عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


الرسائل - عبد الحسين شعبان

صفحات: [1] 2
1
الخشية من ما بعد داعش!
عبد الحسين شعبان
باحث ومفكر عربي


على الرغم من الخسائر التي مُني بها تنظيم داعش الإرهابي بفعل ضربات قوات التحالف الدولي، إلاّ أن محاولته في الظهور الإعلامي، بل وسعيه لسرقة الأضواء أحياناً ظلّت يسيل لها لعابه كجزء من حربه النفسية. مؤخراً قام تنظيم داعش بأربعة أعمال إرهابية كبرى جعلت العالم كلّه مذهولاً وهي:
الأول في ليبيا التي امتدّت إليها يد التنظيم الداعشي، حيث تم قطع أعناق 21 قبطياً مصريّاً، وتركت تلك الفعلة المشينة تداعيات وردود فعل مصرية- ليبية، وإذا كانت مصر موحّدة إزاء الخطر الداعشي وضرورة مواجهته، فإن ليبيا منقسمة عمودياً، خصوصاً بانهيار الدولة، والتنازع على السلطة وأعمال العنف والإرهاب المتفشية في عموم مواقع البلاد.
الثاني في الأردن، حين أقدم على إعدام الطيار الأردني معاذ الكساسبة بطريقة وحشية غير مألوفة، وأثارت هذه الحادثة ردود أفعال رسمية وشعبية، حيث قامت الطائرات الأردنية بالمشاركة في قصف بعض مواقف داعش، مؤكدة الدور الأردني الإقليمي في مواجهة التنظيم الإرهابي وفي حماية الأردن وشعبه وحدوده.
الثالث في سوريا حيث تم اختطاف أكثر من 100 مواطناً من قبل داعش في محافظة الحسكة، وهؤلاء من المسيحيين الآشوريين، ولا يزال مصيرهم مجهولاً، مثل مصير المطرانين بولس اليازجي ويوحنّا ابراهيم، اللذان اختطفا في 22/4/2013، علماً بأن حملة التطهير الداعشية شملت نحو 25 قرية في محافظة الحسكة .
الرابع في العراق حين قامت داعش بتدمير متحف الموصل وعدد من الكنوز التاريخية والآثارية بما فيها تمثال للثور الآشوري المجنح الذي يعود تاريخه إلى القرن التاسع قبل الميلاد، كذلك دمّرت ثور مجنح آخر عند بوابة نركال الأثرية، ويعتبر هذا الثور رمزاً للحضارة الآشورية، وهو ما يذكّر بما قامت به طالبان في أفغانستان بتدمير تمثال بوذا العملاق في باميان في  آذار (مارس) العام 2001.
وليس بعيداً عن ما نُسب إلى داعش وأخواتها ما حصل في باريس من ارتكاب مجزرة بقتل 12 صحافياً في حادث صحيفة شارلي إيبدو، أو في الهجوم على اجتماع في الدانيمارك أو غير ذلك من الأعمال الإرهابية.ولعلّ الامتداد والتمدّد العالمي لداعش، جعل أمر محاربتها بحاجة إلى جهود دولية، بما فيها تشكيل تحالف دولي.
حتى الآن صدر ضد تنظيم داعش 4 قرارات دولية من مجلس الأمن وضمن الفصل السابع الخاص بالعقوبات، ابتداءً من القرار رقم 2170 في 15 آب (أغسطس)2014 والقاضي بمساعدة العراق للتصدي للإرهاب والعمل على منع تمويل الأعمال الإرهابية، ومروراً بالقرار رقم 2178 في 24 أيلول (سبتمبر)2014 قد أكّد على ضرورة التعاون لمنع تجنيد المقاتلين الأجانب، وكان القرار الثالث رقم 2185 في 20 تشرين الثاني (نوفمبر) 2014 الذي شدّد على مواجهة التحدّيات الإرهابية، والقرار الرابع رقم 2195 في 19 كانون الأول (ديسمبر) 2014 الذي طلب من جميع الدول العمل على سدّ المنافذ أمام الإرهابيين، بما فيع الاستفادة من الجريمة المنظّمة العابرة للحدود الوطنية.
كما انعقد يوم 17 شباط (فبراير) 2015  مؤتمراً دولياً لمكافحة الإرهاب الدولي في واشنطن، حضره أكثر من 60 دولة،  وخصّص معظم المتحدثين فيه، وهم من كبار المسؤولين على النطاق الدولي، كلماتهم لتناول دور داعش المحوري الذي هو امتداد لتنظيم القاعدة الإرهابي، الذي أنشأه أسامة بن لادن الذي تم اغتياله في باكستان بتاريخ 2 أيار (مايو) العام 2011 ويقوده حالياً أيمن الظواهري، وكان أحد أبرز قادته الذين تولوا إدارة العمليات في العراق هو أبو مصعب الزرقاوي الذي تم اغتياله في العراق في 7 حزيران (يونيو) 2006. وكان الزرقاوي قد أطلق اسم "القاعدة في بلاد الرافدين"، ثم توحّدت مع تنظيم الدولة الإسلامية في بلاد الشام، وكان حضورها ملموساً في أواخر العام 2013 وفي مطلع العام 2014.
 اعتقدت الولايات المتحدة إنها عندما  تغزو العراق وتطيح بنظامه الدكتاتوري، ستتمكن من إقامة نظام جديد على أنقاضه يساهم في تخفيف حدّة التوتر في المنطقة ويسعى للقضاء على الإرهاب الدولي، لكنها لم تتوقّع إن سقوط نظام صدام حسين سيفتح باب جهنم على المنطقة، حيث فقّس بيض الإرهاب على نحو سريع. لقد خلقت واشنطن بغزوها للعراق مصدر عدم استقرار جديد أكثر خطورة من السابق، ولم يهدّد هذا الخطر العراق وحده، بل إن عدواه انتقلت إلى دول المنطقة بسرعة فائقة لتصل إلى شمال أفريقيا، كما وصل الفايروس إلى أوروبا، التي يتم فيها تجنيد آلاف الرجال والنساء للتطوّع مع داعش والحركات الإرهابية الأخرى.
   يمكننا اليوم القول أن التدخّلات العسكرية الخارجية مهما كانت مبرّراتها تركت آثارها السلبية الخطيرة على التطور اللاحق لبلدان المنطقة ، وهو ما حصل عند غزو واحتلال أفغانستان العام 2001 والعراق العام 2003 والقصف العسكري لليبيا العام 2011، وكذلك التدّخل العسكري شبه المباشر في سوريا، وكل هذه التجارب فرّخت تنظيمات إرهابية ومتطرّفة وجعلت العنف مستشرياً والفوضى متفشّية والطائفية السياسية مستشرية، إضافة إلى استهداف المسيحيين والمجموعات الثقافية الأخرى في أكبر عملية استئصال تشهدها دول المنطقة.
إن طريقة إسقاط النظام السياسي ستؤثر لاحقاً على تطوّره، فإذا أطيح بالتدخل الخارجي العسكري أو بالعنف، فإن ذلك سيترك ردود أفعال معاكسة، والعنف يولد العنف، وهكذا سيجد البلد نفسه غارقاً في عنف وعنف مضاد، ناهيكم عن الديمقراطية والحرية والعدالة الاجتماعية التي كانت حلماً منشوداً لعقود من الزمان، فإنها صارت بعيدة المنال.
إن الخطيئة الأمريكية تكمن في أنها تعاملت مع العراق لا كشعب موحد وصاحب أعرق حضارة في التاريخ، بل كجماعات لا يجمعها جامع، يسودها التعصّب والتطرّف والغلو، ويريد كل منها أن يقضي على الآخر أو يعمل على تحجيمه، لذلك ابتدعوا نظاماً للمحاصصة الطائفية والإثنية، وهو ما عملت عليه عدد من مراكز الأبحاث الأمريكية والغربية، منذ الحرب العراقية- الإيرانية، التي تم تصويرها باعتبارها حرباً "سنية – شيعية" أو صراعاً بين "العرب والفرس"، وفي تقديرات أخرى "نزاعاً بين دول نفطية" ، بتقليل من أهمية الصراع العربي- "الإسرائيلي" ولبّه حقوق الشعب العربي الفلسطيني وفي مقدمتها حقه في تقرير المصير.
إن أسباباً سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية ونفسية كانت وراء تكاثر المجموعات الإرهابية، وخصوصاً في قوة داعش، فالعراق الذي سمّي "جديداً"، بعد القضاء على الدكتاتورية، وقع فريسة الطائفية وعانى من الإرهاب والعنف وضربه الفساد المالي والإداري بالصميم، لدرجة إن ترتيبه  في قياس منظمة الشفافية العالمية هو الثالث (2014)، وامتدّ الفساد إلى المؤسسة العسكرية والمؤسسات الأمنية وجهات إنفاذ القانون، ولعلّ ذلك إجابة على السؤال الكبير: كيف تم هزيمة الجيش العراقي في الموصل على يد جماعات مسلّحة غير نظامية في حين تم صرف مبالغ خيالية بعشرات المليارات سنوياً لإعادة بناء الجيش الذي حلّه بول بريمر؟
وعلى الرغم من إطاحة النظام الدكتاتوري منذ العام 2003 فإن المصالحة الوطنية لم تتحقق بسبب غياب منظور استراتيجي لإعادة بناء الدولة، يضاف إلى ذلك شعور فئات سكانية كثيرة بالتهميش والعزل، ناهيكم عن استمرار قانون الإرهاب (المادة 4) والمخبر السرّي وعدم تلبية مطالب المحتجّين التي هي في غالبيتها مطالب مشروعة باعتراف أركان الحكومة ذاتها.
وقد ساعدت هذه البيئة على ترويج الفكر التكفيري وعملية غسل الأدمغة  في ظل استمرار ظاهرة الفقر، أو حتى  دون خط الفقر لفئات واسعة من السكان دخلها اليومي لا يزيد عن دولارين، في بلد من أغنى دول العالم، لكن شعبه من أفقر الشعوب، وقد كان الاحتلال والسياسات الطائفية التي أعقبته سبباً أساسياً في وصول البلاد إلى ما وصلت إليه.
لقد تولى أبو بكر البغدادي القيادة بعد مقتل أبو عمر البغدادي في نهاية العام 2010 على أيدي القوات الأمريكية قبل انسحابها من العراق، وكان أبو عمر البغدادي قد استلم القيادة من أبو حمزة المهاجر، وهذا الأخير تمت تسميته أميراً لدولة بلاد الرافدين بعد مقتل أبو مصعب الزرقاوي .
البغدادي الذي أعلن نفسه بعد احتلال الموصل 10 حزيران (يونيو) العام 2014 خليفة للمسلمين وطلب البيعة والولاء، كان قد اعتقل في سجن بوكا الأمريكي، وقد انتسب قبل ذلك إلى الجيش العراقي وتدرّب على السلاح وفنون الحرب والقتال فيه، ثم درس العلوم الإسلامية، وكان خطيباً لجامع في منطقة شعبية، وقد أظهر براعة وخبرة في السَوْق العسكري، وكذلك في جباية الأموال والضرائب والآتاوات قبل وجود داعش شبه الرسمي في الموصل وبعد احتلالها، حين شرع في تصدير النفط وبيعه بالسوق السوداء، سواءً حقول سوريا أو بعض الحقول العراقية، وتقدّر الولايات المتحدة ثروته بملياري دولار.
وأظهر البغدادي دراية في ميادين متنوّعة من علم النفس والتأثير السايكولوجي والحرب النفسية والإعلام والتكنولوجيا، مثلما كان الأكثر دموية وعنفاً من جميع الإرهابيين الذين عرفهم العالم المعاصر، لاسيّما بطريقة جزّ الرقاب وقطع الرؤوس،والتلذّذ بمشاهد الدماء، بساديّة لا حدود لها.
لا يمكن لداعش أن تستمر لا في احتلالها للموصل ولا في بقائها كتنظيم مؤثر، موحد ومتماسك، وهزيمتها ستتحقق لا محال، خصوصاً وأن المجتمع الدولي كلّه يقف ضدها ، لكن الخشية الحقيقية هو ما بعد داعش، فهل سيبقى العراق موحّداً؟ وإذا كان فريق من السكان يعارض وجود "الحشد الشعبي" لمقاتلة داعش، فكيف سيرضى بالاستمرار بالصيغة القديمة ما قبل داعش؟!.
داعش ستنتهي ولكن هل يبقى العراق؟


2
آرا خاجادور : الشيوعية المعتّقة
الحلقة الخامسة والأخيرة
آرا: آلهة الشم
س
القضية الرابعة من المسؤول عن إرسال الرفيقات والرفاق إلى الداخل وكيف كانت قضايا من هذا النوع الخطير تتم بعدم معرفة بالظروف ولا أبالية وعدم شعور بالمسؤولية أحياناً، خصوصاً الرغبة في تسجيل نجاحات وهمية، علماً بأن الغالبية الساحقة من الذين أرسلوا كانوا ضحايا، لاسيّما وأن عملية إرسالهم كانت في الغالب الأعم مكشوفة ومعروفة بسبب الاختراقات من الأجهزة الأمنية.
العشرة المبشرون بالجنّة
القضية الخامسة هي موضوع اختيار ما سمّي بالعشرة المبشّرين بالجنة (وهم عشرة رفاق قيل أنهم مهيأون للذهاب إلى الداخل وأوكل أمر اختيارهم إلى عزيز محمد ، فما هو موقفه وكيف تعاطى مع الموضوع؟)، ثم ما هي ملابسات هذه القضية، خصوصاً وأنها لم تعد سرّاً، بل إنها لم تكن سرًّا حينها، وقد تم نشر العديد من الأسرار في حينها على صفحات الجرائد الكويتية، وبعضها نُشر على شكل كراريس من جانب الأجهزة الأمنية .
الأمين العام
القضية السادسة، لم يقل لنا خاجادور في رسائله المذكورة، كيف تم اختيار السكرتير العام الجديد، بعد الإشكالية التي تحدّث عنها بخصوص السكرتير العام القديم، خصوصاً وأن زكي خيري عندما سُئل عن اختيار السكرتير العام، قال أن تأهيله النظري ضعيف وأنه لا موقف له، لاسيّما عندما يحتاج الأمر إلى موقف، وضرب مثلاً لاجتماع كان بإدارته.
قد يكون زكي خيري مصيباً أو مخطئاً، وقد يكون الأمر واقعاً، أي إن الاختيار مما هو موجود وقائم وممكن، إذْ إن السكرتير العام لا يأتي من السماء، بل هو بشر له إيجابيات مثلما له نواقص وأخطاء، وكان عزيز محمد قد عرض على أحد إدارييّ الحزب السابقين منصب السكرتير العام، لكن هذا الأخير، كما كرّر أكثر من مرّة، قال له : إذا كنت تقصد استدراجي لمعرفة طموحي في أن أكون سكرتيراً عاماً، بغرض إزاحتي، باستبطان أجواء الدسائس والمناورات، فليس لديّ رغبة، وإذا كان الهدف اختياري فعلياً، فليس لديّ رغبة أيضاً.
الهروب إلى الأمام
وإذا كان اللهاث وراء المواقع كما يذكر خاجادور صحيحاً، ومعروفاً، فإن انهيار الكتلة الاشتراكية وحالة الاحباط والقنوط، التي أصيب بها العديد من الإدارات السابقة وفي ظل الأجواء المحمومة، كانت وراء حالة العزوف عن العمل وعدم الرغبة في تحمّل المسؤولية، وهما السمتان اللتان طبعتا تلك الفترة، وإن ظلّت عيون البعض معلقة على الادارة، وإضافة إلى الأسباب الموضوعية، فإن حالة التفكّك وعدم الاقتناع التي سادت، دفعت الأمور إلى هذه النتيجة، حتى أن المؤتمر الخامس طلب من عدد من الحاضرين الترشيح فاعتذروا، وتم ترشيح 15 مرشحاً بعضهم بضغوط من الحاضرين، وفازوا دون منافسة ، بمن فيهم من لم يكن قد ذهب للمؤتمر بنيّة الترشّح أو لم يكن في باله أصلاً.
ختاماً أقول إن الحوار المباشر أو على الورق مع الرفيق خاجادور مفتوحاً وقد سبق أن دخلنا في حوار تضمّنه بعض فقرات كتابه، وقد تم نشره في حينها، تقريضاً لكتاب خزندار، وكان الحوار قد حمل عنواناً " هامش على هوامش آرا خاجادور " بتاريخ 26/9/2007.



الوفاء الشيوعي ونقيضه!
إن من أهم دلالات هذا الكتاب، هو الوفاء الشيوعي، وإذا كان البعض يغمز من إن وراء الكتاب وما كُتب هو د. عبد الحميد برتو، فذلك دليل على نكران الذات وفي الوقت نفسه تضحية وإيثاراً، إذ يكرّس أحد الرفاق جهده وعقله لكي يساعد رفيقاً عزيزاً عليه.
والوجه الآخر لهذا الوفاء هو، حين يقرّ ويعترف الرفيق الآخر بفضل الأول عليه ويكرّمه بما يستحق من عبارات الإشادة والتقدير والاعتزاز، وهذا هو ما ينبغي أن يسود من علاقات بين الرفاق، وليس الكراهية والإساءة والضغينة.
ومع كل ما قيل، فالكتاب كتب بلغة مهذّبة وعبّر عن أدق وأخطر القضايا بأسلوب مناسب ومحترم، سواءً اتفقنا معه أو اختلفنا عليه أو على مضمونه، وقد جمعتني مع الرفيق آرا علاقة عمل حين كان مشرفاً على لجنة تنظيم الخارج، وكنا عبد الحميد برتو وأنا مسؤولين في لجنة تشيكوسلوفاكيا، وعن لجنة التنسيق الطلابية لعموم طلاب الخارج، وكانت بعض المشاكل قد حصلت بسبب تصرّفات فردية ونهج بيروقراطي، الأمر الذي اتفق فيه آرا مع مهدي الحافظ، على اختيار طالبين من قيادة المنظمة يمثّلان الحزب لدى الجامعة والسلطات الحزبية فيها، على الرغم من بداية مشوارنا في براغ وعدم إتقاننا للغة التشيكية، وفي ذلك تعبير عن نبض العاملين في القطاع الطلابي.
وعلى مدى الأعوام منذ السبعينيات وحتى الآن سواء في كردستان العراق أو في الشام أو في براغ كانت العلاقة ودية، حتى وإن كنّا نختلف حول الكثير من القضايا والتوجّهات، سواء على نحو مباشر أو غير مباشر، مثلما هي اختلافاتي الجميلة مع الصديق برتو، في العديد من المواقف والتقديرات، لكن الاحترام المتبادل والاعتزاز الأخوي وتقدير استقلالية التفكير كانت قائمة في كل الأحوال.
الشجاع: في الحرب والحب
وبعد كل ذلك فآرا خاجادور مقبل على الحياة في كل الظروف والأحوال، وهو "عييّش" كما يقول اللبنانيون، يستمتع بحياته، مثلما يغامر فيها، عندما يقتضي الأمر ذلك، وكأنه يردّد مع الجواهري الكبير:
وأركبُ الهولَ في ريعان مأمنةٍ       حبّ الحياة بحبّ الموت يغريني
كان في الرقص سبّاقاً، ويبادر لافتتاح الحلبة أحياناً برشاقة وهارموني، وكأنه يقتحم الميدان بشجاعة وهو يحمل الراية، أما موقفه من المرأة وحقوقها ومن التقدم الاجتماعي، فكان إنسانياً، وهو بذلك منسجم مع نفسه ولا يخفي ذلك، وعلى هامش إحدى المناسبات استذكرت معه ما رواه الجواهري وما دوّنته في كتابي عنه " الجواهري – جدل الشعر والحياة" الصادر في العام 1997، من أنه عندما رأى جمال الحيدري وهو يتقدم إلى  حلبة الرقص، هتف في سرّه، ربّما يمكنه أن يصعد إلى حبل المشنقة بنفس الدرجة من الإقبال، مشيداً بجرأته وإقدامه، وكان ذلك في حانة كنّا نتردّد عليها، وكان قد ارتادها سلام عادل وجمال الحيدري، خلال مرورهما في براغ، وكان شغيلتها يعرفون آرا والمشروب الذي يتناوله ويسمونه آرا درنك Ara drink.
رمزية الكبار
وكم شعرت بحزن خفي حين تحوّل ذلك المكان التاريخي الرمزي بالنسبة لنا إلى مطعم سريع وأزيحت معالمه، ولعلّ تلك مناسبة للبحث عن بيوت وأماكن، سكن فيها قادة كبار أو مقاهي زاروها أو ارتادوها ، وهو ما يحدث مع زعماء ومبدعين متميّزين، بل إن بعض أمكنتهم تظلّ فارغة، ويكتب عليها إن فلان جلس في هذا المكان، ومثل ذلك دعوة لاستذكار الشهداء، وكم سيكون رمزياً حين نعرف أين سكن فهد في باريس وأي مقهى ارتاد، وأية غرفة سكن في مدرسة كادحي الشرق في موسكو، مثلما سيكون وفاءً حين نعرف أين درس سلام عادل، وأين درّس في الديوانية، وأين عاش في بغداد، وكم من البيوت تنقّل فيها، لأن ذلك يضفي الجانب الإنساني العاطفي حول تلك الشخصيات خارج نطاق التقديس، وهو أمر قد يساعد فناناً سينمائياً غداً لإخراج فيلم عن ذلك، وقد تحين الفرصة ليتحوّل إلى متحف يحكي قصته الشيوعيين العراقيين.
صاحب مروءة
عاش آرا خاجادور متمدّناً وحضارياً وصاحب مروءة ، وتلك واحدة من خصائص الشيوعية، وعلى الرغم من الظروف الصعبة، فقد كان كريماً دون إسراف أو تكلّف، بل كان عفوياً وتلقائياً دون حسابات في الكثير من الأحيان. وكان متواضعاً بل شديد التواضع بقدر اعتداده بنفسه، وتلك صفات الكبارـ دون تكبّر، وقد يكون مناسباً أن نعرف معنى اسم " آرا"، فحسب اللغة الأرمنية القديمة يعني " آلهة الشمس"، وكان آرا حالماً طيلة حياته بأن تشرق شمس الشيوعية في العراق.


3
آرا خاجادور : الشيوعية المعتّقة
الحلقة الرابعة
هوّية الحزب: شؤون وشجون
إذا ما اعتبرنا الباب الثالث استمراراً للبابين الأول والثاني وإنْ حمل عناوين فرعية في مواقف مختلفة، ولاسيّما بعد الاحتلال منها قراءات في كفاحنا المسلح وتجربة الأنصار الشيوعيين وغير ذلك (ص 369 و374)، فإن الباب الرابع جاء مختلفاً، إذْ كرّسه للأرمن (ص 459-499 وما بعدها)، وفيه تحدث عن أشخاص وتجارب، ولعلّ هذا عكس جانباً إنسانياً للهوّية العامة والفرعية لآرا خاجادور في إطار منسجم ومتّحد، وكان من أمتع أبواب الكتاب، وحسب وجهة نظري إنه الأكثر تعبيراً عن شخصية آرا خاجادور الشيوعية المعتّقة، فهو يبحث في "مجزرة الأرمن" ولاسيّما مراسلته مع الشيوعي الأرمني السوري فاروجان سالاتيان، الذي حاول استيضاح رأيه حول مجازر الأرمن، حيث أثيرت من جانب فرنسا والولايات المتحدة، وذلك خدمة لمصالح  الدول الكبرى التي يحذّر من الثقة بها، وليس لجوانب إنسانية. ويعتبر خاجادور تسوية المسألة القومية تتم في إطار قضية الديمقراطية في البلد المعني، ويؤكد أنه بعد 90 عاماً على المذابح الأرمنية من جانب تركيا، فالحل هو بالحوار والمصالحة لا غير، وفي ذلك نزعة إنسانية للتسامح.
وقد كتب مقالة مطوّلة ترتقي إلى مستوى دراسة عن الكسندر مياسنيكيان الشيوعي الأرمني السوفيتي وذلك لمناسبة صدور المجلد الخامس من أعماله في يريفان، وفي هذا القسم شيء ممتع عن التاريخ  الأرمني والتاريخ الشيوعي، حيث يرد ذكر أنستاس ميكويان القائد الأرمني الشيوعي ونائب رئيس  مجلس السوفييت الأعلى، إضافة إلى زميل لينين، استيبان مياسنيكيان، وهو أحد القادة التاريخيين ويتناول في هذا المبحث لقاءات مياسنيكيان مع لينين في تبيليسي العام 1922، وموقفه من القضية القومية، ولاسيّما بخصوص أرمينيا السوفيتية لاحقاً، ولعلّ أزمة إقليم ناغورنو كاراباخ الحالية ، إنمّا تعود إلى مطلع القرن التاسع عشر . وتحت عنوان "قاسيون وآرارات" يكتب رثاءً لرفيقه الشيوعي السوري فاروجان وذكرياته عنه.
العرب في الذاكرة الأرمنية
ويخصص فقرة مهمة عن "العرب في الذاكرة الأرمنية" ويتحدّث فيه عن دعوته للمشاركة الأممية من جانب أرمن الخارج لإقامة نصب تذكاري وفاءً للشعب العربي" نصب العرفان بالجميل"، وذلك في العاصمة الأرمنية يريفان، وفي هذه المادة يذكر مسألة ينبغي أن تقرأ بدلالاتها وهي موقف الشريف الحسين بن علي (الهاشمي) لإدانة مذابح الأرمن، وانعكاسات ذلك على العالمين العربي والإسلامي، وذلك تنبيهاً منه إلى وحشية حزب الفتاة في تركيا وقادته طلعت باشا وجمال باشا وغيرهما. وفي هذا المبحث إشادة بالعرب وضيافتهم وتقديم المساعدة للضحايا، سواءً في سوريا أو في العراق. ، حيث يظهر آرا خاجادور أممياً إنسانياً من الطراز الأول، ومتشبعاً بالثقافة العربية ومتمسكاً في الوقت نفسه بهوّيته العراقية، مع اعتزازه بهوّيته الفرعية الأرمنية. وحين زرت أرمينيا في العام 2010 لحضور أحد المؤتمرات الدولية كتبت مادة في جريدة العرب القطرية بتاريخ 19/4/2010 ، بعنوان : أرمينيا وسمفونية المبارز وبعد اطلاع أرا خاجادور عليها، كتب لي تعليقاً يشيد بها، خصوصاً وقد جاء ذكر الجواهري وعامر عبدالله فيها، إضافة إلى شجاعة الشعب الأرمني وتضحياته ومآسيه، دون أن أنسى التذكير بكونياك أرارات الشهير الذي كان الجواهري " يتغزل" به. وقد أعود لعرض دلالات هذا الباب الشيق في إطار قراءة خاصة.
وأفرد خاجادور الباب الخامس للعمل النقابي والحركة العمالية، وأطلّ في الباب السادس على قضايا عربية، منها الموقف من ذبح الفلسطينيين في العراق وهو بعنوان " من الجريمة إلى العار"، وكذلك إدانة الموقف الإسرائيلي من الحرب على غزة، ويختتم الكتاب بباب سابع يتناول فيه بعض سجايا مناضلين غادرونا وفاءً واعتزازاً.
وإذا كان الباب الأول قد خصصه لخلافه مع إدارة الحزب والذي حمل " صراع في حزب ثوري" فإن الباب الثاني  جاء تحت عنوان "الموقف من الاحتلال وخططه"، ويعتبر هذان من أهم أبواب الكتاب، وعلى الرغم من أن الكتاب كتب كمقالات على مدى 20 عاماً، إلاّ أن هناك خيطاً رابطاً بينها، وهو تعبير آرا خاجادور على ذاته في لحظة من لحظات التطهّر والصدق والوفاء، وخارج نطاق عوامل الصراع القديم، لاسيّما عندما وجد نفسه "متحرراً" من الكثير من الضغوط والاعتبارات القديمة.
صحيح إن آرا خاجادور تناول قضايا عقدية كثيرة، لكن بعضها لم يعطها حقها أو حتى لم يتناولها، منها:
المؤتمر الرابع
القضية الأولى المؤتمر الرابع للحزب الذي أدّى إلى انفجار الأزمة في الحزب. صحيح أنه أتى عليه من باب الإشارة أو النقد أو العبور، ولكن كان عليه أن يتوقّف عنده بشيء من الإفاضة وأن يحدّد موقفه منه، وهل كان جزءًا من التحالف المكوّن من عزيز محمد وفخري كريم كما هو شائع، لاسيّما المناوئ للجزء الثاني من الحزب حيث تم تنحية العديد من إدارات الحزب وكوادره وأعضائه في حملة تطهير لم يشهد الحزب لها مثيلاً، خصوصاً وقد انقسم الحزب عمودياً، وقد سبق لعزيز محمد أن عبّر عن ذلك بقوله: جئنا ليلغي نصفنا النصف الآخر!.
أعرف أن النتيجة كانت انفضاض التحالف الأول، وهو ما عبّر عنه خاجادور بالمؤامرات والدسائس، وأعرف إن موقفه اختلف كثيراً، لكنه كان ينبغي أن يفرد مبحثاً خاصاً في إطار النقد الذاتي عن المؤتمر الرابع، ويقدّم صورة حيّة من داخله وبشيء من التفصيل، ولذلك تبقى مطالبتي له بكتابة مذكراته التي هي أكثر من ضرورية الكثير من الفراغات التي لا تزال قائمة، خصوصاً في تناول قضية من هذا العيار الثقيل التي كانت فاصلاً بين عهدين.
التعذيب
القضية الثانية هي مسألة التعذيب الذي تعرّض له بعض الرفاق، وحتى وإن كان محدوداً، فإنه شكّل ظاهرة ترافقت مع حملة التطهير والإقصاء. وكنت أتمنى أن يأتي خاجادور على مقتل مشتاق جابر عبدالله " منتصر" تحت التعذيب وملابسات ذلك، إضافة على تعذيب عدد من الرفاق منهم ستار غانم  "سامي حركات" الذي تعرّض للاعتقال والتعذيب وأطلق سراحه بعد استشهاد منتصر، وعانى من ضغوط عديدة، وبعدها توجّه إلى الداخل لإعادة بناء التنظيمات الشيوعية، فألقي عليه القبض في بغداد، واستشهد في العام 1993، كما جرى الحديث عن ذلك من جانب كوادر عديدة.
ولا يزال المناضل الباسل (أمين) " أحمد الناصري" الذي سبق له أن روى تفاصيل تعذيبه على يد رفاقه، إضافة إلى أنه كتب عدّة مقالات حول الموضوع، ووجه العديد من الرسائل والمناشدات، وهو يستحق الاعتذار، كما تستحق مثل هذه القضايا تسليط الضوء عليها، ليس من باب الانتقام أو الثأر، بل لكشف الحقيقة وجبر الضرر وتعويض الضحايا، ولكي لا تبقى في الأدراج، علماً بأنه هناك من ينفي من إدارات الحزب السابقة وجود مثل هذه القضية، في حين أن الكثير من الأنصار يعرفونها، وقد سبق لقاسم سلمان (أبو الجاسم) أن جمع مواد التعذيب وبعض حاجيات الضحايا ووضعها أمام السكرتير العام للحزب، وبقية القضية معروفة، وقد تم نشرها في صحيفة المنبر خلال الصراع الدائر آنذاك.

المنبر
القضية الثالثة كنت آمل أن يوضح آرا خاجادور موقفه من حركة المنبر الشيوعية، التي أعلنت منذ أواسط الثمانينات، وعبّرت عن مواقف مختلفة عن إدارة الحزب، بل إنها حاولت تقديم قراءات جديدة للماركسية، كما توقّفت عند العلاقة مع المركز الأممي "الاتحاد السوفييتي" مقدّمة نقداً وتقييماً جديدين، فبقدر ترحيبها بالبريسترويكا التي يخالفها آرا خاجادور ويعتبرها مؤامرة، لكن التسلّط والاستبداد وشحّ الحريات والبيروقراطية والاختناق الاقتصادي وسباق التسلح، كانت كلها معضلات حقيقية ومزمنة وشائكة عانى منها الاتحاد السوفييتي على مدى عقود من الزمان، لذلك لم يكن إصلاح الحال لمجرد الرغبة في التجديد والتغيير، كما إن التشدّد بالمزيد من السياسات القديمة لم يكن كافياً لمعالجة الأمراض المستعصية أو للتغطية عليها، وهي التي أوصلت الحال إلى ما وصل إليه.
وهكذا وبمجرد اتخاذ أولى خطوات المراجعة خرّ النظام الاشتراكي صريعاً ومنهاراً على أرض صلدة، إذ كان فتح النوافذ كفيلاً بأن تتسرّب رائحة الفساد والترهل في كل مكان، فلم يعد بالإمكان وقف عملية الانهيار، والأمر لا يتعلق باختراق أو مؤامرة، لكن بسوء تقدير أو حسن ظن أو ثقة أكثر من اللازم، بإمكانية الإصلاح التي كانت تحتاج إلى تدرّج وتطوير وتوازن.
لقد سبق لجان بول سارتر أن قال أيام الستار الحديدي: إن الدول الاشتراكية تبدو قلاعاً محصّنة من الخارج ، لكنها هشّة وخاوية من الداخل، وهو ما تم الاشتغال عليه من جانب القوى الامبريالية، وفقاً لنظرية "بناء الجسور" لتهديم الاشتراكية من داخلها، خصوصاً بتراكم الأخطاء وفشل التطبيقات وسو الإدارة ونكوص دور الحزب، ناهيكم عن الجوانب الموضوعية الأخرى.
لقد انتقد المنبر الشيوعي في موقف متميّز انتعاش الحركة الصهيونية في الاتحاد السوفييتي، في حينها وناشد الرفاق السوفييت لإعادة النظر بموقفهم الخاطئ إزاء "هجرة اليهود السوفييت إلى إسرائيل"، وذلك عبر مقالات نشرت في المنبر، تندّد بذلك وتحذّر منه، وكان مثل هذا الموقف قد عبّرت عنه كذلك في العلاقة مع منظمة التحرير الفلسطينية، وعدد من المراسلات مع ياسر عرفات، بشأن القرار 3379 وعنصرية الصهيونية. 
أعرف أن موقف خاجادور عندما توقفت صحيفة المنبر لبضعة أشهر كان يحثّنا على إصدارها، لأنها تُشجّع على الحوار وتثير الجدال والصراع الفكري، وتنشّط حيوية الحزب، وليس كما جاء في اتهام أحدهم له بأنه يقف وراء المنبر، فقادة المنبر معروفون وهم يتحمّلون مسؤولية نجاحهم وفشلهم وصعودهم ونزولهم، وكنت قد أشرت في وقت سابق أن الحركة كانت قد استنفدت أغراضها.


4
آرا خاجادور : الشيوعية المعتّقة
الحلقة الثالثة

الحوار مع حزب البعث
يتناول خاجادور في رسالته الموجّهة إلى اللجنة المركزية مسألة الحوار مع سلطة حزب البعث (أيار/ مايو 1988) ويفرد لها حيّزاً كبيراً، حيث يقول إن اللجنة المركزية وافقت على ممارسته مبدئياً، وهو ما توصّلت إليه لجنة إقليم كردستان واجتماع الكوادر العاملين قرب مقر مركز الحزب، ويقول: لم تطرح أية معارضة لموضوع الحوار، ما عدا التأكيد على ضرورة اليقظة والحذر.
ولعلّ مثل هذه القضية تكاد تكون خافية على الرأي العام الحزبي، بل يجري انكارها، علماً بأن خاجادور يقول إنها قرار من المكتب السياسي ولجنة الإقليم وشبكة الكادر حول مركز الحزب.
وقد حصل اللقاء فعلاً في براغ بين مكرّم الطالباني رسولاً للنظام وعزيز محمد وجلال الطالباني 1989 وتعذّر حضور مسعود البارزاني، علماً بأن نتائج هذا الملف تم وضعها في مسوّدة نشرة داخلية وحملها عبد الرزاق الصافي بعد أن أعدّها المكتب السياسي وتوجّه إلى الشام لطباعتها، وهناك حسبما يقول خاجادور افتعلت ضجة وحملة تشهيرية... لأهداف ذاتية واضحة ومحدودة الأفق والأغراض والمصالح تسعى إلى زيادة الارتباك في صفوف الحزب... وتحت تأثير غبار هذه الضجّة جرت المطالبة بعدم توزيع النشرة.
هل الحزب الشيوعي يمثل الطبقة العاملة؟
أما في رسالته المفتوحة التي يعتبر نفسه متأخراً في طرح الحقيقة على جمهور الحزب لأنه حسبما يقول توصّل إلى اقتناع بأن قيادة الحزب مصرّة على نهجها في تفتيت الحزب، فإنه يتناول فيها جملة من القضايا المهمة، نعرض منها ما يلي:
•   العجز القيادي وواقع تدهور وضع الحزب وتحليلاته المزعومة، حيث يسخر من عبارة " لقد أثبتت الحياة صحّة سياستنا".
•   المؤتمر الخامس  العام 1993، الذي يتهمه بأن رسالته الأساسية هي " إضفاء صبغة من الشرعية على قيادة أثبتت عجزها وقصورها..." ص 44، ويعتبر ذلك مناورات ودسائس ومؤامرات في أوساط القيادة، في حين إن جماعة المؤتمر، تطلق عليه اسم  مؤتمر التجديد والديمقراطية، مشيراً إلى أن قاعدة الحزب تترك، كما هي العادة في الظلام، لا تعرف ما الذي يحدث في رأس الحزب المريض، وهو استنتاج خطير، لاسيّما حينما يصدر من آرا خاجادور .

البريسترويكا
وينتقد خاجادور مفهوم التجديد من جانب " بيرسترويكا غورباتشوف" ملمّحاً إلى الندوات الأكاديمية وحوار الصالونات (المقصود بها ندوات مجلة النهج) الذي لم يتوفر فيه الصراحة وروح البحث العلمي، ويعتبر تلك المؤتمرات وأعمال النشر المدفوع الثمن، تصبّ في خدمة القيادة السوفييتية التي انتهجت " سياسة تصفوية مرسومة بعناية فائقة ومدعومة بمختلف الصيغ من قبل الغرب الاستعماري..." ص 46.
ومثل هذا الرأي لا بدّ من التوقف عنده، خصوصاً للعلاقة الخاصة التي ربطت آرا خاجادور بالدول الاشتراكية، ولاسيّما تشيكوسلوفاكيا، انطلاقاً من إيمان أممي وقناعة راسخة، تقتضي التوافق لا التباعد، خصوصاً مع السوفييت ومن يدور في فلكهم من الدول الاشتراكية السابقة.
من موسكو النجمة الحمراء إلى واشنطن المتعدّدة النجوم
•   الرفاق الموظفون ودورهم، ويعتبر هؤلاء ظلّوا يحملون لافتة الشيوعية، لأنها تمثّل بالنسبة لهم المكتب أو الدائرة التي يعملون فيها، ولكن تم تحويل مرجعيتهم بعد غياب  موسكو من "النجمة الحمراء" إلى واشنطن "متعدّدة النجوم". ويقول إن الموظفين في حزبنا طلبوا العون من واشنطن سرّاً وعلانية، بعد أن أعربوا أمام أولياء نعمتهم الجدد، بأنهم تخلّوا عن مبادئ الاشتراكية " العتيقة"، إضافة إلى سياسة الصفقات التي تعقد مع قوى رجعية أجنبية (ص 47)، لكنه لم يفصح إذا كان ثمة في الأمر معلومات أو تقديرات واتفاقات وبين سياسات ومواقف والفارق بينهما كبيراً، قانونياً وسياسياً.
•    طرد الرفاق بطريقة مخملية، أي أن الرفيق يبقى لا يعرف مصيره، حيث يتجسّد هذا السلوك بعبارة " وضع الرفيق نفسه خارج صفوف الحزب"، حسبما هو واضح فإنه  استعمل ضدّه أيضاً، وكان قد استخدم مثل هذا الأسلوب ضد مئات الرفاق في عدن والشام والدول الاشتراكية وكردستان، حتى وإن كان آرا خاجادور في قمة الحزب.
•   سياسة التحالفات، حيث  ينتقد السياسة الذيلية لإدارة الحزب، سواءً في الأمس القريب قالوا "مع البعث حتى بناء الاشتراكية" أو عندما صاروا  "ذيلاً بائساً للحركة القومية الكردية" حسبما يقول خاجادور، مشيراً إلى " النزعات الانفصالية" بعد دخول قوات الاحتلال الأجنبية إلى كردستان، دون أن يهمل السياسات الشوفينية للحكومة المركزية وحروب الإبادة الجماعية، بما فيها استعمال السلاح الكيماوي.
•   الحزب الشيوعي الكردستاني، ينتقد خاجادور إقامة حزب شيوعي كردستاني في ظل عدم " وجود أساس للصراع الطبقي في مواقع الانتاج في المؤسسات الاقتصادية الانتاجية..." ويتساءل  على نحو مثير وخطير " وهل الحزب الشيوعي العراقي نفسه حقاً يمثل الطبقة العاملة بتركيبه وتمثيله لمصالح العمّال؟"
إن مثل هذا التساؤل يأتي من نقابي بروليتاري، وعلى معرفة بواقع الحال وليس من أحد المثقفين الشيوعيين، الذين سيقال لهم أنهم ينحدرون من البرجوازية الصغيرة، ولكن هناك معاني عميقة حين  يأتي من أحد القادة النقابيين البارزين القلائل، بل المعدودين ليس في الحزب الشيوعي العراقي فحسب، بل على نطاق العراق والعالم العربي، حتى وإن اعتبره بعضهم "اندحاراً" وتراجعاً وقنوطاً.
 لكن خاجادور وهو يتمسك بشيوعيته يمضي ليدلّل على استنتاجه بالقول " لقد مضى ربع قرن لم يخض فيه الحزب صراعاً يدافع به عن مصالح العمال" (ص 52)، وكان ذلك في العام 1991، ويزيد على ذلك بقوله " إنه حالياً حزب شيوعي بدون حركة عمّالية " ،  وإنْ كان يلقي بالجزء الأساسي في هذا الوضع على عاتق النظام الدكتاتوري، لكنه يعتبر قيام حزب شيوعي كردستاني في ظل غياب نفوذ الحزب في الجزء الأساسي من العراق (الجزء العربي) ينطوي على عجز في كردستان أيضاً.
•   مالية الحزب، يعيد آرا خاجادور طرح الموضوع باعتبارها استخدمت " أداة في محاربة الرفاق برزقهم ومصادر معيشتهم الشحيحة" ويعتبرالمالية " باقية بلا حسيب ولا رقيب" وأن هناك من يحمل " كارت بلانش- مصوناً وغير مسؤول".
على الرغم من الإضاءات المهمة لآرا خاجادور في كتابه "نبض السنين"، ولاسيّما في الجوانب السياسية والعملية، ما بعد العام 1993، حيث نشر رسالة ثالثة، وذلك بعد الإجراء الذي اتخذ بحقه والوارد في النشرة الداخلية المذيّلة (النصف الثاني من شهر تشرين الأول/اكتوبر/1992) والتي اعتبرت مواقفه تشهيراً بالحزب وترديداً للشتائم التي يطلقها أعدائه المرتدين (هكذا أصبح آرا خاجادور مرتدّاً وعدوّاً للحزب) وكل ذلك للوصول إلى النتيجة المنطقية حين قرّرت اللجنة المركزية إدانة ممارساته وفصله من عضويتها، وصولاً إلى الجملة الشهيرة " وضع نفسه خارج الحزب"، وقد استخدمت تلك بحق نوري عبد الرزاق الذي اتهمته رسالة المكتب السياسي، بأنه يكتب تقاريره إلى القيادة البعثية، بدلاً من إدارة الحزب، كما استخدمت ضد العديد من الرفاق .
بعد هذا الإجراء اتخذ صراع آرا خاجادور منحىً آخر، فأخذ يعلن مواقفه السياسية التي تعمقت مع مرور الأيام، ابتداءً من موقفه من الحصار الاقتصادي الذي اعتبره جريمة ومأساة مروعتان (ص 64) وذلك في رسالته المذيّلة 29 تشرين الثاني (نوفمبر) 1997. وعاد وطرح العديد من الرسائل والمقالات في بعض وسائل النشر، ولاسيّما الانترنيت، فيما يتعلق بموقفه من الحصار ومن بعض المواقف العدمية لإدارة الحزب إزاء الوطنية العراقية ، وتركّزت مواقفه اللاحقة بإدانة العدوان الأمريكي والتحذير من احتمال وقوع العراق تحت الاحتلال، ولاحقاً التنديد بالاحتلال والقوى المتعاونة معه، مع شيء من الإحراج لوجود الحزب في مجلس الحكم الانتقالي، كما عبّر عن مواقفه من المحاصصة الطائفية – الإثنية والحرب الأهلية وتأييده المقاومة الوطنية ضد الاحتلال كما يسميّها.


5
آرا خاجادور : الشيوعية المعتّقة
الحلقة الثانية
مدوّنات آرا خاجادور الشيوعية
إن شخصية مثل آرا خاجادور بحاجة إلى تدوين تجربته، لأنها لا تخصّه وحده، بل إن جمهوراً واسعاً معنيٌ بها، من الشيوعيين والوطنيين والقراء بشكل عام، فهو رئيس الفرع الأرمني للحزب الشيوعي منذ كان فتى في العشرين من عمره، ودخل السجن لعشر سنوات قضاها في سجون نقرة السلمان وبعقوبة وبغداد والكوت من العام 1948 ولغاية ثورة 14 تموز (يوليو ) العام 1958، ثم اعتقل في أواخر الستينيات أيضاً، وكان ممثلاً للحزب في منظمة الأنصار الشيوعية العربية التي كان من المؤمل قيامها بدور مسلح من جانب أربعة أحزاب شيوعية عربية، هي العراقي والسوري واللبناني والأردني، وفي الثمانينات قضى بضع سنين من حياته في حركة الأنصار الشيوعية العراقية في الجبال الوعرة، يضاف إلى ذلك أنه شغل عضويات قيادية في الحزب، من اللجنة المركزية إلى المكتب السياسي، وعاصر في عمره المديد شخصيات وطنية عراقية متنوّعة، وكذلك شخصيات عربية وعالمية، لكنه أصبح هكذا مرّة واحدة وبجرّة قلم  "خارج الحزب" حسب الوصفات السائدة.
قيادات فائضة عن الحاجة
أقول أن شخصية مثل آرا خاجادور ليست فائضة عن الحاجة أو منتهية الصلاحية بحيث يتم التعامل معها على هذه الدرجة من الازدراء والإساءة والخِفّة، حتى وإن كان قد تقدّم في السن، لكنه جزء من تاريخ الحزب ينبغي التعامل معه على أساس الاحترام والتقدير، بل وتكريمه، وذلك بغضّ النظر عن الملاحظات والأخطاء والتعارضات التي تتولّد خلال العمل، وتلك سمة إنسانية لا محيد عنها.
عندما وصلني كتاب آرا خاجادور بدأت بقراءته واستوقفني بعض المواضيع التي سبق وأن عالجناها في حركة المنبر التي اتخذت موقفاً من القيادة الرسمية وتوجهاتها، وهي التي كان آرا خاجادور حينها أحد أركانها، وحصل الأمر لعدد آخر من القياديين الذين اختاروا النهج ذاته، أي إعلان الاحتجاج، خصوصاً عندما أصبح الصمت يعني تواطؤاً، حين يتم المساس بهوّية الحزب ووطنيته، وهو الموقف الذي حاول المنبر اتخاذه في الحرب العراقية – الإيرانية، خصوصاً برفض المشروع الحربي والسياسي الإيراني، لاسيّما البديل الإسلامي المفروض من الخارج، وكذلك فيما يتعلّق لاحقاً بالموقف من الحصار والمخطط الأمريكي، وأخيراً الموقف من الاحتلال والتعاطي مع المحتل وتقسيماته الطائفية – الإثنية ، ليس هذا فحسب، بل الموقف من التصرّف بالحزب كإقطاعية، سواءً بتاريخه وتنظيماته وأمواله أو بسمعته ودوره الوطني المنشود.
وكما هو أسلوب التعامل في الماضي، فقد استمرّ في الحاضر، فرأي المخالف أمّا أن يتمّ تشويهه وتلصق به أبشع التهم والإدانات ويتم التحريض ضدّه، أو يغيّب وكأنه غير موجود أو هو أقرب إلى كائن من عالم آخر، وهذا ما حصل بالنسبة لآرا خاجادور .أتوقف عند هذه الظاهرة لأنها استمرت على الرغم من تغيّر الظروف والأحوال، حتى أصبح من وظيفة البعض أو من المهمات التي منحها لنفسه بعد خلعه، التصدّي لأي نقد ولأية وجهة نظر خارج نطاق الطاقم  المعروف بشكل رسمي أو بشكل شبه رسمي، على نحو لا يخلو من الكراهية والحقد، ناهيكم عن المراهقة السياسية دون أي اعتبار للعمر والتجربة، اللتان لهما استحقاقاتهما، وخصوصاً لمن بلغ من العمر عتيّاً.
معارضو إدارة الحزب
إن المرض المزمن ظلّ متأصلاً، فكل من يرفع عقيرته بالنقد، بل يشرع بالتعبير عن ذلك علناً، يلقى ما يلقاه من إساءات وشتائم، وطالت قائمة المشتومين من مجموعة المنبر التي ضمّت نوري عبد الرزاق ود. مهدي الحافظ  ود. ماجد عبد الرضا وأحمد كريم ود. خالد السلام وكاتب السطور إلى بهاء الدين نوري ومجموعته وزكي خيري وسعاد خيري، ثم مجموعة باقر ابراهيم التي ضمّت عدنان عباس وحسين سلطان وآخرين وكذلك تواصلت الحملة ضد عامر عبدالله، وبعدها وصلت الحملة إلى آرا خاجادور وبعض الرفاق الذين معه، خصوصاً عندما بدأ بالتعبير عن رأيه، بنشر أول رسالة مفتوحة له بتاريخ أيلول /سبتمبر 1991، أي بعد غزو  القوات العراقية للكويت 2 آب (أغسطس) 1990، وحرب قوات التحالف لتحريرها في 17/1/1991، ومن ثم بداية تدمير العراق وفرض شروط مهينة عليه في إطار عقوبات دولية جائرة.
وعندما أذكر ذلك فلا يعني إن المشتومين هم بلا أخطاء أو نواقص، بل إن بعضهم بقدر ما يوجّه لإدارة الحزب من انتقادات يوجّه إليه أيضاً، ولكن الفارق كبيراً بين النقد والنقاش الفكري والاختلاف حول الممارسات التنظيمية، وبين الشتم والإساءة والتشهير.
إن تاريخ الرسالة له أكثر من دلالة، وحتى لو جاءت متأخرة، فإن انكشاف عيوب الأنظمة الاشتراكية، قد يكون وراء إفصاح خاجادور عن آرائه علناً، خصوصاً وأنها جاءت بعد عاصفة من التغييرات التي شملت بلدان أوروبا الشرقية وانهيار أنظمتها الشمولية، حيث أطيح بجدار برلين بتاريخ 9 تشرين الثاني (نوفمبر) العام 1989 وقبل هذا التاريخ حصل التغيير في بولونيا وهنغاريا اللتان أطاحتا بالنظام الشمولي والاشتراكية البيروقراطية التي سقطت مضرجةً بأخطائها وخطاياها، ثم انهار النظام الاشتراكي في تشيكوسلوفاكيا، وكرّت المسبحة، وحصل كل ذلك بفعل حراك شعبي وصلت أمواجه إلى الاتحاد السوفييتي الذي انهار فيه النظام الشيوعي بعد 70 عاماً من الحكم، وذلك في أواخر العام 1991.
" الرسالة المفتوحة" التي وجهها آرا خاجادور والتي تعلن الفاصل بين زمنين وتاريخين ، ينبغي أن تؤخذ بظروفها الموضوعية الدولية والإقليمية والعراقية، لاسيّما ظروف الحزب الخاصة، حيث تكرّست السياسات الخاطئة للإدارة الحزبية، واستمرت سياسة التفريط وخروج أعداد من الإدارات عليها حسبما يوضح مضمونها.
جدير بالذكر إن رسالة سبقت هذه الرسالة وهي منشورة في الكتاب ومذيّلة بشهر آذار/مارس 1990، لكن تلك الرسالة كانت موجهة إلى اللجنة المركزية، وقد كانت الخطوة الأولى التي بدأ فيها آرا خاجادور " أبو طارق" باختيار الطريق شبه العلني لخوض الصراع، بعد أن وصلت قناعاته إن إمكانية الإصلاح أصبحت مستحيلة (تصوروا إن شيوعياً يصل إلى مثل هذه القناعة بعد نصف قرن قضاها في الحزب، فما الذي يدفعه لاتخاذ هذا الموقف إن لم يكن ثمة فداحة هائلة، وهو الذي تحمّل الكثير من العذابات والآلام).
وهو ما حاول د. رحيم عجينة التعبير عن ذلك، لاسيّما بتسليط الضوء على الأجواء المحمومة السائدة داخل اللجنة المركزية والأساليب الزجرية وغير الرفاقية التي اتبعت في إطار مراكز القوى، حتى وإن جاء ذلك بعد وفاته، وفي المذكرات التي تم نشرها عن دار الكنوز الأدبية في بيروت بتاريخ   1/1/1998، وكان قبله زكي خيري  قد تعرّض لكثير من الضغوط والتجأ حينها إلى السويد وهو يحمل مرارات لا حدود لها، سواءً خلال وجوده في دمشق (أواسط الثمانينات) أو عندما انتقل بعدها إلى براغ في ظرف بالغ القسوة والجحود وهو ما يأتي على بعضه في مذكراته " صدى السنين "، وذلك بغض النظر عن المواقف السلبية والخاطئة لهذا الرفيق أو ذاك. وهناك قائمة أخرى ضمّت مذكرات باقرا ابراهيم وعدنان عباس وبعض كتابات حسين سلطان، وهي كلّها تنضح بالمرارة، وبالطبع قبلها مذكرات بهاء الدين نوري وآخرين.
إن كتاب آرا خاجادور الصادر العام 2014 عن دار الفارابي في بيروت ضم بين دفتيه 60 مقالاً تدور حول السياسة الراهنة وتداعياتها وبعض خلفياتها، وإن كانت تتعرّض إلى بعض الجوانب من السياسات السابقة، لكن ما هو راهن منها، بما فيها مناكفات وإساءات جاءت على لسان بعضهم، وحملت أسماء مستعارة مثل " دحّام التكريتي" والذي هدّد خاجادور بكشفه ووجّه كلاماً مباشراً له إذا لم يرعوي ويكفّ عن المهاترات، كما عكست المقالات إضافة إلى الأزمة الداخلية للحزب والموقف من الحصار والاحتلال، مواضيع أخرى.
 ويقول د. عبد الحميد برتو في مقدمته الرفاقية عن الكتاب وما احتواه أنه " ينتقد بانسيابية وبساطة ودون تحفظات في طرح النواقص والمعايب والأخطاء، وهو في الوقت ذاته يدافع دفاعاً مستميتاً عن الشيوعية في العراق وعلى النطاق الأممي فيما يراه صحيحاً وإيجابياً وصادقاً".
إن كتاب خاجادور يشكل إحدى الرؤى للأفكار والممارسة الشيوعية، وليست بالضرورة أن تكون صائبة أو صحيحة، لكنها تعبّر عن شيوعية خاصة بفهمه لها، وهو ما سنحاول التطرّق إليه، على الصعيدين النظري أو العملي، علماً بأن الكثير من الآراء ووجهات النظر، لاسيّما السياسية التي جرت مقاربتها تنسجم مع بعض توجّهات عدد من الشيوعيين، خصوصاً بعد الاصطفاف الجديد الذي يتعلق بالهوّية الوطنية للحزب والموقف من الاحتلال.
وبالقدر الذي حاول فيه برتو إبراز القيم المشتركة، لاسيّما الانتصار للمظلوم، سواء كان الظلم الذي جاء من خصم أو من ذوي القربى، فإنه يبرز أهمية وواجب التضامن والانحياز للعدالة وضد العدوان وهي القيم الأصيلة للشيوعيين خارج نطاق التشوّهات التي لحقت ببعضهم، والتي أشاعت نوعاً من الكراهية والثأر والانتقام، في زمن يتّجه فيه العالم أكثر فأكثر إلى التصالح والتسامح والتواصل الإنساني، وخصوصاً في المجتمعات المتحضّرة، أقول بقدر فائدة تناول مثل هذه القضايا الداخلية، فإن عرض المواقف السياسية بتفاصيلها وعموميتها أمر ضروري ومفيد أيضاً، للتمييز بين مواقف الشيوعيين المناوئة للاحتلال ورفضهم التعاطي معه، وبين من انساقوا تحت مبررات " الأمر الواقع" و"عدم الانعزال" وغير ذلك من التبريرات.


صراعات واختراقات
ويمكن تلخيص أهم ما تضمّنته الرسالتان اللتان تشكّلان أساس رؤية آرا خاجادور للتطوّرات السياسية، ولاسيّما ما يتعلق بالأزمة الداخلية هو: استمرار المكتب السياسي الجديد (المقصود بعد آذار /مارس/1989) أي بعد تنحية خاجادور، في منهجه الانتقامي والتفريط في كوادر الحزب والعزلة بين القيادة والقاعدة الحزبية لدرجة يقول " لم يشهد تاريخ حزبنا وضعاً كالذي نعيشه اليوم، حيث الصراعات الشخصية، الذاتية الواقع والمنشأ، وتفشي الخروقات والانتهاكات، وضعف اليقظة والحرص والتنكيل بأصحاب الرأي المختلف أو المعارض، وبروز مراكز قوى قائمة على أسس متخلّفة أبعد ما تكون حتى عن قيم المواطن العادي من أبناء شعبنا، الذي يتسامى فوق التعصّب بكل أشكاله وألوانه العرقية والإقليمية والعشائرية والدينية والطائفية وغيرها " (ص 22).
ويعرض خاجادور قضية اختراق شغلت "القيادة" من العام 1985 حتى العام 1987، وما صاحبها  من ابتزاز، وفي مكان آخر يسميها " القضية العار" (ص-28) والتي كادت أن تطيح بأمين عام الحزب، حيث طرحت مسألة " سحب الثقة" عنه، من جانب جماعة دمشق، معتبراً ذلك سلوكاً تآمرياً وتكتيكاً غريباً، دون أن يعني ذلك الدفاع عن نواقصه وأخطائه حسب تعبيره. ويتناول بعض النزعات الوصولية التي أدت إلى إلحاق الضرر بسمعة الحزب وهيبته واعتباره في نظر أصدقائه وأشقائه، فضلاً عن أعضائه وكوادره، محمّلاً ذلك "للقيادة".
كما تناولت الرسالة ما أسمته الأسئلة العريضة حول مالية الحزب، وكمّياتها والجهة المسؤولة عنها، وطرائق ضبطها، وتدقيقها، وطريقة الصرف، وأوجهه، وحمايتها من التصرّف الشخصي والتسلّط الفردي عليها، تلك التي ظلّت أسئلة حائرة، ليس لكادر الحزب وقواعده، بل حتى للمكتب السياسي الذي كان خاجادور عضواً فيه، والذي أثار تقوّلات كثيرة، حتى وإن تغلّفت بالعمل السري وخصوصية وحساسية مثل هذه الأسرار.
وعلى نحو صريح يحمّل خاجادور، الأمين العام السابق المسؤولية بقوله كان عليه " ألاّ يدخل في مساومات وصراعات لا مبدأية، وأن يتحلّى بالجرأة والشجاعة في مواجهة الواقع الراهن..." ويخلص إلى استنتاج مفاده : إن ما يواجهنا الآن ليس المزيد من " الجمل الثورية"، بل من الفعل الثوري الواقعي!!!


6
آرا خاجادور : الشيوعية المعتّقة
الحلقة الأولى
شيوعية وهمهمات وتاريخ!



كلّما تعتّق النبيذ في الدنان، استطاب ، والشيوعية لدى آرا خاجادور وعلى مدى أكثر من 70 عاماً قضاها في رحابها، تعتّقت لديه، لدرجة أنه ظلّ مأسوراً إليها، هائماً في حبّها، ولهاناً في عشقها، لا يستلطف حديثاً أو " كيفاً" أو "أنساً" من دونها. إنه الشعور بالامتلاء والانتشاء والزهو، رغم المرارة والألم والجحود الذي تعرّض في سنوات شيخوخته الأخيرة.
كنتُ أطالب آرا خاجادور بكتابة مذكراته، ووعد بذلك، ولا يزال وعده قائماً، وكم أتمنى أن تسنح ظروفه لكي ينجز مشروع المذكرات ليرى النور لما فيه من قيمة واعتبار؟ تلمّست ذلك مؤخراً حينما كنت ألقي محاضرة بدعوة من دار الخبرة عن " أسئلة العنف واللاعنف" ببغداد في 14 كانون الثاني (يناير) 2015 في فندق ميرديان (فلسطين)، حيث استعرضت فاعلية اللاعنف عربياً في تحقيق بعض الأهداف المنشودة وفي الصراع السياسي بشروط معينة، وأشرت إلى وثبة كانون الثاني (يناير) العام 1948، حين استطاعت القوى الشعبية  الإطاحة بمعاهدة بورتسموث الاسترقاقية ومقاومة العنف السلطوي باللاعنف الشعبي. 
فهد وسعد صالح
واستطردتُ في تحديد ملامح تلك المرحلة التاريخية ردّاً على سؤال من أحد المحامين، وأكمله سؤال من أحد الأدباء حول الفترة القصيرة لحريّة الأحزاب، حين أجاز سعد صالح وزير الداخلية حينها العام 1946 ، خمسة أحزاب سياسية بينها حزبان يساريان، وكان السؤال لماذا لم يجيز سعد صالح "حزب التحرر الوطني" وهو واجهة للحزب الشيوعي بمواصفات اللعبة العلنية آنذاك، وببراعة من قيادة فهد للمزاوجة بين العمل السرّي والعمل العلني؟ وذلك ما ذكرته في كتابي عن " سعد صالح- الضوء والظل: الوسطية والفرصة الضائعة".
وكان جوابي إنه بعد صدور الكتاب، أضاف لي آرا خاجادور معلومة جديدة لم أكن أعرفها من قبل، ولم أعثر عليها في المصادر الكثيرة التي قرأتها، وقد أوردت تلك المعلومة في الطبعة الثانية ، وعلى لسانه، وهي الطبعة الصادرة في بغداد، عن وزارة الثقافة، دار الشؤون الثقافية، ومفادها أن الحزب أرسل من يمثله والمقصود حسين الشبيبي إلى سعد صالح يعاتبه على عدم إجازته حزب التحرر الوطني، وكان جواب صالح، أنه لو أجاز حزب التحرر الوطني فستلغى الأحزاب جميعها، ولذلك فهو فضّل إجازة الأحزاب الخمسة لتوفير أرضية مناسبة لحرّية الأحزاب حتى وإنْ اقتصرت على بغداد بالدرجة الأساسية ومراكز الألوية (المحافظات) وبعض مراكز الأقضية الكبيرة، خصوصاً وأنه ألغى الرقابة على الصحافة وبيّض السجون حينها في مدّة استيزاره التي لم تزد على 97 يوماً.
أنقل ذلك لأن ثمة همهمات ندّت من داخل القاعة، وهل آرا خاجادور ما يزال حياً؟ وماذا يعمل؟ وأين هو؟ وكم بلغ من العمر؟ وهل لا يزال شيوعياً؟ وأين التقاه فلان؟ وغير ذلك من الأسئلة التي نزلت عليّ كالمطر خلال المحاضرة وما بعدها، من أصدقاء وحاضرين كثر، وكان جوابي أن آرا خاجادور ما يزال حيّاً يُرزق، وقد احتفل بعيد ميلاده التسعين قبل أشهر، فقد ولد في بغداد في 9 آب (أغسطس) العام 1924 ولعائلة أرمنية ، وكان رئيساً لعمال النفط في العام 1959 وقيادياً بارزاً في الحركة النقابية العمالية على النطاقين العربي والعالمي، وممثل الاتحاد العام لنقابات العمال في العراق في اتحاد النقابات العالمي، أيام عزّه.
 ويكاد يكون آرا خاجادور وعزيز محمد الأمين العام السابق للحزب من أقدم الشيوعيين العراقيين الأحياء، علماً بأنه عمل في الهيئات القيادية للحزب لنحو ثلاثة عقود من الزمان، وبعدها نحيّ بسبب اختلافات سياسية وتنظيمية، واعتبرته إدارة الحزب، بأنه وضع نفسه خارج الحزب، حسب التوصيف الرسمي الشائع، وهو ما يوازي طرده.
قلت إن آرا خاجادور أضاف لي تلك المعلومة  المهمة، وكان قد سمعها من فهد (يوسف سلمان يوسف) ورفاقه في السجن مباشرة وهم الرفاق الذين أعدموا في 14 -15 شباط (فبراير) العام 1949 حيث أعدم مع فهد وزكي محمد بسيم وحسين محمد الشبيبي، كما أعدم يهودا صدّيق. واعتبرتُ إضافة آرا خاجادور وإضاءته مهمّة، وهو ما دعاني للبحث والتدقيق، عسى أن أصل إلى معلومة جديدة أو معطيات أخرى لم يرد لها ذكر في الكتاب، وذلك خلال قراءتي الجديدة لموسوعة "مديرية التحقيقات الجنائية" التي صدرت في العام 1949 وما بعده، وقد تم نشرها مؤخراً عن مكتبة النهضة العربية في بغداد، حين اكتشفت إن الحزب أرسل عبد السلام الناصري إلى منزل سعد صالح للاستفسار عن خبر وصل إلى الحزب عن "تحبيذه" تأليف جبهة موحدة مع حزب التحرر الوطني أو مع الحزب الشيوعي، وكان رأي سعد صالح، إن الوقت لم يحن لذلك، وإن الشيوعية غير مرغوبة في العراق، وهو الرأي الذي ينسجم مع ما نقله آرا خاجادور.
نبض السنين
إن صدور كتاب خاجادور الموسوم " نبض السنين " الذي قدّم له رفيقه د. عبد الحميد برتو يفتح الشهيّة للقراء وخاصة للشيوعيين والمنشغلين بهموم اليسار بشكل عام للتعرف على زوايا خفيّة من تاريخ الحركة الشيوعية وصراعاتها آن الأوان لوضعها في مكانها الصحيح كجزء من المراجعة والنقد الذاتي وتحديد المسؤوليات الفردية والجماعية، فلم يعد الحديث عن الأمجاد وحده كافياً دون تشخيص العيوب والمثالب والأخطاء.
إن كتاب خاجادور وما ورد فيه من أسرار ومعلومات تجعلنا نلحّ أكثر لإنجاز مشروع المذكرات الموعودة، وأرجو أن لا يخيب أملنا في رؤيتها، وهو ما طالبت به أيضاً عزيز محمد الأمين العام للحزب الشيوعي العراقي 1964-1993، وكان ولا يزال كثيرون ينتظرون مذكرات عزيز محمد، التي يحجم عن كتابتها أو حتى روايتها بادعاء أنه ليس زعيماً أو قائداً، بل هو مسؤول لمهمة إدارة الحزب للفترة المذكورة، كما أنه ليس كاتباً لينتظر الجميع مذكراته.
وباستثناء إطلالة محدودة في مجلة الوسط اللندنية في العام 1992 فإن الكثير من الأسرار والمعلومات ظلّت حبيسة صدره وغائبة عن الجمهور، علماً بأن تلك النتف السريعة لم تشفي الغليل، بقدر ما أثارت أسئلة أكثر مما قدّمت أجوبة أو إضاءات مهمة لتاريخ عويص، بل إنها في الكثير من الأحيان ، وبسبب ابتسارها على معلومات عمومية، عقّدت الإشكالات المطروحة، وهو ما عرضت جزءًا منه في تقريضي لكتاب شوكت خزندار " الحزب الشيوعي- رؤية من الداخل" وكتابي عن عامر عبدالله – " النار ومرارة الأمل"، لاسيّما وأن ما نشر مؤخراً من مقابلات ونصوص لا ترتقي إلى مسؤولية الأمين العام لحزب من أهم الأحزاب الشيوعية في البلدان النامية لنحو ثلاثة عقود من الزمان، ناهيكم عن التداخلات التي حصلت عليها، ومحاولات تطويعها وتوظيفها.
المذكرات، وخصوصاً، إذا كانت صادقة وأمينة ومنزّهة من الغرض والهوى، يمكن أن تكون مرجعاً لدارسي التاريخ والباحثين عن الحقيقة، وخصوصاً تاريخنا الشيوعي غير المدوّن وغير المدروس من زاوية نقدية وبقراءة ارتجاعية. وبغضّ النظر عن العنصر الذاتي في كل مذكرات أو ذكريات، وخصوصاً فيما يتعلّق بدور الشخص وصراعاته وأمزجته وارتياحاته ومواقفه، فإن العنصر الموضوعي والعام منها يعكس نظرة كانت سائدة أو قراءة جديدة لتلك النظرة، ولهذا الموقف أو ذاك، ناهيكم عن مقاربة الصورة ومدى انطباقها مع الواقع أو ما نشأ من تصوّرات وتقديرات عنه، وأحياناً ما تتكوّن بعض الآراء، بناء على معطيات غير دقيقة أو معلومات غير وافية أو تحت ضغط عوامل مختلفة وتأثيرات غير صحيحة أو حتى انطباعات شخصية استناداً إلى حجم المعرفة المتوفّرة ودرجة الثقافة السائدة وغير ذلك من العوامل، ولذلك يأتي بعضها مجانباً للحقيقة، التي تغيب أحياناً تحت ركام الصراعات والارتياحات.
ولو عدنا لتاريخنا البعيد نسبياً والقريب منه، سنرى كم من التشويهات لحقت بالفرق المتصارعة كل بالآخر: راية الشغيلة والقاعدة في الخمسينيات، الحزب وقيادة داود الصائغ " المبدأ" عشية التقدّم بإجازة الحزب العام 1960، القيادة المركزية واللجنة المركزية العام 1967-1969 وما بعده، القيادة المهيمنة  والمنبر والجماعات المعارضة في الثمانينيات وما بعدها.
وقبل مناقشة وتقريض كتاب خاجادور، لا بدّ من إطلالة سريعة على الثمانينيات من القرن الماضي، حيث انفجرت أزمة الحزب على نحو شديد.
أسئلة الثمانينات
عرفت الثمانينيات جدلاً محتدماً وصاحبه نقد شديد، إذ لا جدال دون نقد، وفي رحم الأول يولد الثاني، ويظلاّن متلازمان. وكانت العديد من المواضيع محط جدل ونقاش وحوار واختلاف واجتهاد ومنها:
لماذا فشلت الجبهة الوطنية في العراق؟
وهل من الضروري التحوّل إلى المعارضة انتهاج سبيل الكفاح المسلح؟
وهل إدارة الحزب جادة في سلوك هذا السبيل وهل أعدّت العدّة لذلك وهيأت لمثل هذا الانتقال نفسياً؟ أم إنها تركب الموجة لامتصاص النقمة؟
وهل نحتاج إلى جبهة أو جبهات جديدة؟
ومن هو المسؤول عن أخطاء جبهة العام 1973؟
ولماذا لم يتم الاستماع إلى نبض القاعدة الحزبية؟ وهل كان التراجع منظّماً؟
وكيف السبيل لاستعادة دور الحزب؟
وهل يمكن إعادة العمل في الداخل في ظل ظروف الإرهاب والبطش؟
وكيف يمكن إعاشة العدد الكبير من رفاق الحزب وأصدقائه؟
وهل يمكن توفير غطاء سياسي في ظل الأوضاع القاسية لرفاق الحزب وأصدقائه؟
وما هو الموقف السليم من الحرب العراقية- الإيرانية، خصوصاً عندما انتقلت إلى الأراضي العراقية؟
وما هو موقف الاتحاد السوفييتي والدول الاشتراكية من النظام الدكتاتوري ومن اندلاع الحرب وتطوّر ومجرياتها واحتمالات توسّعها؟
وهل مجاراة الموقف الإيراني لمجرد المجاملة وتسهيل مرورنا أم إن هناك ضغوطاً أبعد من ذلك، خصوصاً عبر الحركة الكردية؟ وكيف ستؤثر تلك المواقف على القضية الوطنية؟
وأخيراً ما هو الموقف من الحوار مع النظام الذي تردّد في العام 1982 وعاد إلى الواجهة بعد انتهاء الحرب العراقية- الإيرانية؟
هذه وغيرها إضافة إلى أمور وقضايا داخلية ومشكلات عمل يومي ومسلكي واجهت الرفاق وسيأتي ذكرها في هذا التقريض. ولم تكن الاجابات موحدة حولها، فقد كانت القاعدة الحزبية في واد، وعموم إدارات الحزب في واد آخر، مثلما كان الصراع بين الإدارات ذاتها، فبعض أعضاء المكتب السياسي كان لهم رأي ، ومنظمة بيروت والإعلام لها رأي آخر، كما أن اللجنة القيادية في الداخل لها رأي والاتجاه المؤثر في الخارج له رأي آخر، مثلما كان للجنة إقليم كردستان وجهة نظر، وفي الوقت نفسه "للحزب" وجهة نظر أخرى، لدرجة أن الحزب الذي عقد الجبهة الوطنية والقومية الديمقراطية (جوقد) في الشام أواخر العام 1980 بدا وكأنه حزبان، فبعد أسبوعين عقدت لجنة الداخل جبهة أخرى، حملت اسم " الجبهة الوطنية الديمقراطية" المعروف باسم (جود)، وصدر بيانان متناقضان بخصوص احتلال الفاو وهكذا.


7
لماذا تخشى “إسرائيل” من القضاء الدولي؟
                   
عبد الحسين شعبان

مع القرار الفلسطيني الانضمام إلى المحكمة الجنائية الدولية وتوقيع فلسطين على 22 اتفاقية دولية يكون الصراع العربي - "الإسرائيلي" قد اتخذ بُعداً جديداً على المستوى الدبلوماسي والدولي والقانوني والقضائي، وهو ميدان لم يستثمر جيداً من جانب الفلسطينيين والعرب قبل وبعد قيام "إسرائيل" في العام ،1948 ولعلّ ذلك أول ما يخشاه المرتكب .
مع هذه الخطوة تكون فلسطين قد اختارت أحد أقوى الأسلحة الدبلوماسية والقانونية، لكنه "سلاح ذو حدّين" كما يقال إلاّ إذا أُحسن استخدامه بصورة فعّالة ومؤثرة، ف"إسرائيل" على الرغم من انسحابها من نظام روما الأساسي الذي أسس للمحكمة الجنائية الدولية بعد دخوله حيّز التنفيذ العام ،2002 هدّدت باستخدام أسلحة مماثلة، وكلّفت مجموعة محامين دوليين متخصصين لدرء الخطر عنها، بل لاتهام السلطة الوطنية الفلسطينية بالإرهاب ومطالبتها بالتعويض المادي والمعنوي، وهو ما أقدمت عليه حين طالبتها بدفع مبلغ 3 مليارات دولار بناء على قرار محكمة أمريكي، بسبب أعمال وصفتها بالإرهاب للفترة بين 2002- 2004 .
وحتى لو افترضنا إن ذلك يستهدف إثارة زوبعة إعلامية أو قد يكون جزءًا من خطة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لكسب المعركة الانتخابية، لكنه في الوقت نفسه يكشف عن رد فعل حقيقي إزاء الخطوة الفلسطينية بمقاضاة المرتكبين الإسرائيليين، وهو ما دعا نتنياهو إلى شن هجوم ضد المحكمة الجنائية الدولية متهماً إيّاها بالنفاق مؤكداً عدم امتثال جنود "إسرائيل" لقرارات المحكمة، والأكثر من ذلك اتهم المحكمة بتشجيع الإرهاب الدولي لقرإرها بقبول انضمام دولة فلسطين إلى المحكمة .
لقد حاولت "إسرائيل" وحليفتها الكبرى الولايات المتحدة وضع العصي في عجلة فلسطين لمنعها من السير في هذا الطريق لأنها تدرك مدى خطورته عليها، وقد اتصل نتنياهو بوزير الخارجية الأمريكي جون كيري طالباً منه إحباط قرار المحكمة بالتحقيق بالاتهامات الموجهة إليها، إضافة إلى إلغاء حصتها في تمويل المحكمة، كما توجّه بعض أعضاء الكونغرس الأمريكي إلى العمل من أجل وقف المعونات الأمريكية للسلطة الفلسطينية، وكانت "إسرائيل" قد اعترضت على كون فلسطين دولة، وإذا كانت كذلك، فغزة ليست جزءاً منها، لأنها تقع تحت سيطرة الإرهابيين، حسب تبريراتها .
وفي الوقت نفسه لوّحت قوى عديدة، بأن جلب "إسرائيل" إلى القضاء الدولي سيجلب معه "حركة حماس" أيضاً، بشأن ما قيل عن انتهاكات لقوانين الحرب، ولاسيّما التعرّض للسكان المدنيين، إضافة إلى قواعد القانوني الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف الأربعة لعام 1949 وملحقيها لعام ،1977 وهما اللذان انبثقا عن المؤتمر الدبلوماسي المنعقد في جنيف للفترة بين العام 1974-،1977 والذي تمخّض عن توقيع بروتوكولين الأول الخاص بحماية ضحايا المنازعات الدولية المسلحة، والثاني الخاص بحماية ضحايا المنازعات المسلّحة غير الدولية .
جدير بالذكر الإشارة إلى أن السلطة الوطنية الفلسطينية كانت قد طلبت من المحكمة الجنائية الدولية في العام 2009 إجراء تحقيق بشأن "جرائم الحرب" عقب العدوان "الإسرائيلي" على قطاع غزّة (أواخر العام 2008 وأوائل العام 2009) وهو المعروف بعملية "الرصاص المصبوب"، ولكن المدعي العام في المحكمة في حينها لويس مورينو أوكامبو وبعد ثلاث سنوات قضاها في النظر بمعطيات الدعوى الفلسطينية، أعلن في العام 2012 أنه لا يمكن للمحكمة النظر في قضية من هذا النوع ما لم تقدّمها "دولة معترف بها"، وذلك قبل أن تصوّت الأمم المتحدة لصالح الاعتراف بفلسطين كدولة مراقب في 29 نوفمبر/ تشرين الثاني 2012 .
قد يكون تأخّر السلطة الفلسطينية للانضمام إلى المحكمة الجنائية الدولية له ما يبرّره، وذلك لحين توفر إجماع فلسطيني، ولهذا فإن قيادة الرئيس محمود عباس "أبو مازن" سعت للحصول على تواقيع جميع المنظمات والفصائل الفلسطينية المقاومة، بما فيها حركتا حماس والجهاد، وثانياً إن القيادة الفلسطينية بعد أن يئست من احتمال إيجاد حل أو حتى أفق لحل قريب، لجأت إلى هذا الخيار، خصوصاً وإن المفاوضات التي استمرت لأكثر من عقد ونصف من الزمان وصلت إلى طريق مسدود، إذْ كان يفترض انتهاء مرحلة الاتفاق النهائي في العام 1999 حسب اتفاق أوسلو العام 1993 وحلّ قضايا الدولة الوطنية الفلسطينية وعاصمتها القدس وعودة اللاجئين ومشاكل المياه والحدود وغير ذلك .
لكن ذلك لم يتحقّق الأمر الذي قاد إلى اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية في العام ،2000 بعد أن كانت الانتفاضة الأولى قد بدأت في أواخر العام ،1987 وامتدّت لعدّة سنوات ما قبل مفاوضات مدريد- أوسلو . وفي الفترة من العام 1999 ولغاية العام 2015 توالى على البيت الأبيض عدّة رؤساء وعدوا بحلّ الدولتين (كلينتون في العام 1996) وجورج دبليو بوش في أواخر ولايته الثانية (العام 2006) وما بعدها، وأوباما الذي بدأ ولايته بخيار حل الدولتين 2009-،2013 لكن "إسرائيل" على الرغم من ذلك ازدادت تعنّتاً وعسفاً مرتكبة مجازر جديدة بحق الشعب العربي الفلسطيني والأمة العربية، مثلما قامت بعدوان ضد جنوب لبنان (عدوان يوليو/ تموز 2006) وثلاث اعتداءات على غزّة في 2008-2009(عملية الرصاص المصبوب) وفي العام 2012 (عملية عامود السحاب) وفي العام 2014 (عملية الجرف الصامد) وهي مستمرة في بناء المستوطنات، وكذلك في عملية تهويد القدس والاعتداء على المقدسات والآثار الفلسطينية .
لقد جاءت الخطوة الفلسطينية إثر رفض مجلس الأمن الدولي مشروع القرار الفلسطيني - العربي، علماً بأن هذا المشروع لا يستجيب لمعيار الحد الأدنى، ومع ذلك فإن مجلس الأمن رفضه مثلما رفضته "إسرائيل" وقد نصّ هذا المشروع على إنهاء الاحتلال "الإسرائيلي" للأراضي العربية في فترة لا تزيد على ثلاث سنوات، وستنتهي بنهاية العام ،2017 كما دعا إلى اتفاق شامل بين الفلسطينيين والإسرائيليين في غضون عام .
إن خلفية القرار الفلسطيني تستند إلى ارتفاع وتيرة المطالبة الدولية بالتحقيق في جرائم الحرب، خصوصاً أن هناك بعض المنظمات الدولية قامت بتوثيق هذه الجرائم، كما نقلتها أيضاً الشاشات الزرقاء مباشرة يوماً بيوم وساعة بساعة، ولكن "إسرائيل" رفضت إجراء تحقيقات دولية مستقلة وإن وافقت على إجراء بعض التحقيقات الميدانية، لكنها سرعان ما أوقفتها، بل إنها رفضت التعاون مع المقرر الخاص المعني بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ العام ،1967 ونتذكر كيف قامت باحتجاز ريتشارد فولك لمدة 30 ساعة في مطار اللد (مطار ابن غوريون)، كما مُنع من أداء مهمته في التحقيق، وهي بذلك لا ترفض الاعتراف بارتكاباتها ضد الشعب العربي الفلسطيني فحسب، بل إنها تزدري الأمم المتحدة وتتنكّر لقواعد القانون الدولي الإنساني، وهو ما يلقي مسؤوليات جديدة على المجتمع الدولي، الذي من واجبه ملاحقة المرتكبين كي لا يفلتوا من العقاب باستخدام جميع الوسائل الممكنة لإرغامهم على الامتثال للعدالة، طبقاً للفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة .
إن انضمام فلسطين إلى المحكمة الجنائية الدولية يلقي مسؤوليات جديدة على عاتق م .ت .ف والسلطة الوطنية لمتابعة ملف ملاحقة المرتكبين وتقديم دعاوى ضدهم، سواء عبر نظام المحكمة أو عبر القضاء الوطني، كما حصل في بلجيكا سابقاً وفي إسبانيا ضد بن إليعازار (وزير الدفاع الأسبق) وفي بريطانيا حين تمت ملاحقة تسيبي ليفني وزيرة الخارجية الأسبق .
ولعلّ المعركة الدبلوماسية والقانونية ستكون طويلة، لكنها في الوقت نفسه ستصبح مؤرقة ل"إسرائيل"، وإضافة إلى الارتكابات المعروفة، فهناك مسألة الاتجار بالأعضاء البشرية وهو ما تابعه وكتب عنه الصحفي السويدي بوستروم، مثلما هنالك مسألة الجدار الديمغرافي (جدار الفصل العنصري) الذي اعتبرته محكمة العدل الدولية في لاهاي، في فتواها الاستشارية، أنه غير شرعي ولا بدّ من هدمه في يوليو/ تموز ،2004 إضافة إلى محاولات قضم القدس وتغيير معالمها، وهناك أيضاً تقرير غولدستون الذي ينبغي متابعته بما فيها إدانة "إسرائيل" لخرقها لقوانين الحرب، وهناك الجريمة التي ارتكبتها "إسرائيل" بحق المدنيين في قافلة الحرية، وهذه كلّها قضايا متفرعة من القضية الأساسية التي تتعلق بحق تقرير المصير ومقاضاة "إسرائيل" على ارتكاباتها الجسيمة التي تستمر منذ العام 1948 ولحد اليوم .
إن خشيّة "إسرائيل" من القضاء الدولي، تعود إلى أنه قد لا يكتفي بتجريمها على مخالفتها لقواعد القانون الدولي ولارتكابها جرائم ضد الإنسانية وجرائم الإبادة الجماعية وجرائم الحرب وجرائم العدوان فحسب، بل إنه سيتعرّض إلى عدم شرعية قيامها، خصوصاً بعد تنكّرها لتعهداتها باحترام حقوق الإنسان، وهي التعهدات التي أعطتها ضمانة للاعتراف بها من جانب الأمم المتحدة، لكنها منذ ذلك التاريخ امتنعت عن تطبيق القرار 194 الصادر عام 1948 بخصوص حق العودة، وشنّت حروباً على الأمة العربية بعد قضمها كل أراضي فلسطين في العام ،1967 وقامت بضم القدس العام 1980 والجولان العام 1981 بتحدّي قرارات مجلس الأمن .
كما أن خشية "إسرائيل" من القضاء الدولي تتعلق أيضاً بعقيدتها السياسية التي تقوم على العنصرية، حيث أدانت الأمم المتحدة قبل 40 عاماً الصهيونية باعتبإرها شكلاً من أشكال العنصرية والتمييز العنصري، وعلى الرغم من إلغاء القرار 3379 الصادر في 10 نوفمبر/ تشرين الثاني 1975 في 16 ديسمبر/ كانون الأول العام ،1991 إلاّ أن ما تقوم به اليوم يزيد على كل ما قامت به خلال تاريخها، وقد ذهبت نحو 3000 منظمة حقوقية ومدنية في مؤتمر ديربن ضد العنصرية إلى دمغ سياستها بالعنصرية، وهذا بحد ذاته سبباً كافياً لرفضها الامتثال إلى القضاء الدولي ورفضها قبول فلسطين في المحكمة الجنائية الدولية .


8
النازحون العراقيون بين مطرقة الإرهاب وسندان الغياب

عبد الحسين شعبان
لا يستطيع المرء أن يتحدث عن النازحين العراقيين ومعاناتهم الإنسانية الفائقة من دون أن يستحضر العنف والإرهاب والطائفية والفساد المالي والإداري وهي الأسباب الحقيقية التي أوصلت البلاد إلى ما وصلت إليه من انقسام وتصدّع وضعف استغلته قوى الإرهاب، ولاسيّما تنظيم "داعش" للاندفاع في هجومها للاستيلاء على محافظة الموصل كمرتكز وقاعدة أساسية، ثم التمدّد باتجاه مناطق أخرى حتى وصل ما استولت عليه نحو ثلث أراضي العراق، إضافة إلى نحو ثلث أراضي سوريا، ملغية الحواجز والحدود مقيمة نظامها الإرهابي، داعية من تحت إمرتها إلى البيعة والولاء لأبي بكر البغدادي باعتباره "خليفة المسلمين" حسب الشريعة "الداعشية" .
كان العام 2014 عاماً مأساوياً بامتياز، فقد وصل فيه عدد النازحين إلى مليونين و100 ألف نازح تركوا ديارهم وبيوتهم وأملاكهم، وفرّوا بأنفسهم للنجاة من موجة العنف والإرهاب التي قادتها "داعش"، والتي استهدفت بدرجة رئيسية التنوّع الثقافي الآشوري المسيحي والإيزيدي والتركماني والعربي- الإسلامي، غير "الداعشي"، وكل من وقف ضد التوجه التكفيري، الذي يريد فرض نمط من الحياة والعيش خارج نطاق التاريخ والزمن، وكل ما له علاقة بالحداثة والتقدم والحضارة البشرية والتراث الإنساني لشعوب المنطقة وثقافاتها المتنوعة وحضاراتها المختلفة، وذلك ما أكده الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة نيكولاي ملادينوف بالقول: إن تنظيم "داعش" استباح الأراضي وقتل المدنيين وهجّر الناس وسعى إلى تدمير العراق حكومة وشعباً وتاريخاً وأقام دولة الإرهاب والرعب .
وقال ملادينوف إن عدد الانتهاكات بلغ أكثر من ثلاثة ملايين انتهاك، ارتكبتها الجماعات الإرهابية والميليشيات المتطرفة خلال العام ،2014 دون إهمال ما حصل في بعض المناطق بعد تحريرها، وهو ما تم لفت الانتباه إليه باحتجاجات من أبناء هذه المناطق، ولاسيّما من تبقّى منهم، أو من جانب رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي الذي أدان سلوك هؤلاء معتبراً إيّاه "الوجه الآخر لداعش" .
وفي تقرير لبرنامج التغذية العالمي التابع للأمم المتحدة ورد ما يفيد أن أزمة الغذاء بالنسبة للنازحين تزداد صعوبة بسبب موجة العنف التي ضربت البلاد، وقالت المتحدثة باسم البرنامج أليزابيت بايرز "إن العنف يتسبّب في استمرار النزوح من المناطق الواقعة في وسط وغرب وشمال العراق" وأعربت عن قلقها البالغ إزاء الأمن الغذائي والموقف الإنساني، مشيرة إلى أن الأغلبية الساحقة من العوائل أنفقت مدخراتها الشحيحة على المواصلات للوصول إلى مناطق آمنة، سواء في الشمال الكردي أو في الجنوب العربي .
جدير بالذكر، أن عدد النازحين يأخذ بالارتفاع يوماً بعد آخر، كما تزداد معاناتهم وتتعقد مشاكلهم، وخصوصاً لفئات الشباب والطلاب، إضافة إلى الشيوخ والنساء والأطفال، فضلاً عن أن الموظفين لم يستلموا الرواتب، وأن الكثير منهم فقدوا مستمسكاتهم الثبوتية، ويعاني الجميع سوء الإدارة والبيروقراطية وتعثر المساعدة الإنسانية، ويلقون اللوم على الدولة ومؤسساتها العاجزة عن توفير الحد الأدنى من الحماية والرعاية والدعم لتجاوز هذه المحنة، علماً بأن مئات الآلاف من الطلاب وفي مختلف المراحل الدراسية ينتظرون الدراسة ويشعرون بفقدان مستقبلهم، كما أن الحكومة لا تجيد التعامل مع المنظمات الإنسانية والإنمائية وغير الحكومية .
وحسب برنامج الأغذية العالمي فإنه يقدّم المساعدة لعوائل نازحة إلى البصرة والناصرية والديوانية والكوت والعمارة والسماوة والنجف وكربلاء والحلة، ولكن ذلك لا يسدّ النقص الكبير الذي يحتاج إلى دعم متعدّد الجوانب للتعويض عن جزء من معاناة النازحين، إذْ مازال عشرات الآلاف من النازحين يعيشون في المباني العامة والمساجد والجوامع والحسينيات، وهم من دون عمل ويتلقون الحصص التموينية والغذائية التي يوفّرها البرنامج، وقال بعض هؤلاء في مقابلات مع الإعلام المحلي إنهم من دون ذلك سيضطرون للتسوّل .
وعلى الرغم من المساعدات التي قدمتها الحكومة الإقليمية في إربيل إلى النازحين وجهات ومنظمات دولية وإقليمية، فإن جزاً كبيراً منهم لا يزال يعاني قلة وشح المساعدات التي تقدّم لهم، لأنها تفوق إمكانات حكومة إقليم كردستان، كما يعاني النازحون في كركوك البالغ عددهم 72 ألف نازح أوضاعاً قاسية وهم يضجّون بالشكوى من عدم وصول المساعدات الضرورية، علماً بأن النازحين الذين تم تحرير مناطقهم لا يزالون غير قادرين على العودة إليها، وهم يضطرون إلى البقاء في حالة يرثى لها .
لقد ساهم فصل الشتاء القارس في زيادة معاناة النازحين الذين لم يحصل ثلثيهم على مأوى مناسب ويعيش نحو 200 ألف منهم في المخيّمات والخيم، التي لا تقي البرد الشديد حيث تنخفض درجات الحرارة في الليل إلى الصفر أحياناً . وحسب تقديرات الأمم المتحدة فإن عدد النازحين الذين يحتاجون إلى مساعدة عاجلة وفورية يقدّر ب 800 ألف نازح، وخصوصاً للاحتياجات الضرورية مثل الغذاء والدواء والملابس والأغطية ووسائل التدفئة، وتلقت المفوضية العليا للاجئين تمويلاً شحيحاً لا يزيد على 8 .71 مليون دولار من أصل 5 .124 مليون دولار وهو يقدّر أن يصل إلى المفوضية لتمويل خطة فصل الشتاء، وحتى المواد الشحيحة التي تصل إلى النازحين فهي عرضة للتوقف، وقالت المفوضية ما لم نتلقَ المساعدات المطلوبة قبل شهر مارس (آذار) القادم، فإن هناك 500 ألف نازح قد يعانون خطر فقدان القسائم الغذائية .
وقد أطلق الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر نداءً طارئاً لمساعدة النازحين، لاسيّما في ظل تحديات فصل الشتاء، خصوصاً مع استمرار أعمال العنف مع موجة البرد الشديدة التي ضربت المنطقة . ويستهدف نداء الطوارئ تأمين مبلغ 19 مليون فرنك سويسري لدعم العمليات الإغاثية التي تركّز على تأمين المأوى لاستكمال الحصص الغذائية، وغيرها من الضروريات لأكثر من 000 .500 نازح .
وقد وجهت دعوات من جانب قوى عراقية حقوقية ومدنية إلى جامعة الدول العربية للقيام بمسؤولياتها الإنسانية والأخلاقية تجاه النازحين خلال هذه الظروف الصعبة التي يمرّ بها العراق، علماً بأنه عضو مؤسس في الجامعة وعلى مدى تاريخه قام بواجباته إزاء جامعة الدول العربية وإزاء العمل العربي المشترك، وقّدم الدعم لأية دولة شقيقة تحتاج إلى ذلك . وبقدر تفهّم العراق لأوضاع جامعة الدول العربية، لاسيّما في جانبها المالي، فإن ما قد يحتاج إليه هو الدعم المعنوي والتعاطف مع المنكوبين العراقيين، وتبنّي قضاياهم أمام المجتمع الدولي والمنظمات الدولية، التي عليها تحمّل المسؤولية في ذلك، لاسيّما انعكاسات ذلك سلباً على ازدياد حدّة التطرف والتعصب والغلو واحتمالات امتداداتها إلى دول المنطقة والعالم .
جدير بالذكر أن دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية قدّما دعماً مالياً وعينياً للنازحين العراقيين، وقد قامت هيئة الهلال الأحمر الإماراتية بإرسال مساعدات إنسانية إلى شمال محافظة إربيل في إقليم كردستان العراق، تضمنت كميات كبيرة من المواد الغذائية والملابس والمستلزمات الشتوية ووسائل التدفئة واحتياجات الأمومة والطفولة، وقد وقعت بروتوكولاً للتعاون مع مؤسسة بارزاني الخيرية، كما قام وفد من الهيئة بزيارة كردستان العراق لتبادل الخبرات والمهارات والتعاون في العديد من المشاريع، وكانت المملكة العربية السعودية قد أقامت جسراً جوياً لإغاثة النازحين، وقرّرت تخصيص مساعدة إجمالية قدرها 500 مليون دولار بتوجيهات من خادم الحرمين الشريفين الراحل الملك عبدالله بن عبد العزيز .
إن ملف النازحين شائك ومعقد والأرقام متحرّكة وهي في تصاعد، الأمر الذي يثير القلق والمخاوف من انعكاسات ذلك سلباً، سواءً على عموم العراق أو على دول المنطقة، فضلاً عن اتساع مخاطره ليشمل العديد من دول العالم، وعلى الرغم من أن هذا الملف قاسي ومؤلم، لكنه يكاد يكون منسياً، والمسألة حسب بعض التقديرات ستطول، إذْ لا تتوفر مؤشرات حتى الآن على نهاية الحرب على الإرهاب والتخلّص من خطر "داعش"، وهو ما عبّرت عنه جهات رسمية عراقية، إضافة إلى ما أعلنه الرئيس الأمريكي أوباما، بقوله: إن القضاء على خطر الإرهاب الدولي وتنظيم الدولة قد يحتاج إلى ثلاثة أعوام على الأقل . ولهذه الأسباب تولّد شعور لدى أوساط غير قليلة من النازحين، بأن قضيتهم لن تحسم قريباً، وهو الأمر الذي جعلهم يشككون بجدوى الضربات العسكرية وحدها، فضلاً عن شعورهم بعدم جدية التحالف الدولي أحياناً، وهكذا يقطعون الأمل والرجاء أو يصابون بالإحباط والقنوط من العودة السريعة إلى بيوتهم وبلداتهم ومدنهم واستعادة الأوضاع الطبيعية .
إن المأساة العراقية المعتّقة تنكشف يوماً بعد يوم أمام العالم أجمع، حيث عانى العراق منذ ثلاثة عقود ونيّف من الزمان حروباً وحصاراً واستبداداً واحتلالاً وطائفية، وفي كل الأحوال كان الناس المدنيون الأبرياء، هم الذين يدفعون الثمن باهظاً: نازحون ومهجّرون وضحايا، فمتى يتحرّك الضمير الإنساني لإخراج المحنة من دائرة الصمت والنسيان، إلى دائرة الاهتمام والضوء تمهيداً لوضع حدّ لها؟ وإلاّ فإن استفحالها سيقود المنطقة والعالم إلى المزيد من العنف والإرهاب والأوضاع اللاإنسانية .
* باحث ومفكر عربي


9
عصر كامل مخبوء في‮ ‬قلم واحد‮ ‬- نصوص – ‮‬زيد الحلي‮ ‬

عبد الحسين شعبان يعتذر لوالدته
عصر كامل مخبوء في قلم واحد – نصوص – زيد الحلي
لمت نفسي كثيرا ، حين أجلتُ قراءة كتاب (المثقف في وعيه الشقي … حوارات في ذاكرة عبد الحسين شعبان ) لمؤلفه الاديب توفيق التميمي .. لتصوّري ان الكتاب ، ضم  فقط قراءات في فكر الدكتور عبد الحسين شعبان ، ولاشك انه فكر ثاقب ، مثلما لكتاباته من عمق واثر في الوجدان ، فيها خيوط قد تشكل آهات ، وقد تشكل مشاعر جميلة ، لكني وجدتُ في الكتاب ما هو اعمق من ذلك ، وجدتُ سياحة غير مسبوقة في الفكر الشمولي للمفكر والباحث د. شعبان ،  ضم استذكارات ولمحات من الحياة في ميدان الفكر والإعلام والعائلة وفضاءات الكتابة ، بلغة بسيطة قريبة من ذهن القارئ ، دون  التقيد بالبلاغة والإطالة التي تتعب القارئ ، رصدت حياة د. شعبان  المكتظة بالأحداث والرؤى والشخصيات المعروفة في المجالات السياسية والاجتماعية والثقافية ، تنوعت بين عهود مختلفة منذ العهد الملكي ورمزه نوري السعيد والجمهوري ورمزه عبد الكريم قاسم  الى احمد حسن البكر وصدام حسين والبارزاني والحزب الشيوعي العراقي وحميد مجيد موسى وعزيز محمد وغير ذلك..
كان ذكاء الكاتب ، المحاور توفيق التميمي ،ملموسا في شحذ ذاكرة المبدع الكبير  شعبان ، وهذه ملاحظة تُحسب للتميمي ، مثلما تُحسب لذاكرة د. عبد الحسين ، الذي كانت اجاباته تتسم  بالدقة ،الصبر ، الاناة ، الموضوعية ، المصداقية ، العلمية ، عدم التحييز ، النزاهة ، الجرأة ، الخبرة ، الدراية ، الممارسة ، عدم المحاباة ، عدم التلكؤ في قول الحق والحقيقة ، عدم الخوف ، امتلاك المعرفة بتاريخ العراق السياسي والثقافي والاجتماعي وكل صنوف الحياة فيه .
عصر كامل
 لقد لمستُ وانا أقرأ الكتاب ، انني  امام عصر كامل مخبوء في قلم واحدة، وانسان مبدع …. صفحاته  زادت على 450  صفحة من القطع المتوسط  وازدان بأكثر من 150  وثيقة على شكل صور فوتوغرافية ، منها مع الجواهري وبلند الحيدري والطيب صالح ورئيس الوزراء المغربي وعزيز محمد وامير قطر ود. بشار الاسد وعزيز الحاج ورئيس وزراء البحرين ود. نزيهة الدليمي والرئيس السوداني وبطرس غالي والأمير الحسن بن طلال وعامر عبد الله والملك عبد الله بن عبد العزيز ومعمر القذافي وسعدي يوسف واودنيس وجهاد الخازن  وناجي علوش وجلال الطالباني واحمد الجلبي ومظفر النواب وجورج جرداغ وغيرهم وغيرهم ..
الكتاب ممتع ، يأخذك بسهولة الى عالم الذكريات تتعرف من خلالها  ، الى شخصيات  تدعي الصداقة الحقة  ، فيما هي مثل الماء الراكد ، تتحرك حينما تستجد له حاجة عندك ، وفيهم من يتصيد المناسبات ، مؤكدا انه نهر ، رقراق ، لكنه سرعان ما يعود الى طبيعته ، صحراء ، تملأ دواخله اليباب ، حين تنتهي المناسبة ، وفيهم ، من يمنحونك هواء عليلاً  ، لأنهم شدو نهر رقراق في جريانه ، همه السؤال عنك ، والتبحر في احتياجاتك … هو شريانك ، مرتع الخصب في حياتك ..!
انا اتابع كتابات د. شعبان ، كالبحر موجة وراء موجة … لأنه أستطاع أن يأتلف مع الجو الجديد الذي يمر به مجتمعه ، ويدرك ما في هواء المجتمع من نوازع وتطلعات وحاجات يجيب هو عليها ، فيخلق بذلك معاني جديرة بأن تسمى جديدة لأن فيها عبق التطور الاجتماعي الجديد ، والأبداع  عنده هو الحرية عينها ، بمعنى أن يتحرر الكاتب والمفكر من أساليب التفكير التي تعلمها وأعتادها, ربما ” كانت ” تلبي حاجة في فترة مضت ومرحلة تجاوزها المجتمع, وغدت بعيدة عن أن تفي بمتطلبات الوضع الاجتماعي والثقافي الجديد … وهو امر سار عليه د. شعبان  بذكاء المفكر والكاتب .. فالذكاء يعني القدرة على التكييف مع المواقف الجديدة , وكلنا يدرك أن الشخص الذكي هو الذي لا نجد لديه الصلابة والجمود اللذين نجدهما لدى الكائن الجامد, وإنما نجد لديه تلك المرونة وتلك القدرة على التغيير التي تمس الحياة في جوهرها.. والأبداع اقوى صور الذكاء عند د. شعبان ، وأرفع أشكال الحياة الدافقة ..
إعتذار متأخر للوالدة
كتابتي هذه ليست قراءة لكتاب ” المثقف في وعيه الشقي” فمساحة الصفحة لا تسع ، وموضوعاته جديرة بالتفصيل المطلوب ، لكني اردتُ اشراك القارئ ، بما هو غير مألوف في كتابات د. شعبان ، وهو تناوله لشخصية والدته بموضوع اسماه ( اعتذار للوالدة ) في ثماني صفحات … واجد انه ، سيحظى ، بمتعة القارئ ، وألمه بذات الوقت ، نظرا لما يحتويه من جانب انساني ، فماذا روى د. شعبان عن والدته السيدة نجاة حمود شعبان.. قال :
( لم أرغب في الحديث عن تفاصيل تتعلق بالدور الذي قمت به، لكي لا تفسر وكأنها ادعاءات، إذ كثيراً ما نقرأ عن بطولات وتحدّيات كبرى، لا يدّعيها الباحث، ولا يريد بأي شكل من الأشكال تناولها، خصوصاً وأن، بعضهم ولا سيّما بعد الاحتلال العام2003  سطّر ملاحم لا حدود لها، ولذلك كنت أرغب في أن تعفيني من هذا السؤال، وإذا كان ثمة ما يُذكر فرصيده لا يعود لي شخصياً، بل للعائلة، وخصوصاً لوالدتي نجاة شعبان ووالدي عزيز شعبان، وأعتز بأنني إبن لهذه العائلة المتحابّة، المتسامحة، الصبورة.
حديثي هنا لا يتعلق بي بقدر تعلّقه بوالدتي وهو جزء من وفاء لرحيلها ولروحها الطاهرة وعذاباتها التي لا حدود لها طيلة أكثر من 20 عاماً مثل الكثير من الأمّهات العراقيات المنكوبات، وهو وفاء لروح والدي الراحل وعينه على باب الدار وأذنه على الإذاعة ووجهه إلى  التلفزيون على أن يسمع خبراً عن ” الغائب” غير ” المرخّص” بذكر اسمه إلاّ إيماءً،  وهو بناء على إصرارك في السؤال.
تذكّر أن الكتاب صدر في العام 1981 وباسمي الصريح، ولو راجعت الأسماء التي كانت تكتب في تلك الفترة ستجد أنها قليلة، بل وقليلة جداً، خصوصاً وأن الأسماء المستعارة مثل أبو فلان وأبو فلتان كانت ظاهرة شائعة وقد تكون لها مبرراتها، لا سيّما ما تثيره من احتمالات ملاحقات حكومية. وقد سبق نشري للكتاب أن كتبت مقالتين عن الحرب العراقية- الإيرانية في صحيفة تشرين السورية (شهر تشرين الثاني/نوفمبر/1980) أي بعد شهرين من وقوع الحرب، بالتوجّه ذاته، وأثارت حينها ردود فعل كثيرة. بعد بضعة أسابيع  وربما أشهر وكنت قد ذهبت من بيروت التي كنت أتردّد عليها كثيراً، إلى  الشام التي كانت مسؤوليتي فيها، وإذا بي أجد ورقة تحت الباب تقول إن الرفاق في بيروت اتصلوا وطلبوا ذهابك إلى  بيروت فوراً، لأن والدتك وصلت إلى  هناك، وقد توجست خيفة، وشعرت أن أمراً جللاً قد حدث وكنت أعرف مثل هذه الأساليب التي اتبعت مع بعض المعارضين على نحو محدود. وذهبت إلى  مقر اللجنة المركزية (قرب السفارة السوفيتيية) وهو البيت الذي استأجرته باسمي للحزب، وأبلغت الرفاق في المكتب بالأمر، خصوصاً وأن الوقت أصبح متأخراً نسبياً. وفي اليوم الثاني تحرّكت بوقت مبكر بسيارة من الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين إلى  بيروت، ووصلتها قبل الظهر، وبعد أن توجهت إلى  مكتب  الحزب في بيروت علمت أن الوالدة في مكان قريب من “جمهورية الفاكهاني” التي كانت ملاذنا، وذهب معي للقاء فخري كريم وعبد الرزاق الصافي، وعندما قابلتها بكت بكاءً مرًّا وقد تحفّظت عن الكلام وعندما تحدثت كانت متردّدة، إلى  أن طلبت منها ذلك، وقد قدمت روايتها التي عدت ودونتها ودققت بعضها بعد 20 عاماً.
قالت بالنص: لقد اعتقلونا جميعاً بعد أن سكنوا في البيت معنا لمدة خمسة أيام، وكانوا يأكلون ويشربون معنا وبجيوبهم مفاتيح الغرف، لا سيما غرفتك في الطابق العلوي، وصادروا جميع حاجياتك الشخصية، ولاسيّما المكتبة والشهادات والرسائل والأوراق وكل ما يعود لك بالكامل، وبعدها جاءت السيارات وحملتنا إلى  المخابرات، (لا تدري أين؟ ولكنها تقول إلى  الأمن) وكان والدك مريضاً ومتعباً، حتى أنهم حملوه مع فراشه، وقد استدعاني شخص لم أكن أعرف من هو، لكنهم قالوا أنه المسؤول، وذلك بعد مقابلات مع آخرين، الذين أخبروني أن قضيتكم يحلّها ” المدير الكبير”، وهناك جرى الحوار بين والدتي الحاجة نجاة شعبان وبين المسؤول الكبير.
قالت لم أكن أعرف من هو الاّ بعد مضي سنوات، وقد شاهدته على التلفزيون ومؤخراً بعد محاكمته، واتضح أنه برزان التكريتي.
تقول الوالدة:
قال لي: تقبلين ” إبنج” (ابنك) مع العجم (الفرس المجوس)؟
قلت له إننا عرب أقحاح، وهل سمعت أن أحداً في حضرة الإمام علي (رض) من العجم؟ ولدينا فرامين سلطانية كُتبت منذ نحو 500 سنة” ونحن  سدنة الروضة الحيدرية -“السرّخدمة”، أي رؤساء الخدم، ونحن نتشرّف بذلك.
قال: نعم نحن نعرف أنكم عرب، ولو كنتم عجم لرميناكم خارج الحدود وتخلّصنا منكم!
قلت له: لا أفهم ذلك كيف يكون إبني عجمياً وهو عربي أصيل من نسل قحطان ومن “حِمْيَر” ولدينا شجرة تثبت ذلك. قال: أتقرئين؟
قلت له : نعم، فأخرج كتاباً “وردي اللون” عليه اسمك وأطلعني عليه، قائلاً: هذا ما كتبه ابنك وهو يؤيد العجم ضد بلاده. فخفت وسكتت!
ثم واصلت حديثها معنا:
قال لي: أتعلمين أن هذا الكتاب موجود على طاولة السيد الرئيس منذ حوالي شهر؟
فسألناها ماذا قالت له؟
فقالت: سكتُ ولم أنبزّ ببنت شفة.
قال: عليك الذهاب إلى  بيروت، نحن لا نريد شيئاً منه. نحن نعطيه الأمان إذا أراد أن يعود إلى  وظيفته في الجامعة فأهلاً وسهلاً، وإذا رغب في منصب سياسي فنحن نعده بذلك، وإذا لم يرغب في العودة فعليه أن يختار إحدى سفاراتنا لنعيّنه فيها، وإذا لم يفعل ذلك، ليعلم أن مصيركم جميعاً ” الإعدام”.قالت: قلت له، نحن لا ذنب لنا، إن ولدي كبير ولا يسمع إلينا أو يأخذ بنصائحنا، وأنا إمرأة كبيرة ولا أستطيع السفر والمجازفة في هذه الأوضاع بالذات، ولديّ أحفاد أنا مسؤولة عنهم، فنظر إليّ بشرز وقال عليك التنفيذ و”إلاّ” وكرّرها ثلاث مرّات و”إلاّ”، قلت له نحن نتبرأ منه، وأنتم حكومة فإذا أخطأ فيمكن معاقبته.
قال: إذا لم يفعل ما طلبناه منه، فيمكن أن يكتب لنا ورقة يقول فيها أنه يتعهّد بعدم النشاط والكتابة ضد الحكومة، و”الاّ ” فإن مصيركم كما قلتُ لكِ.. ثم قال إن مصيركم بيده وهو من يستطيع إنقاذكم والحكومة رحيمة معكم. قالت: بكيّت وتوسّلت، وانفجرتْ بالبكاء بصوت عالٍ، لكنه دعا أحد الذين دخلوا علينا، كما تقول: وقال له إعمل لها جواز سفر إنْ لم يكن لديها جواز سفر، وأجلب صوراً لها، وسألني هل لديك جواز سفر؟ قلت له نعم فقال أين هو؟ قلت له في البيت.أعادوني إلى  مكاني حيث يتكدّس الأطفال وصراخهم وكذلك والدك ” الحاج عزيز شعبان” وأختك سميرة وزوجها فاضل الريّس وزوجة حيدر شقيقك. بعد ساعتين أو ثلاثة أخذوني إلى  البيت وأحضرت لهم جواز سفري وبعد يومين سافرت ووصلت إلى  بيروت. وقد زودّوني بعناوين لا أعرف لمن تعود وإن قرأت الأسماء، وقد وصلت إلى  بيروت وبعد توجهي من المطار بالتاكسي إلى  العنوان أوقفنا حاجز وبعد تفتيش أوراقي وجواز سفري، قالوا لي تفضلي انزلي، ونزلت وأخذوني إلى  مكان فيه رشاشات ومسدسات ومسلحين، وقد سألوني عدّة أسئلة من أعطاك العناوين ولمن تريدين الوصول، كنت خائفة هل أخبرهم أم لا؟ لا أدري ولكنني قلت لهم جئت إلى  بيروت للعلاج وأعطوني هذه الأسماء في بغداد لمساعدتي للوصول إلى  الطبيب.وبعد نحو خمس ساعات جاءت سيارة وأبلغوني بالصعود إلى  الأعلى حيث كنت تحت الأرض، وذهبت مع سائق ووصلت إلى  مكان آخر فيه مسلحون أيضاً، ولكنني خفتُ أكثر وبكيت بصمت.سألني الحرّاس والذين استقبلوني فيما بعد لمن تريدين قلت لهم الأسماء التي لديّ، واتضح أنها أسماء تيسير قبعة وبسّام أبو شريف (من الجبهة الشعبية)(هذا ما عرفناه بعد اطلاعنا على الأوراق التي لديها).
عملية تبادل
وبالمناسبة كانت هناك أشبه بعملية تبادل مع الكتائب، فتم تسليم الوالدة إلى  الجبهة الشعبية، ويبدو أن الجبهة الشعبية سلّمت مخطوفاً إلى  الكتائب. وكانت المخابرات العراقية بعد مصاردة حاجياتي الشخصية، بما فيها صوري، قد وجدوا فيها ما يوصلهم لي في بيروت فأعطوها عناوين قبعة وأبو شريف وآخرين لا أتذكرهم حالياً، وكذلك عنوان مكتب بيروت وتلفون الذي كان مسؤولاً فيه فخري كريم.
إستمعنا إلى  هذه القصة وكانت الوالدة تتوقف بين الحين والآخرلتقول” إنهم ينوون قتلك، عليك عدم العودة حتى لو أعدمنا”. اتفقنا على تنظيم موعد لزيارة طبيب لها، وأخذت معها بعض الأدوية بترتيب من فخري كريم والطبيب حسّان عاكف حمودي أو غيره لا أتذكر، (في مستشفى فلسطين يعود إلى  فتح) وقد عملنا لها حجزاً وهمياً في فندق وفاتورة حساب وهمية (مدفوعة لثلاثة أيام) وقد مكثت معها اليومين التاليين في بيت خاص مع آخرين، ثم اصطحبها أحد الرفاق إلى  المطار (لا أتذكّره) لتوديعها، ولم أظهر معها في أي مكان باستثناء زيارة لمكان قريب في العمارة ذاتها أو شقة قريبة لا أتذكّر، بدعوة من عصام الخفاجي.
اتفقنا معها على ما يلي: أن تبلغ الأجهزة أنني غير موجود في بيروت، بل أنها سمعت أنني في إسبانيا، أعيش هناك، وأنها ظلّت خلال الأيام الثلاثة في الفندق، وأنها راجعت طبيباً لمساعدتها وأعطاها أدوية وضعتها في حقيبتها اليدوية، وأنها مستعدّة وكذلك الوالد إن طلبوا منه التبرؤ مني علناً في التلفزيون أو في الجريدة ، وحتى لو قتلتني الحكومة فهي سوف لا تحزن عليّ إذا كان الأمر ضد الوطن.
وتستدرك الوالدة الحاجة نجاة شعبان لاحقاً: أن الذي قابلني بعد عودتي هو نفسه الذي التقاني عند سفري والمقصود هنا ” برزان التكريتي” وعندما وصلت إلى  الجملة الأخيرة، (أي حتى لو قتلتني الحكومة …) قال: إي نحنا نقتل وراح تشوفين، ولكنه غيّر الكلام وقال: هل صحيح أننا نقتل، فقلت له أنتم حكومة ولكم الحق في معاقبة المخالفين أو الناس ضد القانون، فضحك وقال نحن نعطيكم فرصة أخرى، لكنكم تذكّروا: أنتم تحت مراقبتنا وأي شيء يصلكم من هذا “الابن الضال” أوصلوه لنا في الحال، وإذا أرسل أحداً يتصل بكم أبلغونا فوراً، وأعطانا أرقام تلفونات، وقلت له حاضرون وكل ما تريده الحكومة ننفّذه، وكنت أرتجف خوفاً.
كنّا قد اتفقنا معها أنها بعد وصولها بعشرة أيام ولغرض الإطمئنان أن تكتب لنا رسالة وترسلها بالبريد دون اسم المرسل وهي موجّهة إلى  “ياسين سعيد” وتحت رقم صندوق بريد، وفيها تبلغنا أن الوالد بدأت صحته تتحسن، وفي حالة زيادة الضغط عليهم تكتب أن صحته بدأت تسوء، وانتظرنا عدة أسابيع ولم تصل أية رسالة، وعندما سألت الوالدة بعد 20  عاماً عن الحادث، بعد مدّة الفراق الذي استمرّ بيننا، قالت لي ” ولله إنتو بطرانين” – إنتو تدرون شكو؟ أي أنكم بطرانين ولا تعرفون ماذا يجري في العراق؟
خلال السنوات الثلاث الأولى أو بعدها تعرّضت العائلة إلى  ضغوط كثيرة واستدعاءات عديدة، وكان مسؤولو المخابرات والأمن وأمن المنطقة والمنظمة الحزبية في زيارات متّصلة للعائلة، لدرجة أن صلاتها انقطعت بالعالم الخارجي تقريباً، وباستثناء زيارات الدكتور ناهض شعبان للاطمئنان على أحوالها، وكانت حجّته معه باعتباره طبيباً، وكان والدي شبه مقعد في المنزل بعد أن ترك العمل وأجبر نفسه على ” تقاعد مبكر”، فباع محلّه في سوق التجار (خان النبكه) في بغداد وعاش على بعض أملاكه وأملاك والدتي وما وفّره من مدّخرات، وكانت زيارات الأخوال متباعدة، وكذلك العم الوحيد المتبقي، وهي زيارات شبه خاطفة، وبرضى الطرفين، المُستقبِلْ والمُستَقبَل، والكل كانوا في حالة رعب شديد، ويتفهّمون وضع العائلة الخاص.في مطلع العام 1985 (ربما في أواخر شباط/فبراير) جاءت عناصر من المخابرات وطلبت من والدتي السفر إلى  تركيا للاتصال بي من هناك ودعوتي لزيارتها في اسطنبول، لكن والدتي رفضت ولكنهم أرغموها على الرضوخ، فأخذوا جواز سفرها وثمن التذكرة منها، وجاءوا إلى  المنزل بعد يومين ومعهم التذكرة وتأشيرة الدخول والجواز، وتذكّرت والدتي ما أخبرتها به في بيروت بأنهم ربما يكونون معها في الطائرة، وعليها لو حاولوا مجدداً عدم المجيء والتملّص من الأمر بكل الوسائل، وهنا تشجعت وصرخت وقامت بالخروج إلى  الشارع، فأوقفها رجال المخابرات ومنعوها، وهي تصرخ بأعلى صوتها، واتصلوا بأحد المسؤولين من تلفون المنزل وأبلغوها بتأجيل السفر، وفي مساء اليوم التالي أصيب والدي بجلطة دماغية، لم تمهله طويلاً، وأظن أنه توفي في مطلع آذار (مارس) 1985.باختصار هذه هي قصة الكتاب التي دفعت العائلة بسببه ثمناً باهظاً لأكثر من 20 عاماً، وانتهز هذه الفرصة للقول أنني فخور بهذه العائلة: الوالد والوالدة اللذان تحمّلا بسببي آلاماً لا حدود لها، وأجدها مناسبة للاعتذار لهما، لأمر لم يكن لي يدُ فيه، كما لم يكن لي حيلة به، وهكذا هي السياسة في بلداننا وفي مجتمعاتنا العربية، وبالأخص في العراق الذي وصلت فيه العقوبة إلى  الدرجة الرابعة، ناهيكم عن القتل على الهوّية، واستبدّ به العنف والإرهاب إلى  درجة مروّعة.كنّا نحلم بأن نستطيع أن نسير بأوطاننا باتجاه الحداثة والعمران والجمال والخير والعدالة والسلام، لكن بعض أحلامنا تحوّلت إلى  كوابيس لعوائلنا التي لا ذنب لها )
                          *******
سلم وفاؤك واعتذارك  د. شعبان ، وليطمئن وجدانك ان الوالدة الكريمة هي الآن في جنان الرحمن ، وهي تدرك مسعاك الوطني الخير ..


10
ماذا يعني فوز اليسار اليوناني؟

عبد الحسين شعبان

كانت اليونان بالنسبة للغرب إحدى استعصاءات التحوّل الديمقراطي ما بعد الحرب العالمية الثانية، مثلها مثل البرتغال في عهد الجنرال سالازار وإسبانيا في عهد فرانكو، فبعد أن تنازعتها التقسيمات والصفقات بين دول الحلفاء، ولاسيّما في مؤتمر يالطا وأصبحت من حصة الغرب، شهدت انقلابات ودكتاتوريات عسكرية، ولاسيّما من العام 1967 ولغاية العام ،1974 حيث بدأ الانتقال الديمقراطي التدريجي، مع بقاء المواجهة مع تركيا بسبب العداء التاريخي، الذي زاده الصراع حول قبرص، على الرغم من أن الدولتين عضوتان في حلف شمال الأطلسي الذي تأسس العام 1949 .
لكن اليونان التي شهدت انتقالاً نحو الديمقراطية، بإجراء انتخابات حرّة واختيار الشعب لممثليه وتشريع دستور ديمقراطي للبلاد وإطلاق الحريات، لم تستطع إنقاذ نفسها ونظامها الرأسمالي من أزماته المتلاحقة، وكانت قد أعلنت إفلاسها أكثر من مرّة في السابق خلال القرن التاسع عشر والقرن العشرين، إلاّ أن الأزمة اليونانية الراهنة هي الأكثر تعقيداً منذ انتماء اليونان للاتحاد الأوروبي، وسيادة العملة الأوروبية اليورو على حساب العملة المحلية القديمة "الدراخما"، والتي أدت إلى ارتفاع فاحش للأسعار وزيادة البطالة، على الرغم من محاولة امتصاصها من خلال المساعدات والقروض التي حصلت عليها، ولكن يبدو أنها من دون جدوى حتى الآن، إذْ لم تستطع تلبية شروط الاتحاد الأوروبي، فماذا يعني فوز اليسار وهل سيتمكن من التملص من استحقاقات الأزمة؟
بعد انهيار النظام الاشتراكي العالمي، توجّهت العديد من دول أمريكا اللاتينية، لتغيير أساليب كفاحها من الأساليب العنفية إلى الوسائل السلمية، طارحة فكرة "الثورة في صندوق الاقتراع"، وقد فاز اليسار في العديد من دولها مثل تشيلي ونيكاراغوا والبرازيل والإكوادور وفنزويلا وأروغواي والأرجنتين وغيرها، ولكن فوز اليسار في أوروبا له دلالات أعمق ومعان أكثر، لاسيّما في اليونان بالتحديد، الأمر الذي رفع من درجة الاستنفار الأوروبي في ظل الموجة العنصرية الفاشية الصاعدة، خصوصاً وإن تصريحات زعيم اليسار الراديكالي "سيريزا" أليكسيس تسيبرايس في أول ظهور له بعد الفوز في الانتخابات قال: "إن الشعب اليوناني كتب التاريخ، وأنه ترك التقشف وراء ظهره"، وهذا يعني رفض سياسات الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي .
إن فوز حزب "سيريزا" وترجمته "باتجاه الجذور" أو "نحو الجذور" يعني أن اليسار تمكّن من تنحية حزبين تقليديين كبيرين هما: حزب الديمقراطية الجديدة (الذي يمثّل المحافظين) وحزب الباسوك الاشتراكي، وقد دخل حزب سيريزا البرلمان منذ الانتخابات التشريعية العام ،2004 حين حصل على ستة مقاعد فقط، وفي انتخابات العام 2009 أصبحت مقاعده 13 مقعداً، أما انتخابات العام 2012 الاستثنائية فقد حصل على 71 مقعداً ليصبح القوة اليسارية الأولى، وكانت الانتخابات الأخيرة في مطلع هذا العام 2015 انعطافة تاريخية في مسار الحزب بشكل خاص واليونان بشكل عام، فقد نال الحزب 149 مقعداً من مجموع 300 مقعد، أي نحو نصف أعضاء البرلمان أصبحوا من حزب " سيريزا"، وهو الأمر الذي دفعه للتحالف مع حزب "اليونانيين المستقلين" (13 مقعداً) الذي يشاطره الرؤية السياسية بشأن الأزمة الراهنة، علماً بأنه من اليمين الوسط، وبذلك حصل على الأغلبية في البرلمان .
ما وعد به تسيبرايس هو برنامج مطلبي إصلاحي يقوم على:
1- رفع الحد الأدنى للأجور .
2- إلغاء بعض الرسوم والضرائب التي ترهق كاهل المواطن الكادح .
3- تخفيض نسبة الديون التي تكبّل اليونان فمنذ العام 2004 ولغاية العام 2009 زادت ديونها على 70 مليار يورو إضافية، وتبلغ مجمل ديونها أكثر من 300 مليار يورو في حين إن بعض التقديرات تقول إنها تجاوزت التريليون يورو .
4- فكّ الارتباط مع حلف الناتو وإغلاق القواعد العسكرية الأجنبية على الأراضي اليونانية .
وكان الاتحاد الأوروبي قد قدّم مساعدات كبيرة لليونان خوفاً من أن العجز الاقتصادي سيدفعها للخروج منه، الأمر الذي سيلقي تبعاته السلبية على مجمل الاتحاد، وذلك بانخفاض عملته "اليورو"، فضلاً عن انعكاساته الأمنية والعسكرية، ولهذا تقدّمت أوروبا بشكل عام، وألمانيا بشكل خاص، تتبعهما فرنسا على تقديم قروض كبيرة لخفض العجز في الموازنة العامة للدولة، وهو الأمر الذي يسبّب صداعاً اليوم للاتحاد الأوروبي، فيما إذا قرّر حزب سيريزا بعد كل ذلك، إفساد هذه الخطة وإطاحة مشروع الاتحاد، لاسيّما إذا اتجهت اليونان إلى روسيا والصين .
الديون في اليونان معتّقة، والبلد مدمن على الاستدانة، وهناك الكثير من مظاهر الفساد المالي والإداري، كما أن أوروبا تعاملت مع اليونان كجزء من الحديقة الخلفية التي يمكن أن تجري فيها تجارب متنوعة، واضعة عليها نسبة فوائد بلغت 6% على القروض التي تمنحها إياه، الأمر الذي زاد في انهيار المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وأدى إلى انخفاض نسبة النمو، مع زيادة الانكماش الاقتصادي والبطالة .
إن خشية أوروبا من انسحاب اليونان يعني خروج مستثمرين إلى أسواق أخرى (مثل اليابان أو حتى الولايات المتحدة) وسيؤدي ذلك إلى خسارة أوروبا لسنوات تبلغ عشرات المليارات من اليورو، فألمانيا وحدها حسب بعض التقديرات ستكون خسارتها تتراوح بين 60-80 مليار يورو، كما أن الشركات والقطاع الخاص ورؤوس الأموال ستنسحب من اليونان، وهذا يؤدي إلى إفلاس بنوكها وبالتالي البنوك الأوروبية، وفي حالة عجزها عن ديونها ستتأثر قدرتها في الإقراض، الأمر الذي سيؤدي إلى المزيد من الانكماش الاقتصادي لعموم أوروبا .
وهناك مخاوف من العودة إلى العملة اليونانية "الدراخما" بدلاً من اليورو، وسيؤدي ذلك إلى هبوط سعر اليورو، فضلاً عن أن مثل هذا التوجّه اليساري قد يصل إلى أوروبا، كما هي إسبانيا والبرتغال وإيرلندا وقبرص، وهي الأخرى كانت قد حصلت على مساعدات من الاتحاد الأوروبي، ولعلّ ترحيب بعض الأحزاب اليسارية الأوروبية بفوز حزب سيريزا له أكثر من معنى ودلالة، وأولها عدم وضع بلدانها رهينة للاتحاد الأوروبي، لاسيّما لألمانيا وفرنسا، القوتين الكبيرتين في الاتحاد، مع تحفظ بريطانيا على العديد من السياسات .
إن فوز حزب سيريزا بقدر إزعاجه للاتحاد الأوروبي، فإنه أزعج على نحو كبير الصهيونية و"إسرائيل"، فكما هو معروف عن الزعيم اليوناني تسيبرايس إنه مناهض للسياسات العنصرية "الإسرائيلية"، وسبق له أن شارك في "أسطول الحرية" الذي كان متوجهاً إلى غزة العام ،2009 وقامت "إسرائيل" بالتعرّض له وقتلت 9 من الذين كانوا على ظهره، وكان حزب تسيبرايس قد نظّم مسيرات عدة ضد الحرب "الإسرائيلية" على غزة، وبقدر مساعدة الحكومة السابقة "إسرائيل" ودعمها على مهاجمة الأسطول، فإن تسيبرايس يعتبر نضال الشعب العربي الفلسطيني من أجل حق تقرير المصير وإقامة الدولة الوطنية وعودة اللاجئين، مشروعاً لا بدّ من دعمه، مثلما يعتبر "الإسرائيليين" قتلة للأطفال، وارتكبوا خلال حربهم على غزة جرائم ضد الإنسانية بحق الشعب العربي الفلسطيني وهي جرائم تستحق المساءلة .
فماذا يعني فوز اليسار بالنسبة لنا كعرب أو من أبناء المنطقة؟ وأقول ماذا يعني فوز اليسار اليوناني ليسارنا، فهل يمكننا إعادة النظر في الكثير من برامجنا وأطروحاتنا التي عفا عليها الزمن، وكيف السبيل لاستعادة ثقة الناس والناخبين؟ وهل يمكن استثمار هذا الفوز لتدعيم تكتل اليسار الراديكالي اليوناني، لمصلحة الأمة العربية والعلاقات اليونانية - العربية التي تحتاج إلى تصويب وتصحيح؟
أقول ذلك بهدف مساعدة اليونان للتخلّص من التأثيرات "الإسرائيلية" فيها، لاسيّما بوجود حزب يساري مناصر للقضايا العربية، والأمر له علاقة أيضاً بالاستثمارات العربية في اليونان، تلك التي يمكن تفعيلها وتجليسها على قاعدة صلبة، وإلاّ فإن انعكاساتها ستكون سلبية على الرأسمال العربي، خصوصاً بتأثيراتها في أسواق النفط الخليجية التي تعاني الآن انخفاض أكثر من 50% من أسعارها .



11
القنّاص: أبعد من جدل سينمائي
عبد الحسين شعبان
باحث ومفكر عربي

انتقل الجدل الذي أثاره فيلم أمريكان سنايبر American Sniper  من الولايات المتحدة، إلى لبنان وإنْ كان على نحو محدود واقتصر على بعض الناشطات والناشطين، وذلك بسبب عرض إحدى الدور السينمائية لهذا الفيلم الذي يتناول دور قنّاص أمريكي في العراق، قام بقتل نحو 160 ضحية، والمقصود بذلك الجندي الأمريكي كريس كايل من قوة العمليات الخاصة التابعة للبحرية الأمريكية في العراق.
في الولايات المتحدة حيث أنتجت هوليود الفيلم تعرّض عدد من الأمريكان من أصول عربية أو مسلمة أو من المهاجرين واللاجئين العرب والمسلمين إلى تهديدات متنوّعة، وذلك لأن الفيلم يشجع على الكراهية، حسب اللجنة العربية الأمريكية لمكافحة التمييز، في رسالتها الموجهة إلى مخرج الفيلم كلينيت إيستوود والممثل برادلي كوبر، حيث دعتهما لاستنكار لغة الكراهية، وأشارت اللجنة أن أعضاءها أصبحوا هدفاً لتهديدات عنيفة حتى قبل أسبوع من عرض الفيلم، وبالطبع ما بعد عرضه.
يعتبر فيلم القناص الأمريكي حلقة جديدة في سوء الفهم الأمريكي والغربي عموماً إزاء العرب والمسلمين على أكثر التقديرات إيجابية، أما الوجه الآخر السلبي فإنه استهداف مقصود لتبرير احتلال العراق وإذلال شعبه، وإظهار القاتل بصورة البطل ، والضحية بصورة المتوحش، ناهيكم عن أن الفيلم قام بتمجيد الحرب والقتل مشجعاً على العنف، بل وناشراً ثقافة العنف والاستعلاء والعنصرية، وهي ثقافة محرّمة حسب القوانين الدولية ولقيم ومعايير الشرعة الدولية لحقوق الإنسان، ناهيكم عن مخالفتها لدستور الولايات المتحدة ذاته.
إن النجاح الذي حققه الفيلم لا يعود إلى كونه عملاً فنياً متقناً ومحبوكاً درامياً، بل لأن من يقف وراءه إنما يبحث عن بطل خارق يتصدّى لهؤلاء الإرهابيين " الرعاع" والمتوحشين، وتلك هي الرسالة التي يريد الفيلم إيصالها إلى المشاهدين الغربيين بشكل خاص وغيرهم من المشاهدين بشكل عام، وذلك جزء من الإسلامفوبيا " الرهاب من الإسلام" التي تعاظمت بعد أحداث 11 أيلول (سبتمبر) الإرهابية الإجرامية التي حصلت في الولايات المتحدة والتي استهدفت برجي التجارة العالمية في نيويورك ومؤسسات رسمية في واشنطن وبنسلفانيا، وقد  كرّست تلك الأحداث الحواجز بين العرب والغرب من جهة وعمّقت الهوّة بين الطرفين، خصوصاً وقد سبقتها تنظيرات من قبيل نهاية التاريخ وظفر الليبرالية وصراع الحضارات وتناحر الثقافات وهي الأفكار التي روّج لها فرانسيس فوكوياما وصموئيل هنتغتون،كما زادت تلك الأحداث من التباعد بين البلدان الغربية والجاليات العربية والمسلمة، بحيث أصبحت صورة العربي والمسلم مصاحبة للعنف، بل إنها تثير الرعب والفزع والتوجّس والريبة في الكثير من الأحيان.
وقد عزّز تلك الصورة ما قامت به تنظيمات القاعدة وربيباتها تنظيم الدولة الإسلامية في بلاد الشام والعراق" داعش" وجبهة النصرة، وغيرها من المنظمات الإرهابية التي فقّس بيضها على نحو كبير بعد احتلال أفغانستان العام 2001 والعراق العام 2003، وانتقلت  مثل العدوى أو الوباء متخطية الحدود والحواجز، وكان آخر أفعالها الإجرامية ما حصل في شارلي إيبدو في باريس حين قامت بقتل 12 صحافياً بدم بارد.
قصة الفيلم تدور حول دور القنّاص الأمريكي كريس كايل (الجندي) الذي قام بقتل أكبر عدد ممكن من البشر، مسجّلاً  أعلى رقماً حسب التاريخ العسكري الأمريكي، دون أي إحساس بالشعور بالذنب، خصوصاً وأن كايل كان قد وصف المسلمين في مذكراته بأنهم " همج"، والمفارقة إن القاتل هو الآخر قد قتل رمياً بالرصاص على يد أحد قدامى المحاربين بالقرب من منزله في تكساس في شباط (فبراير) العام 2013، وكأن الآية الكريمة تنطبق عليه " وبشّر القاتل بالقتل ولو بعد حين".
لقد حقّق الفيلم أرباحاً طائلة بل تكاد تكون خيالية، ففي الأسبوع الأول من عرضه تجاوزت أرباحه على 105 مليون دولار أمريكي، وهو أمر غير معتاد في شبّاك التذاكر، إلاّ إذا أخذنا بنظر الاعتبار، كاستثناء، بعض الأفلام المتميّزة وذات الشهرة العالية مثل فيلم "القيامة الآن" و"زد"(Z) وامرأتان، بالإضافة إلى أفلام جيمس بوند أو هولوي أو غيره. وقد امتدّ نجاح الفيلم إلى النقاد أيضاً الذين رشحوه لستة جوائز أوسكار.
ولكن الفيلم من جهة أخرى، وخارج سياسة الترويج والدعاية الأمريكية يعتبر استفزازاً للمشاعر الإنسانية بشكل عام لجعل القتل وظيفة ومفخرة، والعنف غاية ووسيلة، فما بالك لمشاعر العراقيين والعرب والمسلمين، خصوصاً وأنه يحاول إظهار رجل يعشق القتل والعنف، وحسب علماء النفس، فإن ذلك أمرٌ لا يخرج عن المرض النفسي والسادية المتأصلة في عروق من يقوم بتلك الأعمال القذرة، خصوصاً محاولة إلحاق الأذى بالآخر، لاسيّما بالطريقة الغرائزية الحيوانية، بتلك التي يمثل إلى التعطش للدماء وارتكاب القتل لشهوة القتل .
ولكن المدافعين عن الفيلم  يقولون أنه يحاول إظهار أن الصراع هو بين الخير الذي يمثّله القنّاص كريس كايل وبين الشر الذي يمثله العراقيون الإرهابيون، وبالتالي فإن مهمة الخير تقتضي القضاء على الشر بقتل الإرهابيين الأشرار، وهو ما يلعبه " البطل" حسب تبريرات الفيلم، ومنتجه جاك هورنر المتحدث باسم شركة وارنر براذار وهي شركة أصحابها من اليهود المؤيدين لإسرائيل. وعلى الرغم من اضطرار المنتج إدانة اللغة المعادية للمسلمين والتي تتّسم بالعنف، إلاّ أنه اعتبر الكراهية والتعصب لا مكان لهما في الحوار المهم الذي أثاره الفيلم الذي يجسّد تجربة جندي مخضرم.
وإذا كان الفيلم " قنّاص أمريكي" يستند إلى كتاب كايل، فإن هذا الأخير لم يشعر بالأسف أو الندم أو الاعتذار، بل استمر في عدوانيته ليصل إلى الحد الأقصى من اللاإنسانية والحقد حين يتهم شعباً عريقاً بحضارته وتاريخه ومنجزه، بأنه يستحق ذلك، فيما أثبتت التحقيقات اللاحقة، بأن أياً من التهم التي وجهها الرئيس الأمريكي السابق جورج دبليو بوش وأركان حكمه إلى العراق لا صحة لها، سواءً ما يتعلق بأسلحة الدمار الشامل أو بعلاقته بالإرهاب الدولي . إن التوحش هو في الابتهاج بكل صلف وغرور بأعمال القتل والتلذّذ بسفك الدماء، وهو الذي مارسه كايل والعديد من الجنود الأمريكان كمهنة غير مشرفة ولا إنسانية .
الفيلم الذي أثار جدلاً سينمائياً اتسعت دائرته لتمتد إلى الثقافة والمجتمع، لاسيّما الرسالة الاجتماعية والنفسية التي استهدفها، وهي تلك التي كشفت منهجية التعذيب سواءً في سجن أبو غريب أو غيره، حيث كانت تلك الأعمال، ناهيكم عن أبعادها القانونية ومغازيها السياسية، مثار جدل بدأ بين الأمريكان أولاً حيث أيّده المحافظون، في حين أن أوساطاً أمريكية استهجنت ذلك بما فيه الشعور الغامر بالسعادة إزاء ممارسات العنف، التي عرضها بكل خيلاء كايل في كتابه والتي استند إليها الفيلم الذي أثار جدلاً بين الجالية العربية والمسلمة بشكل خاص وبين الأمريكان والغربيين بشكل عام، حيث توالت الاحتجاجات من جانب الأولى مندّدة بروح الكراهية والانتقام والعنصرية، والأكثر من ذلك فإن جدلاً آخر أثير حول مقاطعة الفيلم أو مشاهدته بعد النجاح الذي حققه، بل إن الدعوة لمقاطعته قد تدفع أوساطاً واسعة لمشاهدته حسب رئيس اللجنة العربية الأمريكية لمكافحة التمييز، وهو النقاش الذي انتقل إلى لبنان، حيث تقوم ناشطات وناشطين بالاتصال بمؤسسات وشخصيات حقوقية ومدنية وثقافية وسياسية وإعلامية ودينية للمطالبة بمنع عرض الفيلم.
وحسب بعض الناشطات والناشطين فإن الانتقادات التي تعرّض لها الفيلم أو كتاب كايل على مواقع التواصل الاجتماعي، لقيت حملة مسعورة من الاتهام والتهديد وتبريرات لعمليات القتل والعنف ضد العراقيين. ومثل هذا الاستهداف  للتصدي لهذه الظواهر التي تمجّد القتل وتحتفل بالعنف ليس جديداً، فقد ازداد خلال العقدين ونيّف الأخيرين، إزاء مفكرين ومثقفين وأصحاب رأي غربيين وعرب، لمجرد نقدهم للصهيونية أو تنديدهم لممارستها في العدوان على لبنان وغزة وعموم الشعب الفلسطيني  ودفاعهم عن حق تقرير المصير أو وقوفهم إلى جانب القضايا العربية العادلة والمشروعة ومعارضتهم للحلول العسكرية والخارجية للمشكلات التي تعاني منها البلدان العربية التي تطمح للحاق بركب الحضارة والتقدم والتنمية والديمقراطية.




12
ما بعد “شارلي أيبدو” . . الإسلاملوجيا والإسلامفوبيا!

عبد الحسين شعبان

أثارت جريمة قتل 12 صحفياً من محرري صحيفة "شارلي أيبدو" في باريس موجة من الغضب في الغرب، وخصوصاً إزاء الإسلام والمسلمين، لاسيّما وقد ارتبطت المسألة في العقود الأربعة الماضية بصعود تيار إسلاموي متعصب ولجوئه إلى الإرهاب والعنف، تارة باسم "الجهاد" وأخرى ضد الغرب باعتباره كافراً، وثالثة بزعم اغتصاب الحقوق، ورابعة لنشر راية الإسلام وفقاً لمنظور الجماعات الإرهابية، الأمر الذي ساعد في خلط الأوراق، بين المقاومة المشروعة والدفاع عن الحقوق وبين الإرهاب الأعمى والعنف المنفلت، الذي يلحق الأذى بالناس الأبرياء العزّل ويثير الرعب في النفوس .
وسواءً كان الإرهاب فردياً أو تقوم به مجموعة أو دولة، وتحت مبررات وذرائع مختلفة، فإنه واحد، طالما تنطبق عليه المعايير التي اعتمدتها جميع المعاهدات والاتفاقيات الدولية، على الرغم من عدم التوصل إلى تعريف مانع جامع للارهاب، حتى بصدور نحو 20 إعلاناً واتفاقية دولية بشأنه، وآخرها ما صدر بحق تنظيم "داعش" وهو القرار 2170 في 15 أغسطس/آب 2014 ووالقرار 2178 في 24 سبتمبر/ايلول 2014 والقرار 2195 في 19 ديسمبر/كانون الأول 2014 .
وكان من ردود الفعل إزاء جريمة "شارلي أيبدو" هو ارتفاع منسوب الموجات العنصرية الإقصائية على نحو شديد، حيث امتدّت من باريس إلى واشنطن، واجتاحت في طريقها العديد من العواصم الغربية على الرغم من محاولة الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل والرئيس الأمريكي باراك أوباما في خطابه إلى الأمة، التفريق بين الإسلام والعمل الإجرامي وبين المسلمين والإرهابيين، في محاولة للتخفيف من ردود الأفعال الكبيرة في العديد من بلدان أوروبا .
إن الفعل الإرهابي الذي قامت به مجموعة إرهابية تنتمي إلى تنظيمات القاعدة في اليمن كما نسبته لنفسها، أيقظ الكثير من مشاعر العداء والكراهية والانتقام والثأر، التي ظلّت بعض القوى اليمينية والمتطرّفة تشحن الشارع بها باستمرار، ولذلك لم يكن مستغرباً الحراك الذي شهدته فرنسا وألمانيا والسويد وبريطانيا وغيرها، الأمر الذي يطرح السؤال مجدداً حول دعاوى التسامح وحوار الحضارات والتفاعل الثقافي، خصوصاً في ظل ردود أفعال واندفاعات يمكن أن تتطور، لاسيّما إذا عرفنا أن إجراءات حكومية وقوانين قد تؤدي إلى تضييق مساحة الحقوق المدنية، وهو ما أعقب أحداث 11 سبتمبر/أيلول الإرهابية الإجرامية التي وقعت في الولايات المتحدة، بعد تفجير برجي التجارة العالميين في نيويورك وكذلك في واشنطن وبنسلفانيا .
وتكمن أسباب النظرة المختلفة للآخر، في المتراكم السلبي والموروث اللامتسامح، التي تجري محاولات لاجتراره أو تكريس ما هو سلبي ويدعو إلى الاحتراب والإلغاء والإقصاء، تحت عناوين مختلفة، من التعصّب والتطرّف والغلو، سواءً كانت من جانب الغرب أو من جانب العرب والمسلمين، وإن اتخذت الحملة من الإسلام هدفاً، فإن لكل دوافعه، ففي حين يسعى الأول لتنكيس رايته تحت شعار رفض "أسلمة أوروبا" أما الثاني فهدفه تقديم الإسلام بالصورة الداعشية القاعدية، كما يريدها الإرهابيون، أو بعض من يريدون تشويه صورة الإسلام، وهي الوجه الآخر السلبي .
إن قسماً غير قليل من جماعات مايسمى "الإسلام السياسي" سواء كانت تنظيمات القاعدة وربيبتها تنظيم "داعش" أو تنظيم النصرة أو غيرها من التنظيمات المتفرّعة والتي أخذ بيضها يفقّس وتتكاثر مثل الفِطْر في الساحتين العربية والإسلامية، بل وتنتقل مثل الوباء منذ احتلال العراق العام ،2003 نقول إن جزءًا من هذه الجماعات، يحاول توظيف تعاليم "الإسلام ضد الإسلام" ولأغراض سياسية ضيقة، لا علاقة لها بالدين وتعاليمه السمحاء، خصوصاً بما له صلة بعالم اليوم والقراءات الجديدة للتاريخ والتراث والحاضر والمستقبل .
إن ذلك ما نطلق عليه الإسلاملوجيا، الذي يقابله في الغرب الإسلامفوبيا، حين يزداد التهويل بخطر الإسلام ويتم التحريض على المسلمين وإثارة المخاوف منه ومنهم، بل واعتبار كل عمل إرهابي يقوم به أحد من المنتمين إلى المنطقة، له علاقة بالإسلام، الذي هو دين يحض على الإرهاب والعنف حسب وجهة النظر السائدة، علماً أن الإرهاب لا دين له مثلما لا جنسية أو وطن أو لغة أو جغرافيا أو عرق أو أصل له، إذْ لا يمكن القول أن المسيحية متهمة بالارهاب، لوجود منظمة بايدر ماينهوف أو الألوية الحمراء أو إياتا أو الجيش الإيرلندي، وهو الحال الذي ينطبق على معتقدات أخرى في اليابان (الجيش الأحمر الياباني) أو غيره من دول جنوب شرقي آسيا، وكذلك في أمريكا اللاتينية، كما لا يمكن احتساب كل ما قامت به "إسرائيل" من ممارسات عنصرية وأعمال إرهاب وعدوان واحتلال طيلة ستة عقود ونيّف من الزمان، على الدين اليهودي، وتوصيفه بالدين الإرهابي .
إن الرهاب من الإسلام أو الإسلامفوبيا، هو جزء من الرهاب من الأجانب بشكل عام، ونعني به الزينافوبيا، وهو الأمر الذي أدانه مؤتمر ديربن (جنوب افريقيا) حول العنصرية في العام ،2001 مثلما أدان الممارسات "الإسرائيلية" ودمغها بالعنصرية، ويقابل ذلك لدينا العداء لكل ما هو غربي وهو ما ندعوه ب"الويستفوبيا"، حيث تستمر الجماعات الإرهابية المتطرّفة في العزف على أوتاره ، باعتباره غريباً وكل غريب وأجنبي مريب، وبالتالي يدخل في خانة الخصم أو العدو، وهو ما كانت تنظيمات القاعدة تعلنه وتتصرّف على أساسه، كما اتخذته (داعش) مبرّراً لترحيل المسيحيين بعد "تخييرهم" بين الإسلام الداعشي أو دفع الجزية أو الرحيل، وإلاّ فإن المقابر تنتظرهم، وهو ما حصل للإيزيديين وغيرهم على نحو شديد البشاعة والهمجية .
وإذا كان الغرب مستودعاً كبيراً للثقافة والعلوم والتكنولوجيا والجمال والعمران والفن والأدب، فإنه يحتوي في الوقت نفسه على الكثير من النزعات العنصرية الاستعلائية والفاشية الاستئصالية الجديدة ومحاولات التسيّد وفرض الهيمنة، بزعم فلسفات خاصة وآيديولوجيات شاذة، ولاسيّما فيما يتعلق بالآخر، وخصوصاً إزاء البلدان النامية، والهدف هو الاستحواذ على الثروات والموارد والخيرات، التي تغذّى عليها الغرب لقرون من الزمان في إطار سياسة امبريالية وعولمة متوحشة .
ولكن الغرب ليس كلّه استكباراً وهيمنة واحتلالاً وعدواناً وعنصرية، مثلما ليس كل العرب والمسلمين "أبالسة" أو "شياطين" أو "إرهابيين"، وهنا وهناك توجد قيم حضارية وثقافية وإنسانية وجمالية، مثلما يوجد متطرفون ومتعصبون وإرهابيون . وهنا وهناك تستخدم الأديان على نحو سلبي بما يسيء إلى جوهرها .
للأسف الشديد فما إن تحدث حادثة إرهابية في الغرب، حتى تتردّد على الألسن وفي وسائل الإعلام المختلفة، فكرة "تنميط الإسلام" ويتم العزف على معاداة قيم الحداثة وحقوق الإنسان، وهو كلام حق يُراد به باطل، والهدف ليس تعزيز هذه القيم، بل لفرض الهيمنة والاستتباع، وإذا كان يجري اليوم العزف على الخطر الإسلامي "الأخضر" مصدر الشرور والإرهاب، فقد كانت الشيوعية تمثل امبراطورية للشر "والإرهاب الأحمر" أيام الصراع الايديولوجي والحرب الباردة .
إن الأجواء التي أعقبت حادث شارلي إيبدو هي ذاتها التي سادت بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول، حين وضع الإسلام كهدف يتم إلصاق جميع ممارسات العنف والإرهاب به . ومثل هذه الأطروحات تشكل خطراً على المجتمع الدولي وعلى قيم السلام والتسامح والعقلانية وعلى أي تفكير منطقي، ولهذا يتم تسويغ فكرة "حق التدخل" والحرب الاستباقية أو الوقائية باسم مكافحة الارهاب والحق في احتكار العدالة، وللأسف فإن بعض المثقفين الفرنسيين والغربيين بشكل عام إنساق وراء مثل هذه المسوّغات، مثلما ذهب إلى ذلك بيان المثقفين الأمريكان الستين بعد أحداث 11 سبتمبر .
إن العودة إلى مصطلحات محور الشر والحرب المقدسة، ومن ليس معنا فهو ضدنا والفاشية الإسلامية كما عبّر عنها الرئيس الأمريكي السابق جورج دبليو بوش، لا تعني سوى الإقصاء والإلغاء والعزل، وهي تعبير عن فكر تبسيطي أحادي يقسم العالم إلى خير وشر، ويفرض نمطاً من الصراع للهيمنة والسيادة المطلقة، ومثل ذلك هو الذي قاد إلى احتلال أفغانستان 2001 والعراق 2003 وجعل المنطقة تحترب وتتقاتل وتتكاثر فيها القوى الإرهابية، ولا يستطيع أحد التكهن بمدى تأثيرات انفجارها، وهي اليوم تضجّ بالعنف والإرهاب، الذي شمل بلداناً جديدة مثل سوريا وقد يمتد إلى بلدان أخرى، وليس شارلي ايبدو سوى رذاذ للإرهاب الأعمى .
هناك بعض الأسباب الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والدينية التي تقف خلف تفشي الظاهرة الإرهابية، سواءً في الغرب أو في العالمين العربي والإسلامي، فمثلما لا تميّز بعض الأطروحات الإسلاموية ، بين الغرب السياسي الذي لديه مصالح ومطامع يحاول تأمينها بكل الوسائل المشروعة وغير المشروعة، وبين الغرب الثقافي المناصر لقضايا الشعوب وحقوق الإنسان، فإن النظرة السطحية السائدة في الغرب هي الأخرى لا تميّز في الكثير من الأحيان بين القوى الإسلاموية المتطرفة وبين الإسلام، في حين إن الفارق شاسع والهوة عميقة بين الاثنين، وقد ذهب المفكر البريطاني الفريد هوليداي إلى التمييز بين النظرتين في كتابه الذي صدر بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول والموسوم "ساعتان هزّتا العالم" وقبل ذلك في كتابه "الإسلام والغرب" .


13
في بعض إشكاليات العدالة الانتقالية

عبد الحسين شعبان
غالباً ما ينصرف الذهن عند الحديث عن الإجراءات التي تعالجها العدالة الانتقالية إلى الحقوق السياسية والمدنية، لاسيما في مساعدة المجتمعات المضطهدة على التحول إلى مجتمعات تتجه نحو الحرية في إطار عملية انتقال ديمقراطي قد تكون طويلة ومعقدة، وذلك عن طريق تسوية مظالم الماضي وفقاً لتدابير تحقق لها مستقبلاً أفضل، ومن خلال الوصول إلى تحديد الجرائم والانتهاكات التي ارتكبت خلال النزاعات أو الحروب أو انهيار أنظمة قانونية أو عبر حكومات الاستبداد والعسف أو في ظل الاحتلال أو غير ذلك .
وإذا كانت تلك التدابير قد أخذت طريقها الفقهي والعملي بالنسبة إلى الحقوق السياسية والمدنية، فإن المعالجات والتدابير لا تزال قاصرة بشأن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وهي الأسباب الجذرية للنزاعات والصراعات مع الأنظمة الدكتاتورية والقمعية، الأمر الذي يتطلب التصدي لمعالجة هذه الحقوق من خلال تدابير اقتصادية واجتماعية وثقافية، وذلك بهدف استكمال الحقوق الأخرى، التي من دونها لا يمكن تلبية متطلبات العدالة الانتقالية قانونياً أو بوسائل أخرى سياسية اجتماعية اقتصادية ثقافية، لاسيما في جانبها العملي .
إن الإخفاق في تحقيق وإعمال الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الواردة في الشرعة الدولية ممثلة بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر في العام ،1948 والعهد الدولي الصادر عن الأمم المتحدة في العام 1966 الذي دخل حيز التنفيذ في العام ،1976 فضلاً عن أن انتهاكها يمكن أن يكون من الأسباب الجوهرية للنزاعات، واستمرار الصراعات وغالباً ما يؤثر ذلك في الفئات الضعيفة في المجتمع .
وعلى الرغم من التطور في ميدان العدالة الانتقالية، فلم يتم إدراج الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في إطار برنامج شامل لمعالجة آثار الماضي، ويعتقد البعض أن ذلك يعود إلى الطابع الاستثنائي والمؤقت لآليات العدالة الانتقالية ومحدودية مواردها البشرية والمادية، وقد يكون توسيع نطاقها فيه ما يثقل كاهل آلياتها وقد تؤدي إلى إفشالها، ولكن مثل هذا الأمر يتطلب معرفة أفضل السبل للربط بين العدالة الانتقالية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية من خلال مبادئ محددة، إضافة إلى أهمية معرفة العقبات والتحديات التي تواجه ذلك، ولعل ذلك ما توقفت عنده المفوضية السامية لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة . إن عمل الأمم المتحدة بخصوص العدالة الانتقالية سواء بشقه السياسي والمدني أو بشقه الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، إنما يستند إلى القانون الدولي لحقوق الإنسان (أي وقت السلم) والقانون الدولي الإنساني (لاسيما خلال الحروب والنزاعات) والقانون الدولي الجنائي الذي يمكن أن يتوجه بمقاضاة المرتكبين، والقانون الدولي للاجئين الذي يعالج المشكلات الإنسانية .
أربعة مبادئ أساسية لحقوق الإنسان تشكل إطاراً للعدالة الانتقالية وهي:
1- التزامات الدول بالتحقيق بالانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان والانتهاكات الخطيرة للقانون الدولي الإنساني .
2- الحق في معرفة الحقيقة بشأن انتهاكات الماضي ومصير الأشخاص المختفين .
3- الحق في جبر الضرر المادي والمعنوي لضحايا انتهاكات حقوق الإنسان، وكذلك في تعويض الضحايا وأسرهم .
4- التزام الدول في منع تكرار مثل تلك الارتكابات في المستقبل، والتعهد بإصلاح الأنظمة القانونية والقضائية والأمنية .
ومن الآليات المتبعة على هذا الصعيد:
1- استجلاء الحقيقة: مثلاً تشكيل لجان تقصي الحقائق .
2- اعتماد آليات قضائية للفصل في الشكاوى، أي إنشاء (محاكم) وطنية أو دولية أو مختلطة .
3- اعتماد آليات لجبر الضرر العام للضحايا سواء كان مادياً أو معنوياً .
4- اعتماد آليات التعويض للأشخاص وعوائلهم .
5- اعتماد آليات الإصلاح المؤسسي، من خلال الفحص والتدقيق وإعادة النظر والتغيير للمؤسسات القانونية والقضائية وجهات إنفاذ القانون .
ويتطلب الأمر أحياناً تحديد ولايات معينة وأطر زمنية لتنفيذ ذلك، كأن يكون بعضها مؤقتاً ومحدوداً وبعضها طويل نسبياً، مثلما يمكن أن تكون الآليات وطنية أو دولية أو إقليمية أو مختلطة، مثلما هي محكمة البلدان الأمريكية لحقوق الإنسان التي قدمت مساهمات مهمة على صعيد العدالة الانتقالية وهناك تجارب أخرى .
وحتى لو كانت مساهمة إجراءات العدالة الانتقالية محدودة بسبب نقص الموارد الاقتصادية والبشرية، إلا أنها على الرغم من ذلك تتسم بالأهمية المعنوية ولإعادة تثقيف المجتمع، وهو ما يقتضي أن تشمل الجوانب والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية .
وهنا لا بد من التأكيد على أن هذه الحقوق هي جزء من منظومة الحقوق العامة، وهذه الأخيرة لها طابع عالمي، أي كوني، وشامل، بمعنى غير قابل للتجزئة، كونها مترابطة مع بعضها بعضاً، وهدفها هو حماية الإنسان وكرامته، سواء بالامتناع عنه (الجانب السلبي) أو بالقيام ب(الجانب الإيجابي) الشروط التي تضمن العيش الكريم وتكفل للإنسان التحرر من الخوف والفاقة وتتوخى تحسين حياة الإنسان .
وترد الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في الشرعة الدولية لحقوق الإنسان، كما جاء في الإعلان العالمي الصادر العام 1948 (المواد 22 - 27) والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، فيما يتعلق الحق في العمل والحق في تشكيل النقابات وحماية الأسرة والأمومة والطفولة والضمان الاجتماعي والمستوى المعيشي بما يشمل الغذاء والكساء والسكن والصحة والتعليم والمشاركة في الحياة الثقافية وفي الاستفادة من التقدم العلمي وحماية المصالح المعنوية والمادية لمؤلفي الأعمال العلمية والفنية والأدبية، أي الحق في الملكية حيث يرد ذلك بخصوص المنازل والأراضي المتوارثة بالنسبة للشعوب الأصيلة والحصول على تعويضات عن الفصل التعسفي والحق في الضمان الاجتماعي .
وقد أقرت العديد من الاتفاقيات الملزمة هذه الحقوق غير القابلة للمفاضلة أو للانتقائية، منها الاتفاقية الدولية للقضاء على أشكال التمييز العنصري لعام ،1965 والاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة لعام ،1979 واتفاقية حقوق الطفل لعام ،1989 واتفاقية حماية حقوق جميع العمال المهاجرين لعام ،1990 واتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة لعام ،2006 وتشكل الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية مادة أساسية في اتفاقيات العمل الدولية ومن إعلان حقوق الشعوب الأصلية لعام 2007 . وترتبط بموضوع العدالة الانتقالية وعدم الإفلات من العقاب أعمال الإبادة الجماعية وتدمير الحياة المعاشية وأعمال الحصار وعمليات التجويع وهو ما أخذت به اتفاقيات جنيف الأربع للعام ،1949 استناداً إلى اتفاقيات لاهاي لعام 1907 وكذلك بروتوكولي جنيف لعام 1977 حول "حماية ضحايا المنازعات الدولية المسلحة" و"حماية ضحايا المنازعات المسلحة غير الدولية"، وخصوصاً حقوق الجرحى والمرضى بما له علاقة بالحق في الصحة، وكذلك حقوق الأسرى والسكان المدنيين بشكل عام .
ويجب ألا ننسى كفالة القانون الدولي لحقوق اللاجئين الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، طبقاً لاتفاقية العام 1951 المتعلقة بالمركز القانوني للاجئين، وكذلك ملحقها لعام 1967 بما يضمن حق الحياة والعيش بسلام وتأمين الحماية الضرورية، وكذلك حقوق العمل والتعليم وتكوين الجمعيات وحرية التعبير وغير ذلك .
ويقع على الدولة التزام حماية الأفراد وتمتعهم بحقوقهم على أساس المساواة وعدم التمييز بسبب العرق أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأي السياسي أو غير السياسي، ولعل أي انتهاكات لهذه الحقوق تشترط إنشاء آليات للمساءلة يسهل الوصول إليها وتتسم بالشفافية والفعالية .
وقد جرت خلال العقود الثلاثة الماضية تطورات على هذا الصعيد دولياً وإقليمياً للوصول إلى تحقيق العدالة، بعضها قضائي وقانوني بالطبع، وبعضها الآخر باعتماد آليات شبه قانونية أو شبه قضائية لمعالجة الانتهاكات في الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ولربط العدالة الانتقالية بتأمين هذه الحقوق، وذلك عبر تشكيل لجان تقصي حقائق ولجان للمصالحة والحقيقة ومعالجة الجرائم الاقتصادية وتهريب ونهب الأموال وغير ذلك .


14
واشنطن - هافانا ونظرية بناء الجسور
                 
عبد الحسين شعبان
عشرة رؤساء أمريكان، وخمسة عقود ونيّف من الزمان وكوبا تعاني الحصار الذي فرضته واشنطن عليها، يضاف إلى ذلك 30 محاولة اغتيال للزعيم الكوبي فيديل كاسترو، لكنها لم تنجح جميعها في إطاحة النظام الشيوعي في كوبا، فما الذي يريد تجريبه باراك أوباما الرئيس الأمريكي الأسود ذو الأصول الإفريقية من إعلانه سياسة انفتاح وتطبيع للعلاقات مع كوبا؟ وماذا تريد كوبا بعد ذلك من اتفاقها مع الولايات المتحدة لإعادة العلاقات؟
لعلّ أول توضيح لدفع أي شكوك جاءت على لسان راؤول كاسترو شقيق فيديل كاسترو ورئيس الدولة حالياً منذ أن تنحّى الأخير عن مسؤولياته في العام ،2008 وذلك حين قال إن على الرئيس الأمريكي عدم الغرق في الأوهام، لأن الشيوعية ستظل النظام السائد في كوبا، وذلك ردّاً على توصيفه النظام السياسي في كوبا: بأنه قمعي وسيتغيّر في نهاية المطاف .
وكان فيديل كاسترو قد علّق على كلام أوباما بقوله: إننا لا نطلب من الولايات المتحدة أن تغيّر نظامها السياسي، ولذلك نطالبها باحترام نظامنا أيضاً، بمعنى أن كوبا لن تتخلى عن تاريخها النضالي وأفكارها التي عملت من أجلها طويلاً، مقابل إعادة العلاقات مع واشنطن .
جدير بالذكر أن ثمة أسباباً موضوعية وأخرى ذاتية لقرار الرئيس الأمريكي أوباما بالانفتاح، مثلما هو قرار هافانا حيال رغبة واشنطن، دون أن يعني ذلك تخلّي الولايات المتحدة عن هدف إطاحة النظام الكوبي، لكنها حسبما يبدو عادت لنظرية بناء الجسور، التي سبق للرئيس جون كيندي أن اتبعها، ومن بعده الرئيسان جونسون ونيكسون، وتعتمد هذه النظرية التي قام بصياغتها "تروست الأدمغة" الذي يعمل بمعيّة الرؤساء على مدّ جسور سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية وفكرية إلى الدول الاشتراكية السابقة، لعبور البضائع والسلع والأفكار ونمط الحياة الأمريكي والغربي بهدف تحطيمها من الداخل بعد فشل إطاحتها من الخارج . وإذا كانت تلك الأنظمة قد بدت منيعة ومحصّنة من الخارج، لكنها كشفت عن هشاشتها وضعفها الداخلي، وهو ما كان قد قال به المفكر الفرنسي جان بول سارتر في نقده للأنظمة الاشتراكية، بسبب شحّ الحرّيات والانغلاق، وهو الأمر الذي قد ينطبق على كوبا حسب واشنطن، على الرغم من صمودها لأكثر من خمسة عقود من الزمان، فالجزيرة التي كانت حديقة خلفية لكبار الرأسماليين الأمريكان يوماً ما، استطاعت أن تصمد رغم قساوة الظروف والفداحات والحرمانات بوجه أعتى وأقوى دولة في العالم والأشد شراسة .
ولو تمكّنت كوبا اليوم وفي المرحلة الجديدة من توسيع دائرة الحرّيات العامة والخاصة والإقرار بالتعددية والتنوّع ودخول عالم الحداثة، فإنها ستتمكّن من الصمود ليس لخمسة عقود من الزمان، بل لخمسة قرون أخرى، لأن قوتها ستكون في الحرية والمواطنة والتعددية والتنمية المستدامة، خصوصاً وإن الحداثة حاجة لا يمكن تجاهلها أو إدارة الظهر إليها، إذْ إنها مع العوامل الأخرى ستوفّر اللحاق بالركب الحضاري العالمي، خصوصاً باقترانها بالعقلانية والديمقراطية والعلمانية والتقدم، وقد سبق أن نوّهت إليه في كتابي "كوبا- الحلم الغامض" الصادر في العام ،2009 إضافة إلى فضائل النظام الاشتراكي ذاته، خصوصاً مجانية التعليم والصحة وتوفّر فرص العمل والضمان الاجتماعي والحق في التمتع بالفنون والآداب والجمال وغيرها .
السبب الأول للانفتاح الأمريكي يعود إلى فشل أوباما في الانتخابات النصفية للكونغرس، الأمر الذي دفعه لكسب جالية أمريكا اللاتينية التي تربو على خمسين مليوناً بما يعادل نحو خُمس سكان الولايات المتحدة إذا افترضنا أن عدد السكان نحو 320 مليون نسمة . ولا شكّ أن عدد المهاجرين غير الشرعيين يزيد 12 مليون إنسان وأن غالبيتهم من الأمريكان اللاتينيين، وأن هناك نحو خمسة ملايين مهيأون للحصول على الجنسية الأمريكية، ولذلك فإن إعادة العلاقات مع كوبا تساعد على كسب هؤلاء الذين يعارض الجمهوريون منحهم الحق في الإقامة الشرعية .
أما السبب الثاني فهو يعود إلى فشل سياسة الحصار والعقوبات المفروضة على كوبا، وكان الفاتيكان قد كسر الجمود من خلال زيارة البابا بنديكتوس السادس عشر إلى هافانا، وتعهدت الأخيرة بالانفتاح على الكنيسة وإعادة فتح وترميم بعض الكنائس، التي أخذت تستقبل أعداداً من الزوار . وكان البابا مثل الكثير من البلدان في الأمم المتحدة وخارجها، بما فيها كندا حليفة الولايات المتحدة، قد انتقد سياسة الحصار الاقتصادي الأمريكي ضد كوبا ودعا لإلغائها لأنها غير شرعية، وهي السياسة التي استمرت عليها واشنطن منذ عهد الرئيس جون كيندي منذ العام 1960 وعشية أزمة خليج الخنازير بين موسكو وواشنطن العام 1961 .
أما السبب الثالث فهو يرتبط بالأزمة المالية والاقتصادية التي تعرّضت لها الولايات المتحدة منذ العام 2008 والتي لا تزال مستمرة، وأدت إلى انهيار مصارف عملاقة وشركات تأمين كبرى، ودفعت أعداداً واسعة إلى البطالة .
ويعود السبب الرابع إلى اتساع رقعة الدول الأمريكية اللاتينية التي أحرز فيها اليسار نجاحاً في الانتخابات وتباعدها عن محور واشنطن، الأمر الذي دفع الإدارة الأمريكية لاختيار هذا الطريق البراغماتي، للتخفيف عن غلواء سياستها العدوانية، دون نسيان هدفها الأساسي وهو إطاحة النظام الكوبي والأنظمة التي تأثرت فيه، وهو ما عملت عليه طوال العقد المنصرم إزاء نظام فنزويلا والرئيس الراحل شافيز .
ويكمن السبب الخامس في فشل سياسات واشنطن الشرق أوسطية، سواء بخصوص دعم "إسرائيل" لاسيّما في عدوانها المتكرر على الأمة العربية، أو في عدم إيجاد حل عادل ومناسب للقضية الفلسطينية، إضافة إلى احتلال العراق وتبعات ذلك، سياسياً ومالياً وبشرياً وأخلاقياً . وعلى الجانب الآخر كان انخفاض أسعار النفط وراء استعداد كوبا لإعادة العلاقات، فقد كان لانهيار الاتحاد السوفييتي في مطلع التسعينات وتوقف موسكو عن تزويد كوبا بالوقود، سبباً في أزمة كوبية طاحنة كادت أن تطيح النظام، وقد ظلّت هافانا وأحياء منها حتى الآن تعاني الظلام ونقص الكهرباء والوقود، وقد استعان كاسترو بالرئيس ياسر عرفات طالباً مساعدته، وهو ما بادر إليه حين قام بتأمين باخرتين على جناح السرعة تحملان النفط حيث تم شراؤهما وهما في عرض البحر وإرسالهما إلى كوبا . ولهذا فإن انخفاض أسعار النفط اليوم وحرمان فنزويلا من نحو نصف عائداتها سينعكس سلباً على هافانا، حتى وإن استمر الرئيس نيكولاس مادورو خلفاً للرئيس هوغو تشافيز في التزاماته إزاء كوبا، الأمر لا بدّ من إيجاد مخارج للتخفيف عنه، وقد تكون العلاقة مع واشنطن وإلغاء الحصار إحداها . .
لعلّ هافانا تكون قد قرأت هذه اللوحة المعقدة، ولذلك لم يكن ممكناً الاستمرار في السياسة ذاتها التي قادت إلى شد الأحزمة على البطون، وهي السياسة التي سارت عليها كوبا وطبعت علاقاتها مع واشنطن خلال فترة الحرب الباردة وما بعدها في إطار الصراع الأيديولوجي، الأمر الذي دفع إلى المزيد من المركزية الشديدة للنظام وشحّ الحريات والوقوف موقفاً سلبياً من الحداثة وملحقاتها، وهو الأمر الذي حاول راؤول كاسترو التخفيف عنه بالسماح لشركات الكمبيوتر والإنترنت والهواتف النقالة والشركات السياحية وغيرها من الدخول إلى البلاد منذ تسلّمه مقاليد الأمور .
لم تعد كوبا النظام "محميّة" بفعل تحالفاتها الخارجية، كما كانت في العام 1961 من جانب الاتحاد السوفييتي مثلاً، حين انفجرت أزمة خليج الخنازير في 16 ابريل/نيسان 1961 التي حاولت واشنطن إنزال مرتزقتها على السواحل الكوبية، الذين تعرضوا إلى التصفية وانهارت العملية القرصنية، لكن التهديدات النووية الأمريكية كانت جاهزة لرفع وتفكيك الصواريخ السوفييتية وقواعدها، وقد اشترط الاتحاد السوفييتي حينها ضمان أمن كوبا ورفع الصواريخ الأمريكية والتابعة لحلف الناتو على حدوده التركية، وهكذا تمت الصفقة وبقيت كوبا صامدة وازداد نظامها راديكالية .
ويعود فشل محاولات إسقاط النظام الكوبي إلى الالتفاف الشعبي الواسع حوله حتى الآن، إضافة إلى شخصية كاسترو الكارزمية، وكشفه لجميع المحاولات لاغتياله، الأمر الذي تريد واشنطن معالجته على طريقتها الخاصة بالتغلغل من خلال تغيير تكتيكاتها بالانفتاح وبناء الجسور، وتأمل هذه المرّة أن تطيح النظام الشيوعي من داخله، خصوصاً بعد فشل سياسة المقاطعة والحصار، لكن الأمر يحتاج إلى وجه آخر للصمود وهو تعزيز الحرّيات ودخول عالم الحداثة، دون أن يعني الأمر الاستجابة للطريقة الأمريكية بتعميم نمط الحياة الثقافية من خلال الجينز والهمبرغر والكوكا كولا، بل عبر عولمة الحقوق والحريات وعولمة الثقافة والتكنولوجيا، فذلكم هو السبيل لاستمرار صمود كوبا .
لقد واجهت كوبا في تاريخها المعاصر منذ القرن ونصف القرن الماضيين سبع حروب كبرى، سواءً بمقاومة الاستعمار الإسباني أو الحرب الأهلية أو حرب الثورة المضادة أو الحرب الاقتصادية والحصار الأمريكي، واليوم يتوقف مستقبل كوبا السياسي على مواجهة التحدّيات الجديدة المتمثلة في وسائل الحرب الناعمة .


15
منتدى عبد الرحمن النعيمي
بيروت- 20/12/2014


محاضرة بعنوان:


عبد الرحمن النعيمي: في مسألة الهوّية وتوابعها



عبد الحسين شعبان
باحث ومفكر عربي



تمهيد
عدت إلى ذاكرتي لأدوّن نتفاً من حوارات متواصلة ومتقطّعة دارت بين الراحل عبد الرحمن النعيمي وبيني، وذلك فيما يتعلق بفكرة الهوّية وتوابعها، وقد استعدت ذلك كجزء من منولوج داخلي بما أفضى به وما استنتجته بصحبة مديدة، أو ما قدّرت أن ما وصل إليه كان النتيجة المنطقية للتطوّر الفكري والثقافي لعبد الرحمن النعيمي، كجزء من أطروحاته ومواقفه السياسية والعملية، إضافة إلى أبعادها الستراتيجية.
وإذا كانت الهوّية شغل شاغل اليوم، فإن جيلنا أو جزء منه لم يكن يفكّر بما تعنيه، وذلك قبل أن تندلع  حروب الهوّيات وكأنها حروب كونية يتخنّدق فيها الجميع ضد الجميع. وكانت العروبة ذات البعد الإنساني تنغمس في بعضنا ومنهم النعيمي والبعض الآخر يجد في الأممية ذات البعد الإنساني أيضاً قد سكنت فيه، وكنت أنا جزء من هذا التكوين، لكنّنا مع مرور الأيام والكثير من الخيبات والمراجعات والنقد والنقد الذاتي، وجدنا التفاعل العميق بين العروبة والأممية، طالما كان بعدهما إنسانياً، إذْ لا يمكن إلاّ أن يكونا كذلك، دون إهمال ما لحق اسميهما من زيف وترّهات واستبداد.
قد يكون مدخل هذا الحوار بين النعيمي وبيني ذا وجه فكري وآخر سياسي في إطار رحب من الثقافة، لكنني سأحاول إعطاءه مسحة تتعلق بالهوّية ومدلولاتها وعناصرها والتحدّيات التي تواجهها، وذلك بتجاوز التعميم والانتقال إلى التخصيص، لاسيّما وأن الأول هو الصخرة التي يتكئ عليه المتعبون إذا جاز القول، إذْ لا يمكن بدون التفاصيل بما فيها الجزئية أحياناً تكوين المشهد العام.
I
تعامل عبد الرحمن النعيمي على نحو يكاد يكون عفوياً بخصوص موضوع الهوّية، سواء هوّيته أو هوّية الآخر، فقد كان يشعر أن لا هوّية واحدة له، بل هناك هوّيات متعددة تندغم في هارموني منسجم إلى حدود كبيرة، مثلما لم يجد فاصلاً بين الهوّية المتنوّعة التي تتألف منها هوّيته العامة الجامعة الموحدة، وتحت ظلها تتفيأ، بل وتنعم بالتكامل مع بعضها البعض، مجموعة من الهوّيات، التي تنسج في نهاية المطاف قماشة هوّيته المتكاملة، مثلما تنسج خيوط الهوّيات الأخرى، التي ينظر إليها من موقع الإقرار والقبول.
وإذا كان تيد روبرت جار قد أصدر موسوعة رصد فيها 230 مجموعة ثقافية إثنية أو دينية أو لغوية أو سلالية، فإن أمين معلوف هو من أطلق على صراعات الهوّيات في لحظة انفجارها، ولاسيّما بعد نهاية الحرب الباردة وتحوّل الصراع الآيديولوجي من شكل إلى آخر  اسم "الهوّيات القاتلة"، وإنْ كان هو العربي اللبناني الفرنسي، المسيحي ذو الثقافة الإسلامية قد جمع ذلك في وحدة واتساق .
أما وجيه كوثراني فقد تناول في كتابه  الموسوم "هوّيات فائضة ومواطنة منقوصة" موضوع فيض الهوّية أي المبالغة فيها، سواء كانت طائفية أو دينية أو قومية، وسيقابله نقصان المواطنة، أي كلما تضخّمت الأولى فستؤدي إلى انحسار أو ضيق الثانية، وهكذا كلّما غابت المواطنة يستعاض عنها بمفهوم " الرعية أو التابعية" التي لا تعني سوى الخضوع، والأمر له علاقة بالتعريف أيضاً فيما يتعلق بهوّية الأغلبية وهوّية الأقلية والهوّيات الكبرى والهوّيات الصغرى، في حين أن لكل فرد هوّية عامة وهوّية خاصة، مثلما هناك لكل مجموعة ثقافية، دينية أو إثنية أو لغوية أو سلالية، هوّية عامة وهوّية فرعية، في الأولى حيث المشترك الإنساني الوطني أو الديني أو الإثني أو غيرها، وفي الثانية حيث التعبير عن الشعور بالانتماء الخصوصي والتميّز عن الآخر، حتى وإنْ في إطار هوّية عامة، موحّدة.
وكان محمد عابد الجابري قد بحث في كتابه "مسألة الهوّية، العروبة والإسلام والغرب" حيث تناول  ثنائية العروبة والإسلام، وكذلك العلاقة بالآخر، وفي دراسة أخرى بحث في العولمة والهوّية بين البحث العلمي والخطاب الآيديولوجي، في حين يأخذ علي حرب  بالهوّية المركّبة والمتعددة بوجوهها وأطوارها وأبعادها، وذلك في كتابه " حديث النهايات- فتوحات العولمة ومأزق الهوّية"، خصوصاً وهو يميّز بين مفهوم الهوّية على المستوى الحقوقي والرسمي أو على المستوى الحضاري والمدني، وهو يؤثر استبعاد الصفة الدينية، لأن الإسلام العقائدي من وجهة نظره بشقيه السنّي والشيعي العقائدي والفقهي لا ينتج الاّ الأصولية الجهادية.
أما حليم بركات في كتابه " المجتمع العربي في القرن العشرين " فيعتبر الهوّية مجموعة من السمات الثقافية التي تمثل الحد الأدنى المشترك بين جميع الذين ينتمون إليها والتي تجعلهم يُعرفون ويتميّزون بصفاتهم تلك... وقد تتطور الهوّية بالانفتاح على الغير وقد تنكمش، وتتمدد وتتقلص... لكنها دون أدنى شك تغتني بتجارب الناس ومعاناتهم وانتصاراتهم وآمالهم وهذه المسألة تتأثر سلباً وإيجاباً بالآخر.
ويعتبر أدونيس في كتابه " موسيقى الحوت الأزرق (الهوّية ، الكتابة، العنف)"  الهوّية ليست معطىً جاهزاً ونهائياً، وإنما هي عمل يجب إكماله دائماً، أي أن التغيير وعدم الثبات هو ما يطبع الهوّية والهوّيات المسبقة، الجاهزة، المغلقة كأنها شيء بين الأشياء: حجر أو فأس أو سيف، وهو ما تريده القوى المتعصبة، أي تبحث في الهوّية ما وراء الإنسان وليس أمامه، لأنها غير قابلة للتراكم والتطور، والآخر عندها لا وجود له أو غائب أو عدو.
وقد سبق لي أن تناولت  موضوع الهوّية، من خلال سؤال إشكالي: هل الهوّية أرخبيل مفتوح أم بركة ساكنة؟ وهل هي معطىً سرمدياً ثابتاً أو إنها مفتوحة، أي قابلة للتفاعل والإضافة والحذف تأثراً وتأثيراً بالهوّيات الأخرى؟ وقد سعيت بعد هذا التساؤل للبحث عن جدل أو صراع الهوّيات في العراق، وخصوصاً احتدامها بعد الاحتلال الأمريكي في العام 2003، وذلك في كتابي الموسوم : جدل الهوّيات في العراق: الدولة والمواطنة"، حيث بحثتها من زاوية هضم الحقوق أو الإقرار بها، وانعكاس ذلك على تبلور موضوع الهوّيات جدلاً، أي تواصلاً وتفاعلاً، وصراعاً بمعنى الالغاء والإقصاء، أي التباعد والتنافر، أو حتى العزلة والانغلاق، بدلاً من الانفتاح والتداخل.
وفي حوار مشترك بين النعيمي وبيني مع الياس مرقص خلال لقاء فكري انعقد في طرابلس الغرب في أواسط الثمانينيات لمناقشة الأزمة في حركة التحرر الوطني، ضمّ قوميين عرب بمختلف تياراتهم بما فيهم منظمات المقاومة الفلسطينية وماركسيين وشيوعيين، حيث قاربنا الموضوع من زاوية الهوّية وتحت سؤال كان ملحاً: هل يمكن إلغاء هوّية الفرد لحساب هوّية المجتمع؟ وقد استكملت الحوار مع مرقص حين اضطرّ المبيت في منزلي بدمشق، لتعذّر حصوله على وسيلة نقل مساءً إلى اللاذقية عند مجيئنا من طرابلس، واستغرق حوارنا ساعات متأخرة من الليل، وكان الرأي الذي اتفقنا عليه، أن مثل هذا الإلغاء سيؤدي إلى إلغاء الهوّية العامة، وهو ما أسماه الياس مرقص الفارق بين عقدة الهوّية والهوّية، فالهوّية حسب مرقص هي للفرد والجماعة والأمة، من خلال اتساق وتفاعل وتوازن ديناميكي ومترابط، ولذلك بنى نظريته للديمقراطية على الفرد الحر المستقل " أنا أفكر" لا بوصفه نقيضاً لـ " النحن" بل بالتوافق معها، على أساس الموقف من المعرفة والاعتراف بالكائن الفرد، وكذلك من خلال المجتمع المدني باعتباره يمثّل كينونة المجتمع.
كان عبد الرحمن النعيمي حتى دون أن يعبّر هو عن نفسه يتصرف باعتباره  جامعاً لهوّيات متسقة في إطار هارموني حيوي، فهو عربي ومسلم وبحريني ومتعدّد الانتماءات لسرديات عاش تفاصيلها وكان يشعر أنه جزء منها، وتعتبر هوّيته خلاصة مكثّفة لوجدانه  الإنساني ومكوناته الثقافية.
كنتُ قد لمست ذلك منذ أن تعرّفت عليه في عدن قبل 40 عاماً وكان عائداً من ظفار حيث كان مشاركاً في الثورة الظفارية، حتى اعتقدت لأول وهلة وأنا أتعرّف على سعيد سيف الاسم الأثير الذي لا نتذكر النعيمي إلاّ مع رديفه " سعيد سيف" إنه عُماني وقد يكون من صلاله، لكنني عرفت فيما بعد إنه من البحرين.
كان عندما يتحدّث عن ظفار ينغمر بأدق التفاصيل، لدرجة أنك لا تشعر الاّ وهو جزء من الشعب العُماني، وليس مشاركاً بثورة لمجموعة من الحالمين في ظرف ملتبس وعصيب، حتى إن هوّيته العُمانية وهو يروي لي الحياة اليومية والتعامل مع الناس البسطاء، كانت طاغية، وهو شعور جيفاري طافح، تملّك الكثير من الثوريين آنذاك، في تجلّيات طهرية ونظافة فكرية، لم تلوّثها عاديات الزمان التي لعبت لا في العقول فحسب، بل امتدت إلى النفوس وتكرّست على نحو مريع، مترافقة مع تراجعات وانكسارات في المشاريع التنويرية العروبية واليسارية.
كنت مع عبد الرحمن النعيمي في رحلة الصداقة والحرف والحق، دائماً ما أطالبه بأن يضع تجربته على الورق، وخصوصاً الظفارية، اليمنية لاحقاً، والممهورة في كل الأحوال بفلسطين المُملحة بالخليج والمسكونة بالبحرين، ولا يمكن للبنان المقاومة والجمال أن يكون بعيداً عنها، وفي ذلك تندغم هوّياته المتعددة في إطار هوّية موحدة، أما هو فكان يطالبني بوضع تجربة الأنصار الشيوعيين على الورق أيضاً، وعندما اطّلع على خلاصات أولية لحديث لي في محاضرة بلندن والموسومة " بعيداً عن أعين الرقيب" طلب طباعتها، وكتب هو كلمة باسم الناشر "دار الكنوز الأدبية" على غلافها الأخير، وكان ذلك في العام 1994.
وجاء في كلمته " ينطلق الدكتور شعبان من رؤيته للمستجدات وانعكاساتها على المناضلين والمثقفين، ويرى أهمية إلغاء الحجاب عن حياتهم ليتعرّف الناس على حقيقتهم وتكوينهم وينابيع ثقافتهم، ويحكموا عليهم وعلى أهليتهم في المشاركة في الحركة السياسية والفكرية في المرحلة الراهنة واللاحقة، ناهيكم عن قيادتها. من العراق إلى المنفى ومن السياسة إلى الثقافة... يسجل د. عبد الحسين شعبان تجربته بشجاعة كبيرة هل أفلح أبو ياسر ، أين أخطاً ..أين أصاب؟ سؤال يجيب عليه القارئ وحده".
كان إلحاحي عليه بتدوين فصول تجربته يزداد كلما شعرت أن الزمن يمضي، على الرغم من أن الماضي لا يمضي حسب السيد هاني فحص الذي غادرنا مؤخراً وهو يروي حكاياته عن النجف، وقلت له يومها ذلك بعد أن كنت أحرّضه على أن ترى تلك الذكريات النور، وبعد أن شقّت طريقها في كتاب "ماض لا يمضي"، قلت له إن هناك وجهاً آخر للنجف، حيث يعيش فينا ويتغلغل بين ضلوعنا ونحن لا زلنا نتنفسه في كل ما حولنا وهو ما وجد طريقه إلى عنوان كتاب لمناضل كبير اسمه صاحب الحكيم الذي اختار عنواناً لمذكراته " النجف الوجه الآخر".
وكان هذا عنوان محاضرة لي في الكويت والجامعة اليسوعية في بيروت بتحريض من الصديقين جهاد الزين وحامد حمود العجلان، حين تحدثت عن حلقات اليسار والمواكب الحسينية والقصائد الحمراء وقرّاء المنابر وبعض ثنايا الحوزة والحضرة الحيدرية وبعض كادرها الشيوعي، وعن النساء النجفيات والجمال النجفي والعلاقات الاجتماعية والوافدين ومدرسة الخليلي والاختلاط بأمم وقوميات ولغات والتعايش الإسلامي، العروبي، الأممي، الماركسي، وعن "الفكر المنفتح في المجتمع المنغلق" حسب السيد مصطفى جمال الدين، وصورته الأخرى " الانغلاق الظاهر" و"الانفتاح الباطن" أو المحافظة الشكلية والتقدمية الجوهرية.
كان عبد الرحمن النعيمي يمهلني يوماً بعد آخر في تدوين مذكراته، بل كلّفني لإقناع مظفر النواب بضرورة تدوين سيرته ونشر أعماله الكاملة، حتى حصل المحذور وجئنا إلى البحرين لنرى صديقنا العتيق وهو مُسجى وفي غيبوبة طويلة امتدّت أيامها وشهورها وسنينها بكل ثقلها وكآبتها، والعائلة والرفاق والأصدقاء ينتظرون، حتى داهمه ذلك الذئب اللعين الذي ظلّ يتربّص به متنقّلاً معه مثل ظلّه من بيروت الحلم إلى دمشق الياسمين وبغداد الرشيد ودجلة الخير والخليج ذو اللؤلؤ والمحّار وظفار الطفولة والعفوية، وعدن التي كانت الجنة الموعودة، والتي رأينا كيف كان حلم ردفان الكبير يتدحرج في التواهي وكريتر ويتبدّد أمامنا.
وإنْ لم أفلح في اصطياد النعيمي يروي لنا ما حدث في ظفار، فقد أكون قد حفّزت واستدرجت رفيق عمره وصديقه الوفي الحميم عبد النبي العكري ورديفه اسمه المستعار "حسين موسى" في كتابة هذا الفصل الغامض من فصول النضال الشيقة. وكلّما ذكرتُ عبد الرحمن النعيمي لا بدّ لي من استذكار العكري، وهو الصديق الذي يتكامل مع النعيمي، مثل صداقة ماركس وإنجلز، ودعوني هنا أمجّد هذه الصداقة النضالية التي حملت القيم والنبل والإخلاص والاعتراف بالأدوار.
عندما قرأت رواية صنع الله ابراهيم " وردة" وهي تروي أحداث ظفار، بلغة بعضها يحمل حبكة درامية هائلة التأثير، وبعضها كان أقرب إلى تقارير صحفية، حاولت أن أوالف بين الفن واللغة والخيال، مصحوباً بتقريرية لدعم الحدث، وسألت النعيمي: أحقاً كان الأمر هكذا، في بلد لم تصله آنذاك متطلبات الحضارة والمدنية؟ لكن ثمة مسألة في غاية الأهمية لفت انتباهي إليها النعيمي، وهي امتزاج الخيال بالواقع، والقاهرة بظفار، والثورة بالمرأة، والأمل بالخيبة، كيف لبضعة شباب بعمر الورد يجترحون كل تلك العذابات ويتحمّلون كل تلك الصعاب، إنْ لم يكن لهم هدف نبيل.؟. وهي تجربة عشتها في مطلع الثمانينيات في جبال وعرة ومناطق نائية وسير على الأقدام دام أياماً وليالي، عرفت فيها فتية بشجاعة نادرة وأحلاماً لا حدود لها.



II
هوّية وثقافة
كانت ثقافة النعيمي قد اكتسبت مع مرور الأيام طابعاً ديناميكياً متحركاً، أي غير ستاتيكي (جامد) فقد تمكّن الإفلات من المسلّمات السرمدية منتقلاً من اليقينية إلى التساؤلية، ومن التبشيرية إلى النقدية، وكان السجال والجدال جزءًا مهماً يحاول بهما استدراج النقاش ليرضي شغفه وتطلّعه إلى المزيد من تعميق الرأي بتقليبه مرّات ومرات، لاسيّما إزاء الآخر وبقدر اعتباره الهوّية متحرّكة وغير ثابتة، أي أنها ليست معطىً ساكناً وسرمدياً، إلاّ أن بعض عناصرها كان يعتبرها قابلة للثبات مثل الدين واللغة، وأما  الجوانب الأخرى فهي تخضع لنوع التغيير في فهمنا أولاً وفي تفسيرنا ثانياً، مثلما هي عاداتنا وفنوننا وآدابنا وطريقة عيشنا، فهذه عرضة للتغيير والتطوّر، حذفاً أو إضافة، لاسيّما علاقتها بالثقافات والهوّيات الأخرى، تأصيلاً واستعارة، وكنت دائماً ما أضرب الأمثال عن العلاقة العربية- الكردية، وعندما فكّرنا في نهاية التسعينيات بالتعاون مع المناضل والقيادي الكردي صلاح بدر الدين أن نؤسس لجمعية صداقة عربية – كردية للبحث في المشتركات الإنسانية، كان النعيمي من أشد المتحمسين لها.
صحيح أن السياسات متغيّرة ومختلفة، وهذا ما كنّا نتفق عليه، لكن الصحيح أيضاً إن حقوق الشعوب كانت قائمة، مثلما هي عملية التحوّل الثقافي فقد كانت تطوّرية، تدريجية، تراكمية، طويلة الأمد، وهو الأمر الذي يندرج في إطار تفاعل الهوّيات وتداخلها، لاسيّما من خلال عناصر التأثير القوية سياسياً وثقافياً واقتصادياً.
وعلى الرغم من اعتزازه بعروبته وشعوره القوي بانتمائه لأمة عظيمة، لكن ذلك لم يمنعه لاحقاً من اتخاذ موقف من الحرب العراقية- الإيرانية، التي كان يعتبر قيامها خدمة للامبريالية والصهيونية، ولم يكن يجد بُدّاً من الدعوة لسحب القوات العراقية من الأراضي الإيرانية، مثلما كان مبادراً في الدعوة إلى وقف الحرب ووقّع بيانات معنا في مناسبات مختلفة، وفي الوقت نفسه وقف ضد فرض مشروع خارجي على العراق تحت أية حجة أو ذريعة، مثلما وقف ضد استجلاب جيوش أجنبية إلى المنطقة ودفع ثمناً باهظاً جراء موقفه ذلك، حين قضى نحو ستة أشهر في المعتقل، وبغض النظر عن ملاحظاته السلبية ومواقفه المعلنة إزاء الحكم في العراق، فإنه وقف بشدّة ضد الحصار الدولي وضد العدوان والغزو، وهذه المرّة أيضاً دفع ثمناً باهظاً.
لقد شعر النعيمي أن العولمة التي استفحلت ولا مردّ لقوانينها إلاّ بالتمسك بالحقوق والهوّية الوطنية، العروبية، الإسلامية العامة، ولكنه أخذ ينظر بانفتاح أكبر إلى الهوّيات الفرعية أو الصغرى، مزيحاً ثقافة سائدة بالاستقواء والاستعلاء والفوقية في النظر إلى الآخر، سواءً كان دينياً، مسيحياً، أو غير عربي  كردياً أو أمازيغياً أو غير ذلك.
لقد وقف النعيمي ضد الانكفاء والتشرنق والتعصّب والانغلاق وضيق الأفق القومي، وكان يرى إن الدفاع عن وجود الدولة الوطنية ووحدتها، إحدى المعادلات في هوّية أوسع وأكثر تعبيراً عن تطلّعات الأمة، حيث كان يحلم بالوحدة العربية التحرّرية  القائمة على العدالة الاجتماعية.
كان النعيمي يعتبر الثقافة الوعاء الذي يمكن أن يستوعب الهوّية، بل ويجسّدها، لاسيّما الشعور بالانتماء، وخصوصاً للقيم المتفاعلة مع الأنا، إنسانياً، لغوياً ودينياً، إضافة إلى التقاليد والعادات والفنون وكل ما يجسّد حياة الناس وأسلوب عيشهم، وذلك جزء من التطور الحياتي على صعيد الفرد والمجتمع.
III
خضنا ذات مرّة نقاشاً مفاده إن الاهتمام بالهوّية لا يعني عدم الشعور سابقاً بها، لكنها أصبحت بعد انهيار الكتلة الاشتراكية مَعلماً من معالم التغييرات العالمية، والسبب أن ذلك مردّه يعود إلى انكماش دور الآيديولوجيا وانخفاض منسوب الصراع الآيديولوجي، وقد أضاف لي رأياً مهماً وهو صعود ما أطلق عليه " الصحوة الإسلامية" التي جاءت عقب الثورة الإيرانية – الإسلامية في العام 1979، وكان من الذين كتبوا بصورة مبكّرة حول هذه الظاهرة وأصدر في حينها كراساً بعنوان "مساهمة في الحوار حول الحركة الدينية"، ومن أبرز عناوين الكتاب " من يحمي عروبة البحرين ومن يحارب النزعة الطائفية؟" وذلك في العام 1987،
وكان الحوار حول الدين ودور الدين والمسألة الدينية في القضية الوطنية والاجتماعية قد استحوذ عليه، ولعلّ قراءة مقدمة الكتاب المشار إليه تعطينا حقيقة الانشغال، بل والانهمام بتلك المسألة الصاعدة، منذ وقت مبكر، ومما جاء في مقدمة الكتاب " لا شك أن الامبريالية العالمية غير معنيّة بمن سيدخل الجنّة ومن سيدخل النار في الحياة الآخرة، لأن الامبرياليين لا يؤمنون برب غير المال، ويريدون جنّة الدنيا لوحدهم، وإذا كان من جنة أو نار بعد الموت، فهم سيدبرون أنفسهم لاحقاً كما يدبّرون أية صفقة تجارية كبيرة".
وانصبّ نقاشه أيضاً على أن عصر الهوّيات بعد القوميّات والآيديولوجيات قد أصبح له شأن كبير ولم يكن ذلك بعيداً عن الدين من جهة ومن جهة أخرى بالثورة العلمية – التقنية، لاسيّما وجود السوق الدولية وانتشار الفكرة الليبرالية أيضاً بما لها وما عليها. كان في ذلك يريد أن يدلل على دور الثقافة وتعاظمها جماعياً وفردياً، ليس في إطار العمل الإبداعي، بل على مستوى السياسة والاقتصاد والاجتماع، فقد سعت العولمة إلى تسليع الثقافة بهدف تحطيم منظومة القيم، عبر نمط الاستغلال والفردانية، وهو الأمر الذي انعكس على الهوّيات الفرعية بعد عسف ذاقته من الهوّيات الكبرى.
في نقاش طويل معه اعتبرنا أن الدين ظاهرة تستحق الدراسة، بل والتعمّق فيها، لأنها تكاد تكون ظاهرة أزلية. والماركسية النقدية الجدلية الديالكتيكية لا تتخذ موقفاً مسبقاً من الظواهر الاجتماعية، بقدر ما تدرسها وتتبين آثارها ونتائجها على حياة المجتمع، واتفقنا بعد حوارات معمقة ومتعددة أن ليس  بثوري من يقف ضد الدين مستهجنين الصبيانية اليساروية والطفولية الثوروية بمعاداة الدين أو الاستخفاف بالشعائر والطقوس الدينية وهو ما أدرجته في كتابي " تحطيم المرايا - في الماركسية والاختلاف" وهناك فارق كبير بين الدين والتديّن.
وبقدر النقد الذي كان يوجهه النعيمي للتيار القومي التقليدي وللتجارب القومية الشمولية وهو ما كنت أشاطره فيه، فقد كنّا أيضاً ننظر بشيء من عدم الاطمئنان، بل والقلق المصحوب بالنقد للتجارب الاشتراكية القائمة، حيث يتم تذويب فردانية الفرد في الجماعة، بمعنى إلغاء شخصيته المستقلة، بزعم مصالح الكادحين ومتطلبات الاشتراكية وغير ذلك، مثلما تلغي التجارب القومية فردانية الفرد بحجة مصلحة الثورة والأمة  والصراع مع العدو الصهيوني، وتبرّر القوى الدينية ذلك الإلغاء بمتطلبات الدين وحاكمية الله، وغير ذلك وفي هذا الصدد، أستعيد هنا الرأي الذي سبقنا إليه المفكر السوري الريادي الياس مرقص حول إن المجتمع هو "مجتمع الأفراد"، والأمة أو الشعب، وبالتالي فهي "أمة الأفراد" أو "شعب الأفراد"، ولا معنى ولا قيمة لمجتمع بدون حرّية الأفراد، فالمجتمع هو على شاكلتهم، أي إن المجتمع الذي يلغي حرية الأفراد سيكون هو  قد ألغى نفسه، بمعنى ألغى حريته واستقلاله وخصوصيته.
الفرد والخصوصية هما جوهر العام وماهيته، وأي إلغاء لهما يعني إلغاء للأمة، وبدونهما ستكون هناك حالة من التناثر الاجتماعي. ومثلما كنّا شديدي الإعجاب بالجدل الماركسي الديالكتيكي، فإن بدايات وعينا الجديد، كانت تتجلّى بالاستفادة من المدارس الاجتماعية الأخرى، فالماركسية لا تتضمن حقائق معصومة، وعلينا اكتشاف أدواتنا في الواقع العربي الزمكاني (أي في الزمان والمكان المحدّدين)، وأود هنا أن أسجل إن عبد الرحمن النعيمي ومن موقعه اليساري كان أكثر اعتدالاً سواءً عندما بدأ حياته مع حركة القوميين العرب وفيما بعد واصل نضاله في الجبهة الشعبية لتحرير البحرين وتطوّر معهما، ويمكنني القول: إنه كان سباقاً في النقد والمراجعة، ولكن دون تطرف أو تخلّي عن منطلقاته الأولى، وقد استفاد إلى حدود كبيرة من المنهج الماركسي، كما استفاد من المدارس الفكرية والاجتماعية الأخرى.
وهكذا كان نقدنا للستالينية وطبعتها المحلية، خصوصاً طابعها الشديد الاعتماد على العامل الاقتصادي، ناهيكم عن بعض مواقفها على الصعيد العربي، سواء ما يتعلق الأمر بقرار التقسيم أو الاعتراف بدولة "إسرائيل" دون نسيان مواقف الاتحاد السوفييتي ودعمه اللاحق للعرب، لكن النظر إلى الستالينية وذيولها ومخلفاتها، كان أمراً يتّسم برؤية جديدة خارج نطاق المسلّمات، فقد كانت أمميته وعروبته تتجسدان في إطار المراجعات الفكرية والسياسية دون تبعية أو تقليد. ولعلّ الياس مرقص هو من اعتبر الستالينية مقطوعة الجذور عن الماركسية لافتقارها للروح الجدلية وأسس المعرفة، علماً بأن هذه الأخيرة لا تتوقف عندها المعرفة ، فقد كان ماركس ذاته متحرراً من النصيّة والعصبوية.
في حواري معه كان يكرّر نقد الثقافة المركزية الأوروبية حيث يتم الاستحواذ على الثروة والسلطة والعلوم والتكنولوجيا والسلاح والآداب والفنون والعمران ودورها السلبي على الهوّيات الطرفية أو بلدان الجنوب الفقير، لاسيّما المتعددة الأعراق والأديان، إذ سرعان ما تندلع الصراعات التي يتم تغذيتها دولياً، بضرب ثقافة بأخرى واندلاع العنف واحتدام الصراع وتباعد المشتركات حيث تكبر الفجوات، وهو ما تستفيد منه القوى الكبرى والمركزية الأوروبية بتشجيعها الصراعات بشأن الهوّيات في البلدان النامية.
وبمثل هذه النظرة الواسعة قدّم قراءات نقدية لفكرة "نهاية التاريخ" لفرانسيس فوكوياما و"صدام الحضارات" لصموئيل هنتنغتون، مثلما توقفنا طويلاً أمام بيان المثقفين الأمريكان الستين وحاولنا إجراء اتصالات مع مثقفين آخرين لمواجهة البيان الحربي الثقافي الأمريكي، وكان لنا حديث مع اتحاد الكتاب العرب ومثقفين آخرين.
وثمة سؤال قد وجهته له: كيف يمكن الحفاظ على الهوّية؟ واتفقنا بعد حوار مطوّل على إن أساليب القمع والطغيان لا يمكنها الحفاظ على الهوّية، مثلما أن الانعزال والانغلاق لا يساهم في بعث الهوّيات الفرعية، والعكس صحيح أي أن الحفاظ على الهوّية يتم بالتفاعل والتواصل والتعدّد والانفتاح، وهكذا فإن الإنسان يحمل أكثر من هوّية، وهو ما كان يشعر به النعيمي فهو بحريني قلباً وقالباً وعماني ويماني ومصري وسوري وعراقي ، وقبل كل شيء هو فلسطيني روحاً ووجداناً.
وكان قد سألني بحكم بقائي عدداً من السنوات في المنفى الأوروبي كيف تحافظ على الهوّية في المنفى وفي ظلّ التداخلات الكثيرة، لاسيّما وأن ثمة جوانب إنسانية، بحيث لا تستطيع منع التأثير فيها؟ قلت وأنا منتمي إلى بغداد ولكنني أجد نفسي موزع بين دمشق وبراغ وبيروت وهكذا. ولعلّ الشعور يكون قوياً في الغرب، ولكن جيلنا ظلّ أكثر تمسكاً بجذوره من الأجيال التي لحقتنا، ولاسيّما الجيل الثاني، ونُقلت له حواراً أداره المنتدى الأورومتوسطي حول الشمال والجنوب في الرباط في اكتوبر (تشرين الأول) العام 2000 وحضره نخبة من المثقفين حين قال أسامة الشربيني في معرض معالجته لازدواجية الهوّية: حين أكون في الغرب أشعر بأنني مغربي، عربي ومسلم، وحين أكون في بلجيكا أشعر بأنني بلجيكي وجزء من المجتمع الأوروبي، تلك مسألة إنسانية ناقشها النعيمي بانفتاح ورحابة صدر، وهو أمرٌ استعاده خلال زيارته إلى لندن لحضور جلسة للبرلمان البريطاني تضامناً مع الشعب البحريني  في نهاية التسعينيات وتحدث فيها اللورد أفيري أيضاً.
وكان الجدل هل المكان يحدّد الهوّية؟ أم إن الهوّية التي تكوّنت بحكم اللغة والدين أكثر ثباتاً من غيرها، أما العناصر المتغيّرة فهي الآداب والفنون والعادات الجديدة التي تؤلف ثقافة جديدة أو تضيف إليها، والأمر يتعلّق بدرجة الوعي والنضج والمعرفة والاستعداد للتكيّف والاندماج، وقد يكون لكل منّا أكثر من هوّية، لاسيّما إذا أخذنا بنظر الاعتبار ماذا نعني بالهوّية، وتلك مسألة إنسانية لا تأتي بقرار، وإنما تتكون عبر إحساس الإنسان وشعوره بالانتماء.
قلت له لا هوّية خارج الإنسان بوصفه إنساناً أولاً ويدفع الذات إلى ابتكار أشكال جديدة لفهم الآخر ، ثانياً، وثالثاً يكشف لنا إن الهوّية ليست معطىً جاهزاً ونهائياً، وإنما هي تحمل عناصر بعضها متحرّكة ومتحوّلة على الصعيد الفردي والعام، وهو ما يجب إكماله واستكماله في إطار منفتح بقبول التفاعل مع الآخر، وهكذا فإن اختلاف الهوّيات هو أمر طبيعي سواءً داخل الوطن الواحد أو خارجه، إذا قاربناها من زاوية إنسانية تتعلق بالحق أولاً ومن ثم بالتنوّع والتعددية ثانياً.
IV
الهوّية والحقوق
تطوّرت نظرة النعيمي بخصوص حقوق "الأقليات"، وهو ما أطلقُ عليه " حقوق المجموعات الثقافية" أو المجتمعات المتعددة الثقافات، لأن كلمة الأقليات تحوي في داخلها على الانتقاص من الآخر واستصغاره، بينما كلمة المجموعات الثقافية أو المجتمعات التعددية، تفترض المساواة، حتى وإن كان "إعلان حقوق الأقليات" الصادر العام 1992 قد جاء من عنوانه ليقول عكس ذلك، وليأخذ بالشائع الغالب، أي استخدام مصطلح الأقليات.
لا بدّ من عناصر لهذه الهوّية جوهرها يكمن في المواطنة والحقوق، وعندما نقول المواطنة فهي تعني الحرية والمساواة والعدالة والمشاركة، وهي أمور انعكست في جدل الهوّيات الفرعية – الجزئية أو من خلال الهوّيات الأوسع والأكبر.
كان النعيمي يؤكد في أكثر من مناسبة أن لا مرجعية فوق مرجعية الدولة، حتى وإن كنّا نعارضها ونختلف معها، لأنه بدونها سنعود إلى مرجعيات تقليدية أي ما قبل الدولة، وأعتقد أن كلامه كان عميقاً واستباقياً، وقد بلور هذا الرأي بعد عودته إلى البحرين، وكان والشيخ علي سلمان رئيس " حركة الوفاق" وكذلك مع "المنبر الديمقراطي" يعملون على هذا الأساس وأعتقد أن هذا الرأي ظلّ سائداً في أوساط الحركة السياسية البحرينية بمختلف تياراتها، حتى وإن تدهورت العلاقة ما بين السلطة والمعارضة.
وقد كشفت تجربة الربيع العربي، أن ضعف أو تفكك مرجعية الدولة، سيقود إلى الفوضى والعنف وتعدّد المرجعيات وغياب سيادة القانون، والأمر كان صارخاً في التجارب العديدة، سواءً في ليبيا أو العراق أو اليمن أو حتى مصر وتونس، حيث ظهرت مرجعيات مجهرية سواء كانت دينية أو طائفية أو مذهبية أو عشائرية أو مناطقية أو جهوية أو عائلية، واتخذ الصراع بُعداً استئصالياً، لاسيّما في ظلّ أمراء الحرب القدامى والجدد.
إن عدم الإقرار بالتنوّع الثقافي وبحقوق المواطنة كاملة وتجاهل التعددية سيفضي إلى تعميق الصراعات والإنقسامات والتناقضات داخل كل مجتمع، وذلك حسب النعيمي واحدة من نواقص الدولة العربية المعاصرة، وقد ذهبت بعضها إلى قيام وحدات قسرية أو فوقية أو أوامرية أو تسلطية، لبعض الفئات على حساب فئات أخرى، وهذا نجم عنه حسب النعيمي نتائج خطيرة وضارة في البحرين، قادت إلى استعلاء ومحاولة فرض الرأي بالقوة، ويعود ذلك إلى غياب أو ضعف المواطنة السليمة التي تأخذ بها الشرعة الدولية لحقوق الإنسان، التي تقر بالمساواة وعدم التمييز وعدم الاعتراف بالتفوق أو الهيمنة، وهو ما يطلق عليه الحق في الهوّية الثقافية للجماعات المختلفة التي ينبغي احترامها دون إهمال العوامل المشتركة ذات البعد الإنساني وقيم التعايش والتفاعل والوحدة.
كنت قد سألته وأين تضع تجربة مجلس التعاون الخليجي؟ وهنا استذكر الموقف الأول للجبهة الشعبية لتحرير البحرين، فقال لقد عارضناه عندما أعلن عن تأسيسه في 25 أيار (مايو) العام 1981 واعتبرناه محاولة سياسية لتطويق الحركة الوطنية في الخليج وإجهاض التجربة اليمنية الجنوبية " الوليدة" عبر حشد قوى وإمكانات الخليج، ناهيكم عن وجود قواعد عسكرية متعددة، لكن تطور الأحداث جعلنا ننظر إليه نظرة أكثر واقعية من خلال رؤية المصالح المتبادلة والمنافع المشتركة، حيث بدأت تنشأ علاقات اقتصادية وتجارية وثقافية تطوّرت بحكم التجربة، بما فيها حرّية التنقل والحركة، وإن كانت بطيئة وحذرة.
وعدت لسؤاله هل يمكن أن يتطور المجلس ليكون نواة لمواطنة خليجية على غرار الاتحاد الأوروبي، حيث يسمح بحرية التنقل وحق الإقامة وتقارب المناهج التربوية وبعض القوانين المشتركة وسياسات موحدة على الصعيد الخارجي؟ فقال إن أمله أن يتحقق ذلك، لكن التراكم على هذا الصعيد لا زال محدوداً جداً، والهاجس الأمني عالياً، وقد يحتاج الأمر إلى تعاون وتنسيق خليجي على المستوى الشعبي لتطويره ليصبح كياناً اقتصادياً وسياسياً مؤثراً، وذلك يحتاج إلى مواطنة سليمة أساسها الحرية والمساواة والعدالة والمشاركة ونحن بعيدون عنها.
ولم ينس في التعبير عن مخاوفه إزاء محاولات التشطير الداخلية والانقسامات الطائفية وتفتيت الدولة الوطنية، واختتم هذا المفصل بالصراع العربي- الإسرائيلي الذي دون حلّه لا يمكن تحقيق التنمية المنشودة والتطور الديمقراطي في الوطن العربي.
حاورته بعد تخلّيه عن قيادة جميعة العمل الوطني الديمقراطي فقد كان في غاية السرور وهو يعلن عن تقديم استقالته، وشاهدت وأنا ألقي لأكثر من مرة محاضرة في الجمعية وفي مهرجاناتها المتكررة، أن صاحبي ازداد تألقاً وهو يزيح عن كاهله المسؤولية لينسجم مع نفسه ويتعامل بصدقية المناضل النزيه أينما كان موقعه، مثلما شاهدت حب واحترام البحرينيين بمختلف توجهاتهم لعبد الرحمن النعيمي، ليس لأنه تعرّض إلى ما تعرّض له في غيبوبته الرهيبة، بل خلال حياته، ولمست ذلك من الحكومة بأعلى مراتبها ومن المعارضة بمختلف توجهاتها، وهذا الأمر تابعته خلال زيارتي للبحرين بدعوة من مركز الخليج لإلقاء محاضرة خلال اشتعال الانتفاضة في التسعينيات، وكان قد شجعني على تلك الزيارة، بل واعتبرني رسولاً في أية مبادرة إيجابية، حين قال إننا سنقابلها بكل جدية ومسؤولية.

خاتمة
ظلّت هوّية عبد الرحمن النعيمي واسعة ومتعددة، حتى وإنْ ضاقت وانكفأت هوّية الغير. بينما كانت هويته لا تقبل الآخر فحسب، بل تتفاعل معه في إطار إنساني، وإنْ سعت للحفاظ على خصوصيتها، فلكي لا تفقد جوهرها وتميّزها، وبذلك تضيع معالمها وتتضبب ملامحها، فقد كان انفتاحها دون انفلات، بحيث يؤدي إلى ضياع صورتها وصيرورتها.
الخصوصية لا تعني الانغلاق أو الانكماش على النفس، مثلما لا يعني الانفتاح، التماهي والتشتت وإلغاء الحدود مع الآخر كليّاً، لأن ذلك سيؤدي إلى طمس معالم الهوّية ويفقدها كينونتها، أما الانغلاق فسيعني قطع الطريق على التفاعل مع الآخر، من خلال تضخيم الذات، وفي كل الأحوال فإن ذلك سيؤدي إلى إضعاف المواطنة إحدى الركائز الأساسية للدولة العصرية التي آمن بها عبد الرحمن النعيمي، وأي إضعاف للدولة سيؤدي إلى ارتخاء أركانها ومفاصلها، وبالتالي سيقود إلى تشجيع الصراع وتقوية عوامل النزاع بين الهوّيات، سواء في داخل البلد الواحد، أو في إطار أوسع.
لم ينظر النعيمي للهوّية باعتبارها مظهراً آيديولوجياً، لدرجة تصبح فيه طائفة أو دين أو قومية منغلقة هي المعيار الذي يجري الاحتكام إليه، كما إنه لم يعتمد بعض المظاهر الشكلية على أهميتها، لأنها جزء من طرائق عيش الإنسان وهذه غير كافية للتعبير عن الهوّية، كالثياب  مثلاً أو الأزياء الخاصة أو بعض الشعائر والطقوس الدينية أو الاجتماعية أو نوع الأكل أو غير ذلك.
كان أساس الهوّية لدى النعيمي اللغة والدين، فهما الأكثر ثباتاً، فحتى مسيحي الشرق فإنهم تأثروا بالإسلام وهو جزء من حضارة المنطقة ككل، أما العادات والتقاليد والفنون والآداب، فهذه جزء من المتغيّرات التي تحصل عليها بالتراكم والتفاعل والتداخل مع حضارات وهوّيات أخرى، تأخذ منها وتتلاقح  معها وتضيف إليها، وتحذف ما يتجاوزه الزمن.
كان يستوقفنا ما حصل من حروب في المنطقة، لم تكن بعيدة عنها هوّيات تريد إركاعنا وأخرى تسعى للمقاومة، الأولى تريد اقتسام الغنائم وترسم خرائط التقسيم ، والثانية لا تزال متشبثة بالأرض والرفض والتحدي، وتلك عناصر الإعاقة حتى وإن اختلّت موازين القوى.


16
زياد أبو عين وثلاثيته الأثيرة
                 
عبد الحسين شعبان
حين سمعت خبر اغتيال الوزير الفلسطيني زياد أبو عين عدت إلى ذاكرتي محاولاً استنفار ما اختزنته بخصوص هذا الاسم الذي كان رنينه عالياً منذ اعتقاله في أواخر العام 1979 في الولايات المتحدة، وتسليمه لاحقاً إلى "إسرائيل" بتهمة مشاركته في عملية فدائية في طبريا، أدّت إلى مقتل إثنين من المستوطنين يومها . وعاد اسم زياد أبو عين ليملأ الأسماع والشاشات التلفازية ومواقع الإنترنت حين أقدمت السلطات "الإسرائيلية" على ضربه حتى الموت وهو يحاول غرس شجرة زيتون في أرض قرية فلسطينية يريد الاحتلال استيطانها . وقالت مصادر الطب العدلي إن سبب الوفاة هو عمليات الضرب الشديدة التي تعرّض لها ففارق الحياة .
يومها حوكم زياد أبو عين في شيكاغو وتقرر ترحيله، وكان عمره آنذاك لم يتجاوز ال 19 عاماً على الرغم من مناشدات ومطالبات عربية ودولية حقوقية كي لا يسلّم إلى "إسرائيل"، ولكن كل تلك الاحتجاجات والمخاطبات ذهبت أدراج الرياح، حين أقدمت الولايات المتحدة على تسليمه وتشكلت حينها لجنة للدفاع عنه، وهو ما أعاد استذكاره داوود عمر داوود مراسل صحيفة "الرأي" الأردنية آنذاك، الذي كان على اتصال به في السجن قبل ترحيله وأجرى مقابلات معه وكتب عنه .
كان زياد أبو عين قد اضطرّ إلى مغادرة رام الله وتوجّه إلى عمّان ومنها سافر إلى الولايات المتحدة، لكن القدر كان بانتظاره هناك، حين اكتشفت سلطات الاحتلال انخراطه في عمل مقاوم في طبريا، فقامت بملاحقته بعد معرفة مكانه . كان للجنة الدفاع عنه فاعلية كبيرة حيث وصلت أخبار أنشطتها وفاعليات التضامن مع زياد أبو عين إلى بلدان المنطقة، فتحركت قوى فلسطينية وعربية بالاتجاه ذاته، ورفعت الصوت عالياً للدفاع عنه، وبحكم روابطي الفلسطينية الوثيقة، كتبت مقالة للدفاع عن زياد أبو عين نشرتها في حينها في صحيفة "14 أكتوبر" اليمنية، في العام ،1980 وفيها إضاءة قانونية دولية حول موضوع تسليم المجرمين وما ينطبق ولا ينطبق على حالة زياد أبو عين، مذكّراً بحق المقاومة المشروع باستخدام جميع الوسائل لطرد الاحتلال ومن أجل حق تقرير المصير .
كانت المطالبات العربية والمناشدات الحقوقية تنصب بالدرجة الأساسية على عدم تسليم زياد أبو عين إلى "إسرائيل" خصوصاً أن قضيته كانت منظورة أمام القضاء الأمريكي، حيث سلكت جميع خطوات التقاضي المعروفة، لحين صدور الحكم بتسليمه، وعند تسليمه أودعته سلطات الاحتلال "الإسرائيلي" السجن، بعد صدور حكم بحقه بالمؤبد، وهو ما كانت تخشاه الجهات الفلسطينية والعربية والدولية الحقوقية، لأنها تدرك قسوة الاحتلال وردود فعله وكيديته .
وكان من المؤمل الإفراج عن زياد أبو عين في العام 1983 في عملية تبادل للأسرى، وكان اسمه فعلاً على قائمة "فتح" ضمن لوائح التبادل، وقد وصل فعلاً إلى مطار اللد ولكن "إسرائيل" حاولت خداع الصليب الأحمر الدولي الذي اعتقد أنه غادر مع المغادرين من الأسرى إلى القاهرة في طريقهم إلى الجزائر، واتضح أن السلطات المحتلة أعادت "اختطاف" زياد أبو عين في غفلة من اللجنة الدولية للصليب الأحمر التي لم تفلح جميع جهودها في الإفراج عنه . ولكن أطلق سراحه لاحقاً في عملية تبادل الأسرى التي تمت في العام ،1989 بعد أن قضى في السجن نحو عشر سنوات، ليبدأ مرحلة جديدة في نضاله السلمي والمدني ضد الاحتلال والاستيطان وبشكل خاص ضد جدار الفصل العنصري .
جدير بالذكر أن قيام زياد أبو عين بعملية طبريا لم يتم الكشف عنه الاّ بعد بضعة أشهر، وذلك حين غادر إلى الولايات المتحدة، حيث جرت ملاحقته، فقام بتسليم نفسه . واستطاع زياد أن يحوّل المحاكمة إلى مقاضاة للاحتلال، خصوصاً وهو يتحدث الانجليزية بطلاقة كبيرة وباللهجة الأمريكية، لأنه مولود في الولايات المتحدة، ولكن الجهود جميعها لم تفلح في منع السلطات الأمريكية من تسليم زياد أبو عين إلى سلطات الاحتلال "الإسرائيلي" بضغوط واسعة قام بها اللوبي الصهيوني، حيث تحوّلت القضية إلى مسألة سياسية .
لقد صمم زياد أبو عين على مواصلة كفاحه السلمي بعد خروجه من السجن وقبل استيزاره من جانب السلطة الوطنية الفلسطينية مجسّداً الثلاثية الفلسطينية المتمثلة في الهوّية والمكان وشجرة الزيتون، ذلك أن تمسّكه بالهوّية يعني مقاومته محاولات طمسها أو تذويبها، كما أن تمسّكه بأرضه يعني مقاومته لمحاولات الاستيطان وتزوير التاريخ، مثلما أن تمسكه بشجرة الزيتون يعني مقاومته محاولات التجريف والاستيطان، وهو ما كان الرئيس ياسر عرفات يعبّر عنه في خطابه إلى العالم، لاسيّما وهو يدخل إلى الأمم المتحدة وبيده غصن الزيتون من دون أن ينسى بالتذكير بأن في يده الأخرى بندقية .
إن محاولات "المحتل الإسرائيلي" محو الهوّية وإجلاء سكان البلاد الأصليين وتجريف أرضهم، إنما هو إدراك منه، بأن الفلسطيني مثل زياد أبو عين حتى حين يموت يحمل معه غصن زيتون، ويرفع يده عالياً ملوّحاً ب "إشارة النصر"، ولا ينسى أن يحمل معه علماً فلسطينياً ومفتاحاً صغيراً في سلسلة، ليقول إنه من فلسطين وعائد إليها . هكذا يتمسّك الفلسطينيون بحق العودة، وبالقرار 194 لعام ،1948 مثلما يتمسكون بالقدس عاصمة لدولتهم الوطنية المنشودة وفقاً لحق تقرير المصير .
وإذا كان استهداف هذه الثلاثية الفلسطينية الأثيرة من جانب الصهيونية باحتلال الأرض والسوق والعمل منذ العشرينات، فإنها اتّخذت شكل مصادرة الأرض وإجلاء سكانها الأصليين ومحاولة اقتلاع ما تبقى منهم، لاسيّما بمشروع الدولة اليهودية النقية، في محاولة لإرغام العرب على خيارات أبسطها يكاد يكون مستحيلاً .
إن اغتيال زياد أبو عين الوزير والأسير والقدير، إنما هو استهداف لهذه الثلاثية، فقد كان أبو عين يريد أن يعلن للعالم أجمع كيف يمكن للإنسان أن يتمسّك بأرضه ورمزها الزيتون وبهوّيته العربية ودلالتها الأساسية اللغة والدين لا من باب الاعتباط أو الزعم، بل لأنها تمثل كينونة وجوده، وصيرورة كيانيته ومستقبله بكل تجلّياته الإنسانية .
ومثلما حمل زياد أبو عين روحه وطاف بها من سجن إلى سجن وصولاً إلى استشهاده، فإن هذه الروح أزهرت أشجار زيتون حتى في سجنها، وتفرّعت أغصانه، حبّاً وجمالاً ومقاومة ومستقبلاً، في بلاده الولاّدة، التي لا يتورّع المغتصب عن تزوير كل ما فيها، حتى برتقال يافا ظل يختمه بماركة مزيفة، ويستولي على الأزقة العتيقة في القدس، في محاولة لتغيير تركيبها الديموغرافي وآثارها وتراثها، ويستمر في أعمال الحفر تحت وحول المسجد الأقصى وملحقاته، ويخترع القصص والأساطير، بل وينسج الحكايات التي بعضها من صنع الخيال، حول الأحقية التاريخية .
حين سقط زياد أبو عين مضرجاً بدمائه اختار المكان، "البئر الأولى" حسب جبرا ابراهيم جبرا، أرض قريته، وهو يحمل غصن الزيتون الرمز الأخضر لبلاد خضراء ومزاج أخضر وعين لا تعرف الاّ الأخضر، اللون العروبي الأصيل . في البئر الأولى يتم التشكّل الأول للذاكرة وما استقر فيها من تفاصيل ولم يكن من الممكن محوها أو التجاوز عليها فقد حفرت في القاع .
زياد أبو عين الذي اجترح العذابات كلّها لأنه لا يريد أن يغادر المكان، إذْ إن فلسطين بالنسبة إليه هي النور الذي لا يريد له أن ينطفئ حتى لو أطفئت روحه . إن ذلك، صيحة ضد الاغتصاب والاقتلاع والمصادرة والاستيطان . ولعلّ ذلك ما تخشاه قوى التعصب الصهيوني، لأنها أدركت مدى تمسّكه بالأرض والهوّية ورمز فلسطين ومقاومته بناء الجدار العنصري، الذي أدانته ودعت إلى هدمه محكمة العدل الدولية في فتواها الاستشارية .
الهوّية تتوحّد أحياناً مع رمزية المكان في إطار هارموني متناسق، وهو ما استهدفه المحتل عند اغتيال زياد أبو عين، وهو اغتيال داخل المكان، مثلما يمثل الترحيل والإجلاء الاغتيال خارج المكان، بالتجريف والإبعاد وقطع الجذور الأولى ومصادرة الحقوق بالاستيطان والإلغاء، ولعلّ ذلك كان عنوان كتاب مهم لمثقف مهم ومناضل مهم هو إدوارد سعيد الذي أدركت الصهيونية خطره عليها منذ كتابه "الاستشراق" الذي صدر في العام 1978 .
زياد أبو عين كان نموذجاً لثلاثية لا يمكن فصم عراها: الهوّية والزيتون والمكان، وهي الثلاثية الأثيرة التي ظلّ إدوارد سعيد متشبثاً بها حتى الرمق الأخير .



