال وتنظيم العضو الذي سيصبح من جسم التنظيم, وفي المجمل يُصبح عميلاً نشطاً للتنظيم ككل.
تُعتبر مرحلة دراسة شخصية المُرشح, هي المرحلة التحضيرية. فمثلاً تنصح النشرات الداخلية للأخوان المسلمين السودانيين بإلحاح ((التعرف على شخصية المُرشح وعلى أفكارهِ لتحديد المَدخل إلى عقلهِ وقلبهِ)). وتقوم بمهمة دراسة المُرشح خدمة المعلومات في هذهِ التنظيمات, التي هي عبارة عن جهاز يجمع جميع المعلومات الخاصة بالمرشح -الوضع الصحي، الطباع السيكولوجية، الحالة المعنوية، الإمكانيات المادية وإمكانيات الترقي المستقبلية في المناصب ولا يباشر العمل المباشر مع المُرشح إلا بعد تقييمه كعنصر مناسب للانتساب إلى التنظيم.
وهنالك صفة مميزة أخرى للتجنيد وهي تعدد المراحل. فهذه تبدأ من اللقاءات التي يجري فيها التحدث حول المواضيع الدينية والاجتماعية والسياسية الملحة (غالباً على شكلٍ مُنفرد) بعدها يُدعى المرشح إلى اجتماع الخلية أو الجماعة، حيث يسيطر جو من التكريم للمرشح وتُبحث في هذا الاجتماع تلك المسائل التي يُعتقد أنها تُقلق المرشح ذاته. وبالتدريج يصبح المرشح عضواً في التنظيم، كما يباشر ممارسة النشاط التنظيمي بصورة تدريجية أيضاً. يُكلف المرشح "العُضو" بمهام مختلفة: شراء الكتب لمكتبة التنظيم، إقامة معرض للكتب الدينية في الحي، جمع التبرعات لبناء المساجد وغيرها. وبعد ذلك يُكلف بتوزيع أشرطة التسجيل لرجال دين غير رسميين وإقامة مجلات حائطية، أي الإشتراك في جميع أشكال النشاطات (بصورةٍ تصاعدية), وصولاُ إلى تنفيذ أعمال العنف، إذا كان الحديث يدور حول التنظيمات الدينية السياسية المعارضة المتطرفة.
في الحالة الأخيرة، يجري اختبار تجريبي، ينحصر في إعطاء "العضو المرشح" مهمة خطرة نسبياً (على سبيل المثال، تركيب جهاز تفجير)، ويُراقب تنفيذه لهذهِ المهمة عدد من الأشخاص الذين لا يُقدمون على إيقافه إلا في اللحظة الأخيرة. وبعد ذلك يسمحون له بأداء قسم الولاء، الذي على أثره يُصبح العضو المُرشح عضواً كامل الأهلية في هذه التنظيمات الدينية السياسية المعارضة المتطرفة, أو في التنظيم الخاص, في التنظيمات الدينية السياسية المشروعة. نشير هنا إلى أن أعضاء المجموعات المسلحة في التنظيمات الدينية السياسية المعارضة يخضعون إلى اختبار تجريبي، كما هو متبع, في تنفيذ عملية حقيقية من أعمال العنف.
والمثال الواضح للتدرج في الوصول إلى العضوية الكاملة في التنظيمات الدينية السياسية المعارضة هو ما يسمى بـ "صفة العضوية أو درجتها", التي تستخدم في تنظيم "الاخوان المسلمون" في مصر، على سبيل المثال، فهنالك أربع درجات للعضوية في هذا التنظيم، التي وفقها تختلف واجبات "الأخوة".
 
الدرجة الأولى _ "الانضمام العام". هو حق لكل مسلم لديه الرغبة في القيام بأعمال الخير، بحيث يكون على أستعداد لتقديم "استمارة تعريف" ودفع مساعدات مالية بمحض إرادته. وفي هذه الدرجة، يسمى العضو "أخ مساعد".
الدرجة الثانية _ "الانضمام الأخوي"، وهنا تضاف واجبات أُخرى على العضو: فبالإضافة إلى ما أشير إليه سابقاً، يجب عليه العمل على استيعاب أيديولوجيا "الإخوان", وأن يخضع للأوامر, وأن يتجنب الممنوعات وأن يحضر الاجتماعات الإسبوعية والسنوية وغيرها، التي يُدعى إليها. ومثل هذا العضو يسمى "أخ منتسب".
الدرجة الثالثة _ "الانضمام العملي". ويجب هنا على "الأخ العامل" أن يزود التنظيم بصورة فوتوغرافية وجميع المعلومات الخاصة به والمطلوبة من قبل التنظيم، وأن يعمل على الدراسة المتعمقة لأيديولوجيا "ألإخوان المسلمون", وأن يشارك بتراتيل القرآن التي تقام مرة كل أسبوع, وأن يدفع الاشتراكات لمالية التنظيم وللجنة الزكاة، وأن يصبح عضواً في (فرقة الرحلات_ مجموعة التربية البدنية والإعداد العسكري), وأن يحاول أن يتكلم باللغة العربية الفصحى, ويتجنب النطق باللهجات العامية، وأن يتقيد في مسكنهِ ومعيشتهِ بمبادئ "الاخوان المسلمون"، وأن يداوم على التعليم الذاتي في مجالات العلوم الاجتماعية، وأن يحفظ أربعين حديثاً نبوياً, وأن يكون جاهزاً على الدوام لتنفيذ العقوبات التي تُفرض بحقه, بروحٍ رياضية, إذا أقدم على ارتكاب معصية أو خطأ ما.
وعند هذه الدرجة، تنتهي درجات العضوية العادية. إلا أن هنالك درجة أخرى أعلى مستوى_ مستوى "المجاهد". فإذا كان إعداد العضو ضمن الدرجات الثلاث السابقة الذكر تقوم بها منظمات المناطق والأقاليم "الدوائر"، فإن إعداد العضو في الدرجة الأخيرة يقوم به "مكتب الإرشاد العام"، وتعتبر هذه المهمة من صلب مهامه حصراً.
 
واجبات المجاهد_ بالإضافة إلى إلواجبات التي سبق ذكرها، هنالك وجوب التقيد "حسب الامكانيات المتاحة" بسنة النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) "قولاً وعملاً ومالاً"، والالتزام بدفع الاشتراكات الدورية والتبرعات إلى مكتب الإرشاد مباشرة ولصندوق الدعوة, أي إلى صندوق تجنيد أعضاء جدد، وكتابة وصية, وفقها يجب تخصيص جزء من أملاك المجاهد إلى ملكية التنظيم، وتنفيذ أي طلب "أمر" موجه من مكتب الارشاد, في أي وقت وأي مكان، وأن يكون جاهزاً على الدوام للخضوع لدورات خاصة تكون تحت الإشراف المباشر لمكتب الإرشاد. والمجاهدون هم أعضاء ما يسمى بالتنظيم السري، أي المجموعات المقاتلة للإخوان المسلمين.
يتعرف العضو المرشح بالتدريج على برامج التنظيم وخططه. وفي مرحلة معينة لا يحق للعضو المرشح الانسحاب من التنظيم، لا سيما إذا كان الحديث يدور حول التنظيمات المتطرفة أو غير الشرعية. فالانسحاب من هذه التنظيمات غير ممكن, لأن عقوبة ذلك هي الإعدام, لأن "العضو المرشح" أصبح يعرف الكثير. وفي تنظيم "التكفير والهجرة" نُفذ حكم الإعدام بعدد من أعضائهِ بسبب انسحابهم من التنظيم.
يحلف العضو العامل في التنظيم قسم الولاء والإخلاص، الذي يؤكد بشكلٍ خاص في نصه (لدى الاخوان المسلمين في مصر) على الطاعة العمياء. <أقسم بالله العلي القدير أن ألتزم برسالة "الإخوان المسلمون",، وأن أشارك في الجهاد وأن أحيا ملتزماً بقواعدهم، وأن أثقَ ثقةً عمياء بقيادتهم، وأن أخضع لها في مختلف الظروف، الجيدة منها والرديئة. إنني أُقدم قسم الولاء هذا أمام الله العلي القدير. والله شاهدٌ على ما أقول.
من الطبيعي أن يكون لكل تنظيم من التنظيمات الدينية السياسية المعارضة طرقه الخاصة في تجنيد الأعضاء، تلك التي تختلف عنها في التنظيمات الأخرى، والتي تتشكل متأثرة بالظروف المستجدة وبتقاليد التنظيم ذاته. فعلى سبيل المثال, تنصح الوثائق الداخلية لتنظيم "الاخوان المسلمون" في السودان، بتكثيف الجهود لتجنيد أعضاء جُدد من أوساط الأشخاص الموهوبين والشخصيات المشهورة, ومن أولئك الذين يشغلون مناصب عليا وقيادية. ويجري تنشيط وتوسيع أعمال التجنيد عن طريق "تنشيط العمل الثقافي في النوادي والمساجد والمؤسسات التعليمية والرحلات المنظمة والأسفار, التي يدعى إليها الأعضاء الجدد والمرشحين". ويجب أن يُحاط الأعضاء الجدد بجوٍ من الاهتمام لكي (حسب تعبير إحدى الوثاثق الداخلية) لا يُفسح لهم مجال للراحة, وتزويدهم المستمر بالأدبيات.
هنالك بعض التنظيمات الدينية السياسية المعارضة تسعى لزيادة أعداد صفوفها، الأمر الذي يؤدي إلى عدم القدرة على الاهتمام الكافي بالمرشحين. وبهدف توسيع التنظيم عددياً، وجهت قيادة "الاخوان المسلمون" في السودان أمراً عاماً بخصوص التروي في التعامل مع الوسط الشبيبي، وعدم الاستعجال في مكافحة الظواهر السائدة فيه كالتدخين وتناول الكحول والرقص والغناء على الطريقة الغربية. فالإخوان في السودان, وانطلاقاً من هذه التصورات, لا يقفون ضد التعليم المختلط، ولا يعزلون الجنسين في تنظيمهم. كما قدمت نصائح بخصوص العمل مع الشبيبة المتعلمة وطرق تجنيد الأعضاء في أوساطها، كما يتم اختيار عناصر التنظيم البشوشة والمرحة للعمل في هذا المجال.
 
ونظرا لأن التنظيمات الإسلامية السياسية المعارضة هي في توسع وانتشار مستمرين، وأصبحت تستخدم أعمال العنف لتحقيق أهدافها على المستوى العالمي، لهذا السبب توسعت أيضاً جغرافيا التجنيد. ومثل هذه الأنشطة تخطت حدود البلدان العربية وأصبحت واسعة الانتشار, لا سيما في عواصم الدول الأوروبية.
 
(لهذا, أصبحت إمكانيات اختراق أجهزة المخابرات الغربية لهذه التنظيمات، من الأمور السهلة جداً).
ومن بين التنظيمات الدينية السياسية المعارضة العاملة في البلدان العربية والتي تمتلك مراكز تجنيد خارج حدود الشرق الأوسط _ حزب التحرير الإسلامي, الذي يهدف إلى إقامة نظام الخلافة. ففي صيف 1983، اعتُقِل في تونس 29 شخصاً، من بينهم 18 عسكرياً، اتهموا بالانتماء إلى هذا التنظيم السياسي غير المعترف به. وفي نهاية شهر آب/أغسطس عام 1983 حُكم على أعضاء هذه المجموعة بأحكام سجن مختلفة (من 2 إلى 8 سنة). وهؤلاء الذين هم من أعضاء فرع حزب التحرير الاسلامي التونسي، كان قد تم تجنيدهم في أوروبا, حيث تقيم القيادة العملياتية لهذا الحزب، الذي هو على اتصال مستمر مع مثقفي الوطن العربي، الذين يتواجدون من حين لآخر في أوروبا لأغراضٍ متنوعة (دراسة، مهمة، بعثة علمية وغيرها). ويتوجه هذا الحزب إليهم بهدف إقناعهم لتشكيل فروع لهذا الحزب في أماكن تواجدهم الدائم. والكثير من العسكريين التونسيين الذين حوكموا في هذه القضية، كانوا عائدين عشية الاعتقال من المانيا الغربية, وأحد الضباط، كان مكلفاً بمهمة رسمية في اليونان حيث تم تجنيده.

تشير مصادر المعلومات (وزارة الداخلية المصرية، على سبيل المثال) إلى أن فيينا تعتبر من مراكز التجنيد، حيث تم فيها تجنيد رئيس فرع مصر لحزب التحرير الإسلامي (صُفي هذا التنظيم من قبل‌ السلطات المصريه عام 1983) علاء الدين الزناتي.

للاطلاع على المقال كاملا اضغط على الرابط التالي :

http://upload.ankawa.com//files/2/ankawa2/alla.pdf



6
أدب / عامنا الآتي الجديد
« في: 12:50 01/01/2014  »


عامنا الآتي الجديد

 


د.هاشم عبود الموسوي



 
آه لو تدري .. و تدري ..
كم من الأعوام قد مرت علينا
وفرحنا .. وبكينا ..
ودفنا في الصدور
كل حسرات السنين
ثم روضنا الأماني
وتحملنا عتابات طويلة
ليتنا .. يا ليتنا ..
نفرح مثل الناس ..
في هذا المساء
هي ذي أحلامنا تكبو و تحبو
مثل أسراب طيور تائهات
ذاهبات .. راجعات .. في السماء
مذ تشضينا وتهنا
ضيعتنا الموهمات
كلما مر بنا وهم جديد
ورجونا الله أن يمنحنا ..
دمعا مديد
رغم كل الموجعات
ها ترانا قد رفعنا كأسنا
نخب من يأتي إلينا
حاملا بين يديه
سر أبراج النجوم
وثملنا ..  ..
حد لا نعرف حدا
بين ظل و ضياء
فمتى تنزع عن عينيك ..
أوشحة النعاس
بين صد و رجاء
وتجئ
لا تخف من يأسنا ..
عامنا الآتي الجديد
فتفائل و تعال
قد يغطي الثلج كل الطرقات
و رياح سوف تشكو للنخيل
عقم تلك السنوات
غير إنا قد ضممنا لك دفء  ..
في الصدور
فتعال .
  
30/12/2013

7
أدب / خريف
« في: 20:55 28/11/2013  »
 


خريف

 
د.هاشم عبود الموسوي
 
 
لم يكن ذلك صوتٌ للرياحْ
 
بل أنينٌ ونواحْ
 
لوريقاتٍ تودع غصنها ..
 
عند الخريفْ
 
كبكاءٍ لنهيرٍ ..
 
يتجمد في الشتاءْ
 
هي ذي الأشجارمذ كنا وكنا
 
تتعرى كل عامْ
 
لم يزل ينصفني ..
 
إني مررت على كل الفصولْ
 
وحليبٌ من نخيل مدينتي  ..
 
لا زال يرغو في الشفاهْ
 
ليعيد لي ..
 
زمن التولّه بالطفولهْ
 
بفصول الريحِ ..
 
نصف مغمضةٍ عيوني
 
متجولا ..
 
ما بين سبعين من الأعوام مرّت
 ْ
وأنا أنشرُ للريح ردائي
 
رايةً للحب في كل الأراضي والبحارْ
 
في خريفي ..
 
أطفأت أنوارها  ..
 
كل فنارات السواحلْ
 
صرتُ أجثو ..
 
مثل عصفور الجليدْ
 
ضيعته الطرقاتْ
 
والأفاعي اللاسعاتْ
 
سمها ما عاد يُشفي من بلاءْ
 
مرةً أخرى سيأتينا شتاءْ
 
لا حمائم في السماءْ
 
ولا سحابٌ ماطرٌ ..
 
فوق القواحلِ ..
 
من سنينٍ موجعاتْ
 
آه ِ من شللِ الظنونْ
 
أنا لا أترك من إرثِ ..
 
يفاخرُ ، غير حلمي
 
والذي يأتي ..ليأتي
 
إنه وعد الشتاءْ .



8
أدب / آه .. من صيف المحارق
« في: 15:30 11/07/2013  »


آه .. من صيف المحارق

 

هاشم عبود الموسوي

 
يا إلهي..
 
يا إلهي
كانت الأرض..  
بما تحمل من إثمٍ بريئهْ  
ومشينا ..
فوق جمرٍ من رماد ْ
وقرأنا الفاتحهْ
وعرفنا أن نخلاً في العراقْ
بات منذوراً
على أرض سبيّهْ
يذرفُ الدَمعَ
إلى يوم القيامهْ
ونسنيا كل ما كنا لبسنا
من حضاراتٍ
وأحذية قديمهْ
بعد ألفين من الميلاد و الموت ..
أتى ثالث عام
وعلى أرض السواد
بعث الله لنا
سرب جراد
عله يفقأ عين
الحاكم الجلاد
ويلنا  ..يا ويلنا
لكنه قضم الحصادْ
وظل يسقط فوقنا
رب العباد ْ
آثام عاد ْ
هذا حساب قد يطول
و ذا عذاب قد يطول
و صار يتعبنا الحساب ْ..
بأي تبرير نموت
جراحنا ، تشكو ، تصيح
أهي ريح من سموم     ؟
أهو صيف من محارق ؟
وصرير الباب ..
لم يهدأ يوماً
من عذابات ..
الضمير
في الصباح ..
أتلقى عشر بوابات..
 في وجهِ الطريق
ومفارز
سائلات عن وقاري
أي حلم وسرورٍ
كان يجتاح سريري
وأنا ما ذقت يوما ..
لذة الحلم
وكم كنت أمني نفسي التعبى
 وفي السر أعيد
 (إنَّ لي وطناً سعيد)
آه ما أكذب حلمي
كيف أقسمت بهذي الأرض ..
بالماء وأنواء السماء
والجهات الأربعة
وخطوط الطول والعرض
وما بين السطور
كنت أعمى راكضاً ..
خلف سراب
كيف أكبو من حصاني؟
كيف  أرخيت اللجام
والتعاويذ التي رتلتها..
عند الرحيل
أفلتت مني اللسان
آه لو كنا تلونا ..
سورة الرحمن
أو كنا عرفنا
مذ دفنا رأسنا مثل النعامه ْ
لا نرى الموتى
يميلون يميناً ويساراً
في عويل كالدعاء
... ... ...
 
ذات يوم
عندما أجهرتُ ..
في صوتي وصمتي
وعلى ذاك الجدارْ
آثماً سجلت عهدي
إنني يوما أعود ْ
سائلاً جرحي عن العهد القديم ْ
أين بيتي؟ أين بيتي؟
والبيوت الحالمات ..
فوق جثمان السنينْ       ؟
أين أحلامي التي ودعتها ؟
ربما ظلت سراباً
لا أراها قبل موتي
كيف لي أنسى بأنَّا
قد دفنا الأولياء
بين نهرين..
وأدمينا الصدور
ألف عام ..
لم نزل نأكل ..
من نفس القدور
شوك ما كنا زرعنا
وأتى بعد انتظار
ألف ملعون وفاجر
عابثاً يلعب كالقط
مع الفأر البليد
آه .. آه .. ثم آه
آه من غدر الزمان
آه من ضيق المكان
بيتنا المأهول بالأحزان
من مليون عام
إنه الرحم الذي كفننا
ونسينا..
ومشينا مُرتدين
كفن العز
وأوهاماً عتيقة
أي فخر للقبور؟!
ليس لي غير الدموع
والصلاة الدائمهْ
ربما تأتي
دعاسيقٌ  صغيرة
بعد موتي
لتعيد الخصب
للأرض البوار
و يفيق الأتقياء
ويعيدون إلى قبري الأمان
آهِ ... آهٍ ،  ثم  آهْ
...   ...
 
آه ما أكذب حلمي
 




9
الأسلام السياسي في تركيا وملابسات تطوره في التاريخ الحديث
(2)
د.هاشم عبود الموسوي
 
قلنا في الجزء الأول من هذه الدراسة بأن تركيا ، قطعت أشواطا بعيدة في العلاقات مع إسرائيل ، فقد حاولت تركيا امتصاص نقمة العرب عبر المشاركة في تقديم مشروع القرار  ( 302 – 5 ) لتاسيس منظمة غوث اللاجئين ( الاونروا ) وتامين الحماية والمساعدة لهم ‘ الى حين عودتهم لديارهم . وكانت تركيا احد الاعضاء العشر الذين تالفت منهم ( الاونروا ) في 8 كانون الاول \ ديسمبر 1949 . وتعمدت التاخير في ارسال سفير دائم لها في تل ابيب نحو سنة كاملة . واتبعت اسلوب التدرج في تطبيق العلاقات مع اسرائيل كالتالي :
28 اذار \ مارس 1949 : الاعتراف باسرائيل .
9 اذار \ مارس 1950 : افتتاح سفارتها في تل ابيب .
1952 : التحاق اول سفير تركي بمركز عمله .
في الخمسينات طرح "بن غورين" فكرة " الحلف الاقليمي " والتي تنص على التحالف الاستيراتيجي والاستخباراتي والاقتصادي بين اسرائيل وثلاث دول غير عربية ‘ هي اثيوبيا وايران وتركيا ‘ وذلك بمواجهة افكار طرحها جمال عبد الناصر لبلورة الشرق الاوسط يقوم على وحدة القومية العربية . ويشير احد مسؤولي اجهزة الاستخبارات في اسرائيل ‘ في احد كتبه ‘ الى ان فكرة "بن غورين" هذه ادت الى وضع خبرة الجيش الاسرائيلي في خدمة هذه الدول ‘ كما كان هناك تعاون اقتصادي بين اسرائيل وتركيا ‘ لاسيما في المجالات الزراعية والطبية .
بعد العدوان الثلاثي على مصر الذي شنته كلُ من فرنسا وبرطانيا واسرائيل في 29 تشرين الاول \ اكتوبر 1956 ‘ وتحت ضغط الرأي العام الاسلامي في تركيا ‘ اقدمت الاخيرة على سحب سفيرها من اسرائيل . واصدرت وزارة الخارجية التركية بيانا في 26 تشرين الثاني \ نوفمبر 1956 قالت فيه : " ان الحكومة التركية تدعم حل القضية الفلسطينية على اساس قرارات الجمعية العامة للامم المتحدة . وستبذل قصارى جهدها في سبيل ذلك ‘ ان كان في اطار الامم المتحدة او خارج ذلك . ان الحكومة التركية التي تسجل ‘ بكل اسف ‘ عدم ايجاد حل لهذه المسالة التي تستمر بكونها عنصر قلق وخطر كبيرين جدا على الشرق الادنى ‘ تقرر سحب سفيرها من تل ابيب وعدم اعادته الى مقر عمله ‘ الى ان تحل المسالة الفلسطينية بصورة عادلة ونهائية " .
في عام 1958 عمد الموساد ونظيراه الايراني " السافاك " والتركي "  الى اقامة منظمة ذات الثلاث اضلاع ( تريدنت ) . وفي هذا الاطار الثلاثي تبادلت الاجهزة الثلاثية معلومات استخباراتية  ‘ وكان رؤساء هذه الاجهزة يعقدون اجتماعات سنوية . وأفادت المعلومات حينها ان الاسرائلين زودوا تركيا بمعلومات حول نشاطات عملاء سوفييت على اراضيها ‘
كما اعلموها بعمليات تجسس سوفيتية ضدها تتم اداراتها في دول شرق اوسطية اخرى . ومقابل ذلك قام الاتراك بتزويد اسرائيل بمعلومات حول نوايا مصر وسوريا ‘ اللتان كانتا مجتمعتين في اطار وحدوي . كما قامت اسرائيل بتدريب عملاء استخبارات اتراك في مجال التجسس .
في عام 1958 ‘ قام الرئيس الاسرائيلي وايزمن بزيارة سرية الى تركيا ‘ انشا الطرفان خلالها حلفا سريا ‘ اطلق عليه حينها " الحلف المحيط " . وكان الهدف من هذا الحلف تطويق سوريا والعراق وممارسة الضغط عليهما .
نددت تركيا بعدوان اسرائيل ضد سوريا ومصر والاردن الذي جرى في حزيران \ يونيو 1967 . واعلنت السلطات التركية ان القواعد العسكرية الموجودة في تركيا التابعة لحلف الشمال الاطلسي لن تستخدم في اي عملية حربية ضد الدول العربية ‘ وفي الامم المتحدة خاطب وزير خارجيتها  "احسان صبري" الهيئة العامة في 22 حزيران \ يونيو 1967 قائلا : " ان الحكومة التركية تعلن ان لا يجوز قبول اغتصاب الاراضي بالقوة. ومن الضروري ان تصر الامم المتحدة على انسحاب اسرائيل من الاراضي العربية التي احتلتها".  كما دعت تركيا حينها على عدم المساس بوضع مدينة القدس.
بعد حريق مسجد القدس الاقصى 21 اب \ اغسطس 1969 ‘ شاركت تركيا في موتمر قمة الدول الاسلامية ووافقت على البيان الصادر عنه والذي ندد باسرائيل وممارستها في انتهاك حرمة الاماكن المقدسة الاسلامية . واتبعت تركيا خطواتها هذه بخطوة اخرى ‘ اسلامية ‘ عندما وافقت على وثيقة منظمة المؤتمر الاسلامي التي تأسست عام 1971  واصبحت تركيا عضوا كاملا فيها منذ عام 1976  .
رفضت تركيا التعاون مع واشنطن ( ريتشارد نيكسون ) عام 1973 عندما اقامت الولايات المتحدة جسرا جويا لنقل الاسلحة والذخائر الى اسرائيل اثناء حرب تشرين .
بعد حرب تشرين عام 1973 ‘ صوتت تركيا الى جانب قرار مجلس الامن  الدولي 3379 ( تشرين الثاني \ نوفمبر 1975 ) الذي يعتبر الصهيونية شكلا من اشكال العنصرية ‘ وذلك في خطوة منها لكسب ود العرب بعد احتلالها للشطر الشمالي من قبرص الذي تم عام 1974 ‘ وفي وقت كان العرب في اوج قوتهم على اثر حظر النفط على الدول التي ساندت اسرائيل في حرب تشرين .
في عام 1975 اعترفت انقرة في كانون الثاني \ يناير منه بمنظمة التحرير الفلسطنية كممثل شرعي وحيد للشعب الفلسطيني .
في الخامس من تشرين الاول \ اكتوبر 1979 وصل رئيس منظمة التحرير الفلسطينية "ياسر عرفات" الى تركيا  بدعوة من رئيس الحكومة التركية "بولاند اجاويد" لحضور حفل افتتاح ممثلية منظمة التحرير في انقرة . وفي هذه المناسبة صرح بولاند اجاويد لمجلة المستقبل قائلا : " ان زيارة اخي ياسر عرفات الذي يقود نضال الشعب الفلسطيني من اجل حريته وحقوقه المشروعة هي مدعاة سرور كبير لي شخصيا وللشعب التركي . ان حكومتي مقتنعة بان الحلول المحقة والدائمة لمشاكل الشرق الاوسط ‘ لايمكن ايجادها دون تلبية الاهداف المشروعة للشعب الفلسطيني ‘ بما في ذلك حقه في اقامة دولته المستقلة فوق تراب وطنه . ونحن نعتبر ان من واجبنا الوطني والتاريخي مساندة الشعب الفلسطيني في نضاله المحق بشتى السبل .
بعد الاطاحة بشاه ايران ‘  انتقلت جميع مراكز المخابرات الاسرائلية التي كانت في ايران ‘ مثل المؤسسة المركزية للمخابرات والمهمات الخاصة ( الموساد ) وشعبة الاستخبارات العسكرية (امان ) وجهاز الامن العام ( السافاك ) الى داخل تركيا ‘ حيث تحولت الاخيرة الى مركز منهم لجمع المعلومات عن الدول العربية ‘ لاسيما سوربا والعراق ودول لخليج .
بعد الانقلاب العسكري الاخير الذي وقع في 12 ايلول \ سبتمبر 1980 واطاح بحكومة "سليمان ديميرل" ‘ برز في الدوائر السياسية والدبلوماسية التركية ‘ ازاء سياسة الدولة نحو اسرائيل والعرب خطان : خط مع تطوير التعاون مع اسرائيل وخط مع قط العلاقات او على الاقل خفظها الى الحد الادنى  .
وكان يقف الى جانب خط تطوير العلاقات امين عام وزارة الخارجية آنذاك "كامران غورين" ‘ والسفير في واشنطن "شكري ايلكداغ" والسفير في الامم المتحدة "جوشكون قيرجا" ( وهو الان من " صقور " حزب الطريق القويم المؤيد بشدة لحل عسكري لمشكلة الكردية ) . فيما وقف وزير الخارجية التركية انذاك "ايلتر توركمان" مع خط القطع التام للعلاقات مع اسرائيل وتطوير العلاقات مع العرب .
وكان طرح خطة وزير الخارجية ينطلق مع العلاقات مع العرب تؤدي الى الحصول الى حاجة تركيا من النفط بسعر رخيص وتعزيز  صادراتها الى الدول العربية بصورة كبيرة ‘ كما ستضمن تركيا تأييد العرب في موقفها من الازمة القبرصية . وكان "تركمان" يرى ان النفوذ اليهودي في واشنطن مبالغ فيه ‘ ثم ان اسرائيل تنظر بحرارة الى سيناريو تأسيس  دولة كردستان المستقلة في الشرق الاوسط ‘ كما تخطط له الولايات المتحدة .
وفي المقابل ‘ لم يكن خط تطوير العلاقات مع اسرائيل يعارض اقامة علاقات صداقة مع الدول العربية . ولكن اصحاب هذا الخط ‘ يعتقدون ان لانية للعرب ان يكونوا اصدقاء لتركيا . فسوريا لها مطالب في الاراضي ( الاسكندرون ) والعراق يعزز طموحاته " العدوانية " ‘ والسعودية لا تنظر بارتياح لنظام العلماني في تركيا ‘ والعرب  عامة يعيشون " عقدة " خضوعهم للحكم العثماني. وهذه العوامل كلها تهدد الامن التركي ‘ مما يؤكد علاقات جيدة مع اسرائيل ‘ ضرورية من زاوية المتطلبات الجيوستراتيجية ‘ كما هي ضرورية من زاوبة تحسين العلاقات مع امريكا لمواجهة " الارهاب الارميني " . هكذا كانت المواقف متناقضة ومتعارضة بعد انقلاب 22 ايلول \ سبتمبر 1980 .
حمل وزير الخارجية "ايلتر تركمان"  قضيته الى رئيس الدولة والجيش "كنعان ايفرين" ومجلس الامن القومي الذي يضم قاعدة القوات الاربعة وطرح تركمان في اول اجتماع للمجلس  مسالة قطع العلاقات بالكامل مع اسرائيل . لكن المطلب رُفض وبإجماع الاصوات الخمسة  . غير ان تركمان مارس تأثيرا فيما بعد على "ابفيرن" بحيث نجح في اتخاذ قرار تخفيض درجة التمثيل الدبلوماسي مع اسرائيل الى مستوى سكرتير ثان . وعارض "حيدر صالتيك" امين عام المجلس القومي ‘ وحده القرار . اما امين العام الخارجية غورين فقد تقدم في اثر ذلك با ستقالته .
شهد العام 1980 حدثين لافتين للنظر ‘ الاول هو اغلاق تركيا لقنصلياتها في القدس في 28 اب \ اغسطس ‘ والثاني خفض مستوى التمثيل الدبلوماسي في سفاراتها في تل ابيب في كانون الاول \ ديسمبر 1981 ‘ من قائم بالاعمال الى سكرتير ثان . وجاءت هاتان الخطوتان كرد فعل على اعلان اسرائيل في تموز \ يوليو 1980 ‘ ضم القدس الشرقية نهائيا واعتبار المدينة عاصمة ابدية وموحدة لها . وكان رد فعل السعودية على هاتين الخطوتين ان اقدمت على تقديم مساعدة مالية لتركيا قيمتها 250 مليون دولار ‘ في اليوم ذاته التي خفضت فيه تركيا درجة التمثيل الدبلوماسي مع اسرائيل .
اثناء الحرب العراقية – الايرانية ‘ قامت تركيا بترتيب عملية هجرة ( 30 الف يهودي ايراني الى الكيان الصهيوني ) وحينها اكد وزير الخارجية التركي "حكمت تتشتين" ان هذه العملية كانت وليدة اتفاق تم بين جهازي المخابرات  في البلدين – والموسات والميت ‘ من وراء ظهر حكومتها " .
امتنعت تركيا عن التصويت عن مشروع قرار ادانة اسرائيل الذي صدر عن الجمعية العامة للامم المتحدة باعتبرار  قرار ضم اسرائيل لمرتفعات  الجولان قرار باطلا ‘  الذي صدر عنه في شباط \ فبراير  1982 .
قامت الحكومة التركية في 27 كانون الثاني \ يناير  عام 1982  بتزويد الحكومة المصرية  بصورة عن اتفاقية  عام 1906 والخرائط المرفقة التي تعين الحدود الدولية بين مصر وفلسطين ‘ وذلك حين اثيرت مشكلة التحكيم بشان طابا .
رفضت تركيا التعاون مع الادارة الامريكية "رونالد ريغان"  عندما شكلت القوات المتعددة الجنسيات بين عام 1982 و 1984 ‘ الامر الذي ادى الى تورط عسكري امريكي مباشر في لبنان.
في عام 1986 رفعت تركيا درحة تمثيلها الدبلوماسي مع اسرائيل من سكرتير ثان الى مدير عام مفوض .
عند اعلان قيام الدولة الفلسطينية في 15 تشرين الثاني \ نوفمبر  1988 ‘ كانت تركيا الدولة الخامسة في العالم ‘ قبل مصر وسوريا ولبنان  والاردن ‘ والاولى من المعسكر الغربي ‘ التي تعترف بالدولة الفلسطينية الجديدة .
نشطت بعض الوكالات الخاصة التركية في الربع الاخير من عام 1988 ‘ ابان الانتفاضة في الاراضي الفلسطنية المحتلة ‘ في مجال ارسال  عدد من العمال الاتراك للعمل باسرائيل بأُجور مجزية وذلك بهدف تقليل اعتماد اسرائيل على العمالة الفلسطينية . وقد قُدِّر عدد العمال الاتراك العاملين في اسرائيل حينها  3000 عامل .
في العام 1991 اظهرت تركيا تعاطفا مع الانتفاضة الفلسطينية في الاراضي المحتلة من خلال ارسال باخرة تحمل مئة طن من السكر في شباط \ فبراير ‘ وباخرة اخرى تحمل مساعدات مختلفة  في ايار \ مايو .
منذ عام 1991 بدا نشاط سياحي كثيف الى تركيا ‘ حيث زار تركيا في هذه السنة 6 الاف سائح ‘ ويحاول الكيان اليهودي حث مواطنيه ‘ عبر الدعاية المكثفة ‘ على السياحة في تركيا . وتجدر هنا الاشارة على ان السياحة الاسرائيلية الى تركيا اسهمت كثيرا في دعم الاقتصاد التركي ‘لاسيما في الاوقات الحرجة ‘ التي رافقها الغاء السفر السياحي للاوربيين  عامة والالمان بصورة خاصة لاسباب متعددة . وتركيا من طرفها استثنت الاسرائلين من رسوم التاشيرة ‘ تشجيعا لهم ‘ الامر الذي ‘ مع سواه من العوامل ‘ جعل عدد السواح الاسرائلين يصل عام 1997  الى 300 الف ويتوقع ان يصل الى 400 الف في عام 1998 .
في ايلول \ سبتمبر 1991 ‘ اقترح  شمعون بيريس معادلة للشرق الاوسط مفادها : اقامة سوق شرق اوسطية مشتركة ‘ يمكن ان تتم على اساس التكامل بين التكنلوجيا الاسرائيلية والاموال الخليجية والعمالية المصرية والمياه التركية .
في المرحلة التي تسلم "ترغوت اوزال" الحكم في تركيا ( 1984 – 1993 ) ‘ اخذ الاخير ينحو سياسة متوازنة لبلاده في الشرق الاوسط ‘ مستلهما المصالح التركية في المقام الاول  . فتركيا ‘ حسب رايه هي الدولة الوحيدة المؤهلة  بلعب دور قيادي في الشرق الاوسط . وبذل "أوزال" جهدا كبيرا لكي تصبح تركيا مثالا يتحدى به في هذه المنطقة وجدد "أوزال" طروحاته على اعقاب انطلاق قطار السلام في الشرق الاوسط في مدريد عام 1991 . الا ان ذلك لم يمنع بان تكون الزيارة الاولى لرئيس اسرائيلي الى تركيا في عهده ‘ فقد قام حاييم هرتزوغ في تموز \يوليو 1992 بزيارة اسطنبول. وبموت "أوزال" المفاجئ قدمت مرحلة جديدة في علاقات تركيا الشرق اوسطية .
الاتراك قادمون ‘ ويبدو ان اطماعهم لم تغفل لحظة واحدة عن سحر الشرق  . اما المتغير الوحيد فهو انهم سيدخلون المنطقة من باب اسرائيل . هذا الانذار المبكر الذي اطلقه الخبير الاستراتيجي العربي الدكتور "عبد الرحمن رشدي"  ان القوة العسكرية التركية تبحث عن عقد قران جديد مع اسرائيل يحقق لها حلم العودة الى سحر الشرق ودفئه . فهي تعد جزءا مهما من استراتجية حلف الشمال الاطلسي . والدور التركي ينطلق من مفهوم اعادة تشكيل المنطقة غلى فكرة " الشرق الاوسط " وليس " العالم العربي " ‘ ولهذا اختارت لها شريكا يتلائم مع اهدافها ومعاديا للعرب . وهذا المخطط يستهدف الغاء الكيان العربي وتجميده . وغاية اسرائيل هنا تحقيق حلم الصهيونية    " اسرائيل الكبرى " . . والعرب مشغولون .
وفي الاونة الاخيرة بعد ان بدأت العلاقات التركية مع اسرائيل تتحسن اثر اتفاقيات "كامب – ديفيد" وبعدها "غزة واريحا" ومن ثم اتفاقية الاردن مع اسرائيل "وادي عربة" واطروحات شمعون بيريز باقامة "شرق اوسط جديد" يكون فيه لاسرائيل حصة الاسد اخذت تتحسن لتحصل تركيا على حصتها من المشاريع الاقتصادية  التي ظنت انها ستغمر المنطقة ‘ هذا من جهة ‘ ومن جهة اخرى لتستطيع المؤسسة العسكرية التركية القيام بالدور المنوط بها في المنطقة وذلك بالتعاون مع اسرائيل بتشكيل حلف جديد شبيه بحلف " بغداد " . وفي هذه الاونة اخذت تتحسن صورة اليهودي في وسائط الاعلام التركي ‘ بعد ان كانت بين حين وآخر تفوح منها اخبار عن تعامل هذا اليهودي او ذاك مع احد اجهزة المخابرات التابعة لاسرائيل ‘ تترافق مع انتقادات عنيفة توجه اليهم حيث اخذ يعود اليوم الحديث عن الدور الوطني لليهود الاتراك في بناء الدولة التركية ومدى اخلاصهم وتفانيهم من اجل ذلك . ومن جهتها لم توفر وسائل الاعلام التابعة للوبي اليهودي الجهود من اجل اقناع الراي العام بالدور الوطني لليهود . فهذه صحيفة " شالوم " الناطقة باسم اليهود  في اسطنبول تشير على لسان احد محرريها الى اعتبار ان المجازر التي يتهم الارمن الاتراك القيام بها بانها مجرد " لغو وكلام " وانه " شئ لم يثبته التاريخ " . وهذا صحافي وكاتب اكاديمي هو "تشيتين يتكين" يحاول ان يظهر الدور الوطني الايجابي لليهود والمساندة للدولة والوطن ‘  على عكس ماهو عليه الامر في موقف الارمن واليونان الاتراك . يقول يتكين ان معظم اليهود ساندوا تركيا خلال الحرب العالمية الاولى واظهروا ان هذه الارض هي وطنهم. ويرى احد المؤرخين اليهود ان الانتصارات التي احرزتها الامبراطورية العثمانية على الدولة المسيحية هي " عقاب الهي " ‘ ان كان اليهود يعيشون  اوضاعا صعبة داخلها ‘ وان " الله اوكل للدولة العثمانية مهمة تحرير اليهود من الظلم المسيحي " .
تمثلت المرحلة الجديدة في سياسة تركيا بعد "أوزال" بقدوم سياسيين جدد يرون ان اسرائيل وتركيا سوية بمقدورهما لعب دور في الشرق الاوسط الجديد . وكان عراب هذا الدور هو "حكمت تشيتين"   وزير الخارجية التركي انذاك .
في 16 تموز \ يولية 1992 تجاوز كل من "اوزال" رئيس الجمهورية التركي ورئيس وزرائه "سليمان ديميرل" خلافاتهما وحظرا سوية حفلة اقامته الجالية اليهودية في قصر دولة باغجي في اسطنبول بمناسبة الذكرى ال 500 لقدوم اليهود من اسبانيا الى تركيا .
في نيسان \ ابريل 1993 ‘ قام وزير الخارجية الاسرائيلي " شمعون بيريز " بزيارة لتركيا اجتمع من خلالها مع كافة القادة الاتراك وطرح مسالة تزويد اسرائيل بالمياه التركية .
في ايلول \ سبتمبر ‘ 1993 وقعت تركيا اتفاقية مع اسرائيل تقضي بإقامة مجلس تجاري ثنائي من اجل مناخ افضل من التعاون بين الدولتين . وكان قد طُرِحَ في مجرى هذه الاتفاقية عدد من المشاريع المشتركة المقترح العمل بها ‘ منها تحسين طائرة روسية ومشروع ري في جنوب تركيا ومشاريع مشتركة في المواصلات السلكية والللا سلكية وفي حقول الطب والالكترونيات والزراعة والبيئة .
في خريف العام 1993 ‘ تم تبادل السفراء بين اسرائيل وتركيا ‘ اثر زيارة قام بها وزير الخارجية التركي "حكمت تشتين"  الى تل ابيب في ايلول \ سبتمبر من العم ذاته .
في كانون الثاني \ يناير 1994 ‘ زار الرئيس الاسرائيلي "حاييم وايزمن" انقرة  وكان لهذه الزيارة صدى كبير للجانب الاسرائيلي ‘ لدرجة ان دبلوماسيا في السفارة الاسرائيلية في انقرة وصف لقاء الرئيسين التركي والإسرائيلي وتحت العلمين الاسرائيلي والتركي ‘ بانه " مثل الحلم " ولم يتوقع احد ذلك قبل سنة .
في تشرين الثاني \ نوفمبر 1994  قامت "طانسو تشيلير"  رئيسة الوزراء التركية بزيارة اسرائيل وقعت خلالها اكثر مجموعة من الاتفاقيات السياحية والتجارية والعسكرية بين البلدين ‘ وشكلت خلال الزيارة لجان للتعاون الاستراتيجي بينهما . الا ان هذه الزيارة تعكرت بعض الشيء عندما قامت "تشيلير" بزيارة " قصر الشرق " ‘ اذا وصف رابين هذه الزيارة بانها تمرين غير عادي . وهنا شكك بوجود سبق تاريخي دبلوماسي لذلك . بان يقوم رئيس حكومة‘ يزور بلد صديق بدعوة رسمية ‘ بصورة مناقضة لراي مستضيقه بزيارة مكان هو موضوع خلاف سياسي حاد .
ارتفع حجم التبادل التجاري بين تركيا واسرائيل من 2, 187 مليون دولار في عام 1992 الى 304 مليون دولار عام 1994 .
في عام 1995 زار اسرائيل "بولند اجاويد" رئيس الحكومة التركية الاسبق ورئيسها في      ( 1999 ) ‘ وتحدث في هذه الزيارة عن اهمية العلاقة مع اسرائيل بقوله  : " ان تركيا بحاجة الى اسرائيل الامنة واسرائيل بحاجة الى تركيا الامنة " .
في 20 ايار \ مايو 1996 ‘ تعرض الرئيس التركي "سليمان ديميرل" لمحاولة اغتيال بهدف الاحتجاج على الاتفاق العسكري بين تركيا واسرائيل .
في اذار \ مارس 1996 ‘ قام  الرئيس التركي "سليمان ديميرل" بزيارة الى اسرائيل طرح خلالها مجموعة من قضايا التعاون المشترك ‘ ووضعت خلال هذه الزيارة اسس البنية التحتية للعلاقات الاقتصادية . ووقع الطرفان اربع اتفاقيات بهذا الشان . وكان "ديميرل" قد صرح قبل مغادرته انقرة متوحها الى تل ابيب قائلا : " نشات العلاقات بين تركيا واسرائيل منذ تاسيس اسرائيل عام 1948 ‘ واستمرت دون انقطاع . ونحن نعلق على اهمية توسيعها وتنوعيها لتشمل كافة الميادين " . اما الاتفاقيات الاربعة التي وقعت بن تركيا واسرائيل ‘ فقد شملت الجوانب التالية :
1 – التجارة الحرة .
2 – منع الازدواج الضريبي .
3 – تشجيع الاستثمارات بين البلدين وحمايتها .
4 – التعاون العلمي والتقني والصناعي .
وبفضل هذه الاتفاقيات شهدت السنوات الاخيرة اتفاقا متعاظما في التجارة والاعمال المشتركة بين البلدين .
قبيل انتصاره في الانتخابات ‘ وفي معرض اجابته عن سوال في سوريا ‘ الجارة الجنوبية لتركيا وموضوع المياه . قال "ارباكان" : " هدفنا الاساسي الذي اعلناه في الانتخابات الاخيرة هو تطوير علاقتنا مع الدول الاسلامية عموما والمجاورة خصوصا ‘ وتحقيق هدفنا الاسمى هو تاسيس وحدة اسلامية واتحاد لدول الاسلامية ‘ لانجد اي  موانع  حقيقية للعمل المشترك بين الدول الاسلامية . والمشاكل بين سوريا وتركيا تأتي في الاطار نفسه ‘ بينما حلها سهل . وعندما كنت في مدينة اورفا القريبة من الحدود السورية  سألني الناس ان كنت سأفتح الباب مع سوريا والعراق ‘ فقلت اننا لن نفتح الباب لأنه لن يكون هناك باب اصلا . نحن سنلغي الحدود بين البلدين ولن نكتفي بفتح باب واحد ". وفي جواب عن سؤال صحفي حول عملية السلام بين الدول العربية واسرائيل والسوق الشرق اوسطية  اجاب "ارباكان" :" نحن اولا مع السلام والتفاهم مع الجميع وبين الجميع ولكن لكي نصل الى خير المسلمين ‘ لا الى بيع اراضيهم التي روتها دماء شهدائهم . ونحن غير مقتنعين بأعمال ( الرئيس الفلسطيني ) ياسر عرفات ‘ فاتفاقاته لن تؤدي الى السلام . ثم اننا ‘ قبل كل شي ‘ لا نرضى بالقدس إلّا مدينة للمسلمين . لا يمكن ان نقبل بان تكون يوما عاصمة لليهود " .
في ايار \ مايو 1996 ‘ اقام حزب الرفاه موتمراً اسلاميا دعى اليه "محمد نزال" ممثل حركة ( حماس) الفلسطينية .
في نهاية حزيران \ يونيو 1996 ‘ وبعد تسلمه الحكومة "قال ارباكان" في معرض اجابته عن احد اسئلة الصحفين المتعلقة بعلاقات بلاده مع الدول العربية ‘ قائلا : " ان من مصلحة الدول العربية وصول الرفاه الى الحكم في تركيا ‘ وان الرفاه سيلغى الاتفاق العسكري مع اسرائيل . ونحن من اجل مصلحتنا الاستراتيجية في تركيا ‘ نحن بحاجة الى مصر قوية وسودان قوية وسورية قوية . ونحن على اتصال مستمر بهذه الحكومات وبيننا وبينها يجري حوار بناء " .
منذ الايام الاولى لتوليه السلطة ‘ عبر ارباكان عن امتعاضه الشديد من العلاقات بين تركيا واسرائيل ففي حديث له بين عدد من المسؤولين الاتراك عن اطماع اسرائيل في العالم العربي ‘ قال ان جزاء من هذه الاطماع يصل الى الاراضي التركية ‘ ملقيا مسؤولية الازمات في الشرق الاوسط عليها .
وقال ارباكان من خلال لقائه رئاسة الاركان العامة التركية ومسؤولين في وزارة الخارجية في 9 تموز \ يوليو 1996 ‘ ان " الخطين الازرقين فوق واسفل نجمة داود في علم اسرائيل هما رمزان ‘ يشير الاعلى منها الى نهر الفرات والاسفل الى نهر النيل ‘  وان اليهود حسب معتقداتهم يعتبرون هذه الحدود ‘ هي الحدود الطبيعية لدولتهم " .
في اب \ اغسطس 1996 ‘ برز جدل وتناقض في التوجيهات الاقليمية للشريكين في الائتلاف وعلى رسالة وجهها الرئيس السوري "حافظ الاسد" الى رئيس الوزراء التركي نجم الدين ارباكان يؤكد فيها برغبة سوريا بتوثيق العلاقات مع جارتها , رد "ارباكان" برغبة مماثلة لديه . في حين سارعت وزيرة الخارجية التركية "طانسو تشيللر" الى الاجتماع بسفير اسرائيل لتبحث معه سبل تطوير العلاقات بين البلديين , ولطمأنة  تل ابيب بان انقرة ملتزمة بالتوقيع على اتفاق التعاون الشامل في التكنلوجيا العسكرية في " فترة قصيرة " . وفي هذه الاثناء اكد "ارباكان" انه يولي شخصيا  " اهمية  خاصة " للتعاون الثلاثي بين تركيا وايران وسوريا فيما يتعلق بالعراق .
وفي معرض تخفيفه من حدة ردات الفعل العربية على الاتفاقات التي عقدتها تركيا مع اسرائيل ‘ وبهدف تعزيز التعاون الاقتصادي مع البلدان العربية ‘ قام "نجم الدين ارباكان" رئيس الوزراء التركي في 2 تشرين الاول \ اوكتوبر 1996 ‘ بزيارة الى كل من مصر وليبيا على راس وفد ضخم جدا وصل عدده الى " 700 " شخص ‘ بالاضافة الى اكثر من " 50 " صحفي واعلامي تركي . ونذكر هنا ان "ارباكان" قد وعد قبل وصوله الى رئاسة الحكومة ب : " تحرير البوسنة والشيشان والقدس " .
وفي 4 شباط \ فبراير 1997 ‘ ( اي في اليوم اللاحق لاحتفالات يوم القدس ) ‘ اقدم الجيش على انزال دباباته في محلة سنجان التي قام بها الاحتفال .
وفي هذه الاثناء استقبل "ارباكان" وزير خارجية اسرائيل ديفيد ليفي ‘ بعد ضغوط من المؤسسة العسكرية وتردد من طرفه . الا ان لهجة "ارباكان" كانت قاسية في حديثه مع "ديفيد ليفي"  حيث وجه اليه الحديث قائلا : " على اسرائيل ان تنسحب من الاراضي التي احتلتها منذ سنوات ويجب عليها ان تتخلى عن خططها الجديدة على بناء المستوطنات " وان القدس مدينة مقدسة ليس بالنسبة لليهود والمسيحيين فحسب ‘ وإنما للمسلمين ايضا " . " وان السيناريو وبعض الافكار المطروحة الان تزعج مليار مسلم " . وماكان من ليفي الذي كان مشدوها ‘ الا ان اجاب كما يجيب التلميذ المذنب معلمه : " ان اسرائيل كانت مخلصة لكل اتفاقيات السلام " . و " ان القدس لم تكن ابدا عاصمة لدولة اخرى " .
وفي تاريخ 11 ايار / مايو 1997 ‘ تظاهر مئات الالف من انصار حزب الرفاه في ميدان السلطان احمد . وقد قدر عدد المتظاهرين ب 300 الف شخص ملؤوا الميدان والشوارع المؤدية اليه . كما صدحت هتافات تقول  " هذه تركيا وليس اسرائيل " .
في 13 ايار / مايو 1997 ‘ اعلن رئيس الوزراء التركي "نجم الدين ارباكان" ان المناورات البحرية التي اعلن عنها بين تركيا واسرائل والولايات المتحدة " ارجئت الى السنوات المقبلة " . وجاء رد فعل المؤسسة العسكرية على لسان كبار ممثليها ان " المناورات لن تاجل " ‘ وايدتهم في ذلك وزيرة الخارجية التركية ‘ التي صرحت في 14 ايار / مايو على لسان الناطق الرسمي باسمها بان " خطط اجراء مناورات بحرية مشتركة مع اسرائيل ستمضي قدما رغم تصريحات لاربكان ‘ لمحّ فيها باحتمال تأجيلها " .
في النصف الاول من عام 1997 اهتمت الصحف التركية بالسفير الاسرائيلي "تسافي البلينغ" لدى انقرة ‘ لما له من شبكات واسعة من العلاقات الودية مع شخصيات في القيادة الامنية العسكرية التركية . وذلك في محاولة لمعرفة الموقف الاسرائلي الحقيقي لما يجري من صراع بين القيادتين  العسكرية والسياسية في تركيا ابان مرحلة حزب الرفاه بزعامة "نجم الدين ارباكان" الذي بدات تظهر بوادر عزله عن السلطة . وبسبب اهمية موقع ورأي هذا السفير فاننا نورد نص مقابلة صحفية معه .
في 10  كانون الاول / ديسمبر 1997 ‘ وجه الرئيس السوري "حافظ الاسد" انتقادا ضمنيا لتركيا بسسب تعاونها العسكري والسياسي مع اسرائيل ‘ وذلك اثناء الخطاب الذي القاه المؤتمر الاسلامي الذي عقد في طهران ‘ بحضور سليمان ديميرل رئيس الجمهورية التركية ‘ اذ قال : " .. تسعى اسرائيل لزعزعة الامن والاستقرار والتوسع في الاراضي وتشرد السكان في منطقة الشرق الاوسط.
ويخطئ كثيرا من يقع ضحية التضليل الاسرائيلي ‘ فيظن انه يحقق مكاسب من خلال التعاون الاقتصادي او العسكري او العلمي مع اسرائيل . لان اي تعاون تقيمه اسرائيل موظف لخدمة اهدافها في التوسع والهيمنة .
في بداية عام 1998 ‘ نشرت الصحيفة الاسرائلية "جودولان يبينان" ميزان التبادل التجاري بين اسرائيل وتركيا بين عامي 1990 و1997  (وذلك حسب النشرة الشهرية : ملفات استراتيجية  الصادرة عن دار الكنوز الادبية . بيروت ‘ العدد الثاني ‘ تشرين الثاني 1998 ) : 
السنة                                                    الصادرات بمليون دولار
1990                                                          5, 46
1991                                                          7, 78
1992                                                          1, 90
1993                                                          2, 80
1994                                                          1, 178
1995                                                          8, 239
1996                                                          6, 254
1997                                                          5, 391
 