17
شاكر السماوي: الشاعر الذي عاكس اتجاه الريح!
عبد الحسين شعبان
باحث ومفكر عربي
I
حين تفقد عزيزاً أو صديقاً لا تقوى أحياناً على الكتابة والتعبير عن حزنك، والأمر يعود إلى أنك لا تريد توديعه وكأنك لا تلتقيه مرّة أخرى، فتضطر لتأجيل الكتابة عنه لحين يستقر مزاجك ويتعقلن أساك، لتمسك بالقلم وبعدها تحاول تطويع الكلمات بما يتناسب مع حزنك وفداحة فقدانك. وقد حصل الأمر معي عدّة مرّات، فأوجل الكتابة أو أوجل نشر ما كتبت لكي لا يأتي انفعالياً أو عاطفياً .
لقد تعسّرت كلماتي عند وفاة والدتي العام 2007، ثم استوعبت ما حدث بالتدريج فكتبت عنها أكثر من موضوع واستحضرتها بأكثر من مناسبة. آخر مرّة احتار قلمي فتوقفت عند منتصف الكتابة بعد يومين من رحيل محمود البياتي الروائي والصحافي، الصديق الأكثر قرباً إلى القلب والعقل والوجدان، مؤجلاً ذلك إلى مناسبة تكريم، أو لحين أن أكون قادراً على ذلك.
عند سماع خبر رحيل الصديق الشاعر شاكر السماوي تعسّرت كتابتي أيضاً، لكنني على نحو مفاجئ استعدت نحو نصف قرن من الزمان، هكذا فاجأني القلم هذه المرّة سريعاً حين تدفّق فيض الذكريات الحارة، ليستعرض صداقة مديدة لم تخدشها عاديات الزمن بالاتفاق أو بالاختلاف، وبالقرب أو البعد، فقد كنت قد تعرّفت على الشاعر والمثقف العراقي الواسع الثقافة شاكر السماوي في أواسط الستينيات في بغداد، وكان قادماً إليها من الديوانية، وكنت حين ذاك في الصف الثالث في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، حيث كنّا نلتقي في مقهى عارف آغا بصحبة الشاعر عبد الأمير الحصيري الذي سبق أن كتبت عنه باستذكار شاكر السماوي، إضافة إلى عزيز حسون عذاب (طالب الصيدلة حينها)  ورفيقنا لاحقاً وفيما بعد بحضور عزيز السيد جاسم وكذلك عزيز السماوي وهو شقيق الشاعر شاكر السماوي، وهو أيضاً شاعر شعبي مجدّد وآخرين. وتوطّدت علاقتي مع شاكر السماوي بعد تخرجي من الجامعة في العام 1967-1968.
وكانت النقاشات حينها حامية على صعيد السياسة والثقافة والأدب وقضايا اجتماعية مختلفة، ولكن الجانب الأكثر إثارة واهتماماً كان هزيمة 5 حزيران (يونيو) العام 1967 وانشقاق القيادة المركزية، وتوزّع الشيوعيين على جناحين "اللجنة المركزية والقيادة المركزية" وشعارات ومواقف كل منهما: هل كل شيء إلى الجبهة؟ أم كل شيء من أجل الجبهة؟ وليس بعيداً عن ذلك نقد نظامي سوريا ومصر، على الرغم من الدفاع عنهما، خصوصاً وإن العدو الإسرائيلي كان قد استهدفهما، إضافة إلى وضع مواقف الاتحاد السوفيتي على الطاولة وتقليبها من جوانبها المختلفة للتمحيص والنقد غير المباشر أحياناً، للشعور العام الذي كان يتولّد لدى أوساط غير قليلة، بأن كان بإمكانه ردع العدوان، ولكنه لم يفعل، كما فعلت الولايات المتحدة بمد "إسرائيل" بجسر جوي.
كانت الانتفاضة الطلابية والشبابية الفرنسية أيار (مايو) 1968 قد تزامنت مع إضراب الطلبة في أواخر العام 1967 وبدايات العام 1968 وتفاعلاتها لاحقاً، محط اهتمام ونقاش في الوسط الثقافي والأدبي والسياسي، لما تركته من انعكاسات على عموم فئات المجتمع، وهو ما كان يكشف عن أزمة الرأسمالية ومشكلاتها العويصة والمستعصية، انسجاماً مع الأطروحات السائدة آنذاك، بأن عصرنا هو الانتقال من الرأسمالية إلى الاشتراكية.
ومن المواضيع التي كانت مثار نقاش هو القصيدة العمودية بعد الجواهري، وكان هناك من يقول إن القصيدة الحصيرية هي "جواهرية"،  ولكن هل ستعيش هذه القصيدة بعد حلقتها الذهبية الأخيرة؟ إضافة إلى القصيدة الحديثة وقصيدة التفعيلة وما سواها بعد بدر شاكر السيّاب. أما الشعر الشعبي فقد كان محط حوار وجدل طويلين: هل يمكن إقفال القصيدة الشعبية الحديثة على مظفر النواب؟ وأين يمكن أن نضع طارق ياسين، في حين أن اسم شاكر السماوي وكاظم اسماعيل الكَاطع وعريان السيد خلف وعزيز السماوي وآخرين نماذج متميّزة.
وثمة أسئلة أخرى: هل يمكن أن تكون القصيدة الحديثة حكراً على اليسار والشيوعيين من السيّاب وعبد الوهاب البياتي اللذان مرّا من مدرسة اليسار، إلى رشدي العامل وسعدي يوسف ويوسف الصايغ وفاضل العزاوي وآخرين، ثم أين نضع قصائد سامي مهدي وحميد سعيد وآخرين من البعثيين والقوميين؟
II
أتذكر مرّة إن النقاش تطوّر بين عزيز السماوي وعزيز حسّون عذاب وعزيز السيد جاسم، حيث كان الأول أقرب إلى أطروحات القيادة المركزية في حين أن الثاني كان قريباً من الحزب الشيوعي (اللجنة المركزية) وأصبح عضواً فاعلاً لاحقاً، أما الثالث فقد كان شيوعياً سابقاً وهو مفكر وقلم دفّاق، وكان ينقد الإثنين، ولكن نقده كان يريد التقريب من التوجه الجديد للحكومة العراقية بعد 17 تموز (يوليو) 1968، خصوصاً وقد استلم مجلة "وعي العمال " لاحقاً، وتعمقت علاقته مع عبد الخالق السامرائي وبعدد من أركان الحكم الجديد، وكان يأمل مخلصاً في أن تتم الجهود بالتوصل إلى الجبهة الوطنية، وقد كتب الكثير من التنظيرات في صحيفة الثورة.
وبعد نقاش حام لا أتذكر من قال بطريقة مملّحة (ربما عزيز السماوي): ما بالنا نشغل أنفسنا بعزيز محمد وعزيز الحاج (قائدا الجماعتين الشيوعيتين) فكلاهما ، بل وكل عزيز (كذا ...) وفيما بعد هناك من تنبّه إلى أن أسماءهم ثلاثتهم هي "عزيز" أي عزيز السماوي وعزيز حسون عذاب وعزيز السيد جاسم، وسرت هذه المسألة بيننا مثلما تسري النار في الهشيم، وقد يكون هناك من رش البهارات عليها، وأضاف إليها شيئاً من عندياته، لكن شاكر السماوي كان عندما يرويها وبحضور أصحابها أحياناً، يضحك من القلب حتى تدمع عيناه.
III
كنّا نستمع إلى القصائد الجديدة لشاكر السماوي مأخوذين بقصيدته الشعبية الجديدة وصورها الجميلة ولغتها الأنيقة، أي معنى ومبنى، وغالباً ما كانت تجري مقارنات بينه وبين النوّاب، وكان شاكر السماوي حريصاً على بقاء صوته متميّزاً ولونه الشعري خاصاً، مع إقراره بإبداع النواب ورياديته، لكنه في الوقت ذاته يعتبر نفسه مجدّداً وله أسلوبه المتميّز، لغة وإيحاء وصوراً، إضافة إلى قراءاته النقدية ونصوصه المسرحية، فقد كان السماوي متنوّع الاهتمامات مثلما هو النوّاب، فالأخير كان شاعراً ورساماً وله صوت آخّاذ، وكان يأتلف مع سعدي الحديثي في ثنائية جميلة، بدأها في السجن وامتدت لاحقاً إلى عواصم عديدة من الدول العربية وخصوصاً سورية ولبنان والخليج إلى الجزائر والمغرب العربي ومن بريطانيا إلى عموم أوروبا وصولاً إلى أمريكا، فضلاً عن العراق مصدر الإلهام الأول، حيث يحتفظ جيل كامل بما قدّمه النواب.
 أما السماوي فقد شغل نفسه وانشغل بالمسرح أيضاً، وكتب فيه وتابع حرفياته، وأتذكّر أنني عندما أصدرت كتابي " سيناريو محكمة القدس الدولية العليا"  في دمشق قال إن فيه شيئاً يمكن أن يتمسرح، وقد بدأ بقراءته لإعداده، وكنّا قد فكرنا بمن يمكنه إخراجه كمسرحية وتمت مفاتحة جهة فلسطينية بذلك، وحصل ذلك في ظرف إلتبس فيه الصراع السياسي، لاسيّما الموقف من الحرب العراقية- الإيرانية، وخصوصاً من موضوع احتلال الفاو الذي كان السماوي شديد التأثر له، وكان موقفه بهذا المعنى قريباً لحدّ التطابق مع موقفنا في حركة المنبر التي اختلفت مع قيادة الحزب الشيوعي الرسمية آنذاك.
IV
لم يكن شاكر السماوي قلقاً فحسب، بل ومهجوساً من الحملة التي استهدفت القيادة المركزية، خصوصاً الاعتقالات التي تعرّض لها الكثير من أصدقائه بينهم عبد الرحمن طهمازي، فضلاً عن حالة الوجوم التي نجمت عن ذلك، وكان في كل لقاء بيني وبينه ينتقد بعض اندفاعاتنا باتجاه التحالف مع حزب البعث. وأتذكّر كيف رأيته منفعلاً وهو يناقش عزيز السيد جاسم في مقهى عارف آغا أواخر آذار (مارس) العام 1970، أي بعد عدّة أيام من اختطاف محمد الخضري واغتياله في ظرف مريب وملتبس وذلك بعد بيان 11 آذار (مارس)، حيث كان متوجهاً لحضور الاحتفال الذي كان من المقرّر إقامته في صدر القناة يوم 20 آذار (مارس)، وعشية المسيرة الاحتفالية بالمناسبة، التي تعرّضت إلى هجوم من جانب قوات الأمن، وهكذا تداخلت المسائل، حيث تم اختطاف الخضري  وهو يقود سيارته في الطريق إلى الاحتفال، وكان وجهاً معروفاً ومفاوضاً في نقابة المعلمين، مع الدكتور صفاء الحافظ عن الحزب الشيوعي في القائمة المهنية، حيث كان له فيها دوراً قيادياً.
وكان السماوي قد حضر مجلس الفاتحة في حي القاهرة يوم 21 آذار (مارس) الذي أقيم على روحه (في منزله) واستمع بتأثّر وأسى إلى الكلمات التي قيلت بحقه فقد تكّلم عنه كل من د. صفاء الحافظ وعبد الرزاق الصافي وعبد الحسين شعبان.
أستذكر حادث مقهى عارف آغا الذي دخلته بعد أيام من اغتيال الخضري ورأيت عزيز السيد جاسم وشاكر السماوي، وكان جالساً معهما عبد الأمير الحصيري وآخرين لا أتذكرهم  فسلّمت عليهم ودعوني للجلوس معهم، فاقتربت منهم، لكنني لاحظت وضعاً غير اعتيادي في المقهى وعلى غير العادة، وقال السماوي جاء فلان لنسأله ما الذي يجري؟ فرويت بشكل مختصر كيف اعتقل الخضري من جهة مجهولة واقتيد إلى مكان غير معروف، وقد تم العثور على جثته بالقرب من قضاء بلد على بعد 80 كيلومتراً من بغداد، وكان جسده مطرّزاً باثنين وثلاثين إطلاقة، وإن هناك بعض الاعتقالات في مناطق الوسط والجنوب، وكانت قد وجهت ضربة إلى منظمة السماوة وحصلت اعتقالات متفرقة في البصرة والعمارة والناصرية والنجف وكربلاء والحلة والكوت والديوانية وكذلك في بغداد، حيث ألقي القبض على بضعة رفاق يخطّون على الجدران تأييداً لبيان 11 آذار/ مارس وما زالوا رهن الاعتقال.
وهنا التفت عزيز السيد جاسم إلى السماوي مخاطباً إياه " يبدو إن المسألة ثخينة"، لكن الأمر يحتاج إلى تشخيص ما هو عام وما هو مشترك، بحيث لا تطغى بعض الجوانب السلبية والمماحكات على التوجه العام الإيجابي، وقال إنه سوف لا يدخّر وسعاً في الدفاع عن الشيوعيين والمعتقلين وسيبدأ الاستفسار.
أخبرني شاكر السماوي فيما بعد إن الحوار احتدم وقد علا صوته وتدخّل أحد الجالسين وطلب هوّياتهم، وقد انفعل عزيز السيد جاسم وأبلغه صفته وعلاقاته وحال ذلك بين الرجال والجالسين، واضطرّ بعد ذلك إلى مغادرة المقهى وقال لي السماوي علينا خلال الأيام القادمة عدم التردّد على المقهى، علماً بأنني لست ممن يرتاده على نحو دائم، بل كنت أطلّ على المقهى ومقاهي أخرى، ربما مرّة كل نصف شهر أو أكثر أو أقل، وفضّل السماوي الذهاب إلى مقهى الزهاوي، لكنني لم أذهب إليه خلال تلك الفترة، حيث ضاقت الهوامش القليلة واضطررت إلى الاختفاء، لاسيّما بعد أيار (مايو) العام 1970.
كنت بعد ذلك بعدّة أشهر قد ذهبت للدراسة العليا في براغ (تشيكوسلوفاكيا) وبعد عامين  أو ثلاثة وصلتني برقية من السماوي، فقد جاء للعلاج من آلام الفقرات والعظام بشكل عام، التي كان يعاني منها، وتكرّرت زيارته مرّة أخرى، وكنت حينها رئيساً لجمعية الطلبة العراقيين وقد نظّمنا أمسية خاصة له، وحضر احتفالاتنا بمناسبة ثورة 14 تموز (يوليو) 1958، وكعادته كان ساخراً وفكهاً وعميقاً، فقد التقط النواقص والثغرات في المجتمع الإشتراكي، على الرغم من انبهاره بالفنون والمسارح.
V
عند عودتي إلى العراق التقيته عدّة مرّات ودعاني في إحداها إلى بار سرجون، حيث كنّا سابقاً نتردّد على حانات آسيا وكاردينيا والشاطئ الجميل، وكان نقده المملح مستمراً وكنت دائماً استمع له وأحاوره اتفاقاً واختلافاً، وكان أيضاً مملوءًا بالمرارة والحزن ويعاني من جحود البعض، وقد أخبرته بأنه تم تعييني على ملاك جامعة بغداد، كأستاذ وسيتم الالتحاق بعد تأدية الخدمة الإلزامية، أو إذا تم انتدابي على الرغم من أن الظروف أخذت تتجه إلى التباعد.
ثم كانت لقاءاتنا المطوّلة والمستمرة في دمشق بنهاراتها الجميلة وأماسيها الحلوة ، وخصوصاً بعد عودتي من كردستان، وكانت علاقاته قد توثقت مع القيادة القومية (في سوريا)، لاسيّما مع حازم (عبد الجبار الكبيسي) وعُرض عليه ليكون رئيساً للمنتدى الثقافي العراقي، كما كان عضواً فاعلاً في رابطة الكتاب والفنانين والصحفيين الديمقراطيين العراقيين مع احتفاظه بملاحظاته دائماً، فقد كان عقله نقدياً.
أتذكّر إنني دعوته للذهاب معي وبصحبة الرفيق جمعة الحلفي وربما رفيق آخر بمناسبة مرور عامين على اختفاء السيد محمد باقر الصدر، وكان ذلك في نيسان (ابريل) العام 1982، حيث اختفى الصدر في العام 1980، وبعد تفكّر قليل قال السماوي نعم سأذهب، لأن الرجل مفكّر بغض النظر عن رأيي بالحركة الدينية. وقد استقبلنا السيد عامر الحلو استقبالاً حاراً باعتباره ممثلاً للمجلس الإسلامي الأعلى وللسيد محمد باقر الحكيم، وكان بصحبته بيان جبر " باقر جبر صولاغ" وكان يجلس بجوارنا د. فاضل الأنصاري وشفيق الياسري وراضي حسين على ما أتذكّر.
وعلى الرغم من نقده الشديد للحكم الدكتاتوري السابق في العراق، لكنه لم يتوان من تقديم ما هو وطني على ما هو خلافي، حيث رفض بشدّة المحاولات الإيرانية لاختراق الأراضي العراقية والدعوة إلى إقامة حكومة إسلامية، فضلاً عن الشروط الأخرى المعروفة.
وتجذّر هذا الموقف عند احتلال الفاو، وكنّا قد التقينا مرّة مع الجنرال غضبان السعد الذي كان هو الآخر ساخطاً على موقفنا الرسمي، ولعلّ الموقف من الحرب العراقية – الإيرانية وتطوّراتها كان أحد الأسباب التي وقفت وراء افتراقنا عن إدارة الحزب. وعندما أعلن الخلاف، كان شاكر السماوي قريباً منّا، وكتب إلى جريدة المنبر التي أصدرناها عدّة مرّات، وأتذكّر منها مقالة بمناسبة الذكرى التاسعة والثلاثين لاستشهاد الرفيق فهد وكانت بعنوان " المثل والتمثُّل" (العدد الرابع- نيسان/ابريل 1988) وكتب في (العدد الخامس- تموز/ يوليو/1988) مقالة عن أبو كَاطع بعنوان " الناس وهذا الرجل" وقد تصدّر بها الملف الذي أعدته المنبر على عددين، وشارك فيه كل من : شاكر السماوي وجمعة الحلفي وكاظم الموسوي وعبد الباقي شنان وعبد الحسين شعبان وحميد الياسري.
كما كتب في العدد السادس (تشرين الأول/اكتوبر/1988) مقالة بعنوان " المثقف العراقي بين التأصيل والتواصل" وذلك استجابة لدعوة المنبر للحوار الموسوم بـ "ثقافتنا الوطنية في مواجهة التحديات ... من أين نبدأ وماذا نريد؟" وجاء فيها " أنوّه إن مقالتي هذه التي أبعثها للنشر في " المنبر" استجابة لمبادرتها المشكورة لفتح الحوار حول المحور الذي ظلّ في الظل..." ويقصد به محور الثقافة"!.
وكان قد وقّع معنا على مذكرة احتجاجية موجهة إلى رابطة الكتاب والصحفيين والفنانين الديمقراطيين العراقيين، والتي شملت على قائمة ضمّت 75  إسماً وكان اسم شاكر السماوي الإسم الأول  بينهم، كما احتوت القائمة على عدد من الشخصيات الثقافية، ومن ضمنها على ما أتذكر عبد الخالق زنكنة ود. خالد السلام وبدور زكي وماجد عبد الرضا وعلي الصراف وجليل حيدر ود. هادي حسن وجمعة الحلفي وفاضل الربيعي ورياض النعماني وموسى السيد وكاظم الموسوي ود. عصام الحافظ وحكمت كوتاني وعبد الباقي شنان وعلي عبد العال وأسعد الجبوري وراجي عبدالله وآدم حاتم وفاروق صبري وضياء صلّوحي وفلاح صبّار وشذى الشبيبي ومحمود البياتي (سنان) وسهيلة رحيم واسماعيل خليل ومحمود شكارة وعلي عرمش شوكت وطلال شاكر ومنى سامي وابراهيم معروف وعماد الطائي وإلهام حسن وجمال محمد تقي وكمال السيد وكريم هدّاد وخيرالله سعيد وعبود ضيدان وطارق الدليمي وكاتب السطور.
وكان قد حضر معنا اجتماعاً موسعاً لحركة المنبر إلتأم في بيت الدكتور محمد جواد فارس، ناقشنا فيه توجّهات المنبر بحضور نحو 30 رفيقاً وصديقاً، ولاسيّما في مشروعه الفكري والثقافي، وكانت ملاحظاته نافذة وعميقة، سواءً ما يتعلق بالجانب السياسي، أو التنظيمي، وكذلك ما يتعلق بالجانب الاجتماعي، لاسيّما حين ارتفعت الأصوات للمقاطعة الاجتماعية من جانب القيادة الرسمية.
أعتبرُ فترة الشام هي الأغنى والأكثر حميمية، وكان السماوي يسرّني ببعض أسراره وهواجسه، بما فيها قلقه أحياناً من بعض التصرفات والتداخلات والاستعداء المعلن والمستتر، وقد كان يهاتفه بين فترة وأخرى الشاعر  الشعبي هاشم العقابي الذي كان مبتعثاً للدراسة في بريطانيا، حين كان يأتي إلى منزلي في المزّة لينتظر المكالمة، وأحياناً يتصل بي العقابي ليبلغني أنه سيهاتف السماوي في اليوم الفلاني، والسماوي كثير الاعتزاز بأصدقائه، على الرغم من صدماته من العديد منهم وتنكّرهم له، بل التحريض ضدّه أحياناً.
وقد اضطّر إلى مغادرة دمشق التي أحبها متوجهاً للسويد "لاجئاً"حيث المنفى البعيد والبارد، وكان دائم المقارنة بين الفترة التي عاشها في الجزائر وفترة عيشه في دمشق. وإذا كان قد تعلّق بدمشق، فإنه شعر بفضل السويد عليه وطلب دفنه في مدينة يتيبوري، وإذا كان يحلم في العودة إلى العراق، فإن حلمه قد تبدّد، خصوصاً بعد احتلالها، وقد كان آخر لقاء لي معه في لندن بصحبة الرفيق عدنان عباس، حيث وجدته مثقلاً أكثر من قبل بالهموم والمشاكل التي كنت أعرفها، خصوصاً خلال فترة الحصار والعدوان على العراق، ومحاولات استفزازه أو التعرّض له، فضلاً عن إن بعض ممن لا يعرفون قيمة الرجل ومنزلته ودوره، تجرأوا على الإساءة له وتوجيه شتى الاتهامات إليه.
كنتُ قد استذكرت معه بعض الأحداث بعد ثورة 14 تموز/يوليو 1958، وهنا وجدتها مناسبة أن أسأله لماذا قطع علاقته مع الحزب الشيوعي، على الرغم من إنه تعرّض بعد ذلك للكثير من التنكيل بصفته شيوعياً، ولاسيّما بعد انقلاب البعث الأول في العام 1963، حيث اعتقل وفصل من وظيفته، وكان جوابه إنه لم يكن يطيق بعض الانتهازيين الذين تصدّروا الواجهة بعد الثورة وحالة الغرور التي أصبنا بها وغياب العقلانية، وعندما قلت له أليست تلك نرجسية وفردانية السماوي أجابني وبتهكّمه وسخريته المعروفة، إنها ليست غريبة عني، ثم ضحكنا.
ولعلّ هذا الموقف يُحسب له بغض النظر عن الصواب والخطأ، فقد كان منسجماً مع نفسه، حيث كانت الثورة في أيام عرسها والكثير يتسابقون لكسب ود الحزب الشيوعي، وإذا به وهو الكادر المجرّب والمعروف يتركه ويبتعد عنه، على الرغم من جميع المحاولات لثنيه أو حتى لترضيته كما أخبرني، ولعلّ ذلك كان فضيلة العقل النقدي الذي يمتلكه شاكر السماوي وخصوصية المبدع.
في الغربة داهمته الأمراض، حتى كاد النور أن ينطفئ من عينيه، وهو الذي كان داعية تنوير محاولاً إنارة الطريق للناس في الحرية والعدالة الاجتماعية، فإلى شاكر السماوي لا نقول وداعاً، بل اعتذاراً، فقد كان سبّاقاً في معرفة اتجاه الريح حتى عندما يريد معاكستها، سواءً كان بالسلب أو بالإيجاب. ولنا عودة لشعره ونتاجا

18
حقوق الإنسان . . بين الواقع والمفترض

عبد الحسين شعبان
تحتفل البشرية كل عام في العاشر من ديسمبر/كانون الأول لمناسبة صدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في العام ،1948 ومنذ ذلك التاريخ كان قد صدر نحو 100 اتفاقية وبروتوكول وإعلان دولي بشأن الحقوق والحريات، لا سيما الحق في المحاكمة العادلة والامتناع عن التعذيب وحقوق اللاجئين والمرأة والأقليات، فضلاً عن حقوق العمل والضمان الاجتماعي وحق التعليم والصحة، وكذلك الحق في التنمية والسلام والاستفادة من العلوم والتكنولوجيا والحق في البيئة .
لعلّ أهم وثيقتين دوليتين صدرتا بعد الإعلان العالمي هما : العهدان الدوليان حول الحقوق المدنية والسياسية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وذلك في العام 1966 وقد دخلا حيز التنفيذ في العام 1976 وهما إضافة إلى الإعلان يمثلان ما نطلق عليه الشرعة الدولية لحقوق الإنسان .
على الرغم من التطور الكبير في ميدان حقوق الإنسان فلا يزال الجدل ساخناً بخصوص الحركة الحقوقية ومهنيتها وخيط الوصل والفصل بين المهنية والتبعية وبين الحقوقي والسياسي .
لم تتبلور الحركة الحقوقية دفعة واحدة، فقد مرّت بمراحل متعددة حتى وصلت إلى ما هي عليه . ولم يكن ذلك دون معاناة وجهد وصراع، لاسيّما أن الأغلبية الساحقة من "الحقوقيين" انخرطت في البداية تعبيراً عن تضامنهم مع رفاقهم من هذا الاتجاه أو ذاك، ولكن بالتدريج بدأ الكثير منهم ينظرون إلى فكرة حقوق الإنسان باعتبارها ذات قيمة مستقلة بحدّ ذاتها، وأنها ليست مرتبطة بالضرورة بآيديولوجيات سياسية، إذ يمكنك أن تعتنق آيديولوجية ما، ولكن عندما يتعلق الأمر بحقوق الإنسان، فإنها تحتفظ باستقلاليتها وهوّيتها الخاصة، وكان ينبغي للحقوقيين الدفاع عن حقوق الإنسان ضد أي انتهاك أو خرق أو تجاوز سواء تعلّق الأمر باليسار أو اليمين .
كثيرٌ من السياسيين لم يكونوا مؤمنين، ولا يزال بعضهم إلى الآن، ب"الحركة الحقوقية" ودورها، إما لأنهم يعتبرونها منافساً قوياً لحركاتهم السياسية أو لتياراتهم الفكرية الاشتراكية أو القومية أو الدينية، وإما لأنهم كانوا يقلّلون من شأنها باعتبارها حركة إصلاحية غير جذرية، ولا تستهدف التغيير الثوري، وإنما تسعى إلى لعب دور وسيط بين الحكومات والمعارضات، في حين إنهم يستهدفون تغييراً راديكالياً سريعاً لقلب المجتمع وليس إصلاحياً تدريجياً .
وآخرون يعتبرون الحركة الحقوقية صنيعة للغرب، الذي يريد اختراق العالم العربي والإسلامي، وأن لها "أجندات" خاصة، بل إن بعضهم اعتبرها حركة سياسية جديدة، لكنها تتخفّى وراء الواجهة الحقوقية، وإنها اختراع "مشبوه" ليس إلا .
لكن هؤلاء جميعاً أو قسمهم الأعظم عادوا واعترفوا بالحركة الحقوقية، سواء كانوا حركات سياسية أو دينية أو حكومات أو أنظمة بغض النظر عن قناعاتهم بها، لأنها أصبحت تمثل تياراً قوياً من جهة على المستوى الدولي وفكرة قابلة للتحقق، لاسيّما بإنشاء منظمات دولية متخصصة وبرامج جامعية ومناهج تربوية، هذا من جهة، ومن الجهة الأخرى لأنها بدأت تستقطب أوساطاً واسعة خارج نطاق الحركة السياسية التقليدية، التي وصل معظم تياراتها إلى طريق مسدود، تلك التي بدأت تلتجئ إليها للتدخل لدى الحكومات للإفراج عن سجين رأي أو إطلاق سراح محتجزين أو التحقيق بشأن فضّ اعتصام أو إضراب بالقوة أو قمع تظاهرة أو إخفاء مناضل سياسي قسرياً .
ونشطت منظمات حقوقية عربية، ولاسيّما في الخارج ولندن بالتحديد لمخاطبة جهات رسمية لدعم طلبات اللجوء السياسي أو إعطاء "رأي خبرة" أو الدفاع عن حقوق المجموعات القومية والثقافية والدينية، وعن حقوق المرأة، ومبادئ المساواة والمواطنة وحرّية التعبير وضد التعذيب، إضافة إلى حقوق العمل والصحة والعيش الكريم وغيرها . وهكذا أصبحت الحركة الحقوقية، ذات وزن، بحكم فعلها وتأثيرها وإنْ كان غير مباشر أحياناً، وربما غير ملموس، لكن الحكومات أخذت تخشاها أو تحسب لها حساباً، خصوصاً عبر خطابها المعتدل، ولاسيّما في تقدير المجتمع الدولي .
والتبس الأمر على كثيرين كيف يمكن للمناضل الحقوقي وهو يدافع عن الضحايا أن يلتقي مع الحكومات أو ممثليها، ذلك أن الفكرة السائدة تقوم على الإلغاء والإقصاء والمجابهة وليس الحوار والجدل وقبول الاختلاف، ولعلّ الخطوة الأولى التي ستكون لصالح الحقوقي هي قبول صاحب القرار بالحركة الحقوقية باعتراف صريح أو ضمني أي فعلي، لاسيّما وهو يضطر للقاء مع الحركة الحقوقية وممثليها سواء أعلن ذلك أو لم يعلن، ولا يعني ذلك عدم محاولته استثمار ذلك لصالحه، ولكن الأمر مع الوقت، ومع الاعتياد والتكرار يصبح الحاكم يحاذر كثيراً من خطاب الحقوقي الذي لا يريد أن يحل محلّه أو يلغيه أو يقف مع خصمه السياسي، إلاّ بقدر احترام حقوق الإنسان، وهو الأمر الذي يطمئن إليه ويحاول كسب ودّه لكي " يخفف" الحقوقي من خطابه أو لا يصب في مصلحة عدوّه الذي يريد إطاحته، لاسيّما من المعارضة الراديكالية .
وكذلك يحاول خصوم الحكّام في المعارضات التأثير في الخطاب الحقوقي ليأتي مطابقاً ومؤيداً لخطابهم، في حين ينأى الحقوقي بنفسه عن الانخراط في الصراع والانحياز إلى طرف، إلاّ بقدر اقترابه أو ابتعاده عن مبادئ حقوق الإنسان، وتلك الميزة إذا استخدمها بحنكة وعقلانية هي التي تمنحه هذه الصفة الموضوعية، باعتباره مدافعاً عن حقوق الإنسان، في حين يريد السياسي الوصول إلى السلطة مستخدماً وسائل شتى علنية وسرّية، سلمية أو عنفية، شرعية أو غير شرعية، قانونية أو غير قانونية، بينما يظلّ الحقوقي متشبثاً بعلنية حركته وسلميتها وقانونيتها وشرعيتها، والأهم من كل ذلك أنه يريد تأمين احترام حقوق الإنسان وليس الوصول إلى السلطة، فذلك ليس في وارد برنامجه أو أهدافه، ولهذا فإنه عندما يتوجه إلى الحكومات ويخاطبها، إنما يريد منها ومن المعارضات احترام حقوق الإنسان وعدم انتهاكها .
لعلّ من واجب الحركة الحقوقية وضع مسافة بين الضحايا وأفكارهم ومعتقداتهم من جهة وبين الحاكم وصاحب القرار من جهة ثانية، وحتى في دفاعها عن الضحايا فإنها تنحاز لهم كبشر ولا علاقة لها بأفكارهم التي قد تكون ضدّها، مثلما تطلب من الحاكم أو صاحب القرار الاستجابة إلى معايير حقوق الإنسان واللوائح الدولية المعتمدة، وهي بهذا المعنى ليست مع معارض ضد حاكم، وليست ضد حاكم لأنه حاكم، إلاّ بمقدار قربه أو بعده من المعايير الدولية لشرعة حقوق الإنسان .
وقد أسهم المناخ الدولي في بلورة الأفكار الحقوقية، ولاسيّما أكاديمياً من خلال أطروحات اعتدالية دون التخلّي عن المبادئ، وخصوصاً الموقف من العدالة الاجتماعية، أي أن الحركة الحقوقية وعدداً من المناضلين في صفوفها ليس لديهم أي وهم من أن الأمور أكثر صعوبة مما كانوا يتصورون، وأن حلّ المشاكل يتطلّب وقتاً طويلاً، وأن هناك مسارات يجب تجنّبها، وأن بعض القضايا أكثر أهمية من غيرها مثل الحرية والديمقراطية .
لقد اكتسبت الحركة الحقوقية بُعداً جديداً بعد انتهاء عهد الحرب الباردة وتحوّل الصراع الآيديولوجي إلى شكل جديد وساهم عدد من الذين اغتربوا في (أوروبا الشرقية والغربية) في نقد التجربتين الاشتراكية البيروقراطية والرأسمالية الاستغلالية، وتولّد شعور قوي بأهمية ظهور حركة حقوق الإنسان على الصعيد الدولي وخطابها ذي المشروعية الحقوقية والقانونية، فضلاً عن مشروعية القيم الأخلاقية التي تسعى للوصول إليها بالغايات والوسائل المشروعة أيضاً .
وإذا كان الاتجاه الغالب آنذاك ماركسياً وقومياً يميل إلى الشعارات التقليدية الثورية، فإنه بدأ في الثمانينات وأواخرها، سلمياً تدرجياً وتطورياً لاسيّما بعد انهيار الأنظمة الشمولية في أوروبا الشرقية التي سقطت مضرجة بأخطائها الكبرى وفشل التجربة الاشتراكية العالمية، وهنا اكتسب التفكير في وسائل جديدة بُعداً قيمياً أكثر أهمية، ولم يعد إلقاء اللوم كلّه على الرأسمالية المتوحشة وحدها، فقد أصبح من باب القناعة أن الاشتراكية بما عرفه العالم من نظامها تتحمل المسؤولية أيضاً، لما صاحبها من أعمال قسوة وهدر سافر وصارخ لحقوق الإنسان .
وكان لا بدّ من البحث عن الأسباب الداخلية التي غدت صارخة، وخصوصاً عشية الانهيار، فالحركة المطلبية التي اتخذت بُعداً حقوقياً، كانت شعاراتها: الحرية والتعددية والحوار، وهي الشعارات التي ارتفعت في أوروبا الشرقية قبيل انهيار جدار برلين 9 نوفمبر/تشرين الثاني ،1989 وهو ما يقابلها شعارات الحركة الاحتجاجية في العالم العربي العام 2011 وما بعدها: الحرية، الكرامة، العدالة الاجتماعية .



19
الأطفال على مأدبة الشياطين

عبد الحسين شعبان

في الذكرى الخامسة والعشرين لاتفاقية حقوق الطفل المبرمة في العام 1989 فاجأت منظمة الأمم المتحدة للطفولة "يونيسيف" العالم أجمع، بإعلانها أن عام 2014 كان عاماً مدمّراً للأطفال . بل إنه العام الأسوأ بالنسبة إلى الطفولة، ولعلّ هذا الاستنتاج الخطير هو تعبير عن المرارة والإحساس بالرعب والخوف واليأس الذي يعاني منه الأطفال بشكل خاص .
لم يصدر مثل هذا الإعلان من اليونيسيف إلاّ بعد تمحيص وفحص دقيقين فيما يتعلق بأوضاع الطفولة وحقوق الأطفال، حيث يتم استهدافهم كجزء من الصراعات المسلحة، مثلما يتم استغلالهم في هذه الصراعات، ولعلّ مذبحة بيشاور (الباكستان) أواسط ديسمبر/كانون الأول ،2014 للأطفال والتي راح ضحيتها أكثر من 140 شخصاً أغلبيتهم الساحقة من الأطفال، دليل على أن الأطفال أكثر الفئات تعرضاً للخطر في مناطق النزاع وفي الاحترابات الأهلية وأعمال الإرهاب والعنف .
من أكثر البلدان حسب "اليونيسيف" التي تعاني فيها الطفولة هي جنوب السودان حيث يعاني 235 ألف طفل سوء التغذية و750 ألف طفل نازح و320 ألف لاجئ، في حين تأثر نحو 3 .7 مليون طفل بالصراع المسلح منذ العام 2011 في سوريا ونحو 7 .1 مليون طفل لاجئ، كما أن ظروف احتلال العراق أسهمت في تأثر الأطفال بالنزاع المسلح أو في أعمال التفجير والمفخخات وأعمال العنف، ويعاني اليوم ما يزيد عن مليوني إنسان من النزوح، أكثر من ثلثهم من الأطفال والمراهقين، وفي غزة يعاني 96 ألف طفل فقدان منازلهم كليّاً أو جزئياً بسبب العدوان "الإسرائيلي" في عملية "الجرف الصامد" التي دامت 51 يوماً، كما قتل 538 طفلاً وأصيب نحو 3370 طفلاً . ويعاني أطفال أوكرانيا أعمال النزاع المسلح والاحتراب الأهلي، لكن أوضاع إفريقيا الوسطى هي الأسوأ حيث يعاني فيها الأطفال الأمرين حيث تزداد معاناة نحو 3 .2 مليون طفل في إفريقيا الوسطى، وقد جنّد هذا العام وحده نحو 10 آلاف طفل، فإضافة إلى ما ذكرنا، هناك أطفال أفغانستان والكونغو الديمقراطية ونيجيريا والصومال وباكستان واليمن والسودان . .
لعلّ هذا ما دعا أنتوني ليك المدير التنفيذي لليونيسيف إلى القول: الأطفال في طي النسيان، ومثل هذا الإقرار جاء عقب تقارير عديدة لمنظمات دولية غير حكومية باستخدام الأطفال كأدوات في الصراعات المسلحة والنزاعات الأهلية وأعمال العنف والإرهاب التي تجري في العديد من البلدان، حيث يتم تجنيدهم مع قوات مسلحة أو ميليشيات أو جماعات معارضة .
ويتلقى الأطفال في كثير من البلدان تدريبات عسكرية في المدارس التي يغلب عليها الطابع العسكري لاستخدامهم في النزاعات المسلحة والحروب الأهلية، وهو الأمر الذي يترك آثاره البعيدة المدى في أعمال العنف، سواءً على الأطفال أنفسهم أو على مجتمعاتهم . كما يستخدم الأطفال كجنود أو حرّاس من جانب ميليشيات أو جماعات أصولية أو عشائرية أو في أعمال خدمية أو زراعية خارج نطاق القوانين والقواعد الدولية التي تحرّم ذلك، ويرجع سبب انخراط هؤلاء الأطفال، إلى أنهم ضحايا لعائلاتهم وللأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وبعضهم يتم اختطافه أو إجباره أو التغرير به أو حتى شراؤه لاستغلاله لاحقاً في عمليات حربية أو عنفية أو إرهابية أو انتحارية، أي إنهم وقود للأزمات بكل ما تحمله هذه العبارة من معنى .
لقد خرجت ظاهرة استخدام الأطفال من نطاقها المحدود والجدل الفقهي والحقوقي بخصوص تحريمها ومساءلة مرتكبيها والمشجّعين عليها في أوساط محدودة وضيقة من خبراء وبعض نشطاء المنظمات الإنسانية، إلى دائرة واسعة على مستوى الدول والحكومات ورجال التربية والدين والثقافة والإعلام والاقتصاد والمال والسلاح وعلماء اجتماع ونفس وقانون وسياسة وغير ذلك، وذلك لأنها تتعلق بصميم صيرورة المجتمع ووجدانه، خصوصاً عندما تفشّت في العديد من البلدان، التي شهدت حروباً أو نزاعات مسلحة أو انهياراً للنظام القانوني والقضائي أو تحطيماً لمؤسسات الدولة أو احتلالاً للبلد، الأمر الذي أعاد فتح القضية على نطاق واسع، وهو ما يمكن أن يندرج في برامج العدالة الانتقالية، سواء لمعرفة وكشف الحقيقة أو المساءلة على ما حصل وفي إطار جبر الضرر وتعويض الضحايا، والمهم إصلاح الأنظمة القانونية والقضائية وجهات إنفاذ القانون، لكي لا يتكرّر ما حصل .
وقد انتقل موضوع تجنيد الأطفال مع "داعش" واستغلالهم إلى قضية أيديولوجية ونظرية حيث يتم الترويج لها تحت عناوين مختلفة، وذلك وفقاً لمبرّرات دينية ومذهبية من دون أن تخفي حقيقتها، كما كان في السابق، ولهذا نرى كيف يتم إطلاق الأسماء على منظمات الأطفال مثل، "أشبال العز" . وهناك مجموعة أخرى باسم "أشبال الزرقاوي" ومجموعة ثالثة باسم "طيور الجنة" وهو ما نشرته صحيفة "الواشنطن بوست" الأمريكية الواسعة الانتشار، وتجري هناك محاولات لشرعنة هذا الاستخدام للطفولة، وذلك حين تحوّلت الظاهرة من عمل عارض ومؤقت إلى عمل مستمر ودائم كوظيفة في مجتمع منقسم، وتحاول المجاميع المسلّحة باسم الدين تحطيم ما تبقى من وحدته، لاسيّما بتدمير مؤسسات الدولة بزعم خروجها على الدين، أو عدم التزامها بمتطلبات الشريعة، خصوصاً بعد إعلان خلافة أبو بكر البغدادي، عقب احتلال الموصل، وطلب مبايعته وتقديم الولاء له . وتستهدف هذه المحاولات ربط الأجيال اللاحقة بمتطلبات الحرب ومرجعياتها الفكرية والروحية .
إن هدف استخدام الأطفال أيضاً هو تحويلهم إلى وقود للعمليات الحربية وذلك لسهولة استخدامهم ولاحتمال تحولهم إلى كوادر يمكن الوثوق بها، وكذلك لتعويض النقص في تجنيد الكبار، ليس هذا فحسب، بل يتم تجنيد بعض المرضى أو المختلّين عقلياً، لدفعهم بعد ذلك لتفجير السيارات المفخخة، وقد تم اكتشاف ذلك في العديد من الحالات في العراق . كما أن أجور فئة الأطفال والصغار عموماً أقل بكثير من الأكبر سناً، ويمكن استثمار حماستهم وانضباطهم أكثر من الكبار في العمليات الخطرة، بما فيها الانتحارية أو السيارات المفخخة .
هكذا انتقل الفعل العنفي والإرهابي من السرّية إلى العلنية تحت مبررات فقهية وجدالات دينية بزعم أن هؤلاء الأطفال "مكلّفون" شرعياً، وكذلك بدعوى أن الشريعة لا تحرّم قتالهم، وليس هناك ما يمنع من قيامهم بعمليات انتحارية خدمة للدين والمذهب . ولا شك في أن مثل هذه التنظيرات الأيديولوجية تستند إلى آراء بعض الفقهاء، ولكنها لا تعتمد إلاّ على الأكثر تطرفاً وغرابة، خصوصاً تلك التي تتعاكس مع التطور المعاصر ومفاهيم الدولة العصرية والحداثة والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان، في حين أن الإسلام يمكن أن يكون ميّسراً للتساوق مع التطور الكوني لا عقبة أمامه .
ولا نجد ردود فعل كافية من جانب رجال دين ضد استغلال الأطفال في القتال سواء مع الإرهابيين أو ضدهم، بما يعتبر اعتداءً على القواعد والقوانين الدولية والصيرورة الإنسانية بل إن بعض الحركات الثورية والمقاومة هي الأخرى استخدمت الأطفال في مهمات غير قتالية أو عيوناً لها لدى العدو أو خلف خطوطه، إضافة إلى استخدام العامل الجنسي لدى الفتيات أو لدى الصبيان . ويبرر الجميع مثل هذا الاستخدام في ظروف الصراع .
ويمكن تعريف الطفل المستغَل في النزاعات المسلحة حسب القانون الدولي الإنساني والمواثيق والأعراف الدولية: كل إنسان من دون سن الثامنة عشر، سواء عمل بصفته جندياً مباشراً أو غير مباشر، باعتبار ذلك أمر محظور ويعدّ جريمة حرب، كما جاء في النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية لميثاق روما الموقع عليه في يوليو/ تموز العام 1998 والداخل حيّز التنفيذ في العام 2002 . وقد ذهبت إلى ذلك اتفاقيات جنيف الأربعة لعام 1949 وملحقيها لعام 1977 .
الحالة العراقية والسورية واليمنية والليبية والسودانية وجنوب السودان وغيرها فتحت ملف استغلال الأطفال في الصراعات العنفية والمسلّحة، سواء من جانب النظام أو المعارضة والمجموعات القتالية الأجنبية التي وفدت أو تكوّنت في سياق الأزمات وفي ظل الأوضاع المتردية وانعكاساتها على الطفولة في وضع أمني ومعاشي هش وغير مستقر . ففي المناطق التي شهدت نزاعات حربية تم اقفال المدارس وإجلاء أو رحيل أعداد كبيرة من الناس جرّاء استمرار الأعمال العنفية، سواء بالتوجه إلى الخارج كلاجئين أو بالتوجه إلى الداخل كنازحين، من دون توفير المستلزمات الضرورية . وحسب منظمة اليونيسيف فإن قطاع التعليم في سوريا على سبيل المثال تدهور بشكل سريع وكارثي، بل إنها حسب تقديراتها هو الأسوأ والأسرع في تاريخ المنطقة .
وحيثما يكون الأطفال بلا تعليم تزداد إمكانية استغلالهم، ليس هذا فحسب، بل إن الأمية ستكون متفشية في صفوفهم، كلما استمر الصراع واحتدم النزاع وهو ما ينتج أزمة في بطن أزمة . وحتى بعد انتهاء النزاعات فإن تأثيراته ستدوم طويلاً، ولاسيّما على الأطفال والطفولة، فضلاً عن تأثيراته على الأمومة والتربية بشكل عام . ويلعب الإغراء المادي دوره المهم، خصوصاً في ظروف الفقر والفاقة لجذب الأطفال إلى صف الإرهابيين نظراً للحاجة المادية وكذلك في طريقة الاستدراج العاطفي، حيث يتم تفخيخ العقول قبل تفخيخ السيارات والأماكن العامة والمدارس والشوارع والمحال التجارية .
لقد عملت التنظيمات الإرهابية التي تستخدم الأطفال إلى حذف وإلغاء الكثير من المناهج الدراسية، وركّزت على التعليم الديني وفي الأغلب الجوانب الأكثر تطرفاً من المذاهب الفقهية، إضافة إلى التدريب العسكري، وهو ما حصل في الموصل بعد احتلالها من جانب داعش وفرض أبو بكر البغدادي خليفة للمسلمين وعلى الجميع مبايعته وإطاعة أوامره، ولغير المسلمين دفع الجزية أو التأسلم أي الدخول بالإسلام الداعشي أو الرحيل أو الموت .
والحالة اليمنية مثل الحالة العراقية أو السورية حيث إن عدم الاستقرار واحتلال الحوثيين العاصمة ومناطق أخرى، دفع بالعديد من الأطفال إلى التجنيد مع هذه القوة أو تلك، لاسيّما بعد انفجار العنف ومحاولات الهيمنة بوصول الاتفاق إلى طريق مسدود . وتتنافس بعض القوى على استقطاب الأطفال حيث تكون المواجهة على أشدها وغالباً ما تستغل الأطراف المتنازعة والتي تحاول توظيف الأطفال في مشاريعها، المساجد والجوامع لاستدراجهم وتجنيدهم، وكذلك استثمار العاطفة الدينية، خصوصاً مع سوء الأوضاع .
وقد أرجعت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين هذه الظاهرة إلى أن معظم اللاجئين يقبعون تحت ظروف متقلبة وغير مستقرة مما يجعلهم عرضة لمخاطر شتى تهدد حمايتهم، فيتم تجنيدهم في مهن قاسية ومختلفة وكجزء من الصراع .
جدير بالذكر أن استخدام الأطفال لا يقتصر على الجهاديين، بل على بعض أطراف الإسلام السياسي، بما فيها "حركة الإخوان"، حيث كان الأطفال والمراهقون هم الأكثر استهدافاً واستخداماً، سواء كدروع بشرية أو نواتات لأعمال جهادية أو في مهمات خاصة .
إن القوانين الدولية تستوجب تطبيق الشرعية الدولية وقرارات الأمم المتحدة في النزاعات المسلّحة وإبعاد الأطفال عنها وكفالة وصولهم إلى الأماكن الآمنة وتوفير سبل الحماية لهم صحياً واجتماعياً وتعليمياً وجمع شمل أسرهم والامتناع عن إشراكهم وتجنيدهم في العمليات الحربية وتأهيلهم وتدريبهم وغير ذلك، وبغير ذلك فإن الطفولة ستكون على مائدة الشيطان أو في طي النسيان .




20
عن أية نخب عربية نتحدث؟
عبد الحسين شعبان
كان موضوع إخفاق النخب العربية أحد المحاور الأساسية لمؤتمر مؤسسة الفكر العربي (13) المنعقد في الصخيرات (المغرب) وهو موضوع طالما شغل الكثير من المعنيين من داخل النخب وخارجها، خصوصاً في ظل العولمة وما تحقق من تقدم علمي وتكنولوجي هائل، إضافة إلى ثورة الاتصالات والمواصلات والطفرة الرقمية "الديجيتل"؟ والصخيرات بحد ذاتها تثير تداعيات مختلفة حول النخب الحاكمة بشكل عام والنخب العسكرية بشكل خاص، ففيها حدثت محاولة انقلابية عسكرية ضد الملك الحسن الثاني في العام 1971، وقام الجنرال أوفقير وزير الداخلية حينها بإحباطها، لكنه هو الآخر حاول الإطاحة بالملك في العام التالي 1972، وعندما اكتشف أمره لجأ إلى الانتحار.
فما الذي نعنيه بالنخب؟ ولمَ لم تستطع تحقيق النجاح المطلوب؟ أهو قصور ذاتي أم ثمة جوانب موضوعية؟ وبعد ذلك كيف السبيل للتمييز بين النخب، أهو لجهة موقعها في الدولة والمجتمع والدور المطلوب منها أم لموقفها من قضية الحرية والعدالة وهي من الهموم التاريخية التي احتدم الصراع حولها على مرّ التاريخ؟.
وبالعودة إلى إخفاق النخب، فالمقصود يشمل النخب الحاكمة وغير الحاكمة، المحافظة والتقدمية، التقليدية والثورية، الدينية والعلمانية على حدّ سواء، وعلى ذلك يمكن تصنيف النخب إلى خمسة نماذج أساسية هي:
1- النخب المحافظة أو التقليدية، وهي النخب التي تميل لما هو سائد وتشعر بأن مصلحتها في الحفاظ على ما هو قائم، وعندما أحسّت بأن حركة الاحتجاج والتغيير التي شهدها العالم العربي في العام 2011، ستؤدي إلى زعزعة مواقعها، فاختارت إمّا معارضتها منذ البداية، أو فيما بعد عندما انزلقت عملية التغيير نحو الفوضى والعنف وتعطيل مؤسسات الدولة. ولعلّ بعض هذه النخب بغضّ النظر عن موقعها، شعرت بالقلق من عملية التغيير التي لا تعرف نتائجها ولا تطمئن مصالحها وربما امتيازاتها التي حصلت عليها، ولذلك اتخذت موقفاً سلبياً منها.
2- النخب الثورية الانقلابية المعارضة، وهذه تريد قلب الوضع القائم وإلغاءه لاعتقادها أن طريق الإصلاح يمرّ عبر ذلك، بل إن بعضها لجأ ويلجأ إلى العنف، بمبرّر أنها يئست من إمكانية الإصلاح والتغيير في ظل هيمنة شديدة وطويلة الأمد ومحاولة للإبقاء على ما هو قائم، ومعارضة كل حركة تغيير، بزعم لا بديل أحسن مما هو موجود.
3- النخب الانعزالية التي فضّلت عدم المشاركة سواءً في حركة التغيير أو في الدفاع على ما هو قائم، واتجهت شيئاً فشيئاً إلى القنوط وربّما إلى التشاؤم واليأس من إمكانية التغيير، بسبب الإحباط الذي أصابها وعدم قدرتها في رؤية إمكانية حدوث تغييرات في طبيعة البناء القائم في الدولة والمجتمع على المدى المنظور على أقل تقدير، وذلك بحكم القوة والنفوذ الذي تتمتع به القوى التقليدية والمحافظة وضعف وهزال معارضتها أحياناً، ناهيكم عن الأمراض التي تعصف ببعضها والتي قد تجعلها ليست بأحسن حال من السلطات التي تعمل على مناهضتها.
4- النخب التغريبية أو الاغترابية التي تميل إلى قطع خط التطور البطيء كما هو قائم بزعم، أن مشكلة العالم العربي والإسلامي هي في تراثه وموروثه التقليدي، بل ويغامر بعضها للقول إن المشكلة في تعاليمنا الدينية، إن لم يتجرأ على القول إن المشكلة في الدين، الذي يشكّل حسب اعتقادها عاملاً كابحاً لعملية التغيير والتطوّر، وإذا ما أراد العالم العربي الخروج من غلواء الماضي، فعليه فكّ ارتباط حاضر مع التقاليد والموروث بكل ما يحمل هذا من معانٍ ودلالات والالتحاق بعالم الحداثة والليبرالية، وفيهما وحدهما تكمن عملية التطوّر الحقيقي والتنمية التي نحتاج إليها، كما يبرّر.
5- النخب التنويرية النقدية، وهي التي تدعو إلى ضرورة التغيير مع الحفاظ على الدولة الوطنية وعدم هدمها تحت أية حجة أو ذريعة خارجية أو داخلية استبدادية أو اغترابية، بل إجراء تغيير في شكل أنظمة الحكم الشمولية والمحافظة، الشديدة المركزية، والمستبدّة، باتجاه أنظمة حكم تقوم على التعدّدية والتنوّع وتحترم حقوق الإنسان وخياراته الحرّة في اختيار المحكومين للحاكم، في ظلّ قوانين عصرية تستند إلى المساواة وعدم التمييز ومواطنة كاملة، وفي إطار قضاء مستقل.
وبالطبع فإن أزمة النخب هي من أزمة المجتمع، وإذا كانت النخب محبطة ومأزومة وأخفقت في بلورة وقيادة حركة التغيير المجتمعية، وذلك لأن المجتمع عانى هزيمة ماحقة، وأزمة معتّقة، وبما أنها جزء من مجتمعاتها، فإنها عانت وتعاني إشكالاته وهزائمه، حتى وإن كانت مقارباتها مختلفة أحياناً، أو إن زاوية نظر النخب مختلفة ومتفاوتة عن زاوية نظر المجتمع. وقد انعكس ذلك على إبداعها وفنّها الذي هو تعبير عن واقعها، حتى وإن كانت غير متقبّلة له أو متمرّدة عليه.
وعلى الرغم من عدم ميلي للتعميم، لأنه سيكون الصخرة التي يتكئ عليها المتعبون، لكن مثل هذا المدخل التعميمي سيكون مفتاحاً لمناقشة موضوع تراجع النخب العربية، حيث يندرج فيه سبب إحباطها ودور العوامل المختلفة الخارجية والداخلية في الوصول إلى ما وصلت إليه، وقد ساهم الغزاة في محاولة محق المجتمعات ونخبها الفكرية والثقافية والاجتماعية باستثناءات محدودة تعاونت معه، أما الطغاة فقد أذلّوا النخب وحاولوا تدجينها وكسر شوكتها لكيلا تكون أداة تحريض وتغيير لمجتمعاتها، مع مراعاة مواقع بعضها من الذين أدلجوا لها قمعها الفكري والسياسي.
وكانت نتيجة الاستلاب الخارجي والداخلي، أن وجدت بعض النخب نفسها في مواجهة الغلاة الذين تعصّبوا وتطرّفوا وأوغلوا في أعمال تكفير ضد المجتمع بشكل عام ونخبه بشكل خاص بزعم خروجها على «حاكمية الله»، وفرّخ هؤلاء عبر أدلجتهم للدين الجناة الذين لا يتورعون من القيام بارتكاب كل عمل مشين، طالما تمت عملية غسل لأدمغتهم وتوظيفهم ليكونوا أدوات بيد المؤدلِجين، ومهما كانت تسمياتهم سواء تنظيم القاعدة أو تنظيم الدولة "داعش" أو جبهة النصرة أو جماعات متطرفة إسلاموية وتكفيرية ظلامية، فإنهم ينهلون من منبع واحد أساسه إلغاء الآخر وتأثيمه وتحريمه.
علينا أولاً وقبل كل شيء الاعتراف بوجود أزمة لدى النخب أيضاً، بحكم ما وقع عليها من عسف مزمن ومعتق، ونكوص بعضها عن دوره التنويري، تحت مزاعم شتى، تارة باسم دفاعه عن العروبة أو الإسلام أو مصالح الكادحين أو مقاومته للامبريالية أو غير ذلك، ناهيكم عن انخراط بعضها في تبرير خطاب بعض المعارضات التي استخفت بمصالح الوطن والمواطن وأعفت نفسها من مسؤولية توظيفها لما تريده القوى الخارجية المعادية.
الاعتراف بالأزمة هو شرط وعيها أولاً، وذلك يتطلّب حواراً جاداً ومسؤولاً لتجاوز مآلاتها، وحسناً فعلت مؤسسة الفكر العربي باختيار محور مثير وإشكالي مثل هذا المحور، فلم يعد الصمت ممكناً، بقدر ما يمكن اعتباره تواطؤاً، وهدف مثل هذا الحوار هو تعزيز المشتركات الإنسانية لإحداث التغيير المنشود بأقل الخسائر الممكنة وعبر تجسير الفجوة بين النخب على اختلاف توجهاتها الفكرية وصاحب القرار.
وإذا كانت ثمة أسباب خارجية وأخرى داخلية كانت وراء تراجع النخب الثقافية العربية، سواءً في جانبها الموضوعي أو في جانبها الذاتي، فالتركة الطويلة الأمد للاستعمار شكّلت إرثاً ثقيلاً عانت منه المجتمعات العربية ونخبها، سواء في عقلها الباطن أو في سلوكها العملي، وعاظمت الاحتلالات والعدوانات المتكررة في نهب موارد الوطن العربي وتعطيل تنميته، لا سيّما بفرض الهيمنة عليه، إضافة إلى كبحها جماح الحركة الإصلاحية الصاعدة التي دعت إليها النخب العربية باتجاه الانعتاق وتحقيق الاستقلال والتحرر الوطني وحق تقرير المصير وبناء الدولة الحديثة. وبالطبع فإن الصراع العربي - الإسرائيلي ساهم في تعثّر التجارب الجنينية الناقصة والمتفاوتة في عدد من البلدان العربية، كما هي مصر وسوريا والعراق، سواءً بمحاولة مقايضة التنمية والإصلاح، بمواجهة العدو الخارجي أو بشراء وتكديس السلاح، مثلما ساهمت الحروب والنزاعات الحدودية بين البلدان العربية في تعويق تطوّر البلدان العربية.
وهناك المعوّقات الداخلية أيضاً والتي تتعلق بـ: ضعف البنى والتراكيب الأساسية للدول العربية الحديثة الاستقلال وضعف التجربة وقلة التراكم، ناهيكم عن تعطيل المحاولات التنويرية الإصلاحية في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين لأسباب خارجية استتباعية أو داخلية استبدادية. وقد لعب الجيش في الخمسينيات والستينيات دوراً سلبياً في قطع خط التطور التدريجي، مثلما ساهمت الغيبية والتبشيرية والخطاب الديني الإلغائي بدور تعويقي في تحجيم العقلانية والتساؤلية المفضية إلى الجدل والحوار، ولا شكّ أن عدم توزيع الثروة على نحو عادل والتفاوت الاجتماعي بين المتخمين والمحرومين، ناهيكم من الجهل والأمية قاد إلى انتشار ظواهر التعصّب والإرهاب، ولم يكن ذلك بمعزل عن مسؤولية النخب وعن الإخفاق الذي تعرضت له.
وإذا كانت النخب الفكرية والثقافية قد مهّدت للثورة الفرنسية، حيث كتاب "روح الشرائع" لمونتسكيو "والعقد الاجتماعي" لروسو وكتابات فولتير حول التسامح، تلك التي تركت تأثيرات كبيرة في تهيئة التربة المناسبة لعملية التغيير. ولكن للأسف لم يقابل ذلك عندنا مثلاً كتاب "طبائع الاستبداد" لعبد الرحمن الكواكبي، أو مساهمات الأفغاني ومحمد عبده ورفاعه الطهطاوي والتونسي والنائيني وشبلي شميّل وفرح أنطون وقاسم أمين وعلي عبدالرازق وطه حسين وغيرهم والأمر يعود إلى ضعف الاستفادة من التراث وعدم استلهام روحه، إضافة إلى اختلال معايير الهوّية، لا سيّما شحّ الحرّيات والعنف الذي استشرى في بلادنا مثلما تفشت الطائفية والعشائرية والإثنية والاستعلاء (عدم إقرار حقوق التنوّعات الثقافية)، ناهيكم عن هدر حقوق المرأة.
•   باحث ومفكر عربي



21
زياد أبو عين.. إدوارد سعيد داخل المكان .. خارج المكان
عبد الحسين شعبان*
 
الهُوّية وشجرة الزيتون والمكان، ثلاثية تجسّد المأساة الفلسطينية المستمرة، فالهُوّية يُراد طمسها بكل الوسائل، والزيتون هناك عمليات حثيثة لتجريفه لأنه يمثل رمزية خاصة لدى الفلسطينيين، وقد حمل الرئيس عرفات غصنا للزيتون وهو يدخل إلى الأمم المتحدة، والمكان يمثل جذر الفلسطينيين، حيث جرت وتجري محاولات على قدم وساق لإجلائهم من مكانهم الطبيعي وهي أرضهم وهم سكان البلاد الأصليون، لذلك يتمسّكون بالقرار 194 لعام 1948 الخاص بحق العودة، إضافة إلى الحق في تقرير المصير ضمن دولة عاصمتها القدس.
وإذا كان استهداف هذه الثلاثية باحتلال الأرض والسوق والعمل منذ العشرينيات، فإنها اتخذت شكل مصادرة الأرض وإجلاء سكانها الأصليين ومحاولة اقتلاع ما تبقى منهم، لاسيّما بمشروع الدولة اليهودية النقية، في محاولة لإرغام العرب على خيارات أبسطها يكاد يكون مستحيلا.
مؤخرا استهدفت الثلاثية باغتيال زياد أبو عين الوزير والأسير والقدير، الذي أراد أن يعلن للعالم أجمع كيف يمكن للإنسان أن يتمسّك بأرضه ورمزها الزيتون وبهُوّيته العربية ودلالتها الأساسية اللغة والدين لا من باب الاعتباط أو الزعم، بل لأنها تمثل كينونة وجوده، وصيرورة كيانيته ومستقبله بكل تجلّياته الإنسانية.
ومثلما حمل زياد أبو عين روحه وطاف بها من سجن إلى سجن، فإن هذه الروح أزهرت أشجار زيتون حتى في سجنها، وتفرّعت أغصانه، حبّا وجمالا ومقاومة ومستقبلا، في بلاده الولاّدة، التي لا يتورّع المغتصب عن تزوير كل ما فيها حتى برتقال يافا ظل يختمه بماركة مزيفة، ويستولي على الأزقة العتيقة في القدس، في محاولة لتغيير تركيبها الديموغرافي وآثارها وتراثها، ويستمر في أعمال الحفر تحت وحول المسجد الأقصى وملحقاته، ويخترع القصص والأساطير، وينسج الحكايات التي بعضها من صنع الخيال، حول الأحقية التاريخية.
حين سقط زياد أبو عين مضرجا بدمائه اختار المكان، "البئر الأولى" حسب جبرا ابراهيم جبرا، قريته العتيدة، وهو يحمل غصن الزيتون الرمز الأخضر لبلاد خضراء ومزاج أخضر وعين لا تعرف الاّ الأخضر، اللون العروبي الأصيل. في البئر الأولى يتم التشكّل الأول للذاكرة وما استقر فيها من تفاصيل ولم يكن من الممكن محوها أو التجاوز عليها فقد حفرت في القاع.
زياد أبو عين الذي اجترح العذابات كلّها لأنه لا يريد أن يغادر المكان الذي أبصر النور فيه، إنها صيحة ضد الاغتصاب والاقتلاع والمصادرة والاستيطان، وهي وجه آخر لصرخة إدوارد سعيد "خارج المكان" الذي ظلّ هائما به يستعيد من خلال ذاكرته الخصبة، كل تفاصيله ودقائقه الصغيرة ساعة بساعة وحبّة بحبّة، حتى وكأن الحلم الذي راوده استمر يعيش معه ليل نهار.
وتأتي أهمية كتاب إدوارد سعيد "خارج المكان" لا من أسلوبه الشائق والممتع أو من السرد الدرامي، أو بسبب مضمونه فحسب، ولكن لكونه يمثّل إحدى شهادات العصر المهمة عن حدث ما زال يؤرق الضمير الإنساني، فقد استطاع إدوارد سعيد وهو أحد أبرز المثقفين العرب الموسوعيين في القرن العشرين أن يخاطب العقل (الآخر) ويتحدّث عن تجربة اقتلاع شعب من أرضه ورميه خارج المكان في محاولة لمحو ذاكرته وهُوّيته ومصادرة تاريخه ومستقبله.
كان إدوارد سعيد يُعتبر الأخطر بالنسبة للحركة الصهيونية فيما كتبه وفيما استطاع أن يلفت النظر إليه في أحد معاقلها الأساسية ونعني بها الولايات المتحدة، حيث اللوبي المتنفذ، ولهذا تراها، فهمت ماذا يعني كتابه الأول "الاستشراق" وهو ما حدا ببعض قادتها لتحسس استمرارهم ووجودهم في فلسطين عند قراءة هذا الكتاب، الذي صدر عام 1978 وما زال راهنيا حتى الآن، أما زياد أبو العين فهو وجه آخر لما تخشاه قوى التعصب الصهيوني، بتمسكه بالارض والهُوّية ورمز فلسطين ومقاومته بناء الجدار العنصري، الذي أدانته ودعت إلى هدمه محكمة العدل الدولية في فتواها الاستشارية.
"خارج المكان" يمثّل جسرا بين ماضٍ لا يمكن أن يُنسى وحاضر لا يمكن أن يدوم وداخل المكان هو تمسك بالهُوّية والرمز، وبينهما صور وانعكاسات وأحداث ووقائع ومؤامرات وآمال وحروب، ولكن الذاكرة تظلّ قائمة وكأنها تعيش واقعا هو استمرار بحثها عن هُوّية ومكان وأرض ووطن مسلوب.
الهُوّية تتوحّد أحيانا مع رمزية المكان في إطار هارموني متناسق، وهو ما استهدفه المحتل عند اغتيال زياد أبو عين ، وهو اغتيال داخل المكان، مثلما يمثل الترحيل والإجلاء الاغتيال خارج المكان، بالتجريف والابعاد وقطع الجذور الأولى ومصادرة الحقوق بالاستيطان والالغاء. زياد أبو عين كان انموذجا لثلاثية لا يمكن فصم عراها: الهُوّية والزيتون والمكان، وهي الثلاثية الأثيرة التي ظلّ إدوارد سعيد متشبثا بها حتى الرمق الأخير.
*باحث ومفكر عربي


22
هل أصبحت أم الربيعين رهينة المحبسين؟
داعش وأخواتها وإعادة تدويل المسألة العراقية
عبد الحسين شعبان *
توطئة

فرض الشاعر أبو العلاء المعرّي عزلة ذاتية على نفسه بعد عودته إلى حلب من بغداد، حين شعر بانكسار نفسه ووطأة همومه وأحزانه، خصوصاً بعد وفاة والدته، واستمر~ في ذلك أربعين عاماً، وأطلق على نفسه لقب "رهين المحبسين".
الموصل اليوم تعيش رهينة المحبسين، فقد اختطفها المسلحون، وهي غارقة في همومها ومعاناتها وشعورها بالحيف والتهميش الذي لحقها، لكن ما حدث خلال يومي 11 و12 حزيران (يونيو) 2014  وما أعقبه لم يكن تأثيره منحصراً في الموصل فحسب، بل أن امتداداته ستشمل الدولة العراقية وتاريخها ومستقبلها، ناهيكم عن تأثيراته الإقليمية والدولية.
لم يحدث في تاريخ الدولة العراقية، التي تأسست في العام 1921، أن تعرّضت كيانيتها للتصدّع كما هي الآن، فقد بقيت قوية وهيبتها كبيرة على الرغم من العواصف والتحدّيات والحروب والحصار وبعض عناصر الضعف التي عانت منها، لكنها استطاعت الحفاظ على وحدتها وتماسكها بغض النظر عمّن حكمها، لكنها اليوم مهدّدة بالتشطير والانقسام والتفتيت.

ــــــــــــــــــــــــــــــــ
* باحث ومفكر عربي ، أستاذ فلسفة اللاعنف (جامعة أونور – بيروت) مستشار مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية. نشرت المادة في مجلة حمورابي، العدد الذي يحمل الرقم 10 ، تموز (يوليو) 2014 ولكن صدورها الفعلي هو في كانون الأول (ديسمبر) 2014 (لذلك اقتضى التنويه).
وبكل الأحوال ما كان لداعش وأخواتها إحداث مثل هذا الشرخ العميق في كيانية الدولة العراقية لولا الضعف الذي اعتراها والهزال الذي أصابها، وخصوصاً بعد الاستيلاء على الموصل وصلاح الدين وتلعفر وأجزاء من ديالى والتلويح بالتوجّه صوب بغداد "العاصمة"، وكانت تلك مفاجأة كبرى وغير متوقعة، أما المفاجأة الثانية فهي إعلان دولة الخلافة وتنصيب أبو بكر البغدادي خليفة للمسلمين، وكان ظهوره العلني في جامع النوري الكبير في الموصل مفاجأة أخرى، لإظهار قوة التنظيم وتحدّيه لحكومة بغداد،. ولعلّ هذا التطور الدرامي الذي كانت صدمته الأولى في الموصل يعتبر الحدث الأبرز الذي شهده العراق بعد الانسحاب الأمريكي نهاية العام 2011.

أولا- ستراتيجية جديدة لداعش!

يشكّل احتلال الموصل انتقالاً حاسماً في ستراتيجية تنظيم داعش وبقية الجماعات الإرهابية  التي كانت خطتها لسنوات غير قليلة تقوم على المداهمات والتفجيرات والمفخخات، وإحداث ما تستطيع من أذى بالدولة العراقية ورعب بالمجتمع العراقي مادياً ومعنوياً، اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً ونفسياً، وذلك هدف أي جماعة إرهابية، ولكن داعش ذات التنظيم الحديدي والحركة الزئبقية انتقلت إلى ستراتيجية الاستيلاء على الأراضي ووضع اليد على الإدارات والمؤسسات والمرافق والبقاء فيها والتمدّد بعدها إلى احتلال مناطق جديدة، وصولاً إلى  إعلان "الدولة الإسلامية" وتسمية خليفة للمسلمين الواجب طاعته وفرض قواعد حكم تنسجم مع التوجهات الآيديولوجية "الإسلاموية" لداعش كتنظيم متطرف وفكر متعصب لا يؤمن الاّ بالعنف ويخوّن الجميع، ويكفّر من لا يدين بالولاء له.
إن هذا التطور في ستراتيجية داعش جاء في أعقاب نتائج الانتخابات النيابية التي جرت في 30 نيسان (ابريل) 2014، وعشيّة انعقاد الجلسة الأولى للبرلمان العراقي الجديد، الذي سينتخب رئيساً له ورئيساً للجمهورية، وهذا الأخير يسمّي رئيس الوزراء من الكتلة الأكبر لتحظى بتصويت البرلمان، وهي المسألة الجدالية المستمرّة حول تجديد الولاية الثالثة لرئيس الوزراء أو تمديدها، وفي الوقت نفسه، إنها انعكاس لأزمة الحكم المستفحلة وللإنقسام السياسي والطائفي والإثني الحاد الي أعقب الاحتلال الأمريكي للعراق منذ العام 2003 ولحد الآن.
تأتي ستراتيجية داعش الجديدة بالانتقال من أعمال الارهاب والعنف العشوائية، التي تستهدف ساحات عامة ومناطق تجمع سكاني وأسواق ومحال تجارية ومدارس وجوامع وكنائس، إلى ستراتيجية احتلال مناطق جغرافية واسعة وإدارتها، والامتداد خارجها، والتهديد بالتوجّه إلى بغداد، وذلك في تطوّر جديد وغير مسبوق.
قد تكون خطوة داعش تلك مغامرة جديدة للتنظيم أقرب إلى العمل الانتحاري الجماعي بعد أن درجت على الأعمال الانتحارية الفردية، لكن تطوّرات المشهد السياسي والبيئة الحاضنة كانت عنصر تشجيع له للقيام بتغيير مسارات ستراتيجيته، إضافة إلى تعاون جماعات سياسية معه محسوبة على النظام السابق، بعضها من العسكريين وآخر من الطريقة النقشبندية، وثالث من حزب البعث المحظور، كما جاء على لسان ممثله خضير المرشدي، حين اعتبر داعش أحد الفصائل المعارضة للمالكي ، ومع أنه رفض تضخيم دورها، لكنه اعترف بوجود تحالفات مباشرة أو غير مباشرة معه، ومع مجموعات وتنظيمات إسلامية أخرى، على الرغم من أن قرار داعش بإعلان "الدولة الإسلامية"، كان إحراجاً للجميع وفي مقدمتهم من أراد التحالف معها سرّاً أو علناً أو سكت عن استيلائها على الموصل وعن مشروعها السياسي والحربي التكفيري وهو ما اعتبرته "هيئة علماء المسلمين" المعارضة، أمراً خاطئاً، فضلاً عن أنه غير ملزم للمسلمين، وذهب الأزهر الشريف وهيئات دينية عربية وإسلامية إلى التنديد بإعلان داعش  .
قد يكون استبدال ستراتيجية داعش من الارهاب المباشر إلى السيطرة على مناطق واسعة وإعلان دولة الخلافة الإسلامية الواجبة الطاعة، جاء بسبب الشعور بهشاشة الكيانية الرخوة للدولة العراقية، وبلوغها درجة من التفكك ناجمة عن الانقسام السياسي من جهة، وتفلّت  اقليم كردستان من هيمنة الدولة الاتحادية، إضافة إلى تصديره للنفط دون موافقة بغداد، من جهة ثانية، إضافة إلى اتساع نطاق حركة الاحتجاج في العديد من المحافظات، مستقطبة مطالب شعبية ومشروعة في الغالب، في حين ظلّت الحلول المطروحة لتلبية تلك المطالب قاصرة ومبتورة، وفي أحسن الأحوال لم تكن مرضية أو مقبولة من جانب فئات واسعة في العديد من المحافظات المعترضة، وخصوصاً في غرب العراق وشماله.
وإذا كان ثمة أمل في إحداث تغيير في الانتخابات، حسبما راهن كثيرون بما فيهم بعض الأطراف المشاركة في العملية السياسية أو خارجها، إلاّ أن النتائج التي جاءت بها كانت مخيّبة لآمال "داعش" وللعديد من القوى التي كانت تعوّل على إمكانية حدوث تصدّع في تركيبة الحكم، وخصوصاً لدى تيار "الشيعية السياسية"، وهو الأمر الذي لم يحصل على الرغم من الخلافات بين أطرافها واتساع نطاق الجهات المناوئة لتجديد المالكي لولاية ثالثة.
ولكن من جهة أخرى فقد أثار الحدث تداعيات مختلفة، فليس من المعقول أن يستطيع بضعة آلاف من المسلحين احتلال محافظة الموصل دون مواجهة تُذكر، والتوجه بعدها إلى محافظة صلاح الدين ومركزها مدينة تكريت ثم التحرك صوب تلعفر وبعض بلدات محافظة ديالى، فلم يكن أحداً يتوقّع ذلك، خصوصاً وأن ما هو معروف ومتداول عن بناء الجيش "الجديد" وما صرف عليه من تمويل وتجهيز وتدريب كان كبيراً جداً، فكيف حصل مثل هذا الانهيار وبهذه السرعة الفائقة؟
ثانياً - خطايا وتواطؤ
لقد حلّ بول بريمر الحاكم المدني الأمريكي للعراق (13 أيار/مايو 2003-28 حزيران/يونيو 2004) ، الجيش القديم الذي تأسس في العام 1921 مع تأسيس الدولة العراقية المعاصرة، وتلك خطيئته الأولى والأساسية بعد الاحتلال، حيث ترك البلاد للفوضى والارهاب والعنف والفساد المالي والإداري،  وباستثناء نواتات من القيادات العسكرية السابقة، فقد تم بناء جيش جديد من خلال قبول أفراد من الميليشيات المعارضة لنظام صدام حسين سابقاً من لواء بدر الذي تأسس في طهران أيام الحرب العراقية –الإيرانية، وذلك بعد قيام المجلس الإسلامي الأعلى العام 1982، وقوات البيشمركة، التي كانت موجودة أصلاً في كردستان بصورة رسمية منذ أواخر العام 1991 حين سحبت الحكومة العراقية إدارتها وموظفيها وقواتها من كردستان، وقامت البيشمركة بملء الفراغ، خصوصاً بعد قرار دولي للدول الثلاث (الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا) لإعلان منطقة ما فوق الخط 32 ملاذاً آمناً Save Heaven  .
واضطرّت الحاجة إلى مواجهة الإرهاب بناء جيش كبير بعد أن كانت خطة الأمريكان تقضي وجود جيش عراقي محدود العدد والعدّة، وخصوصاً بعد إلغاء التجنيد الإلزامي، لاعتبارات تتعلق بالصراع العربي- الإسرائيلي، ولكن للضرورة أحكام كما يقال، فقد بلغ قوام الجيش الآن  "نحو مليون جندي عراقي"،  فكيف حصل ما حصل، بحيث ترك الضباط والجنود أسلحتهم ووحداتهم وفلّوا هاربين "ذهبوا خفافاً"، الأمر الذي يطرح أسئلة مشروعة وتحتاج إلى مساءلات واسعة فكرية وسياسية وقانونية وتاريخية ونفسية، علماً بأنه يقدّر عدد أفراد الجيش في الموصل وحدها نحو 50 الف جندي أو ما يزيد عليه، وكذلك ما يزيد عن 20 الف شرطي؟
قد يكون هناك نوع من الخدر وضعف اليقظة والتواطؤ، بانشغال الفرقاء، وخصوصاً من دولة القانون بترتيب موضوع الوزارة وتشكيلاتها بعد الانتخابات، حيث أن الصراع الطاغي والمحموم كان ولا يزال ينصبّ حول موضوع الولاية الثالثة لرئيس الوزراء، وهو الأمر المحتدم والمتأجج بامتياز منذ شهور، لكن مثل هذا الاستنتاج لوحده غير كاف، ذلك أن ما حدث كان أحد نتائج الاحتراب السياسي، وغياب الرؤية المشتركة للفرقاء، ومحاولة كل طرف الحصول على المكاسب وتهميش الآخر، فلم تنجح الحلول الأمنية والعسكرية من القضاء على أزمة الفلوجة المستفحلة منذ نحو بضعة أشهر، إضافة إلى تلبية مطالب المحتجّين المشروعة في الأنبار والموصل وصلاح الدين وديالى وكركوك ومناطق حزام بغداد وغيرها، وهي مطالب يعترف بها رئيس الوزراء وأركان الحكم على اختلاف توجهاتهم، لكن المسألة أعقد من ذلك بكثير وهي تتعلق بتجفيف منابع الإرهاب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والدينية والمذهبية، والأمر له صلة بالفقر والجهل والبطالة، إضافة إلى سياقات العلاقة بين المجاميع العشائرية والقبلية وبألغام الدستور وبالممارسات السلبية، وبالأساس بضعف الثقة وانعدامها أحياناً، ناهيكم عن استمرار نهج التهميش والإقصاء بسبب قانون اجتثاث البعث الذي استبدل بقانون " المساءلة والعدالة" والمخبر السرّي وقضايا إطلاق سراح المعتقلين، وهي مطالب تكاد تكون موحّدة للجهات والمناطق المحتجّة!
ثالثاً - الدولة من سياقات الوحدة إلى احتمالات التفكك
الخشية اليوم هي في تفكّك الدولة العراقية، التي أطيح بالعديد من مؤسساتها بفعل الاحتلال الأمريكي العام 2003، واستمرت كيانيتها في حالة من الانقسام لدرجة التشظي أحياناً، بفعل المحاصصة المذهبية والإثنية ونظام التقاسم الوظيفي، الذي كرّسه بول بريمر، سواء في قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية لعام 2004 أو في الدستور العراقي الدائم في العام 2005 الذي قام على ما سمّي بالمكوّنات، في حين تقوم الدولة الديمقراطية العصرية في العالم وعلى اختلاف مستوياتها على مبدأ المواطنة بالاستناد إلى المواطنين الأفراد وحقوقهم وليس على اعتبارات أخرى.
وباتت الدولة اليوم مهدّدة وتحت ضغط عاملين الأول هو جنوح اقليم كردستان باتجاه توسيع صلاحياته التي هي أقرب الى الكونفدرالية، وصولاً إلى كيانية مستقلة، وهو ما عبّر عنه رئيس الاقليم مسعود البارزاني بقوله: إن ما حدث في العراق خلال الأيام الماضية خلق واقعاً جديداً، وإن الأحداث أكّدت إن الشعب الكردي عليه أن يغتنم الفرصة الآن ويحدد مستقبله، وهو الأمر الذي يضع مسألة الدولة الكردية موضوعياً على بساط البحث أكثر من أي وقت مضى، وانعقدت النيّة على إجراء استفتاء بشأن حق تقرير المصير الذي سبق أن صوّت لصالحه 98% في العام 2005 (ولم يكن مثل ذلك الاستفتاء ملزماً، بل كان هدفه رسالة إلى القوى الأخرى وجس نبض لردود فعلها) وكذلك استفتاء بخصوص كركوك لتخيير سكانها بين الانضمام إلى اقليم كردستان أو البقاء في وضعها السابق.
أما ضغط العامل الثاني، فهو ارتفاع المطالبات في المناطق الغربية من العراق وشماله بالتحوّل إلى أقاليم وفقاً لصيغة إقليم كردستان، وهو الأمر الذي جاء على ذكره الدستور، وذلك " أملاً" من سكان هذه المناطق بالتحلل من القبضة القوية للحكومة الاتحادية، والتمتع بصلاحيات حكم أنفسهم بأنفسهم في إطار "استقلالية" أشبه "باستقلالية" إقليم كردستان.
وإذا كان سكان محافظتي الأنبار وصلاح الدين، والقوى السياسية التي يطلق عليها "السنّية السياسية" قد رفضت الدستور أو عارضته أو تحفّظت عليه في العام 2005 لأنه احتوى على الفيدرالية، وإن الموصل كادت أن تسقط الدستور (طبقاً لأحكامه فيما إذا لم تصوّت لصالحه ثلاث محافظات) فإنها اليوم الأكثر اندفاعاً إزاء موضوع الفيدرالية، لشعورها بالحيف والتهميش.
ولعلّ المفارقة تتجلّى في إن المحافظات الجنوبية "والشيعية السياسية"، وخصوصاً المجلس الإسلامي الأعلى ورئيسه آنذاك السيد عبد العزيز الحكيم، التي كانت من المؤيدين لفكرة الفيدارلية وحاولت مع الكرد تمريرها في الدستور، هي اليوم الأكثر تحفّظاً على "استقلالية" المحافظات الغربية والشمالية التي عنوانها " الفيدرالية"، بل إنها تقرأها باعتبارها "انفصالاً" و"تقسيماً"، حسب خطة بايدن أو توسيعها إلى أكثر تشظياً بزيادة الوحدات الفيدرالية  لتشمل عدد آخر من المحافظات التي يمكن أن تتحوّل إلى إقليم.
لقد وجدت المحافظات الغربية والشمالية في خطة داعش الهجومية فرصة في ضعضعة الدولة وإظهار هشاشة حكومة المالكي، وبالتالي فهي تنتظر النتائج التي سيمخض عنها الصراع مع بغداد، بل إن بعض قيادات من العشائر اجتمعت في أربيل وأعلنت أنها مع هجوم داعش على بغداد، لوضع حد لتسلط حكومة المالكي، ولعل اليأس من إجراء تغيير وإعادة ترتيب العلاقة الجديدة على أسس مختلفة ومراعاة مطالب سكان هذه المناطق، هو الذي يدفع بعض ما يسمى برؤساء العشائر وقوى سياسية ودينية إلى تأييد داعش، وإن كان بشكل مؤقت أو ظرفي، لكنها ترتكب خطأ تاريخياً كبيراً سيلحق ضرراً بالدولة العراقية وتاريخها، لاسيّما تأييد قوى إرهابية تكفيرية.

رابعاً- قراءة غير تقليدية
بعد سيطرت داعش على الموصل بدأت بإرسال تهديداتها بالتمدّد نحو بغداد ومؤخراً إعلان "الدولة الإسلامية" وتنصيب أبو بكر البغدادي خليفة للمسلمين وجبت طاعته والامتثال لإرادته باعتباره " ولي الأمر"، وهكذا أخذت تختلط أوراق السياسة والمصالح والاتفاقات، بالأوراق العسكرية والأمنية والدينية والطائفية لدرجة معقّدة، خصوصاً بتسلّل قوات داعش واحتلالها مناطق شاسعة من شمال العراق وغربه، وسط ذهول وقلق عالميين وإقليميين، وحالة ذعر عراقية لا تزال مستمرة، صاحبها ارتفاع أسعار المواد الغذائية وشحّ بعضها وارتفاع أعداد النازحين، وتدهور ثقة المواطن بالدولة المتدهورة أصلاً.
والسؤال الذي يواجهه الجميع: كيف استطاعت قوات داعش أن تسيطر بهذه السرعة الخاطفة على الموصل وتكريت وتتوغّل شرقاً وجنوباً مهدّدة بالوصول إلى بغداد ومناطق أخرى، لاسيّما بعد النصر السهل الذي حققته؟ ثم ماذا بعد اعلان خلافتها " الكونية"؟ الأمر بحاجة إلى قراءة غير تقليدية للوقائع، نحاول تلمّس بعض عناصرها من خلال:
1-  إن قيادة قوات داعش مدرّبة ونواتها الأساسية " عقائدية"، وقد تمكّنت من غسل الكثير من الأدمغة والتأثير على العقول مستغلة أوضاع الحراك الشعبي وازدياد النقمة على الحكم للتوسع والانتشار، فضلاً عن البطالة والفقر والتخلّف، فقامت بتجنيد العديد من الشباب من الأوساط الشعبية المتدنّية والساخطة. وتتألف القيادة من 10 أعضاء وهم في غالبيتهم الساحقة ضباط في الجيش العراقي السابق.
2- تعود أصول تنظيمات داعش إلى تنظيمات القاعدة، حتى أن أبو بكر البغدادي  واسمه الحقيقي (إبراهيم عواد إبراهيم علي البدري السامرائي  من مواليد العام 1971 والذي كان خطيباً في أحد جوامع بغداد والذي أصبح خليفة المسلمين) كان معتقلاً في سجن بوكو من جانب الأمريكان، وأطلق سراحه في ظرف غامض وملتبس، الأمر الذي يثير علامات استفهام كبيرة حول نشاطه وحركته، وبالتالي المهمات التي اضطلع بها وهي مهمات كبيرة جداً وتحتاج إلى معرفة وتمويل وإمكانات لوجستية غير قليلة، فما بالك حين يحتل الموصل وتكريت ويعينّ محافظين للمحافظتين من أنصار النظام السابق، وممن كانوا في المسؤولية سابقاً، إضافة إلى إدارته لهذه المناطق بعد انسحاب الجيش منها، وذلك منذ 10 حزيران (يونيو) 2014. وهناك تساؤل غير بريء حول إطلاق سراح البغدادي على الرغم من معرفة المخابرات المركزية الأمريكية الـ CIA بخطورته.
3- تفيد تسريبات The intercept إن البغدادي كان قد درس في بغداد ولديه تحصيل علمي (ماجستير ودكتوراه) من الجامعة الإسلامية، ومن هواياته لعبة كرة القدم، وكانوا يشبهونه بليونيل ميسي اللاعب الارجنتيني الشهير، وقد عاش نحو عشرة أعوام في غرفة ملحقة بأحد مساجد منطقة الطوبجي (مدينة الحرية) قرب مدينة الكاظمية حتى العام 2004، ويعتبر ظهوره في جامع النوري الكبير في الموصل هو أول ظهور علني له حيث وصل إليه بموكب ضخم، وبعدد كبير من سيارات الدفع الرباعي السوداء المزوّدة بالعديد من الأسلاك وأعمدة الاتصال اللاسلكية، التي يعتقد أنها سيارات للتشويش على إرسال الهواتف المتنقلة، التي توقفت قبل ساعة من وصوله إلى الجامع وخلال مدّة بقائه وبُعيد خروجه منه.
4- الطريف في الأمر إن إدوارد سنودن الأمريكي المتعاقد السابق لدى وكالة المخابرات المركزية CIA يشير إلى أن وكالة الأمن القومي الأمريكي وبالتعاون مع نظيرتيها البريطانية M16 والموساد الإسرائيلية مهّدت لظهور " تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام" داعش، والهدف حسب موقع The Intercept  هو استقطاب متطرفين في مكان واحد في عملية يرمز لها بعش الدبابير، وذلك لرفع شعارات إسلامية متطرفة، والهدف هو خلق عدو قريب موجه ضد الدول الإسلامية ذاتها وليس ضد إسرائيل حسب وثائق سنودن، وهناك إشارات وردت على لسان سنودن إلى أن البغدادي كان قد تلقى تدريباً عسكرياً ودورات في الخطابة وفي علم اللاهوت على أيدي تلك الجهات وبخاصة الموساد  .
5- قد يتصوّر البعض أن القوة التي تستطيع وضع يدها على مقدّرات الدولة العراقية في محافظة كبيرة مثل الموصل بعدد سكانها الذي يقارب الأربعة ملايين وفي مدينة الموصل وحدها الذي يصل عدد نفوسها إلى أكثر من مليون وسبعمائة ألف نسمة، لا بدّ أن تكون كبيرة جداً، لكن حقيقة الأمر إن تعداد قوات داعش في العراق لا يتجاوز الـ 5 آلاف مقاتل، وقد تأسست في نيسان (ابريل) 2013 باتحاد تنظيمات "القاعدة في بلاد الرافدين" و"جبهة النصرة" السورية التي تضم نحو 7-8 آلاف مقاتل، وإن كان العدد قليلاً والرقم ضئيلاً قياساً للجيش العراقي، لكنها وجدت أرضاً صالحة في المناطق السنّية، بسبب الشعور بالتهميش والعزل، بحيث شكّلت هذه المناطق تربة خصبة لتفقيس بيضها وعلى الأقل سهّلت عملياً مهمتها أو لم تتعرّض لها في البداية، خصوصاً لمحاولتها التصدّي لحكومة المالكي، وبذلك وجدت فيها بعض الأوساط أداة لتحقيق أهدافها المشتركة.
6- إن وجود بيئة حاضنة لتنظيمات داعش، لم يكن وليد اللحظة، بل سبقه بأشهر وربّما سنوات لوجود مسلح لتنظيمات القاعدة التي تمكّنت الصحوات من إنزال ضربات موجعة بها، إضافة إلى أنها كانت على مدى عام ونيّف تتقاضى "أتاوات" من المواطنين في الموصل، وتفرض نفوذها السياسي والمعنوي على الناس دون أية مساءلة من جانب القوات المحلية أو الاتحادية، التي كانت تتحاشى الاصطدام بها، خصوصاً وأن مناطق كثيرة كانت تخضع لسيطرتها، ولاسيّما في الليل حيث تقوم هي ببسط نفوذها واستعراض قوتها أمام المجتمع الموصلي.
وقد وجدت داعش فرصة تاريخية لها لاختراق مفصل مهم من مفاصل الدولة العراقية، ولاسيّما باحتلال ثاني أكبر مدينة بعد العاصمة بغداد، فالموصل حاضرة الشمال العراقي لما تمتلكه من غنى وعمق واتساع مدني وتجاري وتاريخي، والأغلبية الساحقة من سكانها هم من العرب وفيها أقليات كردية ازدادت خلال السنوات الأخيرة، كما أن أكثرية السكان من المسلمين، لكن فيها قرى وبلدات مسيحية بالكامل مثل القوش وتلكيف وباطنايا وبعض مناطق سهل نينوى، ويطالب بعض قياداتهم بحكم ذاتي أو إقليم حسبما يتردّد أحياناً في الإعلام.
في ظل الأجواء التي وفرتها البيئة الحاضنة حصل نوع من "التخادم" بين داعش وقوى مخلوعة من أنصار النظام السابق وبعض ضباط الحرس الجمهوري، وتواطؤ من جانب بعض الضباط في الجيش الاتحادي وقسم من هؤلاء من الحرس الجمهوري سابقاً، الذين فضلوا الانسحاب، بل إنهم انسحبوا باتفاق ليس بعيداً عن إشارات مسبقة، مع موقف "متفرج" من جانب الإدارة الكردية.
7- "داعش" وجدت فرصة لها لتحالفات محلية مع قوى سياسية، والقوى السياسية المخلوعة وجدت فرصة لها استخدام داعش ضد حكومة المالكي، وهكذا كلُّ طرف أراد استخدام الطرف الآخر، في إطار نظرة قصيرة الأمد، لاسيّما إزاء المخاطر المستقبلية، وخصوصاً ما قد يصيب كيانية الدولة العراقية والوحدة الوطنية من تصدّعات محتملة.
ومثل هذا الخطأ الفادح والجسيم وقعت به بعض أطراف المعارضة العراقية سابقاً، ضد صدام حسين التي اعتقدت إن الهدف المشترك بينها وبين القوى الدولية هو الإطاحة بالنظام، ولا يهمّ إن تعاونت مع الأمريكان أو غيرهم، طالما هناك مصلحة مشتركة ، ويمكن حلّ موضوع التخلّص من الأمريكان والمحتلين لاحقاً، وهو ما دفع العراق ثمنه باهظاً ولا يزال منذ 11 عاماً ونيّف، وهو الأمر الخاطئ الذي يتكرّر بخصوص التعاون مع داعش أو غضّ النظر عن مخاطرها، بتبرير الوقوف ضد حكومة بغداد ذات التوجهات الشيعية.
لقد كانت التعويلية ولا تزال خطراً على القوى السياسية ذاتها التي تفقد استقلاليتها وهويتها حين تغامر بالتعاون مع القوى الخارجية للوصول إلى أهدافها، إذ أن مثل هذا الخطر يمتد إلى الدولة وكيانيتها، ذلك أن القوى الدولية لها مصالحها وأهدافها، وهي ليست مشروعاً خيرياً، حسب الطلب، وإنما لها أهدافها المعادية لتطلعات بلداننا وشعوبنا والمتعارضة معها.
خامساً- داعش وكردستان والدولة الكردية المنشودة
بعد احتلال الموصل من جانب قوات داعش وترك الجنود والضباط أسلحتهم ووحداتهم، حصل نوع من الارتباك في كركوك أيضاً، وكان احتمال حصول فراغ عسكري وارد جداً، بسبب حالة تردّي المعنويات، وهنا حاولت قوات إقليم كردستان (البيشمركة) إملاء الفراغ بشأن كركوك، وذلك في إطار المناطق المتنازع عليها، وقد وجدت الفرصة مناسبة لمدّ نفوذ الإقليم إلى هذه المناطق المُختلف عليها، وهو وإن بدا حالياً أمرٌ مسكوتٌ عنه، لكن الصراع سيأتي بشأنه لاحقاً لا محال سواء بين الحكومة والإقليم، أو بين داعش والإقليم.
وقد ظلّت كركوك مصدر نزاع داخلي وإقليمي ودولي منذ عقود من السنين، خصوصاً وأنها تمثل خليطاً فسيفسائياً وتنوّعاً موزائيكياً من الأديان والطوائف والقوميات، ففيها المسلمون وهم أغلبية السكان سنّة في أكثريتهم وشيعة أيضاً، وفيها المسيحيون، ويقطنها العرب والتركمان والكرد، وتعرّضت خلال نظام البعث السابق، إلى محاولة لتغيير التركيب السكاني والديموغرافي سواء بتهجير الآلاف من أبنائها من الكرد والتركمان، وتشجيع العرب بالانتقال  إليها وإعطائهم أفضليات في العمل والوظيفة والسكن وغير ذلك من الامتيازات.
والأكثر من ذلك، فقد أصدر مجلس قيادة الثورة السابق قراراً في 6 أيلول (سبتمبر) 2001 يقضي بإمكانية تغيير القومية إلى العربية في حالة حصول خطأ في تسجيل هوّية الأحوال المدنية، ولم يعط مثل هذا الحق للكرد أو للتركمان، الأمر الذي يعكس مدى التمييز ومحاولة تغيير الطابع القومي للمدينة بشكل خاص والمحافظة بشكل عام.
وقد ظلّت كركوك مصدر نزاع بين الحركة الكردية والحكومات المركزية، فلم يتم الاتفاق عليها في إطار بيان 11 آذار (مارس) العام 1970 بين الحكومة العراقية برئاسة أحمد حسن البكر والثورة الكردية بقيادة الملاّ مصطفى البارزاني، وتم تأجيل البت بمستقبلها، وعندما شرّع قانون الحكم الذاتي العام 1974الذي كان واحداً من أسباب اندلاع القتال بين الطرفين، ظلّت كركوك على وضعها.
وحتى عندما تم التفاوض بين قيادة الاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة جلال الطالباني وحزب البعث العام 1984 بعد أحداث بشتاشان، لم يتم "التحرش" بما كان عليه الأمر بشأن كركوك، وهو الأمر الذي استمر بعد الانتفاضة العام 1991 في الشمال (كردستان) وفي الجنوب، حين تم التفاوض بين قيادة الجهة الكردستانية، ولاسيّما بين مسعود البارزاني وجلال الطالباني، وبين الحكومة العراقية، حيث ظلّت كركوك خارج دائرة الاتفاق، وإن كان الكرد لا يتركون مناسبة الآّ وذكّروا بكرديتها، في حين يذهب التركمان إلى تأكيد تركمانيتها، وبفعل الوجود العربي فيهاـ فإن عرب كركوك، سواء الأصليين أو الذين تم إسكانهم بعد العام 1970 يميلون إلى بقاء كركوك في إطار الحكومة الاتحادية (المركزية) وهو الأمر الذي ظلّ مصدر خلاف عشية إقرار قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية وفيما بعد في الدستور.
لقد أعلن رئيس الإقليم مسعود البارزاني أن المادة 140  التي تم ترحيلها من المادة 58 من قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية لعام 2004، من الدستور المتعلقة بمصير كركوك، قد انتهت بعد انتظار طويل من الكرد، ولا بدّ من استفتاء حول مستقبل كركوك التي يعتبرها الكرد "قدس الأقداس" وهو ما سبق أن جاء ذلك على لسان رئيس الجمهورية جلال الطالباني الغائب منذ سنتين عن المشهد السياسي لأسباب صحية.
وتقضي المادة 140 بتطبيع الأوضاع وإعادة المهجرين وتعويضهم وإجراء استفتاء سكاني، لكن ذلك لم يحصل، بل ازداد الشعور بالغبن لدى جميع الفرقاء واتسعت الهوّة بينهم، ولعلّ ما حصل سيزيد الطين بلّة ويؤجج المشاعر القومية إلى حدود كبيرة، وقد عبّر عن ذلك التركمان برفضهم الاستفتاء في هذه الظروف وفعل ذلك عرب كركوك أيضاً، في حين كان كرد كركوك والمناطق الأخرى قد أعربوا عن تأييدهم لهذه الخطوة وللاستفتاء في إطار حق تقرير المصير وصولاً لإعلان الدولة الكردية المنشودة!
سادساً - من هي داعش؟
لقد أثارت عملية احتلال الموصل أسئلة كبرى سياسية وعسكرية وأمنية، فمن تكون داعش بحيث تستطيع احتلال مناطق واسعة من العراق، وكيف نشأت وإلى ماذا تنتمي ومن هم حلفاؤها وما هو سر حركتها ومن أين تمويلها؟ ومثل هذه الأسئلة ازدادت راهنية بخصوص الدولة الإسلامية وخليفتها أبو بكر البغدادي.
تأسس تنظيم داعش في نيسان (ابريل) العام 2013 وذلك بعد اتحاد " دولة العراق الإسلامية" التابع لتنظيم القاعدة، الذي اعتبر فرعاً مستقلاً منذ تشرين الأول (اكتوبر) العام 2006، وتنظيم المجموعة الإسلامية في سورية المعروف باسم " جبهة النصرة". ولم يحصل الاندماج دون قتال وضحايا، فقد اندلعت الحرب بين الطرفين وخصوصاً في مطلع العام الجاري، إلى أن تم الاتفاق على توحيد التنظيمين.
وكان من أولى قرارات داعش هي التحلّل من الالتزامات السابقة  مع تنظيم القاعدة، ولاسيّما من قيادة أيمن الظواهري الذي كان رأيه اقتصار عمل القاعدة ودولة العراق الإسلامية على العراق وحده دون سواه، في حين تكون ساحة جبهة النصرة هي سوريا.
أما الامتداد الأبعد لتنظيم داعش، فقد بدأ منذ وقت مبكر يوم حاول أبو مصعب الزرقاوي الذي قتل في العراق على أيدي الأمريكان بتعاون إيراني – عراقي- أمريكي في حزيران (يونيو) العام 2006، الاستقلال بالتنظيم والعمل على بناء خاص باسم " جماعة التوحيد والجهاد" منذ  العام 2004، وذلك قبل مبايعة أبو مصعب الزرقاوي زعيم تنظيم القاعدة، أسامة بن لادن الذي قتل في 2 أيار (مايو) 2011، ليصبح اسم التنظيم " القاعدة في بلاد الرافدين".
ولكن ماذا حلّ بالتنظيم بعد اغتيال أبو مصعب الزرقاوي؟ لقد تم معالجة أمر القيادة والفراغ الذي تركه الزرقاوي بعد فترة قصيرة باختيار " أبو حمزة المهاجر" وحين أعلن قيام " دولة العراق الإسلامية" وقع الاختيار على أبو عمر البغدادي الذي قتلته القوات الأمريكية في العام 2010، كما قتلت مساعده أبو حمزة المهاجر، ولكن التنظيم استمر في العمل واختير أبو بكر البغدادي زعيماً له.
إن هيمنة داعش على الموصل الحدباء، وهي ثاني مدينة في العراق بعد بغداد وتكنّى بـ "أم الربيعين" يضع علامات استفهام كبيرة حول الصراع الدائر وأفقه وتواطؤ بعض القياديين من العسكريين أو السياسيين لتسهيل مهمة هؤلاء، وقد كان تأثير ذلك كبيراً على معنويات أفراد القوات المسلحة في مناطق أخرى، ناهيكم من انعكاساته على الجانب الشعبي إضافة إلى تدهور مكانة الدولة العراقية على المستوى الاقليمي والدولي، فعلى مدى السنوات الأحد عشر ونيّف الماضية، وخصوصاً منذ إجلاء القوات الأمريكية من العراق، في أواخر العام 2011، والدولة العراقية تواجه ممانعات ليست بالقليلة، مثلما كانت تواجه عدم قبول في السابق من دول الجوار العربي بشكل خاص والبلدان العربية بشكل عام، ويعود ذلك للانقسام السياسي الحاد وضعف الهوّية العراقية، وجوانب أخرى لها علاقة بالموقف المذهبي والطائفي، ناهيكم عن علاقة بغداد بطهران التي لا تلقى ارتياحاً عربياً، وخصوصاً بعد ما حصل في سوريا وتوجه دول الخليج والولايات المتحدة للاطاحة بالنظام السوري، بعد اندلاع المواجهة السلمية المدنية التي تحوّلت إلى صراعات مسلحة هي أقرب إلى مصارعة على الطريقة الرومانية التي لا تنتهي إلا بموت أحد الطرفين ووصول الطرف الآخر إلى درجة من الإعياء والإنهاك أقرب إلى الموت.
وحسبما تشير بعض المعلومات إلى أن بعض القياديين في القوات الرسمية سهّل المهمة للقوات الداعشية من خارجها للسيطرة على مواقع عسكرية مهمة، وهو ما دعا رئيس الوزراء نوري المالكي لاتهام البعض بالخيانة، بل وإقدامه على إحالة بعضهم للقضاء لمحاكمتهم، فضلاً عن إحالة الكثير منهم على التقاعد، وهو أمر يستحق التوقف عنده جدياً لإعادة تقييم عمل الجيش والقوات المسلحة، لاسيّما من حيث مهنيتها وحرفيتها وولاءها للوطن، خارج نطاق الانحيازات الحزبية أو العقائدية أو المذهبية أو الإثنية أو غيرها، لأن ذلك سيؤثر على توجهات الدولة وكيانيتها.
إن وصول الطبقة السياسية في غالبيتها باستثناء دولة القانون إلى قناعات من أن استمرار الوضع كما هو ودون تغيير سيؤدي إلى تفتّت الدولة، وقد يصل إلى الحرب الأهلية التي سيكون التقسيم بعدها حلاًّ مُرضياً، حتى وإن كان سيئاً، لكنه سيتم تبريره بـ إيقاف نزيف الدم ووقف القتال، كما أن دولة القانون هي الأخرى تنادي بالتغيير، لكن رؤيتها تتركز على إنهاء شكل المحاصصة القديم، والإتيان بحكومة أغلبية سياسية، وهو ما يعتبره غالبية القوى المشاركة في العملية السياسية تجاوزاً على مبدأ الشراكة، الأمر الذي يثير مخاوف القوى الأخرى الذي تعتبره زيادة في عملية التهميش ومبرّراً جديداً للاقصاء والعزل، فضلاً عن ذلك فإن العديد من القوى العربية التي لها علاقة بالملف العراقي والمناوئة لحكومة المالكي تعتبره غير مُطمئِن عربياً، وخصوصاً من جانب دول الخليج، إضافة إلى الولايات المتحدة، وما فتئ هؤلاء يطالبون بغداد بتشكيل حكومة موسعة وجامعة، وهو ما ذهب إليه وزير الخارجية الأمريكي جون كيري لدى زيارته لبغداد .
تمتلك داعش قدرة جبائية عالية من السكان المدنيين، وتعتبر أغنى منظمة ارهابية في العالم، وتقدّر ملكيتها بحوالي ملياري دولار، حيث استولت على 430 مليون دولار من المصارف الموصلية وحدها كما حصلت على نحو 140 عربة وعدد من السيارات المصفّحة ونحو 4 آلاف صاروخ وأسلحة خفيفة ومتوسطة وعتاد بكميات كبيرة. وكانت داعش قد تأخّرت لنحو 24 ساعة عند انسحابها من حلب وفتح ممر آمن لها وللمدنيين، نظراً للخلاف حول الأموال التي بحوزتها، وتلك التي استولت عليها من أسواق حلب من النقود أو الذهب أو غيرها، وقد اندلع قتال بين القوات النقشبندية وبين قوات داعش بعد احتلال الموصل بأيام، وأساسه هو وضع اليد على الأموال والاستحواذ على مناطق النفوذ.
وخلال نحو عام كانت داعش تتحرك في الموصل وفي غيرها من المناطق الغربية لتقوم بجباية الأموال من أصحاب المهن والمصالح، وكان السكان يضطرون لدفع الأتاوات إليها، خصوصاً بغياب مؤسسة الدولة ورقابتها ومساءلتها.
سابعاً- كركوك مرّة أخرى ووفاة المادة 140
إن المشكلة ستزداد تعقيداً بخصوص كركوك التي وضع الكرد اليد عليها بعد انسحاب القوات الاتحادية، وسواء تم القضاء على داعش أو استمرت لحين، لكنه سيكون عسيراً عودة القديم إلى قدمه، فهذه مسألة صعبة للغاية إن لم تكن مستعصية، وقد تحتاج إلى عملية جراحية، لكن هذه الأخيرة قد لا تكون ناجحة، فضلاً عن ذلك غير مقبولة داخلياً وإقليمياً ودولياً، أي اللجوء إلى الحل العسكري، الأمر الذي سيضع البلاد كلّها في أتون حرب طاحنة أو حالة من التشتت والتفتت التدريجي.
وقد دعا رئيس اقليم كردستان مسعود البارزاني إلى إعلان وفاة المادة 140 التي كانت معطّلة، وأن الكرد عملوا على تطبيقها بطريقهم، وخصوصاً بعد ما حصل للقوات الاتحادية في الموصل ومناطق أخرى متاخمة، كما طالب الأمم المتحدة بالمساعدة في إجراء الاستفتاء، لتقرير مصير كركوك بالانضمام إلى إقليم كردستان، وهو أمر سيثير خلافات حادة وقد يؤدي إلى احترابات ربما لا يمكن وقفها بمضايقات معينّة سياسية واقتصادية.
لقد عرضنا وضع محافظة كركوك ومحاولة تغيير الطابع الديموغرافي لها وتغيير معالمها السسيوثقافية- القومية، وبتقديري إن ما تحتاج إليه كركوك هو حوار مجتمعي سياسي ومدني وديني بين التنوّعات الثقافية الإثنية والدينية واللغوية والسلالية، وصولاً إلى ما هو مشترك لتقرير مصيرها، وهذا الحوار ينبغي أن يشمل الجميع في ظل تقديم المزيد من الخدمات لها ولأهلها وتطبيع الأوضاع فيها وتعويض المتضررين في السابق والحاضر، وعدم الاعتراف بالتغييرات الديموغرافية التي قام بها النظام السابق أو التي حصلت لاحقاً، تمهيداً لإجراء استفتاء سكاني في ظل ظروف سلمية وطبيعية.
ويمكن أن تساعد على ذلك الأمم المتحدة وبما يضمن احترام إرادة السكان الطوعية والسلمية وبما يحفظ حقوق الإنسان ولا يؤدي إلى انتهاكات تحت أي سبب كان وسيكون التفاهم بشأن مستقبل كركوك مسألة ضرورية، إذْ إن استخدام القوة أو اللجوء إلى العنف من أي طرف كان سيؤدي إلى نتائج كارثية على الجميع، ومن حق سكان كركوك الاختيار سواء بالانضمام إلى إقليم كردستان مثلما يطالب الكرد أو البقاء كما هي متعايشة في إطار تكوينات متنوعة على أساس التفاهم والتعاون والتعاضد، أو التحوّل إلى إقليم مستقل يحتفظ بعلاقات متساوية ومتكاملة مع جميع الأطراف. والمهم ألاّ تنزف قطرة دم واحدة وألاّ تزهق روح إنسان واحد والاّ يتم التجاوز على حقوق أية جماعة بشرية، حتى وإن كانت ممثلة بشخص واحد.
وحتى لو تم استعادة الموصل واستعادة صلاح الدين وكذلك الأنبار، وخصوصاً الفلوجة المستعصية منذ بضعة أشهر، وديالى التي لا تزال منطقة ساخنة بامتياز، وحزام بغداد الذي يشكّل منطقة اختراق للعاصمة، فإن استعادة وحدة الدولة العراقية سيبدو أمراً في غاية الصعوبة، بعد تعمّق انعدام الثقة ونهج التربص واستثمار الفرص للايقاع كلٌّ بالآخر، حتى ما بين الحلفاء، فما بالك بالفرقاء أو " الشركاء" رغماً عنهم، وقد عادت نغمة تقسيم العراق إلى ثلاث "دويلات" سنية وشيعية وكردية، حسب وصفة جو بايدن إلى طاولات البحث ووسائل الاعلام.
وقد طرح مسعود البارزاني رئيس الإقليم على برلمان إقليم كردستان، التهيئة للاستفتاء على مبدأ حق تقرير المصير، وذلك باستكمال المستلزمات الضرورية لذلك، مؤكداً على تمسكه بكركوك والمناطق المتنازع عليها، معلناً أن الدولة العراقية بكيانيتها السابقة أصبحت من الماضي، وان حقائق جديدة تولّدت ما بعد 10 حزيران (يونيو) 2014، رادّاً على رئيس الوزراء نوري المالكي الذي اعتبر أن هذه المناطق "عراقية" وأن حق تقرير المصير لا أساس له في الدستور الذي وافق عليه الكرد، وأن المادة 140 لا تزال قائمة، وأنه لا بدّ من إعادة الوضع إلى ما كان عليه بعد هجمة داعش.
إن مستقبل الدولة العراقية وقضايا النفط وكركوك والدولة الكردية لم تعد قضايا داخلية صرفة، بقدر ما هو قضايا إقليمية تخص إيران وتركيا والخليج والولايات المتحدة وليس بعيداً عن ذلك " إسرائيل" المستفيدة الأولى من أي تفتيت لأي بلد عربي، فما بالك حيث تذبل الدولة العراقية وتتشظى، فإنها ستكون في غاية السعادة، لما يملكه العراق من إمكانات  سياسية واقتصادية وعسكرية وحضارية آنية ومستقبلية.
إن الاحتدام الطائفي ازداد سعاراً سواءً باحتلال داعش للموصل وتهديداتها ووعيدها بالانتقام والثأر أو برد الفعل إزاء ما حصل، خصوصاً بانخراط عدد هائل من المتطوعين للدفاع عن الوضع القائم، كجزء من واجب "شرعي" كما جرى تبريره، حين أصدرت مرجعية النجف الفتوى الخاصة " بالجهاد الكفائي"، التي دعت فيها إلى حمل السلاح دفاعاً عن الممتلكات والأرواح ضد الارهابيين والمتطرفين.
ولعلّ تحوّل العراق إلى غابة من السلاح قد يؤدي إلى مواجهات في إطار الشحن الطائفي حتى وإن لم يرغب بها بعض أطراف العملية السياسية، لكن الاندفاعات ليس من السهل لجمها، كما حصل إبان الفتنة الطائفية والاحتراب المذهبي في العام 2006، وذلك بعد تفجير مرقدي الإمامين علي الهادي والحسن العسكري في سامراء، وهناك فصائل إسلامية مسلّحة استعرضت قوتها في العديد من المدن العراقية مثل كتائب حزب الله التي قامت بدور بارز في مقاومة الأمريكان منذ العام 2007 ، وعصائب أهل الحق ولواء بدر وبقايا جيش المهدي وقوات دينية أخرى حظيت بتأييد العديد من رجال الدين.
ولعلّ ذلك يطرح من جديد دور الدولة وحقها في احتكار السلاح، وهو الأمر الذي لن يتم دون أن تمارس كامل صلاحياتها وتبسط نفوذها على الجميع وتقوم بوظيفتيها الأساسيتين وهما حماية أرواح وممتلكات الناس، وحماية النظام والأمن العام.
ثامناً- صراع دولي وتقاطع المصالح
لعلّ عوامل الانقسام والتشظي التي كانت قائمة في المجتمع العراقي اتسعت على نحو شديد منذ الاحتلال، بفعل ضعف الدولة وتدهور العلاقة بين السلطة الاتحادية وسلطة الإقليم وسلطات المحافظات، إضافة إلى تدهور علاقة الأطراف السياسية بعضها بالبعض الآخر، ومثل هذا الأمر يتضاعف عشرات المرّات في بعض المناطق التي تشكل بيئة حاضنة، خصوصاً في غرب العراق وشماله، بالضد من توجّهات الحكومة وقيادتها، ولاسيّما لرئيس الوزراء بسبب الشعور بالتهميش والغبن والحيف، فالصراع أصبح يشمل مساحة جغرافية تتخطى الحدود وهو يمتد من الرقة إلى الموصل وهو صراع دولي بامتياز، وخصوصاً ما يشتبك به من قوى ودول ومصالح.
فلم تعد المشكلة السورية، سورية فحسب، مثلما هي المسألة العراقية، بل إن كل مفصل من مفاصلها أصبح إقليماً دولياً بنفوذ تركيا ودول الخليج من جهة وإيران من جهة أخرى، إضافة إلى الوجود الأمريكي كلاعب أساسي دون نسيان لاعب موجود في المنطقة وهو "إسرائيل" التي تغذي جميع عوامل الانقسام في المنطقة، ولا أدل على ذلك ما ذهب إليه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو من تأييد قيام الدولة الكردية وإبداء آيات التقدير للشعب الكردي، الذي لا أظن أنه حريص عليه وعلى مبدأ حق تقرير المصير الذي كان عليه أن يعترف به للشعب العربي الفلسطيني الذي يغتصب أراضيه ولا يعترف له بحق العودة وتقرير المصير وإقامة الدولة المستقلة، بل يتنكر لجميع قرارات الأمم المتحدة وللمجتمع الدولي الذي يقف مع الشعب الفلسطيني وحقوقه العادلة والمشروعة.
إن النفاق الإسرائيلي بشأن "الدولة الكردية"، وهي حق مشروع للكرد مثله مثل سائر الأمم والشعوب، وليس منّة أو هدية أو هبة من أحد، بل إن ذلك مكفول في إطار مبدأ حق تقرير المصير الذي يتضمنه ميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي والشرعة الدولية لحقوق الإنسان، ولذلك فإن هدف إسرائيل من إعلان تأييدها لحقوق الشعب الكردي، إنما يستهدف بالدرجة الأساسية تفكيك عرى الصداقة التاريخية بين الشعبين العربي والكردي، وإضعاف لحمة التآخي العربي – الكردي  الذي كان شعاراً للحركة الوطنية العراقية منذ الخمسينات، وهو الأمر الذي يحتاج إلى إعادة تأسيسه وفقاً للظروف الجديدة وعلى أسس صحيحة وفي إطار الاحترام والاعتراف المتبادل بحق تقرير المصير والمصالح المشتركة والمنافع المتبادلة.
أما إسرائيل فإنها تستهدف إضعاف علاقة الكرد بعرب العراق اولاً وبالعرب عموماً، وذلك بتشجيع ما هو مختلف ومتعارض وطارئ على حساب المشترك والثابت والستراتيجي، وقد دفعت الحركة الكردية الثمن باهظاً تاريخياً، حين خذلتها القوى الدولية، ولاسيّما واشنطن وطهران، وهو ما عبّر عنه بمرارة الزعيم الكردي الكبير الملاّ مصطفى البارزاني وذلك في رسالته إلى هنري كيسنجر وزير خارجية الولايات المتحدة، بعد اتفاقية 6 آذار (مارس) 1975 بين صدام حسين وشاه إيران، حين كان كيسنجر قد فرّق بين السياسة والأخلاق، الأمر الذي يعتبر أحد دروس الحركة الكردية التي لا ينبغي أن تُنسى.
 لقد كشف إعلان دولة الخلافة الإسلامية والخلافات بين داعش وحلفائها الذين شكلوا غطاءً سياسياً هشاشة علاقة التخادم بينها وبين بعض القوى السياسية والدينية التي سرعان ما انفجرت، فداعش تريد من الجميع تقديم الولاء والطاعة لها ولا تقبل رأياً آخر، بل إنها أمرت بخمسين جلدة لمن لا يبايعها وكان ظهور أبو بكر البغدادي في الجامع النوري الكبير  في الموصل وإلقاء خطبة الجمعة محاولة لإظهار قوة داعش وسطوتها، ولعلّ ذلك ما جعل واشنطن وطهران وموسكو والرياض وأنقرة والقاهرة وغيرها من العواصم تقف أمام خطر داعش ليس على العراق فحسب، بل على عموم دول المنطقة، بل على العالم أجمع.
وإذا كان هناك رغبة ومصلحة دولية وإقليمية  في مكافحة الإرهاب والخوف من امتداداته لدول المنطقة والعالم، خصوصاً بانفجار الوضع العراقي، الأمر الذي قد يعود بالمسألة العراقية مرّة أخرى إلى طاولة التدويل، سواء بالدور الأمريكي  أو الحضور التركي أو النفوذ المعنوي والمالي لبعض دول الخليج، ولاسيّما للمملكة العربية السعودية، إضافة إلى النفوذ الإيراني المتعدّد، حيث أكدت إيران على نحو واضح استعدادها للدفاع عن المراقد المقدسة، إضافة إلى فتح باب التطوّع، حيث انخرط فيه بضعة آلاف للدفاع عن العراق ضد داعش وأخواتها، وهو الأمر الذي يجعل واشنطن تقف حائرة أمام ظاهرة الإرهاب الدولي التي تشكل خطراً لا على العراق وحده، بل على عموم دول المنطقة، وعلى العالم كلّه بما فيه الولايات المتحدة.وكانت الرياض قد أدرجت منذ أسابيع داعش على قائمة الإرهاب الدولي.
لقد اعترفت العديد من الأوساط الغربية أنها أمام تيار تكفيري خطير وهو مدرّب ومجهّز وغني، لذلك فإنها لأول مرّة ترغب في التعاون والتنسيق بينها وبين أعداء أحياناً أو "أعدقاء" فيما يتعلق بستراتيجية مكافحة الإرهاب وخطر داعش بالتحديد، ولعلّ الدول المدعوة لمثل هذا التعاون هي إيران وتركيا والمملكة العربية السعودية وسوريا واليمن والكويت والإمارات ومصر وغيرها من دول المنطقة، بغض النظر عن خلافاتها السياسية، وليس بعيداً عن ذلك دور روسيا التي حذرت من الارهاب التكفيري الذي ضرب العراق بعد سوريا، وهو العدو الأول لموسكو، حيث جرّب الروس وصوله إلى الشيشان وجورجيا وإلى قلب موسكو، ولذلك فإن الظاهرة الدولية الجديدة قد تؤدي إلى تفاهمات على قضايا أخرى عنوانها "محاربة الارهاب"، وهو الأمر المطروح على واشنطن وحلف شمالي الأطلسي والاتحاد الأوروبي ودوله المؤثرة مثل بريطانيا وفرنسا وألمانيا.
وعلى الرغم من أن الخطوات الروسية- الإيرانية، لا تزال تصطدم بمواقف أمريكية – أطلسية، تلك التي تريد تنازلات داخلية عراقية للتنسيق الأمني لمكافحة الإرهاب، وبالتحديد إبعاد نوري المالكي من رئاسة الوزارة وتعزيز الحضور السني في المفاصل الأس

23
ديناميكية حق تقرير المصير
في ظل المتغيرات الدولية

إربيل/خاص

كان هذا عنوان محاضرة الكاتب والأكاديمي د. عبد الحسين شعبان في إربيل (المركز الثقافي) بدعوة من معهد الدراسات الوطنية. وقد قام بتقديمه الاستاذ الدكتور شيرزاد النجار، مشيداً بمواقفه المناصرة للشعب الكردي وبنضاله الوطني وفي صفوف البيشمركة وبمساهماته الفكرية والبحثية ومؤلفاته التي زادت على 50 كتاباً.
وقد تناول د. شعبان مفهوم تقرير المصير في الأدب السياسي الاشتراكي والليبرالي، وكيف ارتفع رصيده بعد ثورة اكتوبر وبعد إعلان مبادئ الرئيس ويلسون وصولاً إلى الأمم المتحدة التي نصّ عليه ميثاقها في المادة الثانية والمادة الخامسة والخمسين. وتحدث عن تجليات حق تقرير المصير بعد انهيار الكتلة الاشتراكية وانبعاث الهوّيات، وليس في العالم الثالث فحسب، بل في أوروبا ومطالبات قوميات وأمم وشعوب بكيانات مستقلة (يوغسلافيا انقسمت إلى 6 أقسام) والاتحاد السوفييتي (انقسم إلى 15 دولة) وانفصلت تشيكوسلوفاكيا مخملياً إلى جمهوريتين (التشيك والسلوفاك).
وتناول بعض التجارب على هذا الصعيد: استقلال تيمور الشرقية (وذلك بعد صدور قرار من مجلس الأمن) واستقلال كوسوفو من طرف واحد واعتراف أكثر من 100 دولة بها رغم معار   ضة روسيا وصربيا (وكان ذلك بـ: فتوى استشارية من محكمة العدل الدولية) وانفصال جنوب السودان (الذي تم بـ استفتاء شعبي) وقبولها عضواً في الأمم المتحدة، واليوم تترشح بلجيكا للانقسام بين الوالنين والفلامانيين، فقد انتقلت الدولة من المركزية إلى الفيدرالية وهذه الصيغة هي الأخرى لم تلبِ مطامح كلا الطرفين وانبعاث موضوع الهوّيات في كندا (إقليم الكيبك) وإسبانيا (كاتلونيا)  واسكتلندا (بريطانيا) على الرغم من ان الاستفتاء في اسكتلندا كان لصالح الوحدة، كما أن المحكمة الدستورية الإسبانية أعربت عن رفضها إجراء استفتاء في كاتولونيا بشأن انفصالها الذي يتعارض ذلك مع الدستور،  والمسألة لا تتعلق بتأمين المواطنة والمساواة فحسب، بل لها علاقة بالهوّية والمصالح الاقتصادية، حيث تبرز هذه المسألة في نحو 20 بلدٍ تطالب فيها هوّيات فرعية لقيام كيانية خاصة بها.
وبخصوص الشعب الكردي فأشار إلى ضرورة تأكيد حق تقرير المصير وهذا يتضمن اتحاداً اختيارياً أو استقلالاً بمعنى تكوين كيان خاص (دولة). والاتحاد يبدأ من اللامركزية وقد يصل إلى الكونفدرالية مروراً بالحكم الذاتي والفيدرالية .
أما حق الاستقلال وتكوين دولة فهو مثل "حق الطلاق"، فليس مجرد النص عليه يصبح قابلاً للتطبيق، إلاّ إذا أصبح العيش المشترك مستحيلاً، عند ذاك لا بدّ من التفكير في قيام كيانية جديدة، مع مراعاة مصالح الأطراف جميعها، والأمل يبقى منعقداً على علاقات سليمة وودية، لما هنالك من مشتركات إنسانية، دينية واجتماعية واقتصادية وثقافية، ناهيكم عن علاقات تاريخية مديدة.
وتناول شعبان ما تعرض له الشعب الكردي في تاريخه من اضطهاد على يد الحكومات المختلفة والمحاولات الشوفينية التي حاولت التنكر لحقوقه العادلة والمشروعة وفي مقدمتها حق تقرير المصير، على الرغم من بعض نصوص دستورية سجّلت لصالحه مثل نص الدستور العراقي الصادر في 27 تموز (يوليو) 1958 الذي أكد على شراكة العرب والأكراد وبيان 11 آذار (مارس) لعام 1970 الذي أقرّ بحقوقه  بما فيها الحكم الذاتي وتم إقرار ذلك في الدستور الصادر في 16 تموز (يوليو) 1970 الذي أكّد على ان العراق يتألف من قوميتين هما العربية والكردية، كما ان صدور قانون الحكم الذاتي العام 1974 على الرغم من نواقصه وعيوبه وثغراته الاّ إنه يعتبر خطوة مهمة على صعيد الأطر القانونية لحقوق الشعب الكردي، ومع ذلك ذاق الشعب الكردي الأمرين من قمع وإجلاء لاسيّما في حملة الأنفال السيئة الصيت وعند قصف حلبجة بالسلاح الكيماوي.
وكانت القضية الكردية أن عادت إلى الواجهة بعد غزو القوات العراقية للكويت العام 1990 وخصوصاً بعد صدور القرار 688 من مجلس الأمن الدولي في 5 نيسان (ابريل) العام 1991، وكان ذلك عودة القضية الكردية إلى الاروقة الدولية، ومقدمة لإقرار حقوق الشعب الكردي في الدستور العراقي الدائم المستفتى عليه في 15 تشرين الأول (اكتوبر) 2005. وعلى الرغم من الألغام والاشكاليات التي احتواها الدستور، فإنه يعتبر متقدماً من باب الحقوق والحريات وفيما يتعلق بإقرار مبدأ الفيدرالية، وهو إقرار لواقع قائم حيث تشكّلت السلطة الكردية في العام 1991 وأعلنت الاتحاد الفيدرالي من طرف واحد في 4 تشرين الأول (اكتوبر) العام 1992 بعد أول انتخابات كردية لمجلس وطني.
إن ديناميكية حق تقرير المصير التي تناولها الدكتور شعبان تبقى مفتوحة قانونياً وسياسياً ولا بدّ من اختيار اللحظة المناسبة، لأن أي تسرّع فيها قد تؤدي إلى تفتيت وضياع النضال المرير الذي خاضه الشعب الكردي، كما إن أي تأخر، قد يؤدي إلى ضياع الفرصة التاريخية، والأمر يتعلق بالجيوبولتيك، لاسيّما وجود مشكلة كردية في كل من تركيا وإيران وسوريا، وإن هذه الدول الإقليمية لا ترغب بقيام أية كيانية مستقلة للشعب الكردي.ونوّه شعبان إلى أهمية إقرار اتفاقات نهائية بشأن مصير المادة 140، وقضايا صلاحيات سلطات الإقليم ومستقبل كركوك ومسألة النفط وتصديره وعقود استثماره وغير ذلك من القضايا التي تحتاج إلى حوارات هادئة ونقاشات مسؤولة، ولعلّ ذلك يتطلّب القضاء على الارهاب وتنظيم الدولية الإسلامية (داعش) والتوجه صوب التنمية الحقيقية الشاملة.
وقد ناقش الحضور النوعي د. شعبان على أطروحاته وتم استمزاج آراء ومقترحات عملية بخصوص بلورة حق تقرير المصير في الوضع الملموس، لاسيّما لاقتراح د.شعبان حول الحوار بين مثقفي الأمم الأربعة: العرب والترك والفرس والكرد.
ومن أهم الشخصيات التي حضرت: معالي الاستاذ محسن دزئي ومعالي القاضي آزاد ملا أفندي ومعالي الدكتور صاحب قهرمان ومعالي الاستاذ عبد الرحمن صدّيق ومعالي د. جنار سعد عبدالله ونقيب الصحفيين الحالي حاكم آزاد حمه أمين  ونقيب الصحفيين السابق فرهاد عوني ومحي الدين حسن يوسف من قيادة الحزب الشيوعي الكردستاني  ومسعود عبدالله من كتلة التغيير كوران وعثمان ويس مستشار في البرلمان الكردستاني وكاروان عقراوي مدير تلفزيون كردستان وسرو قادر مدير معهد أبحاث الديمقراطية والقيادي والمفكر الكردي السوري صلاح بدر الدين ولفيف من أساتذة الجامعة بينهم محمد شريف أحمد ونجدت عقراوي (مدير التعليم العالي) ود.هاموت عبدالله ود.عبد الحكيم  خسرو ود. جوتيار عادل مدير معهد الدراسات السياسية والستراتيجية ود. لطيف واحد ود. طالب أحمد والقاضي عبد الباسط هادي والاعلامي محمد زنكنة من صحيفة خابات والحاكم رزكار أمين (عضو محكمة التمييز وهو أول قاضي تولى محاكمة الرئيس الأسبق صدام حسين) وعدد من الناشطات والنشطاء من المجتمع المدني.

24
عن الطائفية وتوابعها!!
عبد الحسين شعبان
على الرغم من التمترس والاحتقان والشحن الطائفي الذي يشهده العراق، ولكن لا أحد يجاهر أو يعترف بأنه «طائفي»، فالجميع يبرئون أنفسهم من تهمة الطائفية، أو يحاولون إلصاقها بالآخرين، أو إنسابها إلى سلوك وتصرّف فردي أحياناً، أو إيجاد ذرائع ومبررات تاريخية «بادعاء المظلومية» أو «الحق في التسيّد» باسم الأغلبية، أو ادعاء امتلاك ناصية الدين والحفاظ على نقائه إزاء محاولات الغير للنيل منه أو من تعاليمه، الأمر الذي يخوّلهم ادعاء تمثيل الطائفة أو النطق باسمها، مع تأكيدات بملء الفم بنبذ الطائفية أو رميها على الطرف الآخر أو استنكارها، لكن دعاوى تحريم الطائفية وإنْ اقترن بعضها برغبات صادقة، إلاّ أنها تعود وتصطدم بوقائع مريرة وقيود ثقيلة، تكاد تشدّ حتى أصحاب الدعوات المخلصة إلى الخلف، إن لم تتهمهم، أحياناً، بالمروق والخروج على التكوينات والاصطفافات المتوارثة.
ولعلّ بعض العلمانيين والحداثيين، انساقوا وراء مبررات أو تسويغات تقضي بانخراطهم في اطار الحشد الضخم للكتل البشرية الهائلة ما قبل الدولة أحياناً، وتحت عناوين الهوّية الطائفية، والتي تذكّر بعصر المداخن في أوروبا، التي تحرّكها زعامات مستفيدة من بعض الامتيازات أحياناً، بإثارة نزعاتها البدائية إزاء الغير أو الرغبة في الهيمنة، وذلك تحت شعار الواقعية السياسية والاجتماعية، وأحياناً بدعوى التميّز والهوّية، التي غالباً ما تكون على حساب الهوّية الوطنية الجامعة، التي بإمكانها احترام الخصوصيات والهوّيات الفرعية.
ومثل هذا الأمر تفشّى في العراق وبشكل خاص ما بعد الاحتلال حيث كرّس مجلس الحكم الانتقالي الذي شكّله الحاكم المدني الامريكي بول بريمر صيغة المحاصصة الطائفية والإثنية، واستمر الحال من التجاذب منذ العام 2003 ولحد الآن، حتى وصلت البلاد إلى مشارف التشظي الطائفي والمذهبي والإثني والتمترس الديني، ولاسيّما بعد استيلاء تنظيم الدولة «داعش» على الموصل وتمدّدها باتجاه صلاح الدين والأنبار وأجزاء من كركوك وديالى، وصولاً إلى أطراف بغداد، وشملت هذه الموجة الجديدة استهدافاً مقصوداً ومكثّفاً لمجموعات دينية وفئات سكانية ومناطق جغرافية مثلما حصل للمسيحيين وكذلك للإيزيديين والشبك.
وكانت الفتنة الطائفية قد اندلعت على نحو منفلت من عقاله في العام 2006 بعد تفجير مرقدي الإمامين الحسن العسكري وعلي الهادي حتى ضربت أطنابها باستهداف مناطق بكاملها، إضافة إلى فئات أخرى مثل الصابئة المندائيين والتركمان، التي اتخذت بُعداً تطهيرياً وإقصائياً وإجلائياً خطيراً، حيث اتخذ الصراع الشيعي- السني، لاسيّما في ظلّ هيمنة حكومة حزب الدعوة، بعده المعلن والمستتر وشاعت مظاهر التمذهب في أطر الدولة ومؤسساتها، الأمر الذي خلق شعوراً مريراً بالتمييز.
وبودي أن أشير إلى أن الطائفية تختلف اختلافاً جذرياً عن الطائفة، ذلك أن الأخيرة هي تكوين تاريخي وامتداد اجتماعي وإرث طقوسي تواصل عبر اجتهادات فقهية ومواقف نظرية وعملية، اختلط فيها ما هو صحيح ومنفتح، بما هو خاطئ وانعزالي أحياناً، لكنها تكوين أصيل وموجود وتطور طبيعي، وليس أمراً ملفقاً أو مصنوعاً، في حين أن الطائفية، هي توجّه سياسي يسعى للحصول على امتيازات أو مكافآت باسم الطائفة أو ادعاء تمثيلها أو إثبات تمايزات عن الطوائف الأخرى، حتى وإنْ كان بعضها فقهياً أو شكلياً، وأحياناً مفتعلاً وإغراضياً بهدف الحصول على المكاسب.
وإنْ أدّى مثل هذا السلوك إلى التباعد والافتراق والاحتراب، ناهيكم عن زرع الأوهام حول «الآخر»، بصورة العدو أو الخصم، وبالتالي خلق حالة من الكراهية والعداء، في رغبة للإقصاء والإلغاء، بعد التهميش والعزل، مروراً بالتحريم والتأثيم، وإنْ تطلب الأمر التجريم أيضاً، فتراه لا يتورّع من التوّغل حيث تتحقق المصالح الذاتية الأنانية الضيقة، وإن تعارضت مع مصلحة الوطن والأمة.
والغريب في القضية أن بعض هؤلاء المنخرطين في البغضاء الطائفية أو إشعال نار الحقد والكراهية لا علاقة لهم بالدين، فهم غير متدينين فكيف يتعصّبون للطائفة، إنْ كانوا غير متدينين أو حتى غير مؤمنين أصلاً، وهو ما أطلق عليهم عالم الاجتماع العراقي الكبير علي الوردي إنهم «طائفيون بلا دين»، وبذلك تكون الطائفية عامل تفتيت وانقسام للمجتمع وواحداً من أمراضه الاجتماعية الخطيرة، إذا ما استشرت.
لقد عانى العراق من هذه الظاهرة الطائفية الانقسامية، بسبب ضعف الثقافة الإسلامية من جهة وشيوع الكثير من الأوهام والترّهات إزاء الطوائف الأخرى، لاسيّما بالتعصّب والتطرّف والغلو، ويعود ذلك أيضاً إلى الموروث التاريخي، والقراءة المغلوطة للتراث الإسلامي بفرقه وفقهه وجماعاته المجتهدة، بل أن هناك حقول ألغام تاريخية يمكن أن تنفجر في أية لحظة إذا ما تم الاقتراب منها، فبعض مفاصل التاريخ بما فيها تاريخ الخلفاء الراشدين الأربعة وما بعدهم، يظلّ مسألة احتكاك مستمرة يريد البعض تغذية نيرانها باستمرار.
وينسى هؤلاء أن الخليفة الثاني عمر بن الخطاب (الفاروق) كان يردد: لولا علي لهلك عمر، لاسيما استشاراته في الكثير من القضايا القضائية وما يتعلق بالحُكم والسياسة ودلالاتهما وأبعادهما في ظرف ملموس. ولعلّ تأييد الإمام علي للخليفة عمر لم يكن بمعزل عن شعوره بالقربى الفكرية، لاسيّما في الموقف من العدالة وتجلّياتها على صعيد الدولة الإسلامية الناشئة والمجتمع الجديد، ووفقاً لكتاب الله «القرآن الكريم» وسنّة رسوله.
كما أن ضعف الثقافة المدنية الحقوقية، ولاسيّما ثقافة الاختلاف وحق الرأي والرأي الآخر، وعدم قبول التعددية والتنوّع، أسهم في تكريس الطائفية السياسية.
لقد نشأت المذاهب الفقهية الإسلامية متقاربة، وانتقلت بعض الأحكام من هذا المذهب إلى ذاك، تبعاً للظروف من جهة، ومن جهة أخرى للتأثيرات التي قد تقع عليها، فقد كان الفقيه والعالم الكبير أبو حنيفة النعمان تلميذاً نجيباً للفقيه الضليع الإمام جعفر الصادق، وهما قطبان لمذهبين أساسيين في العالم الإسلامي، المذهب الحنفي (السنّي) والمذهب الجعفري (الشيعي الاثنى عشري) حيث يشكل الأول أغلبية ساحقة، في حين يشكل الثاني أقلية متميزة، لاسيّما في بعض البلدان التي يكون فيها أكثرية، أما المذهب الشافعي والمالكي فلهما حضور في شمال أفريقيا وبلدان أخرى، في حين أن المذهب الحنبلي هو خامس هذه المذاهب الأساسية.
وإذا كان الاصطفاف عقلياً واجتهادياً، فإن العلاقة التي ينبغي أن تسود بين المذاهب والطوائف ينبغي أن تكون هي الأخرى عقلية وسلمية وعلى أساس المشترك الإنساني والوطني والعروبي والإسلامي، وليس وفقاً لمصالح سياسية أنانية ضيقة، تريد دفع الأمور باتجاه الافتراق الذي لا عودة فيه ولا إمكانية لإعادة لحمته، ولعلّ بعض أمراء الطوائف سيكونون هم المستفيدين من هذا الانقسام والتناحر، طالما يؤمّن لهم زعاماتهم وامتيازاتهم، وحتى تفاهماتهم مع أمراء الطوائف في الأطراف الأخرى.
بين الطائفية والمواطنة فرق كبير وشاسع، والمواطنة ليست طائفية حتى وإن انتمى المواطن إلى طائفة، إلاّ أن الأساس الذي يربطه بالمواطن الآخر هو الوطن والمواطنة والحقوق المتساوية، المتكافئة، والمشترك الانساني في إطار سيادة القانون، وإذا ما أقرّ الجميع ذلك وفق دستور ينظم علاقة المواطن بالدولة، فالأمر يقتضي أن تكون هي المرجعية وليس غيرها، وهو ما يتطلب التصدّي لمرتكبي الطائفية، طبقاً لقانون يحظرها ويعاقب من يدعو أو يروّج أو يتستر عليها، أو يتهاون في مكافحتها أو يخفي معلومات عنها وذلك بهدف تعزيز المواطنة وتعميق أواصر اللحمة الوطنية والوحدة الكيانية للمجتمع والدولة.
وإذا ما اقترنت الطائفية والتمذهب بأفعال وأنشطة من شأنها أن تؤدي إلى انقسام في المجتمع ونشر الفوضى والاضطراب، واستخدام العنف والقوة والتمرد، وقد تقود إلى حرب أهلية، فإن ذلك يرتقي إلى مصاف جرائم أمن الدولة الكبرى، بما فيها جرائم الإرهاب، وقد تصل إلى جرائم الخيانة العظمى إذا ما ترافقت مع تحريضات لجهات خارجية وفقاً لأجندات أجنبية، خصوصاً في ظل استفزاز المشاعر الخاصة، ودفعها باتجاه عدواني ضد الآخر، الأمر الذي قد يصل إلى ما لا يُحمد عقباه!!
ولتعزيز قيم المساواة والمواطنة وتطويق الطائفية سياسياً واجتماعياً بعد تحريمها قانونياً، ينبغي حظر العمل والنشاط السياسي، وتحت أية واجهات حزبية أو اجتماعية أو مهنية أو نقابية أو ما شابه ذلك، إذا كانت تسعى لنشر الطائفية أو المذهبية (التمييز الطائفي أو المذهبي)، بصورة علنية أو مستترة، خصوصاً بحصر الانتساب إلى ذلك المجتمع أو المنظمة أو الجمعية أو تلك، بفئة معينة، بادعاء تمثيلها أو النطق باسمها أو التعبير عنها.
كما لا بدّ من منع استغلال المناسبات الدينية للترويج للطائفية أو المذهبية، بغية إثارة النعرات والعنعنات بين الطوائف وإضعاف مبادئ الوحدة الوطنية والهوّية الجامعة المانعة، التي أساسها الوطن والإنسان، ويقتضي ذلك أيضاً منع استخدام الطقوس والشعائر والرموز الدينية بما يسيء إلى الطوائف الأخرى، خصوصاً من خلال الإعلام المكتوب والمسموع والمرئي والالكتروني، الأمر الذي يتطلب على نحو مُلح إبعاد الجيش والمؤسسات الأمنية ومرافق الدولة العامة عن أية انحيازات أو تخندقات طائفية بشكل خاص وسياسية بشكل عام.
وإذا أردنا وضع اليد على الجرح فلا بدّ من حظر استخدام الفتاوى الدينية لأغراض سياسية، لاسيّما انخراط رجال الدين فيها، خصوصاً إذا كانت تتعلق بالشأن العام السياسي، وهذا الأمر ينطبق أيضاً على الجامعات والمراكز المهنية والاجتماعية والدينية والأندية الرياضية والأدبية والثقافية، التي ينبغي أن تكون بعيدة عن أية اصطفافات طائفية أو مذهبية.
إن بناء دولة عصرية واحترام حقوق المواطنة كاملة، يقتضي وضع حد للطائفية السياسية تمهيداً لتحريمها ومعاقبة القائمين عليها أو الداعين لها أو المتسترين عليها، وهي الطريق الأمثل للوحدة الوطنية والهوية الجامعة- المانعة.
  مفكر وباحث عربي





25
جيوبوليتك العلاقات العربية – الكردية
عبد الحسين شعبان

لا تخرج العلاقات العربية – الكردية من دائرة الجيوبوليتك بحكم المشتركات الكثيرة الجغرافية والسياسية والتاريخية والدينية والاجتماعية والاقتصادية وغير ذلك، فالعرب والكرد عاشوا باشتراك في الأرض والدين والتاريخ والعلاقات المختلفة، وإن كانت بينهما خصوصيات واختلافات تتعلّق بالهوّية، لاسيّما اللغة والثقافة والتراث، ناهيكم عن العادات والتقاليد.
وكان لنهاية الحرب الباردة وبداية مرحلة جديدة من الصراع الآيديولوجي وانهيار  الأنظمة الشمولية، وبخاصة في أوروبا الشرقية أثره الكبير في احتدام الصراع بين  هوّيات  "كبرى وصغرى"، و هوّيات  "تابعة ومتبوعة" و هوّيات  "عليا ودنيا"، و هوّيات  "قوية وضعيفة"، رغم ميلي إلى تسميتها " هوّيات  فرعية و هوّيات كلية" بمعنى  هوّيات عامة أو شاملة وهوّيات خاصة أو خصوصية، الأمر الذي عرّض بعض الكيانات الكبرى (الدول المتعدّدة الثقافات) إلى التصدّع والتآكل، خصوصاً بتبلور بعض خصوصيات الهوّيات  الفرعية، التي وجدت الفرصة مناسبة للتعبير عن كيانياتها بعد طول انتظار وكبت وشعور بالغبن والحرمان.
وكان مثل هذا قد انعكس إقليمياً ودولياً على كُرد العراق بشكل خاص، والكرد بشكل عام منذ الحرب العراقية – الإيرانية 1980-1988، وبشكل خاص في العام 1990، إثر غزو القوات العراقية للكويت، وما بعد تحريرها في العام 1991، وابتداء مسلسل العقوبات والحصار على العراق وتعرّض كيانيته إلى التفتت والتشظي على نحو تدريجي.
إذا استثنينا الصراع العربي – "الإسرائيلي" منذ قيام "إسرائيل" ودعمها من جانب الغرب وتزويدها بكل مستلزمات الاستقواء على الأمة العربية، والاستمرار في ممارسة دورها العدواني المتأصل، فإن المسألة الكردية تكاد تكون إحدى أهم وأبرز وأخطر القضايا العقدية التي واجهت منطقة الشرق الأوسط، بل واستنزفت دولها، موارداً وبشراً وتنمية، وهي لا تزال بعيدة عن إيجاد حلول مرضية ومقبولة من جانب الفرقاء جميعاً.
لعلّ الأمر لا يخص البلدين العربيين اللذين يعانيان من عدم إيجاد حلول تاريخية للقضية الكردية، ونعني بهما العراق بالدرجة الأساسية، وسوريا التي بدأت تأخذ القضية الكردية فيها بُعداً جديداً، ولاسيّما بعد اندلاع حركة الاحتجاج السورية في 15 آذار (مارس) 2011، بل هي تعني دولتين كبيرتين، أقرب إلى قطبين متصارعين تاريخياً، وهما تركيا وإيران، لاسيّما وأن عدد أكراد تركيا يتجاوز 18 مليون إنسان، وهناك أكثر من 13 محافظة غالبيتها من الكرد، خصوصاً ديار بكر التي يتجاوز سكانها على مليون نسمة، بل إن مدينة اسطنبول يمكن اعتبارها أكبر مدينة كردية، لأن عدد الكرد فيها يربو على أربعة ملايين، كما أن عدد الكرد الإيرانيين يتراوح بين 10- 12 مليون نسمة، وهناك مناطق سكانية كاملة فيها أغلبية كردية .
وإذا كانت بغداد أكبر مدينة كردية عراقية كما يطلق عليها أحياناً مجازاً، لأن سكانها من الكرد يقاربون مليون كردي، علماً بأن العراق الأكثر دينامية في احتضان الحركة الكردية، بتفاعل الاتجاه اليساري مع الاتجاه القومي الكردي واضطرار الحكومات العراقية، إلى الاستجابة لبعض مطالب الكرد القانونية والسياسية والثقافية، الاّ أنه في الوقت نفسه كان الأكثر قسوة في التعامل مع الشعب الكردي وحركته السياسية، وحفل التاريخ بتناقضات وصراعات واتفاقات واختلافات، تركت تأثيراتها السلبية والإيجابية على العلاقات العربية- الكردية.
خمسة مستجدات أساسية طرأت على نمط التفكير الخاص بالعلاقات العربية -الكردية، ولاسيّما في إطار الجيوبوليتك، حيث يمكن رصدها:
المستجد الأول- هو قيام كيان كردي في كردستان العراق مدعوم دولياً، وذلك منذ أواخر العام 1991 إثر انسحاب الإدارة الحكومية العراقية من المنطقة، وأعقب ذلك صدور قرار أمريكي – بريطاني – فرنسي، بإقامة ملاذ آمن Safe Haven، وجاء ذلك متساوقاً مع القرار الدولي الصادر عن مجلس الأمن برقم 688 والخاص بكفالة احترام حقوق الإنسان والحقوق السياسية لجميع المواطنين، واعتبار القمع الذي تعرّضت له المنطقة الكردية وبقية مناطق العراق بمثابة تهديد خطير للسلم والأمن الدوليين، وهي إشارة دولية جديدة وسابقة لم يكن لها وجود قبل ذلك.
وبعد صدور هذا القرار عادت القضية الكردية إلى الأروقة الدولية، ولاسيّما في الأمم المتحدة، بعد أن غابت منذ العشرينات، حين أبرمت معاهدة لوزان العام 1923 بمساومة بين الحلفاء وتركيا، التي أبطلت فعلياً معاهدة سيفر لعام 1920 التي اعترفت بجزء من حقوق الشعب الكردي.
لعلّ التطور الخطير للقضية الكردية في التسعينيات دفع دول المنطقة  الثلاث الأخرى المعنية بالقضية الكردية إلى عقد اجتماعات دورية متلازمة مع اجتماعات مجلس الأمن بخصوص العراق(باستثناء صاحب العلاقة المباشرة المفروض عليه عقوبات دولية بموجب قرارات من مجلس الأمن الدولي، بلغت عشية الاحتلال العام 2003 ما يزيد عن 60 قرار)، وهي دول كان بينها ما صنع الحدّاد ونعني بها: تركيا وإيران وسوريا، لكن ما يوحّدها هو الحيلولة دون تمكّن الشعب الكردي، بما فيها في العراق، من إقامة كيانية خاصة به، بزعم الدفاع عن وحدة وسيادة العراق.
المستجد الثاني- صدور حزمة من قرارات دولية بخصوص إعلان حق تقرير المصير والانفصال عن دولة الأصل، وقيام كيانية خاصة جرى الاعتراف بها دولياً وهي :
1-   استقلال تيمور الشرقية،  فبعد سقوط حكم سوهارتو في أندونيسيا العام 1998 عاود أهل تيمور الشرقية "الأرخبيل المتميّز" في الجزر الأندونيسية وغير البعيد عن استراليا، حيث يبعد  حوالي (400 ميل) إلى المطالبة بالاستقلال، بعد أن خضعت للاستعمار البرتغالي منذ القرن السادس عشر، حيث كانت تعرف بتيمور البرتغالية. وعندما أعلن استقلال تيمور الشرقية في العام 1975 جرى ضمّها عسكرياً من قبل أندونيسيا، واعتبرت المحافظة الـ27 من المحافظات الأندونيسية. وفي العام 1999 نُظّم استفتاء برعاية الأمم المتحدة حول حق تقرير المصير، حيث أعلنت انفصالها عن اندونيسيا وانتمت إلى الأمم المتحدة في 20 أيار (مايو) العام 2002، وتهيمن الكنيسة الكاثوليكية الرومانية عليها مثلما هي في  الفيليبين. وكلمة تيمور تعني باللغة الأندونيسية والملاوية " الشرق" وتكنّى أحياناً بـ " الشمس المُحرقة" واسمها الرسمي الآن "جمهورية تيمور الشرقية الديمقراطية".
2-    انفصال كوسوفو عن صربيا،  حيث قررت محكمة العدل الدولية في لاهاي التابعة للأمم المتحدة في 24 تموز (يوليو) 2010 القاضي، بأن انفصال كوسوفو لا يتعارض مع قواعد القانون الدولي، الأمر الذي أعطى انفصال كوسوفو عن صربيا العام 2008 " شرعية قانونية دولية"، خصوصاً عندما ارتفع عدد الدول التي اعترفت بكوسوفو إلى 69 دولة بعد فترة قصيرة من قيامها، وزاد هذا العدد اليوم، على الرغم من معارضة صربيا وروسيا لأسباب قومية ودينية وسياسية.
3-   انفصال جنوب السودان، حيث حدّد الاستفتاء  السوداني "مصير الجنوب" الذي تم في 9/كانون الثاني (يناير) 2011، أي عشية وخلال موجة الربيع العربي، حين صوّت الجنوبيون بنسبة تزيد عن 98% باختيار الاستقلال  "الانفصال"، وقاد ذلك إلى قيام جمهورية جنوب السودان لاحقاً والاعتراف الدولي بها وقبولها عضواً في الأمم المتحدة.
ولا شكّ أن هذا التطور في الفقه القانوني الدولي، ولاسيّما في جوانبه التطبيقية، شجّع القوميين الأكراد الذين يطمحون لحق تقرير المصير وإقامة كيانية خاصة بهم ومستقلة، إلى التفكير الجدي بمسألة إعلان شكل من أشكال الاستقلالية، سواء عبر الدعوة إلى الاستفتاء أو التلويح بخيارات أخرى في حال عدم الاستجابة إلى مطالبهم في فيدرالية موسعة وبصلاحيات كبيرة، مثلما أشاع في الوقت نفسه جوّاً من القلق والتوجّس عند بعض الجهات ذات التفكير الآحادي سواء بدوافع قومية وإسلاموية استعلائية أو بغيرها، حيث أخذت تتخوّف من احتمال انفصال دول عربية أو إسلامية موحدة، يشكّل فيها الكرد مجموعة عرقية متميّزة، كانت مهضومة الحقوق تاريخياً ووجدت الفرصة للانعتاق، خصوصاً وأن العقلية السائدة للحكام هي أقرب إلى العقلية الشمولية للدولة المركزية، معتقدين أن كل فيدرالية ستقود إلى الانفصال.
إن هذه السوابق القانونية والقضائية الثلاث يمكن الاستناد إليها دولياً لإعلان الاستقلال من طرف واحد، إذا كانت الظروف الموضوعية والذاتية تستجيب لذلك، حيث تصبح الوحدة دون رضا جزء من السكان، شعب، مكوّن ثقافي (قومي أو ديني) مفروضة، وتحتاج إلى فكّ ارتباط رضائي ، سلمي، وإلاّ فإن الاحتراب سيستمر ويستنزف المزيد من البشر والمال.
المستجد الثالث- الفيدرالية الكردية  التي تم تأسيسها وفقاً لاتفاق بين الفرقاء، وصيغت في الدستور العراقي " قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية" المؤقت العام 2004 وانتقلت إلى الدستور العراقي الدائم العام 2005، وبغض النظر عن الملاحظات حول الدستور والألغام التي احتواها وصيغة المحاصصة الطائفية- الإثنية، فإن النصوص التي جاء بها بخصوص الفيدرالية تعكس حالة عدم الثقة، ولاسيّما من جانب الكرد نظراً للتاريخ الدموي الذي عاشوه على يد الحكومات المتعاقبة ، بعد أن وصلت نصوص دستورية واتفاقيات سياسية بين الكرد والحكومة العراقية إلى طريق مسدود، من دستور العام 1958 الذي أقرّ “شراكة العرب والأكراد” إلى دستور العام 1970 الذي اعترف بأن الشعب العراقي مؤلف من قوميتين رئيستين هما العرب والأكراد والذي أعقب اتفاقية 11 آذار (مارس) 1970حول الحكم الذاتي الذي سنّ على أساسها قانوناً بالاسم ذاته ، لكن الحرب وعمليات الإبادة تركت ذكريات مأسوية ومؤلمة، بما فيها قصف حلبجة بالسلاح الكيماوي وعملية الأنفال التي راح ضحيتها عشرات الآلاف من المواطنين الكرد (في الثمانينيات)، ولم يكن ذلك بمعزل عن تداخلات خارجية وصولاً لوقوع العراق تحت الاحتلال في العام 2003.
وإذا كان الدستور العراقي النافذ 2005 قد أقرّ مبدأ الاتحاد الفيدرالي، وكان برلمان كردستان قبله قد اتّخذ مثل هذا القرار من طرف واحد العام 1992، فإن استمرار حال الاحتدام وعدم الثقة وبقاء الكثير من المشاكل عالقة (المادة 140 وموضوع المناطق المتنازع عليها وقضايا النفط وملحقاته وإقرار الميزانية وغيرها)، في ظل ضعف هيبة الدولة وعدم استكمال قيام المؤسسات الاتحادية (الفيدرالية)، سيعاظم من نزعات التباعد بدلاً من التقارب.
أما في سوريا فلم تتبلور المطالب والشعارات الكردية على نحو محدد ومجمع عليه، والأمر يعود إلى ضعف الحركة الكردية السورية من جهة، مقارنة بالحركة الكردية في العراق التي اتخذت شعار "الحكم الذاتي" لكردستان منذ العام 1961 وربطت ذلك "بالديمقراطية للعراق"، وإلى ضعف حلفائها من جهة ثانية، ولاسيّما من طرف اليسار، ولكنها بعد اندلاع حركة الاحتجاج المطالبة بالتغيير بدأت تتبلور، على الرغم من أن النظر لمطالبها من جانب القوى الأخرى، لا يختلف كثيراً عن شعارات الأمس وليس شعار المستقبل، التي تتطلب إعادة النظر بصيغة الدولة من خلال مواطنة كاملة وهوّية سورية موحّدة، وحقوق خاصة للشعب الكردي بشكل حكم ذاتي أو فيدرالية أو أية صيغة تتفق عليها الأطراف السورية.
المستجد الرابع- احتلال الموصل ووصول تنظيم الدولة الإسلامية " داعش" إلى مشارف بغداد بخط يمتد على ضفة نهر الفرات من الرقة إلى دير الزور وصولاً إلى صلاح الدين والأنبار وفي الموصل مع دجلة، باستحواذها على ضفتي النهر، أي إن الخطر أصبح على الأبواب والجميع مستهدفون وهو ما أدركت القوى الدولية والإقليمية قبل القوى المحلية، حيث سارعت الأولى إلى إصدار قرارات بتحريم داعش والتنظيمات الإرهابية الأخرى، وذلك بصدور قرار من مجلس الأمن الدولي حمل رقم 2170 في 15 آب (أغسطس) 2014.
وبموجب هذا القرار اتخذت واشنطن خطة لقيادة تحالف دولي ضم 50 دولة وحدّد له الرئيس أوباما 3 سنوات وخصص له 30 مليار دولار، حيث طلب 5 مليارات في الوقت الحاضر من الكونغرس للموافقة عليها، ولكن الحرب قد تطول لدرجة أن وزير الدفاع   الأمريكي السابق ليون بانيتا قال أنها قد تمتد إلى ثلاثين سنة، وكأننا عدنا إلى الصراع الآيديولوجي وفترة الحرب الباردة والصراع بين الشرق والغرب، وكأن داعش هي الاتحاد السوفييتي السابق "محور الشرّ".
المستجد الخامس- قضية كوباني والستراتيجيات الجديدة،  حيث تستمر المعارك فيها منذ نحو ثلاثة أشهر، بعد أن استولت عليها قوات داعش،  ولعلّ كوباني اليوم بدأت تحدّد ملامح جيوبولتيك جديد بالنسبة للكرد بشكل عام ولسوريا بشكل خاص، فبعد أن حاول الكرد عدم إقحام أنفسهم في المعارك بين النظام والمعارضة، وكانوا يقدّمون خطوة ويؤخّرون خطوتين، فإنهم سعوا في الوقت نفسه إلى إقامة إدارة ذاتية في المناطق التي يشكلون فيها أغلبية وهي القامشلي وعفرين وكوباني، ولكن بعد دخول قوات التحالف على الخط وشعورهم بالخطر المباشر، ووصول إمدادات كردية عراقية، من البيشمركة وهي سابقة جديدة، ستكون لها تداعياتها لاحقاً، شكّلوا إدارة موحدة لهذه المناطق، التي ستكون حسب تقديري نواة لكيانية كردية، حكم ذاتي أو فيدرالية أو مشروع دولة مستقبلية على أساس حق تقرير المصير.
والأمر ليس له علاقة بالشك أو اليقين، وإنما ينبغي التعامل معه على أساس الجيوبولتيك والمستجدات والمتغيرات، وهو الأمر الذي سمحت به تركيا رغم عدائها لحزب العمال الكردستاني PKK من انتقال قوات البيشمركة إلى كوباني لتعزيز ودعم المقاتلين الكرد، ولم يكن ذلك بمعزل عن الضغوط الدولية، فتركيا لا تزال عضواً مؤثراً في حلف الناتو ولها علاقات متميزة مع الغرب، وكذلك مع " إسرائيل"، ويجب ألاّ ننسى أن بعض الكرد كانوا قد تعاونوا مع داعش في كوباني وغيرها، وبالتالي فإن آثار هذا الصراع أو المواقف المتناقضة لم تظهر بعد، لاسيّما في ظل الاصطفافات الجديدة.
إن أوضاع كرد العراق وكرد وسوريا لا بدّ أن توضع على مشرحة التحليل الجيوبولتيكي، ذلك أن إقامة علاقة ودية وإيجابية من جانب العرب والاعتراف والتفاهم على أساس المشتركات، سيجنّب المنطقة فداحات جديدة ومؤلمة، كما استنزفتها من قبل، الأمر الذي تعطّلت فيه التنمية والاصلاحات الديمقراطية، وتمكّنت القوى الخارجية من اللعب على "الأقليات" (المجموعات الثقافية، الإثنية والدينية) في ظل هضم حقوقهم، وذلك يستوجب نظرة  شاملة من الطرفين، فلا الهيمنة ومحاولات التسيّد والاستعلاء القومي وإلغاء الآخر أو تهميشه التي اتبعتها الحكومات بالتنكر للحقوق الإنسانية، ناهيكم عن اعتماد الحلول العسكرية قادت إلى شاطئ الأمان، ولا ضيق الأفق القومي والعصبوية وإذكاء نار الكراهية واجتراح الحلول العسكرية قادت إلى تحقيق طموحات الشعب الكردي.
ولا بدّ من إقامة علاقة سليمة أساسها الاحترام المتبادل والاعتراف بحق تقرير المصير لكل منهما وتسوية الخلافات بما يرضي الطرفين، سواء بالعيش المشترك وضمن صيغ جديدة، أكانت هذه الصيغ تقوم على بناء اتحاد طوعي اختياري جديد بحقوق متكافئة ومساواة تامة ومواطنة حيوية، أو بالاستقلال  والانفصال، وهو مثل الطلاق" أبغض الحلال عند الله" كما يقال، لأن الصيغ القديمة فشلت واستنفذت وتخطّاها الزمن.
ولعلّ أية تسوية ينبغي أن تراعي مصالح الطرفين الشريكين، وهي مصالح متشابكة ومتداخلة ومتفاعلة سياسياً واجتماعياً وثقافياً واقتصادياً ودينياً وتاريخياً، أساسها المشترك الإنساني، بما يوفّر للطرفين حياة حرّة كريمة وينعكس على بلدان المنطقة، لاسيّما للقضية الكردية، في تركيا وإيران بالإيجاب وتلك فريضة الجيوبوليتيك  .
 




26
النادي الثقافي العربي

تكريم ذكرى الشاعر بدر شاكر السيّاب
معرض بيروت الدولي – بيال (وسط بيروت)
2/12/2014



الشاعر السيّــــــــاب في اغتــرابه



د.عبد الحسين شعبان
أكاديمي وأديب عراقي




تمهيد
إذا كان الاغتراب ظاهرة إنسانية قديمة قِدَم الوجود الإنساني، فإن غربة شاعر مبدع مثل بدر شاكر السيّاب تأخذ شكلاً مختلفاً من حيث طاقته وقدرته وتأثيره، سواء على مجتمعه بالتمرّد والانشقاق، أو حين تقوده أحياناً إلى العزلة والانكفاء على الذات. وكان أبو العلاء المعرّي يطلق على نفسه "رهين المحبسين"، فقد ظل نحو 40 عاماً لم يبارح منزله، إضافة إلى أنه يعاني من فقدان البصر، حيث مثّل ذروة الاغتراب النفسي والزماني والمكاني (الزمكاني) في الآن، للجسد والروح.
وإذا كنّا نتحدث عن اغتراب الشاعر السيّاب أحد روّاد القصيدة الحديثة والشعر الحر، فذلك لأن الاغتراب كان يشكّل جوهر شعره وحياته والمآسي الإنسانية التي عاشها سواء صدمة المدينة أو صدود النساء أو فقر الحال والعوز أو المرض الذي نخر عظامه، وكل ذلك في ظل ارتكاس سياسي وانكسار معنوي وضعف اجتماعي، زاده طفولة معذّبة، بفقدان والدته وهو ما سيظهر في شعره على نحو صارخ ومتكرّر.
وبعد كل ذلك فالاغتراب قضية وجودية، شغلت الفلاسفة والمفكرين بالدراسة والتحليل وبالبحث والاستقصاء، ولاسيّما بعد الثورة الصناعية،حيث تناولها جان جاك روسو وهيغل وماركس وفيورباخ وأريك فروم وفرويد ومدرسة فرانكفورت وتحديداً هابرماز وغيرهم.
ولعلّ مفهوم الاغتراب عند كارل ماركس شكّل نقطة محورية في نضال حركات اجتماعية، حيث كان تناوله من زاوية معناه الإنساني الاجتماعي، لاسيّما بين عامي 1844-1845 وذلك بالمخطوطات الاقتصادية والفلسفية التي لم تنشر في حينها ولكنها ظهرت في وقت لاحق (1932)، فقد كان ماركس حينها يُعتبر من الهيغليين اليساريين وتأثراً بهيغل وفلسفته ناقش مفهوم الاغتراب، لكنه اعتبر أن تحقيق الحرية لم يأت من العقل حسبما ذهب إلى ذلك هيغل، بل من العالم المادي، خصوصاً وأن السبب هو المجتمع الطبقي الذي لا بدّ من إلغائه.
وعلى الرغم من دعوته للافادة من تطور التكنولوجيا والوفرة المادية لكنه اعتبرهما، "وأن فتحا الباب لتحرر الإنسان"، إلاّ أن نتائجهما المباشرة كانت في "زيارة تجريد الإنسان من الإنسانية" بسبب طبيعة النظام الاجتماعي السائد (الرأسمالي)، مثلما هو اغتراب العامل عن الآلة، والإنسان عن مجتمعه.
وقد زادت الثورة العلمية – التقنية من اغتراب الإنسان، وخصوصاً بعد حربين عالميتين مدمّرتين، راح ضحيتهما ملايين البشر.واليوم بفعل ثورة الاتصالات والمواصلات وتكنولوجيا الاعلام والتدفق الهائل للمعلوماتية والطفرة الرقمية "الديجيتل"، وبفعل العولمة ووجهها المتوحش، فإن اغتراب الإنسان ازداد عمقاً، بتعمّق عمليات المحق اللاانسانية لإنسانيته، بسبب الحروب واستخدامات التكنولوجيا والعلوم لتدمير حياة الإنسان وثقافته وقيمه.
وحسب ماركس هناك أربعة أنواع من الاغتراب وهي:
1-   الاغتراب عن منتجات العمل، أي السلعة التي ينتجها العامل.
2-   الاغتراب داخل عملية الانتاج نفسها (حين يصبح العمل ليس لإشباع الذات ورغبة مستقلة، بل أمر مفروضاً).
3-   الاغتراب عن الوجود البشري، أي محاولة تشكيل وإعادة تشكيل العالم من حولنا وفقاً للاحتياجات والقدرات الإبداعية.
4-   اغتراب الإنسان عن الإنسان نتيجة لتعميم الطبيعة اللاإنسانية للمجتمع الرأسمالي واستخدام جهد العمال كسلعة بدلاً من أن يكون نشاطاً اجتماعياً واقتصادياً منتجاً لصالح تحسين حياة المجتمع.
وهكذا فإن الاغتراب يشمل جميع جوانب الحياة اليومية، ولا يمكن التغلب عليه الآّ باستعادة الطبيعة الإنسانية (البشرية) للعمل، وذلك بتغيير طبيعة النظام وعلاقات إنتاجه وتطويع الطبيعة لصالح الإنسان، وهكذا يصبح الاغتراب عند ماركس هو التمايز بين الوجود والجوهر.
قد لا يصحّ أن نُخضع السيّاب لمفهوم ماركس المحدد عن الاغتراب، بل يمكن إدراجه ضمن مفهوم أريك فروم المستند إلى مفهوم ماركس (الاقتصادي- الاجتماعي) ومفهوم فرويد (النفسي- الفرداني)، حيث يمكن القول أن السيّاب خضع لأنواع متعددة من الاغتراب الاجتما-اقتصادي بكل تجلياته، وأساسه شكل التعبير والموقف من النظام السياسي، والاغتراب النفسي – الفردي بما فيه الجنسي حسب فرويد، من الناحية العاطفية سواء العائلية أو العلاقة بالنساء أو الاغتراب عن نفسه، مثلما هو عن محيطه ومجتمعه، أي أن السيّاب عاش شكلاً من اشكال الاغتراب الاجتماعي بكل ما تحمله هذه الكلمة من معاني، والاغتراب النفسي، بكل ما تعنيه هذه الكلمة من مدلولات لها علاقة باغتراب الإنسان عن مجتمعه وأحياناً انكفائه على ذاته.
هكذا حاول فروم الحديث عن الاغتراب، بما له علاقة باغتراب الإنسان (كفرد) عن مجتمعه (كجماعة بشرية) وبين الإنسان ومحيطه. وكان هيغل قد ركّز على مفهوم الحرية لتحديد ماهية الإنسان من خلال المصالحة بينه وبين محيطه وبين الإنسان والطبيعة، ولعلّ انفصال الإنسان عن الثقافة التي هي "حياة الروح" كان قد عمّق اغتراب الإنسان، وذلك من خلال توجه أخلاقي ونفسي، وحسب أريك فروم ليس العامل الاقتصادي هو الأساس مثلما ذهب ماركس، كما أنه ليس العامل الجنسي كما استنتج فرويد، وإنما هو نتاج خلطة وجودية جعلها أريك فروم، شخصية الطابع واجتماعية المنشأ ووضعها في إطار وجودي إنساني عريض.
وبدر شاكر السيّاب كان يشعر بالاغتراب إزاء ذاته أيضاً، وإن كان لاغترابه مدلولات اجتماعية واقتصادية ونفسية ، لاسيّما بانحلال الصلة بينه وبين مجتمعه، خصوصاً عدم تمكّنه من احتلال الموقع الذي يريده، والاغتراب السياسي لديه الذي بدأ بتسيّد آيديولوجيا محدّدة وتقديسها، أو فيما بعد نقضها والانخراط في غيرها بانتقاله إلى صف خصومها وأعدائها، مثلما ينساق أحياناً بفعل الفكرة السائدة للاذعان لزعيم أو قائد، وهو ما أنتج ما أطلق عليه (عبادة الفرد)، وتلكم جزء من الاغتراب الذي أصاب مجتمعات وكتلاً بشرية بكاملها أو على مستوى الأفراد.
أما لودفيغ فيورباخ فقد تناول ما يطلق عليه "الاغتراب الديني"  الذي يشكّل جوهر فلسفته الحسيّة، فالإنسان يكشف جوهره الخاص بفضل الدين، ولكنه يظل مفصولاً عنه طالما يسلم بوجوده المستقل خارج ذاته. يقول فيورباخ " لقد كان شغلي الدائم أن أميّز الأماكن المظلمة للدين بمصابيح العلم حتى يمكن للإنسان ألاّ يقع فريسة القوى المعادية التي تستفيد من غموض الدين لتقهر الجنس البشري".
وجمع هابرماز بين الهيغلية والماركسية ومدارس علم الاجتماع والنفس في محاولة نقد نمطية الوعي والآيديولوجيات الجامدة، وذلك بهدف إعادة بناء المادية التاريخية على أسس جديدة مكرّراً قول ماركس أن المجتمع المدني والدولة كانا غرباء عن الحياة الإنسانية الحقيقية، الأمر يحتاج إلى إعادة بناء المجتمعات وفقاً لأسس جديدة لتحرير الإنسان من علاقات إنتاج مريضة ومن جبروت الطبيعة، الأساس للخروج من مأزق الاغتراب، علماً بأن ماركس كان قد  حذّر من الاستخدام المفرط للموارد الطبيعية.
إن اغتراب المثقف يزداد طردياً مع تعقّد الحياة الاجتماعية وشحّ فرص الحرية والعدالة، والأمر ينعكس سلبياً عليه، بحكم حساسيته، خصوصاً بتراجع منظومة القيم الإنسانية وصعود النفعية والانتهازية والاستلاب والاستغلال محل مبادئ الحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية والمشاركة والحقوق الإنسانية.
لقد دخل بدر شاكر السيّاب ومعه جيل من الشعراء والأدباء والمثقفين معركة أساسها اجتماعي وجذرها فردي، بسبب حالة الاغتراب  التي عاشها، بين الحلم والواقع، ولعلّ مقدمات اغترابه الأولى كانت قد بدأت من جيكور، منها غرابة شكله وهزال جسمه، يضاف إلى ذلك فقدانه والدته وهو طفل صغير (لم يتجاوز السادسة من العمر) وزواج والده، ثم وفاة جدته. وظلّ الموت يحوم فوق رأسه، كلما استذكر أمه، لذلك عانى من شدّة الألم والوحدة وهما أول من دفعاه دفعاً نحو اغترابه المجتمعي، إضافة إلى المرض لاحقاً والشقاء وصدود الحبيبات الموهومات. كل ذلك قد عاظم من اغترابه الوجودي.
لقد رافق اغتراب السيّاب الاجتماعي – الوجودي، اغتراب عاطفي، فهو مستوحش، عائلياً وصداقياً وعاطفياً، ولم يجد ما يعوّضه عن هذا الفقدان والفداحة والحرمان،
وما من عادتي ماضيّ الذي كانا
ولكن.. كل من أحببت قبلك ما أحبوني
ولا عطفوا عليّ، عشقت سبعاً...
إلى أن يقول
أحبيني
لأنّي كلّ من أحببت لم يحبوني

عاش ولم يعش
يقول بدر شاكر السيّاب: أشعر إنني عشت طويلاً.. رافقت غلغامش في مغامراته، وصاحبت عوليس في ضياعه، وعشت التاريخ العربي كلّه ... ألا يكفي هذا؟
كلّ ذلك والسيّاب لم يعش سوى ما يقارب 39 عاماً، فقد ولد في العام 1926 وهناك من يقول إنه ولد في العام 1925 وتوفي في 24/12/1964، لكنّه كان يشعر وهو يستحضر كل هذا التاريخ،  بخياله الشعري، إضافة إلى الميثولوجيا العالمية، حيث كانت أساطير الشرق وحكاياه، فضلاً عن  تراثه والأسطورة اليونانية،  تتدفق بقوة وحرارة في قصيدته، حتى نكاد نسمع نبضها في ثنايا شعره.
في قرية جيكور التي تغفو على نهيرُ البويب وحيث النخيل الذي يلقي بظلاله على تلك القرية المسحورة من قضاء أبو الخصيب في البصرة ولد الشاعر، وظلّت تلك البقعة أثيرة على قلبه ضاجّة بالأسرار والحكايا والأشباح، مثلما تشعّ بالجمال والسحر والإشراق، وظلّ السيّاب متعلقاً بموطن الصبا الأول، لا يكاد يفارقه، حتى يعود إليه، بل إنه يشعر بالتيه كلما ابتعد عنه، لدرجة أن الاغتراب كان قد تأصل فيه منذ لحظة انتقاله إلى بغداد للدراسة في دار المعلمين العالية (قسم اللغة الإنكليزية) حيث الشوارع العريضة والأحياء الواسعة، التي شعر معها، بكيان حاجز وسور مرتفع فصل بينه وبين جيكور.
لقد تحوّل اغتراب السيّاب إلى قدر من النستالوجيا كما يقول الفنان والشاعر عمران القيسي، لاسيّما حيال طفولته وقريته، حين كان مستمتعاً وعارفاً بموعد المدّ والجزر الذي يتأثر به نُهير البويب الصغير، وقد شاءت الصدف أن تكون القرية بموضوعها النفسي، أو الذاتي، وكذلك الموضوعي أي المادي، حديثاً  دائماً للسيّاب، ولعلّه في ذلك كان جزءًا من القصيدة الجديدة التي ولدت في مرحلة نهاية الأربعينيات وبداية الخمسينيات، وهي قصيدة ذات نكهة اغترابية، كان السيّاب أحد روّادها الأوائل ومؤسسيها اللامعين.
فهذا بلند  الحيدري زميل السيّاب وبعد اغترابه لأشهر عن مكان عيشه يقول :
لمن أعود وقريتي أضحت مدينة؟
أو عند محمود الريفي الشاعر الذي كتب قصيدة من الشعر الحديث قبل قصيدة الكوليرا الشهيرة لنازك الملائكة، التي تعتبر ريادية مع السياب والحيدري وعبد الوهاب البياتي في كتابة الشعر الحديث.
يقول الريفي:    ما مات شيطان الهوى
         لم يزل يزرع في آدمنا روحا
         فالهدبُ خلف الهدبِ أرجوحة
         والعمر كله.. أرجوحة
   لقد أيقظت نازك الملائكة ما في داخل العراقي من غربة معتّقة وبؤس وحنين إلى البراءة، مثلما كان محمود البريفكان مصاب بالاغتراب والحنين، ففي قصيدته يا سلمى يناجي امرأة لم يرها، بل سمع اسمها من أخيها شريكه في الزنزانة، فكان اليوم الذي أطلق سراح الشقيق أكثر الأيام كآبة وغربة لهذا العاشق الشفوي، مثلما يغترب وهو يكتب عن موظف اعتيادي كأنه يردد إحدى شخصيات تشيخوف أو ما كتبه لاحقاً غائب طعمة فرمان.

اعتاد أن يستيقظ
حين تقرع الساعة
دقاتها السبع
ويعلو صخب الباعة
يفتح مذياعه
يدهن شاربيه
ويصلح عارضيه
ثم على زوايا شفتيه
يرسم ابتسامة
غبراء، خدّاعة
ونقتبس من خليل حاوي الذي يقول:
وعرفت كيف تمطّ أرجلها الدقائق
تكبر، تستحيل إلى عصور
لكن السيّاب الذي سبقه ريح قصيدته إلى كل أرجاء العالم، وهو لم يزل على مقاعد الدرس في دار المعلمين العالية، كان يصرّ على أن يكون محلياً، إلاّ أن عالميته كانت ظاهرة باهرة وملموسة، فهو من أسمع الكثير من أقرانه بالشاعر ت. س إليوت وعزرا باوند وإيديت ستويل، مثلما كان هذا الدور الريادي لجبرا ابراهيم جبرا. وقد جسّدت حياة السيّاب والمرض الذي لازمه إضافة إلى شعوره بالوحدة السبب الأساسي في تكريس اغترابه، خصوصاً انتقاله إلى أجواء جديدة مفعمة بالدهشة والتيه والعوز، وتجسّد ذلك في اغترابه من جميع الوجوه.
في قصيدته المومس العمياء يقول دفاعاً عن الاستلاب والاغتراب وفقدان الحقوق :
الليل يطبق مرة أخرى، فتشربه المدينه
والعابرون، إلى القرارة... مثل أغنية حزينه.
وتفتحت كأزاهر الدفلي، مصابيح الطريق،
كعيون ""ميدوزا""، تحجّر كل قلب في الضغينه،
وكأنها نذر تبشر أهل ""بابل"" بالحريق
من أي غاب جاء هذا الليل؟ من أي الكهوف
من أي وجر للذئاب؟

كلّما كان السلّ العظمي ينهش جسده الذاوي كان يزاد اغتراباً، فقد أصبح ذلك نهجاً شاعرياً موسوماً بدرامية عالية وحبكة مركبة، ليتبيّن أبعاد الوجود الإنساني الحقيقي الذي لا يتجلّى الاّ بالأحزان وحتى في جلسات السيّاب الخاصة، كان لا يميل إلى الفرح الزائد وإن كان يستغرق في المقالب مع الأصدقاء، ويقول علينا الاّ نرفع أصواتنا، بل نرفع أحزاننا ليسمع العالم أننا البشر المسحوقون.. إننا الضحايا، مقتفياً إثر الشاعر الأسباني غارسيا لوركا الذي يقول :
في هذه الليلة
سأكتب أكثر الأشعار حزناً
وقد تكسرت أحلام السياب الواحد بعد الآخر، عاطفياً وسياسياً وصداقياً وصحياً ومادياً، مكاناً وزماناً، فقد كان غريبأً على من أحبهم من النساء، وكان غريباً عن الحزب الذي انتمى إليه، وانتقل إلى صف خصومه، بعد خيبات ومرارات، وكان غريباً بعد جيكور والبصرة عن الكثير من أقرانه، وكان غريباً في المدينة حيث يشعر بانتمائه إلى القرية، وكان غريباً عن المجتمع، بل منشقاً عليه ومنفصلاً عنه وحتى عندما تزوّج إقبال شعر بالاغتراب سريعاً.
الغرفة موصدة الباب
والصمت عميق
وستائر شباكي مرخاة رب طريق
يتنصت لي ، يترصد بي خلف الشباك وأثوابي
كمفزع بستان سود
أعطاها الباب الموصود
نفساً ذر بها حسا فتكاد تفيق
من ذاك الموت وتهمس بي والصمت عميق
لم يبق صديق
ليزورك في الليل الكابي
والغرفة موصدة الباب
لم يحمّل بدر شاكر السيّاب، غربته بُعداً فلسفياً، كما حمّل الشاعر خليل حاوي وحدته بُعداً فلسفياً، بل أراد أن يتركها مثل أغنية عراقية يحزن الناس عن سماعها، وهم يغنّونها في أفراحهم. لم يكن اغترابه بالمعنى الوجودي " السارتري"، بل كان اغتراباً تتأكد فيه حريته الداخلية، حيث يشكل شعره شهادة رسولية للحزن الجليل حتى وإن كان في لجّة الفرح.
ولعلّ خاصية اغتراب السيّاب تحتاج إلى فهم خاص، فقد كان يحتاج إلى الاعتراف به كغريب ومبشر بهذه الغربة، وكشاعر فريد لا يُعترف بأهميته الاّ بعد رحيله. وكان اغترابه حتى في عمله، فرغم سعيه للوظيفة في الدولة، فإنه يحتقر اللحظة التي يشعره فيها أحدهم أنه يرضع من ثديها، أي أن اغترابه في العمل هو أقرب إلى اغتراب العامل عن الآله في الفكر الماركسي.
يقول إحسان عباس في كتابه عن " بدر شاكر السيّاب" دراسة في حياته وشعره" : إن العشرين كانت من أصعب الجسور التي اجتازها بدر، فقد أحسّ أنه يعبر حدّاً فاصلاً بين عهدين، وهو لا يدري إلى أين تتجه به الأقدار. كان قد سمّى المجموعة الشعرية التي رتّبها في كرّاس " أزهار ذابلة"، وبسببها تعرّض إلى لوم بعض أصدقائه، لحالة اليأس والحزن المبالغ فيها، خصوصاً وهو في عزّ الشباب، لكن خيبته وهو لا يزال في دار المعلمين هي التي ألقت به في هذا العذاب العظيم.
كتب السيّاب إلى خالد الشوّاف مفسّراً حالته، بقوله: أي خالد كم عاهدت نفسي في سكون الليل العميق أن أخفت نغمة اليأس في أشعاري، وأمحو صورة الموت من أفكاري، حتى لا تسمع الآذان ركناً من تلك، ولا تبصر العيون خطأ من هذه، لكنني واحسرتاه عدتُ بصفة الخاسر، وحظّ الخائب، وقد نذرت نفسي للألم والشقاء واليأس والعناء، ما أجهل من لامني على أنني سميت مجموعة أشعاري " بالأزهار الذابلة"، ليته كان معي ليرى إن كل الكون، الأرض والسماء والتراب والماء والصخر والهواء، أزهار ذابلة؟ ذابلة في عينيّ الشاحبتين ونفسي  الهامدة الخامدة.
ولعلّ في ذلك محاكاة للشاعر بودلير الذي كتب " أزهار الشر" فكتب السيّاب قصيدة مطوّلة على غرارها أهداها إليه تحدّث فيها عن الحب الآثم، فأي اغتراب يعيشه الشاعر، خصوصاً وهو يقدّم مثل هذه القراءة الحزينة التي لم تزده الاّ يأساً، خصوصاً وهو يودّع هواه البكر حين اضطر إلى الذهاب إلى القرية بعد فصله من الدراسة في دار المعلمين، حيث شارك بإضراب طلابي، ثم من فقر مستكلب  ومن " فراغ وبطالة وسأم وهمود"
وردّاً على رسالة خالد الشوّاف، الذي حاول ثنيه مما هو عليه، فبعد أن ترك في نفسه الرضا، حتى وإن كانت كلماته زاجرة وأقواله ساخرة، كما ورد في كتاب إحسان عباس، حيث يقول: ولكن ليل الريف الندي، تهب عليه أنسام الشمال التي أحسبها آتية من بغداد ، أقول: لكن هذا الليل تسرق فيه الأحلام خطاها الخفية الواهنة مفضفضة بالشعاع الباهت ينطف من نهر المجرّ المختفي وراء الأبعاد، هاج لي الألم واستنزل على صدري الخافق حسرات راعدة وآهات صاعدة، ضاق بها صدر الأفق الأرقط.
ويستطرد السيّاب ليت لي براعة شعراء الأرض جميعاً لأصوّر لك حلمي المقطوع، الحافل بالثمار، الخالي من القطاف، الباكي على الصورة الهاربة من الإطار، ولعلّ هذا هو التناقض الجميل أو جوار الأضداد الذي كان يحفل به السيّاب شعراً ونثراً ووجوداً.
كان السيّاب يمنّي نفسه بالحب، حتى وإن كان غير حقيقي أو من طرف واحد ولربما خادعاً، وإلاّ فإن نهايته ستكون لا محالة حسبما يوحي. وكان هذا الاغتراب حدّ التناقض يمتد إلى السياسة، فمن جهة كان السيّاب ينتمي إلى حزب يؤمن بالمستقبل وبالتفاؤل التاريخي، ولكنه في الوقت نفسه يتحدث عن الضياع واليأس والموت، خصوصاً عندما يتحدث عن حرمانه من المرأة التي يبدو أنها سرّ الأسرار في رفضه للشيوعية فيما بعد، كما يقول إحسان عباس وإن كان هناك أسباب أخرى. وكان متمزقاً بين اللهفة إلى الحب والموت والإنكفاء.


27
اغتيال الأدمغة العربية

عبد الحسين شعبان

مرّ خبر اغتيال علماء الطاقة السوريين يوم 10 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي ،2014 مرور الكرام، فأعداد الضحايا زادت على أكثر من 150 ألف سوري، فمن يلتفت إلى موت خمسة علماء؟ هكذا استقبل الإعلام الخبر، من دون اكتراث يُذكر، بل إن البعض استمع إليه وهو يحتسي قهوة الصباح بكل خدر واسترخاء، في حين أن "إسرائيل" كانت هي المستنفرة، تنتظر كما في كل مرّة نتائج خططها الإرهابية، خصوصاً وإنها تختار اللحظة المناسبة للقيام بعملياتها، ففي إبان الحديث عن تنظيم "داعش" واحتلالها للموصل وتمدّدها لاحقاً باتجاه محافظتي صلاح الدين والأنبار واستيلائها على أجزاء من محافظتي كركوك وديالى، شنّت حرباً ضد غزّة استمرت 51 يوماً .
وفي غمرة الحديث عن المعارك في عين العرب وانتقال قوات من البيشمركة العراقية إلى هناك واستحكام الجدل حول الدور التركي وقيام قوات التحالف الدولي الجديد بقصف مناطق عديدة في سوريا والعراق، أقدمت حسبما يبدو على اغتيال العلماء السوريين، حيث تقول الأخبار إن سيارة كبيرة (حافلة) تعرّضت في منطقة برزة بدمشق التي هي تحت سيطرة الحكومة السورية إلى إطلاق نار كثيف أدّى إلى مصرع خمسة أشخاص .
واتّضح أنهم من علماء الطاقة النووية في سوريا، علماً بأنه لا توجد جهة تبنّت هذا الهجوم أو أعلنت مسؤوليتها بتنفيذ العملية، الأمر الذي يوجه أصبع الاتهام إلى "إسرائيل" الجهة المستفيدة من ذلك وذات السوابق الجنائية المعروفة، وكانت قد نفّذت أعمالاً مماثلة في سوريا وعدد من البلدان العربية، كما حصل في مصر والعراق، فضلاً عن إيران التي شهدت مصرع أكثر من عالم في هذا المجال، وكانت جميع هذه العمليات تتم بدقة متناهية وبطريقة محكمة ودقيقة وأسلوب يكاد يكون واحداً .
لم تنقطع عمليات اغتيال العلماء والأكاديميين العرب طوال العقود الماضية، وقد رصدت "إسرائيل" لتلك العمليات أجهزة ومعدّات ومتخصصين وأموالاً، لإدراكها أنها جزء من الحرب الدائمة والمفتوحة في الاستراتيجية "الإسرائيلية" المعلنة والمستترة، فضلاً عن كونها جزءاً من الحرب النفسية ضد الشعوب العربية، سواء بإضعاف البلدان العربية وجعل الشك يتسرّب إلى صفوفها، أو بهدف التخلص من العلماء أو إجبارهم على الهجرة . وخلال التحضير لبناء المفاعل النووي العراقي اكتشفت "إسرائيل" وجهاز الموساد مكان وزمان شحن المعدّات والأجهزة قبل إرسالها إلى العراق، وليس بمعزل عن تواطؤ فرنسي وعبر وكلائها، وقامت بتفجير المصنع النووي في مدينة لاسين سيرمير في فرنسا (على ساحل البحر المتوسط) في حزيران (يونيو) العام ،1979 كما اغتالت بعده ببضعة أشهر في (نيسان/ إبريل 1980) عالم الذرة المصري يحيى المشد الذي كان يعمل لدى العراق في حقل الطاقة النووية، وذلك عبر تسلّلها إلى شقته، والقيام باغتياله، مثلما اغتالت خبيراً آخر بعد وقت قصير من ذلك، وقامت بقصف المفاعل النووي العراقي مرتين بعد إعلان الحرب العراقية - الإيرانية (بين أيلول/ سبتمر وكانون الثاني/ 1980) ثم قامت بتدميره في حزيران (يونيو) 1981 .
وإذا أردنا العودة إلى ما قام به جهاز الموساد من عمليات إرهابية بحق خبراء وعلماء فإنها تصل إلى خبراء كنديين وألمان والأخيرين جاءوا إلى مصر في الستينات، مثلما لجأت إلى اختطاف هاينر كروغ وهو مدير مكتب "انترا"، إحدى الشركات التي كانت تزوّد مصر بقطع الصواريخ، ووجد بعد أيام مقتولاً في سيارته مثلما أصيبت سكرتيرته ولفغانغ بليتسر بالعمى، حينما انفجر طرد قتل خمسة من المصريين معها، وأرسلت تهديدات عديدة إلى العاملين في حقل إنشاء الصواريخ، مثلما اغتالت العالم الكندي جيرالد بول أمام باب منزله في بروكسل في 23/3/1990 وقيل إن تهمته العمل لصالح العراق، ونفذ الاغتيال وحدة "كيدرون" حسبما كشف عنه لاحقاً .
لقد سبق ل"إسرائيل" أن أثارت ضجة كبرى حول استخدام المفاعل النووي العراقي لإنتاج القنبلة النووية لضربها وتدميرها كما زعمت، وذلك منذ توقيع الاتفاق الفرنسي- العراقي العام 1975 لبناء مفاعلين نوويين، وقال موشي دايان بالحرف الواحد "إذا امتلك العرب أية كمية من الذرّة، فإن جنونهم لن يردّهم عن المغامرة"، واستعداداً لذلك أنشأت شعبتين: الأولى تابعة "لجيش الدفاع الإسرائيلي"، والأخرى تنتمي إلى الموساد (المخابرات الإسرائيلية) لغرض جمع المعلومات وتقصي الحقائق ومتابعة نشاط العلماء العرب المختصين بالذرّة في جميع أنحاء العالم، وهكذا ظلّت "إسرائيل" تسعى لإحباط أية محاولة لامتلاك العرب ناصية العلم والتكنولوجيا وعرقلة مساعيهم للحصول على الطاقة النووية، حتى وإن كانت للأغراض السلمية والتنموية والعلمية وتحت إشراف وكالة الطاقة الدولية، علماً بأن التنمية وامتلاك التكنولوجيا هي من حقوق الشعوب والأفراد، وهي تندرج ضمن "الحق في التنمية" الذي صدر إعلان من الأمم المتحدة في العام 1986 لتأكيده، كحق جماعي وفردي في الآن، بل ويدعو لاعتماده كأحد المعايير الدولية للتقدم .
ولعلّ "إسرائيل" تكاد تكون الدولة الوحيدة في العالم التي أضفت على الاغتيالات الطابع المؤسسي، وكانت رئيسة الوزراء "الإسرائيلي" غولدا مائير قد استحدثت جهازاً خاصاً بعمليات الاغتيال أطلقت عليه "المجموعة أكس" وألحقت به وحدة مختصة بالاغتيالات من جهاز "الموساد" . وخلال الغزو الأمريكي للعراق امتدت أخطبوطات "الموساد"، للمساهمة في تصفية المئات من العلماء والأكاديميين العراقيين . وإذا كان نجاح عمليات الاغتيال التي قامت وتقوم بها "الموساد" فلا يعني هذا براعته فحسب، بل اعتماده على وكلاء محليين يوفّرون الغطاء له . وكانت إيران قد أعلنت منذ العام 2007 عن اغتيال خمسة من كفاءاتها العلمية بظروف غامضة . وقد حمل بعض رجال "الموساد" صفة منتدبين من وكالة الاستخبارات الأمريكية، وحمل بعضهم جوازات سفر أمريكية، كما نشرت مجلة "فورين بوليسي" تقريراً لها في 13 يناير/ كانون الثاني العام 2012 .
وقد عرّضت "إسرائيل" بعض حلفائها الغربيين للحرج في اغتيالات قامت بها، وخصوصاً عند حمل المنفذين جوازات سفر تلك البلدان لتسيير حركتهم، وهو ما حصل في اغتيال محمود المبحوح في أحد فنادق دبي بالإمارات في 20/1/،2010 حيث تم استخدام جوازات سفر بريطانية وألمانية وإيرلندية وفرنسية . ومازالت تفاعلات قضية تسميم ياسر عرفات رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية قائمة والتحقيقات جارية، على الرغم من مرور ما يزيد على 10 سنوات على رحيله .
إن محاولات التصفية الجسدية "الإسرائيلية" للكفاءات العربية والقيادات الواعدة، هدفها استنزاف الكوادر العلمية، سواء بالقضاء عليها أو اغتيالها أو عبر عروض مغرية بالهجرة والإقامة خارج المنطقة العربية وعدم العمل لصالح دولها، لأنها تدرك أن ردم الفجوة بينها وبين العرب لن يتم إلاّ من خلال العلوم والتكنولوجيا وبواسطة علماء عرب أكفّاء حيث يمكن صنع التقدم التكنولوجي والعلمي، ولهذا السبب فإنها تسعى بجميع الوسائل إلى عدم إحداث التراكم المطلوب على هذا الصعيد . ولعلّ الوجه الثاني للاستهداف "الإسرائيلي" للكفاءات العلمية، هو تشجيع البلدان الغربية على تقديم بعض التسهيلات إليهم للبقاء خارج المنطقة العربية، وضمن مشاريع لاستقطاب العقول والأدمغة المفكّرة، فضلاً عن حرية البحث العلمي، الأمر الذي تفيد منه هذه البلدان، بل إنها بحاجة إليه .
وتجدر الإشارة إلى أن الجزء الأكبر من العاملين في حقول العلوم والهندسة بجميع أشكالها في الولايات المتحدة هم من مواليد دول أخرى (خارجها) قسم كبير منهم من العرب، وهو الأمر الذي ينطبق على آلاف الكفاءات العلمية من أطباء وعلماء في بريطانيا، حيث ينحدرون من العديد من البلدان العربية وقسمهم الأكبر مولود فيها، ويشمل هذا الموضوع ألمانيا وفرنسا والعديد من البلدان الغربية .
ولعلّ جزءًا من ذلك يتحمّله العالم العربي، سواء ما يتعلق بالظروف المعيشية والاجتماعية وسوء توزيع الثروة، أو حالات عدم الاستقرار والاحتراب الداخلي والنزاعات المسلحة التي تشهدها بعض البلدان العربية، إضافة إلى شحّ حرية البحث العلمي وعدم توفّر الاستثمارات العلمية وضعف الحوافز العلمية والمادية، إضافة إلى البيروقراطية الإدارية والمراتبية والكثير من الضغوط النفسية التي يتعرّض لها العلماء العرب، الأمر الذي يجعل بعضهم يفكّر بالهجرة، وخصوصاً عندما يتعلق الأمر بالطموح الشخصي حين يترافق مع سلبيات وإجراءات وظيفية معسّرة .



28
عن الإرهاب ومتفرّعاته
عبد الحسين شعبان
إذا كان تعريف الإرهاب الدولي مصدر خلاف لا يزال شائكاً ومعقّداً منذ عقود من الزمان، على الرغم من صدور أكثر من 12 قراراً واتفاقية دولية عن الأمم المتحدة من العام 1963 ولغاية 11 أيلول (سبتمبر) العام 2001، فإن الدعايتين الغربية والصهيونية كانتا تركّزان على الإرهاب الفردي كالخطف والاختفاء القسري وأخذ الرهائن وطلب الفدية، مثلما يتهمان الأعمال التي تلتجئ إليها المقاومة بالإرهاب حتى وإن كان دفاعاً عن حرية أوطانها واستقلالها، بما يجيزه القانون الدولي، ولكنها في الوقت نفسه تحاول أن تحرف النظر عن الجهات التي تمارس إرهاب الدولة، وما تقوم به إزاء أمم وشعوب أخرى، كما كان حاصلاً في فيتنام وفلسطين المحتلة، والعديد من شعوب آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، والأمثلة تطول ولا تتوقف.
لكن ما مرّ على المنطقة العربية ما بعد أحداث 11 أيلول (سبتمبر) الإرهابية الإجرامية، التي حصلت في الولايات المتحدة وفيما بعد من احتلال أفغانستان والعراق، وما حصل في سجن غوانتانامو وسجن أبو غريب، إنما هو تطور نوعي من وزن آخر، أعقبه أعمال إرهابية أخرى لتنظيمات القاعدة ومؤخراً لتنظيم الدولة "داعش"، سواءً على صعيد التنظير أو الممارسة، لا سيّما بعد احتلال الموصل والاستيلاء على ما يزيد عن ربع أراضي كل من العراق وسوريا.
لقد كان رد فعل المجتمع الدولي بعد أحداث 11 أيلول (سبتمبر) صدور ثلاثة قرارات دولية خطيرة هي:
القرار رقم 1368 وصدر يوم 12 أيلول/ سبتمبر أي بعد يوم واحد من أحداث 11 سبتمبر، وهذا القرار يدعو لتحالف دولي لمحاربة الإرهاب الدولي. وقد التقط الفكرة وأسّس عليها الرئيس جورش دبليو بوش بخصوص الحملة الدولية لمكافحة الإرهاب الدولي، وعلى أساسه شنّ الحرب على أفغانستان العام 2001 ثم الحرب على العراق واحتلاله العام 2003.
القرار رقم 1373 الذي صدر يوم 28 أيلول (سبتمبر) العام 2001، وهو أخطر قرار في تاريخ المنظمة الدوليّة، وقد ألغى هذا القرار عملياً قواعد القانون الدولي المعاصر وحلّ محلّها قواعد تعود إلى الماضي والقانون الدولي التقليدي، الذي كان يجيز حق الفتح وحق الغزو، كلّما اعتقدت الدولة أن مصالحها القومية مهدّدة بالخطر أو أنّها تقتضي ذلك. وهنا يتم تفسير مصالحها القوميّة على أساس رغبتها وإرادتها. وبموجب هذا القرار يحق للدولة إذا شعرت أن هناك خطراً ما وشيك الوقوع أو عمل إرهابي أو عنفي يمكن أن يحدث، فيمكنها أن تشنّ الحرب حتّى قبل البدء من جانب الطرف الآخر الذي يُتّهم بالإرهاب، وقد أسس هذا القرار لفكرة الحرب الاستباقية أو الحرب الوقائية.
القرار رقم 1390 الذي صدر يوم 16 كانون الثاني / يناير عام 2002 أي بعد بضعة أشهر من أحداث 11 أيلول/ سبتمبر الإرهابية. وألزم هذا القرار الدول بالتعاون لمكافحة الإرهاب الدولي، وإلاّ فإن عقوبات يمكن أن تتخذ بحقها، وبالطبع فإن اليد الطولى في هذا الميدان هي لواشنطن.
أما القرار رقم 2170 فقد صدر في 15 آب/ أغسطس العام 2014 وذلك على خلفية سلّة القرارات التي أفرزتها هيمنة واشنطن على العلاقات الدولية، بغض النظر عن مشروعية مكافحة الارهاب الدولي، الذي يمثل خطراً على العالم أجمع، لكن توظيفه سياسياً كان يعكس ازدواجية المعايير وانتقائية السياسات، ولعلّ ذلك يشكّل اليوم هاجساً وقلقاً من جانب بعض الأوساط العربية والدولية إزاء الحملة الدولية الجديدة لمكافحة الإرهاب الدولي، حيث كانت تلك القرارات خلفية للقرار 2170 بخصوص تنظيم داعش وجبهة النصرة.
وبموجب هذا القرار اتخذت واشنطن خطة لقيادة تحالف دولي ضم نحو 50 دولة وحدّد له الرئيس أوباما 3 سنوات وطلب من الكونغرس خمسة مليارات دولار لتغطية نفقاته، ولكن الحرب قد تطول لدرجة أن وزير الدفاع الأمريكي السابق ليون بانيتا قال إنها قد تمتد إلى ثلاثين سنة، وكأننا عدنا إلى الصراع الأيديولوجي وفترة الحرب الباردة، وكأن "داعش" هي الاتحاد السوفييتي السابق "محور الشرّ".
إن تداعيات مسألة محاربة الإرهاب الدولي والحفاظ على الأمن انعكست على حالة حقوق الإنسان سلبياً، وقد اتخذت العديد من الحكومات إجراءات لمواجهة تحديات الإرهاب كضرورة لا غنى عنها، ولكنها وقعت في الكثير من الأحيان بأخطاء وممارسات أدت إلى انتهاك حقوق الإنسان، والأمر قديم وجديد أيضاً، فقد صدر في الغرب عدد من القوانين والأنظمة واتبعت سياسات وممارسات من شأنها إلحاق ضرر بقضية حقوق الإنسان، واتخذت المسألة في منطقتنا بعض التقييدات والانتهاكات، الأمر الذي يطرح سؤالاً مهماً يواجه الحكومات والمؤسسات الأمنية وجهات إنفاذ القانون، سواءً في الغرب أو في الشرق، وهو: كيف السبيل لحماية الأمن وحماية الحقوق في الآن نفسه وعدم التفريط بأي منهما؟.
إن تحقيق الأمن وصيانة الحقوق الإنسانية والكرامة الفردية والجماعية، هي مسؤولية متكاملة للدول والحكومات، خصوصاً بالبحث عن المشتركات ومحاولة فكّ الاشتباك الذي يحصل أحياناً بالممارسة، الأمر الذي يحتاج إلى نزع فتيل التعارض، بتعاون الأجهزة الأمنية ووزارات الداخلية مع مؤسسات المجتمع المدني ومنظمات حقوق الإنسان.
إن القضاء على الإرهاب في منطقتنا العربية بقدر ما هو ضرورة لحفظ الأمن، إلاّ أنه لا ينبغي أن يكون بديلاً عن ضرورة ملازِمةٍ أخرى، وهي احترام الحقوق والحريات، وليس هناك ما يبرّر من انتهاكات حقوق الإنسان بزعم الحفاظ على الأمن ومحاربة الإرهاب. ويعتمد نجاح الدول في قدرتها على إزالة هذا التعارض والموازنة بين مهمة مكافحة الإرهاب، وهي مهمة جليلة، وإنْ كانت أسبابها اقتصادية واجتماعية وثقافية ودينية ونفسية وغيرها، وبين مهمة الحفاظ على الحقوق والكرامة الإنسانية، سواءً على مستوى كل بلد أو على المستوى الدولي، لأنها تمثّل جوهر العدالة الإنسانية، لا سيّما وأن كل مهمة تكمّل الأخرى ولا يمكن الاستغناء عن أحدهما لحساب الأخرى، لأن ذلك سيحدث خللاً جسيماً في المعادلة الإنسانية.
إن الإخلال بمسألة تأمين احترام حقوق الإنسان، ستؤدي إلى اختلالات لا محال في المسألة الأمنية، وقد ذهب ميثاق الأمم المتحدة إلى اعتبار مهمة صيانة السلم والأمن الدوليين ترتبط بمسألة احترام الحقوق والحريات، وهو ما يثبته على نحو تفصيلي الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وفيما بعد في العهدان الدوليان الصادران عن الأمم المتحدة حول الحقوق المدنية والسياسية، والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، العام 1966 واللذان دخلا حيّز التنفيذ في العام 1976.
ولا بدّ لمكافحة الإرهاب، من اعتماد تشريعات وآليات تنسجم مع اللوائح والاتفاقيات الدولية، علماً بأن هناك فارقاً بين قواعد القانون الدولي وتوازن القوى في الظرف الراهن بما يطلق عليه "الشرعية الدولية" مجسّدة بقرارات مجلس الأمن، مثلما هو الفارق بينها وبين الشرعة الدولية لحقوق الإنسان لحماية حقوق الأفراد والمجتمعات وصيانة المؤسسات والمرافق الحيوية، وذلك يحتاج إلى تعاون وطني في كل بلد عربي وعلى المستوى القومي والدولي لتنسيق الجهود الحكومية وغير الحكومية، لاستكمال منظومات ومقاربات تحترم حقوق الإنسان، وتعمل على حماية الإنسان وكرامته وعدم تعريضه للتعذيب أو للاختفاء القسري أو الحجز التعسفي أو العقاب الجماعي، وهي إجراءات طالما التجأت "إسرائيل" إلى نقيضها ضد الشعب العربي الفلسطيني، بما فيها عدوانها الأخير على غزة المعروف بـ "عملية الجرف الصامد" وسعيها لتهويد القدس الشريف والإجراءات غير المسبوقة التي اتخذتها ضد المسجد الأقصى في محاولة لتغيير معالمه.
إن التعاون الوطني بين المؤسسات الأمنية ووزارات الداخلية وبين منظمات المجتمع المدني، وخصوصاً هيئات وجمعيات حقوق الإنسان أمر بالغ الأهمية، ويوفّر فرصة مناسبة لتقليص حجم الهوّة التي تفصل الجهات الحكومية والمنظمات غير الحكومية، وفي المجال الذي نتحدّث عنه، لا بدّ من تأمين وظيفتين متلازمتين الأولى - حماية الحقوق والحريات، والثانية حماية الأمن والقضاء على الإرهاب، الطريق الذي لا غنى عنه للاستقرار وتعزيز احترام حقوق الإنسان، وهو ما يمكن أن نطلق عليه "الأمن الإنساني" كما جاء في سورة قريش في القرآن الكريم «...الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ».
كما أنه لا يمكن تحقيق التنمية مع استمرار الإرهاب، ولذلك يصبح ضرورياً لأي ازدهار في أي حقل اقتصادي أو اجتماعي أو ثقافي أو علمي أو قانوني، تحقيق الأمن لأنه شرط كل تنمية. وكان لأحداث الربيع العربي وانهيار الشرعيات القديمة أن تصدّع الأمن وتفشى الإرهاب والعنف والفساد المالي والإداري، خصوصاً بعد تعثر بناء الشرعيات الجديدة، واستشرت حالات الفوضى والانفلات التي رافقت حركات التغيير وأعقبتها، لا سيّما بعد سنوات طويلة من الاستبداد والمركزية الصارمة.
ومثلما تعتبر حقوق الإنسان مقدسة، فإن الحق في الأمن والحق في الأمان والحق في السلام والحق في محاربة الإرهاب هي حقوق أساسية مقدسة أيضاً، ولا يمكن للتنمية أن تحدث من دونها، الأمر الذي يتطلب المزيد من إعمال حكم القانون والشفافية وتعزيز مكانة الدولة الوطنية والحفاظ على كيانيتها، بوجه محاولات التشظي والتديين والتطييف والأثننة، تلك التي تحاول الانتقاص من وظيفة الدولة الوطنية، لا سيّما بسبب السياسات الخاطئة وعدم الاعتراف بحقوق المجاميع الثقافية والدينية والإثنية، وهو ما يتطلب معالجة صريحة وجادة وشفافة وبروح المسؤولية وعلى أساس المواطنة والمساواة لمواجهة هذه الإشكاليات، وفي الوقت نفسه مجابهة التحدّيات التي تتعلّق بمكافحة الارهاب وتجفيف منابعه والقضاء على بيئاته الحاضنة ومصادر أمواله، خصوصاً ما له علاقة بتجارة المخدرات والسلاح وغسيل الأموال والاتجار بالبشر.
باحث ومفكر عربي



29
الحوار العربي - التركي
           
عبد الحسين شعبان
إذا كانت السياسة تفرّق في الكثير من الأحيان، لاسيّما بين ما هو ظرفي وآني وطارئ، وبين ما هو ثابت واستراتيجي وبعيد المدى، فإن التاريخ والجغرافيا والثقافة والدين تشكل ركائز أساسية للعلاقات بين البشر، وهو الأمر الذي ينطبق على العلاقات العربية - التركية، على نحو وثيق . وإذا ما أضفنا إلى هذه الركائز الاقتصاد وهو "التعبير المكثف عن السياسة" والتعليم باعتباره شرطاً لا غنى عنه للتطور والتنمية، فسنكون أمام مشهد مستقبلي شامل لا يعظّم الجوامع والقواسم المشتركة فحسب، بل يقلل من الفوارق والاختلافات، على حد التعبير الأثير للأمير الحسن بن طلال في الحوار العربي - التركي للعلوم الاجتماعية .
وإذا كانت المبادرة لهذا الحوار قد جاءت من مثقفين وأكاديميين ومنشغلين في البحث العلمي، فإن الأمر لا بدّ من أخذه على محمل الجد، خصوصاً عندما تعرض القضايا بشفافية ونقد وتبادل رأي، إزاء ما هو مبدئي ومصلحي، وإزاء ما هو مفيد ونافع، ويمكن أن يؤسس لقاعدة تفاهم ومشتركات ذات أبعاد إنسانية، ولعلّ هذا ما حصل في عمّان في إطار عمل رصين شارك فيه نحو 150 باحثاً وأكاديمياً نصفهم من العرب والنصف الآخر من الأتراك وقدّمت فيه نحو 80 ورقة عمل، وتم الخوض فيه في قضايا ذات اهتمام مشترك وأبعاد مستقبلية من دون نسيان الواقع الراهن، والعمل على الارتقاء به ليكون أساساً للتطور المستقبلي .
ولعلّ هذه ليست المرّة الأولى التي ينتظم فيها حوار المثقفين والأكاديميين العرب والأتراك، بل إنها المرة الرابعة، ولكن ما يميّز هذه المرّة عن سابقاتها، أنها حملت عنواناً مهماً ومثيراً وهو "الاقتصاد والتعليم والتنمية" وكانت الجهات المنظمة والتي دعت لهذا الحوار لجنة استشارية موسعة هي ثلاث: منتدى الفكر العربي (مقرّه عمان) ومعهد التفكير الاستراتيجي (مقره أنقرة) وجامعة البتراء (عمان) مؤكدة أن الهدف المباشر من هذا الحوار هو تقوية العلاقات الأكاديمية والعلمية بين العرب والأتراك لتكون إطاراً تنويرياً وإرشادياً للعلاقات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية .
لقد كان لانحلال الدولة العثمانية بعد نهاية الحرب العالمية الأولى 1914-1919 وقيام الجمهورية التركية لاحقاً وتحرر العديد من البلدان العربية من أنظمة الانتداب والتبعية المباشرة وغير المباشرة التي حكمتها، فرصة جديدة لإعادة تنظيم العلاقات العربية - التركية على أسس جديدة، بافتراض احترام القواعد القانونية ومبادئ السيادة وحق تقرير المصير والمصالح المشتركة والمنافع المتبادلة وبمراعاة الخصوصية الوطنية والقومية لكل بلد من البلدان، على الرغم من اتخاذ هذه العلاقات مسارات مختلفة، من جهة التحالفات السياسية والعسكرية والتوجهات الاقتصادية والأرضية الثقافية، لكنها ظلّت محكومة بعوامل التواصل الحضاري التي تفرضها علاقات الجيرة والدين والتاريخ والثقافة، وهي مشتركات لا يمكن استبدالها أو إلغاؤها، مع أن الفجوة كانت كبيرة في مجالات متعددة ومختلفة أخرى .
وإذا كان الاقتصاد عصب الحياة فإنه لا بدّ أن يصب في مصلحة التنمية، ولاسيّما في قطاع التعليم والتحوّل إلى الاقتصاد المعرفي والانتاجي وتأهيل القوى العاملة، وكذلك في إطار تجسير الفجوة بين التعليم ومخرجاته وحاجة المجتمع، وقد اغتنت تركيا والعالم العربي بتجارب متنوعة وجرّبت مسارات مختلفة، خصوصاً أن العالم توصّل في العقود الثلاثة الماضية وفي إطار البرنامج الانمائي التابع للأمم المتحدة، إلى أن هناك فوارق كبيرة بين النمو الاقتصادي والتنمية الشاملة ذات الأبعاد الاجتماعية، والتي عرفت في الأدبيات الاقتصادية الدولية "بالتنمية المستدامة" التي تشمل التنمية السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والقانونية والتربوية والتعليمية والصحية والنفسية والغذائية والبيئية وغيرها .
ولعلّ الحوار العربي- التركي، لاسيّما بشقه الأكاديمي يمكن أن يسهم في الكشف عن حقول للتعاون (بين العرب والأتراك) ويساعد على الوصول إلى تفاهمات جديدة لتجاوز تجارب الماضي وآثاره وسوء الفهم عن طريق النقد والتصويب وتفهّم الدوافع والأسباب والبناء على ما هو إيجابي ومشترك والتفاعل الحضاري بما يخدم التنمية والمصالح المشتركة، الأمر الذي يخلق حالة من التواصل المستمر، لما فيه خير شعوب المنطقة .
وإذا كان المؤتمر يستهدف رأب الفجوة الفكرية والأكاديمية، كما جاء في الكتاب التعريفي الذي تضمن خلاصات الدراسات والأبحاث، فإنه بلا أدنى شك سيطرق أبواباً كانت موصدة في ظل سياسات الانغلاق والتباعد السابقة، وذلك من خلال اللقاءات المباشرة بين الأكاديميين والمفكرين العرب والأتراك، إضافة إلى نظرائهم الدوليين المهتمين بالشؤون العربية- التركية . وقد عبّرت عن ذلك الطموح الكلمات التي قيلت في افتتاح المؤتمر من الجانبين التركي والعربي، في أن يكون هذا الجهد إطاراً مؤسسياً منظماً يضمن الاستمرارية والفاعلية للحوار والتواصل بين جميع الأطراف، وهو خطوة ضرورية لتأسيس جماعة علمية معنية بالعلوم الاجتماعية وتهتم بجميع قضايا الشرق الأوسط وتقدّم رؤى جديدة وفق منهجية ومنظورات بديلة للقضايا الدولية، لتقديم معرفة عميقة لصانعي القرار وتبادل الخبرات وإزالة سوء الفهم والصورة النمطية كل عن الآخر ودعم التعاون والمشروعات والأبحاث المشتركة ودعم الباحثين الشباب .
جدير بالذكر أن المؤتمر الأول للحوار الأكاديمي العربي- التركي بدأ في أنقرة عام 2010 عشية ما سمّي بالربيع العربي، وكان المؤتمر الثاني انعقد في القاهرة عام 2012 بعد المتغيرات التي شهدتها المنطقة، بما فيها من آمال واحباطات بسبب اندلاع موجات العنف والإرهاب، وقد انعقد المؤتمر الثالث في اسطنبول في العام 2013 للتوقف عند دراسة خصائص الدولة وقضايا العدالة والشباب، والمؤتمر الرابع في عمّان ،2014 حيث تم تكريسه لقضايا الاقتصاد والتعليم والتنمية، وتكتسب العلاقة بين الاقتصاد والتعليم أهمية استثنائية في بلداننا ومنطقتنا حيث تزداد معدّلات البطالة والفقر، ولا يزال العالم العربي على الرغم من كل ما بذله في الماضي من وسائل لمكافحة الأمية، يعاني من الأمية الأبجدية، ناهيكم عن معاناته الأمية التي تتعلق باستخدام وسائل الاتصال الحديثة وما له علاقة بالعلم والتكنولوجيا .
وقد كانت التكنولوجيا والبحث العلمي والتنمية المستدامة إحدى المحاور المهمة التي جذبت نقاشاً "قديماً - جديداً" وهو ما كان طرح في الخمسينات والستينات، إزاء أي نظام اجتماعي يتم اختياره، في إطار الصراع الآيديولوجي والحرب الباردة، ومواقف دول عدم الانحياز، ومفاده هل هناك علاقة بين التكنولوجيا والأيديولوجيا؟ وهل التكنولوجيا بريئة؟ وهل بالإمكان فصل التكنولوجيا عن حقوق الإنسان؟
إن الحوار العربي- التركي يصبّ في سياق حوار الحضارات وتواصل الثقافات، بما يتطلب من تبادل للخبرات والتجارب ومعرفة كل طرف للآخر على المستوى الخاص والعام، والاتفاق على برامج عملية قابلة للتطبيق وبجهد تشاركي في إطار استراتيجيات واضحة، ولا شك في أن أي جهد في هذا المجال، سيلتقي مع جهد عريض وواسع يستهدف مجابهة التحدّيات، خصوصاً قضايا التعصب والتطرف الديني والمذهبي والإثني وإشكاليات ومشكلات الإرهاب والإرهاب الدولي واستشراء العنف، الأمر الذي يتطلّب لغة الحوار بدلاً من الاحتراب على المستوى الداخلي أو في العلاقات بين بلدان المنطقة وعلى النطاق العالمي، بما فيها العلاقات العربية - التركية، فيما يتعلق بالتدخل بالشؤون الداخلية وقضايا الحدود، إضافة إلى القضايا ذات البعد الاستراتيجي وهي الطاقة والمياه والتكنولوجيا والبيئة، وهي وقواسم مشتركة لا بدّ من التعاون الدائم بشأنها لما يعود بالخير على شعوب المنطقة جميعاً .



30
غائب طعمة فرمان
مهندس الرواية البغدادية!
عبد الحسين شعبان

" يكاد يكون غائب طعمة " فرمان الكاتب العراقي
 الوحيد الذي يركّب أشخاصه وأحداثه ورواياته
تركيباً حقيقياً".
جبرا ابراهيم جبرا

إذا كانت الرواية الروسية قد خرجت من معطف غوغول، فإن الرواية العراقية الحديثة قد خرجت من إحدى حارات بغداد ومحلاتها القديمة، وذلك عندما صدرت رواية "النخلة والجيران" لغائب طعمة فرمان في العام 1966، الذي يعتبر بحق رائد الرواية العراقية، وزادها انتشاراً وذيوعاً إقدام فرقة المسرح الفني الحديث على اعتمادها وإخراجها كمسرحية، الأمر الذي وسّع من نطاق الجمهور الذي تأثّر بها، لاسيّما بالعدد الكبير الذي شارك فيها من كبار الممثلين، إضافة إلى مخرجها قاسم محمد.
وقد عكست رواية "النخلة والجيران" الحياة البغدادية بكل تفاصيلها وتناقضاتها، قاعها وسقفها، لاسيّما خلال فترة الحرب العالمية الثانية، فقد أطلّ غائب طعمة فرمان من خلالها على هموم الناس ومعاناتهم والمشكلات الاجتماعية والاقتصادية، إضافة إلى هواجسهم ومخاوفهم. وحسب زهير شليبه في كتابه عن غائب طعمة فرمان الصادر في العام 1996 وهو دراسة أكاديمية لنيل الدكتوراه، فإن النخلة والجيران هي "أول رواية عراقية فنية تتوافر فيها مقوّمات النوع الروائي بمواصفاته الأوروبية الحديثة".
نهل غائب طعمة فرمان من ثلاثة منابع أساسية، وذلك حين تحدث عن تجربته، ويمكن استخلاصها من: الأول-  التراث العربي  ولاسيّما الشعر، وهو ديوان العرب كما يقال، فقد قرأ عيون الشعر القديم والحديث وحاول أن يصبح شاعراً، لكن القصة والرواية استهوته، فترك ذلك، وكان قد تأثر بكتب النثر الشهيرة منها : أدب الكاتب والكامل والبيان والتبين وكتاب النوادر. الثاني- الأدب المعاصر والحديث من خلال الترجمات التي كانت تصل إلى العراق خلال فترة الحرب العالمية الثانية، سواء من مصر أو سوريا ولبنان، وقد قرأ الكثير من الأدب الفرنسي والإنكليزي والروسي. الثالث – الثقافة والحياة المصرية، حيث كان قد ذهب إلى مصر بعد إصابته بالتدرّن الرئوي لغرض العلاج، ولإكمال دراسته في كلية الآداب، وقد أتاح له ذلك وهو في بدايات تكوّنه وتبلور شخصيته الإبداعية، الاحتكاك واللقاء المباشر بجو القاهرة الثقافي المزدهر آنذاك، إضافة إلى تردّده على مجالس الأدباء المصريين الكبار مثل: سلامة موسى ونجيب محفوظ وغيرهما.
وإذا كانت هذه تشكّل المصادر الأولى لثقافته، فإن عمله في الصحافة الأدبية في منتصف الخمسينيات وعيشه في سوريا ولبنان والقاهرة وبكين وموسكو، واختلاطه بحياة أمم وشعوب صديقة وشقيقة، أكسبه أفقاً واسعاً وشذّب من جملته وأضفى عليها جمالية خاصة، لاسيّما، وقد امتاز أسلوبه بالواقعية النقدية.
وإذا كانت بغداد بأزقتها ونسائها وحاناتها وجوامعها وتجاذباتها السياسية والفكرية حاضرة في "النخلة والجيران" وفي رواياته الأخرى منذ مجموعته القصصية الأولى " حصاد الرحى" المنشورة في العام 1954، فإن رواية "المركب" وهي آخر رواية له، وصدرت في العام 1989، شكّلت خروجاً على هذا المألوف، حين تناولت "المنفى والحنين إلى الوطن"، لكنه استلهم ذلك بسرديته الذاتية، ومن استعادة مخزونه الكبير الذي يتمثّل في بغداد وحياتها وديناميكيتها، وتناقضاتها، وقد ظلّت بغداد القديمة المكان الأثير الذي ينهل منه حتى آخر قطرة من حياته، لاسيّما وقد عاش في الغربة نحو ثلاثة عقود من الزمان. وحاول في رواية "المرتجى والمؤجل" التي تناولت شؤون الاغتراب،الابتعاد قليلاً، لكن جذوره الأصلية ظلّت لصيقة بالمكان والزمان الذي عاش فيه، فغائب طعمه فرمان مثل نخلة عراقية باسقة ضربت جذورها عميقاً في الأرض العراقية، وقد لا تستطيع العيش في غير تربتها، فتراه دائم العودة والحضور لبغداده التي يستعيدها كسرديات لرواياته التي ظلّت تسبح في دجلة وتحلّق في سماء بغداد.
كان لإطلاع فرمان على الأدب العالمي وفيما بعد على الثقافة والأدب الروسي وامتلاكه ناصية اللغة الأجنبية للترجمة إلى العربية، أثر كبير في تقنياته الجديدة، ولاسيّما في روايته "خمسة أصوات" التي صدرت في العام 1967، ناهيكم عن تأثّره بالأسلوبية الحديثة، سواء من خلال قراءته وترجماته لدستوفسكي أو غوركي أو ليف تولستوي أو تورغنيف أو غوغول أو بوشكين أو شولوخوف أو الكسي تولستوي أو أتماتوف وغيرهم، وقد ترجم نحو 50 كتاباً من روائع الأدب الروسي حسب الناقد د. علي ابراهيم في أطروحته، المعنونة: الزمان والمكان في روايات غائب طعمة فرمان المنشورة في العام 2002، لكن عبدالله حبه في كلمته بمناسبة الذكرى الـ 20 لرحيله يقول أن عدد مؤلفاته المترجمة يتجاوز 84 كتاباً.
لعلّ هذا الاتساع والاطلاع هو ما أضفى على مخيلته السردية تنوّعاً وأفقاً وظّفه على نحو مثير، بعودته لأصوله الأولى وموطن الصبا والحارة البغدادية الأربعينية والخمسينية، ليستخرج لنا هذه الروائع البغدادية، ذات الأجواء العبقة، وحسب الروائي عبد الرحمن منيف، فإن من يريد أن يبحث في تاريخ العراق في تلك الفترة فعليه قراءة روايات فرمان، وكان مكسيم غوركي هو من قال: التاريخ لا يكتبه المؤرخون، بل الفنانون هم الذين يكتبون التاريخ الحقيقي للإنسان.
وإذا كانت رواية " جلال خالد" لمحمود أحمد السيد تعتبر الرواية الأولى (1928) وأعقبها روايات لعبد الملك نوري وذو نون أيوب وجعفر الخليلي وغيرهم، فإن رواية النخلة والجيران استكملت بنائها الفني وحبكتها الدرامية ولغتها السردية، بحيث يمكن اعتبارها الرواية التأسيسية الحقيقية للرواية العراقية الحديثة، وعلى هذا الرأي ربما يتفق الكثير من النقاد ومتذوقي أدب فرمان من المثقفين، خصوصاً وإن بغداد وحاراتها القديمة ومناطقها الفقيرة شكّلت الدلالة الرمزية المعبّرة، ببعدها الاجتماعي، والسسيوثقافي، من خلال سرديته النقدية تلك التي استخدمها ذاتياً من خلال رواية " خمسة أصوات" و"المخاض" و" ظلال تحت النافذة" وذلك بتقديم مشاهد سريعة وتركيزه أحياناً على شخصيات معينة، ثم تغيب ويعود إليها، ولا فرق لديه في الشخصيات الرئيسية أو الثانوية، حيث تتم عملية السرد ذاتياً أو من خلال الراوي.
عاش غائب طعمة فرمان في موسكو نحو 30 عاماً وتزوّج فيها وأنجب ولداً أسماه سمير، وارتبط بموسكو بوشائح كبيرة، ولعلّ حبّه لها واندماجه في حياتها وانخراطه في ترجمة  أعمال أدبية لخيرة أدبائها وتقديمهم إلى القراء العرب عبر دار نشر سوفيتية  كان قد وضعه ليس في خانة الأدباء المبدعين فحسب، بل في صف المترجمين المهمين على الصعيد العربي، الذين قدموا لنا روائع الأدب الروسي والسوفييتي في تلك الحقبة: قصة ورواية وشعراً.
كان غائب طعمة فرمان مثالاً للبساطة والشعبية والتواضع والصدق والتسامح، وقد تعرّف كاتب السطور عليه في العام 1973 في لندن التي كان يزورها للإشراف على جمعية الطلبة العراقيين ولحضور مهرجان توركي، حيث ترافقا ومعهما جلال الماشطة في السفر إلى توركي على الساحل البريطاني، وكان فرمان والماشطة قد قدما من موسكو، وكذلك قدِم من بغداد فخري كريم عن جريدة طريق الشعب، حيث كنّا بضيافة د. سعيد اسطيفان. وقد ذهب الكاتب مع فرمان لزيارة بعض المتاحف، وخصوصاً متحف مدام تيسو والمتحف البريطاني ومتحف التاريخ الطبيعي أو متحف آخر وتسكّع معه في الهايدبارك وبيكاديلي سكوير والطرف الأغر سكوير وغيرها واحتسى البيرة معه. وكان ذلك أول تعارف ولقاء مباشر معه، ثم التقى معه في دمشق وموسكو بعد ذلك.
إن روايات فرمان تعيد ذاكرتنا إلى الحياة البغدادية التي عرفناها في مقاهيها وحاناتها ومتناقضاتها وأمكنتها ذات الدلالة الرمزية .. كثير منّا يعرفون مقهى ياسين ومقهى بلقيس وبالطبع مقاهي البلدية وعارف آغا والزهاوي والشابندر والبرازيلية، كما يستدلّون على بار كاردينيا وحانة النصر وغيرها، تلك التي كانت تشكّل مرتعاً لحكايات فرمان.
ولد غائب طعمة فرمان في بغداد في حاراتها الشعبية العام 1927 وتوفي في موسكو في 18 آب (أغسطس) 1990، أي بعد نحو 9 سنوات من وفاة الروائي أبو كَاطع " شمران الياسري" وإذا كان أبو كَاطع روائي الريف بحق، كتب عنه ومنه وإليه ومن خلاله إلى العالم، فإن غائب طعمة فرمان هو روائي المدينة بامتياز، لاسيّما بغداد، وكان شاهداً على تحوّلات مفصلية حدثت فيها منذ الحرب العالمية الثانية وما أعقبها من تغييرات دراماتيكية لم يكن غائب طعمه فرمان، غائباً عنها، بل شكّلت الخزين الذين نسج منه حكاياته وقصصه ورواياته واستطاع من خلاله بناء شخصياته على نحو محكم ووثيق، مثلما حاول أبو كَاطع أن يستمد إلهامه من حياة الريف وتناقضاته وأوهامه، بفلاحيه وسراكيله وإقطاعيه، إضافة إلى حكايات عشق وتمّرد.
وكان الكاتب قد سأل أبو كَاطع عن غائب طعمة فرمان، فقال بعد أن استعدل في جلسته، كنت أسعى لبناء شخصياتي على نحو شديد التماسك مثلما كان فرمان يفعل، بل يعرف كل شخصية ماذا تريد، وكيف بدأت وإلى أين ستنتهي ويتعامل معها كلّها بحنو ورعاية. يقول أبو كَاطع: قرأت رواية النخلة والجيران أكثر من ثلاث مرّات، مثلما فعلت مع رواية خمسة أصوات، ولكنني في كل مرّة كنت أعود لأكتشف شيئاً جديداً في حبكته الدرامية وفي ملمح جديد لإحدى شخصياته غاب عني.
أما فرمان فقد قال عن أبو كَاطع: "إنه إنسان ثابت في أرضه، يعرف كل شبر منها، عاليها وسافلها ، حلوها ومرّها، مذاقها وثمارها وملوحة عرق الكدح فيها... لقد وجدت نفسي أمام وضع دقيق لجوانب حيّة وشخصيات سمعت بحّة صوتها في أذني. كنت أمام ما يشبه موسوعة الريف ولكن كاتبها أديب جعل كل شيء يدبّ حيّاً"
تتلخص أعماله القصصية والروائية بمجموعة مهمة هي: حصاد الرحى (مجموعة قصص) 1954 ومولود آخر 1959 (مجموعة قصص) وروايات هي النخلة والجيران 1966 وخمسة أصوات 1967 والمخاض 1973 والقربان 1975 وظلال على النافذة 1979 وآلام سيد معروف 1980 والمرتجى والمؤجل 1986 والمركب 1989.
أما أهم ترجماته فهي ترجمة أعمال تورغييف (خمسة مجلّدات) والقوزاق لتولستوي ومجموعة قصص لدستوفسكي ومجموعة قصص لغوركي والمعلم الأول لاتماتوف ومجموعة أعمال الشاعر بوشكين، ولاشين عملاق الثقافة الصينية وغيرها.

*الأصل في هذه المادة مقابلة مع إذاعة النور في بيروت ، نوفمبر (تشرين الثاني) 2014.


31
الاعتراف السويدي بدولة فلسطين.. ماذا يعني؟
عبد الحسين شعبان
قرّرت الحكومة السويدية في 30 (اكتوبر) الماضي 2014، الاعتراف الرسمي بدولة فلسطين، وذلك في خطوة مهمة واستباقية بالنسبة لدول الاتحاد الأوروبي، خصوصاً لما تنطوي عليه من إقرار بحق الشعب العربي الفلسطيني في تقرير مصيره والاعتراف بمعاناته المزمنة، ليس كمجموعة لاجئين، بل كشعب له الحق في الحياة وتأسيس دولة على أرضه واستعادة حقوقه الوطنية المعروفة في نطاق القانون الدولي. وقالت وزارة الخارجية السويدية في بيان لها لتفسير خطوتها التاريخية: إن هذا القرار يأتي في وقت حرج، وذلك بسبب توقف مفاوضات السلام في العام الماضي (2013)، الناجم عن استمرار إسرائيل في بناء وحدات استيطانية جديدة في الضفة الغربية، الأمر الذي أعاق مشروع «حلّ الدولتين». واعتبرت السويد قرارها بمثابة مساهمة في بناء مستقبل أفضل في المنطقة التي شهدت تعثر المفاوضات، إضافة إلى الدمار وخيبة الأمل.
ولعلّ الأسباب السويدية لهذه الخطوة غير المسبوقة اسكندينافياً ومن دول الاتحاد الأوروبي، فيمكن تحديدها حسبما جاء ذكره رسمياً بـ:
1- دعم الفصائل الفلسطينية المعتدلة، تلك التي ستقوم بإدارة بناء الدولة الفلسطينية، التي سوف تعود إلى طاولة المفاوضات.ولعلّ ذلك يأتي بعد تأسيس حكومة الوحدة الوطنية وبعد المصالحة بين حماس وفتح.
2- تسهيل الوصول إلى اتفاق متساو بين الطرفين في المفاوضات القادمة، من أجل تمكين الفلسطينيين والإسرائيليين من العيش ضمن حدود معترف بها من قبل الطرفين، أي ضمن حدود العام 1967 وأن تصبح القدس عاصمة للدولتين. ولا شكّ أن ذلك يأتي متزامناً مع عدوان إسرائيل على غزة وهو العدوان الثالث خلال ستة أعوام، وكذلك بعد حصار شامل ضدها يستمر منذ العام 2007، كما يأتي في ظل التوتر الذي تشهده القدس، خصوصاً بعد محاولات اقتحام المسجد الأقصى والسعي لتغيير معالمه.
3- رغبة السويد في المشاركة بخلق المزيد من الأمل والإيمان لدى الشباب الفلسطيني والإسرائيلي، وذلك لمنع التطرف المحتمل والتوجّه صوب خلق بديل للعنف. وهذا يندرج ضمن المساعي الدولية لمكافحة الإرهاب الدولي ووضع حد لمظاهر التعصّب والتطرّف والغلو التي تسببّها سياسات القمع والتنكر للحقوق.
وقالت الحكومة السويدية إنها تريد أن ترسل رسالة إلى طفل فلسطيني ونظيره إسرائيلي شهدا ثلاث حروب (المقصود حرب العام 2008-2009 «عملية الرصاص المصبوب» وحرب العام 2012 «عملية عمود السحاب»، وحرب العام 2014 عملية «الجرف الصامد») واستهدفت الحكومة السويدية خلق إمكانية للتوصل إلى اتفاقية سلام بين دولة فلسطين إلى جانب دولة إسرائيل في ظل سلام وأمن وحكومات ديمقراطية ومتماسكة ودولتين قابلتين للحياة، وذلك جزء من دعمها لمشروع حلّ الدولتين الذي سبق أن أيدته الكثير من الدول بما فيها الولايات المتحدة، وإن كانت تريده مقنناً طبقاً لمواصفات «إسرائيل»، لكن دولة فلسطين حظيت بتأييد عالمي شمل أكثر من ثلاثة أرباع أعضاء الأمم المتحدة البالغ عددهم اليوم 194 دولة حالياً.
وترى السويد أن المعيار القانوني الدولي بخصوص مبدأ الاعتراف بالدولة الفلسطينية هو معيار عادل وينسجم مع القواعد القانونية الدولية العامة، على الرغم من أن فلسطين لا تملك حدوداً حالياً، لكن هناك سكانا وحكومة وعلاقات داخلية وخارجية، يضاف إلى ذلك ثقة المجتمع الدولي بإمكانية إقامة دولة فلسطينية وتحمّل واجبات هذه الدولة. ولعلّ هذا ما يفرضه الواقع الحقيقي على الرغم من عدم التمكّن من فرض السيطرة الكاملة على الضفة الغربية وقطاع غزة، لكن حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية واتفاقية المصالحة بين فتح وحماس يمكن أن تعززا القدرة الداخلية.
لعلّ هذه ليست المرّة الأولى التي تقدم فيها السويد على الاعتراف بدولة لا تزال تنقصها بعض المقومات التقليدية عند قيام الدول كما جرت الإشارة إليها، فقد سبق لها الاعتراف بكرواتيا في العام 1992 ودولة كوسوفو في العام 2008 على الرغم من عدم بسط سيطرتها الكاملة على بعض المناطق، وهو ما كان وراء القرار السويدي بشأن الدولة الفلسطينية.
جدير بالذكر أن الاتحاد الأوروبي أبدى استعداده للاعتراف بالدولة الفلسطينية العام 2008، ولذلك فإن المبادرة السويدية تصب في هذا الاتجاه، والسويد تريد أن تؤكد للآخرين أي لشركائها، الطريق الصحيحة التي اختارتها. وتطمح السويد بعد الاعتراف بدولة فلسطين إلى تعزيز الجهود الرامية لدعم الديمقراطية وحقوق الإنسان في فلسطين، ولاسيّما الحقوق المدنية والسياسية وتعزيز دور المرأة ووقف العنف ومكافحة الفساد، وكلّ ذلك سيكون ممكناً عند إعادة فتح المفاوضات وفقاً لمبادئ القانون الدولي، ومن أجل ضمان الحق الشرعي للفلسطينيين، والمطلوب حدود آمنة ومعترف بها وفقاً للتعايش السلمي وهو الهدف المركزي للاعتراف السويدي.
لقد حاولت إسرائيل إلغاء أو تعطيل القرار السويدي ومنع المبادرة السويدية، التي تأسست عبر قناعات طويلة ودراسة متأنية، ولهذا لم تتمكن إسرائيل من تحقيق غايتها حتى عند اللجوء إلى واشنطن لممارسة ضغوطها للجم المبادرة السويدية.
وإذا كان هذا ما حاولته إسرائيل فعلى العرب بشكل عام والفلسطينيين بشكل خاص دعم المبادرة السويدية وتعزيز العلاقة مع السويد في سبيل تحقيق أهداف الشعب العربي الفلسطيني في العودة إلى أرضه وإقامة الدولة الوطنية فوق ترابها، خصوصاً بمنع تهويد القدس، باعتبارها عاصمة لدولة فلسطين وإن قرار ضمها من جانب الكينيست العام 1980 يعتبر باطلاً ولاغياً.
وتأسيساً على ذلك دعوة المجتمع الدولي للعودة إلى القرار 181 لعام 1947 الذي تأسست بموجبه دولة إسرائيل وهو المعروف بقرار التقسيم، وإلى القرار 194 لعام 1948 الخاص بعودة الفلسطينيين، وإلى القرار 242 لعام 1967 والقرار 338 لعام 1973، بالعودة إلى حدود العام 1967 والانسحاب من الأراضي المحتلة وإقامة الدولة الفلسطينية القابلة للحياة والعيش، مع ضمانات دولية وهو ما كانت إدارة كلينتون قد توجهت صوبه في نهاية عهدها وكذلك إدارة الرئيس بوش الابن في ولايته الثانية، وما وضعه الرئيس أوباما في بداية ولايته الأولى العام 2009، أي العمل على إنجاز «حل الدولتين» حتى وإن كان يمثل الحد الأدنى بالنسبة للشعب العربي الفلسطيني.
إن الخطوة التي أقدمت عليها الحكومة السويدية، جاءت بعد تأييد 138 دولة لقبول فلسطين كعضو في الأمم المتحدة في 29/11/2012، وقد أظهر ذلك التصويت مدى عزلة إسرائيل التي تحاول التعويض عن ذلك بشنها العدوان المتكرر على غزة، حيث كانت ومع واشنطن وسبع دول فقط ضد قرار الجمعية العامة بقبول دولة فلسطين كعضو في الأمم المتحدة.
ويأتي القرار السويدي بعد العدوان الإسرائيلي على غزة الذي دام 51 يوماً وأنزل دماراً هائلاً بأهلها في البشر والحجر والبيئة وترك نحو ربع سكانها نازحين أو ما يشبه ذلك، وكذلك في ظل مواجهة أهل القدس للتطرف الصهيوني الذي طال المسجد الأقصى وأدى إلى اقتحامه من جانب متطرفين وإغلاقه لاحقاً من جانب السلطات الإسرائيلية، وبالضد من قرارات الأمم المتحدة، حيث تستمر إسرائيل منذ العام 1967 باحتلال القدس وضمّها على نحو غير شرعي وغير قانوني، بل وباطل حسب مجلس الأمن منذ العام 1980.
هل يمكن أن تشكل المبادرة السويدية أساساً لجهد عربي وفلسطيني من أجل أن تعترف المجموعة الأوروبية كلّها أو دولة بعد أخرى بالدولة الفلسطينية في إطار تصاعد الموجة العنصرية الإسرائيلية، التي ضاقت بها السويد وأوروبا ذرعاً، وهذا يتطلب المزيد من الوحدة الفلسطينية والعمل مع البلدان العربية وجامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي في موقف موحّد أساسه دعم دولة فلسطين وتشجيع العالم على الاعتراف بها.
ولعلّ مثل هذا الجهد لقي تأييداً عالمياً في السابق، فما بين العام 1967 والعام 1973 وبُعيدها قطعت نحو 30 دولة أفريقية علاقتها مع إسرائيل، وكانت الدول الاشتراكية السابقة جميعها باستثناء رومانيا تقطع علاقاتها الدبلوماسية مع إسرائيل، وحازت منظمة التحرير الفلسطينية على اعتراف عالمي باعتبارها الممثل الوحيد والشرعي عن الشعب العربي الفلسطيني وأصدرت الأمم المتحدة في العام 1975 القرار رقم 3379 القاضي بمساواة الصهيونية بالعنصرية، وهو القرار الذي استند على خلفيته مؤتمر ديربن ضد العنصرية العام 2001 فدمغ الممارسات الإسرائيلية بالعنصرية.
ولعلّ سبباً آخر يعرفه السويديون جيداً يدفعهم لهذه الخطوة المتقدمة، ففي 17 سبتمبر من العام 1948 لجأت العصابات الصهيونية إلى اغتيال الوسيط الدولي (السويدي) الكونت فولك برنادوت الذي كان يشغل منصب رئيس الصليب الأحمر السويدي، وذلك بعد إصداره الكتاب الأبيض القاضي بكون أغلبية سكان القدس هم من العرب، مقترحاً وضعاً خاصاً للمدينة، ولهذا فهي تدرك حجم الظلم الواقع على الشعب العربي الفلسطيني.