اما قيمة الاستيراد التركي من اسرائيل  فقد بلغ مليون الدولارات غلى النحو التالي :
السنة                                                    حجم الصادرات 
1990                                                       5, 62
1991                                                       1, 78
1992                                                       1, 97
1993                                                       8, 121
1994                                                       9, 125
1995                                                       6, 166
1996                                                       1, 192
1997                                                       3, 229
في شباط /  فبراير 1998  زار رئيس الكنيست الاسرائيلي "داني تيخون" تركيا واستغرقت الزيارة عدة ايام ‘ بحث خلالها العلاقات السياسية والشعبية بين البلدين.
زار "اسماعيل جيم" وزير الخارجية التركي اسرائيل في 6 تموز / يوليو 1998 ‘ واستغرقت الزيارة 3 ايام ‘ اجتمع من خلالها مع رئيس الوزراء الاسرائيلي "نتنياهو" وزار نصب " ياد فاشيم " المقام " لضحايا المحارق النازية " .
في ايلول / سبتمبر 1998 ‘ قام "مسعود يلماز" رئيس الوزراء التركي بزيارة الى كل من الاردن واسرائيل ومناطق الحكم الذاتي الفلسطيني ‘ وذللك للبحث في تحويل نظام التعاون التركي – الاسرائيلي الراهن  الى نظام امن اقليمي ‘ وتاسسيس تعاون عسكري مع الاردن ايضا . وفي معرض زياراته صرح ان الحلف الثلاثي ( التركي . الاسرائيلي . الاردني ) قيد الاعلان ‘ وانه يجري التخطيط بين هذه الاطراف لمناورات بحرية ( انسانية ) جديدة في المتوسط .
في ظل التهديدات التي وجهتها تركيا لسوريا في السنوات اللاحقة اجتمع في لندن 21 تشرين الاول / اوكتوبر 1998 ‘ دبلوماسيون وخبراء كبار من كل من اسرائيل والاردن وتركيا للتباحث في علاقاتهم الجديدة  واوضحت رسائل مساندة من "نتينياهو" على الاحترام المتبادل للحاجات السياسية لكل دولة والفهم المتبادل للأولوية الممنوحة للأمن والحاجة الملحة لمحاربة الارهاب والحيلولة دون امتلاك انظمة الحكم المتعصبة لاسلحة غير تقليدية . اما الامير حسن فأكد على الحاجة " للنظر الى قضية الامن على نطاق اوسع يتضمن الاجراءات الامنية الهادئة واحترام كرامة الانسان والأبعاد الثقافية " في الشرق الاوسط . وتحدث "يلماظ" عن مبادرة بناءة للكشف عن مزيد من امكانات المنطقة واصر على ان " المؤتمر سيوضح ان هذه المبادرة ليست تحالفا عسكريا وانها غير موجهة ضد اي دولة " . ولكن لم يمنع السفير التركي او "سديم سانبيرك" من الهجوم على سوريا متهما دمشق بشن حرب غير معلنة على انقرة بتوفير المساعدة والمأوى لثوار حزب العمال الكردستاني الانفصالي
للحديث تتمة ...   ...
 
 
مراجع الدراسة
1 – العرب والفرات بين تركيا واسرائيل . عائدة العلي سري الدين . دار الافاق الجديدة – بيروت ‘ ط 1 ‘ 1997 .
2 – الطورانية التركية بين الاصولية والفاشية . جهاد صالح . دار الصداقة ‘ بيروت . ط1 
1987
3 – تركيا : بوابة استراتيجية  للامبريالية  العالمية . نديم البدكين . الحقيقة برس . ط1 1987 .
4 – الصراع السياسي في تركيا : الاحزاب السياسية والجيش . فلادمير دان لوف . ترجمة يوسف الجهماني . دار حوران . دمشق ‘ ط1 1998 .
5 – حزب الرفاه : الرهان على السلطة . الاسلام السياسي الجديد . يوسف الجهماني . دار حوران . دمشق . ط1 – 1997 .
6 – سارة : المراة التي هدمت الامبراطورية العثمانية . لطفي اكدوهان . ترجمة دار طلاس . دمشق . ط1 1995 .
7 – اليهود في البلدان الاسلامية ( 1850 – 1950 ) . تحرير : صموئيل اتينجر . ترجمة : د . جمال احمد الرفاعي . عالم المعرفة ‘ العدد 197 ‘ 1995 .
8 – مصطفى كمال " الذئب الاغبر " . ه . س . ارمسترونغ . سلسلة دار الهلال المصرية . القاهرة ‘ العدد 16 يوليو 1952 .
9 – الشرق الاوسط الجديد / شمعون بريز . ترجمة : محمد حلمي عبد الحليم . الاهلية للنشر والتوزيع . عمان . ط1 1994 .
10 – سجنجق الاسكندرون ( هاتاي ) . دراسة في العلاقات الفرنسية – التركية – السورية . افاريس . ك . سانجيان . طبع باشراف مركز دراسات والابحاث العسكرية . دمشق . 1980 .
11 – سوريا ولبنان فلسطين تحت الحكم التركي من الناحيتيين السياسية والتاريخية . بازيلي . ترجمة : د . يسر جابرود . منذر جابر . دار الحداثة . بيروت ط1 – 1988 .
12 – مجلة الفكر الاستيراتيجي العربي ‘ ارشيف 1991 – 1993 .
13 – مجلة الدراسات التاريخية . جامعة دمشق ‘ ارشيف 1985 – 1990 .
14 – مجلة معلومات دولية . دمشق ‘ 56 ‘ ربيع 1998 .
15 – مجلة معلومات ‘ بيروت – العدد 25 ‘ تموز 1996 .
16 – مجلة السياسية الدولية ‘ العدد 131 ‘ ملف السيا سة الدولية ( تركية صدام حضارات في بلد واحد ) ‘ كانون الثاني / يناير 1998 .
17 – مجلة شؤن تركية – مركز الدراسات الاستيراتيجية والبحوث والتوثيق – بيروت الاعداد ( 1- 15 ) من 1992 – 1994 .
18 – ارشيف مجلة الفكر العسكري ‘ دمشق 1990 – 1997 .
19 – ارشيف مجلة الارض ‘ دمشق : 1995 – 1997 .
20 – ارشيف مجلة الوسط ‘ لندن : 1995 – 1998 .
21 – ارشيف مجلة حوادث ‘ بيروت : 1996 – 1998 .
22 – ارشيف مجلة الشاهد ‘ بيروت : 1996 – 1998 .
23 – ارشيف صحيفة الحياة ‘ لندن : 1995 – 1998 .
24 – ارشيف صحيفة السفير ‘ بيروت : 1995 – 1998 .
25 – ارشيف صحيفة الثورة ‘ دمشق : 1996 – 1998 .
26 – ارشيف صحيفة تشرين ‘ دمشق: 1996 – 1998 .
27 – ارشيف صحيفة البعث ‘ دمشق : 1996 – 1998 .
28 – مجلة العربي . الكويت ‘ العدادان 473 و479 لعام 1998 .
29 – ارشيف صحيفة نداء الوطن : 1997 – 1998 .
30 – ارشيف صحيفة المحرر الاسبوعية  . نيورك : 1997 - 1998 .
31 – ارشيف صحيفة الكفاح العربي . بيروت : 1996 – 1998 .
32 – ارشيف صحيفة البيان . ابو ظبي : 1997 – 1998 .
33 – ارشيف صحيفة الاتحاد . ابو ظبي : 1996 – 1998 .
34 – ارشيف صحيفة القدس العربي . لندن : 1996 – 1998 .
35 – ارشيف صحيفة الاهرام . القاهرة : 1996 – 1998 .
36 – مجلة الثقافة العالمية . الكويت العدد 54 ‘ ايلول / سبتمبر 1992 .
 
 
 
 
 



10
ترجمة الشعر : تلك الخيانة الجميلة

د.هاشم عبود الموسوي
 
يقول الشاعر الفرنسي "بيار ليريس": ترجمة الشعر أمر مستحيل, مثلما الامتناع عن ترجمته أمر مستحيل).
وبما أني مارست ترجمة الشعر لفترة طويلة, خاصة من اللغة الالمانية الى العربية, فقد تولدت لدي القناعة بأن الشعر المترجم, اما أن يكون أحسن من الاصل أو أسوء منه, ويندر أن يكون بمستواه تمامآ.. وهنا أشير الى أنه من الخطأ المغالاة في الامانة .. الامانة التي أن صحت في الحقائق العلمية والمسائل الدينية, فلا تصح في الشعر, وقد أخفق كثير من المترجمين عندما أتخذوا مثل هذا المنحى.
وأصعب ما في ترجمة الشعر, أنه يحتاج الى قريحة منفتحة.. حيث توجد عقبات في ترجمته, وتتمثل في غرابة التراكيب اللغوية التي تمتاز بها قصائد بعض الشعراء, وبما ان الشعر يعتبر لغة في اللغة, فأنه يسعى الى أبتكار تعابير لغوية عصية على الفهم للقارئ المتخصص باللغة الاصلية, فكيف سيكون حال المترجم الذي عليه أن يجيد صياغتها في اللغة الاخرى, حيث يستحيل نقل كل القيم التعبيرية والشعرية التي تطفح بها القصائد.
ويشكل عدم معرفة قارئ الشعر المترجم (كمتلقي) بالتضمينات الثقافية للقصيدة,أو قلة معلوماته عنها, عقبة جدية في طريق التلقي الانسيابي والسلس لها. مما يعيق لديه عملية الاندماج بسبب الاختلاف في الخاصية الثقافية Culture Specific وكمثال على ذلك يقول الشار الجاهلي:
ومن يصنع المعروف في غير أهله – يلاقي الذي لاقى مجير أم عامر
(أم عامر عند عرب الجاهلية "كنية للضبع" ولنفرض أنه ترجم على الصيغة التالية:
That who do a favor to those, who deserves it not; he may returned back as that, that made a kind act to Um Aamir
فمن أين يستطيع ان يعرف القارئ الانكليزي ان تعبير Um Aamirهو كنية للضبع ... ولكن من الواجب على المترجم أن يستعمل الاسم الصريح للضبع Hyena ويضع هامشا يشرح فيه حكاية الاعرابي.
وهنا لابد أن أستحضر اسم شاعر كردي مهم برز في القرن العشرين وترك بصمة على الادب الكردي الحديث, الا وهو الشاعر الرومانسي الكبير "عبد الله كوران", الذي تغنى بالجمال والمرأة وحب الوطن, وتمكن من القيام بوصف الطبيعة الكردستانية الرائعة ضمن أساليب واطر فنية.. وقد سمعت من الادباء الكورد الذين تعرفت عليهم, بأن أكثر المثقفين وحبي الادب من الكورد يحفظون على ظهر قلب الكثير من قصائد كوران الرومانسية. وأن الغناء والموسيقى الكردية مدينة لقصائد وأشعار كوران الرومانسية.
رغم أني كنت قد قرأت في خمسينيات وستينات القرن الماضي قصائد لهذا الشاعر الفذ, وأكثرها كان يلتزم بخطة السياسيي الوطني والايديولوجي .. والذي كنا ونحن شبابا متحمسين له .. ولا أتذكر اسماء المترجمين لتلك القصائد.. لكني لم أكن أعلم بأن أكثر الاغاني العاطفية الكردية شهرة وعذوبة كلماتها مأخوذة من شعر الشاعر كوران.. الا بعد قدومي الى كردستان وأقامتي فيها لا كثر من سنتين .. فكانت لي فرصة لاعيد من جديد قراءة هذا الشاعر التي أثارت قصائده الغنائية مخيلة القارئ وعزفت على أوتار القلوب.
وما أريد أن أقوله هنا هو أن هذا المبدع الفذ لم يتسنى له أن يجد شاعرا عربيا يجيد اللغة الكردية, وقد قام بترجمة قصائده بشكل مبدع فكانت أكثر الترجمات التي وصلتنا آنذاك, لم تكن في صالح القصائد.. لان كوران الذي اعتملت نفسه بمضامين قصائده, والذي أبدع مفرداتها, وكتاباتها, وتشبيهاتها. وصورها البديعة, لا شك أنه شكل لوحات شعرية لم يستطيع غيره (وممكن لم يكونوا من الشعراء, ان يأتوا بمثلها) لانهم اساسا لم يكونوا شعراء, وأنما من المتحمسين لانتمائه الايديولوجي فقط .. وكان أكثرهم ينوء تحت عبء زخات النص الشعري الذي يمتلكه الشاعر, ويفتقده الاخرون.
لقد نجح القلائل في ترجمة التهويمات العاطفية المشحونة لهذا الشاعر.. مثل الاديب الدكتور رؤوف عثمان.. والذي يذكر تعليقه على ترجمته لقصيدة "كوران" "الخريف" (بأن محاولة أعادة أنتاج النص والنقد معا من قبل المتلقي وفق التسلسل الترتبي :(النص-ترجمته-نقده) تحمل بعضا من مسؤولية ترجمة الشعر التي لا تفي ابدا بالمقصود, ولا سيما في مجال الايقاع الداخلي, وتوظيف المفردة الشعرية في فضائها المخصصة لها.
ان لكل لغة سماتها النغمية والصوتية المميزة, ومنطقها النحوي والتركيبي. ناهيك عن أهمية مواضعة المفردة الشعرية في المعمار الفني للقصيدة.
وخلاصة هذي المقدمة البسيطة التي أطرحها في محاظرتنا هذه, هو أنني أرى بأن الشعراء أنفسهم, هم أفظل من يتصدى لهذه المهمة الشاقة, ويبرع في تحقيقها, خاصة أذا كانوا على صلة وثيقة باللغة الاصلية للنص, كما باللغة التي ينقلون النص اليها, ذلك, أنهم أفضل من يدرك سر العملية الشعرية وكيميائها الداخلية المعقدة, بعيدا عن النقل الحرفي والترجمة الجامدة, والخالية من الروح, وهو أمر تؤكده شواهد كثيرة في العقود المنصرمة, كما هو الحال في ترجمات تولاها شعراء معروفون من مثل أدونيس, وسعدي يوسف, وميشال سليمان, وكاظم جهاد, وعبد الصبور, وأنيس الحاج, وفؤاد رفقه, والمهدي, ورفعت سلام , ومحمد بنيس وأدريس الملياني .. وغيرهم
وقد أبدع أديب آخر في ترجمة الشعر وهو ليس من الشعراء .. وقبل أن يقوم بترجمة أربعة مجاميع من الشعر العراقي الى الانكليزية, كان قد أنجز ترجمة 25 كتابآ أدبيا .. ذاك هو المترجم الفذ الدكتور عبد الواحد محمد مسلط .. فقد وقعت بين يدي ديوانين مترجمين من قبله. أحدهما بعنوان "العشبة" وهو يحتوي على مجموعة مختارة من شعر "عيسى حسين الياسري" والثاني بعنوان "أفرديت" للشاعر محمد حسين آل ياسين. والذي كلما كنت أستمع اليه وهو يلقي قصائده باسلوبه المميز, أحس بان نفحات أدب العصر العباسي لا تزال تعيش بيننا وتعطر أيامنا. وقد أستطاع هذا المترجم المتمرس بأن يحقن نصوص تلك القصائد بالكثير من نفحاته الاسلوبية والوجدانية وبقاموسه اللغوي الخاص, بحيث اصبحت النصوص (ولو دون قصد, خليطا هجينا بين نصين أحدهما بقلم الشاعر والاخر بقلم المترجم عبر الاحتفاظ النسبي بروح الشعر ومجاله الحيوي والرؤيوي.
وفي زمان الانفتاح الكبير, والنشر الالكتروني الواسع, وتقدم الاتصالات, وتقنيات المعلومات الذي تعيشه البشرية اليوم, وحيث ينشغل العالم بحوار خلاق متوهج .. أنفتحت الشعرية العربية الحديثة عن طريق الترجمة على كثير من الشعريات الفرنسية والانكليزية والالمانية والاسبانية والروسية والايطالية وغيرها .. وقد برزت أقلام وقرائح متميزة في مجال الترجمة الشعرية, أذكر منها الشاعرة والاديبة العراقية المتميزة "أ.د. أنعام الهاشمي" والمقيمة حاليا بالولايات المتحدة الامريكية. والاديبة اللبنانية "جوزيه حلو" والتي تعيش حاليا في فرنسا. والتي ترجمت, وترجم لها شعرا من الفرنسية الى العربية .. والاديب العراقي الناشط في الترجمة من الالمانية الى العربية الدكتور بهجت عباس والمقيم حاليا في ألمانيا، والدكتور عادل صالح الزبيدي والدكتور حيدر الكعبي اللذان يترجمان الشعر من الانكليزية الى العربية, وصديقي الاديب الكردي المقيم في النمسا "بدل رفو" والذي يترجم الى العربية من اللغتين الكردية والالمانية .. وبنيامين يوحنا دانيال والذي ينشر ترجماته الموفقة من اللغتين الكردية والانكليزية الى العربية ،ورياض عبد الواحد، وغسان أحمد نامق، وسالم الياس مدالو و أ.د. ضياء نافع الذي يترجم عن الروسية
وكثير غيرهم ممن مدوا الجسور الى الثقافات العالمية, يرتشفون منها أداب وثقافات شعوب الارض وأنا أجزم بان كل هذه الجهود سيكون لها دورا حاسما ومهما في سيرورة تحديث شعرنا العربي.
وأعود فأقول بأن ترجمة الشعر بالدقة الكاملة, ستبقى أمرا خارج من مقدورنا تماما. لاستحالة نقل كل القيم التعبيرية والشعرية التي تطفح بها القصائد, ومن هنا لا مفر من الخيانة في أي من درجاتها .. ولكنها تبقى خيانة جميلة لا يمكن لنا أن نستغني عنها. وكما يقول الاديب والمفكر "كاري أدموند" : (بأن كل قصيدة شعرية, تعرض أمامنا تطابقا غريبا بين أيقاعها ومضمونها الفكري, لذلك يصعب أعادة أنتاج هذا التطابق بنجاح حتى في حالة اللغات المتقاربة كالانكليزية والالمانية مثلآ. ولكن بالرغم مما نقوله وندعيه عن أستحالة ترجمة الشعر فأن تراكمآ هائلآ نجده أمام أعيننا ويتعزز كل يوم بأستمرار في نقل آلاف الدواوين والقصائد, فائقة الصعوبة الى مختلف اللغات, برغم التعقيد الشديد الذي يواجهنا في أيجاد صيغه تتغلب على مشكلة اللغة الشعرية ومظهرها والتي هي تعتبر من أكبر المشكلات الشائكة.
ربما أستطيع أيضا ان اسجل ملاحظة لفتت أنتباهي الا وهي ارتباط اسماء بعض من الشعراء العرب (الشرقيين) بشعراء أجانب, وكأنهم صاروا متشبعين بروحية أشعارهم .... حيث نلمس تحاور ومحاكاة بين السياب وستويل, وعبد الصبور واليوت, وأدونيس وبيرس, وسعدي وريتسوس, ويوسف الخال وباوند, وأنس الحاج وآرتو, وفؤاد رفقه وهولدرلين, والمهدي أخريف وبيسوا, ورفعت سلام وكفافيس, ومحمد بنيس ونوبل.
وأخيرا أقول برغم كل هذا الابداع الترجمي الذي حفلت به العقود الفائته, فأننا ربما أخذنا أكثر مما أعطينا, وتأثرنا اكثر مما أثرنا .. حيث لدينا نماذج محدودة من الشعر العربي القديم, بما فيه الاندلسي, من أحدثت أثرها في الشعر الاخر



11
أدب / أحلام أوراق الخريف
« في: 22:49 11/03/2013  »



أحلام أوراق الخريف

 
د.هاشم عبود الموسوي
 
 
" التجربة " هي الأسم الذي نطلقه على أخطائنا .
( أوسكار وايلد )
 
أهي الأرض التي نبكي عليها ؟
أوحلتها ، صاخباتٌ من دموعْ
برّأتني من حنيني
صار لا جدوى
بأن أبحث عن جدوى
كراع ٍ ...
مذ أضاع الكلأ المحروث ..
في برّية المرعى اليبوسْ
لم يجد صفصافةً تحنو عليه
طرقاتٌ ... طرقاتْ
لم تعد تعذرُ...
ما ضاع من العمر الطويل
و أنا ما عدت أأبهُ ..
أين ظلي سيموت
بأكف ٍ قُطِعتْ من نصلها
كيف لي أحمل نطفاتي
(بقايا من بذور)
هي ذي عيناي حافيةً...
بأرض ٍ واعره ْ
ملّت الأحلام ساقطة ً ...
كأوراق الخريف
أيحق ُ لي الآن  ...
بأن أضحكَ أم أبكي ...
على أوهام  أحلامٍ  ذوتْ
من ذلك الزمن البرئ ؟ .


12
أدب / دُعاء ْ
« في: 10:50 29/01/2012  »
دُعاء ْ
 
شعر: هاشم عبود الموسوي
 
ما عِدتُ أسألُ..
أين تختبأ النجوم ..
عندما يبزغ ضوءٌ في النهارْ ؟
ربما أكفرمن جَهلي ..
و يوجعني السؤالْ
أكان للأرض إبتكارٌ..
غير ذاكرة النخيلْ ؟
وغريزة ٌ في الكونِِ ِ..
أن ّ أبي و أمي ..
أوصيا ..
قبل المماتْ
" إياك أن تشرب خمراً ..
ليس من عنبٍ أصيلْ"
مُذ ذاك والشفراتُ ..
سرٌ في الوجودْ
وبحثت عن تلك التي ..
كانت بجينات النخيلْ
بعد يُتمي ِ وضياعي ..
أرضعتني خمرها
وهدتني للقطوف الدانيهْ
مثلما يجترُ عشب ٌ ..
لحفيف ٍ في السواقي
فطمتني من أحابيل النساءْ
فتذاوينا * بهذي الأرض ..
من أزلٍ الى أبدٍ سحيقْ
كان لي بذرة ُ شوق ٍ .. ٍ
كان منها شجرهْ
وفراديس حنانْ
إيه يا ظل كروم ٍ ونخيلْ
صار كل الكون بيتي
صرت أجتاح التخومْ
والنجوم السابحاتْ
فوق أحلام الغيومْ
فعرفت من أنا
والى أين يؤدي شوطنا
ليزور القمر المفتون فينا ..
بيتنا
لا تغاري ياحبيبهْ
من طيور ٍ..
نزلت تلقط حبا من زهوري
لم تجد ْ ..
غير هشيم ٍ من خريف ْ
أنت يا مؤنسة العمر ِ
ربيعي ْ
 
كوني سوري
وحبوري
ولجامات غروري
والى ما شاء ربي
صرت كل الكل عندي .
ودعائي أن أكنْ ..
في يوم  حشري
لست وحدي.
 
 التذاوت : من الذات ، حيث يحصل تفاعل متبادل بين ذاتين لفردين*
 
 

13
د. هاشم عبود الموسوي


في سبيل وضع خطة مدروسة للتسويق السياحي
في العراق بمساعدة أنظمة المعلومات

في الوقت الذي نحاول أن  ننفتح فيه على العالم، داعين إلى الاستثمار الإيجابي بأوسع صوره، وحيث يتوقع له أن يشهد بلدنا وفود أعداد هائلة من المستثمرين والسواح إليه، نجد أن التسويق السياحي لا زال متعثراً، وغير فاعل باستعمال نظم المعلومات في إدارة السياحة والترويج لها. ولا زال يواجه معوقات في تطبيق معطيات الثورة الرقمية التي عمّت العالم خيراً.
 
لا يمكن لنا، في بلداننا السائرة في طريق النمو، أن نتغاضى عن الدور الذي لعبته الثورة الرقمية – المتمثلة في المعلومات والاتصالات – في تغيير الكثير من المفاهيم الإدارية والتنموية والتسويقية، حيث أدخلت هذه التقنية في معظم أجهزة الإدارات الحكومية والمؤسسات العامة والخاصة، وعلى الأخص في تلك الأجهزة التي تقدم الخدمات العامة لكافة الناس، وقطاع السياحة هو أحد القطاعات الذي حظي بعناية كبيرة من قبل القطاعين العام والخاص في معظم البلدان الأجنبية، وأصبحت أجهزته لها اتصال مباشر من خلال شبكات الحاسوب وبقيت بلداننا العربية بدرجات متفاوتة تدخل إلى هذا المجال لكي تستفيد بشكلٍ أوسع من دور المعلومات في الترويج السياحي ومساعدة اقتصادها للنمو بخطى متسارعة.
 
لقد أصبح واضحاً في عالمنا اليوم بأنه من غير الممكن التفكير بأي تنمية عمرانية أو اقتصادية أو اجتماعية أو ثقافية دون الاهتمام بشكلٍ مركز في القضايا المهتمة بأنظمة المعلومات ومواردها.
 
وفي مستهل هذه المقالة أود أن أشير الى تعريفات بعض المصطلحات المستخدمة فيها:
 
1. نظم المعلومات: تستخدم نُظم المعلومات جميع أنواع التكنولوجيا لتشغيل ومعالجة وتخزين ونقل المعلومات في شكل إلكتروني وهو ما يُعرف بتكنولوجيا المعلومات التي تشمل الحاسبات الآلية، ووسائل الاتصال وشبكات الربط. ويقوم نظام المعلومات بتشغيل البيانات وتقديمها للمستخدمين.
 
2. التسويق: هو عملية إدارية واجتماعية عن طريقها يتمكن الأفراد والجماعات من الحصول على ما يُشبع حاجاتهم ورغباتهم من خلال إنتاج وتبادل المنتجات والقيم مع الآخرين.
 
3. المسؤولية الاجتماعية للتسويق: تعني تحديد الحاجات والرغبات والاهتمامات الخاصة بالأسواق المستهدفة وتسليم المستوى المرغوب من إشباع بطريقة أكثر فعالية وكفاءة من المنافسين بحيث يؤدي ذلك إلى المحافظة على أو تقوية كل ما من شأنه رفاهية المجتمع.
 
4. الترويج: هو عبارة عن عملية اتصال مبرمجة وهادفة ترمي إلى إظهار المؤسسة أو أحد منتجاتها بصورة مقنعة لدى مختلف الأطراف التي يجري التعامل معها. عبر مختلف مراحل العملية التسويقية.
 
5. الترويج التقليدي للسياحة: وهي المطبوعات الفاخرة (كتيبات، وملصقات، والمشاركة في المعارض الدولية والإعلانات في وسائل الإعلام [الجرائد، المجلات، المحطات التلفزيونية).
 
6. الترويج الإلكتروني للسياحة: هو الذي يجمع مزايا كافة الوسائل التقليدية، والموقع الإلكتروني عبارة عن مطبوعة فاخرة، وهو في الوقت نفسه جناح إلكتروني مفتوح على العالم طوال العام، علاوة على أنه إعلان مجاني متاح على مدار الساعة، ما يؤمن وفورات يحصدها البديل الإلكتروني من كافة هذه الوسائل التقليدية
 
أهدف في هذه المقالة المتواضعة إلى التنبيه لضرورة دراسة التأثير الفاعل لنظم المعلومات على إدارة السياحة والترويج لها، بالإضافة إلى دراسة المعوقات التي تواجه وضعنا الراهن في تطبيق معطيات الثورة الرقمية.
 
وبذلك لابد من تثبيت أهمية نُظم المعلومات بشكلٍ عام كمدخل لتحقيق تطوير إداري وتنموي في قطاع السياحة. ومظاهر تطبيق نظم المعلومات في الأجهزة الإدارية لقطاع السياحة في المدن العراقية ، كما يجب علينا تشخيص المشكلات التي تواجه هذه الأجهزة في سبيل تطبيقها للمعلوماتية والمعوقات التي تعرقل نهضتنا الاقتصادية من خلال عدم تمكننا من الاستخدام الأمثل لتقنيات المعلوماتية في أجهزتنا الإدارية،
 
وفضلت أن أعرض بعض الفرضيات أمام المسؤولين آملا دراستها وتشخيص صحتها أو خطأها من أجل البدء بوضع المعالجات:
 
الفرضية الأولى: لا ترغب الدولة بتوسيع رقعة السياحة لأسباب اجتماعية أو دينية.. وبذلك تؤثر سلباً على مجال التسويق السياحي.
 