32
ميناء العطر وثورة المظلات
                     
عبد الحسين شعبان

على الرغم من سوء الأحوال الجوية والأمطار الهائلة ظلّت أعداد متظاهري هونغ كونغ تتزايد، في مشهد سينمائي مثير، وهم يحملون المظلات الملونة . حصل ذلك عشية العيد الوطني للصين التي أطلق عليها ماوتسي تونغ الزعيم الشيوعي الشهير "الصين الشعبية" في عام 1949 بعد انتصار ثورتها .
السلطة المحلية عجزت عن احتواء الحراك المظلّي الذي يقوده الطلبة، كما عجزت عن تخويف سكان الجزيرة بأن هذا الحراك سيؤثر على المركز المالي المرموق الذي تحتله هونغ كونغ عالمياً، وكان الحراك قد طالب رئيس السلطة التنفيذية بالتنحي، وإلى مقاطعة العيد الوطني والإصرار على إبعاد هيمنة بكين على البرامج التربوية والتعليمية، ولكن هذه الأهداف المطلبية تقف وراءها نزعة استقلالية لا تريد الاندماج بالصين وخسارة أجواء الحرية والليبرالية التي تتمتع بها هونغ كونغ .
بكين من جهتها حاولت اعتبار ما يحدث في هونغ كونغ، شأن صيني داخلي بحت، ولا علاقة لأي جهة خارجية به، في محاولة للغمز من مواقف الدول الغربية، ولاسيّما الولايات المتحدة التي أعلنت تأييدها للمطالب الاحتجاجية، ولكن الصين تنسى مجدداً أن قضية حقوق الإنسان، أصبحت قاعدة من قواعد القانون الدولي، ولها صفة علوية على بقية القواعد الأخرى، الأمر الذي يحتاج إلى أخذه بنظر الاعتبار دون مغالاة أو تطرّف في الادعاء بأن ما يحصل في الصين لا يعني الغير، فبكين وواشنطن ولندن وباريس وبروكسل، مثلها مثل موسكو وطهران وصنعاء وبغداد ودمشق وبيروت، كل ما يحدث فيها إنما هو شأن كوني مشترك، بقدر كونه تعبيراً عن واقع محلي .
صحيح إن القوى المتنفذة والمتسيّدة في العلاقات الدولية تحاول تكييف القوانين والقواعد الدولية لصالحها بحكم قوتها الاقتصادية والعسكرية والتكنولوجية والعلمية والثقافية، وبحكم أنظمة الحكم فيها، الأمر الذي يضع البلدان النامية جميعها في خانة الاستهداف . وإذا كانت الصين لا تصرّح بأنها دولة عظمى وتزعم باستمرار أنها "دولة نامية"، على الرغم من عضويتها في مجلس الأمن الدولي والقوة المالية والاقتصادية الهائلة واحتياطيها من العملة والموارد الطبيعية التي تمتلكها وتقدمها التكنولوجي والعلمي وقوتها العسكرية، وهو ما تلمّسه الكاتب لدى حواره مع المعهد الصيني للدراسات الدولية في بكين خلال زيارته مع وفد منتدى الفكر العربي، والسبب أن الصين لا تريد أن تأخذ على عاتقها أو تلزم نفسها بما تقتضيه استحقاقات ومتطلبات الدولة العظمى، ناهيكم عن أن تجربة الاتحاد السوفييتي أمامها ولا تريد تكرارها، على الرغم من خفوت اللون الأيديولوجي .
الصين لا تريد لأحد التدخل في مسألة الاحتجاج الشعبي الذي شهدته هونغ كونغ مؤخراً، ولديها حساسية شديدة من ذلك، وسبق لها أن اتخذت مواقف حادة بشأن مسألة مسلمي الإيغور في مقاطعة شينجيانغ أو بخصوص بوذيي التيبت أو كاثوليك شنغهاي، وإذا استوجب الأمر فقد لا تبالي باستخدام القوة لإخضاع محتجي هونغ كونغ، وهذا ما كان يخشاه بعضهم، لأن تجربة ساحة تيان آن مين في عام 1989 لا تزال في الذاكرة العالمية، مثلما هي طرّية في الذاكرة المحلية .
لقد واجهت الصين تحدّيات كبيرة بخصوص الانتقال الهونغ كونغي إليها، لاسيّما أن هونغ كونغ التي خضعت للإدارة البريطانية طيلة 99 عاماً كانت تتمتع بنظام ليبرالي في حين أن الذي يحكم بكين على الرغم من الانفتاح في السنوات الأخيرة هو نظام شمولي لا تزال أسنانه قوية وحادة، وهو مستعد لقضم هونغ كونغ إن لم تخضع لما يريده لها .
وقد اضطرّت بكين إلى اتباع أساليب مرنة مع هونغ كونغ قياساً ببقية أجزاء الصين، لاعتبارات تاريخية ولكي يتم تقريبها تدريجياً للانضواء تحت لواء الصين الشيوعية، وهكذا ظلّت هونغ كونغ بمثابة دولة شبه مستقلة أو تتمتع بشيء من الاستقلال الذاتي . وكان يفترض أن يستمر الوضع حسب الاتفاق البريطاني- الصيني الذي حصل في عام 1997 للانتقال السلس لهونغ كونغ إلى الصين لمدة خمسة عقود من الزمان، أي حتى عام ،2047 لكن بعض السياسيين خشوا من ذلك وعملوا لتحقيق استقلال ناجز قبل أن يحين الموعد المقرر، حيث تم تحديد عام 2017 موعداً للانتخابات الرئاسية على طريق الاستقلال .
وإذا كان الغرب ولاسيّما الولايات المتحدة قد أيّدت المتظاهرين وندّدت بشدة بإجراءات الحكومة الصينية، فإن الأمر خلق حساسية داخلية شديدة لاتهام بعض أجزاء المعارضة بموالاة الغرب،وهو ذاته ما حصل في أوكرانيا، التي انغمست في احترابات لم تشف منها، لاسيما بعد قضم روسيا شبه جزيرة القرم، واستمرار الاتهامات الروسية لأوكرانيا بالولاء للغرب .
الخشية هي من البيئة الحاضنة للقوات الأمريكية التي قد تتفاعل مع قوات كورية جنوبية ويابانية وفلبينية وغيرها، ولكن هذه البلدان لا تحبّذ أي صدام مع الصين، وإنْ كان الجميع لا يؤيد فرض الصين هيمنتها على هونغ كونغ . وتدرك هونغ كونغ قيمتها وقوتها الاقتصادية ولا تريد لنفسها أن تكون بقرة حلوب تضخّ الأموال في شرايين الدولة الصينية دون أي مقابل يذكر، لكن أحلام الصين وطموحاتها كبيرة، وخصوصاً بعد استعادة ماكاو، وتريد الآن إدماج هونغ كونغ، خصوصاً وهي ترى في نفسها بوابة كوريا الشمالية عالمياً .
وإذا كانت الصين قد قضت على انتفاضات وحركات تمرّد لمسلمين وبوذيين فإن خروج هونغ كونغ اليوم لا يؤدي إلى خسارة اقتصادية للصين فحسب، بل يضعف من هيبتها في القارة الآسيوية وعلى المستوى الكوني، خصوصاً وهي التي استمرت بنعومة تتوغل في العديد من المجالات الحساسة، بما فيها إلى واشنطن عبر إمبراطورية اقتصادية واسعة وطموحات غير تقليدية .
ولعلّ الصراع بين النزعة الاستقلالية والنزعة التوحيدية سيستمر وقد يأخذ منحىً جديداً بعد الأحداث الأخيرة، خصوصاً وأن هناك نخبة سياسية واجتماعية ازدادت قوة بتلاحمها مع أوساط اليسار وهي تحتل مواقع مهمة في الإدارة، وتميل إلى "الوطن الأم" وبالتالي فهي لا تريد إقرار الاقتراع العام دون "قيود" من جانب بكين، التي تشترط تعيين المرشحين المقبولين لخوضه أو إذا كان الأمر عكس ذلك، فلا بدّ من إلغائه، أي إنها تريد النتيجة سلفاً وهذا يعني الإبقاء على ما هو قائم وانتخاب رئيس السلطة التنفيذية عن طريق الناخبين الكبار الذين يعتبرون في غالبيتهم الساحقة ممالئين للصين .
لعلّ ثورة المظلاّت هي أحد مآزق الصين الجديدة، فهي لا تستطيع أن تتخلى عن هونغ كونغ وتخشى حدوث فوضى، وفي الوقت نفسه ليس بوسعها إعادتها إلى الحظيرة باستخدام أسلوب تيان آن مين، حيث أغرقت الساحة بدماء المئات من الصينيين المحتجين عام 1989 .
ويظل "ميناء العطر" وهو ترجمة لكلمة هونغ كونغ، تتنازعه عوامل عديدة منها حلم بعض مواطني هونغ كونغ بالوحدة مع الصين ولكن بنظامين مختلفين، كما يتم التعبير عنه، أو باستقلال ذاتي يحفظ لهونغ كونغ خصوصيتها وهويتها الفرعية .



33
المسجد الأقصى.. وماذا بعد؟
عبد الحسين شعبان
أغلق المسجد الأقصى بقرار يكاد يكون نادرًا من سلطات الاحتلال «الإسرائيلي» خصوصًا بتصاعد التوتر على خلفية اغتيال الجيش «الإسرائيلي» الأسير المحرر معتز إبراهيم حجازي، حيث كانت وحدة خاصة قد تسلّلت إلى منزله واستهدفته مباشرة بإطلاق الرصاص عليه، وهي ترتدي زيًّا مدنيًا، وبعدها قررت سلطات الاحتلال منع الرجال الذين تقل أعمارهم عن 50 عامًا الدخول إلى حرم المسجد الأقصى.
لم يرضخ الفلسطينيون بالطبع وحاول المقدسيون كسر القيود التي فرضها الاحتلال، وقاموا بتشييع جنازة الشهيد حجازي، وأعلن اعتبار الجمعة 30 أكتوبر المنصرم يوم غضب لنصرة المسجد الأقصى ودعمًا لحق المقدسيين بالدفاع عن أنفسهم في مواجهة الاستيطان والتهويد.
وقد أعيد فتح المسجد الأقصى في القدس الشرقية يوم 31 أكتوبر الماضي، لكن حالة التوتر لا تزال مستمرة، خصوصًا باتساع مشاريع التهويد والاستيطان والقضم التدريجي للقدس.
وكان نائب رئيس الكينيست الإسرائيلي موشيه فيغلن قد اقتحم الحرم المقدسي بعد قرار فتحه أمام اليهود، وذلك بعد يوم واحد من دعوة رئيس الوزراء بينيامين نتنياهو أعضاء الكنيست بالتحلّي بضبط النفس فيما يتعلق بالمسجد الأقصى بعد احتجاجات واسعة.
وكانت ذريعة «إسرائيل» إزاء المسجد الأقصى هي محاولة اغتيال الحاخام «الإسرائيلي» المتطرف يهودا جليك، وهو المسؤول عن تنظيم عمليات اقتحام المسجد الأقصى والمسؤول في منظمة «أمناء جبل الهيكل» المتطرفة. وهكذا تجد «إسرائيل» كل مرّة أعذارًا جديدة لاستكمال مخططها الجهنمي بتغيير طابع المسجد الأقصى.
إن خطوة «إسرائيل» بإغلاق المسجد الأقصى غير مسبوقة منذ احتلالها للقدس الشرقية العام 1967، ولعلّها جزء من الخطة «الإسرائيلية» بتغيير الوضع القائم في المسجد الأقصى، وهي تكشف عن رغبة تل أبيب التي سبقت أن نفذتها بشأن الحرم الإبراهيمي في الخليل، وهكذا بدأت تتضح معالم الخطة الإسرائيلية بتحويل المسجد الأقصى من مسجد إسلامي تاريخي إلى جبل هيكل يهودي مزعوم.
وبالعودة إلى العام 1967 فقد سعى الصهاينة إلى احتلال القدس متخذين من بعض المزاعم الدينية حول الهيكل مبررًا للتهويد، وعمدت «إسرائيل» إلى إزالة الكثير من الأحياء والحارات العربية بدعوى تيسير زيارة اليهود لحائط المبكى، كما هي حارة المغاربة الشهيرة المجاورة لحائط المبكى المزعوم، وبدأت بإجراء حفريات حول المسجد الأقصى وتحته بدعوى البحث عن آثار هيكل سليمان، وكان لتلك الخطوات تأثيرات سلبية خطيرة على أساسات المسجد، لاسيّما توسيع الشوارع التي تخترق خط الهدنة وإعادة تبليطها من جديد، وهدم العشرات من المنازل العربية، وحلّ مجلس البلدية العربية، وإلحاقه ببلدية القدس التي تهيمن عليها.
وإذا كانت «إسرائيل» قد خاضت حروبها من أجل التوسّع والهيمنة وتحقيقًا لشعاراتها من النيل إلى الفرات وبالطبع من أجل الأمن، فإن موضوع القدس احتلّ مكانًا خاصًا في الصراع العربي- الإسرائيلي، ولم تأبه «إسرائيل» لقرارات الأمم المتحدة ومنظمة اليونسكو المعنية بالحفاظ على التراث والثقافة، ومطالباتهما بشأن احترام خصوصية القدس، ولاسيّما القسم العربي الذي تم احتلاله العام 1967، وضرورة وقف إجراءاتها لتغيير تركيبها السكاني، بل أقدمت على إصدار قرار من الكنيست في 30 يوليو (تموز) العام 1980 يقضي بضم القدس كجزء من التحدي للمجتمع الدولي ومشاعر المسلمين بشكل خاص والمتدينين بشكل عام، وخصوصًا عندما أعلنتها عاصمة أبدية موحدة لـ«إسرائيل»، علمًا بأن مجلس الأمن أصدر قرارًا اعتبر فيه قرار الكنيسيت غير قانوني وباطل، إذ إن القانون الدولي لا يعطي للدولة المحتلة الحق في الحصول على مكاسب سياسية جراء احتلالها للأراضي، ومنذ ذلك التاريخ والقدس يتم تهويدها بالتدريج، ولكن على نحو ممنهج ووفق خطط مدروسة.
وفي العام 1981 حفرت «إسرائيل» نفقًا شمال حائط المبكى وتحت المسجد الأقصى، وفي العام 1982 حاول مائير كاهانا قائد حركة كاخ الصهيونية المتطرفة تدمير قبة الصخرة، كما قامت السلطات الإسرائيلية في العام 1990 بارتكاب مجزرة بحق المصلين في المسجد الأقصى بعد أداء الصلاة، علمًا بأنه تم إحراق المسجد الأقصى في 21/آب (أغسطس) العام 1969 في ظل تواطؤ من جانب السلطات الإسرائيلية.
واستمرّت أعمال الحفريات والأنفاق تحت المسجد الأقصى، على نحو أشد بعد اتفاقية أوسلو العام 1993، وتم تأجيل قضية القدس إلى المرحلة النهائية العام 1999، لكن جميع القضايا المصيرية لم يتم بحثها، مثل قضية القدس والحدود وعودة اللاجئين وإقامة الدولة المستقلة التي أعلن عن قيامها في المجلس الوطني الفلسطيني في الجزائر العام 1988 والتي اعترف بها أكثر من ثلثي أعضاء الأمم المتحدة، وأقدمت دولة السويد قبل أيام على الاعتراف بالدولة الفلسطينية، التي سبق أن أعلنت عاصمتها القدس الشريف.
وكان عدم حلّ القضايا المؤجلة للمرحلة النهائية سببًا أساسيًا في اندلاع الانتفاضة الثانية في 28 سبتمبر/أيلول لعام 2000، وكذلك من أسباب العدوان الإسرائيلي على لبنان عام 2006، والعدوان المتكرر على قطاع غزة في عام 2008-2009 وعام 2012 وعام 2014 المعروف بعملية «الجرف الصامد» والذي دام 51 يومًا، وكانت غزة قد تعرضت لحصار شامل من العام 2007.
لعلّ المخطط اليهودي في مشروع تهويد القدس الذي صدّق عليه في حينها وزير الدفاع إسحاق مردخاي يقوم على إقامة القدس الكبرى التي تصل مساحتها إلى 600 كم2 أو ما يعادل 10% من مساحة الضفة الغربية، والسعي إلى تهويد المدينة بالكامل، عبر المستوطنات الواقعة في المنطقة الشرقية وخارج حدود بلدية القدس الحالية. وتسعى «إسرائيل» عبر الترحيل والإجلاء وإلغاء تجديد الإقامات بالنسبة للموجودين في الخارج، أو الذين يسافرون ولا يستطيعون العودة في المدة المحددة إلى مواجهة القنبلة الديموغرافية العربية التي قد تصل بالعرب ليصبحوا أغلبية في العام 2050 حيث إن نسبة الإنجاب كبيرة لديهم، بعد أن كان عددهم منخفضًا في التسعينيات حيث بلغوا 25% في حين أصبح عدد اليهود 75%، ويتراجع عدد المسيحيين في المدينة بشكل ملحوظ، فبعد أن كان قبل الاحتلال عام 1948 حوالي 50 ألفًا، فإن عددهم اليوم أقل من خمسة آلاف، وتسعى «إسرائيل» لممارسة ضغوط مضاعفة ضد المسيحيين لإظهار الصراع في المنطقة باعتباره صراعًا يهوديًا- إسلاميًا، وليس وطنيًا فلسطينيًا عربيًا من أجل الحقوق، ولاسيّما استعادة الأرض وإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشريف واستعادة المقدسات الفلسطينية بما فيها المسجد الأقصى.
لقد كان من مهمات لجنة القدس الموكلة إلى المغرب ورئاسة الملك الراحل الحسن الثاني ونجله اليوم الملك محمد السادس هو الدفاع عن المسجد الأقصى وإعادة إعماره، ولكننا نرى ونسمع يوميًا ما تقوم به «إسرائيل» إزاء المسجد الأقصى وإزاء تهويد القدس، وحتى اليوم فإن ردّة الفعل العربية والإسلامية هي دون المستوى المطلوب، خصوصًا بعد الإجراءات التهويدية المكثّفة التي شهدها العام 2013 والتي لو استكملت ستؤدي إلى طمس المعالم العربية، لاسيّما وأن المقدسيين يواجهون الاحتلال بصدور عارية وبظروف في غاية القسوة، الأمر الذي يتطلّب تحركًا عربيًا واسعًا يتم فيه ممارسة ضغوط مختلفة على المجتمع الدولي والأمم المتحدة، ولاسيّما مجلس الأمن لمنع «إسرائيل» من استكمال مخططها العدواني، وكذلك لتمكين المقدسيين بشكل خاص والفلسطينيين بشكل عام من الصمود ومن مواجهة مخططات الاحتلال الإسرائيلي.
ولا شكّ في أن خطوة من هذا القبيل التي تقوم بها «إسرائيل» قد تؤدي إلى امتداد التوتر والاحتجاج إلى مدن الضفة الغربية وقطاع غزة؛ لأن ما تقوم به «إسرائيل» هو استخفاف بتاريخ نحو 15 قرنًا وأمة كاملة تعدادها نحو مليار ونصف المليار من المسلمين ومعهم مسيحيو العالم الذين يرفضون ضم القدس وإجراءات التهويد.
باحث ومفكر عربي



34
عودة لدور المجتمع المدني
عبد الحسين شعبان

لم تعد مهمّات المجتمع المدني العربي تقتصر على الاحتجاج والاعتراض، فقد توسّعت حقول عمله ونطاقات حركته لتشمل حضوره كقوة اقتراح وشراكة للحكومات، سواء باتخاذ القرارات أو المشاركة في تنفيذها، خصوصاً أن التنمية المستدامة حسب مصطلح الأمم المتحدة، أخذت تعني التنمية الشاملة، سياسياً واجتماعياً واقتصادياً وقانونياً وقضائياً وثقافياً وتربوياً وغير ذلك، ولأن هذه التنمية لن تتحقق ما لم يسهم فيها المجتمع المدني، إضافة إلى القطاع الخاص، وبالطبع الحكومات، من هذا يأتي الدور الذي يمكن أن يلعبه المجتمع المدني كقطاع فاعل ولا غنى عنه .
ولعلّ مناسبة هذا الحديث هو الدعوة الرفيعة المستوى التي أطلقها المرصد اليمني لحقوق الإنسان بشراكة منظمتين أخريين بدعوة خبراء وأكاديميين وباحثين وناشطين حقوقيين لتفعيل دور المجتمع المدني وآلياته في تنفيذ القرار الذي أصدره مؤتمر البحرين لإنشاء المحكمة العربية لحقوق الإنسان، من خلال التشارك مع جامعة الدول العربية، لبلورة رؤية اقتراحية الإطلاق مبادرة لإقناع الحكومات بالوسائل المختلفة لاعتمادها، تنفيذاً لتوصيات مؤتمر المنامة، الذي يعد مفصلاً تاريخياً بإقراره تشكيل المحكمة العربية لحقوق الإنسان، التي كان مجرد الحديث عنها قبل عقدين أو نيّف من الزمان مجرد حلم يراود مخيّلات بعض الفقهاء والناشطين الحقوقيين العرب، خصوصاً في ظل أوضاع عربية وإقليمية ودولية غير مشجعة على أقل تقدير، فما بالك اليوم حين يتأسس تحالف إقليمي عربي لدعم الانضمام إلى المحكمة ومواءمة نظامها الأساسي مع المعايير الدولية، إضافة إلى دعوة الدول غير المنضمّة إليه بالانضمام والدول المنضمة غير المصدّقة بالتصديق؟
لقد كان الوصول إلى محطة التأسيس عملاً مضنياً وطويلاً، وتبقى مراجعة ما تم مسألة مهمة للغاية، خصوصاً أن ما تحقّق يعد إنجازاً على طريق إيجاد هيئة قضائية عربية وظيفتها الفصل في النزاعات المتعلقة بحقوق الإنسان، خصوصاً الانتهاكات والتجاوزات وسماع الشكاوى التي تقع على الأفراد أو الجماعات أو المجتمع ككل، مع أن قيوداً ليست قليلة وضعت في طريق اللجوء إلى المحكمة وهو ما كان المجتمع المدني يطمح إلى تجاوزه بهدف منع الإفلات من العقاب وضمان الحقوق والحريات الأساسية، وهو ما ورد بشأنه العديد من الملاحظات والتحفّظات بخصوص النظام الأساسي .
قد ينصرف الذهن أحياناً عند الحديث عن المحكمة العربية لحقوق الإنسان إلى محكمة العدل العربية التي وردت في المادة 19 من ميثاق جامعة الدول العربية، وهو ما حاول الفقيه القانوني حسين جميل إزالة مثل هذا الاشتباك منذ وقت مبكر حين بيّن أن اختصاص هذه المحكمة هو شبيه باختصاص المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان المنبثقة عن مجلس أوروبا، وذلك عند اقتراحه الريادي في ندوة مركز دراسات الوحدة العربية في العام 1982 "تأسيس محكمة عربية لحقوق الإنسان" في إطار بحثه الموسوم "دور الجامعة العربية في إنشاء محكمة عربية لحقوق الإنسان"، وهذا ما جرى الحديث عنه لاحقاً في إطار ندوة كبرى نظمها المركز ذاته في العام 2003 .
وإذا كان الحديث عن إنشاء المحكمة قد اقتصر على الجانب النظري والاقتراحي لعقود من الزمان، فإنه دخل الآن حيز التنفيذ الأولي بعد إعلان البحرين، ويحتاج الأمر إلى مراجعة وتدرّج وتراكم، وهو ما يستوجب استكماله بمواءمة النظام الأساسي مع قواعد المحاكمات العادلة، والسعي لتأسيس قوام المحكمة واختيار قضاة أكفاء ونزهاء، وادعاء عام على مستوى من المعرفة والحيادية، وكذلك الخطوات الأخرى الواجب اتباعها تنفيذاً للإعلان عن قيام المحكمة والشروع بمباشرة عملها، وهو ما يتطلّب من المجتمع المدني ومؤسساته أن تدلي بدلوها فيه وأن تقدّم اقتراحاتها وأن تنظم اجتماعات ومؤتمرات لهذا الغرض بغية اختيار الأفضل والأحسن واتباع الأساليب الأكثر نجاعة وصدقية وتقديم المشاريع الأكثر نضجاً وواقعية .
إن فكرة المحكمة أصبحت اليوم أكثر مواتية وفي ظروف أفضل على الرغم من التحديات الجديدة التي يشهدها العالم العربي حالياً، خصوصاً ظواهر الإرهاب والعنف والتطرف والتعصب والانقسام الطائفي والديني، فضلاً عن انتهاكات جديدة لحقوق الإنسان طالت فئات ومجموعات ثقافية واضطرت مئات الآلاف من العرب إلى النزوح عن مناطق سكناهم أو اللجوء إلى المنافي طلباً للأمن والأمان وحفاظاً على حياتهم، الأمر الذي يضع موضوع المحكمة والإجراءات التي يمكن اتباعها في صلب مهمة الدفاع عن حقوق الإنسان وحماية الحقوق والحريات الأساسية وتحقيق العدالة، خصوصاً أن العديد من نظم العدالة الوطنية لا توفّر آليات انتصاف فعّالة، كما أن بعضها لا يوفر ضمانات محاكمة عادلة، ويعود ذلك إلى بنيتها الدستورية والقانونية ونظامها القضائي، وهذا الأمر غالباً ما لقي نقداً حقوقياً .
ويبقى الدور الذي بحاجة إلى بلورة وتفعيل وتطوير هو للمجتمع المدني ومؤسساته ومنظماته من خلال اقتراح آليات يمكن لجامعة الدول العربية اعتمادها، لتفعيل دور المحكمة وإعطائها ما تستحقه من مكانة وهيبة ونفوذ قانوني واعتباري، يتجاوز في بعض قواعده ميثاق الجامعة ذاتها، وهو أمر بحاجة إلى تسليط ضوء عليه، خصوصاً إذا اعتمدنا جامعة الدول العربية كإطار مؤسسي يمكن له أن يساهم بصورة فعّالة وحيوية في تحقيق هذا المنجز التاريخي، فقد بقي ميثاق جامعة الدول العربية التي تأسست في 22 مارس/ آذار من 1945 دون تغييرات تذكر بما يستجيب للتطور الدولي في ميدان حقوق الإنسان، وهو نقص فادح لا بدّ من تلافيه، إذ لا توجد منظمة إقليمية واحدة لم تستجب للمتغيرات الدولية .
وبهذا الخصوص، ومن باب قوة الاقتراح فقد يكون مناسباً لمؤسسات المجتمع المدني أن تبلور اقتراحاً عملياً وأن تتقدم بخطوات ملموسة بشأن تعديلات ميثاق "الجامعة" فيما يتعلق بنظام التصويت ومشكلة صنع القرار وتنفيذه وإجراء إصلاحات هيكلية في أجهزة الجامعة وتعديل دور الموظف العمومي الإقليمي بحيث يكون ممثلاً للمؤسسة وليس لبلده، إضافة إلى الاهتمام بدور المجتمع المدني وإشراكه في صنع القرار وتنفيذه، فضلاً عن الاستماع إليه والتشاور معه .
ولا بدّ من اتباع جميع الإجراءات القانونية في التحقيق وصولاً إلى اتخاذ قرار من المحكمة وتيسير إمكانية تنفيذه، مع الأخذ في الاعتبار الالتزام بالمعايير الدولية للمحاكمة العادلة، وحق الدفاع، وتوكيل محام والاستماع إلى الشهود، والاطلاع على الأدلة والقرائن، وقد يحتاج الأمر إلى إعداد نظام أو بروتوكول يلحق بالنظام الأساسي، ويأخذ خصوصية البلدان والقضاء المختلف فيها، مع ضرورة اعتماد آليات سلسة وتقوم على تبادل الخبرة والمعرفة والاستفادة من التجارب الدولية على هذا الصعيد، وبالطبع فإن هدف إصلاح النظام القانوني والقضائي والأمني العربي ينبغي أن يكون مهمة أساسية للحكومات والمجتمع المدني على حد سواء، ولعلّ في الاتحاد الأوروبي والمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان تجربة يمكن الإفادة منها لا بالاستنساخ أو التقليد، بل كخبرة دولية ناجزة لدول جمعتها المصالح المشتركة بالدرجة الأساسية، في حين أن بلداننا يجمعها اللغة والدين والتاريخ والأهداف المشتركة .


35
قضايا الشرق في بوزنان

عبد الحسين شعبان

يختصر هذا العنوان جهداً أكاديمياً استمر التحضير له بضعة شهور، في إحدى جامعات بولونيا التي فازت العام 2003 بكونها أفضل جامعة في بولونيا، وتحمل هذه الجامعة العريقة اسم الشاعر آدم ميتسكيفيتش أحد شعراء بولونيا الكبار، وتحتضنها مدينة بوزنان التي يبلغ عدد سكانها 630 ألف نسمة، ويزيد عدد الطلاب الذين يدرسون في هذه المدينة على 130 ألف طالب، أي أن نحو ربع سكان المدينة هم من الطلبة، وفيها نحو 3500 أستاذ جامعي و750 بدرجة بروفسور، وهي مدينة منشغلة بقضايا البيئة والثقافة أيضاً .
الشاعر البولوني آدم ميتسكيفيتش الذي ينتصب تمثاله في ساحة تطل عليها بنايات أساسية للجامعة يعتبر أحد أبرز الشعراء الرومانسيين في القرن التاسع عشر، حيث توفي في أسطنبول العام 1850 وترك أثراً أدبياً وشعرياً ريادياً، وهو ما دفع جهات أكاديمية وثقافية لإطلاق اسمه على إحدى الجامعات العريقة . وتتوزع على المدينة الجامعية عدد من الجامعات وأكاديميات للعلوم والموسيقى وكليات مهمة للاقتصاد والتاريخ، حيث كان أحد أبرز الاقتصاديين العالميين أوسكار لانكه البولوني المعروف بتوجهاته الاشتراكية، وقد احتلت كلية التاريخ وأقسامه المختلفة مبنى حزب العمال الاشتراكي البولوني أي الحزب الشيوعي الحاكم (سابقاً) الذي تخلّى عن السلطة في أواخر الثمانينات، إثر حركة احتجاج واسعة عُرفت باسم "نقابة تضامن" وقائدها ليخ فاليتسا منذ أوائل الثمانينات .
وقد منحت الجامعة شهادات فخرية شرفية للعديد من الشخصيات العالمية، وفي مقدمتهم البابا يوحنا بولس الثاني، الذي حاول محمد علي أغا (التركي الأصل) اغتياله في روما العام ،1981 وألقي القبض عليه وحكم عليه بالسجن المؤبد، وقضى أكثر من 20 عاماً فيه، ثم أطلق سراحه . وكان قد ادعى أنه المسيح، وأن عملية الاغتيال موحى لها، ورددّ اسم أحد الشخصيات البلغارية "أنتونوف"، ثم عاد وأنكر واعترف واختلف مع أقواله المتناقضة، ولكن حملة آيديولوجية شنتها العديد من الجهات الغربية في حينها ضد بلغاريا والتي استمرت بضعة أعوام، لكنها خفتت إثر التغييرات التي حصلت في بلغاريا والدول الاشتراكية السابقة أواخر الثمانينات .
وتمتاز بولونيا عموماً باهتماماتها الأكاديمية وبإطلالات متميزة على الشرق والاستشراق بشكل عام، وحتى خلال الحرب العالمية الثانية وقصف بولونيا واحتلالها من جانب الجيش النازي بعد معاهدة ميونيخ العام ،1938 فإن الدراسة الجامعية لم تنقطع فيها، وقد خرّجت جامعاتها في حينها نحو عشرة آلاف طالب، وكان الطلبة والأساتذة يعملون تحت الأرض . جدير بالذكر أن فرع الفلسفة واللاهوت في هذه الجامعة العريقة تأسس في العام 1916 ومنه انبثق في العام 2002 قسم الدراسات العربية- الإسلامية، ومعهد الشرقين الأدنى والأوسط، إضافة إلى إصدارات لكتب تعليمية بالعربية .
عقدت الجامعة خلال السنوات الماضية ثماني مؤتمرات حول فلسطين والعراق وقضايا الإسلام والأقليات والكرد، وأصدرت كتباً بهذه المؤتمرات احتوت على الدراسات والأبحاث التي تناولتها المؤتمرات المذكورة، وفيها إطلالات بحثية على انشغالات قديمة وجديدة واهتمامات أكاديمية وثقافية، إضافة إلى التواصل الإنساني والتفاعل الحضاري، وأولاً وقبل كل شيء البحث في المشتركات وتبادل التجارب والشغف بالمعرفة والإخلاص للعلم، وقد التقينا عدداً من الخبراء بالشؤون العربية ويتحدثون العربية بطلاقة .
المؤتمر التاسع تميّز بسعة الحضور العربي، ولاسيّما من العراق، حيث حضر باحثون وأساتذة وخبراء من جامعة بغداد وصلاح الدين (إربيل) ومتفرغون للبحث العلمي، إضافة إلى عدد كبير من الأساتذة والباحثين العراقيين والعرب الذين يعيشون في بولونيا ويعملون في جامعاتها المختلفة، حيث حضروا من كراكوف ووارسو وغيرها، إضافة إلى أساتذة يعيشون في الخارج أيضاً .
وعلى مدى يومين مزدحمين بالبحث والنقاش والحوار والجدل وحب المعرفة والرغبة في التواصل قدّم المشاركون 56 بحثاً، وتوزعوا على ثلاث قاعات، وكان افتتاح المؤتمر الذي حضره وتحدث فيه نائب رئيس الجامعة البروفسور إنجي ليتشيتسكي وعميدة كلية اللغات البروفسورة تيريزا توماشفيتش ورئيس معهد الدراسات الآسيوية البروفسور بيوتر موخوفسكي ورئيس قسم اللغة العربية البروفسور عدنان عباس، قد التأم المؤتمر بكل مهابة في صالة مجلس الشيوخ التابعة للجامعة والتي سبق أن احتضنت مهرجان الشعر العالمي .
شمل النقاش قضايا فلسطين والعدوان على غزة وموضوع الإرهاب الدولي ودلالات ظهور تنظيم "داعش" وتأثيراته في وحدة العراق وكذلك تأثيرات العنف في سوريا، إضافة إلى موضوع حقوق الإثنيات والأديان في العراق وسوريا والقدرة المأمولة لتجاوز الوضع الراهن، مع مخاوف من احتمالات التقسيم، وتناولت الأبحاث أيضاً موضوع العلاقات البولونية مع العالمين العربي والإسلامي، تاريخياً خلال الحقب السابقة، وما بعد التغيير الذي حصل فيها في العام ،1989 واتسم النقاش بالحيوية والجدّية والموضوعية والتنوّع .كما كشف عن الحاجة إلى المزيد من التبادل المعرفي والثقافي الذي لن يتحقق دون تعزيز العلاقات بين بولونيا وأوروبا عموماً، والعالم العربي والإسلامي .
للأسف الشديد لم تحضر أي من السفارات العربية باستثناء ممثلة عن السفارة العراقية للمشاركة أو لتغطية أعمال المؤتمر أو الاطلاع على مجرياته، علماً بأنه يهمّ جميع العرب والمسلمين، وقد علمت بأن الدعوة وجهت إلى الجميع، فبعضهم اعتذر والآخر لم يجب على مقتضيات تلبية الدعوة .
وقد تسنّى للمجموعة الأكاديمية العربية والكردية التي ضمت نخبة متميّزة من الباحثين أن أدارت حوارات مختلفة حول قضايا ذات اهتمام مشترك، إضافة إلى أنها عقدت عدّة اجتماعات مع أقسام مهمة في الجامعات من اللغات إلى العلوم السياسية إلى الآداب، إلى زيارة المكتبة العامة للجامعة، وذلك في محاولة لتعويض النقص في هذا المجال، سواء من جانب جامعة الدول العربية أو منظمة الإيسيسكو، وقد لاحظنا شحّ وجود الكتاب العربي أو باللغة العربية أو الترجمات من وإلى العربية، ولو أخذت على عاتقها الحكومات العربية أو جامعة الدول العربية أو الإيسيسكو إرسال عشرة كتب سنوياً، لأصبح لدى الجامعة فيض من المراجع والمصادر في مختلف الاختصاصات وهو اقتراح مفتوح للجهات الأكاديمية الرسمية بتبنيه واعتماده، بخصوص الجامعات الأوروبية والأمريكية والآسيوية وغيرها .
والأمر يحتاج إلى تعزيز علاقاتنا الأكاديمية مع الجامعات الأجنبية ذات السمعة التاريخية المتميّزة والإنجاز الفكري والثقافي المتعاظم، سواء بتبادل الأساتذة أو الطلبة أو الترجمات أو الاستفادة من بعض المناهج وغير ذلك، لاسيّما أن الأكاديميين يحتاجون إلى دعم رسمي وغير رسمي في مواجهة سيل الدعاية الضخم الذي تقوم به جهات معادية للعرب والمسلمين، خصوصاً أن الصورة التي يحاول هؤلاء تقديمها للعالم، لا تزال مشوشة في أفضل الأحوال، ناهيكم عن كونها مغرضة ومسيئة، ويتخلّلها اتهامات مسبقة بسبب قيام بعض الجماعات الإسلاموية بأعمال تتنافى مع الإسلام وقيمه السمحاء، ناهيكم عن تعارضها مع الجوهر الإنساني، وهي جزء من عمل دولي يتخذ من الإرهاب عنواناً .
آن الأوان لكي نضع قضايا الشرق في المكان الصحيح وأن نعمل بجميع الوسائل ومنها الحقل الأكاديمي، بما يخدم قيم السلام والتسامح ويعزز الحوار والتواصل، بهدف تعميق المشترك الإنساني، بما فيه مصلحة لبني البشر جميعاً بغض النظر عن دينهم وقوميتهم وجنسيتهم ولغتهم وجنسهم ولونهم وأصلهم الاجتماعي وغير ذلك .


36
تونس والطريق الوعر إلى الانتخابات

عبد الحسين شعبان
ياحث ومفكر عربي


انطلقت الحملة الانتخابية في تونس للانتخابات البرلمانية يوم 4 أكتوبر/تشرين الأول ،2014 ومن المقرّر أن تتم الانتخابات يوم 26 أكتوبر/تشرين الأول، أما الانتخابات الرئاسية فستجري يوم 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2014 .
الانتخابات البرلمانية الحالية هي الثانية منذ أن أضرم النار في جسده بائع الخضار محمد بوعزيزي في مدينة سيدي بوزيد في ديسمبر /كانون الأول العام ،2010 حيث انطلقت شرارة الانتفاضة من هناك لتعمّ عدداً من المدن التونسية وصولاً إلى العاصمة تونس، التي اضطر الرئيس السابق زين العابدين بن علي مغادرتها، بترجيح من الجيش .
وإذا كانت الانتفاضة التونسية قد ألهمت العديد من الحركات الشعبية، فقد كان لاتحاد العوامل الموضوعية مع العوامل الذاتية دور أساسي في نضوج اللحظة الثورية، كما حصل في بلدان مثل مصر وليبيا واليمن وغيرها، وفي الوقت نفسه اشتعلت المنطقة كلّها بحروب وثورات وثورات مضادة ونزاعات مسلحة وانفلاتات أمنية وأعمال إرهاب وعنف زادت حدّة بعد احتلال "داعش" محافظة الموصل في العراق ووضع يده على محافظة صلاح الدين وجزء كبير من الأنبار بعد السيطرة على مدينة هيت، وأجزاء من محافظتي كركوك وديالى، وكذلك محافظات الرقة ودير الزور ومطار الطبقة في سوريا، ومحاولة الهيمنة على مدينة عين العرب "كوباني" التي لا تزال محاصرة منذ أكثر من أربعة أسابيع!
وإذا كان "حزب النهضة" قد تحلّى بالعقلانية أو اضطّر إلى ركوب مركبها بعد الإطاحة بحكم الإخوان في مصر، إلاّ أن ما يسجّل له أنه اعتمد ذلك في إطار سياسة براغماتية وتكتيكات حيوية من شأنها تعطيل حدوث الانفجار أو استيعابه، خصوصاً عندما استطاع قراءة المتغيّرات السياسية الداخلية والإقليمية على نحو صحيح جنّب نفسه والبلاد الفوضى والاحتراب . وعلى الرغم من أنه وصل إلى السلطة عن طريق صندوق الاقتراع، لكن ذلك وحده ليس كافياً للتمسك بها بسبب أخطاء كبيرة ارتكبت خلال فترة حكمه الأولى، إضافة إلى تصاعد حالات رفض شعبي كان لا بدّ من مراعاتها .
السؤال الآن: هل ستأتي الانتخابات الحالية بالنتائج ذاتها أم أن هناك تغييرات كبيرة في الخريطة السياسية ستحدث؟ والأمر له علاقة بالوضع الداخلي، ولاسيّما الاقتصادي وارتفاع نسبة البطالة، وكذلك بالوضع الإقليمي، وخصوصاً بعد الحرب الأهلية الليبية، وبعد إزاحة حكم الإخوان في مصر، وبعد الوجود الكثيف لمنظمات الإرهاب وخطرها على سوريا والعراق، وذهب العالم اليوم جميعه تقريباً باستثناء روسيا وإيران، للقاء والتعاون في إطار تحالف دولي للقضاء على الإرهاب وعلى منظمة "داعش" و"جبهة النصرة" الإرهابيتين، وذلك أيضاً في إطار قرار أصدره مجلس الأمن الدولي برقم 2170 في 15 أغسطس/آب 2014 .
مازال طريق الانتخابات العربية وعراً، وحتى التجارب التي تمت بعد موجة "الربيع العربي"، فلم تكن مشجعة في الكثير من الأحيان، بل تركت مشاكل ومتعلقات واحترابات كما حصل في ليبيا، ناهيكم عن لغة السلاح التي تأخذ الصدارة في اليمن، حيث يسيطر الحوثيون على العاصمة، أما في العراق فقد كانت مفاجأة تنظيم "داعش" والاستيلاء على نحو ثلث مساحة العراق هي الشغل الشاغل بعد تشكيل الوزارة الجديدة برئاسة حيدر العبادي .
إذا كان لنا من توصيف للوضع التونسي الذي تابعناه من بداية الانتفاضة وقمنا بزيارات ميدانية عديدة له، فيمكننا القول إنه مرّ بأربعة تحوّلات: الأولى بدأت مباشرة بعد تغيير النظام وإطاحة ابن علي، حيث جاءت حكومات انتقالية وأجريت انتخابات تشريعية (أكتوبر/تشرين الأول 2011) . أما الفترة الثانية فكانت قد بدأت عند تشريع البرلمان المنتخب دستوراً حيث تألفت حكومة ائتلافية على رأسها حزب النهضة الإسلامي، مع حزبين يساريين . وقد ارتفعت موجة العنف التي ضربت البلاد على يد جماعات سلفية، خصوصاً اغتيال شكري بلعيد ومحمد براهمي العام 2013/ إضافة إلى مهاجمة مقار ومبان حكومية وخصوصاً في الأطراف .
أما المرحلة الثالثة فهي التي ابتدأت منذ أواسط العام 2013 وحتى مطلع العام ،2014 عندما انفجرت الأزمة في البلاد، وساهم في إدارة الحوار الوطني، لجميع القوى السياسية، ثلاث جهات ذات صدقية هي: اتحاد الشغل التونسي والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، ونقابة المحامين التونسيين، وتمخّض الحوار عن اعتماد دستور طال انتظاره وموافقة حكومة حزب النهضة على التنحي وقيام حكومة ائتلافية تضم كفاءات تكنوقراطية . وهكذا تخلى علي العريّض وحلّ محلّه مهدي جمعة .
ويمكن تأشير المرحلة الرابعة المستمرة حتى الآن بقيام حكومة د . مهدي جمعة وتنتهي بالانتخابات النيابية 26 أكتوبر/ تشرين الأول الجاري، والانتخابات الرئاسية 23 نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل . وقد قامت حكومة جمعة بعدد من الإجراءات التي تحسب لها مثل اعتماد قانون انتخابات، كما ساهمت في التصدي للإرهاب وانخفضت وتيرة العنف في البلاد . وتبقى الأزمة الاقتصادية التي تعيشها تونس فضلاً عن اختيار طريق التنمية لتشكل جوهر المرحلة القادمة ومحتواها سياسياً واجتماعياً واقتصادياً وثقافياً وقانونياً، فالتنمية المستدامة هي المدماك الأساسي الذي لو تحقق لاستطعنا اعتبار النموذج التونسي للربيع العربي قد سار في طريق تحقيق أهدافه، حتى وإن واجهته صعوبات داخلية غير قليلة، وأخرى تتعلق بدول الجوار مثلاً، لاسيّما انفلات الوضع الأمني في ليبيا، والتوترات مع الجزائر وصعود حركات إسلامية وإرهابية جديدة في المنطقة مثلما هو الأمر في الجزائر وليبيا وموريتانيا وحتى المغرب .
والحفاظ على الأمن والقضاء على الإرهاب يتطلبان عملاً طويلاً سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وتربوياً ودينياً توعوياً وكذلك إجراءات قانونية وعسكرية وأمنية واستخبارية لتجفيف منابع الإرهاب وتفكيك البنية الأيديولوجية والاقتصادية التي يقوم عليها . ولعلّ ذلك مرتبط إلى درجة كبيرة بتلبية الحقوق والحريات وتأكيد مبادئ المساواة والعدالة وكل ذلك من خلال عملية تنمية اجتماعية مستدامة ومتعددة الأهداف .
المقاعد التي يتنافس عليها اللاعبون السياسيون يبلغ عددها 217 مقعداً في البرلمان، وهناك 27 مرشحاً يطمحون بأن يحتلوا موقع رئيس الجمهورية، وأهم اللاعبين هم حزب النهضة، وحزب نداء تونس الذي تشكل من مجموعات من التكنوقراط بعضها كانت مشاركة في الحكومات السابقة وبعضها الآخر من معارضين ليبراليين ويساريين، وهو حزب قوي ومنافس مهم لحزب النهضة، وهناك الجبهة الشعبية وهي تيار اشتراكي يضم عشرة أحزاب علمانية تقول إنها ضد الإسلاميين وضد حكم الترويكا، كما أن هناك حزب المؤتمر برئاسة منصف المرزوقي (الرئيس الحالي) وحزب التكتل برئاسة مصطفى بن جعفر (رئيس البرلمان الحالي) وأحزاب علمانية وليبرالية أخرى .
المعركة ستكون حامية الوطيس ويواجهها سؤال كبير هل ستستطيع تونس تقديم تجربة جديدة باتجاه الديمقراطية؟ وإذا نجحت في ذلك فإن الأمر سينعكس على مجمل دول ما يسمى "الربيع العربي" وعموم دول المنطقة، أما إذا فشلت فإن تأثيراته السلبية هي الأخرى ستنعكس على دول المنطقة .





37
محنة الرهائن والرسائل

عبد الحسين شعبان

في تسجيل فيديو تبنّى تنظيم "داعش" عشية عيد الأضحى، إعدام رهينة رابع بقطع رأس البريطاني العامل في مجال الإغاثة الإنسانية في سوريا والمدعو آلان هينينغ، وذلك ردّاً على إعلان القوة الجوية البريطانية تنفيذ عملياتها ضد تنظيم "داعش"، حسبما ورد في تبرير عملية الإعدام . ولم يكتفِ الإرهابيون بذلك بل هدّدوا بإعدام رهينة أخرى من الجنسية الأمريكية، وذلك بعد إعدام ثلاث رهائن بينهم صحفيان أمريكيان هما جيمس فولي وستيفن سوتلوف، إضافة إلى عامل الإغاثة البريطاني المدعو ديفيد هينز وعامل آخر في المجال الإنساني، يدعى بيتر كاسيغ .
وقال التنظيم في تسجيل الفيديو الذي يعلن فيه عن تنفيذ ذبح البريطاني آلان هينينغ إن هذه "رسالة أخرى إلى أمريكا وحلفائها"، وإن دماء هينينغ هي على "أيدي البرلمان البريطاني" الذي صوّت لصالح شن هجمات ضد "داعش" . والشريط الذي لا يستغرق أكثر من دقيقة وإحدى عشرة ثانية وباللغة الإنجليزية، يعلن سبب إقدام الإرهابيين على فعلتهم تلك، كما يظهر بعدها الضحية وهو راكع أمام جلاده الملثّم والمرتدي الزي البرتقالي الذي يذكّر بمعتقلي غوانتانامو، وحسبما تبيّن الصورة، فإن المنطقة التي يتم تصوير الحدث فيها هي منطقة صحراوية . أما آلة القتل التي يستخدمها الإرهابيون في مثل هذه الجرائم، فهي السكين الذي يلوّح به الجلاد لقطع رأس الضحية .
جدير بالذكر أن هينينغ يبلغ من العمر 47 عاماً، وهو متزوج من مسلمة في مدينة مانشستر ويعيش في حي أغلبيته من المسلمين، وكان يعمل سائق أجرة، وهو أب لفتيين بسن المراهقة، وتطوّع إنسانياً لإغاثة اللاجئين والنازحين السوريين . وقد تم خطفه من جانب جماعة "داعش"، بينما كان يقود شاحنة محمّلة بالمساعدات الإنسانية وهو متوجه إلى أحد مخيّمات اللاجئين السوريين .
إن الطريقة التي تتبعها "داعش" في قتل الضحايا تستهدف خلق حالة من الرعب والفزع الحقيقيين، خصوصاً وهي تتقدم في معاركها سواءً بالاستيلاء على مدينة هيت وجزء من محافظة الأنبار بعد وضع يدها على محافظة الموصل والاستحواذ على محافظة صلاح الدين، إضافة إلى أجزاء من محافظتي كركوك وديالى، مثلما تستمر في معاركها الطاحنة للاستيلاء على قرية "عين العرب" المعروفة بالكردية "كوباني" قرب الحدود التركية، بعد وضع يدها على مطار الطبقة والسيطرة على دير الزور والرقة . وعلى الرغم من شن غارات من الجو ضد تنظيم "داعش" وتدمير بعض عناصر قوتها، خصوصاً بعض مصافي النفط التي تستخدمها حيث تقوم باستخراجه وبيعه بطريقة غير مشروعة، إلا أنها لا تزال تحتفظ ببعض مصادر قوتها سواءً المالية أو التسليحية .
القتل يكاد يكون صورة طبق الأصل (فوتوكوبي) من أشرطة الفيديو التي استهدفت الضحايا الثلاثة السابقين، حين يظهر ديفيد هينز ويقف إلى جانبه رجل طويل ملثم ليقول بلكنة إنجليزية للضحية، وللعالم كلّه: إن دم ديفيد هينز بيد رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون، أما مع آلان هينينغ الذي سيذبح، فإن دمه هو بأيدي البرلمان البريطاني، وهو الأمر الذي حدث بعد ذبح عامل الإغاثة الأمريكي بيتر كاسيغ حين خاطب الذبّاح باراك أوباما بقوله "أوباما أنت بدأت القصف الجوي على الشام، الذي لا يزال يستهدف أهلنا فيها، لذا سنستمر في ضرب رقاب أهلك" .
كانت ردود الفعل شديدة إزاء هذا العمل الإجرامي الذي وصفه رئيس الوزراء البريطاني "بالإعدام الوحشي"، وتعهد بمحاسبة القتلة، وهو يظهر الهمجية التي بلغها الإرهابيون، حيث سبق إعدام هينينغ وتصويره بهذه الطريقة السادية المرعبة، إعدام الصحفيين الأمريكيين جيمس فولي (19 أغسطس/ آب 2014) وستيفن سوتلوف (2 سبتمبر/ أيلول 2014) إضافة إلى عامل الإغاثة البريطاني ديفيد هينز (13 سبتمبر 2014) .
وقد أدان مجلس الأمن قتل الرهينة البريطاني وطالب بمعاقبة المسؤولين، ولفت الانتباه إلى تعاظم الخطر اليومي المحدق بعمال الإغاثة الإنسانية، ونوّه إلى ضرورة استخدام كافة السبل في إطار حفظ السلم والأمن الدوليين، وكان مجلس الأمن الدولي قد أصدر قراراً برقم 2170 في 15 أغسطس/ آب 2014 دعا فيه إلى تجفيف منابع الإرهاب القاضي بوقف مصادر إمداداتها وتحريم التعاون معها وملاحقتها، علماً بأن هذا القرار صدر ضمن الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة الخاص باستخدام العقوبات الدولية ابتداءً من أدناها وحتى أرقاها، وصولاً إلى استخدام القوة المسلّحة .
وبعد هل ستؤدي عمليات القصف الأمريكية إلى القضاء على تنظيم "داعش"؟ وكم تحتاج من الوقت؟ خصوصاً وأن الرئيس أوباما قال إنها قد تستغرق ثلاث سنوات، وفي تصريحات أخرى قد تمتد إلى عشر سنوات، وقد قال وزير الدفاع الأمريكي السابق ليون بانيتا إنها قد تحتاج إلى 30 عاماً ملقياً باللوم على الرئيس أوباما . وقد سبق للرئيس جورج دبليو بوش أن أعلن حربه على الإرهاب بعد أحداث 11 سبتمبر/ أيلول الإرهابية التي حصلت في الولايات المتحدة العام ،2001 وشن الحرب على أفغانستان واحتل العراق، لكن الإرهاب وبعد نحو عقد ونيّف من الزمان لم ينته، وأن تنظيم "القاعدة" فرّخ عشرات التنظيمات، وإن خطر "داعش" وما يملكه من مؤهلات وأموال أكبر بكثير من خطر "القاعدة" .
وإذا كانت قرارات مجلس الأمن لم تفلح من ملاحقة الإرهاب والإرهابيين والقضاء عليهم، فهل ستستمر معاناة العراقيين والسوريين عقداً آخر من السنوات أو ثلاثة عقود كما يبشر البعض، علماً بأن الإرهاب ستنتقل عدواه إلى بلدان المنطقة سواء، اليمن حيث ينتشر السلاح فيها على نحو مروّع، لاسيّما بعد سيطرة الحوثيين على العاصمة صنعاء، فضلاً عن احتمالات انتقاله إلى بعض البلدان الأخرى، فضلاً عن تجدّده في مصر باسم "أنصار بيت المقدس" . ليس هذا فحسب، بل إن الإرهاب يكاد يكون مقيماً في بلدان المغرب العربي، فقد عانته الجزائر لأكثر من عقد من الزمان، ولا يزال الإرهاب يطل برأسه في تونس وكذلك في موريتانيا والمغرب بين الحين والآخر، أما ليبيا حيث لا توجد دولة وتتقاتل المجاميع المسلحة، فإنه يمكن أن يؤدي إلى تفتتها وتشظيها، وهكذا تنتقل عدوى الإرهاب بسرعة خارقة .
والسؤال الآن: إذا كان عدد الرهائن الآن محدوداً ولم يمتد الإرهاب بعد إلى أوروبا، وإن العالم استنفر لقيام تحالف دولي ضمّ أكثر من 40 دولة، فماذا لو انفجر الوضع، وامتد الإرهاب والعنف إلى أوروبا وأمريكا؟ لعل مثل هذا السؤال الكبير هو الذي يقف خلف شعور المجتمع الدولي بمسؤولياته إزاء مكافحة الإرهاب وإنقاذ الرهائن، وهو لا يحتاج إلى عمل عسكري من الجو وعلى الأرض فحسب، بل يحتاج إلى علاجات طويلة الأمد تقوم على مبادئ العدل والمساواة ومحاربة الفقر والجهل والتخلف وإحداث تنمية متوازنة، وتلك إحدى أهم الرسائل الأساسية على صعيد كل بلد وعلى المستوى العالمي .





38
المنبر الحر / «إسرائيل» النووية!
« في: 17:22 21/10/2014  »
«إسرائيل» النووية!
عبد الحسين شعبان
لم تستطع المجموعة العربية في المؤتمر الـ 58 المنعقد في فيينا للوكالة الدولية للطاقة الذرية سبتمبر/أيلول 2014 من الحصول على الأصوات الكافية لإدانة القدرات والمخاطر النووية "الإسرائيلية". وكانت المجموعة العربية قد طالبت "إسرائيل" بضرورة الانضمام إلى معاهدة منع الانتشار النووي وتحقيق الهدف الذي يسعى إليه الجميع بجعل منطقة الشرق الأوسط خالية من الأسلحة النووية وكافة أسلحة الدمار الشامل.
ومثل هذا المطلب عمل عليه العرب منذ عقود من السنين، ولكنهم لم يفلحوا في تحقيقه لاعتبارات كثيرة، تتعلق بالدعم الدولي، ولاسيما الأمريكي "لإسرائيل"، وبالضغوط التي تمارسها اللوبيات الصهيونية واليهودية بشكل عام لدعم "إسرائيل"، وكذلك بدرجة جاهزية "إسرائيل" وألاعيبها على المستوى الدولي وقدراتها الذاتية البشرية والعسكرية والاقتصادية، يضاف إلى ذلك التفكّك العربي وانهيار الحد الأدنى من التضامن بسبب الصراعات والحروب والنزاعات المسلحة. وبالطبع فقد صوّت ضد القرار دول الاتحاد الأوروبي، ولاسيّما لذكر اسم "إسرائيل" في متن القرار، وعارضته بشدة الولايات المتحدة.
شارك في المؤتمر 162 دولة عضواً في الوكالة، إضافة إلى أربع دول أخرى انضمت إلى العضوية، وهي جزر القمر وجيبوتي وجمهورية غويانا وجمهورية فانوتوا. وأهمية العضوية أن هناك نظام الضمانات الشاملة الذي يقضي بأن تقدّم الدول الأعضاء تقارير دورية حول أنشطتها المتعلقة باستخدام المواد النووية والتكنولوجيا النووية الحساسة، بالإضافة إلى تسهيل عمل مفتشي الوكالة بالوصول إلى المنشآت والمواقع المعلنة وغير المعلنة وتقديم المعلومات المطلوبة حول أنشطة تصدير واستيراد المواد والتكنولوجيا النووية الحساسة أو المعدّات ذات الصلة. وهذه الضمانات تعتبر جزءا من إجراءات تعزيز بناء الثقة وهي أقرب إلى آلية إنذار مبكّر لضمان عدم استخدام البرامج النووية لأغراض غير سلمية.
وعلى الرغم من أن البرنامج النووي "الإسرائيلي" قديم، بل من أقدم الدول في المنطقة وعلى نطاق إقليمي وعالمي، لكن "إسرائيل" لا تعترف بأنها تمتلك أسلحة نووية، وهي ترفض إخضاع منشآتها النووية للرقابة الدولية، وفي الوقت نفسه تضغط على منع عدد من دول المنطقة امتلاك قدرات نووية حتى للأغراض السلمية، وتتجاهل كل المطالبات بإخضاع برنامجها للرقابة الدولية. وقد سبق لها أن قصفت المفاعل النووي العراقي في حزيران (يونيو) 1981، وكانت وراء قصف بعض المواقع في سوريا المعروفة ببستان الفواكه في العام 2007، مثلما تهدد بقصف المفاعلات النووية الإيرانية التي تعتبرها خطراً ضدها وضد دول المنطقة. وظلّت تهدّد بذلك وقد لا تتورع بقصفها إذا رأت الفرصة مناسبة، أو إذا حصلت على ضوء أخضر من الولايات المتحدة، أو أنها أرادت توريط الأخيرة وجعلها أمام الأمر الواقع.
وكان رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو قد عبّر عن ترحابه الشديد بعدم اتخاذ قرار من طرف الوكالة لإدانة إسرائيل على مساعيها النووية والمخاطر التي قد تشكلها، وكان قد لفت النظر إلى إيران ومساعيها لامتلاك سلاح نووي يهدّد الأمن في المنطقة واعتبر وزير الخارجية الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان قرار الوكالة انتصاراً جديداً للدبلوماسية "الإسرائيلية"، وجاء الرفض بأغلبية 58 صوتاً، في حين صوت إلى جانب المشروع العربي 45 صوتاً.
إن الدعم الذي تقدّمه واشنطن والغرب عموماً لتل أبيب بشأن مشروعها النووي يجعلها دولة فوق القانون، فهي الدولة الوحيدة في الشرق الأوسط، بل في العالم التي ترفض إخضاع منشآتها النووية للرقابة الدولية، وهذا يعني جعل المشروع الاستعماري الاستيطاني التوسعي فوق المحاسبة الدولية، الأمر الذي يطلق يد "إسرائيل" وحريتها في التصرف دون أية ضوابط قانونية أو حقوقية أو إنسانية، سواء بشن العدوان تلو الآخر ضد العرب والفلسطينيين أو بهدر حقوق الإنسان في الأراضي العربية المحتلة، وعموم فلسطين أو في التجاوز على قواعد القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني، ولاسيّما اتفاقيات جنيف وجميع المعايير القانونية الدولية.
وحصل ما حصل خلال السنوات الأخيرة على نحو سافر، وذلك بشن حرب تموز (يوليو) ضد لبنان في العام 2006 أو حروبها الثلاثة ضد غزة: عملية عمود السحاب (أواخر العام 2008- أوائل 2009) وعملية الرصاص المصبوب العام 2012 وعملية الجرف الصامد (العام 2014) وهي حروب متصلة لتدمير ما تبقى من الكيانية الفلسطينية ولتحطيم معنويات الشعب العربي الفلسطيني وإجباره على الاستسلام وقبول الأمر الواقع.
وللعودة إلى السلاح النووي، فإن البرنامج "الإسرائيلي" النووي يعود إلى السنوات الأولى لإنشاء دولة " إسرائيل"، وكان بن غوريون رئيس الوزراء "الإسرائيلي" قد أبلغ مجموعة من الوزراء والمسؤولين في العام 1952 بأن السبيل الوحيد لردم الهوة الديموغرافية والاقتصادية والعسكرية السحيقة مع العرب هي بناء أسلحة نووية، وهو الذي ترأس مشروع "إسرائيل" النووي منذ ذلك الحين وأسس هيئة الطاقة الذرية الإسرائيلية.
وفي العام 1955 وفي ظلّ المبادرة الأمريكية " الذرة من أجل السلام" سعت "إسرائيل" للحصول على الدعم النووي ووقعت اتفاقيات مع الولايات المتحدة. وحصلت على أول مفاعل صغير للأبحاث وتم التنقيب عن اليورانيوم في صحراء النقب وخصوصاً الطرق الجديدة لتخصيبه وحصلت من فرنسا بعد فترة وجيزة على تزويدها بمفاعل فضلاً عن مصنع لفصل البلوتونيوم، وقد نشأ ذلك في إطار ما هو معروف بمفاعل ديمونا النووي، وقامت النرويج بتزويدها بالمياه الثقيلة اللازمة لتبريد مفاعل ديمونا، وبدأ المفاعل العمل منذ العام 1964، وحسب مذكرات شمعون بيريز فإنها حصلت على أول قنبلة نووية بدائية منذ ذلك التاريخ.
وظلّت "إسرائيل" تمانع من الانتماء إلى الوكالة الدولية للطاقة الذرية ورفضت المصادقة على معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، وكانت قد اشترطت ضمان الولايات المتحدة أمن "إسرائيل" في أي وقت، وعدم ربط عملية السلام في المنطقة بالانسحاب الإسرائيلي من الأراضي المحتلة. و"إسرائيل" منذ العام 1968 تتبنّى سياسة عدم الانضمام إلى الوكالة وعدم الاعتراف بوجود أسلحة نووية لديها.
ولم تكتفِ "إسرائيل" بذلك، بل عملت خلال وجود نظام الفصل العنصري "الأبرتايد" في السبعينيات في جنوب أفريقيا على التعاون معه لتحسين ترسانتها النووية، ولكن ما فضح جهود "إسرائيل" هو ما أطلقه مردخاي اينونو حول مصنع الأسلحة النووية غير القانونية المنشأ تحت مفاعل ديمونا. وحسب الخبير الأمريكي انتوني كوردسمان من المحتمل أن الترسانة النووية الإسرائيلية اليوم تضم أكثر من 100 قنبلة نووية بما فيها صواريخ باليستية وقاذفات مقاتلة وغواصات وصواريخ كروز على الرغم من إنكار " إسرائيل".
وإذا كانت "إسرائيل" قد وقعت في العام 1996 على معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية، إلاّ أنها لم تصادق عليها، وقد امتنعت من حضور مؤتمر نزع السلاح في العام 1998، الأمر الذي قاد إلى قرار صدر من الأمم المتحدة في 18 أيلول (سبتمبر) العام 2009 عبّر فيه عن قلقه إزاء قدرات " إسرائيل" النووية ودعاها إلى الانضمام إلى معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية وإخضاع منشآتها للرقابة الدولية، وأصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة قراراً مماثلاً في العام 2012 إلاّ أن " إسرائيل" رفضت أيضاً السماح بتفتيش منشآتها النووية.
ماذا يبقى أمام الفلسطينيين والعرب بعد فشلهم في إجبار "إسرائيل" على الانضمام إلى معاهدة حظر انتشار السلاح النووي، بل والتمادي في المشروع النووي الإسرائيلي، يضاف إليه إعادة احتلال أجزاء من فلسطين وتهويد القدس وإيصال اتفاقيات أوسلو إلى طريق مسدود، على الرغم من كل التحفظات عليها، وشن عدوان متكرر ضد غزة؟ الجواب قد يكون برأي عام فلسطيني شامل بالصمود الفلسطيني وبالذهاب إلى المحكمة الجنائية الدولية والحصول على عضوية المنظمات الدولية كاملة وتحريك الرأي العام العالمي ضد "إسرائيل" وخطر استمرار إعفائها من التبعات القانونية إزاء السلاح النووي والعمل مع المجتمع الدولي لإخلاء المنطقة كاملة من أي سلاح نووي لكي لا تبقى حجة بيدها أو بيد غيرها تستخدم ضد مصالح شعوب المنطقة وبالأخص الشعب العربي الفلسطيني.
  باحث ومفكر عربي




39
كاتالونيا ما بعد اسكتلندا
عبدالحسين شعبان
باحث ومفكر عربي

طرح موضوع استفتاء سكان اسكتلندا (18 سبتمبر/أيلول 2014) الذي فشل فيه دعاة الاستقلال (الانفصاليون) من تحقيق حلمهم بإقامة كيانية مستقلة، مشكلات الاتحاد الأوروبي بشكل خاص والدول الغربية بشكل عام على بساط البحث، والمسألة تتجاوز شكل الدولة سواءً كانت بسيطة أو مركبة، أي مركزية أو لا مركزية، بصيغة فيدرالية أو بعض مناطق الحكم الذاتي، لتتعلق بالهوّية والخصوصية الثقافية والتنوّع الإثني واللغوي والديني، فضلاً عن تشابك المصالح الاقتصادية، وذلك في ظل مطالبات بالانفصال أو التقسيم على أساس الهوّيات الفرعية والخصوصيات المحلية والجهوية واللغوية والسلالية .
وإذا كانت الخمسينات شهدت نوعاً من التنسيق والتعاون بين أوروبا في أحد الميادين التي تتعلق بالفحم الحجري، ولكننا شهدنا لاحقاً اتحاداً أوروبياً متميّزاً، هو أقرب إلى صيغة نظام كونفدرالي، حيث توسعت صلاحياته من خلال الممارسة وصولاً للحديث عن مواطنة أوروبية وإلغاء التأشيرات وفتح الحدود وانتقال العمالة وغير ذلك من انتخابات للاتحاد الأوروبي وتمثيل خارجي وعملة موحّدة .
لكن كل تلك التطورات لم تمنع من ظهور الرغبة في الاستقلال لدى كيانات تشعر بضرورة إبراز هويتها الخاصة . وإذا كانت نتائج الاستفتاء الاسكتلندي مخيّبة للآمال، حين حصل دعاة الوحدة على 55% بعد جهد بذلته حكومة لندن ورئيس وزرائها ديفيد كاميرون، والعديد من المسؤولين الذين خاطبوا الشعب الاسكتلندي بالبقاء في إطار المملكة المتحدة، مع توسيع دائرة الصلاحيات والاختصاصات المحلية، بحيث يعمم الخير للجميع، إلاّ أن ذلك قد يزيد القوى المتشبثة بالاستقلال إصراراً .
وبهذه المناسبة فإن العديد من التجارب التي يمكن رصدها، بالتقارب مع التجربة والمطالب الاسكتلندية، على الرغم من أن نتائج الاستفتاء لم تكن مشجعة للانفصال أو الاستقلال، لكن ذلك لم يمنع العديد من بلدان أوروبا من متابعة مجريات الاستفتاء الاسكتلندي والتعاطف مع النزعة الاستقلالية، وذلك لأسباب قانونية وسياسية وثقافية بشكل عام، وفي بعضها الآخر أسباب اجتماعية واقتصادية ونفسية .
وإذا أردنا الحديث عن اسكتلندا فإن مطالبها بالاستقلال تعود إلى القرن الثامن عشر، وتطوّرت مع مرور الأيام . ومنذ العام 1999 فإن لها برلماناً مستقلاً . وقد حصل الحزب الاسكتلندي (القومي) وهو أقوى الجهات المطالبة بالاستقلال على أعلى الأصوات في انتخابات العام 2011 وقاد سلسلة مفاوضات بين أدنبرة ولندن منذ أكتوبر/ تشرين الأول العام 2012 حيث تم التوصل إلى اتفاقية عُرفت باسم اتفاقية أدنبرة بين الحكومتين البريطانية والاسكتلندية، تقضي بإجراء استفتاء في العام 2014 للاستقلال أو البقاء في إطار المملكة المتحدة .
وكان برلمان اسكتلندا يتمتع بصلاحيات واسعة في مجالات الإدارة والخدمات والتعليم والصحة والآداب والفنون والزراعة والرياضة والسياحة، في حين يتكفّل البرلمان البريطاني، بتحديد نسبة الضريبة المطبقة في اسكتلندا . ولو قدّر أن حصل الانفصاليون على الفوز بالاستفتاء، فإن نسبة تصل إلى ثلث أراضي المملكة المتحدة، كانت ستخسرها، إضافة إلى نحو 5 ملايين نسمة .
ولكن خيبة نتائج الاستفتاء دفعت رئيس الحزب القومي الاسكتلندي أليكس سالموند إلى تقديم استقالته من رئاسة الحزب ورئاسة الحكومة الاسكتلندية ، وهو الأمر الذي قاد إلى حالة من القنوط لدى سكان مقاطعة ويلز البريطانية الذين يطالبون بالاستقلال أيضاً . ويبلغ سكان ويلز نحو 5 ملايين نسمة، وهم يعيشون غرب المملكة المتحدة، ويطالبون بإجراء استفتاء خاص لهم بالاستقلال وفقاً لحق تقرير المصير مثلما حصل للاسكتلنديين، لكن مثل هذا الاحتمال لا يزال غير قائم في الوقت الحاضر .
وإذا كان الأمر هكذا في التجربة البريطانية، فإن التجربة الفيدرالية الإسبانية هي الأخرى تتعرض لمواجهة الانفصال الذي تطالب به مقاطعة كاتالونيا، وهي منطقة تقع في شمال شرقي إسبانيا وتتألف من سبع عشرة منطقة للحكم الذاتي وعاصمتها مدينة برشلونة الشهيرة، وتبلغ مساحة كاتالونيا 106 .32 كم،2 وهي سادس أكبر منطقة في إسبانيا من حيث المساحة، وفيها العديد من الأنهار والمصادر الطبيعية ويبلغ عدد سكانها 618 .539 .7 (حسب إحصاء العام 2011) وفيها برلمان يتألف من 135 نائباً، وفي العام 2012 حصل التحالف (الانفصالي) على الأغلبية (85 مقعداً) وأقرّ برلمان كاتالونيا في 23 يناير/كانون الثاني 2013 وثيقة الاستقلال (بمعارضة 41) وقرر إجراء استفتاء لسكان كاتالونيا .
وعلى هامش الاحتفال بالعيد الوطني لإقليم كاتالونيا خرجت تظاهرات واسعة مطالبة بالاستقلال وحق تقرير المصير، ويفترض أن يجري الاستفتاء يوم 9 نوفمبر/تشرين الثاني المقبل 2014 على الرغم من رفض مدريد واعتراضها على دستورية مثل هذا الإجراء الذي تعتبره غير شرعي وغير قانوني . وكانت كاتالونيا قد شهدت على مدى السنتين الماضيتين 2012 و2013 والسنة الحالية 2014 تظاهرات واسعة أيضاً، تأييداً لحق تقرير المصير ولمبدأ الاستقلال عبر الاستفتاء، وأعلن رئيس حكومتها الإقليمية آرتور ماس عزمه على إجراء الاستفتاء في 9 نوفمبر (تشرين الثاني)، وذلك منذ العام الماضي ،2013 بطرح سؤالين: الأول: هل تريد أن تكون كاتالونيا دولة؟ وفي حال تمت الإجابة بنعم يتم طرح السؤال الثاني عليه: هل تريد أن تكون الدولة مستقلة؟
لكن مشكلة كاتالونيا أعقد بكثير من مشكلة اسكتلندا حيث رفض البرلمان الإسباني في شهر إبريل (نيسان) 2014 مشروع قانون أعدّه برلمان كاتالونيا مطالباً فيه بتطبيق الدستور الإسباني، لاسيّما المادة 150 التي تقضي بإمكانية تفويض الحكومات المستقلة بإجراء استفتاءات شعبية ليتم البحث الآن عن سبل بديلة لإضفاء الشرعية على الاستفتاء ومؤخراً حذّرت حكومة مدريد بأن الاستفتاء يعتبر مخالفاً للمعاهدات والاتفاقيات الأوروبية، فضلاً عن أنه لن يحظى بالشرعية الدستورية، مشدّدة على أنها لن تسمح بتقسيم إسبانيا، مفسرة أن انفصالها سيعني الخروج من الاتحاد الأوروبي، لكن رئيس الإقليم آرتور ماس قال في تصريح صحفي إنه: من المستحيل عملياً منع سكان الإقليم من التصويت في استفتاء 9 نوفمبر/تشرين الثاني (المقبل) ،2014 وذلك خلافاً لتوجهات حكومة مدريد .
جدير بالذكر أن إقليم كاتالونيا يتمتع باستقلالية نسبية منذ انتهاء عهد النظام الشمولي الاستبدادي الذي حكم إسبانيا لنحو 40 عاماً وانتهى عند أواسط السبعينات بوفاة فرانشيسكو فرانكو، وظل يحلم بالاستقلال، ولاسيّما عند تشكيل حركة سياسية تدعو إليه العام ،2009 ويعدّ إقليم كاتالونيا قوة اقتصادية مهمة ويسهم بقسط وافر في ميزانية إسبانيا .
ومثلما تحلم كاتالونيا بالاستقلال، فإن إقليم الباسك هو الآخر يطمح في الوصول إليه . ويعتبر سكان إقليم الباسك أقدم سكان أوروبا، وقد طالبوا بالانفصال منذ العام 1961 عقب تأسيس منظمة "إيتا" المسلحة التي تعتبرها الحكومة الإسبانية والاتحاد الأوروبي منظمة إرهابية، وقد قامت بأعمال عنف وشنت هجمات على مبان ومصالح حكومية، لكنها أعلنت تخليها عن العمل المسلح نهائياً منذ أكتوبر/تشرين الأول العام ،2011 واتجهت إلى العمل المدني والسلمي للوصول لتحقيق أهدافها في انفصال إقليم الباسك عن إسبانيا .
والسؤال الآن، ماذا لو اختار سكان كاتالونيا البقاء في إسبانيا مثلما فعل سكان اسكتلندا؟ وما هي انعكاسات ذلك سواء على سكان إقليم الباسك أو بقية مناطق أوروبا التي تزيد على 20 منطقة حسب صحيفة "واشنطن بوست" المطالبة بالانفصال؟!



40
أوروبا والصراع الناعم: هوّيات واقتصاد!
عبد الحسين شعبان
باحث ومفكر عربي


إذا كان صراع الهوّيات في الغرب والمجتمعات المتقدمة بشكل عام قد  تراجع، خصوصاً في جانبه المسلح والعنفي، الاستئصالي والإقصائي، الاّ أنه لم ينتهي كلياً أو يختفي من الوجود، بل أخذ يظهر بأشكال جديدة وربما مختلفة عن السابق، وإن بقيت ظلاله أو استحضر تاريخه، لكن ذلك يحدث على صعيد الفكرة والسياسة والتاريخ والمصالح الاقتصادية، لاسيّما بعد إسدال الستار على جوانبه المأساوية، حين توجّهت أوروبا لإقامة اتحاد متميّز ونافذ أساسه المصالح الاقتصادية والمنافع المتبادلة وثقافة التسامح والتعايش والمشترك الإنساني، وخصوصاً باعتماد مبادئ المواطنة واحترام حقوق الإنسان.
الصراع والجدل السلمي واللاعنفي بخصوص الهوّيات ما زال مستمراً ومتصاعداً في العديد من البلدان، وزاده حدّة واتساعاً انتهاء مرحلة الحرب الباردة واتخاذ الصراع الآيديولوجي شكلاً جديداً منذ انهيار الأنظمة الشمولية في أوروبا الشرقية. وباستثناء ما حصل من معارك البوسنة والهرسك والصراع بين الصرب والكروات والمسلمين والمسيحيين، وما حصل بين روسيا والشيشان وفي جورجيا وألبانيا وأوكرانيا وهي كلها خرجت من عباءة الأنظمة الشمولية، فإن تعايش الهوّيات أمرٌ معترف به ومصان قانوناً وممارسة، وأخذ يشكل جزءًا من الثقافة المشتركة ذات الأبعاد الإنسانية، وبخاصة فيما بينها، حتى أن انفصالاً مخملياً كان قد حصل بين التشيك والسلوفاك، بعد وحدة أو اتحاد دام عقوداً من الزمان، وذلك باتفاق الطرفين في 1 كانون الثاني (يناير) العام 1993 بعد أكثر من 3 سنوات من انهيار النظام الشمولي الاشتراكي السابق.
 الهوّية  إذاً وعي الإنسان وإحساسه بذاته وانتمائه إلى جماعة بشرية قومية أو دينية، مجتمعاً أو أمة أو طائفة أو جماعة في إطار الانتماء الإنساني العام، وهي مجموعة السمات الثقافية التي تمثل الحدّ الأدنى المشترك بين جميع الذين ينتمون إليها، والتي تجعلهم يُعرفون ويتميّزون بصفاتهم تلك عما سواهم من أفراد الأمم والجماعات الأخرى.
   والهوّية ليست معطىً جاهزاً ونهائياً، وإنما هي عملٌ يجب إكماله دائماً،  والتغيير هو الذي يطبع  الهوّية  وليس الثبات، والتفاعل بحكم علاقة الإنسان بالآخر، وليس الانعزال، ولا يتعلّق الأمر بالقضايا السياسية حسب، بما فيها المواطنة وحقوقها، بل إن المسألة تمسّ بالصميم الجانب الثقافي، وهذا الأخير بقدر كونه معطىً مرتبطاً بالماضي والمستقبل، فإن الجانب السياسي له علاقة بالحاضر، الراهن، القائم، أما جوانب  الهوّية  الخصوصية الثلاث فلها علاقة بالأرض والتاريخ والجغرافيا (الزمان والمكان) مثل علاقتها بالثقافة المشتركة السائدة في الأمة، وأخيراً علاقتها بالكيان القانوني لوحدة الوطن والأمة (اتحادهما في دولة مثلاً).
   العالم، لاسيّما في ظل العولمة أرخبيل مفتوح تتلاقى فيه الشعوب وتتمازج، فمثلاً رغم السمة الغالبة للمجتمع العربي لغوياً وإثنياً ودينياً (العربية- الإسلامية) لكنه كان ملتقى القوميات والإثنيات والثقافات مثل: البابلية، والأشورية، والفينيقية، والفارسية، والهندية، والتركية، والكردية والزنجية، وإضافة إلى الإسلام هناك المسيحية واليهودية، وتمازجت هذه الثقافات والأديان المتنوعة في كلِّ إنساني وثقافي واحد، لكنه متعدد، وتآخت اللغة العربية مع اللغات الأخرى وتفاعلت واقتبست منها، فناً وأدباً وفكراً، إذ كان " العقل اليوناني" أحد مرتكزات الفكر الفلسفي العربي زائداً "النقل الإسلامي"، ولعبت الترجمة دوراً مهما في توسيع دائرة الثقافة العربية، المتعددة، محل الواحدية، وكانت الأندلس امتداداً خلاّقاً لبغداد.
لقد تغيّرت خصائص الثقافة اليوم بفعل المؤثرات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، خصوصاً في ظل ثورة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، فالتلفزيون والكومبيوتر والانترنيت والموبايل ساهمت مساهمة كبيرة في هذا التغيير، ولعلّه بقدر التقارب الذي أحدثه، فقد جعلت التمايز والخصوصيات، سمة مميزة للهوّيات والثقافات المختلفة، حيث تسعى الشعوب لاكتشاف أساطيرها ورموزها وترسيخ ذاكرتها وتعزيز لغتها الخاصة، وبالخصوص عندما تخشى من التذويب أو الإقصاء، وقد حفّزت العولمة مثل هذا التهديد، خصوصاً عندما جعلت العالم كله "قرية واحدة" هي أقرب إلى "سوق" واحدة، فالهوّيات الطرفية (العالمثالثية) وقفت ضد هويات الهيمنة، والهوّيات الفرعية في الدولة الواحدة، سعت للتشبث بخصوصياتها إزاء محاولات الإقصاء والتهميش.
نسوق ذلك بمناسبة الاستفتاء الاستكلندي (18 سبتمبر /ايلول/2014) الذي كان مجسّاً جديداً لموضوع الحلم بالاستقلال أو الانفصال في العديد من البلدان الغربية، حتى وإن كانت نتائجه قد جاءت مخيبة للآمال، فقد حصل دعاة الوحدة 55% في اضطر زعيم الحزب القومي الاسكتلندي ألكس سالموند إلى تقديم استقالته من رئاسة الحزب، علماً بأن اسكتلندا تؤلف نحو ثلث مساحة المملكة المتحدة ويقطنها نحو 5 ملايين نسمة.
وقد لحقت كاتالونيا في إسبانيا باسكتلندا، حيث كانت قد قرّرت إجراء الاستفتاء أيضاً، في 9 نوفمبر/تشرين الثاني القادم 2014، وكاتالونيا إقليم يقع شمال شرق إسبانيا ويتألف من سبعة عشر منطقة للحكم الذاتي وعاصمته مدينة برشلونة الشهيرة، وهي سادس أكبر منطقة في إسبانيا من حيث المساحة ويسكنها ما يزيد عن سبعة ونصف مليون إنسان، لكن حكومة مدريد طعنت بشرعية الاستفتاء وقانونيته ورفضت انفصال كاتالونيا، في حين ذهب آرتور ماس رئيس إقليم كاتالونيا للقول في تصريح صحافي: من المستحيل عملياً منع سكان الاقليم من التصويت في الاستفتاء. ويبلغ دخل الفرد نحو 27 ألف يورو سنوياً.
أما إقليم الباسك أو ما يسمى " بلاد البشكنش" فهو الآخر يسعى إلى الانفصال عن إسبانيا، ويعتبر سكانه من أقدم سكان أوروبا، وهم يتمتعون بحقوق واسعة حسب الدستور الإسباني. وكانت قد نشأت فيه " منظمة إيتا" العام 1961 وهي منظمة مسلحة وقد استهدفت مؤسسات ومباني حكومية، وتصنّف هذه المنظمة من جانب الاتحاد الأوروبي والحكومة الإسبانية كمنظمة إرهابية، لكنها تركت العمل المسلح منذ أكتوبر/تشرين الأول العام 2011،  ويراقب سكان الباسك بقلق نتائج استفتاء كاتالونيا بعد الخيبة التي تعرضوا لها بسبب نتائج استفتاء استكلندا. علماً بأنه سبق للإدارة المحلية لإقليم الباسك أن قدمت مشروع قانوناً للانفصال العام 2004، لكن البرلمان الاتحادي في مدريد رفضه، ومن المحتمل أن تطرح قضية الاستقلال مجدداً في العام 2015. ويبلغ عدد سكان الباسك نحو 2.5 مليون ودخل الفرد فيها  31 الف يورو سنوياً.
وفي إيطاليا فإن إقليم فينيتو يتصدّر قائمة الأقاليم الإيطالية المطالبة بالانفصال، ويقع شمال شرقي إيطاليا، وتعتبر مدينة البندقية " فنيسيا" أكبر مدنه، وأسبابه للاستقلال اقتصادية وصوّت 89% في استفتاء غير ملزم لصالح الانفصال، ويعتبر إقليم فينيتو من أغنى أقاليم إيطاليا من حيث آثاره، علماً بأن الدستور الإيطالي لا يوافق على أي نوع من أنواع الاستفتاء تقوم به الأقاليم والحكومات المحلية.
أما في بلجيكا فيتكرّس يوما بعد يوم موضوع انفصال إقليم الفلامند الذي يسكنه نحو 60% من سكان بلجيكا ويتمتع بحجم أكبر من الثروات الاقتصادية، ويبلغ دخل الفرد نحو 34 ألف يورو سنوياً، في حين أن إقليم الوالون (الناطق بالفرنسية) والذي يسكنه 40% من السكان يبلغ معدل دخل الفرد نحو 25 ألف يورو سنوياً، وفيه نسبة البطالة أكثر من إقليم الفلامند،  وتكمن الأسباب في الانفصال إلى الاختلاف الثقافي والتاريخي ولاسيّما اللغة، ولكن الأسباب الاقتصادية لها دور كبير في ذلك، وتبقى مدينة بروكسل (إقليم فيدرالي مستقل) مدينة مزدوجة كعاصمة لها ثقلها في الاتحاد الأوروبي وفي حلف شمالي الأطلسي (الناتو).
وفي فرنسا، هناك جزيرة كورسيكا التي تقع جنوب شرق فرنسا (وهي رابع أكبر جزيرة في البحر المتوسط) ولها أهمية تاريخية باعتبارها مسقط رأس القائد نابليون بونابرت فإنها تطالب بالإنفصال. وهي تتألف من منطقتين وقد انضمت إلى فرنسا في إطار معاهدة فرساي بعد أن كانت مستقلة منذ العام 1735. وفي العام 1960 تشكلت حركة انفصالية في كورسيكا وقامت بأعمال مسلحة وهاجمت مباني حكومية، لكنها في العام 2013 توقفت عن ذلك وأعلنت تخليها عن العمل المسلح، والالتزام بالقانون مع مواصلة الكفاح من أجل استقلال كورسيكا بالوسائل السياسية والمدنية.
وتعجّ أوروبا ولاسيّما منطقة البلقان بالتنوّع الثقافي، الإثني والديني، وتنبعث الهوّيات الفرعية والخصوصيات الثقافية على نحو شديد، حيث يوجد: البوسنة والهرسك وصربيا وكوسوفو ومقدونيا. وحيث يتداخل الجيوبولتيك فيختلط بالهوّية أحياناً وبالمصالح الاقتصادية. فقد أعلنت كوسوفو جمهورية مستقلة من طرف واحد في العام 2008 بانفصالها عن صربيا واعترف بها العالم وانضمت إلى الأمم المتحدة، وقد أثار ذلك الإعلان جدلاً فقهياً لم ينقطع بعد في إطار القانون الدولي.
لقد كان استفتاء اسكتلندا مناسبة لتطفو على سطح الأحداث العديد من المناطق الأوروبية التي كانت تنتظر نتائج الحدث الاسكتلندي، مثلما كانت تنتظره العديد من البلدان العربية في العراق واليمن وسوريا وليبيا ولبنان، حيث تطرح مسألة الهوّية الفرعية والخصوصية الثقافية والتنوّع الديني والإثني، ولكن في ظل الاحترابات السياسية والتمذهب والتطرف والتعصب، ولاسيّما في ظل وجود جماعات التكفير والارهاب، باسم داعش أو غيرها.
 



41
المنبر الحر / صناعة صورة “داعش”
« في: 17:58 02/10/2014  »
صناعة صورة “داعش”
                     
عبد الحسين شعبان
باحث ومفكر عربي


ثلاثة مواضيع تلفت الانتباه إلى صورة "داعش" المرسومة إعلامياً بدقة لا متناهية، الأول ما صورته هي عن نفسها أو ما تم تصويره بوعي وسابق إصرار لإنتاج صورتها في الغرب عموماً، والثاني، صعود "داعش" في سياقها التاريخي وأسبابه الموضوعية والذاتية، أما الثالث، فله علاقة بمستقبل "داعش"، لاسيّما بقيام التحالف الدولي بقيادة واشنطن، بعد صدور قرار مجلس الأمن الدولي 2170 في 15 أغسطس/آب 2014 القاضي بوقف مصادر إمداداتها وتحريم التعاون معها وملاحقتها، علماً بأن هذا القرار صدر ضمن الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة الخاص باستخدام العقوبات الدولية ابتداءً من أدناها وحتى أرقاها، وصولاً إلى استخدام القوة المسلّحة .
ثمة أسئلة يثيرها صعود داعش بهذه السرعة الخاطفة وسيطرتها على ما يزيد على ربع أراضي العراق وربع أراضي سوريا، وكيف استطاعت بصورتها المخيفة الإمساك بالمخيّلة الغربية، بشأن الإرهاب "الإسلامي"، الأمر الذي يثير الفزع والرعب لدرجة مريعة وغير مسبوقة، قياساً بتنظيمات "القاعدة" التقليدية بقيادة أسامة بن لادن وخلفه أيمن الظواهري .
هل صناعة صورة داعش وقبلها القاعدة تعطي المسوّغ السياسي والاجتماعي والمبرّر العسكري لمواجهة ما سمّي بالإسلامفوبيا (الرهاب من الإسلام) وذلك تحت عنوان مكافحة الإرهاب الدولي، الذي سبق وأن قاد إلى احتلال أفغانستان عام 2001 وبعده احتلال العراق عام 2003؟ وقد يتضمن تعميم تلك الصورة حجب تطلّع شعوب العالم الإسلامي، وفي مقدمتهم العرب إلى حياة آمنة ومستقرة وتحقيق تنمية وعدالة، كما هبّت في موجة أولى لما سمّي بالربيع العربي، وأسوة بشعوب العالم المختلفة .
إذا كانت الحرب الأيديولوجية، بما فيها صناعة العدو كمهنة جاهزة للتسويق في فترة الحرب الباردة تعني "مواجهة الخطر الشيوعي"، فإن المهنة الأيديولوجية في فترة صعود القاعدة- "داعش"، تعني "مواجهة الخطر الإسلامي"، ومثلما انخرط في الحقبة الأولى أساتذة جامعيون وصحافيون ونشطاء سياسيون ومدنيون وخبراء، ينخرط اليوم في المواجهة، جوقة أكبر بما فيها من العالم الثالث التي كان بعضها حتى وقت قريب جزء من المعسكر الآخر، لتقديم الصورة الجديدة لمجتمعات ما بعد نهاية الحرب الباردة وصعود التيار الإسلامي، وتلك مسألة لها وجهان، الأول يتعلق بما نريد لمنطقتنا والثاني لما يريده الآخرون للمنطقة، وهي بكل الأحوال صورة غير متطابقة، بل إنها في الكثير من الأحيان تبدو متنافرة أو غير قابلة للتواؤم .
ليس عبثاً كما يقول د . فوّاز جرجس في كتابه "القاعدة: الصعود والأفول" الصادر عن مركز دراسات الوحدة العربية، في بيروت، عام ،2012 أن تظهر 1271 منظمة حكومية و200 شركة خاصة تعمل على مكافحة الإرهاب الدولي في 000 .10 (عشرة آلاف) موقع في الولايات المتحدة ويعمل فيها 854000 (ثمانمئة وأربعة وخمسون ألفاً) شخص على الأقل، وكل ذلك يتجه إلى الأهداف المرسومة عن صورة القاعدة ووليدتها داعش، والتي تتلخص في شيطنة الإسلام، وإخافة الغرب من الإرهاب لدرجة مرعبة، ثم محاولة تطويع الجاليات المسلمة في الغرب، لخدمة أهداف السياسة الخارجية للبلدان التي يعيشون فيها .
وهنا فالأمر له إطار ثقافي وهو ما دعاه فرانسيس فوكوياما "بنهاية التاريخ" و"صموئيل هنتنغتون" "بصدام الحضارات"، أي ليس هناك مهرب بين معسكر الخير والتقدم والسلام، في مواجهة معسكر الشر والتخلف والعنف، فمن ليس معنا حسب الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش، فهو ضدنا، وهكذا قسّم العالم إلى فسطاطين، كما فعل أسامة بن لادن، في ثنيوية عجيبة، أساسها الإلغاء والإقصاء والتهميش، بدلاً من الحوار والتواصل والتفاعل، والبحث عن المشتركات الإنسانية، وإقرار حقوق الشعوب وتطلعاتها نحو الحرية والكرامة والعدالة واحترام حقوق الإنسان، والقضاء على الفقر والأمية والتخلف، بتنمية متوازنة ومسؤوليات مشتركة كونية .
هناك جانب آخر يضاف إلى "المهنة الأيديولوجية" بصناعة صورة "داعش" اليوم، وهو "المهنة التجارية"، حيث تتحول صورة "داعش" إلى بيزنس، وهي تجارة تستفيد منها شركات ومؤسسات للتدمير ولإعادة الاعمار لاحقاً، بما فيها مؤسسات وأشخاص من الوسط الثقافي والأكاديمي، كاستثمار في حقول التعليم والمقاولات الإعلامية في مواجهة الخطر الإسلامي . وهنا يختلط الآيديولوجي بالدعائي بالتجاري والاقتصادي والتربوي بالنفسي، لخلق صورة الإرهاب، على شكل "داعش" وقادتها الذين يجزّون الرقاب ويقطعون الرؤوس ويرتدون الأسود ويخفون وجوههم، لكن سلاحهم وقنابلهم وسيوفهم وسياراتهم، هي التي تظهر، لتكريس الصورة المرعبة، والمخيفة .
وإذا كان تنظيم القاعدة قد ولد رسمياً في عام 1998 وبعد عمل مضن باسم المجاهدين الأفغان ضد الاحتلال السوفييتي لأفغانستان منذ العام ،1978 فإن الولادة الحقيقية لداعش قد جاءت بعد احتلال الموصل في ظل عمل "القاعدة في بلاد الرافدين" و"القاعدة في بلاد الشام" واتحادهما بعد سنوات من العمل المنفرد (2013 ومطلع العام 2014) . وقد ولدت داعش وتصاحبها صورة مجموعة للذبح، وفي الوقت نفسه لإعلان الخلافة الواجبة الطاعة على المسلمين المفترض فيهم تقديم الولاء والبيعة لها .
لقد كانت وراء أحداث 11 سبتمبر/أيلول الإرهابية الإجرامية التي حصلت في الولايات المتحدة ظهور صورة تنظيم القاعدة . أما صورة داعش فقد صنعت في الموصل على الأرض، خصوصاً عندما صعد أبو بكر البغدادي على منصة الخطاب بهدوء واتزان ليلقي خطبة متسقة، لكونه أعلن خليفة للدولة الإسلامية وللمسلمين جميعاً . وكان تنظيم الدولة قد أمهل أتباع الديانات الأخرى، وخصوصاً المسيحيين والإيزيديين والشبك وغيرهم بالأسلمة أو دفع الجزية أو الرحيل، وقام بتنفيذ مئات من حوادث القتل الجماعية بحق جماعات سكانية بكاملها، مستبيحاً النساء كغنيمة "داعشية" .
لا شك أن الصورة التي ظهر بها البغدادي في جامع النوري الكبير في الموصل يقف خلفها خبراء ومحترفون في تقنيات التواصل والإعلام وعلم النفس ناهيكم عن مهندسين وفنيين، لاسيّما في الرسائل المشفّرة المرسلة عبرها والملتقطة إعلامياً ونفسياً واجتماعياً وعسكرياً، وفي جوانبها السياسية والدينية والطائفية . ويلاحظ الاهتمام الكبير بالصورة التي أريد أن يظهر بها، خصوصاً بتعطيل الهواتف النقالة لأكثر من ساعة والموكب المهيب الذي رافقه عند الحضور وعند المغادرة إضافة إلى الشباب الذين كانوا في الجامع ينتظرون "القائد" ويجلسون بكل استرخاء لحدث يراد صناعته دولياً، ولصورة يراد إبقاؤها في أذهان المتلقين، كقدرة لا متناهية على التحدي والرعب .
والصورة خبر في الإعلام كما يقال، فما بالك حين يرافقها منظومة بصرية وإشارات رمزية وطقوس وحواس وأصوات مدروسة علمياً وتقنياً، وقد تسنى لي سؤال عدد من المهندسين عن ذلك، فأشادوا جميعهم بدرجة الإتقان، ناهيكم عن الأبعاد النفسية التي تركتها رسائل داعش الصادرة عن احتلال الموصل، وهو ما انعكس لاحقاً عند احتلال سنجار وما حولها من مشاهد الهجرة الجماعية والاستباحات اللاإنسانية .
وإذا كانت "داعش" تحترف في قتل الضحية لا باعتبارها غاية فحسب، بل وسيلة نفسية للرعب والهلع، فإنها إذ تمارس ذلك تجمع بين الوحشية والبربرية من جهة، وبين التأثير النفسي وهو إضعاف عزيمة الآخر الذي ليس أمامه سوى الهرب، وإلاّ سيكون مصيره قطع الرؤوس، وفي ذلك تضرب على نحو سيكولوجي، الخصم أو العدو مسبقاً وحتى قبل المعركة، في أحد أهم أركان العقيدة القتالية، وحصل هذا الأمر في سوريا والعراق وعرسال في لبنان أيضاً .
ولكن سؤالاً يظلّ محيّراً من أين جاءت داعش بكل هذه الإمكانات العلمية والتقنية والسيكولوجية والسياسية الهائلة، في حين تعجز أحزاباً وقوى تاريخية على حشد عشرات أو مئات لعمل سياسي وليس قتالياً، حتى وإن كان مشروعاً ومبدئياً وينسجم مع القوانين السائدة، في حين أن "داعش" ترتكب كل ما هو مخالف للقانون والشرع والحقوق والأخلاق والإنسانية؟ كيف يمكنهم احتقار الحياة أو استصغارها إلى هذا الحد الذي تتساوى فيه مع الموت إن لم يكن الأمر له علاقة بغسل الأدمغة، ناهيكم عن الوضع الاقتصادي والاجتماعي والنفسي الذي يعيشه هؤلاء "الداعشيون"، فضلاً عن قراءة تدميرية لقيم الإسلام السمحاء وتعاليمه ذات البعد الإنساني، وهو الأمر الذي يصبح فيه المسلمون سنّة وشيعة مرتّدين، والمسيحيون والإيزيدون والشبك والكاكائيون وغيرهم جميعاً كفّاراً بجرّة قلم ويستحقون الموت إن لم يعلنوا إسلامهم الداعشي؟
هل سيكون قرار مجلس الأمن 2170 الصادر في 15 أغسطس/آب 2014 قادراً وبواسطة التحالف الدولي في القضاء على "داعش" وأخواتها، أم إن المسألة تحتاج إلى إعادة نظر بالاستراتيجية الكونية وبمجمل العلاقات الدولية، وإعادة تأسيسها على العدل والإنصاف وقيم السلام والتسامح والتعاون الدولي القائم على المصالح المشتركة والمنافع المتبادلة؟
الأمر يحتاج منّا كعرب ومسلمين حل أزمات مجتمعاتنا بالقضاء على الفقر والتخلف والأمية ومواجهة التعصب والتطرف والغلو واحترام الحقوق والحريات، وبتأكيد احترام سيادة القانون ومبادئ المساواة، وذلك كفيل بمنع انتشار الظاهرة "الداعشية"، ورسم صورة جديدة عن منطقتنا، تختلف عن صورة داعش المستوردة، تلك الصورة التي لا يمكن اليوم تعميمها إلاّ بعمل سياسي واجتماعي وقانوني وتربوي، حكومي وغير حكومي، طويل الأمد ضد الطائفية والتمذهب والتعصّب الديني وهضم الحقوق، ويأتي العمل العسكري والأمني، مكملاً لعمل تنموي وثقافي طويل الأمد، وهو وحده الذي يعيد رسم صورتنا الحقيقية وليس صورة داعش المصنوعة .



42
“داعش” والفصل السابع
عبد الحسين شعبان
باحث ومفكر عربي

في تطوّر خطر على الصعيدين القانوني والدبلوماسي تبنّى مجلس الأمن الدولي قراراً ضمن الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، قضى بموجبه قطع مصادر التمويل عن مقاتلي "داعش" ومنعهم من تجنيد المقاتلين الأجانب . ونصّ القرار رقم 2170 الصادر في 15 أغسطس/آب 2014 الذي تقدّمت به بريطانيا على إدراج 6 أسماء من القيادات الإسلاموية المتطرفة الخاصة بتنظيم "القاعدة"، إضافة إلى الشخصيات المموّلة لتنظيم "جبهة النصرة" في سوريا، على لائحة العقوبات الدولية، وتجميد ممتلكاتها ومنعها من السفر، بمن فيها الناطق باسم تنظيم "داعش" المدعو أبو محمد العدناني .
ويعد القرار رقم 2170 أوسع إجراء تتخذه الأمم المتحدة ومجلس الأمن لمواجهة مقاتلي "داعش"، بعد أكثر من شهرين على احتلاله للموصل وتمدّده في العراق في محافظات صلاح الدين والأنبار وأجزاء من كركوك وديالى، إضافة إلى مناطق واسعة من سوريا كان آخرها السيطرة على مطار الطبقة وعلى محافظة الرقة بالكامل، واحتلاله نحو 60 قرية في محافظة الحسكة وبالقرب من الحدود التركية، ووضع يده على حقول نفط ومصاف استخدمته لبيع النفط بالسوق السوداء والحصول على تمويل هائل، حتى إن واشنطن تعتبره الآن أغنى منظمة إرهابية في العالم .
وكان القرار 2170 قد صدر بعد هول الأعمال الوحشية ومحاولة محو مجموعات ثقافية ودينية بالكامل على أساس ديانتها ومعتقداتها، كما حصل بالنسبة إلى المسيحيين والإيزيديين والشبك والشيعة والتركمان في تلعفر، فضلاً عمّا لحق بالسنّة الذين يشكلون أغلبية ساحقة في المحافظات المذكورة في إعلاه، إضافة إلى بعض مناطق حزام بغداد، من إساءة حقيقية، حين طالبهم "داعش" بالولاء وبالبيعة، مثلما طالب أتباع الديانات والمذاهب الأخرى بالدخول إلى "إسلامه" أو دفع الجزية أو الرحيل، وإلاّ فإن شبح الموت يخيّم عليهم، ولذلك اضطرّ عشرات، بل مئات الآلاف من السكان من مختلف التكوينات القومية والإثنية إلى الهجرة والنزوح في لحظة انقطاع تاريخية، لم يسبق للعراق أن مرّ بها، فضلاً عن تعرّض المئات إلى القتل العشوائي والإعدامات بالجملة، والنساء إلى العنف الجنسي والاغتصاب وكذلك الأطفال، وإذا أضفنا إليهم من نزح من محافظات الأنبار وصلاح الدين، فقد يصل الرقم إلى مليون و800 ألف نازح خلال أشهر قليلة .
وطلب قرار مجلس الأمن من جميع الدول الأعضاء اتخاذ الإجراءات على الصعيد الوطني لتقييد تدفق مقاتلين إرهابيين أجانب يلتحقون بصفوف "داعش" و"جبهة النصرة"، ودان القرار أي تعامل تجاري مباشر وغير مباشر مع هذين التنظيمين أو الجماعات المرتبطة بهما . وهو ما كان محطّ بحث في مؤتمر باريس للتصدي للإرهاب الدولي .
جدير بالذكر أن الإشارة إلى الفصل السابع الخاص بالعقوبات، وتحديداً في المواد 39-،42 وصولاً إلى المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة الخاصة بحق الدفاع عن النفس، تعني اللجوء إلى جميع أشكال العقوبات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وصولاً إلى العقوبات العسكرية، أي استخدام القوة بهدف تطبيق القرار ،2170 الأمر الذي قد يدفع تطور الأمور إلى القيام بعمليات عسكرية واسعة، وحتى إن بدأت بعض العمليات حالياً، فإنها ظلّت محدودة، حيث لا يزال "داعش" يسيطر على مناطق واسعة من العراق وسوريا ويتحكم بمنطقة جغرافية كبيرة ومتصلة وتشمل عدداً من المحافظات سورية وعراقية، ويحاول "داعش" القيام بمهمات إدارتها طبقاً لقوانين وأنظمة جديدة وطارئة وضعها بعد هيمنته على هذه المناطق .
لقد كانت قضية التدخل العسكري، ولا تزال تثير جدلاً واسعاً حول "الحق في التدخل الإنساني"، أو لأغراض "إنسانية"، لاسيّما بحدوده ومداه وسلطة اتخاذه، خصوصاً بملابساته ومضاعفاته الخطرة، كما حصل في كوسوفو العام 1999 والعراق العام ،2003 وليبيا العام 2011 وغيرها، وهو الأمر الذي دفع نائب السفير الروسي بيتر ايليتشيف في الأمم المتحدة للقول إن القرار لا يعد موافقة على الشروع بعمل عسكري . وهي المسألة التي بدأت روسيا تتخذ منها موقفاً متشدّداً، لاسيّما بخصوص سوريا، في عهد الرئيس بوتين، بعد التجربة الليبية وقبلها التجربة العراقية .
لكن القرار على أية حال سيشكّل إطار قانونياً دولياً جديداً يضاف إلى قرار مكافحة الإرهاب الدولي، لاسيّما القرار 1368 الصادر في 12 سبتمبر/أيلول 2001 الذي صدر بعد يوم واحد من أحداث 11 سبتمبر/أيلول الإرهابية الإجرامية التي حصلت في الولايات المتحدة، والقرار 1373 الصادر في 28 سبتبمر/أيلول من العام ذاته، وهو من أخطر القرارات الدولية، حين أعطي الحق باستخدام القوة إذا ما شعرت الدولة بأنها مهددة بخطر إرهابي وشيك الوقوع أو محتمل، والقرار 1390 الصادر في 16 يناير/كانون الثاني 2002 الذي فرض التزامات وعقوبات على الدول للتعاون بصدد مكافحة الإرهاب الدولي، وهو الأمر الذي استغلّه الرئيس الأمريكي السابق جورج دبليو بوش بشأن شن الحرب على العراق، بل التلويح بأن الإرهاب الدولي يمكن أن يشمل 40 بلداً و60 حركة بما فيها أطراف في حركة المقاومة الفلسطينية ضد الاحتلال "الإسرائيلي"، وهو ما يُطلق عليه ازدواجية المعايير والتوظيف السياسي لقرارات الأمم المتحدة .
جدير بالذكر أن القرار حدّد أسماء الإسلامويين الستة الذين فرض مجلس الأمن العقوبات عليهم، ولكن لم يكن أبو بكر البغدادي قائد تنظيم "داعش" والخليفة المنصّب من قبلها ضمنهم، بل كانت الفضيحة كبيرة حين تم اكتشاف أن اسمه غير معروف، وليس هناك مادة أرشيفية موثقة عنه، وهو يعني تقاعس الجهد الاستخباري العالمي، لاسيّما للقوى الكبرى وفي مقدمتها الولايات المتحدة . أما الأسماء الستة فهي:
1- عبدالرحمن محمد ظافر الدبيسي الجهني (مبعوث القاعدة إلى سوريا)، وهو مطلوب في المملكة العربية السعودية والتحق بالقاعدة في سوريا العام 2013 .
2- حجاج بن فهد العجمي وهو أحد مموّلي "جبهة النصرة"، وقد سبق أن أدرج اسمه على لائحة المطلوبين وكان ينتقل بين الكويت وسوريا لجمع الأموال .
3- أبو محمد العدناني، واسمه الحقيقي طه صبحي فلاحة، من مواليد حلب العام 1977(وهو الناطق الرسمي) .
4- سعيد عارف، وقد ولد في الجزائر، وهو من المسؤولين عن تجنيد المقاتلين الأجانب، ولاسيّما من الفرنسيين للقتال في سوريا، وقد سبق أن حوكم في فرنسا وحكم عليه العام 2007 بإدانته بالإرهاب واستطاع الفرار 2012 والتحق بتنظيم "جبهة النصرة" .
5- عبد المحسن عبدالله إبراهيم الشارخ، وهو مدرج على لائحة الإرهاب الدولي .
6- حميد حمد العصي، وهو من المتهمين في "جبهة النصرة" و"داعش" حالياً .
لقد كان سقوط الموصل المفاجئ بيد تنظيم "داعش" الإرهابي وتقدّمه بعد أسابيع باتجاه كردستان وأربيل تحديداً، ناقوس خطر جديد لدول المنطقة، إضافة إلى الولايات المتحدة، وقد سبق لإيران أن أعلنت استعدادها للتعاون مع الولايات المتحدة للتصدي للإرهاب ولتنظيم "داعش"، لكن جون كيري وزير خارجية واشنطن نفى أية عملية تنسيق مع طهران، كما استبعد أي تعاون مع النظام السوري بوجود الرئيس بشار الأسد .
وإذا كانت واشنطن قرّرت عبر الكونغرس استخدام القوة العسكرية، ولاسيّما سلاح الجو الأمريكي، لتوجيه ضربات محددة لمواقع "داعش"، خصوصاً طائرات من غير طيار، فإن الرئيس الأمريكي ينتظر خلال أيام ترؤس جلسة خاصة في مجلس الأمن، ولاسيّما بعد صدور القرار ،2170 مخصصة للبحث في كيفية مواجهة خطر الإرهابيين الأجانب الذين يلتحقون بالتنظيمات الإسلاموية في سوريا والعراق، بعد أن أبدى مرونة عالية حين طلب من تنظيم "الجيش السوري الحر" مقاتلة "داعش"، الذي يواجه الجيش السوري النظامي، كما أكّد دعم المعارضة السورية "المعتدلة" كما أسماها .
وتتنازع واشنطن ستراتيجيتان الأولى: خطة طويلة الأمد في الشرق الأوسط وهو ما صرّح به الرئيس أوباما، والثانية خطة للتعاون الإقليمي وذلك ما جاء على لسان ماري هارف (المتحدثة باسم وزارة الخارجية)، يمكن أن تكون فعّالة على هذا الصعيد، خصوصاً أن الرياض أصدرت قراراً بتجريم وملاحقة "داعش" باعتباره تنظيماً إرهابياً، وجدّدت دعوتها إلى دعم مركز دولي بحثي لمكافحة الإرهاب الدولي، وهو الأمر الذي يجعل موضوع التفاهم الأولي الأمريكي الإيراني بشأن الملف النووي مقدمة لإمكانية حلحلة ملف التفاهم الخليجي الإيراني، وذلك للخطر المشترك، ويمكن للأمم المتحدة أن تكون الإطار الذي تتلاقى فيه المصالح المشتركة، خصوصاً أن خطر الإرهاب الدولي يهدّد الجميع، وعليهم التعاون للقضاء على هذا السرطان قبل أن يستفحل في جسد المجتمع الدولي .


43
عن الدولة والتيار الديمقراطي في العراق
عبد الحسين شعبان           
باحث ومفكر عربي

للتيار الديمقراطي جذور عميقة في العراق، إذ لا يمكن الحديث عن الدولة العراقية المعاصرة التي تأسست في العام 1921 من دون الحديث عن نشوء تيار ديمقراطي بإرهاصاته الأولى . وكان الدستور العراقي الأول (القانون الأساسي) الذي صدر في العام ،1925 وهو دستور دائم تم سنه بمساعدة خبراء بريطانيين، ولكنه قياساً لزمانه كان متقدماً، وتجلى ذلك بتقنين الحريات، وخصوصاً حرية التعبير وإعلاء سيادة القانون وإجراء انتخابات لبرلمان عراقي، بغض النظر عن درجة تمثيله للسكان، وتزوير الانتخابات فيه، لكنه كان خطوة أولية لممارسة لم تكن الدولة العراقية تألفها من قبل .
لقد ولد التيار الديمقراطي في رحم الدولة العراقية الأولى، على الرغم من ارتباط هذه الدولة بمعاهدات واتفاقيات غير متكافئة مع بريطانيا، وهي اتفاقيات اقتصادية، تتعلق بالنفط أساساً، واتفاقيات عسكرية وأمنية، كما هي اتفاقية العام ،1930 ومحاولة فرض معاهدة العام 1948 المعروفة باسم "معاهدة بورتسموث"، التي أسقطها الشعب وأطاح الحكومة، والاتفاقية العراقية - البريطانية لعام 1954 وكذلك الاتفاقية العراقية - الأمريكية في العام نفسه، إضافة إلى "حلف بغداد" المعروف لاحقاً باسم "حلف السنتو" وحلف "المعاهدة المركزية" العام ،1955 الذي انسحب منه العراق بعد ثورة 14 تموز (يوليو) العام 1958 .
وبخصوص النفحات الديمقراطية الأولى لبلورة تيار ديمقراطي، فقد كانت هناك صلة وثيقة وعميقة بين أطراف التوجهات الوطنية، ممثلة بروافد ثلاثة: الجماعة اليسارية وخصوصاً النواتات الأولى في العشرينات، ممثلة بجماعة حسين الرحال والروائي محمود أحمد السيد وآخرين، والجماعة العروبية (القومية العربية) ممثلة بنادي المثنى وحزب الاستقلال وقيادات مثل محمد مهدي كبه وفايق السامرائي وصديق شنشل، والجماعة الديمقراطية التي تمثلت بجماعة الأهالي في العام 1932 وفرعها جمعية الإصلاح الشعبي، وضمت عبد الفتاح ابراهيم، وحسين جميل ومحمد حديد وعبد القادر اسماعيل، ثم انضم إليها في العام 1933 محمد جعفر أبو التمن وكامل الجادرجي وحكمت سليمان .
وأسس الجادرجي لاحقاً الحزب الوطني الديمقراطي في العام ،1946 وأصبح هو وحزبه الأكثر استقطاباً للتيار الديمقراطي الناشئ، وذلك عندما أجازت وزارة توفيق السويدي ووزير داخليتها سعد صالح خمسة أحزاب سياسية في العام 1946 وهي إضافة إلى الحزب الوطني الديمقراطي، حزب الشعب بقيادة عزيز شريف، وحزب الاتحاد الوطني برئاسة عبد الفتاح ابراهيم، وحزب الاستقلال (القومي العربي) برئاسة محمد مهدي كبه، وحزب الأحرار الذي ترأسه توفيق السويدي بعد استقالة الوزارة وأعقبه بعد فترة قصيرة سعد صالح الذي كان أكثر راديكالية من سلفه، وهو حزب خرج من معطف الحكومة ليرتدي بدلة المعارضة السياسية الديمقراطية .
كان التيار الديمقراطي الأكثر إيماناً وممارسة لمسألة الحوار وتقبل الرأي الآخر، والحوار كمبدأ وأسلوب سواءً كان مع الحكومة أو مع القوى السياسية، وكان الأكثر شفافية في التعامل الوطني، ولاسيما بالمقارنة مع التيارات الشمولية القومية واليسارية، فضلاً عن التعامل الداخلي بينه وبين قيادته وأعضائه .
وقد انتعش التيار الديمقراطي في الأربعينات بشكل خاص، وبالتحديد بين أعوام الحرب العالمية الثانية 1941- 1945 وبعده بعام واحد عندما أجيز حق تأسيس الأحزاب، لكنه بعد بضعة أشهر عادت المسألة إلى ما قبل الحرب، ولاسيما شح الحريات وتكميم الأفواه ومحاولة فرض معاهدات مع بريطانيا، لا يرتضيها الشعب، الأمر الذي قاد إلى احتجاجات وتظاهرات عارمة، لكن الحكومة قابلت ذلك بإصدار قوانين غليظة تحت عنوان مكافحة الأفكار الهدامة، وذلك عشية التمهيد لحلف بغداد .
الدستور العراقي الدائم الذي تم تشريعه في العام 1925 أطيح به في العام 1958 عقب الثورة، ولكن المفارقة الحقيقية، أن " قيادة الثورة" ذاتها ضاق صدرها سريعاً، واستدارت بالبلاد بعد العام الأول من الثورة صوب الحكم الفردي- الدكتاتوري، بدلاً من التوجه لتوسيع دائرة الحريات وتأكيد احترام سيادة القانون واحترام حقوق الإنسان وتعزيز المواطنة والانتقال إلى حكم نيابي يحظى بدعم الشعب من خلال انتخابات حرة ونزيهة .
وخلال الأعوام من 1958 ولغاية وقوع العراق تحت الاحتلال في العام 2003 حُكمت البلاد بنصف دزينة من الدساتير المؤقتة، ابتداء من دستور العام 1958 وقانون المجلس الوطني العام 1963 ودستور العام 1964 ودستور العام 1968 ودستور العام 1970 الذي استمر لنحو 33 عاماً .
وخلال فترة ما بعد الاحتلال حكم العراق بدستور مؤقت أطلق عليه "قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية لعام 2004"، الذي شرع في عهد بول بريمر الحاكم المدني الأمريكي للعراق من 13 أيار/مايو 2003 - 28 حزيران (يونيو) 2004)، وكان هذا الدستور قد وضع مسودته الأولى اليهودي الأمريكي نوح فيلتمان، وعلى أساسه تم تشريع الدستور العراقي الدائم لعام 2005 والاستفتاء عليه في 15 تشرين الأول (اكتوبر) وإجراء انتخابات على أساسه بعد شهرين أي من 15 كانون الأول (ديسمبر) 2005 .
الدساتير المؤقتة جميعها قلصت الفرص أمام تعزيز وجود تيار ديمقراطي، وذلك بتوجهها الشمولي "التوتاليتاري"، وتحت عناوين مصلحة الثورة ولاحقاً "الحزب القائد"، ولعل دور الجيش والعسكريين، قد ارتفع رصيدهما بعد ثورة 14 تموز (يوليو) ،1958 الأمر الذي دفع التيار الديمقراطي المؤمن بالدولة المدنية الديمقراطية العقلانية الحداثية إلى الخلف، حيث ساد الرأي الواحد والذوق الواحد والزعيم الواحد، وما عداه فإنه محرم تحت عناوين مختلفة .
إن السعي لإعادة بناء تيار ديمقراطي ليس رغبة ذاتية فحسب، لأنه سيأتي إسقاطاً إرادوياً من فوق، بل يحتاج إلى مستلزمات موضوعية ليصبح حاجة، خصوصاً أن الأمر يتطلب إعادة نشر وتعزيز القيم والأفكار الديمقراطية في مجتمع عانى الاستبداد عدة عقود من الزمان، ففي التراث الديمقراطي للرعيل الأول من قادة التيار الديمقراطي مثل الجادرجي وعبد الفتاح ابراهيم وحسين جميل ومحمد حديد وآخرين كانت المسألة الوطنية ملازمة للمسألة الديمقراطية، في حين أننا نرى اليوم ضعف المناعة الوطنية إزاء التعاون مع القوى الخارجية، بزعم أن الحركة السياسية بقضها وقضيضها لم تكن قادرة على مقارعة النظام الدكتاتوري، وحدها، فما بالك بتيار ضعيف وقليل الإمكانات ويسعى لإعادة لملمة بعض من يحسب عليه، مع تبرير أن المسألة تستهدف "تحرير العراق" من النظام السابق وعندها سيكون لكل حادث حديث .
لكن الأمر لم ينتهِ عند هذا "التنظير"، بل استمر بالتعاون مع الاحتلال وقبول دستور قائم على أساس "المكونات" ويحتوي على العديد من الألغام ويتعارض مع الأسس الأساسية لدستور ديمقراطي، وجرت المسألة إلى تأييد اتفاقية عراقية - أمريكية مذلة مفروضة على العراق، وبين طرفين أحدهما ضعيف ومحتلة أراضيه والآخر قوي ومحتل، بل إن هناك من طالب ببقاء القوات الأمريكية ولا يزال يتشبث بوجودها، بل ويدعوها إلى حل المشكلات مع الأطراف الأخرى كلما حدثت مشكلة بينه وبين غرمائه العراقيين، وينسى هؤلاء جميعاً أن ما يسمى بالديمقراطية دون الوطنية، إنما هي تقود إلى قبول التبعية ومصلحة الغير على حساب المصلحة الوطنية، كما أن هذه الأخيرة دون الديمقراطية تؤدي إلى التفرد والتسلط والدكتاتورية .
مناسبة هذا الحديث كان حواراً دولياً جاداً ومسؤولاً في أنقرة شارك فيه نحو 400 أكاديمية وأكاديمي ومن جامعات وبلدان مختلفة شمل قضايا الشرق الأوسط، وكان الموضوع العراقي وخصوصاً الدولة ومآلاتها والتحديات التي تواجهها قد اندرج ضمن المؤتمر .




44
هل أصبحت المفاوضات عقيمة؟
                     عبدالحسين شعبان
مثّلت الحلقة النقاشية التي نظمتها "الحملة العالمية للعودة إلى فلسطين" بدعوة خبراء ومختصين وأكاديميين ومفكرين للحوار، فرصة مهمة لتبادل الرأي واستمزاج وجهات النظر بخصوص العدوان "الإسرائيلي" على غزة وانعكاسات ذلك دولياً وإقليمياً، وكذلك عربياً وفلسطينياً، إضافة إلى انعكاساته على "إسرائيل" وعلى موضوع المفاوضات الفلسطينية - "الإسرائيلية"، تلك التي سبق وأن وصلت إلى طريق مسدود، بل ويزداد انغلاقاً يوماً بعد آخر، خصوصاً بوجود حكومة نتنياهو، الأكثر تطرفاً، وقيادة حزب الليكود (الحاكم) من جانب مجموعة متطرفة ومتعصبة شعارها يقوم على أرض "إسرائيل" الكاملة، وتسعى هذه المجموعة إلى طرد الفلسطينيين سواء في مناطق ال 48 أو مناطق ال ،67 الأمر الذي يقف حجر عثرة أمام أية تسوية، حتى إن كانت بحدّها الأدنى، علماً بأن اتفاقيات مدريد- أوسلو 1991- 1993 والمفاوضات التي استمرت لأكثر من 20 عاماً لم تجلب معها سوى المزيد من الويلات للشعب العربي الفلسطيني، ولم تحقق أية فوائد تُذكر .
وكانت مفاوضات الحل النهائي وقعت في المحذور العام ،1999 الأمر الذي يعني العودة مجدداً وفي كل مرّة إلى المربع الأول، وظلّت قضايا مثل القدس والحدود والمستوطنات والمياه وحق العودة وإقامة الدولة، وغيرها بلا حلول تُذكر، بل ازدادت تعقيداً مع مرور الأيام، وإذا كان عدد المستوطنين قبل أوسلو 93 ألفاً في الضفة الغربية، فقد بلغ عددهم اليوم 700 ألف، وهذا بحد ذاته مؤشر على عدم رغبة الطرف "الإسرائيلي" في الوصول إلى حل سياسي، حيث ارتفعت وتيرة عدوانيته، خصوصاً برفض الشعب العربي الفلسطيني التسويات المذلّة واستعداده للمقاومة بكل أشكالها، وهو ما كان أحد إفرازات حروب "إسرائيل" وعدوانها المتكرر على غزة .
ومنذ الانتفاضة الثانية العام 2000 فإن المفاوضات لم تحرز أي تقدّم وكانت "إسرائيل" تلعب بالوقت، كما هي مفاوضات واي ريفر في 1999 ومفاوضات أنابوليس العام 2007 ومفاوضات عمان العام ،2012 ومفاوضات واشنطن العام ،2013 وليس بعيداً عن ذلك ما سمّي المفاوضات الاستكشافية والمفاوضات غير المباشرة، إضافة إلى المفاوضات المباشرة، وكل أنواع المفاوضات تلك لم تحرز أية نتائج، سوى تكريس الاستيطان وتدمير الوحدة الجغرافية للأراضي الفلسطينية والإخلال بالمعادلة الديموغرافية في القدس وفي الأغوار وفي قلب الضفة .
يعد العدوان " الإسرائيلي" على غزة هو العدوان الرابع خلال 7 سنوات، إذا اعتبرنا الحصار الاقتصادي المفروض على غزّة هو العدوان الأول والمستمر، فإن عملية "عمود السحاب" كانت عنواناً لعدوان أواخر العام 2008 وبداية العام 2009 واتخذ عدوان العام 2012 عنواناً آخر باسم "الرصاص المصبوب" وكان عدوان العام 2014 الذي استمر نحو 51 يوماً بعنوان: "الجرف الصامد" .
وجاءت عملية "الجرف الصامد" تحت ذريعة خطف ثلاثة مستوطنين "إسرائيليين" وقتلهم، وحمّلت حكومة نتنياهو المتطرفة، حركة حماس مسؤولية ذلك، وأشاعت جواً من التحريض والهيجان، الأمر الذي دفع لشن هجوم جوي مكثّف ضد قطاع غزة وبناه التحتية ومؤسساته وضد السكان المدنيين . وكان أن أقدم المتطرفون على رد فعل غاضب بقيامهم بحرق الفتى الفلسطيني محمد أبو خضير حيّاً، وهي صورة بشعة زادت من الصورة المشوّهة ل "إسرائيل" على المستوى الدولي، وهو ما دعا بعض دول أمريكا اللاتينية، إضافة إلى اليسار الأوروبي وحركات البيئة ومنظمات حقوقية وجماعات مدنية عالمية، لإدانة هذه الجريمة البشعة والجرائم "الإسرائيلية" لاحقاً، بل والمطالبة بتقديم المرتكبين إلى العدالة الدولية .
وقد سارعت "إسرائيل" لتوسيع عملياتها العسكرية بحجة الصواريخ الفلسطينية، بهدف محو صورة حرق الفتى الفلسطيني، وإظهار صورة أخرى محلّها، أما السبب الآخر من شن الحرب، فهو استهداف التفاهم الفلسطيني بين حركتي حماس وفتح، وتجاوز شروط المصالحة السابقة، واستقالة حكومة إسماعيل هنيّة وقيام حكومة وفاق وطني في الثاني من يونيو/ حزيران 4102 ، أي قبل العدوان بأسابيع قليلة، فغالباً ما كانت "إسرائيل" تستخدم الانقسام الفلسطيني، بل وتراهن عليه لتوظيفه حجّة لعدم تنفيذ إلتزاماتها الدولية، بما فيها المدوّنة في اتفاق لا يمثل معيار الحد الأدنى، كما هو اتفاق أوسلو .
لكن نتائج العدوان لم تأت كما هي توقعات "إسرائيل"، إنْ لم تكن قد جاءت بصورة عكسية أي حسابات الحقل لم تكن متطابقة أو حتى مقاربة لحسابات البيدر، فلم تتمكن، كما كانت تخطط، من قتل قيادات مقاومة بارزة، كما حصل في العام 2008 حين اغتالت سعيد صيام ونزار الريّان (من قادة حركة حماس) وفي حرب 2012 اغتالت قائد قوات كتائب القسّام أحمد الجعبري، مثلما لم تتمكن من إطفاء جذوة المقاومة التي ارتفع رصيدها المعنوي، لاسيّما بالوحدة الوطنية وبالتأييد الدولي .
وكانت خسائرها الميدانية كبيرة قياساً بالحربين السابقتين، حيث قتل لها أكثر من 68 جندياً وضابطاً "إسرائيلياً" وفشلت العملية البرّية، وكانت أقرب إلى مصيدة لها، وأدى العدوان إلى تلاحم ميداني وسياسي فلسطيني، إضافة إلى وحدة الوفد المفاوض في القاهرة، كما لم تستطع "إسرائيل" ضرب مواقع القذائف الفلسطينية وتدميرها، بل كانت الخسائر الكبرى والأساسية بالسكان المدنيين العزّل وبمواقع يفترض أن تكون محميّة دولياً كالمستشفيات والمدارس ودور العبادة، وهو الأمر الذي وسّع من نطاق المطالبة بمحاكمة مجرمي الحرب وتشكيل لجان تحقيق محلية بعضها "إسرائيلي" ضد حكومة نتنياهو، وكذلك تشكيل لجان تحقيق دولية في مقدمتها لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة برئاسة البروفيسور وليم شباس، وهناك أكثر من فريق عمل دولي يسعى لاستهداف أسماء كبيرة "إسرائيلية" سياسياً وعسكرياً .
ولعلّ صورة "إسرائيل" اهتزّت دولياً، وكذلك ازدادت نقمة الكثير من "الإسرائيليين" ضد حكومة نتنياهو، خصوصاً أن حركة المقاومة بالرغم من الدمار الهائل الذي حلّ بسكان غزة، ظلّت محافظة على رباطة جأشها ووحدتها وقدراتها العسكرية وأدائها السياسي الناجح، وقد حقق لها ذلك نجاحاً معنوياً كبيراً، قد يكون فاق نجاحها الميداني والسياسي، حيث اضطر "الإسرائيليون" في المناطق التي استهدفتها الصواريخ إلى الرحيل عن بيوتهم ومناطق سكناهم وهو ما شكّل عنصر ضغط على حكومة نتنياهو التي وإنْ كانت تناور بشأن التهدئة ، لكنها كانت بحاجة حقيقية لها .
وقد أحرج الأمر كثيراً حلفاء "إسرائيل"، لاسيّما الولايات المتحدة، التي كانت دعت لاعتبارات كثيرة إلى حل الدولتين منذ نهاية عهد الرئيس بيل كلينتون وخلفه الرئيس جورج دبليو بوش، وكان من اهتمامات الرئيس باراك أوباما، المسألة الفلسطينية وإقامة دولتين كما ورد في العديد من خطبه الموجهة إلى دول المنطقة، لدى تسلّمه الإدارة في العام ،2009 ولكن في عهده اعتدت "إسرائيل" على غزة مرتين، الأمر الذي ضاعف من عزلة واشنطن في المنطقة، إضافة إلى عزلتها بسبب سياساتها العدوانية، خصوصاً بعد احتلال العراق وإزاء العديد من البلدان والشعوب العربية .
ولعلّ ذلك كلّه يعتبر قنابل موقوتة تهدد بالانفجار في أية لحظة، لاسيّما وأن المفاوضات الفلسطينية - "الإسرائيلية" أصبحت منذ حين على شفير الهاوية، سواء كانت المفاوضات المباشرة أو غير المباشرة أو سمّيت بالاستكشافية أو بالوساطات لاعتبارات سياسية أو فنية، من دون توفر ضمانات حقيقية دولية لحقوق الشعب العربي الفلسطيني وحقه في تقرير مصيره وإقامة دولته الوطنية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف .




45
ومن مارتن إلى روبن: المرتكب واحد!
من مونتغمري إلى فيرجستون
أمريكا ورحلة العنصرية المتأصلة
عبد الحسين شعبان
باحث ومفكر عربي


حين يكتب المحلّل السياسي " جيف سميث" في صحيفة نيويورك تايمز الواسعة الانتشار:إن تظاهرات " فيرجستون" كشفت عنصرية أمريكا التي أرادت إخفاءها، تحت عنوان أنها دولة ديمقراطية، فإن لهذا الكلام معاني كبيرة ومغازي كثيرة.
ولعلّ مناسبة الحديث هذا، تعود إلى مقتل الشاب الأسود اللون ذو الأصول الأفريقية المدعو "مارك روبن" على يد شرطي أمريكي أبيض اللون، وقد أدى هذا الحادث إلى اشتعال التظاهرات الغاضبة والمندّدة بالشرطة في مدينة " فيرجستون" بولاية ميزوري، التي استخدمت العنف في التعامل، مع المتظاهرين من خلال قنابل الغاز المسيلة للدموع وإطلاق رصاص واعتقال بعضهم من جانب الشرطة الأمريكية.
الشيء الملفت للنظر أنه على الرغم من وجود رئيس أسود من أصول أفريقية تم انتخابه في العام 2008 وجددت ولايته العام 2012 وهو الرئيس باراك أوباما، الاّ أن الثقافة العنصرية السائدة والتراث العنصري في السياسة الأمريكية إزاء السود لا يزال مستمراً، ويتجلّى ذلك في التمييز بين السود والبيض في العديد من الجوانب المجتمعية والحياتية وفي الممارسات العملية، خصوصاً في ظل التفاوت الاجتماعي والطبقي ومستوى التعليم والبطالة وغير ذلك.
وعلى الرغم من التغيير الديموغرافي الذي عرفته مدينة فيرجستون، حيث كانت أغلبية سكانها من البيض (نحو ثلاثة أرباع) وربعها من السود، إلاّ أن التمييز لا يزال مستمراً بحق السود، الذين أصبحوا أغلبية ساحقة حيث ارتفع عددهم إلى أكثر من ثلثين مقابل نحو ثلث من البيض، ويهيمن البيض على مجلس المدينة، وعلى مجلس المدارس أيضاً، ولعلّ استمرار نهج التهميش والممارسة العنصرية ضد السكان السود من شأنه أن يؤدي إلى تأجيج الصراع العنصري الذي له تاريخ عتيق في الولايات المتحدة، استمر حتى سنوات الستينات، حين قاد الزعيم الأسود مارتن لوثر كنغ حركة احتجاج مدنية لا عنفية ضد التمييز العنصري والقوانين العنصرية ونهج التهميش واللامساواة، لدرجة أن "مجلة تايم" الأمريكية المعروفة اختارته "رجل العام" وعلى غلاف أحد أعدادها، كما تسلّم جائزة نوبل للسلام، وحصل على جائزة جون كيندي من المجلس الكاثوليكي للتعاون بين الأعراق العام 1964.
وحين كان الزعيم الأسود مارتن لوثر كنغ وهو بالأساس قسٌ، ينظّم " مسيرة للفقراء" في 4 نيسان (ابريل) 1968 في أتلانتا اغتيل بدم بارد، في حين ظلّت شكوى المحرومين والدعوة إلى المساواة والتضامن بين السود والبيض قائمة. وقد وصف البابا بولس السادس جريمة اغتياله: بأنها توازي سيرة آلام السيد المسيح الخلاصية، حيث بدأ نشاطه في العام 1955 في مونتغمري بمقاطعة الباصات للسود، أي عدم التعامل معهم على نحو مذل ومهين، ولكن رد فعلهم اللاعنفي كان أن بدأوا بالسير على الأقدام بكرامة ورفض استخدام الباصات، ثم تعرّض للاعتقال 12 مرّة في ألاباما وجورجيا وتم تفجير منزله مرتين وتلقى عشرات التهديدات إلى أن اغتيل كما ورد ذكره.
وبالطبع ما من أحد يتجاهل اليوم أو ينكر أهمية حركة الحقوق المدنية اللاعنفية التي قادها مارتن لوثر كنغ، من أجل تحقيق المساواة الحقيقية بين مختلف الأعراق، كما ينصّ على ذلك دستور الولايات المتحدة نفسه، ناهيكم عن النجاح الذي حققه على المستوى القانوني والعملي وفي الميادين المختلفة.
إن المعاملة العنصرية للسود في بعض المجالات ليست الشكل الوحيد الذي يتعارض مع اللوائح والمواثيق الدولية بشأن احترام حقوق الإنسان بل هناك جوانب متعددة، وقد كانت منظمة العفو الدولية قد أصدرت تقريراً شاملاً زاد على 200 صفحة رصدت فيه انتهاكات حقوق الإنسان، وخصوصاً مظاهر التمييز واللامساواة ضد السود مشيرة إلى العديد من المعايير المزدوجة، وذلك في أواخر التسعينيات، لافتة انتباه حكومة الولايات المتحدة إلى هذه الممارسات المنافية للمواثيق والاتفاقيات الدولية التي وقعت عليها الولايات المتحدة، وهي تخلّ بالتزاماتها الدولية.
وإذا كان الرئيس أسوداً، فإن الكثير من مستشاريه يمثّلون نمطاً عنصرياً، أخذ يستفحل خلال الكساد الاقتصادي الذي تعرّض له السود بشكل أقسى من غيرهم من المواطنين الأمريكيين إثر الأزمة الاقتصادية والمالية منذ أواخر العام 2006 والتي لا تزال تأثيراتها مستمرة، خصوصاً في قطاعات المصارف والبنوك والرهن العقاري، وانعكس ذلك على قطاعات الصحة والتعليم وبعض الخدمات.
إن نحو 72% من الأطفال السود يولدون خارج مؤسسة الزواج، في حين أن 29% يقابلهم من البيض، وهذا يعني أن عدداً كبيراً من السود يعتمد على نظام الضمان الاجتماعي، يضاف إلى ذلك أن النظام القانوني والقضائي والأمني لم يصمّم لمساعدة السود، بل يؤدي عملياً إلى وضع كثيرين منهم في السجن. وإذا كان الاعتقاد السائد لدى السود أن انتخاب رئيس أسود (منهم) يمكن أن يساعد على حلّ المشكلات التي يعانون منها، فإن مثل هذا الاعتقاد تبدّد بسبب أن مقاربته لقضايا عنصرية كانت نتائجها أكثر سلبية من غيرها.
لقد فجّرت حادثة اغتيال الشاب الأسود "براون" البالغ من العمر 18 عاماً يوم 9 آب(أغسطس) 2014، الكثير من المشكلات العنصرية القديمة، فالشاب لم يكن مسلحاً، وتعرّض لإطلاق النار وذراعاه مرفوعان، الأمر الذي شكّل فضيحة للبوليس الأمريكي. وبدلاً من معاقبة الضابط المسؤول فإن السلطات منحته إجازة إدارية مدفوعة الأجر، الأمر الذي أثار تساؤلات أخرى هو نزاهة الجهاز الإداري، ولم يجد نفعاً تعيين عميد شرطة أسود من أجل احتواء الوضع والتخفيف عن حدة الاحتقانات وتصاعد الاحتجاجات.
لم يمنع وصول رئيس أسود(أوباما) لرئاسة الولايات المتحدة من استمرار حالات التهميش والتمييز العنصرية، على الرغم من أهمية وصول رئيس أسود لأول مرّة في التاريخ السياسي والاجتماعي الراهن للولايات المتحدة، لكن التفاوت الطبقي والاجتماعي بين أحفاد "العبيد القدماء" السود وأحفاد السادة البيض (المسيحيون البروتستانت)، لم يكن يعني أن تقدماً حقيقياً حصل حتى بعد انتخاب رئيس أسود.
الأزمة العنصرية بين البيض والسود الأمريكيين لا تزال قائمة، ولعلّ جزء منها يقوم على أزمة النظام الرأسمالي الأمريكي بشكل خاص والعالمي بشكل عام، لاسيّما استمرار السود في أسفل السلّم الاجتماعي بشكل عام وتعود المأساة الحقيقية إلى التاريخ الطويل من الاستغلال والتهميش والإقصاء الاجتماعي، خصوصاً وأن الصورة التي ظلّت شائعة هي ارتباط أعمال الإجرام والسرقات والاغتصابات والتشرد بالسود،وهي الصورة التي ظلّت شائعة إلى اليوم، ولا يمنع ذلك من مغنٍ نجم أو لاعب كرة سلّة أو مدير لشركة أو خبير أمني، من السود، لكن شبح التهميش لا يزال يبسط جناحيه على المجتمع الكثير التفاوت.
وقد عاشت الكثير من العائلات السوداء في "غيتوات" في ضواحي المدن الكبرى، ومع مرور الأيام وبسبب الظروف غير المناسبة اجتماعياً ونفسياً واقتصادياً وثقافياً وتعليمياً وتربوياً وحتى قانونياً، فقد أصبحت هذه الأماكن " موطناً" للعصابات الإجرامية وجماعات المافيا والمخدرات، وهي الصورة النمطية التي كرّستها أفلام هوليوود والسينما الأمريكية . ولعلّ هذه الصورة تدفع رجل الشرطة أحياناً أن يتعامل مع كل أسود باعتباره غير منضبط وبنوع من الريبة والشك، ولاسيّما إلصاق كل ما يتعلق بالعنف والارهاب وخرق القانون به أحياناً.
إن الشعور بالظلم وحالة الاحباط، كانت وراء عنف فيرجستون، وهو شعور لا يمكن الفكاك منه دون القضاء على العنصرية فعلياً، حيث أقدم غاضبون إثر حادث الاغتيال على كسر متاجر وإحراق مبان وسيارات شرطة. ولعلّ الأمر له علاقة بماضي الولاية العنصري، وقد رفع المتظاهرون شعاراً "السلام في غياب العدل"، ولم تنفع مخاطبة الرئيس أوباما: بأننا جميعاً جزء من أسرة أمريكية واحدة ، ونحن متّحدون على قيم مشتركة بما يتضمن الإيمان بالمساواة في ظل القانون والاحترام الأساسي للنظام العام وحق الاحتجاجات العامة والسلمية وكرامة رجل وامرأة وطفل بيننا.
إن مقتل براون أعاد للأذهان مقتل الشاب "ترايفون مارتن" (17 عاماً) على يد جورج زمرمان (الأبيض) العام 2012 في ولاية فلوريدا، والشاب مارتن هو الآخر كان أعزلاً مثل براون، ولكن لمجرد أن لونيهما كان أسود، فقد انتهى سوء الظن بالشرطة إلى قتلهما.
إن نسبة البطالة لدى السود هي ضعف البطالة لدى البيض، وإن نحو 24% من السود يعانون من الفقر، مقابل 8% من البيض، أي أن النسبة لدى السود هي ثلاث مرات ما لدى البيض.
وإذا كانت واشنطن منذ حركة الاحتجاج المدنية السلمية اللاعنفية قد عدّلت الكثير من قوانينها  وممارستها إزاء السود، إلاّ أن الكثير من المظاهر والممارسات السلبية المعلنة والمستترة لا تزال قائمة حتى وإن اختفت وراء ستار كثيف من الحديث عن المساواة وقيم المجتمع الأمريكي، لكن حالة التهميش والإقصاء لا تزال مستمرة.
ومن الناحية القانونية يمكن تعريف العنصرية: إنها تعني " كل تمييز أو استثناء أو تقييد أو تفضيل يقوم على أساس العرق أو اللون أو النسب أو الأصل القومي أو الجنس (النوع الاجتماعي) ويستهدف أو يستتبع تعطيل أو عرقلة الاعتراف بحقوق الإنسان والحريات الأساسية  أو التمتع بها أو ممارستها على قدم المساواة في الميدان السياسي أو الميدان الاقتصادي أو الميدان الاجتماعي أو الميدان القضائي أو أي ميدان آخر من الميادين العامة".
والعنصرية تحرم مجموعات بشرية من الحقوق الإنسانية، وتمنح امتيازات أو تؤثر في المعاملة على حساب مجموعات أخرى، سواء كانت العنصرية صريحة أو خفية، وهي ظاهرة شائعة في الولايات المتحدة والعديد من الدول الغربية، سواء إزاء السود أو إزاء الأجانب (الزينوفوبيا)، وقد ارتفعت هذه النزعات بعد أحداث 11 أيلول (سبتمبر) العام 2001، حيث استفحلت هذه الظاهرة في العالم على الرغم من الجهود الحثيثة للحدّ منها قانونياً وسياسياً واجتماعياً وقضائياً وتربوياً ودينياً.
وقد سعى المجتمع الدولي وعبر جهود مضنية لإصدار إعلان ضد العنصرية في العام 1963 تضمن أربع نقاط رئيسية، حيث اعتبر أن أي مذهب للتفرقة العنصرية أو التفوق العنصري هو مذهب خاطئ علمياً ومشجوب أدبياً وظالم وخطر اجتماعياً، وأن التمييز العنصري هو انتهاك لحقوق الإنسان الأساسية وإخلال بالعلاقات الودية بين الشعوب وبالتعاون بين الأمم وبالسلم والأمن الدوليين، وهو لا يقتصر على إيذاء الذين يستهدفهم، بل يمتد أذاه إلى ممارسيه. كما حدّد الاعلان هدف الأمم المتحدة الذي يتلخص في بناء مجتمع عالمي متحرر من جميع أشكال العنصرية والتمييز العنصري.
وفي 21 ديسمبر/كانون الأول من العام 1965 أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار رقم (2106 في الدورة العشرين)، وهو عبارة عن اتفاقية دولية دعت فيها الدول الأعضاء في الأمم المتحدة والأعضاء في أية منظمة من المنظمات الدولية المتخصصة المرتبطة بها أو أية دولة أخرى، الانضمام إليها لكي تصبح طرفاً فيها بالتوقيع والتصديق عليها. وتضمنت الاتفاقية ديباجة مطولة و25 مادة. وعبّرت الديباجة عن التوجهات الأساسية للجمعية العامة، التي ينبغي أن تكون الأصل في ما يتعلق بمواقف الدول عموماً إزاء مسألة حقوق الإنسان. ومن هذه التوجهات:
- البشر متساوون ويولدون أحراراً ولا ينبغي التمييز بينهم لأي اعتبار.
- التمييز بين البشر بسبب العرق أو اللون أو الجنس يمثل عقبة حقيقية في سبيل تنمية العلاقات الودية والسلمية بين الأمم والشعوب، والإخلال بالوئام بين الأشخاص الذين يعيشون جنباً إلى جنب، حتى في داخل الدولة الواحدة، كل ذلك إلى جانب أن وجود الحواجز العنصرية، يشكل أمرا منافيا للمثل العليا لأي مجتمع إنساني. ودخلت الاتفاقية حيّز التنفيذ في العام 1969 بعد أن صدقت عليها أو انضمت إليها 27 دولة. وقد انضم إليها حتى الآن أكثر من ثلاثة أرباع أعضاء الأمم المتحدة. وتعتبر هذه الاتفاقية من أقدم اتفاقيات الأمم المتحدة لحقوق الإنسان وأوسعها نظاما من حيث التصديق عليها.
جدير بالذكر أن الأمم المتحدة واصلت دعواتها ومؤتمراتها بخصوص مكافحة العنصرية والتمييز العنصري. وذلك في السنة الدولية لمناهضة العنصرية والتمييز العنصري (1971) وخلال عقدين كاملين 1973-1983 و1983-1993 عقدت مؤتمرين دوليين للغرض نفسه في جنيف العام 1978 والعام 1983، وتوّجت عملها ذلك بعقد أكبر مؤتمر دولي لمناهضة العنصرية في "ديربن" بجنوب أفريقيا في 31 أغسطس/آب إلى 8 سبتمبر/أيلول من العام 2001، وذلك بعد تحضيرات لمؤتمرات إقليمية أوروبية وأميركية وأفريقية وآسيوية.
وفي مؤتمر ديربن كان للجنوب دور مهم في وضع جدول أعمال المؤتمر (بخلاف الكثير من المؤتمرات الدولية) وبخاصة لمؤسسات المجتمع المدني التي زاد حضورها على ثلاثة آلاف منظمة. ومن العلامات المميزة التي تجدر الإشارة إليها أن الآسيويين كان أحد شواغلهم مسألة الاتجار بالبشر وبخاصة النساء والأطفال، وانشغل الأفارقة بموضوع الاعتذار والتعويضات، وأخذ موضوع الأصول الأفريقية بالنسبة لأميركا حيّزاً، وكان الهم الأوروبي يتركز على ارتفاع موجات العنصرية وكراهية الأجانب، وانشغل العرب وأصدقاؤهم بالهمّ الفلسطيني، وتمت إدانة الممارسات "الإسرائيلية" بالعنصرية.
وعلى الرغم من الجهود المبذولة على النطاق العالمي لمكافحة العنصرية، فإنها ما تزال موجودة بكثرة في ربوع العالم، وتعاني منها الكثير من المجتمعات والأفراد، حيث يستمر الظلم والتمييز والاستعلاء، فضلا عن وجود نظام يمارس العنصرية كسياسة للدولة، وهو النظام الذي يرتكز على عقيدة عنصرية أدانتها الأمم المتحدة في قرارها 3379 الصادر في 10 نوفمبر/ تشرين الثاني 1975، والذي ألغي في العام 1991 بسبب اختلال موازين القوى الدولية.
ولا يزال فيروس العنصرية مستشريا بأشكاله القديمة والجديدة، وإن لم يتم القضاء عليه فسيظل يلوث حياة البشر وعلاقاتهم الإنسانية سواء على المستوى الدولي، أو الداخلي، في الكثير من البلدان والمجتمعات.
يروي مارتن لوثر كنغ في كتابه " قوة المحبّة" نموذجاً من التمييز العنصري الحادثة التالية:
منذ سنوات معدودة وقعت حادثة اصطدام على إحدى طرقات الجنوب لسيارة نقل كانت تقلّ شباناً هم لاعبون في فريق لكرة السلة تابع لمدرسة ثانوية سوداء، وقد أصيب بنتيجة الحادث ثلاثة شبان بجروح خطيرة. فاستُدعيتْ على الفور سيارة إسعاف لنقل الجرحى، وبوصول السيارة إلى مكان الحادث صرّح السائق الذي كان أبيضاً، وبدون أي عذر، بأنه ليس من عادته أن يخدم الزنوج وقفل راجعاً إلى حيث أتى.
وبالصدفة مرّ من هناك سائق فنقل الجرحى مجّاناً إلى أقرب مستشفى، ولكن الطبيب المناوب قال بلهجة عدائية:" نحن لا نستقبل زنوجاً في هذا المستشفى". وأخيراً بوصول الشبان إلى مستشفى " أسود" في مدينة تبعد مئات الأميال عن مكان الحادث كان أحدهم قد لقي مصرعه، بينما مات الشابان الآخران الواحد تلو الآخر. الشاب الثاني توفي بعد ثلاثين دقيقة والثالث بعد خمسين دقيقة.
كان باستطاعة الشبان الثلاثة أن ينجوا من الموت لو قدّمت لهم الإسعافات الأوليّة بصورة عاجلة. هذه الحادثة ليست سوى واحدة من آلاف الحوادث التي تقع كل يوم في الجنوب، وهي تجسيد فظيع للتبعات البربرية المترتبة على كل أخلاقية ترتكز إلى القبيلة أو الأمة أو العرق.
وافترض مارتن لوثر كنغ وجود رسالة متخيلة يرسلها الرسول بولس إلى مسيحيي أمريكا ليقول لهم ولأمريكا: "بفضل عبقريتك العلمية جعلت العالم متجاوزاً، ولكنك لم تستخدمي عبقريتك الأخلاقية والروحية لتجعليه متآخياً" ويخاطب الأمريكيين بقوله:
"وهكذا أيها الأمريكيون، أرى من واجبي أن أحثّكم وبإلحاح على التخلص من كل أشكال التمييز العنصري. التمييز العنصري هو إنكار فاضح لوحدتنا في المسيح لأنه يلغي العلاقة بين " أنا وأنت" ويجعل الآخر "شيئاً" لا قيمة له. التمييز العنصري يُدمي الروح ويذلّ الإنسان ويفرض على الشخص اللاحق به التمييز إحساساً خاطئاً بالدّونية فيما يدفع الإنسان الذي يمارس التمييز إلى الإحساس الخاطئ بالعظمة والتفوّق. كذلك فالتمييز يدمّر الجماعة ويجعل التآخي مستحيلاً."
وتمضي الرسالة لتقول:
هل بإمكاني توجيه نداء إلى ضحايا نظام التمييز العنصري المشؤوم؟ :
عليكم أن تستمروا بحرارة وجرأة بالمطالبة بحقوقكم التي يعترف بها الله والدستور.إن سكوتكم على الظلم لهو أمر لا أخلاقي وجبان في آن معاً. لا تستطيعون التنازل بملء إرادتكم عن حقكم بالولادة أحراراً، فهذا الحق لن يقدّموه لكم على طبق من فضة .


46
المجتمع المدني في رؤيته للدستور اليمني
عبد الحسين شعبان
                     
في ندوة خاصة نظمها مركز المعلومات والتأهيل لحقوق الإنسان باليمن، حول دور المجتمع المدني في صياغة الدستور القادم عقدت في صنعاء، قدمت محاضرة عن "الدستور والدستورية في العالم العربي- مع تركيز على رؤية المجتمع المدني" وذلك بالارتباط مع المناقشات الدائرة حول الدستور اليمني المنشود، بعد استبدال نظام علي عبدالله صالح بنظام انتقالي تمهيداً لإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية وسن دستور جديد للبلاد .
أصبح موضوع الدساتير الشغل الشاغل للعديد من البلدان التي جرت فيها تغييرات أو طرحت فيها مسألة التغيير على بساط البحث بعد موجة الاحتجاجات الواسعة والهبّات الشعبية التي بدأت في تونس ومصر وامتدّت إلى بلدان أخرى، ولعلّ هذا الاهتمام بالدساتير يعكس انهيار أو تآكل الشرعية القديمة، خصوصاً أن الشرعية الجديدة لم تستكمل قوامها أو صورتها بعد في ظل صراع سياسي واجتماعي حاد، وما رافقه من عنف وانفلات وفوضى .
النقاش والجدال الدائران أصبحا ضروريين أكثر من السابق، بعد درجات من الخيبة وتبدّد الآمال التي أصابت بعض التجارب العربية، وفي الوقت نفسه يعكسان قلق الكثير من الأطراف، بغياب أو عدم التوصّل إلى الاتفاق والتوافق بين القوى المجتمعية والديناميات السياسية الشعبية والمدنية للمرحلة الانتقالية الضرورية وما بعدها، تلك التي يمكن أن تتجسد بصياغة عقد اجتماعي جديد يمثل المشتركات التي تنسجم مع روح العصر، ومنها الإقرار بالتعددية والتنوّع وإجراء انتخابات حرّة ونزيهة لاختيار ممثلي الشعب وتأكيد حكم القانون واعتماد المواطنة وإطلاق الحريات، ولاسيّما حريّة التعبير وإيلاء اهتمام بدور المرأة، وغيرها من الاعتبارات المشتركة التي تمثّل مرحلة ما بعد الحرب الباردة وتحوّل الصراع الآيديولوجي من شكل إلى شكل آخر جديد، بانهيار الأنظمة الشمولية .
بيد أن الدساتير لوحدها ليست قادرة على إنجاز قضايا التحوّل الديمقراطي والتغيير الاجتماعي، الأمر الذي يحتاج إلى قوى مجتمعية أي "حامل اجتماعي" وهذه القوى ليست كما في السابق، ذات طبيعة "ثورية" أو "انقلابية" أو "آحادية"، عسكرية أو غير عسكرية، فقد أثبتت تجربة اليمن وتجارب العالم الثالث، بل والعالم أجمع، أنه ليس بالإمكان حكم أي بلد من جانب جهة واحدة أو حزب واحد أو فئة واحدة، فالحاجة أخذت تتسع لتوافق سياسي واجتماعي، وهو ما حصل في اليمن أولياً في المرحلة الأولى للانتقال بدعم ومبادرة خليجية وصولاً إلى مخرجات الحوار الوطني .
في اليمن انتهت الدولة المركزية التي بدأت في سنواتها الأخيرة بنوع من الانفتاح أو لنقل أقل مركزية وصرامة، وإنْ كانت بحكم الضرورة وضغط الواقع، لكن الدولة الجديدة اللامركزية لم تبدأ بعد، بفعل تركة الماضي الثقيلة، والحوار الذي يشهده المجتمع وقواه السياسية الآن، يتمحور حول الصيغة المناسبة لشكل الدولة، ولهذا تحدث الاستقطابات الحادة أحياناً حول شكل الدستور ومحتواه .
ولعلّ هذا يطرح عدداً من الإشكالات التي لا بدّ من التوقف عندها: الإشكالية الأولى، هي أن الدولة البسيطة لم تعد ممكنة، كما إن الدولة المركّبة (اللامركزية، الفيدرالية، الكونفدرالية) لا تزال تبحث لها عن مستقر أو مرفأ ترسو إليه، وليس بعيداً عنها بعض الأطروحات التي تريد العودة إلى الماضي، أي إلى ما قبل الوحدة في العام 1990 بين جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، وبين الجمهورية العربية اليمنية، وهناك قوى شعبية ومجتمعية مؤيدة لها في الجنوب .
والإشكالية الثانية هي انتشار السلاح الذي لا يزال ظاهرة خطيرة في اليمن، ومن دون جمعه أو احتكاره من جانب الدولة، فإن مظاهر العنف تبقى خطيرة، ولكن ذلك يحتاج إلى توفّر الثقة بين الأطراف وعلى عامل الزمن، فضلاً عن شكل الدولة الجديدة وطبيعة نظام الحكم فيها .
أما الإشكالية الثالثة فتتعلق بالعدالة الانتقالية وكيفية التعامل مع الماضي، خصوصاً ما يتعلق بكشف الحقيقة وتعويض الضحايا وجبر الضرر والمساءلة وإصلاح الأنظمة القانونية والأمنية .
وهذه الإشكاليات الثلاث مطروحة على المجتمع المدني بقوّة، وهو يواجه سؤالاً مفتاحياً: هل يمكن أن يتحوّل المجتمع المدني إلى قوة اقتراح وشريك حقيقي ومستقل وناقد للدولة من موقع المسؤولية، بهدف تحقيق التنمية المتوازنة والشاملة؟
الحديث عن شكل الدولة في الدستور، يحتاج إلى تسوية سياسية بهدف التغيير، وهذا الأخير يبدأ بالحوار الشامل حول قضية الجنوب ومشكلة الحوثيين والحرب في عمران والحرب في صعدة والحرب ضد الإرهاب وتنظيمات القاعدة والتداخلات الإقليمية والدولية، وكلّها تحتاج إلى بحث معمّق في الدستور، فهل يمكن للدولة أن تتحوّل إلى اتحاد فيدرالي بدلاً من الدولة المركزية؟ وكم إقليم مطلوب (شمال /جنوب) أم أكثر؟ ومن كم ولاية يتكون كل إقليم، وهناك اقتراحات بأن يتكون الشمال من 6 ولايات والجنوب من 4 ولايات، علماً بأن هناك من يريد تقسيم الجنوب إلى "محميّات شرقية وغربية" والعودة إلى "جنوب- جنوب"، خصوصاً وأن هناك من يطرح من الحراك الجنوبي موضوع العودة إلى ما قبل الوحدة، إضافة إلى بعض المشاريع التفكيكية (حضرموت /عدن . . .الخ)
أربعة سيناريوهات لا تزال مطروحة أمام التجربة اليمنية وهي:
- السيناريو الأول- استعادة الدولة هيبتها وبسط نفوذها، وتوسيع دائرة امتدادها لتشمل حماية البلاد مع توزيع صلاحياتها على نحو لا مركزي، واسع أو محدود .
- السيناريو الثاني- حق تقرير المصير للجنوب والشمال، ويمكن باستمرار الوحدة أو بالانقسام بعد حين، ضمن مرحلة انتقالية .
- السيناريو الثالث- فكّ الارتباط والانفصال مباشرة لعدم إمكانية العيش المشترك، كما يطرح بعض أنصار الحراك الشعبي الجنوبي بسبب هضم الحقوق والتمييز .
- السيناريو الرابع- إقامة الدولة الاتحادية، أي تأسيس فيدرالية يتم الاتفاق على شكلها وصلاحياتها وعددها، مع احتفاظ دولة الاتحاد بوحدانية القوات المسلحة والموارد الطبيعية والعملة والخطط الاقتصادية الكبرى والعلاقات الدبلوماسية الدولية، وما عدا ذلك من صلاحيات الأقاليم مثل الصحة والسياحة والرياضة والثقافة والتربية والتعليم والخدمات والإدارة المحلية وغيرها .
وكلما اتسعت حالة الغضب والسخط الجماهيري ارتفع منسوب فكّ الارتباط الذي يلقى اهتماماً إقليمياً ودولياً (مؤيد ومعارض)، وهكذا ترى المجتمع المدني يشعر بقلق متعاظم بخصوص التوفيق بين القوى المتصارعة، خصوصاً أن النظام انقسم وضاعت الثورة السلمية أو كادت أن تتبدد، إلى أن جاءت المبادرة الخليجية لوضع حد للاحتراب الذي كان من الممكن أن يتحوّل إلى صراع مسلح، مع توفير حماية وإن كانت غير كاملة وتجنّب الحرب الأهلية حتى الآن، ولكن ليس بعيداً عن التضحية بجزء من الثورة الشعبية، وهكذا تم القبول بسنتين انتقاليتين ومهمات من بينها الدستور .
الحديث عن الدستور يجري في ظل وجود أكثر من نصف السكان هم أقرب إلى خط الفقر، والسلاح منتشر، والعنف يتّسع كل يوم، والحروب الكبيرة والصغيرة لا تزال قائمة كما هي في عمران وصعدة والحوثيون على مشارف العاصمة يرفعون من سقف مطالبهم، والكلّ ينتظر الاستفتاء والانتخابات الرئاسية والانتخابات البرلمانية .
وكان المجتمع المدني في إطار التطوّرات التي حصلت في المنطقة العربية قد لعب دوراً متميزاً في مسألة المسار الديمقراطي، فإن رؤيته بإمكانها المساهمة اليوم في اليمن لرسم معالم الطريق المستقبلي، خصوصاً أن الجميع اليوم من القوى والفعاليات السياسية والمجتمعية والفئات المختلفة تعترف بدوره، بل إن الكثير منها يعلّق آمالاً عليه، وقد عرض عز الدين الأصبحي الخبير العربي والدولي ورئيس المركز، الدور الواقعي للمجتمع المدني، كي لا يذهب بعيداً في التوقّعات لأدوار غير قادر عليها، وكي لا يشكل الأمر ردّة فعل سلبية في المستقبل لدرجة الوصول إلى الخيبة .
ولعلّ ما يطمح إليه المجتمع المدني هو أن يكون نظام الحكم الجديد ومضمون الدستور المراد انجازه منتمياً إلى روح التغيير وعدم احتكار السلطة أو الهيمنة على الثروة لفئة أو منطقة جغرافية أو عوائل أو أشخاص، وقد أنجز مركز المعلومات والتأهيل وثيقة رصينة والموسومة "رؤية منظمات المجتمع المدني للدستور اليمني الجديد" وقام بإعدادها بصورتها النهائية عميد كلية حقوق تعز- الدكتور أحمد الحميدي، وهذه الوثيقة تمثل رؤية يمكن لصاحب القرار والمشرّع الدستوري الإفادة منها، وهي في جوهرها تنسجم مع مخرجات الحوار الوطني .




47
المنبر الحر / برسم حكومة العبادي
« في: 21:16 29/08/2014  »
برسم حكومة العبادي
عبد الحسين شعبان
باحث ومفكر عربي

                     
أنهى نوري المالكي الجدل والنقاش القانوني والسياسي حول ترشّحه لولاية ثالثة عندما أعلن انسحابه وانضمامه إلى ترشيح الدكتور حيدر العبادي رئيساً للوزراء الذي تم اختياره من كتلة التحالف الوطني، وحظي على الفور بتأييد كردي، ومن القوائم السنّية والشيعية على حد سواء، بما فيها من حزب الدعوة الذي لا يزال المالكي يرأسه، وتلك ظاهرة ليست مألوفة في السياسة العراقية، لولا شعور الجميع بالحاجة إلى عدم تجديد الولاية الثالثة للمالكي، بغض النظر عن الاستحقاقات الانتخابية والدستورية .
وعلى الرغم من أن تغيير الوجوه لا يكفي وحده، إن لم يرافقه تغيير شامل للبرامج والمناهج والسياسات والوسائل للوصول إلى ما هو مشترك وما هو عراقي، فإن مثل هذا التغيير الأولي الذي حظي بترحيب كبير عربياً وخليجياً، قد يكون مقدمة لشراكة حقيقية، خارج دائرة الطائفة أو العنصر أو الجماعة أو الحزب، فالعراق الذي وقع تحت الاحتلال العام 2003 نزف الكثير من الجهد والمال والبشر، بسبب سياسات عقيمة، استمرت الدولة العراقية تدور في فلكها على نحو أعمى .
التركة التي وصلت إلى رئيس الوزراء المكلّف العبادي معقدة وقاسية وتحتاج إلى عمل وجهد استثنائيين للفكاك من شرنقتها، خصوصاً ما وصلت إليه البلاد من تفكك وتشظ، لعلّ آخرها وأخطرها هجمة "داعش" التي أعلنت الخلافة وطلبت من الجميع الولاء والبيعة، بمن فيهم المسيحيون والإيزيديون والشبك، الذين قتلوا وهجّروا بدم بارد من مناطق سكناهم في الموصل وسنجار، كما هجّر التركمان من مدينة تلعفر وغيرها، ولم يكتف الداعشيون بذلك، بل أجهزوا على الكنائس والأديرة والمساجد والجوامع والمعابد وقاموا بتفجير العديد منها ونسفها عن بكرة أبيها، وهي تراث عراقي وعالمي أصيل لا يقدّر بثمن، خصوصاً جامع النبي سليمان ومسجد النبي يونس في الموصل، ومعبد لالش في جبل سنجار وغيرها .
ليس هذا فحسب، بل إن التركة كانت شائكة في تكريس الانقسام المجتمعي السني- الشيعي، لدرجة أن العديد من المحافظات احتجت وطالبت بإنصافها ورفع الغبن عنها، وهي محافظات ذات أغلبية سكانية سنية، كما شهدت البلاد انقساماً كردياً عربياً، تجلّى بتفسير المادة 140 وحول مصير كركوك وحقول النفط التي تم وضع البيشمركة اليد عليها بعد تهديدات "داعش"، وما ستؤول إليه المشكلات والاختلافات مع الدولة الاتحادية بخصوص الميزانية وتصدير النفط وغير ذلك، وكان الإصرار على ترشيح "دولة القانون" للمالكي قد عمّق الخلافات داخل كتلة التحالف الوطني الشيعية، على الرغم من أن الجميع ظلّ يلوّح برأي المرجعية الدينية الشيعية التي كانت خطب الجمعة الوعظية والإرشادية فيها تدعو إلى التغيير وعدم التشبث بالمواقع .
أمام هذه اللوحة المعقدة، كيف يمكن لرئيس وزراء جديد أن يبدأ أولى خطواته ويحدد أولوياته التي، كما نعتقد، تتعلق بتشكيل حكومة وحدة وطنية لمواجهة الإرهاب وحل المشكلات العالقة بتلبية المطالب العادلة والمشروعة للمحافظات المنتفضة، مثلما هي الأنبار وصلاح الدين والموصل وديالى وكركوك وأطراف بغداد، إضافة إلى مطالب المحافظات الأخرى، ذات الطبيعة التي تتعلق بالصلاحيات والخدمات ومحاربة الفساد والمساواة وغير ذلك .
ولعلّ أهم الملفّات الأساسية التي ستكون مطروحة أمام الحكومة الجديدة هي تلك التي تتعلق:
1- استعادة الهوّية الوطنية العراقية التي جرى طمسها منذ سنوات ما بعد الاحتلال، وهذا يعني العمل لردّ الاعتبار للمواطنة العراقية المتساوية ومن دون تمييز بسبب الطائفة أو الدين أو العرق أو الجنس أو الوضع الاجتماعي أو لأية اعتبارات أخرى .
2- التوجّه لوضع حدّ لنظام المحاصصة الطائفي- الإثني، والانفتاح على الكفاءات العراقية، خارج نطاق الدوائر السياسية الطائفية- الإثنية . وإذا جاءت الحكومة لتمثل تكنوقراط عراقيين عابرين للاصطفافات التي عرفها العراق بعد العام ،2003 فإنها ستكون قد وضعت اللبنة الأولى لتصحيح مسار العملية السياسية، وإذا ما ترافقت في المرحلة الثانية بتعديل الدستور وإزالة الألغام الكثيرة التي احتواها وتأكيد مبادئ المواطنة والمساواة، فإنها تكون قد بلورت أسساً جديدة للمعادلة السياسية العراقية .
3- مواجهة الجماعات الإرهابية، سواء كانت القاعدة أو تنظيمات "داعش"، واستعادة الدولة العراقية الموحدة، ولا بدّ هنا من العمل على نزع سلاح جميع المسلحين وكل الميليشيات، والتي عملت وتعمل باسم "الحشد الشعبي" أو غيره، واحتكار السلاح من جانب الدولة وحدها . وهذا يتطلّب استعادة دور الجيش ومكانته الرمزية تاريخياً، وكذلك الأجهزة الأمنية، وردّ الاعتبار للقضاء العراقي الذي فقد الكثير من استقلاليته، وستوفّر خطوات مثل تلك، أرضية مناسبة لاستعادة الدولة لهيبتها، واستعادة المواطن لثقته بها وبالأجهزة الحكومية والقضائية .
4- العمل على إلغاء التهميش والإقصاء وإنهاء الشعور الخاص بالتمييز الذي رافق العملية السياسية إزاء السنّة بشكل عام، وذلك عن طريق تشريع قانون لتحريم الطائفية وتعزيز المواطنة العراقية، كما يتطلب الأمر إصدار قرار من مجلس النواب بإلغاء قانون المساءلة والعدالة، وهو سليل قانون اجتثاث البعث الذي أصدره بول بريمر الحاكم المدني الأمريكي للعراق بُعيد تسلّمه مهامه مباشرة في 13 مايو/أيار العام 2003 .
5- معالجة الملف الكردي من خلال الحوار والتفاهم بهدف استعادة الوحدة العراقية وبحث مصير المادة 140 بشأن كركوك وإنجاز ما تعطّل بسببها وتصحيح الأوضاع بحيث تشمل رغبة حقيقية للسكان المدنيين من أهالي كركوك واحترام حقوقهم الإنسانية، سواء بالانضمام إلى الإقليم أو تشكيل إقليم مستقل أو البقاء كما هي محافظة عراقية في إطار الدولة الاتحادية، وفي كل الأحوال لا بدّ من حماية التعايش السلمي والتنوّع القومي والديني والإثني والمذهبي والاجتماعي في كركوك، ومراعاة حساسية المدينة تاريخياً، بتأكيد عدم التمييز واحترام حقوق الإنسان وعدم اللجوء إلى التهجير القسري تحت أي سبب كان، والأمر يحتاج إلى معالجة ما نجم من تغييرات ديموغرافية قبل العام 2003 وما بعده، ومن تغييرات جيبوليتيكية ما بعد 9 يونيو/حزيران ،2014 سواء ما يتعلق بحقول نفط كركوك، وما له علاقة أيضاً بتصدير النفط، في إطار نظرة شاملة تأخذ في الاعتبار مصالح العراق ككل ومصالح سكان الإقليم في الوقت نفسه، ومصالح أهالي كركوك بشكل خاص .
6- إعادة العراق إلى محيطه العربي، واستعادة العرب للعراق، ونعتقد أن مباركة دول الخليج ولاسيّما المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، فضلاً عن بقية الدول العربية، التغيير الذي حصل وترحيبهم بحكومة العبادي، يمكن استثماره إيجابياً باتفاقيات اقتصادية وتجارية وأمنية (لمكافحة الإرهاب) والتشجيع على تعزيز العلاقات الثقافية والفنية والاجتماعية، بما يعيد للعراق دوره الكبير ومكانه التاريخي، وفي الوقت نفسه يعيد العرب إلى العراق باعتباره شقيقاً فاعلاً ومؤثراً في الساحة السياسية والإقليمية، يمكن أن يلعب دوره المنشود سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً .
إن التسوية الأمريكية- الإيرانية التي حظيت، بقبول عراقي وعربي وإقليمي، من خلال التوافق، يمكن أن تنعكس على الدور الذي يمكن للعراق أن يلعبه في إطار العلاقة العربية والخليجية - الإيرانية، سواء في موضوع الملف النووي أو غيره، ولا شك في أن عراقاً قوياً بمواطنيه واستقراره ورفاه مجتمعه، يمكن أن يكون عنصر توازن بين الخليج من جهة، وإيران من جهة ثانية، كابحاً لبعض الأطماع، ومثل هذا الدور المتوازن يحتاج إلى استعادة العراق لخاصيته العربية، مثلما يحتاج إلى دعم عربي وخليجي
للتوافق مع المحيط الإقليمي، والدور ينطبق أيضاً على علاقاته مع تركيا .
هذه الملفات والاستحقاقات هي برسم حكومة العبادي الذي يحتاج إلى برنامج جديد يتجاوز آثار الماضي السلبية، ومنهج جديد، وأساليب جديدة، تضع الهدف والوسيلة في إطار منسجم ومشترك وموحّد .




48
الروائي أبو كَاطع:
السخرية والأسئلة الملغومة!

د. عبد الحسين شعبان* 

كانت الرواية العراقية قبل “أبو كَاطع” تتحدث عن الريف الاّ انها رواية مدينة، فروّادها أبناء مدن حتى وان كتبوا عن الريف: محمود أحمد السيد، سليمان فيضي، جعفر الخليلي، ذو النون أيوب، عبد الملك نوري، غائب طعمة فرمان، فؤاد التكرلي، عبد الرحمن مجيد الربيعي وآخرون، لكنه مع “أبو كَاطع” ظهر نوع من الأدب الريفي، استطاع صاحبه كمبدع  استخدام "الموروث الشعبي" و"الحكاية الريفية" جاعلاً لا ابن الريف وحده مصدراً للسخرية والتنّدر والضحك، بل ابن المدينة أحياناً وأوهامه وأكاذيبه باستعارة “حكمة الريف” وتراثه الحكائي الغني وهواجسه ومكره.

قبل 33 عاماً غادرنا الصحافي والروائي العراقي الساخر “شمران الياسري”. ففي حادث سير لئيم جاءت نهايته وهو في طريقه لزيارة ابنه جبران “الذي كان يعيش في بودابست” 17 ــ 8 ــ 1981. كان “أبو كَاطع” عند رحيله، في أوج عطائه الفني وذروة نضجه الفكري. وكان قد تمكّن من أدواته ووسيلته الابداعية على نحو متميّز ولافت.
اشتهر الياسري منذ أواخر العام 1958 باسم “أبو كَاطع” نسبة  إلى برنامجه الاذاعي الذائع الصيت. وكان اسم “أبو كَاطع” وبرنامجه الموّجه  إلى  الفلاحين “إحجيه بصراحة يبو كَاطع” “قلها بصراحة يا أبا كاطع” قد فاق شهرة صاحبه، ومنذ ذلك التاريخ لم يعد شمران الياسري يُعرف الاّ من خلال الكنية التي لازمته كظلّه مثلما لازمته كلمة “الصراحة”.
*****

للأسف لم يحظ “أبو كَاطع” كأديب في حياته، كما لم يحظ بعد مماته بما يستحقه من ضوء، خصوصا وإنه ترك لنا أعمالاً ناجزة، بحاجة  إلى  الدرس والنقد والتقويم: رواية من أربعة أجزاء (الزناد، بلابوش دنيا، غنم الشيوخ وفلوس حميّد) ورواية ثانية “قضية حمزة الخلف” قال إنها الجزء الأول من رباعية جديدة، صدرت بعد وفاته، وعشرات بل مئات من الحكايات والاقصوصات والمقالات الصحافية ذات النكهة الخاصة، المصحوبة بالسخرية، وعمود صحافي معّمِر وموجز وشديد التكثيف وكثير الإيحاء “بصراحة أبو كَاطع”.
وقد صدرت مجموعة مقالاته في السبعينيات في أربعة أجزاء، مُنع الجزء الرابع منها وصودر من المطبعة. واضطرّ أبو كَاطع  إلى  مغادرة العراق في العام 1976 بعد أن حُرم من الكتابة، حيث لفقّت له السلطات الحاكمة تهمة خطيرة وصف عقوبتها مازحاً (أقلنْ.. أقلنْ.. الإعدام) أي إن عقوبتها الأدنى هي الإعدام! مثلما كان يردّد في تعليقاته الساخرة،وهو ما كتبه في رسالته الموجهة  إلى الدكتورة سميرة الزبيدي.
في أرياف الكوت وعلى نهر الغرّاف وفي قرية محيرجة، وِلدَ ونشأ ذلك المتمرّد، المشاغب، السابح ضد التيار. وخطا خطواتهِ الأولى، حتى كرسّ صورتهُ المعروفة ومسيرته المتميّزة، وهو بصحبة راويته الأثيرة ذات المذاق الخاص “خلف الدوّاح” الذي سيظّل ملازماً له مثلما كنيته “أبو كَاطع”.
ومنذ أواخر الخمسينيات، تمكّن ذلك الريفي المصحوب بالشكّ والمتعطش  إلى العدالة والغارق في وهم الآيديولوجيا، أن يخوض في معترك الحياة بشجاعة: كدحاً وصحافة وثقافة وأدباً، حتي غدا اسماً يُشار له بالبنان.
كان “أبو كاطع” يُنقبُّ بعين سسيولوجية، ويفحص بمهارة فنان، نسيج البُنى الداخلية للريف والعلاقات العشائرية والقبلية، مثلما كان يحللّ ويدقّق نظام تشكّلها الاجتماعي والتاريخي والثقافي. وكان بحكم هواجسه الأكثر قدرة على التقاط النُذر والمؤشرات السلبية في عالم السياسة الموحش.
في السبعينيات كان الناس يقرأون صحيفة “طريق الشعب” بالمقلوب، أي من الصفحة الأخيرة، يتابعون ما وراء السطور ومن خلال مفارقة أو تهكّم أو دعابة أو نكتة، حقيقة الأوضاع السياسية والعلاقة بين السلطة وأطرافها ومعارضيها وحلفائها.
كان عمود “أبو كَاطع” شفيفاً، خفيفاً، أنيساً وبسيطاً  إلى حد كبير، ولكنه كان عميقاً ومؤثراً. يقرأه من كان من محبّي “أبو كَاطع” وأدبه، لكي يستمتعوا بحكاياته وإقصوصاته وطرائفه. وكان خصومه في السلطة وخارجها من المسؤولين والبيروقراطيين الحزبيين، يقرأونه كذلك ليعرفوا مواقع الضعف والخلل في السلطة ذاتها ولديهم أيضاً.
عموده كان خطّاً من خطوط المواجهة، يقيس فيه الناس درجة حرارة الجو السياسي والحراك الاجتماعي مثل بارومتر زئبقي. فكلّما ارتفعت درجة حرارة لغة أبو كَاطع "سخونة” كان ذلك يعني ارتفاع درجة حرارة الوضع السياسي. وكان من تلك الكوّه الضيقة والهامش الصغير المحسوب جداً من جانب الرقابات الحكومية والاعلامية والحزبية، يطلق مدفعيته الثقيلة بين الحين والآخر وإنْ كانت بلغة ناعمة وساخرة.
كان عمود “أبو كَاطع” وراويته الاشكالية “خلف الدوّاح” الذي نشرنا صورته واسمه الصريح (كعود الفرحان) لأول مرة في كتابنا الصادر العام 1998 والموسوم " أبو كَاطع – على ضفاف السخرية الحزينة" مثل ريشة ناجي العلي وشخصيته المثيرة “حنظله”. تلك الريشة والشخصية التي تدير ظهرها، وتمتلك ذلك السحر الآخّاذ، الذي يثير في النفس خيالات وتداعيات خصبة وتساؤلات جادة لكل من يتوق  إلى الحرية.
واذا كان كاريكاتير ناجي العلي يمسّ الروح وينساب  إلى الوعي شغافاً وعميقاً ولاذعاً، فان عمود “أبو كَاطع” الساخر وتورياته اللذيذة (حسجته بالعامية العراقية) كانت تدخل  إلى القلب.
هي السخرية في كلا الحالتين: وجوهٌ ومؤخرات، ورودٌ وتوابيت، عصافيرٌ وبنادق، ظالمون ومظلمون... هي السخرية حين ينتصب أمامك الواقع العربي بكل تناقضاته وتشويهاته.
يقول الروائي غائب طعمة فرمان إن عمود “أبو كَاطع” كان يثير التساؤل. وهي صفةٌ ملازمة لفلاحه وربما لشخصيته الأثيرة “خلف الدوّاح”. ويسحب فرمان ذلك على شخصية “أبو كَاطع” حين يقول: “يجابهك دائماً في جلساته الودية بالأسئلة، التي تجعلك أحياناً في موضع محرج أو تضعك على “المِحَكْ” فإمّا أن تجاريه بتساؤلاته المشروعة، وإمّا أن “تبلع لسانك” وتسكت وتجعل المجاملة وسيلة للتراجع أمام الأخطاء والخوف والبلبلة وغموض الهدف والعجز في اتخاذ موقف. وهذه الصفة جعلها “أبو كَاطع” مُلكاً مشاعاً للراغبين في تبنيهّا بإخلاص من أبطال قصصه”.
سألت “أبو كَاطع” في حوارات مطّولة معه: لماذا إختار الرواية كصنف أدبي حديث وسيلة للتعبير.. ألا تكفيه الصحافة، خصوصاً وقد أبلي فيها بلاءً حسناً، لدرجة إن شعبيته بين القراء ومن كل الألوان والتيارات والمستويات كانت محطّ حسدٍ وغيظٍ، حتى من جانب بعض المقرّبين!؟
هنا نفث دخّان غليونه المعطّر والمعتنى به جداً، وبعد برهة صمت قال: كنت أرغب في أن أكون شاعراً.. لكن الصحافة استولت على وأخذتني في دروبها. وإنْ كنت أجد نفسي في الصحافة رغم القيود والمضايقات، الاّ أنها لم تكن تكفيني للتعبير عن مكنونات روحي وما يختلج في صدري أحياناً.
وجدت في الرواية الفضاء الأرحب والأوسع، الذي يمكن أن أنفّه فيه عما يجول في خاطري. لذلك أشعر إنني اكتشفت نفسي مجدداً في فسحة القلم متحرّراً من المجابهات المباشرة واليومية، التي يفرضها العمود الصحفي والاقصوصة ذات الأبعاد الآنية. فضلاً عن ذلك، فالصحافة ليست دائماً في متناول اليد، تغيب عني وأغيب عنها لأسباب موضوعية وذاتية.
وإذا كان غائب طعمه فرمان روائي المدينة العراقية بامتياز، وخصوصاً بغداد، بحاراتها وأزقتها وجوامعها، وحاناتها ونسائها، فان “أبو كَاطع” يعتبر بحق روائي الريف العراقي، باسياده وعبيده، بأنهاره ونخيله، وبظلمه وحكايات عشقه.
لم يكن “أبو كَاطع” متفّرجاً عما يجري في الريف وحياة القرية، في اطار مشهد خارجي وتعاطف انساني، بل كان من الريف وكتب عنه، مقدِمّاً البيئة الريفية بقدرٍ من التشويق والتوتر والانفعال، عاكساً حياة الفلاحين والريف العراقي، كمقطع من الدولة العراقية، التي أرّخ لها في رباعيته من العام 1923 وحتي العام 1963 وفي روايته “قضية حمزة الخلف” في مرحلة ما بعد انقلاب 8 شباط “فبراير” 1963.
يمكنني القول إن فصلاً مهماً من تاريخ العراق السياسي، كان سيبقي غير مكتوبٍ، ولربّما مجهولاً بما في ذلك التراث الشعبي لولا موهبة “أبو كَاطع” الذي امتلك أدوات تصويرية وقدرات تخيليّة لإلتقاط واقع الريف العراقي، برؤية شفافة، بحيث اختلط الواقع المعاش بالخيال المتصوّر في حبكة درامية، أكتمل بناؤها في حالات وظلّ غير مكتمل في حالات أخرى. وبهذا المعني يصّح قول مكسيم غوركي “التاريخ لا يكتبه المؤرخون بل الفنانون، الذين يكتبون التاريخ الحقيقي للإنسان”.
لقد تطور مفهوم البطولة في روايات وحكايات “أبو كَاطع”، ففي “قضية حمزة الخلف” خفّ أو ضعف فيها تأثير الآيديولوجيا قياساً بالرباعية، رغم انه ظلّ يلقي بضلاله الثقيلة عليها، لكنها لم تعدْ “كلية القدرة” أسطورية، خارقة، ينُسب إليها كل الصفات الحميدة، بل تتمثّل في الشخصية الإنسانية البسيطة، التي تحمل عناصر القوة والضعف، الشجاعة والخوف، الاقتحام والتردّد، الخير والشر، المجد والأخطاء على حد تعبير الجواهري في قصيدته المهداة  إلى الزعيم العربي جمال عبد الناصر، وهي تذكّرنا بغريغوري بطل رواية شولوخوف “الدون الهادئ” المتذبذب، المقتحم، المتردّد، الضاج بالحركة والحب والفحولة، المتنقلّ بين القوزاق والجيش الأحمر والأبيض وبالعكس!
إن كتّاباً ساخرون  إلى جانب “أبو كَاطع” الذي كان الأكثر شهرة وابداعاً بينهم، بحاجة  إلى دراسات وأبحاث جادة للدخول  إلى عالمهم الداخلي الروحي وتقويم ونقد نتاجاتهم وسخريتهم أمثال: عبد الجبار وهبي “أبو سعيد” وعموده الشهير “كلمة اليوم” في صحيفة “اتحاد الشعب” بعد ثورة 14 تموز “يوليو” 1958، وشاكر مصطفى سليم، الذي كان يكتب في صحيفة “الحرية” مسلسلاً بعنوان “يوميات قومي متآمر” وقبلهما خالد الدرّة وكتاباته المتمّيزة في “مجلة الوادي” وصادق الأزدي في “مجلة قرندل”. وفي مرحلة الثلاثينيات اشتهر الكاتب الساخر نوري ثابت ومجلته “حبزبوز”. واذا كانت السخرية فنّاً رفيعاً فهي تعبير عن موقف مسؤول من الحياة بكل ما تعنيه الكلمة. وكان كارل ماركس يردّد: إنني أقف مما هو مضحك موقفاً جاداً. ولعلّنا نردّد قول المتنبي:
وماذا بمصر من المضحكات /  ولكنه ضحكٌ كالبكاء
كان أبو كَاطع رغم شعبيته الاّ انه كان رجلاً "مرفوضاً" باستعارة توصيف المفكر جورج لوكاش، للبطل الملحمي حسب بعض الولاءات والمقاسات الحزبية الضيقة... لأنه كلّما كان يلامس تجربة يلغمها بالأسئلة... الأسئلة هي ذاتها التي ظلّت قائمة ومتلاحقة في مملكة جورج آورويل “مزرعة الحيوان” “ورواية 1984 “ أو عند أبو كَاطع في “مملكة الضبع الأكبر” التي نشرناها لأول مرّة في كتابنا المشار إليه .
نحن بحاجة  إلى السخرية في مواجهة غلاظ القلوب..!














ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
•   كاتب وأديب عراقي - مؤلف كتاب “أبو كَاطع ــ على ضفاف السخرية الحزينة” وهو أول كتاب نقدي عن تجربة وحياة الروائي الكبير شمران الياسري “ابو كَاطع”


49
المثقف في وعيه الشقي

عنوان كتاب أعدّه وقدّم له الإعلامي والكاتب توفيق التميمي، وهو عبارة عن حوارات مطوّلة في ذاكرة عبد الحسين شعبان، كما ورد في العنوان التكميلي.
الكتاب يتألف من ستة عشر قسماً ويحتوي على ألبوم صور ( ذاكرة بصرية) ضمتها 443 صفحة من القطع الكبير، وقام بتصميم الغلاف ورسم لوحته د.عمران القيسي ، كما كتب كلمة الغلاف الأخيرة، وقد صدر عن دار بيسان في بيروت، حزيران (يونيو) 2014.

50
الإيزيديون وفتاوى التكفير
             
عبد الحسين شعبان

بدا الوجه الجميل للنائبة العراقية فيان دخيل شاحباً وصوتها القوي يعتصره الألم وهي تستغيث بكل صاحب ضمير لإنقاذ الإيزيديين، ولم تترك وسيلة إلاّ واستخدمتها لوضع العراقيين بجميع شرائحهم والمجتمع الدولي بكل أطره ومؤسساته أمام مسؤولياته لتوفير الحماية لهم، بما فيه الدول الكبرى الدائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة .
لم تكتفِ بذلك، بل حملت، بهدف إغاثتهم وتقديم المستلزمات الضرورية من احتياجاتهم، ما يمكن أن تحمله في طائرة مروحية، لتذهب بها إلى حيث يتوزّع الإيزيديون في أماكن يفترشون فيها الأرض ويلتحفون السماء في جبل سنجار شمال غربي العراق، حين اضطروا للرحيل بعد هجمة تنظيم "داعش" الذي أعلن الخلافة وطالب الجميع بالبيعة، ولغير المسلمين بالأسلمة أو دفع الجزية أو الرحيل، وإلاّ فإن القبور ستكون بانتظارهم حيث تقطع الرؤوس بالسيف أو يطلق الرصاص عليها وترمى بالنهر، كما عرضت شاشات التلفاز في مشهد كان الأكثر بشاعة!
ومن سوء الحظ أن الطائرة المروحية التي أقلّت فيان الدخيل كانت قد سقطت لعطل فني وكأن فيان أبت إلاّ أن تشاركهم بمصابهم وألمهم وعذابهم، هكذا هي الصورة خبرٌ كما نقول في الإعلام دائماً، وصورة فيان والطفل الإيزيدي الذي مات من العطش كانتا الأكثر تأثيراً في معاناة الإيزيديين، بل إنهما الصورتان النموذجيتان لمأساة طائفة مسالمة كانت على مرّ تاريخها مصدر ثقة وطمأنينة وسلام وتواصل وتفاعل وتلاق لحضارات وثقافات متنوّعة، ولا أخال أن أحداً ممن شاهد تلك الصور الصميمية المأساوية أو استمع إلى تلك المرافعة التي قدمتها فيان الدخيل إلاّ وتأثّر على نحو بالغ إنْ لم يكن مصاباً بخمول الضمير .
إذا كان المسيحيون وهم من أهل الكتاب الذين ورد ذكرهم في القرآن الكريم قد جرى استباحة دمائهم، فلا عجب أن تستباح دماء الإيزيديين وغيرهم من الديانات والمذاهب والطوائف الأخرى، الذين هم بعرف أصحاب التطرف والتعصب والغلو والجهل من الخارجين على الإسلام .
لقد سبق أن وضِعَ المسيحيون أمام الخيارات الثلاثة القاسية، وإذا تقاعسوا أو تلكأوا، فليس أمامهم سوى "النعوش"، هكذا دفعة واحدة، على نحو جماعي بدأت عمليات إفراغ المسيحيين وهم أهل البلاد الأصليين من الموصل بعد استيلاء تنظيم "داعش" واضطرّت العوائل إلى الهجرة القسرية، وتم سلب ممتلكاتها وما بحوزتها، لترمى إلى الجحيم وتسير عشرات الكيلومترات بين جبال ووديان، حتى تصل إلى أماكن "آمنة"، لكنها مثل غيرها من المهجرين لا تزال تنزف، وهو ما حصل لتركمان تلعفر وللشبك مثلما نشاهد اليوم مأساة الإيزيديين، في منطقة سنجار بالتفصيل، وذلك بعد احتلال منطقة زمّار من قبل "داعش"، واضطرّت عشرات الآلاف من العوائل إلى الرحيل في ظروف بالغة القسوة، وتم احتجاز أكثر من 300 امرأة إيزيدية بعد قتل بضع عشرات من الإيزيديين، وفي ليلة 15-16 أغسطس/آب الجاري قتل 80 إيزيدياً بعد أن أمهلوا ثلاثة أيام لدخول "إسلامهم" ولم يكونوا قد أخذوا المهلة على محمل الجد، فما كان من الداعشيين سوى جمعهم وقتلهم أمام نسائهم وأطفالهم الذين، أخذوا بعد ذلك سبايا إلى مدينة تلعفر التي لا تزال تحت سيطرتهم ولا يزال مصير هؤلاء الأسرى مجهولاً .
وعلى صعيد المعلومات التي يكاد كثيرون يجهلون ما تعنيه الديانة الإيزيدية، حيث تقدّر أعداد الإيزيديين بين 400 و500 ألف نسمة، وتشكّل ديانتهم التي تتّسم بنوع من الغموض مصدراً من مصادر شقاء أبناء الديانة الإيزيدية المسالمين الذين تعرضوا للاضطهاد والإبادة تاريخياً، ومن الأسباب التي دفعت الإيزيدية لاختيار العزلة والانطوائية هي الموروث الذي يمسك به أتباعها، والذي بسببه تعرّضوا إلى مذابح ومجازر، ولهذه الأسباب حرصوا على عدم نشر كتبهم المقدسة ونصوصهم الدينية، وذلك لما قد يؤدي إلى تأويلها على نحو يختلف مع جوهرها .
ويمكن القول إن الإيزيدية هي ديانة قديمة وعريقة تؤمن بتعدد الآلهة التي تستحق العبادة والقدسية، وهناك إله أقوى وأعظم منها جميعها "الواحد المطلق اللامتناهي" وطاووس هو ملك ملوك الملائكة الستة، وهؤلاء هم: إله الشمس وإله القمر وإله الفروسية وإله الطوفان وإله الينابيع، وإله الحب . وتؤمن الديانة الإيزيدية بثنوية الخير والشر، "فهما كامنان في ذات الله، وعلى الإنسان بالأنا المثلى، الاستجابة لنداء الضمير، كي ينشر الخير ويقف في وجه الشر" .
وكان إلصاق تهمة "عبدة الشيطان" بالإيزيدية سبباً في ملاحقة الإيزيديين تاريخياً، بزعم أنهم مرتدون عن الإسلام ذلك أن عبادة إبليس تستوجب الاستئصال حسب فتاوى كان قد أصدرها علماء مسلمون في زمن الدولة العثمانية وبالتحديد في عهد سليمان القانوني وسليم الثاني (القرن السادس عشر للميلاد)، ولعلّ ما يتعرّض له الإيزيديون اليوم على يد "داعش" ليس سوى استحضار للفتاوى القديمة، وفي إطار موجة تكفير وإرهاب شملت المسلمين من الطوائف الأخرى، فما بالك بالأديان الأخرى، سواء كانوا من أهل الكتاب أو لم يكونوا، ولعلّ السمة التي تجمع التكفيريين بغض النظر عن ديانتهم ومذاهبهم، هي عدم الاعتراف بالآخر وحقه في الإيمان والاختلاف والتنوّع .
وكلمة "إيزيدية" كما يعتقد المتعصبون والمتطرفون من الإسلامويين جاءت من يزيد بن معاوية الذي حكم الدولة الأموية (ثاني خليفة بعد معاوية 647-683 ميلادية) ولكن حقيقة الأمر إن التسمية ليست لها علاقة بيزيد، بل هي جاءت من مدينة يزد في فارس وهي مشتقة من كلمة إيزيد التي تعني الملاك أو الإله، وبهذا المعنى فإن الإيزيديين هم عبدة الإله أو عبدة الرب، وهو الوصف الذي يعتقدون أنه ينسجم مع معتقداتهم .
وبالمناسبة فهم يقرأون القرآن والإنجيل، وإن كان لهم كتب مقدسة، لكن تعاليمهم معظمها متناقلة وشفوية ومحاطة بالسرّية، الأمر الذي يظن بعضهم أن أصولها جاءت من الزرداشتية المجوسية، لكن في واقع الأمر إن تعاليمهم متأثرة بالمسيحية والإسلام، وتقوم تعاليم الزواج عندهم باقتسام رغيف الخبز إلى نصفين أحدهما للعروس والآخر للعريس، أما الأطفال فيتم تعميدهم بمياه مباركة، ولا يعتنق الإيزيدية إلا من ولد بها، ولا يمكنه اعتناقها، أي إنها ديانة غير تبشيرية ومنغلقة . وفي الفترة بين 15-20 سبتمبر/أيلول من كل عام يحج الإيزيديون إلى فرع الشيخ عدي في "لالش" (شمال الموصل- كردستان) ويؤدون بعض طقوس الاغتسال بالنهر وتقديم القرابين من الحيوانات .
ويؤدون الصلاة إلى الملك طاووس (الإله) خمس مرات يومياً، ولعلّ أسوأ ما يصيب معتنق الإيزيدية هو طرده من محل إقامته أو من مجتمعه، وهذا يعني أن روحه يمكن أن تتجدد، ولا يمكن له بأي حال من الأحوال اعتناق ديانة أخرى، وهم لا يأكلون الخس ولا يرتدون اللون الأزرق، حسب اعتقادات خاصة، موجود ما يوازيها في موروثات لديانات وطقوس مجتمعية أخرى .
الإيزيدية كديانة معروفة في الشرق الأوسط، وأغلبية الإيزيديين في سنجار وهناك مجموعة صغيرة في تركيا تناقص عددها مؤخراً بسبب الهجرة، وكذلك في سوريا وإيران، إضافة إلى أرمينيا وجورجيا، وعرقياً فإن أصولهم كردية ذات جذور هندو أوروبية، لكنهم تأثروا بمحيطهم الموزائيكي، المتكوّن من ثقافات ولغات وسلالات عربية وأشورية وسريانية . ومن أهم كتبهم كتاب الجلوة لعدي بن مسافر ومصحف رش والكلمة تعني الكتاب الأسود، وقبلتهم هي الشمس ويحتفلون في أول أربعاء من شهر أبريل/نيسان كل عام كعيد سنوي حسب التقويم الشرقي .
ما زال بضعة آلاف من الإيزيديين عالقين في جبل سنجار ومهدّدين بالإبادة، وتتفاقم معاناتهم الإنسانية، الأمر الذي يرتّب مسؤوليات على البرلمان العراقي والحكومة العراقية وحكومة وبرلمان إقليم كردستان، والمجتمع الدولي ككل لإنقاذ حياتهم، ولاسيّما المفوضية العليا لحقوق الإنسان والمفوضية العليا لشؤون اللاجئين، خصوصاً أنهم قد يتعرضون إلى فظائع جماعية وأعمال إبادة، ولعلّ المهمّة الأولى هي حمايتهم والحفاظ على حياتهم وإعادتهم إلى بيوتهم ومناطق سكناهم وتعويضهم عمّا لحق بهم من غبن وأضرار .
وثمة دور يمكن أن تقوم به اليونسكو لحماية الآثار التاريخية والثقافية لمعابدهم ومناطقهم طبقاً للاتفاقيات الدولية، واعتقد أن نشر مبادئ التسامح التي تقوم على قبول الاختلاف والاعتراف بالرأي الآخر والحق في اعتناق ما يشاء من العقائد، واحترام المقدسات في إطار التنوّع والتعددية سيكون مهماً لإعادة توحيد المجتمع على أساس الاعتراف بالحقوق والحريات وعدم التمييز، وهو ما دعا إليه إعلان مبادئ التسامح الصادر عن اليونسكو في العام ،1996 وهو الذي ينبغي أن يكون حاضراً في العراق على صعيد التشريع والتربية والإعلام والمجتمع المدني وفي المجمّعات والمعاهد الدينية، لأنه الأساس لمبدأ المساواة والمواطنة وإلغاء الطائفية والتعصب والتطرف والإرهاب .
باحث ومفكر عربي



51
ماذا يريد العرب من المفوض السامي لحقوق الإنسان؟

لم تعد مسألة حقوق الإنسان في العالم أجمع، فكرة رومانسية أو ترفاً فكرياً أو مسألة كمالية وثانوية، بل أخذت تدخل في صميم المطالب الشعبية وتشكّل جوهر الأهداف والمبادئ المشتركة لتيارات متباعدة ومتعارضة تاريخياً .
ولأن العالم العربي وقع ضحية هدر سافر وصارخ لحقوقه فإن حاجته إلى تأمين احترام حقوق الإنسان هي الأكثر إلحاحاً، سواءً على المستوى الجماعي أو الفردي بحكم التدخلات الدولية ومحاولات فرض الهيمنة والاستتباع عليه، من جهة، ومن الجهة الأخرى الممارسات السلبية من جانب الحكومات والجهات الرسمية، فضلاً عن جماعات التعصّب والتطرّف، التي تحاول توظيف الموروث على نحو سلبي لهدر الحقوق والحريات وعدم الإقرار بالتعددية والتنوّع، تلك التي تعتبر جميعها من سمات البشر اللصيقة بالإنسان على مرّ التاريخ .
وعلى الرغم من اتساع دائرة الاهتمام بحقوق الإنسان على المستوى الدولي، حيث تتسابق الأمم والشعوب على مقاربتها باعتبارها دليلاً للتحضر والتقدم، فإن الثقافة الحقوقية في العالم العربي لا تزال متدنّية وشحيحة، بل إن اتجاهاً مناوئاً لحقوق الإنسان على الصعيد النظري والعملي لا يزال قوياً، وهو الذي يعتبر الفكرة "بدعة" غربية، يُراد منها الهيمنة على العالم العربي وتسخير موارده لمصلحة القوى الدولية المتنفذة، وينسى أصحاب هذا الاتجاه من التيارات السياسية والدينية أن ذلك يؤدي إلى إبعاد بلداننا وشعوبنا عن التفاعل الحضاري والثقافي مع العالم ومع التطور الدولي للفكرة ذاتها، مثلما يستخّف برافدنا الثقافي العربي - الإسلامي للحضارة الكونية، بما فيه لتعزيز وتطوير فكرة حقوق الإنسان وتعميقها .
ثمة جوانب إيجابية ومضيئة كثيرة في تاريخنا لها علاقة بفكرة الحقوق والحريات والكرامة الإنسانية، ابتداء من حلف الفضول الذي يمكن اعتباره أول جمعية لحقوق الإنسان في العالم (قبل الإسلام) يوم اجتمع فضلاء مكة، وتعهّدوا الاّ يدعوا مظلوماً من أهلها أو من دخلها، إلاّ ونصروه على ظالمه وأعادوا الحق إليه، وهو ما دعا الرسول محمد (صلى الله عليه وسلم) إلى الإبقاء عليه من بين جميع أحلاف الجاهلية بعد الدعوة الإسلامية، أو ما ورد في القرآن الكريم من إعلاء شأن الإنسان على سائر المخلوقات، ومن الدعوة إلى مبادئ الحق والعدل، أو في "دستور المدينة" من الاعتراف بالتنوّع والتعددية، أو في العهدة العمرية العام 15 ه عندما تم فتح القدس، حيث تعهّد الفاروق عمر بن الخطاب، رضي الله عنه (الخليفة الثاني)، للبطريرك صفرنيوس بالحفاظ على الأرواح والممتلكات وحق ممارسة الشعائر والطقوس الدينية، وهو ما سار على هديه اتفاق القسطنطينية عند فتحها .
ليس هذا فحسب، بل إن في الفقه الإسلامي جوانب مشرقة ومتقدمة لتمجيد الحريات والحقوق ومبادئ الكرامة الإنسانية والعدالة والمساواة والمشاركة والاعتراف بالآخر، وهي قيم إنسانية تنتصب، لتؤكد رافدنا العربي- الإسلامي للحضارة الكونية المتعدّدة .
نقول ذلك بمناسبة قرب مباشرة الأمير زيد بن رعد مندوب الأردن الدائم لدى الأمم المتحدة، لوظيفته الجديدة مفوضاً سامياً لحقوق الإنسان لدى الأمم المتحدة خلفاً لنافي بيليه اعتباراً من الأول من أيلول/سبتمبر 2014 بعد مفاتحته من الأمين العام بان كي مون وموافقته . وتلك لعمري مناسبة مهمة ليظهر العرب والمسلمون دورهم الحضاري والثقافي التاريخي في رفد الفكرة الكونية وإدراج ما يمكن من تراثهم في إطار المشترك الإنساني العالمي، وكذلك مناسبة لتأكيد مدى تشبّثهم بخصوصياتهم من جهة أخرى، بقدر مقاربتهم للفكرة الكونية، باعتبارها جهداً بشرياً اغتنى بأكثر من 100 اتفاقية دولية من خلال تفاعل الحضارات والثقافات والفلسفات والأديان المختلفة . ولهذا سيقع على عاتق المفوض السامي (العربي) مسؤولية كبيرة لا بدّ أن يكون جديراً بتحمّلها على المستوى الشخصي أو العام .
ولأن رصيد فكرة حقوق الإنسان ارتفع في العالم، من جانب الشعوب والحكومات، ولأن بلداننا الأشد احتياجاً إليها، سواء للمشاركة في الجهد العالمي أو على الصعيد الداخلي، ولأنها أصبحت أداة فعّالة لتحقيق التنمية الشاملة بكل جوانبها المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، فإن وجود مفوض عربي يمكن أن يلعب دوراً إيجابياً، خصوصاً بتعاونه مع منظمات المجتمع المدني العربي والعالمي، من خلال عدد من المحاور:
الأول - إظهار الرافد الثقافي التاريخي العربي وتأكيد رصيده كجزء من التاريخ الكوني من خلال دوره الإنساني المضيء وإشعاعه العالمي، خصوصاً في فترة القرون الوسطى حين كانت أوروبا تعيش في ظلام دامس . وكمدخل لتلاقح حضارتنا مع الحضارة الإنسانية المشتركة، فإنه يمكن للمفوض السامي أن يعتبر بقرار دولي حلف الفضول أحد الوثائق التاريخية الخلفية لفكرة حقوق الإنسان الكونية مثل الماغنا كارتا "العهد العظيم" وميثاق حقوق الإنسان والمواطن (الفرنسي) والدستور الأمريكي وغيرها، وقد سبق أن تمت مفاتحة الأمين العام للأمم المتحدة بهذه الفكرة، التي تعاطى معها إيجابياً وإن كان على نحو محدود . والأمر يحتاج إلى قرار يمكن للمفوض اتخاذه وتعميمه ليصبح دولياً، وذلك بالتعريف به وبالثقافة العربية - الإسلامية الإنسانية .
الثاني - العمل على مناشدة البلدان العربية لتتواءم مع التطور العالمي لحقوق الإنسان والمرجعية الكونية المعروفة باسم "الشرعة الدولية" باعتبارها منظومة قيمية حقوقية تمثل المشترك الإنساني لبني البشر، بغض النظر عن دينهم وقوميتهم وجنسهم ولغتهم ولونهم وأصلهم الاجتماعي، ودعوة البلدان العربية للانضمام والتصديق على الاتفاقيات الدولية الخاصة بحقوق الإنسان .
الثالث - التأكيد على الخصوصية الثقافية والدينية وعدم التجاوز عليها تحت عناوين الشمولية والعالمية، لأن الأولى ينبغي أن تكون رافداً إيجابياً لتعميق الفكرة الكونية، وليس للتعارض معها، كما لا يمكن التحلّل من المعايير الدولية بحجة الخصوصية، إلا أن هذه الثانية لا ينبغي أن تستثمر لفرض الاستتباع ونمط حياة وثقافة معينة بزعم الكونية .
الرابع - رسم خريطة طريق للعالم العربي، الذي يحتاج للتحرّك السريع لتدارك النواقص والثغرات التي يعانيها في مجال حقوق الإنسان، وتلك مسألة مهمة لا بدّ من إيلائها الاهتمام الكبير من جانب المفوض السامي عبر منصبه الرفيع المقام، سواء على المستوى الدولي أو المستوى الشعبي، وذلك لمواجهة التحدّيات العالمية .
الخامس - البحث عن فضاء كوني مشترك للتعبير يشمل المؤسسات الرسمية ومؤسسات المجتمع المدني، لتعزيز قيم السلام والتسامح والعيش المشترك لأتباع الديانات والمذاهب والقوميات والإثنيات المختلفة، بما يعزّز نبذ العنف والإرهاب ويؤدي إلى احترام حقوق الإنسان والمشترك الانساني .
السادس - العمل على بلورة رؤية دولية بمساعدة المفوض السامي تشمل الحكومات ومؤسسات المجتمع المدني، بهدف تعزيز المناعة الوطنية للدول النامية ومنها البلدان العربية .
السابع - السعي لرفع درجة الحصانة العربية إزاء محاولات التدخل الخارجي والمحاولات الأجنبية التي تريد اختراق المجتمعات العربية، تحت عناوين مختلفة، لا تأخذ الخصوصيات في الاعتبار، خصوصاً بممارسة نهج انتقائي وسياسات ذات طابع ازدواجي .
الثامن - الدفاع عن حقوق الأمة العربية وشعوبها، ولاسيّما حقوق الشعب العربي الفلسطيني من أجل إقامة دولته الوطنية المستقلة وعاصمتها القدس في إطار حق تقرير المصير وحق العودة .
التاسع - العمل على مساعدة البلدان العربية للوصول إلى التنمية المستدامة، باعتبارها حقاً جماعياً وضرورياً لكل إنسان .
والعاشر - مساعدة مؤسسات المجتمع المدني في تقديم تصوّراتها إلى المجتمع المدني العالمي وفي إطار المفوضية العليا للتعريف بدولنا ومجتمعاتنا وتاريخنا، وفي الدفاع عن الحقوق العربية بشكل عام، ولاسيّما للتفاعل مع المجتمع المدني العالمي والتضامن معه .
وهنا يمكن التأكيد أن الحوار بين مؤسسات المجتمع المدني العربي والمفوض السامي لحقوق الإنسان، في إطار تبادل الرأي واستمزاج وجهات النظر والاستئناس بالآراء، لبلورة رؤية شاملة لتكون قوة اقتراحية وشريكة في تفعيل هذا الدور الاعتباري والحقوقي الريادي، وستكون المسألة ضرورية، بل حاجة نافعة لبلداننا وشعوبنا وأمتنا العربية .

عبد الحسين شعبان
* باحث ومفكر عربي



52
المنبر الحر / بوتين وصورة ستالين
« في: 15:04 16/08/2014  »
بوتين وصورة ستالين
                     
عبد الحسين شعبان
باحث ومفكر عربي

استعاد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين صورة البطل ممثلة بجوزيف ستالين القائد الشيوعي الفولاذي، وذلك بعد التهامه شبه جزيرة القرم، وضمّها إلى الاتحاد الروسي. ولعلّ ذلك ما أعاد إلى الأذهان دور الاتحاد السوفييتي السابق الذي تأسس في العام 1922، وظلّ يتوسّع بانضمام جمهوريات وكيانات إليه، حتى غدا امبراطورية اشتراكية بعد الحرب العالمية الثانية.
لم يكن بالإمكان تجاهل موسكو خلال التحالف ضد النازية والفاشية، وفيما بعد في الترتيبات الجيوسياسية التي تكرّست في مؤتمر يالطا العام 1943، استباقاً للنتائج وتوزيعاً لمناطق النفوذ، وتمثّل هذا الدور دبلوماسياً وقانونياً على المستوى الدولي، حين أصبح الاتحاد السوفييتي دولة دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي ولها حق الفيتو بموجب ميثاق الأمم المتحدة الذي أبرم العام 1945.
لكن الاتحاد السوفييتي بعد روسيا القيصرية لم يقيّض له الدخول إلى عالم الحداثة، كما دخلته أوروبا الغربية، بما فيه من عقلانية وعلمانية وديمقراطية، فقد ظلّ بعيداً عن اللعبة الديمقراطية وعن التداول السلمي للسلطة، وقدّمت الثورة البلشفية ما يعرف بالشرعية الثورية على الشرعية الدستورية وحكم القانون، اللذان تطوّرا وتراكما في الغرب، في حين ساد فيه نمط توتاليتاري، قلدته فيه أوروبا الشرقية وبعض دول العالم الثالث، وهو ما أوقعه في شرنقة لم يستطع الفكاك منها، واستمرت الحال على هذا المنوال، رغم محاولات التغيير والاصلاح منذ العام 1956 وما بعده على يد الزعيم الشيوعي نيكيتا خروشوف، لكنها بقت أقرب إلى نقر في السطح وليست حفراً في العمق، فقد استحكمت البيروقراطية في جميع مفاصل الدولة والحزب والمجتمع، وكانت بدرجة من القوة يمكنها كبح جماح أية محاولة للتغيير.
وقد سعت قيادة غورباتشوف الذي وصل إلى دست الحكم في العام 1985 إلى إطلاق مشروع تغيير شامل وواسع، تحت عنوان البيريسترويكا والغلاسنوست (إعادة البناء والشفافية) لكن تلك المحاولة أدّت إلى زعزعة أركان المنظومة السياسية والفكرية والاجتماعية للنظام السوفييتي، وقادت إلى انهياره، سواء ما حصل في الأطراف (والمقصود هنا قبيل وعقب انهيار جدار برلين العام 1989 وسقوط الأنظمة الاشتراكية الواحد تلو الآخر) أو في المركز حين أخذ الاتحاد السوفييتي بالتفكّك في العام 1991.
كان الانهيار المدوّي والصاخب ناعماً ومرّ بصمت وذهول كبيرين، ومن دون جيوش وقتال وضحايا كما هي عادة في الحروب والثورات والاحترابات، وإنْ كانت نتائج الحرب الاقتصادية والفكرية والنفسية أكثر خطورة وخبثاً أحياناً، لكن ما حصل لم يكن بالإمكان تلافيه بفعل وصول التجربة الاشتراكية إلى طريق مسدود، فضلاً عن حجم التحدّيات التي واجهتها، وقد حاولت قيادة غورباتشوف الشروع بعدد من الاصلاحات وإشاعة حرّية التعبير، لكنها لم تجد مناصاً في نهاية المطاف إلاّ الإقرار بعدم إمكانية استمرار الوضع، بسبب المأزق الاقتصادي وسباق التسلّح الذي دفعته إليها الولايات المتحدة، بحرب النجوم وتخصيص تريليوني دولار لذلك، فلم يكن بمقدور موسكو مجاراتها عليه. ولذلك كان الهروب إلى الأمام هو الطريق الذي لم تجد سواه بحكم سياسات الماضي وثقل قيوده، وكانت الأوضاع الداخلية مهيأة ، سواء داخل كل بلد اشتراكي من جهة، إضافة إلى أنها كانت " ناضجة" في الدولة الاشتراكية العظمى.
وخلال نحو عقدين من الزمان، ظلّت القيادة الروسية الجديدة، ولاسيّما الممثلة بفلاديمير بوتين تتحيّن الفرصة لاستعادة دور روسيا القيصري أو دور الاتحاد السوفييتي الشيوعي، ووجدت في التمثّل بالقيادة التاريخية الستالينية هوى في النفوس سعت إلى تحريكه على الصعيد السيكولوجي للشعب الروسي، فستالين حكم البلاد نحو ثلاثة عقود من الزمان 1924-1953، وظلّ الكثيرون مأخوذين بنستولوجيا صورة البطل التاريخي، التي  حاول بوتين استحضارها. وهو يدرك بحكم موقعه السابق كمدير لـ KGB (جهاز المخابرات السوفييتي) تأثير ذلك نفسياً، سواء باستعراض القوة والزعامة الكاريزمية، وإن اقتضى الأمر استبدال الآيديولوجيا الشيوعية بآيديولوجية غيبية، فهو لا يهمّه أن يأخذ من كل طبق ما يريد حسب حاجته.
هكذا عمل بوتين وهو يسعى لاستعادة دور امبراطوري لروسيا استدراج التاريخ، بتحديد وظيفته على النحو الذي يريده ويخدم مصالحه، وذلك للتمدّد الجغرافي والنفوذ السياسي في مواجهة فترة الانكماش والتراجع التي شهدتها موسكو خلال السنوات الثلاثين الماضية.
وإذا كان انهيار الاتحاد السوفييتي أمراً غير  مفاجئ، لكن شكل تدحرج النظام وتفككه كان أقرب إلى المفاجأة، فقد ظل طوال 70 عاماً يبدو أقرب إلى الجبروت والعظمة، حتى وإن كان يتآكل من الداخل ولكن على نحو غير منظور، فقد بلغت أزمته الصامتة قمتها منذ تمترس ستالين في الحكم، سواء بتطبيقات مشوّهة وتطور اقتصادي مرتبك واستيلاء على أراضي الفلاحين وإجبارهم على الانخراط في التعاونيات، إلى حقل العمل والعمّال الذي كان ينزف على حساب إنسانية الإنسان.
وإن تحقق نموٌّ وتطورٌ في مجالات عديدة، ومنها الصناعة العسكرية، لكنه قياساً بما حققه الغرب يعتبر متدنّياً، ناهيكم عن الأزمات التي تركت تأثيراتها على رفاهية المجتمع وتلبية حاجاته الأساسية، تلك التي كانت في البداية بفعل تدخّل عسكري من جانب 14 دولة للاطاحة بثورة اكتوبر، ومروراً بأخطاء رأسمالية الدولة، وفيما بعد بتكريس عبادة الفرد والقضاء على أي شكل من أشكال الرأي الآخر ناهيكم عن الخسائر الفادحة في الحرب العالمية الثانية وما تركته من نتائج على عموم البلاد، على الرغم من تضحيات الجيش والشعب السوفييتي، التي قادت لا إلى انتصارهما فحسب، بل إلى الانتصار العالمي على الفاشية والنازية.
لكنه من جهة أخرى كرّست الاستبداد التي اتخذ في البداية شكل استبداد سلطوي، أي وجود نظام شمولي يريد صهر الجميع في بوتقته، وعلى حد تعبير لينين دكتاتورية البروليتاريا التي تشمل الـ 9 بالعشرة ضد الـ1 بالعشرة، وهو الأمر الذي برّر المجازر التي ارتكبت في العام 1918، بزعم إن الدماء يمكن إزالتها لمجرد تحقيق منجزات لاحقة.
أما الشكل الثاني للاستبداد فقد كان الاستبداد التعبوي فلا بدّ من الانخراط في أتون الثورة ضد الأعداء الداخليين والخارجيين، وحيث الاتهامات كانت تكال جزافاً ودون حساب فقد أُرسل الملايين إلى معسكرات الاعتقال وإلى الموت، لأسباب تتعلق بالتآمر أو التقاعس أو خدمة لأهداف البرجوازية والعمل لحساب جهات خارجية.
ويمكن القول أن الاستبداد التنافسي الذي اعتمد شكل إبعاد وتنحيات كان يمثل المرحلة التي أوصلت غورباتشوف إلى دست الحكم بعد بريجينيف الذي أعقبه تشيرنينكو  وأندروبوف وصولاً إلى غورباتشوف، وبعد انقلابات وقصف للبرلمان، استحكم بوريس يلتسين في الرئاسة ولم يكن  فلاديمير بوتين سوى تلميذه النجيب.
كان الرهان على "الخيار الديمقراطي" الذي أصبح ضرورة لا اختياراً، بعد حكم استبداد معتّق وطويل الأمد، مع أن الذاكرة السوفيتية ظلّت تحتفظ بين حين وآخر بصورة  ستالين، خصوصاً وأن كثيرين يدركون أن النموذج الغربي غير ممكن التطبيق في بلاد القياصرة والحكم البلشفي لأنه يحتاج إلى تدرّج وتراكم، مع مراعاة التاريخ الروسي والشخصية الروسية وعلم الاجتماع الروسي والنزعة التسلطية المتأصلة في جوانب الاستبداد المختلفة ومراحله المتعاقبة، التي تحتاج إلى فترة ليست بالقصيرة للتخلّص من آثارها.
ولعلّ ما أظهره بوتين اليوم سواءً في أوكرانيا أو عموم منطقة النفوذ الروسي السابقة بما فيها الأزمة في سوريا أو بالمحور الجديد مع الصين، سوى حنين إلى الصورة الستالينية المعهودة، بما فيها على مستوى الداخل أيضاً، وهو يعتقد أن الذاكرة الروسية أو الدولية، كفيلة بأن تستعيد تأثيرات الماضي حيثما أحسن استخدامها. وقد أظهرت استطلاعات الرأي التي تؤيد توجهات بوتين بأكثرية كبيرة، لكن صورة الرجلين مختلفة من حيث الغلظة والانغلاق، الذي امتاز بهما ستالين، في حين أن صورة بوتين اتسمت بالمظهر العصري، الحديث بارتداء أفخم الملابس وركوب أفره السيارات، وممارسة الرياضة والمصارعة والسباحة وقيادة الطائرات والعزف على الآلات الموسيقية، أي بعيداً عن صورة العنف والارهاب والتعطش للدماء وهي الصورة التي رافقت ستالين، لكن بوتين الذي يريد استعادة صورة ستالين يسعى لوضع يده على روسيا ولكن بقفاز من حرير يخفي تحته اليد الحديدية، لأنه يدرك أن الفارق بين الصورة الأصلية وصورته يتراوح بين 60-90 سنة.
بوتين يدرك أن روسيا في الألفية الثالثة (عشريتها الثانية) تحتاج إلى استعادة دورها التاريخي، حتى وإن كانت لا تزال منهكة واشنطن ليست بأحسن حال منها  لكن وخصوصاً بعد احتلال العراق العام 2003 والخسائر المادية والمعنوية التي تعرّضت لها، فضلاً عن الأزمة الاقتصادية والمالية الطاحنة التي ضربتها بالصميم، ولذلك فهو يسعى لإصلاحات اقتصادية واسعة باستخدام النفط والغاز ومحاولة القضاء على الفقر وانعاش طبقة وسطى، وهي أهداف معقولة يسعى للترويج لها مضيفاً بذلك نستولوجيا التاريخ والدور الروسي المنشود، وإذا كان بوتين يعرف أن التاريخ لا يعيد نفسه، فإنه يمارس ذلك بنوع من المكر والدهاء والمراوغة، وربما هو ما قصده الفيلسوف الألماني هيغل بقوله: إن التاريخ مراوغ.

•   

53
فساد «الديمقراطية»!!

عبد الحسين شعبان
وهل يجتمع النقيضان كما يقال؟، قد يبدو الأمر مستغرباً، لكنه يحصل في العديد من التجارب الدولية بعض الاشتباكات والتداخلات، ذلك أن الفساد آفة تضرب في جسم الدولة أينما وجدت فرصة لها، سواء في البلدان المتقدمة أو المتأخرة أو النامية، وسواء كان نظام الحكم ديمقراطيا أو دكتاتورياً واستبدادياً، محافظاً أو راديكالياً "ثورياً"، وأينما وحيثما حللنا وتوجهنا، صادفنا ظاهرة الفساد من حولنا، فهي عابرة الحدود والقارات، لاسيّما في ظل العولمة وثورة الاتصالات والمواصلات وتكنولوجيا الإعلام.
الفارق بين الدول المتقدمة ولاسيّما الديمقراطية وبين بلدان العالم الثالث، التي تحكم بعضها أنظمة فردية أو غير منتخبة، أن الأولى حتى وإن شهدت ظاهرة الفساد، لكن القضاء عليه ومكافحته ستكون بالمزيد من الديمقراطية والشفافية، أي معالجة عيوب الديمقراطية بمزيد من الديمقراطية والانفتاح وليس إنكاره أو إكراه أجهزة الدولة على عدم مساءلة الفاسدين ومتابعة قضايا الفساد، بالتغطية عليه وعلى مرتكبيه والمشاركين فيه.
الفارق بين النموذج الأول أن هناك مؤسسات وقوانين ومساءلة وقضاء مستقلا ورأيا عاما، بحيث لا تستطيع الجهات المتنفّذة أن تغطّي على فسادها إلى ما لا نهاية، في حين أن النموذج الثاني في البلدان المتخلّفة، فالمؤسسات هشة والقوانين لا ترتقي إلى التطبيق حتى وإن كانت تتضمن قواعد قانونية إيجابية، لأن إرادة الحاكم أحياناً ونفوذ الفاسدين هما الأساس الذي يجري الاحتكام إليه، وبهذا المعنى، فالمساءلة قد لا تطال المتنفذين وعائلاتهم وأتباعهم، كما أن القضاء مهيمن عليه، ودور الرأي العام بمؤسساته وإعلامه ونقاباته وحركته السياسية والمدنية لا يزال ضعيفاً أو مغيّباً.
في الكثير من البلدان العربية التي شهدت تحولات خلال السنوات الأخيرة، واجهتها أخطبوطات الفساد على نحو شديد، ففي العراق على سبيل المثال، ساهم الاحتلال الذي هدم مؤسسات الدولة العراقية، وخصوصاً القوات المسلحة والأمنية، في نشر ظاهرة الفساد، وبدّد بول بريمر وحده وخلال عام واحد (13 مايو 2003- 28 يونيو 2004) أكثر من 8 مليارات دولار، وكانت الحكومات التي أعقبته قد هدرت ما يزيد على 20 مليار دولار، ولم تسلم حتى مؤسسات المجتمع المدني من الفساد الذي قال بريمر إنه وزع عليه ما يزيد على 780 مليون دولار دون أن يعرف أحد أين ذهبت ووفقاً لأي اعتبار تم توزيعها؟.
لعلّ ميزانية العراق منذ الاحتلال العام 2003 ولحد الآن قاربت على 700 مليار دولار، لكنه على الرغم من ذلك، فما زالت الخدمات متدنّية مثل الكهرباء والماء الصافي، إضافة إلى الخدمات الصحية والتعليمية، والبيئية والسياحية، وغيرها، إلى تدهور البنية التحتية ومياه الصرف والمجاري، بحيث تكفي زخّات مطر لسويعات حتى تغرق بعض أجزاء العاصمة بغداد والكثير من المدن العراقية. وبسبب طبيعة نظام المحاصصة الذي أنشأ بعد العام 2003، فإن الكثير من الملفّات لا تزال معطّلة، بما فيها ملاحقة الفساد والمفسدين، ويوجد أكثر من 1000 موظف حكومي رفيع المستوى، بمن فيهم أكثر من 15 وزيراً وعدد من النواب متّهمين بالفساد، لكن لم تمتد إليهم يد العدالة أو تطالهم المساءلة.
كما أن الإرهاب يتغذّى في بيئة الفساد المستشرية، والارهاب هو الوجه الآخر للفساد، سواء الدعم الخارجي أو ابتزاز الأموال داخلياً، من جانب جماعات إرهابية وتكفيرية، باسم تنظيم القاعدة أو داعش أو غيرها، وما حدث في الموصل مؤخراً دليل على ذلك.
ولأن الحلول التي لجأت إليها الدولة لا تزال قاصرة، ولاسيّما على المستوى السياسي، فإن ظاهرة الإرهاب لا تزال متفشية ومستفحلة في بغداد العاصمة وحزامها بشكل خاص وفي العديد من المدن العراقية، ولاسيّما الساخنة التي تشكو من التهميش والإقصاء، متخّذة من الطائفية والتمترس المذهبي إطاراً للتحرك.
إن ظاهرتي الإرهاب والفساد ظاهرتان سياسيتان مرتبطتان بضعف الدولة وعدم قيامها بواجباتها المطلوبة، ومن أهمها حماية النظام والأمن العام والحفاظ على حياة وأرواح الناس بغضّ النظر عن انتماءاتهم السياسية وانحداراتهم الدينية والقومية والمذهبية. لم تستطع الدولة بالحلول الأمنية واللجوء إلى الوسائل العسكرية، القضاء على الارهاب واجتثاث العنف من واقع البلاد، ولهذا فإن مدينة مثل الفلوجة لا تزال عصية على استعادة الأمن والطمأنينة، وهي محاصرة منذ ما يزيد على ثمانية أشهر وإن غالبية سكانها رحلوا عنها، وحصل في الأنبار وصلاح الدين وكركوك وديالى هجرة كبيرة بسبب أعمال الارهاب والعنف وهيمنة الجماعات الارهابية المسلحة، وما زالت غزوة داعش للموصل مفتوحة على احتمالات كثيرة.
الحل السياسي يحتاج إلى تفاهمات مجتمعية وتوافقات سياسية يساهم بها الجميع دون استثناء أو إقصاء أو تهميش، على أساس واضح وصلب، وهو استعادة هيبة الدولة وإحكام سيطرتها على المناطق التي يهيمن عليها الارهابيون، وتلبية مطالب السكان العادلة والمشروعة ورفع الحيف والغبن عنهم وجعلهم يحكمون أنفسهم بأنفسهم في إطار تفاهم وطني وعلى أساس احتكار السلاح من جانب الدولة وحدها، وذلك بالقضاء على الارهاب وإنهاء العنف ووضع معالجات سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية وتربوية ودينية، طويلة الأمد لاجتثاث هذه الظاهرة، خصوصاً بتوفير فرص عمل وتقليص البطالة وتحسين الخدمات وغير ذلك، وهو الأمر الذي تنتظره سيناء في مصر ومناطق الوسط والجنوب في تونس والعديد من المناطق الليبية خارج العاصمة طرابلس، كما يتطلب الأمر تنمية متوازنة في اليمن.
في مصر، حيث الدولة العميقة، وفي تونس حيث الدولة البيروقراطية الحديثة، انتشرت ظاهرة الفساد الجديدة، بعد الإطاحة بنظامي محمد حسني مبارك وزين العابدين بن علي، الفاسدين، ولكن الفساد الجديد اقترن بغطاء ديني، سواء في ظل حكم الأخوان في مصر وحكم النهضة في تونس، وإنْ كانت ظاهرة الفساد منتشرة في جميع بلدان العالم، وبالأخص بلدان العالم الثالث، لكن الحلول والمعالجات بخصوصها مختلفة، وقد لعب الجيش في مصر دوراً حاسماً في الحد من الظاهرة في حركة مؤيدة للتظاهرات الشعبية فأطاحت بحكم الأخوان في 3 تموز (يوليو) 2013، أما في تونس فقد لعب المجتمع المدني وحكمة حزب النهضة في استبدال الحكومة وإجراء تغيير سلمي في إطار توجهات الثورة ذاتها، والاّ كان الاصطدام قاب قوسين أو أدنى، لاسيّما من خلال بعض العمليات الارهابية وبروز بعض الجماعات المتطرفة.
في الهند مثلاً، نجح متدينون على درجة من التعصب في الوصول إلى السلطة، واجتمعت في شخص نارندرا مودي زعيم الحزب الحاكم (بهاراتيا جاناثا) ظاهرتا التطرف الديني والتعصب القومي، ويعدّ فوزه خرقاً للديمقراطية الهندية التي مضى عليها أكثر من ستة عقود ونصف من الزمان، حكم خلالها حزب المؤتمر الهندي الوسطي 54 عاماً، سواء بصورة منفردة أو بالتعاون مع أحزاب أخرى، ولكن ذلك أحد عيوب الديمقراطية التي ينبغي معالجتها بوسائل ديمقراطية أيضاً.
وخلال الفترة المنصرمة شهدت البلاد تفاقماً في ظاهرة الفساد على الرغم من صعود التنمية إلى مدى كبير، ويكفي أن نشير إلى أنه خلال العقد الماضي ازداد عدد المليارديرية من 6 أشخاص ليصل إلى 61 شخصاً، وارتفع الفساد إلى ثلاثة أضعاف ما أنفقته حكومة الهند على برامج الرعاية الصحية والاجتماعية.
إن مظاهر الفساد في العالم الثالث تتراوح من القمة، حيث المراتب العليا للدولة إلى السياسيين، إلى رشوة رجال الأعمال، إلى التهرّب من الضرائب والالتفاف على القوانين والتخلّص من الملاحقات القضائية.
وعلى الرغم من ثروات دول مثل العراق وليبيا والجزائر وهذه كلّها بلدان نفطية، لكنها أقل مستوى معيشة، لبلدان مثل تونس والمغرب وربما للأردن مثلاً، على الرغم من شحّ مواردها، وترتفع نسبة الفقر على نحو مريع، بل إن أعداد السكان دون خط الفقر في البلدان الميسورة أكثر بكثير من بلدان العُسر. ولا يخفى أن أشكال الفساد تمتد من الفئات العليا إلى رجال الشرطة والأمن والأجهزة الضريبية، دون نسيان بعض مؤسسات المجتمع المدني وما تقوم به من أنشطة ذات أبعاد إنسانية بالاعتماد على التمويل الخارجي دون رقابة أحياناً.
الفساد حتى وإن جاء عن طريق الانتخابات، كما هو في العراق ومصر وتونس وليبيا والجزائر وغداً في سوريا وغيرها مثل الهند، فلا فارق بينه وبين الفساد الذي يأتي من قمة سلطة استبدادية غير منتخبة، الفارق في تجربة مثل الهند التي عاشت سنوات من التسامح والاعتدال، هو توفّر شرط يتعلق بالداخل (العقلانية والديمقراطية) وشرط آخر يتعلق بالخارج (التهديدات الباكستانية والتحدّي الصيني) وتبقى ديمقراطيتها التعددية العابرة للظاهرة الدينية والطائفية والقومية والسلالية واللغوية، إحدى ضمانات مواجهة الفساد وملاحقة الفاسدين، خصوصاً بدور القضاء المستقل وبقية المؤسسات التشريعية والرقابية والإعلامية والرأي العام ومؤسسات المجتمع المدني، وقد يكون ذلك أحد اختبارات التجربة أيضاً!!.
باحث ومفكر عربي




54
حكاية الحوار العربي – الكردي!
ما أشبه اليوم بالبارحة؟
عبد الحسين شعبان
باحث ومفكر عربي
 
أرسل  لي الأخ الدكتور منصور الجمري (رئيس تحرير صحيفة الوسط البحرينية) رسالة ومقالة كان قد نشرها في لندن قبل 22 عاماً، والمقالة لها حكاية مثيرة، لأنها تتعلق بالحوار العربي- الكردي الذي تم تنظيمه من جانب المنظمة العربية لحقوق الإنسان التي كنت أتشرف برئاستها حينذاك. والحكاية احتدمت بين المعارضين العراقيين حول مسألة حق تقرير المصير والفيدرالية التي قرر برلمان كردستان إقرارها في 4 تشرين الأول (اكتوبر) 1992، وموضوع مستقبل شعار الحكم الذاتي لكردستان الذي كانت المعارضة العراقية ترفعه ربطاً بالديمقراطية للعراق، ولاسيّما الحركة الكردية والحزب الشيوعي والأحزاب القومية لاحقاً، في حين لم تتضمن أية وثيقة حتى ذلك التاريخ ولأي حزب أو حركة إسلامية عراقية أو غير عراقية، أية إشارة إلى فكرة الحكم الذاتي أو الفيدرالية أو حق تقرير المصير باستثناء ما وردت الإشارة إلى الحكم الذاتي لأول مرة في منهاج حزب الدعوة الإسلامي 1992.
ولأن الفكرة راجت في إطار المعارضة، وخصوصاً عشية مؤتمر صلاح الدين 1992، ولأنها لقيت رفضاً وممانعة وتشكيكاً عربياً، رسمياً وشعبياً، بما فيها من جانب قوى وشخصيات وطنية واجتماعية، لذلك ارتأت المنظمة العربية  لحقوق الإنسان، ودون اتخاذ مواقف مسبقة، عرض الموضوع على طاولة حوار فكري وثقافي، خصوصاً بدعوة 50 مثقفاً وباحثاً ومعنياً من العرب والكرد، إضافة إلى الاعلام، لسماع وجهات النظر واستمزاجها والاستئناس بها، علماً إن بعض الحاضرين  أصبح قيادياً لاحقاً على مستوى الدولة.
لعلّ ما يجري اليوم بين الحكومة الاتحادية وسلطة اقليم كردستان، يطرح موضوع الحوار العربي- الكردي كضرورة لا غنى عنها مدنية وسلمية وحضارية، خصوصاً إذا ساهم به المثقفون ليقولوا رأيهم بما حصل، لاسيما تردّي العلاقات والإشكالات المتراكمة بشأن موضوع النفط ومصير كركوك والمناطق المتنازع عليها والمادة 140  وزاد عليها اليوم خطر داعش والإرهاب الدولي، واختلاط الأوراق والتباس المواقف، واستزراع العداء والكراهية والكيدية والبغضاء على نطاق واسع، بتعارض المصالح.. ألسنا بحاجة إذاً وعلى نحو شديد الشعور بالمسؤولية إلى حوار عربي – كردي جديد؟
*****
كان الملتقى الفكري  قد ناقش مسألة الفيدرالية وحق تقرير المصير وقضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان، بما فيها العقد والتحدّيات الداخلية والإقليمية والدولية، فما أشبه اليوم بالبارحة؟
أعتقد أننا بحاجة كنخب عربية وكردية إلى حوارات معمّقة وتفاهمات ستراتيجية واتفاقات طويلة المدى وثقة متبادلة وصراحة أخوية كاملة، وهي التي تؤسس لعلاقة منزّهة خالية من الغرض أو التكسّب، وذلك بعيداً عن أجواء "المهرجانات" ذات الطابع الدعائي والتي تأخذ صفة المجاملة والاحتفالية.
إن ما تم لحد الآن من اتفاقات يقال عنها "ستراتيجية" لا تخرج عن كونها تفاهمات تكتيكية وطارئة أو ظرفية أحياناً، وفي الغالب قلقة، وأقرب إلى صفقات سرعان ما تظهر عيوبها، وخصوصاً وأن العراق بشكل عام والشعب الكردي بشكل خاص يدفع الثمن غالياً، لذلك تحتاج النخب بشكل خاص إلى حوارات جادة ومعمّقة تبحث في الآني والمستقبلي دون نسيان التاريخ، ولكن بأفق المستقبل وبروح التسامح والتضامن والنضال المشترك.
*****
من الشخصيات الكردية المهمة التي حضرت الملتقى: محسن دزئي وابراهيم أحمد وهوشيار زيباري ولطيف رشيد ومحمود عثمان وعمر الشيخموس وسامي وشورش وكاميران قره داغي ومحمد هماوندي وآخرين من الحزبيين حدك وأوك وبعض المستقلين.
ومن الشخصيات العربية حسن الجلبي وعامر عبدالله وسيد محمد بحر العلوم وهاني الفكيكي وعبد الكريم الأزري ومحمد عبد الجبار وسناء الجبوري وساهرة القرغولي وعايدة عسيران وحيدر شعبان (من العراق) وشخصيات من بلدان عربية مثل عبد الوهاب سنادة (نقيب الأطباء- من السودان) وعبد السلام سيد أحمد (السودان)، وأمير موسى (من السعودية) ومنصور الجمري (من البحرين) وهشام الشيشكلي  ومحمود الخاني (من سوريا) وأحمد غراب (من مصر) وشبلي ملاّط وعبد الوهاب بدر خان وحازم صاغية (من لبنان) وآخرين.
*****
أعتقد أن إحياء مثل هذا الحوار الفكري وتبادل وجهات النظر إزاء ما هو مطروح وضاغط على الجميع يمكن أن يسهم في بلورة مواقف موحّدة للمثقفين العرب والكرد، خصوصاً في القضايا الستراتيجية، البعيدة المدى، وذات الطابع المبدئي، أما بشأن السياسات والمواقف، فحتى وإن كانت هناك اختلافات بشأن بعض وجهات النظر أو التقديرات المختلفة، فإن مجرد بحثها وإخضاعها للنقاش يقرّب من إيجاد الحلول والمعالجات المفيدة لأصحاب القرار.
أعتقد أننا بحاجة ماسّة اليوم وأكثر من أي وقت مضى للتفكير بالأطر المشتركة للحوار وتبادل وجهات النظر والهدف هو تعزيز الأخوة العربية – الكردية واحتواء التوترات وتطويق عناصر الانفجار والانشطار في ظل هذا الخضم الذي ينحو باتجاه المجهول، والنزعات التي تؤدي إلى التباعد والتباغض والكراهية.
ربما يكون مناسباً لو فكّرنا كمثقفين في الصيغة المناسبة اليوم لحوار مفكرين وباحثين وأكاديميين ونشطاء من المجتمع المدني وممارسين عرب وكرد، وربما من دول وأمم المنطقة أتراك وإيرانيين، وقد يكون مفيداً اقتراح بيروت وفيما بعد بغداد وأربيل مكاناً الحوار وقد تنبثق منه مؤسسة دائمة.
وكنت قد اقترحت ذلك في ندوة لاتحاد الأدباء والكتّاب العراقيين في النجف، مشفوعة بشهادة عن الحوار العربي – الكردي، الذي بادرت إليه جهتان ثقافيتان عربية وكردية .
ننشر في أدناه مقالة الدكتور منصور الجمري التي كتبها في 31اكتوبر (تشرين الأول) 1992.
*****

الملتقى الفكري للحوار العربي – الكردي يناقش "الفيدرالية والديمقراطية وحقوق الانسان
 


نشر في لندن في 31 اكتوبر / تشرين الاول 1992
الملتقى الفكري للحوار العربي – الكردي يناقش "الفيدرالية والديمقراطية وحقوق الانسان
لندن – منصور الجمري
بدعوة من المنظمتين العربية والكردية لحقوق الانسان عقد في لندن بتاريخ 17 و18 أكتوبر/ تشرين الأول 1992، ملتقى فكري للحوار العربي – الكردي حضره نحو 50 مفكرا ومثقفا عربيا وكرديا بينهم قادة سياسيون وكتاب وباحثون ورجال دولة سابقون من شتى الاتجاهات الاسلامية والليبرالية والديمقراطية والقومية والماركسية. واستهدف الحوار إبراز الجوانب الفكرية والدستورية للقضية الكردية والاقليات الأخرى في الوطن العربي لاندراج هذه القضية كجزء من حقوق الإنسان الجماعية التي تضمنتها اللوائح والوثائق الدولية المختلفة. وقد امتاز الحوار بالموضوعية والصراحة في تناول القضايا الحساسة والمصيرية التي تمر بها شعوب المنطقة في ظل الظروف والتطورات الراهنة.
افتتح الحوار رئيس المنظمة العربية لحقوق الإنسان الدكتور عبدالحسين شعبان - فرع بريطانيا، مشيرا إلى أهمية الانتخابات التي جرت في كردستان العراق وقيام حكومة كردية في شماله، وإعلان المجلس الوطني لكردستان العراق للقرار الصادر بتاريخ 4 أكتوبر 1992 عن تحديد العلاقة القانونية مع السلطة المركزية واختيار المركز السياسي لاقليم كردستان وشعبه انطلاقا من حق تقرير المصير على أساس الاتحاد الفيدرالي ضمن عراق ديمقراطي برلماني يؤمن بتعدد الاحزاب ويخدم حقوق الإنسان المعترف بها في العهود والمواثيق الدولية. وتساءل شعبان عن المقومات التي اعتمدها الإعلان الكردي في ظل النظام العالمي الجديد وكيفية التصدي للمشكلة من زاوية فكرية ودستورية، مؤكدا أن اللقاء لا يستهدف اصدار قرارات بقدر ما هو حوار بقلب حار وعقل بارد.
وقدم أول بحث للقانوني العراقي الكبير الدكتور حسن الجلبي، شرح فيه المفاهيم والمقومات والقضايا من الناحية العلمية، قائلا: ان الفيدرالية أصبحت الشغل الشاغل للمعنيين بقضية العراق ومستقبل المنطقة. تشهد الحركة السياسية والاجتماعية والاقتصادية في التاريخ ظاهرتين، ظاهرة الاتحاد بين الوحدات السياسية وظاهرة الاستقلال لكل وحدة عن الأخرى. ونرى ان الحركة تتجه وفي كل الاوقات تارة إلى الاتحاد بين الوحدات طلبا للاقتدار على مواجهة المشكلات وحلها وطورا الانفصال طلبا للحرية والخلاص من السلطة المركزية. ونجد ان مقومات أساسية مثل العرق واللغة والاقتصاد والتاريخ والدين تلعب دورا أساسيا في هذا الصدد: ولكنني (والحديث للدكتور حسن الجلبي) سأكز على مقومين وهما وحدة السلطة ووحدة الإرادة في العيش المشترك. تتمثل الأولى في رغبة من بيدهم الحكم والدول التي تعمل على احياء التاريخ القديم في تأسيس الدول والاوطان ذات الامجاد العظيمة. ويسعى هذا الاتجاه لايجاد دولة عظيمة بصرف النظر عما اذا كان اطراف هذا الكيان قد قبلوا هذا ام لا. وهذا يعود إلى يوم ان ظهرت الدولة الحديثة بعد انحلال سلطة البابا والامبراطوريات في القرن الخامس عشر والسادس عشر عندما طلع القانونيون مثل ماكيافيللي، روسو وغيرهما واستطاعوا ان يدخلوا للفقه القانوني مفهوم السيادة المطلقة (خضوع الناس للسلطان والملك وان ما يريده الملك يريده القانون) في ظل دولة واحدة.
وعرف الفكر السياسي الذي انجبته الثورة الفرنسية العام 1789 فكرة السلطة وتكوين القومية ليس عن سلطان الحاكم وانما نتاج إرادات أولئك الذين يعيشون في ظلها (حق تقرير المصير). ولذلك لم يستطع حكام الثورة ضم «السيفوا» الا بالاستفتاء والارادة الشعبية اذ لا يمكن سلخ اقليم او ضم آخر إلا عن طريق الرأي الحر.
وبعد الحرب العالمية الأولى أخذت عصبة الأمم المتحدة هذا الاتجاه الجديد بنظر الاعتبار وعلقت مصير بعض الاقاليم على ضرورة العودة للاستفتاء لمعرفة رأي السكان والشعوب ضمن ما توزع من مناطق ودول.
وبعد الحرب العالمية الثانية اعتبرت منظمة الأمم المتحدة هذا العصر عصر حقوق الإنسان وضمنت ذلك في ميثاق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر العام 1948.
وهكذا أصبح هذا العصر عصر إرادة العيش المشترك وليس وحدة السلطة أو حتى الوحدات الأخرى، وثبتت دول على رغم تباين لغاتها وقومياتها امكان العيش مع بعضها في ظل إرادة العيش المشترك. بينما اثبت ما حصل في الاتحاد السوفياتي ويوغوسلافيا وتشيكوسلوفاكيا ان هذه الشعوب رأت مصالحها الحيوية واعتباراتها السياسية في العيش بانفصال في كيانات خاصة.
ثم تحدث من الجانب الكردي الصحافي كامران قره داغي قائلا: لقد اثبت الأكراد ومن خلال الطريقة التي تعاملوا بها في ظل ما يسمى بالنظام الدولي الجديد انهم اكثر الشعوب تحسسا بأهمية انتهاء الحرب الباردة، واعتبروا ما حدث فرصة تاريخية لابد ان يستفيدوا منها ولا يضيعوها. وعكست ديباجة قرار المجلس الوطني لكردستان العراق بشأن الفيدرالية هذا الادراك والفهم بالتقاط الاتجاهات الرئيسية في النظام الدولي الجديد واخراج القضية الكردية إلى المسرح الدولي. لقد اتخذت البشرية الديمقراطية في الحكم والادارة لتشييد دعائم حقوق الإنسان عبر احترام إرادة الشعب واقامة سلطة القانون وفصل السلطات الثلاث. ومن حسن الحظ ان الاكراد عموما لم يدخلوا في جدل داخلي عقيم مثل التساؤلات: هل هذا النظام الدولي أسوأ؟ أو هل أنه مؤامرة عالمية جديدة؟ أو هل انه مواجهة الغرب للإسلام؟ أو غيرها من الجدالات التي سيطرت على كثير من الاطروحات في العالم الثالث. استطاع الاكراد استعمال هذه الظروف لمصلحتهم واخراج قضيتهم من عزلة ضيقة في الدولة العراقية وفرضها قضية دولية بحيث أصبح مستحيلا ان يتجاهلها المجتمع الدولي.
ففي العام 1974 هجّرت الحكومة العراقية ربع مليون كردي إلى المناطق التي سيطرت عليها القيادة الكردية وحدثت مأساة حقيقية داخل كردستان. اما العام 1991 فقد تحولت المشكلة إلى قضية دولية. الشيء المهم قرار 688 الصادر عن الأمم المتحدة، اذ استطاعت القيادة الكردية ان تبني على هذا القرار، واثبت السلوك الذي سلكته القيادة التواصل بينها وبين المستجدات الدولية. وعندما طرح الرئيس التركي فكرة حماية الاكراد ايده رئيس وزراء بريطانيا وتطور الأمر إلى الوضع القائم حاليا. وأيضا كانت المفاوضات مع الحكومة العراقية تشير إلى نوع من التواصل مع الوضع الدولي.
والمسألة التي أوضحها تبني البرلمان الكردي للفيدرالية هو ان القضية ليست تعايشا بين أرض وأرض وانما بين شعوب. كما أوضح التناقض بين الوضع الاجتماعي والاثني والمذهبي وبين تركيبة النظام العراقي. من يحق له ان يقرر مصير الاكراد؟ هل الحق للعراقيين كلهم؟ هل هو الدستور العراقي الحالي؟ ام ان الاكراد هم انفسهم يقررون مصيرهم؟ وفي مداخلة للصحافي اللبناني حازم صاغية اشار إلى أن هناك سجالا ظاهرا ومستترا بين العرب والاكراد وهناك أسئلة يطرحها العرب على الاكراد. ان الاكراد اغتنموا الظرف الدولي، والبعض يتهمهم باقامة علاقات مع إسرائيل؟ لابد ان نسأل الاكثرية العربية عن المشكلة لأن مشكلة الاكراد انهم اذا نظروا بين المحيط والخليج لا يجدون لهم نموذجا واحدا يطمئنون له وهناك حالات لا تدعو للاطمئنان وانما للحذر. نسأل الاكثرية: هل هناك اتجاه آخر يعتمد على التسامح والتعددية؟
وتحدث الدكتور أحمد غراب (من مصر) قائلا ان الايديولوجيات القومية تقوم على الصراعات التي استغلها المستبدون في العراق. والاسلام رحمة لا ينظر للإنسان باعتبار قوميته. واجبنا تلافي التفرقة على الأساس الاثني إلى الاخوة في اطار اكبر. نحن نعلم ان الاسلام استغل استغلالا. ولكن عندما اقيمت حكومة اسلامية في إيران لم يقل احد انها حركة ايرانية او فارسية وهذا جعل المسلمين يتعاطفون معها على رغم انهم من دول مختلفة. احترام الحقوق لا يأتي عن طريق النظام الدولي الجديد وما حدث في الجزائر عندما انتخب العرب والبربر جبهة الانقاذ رفضت النتيجة وسحقت. نريد ديمقراطية لكل إنسان وكل اقلية لها حقوق يضمنها الدين الاسلامي.
الاستاذ عبدالكريم الازري (وزير عراقي سابق): لقد اقر مؤتمر فيينا حق تقرير المصير للاكراد على ان لا يخالف هذا الحق الانفصال عن الدولة العراقية. وما اتخذه المجلس الوطني عبر قرار الفيدرالية حلا للقضية الكردية تسبب في ردود فعل قوية من بعض الجهات ناتجة عن عدم وضوح الفكرة. لقد كان الحكم الذاتي يعتبر هبة ومنحة من الحكومة العراقية للشعب الكردي يمارس فيها بعض الصلاحيات والاختصاصات.
الدكتور محمود عثمان (احد القادة الاكراد): لم تعترف بحقوق الاكراد اية دولة من الدول، ولم يعان شعب مثل ما عانينا. وكنت حاضرا كعضو قيادة في الجبهة الكردستانية في كل المداولات والقضايا بضمنها قرار الفيدرالية الاخير. لقد عانى الشعب الكردي من وضعه الجغرافي ومحاصرته من قبل دول كبيرة ولم تكن له قرارات حرة. وانما كل قرار كان لابد من حساب ما تقبله او ترفضه الدول المجاورة بعد ان قسم الاستعمار الشعب الكردي لعدة اقسام. كما لم تشأ أي قوة دولية الخروج على مصالح الدولة الاقليمية. فأميركا لم تكن توافق على شيء اذا كانت تركيا او إيران او السعودية ضد ذلك، وعلى رغم ان الأميركيين ضد إيران الا انهم لا يريدون ازعاجها كما قالوا ذلك لنا.
في العام 1975 كنا نتصور خاطئين ان إيران لا يمكن ان تتخلى عن اكراد العراق لان اميركا كانت على الخط. وثبت بعد ذلك ان أميركا في شخص كيسنجر هي التي خططت اتفاق الجزائر، والسوفيات ايدوا صدام من جانب آخر. وعندما كتب المرحوم البرازاني إلى كيسنجر يخاطبه بمساعدة الاكراد من الناحية الإنسانية على الأقل، أجاب ان الاتفاق كان بين طرفين وقد يضر بطرف ثالث، وهذه سياسة ليست فيها اعتبارات اخلاقية.
اما الوضع الدولي الجديد وبعد انتهاء الحرب الباردة وحماقات صدام الذي لو لم يدخل الكويت لما كان بإمكان الشعب الكردي تحقيق ما حصل عليه، ليس هدف الشعب الكردي تفتيت العراق ولكن بسبب ما تعرضنا له من قصف كيماوي ولم يرتفع صوت عربي واحد، نريد ثلاثة ضمانات: ضمانات كردية: ان نبقى موحدين سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وعسكريا، وضمانات ديمقراطية داخل العراق، وضمانات دولية من أجل التدخل تحت ظل الأمم المتحدة. ومن أجل ذلك طرحنا مشروع الفيدرالية بعد ان عرضناه على لجنة العمل المشترك والمجلس الأعلى للثورة الإسلامية، لكي نحصل على اتفاق جماعي بهذا الشأن ولكي نتأكد من الحصول على حقوقنا في المستقبل.
ثم تحدث الوزير العراقي السابق الاستاذ عامر عبدالله وقدم بحثا مستفيضا عن مشروع العراق الفيدرالي قال فيه: ان تقرير المصير ليس حقا وانما مبدأ قبل ان تدونه مواثيق حقوق الإنسان وهو مبدأ إنساني وحضاري. وقد كان ضمن برنامج البلاشفة في ثورة أكتوبر 1917 الا انهم لم يترجموا هذا الحق للواقع. والفيدرالية تعني المشاركة السياسية والاجتماعية في السلطة من خلال رابطة نوعية بين اقوام وشعوب وتكوينات مختلفة من أصل لغات وأديان مختلفة. وهو نظام يوحد الكيانات المنفصلة في امة واحدة ضمن اطار سياسي واحد مع احتفاظ الكيانات بهوياتها من حيث التكوين السكاني واللغة والثقافة والدين إلى جانب مشاركتها في صوغ القوانين المحلية والمركزية.
والفيدرالية توليف بين متناقضات، بين الاستقلالية والمركزية، بين التكامل والتجزيء، كما هو الحال في سويسرا، وألمانيا، وأميركا، وكندا. ويعني التوفيق بين الاتحاد اللامركزية بين الحكومات المحلية والفيدرالية من خلال المساواة بين جميع الاطراف واستبعاد نزعة الهيمنة والاستفراد من الحكومة المركزية واستبعاد مبدأ المنحة والمنة والعمل بمبدأ التقسيم الوظيفي للسلطة في صوغ واقرار دستور الاتحاد الذي يحدد سلطات ووظائف الادارة المركزية والمحلية. بعد ذلك طرح عامر عبدالله مشروعا مفصلا للدولة العراقية الفيدرالية ضمنه خبراته السابقة في المناصب الحكومية.
ثم جاء دور المفكر الكردي الاستاذ عمر شيخموس الذي تحدث عن القضايا القومية في الوطن العربي والشرق الأوسط، وبدأ حديثه بتعريف «الوطن العربي» قائلا انه تعبير عن الوطن المنشود كهدف منذ اوائل القرن العشرين وبشكل أوضح منذ الاربعينات لحركة سياسية هي الحركة القومية العربية التوحيدية، وليس عن وطن واقعي موجود لجميع الدول التي تتكلم اللغة العربية أو الاعضاء في الجامعة العربية أو المجتمعات التي تنتمي إلى الهوية والثقافة اللامة. وان هذه الحركة قد اختبرت حديثا بزات فكرية عنيفة وازمة شديدة نتيجة فشل التجربة الوحدوية بين مصر وسورية العام 1961 ونكسة يونيو/ حزيران 1967 والانقسام الجذري خلال الحرب العراقية - الإيرانية (1980 - 1988) وخلال الحرب الخليجية الثانية العام 1991، نتيجة احتلال وضم ونهب العراق لدولة الكويت - الجارة العربية المساندة إلى العراق خلال الحرب الخليجية الأولى والعضوة في جامعة الدول العربية.
استخدم تعبير الشرق الأوسط لأول مرة العام 1902 من قبل الغربيين لتسمية منطقة غير محددة تتاخم منطقة الخليج، وتم تثبيته الرسمي باستعماله من قبل الدولة البريطانية في اواخر الثلاثينات بتسمية «القيادة العسكرية للشرق الأوسط».
إن الصرعات القومية والاثنية في اواخر الستينات وخصوصا خلال العقدين الأخيرين اذهلت معظم الباحثين والمراقبين للحوادث واصحاب القرار السياسي نتيجة لفهم خاطئ سابقا بان عمليات الاندماج السياسي والاقتصادي والتنمية الصناعية وبناء الدولة الحديثة ستؤدي تدريجيا إلى زوال او ضعف الهوية والصراعات القومية وظهور هويات إقليمية وكونية لتحل محلها.
وأشار شيخموس في موقع آخر من كلمته إلى أن هناك فهما خاطئا آخر تحكم في عقول المفكرين والحكام في المنطقتين وهو التصور بأن الحركات القومية للشعوب الغالبية تعود إلى جذور تاريخية قديمة مشروعة بدلا من فهمها تطورا برز نتيجة الحركة الاصلاحية الدينية في أوروبا وافكار الثورة الفرنسية ومن ثم تشكيل الدولة القومية، او الدولة الوطنية في معظم ارجاء اقاليم أوروبا المختلفة نتيجة للتطور الرأسمالي فيها وخصوصا الثورة الطباعية التي سهلت تكوين ما يسميها بنركت اندرسون بـ «المجتمع المتخيل»، أي القوم او الامة، ومن ثم تصدير هذه التشكيلة السياسية والاجتماعية وهذا النمط من الفكر السياسي إلى بقية ارجاء العالم عبر التوسع الأوروبي واستعمار مناطق فيه وبروزها تدريجيا في منطقتي الشرق الأوسط والوطن العربي في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين.
ان الصفة المميزة لمعظم هذه الدول المستحدثة في الشرق الأوسط والوطن العربي هي تكوينها المتعدد الاثنية والقوميات وغياب شرعيتها لدى مواطنيها بسبب أرضية تشكيلهم من قبل قوى خارجية وليس نتيجة نمو ذاتي خاص بمجتمعاتهم. ولذلك تصبو قياداتهم السياسية والحاكمة مندفعة بايديولوجية «بناء الدولة» إلى النزوع إلى المركزية المشددة واستعمال اساليب القهر والعنف لتأمين الاندماج والتوحيد الاثني في عملية الالتحام والبناء القومي المنشود.
وبعدها شرح شيخموس الاسباب التي تؤجج النزاعات الاثنو - قومية مثل الشعور بالغبن واستثمار الموارد الطبيعية وثروة مناطق الاقلية لصالح القومية الغالبية، وسد مجال التقدم والوصول إلى مراكز مهمة داخل المجتمع والدولة امام العناصر المتأهلة المنتمية إلى الاقلية، وغياب الديمقراطية والتعددية السياسية، والتعسف من قبل الغالبية، وازدياد الوعي السياسي لدى الاقلية، واهتمام المجتمع الدولي والمنظمات الدولية غير الحكومية بحقوق الإنسان والاقليات وعمليات التغيير السياسي والديمقراطي، واخيرا التطورات والانتفاضات التي حصلت في دول أوروبا الوسطى والشرقية والتي ادت إلى انهيار الأنظمة التوتاليتارية والانتفاضات الأخرى كانتفاضة شعب فلسطين.
الدكتور عبدالوهاب سنادة (من السودان) تحدث عن مشكلة الاقليات في السودان وخصوصا ما يجري في جنوب السودان، وأشار إلى أن المهم في الأمر ان يحصل الاتحاد بوسائل ديمقراطية وحصول مساواة في المواطنة. والسلطة الحالية طرحت مبدأ الفيدرالية كحل للمشكلة ولكن السؤال المطروح هو هل ان هذا الطرح تعبير عن الادارة السياسية ام فرض لشكل فيدرالي بواسطة دكتاتورية. لقد بدأت المشكلة في السودان بين الشمال والجنوب بين القوميات العربية والافريقية بعد خلق الانجليز ضغائن لدى الافارقة عن العرب عبر اثارة موضوع تجارة العرب بالعبيد.
كما لعب التبشير المسيحي دوره عبر تسمية الشمال المسلم والجنوب المسيحي. ولكن الحكم لم يستطع حل المشكلة حلا سليما، واشعر الجنوبيين بأنهم غير متساوين. وزاد المشكلة ظهور تيارات مثل القومية العربية، ساعدت بشكل غير واع على الانتقاص من غير العرب. كما ساهمت الاصولية الاسلامية سلبيا على التعايش والارادة الموحدة ما خلق اتجاهات انفصالية مع الجنوبيين بعد إعلان قوانين الحدود.
ثم اشار الدكتور عبدالسلام سيدأحمد (من السودان) ان الفيدرالية طرحت في السودان ولكن لم تضمّن في الدستور، وحرب الانفصال استمرت بدعم من قبل الكنائس ومجموعات أوروبية لان الجنوبيين يعاملون معاملة درجة ثانية، وعندما اوقفت الحرب العام 1972 لفترة من الزمان لم يطبق الحكم الذاتي بسبب تسلم الحكم حزب واحد برئاسة جمهورية دكتاتورية. وعندما اعلن جعفر نميري العام 1983 الحدود الاسلامية قامت الحرب الانفصالية من جديد والتي مازالت مستمرة حتى الآن. الفيدرالية طرحت حديثا ولكن الامر بحاجة إلى نظام سياسي مستقر يعتمد العلمانية والديمقراطية والفيدرالية.
الدكتور محمود الخاني (من سورية): انني ارجو ألا تتحول المشكلة بين الحكام والشعوب إلى مشكلة بين الشعوب نفسهم. الاسلام اعطى حق الجعلية، «وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا» (الحجرات: 13) واعطى الإنسان الحرية «متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم امهاتهم احرارا» واعطاهم الديمقراطية من خلال مبدأ الشورى وضمن لهم حقوق الإنسان من خلال حق المواطنة تحت ظل النظام السياسي. انا اسأل ما هو البعد الاستراتيجي في الطرح القومي؟ ففي البلد العربي يسام العربي اشد انواع العذاب، ونحن نستشهد بحقوق الإنسان في الثورة الفرنسية وننسى ان الاسلام قبلهم جميعا اعطى هذه الحريات. يجب ألا ننسى ان الدكتاتورية في بلداننا تدعمها الحكومات التي نفتخر بها. ففي السودان عندما يخرج مليون إنسان يطالب بالشريعة الاسلامية لا نستطيع القول ان الاستقرار في السودان لا يتم الا عن طريق نظام علماني.
الدكتور شبلي الملاط (مفكر مسيحي لبناني): انا سعيد من الطابع المصيري في الحدث. ان الحلول صعبة جدا ففي الوقت الذي يلزم القبول بان حدود العراق مصطنعة فان البديل لهذه الحدود حدود مصطنعة اخرى، ارجو ان تتحول هذه الندوة الى عملية لصوغ المستقبل لمعالجة المتطلبات بصورة موضوعية ولابد لنا من خلق آلية كما كان الامر خلال الثورة الاميركية، من خلال نشر البحوث التي تحظى بغطاء اكاديمي.
الدكتور محمد الهماوندي (شخصية كردية): لا بد من وجود الاسلاميين الاكراد في مثل هذا اللقاء. اما بالنسبة للمسألة السودانية ففي الواقع ان الاسلام كان بعيدا عندما كانت مشكلة السودان 1955. الطرح الاسلامي في ذاتنا وروحنا على رغم سوء تطبيق الفكر الاسلامي. ان الفيدرالية موضوع قريب من فكرة حكم الولايات في الاسلام كما ان حقوق الإنسان في الاسلام اوسع واشمل من المواثيق الدولية.
الاستاذ هشام الشيشكي (سورية): كردستان، جنوب السودان، البربر، كل هذا يمثل خطرا على الطريقة «الفابية» عندما هاجم هانيبال الاجنحة ثم القلب. ما العلاقة بين جنوب السودان والاكراد؟ العام 1972 ذهبت إلى السودان عندما طرحت الفيدرالية التي لم تنجح والسبب في افشالها كان الغرب. ان مشروع اسرائيل الكبرى سيستفيد من دولة للاكراد التي ستصبح تحت الاستعمار الاقتصادي الاسرائيلي عندما تعقد المصالحة العربية - الاسرائيلية ويزور قادة اسرائيل البلاد العربية.
الاستاذ ابراهيم احمد (مفكر كردي): ان بلد الاكراد الواقعة في الشرق الاوسط كانت شبه مستقلة ومؤلفة من امارات تزداد استقلاليتها وتقل بالنسبة لوضع الامبراطوريات المتسلطة في المنطقة. وظل الحال على هذا المنوال، حتى منتصف القرن التاسع عشر، بعد سيطرة الدولة العثمانية وقضت على تلك الامارات. ووزغت اجزاء كردستان الى ولايات (بقي جزء طبعا تحت سيطرة الدولة (الإيرانية): وظلت كردستان في ولاية الموصل وهذا أكبر قسم من ناحية المساحة والنفوس في البلاد. اعتقد ان الحساسية الموجودة ناشئة من الخطأ التاريخي الذي يقع فيه بعض الكتاب والمفكرين والسياسيين. ولاية الموصل لم تكن جزءا من العراق الا بعد تشكيل الدولة العراقية.
بدأ الانجليز باحتلال البصرة بعد إعلان الحلفاء الحرب على الدولة العثمانية باعتبارها حليفة للألمان وتقدموا ووصلوا لولاية البصرة وبغداد. وقبل احتلال ولاية الموصل، عقد اتفاق الهدنة بين بريطانيا وتركيا، غير ان جيوش الاحتلال تقدمت واحتلت الموصل وبعض الاجزاء من الولاية. وخلقت مشكلة ولاية الموصل التي يعاني منها إلى الآن الشعب الكردي الملحق بالعراق. عندما احتل الحلفاء اراضي الدولة العثمانية نشروا إعلانات ان الجيش دخل العراق محررا لا مستعمرا.
وأعلنت الحكومتان الفرنسية والبريطانية ان نيتهما ليس السيطرة وانما الانقاذ من الاضطهاد العثماني واعطاء الشعوب حقها في تقرير مصيرها وتشكيل الحكومة التي تريدها. وأعلنت بصورة عامة مبادئ ويلسون الاربعة عشر المتضمنة لحق تقرير المصير والتي تعتبر مبادئ سامية.
انخدعت الشعوب بهذه التصريحات والوعود الإنسانية ومن جملة هذه الشعوب الشعبان العربي والكردي وحصلت اتصالات وعلاقات بين البلدان العربية والقوات المحتلة.
العرب رأوا الوعود نقضت فقاموا بثورتهم (1920) في البصرة وبغداد، ما تسبب بنقل الحاكم العسكري تشكيل حكومة مراقبة والاتيان بالامير فيصل بعد ان طرده الفرنسيون من سورية. وفعلا اصبح ملكا على العراق ووقعت اول معاهدة فيما يتعلق بشروط الانتداب وهي حجة لتأويل قاعدة «حق الفتح». وكان حقا معترفا به قبل الحرب الاولى الذي يقول ان اي بلد يحتل بلدا اخر فمن حقه ان يحكمه. وعندما ارادت بريطانيا تغطية مفهوم حق الفتح استخدمت حق الانتداب ولهذا السبب حكمت بريطانيا العراق باعتبارها الدولة المنتدبة.
عين الشيخ محمود حاكما لكردستان بعد قبوله دخول البريطانين للسليمانية. طلب ادخال كردستان في الدول المحررة واعطاء الاكراد حقهم في تقرير مصيرهم. وكان الشيخ محمود مؤمنا كل الايمان بهذه الوعود. إلا انه فشل واعتقله الانجليز ونفي للهند.
وطالب الاكراد بإعادة الاراضي لانها احتلت بعد الهدنة والبريطانيون يريدونها ضمن العراق. وكان الموصل ضمن حصة فرنسا حسب اتفاق «سايكس - بيكو». ولكن بحنكة البريطانيين تمكن لويد جورج من ان يتبادل بأماكن اخرى مقابل الموصل.
وفي معاهدة لوزان التي عقدت بين بريطانيا والحلفاء وتركيا من جهة اخرى كانت الموصل عقدة الخلاف. اما معاهد سيفر فقد اعطت بعض الحقوق للشعب الكردي الا ان مصطفى كمال اتاتورك قضى على هذه المعاهدة. وكان الاكراد على علاقة جيدة مع السوفيات طوال عهد التشكيل، وعندما اصبحت البلشيفية خطرا على مصالح الحلفاء للحصول على تركة الرجل المريض (الدولة العثمانية) رأت بريطانيا ان من صالحها ان تتصالح وتتنازل للدولة التركية عن الاكراد بينما تنازل الاتراك عن آسيا الوسطى وبقي الخلاف على الموصل. وقررت عصبة الامم ارسال لجنة الى المنطقة لدراسة المسألة واعطوا قرارا لاسباب سياسية اقتصادية وغيرها بالحاق الموصل العراق. وإلى ذلك الحد كانت كردستان تحت الحكم الانجليزي المباشر.
ألقى المندوب السامي البريطاني كلمة قال فيها: اريد ان انصحكم ان لا تكرروا خطأ الاتراك عندما ارادوا ان يكونوا أوروبيين يلبسون القبعة. وما قاله الملك فيصل اننا لا نكرر هذه الجريمة وان الامة العربية قامت ضد الدولة العثمانية وان العراقي المخلص هو الذي يساعد الكردي ان يكون كرديا حقيقيا مخلصا. قبل ذلك اعلنت الحكومتان العراقية والبريطانية في 24 ديسمبر/ كانون الأول 1922 اعترافهما بحق الاكراد بتشكيل دولتهم المستقلة وطالبتهم بارسال موفد إلى بغداد للتفاوض بشأن العلاقات السياسية والاقتصادية والحدودية.
وجاء في قرار عصبة الامم ان الاكراد اذا لم ينالوا حقوقهم القومية واستقلالهم الذاتي فانهم يفضلون الالتحاق بتركيا على العراق. مع ذلك فإن الدستور العراقي آنذاك لم يتضمن ولا كلمة لحقوق الاكراد او اسمهم. بينما كانت الدولة البريطانية تذكر هذه الحقوق وتبالغ فيها. السبب في هذا الاهمال ان بريطانيا لم تكن قد قررت تشكيل حكومة كردية مستقلة او حتى ادارة مستقلة وانما كانوا يستخدمون الاكراد لتهديد الاتراك عندما كانت مفاوضات لوزان تلاقي مقاومة من الحكومة التركية.
ومن أجل ارضاء الاتراك ترك الانجليز كل حقوق الاكراد. ولكن طوال هذه السيطرة وحتى انتهاء الحرب العالمية الثانية، كان الاكراد يقومون بثورات تحررية استمرت حتى اليوم.
الاستاذ محمد عبدالجبار (العراق): ان في العراق ثلاث اكثريات: الاكثرية العربية، مقابل الاقليات الكردية، والتركمانية، والآشورية. وهناك، ثانيا، الاكثرية الاسلامية، مقابل الاقلية المسيحية. وهناك، ثالثا، الاكثرية الشيعية مقابل الاقلية السنية. وأنا، لحسن حظي اولسوئه، اجمع بين هذه الاكثريات. فأنا عربي، مسلم، شيعي!
ولكن، ما هو اهم من هذه الاكثريات وما يقابلها من اقليات، ان ما يجمع بينهما جميعا امر يفوق هذه التوصيات، الكمية، ذلك هو التوصيف النوعي، اعني به كونكم جميعا بشرا، تجمعهم وتوحدهم، الصفة الإنسانية الواحدة. فالإنسان هو المطلق، والعربي، والكردي، والمسلم والمسيحي والشيعي والسني، نسبيات. والنسبي لا يصادر المطلق ولا يحل محله.
كعربي اقول لا يكفي ان نعتذر الى اخواننا الاكراد عما لحقهم من ظلم على يد الحكومات العربية المركزية المتعاقبة في بغداد. وانما يجب ان نسبقهم الى المطالبة بحقوقهم، وضمانها لهم. وتراثنا العربي والاسلامي يعلمنا ان ننصر أخانا ظالما او مظلوما. واخونا الكردي مظلوم بيد عربية، وعليه، يجب ان تمتد يد عربية اخرى لنصرة الاخ الكردي، ورفع الظلم عنه.
وكشيعي اقول يجمعنا مع الاكراد اشتراكنا في المظلومية التي حلت بنا على يد هذه الدولة العراقية المركبة خطأ منذ سبعين سنة.
وكمسلم مؤمن بالمشروع الحضاري الاسلامي، اقول انه ليس في الاسلام ما يسمح بالتمييز والاضطهاد العنصري او القومي.
البشر، في المشروع الحضاري الاسلامي، امة واحدة في الأصل «خلقكم من نفس واحدة». ولكن عوامل تاريخية، مازالت موجودة، جعلت الناس يتوزعون امما وشعوبا وقبائل. وما كان هذا الاختلاف في الألسنة والالوان الا «آيات للعالمين». وليس هذا سببا للتنازع والتصارع والاقتتال بين الشعوب والامم والقبائل: «لا يسخر قوم من قوم».
انما الصحيح هو التعاون والتكافل بينهم: «يا ايها الناس، انا خلقناكم من ذكر وانثى، وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا، ان اكرمكم عند الله اتقاكم».
والإنسان، مهما كان دينه اولسانه او عنصره، سيد مصيره السياسي والاجتماعي والديني. فلا اكراه في شيء، حتى في الايمان بالله. ونفي الاكراه المطلق هو الاساس المتين لحق تقرير المصير. وهذا ينطبق على الفرد والمجموعات، والشعوب. فلكل إنسان الحق الكامل في ان يقرر مصيره. وهذا هوجوهر إنسانيته.
ولا يرد على حق تقرير المصير بمقولة وحدة الامة، او وحدة الوطن. مع الايمان بأن الوحدتين مقدستان، ينبغي الحرص عليهما. ولكن هذا لا يعفينا، اولا، من تشخيص آية الوحدة، والعلاقة بينها وبين تقرير المصير، ولا يعفينا ثانيا من رسم المعادلة بين مقدس الوحدة، ومقدس الإنسان.
الاستاذ كامران قره داغي (كردي): كردستان واسرائيل، المقارنة ليست جديدة وحتى في الستينات كان البعض يصف كردستان كخنجر في ظهر العرب. و«اسرائيل» الكبرى تستفيد من اقامة كردستان. عملية السلام تسير في اتجاه نحو الحل، وهذا اي كانت صيغته يقضي بتقليص اسرائيل.
لذلك طرح الموضوع بهذا الشكل يثير الاستغراب. ايضا كيف يمكن لاربعة ملايين يهودي ان يقيموا اسرائيل الكبرى وسط 200 مليون عربي او اكثر. موضوع الاسلام في الحقيقة حساس ودقيق. في رأيي السؤال هو: لماذا يتخوف الاكراد مع مشروعات الحركة الاسلامية؟ الاسلام عموما ليس مجرد دين وانما ايديولوجية ايضا. والايديولوجية كلها مخيفة على رغم من انها تتضمن مبادئ واهدافا سامية وإنسانية ولكن في التطبيق العملي يختلف دائما. الاكراد يركزون على ضمانات. ليس امامنا أية تجربة اسلامية ديمقراطية لكي نقنع الاكراد ان الاسلام سيضمن حقوقهم. تاريخ الدولة الاسلامية اضافة الى جانب الامور المضيئة مليء بالظلم والاضطهاد القومي والطائفي ونشر الدين بالسيف. أنا ككردي أخاف من المشروع الاسلامي. ما جرى في الجزائر انتهاك صريح للديمقراطية وما جرى انتهاك على رغم انني لا اتفق مع جبهة الانقاذ. تثار موضوعات يقال انها من الفكر الغربي واعتبار ان الديمقراطية بدعة غربية وان في الاسلام مفاهيم، وكلمات مثل الجعلية. في تقديري ان المسألة ليست في التمسك بهذه المصطلحات.
الاستاذ هاني الفكيكي (قيادي بعثي سابق): ان الولاء للتقليد والموروث الثقافي اقوى وامنع من صخب وضجيج الشعار السياسي. مفهوم الموالي والاعاجم واهل الذمة ساكن في الثنايا ولاتزال اطروحة الشعوبية بشأن تآمر الدول على العرب ولايزال الحديث عن حق الكردي في تقرير مصيره تفوح منه رائحة المنة والمنحة.
وفي منهج حزب البعث الذي تسلم الحكم العام 1963 كنا نرى في الاكراد مصدر خطر على الامة العربية. الفكر العربي يرى ان هذه القوميات دون مستوى الامة العربية. حتى في الظلم كان الظلم على العربي سياسيا - اقتصاديا فقط ولكن للكردي كان الظلم مركبا قوميا - مذهبيا - اقتصاديا - سياسيا. واذا اردنا الحديث اليوم عن الواقع المعاش، لا بد من البحث عن الاستبداد والتصدي له ومحاربته بشكل علني وواضح وصريح. لقد كان قرار البرلمان الكردي في إعلان الفيدرالية تحديا ورفضا للعقل السياسي العربي الذي يصادر الاقوام الاخرى ويستعبدهم. انني كقومي عربي، اشعر بخوف عميق يشدني الى ارثي الثقافي ويعطل لغة الصراحة. هذا الشعور بتقديري خوف من الحرية ومن غياب الحرية في آن واحد.
البحث في مقدسات الفكر العربي ومحرماته وإعادة النظر فيها مهمة ليست من اختصاص الاخوة الاكراد. بتقديري انها مهمة المثقفين العرب وخصوصا في هذه المرحلة اقترح بسبب ما نلمسه الآن من ردود فعل شديدة ضد حق الشعب الكردي ان يتم التصدي الواضح والصريح لبدء عملية هجوم مضاد على الموروث الثقافي الفكري الذي يحمل في جذوره الاستبداد والاستعباد للشعوب الاخرى.
الدكتور حسن الجلبي: الحوار الذي عقدناه وما حققه هذا الحوار من طموحات منظميه قادر على استيعاب الافكار المتعارضة والمتباينة والتي اعتقد انها خرجت بحصيلة مهمة.

فقد ابرز الحوار ان الغلبة للوحدة التي تصنعها الإرادة المشتركة في العيش والتي يمكن ان يعبر عنها بواسطة استفتاءات وانتخابات شعبية.

الإرادة المشتركة هي وليدة الشرعية الدولية بما استقر عليه الضمير القانوني العالمي من بينها ميثاق الامم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان.
الافكار التي استمعت اليها التي تقول الاحتكام الى ما قال الغرب وليس الاسلام امر غير جائز. ما احتكمنا إليه ليس ما قاله الغرب وانما من مصادر متعددة. ميثاق الامم المتحدة وافقت عليه الدول الاسلامية وساهم الاسلام في اعداده. والإعلان العالمي لحقوق الانسان هو حصيلة لتعاون وتمازج للاصول الإنسانية والمنابت والمبادئ السامية ومن بينها الاسلام. وفي الحقيقة ان الاسلام هو من اركان الشرعية الدولية الذي تتعاون معه حتى جمهورية إيران الإسلامية. فإن إيران وغيرها من الدول التي تعلن الاسلام منهجا تقبل وتشارك في هذا العصر. ان المعيار في الإرادة المشتركة له من المرونة التي تمكننا من مواكبة التطورات ونستطيع ان نرقى ونتقدم بالإرادة الحرة. لان الواقع أصبح اليوم للعيش المشترك.
ان العيش المشترك لا يمكن فرضه بالغازات الكيمائية او اي ضرب من ضروب القوة، إذا خرجنا بقناعة من هذا القبيل فإننا خرجنا بشكل يسر ويرضي.
منصور الجمري
31 أكتوبر 1992م



55
عبد الرحمن النعيمي
اليساري الأكثر اعتدالاً:
حين يعجن وسيلته بالغاية
د.عبد الحسين شعبان *
* مفكر وكاتب عراقي

 
-1-


لم أشأ أن أتحدّث عن عبد الرحمن النعيمي "أبو أمل" ماضياً، فقد حاولت قدر الإمكان أن أُقاربه حاضراً وربماً مستقبلاً، انطلاقاً من سيرة وسيرورة إتسمت بالتواضع والاعتدال، مثلما انطبعت بالواقعية والدينامية الفكرية النشطة والمتسائلة.
 ولعلّها المرّة الرابعة التي أتناول فيها جوانب مختلفة من فكر وممارسة عبد الرحمن النعيمي، ففي المرّة الأولى حين أبعدته الغيبوبة قسرياً عن لقاء رفاقه في البحرين، تناولت عشرة محطات جمعتني مع سعيد سيف "عبد الرحمن النعيمي" على نحو ثلاثة عقود ونصف من الزمان، وفي المرّة الثانية بُعيد وداعه في بيروت يوم تم الاحتفال به في دار الندوة، والتي لمّت المناضلين الذين أحبّوه، والثالثة عند تكريمه في المنامة في ظرف ملتبس وعصيب، لاسيّما عندما احتدمت الأمور. وهذه هي المرّة الرابعة حين تحتضن بيروت مقاسمة مع المقاومة، الاحتفاء بعبد الرحمن النعيمي، أحد كبار رموز الحركة التحررية الخليجية بشكل خاص والعربية بشكل عام.
إذا كان لي أن أستذكر حواراتنا المستمرة مع عبد الرحمن النعيمي والتحوّلات التي مررنا بها، ومعنا أخوة وأصدقاء آخرين،  فلا يمكن البدء الاّ مما كان يشغله بشكل خاص وأعني، هزيمة 5 حزيران (يونيو) العام 1967 وما شهدته السنوات التي تلتها من قراءات انتقادية للتجربة بما لها وما عليها، ومراجعات فكرية وسياسية لأبرز التيارات السياسية القومية واليسارية، خصوصاً وإن فعل الهزيمة كان حاداً وصارخاً على المستويين الجماعي والفردي على حد سواء.
كانت حواراتنا أيضاً مع بعض قيادات في الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين وفي الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وشخصيات فلسطينية أخرى، إضافة إلى بعض قيادات يمنية وأخرى عربية، ولم يكن الحوار مع الآخر، سوى حوارمع الذات، وهو الأهم لأنه تواصل ومراجعة ونقد وتصحيح وتصويب. والحوار مع الذات هو حوار مع التاريخ، واستعادة ومراجعة لمنولوجات داخلية ونقدية ووقفات تأملية لفحص الأخطاء الصغرى والكبرى، إنه نوع المحايثة الكثيفة للأنا والأنت وهو جزء من التحقيب المعرفي في إطار تقاطب واختلاف لعقود من الزمان، بين تيارات يجمعها الكثير ويفرقها القليل، لكنها وجدت نفسها في لجّة الصراع متباعدة ومتنافرة لحدّ التناقض.
وعند أول لقاء لنا في عدن، العام 1974وكنت يومها أحضر ندوة عن " ديمقراطية التعليم والإصلاح الجامعي" عرّفني عليه شايع محسن السفير اليمني لاحقاً في لندن، وقد افتتحنا حديثاً بالحوار عن ثورة ظفار، الذي كان عائداً منها. وكنت عند كل لقاء لاحق، ولاسيّما بعد العام 1980 عندما وصلت إلى دمشق أشعر أن الحوار الفكري مع عبد الرحمن النعيمي يفرز حالات امتلاء، وهذا الأخير يفضي إلى التحقق، ويقود ذلك إلى الدلالة، وفيها مواصلة وتعبير عن كثافة حضور وتموقع، والامتلاء نقيض الفراغ وهو استحقاق قائم على وعي الذات، أما التحقق فهو شرط الدلالة الوجودية، وهي رهان على الوجود الإنساني.
ولا شكّ إن تطورات مهمة كانت قد طرأت على فكر وهيكليات الحركة القومية العربية، ولاسيّما حركة القوميين العرب، التي انتقلت من المركزية إلى اللامركزية القريبة من الاستقلالية للفروع والتنظيمات العربية، ومن الشعارات القومية الخمسينية: وحدة، تحرر، ثأر، إلى شعارات الوحدة والحرية والاشتراكية، وكانت صحيفة الحرية اللبنانية، وفيما بعد صحيفة الهدف قد لعبتا دوراً كبيراً في صياغة وعي مرحلة بكاملها، شهدت انطلاقة الثورة الفلسطينية وحركة المقاومة للتعبير عنها.
كان بعضهم يتطور خطوة، خطوة، دون أن يقطع كلياً صلته بالماضي أو يحاول تسويده كلّه، أو يقفز فوق المراحل للانتقال إلى الضفة الأخرى، أو ينتقد خصومه أو المنافسين له من اليسار الكلاسيكي، باعتباره بالياً أو عفى عليه الزمن في إطار توجّه "سوبر يساري"، ولكن مرحلة نهاية الستينيات وبداية السبعينيات شهدت نوعاً آخراً من التطور، فقد أعلنت تنظيمات فلسطينية وعربية غير قليلة عن تبنّيها الماركسية- اللينينية، وإعلان تبرئها من الفكر القومي والبرجوازية الصغيرة، التي أثبتت عجزها وعدم قدرتها على تحقيق أهداف الأمة العربية في التحرير والوحدة وبناء الإشتراكية.

-2-

كان عبد الرحمن النعيمي الأكثر توازناً فيما أحسبه من تطورات طبيعية، فلم تغره تلك التحوّلات السريعة، ومثلما كان النقد للفكر القومي ضرورياً، كان لا بدّ من نقد التيار الماركسي السائد، سواءً في مواقفه من المسألة الفلسطينية، ولاسيّما تأييده اللامبرّر لتقسيم فلسطين ومحاولة أدلجة ذلك أو رفعه شعار إزالة آثار العدوان، ولم يكن من السهولة بمكان إقناع أوساط الأممية الشيوعية بشعار حق تقرير المصير للشعب العربي الفلسطيني الاّ بعد جهود مضنية، وهو ما كنّا نلمسه في علاقاتنا، إذ كان يغلب عليها  الشعار المرحلي التكتيكي "إزالة آثار العدوان"، فضلاً عن الموقف من الوحدة الكيانية العربية، بأشكالها المختلفة، وحتى وإن كانت مسألة عاطفية من جانب بعض القوى التي سرعان ما أثبتت الأحداث عن قطريتها على حساب وحدويتها العروبية، لكن على الماركسيين، وهكذا يُفترض، أن تجد أساساً موضوعياً، إذ أنها تمثّل جوهر ومحتوى التلازم بين القضية الوطنية والقضية الاجتماعية وبين قضية التحرر والعدالة الاجتماعية. لكن التطوّر الذي حصل لدى بعض أطراف وفروع الحركة القومية بإعلانها عن تبنّي الماركسية- اللينينية، جاء ليلتحق بركب الحركة الشيوعية الكلاسيكية، فما كنّا نعاني منه وتركه بعضنا أو احتج عليه أو تململ بسببه بطرق مختلفة، وجدنا من يتسابق معنا إليه وكأنه اكتشاف جديد.
وفي حوار مع قيادات من قوى مختلفة بحضور عبد الرحمن النعيمي، قال لي أحدهم: هل الماركسية- اللينينية حكراً عليكم ولماذا لا تريدون أن ينافسكم فيها أحد، أهي ملكٌ صرفٌ مسجلٌ بالطابو للأحزاب الشيوعية؟!، وذلك ردّاً على سؤالي: لماذا تتسابقون بالإعلان عن تبنّيكم للماركسية – اللينينية كما كانت متداولة، وأقصد بالصيغة التي وصلت إلينا، وهي صيغة كانت قد فقدت صلاحياتها؟ أليس من الأفضل وأنتم في مرحلة تحرر وطني أن تبقى منظماتكم تتسع لتيارات عريضة، وربما كانت مثل هذه الأطروحة أقرب إلى " فتح" منها إلى تنظيمات يسارية فلسطينية.
قلت له جواباً على جوابه: خذوا الماركسية – اللينينية هديّة منّي إليكم، فنحن لم نفلح أن نترجمها على أرض الواقع، ولذلك فشلنا في مواقع غير قليلة، وإذا أردنا أن نعدّد نجاحاتنا، فهي تتعلق بنشر الثقافة الماركسية، حتى وإن كان الأمر بطبعتها غير الصالحة للاستعمال، لكن معها كانت قيم العدالة والمساواة والتآخي بين الشعوب وعدم التمييز والاستغلال ورفض الظلم الطبقي والاجتماعي والدعوة إلى حقوق المرأة وحقوق المجاميع الثقافية، وهو ما يصطلح على تسميته بحقوق الأقليات، على الرغم من أنني أفضل "حقوق المجموعات الثقافية: القومية والدينية واللغوية والسلالية وغيرها"، وتلك مثّلت الحاجة إلى المدنية والحداثة والتقدم الاجتماعي والعقلانية والحريات.
ولكنني لا أخفي عليك كما أردفت: نحن أيضاً تأثرنا بلغة المقاومة الفلسطينية، ومفرداتها بعد العام 1967، وحريتها في النقد، لاسيّما لبعض يقينياتنا ذات الصفة التبشيرية والتعبوية غير العقلانية، وهو الأمر الذي حصل للجميع على ما أظن، فإضافة إلى الموجة العالمية الانتقادية للتطبيقات البيروقراطية الاشتراكية وفروعها فيما أطلقنا عليه بلدان حركة التحرر الوطني بقيادة الديمقراطيين الثوريين، الذين يمكن أن يمضوا بتجربة التطور اللارأسمالي صوب الاشتراكية، كانت المراجعات تتسع لجوانب الفكر والثقافة والأدب وأشكال التنظيم والإعلام وغير ذلك.
وكان مثل هذه الإنتقادات قد لقيت أذاناً صاغية بسبب الحركية الجيفارية وتجسيداتها البطولية وتيارات اليسار الجديد في أوروبا وما بعد مدرسة فرانكفورت والمساهمات الجديدة في حقول الميثولوجيا والانتربولوجيا والنقد الأدبي والجماليات وعلم النفس، ولا شكّ أن السارترية والبنيوية وجاك ديردا وميشيل فوكو وألتوسير من ساهم في وضع أساسات ظلّت راسخة إلى حدود معينة في نقد التركيب الاشتراكي الكلاسيكي لمقوّمات الفكر السائد والعقل السائد.
وقد لعبت مجلة الكاتب المصرية والطليعة المصرية واليسار اللبناني بشكل عام بما فيه الشيوعي ومجلة الحرية والهدف فيما بعد دوراً كبيراً في ذلك، في نشر حوارات متنوّعة، لاسيّما بعد الثورة الطلابية في فرنسا (أيار/مايو) العام 1968.

-3-

لم يكن عبد الرحمن النعيمي ليهدأ أو ينام، فداخل منظومته وأحلامه ورؤاه الفكرية كانت تجري تحوّلات ديناميكية، وأصل الفلسفة كما قيل حوار وجدل، ولذلك كان يميل إليهما، لأنه يجد فيهما بحثاً وتوليداً، ونوعاً من السباحة نزولاً إلى الأعماق أحياناً، وصعوداً فوق التيارات أحياناً أخرى.
لم يكتفِ النعيمي بنقده الذاتي للتوجهات السائدة في الحركة القومية العربية، ولم يكن أيضاً يقبل بالمقولات الجامدة التي درج عليها التيار الماركسي السائد، ولذلك وجد نفسه باستمرار يسعى للبحث والتنقيب، بل والحفر أحياناً بأرض بكر عن مزاوجات طبيعية بين العروبة في إطار يساري، اجتماعي، وهو ما كان قد بدأه نخبة من المفكرين العروبيين من ذوي التوجه اليساري والماركسي.
لقد ظل النعيمي على الرغم من انتقاله إلى مواقع اليسار العقلاني متمسكاً بعدد من الثوابت، لم يحد عنها في منطلقاته الفكرية التي أجرى عليها التعديلات الضرورية ومنها: اعتبار القضية الفلسطينية القضية المركزية، مهما ارتفعت الأصوات: هذا البلد أولاً أو ذاك، فقد ظل في كل جزئياته " فلسطينياً" حتى النخاع وعروبياً حقيقياً في العمق والأداء، وإنْ اعتز بخليجيته وبحرينيته، لكنه لم يكن يشعر بالتكامل الاّ ببعده العروبي والإنساني أيضاً.
وعندما اشتعلت الحرب بين العراق وإيران 1980-1988، كان من المبادرين إلى رفع شعار وقف الحرب فوراً والجلوس إلى طاولة المفاوضات، واعتبر تلك الحرب لا تخدم سوى الامبريالية والصهيونية، وبعد غزو القوات العراقية للكويت في العام 1990 أدان تلك المغامرة، ولكن حينما تجمّعت قوات التحالف الدولي لشن الحرب على العراق، وقف ضد الحرب أيضاً، ولم يهمّه إن كان موجوداً في بلد شارك حينها، في قوات التحالف الدولي لتحرير الكويت، فاعتقل في سوريا وبقي فيها لحين انتهاء الحرب وتحرير الكويت، ولكنه لم يغيّر موقفه، وإنْ ظلّ ضد سياسات بغداد القمعية، لكنه كان ضد الحصار الدولي الجائر ودفع الثمن باهظاً، وعندما وقع العراق تحت الاحتلال، كان موقفه إدانة الاحتلال، الأمر الذي دفع بعض القوى للإفتراء عليه، والسعي إلى تشويه موقفه الوطني والعروبي الحقيقي والمتوازن والمبدئي.
لم تكن الوسيلة الشريفة لدى عبد الرحمن النعيمي تختلف عن الغاية الشريفة التي آمن بها، وإذا كنّا لا نستطيع التحكّم بالغايات، أي بالوصول إليها، لكن يُمكننا التحكّم بالوسائل وخياراتها، ولعلّ ذلك ما كان سيعني التحكّم بالغايات أيضاً من خلال اختيار الوسائل. وإذا كانت الغايات مجرّدة، فالوسائل ملموسة، والأولى تعنى بالمستقبل، أما الثانية فتعنى بالحاضر، الوسيلة هي شرف الغاية، لاسيّما إذا كانت الأهداف متشابهة أحياناً، لكن الفوارق الجوهرية هي في الوسائل، والوسيلة لدى عبد الرحمن النعيمي هي المقياس للغايات والأهداف والأفكار، وتلك مسألة جوهرية وليست عابرة، لأن الوسيلة تتوحد بالغاية، مثلما لا انفصال بين الجلد والجسد.
كان معيار عبد الرحمن النعيمي أخلاقياً، والسياسة لديه ستبدو بشعة وكريهة دون الأخلاق، وبقدر اقترابها من الأخلاق ستكون مؤثرة وفاعلة، ولعلّ أي انتصار حقيقي هو في تحقيق الغايات النبيلة والشريفة، ولكن بوسائل شريفة أيضاً. وبقدر علمانية ومدنية عبد الرحمن النعيمي لم يكن يهمل الظاهرة الدينية وهو من أوائل المثقفين السياسيين اليساريين العروبيين الذين بحثوا في هذه الظاهرة، مثلما أقاموا علاقات مع قوى وتيارات إسلامية أو متأثرة بالإسلام، وقاده ذلك إلى التحالف لاحقاً مع التيار الإسلامي في البحرين في إطار عمل مشترك وتعاون وتنسيق في الانتخابات البرلمانية، كما بذل محاولات طيلة عقدين من الزمان للتقارب مع الجناح الآخر في التيار اليساري "جهة التحرير" سواءً قبل العودة إلى البحرين أو بعدها، عندما تم تشكيل جمعية الأمل وجمعية المنبر الديمقراطي، وكان يعتقد أن جبهة اليسار هي الأولى وحجر الزاوية في جبهة التحالف الوطنية والتقارب مع الإسلاميين الذي كان يدعو إليه.

-4-

وكنت قد توقفت عند موقفه المعتدل والوسطي منذ عقود من الزمان، ولاسيما خلال ندوة للحوار بين التيارين القومي والماركسي، انعقدت في طرابلس (ليبيا) في العام 1984 على ما أتذكر، وحضرها نخبة من القياديين، وجرت فيها مناقشات عميقة حينها حول "الأزمة في حركة التحرر الوطني العربية"، وكم كان مهموماً بتيار عروبي يساري يشكل نواة حقيقية لمراجعة الأزمة البنيوية، ويراجع مسارات الحركة التحررية العربية، لاسيّما التوقف عند التحديات الداخلية والخارجية التي تواجهها بهدف التغلّب على الصعوبات والعراقيل التي تعيق انطلاقتها، وخصوصاً ضعف التوجه الديمقراطي لدى فصائلها وأحزابها.
كان عبد الرحمن النعيمي حالماً، بقدر ما كان واقعياً أيضاً وعملياً في الوقت نفسه، واستحق تقدير واعتراف الجميع من ممثلي الأحزاب والقوى العربية، فقد كان قادراً على تغليب ما هو عام على ما هو خاص، باحثاُ عن المشترك الإنساني واضعاًً قضية التحرر بتلازمها الوطني والاجتماعي، العروبي والإنساني في إطار هارموني. 
والأهم من كل ذلك كان إنساناً يتدفق محبة وإخلاصاً في علاقاته الشخصية والعامة فحظي باحترام لا حدود له في الاتفاق والاختلاف، ولم يدع تلك الاختلافات تكون عائقاً أمام استمرار علاقاته الإنسانية. لم يكن تطور النعيمي سوى تراكمات موضوعية وذاتية وقراءات ومراجعات وتجارب فيها الناجح والمؤثر وفيها الفاشل والسلبي، ولكنه كان يختزن عبراً ودروساً باعتبار النظرية ليست مجردة أو رمادية، لأن شجرة الواقع كانت تغذيها باستمرار وهذا ما آمن به النعيمي كيساري أصيل.





-   في الأصل كلمة ألقيت بتاريخ 15 كانون الأول /ديسمبر 2013 في منتدى عبدالرحمن النعيمي (بيروت) في ذكرى غيابه التي شارك فيها نخبة من الشخصيات الفكرية والسياسية والثقافية العربية.
-   نشرت في مجلة المستقبل العربي التي يصدرها مركز دراسات الوحدة العربية ، العدد 425، تموز/يوليو 2014.
البريد الالكتروني : Drhussainshaban21@gmail.com

56
الجامعة العربية والأزمة العراقية
عبد الحسين شعبان
باحث ومفكر عربي


منذ الاحتلال الأمريكي للعراق العام 2003 ظلّت جامعة الدول العربية متردّدة إزاء علاقتها مع بغداد، خصوصاً وأنها ضعفت منذ احتلال القوات العراقية للكويت العام 1990 وما بعدها، وعلى الرغم من مبادرتها بفتح ممثلية وقبلها استضافة اجتماع يمثّل التجمعات السياسية العراقية بمبادرة من عمرو موسى الأمين العام السابق، لكن اهتمام الجامعة لم يكن ينسجم مع حجم العراق ودوره، واستمرّ الحال حتى بعد الانسحاب الأمريكي من العراق، وإن طرأ تطوّر على هذا الصعيد، لاسيّما بعقد القمة العربية في بغداد العام 2012، لكن المسألة لم تخرج من كونها تقليد بروتوكولي مرّ على نحو خاطف وسرعان ما خفت.
لقد انفجرت الأزمة العراقية اليوم، وعاد العراق مجدداً في دائرة الضوء، لكن اهتمام جامعة الدول العربية به لا يزال محدوداً، ناهيكم عن أن تحركها إزاء الأزمة الراهنة والموقف من داعش ودولة الخلافة الإسلامية، لم يكن بالمستوى المطلوب، فهل تدرك ماذا يعني استيلاء قوات الدولة الإسلامية في العراق والشام " داعش" على الموصل وتكريت والأنبار وتمدّدها نحو مناطق في محافظة كركوك وديالى وتهديدها بالتوجه صوب بغداد؟ الأمر له علاقة بمستقبل الدولة العراقية كلها، خصوصاً وقد ترافق هذا التصدّع مع احتدام الموقف بين بغداد وأربيل بشأن كركوك والمناطق المتنازع عليها، إضافة إلى النفط.
هيمنة داعش على مناطق واسعة من العراق وإعلانها دولة الخلافة الإسلامية، وتسمية أبو بكر البغدادي، خليفة للمسلمين واجب الطاعة، وظهوره العلني يوم الجمعة 4 تموز (يوليو) 2014 لتأدية الصلاة وإلقاء خطبة الجمعة في الجامع الكبير في الموصل، والموكب الكبير الذي رافقه وهو قادم ومغادر وإيقاف خطوط الهاتف النقال، طيلة مدّة وجوده في الجامع، لفت الانتباه إليه عربياً وإقليمياً ودولياً، بل أعاد الاهتمام إلى هذا البلد المحوري في الشرق الأوسط، وأحد مؤسسي جامعة الدول العربية في 22 آذار (مارس) 1945.
وبقدر الاهتمام العربي والإقليمي والدولي، بالأزمة العراقية، فإن اهتمام جامعة الدول العربية لم يكن يوازيه أو يناظره، يكفي أن نقول إن " إسرائيل"، رغم تورطها بالعدوان على غزة في عملية " الجرف الصامد"، فإنها لم تنسَ إرسال عدّة رسائل للإعراب عن ارتياحها لما يحصل في العراق وفي ضعف الدولة العراقية، المهدّدة بالتقسيم، بل إنها دعت صراحة إلى ذلك، حتى وإن غلّفت الأمر بحرصها الزائف على حقوق الشعب الكردي في تقرير المصير وإقامة الدولة الكردية، وهو كلام حق يراد به باطل.
فلو حرصت " إسرائيل" على حقوق الشعوب لكانت أول من بادر للاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني، ولاسيّما حقه في تقرير المصير وإقامة دولته الوطنية وعاصمتها القدس وإعادة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم وتعويضهم طبقاً للقرار 194 لعام 1948، وهو ما يمثّل الحد الأدنى من الحقوق الفلسطينية التي يعترف بها القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، لكن نفاق "إسرائيل" يقصد شيئاً آخر، ألا وهو تفكيك العراق وأي بلد عربي يمكن أن يشكّل اليوم أو غداً أو بعد عقود من الزمان " عقبة" أمام مشروعها الامبراطوري القاضي بإقامة "دولة من النيل إلى الفرات" .
وإذا كان العالم قد انشغل بالأزمة العراقية الراهنة، ابتداءً من واشنطن التي أرسلت 300 مستشاراً وإيران التي أعلنت استعدادها للدفاع عن الأماكن المقدسة وأبدت مرونة بشأن تفاهم أمريكي – إيراني بخصوص العراق، وتركيا التي تقف داعش على حدودها وهي تقيم علاقات خاصة مع إقليم كردستان حيث تتشابك مصالحها النفطية والاقتصادية، ودول الخليج، ولاسيّما المملكة العربية السعودية التي أدرجت داعش على لائحة المنظمات الإرهابية وتابعت تطورات الأزمة الراهنة بغض النظر عن علاقتها السلبية مع بغداد، ودعت إلى حكومة عراقية جامعة، وحتى سوريا التي تعاني من حرب أهلية واقتتال، لم توفّر التنسيق مع بغداد كما يبدو من التعاون بخصوص قصف بعض مواقف الإرهابيين على الحدود، إضافة إلى تصريحات الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بشأن خطر التفكك والانقسام، وإرسال وزير خارجيته سامح شكري لزيارة سريعة إلى بغداد في رسالة إلى موقف القاهرة المؤيد لبغداد، ولكن أين موقف جامعة الدول العربية التي لا تزال تنتقي عبارات التنديد بحذر شديد؟
لعلّ جامعة الدول العربية لا تدرك حقيقة خطورة الموقف حتى الآن، ذلك إن الفشل في العراق وانقسامه سينعكس على جميع البلدان العربية، نظراً للدور المحوري للعراق، مثل مصر ومثل سوريا؟ ألم تؤثر الأزمة السورية على عموم دول المنطقة؟ وفي الوقت الذي كانت معاناة الشعوب العربية تتعاظم وتتضاعف بشأن التجاوز على حقوقها وحرياتها كانت جامعة الدول العربية تتذرع بميثاقها الذي يحرّم التدخل بالشؤون الداخلية ويؤكد على احترام السيادة، ولا يتناول من بعيد أو قريب مسألة الدفاع عن حقوق الإنسان، تلك التي وردت في ميثاق الأمم المتحدة 7 مرات، وبما أن الدول العربية جميعها أعضاء في هيئة الأمم المتحدة، وبعضها مؤسساً فيها كما هو العراق، كان ينبغي تعديل ميثاق جامعة الدول العربية ليستجيب للتطور الدولي على هذا الصعيد ولينسجم مع قواعد القانون الدولي المعاصر، ولاسيّما القانون الدولي لحقوق الإنسان ولميثاق الأمم المتحدة.
لقد تقدّمت أكثر من دولة لتعديل ميثاق جامعة الدول العربية، وذلك على مدى عقود من الزمان، وانعقدت ندوات أكاديمية وبحثية بعضها لمركز بحثي ريادي ورصين وهو مركز دراسات الوحدة العربية الذي نظم ندوتين بخصوص جامعة الدول العربية الأولى في اليمن في العام 1989 وبعنوان  “جامعة الدول العربية: الواقع والطموح”  والثانية في بيروت في العام 2003 والموسومة " من أجل إصلاح جامعة الدول العربية"، لكن جامعة الدول العربية ظلّت بميثاقها الحديدي ونظام التصويت قائمة وكأنها جزء من تراث الماضي، في حين يحتاج الأمر إلى إرادة سياسية لإعادة النظر بالميثاق ليستجيب للتطور الدولي.
وحتى الميثاق العربي لحقوق الإنسان، الذي تقرّر إبرامه بعد طلب من الأمم المتحدة بإنشاء لجان دائمة، عشية مؤتمر طهران الأول لحقوق الإنسان العام 1968، وتم الشروع عملياً بتشكيل لجنة لغرض إعداده، إلاّ أن اللجنة ومعها جامعة الدول العربية كانت تنام وتستيقظ لمدة 23 عاماً حتى أنجزت  الميثاق في العام 1994، وذلك بعد مؤتمر فيينا العالمي العام 1993، وهو المؤتمر الذي دعا من خلال وثيقته المهمة إلى الامتثال للمعايير الدولية لحقوق الإنسان والعمل على بلورتها من خلال برامج وفعاليات لإدماجها في النسيج الوطني عبر تشريعات ومناهج وهيئات.
لكن ما تم الاتفاق عليه لم يدخل حيّز التنفيذ بسبب تحفظات لعدد من الدول العربية، وأعيد بحث موضوع الميثاق بمبادرات ساهم فيها المجتمع المدني العربي، حتى أقرّ في العام 2004 ودخل حيّز التنفيذ في 15 آذار (مارس) 2008، لكنه بقي بحاجة إلى تفعيل وتطوير، وبإعادة النظر بميثاق جامعة الدول العربية أساساً.
كلّما حدثت أزمة عربية سياسية جرى الحديث عن أزمة الجامعة، وكان الأمر حاداً وصارخاً، بشأن دورها إزاء الأزمة السورية، وبتبنيّها وانخراطها في مشروع دولي كان في جزء من حيثياته فرض حصار على سوريا، وهو دور وموقف تجاوز ميثاقها كثيراً، فكيف يمكن الموافقة على الحصار وإضعاف الدولة التي لا بدّ من مطالبتها باحترام حقوق الإنسان ووقف القمع ضد الأنشطة والفاعليات المدنية والسلمية وللسكان المدنيين الأبرياء، والأمر مثله يتطلّب ضد أي انتهاك لوحدة الدولة وضد أي خرق من جانب جماعات مسلحة لحقوق الإنسان وتحت أي عنوان، لتقسيمها أو تفكيكها.
خلال هجوم داعش اكتفت جامعة الدول العربية في العراق بموقف دبلوماسي حين حذرت من خطورة تفاقم الأوضاع الأمنية في العراق، مؤكدة أنها تتابع بقلق بالغ هذه التطورات وتجري اتصالات مع مختلف الأطراف، وكان عليها اتخاذ موقف حازم إزاء إعلان تنظيم داعش " الدولة الإسلامية للعراق والشام" الخلافة واختيار أبو بكر البغدادي خليفة للمسلمين، واجب الطاعة، وأن تطالب جميع الدول الأعضاء اتخاذ الموقف ذاته، وأن تدعو مجلس الجامعة للاجتماع على مستوى وزراء الخارجية العرب، وعدم الاكتفاء بالعبارات الروتينية حول خطورة الموقف وإصدار تحذيرات والقلق إزاء تطورات الأوضاع.
وعليها أن تعلن وقوفها إلى جانب بقاء الدولة العراقية موحّدة  مثلما تطالبها بإقامة حكومة شراكة جامعة وحلّ المشكلات بالطرق السلمية وعدم اللجوء إلى القوة وبالتوافق، ومن واجبها أن تطالب الجميع بضرورة التوصل إلى اتفاقيات في إطار الوحدة الوطنية، بغض النظر عن الرئيس والمرؤوس والمركز والإقليم، آخذة بنظر الاعتبار الاستحقاقات الدستورية أيضاً.
ومن الضروري بذل جهد عربي موحد تكون جامعة الدول العربية رائدة ومنسّقة فيه بخصوص التعاون للقضاء على الإرهاب لأن خطره لا يخص العراق وحده، بل أن شروره ستمتد إلى دول المنطقة جميعها، وعلى جامعة الدول العربية التنسيق مع الأمم المتحدة ودول مجلس الأمن الدولي بخصوص تهيئة مستلزمات مكافحة الإرهاب في المنطقة، بالتعاون والتنسيق على جميع الصعد.
لقد عجزت الجامعة حتى الآن من تنظيم اجتماع عاجل لوزراء خارجية الدول العربية لمناقشة الأزمة ومخاطرها والسبل العملية لمواجهتها. وكانت القمة العربية لعام 2012 المنعقدة في بغداد قد اتخذت قراراً بحظر الترويج الإعلامي للمجموعات المتطرّفة والإرهابية وهو مدخل بحاجة إلى تفعيل وتطوير. وعلى جامعة الدول العربية أيضاً وبالتعاون مع مفوضية حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة العمل على توفير المساعدة للعوائل المهجّرة والنازحة بسبب استيلاء داعش على الموصل والأنبار وتكريت وقضاء طوز خورماتو في كركوك ومناطق عراقية أخرى، وتقدّر هذه بمئات الآلاف.
ولم يكن اجتماع المندوبين الذي صدر عنه موقف عمومي اتسم بالدعوة إلى حفظ الاستقرار ووحدة الصف العراقي ميدانياً وسياسياً والقضاء على الإرهاب ونبذ العنف والطائفية، سوى كلمات مواساة ومجاملة، في حين أن ما ينتظر من جامعة الدول العربية شيئاً آخر، وإلاّ لماذا هي جامعة الدول العربية؟.




57
غــــــــــزة.. ثقافة المقاومة وثقافة الاحتلال!
عبد الحسين شعبان
باحث ومفكر عربي

بدأت الحرب "الإسرائيلية" الجديدة ضد غزة وهي الحرب الثالثة خلال ست سنوات، ففي المرّة الأولى أطلقت عليها "إسرائيل" اسم عملية " الرصاص المصبوب" واستمرت 22 يوماً منذ أواخر العام 2008 وأكثر من نصف شهر كانون الثاني (يناير)2009، وجاءت هذه الحرب بعد حصار شامل ضد غزّة منذ العام 2007. أما الحرب الثانية والمعروفة باسم "عمود السحاب" فقد شنّتها "إسرائيل" في العام 2012، وهذه الحرب الثالثة بدأتها "إسرائيل" تحت عنوان " الجرف الصامد".
استهدفت الحروب الثلاثة القضاء على جذوة المقاومة وتفكيك بنيتها التحتية، وإجبارها على الركوع والتسليم بما تريده " إسرائيل" الاّ أنها في كل مرّة كانت تصطدم بثقافة التحدّي والتمسّك بالأرض والحقوق، وتضطر للعودة خائبة، رغم الخسائر والدمار الذي تلحقه بالمقاومة، وفي الوقت نفسه تزداد المقاومة ثقة بنفسها وبعدالة قضيتها وإصرارها على استحصال حقوقها كاملة وغير منقوصة، بما فيها الحق في تقرير المصير وإقامة الدولة الوطنية وعاصمتها القدس الشريف وعودة اللاجئين الفلسطينيين وتعويضهم طبقاً للقرار 194 لعام 1948.
وإذا سألنا عن السبب في شن "إسرائيل" هذه الحروب جميعها، فسنكتشف أن "إسرائيل" والصهيونية لا تحتاجان إلى سبب أو مبرر لشن الحرب، بل إن هذه الحروب هي من طبيعتها العدوانية العنصرية، منذ نشأتها في 15 أيار (مايو) 1948 على الرغم من تعهدها للمجتمع الدولي، باحترام حقوق الإنسان، كشرط لقبول الأمم المتحدة عضويتها، لكنها خلال ستة عقود ونيّف من الزمان وضعت ذلك جانباً وضربت عرض الحائط كل إلتزاماتها الدولية، ومارست نهجاً عدوانياً وعنصرياً ثابتاً، سواءً في مجازرها التي ارتكبتها في دير ياسين وكفرقاسم ومدرسة بحر البقر ومعمل أبو زعبل والمسجد الأقصى وجنين ونابلس والخليل وغيرها، أو في حروبها المتكررة ضد الأمة العربية، كما هي مشاركتها في العدوان الانكلو- فرنسي على مصر العام 1956 أو شن عدوانها ضد مصر وسوريا والاردن في العام 1967، أو في اجتياح لبنان وصولاً للعاصمة بيروت العام 1982 أو في حربها ضد لبنان في محاولة لتدمير الجنوب في العام 2006 أو في حروبها ضد غزة وهكذا غدت "إسرائيل"  بؤرة للعدوان المستمر.
"إسرائيل" لم تظهر ولو لمرّة واحدة رغبة في العيش خارج نطاق العدوانية المتأصلة كسلوك سياسي لدولة لا تعرف غير الوحشية ، وقد برّرت عدوانها ووحشيتها هذه المرّة بخطف ثلاثة مستوطنين وقتلهم في الضفة الغربية، حيث ردّت السلطات "الإسرائيلية" بحملة اعتقالات واسعة، وقصف غزة، في حين أقدم مستوطنون بخطف محمد أبو خضير الفتى الفلسطيني وحرقه حتى الموت، وهو الأمر الذي قاد إلى حراك شعبي فلسطيني، سواء في منطقة الخط الأخضر (المحتلة) منذ العام 1948 أو في القدس أو الضفة الغربية، مثلما أثار غضب سكان غزّة المحاصرين منذ سنوات.
وإذا كانت الثقافة العدوانية العنصرية وراء حروب "إسرائيل" والصهيونية ضد غزة، فإن ثقافة المقاومة أصبحت متأصلة لدى الشعب العربي الفلسطيني، بل إنها القاسم المشترك الأعظم لسكان فلسكين في مناطق الـ 48 أو في الضفة والقطاع أو بلدان الشتات، ولولا ثقافة المقاومة لكانت القضية الفلسطينية قد بقيت بالأدراج، وتحوّلت يوماً بعد يوم إلى قضية لاجئين لهم الحق في المساعدة الإنسانية، في حين أن ثقافة المقاومة جعلتهم يرتقون إلى مصاف الشعوب المطالبة بحقها في تقرير المصير وإقامة الدولة باعتباره حق أساسي غير قابل للتصرّف، وهو حق يقرّه القانون الدولي ويتضمنه ميثاق الأمم المتحدة وقرارات هيئاتها استناداً إلى الشرعة الدولية لحقوق الإنسان وإعلان تصفية الكولونيالية وفقاً للقرار 1514 لعام 1960 والعديد من القرارات الدولية.
في العام 2008 بدأت "إسرائيل" عدوانها بعد الحصار على غزة عقاباً على فوز حماس في الانتخابات. وفي العام 2012 أرادت تفكيك البنية التحتية العسكرية للمقاومة، أما في الوقت الحاضر فقد كان اتفاق المصالحة بين حماس وفتح هو السبب الحقيقي وراء عدوان  "إسرائيل"، فقبل أسابيع من احتدام الموقف تحققت مصالحة بين سلطة غزة والسلطة الوطنية الفلسطينية في رام الله، وتشكّلت حكومة تكنوقراط، وهو الأمر الذي لم يرضِ إسرائيل، بل لقي معارضة شديدة منها وشروطاً على السلطة الفلسطينية لفك ارتباطها مع حماس، وجاء حادث المستوطنين الثلاثة الملتبس ليكون الشرارة التي أحرقت السهل كلّه كما يقال، خصوصاً وأن "إسرائيل" التي لا تحتاج إلى مبرر، وجدت "مبرراً" وإن كان مفتعلاً ومريباً، ترفض بشكل قاطع الربط بين الضفة الغربية وقطاع غزة بأي ثمن، ولذلك ظلّت تمارس سياسة الاستيطان في الضفة على قدم وساق، إضافة إلى بناء جدار الفصل العنصري، لكي تصبح الوحدة الفلسطينية مستحيلة.
إذا كانت "إسرائيل" تتمسك بيهودية الدولة كغطاء آيديولوجي وتسعى لطرد سكان الأراضي المحتلة والتشجيع على بناء المستوطنات، وبالنتيجة تقليص الوجود العربي إلى أبعد حد، فكيف تقبل بإعادة الوحدة الوطنية الفلسطينية وإعلان اتفاق بين حماس وفتح؟ خصوصاً بعد فشل اتفاقيات أوسلو لعام 1993 ووصول المفاوضات الفلسطينية – "الإسرائيلية" إلى طريق مسدود، وأن أفق الدولتين كما أرادته واشنطن منذ موافقتها عليه في نهاية ولاية الرئيس كلينتون اصطدم بعقبات تحول دون تنفيذه بسبب تعنّت "إسرائيل"، ولذلك فإن عملية "الجرف الصامد" جاء لتخريب ما هو قائم ولضرب أية جهود ترمي للتقارب الفلسطيني، وقد تؤدي تلك الأوضاع إلى انطلاق انتفاضة فلسطينية ثالثة، هي الأكثر قلقاً لـ "إسرائيل"، لأنها ستكون حرباً مفتوحة ضدها، ولعلّ رد المقاومة الفلسطينية اليوم على عدوان "إسرائيل" التي تهدّد بالاجتياح البري، احتمال التحوّل إلى حرب طويلة الأمد، الأمر الذي يهدّد المجتمع الإسرائيلي برمته!.
يقول أحمد عوني بلعوشة وهو مثقف فلسطيني من غزة (كاتب وصحافي) كيف يمكن لإنسان أن يقتل إنساناً ويضيف لقد تعاملت معنا بعض الوسائل بصفتنا أعداداً، على الرغم من أن لكل فلسطيني حكاية خاصة، عاش بحذافيرها وتفاصيلها الصارخة.
لقد استخدمت "إسرائيل" جميع الأسلحة المحرّمة دولياً، وانتهكت كامل منظومة حقوق الإنسان، لكنها ظلّت أمام المجتمع الدولي، تظهر كأنها دولة "مغلوبة" وهي تقول بالدفاع عن النفس، هذه الحجة الواهية التي تتشبث بأهدابها في كل عدوان، وهي الكذبة التي حاول حلفاء "إسرائيل" تكرارها مئات المرات، ولكن على نحو ممل ومقرف، فمن يقوم بالعدوان ويطرد شعباً من دياره ويحلّ محله ويمارس العدوان ضده، يريد حجب حقه في المقاومة الذي هو حق يكفله القانون الدولي، لاسيّما من أجل تقرير المصير والتحرر ونيل الاستقلال.
بهذا المعنى يذهب مثقف فلسطيني آخر إلى كشف ذريعة "إسرائيل" بالدفاع عن النفس، ويقدّم فعل المقاومة الحقيقي "دفاعاً عن النفس"، ويعتبره المشهد صورة تراجيدية لما تبدو عليه غزة، وهي فتاة جميلة خطفها الوحش وحبسها بين جدران صماء بلا أي مقوّمات للحياة، ويريد أن يأتيها وقتما يحلو له فيمارس ساديته ويمزّق جسدها ويغتصبها ولا حق لها في الصراخ، وكلما صرخت لامها العالم كله على الازعاج الذي تسببه، وحين أقلعت عن الصراخ، وباتت تنشب أظافرها في "الغوريلا" علا صراخ الوحش وساندته كل الوحوش الأخرى...
 ويمضي المثقف الفلسطيني شجاع الصفدي إن ما يحتاج إليه المثقف هو شحذ الأسلحة الفكرية والإعلامية (المقاومة) لمحاربة الجرائم الصهيونية، ويضيف عدم الانشغال بالخلافات، فالاحتلال ذاته توحّد خلف حكومة متطرفة داعماً مواقفها، ويطرح الصفدي مسألة مقاضاة إسرائيل بنقل صورة وأدلة وترجمات موثقة لجرائمها.
أمّا الشاعرة سميّة السوسي فتؤكد على أهمية الانترنيت ومواقع التواصل الاجتماعي (الفيسبوك والتويتر) في توثيق الانتهاكات وتعتبر الكلمة وإيصالها إلى أكبر قدر من الناس لفضح جرائم الاحتلال ودحض روايته الكاذبة، مهمة ضرورية.
ويتحدث الكاتب وسام عويضة عن الموت البطيء: الحكاية لا تقف عند مجرد القصف والقذائف والحرب والموت، فثمة موت أبطأ يتمثل في طول الحصار وسجن أكثر من 180 ألف فلسطيني على مدى هذه السنوات في حصار يعرف قتل أرواح الناس وأحلامهم، وهو أمر عانى منه العراقيون في أعوام 1991 ولغاية الاحتلال العام 2003.
ويذهب محمد الزقزوق لاعتبار الحرب تجسيد لفكرة الموت التي تأخذ أشكالاً متعددة، ويقول. الاختلاف في شكل الأشلاء التي يأخذها الصاروخ، ويضيف لسنا كائنات خارقة تجمع أشلاء أطفالنا من الشوارع .
ويؤكد أحمد يعقوب أنها حرب إبادة، فغزّة لا يوجد فيها ملجأ عام يمكن أن يحتمي فيه الأطفال والمسنّون والمرضى ولا يوجد جيش كبقية الجيوش، ومع أن المثقف صمام أمان البوصلة والضمير والوجدان، فإن أزمته جزء من أزمة النظام السياسي بشقيه السلطوي والمعارض. إن "إسرائيل" قوة عمياء ومن الحق المشروع والمقدس مقاومتها ومقاومة الاحتلال.

الأصل في هذه المادة، مقالة نشرت في الملف السياسي لجريدة اليوم السعودية ، الجمعة 18/7/2014 بعنوان: "إسرائيل" تصطدم في غزة بثقافة التحدي والتمسك بالأرض والحقوق

58
ماذا نقرأ في خطاب الخليفة الداعشي؟

عبدالحسين شعبان
 
على نحو مفاجئ، أعلن ما يدعى تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام "داعش"، قيام دولة الخلافة الإسلامية، التي مضى عليها ما يزيد على تسعة عقود من السنين، منذ الإطاحة بالدولة العثمانية، وتوجّه الإعلان المذكور بتسمية المدعو أبو بكر البغدادي (ابراهيم عواد ابراهيم علي البدري السامرائي)، خليفة المسلمين تقتضي طاعته من الجميع، لأنه "ولي الأمر".
البغدادي أو خليفة المسلمين المزعوم، ظهر على نحو مفاجئ، يوم الجمعة 4/7/2014 في جامع النوري الكبير في الموصل للصلاة وإلقاء خطبته "التاريخية"، وكان قد تم الاستيلاء على الموصل بعد غزوته يوم 10 حزيران (يونيو)2014، والموصل كما هو معروف كمحافظة تبلغ مساحتها 14411 كم2 ويقدّر عدد سكانها بنحو أربعة ملايين نسمة، ومدينة الموصل وحدها تزيد على مليون وسبعماية ألف نسمة، وغالبية سكانها من المسلمين ومن العرب، وفيها أقلية كردية ازدادت خلال السنوات الأخيرة، وأقلية مسيحية في عدد من القرى والبلدات مثل القوش وتكليف وباطنايا وغيرها من مناطق سهل نينوى.
قبيل وصول البغدادي إلى الجامع المذكور، تم تعطيل جميع وسائل الاتصال بنحو ساعة، واستمر الحال كل فترة وجوده في الجامع، وحتى بُعيد خروجه بموكب كبير، حيث رافقته العديد من السيارات المصفّحة وسيارات الدفع الرباعي، ولم يسمح للناس بمغادرة الجامع إلاّ بعد فترة زادت على عشر دقائق.
بدا البغدادي مهيباً ومتماسكاً وتحدّث بلغة الخليفة فخاطب الجمع: إذا رأيتموني على حق فأعينوني وإذا رأيتموني على باطل فانصحوني، وهو بذلك يستعيد أو يستذكر الخليفة عمر بن الخطاب: أيها الناس من رأى منكم فيّ اعوجاجاً فليقوّمه!!
جدير بالذكر أن الولايات المتحدة التي كانت تعتقل أبو بكر البغدادي في سجن بوكا، وأطلقت سراحه في ظروف غامضة، وتثير الكثير من الالتباس، عادت ووضعت مكافأة قدرها 10 ملايين دولار لمن يساعد في إلقاء القبض عليه أو يبلّغ عنه، وذلك عشية انسحابها من العراق في تشرين الأول (اكتوبر) العام 2011، وأطلقت عليه صفة "الإرهابي"، وذلك بعد مقتل زميله أبو عمر البغدادي قائد تنظيم "القاعدة في بلاد الرافدين" (نواة داعش) ومساعده أبو حمزة المهاجر، اللذين قتلا في العام 2010.
فهل غفلت أجهزتها الاستخبارية عن هذا الحضور العلني، ذلك أنه يفترض أن واشنطن تركت بصماتها في العراق الذي احتلته العام 2003، وعرفت خباياه وزواياه وتفاصيل الدولة بكل جوانبها، لا سيّما العسكرية والأمنية، فكيف يستطيع البغدادي الظهور بكل هذه الأريحية ويتمكن من التنقّل والاختباء، ومن ثم ممارسة مهماته القيادية دون رصد أمريكي؟
لعلّ وصول البغدادي إلى جامع النوري وهو مصحوب بهذا العدد الهائل، وفي موكب استعراضي، إضافة إلى الفريق الفني والإخراجي الذي كان داخل الجامع والتصوير الدقيق وقطع الاتصالات، يثير الكثير من الاستفهام حول دور الأجهزة الأمريكية الاستخبارية، وفي الوقت نفسه يثير الشكوك الكبيرة حول دور أبو بكر البغدادي، لاسيما ما كشفه إدوارد سنودن الأمريكي المتعاقد لدى وكالة المخابرات المركزية CIA سابقاً، حين يشير إلى أن وكالة الأمن القومي الأمريكي وبالتعاون مع نظيرتيها البريطانية M16 والموساد الإسرائيلي ساهمت في إنشاء تنظيم إرهابي قادر على استقطاب المتطرفين من جميع أنحاء العالم، في مكان واحد، يرمز إليه بعش الدبابير، ويرفع هذا شعارات إسلامية ضد الإسلام الحقيقي المتسامح، إنه "إسلام التكفير" الذي يرفض أي فكر آخر أو منافس له، لذلك ما أشيع حول تحديد 50 جلدة لمن لا يبايع البغدادي، إنما هو أمر ينسجم مع أطروحات هذا التنظيم وآيديولجيته ومنهجه الإلغائي الاقصائي.
وإذا كانت معركة داعش لا تستثني أحداً، ومساحة الجغرافيا التي تتحرك فيها تمتد من سوريا ولبنان والعراق وإيران والاردن ودول الخليج إلى العالم كله، لأن حسب وجهة نظره هي حرب عالمية ونصر من الله في مشارق الأرض ومغاربها على حد تعبيره، فالغريب في الأمر أن الداعشي الكبير البغدادي لم يذكر اسم رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي، وحتى وإنْ حاول الظهور بمظهر الواثق والاستراتيجي الذي تشغله القضايا الكبيرة، لكنه جاء على ذكر الملوك حين قال لا أعدكم كما يعد الملوك والحكام أبناءهم ورعيتهم من رفاه وأمن، وترافق مع ذلك هجوم انتحاري، نفذه انتحاريان على الحدود السعودية مع اليمن.
حاول البغدادي استعراض مهارته الخطابية، وحجم معلوماته الدينية، إضافة إلى قدرته على الحفظ والأداء، باعتباره خليفة للمسلمين، فأكثر من استخدام الآيات القرآنية، مستغلاً شهر رمضان، مستذكراً مصطلحات الفتح والنصر والجهاد التي جاء على ذكرها عدداً من المرات.
طرح البغدادي مشروعه الآيديولوجي - السياسي، والمقصود بذلك إقامة دولة الخلافة الإسلامية، وإن كان قد حاول إبداء نوع من التوازن بين الترغيب والترهيب، بالحجة والاقناع أو بالسيف والعنف "الكتاب يُهدي والسيف ينصر".
إن الاستيلاء على الموصل، وظهور البغدادي على منصّة الخطابة وسط حشد من الناس؛ يعني انتقال استراتيجية داعش من خطتها التي عملت عليها لسنوات غير قليلة، والتي تقوم على المداهمات والتفجيرات والمفخخات وإحداث ما تستطيع من أذى بالدولة العراقية ورعب بالمجتمع العراقي مادياً ومعنوياً، اجتماعياً واقتصادياً، وسياسياً ونفسياً، وذلك هدف أي جماعة إرهابية، ولكن داعش ذات التنظيم الحديدي والحركة الزئبقية انتقلت إلى استراتيجية الاستيلاء على الأراضي ووضع اليد على الإدارات والمؤسسات والمرافق والبقاء فيها والتمدّد بعدها إلى احتلال مناطق جديدة، وصولاً إلى إعلان "الدولة الإسلامية" وتسمية خليفة للمسلمين الواجب طاعته، وفرض قواعد حكم تنسجم مع التوجهات الآيديولوجية "الإسلاموية" لداعش، كتنظيم متطرف وفكر متعصب، لا يؤمن إلّا بالعنف ويخوّن الجميع، ويكفّر من لا يدين بالولاء له.
تأتي استراتيجية داعش الجديدة بالانتقال من أعمال الإرهاب والعنف العشوائية، التي تستهدف ساحات عامة ومناطق تجمع سكاني، وأسواقا ومحالا تجارية ومدارس وجوامع وكنائس، إلى استراتيجية احتلال مناطق جغرافية واسعة وإدارتها، والامتداد خارجها، والتهديد بالتوجّه إلى بغداد، وذلك في تطوّر جديد وغير مسبوق.
قد يكون استبدال استراتيجية داعش من الإرهاب المباشر إلى السيطرة على مناطق واسعة وإعلان دولة الخلافة الإسلامية الواجبة الطاعة، جاء بسبب الشعور بهشاشة الكيانية الرخوة للدولة العراقية، وبلوغها درجة من التفكك ناجمة عن الانقسام السياسي من جهة، وتفلّت اقليم كردستان من هيمنة الدولة الاتحادية، إضافة إلى تصديره للنفط دون موافقة بغداد، من جهة ثانية، إضافة إلى اتساع نطاق حركة الاحتجاج في العديد من المحافظات، مستقطبة مطالب شعبية ومشروعة في الغالب، في حين ظلّت الحلول المطروحة لتلبية تلك المطالب قاصرة ومبتورة، وفي أحسن الأحوال لم تكن مرضية أو مقبولة من جانب فئات واسعة في العديد من المحافظات المعترضة، وخصوصاً في غرب العراق وشماله ذات الأغلبية السنّية.
الخشية اليوم هي في تفكّك الدولة العراقية، التي أطيح بالعديد من مؤسساتها بفعل الاحتلال الأمريكي العام 2003، واستمرت كيانيتها في حالة من الانقسام لدرجة التشظي أحياناً، بفعل المحاصصة المذهبية والإثنية ونظام التقاسم الوظيفي، الذي كرّسه بول بريمر، سواء في قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية لعام 2004 أو في الدستور العراقي الدائم في العام 2005، الذي قام على ما سمّي بالمكوّنات، في حين تقوم الدولة الديمقراطية العصرية في العالم -وعلى اختلاف مستوياتها- على مبدأ المواطنة بالاستناد إلى المواطنين الأفراد وحقوقهم، وليس على اعتبارات أخرى.
وباتت الدولة اليوم مهدّدة وتحت ضغط عاملين، الأول: هو جنوح إقليم كردستان باتجاه توسيع صلاحياته التي هي أقرب الى الكونفدرالية، وصولاً إلى كيانية مستقلة، وهو ما عبّر عنه رئيس الاقليم مسعود البارزاني بقوله: إن ما حدث في العراق خلال الأيام الماضية خلق واقعاً جديداً، وإن الأحداث أكّدت أن الشعب الكردي عليه أن يغتنم الفرصة الآن ويحدد مستقبله، وانعقدت النيّة على إجراء استفتاء بشأن حق تقرير المصير الذي سبق أن صوّت وكذلك استفتاء بخصوص كركوك لتخيير سكانها بين الانضمام إلى اقليم كردستان أو البقاء في وضعها السابق.
أما ضغط العامل الثاني، فهو ارتفاع المطالبات في المناطق الغربية من العراق وشماله بالتحوّل إلى أقاليم وفقاً لصيغة إقليم كردستان، وهو الأمر الذي جاء على ذكره الدستور، وذلك " أملاً" من سكان هذه المناطق بالتحلل من القبضة القوية للحكومة الاتحادية، والتمتع بصلاحيات حكم أنفسهم بأنفسهم في إطار "استقلالية" أشبه "باستقلالية" إقليم كردستان.
باحث ومفكر عربي



59
نصرٌ لـ ”إسرائيل” أم هزيمةٌ للأمم المتحدة؟

أثار تصويت 74 دولة من بين 159 بالجمعية العامة للأمم المتحدة لصالح "إسرائيل" بانتخاب مردخاي أميهاي نائباً لرئيس اللجنة الرابعة لتصفية الاستعمار التابعة للأمم المتحدة، جدلاً مستفيضاً على المستوى الدولي القانوني والدبلوماسي والسياسي، وفي أروقة الأمم المتحدة وخارجها، وفي إطار المجتمع المدني، إذ إن لمثل هذا التصويت دلالات سياسية وقانونية وأخلاقية، فكيف اختار ما يسمّى بالمجتمع الدولي، دولة عنصرية لا تزال تمارس نهجها الاستعماري الاستيطاني منذ قيامها العام 1948 عبر سياسات الإجلاء والتهجير للشعب العربي الفلسطيني وبناء المستوطنات على أرضه ومنع شعبه من حقه في تقرير المصير والعودة إلى وطنه، لمثل هذا المنصب؟
الدلالة الأولى هي التعارض الشديد بين مبادئ وميثاق الأمم المتحدة وبين قراراتها أحياناً، فضلاً عن التعارض مع القواعد العامة الآمرة للقانون الدولي المعاصر، فقد مثّل قرار اختيار "إسرائيل" سابقة خطيرة، فكيف لدولة تنتهك حق شعب آخر وتحتل أراضيه، تصبح في عداد الدول الراعية لتصفية الاستعمار وهي مستعمِرة؟ وكان الأجدى بالجمعية العامة الطلب من "إسرائيل" التعهد بإنهاء احتلالها، والقيام بما يدعم ذلك عبر التزامات محدّدة أمام المجتمع الدولي، وعلى الأقل تنفيذاً لقرارات الأمم المتحدة ذاتها .
الدلالة الثانية انكشاف زيف دعوات الكثير من الدول، وخصوصاً الدول الغربية التي تتشبث ليل نهار بقيم الحرية والعدالة والسلام وحقوق الإنسان، فكيف تؤيد دولة محتلة في إشغال منصب يتعلق بتصفية الاستعمار؟ وجاء ترشح "إسرائيل" من المجموعة الإقليمية لغرب أوروبا ودول أخرى، والتي ترأستها بريطانيا إحدى الدول الأساسية المسؤولة عن مأساة الشعب العربي الفلسطيني، بإصدارها وعد بلفور العام 1917 وتشجيعها على الهجرة اليهودية إلى فلسطين، وخصوصاً خلال فترة انتدابها بعد الحرب العالمية الأولى من العام ،1922 وصولاً لقرار التقسيم رقم 181 الذي صدر عن الأمم المتحدة العام ،1947 ومن ثم اندلاع الحرب العربية - "الإسرائيلية" بعد قيام "إسرائيل" العام ،1948 ومن الغريب أن هذه المجموعة تضم إضافة إلى بريطانيا و"إسرائيل"، دولة مثل تركيا الإسلامية ونيوزيلاندا وغيرهما .
والدلالة الثالثة تتعلق بانهيار المنظومة القيمية والأخلاقية للمنظمة الأممية التي تطبق سياسة ازدواجية ومعايير انتقائية في التعامل مع القضايا الدولية، وخصوصاً التي تخصّ العالم الثالث، والبلدان العربية والإسلامية، ومثل هذا النصر يعتبر أشدّ عاراً من الهزيمة ذاتها، فاللجنة التي أُنتخبت "إسرائيل" لها معنيّة بالقضية الفلسطينية، وهي مطالبة بالتحقيق في انتهاكات "إسرائيل" للقانون الدولي، ولحقوق الإنسان، وتقديم تقارير دورية للجمعية العامة، بذلك، فهل من المتوقع أن تساهم "إسرائيل" في إدانة نفسها وممارساتها وسياساتها العدوانية، الاستعمارية الاستيطانية؟ وأقل ما يقال عن هذا الاختيار إنه استفزاز للضمير الإنساني وللمجتمع الدولي .
أما الدلالة الرابعة، فهي تعكس انحسار الدور العربي على المستوى الدولي، الأمر الذي دفع دولاً أقرب إلى الحيادية للتصويت لصالح "إسرائيل"، ولو كان الموقف العربي موحّداً وقوياً واستخدم الأسلحة التي بيده، وخصوصاً الاقتصادية والمالية، لما تمادت الكثير من الدول على التصويت لصالح "إسرائيل" في هذا الموقع أو في غيره من المواقع، ولنا أن نتذكّر موقف العرب بين العام 1967 والعام ،1973 وخصوصاً باستخدام سلاح النفط في المعركة، حيث أقدمت أكثر من 30 دولة إفريقية على قطع علاقاتها الدبلوماسية مع "إسرائيل"، إضافة إلى مواقف الدول الاشتراكية السابقة التي استمرت في قطع علاقاتها مع "إسرائيل" وإدانة سياساتها، وتأييد حقوق الشعب العربي الفلسطيني حتى أواخر الثمانينات، عندما بدأت موجة التراجع العربي والدولي، حيث استعادت "اسرائيل" زمام المبادرة، وأعادت علاقاتها مع جميع البلدان التي قطعتها لأسباب تتعلق باحتلالها للأراضي العربية، بل وحصلت في بعضها على موقع الدولة الأكثر رعاية، وتوغّلت في إفريقيا وآسيا، إضافة إلى نفوذها الأوروبي في الدول الغربية والشرقية لاحقاً .
وكانت المجموعة الإسلامية والعربية أن عقدت اجتماعات مع المجموعات الإقليمية الأخرى بهدف منع هذا الترشح، ولكن الإجراءات الخاصة باختيار نواب رؤساء اللجان لا تتيح وقف الترشح، فضلاً عن أن ثقل هذه المجموعة، وكذلك دول عدم الانحياز أصبح خفيفاً وغير موحّد .
الدلالة الخامسة أن البلدان التي صوّتت لصالح اختيار "إسرائيل" نائباً لرئيس لجنة تصفية الاستعمار الرابعة، تناست مواقف المجتمع المدني العالمي، حيث صوّتت أكثر من ثلاثة آلاف منظمة مدنية ضد سياسات "إسرائيل" العنصرية في مؤتمر ديربن العام ،2001 والذي جرى فيه استذكار موقف الأمم المتحدة والقرار 3379 الذي صدر في 10 نوفمبر/ تشرين الثاني العام 1975 الذي دمغ الصهيونية بالعنصرية والتمييز العنصري، وهو القرار الذي صدر بُعيد الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي عن الشعب العربي الفلسطيني وقبولها عضواً مراقباً في الأمم المتحدة العام ،1974 وكذلك العديد من القرارات لصالح الشعب العربي الفلسطيني في الأمم المتحدة في فترة ولاية الأمين العام كورت فالدهايم الذي حاولت الصهيونية الانتقام منه ومعاقبته لاحقاً في محاولة لتشويه سمعته .
الدلالة السادسة هبوط قيمة الأمم المتحدة، فكيف لنظام استعماري أن يترأس لجنة مكافحة الاستعمار، وهو النظام العنصري الوحيد على المستوى العالمي بعد انتهاء ليل العنصرية الطويل في جنوب إفريقيا في العام 1994 بإجراء انتخابات لكل الأعراق والانحدارات والتكوينات، وفوز نيلسون مانديلا، حيث جرى التوجّه صوب دولة ديمقراطية مدنية غير عنصرية تقوم على مبادئ المساواة والعدالة وسيادة القانون؟ فهل يمكن تكليف نظام الابرتايد الذي حكم جنوب إفريقيا لثلاثة قرون ونيّف من الزمان من ترؤس لجنة للقضاء على العنصرية أم إن في الأمر ثمة بعداً سريالياً حقيقياً، أو هو جزء من مسرح اللامعقول؟!
الدلالة السابعة ما قيمة المبادئ التي يتم تسطيرها، ففي هذا الاختيار هناك هزيمة للقانون الدولي والقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان واتفاقيات جنيف لعام 1949 وملحقيها لعام ،1977 بخصوص حماية ضحايا المنازعات الدولية المسلحة، وحماية ضحايا المنازعات المسلحة غير الدولية، إضافة إلى قضايا اللاجئين الفلسطينيين الذين مضى عليهم أكثر من 66 عاماً . إن هذا القرار يأتي تحدّياً للمجتمع الدولي نفسه لأنه يتناقض مع توجّهات الأمم المتحدة ذاتها التي تنتمي "إسرائيل" إلى عضويتها، لكنها لا تعترف بقراراتها ولا تطبّقها ولا تحترمها، وخصوصاً القرار 181 بخصوص التقسيم والقرار 242 والقرار 338 وغيرها من القرارات الخاصة بحقوق الشعب العربي الفلسطيني وانسحاب "إسرائيل" من الأراضي العربية المحتلة .
إن انتخاب قوة احتلال ونعني بها "إسرائيل" لمنصب رفيع يتعلق بإنهاء الاستعمار يتناقض مع صدقية اللجنة ذاتها، ف"إسرائيل" تواصل بشكل منهجي، سياساتها غير الشرعية وغير القانونية، العدوانية والعنصرية ضد الشعب العربي الفلسطيني وتنتهك مبادئ الأمم المتحدة وميثاقها .
القرار وملابساته والجدل بشأنه يعيد إلى الأذهان نضال شعوب آسيا وإفريقيا وحركات التحرر الوطني في الخمسينات من القرن الماضي ضد الاستعمار الغربي، وخصوصاً البريطاني والفرنسي، وفيما بعد ضد محاولات الهيمنة الأمريكية، الأمر الذي اضطر الأمم المتحدة أمام زخم حركات التحرر الوطني إلى الاستجابة وإصدار القرار 1514 في 14 ديسمبر/ كانون الأول 1960 تحت عنوان قرار منح الاستقلال للدول والشعوب المستعمّرة والمعروف قرار تصفية الاستعمار "الكولونيالية" وذلك لتأكيد قيم الحرية والاستقلال، وحق تقرير المصير، وهو الدور الذي اضطلعت به الأمم المتحدة في الستينات وما بعدها من القرن الماضي، وذلك بصعود نجم حركات التحرر الوطني التي كان أبرز قادتها جمال عبد الناصر (مصر) وجواهر لال نهرو وانديرا غاندي (الهند) وجوزيف بروز تيتو (يوغسلافيا) .
"إسرائيل" التي حظيت بأريحية بموقع نائب رئيس اللجنة الخاصة بتصفية الاستعمار، تعاملت بازدراء مجدداً مع المجتمع الدولي بإقدامها على قتل الطفولة الفلسطينية المعذبة، وما حادث خطف وقتل الفتى الفلسطيني محمد أبو خضير وحرق جثته على يد مستوطنين، تحت مرأى ومسمع من السلطات "الإسرائيلية" المسؤولة إلاّ دليل على الوحشية الاستعمارية الاستيطانية الإجلائية التي تعتبر نهجاً ثابتاً ل"إسرائيل" منذ قيامها حتى الآن، حيث تسود النزعات العنصرية والتعصب والتطرف أوساطاً واسعة من المجتمع "الإسرائيلي" .
عبد الحسين شعبان

60
المنبر الحر / تشاؤل ليبيا
« في: 18:16 03/07/2014  »
تشاؤل ليبيا
عبد الحسين شعبان
مع الاعتذار "لسعيد أبي النحس المتشائل"، وهو عنوان وبطل رواية الكاتب الفلسطيني إميل حبيبي، فإن الوضع في ليبيا لا يزال يتجاذبه الشدّ والحلّ، وتتنازعه عوامل متناقضة بين التراجع والتقدم، وهو الأمر الذي جعل من موضوع إجراء الانتخابات الليبية يخضع لمعيارين متفاوتين: أحدهما يقوم على التفاؤل، والآخر يعتمد على التشاؤم بمستقبل ليبيا، فهل ستستطيع الانتخابات مواجهة الانقسامات الحادة التي تعيشها البلاد منذ سقوط نظام معمر القذافي في عام 2011 أم أنها ستزيد الطين بلّة؟ وهل ستتمكن من مواجهة التحدّيات وإعادة بناء الدولة ومؤسساتها وإعلاء شأن المواطنة، أم أن التشظي المجتمعي، القبائلي والجهوي والمناطقي، والاعتبارات الضيقة والمحدودة، ستبقى مؤثرة وفاعلة، بل ومعطلة لاستعادة هيبة الدولة وكيانيتها؟
الانتخابات قد لا تجلب الاستقرار المنشود ولا تستطيع إنقاذ البلاد من حالة الفوضى التي تشهدها وقد يكون العكس صحيحاً، خصوصاً في ظل معاناة الليبيين اليومية من نقص الكهرباء وتدهور الخدمات الصحية والتعليمية والفساد المالي والإداري والصراع المسلح بين الإسلاميين المتطرفين والقوى المعارضة لتوجهاتهم، وبين قبائل متناحرة صعدت إلى المشهد السياسي في ظل ضعف الدولة وتفكّك مؤسساتها، خصوصاً مع استمرار التفجيرات وأعمال العنف المنفلت من عقاله والاغتيالات واختطاف الدبلوماسيين والهجوم على مقار الدولة ومؤسساتها السيادية، الأمر الذي يجعل الكثير من الليبيين يفقدون الأمل .
قد تكون الخيبة الليبية في بعض منها عربية، فأوضاع سوريا لا تزال مصارعة على الطريقة الرومانية، لا تنتهي إلاّ بوصول أحد الطرفين إلى الموت والثاني إلى حافته بعد إنهاك وإعياء شديدين، كما أن العراق منذ الاحتلال لا يزال يعاني التشظي والانقسام والطائفية والتدخّلات الخارجية الإقليمية والدولية، ناهيكم عن الإرهاب والعنف والفساد، وما حصل في الموصل من هيمنة تنظيم "داعش" الإرهابي دليل على أن الفوضى والانشطارات المجتمعية الإثنية والمذهبية والجهوية لا تزالان قويتين ومؤثرتين وهما تهددان الوحدة الوطنية العراقية، خصوصاً باندلاع الحرب الأهلية، تلك التي ظلّت تطلّ برأسها بين الفينة والأخرى بسبب سياسات التهميش والإقصاء والعزل وعدم تحقيق المصالحة الوطنية .
ولم تنته قصة الإرهاب في مصر على الرغم من الإطاحة الشعبية بنظام "الإخوان" وإجراء انتخابات ووصول المشير عبدالفتاح السيسي إلى سدّة الرئاسة، لكن خطر الإرهاب وأعمال العنف والصدامات المسلحة وانتهاكات حقوق الإنسان لا تزال قائمة ومؤثرة، وكذلك ضربت موجة الاغتيالات والعنف السياسي تونس بعد التغيير ورحيل الرئيس زين العابدين بن علي، ولكنها استطاعت تدارك الأمر بانسحاب حكومة علي العريض، وتشكيل حكومة توافقية بين الترويكا الحاكم ومعارضيه .
أما اليمن فعلى الرغم من إنجاز الحوار الوطني وصدور وثيقة مهمة لمخرجاته، فإن آثار العنف لا تزال تغطّي صورة المشهد السياسي على الرغم من المبادرة الخليجية الايجابية التي استطاعت نزع فتيل الأزمة لعامين على الأقل، مع بقاء خطره، إضافة إلى الفوضى المستمرة وتدهور الخدمات بشكل عام، وخصوصاً شحّ الكهرباء والمرافق التعليمية والصحية وغيرها .
إن ليبيا وجميع المجتمعات التي جرت فيها عمليات التغيير تنتظر من الثورات المزيد من الخدمات وتحسين أوضاعها المعيشية وتأمين مستلزمات حياة آمنة ومستقرة، وإلاّ لماذا حدث التغيير ودفعت الشعوب ثمنه باهظاً في السابق والحاضر؟ أليس الهدف تحسين أوضاعها وضمان أمنها وأمانها؟
صحيح أن حرية التعبير أصبحت كبيرة، ودخل الناس عالم السياسة المؤمم سابقاً، وشارك مئات الألوف من البشر، بل ملايين منهم كانوا محرومين منه، ولهذا تعتبر الانتخابات مظهراً جديداً من مظاهر المرحلة السياسية الجديدة، لاختيار المحكومين لمن يمثلونهم، لكن الانتخابات جاءت أحياناً بخيبات ومرارات، وهو الأمر الذي سيكون تهديداً حقيقياً في ليبيا أيضاً، إذا لم يستطع الليبيون اختيار الأحسن والأفضل، خصوصاً فيما يتعلق بتحسين شروط اللعبة الانتخابية الديمقراطية .
إن ليبيا التي يبلغ عدد سكانها 6 ملايين يوجد فيها نحو 16 مليون بندقية، ولهذا فإن شبح العنف سيبقى مخيّماً إن لم تستطع لجمه واحتكار السلاح من جانب الدولة ووضع حد للميليشيات . وهي وإن كانت مواردها السنوية قد بلغت بضع عشرات من المليارات من النفط، إلا أن شعبها ظلّ يعاني الفقر بسبب سوء التوزيع وهدر المال العام، وتبديده على قضايا الأمن وعبادة الزعامة من دون تحقيق تنمية سليمة وحقيقية، وقياساً لمستوى المعيشة في تونس، وهي دولة غير نفطية، فإنه يفوق المستوى المعيشي في ليبيا كثيراً .
ومثل ليبيا، ففي اليمن وحده نحو 68 مليون بندقية وعدد سكانه نحو 25 مليون نسمة، وهما بلدان كبيران نسبياً، الأمر الذي يطرح موضوع إعادة بناء الدولة في ظل وجود ميليشيات، واستمرار هذه الميليشيات يُسبب نشر الفوضى والاضطرابات وتفشي العنف واستشراء ظاهرة الإرهاب .
وإذا كانت هناك بعض الأوساط محبطة من المؤتمر الوطني ومن النتائج التي وصلت إليها البلاد، وتجري محاولات لاستعادة زمام المبادرة من جانب بعض القيادات العسكرية، ولاسيّما اللواء خليفة حفتر، فإن البعض الآخر يعتبر الانتخابات مهمة على صعيد استقرار الوضع الليبي وللخروج من الأزمة السياسية الراهنة والمستعصية، خصوصاً أن هذه الانتخابات ستؤسس لدستور جديد ستتم صياغته، ويأمل هذا الفريق في التخلّص من هيمنة الإخوان والاتجاهات الإسلامية التي عطّلت المؤتمر الوطني سياسياً ودستورياً، حيث دخل في صراعات وتجاذبات زادت من معاناة الشعب الليبي، الذي طالب بإنهاء دوره ووضع حد لمساره ولحالة التشظي التي صاحبته .
البرلمان الحالي سيكون مؤقتاً لقيادة المرحلة الجديدة وتأتي بعدها انتخابات الرئاسة، وتقوم لجنة صياغة الدستور المشكّلة أصلاً في عهد المؤتمر الوطني بعملها على أمل إقرار دستور جديد للبلاد، حيث يتجاذب اتجاهان: الأول يدعو إلى الفيدرالية أو الأقاليم، وهو امتداد لدولة ليبيا قبل عام 1951(دولة مركّبة اتحادية) أي ثلاثة أقاليم هي: فزان وبرقة وطرابلس الغرب، والثاني يدعو إلى إقامة دولة أقرب إلى دولة بسيطة مركزية، مع مراعاة خصوصيات الأقاليم، وإن الرئيس سيتم انتخابه قبل إقرار الدستور الذي يحتاج إلى عدّة شهور للانتهاء منه .
وتأتي الانتخابات الليبية البرلمانية في ظرف دقيق وحساس للغاية، حيث تتميّز الأوضاع الأمنية بالتدهور والأوضاع السياسية بالانقسام والأوضاع الاقتصادية والمعيشية بالانحدار، إضافة إلى شحّ الخدمات واستمرار ظاهرة الارهاب والعنف على نحو لم يسبق له مثيل .
ولا شكّ أن هذا في جزء منه من مخلّفات التدخل العسكري لحلف الناتو الذي أنزل خسائر كبيرة بالدولة ومؤسساتها، وخصوصاً قصف مناطق غير عسكرية ومرافق حيوية واقتصادية، وغير ذلك، وفي جزء آخر منه في موروثات الحكم الشمولي الاستبدادي الذي دام 42 عاماً، حيث كان القذافي فوق الدولة وفوق القانون وفوق الشعب، وهو الأمر الذي يثير اليوم قلقاً أوروبياً إزاء التدهور في الوضع الأمني والسياسي، ولاسيّما أعمال العنف والإرهاب، ناهيكم عن تدفق اللاجئين ووصولهم إلى أوروبا بحراً وغرق الكثيرين منهم، فضلاً عن القلق من انتقال الارهاب إلى الضفة الأخرى من البحر المتوسط .
إن الانتخابات الليبية الحالية هي ثاني انتخابات تشهدها البلاد منذ الإطاحة بحكم القذافي، حيث سيحلّ البرلمان الجديد محل المؤتمر الوطني، الذي يعتبر قسم غير قليل من الليبيين، أنه فشل وهو يتحمل مسؤولية تدهور الأوضاع، وسيمارس مجلس النواب عمله سنة ونصف السنة (18 شهراً)، ويتنافس في الانتخابات الحالية 1628 مرشحاً بينهم 131 سيّدة على 200 مقعد خصص للنساء منها ،32 وقد قاطعها الأمازيغيون .


61
من هو الرئيس العاشر «لإسرائيل»؟

عبد الحسين شعبان


تغلّب رؤفين ريفلين على منافسيه الأربعة لرئاسة دولة  " إسرائيل"، الأول مائير شطريت (من حزب الحركة) والثانية داليا اتسيك (عضوة الكنيست السابقة) والثالث البروفسور دان شختمان (الحاصل على جائزة نوبل في الكيمياء العام 2011) والرابعة داليا دورنر (القاضية المتقاعدة). وكان المرشح الخامس هو الصهيوني العراقي بنيامين بن أليعازار الذي لوحق بتهمة الرشوة التي حصل عليها من أحد رجالات النفط
فوز ريفلين في الانتخابات سيضعه في موقع الرئاسة لسبع سنوات قادمة، وليصبح الرئيس العاشر " لإسرائيل" منذ تأسيسها في 15 أيار (مايو) العام 1948. وكان أول رئيس هو حاييم وايزمان واستمر من العام 1949 ولغاية العام 1952، ثم اختير اسحاق بن زفي بين عامي 1952-1963 وجاء بعد زلمان شازار الذي استمر لعشر سنوات بين العام 1963-1973، وكان الرئيس الرابع إفرايم كاتسير من العام 1973 ولغاية العام 1978 واحتل موقع الرئاسة الخامسة إسحاق نافون بين العام 1978-1983.
ثم جاء الرئيس السادس حاييم هيرتسوغ الذي كان مندوباً "لإسرائيل" في الأمم المتحدة في السبعينات، ويوم صدر القرار 3379 الخاص بمساواة الصهيونية بالعنصرية، واعتبارها شكلاً من أشكال العنصرية والتمييز العنصري في 10 تشرين الثاني (نوفمبر) العام 1975، خرج هيرتسوغ من حدود اللياقة الدبلوماسية ومزّق القرار من على منبر الأمم المتحدة، واعتبره قراراً مثيراً للاشمئزاز، وعندما أصبح رئيساً لدولة "إسرائيل" في العام 1983، تعهد بألاّ يمرّ العام 1990 (نهاية فترة رئاسته) إلاّ ويكون هذا القرار الكريه حسب التعابير المتداولة صهيونياً إلاّ وقد أعدم.
وعملت الصهيونية العالمية وضمن خطة إسرائيلية ودولية إلى إلغاء القرار، وتحقّق لها ذلك بتغيير ميزان القوى العربي والعالمي، بعد تدهور التضامن العربي وانقسام العرب بعد غزو الكويت العام 1990 وانحلال كتلة الدول الاشتراكية، حين بدأت المفاوضات الإسرائيلية- الفلسطينية السرّية في مدريد العام 1991 وصولاً إلى إتفاقية أوسلو العام 1993، حيث أجهضت النتائج الإيجابية التي حققتها الانتفاضة الفلسطينية منذ أواخر العام 1987 بالتدريج، وخصوصاً عند الوصول إلى محطة أوسلو، التي كان يفترض أن تنتهي بمفاوضات "الحل النهائي" في العام 1999، لكنها وصلت إلى طريق مسدود، وذلك في فترة الرئيس "الإسرائيلي" عيزرا فايتسمان 1993-2000.
وابتدأت رئاسة موشي كتساف العام 2000-2007 المحكوم حالياً لمدة سبع سنوات بتهمة الفساد والتحرش الجنسي، مع بداية الانتفاضة الفلسطينية الثانية، وانتهت بُعيد حرب تموز "الإسرائيلية" ضد الشعب اللبناني وجنوبه بالتحديد، وكانت رئاسة شمعون بيريز وهو الشخصية الإسرائيلية التي لعبت أدواراً كبيرة في السياسة الإسرائيلية قد ترافقت مع الحصار ثم الحرب ضد غزة العام 2008-2009 والحرب ضد حزب الله، وضد الوفاق الفلسطيني بين حماس وفتح، وهكذا تبدأ الآن مرحلة جديدة بانتخاب رؤوفين ريفلين إلى سدّة رئاسة دولة "إسرائيل" .
حصل ريفلين وهو من حزب الليكود على 63 صوتاً بعد جولة ثانية ضد منافسه مائير شطرت الذي حصل على 53 صوتاً، وأثار انتخابه لغطاً كبيراً في أنه على خلاف شديد مع رئيس الوزراء نتنياهو الذي قيل أنه لم يصوّت له،منذ أن كان رئيساً للكنيست. يعتبر ريفلين من اليمين الآيديولوجي ولكنه استقطب أصوات اليمين واليسار المتطرّف معاً، بل إنه حصل على أصوات النواب العرب في الكنيست.
الرئيس الإسرائيلي الجديد رفلين وإن كان منصبه شرفياً وبروتوكولياً، أي فخرياً وليس تنفيذياً، لكن هذا المنصب يعد رفيعاً لاعتبارات كثيرة، منها أنه رئيساً للدولة، وكذلك إن اختيار الشخصيات التي توّلت هذا المنصب، جاء بعد خبرات عمل طويلة لها وخدمتها في مؤسسات الدولة، سواء على مستوى رئاسة الوزراء أو تمثيل "إسرائيل" في الأمم المتحدة أو غيرها من المناصب الأكاديمية والاجتماعية الرفيعة المستوى.
ويأتي اختيار رفلين خلفاً لشمعون بيريز الذي يعتبر شخصية عالمية لها شعبية في "إسرائيل"، وارتبط بعلاقات قوية مع العديد من رؤساء العالم ، وقد حاول إدارة مفاوضات ثنائية مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس، لكن نتنياهو أجهضها.
يعتبر ريفلين من أشد المعارضين لحل الدولتين وتقسيم القدس وهو يؤمن بدولة "إسرائيل" الكبرى، التي ينبغي أن تمتد " من النهر إلى البحر"، وهي مواقف كان سلفه يتحاشى التعبير عنها أمام قادة العالم وزعمائه، لأنه يدرك أنها ستساعد على عزل دولة "إسرائيل"، ولهذه الأسباب فقد يكون من المرجّح أن لا يتعاطى ريفلين كثيراً في السياسة الخارجية، إلاّ إذا حاول مناكفة نتنياهو، وعلى أغلب الظن أنه سيسعى لمتابعة بعض قضايا السياسة الاجتماعية الداخلية. ولد ريفلين في القدس ودرس الحقوق وعمل محامياً ومستشاراً قانونياً ووزيراً وعضواً في الكنيست منذ العام 1988 ورئيساً له، وكثيراً ما كان يتفاخر أنه نجل المستشرق يوسف يوئيل ريفلين استاذ الدراسات الإسلامية، الذي ترجم القرآن إلى اللغة العبرية.
إن دلالة فوز ريفلين تعكس طبيعة التغييرات في المجتمع "الإسرائيلي"، وخصوصاً اتجاهات التعصب والتطرّف والتشدّد ضد العرب والفلسطينيين، وضد أي حل يستجيب لمطالب ما يسمى بالحد الأدنى وفقاً لقرارات الأمم المتحدة.
كما أنه من جهة ثانية يعكس التوجهات اليمينية داخل الكنيست التي صوّتت لصالح ريفلين، خصوصاً وأنه كان قد صدر عن الكنيست في الفترة الماضية عدداً من القوانين العنصرية ضد حقوق العرب الفلسطينيين، سواء على المستوى السياسي أو المستويات الاقتصادية والمعيشية، بهدف دفعهم نحو الهجرة، ناهيكم عن المضايقات ضد السلطة الفلسطينية المستمرة، إضافة تصاعد عملية تهويد القدس والأماكن المقدسة إسلامياً ومسيحياً، لذلك فإن المتفائلين بإمكانية استمرار مفاوضات السلام للوصول على حل مقبول عربياً، سيكون من باب التمنّي، لأن ريفلين أشد تطرفاً حتى من نتنياهو.
هكذا تتأكد يوماً بعد يوم أن دولة الكيان الصهيوني، تزداد تعصباً وتطرفاً وأن مجتمعها يزداد انغلاقاً وغلّواً، بل أن القادة "الإسرائيليين" هم الأكثر غطرسة وعدوانية وعنصرية على المستوى العالمي، من جيل الآباء المؤسسين إلى اليوم، ومن بن غوريون إلى نتنياهو ومن حاييم وايزمن إلى رؤفين ريفلين!




62
لا بدّ من صنعاء ولو طال السفر

عبد الحسين شعبان
في تناقض عجيب يصف الشاعر مصطفى جمال الدين المجتمع النجفي في العراق بالانغلاق، وفي الوقت نفسه ونقيضاً له، يقول هناك انفتاح على صعيد الفكر، أي "الفكر المنفتح في المجتمع المنغلق"، هكذا كنت باستمرار أنظر إلى اليمن وتزداد قناعتي على نحو راسخ، بأن قيود التخلف الشديدة التي تلّف اليمن، يرافقها وعي متقدم، على نحو عفوي وتلقائي ممزوجاً بذكاء متميّز، تكتشفه لدى النخبة بشكل خاص، ولدى العامة أحياناً .
مناسبة الحديث هذا حلقة نقاش للخبراء في ميدان العدالة الانتقالية نظمتها وزارة الشؤون القانونية اليمنية ووزيرها محمد المخلافي الذي كان أحد أبرز نشطاء حركة حقوق الإنسان العربية خلال العقدين المنصرمين، وساعد على تنظيم الحلقة برنامج الأمم المتحدة الإنمائي والمفوضية السامية لحقوق الإنسان، التأمت في مؤتمر برعاية رئيس الوزراء محمد سالم باسندوه .
وعلى مدى يومين دار حوار معرفي وأكاديمي ومهني وحقوقي وثقافي بخصوص مفهوم العدالة الانتقالية وآليات تطبيقها والقواعد العامة التي تقوم عليها وخصوصيات المنطقة العربية، بل كل بلد عربي فيها، إضافة إلى الإجراءات التي اتبعتها اليمن والتدابير الأخرى التي ينبغي القيام بها لتأمين الجو الإيجابي لتطبيق مبادئ العدالة الانتقالية، وهو ما عبّر عنه المخلافي بإشارته إلى التزاوج بين "التسامح والعدل" من خلال المبادرة بإعداد مشروع قانون العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية .
ويأتي لقاء الخبراء بعد 14 ندوة ومؤتمر وورشة عمل وحلقة نقاش ولقاء تشاوري، إضافة إلى تلقي مقترحات من منظمات دولية حكومية وغير حكومية وأحزاب ومنظمات حقوقية وأفراد . المشروع تم تأسيسه على ثلاثة أركان، أولاً الصفح، وثانياً العدل، وثالثاً السلام، وهذه الأركان جزء من منظومة دقيقة لقّحت بموضوع "العفو" بالعدل، بحيث لا يؤدي الأول إلى تهديد السلام الذي هو الهدف السامي المجتمعي من آليات تطبيق العدالة الانتقالية، وصولاً للمصالحة الوطنية والسلم المجتمعي، ولكي تكون المصالحة الوطنية عادلة ومستمرة، لابدّ من اعتماد مقتضيات العدل والصفح معاً، وهذا يحتاج إلى عفو غير تمييزي، ولن يأتي هذا من دون معرفة الحقيقة، خصوصاً بمعرفة الضحية أو ذويه والمجتمع وقائع الانتهاكات ومن قام بها، ولن يتم ذلك إلاّ بالمساءلة، وتحتاج هذه إلى الاعتراف والاعتذار والعقاب في حالة عدم الانصياع أو تكرار الانتهاكات .
ولكي يكتمل المشروع لا بدّ من جبر الضرر، وهذا أوسع من التعويض للأفراد والضحايا، وجبر الضرر فيه تعويض للفرد والمجتمع وتخليد الذاكرة الوطنية ومنع تكرار الانتهاكات الجسيمة في المستقبل، أي أن العفو لا يعني إسدال الستار على الذاكرة لكي يطويها النسيان، فالعبرة بالتذكّر والاستذكار لمنع ما حصل، والحيلولة دون تكراره بنشر وتعميم ثقافة السلام والتسامح والاعتراف بالآخر وعدم الثأر والانتقام .
إن توفّر الإرادة السياسية والتوصّل إلى مخرجات الحوار الوطني للقوى والفاعليات السياسية والمدنية، الذي استمر شهوراً غير قليلة، يؤشر إلى ملامح الدستور المنشود الذي سيتم في إطاره انطلاق عملية سياسية جديدة بعد عامين ونيّف من تنحي الرئيس علي عبدالله صالح، بمبادرة لمجلس التعاون الخليجي والتي كان لها دور مهم في نزع الفتيل والتوجه صوب حل سياسي يُراد له أن يتوطد ويتعزز .
ولا شكّ أن هناك عقبات عديدة واجهت مشروع العدالة الانتقالية، قسم منها شكك في محتواه والآخر اعتبره محاولة للانتقام، وبالطبع فإن هناك خشية من كشف الحقيقة والاعتراف بالارتكابات، ومن الإصلاح المؤسسي، لكن ما يشجع هذه التجربة العربية الوليدة، على الرغم من أنها لا تزال جنينية، بعد التجربة المغربية وانطلاق التجربة التونسية، إنها لقيت دعماً من مؤتمر الحوار الوطني، إضافة إلى اهتمام عربي ودولي، وهو أمر في غاية الأهمية والمسألة لها علاقة بإعادة بناء الدولة على أسس جديدة، والعبرة ليست برفض وتجاوز الماضي وسياساته وآثاره، بقدر ما يتعلّق الأمر بعدم تكرار ما حصل عبر الإصلاح الشامل للمنظومة القانونية والقضائية والأمنية وتربيتها والمجتمع ككل على احترام حقوق الإنسان وحرياته الأساسية .
الاستعانة بالتجارب العربية والدولية، مسألة مهمة للإفادة منها، والمقصود ليس استنساخها أو تقليدها أو نقلها واقتباسها حرفياً، بقدر ما يعني الاطلاع عليها، والاغتناء منها والتعرّف إلى التحدّيات والمصاعب والمشكلات التي واجهتها، والحلول التي اجترحتها، والآليات التي اعتمدتها، مثلما هي العديد من التجارب في أوروبا الشرقية أو أمريكا اللاتينية أو جنوب إفريقيا أو المغرب أو بعض دول آسيا وإفريقيا، وتنقسم الآليات التي اتبعتها التجارب الدولية إلى آليات قضائية وطنية سواءً كانت المحاكم المدنية أم المحاكم الجنائية التي يمكنها القيام بالمساءلة عن انتهاكات القانون الوطني ومحاكمة المرتكبين وإصدار أحكام قضائية بالتعويض، وآليات قضائية دولية أو (وطنية ودولية) مختلطة كما هي تجربة السيراليين (العام 0220) وهي من أشهر التجارب الدولية المختلطة، كما أن هناك آليات قضائية دولية خاصة مثل "المحكمة الدولية الخاصة بلبنان" واغتيال الشهيد رفيق الحريري (العام 2005) أو المحكمة الجنائية الدولية لرواندا (العام 1994) أو المحكمة الجنائية الدولية ليوغسلافيا السابقة (العام 1993) وهي محاكم خاصة ولا يمكن تكرارها .
ولا يمكن للمصالحة الحقيقية أن تتحقق من دون تهيئة مستلزمات إدماج الجميع في بوتقة الانتقال الديمقراطي . والسبيل لتحقيق ذلك يتم ب: 1- التشاور والتوافق أي (قناعة مجتمعية) 2- الاهتمام بحاجات المجتمع الخاصة (واستجابة لها) . ويعتبر التشاور والتوافق ضروريين جداً في المرحلة الانتقالية لتكوين رؤية مشتركة لإجراءات العدالة الانتقالية .
ولا بدّ أن تكون هذه الإجراءات متوافقة مع معايير حقوق الإنسان الدولية ومبادئ حكم القانون وذلك من خلال: تحديد فترة زمنية تكون موضوعاً للفحص، وتحديد نوع الجرائم، وتحديد نوع الأضرار التي ستكون محط الاهتمام، ومن ينبغي مساءلتهم وإخضاعهم لآليات العدالة الانتقالية؟ وما هي نوع المساعدة الدولية المطلوبة للتدخل اللازم؟ ومتى يمكن البدء بتنفيذ إجراءات العدالة الانتقالية؟ والهدف هو تحقيق التوافق بين القانون والعدالة، وبين العدالة والمصالحة وبين المصالحة والسلام المجتمعي من دون محاولة فتح الجروح .
وهنا يمكن لفت النظر إلى أن الفساد والجرائم الاقتصادية هي "أخت" انتهاكات حقوق الإنسان، الأمر الذي يقتضي المساءلة عنها واسترداد الأموال المنهوبة أو الإثراء غير المشروع أو امتيازات الحكام السابقين غير الشرعية، مع الإدراك بتعقيد هذه المسألة في النظام المصرفي والمحاساباتي والمالي والفني الدولي، ولعلّ استحضار تجارب ناجحة مثل البيرو التي حوكم رئيسها البيرتو فوجيموري بتهمة الفساد باعتباره انتهاكاً لحقوق الإنسان مسألة مهمة، وفي عالمنا اليوم هناك علاقة بين الفساد والإرهاب، وفي ذلك جانب آخر من جوانب تدويل آليات العدالة الانتقالية، التي لا غنى عنها على الرغم من ازدواجية وانتقائية السياسات الدولية .



63
المنبر الحر / زمن داعش!
« في: 21:23 23/06/2014  »
زمن داعش!

عبدالحسين شعبان
 
خلال يومي 11 و12 (يونيو) الجاري 2014، تمكّنت قوات «الدولة الإسلامية للعراق والشام» (داعش) من السيطرة على الموصل، ووضع يدها على تكريت والتهديد بالتوجّه صوب العاصمة بغداد. وتأتي هذه التطورات المهمة لاحتلال مناطق واسعة من العراق، بعد استمرار محاصرة مدينة الفلوجة واضطرار عشرات الآلاف من سكانها إلى الهجرة والنزوح، وتدهور الوضع الأمني لدرجة مريعة، حيث كانت الأشهر القليلة الماضية الأسوأ منذ العام 2007-2008.
كل ذلك حصل في ظل تصدّع العملية السياسية، واتساع وتعمّق التباعد والانقسام بين فرقائها لدرجة انعدام الثقة، وقد كانت القشة التي قصمت ظهر البعير كما يقال، هي موضوع استمرار أو عدم استمرار رئيس الوزراء نوري المالكي لدورة ثالثة بعد إحرازه 95 مقعداً في الانتخابات، ووصولها إلى نحو 120 مقعداً بانضمام قوائم صغيرة إليه، لكنه يحتاج إلى 164 مقعداً لتشكيل الوزارة. من بإمكانه اتخاذ القرار بهذا الشأن والبرلمان معطّل والتوافق غائب والصراع مستمر والجميع ينتظر نتائج غزوة داعش للموصل؟
سيضطر الجميع إلى تقديم بعض التنازلات للقوائم الأخرى، مثلما ستضطر القوائم الأخرى إذا أرادت الحصول على بعض المكاسب وفشلت في إبعاد المالكي، إلى تقديم تنازلات لدولة القانون، بهدف استمرار العملية السياسية، والاّ فإن الأمر سيزداد تعقيداً، وخصوصاً في ظل احتلال داعش للموصل وتكريت وتلعفر ومناطق أخرى. والكل ينتظر بترقّب سلبي أحياناً، النتائج عسى أن تحمل في جعبتها التغيير الذي بحثت عنه.
لقد أثارت عملية احتلال الموصل أسئلة كبرى سياسية وعسكرية وأمنية، فمن تكون داعش بحيث تستطيع احتلال مناطق واسعة من العراق، وكيف نشأت وإلى ماذا تنتمي ومن هم حلفاؤها وما هو سر حركتها ومن أين تمويلها؟
تأسس تنظيم داعش في (ابريل) العام 2013 وذلك بعد اتحاد «دولة العراق الإسلامية» التابع لتنظيم القاعدة، الذي اعتبر فرعاً مستقلاً منذ (اكتوبر) العام 2006، وتنظيم المجموعة الإسلامية في سورية المعروف باسم «جبهة النصرة». ولم يحصل الاندماج دون قتال وضحايا، فقد اندلعت الحرب بين الطرفين وخصوصاً في مطلع العام الجاري، إلى أن تم الاتفاق على توحيد التنظيمين.
وكان من أولى قرارات داعش التحلل من الالتزامات السابقة مع تنظيم القاعدة، ولاسيّما من قيادة أيمن الظواهري الذي كان رأيه اقتصار عمل القاعدة ودولة العراق الإسلامية على العراق وحده دون سواه، في حين تكون ساحة جبهة النصرة هي سوريا.
أما الامتداد الأبعد لتنظيم داعش، فقد بدأ منذ وقت مبكر يوم حاول أبو مصعب الزرقاوي الذي قتل في العراق على أيدي الأمريكان بتعاون إيراني– عراقي- أمريكي في (يونيو) العام 2006، الاستقلال بالتنظيم والعمل على بناء خاص باسم «جماعة التوحيد والجهاد» منذ العام 2004، وذلك قبل مبايعة أبو مصعب الزرقاوي زعيم تنظيم القاعدة، أسامة بن لادن الذي قتل في 2 (مايو) 2011، ليصبح اسم التنظيم «القاعدة في بلاد الرافدين».
ولكن ماذا حلّ بالتنظيم بعد اغتيال أبو مصعب الزرقاوي؟ لقد تم معالجة أمر القيادة والفراغ الذي تركه الزرقاوي بعد فترة قصيرة باختيار «أبو حمزة المهاجر» وحين أعلن قيام «دولة العراق الإسلامية» وقع الاختيار على أبو عمر البغدادي الذي قتلته القوات الأمريكية في العام 2010، كما قتلت مساعده أبو حمزة المهاجر، ولكن التنظيم استمر في العمل واختير أبو بكر البغدادي زعيماً له.
يتراوح تعداد أفراد قوات داعش وتنظيماته في العراق وسورية بنحو 12-15 ألف عضو، بعضهم من جنسيات عربية وغربية، سواءً من الذين اكتسبوا خبرة في العراق أو في أفغانستان أو الشيشان وهؤلاء قادة ميدانيون ومدربون ومختبرون على مدى سنوات، وبين هؤلاء مجموعة من الدول الغربية ومن فرنسا وبريطانيا وبلجيكا، إضافة إلى أن بعضهم من عرب شمال أفريقيا، سواء قدموا مباشرة منها أو من أوروبا.
في (يناير) 2014 وبعد أن حسم التنظيم أمر وحدته مستغلاً أحداث الحراك الشعبي في الانبار وصلاح الدين والموصل وديالى وكركوك وبعض أطراف بغداد، وغيرها، تمكّن من ضم مجموعة من المسلحين في الفلوجة والرمادي.
المفاجأة التي لم تكن متوقعة هي أن ينتقل التنظيم من تفجيرات وأعمال عنف ومفخخات إلى احتلال مناطق واسعة، بما فيها حاضرة الموصل، وذلك لما تمتلكه من غنى وعمق واتساع مدني وتجاري وتاريخي، ناهيكم عن أنها ثاني مدينة عراقية، ويبلغ تعداد سكانها (محافظة نينوى نحو أربعة ملايين نسمة، وسكان الموصل وحدها نحو مليون وسبعماية ألف نسمة) وغالبية سكانها من العرب وفيها أقليات كردية ازدادت خلال السنوات الأخيرة، وأكثرية سكانها من المسلمين، لكن فيها قرى وبلدات مسيحية بالكامل مثل القوش وتلكيف وباطنايا وبعض مناطق سهل نينوى، ويطالب بعض قياداتهم بحكم ذاتي أو إقليم حسبما يتردّد أحياناً في الإعلام.
خلال العام الجاري والذي سبقه كانت نشاطات داعش أو تسمياتها القديمة قد اتسعت في المنطقة، بالارتباط مع الأزمة السورية وانحسار دور الدولة في سوريا وتصاعد حركة الاحتجاج الشعبي في العراق، وتدهور العلاقة بين الأطراف السياسية، ولاسيّما عشية وبُعيد الانتخابات حيث تصطف قوى عديدة لمنع رئيس الوزراء الحالي نوري المالكي من النجاح في تحقيق ولايته الثالثة، في حين أنه حاز على أعلى الأصوات ولديه العديد من الأوراق التي يمكنه اللعب فيها، وإذا كان الجميع ضعفاء فإنه أقوى الضعفاء، لكن مثل هذا الأمر كان هو الشغل الشاغل لطاقم السياسيين حتى سقطت الموصل بيد داعش وحلفائها، وقسم من هؤلاء من بقايا العسكريين في الحرس الجمهوري السابق وبعض أتباع النظام السابق الذين لم يجدوا بأساً من التعاون مع داعش للأهداف المشتركة وهي الاطاحة بحكومة المالكي تمهيداً للقضاء على العملية السياسية، فداعش تريد إقامة حكومة إسلامية على طريقتها في الإسلامولوجيا (الإسلام ضد الإسلام) وجماعة البعث يريدون إعادة القديم إلى قدمه، وكل يسعى لاستخدام الآخر.
وعن طريق التخادم يتم التعاون بين داعش والبعث، البعث لديه علاقات خارجية وضباط مدرّبون وأموال بعضها من النظام السابق، وبعضها من جهات عديدة داعمة، ولديهم امتداد داخلي بما فيه داخل إدارة الجيش الاتحادي، الذي قسم منه من بقايا النظام السابق، كما أن لديهم وجودا سياسيا في كردستان، وكذلك في العديد من البلدان العربية، في حين أن داعش تقوم بالأعمال العسكرية، بما فيها التفجيرات والمفخخات في المناطق والأحياء السكنية لإحداث حالة من الرعب وإضعاف الثقة بالحكومة وبالعملية السياسية، ويقوم أتباع النظام السابق بتكملة ذلك سياسياً عن طريق الدعاية وبعض وسائل الاعلام.
حصلت داعش خلال احتلال الموصل على أكثر من 400 مليون دولار، وحسب بعض المصادر الغربية، فإن داعش من أغنى المنظمات الارهابية في العالم، وقد أدرجتها المملكة العربية السعودية مؤخراً على قائمة المنظمات الارهابية. كما حصلت على عربات وعتاد وأجهزة، ولعلّ هذا «الانتصار» السهل أخاف أوساطاً عديدة وجعل بعض دول المنطقة في حالة قلق، خصوصاً بانهيار بعض معنويات الجيش والخوف من اندلاع تطهير طائفي، حيث سعت الحكومة العراقية لمواجهة ذلك بحشد شعبي من سرايا بعضها مسلح بالأصل وقام بمقاتلة الأمريكان قبل الانسحاب من العراق.
إيران وواشنطن أبديتا قلقاً متزايداً. الأولى قالت إنها مستعدة للتعاون والدعم للقضاء على الارهاب، والثانية قالت إن الرئيس يدرس كل الخيارات لمساعدة بغداد، وكان جون كيري وزير الخارجية الأمريكي قد قال إن الولايات المتحدة ستتحرك بسرعة وبفاعلية لمشاركة حلفائنا (العراقيين) في التعامل مع هذا التحدّي، لكن العديد من المراقبين يستبعدون تدخلاً عسكرياً، وحتى قصة دخول 2000 من قوات الباسيج الإيرانية، فإنها لم تتأكد.
نجاح داعش في العراق من شأنه أن يعزز دورها في سوريا، وهكذا تمتد اللوحة من الرقة إلى الموصل.

   باحث ومفكر عربي

64

داعش هل تعجّل  التفاهم  الإيراني الأمريكي ؟

عبد الحسين شعبان

كانت سيطرة قوات الدولة الإسلامية في العراق والشام "داعش" على الموصل خلال يومي 11 و12 يونيو/حزيران الجاري الحدث الأبرز في العراق، والذي كان إشارة لافتة إلى أن "الكيانية" التي تأسست عليها الدولة العراقية ما بعد الاحتلال هشة وضعيفة وفاشلة.

فليس من المعقول أن يستطيع بضعة آلاف من المسلحين احتلال مدينة الموصل دون مواجهة تُذكر، وهو الحدث الذي لم يكن أحد من إدارة الدولة توقّع حصوله، خصوصا أنه أصبح معروفا ومتداولا وجود نحو مليون جندي عراقي، فكيف حصل ذلك؟

قد يكون انشغال الفرقاء -ولا سيّما من دولة القانون- بترتيب موضوع الوزارة وتشكيلاتها بعد الانتخابات، خاصة أن الصراع الطاغي والمحموم ينصبّ حول موضوع الولاية الثالثة، وهو الأمر المحتدم والمتأجج بامتياز منذ شهور، فهناك من يضع خطوطا حمراء على ذلك، في حين هناك من يدعو للامتثال إلى صندوق الاقتراع الذي جاء بالمالكي مرّة أخرى، حيث حصل على 95 مقعدا، وبتحالفاته مع قوائم صغيرة، فقد أصبحت قوته بحدود 120 مقعدا، لكن الأمر يحتاج إلى 164 مقعدا لتشكيل الوزارة.
ما حدث في العراق على يد تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا "داعش" هو إحدى نتائج الاحتراب السياسي، وغياب الرؤية المشتركة للفرقاء، ومحاولة كل طرف الحصول على المكاسب وتهميش الآخر، ولم تنجح الحلول الأمنية والعسكرية في القضاء على أزمة الفلوجة المستفحلة منذ نحو ستة أشهر، إضافة إلى عدم تلبية مطالب المحتجين المشروعة في الأنبار والموصل وصلاح الدين وديالى وكركوك ومناطق حزام بغداد وغيرها.

والخشية اليوم هي في تفكّك الدولة العراقية التي تأسست عام 1921، وانهارت بفعل الاحتلال الأميركي عام 2003، لكن كيانها استمر في حالة من الضعف والتدهور والانقسام، بفعل المحاصصة المذهبية والإثنية ونظام التقاسم الوظيفي، الذي كرّسه بول بريمر الحاكم المدني الأميركي للعراق، سواء في قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية عام 2004، أو الدستور العراقي الدائم عام 2005 الذي تحدّث عن المكوّنات، في حين كان ينبغي له أن يتعامل مع العراقيين كمواطنين، كما تفعل الدولة الديمقراطية والعصرية، والتي يتحدّث أطراف العملية السياسية عن ولوجها.

لقد اختلطت خلال الأسبوع الماضي أوراق السياسة وتعقيداتها وتضارب المصالح واتفاقها بأوراق الحلول العسكرية والأمنية، خصوصا تسلّل قوات داعش واحتلالها مناطق شاسعة من شمال العراق وغربه، وسط ذهول وقلق عالميين وإقليميين، وحالة ذعر عراقية لا تزال مستمرة، صاحبها ارتفاع أسعار المواد الغذائية وشحّ بعضها وارتفاع أعداد النازحين، وتدهور ثقة المواطن في الدولة المتدهورة أصلا.

كيف استطاعت قوات داعش أن تسيطر بهذه السرعة الخاطفة على الموصل وتكريت وتتوغل شرقا وجنوبا مهددة بالوصول إلى بغداد ومناطق أخرى، لا سيّما بعد النصر السهل الذي حققته، فالأمر بحاجة إلى قراءة غير تقليدية للوقائع.

أولا: إن تعداد قوات داعش في العراق يربو على خمسة آلاف مقاتل، وهو -وإن كان رقما ضئيلا قياسا للجيش العراقي- عبارة عن قوات مدرّبة، ونواتها الأساسية عقائدية، وتمكّنت من غسل الكثير من الأدمغة والتأثير على العقول، مستغلة حالتي الفقر والجهل، إضافة إلى الإقصاء والتهميش التي تشعر به مناطق عديدة من العراق -ولا سيّما المناطق السنية- كما تمتلك داعش أموالا طائلة، ولديها قدرة جبائية هائلة، وهو ما يعرفه الأميركيون والإيرانيون على حد سواء.

ثانيا: وجود بيئة حاضنة لدى تنظيمات داعش، فقد كانت على مدى عام ونيّف تتقاضى إتاوات من المواطنين في الموصل، وتفرض نفوذها السياسي والمعنوي على الناس دون أية مساءلة من جانب القوات المحلية أو الاتحادية، التي تركت الحبل على الغارب، خاصة مع انشغال القوى السياسية ببعضها البعض.
ثالثا: إن هيمنة داعش على الموصل دون مقاومة تُذكر وانسحاب أو هروب القوات الاتحادية يضعان علامات استفهام كبيرة حول دورها وتواطؤ بعض القياديين من العسكريين أو السياسيين لتسهيل مهمة هؤلاء، وقد كان تأثير ذلك كبيرا على معنويات أفراد القوات المسلحة في مناطق أخرى، ناهيك عن انعكاساته على الجانب الشعبي.

رابعا: وجود تنسيق بين بعض قيادات الجيش الاتحادي، وخصوصا من بعض المحسوبين على النظام السابق، وبعض قيادات داعش وقوى تابعة للنظام السابق أو من المنتمين إلى حزب البعث، خاصة أن بعض هؤلاء وأولئك كانوا ضمن قوات الحرس الجمهوري في عهد الرئيس العراقي السابق صدام حسين. وحسبما تشير بعض المعلومات، فإن بعض القياديين في القوات الرسمية سهّل المهمة للقوات "الداعشية" من خارجها للسيطرة على مواقع عسكرية مهمة.

خامسا: وصول الطبقة السياسية في أغلبها باستثناء دولة القانون إلى قناعات من أن استمرار الوضع كما هو ودون تغيير سيؤدي إلى تفتت الدولة، وقد يصل إلى الحرب الأهلية التي سيكون التقسيم بعدها حلاّ مرضيا، حتى وإن كان سيئا لكنه سيأتي بعد إيقاف نزيف الدم ووقف القتال، كما أن رؤية دولة القانون -هي الأخرى تنادي بالتغيير- تتركز على إنهاء شكل المحاصصة القديم، والإتيان بحكومة أغلبية سياسية، وهو ما يثير مخاوف القوى الأخرى التي تعتبره زيادة في عملية التهميش ومبرّرا جديدا للإقصاء والعزل.

لقد أصبحت داعش بعد استيلائها على نحو أربعمائة مليون دولار من بنوك الموصل، إضافة إلى عجلات وسيارات وكميات من العتاد، منظمة يحسب لها حسابها، حيث ازداد نفوذها واندفع قسم من البعثيين والضباط السابقين إلى التحالف معها ضد حكومة المالكي، خصوصا بعد أن أصبحت مساحة حركتها واسعة من الرقة إلى الموصل، فضلا عن تحركات حلفاء لها في كردستان العراق من النظام السابق، الذين يشكّلون غطاء سياسيا لها.

وستزداد المشكلة تعقيدا بخصوص كركوك التي وضع الكرد اليد عليها بعد انسحاب القوات الاتحادية، وهي "قدس الأقداس" على حد تعبير جلال الطالباني الرئيس العراقي الغائب لأسباب صحية منذ نحو عامين، وسواء تم القضاء على داعش أو استمرت لحين، لكنه سيكون عسيرا عودة القديم إلى قدمه، فهذه مسألة صعبة للغاية إن لم تكن مستعصية، وقد تحتاج إلى عملية جراحية، لكنها قد لا تكون ناجحة، أي اللجوء إلى الحل العسكري، الأمر الذي سيضع البلاد كلّها في أتون حرب طاحنة.

إن الاحتدام الطائفي ازداد سعارا سواء باحتلال داعش للموصل وتهديداتها ووعيدها بالانتقام والثأر، أو بكمية المتطوعين الذين انخرطوا للدفاع عن الوضع القائم، كجزء من واجب "شرعي" كما جرى تبريره، حين أصدرت مرجعية النجف الفتوى التي دعت فيها إلى حمل السلاح دفاعا عن الممتلكات والأرواح ضد الإرهابيين والمتطرفين.
وكانت إيران قالت إن بإمكانها المساعدة في التصدي للإرهاب، وهو الأمر الذي يثير مخاوف إقليمية ويجعل المسألة العراقية مرّة أخرى على طاولة التدويل، سواء بدخول بعض دول الخليج أو الحضور التركي، وهو الأمر الذي تقف واشنطن حائرة أمامه، حيث اكتفت بتأكيدات عامة حول أن جميع الخيارات مفتوحة أمامها، وقامت بإرسال حاملة الطائرات جورج بوش لتكون قبالة شواطئ المنطقة.

الصراع لن يحسم في الموصل كما لم يحسم في كركوك، والأمر لا علاقة له ببقاء رئيس الوزراء المالكي أم اضطراره لمغادرة موقعه. قد تكون المسألة الطائفية وتشظياتها أحد تحدّيات داعش وما بعدها، وهي لا تخص بغداد وحدها، بل تخص إيران بقدر ما تخص واشنطن، لا سيّما امتداداتها والمحاذير التي قد تجلبها على المصالح الأميركية في عموم دول المنطقة.

وتدرك واشنطن قبل غيرها -وخصوصا من تجربة احتلال العراق- أن التفاهم العراقي مرهون بدور إيراني متميّز ودور أميركي كبير. هل سيكون التفاهم الإيراني-الأميركي بشأن الملف النووي مقدمة لتفاهمات إقليمية إيرانية-سعودية وإيرانية-عربية، لا بخصوص الموصل والعراق فحسب، بل بشأن سوريا وحزب الله وحماس والخليج وأوكرانيا؟ وهو الأمر الذي قد يكون منفصلا عن بعضه، لكنه متصل على نحو وثيق، وهو ما أثبتته سنوات الصراع خلال العقود الأربعة الماضية، ولا سيّما منذ الحرب العراقية-الإيرانية.

إن مرحلة من هذا القبيل تقع في صلب الترتيبات الإيرانية-الأميركية، وقد أبدى الرئيس الإيراني حسن روحاني استعداده للتعاون مع واشنطن في إعادة الأمن للعراق، وفي مواجهة الجماعات الإرهابية في العراق وفي أماكن أخرى.


65
الدّب الروسي والتنين الصيني وصفقة العصر!
عبد الحسين شعبان


وقّعت روسيا والصين اتفاقية بخصوص توريد الغاز الروسي للصين، وتكمن أهمية هذه الاتفاقية بعد صدور عدد من القرارات لمعاقبة روسيا من جانب الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية بسبب دورها في أوكرانيا، لا سيّما بعد انضمام شبه جزيرة القرم إليها.
 وكذلك إعلان دونيتسك ولوغانسك الأوكرانيتين بأغلبية روسيّة أو للناطقين بالروسية الانضمام إلى روسيا أيضاً بعد الاستفتاء الشعبي، الأمر الذي عاظم من المشكلة الأوكرانية، خصوصاً باحتمالات تداخلاتها العسكرية.
كان توقيت انعقاد الصفقة الروسية - الصينية مهماً جداً، فقد كسبت روسيا بتوقيع اتفاقية الغاز مع الصين أكبر سوق عالمي للطاقة، تعويضاً عمّا قد تخسره بسبب تعطّل إمداداتها من الغاز إلى أوروبا، التي تصدّر لها ربع غازها، ليس هذا فحسب، بل إن هذه الصفقة ستكون لها انعكاسات سلبية على مصالح أوروبا والولايات المتحدة، ناهيكم عن دول آسيا المصدّرة للغاز.
وتمتلك روسيا أكبر احتياطي للغاز في العالم، ومن غير الممكن في المدى المحدود تعويض امداداتها من الغاز إلى أوروبا، الأمر الذي يحتاج إلى زمن ليس بالقصير، إذا افترضنا إن انتاج الغاز الصخري الأمريكي سيكون بديلاً ومنافساً معقولاً للغاز الروسي من خلال أسعاره.
وصف بوتين الاتفاقية بأنها "صفقة العصر" وهي الأضخم بين الصفقات جميعها التي أبرمتها روسيا منذ العام 1991، ولعلّ غبطة تشي جني بينغ لا تقل عن سعادة بوتين، رغم أن الأضواء كانت حول الأخير، لأن هذه الاتفاقية التي قرّبت الدب الروسي من التنين الآسيوي، ستعطي مصادر طاقة لشمال الصين
 ويمكن لأوروبا توقيع عقود مع الولايات المتحدة طويلة الأمد للحصول عليه، ولكن ذلك يحتاج إلى عدّة سنوات، فماذا ستفعل أوروبا لو حصل المحذور وتعطّلت أو تعثرت إمدادات الغاز الروسي؟
تقدّر كمية الغاز بموجب الاتفاقية الموقعة بين شركة غاز بروم الروسية الحكومية وشركة البترول الوطنية الصينية (سي أن بي سي) بـ «38» مليون متر مكعب (سنوياً ولمدة 30 سنة).
أما قيمة الصفقة فتقدر بـ «400» مليار دولار، وحسب تقديرات الخبراء، فإن شركة غاز بروم ستنفق حوال 55 مليار دولار في التنقيب وتشيّد خط أنابيب للتصدير إلى الصين. وقد أدرك فلاديمير بوتين الرئيس الروسي بعد توقيع الاتفاقية مع الصين أهمية هذا الحدث التاريخي، خصوصاً أنه أكبر عقد في تاريخ قطاع الغاز منذ عهد الاتحاد السوفييتي السابق حتى الآن.
وقد كانت المفاوضات طويلة ومضنية، لكنه في نهاية المطاف توصّل الطرفان إلى شروط مقبولة لهما وبتنازلات متبادلة، حرصا على الوصول إليها.
لقد وفّرت هذه الاتفاقية وجوداً لروسيا في سوق الطاقة الصيني، وبذلك قطعت الطريق على احتمالات استيرادها من دول أخرى.  فهذه الاتفاقية تتجاوز إلى حدود كبيرة خطوط الأنابيب التي تم بناؤها باتجاه الغرب، من الاتحاد السوفييتي السابق في الثمانينات.
 وقد كانت واشنطن أوّل من حذّر أوروبا من الاعتماد على الغاز الروسي، لكن القارة الأوروبية استمرت على علاقتها رغم المخاطر التي تهدّدتها، ولعلّ السبب يعود إلى أن السياسة البيئية الأوروبية كانت تريد الاعتماد على الغاز الطبيعي بدلاً من النفط والفحم.
 لذلك اتجهت صوب الغاز بدلاً منهما، لكن إمكانية الاعتماد على الطاقة المستمرة لازال محدوداً، ولهذا فإن سوق الغاز كان حاضراً كمصدر نظيف هيدروكربوني، ولم تجد أوروبا سوى الاعتماد على روسيا في ذلك، لأنها لم تحصل على مورّد آخر مناسب.
إن توقيع الاتفاقية الروسية - الصينية سيمنح روسيا سوقاً بديلاً لتصدير الغاز الروسي، غير السوق الأوروبية، ومن جهة أخرى يتيح لها التصرّف بمرونة اقتصادية وسياسية، سواء مع الشرق أو مع الغرب.
 وإذا كانت تشييداتها الأنابيب المتوجهة للغرب جاهزة، فإن تشييداتها للشرق ستكون جاهزة أيضاً، وهو ما يعطيها قدرة من المرونة في تزويد الاثنين كأهم الأسواق العالمية بالغاز الطبيعي، ويزيد الأمر أفضلية لروسيا لموقعها الاستراتيجي.  إذ بإمكانها تشييد الأنابيب بينها وبين الدول المستهلكة دون العبور في دول ثالثة (باستثناء الخلاف الأوكراني الذي يعتبر استثناءً) فقد كانت جزءًا من الاتحاد السوفييتي السابق وفي الوقت الحاضر جزء من أوروبا. يقول الخبير النفطي وليد خدوري: "من المحتمل أن يتحوّل الغاز مصدر الطاقة الأكثر نمواً مستقبلاً، نظراً إلى المزايا التي يتمتع بها. وعلى رغم المحاولات الأوروبية، لن تتمكن أوروبا من الاستغناء عن الغاز الروسي.  وقد تتمكن في المستقبل المنظور، من الحصول على امدادات غازية من دول أخرى، لكن يستبعد تعويض مجمل الغاز الروسي المستورد".
 ويحتاج الأمر إلى 5-6 سنوات لتعويض الغاز الروسي بوصول الغاز الصخري الأمريكي، لكن هل بإمكان أوروبا الاستغناء عن ذلك إلى نهاية العقد الجاري أو ما بعده بقليل؟ ورغم الفارق بين الأسعار المتوقعة للغاز الأمريكي الصخري الذي سيتراوح بين 3-4 دولارات لكل مليون وحدة حرارية مقارنة بنحو 14-18 دولارا للغاز التقليدي، فإن الصين ضغطت حالياً على روسيا لتخفيض الأسعار كي لا تنتظر الغاز الصخري الأمريكي، وهو ما جعل المفاوضات تطول، بحيث تضطر روسيا للقبول بحل وسط كما قال رئيسها بوتين.  وبالطبع فإن روسيا تعتبر موضوع الغاز تحدّياً لأمنها القومي، ولعلّ ذلك ليس بعيداً عن ذراعها الطويلة في أوكرانيا، كما أنه ليس بمعزل عن وجودها في سوريا. لقد نقلت الاتفاقية الروسية- الصينية العلاقات بين البلدين إلى مستوى عال جداً، وهو أقوى مستوى بين البلدين منذ تدهور العلاقات بينهما بعد العام 1957، لا سيّما بين الزعيمين نيكيتا خروشوف وماوتسي تونغ، مروراً بقطيعة آيديولوجية  في العام 1960، وصولاً في العام 1969.  حيث بلغت الأمور إلى شفير حرب نووية كادت أن تندلع بين البلدين، رغم نظامهما الشيوعي، وشهد البلدان اشتباكات حدودية وتراشق إعلامي وحروباً اقتصادية، وهو ما فتح الباب لعلاقات بين بيكين وواشنطن مهّدت لها زيارات كيسنجر.
 حيث قام الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون بزيارة إلى جمهورية الصين الشعبية  في العام 1972 والتقى بالزعيم الصيني ماوتسي تونغ، وهو أول رئيس أمريكي يصل إلى بكين، بغرض فتح صفحة جديدة  في العلاقات بين البلدين، بعد أن كانت العلاقة بينهما مقطوعة بسبب الحرب الكورية، وقيام الولايات المتحدة بدعم عسكري وسياسي مستمرين لجمهورية الصين الوطنية (تايوان)، إضافة إلى دعم بكين وموسكو لجمهورية فيتنام الشمالية.  لذلك وصف بوتين الاتفاقية بأنها "صفقة العصر" وهي الأضخم بين الصفقات جميعها التي أبرمتها روسيا منذ العام 1991، ولعلّ غبطة تشي جني بينغ لا تقل عن سعادة بوتين، على الرغم من أن الأضواء كانت حول الأخير، لأن هذه الاتفاقية التي قرّبت الدب الروسي من التنين الآسيوي، ستعطي مصادر طاقة لشمال الصين، حيث تسعى الصين لتسريع التنمية الاقتصادية والحد من الاعتماد على الفحم الحجري ذي الأثر السيء على البيئة.
لعلّ حصول الصين على الغاز سيقلل من الاعتماد على مصادر الطاقة في مناطق أخرى من العالم مثل الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في ظل المخاطر والاضطرابات السياسية والأمنية، وستعزّز هذه الصفقة من قوتها الاقتصادية دولياً، وظلّت الدول الغربية متحرقة لمعرفة " السر التجاري" المتعلق بسعر الغاز. حيث كان بوتين لا يريد العودة من شنغهاي دون اتفاق، قبل لقائه المرتقب مع الرئيس الأمريكي باراك أوباما والمستشارة الألمانية انجيلا ميركل في شهر (يونيو) 2014 وكأنه يريد إرسال رسالة استباقية بأن خياراته هي غير الاعتماد على أوروبا في حصوله على العملة الصعبة.
إن زيارة بوتين تأتي بعد 25 عاماً من زيارة غورباتشوف آخر رئيس للاتحاد السوفييتي للصين (1989) في سياق مساعي التطبيع بين البلدين، ورغم تطور العلاقات بين البلدين وتوافقهما في قضايا دولية حادة مثل الموقف من: العراق قبل الاحتلال في العام 2003، وكوسوفو في العام 1999، لا سيّما إزاء التدخل العسكري لحلف الناتو، وليبيا بخصوص موقف حلف شمالي الأطلسي "الناتو"، وسوريا حيث تقف روسيا بشدّة ضدّ تدخل الأمم المتحدة وتستعمل الفيتو ومعها الصين ضد قرارات كان لمجلس الأمن أن يتخذها.
كما شكّل البلدان ركنين أساسيين من أركان البريكس (الدول الخمس: روسيا، الصين، الهند، البرازيل، جنوب أفريقيا) لشراكة اقتصادية ولدور في مواجهة الاحتكارات العالمية.  لعلّ تلك الممهّدات كانت وراء صفقة العصر باتفاق المصالح وتبادل المنافع المشتركة، خصوصاً إزاء تفرّد واشنطن وحليفاتها، وهيمنتها على السياسة الدولية.

   باحث ومفكر عربي


66
من مذبحة ماي لاي إلى سجن أبو غريب!

عبد الحسين شعبان
 
سيمور هيرتش أحد أبرز الصحافيين الاستقصائيين وأكثرهم شهرة هو الذي قام بكشف فضيحة سجن أبو غريب، وقد صُدم العالم بتقرير نشره مع صور لسجناء عراة وهم يعاملون بإهانة وتقودهم جندية أمريكية وهي تمسك بحبل، فهل تعلّمت واشنطن درساً مما حصل؟ وهل استفاق العالم لوضع حد لهذه الظاهرة المشينة التي لا تزال مستمرة في عالمنا، على الرغم من أن المجتمع الدولي منذ العام 1948 كان قد قرّر في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (المادة الخامسة): «لا يجوز إخضاع أحد للتعذيب ولا للمعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو الحاطّة بالكرامة». وفيما بعد اعتبرت الاتفاقية الدولية لمناهضة التعذيب، الصادرة في العام 1984 جريمة التعذيب لا تسقط بالتقادم، الأمر الذي يعني إمكانية ملاحقة مرتكبيها بغض النظر عن مكان وقوع الجريمة وتاريخ حدوثها.
الصحافي سيمور هيرتش الذي سبق له أن كشف مذبحة ماي لاي التي قام بها الجيش الأمريكي العام 1969 أثناء الحرب على فيتنام، والذي نال جوائز عديدة ومرموقة، قال بمناسبة الذكرى العاشرة لفضيحة سجن أبو غريب: كان هناك سجناء عراقيون عراة وجرى إذلالهم جنسياً وتعذيبهم واقتيادهم خلف بعضهم كالكلاب، وكان إلى جانبهم جنود أمريكيون يلتقطون الصور مستمتعين.
انتشرت تلك الصور في العالم على نحو مذهل مثيرة جدلاً أقرب إلى الدوي عن جريمة شن الحرب واحتلال العراق، خارج نطاق ما يسمى بالشرعية الدولية، ثم جرائم الحرب المرتكبة، بما فيها أعمال الإبادة المنافية للإنسانية، وخصوصاً للسكان المدنيين، بالضد من اتفاقيات جنيف لعام 1949 وملحقيها لعام 1977.
 قال سيمور هيرتش بمناسبة الذكرى العاشرة لفضيحة سجن أبو غريب: كان هناك سجناء عراقيون عراة وجرى إذلالهم جنسياً وتعذيبهم واقتيادهم خلف بعضهم كالكلاب، وكان إلى جانبهم جنود أمريكيون يلتقطون الصور مستمتعين.

وكانت فضيحة أبو غريب بما لها من رمزية أخلاقية وإنسانية وقانونية بداية العدّ العكسي للاحتلال الأمريكي للعراق، خصوصاً بعد الخسائر المادية والمعنوية التي لحقت بالولايات المتحدة وسمعتها، والتي زادت على أربعة آلاف و800 قتيل وأعداد من الجرحى بلغت 26 ألفا مما تحتفظ به سجّلات البنتاغون، غير الجماعات المتعاقدة معها والشركات الأمنية والمرتزقة، وأكثر من تريليوني دولار، الأمر الذي عاظم من جهود الرأي العام الهادف إلى الانسحاب من العراق، وزاده تأثيراً وعمقاً الأزمة المالية والاقتصادية في الولايات المتحدة والعالم.
وكانت إشارة البدء بنشر أخبار الفضيحة، تقرير سري سمّي بتقرير «تاغوبا» نسبة إلى اللواء أنطونيو تاغوبا الذي قاد عملية التحقيق بجرأة مؤكداً حصول الانتهاكات. وبالطبع لم يكن ما حصل بعيداً عن تقارير منظمات دولية مثل منظمة العفو الدولية أو الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان (FIDH) أو المنظمة العربية لحقوق الإنسان أو منظمة مراقبة حقوق الإنسان (HRW) فقد سبق لهذه المنظمات جميعها أن تحدثت عن الظروف القاسية للسجون العراقية بعد الاحتلال، مثلما تحدثت عنها قبله، لكن الأمر كان يحتاج إلى أدلة وإثباتات، خصوصاً وأن وسائل الإعلام لا تكتفي بنشر الأخبار، بل يستلزم الأمر عرض وثائق وصور، والاستماع إلى شهادات مباشرة، وهذه بحد ذاتها خبر، فالصورة في عالم اليوم وفي ظل العولمة وثورة الاتصالات والمواصلات وتكنولوجيا المعلومات والطفرة الرقمية «الديجيتل» أصبحت خبراً يغني عن الكثير من المقالات، لاسيّما وهي تتسلّل عبر الانترنيت والتويتر والفيسبوك والهاتف النقال والمحطات الفضائية بعد لحظات، فتدخل البيوت وغرف النوم دون استئذان لتعمل على تشكيل الرأي العام والتأثير عليه.
ولعلّ ذلك ما حصل بخصوص سجن أبو غريب والفضيحة المدوّية التي أثارها، كان قد لفت الانتباه العالمي في الوقت نفسه إلى سجن غوانتانامو الذي وعد الرئيس أوباما في ولايته الأولى بإغلاقه بعد مرور عام، لكنه لم يفعل شيئاً حتى الآن، وكذلك بخصوص السجون السرّية الطائرة والسجون السرّية العائمة، وهي سجون متحرّكة وغير ثابتة.
كان اللواء تاغوبا حسب سيمور هيرتش، رجل رائع وشريف، وقد انتهت حياته المهنية بعد ذلك، ولاسيّما عندما كشف حقيقة التعذيب الذي حصل في سجن أبو غريب، وكان تقريره «كلمة السر» أو القاسم المشترك لجميع القوى المناهضة للاحتلال، حيث انتشرت في كل مكان، وسرت مثل النار في الهشيم، وكانت الصورة التي هزّت العالم في العام 2004 قد أصبحت إحدى بشاعات الاحتلال: رجل يرتدي الأسود بالكامل وقد تم وضع كيس أسود على رأسه، وتعليق الأسلاك في يديه ووقف على علو، فاتحاً ذراعيه، تلك الصورة وحدها شهادة على الطبيعة اللاإنسانية للاحتلال.
تعرّفت لاحقاً على صاحب تلك الصورة الشهيرة واسمه علي القيسي وأجريت معه حواراً، ليقدّم فيه شهادته الحية عن التعذيب في سجن أبو غريب، وهو ما نشرته مجلة المستقبل العربي الصادرة عن مركز دراسات الوحدة العربية في حينها، وكانت صورته قد سبقته إلى المحافل الدولية والحقوقية وإلى شاشات التلفاز ووسائل الإعلام المختلفة.
يقول علي القيسي : تم اعتقالي في 13/10/2003 في منطقة العامرية في بغداد، وجرى نقلي إلى أحد المواقع العسكرية الأمريكية التي فيها معتقل أيضاً، وبقيت فيه يومين، ومن ثم تم نقلي إلى سجن أبو غريب... وكان أول سؤال لي هل أنت سني أم شيعي؟
وعندما حاول القيسي مجادلة المحقق، قال له المحقق بحزم: أجبني، ثم وجه له سلسلة من الاتهامات من بينها أنت ضد السامية، وبعدها سأله لماذا لديك تداخل جراحي في يدك... فلا بدّ أن تكون قد ساهمت في مقاومة القوات الأمريكية، ولم يقتنع المحقق أن عملية يدي كما يقول، أجريت قبل الاحتلال حتى بعد تزويدي له باسم الدكتور الذي أجرى العملية (عماد سمسم) وزوّدته برقم هاتفه.
وكانت عملية «الحصان الحديدي»  تقتضي جمع أكبر عدد من وجهاء المجتمع وشخصياته النافذة، والذين هم على معرفة بأحوال الناس، وذلك بهدف التعاون مع الاحتلال، والاستفادة منهم في ملاحقة العناصر التي تشكّل خطراً على الأمريكان.
يستغرب القيسي من هذا الطلب لأنه لم يكن ثمة أخطار على الأمريكان في تلك الفترة، لكن الضابط قال له لقد صرّحت في الصحف ضدنا، وحاولت تنظيف ساحة مهجورة في أبو غريب لتصبح ملعباً للأطفال، وهكذا تم اعتقاله واستغرق التحقيق معه عشرة أيام، وكانت إحدى المجنّدات قد حققت معه لمدة ساعة ونصف وهددته بإرساله إلى سجن غوانتانامو إن لم يتعاون معهم وكان رقمه 151716، وحصل الأمر في شهر رمضان حيث بقي لمدة ثلاثة أيام بدون أكل ويتم صب الماء عليه والأصوات في أذنيه، وبعدها جرى ربطه من يديه في الزنزانة وجاءوا بسماعة وبدأوا بموسيقى صاخبة.
ورداً على سؤالي عن مقارنة لتعذيبه في ظل النظام السابق وتعذيبه بعد الاحتلال، يقول: كان التعذيب أعمى، أما تعذيب الأمريكان فهو فني يستخدم التعذيب النفسي والحرمان من النوم وإطلاق الكلاب والموسيقى. وهو مثل سيمور هيرتش لا يعتقد أن الأمريكان تعلّموا الدرس وأخذوا العبرة من تلك الفضيحة.
وعلى الرغم من الإدانة العالمية لفضيحة سجن أبو غريب وما كتبه سيمور هيرتش فإن التقرير الذي أعدته وكالة المخابرات المركزية الأمريكية حالياً والذي زاد على 6000 صفحة، والذي ظلّ سرّياً، مع تسريبات لملخصه، يقول إن الجيش الأمريكي يستخدم طرقاً غير شرعية للاستجواب والتعذيب. وإذا كانت الحكومة العراقية قد أغلقت سجن أبو غريب، لكن التعذيب لم ينتهِ وما زالت الكثير من الألغاز والخفايا مستمرة، بما فيها تواطؤ بعض الأطباء خارج  شرف المهنة ووجود مستشارين يبرّرون ويسوّغون مثل تلك الأعمال تحت ستار الأمن القومي وهي التبريرات التي سمعناها من واشنطن، وإذا كانت ظاهرة التعذيب متفشية، بل تكاد تكون روتينية في العديد من البلدان النامية ومنها العربية والإسلامية، فإن البلدان الغربية ليست بريئة منه، سواءً إبان تورطها في حروب خارجية واحتلالات عسكرية أو عقوبات جماعية وحصارات دولية أو حتى في سجونها، وتعاظم الأمر بعد أحداث 11 أيلول (سبتمبر) العام 2011 الارهابية الإجرامية، لكن ذلك كلّه لا يسوّغ اللجوء إلى التعذيب كمبرر لمكافحة الارهاب الدولي.

* باحث ومفكر عربي




67
فضاء الشيوعية وهواء الصندوق!

عبد الحسين شعبان
I
أثار كتاب عامر عبدالله " النار ومرارة الأمل- فصل ساخن من فصول الحركة الشيوعية" اهتماماً كبيراً وجدلاً واسعاً لدى أوساط مختلفة، احتفت بصدوره، بل أن بعضها كتب خواطراً عن عامر عبدالله لمناسبة صدور الكتاب ومن وحيه، حتى قبل أن يصدر وذلك لمجرد الإعلان عنه، وخصوصاً بعد حوار الصحافي زيد الحلّي معي عند زيارتي الأخيرة إلى بغداد وعشيّة صدور الكتاب الذي كان قيد الطبع.
وقد امتدّ الحوار ليتجاوز عامر عبدالله إلى الحركة الشيوعية: تاريخها وحاضرها ومستقبلها، وعلاقتها بالحركة الوطنية بمختلف أطرافها سواءً قبل ثورة 14 تموز (يوليو) العام 1958 أو بعدها، وصولاً إلى مشاركة الحزب بالوزارة العام 1972 واستيزار عامر عبدالله ثم استقالته في أواخر العام 1978، لاسيّما بعد انفراط عقد "الجبهة الوطنية والقومية التقدمية".
لعلّ الاهتمام بعامر عبدالله، لم يكن لأنه شيوعياً، فهؤلاء كثيرون مرّوا في حياة الحزب وإدارته من المسلكين والحزبيين الروتينيين، بل لكونه مفكّراً بكل ما تعني الكلمة حيث ترك بصمته الواضحة على الحركة الشيوعية العراقية، بل والعربية، وكان يتمتع بحيوية سياسية بالغة مثلما هو طموحه الذي لا تحدّه حدود، وكان حاد الذكاء يستطيع إلتقاط الجوهري من الأشياء، وقد كان ذلك أحد أسباب خصوماته الحزبية الكثيرة، وأحد مصادر شقائه كمثقف مبرّز، ولاسيّما وهو صاحب رؤية وقلم وموقف أصاب أم أخطأ، وكانت اجتهاداته وآرائه مصدر جدل كبيرين.
حيّا عمود خاص للفنان الكبير يوسف العاني عامر عبدالله مستذكراً علاقته معه، وخصوصاً صبيحة يوم 14 تموز (يوليو) 1958 في دمشق مشيداً باستحضار دوره والكتابة عنه، وفعل همام عبد الغني الكادر القيادي في حزب "القيادة المركزية" الشيء ذاته لمناسبة صدور الكتاب، وكتب عنه زيد الحلي مرّة ثانية بعد صدور الكتاب، وكان الراحل الفنان الكبير نوري الراوي يستعد لكتابة مادة عن عامر عبدالله وذكريات مضى عليها سبعة عقود من الزمان كما سبق وأن حدثني، لولا أن المرض داهمه وأقعده، وفعل آخرون ذلك، وكتبوا لي مباشرة، ولا أريد استعراض جميع الأسماء والرسائل والاتصالات وهي محفوظة لديّ ومدوّنة عندي.
كما أن أوساطاًَ عراقية وعربية وكردية غير شيوعية أبدت اهتماماً بالكتاب بعضهم عسكريين سابقين، وهو ما لمسته مباشرة من خلال اتصالات مباشرة بي سواء في بغداد أو في أكثر من عاصمة عربية وأوروبية، والأكثر من ذلك أن خصوماً تاريخيين للحركة الشيوعية ومن التيار القومي العربي، كانوا أكثر اهتماماً بعامر عبدالله والكتاب من بعض من كانوا رفاقاً أو زملاء لعامر عبدالله، وتلك مسألة لفت الكتاب النظر إليها، وهو ما واجهه بالفعل بعد صدوره.
وهنا الفرق الشاسع بين الحزبي والسياسي، فعامر عبدالله لم يكن حزبياً بالمعنى الضيق للكلمة ممن ينتمون إلى الصندوق ولا يتنفّسون الاّ من هوائه، بل كان سياسياً منفتحاً وكاتباً مجدّداً، لديه معرفة واسعة واطلاع كبير وإلمام بقضايا المجتمع والاقتصاد والتربية والعلوم والأدب والفن والثقافة، وكان يستطيع أن يستنبط الأحكام في ضوء منهجه الجدلي، أي كان مجتهداً وتلك واحدة من إشكالياته، وهي بالمناسبة إشكالية أي مفكر، خصوصاً وقد تجاوز بيروقراطية الصندوق، لينطلق في الحياة بكل آفاقها متّخذاً من الشيوعية فضاءً رحباً. واهتمت بالكتاب كذلك بعض الأوساط الشيوعية العربية، وهو ما قد أعود إليه في وقت لاحق.
قلّة محدّدة هي من أغاظها صدور الكتاب أو عبّرت عن ذلك على نحو مباشر، فتعاملت معه بازدراء ومع كاتبه بنوع من السخط، بل إن هناك من سأل من هو معنيٌ بعامر عبدالله، لماذا يكتب فلان كتاباً عن عامر عبدالله، وهو أمر مستغرب، وكان الجواب ولماذا لا يكتب عنه...!؟ وصل الأمر إلى إطلاق اتهامات، بل سُباب ما أنزل الله به من سلطان، وهي أمور يحاسب عليها القانون لمن لا يعلم ذلك، وإن كانت الكراهية أحياناً تنسي حقائق بسيطة، لكن القانون لا يحمي المغفلين.
لعلّ هذه القلّة صدمتها بعض الحقائق عن ماضي لم يمضِ، ولربما لا يريد أن يمضي، حتى وإنْ كان تناولنا له من باب النقد التاريخي، دون إساءة إلى أحد أو طعن فيه، بل أحياناً العبور على ما هو مُحرج، لاسيّما إذا كان جارحاً لاعتبارات كثيرة، أهمها الجانب الإنساني والاعتبار الأخلاقي، ولكن دون التهاون في الجانب الفكري أو السياسي.
ومع ذلك فقد وجد البعض في المعلومات المنشورة بالكتاب، وعلى لسان عامر عبدالله وبعضها خطّته يراعه على شكل رسائل ومذكرات احتجاج سواءً للسوفييت أو إلى الرفيق عزيز محمد  وكتبها مع الرفيق باقر ابراهيم وآخرين، ناهيكم ما ورد من حوارات ونقاشات وآراء، يضاف إليها انطباعات وتقديرات، أمرٌ مثيرٌ ومُحرجٌ ويخدش من صورته أمام "جمهور" لا يعرف ما الذي حصل؟ ومثل هذا " البعض" ظلّ يحرص على إبعاد عامر عبدالله عن دائرة الضوء، حتى وإن كان قد رحل عن دنيانا، لكن شبحه ظلّ ماثلاً في النفوس والعقول، فما بالك إذا كان هناك من يريد تبديد النسيان؟

II
لا أنكر على أي أحد حقه في تقييم دور عامر عبدالله سلباً، فشخصية مثله تتحمل هذا التقييم المتناقض، سواءً في الماضي البعيد نسبياً أو في الماضي القريب، وهو كأي مجتهد تختلف الناس حوله، علماً بأن الكاتب لم يقصّر في نقد بعض مواقفه، وخصوصاً " اللندنية"، وذلك جزء من النقد الذاتي الذي لم يتورّع الكاتب عن ممارسته بحق نفسه بكل أريحية، وكان الأجدى مناقشة دور عامر عبدالله بروح الحرص والشعور بالمسؤولية، ولكن للأسف إنصبت الشتائم فوق رأس الكاتب الذي ارتكب الكبائر بنشره بعض الحقائق والوثائق،  فقد كان يدرك إنه كمثقف لا يحاول إلا أن يحيد عن وظيفته النقدية، سواء رضي فلان أو علاّن أم لم يرضَ، وهو يعرف بحكم تجربته إن عجز البعض عن ردّ النقد، هو الذي يدفعه لاختيار طريق الشتائم والاتهامات، عوضاً عن الحوار الجاد والمسؤول.
لقد تعامل الكاتب بنفس طويل مع الكثير من العقد في تاريخنا بقلب حار ورأس بارد دون أن تؤثر عليه مثل تلك الانزعاجات أو الازعاجات والحساسيات، ولم يتزحزح عن موقفه النقدي قيد أنملة إيجاباً أو سلباً، الاّ إذا ثبت لديه العكس، وفي نهاية المطاف كل إنسان مسؤول أخلاقياً عمّا يكتب أو يتكلّم، وتعكس تلك الأخلاقية السيماء الشخصي والجوانب الإنسانية للعلاقات بين الرفاق وبينهم والآخرين كبشر مثلهم مثل غيرهم، فما قيمة المبادئ مهما علت وتسامت إن لم تصحبها الأخلاق والاحترام للنفس وللآخر، ولعلّ احترام الآخر هو جزء من احترام النفس.
وإذا كانت ردود الفعل صارخة ومنفعلة، فإنها تعبّر عن ضيق الصدر وتكشف ضعف الحجّة مهما حاول الإنسان إخفاء جزء منها أو عدم إظهاره لها، لكن لحظة الانفعال السريعة  تلك كفيلة أحياناً بإظهار ما أخفاه الزمن وما اعتمل في النفوس من كراهية وحقد، ومن تجاوز على اعتبارات التخاطب وآدابه وأصوله، ناهيكم عن أواصر الرفقة والزمالة، ولو كان البعض يستخدم مثل تلك " الشجاعة" (الانترنيتية) بحق الأعداء أو الخصوم، لقلنا إن ذلك جزء من نهج عام، ولكن الحديث عن هؤلاء يتم بخيط من الحرير وباستخدام كل المطهّرات كي يصدر منها ما يزعج العدو أو الخصم.
ولم نسمع أو نقرأ ما قيل عن " الرفيق" بول بريمر وحاشيته أو عن الاتفاقية العراقية- الأمريكية سوى تبريرات ومجاملات وصيغ مائعة ، بل إننا سكتنا خلال فترة الجبهة عن احتفالات حزب البعث بعروس الثورات 8 شباط (فبراير)، وكان هناك من يتسابق لتجميل مواقف حزب البعث باعتبار تجربته هي نموذج للعالم الثالث، وأصبح صدام حسين كاسترو العراق، مثلما نسينا الشهداء الأبرار في مجزرة بشتاشان، وأخذ البعض يتسابق في الولاء لأصحابها ممن أصبحوا في موقع المسؤولية، ولست أرغب في نكأ الجراح أو إثارة الحساسيات، لكن الحقيقة ينبغي أن تُقال.
لقد حرص الكاتب وفي كل ما كتبه على التذكير بالاحترام والتقدير للنقد، وإنْ كان قد عالجه بطريقته الواضحة وبلغة سياسية سجالية دون أية إساءة شخصية أو تجريح منذ بداية الضوء أو حتى خاتمته. وعندما حدثت مشكلة بين الرفيقين خالد حسين سلطان وجاسم الحلوائي، وتجاوزت حدود المألوف في النقد وامتدت إلى التشهير والإساءة العائلية والشخصية، كنت أول ممن بادر لمخاطبة المعنيين بالكفّ عن ذلك والتوجه صوب نقد السياسات والابتعاد عن كل ما هو شخصاني ومسيء، لأن هذه الإساءة ستلحق الضرر بنا جميعاً، وليس بالرفيقين المتصارعين المتنابزين.
III
من السهل على المرء أن يتعامل بالمثل ويسطّر عشرات الاتهامات وهي صارخة وبعضها معروف، وليس مثل الطلاسم أو الأسرار، الاّ أن هذا التراشق والتباغض والكيدية لا يوصل للحقيقة، فضلاً عن ذلك فلست ممن يفضلون مثل هذه المنازلة، وعندي أن الإساءات والاتهامات والإدانات لا يمكن ردّها بالمثل، ولا أعالج الخطأ بالخطأ، بل أربئ بنفسي وتاريخي الانزلاق إلى هذا المستوى الذي لا أتمنى لأحد أن ينزلق فيه، لأن ذلك سيشوّه صورتنا أمام الأعداء، لاسيّما إزاء قدسية الشيوعية ونبلها وغرضها.
وهكذا "خطيئتان لا تنتجان فضيلة"، و"جريمتان لا تنجبان عدالة"، و"اتهامان لا يصنعان حقيقة"، وكل منّا يعرف عن الآخر من الحقائق الكثير، وفيها الغثّ والسمين، وكلّ منّا يعرف إن مثل هذه الإساءات جرى مسحها من سجلاّت الحزب في لحظة تطهّر كما فعل سلام عادل بعد أن استمرت أكثر من ثلاث سنوات، أيام تمزّق الحزب بين راية الشغيلة والقاعدة وكتل أخرى في الخمسينات، وهكذا أصبحت جماعة راية "البلاط" الانتهازية جزءًا من قيادة الحزب اللاحقة وبضمنهم عزيز محمد وجمال الحيدري، والقصة طويلة ومعروفة، وقد أوردت جزء منها في أحد هوامش الكتاب. وأطاح المؤتمر العشرون بدزينة من مؤتمرات ستالين لنحو 30 عاماً، خصوصاً تلك التي زكّت حفلات إعدام بالجملة ونكلت بخيرة قيادات الحزب، ولكن للأسف لا يزال البعض لا يريد أن يتعلّم من الدروس التاريخية.
وإذا كان البعض يحرص على اسم سلام عادل، فهذا هو تراث سلام عادل إذا أريد التشبث به، والتعامل مع منجزه الكبير، أما كيل الاتهامات والتباكي على سلام عادل فإنه لن يوصل الحزب إلى مبتغاه، ناهيكم عن مجانبة الحقيقة!!
ومع ذلك لم تستطع محاولة الإساءة إلى الكتاب وصاحبه والكاتب، غضّ الطرف كلياً عنه، خصوصاً وقد جاء الكتاب على تقييم لعامر عبدالله بما له وما عليه ارتباطاً من فترة عويصة من تاريخ الحركة الشيوعية، وعلى نحو اتّسمت بالنقد بعيداً عن لغة التمجيد وكذلك بعيداً عن لغة التنديد، لكنه حاول ردّ الاعتبار للتقويم الفكري والسياسي لشخصية من عيار عامر عبدالله، أثّر على مدى ما يزيد عن ثلاث عقود من الزمان في تاريخ الحركة الشيوعية والوطنية العراقية.
على الرغم من بضع ملاحظات لا تمسّ جوهر الكتاب، ولكنها تمثّل قراءة خاصة له، ومواقف تكاد تكون جاهزة  ومكتوبة ولا تخرج عمّا هو سائد ومكرّر وليس فيها جديد بخصوص أحداث كركوك أو الموصل، يقدّرها الكاتب ويحترم كاتبها، لكنه يختلف في وجهة النظر السائدة تلك، لأنه يعتبرها قراءة "افتئاتية" على الواقع وليس "إفترائية"، ناقشها بوضوح وضمن رؤية، تكوّنت لديه منذ نحو ربع قرن أو ما يزيد، وتعمّقت لديه تقديرات مختلفة إزاءها، وهو لا يزعم أنه يمتلك الحقيقة، لكن هذه هي وجهات نظره، دعمها بمصادر ومراجعات ومقابلات، ناهيك عن دراسته القانونية.
وأتذكّر أنني كتبت تقريضاً لكتاب علي كريم سعيد الموسوم" من حوار المفاهيم إلى حوار الدم"  وهو أقرب إلى رحلة في ذاكرة طالب شبيب القيادي البعثي السابق ووزير الخارجية الأسبق في صحيفة الحياة في أواسط التسعينات، تضمنت قراءة مختلفة لما ورد في الكتاب لانقلاب 8 شباط (فبراير) العام 1963 الدموي ولحزب البعث وممارساته الفاشية، ولكن عند مروري على أحداث الموصل، تعرّضت إلى نقد موقفنا على نحو ما يسمح به العرض، وخصوصاً ضمن مراجعاتي.
وبعد بضعة أيام ردّ عليّ أحد الرفاق "القياديين" في الجريدة ذاتها بتعليق لبضعة أسطر (وباسم مستعار)، مشيراً إلى مسؤولية القوى الرجعية والقومية، وأن عدد ضحايانا فاق عدد "قتلاهم"، وهو أمرٌ لا علاقة له مباشرة بما جرى في محكمة الدملماجة السيئة الصيت من إعدامات خارج القضاء، وعلى طريقته الساخرة، اتصل بي ليسألني إنْ كنت قد قرأت ما كتبه "الشخص المزعوم"، فأجبته بنعم، وسألني هل سأردّ عليه؟ قلت له لا، فقال لماذا؟ قلت له "المعلوم لا يردّ على المجهول"، فعليه أولاً أن يكتب باسمه، وقال ماذا لو كتب باسمه هل ستردّ عليه؟ قلت سأفكّر، فإذا كان يستحق سأفعل ذلك وإن كان لا يستحق فقد أهمل وأتغاضى ولا أعير اهتماماً لتعليق هنا ومناكفة هناك، ثم مازحته ولكن لو كتبت أنت سيكون من الممكن تبادل الحوار عبر جريدة محايدة، ثم اقفلنا الموضوع مع تمنيات بليلة سعيدة.
الغريب في موضوع كتاب عامر عبدالله الذي أثار مواجع كثيرة، أن بعض من ناقش الكتاب لم يقرأه ولم يطلّع عليه ولم يتناول ما ورد فيه ولم يعرف ماذا بحث وعن أي شيء تحدّث، هكذا حصلت " الفزعة" العمياء، فهي لا ترى ما في خارج الصندوق، ويصدمها نور الحقيقة دائماً، وانهالت السكاكين والشتائم ليس بحق الأعداء، بل بحق رفيق لديه وجهة نظر، لكنه تم استغلال الحوار للرسالة المفتوحة الموجهة للمؤلف، لتكال له الاتهامات والطعون التي تصل حدّ التخوين والتجريح الشخصي، انطلاقاً من "يقينيات" راسخة تمس الشرف السياسي والأخلاقي، وصولاً إلى العمالة بأشكالها بما فيها الذمّة المالية والشهادة العلمية والدرجة الأكاديمية، وكل ذلك في إطار من العصبية والعصبوية "العشائرية" وكأن الأمر يتعلق بانقراض "الملّة" أو بقائها، وليس حواراً بين شيوعيين حول كتاب لزعيم شيوعي!
أقول "زعيم شيوعي" لأن الزعماء في حزبنا قليلون، وكانت قيادة فهد وقيادة سلام عادل مشروع زعامة لا شيوعية فحسب، بل عراقية أيضاً، لكن النظام الملكي ومن خلفه المستَعْمِر حصدوا الأولى، في العام 1949 وهي في طريقها للاكتمال والتفتح، مثلما حصدت الموجة الفاشية في العام 1963 الزعامة الشابة وهي في طريقها إلى النضج والاغتناء، وهكذا خسر الحزب قيادات من الوزن الثقيل، وكان الغالبية من الذين أصبحوا في موقع المسؤولية منذ ذلك التاريخ أقرب إلى الإدارة الحزبية، وكان عامر عبدالله من أكثر هؤلاء يتمتع بدور زعيم  شيوعي وقائد عراقي، ولعلّ ذلك ينبغي أن يُفرح الآخرون ولا يغيظهم، وعلى الأقل يغبطهم لا يثير حسدهم، والفارق كبير بين الغبطة والحسد، فالغبطة تعني التمني بأن يكون لك مثلما لدى الآخرين من نعمة، أما الحسد فهو التمنّي بـ: زوال نعمة الآخرين.
لعلّ خصومنا عند محاربتهم لنا فإنهم دائماً يختارون ويشخّصون بعض نقاط ضعفنا الإنسانية ويحاولون التركيز عليها، فإذا كان فلان ضعيفاً أمام النساء، استغلّوه من هذه الناحية، وإذا كان الرفيق الآخر ضعيفاً أمام المال دخلوا عليه من هذه الزاوية، وإذا كان رفيق آخر رقيق في الأصل الاجتماعي، وجدوا له الوظيفة التي تمنحه المكانة، وهكذا، أما بعض رفاقنا، فإنهم للأسف الشديد يحاولون تسويد نقاط قوتنا المضيئة، أو تشويهها فالاعتزاز بالنفس خطيئة، والاجتهاد مريب والرأي إنما هو تربّص، سواء أيام الجبهة العتيدة أو بعدها، وكأن الرفيق كل شغله الشاغل، حتى وإن كان بلا عمل، يبحث ويفتش عن أخطاء الحزب ليعارضه. وأي منطق معوج هذا؟
ولعلّ مثل هذه العقلية لا تستطيع تصوّر تكوين رأي خاص، خارج المنظومة السائدة، ويعتبر بعضهم أن المعلومات التي تصل من إدارة الحزب وكل ما تقوله أقرب إلى الحقيقة، ناهيكم عن كونه صحيحاً، دون أن يدركوا أننا بشر وتتحكّم فينا نوازع مختلفة، وفي تربيتنا العامة والخاصة الكثير من العقد والأمراض الاجتماعية، بل هناك جوانب ضعف تؤثر على صدقية البعض، وفي حياتنا السياسية واليومية هناك الكثير من الشواهد، وينسى بعضهم أن معلومات الحزب تأتي عبر رفاقه، ولكل واحد منهم قنواته الخاصة أيضاً، وإنْ كان بعضهم يكتفي بما لدى الصندوق ويأخذ كل ما يريد منه باعتباره الحقيقة الراسخة، وهو الأغلبية المتلقية، وبعضهم يغذّي الصندوق عبر الفضاء الواسع، ويتفاعل ويؤثر ويدقق ويصحّح، والأمر له علاقة بدرجة شعور كل واحد بدوره، وقد يعتبر بعضهم ممن اعتادوا عن تنفس هواء الصندوق حتى وإن كان خانقاً أحياناً، أن ثمة في الأمر غرابة وكل غريب مريب في عرف الذين استمرأو العيش في الصندوق، بل ظلّوا لا يستطيعون رفع رؤوسهم خارجه أو خارج سقفه، أما الفضاء الحر للناس والمجتمع والحياة والشيوعية فهو شيء مريب.
إن إلصاق التهم هي الطريقة المثلى لأصحاب الصندوق، فالرفيق إذا عارض أو أبدى وجهة نظر فقد يكون مدفوعاً أو مندسّاً أو مدسوساً أو حتى جاسوساً، ولكن هل سمعت رأياً للجواسيس يكافح به وينافح عنه، فالجواسيس عادة خنوعين مطيعين مذلّين مهانين. كان عامر عبدالله يقول علينا استنطاق الساكتين، فالساكتون يضمرون ويخفون ولا يعبّرون عمّا يفكرون به، وغالباً ما يتجهون إلى المداهنة للرأي السائد.
لعلّ الكثير من علوم الجاسوسية أصبحت معروفة، ولا يكفي بضعة تعليمات حول اختراقات العدو التي تلقّن في المدارس الحزبية، كافية في كشفهم، إلاّ من في رؤوسهم هوسٌ، ولكن دون معرفة بالأساليب الحديثة لا يمكن بعقلية مفوض الأمن التقليدي ملاحقة هؤلاء؟ لعلّ أول ما تقتضي وظيفة الجاسوس هو عدم الظهور والاختفاء وراء الآخرين وعدم اتخاذ مواقف واضحة، ويتجنّب الدخول في الصراع والسجال والمعارضة، وحسب سعدي يوسف هل رأيت جاسوساً يسكر؟ فتلك تعليماته الدقيقة كي لا ينكشف أمره ويفقد السيطرة على نفسه ويضطر للثرثرة؟ أن مهمته تتطلب الصمت والزوغان والغموض؟ أما الرفيقة إذا تحدثت فحسب البعض فهي ساقطة، فما بالك إذا كان لها رأي؟ وهناك من دعا إلى قطع لسان ثلاثة منهن، إحداهن مناضلة باسلة وزوجة شهيد.
في التجارب التاريخية هناك من يروي عن " قيادي" اعتقل في ظروف غامضة، وتعهد بالتعاون مع الأجهزة النازية، وبعد التحرير احتل موقعاً قيادياً، وكان مداهناً ومهادناً وكتوماً، حتى اتصل به الأمريكان وأخبروه بأن ملفّه حسب توصيفات مفوضي الأمن جاهز، وما عليه الاّ الرضوخ أو افتضاح أمره. لم يطلبوا منه معلومات سياسية أو حزبية أو حتى عسكرية أو اقتصادية، ولم يطالبوه بكتابة تقارير أو لقاءات أو غير ذلك. كل ما طلبوه منه في حالة تقدّم ثلاثة من المرشحين لأي منصب حكومي أو حزبي، فما عليه الاّ اختيار الأضعف، وهكذا ألغم الحزب بعناصر ضعيفة والضعيف يختار الضعفاء دائماً.
في حادثة مثيرة ألقي القبض على أحد الأعضاء القياديين الذي استدرج إلى قبرص والكويت وكاد أن يقع في الفخ النهائي في اليونان، كانت الخطة تقتضي مفاتحته إما العمل لحسابهم أو فضح أمره بوسائل رخيصة، وبسبب تداخل لمخابرات دولية وصراع نفوذ سوري- عراقي هو من " أنقذه" ،وهو ما أبلغني به بعد إطلاق سراحه وللقصة ذيول أخرى.
IV
مصيبتنا إن الكثير من التداخل حصل علينا خلال السنوات الأخيرة، سواءً في فترة الجبهة الوطنية وهي كثيرة ومتنوعة أو ما بعدها في الخارج، ومثل أي حزب يعيش جسمه الأساسي خارج البلد تدخل عليه عوامل جديدة وعناصر غريبة، ليس بعيداً عنها أجهزة ومخابرات دولية، فإضافة إلى امتداد بغداد وأذرعها منذ تلك الأيام، هناك مخابرات علي دوبة والسافاك الإيراني واستحدثاته الجديدة بعد الثورة الإيرانية، إضافة إلى مخابرات عربية وأجنبية متنوعة، ولم تقصّر معنا مخابرات الدول الاشتراكية " الشقيقة"، فقد اشتغلت بنا طولاً وعرضاً، ولعلّ ما نشر من وثائق وأسماء في صحفها ومطبوعاتها كفيل بنا لوقفة مراجعة.
وكم كان الرفيق ثابت حبيب العاني " أبو حسان" يتحسس من بعض تلك "القنوات"، وكم كان يتألم، وهو ما كتبه البروفسور كمال مجيد عنه في صحيفة القدس العربي بلندن؟ ويأتي اليوم من يقول لك إن " رجل المخابرات والبعثي" إياد علاوي هو المسؤول عمّا حصل لأبي حسّان عبر وشايته لعامر عبدالله، التي ظلّ مقتنعاً حتى أواخر حياته بصحة المعلومات وكأن إدارة الحزب أخذت منوّماً طيلة 17 عاماً، علماً بأن عامر عبدالله ومنذ العام 1982 ظل يكتب الرسائل ويخاطب عزيز محمد وقد اطلعت عليها، ويؤكد أنه على قناعة تامة بزيف تلك المعلومات، لكن بعض المتنفذين الذين قادوا حملة ضد أبو حسان حالت دون اتخاذ قرار شجاع بتصحيح وضعه، وذلك حتى قبل مفاتحته بالتهمة التي أنكرها جملة وتفصيلاً (في العام 1984) .
وكنت قد استفسرت من منذر المطلك الذي كان على صلة بموضوع اعتقاله وأكّد لي أن من أشرف وأنبل وأشجع الشيوعيين هو ثابت حبيب العاني، وهنيئاً للحزب وجود رفاقه مثله، وشرح لي بالتفصيل ملابسات اعتقاله، حيث أنزله من سيارته الفولكس واكن في الكرادة، بعد لقاء في بيت أخيه مظهر المطلك، الذي قتل في ظروف غامضة لاحقاً، وضم فيها الرئيس أحمد حسن البكر ونائبه صدام حسين من حزب البعث وعزيز محمد وثابت العاني (من الحزب الشيوعي) ويبدو أن رجال ناظم كزار (وليس بمعزل عن الاتفاق مع صدام حسين) كانوا يتعقبون سيارة المطلك، وعندما تأكدوا بابتعادها بعد إنزال العاني، داهموه واعتقلوه ونقلوه إلى جهة مجهولة.
وكنت قد أشرت إلى قناة الاختراق من جانب الأجهزة البريطانية، ليس في حادثة "أبو حسان" فحسب، بل في البيان الذي أصدرناه مع مجموعة عراقية وهو غفل من التوقيع العام 1981، وأثار حينها جدلاً صاخباً، واتّضح انها ذات القناة التي اخترقتنا. وفي الكتاب تفصيلات إضافية حول الموضوع، بما فيها زيارة وزير الدفاع السوفييتي الجنرال غريشكو التي تأخرت لبضعة أيام، وقد سلّط ضوءًا على هذا الحادث مهدي الحافظ في عمود تم نشره في صحيفة المنبر في العام 1987، وفيما بعد مقابلات وحوارات مع عامر عبدالله ومنذر المطلك وآخرين.
ومع ذلك وبعد كل ذلك ينضوي الحزب تحت خيمة إياد علاوي في انتخابات العام 2005، في حين يتم الهمس سرّاً عمّا ذكره من ارتباطه بأكثر من 14 جهاز مخابرات في العالم، فأي خلق شيوعي هذا؟
ثم من استدرج عدداً من إداري الحزب إلى بغداد، وكيف عرف وطبان التكريتي بذلك، ولماذا أبلغ القيادة الكردية المفاوضة في بغداد عن وجودهم؟ والحكاية وتبعاتها موجودة في الكتاب، بما فيها مصير " الواشي" حسبما ذُكر، ولكننا لم نطّلع على التحقيق ومن اتخذ القرار بتصفيته خارج القضاء، وتلك أمور بحاجة إلى وقفة جدية وقانونية بشأنها دون اتهام أحد، وهناك أكثر من رأي بخصوص الموضوع سبق أن سمعته من رفاق في إدارة الحزب.
 لعلّ طريق الاتهام هو أسهل السبل وأرذلها عند تقييم الناس، أما الساكت أو الخنوع أو المدجّن فهو مقبول، حتى إذا عمل في التنظيم الوطني وأصبح بعثياً لسنوات، وقد يكون مكانه محفوظاً، وحتى لو اعترف ووقّع على صكوك وتعهدات بالبراءة، فهناك مائة تبرير، فهو بموافقة إدارة الحزب وضمن اتفاق خاص،  وقرار من م.س  وهكذا.
V
لقد تعلّمت من تجربتي الشخصية الحزبية والسياسية، أن الرأي هو مشكلة المشاكل، فقد يتم غفران جميع خطاياك إذا كنت متوافقاً مع الرأي السائد، والويل والثبور لك إذا تميّزت برأيك. ولعلّ ذلك ما جلب لي الكثير من المتاعب المحبّبة، بل والشقاء اللذيذ، وإذا كان رأيي في الجبهة الوطنية أو ممارساتها سلبياً، فهذا لا يعني أنه سيكون إيجابياً إذا انتهج الحزب طريقاً مغامراً، وقد انقلب الكثيرون من هذه الضفة إلى تلك وبالغوا بالمرّتين.
ونعرف من كان متحمّساً لضرب الحركة الكردية في العام 1974، ومن حاول فرض الرأي لحل اتحاد الطلبة واتحاد الشبيبة ورابطة المرأة ومن اندفع بتأييد اتفاقية 6 آذار (مارس) العام 1975 بين شاه إيران وصدام حسين ومن تصرّف لدرجة التهوّر إزاء حركة خان النص وطالب بالمزيد من الإجراءات القمعية، ثم من اندفع بإرسال وجبات الرفاق إلى كردستان بطريقة عشوائية ودون قناعة الكثير منهم، لاسيّما الطلبة الذين اضطروا إلى قطع دراستهم، وكنت قد كتبت حينها إلى م.س منتقداً هذا التصرّف، خصوصاً بوضع بعض الرفاق أمام خيار الحفاظ على العضوية أو الذهاب إلى كردستان، وهو ما أبلغني به عدد من الرفاق والرفيقات الأمر الذي أصدر م.س تعليماته بإيقاف إرسال الرفقا الطلبة وأصحاب العوائل والمرضى وغير ذلك.
وإذا كنت معارضاً وأول من قدّم صدام حسين للمحاكمة في كتاب منشور وقدّم له باقر ابراهيم في العام 1981 عن "النزاع العراقي- الإيراني" وتحمّلت عائلتي الكثير من الأذى بسببه ويعرف ذلك كثيرون، فهذا لا يعني موافقتي على الاحتلال الإيراني للأراضي العراقية، لاسيّما بعد الانسحاب العراقي من الأراضي الإيرانية في العام 1982، حيث بدأت طبيعة الحرب تتغيّر، وخصوصاً عندما أعلنت إيران عن مشروعها الحربي والسياسي ومحاولتها لفرض بديلها الإسلامي وعملت على اجتياح الأراضي العراقية.
وكيف لي أن أرضى وأنا المعارض وأمين سرّ المعارضة باستمرار الحصار الدولي والدعوة إلى تشديده خلافاً لوثائق مؤتمر فيينا وصلاح الدين العام 1992، وبالطبع فقد اعترضت، واعتبرتها والمشروع بكامله مرتهن للخارج وللولايات المتحدة وتكوّنت لدي انطباعات بذلك، وإذا كان هذا رأيي وأعلنته، خصوصاً بالضد من ضرب العراق وضد الحصار الدولي الجائر والتعويل على المشروع الخارجي، وهو ما توصلت إليه خلال الأشهر القليلة من وجودي في المؤتمر، لهذا سارعت للانسحاب منه، بصوت عالي، وهو ما أثار ارتباكاً في أوساط المؤتمر، وأعقب انسحابي، انسحابات لاحقة بالتقسيط لقوى وشخصيات اكتشفت بعد حين أنها في إطار شركة لها إدارة خاصة لا علاقة لها بمشروع المعارضة المعروف، وهو ما قلته في مقابلات منذ أواخر العام 1983 وهي منشورة وموثقة، وما بعده.
وإذا كان الحزب يعرف منذ البداية أن المؤتمر مموّل أمريكياً، فلماذا استقتل للإنضمام إليه ويعرف من كان يعارض انضمامه ومن سعى لضمه ولديّ جميع المعطيات الخاصة بذلك، بما فيه الاجتماع التحضيري أيلول(سبتمبر) الذي كتبت بيانه وضمّت لجنة الصياغة كل من: كمال فؤاد وفلك الدين كاكائي وابراهيم الجعفري ورحيم عجينة وكاتب السطور الذي ترأس اللجنة، كما كتبت البيان الختامي للمؤتمر بعد شهر ونيّف من هذا التاريخ (أواخر تشرين الثاني/نوفمبر العام 1982)، ولكن عندما تطوّرت الأمور بعد بضعة أسابيع وصدرت تصريحات تؤيد ضرب العراق وتدعو إلى تشديد الحصار عليه (بحجة الحصار على النظام)، قررت الاحتجاج بكتابة مذكرة بعد اجتماعين للمجلس خلال الأشهر الخمسة الأولى، وهي منشورة ومعروفة ومدوّية، وكنت قد سلّمت نسخة منها إلى الرفيق عبد الرزاق الصافي الذي كان عضواً في المجلس التنفيذي للمؤتمر وهو يعرف مواقفي جيداً في الشام وفي كردستان وفي لندن، ثم أعقبتها باستقالة بعد أسابيع ولم ينبس أحد بكلمة واحدة.
وفي الوقت الذي غادرت المؤتمر احتجاجاً على سياساته العملية، كانت ملاكات الحزب وجماعة الصندوق تشتغل للعمل في مؤسساته، وقد دعا أمين عام الحزب (العام 1994) د.أحمد الجلبي إلى إطفاء شمعة الحزب الستين في إربيل في احتفالية خاصة بالمناسبة. وهي منشورة وموثقة. ولم ينسحب الحزب من المؤتمر الاّ بعد ما يزيد عن سنة من انسحابي منه، وبمذكرة لا ترتقي إلى موقف الحزب ومكانته، وبعد انسحاب أطراف كثيرة منه أو إعلان تجميد نفسها أو استعدادها للانسحاب، أما التخرّصات حول أسفار مزعومة فلم يكن ذلك سوى خيال مريض هو مرجع لبعض من لا حجّة له ويريد النيل من الآخرين، وبالمناسبة فقد دأب الكثير من أعداء الشيوعية على ترويج الأكاذيب والإشاعات فهذا سمير عبد الكريم (الإسم المرادف لجهاز المخابرات العراقية) نشر في الكتاب الذي صدر في أواخر السبعينات والمؤلف من 5 أجزاء والموسوم "أضواء على الحركة الشيوعية": إن فهد عشية إعدامه أبدى استعداده وتعهده لمغادرة العراق وعدم العودة إليه مطلقاً إذا تم إطلاق سراحه.
وقال هاني الفكيكي القيادي البعثي والمسؤول في قصر النهاية في كتابه "أوكار الهزيمة": إن سلام عادل أبدى استعداده لتأييد انقلاب 8 شباط (فبراير) العام 1963 بعد إلقاء القبض عليه، وفتح الحوار إذا توقفت الملاحقات بحق الشيوعيين وأطلق سراح المعتقلين، وهو ما تردد بشكل آخر على لسان حازم جواد.
للأسف فإن بعض شيوعي الصندوق يردّدون لدوافع مختلفة، بعض ما يقوله أعداء الشيوعية بحيث يصبح كلامهم "مرجعاً"، ولعلّ أخطر المعضلات التي تعرضت لها الشيوعية كفكرة نبيلة وحركة سياسية واجتماعية ، ثم فيما بعد كنظام هي، على أيد أصحابها من ضيقي الأفق الذين حوّلوها إلى "شيوعيلوجيا"، أي فكرة نسقية مغلقة وأحكام جامدة وتعاليم سرمدية (شيوعية ضد الشيوعية) وتحت عناوين مختلفة أصبحت أقرب إلى التعاويذ والأدعية، وأي اختلاف سيلقى بك في النار، حيث تبقى الفرقة الناجية، هكذا فعل ستالين وبولوبوت وشاوسسكو وأنور خوجه ومنغستوهيلاميرام وغيره.
إن أعظم الإساءات للشيوعية جاءت من بعض الشيوعيين الذي صبّ بعضهم في طاحونة الأعداء حتى وإن حملوا "المنجل والجاكوك" ولبسوا الأربطة الحمراء، وهتفوا بحياة الشهداء، لكنهم في الحقيقة ألحقوا ضرراً بسمعة الشيوعيين واتبعوا أساليب لا تختلف عن أساليب القوى المعادية للشيوعية، عند الاقتراب من الحكم أو في خارجه، وهناك القصص والروايات المثيرة لاسيّما في فترات الاختراق السياسي، والتي تصل أحياناً لدرجة "الوشاية" المباشرة أو غير المباشرة سواء لأجهزة عراقية أو أجهزة بريطانية أو دولية ومهمة هذه الأجهزة على المستوى العالمي لن تعيد ميتاً أو جنازة، فهي مثل المقبرة ، كل ما يصلها تحتفظ به، حتى لو كانت تدرك أنه كاذب 100%، لكنها تحتفظ به فقد ينفعها يوماً، ولن تكافئ أحداً على " كرمه" و"تبرعه" بالإساءة لرفاقه.

VI
لا أدري لِمَ يستبدل رفيق مهمته الرفاقية النبيلة والحوار المبدأي والأخلاقي، بمهمة مفوض أمن؟ باعتباره يحمل الملفّات وبيده وثائق الإدانة وشهادات حسن السلوك ويعرف الباطن والمخفي والمُضمر، بل إنه يتحرّى ويخترق حتى ما في الضمائر، وهي المهمة التي لا تليق بأحد ولا يتمنّاها أحد، حتى من يقوم بها، تراه أحياناً في لحظة صفاء يلعن الدنيا ومن فيها، وقد عرفت محققون كانوا " يبكون" وكأنهم هم الضحايا، وبعضهم ضحايا بالفعل للنظام السياسي والاجتماعي ولوظيفة القمع التي أدمنوها أو أكرهوا عليها.
بعض مفوضي الأمن ممن أحيل على التقاعد، أصبح بلا أي إثارة، حتى وإن تطوّع لتمشية معاملات بزعم أنه يعرف الروتين، ولكن تعنّ عليه بين الفينة والأخرى اختلاق قصة عسى أن يلفت النظر إليه، وهو وإن اضطرّ إلى عرض خدماته بحيث يجلس أمام مركز الشرطة يسأل الآتي والذاهب عن امكانية تسهيل معاملته، لكن لا أحد يثق به حتى من يكلفه أحياناً بالمهمات غير المرغوب بها، لأنه ليس مصدر ثقة.
كان ناظم كزار لا يصدر أمر اعتقال بحق المطلوبين أو الملاحقين بصفتهم، فهذا سارق بنك، وذاك مغتصب لفتاة وثالث تاجر مخدرات ورابع شاذ جنسياً وخامس مختلس، وسادس لأنه مزوّر وسابع مطلوب بتهمة خطيرة مثل العلاقة بالصهيونية، وكانت هذه التهم تسبق عملية الاعتقال، ولاسيّما عند مداهمة منزل المطلوب، وخصوصاً إذا لم يتم إلقاء القبض عليه فيسرّب الخبر بهدف تسميم الأجواء وإحداث الرعب المسبق.
وهكذا ترى بعض المعتقلين في قصر النهاية ينهارون قبل أن يصلوا إليه، ويعرف كزار أن تهمة الشيوعية أو الانتماء إلى تنظيم ناصري أو بعثي يساري أو غير ذلك من التنظيمات الكردية لا تعني شيئاً، لذلك يركّز على ما هو أبعد ويسلّط الضوء على ما هو أخطر، ويبدو أن حصيلة بعض أصحابنا من حياتهم الحزبية هي نماذج مقاربة لناظم كزار، ونسى هؤلاء أن علم التحقيق كما درسناه فيه مدارس عديدة، منها المدرسة التي تلقي على المتهم ثلاثون تهمة أو خمسون، وعليه الإجابة عنها، وقد تخطأ في واحدة أو أكثر وحينها سيتغيّر مسار القضية، لكن هذه الطريقة أصبحت معروفة، وهي قديمة مع وسائل الاتصال الحديثة ومنجزات الثورة العلمية- التقنية وتكنولوجيا المعلومات والإعلام والطفرة الرقمية "الديجيتل".
كان عامر عبدالله يردّد دائماً: نحن محظوظون لأن السلطة ليست بيدنا، ولكنّا قد رأينا مجازر مثل مجزرة قاعة الخلد وربما أكثر، وقد دوّن بعض المجازر التي حصلت في البلدان الاشتراكية في كتابه الموسوم "مقوضات النظام الاشتراكي"، الذي هو خلاصة تجربته وإن كان قد كتبها بمرارة، ولعلّ العطش إلى السلطة والصراع على المواقع هو سمة بارزة لشيوعيّ الصندوق الذين كان شغلهم الشاغل هو المكائد والدسائس، فهذا يطيح بذاك وذلك يتآمر على الآخر وهكذا، لدرجة جعلتهم يتصرّفون مع أي موقع مسؤول وكأنهم سلطة، وأحياناً دون روادع وباسم العمل السري الذي جلب لنا الكثير من الويلات والكوارث، حتى وإن كان مفروضاً علينا.
 فنحن وإن كنّا خارج السلطة، لكننا ارتكبنا الأهوال دون مساءلة أو محاسبة قانونية أو أخلاقية تذكر من: تفتيش الغرف وفتح الرسائل والتلصّص على الأسرار وملاحقة الطلبة وعدم تمديد الاقامات وحجب الحصول على جوازات السفر والعلاج والفيزا، بل والاتصال بسلطات البلدان المضيفة لسحب الغطاء السياسي، مع تلميحات بالمشبوهية والعلاقات المريبة، وبعضها يصل إلى القيام بالتعذيب وقتل شيوعيين، ناهيكم عن عدم شعور بالمسؤولية في التعامل مع إرسال الرفيقات والرفاق إلى الداخل لتسجيل انتصارات وهمية، الأمر الذي يحتاج إلى كشف حساب وغير ذلك.
 وهناك عشرات ومئات الأمثلة المعروفة في المنافي البعيدة والبلدان القريبة وفي كردستان، وأحتفظ بالكثير منها. وقد كتب الاعلامي شريف الربيعي مادة في صحيفة الحياة بعنوان "المشبوه"، تحدث فيها عن مراراته والتعامل مع الرأي الآخر ودوّن القاص محمود البياتي جزءًا من تجربته على هذا الصعيد، وكيف تم تهديده بالطرد وكيل التهم له ومطالبته بكتابة تقرير عن الكتلة المنشقة " المنبر"، وينوي إصدار رواية عن ذلك، وأملي أن تساعده أوضاعه الصحية على استكمالها، وأستطيع أن أعدّد عشرات الأمثلة لمثقفين عراقيين عانوا الأمرين من ممارسات جماعة الصندوق.
وأتذكّر أنني عندما عدت إلى الشام من كردستان وذلك بعد مجزرة بشتاشان صيف العام 1983، أول ما فاجأني هو اتهام ضد اثنين من المثقفين الشيوعيين العراقيين، فقيل لي عليك مقاطعتهما لأنهما مشبوهان ويعملان لصالح جهة أجنبية، قلت لمن؟ قيل للموساد الإسرائيلي؟ قلت ومنذ متى، قيل أنهما اعترفا ولدينا الفايل؟ وما عليك إلاّ أن ترتاح وسوف نطلعك على التفاصيل وستقرأها بالكامل.
 ضحكت بسخرية وردّدت مع نفسي "حدّث العاقل بما لا يليق فإن صدّق، فلا عقل له": وأردفت من باب الإستيضاح والمشاكسة قولوا إنهم مع النظام العراقي، فالأمر ممكن وقد يكون اختراقاً على الرغم من رفضي لتهمتهما لمعرفتي بهما، وقولوا أنهما على اتصال بالسوريين، فهو أمر ممكن، لكن أن يكونا مع الموساد ومع إسرائيل، فهذا أمر يكاد يكون مستحيلاً، وقلت ماذا لو عرف السوريون، فماذا سيكون مصيرهما والتهمة كانت رائجة؟  ويبدو أنه أريد لها أن تصل إلى السوريين!!
وقيل لي المهم عدم اللقاء بهما وعدم السلام عليهما أو الترحيب بهما، خصوصاً في الأماكن العامة وعند تجمّعات المثقفين، لأن ذلك قرار الحزب.. بالمقاطعة الاجتماعية لكي يشعرا بالعار والخزي. لم أكترث بتلك التحذيرات الساذجة واللئيمة، وعند خروجي من اللقاء أخذت تاكسي لأزور أحدهما وأستمع منه إلى القصة الكاملة، وهي ليست أكثر من نكاية وخروقات وتقوّلات، كنت أعرفها وهي سائدة في هذا الوسط الذي علينا التعامل معه بحذر وطول نفس ومرونة،  وبعد يومين إلتقيت الرفيق الثاني، دون أي اعتبار للإجراءات التي اتخذتها جماعة الصندوق، والتي شملت لاحقاً العشرات، بل تم تقنينها عبر " نشرات داخلية" تتحدث عن أصحاب الاكتاف الرخوة الذين خارت عزائمهم، وتدعو إلى المقاطعة الاجتماعية! ولأنني كنت أعرف ذلك، فقد سبق لي أن دعوت عبد الرزاق الصافي "أبو مخلص" والرفيق عزيز محمد " أبو سعود" في منزل أحد الرفيقين في جلسة اجتماعية كان تأثيرها كبيراً، ولكن الأمور اتخذت بُعداً آخر عندما استخدمت عصا التأديب والعقوبات والإجراءات التعسفية، ولكل رفيق عشرات الأمثلة على ذلك.
يروي سعدي يوسف الشاعر الكبير في روايته "مثلث الدائرة" عن حملة عقوبات وملفّات وتحقيق واتهامات في اليمن ما أنزل الله بها من سلطان وهو ينقل ذلك على لسان المسؤول الذي عالج تلك الأمور بعقلية أمنية حيث تم فصل العديد من الرفاق مع سيل من الاتهامات والشكوك والعداوات والمقاطعات الاجتماعية.
وحين زرت اليمن في أواسط الثمانينات كانت الحال يرثى لها فالجو الأمني سائد والعلاقات متوترة، وقد طلبت 7 جوازات سفر من اليمنيين إلى رفاقنا الذين كانوا خارج "الكوتة" ومن المغضوب عليهم وسلمتها إلى علي شوكت عرمش وعدد آخر لا أتذكر إلى عدد من الرفاق في الشام.
لقد قدمّت نحو ثلاثة آلاف مذكرة للسوريين خلال عملي مسؤولاً عن العلاقات في الشام 1981-1982، ثم بعد ذلك في المنبر أواسط الثمانينات حتى نهاياتها وساعدت عشرات، بل المئات من الشيوعيين وأصدقائهم، وكنت أختلف مع الكثير من الرفاق في إدارة الحزب حول طلباتهم الشخصية، فذاك يريد هوّية عدم تعرّض باسم "مستعار" موجود في الجواز، وآخر يزعم أنه غير معروف وسرّي، لكنه يطلب التعريف به بشكل خاص من القيادة خوفاً من مداهمة رجال الأمن، وهذا يستدعى ويطلب مني الذهاب معه للمخابرات، ولقد عرفت الكثير من النماذج والمعلومات والأسرار التي لو دوّنتها لكانت صدمة حقيقية، لكنني كنت ولا أزال حريصاً عليها، حتى أن البيت الذي أريد استئجاره مقراً لقيادة الحزب، كنت قد استأجرته باسمي، وهو قرب السفارة السوفييتية، إضافة إلى منزل آخر كنّا نستخدمه بتعريف مني.
وأعتقد أن السوريين خلال تعاملهم معي كانوا يدركون مدى حرصي على عدم خرق القانون وفي الوقت نفسه حرصي على وضع حدود ومسافة بين الحزب وبين أجهزة الدولة ومؤسساتها، وكنت أسعى دائماً أن تمرّ غالبية القضايا من خلال قناة سياسية وهناك قصة رويتها جمعت عامر عبدالله وفؤاد بلاّط وكاتب السطور، حين اقترح علينا إقامة علاقة مباشرة مع علي دوبا، وكان جوابنا دون اتفاق ودون أن ينتظر أحدنا الآن: هو أننا نقيم علاقة سياسية ، وللقضية ذيول أخرى.
وخلال عملي رئيساً للمنظمة العربية لحقوق الإنسان في لندن، قمت بتقديم تسهيلات وكتابة رسائل لنحو 7 آلاف شخص، بينهم حوالي 6000 آلاف من العراقيين في بريطانيا وما يزيد على 1000 شخص في أوروبا إضافة إلى نحو 1000 شخص من العرب وخصوصاً من الفلسطينيين والبحرينيين والليبيين والسودانيين وغيرهم، بهدف الحصول على اللجوء السياسي واحتفظت بملفاتهم، بما فيها بعض مبالغاتهم، وكنت أنصحهم بما يقدّمون به أنفسهم، وهناك عشرات من القيادات العراقية الحالية، كان لي دور في حصولها على اللجوء السياسي، إضافة إلى قيادات شيوعية، بمن فيهم بعض الذين ارتكبوا بحق رفاقهم، لكن الحيدة كانت تقتضي عليّ مساعدة الجميع دون النظر إلى تفاصيل عملهم السياسي، التي لم تكن تعنيني ولا زلت.
ويخصّص سعدي يوسف عدّة صفحات من روايته لقضية النظرة التشكيكية والإجراءات القمعية الداخلية وأساليب الوشاية والإيقاع والدس وهي بكل الأحوال، تصرّفات لا تليق أن تكون بين شيوعيين، حتى وإن اختلفوا أو خرق بعضهم الضبط الحزبي المزعوم  وهو ضبط مخترق من " الفوق" ومن الغير، كما هو معروف وليس من جانب رفاق مثقفين كل ما عندهم لا يؤخر ولا يقدّم، وهم أقرب إلى ضمير الحزب الذي يتّسع للنقد والمراجعة والتنوير.
VII
لقد احتوى كتابي عن عامر عبدالله على وثائق ساهم الراحل في كتابتها وقد نشرت مجتزأً ضافياً من تقرير الكونغرس الثاني لعام 1956 والموسوم " خطتنا في سبيل التحرر الوطني والقومي..." ( المبحث الخاص بالسياسة التحررية العربية والمسألة القومية الكردية)، نظراً لأهميته وحيوية الاستنتاجات التي توصّل إليها، وهناك من يجادل بأن الرفيق سلام عادل هو من كتبه أو أشرف عليه، وهي مناكفة لم أجد لها مبرّراً، خصوصاً بإنكار مساهمة عامر عبدالله وهي معروفة، خصوصاً وهو كاتب ومؤلف ومترجم وما نشره بعد ثورة 14 تموز (يوليو) العام 1958 وما ألقاه من محاضرات، لاسيّما حول الوحدة العربية والاتحاد الفيدرالي وما نشره في صحيفة اتحاد الشعب (حتى وإن كان بإشراف سلام عادل) ما يؤكد ذلك، وللأمانة أقول أن عامر عبدالله أبلغني أنه هو الذي كتب التقرير بإشراف سلام عادل وموافقته، ولعلّ ذلك يمثل أسلوبه وتوجهه، وإن كان توجّهاً عاماً آنذاك، لاسيما في فترة ما قبل الثورة. والمهم فإن التقرير هو ملك الحزب سواء كتبه عامر عبدالله أو سلام عادل أو وضع الثاني خطوطه العريضة وكتبه وأنجزه عامر عبدالله. ولا أدري لماذا يستفز البعض من دوره ومساهمته؟!.
كما نشرت شهادته ضد محمد فاضل الجمالي في محكمة الشعب، لدلالتها الراهنة، فيما يتعلق بالموقف من المعاهدات المذلّة والمجحفة، بما فيها الإتفاقية العراقية – الأمريكية التي وافق عليها الحزب العام 2008.
ونشرت رسالة (مذكرة) احتجاج باسمه وعدد من قادة الحزب ويبدو أنها موجهة للسوفييت، كما أكد لي باقر ابراهيم لاحقاً، يشرح فيها تدهور أوضاع الحزب بعد الهجرة إلى الخارج العام 1978-1979 ويصف استغلال تلك الظروف من جانب بعض الرفاق القياديين لأغراض وصولية وذلك بالتحريض على وضع الحزب في طريق الانعزالية والمغامرة والتذبذب وإشاعة مظاهر البيروقراطية والفردية والتسلّط وأجواء التحريض والإساءة والتنكيل بكوادر الحزب وأعضائه.
وتقول مذكرة عامر عبدالله: لقد نجم عن هذا النهج المغامر تفاقم خسائر الحزب وتضحياته التي بلغت 500 شهيد يمثلون صفوة كوادر الحزب وعناصره الواعية... بالإضافة إلى بضعة ألوف طردوا من الحزب أو تُركوا تحت تأثير أسباب مختلفة... ونظراً لتفاقم الخسائر... فقد جرى التستر عليها واخفاؤها عن أعضاء الحزب وكوادره، حيث بلغ عدد الشهداء بين اجتماعي اللجنة المركزية من تموز 1984 حتى تشرين الأول 1985 (100 رفيق) وكان من بين هذا الرقم، الأحداث المفجعة بإعدام نحو 50 رفيقاً من مفارز الأنصار داخل مدينة إربيل في يوم واحد، وفق تواطؤ غادر مع دوائر الأمن العراقية.
تتطرق المذكرة إلى عقلية وإجراءات " التمييز القومي" داخل الحزب وتقلّص " دور القادة والعناصر العربية تدريجياً" ويعتبر ذلك ظاهرة مستمرة وبلغت ذروتها في المؤتمر الرابع وما بعده. وتدعو الرسالة إلى تعديل موقف الحزب من الحرب العراقية – الإيرانية، التي " اتخذت طابعاً عدوانياً توسعياً من جانب إيران".
وتنقل الرسالة ما قاله الرفيق عزيز محمد " إننا اجتمعنا لكي بلغي نصفنا النصف الآخر" وتصف الإجراءات تلك بالإنقلاب الفوقي، حيث جرت التهيئة له بحملات الدس والإساءة ضد عدد كبير من الرفاق القياديين داخل منظمات الحزب والصحافة والخليج وقبرص وغيرهما قبل ثلاث شهور من عقد المؤتمر، بوسائل تبعث على الارتياب حيث تسلل إليها هذا التأليب المغرض ...وطالبت الرسالة "وضع حد لأساليب التجسس والوشاية والتأليب داخل الحزب والتطاول على الشرعية الحزبية وانتهاك قواعد النظام الداخلي وتصفية مظاهر التسلط والبيروقراطية والقيادة الفردية".
واتخذت مذكرة أخرى باسم عدد من قادة وكوادر الحزب كتبها عامر عبدالله وحملت توقيع نوري عبد الرزاق، وتحدثت باسم باقر ابراهيم وحسين سلطان وعدنان عباس وماجد عبد الرضا ومهدي الحافظ وخالد السلام وأحمد كريم وكاتب السطور، وعبّرت عن مجموعة واسعة من كوادر الحزب وأعضاء الحزب ذات التوجه وطالبت بإعادة الحزب إلى ساحة عمله الرئيسي داخل الوطن ومعالجة الموقف من الحرب مع إيران في ظروف الاجتياح العسكري والتهديد المعلن بغزو العراق ومن أسلوب الكفاح المسلح وإضعاف استقلالية الحزب وتفشي الظواهر الغريبة في حياته واتخاذ إجراءات جائرة ضد عناصر قيادية كفوءة، ودعت إلى حلول ومعالجات منها: تكوين هيئة عمل مؤقتة ووضع وثيقة سياسية مركّزة حول الأهداف والمهمّات وتدارس أوضاع ما بعد الحرب وحل القضية الكردية ومسائل الحريات الديمقراطية وإعادة البنا

68
روسيا وأوكرانيا.. حزام الأزمات
عبدالحسين شعبان

عادت روسيا كقوة فاعلة بعد أعوام من الانكفاء والتراجع منذ انحلال الاتحاد السوفييتي، في العام 1991، وبالتحديد منذ عهد بوريس يلتسن، فقد سعت الولايات المتحدة بمختلف الوسائل والأساليب لإضعافها عبر خلق حزام من التوترات حولها، ولا سيّما على طول الامتداد مع القوقاز، والأمر لم يبدأ بأوكرانيا، بل كانت قبلها جورجيا ومروراً بأرمينيا وأذربيجان ووصولاً إلى قرغيزستان.
لقد حاولت واشنطن أن تجد في هذه المناطق موطئ قدم لها عبر خلق المتاعب لروسيا، تارة من خلال تشجيع أعمال الارهاب، وأخرى زرع الخلاف بين دولها وشعوبها، وثالثة عبر وضع المزيد من المشاكل أمام روسيا، لكن روسيا على الرغم من ضعفها وتراجعها، إضافة إلى هزيمتها في البلقان ولا سيّما في يوغسلافيا، ومن ثم انفصال كوسوفو عن صربيا، استطاعت إحراز انتصارات راكمتها لتجني ثمارها تدريجياً منها: نجاحها في الحرب على الارهاب في الشيشان، مثلما ألحقت هزيمة بجورجيا الموالية للغرب، وخصوصاً في أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية، كما تمكنت من إحداث تصدّع كبير في أوكرانيا وثورتها البرتقالية، وقيزغيريا وثورتها الوردية.
روسيا تقول إنها تقف ضد "بلقنة" المناطق المحيطة بها ولن تسمح لواشنطن بتجاوز ذلك، وواشنطن تقول إن روسيا تحاول مدّ نفوذها إلى الجمهوريات التي استقلت عنها بوسائل مختلفة فبعد أن خرجت من الباب تريد العودة من الشباك. ولعلّ ما حدث في شبه جزيرة القرم كان اختباراً للقوة ومجسّاً حقيقياً لاستعداد موسكو على المضي أبعد من ذلك للتمسك بمواقع نفوذها القديمة - الجديدة. فشبه جزيرة القرم تشكل موقعاً استراتيجياً مهماً لروسيا، وتشرف على البحر الأسود وكامل منطقة القوقاز ووجهتها نحو أوروبا، وبالتالي فإن مدّ روسيا نفوذها لهذه المناطق يعني السعي لإعادة تركيب الخارطة الجيوبولتيكية انطلاقاً من الحقائق الجديدة على الأرض.
وكانت الخطوة الثانية لاختبار القوة بعد انضمام شبه جزيرة القرم إلى روسيا، هو الاستفتاء الذي أجري في جمهوريتين (مقاطعتي) لوغانسك ودنيتسك حول حق تقرير المصير في 9 أيار (مايو) الجاري والذي أعلن فيه عن تأييد الاستقلال عن أوكرانيا بنسبة زادت على 89% لمجموع عدد المصوّتين الذي تجاوز 70 % من أصل روسي أو ناطقين باللغة الروسية، وينتظر إما تأسيس جمهوريتين مستقلتين أو الانضمام إلى روسيا لاحقاً مثلما فعلت شبه جزيرة القرم.

طرحت التغييرات التي حصلت في أوروبا الشرقية وفي أعقاب الحرب الباردة وانتهاء الصراع الأيديولوجي أو تحوّله من شكل إلى آخر، المسألة القومية والهوّية الفرعية على بساط البحث، خصوصاً في ظل انعدام المساواة والشعور بالغبن الذي لحق بالهوّيات الفرعية على حساب الهوّيات العامة.

لقد حاول الغرب تشجيع جورجيا للانضمام إلى حلف شمالي الأطلسي العام 2008 بهدف محاصرة روسيا من الخاصرة القوقازية، لكن ردّ روسيا كان اجتياح قواتها لأبخازيا وأوستيتا ذات الأغلبية الروسية، ونرى إن مثل هذا السيناريو يعيد نفسه بالنسبة لأوكرانيا، فأغلبية سكان شبه جزيرة القرم، إضافة إلى مقاطعتي لوغانسك ودنينسك من الروس أو الناطقين بالروسية، ومن يدري فقد ينتظر الأمر خاركوف وكذلك أوديسا، تحت الحجة ذاتها.
لا تقلّ أوكرانيا أهمية عن جورجيا، بل تزيد عليها وهي التي قال عنها لينين: إذا فقدت روسيا  أوكرانيا فإنها ستكون قد فقدت عقلها، سواءً الموقع الاستراتيجي الجيو سياسي والمناطق التي يشكّل فيها الروس أغلبية، وخصوصاً المناطق الحدودية، إضافة إلى أن غالبية المعامل بناها السوفييت في الجنوب والشرق الأوكراني وتعتمد في تصديرها على السوق الروسية، مثلما يعمل نحو مليونين من الأوكرانيين في روسيا.
وإذا كان الحضور الروسي أصبح الرقم الصعب في المعادلة السورية، فإن الانشغال الأوكراني بأوراسيا يشكل الاختبار الحقيقي للقوة ليس على مستوى الإقليم، بل على المستوى العالمي، لأنه سيعيد رسم الخرائط الجديدة للمنطقة ويحدد دور روسيا كقوة عظمى جديدة بعد انكفاء وتراجع.
لقد اتّخذت الأزمة الأوكرانية منذ البداية أبعاداً واضحة ومحددة، الأولى تتعلق بالجيوبوليتيك ودور روسيا الجديد، والثاني يتعلق باستعادة أو ضم شبه جزيرة القرم والثالثة أعادت طرح مسألة الهوّية على بساط البحث، لا سيّما للقاطنين الروس في أوكرانيا، ورابعاً وضعت مسألة الحدود على بساط البحث، خصوصاً في ظل النفوذ والتمدّد الروسي.
وطرحت التغييرات التي حصلت في أوروبا الشرقية وفي أعقاب الحرب الباردة وانتهاء الصراع الآيديولوجي أو تحوّله من شكل إلى آخر، المسألة القومية والهوّية الفرعية على بساط البحث، خصوصاً في ظل انعدام المساواة والشعور بالغبن الذي لحق بالهوّيات الفرعية على حساب الهوّيات العامة، وتحت مبررات مختلفة، وهو الأمر الذي أدى إلى انفصال واستقلال العديد من البلدان، فانقسم الاتحاد السوفييتي السابق إلى 15 دولة وكياناً ويوغسلافيا تحوّلت إلى 6 كيانات وأقاليم، وانفصلت تشيكوسلوفاكيا لتقام بدلاً عنها جمهوريتا التشيك والسلوفاك، وهكذا.
وحتى داخل كل دولة شعرت التنوّعات الثقافية والدينية والإثنية، بالرغبة في التعبير عن كيانيتها على نحو مستقل أو يضمن لها التعبير عن هوّيتها وحقها في تقرير مصيرها، وقد حاولت القوى الكبرى دائماً إثارة الحساسيات ونقاط الضعف باستغلال هذه القضية المثيرة، وهو ما يحصل في أوكرانيا حالياً، حيث ترافق ذلك مع نزعات قومية، أوكرانية ذات صبغة قومية مثل إلغاء قانون اللغات الإقليمية، الأمر الذي حرّض الروس الأوكرانيين أو الناطقين بالروسية في أوكرانيا ودفعهم للبحث عن هوّيتهم الخاصة في مواجهة هوّية الأوكرانيين الذين يشكّلون أغلبية، يضاف إلى ذلك التوجه الأوكراني نحو الغرب الذي يثير حفيظة الروس سواء في أوكرانيا أو في روسيا، وهو الأمر الذي دفعهم للبحث عن السبيل للعودة لحضن الأم الدافئ "روسيا" وهو ما حصل بالنسبة لشبه جزيرة القرم، وقد يحصل للمقاطعتين الجديدتين بعد إعلان نتائج الاستفتاء بحق تقرير المصير بالانفصال عن أوكرانيا.
لقد اختارت روسيا طريق المواجهة مع الغرب في ساحة تستطيع اللعب فيها، وهي تملك الكثير من الخيارات والبدائل بيدها، في حين أن أوراق الغرب محدودة وشحيحة، وهو الأمر الذي يشجع روسيا على المضي في مشروعها، وخصوصاً مع وجود قيادة بوتين التي لها مثل هذا الطموح.
وإذا كانت روسيا قد دعت إلى احترام إرادة السكان وضرورة إجراء حوار بين المكوّنات المختلفة للشعب الأوكراني، فلأنها تدرك إن الأمر الواقع سيصبح واقعاً، فحاولت تكثيف ضغوطها المتزايدة على أوكرانيا، بتهديدها بوقف شحنات الغاز الطبيعي ابتداء من 3 حزيران (يونيو) القادم إذا لم تسدّد كييف مسبقاً ثمنها، وهو ما عبّرت عنه شركة الغاز الروسية العملاقة "غاز بروم"، وكان رئيس الوزراء ديمتري ميديديف خلال لقائه الرئيس التنفيذي للشركة الكسي ميلر، قد قال: إنهم يملكون المال للقيام بهذا الأمر. نعلم أن أوكرانيا تلقّت أموالاً من صندوق النقد الدولي بقيمة 3.19 مليارات دولار... وأضاف حان الوقت لوقف الدلال.. أبلغوهم أن عليهم الدفع مسبقاً.
وروسيا عندما تصمم على ذلك فلأنها تدرك أن حماية خاصرتها يعني إضعاف خصمها عبر عمليات اقتطاع وضم دون أن تنسى أن عدوّها حاول بناء حزام للأزمات حولها، لجعلها تعود إلى ستارها الحديدي التاريخي، مضافاً إليه اليوم "العقوبات"، لكن التمدّد الروسي الجديد كان سريعاً وماكراً!