الفرضية الثانية: توجد الرغبة الحقيقية لدى الدولة لتوسيع مجال السياحة، إلا أن هنالك معوقات تحول دون تطور الإدارة الإلكترونية التي تساعد على مجال التسويق.
 
الفرضية الثالثة: مع التوسع في نظم المعلومات والاتصالات وسرعة التغيرات التكنولوجية سوف تتحسن بالتأكيد خدمات التسويق السياحي.
 
الفرضية الرابعة: لا تمتلك الجهات المختصة منظومة بيانات ومعلومات متطورة للأماكن التراثية والسياحية لعدم وجود المسوحات الميدانية والمصادر المعلوماتية والتي تساهم بها نظم المعلومات الجغرافية والتي يمكن عن طريقها تحديد المواقع المثلى للأنشطة السياحية والترفيهية.
 
:
و أرى على كل حال  أنه لابد للهيئات المتخصصة أن تبدأ أولا بوضع دراسة تجريبية لممناطق محددة كأن تكون مثلا
 
الحدود المكانية للدراسة حاليا في المناطق الدينية والتراثية و بعض المناطق السياحية (وبالأخص القائمة حاليا من اجل تأهيلها واعادة تسويقها بالشكل الأمثل).
 
ولتكن الحدود الزمنية للدراسة تتمثل في الفترة (2012 – 2015) ، وبعدها يتم وضع خطط خمسية تتوافق مع المعطيات الحالية لثورة المعلومات.
 
.
 
وهنا أريد أن أستعرض سلبيات بعض الدراسات  والتوجهات التي  اطلعت عليها واتبعتها بعض الدول العربية ، ولم تستطع تأدية الأهداف المرجوة منها :
 
1. بعض الدراسات التي أجريت والتوجهات التي انطلقت كانت قد ركّزت على الجانب الاقتصادي في العملية السياحية، ولم تتطرق بشكلٍ مركز إلى جانبها الثقافي والاجتماعي.
 
2. وقسمٌ من الدراسات كانت تؤكد على ناحية التنمية في المواقع التراثية من خلال جلب السواح إليها. وكان هذا يعني (التنمية فوق حماية المصادر الطبيعية).
 
3. وركّزت بعض الدراسات على الجماعة وجعلها أكثر أهمية من المفرد. بينما يجب أن تكون النظرة الجديدة تراعي أن الفرد أكثر أهمية من الجماعة.
 
المراجــــع:
 
. الموسوي، هاشم عبود وسنان، أبو القاسم علي والجبر، حيدر صلاح يعقوب، الإيجابيات البيئية للمدن الإلكترونية، بحث مقدم للندوة العلمية حول الإدارة الإلكترونية إيجابياتها وسلبياتها، طرابلس، الجماهيرية العظمى (8 – 9/11/2006).
 
. الموسوي، هاشم عبود وسنان، أبو القاسم علي والحـوات، مصطفى عثمان، نظم المعلومات وأثرها على تطوير السياحة والترويح لها في ظل الثورة الرقمية، بحث مقدم لندوة علمية حول الاتجاهات الحديثة في إدارة المصادر التراثية، مراكش، المملكة المغربية، (3 – 7/8/2008).
 
. الموسوي، هاشم عبود وعمر، سلامة عمر، معوقات تطور الإدارة الإلكترونية، بحث مقدم للندوة العلمية حول الإدارة الإلكترونية إيجابياتها وسلبياتها، طرابلس، الجماهيرية العظمى (8 – 9/11/2006).
 
. أبو بكر، فاتن أحمد، نظم الإدارة المفتوحة – ثورة الأعمال القادمة للقرن الحادي والعشرين، إيتراك للنشر والتوزيع، القاهرة، 2001.
 
. الحديثي، عباس غالي، (أسس نظرية في التخطيط للخدمات الترفيهية) في كتاب الجيل الثالث ومستقبل المدن في ليبيا (تحرير) سعد خليل القزيري، مكتب العمارة للاستشارات الهندسية، بنغازي، ليبيا، 2006.
 
. الزوكة، محمد خميس، صناعة السياحة من المنظور الجغرافي، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية، 2005.
 
. الطائي، حميد، أصول صناعة السياحة، مؤسسة الوراق للنشر والتوزيع، عمان، الأردن، 2001.
 
. الطيب، سعيد صفي الدين، دراسات في جغرافية ليبيا السياحية، دار الكتب الوطنية، بنغازي، ليبيا، 2005.
 
. العبد، جلال إبراهيم والكردي، منال محمد، مقدمة في نظم المعلومات الإدارية: النظرية – الأدوات – التطبيقات، مطابع الدار الجامعية، الإسكندرية، 2000.
 
. القزيري، سعد خليل، التخطيط للتنمية السياحية في ليبيا، دار النهضة العربية، 2006.
 
. برهان، محمد نور، إدارة أنظمة المعلومات الحكومية – عناصر الاستراتيجيات والسياسات، "مترجم"، تقرير صادر عن دائرة التعاون الفني للتنمية بالأمم المتحدة، المنظمة العربية للتنمية الإدارية، عمان، 1991.
 
. برهان، محمد نور، استخدامات الحاسبات الإلكترونية في الإدارة العامة في الدول العربية – نظرة تحليلية ومستقبلية، المنظمة العربية للعلوم الإدارية، عمان، 1985.
 
. توفيق، ماهر عبد العزيز، صناعة السياحة، دار زهران للنشر والتوزيع، عمان، الأردن، 1996.
 
. درويش، إبراهيم، التنمية الإدارية، دار النهضة العربية، الطبعة الرابعة، القاهرة، 1982.
 
. عزيز، محمد الخزامي، نظم المعلومات الجغرافية – أساسيات وتطبيقات للجغرافيين، منشأة المعارف، الإسكندرية، 2004.
 
. عفيفي، أحمد كمال الدين ويوسف، وائل محمد، المدينة العربية في ظل الحكومة الإلكترونية، ندوة الحكومة الإلكترونية – الواقع والتحديات، مسقط، سلطنة عمان، مايو 2003.

14
سلسلة مقالات: هل يقرأون ما نكتب؟ وهل يفهمون ماذا نُريد
د.هاشم عبود الموسوي
المقال الرابع: الأقاليم واقتصادياتها، وتأثرها بالتخطيط الحضري والإقليمي

عندما يكون هنالك قبول مبدئي بوجود أقاليم تتمتع بإدارات ذاتية ضمن العراق الفدرالي الموحد، فلابد لنا أن نناقش بشيءٍ من التمعّن اقتصاديات هذه الأقاليم، وعلاقتها بالتخطيط الحضري والإقليمي وبالعلوم الأخرى، كعلم الاقتصاد، والنظرية الاقتصادية، وعلاقتها بالجغرافية، واستناداً إلى عنوان هذا المقال فإنني سأحاول أن أخوض في موضوع التخطيط الحضري والإقليمي وعلاقته باقتصاديات الأقاليم، وما هي التوجهات السليمة التي يجب أن تؤخذ بنظر الاعتبار، والتي قد تغيب عن بال بعض أصحاب القرار في العراق حالياً... خاصةً بعد الجدل الطويل الذي أُثير عن الميزانية المقسّمة إلى نسب 17 %،
و 83 % ... وحيث انطلقت التساؤلات عمّا تم تنفيذه في المناطق التي كان يجب أن تتمتع بنسبة 83 % .. خاصةً وأننا نسمع عن واردات حصل عليها العراق في السنتين الأخيرتين، بلغت 200 مليار دولار! .. وليكن .. ولكننا دعنا نبدأ بشكلٍ عقلاني من جديد..
لاشك وأن عملية ترشيد الهيكل الاقتصادي للأقاليم، ترتبط بنمو علاقات الإنتاج الرأسية والأفقية، حيث أن علاقات الإنتاج الرأسية تتم على مستوى فروع النشاط المختلفة، وتعمل على تحديد التوزيع النسبي للمواد الخام (ومنها النفط)، والطاقة، وعمليات التصنيع والإنتاج ذاتها والعلاقات الفنية والتكنولوجية على فروع الإنتاج المختلفة. أما علاقات الإنتاج الأفقية، فهي تعطي الصورة الواضحة لملامح النشاط الاقتصادي إقليمياً من حيث تقسيم العمل، والتخصص الإقليمي والعلاقات التبادلية بين الأقاليم على مستوى الدولة ككل. وهي تعكس في الواقع العلاقات الاقتصادية والاجتماعية على مستوى الأقاليم ومستوياته الأخرى مثل المحافظات أو البلديات والفرع البلدي والحي والقرية وما شابه ذلك، أو أنه تقسيمات أفقية أخرى يمكن أن تؤدي القطاعات الاقتصادية عليها دورها.
ويُساهم فهم اقتصاديات الأقاليم في رفع الاقتصاد الوطني، من خلال ترشيد استخدام الموارد الوطنية (موارد الدولة ككل). فكلما كان التنظيم الجذري مُرشّد، كلما مكّن ذلك من تحقيق أهداف التنمية على المستوى الوطني، بصورة أكثر كفاءة وفعالية. وهذا سيؤدي إلى ترشيد الهيكل الحيزي للأقاليم، الذي يعمل بدوره على اتساق اتجاهات التنمية مع أهدافها لكل وحدة إقليمية وللمجتمع ككل. من خلال التنسيق بين القطاعات الإنتاجية والخدمية بين مختلف الأقاليم (وليس على أساس التخطيط المنعزل والمتفرد للأقاليم). وذلك للعمل على تضييق الفجوة في مستويات التنمية الاقتصادية والاجتماعية بين الأقاليم، إضافةً إلى المحافظة على البيئة التي تمثّل إحدى الأهداف الرئيسية للاهتمام باقتصاديات الأقاليم.
إن التنسيق المطلوب يؤدي إلى تحقيق توازن في النمو الاقتصادي والاجتماعي ضمن الحيز الجغرافي، مع الأخذ في الاعتبار التوزيع الإقليمي للنشاطات الإنتاجية والخدمية الذي عن طريقه يمكن تحقيق الظروف المُثلى لنمو الاقتصاد الوطني.
إن فكرة التخطيط الإقليمي أو تخطيط الأقاليم جاءت كاستجابة مباشرة لمبررات موضوعية استدعت الاهتمام بهذا النوع من التخطيط، وكوسيلة لحل العديد من المشاكل التي رافقت الصناعة في مختلف مناطق العالم، وخاصةً بعد قيام الثورة الصناعية. حيث يُلاحظ أن من بين أبرز نتائج هذه الثورة اتساع الفجوة بين المناطق الحضرية والمناطق الريفية. فارتفاع معدلات التصنيع ساهم في خلق المدن الجديدة وتضخم حجم المدن القائمة. إضافةً إلى أن التقدم الصناعي واستخدام التكنولوجيا الحديثة أثّر في رفع الاجور ومستويات الدخول للعاملين في هذا النشاط قياساً بغيره من الأنشطة وخاصةً الأولية منها كالزراعة والرعي وغيرها. كل ذلك أدّى إلى خلق حالة من الازدواجية في الاقتصاد Duel Economy حيث يتواجد نشاط متقدم يتركّز في مناطق حضرية محددة ونشاط يتسم بالتخلف وانخفاض مستوى العائدات للعاملين فيه وهو ينتشر في المناطق الريفية.
فضلاً عن أن التركيز على آلية السوق أدّى إلى خلق ظروف معينة ساهمت في التأثير سلباً على عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وخاصةً ارتفاع معدل الكلفة للمشاريع التي تُقام في بعض المناطق وخاصةً تلك التي يصل مستوى تركز الأنشطة الاقتصادية فيها إلى درجات عالية. وبالمقابل وجود مناطق تتصف بالتبعثر السكاني الشديد مما ينتج عنه كذلك ارتفاع في معدلات تكاليف تطوير هذه المناطق. علاوةً على أن البيئة الجغرافية غير المتوازية والتي تنشأ بسبب حالات الاعتماد الكلي على آلية السوق تؤدي إلى خلق ظروف أخرى مثل زيادة معدلات التلوث والاختناقات في شبكات البناء التحتي والخدمات والتي من شأنها خلق ظروف غير مناسبة لجهود التنمية في مثل هذه المناطق.
لذلك ظهر الاهتمام بهذا النوع من التخطيط في معظم الدول باختلاف أنظمتها السياسية والاقتصادية سواءٌ كانت رأسمالية أو اشتراكية بغض النظر عن المرحلة الإنمائية التي تمر بها سواءٌ كانت متقدمة أو نامية، وفي كثيرٍ من دول العالم وخاصةً في دول اقتصاديات السوق Free Market Economy يكون التخطيط الإقليمي أكثر وضوحاً وإلزاماً من أنواع التخطيط الأخرى كالتخطيط الاقتصادي والاجتماعي على المستوى الوطني، حيث يتخذ أشكالاً عديدة كالتخطيط التأشيري أو التوجيهي الذي يتميّز بضعف الإلزام فيه. في حين أن التخطيط الإقليمي يتضمن سياسات ملزمة التنفيذ وخاصةً مجال استعمالات الأرض Land uses. إن ضرورة التخطيط الإقليمي يمكن أن تفهم من خلال حقيقة كون تجارب معظم الدول في مجال التنمية أظهرت بأن الركون إلى آلية السوق يؤدي إلى خلق اختلالات وحالة من اللاتوازن Imbalance في البنية الجغرافية تعمل على زيادة تركيز معدلات التنمية في مناطق محدودة، في حين أن المناطق الأخرى تكون في مستويات تنمية أقل من المناطق السابقة. وبمرور الزمن تزداد الفجوة في مستويات التنمية بين المناطق المتقدمة والأقل نمواً ضمن الدولة الواحدة. وهذا مما دفع واضعي سياسات التنمية Dicission makers إلى ضرورة الأخذ بمبدأ التخطيط الإقليمي لمعالجة مثل هذه المشاكل. حيث يركّز التخطيط الإقليمي على تنمية الأقاليم الريفية والمتخلفة على اعتبار أن حل مشاكل هذه المناطق يساهم في حل مشاكل المناطق الحضرية الناجمة عن ارتفاع معدلات الهجرة وعدم استيعاب المدن لها. بالإضافة إلى أن تنمية الأقاليم المتخلفة تعني إمكانية استغلال الموارد المحلية سواءٌ كانت بشرية أو مادية وخلق أنشطة اقتصادية جديدة. وعلى هذا الأساس ازداد الاهتمام بالتخطيط الإقليمي وخاصةً منذ النصف الثاني من القرن العشرين، حيث أنشئت المؤسسات العلمية الأكاديمية المتخصصة في حقل التخطيط الإقليمي والتي ساهمت في تطوير وإغناء هذا الأسلوب من التخطيط. كما تمّ إنشاء المؤسسات التخطيطية التي تضطلع بمهمة التخطيط الإقليمي ضمن أجهزة التخطيط المركزية وأجهزة الدولة الأخرى.
يُلاحظ على التخطيط الاقتصادي والاجتماعي على المستوى الوطني أنه يهتم بوضع السياسات والتنظيمات الخاصة بتسيير النشاط الاقتصادي لتحقيق أهداف اقتصادية واجتماعية مرسومة للمجتمع مستقبلاً للوصول به إلى حالة مثلى. لكن التخطيط الاقتصادي وكما هو واضح لا يأخذ في اعتباره عنصر المكان، بل يتم فيه التركيز على النشاط الاقتصادي ضمن عنصر الزمن، وحيث أن عملية التنمية تتم في زمنٍ معين وعلى مكانٍ معين ومحدد، فإن تجاهل التخطيط الاقتصادي لعنصر المكان يؤدي بلا شك إلى قصورٍ في تحقيق أهداف المجتمع. فالتخطيط الاقتصادي كان ولا يزال يعطي اهتماماً هامشياً للبعد المكاني عند إعداد الخطط أو تنفيذها. وبالرغم من أن خطط التنمية الاقتصادية التي تعدها أجهزة التخطيط المركزية تتضمن بالضرورة مشاريع تقع ضمن الأقاليم أو البلديات والتي تساهم في تطوير اقتصادياتها وبالتالي تنمية اقتصاد الدولة، إلا أن التركيز ينصب في هذه الحالة عموماً نحو تحقيق الكفاءة الاقتصادية وتطوير القطاعات الاقتصادية أكثر من التأكيد نحو تطوير اقتصاديات الأقاليم. وبتعبيرٍ آخر يركّز المخطط القطاعي على تنظيم نواتج القطاعات والناتج المحلي والإجمالي، بينما يهتم التخطيط الإقليمي بزيادة كفاءة اقتصاديات الأقاليم والعمل على تقليل التباين في مستويات التنمية بين الأقاليم.
وبالرغم مما ذكرناه فإن هذا الموضوع يحتاج إلى تعمقٍ أكثر واستفاضة في البحث.. وأن معالجة الأهداف الإنمائية المكانية (ذات الطابع الجغرافي) وتحويلها إلى مؤشرات كمية أو برامج قابلة للتنفيذ تتطلب جهوداً كبيرة، ولفترة طويلة نسبياً، على أن تستند على أسس علمية سليمة تأخذ بالاعتبار المعايير الذاتية للمجتمع، وعدم الاعتماد على آلية السوق لوحدها.

15
المقال الثالث: هل من سبيل لتطوير مدينة تقانية في دولة العراق الأتحادية ؟
من أجل تعزيز متطلبات التنمية
    د. هاشم عبود الموسوي         
hashim_mo2002@yahoo.com

    تصنف الدول في العالم اليوم بالدول المتقدمة أو النامية (أو التي في طريق النمو) على أساس التطور العالمي والتكنولوجي الذي تستند إليه في إدارة وتنمية القطاعات المختلفة كالصناعة والزراعة والصحة والذي بدوره يعكس مستوى النمو الاقتصادي والاجتماعي لتلك الدول.
    ولمواكبة متطلبات العصر في ظل العولمة والتحديات الجديدة والتنمية المستدامة فإنه يتحتم على الدول النامية بوجه خاص تهيئة الظروف المناسبة والإمكانيات اللازمة لدفع عجلة التطور العلمي والتكنولوجي وإدخال ذلك في برامج التنمية الشاملة القريبة والبعيدة المدى، كأحد العوامل الرئيسية للانطلاق نحو الابتكار والإبداع التقني.
    ومن هذه المعطيات فإن إنشاء المدن التقانية وتطويرها على اختلاف أنواعها أصبح يمثل أهمية قصوى باعتبارها وسيلة فعالة في بناء وتحسين الصناعة وتعزيز متطلبات التنمية الأقتصادية وتطوير المستوى المعيشي لأفراد المجتمع، ومن أجل ذلك فإن تأسيس المدن التقانية ودعمها في الدول النامية والعناية بها وتوفير كافة الموارد الضرورية للتمويل وتأهيل الكوادر العلمية والفنية ذات الكفاءات العالية لإدارتها والإشراف على أنشطتها، يُعد مطلباً ضرورياً لتحقيق الأهداف المرجوة منها والتي على رأسها نقل وتوطين التقنية المتقدمة وخلق فرص عمل جديدة للمواطنين، كما أن جهداً من هذا النوع سيؤثر على زيادة التعاون في النشاط التجاري على المستوى القطري والإقليمي والدولي.
   
ولكي تنجح المدن التقانية في أداء الدور المناط بها على أكمل وجه فإنه لابد من أن ترتكز بنيتها التحتية على أسس وقواعد ثابتة تمكنها من الاستمرارية والنمو والتألق لمواجهة أي تحديات سواء كانت اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية.

التعريف بالمدن التقانية وأهميتها:-
    المدن التقانية (Technology Parks) هي عبارة عن منشآت تتوفر فيها الوسائل اللازمة، من كفاءات بشرية متخصصة وإمكانيات معملية خدمة لأغراضها وأهدافها التي من شأنها نقل المعرفة التقنية إلى الجامعات ومراكز الأبحاث وقطاعات الصناعة، لأحداث نهضة علمية وتقنية والاستفادة منها في إقامة وتطوير صناعات تقنية ذات عائد اقتصادي من شأنه المساهمة في تنمية المجتمع.
   
وهذه المدن لها دورها في تحسين الصناعات المحلية وتوطين الصناعات المتقدمة في العراق ، كما لها دورها أيضاً في النمو والتقدم الاقتصادي والاجتماعي على مستوى الإقليم ، ثم على مستوى الدولة الاتحادية.
 
    إن الفوائد التي نجنيها من إقامة المدن التقانية لا حصر لها ويمكن تلخيصها كالآتي:-
إرساء قاعدة فنية وتقنية تغذي المراكز البحثية والمؤسسات الصناعية على مُستوى الدولة الاتحادية.
تكوين شريحة جيدة من الأطر الوطنية المؤهلة فنياً والتي يحتاجها التطور الصناعي والاقتصادي بشكل كبير.
خلق جو علمي وتقني يساعد على الاعتماد على النفس ومنافسة الأخرين مما يسمح بالتعاون وتبادل الخبرات والمصالح على مستوى الند للند.
انتعاش المجتمع وتحسين معيشة الأفراد، والتغلب على البطالة من خلال إقامة المصانع والورش وغيرها من المؤسسات التي تحتاجها الدولة.
مواكبة التطور والتطلع إلى الأفضل في ظل توفير الاحتياجات المحلية وانطلاقاً منها إلى السوق الخارجي.
    وهكذا يمكن القول أن المدن التقانية بوجه عام ترسي المبادئ الأساسية للنمو والتقدم على المستويات الاجتماعية والاقتصادية سواء كان ذلك على المستويات القطرية أو الإقليمية أو الدولية.

متطلبات المدن التقنية   :                                   


    لقد أصبحت المدن التقانية هي إحدى الآليات الفعالة والضرورية للنهوض بالاقتصاد الوطني من خلال تطوير الصناعة وإحداث نهضة تنموية شاملة ترفع من مستوى معيشة الأفراد والمجتمعات.
    وإذا كانت الدول المتقدمة تولي هذا الجانب أهمية كبيرة، فإنه جدير بالدول النامية ومنها دولتنا الاتحادية وهي تتطلع إلى حياة أفضل، أن تتجه إلى إرساء الأسس الكفيلة بإنشاء المدن التقانية على أسس علمية تراعي الاحتياجات والمتطلبات بحيث يمكن لهذه المدن أن تؤتي الثمار والنتائج المطلوبة منها.
    وإذا كنا نعيش عصراً يزداد عولمة يوماً بعد يوم فإن الاتجاه إلى تكوين المدن التقانية يعتبر مطلباً جديراً بالتقدير والاهتمام.
    إن مؤسسات البحث العلمي على مستوى الجامعات والأكاديميات ومراكز البحوث وغيرها في حاجة ماسة إلى مصدر يغذيها خاصة في المجالات التقنية، وهنا تأتي أهمية المدن التقانية التي تتحمل المسؤولية فتوفر الاحتياجات التقنية اللازمة وتسعى إلى خلق بنية تحتية قادرة سواءً على المستوى البشري أو التقني فتكمل النقص أينما وجد وتجدد النشاط وتنمي الإنتاج وتسعى إلى تجويده.
    إن إقامة مدينة تقانية في إقليم آمن بالعراق، مطلب في غاية الأهمية، فهي التي تساعد على إنعاش الاقتصاد وتطويره، ومن خلال ذلك تسعى إلى توفير فرص العمل وتحارب البطالة، كما أنها تخلق كوادر فنية عالية المستوى يمكنها أن تضطلع بالدور التقني المطلوب منها، فتنافس بذلك المؤسسات الصناعية الخارجية من خلال تطوير الشركات الوطنية وربطها بالخارج فتجد مخرجاً للانخراط في السوق العالمي والاستفادة من التجارة العالمية وهذا ينعكس على الوطن والمواطن، فيرتفع مستوى المعيشة ويؤثر ذلك بشكل مباشر على الجوانب الصحية والتعليمية والبحثية التي تعتبر إحدى ركائز النمو والتنمية في أي بلد من البلدان.

16
سلسلة مقالات: هل يقرأون ما نكتب؟ وهل يفهمون ماذا نُريد؟
المقال الثاني: ماذا لو تشكّلت الوزارة الجديدة كلها من المستقلين
د.هاشم عبود الموسوي

بكل المقاييس وعلى كل المستويات نأمل أن نكون على أبواب مرحلة جديدة، وأمام وزارة جديدة، ولاشك وأن كل يائس يحمل في داخله أملاً مهما أحلكت بوجهه الأيام... نحن نحمل أحلاماً جديدة من خلال تجربة مريرة مررنا بها لمدة أكثر من أربع سنوات، والتي عشناها منتظرين أن نرى في نهاية النفق بصيصاً من الضوء. ولابد أن تكون هناك دروس مستفادة. إن إعادة تشكيل الوزارة قد تُمثّل مواجهة – إن أُريد لها أن تسير بالاتجاه الصحيح – ولابد أن تتسم الفترة التي تسبقها بالمصارحة الشديدة بين السلطة والشعب، وقد تُدرك السلطة مدى تجاوب الشارع معها، أو صدوده عنها. ويكتشف الشعب مدى إحساس السلطة بمسئوليتها الحقيقية تجاهه من عدمه. إن الفترة الصعبة التي مرّت على الشعب وضعت حقائقاً لابد بل من الضروري أن تعرفها السلطة، وقد اتضحت أمور كثيرة للشعب كان من الضروري أن يُدرك حقيقتها. والخلاصة أن السنة الأخيرة وضعت حقائق جديدة في المجتمع العراقي، على الحكومة أن تُدركها، وعلى الشعب أن يؤكدها في المرحلة القادمة بالرغم من تصور البعض وهماً بان عليه أن يُعارض ويضع العراقيل أمام هذه السلطة التي وُلدت بعملية قيصرية مُبسترة، في محاولة منه لتبديلها ومجيء سلطة يُعتقد بأنها ستُمثّل توجهاته الخاصة، والتي تتوافق مع تياره الذي يتبناه... وهذا ما يتصوره غيره أيضاً، برغم الخلافات والتناقضات بين كل المعارضين، والساعين إلى وضع العراقيل. أجزم بأن هذا سيوصلنا إلى مُعادلة من الدرجة التي تسمى (سابع المُستحيلات)، وتؤدي إلى بلورة كل التناقضات القامة، والتي لم نُجرّب لحد الآن حجمها، ومدى تحملنا لها، وتوصلنا إلى دائرة مغلقة من المتاهات التي تُفضي دائماً إلى متاهات جديدة لا حصر ولا عدّ لها. وقد نتجرع السيء منها ونقبله دفعاً لملاقاة ما هو أسوأ منها.. والذي قد يستحيل إلى وبالٍ غير منظور، وبعيد عن التصور .
من هذا المنطلق فإنني أرى بأن الواقع الموجود والملموس بالرغم من سلبياته العميقة، إلا أننا نستطيع أن نتعرف ونتبين على طبيعته، وننتقدها ونوضح مخاطره، ونقترح الحلول والبدائل له.
إننا لا نتوقع إجراء تغييرات مُفاجئة ومُثيرة، ولا نستطيع الوثوق بعد اليوم باليد الخفية السحرية. إلا أننا يجب آن نتعامل مع الواقع بكل مثالبه وإيجابياته.
كيف يمكن لنا أن نُخمّن الأضرار السياسية والتخبط وعدم الوضوح للواقع الحالي على المجتمع.. ومن خلال الزعل والانسحاب من اجتماعات مجلس الوزراء وتعطيل أعمال بعض الوزارات. وعدم الشعور بالمسؤولية تجاه المشاكل الشائكة التي مرّ بها الشعب العراقي ولا زال يُعاني من الكثير منها... كل ذلك كان يجري بدفعٍ من القوائم المُقفلة التي دخلت إلى السلطة، والتي تُمثّل أحزاباً وتنظيمات سياسية تسعى إلى تعزيز مكاسبها دون اكتراثٍ بأي شيءٍ آخر... إن ارتباط الوزراء بتوجيهات تنظيماتهم التي ينتمون إليها – وهذا أمرٌ طبيعي- هو الذي عطّل الحياة السياسية وأوقف الكثير من المسارات كان يجب أن تُتّخذ ليستفاد منها أبناء الدولة الغنية (التي وُصف شعبها مؤخراً بالترتيب، بثالث شعبٍ محرومٍ من أبسط أساسيات الحياة)، وطالما بقى هؤلاء الوزراء يأتمرون بأوامر أحزابهم وتنظيماتهم السياسية ويجعلوا من وزارتهم مُقفلة إلا إلى لونٍ واحد من أطياف الحركات والتنظيمات السياسية أو الطائفية والعرقية، فإن المسألة ستبقى مُتعثّرة إلى ما لا نهاية. وتتوقف عجلة التقدم، وتتهيأ أسباب عدم وجود مسار مُستقر لا يُعيقه زعل هذا الوزير أو ذاك (وبالشكل المُخزي الذي عشناه في الفترة الأخيرة). بالرغم من قناعتي وتأكدي من وجود كثير من الأشخاص الأكفاء والمُخلصين ضمن تشكيلات هذه الأحزاب والتنظيمات السياسية وهم قادرون فعلاً على القيام بواجبهم كوزراء على أحسن ما يُرام، لكنّ التوجيهات التي يأتمرون بها من أحزابهم سوف لا تنتهي، وستظل عائقاً يشل عمل الوزارة.
إلا أنني أتساءل، (ماذا لو أن البرلمان العراقي)، وبشيءٍ من الشهامة والشعور بالمسؤولية، وحسن النية، اقترح أن تكون كل المناصب الوزارية من المستقلين الغير مرتبطين بأي تنظيم سياسي، وممن يملكون الخبرة العالية في مجال تخصصهم – أنا وحدي لديّ أسماء أكثر من ألف عراقي يملكون هذه الصفة.
أتساءل أيضاً، كيف يمكن لنا أن نُخمّن الأضرار السياسية والاجتماعية التي تعرّض لها المجتمع من جراء مهاترات غير أخلاقية قامت بها التنظيمات السياسية طوال الفترة السابقة. وقد يمكن لنا أن نُحدّد كُلفة مرضٍ معين وهي (تساوي مثلاً كلفة العلاج في المستشفى مُضافاً إليها التعويضات). ولكن كيف يُمكن لنا أن نُحدّد كلفة الحياة المستقرة والسعيدة التي ننشدها، وقد فقدها الشعب بكافة مكوناته... من سيجلب للشعب المسرة؟
إن مصطلح (سؤال) بحد ذاته يبدو غريباً. ونحن نُفكّر بقيمة الحياة، ولكن هل يُمكن ترجمة هذه القيمة إلى كُلفة؟ إنه لأمرٌ ذميم أن نُقدّر قيمة الحياة بما قد يكسبه الشخص مالياً، حالياً أو في المستقبل، أو بأي معيارٍ آخر.
وهذا سؤالٌ أخير قد يكون لاذعاً، إلا أنّ به نوعٌ من الجدية: هل يُمكن لنا أن نسأل المجرم عن قيمة حياة ضحيته؟ بل هذا السؤال يجب أن يتوجه إلى الضحية نفسها... نعم وألف نعم لقد تم الإجرام بحق الشعب وخاصةً الفقراء من الفلاحين والعمال. لقد خسرت أكثر القوائم التي تجلس على سدة الحكم تعاطف قطاعات كثيرة من أبناء الشعب، ولم تنظر بنظرة فاحصة لأحوالهم.
ستواجه الوزارة الجديدة إن كانت نزيهة وحريصة على خدمة أبناء الشعب، مُشكلةً ذات شقين، فمن جهة ستجد بأنه لا يتوفر لها وقتٌ طويلٌ للتخلص من النكبات الكبرى التي يواجهها المجتمع ويتطلب منها إدخال إصلاحات جذرية سريعة بما يكفي لإنقاذ المجتمع من التفكك، ومن جهةٍ أخرى ألا يكون ذلك على حساب فرض قوانين تحد من الحريات أو تقلصها، وبالتالي ثمة بُعدان لهذه المهمة، توازي الحماس المتصاعد للديمقراطية والحرية وفي الوقت نفسه إنقاذ المجتمع من التفكك.
إن إعادة تجديد المجتمع وتطويره، وتنميته، وإعادة حيويته إليه، بعد أن أصابه التدهور... بالتأكيد ستكون ليست بالمهمة السهلة، ولا تزال لدينا الإرادة بأن نخلق لنا أوهاماً من التفاؤل ... ومن الله التوفيق.

17
سلسلة مقالات: هل يقرأون ما نكتب؟ وهل يفهمون ما نُريد؟
المقال الأول: نظرتان للتعليم في ضوء الظروف الراهنة التي يمر بها العراق
هاشم عبود الموسوي