باحث ومفكر عربي


69
أوكرانيا وانزلاق الهوية
                     
بعد انفصال شبه جزيرة القرم ذات الأهمية الاستراتيجية والحيوية عن أوكرانيا وإعلان انضمامها عقب استفتاء شعبي إلى روسيا، جاء دور شرقي أوكرانيا حيث توجه سكان مقاطعتي (جمهوريتي) لوغانسك ودونتسك إلى إجراء الاستفتاء، تحت عنوان حق تقرير المصير، على الرغم من تحذيرات كييف وتهديداتها وتلويحات الغرب، ولاسيّما الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، بفرض المزيد من العقوبات على روسيا، التي هي اللاعب الأكبر خلف المجاميع ذات الأصول الروسية التي تريد الاستقلال عن أوكرانيا، دون نسيان موضوع الهوّية الروسية والشعور القومي الذي لعب دوراً أساسياً في وصول الأوضاع إلى ما وصلت إليه، خصوصاً في ظل محاولة الغرب طعن روسيا من الخاصرة الأوكرانية- القوقازية .
التاريخ والهوّية وبالطبع اللغة كجزء منهما لعبت الدور الأكبر في رغبة سكان أوكرانيا الروس أو الناطقين باللغة الروسية لطلب الاستقلال عن أوكرانيا، فبعضهم يشعر بالحيف جرّاء خطيئة زعيم الحزب الشيوعي السوفييتي في حينها نيكيتا خروشوف الأوكراني الأصل، الذي كان وراء ضم شبه جزيرة القرم إلى أوكرانيا باقتطاعها من روسيا في العام ،1954 في حين إن البعض الآخر يريد استعادة دور الإمبراطورية الروسية أو الاتحاد السوفييتي السابق كقوّة عظمى مردداً ما كان يقوله لينين من أن روسيا ستفقد عقلها إذا فقدت أوكرانيا .
وبغضّ النظر عن الرغبات والمطامع، فإن الأمر الواقع قد يصبح واقعاً، فشبه جزيرة القرم ستصبح جزءاً من روسيا إذا سارت الأمور كما هي، وسيتم التفاوض على تسويات وترتيبات للعلاقات الأوكرانية- الروسية، والمصالح المشتركة في الحال أو في المستقبل، أما إعادة القديم إلى قدمه، فقد يصبح جزءاً من التاريخ، وتلك إحدى مآسيه أو مساخره أحياناً، والأمر يتعلق أيضاً بمنطقتي (مقاطعتي) دونتيسك ولوغانسك بعد أن صوتتا بنسبة عالية جداً لصالح الانفصال عن أوكرانيا، على الرغم من رفض نتائج الاستفتاء من جانب كييف وعدم اعتراف واشنطن وحلفائها بها .
المقاطعتان تنتظران إعلان نفسيهما جمهوريتين مستقلتين والتقدّم إلى الأمم المتحدة والمجتمع الدولي لغرض الاعتراف بهما بعد استكمال إجراءات تأسيسهما وسن دستورين جديدين لهما وبناء مؤسسات أو تحويل ما هو قائم من الحكم الذاتي إلى مؤسسات دولة، وبعد ذلك قد تقرّران الانضمام إلى الجمهورية الروسية الفيدرالية أو إقامة علاقة متميّزة معها، وعند ذاك يبدأ التفاوض والحوار للتوّصل إلى ماهو مشترك ما بعد الإقرار بالأمر الواقع، وعكس ذلك سيستمر التوتّر وربما العنف والارهاب واحتمالات الصدام المسلح وهي كلها أمور ستبقى واردة، وإن كان حساب ميزان القوى يحتاج إلى دقة وعدم مغامرة حيث تقف روسيا ورئيسها فلاديمير بوتين بكل استعداد لكل طارئ، ومعهما خلفية الامبراطورية الروسية السابقة والاتحاد السوفييتي والمعسكر الاشتراكي، في حين لا تملك واشنطن الأوراق التي تملكها موسكو في منطقة تعتبرها أحدى مناطق نفوذها التاريخية .
لقد حقّقت روسيا ثلاثة أهداف دفعة واحدة، فهي أضعفت أوكرانيا ودفعتها لأزمة مستفحلة ومفتوحة على الرغم من الدعم الغربي، ولاسيّما في الميدان السياسي والاقتصادي، ثم ضمت شبه جزيرة القرم، وأخيراً تمكّنت من فصل مقاطعتي دونتسك ولوغانسك، ومن يدري فقد يكون "استعادة" خاركوف وأوديسا من ضمن خطة روسيا المستقبلية، أي ممارسة عملية القضم والاختراق التدريجي والمرحلي للوصول إلى ما تريد، تحت عنوان "حق تقرير المصير" .
وكان الرئيس الأوكراني ألكسندر تورتشينوف قد وصف ما جرى بأنه مهزلة دعائية بلا أساس قانوني وهي تستهدف التغطية على جرائم وانتهاكات حصلت، مؤكداً عدم اعترافه بنتائج الاستفتاء، علماً بأن الرئيس الروسي بوتين كان قد طلب تأجيله، لكن الأمر حسم قبل ذلك باحتلال مسلحين للمباني الحكومية وبسط سيطرتهم على عدد كبير من المنشآت والمرافق الحيوية . وكان أنصار روسيا أو الناطقين بالروسية قد استفتوا السكان على سؤال واحد: هل تؤيد حق تقرير المصير لجمهوريتي دونتسك ولوغانسك، وبالطبع كانت النتيجة بغالبية 7 .89% بنعم من مجموع الذين توجهوا إلى صناديق الاقتراع والبالغ عددهم أكثر من 70% من السكان، حسبما أوردت بعض الوكالات المقرّبة من روسيا والمؤيدة لحق تقرير المصير . ويستهدف القائمون على الجمهوريتين إجراء استفتاء لاحق لتحديد توجّه الجمهوريتين بالاستقلال التام أو الانضمام إلى روسيا، وقد يتم هذا في نهاية الشهر الجاري (أيار) .
لعلّ ما حصل في أوكرانيا هو جزء من مخلّفات الاتحاد السوفييتي السابق، إذ كان تفككه في العام 1991 وانهيار الكتلة الاشتراكية قد أدى إلى تجاذبات ومنافسات تتعلق بالهوّية وتقاطعاتها وتمترساتها، لاعتبارات سسيوثقافية من جهة وجيوسياسية استراتيجية من جهة أخرى، لاسيّما في ظل الاصطفافات والاستقطابات القائمة، فروسيا التي تحاول استعادة نفوذها لا تسمح لحلف الناتو بناء قواعد صواريخ باليستية على حدودها، وهي هدّدت بالفعل تشيكوسلوفاكيا ورومانيا إذا ما أقدمتا على ذلك، بل حذرت الغرب من مغبّة هذا التوجه، ولهذا فهي لا تسمح ببقاء كييف (أوكرانيا) حديقة خلفية لها، ليتم زرعها بالألغام بدلاً من الورود من جانب الغرب، ناهيكم عن الأهمية الحيوية الاستراتيجية لأوكرانيا كسوق، إضافة إلى ممر للنفط والغاز، ولاسيّما باتجاه أوروبا .
وإذا كانت روسيا تعاني مشكلات داخلية وضغوطاً اقتصادية ومعاشية حادة داخلياً، فإنها تستعمل السياسة الخارجية للدفاع عن السياسية الداخلية، خصوصاً بتوجيه الأنظار إلى الخارج، ليس هذا فحسب، بل تلفت النظر إلى الدور الروسي المنشود على الصعيد العالمي، وهو ما يلقى تأييداً داخلياً، ولعلّ ما تم اختباره في موقف روسيا من الأزمة السورية وإصرارها على عدم فقدان أحد مراكز نفوذها في الشرق الأوسط، مثلما فقدت ليبيا وقبل ذلك مصر والعراق، وإن كان توجّهها للمنطقة لا يزال محدوداً قياساً بالتمدّد الأيديولوجي للاتحاد السوفييتي السابق .
وقد ترافق النهج الروسي الجديد منذ عامين على الأقل، بوصول بوتين مجدداً إلى الرئاسة، بطائفة من الإجراءات منها: طرد برنامج المساعدات الأمريكية وإيقاف بث إذاعة ليبرتي "راديو الحرية"، المموّل أمريكياً وأبلسة خطط واشنطن لنشر الديمقراطية، واعتبارها من مصنوعات وكالة المخابرات المركزية الأمريكية CIA، وقد دفعت بالمنظمات المموّلة خارجياً إلى تسجيل نفسها باعتبارها منظمات أجنبية وغير ذلك من الإجراءات .
ما الذي ينتظر أن تفعله واشنطن؟ وكيف السبيل للتعامل مع المتغيّرات الجيوبوليتيكية، ولاسيّما التي لها علاقة بالهوّية لمناطق أوكرانية ناطقة بالروسية تريد الانفصال عنها، ولكن لمصلحة دولة عظمى، هي عدو لواشنطن قديم وجديد، وإذا ما أضيفت علاقة روسيا بالصين الصاعدة ودورها العالمي، فإن ذلك سيكون أكثر ازعاجاً وأذى لواشنطن؟
وإذا استبعدنا خيار الحرب، فليس هناك لدى واشنطن، سوى الإقرار بالأمر الواقع مع رغبة في تحسين شروط التفاوض والحدّ من التمدّد الروسي، وفي الوقت نفسه العمل على فرض عقوبات على روسيا طبقاً لقانون مانيسكي الذي صدر عن الكونغرس العام ،2012 وهو قانون يتعلق بفرض عقوبات ضد منتهكي حقوق الإنسان، من منع إصدار تأشيرات، إلى حجز ودائع وصولاً إلى فرض عقوبات اقتصادية وحظر متنوّع وغير ذلك .
وفي كل الأحوال فقد خلّفت مسألة الهوّية نزاعات كبرى وحروباً أهلية، وتركت ندوباً وجراحات وحواجز تاريخية ونفسية، ازدادت حدّة وتنافراً في السنوات الأخيرة، رغم وجودها في السابق، إلاّ أنها كانت غير منظورة في ظل الدولة المركزية "الصارمة" والنظام الشمولي، العمودي، ذي الصلاحيات التي تكاد تكون مطلقة .
عبد الحسين شعبان


70
المنبر الحر / " سبايا" بوكو حرام!
« في: 11:16 17/05/2014  »
" سبايا" بوكو حرام!

عبد الحسين شعبان
 
أقدمت منظمة بوكو حرام على خطف 223 طالبة شمال العاصمة النيجيرية أبوجا وهدّدت بمعاملتهن كسبايا، إن لم يتم إطلاق سراح بعض معتقليها، ولا يزال مصير الطالبات مجهولاً ولم يجل حتى اللحظة، الأمر الذي يعكس عجز الحكومة النيجيرية برئاسة غودلاك جوناثان عن صد هجمات منظمة بوكوحرام التي قامت بطائفة من التفجيرات وأعمال العنف والارهاب، خصوصاً استهداف سكان مدنيين في حافلات عامة على مشارف العاصمة، حيث راح ضحية تلك الأعمال أكثر من مئتي مواطن أعزل خلال الأسابيع الثلاثة الماضية.
ومن جهة ثانية فإن أعمال العنف والإرهاب التي تقوم بها منظمة بوكو حرام،  تعكس تدهور الوضع الأمني، خصوصاً إستفحال دور المتطرفين وضعف الدولة واشتداد التعصب الديني، بما له من تأثيرات على عموم نيجيريا باعتبارها أكبر البلدان الأفريقية، ومن أكثرها موارداً وقوة اقتصادية، اضافة إلى التنوّع الديني، حيث هناك نسبة تكاد تكون متوازية من المسلمين والمسيحيين.
تعتبر منظمة بوكو حرام حسب التصنيفات الدولية أكبر منظمة إرهابية بعد تنظيم القاعدة، وكانت المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية فاتو بينيسودا قد أعلنت في شباط (فبراير) 2014 أن المحكمة بدأت بجمع أدلة عن جرائم الحرب التي يعتقد أن جماعة بوكو حرام النيجيرية ارتكبتها خلال الأعوام الماضية ضد المدنيين، وإن المحكمة ستتابع عن كثب التطورات الأمنية فيها معربة عن بالغ قلقها لأعمال الارهاب التي قامت بها الجماعة وخصوصاً في شمال شرق نيجيريا.
تعتبر منظمة بوكو حرام حسب التصنيفات الدولية أكبر منظمة إرهابية بعد تنظيم القاعدة، وكانت المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية فاتو بينيسودا قد أعلنت في شباط (فبراير) 2014 أن المحكمة بدأت بجمع أدلة عن جرائم الحرب التي يعتقد أن جماعة بوكو حرام النيجيرية ارتكبتها خلال الأعوام الماضية ضد المدنيين.

وأضافت إلى ذلك بالقول إن المحكمة في حال تأكدها من أن هناك أدلة تثبت تورطها في ارتكاب جرائم حرب، فإنها ستقوم باتخاذ الاجراءات اللازمة ضد أفرادها وتقدّمهم إلى القضاء الدولي وتقوم بإدانتهم.
وقد أدرجت العديد من البلدان الغربية منظمة بوكو حرام على لائحة المنظمات الارهابية، وقد قررت كندا مؤخراً إعلان الجماعة كمنظمة ارهابية كما أعلنت قبلها واشنطن مجموعتي بوكو حرام وأنصار، النيجيريتين منظمتين ارهابيتين.
تعتبر منظمة بوكو حرام «جماعة إسلامية» أو تزعم انتماءها إلى الاسلام وبلهجة قبائل الهوسا  «النيجيرية» فإن كلمة بوكو تعني الغرب أو التعليم الغربي الذي يعني حسب عرفها حرام، وتزعم هذه المنظمة أنها تريد تطبيق مبادئ الشريعة الإسلامية على نيجيريا. وقد تأسست هذه الجماعة العام 2002 في ولاية بورنو بشمال نيجيريا بزعامة رجل الدين المعلّم محمد يوسف، لكن وجودها الفعلي بدأ في العام 2004، لاسيّما بعد انتقالها إلى ولاية يوبي على الحدود مع النيجر حيث بدأت عملياتها المسلحة ضد المؤسسات المدنية والعسكرية النيجيرية.
يمكن اعتبار أهداف حركة بوكو حرام أقرب إلى أهداف طالبان، أو حتى أنها طالبان النيجيرية أو القاعدة النيجيرية، وتركّزت على منع التعليم الغربي والثقافة الغربية عموماً، وتبرّر ذلك بأن الثقافة الغربية تفسد المعتقدات الإسلامية وأنها تريد فرض تعاليمها الإسلاموية حتى على ولايات الجنوب النيجيرية ذات الأغلبية المسيحية، ويتكون التركيب الاجتماعي للحركة من طلاب وشباب، ترك معظمهم مقاعد الدراسة والتحق بالحركة، كما أن لها امتدادات خارجية، لاسيّما في تشاد وحتى لو كانت أهدافهما واحدة ،بوكو حرام والقاعدة، لكنه لم توجد صلة واضحة بينهما.
وكان اغتيال زعيم الحركة محمد يوسف في 30 تموز (يوليو) العام 2009 ضربة موجعة للحركة، وقد سقط المئات من أعضائها في أشد مواجهة مع الحكومة في التاريخ المذكور، مثلما ألحقت هي الأخرى خسائر كبيرة في صفوف قوى الأمن والشرطة النيجيرية، لكنها استعادت قوتها خلال السنوات الثلاث وبدأت بهجوم مضاد.
يمكن أن تكون للمنظمة مواصفات أخرى، فهي أقرب الآن إلى دولة العراق والشام الإسلامية «داعش» وكلاهما في نظر المسلمين وغيرهم، شوّها الإسلام الحقيقي القائم على التسامح والمحبة والتآلف والتواصي والتآزر، وطلب العلم ولو في الصين، ومن علمني حرفاً ملكني دهراً كما تقول العرب.
لقد اهتزّ الضمير الإنساني لحادث خطف أكثر من 200 طالبة نيجيرية في شهر نيسان (ابريل) الماضي، وتداعت الكثير من الجهات والمنظمات الدولية والإقليمية لإدانة ما حصل مطالبة بالكشف عن مصير المخطوفات ووضع حد لظاهرة العنف والارهاب وملاحقة أعضاء منظمة بوكو حرام الارهابية. وقد عرض الرئيس الفرنسي هولاند استضافة قمة مع نيجيريا لمناقشة الوضع الأمني، وقال في تصريح له من باكو عاصمة أذربيجان حيث يقوم بجولة في دول القوقاز إن الاجتماع يمكن أن يعقد إذا كانت الدول المعنية موافقة عليه. جدير بالذكر أن منظمة الوحدة الأفريقية معنية بذلك مثلما هي بالتحديد نيجيريا وتشاد والكاميرون والنيجيريين، وقد وصل فريق خبراء فرنسيين وبريطانيين وأمريكان للمساعدة في البحث عن مصير الفتيات المغدورات الذي لم يحل حتى الآن. منذ اختطاف الطالبات في 14 نيسان (ابريل) الماضي وعدد الطلبة في المدارس النيجيرية في انخفاض ملحوظ، حيث امتنعت الكثير من العوائل عن إرسال أولادها إلى المدارس؛ خوفاً مما قد يحصل لهم من جانب بوكو حرام.
وقد نقلت بعض وكالات الأنباء أن بعض المخطوفات سيتم الزواج منهن من جانب الخاطفين وهي جريمة أخرى، فضلاً عن أن بعضهن عبرن الحدود باتجاه الكاميرون أو تشاد. ولم تنكر منظمة بوكو حرام ما قامت به من فعلة شنعاء، بل ان زعيمها أبو بكر شيكاو اعترف في رسالة فيديو قائلاً  «أنا الذي اختطفتهن» مهدداً بهجمات أخرى.
إذا كان هدف منظمة بوكو حرام تطبيق الشريعة، فإن نصف سكان نيجيريا تقريباً هم من المسيحيين، ولتبرير مزاعم المنظمة وما قامت به مؤخراً فقد كان رأى زعيمها أبو بكر إن الأساس ليس ارسال الطالبات إلى المدرسة، بل كان ينبغي تزويجهن، ولا توجد مسألة في الغرب تشوّه سمعة الإسلام مثل هذه الأعمال المشينة.
إن مسألة اختطاف الطالبات لها بعد سياسي، ذلك أن الاستحقاق الرئاسي سيكون في العام القادم 2015 حيث يتعرّض الرئيس كمرشح للحزب الحاكم إلى ضغوط كثيرة، وتأتي هذه العملية بعد فشل الحوار مع المنظمة طوال الأعوام الثلاثة الماضية، الأمر الذي اعتبره البعض ضعفاً من جانب الدولة إزاء الجماعات الإرهابية.
وبغض النظر عن أعمال الارهاب التي قامت بها منظمة بوكو حرام فهناك بيئة خصبة لتفقيس بيضها منها، مناخ الفساد المهيمن وعملية التلاعب والنهب للمال العام ولأموال الدولة، ثم تركّز القدرات الاقتصادية لحكومة أبوجا وعوائد النفط بيد قلّة قليلة في حين تعاني الغالبية الساحقة من ضنك العيش، حيث يعيش ما يزيد على 60% من السكان البالغ عددهم 170 مليون نسمة دون خط الفقر، بأجور أقل من دولارين في اليوم. وقد فشلت الحكومة حتى الآن في معالجة قضايا المسلمين وأحتوائها، وكان قرار حظر ارتداء الحجاب في المدارس الحكومية خاطئاً ومضرّاً، وهو القرار الذي صدر عن الحكومة في شباط (فبراير) الماضي. الإسلام بريء من بوكو حرام وأخواتها مثل براءة الذئب من دم يعقوب!
  باحث ومفكر عربي


71
هل ثمة مفاجآت في انتخابات الجزائر؟

عبدالحسين شعبان
 
فاز الرئيس عبد العزيز بوتفليقة (مواليد 2 آذار/مارس/1937) بولاية رابعة في الانتخابات الرئاسية الجزائرية التي جرت في 17 نيسان (ابريل) 2014، وذلك بحصوله على 81.53% من أصوات الناخبين. وظهر وهو يبتسم وعلى كرسي متحرك بسبب وضعه الصحي المتدهور منذ العام 2013 بشكل خاص.
 وكان الرئيس بوتفليقة قد انتخب لأول مرّة في 15 نيسان (ابريل) العام 1999، ثم أعيد انتخابه للمرّة الثانية في 22 شباط (فبراير) العام 2004 وقام في تشرين الثاني (نوفمبر) العام 2008 بتعديل الدستور ليتمكّن من الترشّح لولاية رئاسية ثالثة في انتخابات العام 2009، وهو ما اعترضت عليه قوى سياسية كثيرة، حيث ازدادت هوّة الخلاف بين الحكم وبين أوساط متعددة سياسية ومدنية وغيرها.
جدير بالذكر أن بوتفليقة كان قد شارك في الثورة الجزائرية يوم كان عمره 19 عاماً، وعيّن حينها وزيراً للشباب والسياحة بعد الاستقلال، وعمره لم يتجاوز 25 عاماً، وأصبح وزيراً للخارجية في عهدي أحمد بن بيلا وهواري بومدين بين عامي 1963 و 1979، ولكنه بعد وفاة هواري بومدين (1978) ابتعد عن الدائرة السياسية الحاكمة. وكان بوتفليقة قد لعب دوراً مهماً للتقريب بين شاه إيران وصدام حسين في العام 1975 حيث تم التوصل إلى اتفاقية 6 آذار (مارس) من العام ذاته، التي كانت لاحقاً سبباً إضافياً في توتر العلاقات بين البلدين وفي اندلاع الحرب بينهما العام 1980 والتي استمرت ثمانية أعوام بالكمال والتمام.
كانت نسبة الإقبال على صناديق الاقتراع في الانتخابات الأخيرة متدنّية قياساً للانتخابات السابقة، وقد شككت المعارضة بالنسبة التي بلغت51% من الذين يحقّ لهم التصويت، تلك التي أعلنت عنها الجهة المشرفة على الانتخابات، خصوصاً وقد راجت دعوات لمقاطعة الانتخابات قبل انعقادها، لعدم الثقة بإمكانية التغيير المنشودة من جهة، ومن جهة ثانية ضعف الثقة بشرعية العملية الانتخابية وكذلك العملية السياسية، وهو ما يفسّر ظاهرة العزوف عن المشاركة.
ولا بدّ من الإشارة إلى أن حكم بوتفليقة على الرغم من كثرة الانتقادات الموجّهة إليه، فإنه تمكّن من إنجاز الوئام المدني، حيث نزل آلاف المسلحين من الجبال، وطويت صفحة الحرب الأهلية والإرهاب والعنف التي ضربت البلاد بالصميم لنحو عقد كامل من الزمان، خصوصاً بإقرار المصالحة الوطنية.
ومع كل ذلك فإن ظاهرة العزوف عن المشاركة لها أسباب أبعد من الوضع الصحي للرئيس بوتفليقة الذي لا يساعده على القيام بمهماته، وهو ما يذكّر بالتساؤلات المشروعة وردود الفعل المختلفة إزاء  «اختفاء» الرئيس العراقي جلال الطالباني بسبب المرض، عن موقعه كرئيس للبلاد وبقاء هذا المنصب شاغراً منذ عام ونيّف، فالمسألة ليست شخصية وإنما تتعلق بضعف أو انعدام الثقة بين الأطراف المختلفة.
لقد كانت الآمال عريضة بخصوص التحوّل الديمقراطي في إثر الموجة الثمانينية للتغيير، لكنها انكفأت بعد نجاح الإسلاميين في الوصول إلى السلطة في الجزائر وإعلانهم عن «وأد» الديمقراطية التي كانت السبب في فوزهم، الأمر الذي قاد إلى تدخل الجيش، وقد أثار مثل هذا الموضوع جدلاً واسعاً، بدأ ولم ينقطع، وتجدّد على نحو شديد بعد تشبّث «الأخوان المسلمون» بالحكم ومحاولتهم الاستدارة بالدولة إلى شاطئهم وإبعاد القوى السياسية الأخرى، مما اضطّر الجيش بعد حراك شعبي واسع إلى التدخل وحسم الأمور في 3 تموز (يوليو) 2013 وإعداد دستور جديد وإجراء استفتاء عليه في 14-15 كانون الثاني (يناير) 2014.
 وإذا كانت الانتخابات تستهدف التغيير، فإن بعض المؤشرات وفي عدد من البلدان اتجهت للإبقاء على ما هو قائم، بمبرّر تحقيق الاستقرار تارة، وأخرى بحكم المظلومية التاريخية، وثالثة باسم الدين أو الطائفة أو لتشبث الحاكم بالموقع السياسي وإيجاد تبريرات وذرائع مختلفة لذلك وهكذا.
هل فكّر الجزائريون باختيار بوتفليقة على الرغم من وضعه الصحي مقايضة التغيير بالاستقرار، أم أن الحلم بالتغيير من خلال ربيع جزائري غير ممكن، خصوصاً بعدما لاحظوا ما حولهم من «ربيع عربي» من أوضاع غير مشجعة على أقل تقدير، تلك التي اتسمت بالفوضى والانقسام والعنف والارهاب، وهو ما عانت منه الجزائر طيلة فترة التسعينيات، حيث ذهب ضحية ذلك نحو مائة ألف شهيد، وتعطّلت التنمية وخطط الإصلاح، لكن استمرار الرئيس بوتفليقة في الحكم أوقع البلاد في إشكال جديد، تقول عنه أوساط غير قليلة من الجزائريين: إنه دفع البلاد نحو الاستبداد والحكم الفردي، وإجهاض التعددية والتداولية السلمية للسلطة، وهو ما يدعو بإلحاح إلى التغيير غير المتحقق أو غير الممكن في ظل استمرار أوضاع الماضي.
ولكن ثمة من يدعو إلى تغيير هادئ، طويل الأمد، تراكمي، وذلك من خلال تعديل الدستور وإشراك المعارضة واعتماد الحوار ونزع فتيل التوتر، والبناء على ما هو قائم بدلاً من الخيارات غير المحسوبة.
وإذا كان الوضع الصحي للرئيس نقطة ضعف في الوضع القائم، فإن الاستقرار الذي حصل في عهده نقطة قوة لصالحه، وهو ما دفع الكثير من الأوساط، ولاسيّما في حزب جبهة التحرير، للدفاع عن ترشيحه لولاية رابعة، في إطار برنامج جديد يتعلق بتقليص البطالة وتوفير السكن وتحسين الخدمات والاستفادة من احتياطي العملة الصعبة ومن عائدات النفط لتحسين الأحوال المعيشية، خصوصاً إزاء الفئات الفقيرة أو ما دون خط الفقر.
وإذا كانت الجزائر قد تجاوزت عشرية الإرهاب باتجاه عشرية الاستقرار في عهد بوتفليقة، لكن ذلك ليس مبرّراً، لإبقاء الأوضاع على ما هي عليه دون تغييرات جذرية باتجاه الديمقراطية، وتوسيع دائرة المشاركة والحرّيات ومحاربة الفساد المالي والإداري والبيروقراطية، ولم يعد صندوق الاقتراع لوحده يمنح الشرعية التي فاز بها بوتفليقة، لكن ذلك يحتاج إلى شرعية ديمقراطية من خلال طائفة من الإجراءات الملموسة، لتأكيد دور المؤسسات وتحقيق التنمية والإصلاح بعيداً عن التقسيمات الجديدة ذات المسحة الجهوية والعرقية، وكذلك بعيداً عن العنف الدموي الذي شهدته مدينة غرداية مؤخراً والذي اقترن بتدمير الممتلكات العامة وتخريب المنشآت الحكومية، إضافة إلى الفتاوى التحريضية وضعف استقلال القضاء.
وبغضّ النظر عن اعتراضات المعارضة واتهامها السلطة الحاكمة بالتزوير والانحياز لصالح الرئيس «المعتّق»، فإن ما يواجه الجزائر خلال السنوات الخمس القادمة كبير جداً، وإن حِمِلُها  سيكون عسيراً، حيث تستمر البطالة والأمية والفقر والتخلف، وتردي الخدمات، إضافة إلى الفساد المالي والإداري، وهدر حقوق الإنسان الذي يزداد تضخماً!
فالجزائر التي هي رابع مصدّر للغاز الطبيعي في العالم، وثالث منتج للنفط في أفريقيا، لكن 20% من سكانها يعيشون دون خط الفقر، وتنتشر أحياء الصفيح في بعض المدن الجزائرية وحول العاصمة أيضاً، وتتراوح نسبة البطالة بين 20-25%.
وبعد تجارب نصف قرن ونيّف من الزمان على استقلال الجزائر وتحرّرها من الاستعمار الفرنسي- الاستيطاني، في العام 1961 والذي دام نحو 132 عاماً فإن الجزائريين لا يزالون يتطلّعون إلى أن يلعبوا دورهم الحقيقي في الحياة السياسية وأن يختاروا من يمثلونهم ويعبّرون عن إرادتهم الحرّة، خصوصاً وأن الشباب هم الأكثر إحباطاً، وقسم كبير منهم لا يزال يتطلّع إلى الهجرة للخارج، ولعلّ ذلك ما حدا الكثير منهم إلى العزوف عن الانتخابات بسبب حالة اليأس والقنوط التي يمرّون فيها، وإذا لم يتم انتشالهم من البطالة والفقر، فإن بيض الإرهاب والعنف يمكن أن يفقس داخلهم وينتقل إلى الضفة الأخرى من البحر المتوسط.



72
ضوء على رسالة جاسم الحلوائي
شبح عامر عبدالله ومكر التاريخ !
عبد الحسين شعبان
I

وجّه الرفيق جاسم الحلوائي " أبو شروق" رسالة مفتوحة لي عبر المواقع الألكترونية، وكنت قد استلمتها مع رسالة موجّهة منه إلى الرفيق " أبو سفيان" مع " محبته"، يطلب منه تدقيقها وإعادتها، ثم ورد في رسالته المرسلة لي " ليست للنشر الآن"، لكنني استلمتها من صديق منشورة على موقع الحوار المتمدّن (مع رابطها)، ثم علمت بنشرها في جريدة الحزب (طريق الشعب)، وفي وقت لاحق وصلني كتاب تصحيح واعتذار بإعادة نشر فقرة منها.
لم أكن أنوي كتابة ما يفيد على تعليق جاسم الحلوائي لأن المادة التي نشرها ، كان قسمها الأكبر منشوراً في كتابات سابقة له، كما أرسلها لي لاحقاً بخصوص أحداث كركوك، وقام بقصّها ولصقها وتركيبها على المادة المنشورة، مع تعليقين حول عدم انصاف التاريخ في محاولة "تقزيم" دور سلام عادل، ثم يستمر في الزعم بأن سلام عادل كان ينفذ توجيهات عامر عبدالله، ناسباً ذلك لي، في قراءة إغراضية، فيها الكثير من الافتئات على الواقع، ثم يذكر بعد ذلك إنجازات سلام عادل ويقتصرها على برقية إلى مجلس السيادة صبيحة يوم ثورة 14 تموز (يوليو) 1958 ونداء لمقاومة انقلاب 8 شباط (فبراير) 1963 والإشراف الدائم على الجريدة، وكل ذلك دون وجود عامر عبدالله معه كما يقول.
ولعل ذلك أمراً مثيراً للدهشة والتساؤل: أحقاً إن مستوى التفكير انحدر إلى هذا القدر من السطحية والسذاجة؟ وهل هذا هو تقييم ما يتمتّع به سلام عادل من مواهب قيادية متميّزة، لكن ذلك على أية حال يعكس فهم صاحب التعليق الذي اختصر سلام عادل ودوره إلى هذه الحدود الدنيا من الرتابة والروتينية، وكأن سلام عادل موظفاً إدارياً وليس قائداً حقيقياً، ويعرف الجميع مدى الحيوية السياسية الفائقة التي يتمتع بها سلام عادل، فضلاً عن كفاءاته ومواهبه التنظيمية الإبداعية.
وكنت سأهمل أو أتجاهل مثل تلك التعليقات، لكن الأمر اتخذ أبعاداً أخرى بعد نشر الرسالة في الجريدة، وحتى وإنْ كان مرجوع الجريدة أكثر من مبيعها، فإن القصد أصبح واضحاً للجهة التي تقف خلف جاسم الحلوائي، والتي تريد "أكل الثوم بلسانه" أو أنه يتطوّع لأكل " الثوم" نيابة عنها، مع أن في الثوم فوائد جمّة، وذلك لأن بعضها لا يجرؤ على السجال، وإنما يختفي وراء الآخرين. ولعلّ الحلوائي أو غيره لا زالوا يعزفون ذات اللحن القديم، لأنهم يعيشون في الماضي، وإن "غيرتهم" من عامر عبدلله و"حسدهم"، حرّكت الكوامن الحقيقية والدوافع الدفينة، المصحوبة بالأحقاد والكيدية، ويعود بعض هذا التحامل الجديد "القديم" إلى الاهتمام الكبير الذي لاقاه كتاب عامر عبدالله، واستعادت فاعليات وأنشطة فكرية وإعلامية، شيوعية وغير شيوعية دوره المتميّز، وهذا بحدّ ذاته يجلب الكدر وضيق الصدر في نفوس البعض.
لكنني في الوقت نفسه سُعدتُ فعلاً بنشر الحلوائي رسالته، خصوصاً، وهي تعلّق على كتابي أو فقرات منه عن الراحل عامر عبدالله والذي هو بعنوان "النار ومرارة الأمل – فصل ساخن من فصول الحركة الشيوعية"، حتى وإن كان الصحيح أن الهدف ليس مناقشة الكتاب، بقدر الانتقاص ممن كرّس له الكاتب، الكتاب، وأعني عامر عبدالله، فقد جاء المعلّق على جزئية في الكتاب، ثم انصبّ التركيز على الكاتب، وهو أمرٌ مألوف هذه الأيام، بحكم المواقف المسبقة.
 وبكلّ الأحوال فالرسالة تحمل وجهة نظر كاتبها الذي أحترمه، سواءً كان مكلّفاً بكتابتها أو كتبها إرضاءً لبعض الجهات المتنفّذة، ولكنها تمثّل رأياً لا بدّ من التعامل معه من موقع الاختلاف والاجتهاد والنقد والمسؤولية أيضاً.
وقد وجدت في الأمر، مناسبة لفتح حوار ما وراء الحلوائي، لاسيّما  حول قضايا شائكة وملتبسة في تاريخنا بشكل خاص، بل وحسّاسة أيضاً، حيث أصبح الحوار اضطراراً وليس اختياراً فحسب، بل هو "فرض عين وليس فرض كفاية" كما يقال، منذ أكثر من ثلاثة عقود من الزمان، وخصوصاً عندما انفجرت أزمة الحزب على نحو حاد بكل أبعادها الفكرية والسياسية والتنظيمية والأخلاقية، ولا تزال هذه الأزمة مستمرة ومتصاعدة، وقد استفحلت ما بعد احتلال العراق، لاسيّما إزاء موقف الحزب منه .
ولعلّ ما نحتاج له في هذا الوقت بالذات هو وقفة جدّية للمراجعة الجريئة بخصوص مسيرة الحزب النضالية، بكل ما لها وهو كثير وكبير جداً، وكل ما عليها وهو ليس بقليل، بقلب حار ورأس بارد كما يقال، والهدف البحث عن الحقيقة ومعالجة ما يستلزم إزاءها، وخارج نطاق محاولات التغطية أو غضّ النظر أو المجاملات، وبعيداً عن "الإرهاب الفكري" الذي مورس لعقود من الزمان ضدّ التنوّع والاختلاف والتعددية، بل والجدل، وتحت عناوين سرّية العمل، والخوف من اختراقات العدو و"الظروف الدقيقة" التي يمرّ بها "الحزب"، وغير ذلك من السائد والروتيني والرث من الأفكار والممارسات التي غالباً ما تضع "النظام الداخلي" على الرف، حتى وإن كان الحلوائي يكثر الحديث عنه باعتباره " شبّاك العبّاس"، علماً بأن أكبر القضايا وأعقدها، بل وأكثرها خطورة كانت تتم خارج نطاق الاجتماعات وبناء على اتفاقات محدودة من قبل المجموعة المتنفذة!! ونحن إذ نكتب فذلك لأننا جزء من هذه المسيرة الطويلة والعويصة، وساهم كل منّا بدوره فيها وكل من موقعه بغضّ النظر عمّن أصاب أو أخطأ أو اقترب او ابتعد عن قيم الشيوعية ومثلها.
ولعلّ القضايا موضوع البحث بقدر تناولها الأحداث، فهي تتعلق بالأشخاص أيضاً، وتمسّ بعض الأحياء الذين نختلف أو نتفق معهم، فهم محطّ اعتزازنا، ناهيكم عمّا تناولته من أسماء لها رمزية خاصة لدينا، وخصوصاً الشهيد سلام عادل، وإن كان ما ورد فيها لا يخلو من تحريض وإيغال الصدور بطريقة كيدية، أو أقل ما يقال عنها إنها غير مناسبة، استهدفت التأليب في محاولة للشحن ضد عامر عبدالله والكتابة عنه.
والقضايا مهما عظمت أو صغرت ليس هناك رأي فصل فيها وهي تبقى مجرد اجتهادات وتقديرات واستنتاجات ويبقى التاريخ مفتوحاً وقابلاً للإضافة والحذف، حسبما تقتضيه الحالة وطبيعة القوى المهيمنة، فالتاريخ مراوغ أو ماكر أحياناً حسب هيغل، وقد يظهر على شكل مسخرة مثلما كان قد ظهر على شكل مأساة حسب ماركس وهو سجال مفتوح وبلا نهاية حسب المؤرخ بيتر جيل، فلو قدّر أن يكون المهيمن في الحزب هو عامر عبدالله أو زكي خيري أو باقر ابراهيم أو بهاء الدين نوري (مهما كانت وجهات نظرهم وأخطائهم) لتغيّر المقياس، ولو أطيح بعزيز محمد وفخري كريم وحميد مجيد موسى، وهي الإدارة التي تركّبت قبل المؤتمر الرابع وتنصّبت بعده، لاختلفت الرواية كثيراً، فما بالك لو كانت الرواية التاريخية خارج نطاق مثل هذا الاستقطاب المهيمن، فلا أستبعد عندئذ أن تكون كتابة جاسم الحلوائي أو غيره مختلفة، طبقاً لمعياره هو، أي من يمسك الإدارة سينصاع له باعتباره مديراً بغض النظر عن كيف أمسك بالادارة وهو منطق خال من أي اعتبار سياسي ومبدئي.
II
لقد ظلّ التاريخ السوفييتي يكتب المرّة تلو المرّة على مدى عشرات السنين وفي أكثر من عشر مؤتمرات، على نحو ما يرضي ستالين، لدرجة تشبه اليقين بما فيه محاكمات العام 1937-1939 باعتبارها شرعية وقانونية، وإن المدانين (وهم قادة الحزب مثل بوخارين محبوب الحزب وزينوفيف وكامينيف ورايدنك وعشرات غيرهم) باعتبارهم "خونة" يستحقون العقاب والموت نظراً لارتكابهم جريمة " الخيانة" العظمى بالتجسس على رفاقهم والاتصال بقوى أجنبية بريطانية وفرنسية وألمانية وإيطالية ويابانية، بهدف تخريب التجربة الاشتراكية.
ومن المفارقة أن بعض هؤلاء القادة "المدانين" كانوا يتسابقون على الإدلاء باعترافاتهم في محاكمات علنية، وحتى عندما يساقون إلى ساحة الإعدام يهتفون بحياة ستالين "أبو البروليتاريا العالمية"، لكن المؤتمر العشرين العام 1956 أطاح بدزينة المؤتمرات تلك، وبمجموعة المروّجين لها بما فيهم مؤرخين زائفين أو دعائيين معلبين، ولم يكن كلامهم أكثر من هراء وزيف وتملّق وخداع، للمسؤول، العظيم، الأمين العام.
وهي العبرة التي كان ينبغي استذكارها دائماً من كتابة التاريخ والذكريات والمذكرات، فقد تتداخل الأحاسيس والمشاعر بتفاعلات الذاكرة والوجدان بكل ما فيها من شخصنة و"أنا" وذاتية، وهذه تختلط بالمصالح في لحظة تيه أو حساب للعواقب وانعطاف واستعداد للمواجهة والتحدّي، ومن المفترض أن تبقى "مادّة الذكريات" أرضاً بكراً أو غير محروثة وهي بحاجة إلى جهد لكي تعطي، لاسيّما باستكمال مقوّمات انتاجها، وهذا ما فعلته مع عامر عبدالله في حواراتي ومطارحاتي معه، بكل مسؤولية وأمانة.
ومع ذلك قلت أن الكتاب " مزيج من الانطباعات والذكريات والحوارات والقراءات والنقد التاريخي... وذلك لتقييم منجز عامر عبدالله السياسي بالدرجة الأساسية والفكري والثقافي بشكل عام..." وبهذا المعنى فهو قابل للنقد والتصحيح والإضافة والحذف، فلا أحد يزعم أو يدعي أنه يمتلك الحقيقة أو يمسك بصولجانها أو ينطق باسمها، وقد تكون لها وجوه عديدة، وكل ينظر إليها من زاويته.
III
لعلّ الحوار يتخطّى ما هو شيوعي وصداقي وشخصي، ليتعلّق بتاريخ العراق السياسي بشكل عام، الذي هو الآخر بحاجة إلى قراءات جديدة، حيث لا تزال الكثير من العقد والمُختَلفات تشوبه، لاسيّما وأنّ " الجوامع" فيه قليلة في حين أن "الفوارق" فيه كثيرة لدرجة التناحر، والمسألة لا تخصّ الشيوعيين أو ما بينهم، بل إنها تشمل جميع القوى والتيارات أكانت قومية أو إسلامية، عربية أم كردية، والتي لا تكاد تجمع على شيء، سواء كان زعيماً أو شاعراً أو فناناً أو كاتباً ، ناهيكم عن أن الكثير من المبدعين يُنظر إليهم من زاوية ميلهم السياسي، وليس من جانب رمزيتهم وإبداعهم.
وأعتقد أن السرّية المطلقة والانحيازات المسبقة والولاءات الآيديولوجية وثقافة الإلغاء والإقصاء والتهميش، ساهمت في الكثير من الأحيان في حجب الحقيقة، بل كانت عقبة كأداء أمام الوصول إليها، وفتح حوار جاد ومسؤول وعقلاني بشأنها، والحقيقة عندي هي المسألة الأهم والأكبر من جميع الآيديولوجيات والفلسفات والأديان والتنظيمات والقيادات وما سواها، وهي التي ينبغي أن ينحني لها الجميع دون مكابرات لا تليق أو ادعاءات فارغة، حزباً أو مسؤولاً أو شخصية عامة، وهو ما كانت الثقافة السائدة وبعض ذيولها المستمرة تتعكز على مجافاته كواقع، مقدّمة طبق الآيديولوجيا عليه، ونراها أحياناً تتشبث بزعم امتلاك الحقيقة الضائعة أو المبتورة أو النطق باسمها أو ادعاء الأفضلية على الآخرين!!
ولا زلت أعتقد أن الخلاف لا يفسد في الودّ قضية، وخصوصاً بين جاسم الحلوائي وبيني، الاّ بنظر أؤلئك الذين ارتدوا بزّات القتال ولبسوا دروع الحرب ضد رفاقهم، لكنهم ظلّوا يبتسمون ويهزّون رؤوسهم بكل أريحية " للرفيق" بول بريمر الحاكم الأمريكي للعراق وجلاوزته، ولعلّ السجالات المنشورة مع الرفاق باقر ابراهيم وآرا خاجادور وشوكت خزندار وعامر عبدالله، تنطلق من ذات الرؤية في البُعد والنقد والمودّة، وقد اخترت أن أضع مسافة بيني وبين جميع الفرقاء، أسعى لأن تكون متساوية، دون أن يعني أن المسافة بيني وبين الحقيقة كما أعرفها أو كما تلمّستها وعايشتها، وضدها ستكون واحدة، لكنني لن أتعامل على أساس الموقف المسبق أو الصداقة، بقدر ما هو اقتراب من الحقيقة وهو ما دفعني للكتابة عن عامر عبدالله بما له وما عليه، خصوصاً لإجلاء صورته الحقيقية والدور الكبير الذي لعبه في تاريخ الحركة الشيوعية العراقية والعربية على المستويين الفكري والسياسي ليس بحكم المواقع التي تولاّها وهي كثيرة، بل بما تركه من تأثيرات، فهو لم يكن شيوعيا مسلكياً متقوقعاً في منصبه الحزبي، بل كان سياسياً بارعاً وصاحب ثقافة واسعة ونظرة ثاقبة.!!
ولأن الصراع لم يكن متكافئاً، لاسيّما في ظروف المنافي القاسية والبيئة الكردستانية الوعرة والجبال النائية، ناهيكم عن ضياع الرؤيا وتشتت المواقف وتعارضها، وكذلك تداخلها مع المصالح والامتيازات، وخصوصاً في موضوع الحرب العراقية- الإيرانية وتلك وحدها تحتاج إلى وقفة خاصة، والذي ترافق مع تدهور أوضاع الحركة الشيوعية العالمية، فإن الأمر اتخذ طائفة من التغييرات البنيوية المصحوبة بسلسلة إجراءات تعود إلى الفترة الستالينية البغيضة، وهو ما شمل عامر عبدالله وقيادات وكوادر أساسية.
وإذا كانت صفحة ذلك الصراع قد طويت أو استنفدت أغراضها، فإن البحث عن الحقيقة وقراءة التاريخ تحتاج إلى مغالبة مع النفس وصبر على التحمّل، وشجاعة في التناول، فحتى وقت قريب كان الغالبية الساحقة من المتخاصمين ينتمون إلى جماعة واحدة، بل كانوا مجتمعين ومتفاهمين وغالبيتهم الساحقة تدافع عن النهج السائد، بل أن الكثرة الكاثرة كانت متحمسة له لدرجة أقرب إلى الولاء والطاعة العمياء، لكن الهزائم والخيبات لها قوانينها، وإذا كان للنصر أب واحد فللهزيمة ألف أب.
كان عامر عبدالله حازماً ودون تردّد قد أجاب: أن ما حصل في المؤتمر الرابع من مكيدة هي أقرب إلى مجزرة قاعة الخلد، حين اقتاد صدام حسين 22 قيادياً بمن فيهم ثلث أعضاء القيادة القطرية، إلى ساحة الإعدام، و33 كادراً قيادياً، حيث دفع بهم بأحكام غليظة إلى السجون في هستيريا من الفرح الغامر وسادية لا حدود لها، وكلّ ذلك تحت ذات الواجهات، والتي يعتبر أساسها عدم السماح في الاختلاف، وهي العيب الأساسي والجوهري الأكيد في حياة الأحزاب الشمولية جميعها، سواء كانت قومية أو إسلامية أو شيوعية، علنية أو سرّية، في الحكم أو خارجه، حتى إننا كنّا نردّد لسنوات: إذا وجد حزبان شيوعيان في بلد واحد، فأحدهما انتهازي.
ومثلما وجِدَ من تحمّس لمجزرة قاعة الخلد التي قادها بتمثيلية ميلودرامية صدام حسين، بل وبالغ فيها، مطلقاً كل ما هو مسيء وسلبي على " المغدورين" وهو يعرف حق المعرفة تلك الخدعة، فإن هناك من وجدَ فرصة تنحية قيادات وكوادر في المؤتمر الرابع، مناسبة للإساءة إلى المخلوعين، باستثناء من رضخ لذلك، وحتى بعض المتحمسين الذين كان بعضهم ماشة نار، سرعان ما أحرقت الجهة المتنفذة أصابعهم وقامت بتنحيتهم بعد أن دمّروا جميع مراكبهم، فلاذوا بالصمت أو اكتفوا ببعض الهمهمات التي اعتادوا عليها تعويضاً عن الفعل الحقيقي.
لم يكن عامر عبدالله بعيداً عن فكرة أن الإجهاز على الحزب بعد العام 1978 من جانب حزب البعث والنظام السابق، وتحديد العام 1980 موعداً للقضاء عليه، قد وجدت وجهها الآخر عند البعض الذي استكمل عملية التصفية تلك، لنحو 50 كادراً قيادياً ناهيكم عن عشرات أو مئات الرفاق في ظل ظروف الغربة والمنافي القاسية وحياة البيشمركة "الأنصار" الصعبة، فضلاً عن سياسة مغامرة فرّطت بنحو 500 كادر في معارك لم يكن لها أي هدف ستراتيجي وفي تقاتل مع بيشمركة أحزاب قومية كردية، كما ورد في مذكرة كتبها إلى السوفييت.
ويعبّر عامر عبدالله، لاسيّما في المذكرات التي رفعها السوفييت أو للأحزاب الشيوعية أو للرفيق عزيز محمد عن هذه المرارة (وهي منشورة بالنص في الكتاب) وقد أهملها صاحب التعليق، لأنها توجّه اتهامات صريحة على صعيد السياسة والتنظيم والسلوك، وتطرح المشكلات على بساط البحث.
 وكنت آمل أن أجد توقيع الرفيق جاسم الحلوائي على تلك المذكرات، باعتباره واحداً من المخلوعين الذين "قررت" الكتلة المهيمنة عدم استحقاقهم عضوية اللجنة المركزية، لكنه اختار طريقاً آخر أحترمه، وارتضى بالمقسوم ووضع نفسه "تحت التصرّف" بالاصطلاح الحزبي، وهو حق له مثلما حق لمن اختار طريق الاعتراض، أصاب أم أخطأ، خصوصاً وأن الحلوائي اختار الطرف الأقوى، الذي اتخذ القرارات الجائرة، في حين أن الآخرين اختاروا طريق الاحتجاج على المكيدة وفضحوا أهدافها، وخصوصاً بشأن الموقف المائع في الحرب العراقية- الإيرانية، وإزاء البديل الخارجي حتى لو أخطأوا!
IV
إن حركتنا الشيوعية العراقية لم تهزم بسبب الملاحقة والارهاب واضطرارها إلى المنافي والعزلة عن جمهورها لسنوات طويلة، بل هناك أسباب تعود إلى نهجها التعويلي واتكاليتها الفكرية التي سادت لعقود من الزمان، مثلما كان انهيار "الموديل" الاشتراكي وتفكّك المنظومة الاشتراكية سبباً آخر في هزيمتها، إضافة إلى أسباب جوهرية أخرى لا مجال لذكرها، وليسمح لي من يعتبر أننا "بخير" وربما نحقق النصر تلو الآخر، فقد انتقلنا من "حزب أوسع الجماهير"، كما كنا نطلق على أنفسنا، ونحن "قبلة" للناس إلى " أيتام" على مائدة "اللئام"، ولم يكن ذلك بمعزل عن سياساتنا الخاطئة التي دفعنا بسببها الثمن باهظاً، ناهيكم عن ضعف وهزال الكثير  من إدارات الحزب والنهج البيروقراطي الذي اتبعته.
وإذا كان "تاريخنا" واحداً، لكن قراءاتنا لهذا التاريخ مختلفة، بحكم عوامل عديدة لا مجال لذكرها، ولعلّ قراءتي هذه هي مجرد اجتهادات خاصة درجت عليها، لمناقشة القضايا والمشكلات التي كانت تواجهنا، وهي قراءة قد تختلف من رفيق إلى آخر، ومن ظرف إلى آخر، وبالطبع هي تختلف عن قراءة الحلوائي موضوعياً وذاتياً!!
وقد يسأل سائل ما الذي يجمع ما بين رفيقين أحدهما مع الاحتلال وبين من هو ضده في خندق واحد، والمقصود ليس الحلوائي وأنا، ولكن دائماً ما أواجه بمثل هذا السؤال: كيف تطلق عليهم "رفاق" وبول بريمر أقرب إليهم منكم، وحتى وإن حاول البعض من رفاقنا تخوينهم أو الطعن بوطنيتهم، فإنني وقفت ضد ذلك، معتبراً موقفهم خاطئ واستمرار هذا الخطأ الجوهري دون تصحيحه سيؤدي إلى اختلال بنيوي يمسّ الوطنية الشيوعية المعهودة.
وعلى الرغم من التباين فإنني أعتبر أننا جميعاً شيوعيين، ضاقت بنا الدروب واختلفت بنا السبل وتعدّدت بنا الاجتهادات، وتصدّعت لدينا بعض القناعات، وعلينا الاعتراف بذلك دون مكابرة أو استمرار في التعكّز على التاريخ، فمنّا من ظلّ يحمل البطاقة الحزبية، والبعض الآخر اعتبرها قضية شكلية، وظلّ يدافع عن الشيوعية وبكل الأحوال، فنحن بشر خطّاؤون ونحتاج إلى قدر من التسامح مع بعضنا البعض، وعلينا أن نقرّ أننا مثل بقية البشر الآخرين، لم نُصنع من طينة أخرى، كما كان ستالين يردّد ونحن كورسه من خلفه نعيد ما يقوله، فقد اكتشفنا بكل براءة أن فينا الغث والسمين، والخيّر والشرير، والصادق والكاذب والمبدئي والانتهازي، والشجاع والجبان، والمضحّي والمصلحي، سواءً حمل البطاقة أو لم يحملها.
وإذا كان لدينا نماذج رائعة وإنسانية ونبيلة، وهي مثال الإخلاص والتضحية والاعتداد بالنفس، وهم الكثرة الكاثرة والأغلبية الساحقة من الذين انخرطوا في صفوف الحزب الشيوعي، وتحمّلوا طيلة سنوات عذابات وحرمانات لا حدود لها، فعاشوا في السجون لسنوات وفي المنافي والجبال العصية، لا لسبب شخصي أو لمكسب ذاتي ، بل لاعتقادهم بأنهم يريدون تقديم ما يستطيعون لخدمة شعبهم وقضيته العادلة، لاسيّما الدفاع عن مصالح الكادحين والفقراء، سواءً أصابوا أم أخطأوا؟
وفي الوقت نفسه فإن الصحيح أيضاً أن الكثير من الأحلام تكسّرت والتضحيات تبدّدت وشعر الكثيرون بالخيبة والمرارة والألم حد التشاؤم واليأس، لأن هناك من استثمرهم واستغلّهم لأغراض بعضها دنيئة، وأقل ما يقال عنها أنها لا علاقة لها بأهداف الحزب والشيوعية.
ولعلّ الرفيق جاسم الحلوائي يعرف أن الكثير من الفاسدين والفاشلين والمرتكبين والأفاقين، بل والأنذال لا زالوا يتمتعون بالامتيازات والمواقع، في حين أن مناضلاً عمالياً وقائداً نقابياً (رئيس عمال النفط) ونحن نزعم أننا "حزب الطبقة العاملة" مثل آرا خاجادور قضى نحو 70 عاماً من عمره البالغ 88 عاماً، شيوعياً، وكان عضواً من المكتب السياسي لا يزال لم يحصل حتى على راتب البيشمركة، وهو يتعامل مع الواقع بكل كبرياء واعتداد بالنفس، بغض النظر عن مواقفه السياسية، ولكن أين الجانب الإنساني والرفاقي الذين نتحدث عنه، فلمجرد الاختلاف يرمى الرفيق الذي قضى ما يزيد عن ثلاثة أرباع عمره في الحزب دون سؤال من رفاقه وأصدقاء عمره بمن فيهم من عاش معهم في سجن نقرة السلمان عشر سنوات بالكمال والتمام.
وبعد ذلك كيف يتم التعامل مع مناضلين مثل باقر ابراهيم وعدنان عباس؟، ويمكن أن يندرج أي اسم معهما إذا حاول طرح وجهات نظر مخالفة، لاسيّما إزاء مكيدة المؤتمر الرابع والدسائس التي سبقته وأعقبته. ألم يلقوا خارجاً ويتم التشهير بهم؟ حيث لا مكان لهم في الحزب وكأنهم كانوا في زيارة خاصة من باب السلام والمجاملة، في حين يعرف القاصي والداني أنهم من صلبه وعملوا على إعادة بنيانه لسنوات طويلة، وهم من أبرز قادته في الفرات الأوسط مثلاً، مثلما هو الراحل عامر عبدالله، الذي كان وجه الحزب العلني باستمرار، حتى وإن كان في العمل السري، كما كان باقر ابراهيم المسؤول التنظيمي الأول لنحو ربع قرن من الزمان، ومرّة أخرى أقول بمعزل عن مواقفهم وتقديراتهم السياسية، وكل الذين ذكرتهم وأعتز بصداقتهم لم تكن مواقفي السياسية منسجمة معهم.
والشيء بالشيء يُذكر فإن جدّ الشيوعيين العراقيين زكي خيري لم يجد مكانه المناسب في الحزب، فاضطرّ اللجوء إلى السويد، وحين سأله ابراهيم الحريري: كيف حصل ذلك؟ أجابه " لعد وين أنطي وجهي"، في حين اضطرّ ماجد عبد الرضا وعبد الوهاب طاهر وناصر عبود وحسين سلطان وآخرين العودة إلى العراق في ظروف التطاحن الحزبي ونهج التفريط والمحاصرة وسياسة التجويع كما أطلق عليها حسن سلطان، وهو ما يغضّ النظر عنه جاسم الحلوائي، ليقول إنه ذهب إلى الدانمارك للجوء السياسي بإيعاز من الحزب، وكأن القول بأنه لاجئ سياسي أو إنساني فيه ما ينتقص منه، وهو ينسى أننا جميعاً  وكل إدارة الحزب وكادره الأساسي لاجئون، وأن عزيز محمد الأمين العام السابق وأحمد باني خيلاني  وفاتح رسول وقائد الأنصار ملازم خضر " الفريق نعمان سهيل التميمي" وباقر ابراهيم وكلّهم منها إدارات الحزب الأولى كانوا لاجئين في السويد، والقائمة تطول لتشمل عبد الرزاق الصافي وعادل حبه ورحيم عجينة وبشرى برتو في لندن، وكانت الدكتورة نزيهة الدليمي وكاظم حبيب وسليم اسماعيل وعمر علي الشيخ وبخشان محمد في ألمانيا وسليمان يوسف بوكه (أبو عامل) في كندا ومهدي الحافظ في فيينا ونوري عبد الرزاق في القاهرة ونستطيع الاستطراد لدرجة القول إن جسم الحزب الأساسي أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات أصبح لاجئاً وخارج العراق، بل أن الأمين العام الحالي حميد مجيد موسى البياتي إلتجأ إلى ألمانيا، فما الضير في ذلك؟ وأعتقد أن علينا ذكر هذه الوقائع بواقعية ودون تبجّحات، بما فيها من مرارة ودلالات سياسية.
V
لعلّ اسماً مثل " منتصر" (مشتاق جابر عبدالله) وهو شهيد الحزب بيد رفاقه "الأشاوس" حيث اعتقل وعذّب وشدّ على جذع شجرة حتى الصباح وبعد عدّة أيام استشهد، وهو ما ورد ذكره في الكتاب، لم يتوقف عنده جاسم الحلوائي، ولعلّه أمرٌ غير مهم بقدر لجوئه إلى الدانيمارك؟
وكان الأجدر أن يسأل من أعطى الأوامر؟ ومن قام بالتنفيذ؟ وكيف حدث ذلك؟ وما الذي يستوجب بشأن معالجة آثار هذه الجريمة، ابتداء من الاعتذار لعائلته إلى إدانة القتلة وإنهاء علاقتهم بالحزب، إن لم يكن تقديمهم للقضاء. لعلّ جاسم الحلوائي يسكت عن ذلك لأن الأمر يتعلّق بمرجعيته وإلاّ سيتهم بالتخريب.
 ثم من المسؤول عن ملابسات قضية ثابت حبيب العاني الوجه الأكثر محبوباً في الحزب الشيوعي الذي توفّي في لندن وهو يعيش مرارة التنكيل والإساءة، وهي الحكاية التي رواها الكاتب على لسان عامر عبدالله، واستكملها بمصادر أخرى.
كل ذلك قد يكون سبّب خيبة أمل من الكتاب لجاسم الحلوائي ومن معه، لأنه يشكّل إحراجاً حقيقياً لهم يريدون نسيانه وسيظل يؤرقهم كلّما ذكر الأمر، فما بالك إذا جرى التذكير والمساءلة بشأنه.
الكتاب سلّط الضوء على المسكوت عنه، وأقول بهذه المناسبة آن الأوان للاعتذار عن ارتكابات بتعذيب مناضلين من أبرزهم "أمين" (أحمد الناصري) الذي خلع قميصه يوماً ليريني كيف تم تعذيبه في أمن الناصرية وفي الأمن العام على يد البعثيين الفاشست مثلما عبّر وعلى يد "الرفاق الأشاوس" حين اتهم بالتكتل، لأنه يخالف بعض القياديين، ناهيكم عن الشهيد "ستار غانم" (سامي حركات) أحد القيادات الطلابية في منتصف السبعينيات، الذي تسلّل بعدها إلى الداخل، فاعتقل وعذّب حتى استشهد في العام 1993، وعشرات ومئات من الذين أسيء إليهم وجرى التنكيل بهم.
ولم يسأل جاسم الحلوائي عن عشرات الرفيقات والرفاق الذين أرسلوا إلى الداخل هدية مجانية للنظام الدكتاتوري الذي قام بتصفيتهم، دون دراية كافية ودون أي إحساس بالمسؤولية إزاء مصائر هؤلاء الرفاق الشجعان مستغلّين حماستهم وجرأتهم، لكي يسجلوا مكاسب للمنظمات الوهمية التي يديرونها، وهي مخترقة في غالبيتها من أجهزة النظام السابق وأسماء هؤلاء كانت معروفة ومتداولة لدى الرفاق الأنصار، وللقلّة القليلة التي ذهبت وعادت بعد حين " سالمة"، وبدلاً من تكريمها جرى ابعادها والتنكيل بها وصديقنا المشترك يعرفه الرفيق جاسم الحلوائي، مثالاً صارخاً لذلك.
أليس مثل هذا التفريط بهؤلاء (الرفيقات والرفاق)، ناهيكم عن الدخول في معارك لم يكن للحزب مصلحة فيها تستحق المساءلة، حتى إذا افترضنا حسن النيّة، فإن  تقديرات إدارة الحزب تعكس ضحالة التفكير السائد وعدم الشعور بالمسؤولية وضعف الحسّ الإنساني، كما حصل في مجزرة بشتاشان التي راح ضحيتها نحو 60  رفيقاً على يد الاتحاد الوطني الكردستاني.
ومرّة أخرى ألا تستحق كل هذه الأمور المساءلة والشفافية والكشف عنها حتى بعد انقضاء سنوات؟ إذ لا يكفي الكتابة في سجّلات الحزب عن الشهداء الأبطال وعلى حد تعبير عامر عبدالله، لا نريد أن نكون حزب الشهداء، بل حزب الحياة والمستقبل، فجلّ الضحايا والشهداء من حملة الشهادات العلمية والمؤهلات العالية، والذين ذهبوا بدم بارد، وبالطبع فإن تلك المساءلة لا تعفي النظام وأجهزته الإجرامية من المسؤولية الأساسية لتصفية هؤلاء الرفاق الشجعان خارج القضاء، كما لا تعفي مرتكبي جريمة بشتاشان من المساءلة أيضاً.
تلك الأمور لم تثر حساسية جاسم الحلوائي، لكن حساسيته بشيء من الانفعال جاءت في تعقيب لعامر عبدالله حول أحداث كركوك وهي أحداث ملتبسة وإن أدان عامر عبدالله المبالغة في ترويجها واستثمار عبد الكريم قاسم لها في الصراع ضدنا، ودور شركات النفط دون نسيان مسؤوليتنا وهو ما سأناقشه لاحقاً.
وكحقوقي لديّ وجهة نظر خاصة بها، فضلاً عن تدقيقات وقراءات لم أرغب في إثقال قارئ كتاب عامر عبدالله بإدراجها، واقتصرت على ملاحظات سريعة، سأحاول إعطاء وجهة نظر بشأنها، مثل أي اغتيال خارج القضاء، وهو أمر مطروح إزاء بعض القضايا وغيرها.


VI
أما حوادث الموصل والصدام المسلح وحركة العقيد عبد الوهاب الشوّاف، فقد تناولها الكثير من المؤرخين، لكنني تابعت مسألة مهمة وهي مجريات محكمة الدملماجة والتي عُرفت باسم "المحكمة القصابية" وقد نشرت الحوارات والسجالات بشأنها داخل اللجنة المركزية وكذلك مع بعض أصحاب العلاقة المباشرة ممن تسنى لي الالتقاء بهم، وحاورت عامر عبدالله بخصوصها، ووجهة نظره كانت واضحة، وفيها بُعد إنساني، وخارج نطاق السياسة، فإن اغتيال 17 متهماً خارج القضاء وفي محاكمة صورية يعتبر عملاً إجرامياً يستحق المساءلة والعقاب بغض النظر عمّن ارتكبه.
وقد روى لي عامر عبدالله أن ع. ي وكان عضواً في لجنة محلية الموصل وأصبح لاحقاً من ملاكات اللجنة المركزية حتى أواسط الثمانينيات، عندما علم بوجود أحد المغدورين حيّاً عاد إلى المستشفى وقام بتصفيته على جدارها. وكرّر أكثر من مرّة "إنني أكرهه" و"أمقته" ولا أطيقه! كنت أتوقّع أن يتوقف جاسم الحلوائي عند هذه الوقائع التي وردت على لسان عامر عبدالله.
بالنسبة لي لا يهمّ من يرتكب، سواءً كان بعثياً أو قومياً أو شيوعياً أو إسلامياً، فالمرتكب واحد، وعلينا كحزب، إعلان ذلك، بل إن الشيوعيين بحكم الاضطهاد المعتّق  الواقع عليهم ينبغي أن يكونوا أكثر حساسية من غيرهم، وهو ما اقترحته على الأخوة الأكراد في نهاية التسعينيات بتأسيس وزارة لحقوق الإنسان، حينما كنت ألقي المحاضرات لطلبة الدراسات العليا في جامعة صلاح الدين كلية القانون والسياسة، ومن ثم قمت بإعداد كل ما يستلزم لها، من القرار التنفيذي إلى القرار التشريعي إلى المهمات والمديريات وأخيراً المرجعيات المنشودة. أقول ذلك أن على الضحايا أن يكونوا أكثر حساسية ولا ينبغي أن نبقى أسرى التاريخ مأخوذين بالعزّة بالإثم، ونستمر في المكابرة والإنكار الذي لن يغيّر الحقيقة، بل يضعف من قوتنا في الدفاع عنها لاحقاً.
إننا إذ نتذكر ذلك فلأن غصّة في حلوقنا، لأن من أساء ومن شوّه اسم الشيوعية يتم غضّ النظر عنه، في حين تسلّط الانتقادات ضد عامر عبدالله وكأن الحملة التي بدأت في العام 1959 لا تزال مستمرة، مع المزيد من صب النار على الزيت، رغم أن الرجل رحل عن دنيانا، لكنه لا يزال يشكل شبحاً للعديد منهم، خصوصاً وأن الكتاب أعاد لأذهان الرأي العام دور عامر عبدالله الريادي، والذي بغضّ النظر عن الملاحظات المدوّنة عنه، فهو كتاب نقدي لا يستهدف التأييد والمديح، مثلما لا يسعى للتنديد والتشويه، فقد مثّل عامر عبدالله "عقل" الحزب وثقله السياسي في علاقاته العراقية والعربية والأممية، إضافة إلى ما كتبه طيلة نحو ثلاثة عقود من الزمان وما تركه من أثر فكري وسياسي.
وكنت قد ذكرت في الكتاب أنني لم أقابل شيوعياً معتدّاً بنفسه وشيوعيته مثل عامر عبدالله، وفي الوقت نفسه كان عامر عبدالله طموحاً وهذا هو الشيء الذي ظلّ ملازماً له، ولربّما لا يتقدم عليه أي شيء آخر (وهو ما ذكرته في الكتاب) دون نسيان مواقفه اللندنية التي اعتبرتها خارج سياق تاريخه.
ومن المفارقة أن يعتقد البعض إن ما يكتبه على الانترنيت أو في بعض النشرات الحزبية المحدودة، أو في ندوات بين رفاق وأصدقاء (اخوانيات) كلّها تتحدث عن اجترار الماضي، إنه أصبح منظّراً أو مؤرّخاً من طراز عامر عبدالله أو وزنه، بل أخذ بعضهم يفتي، لكنه ظلّ يدور في ذات الدائرة الضيقة، كمن يخاطب نفسه ويصغي إليها وبعد الانتهاء من خطبه يقوم بالتصفيق لنفسه، وينسى هؤلاء إن التاريخ تجاوزهم ولا يمكن إعادة عجلته إلى الوراء.
صحيح أننا شيوعيون، الحلوائي ما يزال يحمل البطاقة ويعتبرها هوّية الدخول إلى "الجنة"، وأنا شخصياً منذ أن تركت العمل التنظيمي والمسلكي الروتيني ما يزيد عن ربع قرن، لم أعد أكترث سوى ببطاقتي الوجدانية، فالشيوعية بالنسبة لي تعني الحقيقة والجمال والعدالة والمساواة بين البشر والرجال والنساء والقضاء على الاستغلال، وقد وضعت خلفي جميع المواقع والإغراءات والمناكفات التي لا طعم لها، ثم إنه ليس لديّ الوقت لكي استغرق في أمور مثل هذه.
ولولا خشيتي من تضليل عدد من الرفاق وشحنهم باتجاه الكراهية والحقد، ومحاولة الترصّد والإيذاء لشخص مثل عامر عبدالله، وتشويه التاريخ لما اضطررت لكتابة هذه المادة أصلاً، مهما قيل ويُقال، وأظن إن روح الانتقام والثأر والتأثيم والتحريم، بل والتجريم على الرأي التي تتلبس بعض " المخلوقات" لا تستطيع بناء حزب أو علاقة إنسانية أو شخصية أو اجتماعية، لأنها تقوم على الغدر والخديعة والتدليس والإلغاء. وحتى لو افترضنا إن الذين اتّخذوا موقفاً من الإجراءات البيروقراطية، فكرياً وسياسياً كانوا مخطئين أو أنهم بالغوا في الذهاب بعيداً في النقد، فكان على الادارة المعنية أخذ ذلك بروح التسامح والتكافل ورحابة الصدر واستيعاب انتقاداتهم والسؤال عنهم، لاسيّما للرفاق المسنين، وتلك مسألة إنسانية،  لكنها لا تفعل ذلك وتذهب للتفتيش بالمجهر عن مستطرقين لا يهمّ من يكونوا، لكي يتكرّموا بالاصطفاف معها، ناسية اسم الحزب وتاريخه وسمعته.
VII
يتحدث لينين عن شيوعية الفجل أو بالأحرى شيوعيو الفجل، الذين ظاهرهم أحمر وباطنهم لا علاقة له بظاهرهم، وقد حاولت في عنوان كتابي " الحبر الأسود والحبر الأحمر- من ماركس إلى الماركسية" الإيحاء، بأنه ليس كل من حمل بطاقة العضوية أصبح شيوعياً، فالشيوعية سلوك وقيم وأداة تعبير عن الحق والجمال والخير، ولذلك ترى الكثير من الشيوعيين من حملة البطاقة في السابق والحاضر، لا علاقة لهم باسم الشيوعية، ولأنهم لم يستوعبوا روحها فقد حاولوا أن يضيفوا عليها أحياناً نزعة ريفية أو نكهة بدوية أو لوناً عشائرياً تقليدياً، وفي وقت لاحق، أصبح لها شكل مذهبي وطائفي وقومي، حتى أن أمين عام الحزب دخل مجلس الحكم الانتقالي بصفته شيعياً.
خلال حياتنا الحزبية والسياسية صادفنا الكثير من الشيوعيين الطقوسيين، وهؤلاء أقرب إلى بعض المتديّنين الشكليين، الذين يعرفون من الدين أداء بعض الفرائض والشعائر، مثلما يعرف بعض شيوعيينا، بل يحفظون عن ظهر قلب المناسبات التي يحتفلون بها مثل عيد العمال وثورة اكتوبر وميلاد لينين وتأسيس الحزب، أما جوهر الشيوعية وروحها فهم لا علاقة لهم به، ولذلك فالبطاقة ليست دليلاً على شيوعية " الشيوعي". وإنما سلوكه وموقفه من قيم الشيوعية لا تعاليم إدارات تخطئ وتصيب، والأهم الموقف من الناس ومن الحقيقة.
وهناك الشيوعيون المدرسيون الذين يعرفون الشيوعية بطبعتها السوفييتية في الخمسينيات، والتي كانت المدارس الحزبية تحشو أذهان " الرفاق" لاسيّما من " العالم الثالث"، بها لكنها تتعامل بحذر إزاء رفاق الدول الغربية وتطور الفكر الشيوعي والماركسي، ولعلّ بعض شيوعيينا غير معنيين بالشيوعية الحيّة، بقدر عنايتهم بوظيفتهم الإدارية والتبشيرية وبامتيازاتهم، وينظر البعض إليها باعتبارها "غنيمة" لا يمكن أن يوفّرها سوى هذا الكيان بحكم التقاسم الوظيفي، ولعلّك لو نظرت إلى بعضهم بدون الحزب  فسوف ترى أن لا أحد يذكره أو يتذكّره، ولهذا يتم التشبث بالموقع والإسم، حيث لا نافذة لهؤلاء على الدنيا من غيره، ولهذا يتم جمع البطانات والأتباع ونصب المكائد واستخدام العقوبات على نحو يدفع بالبعض، إلى رمي المبادئ جانباً في سبيل "التعتق" بالمواقع، بطريقة عشقية.
أما الشيوعيون الذرائعيون فهم الذين يبررون كل خطوة تخطوها القيادة " الحكيمة"، باعتبارهم يمتلكون أرقى نظرية، وبيدهم القدح المعلاّ في الجاهلية والإسلام، وحيثما يميلون تميل الحقيقة إلى جانبهم، بل تميل الدنيا والحياة، وإن أخطأت إدارة الحزب فلا ينبغي مواجهتها بالخطأ، الاّ بعد سنوات وإذا هي أرادت فقط. وإن حدث ما هو ضروري للتبرير ولامتصاص النقمة وللاستمرار ليس الاّ، والآّ فالويل لمن يوجه النقد، فقد يكون أما ضعفاً في الصلابة أو اختراقاً فكرياً أو غيره في المنظومة الفكرية التي ينبغي الحفاظ على نقاوتها كما كان الشعار السائد، وإن اضطّرت إدارة الحزب للاعتراف بعد مضي عشر سنوات مثلاً أو أكثر على خطأ سياساتها فسيبالغون هم في الانعطاف إلى الجانب الآخر، وكأنك أنت المخطئ، في حين كانوا يستقتلون في الدفاع عن الخطأ أو تبريره في حينها، وهم من يتنافسون على الانقلاب أيضاً، وهؤلاء من أدركتهم شهوة النفوذ أو السلطة، حتى وإن كانوا من خدمها وحواشيها. ولعلّ الرفيق جاسم الحلوائي يعرف الكثيرين منهم.
أما الشيوعيون المعولمون فهم من حاول استخدام تعاليم الشيوعية ضد الشيوعية "الشيوعولوجيا"، وهم من روّج للمشروع الأمريكي بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، حين استبدلوا الولاء من موسكو إلى واشنطن، بل إن بعض الشيوعيين ساهم في مشروع تدمير العراق بالافتراءات وبالعمل في إطار عقود مع البنتاغون ومؤسسات أمريكية أو مدعومة من جانب أجهزتها لتبرير وتسويغ الخطاب الجديد لليبرالية باعتبار أن المعركة بين العلمانية والإسلامية، وبين الحداثة والتخلف، ولم نسمع أو نقرأ كلمة واحدة بحق هؤلاء الذين وقعوا العقود من الأجهزة الأمريكية، سوى الاحتضان والتملّق أحياناً، ومثلما كان البعض مندفعاً للتحالف مع البعث، فقد انقلب إلى الضد منه، محاولاً تشويه كل تلك الفترة وتعليقها برقبة عامر عبدالله أوسواه من الشيوعيين مثل باقر ابراهيم أو غيره، وينسون أن الأمين العام للحزب كان عزيز محمد، وإن كان الجميع يتحمّل المسؤولية.
أما موضوع احتلال العراق ومقاومة المحتل وإن كان من البوابة المدنية- السلمية، فهذه أمور مؤجلة أو تصب في خانة الإرهاب، حتى أن هناك من طالب الأمريكان بالبقاء في العراق لكي لا يقع تحت النفوذ الإيراني أو لحين استكمال " الديمقراطية"، ولهذا السبب اعتبر الاتفاقية العراقية – الإيرانية "أحسن الحلول السيئة" وإن اتفاقية الإطار الاستراتيجي التي لا تزال نافذة، مفيدة للعراق ولتقدمه وتنميته، مخالفاً تاريخ الحزب الشيوعي كلّه إزاء المعاهدات والاتفاقيات مع الدول الامبريالية، لاسيّما مع بريطانيا والولايات المتحدة، التي كنّا نمطر " الجماهير" بشعاراتنا التي تندّد بالاتفاقيات الاسترقاقية المذلّة، لدرجة أنها كانت لازمة لجميع بياناتنا.
وعند تقييمنا للموقف من هذه المعاهدات سواء من الانتداب البريطاني العام 1920 أو اتفاقية العام 1922 أو اتفاقيات النفط أو معاهدة العام 1930 أو معاهدة بورتسموث العام 1948 أو الاتفاقية العراقية – الأمريكية أو الاتفاقية العراقية – البريطانية (العام 1954) أو معاهدة حلف السنتو (حلف بغداد- المعاهدة المركزية) العام 1955، فإننا جميعنا وقفنا موقفاً مبدئياً منها، في حين لم نعترض أو نعبئ الجمهور ضد اتفاقية العام 2008 مع واشنطن، وبقي الموقف ذاته من احتمال توقيع اتفاقية جديدة العام 2011، ولعلّ ما نشرته في الكتاب من وثيقة تعود إلى محكمة الشعب وشهادة عامر عبدالله ضد محمد فاضل الجمالي (العام 1958) إنما هو مدعاة للمقارنة بين موقفين، وهذا كان في وقت قيادة سلام عادل التي سآتي على ذكر مزاياها.
لعلّ الشيء المختلف هو موقفنا من اتفاقية 6 آذار (مارس) العام 1975 التي وقعها شاه إيران مع صدام حسين والمعروفة باسم اتفاقية الجزائر، وهي اتفاقية غير متكافئة، تنازل فيها العراق على جزء من أرضه ومياهه، ولاسيّما في شط العرب، ونتذكّر كيف كانت مانشيتات الجريدة  تبرّر وتدافع عنها، وكيف كان يتم الترويج لأعظم تجربة في العالم الثالث و"يداً بيد لبناء الاشتراكية" حتى أننا اضطررنا للعمل شركاء عند الطلب (من موقع ثانوي) في هجوم الحكومة ضد الحركة الكردية وما سمّي بالجيب العميل، وكيف قمنا بذلك بكل " ممنونية"، ثم سلّمنا السلاح للحكومة بعد انتهاء المهمة، وكان بعض الرفاق الأكراد أكثر قسوة من الآخرين على الأكراد، مثلما كان رفاق الوسط والجنوب أكثر قسوة ضد الجماهير المحتجة على إجراءات الحكومة، فيما هو معروف بحركة "خان النص" العام 1977، ونظّمنا الحراسات " المشتركة" دفاعاً عن النظام الثوري.
وهل ننسى كيف تسابق البعض (وهم أغلبية) لتشييع المنظمات الديمقراطية (اتحاد الطلبة، وإتحاد الشبيبة ورابطة المرأة) إلى مثواها الأخير، بل إهالة التراب عليها، بزعم إننا جمدناها ولم نحلّها، وقد كانت تلك نكتة سمجة وضد الجمهرة الواسعة والغفيرة من أعضاء هذه المنظمات.
لقد ظلّ التنظيم الرسمي يحمل صفة الشيوعية التي عملت فيه وتحت رايتها لسنوات ولا يزال كل ما يصدر عنه يعنيني حتى وإن من باب الفكر السياسي، خصوصاً وأنني لا أخفي بمناسبة أو بدونها الإعلان عن "ماركسيتي" المادية الجدلية من موقع مستقل، لا كما يختفي البعض وراء أسماء كثيرة، وإذا كان هناك من بقي يحمل الهوّية، فإنه من الجدير أن يعطينا جواباً عن القضايا المطروحة والمسكوت عنها، ومعها دزينة أخرى مؤجلة، وذلك طبقاً للشفافية التي نطالب بها الآخرين: أخبرونا كيف تم التصرف بالمالية طيلة السنوات الماضية ولحد الآن؟ وعلى الأقل الإيرادات والمصروفات وأوجه المساعدة التي تصلنا، وهو ما أثاره شوكت خزندار! وإذا كان العمل السرّي لا يسمح بذلك في السابق، فالجدير بنا أن نعرف الآن لاسيّما في ظروف الفساد المالي والإداري المستشريين بالبلد.
هل يجرؤ جاسم الحلوائي أو غيره في دس أنفه في مثل هذه الأمور، طالما أنه يخبرنا بمعلومة مهمة جداً وهي أنه يدفع اشتراكه الشهري، وساهم في إعداد النظام الداخلي، فليتفضل ويخبر إدارة الحزب وجمهور الأعضاء والأصدقاء عن ماليتنا؟ وكيف تم تسخير جهاز الحزب وإعلامه لمشروع خاص كما يذكر د. رحيم عجينة؟ ومن قام بطرد عشرات الرفاق في عدن على دفعتين وتم الاتصال بالسلطات اليمنية لإبعادهم، وهذه عيّنة واحدة من باقة كبيرة للذين تم التنكيل بهم والتي لا يجمعها جامع مع أي اعتبار إنساني مما نزعم إننا حريصون للتعبير عنه لدى الغير، فما بالك برفاقنا الذين هم أولى بالمعروف.
لقد كنّا دائماً نضفي على أنفسنا الحكمة والفضيلة والشجاعة والوطنية والتضحية والاخلاص للشعب، وعكسها دائماً ما ندمغ الخصوم، ناهيكم عن الأعداء، بالسفَهِ والرذيلة أحياناً، ونشكّك في وطنيتهم وفي خياراتهم واجتهاداتهم، فضلاً عن تضحياتهم واخلاصهم، وهو الأمر الذي كانت ولا تزال جميع الأحزاب والحركات الشمولية تتبعه سواءً كانت قومية أو إسلامية أو شيوعية، ولعل المدرسة الشيوعية هي الأبرع في ذلك.
ويزداد الأمر حدّة في اتهام بعضنا البعض، لاسيّما في حال الانقسامات والانشقاقات التي تترك ندوباً عميقة على النفوس والعقول، دون تسامح أو بُعد نظر، بل نستطيع أحياناً أن نتساهل وأن نغضّ الطرف عن أعداء ونتعامل معهم بلياقة كبيرة، لكننا لا نتعامل مع بعضنا البعض بذات المعايير، وهل يُعقل أن نتعامل مع سفاحين وفاسدين وأجراء لدى أجهزة وجهات خارجية معروفة وضبّاط مخابرات ووكلاء أمن، ولا نستطيع التعامل مع رفاق لديهم اجتهادات خاصة خاطئة أم صائبة؟ وقد ظلمنا بعضنا البعض إلى درجة قاسية وانطبق علينا قول الشاعر:
وظلم ذوي القربى أشدّ مضاضة       على المرء من وقع الحسام المهنّدِ
وأظنّ أن عامر عبدالله في ما كتبه في كتابه الأخير مقوّضات النظام الاشتراكي، الصادر في العام 1997، هو تعبير بليغ ومؤثر عن المرارة والاحباط والقنوط والألم، لاسيّما وهو يصف العلاقات الرفاقية المتدهورة والممارسات الحزبية المقيتة، والتي قد يكون العدو أكثر رحمة في التعامل معنا من تعامل بعضنا مع البعض الآخر، وخصوصاً عند الاختلاف.
VIII
إن مهمة النقد ووظيفته ضروريتان وحيويتان حين يكون الإنسان في قمة المسؤولية، وإن فات زمن، فلا بدّ من الاعتذار عن عمل لا إنساني أو سلوك قمعي أو ارهاب فكري أو قرارات إدارية بمنع علاج أو سحب جواز سفر أو إلغاء إقامة أو قطع دراسة أو تمزيق العوائل أو تعذيب مناضل، وعلى الرغم من أهمية الإقرار بها كمسؤولية أخلاقية، لكنها تستوجب الافصاح عنها بوضوح وبالتفصيل والاعتذار من الضحايا على نحو ملموس دون عموميات أو كلام فضفاض.
الإقرار بالخطأ أمرٌ حميدٌ وهو ما فعله عدد محدود جداً من الذين كانوا يوماً في موقع المسؤولية بما فيه اعتذار شخصي وقد حصل تارة بصورة مباشرة ووجاهية وأخرى علنية وأمام الآخرين أحياناً، لكن لا ينبغي إضاعته بين السطور وفي صيغ عامة أو عبر  مغازلات لواقع  جديد، خصوصاً بعد فشل تجربة الماضي وهي الحقيقة الساطعة التي يمكن التوصّل إليها دون عناء يُذكر وعلى نحو شبه إجماعي، رغم محاولات تغليف النقد بالتبرير أو التشبث " النظري" مع صدمة الواقع.
 يعتقد الرفيق جاسم الحلوائي أن مجرد وجود هيكلية باسم الحزب، مهما كانت الأسباب هي أفضل طريقة للعلاج، ويستمد ذلك من تجربته في الحزب الذي علمته أن النضال من داخل الحزب وليس من خارجه، ويدعو المخلوعين أو الذي يشكون التهميش أو الإقصاء التوقف عن الشكوك وتكريس إمكاناتهم لتقوية الحزب لا إضعافه. وهو السلوك الذي يدعو إليه الآخرين، لكنه ينسى أن إدارة الحزب أغلقت أمامهم جميع الأبواب، الاّ باب الاستسلام والخضوع، وقد ارتضى البعض ذلك وآخرون لم تسمح لهم كرامتهم بذلك والأمر متعلق بهم.
ولعلّ الكثير من هذه المفاهيم مضى عليها ما يزيد على قرن من الزمان، وخصوصاً في الصراع بين اللينينية والمارتوفية وما كتبه لينين في هذا الشأن العا

73
للانتخابات “فلسفة”
                     
تحتشد الميادين والساحات العامة وشوارع العديد من المدن العربية بيافطات وشعارات تدعو لانتخاب هذه القائمة أو تلك أو هذا المرشح أو ذاك، مثلما انصرفت وسائل الإعلام وبخاصة المرئي، إضافة إلى المكتوب والمسموع إلى إجراء حوارات ومناظرات وتقديم برامج عن الانتخابات والمرشحين، وتنشغل دوائر قانونية وقضائية ومجالس دستورية ومفوضيات خاصة بمناقشة موضوع نزاهة الانتخابات وآلياتها والإشراف عليها، وتنشط مجموعات سياسية ودينية مختلفة للترويج والدعاية، في ظاهرة لم تكن مألوفة قبل سنوات، والأمر لا يقتصر على بلدان الربيع العربي فحسب، بل يشمل المنطقة بأسرها، سواء كانت الانتخابات رئاسية أو برلمانية أو مجالس محلية أو مجالس بلدية أو غيرها .
وإذا كان كلّ ذلك جديداً في العالم العربي، لأنه خلال عقود من الزمان كانت انتخاباته في الأغلب شكّلية وروتينية، بعضها محسوم سلفاً بما فيها نسبة الفوز، وبعضها الآخر شهد عزوفاً شعبياً عن المشاركة، وفي حالات أخرى كانت هناك مقاطعة من جانب القوى خارج السلطة، وفي بلدان أخرى، لم تكن مسألة الانتخابات مطروحة أصلاً، لكنها اليوم جزء من الاستحقاق الكوني، فما تعني الانتخابات؟ وكيف يتم التعاطي مع هذا المولود الجديد؟ وما السبيل لكي تكون نتائج هذا الحراك الشعبي متوافقة مع الطموحات ومنسجمة مع التطور العالمي في هذا الميدان، مع مراعاة الخصوصية الوطنية والحساسية الثقافية والاجتماعية؟
تستهدف الانتخابات عاملين أساسيين، الأول تأكيد شرعية الحاكم والحكم أحياناً، من خلال رأي المحكومين، والثاني إجراء تغيير حسب وجهات نظر الجهات المتنافسة . وفي عالمنا العربي فإن المنافسة هي أقرب إلى الصراع، لاسيما بعد أن طويت صفحات التغيير الدراماتيكية التي اتسمت بانقلابات عسكرية وعملية تثوير للمجتمعات بإجبارها على خيارات للتطور لم تؤد إلى النتائج المرجوّة، بل إن أغلبيتها الساحقة عادت القهقري وتراجعت، في حين أن البلدان التي شهدت طريق التطور التدريجي التراكمي، حقّقت استقراراً وتقدّماً وتنمية أكثر عقلانية، وعليه فإن وسيلة التغيير الراجحة اليوم هي سلمية مدنية تراكمية ومن خلال صندوق الاقتراع .
الشرعية حسب فلسفة الانتخابات تقتضي أن تكون مستمدّة من رأي المجتمع ومن خلال الدولة وقوانينها التي تتطلب الاستقرار أولاً وقبل كل شيء، فالحكومة تأتي عبر صندوق الاقتراع وتذهب عبره، أما الدولة فتتعزز بمن يفوز ومن يقدّم الأفضل، سواء في حال الوصول إلى السلطة أو عند البقاء في المعارضة الدستورية في البرلمان أو خارجه، وهذه هي قاعدة الديمقراطية، حيث يتم التنافس الحر لتحقيق الغايات المرجوّة .
وإذا كانت هذه الغايات تنسجم مع طموح الناس وتطلعاتهم، فلا بدّ أن تكون شريفة، ولهذا فهي تحتاج إلى وسائل شريفة لتحقيقها، فالوسيلة ترتبط ارتباطاً عضوياً بالغاية، وهي مثل الشجرة من البذرة حسب تعبير غاندي . وللتغيير خططه التي يحدّدها البرنامج الانتخابي للقوى المتنافسة، سواء كانت آنية (مباشرة) أو قصيرة المدى أو طويلة، مثلما لها جوانب أخلاقية وقانونية، ذات أبعاد اجتماعية واقتصادية وثقافية وتربوية، تتعلق بالتنمية والصحة والعمل والبيئة وغير ذلك .
وكلّ تغيير لا بدّ أن يستند إلى العملية الانتخابية ذاتها التي تحتاج إلى قياس درجة مشاركة الناس وحجمها، ثم معرفة مدى القبول في اتجاهات الصراع وعلى أي الأهداف يتم التركيز، وهذا يحتاج إلى معرفة تطوّر الوعي، ثم مدى نزاهة الانتخابات وشفافيتها وانسجامها مع المعايير الدولية التي اعتمدتها الأمم المتحدة، لاسيّما في مجال المراقبة في العام ،2010 سواء فيما يتعلّق بدرجة التمثيل والقوانين الانتخابية واستقلال القضاء وفاعلية الحكومة وحياديتها، وعلى المرشحين والناخبين وغير ذلك، وهذا يعتمد على البرامج الانتخابية للأحزاب والقوى المتنافسة .
وتبرز المشكلات والاستعصاءات لدى النخب وليس لدى الناس المتعايشين المتفاعلين، حيث تم، صناعة أو استزراع تلك المعضلات من خلال التحريض والشحن الطائفي أو المذهبي أو الإثني، ومحاولات الاستحواذ على أصوات الناخبين حيث يجري العزف على العواطف والمشاعر، التي غالباً ما تتأثر بالطارئ والظرفي والمؤقت، وتأخذ بردود الأفعال على حساب الاستراتيجي والعام والمشترك الوطني، وهي الطريقة الأسهل والأكثر فاعلية لتأمين المصالح والحصول على الامتيازات والمكاسب .
ولا يتحقق التغيير اليوم إلاّ من خلال آليات قانونية، تلك التي تعكس ما نطلق عليه فلسفة الانتخابات والتحوّل التدريجي البطيء، التداولي للسلطة، خصوصاً وقد أسدل الستار على بيان رقم (1) والدبابات التي تتحرك باتجاه محطة الإذاعة والتلفزيون وبضعة مسلحين داعمين لقطعات عسكرية لتحسم الأمور، ليتم انتقال السلطة من "شرعية" قديمة إلى "شرعية" جديدة ثورية، سواء كانت باسم الدين أو القومية أو الأهداف الاجتماعية، مع وعود وآمال عريضة وأحلام لدرجة الأوهام أحياناً، وهو ما ساد في العديد من دول العالم الثالث، ومنها بلداننا العربية التي تتحدث اليوم عن الانتخابات، مثلما هي الحال في الجزائر وليبيا وسوريا ولبنان والعراق ومصر وتونس واليمن وفلسطين والمغرب وموريتانيا والعديد من دول الخليج وغيرها، وتعكس خريطة الانتخابات توزّع القوى ودور التيارات السياسية والفكرية في الساحات العربية .
الانتخابات في الوقت الحاضر هي أكثر العناصر تحدّياً وحساسية كوسيلة للتغيير سواءً للنظم القائمة أو لعملية الانتقال الديمقراطي، لاسيّما علاقتها بمدى احترام حقوق الإنسان والحريات العامة، وخصوصاً الحقوق والحريات السياسية المعرّفة بالشرعية الدولية، والأمر له علاقة مباشرة بالإطار القانوني والإداري لتنظيم الانتخابات انطلاقاً من المادة 21 للإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر في العام 1948 التي تنص على أن "إرادة الشعب هي أساس سلطة الحاكم ويتوجّب أن تتجلّى هذه الإرادة من خلال انتخابات نزيهة ودورية . . ." .
وقد ساعدت الأمم المتحدة في إجراء انتخابات واستفتاءات للدول التابعة والمستعمَرة لتمكينها من حكم نفسها، وخصوصاً بعد قرار القضاء على الكولونيالية الصادر في العام 1960 برقم ،1514 كما ساهمت في توفير المساعدة التقنية للانتقال الديمقراطي وتسهيل إجراء انتخابات نزيهة وذلك من خلال تأكيد: الحق في المشاركة، والحق في تقلّد الوظائف العامة من دون تمييز والحق في التصويت، والحق في التعبير، والحق في التنظيم، والحق في الاعتقاد، وهي ما نطلق عليها الحقوق السياسية الأساسية بعد حق الحياة .
وإذا كان لا يوجد نظام ديمقراطي عالمي نموذجي واحد يصلح لجميع البلدان والشعوب، فإنه بالطبع لا يوجد نظام انتخابي واحد يصلح لجميع الدول أو يجسّد جميع المعايير الدولية المطلوبة، ولا بدّ من أخذ خاصية البلدان وثقافتها وتاريخها ودرجة تطوّرها وتكوينها الاجتماعي والديني والقومي والفئوي بنظر الاعتبار، إذ إن صياغة الأنظمة الانتخابية تقتضي مراعاة مدى قدرتها في أن تكون بمتناول الناخب الاعتيادي، مع تأكيد احترام التعددية القومية والدينية والسياسية وغيرها، يضاف إلى ذلك تشجيع هذه القوى على المشاركة وضمان قيام برلمان ذات صفة تمثيلية وحكومة مستقرة بتعزيز الشعور بالمسؤولية، مع وجود رقابة برلمانية من جانب القوى المعارضة، وتلك هي أهداف التنمية .
إلى أي حد انطبقت المعايير على انتخابات الجزائر والعراق؟ تلك مسألة خلافية ستظل قائمة، وكل تقدّم محرز أو تراجع مُظَهر، سيفعل فعله في المستقبل، وهو ما ينتظر الانتخابات المصرية الرئاسية والبرلمانية، وكذلك الانتخابات البرلمانية التونسية والانتخابات اليمنية والانتخابات الليبية والانتخابات الفلسطينية وأيضاً الانتخابات السورية واللبنانية وغيرها من الانتخابات العربية .
عبد الحسين شعبان


74
المياه والسلام: الأمن المائي في الشرق الأوسط
الدكتور عبد الحسين شعبان*

مقدمة
على الرغم من أن أزمة الخليج الثانية والتي نجمت عن احتلال القوات العراقية للكويت في 2 آب (أغسطس) 1990 والحرب التي تبعتها في 17 كانون الثاني (يناير) 1991 طغت على الاهتمامات السياسية الأخرى في الشرق الأوسط الاّ أن مشكلة المياه أو ما يطلق عليه "الأمن المائي والغذائي"، ظلّت إحدى الهواجس الكبرى المعلقة والتي تراكمت خلال العشرين سنة ونيّف الماضية، وليست ثمت مبالغة إذا اعتبرت إحدى المعارك الصامتة والمحتدمة في آن، التي تشهدها المنطقة منذ عقود من الزمان ليس لاحتمال بلوغها مرحلة الصدام العسكري المسلح فحسب، بل لأهميتها الإقتصادية وأبعادها السياسية الخطيرة وانعكاساتها على الأمن القومي العربي عموماً والأمن المائي والغذائي خصوصاً.(1)
إن مشكلة المياه التي ظهرت الى العلن بل طفت الى السطح، وتفاقمت على مرّ السنين، لم تحجبها أية معركة أخرى وظلت إحدى المشاكل المنذرة بحروب اقتصادية حقيقية، سواءً بمعناها السياسي أو الاجتماعي أو القانوني فضلاً عن احتمال تطورها إلى نزاع مسلّح، خصوصاً بالارتباط مع الجوانب الأخرى المشار اليها. وهذه المشكلة تشمل الأنهار الرئيسية التالية: دجلة والفرات والنيل وبانياس والليطاني ونهر الأردن، إضافة إلى شط العرب وملحقاته والمياه الجوفية في الأراضي الفلسطينية المحتلة ويدخل في نطاقها الدول العربية التالية: العراق وسورية ولبنان والاردن وفلسطين ومصر والسودان، وذلك إرتباطاً مع الدول المحيطة، لاسيما تركية وأثيوبيا وإيران، إضافة الى إسرائيل.(2)
إن التقديرات بكون مشكلة المياه هي إحدى الصراعات الموازية والتي يمكن أن تنشب بأية لحظة، باعتبارها لغماً غير موقوت، يمكن أن ينفجر حتى دون إنذار هو تقدير سليم، وربما يمتد ليصل الى جوهر الصراع في المنطقة ونعني به الصراع العربي- الصهيوني ولبّه القضية الفلسطينية. وقد تعاظم الأمر منذ نحو ثلاثة عقود ونيّف من الزمان بين تركيا وسورية والعراق، وكذلك بين العراق وإيران، إضافة إلى التعاقدات الإسرائيلية – الإثيوبية لبناء سدود على نهر النيل، واستمرار اسرائيل في الهيمنة على الجولان ومحاولتها استغلال مياه نهر الليطاني ومياه الارض المحتلة، وإقدام إيران على تحويل مياه نهر قارون وعدد آخر من فروع شط العرب إلى داخل الأراضي الإيرانية، فضلاً عن تجدد مشاكل شط العرب، ولاسيما بخصوص الاتفاقية العراقية- الايرانية لعام 1975، وأخيراً وليس آخراً محاولة بعض الدول الأفريقية المستفيدة من منبع ومرور نهر النيل استغلاله دون مراعاة مصالح  السودان  وجنوبه بعد تأسيس جمهورية جنوب السودان ومصر يلحق ضرراً بالأمن المائي للدول العربية المتضررة فضلاً عن الأمن المائي على المستوى العربي.
ولعلنا نعني بالأمن المائي: القدرة الدائمة المستمرة في الحاضر والمستقبل، على توفير الماء غير الملوّث، الصالح للاستخدامات الإنسانية اللازمة للحياة على أن تكون هذه القدرة، غير مشروطة أو مهدِّدة لطرف خارجي طبيعي أو صناعي، وبكميات وطاقات تخزينية لمدة مناسبة للاستهلاك وبالقدرة على توفير خزانات محمية سياسياً وأمنياً وعسكرياً (3).ومثل هذا الأمر موضوع بالغ الحيوية والخطورة على قضية السلام في الشرق الأوسط.
إن مناسبة الحديث هذا هو ملتقى متخصص ساهم فيه خبراء دوليون وعرب إلتأم في باريس بدعوة من مركز الدراسات العربي- الأوروبي ومشاركة الغرفة التجارية العربية الفرنسية والمجلس العربي للمياه وجائزة الأمير سلطان بن عبد العزيز العالمية للمياه. وانعقد تحت عنوان مثير وحيوي " المياه: منبع للحياة أم مصدر للنزاعات في الشرق الأوسط"؟.
جدير بالذكر أن المركز الذي يستعد لإقامة احتفالية كبرى بمناسبة مرور عشرين عاماً على تأسيسه سبق له وان انشغل بموضوع المياه منذ نحو عقدين من الزمان، وقد نظم مؤتمراً موسعاً في المغرب العام 1996 بعنوان " الأمن العربي: التحديات الراهنة والتطلعات المستقبلية" كما أصدر كتاباً ضم العديد من الأبحاث والدراسات الأكاديمية في العام ذاته بعنوان" الأطماع الإسرائيلية في المياه العربية" دعا وناقش موضوع المياه في مؤتمر دولي نظمه في القاهرة في العام 2000 بعنوان " الأمن المائي العربي"، ولعل ملتقى باريس الراهن هو استمرار لذات التوجّه، لاسيما  وأن المنطقة تشهد ثورات شعبية تتوخى تكريس مناخ جدي من الديمقراطية وحرية الرأي والتعبير وهو ما أشار إليه رئيس المركز الباحث المستشار القانوني الدكتور صالح الطيار في كلمته الترحيبية عند افتتاح الملتقى، مؤكداً أن الجميع تابع تاريخ الصراع في منطقة الشرق الأوسط منذ أكثر من 60 عاماً، وما له من انعكاسات سياسية واقتصادية وعسكرية، مشيراً إلى أن مسألة المياه تنذر بالتحول الى حروب أكثر دموية.
جدير بالذكر ان الاهتمام بمسألة المياه أصبح عالمياً بفعل ندرتها أولاً ومن ثم زيادة نسبة التصحّر والتلوث والتغييرات المناخية والبيئة، فضلاً عن محاولات تسيسها واستقلالها اقتصادياً، فضلا ً عن الاستقواء بها على حساب الآخرين، ولهذا عمدت الأمم المتحدة إلى إيلاء اهتمام كبير فيها وقد حددت يوم 22 آذار (مارس) من كل عام باعتباره اليوم العالمي للمياه منذ العام 1993، خصوصاً وقد أدركت يوماً بعد يوم شح المياه على المستوى العالمي، حيث تفيد دراسات معتمدة من جانبها إلى أن 1.5 مليار نسمة يعانون من عدم وجود مياه صالحة للشرب وأن نحو 3 مليارات نسمة آخرين ليس لديهم نظام صرف صحي، وأن ما يزيد عن 35الف شخص يموتون يومياً نتيجة النقص الفادح في موضوع المياه أو بسبب استخدامهم لمياه ملوثة أو غير صالحة للشرب. كما تشير دراسات الأمم المتحدة إلى أن 5.3 مليار نسمة أي ما يعادل  ثلثي سكان العالم سيواجهون نقصاً فادحاً في المياه، بعد نحو عقد من الزمان، لاسيما في ظل التوزيع غير العادل للمياه بما فيه في كميات الأمطار وازدياد السكان، حيث تقدّر نسبة الزيادة سنوياً نحو 90 مليون نسمة وارتفاع نسبة استهلاك المياه وفي الوقت نفسه سوء استخداماته، إضافة إلى ارتفاع درجة حرارة الأرض وارتفاع نسبة الاحتباس الحضاري وزيادة نسبة مياه البحار.
باختصار يعتبر الماء هو السلعة الجارية والنادرة، ولعل هذا ينطوي على مخاطر شديدة على الصحة والأمن والمستقبل، فضلاً عن انعكاساته على التنمية، ناهيكم عن أن نسبة 2.5% من كميات المياه في العالم هي مياه صالحة للشرب وهي نسبة ضئيلة جداً وهي تشح باستمرار، كما أنها في تناقص منذ قرن من الزمان، على الرغم من بناء السدود والخزانات والتقدم العلمي والتكنولوجي ووجود اتفاقيات دولية لتنظيم استخداماته من دول المنبع وصولاً الى دول المصب أو على الصعيد  الداخلي.
ولعل الحق في المياه هو حق من حقوق الإنسان، وهو حق جماعي وحق فردي في الآن ذاته، أي حق كل فرد في الحصول على مياه  نقية وبكمية مناسبة، كما أن حقه في الصرف الصحي، هو الآخر لا يمكن الاستغناء عنه، الأمر الذي يحتاج الى تنسيق أفضل على مستوى الموارد الخاصة بالطاقة مثل النفط والغاز والكهرباء وغيرها، فضلاً عن الحكامة الرشيدة.
وإذا كان قد قيل عشية الحرب العالمية الأولى وخلالها: أن من يملك النفط يستطيع السيطرة على العالم، فقد يبدو صحيحاً القول أن من يضع يده على منابع المياه ويتحكم بمساره وأسعاره ونقله وتوزيعه ورسومه، يستطيع أن يهيمن على العالم، وذلك لأن لا تنمية من دون مياه، ولا حياة صحية من دون الماء.
وجاء في القرآن الكريم: وجعلنا من الماء كل شيء حيّ، وهذا ما يؤكد أن الماء هو مهد الحياة والحضارة الانسانية، وهو مكوّن لا غنى عنه لجميع الكائنات الحية وهو في الوقت نفسه منتج الثروات ومطهّر الاجسام وملهم الانسان، لاسيما بالعلوم والفنون والآداب، ودائما ما تقام الحضارات والمدن على ضفاف الأنهار وبالغرب من سواحل البحار والبحيرات وتقوم على تنظيم قوانين وأعراف وتفصل في نزاعاته محاكم وقضاء.
1.   إسرائيل والمياه
" المياه منبع للحياة أم مصدر للنزاعات في الشرق الأوسط؟"
منذ وقت مبكر جداً أدركت إسرائيل أهمية المياه في الصراع العربي- الصهيوني، حتى يمكن القول أن مستقبل الشرق الأوسط يتوقّف بالسيطرة عليها. وإذا قيل في الحرب العالمية الأولى "من يملك النفط يكسب المعركة"، وهو قول صحيح آنذاك، فيمكن القول أن "من يسيطر على مصادر المياه ويتحكّم فيها ويستثمرها هو الذي ستكون له اليد الطولى في الحرب المقبلة". والمياه قد تكون الشرارة التي سيشعل فتيلها من يتمكن من وضع اليد عليها.
ويتبيّن اهتمام اسرائيل بجميع قواها وكتلها السياسية المختلفة بالمياه وهو ما تضمنه برنامج الليكود منذ وقت مبكر حول احتفاظه بالأراضي العربية المحتلة الذي كان يبرر أن نسبة تزيد على 50 في المئة من مصادر المياه العذبة المستهلكة تأتي من الضفة، وتضمنت برامج كتل أخرى فقرات مماثلة في انتخابات الكنيست لأكثر من مرة.
لقد دخلت إسرائيل موضوع المياه مباشرة من خلال المعركة التي بدأت في الستينيات عندما حاولت سورية التفكير بتحويل نهر بانياس، الذي ينبع من سفوح الجولان (أحد روافد نهر الأردن) وقامت بإطلاق تهديد مباشر لسورية إدراكاً منها لأهمية المياه على اقتصادها، الأمر الذي استدعى عقد القمة العربية الأولى عام 1964، وهي القمة العربية الأولى بعد قمة إنشاص التي إلتأمت في العام 1946.
ولإدراك إسرائيل أن الماء واحد من مصادر الطاقة الأساسية، فقد سعت الى تقديم خدماتها لأثيوبيا وقامت عبر شركة " تاحال" بتقديم تصاميم ودراسات ولبناء عدد من السدود على نهر النيل في أثيوبيا، وقد تحركت باتجاهين الأول السعي لإعادة العلاقات الديبلوماسية التي ظلّت مقطوعة منذ العام 1967 ونجحت في ذلك، والثاني تزويد أثيوبيا بالسلاح لمواجهة "الثورة الارتيرية" في حينها، وما أن نجحت هذه الأخيرة وحصلت أريتريا على الاستقلال سارعت إسرائيل الى إقامة أوثق العلاقات معها، علماً بأنه بين عام 1967 وعام1973 قامت نحو 30 دولة أفريقية في قطع علاقاتها مع إسرائيل بسبب مواقفها العدوانية ضد الشعب العربي الفلسطيني لكن إسرائيل بدأت باستعادة تلك العلاقات، بل تعويضها منذ أن وقّع الرئيس المصري محمد أنور السادات على اتفاقية كامب ديفيد واتفاقية الصلح المنفرد 1978-1979، وحتى أواسط الثمانينيات استعادت إسرائيل جميع علاقاتها المقطوعة، بما فيها مع الدول الاشتراكية السابقة (أواخر الثمانينيات).
ومن خلال علاقتها مع أثيوبيا عملت إسرائيل على تقديم مساعداتها وخبراتها لبناء السدود. أما فيما يتعلق بتركيا، وهي أول دولة إسلامية تعترف بإسرائيل منذ العام 1949، فقد ظلّت علاقتها وطيدة بها وخصوصاً في مجال المياه.(4) على الرغم من تدهور العلاقة مؤخراً، خصوصاً بعد حصار غزة وإعلان الحرب عليها 2008-2009 وفيما بعد مهاجمة إسرائيل أسطول الحرية، وقتل 9 من الأتراك كانوا ينقلون مساعدات إنسانية على ظهر السفينة مرمرة، واضطرار تركيا الى مطالبتها بالاعتذار الرسمي وتخفيض العلاقات الى مستوى سكرتير ثاني بدلاً من سفير (5).
لقد اهتمت إسرائيل منذ أواخر الثمانينيات ومطلع التسعينيات بالمياه وأولتها مكانة خاصة في ستراتيجيتها، في وقت أن معركة المياه تزامنت مع تدفق الآلاف من اليهود السوفييت الى اسرائيل التي تريد إسكان قسم منهم في الأراضي الفلسطينية المحتلة وهو الذي دفع شامير يومها للحديث عن ضرورة الاحتفاظ بهذه الأراضي وعن "دولة اسرائيل الكبرى".
ومع مقدمات حرب الخليج وما بعدها، قامت إسرائيل بمحاولات سطو "دولية" على نهر الأردن، وسعت الى سرقة مياهه وسيّرتها بموازاة الساحل الجنوبي بهدف إرواء صحراء النقب. كما أقدمت بعد حرب العام 1967 على سحب المياه الجوفية من الأراضي المحتلة، وحالياً فإن أكثر من (ستون 60 في المئة) من مياه نهر الاردن تذهب الى اسرائيل في حين لم يتجاوز ما كانت تستفيد منه من حوض النهر "عبر أراضيها" أكثر من 3% (ثلاثة في المئة) ثم أقدمت اسرائيل على سرقة أخرى وذلك بالاستيلاء على مياه نهر بانياس عام 1967 وهو الذي يفسر تمسكها الشديد، بمرتفعات الجولان.
وكانت إسرائيل قد وضعت عينها على نهر الليطاني اللبناني، وفي العام 1978 أطلقت إسم الليطاني على غزوها للبنان والجنوب اللبناني بشكل خاص. جدير بالذكر أن طول نهر الليطاني يبلغ 170 كلم ويقطع أكثر من نصف طول لبنان من الشمال الى الجنوب ثم يتحول الى الغرب، ويصب فيه 16 نهراً ونبعاً، ومياهه أفضل أنواع المياه بالمواصفات والجودة، ونحو 80% منه يقع في سهل البقاع و20% يمرّ في الجنوب، ويصب في البحر على مسافة 8 كيلومتر شمال مدينة صور، وهذه المياه هامة لإسرائيل وضرورية لتزويد الجليل المحتل بالمياه بدون ضخّ مكلف وكان ذلك أحد أهداف الغزو الاسرائيلي للبنان واحتلال العاصمة بيروت العام 1982 (6).
أما بخصوص الجولان فظلّت القوى الصهيونية تردد "الجولان أبو فلسطين" لأنها تضم مياه نهر الحاصباني وبانياس والوزان والدان والأردن واليرموك وبحيرة طبريا ومساحة الاحتلال حوالي 1200 كلم2، وكانت زيارة ليبرمان الأخيرة تأكيداً جديداً على التمسك الاسرائيلي بالجولان بعد قرار ضمها الذي اتخذه الكنيست العام 1981.(7) وهي جزء لا يتجزأ من استفزاز ليبرمان والمجتمع الدولي على نحو مثمر، وهذه المرة تأتي عشية مطالبة فلسطين الأمم المتحدة الاعتراف بها، مثلها  مثل مسألة القدس الشرقية، فعشية تقديم طلب الحصول على عضوية دولة فلسطين أقرّت إسرائيل مشروعاً استيطانياً جديداً ببناء مئات الوحدات السكنية في القدس الشرقية..
أثيوبيا- إسرائيل: القفز فوق الحواجز
في خبر لم يلفت الانتباه عربياً، تناقلت الصحف خبر قيام شركة تاحال (الاسرائيلية) بأجراء دراسات على التربة في أثيوبيا للبحث في إمكانية بناء ثلاثة سدود بالقرب من بحيرة تانا ونهر " آباى" أحد روافد نهر النيل. وقالت صحيفة " الاندبيندنت" البريطانية في حينها، إن انشاء السدود الثلاثة سيؤمن لأثيوبيا القدرة على التحكم بمياه النيل. هكذا أريد للخبر أن يمرّ من دون إثارة ضجة مثل فضيحة اليهود الفلاشا.
ولا شك أن بناء السدود في مجرى النيل الذي يمر عبر أراضي أثيوبيا، في طريقه الى مصر والسودان بمساعدة اسرائيل، سيمكنها من إيجاد مرتكزات جديدة لها في البحر الأحمر، خصوصاً وأنها تستأجر جزيرة دهلك وتقيم عليها قاعدة عسكرية، فضلاً عن الضرر الذي سيلحق بمصر والسودان، فالنقص في مياه النيل وصل في العام 2000 الى حوالي 800 مليون متر مكعب في السنة.
ولعل وصول اسرائيل الى منبع النيل الأزرق، يعني تحكمها بمصادر المياه، إذ سيكون تحت تصرف أثيوبيا 82% (إثنان وثمانون في المئة) من مياه النيل. ويعتبر نهر النيل من أطول الأنهار في العالم، يبلغ طوله 6695 كلم، ويمرّ باراضي مصر والسودان واثيوبيا وأوغندا ورواندا وبوروندي وكينيا، وكمية مياهه سنوياً 92 بليون متر معب، وتحتاج مصر لوحدها حالياً 55 بليون متر مكعب، وسوف تزداد الحاجة الى نحو 75 بليون متر مكعب خلال السنوات العشر المقبلة، كما يقدر الخبراء.(8)
إن قيام شركة تاحال الاسرائيلية ) لتطوير وتخطيط المصادر المائية والخبرات الزراعية) وقيامها بمشاريع وأعمال إنشائية في أثيوبيا لحساب البنك الدولي، وكذلك في إقليم أوغادين على حدود الصومال، وقيام خبراء اسرائيليين بعملية مسح لمجرى النهر وبناء سدود على النيل الأزرق، يستهدف محاصرة مصر بالدرجة الأولى وتعريض اقتصادها وحياتها البيئية للخطر، فضلاً عن إلحاق أضرار فادحة بالملايين من السكان. والتعاون الاسرائيلي- الأثيوبي يأتي تتويجاً لاتفاق سري بين الطرفين، إذ قدمت إسرائيل القنابل العنقودية وطائرات (الكفير) للجيش الأثيوبي، فيما سمحت أثيوبيا باستئناف هجرة اليهود الفلاشا الى إسرائيل.(9) ولعل هذا الأمر تطور في نهاية العقد الأول من الألفية الثالثة، وهو ما سنخصص له بحثاً خاصاً.
في الخمسينيات أطلق بن غوريون تعبيره الأثير بضرورة القفز فوق الحواجز، لتكوين الحزام المحيط والمقصود بالحزام المحيط أطراف الوطن العربي أثيوبيا وتركيا وإيران. ومنذ عقود واسرائيل تبني خططها لتكوين الحزام المحيط. ينقل ميخائيل بارزو حار (كاتب سيرة بن غوريون) بعضاً من محاولات إسرائيل لإيجاد رابطة دفاعية بينها وبين الدول الثلاث حليفات الولايات المتحدة، خصوصاً بعد حصولها على تصريح من واشنطن ولندن وباريس، بضمان حدودها عام 1950 وسعيها للانضمام لحلف الناتو عام 1951 واضطلاعها على نحو "بارع"   بالمهمات الموكولة اليها على أحسن وجه.(10) ثم سعت إسرائيل الى توقيع إتفاقية خاصة مع تركيا واثيوبيا " إتفاقية ميثاق المحيط" The peripheral pact treaty العام 1958 وعُرفت باسم اتفاقية ترايدنت أو الرمح الثلاثي ضد مصر وسوريا والعراق وهو ما سعى اليها بن غوريون(11).
اعتبر بن غوريون في الستينيات خشية أثيوبيا من سياسة عبد الناصر "التوسعية" تدفعها للانضمام الى الحلف، وعداء تركيا التقليدي للأمة العربية (العدو العربي) يجعلها مقتنعا بفكرة الحلف واشتباك إيران مع أكثر من طرف عربي في صراعات إقليمية (إضافة الأطماع التاريخية) يجعلها متحمسة له، كل هذه العوامل يمكن أن تكون حزاماً محيطاً بالأمة العربية! ويمكن الإشارة هنا إلى العلاقات الإسرائيلية–الأثيوبية قد تعززت وتوطدت فضلاً عن تعاظم حجم التبادل التجاري والتعاون السياسي والمخابراتي، فضلاً عن استثمار الحرب العراقية- الإيرانية، حيث كانت إسرائيل المستفيد الأول من اندلاعها واستمرارها، فقد سعت للتقرب من إيران في موضوع بيع السلاح فيما سمّي بإيران غيت، لكن العداء ظل مستحكماً بين إيران ما بعد الثورة 1979 وحتى الآن. وازداد الأمر سوءًا إصرار إيران على امتلاك السلاح النووي، حيث اعتبرت اسرائيل أن ذلك تهديداً مباشراً لها.
أما أنقرة فقد اضطلعت بدور مميز لا تستطيع حتى إسرائيل القيام به، خصوصاً وأن وجود الأخيرة خطر بالنسبة للعالم العربي، إضافة الى ما تتمتع به تركيا من مزايا سواء بسبب وضعها الجغرافي والجيوبوليتيكي والموقع الستراتيجي والقوى البشرية والامكانات الاقتصادية وغيرها، فضلاً عن ذلك فتركيا " دولة إسلامية" حكمت البلدان العربية وغيرها أكثر من 4 قرون ونيف من الزمان وتمتلك ترسانة ضخمة من السلاح وهي بلد مترامي الأطراف (فقد منح العامل الجغرافي تركيا سيطرة على آسيا الصغرى والمضايق، التي تشكل معاً حلقة الوصل بين دول البلقان ومنطقة الشرق الأوسط، كما منحها أهمية استراتيجية تعود قبل أي شيء آخر الى حدودها الشمالية الشرقية مع الاتحاد السوفييتي (سابقاً مع تأثيراتها في الصراع القائم حالياً) وحدودها الجنوبية مع سورية 877 كلم  والعراق 331 كلم  وإيران إضافة الى ذلك فإن المنطقة الشمالية الغربية من البلاد تعد موطئ قدم تركيا الوحيد في أوروبا 269 كلم مع بلغاريا و212 كلم مع اليونان. إضافة الى أن عدد نفوسها كبيراً، كما تمتلك خبرة كبيرة في ميدان "القمع الداخلي والخارجي". وقد تجلّى الدور التركي مؤخراً من خلال الربيع العربي سواءً في ليبيا أو سوريا، إضافة الى مصر، وبقدر إيجابيته، لكن وجهه الآخر كان أطلسياً، فقد تحاقب نصب دروع صاروخية على الأراضي التركية في غمرة انشغال العالم بتداعيات الربيع العربي.
تركيا: مشروع الغاب والمشكلة المائية
حتى وقت قريب كانت تركيا بحكم ما تقوم به من ممارسات وما تتخذه من سياسات في المنطقة وبخاصة في ظل الوفاق الدولي، إحدى القوى الاقليمية الكبرى سواءً سياستها إزاء اليونان وقبرص وبلغاريا أو المنطقة العربية، فقد كانت  تطمح لأن تلعب دوراً أكبر بحكم نفوذها العسكري وإمكانات حلف الناتو، فضلاً عن أنها ترغب في أن تكون قوة اقتصادية أكبر بانضمامها الى السوق الأوروبية المشتركة. إن مثل هذه السياسة وذلك الطموح في السابق والحاضر تفسر دور تركيا بالسلب أو الإيجاب، فهي تريد أن تلعب دوراً محورياً إقليمياً معادلاً أو حتى أكبر من دور إيران وتسعى للحصول على نفوذ من خلال علاقتها بين العرب واسرائيل، رغم ما تعرّضت له مؤخراً من اشكالات، كما تريد تأمين مصالحها القومية المتعاظمة والظهور بمظهر الدولة القائدة في المنطقة خصوصاً بإسلام معتدل وهو غير الاسلام الإيراني أو الاسلام الذي يدعو اليه بن لادن، وهو أكثر قبولاً وانسجاماً مع مصالح الغرب. لم تتورع من استخدام المياه كوسيلة لإملاء النفوذ!
يعتبر سد أتاتورك (الذي تم إنجازه) واحداً من 21 سداً تم انجازها في جنوب شرقي تركيا مع مطلع الألفية الثالثة وبلغت كلفة المشروع 45 بليون دولار، وكان اكتماله قد يؤدي الى نقص هائل في نهر الفرات يقدر بـ 14 بليون متر مكعب، علماً بأن النقص الحاصل من التبخر يساوي 3 بليونات متر مكعب. ومشكلة نهر الفرات قديمة نسبياً وتعود الى أكثر من أربعة عقود ونيف من الزمان عندما أزمعت تركيا على تنفيذ مشاريعها لري جنوب شرقي الأناضول، وقد ساهم الخلاف السوري- العراقي في عدم اتخاذ موقف موحد رادع لتركيا في حينها.(12)
تبلغ سعة سد أتاتورك 48 بليون متر مكعب في حين تبلغ سعة خزان سد الفرات في سورية 9.3 بليون متر مكعب. وتسعى تركيا لزيادة الطاقة الكهربائية الى الضعف من خلال المشروع والقيام بدور سلة الغذاء من الناحية الزراعية لتمويل الشرق الأوسط وذلك من خلال مشروع كاپ. وكانت توركات أوزال قد قال في وقت مبكر "سيأتي يوم نبدّل فيه برميل مائنا ببرميل النفط" (13)
باشرت تركيا منذ العام 1985 بتنفيذ مشروع الغاب Gap الضخم على نهري دجلة والفرات ويتألف من 13 قسماً، 6 منها على نهر دجلة و7 على نهر الفرات ويغطي ستة محافظات تركية(14). ومن الناحية الفعلية، فإن تركيا ومن خلال هذا المشروع العملاق تضغط سياسياً على سورية والعراق عن طريق التحكم بالمياه واستخدامها لفرض سياسات معينة واقتصادياً بإمكانها أن تكون سلة غذاء لتزويد الشرق الأوسط بما يحتاج من مزروعات وفواكه لفرض الهيمنة عليه. ضاربة بعرض الحائط معاهدة هلسنكي حول الأنهار الدولية لعام 1973 ومؤتمر الارجنتين حول الموارد المائية لعام 1977، تلك التي تنظم طرق الاستفادة من الأنهار الدولية وفقاً لقواعد الحق والعدل والحاجة الضرورية وبما لا يؤدي الى إلحاق ضرر بالسكان والممتلكات والبيئة وغيرها من الاستخدامات غير المشروعة.
ومن مبررات تركيا أن حوضي الفرات ودجلة هما حوض واحد وتقترح جدولة الاحتياجات وإدخال نهر العاصي السوري في حسابات تقاسم المياه وغيرها من الذرائع التي تصر على كونها فنية ولا تحمل أي هدف سياسي ولا تضمر الحاق الأذى بالجيران! وقطع المياه المتكرر يوضح أبعاد المخطط الذي لم يكن في الواقع سوى " پروفة" دولية لقياس درجة رد الفعل العربي علماً بأن تركيا ظلت ترفض بحث الموضوع مع سورية والعراق حتى العام 1988، لكن امتناع البنك الدولي من تقديم المساعدة لتركيا لحين التوصل الى اتفاق لاقتسام مياه النهر هو الذي جعلها توافق على وضعه على طاولة المفاوضات.
ويبلغ معدل التدفق السنوي لنهر الفرات 31.8 بليون متر مكعب وملء الخزان والسدود الأخرى يحتاج الى قطع متواصل ربما لبضعة أسابيع أو أشهر وهو أمر يعطي فكرة عن حجم الضرر الذي سيقع على كل من سورية والعراق والمخاطر والآفاق التي تنتظرهما.
فالفرات يروي ثلثي الأراضي المروية في سورية ويوفر سد الفرات 70 في المئة من حاجتها من الكهرباء ويولد طاقة بحدود 800 الف ميغاواط سيتم تعطيلها عملياً، إضافة إلى إلحاق ضرر كبير بمشروع يوسف باشا  والذي يؤمن ري 200 الف هكتار ويولد طاقة بحدود 400 ألف ميغاواط.
أما العراق، فإنه الأكثر ضرراً فالفرات يروي 1.3 مليون هكتار (13 مليون دونم) من الأراضي الزراعية الجيدة وتشرب منه 7 محافظات هي: الأنبار وبابل وكربلاء والنجف والقادسية والمثنى وذي قار، إضافة الى 30 قضاء و70 ناحية وأكثر من 4500 قرية، ويبلغ عدد السكان المستفيدين منه نحو 14 مليون انسان ومع أن سد حديثة (القادسية) ومشروع سد الورار ومشروع سد الهندية، تتغذى من النهر وتختزن المياه للاستفادة منها عند الحاجة وفي حال نقص المياه، الاّ أنها لا تستطيع أن تسد النقص الذي يتسبب به انقطاع المياه فضلاً عن أن ذلك أدى الى التأثير على بحيرة الحبانية التي تتغذى من الفرات  لمرات عديدة، فهو مرتبط بمشروع بحيرة "وان". وقد وصف سليمان ديميرال رئيس الوزراء التركي السابق المشروع بأنه " الوطن الذهب  للقرن المقبل".
شط العـرب.. وصاعق التفجيـر!! (15)
لم يخطئ الرئيس جلال الطالباني وهو السياسي العراقي المخضرم عندما قال إن " اتفاقية الجزائر" التي أبرمت في 6 آذار(مارس) العام 1975، " ملغاة "، لأن من وقّعها لم يكن إيران والعراق، بل الرئيس العراقي السابق صدام حسين وشاه ايران محمد رضا بهلوي اللذان رحلا الى " دار الحق"، لكن الاتفاقية بقيت جاثمة في مكانها وربما على الصدور تُستعاد وتُستذكر بين الفينة والاخرى، ولن تُنسى على الاطلاق.
   لعل الطالباني نسي موقعه الرسمي، باعتباره رئيساً للعراق، حين " ألغى" فجأة الاتفاقية في جوابه على سؤال لأحد الصحافيين في مؤتمر دوكان مع مسعود البارزاني رئيس اقليم كردستان وطارق الهاشمي أمين عام سابق للحزب الاسلامي ونائب رئيس الجمهورية، فلربما كان تأثير العقل الباطن عليه قوياً حيث استعاد لغة المعارض السياسي المعتّق ونستالوجيا الرفض، أيام كان في رحاب دمشق وفي اطار التجمع الوطني العراقي، الذي اعتبر اتفاقية 6 آذار (مارس) خيانية وباطلة ودعا يومها الى رفضها والعمل على إلغائها.
   لكن الطالباني الذي أعلن بشكل عفوي وربما غير مقصود إلغاء الاتفاقية لم يكن يتوقّع ردّ الفعل الايراني السريع والغاضب الذي جاء على لسان محمد علي حسيني المتحدث باسم وزارة الخارجية الايرانية حين قال : إن إبداء أي وجهة نظر حول إلغاء معاهدة الجزائر لعام 1975 يفتقد الى الاسس القانونية، لأنها تشكّل حجر الأساس للعلاقة بين البلدين. أما رد فعل منوشهر متكي وزير الخارجية الايراني فجاء أشدّ صرامة  حين وجّه تحذيره ليس للعراق وحده بل طال أيضاً الولايات المتحدة التي طالبها بعدم الدخول في هذه اللعبة من جديد، في إشارة الى الحرب العراقية -الإيرانية قبل 27 عاماً، مشدداً على أن اتفاقية الجزائر وثيقة رسمية مسجّلة لدى الامم المتحدة وتتمتع بالقوة القانونية اللازمة ولا مجال للإخلال بها.
وقد اضطر مكتب الرئيس جلال الطالباني في اليوم التالي لاطلاق تصريحه الى التراجع وتأكيده على الالتزام بإتفاقية الجزائر واعتبارها نافذة، ولعل ذلك  مفارقة تكاد تكون تاريخية بخصوص تلك الاتفاقية التي حملت رئيسي البلاد صدام حسين وجلال الطالباني رغم اختلاف توجهاتهما لنفيها وإعادة العمل بموجبها.
   حين مزّق صدام حسين الاتفاقية على شاشة التلفزيون، يوم 17 ايلول (سبتمبر)1980، فإنه كان يستعد للحرب التي اعلنها بعد خمسة أيام، ولعل مبرراته هي "تغيّر الأحكام بتغيّر الأحوال "، معتقداً أن سقوط الشاه فرصة مناسبة لإلغاء اتفاقية الجزائر واستعادة حقوق العراق التي تنازل عنها. وهو الأمر الذي برره بعض الماركسيين لاتفاقية الجزائر باعتبارها صلح بريست ليستوفيسك بين لينين والالمان .
وقد شرح صدام حسين ذلك للسفيرة الامريكية في العراق السيدة ابريل غلاسبي يوم 25 تموز (يوليو) 1990 عشية غزو الكويت، وذلك حين قال لها:  في العام 1974 إلتقيت مع ابن الملا مصطفى البارزاني في هذا المكان الذي تجلسين عليه... وكان اسمه ادريس... قلت له سلّم لي على أبيك وانقل له ان صدام حسين يقول ما يلي: إذا حصل قتال عسكري سننتصر... وقلت أتعرف لماذا؟... فحدثته عن توازن القوى بالأرقام والمعطيات، مثلما تحدثت مع الايرانيين في رسائلي اليهم اثناء الحرب.
ويواصل حديثه بالقول " لكل هذه الاسباب التي ذكرتها زائداً سبب سياسي هو انكم تعتمدون على خلافاتنا مع ايران، وهي مستندة في خلافها مع العراق على أطماعها بالحصول على نصف شط العرب، فإذا كان الاختيار أن نحافظ على العراق كلّه ومعه شط العرب ونكون بخير فسوف (لن) نتنازل عن شط العرب، وإذا وُضعنا في زاوية، إما نصف شط العرب أو العراق (المقصود الحكم) فإننا سنعطي نصف شط العرب لنحافظ على العراق كما نتمنى."(16)
واضاف صدام حسين لتبرير موقفه البراغماتي: " بعدها أعطينا نصف شط العرب ومات البارزاني ودفن خارج العراق وخسر معركته"، وعندما سنحت الظروف لإلغاء الاتفاقية حسب اعتقاده قال عنها: انها ولدت ميتة وما علينا سوى دفنها والبحث عن معاهدة جديدة. وبعد أن استمرت الحرب ثمان سنوات وأكلت الاخضر واليابس، حيث حصدت ارواح مليون انسان وبددت نحو 400 مليار دولار، كانت الذريعة الجديدة لإحياء "الاتفاقية الميتة" بعد غزو الكويت، حيث تمت الموافقة على المطالب الايرانية في الرسالة الموجهة الى هاشمي رفسنجاني والمؤرخة في 15 تشرين الاول (اكتوبر) 1990. يومها وصف ولايتي وزير خارجية إيران الأسبق العرض الذي تقدمت به الحكومة العراقية لتسوية النزاع والعودة الى اتفاقية الجزائر بأنها أكبر انتصار تحقق لإيران منذ قيام الجمهورية الاسلامية .
ان تصريحات الرئيس جلال الطالباني أعادت الى الأذهان الذكرى الأليمة للحرب العراقية- الإيرانية وما جلبت من ويلات على البلدين وعلى شعوب المنطقة بأكملها، وبالطبع فإن إيران التي وافقت مرغمة على قرار مجلس الأمن الدولي رقم 598 القاضي بوقف الحرب، بعد أن تجرّع الإمام الخميني " كأس السمّ " العام 1988، جاءتها الفرصة الذهبية للتشبث باتفاقية الجزائر وإحيائها، بعد مغامرة غزو الكويت واضطرار العراق للموافقة عليها مجدداً.
لماذا كان رد الفعل الإيراني غاضباً لدرجة التنديد بتصريحات الطالباني؟ باختصار الجواب يأتي من حيثيات إتفاقية الجزائر التي تعني التنازل عن جزء من المياه الوطنية العراقية وعن الضفة اليسرى لشط العرب والموافقة على قبول السيادة الايرانية عليها بموجب ما سمي بخط الثالويك Thalweg. وخط الثالويك حسب القانون الدولي هو خط وهمي يمثل الحد الفاصل في تخطيط الحدود النهرية (للانهار الدولية وهذا ما لا ينطبق على شط العرب بالطبع) إبتداءًً من أعمق نقطة في وسط مجرى النهر الرئيسي الصالح للملاحة عند أخفض منسوب وحتى البحر.(17).
بهذا المعنى يكون العراق قد تنازل مرة أخرى عن نصف شط العرب أي بحدود 90 كيلومتراً وعن الجرف القاري والبحر الاقليمي العائد له فيما يتعلق بالحدود النهرية، أما في الحدود البرية فقد شمل التنازل 1000 كيلومتر في منطقة نوكان-ناوزنك العراقية في أراضي كردستان، على أمل استعادة 324 كيلومترا في منطقة زين القوس وسيف سعد والمرتفعات الستراتيجية التي ظلّت ايران متمسكة بها سواءًا في عهد الشاه أو في عهد الخميني، وهي المناطق القريبة من قصر شيرين.
كان القضاء على الحركة الكردية المسلحة، أحد أهداف الاتفاقية، الأمر الذي بقي راسخاً في ذهن جلال الطالباني حين فجّر أزمة دبلوماسية لم تكن محسوبة، ولعل الاتفاق الأمني كان من أخطر ما ورد في الاتفاقية حيث نص على: إعادة الثقة المتبادلة على طول الحدود المشتركة والالتزام باجراء رقابة مشددة وفعالة ووقف التسللات ذات الطابع التخريبي. وكان ذلك يعني تبادل المعلومات الأمنية عن نشاطات المعارضة العراقية والإيرانية، كما كانت تعني اطلاق يد الشاه في الخليج والسكوت عن احتلال الجزر العربية الثلاث أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى.
هل أن احتدام الخلاف بين حكومة المالكي والائتلاف الكردي وتعثر المفاوضات بخصوص توقيع اتفاقيات النفط في كردستان وحول المادة 140 بشأن كركوك، كان وراء جواب الطالباني وبحضور الهاشمي، أم أنه أراد جسّ النبض قبيل إرسال وفد حكومي عراقي الى طهران لإحياء اتفاقية الجزائر؟ أم أن سبباً آخر يعود الى الرغبة الأمريكية في الضغط على إيران واتهامها بالوقوف وراء القسم الأكبر من العنف والإرهاب في العراق ؟ أو قد يكون تحت ضغط القصف التركي لجبال قنديل العراقية لملاحقة حزب العمال الكردستاني PKK!؟
وأياً كان السبب فإن موضوع شط العرب وحقوق العراق يقتضيان إعادة النظر باتفاقية الجزائر باعتبارها اتفاقية جائرة ومجحفة ومذلّة وغير متكافئة وأبرمت في ظرف استثنائي وتحت ضغوط واملاءات دولية، لم تكن خطة كيسنجر بعيدة عنها وهو ما ورد في تقرير بايك المقدم الى الكونغرس الأمريكي، فمتى ستضع الاجندة العراقية ذلك في المفاوضات مع إيران؟!!(18)

النيل والأمن المائي (19)
أعلن عن اتفاق مبدئي بخصوص مياه النيل وقعته دول المنبع الخمس، وفي مقدمتها إثيوبيا، لكن مصر والسودان اللتين تتمتعان بالنسبة الأكبر من المياه حسب الاتفاقيات الدولية، غابتا عنه، وكانت اتفاقية تقاسم مياه نهر النيل قد تم التوقيع عليها في العام ،1929 ثم أعيد النظر فيها ليتم توقيع اتفاقية جديدة بعد ثلاثين عاماً وعُرفت باتفاقية العام ،1959 باعتبارها الناظمة لعلاقات البلدان الإفريقية المستفيدة من نهر النيل.
ولذلك، فإن توقيع اتفاق بغياب مصر والسودان ومن دون موافقتهما، سيعني إلحاق ضرر يتعلق بمنسوب المياه المخصصة للبلدين، فضلاً عن أمنهما المائي الذي هو جزء من الأمن الوطني لكل من البلدين وللأمن المائي العربي ولدول المنطقة ككل . وإذا كانت العلاقات المصرية  السودانية عنصراً ايجابياً في توقيع الاتفاقيات الآنفة الذكر، فإن تردّيها في العقدين الأخيرين ساهم في إضعاف مطالبتهما بحقوقهما، ولعل توقيع مصر على اتفاقية الصلح المنفرد واتفاقيات كامب ديفيد (1978 - 1979) وتطبيع العلاقات مع “إسرائيل” أسهم في إعادة النظر باستراتيجيتها على المدى الإفريقي والإسلامي، الأمر الذي غيّر من بعض أولوياتها، وهو ما استغلته بعض دول حوض نهر النيل بتشجيع من “إسرائيل” التي عادت إلى إفريقيا بقوة كبيرة بعد أن انحسرت علاقاتها في أواخر الستينات ومطلع السبعينات .
ولا شك في أن توقيع مثل هذا الاتفاق من دون مصر والسودان، إنما هو تحدٍ لهما، لم يكن ممكناً من دون توفّر بعض المستلزمات لعدد من بلدان المنبع، لاسيما مساعدات “إسرائيل” لبناء ثلاثة سدود كبرى في إثيوبيا بمساعدة إيطاليا، وكذلك تقديم مساعدات عسكرية وتكنولوجية لعدد من البلدان، حيث استعادت “إسرائيل” دورها في إفريقيا بعد أن كانت تعاني من عزلة بقطع 30 دولة إفريقية علاقاتها معها بعد عدوان العام ،1967 وبعد حرب العام ،1973 بسبب سياساتها العدوانية ضد البلدان العربية من جهة، ومن جهة ثانية بسبب تعاونها مع نظام جنوب إفريقيا العنصري .
لكن اختلال موازين القوى وتصدّع الوضع العربي، لاسيما بعد غزو الكويت العام،1990 ومن ثم انقسام الصف العربي والحرب على العراق وفرض الحصار عليه،1991 وما بعدها، هو الذي هيأ الظروف المناسبة لبعض دول المنبع للإقدام على هذه الخطوة، يضاف إلى ذلك انهيار الكتلة الاشتراكية وتحلل الاتحاد السوفييتي، الأمر الذي أضعف العرب إلى حدود كبيرة، ناهيكم عن اتباع سياسات فلسطينية وعربية جديدة تحت باب “الواقعية السياسية” و”التسوية السلمية”، تلك التي تجسّدت في اتفاق أوسلو 1993 الذي وصل إلى طريق مسدود منذ العام ،1999 ومانعت “إسرائيل” من التوصل إلى صيغة الحل النهائي باعلان الدولة الفلسطينية، بل إنها شنّت حرباً ضد لبنان العام 2006 وحرباً ضد غزة العام 2008 -2009 بعد حصار ما زال مستمراً منذ نحو ثلاثة أعوام .
ولعل ذلك ساهم في تشجيع بعض دول المنبع لمواجهة الأمن المائي العربي لمصر والسودان، والتوجه لإبرام اتفاق سيلحق الضرر بالأمن المائي لكلا البلدين، بل يلحق الضرر بالأمن المائي العربي ككل، وبالمصالح الوطنية للبلدين وثرواتهما .
لقد ترافقت تلك التحديات مع محاولات معلنة في دفع مياه نهر النيل نحو صحراء النقب وبقية الأراضي الفلسطينية المحتلة من “إسرائيل”، وقد سبق لشمعون بيريز ان أشار إلى ذلك في كتابه “الشرق الأوسط الجديد” في التسعينات، وهو الأمر الذي يصبح الحديث عنه اليوم أكثر جدية وراهنية .
ان استبعاد أربع دول من الاتفاق المائي الجديد يعتبر مخالفاً للاتفاقيات الدولية ولقواعد القانون الدولي، لاسيما الخاصة بالأنهار الدولية، فضلاً عن تعارضه مع مبادئ التعاون بين الدول ومع الاتفاقيات السابقة لدول حوض النيل، ومع ميثاق الأمم المتحدة، ولعله سيكون نقطة احتكاك قد تؤثر في العلاقات العربية  الإفريقية، لا سيما مصر والسودان مع بقية دول المنبع .
وبالطبع لم يكن موقعو الاتفاق يجرؤون على استبعاد مصر والسودان لولا  الضوء الأمريكي الأخضر، والسياسات العربية الرسمية، التي كان رد فعلها ضعيفاً بما فيها جامعة الدول العربية، الأمر الذي يتطلب تحركاً عربياً وإسلامياً فعّالاً والضغط على إدارة الرئيس الأمريكي أوباما، ناهيكم عن تنشيط العلاقات المصرية  السودانية ومع الدول الافريقية، لا بخصوص الأمن المائي والغذائي فحسب، بل في ما يتعلق بمستقبل علاقات العرب مع إفريقيا، ناهيكم عن انعكاساته الجيوسياسية والاقتصادية والاجتماعية على عموم المنطقة، فالمواجهة بخصوص النيل أو غيره من المياه العربية ستكون مواجهة مع “إسرائيل”، ومعركة المياه بكل تفرعاتها وتشابكاتها هي جزء من الصراع العربي  “الإسرائيلي” . وإذا قيل عشية الحرب العالمية الأولى: من يمتلك النفط يهيمن على العالم، لأنه سيكون بيده وقود الطائرات والسيارات والغواصات، فإنه في الألفية الثالثة يصحّ القول إن من بيده الماء سيستطيع أن يكسب المعركة، لأنه عنصر مهم للتنمية ولتوليد الطاقة والزراعة والري وبالاساس لاستمرار الحياة الانسانية .
إن معركة المياه العربية تكاد تطوّق العالم العربي كله، فتركيا بنت نحو 22 سداً بما فيها سد الغاب الكبير، منذ أربعة عقود من الزمان على حوضي دجلة والفرات، وقد تنشأ مشاكل جديدة لحوض نهر الفرات بين سوريا والعراق، بسبب المنسوب الشحيح الذي ترخّص به تركيا للبلدين، إضافة إلى ما يتعلق بنهر كارون والكرخة ومستقبل شط العرب مع إيران، يضاف إلى ذلك شفط “إسرائيل” لمياه الاردن والمياه الجوفية ونهر الليطاني ومياه الجولان وبحيرة طبرية وغير ذلك، الأمر الذي يتطلب تعاوناً وتنسيقاً بين البلدان العربية التي تواجه مخاطر مائية، فضلاً عن أن مصيرها واحد .
لقد آن الأوان للتفكير الجدّي لمواجهة هذه المخاطر المحدقة، فالنيل هو حياة مصر والسودان، ورغم انخفاض منسوبه في كلا البلدين، واحتمالات ازدياد حالات العطش وشح المياه، الاّ أن هذا الاتفاق سيكون عاملاً سلبياً في انحسار نسب كبيرة من المياه التي تصل إليهما، ولعل ذلك سيعني تدهوراً في سلّة الغذاء من المزروعات واللحوم، فضلاً عن الطاقة الكهربائية والتنمية وغيرها، فلا أمن لمصر أو للسودان من دون النيل .
النيل وحرب المياه (20)   
إذا كانت المياه عصب الحياة ويستحيل العيش من دونها، فإنها في الوقت نفسه، وبسبب ندرة توفرها والحاجة إليها، أصبحت مصدراً للنزاعات والحروب، واستخدمت كأداة نفوذ وإملاء إرادات على مرّ التاريخ. لكن تطور العلوم والتكنولوجيا وتعاظم الحاجة إلى استخدام المياه، جعلها محوراً للصراع الاجتماعي والسياسي الذي ازداد تأثيره تدريجياً على مستوى العالم كلّه، بسبب زيادة استخدام المياه فضلاً عن عدم ترشيده والاستفادة منه على نحو عقلاني، وشحّ بعض المنابع وجفافها. سواءً في الدول التي تملك المصادر الكافية من المياه أو الدول التي تريد زيادة مواردها منها وتأمين استمرارها. 
وحسب العلاّمة البروفسور حيدر كمونة المختص بهندسة تخطيط المدن والعمارة، فإنه مع دخول العالم، القرن الحادي والعشرين بدأت تتضح معالم عجز عالمي كبير في الموارد المائية، حيث تقدّر كمية المياه الكلية في العالم نحو 1386 مليار متر مكعب، تؤلف المياه العذبة منها نحو 5 .2% فقط، موزعة توزيعاً متبايناً في أنحاء العالم، وتشكّل الدول العربية منها 058% فقط مصادر للمياه المتجددة .
ولعل هذا النقص في الموارد المائية المترافق بسوء نوعية المياه بسبب التلوّث والتأثيرات السلبية الأخرى، حيث طغت المياه المالحة، خلق عجزاً مائياً كبيراً، ومع ارتفاع حجم التعداد السكاني وشحّ الموارد وزيادة الاستخدام ازدادت الهوّة على نحو شاسع بين ما هو متوافر وما هو مطلوب.
إن الذي دفعني لمراجعة كتاب البروفسور كمونة الأستاذ في جامعة بغداد (21) هو ما نشرته مجلة جون آفريك الفرنسية في عددها الصادر في شهر مارس/ آذار 2011 عن احتمال توقيع “اتفاقية إطار” لدول حوض نهر النيل، وذلك بانضمام جمهورية بوروندي إلى اتفاقية تقاسم مياه النيل، التي لم توقّع عليها مصر والسودان في حين أن إثيوبيا ورواندا وتنزانيا وأوغندا وكينيا ومؤخراً بوروندي، وقّعت على الاتفاقية وتمنع مصر والسودان عن التوقيع. وبانضمام بوروندي إلى اتفاقية الإطار التي اعترضت عليها مصر والسودان المتضررتان الأساسيتان من الاتفاقية ستجرّد مصر من حقها في النقض (الفيتو) على مشروعات الدول المتشاطئة للنهر، ذلك الذي حصلت عليه العام 1929 بواسطة اتفاق وقعته عنها يومذاك بريطانيا بصفتها دولة الانتداب. وبموجب اتفاقية الإطار هذه يحق لبرلمانات الدول الستة الموقعة إنشاء “لجنة دول حوض النيل”، الأمر الذي يلغي أو يبطل مفعول اتفاقية العام 1959 التي ضمنت لمصر والسودان حق الانتفاع ب 90% من مياه نهر النيل، مع ضمان حق مصر في النقض (الفيتو) . هكذا يكون بإمكان الدول المتشاطئة بانضمام بوروندي اعتبار الاتفاقيات السابقة لاغية وكأنها شيء لم يكن، لأن إبرامها كان قد تم مع دولة مستعمِرة باسم دولة مستعمَرة (بريطانيا- مصر)، كما أن الزمن قد تجاوزها، لاسيما وأن احتياجات سكان البلدان المتشاطئة قد تضاعفت، ناهيكم عن التغييرات المناخية، وهو التبرير الذي تقوده إثيوبيا إزاء حماستها للتوقيع على اتفاقية الإطار .
ولعل الأخطر من ذلك هو ما تخطط له دول حوض النيل لإنشاء سد مائي يمكنه أن ينتج طاقة كهربائية بمعدل 60 إلى 80 ميغاوات لتزويد رواندا وتنزانيا وبوروندي بالطاقة.
وكانت إثيوبيا قد سبق وحصلت على تسهيلات من "إسرائيل" لبناء ثلاثة سدود على نهر النيل، مقابل تقديمها تسهيلات تساعد على هجرة اليهود الفلاشا إلى "إسرائيل". مع العلم أن الكيان الصهيوني يعرف جيداً ماذا يعني النيل “هبة السماء” لمصر، فهو يشكل عماد الحياة الاقتصادية والاجتماعية منذ الأزل، ولهذا فإن حرمان مصر من هذا المصدر الأساسي سيعني تعطيل قدراتها التنموية على جميع الصُعد.
والجدير بالذكر أن "إسرائيل" استطاعت إثر النكوص العربي الذي حصل، لاسيما بعد التوقيع على اتفاقية كامب ديفيد والصلح المنفرد استعادة علاقاتها مع ثلاثين دولة إفريقية سبق وأن قُطعت على خلفية عدوانها على الدول العربية بعد العام 1967 .
وقد جرت خلال العقد الماضي كلّه مباحثات مستمرة بين الدول الست المتشاطئة، ظلت مصر  بعيدة عنها، لأن مجرد التفكير بإلغاء نسبة الـ 90% من المياه، يعني موت مصر عطشاً، وهو الأمر الذي حاولت القاهرة أن تعقد من أجله لقاءات في شهر يناير/ كانون الثاني ،2011 لكن تدهور الأوضاع في مصر وفي ما بعد الإطاحة بنظام حسني مبارك، قد حال دون ذلك، الأمر الذي يحتاج إلى وقفة جادة ومسؤولة لبحث مشكلة المياه وتوزيعها طبقاً لاتفاقيات دولية تشارك فيها جميع الأطراف، ووفقاً لقواعد القانون الدولي، مع الأخذ في الاعتبار الاتفاقيات السابقة.
ولعل واحدة من المشكلات الجديدة التي ستواجه دول حوض النيل، هي دولة جنوب السودان الجديدة المرتقبة. ويمكن القول إن الدول المتشاطئة، ما كان لها أن تتجرأ وتتصرف بالطريقة إيّاها، لولا الحرب المزمنة في جنوب السودان وضعف النظام المصري ونكوصه، ما أدى إلى التفريط بحقوق انتفاع سكان مصر والسودان من نسبة الـ90% المحددة طبقاً لاتفاقية العام 1959 من مياه نهر النيل.
وتعتبر مشكلة مياه نهر النيل من أعقد المشكلات التي ورّثها الحكم السابق في مصر إلى ثوار الانتفاضة والحكم الجديد، وهي مشكلة تتعلق بصميم المصالح الحيوية المصرية، بل بما يسمى الأمن القومي العربي، وهما مسألتان ضعفتا في سنوات حكم ما بعد الرئيس جمال عبد الناصر، سواء في ظل الرئيس أنور السادات أو حسني مبارك، خصوصاً عندماً ضعف الدور المصري في إفريقيا، بل وعلى المستوى الإقليمي والدولي .
ويمكن القول أن هناك تنا

75
تراجيديا اختفاء المطرانين اليازجي وإبراهيم
عبدالحسين شعبان

عادة ما يراهن الخاطفون والجهات المستفيدة من الاختفاء القسري على النسيان، لاسيّما لشخصيات عامة، حيث يمكن للحدث مهما كان عظيماً أن ينتقل من دائرة الضوء ليتآكل تدريجياً، وليقبع في الظل، ولعلّ ذلك ما يريده المرتكبون والمستفيدون من الذبول التدريجي لقضية المختفين قسرياً حسب المصطلح القانوني للأمم المتحدة Forced disappearance ، وهو ما ظل يراهن عليه من قام بفعلته الشنيعة باختطاف المطرانين بولس اليازجي ويوحنا إبراهيم في 22 إبريل/نيسان العام 2013 .
وإذا كان الأمر الطبيعي أن ينشغل الإعلام بما هو ساخن، ولكن القضايا الساخنة تبرد بالتدريج، لذلك فإن إبقاء قضية الاختفاء القسري حيّة وفي دائرة الضوء، إنما يتطلب جهداً استثنائياً ومضاعفاً، كي لا يلفّها النسيان مع مرور الأيام، والأمر يحتاج إلى أشكال متجدّدة من العمل الإعلامي والمخاطبات والمذكرات وعقد الندوات، واستثمار الصورة والفيلم والتلفاز والمذياع والصحيفة والإنترنت والفيسبوك والهاتف النقال وغيرها من وسائل الاتصال، لإثارة أسئلة جديدة بخصوص المخطوفين ووضع الهيئات الدولية عند مسؤولياتها، لاسيّما جهات حقوق الإنسان، والمنظمات الدولية المعنية .
ولعلّ ذلك ما حاول "ملتقى الأديان والثقافات للحوار والتنمية" أن يفعله في بيروت لمناسبة مرور عام على الاختفاء القسري للمطرانين، بدعوته الفاعليات والجهات السياسية كافة ومؤسسات المجتمع المدني وجمعيات حقوق الإنسان العربية والدولية وشخصيات ثقافية وفكرية ودينية من مختلف الأديان والطوائف والثقافات، للتوقيع على نداء لإجلاء مصير المطرانين، معتبراً ذلك مهمة وطنية وعروبية وإسلامية ومسيحية، وقبل كل شيء مهمة إنسانية نبيلة، أي أنه حاول وضع مسألة المطرانين على برامج جميع القوى والفاعليات والأنشطة السياسية والفكرية والدينية والإعلامية، المدنية والرسمية على حد سواء، بما فيها جهات دولية . وليس عبثاً أن يعتبر رئيس المفوضية الدولية لحقوق الإنسان الباكستاني الأصل السفير محمد شاهين أمين خان وقوف المجتمع الدولي إلى جانب قضية المخطوفين ودعمها بوجه الجهات الإرهابية ومن يقف وراءها، مسألة ضرورية .
كان اختفاء اليازجي وإبراهيم مشهداً أقرب إلى التراجيديا حين يراد الاستهانة بالجانب الإنساني، حيث كانا من روّاده، سواء جهودهما ووساطاتهما ودعواتهما للاعنف والمحبّة، ليس على صعيد الأزمة السورية الراهنة، بل على الصعيدين العربي والدولي، فمنذ أكثر من عقدين من الزمان وهما ينشطان في قضايا التسامح والاعتراف بالآخر والإقرار بالتعددية والتقارب بين ممثلي الأديان والثقافات وقضايا الحوار والمشترك الإنساني، وهو ما أشار إليه سماحة الشيخ حسين شحادة، وهو ما عرفته شخصياً عن المطران يوحنا إبراهيم منذ سنوات على صداقتنا وعملنا المشترك وتعاوننا في مجالات مختلفة .
وكان المطرانان قد اختطفا بالقرب من مدينة حلب، وتردّدت معلومات متضاربة عن مصيرهما، وإلى الآن لا يوجد خيط واضح يوصل إليهما، علماً بأن وزارة الخارجية التركية اضطرّت إلى نفي وجودهما على أراضيها، وجاء النفي التركي بعد رسالة من البطريركية السريانية في دمشق التي طالبت جميع الأطراف بتوضيح مواقفها، وكان قد تردّد أيضاً أن عملية الخطف دارت على بعد كيلومترات قليلة من عبور الخاطفين بمن فيهم من جنسيات شيشانية وجماعة جند الخلافة "لواء المسلمين"، ولكن ذلك كله مجرد تكهنات وتقديرات إن لم يتم إجلاء مصيرهما، سواء كانت التهمة موجهةً إلى جهات رسمية أو غير رسمية، سورية أو أجنبية .
ويعكس غموض تفاصيل قضية المطرانين ضبابية الكثير من المعلومات، فهناك من يرجّح وقوع المطرانين في فخ أعدّ لهما سلفاً، وهناك من يفترض أنهما وقعا فيه بمحض الصدفة في منطقة باب الهوى، حيث جرى اختطافهما، لكن قضيتهما لفّها الإبهام منذ اللحظة الأولى ولم تشهد تحقيقاً جدياً من جميع الأطراف، بما فيه التفاوض مع الخاطفين، خصوصاً مع بعض الجهات الإقليمية الوسيطة .
إن اختطاف المطرانين قصد منه زرع الفتنة بين المسلمين والمسيحيين، فضلاً عن ذلك الضغط على المسيحيين لترك سوريا، وهو ما حصل للعديد من البلاد العربية، ففي العراق تعرّض المسيحيون وكنائسهم ومقدساتهم ووجودهم للتدمير والإقصاء، وتحت مزاعم شتى من التعصب والتطرف، وفي لبنان اضطر مئات الآلاف منهم إلى الهجرة خلال الحرب الأهلية وما بعدها، وقبل ذلك وعلى نحو أشد استهداف مسيحيي فلسطين، الذين لم يتبق منهم سوى 1%، في حين كان عددهم يزيد على 20% من سكان فلسطين قبل الاحتلال . وكان في مدينة القدس وحدها قبل العام 1948 نحو 50 ألف مسيحي، في حين أنه لا يصل عددهم اليوم وبعد مرور أكثر من ستة عقود ونصف من الزمان على خمسة آلاف .
وحتى الآن فإن الصمت الرسمي والسياسي والديني حيال قضية المطرانين بولس اليازجي ويوحنا إبراهيم في سوريا يلف المسألة التي لا تخص المسلمين أو المسيحيين وحدهم، بل تخص حقوق الإنسان وحقوق المواطنة المتساوية في هذه المنطقة المتعايشة والمتفاعلة والمختلطة بالثقافات والأديان والتنوّعات .
إن قضية اليازجي وإبراهيم تمس الإنسان بشكل عام بكل مشتركه القيمي والثقافي والروحي والديني، ذلك أن في الديانة المسيحية من عمقنا الحضاري، وإن فيها شيئاً من ذاتنا الإسلامية، كما قال السيد علي فضل الله، مثلما في الذات المسيحية شيء من الإسلام، ولعل جامعهما العروبة .
أما الخاطفون، سواء كانوا أفراداً أم جماعات أم سلطة دولة (بعض أجهزتها التنفيذية) فإنهم يراهنون على النسيان، ليتلاشى الاحتجاج ويصبح مجرد ذكرى، ولذلك تراهم يعمدون إلى التعتيم، بل يثيرون غباراً من الشك لإبعاد الموضوع، بالإهمال وصدأ الذاكرة وازدحام الأحداث ودورة الزمن، بعيداً عن الإثارة وتحديد المسؤولية، خصوصاً استمرار البحث عن هوّية الخاطفين والمرتكبين وترك المصائر المجهولة للمخطوفين باعتبارهم جزءاً من الماضي لا أمل فيه ولا عمل يُرتجى من البحث عنهم أو الانشغال بهم .
لعلّ ذلك ما أراد "ملتقى الأديان والثقافات" أن يبدّده بإصراره على طرح موضوع المطرانين على بساط البحث، باعتباره قضية راهنة وغير قابلة للتأجيل، حتى يتم إجلاء مصيرهما ومصير جميع المختفين قسرياً!


76
المنبر الحر / زمن الانتخابات
« في: 20:31 22/04/2014  »
زمن الانتخابات

عبدالحسين شعبان
 
 
سبعة بلدان عربية تستعد خلال هذا الشهر، والأشهر القليلة القادمة، حتى نهاية العام 2014 لإجراء انتخابات رئاسية أو برلمانية أو كليهما، في إطار معارك حامية معلنة ومستترة، زعمًا في «تمثيل» الناس من جهة، ومن جهة أخرى تجسيدًا للصراع على السلطة، تلك التي كان كل فريق يريد الفوز فيها عنفيًا لفترة أكثر من ستة عقود من الزمان، بل منذ تأسيس الدولة العربية المعاصرة ولحد الآن، ثم أصبحت الانتخابات وسيلة للوصول إلى السلطة وتعبّر الانتخابات اليوم على جوهر الصراع وشكله في الآن، في ماراثون محموم على السلطة من جهة، ومن جهة أخرى البحث عن «شرعيات» جديدة في هذه الدول.
في 17 نيسان (أبريل) الشهر الجاري تجري انتخابات الجزائر، حيث يترشح الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة للمرّة الرابعة، وفي 30 من الشهر ذاته تجري الانتخابات العراقية، وهي المرّة الرابعة منذ الاحتلال في العام 2003، فقد أجريت انتخابات للفترة الانتقالية الأولى (مطلع العام 2005)، أما الانتخابات الثانية فقد كانت أواخر العام 2005 والانتخابات الثالثة في آذار (مارس) العام 2010، وستجري الانتخابات الرابعة في 30 نيسان (أبريل) العام الجاري 2014،
أصبحت الانتخابات ومنذ هبوب رياح الموجة الثانية العالمية للتغيير في أوروبا الشرقية في أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات في صلب توجهات ومطالب الأحزاب والقوى السياسية ومنظمات المجتمع المدني وبرامجها واتخذت بُعدًا أكثر ثقلًا ووزنًا
وجرت انتخابات مصرية قبل انتفاضة التغيير في 25 يناير 2011،  مثلما دأبت عليه السلطات المصرية منذ السبعينيات، ثم أعقبها انتخابات برلمانية ورئاسية، واستفتاء على الدستور في العام 2012 (حاز على 64.3 وشارك في التصويت 38%)، ثم استفتاء جديد على دستور العام 2014 حاز على أغلبية أكبر من الاستفتاء على دستور الإخوان، بعد عزل الرئيس مرسي، لاسيّما بعد سعي الإخوان لتضييق الهامش الاجتماعي والسياسي للسلطة، حيث تدخل الجيش في 3 تموز (يوليو) العام 2013 بعد حركة احتجاج مليونية شهدها الشارع المصري على نحو لم يسبق له مثيل، وتجري الاستعدادات خلال الأسابيع والأشهر القادمة على انتخابات رئاسية تسبق الانتخابات البرلمانية، ويعوّل المصريون على استقرار الأوضاع وإنهاء حالة الفوضى التي عمّت البلاد منذ الإطاحة بحكم حسني مبارك، وذلك بعد انتخابات الرئاسة والبرلمان واستعادة هيبة الدولة وتطويق الإرهاب.
وبعد التوافق التونسي على الدستور الذي نال 200 صوت من مجموع أعضاء المجلس التأسيسي البالغ عددهم 217 نائبًا، يتم الاستعداد لانتخابات في نهاية العام الجاري 2014. وتكمن أهمية الانتخابات التونسية الجديدة في أنها تأتي بعد فترة انسداد للآفاق شهدتها التجربة التونسية، خلال حكم حزب النهضة، الأمر الذي دفع جميع الأطراف إلى تقديم تنازلات متبادلة، وهو ما أعطى للتجربة التونسية بريقًا خاصًا قياسًا بالتجارب الأخرى.
كما تتم الاستعدادات للانتخابات في ليبيا في العام الحالي على أمل إنهاء حالة الفوضى والاحتراب وغياب هيبة الدولة، خصوصًا ما تركه حلف الناتو من تداعيات خطيرة، وكذلك تجري انتخابات يمنية بعد انتهاء فترة العامين اللذين تم خلالهما وضع حد للحرب الأهلية التي كان يمكن أن تسيل في دماء غزيرة، وذلك بعد توافق وطني حصل من خلال  تجربة الحوار الشامل والذي سيكون مقدمة مهمة لإعداد الدستور وإجراء الانتخابات.
أما في سوريا فالأزمة لا تزال مستمرة، وهي أزمة أقرب إلى مصارعة على الطريقة الرومانية، حيث يتم وصول أحد المتصارعين إلى الموت، في حين ان الثاني يمكن أن يصل إلى حافة الموت بالإعياء والإنهاك وعدم القدرة على المواصلة، وهكذا فإن نار الفوضى والإرهاب والتخريب تضرب في العديد من الدول، وأعلن الرئيس بشار الأسد رغبته في الترشح لدورة جديدة وسط شعور دولي وإقليمي، أن ذلك سيؤدي إلى تعقيد الأزمة ويدفع الأمور باتجاه توسيع دائرة الصدام، خصوصًا وأن الصراع لم يعد سوريًّا، بل أصبح دوليًا بامتياز بدخول روسيا على الخط، إضافة إلى إيران من جهة وحزب الله أيضًا، ومن جهة أخرى قوى عربية وإقليمية ودولية، تضع استمرار الأسد كخط أحمر، فضلًا عن استمرار دعمها للقوى المسلحة، الأمر الذي سيجعل الانتخابات مصحوبة بالشك في تحقيق ما هو مرجو منها، لاسيّما الانتقال السلمي للسلطة وإنهاء الحرب الأهلية، وهو ما وصلت إليه تجربتا جنيف1، وجنيف2، على الرغم مما بُذل لأجل إنجاحهما.
ولبنان بعد تشكيل الحكومة ونزع فتيل الأزمة مؤقتًا، تستعد لإجراء انتخابات، وكادت أن تقع في مطب الفراغ السياسي، لاسيّما وأن رئيس الجمهورية لم يكن يرغب في التمديد أو الاستمرار، وبانتهاء الفترة المحدّدة (أيار/مايو) للرئاسة، مع وجود برلمان مدّد لنفسه، فالأمر سيعني استمرار الأزمة وإن تأجّل الانفجار.
وإذا كانت قد جرت خلال ربع القرن الماضي انتخابات في عدد من البلدان العربية، مجاراة للموجة الدولية التي انطلقت منذ أواخر الثمانينيات، وتساوقًا مع التطور الدولي، إلاّ أن غالبيتها الساحقة غلب عليها الكثير من الجوانب الشكلية، وتعرّضت إلى التدخلات الحكومية، بل وإلى التزوير والتلاعب بنتائجها أحيانًا، لكن الأمر بفعل الاستحقاق العالمي والحاجة الداخلية والرغبة في اختيار من يمثّل الشعب، أصبح فرض عين وليس فرض كفاية كما يقال، خصوصًا باتّساع نطاق الثقافة الحقوقية والديمقراطية، ووضع الأمم المتحدة معايير مهمة لتصنيف الدول وفقًا لقواعد التحوّل الديمقراطي وبشكل خاص إجراء انتخابات وتداولية السلطة .
ظلّت الانتخابات أكثر التحدّيات التي واجهت تواجه بعض الدول العربية، القائمة منها أو لعملية الانتقال الديمقراطي، ومن الناحية التحليلية فإن انعكاساتها على جميع المستويات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، ستكون مؤثرة؛ وذلك لسببين رئيسيين، السبب الأول له علاقة بحقوق الإنسان والحرّيات العامة، وخصوصًا الحقوق والحرّيات السياسية المعرّفة بالشرعة الدولية، أما السبب الثاني فله علاقة مباشرة بالإطار القانوني والإداري لتنظيم الانتخابات ومدى انسجامها أو مقاربتها للمعايير الدولية بما لها، من قواعد وآليات وممارسات.
وقد أصبحت الانتخابات، ومنذ هبوب رياح الموجة الثانية العالمية للتغيير في أوروبا الشرقية في أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات، في صلب توجهات ومطالب الأحزاب والقوى السياسية ومنظمات المجتمع المدني وبرامجها، واتخذت بُعدًا أكثر ثقلًا ووزنًا، لاسيّما بعد عدد من التحوّلات التي جرت على المستوى العالمي، سواء في البلدان الاشتراكية السابقة ذات الأنظمة الشمولية أو بعض بلدان أمريكا اللاتينية ذات الأنظمة الدكتاتورية والاستبدادية، إضافة إلى بعض دول آسيا وأفريقيا، علمًا أن الموجة الأولى للانتخابات والتحوّل الديمقراطي شملت ما تبقى من أنظمة غير ديمقراطية في أوروبا، وخصوصًا البرتغال بعد إنهاء دكتاتورية سالازار ودكتاتورية فرانكو بعد وفاته والحكم العسكري في اليونان في أواسط السبعينيات.
ومنذ التسعينيات ارتفع شعار «صندوق الاقتراع»، وتعاضد هناك ثلاثة عوامل: الأول نجاح التغيير في أوروبا الشرقية، الثاني تململات وحركات احتجاج ونجاحات في بعض دول أمريكا اللاتينية، والثالث نجاح نيلسون مانديلا في انتخابات ديمقراطية، وإنهاء نظام الفصل العنصري الذي دام أكثر من ثلاثة قرون من الزمان في العام 1994 وبداية مسلسل جديد في هذه البلدان من تجارب العدالة الانتقالية، الأمر الذي أظهر العالم العربي وكأنه خارج سياق التطور التاريخي، في حين أصبح التغيير ضرورة لا غنى عنها، وليس اختيارًا فحسب، ومعه أصبح الحديث عن الانتخابات والنظم الانتخابية شغلًا شاغلًا لاسيّما لمرحلة الانتقال.
وعشية انطلاقة الربيع التونسي في تونس 17 كانون الأول (ديمسبر) عام 2010 بحرق بو عزيزي نفسه ووصولًا إلى نجاحها الباهر سلميًا في 14 كانون الثاني (يناير) 2011، كانت الكثير من عوامل التغيير تختمر في مصر وليبيا واليمن وسوريا وغيرها من البلدان العربية، في ظل عوامل داخلية بالدرجة الأساسية، فقد وصلت «الشرعية الثورية»، التي حكمت في بعض البلدان إلى طريق مسدود، فضلًا عن ذلك فإن بقاء الحال من المحال إذ لم يكن بالإمكان معاكسة التطور التاريخي بالكامل إلى ما لا نهاية.
ولكن السؤال الكبير الذي يواجه التجارب الانتخابية العربية الجديدة يكمن في: إلى أي حدّ يمكن للانتخابات إنهاء حالة الفوضى والتشظي، وتحقيق الوحدة الوطنية والتخلّص من الإرهاب والعنف، واستعادة مكانة الدولة وهيبتها وتعزيز قيم المواطنة وتحقيق أهداف التنمية والعدالة، وخصوصًا في ميادين التعليم والصحة والعمل والضمان الاجتماعي، ناهيكم عن القدرة على المشاركة في صناعة القرار. 
*  باحث ومفكر عربي



77
هيروشيما: الألم والجمال
عبد الحسين شعبان

لا تخرج مدينة هيروشيما من الذاكرة الإنسانية الجمعية إلا بكونها المدينة المنكوبة، والضحية الشاهدة على الاستعلاء والحقد والكراهية، فقبل استسلام ألمانيا النازية وإعلان انتصار الحلفاء في 9 مايو/أيار ،1945 كانت هناك تجارب ذرية تجري في الخفاء، حين اختبر تأثير القنبلة النووية في صحراء المكسيك، ولأن اليابان لم تستسلم، فقد وجّه إليها الرئيس الأمريكي ترومان إنذاراً عُرف باسم إنذار بوتسدام في يوليو/تموز ،1945 دعاها فيه للاستسلام اللامشروط، وهو ما كانت تتجاهله، وهكذا جاءت الفرصة للمتعطشين للدم ليجرّبوا قنبلتهم الذرية في هيروشيما في 6 أغسطس/آب 1945 أي بعد ثلاثة أشهر تقريباً من استسلام ألمانيا .
وسقط جرّاء تلك المجزرة الجماعية في الحال نحو 80 ألف قتيل (أي نحو 30% من سكان المدينة) وتوفي وأصيب بجروح خطرة نحو 90% من الأطباء و93% من الممرضين، لاسيّما أن القنبلة انفجرت لتسقط على عيادة شيما للجراحة، وأبيدت مناطق واسعة من المدينة عن بكرة أبيها، علماً بأن تعداد سكانها كان نحو 350 ألف نسمة . ووصل عدد القتلى حتى نهاية العام 1945 إلى 140 ألف قتيل وفي نهاية العام 1950 إلى نحو 200 ألف، وأن 9% من الوفيات بين عامي 1950-1990 كانت بالسرطانات التي سببتها القنبلة النووية، ناهيكم بالتشوّهات الخلقية، فضلاً عن تدمير البنية التحتية والمشاريع الحيوية الصناعية والاقتصادية وإحداث شلل عام في الحياة والعيش .
لم يكتفِ الأمريكان بتجربة "الطفل الصغير" وهو الاسم الذي اختاروه لتجربة هيروشيما، حين ألقيت قنبلة بزنة 60 كيلوغراماً من اليورانيوم، ولم تستغرق سوى 57 ثانية، واستفاقت المدينة في الساعة الثامنة والربع صباحاً لترى الموت منتشراً في كل مكان، حيث بلغ نصف قطر دائرة الدمار ميلاً واحداً، وانتشرت الحرائق على مسافة زادت على 11 كيلومتراً، وظلّ كل شيء مشتعلاً، بل أن الرئيس الأمريكي ترومان أعلن حينها بأن اليابانيين إذا لم يقبلوا بشروطنا، فعليهم أن يتوقعوا أمطاراً من الخراب تأتيهم من الهواء، لم يرها أحد من قبل على وجه هذه الأرض .
وفعلاً نفّذ ترومان إنذاره بأن أمطر ناغازاكي جنوبي اليابان بعد ثلاثة أيام من مذبحة هيروشيما (أي يوم 9 أغسطس/آب) بقنبلة أخرى، لاختبار البلوتونيوم بعد تأثير اليورانيوم، وذلك للتأكّد من تأثير القنبلة الثانية، بعد معرفة الأثر الذي تركته القنبلة الأولى .
وكانت قنبلة هيروشيما قد انفجرت في الجو على ارتفاع 600 متر لتنشر النار على مساحة واسعة وتحرق الأخضر واليابس، ومثلما كان تأثيرها بليغاً، فقد كان ضحايا ناغازاكي قد وصل حتى نهاية العام 1945 نحو 80 ألف قتيل، إضافة إلى أعداد من الجرحى والمصابين الذين ظلوا مرضى حتى نهاية حياتهم .
وأطلق على تجربة ناغازاكي "الرجل البدين" وهي خطة مشابهة لخطة هيروشيما، ففي الساعة الحادية عشرة والدقيقة الواحدة، سقط "الرجل البدين" الذي يحتوي على 4 .6 كيلوغرام من البلوتونيوم على الوادي الصناعي بالمدينة ولم تستغرق العملية سوى 43 ثانية، حيث انفجرت في الجو، وقدّرت الحرارة التي ولّدها الانفجار 3900 درجة مئوية، وسقط في الحال أكثر من 40 ألفاً .
وكانت واشنطن تخطط لإلقاء قنبلة نووية أخرى في الأسبوع الثالث من أغسطس/آب إضافة إلى ثلاث قنابل أخرى في سبتمبر/أيلول، وثلاثة في شهر اكتوبر/تشرين الأول من العام ،1945 لكن الامبراطور هيروهيتو، أخطر الحلفاء بأن اليابان ستقبل جميع شروطهم مع بقاء صلاحيات الامبراطور حاكماً سيادياً .
اليوم وبعد مرور نحو سبعة عقود على تلك المجزرة الجماعية، فإن اليابانيين لا يريدون لتلك الأحداث المأساوية الجسيمة أن تكون في دائرة النسيان مع مراراتها والحرقة التي تصاحب الاستذكار، بل يسعون لأن تبقى في دائرة الضوء على الرغم من واقعيتهم، والهدف من ذلك هو إظهار الوحشية الأمريكية من جهة، ومن جهة أخرى تبشيع الحروب والمغامرات العسكرية، لأن الحرب تصنع في العقول، مثلما ينبغي صناعة السلام في العقول أيضاً، وتلك أحد الدروس الغنية للشعب الياباني ولشعوب العالم أجمع!
ما تركته الحرب والهزيمة على اليابان كان ثقيلاً، فليس عبثاً أن ينتحر 20 جنرالاً بطريقة السوبكو، وذلك بإدخال نصل السيف في البطن لشقها، حيث سيطرت مشاعر الحيرة والقنوط على يابان ما بعد الحرب والتي شهدت حالات انتحار شائعة، حتى أن روائياً كبيراً مثل مشيما كان يتغزّل بالموت المبكر "الرحيم"، وهو ما عبّر عنه في روايته "اعترافات قناع" التي تحدّث فيها عن سيرته، حتى قرّر وضع حد لحياته بطريقة السوبكو في 25 نوفمبر/تشرين الثاني 1970 مردّداً عبارته الأثيرة "لا موتاً جميلاً بعد الأربعين" .
المتحف الذي زرناه في قلب هيروشيما يحكي قصة هذا الشعب المكافح وهذه المدينة الجميلة الفريدة المأساوية، وفي الساحة مكتبة عامة تحتوي على مئات وآلاف الكتب والوثائق والأفلام والروايات، التي تدوّن أحداث وتفاصيل ودقائق المجزرة التي تمثل وخزة ضمير في جبين الإنسانية جمعاء وليس بمن ارتكبها فقط، فلعلّ من كان من يلقي القنبلة، كان يفكر بمنظر النيران المشتعلة في الجو والمتسابقة مع الريح دون أن يعني له شيء حيث حصد أرواح عشرات الآلاف من البشر، مثلما كان هناك من يراقب وينتظر النتائج من دون أي إحساس بالألم أو الشعور بالذنب . والأكثر من ذلك فإن "المنتصر"، ولعل بعض الانتصارات أشد عاراً من الهزيمة، حمّل اليابانيين مسؤولية ذلك من خلال المحاكمات التي أقدمت عليها محكمة طوكيو العسكرية الدولية، بزعم أن إلقاء القنبلتين جاء بسبب عدم استسلام اليابان وتلك إحدى المفارقات التاريخية!
سبق لي أن زرت متحفاً مماثلاً في معسكر للقتل الجماعي بالقرب من مدينة كراكوف البولونية يخصّ اليهود الذين أحرقوا بأفران الموت، مثلما زرت معسكرات اعتقال وقتل جماعي عدة في تشيكوسلوفاكيا، وزرت متحفاً في العام الماضي في مدينة حلبجة الكردية التي ضحاياها نحو 5000 مواطن كردي، ونعرف ما جرى لصبرا وشاتيلا في لبنان، العام 1982 إثر الاجتياح "الاسرائيلي"، مثلما نستذكر كل عام ما جرى لعرب فلسطين في دير ياسين وكفرقاسم وفي سيناء مصر، وفي حرب يوليو/تموز العام 2006 على لبنان والحرب على غزة العام 2008-،2009 إضافة إلى مآسي الحرب العراقية - الإيرانية وغزو الكويت وغيرها . لكن هيروشيما لها وقع خاص، فالحرب العالمية الثانية تكاد تكون قد انتهت، لاسيّما باستسلام ألمانيا واندحار إيطاليا ودول المحور، ولم يبق سوى اليابان "الممانعة" .
ثمة مفارقة أخرى اختلفت فيها هيروشيما عن غيرها، من المدن والمواقع التي احترقت أو أبيدت، وهي ما شهدته من ازدهار وتنمية وعمران لاحقاً، والأمر يتعلق بقدرة الشعب الياباني وحيويته، وهو مشهود له وتلك من مآثره العظيمة، حين استطاع أن يحوّل المأساة والألم والدمار إلى تنمية ورفاه وجمال، وقد يعود في جزء من ذلك إلى فترة الحرب الباردة والصراع الآيديولوجي بين المعسكرين، والخوف من وصول رياح الثورة الصينية المنتصرة في العام 1949 وكذلك صعود الاتحاد السوفييتي، الأمر الذي دفع الغرب إلى إلقاء ثقله لمساعدة اليابان على النهوض، كما حصل في ألمانيا الغربية بمشروع مارشال .
من جهة أخرى، أراد اليابانيون بإعادة الحياة إلى هذه المدينة الجميلة، لفت نظر العالم إلى إرادة الشعب الياباني وتصميمه على تجاوز المأساة وتحويلها إلى شرط نجاح، فالمدينة تعرف بأنها مدينة المياه والأشجار، أما الجبال فهي تحتضن المدينة كخط دفاعي يذكّر بالماضي، ويجتمع فيها النهر والبحيرات والارخبيلات المنتشرة والجزر المتداخلة، حيث شهدت ازدهاراً ملحوظاً وعمراناً متميّزاً وحياة ثقافية زاخرة بالآداب والفنون بجميع أنواعها، وتلك من ميزات هيروشيما .
جدير بالذكر أن مناسبة الحديث عن هيروشيما هي الدعوة التي تلقّاها المركز الأكاديمي الياباني، وهو مركز مؤسس في الجامعة اليسوعية في لبنان لتنظيم فعالية مشتركة ضمّت 17 مهتماً وأكاديمياً وأستاذاً، ليس للاستكشاف فحسب، بل لتعزيز العلاقات العربية - اليابانية وتحديداً العلاقات اللبنانية - اليابانية . وكان الدكتور بيير عازار طبيب الأسنان ورئيس المركز يتحرّك برشاقته المعهودة وحنوّه على أعضاء الوفد وعلى المضيفين في الوقت نفسه، وهو يحمل على صدره ثلاث كاميرات، فلم تكفه واحدة لتصوير بحر الأشجار الملوّن والمشعّ، خصوصاً شجرة الربيع Cherry Blossoms زهر الكرز" لأنه لا يريد لزاوية نظر أن تفلت من بين يديه أو عينيه .
في ساحة السلام التي صممها أحد المعماريين المشهورين ويرد ذكرها في فيلمMother player تشاهد صورة المدينة الحداثية حين تكون الأشجار مضيئة والجمال أقرب إلى السحر، خصوصاً عندما يتصالح الفرد مع المجتمع والدولة في الآن، لاسيّما بالانضباط العالي والشعور بالمسؤولية والحرص على اتمام المهمة حتى لو ضربتك "عاصفة هوجاء" وأنت تصعد إلى جبل "فوجي" العظيم، الذي كان آخر انفجار لبركانه العام ،1707 وهو ما كانت تصرّ عليه مرافقتنا ماساكو (ساكورا) التي تختلط ابتسامتها مع رقتها في البكاء حين نثقل عليها، وهي تردّد "أوهايو كوزايمس" أي "صباح الخير"، ونقول على هيروشيما المدينة المحفورة في ذاكرة البشر إلى ما لا نهاية "أوهايو كوزايمس" .


78
المفكر والأكاديمي
الدكتور عبد الحسين شعبان:
" حالة حقوق الإنسان لا تسرّ أحداً"
الحديث مع المفكر الدكتور عبد الحسين شعبان يحملك إلى جنائن ثقافية تعبق بأريج الحكمة والانفتاح، فهو الأكاديمي والمفكر العراقي والباحث السياسي والثقافي الحائز على دكتوراه في القانون الدولي، والمناضل الخبير في حقوق الإنسان... فلا عجب إذا من أن يكون الحوار معه متميزأ ومختلفاً لما يحمله من فكر حقوقي ونظرة عميقة إلى قضايانا السياسية والاجتماعية والثقافية الشائكة. حائز على وسام وجائزة أبرز مناضل لحقوق الإنسان في العالم العربي للعام 2003 وعلى وسام اتحاد الحقوقيين العرب في حزيران (يونيو) 2005 وذلك تقديراً لجهوده على مدى سنوات عديدة من النضال في سبيل حقوق الإنسان، هذا فضلاً عن كونه أمين عام منظمة العدالة الدولية وأمين عام مركز الدراسات العربي- الأوروبي، وأمين عام منتدى حقوق الإنسان، واستشاري في عدد من المنظمات الحقوقية والثقافية والدوريات العربية.
في سجله أكثر من 50 كتاباً في القانون والسياسة والقضايا الفكرية، ومن أهم كتبه نذكر: "فقه التسامح في الفكر العربي- الإسلامي"، " العراق:الدستور والدولة، من الاحتلال إلى الاحتلال"، و" الصهيونية المعاصرة والقانون الدولي".عاشق أبدي للثقافة والتراث العربيين وهو من الضيوف المواظبين على حضور مهرجان " الجنادرية" كل عام، ويرى فيه " توثيقاً للعلاقة بين المثقفين العرب، ويجعل جسر التواصل بينهم وبين صاحب القرار سالكاً"... ويؤكد أن " المثقف يستطيع أن يكون ملهماً كلّما كان خارج نطاق الانقسامات الطائفية والمذهبية والانحيازات المسبقة"... في " الجنادرية"، كان اللقاء ليتشعّب الحديث مع الدكتور عبد الحسين شعبان ، عن قضايانا العربية السياسية والثقافية...
حاورته : غادة عبود

1-   معروف عنك أنك من أكثر الشخصيات الثقافية وفاءً لمهرجان الجنادرية، من خلال حضورك الدائم لفعالياته وعلى مر سنوات طوال، فما هو سر هذه العلاقة الوطيدة بينك وبين المهرجان؟
ج1 - أحرص باستمرار ومنذ أن تعرّفت بشكل مباشر على الشيخ عبد العزيز التويجري على حضور مهرجان الجنادرية، ولعلّ ذلك يعود لعدّة أسباب منها: أولاً لقاء الجمع الغفير من المفكرين والمثقفين والممارسين العرب، بمن فيهم بعض رجال السياسة ورجال الدين، فضلاً عن فاعليات شابة، إضافة إلى مثقفين سعوديين نادراً ما نلتقيهم خارج المملكة. وهي فرصة تكاد تكون نادرة لهذا الحشد المتنوّع ومن مختلف البلدان العربية والإسلامية، إضافة إلى مثقفين آخرين من بلدان العالم، بما يمثّلون من تعددية قومية ودينية وثقافية ولغوية واجتماعية ومدارس فكرية شتى.
وثانياً جو الحوار الإيجابي الذي يسود عادة أجواء المهرجان، سواء ضمن البرامج المقررة أو خارجها، ناهيكم عن أماسي وأصبوحات تفتح الشهية أحياناً للتواصل اللاحق حتى أن بعض الصداقات تبدأ هناك وتتواصل فيما بعد.
وثالثاًَ إن هذا اللقاء السنوي يزخر بالجديد، فيمكن التعرّف فيه على مشاريع وأعمال وكتب ومساهمات لعدد من المثقفين، ولاسيّما بشكل مباشر، الأمر الذي يجدّد العلاقة ويعطيها بُعدا أعمق. ويكاد لا يمرّ عام الاّ وتكسب شيئاً جديداً.
ورابعاً لأنه مناسبة لتبادل الرأي وإدارة حوار معرفي وثقافي، لاسيّما لنخبة اعتادت أن تلتقي وتتجاذب أطراف الحديث فيما يخصّ بلدانها وما يخصّ الثقافة، مثلما تجد تلك المناسبة فرصة للتواصل بما هو مشترك، بما فيه استشرافات لآفاق المستقبل، سواءً بقيت في إطار محدود لعدد من المعنيين أو خرجت في ما ينشر أو يكتب عن المهرجان، وأعرف أن بعضاً منها ليس بعيداً عن أصحاب القرار، إنها ليست مفيدة فحسب، بل ستكون ذا قيمة، بما يغني ويعمّق الرؤية، سواءً بالاستشارة المباشرة أو غير المباشرة، أو باستمزاج الرأي أو بالتعبير عن وجهات نظر ليست بالضرورة متطابقة. وأعتقد أن العلاقة بين المثقف والسياسي تحتاج دائماً إلى جسور لتعزيز الثقة وتعميق حجم المشاركة بما يسهم في عملية التنمية بمعناها الشامل والاجتماعي، وعلى جميع المستويات.
في مهرجان الجنادرية وعلى مدى سنوات طويلة ازدادت فرص تبادل الرأي وتنوّعت المساهمات الفكرية والثقافية وحظيت الفعالية بمقام رفيع، خصوصاً بكونها أخذت تطرق أبواباً مهمة، على صعيد الندوات والفاعليات، وبمشاركة من المرأة والشباب، وبإقبال محليّ أوسع، الأمر الذي يحرص المثقف على أن يكون حضوره مستمراً فيه.

2-   كيف تقيّم المهرجان بدورته الـ 29 الذي أقيم مؤخراً والذي أثنى عليه حشد من النقاد؟
ج 2- حقق المهرجان انتقالة لافتة في دورته الخامسة والعشرون، بالحضور النوعي والمشاركة الواسعة وتنوّع الفاعليات والأنشطة، إضافة إلى الأوبريت السنوي والتقدم الفني، لاسيّما لمعارض الفن التشكيلي والمنتديات الشعرية والأماسي الأدبية والنقدية، وإذا ما قارنت ما حصل خلال السنوات الأخيرة ستجد الفارق كبيراً عمّا مضى.
ولعلّ الخبرة التي تراكمت على مدى 29 عاماً تغتني باستمرار، وكانت الدورة الأخيرة قد طرحت في جانبها الفكري والثقافي، عدداً من الموضوعات الراهنة، وأثارت حوارات جادة ومسؤولة، حول الأمن القومي العربي، ودور الإسلام السياسي على الصُعد  كافة، ولاسيّما اختلاطه أحياناً بالإرهاب والإسلاملوجيا (استخدام التعاليم الإسلامية وبإسم الإسلام بالضد من جوهرها الإنساني التسامحي) وهو ما تستخدمه بعض الجماعات المتعصبة والمتطرّفة. وقد تمت مناقشة تلك التطورات في إطار الموجة الاحتجاجية التي شهدتها البلدان العربية منذ ثلاث سنوات.
وأعتقد أن الدورة الحالية (التاسعة والعشرون) طرحت أسئلة على المثقفين العرب ودورهم، والأمر يحتاج إلى مراجعات جادة ومسؤولة. وكان النقاش هادفاً ومتعدّداً، مثلما عبّر عن وجهات نظر مختلفة ومتنوعة، كما شملت الدورة قراءات شعرية مهمة لشعراء مجددين ومبدعين، ومنهم من ساهم في المهرجان العام أو على هامشه في عدد من الأنشطة والفاعليات في الرياض أو في غيرها من المدن والمنتديات.

3-   في زمن العولمة، كيف ترى أهمية هذا المهرجان في الحفاظ على الموروث والتراث الشعبي والتعريف بهما، لاسيّما لدى الجيل الجديد؟
ج 3- العولمة ستكون سبباً إضافياً في إطلاع الجيل الجديد والأجيال القادمة على الجوانب الإيجابية والمشرقة من تراثنا العربي- الإسلامي، ففي زحمة الثورة العلمية –التقنية والتقدم الهائل في وسائل الاتصال والمواصلات، والطفرة الرقمية " الديجيتل"، ستكون الحاجة أكبر وأشدّ لإبراز ما هو مفيد ونافع من تراثنا، لأن العولمة مثل الوحش الكاسر، إن لم تكن قادراً على حماية نفسك، ستبتلعك كلياً، والأمر لا يعني الوقوف بوجهها أو محاربتها مثلما يطرح البعض من تصوّرات وتقديرات، لأن الأمر خارج أية إمكانية لذلك.
فالعالم كلّه أصبح "قرية واحدة" متّصلة ومتداخلة، ولكن ما ينبغي عمله هو السعي للتحصّن، ضد الأضرار الخطيرة التي تحدثها العولمة، ولاسيّما في الجانب الثقافي، فكيف السبيل لتجنّب مخالبها الشريرة، خصوصاً وأنه لا يمكن لأي بلد أو شعب أو أمة أو دين، أن تكون خارج تأثيرات العولمة، ولكن للعولمة وجه آخر، إيجابي، وهو ما يمكن الاستفادة منه بما يستجيب للتطورات العالمية، وأعني به تعميم الثقافة والحقوق والعلوم والتكنولوجيا، دون أن يعني ذلك التخلّي عن خصوصياتنا وهويتنا الثقافية وتراثنا، ولاسيّما ما هو إيجابي منها، وبالتالي لا بدّ التعاطي مع السياق العالمي بما هو نافع وممكن في الآن ذاته.
والمهرجان عادة مناسبة لتبادل وجهات النظر بخصوص مثل هذه المسائل، إضافة إلى الاطلاع على التراث الشعبي، بما فيه من نتاجات وأعمال يدوية وإبداعات ونصوص لكتب ومخطوطات، وأعتقد أن ذلك بحاجة إلى إجلاء الكثير من الغموض والإبهام بشأنها وبشأن مساهمات تراثنا في الحضارة الإنسانية، أما التقوقع أو الانعزال أو بناء سياج حديدي، فلم يعد ممكناً في عالم يشهد الانفتاح والتواصل والتداخل بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى، لأن العولمة تخطّت جميع الحواجز والعقبات. ولعلّ السبيل لمواكبة الموجة العالمية، هو التمسك بخيار التنمية وتحقيق الرفاه المادي والمعنوي للناس على أساس العدالة والمساواة.

4-   برأيك، ما هي أهداف المهرجان وإلى أي مدى نجح بعد 29 سنة في تحقيقها؟
ج 4- إن أبرز أهداف المهرجان، هي توثيق العلاقة بين المثقفين العرب والتأكيد على ما هو مشترك بينهم، وجعل جسر التواصل بينهم وبين صاحب القرار سالكاً، وأعتقد أن مهندس الفكرة، وخصوصاً ما سمعناه وما رأيناه طيلة السنوات الماضية، كان يتلمس دائما مدى الأثر الإيجابي الذي يمكن أن تتركه هذه العلاقة، ولهذا السبب كان خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبد العزيز، حريصاً على حضور المهرجان والمشاركة فيه واستقبال الضيوف، وحتى عندما كانت هناك بعض الظروف الخاصة تحول دون حضوره، كان يكلّف أعلى مراتب الدولة بتمثيله، كما حصل هذا العام حين افتتح المهرجان سمو الأمير ولي العهد سلمان بن عبد العزيز، حيث ألقى الأمير نايف بن عبدالله رئيس الحرس الوطني كلمة الدولة المضيفة.
ولعلّ مهرجاناً بهذه الهيبة والاحترام من جانب المسؤولين، لا بدّ أن يكون أثره إيجابياً، في الاقتراب من أهدافه، التي ستبقى أهدافاً متواصلة ومتصاعدة، وكلّما أحرز تقدماً في هذا المجال، سيطرح على المهرجان مهمات جديدة ومتنوعة، لأن قضية الثقافة والتراث مستمرة ومتفاعلة، بما تمثل من حياة الناس وتطورهم وعاداتهم وتقاليدهم وحقوقهم وحرياتهم وغير ذلك.

5-   ما هي الأهمية التي يشكلها بالنسبة لكم كمفكرين وأدباء، لاسيّما وانه يستقطب أهم مثقفي العالم العربي في ظل الظروف الصعبة التي يعيشها العالم العربي، ما الدور الذي تتوقعونه كمثقفين من المهرجان وإلى أي مدى برأيك ينجح في دحض صفة الارهاب التي لطالما ألصقها الغرب بنا؟
ج5 - المهرجان مهم من زاوية أخرى هو لتعزيز العلاقة بين المفكر والمثقف العربي الذي قد لا تتاح له فرصاً شخصية للقاء مع أعداد كبيرة من المثقفين في منطقتنا، إضافة إلى العالم، وقد كان المهرجان مفتوحاً لتكريم سنوي لمثقفي بلد ممثلاً بأحدى الشخصيات الفكرية أو الثقافية من بلدان العالم من آسيا أو أفريقيا أو أمريكا اللاتينية، فضلاً عن أوروبا وأمريكا.
أعتقد أن رسالة المهرجان الأولى تكمن في محاولة تعميم قيم التسامح والسلام والمشترك الإنساني، وهي رسالة أخرى ضد الإرهاب، من أي أتى وتحت أية واجهة اختبأ، دولاً أو حكومات أو منظمات إرهابية أو جماعات تكفيرية، أو أفراد، لأهداف سياسية أو تحت مزاعم دينية أو مذهبية أو دعاوى تتعلق بالصراع بين الحضارات والصدام بين الثقافات، أو لأي سبب كان.
الإرهاب كما هو معروف ظاهرة كونية، وهو لا دين له ولا قومية أو لغة أو جنسية، مثلما لا وطن له، بل أنه ينتقل مثل الفايروسات القاتلة إلى العالم جميعاً، ويضرب في كل مكان، والأمر الذي يحتاج إلى معالجات دولية وتعاون عالمي لاجتثاثه والقضاء عليه، خصوصاً بتجفيف منابعه الفكرية والثقافية والاجتماعية، لاسيّما بوضع حدّ لظاهرة الفقر المستفحلة، وما تسبّبه من آثار خطيرة للتفاوت الاجتماعي، سواء بين البلدان الغنية والبلدان الفقيرة، أو بين البلدان المتقدمة وبين البلدان النامية أو بين المحرومين والمتخومين.
لا بدّ إذاً من معالجات وحلول واقعية لمشكلات وإشكاليات العلاقات الدولية باحترام إرادة الشعوب، وحلّ العقد المتراكمة، خصوصاً فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، لاسيّما باستمرار التنكّر لحقوق الشعب العربي الفلسطيني العادلة والمشروعة، وفي المقدمة منها حقه في تقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشريف، والأمر يتطلب عالمياً أيضاًَ العمل على القضاء على الأمية والتخلّف ومعالجة قضايا ومشكلات التلوث والبيئة والأمراض المتفشية مثل الإيدز وغيرها، إضافة إلى معالجة مشكلات الجفاف والتصحّر وغير ذلك.
ولهذا قلت إن مكافحة الإرهاب تحتاج إلى تعاون دولي من خلال الأمم المتحدة وبقية الهيئات الدولية، ومساعدة البلدان التي عانت وتعاني منه، لاسيّما منطقتنا العربية، وعدم التعامل بازدواجية في المعايير أو انتقائية في السياسات، بما يزيد من الاحتقان والتوتر الدولي والإقليمي والداخلي.
المهرجان مساهمة في فتح النقاش والحوار للكشف عن مخاطر الإرهاب ومحاولات إلصاقه بالعرب والمسلمين، وإذا كانت هناك بيئة يفقس فيها بيض الإرهاب، فلا بدّ من التعاون لمعالجة أسباب ذلك الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والفكرية والدينية، دون نسيان إرهاب الدولة الذي هو أخطر من أنواع الإرهاب الإخرى، على الرغم من أنها جميعاً تشكّل خطراً على البشرية جمعاء. ولعل تجربة احتلال العراق وقبله أفغانستان، ناهيكم عن استمرار اغتصاب حقوق الشعب العربي الفلسطيني من جانب "إسرائيل"،  خير دليل على أن الإرهاب بكل أشكاله وجد طريقه إلى هذه المنطقة، وقد انتقل على نحو كثيف ومركّز إلى سوريا باستمرار أحوال القمع وأشكال العنف المختلفة، إضافة إلى التمزّق المجتمعي وتفكك النسيج الاجتماعي.
كانت هناك مبادرة مهمة على صعيد الأمم المتحدة لحوار الحضارات والثقافات، بالضد من الأفكار التي طرحها فرانسيس فوكوياما، ولاسيّما في كتابه "نهاية التاريخ..." وصموئيل هنتنغتون وكتابه "صدام الحضارات" وقد كانت هناك مبادرة منذ العام 2000 في الجمعية العامة للأمم المتحدة، وفي السنوات الثلاث الماضية بذلت جهوداً مضنية لإنشاء مركز لحوار أتباع الديانات والثقافات باسم " مركز الملك عبد الله بن عبد العزيز العالمي للحوار بين الأديان والثقافات " وقد ساهمت في إنشائه المملكة العربية السعودية، بعد جهود قامت بها منظمة التعاون الإسلامي، وكذلك النمسا كبلد مضيف للمركز وإسبانيا وبدعم من الفاتيكان، وكان آخر مؤتمر تظاهرة كبرى تم حشد نحو 500 شخصية دولية فيه من مختلف الديانات والقوميات والجنسيات والثقافات واللغات والقارات وكان لي شرف المشاركة فيه، وأعتقد أن المركز ينتظره عمل كبير ومهم على صعيد العلاقات الدولية.
أعتقد أن لقاءات مستمرة وبرامج عمل متواصل مع المثقفين على المستوى العالمي كفيل بتكوين تصوّرات مشتركة والضغط على القوى المتنفّذة والمتسيّدة في العلاقات الدولية لإتباع سياسات تقوم على مبادئ الإنصاف والعدل، أو لنقل من الناحية الواقعية، أقل ظلماً وأكثر توازناً إزاء قضايانا العادلة، لأن الإرهاب ظاهرة لا تتوقف عند مكان محدد أو بلد أو منطقة جغرافية، لأنه سينتقل بشكل زئبقي إلى أماكن أخرى، إن لم يتم وضع حد لشروره.
ويمكن ملاحظة كيف انتشر الارهاب في العراق بعد الاحتلال العام 2003 وكيف يمتد إلى سوريا اليوم، ولا أظن أن أحداً سيكون بمنجى عن آثامه وشروره، إن لم يتعاون الجميع للقضاء عليه، ولعلّ المثقف يستطيع أن يلعب دوراً إيجابياً تنويرياً بشأن محاربته على الصعيد الفكري والثقافي والتربوي والتعليمي، فضلاً عن دور المجتمع المدني وكذلك الدور المهم الذي يمكن أن يقوم به الاعلام.
لا يمكن إذاً معالجة الإرهاب بحلول أمنية أو عسكرية فقط أو اقتصادية أو غير ذلك، بل بحزمة شاملة من كل ذلك، خصوصاً بحث ومعالجة أسبابه الإجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية والدينية، تمهيداً لتوفير بيئة ترفض العنف وتشجّع على قبول الاختلاف والحوار

6-   المناضل الحائز على وسام "أبرز مناضل لحقوق الإنسان في العالم العربي" لعام 2003، كيف يرى اليوم ما آلت اليه حقوق الانسان في ظل ما يسمى بـ "الربيع العربي"؟
ج 6- إن حالة حقوق الإنسان بعد الربيع العربي لا تسرّ أحداً، لاسيّما بانتشار الفوضى التي ضربت في كل مكان وتشظي المجتمعات وصعود الهوّيات الفرعية بعد كبت طويل، الأمر الذي يحتاج إلى معالجات سريعة، لاستعادة هيبة الدولة ونفوذها وتأكيد مبدأ سيادة القانون وتجفيف منابع الإرهاب والعنف، اجتماعياً واقتصادياً ودينياً وثقافياً وقانونياً وكما ورد في السؤال السابق، بكل ما يؤدي إلى تأمين حقوق المواطن، الإنسان، الفرد، أي من خلال الأمن الإنساني الذي له أساس قوي في تراثنا العربي - الإسلامي "وآمنهم من خوف وأطعمهم من جوع" وليس ذلك سوى تلبية الحاجات المادية والروحية للإنسان، أي حقوقه الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وبكل تأكيد خياراته في حقوقه المدنية والسياسية، وتلك سمة العصر التي لا بدّ من التواؤم معها على نحو إيجابي.
ولعلّ عالم اليوم ليس جزراً منعزلة، بل أرخبيلات متّصلة ومتواصلة، ويتفاعل مع بعضه البعض، دون وسيط أو دون إذن، وتلك من مزايا وسلبيات العولمة في الآن، ولكنها حقيقة لا يمكن ردّها.
العالم العربي يحتاج إلى الأمن والأمان، في جميع بلدانه وإلى تطوير منظومة الحقوق والحريات على أساس الحماية القانونية، مثلما يحتاج إلى التنمية الشاملة، ولاسيّما بالقضاء على الفقر والأمية والتخلّف، وبالطبع فهو يحتاج إلى معالجات جادة لمشكلة البطالة، وتأمين الحق في العمل الذي هو حق أساسي للإنسان، مثلما يحتاج إلى توفير العلاج، ويعتبر الحق في الصحة، وهو حق أساسي للإنسان أيضاً كما لا بدّ من تأمين ضمان اجتماعي... كل ذلك يوفر الأرضية للتخلّص من الفوضى والعنف ويعزز من الثقة بالشرعية القانونية، وبشرعية الحاكم التي تستند على الدستور والقوانين.
وأعتقد أن الثورات جميعها وعلى المستوى العالمي شهدت حالات من الفوضى والضياع أحياناً، لكنها على المدى التاريخي استعادت سياقاتها، واصبحت أهدافها قريبة من الواقع الجديد بعد تراكم طويل، ذلك أن الشرعيات القديمة انهارت وتآكلت، أما الشرعيات الجديدة، فلا تزال في طور النشؤ، وأمامها تحدّيات كثيرة، وحسب المفكر الإيطالي غرامشي "القديم قد احتضر، أما الجديد فلم يولد بعد"!

7-   كيف ترى حال ثقافتنا العربية اليوم في ظل ما نشهده من نزاعات طائفية وعرقية وسياسية؟
ج 7- للأسف، ساهم عدد من المتغيّرات التي حصلت في المنطقة والعالم على تشظي مجتمعاتنا ولعبت النزاعات الطائفية والعرقية والمصالح السياسية الأنانية الضيقة دوراً سلبياً في تماسك مجتمعاتنا، وساهمت قوى خارجية وداخلية، إقليمية ودولية في دفع الأمور في بعض البلدان العربية إلى عدم الاستقرار وإلى الصراع والاحتراب، خصوصاً بسيادة العنف وانتشار ظاهرة الإرهاب.
لا نستطيع أن نلقي اللوم على غيرنا، مثل القوى الإقليمية والدولية، فهذه تتحمل مسؤولية كبرى بلا أدنى شك، لكن مسؤوليتنا نحن في غياب الحد الأدنى من مشروع عربي أو تنسيق بين البلدان العربية، لا في مواجهة "إسرائيل" ومشاريعها الجهنمية ولا في إحداث التوازن بين المشروع الإيراني أو المشروع التركي، وحيثما يوجد فراغ، فإن القوى الإقليمية تتمدد تحت مبررات مختلفة، وتستغل القوى الدولية غياب مشروع للتعاون العربي، فتتدخل بشؤون المنطقة، مستغلة حالة التباعد والضعف التي لم يشهدها العالم العربي منذ قرن من الزمان، أي منذ سايكس بيكو الأول، فما بالك إذا كانت سايكس بيكو جديدة هي قيد التنفيذ، من دون نسيان الدور الإقليمي والتحديات التي تواجه المنطقة.
والثقافة كجزء من المشهد العام تتأثر وتؤثر فيه، وللأسف فقد اندفع بعض المثقفين العرب، باتباع مصالح ضيقة وساروا في دروبها الوعرة، الأمر الذي انعكس سلباً على مجتمعاتنا ولعل اندفاع بعض هؤلاء، كان جزءًا من إلتباس علاقة المثقف بالسياسي، فالأخير حاول أن يطوّع الأول، لكي يكون رأس حربة في صراعه، ويستخدمه أحياناً ماشة نار لأغراضه الخاصة ومشاريعه الأنانية، ولم يدرك المثقف أحياناً أنه باندفاعه هذا، فإن يتخلى عن وسيلته الإبداعية، بل ويطوعها لخدمة السياسي، الذي لديه أجندات خاصة أحياناً.
أعتقد أن ثقافتنا العربية تحتاج إلى أن تستلهم من تراثنا الأصيل ما له علاقة بقيم التسامح والسلام واللاعنف واحترام الآخر والإقرار بالتعددية والتنوّع وحرّية التعبير، وتلكم سمات عالمية يمكن منها وبواسطتها التفاعل مع العالم من خلال رافدنا الثقافي للحضارة الإنسانية.
ولنا أن نذكّر هنا بدستور المدينة (الصحيفة) الذي هو وثيقة عالمية للإقرار بحق الآخر، وقبل ذلك بحلف الفضول الذي أبقى عليه الرسول محمد (ص) من بين جميع أحلاف الجاهلية، وهو حلف يُعنى باستعادة الحق من الظالم وإعادته إلى المظلوم، وكذلك العهدة العمرية التي منحها الخليفة الثاني الفاروق عمر (رض) إلى بطريرك القدس صفيرنيوس (عند فتح القدس) وهي تأكيد للاعتراف بالآخر وحقوقه والتعهد بحمايتها من جانب المسلمين، وكذلك بوثيقة فتح القسطنطينية التي تعنى بالاعتراف بأرواح وأملاك وحقوق الآخر، وذلك جانب مهم من الإسلام المتسامح غفلنا عنه وابتعدنا عن قيمه التي هي قيم عالمية، وجدناها مستلهمة في غالبيتها الساحقة في إعلان مبادئ التسامح الصادر عن اليونسكو في العام 1995،  وفي الاعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر العام 1948، حيث ينص على أن الناس يولدون أحراراً متساوين في الحقوق والكرامة، وهو نص مقارب لما قاله عمر بن الخطاب (رض): "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً" وفي حين نحن أصحاب مثل هذه الأطروحات، في حين نحن أصحابها أدرنا الظهر لها، لاسيّما وهناك بيننا من يشجع على ثقافة الكراهية والعنف والانتقام والتمييز.

8-   كحقوقي ومناضل، كيف ترى ما يحدث اليوم في لبنان والعراق وسوريا ومصر؟
ج 8- ما يحدث في لبنان والعراق وسوريا يدمي القلب، لاسيّما ظواهر الإرهاب والعنف والإنقسام المجتمعي، خصوصاً بصعود الخطاب الطائفي التحريضي والشحن المذهبي الاستئصالي، ولا شك أن سياسات القمع والإرهاب المزمنة في العراق وسوريا إضافة إلى نتائج الاحترابات الداخلية، قادت إلى التفتت والتمزق، وسيكون خطر التقسيم قائماً، إن لم يتم التوصل إلى حلول مجتمعية لعقد اجتماعي جديد يوفّر أرضية مناسبة لتحوّل ديمقراطي بمشاركة من الجميع على أساس المواطنة المتساوية الحرّة.
وإذا كانت هذه البلدان تعاني في أوقات السلم والاستقرار النسبي من هدر حقوق الإنسان على نحو سافر وصارخ، فما بالك في أيام الاحترابات والصراعات المسلحة وأعمال العنف والارهاب المستمرة. ولعلّ ما يحصل في المدن السورية من تدمير وقتل وتشريد، إنما هو صرخة للضمير الإنساني، ولا بدّ للعالم كلّه أن يتدخّل لحماية السكان المدنيين الأبرياء العزّل ووضع حدّ لأعمال العنف والارهاب، وتمكين الشعب السوري من خياره الحر المستقل، وقد وصل عدد اللاجئين والنازحين السوريين الذين يستحقون الحماية والدعم أكثر من 9 ملايين إنسان حسب الاحصاءات التي نشرتها الأمم المتحدة مؤخراً.
ولا شكّ أن المسألة السورية تؤثر في لبنان على نحو مباشر، ومنذ أن انطلقت الثورة السورية في 15 آذار (مارس) 2011 وحتى الآن، فإن انعكاساتها لبنانياً كانت شديدة، وخصوصاً الانقسام السياسي بسببها، فضلاً عن خلخلة وضعف الجوانب الأمنية، حيث انتشرت أعمال الارهاب والتفجيرات لتضرب المجتمع اللبناني بأسره وتصيبه بالصميم. وإن لم يتم حل إيجابي وسلمي للمسألة السورية بتوافق إقليميم ودولي، ولاسيّما روسي- أمريكي، فإن تأثيراتها سوف لا تتوقف عند لبنان أو العراق، بل ستمتد إلى دول المنطقة كافة، مشجعة على التدخل الإقليمي فيها تحت عناوين مختلفة، منها "التحالف الإيراني – السوري" الرسمي، والملف النووي الإيراني والتدخل الإسرائيلي الذي دائماً ما يجد الذرائع المختلفة للقيام بدوره التقليدي وغير ذلك.
أما في مصر، فالأمر سار بعد الربيع العربي في طريق وعر وصادف الكثير من المنعرجات والتحدّيات، لاسيّما بصعود الأخوان المسلمين إلى السلطة، ومحاولاتهم إقصاء الآخرين أو تهميشهم وسنّهم دستوراً على مقاساتهم، الأمر الذي دفع بقوى شعبية واسعة للوقوف ضد محاولات " أخونة الدولة" وقد حسم الجيش الأمر بالتدخل، وطرح خارطة طريق جديدة أساسها إجراء استفتاء على الدستور الجديد. وتم فعلاً في 14-15 (كانون الثاني) يناير 2014 حيث نال على أغلبية 98% من نسبة المصوّتين البالغة 38% وستجري انتخابات رئاسية وبرلمانية (مجلس الشعب) هذا العام.
وأعتقد أن شجاعة المنتصر تقضي مشاركة الجميع دون استثناء، ولهذا فإن فتح باب نبذ العنف والتخلي عن الإرهاب وعدم إقصاء الآخر، يستوجب أن يكون سياسة ثابتة، بغض النظر عن تعاقب الحكومات، فهذه تأتي وتلك تذهب، والمهم أن يكون صندوق الاقتراع هو الحكم، فضلاً عن الانتقال إلى حكم مدني حقيقي، بحيث يكون الجيش حامياً وضامناً لعملية الانتقال والتحوّل والتنمية وخارج نطاق السياسة، والمسألة لا تتعلق بنزع البدلة العسكرية، بل باعتماد منهج تعزيز الدولة المدنية، قانونياً وسياسياً واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً وإعادة الجيش إلى ثكناته.

9-   ما يجب أن يكون عليه دور المثقفين العرب إعلامياً في مواجهة الأزمات التي تحل بنا؟
ج 9- وظيفة المثقف الأساسية هي النقد، والمثقف حساس بطبعه، وإذا لم يكن المثقف نقدياً فسيكون داعية أو مبشراً، في حين إن مهمته هي تساؤلية وليست وعظية، وهي مهمة تنويرية، عقلية، وليست يقينية  إيمانية. وأعتقد أن كل ما حولنا هو مدعاة للنقد، ويمكن للمثقف أن يلعب دوراً إيجابياً بانحيازه إلى جانب قيم الحق والعدل والجمال والخير والسلام والتسامح ودفاعه عنها، وهي بلا أدنى شك قيم إنسانية لبني البشر جميعاً، دون تمييز لأي سبب كان.
وكلّما كان خطاب المثقف معتدلاً وبعيداً عن التطرف، ومترفعاً عن كل ما له علاقة بالتعصب، استطاع أن يؤثر على نحو إيجابي على عموم المجتمع، وإذا كانت هناك تحديات يواجهها المثقف، سواءً في علاقته مع السلطة وعلاقته مع بعض التقاليد التي عفى عليها الزمن، فإنه يواجه أحياناً جماعات أخرى باسم الدين سواء ما يطلق عليهم "المتأسلمون" أو "الإسلامويون"، وأولئك وهؤلاء مادة خام لصناعة التعصّب وانتاج التطرف، وتحاول هذه القوى أن تحدّ من تقدّم المجتمع وحرياته، تحت عناوين مختلفة، وذرائع واهية.
المثقف يستطيع أن يكون ملهماً كلّما كان خارج نطاق الانقسامات الطائفية والمذهبية والانحيازات المسبقة، تلك التي لا تزال تفعل فعلها في مجتمعاتنا التي تعيش صراعا بين الحضارة والبداوة على حدّ تعبير عالم الاجتماع العراقي الكبير علي الوردي، والتي لا تزال تتمسّك بشعارات "انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً ".
ولعل الاعلام في زمن العولمة مؤثر جداً بحكم وسائل الاتصال والمواصلات، والطفرة الرقمية " الديجيتل" والفضائيات والانترنيت والهاتف النقال والتويتر والفيس بوك، وهذه كلّها تؤثر على عقول الناس وأذواقهم وخياراتهم، وبقدر ما يمكن أن تدلّهم على الطريق السليم، فإنها يمكن أن تقصفهم بمدفعيات ثقيلة، وربّما أكثر خطراً من السلاح الفعلي، فالحرب تنشأ في العقول، مثلما يبنى السلام في العقول أيضاً حسب دستور اليونسكو.
لذلك كلما كان خطاب المثقف عقلانياً، مدنياً، كلّما استطاع أن يؤسس لحالة حوار مجتمعي، وتلك احدى السبل المناسبة لمواجهة الأزمات الراهنة دون انفعال أو ردود أفعال من شأنها أن تؤدي إلى زيادة حدّة التوتر، وهنا يلعب العقل دوراً فاعلاً، من خلال الخطاب الذي يتبنّاه المثقف، خصوصاً إذا كان متماهياً مع قضيته العادلة، وهي بالأساس قضية الثقافة والإبداع والحرية، تلك التي ينبغي مراعاتها بكل الأحوال والظروف.
-الأساس في هذه المادة، حوار مطوّل أجرته الصحافية غادة عبود لمجلة الهديل (اللبنانية)، العدد101، 2014.

79
المصالحة الوطنية وتجربة إيرلندا

عبد الحسين شعبان
أخطر ما واجهته حركات التغيير في الوطن العربي ما بعد العام 2011 هو مسألة المصالحة الوطنية والعدالة الانتقالية . وهما المسألتان المترابطتان اللتان واجهتهما أيضاً الكثير من التجارب الدولية، وبعضها تصدّى لهما بشجاعة على الرغم من ثقل الماضي وتركته الملأى بالمآسي وتاريخه الحافل بالجرائم والارتكابات، لكن من يريد أن يواجه الحاضر، فلا بدّ أن يفكّر بالمستقبل، بدلاً من العيش في الماضي على حد تعبير نيلسون مانديلا .
ولعلّ شجاعة المنتصر لا تقتضي الثأر من المهزوم، بل العمل على بناء المستقبل بدمجه في إطار مصالحة وطنية من دون أن يعني ذلك إهمال الارتكابات والانتهاكات التي تستحق المساءلة وكشف الحقيقة، وفي الوقت نفسه العمل على جبر الضرر وتعويض الضحايا وصولاً إلى المصالحة الوطنية في إطار إصلاح النظام القانوني والقضائي والأمني، لكي لا يتكرر ما حصل .
قد ينصرف الذهن أن المقصود من فكرة المصالحة الوطنية، هو "نسيان الماضي" استناداً إلى الفكرة الدارجة "عفا الله عمّا سلف"، لكن مسألة المصالحة الوطنية والعدالة الانتقالية أعقد من ذلك كثيراً، وبقدر ما تقتضي عملية التحوّل وضع حد للماضي، فإن هذا الأخير ينبغي أن يظل في دائرة الضوء، لأجل أن تبقى الذاكرة حيّة، والمصالحة لا تعني المبدأ الأخلاقي الذي يقوم على الصفح من جانب المنتصر الذي هو بموضع الاقتدار، بل تعني الانطلاق من الواقع الانتقالي الجديد لإعادة البناء خارج دائرة الثأر والانتقام والكيدية، وبمشاركة الجميع في إطار قواعد للتحوّل الديمقراطي .
استذكرت ذلك بمناسبة مرور عقدين من الزمان على تجربة المصالحة الوطنية في إيرلندا الشمالية، خصوصاً ببعض جوانبها المتعلقة بالعدالة الانتقالية، فبعد صراع وحروب وعنف دامت عشرات السنين، بدأ مشروع بناء السلام في إبريل/نيسان ،1993 حيث تم التوقيع لاحقاً بعد مفاوضات مضنية في 15 كانون الأول (ديسمبر) من العام ذاته على "اتفاقية داوننغ ستريت"، التي تعهّدت فيها الحكومة البريطانية بعدم إجراء أي تغيير في وضع إيرلندا الشمالية من دون موافقة الأغلبية فيها، والعمل على بناء مؤسسات تربط الشمال بالجنوب لغرض تعزيز التعاون في مجال التجارة والسياحة .
وفي 31 أغسطس/آب 1994 أعلن الجيش الجمهوري الإيرلندي وقف إطلاق النار وأعقبته فصائل أخرى، على الرغم من بعض الاختراقات التي حصلت لاحقاً، حتى كادت عملية السلام أن تتعثر، لكن صعود حزب العمال البريطاني برئاسة توني بلير إلى السلطة، ساعد في اتفاق بريطانيا وجمهورية إيرلندا على تعيين السيناتور جورج ميشيل ليترأس عملية التفاوض حتى وافقت جميع القوى على وقف إطلاق النار تماماً في 18 يوليو/تموز العام 1997 .
وسارت المفاوضات خلال العام 1998 في قصر ستورمونت بالقرب من مدينة بلفاست وتم التوصل إلى اتفاق "الجمعة العظيمة" (عشية أعياد الفصح- الإيستر) بين الأحزاب السياسية التي تمثل الكاثوليك والبروتستانت وحكومتي بريطانيا وإيرلندا .
ويشكّل النزاع البروتستانتي- الكاثوليكي جوهر المشكلة الإيرلندية حيث يؤلف البروتستانت نحو 54% والكاثوليك ما يقارب 43% من السكان، ويعاني هؤلاء بعض مظاهر التمييز، وعملت بريطانيا منذ استيلائها على إيرلندا إلى زيادة نسبة البروتستانت في الجزيرة الإيرلندية وأصبحت اللغة الإنجليزية منذ قرون هي اللغة الرسمية، واستمر الأمر حتى عند استقلال جمهورية إيرلندا في العام 1921 بموجب الاتفاق مع بريطانيا، في حين بقي نحو ثلثها لاسيّما الشمالي تابعاً لبريطانيا .
انعكست مشكلة الثلث على علاقات جمهورية إيرلندا مع المملكة المتحدة، ففي حين ظلّت مساعي الكاثوليك في الجزء المتبقي، تعمل على الانفصال عن بريطانيا لتحقيق حلم الوحدة مع إيرلندا، كانت الأغلبية البروتستانتية تتمسك بخيار البقاء، الأمر الذي أوجد نزاعاً مستديماً، بما فيها ما اتسم بأعمال مسلحة وعنفية، حيث عاشت إيرلندا الشمالية حالة اضطراب سياسي وأمني لعقود من السنين، وتقاتلت الجماعات المسلحة ممثلة للفريقين الكاثوليكي (الميّال لإيرلندا) والبروتستانتي (الراغب في البقاء مع بريطانيا) وخلّف هذا القتال آلاف الضحايا .
قام الجيش الجمهوري الإيرلندي بسلسلة من أعمال العنف والتفجير، وامتدت عملياته حتى شملت العاصمة البريطانية لندن . وردّت لندن بأعمال عنف مضاد وارتبط باسمها "الأحد الدامي" حين شنّت القوات البريطانية هجوماً ضد اجتماع جماهيري في مدينة بلفاست راح ضحيته العشرات في 12 آب (أغسطس) العام ،1984 وبدلاً من تقليص العنف كما اعتقدت الإدارة البريطانية لإيرلندا، فإنه ازداد وتيرة، حتى تحقق توقيع الاتفاقية البريطانية- الإيرلندية في العام ،1985 التي لم تقنع الفريقين المتنازعين، لكن خطوات المصالحة اللاحقة ساهمت في الوصول إلى اتفاق "الجمعة العظيمة" في العام 1998 .
وإذا كانت مارغريت تاتشر رئيسة وزراء بريطانيا الأسبق قد أُرغمت على توقيع اتفاقية العام 1985 بعد تشدّد وتعنّت، فإنها حاولت تثبيت أن أي تغيير في وضع إيرلندا ينبغي أن يحظى بتأييد السكان، كما نصت الاتفاقية على عقد مؤتمر لتحقيق السلام والاستقرار والرفاه واحترام حقوق الإنسان ومنع التمييز وحماية التراث الثقافي، إضافة إلى تحديث نظم الانتخابات وغير ذلك . وتعتبر اتفاقية "الجمعة العظيمة" نقطة تحوّل في المسألة الإيرلندية، لاسيّما إشراك جمهورية إيرلندا في المؤتمر الخاص بشؤون إيرلندا الشمالية، على الرغم من تحفظات الكاثوليك الوحدويين على الاتفاقية، وهو ما أثار حفيظة البروتستانت أيضاً .
إن أساس المصالحة في إيرلندا هو الاعتراف بالآخر على قدم المساواة، وحقه في القيام بممارسة شعائره الدينية بكل حرّية وإزالة أسباب التوتر الطائفي، لاسيّما بنزع السلاح الذي كان واحداً من العقد الكبيرة، وقد كان التوافق على ذلك وإنهاء الكفاح المسلح وانتخاب الجمعية في إيرلندا الشمالية أساساً في الوصول إلى المصالحة الوطنية .
ونستطيع القول إن ما سارت عليه بعض التجارب الدولية، سواء في إيرلندا الشمالية أو في تشيلي أو الأرجنتين أو بعض دول أمريكا اللاتينية أو ما حصل في دول أوروبا الشرقية أو المغرب أو جنوب إفريقيا أو غيرها، هو ما تحتاج له التجارب الجنينية في البلدان العربية التي جرت فيها تغييرات منذ العام ،2011 والأمر لا يتعلق باقتباس أو تقليد أو استنساخ أو نقل حرفي لهذه التجارب بحذافيرها، بقدر الإفادة منها، خصوصاً اعتماد مبدأ التوافق، وهذا ما احتاجت إليه عملية إعداد الدساتير كما حصل في تونس ومصر وما تحتاج إليه اليوم اليمن وليبيا، وضمان حقوق الجميع من دون تمييز، والعمل على مشاركتهم في إطار "الديمقراطية التوافقية" كمرحلة مهمة وخيار حيوي للانتقال الديمقراطي، وقد لعبت منظمات المجتمع المدني في إيرلندا الشمالية دوراً إيجابياً في نشر قيم ثقافة جديدة تقوم على أساس الحوار ونظمت ورش عمل للمصالحة في برامج الشباب والقادة والنساء، فضلاً عن تعميم ثقافة التسامح ونبذ العنف ومعالجة آثار الطائفية .
إن نجاح أية تجربة تقتضي مشاركة الجميع من دون إقصاء أو تمييز أو تهميش لاعتبارات سياسية أو دينية أو إثنية أو لأي سبب آخر، أما المرتكبون فالقضاء وحده هو الفيصل في الحكم وعلى أساس الادعاء الفردي .



80
تونس: صراع ما بعد الاستعصاء

عبد الحسين شعبان
                     
كاد الانتقال الديمقراطي في تونس أن يكون استعصاء، خصوصاً بوصول حكومة حزب النهضة الإسلامي (الثانية) بقيادة علي العريّض إلى طريق مسدود، لكن عوامل داخلية وأخرى خارجية، ساعدت في تذليل العقبات الجدّية التي واجهت التجربة التونسية، وفي مقدمتها التفاهم الذي حصل داخل "الترويكا" الحاكمة برئاسة حزب النهضة والمعارضة، حيث أبدى الحزب قدراً عالياً من المرونة، ولاسيّما بعد ما حصل لحزب الإخوان وتجربة محمد مرسي في مصر، حيث تدخّل الجيش لإقالته بعد أن واجه حركة شعبية احتجاجية واسعة وتظاهرات عارمة تطالب بتنحيته، حين رفض إجراء انتخابات مبكرة وإصراره على الاستفتاء على دستور لا يحظى بتأييد القوى السياسية المختلفة، الأمر الذي حاولت التجربة التونسية تداركه بسرعة وبحكمة وبُعد نظر .
وقد تم التوصل إلى اتفاق "حكيم" لاستكمال مقوّمات الانتقال الديمقراطي، من خلال إقرار الدستور في أجواء اتسمت بالثقة والتفاؤل، الذي أعطى حيوية جديدة للثورة التونسية، خصوصاً بالاقتراب من أهدافها في الحرية والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية، وهو ما حاول الدستور أن يقاربه على نحو كبير .
عكس الاتفاق الجديد الذي نال 200 صوت من مجموع 217 أعضاء المجلس التأسيسي، قبول الإسلاميين والعلمانيين على وثيقة الانتقال الديمقراطي الأساسية، الممثلة بالدستور، وقد طبعت التوافقية السياسية الواقعية، التجربة التونسية منذ بداياتها فقد كان أحد جناحيها علمانياً عروبي التوجه (رئيس الجمهورية) بمرجعيته المدنية الحقوقية، والآخر وطني ديمقراطي بمرجعية يسارية (رئيس البرلمان)، أما الرأس الحاكم، فكان دينياً بمرجعية إسلامية، وما بين هؤلاء كان هناك حراك واسع لمجتمع مدني نشيط وواع ولطبقة وسطى فاعلة ومتطلّعة لأن تأخذ دوراً أكبر في الحياة السياسية، خصوصاً ما تتحلّى به من وسطية واعتدال ومرونة، إضافة إلى توق عام لمجتمع حر وفضاء مفتوح ودولة مدنية قانونية ومكانة للقطاع الخاص، ومشاركة حيوية من جانب المرأة والشبيبة بشكل عام .
وقد كان لاتحاد الشغل التونسي، المنظمة العمّالية المهنية العريقة، ونقابة المحامين التونسيين ورابطة الدفاع عن حقوق الإنسان، الدور الكبير في إنجاز الاتفاق السياسي، بالضغوط التي مارستها على جميع الأطراف، الأمر الذي وفّر الفرصة لإقناع السلطة والمعارضة بضرورة "التوافق" باعتباره مسألة لا مفرّ منها، وإلاّ فإن باب الصراع سيفتح على مصراعيه، وهكذا اقتنع حزب النهضة بتقديم العريّض استقالة حكومته، وتشكيل حكومة كفاءات وتكنوقراط برئاسة مهدي جمعة، والإسراع في الاتفاق على صياغات مرنة للدستور تأخذ في الاعتبار توازن القوى من جهة، والحرص على عدم انفراط الوضع وتدهوره من جهة أخرى، خصوصاً أن موجة العنف التي لم تعرفها تونس من قبل، أخذت تضغط على الجميع .
لقد استطاع المجتمع المدني ومؤسساته الفاعلة إقناع جميع الأوساط السياسية على قبول مبدأ الحوار وتقديم التنازلات المتبادلة للوصول إلى توافقات وطنية تقضي بإنجاز دستور جامع وفترة انتقال لحكومة متوافق عليها، تمهيداً لإجراء انتخابات نيابية، مع تأكيد احترام الجيش قواعد اللعبة الديمقراطية، والبقاء بعيداً عن التدخل في الشؤون السياسية .
ويمكن للدستور التونسي الجديد بما احتواه من قيم ومبادئ أن يشكّل قاعدة جديدة لتعزيز التفاهم بين العلمانيين والإسلاميين ليس هذا فحسب، بل يمكن البناء عليه في إطار دولة تحترم حقوق الجميع، وهي ليست دولة علمانية كما يرى بعض الإسلاميين، كما هي لم تكن دولة الإسلاميين، كما اعتقد بعض العلمانيين وحاول ترويجه . إن الدولة التونسية مثلما كانت بقيت تحتفظ بطابعها العام المدني مع تأكيد جديد باحترام الفاعليات والأنشطة المتنوعة والمتعدّدة في المجتمع، الدينية وغير الدينية، على أساس مواطنة متساوية ومتكافئة وشراكة وطنية تقوم على تحقيق قواعد العدل الاجتماعي في جو يحتاج إلى المزيد من التسامح وفُسَحْ الحرية، تلك التي كانت غائبة .
ومثلما هناك اختلافات بين القوى الإسلامية، هناك اختلافات أيضاً بين العلمانيين بالطبع، فالقوى جميعها تضم معتدلين، مثلما تضم متطرفين . وإذا كان التوجه الإسلامي العام يميل إلى الفكر الشمولي الواحدي الإطلاقي، فإن توجه القوى القومية واليسارية ليس بعيداً عن ذلك، وقد كشفت التجربة العربية لنحو سبعة عقود من الزمان، مثل هذه الحقيقة، الأمر الذي نحتاج فيه إلى مراجعة ونقد ذاتي لجميع التجارب العربية، القومية واليسارية والإسلامية، خصوصاً إزاء الموقف من القبول بالآخر ونبذ العنف والإقرار بالتنوّع والتعددية، واعتماد قواعد اللعبة الديمقراطية من خلال صندوق الاقتراع، وعلى أساس سيادة القانون والمواطنة والمساواة وعدم التمييز .
إن إقرار الدستور التونسي الجديد، لا يعني أن المشكلات انتهت أو في طريقها إلى الانتهاء، فقد يكون العكس صحيحاً، لأن الانتقال الديمقراطي، والنظام الديمقراطي بشكل عام يفسح في المجال لصراعات ومنافسات حرّة، بخصوص الطرق الكفيلة لتحقيق مصالح المجتمع ورفاهيته وسعادته، حيث تتبارى البرامج والمشاريع والأفكار والممارسات، لكن الفارق الكبير بينها وبين الأنظمة غير الديمقراطية، الشمولية والاستبدادية، إن هذه الأخيرة تفرض نفسها بالعنف وإقصاء الآخر أو تهميشه وعدم الاعتراف به، في حين أن صندوق الاقتراع وخدمة الناس هي المعيار والفيصل في قناعة الناخب وشرعية الحاكم، في التجارب الديمقراطية .
ومن المسائل التي ستبقى مجالاً للاحتدام والصراع في الدستور التونسي موضوع تفسير وتأويل "التزام الدولة بحماية المقدسات" ورعاية الدولة للدين، ولعلّ ما كان مطروحاً للنقاش، هو "تجريم" الاعتداء على المقدسات، وعدم إضفاء صفة قدسية على الأشخاص والرموز الدينية، ومع أن هناك فارقاً بين النصين، لكن ذلك لا يمنع من يحاول توسيع أو تقليص ما هو وارد في الدستور . وقد كانت المطالبة بأن يكون لمؤسسة الافتاء الإسلامي والمجلس الإسلامي الأعلى، مكاناً في الدستور، الأمر الذي أوجد ردود فعل بين علوية الدولة أم علوية هذه المؤسسات، وهو ما تم التوافق عليه بإخضاع الجميع لمرجعية الدولة، لكن ذلك لا يعني نهاية المطاف، فالكثير من رجال الدين يحاولون باسمه المقدس أحياناً، دسّ أنفهم في الدولة .
وقد تم التوافق على الحفاظ على الحقوق المكتسبة للمرأة (من العهد البورقيبي) حيث اعتبر ما ورد في مجلة الأحوال الشخصية "محصّناً" ودستورياً ولا يمكن تغييره من جانب أغلبية نيابية، أي أنه من المواد الجامدة في الدستور، وذلك ضماناً لعدم التجاوز على حقوق المرأة، وبهذا المعنى فإن هذه الحقوق هي أقرب إلى الواجبات، لكن ذلك لا ينهي الصراع والجدل حول الموقع الفعلي للمرأة والممارسات السلبية ضدها اجتماعياً أو اقتصادياً، فضلاً عن التفلت من القانون .
وأكّد الدستور الجديد تحقيق العدالة الاجتماعية والتنمية المستدامة واعتبر الثروات الطبيعية ملك الشعب التونسي وتمارس الدولة السيادة باسمه .
وأكّد الدستور آليات الديمقراطية التشاركية والديمقراطية التمثيلية في مجلس تشريعي واحد (برلمان) وأن السلطة التنفيذية يمارسها رئيس الجمهورية من جهة ورئيس حكومة من جهة ثانية ذو صلاحيات واسعة، أي أن النظام الذي أقيم هو نظام مختلط يجمع بين النظام البرلماني والرئاسي، ولعلّه قريب من النظام الفرنسي شبه البرلماني وشبه الرئاسي، والأمر يحتاج إلى تراكم حقيقي للتجربة وثقة متبادلة واحترام هذه القواعد في التطبيق .
إن التجربة التونسية للانتقال الديمقراطي، ولاسيّما في صياغة الدستور، أضافت رافداً جديداً للتعاون السلمي بين القوى السياسية بغض النظر عن أيديولوجيتها، وخصوصاً في ميدان رفض العنف والقبول بقواعد اللعبة الديمقراطية وتأكيد مبادئ المواطنة والمساواة والحرية والشراكة والعدالة الاجتماعية، وأن كل ما تشهده من صراعات لاحقة ستزيدها غنىً وعمقاً، خصوصاً إذا كانت في إطارها الدستوري والقانوني .