نسمع بين الحين والآخر من قبل بعض السياسيين، وبعض التربويين في العراق، وهم يُعبّرون عن رغبتهم في ضرورة تبديل أو تطوير المناهج الدراسية، وهذا التوجه يُعتبر حقاً من المطالب الأساسية لتنشئة المجتمع التي نريدها لمستقبل بلادنا..
ومن المعروف أن نواتج تطوير التعليم سوف لا نحصد ثمارها بأقل من نصف عقدٍ من الزمان أو أكثر.. وأن هذا التطوير برغم أهميته ليس هو بمثل الإسعاف الفوري الذي يحتاجه المجتمع من أجل حل أزمات خانقة مثل البطالة والإجرام والفقر والمرض، والسكن في خيام للمهجرين.
في هذا المقال لا أريد أن أخوض في الممارسات والأخطاء والتجاوزات والعقليات التي ترى في نفسها، أنها هي التي تملك أن تكون هي فوق الكل لا لشيء، إنما لوجودها في أماكن وصلت إليها عن طريق القوائم المغلقة والانتساب إلى الكيانات السياسية. وهنالك مثلٌ صارخ على الممارسات اللامنطقية التي تصدر عنها... فقد صدرت أخيراً رزمة من القوانين الهامة عن مجلس البرلمان، يشوبها اللامبالاة وتفتقر إلى الدراسة العلمية الموضوعية، هذه القوانين الثلاثة التي تم التصويت عليها يوم الأربعاء الموافق 13/02/2008 مرةً واحدة (وكأنها قانون واحد) وكلٌ منها ذو طبيعة تختلف تماماً عن طبيعة القوانين الأخرى. لقد وضع إقرار هذه القوانين المواطن العراقي في حالة ذهول، أقول حالة من الذهول بل هول صدمة، لأن هذا الإقرار صدر بعيداً كل البعد عن النسق الذي تتخذه كل البرلمانات في العالم، بل يتنافى أيضاً مع الدستور الموضوع من قبل البرلمان العراقي الحالي بذاته.
لا أُريد في هذا المقال أن أحيد عن العنوان الذي وضعته له عن التعليم، وبرغم مرارة ما نراه من معاناة كثير من الأجهزة العامة من تخبط إداري يُعطي أحياناً مؤشراً عن وجود سوء نية فيمن يتولون هذه الأجهزة والإدارات والمصالح والتسميات الكثيرة التي وضعوها لأنفسهم، ومن ضمن هذه الأجهزة تبرز لنا الأجهزة التعليمية والتربوية بشكلٍ واضح.
إنّ التخطيط الهادف يرجع بالتأكيد بالفائدة إلى المواطن، والذي هو أثمن رأس مال وُجد على الأرض منذ بدء الخليقة.
وما دام التعليم يُعتبر من أهم البنى التحتية التي يعتمدها المجتمع في توجهه نحو مستقبله الحضاري، فعلينا أن نتريث قليلاً وأن ندرس التوجهات المطلوبة لمجتمعٍ مُنهكٍ يمر في مرحلةٍ انتقالية عصيبة.
هنالك مدرستان لهما توجهين مختلفين حول وظيفة التعليم:
ترى الأولى: أن التعليم المعاصر خاصةً في البلاد النامية يجب أن يتوجه لإعداد الطلاب لسوق العمل، ويختصر الكثير من البرامج والمناهج الثقافية التي هي في نظرها ضياع للجهد والوقت والمال، بينما ترى النظرية الثانية؛ أن التعليم يجب أن يُعدّ الإنسان مهنياًُ، ويُعدّه ثقافياً واجتماعياً لمجتمع المستقبل مجتمع العلم والتقنية والاتصالات والمعلومات والتواصل، وتعايش الحضارات والمجتمعات والشعوب.
وتجاه ذلك ظهرت خلافات واختلافات كبيرة ومتشعبة بين الداعين لربط التعليم بسوق العمل وبين الداعين لوظيفة حضارية واجتماعية وثقافية للنظام التعليمي بما في ذلك الإعداد لسوق العمل وفيما يلي موقف النظريتين:
* الوظيفة الاقتصادية للتعليم:
تتلخص هذه الوظيفة في رؤية مفادها أن الدولة خاصةً إذا كانت تموّل التعليم لا تسمح ميزانيتها وإمكاناتها بهدر الموارد المالية والبشرية لتعليمٍ يُخرّج أُناساً لا وظيفة لهم، ولا يُفيدون في دفع عجلة الاقتصاد إلى النمو والتقدم الاقتصادي، وخاصةً الجانب الإنتاجي منه، إضافةً إلى ذلك فإن أي تعليم لا يُخرّج فنيين ومتخصصين وقوى عاملة فنية ومؤهلة، هو تعليم أشبه ما يكون بتعليم العصور الوسطى الذي لا يحمل سوى تأكيد الجدل والنقاش ويخرّج فلاسفة ينظرون لواقع ولحياة بعيدة كل البعد عن الواقع والحياة. فالتعليم في قناعة هذه المدرسة لابد أن يؤكد البعد الاقتصادي والعمل، أي لابد أن يكون هناك ربط مُباشر بين التعليم وسوق العمل، فهناك مُعطيات اقتصادية واجتماعية تفرض أن يتخلص التعليم من أعبائه المتعددة، ويتجه بدلاً من ذلك إلى إعداد الطلاب لسوق العمل ومتطلبات نمو الاقتصاد وحركته في المجتمع، وموقف مثل هذا يتطلب إعادة النظر في النظام التعليمي وتخليصه من كثير من الوظائف الثقافية والفكرية والسياسية، وبدلاً من ذلك من الأجدى أن يتوجه النظام التعليمي لتخريج قوى عاملة مدرّبة ومؤهلة للعمل في مختلف ميادين الاقتصاد، وبحسب طبيعة الاقتصاد وحركته، وهذا لا شك يتطلب فيما يتطلب غربلة المناهج الدراسية من كثير من المواد الدراسية والبرامج التربوية ذات الطبيعة الفكرية والحضارية والثقافية، ويُصبح التعليم برمته في مثل هذه الظروف عبارة عن مدرسة مهنية وتقنية تُعدّ الطلاب للعمل والإنتاج دون رؤى فكرية وحضارية، ما عدا تأهيل الطالب ليكون عاملاً مُنتجاً في مركب صناعي مُعقّد، ولعل من مضامين هذا الموقف التقليل من قيمة الإعداد الحضاري والاجتماعي والثقافي للطالب في المدرسة، فهذه برامج حسب منطق هذه النظرية تُعتبر إضافية، وتُرهق ميزانية الدولة ولا جدوى منها، ولعل من أهم الآثار المترتبة عن هذا الموقف تأكيد جانب الإعداد والتأهيل المهني المرتبط بحركة الاقتصاد، وبغض النظر عن طبيعة هذا الإنسان الذي يُعد، فقد يُعد الطالب مهنياً وفنياً ليُسهم في صناعة أو زراعة، فالطالب إذن يُعد مهنياً لمستويات وأشكال مختلفة من الاقتصاد ليس بالضرورة أن تكون هذه المستويات الاقتصادية موجودة في وطنه أو مُحيطه المباشر، وهنا ربما تكمن وظيفة التعليم في إعداده لسوق العمل الإقليمية أو الدولية، خاصةً إذا لم تتوفر للخريج فرص العمل في بلده مباشرةً، وهذا ما يحدث الآن في كثيرٍ من البلدان العربية والإفريقية والآسيوية، حيث يتدرب الطلاب ويُعدّون لسوق عمل إقليمية وعالمية موجودة في الغرب بالدرجة الأولى أو يُعدّون لصناعات واستثمارات تملكها الشركات المتعددة الجنسية في أوطانهم وبلدانهم.
* الوظيفة الحضارية للتعليم:
تتلخص هذه الوظيفة في رؤية مختلفة إلى حدٍ كبير عن الأولى ولكنها لا تنفي الإعداد لسوق العمل، ومُنطلق هذه النظرية أن للتعليم وظيفة ودوراً أعم وأشمل وأكبر من تأهيل الإنسان للعمل، فالتعليم هنا لا ينفي سوق العمل ولكنه يؤكد ضرورة الاهتمام ببناء الجانب الحضاري والاجتماعي والثقافي في شخصية المتلقي للعلم، ويُعدّه للطموحات والآمال التي يسعى إليها المجتمع والعمل، والاقتصاد من بينها، ولكنه ليس المهمة الأولى للتعليم، فوظيفة التعليم الأساسية هي بناء عقل الإنسان، وتأكيد ما يُعرف بتكوين رأس المال العقلي والثقافي، ويأتي العمل وسوق العمل تباعاً، فالإنسان المؤهل عقلياً وفكرياًُ وحضارياً يُصبح أيضاً قادراً على العمل، فالمهمة الأولى للتعليم هي إعداد عقل الإنسان حضارياً وعلمياً بحسب توجهات المجتمع، وإذا ما أُعدّ الإنسان بهذه الطريقة يُصبح قادراً على العمل، والبحث عن عمل، بل وخلق العمل لنفسه ولغيره من أبناء وطنه، فقدراته العقلية والاجتماعية التي بناها النظام التعليمي تُعدّه وتؤهله للعمل بمختلف أنواعه وأشكاله، وهذا الموقف يتطلب إعداد مناهج دراسية وبرامج مختلفة ومتنوعة تستجيب للوظائف والأدوار المتعددة للتعليم في البناء الحضاري والاجتماعي والثقافي في المجتمع، كما أن هذا الموقف يُحذَر من تحويل التعليم إلى دورٍ أشبه ما يكون بالدور الذي قام به التعليم في منظومة الدول الاشتراكية في القرن الماضي، والذي كان من ضمن الأخطاء التي اُحتسبت على ممارسات هذه المنظومة، أي تحويل الإنسان إلى ترسٍ في آلة ميكانيكية مُعقّدة يدور في فلكها، دون أن يكون لديه مشاعر الانتماء وعواطف الحضارة والثقافة، وإذا ما حدث هذا فيحذر أصحاب هذا الموقف من اغتراب الإنسان عن ذاته وتكون مشاعر اللاانتماء التي تؤدي في حد ذاتها إلى مشكلات اجتماعية ونفسية ووجدانية، فالأمر إذن يتطلب في نظر هذه المدرسة أن يُحرّر الإنسان من مستوى الآلة وأداة الإنتاج ويُعدّ كإنسان أولاً وعامل ومنتج ثانياً، فهو قبل هذا وذاك كائن حضاري وثقافي يُسهم التعليم بدرجة كبيرة في إعداده وتكوينه لهذا الدور والمكانة في المجتمع الإنساني مهما كلّف ذلك من أموال وجهود، ويرد الكثير من الباحثين ارتفاع معدلات الجريمة، وكثرة الأمراض النفسية والعصبية والعقلية في المجتمعات الغربية إلى غياب الدور الحضاري والروحي للتعليم، فالتعليم لم يعد يهتم كثيراً بالجوانب الأخلاقية في الإنسان، بل انصب اهتمامه على تكوين آلة بشرية تعمل فقط، دون أن تُحسّ أو تشعر أو تُفكّر إلا في عالمها اليومي المحدود، ومن هنا بدأت تنمو في أواخر القرن الماضي مُعطيات الصراع الحضاري والاعتداءات العسكرية على المجتمعات الضعيفة، بل ظهر مفكرون وعلماء يدعون للحرب والصراع الحضاري، فهنا نحن أمام منعطف تاريخي كبير: هل نُعدّ المتعلم ليكون عاملاً، حتى ولو كان عمله هو تدمير الآخرين؟ أم نُعدّ المتعلم ليكون عاملاً وإنساناً يشعر ويُحسّ بما يشعر ويُحسّ به الآخرون؟ وبالتالي إذا ما أُعد كإنسان يتردد كثيراً في تدمير الآخرين والاعتداء عليهم، فالإعداد للعمل من واجبات النظام التعليمي، ولكن لابد من أن يكون هذا العمل مرتبطاً بفلسفة وحضارة وثقافة ونظرة إنسانية تُميّز البشر عن الكائنات الأخرى في العالم.
* التعليم بين الإعداد لسوق العمل والبناء الحضاري:
وإزاء هذين الموقفين السابقين يحتد الخلاف والاختلاف، وعلى مُخططي التعليم في بلادنا أن يتخذوا موقفاً واضحاً حتى يمكن أن ينعكس ذلك على التعليم ويوجّهه في طريقٍ دون آخر، إنّ من أهم مشاكل التعليم الآن أنه يفتقد إلى التوجيه والرؤى الواضحة، فهل هو تعليم يُعدّ لسوق العمل؟ أم هو تعليم يُعدّ لمشروع حضاري وثقافي بما في ذلك الإعداد لسوق العمل، ودون اتخاذ أي موقف شخصي؟ فالتعليم لا يزال يُحاول أن يجمع بين الوظيفتين الحضارية "تكوين المواطن لمجتمع المستقبل" والاقتصادية "الإعداد لسوق العمل"، ولم يُهيّئ فلسفته ومؤسساته لأيٍ من الوظيفتين بطريقة فعّالة وواضحة وهذا ما يُربك المخططين والمسؤولين عن تسيير التعليم بمختلف مستوياته، ولذلك فمن الضروري تطوير وإصلاح التعليم بتحديد فلسفة ورؤى واضحة لدور ووظيفة التعليم في هذه المرحلة من حياة المجتمع العراقي وتطوره، ومهما كانت المواقف والفلسفات، فالتعليم في المجتمع العراقي المنشود يجب أن يجمع بين الوظيفتين والدورين، دور بناء الحضارة ودور بناء الاقتصاد (الإعداد لسوق العمل) في آنٍ واحد، وقد لا تسع صفحات جريدة الموقع للدخول في التفاصيل المترتبة عن أي موقف أو وظيفة للتعليم، إلا أن الإعداد لسوق العمل يتطلب خطوات من أهمها:
* تحديد فلسفة الاقتصاد وأهدافه في المديين القريب والبعيد.
* تحديد طبيعة سوق العمل وحجمه واحتياجاته الكمية والنوعية في فترة زمنية معينة.
* تحريك هيكل الاقتصاد بحيث ينمو الاقتصاد، وبحيث يؤدي هذا النمو إلى فتح فرص عمل جديدة تتطلب قوى عاملة جديدة وخبرات متنوعة، وعلى أساسها تُصمّم البرامج التعليمية وتتنوع وتتعدد، وتُعدّل المناهج الدراسة ويُعد المعلمون والكتب التعليمية لذلك.
* إضفاء الكثير من المرونة على القوانين الاقتصادية، وخاصةً القوانين المرتبطة بالمشروعات الاقتصادية الصغيرة والمتوسطة، فإن ذلك من شأنه أن يُحرّك الدورة الاقتصادية ويخلق حاجة إلى أيدٍ عاملة جديدة، وهذه الأيدي العاملة الجديدة يُعدّها التعليم، والتعليم التقني والفني بصفةٍ خاصة. فإذا كان الاقتصاد راكداً وجامداً، فمعنى ذلك أن فرص العمل والشغل هي الأخرى راكدة وغير متجددة، فكلما تحركت الدورة الاقتصادية وازداد الاقتصاد إنتاجية وحركية تكوّن طلبٌ على الأيدي العاملة، وهذا بالضرورة يؤدي إلى تطوير وتنويع برامج التعليم لتستجيب للطلب على الأيدي العاملة.. فأي حديثٍ عن دور التعليم في الإعداد لسوق العمل أو تغيير برامج التعليم لتواكب سوق العمل لا معنى له إذا كان الاقتصاد راكداً وجامداً وغير منتج، بل أن ذلك يخلق هوةً واسعةً بين مؤسسات تعليمية تُخرّج طلاباً وبين مؤسسات اقتصادية ليست في حاجة إلى قوى عاملة جديدة، فالموقف يكمن وصفه بعد ذلك بوضع إنسان في الشارع يجد جميع الأبواب أمامه مُقفلة لا يستقبله أو يُساعده أحد، فيُصبح الإنسان هنا في موقف اغتراب ولا مبالاة وهامشية، وهنا تتقاذفه الرياح والعواصف والصدف لتدفع به إلى عالم مجهول لا ندري ماذا يحدث فيه!! خصائصه الأساسية البطالة والإحباط، والتذمر، هذه الخصائص التي تولد في ذاتها سلسلة من المشكلات الاجتماعية والاغتراب عن المجتمع، هذا إضافة إلى الهدر الاقتصادي والجهد والوقت الذي صُرف لإعداد طالب في المدرسة لسنوات طويلة يُحاول دون جدوى أن يجد عملاً.
  ومهما كانت وظائف التعليم حضارية أو اقتصادية فإن الوضع يتطلب تكاثف جهود المخطط الاقتصادي، والمخطط التربوي، فالمخطط الاقتصادي يجب أن تكون صورة سوق العمل أمامه واضحة من ناحيتي الكم والكيف ولو بشكلٍ تقريبي، والمخطط التربوي بعد ذلك يرسم ويحدد البرامج التعليمية والتدريبية التي تُعد الخريجين الذين يمكن أن يشغلوا الوظائف والأعمال التي حدّدها المخطط الاقتصادي، إن من أصعب المشاكل وأكبر التحديات التي يمكن أن تواجه السياسات التعليمية أن لا تعرف لأي شيء تُعد الطالب، هل تُعدّه لسوق عمل محددة المعالم والطلبات أم تعده أي الطالب بشكلٍ عام وعليه بعد التخرج أن يبحث عن عملٍ مناسب دون أن تتدخل الدولة أو تلتزم بإيجاد عملٍ لهذا الخريج؟ تلك مشكلةٌ عويصة لا تواجه التعليم العراقي فقط، بل تواجه معظم الأنظمة التعليمية في البلاد العربية بل في كل البلدان النامية، وتزداد هذه المشكلة تعقيداً وصعوبةً بالنظر إلى أن معظم البلاد النامية بما في ذلك البلاد العربية ترفع شعار: ديمقراطية التعليم وتكافؤ الفرص التعليمية أمام الجميع، وستظل هذه العقبة من مشكلات التعليم الرئيسية في البلاد النامية خاصة بالنظر إلى الطلب الاجتماعي المتزايد على التعليم والرغبة الملحة في التنمية، واعتبار توفير التعليم من عناصر التنمية البشرية المستدامة في القرن الحادي والعشرين.
* متغيرات مهمة في العلاقة بين التعليم وسوق العمل.
لكي يقوم التعليم بدوره المرغوب في إعداد المتعلمين لسوق العمل، فلابد أن تكون لدى المخططين التربويين صورة واضحة ودقيقة عن المسائل الاقتصادية التالية في المجتمع، وهي:
* فلسفة الاقتصاد.
* أهداف القطاعات الاقتصادية.
* حجم سوق العمل وتطوره وخصائصه.   
* مستوى التدريب والتقنية والآلات المستخدمة في سوق العمل.
* توفر البيانات الكمية والكيفية عن سوق العمل (وهذا يتطلب جهازاً مركزياً لجمع المعلومات عن سوق العمل).
* ميادين سوق العمل ومجالاته التي تحتاج إلى أيدٍ عاملة.
* ميادين سوق العمل المشبعة والتي لا تزال في حاجة إلى أعداد كبيرة من الأيدي العاملة.
* نمو الاقتصاد والاستثمارات في المجالات والميادين المختلفة.
* طبيعة الاقتصاد والميادين المفتوحة للأيدي العاملة والميادين المكتظة أو المشبعة بالأيدي العاملة.
* درجة ارتباط سوق العمل بالاقتصاد الإقليمية والعالمي.
* البطالة والتشغيل في سوق العمل.
* نوعية المشروعات الاقتصادية ونوعية الاستثمارات.
* بحوث التنمية والتطوير.
* دور القطاع العام والقطاع الخاص في التنمية.
* التدريب والتأهيل وإعادة التأهيل لسوق العمل.
* التطلعات الاجتماعية للقوى العاملة والخصائص الديمغرافية لسوق العمل.
* القيم الاجتماعية المرتبطة بالعمل وسوق العمل.
* المجال الجغرافي لسوق العمل.
* فروق الجنس (الرجال والنساء) في سوق العمل.
* الفروق الريفية الحضرية وسوق العمل.
* الاستثمارات الأجنبية وسوق العمل.
* المتابعة والتقييم المستمر لحركة سوق العمل.
* الاتجاهات والميول الفردية نحو العمل وسوق العمل.
* قدرة المؤسسات التعليمية على مواكبة التغيرات الاقتصادية وما يتبعها من تغيرات في الطلب على الأيدي العاملة.
* علاقة الاقتصاد الوطني بالاقتصاد العالمي:
- هل هي علاقة تكاملية؟.
- هل هي علاقة تنافسية؟ أو لا علاقات على الإطلاق؟.
وأخيراً وبعد هذه الدراسة المستفيضة عن مدرستي التعليم، أود أن أدعو الأخوة في البرلمان العراقي أن يزوروا إحدى المدارس الغارقة في الأوحال والمياه الآسنة، وأن يجلسوا فيها لمدة خمس دقائق فقط. وأسألهم بكل وضوح، أليست المدرسة كالمسجد، ومنبراً من منابر العلم، ومشعلاً من مشاعل النور... لربما تكون الصور التي سوف يُشاهدونها، أبلغ من الكلام... وللحديث بقية.

18
اللغة والجهاد وجهل القتلة
د.هاشم عبود الموسوي
hashim_mo2002@yahoo.com

    من منا (نحن متوسطي الثقافة باللغة العربية) لم يتلعثم عندما يقرأ بعض الكلمات في الآيات والسور القرآنية، متحيراً بين الكسر أو الضم، أو الفتح فوق أو تحت حروفها (وكل حالة من هذه الحالات لها معانيها ومدلولاتها المختلفة) (ومن منا يستطيع أن يفسر الآيات القرآنية بدون لبس أو غموض) وذلك ليس بسبب نقص ثقافتنا العامة، وإنما يرجع ذلك إلى أن اللغة التي كُتب فيها هذا الكتاب، وهي تملك اسمى صور السحر البلاغي قد خاطبت شعباً كان يمتلك الفصاحة اللغوية، وحتى من لم يتعلم الكتابة منهم كان يستطيع آنذاك أن يفهم ويتحدث بنفس الفصاحة.
    ومرّت علينا قرون من الزمن، وتعددت اللهجات، وبدأ المسار الحرج عندما التقى الأميّ (الجاهل بأبسط معاني وقواعد اللغة العربية الفصحة) عندما التقى بابات وسور قرآنية ذات حبكة لغوية مُعجزية، وذات سحر بلاغي يصعب أحياناً على بعض أستذة اللغة التمييز بين مدلولاته، فقد تكون هنالك كلمات لها سحرها عند البعض وفق فهمه لها، ولكنها تمثل كوابيساً عند الآخرين، وقد تعني عند البعض الآخر، بأنها لا تعني أي شيء يذكر.
    ومن هذه الكلمات، تبرز لدينا كلمة الجهاد، والتي سأحاول أن أتحدث عنها في هذا المقال، والتي يفهمها بعض المسلمين بشكل مبتسر ففي الجزيرة العربية أو جنوب ووسط وغرب العراق أو في شمال افريقيا (في البلدان التي كانت تحت سيطرة الاستعمار الفرنسي، وفرض عليها تعلم اللغة الفرنسية بالقوة)، وفي بلدان إسلامية أخرى (عربية أو أعجمية) كل هؤلاء وقد وقع الجور عليهم لسنين طويلة من الاضطهاد سواءً من داخل بلدانهم أو بسبب السيطرة الامبريالية على بلدانهم .. وعادوا في صحوة صوفية، ليواجهوا واقعهم المرير بالتدين والمنهجية السلفية، حتى وأن كان ذلك دون فهم واضح لمنهجيات ورؤى الموروث الديني، وذلك للهروب من الواقع المرير الذي هم فيه، واصبحوا ينظرون إلى الدين على أنه قضية وطنية تمس حياة كل الناس والتبست عليهم معاني ومفاهيم الدين.
    جلست مرة في مسجدٍ بإحدى الدول العربية لاستمع إلى خطبة الجمعة، فإذا بإمام المسجد ينهي خطبته بدعاء هذا نصه الحرفي.. ((اللهم أهلك اليهود والنصارى، وشتت جمعهم، ويتم أطفالهم ورمل نساءهم و..و...)) وكل جميع الحاضرين يؤمن على دعاء الشيخ الأمام.. ذهبت بفكري بعيداً وتصورت أن هذه الدعوات تتكرر منذ أمد بعيد وقد تفنن الأئمة في تشطير الدعوات بالهلاك والدمار، والفناء.. وتصورت بفكري وأنا في المسجد إنني أجلس في كنيس يهودي فوجدت حاخاما يدعو لإبادة العرب "لأنهم يسعون لإبادة اليهود حسب زعمه.. وقد خرجت من الكنيس اليهودي مهرولاً، فلقيت قسيساً يتلو صلواته التي في ظاهرها الرحمة.. وقد واجهني بابتسامة لم أتبين معناها .. فأين"الجهاد"؟ ومن المجاهد؟
    إننا ندري جميعاً بأن رسول الله (ص) كان يحاور اليهود والنصارى، وكفار العرب، وكان يجادلهم بالتي هي أحسن، فكيف يكون جهاداً ما نراه من أحداث؟ وهل كل الأرواح التي أزهقت في تفجيرات قطارات اسبانيا، ومترو لندن وأحياء بغداد وأسواق ومدارس وميادين المدن العراقية، هل كانت أرواح هؤلاء الناس كلها شريرة.
    وحتى ضحايا تفجيرات نيويورك وواشنطن، وكيف يقبل الناس أن يكون جهادك في قتلهم؟
    يموت الغير فتدخل أنت الجنة تحت مظلة "الجهاد" ولماذا يرتبط "الجهاد" بالموت في اذهان البعض رغم أنه حياة .. فالجهاد إحياء.. لا دمار في الجهاد، لا غدر في الجهاد، وقد يكون لا مباغتة فيه أيضاً... فهذه أشياء لم تكن هدفا للجهاد..
    فالجهاد انتصار واضح للحق، ودعوة للحياة، ونعرف أن الغزوات والفتوحات دعوة لدين الله أو جزية .. ثم يأتي بعد ذلك القتال، وقد فرض وهو كُرهٌ لكم.
    والجهاد طريق للخير، لا أشواك فيه ولا أهواء .. وهو علم بذاته .. وأولى أساساته، عدم الاقتداء بما يفعل الخصم.
    فحتى وأن بطر الخصم نجد أنه من عفى وأصلح فأجره على الله.
    للجهاد أوجه كثيرة وأقلها الاقتتال، فمغالبة النفس جهاد.. ومحاربة الفساد جهاد.. وحماية البيئة جهاد.. والحرص على الأمانة جهاد.. والدعوة لدين الله بالموعظة الحسنة جهاد.. وحب الآخرين جهاد.. والدفاع عن الحياة من خطر الموت جهاد.. والمعاملة الحسنة جهاد.. ومنها معاملة الوالدين ..ففيهما جهاد.. والجنوح للسلم جهاد.. والتقية جهاد.. والاضطرار جهاد ومقاومة الأمراض جهاد، والقضاء على الجهل والفقر جهاد.. واحترام الجار القريب والبعيد جهاد، وكل سكان الأرض جيران، هكذا هو فقه الواقع، أو الفقه الشامل.
    كل إنسان على الأرض يهمه "الجهاد" فلاحق لأحد أن يدعي أنه يجاهد دون غيره.
    إن عمارة الأرض، وإقامة العدل، وإنصاف المظلوم، ومكافحة الفقر والجهل هو جهاد من الدرجة الأولى.
    إنني أقول لهؤلاء الجهلة، إذا أصبحت شهوة القتل لديكم هي دينكم ((فلكم دينكم ولي دين))
    لم يكن هدف الدين هو منح السعادة والهناء في الآخرة وسحق وإذلال الناس في هذا العالم.
    يبقى السؤال المحير: لمن نكتب؟ ولماذا نكتب؟ أنظل نكتب في صحف ومواقع الشبكة العالمية، لاناس لا يقرأون ولا يكتبون؟ ومن يوصل إليهم صوتنا؟ أم هل نستكين ونقبل بالواقع البغيض، وقد ضجت قبورنا بضحايا هؤلاء الجهلة؟ وخيام البؤس تتجدى إرادتنا، وتطعن كرامتنا.
    إن كل خيمة تُنصب لمهجر في بلاده وفي الأراضي الموحلة، هي وصمة عار في جبيننا .. لقد تخلى بعض الناس عن أحلامهم الكبيرة في أن يكون لم وطنناً حراً سعيداً يفخرون به.
    وشغلهم عنها حلم واحد صغير جداً، هو أنهم كيف يستطيعوا أن يبقوا على قيد الحياة.
    بما يخص عنوان هذا المقال أستسمح القراء عذراً بأن أنشر إليهم رسالة شخصية وعائلية وصلتني قبل أكثر من أسبوعين، وقد تريثت بنشرها أو الكتابة عنها، ريثما أكون قد تخلصت من حزني وغضبي.. أني أنشرها بدون تعليق عليها :
 