81
المنبر الحر / خليج ما بعد الأزمة
« في: 20:43 02/04/2014  »
خليج ما بعد الأزمة

عبد الحسين شعبان

القرار الثلاثي الذي اتخذته الدول الخليجية الثلاث: المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة ومملكة البحرين بسحب سفرائها من الدوحة، جاء مفاجئاً، خصوصاً لجهة العلاقات بين الدول الخليجية الست التي ضمّها مجلس التعاون الخليجي منذ 33 عاماً، ولعلّ الأزمة التي أثارها القرار الثلاثي هي الأكبر والأخطر في تاريخ العلاقات الخليجية، الأمر الذي يعني أنها كانت تحفر في العمق، وليست تنقر في السطح كما يقال .
ولربما هذا هو شعور الدول الثلاث بعد أن طفح الكيل، فقد أدّت التراكمات السلبية التي كدّرت صرح العلاقات بينها وبين دولة قطر إلى إظهار ما هو خفي إلى السطح، خصوصاً ما يتعلّق بمضمون الاستراتيجية العامة لدول مجلس التعاون الخليجي وأساليب عمله المعتمدة طيلة عقود من الزمان، وإذا بنا أمام مشهد جديد حين أخذت تتجمع بوادر خلاف جدي في العمق بين دوله بشكل عام وقطر بشكل خاص، لدرجة أصبحت تلك الخلافات محرجة، لاسيّما بشأن احتضان قطر جماعة الإخوان المسلمين، وخصوصاً بعد إقالة محمد مرسي، حيث تم تقديم التسهيلات الكثيرة لهم سياسياً ومالياً وإعلامياً .
الاتهام السعودي - الاماراتي لدولة قطر بشأن الوضع في مصر ترافق مع استمرار الشيخ يوسف القرضاوي بمهاجمة البلدين، فضلاً عن ذلك، فإن الدولتين كانتا غير مرتاحتين ومعهما البحرين بشأن علاقات قطرية مع مجموعات "جهادية" في سوريا، مرتبطة بالقاعدة، إضافة إلى ما تردّد عن تغذية الاحتراب الأهلي في اليمن من خلال دعم مجموعة الحوثيين، وكذلك تقديم التسهيلات لتنفيذ مهمة حلف الناتو في ليبيا بزعم القضاء على نظام القذافي، وذلك ضمن حسابات خاطئة على أقل تقدير، فما بالك إذا كانت هناك معلومات تؤكد الشكوك التي تحوم حولها من جانب الدول الثلاث، بما فيها علاقاتها المتناقضة، سواء بافتتاح مكتب "إسرائيلي" في الدوحة منذ العام 1996 أو دورها النشيط في الحرب على العراق العام 2003 أو علاقاتها مع إيران وحزب الله وحماس .
السعودية والإمارات طالبتا قطر بوقف تدخلها والتوقف عن دعم المجموعات المتطرفة لكن تلك المحاولات لم تأت بالنتائج المرجوّة، بل ازداد التباعد، خصوصاً وأن الدول الثلاث تعتبر قناة الجزيرة أحد أسباب ذلك بتصعيدها الإعلامي واستضافتها المتكررة للقرضاوي، الأمر الذي دفع بالدول الثلاث إلى أخذ إجراء بسحب السفراء .
الأزمة الراهنة بهذا المعنى ليست أزمة عابرة أو ردود أفعال لخلاف ظرفي أو طارئ، وإنما يذهب الخلل إلى جوانب مهمة تمسّ إستراتيجيات مجلس التعاون الخليجي، حيث تتهم دوله الثلاث قطر بالخروج عليها . والسؤال المطروح حالياً وماذا بعد سحب السفراء؟ هل سيتم الاكتفاء بهذه الخطوة أم ستعقبها خطوات أخرى، لاسيّما إذا استمر التعارض السياسي في استراتيجيات قطر مع البلدان الثلاثة، فطوال السنوات السابقة ظلّت دول المجلس تسعى لاحتواء الخلافات السياسية، والبحث في كل ما من شأنه حلّها بتوافقات ومن دون إعلان، حتى وإنْ أدى ذلك الذهاب إلى محكمة العدل الدولية، كما حصل بشأن الخلاف البحريني - القطري، حيث استمر الخلاف عقوداً من الزمان إلى أن وجد حلا مرضياً، لكن الخلاف الجديد يعتبر أكثر عمقاً وشمولاً .
فالدول الثلاث على يقين أن قطر خرجت على سياسات ونهج المجلس، لاسيّما بدعمها جماعات دينية من الإسلام السياسي، كما هو موقفها من الإخوان في مصر وفي المنطقة وتسخيرها الكثير من إمكاناتها للدفاع عنهم، بعد إقالة الرئيس محمد مرسي، في حين أنها تنظر بعين القلق إلى تيار الإسلام السياسي واحتمالات تأثيراته داخلياً، ولهذا السبب سارعت إلى تأييد التحرك الشعبي الواسع في مصر، والذي لعب الجيش الدور الحاسم فيه في الثالث من يوليو (تموز) ،2013 أما قطر فلعلّها تعتقد أن لها دوراً عربياً وإقليمياً يتجاوز مجلس التعاون الخليجي، الذي يريد الحدّ من طموحاتها السياسية وفاعليتها الاقتصادية، ولذلك كانت تتصرف بمعزل عنه وبتعارض مع سياساته أحياناً .
كذلك تعتبر الدول الثلاث أن الدوحة كانت تقف خلف حكم حزب النهضة في تونس، الأمر الذي تعتبره خطراً على مستقبل المنطقة، وعلى بلدانها، حيث ينشط الإخوانيون فيها ويحاولون تهديد الاستقرار السياسي، بل إن هذه السياسة تشكّل أحد مصادر التهديد للأمن الوطني لكل بلد وللأمن الخليجي بشكل عام، وهو ما تعتبره خطوطاً حمرا في العلاقات البينية بين دول المجلس، كما تذهب إلى ذلك الاتفاقية الأمنية الخليجية، وكذلك حسبما يقول البيان الذي صدر من الدول الثلاث بخصوص سحب السفراء، والأمر كان قد تكرر في ليبيا من تدخّلات قطرية، وهو ما عبّر عنه محمود جبريل رئيس الوزراء في المجلس الانتقالي لحين الإطاحة بنظام القذافي .
لقد اندفعت الدوحة خلال السنوات الثلاث الماضية، فراهنت على حكم الإخوان في مصر وعلى حركة النهضة في تونس وعلى مجاميع مسلحة في سوريا وليبيا واليمن، إضافة إلى تقاطعات سياستها مع الدور الإقليمي لكل من إيران وتركيا و"إسرائيل"، ولكن سؤالاً حساساً يُثار اليوم بعد اندلاع الأزمة: هل ستجد الأزمة حلحلة ويتم فيها تسوية المشاكل في البيت الخليجي أم أنها ستقود إلى تجميد عضوية قطر في مجلس التعاون الخليجي وإلى إغلاق الحدود وإعادة التأشيرات وإلغاء التسهيلات وغير ذلك من إزالة الحواجز بين بلدان المجلس؟
وبعد: كيف ستتصرف قطر إزاء ذلك؟ هل ستتجه نحو إيران مثلاً وتقيم تحالفاً معها وربما مع تركيا أيضاً، أم أنها ستحسب ذلك تاريخياً بحكم علاقاتها مع دول الخليج ومستقبلها السياسي، فتبادر إلى احتواء الأزمة ومراجعة سياساتها، لكي تنسجم مع محيطها وتضع بعض طموحاتها جانباً، حفاظاً على مستقبلها السياسي؟ أم ستتصرف بردّ فعل يؤدي إلى انسحابها من مجلس التعاون الخليجي، وهو المجلس الذي لم يشهد في تاريخه مشكلة مستعصية مثل الأزمة الحالية التي قد تؤدي إلى خروج دولة منه .
إن إعادة قراءة وثائق مجلس التعاون الخليجي والتوقف عند بعض مشكلاته وتطور دوله قد يساعد في تفهم الأزمة الراهنة وحساسيتها، خصوصاً بالترابط مع الأسئلة المطروحة أمامها في مرحلة ما بعد "الربيع العربي" والتغييرات التي حصلت في العديد من دول العالم، وهي أسئلة جوهرية تتراوح بين التصعيد أو التهدئة، لكن ذلك كلّه مرتبط بالقدرة على التوافق مع المحيط ومع وضع الطموحات في سياق الإمكانات البشرية والعلمية والجغرافية والمادية، وهو ما ينبغي التفكير به بجدية وواقعية سياسية، سواء بإمكان حلّ بعض المشكلات أو تأجيل بعضها الآخر أو حتى استعصاء بعضها الثالث، والذي قد يحتاج إلى إعادة ترتيب الأولويات، أي بمراجعة مسيرة مجلس التعاون الخليجي في ضوء المستجدات والمتغيرات التي حصلت في السنوات الأخيرة، وفي ضوء تطور العلاقة بين دوله!




82



الدستـــور والدستـــورية
في الفقه العربي الحديث
استعادة مستقبلية!!



الدكتور عبد الحسين شعبان*


ـــــــــــ
•   أكاديمي ومفكر عراقي- دكتوراه فلسفة في العلوم القانونية(معهد الدولة والقانون)- أكاديمية العلوم التشيكوسلوفاكية-  استاذ قانون ومادة اللاعنف وحقوق الإنسان. له ما يزيد على 50 مؤلفاً في قضايا الفكر والقانون والسياسة والثقافة والمجتمع المدني.
مقدمة
أعاد ما سُمّي بـ: "الربيع العربي" والتطورات والتغييرات السياسية التي شملت العديد من البلدان العربية، موضوع الدستور والدستورية في الفكر العربي الحديث، إلى طاولة البحث على نحو مسؤول وجدي، لاسيّما وأنه يأتي بعد التطورات التي شهدها العالم في هذا الميدان، وخصوصاً منذ انتهاء نظام القطبية الثنائية والحرب الباردة في أواخر الثمانينيات وتحوّل الصراع الآيديولوجي العالمي، إلى أشكال جديدة في ظل العولمة.
وقد شهدت دول أوروبا الشرقية بعد الإطاحة بالأنظمة الشمولية، إضافة إلى العديد من دول أمريكا اللاتينية وبعض دول آسيا وأفريقيا تحولات ديمقراطية وتغييرات دستورية، بما فيها صياغة دساتير جديدة وفقاً لمبادئ دستورية عامة تمثّل مشتركاً إنسانياً مع مراعاة خصوصية كل بلد وظروفه وأوضاعه الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والدينية والتاريخية، وقد ساهمت الأمم المتحدة وخبرات دولية متنوّعة في الوصول إلى توافقات جديدة في العديد من بلدان العالم، مكدّسة خبرة مهمة على هذا الصعيد.
وكان العالم العربي بعد التغييرات السياسية والإطاحة ببعض الأنظمة قياساً للبلدان التي حصلت فيها ثورات وانتفاضات، الأكثر احتداماً في ظلّ استقطابات واصطفافات حادة، لا سيّما بين التيارات السياسية والاجتماعية والدينية، وخصوصاً في موضوع علاقة الدين بالدولة، حتى أن البلدان التي انجزت المرحلة الأولى من التغيير بالإطاحة بالأنظمة، انقسمت بين قوى تدعو على نحو مستتر أو معلن لدولة إسلامية، وأخرى تريد صياغة دساتير تتفادى التنصيص على الدين باعتباره المصدر الرئيس أو مصدر أساس للتشريع، أو حتى أحد مصادر التشريع، كي لا يتم توظيفه لغايات سياسية أو حزبية أو مصلحية ضيقة.
وهناك إثارات من نوع آخر تتعلق بنظرة كل فريق إلى مفهوم الشريعة، فهناك من يذهب إلى ضرورة النص على أحكام الشريعة، في حين هناك من يميل إلى وضع نص أكثر مرونة يتمثّل في " مبادئ الشريعة"، وهناك فريق ثالث لا يرى أية ضرورة لمثل هذه الإشارات، لأنها ستكون مصدر اختلاف في التفسير والتأويل وعنصر احتدام قد يدفع المسألة باتجاهات طائفية أو مذهبية أو إسلاموية ضيقة، ولهذا فهو يؤكد على مبادئ المواطنة ويدعو إلى استبعاد مثل تلك النصوص المثيرة للخلاف وربما للصراع؟
وفي ظل هذه اللوحة المشوّشة وتنازع القوى على مواقع السلطة وما تريده كل مجموعة من تثبيت النصوص التي تمنحها دعماً في مواقفها السياسية، وتشكّل خلفية مرجعية لها كيف السبيل لإنجاز التوافق بين قوى التغيير؟ وكل طرف يريد أن يدفع بالاتجاه الذي يخدم توجهاته ومصالحه بحيث يضمن الحصول على مكاسب آنية ومستقبلية، فالعلمانيون أو شبه العلمانيين ونعني بذلك اللوحة الواسعة من اليساريين والديمقراطيين والليبراليين يريدون توجيه مسار صياغة الدستور باتجاه تقليص نفوذ الإسلاميين، أما الإسلاميون والسلفيون، وبغض النظر عن مذاهبهم فيريدون وضع الشريعة كمسطرة قياس لتحجيم دور القوى غير الإسلامية أو شبه العلمانية، واستخدام ذلك عند الضرورة كسيف مسلّط على الآخرين.
الصراع الراهن على ماذا؟
لعلّ أهم نقاط التباين والصراع إنما تقوم على قضايا ثلاث محورية: الأولى تتعلق بإمكانية الاستنباط والاجتهاد في قضايا لم يتمّ البت فيها في كتب الفقه الإسلامي سابقاً، وهل من حق البرلمان (السلطة التشريعية) البتّ فيها؟ أما الثانية فتتعلق بموضوع الاجتهاد فهل يقتضي التمسك بالنص (النقل) أو بما يسمى مقاصد الشريعة، أي المبادئ والقيم الإسلامية العامة أو يمكن تجاوز ذلك وفقاً لمقتضيات العقل والتطور؟. وفي القضية الثالثة كان التحدّي يتعلّق بالنص التشريعي، فهل يفترض فيه الدخول في فقه العبادات والأخلاقيات أم الاكتفاء بالمجال العام وترك المجال الخاص؟
الإسلاميون يريدون النقاش في مثل هذه القضايا في ملعبهم ووفقاً لأجندتهم، ويتردّد غير الإسلاميين مما نطلق عليهم شبه العلمانيين أحياناً من الخوض في مثل هذه الأمور ذات الطبيعة الحساسة، خوفاً من اتهامهم بالخروج على تعاليم الدين أو التجاوز على الشريعة، أو حتى تكفيرهم وهو ما يحصل في الكثير من الأحيان في ظل غوغائية دينية لا تقبل النقاش والحوار الاّ في إطار السقف الذي تحدده هي، وتعتبر كل خروج عليه إنما هو خروج على الدين، ولذلك من الخطأ أحياناً مناقشة العلمانيين للاسلاميين في ملعبهم، ولا بدّ من الحوار والسجال في ملعب الدولة وطبيعتها ووظائفها وحقل الحريات والحقوق ومبادئ المواطنة وحقوق الانسان، التي تشكّل مشتركاً كونياً للدولة العصرية، ولا يمكن رفضه، لأن ذلك سيعني رفض المعايير الدولية التي أخذت بلداننا على عاتقها التساوق معها، مع احتفاظها بخصوصيتها.
ولعلّ هذه الأمور تتعلق بقضايا ذات جوانب مجتمعية وحقوقية وقسم منها بمبادئٍ المساواة والحرية والعدالة والمشاركة والموقف من التنوّع الثقافي لما يسمى "بالأقليات" وقضايا المرأة، خصوصاً تعدّد الزوجات وإقامة الحد والتعامل مع السرقة ونهب المال العام والخاص، وهل تحريم السرقة هو الأساس أم عقوبة السارق، إضافة إلى مسائل العبادات كالصلاة والصوم والاغتسال والحيض؟
وسواءً تم النصّ باعتبار الشريعة أو مبادئ الإسلام أو أحكامه مصدر من مصادر التشريع والقانون أو أحد مصادره أو لم يتم، فإن الأمر يعتبر تحصيل  حاصل لأن المشرّع مهما كان اجتهاده، فسوف يأخذ بنظر الاعتبار ثقافة المجتمع ودور الدين الإسلامي في حياته ولهذا سيسعى لمراعاة ذلك وهو ما يحصل بوجود نص أو بعدم وجوده، لكن من يريد وضع نصوص لضمان تسيّده وتهديده للآخرين، إنما يريد استخدام الدين فزّاعة ضدّهم، ووضع مسطرة لقياس مدى تطابق هذا التشريع أو ذاك مع بعض المبادئ أو الأحكام أو الاجتهادات (حتى وإنْ انتهى زمنها).
وبهذا المعنى سيخضع الدين لاستغلال سياسي بحجة الدفاع عنه، علما بأنه لو جرى النص على الشريعة أو لم يجرِ، فذلك ليس ضماناً لوحدة الشعب وتطلعاته في الحرية والتقدم، وهناك دساتير بالكامل تدعو لتأكيد ذلك، بل تبالغ فيها أحياناً، لكن الواقع لا يؤيد ما تذهب إليه من إقامة العدل وإشاعة الحريات وإطلاق الطاقات، والعكس صحيح أيضاً، فعدد من الدساتير كانت مرنة إزاء مثل هذه التنصيصات، لكن نهجها العام راعى المبادئ الإسلامية في حياة مجتمعاتها  .
الدستور والدستورية
الاختلافات في الفترات الانتقالية، خصوصاً التي يمرّ بها العالم العربي والتي قد تطول وتمتد لبضع سنوات أساسها سياسي حتى وإن استخدمت الدين أو اعترضت على النص عليه، وذلك بهدف الوثوب إلى السلطة والاستحواذ على موقع متيّمز فيها، سواءً عبر صناديق الاقتراع أو بواسطة حشود شعبية تذكّر بعصر المداخن أو غير ذلك من الوسائل، والأمر لا علاقة له بالحاضر فحسب، بل بالمستقبل والقوى السياسية المتصارعة تريد ضمان مستقبلها وموقعها من السلطة السياسية الطامحة بها .
صحيح أن موضوع الدستور والدستورية لم يُلغَ أو يشطب من جدول العمل الموضوع في برامج الكثير من القوى والأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني، لكن التعاطي معه أصبح  اليوم مختلفاً عن السابق ومن موقع مختلف وهدف مختلف وفي ظرف مختلف أيضاً.
في الماضي انحصر الاهتمام بالدستور والدستورية لدى نخب فكرية وحقوقية وقانونية وسياسية عربية محدودة، لكن الموضوع أصبح اليوم مطروحاً على نحو شعبي، لدى أوساط واسعة، خصوصاً وقد حاولت بعض التيارات الدينية والسياسية زجّ الشارع وتحفيزه لينزل إلى حلبة الصراع، لاسيّما بعد أن جرى ردّ الاعتبار إلى السياسة التي ظلّت حكراً على مجموعات وفئات محددة، لدرجة أن غالبية الناس كانت تنأى بنفسها عن السياسة ومآلاتها، بل أنها في الواقع كانت غائبة وحقوقها مصادرة، وإذا بها اليوم تواجه هذا الخضم الهائل سعياً في استعادة موقعها أو في إيجاد مواقع جديدة لها بعد حرمان طويل.
ولعلّ دخول الإسلام السياسي المعترك وبعض ردود الفعل ضده جعلت الصراع أكثر احتداماً، مثلما جعلت من النصوص الدستورية المقترحة، مصدر صراع في الشارع، وما حصل في الإعلان الدستوري الذي أصدره الرئيس المصري محمد مرسي في 21 تشرين الثاني (نوفمبر) 2012 خير دليل على ذلك.
وباستثناءات قليلة جداً، كان الدستور والدستورية موضوع نقاش وإن كان محدوداً، نحيل بذلك إلى بعض الأمثلة، كما حصل في مصر خلال العقد الماضي، خصوصاً نقاشات  المادة 76 من الدستور المصري والاستقطاب الذي حصل بين القوى المعارضة بخصوصها، والمثال المهم على هذا الصعيد هو الدستور العراقي بعد الاحتلال العام 2003 ابتداءً من قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية الذي صدر في 8 آذار (مارس) العام 2004، ووصولاً إلى الدستور الدائم  الذي تم الاستفتاء عليه في 15 تشرين الأول (اكتوبر) العام 2005 وأجريت الانتخابات العامة على أساسه في 15 كانون الأول (ديسمبر) من العام ذاته وانتخابات ثانية في 7 آذار (مارس) 2010 ولا يزال محلّ نزاع ساخن ومعه قانون الانتخابات أيضاً، وما بعده في موضوع الفيدرالية والمادة 140 بشأن كركوك وما سمّي بالمناطق المتنازع عليها، ونقاشات محدودة جداً حول الدستور في اليمن، وفي وقت سابق في المغرب في أواسط التسعينيات وما بعد الربيع العربي أيضاً، حيث تم إقرار تشريعات دستورية في تموز (يوليو) 2011، فإن الأمر يكاد يكون منسياً قبل موجة الربيع العربي!
عدا ذلك كانت الحال أقرب إلى السكون والغياب، وإذا بالأمر ينقلب رأساً على عقب ولاسيّما في العام 2011 في العديد من البلدان، فيشمل تونس ومصر والمغرب وليبيا واليمن، الأمر الذي أصبح استدعاء التاريخ أمرٌ ضروري، لا فيما يتعلق بالماضي، بقدر ما يمكن مقاربة الحاضر باستشراف المستقبل، في قضايا عقدية لا تزال تفعل فعلها حتى أيامنا هذه، بل قد تكون ازدادت عمقاً.
ولعلّ هذا الاستدعاء لا يهدف التكرار والتقليد، بقدر النقد والقراءة الارتجاعية لتشخيص ما هو مفيد وما هو ضار، ولانتاج معرفة جديدة من خلال التراكم، مع الاستفادة الثقافية الدستورية والحقوقية العامة والوعي القانوني والديمقراطي بشكل خاص من النواقص والثغرات والعيوب القديمة في النظام الدستوري، وبرؤية ومنهج جديدين ينسجمان مع قرن ونيّف من التطور الدستوري ليس على صعيد المنطقة فحسب، بل على صعيد الثقافة الدستورية والحقوقية العامة والوعي القانوني والديمقراطي بشكل خاص.
ويمكن الوقوف هنا على ثلاث مراحل أساسية للتطور الدستوري في العالم العربي، على الرغم من أن ما يهمّنا بحثه هو المرحلة الراهنة التي تمثل رؤية مستقبلية لا يزال النقاش حولها حاداً والجدل واسعاً، حيث سنخصص فقرة فيها مقاربة لمناقشة الدستور المصري ومقارنة بعض جوانبه بالدسور العراقي، مع أننا سنمرّ سريعاً على التطور الدستوري الذي شهده العالم العربي في مرحلتيه الأولى والثانية ومع وجود جوانب مشتركة للتطورات الدستورية وخصوصاً زوايا نظر فقهية، الاّ أن لكل خصوصيته وتطوره الخاص، طبقاً لظروفه وتاريخه وأوضاعه الاجتماعية والاقتصادية.
1-   المرحلة الأولى: التي شهدت ارهاصات لفكر التنوير والإصلاح والتحديث ما قبل الاستقلال ومنذ أوائل القرن العشرين، ويمكن الوقوف عند ارهاصات ومحاولات روّاد حركة التنوير حيث سنتناول أربعة منهم وهم: عبد الرحمن الكواكبي ورفاعة الطهطاوي ومدحت باشا وخير الدين التونسي، ولعلّنا في هذه المرحلة الجديدة التي اتّسمت بتغييرات كبيرة في العالم العربي، بحاجة إلى دراسة آراء وأفكار عدد من فقهاء التنوير والإصلاح، لما له من علاقة مباشرة بالجدل المحتدم اليوم، دون نسيان فقهاء آخرين مثل جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده والشيخ حسين النائيني ورشيد رضا وعلي عبد الرزاق وآخرين.
أولاً- عبد الرحمن الكواكبي وكتابة الجدير بالدراسة " طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد".  وعلى الرغم من مرور ما يزيد على قرن على صدوره الاّ أنه امتلك رؤية استشرافية ثاقبة في تحليل ظاهرة الاستبداد السياسي في العالم العربي وتحليل مكوّناته وآثاره على نحو عميق وشامل، خصوصاً وقد تناول "قانونية" الاستبداد مقلوبة على نحو يعكس واقعنا الذي امتد ليشهد الثورات العربية.
عرّف الكواكبي الاستبداد وحدّد أسبابه وأعراضه وشخص الداء والدواء، لاسيّما بطرح أسئلة سسيولوجية حول خوف المستبد من جهة وجبن الرعية من جهة أخرى، وعلاقة ذلك بالدين والعلم والمال والأخلاق والتربية والعمران. وبعد أن يتناول أعوان المستبد يبدأ في تحديد سبل الخلاص من الاستبداد وبماذا ينبغي استبداله؟ 
يعتبر كتاب "طبائع الاستبداد" نصّاً فقهياً وفكرياً عميقاً في القانون الدستوري والنظم السياسية، ولعلّ الاستبداد هو السبب الرئيس التاريخي في انحطاط العرب والمسلمين، بل هو الأصل حيث يقول الكواكبي: لوكان الاستبداد رجلاً وأراد أن يحتسب أو ينتسب لقال: أنا الشرّ وأبي الظلم، وأمي الإساءة وأخي القدر وأختي المسْكَنة وعمّي الضُرّ وخالي الدُّلّ، وابني الفقر، وبنتي البطالة ، وعشيرتي الجهالة ووطني الخراب...أما ديني وشرفي، فالمال المال، المال"   وأصل الداء حسب الكواكبي " هو الاستبداد السياسي" والاستبداد صفة للحكومة المطلقة العنان فعلاً وحكماً التي تتصرف بشؤون الرعية كما تشاء بلا خشية من حساب ولا عقاب محققين".
وبخصوص مراتب الاستبداد فقد شدّد الكواكبي على: حكومة الفرد المطلق الوارث للعرش، القائد للجيش، الحائز على سلطة دينية ويصف المستبد بأنه " يتحكّم في شؤون الناس بإرادته لا بإرادتهم ويحكم بهواه لا بشريعتهم ويعلم من نفسه أنه الغاصب المتعدّي فيضع كعب رجله على أفواه الملايين من الناس يسدّها عن النطق بالحق والتداعي لمطالبته" .
ويربط الكواكبي الاستبداد السياسي بالاستعباد الديني ويعتبر الأول متولّد من الثاني ويعتبر المستبد السياسي من يبحث عن غطاء ديني " قدسي" لاسيّما العلاقة مع الله، مثلما يعتبر الاستبداد نقيض العلم وهما لا يجتمعان، وأن المستبد يخاف من العلم الذي هو سلطان أقوى من كل سلطان ويفرّق بين المجد الذي لا يسعى إليه كل الانسان وعلى نحو سوي وبين التمجّد الذي يسعى إليه الحاكم لتمجيد سلطته وطغيانه ويعتبر دولة الاستبداد " دولة بُلهٍ وأوغادٍ" ويتنبّه الكواكبي لسقوط الاستبداد ويرى أن مقاومته باللين (اللاعنف) والتدرّج وليس بالشدّة (العنف) وعلى الأمة تهيئة مرحلة ما بعد الاستبداد.
ويرجع الكواكبي أسباب التأخر إلى الفساد في السياسة والدين والأخلاق، ففي الأولى فقدان الحرية وربط الحرية بالاستبداد وهذا الأخير أصل كل فساد ودعا إلى إقامة أنظمة دستورية برلمانية في المجتمعات الإسلامية على قاعدة الانتخاب الحر والفصل بين السلطات.

ثانياً- رفاعة الطهطاوي
وبخصوص رفاعة الطهطاوي فيعتبر محمد عمارة أن رفاعة الطهطاوي هو أجمل عالِم في تاريخ الشرق، وهو أعلم أهل مصر وقتها والجالس على رأس مثقفيها   وقد عكف عمارة لسنوات على دراسة ترجماته ومؤلفاته وإنجازاته، فهو عنده أب المصريين حسب الشاعر أحمد شوقي، وهو ابن الصعيد والمتحصّن بحبها والمتصدّر لنهضتها.
يقول محمد عمارة " اليونان أخذوا عن المصريين القدماء، والعرب أخذوا عن اليونان والفرس والهنود، وأوروبا بكل أجناسها وأقوامها أخذت عن العرب، إذن من المفيد، بل من الضروري أن ندخل نحن الميدان من جديد، بعد أن تخدّرنا بالخرافة قروناً ولا بدّ أن نأخذ عن أوروبا ونصل هذا الزاد الحضاري بالمشرق من صفحات حضاراتنا القديمة .
حسب الطهطاوي إن طلب العلم فريضة وفقاً للإسلام، وعمل لتصل الثقافة والحداثة إلى مصر، لتعمر مطابعها بفضل ما كتبه وترجمه هو وتلاميذه وتتقدم جيوشها بفضل عمل بها ونقلها للعلوم العسكرية .
وقد نشر كتابه "تخليص الأبريز في تلخيص باريز" الذي وصف فيه الثورة الفرنسية والتمرد على الطغاة وذلك بعد موت إبراهيم بن محمد علي وتولّي الخديوي عباس الأمر، حيث عرض الدستور الفرنسي، وتعتبر تلك واحدة من مساهمات التطور الدستوري الحديث الذي سعى الطهطاوي لنشره، فنعاه وانتقم من آثاره.
وقد تبنّى مشروعاً لإحياء الفكر العربي الإسلامي على نفقة الخديوي سعيد خلفاً لعباس وطبع عدّة كتب مهمة (نحو ألفي كتب).
يعتبر الطهطاوي ثائراً في ميدان القانون والاجتماع، إضافة إلى العلم والتعليم، لاسيّما دعوته لتعليم المرأة في مصر والشرق أجمع، وهو المجدّد في الفكر التطبيقي. وقد تأثّر بكتاب "روح الشرائع" لمونتسكيو و"العقد الاجتماعي" لجان جاك روسو. وقد ترجم الطهطاوي الدساتير الفرنسية والعثمانية، وحاول ضبط ذلك بالمصطلحات المستخدمة، ولا سيّما فيما يتعلّق بالفقه الإسلامي  .
ثالثا- مدحت باشا
يعتبر مدحت باشا بحق " أبو الدستور العثماني" كما أسماه محمد كامل الخطيب "وخالع السلاطين" وذلك في كتاب صدر عن وزارة الثقافة السورية وحمل الإسمين، وقد بدأ الكاتب قدري قلعجي كتابه بما يأتي: إن حب الإصلاح قد اختلط بدمه فكان كالمرض المزمن لا يبرأ منه" وهي عبارة منسوبة إلى مدحت باشا.
وكان بسمارك قد قال عن مدحت باشا " لا شكّ في أن مدحت باشا هو من عظماء هذا العصر، وعندي أن مسائل الشرق باتت في هذه المرّة على أبواب الحل، لأن مدحت باشا هو الشخص الوحيد الذي يعرف ماذا يُراد من هذه المسائل ويعمل دون أن ينحرف أقل انحراف عن جادة القصد الحقيقي منها  .
وقال عنه أحمد أمين: كان مدحت باشا من هؤلاء الذين في خلقهم حمية، وفي طبائعهم تحدّ للشر وثبات على الجهاد وجلد على تحمّل الألم، ووصفه جرجي زيدان بأنه شديد الرغبة في الإصلاح ويكره الاستبداد ولا يبالي بما لا يلاقيه في سبيل مقاومته.
لعلّ مدحت باشا كان قد اعتبر أساس ضعف الدولة، ومن ثم فسادها، إنما يكمنان في الفساد وما ينجم عنه من آفات، ولذلك دعا إلى حكم الدستور والمساواة بين المواطنين ومكافحة الفساد وإقامة الديمقراطية، ولم يتوان من الدعوة إلى خلع السلطان عبد العزيز الذي قال عنه أنه يكره حكم الشورى مثلما يكره الموت.
دعا مدحت باشا إلى الحرية والعدل وإلى دولة عصرية كما رآها متجسدة في أوروبا القرن التاسع عشر، وقد حاول تنظيم مجلس شورى على غرار المجلس الاستشاري الفرنسي وهو مؤلف من قسم إداري وحقوقي وجزائي وإن ذلك ارتسم في فكرة عندما ما كان والياً على بلغاريا كما يقول  .
وفي 12 من كانون الأول (ديسمبر) 1876 أعلن النظام الدستوري الجديد وهو أحد أيام الاستانة المشهورة، حيث تم إقرار مبدأ سيادة الأمة وحقها في حكم نفسها بواسطة ممثليها الذي يتم انتخابهم (محدداً صلاحيات مجلس المبعوثان) وهو يحد من الحكم المطلق الفردي .
لكن السلطان عبد الحميد انتقم منه وقتل في ابريل (نيسان) 1883، بل وحفر قبره في الطائف وقطع رأسه عن جسده، لكن الطاغية الذي حكم ما يزيد عن ثلاثة عقود أُرغم في العام 1908 على إعادة الدستور حيث بدأت القوميات المضطهدة التي عانت من نير الاستبداد العثماني المطالبة بالتحرر، وانتهى الأمر بسقوط الامبراطورية التركية في الحرب العالمية الأولى وانحلالها وقيام تركيا الحديثة في العام 1923.


رابعاً- خير الدين التونسي
هو صاحب كتاب " أقوام المسالك في معرفة الممالك" الذي صدر في العام 1868، وقد تضمن رؤية إصلاحية للتطور السياسي والقانوني لتونس والمغرب العربي  .
درس في فرنسا لمدّة أربع سنوات 1853-1857 واشتغل في الوظائف الحكومية، فقد برع فيها وأصبح الوزير الأكبر (رئيس الوزراء) العام 1873 واختلف مع الباي فاعتزل العمل العام 1877، ثم سافر إلى اسطنبول وأسندت إليه رئاسة لجنة مراجعة الوضع المالي للدولة العثمانية وعيّنه السلطان عبد الحميد بمنصب "الصدر الأعظم" . كان عضواً في مجلس الأعيان، وكان أن دعا إلى إقامة حكم الشوزرى على أساس العدل والمساواة ورفع مظاهر الظلم والتعسّف. من أهم مرتكزات فكره الإصلاحي دعوته إلى التجديد والاجتهاد في الشريعة الإسلامية والأخذ بالمعارف وأسباب العمران الموجودة في أوروبا للنهوض بالمجتمع.
2-   المرحلة الثانية: التي أعقبت تحقيق الاستقلال في العديد من البلدان العربية، ومنذ أواسط الخمسينيات ولاسيّما بعد ثورة 23 يوليو (تموز)1952 التي فتحت باب الانقلابات العسكرية في المنطقة، وإنْ كانت بعض الانقلابات السياسية العسكرية في العراق وسوريا قد سبقتها، لكنها كانت نقطة تحوّل في حركة التحرر بمضمونها الوطني والاجتماعي وبتوجهها الدستوري، والذي ترافق مع قيام " إسرائيل" وتعزيز المؤسسة العسكرية العربية لمواجهة تحدياتها وتعطيل أو تأجيل مشاريع الإصلاح والديمقراطية والتنمية، والتي قابلها صعود نهج الاستبداد والاستئثار والدساتير المؤقتة والقوانين الاستثنائية والأحكام العرفية، وفي الكثير من الحالات تبرير استبدال الشرعية الدستورية بما أطلق عليه الشرعية الثورية.
وإذا أردنا دراسة هذه المرحلة التي امتدّت لستة عقود ونيّف من الزمان، فلا بدّ من إدراجها ضمن ظروف الصراع الآيديولوجي العالمي وظروف الحرب الباردة بين والشرق والغرب، خصوصاً وأن أنظمة ما أطلقنا عليه " التحرر الوطني" التي رفعت شعارات الاشتراكية والعدالة الاجتماعية، اتجهت إلى تقليد الانظمة الاشتراكية الشمولية، مقوّضة الحريات المدنية والسياسية والحقوق الديمقراطية والفردية بزعم الانصراف إلى قضايا التعليم والصحة وتوفير فرص عمل وغيرها من مفردات العدالة الاجتماعية التي تم وضعها في تعارض مع الديمقراطية السياسية والحقوق والحريات العامة والخاصة، وهو الأمر الذي سلكته ما سمّي بالدول الثورية جميعها مثل مصر وسوريا والعراق والجزائر وليبيا واليمن والسودان وغيرها ولكنها جميعها وصلت الى طريق مسدود.
   وكانت موجة التغيير قد بدأت بالغالبية من هذه  البلدان التي عاشت على شعارات القومية والثورية طيلة الفترة الماضية، حتى وإن تبدّل شكل الحكم، واحتفاظ كل بلد بخصوصيته، لكن ثمة مشتركات جمعت بينها.
3-   المرحلة الثالثة: ما بعد الربيع العربي والصراع الدائر اجتماعياً وفكرياً وسياسياً وثقافياً حول قضايا ذات طابع راهن ومستقبلي تتعلق بالنظر إلى الدستور ومفهومه وعلاقته بالدولة وأية دولة نقصدها، لاسيّما في ظل الجدل حول علاقة الدين بالدولة فضلاً عن فكرة الديمقراطية والفرق بين المشروعية والشرعية، وبين الشرعية الثورية والشرعية الدستورية، وعلاقة ذلك بحقوق الإنسان وحكم القانون واستقلال القضاء، وتداولية السلطة سلمياً ومبدأ المشاركة والمساواة والحريات العامة والخاصة.
ولعلّ بحث هذه المفردات ورؤى ومواقف الأطراف السياسية والدينية منها يختلف بين بلد عربي وآخر، وإن كان هناك مشتركات، لكن الأمر يتطلب أولاً وقبل كل شيء عرض تصوّر ماذا نعني بالدستور وعلى ماذا الاختلاف؟ ثم كيف يكتب الدستور في إطلالة على ما هو حاصل فعلياً.
ما هو الدستور؟
يعتبر مصطلح الدستور جديداً في اللغة العربية، وكذلك بالنسبة لفرع القانون الدستوري أيضاً، في معاهد وكليات الحقوق والقانون والسياسة. وقبل ذلك كان الاستخدام الأكثر تداولاً هو القانون الأساسي مثلما كان اسم دستور العام 1923 المصري ودستور العام 1925 العراقي وهكذا، كما كان استخدم اسم القانون النظامي أو نظام السلطات العامة، وبالطبع ما إن استخدم مصطلح الدستور حتى تبعه استخدام مصطلح الدستورية والقانون الدستوري .
وكلمة " دستور" معرّبة من أصل كلمة فارسية هي بضم الدال (دُستور) وهي مركّبة من "دست" و "ور"، الأول تعني " يد" والثانية " صاحب"، وهكذا يستند المعنى إلى قاعدة يتم الرجوع إليها كدفتر لأسماء الجند وقوانين الدولة.
   يقول العالم اللغوي العراقي الكبير مصطفى جواد في " المعجم المستدرك" إن الدستور (بضم الدال) ... تعني " الوزير الكبير"، الذي يُرجع إليه في الأصول وأصله "الدفتر" الذي يجمع قوانين الملك وضوابطه، وهو ما يدفع الدكتور منذر الشاوي وتأسيساً على تفسير " الألفاظ الدخيلة" لطوبيا العنيسي للقول أن الدستور يعني : مجموعة القواعد أو السنن أو القوانين التي تتعلق بتنظيم ممارسة السلطة في الدولة"
أما مصطلح القانون الدستوري فهو الآخر حديث في العالم العربي، على الرغم من استخداماته القديمة في الغرب، حيث تقرر تدريس مادة القانون الدستوري في العام 1834 في كلية الحقوق بباريس، وتعزز بقيام امبراطورية لويس بونابرت العام 1852 واستقر في الجمهورية الثالثة العام 1875 
ولذلك فهناك علاقة عضوية بين الدستور الذي يعتبر " أبو القوانين" والمقياس الذي تقاس به دستورية  القوانين، باعتباره يمثل القاعدة العليا في الدولة، أي إن لقواعده طبيعة علوية وسمّواً على بقية القوانين، وبين الدولة، فالدستور هو الذي يحدّد طبيعة الدولة ونظامها السياسي وعلاقة الحكام بالمحكومين والفرد والمجتمع بالسلطة.
وفي الغالب الأعم تكون قواعد الدستور مكتوبة، وهذه القواعد تعلو على الحكام والأفراد معاً، لأنها ذات طبيعة علوية على القوانين والحكام أيضاً. ولا يمكن الحديث عن الدستور دون وجود دولة تنظم وترعى شؤون الفرد والمجتمع وسلطاته واختصاصاته التنفيذية والتشريعية والقضائية، تلك التي ينظمها الدستور.
وللأسف فإن تضخّم السلطة وصلاحيات الحكام في بعض المجتمعات يضعها ويضعهم فوق الدولة، خصوصاً إذا استمرت أو استمروا لسنوات طويلة وبغياب التداولية والتعددية في الحكم، مما يجعل السلطة التنفيذية تتغوّل على بقية السلطات وتعتبرها ملحقاً لها، بما فيها مؤسسات المجتمع المدني التي تتعرض إلى القضم وربما للابتلاع أو التشويه.
إن وجود دستور يضع قواعد وأسس صحيحة لتنظيم العلاقة بين الفرد والسلطة وبين السلطات في الدولة ويحدد إطار الحريات ووسائل الرقابة والمساءلة وسيادة القانون والمساواة، مسألة في غاية الأهمية، خصوصاً عندما تقترن بقضاء مستقل يستطيع أن يؤدي دوره الإيجابي في تحقيق العدالة، ومنع التجاوز والتسلّط، وبذلك تكون تلك الدولة أقرب إلى الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان.
من هذا المنطلق تأتي معركة الدستور في العالم العربي، خصوصاً بعد تغوّل السلطة التنفيذية على بقية السلطات وتغييب دور الفرد وحرياته واعتماد التمييز في علاقة الدولة ببعض المجاميع والإثنيات والتكوينات، القومية أو الدينية أو السياسية أو الفكرية أو المذهبية بما فيها دور المرأة وعلاقة الدين بالدولة وغيرها.
يقول الفقيه الدستور المصري يحيى الجمل: الدستور بصفة عامة هو القانون الأساسي في أية دولة يعبّر عن إرادتها وينظم علاقة السلطات ببعضها وعلاقتها بالمواطنين الذين ينظم حقوقهم وواجباتهم. جدير بالذكر أن مصطلح الدستور مأخوذ من الكلمة اللاتينية Constitution التي تعني "تأسيس"  وبهذا المعنى استخدمها فلاسفة الإغريق والرومان وكانوا يقصدون بالدستور: تنظيم البناء السياسي للمجتمع السائد، ثم تطوّر هذا حتى أخذ معناه الاصطلاحي  .
ويحدد الدستور عادة طبيعة نظام الحكم: ملكي، جمهوري، رئاسي، برلماني، ...الخ وهو المرجع الأساسي لتحديد دستورية القوانين. وفي البلدان المتطورة نجد محاكم دستورية مستقلة عن سلطات الدولة، مهمتها حماية الدستور والافتاء أو البت بشرعية القوانين التي يسنّها البرلمان (السلطة التشريعية) ودستورية ممارسة الحكومة (السلطة التنفيذية) والمحاكم (السلطة القضائية)، ولهذا تحرص الدولة كثيراً لوضع ضوابط أو قيود معينة لمنع إجراء تغييرات جذرية على الدستور منها إجراء استفتاء شعبي أو أغلبية الثلثين أو غير ذلك.
ولعلّ جدلاً قد ثار على نحو عاصف بُعيد الثورة التونسية وما يزال مستمراً ولم ينقطع، وخصوصاً عند مناقشات مسودّات الدستور، فيما يتعلق بعلاقة الدين بالدولة وحقوق المرأة، وهل نحن إزاء دولة دينية وما هو الموقف من الحقوق والحريات الشخصية، وعلى الرغم من تطمينيات حزب النهضة وقائده راشد الغنوشي الاّ أن المخاوف لا تزال مستمرة وينعكس ذلك ببعض التصرفات من جانب أوساط دينية متطرفة سواءً كانت باسم السلفيين أو غيرهم   كما ثارت عاصفة صاخبة وانقسم الشارع المصري على نحو لم يعرف له مثيل منذ ثورة 25 يتاير 2011 ولحد الآن بسبب الاعلانات الدستورية ، ففي 13 فبراير(شباط) 2011 صدر أول إعلان دستوري ما بعد حكم الرئيس حسني مبارك الذي حكم البلاد بدستور العام 1971 ومن العام 1981 ولغاية العام 2011، امتداداً لحكم الرئيس محمد أنور السادات، الذي حكم مصر بعد وفاة عبد الناصر ومن العام 1970 لغاية مقتله العام 1981.
أما الإعلان الدستوري الثاني فهو إعلان 30 مارس (آذار) العام 2011 والذي منح المجلس العسكري صلاحيات تشريعية لغاية إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية. وقد انتهت هذه الفترة بإصدار الاعلان الدستوري في 11 أغسطس(آب) 2012، وذلك بعد نقل سلطات المجلس العسكري إلى رئاسة الجمهورية بعد انتخاب الرئيس الدكتور محمد مرسي في 30 يونيو (حزيران) 2012.
أما الاعلان الدستوري الجديد 21 نوفمبر (تشرين الثاني) 2012 فهو الاعلان الدستوري الرابع منذ ثورة 25 يناير ولغاية الآن. وقد أعطى هذا الإعلان لرئيس الجمهورية سلطات واسعة، وهي قريبة من تلك السلطات التي تضمنتها الدساتير والاعلانات الدستورية السابقة جميعها، سواءً دستور العام 1923 أو الاعلانات الدستورية ما بعد ثورة يوليو (تموز) 1952 بما فيها دستور الوحدة بين مصر وسوريا في العام 1958 وقيام الجمهورية العربية المتحدة أو دستور العام 1954 الذي  لم ير النور، وكان قد وضعه الفقيه الدستوري عبد الرزاق السنهوري، والذي تم العثور عليه في القمامة وكتب صلاح عيسى كتاباً في العام 2001 بعنوان " دستور في صندوق القمامة"، ولا في دستور العام 1971.
وإذا كان الدستور يعتبر أبو القوانين وهو القاعدة العلوية الأسمى على بقية القوانين والقواعد القانونية، فذلك لأنه ينظم عمل سلطات الدولة واختصاصاتها وقواعد الحكم فيها والضمانات الأساسية لحقوق الأفراد .
ولعلّ مبعث ارتفاع رصيد الدستور كان قد ترافق مع صعود الدولة الحديثة وانتشار الأفكار الليبرالية، ويمكن اعتبار أواخر القرن الثامن عشر تاريخاً مقارباً لفكرة الدستور، لاسيما بعد الثورتين الأمريكية 1776 والفرنسية 1789، وقيامهما على المبادئ الجمهورية، تلك التي تتطلب وجود دستور ينظم علاقة السلطات بين بعضها البعض وينظم علاقة الدولة بالأفراد وحقوقهم، أي العلاقة بين الحاكم والمحكوم، ولم تعد الدولة خاضعة لمزاج الأباطرة، بل تحوّلت إلى مؤسسة مستقرّة، خاضعة لتنظيم واضح ومعروف ومستندة إلى تشريعات مقنّنة وفي مقدمتها الدستور .
وإذا كان الدستور هو نتاج الدولة الليبرالية، لاسيّما بعد مجموعة من التغييرات والتطوّرات الديمقراطية، على الصعيد السياسي والاقتصادي والاجتماعي، فهل هناك جدلية متلازمة بين الديمقراطية والدستور أم ثمة مبالغة، بل مجانبة للحقيقة في الكثير من الأحيان، فالعديد من الدول الدكتاتورية كانت تمتلك دساتيراً، مثلما هي دولة هتلر النازية ودولة موسوليني الفاشية والدولة الاستبدادية الشمولية الاشتراكية والكثير من دول التحرر الوطني وأنظمة العالم الثالث السلطوية المتعسفة.
لعلّ الصراع حاداً وعنيفاً أحياناً حول النصوص الدستورية، لاسيما في هذه الأيام وهو ما عكسته معركة المعارضة مع السلطة المصرية في الميادين والشوارع والمؤسسات القانونية والمدنية والدوائر الحزبية والنقابية، خصوصاً بعد إصدار الرئيس محمد مرسي الاعلان الدستوري في 21 تشرين الثاني (نوفمبر) 2012 ومن ثم الاستفتاء عليه، مع أن الدساتير لم تستطع الحيلولة دون انتهاك حقوق الأفراد والجماعات وفرض أنظمة حكم قمعية، كما أن الكثير من البلدان العربية التي عرفت دساتيراً بعضها متطور قياساً بزمانه وتجارب ديمقراطية جنينية محدودة مثل مصر قبل ثورة 23 يوليو (تموز) 1952 والعراق قبل ثورة 14 يوليو (تموز) 1958 وسوريا قبل الوحدة السورية – المصرية العام 1958، عاشت في حالات طوارئ وقوانين استثنائية وأحكام عرفية وشحّ للحريات العامة والخاصة، في ظل أنماط من الدول تتغوّل فيها على حياة المواطنين.
ومع أن الدساتير لم تستطع حماية حقوق المواطنين في هذه البلدان، بل ساهم بعضها في إقرار مبدأ التوريث بتعديلات دستورية، كما حصل في سوريا وكاد أن يحصل في مصر واليمن وليبيا والعراق وغيرها، لكن ارتفاع رصيد الوعي القانوني والحقوقي وتعاظم دور الرأي العام الداخلي والدولي، وصعود قاعدة حقوق الانسان باعتبارها فكرة علوية سامية وقاعدة آمرة من قواعد القانون الدولي Jus Cogens واجبة الأداء في الحال والمستقبل، هو ما يعطي اليوم لمعركة الدستور أهمية كبرى.
الديمقراطية هي ثمرة تطور دولي اقترن بعدد من القيم الأساسية التي كوّنت قواعد سياسية واجتماعية وأخلاقية، وتقوم الديمقراطية على الحرية والمساواة والعدل والمشاركة، وبالطبع جاء تطور الفكرة الديمقراطية رداً على نظرية الحق الإلهي باعتماد السيادة للشعب التي يمنحها للحاكم وفقاً لعقد اجتماعي.
ويرى هوبز أن حالة الإنسان الطبيعية كانت دائماً حياة حرب وصراع وتسيطر عليها اللذة والألم وقد اتفق الأفراد فيما بينهم على العيش تحت أمرة سلطة واحدة صوناً لمصالحهم التي يتنازلون عنها لتقوم هذه السلطة للتوفيق بينها. وعليه فإن جميع الأفراد ما عدا شخص واحد يتفقون على التنازل عن حقوقهم لسلطة آمرة في الجماعة وهي سلطة الملك المطلقة من دون أي قيد، باستثناء التصرف في حياة الرعايا.
أما جون لوك فهو يرى أن الأفراد كانوا عند الفطرة أحراراً متساويين وفقاً للقانون الطبيعي، فقرروا حفاظاً على حرياتهم وحقوقهم ولتنظيم حياتهم خضوعهم لحاكم عادل وذلك عن طريق العقد الاجتماعي. فالملك في هذه الحالة طرفاً في العقد، بحيث إذا أخلّ بشروطه ولم يحافظ على حقوق المتعاقدين انفسخ العقد، أي أن السلطة وديعة يؤتمن عليها ويمكن استعادتها منه من جانب الأفراد ليفوضوها لحاكم جديد يقوم بممارستها نيابة عنهم. وبهذا المعنى فإن الشعب هو صاحب السيادة حيث يمكن عزل الحاكم، ولذلك يعتبر لوك داعية للملكية المقيّدة وغير المطلقة.
وذهب جان جاك روسو إلى مبدأ السيادة الشعبية في إطار عقد اجتماعي، وإن تنازل الأفراد عن حقوقهم لا يخسرهم شيء، فما يخسرونه كأفراد يستردونه كأعضاء في المجتمع والشعب هو مصدر السيادة ومالكها، وهذه لا تقبل التنازل  .
كيف يكتب الدستور؟
لعلّ التطورات والتغييرات التي حصلت في العالم العربي تستعيد كيفية كتابة الدستور أو ما يسمى أحياناً صناعة الدستور أو صياغة الدستور،   علماً بأن عملاً من هذا العيار الثقيل يتطلّب توافقاً وطنياً بين المجموعات الثقافية الوطنية والدينية والإثنية، وبين الفئات الاجتماعية المختلفة وأن يحظى بدعم شعبي، وهو ما درجت عليه الدولة العصرية، ويتطلّب الأمر مشاركة قانونية واسعة، ولا سيّما في الصياغة، بما يتطلبه العمل من جودة فنية وتقنيّة، علماً بأنه لا توجد صيغة مانعة جامعة، تشكّل مسطرة يمكن القياس بها أو عليها، لكن هناك بعض المبادئ والقواعد المهمة للاستفادة منها، فضلاً عن دراسة التجارب المختلفة وما آلت إليه على هذا الصعيد، سواء في كل بلد أو من بلدان أخرى، آخذين بنظر الاعتبار الطبيعة السياسية والاجتماعية والثقافية، والأطراف المشاركة والطابع المؤسسي والحقوقي، خصوصاً لجهة القرب من المبادئ الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان.
ويتطلّب الأمر أيضاً إضافة إلى دور القانونيين والحقوقيين، مشاركة علماء اجتماع واقتصاديين ولغويين، فضلاً عن ممثلين عن القوى السياسية والاجتماعية ومنظمات المجتمع المدني والهيئات غير الحكومية.
ومنذ العام 1989 ازدهرت عمليات بناء الدساتير وهناك نماذج مهمة، ففي أمريكا الجنوبية بدأت البرازيل ببناء دستور جديد العام 1988 تبعتها كولومبيا العام 1991 والأرجنتين العام 1994 وبيرو العام 1993. وكانت تشيلي قد بدأت بكتابة دستورها العام 1989 وأعقبته بتعديلات مهمة في التسعينيات. ثم الأكوادور العام 2008 وبوليفيا العام 2009.
وشهدت أفريقيا بناء دساتير جديدة في 23 دولة من مجموع 52 خصوصاً بعد صراعات داخلية في التسعينيات ترافق ذلك مع دساتير جديدة لدول أوروبا الشرقية في بولونيا والمجر وتشيكوسلوفاكيا ثم (التشيك والسلوفاك كجمهوريتين مستقلتين منذ العام 1993) ويوغسلافيا بأجزائها  الستة لاحقاً واندمجت ألمانيا الديمقراطية بجمهورية ألمانيا الإتحادية بعد انهيار جدار برلين العام 1989 والاتحاد السوفيتي السابق الذي تشظى إلى 15 دولة وكياناً وبلغاريا وألبانيا وغيرها التي شهدت دساتير جديدة.
أما في آسيا فقد عملت على بناء دساتير جديدة منذ أواخر التسعينيات (أندونيسيا في 1999-2002) والباكستان العام 2010 والنيبال منذ العام 2006 وأفغانستان العام 2004 ومنغوليا العام 1992 وتايلند في الأعوام 1991 و 1997 و2006-2007 ومنمار 2008 وفيجي 1997.
ولا شكّ إن مرحلة الإزدهار الدستوري انعكست على دول عربية غير قليلة، فبعد احتلال العراق في 9 نيسان (ابريل) العام 2003 والإطاحة بالنظام السابق، بدأت مرحلة الدستور حيث تم سنّ " قانون إدارة الدولة للمرحلة الإنتقالية" في 8 آذار (مارس) العام 2004 الذي حدد الفترة الانتقالية من 30 حزيران (يونيو) 2004 حتى تشكيل حكومة عراقية منتخبة بموجب دستور دائم، وذلك في موعد أقصاه 31 كانون الأول (ديسمبر) 2005. ثم بدأت مرحلة الدستور الدائم في العام 2005 حيث حدد يوم 15 آب (أغسطس) موعداً أقصى للانتهاء من كتابة الدستور، وبعدها تم الاستفتاء عليه في 15 تشرين الأول (اكتوبر) من نفس العام وأجريت الانتخابات على أساسه في 15 كانون الأول (ديسمبر) من العام ذاته.
وعلى الرغم من الملاحظات الكثيرة والألغام العديدة التي تضمنها الدستور العراقي، وهي أقرب إلى القنابل غير الموقوتة التي قد تنفجر في أية لحظة، لكنه من الناحية النظرية على أقل تقدير، ولا سيّما في باب الحقوق والحريات، كان متقدّماً على الدساتير العراقية التي سبقته، حتى وإن كان بعضها معطلاً  ، الأمر الذي يتطلب تفعيله من جهة، ومن جهة أخرى إزالة الألغام التي تكتنفه، إن لم يقتضِ الأمر استبداله بالكامل.
وبعد التغييرات التي حصلت في تونس ومصر وليبيا واليمن وما ينتظر أن يحدث في سوريا، فإن النقاش يجري حول السبل المناسبة لصياغة دستور جديد بعد عدد من الاعلانات الدستورية المؤقتة، وهذه مصدر تجاذب كبير، بين القوى والتيارات المختلفة.
وإذا كانت الدساتير في الماضي تقوم على العرف حتى القرن الثامن عشر  فإن الدساتير الأوروبية منذ الثورة الفرنسية بدأت تميل إلى تقييد سلطة الحكام بما يتلاءم مع الدساتير المكتوبة وليست العرفية، وهكذا نشأت حركة التدوين الدستوري، واعتبر الدستور علوياً ومكتوباً وإلى حد ما أقرب إلى الجمود أي أنه لا يمكن تعديله الاّ بعد إجراءات محددة لضمان عدم تلاعب الحكام به.
كان يمكن كتابة الدستور سابقاً من قبل فرد تعود له السلطة السياسية مثلما هي الأنظمة الملكية الوراثية، أو من لجنة مؤلفة من عدد من الأفراد، وهو ما اتبعته الثورات والانقلابات العسكرية، وغالباً كانت دساتير هذه المراحل مؤقتة وفي أوضاع استثنائية وهي طرق لا ديمقراطية في إقامة الدستور . أما في الوقت الحاضر فإن اسباغ الشرعية يتطلب استفتاء الشعب، علماً بأن إقامة الدستور يمكن أن يكون من قبل مجلس منتخب من الشعب (الجمعية التأسيسية)، ولكن ينبغي أن يأخذ بنظر الاعتبار التوافق الوطني ، وتلك الطريقة التي تسمى بالطريقة الديمقراطية لإقامة الدستور، لا سيّما من جانب مجلس منتخب، وهي الوسيلة التي استخدمتها معظم دول العالم بما فيها دول الربيع العربي إثر التغييرات التي حصلت فيها .
يمكن الإقرار أن الدستور هو عملية متنوّعة ومتعددة الجوانب، سياسياً وقانونياً واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً، ولعلّ هدفاً مركزياً يريد الجميع الوصول إليه وهو يتعلق باستحداث هيكليات جديدة أوتطوير الهيكليات الموجودة أصلاً لتطوير وإضافة قيمة طويلة الأمد للحكم والنظام السياسي، عن طريق تعزيز التوافق وتقليص إمكانية انفراد فرد أو مجموعة صغيرة بالمجموع مع حماية التنوّع الثقافي الديني والحقوقي للأطراف جميعاً من خلال عقد اجتماعي جديد ثم بعد التغييرات السياسية، وذلك بما يحقق استدامة نتائج عملية بناء الدستور .
وقد ساهمت الأمم المتحدة في تحقيق التوصل إلى تفاهمات لبناء الدستور في العديد من البلدان، من خلال التفاوض المباشر وتقريب وجهات نظر الفرقاء وتقديم صياغات مقبولة لجميع الأطراف، خصوصاً في المسائل العقدية والأسئلة الشائكة والمثيرة للخلاف.
أما محتويات الدستور وطبيعته فهي تتعلق بكل بلد وإن كان ثمة مشتركات بينها سواءً كان البلد دولة بسيطة غير مركبة أو اتحادياً فيدرالياً، لكن لا بد من تحديد اسم الدولة وحدودها وعلمها والجنسية وشروطها والمواطنة وحقوقها وواجباتها والحقوق والحريات بشكل عام وأجهزة الدولة وسلطاتها القضائية والتشريعية والتنفيذية (الحكومة) والعلاقة بين الدولة والدين وبين المدني والعسكري، الأمر الذي يتعلق بالمأسسة، إضافة إلى كيفية حماية الدستور وموقع الدستور وعلاقته بالقانون الدولي.
أما مقوّمات الدستور الديمقراطي فيمكن تلمّسها من مقارباته لعدد من المبادئ المهمة منها: التداول السلمي للسلطة والفصل بين السلطات وتأكيد الحقوق والحريات، بما ينسجم مع المعايير الدولية، وتأكيد استقلالية السلطة القضائية واعتبار الشعب مصدر السلطات، وسمو القواعد الدستورية على بقية القواعد القانونية، أي تأكيد علوية الدستور ومبادئ المساواة وعدم التمييز، وليس ذلك فحسب، بل هناك من يضع حرّية التعبير عن الرأي والوصول للمعلومات وضمان دور وسائل الاعلام المستقلة ووضع الجيش تحت قيادات مدنية ومنح مؤسسات المجتمع المدني دوراً في الرقابة والرصد وتأكيد دور الرأي العام، إضافة إلى إقرار التعدّدية وحق الاعتقاد وحق التنظيم السياسي والنقابي والحق في المشاركة.
ومثلما يفترض إقامة الدساتير في نشأتها بأساليب ديمقراطية أو غير ديمقراطية، فالأمر يتعلّق أيضاً بنهاياتها، سواءً بطريقة اعتيادية عبر إلغائها، لا سيّما بتبدّل  الظروف والأحوال الأمر الذي يتطلب وقف العمل بالدستور أو ببعض أحكامه بالتوافق ودون اللجوء إلى حسم المسألة بالعنف، ووضع دستور جديد يتلاءم مع المتغيّرات. وفي الأنظمة الديمقراطية يتم ذلك بواسطة جمعية تأسيسية تنتخب لهذا الغرض أو عن طريق استفتاء دستوري.
أما في الأنظمة غير الديمقراطية، فإن وضع دستور جديد يتم عن طريق الحاكم بواسطة المنحة أو بواسطة عقد بين الحاكم والمحكوم. وهناك اسلوب غير عادي لتغيير الدستور، وذلك بإسقاطه بأسلوب "ثوري" ووقف العمل به وإلغائه، أي دون اللجوء إلى الطريق القانوني العادي، وإنما استخدام أساليب غير عادية لإلغائه عند وقوع الثورة أو الانقلاب العسكري  .

جديد الدستور المصري وقديمه: مقاربة عراقية!
ظلّت الأنظار تتطلّع إلى مصر بعد موجة التغيير التي شهدتها العديد من البلدان العربية، ابتداءً من تونس، وذلك لما تمثّله من ثقل وتأثير كبيرين على الصعيد العربي والإقليمي والدولي، ناهيكم عن دورها الحضاري والثقافي الإبداعي، لا سيّما وهي تمتلك طاقات بشرية وقدرات علمية كبيرة، فضلاً عن موقعها الجيوبوليتيكي ومساحتها وعدد سكانها.
ولهذا كان ولا يزال العالم العربي وغيره مشدوداً إلى مصر ومستقبلها، خصوصاً في ظلّ الصراع القائم بين الإسلاميين (الأخوان المسلمون والسلفيون وغيرهم) الذين فازوا بالأغلبية في البرلمان، وبين العلمانيين (اليساريون والديمقراطيون والليبراليون وغيرهم) حيث كان للطرفين أحلاماً سياسية "مؤتلفة"، بالتخلص من النظام السابق، وأخرى مختلفة في مشروعين فكريين متعارضين.
بعد نجاح ثورة 25 يناير، كان الفريق الأول "الإسلامي" يسعى لق

83
المنبر الحر / ليس للحب من وطن
« في: 21:54 26/03/2014  »
ليس للحب من وطن


عبد الحسين شعبان
المرأة هي المحكّ دائماً، وهي تشكل جوهر الحقوق ومحتواها الإنساني الأكثر حساسية، وفي مجتمع مثل المجتمع العراقي عانى من الاستبداد والحروب والحصار والاحتلال، ما يزيد عن أربعة عقود من الزمان، فإن الكثير من التصدّع قد أصابه، فضلاً عن انقطاع خط التطور التدريجي التراكمي، وكانت المرأة الأكثر تأثراً فيما حصل، وإذا كان هناك ضحايا كثيرون، فالمرأة هي الأكثر بينهم، إضافة إلى أنها الأكثر أمّية وبطالة وفقراً ومرضاً وهمّاً.
لقد عانى مجتمعنا بسبب عوامل اجتماعية واقتصادية وسياسية وثقافية، فضلاً عن العادات والتقاليد والموروث من ازدواجية شخصية واجتماعية في التعامل مع المرأة، بمن فيهم بعض مدّعي التقدمية والمدنية، فإذا ما تعلّق الأمر بنسائهم عادوا رجعيين متخلفين، يتعاملون معهن أحياناً مثل الحريم في المخادع السلطانية، من خلف الأبواب والحواجز، مما يكشف النظرة الدونية العميقة إلى المرأة، ويفضح حقيقة هؤلاء الرجال الذين يعيشون بعقلية ذكورية بادعاء التفوق والسيادة، مهما رفعوا من شعارات ، فما بالك حين يعلن خصومهم أو فرقائهم  جهاراً نهاراً أنهم مع قانون للطوائف، غير مبالين فيما إذا كان سيُسهم في تفتيت “الهوّية الوطنية” العراقية، خصوصاً بتعريض وحدة التشريع العراقي لخطر التقسيم، الأمر الذي يؤدي إلى تمييز فاضح في الحقوق بسبب هذا الاختلاف، في حين تقضي قوانين العالم أجمع “وحدانية التشريع″، والكل متساوون أمام القانون، وتلكم أولى المبادئ الأساسية لحقوق الإنسان.
العقلية الذكورية مهما ارتدت ثياباً باسم الاشتراكية أو القومية أو الدين أو أية أردية  أخرى اجتماعية أو عشائرية أو غير ذلك، تحاول النيل من خصوصية المرأة، خصوصاً إذا كان الأمر يتعلق بالمشاعر والحقوق مثل الحب والعشق والزواج والطلاق والعلاقات الإنسانية، علماً بأن هذه الأمور مسائل شخصية وخاصة، لا ينبغي التدخل فيها أو التجاوز عليها، فلها حرمة مثل المنازل والمراسلات والبرق والبريد والهاتف والفاكس والإيميل والفيسبوك والتويتر وغيرها.
ولعلّ حرمة القلوب والمشاعر والعواطف الإنسانية، والحق في الصداقة، هي الأهم والأكثر حساسية، وكم كانت بعض التدخلات الحكومية أو الحزبية أو الطائفية أو القومية صارخة بخصوصها؟ وكم من الزيجات قد فشلت أو الصداقات قد انتهت، لأنها انعقدت لأسباب مصلحية، سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية؟ وكم تركت تلك التصرفات من لوعات وعذابات، بسبب حرمان من حبيبة أو معشوقة أو فارس أحلام أو زوج أو حبيب، بحجة مصلحة العائلة  أو العشيرة أو الحزب أو الدولة أو الفئة الدينية أو الفصــــيلة الطائفية أو الانحدار الاثني أو غير ذلك؟
ويحضرني بمناسبة عيد المرأة حادث أليم ومؤثر هو أن شابة عراقية أحبّت شاباً كوبياً، وأرادا الزواج، فامتنعت السفارة العراقية الاعتراف بزواجهما، كما امتنعت السفارة الكوبية من تسجيل زواجهما، وامتثلت السلطة السوفييتية آنذاك من قبول هذا الزواج، لأنها كانت تأخذ تعليمات البلدان الأصلية بنظر الاعتبار، ولم يحلّ مشكلتهما سوى قرار ” ثوري ” حين صادف زيارة فيديل كاسترو لموسكو، حيث تمكن الشابان من تسليمه مذكرة تشرح حالهما، فكتب عليها العبارة التالية ” ليس للحب من وطن”، وكانت هذه العبارة بمثابة جواز مرور لهما لدى السلطات السوفييتية ولدى السفارة الكوبية، حيث كان لهما ما أرادا.
إن قلب الإنسان هو الذي يقاوم الزمن مثلما يقاوم كل أنواع القوانين التي تحرمه ممن يحب، فبدون الحب تزحف الصحراء على الروح ويتعطّل العقل ويتعفّن الفكر ويصاب الإنسان بالجدب. الحب هو الحالة المباركة الأبدية، وهو ضد الروتين والاستكانة، وضد اليومي والساكن والرتيب، وبدون نوره يحلّ الظلام والزمهرير، حتى إن العالم بدون المرأة يبدو موحشاً ويابساً وبارداً، فهي من يضفي عليه الدفء والأنسنة، وقد تبدو الحياة بلا معنى دون حضور المرأة، التي هي وحدها التي تخلق التوازن وتمنع الروح من الانهيار.
الحب تعويض عن جميع الحرمانات، ومكافأة على جميع العذابات، وقد يكون هنري كيسنجر هو من قال ذات مرّة: السلطة عنصر تهييج للشبق، بمعنى إن السلطة شبقية، متجسّدة في ذكورية تعويضية استبدالاً عن واقع الحب.
الحب هو نقيض التسلّط، ولعلّ هذا ما دفع روائي كبير مثل غاربيل غارسيا ماركيز الحائز على جائزة نوبل العام 1982 للقول في رواية ” خريف البطريك”: السلطة تعويض عن الحب، وبالمناسبة، فرواية خريف البطريك هي أقرب إلى قصيدة نثرية طويلة، كتبها ماركيز بلغة موسيقية عالية وبلغة شعرية جذّابة، وهي من أهم أعماله، ويفضّلها شخصياً على سواها من رواياته، على الرغم من أنها جميعها أبناءه كما يقال!
الحديث عن الحب والمرأة وحقوقها يأتي بمناسبة الثامن من آذار (مارس)، وهو يوم المرأة العالمي، الذي تقرر في كوبنهاغن العام 1910، وكانت خيرة النساء آنذاك يحضرن المؤتمر مثل كلارا زيتكن وروزا لوكسمبرغ وكروبسكايا وغيرهن، وساهم لينين في المؤتمر من وراء الكواليس، حين كان يحتسي أقداح الشاي، في مقهى قريب ويجري تعديلات وإضافات ويكتب ملاحظات على النصوص ويقدّم مقترحات، ليصدر أول قرار باعتبار 8 آذار (مارس) عيد المرأة العالمي، وهو مناسبة للاحتفال والدفاع عن حقوق المرأة، الأمر الذي تحقّق بعد ثورة اكتوبر الاشتراكية العام 1917، حيث تم إقرار ذلك رسمياً، وهو ما أخذ به العالم.
وعلى الرغم من احتفال الكثير من البلدان بيوم المرأة العالمي، الذي يعتبر عطلة رسمية في الكثير منها، الاّ أن حقوقها ظلّت مثار سوء الاستخدام والتعامل المزدوج في السابق والحاضر، وظلّت الكثير من القوانين الخاصة بالمرأة كالأحوال الشخصية قاصرة وبعيدة عن مبدأ المساواة، ناهيكم عن التمييز، وإذا كان هذا الأمر على الصعيد القانوني، فإنه أكثر بؤساً على الصعيد العملي.
مناسبة أخرى دفعتني أيضاً للكتابة عن هذا الموضوع، وهي تحمل أكثر من مفارقة، حيث اكتمل المشروع الموسوم ” نحو إلغاء التمييز ضد المرأة في العراق” والذي استمر لنحو 9 أشهر ونفّذه المركز العربي لتطوير حكم القانون والنزاهة، وهو مركز متخصص ومهني، وله خبرة كبيرة في هذا الميدان، وذلك بالتعاون مع جمعية الأمل العراقية، وكان المشروع يسعى إلى تفعيل دور منظمات المجتمع المدني المهتمة بقضايا المرأة وتمكينها بهدف إلغاء ” التمييز بين الجنسين” في التشريعات العراقية، من خلال المطالبة بالحقوق ومواجهة الانتهاكات القانونية والعمل للتأثير على صانعي القرار والسياسات في العراق.
واختتم المشروع أعماله بحضور مكثف تضمن مناقشة دراسة عن ” اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة” (سيداو) والمرأة والتشريعات العراقية، التي قام بإعدادها القاضي هادي عزيز علي، وقام المركز بالاشراف عليها وتدقيقها.
والمفارقة الثانية هي إقرار قانون الأحوال الشخصية الجعفرية الذي قدّمه وزير العدل إلى رئاسة الوزراء التي أقرته وأرسلته إلى البرلمان، الأمر أغضب الكثير من الأوساط العراقية التي كانت ترى في القانون رقم 188 لعام 1959 صيغة مناسبة للأحوال الشخصية، على الرغم من التعديلات الكثيرة منذ العام 1963، والتي أضعفت من محتواه والهدف منه فضلاً عن محاولات إلغائه بعد الاحتلال، وخلال فترة مجلس الحكم الانتقالي بصدور القانون 137، لكن الحاكم المدني الأمريكي للعراق بول بريمر رفض التصديق على ذلك، وهي مفارقة أخرى، لكنها مؤلمة تماماً.  وثمة مفارقة ثالثة لا تخلو من الميلو دراما تتعلق بتأييد الكثير من النسوة لقانون الأحوال الشخصية الجعفرية، بل تظاهرهن، لدعمه سواءً انطلقن من عقيدة إيمانية مذهبية أو بسبب هيمنة التوجهات الدينية والطائفية السياسية وانتشار ظاهرة الزواج خارج القضاء، ولاسيّما للقاصرات، في حين إن مناهضات القانون من النساء كنّ ” أقلية ” بسبب الاصطفافات في الوضع السياسي العراقي وتدنّي الوعي الحقوقي.
وبغض النظر عن التنديد والتأييد فمشروع القانون الجديد يتنافى مع اتفاقية منع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو) التي وقع عليها العراق في 13/8/1986، لدرجة أن وزيرة المرأة إبتهال الزيدي قدّمت اعتراضاً قانونياً على مشروع القانون، وحاولت مناشدة ما أسمته “المرجعية الدينية” لحماية المرأة والأسرة العراقية من التصدّع بسبب تعدد القوانين وتعارضها، كما عارضه عدد غير قليل من المنظمات النسوية ومنظمات حقوق الإنسان العراقية والعربية والدولية. وقد عرضت منظمة هيومان رايتس ووتش (منظمة مراقبة حقوق الإنسان) يوم 11 آذار (مارس) 2014 في البرلمان البريطاني، حالات اعتقال وتعذيب واغتصاب ضد العديد من النساء في إطار حملة ترافقت مع رفض مشروع القانون الجديد.
ولعلّ صدور مثل هذا القانون سيوسّع حالات السماح بتعدّد الزوجات، ولاسيّما زواج الفتيات دون سن التاسعة والذكور دون سن الخامسة عشر، في حين كان القانون السابق يحدد الزواج بالنسبة للفتاة ببلوغ سن الـ 18 سنة، ويمنح القانون الجديد الرجال الحق في منع زوجاتهم من الخروج من البيت إلاّ بإذن منهم، ويقيّد حقوق المرأة فيما يخصّ الطلاق والميراث والتبنّي وغير ذلك.
إن علاقات من هذا النوع ستقترب من اعتبار المرأة “متاعاً” أو “سلعة” أو “صفقة” يتم الاتفاق بشأنها، ومثل هذا الأمر سيكون بعيداً عن الحب والمساواة والعدل، الجوهر الحقيقي لأية حياة إنسانية مشتركة!
{باحث ومفكر عربي


84
عامر عبدالله – النار ومرارة الأمل


بغداد- بيروت/خاص- المحرر الثقافي

عن دار ميزوبوتاميا صدر للكاتب والحقوقي العراقي الدكتور عبد الحسين شعبان، كتاب جديد عن أحد أبرز الشخصيات الفكرية العربية الماركسية وحمل العكتاب عنوان " عامر عبدالله – النار ومرارة الأمل" مع عنوان فرعي مثير وله دلالة خاصة والموسوم " فصل ساخن من فصول الحركة الشيوعية" .
يتألف الكتاب من 342 صفحة القطع الكبير وضم عدداً من الوثائق، التي تنشر لأول مرة، كما كشف من خلال حوارات ومساجلات أجرى الكاتب مع عامر عبدالله عن خفايا وخبايا وأسرار، لا تهمّ الشيوعيين وحدهم، بل تهم مجموع الحركة الوطنية التحررية في العراق والعالم العربي بشكل عام، وعلى النطاق العالمي، لما كان للراحل عامر عبدالله من علاقات متميّزة مع عدد من قادة الدول الاشتراكية وحركات التحرر الوطني.
الكتاب مساهمة جديدة لتسليط الضوء على واقع الحركة الشيوعية في الماضي والحاضر بما فيها ما حصل لديها من التباسات، خلال العقود الثلاثة الماضية.

85
السلفادور وثورة صندوق الإقتراع

عبد الحسين شعبان
في الوقت الذي كنت أتابع نتائج الانتخابات في السلفادور بكل شغف ورغبة في المعرفة، تلقيت رسالة تهنئة باختياري عضواً في مجلس أمناء العلاقات العربية مع أمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي، ولعلّ علاقتي مع أمريكا اللاتينية، كنت قد ضمّنتها في كتابي الموسوم ” كوبا- الحلم الغامض” لاسيّما زيارة تشيلي للاطلاع على تجربته للعدالة الانتقالية، حيث قُتل فيها أكثر من ثلاثة آلاف إنسان خارج القضاء، وكان سجل الضحايا الذين تعرّضوا للتعذيب يربو على 38 ألفا، وكذلك زيارات إلى الأكوادور لحضور مؤتمر دولي، وأخرى إلى البرازيل، ثم إلى كوبا، وقد حاولت متابعة صعود اليسار في دول أمريكا اللاتينية مجدّداً، في حين وقفت حائراً أمام استمرار تراجعه وانكفائه عندنا.
وأتذكّر علاقات متميّزة مع أصدقاء كوبيين وآخرين من كولومبيا والبيرو وغيرها جمعتني بهم أيام الدراسة في أوربا، إضافة إلى عدد من الفاعليات والأنشطة في حينها في السبعينيات، خصوصاً التضامن مع تشيلي، وكم كنت مغتبطاً عند مطالبة السلطات الإسبانية (في أواخر التسعينيات) إلقاء القبض على بينوشيه وذلك خلال زيارته إلى لندن وهو قائد الانقلاب العسكري على الشرعية الدستورية بقيادة الرئيس سلفادور أليندي الذي أطيح به في العام 1973.
إن فوز اليسار السلفادوري ممثلاً بالرئيس شانسيز سيرين في الانتخابات الرئاسية في السلفادور هو فوز للمرّة الثانية، فقد سبق له أن أحرز النجاح في صندوق الاقتراع في انتخابات العام 2009، وقد جدّد له الشعب السلفادوري الذي يبلغ عدد نفوسه 6.2 نسمة الثقة بإعادة انتخابه. وكانت المرحلة الأولى للانتخابات قد أظهرت فوزه بفارق 10 بالمئة على خصمه نورمان كويخانو مرشح التحالف القومي المعارض والمعادي للشيوعية. وقد عانت السلفادور من حروب أهلية وأعمال عنف زادت على عقدين من السنين. لكنها توصلّت وإنْ بعد حين إلى قناعة، أن تحقيق أهداف اليسار لن تتم بالكفاح المسلح والعنف والعمل العسكري، بل يمكن أن تحصل عبر صندوق الاقتراع وإرادة الناخبين وبالسلم وقناعة الناس. هكذا تم استبدال الوسيلة من العنف وجعجعة السلاح إلى صوت الناخب وعقله وعبر خدمات تقدّم للشعب، في حين ظلّت العدالة الاجتماعية هدفاً لليسار يعلنه دون مواربة ويسعى لتحقيقه بالوسائل المختلفة.
ينتمي الرئيس الحالي سيرين إلى جبهة فارابوندو مارتي للتحرر الوطني، وهي جبهة يسارية سبق لها أن خاضت كفاحاً مسلحاً، وذلك تيمّناً بالتجربة الكوبية من جهة، ومن جهة ثانية تتعلق بالصراع آنذاك، لتحقيق الأهداف ضد الدكتاتورية السلفادورية المدعومة من واشنطن، حيث كان الكفاح المسلح في أمريكا اللاتينية أو الفيتنام أو فلسطين  أحد الأساليب السائدة آنذاك.
تولى سيرين منصب نائب للرئيس منذ العام 2009 بصفته ممثلاً للجبهة اليسارية التي حكمت السلفادور منذ ذلك التاريخ، حين فازت بالانتخابات، وكانت بدايات عمله السياسي في المنظمات الطلابية ضد سياسات الولايات المتحدة في الفيتنام وضد تدخلاتها في كوبا، إضافة إلى انخراطه في الكفاح من أجل تخليص السلفادور من الدكتاتورية.
قدّر لي أن ألتقي سلف الرئيس الحالي الزعيم الشيوعي السلفادوري الكبير شفيق جورج حنظل في العام 1981، وذلك بصفتي ممثلاً عن الحزب الشيوعي العراقي، وقد عرفت منه أنه يتحدّر من  أب ينتمي إلى المهاجرين الفلسطينيين من بيت لحم (توفي العام 2006)، وفي حينها أعجبت بقدرته للتعبير عن آرائه، فضلاً عن تكتيكات الحزب وقدرته على المرونة، فقد أخبرني أن الحزب ينتمي إلى ثلاث جبهات وطنية في آن واحد، الأولى التي ضمّت عدداً من المنظمات اليسارية ذات ميول ماركسية- لينينية حينها، والثانية جبهة تضم اليسار والوسط، والثالثة جبهة تضم جميع القوى المناهضة للدكتاتورية، مثلما هي “جبهة فارابوندومارتي للتحرّر الوطني” التي كانت الأكثر شهرة.
وأتذكّر أنني كتبت إلى المكتب السياسي عن هذه التجربة الفريدة التي قلت أنه يمكن الإفادة منها وليس استنساخها أو تقليدها تبعاً لاختلاف الظروف، خصوصاً فيما يتعلق بجبهتي “جوقد” (الجبهة الوطنية والقومية الديمقراطية) التي تأسست في سوريا (تشرين الثاني – 1981) “وجود” (الجبهة الوطنية الديمقراطية) التي تأسست في كردستان بعد أسبوعين من تأسيس جوقد، وهما الجبهتان اللتان انتمينا إليهما وأحدث ذلك ارتباكاً وتوتراً في علاقاتنا، وكان هدفي من الكتابة، هو التقريب وليس زيادة التباعد كما حصل حينها.
كانت جبهة فرابوندو مارتي تضم الجماعة الماركسية (الجبهة اليسارية) المتحالفة مع كوبا ونيكاراغوا والمكسيك في تحالف سياسي يساري وجبهة الوسط والجبهة العريضة، وبرز حينها اسم غونزاليس وهو الاسم المستعار لسيرين الذي أصبح قائداً عاماً للجبهة في العام 1984 واستمر حتى إنهاء الحرب الأهلية بتوقيع اتفاقية سلام في العام 1992، حيث تحوّلت الجبهة الى حزب سياسي وأسدل الستار على الكفاح المسلح، لاسيّما بتسليم جميع الأسلحة إلى الدولة، ودخلت الجبهة اللعبة البرلمانية الانتخابية، وفاز عدد من النواب بينهم سيرين منذ العام 2000، وبفوز الجبهة في العام 2009 أنهي حكم المحافظين السلفادوريين، وحلّ اليسار محلهم، وشكّلوا أول حكومة يسارية عبر صندوق الاقتراع.
ومن برنامج جبهة فرابوندو مارتي حالياً: كوب حليب يومياً للأطفال وزي مدرسي مجاني وأحذية مدرسية بالمجان، مثلما تعهدت الجبهة بمحاربة الجريمة وتعزيز جهاز الشرطة وتوفير فرص عمل ومحاربة الفقر، وإذ أتفحّص هذا البرنامج كم أبدي حسرة إزاء برامج لا لون لها ولا طعم ولا رائحة، ولاسيّما التي تصحبها خصومات مع قوى تكاد تكون متشابهة مع بعضها البعض عندنا.جدير بالذكر إن برنامج الجبهة حين كانت تخوض الكفاح المسلح وحسب لقائي مع حنظل كما أستعيده الآن، كان يعتمد على: إقامة نظام اشتراكي على أساس ديمقراطي ووفقاً لآيديولوجية الطبقة العاملة الماركسية- اللينينية، لكن اليسار السلفادوري اليوم أكثر واقعية بعد التخلص من ثقل السلاح والشعارات الكبيرة، فبدأ ببرامج بسيطة، لكنها كبيرة في معناها ومغزاها، فعسى أن تتنافس الكتل الانتخابية عندنا، المتصارعة على المقاعد الانتخابية لا على قيم السماء أو المدن الفاضلة أو الشعارات الرنانة، بل على رغيف الخبز والأمن والأمان وشيء من الحريات وتوفير فرص عمل وتعليم وتطبيب مجانيين وفرص للشباب ودور حقيقي للمرأة!!
إنه درس السلفادور المدهش، وهو درس لعدد من تجارب أمريكا اللاتينية الذي يحتاج إلى قراءة دقيقة ومعمّقة، ولاسيّما لجهة اصطفاف القوى والاستقطابات والتحالفات الجديدة وأساليب الكفاح، ثم لماذا نجح اليسار عندهم ولماذا فشل عندنا؟ حتى وإن كان الفشل عالمياً، لكن اليسار الاسكندنافي نجح في التعبير عن مطامح الناس، لذلك استمر في الحكم لعقود من السنين، وإن انحسر في السويد والدانيمارك وألمانيا مؤخراً!.
لاحظوا إن اليسار فاز في تشيلي وكذلك في فنزويلا وفي الأكوادور وفي بوليفيا وفي الباراغوي والبرازيل، ولعلّ تجربة نيكاراغوا مثيرة للجدل، فقد فاز دانيال أورتيغا قائد الكفاح المسلح سابقا، الذي وصل إلى السلطة بالقوة، ثم خسرها، لكنه عاد إليها بصندوق الاقتراع بعد 15 عاماً ، وها هو اليسار ممثلاً بجبهة فرباندو مارتي يفوز بالانتخابات في السلفادور مجدداً.
لماذا تراجعت الحركات التي سمّت نفسها بالثورية في عالمنا العربي ولماذا اكتسبت أفقاً جديداً في دول أمريكا اللاتينية محققة نجاحات كبرى.!؟
قد يبدو السؤال محرجاً، ولكننا بكل تأكيد ما زلنا بحاجة إلى ضوء كاشف ونقد ناشف!
{ باحث ومفكر عربي



86
المفكّر وحيداً .. لكنه جامع!
عبدالحسين شعبان

 
حين تنظّم الجامعة الأمريكية في بيروت مؤتمراً أكاديمياً على مدى يومين لعالم اجتماع عراقي، فلأنها تدرك ماذا يعني علم الاجتماع في العراق، وإشكاليات المجتمع العراقي ومشكلاته، تلك التي حاول الدكتور علي الوردي أن يجتهد في بحثها على مدى نحو أربعة عقود من الزمان، ليقدّم عصارة فكره في مجموعة من الكتب والأبحاث والدراسات التي أثارت جدلاً واسعاً منذ مطلع الخمسينيات، بدأ ولم ينقطع، خصوصاً وقد عالج مواضيع مثيرة، وقضايا حسّاسة، بل خطيرة، سواءً بمواصفات تلك الأيام أو حتى في أيامنا الحالية. فما الذي جعل علي الوردي يحظى بمثل هذا الاهتمام والشهرة والاختلاف والجدل والنقد، كما لم يحظ غيره من علماء الاجتماع أو المفكرين العراقيين والعرب المعاصرين؟
  لعلّ ذلك يعود لأسباب عديدة، منها أولاً، شجاعته اللامتناهية في التعبير عن وجهات نظره واجتهاداته،  وفي الدفاع عنها دون اكتراث حتى لو خالفه الجميع أو خالفهم في التفرّد أو التمايز.  وثانياً،  استعداده ورغبته لإثارة الجدل والنقاش واستدراج أوساط مختلفة للاشتباك معه أو للاشتباك معها، الأمر الذي وفّر له ساحة واسعة للتعبير وللنشر انطلاقاً من سجالات له ومعه حول قضايا اختلافية، حاول هو أن يفككها ليسعى لإعادة تركيبها وفقاً لمنهج انثروبولوجي وبأدوات سسيولوجية ومعطيات تاريخية، وظّفها جميعها بطريقة بارعة لدعم تحليلاته واستنتاجاته، والمسألة الثالثة هي انتاجه الغزير وقلمه السيّال، الذي لم يدع شاردة أو واردة في التاريخ العراقي، ولاسيّما المعاصر دون أن يسلّط الضوء عليها من زاوية علم الاجتماع وسسيولوجيا المعرفة، مؤلّفاً ذلك ببحث يتداخل فيه الاجتماعي بالتاريخي والسياسي بالنفسي،  في إطار الاستفادة من التراث،  وإخضاعه للتحليل  بأدوات منهجية للمدرسة الاجتماعية الحديثة وأساليبها الجديدة.
 لم يتوجّه الوردي إلى الخاصة أو ما نطلق عليهم  «النخبة»، بل كتب بلغة مبسّطة، لكنها من «السهل المُمْتنع» لعموم القرّاء والطلبة والمهتمين والمثقفين
 وكان القلم سلاحه المفضّل ومصدر قوته الأكيد، به يكافح وينافح للدفاع عن وجهات نظره واجتهاداته،  بخصوص الطبيعة البشرية وخصائص المجتمع العراقي، والصراع بين البداوة والحضارة، والتناشز الاجتماعي،  وازدواجية الشخصية،  التي كانت المرتكزات الأساسية في منظومته الاستدلالية، التي حاول تعميقها بجهد نظري وعملي حدّ الكدح اليومي، لتأكيد استنتاجاته ولردّ الانتقادات التي حاولت النيل من أطروحاته.
 واجهه رجال الدين المعممون والإسلامويون والطائفيون وذيولهم من الفريقين ورؤساء العشائر،  واليسار واليمين من الماركسيين والقوميين، والتقدميين والمحافظين، في الآن ذاته،  وبقدر ما كان ضد توظيف الدين وانتقد الوعظ والواعظين،  فقد كان في الوقت نفسه ضد نظريات الحتمية التاريخية للصراع الطبقي،  مثلما هو ضد نظريات الاستعلاء القومي، والانحيازات المسبقة،  ذات «العصبيات» القبلية بألوانها المختلفة.
 ولم يكن ذلك يسيراً على شخص أعزل مثل الوردي أن يواجه كل هؤلاء الخصوم، وذلك العدد الهائل والمتنوّع من الاتجاهات والمدارس الفكرية والاجتماعية والسياسية والدينية،  لولا فضاء التسامح للدولة والمجتمع معاً،  وأجواء الحرية النسبية، ولاسيّما حرّية البحث العلمي التي ظلّت علامة بارزة للجامعات العراقية في سنوات الخمسينيات والستينيات ولغاية أواسط السبعينيات، لكنها أخذت بالتدريج تتجه نحو الفكر الشمولي الواحدي الإطلاقي،  وزاد الأمر تعقيداً بعد احتلال العراق العام 2003 حيث تفشّت نزعات الهيمنة ومحاولات الاستتباع، وساد التكفير بدلاً من التفكير، في ظل ضغوط من خارج الجامعات امتدّت إلى داخلها، حيث انتشرت مظاهر الانقسام الطائفي والإثني.
 ولو عاش علي الوردي أو مارس عمله في السنوات المتأخرة، ما تمكّن من إلقاء محاضراته أو نشر كتبه أو إحداث هذا التأثير الذي أحدثه،  لأن سيف التأثيم ومن ثم التحريم ووصولاً إلى التجريم كان سيلاحقه أو يطاله،  لاسيّما وقد بحث في قضايا شائكة وتناول مسائل عقدية ودسّ أنفه حسب البعض في كل ما هو مختلف عليه، بل كان بعض ذلك سبباً في احترابات لا عقلانية لقرون من الزمان،  ولا زالت تغذّي عقول البعض، بل تقصف المجتمع،  بسيل من الأفكار والخزعبلات،  لكنها أقرب إلى المدفعية الثقيلة،  حيث قطع الأعناق وجزّ الرقاب والتكفير وفرض الرأي الواحد والصوت الواحد والذوق الواحد وإملاء الإرادة ومحاولات الهيمنة بوسائل مختلفة وتحت دعاوى ومزاعم متنوعة.
 ولو لم تكن الأجواء مناسبة، بل ورحبة على ضبابيتها، والهوامش مسموحة على شحّتها، لما كان بالإمكان أن تقرع الحجة بالحجة ويدافع عن الرأي بالرأي، ويواجه المنطق بالمنطق، ولكنّا قد حُرمنا من الاطلاع على أفكار وإبداع عالم كبير، شغلت أسئلته حياتنا الفكرية والثقافية، وانعكست معانيها ودلالاتها على المجتمع، وظلّت تشغل المعنيين والدارسين من مختلف الاتجاهات، سواءً من موقع التأييد أو من موقع التنديد، سلباً وإيجاباً.
 ولعلّ بعض ما تناوله الوردي واعتبرناه من الماضي، أطلّ برأسه مجدداً، لاسيّما ما هو مضمر باستبطان بين البداوة والحضارة في مرحلة انتقال لا تزال تشوبها الكثير من المنعرجات والعقبات في دروب وعرة وتواجه الكثير من التحدّيات القديمة والجديدة، لاسيّما العصبية القبلية بثوبها المذهبي، وتلك إحدى مباحث الوردي وأسئلته بشأن «اللاشعور» الجماعي، خصوصاً ما ظهر بعد احتلال العراق في العام 2003، الأمر الذي أعاد الحاجة إلى قراءة علي الوردي وأطروحاته بخصوص المجتمع العراقي، لا باعتبارها معالجات لأوضاع الحاضر، بل لكونها توفّر مادة مفيدة لدراسة مشكلات المجتمع العراقي التاريخية، من وجهة نظر أحد كبار السسيولوجيين العراقيين، خصوصاً بعد انقطاع لسنوات غير قليلة عن توفّر كتبه لأسباب موضوعية وأخرى ذاتية، وما مرّ به المجتمع العراقي من حروب وحصار وارتفاع الموجة الطائفية التي تكرّست بالاحتلال.
  لم يتوجّه الوردي إلى الخاصة أو ما نطلق عليهم  «النخبة»، بل كتب بلغة مبسّطة، لكنها من «السهل المُمْتنع» لعموم القرّاء والطلبة والمهتمين والمثقفين، ومن جميع الفئات والاتجاهات، سواءً من تأثروا به أو تتلمذوا على يده، أو خالفوه، وقد أثار جدلاً ونقاشاً هادئاً وصاخباً في الوقت نفسه، بعضه في قاعات الدرس وبعضه الآخر على صفحات الصحف، وفي كتبه المنشورة بطباعتها البسيطة، إضافة إلى خلايا الأحزاب السرّية واجتماعات الأحزاب العلنية والجمعيات والاتحادات والنقابات، والمقاهي البغدادية بشكل خاص، في مقهى الشابندر والبلدية ومقهى خليل وعارف آغا والزهاوي والبرلمان والبرازيلية والخيام في الستينيات وغيرها.
 لم يكن خطابه تبشيرياً عقيدياً، يقينياً دعوياً، بل كان تنويرياً، جدلياً، تساؤلياً، أي أنه لم ينطلق من يقينيات أو مسلمات أو إيمانيات جاهزة، بقدر ما كان يقوم على الشك والفرضيات والعقل، وصولاً إلى استنتاجات وحسب هابرماز « لا بديل للعقل سوى العقل نفسه». وربّما ساعده فضاء الجامعة والكثافة الحوارية التي كانت تمتاز بها تلك الفترة الساخنة من حياة العراق، خصوصاً لدى النخب، حتى وإن كان المستهدف هم العامة وليس الخاصة، لكن قدرة النخب على الحوار والجدل، لاسيّما في الحقل الأكاديمي، ساهمت في وصول الرسائل التي أراد علي الوردي إيصالها، ونجح على نحو باهر، منطلقاً من ذاته، كمؤسسة، لوحده: أكاديمية وإعلامية هائلة، يتسابق الخصوم قبل المريدين على اقتناء أبحاثه ودراسته، لما تثيره من شهيّة في السجال والحوار والجدل، ولمّا تتضمنها من معلومات قيّمة وإعادة قراءات للتاريخ بلغة سسيولوجية جديدة، مصحوبة بجرأة في الاجتهاد منحها لنفسه غير مكترث بما يقال، خصوصاً إزاء الفرد أو المجتمع أو السلطة، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر.    كانت صراحة الوردي ونزاهته وصرامة البحث العلمي لديه تشكّل منظومة قيمية منحته نوعاً من الحصانة السياسية، على الرغم من أن فترته شهدت صراعاً سياسياً حاداً في العراق، وبقي هو على مسافة من الجميع، دون أن يخفّض سقف اجتهاداته، لذلك حظي حتى وإن على مضض باحترام الفرقاء والمختلفين، مع بعض التوجّسات، لاسيّما من أصحاب الآيديولوجيات المتصارعة، في السلطة أو القريبين منها أو خارجها.
 ويعتبر كتابه  «لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث» أحد أهم انجازاته العلمية، بل من أهم انجازات علم الاجتماع والتاريخ السياسي الاجتماعي (العراقي والعربي)، حيث ضخّ فيه مفهوماته السسيولوجية التاريخية، السياثقافية في إطار فكري وهارموني لتاريخ المجتمع العراقي بعد سنوات طويلة من الدرس والتمحيص بحثاً عن الحقيقة.
 الاحتفال بمئوية الوردي، التلميذ اللامع لأستاذه عبد الرحمن بن خلدون ومقدمته الشهيرة،  إنما هو احتفال بعلم الاجتماع العربي، الذي عاش قروناً وربما سيمتد لقرون أخرى.

 باحث ومفكر عربي




87
مدينة تتعدّى المكان وتتجاوز الزمان

عبد الحسين شعبان
كنتُ أردّد مع نفسي: المدينة ولاّدة … نعم المدينة ولاّدة، وذلك خلال تجوالي في أسواقها وأزقتها وتوقّفي عند محلاّت بيع الكتب، ولاسيّما العتيقة، ليس هذا فحسب، بل أنظر بين الحين والآخر إلى الأمام أو إلى الخلف لأرى قبابها الذهبية المتلألئة ، بكامل البهاء والهيبة، وأتطلّع في الوقت نفسه في وجوه المارّة وحركتهم، وغالباً ما كنت أبحث عن وجوه أعرفها بين كتل الزائرين من كل الألوان والأجناس والأمم واللغات والسلالات.
وعلى الرغم من قسوة الظروف ومحاولات التطويع ومساعي الترويض والرغبة في الهيمنة عليها أو إخضاعها أو تدجينها، ظلّت المدينة عصيّة، متمرّدة، ترفع أنفها عالياً لمن يريد إذلالها، وتنحني تواضعاً ، مثلما ينحي العالِم، لمن يحترمها ويتعامل معها كإرث حضاري بأفق مستقبلي.
في جانب من المدينة وفي غرفة التجارة كانت المدينة تحتفل بأحد أبنائها البررة: إنه سعد صالح (جريو) الإداري اللامع الذي تساءل الدكتور منذر الشاوي استاذ القانون الدستوري ووزير العدل الأسبق عن مصادر معرفته وتطبيقاته لعلم الإدارة (الحديث) في ندوة جامعة الكوفة قبل ما يزيد عن عقد ونصف من الزمان.
ظلّ الجيل الجديد وربما الجيل الذي سبقه ” يجهل” إلى حدود غير قليلة منجزه الإداري والسياسي التنويري الذي ترك أثراً إيجابياً كبيراً في الحياة السياسية وقبل ذلك في المجالس الأدبية العراقية في الأربعينيات على حد تعبير حسن الأمين، على الرغم من أنه لم يعمّر طويلاً، فقد رحل وهو لم يقارب الخمسين من عمره، وقد لمست ذلك عند صدور كتابي عنه في طبعته الأولى (العام 2009) والثانية 2012 ” سعد صالح: الضوء والظل- الوسطية والفرصة الضائعة” عندما سألني أحد القادة البارزين الجدد ما الذي يجمعك مع سعد صالح (جبر) وحاولت تصحيح الأمر مع أن الأخير صديق لي، وتكرّر الالتباس (عدم المعرفة) أكثر من مرّة ولأكثر من مسؤول حالي سياسي أو ثقافي، الأمر الذي يدلّ على أن تاريخنا المعاصر لم يقرأ جيداً.
لقد ترك لنا سعد صالح خزيناً معرفياً وثقافياً وحقوقياً كبيراً، سواءً في عمله الوظيفي أو خطاباته ومطالعاته ومواقفه في البرلمان أو دوره في إشاعة الحرّيات وإطلاق سراح المعتقلين وإجازة الأحزاب في الوزارة التي شارك فيها، والتي لم تدم سوى 97 يوماً، وحسب الصحافي الكبير جهاد الخازن في تقريضه لكتابي: إن ما أنجزه سعد صالح السياسي العراقي المثقف والمتعدّد المواهب في مئة يوم من حكومة توفيق السويدي سنة 1946 لم ينجزه غيره في عقود، كما جاء في صحيفة الحياة اللندنية في 28/12/2011.
كان سعد صالح مشروع مفكر، فمع السياسيين أديباً، ومع الأدباء سياسياً، وحسب المثل الفرنسي، فقد كان يلبس القبعتين ويحمل هموم السياسة والثقافة معاً، وبقدر ما كان سياسياً كان شاعراً، وبقدر ما يمتلئ رأس السياسي بالشعر، فإنه يستطيع التعبير عن قيم العدالة والحرية والجمال والحقوق على نحو أفضل، عابراً للطائفية ومعبّراً عن الهوّية الوطنية العراقية.
جانب آخر من المدينة، كان يحتفل وكل بطريقته الخاصة بقرار بلدية النجف إطلاق اسم سلام عادل على أحد شوارعها، وهو الآخر أحد أبنائها البررة، حيث استشهد بعد انقلاب شباط (فبراير) العام 1963 في قصر النهاية السيئ الصيت.
عرفت ذلك من أصدقاء قدامى جمعتني بهم زيارتي الأخيرة للمدينة، وكان ذلك بالقرب من باب القبلة، في مدخل شارع الرسول بالقرب من منزل آية الله السيستاني الذي كان يسمى شارع موسكو، ونحن نغادر الصحن الحيدري، حيث يرقد في حضرته المعطّرة رمز الفقه والبلاغة والقيم النبيلة والشجاعة، متوجهين إلى سوق الكتب العامرة، العتيقة والجديدة.
الاعتراف بكون سلام عادل (حسين أحمد الرضي) شهيداً للشعب وفي مدينته هو اعتراف بواقع أليم، لكنه مهم حتى إن جاء متأخّراً، الاّ أنه ذو قيمة معنوية وأخلاقية لرجل قدّم حياته مخلصاً من أجل الشعب والوطن، وساهم بكل فاعلية من أجل التغيير الذي كان يحلم به الناس، وتحقق ذلك في ثورة 14 تموز (يوليو) التي فجّرها الجيش، خصوصاً بعد إنجاز الأداة السياسية ” جبهة الاتحاد الوطني”.
لكن الاحتراب الوطني بعد الثورة، سهّل مهمة الانفراد بالسطة وعدم تحقيق أهدافها في حياة برلمانية ودستور دائم وانتخابات دورية لبرلمان يعبّر عن إرادة الشعب، على الرغم  مما تحقق من خطوات سياسية واقتصادية مهمة، لعلّ أبرزها الخروج من حلف بغداد وإلغاء المعاهدات غير المتكافئة مع بريطانيا والولايات المتحدة، وفكّ الارتباط بالكتلة الاسترلينية، وإصدار القانون رقم 80 لعام 1961 الذي تم بموجبه استعادة 99.5% من الأراضي العراقية من أيدي الاحتكارات النفطية، وإصدار القانون رقم 188 لعام 1959 بخصوص الأحوال الشخصية، والاعتراف لأول مرّة في الدستور بشراكة العرب والكرد بالوطن العراقي وغيرها.
القرار بإطلاق اسم سلام عادل على أحد شوارعها اتخذه الدكتور عبد الأمير الأعرجي رئيس المجلس المحلي، هو قرار شجاع بحق رجل شجاع، تمكّن خلال فترة قيادته للحزب الشيوعي من توحيد الكتل المختلفة، المتعارضة، المنشقة، وإدماجها في وحدة على أساس الاعتراف بالأخطاء المشتركة للجميع، سواءً في مجالات السياسة أم التنظيم، وبغض النظر عن حجم ومسؤوليات البعض، وفي إطار من التسامح والتطهّر والشعور العالي بالمسؤولية، مثلما كرّس جهوداً مضنية لتوحيد القوى والأحزاب في جبهة الاتحاد الوطني. سلام عادل الذي قتل تحت التعذيب كانا شاباً،  لم يبلغ العقد الرابع من العمر، أخفي قبره، لكن مدينته الوفية استعادت ذكراه فأطلقت اسمه على شارع من شوارعها.
لم ننسَ ونحن في غمرة المناسبات أن نستذكر أحد أبطال المدينة الشعبيين وهو الفتى محمد موسى الذي عرفته المدينة خلال سنوات الخمسينيات في تظاهراتها ضد حكومة نوري السعيد ولاسيّما في العام 1956 خلال العدوان الثلاثي الأنكلو- فرنسي- الإسرائيلي على الشقيقة مصر، وفي مواجهات مع شرطته، وعلى الرغم من أنه انتقل للعمل الحزبي في الحلة في مطلع الستينيات، الاّ أنه ظهر صبيحة 8 شباط (فبراير) 1963 ليتصدّر التظاهرة ضد الانقلاب وليخطب فيها، وكأنه كان على موعد مع القدر، وعندما انسحبت قيادة منطقة الفرات الأوسط إلى الريف، أُوكلت له قيادة المدينة، وهو ما عرفته من عدنان عباس الذي كان برفقة زكي خيري وباقر ابراهيم (المسؤول آنذاك) وقد سكن في بيت الكادر الحزبي المحترف يحيى محمد طربال، الذي اعتقل مع محمد موسى، وعذّب تعذيباً وحشياً في مقر الحرس القومي، وعندما نقلنا من معتقل “خان الهنود” إلى الموقف الجديد (تحت الأرض) جيء به هو أيضاً، وقد تحدثنا في حينها عن محمد موسى، وهو ما يذكره في وقفة استذكارية بعنوان” ذكريات عن الشهيد محمد موسى التتنجي” في مجلة الشرارة (العدد 85، شباط/ فبراير، 2014). وكان محمد موسى قد أرسل إلى الحلة ومن بعدها إلى بغداد، حيث استشهد في قصر النهاية. وكانت مجموعة من هيئة التحقيق الخاصة قد قدمت خصيصاً للتحقيق معه.
كان التعايش على الرغم من الاختلاف سمة من سمات المدينة حيث يجتمع الشيوعي والبعثي والقومي والإسلامي لاحقاً، في بيت واحد أو مدرسة واحدة أو حي واحد في صداقة وحميمية أحياناً في المقهى أو في المناسبات المختلفة، على الرغم من تقاطعات السياسة، هكذا كانت المدينة قبل العام 1958، لكن الاحتراب بدأ بعدها، ولاسيّما المضايقات التي طالت القوى القومية، ثم شهدت المدينة احتداماً شديداً وتعذيباً منظّماً في مقرّات الحرس القومي بعد العام 1963، ولاسيّما ضد الشيوعيين، الأمر الذي ترك تأثيرات سلبية في النسيج الاجتماعي المتماسك، الذي ظلّ الجميع يحرصون على استعادته، وما إن زالت الظروف والأسباب، حتى التقى خصوم الأمس واستذكروا تلك الأيام، كلٌّ وفق معاناته.
لم يكن غائباً عن جلسة ضمّت السيد حمد القابجي الرشيق الوسيم والذي كان في مقدمة تظاهرة التأييد لانقلاب 8 شباط (فبراير) العام 1963 التي اصطدمت بمظاهرة التنديد بالانقلاب، والسيد علي الخرسان المعتقل قبل الانقلاب والذي التقيناه في خان الهنود والمعتقل لاحقاً في سجن الفضيلية، والأسير لمدة 16 عاماً في إيران وعبد النبي حسن، عضو لجنة المدينة حينها الذي فرّ إلى إيران بعد شهر من الانقلاب، أقول لم يكن غائباً السيد صاحب الحكيم المسؤول الشيوعي الأول في المدينة والذي تخرّج على يديه المئات منهم، وصاحب الحكيم “صاحب الصداقة والوفاء والإخلاص” ضخّ تجربته الغنيّة، بالرغم من المرارة، في كتاب عن المدينة في وجهها الآخر، ذكر فيه بكل أمانة أسماء ومواصفات وحوادث ووقائع وأسرار، ربّما لا يعرفها غيره، لاسيّما عن فترة قاربت عن 6 عقود من الزمان.
وفي حديثي عن مقهى وروّاد ومدينة، كتبت عنه وعن محمد موسى وحسين سلطان والشيخ محمد الشبيبي والدكتور خليل جميل ورضا عبد ننه (العلي)، إضاءات أقرب إلى عناوين، أرجو أن تسنح الفرصة لإعطائها حقها، ولإعطائهم حقهم.
كان القابجي يسألني عن مشروعه لتدوين سيرة المدينة السياسية والفكرية، ولاسيّما دور الشيوعيين والبعثيين والقوميين، وقلت له عليك بالصاحب الحكيم، والشيخ راضي المحسن، والنصراوي عبدالاله والحبوبي أحمد، وليكن عبد النبي حسن من يطّلع عليه، ويمكنني أن أدون ملاحظاتي لاحقاً، دون أن ننسى كتاب علي الشبيبي الذي أعدّه نجله محمد وهو كتاب تأسيسي، وكنت قد وضعت رؤوس أقلام عن “الشيوعية في المدينة” لنقد كتابي الحكيم والشبيبي، وهو ما أنوي إلحاقه بمخطط حول “الفتى والمدينة”. صحيح أن المدينة ليست كما أعرفها وإن الناس ليسوا كما هم، وإنني لست كما كنت، الكل اختلف: سيكولوجية المدينة تغيّرت، وسسيولوجيتها أصبحت أكثر تعقيداً وأنا أعدت قراءة التاريخ بروح نقدية أبعد عن التحزّب، ولهذا أستعيد السهروردي في كتاب ” الغربة الغريبة”!
“ما زلنا نهبطُ في غياهب الجبّ (البئر) منذ أربعين عاماً
قلت لصاحبي: أين هي المدينة؟
قال: إنها في الإقليم الذي لا تجد فيه السبابة مُتّجهاً !
فإذا قلت أين؟
تعدّى المكان حضوره!
وإذا قلت متى؟
تجاوز الزمان حضوره”  عندما أقول “المدينة” لا أقصد الاّ النجف السعيد، خدّ العذراء، على الرغم من أن المدن مثل النساء لكل واحدة طعمها ومذاقها ورائحتها وحزمة الأسرار والذكريات. إنها النجف التي كانت معي قبل فترة قصيرة في الجامعة اليسوعية ! وقبل ذلك في وجهها الآخر في الكويت، ودائماً في القلب والعقل والروح.
النجف مدينة محمد سعيد الحبوبي والجواهري وعلي الشرقي وأبو شبع وأحمد الصافي النجفي والشبيبي وسعد صالح وسلام عادل!
{باحث ومفكر عربي



88
المنبر الحر / من أوراق الجنادرية
« في: 22:55 08/03/2014  »
من أوراق الجنادرية

عبد الحسين شعبان

ثمة كلام في الأمن القومي العربي، خصوصاً دور الإسلام السياسي في المرحلة الراهنة وتأثيره في صنع المستقبل العربي الجديد، لاسيّما في ظل التغييرات التي حصلت في العديد من البلدان العربية في موجة ما سمّي بالربيع العربي التي ابتدأت من تونس ومرّت بمصر وليبيا واليمن، ولا تزال هذه الموجة عاصفة مستمرة في سوريا، لم تهدأ ولم تستقر، سواء ب"جنيف -1" أو ب"جنيف -2" وقبل اجتماع ميونيخ وبعده .
ورغم أن الموجة متواصلة، لكنها شهدت تغييرات على وجهتها ومسارها، فضلاً عن المنقلبات التي صادفتها خلال حركتها، وهي تكاد تنعكس على جوهرها وعلى الأهداف التي أرادت الوصول إليها، خصوصاً في ظل منعرجات موضوعية وذاتية، وتحديات داخلية وخارجية، وعوامل كبح قديمة وجديدة، إضافة إلى الفوضى العارمة التي صاحبتها، أقول ذلك وأستدرك، لأن الاستفتاء على الدستور المصري الذي جرى في 14-15 يناير/ كانون الثاني الماضي 2014 وبنسبة زادت على 98% من مجموع المصوتين 38%، وكذلك إقرار صيغة الدستور في الجمعية التأسيسية التونسية بالتصويت عليه بنعم من جانب 200 عضو من مجموع 217 وهو عدد أعضائها في 26 يناير/ كانون الثاني الماضي، كانا خطوتين موفقتين لاسيّما بالتوافق الوطني مقاربة لأهداف الثورتين .
ولعلّ موجة التغيير سعت إلى تلمس طريقها حتى وإن كان بصعوبة ومعاناة كبيرة بما فيها في البلدين، من خلال رحلة شاقة وبخسائر فادحة، وكانت بحضور شعبي ومشاركة الجيش مجدداً في مصر، وبتوافق بعد مسار عسير في تونس، وحوار مضنٍ ومعقّد في اليمن وبوساطة خليجية، واضطراب وتشوّش مازال يطبع التجربة الليبية التي كانت المعاناة فيها مضاعفة بسبب تدخل حلف الناتو .
كل ذلك كان محطّ اهتمام ونقاش في مهرجان الجنادرية السنوي (التاسع والعشرين) لهذا العام، واكتسب الأمن القومي العربي، بما فيه أمن الخليج أهمية خاصة، وبالطبع فلا يمكن الحديث عن أمن أي بلد عربي أو أمن مجموعة من الدول من دون الحديث عن أمن عربي، وكذلك أمن إقليمي، بل وأمن دولي، وثمة عوامل مؤثرة ومتداخلة ومتفاعلة سلباً أو إيجاباً على السلم والأمن على مستوى العالم وعلى مستوى الإقليم وعلى مستوى كل دولة .
وإذا كان الأمر مترابطاً على نحو دقيق فإن صلته عميقة وجوهرية بالأمن الداخلي لكل دولة ارتباط بأمنها الخارجي، وهذا يعني بالضرورة تناول الأمن الإنساني الذي نجد له في تراثنا امتدادات مهمة سواء في القرآن أو في السنّة النبوية، "وآمنهم من خوف وأطعمهم من جوع" .
ويقتضي الأمن الإنساني توفير القدر المناسب من الخدمات الضرورية والحاجات الأساسية للإنسان، مثل العمل والتعليم والصحة، وذلك بتقليص الفوارق الاجتماعية والسعي للقضاء على الفقر والجهل، وبناء الهياكل الارتكازية الضرورية للحاق بالركب العالمي، خصوصاً في ميادين العلوم والتكنولوجيا والبيئة، والقضاء على التصحّر والجفاف والأوبئة وغير ذلك، وبالطبع فإن الحاجة إلى الحقوق السياسية والمدنية هي المدخل الأساسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وتلبية حاجات الإنسان الروحية، وكلّما كان أمن المجتمع الداخلي سليماً، أصبح سياجاً لحماية أمن الدولة داخلياً وخارجياً، باحترام سيادة القانون وحقوق الناس، تلك التي على الدولة تنظيمها وحمايتها بما يتفق وتوفير الأمن الإنساني على جميع الصُعد .
ثمة عوامل مؤثرة في الأمن القومي العربي، ولا يمكن بأية حال من الأحوال ضمان هذا الأمن، باستمرار الصراع العربي - "الإسرائيلي" وتنكّر "إسرائيل" لحقوق الشعب العربي الفلسطيني، وفي مقدمتها حقه في تقرير المصير وبناء دولته الوطنية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف . وإذا كان تأسيس "إسرائيل" وقبلها وجود المشروع الصهيوني قد شكّلا خطراً على العرب، فهناك عوامل أخرى كانت مقلقة بالنسبة لهم، بعضها حملت ذكريات أليمة لاحترابات وصراعات وأطماع، سواء إيرانية فارسية أو تركية عثمانية، عوضاً عن الأطماع الدولية ومحاولات فرض الهيمنة عليهم ونهب ثرواتهم ومواردهم .
وقد برز العامل الإقليمي في السنوات الأخيرة كعنصر مؤثر وكبير في الأمن القومي العربي، خصوصاً في ظل انقسام العالم العربي وانهيار الوحدات الوطنية، لاسيّما بالصراعات الطائفية والمذهبية والإثنية، والعراق نموذج صارخ لذلك، فقد كان ضعف كيانية الدولة العراقية بفعل الحروب والحصار وهدر الحقوق والحريات، وأخيراً وقوعها تحت الاحتلال، قد فتح شهية القوى الإقليمية في محاولة للتمدّد بعناوين مختلفة، آيديولوجية وسياسية ومذهبية فارسية أو عثمانية أطلسية تحت عباءة الخلافة التاريخية، كما استثمرت القوى الإقليمية حركة الاحتجاج التي شهدها العديد من البلدان العربية، فأخذت تتصرف وكأن ما يجري في الدول العربية المجاورة أو حتى البعيدة، باعتبارها قضيتها الداخلية، سواءً بالاعتماد على جماعات إسلامية راديكالية، كما تفعل إيران في العادة أو جماعات "إخوانية" جزءاً من تنظيم دولي، كما تفعل تركيا .
وإذا كان لكل من إيران وتركيا مشروعهما الإقليمي، فإن تصريف شحنات مشروعيهما يتم في منطقة الفراغ العربي، حيث يحاولان اختراق دوله ومجتمعاته، ويشجعهما على ذلك الضعف العربي والانقسام المجتمعي .
وقد أثبتت التجربة على مدى التاريخ القديم والحديث، أن العرب كلّما كانوا أقوياء، حدث نوع من التوازن في المصالح المشتركة والمنافع المتبادلة والتعاون الإيجابي، وعلى العكس من ذلك، فإن ضعف العرب قاد إلى المزيد من احتراب المشروعين الإيراني والتركي، سواء بصيغتهما القديمة أو بتجليّاتهما الجديدة، وإنْ احتوت على جزء من الماضي، وكان الخاسر الأول، بل والأكبر هم العرب، والعراق بالدرجة الأساسية، إضافة إلى شعبي البلدين الجارين وعموم شعوب ودول المنطقة .
وثمة عوامل أخرى مؤثرة في الأمن القومي العربي، خصوصاً العامل الدولي، حيث يلعب الارهاب الدولي اليوم "فزاعة" لابتزاز البلدان العربية ودول الإقليم عموماً، لاسيّما حينما تنتشر وتتفشى ظاهرة العنف في المنطقة، بل وعلى المستوى العالمي، الأمر الذي احتاج إلى تضافر دولي لدحره، وقد حاولت القوى المتنفذة في الغرب إلصاق الإرهاب الدولي بالمسلمين والعرب كجزء من "الشانتاج" الذي تستخدمه لترويضهم، علماً بأن الإرهاب لا دين ولا قومية ولا لغة ولا جنسية ولا آيديولوجية ولا جغرافيا ولا تاريخ له .
إن السياسة الغربية إزاء الإسلام وما سمّي بالإسلامفوبيا (الرهاب من الإسلام) كانت عاملاً مؤثراً في إضعاف الأمن القومي العربي، خصوصاً بمحاولة فرض الهيمنة والاستتباع على دول المنطقة والتدخل بشؤونها الداخلية، كما لعب احتلال العراق وقبله أفغانستان دوراً سلبياً على سلم المنطقة وأمنها، فضلاً عن تعطيله للتنمية والتقدّم، وانعكس ذلك على زيادة حدّة التوتر وعلى شراء السلاح وتكديسه وعلى استغلال البلدان الغربية كلّ ذلك، لمصالحها الأنانية الضيقة من دون أية مراعاة واحترام لحقوق الإنسان، التي تدعو إليها .
وإذا كنّا بصدد العوامل الدولية، فإن وجود النفط والغاز والثروات الطبيعية الأخرى في المنطقة، أسهم في التنافس والصراع الدولي على الشرق الأوسط والعالمين العربي والإسلامي بشكل عام، الأمر الذي اعتُبِرَ بقدر إيجابياته ومردوداته المادية، فإنه عنصر سلبي، وهكذا كان نقمة بقدر ما هو نعمة، يُنتظر منها أن تسهم في التنمية والتقدّم .
وبقدر وجود عوامل صراع للقوة الخشنة للتمدّد الخارجي، فثمة عوامل ناعمة للقوة، التي تمر عبر السياسة والاعلام والاقتصاد والتمذهب والإثننة وغيرها، وهذه تتغذى على استمرار الجهل والأمية والتخلف، خصوصاً جوانب التعصب والتطرف والغلو والانغلاق وعدم الانفتاح أو الاعتراف بالآخر . وحسبما قال النفري: كلما اتسعت الرؤيا ضاقت العبارة .
عبد الحسين شعبان




89
مدينة تتعدّى المكان وتتجاوز الزمان

عبد الحسين شعبان
كنتُ أردّد مع نفسي: المدينة ولاّدة … نعم المدينة ولاّدة، وذلك خلال تجوالي في أسواقها وأزقتها وتوقّفي عند محلاّت بيع الكتب، ولاسيّما العتيقة، ليس هذا فحسب، بل أنظر بين الحين والآخر إلى الأمام أو إلى الخلف لأرى قبابها الذهبية المتلألئة ، بكامل البهاء والهيبة، وأتطلّع في الوقت نفسه في وجوه المارّة وحركتهم، وغالباً ما كنت أبحث عن وجوه أعرفها بين كتل الزائرين من كل الألوان والأجناس والأمم واللغات والسلالات.
وعلى الرغم من قسوة الظروف ومحاولات التطويع ومساعي الترويض والرغبة في الهيمنة عليها أو إخضاعها أو تدجينها، ظلّت المدينة عصيّة، متمرّدة، ترفع أنفها عالياً لمن يريد إذلالها، وتنحني تواضعاً ، مثلما ينحي العالِم، لمن يحترمها ويتعامل معها كإرث حضاري بأفق مستقبلي.
في جانب من المدينة وفي غرفة التجارة كانت المدينة تحتفل بأحد أبنائها البررة: إنه سعد صالح (جريو) الإداري اللامع الذي تساءل الدكتور منذر الشاوي استاذ القانون الدستوري ووزير العدل الأسبق عن مصادر معرفته وتطبيقاته لعلم الإدارة (الحديث) في ندوة جامعة الكوفة قبل ما يزيد عن عقد ونصف من الزمان.
ظلّ الجيل الجديد وربما الجيل الذي سبقه ” يجهل” إلى حدود غير قليلة منجزه الإداري والسياسي التنويري الذي ترك أثراً إيجابياً كبيراً في الحياة السياسية وقبل ذلك في المجالس الأدبية العراقية في الأربعينيات على حد تعبير حسن الأمين، على الرغم من أنه لم يعمّر طويلاً، فقد رحل وهو لم يقارب الخمسين من عمره، وقد لمست ذلك عند صدور كتابي عنه في طبعته الأولى (العام 2009) والثانية 2012 ” سعد صالح: الضوء والظل- الوسطية والفرصة الضائعة” عندما سألني أحد القادة البارزين الجدد ما الذي يجمعك مع سعد صالح (جبر) وحاولت تصحيح الأمر مع أن الأخير صديق لي، وتكرّر الالتباس (عدم المعرفة) أكثر من مرّة ولأكثر من مسؤول حالي سياسي أو ثقافي، الأمر الذي يدلّ على أن تاريخنا المعاصر لم يقرأ جيداً.
لقد ترك لنا سعد صالح خزيناً معرفياً وثقافياً وحقوقياً كبيراً، سواءً في عمله الوظيفي أو خطاباته ومطالعاته ومواقفه في البرلمان أو دوره في إشاعة الحرّيات وإطلاق سراح المعتقلين وإجازة الأحزاب في الوزارة التي شارك فيها، والتي لم تدم سوى 97 يوماً، وحسب الصحافي الكبير جهاد الخازن في تقريضه لكتابي: إن ما أنجزه سعد صالح السياسي العراقي المثقف والمتعدّد المواهب في مئة يوم من حكومة توفيق السويدي سنة 1946 لم ينجزه غيره في عقود، كما جاء في صحيفة الحياة اللندنية في 28/12/2011.
كان سعد صالح مشروع مفكر، فمع السياسيين أديباً، ومع الأدباء سياسياً، وحسب المثل الفرنسي، فقد كان يلبس القبعتين ويحمل هموم السياسة والثقافة معاً، وبقدر ما كان سياسياً كان شاعراً، وبقدر ما يمتلئ رأس السياسي بالشعر، فإنه يستطيع التعبير عن قيم العدالة والحرية والجمال والحقوق على نحو أفضل، عابراً للطائفية ومعبّراً عن الهوّية الوطنية العراقية.
جانب آخر من المدينة، كان يحتفل وكل بطريقته الخاصة بقرار بلدية النجف إطلاق اسم سلام عادل على أحد شوارعها، وهو الآخر أحد أبنائها البررة، حيث استشهد بعد انقلاب شباط (فبراير) العام 1963 في قصر النهاية السيئ الصيت.
عرفت ذلك من أصدقاء قدامى جمعتني بهم زيارتي الأخيرة للمدينة، وكان ذلك بالقرب من باب القبلة، في مدخل شارع الرسول بالقرب من منزل آية الله السيستاني الذي كان يسمى شارع موسكو، ونحن نغادر الصحن الحيدري، حيث يرقد في حضرته المعطّرة رمز الفقه والبلاغة والقيم النبيلة والشجاعة، متوجهين إلى سوق الكتب العامرة، العتيقة والجديدة.
الاعتراف بكون سلام عادل (حسين أحمد الرضي) شهيداً للشعب وفي مدينته هو اعتراف بواقع أليم، لكنه مهم حتى إن جاء متأخّراً، الاّ أنه ذو قيمة معنوية وأخلاقية لرجل قدّم حياته مخلصاً من أجل الشعب والوطن، وساهم بكل فاعلية من أجل التغيير الذي كان يحلم به الناس، وتحقق ذلك في ثورة 14 تموز (يوليو) التي فجّرها الجيش، خصوصاً بعد إنجاز الأداة السياسية ” جبهة الاتحاد الوطني”.
لكن الاحتراب الوطني بعد الثورة، سهّل مهمة الانفراد بالسطة وعدم تحقيق أهدافها في حياة برلمانية ودستور دائم وانتخابات دورية لبرلمان يعبّر عن إرادة الشعب، على الرغم  مما تحقق من خطوات سياسية واقتصادية مهمة، لعلّ أبرزها الخروج من حلف بغداد وإلغاء المعاهدات غير المتكافئة مع بريطانيا والولايات المتحدة، وفكّ الارتباط بالكتلة الاسترلينية، وإصدار القانون رقم 80 لعام 1961 الذي تم بموجبه استعادة 99.5% من الأراضي العراقية من أيدي الاحتكارات النفطية، وإصدار القانون رقم 188 لعام 1959 بخصوص الأحوال الشخصية، والاعتراف لأول مرّة في الدستور بشراكة العرب والكرد بالوطن العراقي وغيرها.
القرار بإطلاق اسم سلام عادل على أحد شوارعها اتخذه الدكتور عبد الأمير الأعرجي رئيس المجلس المحلي، هو قرار شجاع بحق رجل شجاع، تمكّن خلال فترة قيادته للحزب الشيوعي من توحيد الكتل المختلفة، المتعارضة، المنشقة، وإدماجها في وحدة على أساس الاعتراف بالأخطاء المشتركة للجميع، سواءً في مجالات السياسة أم التنظيم، وبغض النظر عن حجم ومسؤوليات البعض، وفي إطار من التسامح والتطهّر والشعور العالي بالمسؤولية، مثلما كرّس جهوداً مضنية لتوحيد القوى والأحزاب في جبهة الاتحاد الوطني. سلام عادل الذي قتل تحت التعذيب كانا شاباً،  لم يبلغ العقد الرابع من العمر، أخفي قبره، لكن مدينته الوفية استعادت ذكراه فأطلقت اسمه على شارع من شوارعها.
لم ننسَ ونحن في غمرة المناسبات أن نستذكر أحد أبطال المدينة الشعبيين وهو الفتى محمد موسى الذي عرفته المدينة خلال سنوات الخمسينيات في تظاهراتها ضد حكومة نوري السعيد ولاسيّما في العام 1956 خلال العدوان الثلاثي الأنكلو- فرنسي- الإسرائيلي على الشقيقة مصر، وفي مواجهات مع شرطته، وعلى الرغم من أنه انتقل للعمل الحزبي في الحلة في مطلع الستينيات، الاّ أنه ظهر صبيحة 8 شباط (فبراير) 1963 ليتصدّر التظاهرة ضد الانقلاب وليخطب فيها، وكأنه كان على موعد مع القدر، وعندما انسحبت قيادة منطقة الفرات الأوسط إلى الريف، أُوكلت له قيادة المدينة، وهو ما عرفته من عدنان عباس الذي كان برفقة زكي خيري وباقر ابراهيم (المسؤول آنذاك) وقد سكن في بيت الكادر الحزبي المحترف يحيى محمد طربال، الذي اعتقل مع محمد موسى، وعذّب تعذيباً وحشياً في مقر الحرس القومي، وعندما نقلنا من معتقل “خان الهنود” إلى الموقف الجديد (تحت الأرض) جيء به هو أيضاً، وقد تحدثنا في حينها عن محمد موسى، وهو ما يذكره في وقفة استذكارية بعنوان” ذكريات عن الشهيد محمد موسى التتنجي” في مجلة الشرارة (العدد 85، شباط/ فبراير، 2014). وكان محمد موسى قد أرسل إلى الحلة ومن بعدها إلى بغداد، حيث استشهد في قصر النهاية. وكانت مجموعة من هيئة التحقيق الخاصة قد قدمت خصيصاً للتحقيق معه.
كان التعايش على الرغم من الاختلاف سمة من سمات المدينة حيث يجتمع الشيوعي والبعثي والقومي والإسلامي لاحقاً، في بيت واحد أو مدرسة واحدة أو حي واحد في صداقة وحميمية أحياناً في المقهى أو في المناسبات المختلفة، على الرغم من تقاطعات السياسة، هكذا كانت المدينة قبل العام 1958، لكن الاحتراب بدأ بعدها، ولاسيّما المضايقات التي طالت القوى القومية، ثم شهدت المدينة احتداماً شديداً وتعذيباً منظّماً في مقرّات الحرس القومي بعد العام 1963، ولاسيّما ضد الشيوعيين، الأمر الذي ترك تأثيرات سلبية في النسيج الاجتماعي المتماسك، الذي ظلّ الجميع يحرصون على استعادته، وما إن زالت الظروف والأسباب، حتى التقى خصوم الأمس واستذكروا تلك الأيام، كلٌّ وفق معاناته.
لم يكن غائباً عن جلسة ضمّت السيد حمد القابجي الرشيق الوسيم والذي كان في مقدمة تظاهرة التأييد لانقلاب 8 شباط (فبراير) العام 1963 التي اصطدمت بمظاهرة التنديد بالانقلاب، والسيد علي الخرسان المعتقل قبل الانقلاب والذي التقيناه في خان الهنود والمعتقل لاحقاً في سجن الفضيلية، والأسير لمدة 16 عاماً في إيران وعبد النبي حسن، عضو لجنة المدينة حينها الذي فرّ إلى إيران بعد شهر من الانقلاب، أقول لم يكن غائباً السيد صاحب الحكيم المسؤول الشيوعي الأول في المدينة والذي تخرّج على يديه المئات منهم، وصاحب الحكيم “صاحب الصداقة والوفاء والإخلاص” ضخّ تجربته الغنيّة، بالرغم من المرارة، في كتاب عن المدينة في وجهها الآخر، ذكر فيه بكل أمانة أسماء ومواصفات وحوادث ووقائع وأسرار، ربّما لا يعرفها غيره، لاسيّما عن فترة قاربت عن 6 عقود من الزمان.
وفي حديثي عن مقهى وروّاد ومدينة، كتبت عنه وعن محمد موسى وحسين سلطان والشيخ محمد الشبيبي والدكتور خليل جميل ورضا عبد ننه (العلي)، إضاءات أقرب إلى عناوين، أرجو أن تسنح الفرصة لإعطائها حقها، ولإعطائهم حقهم.
كان القابجي يسألني عن مشروعه لتدوين سيرة المدينة السياسية والفكرية، ولاسيّما دور الشيوعيين والبعثيين والقوميين، وقلت له عليك بالصاحب الحكيم، والشيخ راضي المحسن، والنصراوي عبدالاله والحبوبي أحمد، وليكن عبد النبي حسن من يطّلع عليه، ويمكنني أن أدون ملاحظاتي لاحقاً، دون أن ننسى كتاب علي الشبيبي الذي أعدّه نجله محمد وهو كتاب تأسيسي، وكنت قد وضعت رؤوس أقلام عن “الشيوعية في المدينة” لنقد كتابي الحكيم والشبيبي، وهو ما أنوي إلحاقه بمخطط حول “الفتى والمدينة”. صحيح أن المدينة ليست كما أعرفها وإن الناس ليسوا كما هم، وإنني لست كما كنت، الكل اختلف: سيكولوجية المدينة تغيّرت، وسسيولوجيتها أصبحت أكثر تعقيداً وأنا أعدت قراءة التاريخ بروح نقدية أبعد عن التحزّب، ولهذا أستعيد السهروردي في كتاب ” الغربة الغريبة”!
“ما زلنا نهبطُ في غياهب الجبّ (البئر) منذ أربعين عاماً
قلت لصاحبي: أين هي المدينة؟
قال: إنها في الإقليم الذي لا تجد فيه السبابة مُتّجهاً !
فإذا قلت أين؟
تعدّى المكان حضوره!
وإذا قلت متى؟
تجاوز الزمان حضوره”  عندما أقول “المدينة” لا أقصد الاّ النجف السعيد، خدّ العذراء، على الرغم من أن المدن مثل النساء لكل واحدة طعمها ومذاقها ورائحتها وحزمة الأسرار والذكريات. إنها النجف التي كانت معي قبل فترة قصيرة في الجامعة اليسوعية ! وقبل ذلك في وجهها الآخر في الكويت، ودائماً في القلب والعقل والروح.
النجف مدينة محمد سعيد الحبوبي والجواهري وعلي الشرقي وأبو شبع وأحمد الصافي النجفي والشبيبي وسعد صالح وسلام عادل!
{باحث ومفكر عربي



90
مقتدى الصدر والعزلة المجيدة

عبد الحسين شعبان
 
في خطوة “مفاجئة” وغير مسبوقة تاريخياً، أعلن زعيم الكتلة الصدرية الإسلامية الشيعية تخليّه عن العمل السياسي، وقرّر إغلاق مكاتبه كافة، وعدم السماح لأحد بتمثيل الكتلة الصدرية أو التحدث باسمها تحت أي عنوان، وقد عزا ذلك إلى ” الحفاظ على سمعة آل الصدر الكرام”، مؤكداً أن أي منصب (وزاري أو نيابي أو سياسي) لم يعد يمثّله، ثم أعقب ذلك بشن هجوم شديد ضد العملية السياسية برمتها بقوله: أن العراق “يحكمه ثلة  جاءت من خلف الحدود”، وإن ” السياسة أصبحت باباً للظلم والاستهتار والتفرد والانتهاك…”وما إن شاع خبر اعتزال الصدر حتى بدأت الكتل والجماعات السياسية، ولاسيّما المعارضة للمالكي مناشدته للعدول عن موقفه هذا، بل أضفت عليه صفات من قبيل “الاعتدال” و”صوت الحق الناطق” و”روبن هود” العراق الذي يستطيع وحده تحطيم المالكي، وارتفعت بعض اليافطات في مدينة الصدر تقول ” نحن معك” وغير ذلك.
 
أعرف تماماً أن عائلة آل الصدر لها رمزية خاصة في أوساط الإسلاميين الشيعة بشكل خاص، سواء في العهد الملكي، حيث ساهم العديد منهم في الدولة العراقية، ولاسيّما السيد محمد الصدر الذي أصبح رئيساً للوزراء العام 1952، وإن السيد محمد باقر الصدر المفكر الإسلامي اختفى قسرياً وأخته الكاتبة بنت الهدى العام 1980، واتضح انه تمت تصفيتهما، وقتل والد السيد مقتدى محمد صادق الصدر وأخاه في العام 1999، وكان من الشخصيات الإسلامية الشيعية التي سعت للتقارب مع أهل السنّة، معلياً من شأن المرجعية العربية، وإن العديد من آل الصدر تعرضوا للاعتقال والتعذيب وهجر بعضهم  العراق إلى المنفى، ولكن هذا شيء وأن يتخذ السيد مقتدى الصدر قراراً باعتزاله العمل السياسي، فيلحقه آخرون، فهذا شيء آخر، وأمرٌ لم تألفه السياسة العراقية، بل السياسة بشكل عام.
 
لعلّ الأمر يحتاج إلى عودة سريعة للخلفية التاريخية لنشوء حركة مقتدى الصدر بعد الاحتلال، حيث ارتبط اسمه بالاشكالات التي رافقت مقتل السيد عبد المجيد الخوئي، وأصدر بول بريمر الحاكم المدني الأمريكي للعراق مذكرة اعتقال بحقه، وكاد أن يتحقق الأمر بالقبض عليه، لكن ثمة نصائح وردته وظروف حالت دون اعتقاله، دفعاً لاحتمالات تصاعد الموقف. ومنذ اللحظة الأولى إلتفّ حوله عدد كبير من المحرومين والكادحين، ولاسيّما من مدينة الثورة التي استبدل اسمها إلى مدينة صدام حسين في ظل النظام السابق، ليصبح اسمها لاحقاً بعد الاحتلال “مدينة الصدر”، وكانت المدينة معقلاً لليساريين، ولاسيّما لأنصار الحزب الشيوعي، ووقفت ضد الانقلاب البعثي الأول العام 1963، لكن حزب البعث اشتغل عليها جيداً، واستطاع أن يكسب فيها أنصاراً منذ عودته إلى السلطة العام 1968، وخصوصاً بعد تحسّن الوضع المعيشي إثر تأميم النفط العام 1972، ولكن الحرب العراقية- الإيرانية 1980-1988 سحبت هذا الرصيد الايجابي وحوّلت المدينة إلى بؤرة معارضة ساخنة ضد النظام، وشهدت بعد مقتل والد مقتدى الصدر تظاهرات وصدامات راح ضحيتها العشرات.
 
طرأت تغييرات جوهرية على سسيولوجية المدينة وسايكولوجية الناس فيها، وهي المدينة التي بناها عبد الكريم قاسم، لجبر خواطر الفقراء والكادحين من سكان الريف الذين جاءوا للسكن في بيوت الصفيح، فبنى لهم 60 ألف بيت، ليصبح عدد سكانها بعد سنوات يزيد على المليونين، وخلال الحرب العراقية- الإيرانية ارتدت المدنية: اللون الأسود حزناً على عشرات ومئات آلاف الضحايا، مثلما عرفت العوز الحقيقي، بل أصبحت حياة أعداد كبيرة من سكانها دون خط الفقر، في ظل الحصار الدولي الجائر، فاتجهت إلى الله، وكان طريقها إليه يمرّ عبر حركية إسلامية ديناميكية، استطاعت مخاطبة الشباب والتأثير فيهم، وكان ذلك بقيادة والد مقتدى الصدر، الذي دفع الثمن باهظاً جرّاء جرأته ورغبته في تقديم نموذج جديد باسم “المرجعية الناطقة” بعد نقده “للمرجعية الصامتة”، الأمر الذي أثار خصومة كبيرة ضده من جانب فرقاء إسلاميين شيعة آخرين، ولكن مقتله دفع الجميع لإعادة حساباتهم، ولاسيّما إزاء التوجهات والتكتيكات التي اتبعها في مواجهة النظام الحاكم في حينها.حين ابتدأ مقتدى الصدر خطوته الأولى في دروب السياسة الوعرة، كان شاباً يرغب في أن يسير على هدي أعلام العائلة، فاندفع وقاوم وعاد وانقلب، وتقدّم وتراجع وأصاب وأخطأ، لكنه في كل الأحوال كان عفوياً وتلقائياً وصريحاً، وربما هذا ما “حبّبه” للناس البسطاء قياساً بغيره من السياسيين، حتى وإن كانوا يخالفونه الموقف، وكان مقتدى الصدر بغض النظر عمّا يقوله يدخل مباشرة إلى صلب المشكلة دون لف أو دوران، فضلاًَ عن طريقته، الاقتحامية، التي هي قريبة من الحسّ الشعبي، فكان يلقى إصغاءً واهتماماً، سواء كنت تتفق معه أم تختلف عنه، فذلك أمرٌ آخر.
 
أسسّ مقتدى الصدر جيش المهدي الذي أثارت تصرفاته الكثير من الالتباسات وردود الفعل الشعبية، ولاسيّما إزاء ما قام به أو نُسب إليه، من أعمال العنف والتطهير المذهبي، خصوصاً بُعيد تفجير مرقدي الإمامين علي الهادي والحسن العسكري، في حين أراده وسيلة لمقاومة الاحتلال الأمريكي، الذي انفرد عن باقي أقرانه من الجماعات الإسلامية الشيعية، بإعلان موقفه الواضح منه، ومثله الشيخ جواد الخالصي والسيد أحمد البغدادي وكتائب حزب الله العراقي لاحقاً وآخرين، وفي الوقت نفسه كان موقفه متشدّداً ضد البعث والبعثيين، ولكنه كان يدعو إلى التقارب السني – الشيعي، في حين كان الاتجاه السائد يدفع نحو التباعد والاحتراب. تحالف مع حكومة المالكي، وانقلب عليها، وحاول سحب الثقة منها بالتعاون مع الكتلة الكردية والقائمة العراقية، لكنه عاد وغيّر موقفه، وقرر الابتعاد عن العمل السياسي باعلان صريح وواضح، وعدل عنه بعد أسابيع، وعاد إلى مواقعه وانتقد الفساد والفاسدين،  ولعلّ تصويت عدد من نواب كتلته على قانون التقاعد بضم فقرات يحصل فيها النواب وأصحاب الدرجات الخاصة على الامتيازات، كانت الشعرة التي قصمت ظهر البعير.
 
كان عمقه الستراتيجي إيران، وتحالفه معها كان وثيقاًً، لكن انشقاق كتلة قيس الخزعلي عنه وتشكيلها ” عصائب أهل الحق” دفعه لانتقادها وكرّر المسألة مراراً، خصوصاً وقد كانت وراء عدم استمراره بمشروع سحب الثقة عن المالكي.
 
للصدر 40 نائباً و6 وزراء، قرر بعضهم الانسحاب بعد قرار اعتزاله العمل السياسي، وكنت قد سألت أحد أقطابه في وقت سابق، كيف تتخذون القرار؟ فقال نناقش ونتبادل الرأي ونحسم بالأغلبية، وعندما قلت له وماذا لو كان الصدر لا يوافق عليه؟ فأجابني بكل أريحية وشفافية سيُلغى أو يُبطل. ولعلّ جواباً من هذا القبيل يعني بالنسبة لي: أنه لا وجود لقواعد عمل تحتكم إلى معايير، فرأي الزعيم فوق رأي المجموع، بل أن المجموع ممثلاً بشخصه، الذي يمثل الكل، وتلك مشكلة  قد لا توجد في مناطق أخرى من العالم، خصوصاً بتداخل الديني مع السياسي، واليومي بالمقدس، حتى أن “المركزية الديمقراطية”، التي غالباً ما كنّا ننتقدها، فإنها ستكون “مظلومة” قياساً لفكرة الزعيم ” رجل الدين” الذي يجمع الروحاني والسياسي والمقدس أحياناً، فكيف يمكن مناقشة مرجع أعلى؟
 
قلت لصاحبي ألا يخطأ ” الزعيم”؟ وهل يمكن مواجهته بالخطأ؟ فقال حتى لو أخطأ فمن يستطيع أن يواجهه، ثم ما هي المسطرة، لأن هناك من يقول أنه يمثل ” ضمير الأمة”!!. وقد بتُ منذ فترة وعلى خلاف كثيرين أعتقد أن انسحاب الصدر صحيح وربما ضروري له وللآخرين، فقد يوفّر غيابه الفصل بين الدين كعقيدة وبين السياسة كمساومة، وقد يمنح فرصة أفضل للمجموعة المتبقية التي يمكن أن “تتحرر” من ثقل التقديس والروحانية، لتتوجه إلى عالم السياسة الذي يقوم على ” فن الممكن”.
 
أدرك تماماً إن ثقافة الاستقالة أو الاعتزال أو الانسحاب غير شائعة، لأن القاعدة  هي التمسّك بالمواقع، والاستثناء المحدود جداً هو الاستقالة، وربما هي غير مقبولة، فستعتبر تراجعاً وانهزامية واستسلاماً، في حين يمكن أن تكون مناسبة للمراجعة والتأمل وإعطاء الفرصة للآخرين. بتجربتي أعرف أن كثيرين تمسكوا بمواقعهم بأسنانهم وأظافرهم، بل أجهزوا على رفاقهم بالتآمر والغدر والخديعة قتلاً واضطهاداً وتشريداً، في السلطة والمعارضة، ولعلّك لا تستطيع أحياناً أن تفرّق بين المسؤول وموقعه الذي تعتّق فيه، فهذا أمين عام منذ أربعين عاماً ونيّف، وذلك أمين عام منذ الولادة، وآخر يتشبث بموقع الدولة أو الحزب حتى الممات ورابع يختزل “الشرعية” بشخصه محاولاً بزبائنية وبونابارتية أن يلعب دور “البطل”.
 
الصدر اختار العزلة المجيدة، لأنه لم يعد يتحمّل حجم الضغوط الداخلية والخارجية عليه، ولا يريد الانصياع لها، مثلما هو غير قادر على مواجهتها، ولربما يكون قد قرأ المشهد الانتخابي استباقاً، ولاسيّما بعد أحداث الأنبار المأساوية بكل المعايير، فقرر الاعتزال وإنْ كان لحين!!.
 
باحث ومفكر عربي


91
التباس مفهوم "الأقليات"

عبد الحسين شعبان

أثارت موجة التغييرات في العالم العربي طائفة من ردود الفعل بخصوص "الأقليات"، وهو وإن كان مصطلحاً ملتبساً، الاّ أنه مصطلح مستخدم من جانب الأمم المتحدة، خصوصاً بإعلان حقوق الأقليات الصادر عام 1992 أو إعلان حقوق الشعوب الأصلية الصادر عام ،2007 وإنْ كنت أميل منذ عقدين من الزمان إلى استخدام مصطلح "التنوّع الثقافي" بدلاً من مصطلح الأقليات .
وأرى أن مصطلح "التنوّع الثقافي" ينطلق من مبادئ المساواة والتكافؤ إزاء التكوينات المختلفة، بعيداً عن حجمها وعددها، أقلية أو أكثرية، فالحقوق لا بدّ أن تكون متساوية وتشمل جميع البشر، ولا يمكن التمييز بينهم بسبب عددهم، كما أن هذه الحقوق شاملة وعامة، وتخصّ الإنسان بغض النظر عن عرقه ودينه وقوميته ولغته وجنسه وأصله الاجتماعي، وهي حقوق لا يمكن تجزئتها أو الانتقاص منها أو المفاضلة بينها لأي سبب كان .
وإذا كانت التغييرات قد انعكست على موضوع "الأقليات" الذي سنستخدمه مجازاً ونقصد "التنوّع الثقافي"، بشيء من القلق والترقب والحيرة أحياناً، فذلك لسببين رئيسين:
* الأول: هو ما صاحب عملية التغيير وما أعقبها من فوضى وأعمال عنف، استهدفت بهذا القدر أو ذاك التنوّعات الثقافية سواءً المسيحيين أو الأقباط أو الكرد أو التركمان أو الإيزيديين أو الصابئة أو الأمازيغيين أو غيرهم .
* والثاني: هو صعود التيار الإسلامي، لاسيما في تونس ومصر والمغرب في أول انتخابات بعدما اصطلح على تسميته "الربيع العربي"، عوضاً عن انتعاشه في ليبيا واليمن وسوريا، الأمر الذي أثار مخاوف مشروعة في الأغلب ومبالغٌ فيها في بعض الأحيان، خصوصاً ما أثير من علاقة الدين بالدولة، فضلاً عن علاقته بمفهوم الهوّية والحقوق الفردية والجماعية ومبادئ المواطنة والمساواة والمشاركة في إدارة الحكم وتولّي المناصب العليا، لاسيّما بالنسبة "للأقليات"، وكذلك في الموقف من حقوق المرأة . وإذا كان التوافق الذي تحقّق مؤخراً بالتصويت على الدستور التونسي (في الجمعية التأسيسية والذي حظي ب200 صوت من مجموع 217) وقبله نجاح الاستفتاء على الدستور المصري بنسبة 98% من عدد المصوتين الذي بلغ 38%، وهي نسبة أكبر من التصويت على دستور الأخوان العام ،2012 بادرة إيجابية باتجاه تأكيد هوّية الدولة وإقراراً للتنوّع والتعددية، لكن التحدّيات التي تواجه التنوع الثقافي لا تزال كبيرة فضلاً عن تعرّض الكثير منها إلى الاستهداف واضطرارها للهجرة، الأمر يحتاج إلى آليات عملية لحمايته وتعزيز روح المواطنة المتساوية، خصوصاً وأن الكثير من الهلع حد الخيبة كان قد أصاب "الأقليات" منذ البداية، لاسيّما أعمال العنف والبلطجة التي تعرضت لها، وإن كانت قد شملت الجميع، لكن تأثيرها فيهم كان واسعاً وعميقاً، وهو ما دفع أوساطاً غير قليلة منها لاعتبار ما سمّي بالربيع العربي، خريفاً لها، بل إن بعضها حاول التشبث بالشرعيات القديمة القائمة .
وأصل منشأ الالتباس في موضوع "الأقليات" لا يقتصر على القوانين الدستورية والممارسات العملية، بل يمتدّ إلى القانون الدولي أيضاً، فحق تقرير المصير كما ورد ذكره في ميثاق الأمم المتحدة يتعلق بالشعوب peoples الأمر الذي أحدث نقاشاً في مؤتمر سان فرانسيسكو الذي صيغ فيه الميثاق، وقد وردت عنه استخدامات متعددة، فأخذ الحديث تارة عن (دولة) State وأخرى عن (أمة)Nation وثالثة عن (شعب)People تحت مفهوم متقارب، كما جاء ذكره في نظام الوصاية الدولية، الأمر الذي أثار نوعاً من الالتباس أحياناً، وهو ما تعرّض له المفهوم لاحقاً بمعناه الفقهي أو بتطبيقاته العملية .
ولعلّ ذلك يستوجب متابعة التطور التاريخي والسياقات القانونية التي مرّت بها فكرة حق تقرير المصير . ولا بدّ هنا من التوقف جدّياً عند قرار تصفية الاستعمار "الكولونيالية" رقم 1514 الصادر في 14 ديسمبر/ كانون الأول ،1960 وبقدر رمزية القرار الذائع الصيت والذي اكتسب شهرة كبيرة وكان بعنوان "إعلان منح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمرة" فقد تزامن صدوره مع أجواء إيجابية كانت شعوب آسيا وإفريقيا تتطلع إليها، خصوصاً وقد أعلن "أن لجميع الشعوب الحق في تقرير المصير" (وهو ما ورد لاحقاً في العهدين الدوليين الخاصين بحقوق الإنسان العام 1966) كما أكّد على "حق هذه الشعوب في أن تحدد بحرية مركزها السياسي وأن تسعى بحرية إلى تحقيق نموّها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي" .
وعلى الرغم من احترام مبدأ حق تقرير المصير ومنح الاستقلال في القرار 1514 والقرار الذي تلاه، الاّ أن الاتجاه العام كان يميل إلى استبعاد "الأقليات" من التمتع بهذا الحق، في نظرة تقييدية لاستخدام هذا الحق، لأنه ينطبق على الشعب، وليس على الأقليات التي قد لا تكوّن شعباً، أي أن حق الاستقلال وتكوين دولة مستقلة حسب القانون الدولي أعطي للشعب وليس للأقلية، بل لكامل الشعب في الإقليم Territory، والشعب هو الذي يمارس هذا الحق، ومصدر هذا التحفظ يعود إلى مبدأ وحدة الإقليم وكي لا يؤدي إلى تفتيت الوحدات الوطنية .
وظلّ هذا الأمر محطّ جدل كبير في الأمم المتحدة وخارجها لمدة عشر سنوات تقريباً حتى صدر القرار رقم 2625 في 24 نوفمبر/ تشرين الثاني 1970 تحت عنوان "إعلان مبادئ القانون الدولي المتعلق بعلاقات الصداقة والتعاون بين الدول وفقاً لميثاق الأمم المتحدة" والذي عُرف بإعلان التعايش السلمي متضمناً سبعة مبادئ أساسية، تشكل جوهر مبادئ القانون الدولي . وقد ورد في هذا القرار إشارة إلى حق تقرير المصير في ثلاثة مباحث مع تأكيد الحديث عن عدم المساس بوحدة أراضي الدولة، لكن الفقرة السابعة من الإعلان المتعلقة بحق تقرير المصير ربطت حق الاستقلال بالحكومة التمثيلية، وجعلت من الوحدة الإقليمية منوطة بها مع تأكيد حق تقرير المصير .
يمكن التمييز بين مفهومين لحق تقرير المصير:
الأول على أساس الإقليم، ويعني حق الشعب في "الدولة" بمكوّناته المتنوّعة في حكم نفسه بنفسه من دون تدخل خارجي على أساس سياسي ودستوري، لاسيّما للشعوب المستعمَرة، أما الثاني فعلى أساس الهوّية، ذلك أن مفهوم الشعب يعني "مجتمع إنساني" يعود إلى سمات إثنية وثقافية متميّزة . وهكذا يصبح حق الشعب في تقرير المصير يخضع للهوّية الثقافية والإثنية، وهو ما يطلق عليه حق تقرير المصير ارتباطاً بالهوّية وليس بالاقليم طبقاً للمفهوم الأول . وعلى أساس ذلك أعطت محكمة العدل الدولية رأياً استشارياً بخصوص شرعية انفصال كوسوفو من طرف واحد العام ،2010 وتقرر إعلان استقلال جنوب السودان في العام 2011 بعد استفتاء للجنوبيين، وقبل ذلك قيام دولة تيمور الشرقية بقرار من مجلس الأمن، ولكن المجتمع الدولي ظلّ عاجزاً عن استصدار قرار بقيام الدولة الفلسطينية طبقاً لقرار الأمم المتحدة 181 لعام 1947 بسبب ازدواجية المعايير وانتقائية السياسات، ودور القوى المتنفذة، علماً بأن الاعتراف بهذه الدولة زاد على ثلثي أعضاء الأسرة الدولية .
ولعلّ هذه القرارات تعتبر سوابق دولية قانونية وقضائية، بخصوص "التعددية الثقافية" الدينية والقومية في الدول ذات التنوّع، وسيكون لها دلالات فكرية وسياسية وكيانية على صعيد موضوع الهوّية، يمكن الاستناد إليها دولياً لإعلان الاستقلال من طرف واحد أو بقرار دولي أو قضائي، فيما إذا كانت الظروف الموضوعية والذاتية تستجيب لذلك، وهو الأمر الذي لا بدّ من إدراكه كجزء من المستجدّات الدولية!!



92
الحزين الذي لم تفارقه الإبتسامة

عبد الحسين شعبان
لا يقابلك إلاّ بابتسامة عريضة، وهو الرجل الذي يقارب على انتهاء عقده التاسع، فعلى الرغم من مسحة الحزن التي تتجمّع خلف عينيه الذكيتين اللامعتين، إلاّ أنه سرعان ما يبدّدها، فيبدو بشوشاً مثل طفل، متطّهراً من كل ما يخدش براءته.
على مدى سنوات الخمسينيات والستينيات شغل أرقى المواقع الرسمية والمدنية في العراق، خبيراً اقتصادياً ونفطياً ووزيراً، وقبل ذلك سياسياً من الطراز الرفيع، امتاز بالاعتدال والوسطية ولم يكن ميّالاً للعنف والقسوة، وكانت العروبة هي رابطته الإنسانية الحقوقية وهويته مع بني قومه، فكان عروبي الهوى والمشاعر، عراقي الانتماء والتكوين، إنساني النزعة.
ارتبط خلال تلك السنوات بعلاقات متميّزة مع أهم الشخصيات العراقية والعربية، وكان محطّ ثقتها اتفق أو اختلف معها: جمال عبد الناصر وكامل الجادرجي وعبد الرحمن البزاز وخير الدين حسيب ومحمد مهدي كبّة وصدّيق شنشل ومحمد حديد وعبد اللطيف الشواف وحسين جميل وعبد السلام عارف وعبد الرحمن عارف وناجي طالب وجلال الطالباني ومسعود البارزاني وعبد الفتاح ابراهيم ومحمد بحر العلوم ومحمد حسين فضل الله وسليم الحص وعبد الرحمن اليوسفي وأحمد بن بلّه وحافظ الأسد وعشرات من الأسماء والشخصيات الثقافية والفكرية اللامعة.
دخل الوزارة وخرج منها وعاد إليها وتركها، وتحالف وانقلب، واتفق واختلف وأصاب وأخطأ وعرف حياة السجن ، مثلما حصد المنفى نحو نصف عمره، وعاش العمل الميداني المدني ورئس منظمات وجمعيات ونقابات واتحادات عراقية وعربية، مثلما كان له شأن كبير وباع طويل في العمل الدولي، سواءً في الأمم المتحدة وهيئاتها أم في المنظمات الدولية المدنية، وفي كل تلك المجالات ترك بصمة واضحة، وكان نظيف الكف وعفيف اللسان، وخلافه حضارياً ولغته وقورة، وسيلته لخوض الصراع تنسجم مع غاياته الشريفة، لا يردّ الإساءة بمثلها، ويكاد أن يصبح رمزاً للتسامح والخلق الرفيع، في مجتمع تنتشر فيه ثقافة اللاتسامح والثأر، هكذا يأتيك شفيفاً مثل الريح الخفيفة التي تسبق المطر.
لم تترك فيه حياة السجن التي عاشها لعام وشهر أية ندوب نفسية أو حقد أو كراهية أو رغبة في الانتقام، حتى إزاء سجانيه، وكثيراً ما كان يبدي عطفاً عليهم، فقد امتلك روحاً رياضية عالية، وهو من القلائل الذين عرفتهم من كان يحمل هذا القدر من الغفران، باعتباره أحد المثل العليا التي يؤمن بها. ولم يدع ردّ الفعل أو التشفي يتسلل إلى قلبه، بل قابل حتى المسيئين بالتسامح،  دون نسيان، إذ لا بدّ لدائرة الضوء أن تكون واسعة لا بقدر ما يتعلق الأمر به، بل إزاء كل انتهاكات وتجاوزات تنتقص من إنسانية الإنسان.
لقد دفعه سجنه إلى التفكير بتأسيس منظمة عربية مهنية تدافع عن حقوق الإنسان وتنشر ثقافته، وعلى هامش اجتماعات مركز دراسات الوحدة العربية وندوة أزمة الديمقراطية في العالم العربي في ليماسول (قبرص العام 1983)، إلتأمت المنظمة العربية لحقوق الإنسان وأصبح نائباً للرئيس وبعد ذلك رئيس لما يزيد عن عقد من السنين.
وحينما شعر أن أداء المنظمة التي ساهم في تأسيسها أخذ بالتراجع متجهاً نحو الشخصنة والانفراد، أعلن من على منبرها في الرباط في مؤتمرها الرابع في العام 1997 استقالته وعدم ترشيح نفسه، واضعاً حدّاً بين المهني والسياسي، وبين العمل الجماعي والفردي، خصوصاً وقد تفاقمت قضية الاختفاء القسري لمنصور الكيخيا في القاهرة العام 1993، وعلى الرغم من صداقته المديدة مع محمد فايق الذي قضى عشرة أعوام في السجن، فقد أعلن ما كان يؤمن به على الملأ منسحباً بكبرياء فارس وأخلاق نبيل، واستمر في صداقته الحميمة، وفي دعمه للمنظمة، ولاسيّما في المحافل الدولية، حيث يعيش بالقرب من المقر الأوربي للأمم المتحدة، وبذلك ميّز بين الاختلاف والمبادئ وبين الصداقة والمهنية. كان يأمل أن يتم التخلّص من حكم الاستبداد في العراق بتعاون وطني واسع، وفكّر بحاجات العراق في الميادين المختلفة، لاسيّما بعد أن بدأ الحصار يفعل فعله، فدعا نخبة من الاختصاصيين لتأسيس هيئة استشارية وعقدت عدداً من الاجتماعات طبع بعضها في كراسات، وحين دعي للانضمام إلى قيادة المعارضة كان يمثل الصوت العقلاني، فوقف ضد الحصار وضد ضرب العراق وضد القرارات الدولية المجحفة. وحينما دعاه السيد محمد بحر العلوم لإلقاء محاضرة في لندن في مركز آل البيت العام 1992، خاطب الجمع المتحفّز للانقضاض على السلطة لقضمها: لم يبقَ لصدام حسين حلفاء، فلا حلفاء عرب ولا دوليين، غربيين وشرقيين، مثل العام 1980 إبان الحرب العراقية – الإيرانية، والحصار بدأ يفعل فعله، وشبكة الأتباع والمريدين الداخليين والعرب بدأت تشحّ بحكم شحّ المال، وإعلامه أصبح غير مؤثر وبلا صدقية، وسلاحه متقادم وغير كاف، وحزبه أصبح ضعيفاً ومتآكلاً وجيشه غير مضمون وباستثناء بقاء جهاز المخابرات مرعباً ومخيفاً على المستوى الداخلي، وهو الآخر تسرّبت إليه الكثير من الشكوك ، لكن له حليف جديد وهو “المعارضة العراقية” بخطابها الذي يصبّ في خدمته، ولاسيّما “المجموعات” التي تؤيد استمرار الحصار الدولي وتدعو الأمم المتحدة إلى تشديده، وتدافع عن استخدام القوة ضده وتطالب الغرب بالمزيد من القرارات الدولية المجحفة، الأمر الذي سيؤدي إلى استمرار حال البؤس والمديونية والفوضى حتى بعد الإطاحة بالنظام.كان جريئاً وواضحاً ويتحدث بعفوية وجدانية وبحرارة مناضل مسؤول، قلبه يكاد يُدمى على ما أصاب العراق من خور وتمزّق، مثلما كان يعرف بخبرته ومعرفته ماذا يعني استمرار الحكم الدكتاتوري، وعندما تقرر عقد اجتماع تمهيدي في فيينا لاختيار رئاسة ثلاثية كان هو الأول فيها، إضافة إلى مسعود البارزاني الذي التقاه على أمل عقد اجتماع موسّع ولجنة تحضيرية للتهيئة لذلك بكتابة بيان، لكن تلك المحاولات تم صرف النظر عنها، ولاسيّما بعد تسريبات مسيئة لحملة خفية ضده في الصحافة العالمية.
إنه المهندس، بل نقيب المهندسين الأسبق الذي علّمه علم الهندسة أن السياسة تحتاج إلى بناء قوي، مثلما تحتاج إلى أدوات ووسائل، خصوصاً وكان الوصول إلى الهدف يقتضي استخدام جميع الامكانات مباشرة أو بصورة غير مباشرة، فحاول استثمار علاقاته الدولية والعربية وصلاته الدبلوماسية عشية الاحتلال، ونظّم مع عدد من زملائه زيارات إلى أمير الكويت وملك الأردن ورئيس مصر لشرح وجهات نظر جزء من المعارضة التي تسعى للتغيير على أساس مشروع وطني، وعندما أطيح بالنظام بفعل الاحتلال. ونصّبت قوات التحالف بول بريمر حاكماً مدنياً للعراق، شعر بالخديعة التي دفعته إلى الخيبة، وامتلأ حلقه بالمرارة، ولم يتوانَ بعد زيارة بائسة إلى بغداد لم تدم أكثر من عشرة أيام، إلى العودة من حيث أتى، فكيف لوطني عروبي أن تكون مرجعيته السياسية بول بريمر الذي يأمر ويُطاع بلا حدود، فانسحب بصمت في حين راح الآخرون بالابل. لعلّه نموذج نادر للأصالة وعزّة النفس الوطنية الصادقة بلا رتوش أو مزاعم، وظلّ يملّح كل مواقفه بابتسامة شفيفة فيها طرف من الحزن العميق والألم الممض.
قبل عقدين من الزمان زرنا بصحبة د. خير الدين حسيب والحزين الذي لا تفارقه الابتسامة، محمد حديد في دار للعجزة في لندن، وتجاذبنا أطراف الحديث معه، ولاسيّما الإسراع في كتابة مذكراته، وكان هو ينتظر أيامه الأخيرة، ودّعناه على أمل اللقاء، وعند الباب إلتفت إليّ قائلاً هذا هو مصيرنا، وكأنه يتنبأ بما سيؤول إليه وضعه، حين فارقته رفيقة عمره، وانكفأ هو يلوك أحزانه ويمضغ وحدته، مفضلاً العزلة بعد احتلال بلده، وهكذا أراد له القدر أن يقضي أيامه الأخيرة في دار للعجزة، في مواجهة جبل شاهق مكسواً بالثلج الأبيض مثل قلبه، خصوصاً وقد انمسحت ذاكرته ونسي التفاصيل، وعاد من جديد طفلاً جميلاً ينتظر أن تزوره الحقيقة الوحيدة المطلقة، وما عداها كل شيء نسبي!
إنه الحزين الذي لا تفارقه الابتسامة !؟
إنه أديب الجادر
{ مفكر وأكاديمي



93
الأنبار: البحيرة والأسماك الخبيثة

عبد الحسين شعبان
أكّدت المفوضية السامية لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، إن عدد اللاجئين من محافظة الأنبار غرب بغداد، بلغ 140 الف شخص، وذلك منذ اندلاع الاشتباكات بين القوات الحكومية من جهة وعدد من أبناء العشائر من جهة وبين مقاتلي داعش الذين انتشروا في الصحراء، ثم عادوا وتسللوا إلى الفلوجة، منذ نهاية العام 2013 ومطلع العام 2014 وإلى الآن، من جهة أخرى.
وبعيداً عن السياسة فإن مطالبات ساحات الاعتصام المشروعة في غالبيتها، حسب إقرار الحكومة، التي شكّلت لجاناً لدراستها ووضع الحلول الناجعة، فإن المشكلة استمرت، ولاسيّما تلكؤ الحلول أو تعثر المعالجات المطلوبة، خصوصاً وأن المسألة بحاجة إلى إجراءات سريعة وعاجلة، الأمر الذي ساهم في زيادة معاناة المواطنين من أبناء هذه المناطق الذين لم يغادرهم الشعور بالإجحاف والغبن، خصوصاً وقد شهدت الفلوجة وحدها، وبغض النظر عن الأسباب والمبررات، أربع عمليات اقتحام واستباحة منذ العام 2004، خلال حكومة الدكتور إياد علاوي والدكتور ابراهيم الأشيقر (الجعفري) ونوري المالكي.
الجانب الإنساني في معاناة أهالي الأنبار كان هو الطاغي هذه المرّة على الجانب السياسي والأمني، فقد فرّ نحو 65 ألفاً من أبناء محافظة الأنبار في ظروف قاسية، بعضهم توجه إلى إقليم كردستان والأخر إلى مدن كربلاء وبغداد ومحافظتي صلاح الدين والموصل ومناطق أخرى، علماً بأن الكثير من المدنيين غير قادرين على مغادرة مناطق تشهد معارك وقصف مستمرين، ويعاني سكان هذه المناطق من نقص في الغذاء والدواء وشحّ في الوقود.
وإضافة إلى الاشتباكات فإن تحذيرات الحكومة بضرورة مواجهة الارهابيين وضع  على سكانها مهمات قد يكونون غير قادرين على القيام بها أو الاضطلاع لإنجازها أو الاستعداد لذلك، حتى وإنْ تطوّع بعضهم، الأمر الذي أدّى إلى هجرة واسعة وهي أكبر هجرة حسب وزارة الهجرة والمهجرين في العراق منذ أعمال العنف الطائفية التي ضربت العراق عامي 2006-2007.
ما زال هذا الملف الإنساني يزداد تضخّماً، وعلى الرغم من عودة عدد من اللاجئين في الخارج والنازحين في الداخل إلى مناطقهم، فإنهم لا يزالوا يعانون الكثير من المصاعب، ومع ذلك فإن عدد المشرّدين والذين تركوا مناطق سكناهم زاد على مليون و13 ألف، وهم في بغداد وديالى والموصل، حسب معلومات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.
ولعلّ من أخطر ما يواجهه سكان الأنبار المتبقين وغير القادرين على مغادرة مدنهم ومناطق سكناهم، هو الأضرار البالغة المادية والمعنوية التي تعرضوا لها، سواء انقطاع الدوام في المدارس والكليات ودوائر الدولة، إضافة إلى حالة الرعب التي يمرّ بها الأطفال وجو الخوف السائد والمواجهات المتواصلة، سواءً بين قوات الحكومة والقوى العشائرية التي معها، وبين بعض العشائر التي ضدها، يضاف إلى ذلك مخاطر وجود تنظيمات داعش والقاعدة والتنظيمات الارهابية الأخرى.
إن معظم الذين نزحوا من الفلوجة، لا يزالون خارجها منذ أسابيع، وقسم منها سكن لدى أقارب والقسم الآخر اضطرّ للبقاء في بعض المدارس أو الجوامع أو حتى المستشفيات، وقد أفاد أدريان إدواردز المتحدث باسم المفوضية السامية للاجئين في جنيف، إلى أن المفوضية غير قادرة على تلبية احتياجاتهم أو رعايتهم كلاجئين أو نازحين.
وتمكنت المفوضية من إرسال بعض البطانيات والأفرشة للنوم وبعض القطع من القماش الواقي ومستلزمات النظافة والطعام كمواد إغاثية، ولكنها غير كافية، مثلما أرسلت وزارة الهجرة والمهجرين بعض هذه المواد والمساعدات، لكن القسم الأكبر من النازحين لا يزالون بحاجة ماسّة إلى الغذاء والرعاية الطبية، ولاسيّما لبعض الأطباء النفسيين، خصوصاً وإن انعدام حالة الأمن وانتشار الرعب في أوساط النازحيين، وخصوصاً من الأطفال وعدم ذهابهم إلى المدارس، فضلاً عن ظروف السكن السيئة، قد ساهم في تفاقم الأوضاع المأسوية وغير الطبيعية. وقد طلبت الأمم المتحدة من حكومة بغداد تسهيل فتح ممرات إنسانية للوصول إلى العوائل النازحة، والذين تقطعت بهم السبل في محافظة الأنبار.
لقد كان لتدمير الجسور المؤدية إلى منطقة الاشتباكات المسلحة، والجهات التي تستضيف النازحين، دور في تدهور الحالة الانسانية للنازحين، وعاظم من معاناتهم، ولاسيّما شعورهم بأنهم ” أسرى” أو “مختطفون”، لا يعرفون متى يتم الاجهاز عليهم، خصوصاً وقد تعذّر الوصول إليهم، ولعلّ وضع هؤلاء المأسوي يتطلب معالجات سريعة وحاسمة، تقضي بإيصال الإمدادات الضرورية لهم أو نقلهم إلى أماكن آمنة بعيدة عن أطراف الصراع، فهؤلاء المدنيون أصبحوا ضحية لنزاع لا ناقة لهم فيه ولا جمل، علماً بأن طرفي النزاع كما أفاد الكثير من اللاجئين لا يحترمون بروتوكول جنيف لعام 1977 الخاص بحماية ضحايا المنازعات المسلحة غير الدولية، وهو ملحق اتفاقيات جنيف الأربعة لعام 1949.
وإذا كانت محافظة الأنبار وأهلها قد فتحوا أبوابهم وقلوبهم لاستقبال اللاجئين السوريين الذين فرّوا من سوريا بسبب النزاع المسلّح، فإنهم اليوم بأشد الحاجة إلى تقديم المساعدات الضرورية والعاجلة إليهم، وصولاً إلى عودتهم السالمة والآمنة إلى مدنهم ومناطقهم وسكناهم وتعويضهم عمّا لحق بهم من غبن وأضرار.
إن واجباً إنسانياً يقع على عاتق المنظمات الإنسانية والخيرية، بما فيها الصليب الأحمر الدولي، وجمعية الهلال الأحمر العراقية، إضافة إلى منظمات المجتمع المدني العراقية والعربية والدولية، يتلخص بالقيام بعمل عاجل وقبل قوات الأوان لوضع حد لمأساة سكان الأنبار، مع ضرورة احترام أن معادلة الأمن لا ينبغي أن تكون على حساب معادلة الكرامة، فالأمن مع الحقوق وليس ضدها، والأمن يتطلّب عدم التعرّض للمدنيين وتحت أية حجة أو ذريعة، ولا ينبغي أن يؤخذ أهل الأنبار بجريرة وجود إرهابيين من داعش أو تنظيمات القاعدة أو غيرها من التنظيمات والجماعات الإرهابية، ولا يمكن تجفيف البحيرة بحجة وجود بعض الأسماك الخبيثة فيها، أو إسقاط طائرة فيها ركاب مدنيون يربو عددهم على مئتين مثلاً بزعم وجود إرهابي على متنها.
وبعيداً عن السياسة أيضاً وخارج نطاق التفاصيل، فلا بدّ من اللجوء إلى مبادرة سريعة وعاجلة للحلول السلمية والتخلّي عن الحلول العسكرية، فهذه لوحدها ليست كافية للقضاء على الإرهاب، لأن مسألة الإرهاب مسألة سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية وغير ذلك، ويتطلب القضاء عليه واجتثاثه من أساسه وتجفيف منابعه تلبية المطالب المشروعة لسكان الأنبار وغيرها من مطالب الاعتصامات في صلاح الدين أو الموصل أو ديالى، إضافة إلى المطالبات الشعبية لعموم سكان العراق بالخدمات الصحية والتعليمية والكهرباء والماء الصافي ومحاربة الفساد المالي والإداري وإعادة هيبة الدولة وإنهاء وجود الميليشيات تحت أي مسمّى كان وقبل ذلك توفير الأمن والأمان.
ويحتاج الأمر إلى إرادة سياسية في التوجه إلى مصالحة وطنية حقيقية من خلال حوار جاد ومسؤول بمشاركة الجميع دون إقصاء أو عزل أو تهميش ، فهذا وحده يمكن أن يؤدي إلى تطويق الإرهاب والإرهابيين، ويقضي على معاقلهم ويمنع إيجاد حاضنة لهم، وعكس ذلك سيبقى بيض الإرهاب يفقس كل يوم، وتزداد المعاناة الإنسانية لسكان الأنبار وغيرهم من المناطق العراقية.
{ باحث ومفكر عربي


94
دستور تونس والعقدة الدينية

عبد الحسين شعبان

صوّت 200 نائب بالموافقة على دستور تونس الجديد من مجموع 217 نائباً، وهذا الدستور هو الثاني منذ "ثورة الياسمين" التي كانت شرارتها الأولى قد جاءت من سيدي بوزيد، حينما أحرق محمد بوعزيزي نفسه، والتي انتصرت في 14 يناير/كانون الثاني 2011 واضطر الرئيس السابق زين العابدين بن علي إلى مغادرة البلاد .
وكان تصويت المجلس التأسيسي على مشروع الدستور الجديد قد ترافق مع إعلان رئيس الوزراء الجديد مهدي جمعة عن تشكيل حكومة جديدة مستقلة خلفاً لحكومة علي العريّض، وهي الحكومة الثانية لحزب النهضة الإسلامي التي اضطرّت إلى الاستقالة، حيث ستضطلع الحكومة الجديدة بالتحضير لانتخابات جديدة (العام 2014) .
وعلى الرغم من الفوضى والعنف عقب موجة التغيير التي شهدها العالم العربي في السنوات الثلاث الماضية، إلاّ أن إقرار الدستور التونسي الجديد 26 يناير/كانون الثاني ،2014 وقبله الاستفتاء على الدستور المصري الجديد في 13-14 يناير/كانون الثاني ،2014 يعتبران تطوّرين مهمين على صعيد الانتقال الديمقراطي، من دون أن يعني ذلك انحسار التحدّيات الكثيرة التي واجهت التجربتين الفتيتين، سواءً من جانب بعض قوى الإسلام السياسي والجماعات السلفية المشاركة أو من طرف القوى التقليدية والمتضررة من التغيير، ففي كلا البلدين حاولت بعض القوى اختطاف ثمار التغيير ونتائجه لمصلحتها، أو أن بعضها سعى عندما لم يتمكّن من ذلك لحرفه عن مساره المدني وأهدافه المعلنة في الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية .
كان من المقرر إنجاز المجلس التأسيسي مشروع الدستور العام ،2011 لكنه تأخّر بسبب خلافات سياسية حادة، ولكن القوى السياسية المختلفة توصّلت في نهاية المطاف وبعد حوارات جادة وعميقة وجهود مضنية وتنازلات متبادلة إلى إقرار صيغة اعتبرت قياساً لجميع الدساتير العربية متقدمة، وتشكّل أساساً لبناء دولة مدنية بملامح تونسية، وكان للمجتمع المدني دور كبير في إنجاز ما تحقّق، لاسيّما لاتحاد الشغل ولنقابة المحامين وللرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان .
وقد تابع العالم العربي كلّه، بل والعالم أجمع، الحراك المدني التونسي، القانوني والدستوري والمهني، ولاسيما في مسألة إعداد الدستور التونسي الجديد وصياغاته النهائية، خصوصاً في ظل الاستقطابات والتجاذبات بين المعارضة والقوى المشاركة في الحكم، وبالتحديد "الترويكا" المتحالفة . وكانت لحظة التصويت على الدستور من أكثر اللحظات حساسية، فقد عكست عقلانية وإدراكاً لمعنى التوافق، وللاعتراف بالآخر باعتباره شريكاً لا غنى عنه، ولذلك توصل الجميع "بقناعة" إلى دستور توافقي، عبّر عنه الشيخ راشد الغنوشي زعيم حزب  النهضة بقوله "الله وفّق شعبنا الذي قام بثورة أنارت العالم . . . بالوصول إلى دستور توافقي بين التونسيين"، ولم يكن ذلك بمعزل عن تنازل الإسلاميين الذين يشكّلون أغلبية أعضاء المجلس التأسيسي في التخلي عن إصرارهم على اعتماد الشريعة الإسلامية كمصدر أساسي للتشريع، في حين وافق اليساريون والوطنيون والعروبيون وشبه الليبراليين على نص يعود لدستور العام 1959 وهو أول دستور بعد الاستقلال، يقول أن الإسلام دين الدولة .
تضمن الدستور 9 أبواب، حيث خُصّص الباب الأول للمبادئ الأساسية، وشمل على 17 مادة، تضمنت اسم الدولة ودينها ولغتها ونظامها الجمهوري وعلمها ونشيدها الوطني وشعارها، وخصصت بعضها إلى تأكيد حظر نزع الجنسية أو تسليم المواطنين إلى جهات أجنبية أو تغريبهم أو منعهم من العودة إلى الوطن، وضمان حرّية الفكر والتعبير والإعلام والنشر والاجتماع والتظاهر، والتنظيم الحزبي والنقابي والجمعياتي والمعارضة السياسية، وضمان حقوق المرأة وذوي الاحتياجات الخاصة، وتأكيد وحدة الوطن والدفاع عن حرمته والامتثال للقوانين وأداء الضرائب وتأكيد وجوبية الخدمة الوطنية، واعتماد نظام اللامركزية باعتباره أساساً للتنظيم الإداري الجهوي والمحلي مع الحفاظ على الشكل الموحّد للدولة، واعتماد السلم القائم على العدل باعتباره أساس العلاقة بين الدول والشعوب .
وشمل باب الحقوق والحريات، حق الحياة والكرامة الإنسانية ومنع التعذيب وحرية المعتقد وضمان الحق في الحياة الخاصة وسرّية المراسلات وحرمة المساكن والامتناع عن سحب الجنسية واعتبار العقوبة شخصية، والمتهم بريء حتى تثبت إدانته . ويعتبر باب الحقوق والحرّيات في الدستور التونسي الذي شمل 33 مادة من أفضل الدساتير العربية الحديثة على هذا الصعيد، وهو ثمرة من ثمار الحراك التونسي، لاسيّما بتأكيده على المواطنة الدستورية المستندة إلى حقوق الأفراد وواجباتهم المتساوية باعتبارهم مواطنين ينتمون إلى دولة يحكمها قانون ودستور ومؤسسات، وليس لأديان أو طوائف وإثنيات، وهو ما تورطت فيه بعض التجارب الدستورية الحديثة، كما هي التجربة الدستورية العراقية، التي تحدثت عن مكوّنات، في حين كان يفترض بها أن تتحدث عن دولة مواطنة .
وكان الباب الثالث بعنوان السلطة التشريعية الذي تضمن اختصاصاتها، لاسيّما انتخاب مجلس الشعب وشروط الانتخاب والترشيح لكل تونسي أو تونسية وذلك في 42 مادة، أما السلطة التنفيذية فقسمها الدستور إلى قسمين وأجملها في الباب الرابع، القسم الأول- رئيس الجمهورية وصلاحياته وطريقة انتخابه من جانب البرلمان (أغلبية ثلثي أعضاء مجلس الشعب) والقسم الثاني، الحكومة، الذي حددّ اختصاصاتها وطريقة تكوينها واتخاذ قراراتها .
أما الباب الخامس فقد اختص بصلاحيات السلطة القضائية وواجباتها ووظيفتها واستقلاليتها ودور القضاة، معتبراً كل تدخل بالقضاء جريمة لا تسقط بالتقادم، وهو نص لم أجد ما يوازيه في الدساتير العربية، واضعاً بعض الضوابط لتأسيس المجلس الأعلى للسلطة القضائية باعتباره شخصية معنوية مستقلة إدارياً ومالياً، وكذلك للقضاء العدلي الذي يشمل محكمة التعقيب ومحاكم الاستئناف والمحاكم العقارية وغيرها .
واختصّ الباب السادس بالسلطة المحلية، التي يفترض تأسيسها على أساس اللامركزية الإدارية، وتنتخب المجالس المحلية والبلدية بالانتخاب المباشر الحر والسري .
أما الباب السابع فقد خُصص للهيئات الدستورية، وهي هيئات توسّع الدستور التونسي على سواه من الدساتير في تحديدها، مؤكداً استقلاليتها مثل الهيئة المستقلة للانتخابات، والهيئة المستقلة للإعلام، وهيئة التنمية المستدامة وحقوق الأجيال القادمة، والهيئة الوطنية لحقوق الإنسان، والهيئة الوطنية للحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد، وهي هيئات مستحدثة أخذت بعضها عدد من الدساتير العربية الجديدة ولكنها لم تكن بهذا الاتساع والشمول .
أما الباب الثامن فقد تناول طرق تعديل الدستور الذي منح الحق بموجبه لطلب التعديل إلى رئيس الجمهورية أو ثلث أعضاء مجلس الشعب . وكرّس الباب التاسع للأحكام الختامية، فاشترط عدم تعديل الدستور الاّ بعد خمس سنوات من دخوله حيّز التنفيذ، كما اعتبر محظوراً تعديل دين الدولة (الإسلام) ولغة الدولة (العربية) وطابع نظامها (الجمهوري) وصفة الدولة (المدنية) ومكتسبات حقوق الإنسان وحرياته المضمونة في الدستور وعدد الدورات الرئاسية ومددها بالزيادة (وذلك باعتبارها مواد جامدة) صيغت على أساس التوافق الوطني والعقد الاجتماعي الجديد .
لم يكن الوصول إلى صيغة الدستور التونسي الجديد مهمة يسيرة، فقد جاء بعد مخاض عسير وشد وإرخاء وتراجع وتقدم، لكن الجميع تحلّى بشجاعة "المنتصر" للوصول إلى صيغة التوافق، التي قد تكون روح خيرالله التونسي المصلح الدستوري الكبير قد خيّمت على أجواء السجال والنقاش التي عكست نضجاً وعمقاً كبيرين .



95
«الكويتية» استضافت نخبة من المفكرين العرب لرصد الواقع واستشراف المستقبل (1-2)

الواقع العربي الجديد.. أين نحن الآن وإلى أين نسير؟

أدار الندوة: عادل بدوي


■ نحتاج إلى عدالة انتقالية ومساءلة دون كيدية أو ثأر عن كل الذي جرى في السابق ويجري في الحاضر
■ الفقر والحرمان من المشاركة السياسية حركا الربيع العربي من القواعد الشعبية
■ المجتمع المصري قاوم الإخوان بسرعة مذهلة.. والمقاومة كانت من جسد الشارع
■ فرص التنمية متاحة عربيا .. وأهل الاقتصاد دائما ينظرون إلى المشكلات كفرص
■ رأس المال لن يبتعد أبدا.. سيبقى دوما صانعا ومؤثرا  في الإعلام
■ الثقافة والإبداع يقومان على أساس الحرية الاجتماعية وهذا ما لم يتوافر عند الإخوان
■ الأحزاب التي ظهرت في مصر بعد 25 يناير بلغت 83 حزبا وهذا دليل انقسام
■ نتحدث عن الديمقراطية بملء أفواهنا ولا أحد يؤمن بما تفرضه علينا من التسامح وقبول الآخر
■ الناس في مصر أكثر نضجا من النخب السياسية والشارع أسبق وهو الذي يقرر في النهاية
■ الربيع العربي امتداد للموجة التي جاءت لأوروبا الشرقية وأميركا اللاتينية
 
 
الكويت عاصمة المؤتمرات، فخلال فترة وجيزة استضافت الكويت القمة الآسيوية، ومن بعدها القمة العربية-الأفريقية، ثم مؤتمر المانحين لدعم سوريا، وغيرها من المؤتمرات والندوات الفكرية، «الكويتية» استضافت خمسة من المفكرين والأكاديميين والإعلاميين العرب لبحث الواقع العربي الجديد من عدة وجوه ومحاور، واستشراف المستقبل القريب في ظل التحديات الداخلية والخارجية التي تحيط بالعديد من البلدان العربية، سواء التي شهدت ثورات فيما يعرف بالربيع العربي، أو تلك التي تسرع الخطى نحو الإصلاح.
في الجزء الأول من ندوة «الكويتية» تحت عنوان «الواقع العربي الجديد.. أين نحن الآن وإلى أين نسير» يتصدى المفكر العراقي د.عبدالحسين شعبان لملف حقوق الإنسان في العالم العربي، ويحدد مقومات العدالة الانتقالية التي تضمن محاسبة دون ثأر عن كل الذي حدث في السابق أو الذي يحدث الآن.
ويرصد د. أحمد زايد أستاذ علم الاجتماع وعميد كلية آداب القاهرة سابقا ظاهرة الربيع العربي اجتماعيا، وآثار الصراعات المذهبية والفكرية على المجتمع والأسرة العربية، وهل نحن أمام إعادة تشكيل للأسرة والمجتمع؟
وفيما يعرض الأمين العام لمنتدى الفكر العربي د. الصادق الفقيه لأبرز تحديات التنمية في الوطن العربي، مشددا على أن التنمية منتج استقرار، وإذا كان من الصعب جدا الحديث عن التنمية في وضع غير مستقر، غير أنه يؤكد أن المساعي مستمرة، وأن منتدى الفكر العربي وضع رؤية للعالم العربي عام 2025 بالتعاون مع الأسكوا، وعن الثقافة والفنون والأدب في ظل تجربة حكم جماعة الإخوان المسلمين، يتحدث الأستاذ شريف الشوباشي رئيس مهرجان القاهرة السينمائي الدولي سابقا، ووكيل وزارة الثقافة، ويؤكد أن الثقافة بروافدها من الفن والإبداع لا يجتمعان مع جماعات الإسلام السياسي، التي أظهرت موقفا سلبيا واضحا منذ البداية، الأمر الذي لم يطقه الشعب المصري، وثار عليهم وعزلهم بسرعة مذهلة.
وعن الإعلام العربي وهمومه يتحدث الإعلامي السعودي جمال خاشقجي، الذي يشغل حاليا مدير عام ورئيس تحرير قناة العرب الإخبارية، الذي ينفي أن الإعلام صانع ومحرك للأحداث العربية، ولكنه ساهم في تثقيف الشعوب، وبفضل التقنية الحديثة كان للإعلام الفضل في استمرار الزخم..
 الكثير من التفاصيل حول الواقع العربي الجديد في سياق النص التالي:
 
 
 
 
 
 
 
 
•«الكويتية»: العالم العربي يعيش الآن ما يشبه الصراع بين «الإسلام السياسي» و«الليبرالية الديمقراطية».. أين حقوق الإنسان في كل ما يحدث حولنا في الدول العربية، لأول مرة نرى الإنسان العربي تقطع أشلاؤه ويتعرض لعمليات وحشية على شاشات التلفزة.
 
المفكر العراقي د.عبدالحسين شعبان يسلط الضوء على ملف حقوق الإنسان في العالم العربي؟
 
- د.عبدالحسين شعبان: أود أن أعيد صياغة السؤال على نحو مختلف، لا أظن أن هناك صراعا بين الإسلام السياسي وما يسمى الليبرالية الديمقراطية، ربما هناك جزء من المشهد العام، وجزء من الصراع الذي يدور في المنطقة بين الإسلام السياسي وبين قوى متعددة ومتنوعة ومختلفة، فضلا عن ذلك هناك تحديات خارجية وداخلية لعل أبرزها التحديات الداخلية التي تتعلق بظاهرة الإرهاب واستشراء العنف في المنطقة على نحو سافر، واستمرار تفاوت الدخول وعدم التوزيع العادل للثروة بين المحرومين والمتخمين، واستمرار ظاهرة التخلف والأمية التي تبلغ أكثر من 70 مليون إنسان عربي، هذه تحديات ربما تواجه الفكرة الكونية لحقوق الإنسان في العالم العربي بما لها من خصوصيات، هناك أيضا خصوصية أخرى للعالم العربي أنه يعاني من الاستتباع، ويعاني من سياسات فرض الهيمنة والتأثير على القرار السياسي، فضلا عن ذلك تعاني الدول العربية من عدوان وصراع مستمر منذ ستة عقود ونيف من الزمان، دون أن يكون هناك حلول سياسية عادلة ومشروعة، ولاسيما للشعب العربي الفلسطيني، هذا كله ينعكس على حالة حقوق الإنسان في العالم العربي، علما بأن الحكومات العربية تركزت على الصراع الخارجي لكي تقايض قضية الإصلاح والديمقراطية، بزعم أن العدو الخارجي يدق على الأبواب.
 
ضاعت الأرض
 
 بعد ستة عقود ونيف من الزمان ضاعت الأرض، وقضية فلسطين زادت تعقيدا، وجرى تقزيم الأراضي بالتدريج وضم القدس والجولان، وهناك محاولات لضم الأغوار، ولكن يجرى تعديل في ملف الديمقراطية وملف حقوق الإنسان وملف التنمية المستدامة، الأمر الذي يزيد من حالة الازدراء لفكرة حقوق الإنسان، وهو الأمر الذي كان دافعا حقيقيا لحركة الناس واحتجاجها فيما سمي بالربيع العربي تحت شعارات ثلاث رئيسية، الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، وهي حركة نابعة من طول معاناة الشعوب العربية إزاء هدر الحريات، وهدر حقوق الإنسان وتعليق قضية التنمية، بزعم أن هناك صراعا خارجيا وأريد أن أقول إن هذا الملف سيبقى ملفا شائكا ومعقدا ربما لسنوات غير قليلة بحكم الإرث طويل الأمد، وبحكم غياب سيادة القانون، وبحكم عدم وجود استقلالية للقضاء وعدم فصل للسلطات وغياب التداولية السياسية التي كانت واحدة من المطالب الأساسية لحركة الاحتجاج أو التغيير التي شهدتها البلدان العربية، بالإضافة إلى شح الحريات وغياب أو ضعف دور الرأي العام ومؤسسات المجتمع المدني والنقابات والاتحادات الحرة، دفع لاستمرار حالة هدر حقوق الإنسان في العالم العربي.
 
•«الكويتية»: عفوا د.عبدالحسين عنوان ندوتنا هو «الواقع العربي» نريد أن نسقط ما تفضلت به على الواقع الحالي، في ليبيا واليمن وسوريا، الإنسان العربي الذي تعرض للهتك الجسدي في مشهد تندى له جبين الإنسانية، أين دور الحقوقيين؟ هل هناك توثيق لملف ضحايا الربيع العربي؟ وهل هناك توجه لدى الحقوقيين العرب بمتابعة هذا الملف قضائيا، ذلك أن جرائم مثل هذه لا تسقط بالتقادم؟
 
- د.شعبان: البلدان العربية تعيش مرحلة انتقالية قد تطول ربما لعقد أو عقدين من الزمان، توثيق الانتهاكات السابقة والحالية أمر يطول أيضا، وهذا الملف يكبر باستمرار، ما نحتاج إليه وربما ما تحتاج إليه البلدان العربية، تلك التي وصفتها التي عاشت حالة احتجاج وتعيش الآن مرحلة انتقالية، سواء في مصر أو ليبيا أو تونس أو في اليمن، ومستقبلا ربما في سوريا، ما نحتاج إليه هو ما نطلق عليه «العدالة الانتقالية»، وعندما نقول العدالة الانتقالية فإننا نقصد بذلك كشف الحقيقة كاملة عن كل الذي جرى في السابق والذي يجري في الوقت الحاضر.
 
ونحتاج أيضا إلى المساءلة، وهي ركن أساسي من أركان العدالة الانتقالية، دون كيدية أو دون انتقام وثأر، ونحتاج أيضا إلى جبر الضرر وتعويض الضحايا، كل ذلك على أمل إصلاح الأنظمة القانونية والقضائية والأمنية في هذه البلدان، وصولا لما يمكن أن نطلق عليه المصالحة الوطنية، بمعنى الانتقال من شكل نظام حكم إلى شكل نظام حكم آخر، في إطار الأسس التي ذكرتها وهي التداولية والتداول السلمي للسلطة، وحكم القانون واستقلال القضاء، وإشاعة الحريات وإعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس ديمقراطية بإجراء انتخابات حرة ونزيهة في إطار من الشفافية والمساءلة.
 
الأسرة العربية
 
•«الكويتية»: المشهد العربي الحالي يموج بإشكاليات اجتماعية عدة، ليس فقط على مستوى الفرق والجماعات التي تتصارع فكريا ومذهبيا، ولكن هذا الصراع امتد إلى ذات البين في الأسرة العربية، بين الشقيقين في الأسرة الواحدة، ما هي رؤية د.أحمد زايد أستاذ علم الاجتماع، وعميد كلية آداب القاهرة سابقا للمشهد الاجتماعي العربي، وهل نحن أمام إعادة تشكيل للأسرة العربية؟
 
-  د.أحمد زايد: لكي نفهم المشهد الحالي لابد أن نكون على خلفية لفهم التبعات والعوامل والأسباب التي أدت إلى ظهوره، ونفهم أن المجتمعات العربية التي شهدت الربيع العربي كان فيها ظروف متشابهة تقريبا، فتونس واليمن وليبيا كان فيها تقريبا ظروف متشابهة، وهي وجود نخبة متسلطة على قمة السلطة في سدة الحكم، تحيط بها نخب متعددة أخرى تدور كلها في فلك واحد، وتحاول تقديم رؤية للتنمية من وجهة نظرها، ولكن هذه الرؤية للتنمية لم تكن ناجحة، ووصفت هذه الرؤية بأنها فاشلة في التقارير الدولية، وحتى عوائد التنمية التي تحققت في دولة مثل مصر لم يحصل عليها الفقراء الذين كانت أعدادهم تتزايد باستمرار، وفي نفس الوقت الذي كانت تتزايد لديهم معدلات الحرمان، حتى الحرمان من المشاركة السياسية، كان هؤلاء الناس ينفتحون على عالم العولمة والتعليم والإنترنت، كل هذا أدى إلى شكل من أشكال الاحتجاج القادم من أسفل، وهذا الاحتجاج شامل وكان موجودا في داخل الأسر، ويتعاطى مع المتغيرات الفاعلة في المجتمع، هذه المتغيرات كانت فاعلة، وأنا هنا أتحدث عن صلب سؤالك، كانت هناك تيارات دينية تنتشر وتستخدم الدين بطرق وأساليب مختلفة لإقناع الناس، كمحاولة استخدام الدين بالمعنى السياسي، والبعيد عن صلب الدين بالمعنى البراجماتي العملي، وجماعات أخرى ليبرالية متعددة المشارب ومتعددة الأهداف ومنقسمة على نفسها وحتى في الاتجاهات الدينية، كان هناك انقسام في مصر على سبيل المثال، هناك السلفيون والإخوان المسلمون وحتى الإخوان ليسوا كتلة واحدة، بل هناك بينهم بعض الانقسامات الطفيفة وأصحاب السنة والجمعية الشرعية، أيضا على المستوى المدني الليبرالي هناك انقسامات مختلفة وكبيرة بين الاشتراكيين والليبراليين، وهناك انقسام داخل الليبراليين أنفسهم، بعد الثورة وصل عدد الأحزاب التي كونها الناس إلى حوالي 83 حزبا، وهذا دليل على أن هناك انقساما في المجال العام.
 
صراع إيجابي
 
• «الكويتية»: هل انعكس هذا الانقسام في الشأن السياسي العام على الأسرة والعلاقات الاجتماعية بين الناس؟
 
 - د.أحمد زايد: عندما نترك هذا المجال العام ونذهب للأسرة بلا شك سينعكس الانقسام الموجود في المجال العام بشكل آخر على المجال الخاص، ولذلك حصل انقسام في داخل الأسرة، فأحدهما يصوت للتيار الديني، والآخر يصوت لغير الديني، وأحدهما يقول نعم والآخر يقول لا، وعلى أي حال أنا لا أرى هذا الانقسام غير وظيفي، بالعكس له وظائف إيجابية أكثر منها سلبية، لأنه يعلمّ الناس التعددية التي نحتاج إليها في مجتمعاتنا العربية، إلى فهم عميق لمعنى هذه الكلمة، لأن التعددية عندنا آراء مختلفة، وكل رأي يعتبر الآخر عدوا، وبدلا من أن يتراشقوا بالأفكار يتراشقون بالأحجار، والأفكار ليست أحجارا، الأفكار تذهب وتأتي وتتفاعل فيما يطلق عليه علماء الاجتماع القائم على التدبر العقلي والتفكير العملي، أن أفكر في مصالح المجتمع تفكيرا عقليا وأتدبر الأمور لكي أصل إلى اتفاق حول ما يسمى بالصالح العام، هذا الكلام غير موجود في المجال العام، وينعكس داخل الأسرة فتفلسفه الأسرة بشكل أفضل، إنهم يختلفون لكنهم لا يتراشقون ولا يدخلون في صراع، ولذلك في مصر عندنا قناعة أن الناس في حياتهم اليومية أكثر نضجا من النخب السياسية، وأن النخب السياسية لا تتعاطى مع فكرة التعددية، ولا تؤدي الاستحقاقات الموجودة منها بشكل سريع، ولذلك نجد أن الشارع أسبق من النخب وهو الذي يقرر في النهاية، ونحن رأينا بالأمس القريب في الاستفتاء على الدستور، كيف أن الشارع هو الذي حسم كل الأمور، حسم النقاشات حتى الدائرة على مستوى العالم، بأن ما حدث في مصر انقلاب، ولا يوجد تأييد كبير أو أن الطرف الآخر فاعل وقوي، لأنه يثير الضوضاء والشغب، فأثبت الشارع للناس أنكم إذا كنتم اختلفتم على عدد من ذهب إلى التحرير، البعض يقول 30 مليونا والبعض 20 مليونا، فخرج في الاستفتاء 20 مليونا وقالوا نعم، إذن الشارع عنده إحساس عميق جدا وقوي تجاه الأمور السياسية، ونأمل أن يتبلور ذلك في المستقبل بشكل أفضل، وأن يذوب الاختلاف الموجود بين النخب، وينعكس على الشارع، نتمنى أن يأتي بالآخر إلى ما يسمى بالاتفاق العام، وأن تكون هناك منظومة قيم نجتمع حولها جميعا ومجموعة من الأفكار، وهناك إرادة سياسية تجمع المجتمع.
 
وأعتقد أننا بحاجة ماسة في بلدان الربيع العربي إلى أن نفهم أن جزءا من الثورات كان ثورات تفكيكية، بمعنى أنها ظهرت في زمن غير زمن الثورة، لأننا لا نعيش زمن الثورات، نحن في زمن العولمة، والعولمة تفكك العالم وتجعل الكل يختلف، وظهور الثورة في هذا الوقت جعل الثورة لا تتحرك وفق أمور الثورة، ولكن وفق أمور العولمة، فتزيد الأمور تفكيكا وتشظيا، ولذلك نحن في أمس الحاجة للاستقرار ولم الشمل والتجمع، وعلينا أن نفهم الديمقراطية بمعنى مختلف، فهي ليست خلافا وتعددية، ولكنها إنفاذ العدل وتحقيق المساواة بين المواطنين، فنحن نحقق الديمقراطية مع الإجراءات الشكلية لها، وحتى في الكتب الأكاديمية، المعاني العميقة للديمقراطية هي العدل والمساواة والمواطنة وحقوق المواطنين.
 
الردة على الثقافة والفنون
 
• «الكويتية»: تزامن مع حكم تنظيم الإخوان لمصر العام الماضي ما يشبه الردة على الثقافة والفن والموسيقى والسينما، السؤال للأستاذ شريف الشوباشي مدير مهرجان القاهرة السينمائي السابق، ووكيل وزارة الثقافة المصرية، كيف تقيم الحالة الثقافية الآن في مصر، وواقع الثقافة العربية في ظل المطروح الآن من وجود جماعات الإسلام السياسي، التي تنظر نظرة سلبية للثقافة وروافدها بشكل عام؟
 
ـ شريف الشوباشي: الإجابة على هذا السؤال في مضمون السؤال نفسه، فهذه الجماعات لا تتقبل من حيث المبدأ فكرة الفن والإبداع والثقافة والسينما، وأذكر أنني عندما كنت رئيس مهرجان السينما منذ حوالي خمس سنوات واجهت استجوابا في مجلس الشعب، وكانت أسئلة المستجوبين دون المستوى، وهذه قضية أخرى، والوحيد الذي كان يملك رؤية حقيقية كان نائب الإخوان المسلمين ولا أتذكر اسمه الآن، إنما هو أحد هؤلاء الزعامات، كانت لديه رؤية متماسكة أن الأفلام بها عري وكلمات إباحية، وقال أنتم تعلمون الشباب الفساد بمشاهد احتساء الخمر في الأفلام وغيره وأنت المسؤول، كان يوجه الكلام لي بطبيعة الحال، فقلت له إنني لست المسؤول، وبالتأكيد الثقافة والفن لكي يزدهرا لابد أن يكون هناك مناخ من الحرية الاجتماعية أكثر منه حرية سياسية، فعلى سبيل المثال أكبر ازدهار للفن وللمسرح وللفكر في فرنسا كان في أسوأ عصور القمع السياسي في عهد الملك لويس الرابع عشر، الذي أطلق عليه ملك الشمس والطاغية، لكن ظهر في عصره لافونتين وراسين وكولييه وموليير التي تسمى اللغة الفرنسية باسمه كما تسمى الإنجليزية بلغة شكسبير والعربية بلغة سيبويه، إنما الحرية الاجتماعية شيء آخر وكانت هذه مشكلة مصر في السنوات السابقة، حيث ظهر لنا من يخوفنا ومن يروعنا ومن يشير بأصابع الاتهام إلى الفن بمجمله، فإذا خرجت مجلة بها ذراع سيدة مكشوفة يثيرون قضية منها، وبالتأكيد وجود هذه التيارات في الحكم كان سيشكل مشكلة كبيرة، رغم أنهم في البداية تجنبوا المواجهة مع المجتمع، لكن من الواضح أن المجتمع قاومهم وبصراحة كنت متوقعا أن يحدث مقاومة، ولكن ليست بهذه السرعة، فالمقاومة كانت من جسد الشارع المصري، اعتراضا على نوعية الحياة التي أرادوا أن يفرضوها علينا، ممنوع أن ترتدي المرأة «المايوه» وممنوع أن تغني، فهذا هاجس يسيطر عليهم دائما، وجزء كبير من رفض حكم محمد مرسي وأعوانه كان بسبب الردة على الثقافة والفن والإبداع.
 
• «الكويتية»: هل الثقافة والفنون وتيار الإسلام السياسي لا يجتمعان؟
 
ـ شريف الشوباشي: حتى لو وجدت الفنون لديهم فماذا ستكون غير الأناشيد الدينية ومدح الرسول ومدح الصحابة والأئمة؟ لكن هل هذه هي الثقافة؟لا .. الثقافة والإبداع يقومان على أساس الحرية الاجتماعية، وكما قلت «هؤلاء» ضدان لا يجتمعان.
 
التنمية والحكم الرشيد
 
• الكويتية: الدكتور الصادق الفقيه أمين عام منتدى الفكر العربي، كنت مشاركاً على مدار أيام مضت في النقاش حول أزمة التطور الحضاري العربي، في الندوة الفكرية لمهرجان القرين الثقافي الـ 20، ما فهمناه أن هناك شبه إجماع على أننا متخلفون حضاريا، ولم نبدأ بعد في قطار الحضارة والتنمية، برأيك ما معوقات التطور الحضاري والتنمية المستدامة في العالم العربي، تبدأ بالبشر قبل الحجر؟
 
ـ د.الصادق الفقيه: التنمية بكل أشكالها هي منتج استقرار، وما دار الحديث حوله الآن لا يشي بأن هناك استقرارا ينتج ثقافة، ولا حتى استقرار ينتج حكما سياسيا رشيدا، وبالتالي لا يمكن أن تتحدث عن تنمية في وضع غير مستقر ومختلف عليه، فنحن لسنا متخلفين بقدر ما أننا  مختلفون، فالإنسان عندما يمتلك كل أدوات النماء وكل آليات التنمية ولا تتحقق له هذه التنمية، فالقضية ليست قضية تخلف تعوزالإنسان فيه الإمكانية، وإنما هي قضية اختلاف أو تأخر عن اللحاق بالركب الحضاري الإنساني، وخاصة أن الفرصة مهيأة لأن يستفيد الإنسان من التراكم العولمي للتحضر والتنمية، فالإشكالية في العالم العربي إشكالية مركبة من الصعب جدا أن تفصل تطورا عن بقية التطورات الأخرى، جميع الأزمات العربية خلقت كل الفرص المتاحة، الآن هناك فرص كثيرة للتنمية، لكن هناك أيضا معوقات وتحديات أساسية، إذا لم يتم تجاوزها فمن الصعب جدا أن تتحقق التنمية والاستقرار، أنت أشرت إلى كلمة «مستدامة»، وهذه ليست فقط تنمية اقتصادية أو عمرانية صاعدة، ولكن المقصود أن يتكامل كل ما يمكن أن نعتبره تنمية، بما في ذلك البشر والثقافة والحريات والعدالة وحقوق الإنسان، كل هذه الأشياء هي مقتضيات ومتطلبات التنمية المستدامة، التي لا تستطيع أن تتحدث عنها في ظل نظام متخلف سياسيا واقتصاديا وإعلاميا، أو نظام تجتمع به كل أشكال التخلف المعروفة وغير المعروفة، فالأوضاع السياسية الآن مضطربة جداً والعقل الذي يسعى للتنمية تتناوشه الكثير من المشكلات والعقبات، رغم أن الفرص متاحة وأهل الاقتصاد دائما ينظرون إلى المستغل للمشكلات كفرص، ونحن من خلال هذه المشكلات أيضا ننظر إلى فرص كثيرة يمكن أن تتحقق من خلالها التنمية إذا تركنا الاختلاف الذي يعد أهم مشكلة أساسية تواجهنا، فاختلافنا الواسع يجعلنا لا نستطيع حتى أن نتفق على تعريف شيء، نتحدث عن الديمقراطية بملء أفواهنا ولا أحد منا يؤمن بما تفرضه علينا الديمقراطية من متطلبات احترام الآخر والتسامح مع الآخر واحتمال وإعانة الآخر عندما ينتكس، فهذه الأشياء موجودة ولكن يصعب علينا تكييف حالة حضارية من خلالها، يمكن أن تتقدم بالتنمية للأمام، وأن نثق في أن الذي تحقق من تنمية يمكن استدامته إلى ما بعد ذلك.
 
• «الكويتية»: هل هناك مشاريع فكرية في العالم العربي تتبنى ذلك وتمهد إلى تأسيس تنمية مستدامة شاملة؟
 
ـ د.الصادق الفقيه: هناك عدد كبير من المشاريع الفكرية العربية، لأن اللحظة التي نعيشها لحظة قلق، وأول من يقلق هم المفكرون، وهنالك الآن العديد حسب علمي وصلتي المباشرة ببعض المؤسسات، هناك أكثر من مؤسسة عربية جماعية ومؤسسات قُطرية تعنى بهذه القضايا وتجتهد في ظل هذه الأزمات الكبيرة أن تبني أملا، لا أحد يستطيع أن يتأكد تماما من أن المشروع الذي يكتب اليوم يمكن أن يتحقق منه الناتج غدا، ولكن هنالك آمالا واجتهادات. منذ أيام قليلة اجتمعنا مع عدد من الدول العربية لوضع رؤية للعالم العربي عام 2025 بقيادة «ألاسكوا»، هناك فعلا مشروع مقدم التقى حوله عدد من الاستشاريين، ونوقش نقاشا مستفيضا والآن المشروع شبه جاهز كوثيقة ستقدم إلى جامعة الدول العربية، التي تجتهد أيضا من خلال مؤسساتها المختلفة في تقديم رؤى ناظمة لتنمية عربية مشتركة، في ظل هذه الأزمات نحن في منتدى الفكر العربي أيضا انتدبنا مجموعة من المفكرين، وقدموا لنا مشروعا نهضويا عربيا وأصدرنا ميثاقا اجتماعيا عربيا، وننشط الآن لتصدير ميثاق اقتصادي عربي، فقط للتوعية ولا نملك القرار الذي ينزل ما يفكر فيه المفكرون على الأرض، ولكن مجرد التوعية ودفع الفكر أو الرأي العربي للمطالبة بهذه الحقوق. د.عبدالحسين شعبان ساهم معنا مساهمة مقدرة في صياغة الميثاق الاجتماعي العربي، وقد أرسلناه لرؤساء الدول والحكومات وأجابوا إجابة مشجعة جدا، ولكن اعتقدنا أن هذا لا يكفي، الذي يكفي هو أن نذهب بهذا الميثاق إلى الجامعات وإلى الطلاب وإلى مؤسسات الشباب، ونفعل ذلك كل أسبوع تقريبا، لآن الوعي بالحقوق أهم من كتابتها والدساتير العربية حملت الكثير جدا من المضامين الإيجابية، لكن عدم العلم بهذه المضامين الإيجابية بالدستور كان سببه أنها حفظت في أدراج المؤسسات الرسمية، فبالتالي لن يستطيع المواطن أن يعرف حقه ليطالب به، نحن نريد أن يعرف الإنسان ماذا تعني التنمية وما الحق الذي يتأتى له من خلال ما يمكن أن يتحقق من تنمية حتى يسعى مع الجميع في تحقيق أو إحقاق هذه التنمية على الواقع العربي المعاصر.
 
• «الكويتية»: ربما الإعلام العربي يتحمل مسؤولية كبيرة في هذا الصدد؟
 
ـ د.الصادق الفقيه: الإعلام العربي شغلته تفاصيل وطوارئ الأزمة السياسية، فالإعلام كما يعلم الجميع ينفعل دائما بما هو سيئ أكثر مما هو حسن «bad news is always goodnews» والخبر الإيجابي والتنموي لن يصبح في يوم من الأيام خبرا إيجابيا، وهناك وسائل كثيرة يمكن أن تنشّط بها التوعية العامة في ما يلي الحقوق، ولكن لا نتوقع منه في زحمة الأحداث أن يعطينا مجالا أو فضاء نروج من خلاله إلى القيم الإيجابية.
الإعلام غير محايد
 
• «الكويتية»: الأستاذ جمال خاشقجي المدير العام لقناة «العرب الإخبارية»، الإعلام العربي هل هو صانع لأحداث أم مجرد ناقل لما يحدث؟ وهل ينقل الأخبار والأحداث بالحيادية والمهنية المتعارف عليها؟ أم أن رأس المال لا يزال يحرك ويوجه وسائل الإعلام العربية؟
 
ـ جمال خاشقجي: الإعلام العربي لم يصنع اللحظة، بمعنى أنه لم يصنع الربيع العربي، لم يصنع الثورة، والشاب العربي يعرف ماذا يريد وما هي مطالبه وما هي حقوقه، وما هي الديمقراطية  الحقيقة، وما هي الانتخابات النظيفة، وما هو التزوير والغش والفساد، والإعلام العربي أتاح فرصا هائلة للشعب العربي للتعرف على حقوقه، لكن اللحظة لم تأت إلا مع تلك اللحظة الحتمية التاريخية، إذا اتفقنا على تسميتها بالربيع العربي 2011، وكان الشعب يعلم أنها موجة مستحقة ومتأخرة على العرب، هي نفس الموجة التي جاءت لأوروبا الشرقية في التسعينيات، وأميركا اللاتينية، فكان لابد أن تأتي للعرب، فكان الشباب العرب مستعدين لتلك الموجة عندما جاءت، وبالنسبة للإعلام ساهم في التثقيف لكن لم يصنع اللحظة، ولكن التقنية التي جعلت للإعلام حضورا في الميادين والشوارع أدت لاستمرار الزخم، أذكر عندما ترك زين العابدين بن علي تونس، وانتصرت الثورة التونسية، دخلت على الإنترنت لأرى ماذا يقول المصريون في ذلك اليوم، فوجدت تعليقات القراء المصريين تقول «التوانسة عملوها واحنا قادرين نعملها» قبل 25 يناير تكررت تلك الرسالة في أكثر من تعليق، وأنا متأكد أن الشباب المصري كان يتداولها في ما بينهم، هنا ساهم الإعلام، والمساهمة الأخرى هي عرض الحدث بصورة مباشرة على المشاهد، فمثلا لو استطاع مبارك ونظامه أن يطفئ الأنوار في ميدان التحرير، ويطفئ الكاميرات وغابت الأخبار عن الشباب المصريين في القاهرة الهائلة، فلو كنت مثلا في الزمالك ولا ترى التحرير ولا التلفزيونات ولا تتلقى أي أخبار، ساعتها ستتردد هل تذهب لتشارك أم لا؟ لكن عندما نقل خبر مثل موقعة الجمل تحمس الشباب وذهبوا ليساعدوا إخوانهم، وأنا متأكد أن الأمن العربي كان يتمنى أن يطفئ كل الكاميرات لكن لن يستطيع، وعلى العكس من ذلك ما حدث في سوريا عام 1982 والانتفاضة الشهيرة المؤلمة التي حدثت في حماه، لا يوجد لها صور أبدا، فكانت تأتي الأخبار للسوري بعد يوم أو يومين، واستطاع حافظ الأسد أن يقضي على تلك الثورة والانتفاضة ويقتل من يقتل دون أن يشعر به أحد، ونفس الشيء صدام حسين في أكثر من حالة، فهذا هو دور الإعلام الذي ساهم في نجاح التحولات، لكن هل كان موضوعيا؟
 
الجزيرة وإسقاط الأنظمة
 
 كنت دائما أقول إذا كان هدف الجزيرة هو إسقاط الأنظمة فلقد أبلت بلاء حسنا لو قسنا ذلك بمقاييس الإعلام، فهي لم تكن موضوعية، فعندما بثت الأغنية الجميلة لأم كلثوم «أنا الشعب» فهذا جميل جدا ومحرك للنفوس ولكن هذه ليست مهنية، فالمحطة التلفزيونية مهنية لا تبث الأغاني الحماسية لكن المحطة التعبوية تفعل هذا الشيء، الأمر الآخر: هل الآخرون كانوا موضوعيين؟ للأسف لم يكن أحد موضوعيا، ومازال الإعلام في العالم العربي يُستخدم كسلاح وليس كإعلام، فالمؤيد لهذا الحزب يضخ معلوماته لتوجيه العامة إلى هذا الاتجاه، والمؤيد لذلك الاتجاه يضخ معلوماته في الاتجاه المعاكس، لذلك لابد أن نعترف بأن الإعلام موجه ونتمنى أن نسعى إلى إعلام موضوعي، لكن أنا متأكد أن الحرية وانتشار الديمقراطية سوف يؤديان إلى خلق قيم تخلق إعلاما عربيا موضوعيا، صحيح لن يتم هذا الشيء بعد، ولكن أتمنى من أساتذة الإعلام أن يراقبوا الدول التي لاتزال تتمتع بحرية فيها، وهي تونس وليبيا والمغرب، في هذه الدول تحدث تجارب تستحق الانتباه والتأمل وأنا لا أغفل الدول الأخرى، وبالنسبة للمغرب حدث فيها ربيع وحدث انفتاح سياسي وإعلامي ودستوري، ولذلك أضم المغرب لدول الربيع العربي، بالرغم من أننا لم نرها على شاشات التلفزيون، بفضل رعاية الملك وحكمته استطاع أن يجعل الربيع ناعما!
 
• «الكويتية»: هل لدينا مؤهلات لخلق مؤسسات إعلامية تنتصر للمهنية والحيادية وتمارس عملها من دون توجيه من رأس المال؟
 
ـ جمالي خاشقجي: بالتأكيد عندما تبتعد الحكومات عنها.
 
• «الكويتية»: ورأس المال؟
 
ـ جمالي خاشقجي: رأس المال لن يبتعد أبدا.. سيبقى دوما مع الإعلام ومؤثرا في الإعلام، وهذا شيء طبيعي في الدول الرأسمالية إذا لم تجتهد حكومة ما وتخلق نظاما كنظام البي بي سي مثلا، الحكومة البريطانية وبعض الحكومات الأوروبية لديها اختراع عظيم جدا، وهو الهيئة المستقلة التي تؤسس إعلاما مملوكا للشعب وليس تحت توجيه الحكومة، ولكنني أعتقد أننا سنفشل في ذلك في مجتمعنا العربي، فأنا أميل في الدولة العربية الديمقراطية القادمة إلى النموذج الأميركي، وأتمنى أن يتضمن الدستور في هذه الدولة منعا للدولة أن تمتلك وسائل الإعلام، فالحاكم العربي بطبيعته يحب الهيمنة والسيطرة، ومن الأفضل أن تكون هناك مادة في الدستور تمنع الدولة من امتلاك وسائل الإعلام.
 
محاور الندوة:
• العالم العربي يعيش الآن ما يشبه الصراع بين «الإسلام السياسي» و«الليبرالية الديمقراطية».. أين حقوق الإنسان في كل ما يحدث حولنا في الدول العربية؟ رصد لواقع ملف حقوق الإنسان العربي في زمن الثورات.
• كيف يرصد «علم الاجتماع» ظاهرة الربيع العربي، وآثار الصراعات المذهبية والفكرية على المجتمع والأسرة العربية؟ وهل نحن أمام إعادة تشكيل للأسرة والمجتمع؟ 
• الثقافة وروافدها المتعددة علامة من علامات تحضر الشعوب، فماذا عن واقع الثقافة العربية في زمن ما يعرف بجماعات الإسلام السياسي التي تتخذ موقفا سلبيا تجاه الفن والثقافة بشكل عام؟                 
• نحن العرب متخلفون عن التطور الحضاري، ما أبرز معوقات التنمية في الوطن العربي، وسبل البدء في تنمية عربية مستدامة وحقيقية؟   • الإعلام هل هو صانع ومحرك للأحداث العربية، وهل قام بواجبه من الحيادية والمهنية المطلوبة؟ نظرة على واقع الاعلام العربي، وسبل تطويره.
 
 





ندوة «الكويتية» الواقع العربي الجديد.. أين نحن الآن وإلى أين نسير؟ (2-2)

الربيع العربي هو الموجة الثالثة لحركات التحرر في العالم!

أدار الندوة: عادل بدوي


■ الإعلامي هو مؤرخ اللحظة.. لدينا إعلاميون مهنيون لكن ليس لدينا إعلام مهني
■ الماضي احتضر والجديد لم يولد بعد.. نحن في عملية ولادة قد تكون متعثرة
■ المعرفة والفكر والحوار مداخل أساسية للحلول.. لكن أين قاعدة المعرفة التي نتفق عليها؟
■ بغداد ودمشق نموذجاً.. الحواضر العربية المنتجة للفكر تتعرض للتدمير
■ هناك تطور نظري خطير على مستوى العالم يتسم بتشظي الهويات والفوضوية وعدم اليقين
■ من الخطأ النظر للإخوان نظرة واحدة.. والإخواني المسالم لابد أن أتسامح معه وأدمجه في الحياة
■ المغرب شهد ثورة ناعمة بفضل حكمة الملك والتغيير مسار إجباري
■ العالم العربي يعيش صراعاً بين الإسلام السياسي والليبرالية.. من دون ديمقراطية!
■ لا توجد ثورة في التاريخ لم تصاحبها انكسارات وانحرافات ودماء!
■ نتحدث عن الديمقراطية بينما الثقافة العامة مليئة بالخرافة والذكورية والتمييز ضد المرأة
■ الحوار المشترك يبنى على التناقض بين مختلفين والمعرفة تبنى من خلال تراكم التناقض
■ متفائلون رغم تعرض الربيع العربي لانتكاسات.. والاتجاه سيمضي نحو حقوق المواطن العربي
■ لأول مرة الشعب المصري يسقط فرعونا منذ «مينا».. ما حدث زلزال وثورة شعبية
■ نحن في حالة مخاض ثوري من الصعب جدا التكهن بما سيسفر عنه هذا الحراك
■ هناك اتجاه عام للتاريخ يسيّرنا إلى دولة ديمقراطية يتمتع الشعب فيها بالحقوق والمساواة
■ الهويات الفرعية التي ظهرت في أعقاب الحراك كوابح وتحديات تواجه المنطقة كلها
■ الناس دخلت إلى عالم السياسة وتلمست حريتها ولا يمكن إعادتهم إلى «القمقم»
■ الإعلام العربي غير محايد ولايزال السياسي يستخدمه كسلاح مثل الدبابة ليفرض هيمنته وقوته

في الجولة الثانية من ندوة «الواقع العربي الجديد.. أين نحن الآن وإلى أين نسير؟»، اتفق المشاركون على أن حالة الحراك العربي تعد الموجة الثالثة لحركات التحرر في العالم، بدأت في أوروبا الشرقية وكانت فرنسا في طليعة حركة التحرر (1789-1799)، والحركة الثانية في أميركا اللاتينية في القرن التاسع عشر، واليوم تعيش المنطقة العربية حركة التحرر الثالثة وتنتج ثورات ليست في زمن الثورات وإنما في زمن العولمة مما يزيد الأمر تعقيدا وتفكيكاً.
المنتدون طمأنونا إلى أن ما يبدو شقاقا داخل الأسرة العربية، بسبب أن هذا مع وذاك ضد، وهذا إخواني وذاك ليبرالي، هو نقاش
حميد وله دور وظيفي في تكريس التعددية وقبول الآخر، لكنهم حذروا من خطورة تجاهل الهويات الفرعية التي ظهرت في أعقاب الحراك وكانت من قبل مكبوتة ومضطهدة، مشددين على أن السبيل الوحيد هو التعايش والحوار في إطار الهوية المشتركة.
الإعلام ودوره ورسالته ومهنيته كان محط اهتمام وتداخل كل المتحدثين، وأكدوا في غير موضع أن الإعلام العربي غير محايد، ولايزال رأس المال يوجهه، بل ويستخدمه السياسي كسلاح مثل الدبابة لفرض الهيمنة والقوة، والمفارقة كانت في اعتراف الإعلامي
السعودي جمال خاشقجي بهذا المنحى، وأكد أن رأس المال لا يمكن أن ينفصل عن الإعلام، لكنه يحاول في قناة العرب الإخبارية أن يكون موضوعيا بقدر الإمكان!
د.عبدالحسين شعبان كان واضحا في تأكيده على أن حركة التغيير تعني انتهاء شرعية قديمة وبداية شرعية جديدة لم تكتمل حتى الآن، وقال إن الماضي احتضر، وإننا في عملية ولادة قد تكون متعثرة، وإنه لا توجد ثورة في التاريخ لم تصاحبها انكسارات وانحرافات ودماء! لافتا إلى أن الناس دخلت إلى عالم السياسة وتلمست حريتها ولا يمكن إعادتهم إلى القمقم!
ويؤكد أمين عام منتدى الفكر العربي د.الصادق الفقيه أن الحراك ليس عربيا فقط، بل هو حراك عالمي يخلق مشروعيات متناقضة، وأن الحوار المشترك يبنى على التناقض بين مختلفين والمعرفة تبنى من خلال تراكم التناقض، ولذلك على الجميع أن يتحلى بضبط النفس والصبر والتعايش وتدريب النفس على قبول الآخر، لكن وكيل وزارة الثقافة المصرية شريف الشوباشي لديه رأي آخر ويصر على وصف جماعة الإخوان المسلمين بالمتاجرين بالدين من أجل مصالحهم، وأنهم لا يؤمنون بالديمقراطية لأنهم يتصورون أنهم يقيمون شرع الله في الأرض، وأن الآخرين على ضلال، فكيف يسلمون السلطة لمن لا يطبق شرع الله؟!
الكثير من التفاصيل في سياق الجولة الثانية من الندوة حول مستقبل الحراك العربي، وسبل احتوائه، وما المطلوب من الحكومات العربية في تلك الظروف المستجدة على منطقتنا.. وفي ما يلي التفاصيل:
 
• الكويتية: في الجولة الثانية من الندوة نعود إلى حيث بدأنا مع د.عبدالحسين شعبان: في ضوء ما استمعنا من نقاشات.. ما رؤيتك للانعتاق من الأزمات العربية الراهنة وهل نحن نسير في الاتجاه الصحيح نحو الحل؟
 
-د.عبدالحسين شعبان: دعني أعلق قليلا على الإعلام لأهميته ودوره، فهو رافعة مهمة من روافع حركة التغيير، ومن هذه الروافع المجتمع المدني، والبحث العلمي، واستقلال القضاء، وأتذكر عندما تم تحرير فرنسا دخل شارل ديغول إلى فرنسا وقال: هل بقي دور للجامعات وللقضاء؟ قالوا له نعم، قال إذن فرنسا بخير!
 
 أعود إلى الإعلام وخصوصا أن الإعلامي هو مؤرخ للحظة، ولاسيما في ظل العولمة وفي ظل الطفرة الرقمية (الديجيتال)، وفي ظل تكنولوجيا الإعلام والمعلومات يصل إلى الحدث وينقله لحظة بلحظة، ودقيقة بدقيقة، وساعة بساعة إلى موقع الحدث، وفي العمل الإعلامي نقول الوثيقة خبر والصورة خبر، فالصورة تغني أحيانا عن مئات المقالات وعن مئات الدراسات، لأنها تصل إلى القلب وإلى الرأس والعقل والعاطفة، وللأسف الشديد ليس لدينا إعلام مهني، لدينا إعلاميون مهنيون، مثلما لدينا قضاة مستقلون، ولكن ليس لدينا استقلال للقضاء، وهذه كوابح إزاء حركة التغيير، وحركة التغيير ليست انتفاضة أو ثورة وتنتهي بعد إزاحة نظام، بل حركة التغيير عملية ديناميكية تتحد فيها عوامل موضوعية مع عوامل ذاتية، تلك التي نطلق عليها اللحمة الثورية، فعندما تتحد العوامل الموضوعية مع العوامل الثورية تحدث الثورة، ويحدث التغيير، والتغيير حركة ديناميكية متصلة تعني انتهاء شرعية قديمة وبداية شرعية جديدة، والشرعية الجديدة حتى الآن لم تكتمل، فنحن بحاجة إلى سياق قانوني وتاريخي ودستوري واجتماعي ومدني، وكل ما يتعلق بمؤسسات الدولة الحديثة.
 
الشرعية الجديدة
 
• الكويتية: هل العرب قادرون على صنع ذلك؟
 
-د.عبد الحسين شعبان: هذا الأمر يحتاج إلى فترة زمنية غير قصيرة لكي نستكمل الشرعية الجديدة، بعد أن تتحدد ملامح الدولة ونحدد أي دولة نريد؟ لايزال النقاش دائرا حول الدساتير العربية، فهل نريد دولة دينية أو دولة مدنية؟ وما الذي نعنيه بالدولة المدنية، نريد دولة مواطنة.. الكل يقول ذلك، لكن ما هي عناصر المواطنة وما علاقة الهوية بالمواطنة؟ وما هي علاقة العدالة بالمواطنة، وما علاقة الحرية بالأساس بالمواطنة؟ وما علاقة المشاركة ومبدأ المشاركة بالمواطنة؟ هذا كله جزء من عملية التغيير لبناء الشرعية الجديدة القادمة، وهذه قد تستغرق عقدا أو عقدين من الزمان لكي تكتمل ملامح هذه الشرعية الجديدة، وكما يقول غرانشي: إذا كان الماضي قد احتضر فإن الجديد لم يولد بعد، نحن في عملية ولادة قد تكون متعثرة فيها منعرجات وانحرافات وتراجعات، وفيها أيضا كفاءات لذلك البعض اعتقد أن ما جرى رِدة، في حين لا توجد ثورة في التاريخ لم تؤد إلى هذه العملية الانقلابية التي صاحبتها انكسارات وانحرافات وتراجعات، وتقدم وتأخر ودماء أحيانا هنا وهناك، ولكن الديناميكية الحيوية التاريخية تشير باتجاه التغيير.
 
• «الكويتية»: هل العرب قادرون على فعل ذلك من دون تدخلات خارجية ومن دون تكريس لنظرية المؤامرة، وأن هناك من يريد إدارة المنطقة من خلال وكلاء، ولابد أن يظل الاتصال والتبعية في القرار العربي أيا كان هذا الخارج؟
 
- د.عبدالحسين شعبان: أظن أن هناك كوابح وهناك تحديات تواجه المنطقة، ومن التحديات الداخلية المهمة التي لم يتم التطرق لها الطائفية والانقسامات الدينية والمذهبية والجهوية والمناطقية والعشائرية التي تفعل فعلها في جسم الدولة العربية، وهذه تحديات داخلية لابد من أخذها بنظر الاعتبار بإقرار مبادئ المواطنة والحقوق والحريات واحترام حقوق الإنسان. هناك عامل آخر تفضلت وسألت عنه، وهو العامل الخارجي، بالطبع كل الذي جرى فيه أيضا مصالح للدول الكبرى في المنطقة، فكيف السبيل للتوفيق بين عملية التغيير الداخلية وبين هذه المصالح، مع الحفاظ على المصالح الوطنية العليا في بلدان المنطقة؟ ربما ليس لكل دولة على حدة، ومع ذلك يمكن أن يحدث شكل من أشكال التنسيق بين الدول، فهناك مشتركات ذات أبعاد إنسانية بين هذه البلدان التي جرى فيها التغيير وبين البلدان التي سيأتي فيها التغيير، ولاحظ أن التغيير سيكتسح المنطقة من أقصاها إلى أقصاها، ولن يسلم بلد من حركة التغيير، ولكن التغيير قد يأخذ أشكالا مختلفة، ليس بالضرورة ثورة أو انتفاضة كما حدث في المغرب من تطور دستوري وتغيرات واستجابات إلى آخره، الأمر يحتاج إلى تبصر وتفكر ونظرة مستقبلية من الحاكم لمصلحته أيضا، وهذه نصيحة لكل حاكم كي يتعاطى مع شعبه بما ينسجم مع حركة التغيير التاريخية، تلك الحركة التي تمثل موجة ثالثة في العالم، فمنذ الحرب العالمية الأولى إلى الآن حدثت ثلاث موجات:
 
الموجة الأولى، مرت في أوروبا الغربية على ثلاثة بلدان ظلت عصية على الديمقراطية، وهي البرتغال واليونان وإسبانيا أواسط السبعينيات من القرن الماضي، وتم الانتقال بعد ذلك نحو الديمقراطية ودساتير وانتخابات جديدة.
 
الموجة الثانية، مرت في أوروبا الشرقية عند انهيار جدار برلين وانتهاء النظام الشمولي والاشتراكية البيروقراطية التي حكمت أوروبا الشرقية، وانعكس هذا على أميركا اللاتينية، خصوصا لاهوت التحرير ودور الكنيسة، وعلى بعض بلدان آسيا وأفريقيا، وللأسف كان يمكن لهذه الموجة أن تنتقل للوطن العربي، إلا أن رياح التغيير انكسرت عند شواطئ البحر المتوسط في أواخر الثمانينيات لأسباب دولية من جهة، ولعدم نضج القوة الداخلية وعدم استعدادها من جهة أخرى.
والآن وصلت هذه الموجة للمنطقة، لهذا على الحكام والقوى السياسية والدينية ومؤسسات المجتمع المدني والفعاليات والقوى الناشطة اليسارية والوسطية وشبه الليبرالية في المنطقة العربية أن تعي هذا التغيير، وأن تتعاطى معه من موقع واقعي ولكن باستشراف المستقبل.
 
• «الكويتية»: د.أحمد زايد.. أنت افترضت فرضية تحمل أملا، أن الحراك الاجتماعي حميد وليس خبيثا أو مقلقا، وبالتالي هو يؤسس لفكرة التعايش وقبول الآخر من النواة الصغيرة.. من الأسرة، لكن بنظرة أكثر شمولية للجماعات التي تتناحر على أساس مذهبي، لدينا السنة والشيعة، وحتى بين التيارات الإسلامية هناك تناحر فكرة المجاميع، التي تضطهد مجاميع آخرى بسبب العرق أو المذهب إلى آخره، الحالة السورية وما يحدث فيها من تفاصيل معقدة، وفي ليبيا ميليشيات مسلحة تحاول فرض رأيها، في اليمن دعوات للتقسيم وفرض الرأي من قبل جماعات وجماعات أخرى.. في ضوء الحديث الذي دار، ما رؤيتك وكيف تتعايش هذه الجماعات؟
 
-د.أحمد زايد: المظاهر التي أشرت إليها أكبر دليل على أن الدولة الوطنية التي تأسست في كثير من الدول خاصة الدول التي حدث فيها الربيع العربي، وكأنها دول أسست على ورق، بمعنى أنها مؤسسة بمنظومات كلامية وأيديولوجية وفوقية أكثر منها مؤسسة في الواقع، ولذلك بمجرد أن تذوب هذه القشرة الخارجية نستدعي القبيلة والعرق والإقليم والحدود الضيقة، وهذا يحدث بشكل أكبر لعامل آخر متغير، أشار له د.حسين وهو تشظي الهويات، وهذا موجود على مستوى العالم كله، هناك تطور نظري خطير على مستوى العالم بأنه عالم عدم يقين وغير منظم وفوضوي وعالم مخاطر، كل هذه المسميات توحي بأن العالم تحل فيه القيم الفردية محل القيم الجماعية، تتكسر فيه فكرة الذات الكلية للمجتمع وتبدأ هوايات مختلفة في الظهور، ولذلك نخطئ كثيرا لو اعتبرنا أن الربيع العربي عربي فقط، الربيع العربي جزء من منظومة عالمية، كما أشار الدكتور إلى أميركا اللاتينية واليونان وفرنسا، وعلم الاجتماع الآن يطرح هذا بشكل واضح جداglobal mobilization لا يتكلم عن الربيع العربي فقط، بل إحساس عام في العالم كله بأن النظام الرأسمالي والشركات متعددة الجنسية والنزعة الاستهلاكية، وكل هذه المنظومات الرأسمالية التي تخنق الإنسان حتى في المجتمعات الحرة.
 
الحرية والحرمان
 
وأضاف:  من الخطأ أن نتخيل أن الذين يعيشون في أوروبا أحرار بالمعني المعروف للحرية، فكل هذا خلق نوعا من الحرمان، والحرمان هنا ليس حرمانا اقتصاديا، بل شعور بعدم الكرامة، وشعور بأن الإنسان مهان في المجتمع، وليس له وضع والإعلام يتحكم فيه ويخلق لي عالمي الخاص ويصنعه، وأنا ليس لي أي قدرة على فعل شيء، حيث حول هذا العالم البشر إلى أشياء، كما حول أيضا القيم إلى أشياء، وحول المجتمعات إلى مجتمعات مادية، ولذلك كل الصراعات ظهرت في المجتمعات الهشة، حيث الدولة الضعيفة وهي نفسها مجتمعات هشة من حيث الاقتصاد، وظهر على أطراف العالم وعلى أطراف المجتمعات الغربية أحياء فقيرة، لذلك يجب أن نكون على وعي بالحراك العالمي، وربما أضاف الربيع العربي لهذا الحراك جزءا من تغيير منظومة العالم الرأسمالي، أنا أنظر نظرة أبعد، وهي أن التغيير لن يكون هنا فقط.
 
الغريب بينما نحن نتحدث عن الديمقراطية والتغيير في مجتمعاتنا والدولة المدنية وأشياء مثالية جدا، نجد الثقافة العامة مليئة بالخرافة والذكورية والتمييز ضد المرأة والمخاطر على الأطفال، واستغلال الكبار للصغار ومنظومات للتنشئة الاجتماعية تقوم على سيطرة الكبار، فإذا لم تتغير هذه الثقافة فلن تتحقق الديمقراطية لدينا أبدا، ستكون ديمقراطية شكلية وتوظيف الصندوق كما حدث في بعض الدول، نحتاج أيضا إلى أن نفكر في حركة الشارع في مقابل حركة المجتمع، فهذه الهويات ستتكاثر وتأتي من أسفل ولن تهتم ولن تتراجع وحركتها قوية جدا، ولذلك على الحكومات القادمة في الربيع العربي أن تسأل نفسها كيف ستحكم هذا العالم الجديد؟ كيف ستحكم الشارع وكيف سينضبط؟ وكيف نفكر في مفهوم النظام الاجتماعي العام؟ فالمشكلة مشكلة نظام.
 
سأختم كلامي بالإعلام، أشعر أحيانا أننا نستخدم أساليب قديمة في الإعلام في حشد فكرة المجتمعات الشعبوية كنوع من الحشد والجور على الآخر والاتهامات المتبادلة، وهذه فكرة إعلامية قديمة كان يستخدم فيها الإعلام أيدلوجيا، والآن نحن في أمس الحاجة لأن يقدم لنا الإعلام صورة أخرى لأنه يعتبر فاتحة المجال العام، ولذلك عليه أن يقدم لنا نموذجا، فكما يعلمنا القضاء العدل، وكما تقدم لنا الجامعة المنطق والعلم، يقدم لنا الإعلام طريقة الحوار، ويعلمنا كيف نتحاور وأساليب الحوار الجادة.
 
• «الكويتية»: شريف الشوباشي عودة لملاحظاتك على الحديث الدائر بشكل عام، وهل هناك جهود في مصر لاستغلال واستثمار الأحداث فيها وتوثيقها فنيا مثل الغرافيت الذي رسم الوعي المصري في كل مكان والأفلام التسجيلية، وشاهدنا المسرح والشارع في ميدان التحرير في محطات معينة.. باختصار: الردة التي حدثت على الثقافة الم

96
رحل العروبي "الأبيض"

عبد الحسين شعبان

على نحو مفاجئ غاب عبدالله عمران تريم، الإعلامي البارز والمتميّز، هكذا غادرنا بلا مكتوب أو هاتف أو كلمة وداع عبر البريد الإلكتروني، ومثلما عاش هادئاً ومسالماً، فلقد اختفى مثل الضوء بلا صخب، كأنه أراد أن يذكّرنا بأن الحياة بما فيها من ضجيج وصراع وألم، إنما "رحلة ساعة"، فانسحب إلى ركنه الأبدي، هادئاً مطمئناً .
أربع قضايا امتاز بها الراحل: أولاها حبّه لدرجة العشق والوله للكلمة الحرّة والجملة الرشيقة والخبر الصادق، فقد كان يدرك أن وظيفة صاحبة الجلالة "السلطة الرابعة" تقتضي الوعي والمسؤولية ونقل الحقيقة، فالصحفي هو مؤرخ اللحظة حسب ألبير كامو، ولهذا سعى بما توفّر لديه من مواهب وإمكانات لأن يجعل الوسيلة الإعلامية تخدم الحقيقة، وهي الهدف الأسمى .
وثانيتها ربطه المُحكم بين الغاية والوسيلة، فلم يكن يختار الاّ الوسيلة الشريفة لتحقيق غايته النبيلة، مثلما كان غاندي يجمع الغاية بالوسيلة، التي لا يمكن أن تفترق عنها، فالبذرة من الشجرة والشجرة من البذرة، ولا يمكن الانفصال بينهما .
وثالثتها أنه جمع على على نحو ديناميكي بين الشكل والمضمون، وبين الحرف الأبيض الأنيق والكلمة النظيفة، وبين المعاني والدلالات التي يريدها، مؤاخياً على نحو عميق وعفوي ما بين الفعل ونتائجه .
فلم يكن عبدالله عمران عاشقاً للخبر الصحفي فحسب، بل هو عاشق للمفاجأة والحدث، معتبراً أن لكل حدث سبباً ونتيجة، وهكذا كان منهجه في التعامل مع القضايا الكبرى وكذلك مع التفاصيل، التي من دونها لا يمكن رؤية الصورة كاملة .
ورابعتها حبه للحياة، فشخصية عبدالله عمران كانت أميل إلى التواصل والتفاعل والاتصال، وكان يرى في مساحة وطنه العربي موطناً أساسياً له، من لبنان إلى المغرب ومن الشارقة إلى مصر ومن العراق إلى السودان، فقد كان يعدّ الحياة ويشتهيها .
ترك لنا عبدالله عمران تراثاً ونهجاً تتمثله اليوم صحيفة ورعيلاً من الصحفيين الذين يسعون وراء هذه الحقيقة، ويتوسمون المهنية، كأسلوب يتناسب مع ما وصلت إليه الصحافة العالمية المتطورة، فقد سعى المؤسسان الراحلان تريم عمران ود .عبدالله عمران، إلى استشراف تلك المهنية والعقلانية عبر حوار حقيقي لا يخص دولة الإمارات فحسب، بل كان يمتد إلى الوطن العربي برمته، ولعلّ تلك النظرة العروبية الجامعة هي التي كانت وراء عدم دخول صحيفة "الخليج" طوال حياتها ووجودها، كطرف في أي نزاع عربي، بل كان همّها هو قضية العرب المركزية فلسطين، بما تحمله من دلالات للتحرر والتنمية، ناهيكم عن امتداداتها العربية .
إن خسارة الأمة العربية برحيل عبدالله عمران تكاد تكون مضاعفة في زمن التفتت العربي، لغياب صوت موحد وجامع، وإعلامي مهني راق، وعقلاني رفيع المستوى، إضافة إلى أنها بأشد الحاجة اليوم إلى قلم وصحيفة تنتمي لوجدانها، وهو ما كنت ألمسه عند معالجتي منذ عقد من الزمان لقضايا العراق بالذات، حيث كان يطلب مني كتابة القسم المستقل الخاص به، ليدرجه في التقرير الاستراتيجي السنوي .
لم أشأ أن أكتب مرثية إلى الراحل، بل قصدت كتابة رسالة وداعية أخيرة، لأقول له اشتياقاً، فقد كان حلمه بالعدالة والحقيقة والسلام كبيراً، وبالثقة بالمستقبل، على الرغم من أن الكثير مما حولنا لا يشي بذلك، وأعتقد أن البذرة الطيبة لا تنبت إلاّ نبتاً صالحاً، فصحيفة "الخليج"، ومؤسسة الخليج لاحقاً، والتي ابتدأت منذ العام 1970 وتواصلت بعد العام 1980 ولحد الآن، هي الوجه الأنصع ل"الخليج" الذي نراه بوابة عربية للمشاركة في الحضارة البشرية والمشترك الإنساني .


97




المعايير الدولية للمحاكمة العادلة
قراءة في الفقه القانوني الدولي والاسلامي








الدكتور عبد الحسين شعبان
مفكر وباحث عراقي
خبير في القانون الدولي وحقوق الانسان


"سّور مدينتك بالعدل"
       عمر بن عبد العزيز


    ■يُروى ان أحد ولاة الاقاليم طلب من الخليفة العادل كما كان يكّنى عمر بن عبد العزيز "رض" أن يرخّص له ببناء سور لحماية مدينته من مداهمة بعض المتمردين او المعارضين او الخارجين، فما كان من الخليفة وبدلاً من ارسال المال له ليستكمل بناء السور الاّ أن يخاطبه بالقول "سوّر مدينتك بالعدل " ، والعدل هو صمام الامان لضمان سلم وأمن المواطن والوطن.أسوق هذه "الرواية" كمدخل للحديث عن معايير المحاكمة العادلة وبخاصة على المستوى الدولي.

***

يتطلب الحديث عن المعايير الدولية للمحاكمة العادلة، تناول موضوع استقلال القضاء كمدخل ضروري ومسألة محورية واساسية لأية مقاربة لمفهوم العدالة ومعيار حقيقي للنظم الديمقراطية واحترام حقوق الانسان. وسأتناول ذلك من خلال الشرعة الدولية لحقوق الانسان، لأصل إلى بحث مقومات استقلال القضاء، الذي يتطلب استكمال مستلزمات مجتمعات حّرة وافراد قادرين على مراقبة نزاهة القضاء، لأعرّج قليلاً على الاسلام والقضاء كمعطى تاريخي يمكن ان يكون اساساً لنظم معاصرة مع استكمال ذلك من خلال التفاعل مع سمة العصر وبالمشترك الانساني للحضارات والثقافات المختلفة. وهنا يمكن الجمع ما بين التراث والحداثة والاصالة والتجديد والخصوصية والعالمية.

   واذا كان الحق في محاكمة عادلة، حقاً من حقوق الانسان كما هو منصوص عليه في المواثيق الدولية، فان المحاكمات العادلة ستصبح حقاً انسانياً اساسياً لا يمكن الحديث عن العدالة دون اعتماده ودون وجود قضاء مستقل.

   ان المعايير الدولية المشتركة تستوجب معاملة الحكومات للاشخاص المتهمين بإرتكاب جرائم وفقاً لقواعد المحاكمات العدالة. ولابّد هنا من مقاربة الحقوق التي تسبق بدء المحاكمة، ثم الحقوق أثناء المحاكمة، ثم الحقوق خلال حالات الطوارئ والنزاعات المسلحة او الحالات الخاصة ويمكن ذكر بعض الامثلة للحالات المختلفة.

أولاً- استقلال القضاء
   تعتبر مهنة القضاء من أنبل المهن وأجلّها قدراً وأرفعها مكانة وأكثرها خطورة. لأن القضاة يفصلون في كل ما يمّس حياة الناس وأموالهم وأعراضهم من مشكلات ومنازعات تعرض عليهم. لذلك اعتبرت هذه الوظيفة من أشق الوظائف وأصعبها.

   ويعتبر مبدأ استقلال القضاء من المبادئ المستقرة في الضمير الانساني، وذلك لتحقيق هاجس العدالة،وهو اضافة إلى ذلك دليل الحكم الصالح وعلامة من علامات الاستقرار. وفي عالمنا المعاصر يعتبر مبدأ استقلال القضاء احد مظاهر احترام حقوق الانسان والديمقراطية.(1)

   لقد أولت الاديان والاعراف والنظم القانونية المختلفة اهتماماً خاصاً بالقضاء، كونه الملاذ الذي يتوسم به الفرد والمجتمع لحماية حقوقه وإنصاف المظلوم وأخذ الحق من ظالمه، فرداً او جماعة.(2)

   ان الدور المنوط بالقضاء هو ضمان تطبيق المبادئ التي تحول دون ممارسة الحكومة سلطة غير محددة. وبهذا المعنى تكون سلطة القضاء هي إلزام الحكومة على احترام القانون خصوصاً القوانين التي تصدرها سلطات تشريعية او برلمانات منتخبة بشكل حر من جانب شعوبها. وهذا المعنى الحقيقي لسيادة القانون وكفالة المساواة والحرية والامن للافراد.(3)

   لقد تطور المجتمع الدولي كثيراً بخصوص إعمال مبدأ استقلال القضاء. وخلال نصف القرن الماضي برزت مسألة استقلال القضاء ومبدأ سيادة القانون واستقلال مهنة المحاماة كمعيار حقيقي للنظم الديمقراطية ولاحترام حقوق الانسان، لدرجة أصبح لا يمكن الحديث عن استقلال القضاء او السلطة القضائية، دون الحديث عن منظومة حقوق الانسان ومدى مقاربة العدالة في النظام القانوني لاي بلد. فقد أصبح استقلال القضاء مسألة محورية واساسية لأية مقاربة لمفهوم العدالة ومدى تحققها، بالارتباط بين السلطات الثلاث: التشريعية (البرلمانات في الغالب) والتنفيذية (الحكومات) والقضائية (المحاكم).

   وتعتبر هذه السلطات الثلاث بتوازنها ضمانة للحرية، فالحرية حسب مونتسكيو تنعدم ان لم تكن سلطة القضاء منفصلة عن سلطة التشريع، لان حرية أبناء الوطن وحياتهم تصبحان تحت رحمتهما ما دام القاضي هو المشرع. اما اذا كانت السلطة القضائية مع السلطة التنفيذية فان القاضي يكون طاغياً.(4) أو منفّذاً لأمر متنفذين أو طغاة، يتدخلون في شؤون القضاء ويؤثرون على أحكامه.

   إن صدى افكار التنوير التي انطلقت من اوروبا قد وجدت طريقها إلى العالم اجمع ، بحيث لا تجد احياناً دستوراً او نظاماً قضائياً لا يؤكد على استقلال القضاء وحصانته وخصوصاً بعد صدور الاعلان العالمي لحقوق الانسان عام 1948 وتعزز منظومة حقوق الانسان بصدور العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية عام 1966.

   وقد اولت المواثيق والصكوك الدولية لحقوق الانسان أهمية خاصة لاستقلال القضاء. وقد جاء في المادة الثامنة من الاعلان العالمي لحقوق الانسان الصادر عام 1948 "لكل شخص حق اللجوء إلى المحاكم الوطنية المختصة، لانصافه الفعلي من أية اعمال تنتهك الحقوق الاساسية التي يمنحها اياه الدستور او القانون".

   وتناولت المادة العاشرة مبدأ المساواة بالقول "لكل انسان على قدم المساواة التامة مع الاخرين الحق في أن تنظر قضيته محكمة مستقلة ومحايدة، نظراً منصفاً للفصل في حقوقه وإلتزاماته وفي اية تهمة جزائية توجه اليه".

   اما المادة الحادية عشر فقد ذهبت لتأكيد المبدأ القانوني الذي يقول"المتهم برئ حتى تثبت ادانته" وذلك في "محكمة علنية" مع توفير جميع الضمانات اللازمة للدفاع عن نفسه.

   أما العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، فقد تناول في المادة التاسعة حق كل فرد في "الحرية وفي الامان على شخصه" وعدم جواز "توقيف احد او اعتقاله تعسفاً" وعدم جواز "حرمان احد من حريته الاّ لأسباب ينص عليها القانون..." كما أكدت وجوب "ابلاغ اي شخص يتم توقيفه باسباب هذا التوقيف لدى وقوعه..." وكذلك "بأية تهمة" توجه اليه.

   وتناولت المادة التاسعة (الفقرة الثالثة) حق المتهم في "ان يحاكم خلال مهلة معقولة او ان يفرج عنه" وفي الفقرة الرابعة "حق الرجوع إلى محكمة لكي تفصل هذه المحكمة دون إبطاء في قانونية اعتقاله وتأمر بالافراج عنه اذا كان الاعتقال غير قانوني".

   أما المادة الرابعة عشر فقد نصت على ما يلي:
"الناس جميعاً سواء امام القانون. ومن حق كل فرد، لدى الفصل في اية تهمة جزائية توجه اليه او في حقوقه وإلتزاماته في أية دعوى مدنية، أن تكون قضيته محل نظر منصف وعلني من قبل محكمة مختصة مستقلة حيادية منشأة بحكم القانون ..." (الفقرة الاولى).

   واكدت الفقرة الثانية على "حق كل متهم بارتكاب جريمة ان تعتبر بريئاً إلى ان تثبت عليه الجرم قانوناً" اما الفقرة الثالثة فقد اكدت على ضمانات المتهم في ".. ان يتمتع اثناء النظر في قضيته، وعلى قدم المساواة التامة، بالضمانات الدنيا التالية:

أ_ ان يتم اعلامه سريعاً وبالتفصيل وفي لغة يفهمها بطبيعة التهمة.
ب_ ان يعطى من الوقت ومن التسهيلات ما يكفيه لاعداد دفاعه وللاتصال بمحام يختاره بنفسه.
ج_ ان يحاكم دون تأخير لا مبرر له.
د_ ان يحاكم حضورياً وان يدافع عن نفسه بشخصه او بواسطة محام من إختياره، وان يخطر بحقه في وجود من يدافع عنه اذا لم يكن له من يدافع عنه، وان تزوده المحكمة حكماً، كلما كانت مصلحة العدالة تقتضي ذلك، بمحام يدافع عنه، دون تحميله أجراً على ذلك، اذا كان لا يملك الوسائل الكافية لدفع هذا الاجر.
هـ _ ان يناقش شهود الاتهام بنفسه او من قبل غيره، وان يحصل على الموافقة على استدعاء شهود النفي بذات الشروط المطبقة في حالة شهود الاتهام.
و_ ان يزود مجاناً بترجمان اذا كان لا يفهم او يتكلم اللغة المستخدمة في المحكمة.
ز_ الاّ يُكره على الشهادة ضد نفسه او على الاعتراف بذلك.

وتناولت (الفقرة الرابعة) حالة الاحداث. وحددت (الفقرة الخامسة) الحق في اللجوء إلى محكمة أعلى لاعادة النظر بقرار الادانة وبالعقوبة. اما (الفقرة السادسة) فقد أوجبت تعويض الشخص الذي انزل به العقاب نتيجة ادانة لخطأ قضائي.  
وشددت (الفقرة السابعة) على مبدأ قانوني يمنع محاكمة الشخص عن جريمة واحدة مرتين بالنص على ما يلي:"لا يجوز تعريض أحد مجدداً للمحاكمة او للعقاب على جريمة سبق أن أدين بها او برئ منها بحكم نهائي وفقاً للقانون والاجراءات الجنائية في كل بلد.(5)

وورد في الاعلان العالمي لاستقلال القضاء الصادر عام 1983 عن مؤتمر مونتريال (كندا) التأكيد على "حرية القاضي في الفصل في الدعوى دون تحّيز او تأثير او الخضوع لاية ضغوط او اغراءات. ويكون القضاة مستقلون تجاه زملائهم وتجاه رؤسائهم. وتكون السلطة القضائية مستقلة عن السلطتين التشريعية والتنفيذية...".(6)

ودعا الاعلان الى:
•   اعادة النظر في الاحكام القضائية التي هي من اختصاص السلطة القضائية وحدها.
•   حظر إنشاء المحاكم الاستثنائية.
•   لكل شخص حق النقض في احكام المحاكم العادية.
•   تنحصر صلاحيات المحاكم العسكرية في الجرائم التي يقترفها عناصر من القوات المسلحة، مع بقاء الحق دائماً في استئناف قرارات هذه المحاكم امام محاكم استثنائية ضالعة في الشؤون القضائية.
•   لا رقابة ولا سلطان للسلطة التنفيذية عن السلطة القضائية.
•   للقضاء ولاية على جميع المنازعات، ولا يجوز الحد منها.
•   القضاة غير قابلين للعزل ويخضعون في تأديبهم لضوابط صارمة.
•   لا يجوز الضغط على القاضي بسبب عمله.
•   لا يجوز للقضاة الانتماء إلى الاحزاب السياسية.

وقد تم استكمال الاعلان بمجموعة مبادئ اساسية خاصة باستقلال القضاء صدرت عن مؤتمر الأمم المتحدة السابع لمنع الجريمة ومعاملة المذنبين المعروف باسم اعلان ميلانو 1985، الذي اقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة في 13 ديسمبر (كانون الاول) 1985 وذلك بتحديد عناصر استقلال القضاء كما يلي.(7)

1-   كفالة الدولة لاستقلال السلطة القضائية. ويتم النص على ذلك دستورياً او قانونياً لكل بلد، ومن واجب السلطات الحكومية وغيرها من المؤسسات احترام ومراعاة استقلال السلطة القضائية.
2-   تفصل السلطة القضائية في المسائل المعروضة عليها دون تحيز وعلى اساس الوقائع ووفقاً للقانون ودون اية تقييدات او تاثيرات غير سليمة او اية اغراءات او ضغوط او تهديدات او تدخلات مباشرة كانت او غير مباشرة من اية جهة او لاي سبب.
3-   للسلطة القضائية الولاية على جميع المسائل ذات الطابع القضائي.
4-   لا يجوز وجود اية تدخلات غير لائقة او لا مبرر لها في الاجراءات القضائية ولا تخضع الاحكام القضائية التي تصدرها المحاكم لاعادة النظر، ولا يخّل هذا المبدأ باعادة النظر القضائية او بقيام السلطات المختصة وفقاً للقانون بتخفيف او تعديل الاحكام التي تصدرها السلطة القضائية.
5-   لا يجوز انتزاع الولاية القضائية التي تتمتع بها المحاكم العادية او الهيئات القضائية بانشاء هيئات قضائية استثنائية. ومن حق كل فرد ان يحاكم امام المحاكم العادية او الهيئات القضائية القائمة. الاستثناءات من هذا الحكم هو حالة الطوارئ العامة والحالات التي تهدد الامة ولكن للاستثناءات شروط مع القواعد المعترف بها دولياً.
6-   مع كفالة مبدأ استقلال السلطة القضائية فان الامر يتطلب ضمان الاجراءات القضائية بعدالة واحترام حقوق جميع الاطراف.
7-   من واجب كل دولة عضو ان توفر الموارد الكافية لتمكين السلطة القضائية من اداء مهامها بطريقة سليمة.(8)

وقد تبنى مؤتمر منع الجريمة الثامن المنعقد في العام 1990 مبادئ الامم المتحدة بشأن دور المحامين وهو ما رحبت به الجمعية العامة للامم المتحدة في كانون الاول (ديسمبر) 1990.(9)

ان وجود قواعد سليمة لضمان استقلال القضاء لا يعني تحقيق فكرة هذا الاستقلال، فقد نصت معظم دساتير العالم على موضوع استقلال القضاء ، لكن اكثر من ثلثي سكان المعمورة يعانون من نقص فادح في هذا المجال المهم والاساسي وتقف الكثير من عوامل الكبح القانونية والمجتمعية والسياسية والاعلامية الموروثة بوجه تحقيق هذه الفكرة، وضمان الاستقلال الحقيقي للقضاء.

ان تحقيق فكرة استقلال القضاء تتطلب تمهيد مستلزمات مجتمعات حرّة وافراد قادرين على مراقبة نزاهة وحياد اداء القضاء، ناهيكم عن مؤسسات تضمن ذلك.
لعل المقوّمات التي تحول دون تحقيق استقلال القضاء يمكن أن تندرج تحت الابواب التالية:
1-   سياسياً: ونعني به تمترس الحكومة في مكانها لزمن طويل وغياب مبدأ تداول السلطة (التنفيذية) سلمياً، الامر الذي يجعل الجهاز القضائي أسير مجموعة حاكمة مزمنة يتكون نفوذها تاريخياً خصوصاً بمواقعها المعّتقة. كما ان الأخذ بنظام الحزب الواحد "القائد" ودور "الطليعة" تحت مبررات ومسؤّغات كثيرة أو بنظام الحزب الواحد ولكن بثوب تعددي شكلي، هو الآخر يخلّ بمبدأ إستقلال القضاء ويخضعه للتأثيرات السياسية ومراكز النفوذ.

2-   تشريعياً: ظهور فئة من المشرّعين والحقوقيين المحترفين الساعين لتوظيف القضاء وأحكامه في خدمة المجموعة الحاكمة. مما يؤدي إلى النيل من القضاء ويوفر غطاءً شرعياً لانتهاكات استقلاله. وتحديد مهمات السلطة القضائية الاعتيادية لحساب المحاكم والقوانين الاستثنائية. وهو ما درجت عليه الانظمة الشمولية في أوربا الشرقية والعديد من بلدان "التحرر الوطني" او البلدان النامية، التي سارت على هديها مقلّدة تجربة بلدان الأصل بتجربة فرعية ربما كانت أشد قسوة من تجربة بلدان الاصل. وقد عرفت بلدان "الفرع" بعض النماذج الجديدة من الحكم الاستبدادي المطلق تحت يافطات تشريعية "شرعية" لدرجة أطلق البعض مصطلح "الجملكية" على "الجمهوريات الملكية"  وكيفية تحوير نصوص الدستور لتفصّل على الحكام ومقاساتهم حسب الطلب.

3-   اجتماعياً: وجود اكثر من مرجعية قانونية في الدولة والمجتمع، بحيث يتم حرمان القضاء من مناصرة قطاعات اجتماعية بسبب أعراف عشائرية أو قبلية تؤدي إلى تقليص سلطة القضاء. إن ظاهرة التعدّد القانوني هي ظاهرة ملحوظة في علم الاجتماع القانوني وخصوصاً في المجتمعات التقليدية Traditional Societies وذلك بتجاور (من جوار) نظام آخر إضافة إلى النظام القانوني الرسمي أي نظام غير رسمي Folk Low يطبّق على جماعات أو مجموعات خاصة لحل المنازعات التي تنشأ بينهم، وفي الغالب تقوم على أسس عشائرية او قبلية تحكم علاقاتها مجموعة من الاعراف المستقرة التي يختلط فيها القانون بالاخلاق والدين والعادات.(10) كما هو "قانون دعاوى العشائر" في العراق حتى عام 1958.
4-   إعلامياً: يؤثر الإعلام أحياناً على سلطة القضاء بحيث يصدر أحكامه قبل دفع القضية إلى السلطة القضائية وذلك بما يخدم التوجه الحكومي والسلطات الرسمية، وبهذا المعنى يتعرّض القضاة إلى ضغوط للتأثير على قراراتهم. وتزداد المسألة خطورة كلما كانت سلطة الاعلام ماضية ولكنها سلبية حيث تخشاها السلطة القضائية خصوصاً اذا شعرت الاخيرة ان الاعلام الرسمي هو الآخر يخضع لسلطة الحكومة (السلطة التنفيذية).
 وبهذا المعنى يتم "كبح جماح" السلطة القضائية والحد من دورها بل والتأثير المسبق على قراراتها وأحكامها وهناك أمثلة كثيرة على ذلك، فقد استطاع الموروث والرأي المسبق و"المحنّط" سلفاً من الدفع ببعض القضايا بما يؤثر على القضاء واستقلاله، حتى ان عدداً من المسؤولين في العراق قد قضى نحبه (الفريق أول الركن حسين كامل وأخيه صدام كامل وبعض أفراد عوائلهما) تحت اسم "الصولة الجهادية" وقطع "العرق" الخائن من الشجرة، ضمن (تقاليد عشائرية اقتربت من التقنين) حيث غدت الدولة وهي تعفو عنهما "غير مسؤولة" عن مقتلهما، خصوصاً بالاحتكام إلى "قانون العشائر"! الذي أخذ طريقه مجدداً إلى التطبيق لدوافع سياسية ولاسباب تتعلق بأمن النظام، وذلك منذ احتلال العراق في العام 2003 ولحد الآن .

بودي أن أشير إلى موضوع عودة "العشائرية" في العراق، فقد ألغي "قانون "دعاوى العشائر" الذي جاء مع الاحتلال والنفوذ البريطاني في العراق عند تأسيس الدولة العراقية في 23 اب (اغسطس) 1921 وما بعدها وذلك في ثورة 14 تموز (يوليو) عام 1958، لكنه تمت العودة إليه أو إلى أنماط ونماذج مماثلة له ابان الحرب العراقية – الايرانية 1980 - 1988 وما بعدها وبخاصة بعد حرب الخليج الثانية بعد غزو الكويت 1990 - 1991 ، وذلك بهدف تأمين سياج اجتماعي لحماية الحكم وتشجيع بعض زعماء العشائر او "صناعة " بعضهم وتقديم تسهيلات كبيرة لهم بالمال والسلاح "لردع" ابناء العشائر الذي يعارضون او لا يؤيدون سياسات الحكومة.(11) وهو ما حاولت قوى الاحتلال أن تفعله رغم أن بعض رؤساء العشائر حالياً وجد مكانه بعودة أبناء عشيرته إليه، خصوصاً بعد "تحطّم" أو انهيار المرجعيات السياسية والفكرية القديمة بحيث أصبح بعض المواطنين بدون غطاء، فعاد كل منهم إلى مذهبه وطائفته أو عشيرته أو منطقته أو جهته أو غير ذلك.


 الاسلام والقضاء
لقد أولى الاسلام وبخاصة الاول (الراشدي) اهتماماً كبيراً بالقضاء واشترط الفقهاء فيمن يتولى منصب القاضي شروطاً عديدة تجمع بين العلم الغزير والمعرفة الواسعة وبين الصفات الاخلاقية، كالنزاهة والاستقامة. كما ألزموا القاضي احترام شرف واصلاح حاله، لانه في نظر الناس يمثل "القدوة". وقد ورد على لسان الرسول محمد (ص) قوله "من ولّي القضاء فقد ذبح بغير سكين".
 لقد كان القضاء في صدر الاسلام جزءًا من الولاية العامة التي يجب على الخليفة القيام بها. لكنه مع مرور الزمن وبسبب تعقّد مهمات الخليفة وانصرافه إلى الشؤون السياسية والعسكرية والعامة، أصبح لزاماً ان يقوم بهذه المهنة غيره خصوصاً باتساع رقعة الدولة الاسلامية.

أمّا الشروط الفقهية والعلمية والاخلاقية التي اعتمدت على تعاليم الاسلام فقد أكّدت ضرورة فهم القرآن الكريم والسنّة والصلاح والنزاهة على عدد من الشروط يمكن اجمالها بما يلي:

1-أن يكون القاضي مسلماً، (يعتبر ذلك حالياً انتقاصاً من شروط المواطنة وتمييزاً بحق الآخرين).
2- أن يكون القاضي عاقلاً بالغاً سن الرشد.
3- أن يكون القاضي حراً.
4- أن يكون القاضي سليم الحواس.
5- أن يكون القاضي عادلاً.
6- أن يكون القاضي عالماً بالاحكام الشرعية.(12)
   أما بخصوص المرأة أو الذكورة. فهناك من أوجب حصر وظيفة القضاء بالذكر، ومنع جواز حق المرأة في تولي وظيفة القضاء ( كما يعتمد على ذلك المذهب المالكي والشافعي والحنبلي) مستندين إلى الآية الكريمة "الرجال قوامون على النساء.."(13) ودلالاتها. وكذلك "وقُرْنَ في بيوتكن.."(14) ويميل الفقه الشيعي الاثناعشري، إلى هذا الاتجاه في الغالب الأعم باستثناءات معاصرة ومحدودة، رغم التفسيرات المختلفة لمبدأ القوامة والشروط التي تستلزمها(15). وان القضاء فرع من فروع الامامة العظمى، ولا تجوز إمامة المرأة ونيابتها.

ويذهب الشيخ محمد مهدي شمس الدين إلى أهلية المرأة في تولي جميع المناصب العليا بما فيها القضاء،باستثناء الولاية العامة في الدولة الإسلامية. وبهذا المعنى فإنه والسيد محمد حسين فضل الله الذي يتقارب معه في الرأي يمثلان حالة الاستثناء حسب معلوماتي، بالنسبة للفقه الشيعي المعاصر حين لا يشترطان الذكورة في القضاء وهو الاجتهاد التفريعي الاستنباطي للشيخ شمس الدين طالما لم يرد على لسان الأئمة المعصومين.

   أما الرأي الآخر فقد أجاز تولية المرأة القضاء فيما عدا الحدود والقصاص (الاحناف) "المذهب الحنفي" واجازوا قضاء المرأة في كل شئ ما دامت تصلح شهادتها. والقاعدة عندهم هو من تصلح شهادته يصلح ان يكون قاضياً رجلاً او امرأة.

   وهناك الرأي الثالث الذي أخذ به الطبري وابن حزم وابن القاسم والحسن البصري ومفاده عدم اشتراط الذكورة وجواز تولي المرأة القضاء بصفة عامة ودون تحديد. مستهدين بذلك إلى ان حق المرأة الافتاء فمن حقها بالقياس اذن تولي القضاء.

   وقد ساهمت المرأة في عهد الرسول محمد (ص) في مجالس الفتوى والشورى ولا يوجد نص صريح يمنع المرأة من تولي منصب القاضي ، اذ لم يرد ذلك في القرآن الكريم الذي أكدّ في أكثر من موقع على المسؤولية المتساوية للرجال والنساء، كما ورد في الآية الكريمة "والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر".(16)

   ويذكر أن الرسول محمد (ص) ولّي الصحابية سمراء بنت نهيك الاسدي، الحسبة التي تعني "الامر بالمعروف اذا ظهر تركه والنهي عن المنكر اذا ظهر فعله... والمعروف كل ما اوجب الشارع الاسلامي فعله، او استحسنه وندب اليه، والمنكر كل ما يخالف احكام الشريعة وهو اعم من المعصية".

   كما ولّى الخليفة الراشدي الثاني عمر بن الخطاب (رض) الشفاء بنت ابي سليمان على السوق (وهو فرع من فروع القضاء او يدخل في الحسبة) تأكيداً على دور المرأة. وتأكيداً على أهمية وخطورة وظيفة القضاء في الاسلام نقتبس هذا النص الذي يردُ على لسان الرسول محمد(ص) كجزء أساس من الشريعة الاسلامية فيما يتعلق بعدالة ونزاهة وخطورة مهنة القضاء. يقول رسول الله (ص) "ليأتين علي القاضي يوم القيامة ساعة يتمنى لو أنه لم يحكم بين اثنين في تمرة قط".

   يتناول الباحث والمفكر المجدد الدكتور محمد السيد سعيد الكتابات الآرثودوكسية في موضوع المرأة، تلك التي تبتدأ بشكل منهجي بإبراز الكرامة التي منحها الاسلام للمرأة، وهذا لا جدال فيه على مستوى المبادئ العامة، ولكن عند عرض المواقف القانونية الواضحة حول حقوق المرأة فحتى بعض الكتابات الاكثر استنارة، تحمل اطروحاتها بشكل متسق تقنياً لحقوق المرأة في المساواة الكاملة". ويخلص محمد سيد سعيد إلى القول: ان هذا المجال للخلاف بالذات يشكل الصعوبة الاعظم في مواءمة الشريعة وبخاصة الارثودوكسي، والنظام المعاصر لحقوق الانسان.

   ومن القضايا التي يتناولها على سبيل المثال لا الحصر مبدأ القوامة، الذي متجذر في الفقة المتشدد في كل العصور، حتى ان من الصعب على بعض المفكرين الاسلاميين الأكثر استنارة، ان يشككوا بشكل مفتوح في مواءمته والعصور الحديثة.(17)
 
ثانياً - الحق في المحاكمة العادلة

   يتعرّض الشخص المتهم بارتكاب جريمة إلى خطر الحرمان من الحرية أو إلى عقوبة أخرى. والضمان الاساسي الذي يقي الافراد من التعرض إلى عقوبات "ظالمة" أو دون وجه حق كما يقال ، هو المحاكمة العادلة ، تلك التي تعتبر ضرورة لابدّ منها لحماية حقوق الانسان، مثل الحق في عدم التعرض إلى التعذيب والحق في الحياة والحق في حرية التعبير وغيرها من الحقوق السياسية.(18)

   والحق في المحاكمة العادلة مكرس في العديد من المواثيق الدولية والاقليمية كما جرت الاشارة اليه. والحق في المحاكمة العلنية يستهدف المساعدة في ضمان محاكمة عادلة للمتهمين وحمايتهم من اية محاولة لاساءة استغلال اجراءات التقاضي الجنائي.

   لقد تمت صياغة مواثيق حقوق الانسان بصورة عامة كي تضع في الحسبان التنوع الواسع والمتعدد للانظمة القانونية المختلفة، وكذلك للاجراءات القانونية التي تضع الحد الادنى من الضمانات التي لابدّ من توفرها، كما تتضمن اتفاقيات جنيف الاربعة لعام 1949 وملحقيها بروتوكول جنيف لعام 1977 حول "حماية ضحايا المنازعات الدولية المسلحة" و "حماية ضحايا المنازعات المسلحة غير الدولية" المعايير الدنيا للسلوك "الشرعي" خلال النزاعات المسلحة (الدولية وغير الدولية) كضمانات للمحاكمة العادلة.

   ولتأمين العدالة يترتب على جميع الحكومات واجب تقديم المسؤولين عن ارتكاب جرائم إلى العدالة، لكن تقديم المتهمين إلى محاكمات جائرة أو غير عادلة، يضر بالعدالة ذاتها ، سواءاً عندما يتعرضون للتعذيب أو الايذاء النفسي والبدني على أيدي موظفين أو يُساء معاملتهم عندما يراد إنفاذ القانون، او عندما يدان أبرياء بشكل مثير، يفقد النظام القضائي عند ذاك صدقيته ووظيفته.
   ان معايير المحاكمة العادلة تتجسد عندما يواجه الافراد محاكمة جنائية، فهم يصطدمون بالبوليس (الشرطة) ونظام المحاكم والسجون والسلطة القضائية وبجهازالدولة بشكل عام ولهذا اذا لم يتم التمسك بحقوق الانسان وبحق المتهم في محاكمة عادلة ابتداءً من العلاقة مع مركز الشرطة او مكان الاعتقال أو زنزانة السجن، او غيرها تكون الحكومة قد تلكأت من القيام بواجباتها وتحّمل مسؤولياتها.

   يبدأ الانتهاك من اللحظة الاولى حين يتم إلقاء القبض وخلال فترة الاعتقال التي تسبق المحاكمة وخلال المحاكمة واثناء اجراءات الاستئناف وصولاً إلى انزال العقوبة.


 الحقوق التي تسبق المحاكمة

لا تكون المحاكمة الجنائية عادلة الاّ اذا تم احترام حقوق المتهم طوال اجراءات المحاكمة وهذه الحقوق التي يستحقها كل شخص قبل بدء المحاكمة. الاساس في ذلك هو الحق في الحرية:

   لكل انسان الحق في الحرية الشخصية ، فلا يجوز إلقاء القبض عليه الاّ طبقاً لاحكام القانون وبعيداً عن التعسف. وان يتم ذلك على يد موظفين مسؤولين. ولا ينبغي في الاحوال العادية احتجاز المتهمين بارتكاب أفعال جنائية إلى حين تقديمهم إلى المحاكمة.

   والحق في الحرية منصوص عليه في المادة الثالثة من الاعلان العالمي لحقوق الانسان، التي تقول "لكل فرد الحق في الحياة والحرية وفي الامان على شخصه". كما ذهبت المادة التاسعة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية إلى القول "لكل فرد حق في الحرية وفي الامان على شخصه. ولا يجوز توقيف أحد أو اعتقاله تعسفاً . ولا يجوز حرمان أحد من حريته الاّ لاسباب ينص عليها القانون وطبقاً للاجراء المقرر فيه".(19)

   الحرية اذن ترتبط بالحماية ارتباطاً جوهرياً . وهنا لا بد من ضمان حقوق الاشخاص المحتجزين في الحصول على المعلومات، ويجب فوراً إخطار أي شخص يتم القبض عليه او اعتقاله بأسباب توقيفه او اعتقاله وبحقوقه، بما فيها حقه في توكيل محام وبالتهم المنسوبة اليه، وهذه المعلومات ضرورية لإتاحة الفرصة له للطعن في قانونية إعتقاله أو توقيفه.

   وحق المتهم الاستعانة بمحام قبل المحاكمة، يختاره بنفسه لحماية حقوقه ومساعدته في اعداد دفاعه، وفي حالة عدم تمكنه من تحمل نفقاته يجب تعيين محام مؤهل للدفاع عنه مجاناً كلما اقتضت مصلحة العدالة ذلك.

   وحق المتهم في الاتصال بالعالم الخارجي، بوجه السرعة والاتصال بعائلته وبالاطباء وبموظف قضائي او "قنصلي" اذا كان المتهم أجنبياً. الاتصال بالعالم الخارجي ضمانة ضد تغييب أو اختفاء المتهم قسرياً أو تعرضه للتعذيب أو سوء المعاملة.

وحق المتهم المثول دون ابطاء أمام قاضٍ او موظف قضائي آخر ضماناً لحقوقه.
ويحق للمتهم الطعن في قانونية اعتقاله واعادة النظر فيه بصورة منتظمة.

وحق المتهم في المحاكمة خلال فترة زمنية معقولة او اطلاق سراحه اي الافراج عنه ريثما تتم المحاكمة.

وحق المتهم في الحصول على الوقت والتسهيلات الكافية لاعداد الدفاع.

اما حقوق الاستجواب ، فتفترض البراءة و حظر التعذيب او الاكراه او المعاملة السيئة او الاعتراف على نفسه او غيره والحق في الاستعانة بمحام او في حضوره.

وحق المتهم في أوضاع انسانية وعدم تعريضه للتعذيب وكذلك حق المتهم في الصمت وعدم الاجابة على بعض الاسئلة، وتفترض شروط المحاكمة العدالة عدم استخدام التجارب الطبية والعلمية على المتهمين او السجناء او المعتقلين ....الخ


 الحقوق اثناء المحاكمة
   الحقوق التي يستوجب توفرها أثناء المحاكمة ، هي حقوق يستحقها كل شخص ويمكن ادراج هذه الحقوق وفقاً لما يلي :

1-   الحق في المساواة أمام القانون والمحاكم ، ويتضمن هذا الحق المساواة في سياق عملية المحاكمة وحظر القوانين القائمة على التمييز والحق في اللجوء المتكافئ إلى المحاكم والحق في المعاملة المتساوية أمام المحاكم.
2-   الحق في المحاكمة أمام محكمة مختصة ومستقلة ونزيهة (حيادية) مشكّلة وفق أحكام القانون.
3-   الحق في النظر المنصف للقضايا، مثل حق المرء في البراءة والحق في الدفاع عن النفس والحق في استدعاء الشهود واستجوابهم .
4-    الحق في جلسة محاكمة علنية. والعلنية توفر نزاهة العملية القضائية واستقلاليتها وتساعد على تعزيز ثقة الجمهور بالنظام القضائي، وباستثناء ظروف محدودة فإن النظر العلني للقضايا امر أساسي.
5-    افتراض البراءة ، اي ان المتهم برئ حتى تثبت ادانته وفقاً للقانون بعد محاكمة عادلة.
6-    الحق في عدم إكراه المتهم واجباره على الادلاء بأقوال تدينه أو الاعتراف على نفسه او غيره.
7-    استبعاد الادلة التي تُنتزع تحت التعذيب او الاكراه (بما فيها الاعترافات).
8-    حظر القوانين ذات الاثر الرجعي والمحاكمة أكثر من مّرة على الجرم ذاته.
9-    الحق في المحاكمة دون تأخير غير مبرر.
10-    حق الدفاع عن النفس (وهو حق مقدس) شخصياً او بواسطة محام يختاره بنفسه او بتعيين محام له لمساعدته.
11-   حق المحاكمة الحضوري، اي لكل شخص متهم بارتكاب جرم ان يُحاكم حضورياً لسماع حجج الادعاء وتقديم الدفاع.
12-    الحق في استدعاء الشهود ومناقشتهم (للمتهمين نيابة عنهم) او استجواب شهود الادعاء او طلب استجوابهم.
13-   الحق في الاستعانة بمترجم شفوي وترجمة تحريرية (اذا كان لايفهم لغة المقاضاة).
14-   الحق في حكم علني مسبّب خلال مهلة معقولة والاساس في الحكم هو العلنية، اما الاستثناء المحدود فهو السّرية. ويحق لكل من يُحاكم أمام محكمة قضائية ان يُعطى أسباب الحكم والاّ يُحكم عليه الاّ صانعوا القرار الذين حضروا المرافعات.
15-   حق المتهم في عدم التعرض للعقوبات غير القانونية. اي بعد محاكمة عادلة وان تكون العقوبات متناسبة مع خطورة الجرم ولا يجوز انتهاك المعايير الدولية بذلك.
16-   يحق للمتهم "المحكوم" – الاستئناف اذا ادين بارتكاب جرم جنائي، اي اعادة النظر في ادانته وعقوبته امام محكمة اعلى.(20)


 الحالات الخاصة: الاطفال وحالات الطوارئ
يحق للاطفال التمتع بجميع ضمانات المحاكمة العادلة والحقوق التي تنطبق على الكبار وبحماية خاصة اضافية.

ويجب ان تشكل مصالح الطفل العليا الاعتبار الاول في جميع الاجراءات القانونية. وعلى الدولة واجب تقديم ضمانات تتناسب مع الاجراءات التي تؤثر على الاطفال مع خطورة الجريمة.

   حرمان الطفل من الحرية هو الحل الاخير ولأقصر فترة ممكنة كما لا يجوز توقيع عقوبة الاعدام على شخص يقل عمره عن 18 سنة عند ارتكاب الجريمة ولا اصدار حكم بالسجن المؤبد.


 المحاكمات خلال الطوارئ والنزاعات المسلحة
لا يمكن وقف او ابطال بعض قواعد حقوق الانسان مهما كانت الظروف والاوضاع فهي "حقوق مطلقة". لكن بعض المعاهدات تجيز تعليق بعض الحقوق الخاصة بالمحاكمات العادلة وقت الطوارئ . والنزاع الدولي يعطي للاسرى والمدنيين حماية خاصة بموجب اتفاقيات جنيف الثالثة والرابعة المبرمة في 12 آب (اغسطس) لعام 1949 وكذلك البروتوكول الاضافي الاول لعام 1977 وفي الحروب الاهلية بموجب البروتوكول الاضافي الثاني الخاصة بالمنازعات المسلحة غير الدولية.(21)
 
المصادر والهوامش

(1)   أنظر: فرحات ، محمد نور، نطاق تطبيق مبدأ استقلال القضاء وحق الانسان في التقاضي، البحث عن العدل، القاهرة ،1999، ص209 وما بعدها.
(2)   قارن: مدني، أمين مكي(الدكتور) – المواثيق الدولية لحقوق الانسان والقضاء في المنطقة العربية – كتاب اوضاع القضاء في بلدان المنطقة العربية، اعداد ناصر امين(المحامي) – المركز العربي لاستقلال القضاء والمحاماة تقديم المستشار عوض المر، القاهرة ط1، 2001، ص19.
(3)   رشماوي، منى، استقلال القضاء والمحامين، المصدر السابق، ص69 وما بعدها.
أنظر – نص الاعلان العالمي لحقوق الانسان في كتابنا – الاسلام وحقوق الانسان ، مؤسسة حقوق الانسان والحق الانساني ، بيروت ، 2001.
قارن: قاعود، علاء – حقوق الانسان في مجال اقامة العدالة ، المركز العربي لاستقلال القضاء والمحاماة، القاهرة ، 2001.
(4)   مناع، هيثم، الامعان في حقوق الانسان، دار الاهالي ، دمشق، 2000، ص61.
(5)   قاعود، علاء – حقوق الانسان في مجال اقامة العدالة، مصدر سابق، ص 18 – 19.
(6)   فرحات، محمد نور، البحث عن العدل، مصدر سابق ص222.
(7)   مناع، هيثم، مصدر سابق، ص62. يمكن الاشارة هنا إلى مبادرات لجنة الحقوقيين الدوليين بجنيف بعقد عدة مؤتمرات في هذه الشأن شملت مؤتمر اثينا عام 1955 ونيودلهي عام 1959 ولاغوس عام 1961 وريوديجانيرو عام 1962 وبانكوك عام 1965. كما اقدمت عام 1978 على انشاء مركز استقلال القضاء والمحاماة لتطوير استقلال المهنة على النطاق العالمي.
أنظر: مكي ، أمين مدني، مصدر سابق، ص21.
(8)   أنظر فرحات ، محمد نور ، البحث عن العدل، مصدر سابق، ص 212 – 213.
(9)   سعت مختلف الجهود الهادفة لتأكيد مبدأ استقلال القضاء إلى وضع هذه القواعد موضع التطبيق من خلال تأهيل وتدريب القضاة والمحامين وتأكيد شروط الخدمة خصوصاً العيش الكريم والاكتفاء بتوفير مستلزمات حياة مضمونة للقاضي واسرته، فضلاً عن حماية القاضي من الاجراءات التعسفية في التعيين والترقية والفصل والمحاسبة، والعزل قبل سن التقاعد مؤكدة على حصانة السلطة القضائية وعدم التدخل في اعمال القضاء.
أنظر مداخلة المحامي نجاد البرعي في مؤتمر العدالة العربي الاول ، بيروت، 1999، في كتاب "اوضاع القضاء في بلدان المنطقة العربية" مصدر سابق، ص243.
(10)   فرحات، محمد نور، البحث عن العدل، مصدر سابق، ص222.
(11)   قارن : العشائرية الجديدة في العراق: سياسة صدام حسين العشائرية 1991 – 1996.
(12)   قارن القاضية مراد، غادة – مداخلتها بعنوان – المرأة وتولي منصب القضاء، كتاب اوضاع القضاء في بلدان المنطقة العربية، مصدر سابق، ص 310.
(13)   الآية 34 من سورة النساء – القرآن الكريم.
(14)   الآية 33 من سورة "الاحزاب" – القرآن الكريم.
(15)   أنظر مقدمة النعيم، عبد الله أحمد، نحو عالمية حقوق الانسان من خلال الخصوصية الثقافية، كتاب الابعاد الثقافية لحقوق الانسان في الوطن العربي، مجموعة باحثين، تقديم وتحرير، النعيم، عبد الله أحمد، مركز ابن خلدون للدراسات الانمائية، ط1، القاهرة، 1993، ص 15 -61.
أنظر شمس الدين ، محمد مهدي – مسائل حرجة في فقه المرأة، الكتاب الثاني،أهلية المرأة لتولي السلطة ، المؤسسة الدولية للدراسات والنشر، بيروت، 1995، ص 123.
(16)   الآية رقم 71، سورة البقرة، القران الكريم.
قارن، مراد، غادة، مصدر سابق ص 313.
(17)   أنظر: السيد سعيد، محمد (الدكتور) – دراسة بعنوان "الاسلام وحقوق      الانسان" ألقيت كمحاضرة في الندوة الدولية عن "حقوق الانسان والقانون الانساني" المنعقدة في معهد الخريجين للدراسات الدولية في جنيف، 16 – 17 آذار (مارس) 1995 (نشرت في رواق عربي، العدد1 ، القاهرة) مركز القاهرة لدراسات حقوق الانسان.
 جدير بالذكر ان بعض المتشددين سواء من القدامى ام من المعاصرين يعتقدون بتفوق الرجل على المرأة، انطلاقاً من مفاهيم التفوق الطبيعي كتلك المتبناة من قبل الشيخ محمد الغزالي، على اساس الهرمونات والعوامل الوراثية والفوارق في القدرات الابداعية. وهذا الموقف في عدم المساواة ينسحب على الموقف من الاقليات والاثنيات وغير المسلمين ومسألة العقاب وحرية الاعتقاد والقيود على الحريات الدنية باسم الشريعة وغيرها.
قارن: الغزالي، محمد – التعاليم الاسلامية واعلانات الامم المتحدة ، دار الدعوة، الاسكندرية،1993، ص 119 – 132.
(18)   فيسبورت، ديفيد – مقدمة كتاب دليل المحاكمات العادلة، منظمة العفو الدولية، 1998، ص1.
(19)   أنظر: المادة (3) من الاعلان العالمي والمادة (9) من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية والمادة (6) من الميثاق الافريقي والمادة (1) من الاعلان الامريكي والمادة (7) من الاتفاقية الامريكية والمادة (5) من الاتفاقية الاوربية، ومشروع الميثاق العربي لحقوق الانسان (الطبعة التحديثية الاخيرة لجامعة الدول العربية الذي كان من المفترض عرضه على القمة العربية في تونس اواخر آذار (مارس) 2004.


(20)   المصدر السابق، ص 69 وما بعدها.
(21)   الحق في محاكمة عادلة، منظمة العفو الدولية، بدون تاريخ.        
    



 
  
          

          
                    

98
جنيف 2 واستعصاء الحل!

د. حسين شعبان
 
عندما انطلقت الثورة السورية في 15 آذار (مارس)2011، كانت سلمية مدنية، ورفعت شعارات عامة تدعو إلى توسيع دائرة الحريات، وإلغاء نظام الحزب الواحد، وتعديل الدستور، واحترام الكرامة الإنسانية والمواطنة المتساوية، والإقرار بالتعددية والتنوّع وتحقيق العدالة الاجتماعية، لكنها بعد نحو ستة أشهر، وبسبب القمع وعدم التوصل إلى حلول عقلانية ومبدئية لتلبية مطالبها، ودخول عوامل أخرى إقليمية ودولية على ملف الأزمة، دفع فريق منها إلى اللجوء   إلى العمل المسلح، سواء دفاعاً عن النفس أو باعتباره خياراً مناسباً.
وتحوّلت المسألة السورية مع مرور الأيام، إلى مصارعة على الطريقة الرومانية، التي لا تنتهي إلا بإعياء الطرفين ووصولهما إلى حافة الموت، وهكذا تطوّرت إلى صراع ماراثوني دخلت عليه عوامل جديدة ومختلفة أحياناً عن أهداف الثورة، خلال السنوات الثلاث الماضية.
لا أظن أن هناك معجزة ستحصل، بتوصل الطرفين إلى تسوية جوهرية
وقبل تفاقم الأحداث وانتقالها إلى الصدام المسلّح، لم يستجب النظام السوري للمبادرات والعروض والطلبات التي قدّمت له من جهات مختلفة؛ لفتح حوار مع المعارضة، ولكنه اضطرّ بعد خسارة نحو 150 ألف ضحية و37 عاماً من التنمية ووصول سوريا إلى المركز قبل الأخير للمؤشرات التنموية على مستوى دول المنطقة، حسب تقرير أخير صدر عن منظمة الأسكو ا التابعة للأمم المتحدة، وبعد نحو 6-8 ملايين من النازحين في الداخل واللاجئين في الخارج، وتدمير المرافق الحيوية والهياكل الارتكازية والمنشآت الاقتصادية، إلى قبول حوار في إطار تدخل دولي له أجنداته الخاصة، وذلك بعد مرور أكثر من عام ونصف على جنيف1.
وإذا كان همّ المعارضة الأساسي من حضور جنيف2، يتركّز حول تشكيل هيئة (حكومة) انتقالية لها كامل الصلاحيات، مع محاولة استبعاد الرئيس الأسد، فإن الحكومة السورية ظلّت تراهن على تشتت المعارضة، وإحراز بعض النجاحات العسكرية على الأرض، إضافة إلى إظهار أن المشكلة هي مكافحة الإرهاب وليس التغيير المنشود، كما تسعى إليه المعارضة، وكما تريده العديد من الدول الداعمة لسوريا، بمن فيهم مجموعة أصدقاء سوريا.
ومع هذين الموقفين المتعارضين، كثر الحديث عن لقاء المعارضة السورية مع الوفد الرسمي في قاعة واحدة، بحضور الضيوف وممثلي الدول الآخرين، أو عن لقاء الوفدين مباشرة في غرفة واحدة، وأخذ تعهدات أولية بعدم انسحاب أي منهما، وحتى وإن بدا الأمر تقدّماً، لكنه سيبقى شكلياً، إنْ لم يتم التوصّل إلى حل حقيقي للمسألة السورية، وهي تتعلق بمستقبل سوريا.
لا أظن أن هناك معجزة ستحصل، بتوصل الطرفين إلى تسوية جوهرية، وحتى لو افترضنا استمرار المفاوضات وتواصلها بصورة مباشرة أو غير مباشرة أو بوجود طرف ثالث، فإنها قد تستغرق أعواماً، بفعل المشكلات المتعلقة وتداخلاتها، وعلينا أن نتصوّر أن الحوار الوطني في اليمن وبعد المبادرة الخليجية، التي حالت دون اندلاع القتال أو الحرب الأهلية، فإنه استغرق نحو عامين، إلى أن تكلّل بالنجاح بدعم من الأمم المتحدة وجهودها، إضافة إلى تأييد غربي ممثلاً بدور أمريكي وأوروبي، ناهيكم عن دور خليجي، ولا سيما سعودي ناشط وضامن، وقد انبثق عن المؤتمر وثيقة "لدولة اتحادية" منشودة لا تزال تثير ردود فعل بين مؤيد ومعارض.
ولعلّ دولة كسوريا كثيرة التعقيد، فهي مجاورة لإسرائيل وأرضها مغتصبة (الجولان) إضافة إلى تعلّقها التاريخي بالقضية الفلسطينية وحقوق الشعب العربي الفلسطيني، لا سيّما حقه في تقرير مصيره، ناهيكم عن أن علاقاتها المتشابكة مع إيران وحزب الله، ورود الفعل الغربية والعربية والداخلية إزاء ذلك، وكذلك فإن وجود مسألة كردية، قد عاظم من المشكلة السورية، وخصوصاً بالتداخل مع حزب العمّال الكردستاني التركي المهيمن في مناطق شمال سورية، لا سيّما في القامشلي وعفرين وغيرها، وما تفرّع عن ذلك، المطالبات بكيانية كردية لحكم ذاتي على غرار الفيدرالية العراقية، وهناك مشكلات جديدة  صاحبت حركة الاحتجاج، وذلك باستهداف المسيحيين والدروز والعديد من الطوائف المتعايشة في سوريا، أما موضوع العلويين ومحاولات الثأر أو الانتقام، فقد زاد من المشكلة الطائفية التي اتسعت هوّتها، بتفشي الجماعات الارهابية والتكفيرية.
وإذا كانت المعارضة ولا سيّما المسلحة، تسيطر على مناطق ريفية، فإن وجود آبار النفط فيها يجعل منها مناطق مهمة، سواءً على صعيد حل المشكلة أو تعقيدها في المدى المنظور أو المستقبلي، خصوصاً بما له علاقة بتصدير النفط عبر تركيا أو الأردن، وإذا كانت الحكومة والمعارضة ضعيفتان فإن الأولى لا تزال أقوى الضعفاء، فهي تمسك بدمشق العاصمة والمناطق المتصلة بها وتحظى بدعم دولي وإقليمي روسي- إيراني ، إضافة إلى وجود مجموعات شيعية مقاتلة معها من: (إيران، لبنان، العراق) ، كما أن المنافذ البحرية بيدها وكذلك الثروة الغازية.
ولهذا، فإن أفق الحل يبدو مشكوكاً به، خصوصاً وإن إصراراً دولياً من جانب مجموعة أصدقاء سوريا ودول الخليج وتركيا على رحيل النظام، الأمر الذي سيضطر فيه القتال دفاعاً عن نفسه حتى اللحظة الأخيرة، وهذا يعني استعصاء الحل السياسي دون نضوج عوامله دولياً وإقليمياً. وسيكون أقصى ما يمكن التوصّل إليه هو وقف مؤقت لإطلاق النار؛ لتعيد الأطراف المتصارعة انتشار قواتها وإعادة تنظيمها على أمل إعداد نفسها لجولات قادمة.
ولعلّ الحل يحتاج إلى نضوج عوامل موضوعية وذاتية لتوافق دولي أمريكي وأوروبي - روسي، وإقليمي إيراني - خليجي - تركي، ولا أعتقد أن بالإمكان تحقيق ذلك ضمن الظروف والعوامل القائمة، الأمر الذي يرجّح استمرار الصراع المفتوح والحرب الأهلية التي قد تطول، فإطالة أمد الصراع ستشجع على تفقيس المزيد من بيض المتأسلمين الإرهابيين، سواءً بأسماء داعش أو غيرها.
*باحث ومفكر عربي



99
“الوجه الآخر” لتركيا

عبد الحسين شعبان
باحث ومفكر عربي


أعطى حزب العدالة والتنمية منذ فوزه في انتخابات العام 2002 هامشاً مهماً لتركيا لإظهار توجّهات الدولة الجديدة، حتى إن كانت بصبغة إسلامية، فقد قدّم الإسلام على نحو أكثر عصرية وبدا متصالحاً مع القيم الديمقراطية، ولاسيّما مع قيم الدولة المدنية والحريّات، الأمر الذي نظرت إليه الكثير من الأوساط، ولاسيّما في الغرب باعتباره بديلاً عن الإسلام الراديكالي "الإيراني" من جهة والشيعي بشكل عام من جهة أخرى، لاسيّما لجهة حزب الله، إضافة إلى كونه بديلاً عن الإسلام السني المتطرف والمتعصّب، ممثلاً بتنظيمات القاعدة والجماعات التكفيرية والإرهابية .
ولا بدّ من الإقرار بأن سياسة تركيا خلال السنوات العشر ونيّف الأخيرة كانت تمتاز بالمبادرة والحيوية، جامعة ما هو وطني وإسلامي، إضافة إلى الحفاظ على علاقتها مع الغرب، في إطار نموذج جديد استطاع الإبقاء على طابع الدولة المدنية، ولاسيّما في موضوع الحريات مع تطعيمه بالأمصال الإسلامية أحياناً، ومن دون تعارضات حادة أو تناقضات صارخة . وخلال السنوات العشر الماضية عملت تركيا على التقارب مع سوريا، حتى إن شعار أردوغان كان "تصفير" المشكلات وحل جميع العقد الكبرى التي كانت قائمة، مبادراً إلى إجراءات وتدابير لتسيير وتيسير العلاقة في المجالات المختلفة، كما تحسنت علاقاتها مع مصر وكانت وطيدة مع ليبيا، ودرجت على تطويرها مع العراق بشكل عام، إضافة إلى إقليم كردستان بشكل خاص .
ومع كل هذه التطورات في السياسة التركية، الاّ أن الكثير ظلّوا ينظرون إليها بشيء من الحذر والارتياب، لصعود حزب إسلامي في دولة علمانية حديثة، تأسست قبل قرن من الزمان، وإنْ كان نجاح التجربة قد بدّد الكثير من المخاوف، ولكن القلق بقي يساور العديد من الأوساط لاعتبارات كثيرة، قسم منها يعود إلى الماضي وتركة الدولة العثمانية، والقسم الآخر يعود إلى الحاضر، خصوصاً علاقة تركيا بالغرب وحلف شمالي الأطلسي واعترافها ب"إسرائيل" منذ العام 1949 وإقامة علاقات وطيدة معها دبلوماسياً وأمنياً واقتصادياً وتجارياً وغير ذلك، إضافة إلى سياساتها في منطقة البلقان والمشكلة القبرصية تحديداً، ومساعيها المستمرة للتدخل في الشؤون العراقية والسورية وغير ذلك .
يضاف إلى هذا السجل الملتبس، الموقف من القضية الكردية في تركيا، فلحدّ الآن لا تزال تركيا تتنكّر لحقوق الشعب الكردي المحروم من الناحية السياسية من حقوقه الأساسية، سواءً في حكم نفسه وتقرير مصيره أو في مجالات التعليم والثقافة والتراث وغير ذلك، كما أن تركيا في سياساتها الشرق أوسطية دأبت على القيام بدور فرعي للإمبريالية العالمية في تاريخها خلال السنوات الستين الماضية، حتى إن ظهرت بحلّة جديدة، وهو ما حاولت القيام به خلال العقد الماضي، ولاسيّما خلال موجة التغيير التي اجتاحت المنطقة، ولكنها لم تستطع إخفاء سيفها العثماني وغمدها النووي الأطلسي، وهو ما ظهر من اندفاعها في تونس ومصر وليبيا بعد تردّد بحكم علاقاتها بالنظام السابق، واعتبرت التغيير في سوريا "قضيتها المركزية"، إضافة إلى تدخلاتها في العراق، سواءً باجتياح الأراضي العراقية لملاحقة حزب العمال الكردستانيPKK أو بتفضيل طرف على آخر من المشاركين في العملية السياسية أو خارجها، والعمل مع إقليم كردستان بمعزل عن بغداد .
وكان العام 2011 مفصلاً تاريخياً بين مرحلتين، ولاسيّما خلال اندلاع حركة احتجاج عربية واسعة مبتدئة من تونس، واعتقدت تركيا أن فرصتها الكامنة قد جاءت، وربّما كان ذلك هو شعورها الحقيقي، فتحرّك عازف الكمان التركي، ليعزف مقطوعة موسيقية حديثة، كانت أقرب إلى احتفالية بنجاح مشروعها، وسارعت بعدها بخطوات متلاحقة على أمل حصد النتائج سريعاً لمصلحتها كدولة إقليمية فرعية شريكة للامبريالية العالمية، خصوصاً بوجود القواعد العسكرية الضخمة على أراضيها والمناورات التي كانت تشترك فيها سنوياً .
ولكن اندفاعاتها السريعة وتقديراتها المتعجّلة، بدلاً من تحقيق النتائج المرجوّة، أوصلتها أحياناً إلى شيء من الخيبة، وتعرّضت إلى ردود أفعال حادة، لاسيّما وقد أخذت تتصرف بنوع من الوصاية والهيمنة، باعتبارها مركز الامبراطورية العثمانية، ونظرت إلى الدول العربية، نظرة أقرب إلى الولايات القديمة، منها إلى دول مستقلة، لدرجة اعتبرت تركيا أن ما يحدث في العالم العربي، كأنه شأن داخلي تركي، من دون الأخذ في نظر الاعتبار قواعد القانون الدولي، فوجّهت دعوة إلى الرئيس المصري حسني مبارك طالبة منه التنحّي، وقبلها كانت تضغط لرحيل زين العابدين بن علي في تونس، ودعت الزعيم الليبي القذافي إلى الرحيل بعد تردّد في البداية، وبخصوص سوريا فقد اعتبرت ما يجري فيها قضيتها المركزية، واستخدمت ذراعها الطويلة في العراق، خصوصاً وقد تصرّفت كصاحبة سيادة، حتى إن وزير خارجيتها أحمد داوود أوغلو حاول زيارة كركوك المدينة العراقية من دون موافقة رسمية ومن دون قواعد دبلوماسية وبروتوكولية .
ولم تبد أية مرونة إزاء مشكلات المياه التي ظلّت قائمة بين سوريا والعراق من جهة وتركيا من جهة أخرى، لاسيّما باستمرار حجب حصة البلدين العربيين من المياه عن طريق القضم التدريجي، منذ بناء سدّ الغاب الكبير، ونحو 22 سدّاً آخر، والأمر يتعلق بحوضي نهري الفرات ودجلة .
ولعلّ ردود فعلها غير الدبلوماسية كانت شديدة بعد حركة 30 يونيو/حزيران و3 يوليو/تموز العام ،2013 خصوصاً بإقالة الرئيس محمد مرسي وتنحية حركة الأخوان من قيادة السلطة، إثر اندلاع تظاهرات شعبية عارمة، كان الجيش عاملاً حاسماً فيها . نقول ذلك وندرك في الوقت نفسه أن الشعب السوري وشعوب البلدان التي تحرّكت للاحتجاج والمطالبة بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، تحتاج إلى التغيير وإقامة أنظمة جديدة تستجيب لمصالح شعوبها، لكن ذلك شيء ، واندفاع تركيا، خارج نطاق حدودها شيء آخر، لاسيّما أن هناك صراعات وتدخلات إقليمية أخرى تركت تأثيراتها السلبية، وأدّت إلى تفاقم المزيد من المشكلات بين إيران وعدد من الدول العربية، ولاسيّما الخليجية .
هل عادت تركيا إلى ما قبل مجيء حزب العدالة والتنمية إلى السلطة؟ ربما سيكون الجواب عن هذا السؤال استباقاً للأحداث، لكن ما يمكن تأكيده من خلال معطيات كثيرة هو أن الحزب بدأ يفقد الكثير من رصيده الدولي والإقليمي، خصوصاً العربي، بما فيه موقفه من القضية الفلسطينية، وتسييره أسطول الحرية واستشهاد 9 مواطنين أتراك، والموقف المشهود لأردوغان من التصريحات "الإسرائيلية"، خصوصاً خلال وبعد الحرب على غزّة العام 2008-2009 وما بعدها، وهو الأمر الذي يدعو لطرح السؤال إزاء عودة تركيا إلى نهجها القديم، أي العزلة عن محيطها مجدداً، لاسيّما تصدّع العلاقة مع إيران، التي حاولت استعادتها مؤخراً بعد انفراج أزمة الملف النووي الإيراني مع واشنطن، وتوجهها إلى الحرب الباردة التي دخلتها مع معظم دول المنطقة في الستينات والسبعينات، خصوصاً في ظل حكم العسكر وانقلاباته ومعاداته للديمقراطية والحريات، كما هو انقلاب العام 1960 وانقلاب العام 1971 وانقلاب العام 1980 واستكمالاته في العام ،1997 وتشوشت النظرة الايجابية التي تكوّنت عن حزب العدالة والتنمية والسياسة الواقعية "البراغماتية" التركية المنفتحة .
كل ذلك حدث في ظل حركة احتجاج تركية واسعة، هي الثانية خلال العام ،2013 ففي المرّة الأولى انطلقت ضد تحويل حديقة عامة الى مركز تجاري وثكنة عثمانية، وفي المرّة الثانية بسبب الفساد المالي والإداري الذي اتهم فيه عدد من أبناء المسؤولين، وهو الذي فجّر أزمة طاحنة قد تؤدي إلى المزيد من التفكك في حزب العدالة، خصوصاً بعد إقالة وزيري الداخلية والاقتصاد ومدير الشرطة وعدد من مراتب الشُعَب الأمنية ومدير بنك "خلق" وتقديم عدد من قيادات الحزب استقالاتهم .
ولعلّ وظيفة التحليل السياسي تفترض سؤالاً مهما مفاده: هل أزيل المسحوق الذي تغلّفت به التيارات الإسلامية بما فيها حزب العدالة والتنمية، الذي حاول تقديم نفسه كتيار جديد متصالح مع الحداثة والديمقراطية والعقلانية والمدنية؟ وفي حالة تركيا هل للتركة العثمانية الثقيلة دور في تكبيل تركيا ولفّها بشرنقة سميكة لا تستطيع الانفكاك منها أو الخروج من مأزقها؟، لاسيّما المطامع بالهيمنة التي تتجاوز حدود السيادة وتمتد إلى الدول الأخرى للتدخل بشؤونها الداخلية بصفة وصاية أو استحواذ، كما قد يعود الأمر إلى أن بعض ساستها ما زالوا يفكّرون بعقلية الأصل والفرع، فهي كفرع لحلف الأطلسي وحدودها بحدوده حسب تعبيرات أحمد داوود أوغلو وزير الخارجية، الأمر الذي ظهر جليّاً في تصرفاتها الأخيرة، سواء مع بعض دول الخليج أو في أزمة الرهائن اللبنانيين أو في الموضوع السوري الشديد الحساسية أو في موضوع التمدّد التركي في العراق، فضلاً محاولة مدّ ذراعها إلى دول أخرى في العالم العربي بما فيها مصر والمغرب العربي!!




100
النجف في الجامعة اليسوعية

عبد الحسين شعبان
 حين استضافتني الجامعة اليسوعية (جامعة القديس يوسف) في بيروت لإلقاء محاضرة على طلبة الماجستير في معهد الدراسات الإسلامية- المسيحية، فضّلت أن أتحدث عن أحد المراكز الحضارية التاريخية للمسلمين، وفوجئ مقدّمي والبروفسور سامي خليفة، باختياري للموضوع، كما فوجئ الدارسون بالحديث عن مدينة أو منطقة جغرافية لها سمة دينية تكاد تكون واحدة، في حين أن الموضوع المطلوب الحديث فيه التعايش والمشترك الإنساني إنطلاقاً من تجربة حياتية. وقد عرّف الطلبة بأنفسهم، فهم من بلدان وأصول مختلفة بينهم من أصل فرنسي أو أمريكي أو سويدي أو عرب من جنسيات مختلفة، الأمر الذي كان الحديث عن التنوّع الثقافي والتعايش الإنساني مسألة مثيرة، خصوصاً وقد أتيت على الوجه الآخر، للمدنية الدينية، وهو جانب يكاد يكون غائباً، أو غير معروف عادة في الحديث عنها.
وأصل الحكاية تعود إلى أن البروفسور أنطوان مسرّة، سبق أن طلب مني الحديث عن تجربتي الحياتية في الحوار والمشترك الإنساني، وكان لقاؤنا في فيينا لحضور مؤتمر عن حوار الثقافات والديانات، الذي نظّمه مركز الملك عبدالله وبتعاون عربي سعودي، إضافة إلى مشاركة فاعلة نمساوية وإسبانية ودعم من الفاتيكان وبحضور متميّز لشخصيات فكرية وثقافية ودينية وإعلامية وسياسية، بينها من احتل مراكز رسمية، وقد أخبرته بحديث ودي وحوار معرفي دار بيني وبين جهاد الزين الكاتب والصحافي في صحيفة النهار والدكتور حامد الحمود من الكويت، حول دور النجف كمدينة ومركز ثقافي.
وحينما قلت أن للنجف وجهين استغربا، وتوغلت في ذكر وجهها الآخر الثقافي والأدبي والإنساني، الذي يشكّل رافعة بارزة، إضافة إلى رافعتها الدينية، زادا تشوقاً ومضت القصة إلى نهايتها، حين دعيت لحضور مؤتمر مجلة العربي السنوي في الكويت، فاستضافتني جمعية التنوير، لإلقاء محاضرة بعنوان ” النجف الوجه الآخر”. الأمر لا يخلو من مفارقات وتناقضات متداخلة ومتعانقة لجوار الأضداد حيث التنوّع والدينامية في مجتمع شكله الظاهري من الخارج ساكن ومحافظ، وجوهره الداخلي حيوي ومتحرّك، بل يبحث عن الآخر أحياناً للتواصل والتفاعل معه، ويجد متعته في التكامل، وهو ما دعا السيد مصطفى جمال الدين إلى القول عن تجربته في النجف التي جاءها للدراسة في مدرستها الأكاديمية وهو ابن الحادية عشر ” الفكر المنفتح في المجتمع المنغلق”، كما يقول في ” الديوان”، فالبيئة الثقافية والفكرية والدينية محرّضة على الجدل وهي تجمع بين الشفاهية والتدوينية، وعلى قدر اهتمامها بالوثيقة والكتاب والمطبوع، فهي تتناقل الأحاديث والقصص والأشعار والأقوال المأثورة، وكأنها زاد يومي.
هكذا بدأت محاضرتي في الجامعة اليسوعية فتحدث عن الوجه الآخر للمدنية ورؤيتها للمشترك، ولاسيّما هي مدينة ملحمية، يجتمع فيها الأبطال والضحايا، أحياناً، ويتناوب فيها المعلن والمستتر، والمنظور والمتخيّل، والحلم والواقع، والحضور والغياب، على نحو فيه الكثير من التناسق والتناظرية الشفيفة.
وبقدر قسوتها وصلابتها لقربها من طرف الصحراء فهي قريبة من الحميمية أيضاً بحكم تواصلها ومركزها الديني والثقافي والتجاري والسياحي واستقبالها الزائرين والوافدين إليها وتعايشهم معها وفيها. ولعلّ متعتين كبيرتين ظلتا ملازمتين لها، وهما العقل وما يستنبطه من حوار وجدل وكتب ومكتبات والشعر كجزء من الأدب والثقافة حيث لا مكان للتقوقع أو الأحادية، وكلاهما يحمل معنى التناقض في سلوكها، فهي مع الإيمان ومع التمرد وتريد السلطة وتخشاها، وطابعها العام عروبي- إسلامي، لكنها تستقبل الكثير من الأقوام والثقافات واللغات، وتحاول جمعها في إطار هارموني موحِّد، في دراسة تمتد أصولها إلى أكثر من ألف عام في معهد مفتوح ومتواصل، جامعهما الأساسي “الإنسانية” بغض النظر عن الجغرافيا والجنسية واللغة والأصل القومي والانحـدار المذهبي.
لذلك أقول أن النجف لا يمكن حصرها بقالب واحد أو مجموعة سياسية أو فئة أو حتى طائفة، هي مدينة التعايش التي يلتقي فيها الإسلامي والقومي واليساري جنباً إلى جنب، كما يلتقي فيها المجدد والمحافظ، والمتديّن والعلماني، والمؤمن وغير المؤمن، سواءً من أبنائها أو من الدارسين فيها، ولا يجد المرء غضاضة في هذا التعايش الفيسفسائي، المختلف والمؤتلف في الآن، ففيها تتعدّد الوجوه مثلما تتوحد، وتتجمعن مثلما تنفردن على حد تعبير أدونيس، أي تحافظ على شموليتها مثل محافظتها على خصوصيتها في الآن ذاته، وعرفت حوزتها العلمية جدلاً ونقاشاًَ وسجالاً للتغيير والتجديد وتعايشاً وصراعاً بين النقل والعقل وانتقالات من التيار التبشيري الإيماني العقيدي، إلى التيار التساؤلي الجدلي العقلي.
هي المدينة الإسلامية الرابعة بعد مكة والمدينة والقدس، فإضافة إلى الأزهر الشريف (القاهرة) والقيروان (فاس) والزيتونة (تونس)، هناك النجف الأشرف أيضاً، وهي امتداد لمدرسة الكوفة مقابل مدرسة البصرة. ولأن النجف مدينة وافدين وسوق مشتركة ومدينة جامعية ومكتبة مفتوحة، فقد أصبحت مدينة منفتحة ومنبراً للحوار والتعايش والتفاعل والتواصل مع الآخر.
وقاد التنوّع إلى التعايش القومي والتآخي الأممي والتفاهم اللغوي فتجد من يتحدث الفارسية والتركية والأفغانية والأردو إضافة إلى لغات أخرى ، وظلّ اتقان اللغة العربية أساساً لا غنى عنه للتقدّم في إطار الحوزة العلمية التي مضى على تأسيسها نحو 1000 عام.
وبقدر ما تعتبر النجف مدينة حياة فهي مدينة ” أموات” حيث يوجد فيها أكبر مقبرة في العالم، المعروفة بمقبرة “الغري”، وتستقبل الجنائز من مختلف أنحاء العالم لتدفن في مقبرتها حيث التواصل والاختلاط، ولأنها تخرّج العمائم من طلبة الحوزة العلمية، وهو ما جمعها الشاعر أحمد الصافي النجفي بالقول:
صادرات بلدتي عمائم
وواردات بلدتي جنائز
وكان الشاعر الجواهري ابنها أيضاً من قال فيها متمرداً داعياً لتعليم المرأة:
علّموها فقد كفاكم شناراً
وكفاها أن تحسب العلم عارا
وعن بعض خصائصها الشخصية في حب الزعامة الدينية قال فيها الشاعر علي الشرقي
بلدي رؤوس كلّها
أرأيت مزرعة البصل
في القرن الثامن عشر كان عدد سكانها لا يزيد عن 30 ألف نسمة، لكن هناك من أحصى عدد شعرائها حينذاك، فلاحظ بينهم 200 شاعر مميّز وهي ظاهرة فريدة، ففي أحلك فترات الظلام كانت النجف تسير تحت ضوء المعرفة والرغبة في التجديد.
في مطلع القرن العشرين شهدت انقساماً حاداً بين المشروطة والمستبدّة ومن وحيها صدر لاحقاً كتاب ” تنبيه الأمة وتنزيه الملّة” للشيخ حسين النائيني، وكانت تقرأ الصحف والمجلات التي تصدر في القاهرة وبيروت، وكان لعالم الدين هبة الله الشهرستاني دور مميز حينذاك في نشر الجديد من الاكتشافات العلمية ونقل أخبار الاختراعات.
وحين استشارت الدولة العثمانية بعض رجال الدين بشأن تداول كتاب داروين ” أصل الأنواع″ لمترجمه الاشتراكي شبلي شميّل فوافقوا على تداوله، على أن يسمح لهم بالرد عليه، وقد جاء الرد الأول من الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء غير المباشر ضمن كتابه ” الدين والإسلام”. وردّ عليه أيضاً محمد رضا الأصفهاني في كتاب ” نقد فلسفة داروين” مبرّراً ذلك بأن دفاعه عن الدين مقابل اللادين المحض.
ليس هذا فحسب، بل إن علي الشرقي الشاعر والوزير كان قد كتب قصيدة يرثي فيها ضحايا الباخرة تايتانيك بعد أيام من حدوث الفاجعة ويقول فيها:
أسيدة البواخر عنك تُفدى/لو اكتفيت الرَّزية بالمسودِ..
كما نشر الشيخ محمد رضا الشبيبي قصيدته عنها في نفس العام 1912 يقول فيها:
يا بابل البحر الخضمّ سحرتنا / سحراً أرى هاروت في تايتنيك
زعموا ضللتِ لو أردت هداية/ كان المحيط بنفسه هاديك
وفي العام 1922 عندما زار المفكر اللبناني أمين الريحاني كربلاء لمشاهدة “دراما ” المواكب الحسينية بمناسبة عاشوراء، والتقاه الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء، ودعاه لزيارة النجف وهو المسيحي المتجنّس بالجنسية الأمريكية، وفعلاً زارها وحضر مجالسها، وأُهديت له مخطوطات احتفاء بقدومه وقابل فيها علمائها مثل الشيخ محمد رضا الشبيبي والشيخ محمد السماوي والشيخ جواد الجزائري وغيرهم وفي وقت لاحق كتب كاشف الغطاء كتابين عن الريحاني، كما نظم الجواهري يومها قصيدة ترحيبية بقدومه يقول في مطلعها:
أرضُ العراق سعت لها لبنانُ/ فتعانق الإنجيل والقرآنُ
ولعلّ ذلك دليل تسامح وقبول بالآخر بل وإقرار في حقه ، حتى وإن كان المظهر السائد في المدينة يميل إلى المحافظة أو التقليدية، لكن الرغبة في التواصل مع الآخر والمشترك الإنساني كانت هي السائدة.
وكنتُ قد ألقيت شهادة مؤخراً في النجف في اتحاد الأدباء والكتاب عن العلاقة مع الآخر، وهي بعنوان ” حكاية الحوار العربي- الكردي”، وتلك مسألة أخرى وعْدتُ طلبة الدراسات العليا في الجامعة اليسوعية بتقديمها في الموسم الدراسي الثاني، أقول ذلك جزء من التاريخ، حتى إن كان الحاضر ملتبساً، حيث دخلت السياسة على الدين، في مسعى للتمذهب، لا يجمعه جامع مع قيم التسامح التي دأبت عليها المدينة بوجهيها الديني والعلماني.
باحث ومفكر عربي

101
دستور مصر: في الطريق إلى الاستفتاء !
عبد الحسين شعبان
باحث ومفكر عربي

   ما بين استفتاء العام 2012 على دستور "الأخوان" وبين استفتاء العام 2014 على الدستور الجديد ليست أكثر من ثلاثة عشر شهراً، ولكن ثمة مياه كثيرة سارت تحت الجسور كما يقال، مثلما هناك فوارق كبيرة بين الدستورين والاستفتائين، فقد حدث الاستفتاء الأول في ظل حكم الأخوان وهيمنتهم، في حين أن الاستفتاء الثاني يحصل بعد الإطاحة بهم وفي غيابهم.
كان الإسلاميون يشكّلون الأغلبية في لجنة صياغة دستور العام 2012، وإن شاركتها العديد من القوى الفاعلة في مصر تقريباً، لكن خلافات جوهرية وقعت في المراحل الأخيرة من إعداد الدستور، ولاسيّما بالضد من الإعلان الدستوري الذي أصدره الرئيس محمد مرسي، والذي وضع فيه ما يصدر عنه (الرئيس) من مراسيم جمهورية فوق المساءلة القضائية. وكانت القوى الوطنية واليسارية والوسطية شبه الليبرالية، قد انسحبت من لجنة صياغة الدستور، احتجاجاً على محاولة الأخوان وضع بصماتهم الأساسية عليه، الأمر الذي جعله مضموناً وشكلاً معبّراً عنهم أكثر من كونه دستوراً لمصر.
ولكن الرئيس مرسي بدلاً من أخذ تلك الاحتجاجات بنظر الاعتبار، تمادى في تجاوزها فدعا مجلس الشعب (البرلمان) الذي يشكّل الإسلاميون غالبيته، إلى وضع مسوّده الدستور الجديد بالسرعة الممكنة، ليتم عرضه على الاستفتاء الشعبي، وهو ما جرى بالفعل، حيث حصلت الموافقة عليه بنسبة 64% من مجموع المصوّتين التي لم تزِد عن 33%، الأمر الذي عرّض الاستفتاء والنتائج التي تمخّض عنها إلى النقد الشديد، إلى حد تقويض الشرعية الشعبية لقلّة المشاركين في الاستفتاء.
وكان النهج الإقصائي الانعزالي والشعور بالغرور الذي اتسمت به حركة الأخوان في التعامل مع القوى الأخرى سبباً في تعاظم حركة الاحتجاج التي اتّخذت طابعاً شعبياً واسعاً، وصلت ذروتها يوم 30/حزيران (يونيو) ويوم 3 تموز (يوليو) 2013، حين قرر الجيش توجيه ضربة استباقية لحسم الأمور لصالح تغيير حكومة مرسي.
وقد عمدت حكومة ما بعد إقصاء مرسي على تعديل الدستور باعتباره أولوية أولى في جدول عملها، فبعد خمسة أيام من إقالة حكومة الأخوان (أي في 8 تموز/يوليو/2013) علّق إعلان دستوري جديد، دستور العام 2012 المُستفتى عليه، ورسم خطوطاً عريضة لعملية جديدة أساسها تشكيل لجنة خبراء قانونية من عشرة أشخاص مهمتها تعديل الدستور، وبعدها تتولى لجنة قوامها 50 عضواً يمثلون الطيف السياسي والاجتماعي والتنوّع الديموغرافي والتعددية الثقافية، تتولّى مراجعة وتعديل المسودّة والموافقة عليها.
ولا شك أن لجنة الخمسين المؤلفة من قيادات وقوى مختلفة، كانت مؤيدة للحركة التي قادها الجيش لإقالة حكومة محمد مرسي، واستبعد منها الإسلاميون بشكل عام والأخوان بشكل خاص، ولم تضم في عضويتها سوى عضوين من مجموع خمسين يمثلون التوجّه الإسلامي، وكانت في أغلبيتها ممثلة لأحزاب غير إسلامية، وإن كان حضورها شعبياً فيه الكثير من التفاوت، قياساً لحركة ألخوان العريقة ذات الثمانية عقود ونيّف.
الدستور المطروح اليوم للاستفتاء يمثل موقف قوى التحالف المناهضة للأخوان وتعكس مسودته عدداً من الاعتبارات التي فرضتها عملية إقالة حكومة محمد مرسي، ومنها:
1-   حظر قيام أحزاب دينية (المادة 74).
2-   إلغاء تحديد مصادر الشريعة المعيّنة التي سيستند إليها التشريع والإبقاء على النص بعموميته ودون تحديد، كما ورد في مسوّدة الدستور السابق (المادة 219)، كما ألغى نص المادة 44 التي حظرت "المساس أو التجريح بجميع رسل وأنبياء الأديان" وذلك بحكم تفسيراتها المختلفة.
3-   إلغاء استشارة الأزهر باعتبارها واجباً، فيما يتعلق الأمر بالشريعة الإسلامية.
وبشكل عام خفّفت صيغة الدستور الجديد من " الصبغة الإسلامية المتشدّدة والصارمة" التي أريد بها طبع دستور العام 2012، كما كانت تصرّ عليه حركة الأخوان والجماعات السلفية.
4-    منح الدستور الجديد استقلالاً واسعاً للأجهزة الأمنية ولقوى الجيش وسائر المؤسسات الحكومية الأخرى التي أسهمت في الإطاحة بحكم مرسي. وقرّر إنشاء مجلس أعلى للشرطة يجب استشارته في سائر القوانين التي تتعلق بالشرطة (المادة207)، كما قرر منح كل هيئة قضائية " ميزانية مستقلة" ومنحها استقلالية في " إدارة شؤونها الخاصة" (المادة 185)، ومنح الجمعية العامة للمحكمة الدستورية العليا صلاحية اختيار رئاسة الحكومة (المادة 193)، وأنيطت صلاحية تعيين المدعي العام للحكومة بمجلس القضاء الأعلى (المادة 189)، وكانت جميع تلك الصلاحيات من اختصاصات الرئيس حسب دستور العام 2012.
5-   اعتبر الدستور الجديد الجيش عماد الدولة منذ أن كان حاكمها محمد علي باشا في القرن التاسع عشر، وأبدى آيات التقدير " لجيشنا الوطني" الذي حقق " النصر" للإرادة الشعبية الكاسحة في 25 كانون الثاني (يناير) و30 حزيران (يونيو). ونصّ الدستور الجديد مثل الذي سبقه على أن يكون وزير الدفاع ضابطاً عسكرياً (المادة 201) يتم تعيينه من المجلس الأعلى للقوات المسلّحة وذلك خلال الدورتين الرئاسيتين القادمتين (المادة 234)، ويخوّل مجلس الدفاع الوطني بوضع الموازنات ومراجعتها (المادة 203)، ويسمح بمحاكمة المدنيين في محاكم عسكرية (المادة 204) (وهو ما أثار ردود فعل متنوعة من جهات حقوقية داخلية ودولية) سواءً على هذا الدور أو على الصلاحيات الواسعة الممنوحة للأجهزة الأمنية أو  لوزير الدفاع تحديداً.
6-   إعطاء صلاحية مكافحة " جميع أنواع وأشكال الإرهاب" للدولة (المادة 237)، ولعلّ مثل هذا التفويض المطلق، كان قد أثار ردود فعل من جانب بعض المنظمات الدولية، خصوصاً في ظل احتدام الموقف بين الحكومة والأخوان، وشيوع أعمال إرهاب وتفجيرات وتخريب لا تزال مستمرة.
7-   تضمن الدستور تطوراً مهماً في قضايا العدالة الاجتماعية، وكان لدور الأحزاب اليسارية والوطنية الوسطية وشبه الليبرالية، دوراً في ذلك بحكم أوضاع مصر الإستثنائية، خصوصاً انخفاض مستوى المعيشة ونزول فئات جديدة من السكان دون خط الفقر، إضافة إلى الأمية والتخلّف وسوء الأوضاع الصحية والخدمات التعليمية ومياه  الصرف وغيرها، ولذلك رغبت هذه القوى تعزيز دور الدولة (المادة -8) حيث تم التأكيد على توفير موارد الغذاء لجميع المواطنين (المادة- 79) وضمان المعاشات المناسبة لكبار السن بما يضمن لهم مستوىً لائقاً من المعيشة" (المادة 83) ولعلّ هذا يتطلّب إنفاقاً حكومياً كبيراً نسبياً على الرعاية الصحية والخدمات التعليمية بما فيها التعليم العالي والبحث العلمي.
إذا كان دستور العام 2012 يعكس فلسفة الأخوان، فإن دستور العام 2014 الذي سيتم الاستفتاء عليه يعكس فلسفة النظام الجديد القائم على تحالف بين الجيش وقوى وطنية، فالأول منح مرسي والإسلاميين سلطات كبيرة لتثبيت أقدامهم في الحكم الجديد، مع محاولة لاسترضاء العسكر بمنحهم استقلالاً مؤثراً، في حين أن الدستور الجديد هو نتاج تحالف من داخل الدولة (الجيش) مع قوى شعبية، الأمر الذي أعطى نوعاً من التوازن وإن كانت مرجعية الحسم بيد الجيش، الذي استبعد الدستور مساءلة وزير الدفاع خلال الدورتين القادمتين من مجلس الشعب، الأمر الذي سيعطيه حصانة سياسية وقضائية.
أغلب الظن أن الدستور الجديد الذي سيتم الاستفتاء عليه يوم 14-15 كانون الثاني (يناير) الجاري ستكون نتيجته بالموافقة أي بـ"نعم" وقد تكون بهامش كبير نسبياً، وتقدّر أن تكون المشاركة أكبر من دستور العام 2012، ولكن الأمر لا ينتهي بالاستفتاء، بل إن ما بعد الدستور سيكون هو الأهم، فهل سيستمر التحالف بين الجيش والقوى التي أيّدت إقصاء محمد مرسي، أم ثمة مشكلات سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية  ستظهر على السطح، خصوصاً مدى استعداد الحكومة لتطبيق مواد الدستور المتعلقة بالعدالة الإجتماعية، في ظل الانفاق الكبير المتوقع، والذي قد يذهب بالمساعدة الخليجية الكريمة والتي بلغت نحو 12 مليار دولار، إلى التبديد في ظل غياب خطط مركزية قصيرة وطويلة المدى، ومثل هذا الأمر سيؤثر على المساعدات الدولية الموجهة إلى مصر، بما فيها المساعدة الأمريكية المتوقفة أو المعلّقة.
مصر مرهقة اقتصادياً واجتماعياً، ولا يمكنها تحمّل ارهاق سياسي يزيد من صعوبات الحياة في ظل صراعات مستمرة وأعمال عنف وإرهاب، وما تحتاج إلى استقرار سياسي وتوافقات وطنية وإدماج الجميع بالعملية السياسية دون إقصاء، والتوجه لإعادة بناء الدولة العريقة، وردّ الاعتبار لهيبتها ودستورها وقضائها ومؤسساتها بشكل عام، مثلما يحتاج الأمر إلى إعادة بناء علاقاتها الدولية والإقليمية على نحو يعيد لمصر مكانتها الكبيرة وهي مكانة للعرب أجمعين.


102
تركيا وبرزخ «الفساد»!

د. حسين شعبان
   
 
مثله مثل غيره من القيادات العالمثالثية، وصف رجب طيب أردوغان حركة الاحتجاج الواسعة، على سياسات حكومة حزب العدالة والتنمية (الإسلامي)، بأنها مؤامرة خارجية تستهدف تركيا وحكومتها المنتخبة ونهضتها، دون أن ينسى العامل الداخلي، والمقصود بذلك الصراعات الحادة مع قوى سياسية، بعضها حلفاؤه في الأمس من القوى الإسلامية، والأخرى وطنية ويسارية وليبرالية مناوئة للحكومة وسياساتها، بما فيها بعض هواجس وارتيابات القوات المسلحة التركية وبعض أجهزة الشرطة، من التوجهات الإسلامية لحزب العدالة والتنمية، ولا سيّما بخصوص الدولة المدنية وطابعها العلماني، وهو الأساس الذي بُنيت عليه الدولة التركية الحديثة والمفهوم الأتاتوركي لقيامها منذ قرن من الزمان.
شهدت تركيا خلال العام 2013م حركتين احتجاجيتين كبيرتين، الأولى: كانت على خلفية إقامة مركز تجاري مكان حديقة عامة، وإحياء ثكنة عثمانية محلّها. كانت تلك الاحتجاجات موجة مفاجئة ضربت اتجاه أردوغان الصاعد، لذلك لم يدّخر وسعاً من اتهامها بشتى التهم، بما فيها نعتها بـ «لوبي الربا» وهو نقد شديد بثوب إسلامي.
أما الاحتجاجات الثانية: فتأتي على هامش اكتشاف فساد كبير لأشخاص مقرّبين منه ومن حكومته، وجزء منهم محسوبون على حزبه، وبضمنهم أبناء وزيري الداخلية عمر غولّر، والاقتصاد ظافر تشاغليان، ومسؤولين سياسيين واقتصاديين من كبار موظفي الدولة مثل مدير بنك الشعب «خلق» سليمان أصلان، ورجل الأعمال المعروف (الإيراني- الإذري) رضا زراب.
وبدلاً من التعاطي مع هذه الموجة الجديدة من الاحتجاجات بحذر وباتخاذ إجراءات سريعة للتحقيق، فقد أبدى أردوغان غطرسة وتعالياً، حين ندد بالمعارضة محاولاً السباحة في ذات البركة السابقة، لنقده لحركة الاحتجاج الأولى، محرّكاً مياهها على نحو شديد، لا سيّما حين وجّه اتهاماته إلى ذات الجهات التي وصفها بالتآمر الخارجي، ولكن هذه المرّة تحت عنوان مكافحة الفساد.
في المرّة الأولى، كان الاتهام الأساسي لحزب الشعب الجمهوري الأتاتوركي وتنظيمات يسارية بعضها محظور، وقسم منها له خيط بجماعات علوية بتلميح إلى سورية، خصوصاً وقد كان من أشد المتحمسين للإطاحة به بعد تطوّر العلاقات بين البلدين ووصولها إلى تصفير للمشاكل على حد تعبيره، لكن الجديد في الأمر أن الاتهامات الجديدة شملت حلفاء أردوغان الذين وقفوا معه طيلة فترة حكمه، وهؤلاء هم جماعة الداعية الإسلامي التركي فتح الله غولان (المقيم في الولايات المتحدة – بنسلفانيا)، وهكذا تساوى في نقده جميع الأطراف، حتى أنه ظهر عارياً بلا حلفاء أو غطاء.
يعتبر حزب العدالة والتنمية جزءًا من التنظيم الدولي للاخوان المسلمين، الذي تأسس في مصر العام 1928، وقد حقق نجاحات كبيرة في المجالات المختلفة منذ وصوله إلى السلطة في العام 2002م، وقد نشأ إثر حركة الانشقاق من حزب الفضيلة الإسلامي (الجناح التقليدي في حركة الاخوان)، حيث انفصل عنه عام 2001م، كل من رجب طيّب أردوغان وعبدالله غول، لكنه لم يكن الجماعة الإسلامية لوحدها، وإن كان نفوذها كبيراً، فقد ظهرت تباينات واختلافات داخل التيار الإسلامي المعروف تاريخياً، بما فيهم جماعة فتح الله غولان، بسبب محاولات أردوغان الاستحواذ على المناصب والامتيازات.
وكان من بين نقاط الخلاف بين المجموعتين، هو موضوع القضية الكردية، والتفاوض مع عبدالله أوجلان زعيم حزب العمال الكردستاني، إضافة إلى الموقف من العدوان «الإسرائيلي» على غزة، والمساعدات الإنسانية الواجبة شرعاً لإغاثة المسلمين، ففي حين اندفع أردوغان في دعم أسطول الحرية ونجم عن تلك «المبادرة» قتل تسعة مواطنين أتراك من جانب الجيش «الإسرائيلي» الذي تصدّى للأسطول بعد تحذيره، في حين كان رد فعل الجانب المضاد لأردوغان أن تلك كانت مغامرة غير محسوبة النتائج، وكان يقتضي الأمر الحفاظ على سلامة المواطنين الأتراك، والحصول على موافقات مسبقة لأسطول الحرية.
لقد ساهم التحالف بين جماعة فتح الله غولان وبين أردوغان وحزب العدالة والتنمية، في ترسيخ قوة الحزب سياسياً وإعلامياً، داخلياً ودولياً، لا سيّما من خلال المنجزات التي حققها، واستطاع ترويض الجيش إلى حدود معينة دون المساس بطابع الدولة المدني العلماني، وذلك من خلال إقالة عدد من كبار الضباط وملاحقتهم وإتهامهم بحجة ضلوعهم بمحاولة انقلاب عسكرية، لكن انفضاض التحالف بين الجماعتين أضعف أردوغان، وعرّض إجراءات حكومته إلى انتقادات شديدة وحادّة، وكان الفساد أحد المعاول التي تحفر عميقاً في أرض سلطته، إلا أنه حاول تصوير الأمر باعتباره خطة خارجية للتآمر على تركيا، فلم يتوان من نقد فرنسيس ريتشارد دوني السفير الأمريكي في أنقرة، وسعيه للتدخل بالشؤون الداخلية في محاولة لغمز موقف غولان، التي ضجّت وسائل الإعلام القريبة من أردوغان، بوصفه «بالاسلامي المتأمرك».
من جهتها، استغلّت جماعة غولان الوثيقة الصلة بواشنطن، انكشاف برزخ الفساد، لتشن حملة ضد حكومة أردوغان، فطعنت في تخويلها الشرعي شعبياً وإسلامياً، لكن أردوغان أظهر تشبثاً بالسلطة لدرجة أنه أقال وزيرين وأكثر من 37 مدير شعبة أمنية، وأدار ظهره لكل ما يقال بشأن الفساد وتبييض العملة والعلاقة الخاصة مع إيران لكسر نظام العقوبات، وهو ما جرى الكشف عنه بضبط أموال كبيرة وسبائك ذهب في بيت مدير بنك الشعب «خلق»، وهنا كان الاختلاف واضحاً أيضاً في السياسة الخارجية للفريقين الإسلاميين، ففي حين تسعى حكومة اردوغان لتطبيع العلاقات وتوثيقها مع إيران، فإن جماعة غولان تفضّل توطيد العلاقات مع الغرب لقبول تركيا في الاتحاد الأوروبي.
لقد بدأت حكومة أردوغان بعملية التطهير للمناصب الحساسة التابعة لجماعة غولان، سواءً في جهاز الشرطة أو الجيش، وقد وضع جهاز القضاء تحت المجهر أيضاً بهدف تطهيره في إطار مراجعة عامة تقتضي إحراز تأييد شامل لسياساته، ولعلّ ذلك أضعف حزب أردوغان على نحو كبير، فمن جهة ضعفت جبهته الداخلية، ومن جهة أخرى تعزّزت معارضة الجماعات الوطنية واليسارية والليبرالية، التي تعتبر معارضتها مبدئية له بحكم توجهات نظام الحكم الإسلامية، الأمر الذي سيعني تعرّض مواقعه، وخصوصاً بعد برزخ الفساد ومحاولات التستر على الفضيحة، للمزيد من التراجع.
إن مشكلة الفساد مثل غيرها، جزء من مشكلة إدارة الحكم والصراع على مراكز النفوذ داخل السلطة السياسية، وبقدر تهديدها لحزب أردوغان، فإنها في الوقت نفسه تهدّد أوغلان وجماعته المتهمة هي الأخرى بالفساد، وسيدوم الصراع ويتواصل، وحتى لو كانت جميع الأطراف ضعيفة، فإن حزب أردوغان يعتبر أقوى الضعفاء، ولهذا فإن نجاحه لاحقاً أو تغلّبه على هذه المشكلة، قد يزيد من تعنّت أردوغان وانفراده الذي قد يقود البلاد نحو المزيد من التشدّد، بعد أن بدت تركيا متسامحة ومنفتحة ومتصالحة مع القيم الليبرالية، وخصوصاً في مسائل الحريات وقوانين السوق وإنسانية الإنسان، وقد اعتبرت أوساط كثيرة في الغرب أن النموذج التركي للاسلام، هو الذي يمكن أن يكون البديل عن التشدّد والتعصّب والعنف والارهاب والجهاديين والتكفيريين.
حتى الآن، فإن المؤسسة العسكرية الشديدة الاعتزاز بنفسها وتاريخها، ولا سيّما في إحداث التغييرات عبر تدخلاتها المباشرة سواء في سنوات 1960م والعام 1971م، وانقلاب كنعان ايفرين في العام 1980م أو في التوجه اللاحق العام 1997م بعيدة مباشرة عن دائرة الصراع اليومي، وإنْ كانت تراقب بدقة كل ما يجري، وهو اتجاه قد ينتظره بعضهم بفارغ الصبر.
* باحث ومفكر عربي



103

صفاء الحافظ وصباح الدرّة
ثلاثون عاماً على الإختفاء القسري
عبد الحسين شعبان
سواءً كانوا يرتدون ملابس عادية أم زيّاً رسمياً، ام كانوا بوجوه مكشوفة أم يضعون أقنعة فوقها، يظهر بعضهم مباغتةً في مكان محدد ومرصود، فيقومون بتطويقه، لاصطياد الضحية، وهم يحملون السلاح في الغالب، بصورة ظاهرة أو مستترة، لكنهم يصوبونه عند اللزوم إلى صدر من يريدون اقتناصه أو إلى رأسه، ويأمرونه بالامتثال إلى إرادتهم دون إبداء أي رد فعل من شأنه أن يؤدي إلى إطلاق النار عليه.
غالباً ما يخفي هؤلاء الرجال هوياتهم ولا يفصحون عن الجهة التي ينفّذون أوامرها، ويبدأون بجرّ الشخص، وأحياناً بضعة أشخاص إلى سيارة أو عدّة سيارات تكون جاهزة في العادة، لتنطلق بسرعة خاطفة نحو مكان الاختفاء القسري، ولكي لا يعرف الضحية المكان الذي يتوجّه إليه الخاطفون يضعون قماشة سميكة فوق عينية أو يلبسون رأسه كيساً، ويوثقون يديه، كل ذلك دون أوامر إلقاء القبض في أغلب الأحيان.
هكذا يبدأ الفصل الأول للمأساة التي تفضي إلى الاختفاء القسري Forced Disappearance أو الإختفاء غير الطوعي Unvoluntary Disappearance   حسب تعبيرات الأمم المتحدة، ثم تبدأ فصول المأساة والعذاب الأخرى للمختفي وأسرته وللمجتمع. فالضحايا يظلون يجهلون أي شيء عمّا يجري خارج مكان اختفائهم، وأسرهم تجهل هي الأخرى إن كانوا على قيد الحياة أم لا؟ وإن قلقهم يكبر مع مرور الأيام وينعكس ذلك على حياة الأسرة خصوصاً: الزوجة والأولاد وتبعات ذلك قانونياً واجتماعياً ونفسياً ومعاشياً إن كان هو معيلها الوحيد.
في كل عام ومنذ عقود من الزمان، يستعيد العالم ذكرى المختفين قسرياً، في الجزائر والمغرب ولبنان والعراق وليبيا وإيران وسوريا وتشيلي والأرجنتين والعديد من دول أمريكا اللاتينية وبعض دول آسيا وأفريقيا، خصوصاً وأن ظاهرة الاختفاء القسري متفشية في أكثر من 63 بلداً. وقد استذكرنا وعلى مدى أعوام المهدي بن بركة الذي اختفى في باريس العام 1965 والإمام موسى الصدر الذي اختفى في طرابلس العام 1978 والدكتور صفاء الحافظ والدكتور صباح الدرّة وعايدة ياسين ودارا توفيق وأسعد الشبيبي والسيد محمد باقر الصدر وأخته بنت الهدى وعزيز السيد جاسم وغيرهم الذين اختفوا في العراق، مثلما اختفى منصور الكيخيا في القاهرة العام 1993، وفي لبنان لا يزال مصير شبلي العيسمي الذي اختفى قسرياً منذ عامين ونيّف (2011) مجهولاً، وهكذا. قلّة من المختفين قسرياً أجلي مصيرهم، فقد ظل المرتكبون حريصون على إخفاء كل أثر لهم.
في أواخر العام 2012 وفي الذكرى الـ 19 لاختفاء منصور الكيخيا أجلي مصيره الذي ظل مجهولاً منذ أن اختفى في القاهرة، ومنها، نقل إلى طرابلس بصورة سرّية حسبما انكشفت الحكاية، ومكث في معتقل سرّي خاص لغاية العام 1997 وتوفي بعدها، ولكنه استبقي في ثلاجة لغاية العام 2011، الاّ أن الثورة كشفت عن ملابسات اختفائه لاحقاً وقامت بتكريمه في حفل مهيب في ديسمبر (كانون الأول) العام 2012، وقد دعي كاتب السطور الذي كان له شرف كتابة كتاب عنه وعن ظروف اختفائه بعنوان “الاختفاء القسري في القانون الدولي- الكيخيا نموذجاً” (بالعربية والانكليزية، في العام 1998) وألقى كلمة في طرابلس وأخرى في بنغازي في الساحة التي انطلقت منها الثورة.
بعد أيام ستحل الذكرى الثلاثون لاختفاء الدكتور صفاء الحافظ ورفيقه الدكتور صباح الدرّة اللذان اختفيا قسرياً في ظروف غامضة وملابسات لا تزال مبهمة وملتبسة حتى الآن، حيث ألقي القبض على المراسل في الرطبة، الذي كان متوجهاً من بيروت إلى بغداد، واقتيد إلى جهة مجهولة، وتم اكتشاف جوازي سفر بحوزته لتسهيل مهمة الحافظ والدرّة لمغادرة العراق، وقد أرفقت معهما رسالة خاصة، وقد تكون تلك المعلومات وراء التعجيل بتصفيتهما، على الرغم من مطالبات المنظمات الدولية والعربية بإجلاء مصيرهما ومصير العديد من المختفين قسرياً.الخاطفون وحدهم هم الذين ظلّوا يراهنون على نسيان صفاء الحافظ وصباح الدرّة، كي تذبل القضية تدريجياً ويتلاشى الاحتجاج، بل يصبح الأمر مجرد ذكرى، ولذلك تراهم عمدوا إلى التعتيم، وأثاروا غباراً من الشك لإبعاد الموضوع عن دائرة الضوء وإبقائه في دائرة الظل… وهكذا كانوا يأملون في تآكله تدريجياً بالإهمال وصدأ الذاكرة وازدحام الأحداث ودورة الزمن .
وفي كل عام، ولاسيّما مع اقتراب  ذكرى صدور الاعلان العالمي لحقوق الإنسان، غالباً ما يتردَّد السؤال المحيّر الذي كنت أستعيده وأطرحه بهذه المناسبة.. لماذا وكيف تمارس سلطة رسمية أو سلطات تابعة لها أو بمعرفتها، مهمات أبعد ما تكون عن مهمات الدولة، فتخفي أثر مواطن أعزل عن الأنظار في حين بإمكانها إلقاء القبض عليه إذا كان متهماً بارتكاب ” جريمة” ما، وتقديمه إلى المحاكمة الأصولية، وهو لا يملك سوى الامتثال للإجراءات الرسمية القانونية لسلطة مدججة بالسلاح والمال والإعلام والمخبرين، حتى وإن كان بريئاً؟
ثم لماذا تستبدل وظيفة الدولة، وهي حفظ وتنظيم حياة الناس وأمنهم وممتلكاتهم، بمهمات عصابة خارجة عن القانون، مثلما تفعل الأخيرة عندما تقوم بخطف مواطن أو احتجاز سيّدة أو أخذ رهائن بمن فيهم أطفال سواء لطلب فدية أو لأي سبب ومبرر آخر؟
ربما كان ضيق صدر السلطات وتبرّمها من الرأي الآخر هو الذي يعطي الإجابات المقنعة على أعمال تقوم بها ” الدولة”، وهي في تناقض مع أبسط مقوماتها كدولة، وقد تكفّ أن تصبح دولة باستمرارها، لكن ذلك جواباً غير كاف، إلاّ إذا  نظرنا للأمر من زاوية عدم الثقة بالنفس، والخوف من الضحية وانتهاك حرمة المجتمع وترويعه باسم ” الآيديولوجيا” أو الدين أو الطائفة غيرها، بما يؤدي إلى تدمير العلاقات الإنسانية بين البشر وتصفية الخصم أو حجبه امتلاك الحقيقة التي تشكّل الأساس في الأفكار والأنظمة الاستبدادية والشمولية.
وبارتكاب جريمة الاختفاء القسري تكون الدولة قد خرقت (الشرعية الدولية) في أكثر من محور وكذلك الحقوق الفردية والجماعية للإنسان المنصوص عليها في المعاهدات والاتفاقيات الدولية. ويمكننا مقاربة ذلك من خلال الحقوق الاتية:
1-         حق الحياة والحرية والأمان الشخصي.
2-         الحق في ظروف احتجاز إنسانية أي عدم الخضوع للتعذيب أو المعاملة القاسية أو الحاطة بالكرامة.
3-         الحق في الاعتراف بالإنسان كشخصية قانونية، فالاختفاء القسري يحجب عن الإنسان الحق في أن يكون له شخصية قانونية معترف بها، خصوصاً وأنه مجهول المصير، ومجهول المكان، ويعتبر في وضعيته تلك خارج النطاق القانوني.
4-         الحق في محاكمة عادلة.
5-         الحق في حياة أسرية طبيعية .
لقد أولت الأمم المتحدة اهتماماً مبكّراً بظاهرة الاختفاء القسري، ففي عام 1979 أصدرت قراراً بعنوان” الأشخاص المختفون”، وفي العام 1980 أنشأت لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة الفريق العامل المعني بمتابعة حالات الاختفاء القسري. ومن مهماته العمل كقناة اتصال بين عوائل المفقودين والحكومات، ويصدر الفريق العامل تقريراً سنوياً يغطّي فيه حالات الاختفاء القسري منذ ذلك التاريخ.
وفي الدورة السابعة والأربعين للجمعية العامة أصدرت الأمم المتحدة إعلاناً في 18 كانون الأول (ديسمبر) 1992 أطلقت عليه ” إعلان بشأن حماية الأشخاص من الاختفاء القسري أو غير الطوعي”، معتبرة أعمال الاختفاء القسري جريمة ضد الكرامة الإنسانية ويُدان بوصفه إنكاراً لمقاصد ميثاق الأمم المتحدة وانتهاكاً صارخاً وخطيراً لحقوق الإنسان وحريات الأساسية. واعتبر الاعلان إن جميع أعمال الاختفاء القسري تعتبر جريمة مستمرة باستمرار مرتكبيها في التكتّم على مصير الضحية ومكان اختفائه، ولا تسقط هذه الجريمة بالتقادم ولا يستفيد مرتكبوها من أي قانون عفو خاص، مثلما عبّر عن ذلك قرار الجمعية العامة رقم 39 لعام 1994 مشيراً إلى قلق المجتمع الدولي إزاء استمرار هذه الظاهرة الإجرامية، التي تستحق عقوبات ملائمة.
 باحث ومفكر عربي


104
هل استوطن الإرهاب في العراق؟

عبد الحسين شعبان
                     
يظل السؤال محرجاً ومريباً: هل الإرهاب ظاهرة عراقية منفردة أم أنه جزء من ظاهرة كونية، لا يزال المجتمع الدولي يعانيها، على الرغم من صدور 12 وثيقة واتفاقية دولية بخصوص التصدي له، حتى إن لم يتم التوصل إلى تعريف المقصود بالإرهاب الدولي؟ ومبعث السؤال هو استمرار ظاهرة الإرهاب في العراق منذ احتلاله في العام 2003 .
ولكن أحداث 11 سبتمبر/ أيلول الإرهابية التي حصلت في الولايات المتحدة العام ،2001 جعلت من مواجهة هذه الظاهرة ومكافحة الإرهاب، مهمة عالمية ملزمة، لاسيما بصدور ثلاثة قرارات دولية خطرة من مجلس الأمن الدولي، الأول هو القرار 1368 الذي صدر بعد يوم واحد من العمل الإرهابي الذي أرخ لفاصل تاريخي بخصوص مكافحة الإرهاب، والثاني هو القرار ،1373 الصادر في 28 سبتمبر/ أيلول العام ،2001 (أي بعد سبعة عشر يوماً من أحداث سبتمبر/ أيلول)، ولعله أخطر قرار في تاريخ المنظمة الدولية، عندما أعطى الحق للدول (المتنفذة بالطبع) في شن حرب استباقية أو وقائية بزعم وجود خطر وشيك الوقوع أو محتمل، وفيه عودة للقانون الدولي التقليدي، والثالث هو القرار 1390 الصادر في 16 يناير/ كانون الثاني 2002 الذي فرض على الدول التعاون لمكافحة الإرهاب الدولي، والاّ فإنها يمكن أن تتعرض إلى العقوبات الدولية .
وإذا كان الإرهاب ظاهرة عالمية، فهل انتقاله إلى العراق أسهم في تعميم ثقافة العنف بحيث أصبحت ثقافة سائدة للمجتمع، أم إنه ظل ظاهرة معزولة عن المجتمع بالرغم من تفشيه في ظروف الاحتلال، وما بعده من انقسام سياسي وانشطار ديني واحتراب مذهبي وإثني؟
لعلّ مناقشة هذه الظاهرة كانت محط دراسة وبحث معمّقين في ندوة أكاديمية أعدّ لها مركز حمورابي المتخصص في بغداد وشارك فيها نخبة من الأكاديميات والأكاديميين العراقيين، وقد سبق ذلك بتقديم رؤيته لطبيعة المجتمع العراقي وما رافق تاريخه الحديث والمعاصر من مستويات من العنف اتخذت طابعاً سياسياً، وهو ما حصل في العهد الملكي، ولاحقاً منذ ثورة 14 يوليو/ تموز 1958 وما بعدها التي شهدت استقطابات سياسية حادة، حيث ارتفعت موجة العنف إلى مستويات عليا، وتوّجت في 8 فبراير/ شباط ،1963 بالطابع الدموي الإقصائي .
وقد ظلّ الخوف من الآخر هو الأساس الذي يتحكّم في هاجس الأمن منذ تأسيس الدولة العراقية وإلى الآن، بغض النظر عن النظام السياسي، وقد ازداد هذا الهاجس حدّة بعد العام ،2003 معيداً إنتاج دورات العنف والإرهاب لطبع الحياة السياسية العراقية كلّها، وزاد الأمر تعقيداً بفتح الحدود على مصراعيها في إطار استراتيجية واشنطن لاستدراج الإرهابيين إلى العراق، بحجة التمكّن من الإجهاز عليهم، وهو ما عاظم انتشار الخلايا الإرهابية ونماذج التعصّب والتطرف التي سبقها تفقيس بيض الحملة الإيمانية التي تبنّاها النظام السابق، لاسيّما بإغراق المكتبات بالمطبوعات والكتب والكراريس التي تغذي ذلك .
كل ذلك ارتبط في أذهان الكثير من العراقيين والعرب بعد الاحتلال بمحاولة الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش، إضفاء مسحة دينية على احتلاله للعراق، فتارة باسم "الحرب الصليبية" التي قيل عنها إنها زلّة لسان، وأخرى باسم "الفاشية الإسلامية"، وثالثة بمحاولات السخرية من الإسلام والمسلمين برسم صور كاريكاتيرية للرسول وإلصاق كل عمل إرهابي بهم، الأمر الذي شجّع القوى المتطرفة الداخلية لاعتبار كل ما هو "غربي" عنصرياً واستعلائياً، في إطار رد فعل بخطيئة لمجابهة الخطيئة الأولى، إزاء النظر للآخر والعلاقة بين أتباع الديانات والحضارات والثقافات المختلفة التي تتعايش وتتحاور وتتفاعل في إطار المشترك الإنساني، بغض النظر عن الدين أو العنصر أو اللون أو اللغة أو الجنسية أو الجنس أو الأصل الاجتماعي .
لقد اندفعت الكثير من المجاميع الإرهابية والتكفيرية وتشكيلاتها القديمة والجديدة، في ظل استنفار طائفي، باتجاه سفك دماء العراقيين من مختلف الانتماءات الدينية والإثنية، الأمر الذي أصاب التنوّع والتعددية الثقافية المجتمعية بالصميم ولحق الضرر الكبير بالنسيج الاجتماعي المتعايش، خصوصاً لفئات المسيحيين والآشوريين والأرمن والكلدانيين والأيزيديين والصابئة المندائيين وغيرهم، وإن كان الأمر يشمل الجميع من دون استثناء، لكن هذه المجاميع الثقافية التي يطلق عليها مجازاً "بالأقليات" تعرّضت بكياناتها إلى عنف شديد، واضطرّت أعداد واسعة منها إلى الهجرة بعد ما لحق بها من انتهاكات سافرة بالأرواح والمقدسات والممتلكات وغيرها .
لقد تم استزراع التربة العراقية بالإرهاب، بالتعكز على إشعال الصراعات المذهبية والإثنية التي اتخذت طابعاً استئصالياً أو تهميشاً بعد الاحتلال، بالاستفادة من الحواضن التي شكّلت بيئة صالحة لنموها، خصوصاً مخرجات الاحتلال الذي قسّم المجتمع العراقي إلى مكوّنات طائفية ومذهبية، بدلاً من اعتماد الدستور على المواطنة والمساواة والمشاركة المجتمعية المستندة إلى الحرية والعدل باعتبإرها ركائز للدولة العصرية الحديثة .
وأسهم الوضع الإقليمي في تعقيد التفاعلات الداخلية، بحيث أصبح الإرهاب "مؤسسة" ممولة خارجياً وذاتياً ولها هيكلياتها، وهي قائمة بذاتها، وتتغذى من كل ما حولها وتغذي المحيط أيضاً . وإذا كانت شوكة الإرهاب التي انكسرت نسبياً في الأعوام من بين 2007-2010 فإنها عادت وأصبحت أكثر حدّة بعد الأزمة السورية بحكم العامل الجغرافي والمتغير الجيوسياسي للقوى المتصارعة في المنطقة، وزاد تأثير ذلك بحكم الاختلاف السياسي الذي تكرّس بعد انتخابات العام ،2010 ولعلّ اقتراب موعد انتخابات العام 2014 دفع بالقوى المتصارعة، بما فيها الإقليمية، إلى تكثيف جهودها لدعم هذا الفريق أو ذاك، والعمل على إضعاف هيبة الدولة العراقية التي ظلّت معوّمة .
إن الإرهاب لا يرتكز على أجهزة الأمن والجيش فحسب، ولا على استخدام القوة المسلحة بمواجهة الإرهابيين، بل حسبما تفيد التجارب العالمية، إنه يحتاج إلى وحدة وإرادة وطنية بغض النظر عن الخلافات السياسية، مثلما يحتاج إلى حفظ الكرامة وحقوق الإنسان، إذ لا ينبغي أن تكون الإجراءات والتدابير الهادفة إلى ملاحقة الإرهاب والإرهابيين تفضي إلى الانتقاص من كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية، فذلك سوف يؤدي إلى اختلال المعادلة لحساب الأمن ولغير مصلحة الحقوق، وهو الأمر الذي ثارت من أجله شعوب العديد من البلدان العربية في ما سمّي بالربيع العربي، بغض النظر عن مآلاته وملابساته وتعرجات مساراته .
إن مكافحة الإرهاب تقتضي اعتماد استراتيجية علمية متكاملة سياسياً واجتماعياً واقتصادياً وثقافياً وتربوياً وقانونياً ونفسياً، في إطار عمل مؤسسي، إلى جانب سلّة من التدابير والإجراءات المتنوّعة إضافة إلى الجوانب الأمنية والاستخبارية، وستكون ركيزتها الأساسية: إرادة وتوافقاً وطنياً وحزمة خطوات راهنة وبعيدة المدى أيضاً، لتجفيف منابع الإرهاب اقتصادياً لخفض مستويات البطالة والفقر والتهميش، وكذلك خطة إعلامية وثقافية وتربوية مجتمعية لنشر ثقافة اللاعنف والتسامح والاعتراف بالآخر والإقرار بالتعددية، ومعالجة مشكلات وقوانين الاجتثاث والإقصاء التي تركت مردودات سلبية على المجتمع وعلى الوحدة الوطنية .
ومثل هذا الأمر يتطلب إجراءات سريعة لإطلاق سراح من لم يثبت تورطه أو دعمه للإرهاب، والاستجابة إلى مطالب قال عنها رئيس الوزراء نوري المالكي إنها مشروعة وعادلة، وتسهيل مهمات تنفيذ الإجراءات الحكومية، كما يقتضي الأمر العمل على مكافحة الفساد لأنه الوجه الآخر للإرهاب، خصوصاً بملاحقة المفسدين وتقديمهم للقضاء، بمن فيهم مزورو الشهادات والمتلاعبون بالمال العام أو المبددون له، ووضع الكفاءات العراقية، ولاسيّما من الشابات والشبان في المكان الصحيح والملائم لإدارات الدولة . وحتى لو كان الإرهاب قد استوطن مثل بعض الأمراض، فستكون تلك المعطيات جديرة بالقضاء عليه بعد الحد من تأثيراته، مثلما يتم القضاء على الأمراض المستوطنة في البلدان النامية، التي شهدت

105
أحقاً هي السلطة الرابعة؟
عبد الحسين شعبان
باحث ومفكر عربي

باغتيال الصحافية العراقية نورس النعيمي (مقدّمة برامج تلفزيونية)، يكون عدد الصحافيين الذين تم اغتيالهم في العراق خلال الثلاثة أشهر الأخيرة من العام 2013، ثلاثة عشر صحافياً، ويبلغ عددهم الإجمالي منذ الاحتلال الأمريكي في العام 2003 وإلى الآن نحو 267 صحافياً حسب مرصد الحرّيات الصحافية، وإنْ كانت جهات إعلامية ومهنية تذكر أرقاماً أكبر تصل إلى 360 إعلامياً.
الكلمة اليوم أصبحت مثل المدفعية الثقيلة، التي تقصف العقول وتؤثر في الرأي والسلوك، لهذا يُراد إسكات الصحافي بكاتم الصوت أو بالتغييب، بعد أن أصبح حجب الكلمة عبر مقص الرقيب غير ذا جدوى لوحده، بفضل التطور الهائل الذي شهده العالم في تكنولوجيا الاعلام والمعلومات.
ومثلما هي الكلمة مؤثرة، فالصورة فاعلة ومثيرة، ولهذا يُراد تصفية العاملين في التلفزيون أيضاً. الصورة مثل الوثيقة، إنها دامغة ودليل إدانة أحياناً، وإذا كانت الوثيقة خبراً كما نقول في البحث الأكاديمي، فإننا في العمل الصحافي نقول: الصورة خبرٌ أيضاً، لأنها تغني عن الكثير من الكلام وتقدّم الحدث طازجاً، مصوّراً بكل تفاصيله أحياناً ومنقولاً على الهواء كما هو دون رتوش أو تدخلات، لاسيّما إذا كان مباشراً، حيث يصل بسرعة البرق من أقصى المعمورة إلى أقصاها ليحرّك الرأي العام. إنه دليل وشهادة ووثيقة وخبر وتحليل في الآن ذاته، ويستطيع التأثير، إيجاباً أو سلباً.
الصحافي حسب البير كامو هو مؤرخ اللحظة وهو الذي ينقل لنا الخبر، بل يحاول أن يسوّقه ويوظّفه ويلعب في توقيته أحياناً، وعلى هذه اللحظة يمكن التأسيس، فما بالك إذا جاءت اللحظة اليوم مشفوعة بالصورة، وأحياناً بالصوت، فلعلّها ستكون فعل إثبات وتأكيد وصدقية، ليأتي بعدها أو معها الكلام، فالصورة سيؤثر في العين ومنها تنتقل إلى الدماغ الذي يعطي للأفعال الانعكاسية دلالاتها، والكلمة المقروءة، ستؤثر أيضاً في العين ولا سيّما بالتأمل، وإذا كانت مسموعة، ستنتقل عبر الأذن إلى الدماغ، وكثيراً ما كان الفيلسوف الألماني فيورباخ يؤكد أن كل شيء يأتي من حاسة السمع (الأذن)، فهي حسب تقديراته الأكثر تأثيراً في الإنسان، وربما يعود ذلك لأن الصورة في القرن الثامن عشر لم تكن على هذه الدرجة من التأثير ولهذا أُطلق على الصحافة والكلمة المكتوبة التي تؤرخ اللحظة عبارة " صاحبة الجلالة".
ولعلّ ما يفعله الإعلام بشكل عام، في ظل الثورة العلمية- التقنية، وثورة الاتصالات والمواصلات والطفرة الرقمية " الديجيتل"، كبير جداً، فلم يكن أحداً قبل أربعة عقود من الزمان يتصور دور الانترنيت أو الفيسبوك أو التويتر أو الهاتف النقال، تلك الوسائل التي أخذت تحدّد سلوك الناس وأذواقهم وخياراتهم وردود أفعالهم، وتستطيع أحياناً أن تزجّهم في معارك أو تشركهم في حروب بقدر تأثيرها فيهم.
لقد أصبح الإعلام جزءًا من المعركة المحتدمة في العراق، بل أنه يعتبر رأس حربة فيها، كما يعتبره بعض السياسيين الذين يلقون باللوم عليه، في حين أنه ينقل ما يحدث، بينما هم من يصنع الحدث. وقد أصبح الصحافي في العراق مشروع شهادة مؤجل أو لغم لا يُعرف متى ينفجر، فتتناثر أشلاؤه مثلما تتكسّر أقلامه وتحترق أوراقه وتتبدّد أحلامه، فالمعركة في العراق شملت كل شيء: الدين والطائفة والعشيرة والوظيفة العامة والمال والفساد والعنف والارهاب والخارج والداخل، ولم يبق شيء خارجها.
إذا كان الإعلام في ظل النظام السابق خاضعاً لمراتبية ومركزية وتوجيهات آيديولوجية، لا يحيد عنها، فإنه بعد الاحتلال، وعلى الرغم من الحريات التي تمتع بها، ثمة معاناة من نوع آخر أخذت بالتشكل تدريجياً بحيث أصبحت كوابحاً مقيّدة، فبعد أن انفلتت الأمور لدرجة الفوضى، وسادت محاولات للهيمنة تحت عناوين دينية ومذهبية وإثنية، أخذت تتشكّل امبراطوريات إعلامية وطائفية، مموّلة من جهات سياسية ودينية وأصحاب رؤوس أموال لهم مشاريع خاصة، داخلية وخارجية وبعضها معه ميليشيات، حتى إن الدعاية اتخذت بُعداً استئصالياً إزاء الآخر، ناهيكم عن محاولات التهميش والإقصاء المستمرة!
الإعلامي في العراق، وإن تمتّع بقدر من الحرية، لكن حياته أصبحت مهدّدة، في كل يوم وفي كل لحظة، ففي البداية كان بول بريمر الحاكم المدني الأمريكي للعراق يتصرّف باعتباره الحاكم المطلق، فيصدر الأوامر والتعليمات، ثم جاء دور الجماعات المسلحة، المتطرفة والمتعصبة، والتي ترى في الكلمة والصورة عدوًّا لا يمكن التعايش معه والاعلام  يستحق العقاب إن لم ينصاع، وقد نفّذت الجماعات التكفيرية عشرات عمليات الاغتيال والاختطاف (الاختفاء القسري) إزاء العديد من الصحافيين العراقيين والعرب والأجانب، وتداخل بعضها مع أنشطة بعض القوى السياسية في العملية السياسية وخارجها.
لعلّ صور الارهاب والعنف أخذت تتكرّر في العراق خلال الأشهر الأخيرة، ولاسيّما باقتراب موعد الانتخابات فارتفعت وتيرتها في كل أنحاء البلاد، بما فيها ارتفاع منسوبها ضد الإعلاميين، وإذا كانت حصة الموصل كبيرة وامتدت إلى صلاح الدين بقتل خمسة اعلاميين في هجوم لدولة الإسلام في العراق والشام (داعش)، فلم تكن البصرة والسليمانية وقبل ذلك إربيل بعيدة عنها، فضلاً عن بغداد التي كانت المحطة الأساسية الأولى والكبيرة في العنف والإرهاب الذي شمل الإعلاميين خلال العقد الماضي كلّه.
وفي الوقت الذي كانت تزداد فيه الحملة لاغتيال الصحافيين، كانت النيابة العامة تصعّد هي الأخرى من الملاحقات الجنائية بحقهم بتهمة التشهير ، وخلال الأشهر الثلاثة الماضية شهدت حملة ملاحقة الصحافيين ومصادرة بعض معدّاتهم وإغلاق بعض القنوات الفضائية مثلما هي قناة البغدادية بسبب الانتقادات لسوء الأوضاع الأمنية أو قضايا الفساد أو الاحتياجات السكانية مثل غرق العديد من المناطق في العراق إثر هطول مياه الأمطار.
وفي غالبية الحالات فإن الجناة تمكّنوا من الإفلات من العقاب، وكان الإعلامي يدفع الفاتورة مرتين، وذلك حين يوجّه الارهابيون نيران أسلحتهم ضده أو حين تتبرم الأحزاب والقوى السياسية والدينية والإثنية منه، فتتحرك العناصر المتطرفة منها في ظل شيوع ثقافة السلاح ضد هذا الخصم العنيد لإسكاته سواء بكاتم الصوت أو بمفخخة أو لاصقة أو غير ذلك.
وهناك العديد من المحرّمات التي على الإعلامي عدم الاقتراب منها سواءً ما يتعلق بالمقدسات وذيولها، أو ما يسمى بالرموز والشخصيات الدينية أو المذهبية أو السياسية ولاسيّما بعض قيادات الدولة العليا التي يصبح نقدها مكلفاً أو يضع الناقد في خانة "الأعداء"، إضافة إلى مواضيع الفساد، ولاسيّما الصفقات السرّية والعلاقة مع الأجهزة الأجنبية الإقليمية والدولية بما فيها العلاقة مع جهات"إسرائيلية" وغير ذلك.
إن الإفلات من العقاب في ظروف العراق الراهنة، يعني عدم "تحميل" المسؤولية الجنائية لمرتكبي الاعتداءات والانتهاكات على حقوق الإنسان، بحيث لا يتعرض هؤلاء لأي تحقيق يقود إلى اتهامهم وإيقافهم ومحاكمتهم  ومن ثم إدانتهم في حال ثبوت جرائمهم، وما يترتّب على ذلك من تعويض للضحايا وجبر الضرر، فحتى الآن سجّلت العشرات من قضايا اغتيالات الإعلاميين ضد مجهول، وحسبما تردّد أن هناك 44 صحافياً أدرجت أسماؤهم في قائمة خاصة بالاغتيالات من جانب جماعات مسلحة، كما ذُكر عند إلقاء القبض على بعض العناصر المتورّطة.
وإذا كانت قوات الأمن غالباً ما تخفق في الوصول إلى الجاني أو المرتكب، فإنها تعتقل أو تضيّق على صحافيين بدعوى التشهير، ولعلّها غير مدركة الخيط الناعم بين حرية التعبير ومسألة التشهير وفقاً للمادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وهو ما دعا منظمة هيومن رايتس ووتش (منظمة مراقبة حقوق الإنسان) إلى التنبيه إلى ذلك.
وقد أعرب رئيس بعثة الأمم المتحدة في العراق نيكولاي ميلادينوف عن قلق الأمم المتحدة الشديد لازدياد حالات اغتيال الصحافيين في العراق وطالب الحكومة العراقية باتخاذ الإجراءات الضرورية لمنع استهدافهم، وأكد على ضرورة التحقيق في الجرائم المرتكبة، لردع المرتكبين من جهة ولتمكين الاعلاميين من تأدية واجباتهم بأمان ودون أي تهديد من عنف أو ترويع أو اعتقال، وهو ما كان اتحاد الصحافيين العالمي قد دعا إليه وحذّر من خطورة تدهور الوضع الأمني لهم، حيث يأتي العراق بالمرتبة 150 من بين 179 بلد حسب منظمة مراسلون بلا حدود.   كل هذا ولا زلنا نسمّي "الصحافة" السلطة الرابعة، إضافة إلى السلطات الثلاث: التشريعية والتنفيذية والقضائية !


106
البحرين: إضاءات على طريق الوحدة الوطنية والتغيير والعدالة!
مقدمة لكتاب عبد النبي العكري

(الربيع العربي ومستقبل التحولات- دار الكنوز الأدبية، بيروت ، 2013)

بقلم- الدكتور عبد الحسين شعبان *
* أكاديمي ومفكر عراقي، وهو خبير دولي في ميدان حقوق الإنسان،
 له أكثر من 50 كتاباً في قضايا الفكر والسياسة والثقافة والمعرفة،
وفي الإسلام والمجتمع المدني وحقوق الإنسان.

لم يتصوّر أحد أن مجموعة الفيسبوك التي أطلقت على نفسها " ثورة البحرين" ودعت البحرنيين إلى التظاهر والاحتجاج في 14 شباط (فبراير) 2011 ستستمر لما يزيد عن عامين من الزمان، متفاعلة مع بيئة محلية وأخرى خليجية وثالثة عربية ورابعة إقليمية وخامسة دولية.
ولعلّ تلك العوامل بحكم الثورة العلمية- التقنية وثورة المعلومات وتكنولوجيا الاتصال والمواصلات، أصبحت مؤثرة لدرجة كبيرة، خصوصاً لعنصر الشباب المتطلّع إلى الإصلاح والتغيير مواكبة للتطورين العربي والدولي على هذا الصعيد، قد يكون من باب الفانتازيا أو الخيال الجامح لو تصورنا قبل ثلاثة عقود من الزمان أن ما حدث يمكن أن يحدث، ولو قال أحدهم من باب الافتراض ذلك، فهناك من سيتصدى له بالقول: أيعقل أن نداءً على هذا القدر من البساطة والتلقائية يمكن أن يُحدث ما أحدثه ذلك النداء السحري،الاّ إذا كنّا أمام فيلم من أفلام هوليود؟.
اليوم نستطيع القول أن ثمة تراكمات كانت قد حصلت على نحو بطيء وتدريجي، سواء كانت منظورة أو غير منظورة، وهي ساهمت في إيصال الوضع إلى ما وصل إليه، وذلك منذ الانفراج السياسي الإيجابي الذي حصل في البحرين في مطلع الألفية الثالثة، والذي تتوّج بسلسلة من الخطوات الانفتاحية وإشاعة أجواء من الحوار والتفاهم الوطني، لا سيّما في ظل إطلاق الحريات والترخيص لمنظمات وهيئات اجتماعية ومدنية للعمل القانوني والشرعي وإعادة المُبعدين وإطلاق سراح المعتقلين وإطفاء الكثير من التعقيبات القانونية لمحاكم أمن الدولة وغيرها، تلك التي هيأت الأجواء لتحويل البحرين من إمارة إلى مملكة في إطار تأييد شعبي.
وكان من المفترض تهيئة أرضية مناسبة لحزمة جديدة من المنجزات لصالح عموم السكان ومساواتهم وتوسيع دائرة الحرّيات وتحسين مستوى المعيشة وتعزيز المواطنة المتكافئة والتامة في ظل التطور الحاصل في ميدان التنمية البشرية الشاملة والمستدامة بكل جوانبها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والقانونية.
وإذا كان الحراك الشعبي قد بدأ سلمياً ومدنياً في "دوار اللؤلؤة" فكان ينبغي التعامل معه بالوسيلة ذاتها وبالصبر وطول النفس وفتح حوار مجتمعي شامل وتلبية بعض المطالب سريعاً، على أمل دراسة المطالب ذات الطبيعة الدستورية لإقرارها في إطار عقد سياسي اجتماعي جديد قد تتطلبه البلاد في مراجعة ما حصل من تقدم وتراجع، ولتعزيز ميثاق العمل الوطني الذي تم الاستفتاء عليه، والذي حظي بتأييد 98.4 من المقترعين البحرينيين، وذلك برفده بعناصر جديدة تساوقاً مع التطورات العربية والعالمية، وخصوصاً باتجاه الانتقال والتحوّل إلى ملكية دستورية في إطار مشروع إصلاحي شامل، كان يمكن للدولة المساهمة فيه على نحو فعّال بالتعاون مع الفاعليات والأنشطة السياسية والمجتمع المدني، وهو الأمر الذي لم يحصل للأسف الشديد.
ولعلّ اختيار المتظاهرين يوم 14 شباط (فبراير) يحمل أكثر من مغزى وأكثر من دلالة، فهو اليوم الذي تم فيه الاستفتاء على ميثاق العمل الوطني في العام 2001، وهو اليوم الذي صدر فيه الدستور الجديد في العام 2002، الذي كرّست أحكامه السلطات الأساسية بيد ملك البلاد، وتلكم لعمري مغزيان لهما أثر كبير على شكل الحراك ومضمونه، وهو بحد ذاته رسالة يمكن قراءتها بحسن نية من جانب الدولة، ومفرداتها تعني أن هاتين المناسبتين الدستوريتين تشكّلان أساساً إيجابياً يريد المتظاهرون الاستناد إليه في مطاليبهم الدستورية الجديدة.
مثلما يمكن قراءتها سلبياً من جانب المتظاهرين إذ تشكل هاتين المناسبتين المهمتين فرصة للمراجعة والاصلاح وقطع الشوط طويلاً وإن كان مضنياً باتجاه التغيير وتوسيع دائرة الحريات واختيار الشعب لممثليه الذين يريدهم يتمتعون بصلاحيات اختيار الحكومة ومساءلتها في إطار الوحدة الوطنية المنشودة، ناهيكم عن تحقيق التوازن في المواقع الأساسية في الدولة وهيئاتها.
ولعل هذا ما قرأته الدولة طبقاً للاحتجاجات القائمة، وهكذا يصبح اختيار يوم 14 شباط (فبراير) يعني فيما يعنيه الاعتراض على الشرعية القائمة، سواء شرعية الميثاق أو شرعية الدستور أو لنقل الطلب بإعادة النظر بهما لاستكمال المسار الأول نحو الديمقراطية الذي بدأ بالانفراج الذي تحقق أواخر الألفية الثانية.
من ناحية ثانية فإن هذا الاعتراض يأتي في موجة ما سمّي بالربيع العربي الذي كان قد حقق انتصاراً في تونس وانتقل منها إلى مصر وهو الدولة الإقليمية العربية الكبرى، التي تخلخلت فيها الشرعية القديمة، وسارت باتجاه التغيير، وابتدأت التململات الأولى في ليبيا بعد ذلك بثلاثة أيام، الأمر الذي أعطى للتحرك الشعبي زخماً وأملاً، لا سيما وأن المشروع الإصلاحي الموعود وصل، حسب بعض القوى السياسية، إلى طريق مسدود، أو أن عقبات جدّية اعترضت طريقه وحالت دون وصوله إلى ما هو منتظر منه منذ العام 2006، بحيث اندفعت قوى وتجمعات سياسية ودينية ومدنية وشبابية إلى الاحتجاج والتواصل فيما بينها لبلورة مطالب جديدة وهذه شكّلت التربة الخصبة للتحرك الشعبي.
ولا شك أن تفاعلات إقليمية وعربية ودولية تجاوزت ساحة التحرك الشعبي البحريني، وكانت حاضرة، بما لها من أبعاد واسعة للصراع والاستقطاب، الأمر الذي أدى إلى حالة من الاستنفار الخليجي والإقليمي. وكانت حكومة البحرين ومعها مجلس التعاون الخليجي قد فكّرت بخطة استباقية، وخوفاً من أن تتطور الأمور فتتحول إلى مجابهة لا يمكن وقفها، فتدخّلت في 16 نيسان (ابريل) 2011 دون انتظار، وبذلك حسمت الصراع أولياً باتجاه ترسيخ دعائم الحكم القائم، على الرغم من أن مشكلة التغيير وإشكاليته تبقى قائمة ومطلباً شعبياً، إنْ لم يتم حلّه سلمياً، فإن الحل العنفي أو العسكري أو الأمني أو حتى الاقتصادي سوف لا يكون قادراً على إطفاء جذوة التغيير، وحتى لو نجح لحين، لكنه لن يستطيع الاستمرار والرسوخ دون توفّر قناعة شعبية لتأييده وضمان استمراره، ومثل هذه القناعة، لم تتوفر حتى الآن.
الكتاب الذي بين أيدينا للكاتب والناشط الحقوقي الأستاذ عبد النبي العكري، وهو أحد أعمدة المجتمع المدني البحريني، بل والعربي أيضاً، وله مساهمات متميزة وواسعة منذ ما يزيد عن ثلاثة عقود من الزمان، وراكم تجربة غزيرة في الميادين الفكرية والثقافية والحقوقية، فهو خبير وممارس وناقد للتحوّل الديمقراطي ولخطط وبرامج التغيير، ولذلك فإن سعة إطلاعه ومعرفته، دفعته لتقديم قراءات متوازنة ومعتدلة ونقدية في الآن ذاته لمسيرة الربيع العربي، ولا سيما في دول الخليج العربي وخصوصاً في البحرين.
ينطلق العكري في توصيفه لحركة الاحتجاج البحرينية وردود الفعل إزاءها والتداخلات الإقليمية التي اشتبكت فيها، دون أن ينسى التقييمات الحقوقية، وخصوصاً للجنة محمود شريف البسيوني، التي أكّدت على مشروعية بعض المطالب، وانتقدت العنف الذي تسبّب في مواجهتها، ولكنه يزيد عليها من تجربته العملية باستعراض الخلفية الفكرية للصراع، ففي حين هناك من يريد أن يعطيه صبغة طائفية- إقليمية، بإنسابه إلى الشيعة وإيران من خلفهم، هناك من يحاول أن يعطيه طابعاً سياسياً يتعلق بأزمة الحكم، وباعتقادي أن ذلك لا يستبعد الجوانب الطائفية والإقليمية من دائرة الصراع، وهو ما ذهب إليه عبد النبي العكري حتى وإن كان هناك من يحاول استبعاد وجودها الفعلي أو العملي، لكن تأثيراتها السياسية والمعنوية، تظل قوية في ظل الاستقطاب الطائفي والمذهبي في المنطقة، ناهيكم عن الصراع السياسي الإقليمي، بجانبه الخليجي أو العربي.
وإذا كان الهدف من البحث هو إيجاد مخرج لحل سياسي للأزمة القائمة، فإن ذلك يتطلب جهداً من جميع الأطراف وبوسائل سلمية، مدنية لتحقيق الحلّ المنشود ضمن توازن القوى السائد، وذلك يتطلب البحث بواقعية عن حل بحريني خارج نطاق الاستنفار الطائفي، وبقدر ما تذهب إيران وقوى شيعية في لبنان، ولا سيما حزب الله، إضافة إلى حماسة بعض القوى الشيعية في العراق، في دعم الحراك الشعبي، فإن قوى سنّية تستفز، بل وتستنفر إزاء مثل هذا الحراك الذي قد يهدد الوحدة الوطنية حسب منظورها، بل الوحدة الخليجية ويفتح الباب على مصراعيه لتدخل إيراني، وهو ما أدى إلى توحيد الأسرة الحاكمة خوفاً من احتمالات قد لا تحمد عقباها، ومعها دول الخليج ولا سيّما المملكة العربية السعودية، ودولة الامارات التي أرسلت " قوات درع الجزيرة"، لحسم الأمر عسكرياً وأمنياً.
وثمة مفارقة مقابلة لمثل هذه المفارقة، فالقوى التي تدعم الحراك الشعبي في البحرين وتتهم حكومة البحرين ومجلس التعاون الخليجي بأشد أنواع التهم، هي ذاتها التي وقفت ضد الحراك الشعبي في سوريا، حتى قبل أن يتحوّل إلى الخيار العنفي، والعكس صحيح أيضاً فإن القوى التي تدافع عن النظام في البحرين، تقف مع الحراك الشعبي السوري، وتقدّم له الدعم والمساعدة المادية بما فيها العسكرية، والمعنوية، وهي مفارقة أخرى للصراع الطائفي في المنطقة.
لقد أكّدت أحداث البحرين، إضافة إلى دول الربيع العربي، سواءً التي تحقّق فيها التغيير أو تلك التي لم يتحقق، أن التغيير أصبح اضطراراً وليس اختياراً فحسب، للنخب والفاعليات الفكرية والسياسية، لا سيّما الحاكمة ، خصوصاً بعد احتدام المشهد السياسي، لأن ذلك جزء من قانون اجتماعي للتطور التاريخي، تنضج ظروفه إذا ما اتّحدت العوامل الموضوعية والعوامل الذاتية، في لحظة حرّة، وهو ما نطلق عليه " اللحظة الثورية" حين تندفع مجاميع بشرية، لا تحدّها حدود، غير هيّابة بما سيواجهها، ولا تطلب سوى كرامتها وحريتها، سعياً وراء عدالة ومساواة، حينها تكون أمام انهدامأو انثلام كامل أو جزئي لشرعية قائمة أو تعديل لها، على أمل قيام شرعية جديدة أو توليفها بما يؤدي إلى توسيع قاعدة الحكم الاجتماعية.
وقد التقط ملك المغرب محمد السادس الإشارات الأولى لهذا القانون فسارع لاحتواء عملية التغيير، حيث شرع باستيعابها، بل محاولة قيادتها وشكّل لجنة أساسها من المعارضة لإعداد دستور جديد، وهو ما كان قد فعله والده الحسن الثاني في العام 1996 عندما شعر بأن وقت التغيير قد حان، عارضاً رئاسة الوزارة على المعارض الأول " عبد الرحمن اليوسفي"، فاتحاً الطريق أمام إصلاحات ديمقراطية وحرّيات واسعة للتعبير، فاسحاً في المجال للأحزاب والمؤسسات الخاصة بالمجتمع المدني وحقوق الإنسان للنشاط والعمل العلني الشرعي والقانوني، مطلقاً باب النقد، بل مشجّعاً عليه.
وأعتقد أن استمرار الوضع على ما هو عليه من التوتر وعدم الثقة والتباعد بين قمة الهرم وقاعدته غير ممكنة، فضلاً عن انعكاساته السلبية على جميع الميادين، ولهذا لا بدّ من تسوية تاريخية في إطار النظام الملكي بتأكيد استمراره كصيغة مقبولة وتاريخية، إذ ليس هناك من يطرح نقيضها حتى الآن من قوى المعارضة، مع تأكيد دستوريته أي تقييده بقواعد دستورية تحدّ من السلطات الممنوحة للملك، بحيث يستطيع الشعب من خلال البرلمان اختيار حكومته، وتأكيد مبادئ المساواة والمواطنة الكاملة، مع افساح في المجال لتعديلات دستورية من شأنها أخذ هذه الصيغة بنظر الاعتبار.
لقد حقّقت مملكة البحرين خطوات مهمة منذ العهد الجديد في العام 1999، لا سيّما فيما يتعلق بالإصلاح وبعض الإجراءات الديمقراطية والتسامح بين الأديان والمذاهب، إضافة إلى وجود برلمان ومجلس وشورى ومنظمات مجتمعية ومدنية وصحافة، كما انجزت قفزات مهمة في التنمية ودخلت المجلس الاقتصادي والاجتماعي التابع للأمم المتحدة ومجلس حقوق الإنسان، وانفتحت عربياً وإقليمياً، الأمر الذي يحتاج إلى إعادة النظر بسلسلة الإجراءات التي اتخذتها منذ العام 2006، والتي أدّت إلى قلق في العديد من الأوساط التي نظرت باعتزاز إلى سيرته وإعلاناته منذ العام 1999، بما فيها منظمات وهيئات حقوقية كانت تنظر باهتمام وتأييد إلى تجربته، ولعلّ ذلك ما ذهب إليه تقرير بسيوني، الذي التقطته العديد من الجمعيات واللجان والشخصيات الحقوقية، وأقدمت على تشكيل المرصد البحريني لحقوق الإنسان لحقوق الإنسان، كمظلّة واسعة للتعبير عن وجهة المجتمع المدني البحريني.
وقد توجّه المجتمع الدولي لمخاطبة حكومة البحرين لتنفيذ توصيات بسيوني والتي تم تضمينها في توصيات مجلس حقوق الانسان، بحيث اكتسبت بُعداً شرعياً دولياً كمرجعية قانونية، وبالتالي لم تعد إلتزاماً بحرينياً، بقدر ما أصبحت إلتزاما دولياً.
وكانت السيدة نافي بيلاي المفوضة السامية لحقوق الانسان وتبعها السيد بان كي مون، قد عبّرت عن القلق بشأن أوضاع حقوق الإنسان في البحرين، لا سيّما إزاء التعامل مع المعتقلين وخصوصاً نبيل رجب وعبد الهادي الخواجة.
إن الربيع البحريني الذي يتحدث عنه الباحث عبد النبي العكري، إنما هو تساوق مع التغييرات العربية، مع تأكيد أن الإصلاحات والتغييرات المنشودة هدفها معالجة الاختلالات والتراجعات التي حصلت في مسيرة البحرين، خصوصاً وأن الحال وصل إلى طريق مسدود، فلا الحكومة قادرة على إطفاء جذوة الحركة الشعبية الاحتجاجية السلمية، ولا المعارضة قادرة على فرض، كامل ما تريد على الحكومة، الأمر الذي يحتاج إلى حوار عقلاني، معرفي، بهدف التوصل إلى توافق لتلبية مطالب المعارضة واستعادة هيبة الدولة، ومعالجة ما لحق بها من آثار سلبية، وحشد الطاقات كاملة باتجاه التنمية المستدامة اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً وثقافياً وقانونياً.





107
رذيلتان لا تنجبان فضيلة
عبد الحسين شعبان
لا تزال الدعاية السياسية في العراق، ولاسيّما منذ احتلاله في العام ،2003 تأخذ طابعاً طائفياً في الغالب (سني، شيعي) أو دينياً (مسلم، مسيحي، صابئي، إيزيدي . . إلخ) أو إثنياً (عربي، كردي، تركماني، كلداني، آشوري) وهذه الدعاية تستمر في قصف أدمغة العراقيين شمالاً وجنوباً وشرقاً وغرباً، وتزداد مدفعياتها إطلاقاً ونيرانها كثافة عند اقتراب موسم الانتخابات .
في الإعلام مثلما هو في علم السياسة تحاول الدعاية سواءً كانت بيضاء أو سوداء أو رمادية التأثير في الخصم لإضعافه، وبالتالي لتطويعه أو لجعله يستسلم أو يسلّم بما هو ممكن وموجود، مثلما تحاول بأساليب مشروعة وغير مشروعة، بالاعتماد على الحقائق أو مجانبتها إقناع مَن تدعي تمثيلهم على الانخراط في "موالاتها" لحشدهم وتجييشهم وزجّهم في أتون المعركة ضد الآخر، باعتباره عدواً أو خصماً في إطار شحن طائفي وديني وإثني، وكل ما له علاقة بالولاءات الضيقة التي تدعو إلى الاحتراب والإلغاء والإقصاء والتهميش للآخر، طالما هو من طائفة أخرى أو دين آخر أو قومية أخرى أو غير ذلك .
وإذا أردنا تحليل خطابات السياسيين العراقيين وتصريحاتهم، فإن مضمونها لا يخرج عن تحذير "جمهوره" من الطرف الآخر وإخافته من العدو الداخلي قبل العدو الخارجي، الذي يأخذ مسمّيات مختلفة، ويتم تبشيعه والتشنيع به على نحو شديد، من خلال إشاعة روح الكراهية وأنواع الكيد والعدائية والثأرية ضدّه، فهو تكفيري وإرهابي ومن النظام السابق ومدعوم من دول الخليج وتركيا وجهات دولية أخرى، ومن الطرف الثاني فإن خصمه صفوي وشعوبي ولا وطني ومدعوم من إيران والاحتلال الأمريكي، ولعلّ مثل هذه التوصيفات التناحرية أصبحت معروفة ومتداولة، وكل منها يعني الطائفة الأخرى، في إثارة أجواء الريبة والشك والتآمر والرعب والتوتر والاستقطاب، وفي كل الأحوال ثمة صراع إلغائي، إقصائي، استئصالي أو تهميش في أحسن الأحوال .
الطرفان سواء رغبا أو لم يرغبا يريدان تقوية نفوذهما على حساب الدولة، وكل منهما يريد أن يستقوي على الآخر، ويمارس ما هو مشروع وغير مشروع، بما فيه من أساليب الدعاية السوداء لتشويه صورة خصمه، حتى وإن أدى ذلك إلى إضعاف الدولة وتقسيم المجتمع، وهذا ما هو حاصل بالفعل، فالدولة لم تستطع استعادة هيبتها ونفوذها ووحدانية احتكارها للسلاح واستخدامها للعقاب وفق القانون، خصوصاً ما ظهر من انحيازات وتقاطعات حملت معها مصالح الطائفة أو المجموعة، وجعلتها فوق مصلحة الدولة والمجتمع، الأمر الذي أدى إلى إضعاف فكرة الدولة، خصوصاً أنهما يعتمدان على الانتماءات الضيقة الطائفية والجهوية، ولا يهمّهما إن تفتت الآخر، لأن كل طرف يسعى إلى تماسك طائفته أو الفئة التي ينتمي إليها وتعزيز قوامها تحت قيادته، وبالتالي فرض تسيّدها على الآخر، الذي يميل إلى إضعافه باستمرار، دون إدراك بأن تفتت أية مجموعة، معناه أن جزءًا من الدولة والمجتمع يتم تفتيتهما!
لقد أسهم الاحتلال في تفكيك مؤسسات الدولة على أمل إعادة بنائها وفقاً لمنطلقاته ورغباته وعلى أساس المحاصصة والولاءات الضيقة، وتدريجياً أصبح الجميع رهائن لواقع التقاسم الطائفي والمذهبي والإثني، ولا يستطيعون الخروج من شرنقته، حتى وإن كانوا يحركونه اليوم، علماً بأنه لا يوجد بلد في العالم يستطيع التقدم إذا كان يعاني التفتيت والانقسام المجتمعي الطائفي والإثني، فما بالك عندما يتجه للاحتراب بسبب ذلك، فخلال عشر سنوات ونيّف بدّد العراق مئات المليارات من الدولارات وانشغل بالعنف ودوراته المتكررة والمتواصلة، وهو عنف الجميع ضد الجميع، مهما كانت المبررات .
لعلّ رذيلتين لا تنجبان فضيلة، فالزعم بمقاومة العنف بالعنف، لا يعني سوى استمرار هذه الآفة الفتّاكة التي تمعن في تقطيع أوصال العراق، التي تحتاج إلى معالجات أخرى سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية وتربوية وقانونية ونفسية، على مستوى الدولة والمجتمع والمدرسة والجامعة والعائلة والأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني والمرجعيات الثقافية والدينية والقانونية . وإذا كان العنف المجتمعي لفئات خارجة عن القانون، فلا ينبغي مواجهة العنف باستهداف السكان المدنيين والحرب عليهم تحت مبررات وجود بيئة إرهابية، وإذا كان هناك تطرف وتعصب وغلو لدى هذا الفريق، فلا يمكن مواجهته بالسلاح ذاته، واستخدامات العنف المنفلتة والحرب ضد المدنيين وتدمير الدولة، مثلما لا يمكن محاربة الطائفية بالطائفية، لأن إنتاج مجتمع لا طائفي يقتضي تحريم الطائفية، وعنفان لا يولدان سلاماً، وحسب قول الصديق المفكر اللاعنفي د . وليد صليبي جريمتان لا تصنعان عدالة .
الفضيلة هي بمقاومة العنف باللاعنف، والعمل على اجتثاث العنف بجميع صوره وأشكاله ومبرراته وتجفيف مصادره واقتلاع جذوره بمعالجة أسبابه السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والدينية والتربوية والتاريخية والنفسية وغيرها .
هل يمكن التصور أن العراق لا يزال على الرغم من الموارد الهائلة من الدول الأولى الفاشلة في العالم حسب تقارير دولية معتمدة، وحتى لو كان فيها ثمة مبالغات، فالعراق لا يزال حسب تقارير منظمة الشفافية العالمية من أكثر الدول فساداً في العالم وهو في أسفل السلّم، وإنْ تحسّن قليلاً، لكنه لا يزال يندرج في إطار الدول الأكثر فساداً مثل الصومال وليبيا وأفغانستان وسوريا، وغيرها في حين تصنّف الدنمارك من أقل الدول فساداً في العالم، وهي دولة مرفّهة ومستوى حياة السكان عالياً جداً، وإن كانت لا تمتلك موارد طبيعية .
إن الخطاب السياسي العراقي الراهن المنتشر من خلال القنوات الفضائية والإنترنت والفيس بوك والتويتر ينتج يومياً كمّاً هائلاً من أنواع الدعاية والدعاية المضادة ومن المصطلحات ذات المسحة الطائفية التي أصبحت شائعة مثل: المناطق الشيعية أو ذات الأغلبية السنية أو المثلث السني أو المناطق الغربية ذات الأكثرية السنية أو المناطق الكردية أو الحديث عن كردستان باعتبارها أمراً خارجاً عن العراق أو تركمان كركوك وكأنها منطقة تركية أو جنوب العراق الشيعي باعتباره ولاية إيرانية، والهدف هو غياب ما هو مشترك، لاسيّما الطابع العراقي الذي يمثل العراق والمواطنة العراقية، إضافة إلى غياب ما هو عربي، لأن كل عربي حسب وجهة النظر هذه يرتبط اسمه بصدام حسين والدكتاتورية، علمأً بأنه لا يوجد شعب في العالم إلاّ وكان التنوّع والتعددية الديموغرافية والإثنية والدينية والسلالية واللغوية وغيرها، جزءًا من تكوينه سواءً كانت نسبته عالية أو ضئيلة، وعلى مستوى الفرد أو الجماعة .
ولعلّ هذا يذكّر بسؤال غراهام فولر من "مؤسسة راند" المقربة من وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية الذي طرحه قبل عقد ونيّف من احتلال العراق وكان محوره يدور: هل سيبقى العراق موحداً إلى العام 2002؟ وهو الأمر الذي جاء أوانه بالقضم التدريجي وتقسيم العراق إلى مكوّنات، حتى أصبحت فكرة المواطنة والوطنية العراقية الجامعة والموحدة مسألة بعيدة المنال، لاسيّما في ظل الانقسامات الطائفية والإثنية، وهو الذي استكمله جو بايدن في العام 2007 في مشروعه التقسيمي قبل أن يصبح نائباً للرئيس أوباما .
ولم يكن الأمر مقتصراً على القوى الدولية التي عزفت على مشروع التقسيم، بل إن القوى الإقليمية كان يهمها أن يبقى العراق ضعيفاً وأحياناً يتعاملون معه بالمفرق فيستقبلون زعيم كتلة شيعية وزعيم مجموعة سنية ورئيس برلمان ورئيس إقليم، ورئيس وزراء حكومة اتحادية ورؤساء عشائر سنة ورؤساء عشائر شيعة، وقائمة شيعية وأخرى سنية وثالثة كردية، وهكذا ضاع اسم العراق في ظل ازدحام العناوين الفرعية .
أما الأحزاب العلمانية الوطنية التي تعتمد الوحدة الوطنية مثل الحزب الشيوعي فقد ظلّت غارقة في مشكلاتها وأزماتها وبعيدة عن التأثير في ظل الاصطفافات الطائفية والاستقطابات المذهبية، إضافة إلى شعورها بالذنب والإحراج المستمر جرّاء موقفها من الاحتلال، في حين اندفع حزب البعث إلى الاصطفاف مع بعض الجماعات التكفيرية والطائفية ورفع شعاراتها أحياناً، خصوصاً مع استمرار ملاحقته واجتثاثه، ناهيكم عن كونه مثقلاً بجرائم النظام السابق وآثامه .
الخطاب السائد لا يؤسس إلاّ إلى تكريس البناء الطائفي، وإذا كان ثمة خطوط اعتراضية لأي مشروع وطني عراقي، فهي لا تزال خطوطاً غير واضحة، وفي تقديري إن الخطوة الأولى الضرورية تبدأ من تشريع قانون لتحريم الطائفية وتعزيز المواطنة في العراق، وهو ما جرت مناقشته منذ سنوات من جانب فاعليات فكرية وحقوقية ومدنية عبر ندوات ومعالجات وفاعليات إعلامية، إلاّ أن الخطاب السائد والمتنفذ وقف منه موقفاً ملتبساً، فهو يعلن عن تأييده باستحياء، لكنه في الواقع العملي ومن كلا الفريقين يضعه في الأدراج، لأن ذلك سيؤثر في مراكز نفوذه ويضعف من قدراته على الشحن والتحريض الطائفي، كسلاح فعال بيده حتى الآن .
وإذا بدا هناك نوع من الانحسار النسبي في التأييد للمشاريع الطائفية، فإنها بحكم ما تملكه من مصادر قوة ونفوذ واستمرار الإرهاب والعنف والفساد المالي والإداري،  فإن الحلول المطروحة للمعالجة لا تزال ضعيفة وقاصرة أحياناً في ظل القيود الثقيلة التي تكبّل عقول الناس حيث تمطرهم الدعاية الطائفية كل يوم .


108
مانديلا وثلاثيته الأثيرة
عبد الحسين شعبان
هذا الأسود الأشدّ بياضاً في هذا العالم رحل أخيراً بهدوء، فقد أعلن رئيس جنوب إفريقيا جاكوب زوما عن وفاة الزعيم التاريخي لجنوب إفريقيا نيلسون مانديلا، وأول رئيس لها بعد القضاء على نظام الفصل العنصري (الأبرتايد)، عن عمر يناهز ال 95 عاماً، قضى منها 27 في السجن .
ويعد مانديلا من أهم الزعماء الكبار الذين آمنوا باللاعنف، إضافة إلى المهاتما غاندي ومارتن لوثر كنغ والأديب الروسي ليو تولستوي، وهو أحد مصادر الإلهام والإبداع الإنسانيين على هذا الصعيد، لاسيّما كفاحه من أجل الحرية والعدالة والمساواة، وإيمانه بالتسامح وقد أكسب بلاده سمعة كبيرة، خصوصاً عندما تحوّلت من نظام الفصل العنصري إلى نظام التداولية السلمية الديمقراطية، من خلال صندوق الإقتراع والانتخابات للجميع دون عزل أو تمييز على أساس عرقي أو إثني أو سلالي أو ديني أو جنسي، أو بسبب المنشأ الاجتماعي أو غير ذلك .
وقد كانت تجربة جنوب إفريقيا في ميدان العدالة الانتقالية متميّزة ومثيرة وهي مصدر دراسة نظرية وعملية على الصعيد العالمي، ليس بهدف التقليد أو الاستنساخ، بل لغرض الإفادة منها تجربةً إنسانيةً متميّزةً، ولاسيّما في القيم والمبادئ التي استندت إليها، وكان لمانديلا الدور الأكبر في ذلك، وهو ما حاول أن يؤسس له من سجنه بدعواته المتكررة لتنظيم حملات سلمية ومدنية ضد التمييز العنصري، ورفضه الاستجابة إلى العنف ودعوته إلى اللاعنف والتسامح، وفيما بعد للمصالحة وإعادة بناء الدولة والمجتمع على قيم الحرية والمساواة وعدم الثأر أو الانتقام أو الكيدية أو روح الكراهية .
ولد مانديلا في 18 يوليو/تموز 1918 في ترانسكي بجنوب إفريقيا لقبيلة كبيرة ومؤثرة، وتخرّج في الجامعة (كلية الحقوق) 1942، وانخرط في العمل السياسي في وقت مبكر وأصبح رئيساً للمؤتمر الوطني الإفريقي في وقت لاحق . واختار الكفاح المسلح في عام 1961 ضد سياسات التمييز العنصري كمرحلة للكفاح، لكنه عاد وتبنّى فلسفة اللاعنف والمقاومة السلمية المدنية التي شعر أنها الأكثر مضاءً وتأثيراً، والأنجع لتحقيق أهدافه الإنسانية، وقد ألقي القبض عليه في عام 1962 وحكم عليه لمدّة خمس سنوات . وفي عام 1964 حكم عليه بمدى الحياة بتهمة التخريب والخيانة .
تحت ضغط الرأي العام أفرج عنه في 20 شباط (فبراير) عام 1990 وفي عام 1993 حاز جائزة نوبل للسلام وأصبح رئيساً لجنوب إفريقيا، حينما انتخب في 29 نيسان (ابريل) ،1994 وبعد خمس سنوات (في عام 1999) قرّر الاعتزال والتقاعد الطوعي، فاسحاً في المجال للتناوب على السلطة وللتداول السلمي للمسؤولية .
لقد نجح مانديلا في أن يحوّل بلداً ممزقاً ومتصارعاً ويسوده العنف إلى بلد موحّد ومنسجم ومتسامح ويسوده السلام، وبدلاً من العنصرية والتمييز والانقسام، أصبح البلد المتعدّد الأعراق والإثنيات والسلالات مصدر قوة ووحدة، لاسيّما عندما سادت فيه المصالحة الوطنية، وبما أن العدالة الاجتماعية وهو ما كان يطمح إليه عملية معقّدة وطويلة، فقد ظلّت بعيدة المنال، لاسيّما بتجريد ملايين من سكان جنوب إفريقيا السود من أراضيهم لمصلحة البيض، ولم يرغب مانديلا في إجراءات حادّة من شأنها أن توّلد ردود فعل حادّة، ولا سيّما بخصوص التفاوت الطبقي والاجتماعي الذي ظلّ صارخاً بفعل الأوضاع التاريخية .
أقدم مانديلا على تأسيس لجنة الحقيقة والمصالحة التي عُدّت إحدى التجارب العالمية المهمة، على الرغم من عدم مثاليتها، لكن جلسات الاستماع التي شهدتها بالمئات كان له وقع كبير على الضحايا، مثلما تمكّنت من تطهير الكثير من نفوس الذين أجبرتهم الظروف السابقة على الارتكاب . وقد عبّر فريدريك دي كليرك آخر رئيس أبيض لجنوب إفريقيا، والحائز جائزة نوبل مناصفة مع مانديلا، في مقابلة مع محطة تلفزيون "سي أن أن" الأمريكية: إن أكبر انجازات مانديلا كانت توحيد جنوب إفريقيا والسعي إلى المصالحة بين السود والبيض في عهد ما بعد سياسات العزل العنصري .
وقف مانديلا بشجاعة لا نظير لها ليعلن أن بلدنا هو للجميع، وللسود والبيض على حد سواء، وعلينا أن ننظر إلى المستقبل ولا نغرق في الماضي، وذلك تأسيساً لتجاوز قرون من التمييز العنصري وحروب الإبادة اللاإنسانية ضد السكان الأصليين من الأفارقة أصحاب البلاد الشرعيين .
وكانت جرأة مانديلا وحزمه وعوامل أخرى هي التي وقفت ضد احتمال ارتكاب مجازر ثأرية وعمليات انتقامية بحق السكان البيض، ولو كانت شرارتها قد اندلعت لكانت الحرب الأهلية قد أكلت الأخضر واليابس، وهي حرب ستكون شاملة بين الأفارقة والسكان البيض، لكن إنسانية مانديلا وشجاعته وشعوره العالي بالمسؤولية ونظرته الحضارية الإنسانية، هي التي حالت دون انزلاق جنوب إفريقيا في طريق العنف والاحتراب الداخلي والنزاع المسلح .
لهذا بادر مانديلا بوعي وبُعد نظر إلى تأسيس لجنة الحقيقة والمصالحة، وأوكل مهمة رئاستها إلى القس الجنوب إفريقي ديزموند توتو المعروف بنضاله ضد العنصرية، وأعطى لهذه اللجنة صلاحيات كبيرة بما فيها إصدار العفو عمن قاموا بارتكابات في السابق، بعد اعتذارهم لضحاياهم والاستماع إليهم في جلسات علنية، بغية إحداث الأثر الملموس من جانب الضحايا وذويهم من جهة، أو من جانب المذنبين الذين تقودهم لحظة الصفاء والاعتراف تلك إلى التطهّر الروحي والنفسي والتخلّص من آثار الماضي من جهة أخرى، فضلاً عن إعادة اللحمة الاجتماعية والمصالحة الحقيقية .
لقد عملت تلك الإجراءات والتدابير الحازمة على تفويت الفرصة على بعض العنصريين البيض الذين أرادوا إشعال الحرب الأهلية، لاسيما باغتيال الشخصية الشيوعية المعروفة كريس هاني، وذلك بفضل يقظة مانديلا وحزم حزب المؤتمر الوطني، اللذين أضاعا على العنصريين الفرصة، مقدّمين تجربة مهمة على صعيد المصالحة الوطنية .
لقد أنشأت لجنة الحقيقة والمصالحة بموجب قانون هدفه تعزيز الوحدة الوطنية وإنجاز المصالحة الوطنية، وحمل القانون الرقم 34 لعام 1995 وأعطيت بموجبه صلاحيات واسعة واستثنائية للجنة . وبخصوص العفو العام فقد ثار جدل في تطبيقاته، في حين كان العفو الخاص يشمل اعتراف المرتكب في طلب يقدّم للحصول على العفو وفي جلسة علنية، ويتم ابلاغ الضحية أو أحد أقربائه بتاريخ الجلسة ومكانها، ويحق له الإدلاء بشهادته او تقديم أدلة أو أي شيء يؤخذ في الحسبان . . وعلى المرتكب كشف الحقيقة وإن طلبه لنيل العفو يعني أن ما حصل كان مرتبطاً بأوضاع سياسية ونزاعات سابقة تخص الماضي .
وإذا كان العالم يتذكّر اليوم مانديلا بوداعه المهيب إلى مثواه الأخير، فذلك لأنه علّم أمّة منقسمة كيف تتوحد وقادها إلى كشف الحقيقة والمصالحة والوحدة الوطنية، مثلما علّم الإنسانية جمعاء معنى الصبر والعطاء بلا حدود، حين قبع 27 عاماً في السجن وخرج ليعلن أن لا سبيل لبناء جنوب إفريقيا غير التسامح، وهكذا حمل جلاّده على التفاوض والاعتراف، وقبول إجراء انتخابات على أساس التعددية وصوت واحد لإنسان واحد .
وحينما فاز في أول انتخابات ديمقراطية رئيساً شرعياً ومعترفاً به من جانب خصومه وأعدائه، سلك سبيل التسامح واللاعنف وعدم الانتقام أو الثأر، لأنه أدرك أنه لا يمكن بناء جنوب إفريقيا جديدة الاّ بالتعايش بين الزنوج والبيض . وكان ذلك درساً آخر في السلام المجتمعي والأهلي، بدلاً من الاحتراب الداخلي والحرب الأهلية التي كان الكثير من المراقبين يرجّحون احتمالات اندلاعها، نظراً لما عاناه سكان جنوب إفريقيا السود، من اضطهاد وعسف واستعمار استيطاني دام ثلاثة قرون ونيّف .
لقد كان تحرير السود يعني ضمناً تحرير البيض، ولاسيّما في ظل دولة أقرت مبادئ المساواة والحرية، وكان رمز ذلك التحرر وقلبه الأبيض هو ذلك الأسود الذي أصبح إحدى أيقونات عصرنا!


109
نيلسون مانديلا .. الأسود الأكثر نصاعة

عبد الحسين شعبان
 
حين زرت ديربن (جنوب أفريقيا) لحضور المؤتمر الدولي لمناهضة العنصرية العام 2001 توقفت عند عدد من الظواهر المثيرة، أولاها هي قدرة نيلسون مانديلا على اجتراح عذابات لا حدود لها وهو قابع في سجنه لمدة 27 عاماً، وثانيتها حين ارتبط كفاح رجل بالإيذان بنهاية نظام الفصل العنصري " الأبرتايد" الذي حكم جنوب أفريقيا ثلاثة قرون ونيّف من الزمان، وثالثتها هي قدرة هذا الشعب المتعدد الأعراق والأجناس والإثنيات على التعايش والتسامح وطي صفحة الماضي.
كل شيء بدا وكأنه مرسوم على شفتي مانديلا، فعلى الرغم من المرارة والألم، لم تفارقه الابتسامة الشفيفة، في بلد متنوّع وجميل ومتناقض في الآن ذاته، حيث الغنى الفاحش والفقر المدقع، لاسيّما لأبناء القارة السوداء وسكان البلاد الأصليين من السود.
مانديلا اعلن نهاية للتمييز ولبناء دولة جديدة على أساس المساواة والمواطنة، وقد عرف كيف يحوّل زمن قيوده إلى زمن حريته

حينما رأيت الفيلل والقصور والمنتجعات وكلّها للسكان البيض، وبجوارها الغيتوات والأحياء المغلقة وبيوت الصفيح والقهر والإذلال والعنصرية، دهشت حدّ الصعقة، فتذكرت يومها ما كتبه لينين لدى مكوثه في لندن وهو يشاهد التفاوت الطبقي والاجتماعي الحاد، حينها هتف: أمّتان، وقصد بذلك مجازاً: أمّة الغنى وأمّة الفقر، ولكنني أدركت أي قوة روحية هائلة جعلت رئيس المؤتمر الوطني الأفريقي مانديلا بعد كل العذاب أن يعلن عن رغبته في المصالحة، ويتولى شخصياً متابعة قضايا لجنة الحقيقة والمصالحة، لأنه كان يعرف بعمق أنه لا يمكن بناء مجتمع جديد والتخلص من آثار الماضي وآلامه، الاّ بالتسامح ونبذ الأحقاد والنظر إلى المستقبل وليس العيش في الماضي، وهذا هو بالضبط ما فعله مانديلا، خصوصاً وقد ربط المصالحة الوطنية بالعدالة الانتقالية.
وهذه الأخيرة تعني كشف الحقيقة كاملة لكل ما جرى وكيف ولماذا ومن قام بالارتكاب، ومن ثم المساءلة، خصوصاً بحضور روح التسامح، ولكن مع إبقاء الذاكرة حيّة ودون نسيان، وفي الوقت نفسه من دون كيدية أو ثأر أو انتقام، وبعد ذلك لا بدّ من تعويض الضحايا والأهم جبر الضرر المعنوي والمادي، ولكي لا يتكرّر ما حصل لا بدّ من طائفة من الاصلاحات الدستورية والقانونية والأمنية، ولجميع الأنظمة والأجهزة التنفيذية الخاصة بإنفاذ القانون، وذلك هو السبيل الذي تبنّاه مانديلا لتحقيق مصالحة حقيقية وإعادة بناء دولة على أساس المشاركة والمساءلة والعدالة، وكما عبّر عن ذلك صوت واحد لإنسان واحد في إطار التنوّع والتعددية العرقية والإثنية والسلالية.
في مؤتمر ديربن العالمي حول العنصرية العام 2001 وهو المؤتمر الدولي الثالث حول العنصرية، كان ثمة عمل سبق ذلك، خصوصاً بانعقاد لمؤتمرين، الأول في العام 1978 والثاني في العام 1983، ولكن لمؤتمر ديربن رمزية خاصة، أولاً لأنه جاء تتويجاً لعمل دولي طويل ومعقد ومضن ، حيث اتسعت جبهة العداء للعنصرية ، وثانياً لأنه ينعقد بعد القضاء على نظام جنوب أفريقيا العنصري، حين جرت أول انتخابات لجميع الأعراق والأجناس والإثنيات العام 1994 ، وثالثاً لأن مانديلا كان قد تحرّر من سجنه في العام 1990 وهو دليل حرّية المناضلين ضد العنصرية ، ورابعاً لأنه ينعقد في بلد خرج من العنصرية إلى اللاعنصرية ومن العنف إلى اللاعنف، وهي طريق طويلة ومضنية لا تزال آثارها المأساوية قائمة حتى الآن.
وخامساً لأننا كعرب كنّا نحمل قضيتنا معنا وفي قلوبنا وفوق رؤوسنا ونعني بها القضية الفلسطينية، وقد نجحنا بجهد  تحضيري في انتزاع قرارات لدمغ الممارسات الصهيونية الإسرائيلية بالعنصرية في سابقة دولية خطيرة، حيث صوّت لصالح تلك القرارات نحو 3000 منظمة دولية وسط ذهول وحيرة من جانب المنظمات الصهيونية والمتعاطفين معها والذين أُحرجوا وهدّدوا وأنذروا، وقد أعلنت واشنطن أنها ستنسحب من المؤتمر وتقاطعه، وهو ما حضّرت له مع " إسرائيل" وكندا وعدد من منظمات "المجتمع المدني" الموالية أيضاً لاحقاً.
لم يكن ما تحقّق بمعزل عن رمزية انعقاد المؤتمر في جنوب أفريقيا، وهو ما ساعد في اتخاذ قرارات ضد الممارسات العنصرية في "إسرائيل" باعتبارها البلد الوحيد في العالم الذي تعود نشأته إلى الاستعمار الاستيطاني الإجلائي، سواء إزاء السكان العرب الذين يطلق عليهم عرب الـ 48 أي سكان البلاد الأصليين أو فلسطينيي الداخل، فيما يتعلق بالصحة والتعليم والسكن والخدمات، وخصوصاً لبعض القرى النائية، إضافة إلى الاستيطان والجنسية وحقوق المواطنة الأخرى، أو إزاء هدر حقوق الشعب العربي الفلسطيني، ولاسيّما التنكّر لحقه في تقرير المصير وإقامة دولته الوطنية المستقلة وعاصمتها القدس.
كان السؤال الذي ظلّت "إسرائيل" تخشى منه، يتعلق بمستقبل ممارساتها العنصرية المطبوعة بالابرتايد

كان السؤال الذي ظلّت "إسرائيل" تخشى منه، يتعلق بمستقبل ممارساتها العنصرية المطبوعة بالابرتايد. ولهذا عندما اضطر الفريق الإسرائيلي الذي حضر إلى ديربن الى مغادرة القاعة والانسحاب بعد قرار الإدانة وبعد محاولات إلتفاف لتشكيل فوكس مناصر، كانت الأصوات تلاحقه "go out" "out" وهو يدرك أية علاقة بين ممارسات إسرائيل والعنصرية.
ولعل نشوة الشعور بالنصر قد تلاشت للأسف الشديد بعد بضعة أيام عندما أصبح العرب والمسلمون متهمين بعد أحداث 11 أيلول (سبتمبر) الإرهابية، الإجرامية، التي سرقت الأضواء من مؤتمر ديربن ومن ملاحقة العنصرية الإسرائيلية، لينكفئ الكثير من الجهود ويختفي العديد من الأصوات، ولتتحول من الهجوم غير المنتظر الذي قادته منظمات المجتمع المدني العربية، إلى دفاع وتراجع وتنازل.
إن ما تحقق في ديربن كان بفعل الوهج الذي أعطاه مانديلا لحركة التحرّر والحرية والتسامح واللاعنف والسلام والمصالحة، الأساس لبناء دولة حديثة تقوم على مبادئ الديمقراطية وتسعى لتأمين العدالة في إطار عملية تنموية شاملة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً وقانونياً وتربوياً من خلال التعددية والتنوّع والاعتراف بالآخر.
هل يمكن تصوّر أن مانديلا قضى عشرة آلاف يوم كاملة في السجن، وعندما انتقل إلى عالم الحرية كان عمره قد أصبح 71 عاماً، ليقود دولة لم يسبق لها أن سارت في الطريق الجديدة الذي اختاره. خرج من السجن وهو مفعم بالأمل لبناء مجتمع جديد بعيداً عن الكراهية والحقد والثأر والتمييز. ومثلما نجح في السجن فقد نجح في أجواء الحرية في إبقاء إلتماعة الهوّية الإنسانية غالبة عليه وعلى سلوكه وتصرفاته، وعلى الدولة وقوانينها التي تشكل انتصاراً على العنصرية التاريخية التي عانى منها شعب جنوب أفريقيا، لاسيّما من الأقلية البيضاء.
وبدلاً من الاقصاء والاستئصال والتهميش، الذي كان سائداً على يد الأقلية البيضاء،  فقد تصرّف على العكس من ذلك، ليعلن نهاية للتمييز ولبناء دولة جديدة على أساس المساواة والمواطنة، وقد عرف كيف يحوّل زمن قيوده إلى زمن حريته، وأن يحوّل مكان زنزانته إلى عالم فسيح يتدفق بفيض لا حدود له من المثل والقيم الإنسانية، ليس على جنوب أفريقيا فحسب، بل على العالم أجمع، واستحقت تجربة جنوب أفريقيا حول المصالحة والعدالة دراسات خاصة، لاسيّما بعد التغييرات التي حصلت في العديد من البلدان العربية، لا بهدف الاستنساخ أو التقليد، بقدر ما يمكن الإفادة منها كتجربة إنسانية متميّزة.
خرج من السجن وهو مفعم بالأمل لبناء مجتمع جديد بعيداً عن الكراهية والحقد والثأر والتمييز، ومثلما نجح في السجن فقد نجح في أجواء الحرية في إبقاء إلتماعة الهوّية الإنسانية غالبة عليه

لقد احتوى ميثاق المؤتمر الوطني الأفريقي على مبادئ المساواة وعدم التمييز، وأعلن مانديلا جنوب أفريقيا بلداً لجميع من يعيشون فيه (الزنوج والبيض معاً)، وعندما انتخب رئيساً كان قد وضع ما آمن به موضع التطبيق، لاسيّما ثلاثيته الأثيرة: الحرية والتسامح والعدالة، جاعلاً من اللاعنف وسيلة نضالية أساسية لمواجهة العنف مكتشفاً القوة الكامنة في فلسفة اللاعنف ساعياً لتعميمها، ولأنه يؤمن بالتداولية والتناوبية، فقد انسحب من الرئاسة في العام 1999 وتقاعد طواعية، ضارباً مثلاً يحتذى به، منتصراً على ذاته فاتحاً أفقاً واسعاً لعلاقات إنسانية جديدة.
ارتبط مانديلا بالعالم العربي بصورة وثيقة كجزء من ارتباطه بقضية التحرّر العالمية، ولاسيّما بالقضية الفلسطينية التي كان أحد أبرز قادة العالم المناصرين لها والتقى الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات وزار المغرب وليبيا، مثلما كان لقاؤه بمصر قديماً ومتميّزاً، ويعود للعام 1962، حين اتفق مع المسؤول المصري لحركة التحرر الأفريقية على لقاء جديد بعد عودته من جنوب أفريقيا، لكنه اعتقل وحكم عليه ولم يتحقق اللقاء. ومن المفارقة أنه بعد إطلاق سراحه في العام 1990 زار القاهرة ثانية، وأول ما فعله هو الاتصال بالمسؤول السابق ووزير الاعلام الأسبق محمد فائق معتذراً له من أنه تأخر مضطراً لمدة 28 عاماً عن الموعد، وهذا ما أخبرني به فائق بعد لقائه بمانديلا.
لم يحرّر نيلسون مانديلا السود وحدهم، بل حرّر البيض معهم أيضاًَ، وتلك سمة القائد الجامع، المعبّر عن طموح أمة لديها التوق للحرية والعدالة.
*باحث ومفكر عربي



110
المنبر الحر / براغ والقدس
« في: 22:25 11/12/2013  »
براغ والقدس
د.حسين شعبان
   
وعد الرئيس التشيكي ميلوش زيمان بنقل سفارة جمهورية التشيك من تل أبيب إلى القدس، جاء ذلك خلال زيارة له إلى «إسرائيل» في مطلع شهر تشرين الأول (اكتوبر) الماضي (2013)، ولعلّ مثل هذه التصريحات كانت قد جرت في وقت سابق سواءً من جانب واشنطن أو غيرها، لكنه تم العدول عنها، ولم تدخل حيّز التنفيذ لما لها من اعتبارات سياسية وقانونية، ناهيكم عن أنه سيزيد من تعقيد الحل المنتظر ولو بحدّه الأدنى، الأمر الذي سيعني مفاقمة الوضع الراهن، خصوصاً بعد وصول اتفاقية أوسلو (1993) ومرحلة الحل النهائي (1999) إلى طريق مسدود، مما قد ينذر بمخاطر كبيرة على السلم والأمن الدوليين ويهدد المنطقة بالمزيد من احتمالات الحروب والنزاعات، لاسيّما باستمرار تنكّر «إسرائيل» لحقوق الشعب العربي الفلسطيني، وخصوصاً لحقه في تقرير المصير وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس وعودة اللاجئين الفلسطينيين.
لو تحقق الوعد التشيكي ولو تهاون العرب بخصوصه، فيمكن أن تتشجع دول كثيرة على الاعتراف بالقدس عاصمة أبدية وموحدة «لإسرائيل»، والأكثر من ذلك فقد تقدم على الاعتراف «بإسرائيل» كدولة نقية لليهود، الأمر الذي سيعني تهجير الأقلية العربية التي تبلغ ما يزيد اليوم على 20% من سكان فلسطين المحتلة.لعل «إسرائيل» تدرك أهمية وعد زيمان، وقد حاولت الاحتفال بمثل هذا الحدث باعتباره إنجازا لدبلوماسيتها الدولية، ومنذ أن أعلنت «إسرائيل» عن كون القدس عاصمة أبدية موحدة لدولة «إسرائيل» وخصوصاً في العام 2000، فهي تسعى لتوظيف علاقاتها مع الدول والمنظمات للاعتراف بهذه «الحقيقة»، وإدارة الظهر للقرارات الدولية وخصوصاً قرار مجلس الأمن الدولي لعام 1980 التي تطعن بشرعية ضم القدس من جانب الكنيسيت باعتباره باطلاً ولاغياً، علماً بأن قرار الجمعية العامة رقم 181 لعام 1947 الخاص بالتقسيم، وإن كان ظالماً ومجحفاً، لكنه وضع القدس الشرقية ضمن الدولة العربية المقترحة، وهي منذ احتلال العام 1967 تتعرض للقضم التدريجي وبناء المستوطنات والتقطيع والإجلاء للسكان العرب.
إن نقل السفارة التشيكية إلى القدس لو حصل سيعني الانحياز المطلق لجانب «إسرائيل» والاحتلال والإقرار بالتجاوز على القانون الدولي والشرعة الدولية لحقوق الإنسان، فالقدس لكونها شرعياً وقانونياً عاصمة الدولة الفلسطينية حسب المجلس الوطني الفلسطيني وإعلان م.ت.ف: دولة فلسطين «المستقلة» في الجزائر العام 1988، قد نصّ عليها، فضلاً عن مقتضيات القرار 181 الذي لم يطبق حتى الآن، ولاسيّما في جزئه العربي.
لو تحقق الوعد التشيكي ولو تهاون العرب بخصوصه، فيمكن أن تتشجع دول كثيرة على الاعتراف بالقدس عاصمة أبدية وموحدة «لإسرائيل»، والأكثر من ذلك فقد تقدم على الاعتراف «بإسرائيل» كدولة نقية لليهود، الأمر الذي سيعني تهجير الأقلية العربية التي تبلغ ما يزيد اليوم على 20% من سكان فلسطين المحتلة.
ولعلّ مثل هذا الإجراء يذكّر بالحظر الذي كانت تضعه ألمانيا الاتحادية وفقاً لمبدأ هالشتاين على الاعتراف بألمانيا الديمقراطية، ولكن بعد اعتراف العراق بألمانيا الديمقراطية في 1 أيار (مايو) 1969 فقد أخذ بالتآكل وبدأت الدول تباعاً الواحدة بعد الأخرى تعترف بألمانيا الديمقراطية وتقيم علاقات دبلوماسية كاملة معها، خصوصاً في ظل تغييرات في ميزان القوى آنذاك، وأصبح الأمر الواقع واقعاً، ولم يعد أي تأثير للحظر الألماني الاتحادي بموجب مبدأ هالشتاين.
حتى الآن لم تتخذ الإجراءات العملية لنقل السفارة التشيكية، ولكن كل شيء ممكن، فقد كانت الدول الاشتراكية جميعها باستثناء رومانيا ومعها 30 دولة أفريقية قد قطعت علاقاتها الدبلوماسية مع  «إسرائيل» بعد عدوان العام 1967وبعد العام 1973 بُعيد حرب تشرين (اكتوبر) ولكن ما أن تغيّر ميزان القوى في أواخر الثمانينيات، حتى أعادت «إسرائيل» علاقاتها الدبلوماسية مع هذه الدول، بل إن بعضها توثقت علاقاته بها إلى حدود كبيرة.
وإذا كانت الأمم المتحدة في العام 1975 قد اتخذت قراراً برقم 3379 القاضي بمساواة الصهيونية بالعنصرية واعتبارها شكلاً من أشكال العنصرية والتمييز العنصري، فإنها في العام 1991 وبعد اختلال ميزان القوى الدولي وانهيار الكتلة الاشتراكية وتفكك الاتحاد السوفييتي عادت وعدلت عنه، بل وقامت بإلغائه في سابقة دولية خطيرة، وقد سعت «إسرائيل» بكل ما تملك من نفوذ سياسي وإعلامي ودبلوماسي لتسخير جميع طاقاتها لإعدام القرار وقادت حملة منذ أواسط الثمانينيات ضده وضد مؤيديه بما فيهم كورت فالدهايم الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة.
وللأسف فإن العرب الذين حصلوا على نصر سهل ونجاح باهر بصدور هذا القرار، عادوا ونسوا الأمر ولم يحركوا ساكناً، في حين عملت «إسرائيل» ليل نهار لإلغاء هذا القرار، مستعيدة علاقاتها الدبلوماسية والسياسية التي عملت على تطويرها اقتصادياً وتجارياً وثقافياً واجتماعياً من خلال مشاريع واتفاقيات تعاون وتدريب ونقل خبرات وتكنولوجيا وعلوم وزراعة وغير ذلك.
لم يكن الموقف العربي موحداً، وخصوصاً بعد غزو القوات العراقية للكويت العام 1990 وفيما بعد، ولذلك استطاعت «إسرائيل» التمدّد في سياساتها على حساب الفلسطينيين والعرب، وقد زاد الأمر سوءًا، التنازلات التي تم تقديمها بحجة الواقعية السياسية في اتفاقيات أوسلو العام 1993 التي تنكّرت لها «إسرائيل» أيضاً، وظلّت القضايا الأساسية دون أي حلول مرضية ولو بحدها الأدنى، مثلما هي مسألة حق تقرير المصير وإقامة الدولة وعاصمتها القدس وحق العودة للاجئين وموضوع الحدود والمياه والمستوطنات وغير ذلك.
الخشية اليوم، هو أن لا تتخذ الدول العربية مواقف حازمة، بالمقاطعة الجدية والفاعلة، للجهات التي تعترف بأن القدس عاصمة موحدة لدولة «إسرائيل» وتنقل سفاراتها إليها، ناهيكم عن أن أي مواقف منحازة بهذا الخصوص، فهي ستشجع «إسرائيل» على التمادي في مواقفها المتعنّتة أصلاً والتي ستنسف عملية السلام التي تزعم هذه القوى أنها تسعى إليها من خلال المفاوضات، ولا تكفي هنا الشعارات، بل يتطلب الأمر إجراءات فعلية، اقتصادية وتجارية وثقافية واجتماعية، إضافة إلى خطوات دبلوماسية حثيثة، قد تصل إلى قطع العلاقات.
الأمر يحتاج أيضاً إلى تعاون وتنسيق عربي جماعي، وكذلك من جانب جامعة الدول العربية التي سبق لها أن اتخذت قرارات في قمة عمّان العام 1980 بمقاطعة أي بلد ينقل سفارته إلى القدس، ولعلّ رداً قويا على براغ من جانب العواصم العربية التي لم تتخذ خطوات رادعة أو حتى التلويح بعقوبات حتى الآن، يمكن أن يكون رسالة تحذيرية للجهات التي ستقدم عليه، كما ينبغي الاتصال بالرأي العام التشيكي وهناك العديد من المؤسسات والهيئات الحقوقية والإنسانية، ولدى العرب والفلسطينيين تحديداً أصدقاء قدامى في جمهورية التشيك لتحريضهم على حكومة زيمان والضغط عليها للتراجع.
ويتطلب الأمر تنسيقاً مع الدول الإسلامية لاتخاذ مواقف موحدة على أساس المصالح المشتركة والمنافع المتبادلة، للضغط على الرئيس التشيكي للتخلي عن موقفه، مثلما يحتاج الأمر الضغط على واشنطن «الراعية» و «المعنية» بنجاح المفاوضات الفلسطينية - الإسرائيلية، وفقاً لأطروحة الدولتين لكي تقوم بواجبها الدولي والمنصوص عليه في ميثاق الأمم المتحدة، باعتبارها عضواً في مجلس الأمن، للضغط على «إسرائيل» من أجل حماية  السلم والأمن الدوليين، وفي المنطقة، كما يحتاج الأمر إلى تعاون مع الفاتيكان والكنائس الإنجيلية التي تتخذ مواقف ايجابية من الشعب العربي الفلسطيني وقضية القدس الشريف تاريخياً، خصوصاً وأن القدس لا تعني المسلمين وحدهم، فهي فضاء مفتوح لأتباع الديانات المختلفة، وينبغي الحفاظ على الطابع التعددي للمدينة وعلى التنوّع الحضاري والديني والثقافي.
*  باحث ومفكر عربي


111
التغيير.. الشرعية ونقيضها

عبد الحسين شعبان
حينما انطلقت الشرارة الأولى للاحتجاج الشعبي العربي الواسع من سيدي بوزيد في تونس يوم أحرق نفسه محمد بو عزيزي، كان الحلم العربي بالتغيير بعيد المنال، لكنه سرعان ما أطلّ برأسه وسط زحام في مشهد متناقض ومضطرب، فانتقلت الشرارة بين الأحياء والقصبات والمدن، وربما كانت أقرب إلى نهاية مسرحية دام أمدها، فما أن وصل الممثلون الجدد حتى غاب عن المسرح لاعبوه القدامى على نحو خاطف.
هكذا انهارت أنظمة بدت منيعة ومحصّنة من الخارج، لكن هزالها وضعفها، بل خورها كان شديداً من الداخل، فتهاوت سريعاً، وحتى بعد أن أظهر بعضها ممانعة، فلم يكن الأمر سوى توريط البلاد في حرب محسومة النتائج سلفاً، كان ثمنها باهظاً، ولاسيّما على التطور السياسي والأمني لاحقاً، ناهيكم عن جوانبها الإنسانية الشديدة الحساسية، وللأسف لو قرأ بعض الحكّام التاريخ لكانت شعوب المنطقة في غنًى عن الذي حصل، لكنهم لم يقرأوا الحاضر أيضاً، فقد انفصلوا عن شعوبهم لعقود من الزمان وعاشوا في عزلة وانعزال، وتسلط ووهم.
وأياً كانت التغييرات وضروراتها فقد تركت نوعاً من الفوضى والاضطراب، الذي يصاحب كل عملية تغيير كبيرة، خصوصاً بانهيار ” شرعية” قائمة مدعومة بأجهزة أمنية وبيروقراطية حكومية ومرجعيات قانونية وجماعات ومصالح لاستبدالها بشرعية أخرى جديدة ، لم تكتمل بعد ولم يتم التوافق الوطني بشأنها، ولاسيّما بعد انهيار الأنظمة وما تركته من تأثيرات سلبية على الدولة والمجتمع تحتاج إلى زمن ليس بالقصير لتجاوزها، وإلى فترة انتقالية ضرورية لبناء الشرعية الجديدة.
لقد شهد العالم العربي بعد التغييرات التي حصلت في مطلع العام 2011 حراكاً ثورياً وديناميات جديدة لعب فيها الشباب دوراً أساسياً وحاسماً، ولم تكن تلك دون مخاضات قاسية وعسيرة وانفلاتات أمنية وانقسامات مجتمعية وتجاوزات على حكم القانون وهدر للمال العام وأعمال عنف وفساد ورشوة وغيرها، لكن الأمر المؤكد أن الماضي أصبح ماضياً، ولا بدّ من متابعة أهداف حركات التغيير العربية، المطالبة بالحرية والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية، وذلك عبر شرعية جديدة يفترض فيها أن تكون نقيضاً للشرعية القديمة، وذلك باعتمادها على حكم القانون وفصل السلطات والتحوّل الديمقراطي وإقرار مبادئ المواطنة المتساوية والمجتمع المتعدد والمتنوّع واعتماد آليات لاختيار الشعب لممثليه على نحو دوري.وإذا كان ذلك يقوم على فرضيات، فإن واقع العالم العربي يواجه اليوم تحديات كبرى، منها ممانعات واعتراضات بقايا الأنظمة القديمة، ويقابلها رغبة وإصرار من جانب القوى الجديدة على التغيير وإن كانت هذه القوى قد انقسمت وجرت صراعات بينها، لكن المشهد بعموميته يقوم على ماض لم يمضِ، وحاضر لم يتبلور. وإذا كان القوى الكابحة أكثر تماسكاً وانسجاماً، فإن قوى التغيير بدت أكثر اختلافاً وتنافراً، الأمر الذي وضع الشرعية الجديدة على كف عفريت، خصوصاً في ظل تحالفـــــات قديمة – جديدة.
هكذا واجهت حركة التغيير عقبات وعراقيل بعضها يعود إلى تركة الماضي وبعضها من صنع  الحاضر، أهمها الفساد والعنف والبيروقراطية والانقسام الديني والطائفي، وهو ما عرفته تونس ومصر وليبيا واليمن بعد التغيير، وما تشهده سوريا منذ انطلاقة حركتها في 15 آذار (مارس) 2011 وحتى اليوم، لدرجة يكاد يطغى على خريطة التغيير بأكملها، خصوصاً بفعل شمولية العنف وأدواته وتدمير البنى التحتية والمرافق الحيوية وحجم التدخل الخارجي والانقسام المجتمعي، وقد أخذ كثيرون يفاضلون بين تدمير الدولة وانفلات الفوضى، وبين أهون الشرّين، سواءً كان الأمر مجازاً أم واقعاً، لكن ثقل الأحداث وتسارعها وضبابية الصورة يجعل ما هو راهن مدعاة للقلق والتأمل . إذا كانت شرعية الحاضر لم تتأسس بعد حتى وإن بدت خطواتها الأولى بإزاحة القديم، لكن القديم يسعى ومعه حلف جديد لوقف استكمال الشرعية الجديدة، سواء بوضع العقبات أمامها أم بتخريبها، وحتى لو كانت مسألة إعادة القديم إلى قدمه مستحيلة، لكن عمليات العزل والتهميش والمساءلات، خصوصاً إذا كانت واسعة، فإنها تجمع حولها من داخل مؤسسات الدولة من يستطيع أن يؤثر سلباً في مسارها. من أولى الأسئلة التي واجهت حركات التغيير هي علاقة الدولة بالمجتمع، بعد تدمير شبه منهجي للمجتمع طيلة عقود من الزمان، ليس لحساب قوة الدولة، بل لحساب قوة السلطة، ولكن ما بعد التغيير وانهيار السلطات الحاكمة بدأت عمليات تفكيك للدول، بعد أن تفكك المجتمع، لدرجة أن ليبيا أخذت تتحدث عن ثلاث مقاطعات وكأنها دول، وتونس اتسع الكلام حول التمييز بين الساحل والعمق، ومصر بين المسلمين والأقباط، وفي اليمن برزت ظاهرة الحوثيين وأعيدت نزعة الحراك الجنوبي والرغبة في إعادة القديم وغيره، وفي سوريا استيعدت كل الترسانة الإثنية والدينية والطائفية والمذهبية والمناطقية على نحو شديد.
وإذا كان من الضروري إعادة مؤسسات الدولة أولاً وتعزيز هيبتها بعد انهيار السلطة ومحاولات تفكيك الدولة، فلا بدّ أيضاً من إعادة لحمة المجتمع والعمل على بناء مؤسساته مقابل مؤسسات الدولة، خصوصاً بانتهاء الواحدية والإطلاقية وإدعاء الأفضليات وزعم امتلاك الحقيقة، وظهور التعددية والتنوّع واختلاف الآيديولوجيات والأديان والبرامج، وكل ذلك يمكن استيعابه في إطار جمعيات ومنظمات ونقابات وإعلام حر لمجتمع مدني منتفح مدعوماً بتقنيات للتحول الديمقراطي، وآليات انتقالية جديدة وغير مألوفة في السابق، وهو ما سيخلق صعوبات جديدة وصراعات لا بدّ منها، ولكن لو توفّرت إرادة سياسية توافقية فإن بإمكانها وضع البرنامج الانتقالي للتوافق الوطني موضع التطبيق وإن كان بمنافسات سياسية مشروعة. ما هو مطروح أمام حركات التغيير هو بناء عقد اجتماعي جديد بعد تمزق العقد القديم وصياغة دساتير جديدة، والسعي للمواءمة بين التيارات المختلفة، خصوصاً إزاء فلسفة الدولة والحكم، بين الدين والدولة المدنية وتحديد المرحلة الانتقالية، لاختيار الشعب لممثليه وتأكيد دور المجتمع المدني، وبناء مؤسسات الدولة وتحديد أولوياتها للتنمية، من خلال استعادة الأمن مع الكرامة والحرية مع الأمن وفي ظل حكم القانون، مع تحديد الحاجات الأولية للمجتمع من خدمات تعليمية وصحية وتوفير فرص عمل لتقليص حجم البطالة على أمل القضاء عليها، والتوجه لمعالجة آثار الماضي، وخصوصاً التعامل مع تركته ومع الانتهاكات السابقة وقضايا الفساد وتبديد المال العام. ومثلما لمجتمعاتنا خصوصياتها، فإن هناك قوانين عامة لعملية التغيير، ولاسيّما للمرحلة الانتقالية، يمكن الاستفادة منها ودراستها واستيعابها دون تقليدها أو استنساخها مثلما هي دول أوربا الشرقية وأمريكا اللاتينية وجنوب أفريقيا وبعض دول آسيا وأفريقيا.
{ باحث ومفكر عربي


112
الإعلام والإرهاب.. السالب والموجب

عبد الحسين شعبان
بيروت

في مذكراته كشف الجنرال ديفيد بترايوس قائد قوات التحالف في العراق أن الحرب على الإرهاب تتطلب اتخاذ تدابير سياسية وأمنية وعسكرية واقتصادية تنموية، ولاسيّما توفير الخدمات ومعالجة مشكلة البطالة، ناهيكم عن العامل النفسي الذي أولاه اهتماماً ملحوظاً بهدف تحقيق السلم الأهلي وتجفيف منابع التنظيمات الارهابية المسلحة، لتوفير بيئة مناسبة للمصالحة.
وبغض النظر عن وصفة بترايوس التي لم تلتزم بها قوات الاحتلال في العراق، والتي قادتها إلى الفشل الذريع، واضطرّت إلى الانسحاب، ولاسيما بتزايد أعداد القتلى والجرحى من الجيش الأمريكي والخسائر المادية والمعنوية، إضافة إلى اشتداد الأزمة الاقتصادية والمالية التي ضربت الولايات المتحدة بالصميم بانهيار مصارف عملاقة وشركات تأمين كبرى، وكذلك ضغط الرأي العام الأمريكي والغربي بشكل عام للانسحاب، فإن ستراتيجية مكافحة الارهاب سواء على المستوى الدولي أم على المستوى الإقليمي لم تؤدي إلى النتائج المرجوة منها، وقد ازدادت مخاطر الإرهاب، ولاسيّما بعد ما رافق التغييرات التي حصلت في العديد من البلدان العربية منذ مطلع العام 2011 وحتى الآن، ولاسيما بعد الانفلاتات الأمنية التي حصلت في دول التغيير العربية وظهور دور الجماعات المسلحة، والتنظيمات الإسلاموية المتطرفة، سواء إتخذت إسم جماعات أصولية أم غيرها.
وقد ظهر الأمر جلياً في مصر عشية وإثر إزاحة حكم الأخوان الذين مارسوا سياسة الإقصاء والعزل بصورة ناعمة أو خشنة، وشهدت الساحة المصرية احتكاكات وأعمال عنف واغتيال وتمرّدات ولاسيّما في سيناء، وتصاعدت منذ حوادث 30 حزيران (يونيو) و 3 تموز (يوليو) 2013 وهي لا تزال مستمرة على الرغم من محاولات الجيش تطويقها وملاحقتها، وهو الذي تدخّل ونحّى الرئيس السابق محمد مرسي بعد نزول الملايين إلى الشوارع للمطالبة بإقالته، وتكليف عدلي منصور برئاسة الجمهورية، باعتباره رئيس المحكمة الدستورية  ومن ثم تم  تشكيل وزارة برئاسة حازم الببلاوي.
لم تكن المسألة مقتصرة على مصر التي سنعود لمناقشة أوضاعها المؤثرة في العالم العربي، من خلال قانوني مكافحة الارهاب بالترابط مع قانون حرية الإعلام، بل اتخذ بُعداً خطيراً في تونس أيضاً التي لم تعرف العنف على هذه الدرجة المفتوحة سابقاً، حيث اغتيل شكري بلعيد وبعده محمد البراهيمي وآخرون وبدأت جماعات مسلّحة ومتطرفة باسم السلفية أحياناً أو بغيرها تهاجم الشرطة والجيش وتعتدي على المنشآت العامة.ويستمر الأمر في ليبيا حيث الانفلات الأمني وغياب هيبة الدولة وانحلال مؤسساتها، ولم تستطع التغييرات الجديدة من استعادة وحدة البلاد التي تعصف بها جماعات مسلحة وقوى مختلفة حتى أن رئيس الوزراء علي زيدان نفسه تعرّض للاحتجاز، وفي اليمن تشهد البلاد أعمالاً مسلحة واغتيالات فضلا عن تحليق الطيران الأمريكي بدون طيّار لملاحقة الإرهابيين من دون مراعاة لسيادة اليمن، وينفجر العنف في سوريا لدرجة مريعة ومفزعة، حتى غدا الأمل بوقفه عسيراً، ووصلت جميع المقترحات والحلول السياسية الدولية إلى طريق مسدود، ولا أحد يستطيع التكهن بمصير البلاد سواء انعقد جنيف 2 أو لم ينعقد. في مصر حيث يعوّل عليها الكثير من مستقبل المنطقة وتوجهاتها وذلك لقدرتها ودورها الثقافي والحضاري والعلمي والبشري، تتصارع القوى منذ الثورة وحتى بعد عزل مرسي، فثمة ما يقلق بشأن ما يجمع الحق في التظاهر بالارهاب، الذي يستخدم تحت مبررات وجود ” أعمال عنف متنامية” ومحاولة ” إجهاض جهود الدولة الرامية إلى تعزيز قيم الديمقراطية” وغير ذلك.
ولا شك أن الموافقة على قانون تقنين التظاهر وفيما بعد قانون مكافحة الإرهاب، سيؤديان إلى تقييد حقوق الإنسان، وهو الأمر الذي يثير مخاوف الجميع، ولاسيما وأن الدولة البوليسية التي تذرّعت بمثل تلك المزاعم ظلّت قائمة على نحو ستة عقود من الزمان، وأطيح بها في ثورة 25  يناير (كانون الثاني) 2011 وجرى الحديث عن العودة لحكم القانون وإشاعة الحريات، ولاسيّما حرية التعبير وتحقيق الكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية ومحاربة الفساد، لكن ما حصل هو ظهور تحديات جديدة لفكرة حكم القانون، سواء برغبات سياسية أم آيديولوجية أو دينية وثمة مزاعم شتى، تارة باسم الثورية والأوضاع الاستثنائية وأخرى لتهميش بقايا النظام القديم أو ضد بقايا الأخوان وغير ذلك.ومثل هذه الخطابات تزيّت في الكثير من الأحيان بالرغبة في الحصول على مكاسب من النظام الجديد ولبس ثوب الثورية، لكن خطابها احتوى بشكل مباشر أو غير مباشر التجاوز على فكرة علوية القانون واستقراره لمصلحة سيادة الاستثناءات والعزل السياسي، وهي قضايا طبقتها الثورات جميعاً في وقت سابق، لكنها فشلت بقضّها وقضيضها، وكانت الضحية فيها هي النظام القانوني الذي هيمن عليه عنصر الاستثناء والمحاكم الخاصة وغير ذلك.
ولم تسلم الثورات الحالية من اتهامات من هذا القبيل، ولاسيّما للمحاكمات السياسية التي شهدتها، سواء للرئيس حسني مبارك المخلوع أم للرئيس المنحّى محمد مرسي بالرغم من محاولته وحركة الأخوان من استخدام سلاح العزل السياسي والإقصاء التدريجي وارتكاب العديد من الأخطاء، لكن تسييس المحاكمات أمر مختلف، خصوصاً عندما يتم اللجوء إلى الإعلام في محاكمات موازية تثير علامات استفهام إزاء نتائج المحاكمات القانونية وبما يؤثر على القضاء، ولاسيما الضغوط التي تمارس عليه للحدّ من مهنيته واستقلاليته.
إن الانتقادات الموجهة للنظام السابق في مصر والخاصة بإضعاف حكم القانون وتغليب المعالجات الأمنية واللجوء إلى القوانين الاستثنائية، هو الذي اسهم في اتساع ظواهر الارهاب والعنف واستخدام السلاح على نطاق كبير، وللأسف فإن مثل تلك المعالجات لا تزال مستمرة ولم تنقطع، الأمر يحتاج إلى تبنّي حزمة من السياسات والتدابير الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والقانونية والإعلامية وبمشاركة المجتمع المدني لمعالجة تصاعد النشاط الارهابي وقد شهدت سنوات مبارك الأخيرة تمدّداً في النشاط الارهابي، وتحوّلت شبه جزيرة سيناء إلى بؤرة استيطانية للجماعات الارهابية المسلحة، التي تزداد اتساعاً وقوة في الوقت الحاضر.
إن أهم انتقادات المنظمات الحقوقية التي وقعت على بيان مشترك احتوى على 20 توقيعاً هو تعريف العمل الإرهابي والجرائم الإرهابية، الذي تم التوسع فيه كثيراً، الأمر الذي قد يشمل بعض فاعليات المعارضات السياسة السلمية ومجموعة واسعة من المنظمات المدافعة عن حقوق الإنسان، وقد يؤدي إلى محاصرة حرية الرأي والتعبير والإعلام، حيث نصّ القانون سبع مرّات على الإعدام في حين يسعى المجتمع الدولي لإلغاء هذه العقوبة أو الحد منها، وهو استمرار للقوانين التي أصدرها الرئيس حسني المبارك بشأن تغليظ العقوبة، بما فيها المساواة في التحريض عليها، والذي يمكن أن يشمل جهات كثيرة وبين الارتكاب للفعل الجرمي، كما أعطى القانون للشرطة وحدها مسؤولية مواجهة الارهاب، الأمر الذي قد يؤدي إلى تجاوز الضوابط القانونية والقواعد السائدة، من دون أن يضع اهتماماً بالجوانب الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، كالفقر والأمية والبطالة وبيئة الجهل والتعصب، وهي الأسباب الجوهرية للارهاب!
{ باحث ومفكر عربي



113
عبد الحسين شعبان يكتب لـ ان لايت برس : الروس قادمون .. نعم ولكن !


احتلّت دمشق بعد القاهرة الموقع الأول للعلاقات العربية – السوفيتيية في مطلع السبعينيات، وإن كانت بغداد قد سبقتها إلى ذلك، بتوقيع معاهدة الصداقة والتعاون مع الاتحاد السوفييتي في 9 نيسان (ابريل) العام 1972، لكن سياساتها غير المستقرة وفيما بعد ظروف الحرب العراقية – الإيرانية وما تلاها، جعل دمشق مركز الثقل في علاقات موسكو بالعرب، خصوصاً بعد توقيع معاهدة الصداقة والتعاون السورية السوفييتية في كانون الأول /ديسمبر1980، وكلا المعاهدتين لا تزالان قائمتين، وإن زال الاتحاد السوفييتي وإنْ أطيح بالنظام العراقي، لكن المعاهدات التي كانت الدولة السوفييتية، قد التزمت بها انتقلت في غالبيتها الساحقة إلى الاتحاد الروسي .
 نجاح الفريق عبد الفتاح السيسي قائد الجيش المصري  دفع موسكو سريعاً إلى الساحة لمغازلة القاهرة

كانت مصر مغرية للنفوذ السوفييتي في مواجهة حلف بغداد ولم تكن موسكو تتخيّل أن تتطور علاقاتها مع القاهرة إلى الحد الذي وصلت إليه، لكنّ مواقف وزير خارجية واشنطن جون فوستر دالاس السلبية إزاء مصر دفعت القاهرة لتصبح حليفاً لموسكو ومركزاً للاهتمام السوفييتي بقضايا العالم الثالث، وذلك منذ صفقة السلاح التشيكي في العام 1955، وفيما بعد خلال العدوان الثلاثي البريطاني – الفرنسي الإسرائيلي عليها في العام 1956.
وارتفع رصيد مصر لدى السوفييت بشكل خاص بعد قرار جمال عبد الناصر رفض مساعدة البنك الدولي المشروطة لبناء السد العالي والتوجه إلى موسكو العام 1960، وتعزّز الأمر بعد العدوان الإسرائيلي في 5 حزيران (يونيو) العام 1967، حيث احتل جمال عبد الناصر موقعاً متقدماً لدى القيادة السوفييتية، واعتبر حينها قطب الرحى في حركة التحرر الوطني العربية والعالمية في مناهضة المشاريع الإمبريالية، وقد أمدّت موسكو القاهرة بالسلاح والدعم السياسي والاقتصادي، الذي ساعدها في حرب الصمود والاستنزاف التي استمرت لنحو ثلاث سنوات، وكانت العلاقات تتطور بصورة مضطردة  لولا قرار الرئيس محمد أنور السادات بالاستغناء عن خدمات الخبراء السوفييت والتوجه إلى واشنطن بزعم أن 99% من أوراق الحل بيدها، لاسيّما فيما يتعلق باستعادة سيناء وقضايا الصراع العربي- الإسرائيلي، وذلك عشية حرب تشرين الأول (اكتوبر) العام 1973، التي أريد لها حرب تحريك وليس حرب تحرير، لا سيّما بإضعاف العلاقة المصرية- السوفييتية.
 موسكو عرضت على القاهرة صفقة سلاح طائرت حربية متطورة ومعها برامج تدريبية عسكرية وتقديم قمر صناعي لملاحقة الارهابيين في سيناء

وقد حاولت موسكو بعد الضربة التي تعرّضت لها استراتيجياً تعويض خروجها من مصر بالتحوّل نحو سوريا، وكان ميناء طرطوس تعويضاً لها وبديلاً عن الموانئ المصرية، وإن كان هناك فوارق معروفة من الناحية السياسية والعسكرية، على الرغم من موقع طرطوس على الساحل الشرقي من البحر الأبيض المتوسط، ومع ذلك فقد كانت خسارة موسكو كبيرة جيوسياسياً ، فقناة السويس تشكل أهمية حيوية بين آسيا وافريقيا، إضافة إلى كونها ممرّاً مهماً باتجاه الدردنيل والبوسفور المنفذ الروسي الذي ظلّت الإمبراطورية الروسية منذ عهد كاترين الثانية تحلم به بشأن المياه الدافئة.
لقد كان التنافس الأمريكي – الروسي على أشدّه في السبعينيات، وكانت واشنطن مثلما هي موسكو تريد كسب قلب القاهرة التي هي مركز العرب الأول بشرياً وحضارياً وعلمياً وثقافياً، وهو الطريق نحو عدد من العواصم العربية، واليوم يعود التنافس الروسي – الأمريكي إلى الواجهة، لاسيّما بعد خسارة روسيا في ليبيا، وقبل ذلك في العراق، فبعد نحو أربعة عقود من انخفاض منسوب التوتر جاءت ثورة 25 يناير (كانون الثاني) 2011 لتعيد إلى الأذهان محاولات مصر إقامة علاقات متوازنة مع القطبين، وهو ما نظرت إليه واشنطن بارتياب كبير لأنه يشكّل من وجهة نظرها تهديداً لمصالحها الاقتصادية والسياسية الحيوية، خصوصاً وأنها تقدّم دعماً مالياً لمصر، لولاه لكانت أزمتها أشد وطأة، لكن الإدارة المصرية الجديدة ما بعد الثورة أظهرت نوعاً من الاستقلالية أو الحرص على عدم قبول شروط التبعية السابقة، وذلك من أجل خلق شكل من أشكال التوازن الدولي .
 
 واشنطن لا تريد استخدام آلتها العسكرية لا سيما قوّاتها البرية للتدخل لما جلبه من نكسات على الصعيد السياسي والاقتصادي والعسكري والأخلاقي

وكان نجاح الفريق عبد الفتاح السيسي قائد الجيش المصري بالتدخل لحسم الصراع بين الأخوان والرئيس مرسي من جهة، وبين الملايين المحتشدة والمطالبة بالتنحي من جهة أخرى قد وضع العلاقات الأمريكية – المصرية والمصرية الغربية بشكل  عام أمام تحدّيات جديدة، الأمر الذي دفع موسكو سريعاً إلى الساحة لمغازلة القاهرة عن طريق عروض سياسية وعسكرية واقتصادية، ليس بعيداً عنها دورها الحالي في سوريا وموقفها في مجلس الأمن، وهو ما جعلها رقماً غير قابل للتجاوز في إطار حل الأزمة السورية في أية ترتيبات دولية لاحقة.
وقد عرضت موسكو على القاهرة خلال زيارة وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف صفقة سلاح طائرت حربية متطورة من نوع ميغ ومعها برامج تدريبية عسكرية وتقديم قمر صناعي بخصوص ملاحقة الارهابيين في سيناء، لا سيّما بعد عدد من العمليات الارهابية والمواجهات المسلّحة، منذ الإطاحة بالرئيس مرسي.
إن القرار الروسي السريع يعني محاولة اختراق جديد للخريطة الجيوسياسية في الشرق الأوسط في إطار تمدد ستراتيجي إضافي يبدأ من طرطوس ليصل إلى قناة السويس، الأمر الذي سيعني صعود التنافس الروسي – الأمريكي إلى أقصاه، فالولايات المتحدة لن تتخلى عن مصر بسهولة ولن تستسلم لخطة موسكو الاختراقية لأنها تتعلق بالشرق الأوسط ، ولا سيّما ما له من إلتزامات إزاء حليفتها "إسرائيل" وستعمل على الضغط على موسكو إقليمياً لكبح جماح أي ترتيبات إقليمية في إطار تحالفات في المنطقة  تؤثر على القضايا الحيوية الاستراتيجية الأمريكية – الإسرائيلية، أو ما تسميه بأمن "إسرائيل".
وبالطبع هناك ثمة عقبات أمام التتمدّد الروسي، فروسيا غير الاتحاد السوفييتي عسكرياً واقتصادياً، ومصر السيسي هي غير مصر عبد الناصر، وإذا كان الاتحاد السوفييتي قد سقط في فخ حرب النجوم وسباق التسلح  ودفع ثمن الحرب الباردة باهظاً وتخلّى عن امبراطوريته الاشتراكية، فهل ستكون روسيا اليوم جزءًا من حرب باردة جديدة قد تدفع المنطقة إليها بالكامل، خصوصاً والأمر لا يتعلق بطموحات آيديولوجية، بل بمشاريع اقتصادية وحيوية مثل النفط والغاز، وهو ما جعلها ترمي بثقلها في المعترك السوري، لكنها من جهة أخرى لا بدّ لها من تدقيق حساباتها جيداً، علماً بأن واشنطن في العام 2013 هي الأخرى ليست واشطن المتفرّدة بالقرار الدولي في أواخر الثمانينيات وانتهاء عهد الحرب الباردة.
وبقدر ما هناك تنافس  حادا ، فهناك محاولة للتفاهم أيضاً، وخصوصاً بشأن سوريا إضافة إلى حلحلة الملف النووي الإيراني، لأن واشنطن وهي تعاني من استمرار الأزمة الاقتصادية والمالية الحادة لا تريد استخدام آلتها العسكرية، ولا سيما قوّاتها البرية للتدخل، لما جلبه من نكسات على الصعيد السياسي والاقتصادي والعسكري والأخلاقي، كما أن روسيا وإن تمسكت بمصالحها وحليفتها سوريا، فإنها في الوقت نفسه تبحث عن تفاهمات مع واشنطن تجنّبها السير في طريق سباق التسلح المرهق والحرب الباردة التي سبق وأن أطاحت بالاتحاد السوفييتي، الروس قادمون: نعم، ولكن وجودهم سيكون في إطار تفاهم كوني وإقليمي .
*باحث ومفكر عربي



114
حقوق المرأة والخلاف في الجوهر

عبد الحسين شعبان
في تطور خلافي وإشكالي أعلن وزير العدل العراقي حسن الشمري إنجاز مشروع قانوني الاحوال الشخصية الجعفرية والقضاء الشرعي الجعفري، وأحالهما بدوره إلى مجلس شورى الدولة، وقال أن هذا الأخير اقتنع بهما تمهيداً لعرضهما على مجلس الوزراء لإقرارهما، وبدوره سيرفعهما المجلس إلى البرلمان لمناقشتهما وإقرارهما. وأشار إلى أنهما ينطلقان من المادة 41 من الدستور، وهي مادة خلافية عليها الكثير من الاعتراضات.
وقد أثار نشر خبر مشروعي القانونين موجة واسعة من الآراء ووجهات النظر المتناقضة، حول قوانين الأحوال الشخصية، حيث لا تزال الذاكرة العراقية، وخصوصاً القانونية والسياسية، طريّة وتحتفظ بسجالات وصراعات حادّة، ولا سيّما ما تركه القانون رقم 188 لعام 1959 من إشكالات، لا تزال ذيولها مستمرة حتى الآن، وهي تنام وتستيقظ بين الحين والآخر.  وإذا كان العراقيون قد انقسموا بخصوص مشروعي القانونين، فقد دارت معارك فكرية وفقهية وسياسية حول مضمون القانون رقم 188، حيث اعتبره البعض خطوة متقدمة في حينها بشأن مقاربة حقوق المرأة، أما الفريق الآخر فقد اعتبره خروجاً على الشريعة الإسلامية، حتى يمكن القول إنه واحدٌ من أسباب الإطاحة بحكومة عبد الكريم قاسم في 8 شباط (فبراير) العام 1963، حيث وسّع الحلف المعادي له، إضافة إلى قانون رقم 80 لعام 1961 بشأن استعادة حقوق العراق في التنقيب عن النفط في 99.5 بالمئة من الأراضي العراقية، وكان الموقف من الحركة الكردية المسلحة في أيلول (سبتمبر) 1961 ومن ثم المطالبة بالكويت، وراء إسقاط حكم الزعيم عبد الكريم قاسم.
وظلّت قضية حقوق المرأة والموقف من القانون رقم 188 لعام 1959 نقطة خلاف جوهرية وإشكالية تكاد تكون مستعصية بين الفاعليات والأنشطة السياسية والثقافية منذ ذلك الوقت وحتى اليوم، وبعد انقلاب شباط (فبراير) في العام 1963 صدر القانون رقم 11 الذي ألغى الفقرة الخاصة بسريان أحكام القانون بخصوص المواريث، وجرت عليه تعديلات لاحقة.
لقد كانت حقوق المرأة حقلاً شائكاً للاشتباك منذ تأسيس الدولة العراقية في العام 1921، ولا سيّما معركة السفور والحجاب التي شهدت جدلاًَ واسعاً وسجالاً حاداً في العام 1924 والذي لم ينقطع لحد الآن، وذلك قبل إبرام أول دستور عراقي في العام 1925، الذي حصر حق الانتخاب بالرجال، وكانت المرأة الضحية الأولى في اعتماد التصنيفات المذهبية في قضايا الأحوال الشخصية، ولم تفلح محاولات معالجة الوضع، حتى جاءت ثورة 14 تموز (يوليو) 1958 التي سعت لانصاف المرأة في إطار قانون موحّد للأحوال الشخصية تناول قضايا الزواج والطلاق والنسب والحضانة والنفقة والوصية والمواريث.
ومن الزاوية الحقوقية والمدنية يمكن القول أن القانون جاء بطائفة من المبادئ المهمة، أساسها مبدأ حكم القانون، وذلك بتأكيد سريان النصوص التشريعية على جميع المسائل التي وردت في النصوص لفظاً ومحتوىً، باعتبارها تملك صفة علوية، انطلاقا من عقد الزواج الذي اعتبره رضائياً، أي بين رجل وإمرأة تحلّ له شرعاً وغايته إنشاء رابطة مشتركة للحياة، ويتحقق ذلك بالإيجاب والقبول، وهو ما يتفق مع المادة الثانية من اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو) الصادرة في العام 1979.
كما نصّ القانون على رفض أي شكل من أشكال الإكراه فيما يتعلق بالزواج، واعتبر فعل الإكراه جريمة يحاسب عليها القانون بالسجن مدّة لا تزيد عن ثلاث سنوات أو بالغرامة أو بإحدى هاتين العقوبتين (إذا كان الشخص قريباً من الدرجة الأولى)، وإن كان المرتكب غير قريب، فتصل العقوبة إلى عشر سنوات. ومن المسائل الإيجابية المهمة التي تضمّنها القانون هي تسجيل عقد الزواج لدى محاكم الأحوال الشخصية، وهو إجراء واجب، وهدفه الحدّ من سلطات رجال الدين فيما يتعلق بعقود الزواج التي يتم التلاعب بها وفقاً لاعتبارات اجتماعية أو تتعلق بالعادات والتقاليد ودور ربّ العائلة أو غير ذلك، لهذا اعتبر الزواج خارج المحكمة جريمة يعاقب عليها القانون.
أما بخصوص الطلاق فقد قرّر القانون أن النص القانوني هو المرجع الذي له العلوية خارج نطاق القواعد الفقهية الشرعية للمذاهب المختلفة، وبخصوص التفريق فقد أعطى القانون “الحق”  لكلا الفريقين (الزوجين) في طلبه.والجدير بالذكر أن بعض الأحكام التي أخذ بها القانون تنسجم مع الاتفاقيات الدولية، مثل تحديد السن القانوني (بالثامنة عشرة من العمر) أو عدم الإكراه على الزواج أو الحق في طلب الطلاق في حالات معينة مثل: زواج الزوج بإمرأة أخرى دون إذن المحكمة، أو التسبّب في ضرر مستحكم، أو الحكم على الزوج بعقوبة تزيد عن ثلاث سنوات فأكثر، أو هجران الزوج لزوجته مدّة سنتين فأكثر من دون عذر شرعي، أو بسبب المرض أو العنّة، أما بخصوص الميراث فقد ذهب إلى المساواة بين الأخ والأخت في حجب الأعمام والعمّات من الميراث (أخوة المتوفي). وفي ذلك محاولة لتطبيق النصوص الإسلامية على جميع المسلمين بغض النظر عن المذهب.
ومثلما كان هناك مؤيدون للقانون فقد كان له معارضون أيضاً، سواء من القوى الدينية أم السياسية، التي سعت جميعها لإلغاء القانون ، وتحقق لها ما أرادت في العام 1963، حيث ألغيت فقرات منه وجمّدت القسم الأخير، حتى وإن كان عملياً، ولا سيّما بحكم الموروث الاجتماعي والثقافي، وغالباً ما تصرّف القضاة استناداً إلى خلفياتهم المذهبية.
وبعد الاحتلال في العام 2003 وخلال دورة مجلس الحكم الانتقالي تقدّم السيد عبد العزيز الحكيم بصفته رئيساً للمجلس بطلب إلغاء القانون، وعند التصويت فاز مقترحه بقرار مجلس الحكم الانتقالي رقم 137، وكان يفترض ببول بريمر أن يصادق على إلغائه، لكنه أعاد مشروع الاقتراع إلى المجلس وطلب مناقشته والتصويت عليه مجدداً، فلم ينجح مقترح السيد الحكيم، وهي مفارقة كبيرة، أن يقف بريمر لصالح قانون انتصر للمرأة من وجهة نظر العلمانيين ودعاة الدولة المدنية وأنصار مبدأ المساواة، في حين اعتبره إسلاميون ومحافظون تجاوزاً على مبادئ الشريعة، وهناك مفارقة ثانية، وهي أن النساء خرجن بتظاهرة زادت أعدادهن على 50 ألفاً يطالبن بإلغاء القانون الذي من المفترض إنصافهن، في حين أن التظاهرة التي كانت ضد إلغاء القانون باعتباره يحقق مكاسب على طريق حقوق المرأة لم تتجاوز الـ 1000 متظاهرة، ولعل ذلك انعكاس لتدني الوعي بالحقوق وتدهور مستوى الثقافة التي يعيشها المجتمع العراقي وثقل الموروث عليه. جدير بالذكر أن أول من دعا إلى إلغاء القانون هو السيد محسن الحكيم في النجف العام 1959 وقاد حملة آيديولوجية ودعائية ضد حكومة عبد الكريم قاسم. وإذا كان ذلك رأي مرجعية  المتدينين آنذاك، فإن مرجعية  المكون الثاني لم تكن بعيدة عن تنديدها بالقانون وبالقائمين عليه، واعتبار الحكومة بسببها خارجة على الدين، في إطار حملة شعواء للإطاحة بها.
وخلال الخمسة عقود ونيّف التي أعقبت صدور القانون رقم 188 جرت مياه كثيرة تحت الجسور كما يقال، ففي عام المرأة العالمي 1975 صدر قانون عراقي تضمن أحكاماً لصالح المرأة، لكنه ابتداءً من الحرب العراقية- الإيرانية، تعرّضت حقوق المرأة قانونياً أحياناً وبالتطبيق في أحيان أخرى، إلى الانتهاك، وصدرت بضعة تشريعات في التسعينيات تنتقص من الحقوق التي اكتسبتها قانوناً، ناهيكم عن العودة القوية للأمية والجهل وتدهور الحالة المعاشية بسبب الحصار الدولي، ثم تأثيرات الحروب، الأمر الذي دفع المرأة إلى سوق العمل أحياناً بظروف قاسية، وترتفع اليوم نسبة الأرامل لدرجة كبيرة وملفتة، مثلما تضطر فتيات دون سن الزواج القانوني، بل هنّ أقرب إلى القاصرات إلى الرضوخ إلى الأهل والعادات والتقاليد البالية بسبب الوضع المعاشي والاجتماعي.
إن القانونين اللذين يعرضهما وزير العدل العراقي، سيؤديان إلى تكريس الفرز الطائفي والشحن المذهبي بغض النظر عن النوايا، ويساعدان على التباعد، بدلاً من التقارب والاندماج، في حين أن قانون رقم 188 تعامل مع العراق كدولة وليس طوائف، وحكومة واحدة وليس مذاهب، وكان من الأسباب الموجبة في تشريعه هو “تعدد مصادر القضاء واختلاف الأحكام ما يجعل حياة العائلة غير مستقرة وحقوق الفرد غير مضمونة”، فكان هذا دافعاً للتفكير بوضع قانون يجمع فيه أهم الأحكام الشرعية المتفق عليها.
وإذا استند الوزير على المادة 41 فهناك أوساطاً غير قليلة تطالب بتعديلها أو إلغائها لأنها لغماً في الدستور، وسيؤدي اعتماد القوانين المذهبية، إلى المزيد من تشظي المجتمع، وستظهر خلافات أكثر احتداماً، تضر بالوحدة الوطنية، خصوصاً السعي لبناء دولة القانون وليس دولة الطوائف، ولا سيّما في زواج أبناء الطوائف الإسلامية وفيما بعد ما يتعلق بالتبعات اللاحقة.
 باحث ومفكر عربي


115
في الظاهرة العنفية عراقياً   

 
عبدالحسين شعبان

في طريقه إلى واشنطن بدعوة من نائب الرئيس الأمريكي جو بايدن، صرّح رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي أن أحد أسباب زيارته هو طلب مساعدة الولايات المتحدة لمكافحة الإرهاب، وهو ما أكّده لدى اجتماعه بالمسؤولين الأمريكيين وما كتبه في صحيفة “نيويورك تايمز”، في إطار تفعيل اتفاقية الإطار الاستراتيجي الموقعة بين البلدين في العام ،2008 وقبل ذلك قال مستغيثاً إنها “حرب إبادة”، الأمر الذي يذهب إليه جميع الفرقاء، المؤتلفين والمختلفين “الأخوة الأعداء” مع الاعتذار لكارامازوف، فالموت الصامت أصبح مشهداً يومياً مألوفاً مثل قهوة الصباح، وأعداد الشهداء يسمعها الناس كخبر في نشرات الأخبار، لأنها عامة وشاملة ومتكررة كل يوم .

صحيح أن العنف يصاحب دائماً كل أزمة عميقة وتغييرات عاصفة، سواء على المستوى الاجتماعي أو على المستوى الفردي، لكنه أن يصبح ظاهرة مألوفة، فهو أمر غير طبيعي وغير منطقي، وحتى لو حدث ذلك باعتباره  من إفرازات أزمة مجتمعنا الذي عانى الاستبداد والحروب والحصار والاحتلال، إلاّ أن ذلك لا يبرر تحوّله إلى أمر مستديم في المجتمع يقيم مع السكان ويواجهونه كل صباح ومساء .

وإذا كان الأمن مسألة سياسية، فهذا يعني عدم إمكانية استتبابه من دون حلول سياسية جذرية، وهذه تحتاج إلى توافقات وتفاهمات ومصالحات مجتمعية ووطنية، وفي إطار نهج سلمي تسامحي، مع اللجوء إلى تطويق الظاهرة أمنياً واستخدام ما هو مناسب من خطط أمنية وعسكرية واستخبارية لوضع حدٍّ لها . وعلينا أن نلاحظ أن ظاهرتي العنف والإرهاب تستفحلان كلّما ساءت علاقات القوى السياسية مع بعضها، وخصوصاً إذا اتخذت بُعداً إقصائياً، ولأن تظاهرات الأنبار التي امتدت إلى أربع محافظات أخرى وشملت أجزاء من بغداد، وانتقل بعضها إلى محافظات ومدن عراقية أخرى، وإنْ كانت هناك بعض الاختلافات  في المطالب، لكنها خارج نطاق السياسة تجمع على تردّي الخدمات، لا سيّما الكهرباء والماء الصافي والخدمات الصحية والتعليمية، إضافة إلى تدهور البنية التحتية سواء الطرق والجسور وخطوط المواصلات والاتصالات وغيرها، يضاف إلى ذلك انتشار الفساد المالي والإداري والرشاوي على نحو أصبح الحديث عن النزاهة، أقرب إلى النكتة .

وتزداد الفضائح التي تزكّم الأنوف كل يوم في دائرة المسؤولين والمقربين منهم دون وضع حد لها، ليس هذا فحسب، بل إن المسألة الطائفية تطل برأسها بين الحين والآخر، وإن كانت مقيمة في النفوس ومعششة في العقول وجاثمة في الصدور، وهو الأمر الذي ينعكس على جميع مفاصل الدولة ومؤسساتها، ويزداد الشعور بالغبن والحيف والتمييز لمناطق بكاملها، وهو ما يوفّر بيئة صالحة لتفقيس بيض العنف وتفريخ الإرهاب على نحو مستمر، خصوصاً مع استمرار وجود معتقلين تقرّ الدولة بأن الكثير منهم أبرياء، وهو ما أظهرته عمليات إطلاق السراح التي أعقبت التظاهرات والاعتصامات الاحتجاجية في محافظات الأنبار وصلاح الدين والموصل وديالى وكركوك وغيرها .

إن سسيولوجيا العنف تتوزع على خارطة طريق تحوي خليطاً غير متجانس، سواءً في مصادره أو في أهدافه، خارجياً كان أم داخلياً، وسواءً انتمى إلى تيارات متشددة إرهابية معروفة  مثل تنظيمات القاعدة أو اتخذ هدفاً سياسياً ضد الخصوم أو الأعداء أو استهدف التخريب السياسي، فإن هناك عناصر وقوى أخرى إجرامية محترفة، ويقع بين هاتين المجموعتين الواسعتين، مجموعة ثالثة، هي أقرب إلى قوى مجهولة، تلك التي تستغل الخلافات السياسية، فتؤجج نار الصراع وتدفع الفريقين المتصارعين أو الفرق المتصارعة إلى المزيد من الاحتراب، بتفجير جامع سني وفي الوقت نفسه مسجد شيعي، ومرفق تركماني وآخر كردي، إضافة إلى استهدافات المسيحيين والصابئة المندائيين والإيزيديين والشبك وغيرهم، بحيث أن العنف ضرب المجتمع العراقي كلّه بالصميم .