العم العزيز أبو صارم المحترم
السلام عليكم ورحمــة الله وبركاته
أتقدم لكم بأزكى التبريكات القلبية بمناسبة السنة الميلادية وكذلك السنة الهجرية الجديدة داعين المولى القدير أن يجعل كل أيامكم مليئة بالافراح والمسرات والاستقرار وتحقيق كل الاماني انه سميع مجيب.
أرجو أن تكون أخباركم طيبة فقد انقطعت عنا منذ فترة وكذلك أخبار صبا والاولاد . أما عن أخبارنا فنحن بخير ولله الحمد ولكن توجد أخبار سيئة جدا عن أخي أمجد فقد حدث حادث بشع لعائلته عندما كان في البصرة حيث جلب عائلته معه من بغداد لزيارة الوالدين ولقضاء فترة عيد الاضحى في البصرة وفي ليلة العيد ذهب أمجد مع عائلته الى العشار لشراء هدايا العيد وفي العشار ذهبوا إلى نزهة في شط العرب وبعد العودة من النزهة وعندما كانوا يعبرون شارع الكورنيش للوصول الى سيارته المتواجدة في الجهة الأخرى وأثناء العبور جاء أحد المجرمين على دراجة بخارية (الماطورسيكل) وبسرعة جنونية متجهة على اسرته وعند إقترابه من أسرة أمجد , قام المجرم برفع التاير الأمامي للدراجة البخارية للأعلى فضرب زوجة أمجد (أم أيمن) برأسها فطارت في الهواء ثم وقعت وداس فوقها فماتت في الحال (إلى رحمة الله تعالى) حيث قد انفتح دماغها وتناثر في الشارع وقد ضرب ابنته (زينب) التي طارت هي الأخرى من أثر الضربة الى الجهة الثانية في الشارع وكانت هنالك سيارة قادمة ولم ينتبه صاحبها الى الطفلة زينب التي اصبحت امامه وقد  دهستها بالعجلات الأمامية ثم بالعجلات الخلفية ولكنها لم تمت ولله الحمد وقد أصيبت أصابات بالغة ومنها كسر في عظمتي اليد وخمسة كسور في عظم الفخذ وكسور في الكاحل واصابة في الرأس وخلع في مفصل الكتف وجروح وسحجات متعددة. وقد نامت في المستشفى التعليمي في البصرة واجرى لها عدة عمليات وإخبارها حاليا جيدة ومستقرة إن شاء الله تعالى. وحاليا أخذها أمجد الى بغداد حيث ان عمله هناك إضافة الى أن ابنه أيمن لديه امتحانات في بغداد وبأن بناته يسألن عن أمهم حيث لا يعرفون بأنها قد توفيت لغاية الان وهنالك في بغداد توجد خالات الاولاد وأجدادهم مما يخفف عليهم الوحشة قليلا . أما امجد فقد أنفجع كثيرا وأغتم كثيرا والمشكلة ان في ساعة الحادث لم يكن معه أحد وقد استنجد بالناس لمساعدته في رفع زوجته من الأرض والذهاب بها للمستشفى لكن الناس المتجمعين حوله رفضوا جميعا وقد رفعها بنفسه ووضعها في السيارة ووضع رأسها في حضن أولاده المصابين والمفجوعين من الصدمة وقد ذهب بها للمستشفى التعليمي ليفاجأ بأن الأطباء والممرضين يرفضون فحص المرحومة بحجة انها ميتة ولا تحتاج الى فحص أو إسعاف وأنهم مشغولين وأيضا أخبروه بأن عليه هو أن يلفها بالغطاء ويأخذها بنفسه الى ثلاجة الموتى وعند وصوله الى الثلاجة رفض المعين أن يدخلها وأخبر امجد ان يدخل بنفسه الى الثلاجة ويدبر مكان لها في داخله بأية وضعية يرغب بها. والحقيقة أن الأخلاق تغيرت كثيرا كثيرا نتيجة الظروف والأزمات وأصبح الأخ في العراق وللأسف لا يفكر بنجدة ومساعدة أخيه .
أما الوالدين فقد صدما بالأخبار السوداء وهم يرون زوجة ابنهم تتوفى امامهم وكذلك حادثة حفيدتهم والمآسي التي تلت نتيجة الحادث فقد أغتمت الوالدة كثيرا ومرضت مرضا شديدا وهاج القولون لديها وهي أصلا مصابة بمرض القولون المتقرح وكذلك الضغط والسكر والمعدة والصداع النصفى والكآبة وهي لا تنام منذ اكثر من أسبوعين. أما الوالد فأصبح طريح الفراش في الفترة الماضية ولا يسيطر على البول لذلك وضعوا له صوندة للإدرار، أما الآن فهو أحسن ولله الحمد ولكن حالته الصحية والنفسية غير مستقرة.
هذه هي أخبارنا ونسأل الله سبحانه وتعالى اللطف والرحمة والتوبة وفي الختام ندعو الله تعالى أن يحفظكم جميعا من كل مكروه وأن يمنحكم موفور الصحة والراحة والأمان والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
                                        المخـــــلص : أسعد سعيد الموسوي

19
نداءٌ عاجل
أنقذوا نصب الحرية .. أنقذوا الراية
هاشم عبود الموسوي(*)

أيها الشرفاء من العراقيين.. أيها الأحرار في كل العالم .. أيها المثقفون العراقيون.. أيها العلماء.. أيها المهندسون، أيها المخلصون لوطنهم من المسؤولين في كل الهيئات والمؤسسات الرسمية وغير الرسمية.. أناديكم وأتوسل إليكم.. أنقذوا الراية التي تحملونها في ساحة المعركة.. أنقذوا نصب الحرية في بغداد.. فهو آخر ما تبقّى لكم إن كنتم تحبون بغداد. بغداد التي نزعت خمارها، واستباح كبريائها أقذر من في الأرض.
نصب الحرية أهم من المنطقة الخضراء، وأقدس من قُدس الأقداس.. أنقذوا سيدة مدن العالم، أبقوا رمزها حياً.. إذا سقطت الراية من أيدينا، فكلنا خاسرون.
يا أيها الشعراء.. يا من تغنيتم بأمجاد بغداد.. أشهروا أصواتكم هذه المرة.. من أجل رمز وجودكم.. برأوا ذمتكم.. مدن العالم تناديكم.. رموز المدن العريقة تناديكم، وتستصرخ ضمائركم...
برج إيفل في باريس، ونافورة جنيف، وأكروبولس أثينا، وجامعة موسكو، وتمثال الحرية في نيويورك، وساعة بيج بين في لندن، وكنيسة الذكرى في برلين... كلها تناديكم، أن أبقوا على رمز تراثكم، وعصارة حضارتكم.
نصب الحرية في بغداد، هو النخلة المُسمّرة في مدينتنا، وهو بوابة عشتار، وهو مسلة حمورابي، وهو جدارية انتصارات أور وبابل وأشور، وهو الميديّة الجبلية تلبس حلتها الجميلة، لتعلن انتمائها... هو البوصلة، وهو القبلة التي نتوجه إليها عندما نعود من كل المنافي  ومدن الضياع، حالمين أن تكون صلاتنا الأولى في ساحة التحرير، وأمام محراب بغداد... عند أقدام نصب الحرية.
اللهم اشهد أني قد بلّغت.

20
"اللوحة المعقدة"
اسم الدولة، وعلمها، وشعارها، ونشيدها الوطني
هاشم عبود الموسوي(*)
تتناول الأوساط السياسية ووسائل الإعلام هذه الأيام حواراً متأزماً حول مسألة تبديل العلم العراقي أو الإبقاء عليه. أجزم بأن هذا الحوار يدور بين طرفين لا يجمعهما أي درجة من الالتقاء (وقد يتم الالتقاء بشكلٍ كارثي وتساومي). فالأول يتطلع إلى الإبقاء عليه تيمناً بذكريات فترة سابقة يتصور أنها كانت تمثل قمة النهوض التأريخي والحضاري للوطن، متجاهلاً تأريخ اعتماد هذا العلم في عام 1963 وما رافق ذلك من أحداثٍ مأساوية، أحدثت شرخاً عميقاً في وجدان واجتماعية الإنسان العراقي في ذلك العام. والثاني يتبنى سياسة ردود الأفعال، ويُريد أن يُبدّله بأي شكلٍ من الأشكال ولو على سبيل التغيير فقط أو إثبات الوجود، ويتجاهل أن هذا الموضوع (العَلَم) مثل غيره من الرموز والدلالات عميقة التأثير في نفسية المجتمع كالنشيد الوطني والشعار الجمهوري، والتي يجب أن توضع لها الدراسات المركزة من قبل جمهرة من المفكرين وعلماء التأريخ والاجتماع والسياسيين المحنكين والمثقفين والفنانين... وغيرهم.
وفي تقديري بأن هذه الحالة وإن كانت تحدث اليوم بين المتنافسين على السلطة حالياً في العراق، إلا أنها تعكس أوضاع شؤون أخرى يمر بها وطننا لا تقل أهمية عن الرموز والدلالات الوطنية التي نتحدث عنها.. والتي يتم البت بها أحياناً بشكلٍ متسرع، وقد يؤدي إلى المساس حتى بالسيادة الوطنية، وتخديش بعض مقوماتها النهضوية، من هنا تأتي هذه المساهمة في شكل خلاصات، آملاً أن تساعد في إذكاء حوار بناء لا يتبنى أي إقصاء أو تهميش للرأي الآخر. وقد يكون من المناسب التأكيد على حقيقتين أساسيتين:
الحقيقة الأولى: أن النداءات الصادرة من المفكرين العراقيين، منذ أربع سنوات لم يتم الاستماع إليه، والتي كانت تنادي بضرورة وضع دراسات وتصاميم للعلم والنشيد الوطني، والشعار الجمهوري، بعد المنعطف التبديلي الذي تمّ في بداية عام 2003، وإنما تم الاهتمام بمناقشة ووضع قوانين لمواضيع كان يمكن تأجيلها، وأعتقد بأن ذلك التأجيل بشأن هذه المقومات كان يجري لتغطية الخلافات بين التيارات السياسية المكونة للسلطة. وإن ظهور هذا الموضوع بشكلٍ مُفاجئ ومُتسرع تسهيلاً لإجراءات انعقاد مؤتمر في إقليم كردستان هو أزمة بحد ذاته، وأن البت بالإبقاء على العلم مع هذه التزويقات السطحية والبدائية والغير مدروسة سيؤدي ذلك في المستقبل إلى أزمة أكبر.
والحقيقة الثانية: إن تجاهل رؤية الخلل والتزمت بإلصاق بطولات وهمية وقعت تحت ظل هذا العلم (وهي لم تكن كذلك كانقلاب شباط الأسود، وضرب كافة القوى الوطنية، يساريين وقوميين ومتدينين، وحتى العقائديين من البعثيين الشرفاء، والدخول في حروبٍ طاحنة فقدنا من خلالها الملايين من أبناء شعبنا وتوقيع اتفاقية الجزائر الجائرة. وضرب الجنوب والشمال بكافة الأسلحة التدميرية. وتحطيم الاقتصاد والمعنوية العراقية وانكسارها، وأخيراً استدراج القوى الإمبريالية لدخول العراق، تحت ذريعة الجهاد الواهية). نقول إن تجاهل رؤية الخلل يُشكّل حتماً تربة صالحة لنمو حالة التأزم الراهنة.
وإنني ما زلت مُتيقناً من أن المواضيع والمقومات الواردة في عنوان هذا المقال كلها تُعاني من خللٍ واضح أو خفي، وتحتاج إلى مراجعة جذرية ومتأنية إذا ما أُريد لهذا البلد أن يصحو من كبوته ويرافق ركب العالم المتحضر، حيث أن بقاء هذه الرموز والدلالات الوطنية على هذا الحال أو البت بها بشكلٍ متسرّع وغير مدروس سيُساهم في استراتيجية العدوان الموجّهة ضد العراق بشكلٍ مُركّز من قوى عالمية وإقليمية ومحلية.
فلنبدأ أولاً بالنشيد الوطني، والذي يُنشَد دائماً من قبل مواطني البلد نفسه بأعمارهم المختلفة وبمناسباتهم المختلفة الوطنية، والاجتماعية، والرياضية وغيرها، لذا لابد أن يكون مكتوباً بلغة ومفردات سهلة الفهم، عميقة التأثير في نفوس المُنشدين، ويتمتع نظمه بموسيقية عالية، يُساعد على الأداء والحفظ السريع، ولابد أن يحتوي في مضمونه على المآثر الإيجابية التي يتمتع بها الشعب والمشاعر الوطنية، وحب البلاد، ونذكر مرةً أخرى بأن محتوى النشيد قد لا يهم شعوب أخرى ولا يؤثر وقعه فيها، وإنما ينفرد تأثيره وأداءه والحماس له بذات الشعب صاحب هذا النشيد.
أما الشعار، والذي يتم تقديمه كتصميم يُتّخذ فيما بعد كَرَمزٍ ودلالةٍ عن بلدٍ ما.. وهذا ما يشترك بالتأثر به كلٌ من الشعب داخل البلاد والشعوب الأخرى خارجه. حيث يحتاج من مصممه إلى الفهم العميق، والنسب فيه تعتبر دلالات رياضية، ترتبط بالحجم ودرجة الوضوح، وعدد المفردات المكونة للتصميم، والتنغيم الذي يؤدي إلى الافتتان بإنشائه الرياضي والهندسي، على أن يتم التوجه بتصميمه باتجاهين: الأول محدد إنشائي ووظيفي، والثاني تعبيري، على ألا يكون بينهما تعارض، وهذا ما تم التوصل إليه من خلال تصميم الفنان العراقي الكبير، المرحوم جواد سليم في تصميمه لشعار الجمهورية في عام 1958.
وأما العَلَم والذي يُرفع داخل البلاد وخارجها، على مباني المؤسسات العامة بأنواعها المختلفة، وعلى مباني السفارات والقنصليات خارج البلاد، وكذلك من قبل الوفود الرسمية التي تمثل البلاد في مختلف اللقاءات والندوات والمؤتمرات.
وأنا أميل للجزم بأنه يجب أن يؤثر في محتوى تصميمه ومفرداته وألوانه بالشعوب الأخرى بنسبة أعلى مما يتوجب عليه من تأثيره في داخل البلاد. وكلما كانت مُفرداته مختصرة وأحياناً متكررة (مثل النجوم في داخل العَلّم)، كلما كان أكثر وقعاً. وهو يعتمد على وضوح أشياء ثلاثة فيه، ألا وهي: الفكرة، والشكل، واللون.
وإن الاختزال والتجريد يجب أن يتوفران بشكلٍ كبيرٍ لاختصار كثير من المفاهيم التي تخص الوطن، وتدل عليه من النظرة الأولى، حتى وإن كانت نقطة الرصد للشخص الرائي من مسافة بعيدة، لا سيما وأن الأعلام في الغالب ستكون مثبتة في أعالي المباني الرسمية الخاصة بالدولة بداخل البلاد وخارجها.
وإن الإغراق في إضافة جزئيات له لتُعبّر على سبيل المثال عن مكونات مذهبية أو عرقية للمجتمع، لا يدل إلا على التشويش الدلالي لدى المُشاهد، وتحتاج إلى شرحٍ مفصل مرافق لكل علمٍ يوضع جنبه للتعرف على جُزئياته، وهذا لا يتوفر في الغالب لأي مُشاهد. فعلى سبيل المثال فإن الاتحاد السوفيتي (السابق) أو يوغسلافيا السابقة كانت هاتان الدولتان مكونتان من جمهوريات متعددة مختلفة في تأريخها ولغاتها وأديانها، إلا أن أعلامها الرامزة إلى وحدتها كانت بسيطة ومُعبّرة عن النظام الذي حكمها لعشرات السنين. وكذلك الأمر بالنسبة لعلم الولايات المتحدة الأمريكية المكونة من عددٍ كبيرٍ من الولايات، لا يمثلها سوى عدد النجوم في العلم.
وإذا عُدنا إلى الرمزية اللونية، فنجد بأن اللون له دلالات رمزية ومشاعرية لدى كل شعب أو قومية بشكلٍ متباين، فمثلاً نجد بأن كل أعلام دول أفريقيا السوداء تحتوي على اللون الأصفر، ويرمز لدى شعوب هذه البلدان، كلون للغنى (لون الذهب). بينما لدى العرب كان يُمثّل لون المرض (كالسل واليرقان)، فلذلك لا نجد علماً واحداً يُمثّل دولةً عربيةً يحتوي على اللون الأصفر. كما يُمثّل هذا اللون لدى بعض الشعوب المتأثرة بديانات قديمة (النار المشتعلة)، والتي كانت تعبدها بعض الشعوب، ولها تأثيرٌ روحيٌ مغروس فيها. وهكذا فإن الألوان لها تأثيراتها السيكولوجية، واستعمالها في الأعلام إذا لم يتم دراسته مفاهيمياً وكذلك انسجامياً (من بين كل الألوان المكونة للعَلَم)، فإن ذلك سيكون مَبعثاً للتشويش الذي يفهمه المواطنون ولا يعرفه الآخرون، فمثلاً لا يُفيدنا أن نُذكَر الناس الآخرين خارج وطننا بأن بلادنا كانت تُمجد الأمويين والعباسيين والعلويين والأندلسيين والفاطميين وغيرهم من خلال العَلَم (هذه العهود مرّت وأبقت تأثيرها المعنوي فينا)، وما فائدة أن يعرف الأجنبي ذلك.. المطلوب أن يعلم المشاهد للعلم برمزٍ بسيط بأن هذا العلم يُمثّل دولةً جديدةً على سبيل المثال تُسمّى (دولة الذهب الأسود) رمزاً للنفط الذي يعني الغنى كمرتكز اقتصادي تعتمد عليه الدولة المعنية، ويمكن أن تستعمل خارطة الوطن (بدون تفاصيل داخلية) في داخل العلم لتمثل الشمولية لكل مكونات الشعب كما هو موجود في علم قبرص، والبرازيل. ويمكن أن يكون لون الخريطة باللون الأسود (كناية إلى أرض السواد). وأخيراً فإن العلم هو شيءٌ آخر ليس كالنشيد الوطني، ولا يتحمل بُقعاً لونية مختلفة أو حتى كتابات دلالية بألوان مختلفة لا تؤدي إلا إلى تثبيت الشعور بالفرقة بين مكونات متنافرة لا يجمعها جامع، وعلى سبيل الذكر فإن مرور الشعب العراقي بمحنة كبيرة مرّت عليه في فترة محددة من تأريخه الطويل الذي يمتد إلى سبعة آلاف سنة أدّت بالحاكم المتجبر وبشكلٍ انفعالي ليكتب بخط يده عبارة (الله أكبر) على العَلَم، وقد أضاف لجهله باللغة همزة على حرف الألف في لفظ الجلالة، وصارت الأعلام كلها تحتوي على هذه الجملة بخط يده، وبالتأكيد فإن كل مسلم مؤمن يُردّد هذه العبارة عشرات المرات يومياً أثناء الصلوات وبينها، فلماذا نكتبها له على العلم، ولماذا نكتبها أيضاً للآخرين، ومن المعلوم لغوياً بأن كتابة الهمزة تظهر في الكلمات كهمزة متوسطة أو همزة آخرية، أما الهمزة الأولية، فهي في الغالب همزة وصل. ولم نجد في أي كتابٍ ديني أو تأريخي بأن حرف الألف في لفظ الجلالة كان مكتوباً بالهمزة. ولكن علماء وأساتذة اللغة العربية في العراق وعلى كثرتهم (وهم معذورون في ذلك) لم يتجرأ واحدٌ منهم حتى على سبيل التنويه أو الإشارة إلى خطأ كتابة لفظ الجلالة بالهمزة (لأن من خطّ هذه العبارة وهو صاحب الأسماء التسعة والتسعين التي ألصقها بنفسه مُتمثلاً برب العالمين) كان بيده كل شيء وعلى الجميع يتوجب السمع والطاعة فقط، واليوم يتخوف القادة داخل السلطة العراقية من بعضهم البعض، ولا يتجرأ أي واحدٍ منهم على التفكير بإزالة هذه العبارة، لأنها موجودة أصلاً في قلوب المؤمنين ولا داعي لكتابتها على العلم. وتم من البعض اقتراح كتابتها بلونٍ آخر، فهذا لا يعني سوى مسألة إثبات الذات من خلال تحويرات شكلية لا تمت بصلة إلى الفكرة التي طرحها المفكرون العراقيون منذ مراحل التغيير الأولى، والتي أيدها القادة الأكراد، وهي ضرورة إيجاد رموز ودلالات معنوية جديدة لمقومات الدولة الأساسية الأربعة (اسم الدولة، وعلمها، وشعارها، ونشيدها الوطني).
وفي مقالٍ لاحق سأحاول أن تحدث عن اسم الدولة، واقتراح صياغته باللغة العربية وترجمته إلى اللغات الأخرى، وأرى بأن ذلك مهماً ويحتاج إلى مناقشةٍ أيضاً.
أشك أن أحداً يمكنه تقديم الإجابة النهائية أو الحلول الأحادية وبشكلٍ مُستعجل. غير أن الوقت حان لحوار هادئ يُساهم فيه الجميع دون إقصاء أو تهميش، ويعترف بالضرورة بحالة الوضع الراهن، ولا ينسى المستقبل لمن يُريد أن يتطلع إلى الرفاهية والسعادة لهذا الشعب بكامل مكوناته وليس بجزيئاته.

صفحات: [1]