ولعلّ جغرافيا العنف اليوم مصنّفة بين الداخل والخارج، فالعنف الذي انفلت في سوريا انعكس بصورة شديدة على العراق، وما قيام تنظيم الدولة الإسلامية للعراق والشام (داعش) إلاّ دليل على هذا الامتداد الواسع، وأعلنت قيادة إقليم كردستان أن تفجيرات إربيل مؤخراً لم تكن بمعزل عن هذا التمدد الإرهابي، ويمتد العنف من مناطق شمال وغرب العراق إلى جنوبه، في حركة متّصلة، ويزيده قدرة الانقسام السياسي وتردي وسوء الخدمات والتذمّر الشعبي .

لعلّ جذور العنف الحقيقية تتمثل في البيئة الاقتصادية والاجتماعية الحاضنة، خصوصاً في المناطق الفقيرة التي تعاني الجهل والأمية والبطالة والفقر، تلك التي تمثل انتهاكاً لكرامة الإنسان واعتداءً على حقه في الحياة الكريمة، ويبلغ عدد السكان دون خط الفقر حالياً نسبة حوالي 20% . وقد كان الإهمال الطويل الأمد للتنمية سبباً أساسياً في ذلك، لا سيما الحروب التي خاضها العراق منذ الحرب العراقية- الإيرانية (1980-1988) ومن ثم غزو الكويت وحرب قوات التحالف ضده (1990-1991) وفي ما بعد استمرار الحصار الدولي الجائر لمدة تقارب من 13 عاماً، وأخيراً وليس آخراً احتلال العراق في العام 2003 ومواجهة تحديات جديدة متمثلة في الاحتلال والدور الإقليمي الجديد في الداخل العراقي، لاسيّما من جانب إيران، إضافة إلى استشراء الطائفية وتشظي المجتمع العراقي وانتشار الميليشيات واستفحال العنف والإرهاب، وخصوصاً عند فتح الحدود على مصراعيها في العام 2003 وما بعدها، والإذلال الذي تعرّض له العراقيون من خلال ممارسات الاحتلال، إضافة إلى الفساد المالي والإداري، واستمرار هدر المال العام وتبديده .

إن تحويل العراق إلى ورشة عمل حقيقية للتنمية المستدامة بجميع جوانبها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والقانونية والثقافية، وتوفير فرص عمل وسكن إعماري بالمعايير الدولية المتفقة مع متطلبات مجتمعاتنا، وما يتفرّع عن ذلك من مشاريع التطوير والتنمية في عموم العراق، تستطيع أن تساهم، مساهمة كبرى، في التصدي للظاهرة العنفية، ذلك أن مقاومة العنف ومكافحة الإرهاب تحتاج إلى منظومة متكاملة من السياسات والتوافقات الوطنية، في إطار خطة طريق شاملة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً وتربوياً وإعلامياً وصحياً وقانونياً، مثلما تحتاج إلى قدرات أمنية وتأهيل استخباري، وقبل كل شيء إلى إرادة سياسية موحّدة .

ولا بدّ هنا من تأكيد أن الأمن لا ينبغي أن يتعارض مع الكرامة أو يتجاوزها، مثلما ينبغي على الأمن أن يحمي الحرّية ولا يضيّق عليها أو ينتقص منها تحت أي سبب كان . ولعلّ ذلك كلّه يمكن أن يؤتي ثماره الآنية والبعيدة المدى، إذا سارت الدولة في إطار مدني، سلمي، يحترم سيادة القانون والمواطنة الكاملة والمساواة التامة، على أساس من المشاركة وعدم التمييز أو التهميش أو الإقصاء، بما يحقق تكافؤ الفرص والعدل الاجتماعي .




116
هل الغاز وراء التفاهم الروسي – الأمريكي؟

د. حسين شعبان
 
سواء كان النفط نعمة أم نقمة فإنه حكم العالم لقرن ونيّف من الزمان، وهناك من قال: في بداية القرن العشرين: من يمتلك النفط يسيطر على العالم؛ لأنه سيتمكّن من تشغيل العربات وتزويد الطائرات بالوقود، وبالتالي ستكون هذه الطاقة الحيوية لجانبه في الحرب وفي السلم، الأمر الذي سيهيمن فيه على العالم، ولكن الغاز هذه المرّة هو الذي سيحدّد مستقبل الكثير من الصراعات في العالم، وحسب خبراء الطاقة فإن أهميته ستتقدّم بحلول العام 2030 ليصبح «الطاقة رقم – 1» في العالم.
ويعود جزء من الصراع في المنطقة إلى مصادر الطاقة، ومن يستطيع التحكّم بها ووضع اليد عليها، وخصوصاً المستقبلية، ولا شكّ أن بعض مستجدات التفاهم الروسي- الأمريكي، الذي سيعيد تكييف العلاقات الروسية – الأمريكية على نحو جديد، سوف لا تكون هذه المرّة عبر الحرب الباردة التي طبعت علاقاتهما طيلة أربعة عقود ونيّف والزمان (بين الأعوام 1947-1989) وما قبلها بسبب الصراع الآيديولوجي منذ ثورة أكتوبر الاشتراكية العام 1917، وحتى انهيار الاتحاد السوفييتي السابق ونظامه الاشتراكي، بل ستأخذ شكلاً جديداً باحتساب التوافقات والتفاهمات بما فيها عامل الطاقة، ولا سيّما الغاز.
وإذا كان الشرق الأوسط سبباً من أسباب الصراع الروسي- الأمريكي، الذي اعتقد البعض أنه حرب باردة جديدة، ولا سيّما في الفترة الأخيرة بسبب الأزمة السورية بشكل خاص، فإنه في الوقت نفسه قد يكون سبباً في إيجاد تفاهمات جديدة سيكون الغاز أحد محركاتها الأساسية.
مثلما شهدت العلاقات الروسية- الأمريكية في الماضي حرباً باردة محمومة وسباقاً للتسلح لا نظير لها، كانت خاتمتها «حرب النجوم» التي كلّفت واشنطن أكثر من تريليوني دولار أمريكي، فإنها في الوقت نفسه عرفت توافقات واتفاقيات وتفاهمات كثيرة، وضع أسسها اتفاق يالطا العام 1943 واتفاقيات نزع السلاح (سالت 1 وسالت2) والقمم الأمريكية- السوفييتية.
 وقد شهدت العلاقة بين العملاقين بعد انهيار الاتحاد السوفييتي هي الأخرى توترات وشدّ وجذب بين الولايات المتحدة والاتحاد الروسي، وإن كانت طبيعتها تختلف عن الصراع الآيديولوجي بين الرأسمالية والاشتراكية، من نصب صواريخ باليستية على مقربة من روسيا، ولاسيّما في تشيكوسلوفاكيا وبولونيا، إلى مشكلة كوسوفو في أوروبا، إلى احتلال العراق، وأخيراً أزمات ما بعد الربيع العربي وخصوصاً «التدخل العسكري» في ليبيا وفيما بعد المسألة السورية المحتدمة منذ 15 آذار(مارس) العام 2011 وإلى الآن، والتي لعب الفيتو الروسي ومعه الصيني دوراً في منع فرض إجراءات عقابية رادعة ضد سوريا.
قد يتصوّر البعض أن التفاهم الجديد بسبب تدمير الأسلحة الكيمياوية السورية الذي كان لروسيا دور كبير فيه، أو أنه بسبب التقارب الأمريكي- الإيراني، ولكن ذلك لا يحتاج إلى أن تغامر روسيا وترمي بثقلها في العاصفة السورية، لولا وجود ما يستحق ذلك، ولعلّ استحقاقاً مثل الغاز قد يكون الثمن المناسب الذي يحتاج إلى تفاهمات استراتيجية وليست عابرة، أي تفاهمات، جيوبوليتيكية ونوعية بين البلدين، فالدولتان أصبحتا اليوم عملاقين ضخمين في إنتاج النفط والغاز، ويحتاج كل منهما إلى التنسيق والتعاون لضمان مصالحهما الاقتصادية والحيوية.
لقد تمكّنت واشنطن مؤخراً من معرفة جزء من مخزونها الضخم من الغاز، ولاسيّما في نهاية عهد الرئيس بوش الابن، ولعلّ هذا كان وراء مسارعتها بالانسحاب من العراق والزعم بأنها جاءت للقضاء على الدكتاتورية وإن حربها كانت من أجل الحرية والديمقراطية والقيم الجديدة في العراق وليس من أجل النفط، وإن كان موضوع التدخل الإنساني وتأمين احترام حقوق الإنسان أو الملاحقة على الجرائم ضد الإنسانية يثير مفارقات دولية، أساسها المعايير المزدوجة والسياسات ذات الطبيعة الانتقائية بما فيها ما يتعلق بالارهاب الدولي. وهي تزعم اليوم، الأمر ذاته بخصوص سوريا، ولعل هذا ما دعا الرئيس باراك أوباما إلى تأكيد الدفاع عن «قيمنا الحضارية الإنسانية التي تمثل الأمة الأمريكية»، والتي تحتاج إلى جهود استثنائية لمعالجة ذلك.
ولكن واقع الحال يكشف جوهر التردد الأمريكي في توجيه ضربة عسكرية لسوريا أو في استبعاد المشاركة بقوات برّية، هو ما واجهته في العراق وما أعقبه من انهيار مالي واقتصادي، خصوصاً وأن الأزمة الطاحنة التي عصفت بمصارفها وشركاتها التأمينية الكبرى، لا تزال آثارها مستمرة ولم تتعافى منها بعد، ويضاف إلى ذلك اكتشاف هذه الكمية الهائلة من الغاز لديها، حيث أكد أوباما أن فكرة الحرب (على سوريا) بعد ما حصل في كل من أفغانستان والعراق لم تعد مرغوبة بين الأمريكيين.
وروسيا كانت تريد ضمان مصالحها عبر منع مرور أنابيب النفط والغاز إلى سوريا من قطر وصولاً إلى تركيا ومنها إلى أوروبا، ولعلّ أمراً من هذا لو حدث، فإنه كان سيساهم في تحطيم احتكار روسيا لمبيعات الغاز التي تؤلف ثروة طائلة من السوق الأوروبية.
ومثل هذا الموضوع بالذات هو الذي سيسهم في تحقيق الصفقة التاريخية في العلاقات الروسية – الأمريكية، وهذا ما يفسّر المواقف الروسية والأمريكية معاً إزاء سورية، وهو ما يشغل بعض المراقبين للمسألة السورية، ولا سيّما مواقف القوتين العظميين، وليس هذا فحسب، بل إنه يمتد إلى إيران، حيث لم يعد النفط الخليجي هو المعادل الموضوعي وحده لضمان الأمن الخليجي، وكما جرت الإشارة فإنه ساهم في الانسحاب الأمريكي من العراق، الذي كلّف واشنطن غالياً، على الرغم من تغطية بعض نفقاتها عربياً.
قد تكون أوروبا الخاسر الأول من صفقة النفط والغاز الروسية- الأمريكية إذا افترضنا حصول الصين على حصتها، وكان انسحاب قطر من المعركة مع سوريا وتوقّف حرب أنابيب الغاز بين روسيا وقطر، جزء من التفاهم الأمريكي- الروسي، مثلما كان التقارب الإيراني – الأمريكي يمثل جزءًا آخر، فإيران لا تزال تصدّر النفط إلى الصين والهند على الرغم من العقوبات الأمريكية والأوروبية.
ولمعرفة دور الغاز في الصراعات والمصالح الدولية، لابد من تبيان أن روسيا تمدّ أوروبا بـ 25% من احتياجاتها من الغاز، وإنْ كانت الأخيرة تسعى للحصول على النفط والغاز من آسيا الوسطى من خلال خط نابوكو، ليكون الغاز الأذري هو المنافس للغاز الروسي في أوروبا الوسطى والشرقية مع خطط لإيصاله إلى إيطاليا، ويحاول الاتحاد الأوروبي إقناع تركمانستان وكازاخستان بالانضمام إلى خط نابوكو، وهو خط غربي يبدأ من باكو ويمرّ في تبليسي وصولاً إلى أرضروم، ولهذا كانت روسيا متنبّهة بل ومستنفرة لذلك، لا سيّما لمواجهة الالتفاف الأوروبي على كازاخستان، والسيطرة شبه الكاملة على غاز تركمانستان عبر شركة غاز بروم عبر خط أنابيب مشترك، حيث تقوم روسيا بتصدير الغاز التركماني إلى أوروبا عبر خطوط الغاز الروسية، وهناك مشروع لنقل الغاز الروسي إلى أوروبا الوسطى عبر البحر الأسود وبلغاريا فصربيا والمجر والنمسا وسلوفينيا، وذلك من مدينة نوفوروسيك الروسية على البحر الأسود.
أما الخط الثاني فهو يتوجّه عبر اليونان إلى جنوب إيطاليا، وكذلك من مدينة نوفوروسيك إلى ميناء سمسون التركي، ثم إلى أنقره وهناك مشروع انتركونكتور الهادف إلى تزويد إيطاليا واليونان بالغاز الأذري ومشروع خط الأنابيب العابر للبحر الادرياتيكي لتزويد بعض دول أوروبا الوسطى وأيطاليا وسويسرا بالغاز الأذري ويستمر الأنبوب عبر تركيا وألبانيا ومقدونيا، ثم جزء منه إلى سويسرا والآخر إلى شرق إيطاليا عبر البحر الادرياتيكي.
إن موازين القوى الأمريكية- الروسية تتجه اليوم وبسبب الغاز إلى تفاهمات نوعية وعلاقات جيوسياسية استراتيجية متخطّية مرحلة الحرب الباردة والصراع الآيديولوجي السابقة، ومتوجهة لتجاوز فترة التوترات والاحتدامات ما بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، لا سيّما الصراع بين رأسمالية روسية صاعدة ومتطلعة لدور إقليمي ودولي تعويضي، وخصوصاً اقتصادي ومالي، وبين رأسمالية كبرى مهيمنة اقتصادياً وتكنولوجياً وعلمياً وعسكرياً وثقافياً، ولعلّ الغاز سيكون عنصر التقارب المهم، خصوصاً إذا ارتبط بحلول سياسية للأزمة السورية وترتيبات إقليمية تنعكس على العلاقات الثنائية بين العملاقين.
* باحث ومفكر عربي




117
الإرهاب ومعادلة الأمن والكرامة   

عبدالحسين شعبان
حين يشعر جمع حقوقي، أكاديمي ومهني، ومسؤولون حكوميون وأمنيون محترفون أن لا سبيل للقضاء على الإرهاب إلاّ باستراتيجية وطنية شاملة، فإن ذلك يعني مقاربة ما هو سياسي بما هو أمني وعسكري، وما هو اقتصادي وتنموي بما هو تربوي وقانوني . وذلك من خلال تدابير وقائية تشمل دعم ورعاية الأسرة والاهتمام بتنمية الوعي الوطني من خلال إعادة النظر بالمناهج التربوية والتعليمية وتكييفها بما ينسجم مع مبادئ التسامح وحقوق الإنسان، إضافة إلى معالجة ظواهر الفساد المالي والإداري، والسعي إلى القضاء على الفقر ووضع حد للبطالة، وإشراك المجتمع المدني، وفئات المجتمع كافة في بناء أرضية صالحة للمصالحة الوطنية من خلال نشر وتعميم قيم التسامح .

ولعلّ تدابير الحماية تأتي بعد تدابير الوقاية، الأمر الذي يحتاج إلى جهود حثيثة حكومية ومجتمعية لتجفيف منابع الإرهاب واستهداف مصادر تمويله والعمل على منع تسلل الإرهابيين والأسلحة إلى ومن البلد المعني، أي العمل على منع الإرهاب العابر للحدود من التفريخ والتكاثر، وذلك عبر التنسيق مع دول الجوار من جهة، وعلى المستوى العالمي من جهة ثانية .

وإذا كان العمل الأمني والاستخباري يحتاج جهداً مكثفاً ومعرفياً لمكافحة الإرهاب، فإن معالجة العوامل والأسباب الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والفكرية، تحتاج إلى جهود أكبر بكثير، خصوصاً، للنجاح في تنفيذ الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الإرهاب، من خلال تنسيق وتعاون حكومي وغير حكومي للقضاء على هذه الظاهرة الخطرة، التي هي ظاهرة عالمية وليست محليّة .

وحتى الآن أثبتت الكثير من التجارب الكونية أن الحلول الأمنية والعسكرية لوحدها ستكون غير مجزية إنْ لم تتم معالجة الأسباب الجوهرية لتفشي ظاهرة الإرهاب التي تجد لها أرضية صالحة للانتشار وتفقيس بيضها في ظل أجواء الفقر والجهل والأمية والبطالة والشعور بالاستلاب، مع شيء كبير من التضليل وغسل الأدمغة التي تقوم به آلة إعلامية وإيديولوجية ضخمة ولديها إمكانات هائلة، وفقاً لدعاوى دينية أو مذهبية أو غير ذلك، تلك التي تجعل الإنسان البسيط “إرهابياً”، يندفع لتفجير نفسه أو للقيام بعمل من شأنه يلحق الأذى بالآخرين ويؤدي إلى ترويع السكان المدنيين .

قد تكون الحلول الأمنية والعسكرية مطلوبة أحياناً، لكنها ينبغي أن تكون خطوط الدفاع الأخيرة للقضاء على الإرهاب، بعد تطويقه فكرياً وسياسياً وفضحه إعلامياً وكشف دوافعه ومبرراته باعتباره جريمة ضد المجتمع والإنسانية، ومعالجة أسبابه الاجتماعية والاقتصادية، ووضع خطط تنموية طويلة الأمد لإعادة تربية المجتمع على قيم التسامح والحرية واحترام الرأي والرأي الآخر، وإقرار مبادئ التعددية والتنوّع والشراكة وتأكيد الوحدة الوطنية واللحمة المجتمعية .

إن الحرب على الإرهاب هي ليست حرباً ضد دبابة أو مفخخة أو جهاز تفجير أو مواجهة انتحاري، بل هي حرب تتعلق بالأفكار والعقول بالدرجة الأساسية، وكان دستور “اليونسكو” على حق حين أكد أن السلام يصنع في العقول، مثلما تولد الحرب في العقول أيضاً، ولهذا فإن إقرار السلام والقضاء على الإرهاب، إنما هما في الأساس كسب العقول لمصلحة مبادئ التسامح والسلام والمواطنة والمساواة والحرية والعدل والشراكة .

وسيظلّ الإرهاب مقيماً في مجتمعاتنا إنْ لم يتم اقتلاع جذوره الفكرية وتهيئة مستلزمات تغيير المجتمع باتجاه العدل الاجتماعي، وهو الأساس الذي لا غنى عنه، خصوصاً بتوفير فرص متكافئة اقتصادياً وسياسياُ واجتماعياً للمواطنين المتساوين المتطلعين إلى تحقيق مبادئ العدالة بكل مقتضياتها ومتطلباتها، سواءً على المستويات القانونية أو السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية، وذلك من خلال بيئة ثقافية وتربوية وقانونية سليمة أساسها التعايش والحوار وقبول حق الاختلاف قومياً ودينياً واجتماعياً وسياسياً وفكرياً، باعتبار الإنسان مساوياً لأخيه الإنسان وله الحقوق والواجبات ذاتها، وهو الذي كرّمه الله من دون تمييز الاّ بالتقوى، وكان الفيلسوف الإغريقي بروتوغوراس هو الذي قال: الإنسان مقياس كل شيء .

لعلّ مناسبة الحديث هذا هو مؤتمر دولي مهم انعقد في بغداد التي ضربتها خلال الأشهر الثلاثة الماضية موجة عاتية من الإرهاب والعنف، أدت إلى وقوع آلاف الضحايا، ناقش ظاهرة الإرهاب وشارك فيه شخصيات دولية مهمة مثل البارونة إيما نيكلسون عضو مجلس اللوردات البريطاني وجون باتشي مسؤول حقوق الإنسان في بعثة المساعدة الخاصة بالأمم المتحدة في العراق سابقاً والأستاذ في مركز التدريب الدبلوماسي في جامعة نيو ساوث ويلز في سيدني (أستراليا) حالياً، وجورجي بوستزن ممثل الأمين العام للأمم المتحدة وشخصيات فكرية وحقوقية، وقامت بتنظيمه وزارة حقوق الإنسان في العراق، وكان المؤتمر برعاية رئيس الوزراء، وحضره وساهم فيه خبراء أمنيون ومسؤولون حكوميون ونوّاب وأساتذة جامعة متخصصون في علم السياسة والقانون والاجتماع والتربية والقضايا الاستراتيجية وبعض شخصيات المجتمع المدني .

ولا بدّ من التأكيد أن الإرهاب لا دين له ولا قومية أو لغة أو شعب أو منطقة جغرافية، وأن أية محاولات لإلصاقه بشعب أو مجموعة بشرية أو دين أو قومية، فإنما تُلحق ضرراً باستراتيجيات مكافحة الإرهاب، بل توفّر غطاء أحياناً لدعم قوى التطرف والتعصّب والغلو من جميع الجهات، لأن الإرهاب في جوهره يمثل خطراً على الإنسانية، بتهديده حياة الإنسان وترويع عيشه وأمنه واستقراره وحقه في الحياة والإبداع والتنمية والحقوق الديمقراطية .

لعلّ طرح الأمم المتحدة لاستراتيجيتها العام 2006 (قرارها رقم 288/60) لمكافحة الإرهاب إنما يعبّر عن قلق المجتمع الدولي ومساعيه لوضع حد لهذه الظاهرة المشينة التي لا تنتمي إلى قيم الحضارة الإنسانية، وذلك من خلال تدابير مشتركة لمعالجة ظروف انتشار الإرهاب، إضافة إلى التدابير الواجب اتخاذها، ثم التدابير الرامية إلى بناء قدرات الدول وأخيراً التدابير الهادفة إلى ضمان احترام حقوق الإنسان للجميع وسيادة القانون بوصفه الركيزة الأساسية لمكافحة الإرهاب . وينبغي ألا تكون ذرائع مكافحة الإرهاب وسيلة لتقليص الحريات والحدّ من حرّية التعبير، فالأمن ينبغي أن يكون مع الكرامة، والأمن مع الحرية، ولا أمن حقيقياً من دون الكرامة والحرية .


118
العرب وبعض تجارب الحقيقة والمصالحة   


 
 
عبدالحسين شعبان
يكثر القلق وتتعاظم الهواجس بعد التغييرات التي حصلت في عدد من الدول العربية بخصوص الحقيقة والمصالحة، ولا سيّما بعد ما حصل في مصر بعد ثورة 25 يناير العام 2011، وأيضاً وعلى نحو أشد، بعد ما حصل في 3 تموز (يوليو) العام 2013 حيث تمت الإطاحة بحكم "الأخوان" بتدخل من الجيش، وهو الأمر الذي قد يواجه حكم النهضة في تونس، خصوصاً بارتفاع وتيرة الجدل حول مبادرة " الرباعية" التي بلورها الاتحاد العام التونسي للشغل، والتي تقضي بتقديم الحكومة استقالتها، وقد استمر النقاش  بين الجذب والشدّ حول قانون العدالة الانتقالية، منذ ثورة الياسمين والكرامة كما أطلق عليها، ولكنه لم يحسم حتى الآن، وهو الأمر المطروح في مصر وليبيا واليمن وكذلك في سوريا على الرغم من أن الصراع لم يحسم فيها بعد.
صحيح أن لكل دولة ديناميكيتها الخاصة، وهذا يعني أننا أمام صورٍ متنوّعة وفسيفسائية على درجة كبيرة من الاختلاف، وإنْ كانت بعض مدخلاتها ومخرجاتها مشتركة أو متشابهة، ولعلّ سؤالاً على غاية من الأهمية يتردّد صداه في جميع الدول التي حصلت فيها تغييرات، سواءً بالانتقال من حكم تسلطي استبدادي صوب الديمقراطية أو من حالة الحرب الأهلية إلى السلم أو بعد انهيار نظام قانوني أو انتهاء احتلال أو غير ذلك وجوهر السؤال يتلخّص بـ: كيف السبيل للتعامل مع الماضي، ولا سيّما مع ظواهر العنف والانتهاكات السافرة لحقوق الإنسان؟ ولا بدّ من التنبّه عند الحديث عن العموميات، إلى الخصوصيات الضرورية لكل تجربة، سواءً ما يتعلّق الأمر بحجم ونوع الصراع الذي كان دائراً، هل هو صراع آيديولوجي، كما حدث في أمريكا اللاتينية أم صراع ديني أو إثني أو مذهبي أو اتسّم بشيء من ذلك، فالأمر مختلف وما يترتب عليه من احتمالات للحلّ مختلفة أيضاً، لا سيّما ما يتركه في الذاكرة من آثار أليمة، إضافة إلى خصوصية المسعى لتحقيق الذات والحفاظ على الهوّية الخاصة الفرعية أو الكيانية.
وبعد ذلك فإن مسلسل الانتقال نحو الديمقراطية هو الآخر يمتلك خصوصية، ففي بعض البلدان التي شهدت هزيمة عسكرية مثل اليونان والأرجنتين والعراق وليبيا، فإن المسار كان مختلفاً عن بلدان ظلّ جيشها متماسكاً، كما هي حالات تونس ومصر وقبل ذلك البيرو والتشيلي، حيث لم يتعرّض الجيش إلى هزيمة أو إهانة، وحتى الهزيمة التي تعرّض لها كانت سياسية وليست عسكرية مذلّة.
ولا بدّ من التأكيد أن الحلّ المثالي غير متوفر، وأن تحقيق العدالة بالمطلق غير ممكن، وكلّ شيء نسبي وليست هناك حلولاً كاملة، ولكن يمكن القول هناك حلولاً جيّدة وأخرى سيئة، ولا بدّ من إرادة سياسية، وجهد بشري مثابر لتحقيق أكبر قدر من العدالة وكشف الحقيقة وإنجاز المصالحة الوطنية وتأمين السلم الاجتماعي.
وبالنسبة للحقوقيين لا بدّ من التمسّك بالجانب الأخلاقي والإبقاء على الوعد بإمكانية الوصول إلى العدالة وعدم المساومة على أية عملية غير مشروعة بالانجرار أحياناً وراء السياسيين، وأخيراً لا بدّ من الركون إلى تقديم معلومات دقيقة وتحقيق جلسات استماع للضحايا للتخفيف عن معاناتهم، وفي الوقت نفسه تهيئة المستلزمات للمرتكبين للتطهّر من خطاياهم بالاعتراف والاعتذار، وهو ما حصل في جنوب أفريقيا والبيرو والمغرب، في حين لم يحصل مثل هذا الأمر في الأرجنتين والتشيلي، لاعتقاد خاطئ أن الحاجة النفسية إلى الإنكار هي الطاغية، وهو ما أثبتت الكثير من التجارب عكسه، حيث كانت جلسات الاستماع مفيدة ومؤثرة في الإبقاء على الذاكرة حيّة وتجنّب تكرار ما حصل، تمهيداً للتحوّل الديمقراطي.
    لقد عرفت الأرجنتين مصطلح التحول الديمقراطي، الذي تم نحته وتطويره من جانب محامين وحقوقيين وأساتذة جامعة وعلماء سياسة وقانون، وهؤلاء اشتغلوا على أمريكا اللاتينية، وقصدوا منه الانتقال من الحكم البيروقراطي السلطوي إلى الديمقراطية. وبعد سبع سنوات من الدكتاتورية سلّم العسكر السلطة إلى المدنيين إثر حرب العام 1983 وهزيمة الأرجنتين على يد بريطانيا في جزيرة الملوين، وقد أجريت أولى الانتخابات الديمقراطية، وتحققت تجربة انتقالية بعد انتهاكات سافرة لحقوق الإنسان. وقد شعر الجيش بعمق الهزيمة الاستراتيجية، وجرت مراجعات فيها شيء من النقد الذاتي، في حين أن بعض القوى ظلّت متشبثة بالماضي.
لكن مثل هذا الاعتقاد لم يكن صحيحاً، فعلى الرغم من هزيمة الجيش الاّ أنه ظلّ يحتفظ باحتكار السلاح في أنحاء البلاد، وهو الأمر القريب من التجربة اليونانية (أواسط السبعينيات) فبعد هزيمة الجيش اليوناني في قبرص على يد الأتراك، إنهار النظام العسكري في العام 1974. وفي اليونان أيضاً احتفظ الجيش باحتكار السلاح. صحيح أنه كان محبطاً، لكنه بقي مدجّجاً بالسلاح، وهو الشيء نفسه الذي حصل في الأرجنتين، وهناك تشابه في الحالتين. وقد حصل مثل هذا الأمر في العراق بعد هزيمة الجيش العراقي في الكويت العام 1991، لكنه ظلّ مُمسكاً بمقاليد الأمور، واستطاع القضاء على الهبّة الشعبية التي شملت 14 محافظة.
في الأرجنتين، مثلما في اليونان، كانت مبرّرات النظام مواجهة "الخطر الشيوعي"، وكلا النظامين سقط بسبب الهزيمة العسكرية في حرب مع عدو  خارجي، وقد قرر الرئيس الأرجنتيني ألفونسي أن يفتح الباب للمحاكمات، لكّن الأمر كان في غاية الصعوبة بسبب الانتهاكات الواسعة، وكان قد صادف أن الجيش استعاد انسجامه الداخلي بعد عامين من انتهاء الحرب، وظهرت بعض أعمال العنف والأعمال المسلّحة، وكان الانطباع السائد أن الذي يقف وراءها هو الجيش، ولهذا شعر الرئيس بصعوبة الواقع بالتدريج، وهو الأمر الذي لم يظهر بعد سقوط النظام العسكري مباشرة .
في حالة ألمانيا النازية فقد كان الأمر مختلفاً، فالجيش الألماني بعد دخول الحلفاء، برلين، استسلم دون قيد أو شرط، وكذا الحال بالنسبة للجيش الياباني. أما في حالة الأرجنتين فقد انهزم الجيش، ولكنه احتفظ بأسلحته وكيانيته، وكذلك في اليونان والعراق وإنْ تعرّض الأخير إلى حظر عسكري واقتصادي وعقوبات شاملة وقضم تدريجي. في تجربة الأرجنتين اتخذ الرئيس قراراً جريئاً ومستقبلياً حين وقّع على القانون المشهور "نقطة النهاية" (بوينتو فينال)، محدداً الفترة التي لا يمكن بعدها أن تقدّم أية شكوى للمحكمة، وقانون آخر سمّي "بقانون الامتثال للواجب"، والذي يلغي مسؤوليات أي عسكري في مرتبة تقل عن مرتبة كولونيل، على اعتبار أن الواجب يفرض الامتثال لأوامر الرؤساء.
لم تستجب هذه الوضعية لمتطلّبات العدالة كاملة، لكنه لم يكن من الممكن تجنّبها، وكان لا بدّ من التصرّف بمستقبلية إزاء الانتهاكات، وليس بماضوية. ولا يمكن تأمين العدالة وكشف الحقيقة كاملة من خلال المحاكمات وحدها، مثلما ليس العفو وحده طريقاً أكيداً لتأمين السلام الاجتماعي، والأمر يحتاج إلى سياقات تاريخية وخطط للمصالحة من خلال السعي لكشف الحقيقة وجبر الضرر وتعويض الضحايا وإصلاح النظام القانوني والقضائي والأمني.
في العام 1984 عرفت الأرغواي الانتقال الديمقراطي، حيث تسرّبت العدوى الإيجابية إلى هذه الدولة الصغيرة المجاورة للأرجنتين، وتم الاتفاق على دستور جديد مع الجيش الذي خسر الاستفتاء، وقد تفاوض العسكريون على كيفية خروجهم من السلطة وفقاً لضمانات بعدم ملاحقتهم. الحكومة الأرغواية لم تحقق الشيء الكثير على عكس من حكومة ألفونسي في الأرجنتين الذي سعى إلى أكثر مما كان بمقدوره أن يتحقق. ولعل مثال الأرجنتين والارغواي هما مثالان مختلفان من حيث الإداء.
أما في التشيلي فقد انهزم بيونشيه "سلمياً" في العام 1988 وبعد كفاح طويل من جانب المعارضة، عندما دعا لاستفتاء حول تجديد ولايته لثمان سنوات أخرى، ففشل في ذلك، وفي العام 1989 أجريت انتخابات تنافسية حيث فازت أحزاب المعارضة، ولا سيّما أحزاب الوسط ويسار الوسط، وهو التحالف الذي استمر لنحو ثلاث عقود من الزمان، تعاقبت فيها حكومات إئتلافية.
وبخصوص تجربة البرازيل فقد مرّت بمراحل مختلفة، حيث شهدت انقلاباً عسكرياً شعبوياً في العام 1964، وسارت البلاد وحكومتها العسكرية نحو المسار السلطوي منذ العام 1968، وهو نظام شبيه بالأرجنتين والارغواي والتشيلي. واستمرت الطغمة العسكرية البرازيلية فترة تاريخية أطول، وبعدها عاشت فترة "انفتاح" سميّت باللغة البرتغالية "أوبرتوار".ولهذا عندما حدث التحوّل التدريجي فيها من خلال الانتخابات العام 1985، كانت أسوأ انتهاكات حقوق الإنسان قد وقعت (خلال الفترة الماضية)، الأمر الذي ساهم في تهدئة الأجواء، على عكس ما وقع في الارجنتين التي عرفت تحوّلاً مفاجئاً، وقد حدثت الانتهاكات خلال فترة الانتقال التي لا زالت حديثة العهد.
وتزعّم الكاردينال أرنس وهو أسقف ساو باولو محاولات الكشف عن انتهاكات الماضي، فاجتمع مع عدد من الطوائف البروتستانتينية وأصدوا تقريراً بعنوان "البرازيل كما لن تتكرّر". وهو تقرير مؤثّر ولقي انتشاراً واسعاً. فهل يمكن مقاربة الأمر عربياً في مصر وتونس وليبيا والعراق واليمن وسوريا وغيرها، وكل على طريقته مع ضمان الوصول إلى الحقيقة والمصالحة في إطار العدالة المنشودة!
الخليج الاماراتية ، الاربعاء 16/10/2013

119
الحقوقي والسياسي وما بينهما   

 
عبدالحسين شعبان

لم تتبلور الحركة الحقوقية دفعة واحدة، فقد مرّت بمراحل متعددة حتى وصلت إلى ما هي عليه . ولم يكن ذلك من دون معاناة وجهد وصراع، لا سيّما وأن الأغلبية الساحقة من “الحقوقيين” انخرطت في البداية تعبيراً عن تضامنهم مع رفاقهم من هذا الاتجاه أو ذاك، ولكن بالتدريج بدأ الكثير منهم ينظرون إلى فكرة حقوق الإنسان باعتبارها ذات قيمة مستقلة بحدّ ذاتها، وأنها ليست مرتبطة بالضرورة بإيديولوجيات سياسية، إذ يمكنك أن تعتنق إيديولوجية ما، ولكن عندما يتعلق الأمر بحقوق الإنسان، فإنها تحتفظ باستقلاليتها وهوّيتها الخاصة، وكان ينبغي على الحقوقيين الدفاع عن حقوق الإنسان ضد أي انتهاك أو خرق أو تجاوز، سواء تعلّق الأمر باليسار أو اليمين .

كثير من السياسيين لم يكونوا مؤمنين، ولا يزال بعضهم إلى الآن، “بالحركة الحقوقية” ودورها، إما لأنهم يعتبرونها منافساً قوياً لحركاتهم السياسية أو لتياراتهم الفكرية الاشتراكية أو القومية أو الدينية، أو أنهم كانوا يقلّلون من شأنها باعتبارها حركة إصلاحية غير جذرية، ولا تستهدف التغيير الثوري، وإنما تسعى للعب دور وسيط بين الحكومات والمعارضات، في حين إنهم يستهدفون تغييراً راديكالياً سريعاً لقلب المجتمع وليس تدريجياً، وآخرون يعتبرون الحركة الحقوقية صنيعة للغرب، الذي يريد اختراق العالم العربي والإسلامي، وأن لها “أجندات” خاصة، بل إن بعضهم اعتبرها حركة سياسية جديدة، لكنها تتخفّى وراء الواجهة الحقوقية، وأنها اختراع “مشبوه” ليس إلاّ، وقد رضع من هذا الثدي الحكومات والمعارضات في الآن ذاته .

لكن هؤلاء جميعاً، أو قسمهم الأعظم، عادوا واعترفوا بالحركة الحقوقية، سواء كانوا حركات سياسية أو دينية أو حكومات أو أنظمة بغض النظر عن قناعاتهم بها، لأنها أصبحت تمثل تياراً قوياً على المستوى الدولي وفكرة قابلة للتحقق، لا سيّما بإنشاء منظمات دولية متخصصة وبرامج جامعية ومناهج تربوية، هذا من جهة، ومن الجهة الأخرى لأنها بدأت تستقطب أوساطاً واسعة خارج نطاق الحركة السياسية التقليدية، التي وصل معظم تياراتها إلى طريق مسدود، تلك التي بدأت تلتجئ إليها للتدخل لدى الحكومات للإفراج عن سجين رأي أو إطلاق سراح محتجزين أو التحقيق بشأن فضّ اعتصام أو إضراب بالقوة أو قمع تظاهرة أو إخفاء مناضل سياسي قسرياً .

ونشطت منظمات حقوقية عربية، ولاسيّما في الخارج، ولندن بالتحديد، لمخاطبة جهات رسمية لدعم طلبات اللجوء السياسي أو إعطاء “رأي خبرة” أو الدفاع عن حقوق المجموعات القومية والثقافية والدينية، وعن حقوق المرأة ومبادئ المساواة والمواطنة وحرّية التعبير وضد التعذيب، إضافة إلى حقوق العمل والصحة والعيش الكريم وغيرها . وهكذا أصبحت الحركة الحقوقية، ذا وزن، بحكم فعلها وتأثيرها وإنْ كان غير مباشر أحياناً، وربما غير ملموس، لكن الحكومات أخذت تخشاها أو تحسب لها حساباً، خصوصاً عبر خطابها المعتدل، ولاسيّما في تقدير المجتمع الدولي .

والتبس الأمر على كثيرين كيف يمكن للمناضل الحقوقي وهو يدافع عن الضحايا أن يلتقي مع الحكومات أو ممثليها، ذلك أن الفكرة السائدة تقوم على الإلغاء والإقصاء والمجابهة وليس الحوار والجدل وقبول الاختلاف، ولعلّ الخطوة الأولى التي ستكون لمصلحة الحقوقي هي قبول صاحب القرار بالحركة الحقوقية باعتراف صريح أو ضمني أو فعلي، لا سيّما وهو يضطر للقاء مع الحركة الحقوقية وممثليها، سواء أعلن ذلك أو لم يعلن، ولا يعني ذلك عدم محاولته استثمار ذلك لمصلحته، ولكن الأمر مع الوقت، ومع الاعتياد والتكرار يصبح الحاكم يحاذر كثيراً من خطاب الحقوقي الذي لا يريد أن يحل محلّه أو يلغيه أو يقف مع خصمه السياسي، الاّ بقدر احترام حقوق الإنسان، وهو الأمر الذي يطمئن له ويحاول كسب ودّه لكي “يخفف” الحقوقي من خطابه أو لا يصب في مصلحة عدوّه الذي يريد إطاحته، لا سيّما من المعارضة الراديكالية .

وكذلك يحاول خصوم الحكّام في المعارضات التأثير في الخطاب الحقوقي ليأتي مطابقاً ومؤيداً لخطابهم، في حين ينأى الحقوقي بنفسه عن الانخراط في الصراع والانحياز إلى طرف، الاّ بقدر اقترابه أو ابتعاده عن مبادئ حقوق الإنسان، وتلك الميزة إذا استخدمها بحنكة وعقلانية هي التي تمنحه هذه الصفة الموضوعية، باعتباره مدافعاً عن حقوق الإنسان، في حين يريد السياسي الوصول إلى السلطة مستخدماً وسائل شتى علنية وسرّية، سلمية أو عنفية، شرعية أو غير شرعية، قانونية أو غير قانونية، بينما يظلّ الحقوقي متشبثاً بعلنية حركته وسلميتها وقانونيتها وشرعيتها، والأهم من كل ذلك أنه يريد تأمين احترام حقوق الإنسان وليس الوصول إلى السلطة، فذلك ليس في وارد برنامجه أو أهدافه، ولهذا فإنه عندما يتوجه إلى الحكومات ويخاطبها، إنما يريد منها ومن المعارضات احترام حقوق الإنسان وعدم انتهاكها .

لعلّ من واجب الحركة الحقوقية وضع مسافة بين الضحايا وأفكارهم ومعتقداتهم من جهة والحاكم وصاحب القرار من جهة ثانية، وحتى في دفاعها عن الضحايا فإنها تنحاز لهم كبشر ولا علاقة لها بأفكارهم التي قد تكون ضدّها، مثلما تطلب من الحاكم أو صاحب القرار الاستجابة إلى معايير حقوق الإنسان واللوائح الدولية المعتمدة، وهي بهذا المعنى ليست مع معارض ضد حاكم، وليست ضد حاكم لأنه حاكم، إلاّ بمقدار قربه أو بعده من المعايير الدولية لشرعة حقوق الإنسان .

وقد أسهم المناخ الدولي في بلورة الأفكار الحقوقية، ولا سيّما أكاديمياً من خلال أطروحات اعتدالية من دون التخلّي عن المبادئ، وخصوصاً الموقف من العدالة الاجتماعية، أي أن الحركة الحقوقية وعدد من المناضلين في صفوفها ليس لديهم أي وهم من أن الأمور أكثر صعوبة مما كانوا يتصورون، وأن حلّ المشكلات يتطلّب وقتاً طويلاً، وأن هناك مسارات يجب تجنّبها، وأن بعض القضايا أكثر أهمية من غيرها، مثل الحرية والديمقراطية .

لقد اكتسبت الحركة الحقوقية بُعداً جديداً بعد انتهاء الحرب الباردة وتحوّل الصراع الإيديولوجي إلى شكل جديد، وساهم عدد من الذين اغتربوا في (أوروباً الشرقية والغربية) في نقد التجربتين الاشتراكية البيروقراطية والرأسمالية الاستغلالية، وتولّد شعور قوي بأهمية ظهور حركة حقوق الإنسان على الصعيد الدولي وخطابها ذي المشروعية الحقوقية والقانونية، فضلاً عن مشروعية القيم الأخلاقية التي تسعى للوصول إليها بالغايات والوسائل المشروعة أيضاً .

وإذا كان الاتجاه الغالب آنذاك ماركسياً وقومياً يميل إلى الشعارات التقليدية الثورية، فإنه بدا في الثمانينات وأواخرها، سلمياً تدرجياً وتطورياً، لا سيّما بعد انهيار الأنظمة الشمولية في أوروبا الشرقية التي سقطت مضرجة بأخطائها الكبرى وفشل التجربة الاشتراكية العالمية، وهنا اكتسب التفكير عن وسائل جديدة بُعداً قيمياً أكثر أهمية، ولم يعد إلقاء اللوم كلّه على الرأسمالية المتوحشة وحدها، فقد أصبح من باب القناعة أن الاشتراكية بما عرفه العالم من نظامها تتحمل المسؤولية أيضاً، بما صاحبها من أعمال قسوة وهدر سافر وصارخ لحقوق الإنسان .

وكان لا بدّ من البحث عن الأسباب الداخلية التي غدت صارخة، خصوصاً عشية الانهيار، فالحركة المطلبية التي اتخذت بُعداً حقوقياً، كانت شعاراتها: الحرية والتعددية والحوار، وهي الشعارات التي ارتفعت في أوروبا الشرقية قبيل انهيار جدار برلين في 9 نوفمبر/تشرين الثاني ،1989 وهي ما تقابلها شعارات الحركة الاحتجاجية في العالم العربي العام 2011 وما بعدها: الحرية ، الكرامة، العدالة الاجتماعية، وهي الغائبة عن مجتمعاتنا .

هكذا كان التغيير التدريجي العالمي وكذلك على المستوى الفكري الشخصي، لنخب كثيرة، وكان لتأسيس المنظمة العربية لحقوق الإنسان دور كبير في ذلك، ولا سيّما في نشر الفكرة الحقوقية، من خلال تقارير تصدرها سنوياً منذ العام 1985 حيث أسهمت في نشر الوعي الحقوقي، ولأنها تصرفت بمهنية عالية من دون أن يعني تبرئتها من بعض الأخطاء والنواقص، إلا أنها استطاعت حماية نفسها من لجّة الغرق وهي تمخر عباب بحر هائج، فمن جهة واجهت حكومات عاتية بخطاب ملطّف وحقوقي ولا يستهدفها بقدر ما يريد احترام حقوق الإنسان، ومن جهة ثانية واجهت معارضات راديكالية، تريد من الحركة الحقوقية الوقوف معها ضد الحكومات وتأييد أطروحاتها، وفي حين وقفت الحركة الحقوقية مع الضحايا ودافعت عنهم وتحمّلت بسبب مواقفها الكثير من الأذى، الاّ أنها نأت بنفسها عن الوقوع في حبائل الصراع الإيديولوجي والسياسي، بين الحكومات والمعارضات، فتلك مهمة ليست لها، وللأسف يقع كثيرون “ضحايا” فهمهم الملتبس أو الخاطئ في مسألة علاقة الحركة الحقوقية بالسلطات، وهم يريدون استبدال مواقعها بمواقع حركات سياسية وإيديولوجية يؤيدونها أو يتسترون عليها، وتلك  ليست مهماتها، كما أنها ليست وظيفتها .

قد يكون وصف الحركة الحقوقية أقرب إلى وصف كينيدي الذي قال عن الحقوقيين إنهم: “مثاليون ولكن من دون وهم”!




120
المنبر الحر / تونس ما بعد النهضة
« في: 19:25 03/10/2013  »
تونس ما بعد النهضة

عبدالحسين شعبان
لعلّ أقسى ما يخشاه حزب النهضة الإسلامي التونسي هو أن يتكرّر المشهد الإخواني المصري معه، ولهذا تراه يحاور ويداور ويناور لإبعاد شبح تنحيته الذي قد يصبح أمراً واقعاً بحكم جبهة واسعة من القوى والتيارات الأساسية التي تعارضه، ولأجل ذلك وافق على مبادرة الاتحاد العام التونسي للشغل، التي ضمّت الاتحاد العام التونسي للصناعة والتجارة والرابطة التونسية لحقوق الإنسان ونقابة المحامين في ما سمّي (بالمبادرة الرباعية)، التي اشترطت استقالة حكومة النهضة وتشكيل حكومة تكنوقراط “كفاءات وطنية” لا تترشح للانتخابات المقبلة، تتلخّص مهماتها في تحسين الوضع المعاشي والأمني للناس، وتحديد مهمة المجلس التأسيسي ومدّة عمله بفترة قصيرة .

وبعد أن كان حزب النهضة يشدّد على خطوطه الحمر ويرفض أي حديث عن حل الحكومة، لكنّه هذه المرّة أدرك أن عدم موافقته على مبادرة الرباعي سيدخل تونس كلّها والنهضة بشكل خاص في أزمة عاصفة .

وكان المفكر الإسلامي راشد الغنوشي والأب الروحي لحزب النهضة قد اعتبر أن إقالة علي العريض القيادي في حزب النهضة ووزير الداخلية السابق ورئيس الحكومة الحالي خطاً أحمر، وإنْ كان لون هذا الخط قد أخذ يتغيّر بحكم استفحال الأزمة، وهو الأمر الذي دفع بالنهضة لاتخاذ خطوات عدّة في إطار “تراجع منظّم” من وجهة نظره، لكي لا يحصل له ما حصل للإخوان في مصر، حين حسم الجيش، الأمر وإن كان ثمة اختلافات وتباينات بين التجربتين، لكن الكثير من نقاط التشابه تجمعهما .

صحيح أن حزب النهضة فاز بالانتخابات مثل حزب الإخوان في مصر، وكلاهما يحظيان بنفوذ وخبرة سياسية واسعة، وأن الجمهور منحهما ثقته بعد الثورة، لكن ما حصل خلال السنتين ونيّف الماضيتين يطرح العديد من الأسئلة: ومنها أن حزب النهضة مثل شقيقه الأكبر حزب الإخوان، كان قد لمع في أدائه وهو في المعارضة، ولكنه لم ينجح في أدائه وهو في السلطة، خصوصاً أن متطلبات الثورة هي غير متطلبات الدولة، فللدولة قوانينها وأنظمتها وبيروقراطيتها ودواوينها، ووظيفتها ليست خطبة في جامع أو موعظة في حلقة دراسية أو تبشيراً لعدد من الدعاة في شارع أو حي، فهي تقوم على كفاءات ومهارات متراكمة وطويلة الأمد ومن نوع آخر، في حين أن الكثير من المعارضات وإن كان لها خبرات سياسية، إلاّ أنها لا تمتلك الكفاءات المتميّزة والتجارب الضرورية لإدارة الدولة بعد فوزها في السلطة، الأمر الذي عرّض الكثير من تجاربها للفشل .

وهو بالضبط ما واجهه الإخوان والنهضة عند استلامهما السلطة، فقد اعتمدا على “الولاء” بدلاً من الكفاءة، وأظهرا عدم حنكتهما في التعامل مع المطالب الشعبية ومستلزمات الدولة، على الرغم من التعاطي في السياسة لسنوات طويلة، لكن النظرية تبقى رمادية على حد تعبير الفيلسوف الألماني غوته، وتلك الورطة غالباً ما وقعت فيها المعارضات بعد استلامها السلطة . وهو ما حاول لينين في كتابه “الدولة والثورة” الذي ألّفه عشية ثورة أكتوبر الروسية العام 1917 أن يعالجه .

كنت أتابع من موقع البحث والحدث انتصار الثورتين التونسية والمصرية، في أجواء زاهية من الحرية والأمل، وزرت البلدين والتقيت بمثقفين ونقابيين وثوّار في سيدي بوزيد وسفاقس والقصرين والمهدية وتونس العاصمة وفي قلب ميدان التحرير وبالقرب من واقعة الجمل وفي الاسكندرية وغيرها، وكتبت الكثير وحاضرت في الأسابيع الأولى في تونس عن “ الثورة التونسية والمشروع النهضوي العربي”، وفي مصر عن “ الثورة والعدالة الانتقالية”، وكانت الإشارات واضحة وقوية، وهي أن متطلبات الثورة غير متطلبات الدولة، وهذا ما لمسته من تجربة المعارضات العربية حين تصل إلى السلطة .

ما واجه النهضة هو ما واجه الإخوان، خصوصاً موضوع علاقة الدين بالدولة، لكن مسألة الدولة تبقى أكثر تعقيداً، فلكلا الحزبين منظور خاص للدولة عبّرا عنه صراحة ومواربة، وقد سعيا كل من موقعه وطريقته وحسب ظروف عمله لقضم الدولة، ولا سيّما حينما بادرا إلى تعيين كبار المحازبين والموالين على رأس إدارة الدولة، معتقدين أن ذلك سيضمن لهما الهيمنة لتحويل الدولة ومسارها من الاستبداد إلى الصيغة “الإسلامية” أو المتأسلمة بالتدريج .

واستمعت إلى خطاب للغنوشي في “الحمامات” في ندوة مركز دراسات الوحدة العربية، حين بشّر فيه بقدرات النهضة ودورها، وأعاد إلى الأذهان بعض أطروحاته التي تقوم على المصالحة بين الإسلام والديمقراطية، التي تشكّل جوهر فكرة كتابه “الحريات العامة في الدولة الإسلامية” الذي صدر العام 1993 عن مركز دراسات الوحدة العربية، ولأن الغنوشي يتمتع بذكاء حاد، فقد كان يدرك أنه يتحدث أمام جمع من المثقفين بينهم علمانيون، ويخشون من هيمنة تيار إسلامي أو إسلاموي، خصوصاً المجموعات السلفية التي جرى الحديث عن دعم النهضة لها .

وعلى الرغم من إنكار النهضة لدورها في دعم الحركة السلفية وتمويلها، لكي تقف “احتياطاً استراتيجياً” في مواجهة الخط العلماني، بما فيها احتمال عودة حزب التجمع الدستوري الديمقراطي الحاكم سابقاً، إلاّ أن الأمر كان موضوع نقاش امتدّ طويلاً بسبب مقالة لجريدة الفجر الجزائرية، التي أوردت معطيات لهذا الخبر، خلال زيارة الغنوشي للرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة في الجزائر .

جدير بالذكر أن أعداداً من القياديين السابقين في حزب التجمع الدستوري (المنحل) ما زالوا يحتلّون مواقع مهمة في العديد من مرافق الدولة، بما فيها وزارة الداخلية، إضافة إلى علاقتهم الخاصة برجال الأعمال الذين تشابكت مصالحهم مع حكم الرئيس زين العابدين بن علي وحزبه سابقاً .

إن التحالف العريض الذي تشكّل ضد الإخوان في مصر من المعارضة المصرية العروبية واليسارية والليبرالية والذي حسم الجيش فيه الصراع مع الإخوان،هو الذي أصبح يمثل الهاجس المقلق اليوم لحزب النهضة في تونس، خصوصاً وقد خسرت “الترويكا” الحاكمة الكثير من نفوذها وصدقيتها، بسبب تردّي الوضع السياسي، بارتفاع وتيرة العنف والاغتيالات، ولا سيّما لزعامات سياسية معارضة مثل شكري بلعيد ومحمد البراهمي واعتقال عدد من الصحفيين والفنانين وتدهور الوضع الاقتصادي وارتفاع منسوب الفساد السياسي والإداري والمالي، باعتماد المحسوبية والمنسوبية في العمل والإدارة والتعيينات الجديدة، يضاف إلى ذلك أن النقاش لإمرار قانون العدالة الانتقالية استغرق وقتاً طويلاً، لكنه ظل يراوح في مكانه .

قد تكون محاولة حزب النهضة التقرّب من “حزب نداء تونس” الذي يضم مجموعة من الليبراليين واليساريين السابقين في توليفة مع بعض أطراف حزب التجمع الدستوري وأصحاب رأس المال، هي للوقوف على أرضية مشتركة لتجنّب مصير الإخوان في مصر، ولهذا لم يتحمّس حزب النهضة ل “قانون العدالة الانتقالية”، الذي هو أحد أهم أركان برنامجه الانتخابي، وهو ما أثار خصومه ضده، لاعتقاده أن ذلك سيدفع حزب نداء تونس وأوساطاً أخرى، للوقوف ضد النهضة، ومن جهة أخرى فإنه يخشى بعد تغيير مواقع القوى هو نفسه سيكون مستهدفاً بقانون “العزل السياسي” حسب تصريحات القيادي في النهضة الحبيب اللوز، الذي قال “ لو سقطت النهضة سنعود كلنا إلى السجن” .

حدث لقاء مفاجئ مؤخراً بين قائد السبسي وراشد الغنوشي بتدبير من سليم الرياحي رئيس حزب الاتحاد الوطني الحر (الليبرالي)، الذي خفّف من توتّر الأجواء بين الطرفين، وهو ما أثار حفيظة الجناح المتشدد داخل النهضة المعروف “بالصقور” ولا سيّما “مجلس شورى النهضة”، فهل ستساهم تلك الإجراءات التخفيفية، في إنقاذ حزب النهضة من الانهيار أو من المواجهة التي أصبحت قاب قوسين أو أدنى؟ أم أن هذا التخفيف، ولا سيّما بعد تشدّد سيزيد من احتمالات المواجهة الذي ستستثمره المعارضة لإطاحة النهضة، كما حصل للأخوان، خصوصاً إذا كان التراجع غير منظم أو منضبط .

وإذا كانت النهضة قد ضعفت إلى حدود كبيرة لكن خصومها من المعارضة، لا يزالون ضعفاء أيضاً، وقد تكون هي “أقوى الضعفاء”، فالمعارضة تعاني نقصاً في مشروعها السياسي الذي يركز حالياً على إطاحة النهضة، في حين أن هناك مطالب سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية، كان من الأولى أن تكون هي البديل عن مشروع النهضة، ولكن المعارضة بتنويعاتها المختلفة وتفريعاتها المتباينة لم تعد تتحدث عن مشروعات أو خطط أو برامج، واكتفت بالتركيز على إطاحة النهضة وكأنه هو الهدف، مثلما أصبح هدف النهضة هو البقاء في السلطة .

فهل ستكون مبادرة الاتحاد العام للشغل فرصة لتجاوز النهضة لمأزقها؟ وهل ستُحسن النهضة استغلالها لنزع الفتيل وإبطال صاعق التفجير؟

ولعلّ هذه في الحالتين ستكون مرحلة جديدة لما بعد النهضة .





121
العراق ما بعد الاحتلال الأمريكي:
من القوة الخشنة إلى القوة الناعمة !
د.عبد الحسين شعبان
باحث ومفكر عراقي-
أستاذ مادة اللاعنف في جامعة أونور- بيروت
تمهيد
ما أن أعلنت واشنطن عن رغبتها في انسحاب قواتها من العراق أواخر العام الماضي 2011 حتى احتدم المشهد السياسي على نحو مثير، حيث ازدادت الشكوك والمخاوف بين أطرافها، متخذة تارة بُعداً سياسياً وأخرى بُعداً طائفياً، وفي كل الأحوال كانت المنافسة على السلطة ومراكز النفوذ أقرب إلى ماراثون لا نهاية له أو مصارعة على الطريقة الرومانية لا تنتهي الاّ بالقضاء على أحد المتصارعين وإنهاك الآخر حدّ الموت أحياناً.
كل ذلك يجري فيما سمّي بحكومة الشراكة الوطنية التي اقتربت من التشطير وابتعدت عن التوافق بعد أن كان عنواناً للمرحلة الانتقالية ما بعد الاحتلال وازداد التناقض والصراع بين الفرق المؤتلفة "المختلفة"، سواء اتهام دولة رئيس الوزراء نوري المالكي بالدكتاتورية والتفرّد والاستئثار بالمواقع، أو اتهامه هو خصومه بلعب دور مزدوج، فمن جهة هم يشاركون في السلطة في حين يمارسون دور المعارضة.
وكان من مظاهر تصدّع ما سمّي بالشراكة وضعف أو انعدام الثقة: مطالبة مجلس محافظة صلاح الدين وأعقبها مجلسي محافظتي الأنبار وديالى بالفيدرالية بمبررات التهميش وقلّة الصلاحيات، ومن جهة أخرى، انفلتت حملة اتهامات لجهة بعض أطراف العملية السياسية، تلميحاً أو تصريحاً لغواية الانقلاب العسكري، بل وتم شن حملة اعتقالات شملت المئات من المحسوبين على النظام السابق وبعضهم قريب من القائمة العراقية، وكان اتهام نائب رئيس الجمهورية طارق الهاشمي الضلوع بالارهاب واعتقال العديد من أفراد مكتبه وحمايته ذروة الانقسام في إطار المشهد السياسي، والأكثر من ذلك حين جرت محاولات لاعتقاله واستمرار الجدل والتهاتر حتى بعد انتقاله إلى كردستان، حيث تحوّلت الخلافات من خلافات سياسية لتصبح صراعات جنائية.
وهكذا تحوّل ما هو نقد أو تذمّر أو اختلاف في الرؤى والتصورات إلى اتهامات خطيرة، بل أقرب إلى كسر عظم لتحطيم الشريك، المنافس، الخصم، العدو. وفي الكثير من الأحيان إلى مناكفة ومناكدة، وشخصنة  وهكذا منع نائب رئيس الوزراء، صالح المطلك من دخول مجلس الوزراء على خلفية اتهامه رئيس الوزراء بالدكتاتورية، ومُنح وزراء القائمة العراقية إجازة مفتوحة بعد أن علّقوا حضورهم اجتماعات مجلس الوزراء، وكذلك تعليق حضور أعضاء القائمة العراقية اجتماعات البرلمان(الجميع عادوا لاحقاً باستثناء المطلك الذي اشترط عليه الاعتذار، فامتنع عن ذلك).وطالت اتهامات بالفساد المالي وزير المالية رافع العيساوي.
واندلعت أزمة لم يعد بالامكان لملمتها على الرغم من اتفاق إربيل لاحتوائها سابقاً بمبادرة من مسعود البارزاني رئيس إقليم كردستان، أو مبادرة جديدة من رئيس الجمهورية جلال الطالباني، وهي مبادرات لا يعوّل عليها كثيراً بما فيه المؤتمر الوطني الذي تمت الدعوة إليه مؤخراً والذي تم تأجيله لما بعد انعقاد القمة العربية، 29 آذار (مارس)2012، خصوصاً في ظل أزمة الثقة وهشاشة العلاقة بين الأطراف السياسية، واعتذار القائمة العراقية من الحضور بسبب رفض مسعود البارزاني رئيس إقليم كردستان حضور المؤتمر المذكور، طالما سينعقد في بغداد، وأخيراً عودة البارزاني مجدداً بعد زيارته للولايات المتحدة لتفعيل مبادرة إربيل بالدعوة إلى اجتماع جديد، لكن الأمور لا تزال عائمة ولم ترسي على سكّة كما يقال.
سنحاول في هذا البحث أن نتطرق إلى ثلاث قضايا رئيسية وهذه تغطّي حال النظام السياسي بتحدياته المختلفة ما بعد الاحتلال، ونعني بها: الاحتلال وتداعياته، ثم الدستور وما يرتّب عليه، وأخيراً فكرة الفيدرالية والمطالبة بالأقاليم وما تعكسه من تناقضات المشهد السياسي، الآخذ بالتدهور لدرجة التشظي. وفي مبحث رابع سنتوقف عند تحدّيات المستقبل، المعجّل والمؤجل.
أولاً- الاحتلال والانسحاب وما بينهما!
ثلاثة مرتكزات اعتمدت عليها الإدارة الأمريكية في سياستها إزاء العراق في السنوات الثلاث الماضية، وذلك كي تتجنب المزيد من الخسائر المادية والمعنوية التي تعرّض لها مشروعها الامبراطوري، الذي تكرّس باحتلال العراق في العام 2003، على الرغم مما لاقاه من مقاومة شرسة، ولعل هذه المرتكزات هي:
المرتكز الأول- إعادة تنظيم العلاقة بين بغداد وواشنطن، بحيث يتم اعتماد صيغة جديدة بدلاً من "الاحتلال العسكري " الذي نظّمه القرار 1483 الصادر في أيار (مايو) 2003 عن مجلس الأمن الدولي، والذي يخضع في أحكامه لاتفاقيات جنيف لعام 1949 وملحقيها لعام 1977 ولقواعد القانون الدولي والقانون الإنساني، إضافة إلى أكثر من عشرة قرارات دولية أخرى صدرت بعده من الأمم المتحدة.
وبإبرام الاتفاقية العراقية- الأمريكية في أواخر العام 2008 وعشية مغادرة الرئيس جورج دبليو بوش، البيت الأبيض والذي أصرّ على إنجازها قبل انتهاء ولايته، تغيّرت صفة الإحتلال من "إحتلال عسكري" إلى " إحتلال تعاقدي"، لاسيما بإسقاط حق العراق بالتعويض عن الأضرار التي لحقت به، الأمر الذي كان واضحاً أن الصيغة الجديدة هي الأخرى غير متكافئة حسب اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام 1969، لأنها انعقدت بين طرفين أحدهما قوي ومحتل، والآخر ضعيف ومحتلة أراضيه، حيث تم استبقاء القوات الأمريكية بحصانة قانونية لمدة ثلاث سنوات، وتم منحها امتيازات على حساب السيادة الوطنية العراقية التي ظلّت معوّمة. لكن هذه الصيغة هي الأخرى وصلت إلى طريق مسدود، وفشلت في تلبية طموحات واشنطن، لاسيما تداعياتها اللاحقة.
وهو الأمر الذي كان مدار بحث وأخذ ورد طيلة السنوات الثلاث الماضية لاعتبارات أمريكية بالدرجة الأساسية، فيما يتعلق بازدياد حجم الضحايا وضغط الرأي العام الأمريكي والعالمي للانسحاب، ثم تداعيات الأزمة العالمية الاقتصادية والمالية، دون إغفال رد الفعل العراقي المقاوم والممانع، الذي اضطّر الولايات المتحدة في نهاية المطاف إلى إعلان الانسحاب قبل نهاية العام 2011.
المرتكز الثاني – إعادة ترتيب العلاقة بين أطراف العملية السياسية، بحيث يتم تشكيل حكومي ثلاثي يضم القائمة الأكبر الفائزة بـ 91 مقعداً وهي القائمة العراقية برئاسة الدكتور إياد علاوي القريب من واشنطن، والقائمة الثانية كتلة الائتلاف الوطني التي ضمت قائمة دولة القانون التي حصلت على 89 مقعداً، والمجلس الاسلامي الأعلى وجماعة السيد الصدر وجماعات إسلامية – شيعية أخرى والتي حصلت على 70 مقعداً، واعتبرت حسب قرار المحكمة الاتحادية، الكتلة الأكبر التي من "حقها" تشكيل الوزارة، حيث تم إعادة تكليف نوري المالكي الذي يعتبر عمقه الستراتيجي لإيران، وأفقه السياسي لواشنطن، وقد حاول الموازنة خلال فترة ولايته الأولى، إضافة إلى الكتلة الكردية وهي المجموعة الثالثة، التي يتزعّمها الحزبان الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، مع بروز عنصر جديد هو المعارضة الكردية الداخلية، منذ الانتخابات المحلية لإقليم كردستان، خصوصاً "كتلة كوران" القوية في السليمانية.
وقد كُلّف جو بايدن نائب الرئيس الأمريكي بالمهمة عشية وعقب الانتخابات البرلمانية التي جرت في 7 آذار (مارس) 2010 والتي تأخّر تشكيل الوزارة بعدها لعام تقريباً، وحتى بعد تشكيلها ظلّت وزارتا الدفاع والداخلية شاغرتين حتى الآن، إضافة إلى وزارة الأمن الوطني ومنصب مدير المخابرات العام، وهذه مناصب يشغلها حالياً رئيس الوزراء العراقي، إضافة الى مناصبه الأخرى، لاسيما كونه القائد العام للقوات المسلحة حسب الدستور.
وقد تم "اختراع" صيغة "المجلس الوطني للسياسات الإستراتيجية العليا " لترضية د. إياد علاوي والقائمة العراقية فيما سمّي بوثيقة إربيل، لكن هذه الصيغة سبّبت المزيد من التعقيد بدل التوافق، وظل طريق هذا المجلس غير سالك، لا من الناحية الدستورية، ولا من الناحية العملية، حيث لا موقع له في الدستور، ومن الناحية العملية لا يوجد منطق يبرر وجود "رئيس للرؤساء" وهذا هو مظهر من مظاهر تفجير الأزمة الراهنة.
وقد فشل بايدن الذي زار العراق لعدّة مرات عشية وبُعيد الانتخابات بما فيها عشية الانسحاب الأمريكي من العراق، وكان فشله ذريعاً في خلق الائتلاف العراقي المنشود، بل ازداد التباعد حدّ التناحر، لاسيما في ظل تدهور الوضع الأمني، وظهور نزعات تصفية الحسابات عشية  وبُعيد الانسحاب الأمريكي من العراق، إضافة إلى ظهور مشكلة الأقاليم، خصوصاً بعد إعلان مجلس إقليم محافظة صلاح الدين عن رغبته في التحوّل إلى إقليم وكذلك مجلس محافظة الأنبار ومجلس محافظة ديالى، وقبل ذلك تصريحات رئيس البرلمان العراقي أسامة النجيفي عن تهميش السنّة، الذين قد يضطرّون إلى تشكيل إقليم مستقل إذا استمرت حالة الإقصاء والعزل.
المرتكز الثالث هو اضطرار واشنطن، إلى سحب قواتها بالكامل من العراق، خصوصاً وقد فشل القادة الأمريكان الإبقاء على 20.000 (عشرون ألف) جندي أو حتى 10.000 (عشرة آلاف) في العراق، لأسباب أمريكية داخلية، فقد كلّفت الحرب ما يزيد عن 4478 قتيل ونحو 30 (ثلاثون ألف) جريح، إضافة إلى نحو ثلاث تريليونات دولار حتى نهاية العام 2008، حسب بعض المصادر، على الرغم أن ما هو معلن رسمياً يزيد على تريليون دولار، والأمر يتعلق بالانتخابات الرئاسية القادمة ورغبة الرئيس الأمريكي أوباما في الترشّح لولاية ثانية، لاسيما وأن موقفه كان مناوئاً للحرب على العراق، وكذلك  يتعلق الأمر بضغط الرأي العام الأمريكي والغربي عموماً، إضافة إلى الرأي العام العالمي، ناهيكم عن الأزمة الاقتصادية والمالية التي ضربت الولايات المتحدة والعالم أجمع، ولا تزال مستمرة، خصوصاً بانهيار مصارف كبرى وشركات تأمين عملاقة.
وحسبما ما هو معلن فقد استبقي نحو 3.000 (ثلاثة آلاف) جندي أمريكي للتدريب والتأهيل مع طواقم السفارة وملحقاتها بحصانتهم القانونية ليصل العدد إلى نحو 16 ألف، وهو عدد غير قادر على أن يمثل وجوداً عسكرياً مؤثراً، وحسبما يبدو أن واشنطن تحاول الاستعاضة عن وجودها العسكري الكثيف بقواعد عسكرية قريبة من العراق في دول الخليج، للتدخل العسكري عند الحاجة، وهكذا أخذت تفكّك القواعد والمقرّات والمواقع العسكرية وتسلّمها إلى الحكومة العراقية.
لعلّ رفض بقاء قوات أمريكية شعبياً في العراق من جهة وعدم رغبة واشنطن في إبقائها مهددة من جهة ثانية، هي المرّة الأولى التي تحتل فيها واشنطن بلداً وتخرج منه دون الحاجة إلى الإبقاء على قوات أو قواعد عسكرية، ففي ألمانيا لا زال هناك نحو 54.000 جندي وفي اليابان نحو 40.000 جندي، وفي كوريا لا يزال نحو 28.500 جندي.
مشكلات ما بعد الانسحاب الأمريكي
لم يصادف أن انسحبت واشنطن من بلد، الاّ مضطرة كما حصل في الفيتنام، حين كانت تضع لمساتها الأخيرة لمغادرة العراق، فقد تركته في حالة غليان وفوضى لا تزال مستمرة، فنبرة الانقلاب العسكري والتنظيم البعثي عادت إلى الواجهة خصوصاً وقد رافقتها حملة اعتقالات، وشملت الاتهامات بعض الأطراف المشاركة في العملية السياسية والحليفة في ما سمّي بحكومة الشراكة، وهو ما تمت الإشارة إليه في المقدمة.
ولعل هذه الأطراف هي الأخرى تتهم من جانبها  الكتل الأساسية، لاسيما المالكي وحزب الدعوة والمجلس الإسلامي الأعلى وجماعة السيد الصدر ومنظمة بدر وغيرها، بالانحياز إلى إيران وتسهيل مهمتها في العراق، وعاد الانقسام المذهبي والطائفي إلى الواجهة، واستفحل العنف والارهاب مجدداً في الشارع، لاسيما استهداف الأكاديميين ومؤخراً شرطة المرور، ناهيكم عن كواتم الصوت التي أصبحت ظاهرة مخيفة في الفترة الأخيرة. وإذا كان الوضع الأمني قد تحسّن إلى حدود غير قليلة، لكن عدم استقراره وهشاشته واحتمالات اختراقاته لا تزال قوية ويطلّ تنظيم القاعدة الارهابي برأسه بين حين وآخر.
أما ما يسمى بـ" المناطق المتنازع عليها"، فقد ازدادت حدّة وحصل الأمر في خانقين (أواخر العام 2011) برفع العلم الكردي، واضطرار الحكومة الاتحادية مطالبة الأطراف الكردية بإنزاله وازدياد العنف والتوتر في كركوك حيث لا يزال مصير المادة 140 من الدستور المرحّلة من المادة 58 من قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية، غامضاً، ولا أفق سريع في الحل، بل أن الوضع يزداد تعقيداً، لاسيما في ظل احتدام مشكلة عقود النفط بين حكومة إقليم كردستان والحكومة الاتحادية، حيث ارتفعت درجة التوتّر إلى حدود كبيرة وهو ما عبّر عنه مسعود البارزاني رئيس الإقليم الذي اتهم المالكي بالتفرد بالقرارات، مشدداً على عدم تسليم الهاشمي وذلك خلال زيارته إلى واشنطن (نيسان /ابريل/2012). وأظن أن مشكلة النفط إضافة إلى كركوك تشكل جوهر مشكلة الإقليم مع المركز!
ومثلما فشل الرئيس بوش في إدارة مرحلة ما بعد الاحتلال، لاسيما باستخدام القوة الخشنة Hard Power وزيادة عدد الجنود الذي وصل إلى 170 الف جندي، فقد "خسرت" إدارة أوباما العراق، الذي لا يزال مفتوحاً لاحتمالات شتى، وهكذا بعد سنوات من الشراسة الفاشلة، بدت خطة أوباما باستخدام القوة الناعمة Soft Power فاشلة أيضاً، وكلاهما لم يكونا "قوة ذكية" كما جرى تبريره.
وإذا كانت الولايات المتحدة قد تركت العراق مضطرة، فإن تنظيم القاعدة لا يزال نشطاً ويمارس إرهاباً شنيعاً على الرغم من الضربات التي تعرّض لها وتقليص دائرة نفوذه، ولكن لا يمكن الحديث اليوم أن حملة مكافحة الارهاب التي أعلنتها واشنطن بعد أحداث أيلول (سبتمبر) الارهابية الإجرامية قد "نجحت" وأنه تم تنظيف العراق من آثارها السوداء. كما أن النفوذ الإيراني في العراق، العدو التقليدي في المنطقة لواشنطن، لا زال قوياً، بل إنه اتّسع وامتدّ إلى العمق العراقي، وبدت الوحدة الوطنية هشّة ومضعضعة، والاحتراب بين القوى السياسية تضاعف إلى حدود تنذر بالخطر، خصوصاً بارتفاع الدعوات إلى "الفيدرالية"، تلك هي التي تعارضها الحكومة.
أما تأمين عقود وتراخيص خاصة في موضوع النفط، وإصدار قانون النفط والغاز الذي ظلّ معلّقاً منذ العام 2007، فإنه لن يكون لوحده، الثمن المجزي لواشنطن، وإنْ كان تعويضاً مناسباً لما خسرته في الحرب، لكن سياساتها في العراق والمنطقة باءت بالفشل، سواءً باستخدامها القوة الخشنة أو القوة الناعمة، ولكن في كلا الحالتين لم تكن سوى قوة غبيّة عاظمت من معاناة شعوب المنطقة، التي ظلّت محرومة من الحريات والحقوق الديمقراطية والعدالة الاجتماعية واستحقاقات التنمية الشاملة، الأمر الذي كانت فداحته غالية كثيراً، ولعل ذلك ليس سوى الصورة الأولى لمخلّفات الانسحاب الأمريكي من العراق.
ثانياً- الدستور غير الممكن "دستورياً "
لعل المشكلة التي يواجهها أطراف العملية السياسية اليوم بعد انسحاب القوات الأمريكية من العراق واندلاع الأزمة السياسية، هي موضوع الدستور فلم يعرف العراقيون في تاريخ دولتهم المعاصر جدلاً دستورياً مثلما عرفوه ما بعد الاحتلال في العام 2003. ربّما يعود الأمر في جزء منه إلى تعويض عن غياب دستور دائم منذ "ثورة" 14 تموز (يوليو) العام 1958، حين كرّت الدساتير المؤقتة كل بضعة أعوام أو بعد كل انقلاب عسكري، حيث صدر الدستور المؤقت الأول في 27 تموز (يوليو) العام 1958 وحكم البلاد لغاية 8 شباط (فبراير) 1963، واستبدل هذا الدستور بقانون المجلس الوطني " الدستور المؤقت الثاني" الذي صدر عقب الانقلاب البعثي الأول الذي أطاح بحكومة الجنرال " الزعيم" عبد الكريم قاسم.
أما الدستور المؤقت الثالث فقد صدر عقب انقلاب 18 تشرين الثاني (نوفمبر) 1963 الذي كرّس عبد السلام عارف رئيساً للجمهورية بدستور صدر العام 1964. وإثر انقلاب 17 تموز (يوليو) 1968 ومجيء حزب البعث ثانية إلى السلطة، صدر الدستور المؤقت الرابع في أيلول (سبتمبر) 1968، واستبدل هذا الأخير بدستور مؤقت خامس صدر في تموز (يوليو) العام 1970 واستمرّ لغاية العام 2003 أي نحو 33 عاماً.
ومن المفارقة أن تكون فترة الدستور المؤقت الخامس الذي حكم العراق  ثلاثة وثلاثين عاماً، مساوية للفترة التي حكم بها الدستور الدائم الأول الذي شرّع العام 1925 بإشراف بريطانيا وهو أول دستور للدولة العراقية المعاصرة بعد تأسيسها في 23 آب (أغسطس)1921، والذي أُبطل في العام 1958.
وإذا كان العهد الملكي قد اتّسم بوجود دستور دائم واستقرار نسبي فقد شهد العهد الجمهوري دساتيراً مؤقتة وانقلابات عسكرية، إلى أن وقعت البلاد تحت الاحتلال وأطيح بنظام صدام حسين الاستبدادي، بعد حروب لا مبرر لها دامت نحو ربع قرن وحصار دولي جائر استمر نحو 13 عاماً، حيث تم سنّ قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية في العام 2004 وقيل أن المشروع الأساسي أعدّه نوح فيلدمان اليهودي الأمريكي المتعاطف مع " إسرائيل".
ولأن "العراقيين" لم يصوغوا دستورهم في الماضي، فإن نقاشاتهم وحواراتهم بدت أكثر سخونة وحدّة، وربما في بعض منها لتعويض فترة الغياب عن ممارسة " حق مفقود" فالدستور الأول الدائم "القانون الأساسي" وضعت مسودته الأولى وزارة المستعمرات البريطانية، أما الدساتير الجمهورية الخمسة فكلّها صدرت بمعزل عن الشعب ولم تتم مناقشتها من قبله، بل كانت هيئات مصغرة تصوغها وتصدرها الجهة التنفيذية وهي  " مجلس قيادة الثورة" في الغالب، الذي كان يعطي لنفسه الحق للنطق باسم الشعب باعتباره قائد الثورة وصاحب مشروع التغيير الاجتماعي.
ولم يشذّ قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية الذي صدر عن مجلس الحكم الانتقالي الذي شكّله بول بريمر الحاكم المدني الأمريكي في العراق في 8 آذار (مارس) 2004 عن هذه القاعدة، على الرغم من تشكيل لجنة دستورية وإجراء اتصالات أولية، لكنها عجزت عن مواصلة عملها حتى صدر الدستور بتكليفات خاصة، علماً بأن بعض المسوّدات الأولية كانت قد وضعت في واشنطن وتم تداولها قبيل وبعد احتلال العراق.
وكان قانون إدارة الدولة بروفة أولية للدستور العراقي الدائم، ونقلت الكثير من أسسه ونصوصه ومواده إليه، على الرغم من تشكيل لجنة موسعة لإعداده. ومثلما واجهت قانون إدارة الدولة مشكلات عديدة فإن هذه المشكلات استمرت في مواجهة الدستور الدائم، المتعلقة بشكل نظام الحكم والدولة الاتحادية المركبة والعلاقة بين الاسلام والدولة وموضوع الفيدرالية ومشكلة كركوك، ناهيكم عن باب الحريات والحقوق الذي يعتبر متقدماً على جميع الدساتير التي سبقته.
أسس الدولة الجديدة
لعل قانون إدارة الدولة هو الذي وضع أسس الدولة العراقية الجديدة الاتحادية كما حددتها المادة الرابعة حين نصّت " نظام الحكم في العراق جمهوري اتحادي "فيدارلي" ديمقراطي، تعددي، ويجري تقاسم السلطات فيه بين الحكومة الاتحادية والحكومات الأقلية  والمحافظات والبلديات والإدارات المحلية. ويقوم النظام الاتحادي على أساس الحقائق الجغرافية والتاريخية والفصل بين السلطات".
وهكذا تحوّلت الدولة من دولة بسيطة لاسيما بعد استقلالها ودخولها عصبة الأمم في العام 1932 إلى دولة مركبة " إتحادية" جديدة كانت قد وضعت لبناتها الأولى في اجتماع صلاح الدين للمعارضة العراقية العام 1992. وقد بُني على أساسها قانون إدارة الدولة والدستور الدائم الذي تم إقراره في 15 آب (أغسطس) 2005 وجرى الاستفتاء عليه يوم 15 تشرين الأول (اكتوبر) من نفس العام، وتمت الانتخابات النيابية بموجبه في 15 كانون الأول (ديسمبر) من العام ذاته.
وهكذا أصبح للعراق دستور دائم وإنْ اختلفت وتعارضت وجهات النظر بشأنه، لكنه على الرغم من جميع مساوئه وهي كثيرة وكل مثالبة وهي ليست قليلة وكامل ألغامه وقنابله الموقوتة وغير الموقوتة وهي متشعبة، بل ومعقدة، الاّ أنه احتوى على بعض الإيجابيات التي تتعلق بالحقوق والحريات وقواعد الديمقراطية والمواطنة وفصل السلطات واستقلالية القضاء واختيار الحكّام في إطار التداولية والتعددية، وإنْ كان بعض هذه الحقوق أعطيت بيد وجمّدت باليد الأخرى، لاسيما باشتباك إشكالية الدين والدولة.
قضايا عقدية
بقيت الكثير من القضايا العقدية في الدستور عالقة أو محلّ خلاف انفجر لاحقاً مثل حدود الفيدرالية وسقفها وموضوع حق ثلاث محافظات في إبطال أي تعديل دستوري، وقضية الأقاليم من غير إقليم كردستان، وهي التي تم إقرارها لاحقاً، لكنه تم تأجيل تطبيقها إلى 18 شهراً، وبعد ذلك طواها النسيان، وقضية كركوك والاختلاف بشأن المادة 140 التي جاءت مرحّلة من المادة 58 من قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية، وتوزيع الثروة والمياه ومشكلة الموارد الطبيعية، لاسيما النفط والغاز، على الرغم مما ورد في نص المادة 111 من أنهما "ملك الشعب العراقي في كل الأقاليم والمحافظات"، لكن نصوصاً وتفسيرات تعويمية أخرى أعطت للأقاليم حق التصرف في الحقول غير المستخرجة بالاتفاق مع السلطة الاتحادية (الفيدرالية)، الأمر الذي أثار إلتباسات بين إقليم كردستان وبغداد، خصوصاً بعد رفض السلطات الاتحادية العقود التي وقعتها حكومة الاقليم مع الشركات النفطية، وهكذا نشبت أزمة بين بغداد وإربيل لا تزال مستمرة، بل أنها إذا تفاقمت ستفجّر علاقة المركز بالإقليم، علماً بأن عقود بغداد النفطية تعتبر عقود خدمة في حين أن عقود كردستان هي عقود تراخيص، وهو الأمر الذي تصرّ بغداد على رفضه لأنه يلحق ضرراً بمصالح العراق، ناهيكم عن أن توقيع العقود كان أقل شفافية، كما تقول.
وكان يفترض أن يتم تعديل الدستور، بناءً على اتفاق بين القوى السياسية عشية الاستفتاء عليه، باعتباره شرطاً لبعض القوى التي كانت ممانعة للتصويت عليه بالصيغة المعتمدة، لاسيما جبهة التوافق في حينها، وحُدّدت فترة 4 أشهر بعد افتتاح جلسات البرلمان بعد الانتخابات العام 2005 لإنجازها، وشكّلت لجنة لهذا الغرض، لكنها وصلت إلى طريق مسدود، وقد انتهت الدورة الانتخابية الأولى المحددة بأربع سنوات، وزاد عليها ما يزيد على عام ونصف، منذ انتخابات آذار (مارس) 2010 ونحن في نهاية العام 2011 ولم يتم إجراء التعديلات المذكورة، فلا القوى التي وعدت بتنفيذ ذلك استجابت، ولا القوى التي أصرّت على إجراء التعديلات واصلت ذلك أو طالبت به، وهكذا صدرت الصيغة وهي تحمل عواراً باعتراف جميع القوى.
وإذا كان تعديل الدستور الدائم غير سالك أو مجمّد، فإن نحو 50 مادة  من مواده نصّت على صدور قانون لتكون صالحة للاستعمال، الاّ أن هذه القوانين لم يتم تشريعها من جانب البرلمان، وهكذا فإن هذه المواد لا تزال غير نافذة هي الأخرى، وهو أمر يحتاج إلى أكثر من دورة برلمانية اعتيادية لكي يتم إنجازها، قياساً لما هو عليه وضع البرلمان وعلاقة القوى السياسية بعضها بالبعض الآخر، ناهيكم عن الوضع الأمني للبلاد بشكل عام، الأمر الذي يقترب من استعصاء أو استحالة تطبيق الدستور أو الإحتكام إليه بسبب جوانب عملية وأخرى فنية وبالأساس تعقيدات سياسية، لاسيما في ظل التمترس الطائفي والمذهبي واستمرار ظاهرة العنف والارهاب واستشراء الفساد المالي والاداري، على الرغم من تشبث " الجميع"  بالدستور!.
أما بصدد الديمقراطية والحريات، وهما مسألتان إيجابيتان وردتا في الدستور، فهناك تضادّات تقف بوجههما وتحدّ من امتداداتهما، لاسيما في علاقة الدين بالدولة، حين نصّ الدستور في المادة الثانية على أن "الإسلام دين الدولة الرسمي، وهو مصدر أساس للتشريع، وفي الفقرة "أ" لا يجوز سن قانون يتعارض مع ثوابت أحكام الإسلام وتلك هي أيضاً قضية إشكالية، لاسيما بتداخلها مع اجتهادات وآراء المفسرين والمؤلين الذين يسعون لتوظيفها سياسياً ومذهبياً أحياناً، وهي واحدة من إفرازات الوضع العراقي بعد الاحتلال، ويقابل هذه النصوص، نصوصاً أخرى خاصة بالديمقراطية والحريات حيث أكدت المادة الثانية نفسها الفقرة ب الدستور على أنه: «لا يجوز سنّ قانون يتعارض مع مبادئ الديمقراطية» والفقرة ج التي نصّت على: «لا يجوز سنّ قانون يتعارض مع الحقوق والحريات الأساسية الواردة في هذا الدستور».
وكقانوني أقول لقد كان كافياً القول إن الإسلام دين الدولة (وخصوصاً أنها فقرة واردة في النصوص الدستورية السابقة) علماً بأن لا دين للدولة، والدين هو للمؤمنين: مسلمين أو مسيحيين أو أيزيديين أو صابئة أو يهود، وتكون الدولة المدنية في العادة، محايدة وتضع مسافة واحدة من جميع الأديان والتكوينات القومية أو الاثنية أو السلالية أو اللغوية أو غيرها.
وحتى لو اعتمدت فقرة تقول بأن الإسلام هو دين الأغلبية الساحقة من السكان، فسيكون الأمر مفهوماً بمراعاته عند صياغة أي قانون أو تشريع؟ ثم ماذا لو حصل اختلاف بين نص دستوري يفسره "الإسلامويون" أو " الإسلاميون" بشيء، وبين الديمقراطية وحقوق الإنسان والحقوق والحريات العامة والخاصة، التي يمكن تفسيرها بشيْ آخر؟ فلمن ستكون الغلبة خصوصاً بين المصادر الأساسية التي يعتبر الإسلام واحداً منها؟
إن هذه النصوص تعكس ارتباكاً حقيقياً في الصياغة، ناهيكم عن عدم وجود فهم مشترك وضعف الثقة بين الأطراف، فضلاً عن تداخل السياسي بالديني، والديني بالمذهبي، وهذا الأخير بالفقهي، في ظل اختلاف الفقه والمجتهدين والاجتهاد تاريخياً؟
وإذا كانت الأوساط السياسية العراقية، لاسيما المشاركة بالحكم والعملية السياسية قد أخذت تتحدث عن الدستور وتدعو إلى التمسك به وتعزو صراعاتها إلى مخالفة أحكامه أو بعض مواده، فذلك يعود إلى انتشار "الثقافة الدستورية"، وهي مسألة إيجابية وإن كان تفسيرها لا يزال اعتراضياً ومصلحياً، وأحياناً بالضد من المعايير القانونية، خصوصاً في النظر إلى دور القضاء، لاسيما عند الفصل في القضايا السياسية الشائكة، مثلما حصل في موضوع "حق الترشيح" للانتخابات لبعض من قيل شمولهم بقانون "اجتثاث البعث"، لكنه في الغالب الأعم يتم استخدام الدستور والإحتكام إليه في غير موضعه، والأغرب من ذلك فإن مواد الدستور غالباً ما يجري الاستهتار بها، ويتم تعطيلها بحجة التوافق، ولعل اتفاق إربيل بخصوص إنشاء المجلس الوطني للسياسات العليا، "غير الممكن دستورياً" سوى أحد هذه المظاهر الصارخة، التي يتم ابتلاعها إذا كانت مصالح الاصطفاف السياسي والمذهبي والإثني تقتضي ذلك، وهناك العديد من الأمثلة التي لا يتّسع المجال لذكرها.
   الدولة البسيطة والدولة المركّبة
لعل الاختلاف بين دساتير ما قبل الاحتلال العام 2003 وما بعده وأعني بذلك الدستور المؤقت " قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية" والدستور العراقي الدائم هو شكل الدولة وطبيعتها، فقد كانت في جميع الدساتير السابقة  تعتبر العراق دولة بسيطة، وأصبحت بعد العام 2003 دولة مركّبة، أي اتحادية حسبما ورد في المادة الأولى من الدستور التي تقرر "جمهورية العراق دولةٌ اتحاديةٌ واحدةٌ مستقلةٌ ذات سيادة كاملة، نظام الحكم فيها جمهوريٌ نيابيٌ (برلماني) ديمقراطيٌ، وهذا الدستور ضامنٌ لوحدة العراق".
 ثم جاءت بقية مواد الدستور لتؤكد التوجّه الفيدرالي في الحكم من حيث اللغات الرسمية المعمول بها في البلاد (م 4)، وكون الدستور الجديد نافذاً في كل أنحاء العراق ولا يجوز سن دستور إقليمي يتناقض معه (م 13)، وتحديد مؤسسات الحكم الاتحادي: التشريعية، والتنفيذية، والقضائية (م 47، م48، م 65، م89)، والهيئات والمجالس الاتحادية (م105، م 106، م107)، وكيفية توزيع الاختصاصات بين الحكومية الاتحادية وحكومات الأقاليم(م 110، م 111، م 113، م114، م115)، والآليات الدستورية لتكوين الأقاليم الجديدة في الدولة الاتحادية الناشئة (م 118، م119، م120، م121).
وانتبه المشرّع الدستوري إلى الخلط الشائع بين الفكرة الفيدرالية وفكرة التقسيم فقرر في المادة 109 التي نصت على أن "تحافظ السلطات الاتحادية على وحدة العراق وسلامته واستقلاله وسيادته ونظامه الديمقراطي الاتحادي" ولعل الهدف من هذا النص هو وضع عراقيل أمام رغبات البعض في الانفصال، لكن ذلك لم يمنع الجدل والنقاش حول مشاريع التقسيم، سواءً عند إقرار صيغة قانون الأقاليم أو ما بعدها، ولاسيما خلال الترويج لمشروع بايدن العام 2007 الذي صادق عليه مجلس الشيوخ الأمريكي بأغلبية 75 صوتاً مقابل 25 لكنه لم يكن ملزماً، وقام هو بجولة على الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن وعرضها عليهم وذلك قبل أن يصبح نائباً للرئيس أوباما في مطلع العام 2009.
ويتلخص مشروع بايدن بتقسيم العراق إلى ثلاث مناطق أطلق عليها "فيدراليات"، وعندما أصبح نائباً للرئيس أوباما انشغل بالموضوع العراقي إلى حدود كبيرة. يكفي أن نشير إلى أنه حلّ "ضيفاً " مفاجئاً على بغداد ثلاث مرّات خلال فترة قصيرة، سبقت وأعقبت الانتخابات البرلمانية التي جرت في 7 آذار (مارس) 2010، وكان آخر زيارة له (الرابعة) إلى بغداد للإشراف على اللمسات الأخيرة لانسحاب القوات الأمريكية من العراق وبُعيد إطلاق دعوة الأقاليم أو الفيدراليات إثر مطالبة مجلس صلاح الدين للتحوّل إلى إقليم.

ثالثاً- الفيدرالية والتقسيم
 ساد اعتقاد لعقود من الزمان أن الحكومة المركزية تقوم بتجميع المسؤوليات بيد السلطة التنفيذية حيث يتم التغوّل على السلطات الأخرى، وغالباً ما يؤدي ذلك إلى الدكتاتورية، ولعل الحكومات العراقية السابقة منذ ثورة 14 تموز(يوليو) ولغاية وقوع العراق تحت الاحتلال في العام 2003 تمثل نموذجاً لها، لاسيما في فترة حكم حزب البعث، التي قاربت 35 عاماً، وخصوصاً في فترتها الثانية حين أصبح صدام حسين رئيساً منذ العام 1979، ولذلك تولّد شعور عام ضد الدولة المركزية، لأنها نموذجها السائد هو النموذج الدكتاتوري الاستبدادي.
وواجه مثل هذا الاعتقاد الخاطئ، اعتقاد آخر لا يقلّ خطأً مفاده أن اللامركزية ولاسيما النموذج الفيدرالي سيؤدي إلى التقسيم والانفصال، خصوصاً وأن ثقافة الدولة المركزية الشمولية ظلّت سائدة ومهيمنة. ومثل هذا الاعتقاد كان يُثار بوجه الكرد ومعهم قوى يسارية حيث كانوا يطالبون بالحكم الذاتي وفيما بعد بالفيدرالية. وكانت مثل تلك المطالبات أقرب إلى المحرّمات التي تصل إلى حدّ الخيانة، قبل اتفاقية (بيان 11 آذار/مارس) العام 1970 بين الحركة الكردية بزعامة الملا مصطفى البارزاني والحكومة العراقية برئاسة أحمد حسن البكر، لكن الأمور تغيّرت تدريجياً وأخذت الكثير من الأوساط تقتنع بحقوق الكرد وتقرّ لهم بصيغة الحكم الذاتي ولاحقاً وربما، على مضض في إطار المعارضة العراقية بحق تقرير المصير وبنوع من الفيدرالية، أطلق عليها "نظام الولايات" رديفاًُ لها، وهو ما تمت محاكاته من التاريخ الاسلامي لإرضاء أوساط إسلامية بفكرة الفيدرالية.
لكن الاعتقاد الأول مثلما هو الاعتقاد الثاني بشأن مركزية أو لا مركزية الدولة، طرأ عليه الكثير من التغييرات بل والانقلابات، مثلما حصل في الخريطة السياسية للقوى والأحزاب العراقية، لاسيما بعد العام 2003 وقد حصل ذلك في ظرف إتسم بالخوف وعدم الثقة وهو ما تم نقله إلى أجواء إعداد الدستور الدائم، الذي استند في غالبية مواده، لاسيما ذات الطبيعة العقدية والإشكالية على قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية، وهكذا سُلقت على عجل، مسألة إنجاز مسوّدة الدستور من لجنة موسعة، وعلى الرغم من التحفظات التي أبدتها بعض الكتل على موضوع الفيدراليات وعلى مواد أخرى في الدستور، حيث تم الاتفاق على تعديلها، الاّ أنها صوّتت في نهاية المطاف لصالحه عند عرضه للاستفتاء العام.
وكان من المفترض أن يتم تعديل الدستور الدائم حسب الاتفاقات قبيل انتخابات العام 2005 وهو لا يزال مطروحاً، لكنه لم يتم التقدم بخطوات ملموسة على هذا  الطريق وتركت الأمور للقوائم السياسية، التي لم تتفق على شيء، بقيت جوفاء نحو 50 مادة دستورية ذيّلت: "على أن تنظم بقانون"، وذلك لتصبح نافذة، لكن الأمر لم يحصل وظلّت الغالبية الساحقة من هذه المواد مثل التعديلات غير منجزة، وكلا الأمرين يحتاجان إلى عمل مضني بسبب التباعد بين القوى السياسية وتدهور الوضع الأمني من جهة، وتنامي عوامل الشك والحذر والخوف، لاسيما عشية الانسحاب الأمريكي من العراق من جهة أخرى.

تغييرات في الخريطة السياسية
لعل تبدّلات كبيرة وخطيرة قد حصلت في المشهد السياسي العراقي، فالقوى التي رفضت الدستور ولم تصوّت عليه أو صوتت ضمن "صفقة سياسية لم تكتمل" بسبب تضمّنه موضوع الفيدرالية، أصبحت هي اليوم أكثر حماسة له، لاسيما وأن بعضها هو الذي تبنّى مطلب الفيدرالية التي لم يجد لها من بدٍّ أو بضعة تبريرات أو لم يعارضها على أقل تقدير.
ومن المفارقة أن مطلب الفيدرالية الذي كان "مدنّساً" في السابق في محافظات صلاح الدين والأنبار والموصل وإلى حدود معينة في ديالى، أصبح "مقبولاً"، ولاسيما بعد تأويلات وتفسيرات وتبريرات مختلفة له على الرغم من وجود معارضة شديدة، ضده في هذه المحافظات وفي أوساط شعبية واسعة، باستثناء إقليم كردستان الذي كان رأيه من البداية تشجيع قيام أقاليم، وكان موقفه خلال الدورة السابقة للبرلمان، تأييد سن قانون خاص بالأقاليم الذي كان أحد دعاته السيد عبد العزيز الحكيم رئيس المجلس الإسلامي الأعلى والذي صوّت عليه البرلمان (طبقاً للدستور) لكنه تم تجميده إلى 18 شهراً، ثم طواه النسيان بسبب المواقف المتعارضة بشأنه.
المفارقة الأخرى أن أكثر من ثلثي الناخبين في محافظتي صلاح الدين والأنبار صوّتوا ضد الدستور (لأنه نصّ على الفيدرالية)، وكان من المفترض أن يسقط الدستور لو صوّتت محافظة الموصل بأكثر من ثلثي الناخبين ضده، وكاد الأمر أن يحصل بفارق بسيط، وربما بتداخلات أدّت إلى تغيير المسار حيث كان يمكن لثلاث محافظات أن تبطل مفعول الدستور فيما إذا  عارضه ثلثي الناخبين في تلك المحافظات.
الوجه الآخر لهذه المفارقة هو أن الذين كانوا يتحمسون للدستور وللفيدرالية وخصوصاً المجلس الاسلامي الأعلى وحزب الدعوة وغيرهما، بدوا وكأنهم استبدلوا مواقعهم مع جبهة التوافق والحزب الاسلامي وأطراف مهمة من القائمة العراقية لاحقاً، بحيث انتقل هؤلاء من مواقع المؤيدين إلى مواقع المعارضين لتطبيق النظام الفيدرالي أو قانون الأقاليم خارج نطاق إقليم كردستان، بحجة أن الظرف غير موات وأن حدود الأقاليم لم يتم الاتفاق عليها، وخصوصاً بوجود ما يسمى بالمناطق المتنازع عليها  وأن إقليم صلاح الدين سيتحول إلى ملاذ للبعثيين المخلوعين والمحرّم عليهم العمل السياسي بموجب قانون الاجتثاث. وهكذا تم استبدال المواقع فقد انتقل المعارضون أو المتحفظون على مشروع الفيدراليات، إلى متحمسين أو دعاة، أو من يجد المبررات والذرائع، والعكس صحيح أيضاً.
إن تغييراً جوهرياً حصل في الخريطة السياسية العراقية، بحيث أصبح بعض دعاة اللامركزية أشد مركزية من مروجيها، أما من كان يتمسك بالنظام المركزي، فقد بدا أكثر رغبة في حكم لا مركزي فيدرالي، وهو القرار الذي اتخذه مجلس محافظة صلاح الدين الرافض للفيدرالية سابقاً، والمرفوض حالياً من جانب المالكي والائتلاف الشيعي المؤيد سابقاً للفيدرالية، والرافض لها حالياً والمتمسك بخيار حكومة مركزية قوية، ومثل هذا الموقف سبق لرئيس البرلمان العراقي أسامة النجيفي أن اتخذه بخصوص دعوته إلى الخيار الفيدرالي للسنّة الذين يشعرون بالتهميش والإقصاء، فيما إذا استمر الوضع كما هو، في حين أن الذي روّج للخيار الفيدرالي سابقاً والذي سمّي بالأقاليم هو المجلس الاسلامي الأعلى ورئيسه السيد عبد العزيز الحكيم، الأمر الذي يعني أن كثباناً رملية كبيرة يمكن أن تتحرك لتغيّر الخريطة السياسية العراقية. لاسيما بعد مطالبة مجلس محافظ الأنبار وكذلك  مجلس محافظة ديإلى بالتحوّل إلى إقليم حيث اندلع الجدل حاداً وساخناً حول موضوع الخيار الفيدرالي الذي يؤيده غالبية أعضاء مجالس المحافظات  الثلاث ويعارضه آخرون، ولكن ردود فعله ملتبسة في مجلس النواب، وبشكل خاص لدى رئيس الوزراء، وبشكل أكبر في الشارع العراقي.
لقد كانت مبررات المحافظات المذكورة برفض الفيدرالية، إضافة إلى أوساط سياسية من خارج وداخل العملية السياسية، أن الفيدرالية تؤدي إلى تقسيم البلاد تمهيداً إلى انفصالها، لاسيما بعد مشروع جو بايدن الذي أصبح نائباً للرئيس الأمريكي، حين اقترح في العام 2007 تقسيم العراق إلى 3 مناطق: كردية وسنية وشيعية ووضع نقاط تفتيش وإصدار هويات للأقاليم أقرب إلى جوازات سفر، أو يمكن أن تكون كذلك لاحقاً، لاسيما بوجود قوات عسكرية محلية في الفيدراليات الثلاث لتنظيم وحماية حدود هذه الأقاليم، التي هي في الواقع العملي ليس سوى المرحلة ما قبل النهاية للانفصال. ولعل بعضهم أبدى تخوّفاً من زيارة بايدن الأخيرة إلى بغداد خوفاً من ارتباطها بهذا المشروع، على الرغم من أن واشنطن حسبما يبدو ليس في وارد الغوص فيه بعد الانسحاب.
ومن المفارقات أن بعض القوى الرافضة سابقاً للفيدرالية كانت تتهمها صراحة باعتبارها جزءًا من مشروع صهيوني وامبريالي، لتفتيت البلدان العربية وتحويلها إلى كانتونات أو دوقيات، بتجزئة المجزأ، لكن بعضه أخذ يبحث في المبررات المذهبية وغير المذهبية لتبرير مطالبته بالفيدرالية، لاسيما في ظل سياسات الإقصاء والتهميش كما يقول، ناهيكم عن أنه تبنّى حجج معارضيه بشأن أن الفيدرالية هي مدعاة للوحدة وتوزيع الصلاحيات وتنظيم العلاقة بين السلطات، وهي المبررات التي كانت حججاً لخصومه، دون البحث جدّياً في مآلها القانوني والسياسي في إطار الوحدة الوطنية، التي يمكن أن تزداد لحمة أو تتشظى بحسب أجواء الثقة والتوافق.
المثير في الأمر هو اتهام مجلس محافظة صلاح الدين أو المطالبين بالفيدرالية لشعورهم بالتهميش والتمييز وثقل أعباء الحكومة الإتحادية، بالانفصالية، وأن طلبهم هذا غير مشروع توقيتاً وهدفاً، لاسيما وقد جاء عشية الانسحاب الأمريكي من العراق ولحماية البعثيين، في حين أن النص الدستوري يفترض أن يعرض رئيس الوزراء طلب مجلس المحافظة على البرلمان العراقي، وفيما بعد يتم إجراء استفتاء، لاسيما وأن المادة 119 من الدستور منحت الحق لكل محافظة أن تصبح إقليمياً بطلب من ثلثي الأعضاء في كل مجالس المحافظات أو بطلب من عُشر الناخبين في كل محافظة من المحافظات التي تريد تكوين إقليم. هكذا تبدو الفيدرالية العراقية كثباناً رملية متحرّكة لا تعرف حدودها!
   وإذا كان وراء كل مشكلة قانونية إشكالية سياسية، فإن المسألة لا تتعلق بالدستور حسب، بل بالعملية السياسية ككل، وقد تداخل الأمر بينهما لدرجة الاشتباك بحيث أصبح من الصعب حلّه، لا فيما يتعلق بالصياغات والقواعد القانونية العامة، وإنما من خلال المواقف والإستقطابات السياسية، وهو ما ثار بين القائمة العراقية برئاسة د. أياد علاوي وبين دولة القانون برئاسة نوري المالكي رئيس الوزراء، وستكون مثل هذه الاصطفافات أكثر حدّة وربما تناحراً في المستقبل، خصوصاً وقد انسحبت القوات الأمريكية من العراق في نهاية العام الماضي 2011، ولاحت المعركة مكشوفة بين الفرقاء، لاسيما وقد اقترنت الأزمة بتداخل خارجي إقليمي، من جانب إيران، وهو ما تبديه بعض القوى السياسية، التي أعربت عن تعاظم قلقها ومخاوفها.

رابعاً – المعجّل والمؤجل
عندما بدأت موجة التغيير التي اجتاحت البلدان العربية وانتقلت من عاصمة إلى أخرى ومن مدينة إلى ثانية، لم يكن العراق استثناءً، فقد شهد الوضع العراقي وبغضّ النظر عمّا سبّبه الاحتلال من تدمير للدولة العراقية ومرافقها ومؤسساتها، وخصوصاً بعد حل الجيش وانفلات الوضع الأمني.. حراكاً وديناميكية غير معهودة، لا سيما بعد نظام شمولي دام أكثر من ثلاثة عقود من الزمان، فتحركت قوى وشخصيات ومثقفين وجمعيات مجتمع مدني للمطالبة بالتغيير وإلغاء نظام المحاصصة ومحاربة الفساد وإطلاق سراح المعتقلين، مؤكدين على الوحدة الوطنية العابرة للطوائف والإثنيات، خصوصاً وقد زاد على تلك المطالبة استمرار الارهاب والعنف والنقص الفادح في الخدمات، لاسيما الكهرباء والماء الصافي وكذلك عدم كفاية الاجراءات المتخذة لتحسين الوضع التعليمي والصحي، على الرغم من الزيادة الهائلة التي وفّرتها واردات النفط وبلغت ميزانية العراق في السنة الأخيرة نحو 100 مليار دولار، لكن أمر المواطن وأمنه ورفاهه لم يتحسن باستثناء ارتفاع رواتب وأجور الموظفين وزيادة القدرة الشرائية، ناهيكم عن بعض أجواء حرية التعبير التي اختلفت عن السابق ولكن في الوقت نفسه زاد استهداف الاعلاميين والنشطاء وأساتذة الجامعات والعلماء والمثقفين بشكل عام.
واتخذت الحركة الاحتجاجية السلمية شعارات مطلبية وواقعية تتعلق بصلب الاحتياجات الحياتية والإنسانية ودون ضجيج أيدولوجي، مثلها مثل انتفاضات تونس ومصر واليمن وليبيا والجزائر وسوريا والبحرين والأردن وعُمان وغيرها، وشهدت المحافظات والمدن العراقية من البصرة وحتى السليمانية والموصل، فضلاً عن الفرات الأوسط وبغداد والرمادي وغيرها، تحركات واسعة. ولم تقتصر كما هو واضح على الجانب العربي، بل شملت الجانب الكردي أيضاً، بل أنها وخصوصاً في بغداد مثلت شكلاً جديداً من أشكال الرفض للمشاريع المذهبية والتقاسم الوظيفي الطائفي والإثني.
وعلى الرغم من أن الشعب العراقي جرّب سلاح الانتفاضة العفوية عام 1991 ردّاً على مغامرة غزو الكويت وهزيمة الجيش العراقي لكنها لم تكن شاملة، بل محدودة، وذلك، حين اندلعت حركة احتجاجية وغضب شعبي شمل 14 محافظة كادت تطيح بالنظام السابق بعد توقيع اتفاق مذل في خيمة صفوان، لولا مساومة دولية حصلت ومفاجأة من جانب "قوات التحالف". أضف إلى ذلك أن إيران وبعض القوى المتعاونة معها استثمرت الهبّة الشعبية الهائلة ورفعت بعض الشعارات الطائفية التي استفزت أوساطاً غير قليلة شعبياً، ناهيكم عن دور بعض دول الجوار الإقليمي الذي لم يكن متهيئاً للتغيير، الأمر الذي سهل مهمة قمع الانتفاضة، على الرغم من كل الملاحظات السلبية بخصوصها، الاّ أنها في بداية الأمر كانت حركة شعبية عفوية دون قيادة ميدانية فكرية أو سياسية، بقدر كونها حركة احتجاجية وقد جرت محاولات لتوظيفها، مثلما جرت مساومات لإجهاضها.
ويبدو أن ما قرّره اجتماع باريس أواخر عام 1990 بخصوص ما سمّي بالنظام الدولي الجديد، وبعده اجتماع برلين في يونيو/حزيران 1991 (بُعيد تحرير الكويت وتدمير العراق) من توجهات بخصوص التعددية والانتخابات وسيادة القانون في ظل توجّه ديمقراطي على المستوى العالمي، لم يكن قد وضع موضع التطبيق، لا في ما يتعلق بالعراق فحسب، بل حتى في ما يتعلق بمشروع التغيير الديمقراطي في المنطقة ككل، وعند أول بادرة للتغيير تم اكتشاف هزاله وزيفه أيضاً، أي أن البيئة الدولية لم تكن مشجعة آنذاك، فضلاً عن اختلاطها بمحاذير طائفية وتداخلات لدول الجوار.
وإذا كانت رياح التغيير التي هبّت على أوروبا في أواخر الثمانينيات وغيّرت أنظمتها الشمولية، الاستبدادية، فإن هذه الرياح انكسرت عند شواطئ البحر المتوسط، لأسباب تتعلق بوجود "إسرائيل" والنفط وعدم توفر البيئة الدولية المشجعة، فضلاً عن ضعف العامل الذاتي، بسبب القمع المعتّق الذي عانت منه الحركة الشعبية المطالبة بالاصلاح والتغيير.
ولعل التنظيرات " للتغيير الديمقراطي"  على الطريقة الأمريكية وليس لمصلحة الشعوب العربية بدأت بعد أحداث 11 أيلول (سبتمبر) الإرهابية الإجرامية ومن ثم ورطة واشنطن في كابل عام 2001 وبغداد عام 2003  وكانت قد اتخذت شكل دعوة إلى شرق أوسط كبير، وبعد الحرب الإسرائيلية على لبنان في يوليو/تموز 2006 طرحت كوندوليزا رايس مشروع "الشرق الأوسط الجديد"، لا سيما بعد تهيئة الأجواء من خلال تنظيرات "نهاية التاريخ" التي جاء بها فرانسيس فوكوياما و"صدام الحضارات" لصاحبها صموئيل هنتنغتون التي ارتفعت وتيرتها بعد الإطاحة بأنظمة أوروبا الشرقية، وصعود موجة الإرهاب الدولي التي تعكّزت عليها واشنطن لشن حرب كونية.
ولعل صندوق الاقتراع وحده ليس مؤشراً أو دليلاً على الديمقراطية، إنْ لم يقترن بالمساواة والمساءلة وسيادة القانون والمواطنة السليمة والحريات والعدالة.
وبقدر ما يتعلق بالتجربة العراقية، فقد تمكّنت الولايات المتحدة من الإطاحة بالنظام الدكتا

122
الإسلام السياسي بعد الثورات العربية:
قراءة في التفكير السياسي لسسيولوجيا المعرفة الإسلامية!
د.عبد الحسين شعبان
كاتب ومفكر عراقي
استاذ فلسفة اللاعنف في جامعة أونور(بيروت)
مدخل
دفعت الثورات العربية منذ مطلع العام 2011 بالتيار الإسلامي عموماً، والأخواني بشكل خاص، إلى ساحة العمل السياسي وخوض غمار التجربة الحزبية العلنية، بعد أن كانت الحركات الإسلامية في العديد من البلدان العربية محرومة من العمل السياسي العلني والقانوني، وقد ظلّ العمل الإسلامي أو لنَقُلْ طيفه الأكبر مهتماً بالعمل الخيري، الإنساني، إضافة إلى العمل التربوي- التبشيري والدعوي، فضلاً عن العمل الاجتماعي.
وإذا كانت الثورة الإيرانية، التي نجحت في شباط (فبراير)1979 قد وفّرت فرصة للتيار الإسلامي لتولي إدارة البلاد، فإن الانتخابات في تركيا هي التي جاءت بحزب العدالة والتنمية إلى السلطة. وبغضّ النظر عن تقييم المشروعين الإسلاميين الإيراني والتركي وأبعادهما الآيديولوجية- القومية، فضلاً عن غطائهما المذهبي، فإن دخولاً جديداً ومؤثراً بدأ لمرحلة جديدة من الإسلام السياسي في كل من تونس ومصر ليست بعيدة عن الحضور المؤثر للتيار الإسلامي بشكل عام، الأول تحت عنوان حزب النهضة التونسي1  المعارض الذي يقوده راشد الغنوشي والذي هو امتداد لحركة  الإخوان المسلمين، وإنْ كان له خصوصيته، لا سيّما بعض مقارباته القريبة من حزب العدالة والتنمية التركي، والثاني المتمثّل بالجماعة الإسلامية في مصر بشقيها الأول الذي عبّر عنه الكيان الجديد الذي سمّي بحزب الحرية والعدالة، والثاني أخذ يطلق على نفسه إسم الحركة السلفية، ولعل مرجعياتهما التاريخية كانت قد استمدت أصولها من  الإخوان المسلمين التي تأسست في العام 1928 2.
ولعلّ هاتين التجربتين جاءتا بعد انتخابات ديمقراطية فازت بها الحركة الإسلامية، وشكّلت حكومة باعتبارها أغلبية بالتعاون مع قوى سياسية، لا تزال مستمرة في حالة تونس، على الرغم من مصاعبها الكثيرة والتحدّيات التي تواجهها، في حين انفضّ عقد توافق بدا مهلهلاً منذ اللحظة الأولى في مصر حين ترك التيار شبه العلماني، شبه الليبرالي، إضافة إلى اليساريين والعروبيين "لجنة صياغة الدستور" التي كانت مغادرتها أشبه بطلاق بائن لا رجعة فيه بينهم وبين الإخوان، لا سيّما عندما تصاعدت الخلافات في ظل تشدّد حكومة الرئيس محمد مرسي مقابل مطالبة المعارضة إيّاه بالتنحي.
وشهد المسرح السياسي المصري احتداماً وصراعاً حاداً بين خصمين إئتلفا في ميدان التحرير قبل عامين ونصف، وتناحرا بعد انتصار الثورة، في يناير العام 2011، لكن كلا التيارين، لم يستطع، أحدهما الانتصار على الآخر، ولكل جماهيره وحججه، ففي حين يقول التيار شبه العلماني أن مرسي اتجه بالدولة نحو " الأخونة" وأنه منح نفسه صلاحيات كبيرة بحيث تعفيه من المسؤولية بموجب إعلان دستوري صيغ على مقاساته، يقول مرسي وحزب الحرية والعدالة وحركة الاخوان، إن حجج المعارضة غير مقبولة لمطالبة مرسي بالتنحي وهو الذي حاز على رأي الشعب، وأن الدستور صوّت عليه الشعب بنسبة زادت على 63% وسيعني " التنازل" أقرب إلى تخلّي عن المسؤولية والأمانة التي منحها الشعب للإسلاميين ولمرسي تحديداً.
بحلول 30 حزيران (يونيو) 2013 وبمناسبة مرور عام على انتخاب الرئيس مرسي، توجّهت جموع غفيرة لم تشهد مصر لها مثيلاً من قبل(مليونية) إلى الشوارع والساحات تلبية لنداء المعارضة للاطاحة بحكومة مرسي، واستمرّت التظاهرات والاعتصامات في ميدان التحرير في القاهرة وفي العديد من محافظات مصر، ثلاثة أيام وواجهتها تظاهرات واعتصامات مضادّة في ميدان رابعة العدوية وميدان النهضة وكذلك العديد من المدن المصرية، وقبل هذا التاريخ سفكت دماء في مذبحة "طريق النصر" وحدثت صدامات مسلحة إلى أن حسم الجيش الأمر، حين أعلن عن اعتقال مرسي في 3 تموز (يوليو) 2013 وعزله وتعيين رئيس المحكمة الدستورية العليا عدلي منصور رئيساً للجمهورية على نحو مؤقت، وطلب من الشعب الخروج لمبايعة خطواته تلك، وأوكل الرئيس الجديد مهمة تشكيل الوزارة إلى حازم البيبلاوي وعيّن نائباً له محمد البرادعي وشخصيات أخرى أيّدتها المعارضة، بل شعرت أن تدخّل الجيش جاء لصالحها وليضع حدّاً لطغيان الإخوان.
وعلى الرغم من أن قوى المعارضة بأجنحتها المعروفة العروبية واليسارية والليبرالية كانت بعد مرحلة التخلّص من الرئيس محمد حسني مبارك ضد استمرار الجيش في السلطة، بل أنها شكّكت بوجود المشير حسين طنطاوي وطموح الجيش للاستمرار في إدارة البلاد، لدرجة أن هناك من هتف ضد وجود العسكر، محذّراً من استمرار حكمه من العام 1952 ولغاية العام 2011، الاّ أن النظرة إلى الجيش لدى هذه الأوساط اختلفت بعد أن استعصي عليها أمر الإطاحة بمرسي أو اجباره على الاستقالة، علماً بأن تدخّل الجيش لإجبار الرئيس مبارك على التنحّي كان حاسماً، مثلما هو تدخل الجيش التونسي كان كذلك، مما اضطر الرئيس زين العابدين بن علي إلى الرحيل.
ومن المفارقة أن يكون من طالب بانسحاب العسكر من المسرح السياسي والعودة إلى الثكنات هو من قام بمناشدته للتدخل بأشكال مختلفة، للعودة للعب دور " المخلّص"، أو "المنقذ" وعندما بادر وزير الدفاع الفريق عبد الفتاح السيسي بحسم الموضوع، استبشر التيار شبه العلماني، العروبي والليبرالي واليساري، خيراً بتدخل الجيش، وذلك في سابقة خطيرة، لا تُعرف أبعادها المستقبلية حتى الآن، خصوصاً وأن المجتمع الدولي لا يزال يترنّح بين التحفّظ على الانقلاب العسكري، وبين تأييد تنحية مرسي، وذلك بالدعوة بحذر إلى مشاركة الأخوان، وهو ما عبّرت عنه الممثلة الأعلى للسياسة الخارجية والأمنية بالاتحاد الأوروبي كاترين آشتون عند زيارتها لمصر ولقاءاتها مع القوى السياسية، وهو ما تدعو إليه الولايات المتحدة الأمريكية.
وبقدر ما تتعامل واشنطن مع الوضع الجديد، فإنها ظلّت تصرّ على مشاركة   الإخوان وإطلاق سراح مرسي، خصوصاً وإن علاقاتها معهم كانت قد تطوّرت خلال العام المنصرم، سواءً فيما يتعلق بعدم تغيير في الموقف من الصراع العربي- الإسرائيلي أو من طبيعة العلاقات المصرية- الأمريكية، وهما الأساسان اللذان تقيم عليهما واشنطن تقييماتها السياسية الاستراتيجية.
أما في الحالة التونسية فإن صعود حزب النهضة الإسلامي وتحالفه مع قوتين معتدلتين في إطار الوسط واليسار، جعل تونس أقرب إلى توافق حتى وإن بدى قلقاً وبطيئاً، خصوصاً وبعد مرور أكثر من سنتين ونصف لم تنجز صيغة مناسبة لكتابة دستور توافقي للبلاد، لكن هذا الجو الكثير الترقب والشديد الحذر والعالي التوتر مع دعوات متشددة من جانب أصوليين وسلفيين، انكسر عندما بدأ مسلسل الاغتيال، فخلال نحو عام قتل زعيمان سياسيان يساريان الأول شكري بلعيد والثاني محمد البراهيمي مما قد ينسف العملية السياسية أو يعاظم التحدّيات التي تقف أمامها، ويجعل فرصة التيار الإسلامي" حزب النهضة ومن يؤيده من الإسلاميين" في حكم البلاد محفوفة بالمخاطر، بل أن العملية  السياسية كلّها ستكون أمام تهديدات جدّية.
الحالة التونسية والحالة المصرية تطرح مقاربة جديدة لعلاقة الإسلام السياسي بالدولة، ومن ثم علاقة الدين بالديمقراطية في السياسة الشرق أوسطية، خصوصاً وأن تيار الإسلام السياسي يحكم إيران وتركيا والعراق والسودان والمغرب وتونس ومصر، ويقارب المسألة في الباكستان وأفغانستان مع تعقيداتهما، وله نفوذ واسع في ليبيا وحضوره مؤثر في الجزائر وموريتانيا، وله دور بارز في الأردن ووجوده قوي في اليمن، وبدأ دوره يكبر في الخليج، لا سيّما في الكويت، فضلاً عن البحرين حيث كان يشكّل نحو نصف برلمانها، وهو الذي يشارك في قيادة حركة الاحتجاج منذ سنتين ونيّف، كما أن له القيادة في نصف فلسطين (غزّة) ونصف لبنان فعلياً (حزب الله)، وفي سوريا يشكل ركناً أساسياً في أركان معارضة النظام ومن الحركة المسلحة، بل أن التيار الإسلامي امتدّ إلى تشاد ومالي، الأمر الذي أثار الانتباه إليه دولياً.
وإذا كان التيار الإسلامي بجميع ألوانه السني والشيعي، المعتدل والمتطرف، الوسطي والسلفي قد أخذ يلفت الانتباه إليه، كقوة مؤثرة، وقد دفعته الثورات إلى مواقع متقدمة، ولكن هذا الأمر سيكون اختباراً حقيقياً لمدى قدرته على التكيّف مع المتغيّرات أو عكس ذلك، بالسير خارج سياقاتها ومساراتها، وعندئذ فإن التجربة في نهاية المطاف، ستكون برهاناً على صحة أو خطأ الممارسة ووصول الآيديولوجيا إلى غاياتها عبر تكيّفها وبراغماتيتها أو أن طريقها  سيكون مسدوداً ووعراً وقاسياً.

الإسلام السياسي بين الماضي والحاضر!
إذا أردنا قراءة التيار الإسلامي الحركي، ممثلاً بعدد من التنظيمات الإسلامية الموزّعة والمنتشرة عربياً، لا سيّما في تونس ومصر، التي انطلقت منهما شرارة التغيير وفي عدد من البلدان الإسلامية، لا سيّما التي تقودها حركات إسلامية مثل تركيا وإيران، فإن هذه القراءة تحتاج إلى عودة إلى أرضية الفكر الإسلامي نفسه وفي سياق تفاعله مع الواقع الذي يتحرك فيه 3.
وبالطبع فإن لكل حركة إسلامية مشروعاً سياسياً، يستند أساساً إلى التاريخ، وهي كظاهرة قائمة، جزء من التاريخ العربي المعاصر، ولا يمكن لأية حركة ثورية إهمال الدين كظاهرة اجتماعية تاريخية متأصلة في مجتمعاتنا 4 وإحدى تجلياته لأنها تعبّر عن واقع اجتماعي، اقتصادي وثقافي في مرحلة سياسية معينة، لا سيّما وهي تستند إلى نص ديني "إلهي" في مقاربتها للظواهر الأخرى وفي تحليلها وتفسيرها وتأويلها، ضمن خطاب يستند في الكثير من حيثياته على شرعية ماضوية معترف بها، خصوصاً بربطها  بين العصبية والدعوة الدينية، وما بين الدين والسياسة، تلك التي وجدت تعبيراتها في صيغة الدولة العثمانية، خصوصاً علاقة الفقيه بالسلطان، وقد لعبت المؤسسة الدينية الرسمية دوراً وظيفياً مهماً لتأمين التوافق بين المجتمع والدين والسلطة في إطار تناسق آيديولوجي،حيث ساهم رجال الدين بشكل عام في مهادنة السلطان 5.
وبغضّ النظر عمّا لعبته المؤسسة الدينية في دعم الحاكم فقد ظهرت عدّة حركات إصلاحية في العالم العربي والإسلامي حملت مشروعاً إحيائياً لنهضة الأمة، لكنها جوبهت في الكثير من الأحيان من جانب المؤسسة الدينية التقليدية، سواءً من مركز الخلافة استانبول أو من فروعها في القاهرة ودمشق وغيرها. وظهرت الحركة الوهابية في المملكة العربية السعودية بقيادة محمد عبد الوهاب بهدف " الإحياء والإصلاح"، وفي المغرب العربي كانت ثورة ودعوة، لا سيّما بانطلاق الحركة السنوسية بقيادة محمد بن علي السنوسي.
أما في السودان فكانت الحركة المهدية قد تبلورت باعتبارها دعوة ومقاومة، لا سيّما بقطع صلتها بالدولة العثمانية، لكن تلك الحركات جميعها ظلّت تدور في فلك الحركات التقليدية أو استقرت في إطارها أما الحركة الجذرية للتنوير فقد وجدت طريقها عبر مفكرين وفقهاء تأثروا بفكرة الدولة المدنية تلك التي بدأت في الغرب، وحاولوا الاستفادة مما وصل إليه الفكر القانوني والسياسي في العالم المتقدّم ليتمثلوا اتجاهاته الحديثة التي تبلورت بفكرة الدولة والمواطنة والحرية والمساواة. وجاءت المرحلة الجديدة للتفكير الإسلامي التي تمتد منذ القرن التاسع عشر إلى وقتنا الراهن، خصوصاً بعد اندلاع الثورات العربية وما رافقها من تغييرات جيوبوليتيكية.
إن الدول التي استندت شرعيتها على الدين سواءً "الدولة الثيوقراطية" ونموذجها دولة الحق الالهي أو الإكليروس أو دولة السلطان أو الدولة التي أطلق عليها الدكتور عبدالاله بلقزيز: "المتأدينة"6 فإنها جميعها تعكّزت على اكتساب شرعيتها من خلال علاقتها بالدين، ويمكن ذكر نموذج الدولة الصفوية التي قامت على "تواطؤ" بين "شرعيتين" إذا جاز لي القول، حيث كان من مصلحة الحاكم ومن مصلحة رجل الدين تقاسم السلطة، فالدولة حق مطلق للحاكم في إدارة شؤون الحكم التي يؤيدها رجال الدين دون أي تحفظ، وهي حق لرجال الدين بإضفاء نوع من القدسية على مقاماتهم وقبول تعاليمهم إزاء المحكومين في الدولة، الأمر الذي يمنحهم حقوقاً تتعلق بشؤون العبادات، وما يسمى بالحقوق الشرعية عند الشيعة.
هكذا حصل نوع من المساومة التي تمت بين السلطان ورجال الدين، فالسلطان يمنح الفقيه سلطات واسعة لإدارة العمل الأهلي ويضعه في مكانة مقدسة، مقابل منح الفقيه، الشاه، التأييد الكامل ودعم سياساته بلا حدود. وبموجب تلك الصفقة ارتسمت شكل علاقة جديدة بين السياسي والديني وبين الحاكم والمقدس، دون أي اعتبار لشروط المواطنة المعبّر عنها آنذاك" بالرعية". ولعل هذا النموذج يستحق الدراسة حسب تقديري، بغض النظر عن المدارس الفقهية المختلفة والاجتهادات المذهبية.
ولا بدّ من التوقف عند موضوع ولاية الفقيه بعد الثورة الإيرانية العام 1979 وعلاقته بما سمّي "مجلس تشخيص مصلحة النظام" ودور ما يسمى بالمرجعية الدينية في التحالف بين السياسي والديني، وإذا كانت فكرة ولاية الفقيه حدثية نسبياً، ولم تستقر في الفقه الشيعي، وهناك جدل بشأن ولاية الأمة وولاية الفقيه واختلاف وتباين بين الولاية الكبرى والولاية الصغرى، مع وجود اعتراضات ضدها، لكن هناك طبعات جديدة لها.
فالطبعة الخمينية لولاية الفقيه ذهبت إلى ولاية الفقيه عبر السياسة، وهو ما قام به السيد الخميني عملياً، وهو ما شرحه مطوّلاً في كتابه "الحكومة الاسلامية" 7  الذي هو سلسلة محاضرات ألقاها في النجف في الستينيات من القرن الماضي واستندت إليها الثورة الإسلامية في السبعينيات وصدرت منذ العام 1979 عدّة طبعات من الكتاب الذي اعتبر مرجعاً يكاد يعلو على الدستور الإيراني، أو يشكل منطلقاً نظرياً له.
وقد أخذ الدستور الإيراني الإسلامي ذلك من روح رسالة  الخميني، وإنْ حاول إضفاء أشكال جديدة على تطبيقاتها، ومع ذلك ظلّ الفقيه الولي فوق القانون وفوق ارادة "الأمة" المعبّر عنها بالانتخابات، وصلاحياته تكاد تكون مطلقة.
وفي حين يعتبر الخميني ولاية الفقيه دستورية، وليست مطلقة، بل مقيّدة بمجموعة الشروط والقواعد المبيّنة بالقرآن والسنّة، وحيث يقوم الولي الفقيه العادل والعالِم بتطبيق القانون الإلهي حين يتولى صلاحيات النبي وصلاحيات الأئمة المعصومين الإثني عشرية، من دون أن يتمتع بفضائلهم الشخصية.
وقد شرح السيد علي خامنئي المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية نظرية ولاية الفقيه في إيران وفكرة الحكومة الإسلامية في كتابه " الحكومة في الإسلام" حيث يقول: إن صلاحيات ولاية الفقيه دستورياً هي الإشراف والتدخل والتأثير في كل سلطات الدولة التنفيذية والقضائية والعسكرية والتشريعية، ولا يصبح الرئيس رئيساً حتى لو انتخبه الشعب ما لم يصادق عليه الإمام، أي تكون للفقيه العالِم الولاية العامة والمطلقة.8
أما في الطبعة السيستانية 9 لولاية الفقيه، فهي غير معلنة، وربما هناك تحفظ " ما " من جانب المرجع " نظرياً" حول قبولها، لكن واقع الحال يعطي انطباعاً آخر، حتى وإن حاول السيستاني بعد الانتخابات العراقية الأولى 2005، أن ينأى بنفسه عنها 10 ، ولكن السياسيين ظلّوا يتوافدون عليه ليطلبوا مباركته على خطواتهم أو على نهجهم، حتى أصبح الأمر عُرفاً، ولم يعد السياسيون الشيعة يفعلونه فحسب، بل ذهبت إليه القيادات الأخرى في كل منعطف أو أزمة أو خلاف، وعلى الرغم من أنه نادراً ما كان يعطي رأياً صريحاً أو واضحاً، لكنه استمرأ هذا الأمر بصمت وهدوء، حين جاءت إليه ولاية الفقيه على طبق من ذهب، دون أن يبذل جهداً بالذهاب إليها.
وتطرح اليوم في العراق مسألة ما يسمى "حكم الفقهاء" في إطار مناقشات البرلمان لقانون المحكمة الاتحادية العليا، باقتراح منح أربعة فقهاء إسلاميين حق النقض " الفيتو" ضد أي قرار يعتبرونه لا يتطابق مع الشريعة الإسلامية، ولعلّ في ذلك سعي من أصحاب الاتجاه المتنفذ لقضم تدريجي لبقايا الدولة المدنية أو محاولة لتديينها، أو لمذهبتها.
مثل هذا الأمر سيجعل المحكمة الاتحادية العليا، باختصاصاتها الواسعة، عرضة لتحكّم فئة رجال الدين والقوى الدينية. أما خطورة المسألة ناجمة عن الدور المنوط بالمحكمة الاتحادية، فهي المختصة بالرقابة على دستورية القوانين وتفسير نصوص الدستور، والبت في التنازع بين القوانين الاتحادية، وكذلك البت في التنازع بين الحكومة الاتحادية والحكومات الإقليمية، كما أن مهمتها هي البت في نزاع حكومات الأقاليم والمحافظات، ناهيكم عن البت في الاتهامات التي توجّه إلى رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء والوزراء. ومن جهة أخرى تصادق على نتائج الانتخابات وتفصل في النزاع بين القضاء الاتحادي وقضاء الأقاليم والمحافظات، وذلك بحسب المادة الرقم (93) من الدستور العراقي الدائم (النافذ)11.
وإذا كانت ثمة خشية لدى البعض على الإسلام، حيث راح يتشبث بموقع متميّز للفقهاء يمنحهم بموجبه حق الفيتو، فمثل هذه الخشية غير واردة، بل وغير واقعية. فالدولة شبه المدنية العراقية أو المصرية أو السورية أو التونسية، وبغض النظر عمّن يحكمها، لم تشرّع أي قانون يتناقض مع أحكام الشريعة الإسلامية، وهو الأمر الذي يبدو أن التعكز عليه هو بمثابة شمّاعة بوجه أي قرار أو قانون لا يتوافق مع بعض المصالح الحزبية أو السياسية أو الطائفية الخاصة. وإذا كان البعض في العراق يحاجج بقانون رقم 188 بشأن الأحوال الشخصية وحقوق المرأة في العهد الجمهوري الأول (حكم عبد الكريم قاسم) الصادر عام 1959 أو بقانون الأسرة الذي شرّعه الحبيب بورقيبة في العام 1956 فإن المسألة خضعت للتفسير والتأويل أيضاً، ناهيكم عن محاولات التسييس والإغراض.
من حق المحكمة أن تستشير خبراء بصفة دائمة أو مؤقتة أو في حالات معينة، وعندها سيكون رأي الخبير ليس كرأي القاضي، وهذا الأخير هو صاحب القرار. وهكذا فإن رأي الخبير (في الفقه الإسلامي أو في القانون) سيكون غير ملزم حتى وإذا أخذنا بنص المادة 92 (من الدستور العراقي) التي اعتبرت المحكمة تتكون من عدد من القضاة وخبراء في الفقه الإسلامي وفقهاء القانون، وسنحاول تسليط الضوء على هذه المسألة عند حديثنا عن الدستور المصري الذي يحتاج إلى وقفة خاصة، خصوصاً وأن ما يجري في مصر يمكن أن ينعكس على العالم العربي بهذا الشكل أو ذاك، بحكم دورها وتاريخها ووزنها العربي والأفريقي والدولي، إضافة إلى ثقلها البشري والحضاري.
إن استقلال القضاء وفصل السلطات وتداولية السلطة سلمياً هو المدماك الأساس الذي لا غنى عنه للدولة العصرية، ولا يمكن تحت أي حجة أو ذريعة إعطاء رجال الدين سلطات فوق سلطات القضاء أو تعطيل سير عمله واختصاصه، لتكييفه مع رأي هذا الفقيه أو ذاك، مهما أوتي من علم ومقدرة ودراية وخبرة، سواء كانت باسم " تشخيص مصلحة النظام"  أو "ولاية الفقيه" أو "مجلس قيادة الثورة " أو " الشرعية الثورية"  أو غيرها، فالأمر ليس سوى التغوّل على دور  القضاء واستقلاله، فالقضاء هو أحد أهم أعمدة الدولة القانونية وحصنها الأمين، وستكون محاولة مثل تلك التي تريد اعطاء حق الفيتو للفقهاء مجاراة لفرض توجه سياسي أو مذهبي على مفاصل الدولة الأساسية، أقرب إلى اغتصابها من أي شيء آخر.
إن مثل هذا التوجّه إلى تديين الدولة، سواءً في العراق أو السودان أو مصر أو تونس  أو ليبيا أو اليمن أو حماس في غزة أو غيرها، سيجعل تناول موضوع التجارب الإسلامية، خصوصاً بعد الربيع العربي أمراً لا مناص منه، بل وضروري، بضمّه إلى تجارب إسلامية أخرى، وأعتقد أن علاقة الدين بالدولة، في عالمنا العربي والإسلامي ستطرح الإشكاليات التالية: مساواة المرأة بالرجل، وموضوع المواطنة والمساواة التامة، ومسألة المشاركة السياسية، والحق في تولّي الوظائف العليا وعدم التمييز، خصوصاً إزاء الجماعات الدينية والإثنية في الدول المتعددة الثقافات، وموقع المسيحيين بالذات سواء في مصر أو سوريا أو العراق أو حتى لبنان، فضلاًَ عن الموقف من الأكراد والتركمان والأمازيغ وغيرهم من الإثنيات أو الأديان، والموقف من قضايا التقدم الاجتماعي والعدالة الاجتماعية.
ومثل هذه القضايا لا تزال مطروحة أمام التجربة الإيرانية والتجربة التركية منذ سنوات طويلة، قومياً ودينياً وطائفياً، ففي إيران فإن الأمر له علاقة بالموقف من الأكراد الذين يزيد عددهم عن عشر ملايين إنسان والمجاميع الثقافية الأخرى مثل البهائية والمسيحيين، إضافة إلى السنّة، وفي تركيا فالمسألة تخصّ الأكراد الذي يؤلفون نحو 18 مليون إنسان وهم أغلبية رسمية في نحو 13 محافظة وكذلك مسألة العرب ولا سيّما في الاسكندرونة، إضافة إلى العلويين وغيرهم.
وستصطدم دول الربيع العربي بهذه الإشكاليات انطلاقاً من التناقض الحاد بين الفرقاء، إسلاميين أو علمانيين، بخصوص علاقة الدين بالدولة، ولا بدّ من حوار وطني عام وشامل بين المتدينين والحركات الدينية من جهة، وغير المتدينين والحركات شبه العلمانية من جهة أخرى، للتوصّل إلى ما هو مشترك، ولا سيّما بعد تحديد نوع الدولة المطلوبة وهويتها في إطار مرجعية تقوم عليها الدولة العصرية الدستورية ومبادئ سيادة القانون، وهو الأمر الذي لا بدّ من اعتماده في الدساتير الجديدة وصياغاتها الأساسية، كي لا تأتي وهي مملوءة بالألغام أو التناقضات التي قد تنفجر في أية لحظة.
وإذا كان الحديث عن إصلاح الخطاب الديني دارجاً، فلا بدّ من تناول موضوع تحرير الدين من رجال الدين، فالدين حاجة إنسانية ما دام البشر يعيشون قلقاً يتعلق بالمجهول، ولا سيّما عدم قدرتهم في فك لغز الحياة والموت والخلق والوجود وغير ذلك، فضلاً عما تمثله الأديان من قيم ومثل إنسانية، وهكذا فإن الدين حقيقة، في حين أن تفسير رجال الدين أو تأويلهم يختلف تبعاً لمصالحهم وثقافتهم ورؤيتهم وموقعهم بالقرب أو البعد من السلطة. أما الحديث عن استقلالية الدين عن الدولة، فهي لا تستهدف العداء للدين، الذي هو علاقة خاصة بين الإنسان والسماء، لكن المسألة تتعلق بدور رجال الدين وموقعهم في الدولة.12
إن قضايا الإيمان والحرّية، ولا سيّما حرّية الاعتقاد، تواجه مجتمعاتنا اليوم على نحو واسع، سواء على مستوى التشريع أو المستوى المفاهيمي أو المستوى العملي، بما فيها تفسيرات المؤلين والمفسّرين، وهو ما يدخل في موضوع الكفر والتكفير وموضوع الردّة، الذي له علاقة بحق الاعتقاد، واستبداله، والموقف من أهل الذمة في الدولة المعاصرة، والموقف من حقوق المرأة ومساواتها مع الرجل، وحقوق المرأة في الولاية، ولاسيما لرئاسة الدولة، والموقف من حقوق الجماعات الثقافية الدينية والإثنية، ولعلّي أفضل مصطلح " التنوّع الثقافي" على مصطلح الأقليات. وإذا كانت هذه المواضيع تشغلني فهي تشغل جمهوراً واسعاً، لأنها تتعلق بصلب الموقف من قضية علاقة الدين بالدولة.
في صلب التفكير الإسلامي
 أجد نفسي أقف على الأرضية نفسها التي حاول د. رضوان السيد الوقوف عليها عند مناقشته لعلاقة الدين بالدولة من خلال التفكير الإسلامي13 ، في التاريخ الإسلامي المعاصر، خصوصاً وأن الفكر النهضوي هو من يستحق أن يكون مقياساً للتفكير الإسلامي في الدولة الحديثة أو المعاصرة ومتطلباتها ومستلزماتها، وذلك أقرب إلى الفقه الإسلامي الاجتهادي، مقاربة بتطوّر مشروع الدولة على المستوى الكوني، مع أن التفكير الإسلامي لا يزال يترنح بين " حاكمية الله" و"حاكمية الأمة" على الرغم من تطور تفسيراته قياساً للخمسينيات  من القرن الماضي.
ومن المشروع النهضوي القائم على التحرر والحريات والمساواة والمشاركة والعدالة، نحاول أن نجلي بعض غبار الزمن عمّا حلّ بالعالم العربي والإسلامي من انكماش وركود وسبات، في رؤية انبعاثية جديدة، حيث لا مشروع نهضوياً من دون انبعاث حقيقي لبناء الدولة بمعناها العصري.
وعلى الرغم من أن عنوان ورقة رضوان السيد: "الدين والدولة في المنظور الإسلامي العصري"، لكنه حاول تجاوزه حين خصص مبحثه الأساسي للتفكير الإسلامي في الدولة منذ القرن التاسع عشر، وصولاً إلى مشارف الثورات العربية، حيث قسّمه إلى مراحل أربع أعتبرها محطات في إطار تكوّن فهم جديد لنظرية الدولة، بل هي أقرب إلى ارهاصات للوصول إلى الفهم العصري لما استقرّ عليه الفقه الدستوري المعاصر، وما تراكم من معرفة على هذا الصعيد، هي 14:
المرحلة الأولى مرحلة رفاعه الطهطاوي 1801-1873، وكتابه الشهير "تلخيص الأبريز في تلخيص باريز" 15 ، وخير الدين التونسي وكتابه الشهير " أقوام المسالك في معرفة أحوال الممالك".16 وإذا كان الأول قد ركّز على المصالح العمومية، فإن الثاني ركّز على المؤسسات.
أما المرحلة الثانية فهي تمتد من محمد عبده (مفتي مصر) الذي تحدّث عن الإصلاح وفكرة السّنن البانية أو الهادمة، ومجابهة التقليد بفتح باب الاجتهاد، وذلك استناداً إلى القرآن الكريم، وصولاً إلى علي عبد الرازق وكتابه الذي ذاع صيته وجرت محاولات لتكفيره بسببه وهو "الإسلام وأصول الحكم" 17 الصادر في فترة قريبة من تأسيس حركة  الإخوان المسلمين في العام 1928 في مقاربة مع فكرة الدولة الحديثة ومؤسساتها.
وكانت المرحلة الثالثة مرحلة محمد رشيد رضا صاحب "مجلة المنار"، ولعلّ من المفيد هنا التوقف عند الشيخ محمد حسين النائيني وكتابه "تنبيه الأمة وتنزيه الملّة"،18  وصدر في فترة لصيقة بما حصل من تأثّر بالفكر الغربي تحت باب الصراع بين "المشروطة" و"المستبدّة"، العام 1906 أي بين الحركة الدستورية، وبين الملكية المطلقة، وهي الحركة التي انقسم فيها رجال الدين في إيران والعراق بين مؤيد للفريق الأول ومندّد بالفريق الثاني والعكس صحيح. ولعلّ الجدل ازداد احتداماً بعد الحركة الدستورية في تركيا العام 1908 وصدور الدستور المتأثر بعدد من القواعد الدستورية التي وجدت طريقها إلى الفضاء العام في الغرب.
 أما المرحلة الرابعة فتبدأ من مطلع الخمسينيات، وتستمر إلى قيام الثورات العربية ووصول الإسلام السياسي إلى مقاليد السلطة عبر صندوق الاقتراع.
وكان حسن البنّا هو من قال: الإسلام دين ودنيا ومصحف وسيف 19 ، وعلى خطاه قال سيد قطب: "الدين في الدولة هو حكم في الأرض" 20  وذلك في كتابه " معالم في الطريق". وإذا صحّ هذا القول على مصر، فأظنّه لا ينطبق على بلدان أخرى الاّ إذا اعتبرنا الثمانينيات تأسيساً جديداً لانبعاث تيار إسلامي واسع بعد الثورة الإيرانية، العام 1979، لا سيّما في العراق ولبنان وفلسطين والخليج، وكذلك في المغرب العربي، وهو انبعاث عالمي وليس محلي، كما أنه لا يتعلّق بالإسلام السياسي فحسب بل كان جزءًا من ظاهرة كونية، حيث انتعش لاهوت التحرير في أمريكا اللاتينية وكان للكنيسة دور بارز في ذلك، وكذلك تعاظم نفوذ حركات مسيحية في أوروبا، فضلاً عن حركات دينية ومذهبية في أفريقيا وآسيا، بعضها شهد حروباً ونزاعات وأعمال عنف.
التيار الإسلامي اليوم، بحكم المستجدات والمتغيّرات على المستوى العالمي، يحاول تكييف أفكاره لتقبّل الديمقراطية ويعتبرها آليات أو ميكانيزمات، وبعضهم  يعتبرها تاكتيكات يمكن الوصول بواسطتها إلى السلطة، أي عدم الإيمان بفكرة التداولية والانتقال السلمي للسلطة وبفلسفة الديمقراطية كمنهج للحكم.
وقد كان رفاعة الطهطاوي وخير الدين التونسي في طليعة المفكرين التنويرين العرب ضد الاستبداد والحكم المطلق، مثلما اعتقد عبد الرحمن الكواكبي ورشيد رضا أن سبب تأخّر الأمة هو الاستبداد ورأيا أن الحل يكمن في سنّ دستور يحدد صلاحيات الحاكم ويشترك فيه الشعب، في حين كان رأي الشيخ حسين النائيني أكثر وضوحاً بتعبيره عن الديمقراطية باعتبارها النقيض للاستبداد، واضعاً الشورى رديفاً للديمقراطية 21.
ويرى النائيني أن الإستبداد يقوم على شعبتين: الاولى من السلطان (سياساته التحكيمية) والعبودية هنا تستند الى القهر والغلبة، والثانية خضوع رؤساء المذاهب والملل له والعبودية هنا تستند إلى الخدعة والتدليس.
ولكن تلك الحركة التنويرية في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، خصوصاً بصدور كتاب علي عبد الرزاق " أصول الحكم" العام 1925 لم توازيها أو تتواصل معها الحركة الإسلامية الإخوانية أو غيرها من الحركات السياسية الدينية سواء السنّية أو الشيعية، تلك التي اعتبرت الأنظمة القائمة فاسدة وكافرة في حين هي تدعو إلى إقامة حاكمية الله، وقد رفض حسن البنا على الرغم من دفاعه عن الدستور والتمثيلية النيابية فكرة الديمقراطية، ومثله فعل أبو الأعلى المودوي المفكر الباكستاني في حين أن المفكر التونسي راشد الغنوشي إنحاز إلى الديمقراطية باعتبارها تقدّم آليات فضلى لجهاز الحكم ويمكن للمواطنين استخدامها في ممارسة الحريات الأساسية، لا سيّما السياسية، وبذلك يربط الديمقراطية مضموناً بالشكل أيضاً، وهو ما ذهب إليه حسن الترابي، لكن الكثير من الأطروحات النظرية سرعان ما خفت بريقها من خلال تطبيقات سعت للهيمنة والاستقواء تحت باب الأغلبية والفوز في الانتخابات، سواءً في مصر أو في تونس أو في العراق أو في الجزائر أو السودان أو غيرها.
إن علم سسيولوجيا المعرفة الديني، ولا سيّما للفقه الديني الإسلامي بشقيه السني والشيعي شيء، أما الواقع العملي، خصوصاً بعد وصول الإسلاميين إلى السلطة فهو شيء آخر، وهي التجربة ذاتها التي عرفتها الأحزاب الشمولية، مهما ادّعت أنها تريد التساوق مع الديمقراطية والدفاع عن مصالح الناس وحقوقهم، لكنّها كلها جميعاً اتّجهت إلى الاستبدادية والدكتاتورية والفردية، سواء الأنظمة الاشتراكية السابقة أو طبعتها لما سمي "بلدان التحرر الوطني". وحتى لو حقّقت بعض النجاحات وشيئاً من التنمية، لكنها بعد حين وصلت إلى طريق مسدود، سواءً بلدان الأصل أو بلدان الفرع (مثلها مثل التجربة الناصرية والبومدينية واليمن الجنوبية والقذافية والبعثية العراقية والسورية) وغيرها.
وحتى لو حصل اليوم بعض التطور في مستوى تفكير بعض المفكّرين الإسلاميين ونظرتهم  إلى الآخر وإقرارهم بالتعددية والتنوّع الثقافي، مثل محمد مهدي شمس الدين الذي تحدث عن "ولاية الأمة" وسليم العوا وطارق البشري ومحمد حسين فضل الله وراشد الغنوشي، إلاّ أن الحزبية الحركية ظلّت هي المؤثرة في السواد الأعظم من الإسلاميين ولا تزال هذه الحركية سواء  الإخوان في مصر أو النهضة في تونس أو حزب الدعوة في العراق أو حماس في غزة أو لنقل بعض أطرافها تنظر إلى بعض ما جرى مجرد جسر للوصول للسلطة ليس الاّ، حتى وإن اضطرّ إلى تقديم تنازلات وتعامل بشكل براغماتي مع الواقع، بل وخفّض بعض مطالبه، وتجربتي مصر وتونس مثالين مثيرين للجدل والنقاش، الذي بدأ ولم ينقطع حول حدود قبولهما بالآخر، والسعي للوصول إلى السلطة عبر صندوق الاقتراع، والقفز على الفكرة الديمقراطية بمحاولة أسلمة أو أخونة أو نهوضة الدولة، مثلما هي تجربة الجزائر حين فاز الإسلاميون بالانتخابات، ولكنهم حاولوا الانقلاب على الديمقراطية.
حسبي هنا أن أذكر تجربتين أخريتين ناجزتين هما: التجربة السودانية والتجربة الإيرانية، وإلى حدود معينة التجربة العراقية، وبقدر أو آخر تجربة حماس وتجربة الجهاد وتجربة حزب الله، فهذه القوى وإن كان موقفها إيجابياً ورافضاً للصهيونية وضد العدوان الإسرائيلي، الاّ أنها لا ترتضي أن يشاركها أحد، ولاسيّما في المناطق التي تحكم سيطرتها عليها وتفرض منهجها السياسي فيها، سواء اعتبرتها جزءًا من الشريعة أو استندت في ذلك إلى قراءة خاصة أو جزء من قانون أو غير ذلك من الاعتبارات الأمنية، لكنها ستحمل معنى الإكراه أرادت ذلك أو لم ترد، وذلك بفرض  نمط الحياة الاجتماعية وشكل الحرية الشخصية التي تعتقد أنها الأنسب، في حين أن مسار التجربة التركية كان أكثر نعومة، لا سيّما وقد جاء حزب العدالة والتنمية بعد نحو ثمانية عقود من الإقرار بعلمانية الدولة دستورياً، ومع ذلك فقد حاول قضم بعض المواقع، وإجراء بعد التعديلات الدستورية لضمان إمكانية عودته إلى حكم البلاد. ولم يترك حتى الجيش الذين يحظى بمكانة كبيرة ومؤثرة في مسيرة تركيا من بعض تدخلاته تحت باب وجود مؤامرة تحاك ضد الإسلاميين ومنها غذّت المطامع التركية بالتمدد الخارجي، للعب دور إقليمي، سواء في دول الربيع الرعبي أو إزاء الصراع العربي – الإسرائيلي أو في العراق أو غيره.
وإذا كان القانون وضعياً ومصادره متنوّعة دينية وفلسفية وسياسية، فهذه كلّها مصادر قيمية، في حين أن له جانباً إجرائياً، أي قواعد ناظمة ومحددة للسلوك وضعها برلمان عبر انتخابات حرّة ونزيهة وبموجب قضاء مستقل، أي هناك ضمانات حقوقية للقانون الوضعي، في حين أن الدين يمرّ عبر فضاءات الإيمان وهي علاقة خاصة بين الإنسان والسماء، أما الحياة العامة والدولة أو السلطة والسياسة، فتختلف كثيراً، خصوصاً بالموقف من الحقوق والحريات، وهي المنظومة الدستورية التي تعرفها الدولة العصرية. 22
إن سسيولوجيا المعرفة للتفكير الإسلامي تحتاج اليوم، وبعد الثورات العربية، إلى اختبار حقيقي وتدقيق لمدى التزام الإسلاميين بها قبل غيرهم، وأظن أن المرحلة القادمة ستشهد صراعاً ليس بين الإسلاميين والعلمانيين فحسب، بل بين إسلاميين معتدلين وإسلاميين متطرفين ومتعصبين، وهو ما ظهر في تونس ومصر إلى حدود غير قليلة وكذلك في إيران بين إصلاحيين ومحافظين  في حين أن في تركيا لا يزال صراعاً أساسياً بعد الإسلاميين والعلمانيين، وقد يتطوّر الصراع الإسلامي- الإسلامي في العالم العربي إلى قبول فريق منهم بالدولة المدنية، مثلما هو في تركيا، وفريق آخر يواصل مشواره الماضوي، بل يرتّد على الحاضر، بحجة الأصول، وسيكون ثمن هذا الصدام باهظاً.
الدستور المصري: نموذج جاذب أم طارد؟
   أفرد هذه القفرة لمناقشة الدستور المصري وإشكالياته لما له من تأثير على مجمل الحركة الإسلامية العربية والشرق أوسطية  فقد ظلّت الأنظار تتطلّع إلى مصر بعد موجة التغيير التي شهدتها العديد من البلدان العربية، ابتداءً من تونس، وذلك لما تمثّله من ثقل وتأثير كبيرين على الصعيد العربي والإقليمي والدولي، ناهيكم عن دورها الحضاري والثقافي الإبداعي، لا سيّما وهي تمتلك طاقات بشرية وقدرات علمية كبيرة، فضلاً عن موقعها الجيوبوليتيكي ومساحتها وعدد سكانها.
ولهذا كان ولا يزال العالم العربي وغيره مشدوداً إلى مصر ومستقبلها، خصوصاً في ظلّ الصراع القائم بين الإسلاميين ( الإخوان المسلمون والسلفيون وغيرهم) الذين فازوا بالأغلبية في البرلمان، وبين شبه العلمانيين (اليساريون والعروبيون والليبراليون وغيرهم) حيث كان للطرفين أحلاماً سياسية مؤتلفة، بالتخلص من النظام السابق، وأخرى مختلفة في مشروعين فكريين متعارضين.
بعد نجاح الثورة، كان الفريق الأول "الإسلامي" يسعى لقيام دولة دينية محكومة بالشريعة، على الرغم من التطمينات التي حاول تقديمها للآخرين، مبرّراً ما تعرّض له من تحريم وتجريم لعقود من السنين تارة، وتارة أخرى لكونه أغلبية في مجلس الشعب، في حين كان الفريق الثاني "العلماني" أو "دعاة الدولة المدنية"، يأمل في ترسيخ كيانية الدولة وتعزيز طابعها المدني  من خلال حكم القانون والمساواة والتعددية وإقرار مبادئ المواطنة واحترام حقوق الإنسان، وهو ما افتقده في ظل النظام الشمولي، لاسيّما في عهد محمد حسني مبارك الذي دام 30 عاماً، كما افتقد إليه أيضاً الإسلاميون.
كلا التيارين اصطدما بصخرة الواقع، الأمر الذي أبقى صرح الدولة المنشودة "منزلة بين المنزلتين"، فلا هي دولة مدنية كما أراد العلمانيون، ولا هي دولة دينية ، كما أرادها  الإخوان والسلفيون، ولهذا يحتدم الجدل على نحو شديد في المرحلة الانتقالية، خصوصاً وقد حقّق الفريقان ومن موقعين متعارضين خطوات تنسجم مع اتجاه كل منهما، وفشلاً أو تراجعاً في خطوات أخرى في الوقت نفسه.
وإذا كان وجود جمعية تأسيسية اختارها مجلس الشعب المنتخب، مؤلفة من 100 عضو لصياغة الدستور أمراً حميداً، لكن إصرار الإسلاميين على التمتع بأغلبية أعضائها أضعف من جديتها ومن قدرتها على إحداث نوع من التوافق، بل صعّد من لهجة الشك والارتياب، وزاد الأمر إلتباساً وإشكالاً، اعتماد دستور العام 1971 كخلفية للدستور الجديد، وهو الأمر الذي تجاوزه الدستور العراقي على الرغم من أن إعداده كان في ظلّ الاحتلال، فضلاً عن الألغام الكثيرة التي احتواها، لكنه أطاح بدستور العام 1970 المؤقت الذي حكم العراق لغاية العام 2003، مثلما فعل المجلس التأسيسي التونسي، الذي نحّى دستور العام 1959 جانباً.
وهكذا دبّ الخلاف بين الاتجاهين، ففي حين رأت القوى غير الإسلامية في الجمعية التأسيسية، أن الأغلبية النيابية في مجلس الشعب مؤقتة، وينبغي اختيار جمعية تأسيسية متوازنة تمثل التيارات المصرية المتنوّعة، بغضّ النظر عن حجمها وعددها في البرلمان أو خارجه، أصرّت الجماعة الإسلامية على " أغلبيتها" فيها.
وعندما شعرت الجماعة شبه العلمانية، أن الدستور الذي يريده الإسلاميون سيمرّ على الرغم من البحث المضني لبضعة شهور، قرّرت الانسحاب لترك الإسلاميين يواجهون الموقف لوحدهم، وذلك بإعلان التنصّل عن دستور لا ترتضيه، حتى وإن ساهمت في إعداد مواده الأساسية.
ولعلّ الجماعة شبه العلمانية أو غير الدينية ظنّت أن الإسلاميين قد لا يكملوا المشوار، وإن واصلوا ذلك، فهم وحدهم من سيتحمّل مسؤولية دستور لم يحظ " بالشرعية الشعبية" أو "التوافقية" الديمقراطية القائمة على التعدّدية والتنوّع، لكن الإسلاميين صمموا على استكمال المهمّة بانجاز الدستور لوحدهم ومن معهم، وعرضوه على الاستفتاء في أواخر العام 2012.
صحيح أن نسبة التصويت (الإقبال) لم تصل إلى الثلث من عدد الناخبين الذين يحق لهم التصويت، وإن نسبة ما حصلوا عليه هو 63.8 من عدد المصوتين، لكن الدستور أصبح نافذاً بعد الاستفتاء.
لقد وقعت الجمعية التأسيسية لصياغة الدستور عند تشكيلها في خطأ أول عندما وافقت على قبول دستور العام 1971 قاعدة للنقاش والانطلاق، بما فيه تكييف بعض مواده، وهو دستور كما هو معروف تمت صياغته مثل غيره من الدساتير المصرية هيئات غير منتخبة، ونشأ في ظروف ملتبسة، فمثلاً تم وضع دستور العام 1923 في ظل الاحتلال والانتداب البريطاني لمصر.
أما الاعلان الدستوري ما بعد ثورة يوليو (تموز) العام 1952، فقد صدر في 10 كانون الأول (ديسمبر) 1952، وتلاه إعلان دستوري ثاني صدر في 10 شباط (فبراير) 1953 واستمرّ لغاية العام 1956، حيث صدر اعلان دستوري جديد في 16 كانون الثاني (يناير) 1956، استمرّ حتى اعلان الوحدة بين مصر وسوريا وقيام الجمهورية العربية المتحدة، حيث أعلن دستور الوحدة في آذار (مارس) 1958، ولعلّ هذه الاعلانات بما فيها دستور الوحدة نشأت في رحم الاستبداد وسياسة احتكار العمل السياسي، وصاغها فريق معيّن فوقياً وغير منتخب.
وكأن خطأها الثاني هو الموافقة على الإعلان الدستوري الصادر في آذار (مارس) 2011 من المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وذلك حين تمّ تحديد فترة زمنية (أمدها ستة أشهر) لصياغة الدستور، وهو أمرٌ في غاية الصعوبة في ظل التحدّيات التي تواجه مصر وتجاذباتها السياسية، وكان على الرئيس محمد مرسي إلغاءه، خصوصاً وأن المهلة تلك تشبه المهلة التي حدّدها الرئيس بوش الابن لصياغة الدستور العراقي الدائم.
وعندما توتّر الموقف في مصر وشعر المرشحون لصياغة الدستور من غير الإسلاميين، أن غلبة ستحدث في نهاية المطاف خارج نطاق التوافق، لجأوا إلى الانسحاب من الجمعية التأسيسية لكي لا يبصموا على "شرعية" اعترضوا عليها، خصوصاً إذا بقيت الجمعية التأسيسية تمثّل لوناً واحداً، الأمر الذي سيضعف من شرعية المرحلة التوافقية، أو ما يطلق عليه " الديمقراطية التوافقية" 23.
وبغضّ النظر عن جميع النواقص والعيوب التي احتواها دستور مصر ولعلّ أهمها هي إعفاء الرئيس من المساءلة بأثر رجعي لأية قرارات اتخذها سابقاً  وسيتخذها لاحقاً، فإنه ذهب إلى تحديد سلطات الرئيس بوضع فترتين للرئاسة فقط وهو النقاش الذي استغرقه نحو عقد من الزمان بخصوص المادة 76 من دستور العام 1971، كما تم منح صلاحيات للبرلمان، وعلى الرئيس التعاون الوثيق مع البرلمان أثناء تشكيل الحكومة، وعلى هذه الأخيرة تقديم برنامجها إلى البرلمان للموافقة عليه، وللبرلمان سلطة إقالة الحكومة بما فيها رئيس الوزراء بمجرد موافقة أغلبية بسيطة من أعضائه 24 ، وكان ذلك بفعل الضغوط التي مارسها الأعضاء غير الإسلاميين قبل انسحابهم.
ووفّر الدستور آليات للأقلية البرلمانية، بما فيها حق الأعضاء الفردي تقديم طلب إحاطة بالمعلومات أو طلب أي بيان من الحكومة أو حتى استجواب رئيس الوزراء بشأن القضايا الطارئة، مثلما وضع قيوداً على سلطات الرئيس بإعلان حالة الطوارئ 25  وهي أمور لم يتضمنّها دستور العام 1971.
ومع ذلك فقد ظلّت صلاحيات الرئيس واسعة، منها الحق في تعيين عُشر أعضاء مجلس الشورى وتعيين رؤساء المؤسسات المستقلة 26 مثلما هناك اختلالات بشأن تعيين القضاة أو إقالتهم وتحديد مرتباتهم، وهي أمور تتعلق باستقلالية السلطة القضائية واستقلالية القضاة أنفسهم، كما وردت إشارة غير واضحة في ثلاث مواضع للمجلس القضائي الأعلى المشرف على أعمال القطاع القضائي، لكن تعريفه ظلّ عائماً.
كما استمرّ موضوع الدين وعلاقته بالدستور والدولة موضوع نقاش ومحاذير، لاسيما بخصوص وجهة الدولة. وإذا كانت الدولة المصرية الحديثة منذ ولادتها في العشرينيات لم تكن دولة دينية، فإنها لم تكن دولة مدنية تماماً، وضمّت في السابق والحاضر، ومن خلال قديم وجديد الدساتير المصرية، هذه الصفة، ذات الطبيعة الهجينة أو المختلطة والأقرب إلى التوافقية، إنْ صحّ التعبير، وقد حدث نوع من التعشيق بين بعض الدساتير المصرية والعربية وأصولها الغربية، لا سيما الفرنسية والبلجيكية، بمبادئ الشريعة الإسلامية، أو حتى ببعض أحكامها، وكان ذلك جزءًا من سعي فكري منهجي اختطّه الفقيه الكبير عبد الرزاق السنهوري، الذي كانت بصمته واضحة مباشرة أو غير مباشرة على العديد من الدساتير العربية في المشرق 27.
كما بقيت قضايا الزواج والطلاق وكل ما له علاقة بقانون الأحوال الشخصية على المستوى العربي خاضعة بصورة محددة للتعاليم الإسلامية، وأحياناً لبعض التفسيرات والتأويلات، شذّ عنها الدستور التونسي أواخر الخمسينيات والدستور اليمني الجنوبي في السبعينيات وقانون الأحوال الشخصية العراقي رقم 188 لعام 1959، في حين كانت غالبية الدساتير العربية بشكل عام تتم في إطار البيئة الإسلامية أو لقراءات خاصة فيها، مع مراعاة التطور التدريجي في هذا الميدان.
ومع أن موقع رجال الدين في مصر ظلّ بعيداً عن مناصب رسمية مباشرة، مثل المرشد الأعلى أو ولي الفقيه أو غير ذلك أو دور المرجعية العليا في النجف على سبيل المثال وخصوصاً ما بعد احتلال العراق في العام 2003، الأمر الذي عزّز من التوجّه الإسلامي على حساب القرب من الهوّية المدنية للدولة، وهو ما يجعلنا نقول أن مصر "منزلة بين منزلتين"، فلا هي دولة دينية ولا هي دولة مدنية بالكامل، وكان طموح ثوار 25 يناير أن يحظى الطابع المدني بمكانة أكبر بعد التغيير، ولهذا فإن مجرد فوز  الإخوان المسلمين تولّد شعور عام لدى الطرفين أن الدولة يمكن أن "تتأخون" ببطئ وهو ما يفكر به البعض سواءً من  الإخوان أو خصومهم في الوقت نفسه، وإن كان هناك من يريد الإسراع بحسم الأمور، من خلال الهيمنة والإقصاء من جانب التيار الإسلامي والأصولي، في حين ذهب التيار المعارض لمنع حدوث ذلك مبكراً برفض قبول الدستور والانسحاب من الجمعية التأسيسية لصياغته، وهو ما حصل لاحقاً على يد الفريق عبد الفتاح السيسي.
يستدلّ على ذلك ما جرى الحديث عنه بخصوص التفسير والتأويل لنص المادة الثانية الخاصة بالشريعة الإسلامية والتي تقول إن " مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيس للتشريع"، ومثل هذا النص اقتبس من دستور العام 1971، وقد كان الإبقاء عليها مساومة قبلها الطرفان،

123
حيرة المثقف في الواقع العربي الراهن
   
 
عبدالحسين شعبان
ينقسم المثقفون في العالم العربي إلى فريقين أحدهما يؤيد التغيير مهما كان الثمن، فقد وصل إلى حافة اليأس من أوضاع اقتصادية وسياسية واجتماعية في غاية القسوة وكاد الكثير من أحلامه أن يتبدّد في ظلّ ضياع فرص التغيير حتى بدت الأنظمة المستبدة وكأنها قلاع حصينة لا يمكن اقتحامها أو تحطيمها، أما الفريق الثاني فقد نظر إلى التغيير بحذر، ولا سيّما أن قسماً منه أُخذ على حين غرّة، وبشكل مفاجئ اكتشف أن بعض قوى التغيير، بعيدة عنه في الكثير من أطروحاتها الراهنة والمستقبلية، ففي حين كان يريد التغيير جذرياً عميقاً، فقد رآه فوقياً شكلياً، وهو ليس ما انتظره لعشرات السنين في حلم بدولة مدنية وحرّيات واسعة وعدالة اجتماعية .

وإزاء هذه الحيرة الداخلية والاستقطاب والتباعد في المواقف، ارتفع منسوب التدخل الخارجي بصورة مباشرة أو غير مباشرة وكاد الكثير من المثقفين وفي زحمة المشهد الجديد أن ينسوا الطغيان الداخلي، مثلما ينسى كثيرون أيضاً العدوان الخارجي، وتلك كانت محنة العديد من المثقفين العرب الذين وقعوا بين نارين، نار الطغيان ونار العدوان . وتكرّر الأمر في ثلاث محطات أساسية: الأولى عند غزو القوات العراقية للكويت والثانية عند الغزو الأمريكي للعراق، وتظهر الصورة أكثر قتامة واستقطاباً بعد موجة الربيع العربي، لا سيّما بصدد المسألة السورية .

ربّما قلّة قليلة تلك التي كانت متوازنة، بحيث لا تنسى الطغيان وهي تتحدث عن العدوان، ولا تنسى العدوان وهي تتحدث عن الطغيان، ولعلّ مثل هذا الموقف اليوم يعتبر معياراً لإخلاص المثقف لثقافته، حتى وإن لقي نقداً من الفريقين اللذين يستسهلان اتخاذ المواقف بين الأسود والأبيض، انطلاقاً من معايير إيديولوجية وتصوّرات مسبقة، في حين أن هاجس المثقف الأساسي هو الحرية أولاً وقبل كلّ شيء، وهذه حاضنة إبداعه وتفكيره الحر ومن دونها لا يمكن له حتى الدفاع عن حق الحياة وعن القيم الإنسانية الأخرى .

فالحرية تمثل القيمة الأساسية للوجود الإنساني منذ الأزل، خصوصاً صراع الإنسان ضد الإنسان وصراعه ضد الطبيعة، ومهما اختلفت الحضارات والأديان، وانقسمت الفلسفات والمجتمعات، فإن الحرية ظلّت تمثّل الحافز الأساسي للصراع بين الخير والشر وبين الظلم والعدل . ولعلّ معيار الحرية يحظر بقوة ويزداد تأثيره، مع تقدم المجتمعات وتطوّرها، وقد اتخذ المسار إلى الحرية طريقاً طويلاً ومعقّداً، على مرّ العصور، وبالتراكم والتدرّج أضافت مختلف الحضارات والثقافات تنوّعاً إليه لتعميقه حتى ظهر بشكله المعاصر، وخصوصاً في الثورة الفرنسية، عبر مفاهيم جديدة وحقوق تبلورت لاحقاً في قوانين ومن ثم في مؤسسات ومساءلات، بحيث لا يمكن الحديث عن القيم الإنسانية الرائدة من دون شرط توفّرها كمدخل لا غنى عنه للفضاء الإنساني .

وإذا كان المثقف بشكل عام والمثقف العربي بشكل خاص في فترة الحرب الباردة عانى من ضغوط كثيرة، خصوصاً في ظلّ احتدام الصراع الآيديولوجي بين المعسكر الاشتراكي والمعسكر الرأسمالي، فإن معاناته تعاظمت في فترة ما عُرف بحقبة النفط أو البترو دولار، وصولاً إلى الانهيارات الدراماتيكية التي عصفت بالنظام الدولي الثنائي القطبية الذي أقيم في أعقاب الحرب العالمية الثانية . وتعمّقت حيرة المثقف لدرجة المعاناة أحياناً ليس على صعيد الصراع الداخلي فحسب، بل على صعيد الصراع الدولي أيضاً، وإذا كان القرن التاسع عشر قرن الصراع القومي، والقرن العشرين، قرن الصراع الإيديولوجي، فإن القرن الحادي والعشرين وهو قرن العولمة بامتياز، ويعتبر قرن المصالح ولا سيّما الاقتصادية .

وإذا كان مثقف اليوم يتطلّع إلى الحرّية ويأمل في توسيع دائرتها ما بعد التغييرات التي حصلت في العديد من البلدان العربية مثل تونس ومصر وليبيا واليمن، وظل يترقب ما يحصل في سوريا باهتمام بالغ، فإن الكثير من آماله خابت وأحلامه تبدّدت بسبب الفوضى العارمة التي ضربت المنطقة، وحجم التدخل الخارجي، وحالة الانفلات الأمني والخراب والدمار والعنف الذي أعقب حركات التغيير، التي كان من أولى شعاراتها الحرية والكرامة . وتحوّلت معاناة المثقف من شحّ الحرية سابقاً، إلى انفلات شظاياها من الجهة الأخرى، بسبب وجود قوى التطرف والغلو وارتفاع موجات التكفير والتحريم .

لعلّ هذه التطوّرات، بإيجابياتها (التخلص من الأنظمة القديمة) وسلبياتها (انفجار العنف والفوضى) أثّرت على نحو بليغ في المثقف، وكان لصعود التيار الإسلامي أو الإسلاموي وتصدّره المشهد السياسي، أحد العوامل الجديدة في إحباط الكثير من المثقفين، لا سيّما بعد فشل المشاريع اليسارية والعروبية السابقة من جهة، ومن جهة أخرى فإن الرسائل الأولى للمشروع الإسلامي، وخصوصاً بعد أن وصل إلى السلطة لم تكن مشجعة سواءً في مصر أو تونس، حيث كانت أطراف مؤثرة منه تحمل معها قرارات التحريم والتأثيم، ما زاد في تشاؤم المثقف وأسهم في حالة الإحباط والقنوط التي عانى منها لسنوات طويلة . خصوصاً باندلاع الصراعات الثانوية وتفريعاتها الطائفية والمذهبية والإثنية والعشائرية وغيرها من تلك القضايا التي لا ناقة لهم فيها ولا جمل .

المثقف إضافة إلى همومه العامة التي هي هموم المجتمع، ظلّ هاجسه المفقود، هو حرّية التعبير، فتراه إمّا التحق تابعاً للسلطات ينمّق لها أطباق الآيديولوجيا على طريقة صاحبنا هلال الصابئ، الذي كتب إلى عضد الدولة البويهي، كتاباً عن “بني بويه” فلمّا سأله أحدهم أحقاً فعلت ذلك؟ أجابه بلى، إنها “أباطيل ننمّقها وأكاذيب نلفّقها” أو على طريقة أبو حيان التوحيدي، الذي كتب وناقش وحاور وجادل وساجل طيلة سبعة عقود قضاها في أتون المعركة الفكرية والثقافية في عصره، فلما بلغ شأوه، وهو على مشارف التسعين، أطعم كل ما كتبه إلى النيران قائلاً: إنه أحرقها لقلّة جدواها وظّناً بها على من لا يعرف قدرها بعد موته .

أو أنه سلك سبيل غاليلو، فقد تجرّع كأس السمّ على أيدي كهّان القرون الوسطى “المظلمة” ومحاكم التفتيش باسم الدين، لكن الأرض ظلت تدور . وفي حالات أخرى فضلّ المثقف الانكفاء أو الهرب إلى الأمام، فخسر نفسه أو خسرنا إبداعه لحين أو لكل الوقت . وذلك على طريقة معالجة جمال حمدان الذي اختار العزلة وسيلة للاحتجاج، أو نموذج هادي العلوي الذي تحدّث عن المثقف الكوني باستعادة التاريخ الصوفي وربطه بالفلسفة التاوية الصينية مشترطاً عمق المعرفية والروحانية والترفع عن الخساسات الثلاث: المال والسلطة واللذائذ، تلك الصورة التي يمثلها هادي العلوي نفسه .

وفي عالمنا العربي والإسلامي نماذج كثيرة على تحريم الفكر وتجريم التفكير ومنع حرية التعبير والرأي ورفض الحوار ومصادرة حق الاختلاف والتنكّر للتعددية والتعايش مع الآخر . وسادت تلك المفاهيم تحت يافطات مختلفة لكنها في الحقيقة مثّلت فكرة الرأي الواحد الإطلاقي، الشمولي، الذي يدّعي امتلاك الحقيقة، حيث توجب الطاعة على المحكومين حتى وإنْ كانت سلطة الحكام لا تستمد أساسها من العدل والشرعية والقانون .

إن السلطة أياً كانت أنظمتها ملكية أم جمهورية، حزبية أم غير حزبية، عسكرية أم مدنية يمكن أن تصبح مُلكاً عضوضاً كما قالت العرب إذا ترافقت مع محاولات التسلّط وفرض الرأي بالقوة وغياب الرقابة وضعف المساءلة وتعطيل مبدأ سيادة القانون، أما إذا صاحبتها وسائل تكنولوجية حديثة وأساليب تضليل جديدة ودعاية سوداء، غدت أكثر قسوة ووحشية ولا إنسانية، وذلك حين تستهدف انتزاع عقيدة أو التبرؤ منها بالتعذيب والإكراه أو بالديماغوجيا والتزييف .

لقد لعب المثقفون في القرن التاسع عشر وأوائل العشرين دوراً متميزاً مقتحمين ميادين مهمة، فشبلي شميل ومن بعده سلامة موسى دعيا لتحقيق العدالة الاجتماعية في إطار الاشتراكية، وقاسم أمين نادى بتحرير المرأة ومحمد عبده اهتم بتطوير الفكر الديني . أما عبدالرحمن الكواكبي فقد شدّد على تغيير نظم الحكم وتحدّث عن طبائع الاستبداد، وفعل الشيخ حسين النائيني بعده بهذا التوجه ودعا الأفغاني إلى الجامعة الإسلامية . ولعمري إن تلك الحركة الإصلاحية تركت تأثيراتها اللاحقة في عموم التطور الفكري في المنطقة وفي مستوى الصراع العربي التحرري ضد الهيمنة الأجنبية . وكانت حركة المشروطة عام 1906 في إيران والحركة الدستورية (عام 1908) فيما بعد في تركيا دعوة لتحديث نظم الحكم والتمسك بالدستور . ومع كل مراحل التطور اللاحقة، سواءً بتحقيق الاستقلال أو بعدها، فإن الحرية وخصوصاً حرية الفكر والتفكير واستقلالية المثقف ظلت مفقودة، بل عوملت باعتبارها منطقة محرّمة ومختومة بالشمع الأحمر وإنْ جرى التخفيف عنها قليلاً فقد تم زرعها بالألغام .

إن حفظ المثقف لكرامته وكرامة الثقافة التي يحملها يقوم على مبلغ إخلاصه لهذه الثقافة على حد تعبير قسطنطين زريق . وقد اختلّت كثيراً معادلة الثقافي بالسياسي سواءً في ظل سيادة الأفكار النازية في ألمانيا والفاشية في إيطاليا أو من خلال هيمنة الستالينينية ورائدها في الثقافة “جدانوف” في الاتحاد السوفييتي السابق، والتي شهدت حملة قمع وتصفيات لا نظير لها، أو خلال فترة المكارثية في الولايات المتحدة التي شهدت حملة إرهاب وبخاصة ضد المثقفين أو خلال محاولات تطويع المثقف في العالمين العربي والإسلامي تحت يافطات مكافحة الإرهاب الدولي بهدف فرض الهيمنة وتسويق الخطاب السائد، أو إعادة إنتاجه اليوم على نحو جديد بحيث أوقعت المثقف في حيرة التغيير وهو الذي يُفترض أن يحمل لواء التنوير .

* باحث ومفكر عربي


124

في الحاجة إلى التسامح:
 منظور إليها عراقياً!



مقدمة بقلم :
الاستاذ الدكتور عبد الحسين شعبان1






عوضاً عن المقدمة
لا زال الحديث عن التسامح مبعث ارتياب لدى الكثير من النخب الفكرية والثقافية والسياسية العربية بشكل عام، وتعود أسباب ذلك إلى الاستقطابات السياسية الحادة وأبعادها الإقليمية والدولية، واسقاطاتها الحالية على الواقع، إضافة إلى أن جزءًا منه يتعلق بالفهم القاصر والمحدود لمعنى التسامح ومبناه، ناهيكم عن توظيفاته أحياناً.
وقياساً للدراسات والكتابات التي عرفها الغرب2 عن التسامح والمعالجات التي أعقبت الاحترابات والنزاعات الدينية والطائفية التي عانت منها أوروبا لدرجة النزيف البشري، المادي والمعنوي، فإننا لا زلنا حديثي عهد، بخصوص تقبّل فكرة التسامح في ظلّ استشراء التعصّب وتفشّي التطرّف وانتشار الغلو، إزاء الآخر " الغريب"، وكل غريب "مريب"3، سواءً كان هذا الآخر بعيداً أو قريباً، عدواً أو صديقاً، طالما هو مختلف عنّا، حتى وإن كان مساكناً أو مشاركاً لنا في العيش والحياة والمصير، لكنه قد يكون مختلفاً في الدين أو العرق أو اللغة أو التاريخ، حتى وإن كنّا في وطن واحد، ولعلّ هذه النظرة الانغلاقية التي لا تقبل التنوّع والتعددية انتشرت على نحو واسع خلال السنوات الثلاثين ونيّف الأخيرة، على الرغم من التطور النقيض لها على المستوى الكوني.
وتفصلنا عن فكرة التسامح "الأوروبية" أكثر من ثلاثة قرون من الزمان، إذا اعتبرنا رسالة جون لوك حول التسامح تاريخاً لنشر الفكرة، لا سيّما في ظل انقطاع العرب والمسلمين عن تراثهم الذي عرف بنماذج زاهرة من التسامح، مثلما عرف تاريخاً دامياً من اللاتسامح، كما هو الغرب أيضاً في إطار السياق التاريخي لجميع المجتمعات.4
وإذا أردنا الحديث عن فكرة التسامح بمعناها المعاصر، خصوصاً وقد مرّت بمراحل مختلفة وجرى تأصيلها، بتجاوز بُعدها الديني والطائفي إلى البعد الثقافي، وصولاً إلى البعد الحقوقي والقانوني، بحيث لم تعد واجباً أخلاقياً وسلوكياً أو مبادئ ودعوات سياسية فحسب، بل هي واجب قانوني لإقرار التعايش والتعددية والتنوّع وحق الاختلاف والدعوة للمشترك الانساني، فلا بدّ من بحثها في إطار التطور الدولي، وخصوصاً في المباحثات التي سبقت وهيأت لقيام الأمم المتحدة، حتى وصلت إلى ما وصلت إليه، فلا بدّ من الحديث عن فهم الفكرة وحيثياتها القانونية وخلفياتها الفكرية ومرجعياتها النظرية.
وبعد صدور ميثاق الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو 26 حزيران (يونيو) العام 1945 ومن ثم صدور الاعلان العالمي لحقوق الإنسان في 10 كانون الأول (ديسمبر) 1948، بدأت ثقافة التسامح تنتشر شيئاً فشيئاً ويتعزز رصيدها، خصوصاً بتأثير الحرب العالمية الثانية التي أزهقت أرواح نحو 60 مليون إنسان وألحقت خسائر مادية ومعنوية بعموم سكان الأرض، وصولاً إلى صدور إعلان اليونسكو بشأن التسامح العام 1995 والدعوة للاحتفال باليوم العالمي للتسامح 16 تشرين الثاني (نوفمبر) من كل عام، فإن بعض الدراسات والأنشطة المحدودة بدأت تجد طريقها إلى العالم العربي لا سيّما في العقدين ونيّف الماضيين، لكن تأثيراتها سواءً على الصعيد الفكري أو الثقافي كانت مقتصرة على نخب قليلة، ناهيكم عن ضعف مفاعيلها على الصعيد الاجتماعي والديني، بحكم ضعف البيئة القانونية والتربوية والتعليمية، سواءً على صعيد الدولة أو المجتمع أو الفرد5.
ومع ذلك فإن هناك أكثر من فهم لفكرة التسامح، ومثل هذا الفهم المتناقض يؤدي إلى نتائج متعارضة بالطبع. فالفهم النيتشوي الذي لا يزال سائداً يعتبر " التسامح إهانة للآخر"، ولعلّ ذلك ما لمّح له البابا بنيديكتوس السادس عشر في خطابيه في لبنان في القصر الجمهوري وفي الإرشاد الرسولي، حين عبّر عن تخوّفه من أن يؤدي التسامح إلى التطرف والإساءة للآخر، في حين أن المطلوب هو الاعتراف بالآخر وبالمساواة والمواطنة، وفعلياً للانتقال لما بعد التسامح6.
لعلّ هذه مناسبة لطرح سؤال كان الصديق البروفسور خليل الهندي قد طرحه في مفتتح ملتقى انعقد في لندن حول التسامح، وهو سؤال في غاية البساطة والأهمية في الآن: هل يوجد تسامح لننظّم له ملتقانا أم أن غيابه يدعونا لتنظيم فعاليات للتذكير بجوهره؟
ومثل هذا السؤال المزدوج والمركّب ظل يتردد طيلة العقدين ونيّف الماضيين وبأشكال مختلفة، نفياً وإيجاباً، واستمرّ صداه إلى اليوم: هل نقرّ بواقع أليم أم نتوسّم  أملاً بواقع جديد، وهو ما طبع الجدل والحوار، اختلافاً واتفاقاً، تباعداً وتقارباً طيلة الفترة الماضية، على الرغم من المشتركات، لكن الأمر يحتاج إلى الاعتراف كلٌ بالآخر وتأكيد قيم التسامح مع بعضنا البعض دون تكفير أو تأثيم أو تحريم أو تخوين أو تجريم، أو غير ذلك من عوامل الإقصاء والإلغاء والاستئصال وعدم احترام الحق في التنوّع والتعددية والاختلاف.
وحسناً فعل اليوم مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية حين قرر نشر دراسة مهمة الدكتورة فاتن محمد رزاق الخفاجي، الموسومة " التسامح في فكر الأحزاب العراقية المعاصرة" خصوصاً وأن ما هو سائد في العراق والعالم العربي والاسلامي من ارهاب وعنف ونزاع واحتراب يؤكد الحاجة الماسّة إلى نشر وتعزيز قيم التسامح لتصبح ثقافة سائدة، فلحدّ الآن  لا تتوفر إرادة سياسية جماعية على مستوى الدولة للاعتراف بقيم ومبادئ التسامح، ناهيكم عن احترامها والالتزام بها اجتماعياً وسياسياً وقانونياً من جانب المجتمع والفرد.
يضاف إلى ذلك ضعف الثقافة العامة والفردية إزاء قيم التسامح التي لا تزال متدنّية، بل غائبة في الكثير من الأحيان، ويُنظر إليها بازدراء أو استخفاف أحياناً، باعتبارها عامل ضعف وليس قوّة، الأمر الذي أدّى إلى تشبّث الكثير من الجماعات بالتعصّب والتطرّف بجميع أشكاله الديني والطائفي والإثني والعشائري، إزاء الآخر، سواءً كان غربياً، أي غير عربي أو مسلم من طائفة أخرى أو غير المسلم مثل المسيحي أو اليهودي أو الصابئي أو الأيزيدي أو سواهم، أو غير العربي مثل: الكردي أو التركماني أو الأشوري أو الأمازيغي أو غيرهم.
وقد حاولت الباحثة التوقف عند هذه الظاهرة المثيرة والملتبسة، لا سيما عند الحديث عن مقوّمات التسامح ومعوّقاته ، ففي الأولى تحدثت عن المواطنة والديمقراطية والثقافة والتربية، وكان بودي التركيز أكثر على درجة التطور الاجتماعي والاقتصادي وانعكاساته القانونية في ظل بيئة تشريعية ووجود مؤسسات قانونية ضامنة، لا سيّما للمساءلة وقضاء مستقل ونزيه، إضافة إلى دور للمجتمع المدني، كما يمكن للاعلام أن يلعب دوراً إيجابياً على هذا الصعيد، وبذلك يمكن بناء لبنات التسامح بصورة تراكمية وتدرّجية وتطوّرية متينة وعلى مختلف الصُعد، كمسار طويل.
أما المعوّقات، فإضافة إلى التعصّب والاستبداد والعنف وهو ما تناولته الدكتورة الخفاجي بشكل عميق، فإن الطائفية والعنصرية وإن كانت من نتاج التعصب والتطرف والغلو، لكنهما شكّلتا تاريخياً منبعاً لسيادة الفكر اللامتسامح وشجعتا على التعصب والعنف والإقصاء والإلغاء، لأن هذه المظاهر نتيجة وليست سبباً، وإن كان هناك علاقة عضوية بين العلّة والمعلول حسب قول الفلاسفة.
 معنى التسامح وتاريخه!
إذا عُدنا إلى أصل المصطلح Tolerence فقد استخدم منذ القرن السادس عشر بمعنى أقرب إلى المفهوم السياسي والأخلاقي والسلوكي إزاء الآخر، من المذاهب الدينية، في حين أن استخدامه كمفهوم قانوني Toleration، بدأ بعد إصدار بعض الحكومات الأوروبية في القرنين السادس عشر والسابع عشر مراسيم تدعو إلى التسامح وتطلب من موظفي الدولة والسكان تطبيق حكم القانون The rule of law وأن يكونوا متسامحين في سلوكهم إزاء "الأقليات" الدينية الأخرى، مثل أنصار الراهب مارتن لوثر، وهو الأمر الذي مهّد لتموضع ثقافة جديدة تعتمد على مبادئ التسامح، لا سيّما بإقرار التعددية والتنوّع والحق في الاختلاف والتمايز والخصوصية.
ومن القوانين التي صدرت في حينها "مرسوم نانت" في فرنسا الذي وقعه الملك هنري الرابع في 13 نيسان/ابريل العام 1598 حيث يعتبر أول اعتراف رسمي بالتسامح الديني، وذلك بعد خمسين عاماً من الصراع الداخلي والانقسام الديني والطائفي. وبموجب مرسوم نانت سُمح للبروتستانت الفرنسيين الذين يطلق عليهم " الهوغونت" بحرية المعتقد والمساواة الاجتماعية والسياسية مع الأغلبية الكاثوليكية الرومانية، لكن هذا القانون ألغي من قبل الملك لويس الرابع عشر في العام 1685، ونتيجة ذلك غادر نحو 200 ألف هوغونوتي فرنسا.
وفي انكلترا صدر قانون التسامح The Toleration Act  عن البرلمان في العام  1689 بعد ما سمي بالثورة التشارتية " الجليلة" العام 1688 وكان ثمرة جهود سياسية مضنية لمفكرين مثل لوك الذي وضع رسالته الشهيرة "رسالة في التسامح"  إضافة إلى "رسالتين في الحكم" لتشتمل على مبدأ فصل الكنيسة عن الدولة، والذي شكل حجر الأساس في الديمقراطية المستقبلية، ومؤدّى قانون التسامح " الديني"، الذي أصدره " البرلمان الإنكليزي" أن للمخالفين للمذهب البروتستانتي (الرسمي) الحق في ممارسة طقوسهم بصورة علنية، أما أتباع الكنيسة الكاثوليكية وكنيسة الموحدين، فقد ظلّوا محرومين من هذا الحق حتى العام 1829 .
ولا بدّ من الإشارة إلى مجايلي لوك الذين بشروا بقيم التسامح الديني مثل بيير باييل وغروتشيوس وسبينوزا، إضافة إلى فولتير الذي يعتبر محطة مهمة من محطات فكرة التسامح بعد لوك، فكانوا جميعاً قد نظروا إليه باعتباره  مسألة أقرب إلى فريضة دينية وليس إقراراً بالآخر كنوع من التعددية الثقافية، وحتى هذه المسألة ظلّ يشوبها تشويش كبير استمر حتى الآن، وإذا كان باييل يؤمن بالتسامح بين الكاثوليك والبروتستانت وإزاء المبشرين المسلمين في الدول المسيحية، شرط عدم تعكير صفو النظام والأمن، فإن لوك لا يؤمن  بالتسامح مع الملحد، وكذلك يضع عقبات أمام التسامح مع المسلم (التركي)، إضافة إلى الكاثوليكي، لأن هؤلاء " غير متسامحين" وولاءهم لسلطة أخرى أجنبية، وتلك إحدى المسائل المطروحة اليوم بخصوص الموقف من غير المتسامحين، فهل يتم التعامل معهم بالتسامح أيضاً لأن ذلك سيؤدي إلى نسف فكرة التسامح وتمكين غير المتسامحين من إلحاق الضرر بالمتسامحين وبالمجتمع ككل!؟
وإزاء الانغلاق وعدم التسامح الذي يسود عالمنا العربي والإسلامي، فإننا نرى أن العالم يسعى لتوسيع التسامح حقـوقياً بعد أن جرى تعميمه  أخـلاقياً، بحيث تشتمل الدعوة، الدفاع عن أولئك اللامتسامحين أو الذين ينشرون ويروجون  لأيديولوجيات اللاتسامح "التوتاليتارية". ومع أن هذه الفكرة تثير نوعاً من النقد وربما الفزع في الغرب حالياً، خصوصاً  بعد أحداث 11 أيلول (سبتمبر ) 2001  الارهابية  في الولايات المتحدة، لأن هناك من يعتبرها  خطراً على فكرة التسامح، بل وتدميراً للحرية، الجوهر الأساسي في فكرة التسامح، لكن هناك من يحاول إيجاد مبررات لها، ويرى كارل بوبر في كتابه " المجتمع المفتوح وأعداؤه" 7 إننا نمتلك الأسباب التي تدفعنا إلى رفض التسامح مع المتعصبين، موضحاً أن هناك حدوداً للتسامح، ولكن في الوقت نفسه يستدرك فيقول: بأن علينا  عدم الانخداع  بذلك  الشعور الغريزي  بأننا  على صواب دائماً 8.
ولعلّه من الصعوبة تحقيق التوازن خوفاً من تحوّل المجتمع القائم على التسامح إلى مجتمع متعصب، لكن جون راولز في كتابه " نظرية العدالة" 9 يعتبر أن من واجبات المجتمع القائم على العدل أن يكون متسامحاً، الأمر الذي يقود إلى التسامح مع المتعصّب، والاّ سيتحوّل المجتمع إلى مجتمع متعصّب وغير عادل، مع تأمين الحماية. وتجدر الاشارة هنا إلى أن أفكار لوك بخصوص التسامح الديني وجدت طريقها إلى دستور الولايات المتحدة بعد أن تبنّاها توماس جيفرسون ولقت نجاحاً كبيراً.
وبعد فوز الإسلاميين في الجزائر جرى نقاش واسع حول مستقبل الديمقراطية الوليدة، وهو النقاش الذي انفتح اليوم على مصراعيه بفوز الإسلاميين، بل ودورهم ومكانتهم في: الباكستان وأفغانستان وإيران وتركيا والعراق والمغرب وتونس ومصر والسودان (حيث يحكمون)، إضافة إلى نصف فلسطين (غزة) ونصف لبنان (حزب الله) ودورهم الكبير في اليمن ونفوذهم الواسع في الجزائر وقوتهم في ليبيا ونشاطهم المتميّز في الأردن، ووصولهم إلى البرلمان في البحرين وقيادتهم لحركة المعارضة فيها، وحصولهم على مقاعد برلمانية أكثر في الكويت، بل اتّساع حركتهم على صعيد الخليج بشكل عام، إضافة صراعهم المسلح في الصومال ودورهم الفعّال، وكذلك وجودهم القوي في موريتانيا وصولاً إلى تشاد ومالي.
والسؤال الذي سيظل مفتوحاً، وربما لن يجد جواباً شافياً: كيف سيتكيّف الإسلاميون بقربهم من السلطة أو بوجودهم على قمة هرمها،  مع قضية الديمقراطية والدولة المدنية، وهو سؤال بحاجة إلى أن يجيب عنه اليساريون والقوميون أيضاً، وجميع الكتل والجماعات السياسية ذات الصفة الشمولية، وهو ما حاولت الباحثة الدكتورة الخفاجي الخوض فيه .
لا أظن أن الإسلاميين في مختلف أقطارهم سيكررون خطأ الإسلاميين الجزائريين الذي أعلنوا بأنهم سيئدون الديمقراطية حالما يصلون إلى السلطة، الأمر الذي ألّب الكثير من القوى ضدهم، " لكنه من غير مقبول، وغير شرعي"   الإطاحة بهم بقوة السلاح، وهو ما قام به الجيش الجزائري بحجة "حماية الديمقراطية" المهددة على أيدي من حصل على الأغلبية . ومثل هذا الأمر تحاول اليوم بعض الأطراف التوسّل به للتخلص من الإسلاميين الذي وصلوا إلى السلطة عبر صندوق الاقتراع، بل أن بعضهم من أنصار التيار شبه الليبرالي في مصر أخذوا يخاطبون الجيش ويستحثونه للخلاص من حكم " الأخوان" ولفضّ النزاع بينهم وبين الإسلاميين، وتلك إحدى مفارقات السياسة، خصوصاً في ظل تفشي ثقافة اللاتسامح، وبالمقابل فإن الاسلاميين يسعون وبسرعة لوضع أيديهم على المفاصل المهمة في الدولة، لكي يطبعوا الحكم بطابعهم، بزعم الديمقراطية وحصولهم على الأغلبية البرلمانية.
وهكذا  تصبح الديمقراطية في نظر البعض "مرذولة" فيما اذا تعارضت مع مصالحهم، في حين أنها  ديمقراطية "محمودة"  فيما اذا كانت نتائجها تنسجم مع ما يريدون تحقيقه من أهداف أو مكاسب. ويبدو الأمر وكأنه  مفارقة  حقيقية  حين  تصبح  الديمقراطية  "المفقودة"  أقرب إلى شبح، أما الديمقراطية  " الموعودة " فهي مجرد حلم بعيد المنال، ولعلّ ذلك واحدة من مفارقات التغييرفي العالم العربي، ولا سيّما أحداث الربيع العربي بعد العام 2011 10.
وقد فتحت أحداث  11 ايلول ( سبتمبر ) 2001  وفيما بعد الحرب على أفغانستان والعراق النقاش والجدل على نطاق واسع حول الاجراءات الواجب اتباعها ازاء اللامتسامحين، بل الذين يريدون تدمير قيم التسامح والتصدي لما انجزته  الحضارة البشرية حتى وإنْ كان باسم التسامح أحياناً أو باسم العدالة أو استعادة الحقوق، وهو الأمر الذي بحاجة إلى ضوابط قانونية وسياسية وأخلاقية بحيث يمكن إرساءه على قاعدة متينة وصلبة، ولا يتم توظيفه بالضد من قوانين التسامح ذاتها أو البيئة التي تساعد عليها.
لكن الأمر لا يقتصر على تسمية  بعض الاتجاهات او التيارات، بل استغلّ الامر بطريقة  انتقائية و فيها  الكثير  من ازدواجية  المعايير لادخال المنطقة  العربية – الاسلامية  و حركات المقاومة  ضد الاحتلال  في هذه الدوامة وتوجيه سهام  الاتهام  ضدها باعتبارها  مصدراً  وحيداً  أو أساسياً  للارهاب الدولي وعدم التسامح، في تفسير خاطئ وإغراضي لقيم التسامح ذاتها، لا سيّما المدوّنة في القواعد والقوانين الدولية، وفي مقدمتها الشرعة الدولية لحقوق الإنسان.
وكان جون لوك 11 قد نشر رسالته الشهيرة في العام 1689 ثم أصدر فولتير، وهو أبو التسامح بعد جون لوك، في العام 1763 كتاباً دعا فيه إلى أخلاقية التسامح، لاسيّما القائمة على التسامح الديني بين الشعوب والأمم المتعايشة في الغرب12. وقد فصلت ثلاثة قرون ونيّف بين رسالة لوك وبين صدور الاعلان العالمي للتسامح، أو "اعلان مبادئ التسامح" الذي صدر عن اليونسكو في العام 1995 13.
وبالرجوع إلى القرون الوسطى فقد شهدت أوروبا التي كانت تعيش ظلاماً فكرياً دامساً ظاهرة اللا تسامح، خصوصاً في ظل هيمنة رجال الدين " الإكليروس"14، ولا سيّما في الكنيسة وتحريم وتجريم ما عدى ذلك، من خلال توزيع الناس إلى فريقين: الأول المقدّس والثاني المدنّس، اللذان سادا في الحكم على البشر، واستمرّ الأمر حتى عهد التنوير الذي توّج بالثورة الفرنسية التي وضعت حدّاً للثنائية التي كانت سائدة، والتي تقوم على الكنيسة، كطرف أول تنحصر مرجعيتها بـ "الله"، مقابل قيام مجتمع علماني مرجعيته الواقع 15، وفي حين تستمد المرجعية الالهية مشروعيتها من الخالق، فإن المرجعية المدنية تستمد مرجعيتها من الناس ومن خياراتهم في العقد الاجتماعي وفي الحقوق والحريات16.
وإذا كان المخيال العربي شديد الارتباط حتى الآن بالحروب الصليبية (والأصح حروب الفرنجة) لأنها حروب غير دينية، وإن كان الدين من بين بعض أسبابها المباشرة أو غير المباشرة، إلاّ أنها قامت على المصالح والسعي لاحتلال الشرق العربي واستغلاله، كما هي الحروب الاستعمارية، بما فيها حروب اليوم، فإن المخيال الغربي هو الآخر يقوم على العدائية للعرب والمسلمين، لاسيما بمحاولة تهييج المزاج الشعبي، بما يعاكس الطبيعة البشرية أحياناً، باعتبار الإسلام يحضّ على الارهاب، وهو دين العنف وعدم التسامح.
وقد حصلت في الغرب قطيعة في القرن الثامن عشر، ما بين الدين (الكنيسة) والدولة، الأمر الذي أدّى إلى قيام وتعزيز الدولة المدنية، التي وضعت مسافة واحدة تقريباً بين الأديان والطوائف والانتماءات الإثنية والأصول السلالية واللغوية، وقد تعمّقت بالتدريج وعبر التراكم والتفاعل والتواصل والمشترك الانساني، وعلى أساس المواطنة المتساوية، لكن مجتمعاتنا العربية- الاسلامية، ظلّت في الكثير من جوانبها متداخلة بين الديني والسياسي، بل يندغم الواحد بالآخر أحياناً، وإلى درجة غير قليلة تتداخل في بعض الأحيان مهمات: الدين بمهمات الدولة، وهي مسألة من الصعوبة على الغرب أن يتفهمها، خصوصاً وأن الكثير من المجتمعات العربية والإسلامية، لاتزال لم تدخل مرحلة الحداثة، بل هي أحياناً لم تدخل مرحلة الدولة بمفهومها العصري، وتعيش حالة انتقال من طور إلى طور، في ظل كوابح وتحدّيات كثيرة تارة باسم الخصوصية، وأخرى باسم الدين والتراث، وثالثة باسم التقاليد والعادات وهكذا.
لقد حوّلت أوروبا الدين، ولا سيّما بعد عصر التنوير إلى مجرد تقليد ومحاكاة، وعلى الرغم من الاعتقاد السائد بأن الله يمثّل القوة الكاملة التي يُنسب إليها كل شيء، وإن الفرد والمجتمع بحاجة إلى التقرّب إليها، فإن الأمر تدريجياً، وفي ظل الحداثة اتخذ بُعداً جديداً، باضعاف دور الدين على حساب تقوية دور الدولة، التي حاولت التأثير في المؤسسات الدينية لتتساوق مع مؤسسة الدولة العليا، وهكذا جرت محاولات لتبهيت صورة الدين، تارة باعتباره استلاباً فكرياً حسب أوغست كونت، وأخرى بوصفه استلاباً انتروبولوجياً (إنسانياً) حسب فيورباخ الذي تأثر به ماركس، واعتبر فرويد الدين استلاباً نفسياً، ولعل العلاقة الملموسة بين الكنيسة البروتستانتية والدولة البروسية في ألمانيا في القرنين السابع والثامن عشر، هي التي كانت وراء أطروحة ماركس " الدين أفيون الشعوب" التي أخذها عن كانط، خصوصاً وأن ماركس تحدث عن وظيفة الدين وكيف يمكنه تعبئة نضال الناس من أجل حقوقها، ولم يتحدث عن الدين.
 ومن جهة أخرى يفهم بعض العرب والمسلمين لا سيّما بعض الإسلاميين، أن أي حديث عن دولة مدنية، بمعنى فصل الدين عن الدولة، إنما هو محاولة من الغرب لفرض "العلمانية" التي تعني من وجهة نظرهم التصرّف ضد الدين أو اتخاذ موقف منه، حتى وإنْ كانت قلّة قليلة تدعو إلى مثل هذا الفصل الميكانيكي، الذي سيؤدي إلى التغريب، ظنًّا منهم أن دخول عالم الحداثة يحتاج إلى قطيعة ابستمولوجية بين الدين والدولة.
إن قيام دولة عصرية وفقاً للنظريات الدستورية المعاصرة وعلى أساس المساواة التامة والمواطنة الكاملة وحق الناس على اختيار الحكّام واستبدالهم، سيعني وضع الدين في مكانه المقدس الذي يستحقه، وليس استخدامه لأمور الدنيا كأداة للصراع والحصول على المكاسب، بما يؤدّي إلى المزيد من التباعد والتنافر والاحتراب أحياناً، والمشكلة ليست في الدين، بل في التديّن وفي التفسير والتأويل للقيم الدينية، واستدلّ على ذلك في نقد القرآن للتديّن الذي لم يكن وقفاً على وثنيّاته فحسب، وإنما واجه به وبقسوة كل تديّن كاذب ومنافق في سلوك أتباع الأديان التوحيدية دون استثناء 17.
حين أقرّت أوروبا بعد معاناة غير قليلة التمايز ما بين الدين والدولة، فإنها دخلت بالتدريج وعن طريق التراكم في حالة التسامح، حين اعترفت بالحق في الحرّية الدينية وحماية القانون للحرّيات الأساسية للإنسان، التي تعمّقت تدريجياً، لاسيّما على المستوى الدولي بعيداً عن احتكار الحقيقة أو ادّعاء النطق بإسمها، وإذا كان هذا الأمر قد حُلَّ غربياً، فإنه لا يزال عربياً وإسلامياً بعيداً عن الحلّ، بل أن خطورته تزداد باتّساع عمق الهوّة إزاء الآخر، في ظل التعصّب والتطرّف والغلو، وعلى الصعيد اليهودي، فإن ضيق الأفق والتوجّه العنصري دفعا أوساط واسعة إلى تبنّي فكرة الدولة النقية، كما يطرح اليمين الإسرائيلي حالياً، وهذا يعني أن لا مكان للمسلمين أو المسيحيين أو الدروز العرب فيها.
لقد حاول الفقه الإسلامي ضمن سياقه التاريخي بحث المسألة بالنسبة لمنتسبي الديانات الأخرى في دار الإسلام بالتمييز الايجابي وإن كان "سلبياً"، وذلك عبر اصطلاح وتشريع فكرة الذميين وهم "رعايا" في الدولة الإسلامية (اليهود والمسيحيون) وهو ما يطلق عليه محمد أركون "تسامح اللامبالاة" وأسمّيه أنا "التسامح السلبي"، خصوصاً أن تلك النظرة كانت ولا تزال تنظر إلى الآخر مع موقع أعلى، وهكذا يكون اليهودي والمسيحي في موقع أدنى18، ولعلّ مرجعية تلك النظرة المتمايزة هو الفكرة النيتشوية للتسامح التي هي أقرب إلى " العفو" أو "الصفح" سواءً من جانب الأقوى، أو من جانب الأضعف لما حصل له من ارتكاب أو هدر للحقوق، وفي كلا الحالين فإنه يحمل في طياته الإزدراء أو الإهانة.
لقد خطت أوروبا خطوات متقدمة بشأن فصل الكنيسة عن الدولة، أما الدولة العربية والإسلامية المعاصرة، فلا تزال "الشريعة الإسلامية" تشكّل محور وصيرورة وجودها في الغالبية الساحقة من الدول، ولعلّ فكرة القطيعة التاريخية التي سبق لأركون أن تناولها، لا تزال بعيدة المنال عنها، وقد لا تبدو قريبة في المنظور الحالي، وربما لسنوات غير قليلة، بما فيها الدول التي أحدثت تطوراً في النظر إلى الفكرة الدينية في دولة اعتمدت الإسلام مرجعية لها، كما هي تركيا المترنّحة بين الإسلام والعلمانية.
فقد ظلّ الطابع الغالب في القوانين والتشريعات في الأكثرية الساحقة من الدول الإسلامية يعتمد على الإسلام الذي يعتبر " دين الدولة"، وفي بعضها "مصدراً أساسياً" أو "المصدر الأساسي للتشريع"، بل وأكثر من ذلك حين يعتبر الكتاب المقدس "القرآن " هو الدستور، وقد جرت نقاشات واحتدامات ساخنة حول هذا الموضوع وغيره من المواضيع، بخصوص علاقة الدين بالدولة وموقع الشريعة الإسلامية، وذلك بعد موجة التغييرات التي شهدتها العديد من البلدان العربية، لا سيّما في تونس ومصر وليبيا واليمن، وقبل ذلك كان الجدل قائماً بخصوص وجهة الدولة في العراق بعد الاحتلال العام 2003، خصوصاً ما احتواه الدستور من ألغام كثيرة ليس بعيداً عنها موضوع الدين وتأويلاته وتفسيراته، وهو الأمر الذي يثار حالياً في دول ما يسمى بالربيع العربي بعد العام 2011.
وعلى الرغم من أن الدولة لكي تؤمن قاعدة التسامح فينبغي لها أن تكون محايدة، أو لا يكون لها دين محدّد، فالدين هو أحد أركان هوّية الفرد، ومثلما الإسلام ركن أساس من هوّية المسلمين، فالمسيحية هي كذلك ركن من أركان هوّية المسيحيين وهكذا، فالأمر الذي يحتاج إلى فكّ اشتباك دون خلط أو إكراه بين عقيدة الأفراد ووظيفة الدولة في حماية العقائد والحقوق. وقد طرح هذا الأمر على نطاق واسع ما بعد التغييرات التي حصلت في العالم العربي خصوصاً علاقة الدين بالدولة فضلاً عن فكرة الديمقراطية والفرق بين المشروعية والشرعية، وبين "الشرعية الثورية" و"الشرعية الدستورية"، وعلاقة ذلك بحقوق الإنسان وحكم القانون واستقلال القضاء، وتداولية السلطة سلمياً ومبدأ المشاركة والمساواة والحريات العامة والخاصة.19
 وعندما انتقلت أوروبا إلى مرحلة الفصل بين الدين والدولة وبين الدين والسياسة، ظلّت المنطقة العربية تعيش حالة وصل بل هيام أحياناً ارتفعت حرارتها في السنوات الثلاثين ونيّف الماضية، ولا سيما بعد الثورة الإيرانية العام 1979، وأصبح هناك نوعاً من الاندغام حدّ التماهي، بشكل غير اعتيادي بين الدين والدولة، وبين السلطة الزمنية والسلطة الدينية، وأحياناً بين مذهب لطائفة معينة وبين الدولة، وهو انقسام زاد من انقسام العالم العربي إلى قبائل وعشائر ومناطقيات، لكن الدين والطائفة أكثر ظلا عاملين أساسيين في التجمعات القائمة لمرحلة ما قبل الدولة أو في ارهاصاتها الأولى. ولعل المقصود من هذه المقارنة لا تزكية للغرب أو إنساب الفضائل له، وتجيير الرذائل لدمغ مجتمعاتنا، بل هو البحث عن جوهر فكرة التسامح، دون نسيان مسؤولية الغرب فيما وصلت إليه مجتمعاتنا، سواءً محاولاته استعمار واستغلال البلدان العربية وتمزيقها أو من خلال تعطيل التنمية والإصلاح والديمقراطية، لا سيما بدعم إسرائيل وعدوانها المتكرر على الشعوب العربية، إضافة إلى نهب الموارد والأموال العربية، خصوصاً عبر صفقات التسلح بزعم الخطر الخارجي.
لقد حقّقت أوروبا والغرب عموماً، ولاسيما بعد الثورة الفرنسية، العام 1789 تطوّراً كبيراً في قضايا الحرّيات والمساواة وحقوق الانسان، وهو ما كان قد مهّد له كتابات فولتير ولاسيما حول "التسامح" 20 وكتابات مونتسكيو، وخصوصاً كتاب "روح الشرائع" 21 وكتابات جان جاك روسو وبالتحديد كتابه " نظرية العقد الاجتماعي" 22، وذلك بتهيئة بيئة ثقافية للثورة، وحتى بعد مرور أكثر من مئتي عام، فإن عالمنا العربي  والإسلامي، لا يزال يقف في الكثير من مجتمعاته في مرحلة ما قبل الدولة وعند بوابات الحداثة التي تم ولوجها من جانب أوروبا، والانخراط فيها على نحو عميق، الأمر الذي يحتاج إلى تأكيد مسألتين أساسيتين: المسألة الأولى أن ما نطلق عليه مصطلح الدولة لا يزال هشًّا وضعيفاً ويعاني في الكثير من الأحيان من نكوص كبير، فضلاً استمرار التأثيرات السلبية للحقب الاستعمارية، ولم تتوفر بعد إرادة سياسية جماعية على مستوى الكيانية القائمة للاعتراف بقيم ومبادئ التسامح ونشرها وتأكيد احترامها والالتزام بها.
ولعلّ مسألة الدولة تطرح موضوع الشرعية، لاسيما علاقة الحاكم بالمحكوم، تلك التي تحتاج إلى مرجعية محددة وواضحة ما فوق دستورية أحياناً، مع إدراج مبادئها الأساسية في الدستور، وهذه المرجعية تجسّد القيم الإنسانية المشتركة. الشرعية Legitimacy التي تشكل موضوعاً رئيساً من مواضيع علم السياسة والنظام السياسي على وجه الخصوص، وذلك لارتباطه بمسألة كيفية وطريقة ممارسة السلطة السياسية في المجتمع، وبالتالي العلاقة بين الحكام والمحكومين .
وقد اختلف مضمون الشرعية وأدواتها وأهدافها، ففي فترة الحرب الباردة والصراع الآيديولوجي وفي ظل نظام القطبية الثنائية ساد مفهوم "الشرعية الثورية"، حتى وإنْ كان هذا الاستخدام له ما يبرره في مرحلة الإنتقال، لكن هذه "الشرعية الثورية" استمرّت لعقود من الزمان، وعلى نحو متعسّف، بحيث فقدت الشرعية المزعومة أي معنى وتحوّلت إلى   إستبداد وإستئثار ومصادرة للحقوق والحريات.
والمسألة الثانية أن الثقافة العامة والفردية لا تزال متدنّية، بل غائبة في الكثير من الأحيان عن المجتمعات على المستوى العام والفردي، الأمر الذي تتشبث فيه الكثير من الجماعات بالتعصّب والتطرف والنظرة السلبية إزاء الآخر.
ولعلّ مثل هذه الثقافة غير المتسامحة لا تزال سائدة مجتمعياً، بل تمثل الفضاء الثقافي العام في ظلّ عادات وتقاليد تكاد تكون راسخة، بحيث لا يتم التعامل على قدر المساواة القانونية والاجتماعية مع مكوّنات خاصة بالتنوّع الثقافي والتعدّدية القومية أو الدينية أو بالانتقاص منها بالتمييز وعدم المساواة، وإذا كان هذا الأمر ظاهرة عربية وإسلامية بامتياز، فإن الغرب ليس بريئاً منه، فالنظرة الإستئصالية الإلغائية تسود لديه أيضاً في ظل أجواء التطرّف والتعصّب، وفي إطار اعتقاد خاطئ، وذلك حين يتم اختزال الثقافة العربية الاسلامية إلى دين والى تعاليم محددة أو ممارسات لبعض من ينتمي إلى هذا الدين في حين، أنها هوية لحضارة ممتدّة ومتّصلة، بغضّ النظر عن القومية واللغة والجنس واللون والأصل الاجتماعي والاتجاه السياسي.
وعلينا الاعتراف أن الفرق واسع والمسافة شاسعة بيننا وبين الغرب وهو وإنْ كانت نظرته استعلائية وفوقية إزاء " الآخر" ولا سيّما شعوب وأمم العالم الثالث، الاّ أنه على صعيد الداخل والمواطنة وحقوق الإنسان، فإن لديه قوانين وأنظمة  ومؤسسات تستند إلى قيم التسامح التي ترتقي بها إلى مصاف قواعد قانونية واجتماعية وسلوكية وأخلاقية، حتى وإن وجدت بعض الممارسات من بعض الاتجاهات المتعصّبة والمتطرّفة ذات النزعات العنصرية والفاشية، في حين أننا لا نزال حتى الآن بعيدين عن قيم التسامح ومبادئه 23.
واستناداً إلى بعض الاتجاهات المتطرفة في الغرب ذاته صاغ صموئيل هنتنغتون فكرته حول "صدام الحضارات" وذلك انطلاقاً من قراءة مخطوءة للعلاقات بين الدول والشعوب بقوله: إن غياب العدو الشيوعي لا يعني زوال التهديد بالنسبة للولايات المتحدة والغرب ولكي تحتفظ واشنطن بزعامة العالم وجب عليها البقاء على أهبة الاستعداد كقوة ضاربة للدفاع عن حضارة الغرب، ... لأن الصراع هو " صدام حضارات وليس نهاية التاريخ فحسب" والمشكلة فكرية ثقافية، مع الحضارات الأخرى، لا سيما مع الإسلام والحضارة العربية- الإسلامية، خصوصاً وإن الإسلام قادر على التعبئة من الغرب إلى الباكستان، حيث تدمغ الحضارة العربية- الإسلامية بقضها وقضيضها بالتطرف والظلامية والأصولية.
وقبل هنتنغتون كان فرانسيس فوكوياما قد توجه إلى الحديث عن نهاية التاريخ، End of History واضعاً الصراع على المستوى العالمي بين الأمم الما قبل تاريخية وبين العالم المتحضر " الما بعد تاريخي" عالم الصناعة والتقدم، حيث فازت الليبرالية على المستوى السياسي والاقتصادي، بانهيار أوروبا الشرقية وأنظمتها الاشتراكية. ويعتقد فوكوياما إن عالم ما بعد التاريخ هو الذي يحقق العدالة والإنسانية بفضل قوته الصناعية وتقدّمه، وما على الآخرين الاّ الانصياع والتسليم.24
للأسف الشديد لا يزال المسلمون، لاسيما المؤدلجون أو الإسلامويون أو المتأسملون غير متصالحين مع تاريخهم الايجابي منه أو السلبي، فهو يريدونه كما يروق لهم اليوم، ولا سيّما بعض رجال الدين، بما يعني توظيفه لمصالحهم الآنية، التي في الغالب هي مصالح اقصائية وتسلّطية، وخصوصاً عدم الاعتراف بالآخر، فما هو إيجابي من فقه التسامح وقيم الإسلام السمحاء يتم أحياناً غضّ النظر عنها، وهو الجانب المشرّف من التاريخ الإسلامي المنسجم مع روح القرآن والسنّة النبوية، لا سيّما القيم ذات البعد الشمولي الكوني، متجاوزة على زمانها ومكانها 25.
ويتم التشبّث أحياناً بعكسها، بما عفا عليه الزمن، بحجج واهية لا تخدم التعايش والتعاون والمشترك الإنساني بين بني البشر وإنْ كان بعضها ضمن سياق تاريخي فإن عهده قد انتهى، وهو ما تحاول بعض الاتجاهات في الغرب نعت الإسلام وإتهامه كلّه بالتعصّب والغلو، بسبب تفسيرات خاطئة وبعيدة عن روح التسامح.
إن التصالح مع التاريخ سيقود إلى تصالح مع الحاضر، سواءً جغرافياً أو دينياً أو قيمياً، وهو يقتضي المصالحة مع النفس، ومع الآخر الذي نعيش وإيّاه في وطن واحد أو على كوكب واحد، سواءً كان مسلماً أو مسيحياً أو يهودياً أو غير ذلك، مؤمناً أو غير مؤمن، المهم أن يكون إنساناً يستطيع أن يعيش معنا في إطار مجتمع واحد أو عالم واحد، بغض النظر عن الدين أو اللون أو الجنس أو العرق أو اللغة أو الأصل الاجتماعي أو الاتجاه السياسي، كما تذهب إلى ذلك الشرعة الدولية لحقوق الانسان وعدد من الاتفاقيات والمعاهدات الدولية، باعتبارها مرجعيات للتسامح.
التصالح مع النفس يقتضي الحوار مع الآخر والتواصل معه من خلال التبادل والتفاعل الإنساني، على أساس المشترك، الجامع، الموحد، المختلف، والمؤتلف في الآن ذاته.
حقيقة التسامح
مقاربة للسؤال المركزي الذي ظلّ يدور في كتاب الدكتورة فاتن الخفاجي: إذا كانت الحاجة للتسامح ضرورية، فالسؤال المنطقي الذي يتفرّع عن السؤال الأول هو: كيف السبيل لبناء وترسيخ ثقافة التسامح في ظل ما آلت إليه أوضاعنا من عنف وإرهاب، لا سيما بانتشار التعصّب والتطرّف، بعد احتلال العراق في العام 2003؟ ولعلّ الأمر يتطلب توفّر ظروفاً موضوعية وهذه تحتاج إلى :
أولاً- بيئة سلمية ولا عنفية مناسبة ينمو فيها ويترعرع ويزدهر الاعتراف بالآخر وحقه في العيش بسلام ودون خوف وضمان حقوقه كاملة على أساس المساواة والمشترك الإنساني. وهذه البيئة تتطلب رافعات أساسية للتسامح أهمها:
1-    وجود قوانين وأنظمة (تشريعية) تعتمد مبادئ المواطنة الكاملة والمساواة التامة والحق في الاختلاف وإقرار التنوّع والتعددية، وضمان العدل وعدم التحيّز في التشريعات وفي إنفاذ القوانين والإجراءات القضائية والإدراية، ذلك أن عدم وجود قوانين وأنظمة راعية للتسامح ورادعة لمن يخالف قواعده، سواء إزاء الأديان أو القوميات أو الثقافات سيؤدي إلى تفقيس بيض اللاتسامح، الأمر الذي سيقود إلى التوتر والعنف والارهاب، خصوصاً بوضع إلغاء وإقصاء الآخر هدفاً.
2-   قضاء مستقل ونزيه لتطبيق القانون وحماية الحقوق والحريات. ولعلّ البيئة القضائية السلمية ستلعب دوراً إيجابياً في الإقرار بحق الاختلاف والمساواة وإحقاق الحقوق.
3-   مناهج تربوية وتعليمية تقوم على المساواة وعدم التمييز، باعتبار التعليم والتربية من أنجع الوسائل لمنع اللاتسامح، ولعل الخطوة الأولى على هذه الطريق هي تعليم الناس حقوقهم وحرياتهم التي يتشاركون فيها وتأكيد عزمهم على حمايتها.26
4-    إن غياب مبادئ التسامح عن المناهج والأساليب التربوية والتعليمية، خصوصاً باستمرار النظرة القاصرة إلى الآخر والمشفوعة بتبرير الممارسات التمييزية والاستعلائية، تخلق ردود فعل حادة وتقود إلى تشجيع عوامل الاحتراب وخصوصاً في ظل الشعور بالاستلاب، لا سيما من جانب التكوينات المستضعفة والمهضومة الحقوق.
5-    بيئة إعلامية تتيح حرّية التعبير ونشر قيم التسامح والتعايش وعدم التمييز. فالاعلام سلاح ذو حدّين، فبإمكانه أن يكون عاملاً مساعداً في نشر قيم التسامح ومبادئه أو الترويج بضدها، بما يغذي عوامل الكراهية والأحقاد وتبرير العنف والارهاب.
6-    بيئة اجتماعية ومجتمعية من خلال منظمات مستقلة للمجتمع المدني تسهم في تعزيز التعايش والمشترك الإنساني وتقوم برصد ورقابة الممارسات غير المتسامحة حكومياً ومجتمعياً، وتكون شريكاً برسم السياسات العامة.
وثانياً- فهم مشترك لفكرة التسامح، وهذا يقوم على تنزيه مبادئ التسامح عن الفكرة الساذجة حول تعارضها مع مبادئ "العدالة"، وتصويرها وكأنها تعني غضّ الطرف عن الإرتكابات والإنتهاكات لحقوق الإنسان، مثل ممارسة التعذيب أو الإغتصاب أو القتل الجماعي، أو غير ذلك من الجرائم التي لا تسقط  بالتقادم، سواءً ما يتعلق بالنظام السابق أو الارتكابات اللاحقة ما بعد الاحتلال.  ولا بدّ من توضيح الفارق المتناقض بين مبادئ التسامح وفكرة المساومة أو التنازل أو التساهل، ولا يجوز بأي حال التذرّع بالتسامح لتبرير المساس بقيم حقوق الإنسان وحرّياته الأساسية.
كما من الضروري تفريق فكرة التسامح عن الفكرة الدارجة حول "العفو" أو "تناسي" أو "نسيان" ما حدث من ارتكابات أو عدم المساءلة، فذلك لا يجمعه جامع مع فكرة التسامح التي نقصدها والتي حاولنا عرضها تساوقاً مع مرحلة إعلان التسامح، ولعل جوهر مبادئ التسامح ومضمونه يعني حق كل فرد أو مجموعة التمسّك بحقوقها وعدم التنازل عنها، وهذه الفكرة هي نقيض فكرة وجود طرف قوي وآخر ضعيف، وأن الأول أو الثاني "يتسامح" مع الآخر، انطلاقاً من فكرة مثالية، بل أن العكس هو الصحيح، لا سيّما التمسّك بالحقوق وبالعيش المشترك، وأظنّ أن مثل هذا الفهم النيتشوي هو الذي يدعو بعض المثقفين إلى معارضة فكرة التسامح والنظر إليها بازدراء واستخفاف.
لهذه الأسباب تكتسب فكرة التسامح أهميتها وراهنيتها في العراق بشكل خاص حيث يسود العنف والارهاب، وتتصارع فيه قوى يريد كل منها فرض هيمنته على الآخر، كما تكتسب أهميتها وراهنيتها، لأن مجتمعنا العراقي عانى من اللاتسامح على صعيد علاقاتها الداخلية والدولية، من خلال الاستبداد والعدوان والحصار والاحتلال والطائفية والارهاب والتهميش، ولا يزال يعاني على مستوى الداخل من العنف والارهاب والتعصّب والتطرف والغلو.
كما أن فكرة التسامح ضرورية لترميم الحياة السياسية بعيداً عن الكيدية والانتقامية وردّ الفعل والعنف والثأر إزاء الآخر، وهو الأمر الذي يطرح موضوع المصالحة الوطنية الحقيقية بكل أبعادها على أساس مبادئ التسامح واستناداً إلى العدالة الانتقالية وتساوقاً مع قيم حقوق الإنسان، وذلك بتحديد المسؤوليات وكشف الحقيقة كاملة وجبر الضرر وتعويض الضحايا، والمهم إصلاح النظام القانوني والقضائي والأمني، وتوفير بيئة مشجّعة على ذلك.
وتحتاج المسألة إلى بثّ ثقافة التسامح وتعميمها، خصوصاً وأن مجتمعنا عانى من العنف واللاتسامح في الماضي والحاضر، وهذا ترك آثاره السلبية وجروحه العميقة، ولعل الهدف الأسمى هو تجاوز كل ذلك لآفاق مستقبلية، أساسها حرية الإنسان وسعادته، فالإنسان هو الأصل على حد تعبير الفيلسوف الإغريقي بروتوغوراس.
كما أن مجتمعنا بحاجة إلى التخلص من التركة الثقيلة لنزاعات داخلية حادة بين قوى وتيارات وطوائف وأديان، لا تزال تفعل فعلها من خلال أمراء اللاتسامح، الذين يعيشون ويتغذّون على أجوائه.
ثالثاً- الاعتراف بحقوق الغير ومعاناة الفئات المستضعفة، وهذا يعني إنصاف الأفراد والجماعات التي تعرّضت حقوقها للانتهاك، وذلك بعيداً عن  الاعتبارات المصلحية والنفعية السياسية والشخصية، من خلال الإقرار بمعاناة فئات وشعوب وأمم وأديان وطوائف وجماعات مستضعفة، تعرّضت بسبب اللاتسامح وهضم الحقوق إلى مآسي كبيرة، لحقت بها جرّاء حروب وأعمال إبادة وقمع واستباحات باسم القومية، أحياناً أو باسم الدين، أو باسم الطائفة أو المذهب أو مصالح الكادحين أو غير ذلك من المزاعم الآيديولوجية، وإذا كان ذلك على المستوى الداخلي، فإن معاناة العراق من الحصار والاستباحات الخارجية والاحتلال على المستوى الخارجي، كانت سبباً في الكثير من الويلات والمآسي التي حلّت بالعراق وشعبه والتي أدّت إلى تعطيل التنمية والتقدم .
وإذا كنت قد أشرت إلى غياب أو ضعف ثقافة التسامح لدى الجميع، فإن هذا الضعف استمر، حيث بقيت الاستجابة الرسمية وغير الرسمية منكمشة وحذرة، وإن كان هناك بعض المبادرات المحدودة، حيث صدرت بضعة كتب ومطبوعات، وتأسست منظمات وشبكات لهذا الغرض، لكنها لا تزال محصورة جداً في إطار بعض النخب التنويرية وتأثيرها الاجتماعي والسياسي محدوداً.27
 ولا تزال تفصلنا هوّة سحيقة عن قيم التسامح الإنساني التي تكرّست في مجتمعات سبقتنا على هذا الصعيد، الأمر الذي يحتاج إلى مراجعات ونقد ذاتي، لا سيّما من جانب النخب الفكرية والسياسية الحاكمة وغير الحاكمة، لمقاربة فكرة التسامح والتعاطي معها ايجابياً، على الصعيد الاخلاقي والاجتماعي، لا سيّما بعد اقرارها قانونياً ودستورياً. 
   فرضيات التسامح
لابدّ من الاقرار بأن الوضع الذي نعيشه في العالم العربي والإسلامي، يعتبر من أكثر الأوضاع قسوة على الصعيد العالمي ازاء قضايا التسامح واحترام حقوق الانسان. وقد كشفت تقارير التنمية البشرية التي صدرت عن البرنامج الانمائي التابع للامم المتحدة للعقد الماضي، الهوّة السحيقة للعالم العربي ويمكن ان نضيف للعالم الإسلامي فيما يتعلق بشحّ الحرّيات المدنية والسياسية والقهر السياسي والنقص الفادح في المعرفة والتخلف المريع في ميدان العلوم والتكنولوجيا، والموقف من قضايا تحرر المرأة ومعالجة "مسألة الأقليات – التنوّع الثقافي" وحقوق الانسان بشكل عام.
    ولعلّ هذه الاوضاع كانت سبباً رئيسياً في تفشي ظاهرة اللاتسامح، خصوصاً الأسباب الداخلية الفكرية والثقافية وانعكاساتها، اقتصادياً واجتماعياً، اضافة إلى العوامل الخارجية التي ساهمت في عزل العرب والمسلمين وتهميش دورهم وعرقلة مساهمتهم في الحصول على العلم والتكنولوجيا، ناهيكم عن الحروب والعدوان المتكرر والحصار الدولي واحتلال الأراضي وغيرها، تلك التي لعبت دورا تبديدياً لإمكانات وأموال العرب والمسلمين وانفاقها على "العسكرة" والتسلّح، خصوصاً في ظل استمرار التنكر لحق الشعب العربي الفلسطيني في تقرير المصير وتمكينه من بناء دولته الوطنية المستقلة، وتمادي "إسرائيل" في عدوانها المتكرر على الامة العربية، مما أدّى إلى تعطيل التنمية وتأخير الاصلاح وتعويق الديمقراطية، وعرقلة السير نحو الحداثة.
   وقد استغلت بعض الحكومات العربية والإسلامية وتيارات شمولية أخرى حتى وإنْ كانت نقيضها أو من معارضتها، حيثيات الصراع العربي-الاسرائيلي لتبرّر مصادرة الحرّيات وسياسة اللاتسامح وعدم الاعتراف بالتعددية وبحق الاختلاف والمعارضة، وتعطيل السير في طريق التنمية والديمقراطية.
   ان عدم الاعتراف بالآخر والسعي لاقصائه أو إلغائه أو تهميشه على المستوى الداخلي (أي علاقة الحكومات بالشعوب) أو على المستوى الدولي (محاولة فرض الاستتباع وإملاء الإرادة والهيمنة) قادت إلى ادّعاء الأفضليات وامتلاك الحقيقة، واعتبار الآخر، المختلف، الخصم، العدو، محرّماً أو مؤثماً أو مجَّرماً. وهكذا فان المختلف في نظر التيارات الاستئصالية الداخلية والدولية، إنما يتطلب نزع مقاومته ورفض الاعتراف به على قدم المساواة ، سواء كان فرداً أو تياراً أو حزباً أو أمة أو شعباً أو دولة.
   التحدّي الأساسي الذي يواجه العالم العربي هو تقديره السليم لحاجاته الملحّة ومتطلباته الأساسية بشأن التغيير والتقدّم عبر تطور وتراكم ووسطية واعتدال وبحث عن المشترك الإنساني واعتراف بالآخر والتسامح في التعامل معه، وهو ما نطلبه لأنفسنا من الآخر أيضاً.
وعلى العكس من ذلك فان الاستكانة لما هو سائد ورفض أي تغيير يقود إلى الاستغراق في التشدّد والتعصّب والغلو، ولعلّ هذا يؤدّي إلى تفاقم أوضاعنا سوءًا ويزيد من معاناة مجتمعاتنا ويعمّق من احتقاناتها السياسية والاجتماعية والدينية والمذهبية، وهو ما رافق وما أعقب حركة التغيير التي شهدها العالم العربي في العام 2011 وما بعدها، سواءً التي اتّخذت الطابع السلمي أو التي شهدت أعمالاً عنفية واصطدامات مسلحة، وإن اختلفت حدّتها في بعض البلدان عن غيرها.
   ولعلّ "الموجة الجديدة " للتغيير وإن أحدثت ارتياحاً بشكل عام في أوساط واسعة مختلفة ومتنوّعة، خصوصاً تغيير الأنظمة الحاكمة، ولا سيما ما صاحب نبرتها الأولى من دعوات للتسامح، وشعارات للحرّية والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية، لكنها استبطنت قلقاً أخذ يرتفع ليتحوّل إلى مخاوف حقيقية إزاء التوجّها

125
ساعة الصفر السورية في واشنطن
   
 
عبدالحسين شعبان
بعد جفاء طويل ثم عداء مستحكم، اختارت واشنطن اللحظة التاريخية لتوجيه ضربة عسكرية إلى سورية، فقد استغلت انطلاقة الثورة السلمية السورية، التي قمعتها دمشق بالقوة، لاتخاذ إجراءات من شأنها شنّ حرب ناعمة ضد سورية، مبتدئة بالحصار، ولا سيّما إدراج قيادات سياسية واقتصادية في دائرة الحظر والملاحقة، فضلاً عن التضييق السياسي الذي وصل إلى درجة عزل النظام السوري وتحشيد الحلفاء الإقليميين والدوليين ضده، من خلال استمرار الحرب النفسية وتشجيع النزاع الداخلي المسلح.


ظلّت سياسة الحرب الناعمة مستمرة طيلة العامين ونصف العام الماضيين، لا سّيما باحتدام الصراع بين السلطة والمعارضة في سوريا وارتفاع منسوب العنف إلى درجة خطيرة في ظلّ نشاط بعض الجماعات الارهابية والتكفيرية بما فيها ما يسمى “الدولة الإسلامية للعراق وسوريا” . ولعلّ هدف تلك السياسة هو زعزعة الكيان السوري وشن حملة إعلامية ضده باعتباره خارجاً على الشرعية الدولية، لا سيّما باستخدامه الأسلحة المحرّمة دولياً، وهو ما حصل في الغوطتين الشمالية والشرقية في 21 أغسطس/آب  ،2013 حيث سقط أكثر من ألف إنسان ضحايا أبرياء .

وجاءت تلك اللحظة التي انتظرتها واشنطن، ولا سيّما الادارة الأمريكية لتطوي تردّدها ولتقدِمْ على عمل عسكري محدّد، وهو عبارة عن رسالة شديدة اللهجة إلى سوريا بقصف منشآت حيوية ومخازن أسلحة ومقار قيادة وغيرها، علماً بأن تيار الحزب الجمهوري داخل الكونغرس يريد أكثر من ذلك، وهو من المتحمسين لتسليح المعارضة وتوجيه ضربات عسكرية للنظام، ومعه جزء من الحزب الديمقراطي، مقابل رأي الرئيس أوباما ومعظم أركان إدارته بما فيه البنتاغون (وزارة الدفاع) والمخابرات المركزية الأمريكية CIA ووزارة الخارجية ومستشار الأمن القومي، فإنهم سعوا لتجنّب العمل العسكري قدر الإمكان والاكتفاء بممارسة ضغوط إقليمية ودولية على المستوى السياسي وأقل منه على المستوى العسكري، وذلك لغاية اتهامهم الحكومة السورية باستخدام الأسلحة الكيماوية المحرّمة دولياً، الأمر الذي دفع الرئيس أوباما إلى اتخاذ قرار بتوجيه ضربة عسكرية إلى سوريا، وسعى للحصول على موافقة الكونغرس عليها بهدف إعطائها شرعية أكبر!

وخلال الفترة الماضية استخدمت واشنطن سياسة العصا والجزرة، فحاولت سياسياً الضغط على الحكومة السورية لقبول الشروط الأمريكية، ولا سيّما التخلّي عن الأسلحة الكيماوية التي يسميها البعض “سلاح الفقراء” مقابل الاعتراف بالأمر الواقع، يضاف إلى ذلك مطلب فك الارتباط مع إيران وحزب الله .

وبلا أدنى شك فقد أنهكت الحرب الناعمة سوريا، وعمّقت من التناقضات الداخلية لدرجة يكاد فيها الكيان السوري أن يتصدّع، لولا بعض عناصر التماسك التي لا تزال مستمرة، وخصوصاً في الجيش، تلك التي تعتبر قوية حتى الآن لاعتبارات مناطقية وفئوية، لتبدأ بعدها واشنطن بمرحلة جديدة، وهي مرحلة القضم التدريجي وهذا الخيار توصلت إليه واشنطن بعد اتهامها للقيادة السورية باستخدام الأسلحة الكيماوية، وذلك بالتفكير بتوجيه ضربات عسكرية محدودة ومحدّدة للقضاء على القدرة الصاروخية والجوية والتكنولوجية وضرب البنية التحتية العسكرية، سواء مراكز القيادة أو السيطرة أو المطارات أو الرادارات أو شبكة الاتصالات أو غيرها وهو ما وضعته في مرحلتها الثانية من الحرب المحدودة بعد الحرب النفسية الناعمة .

وحسب تقدير الاستراتيجية الأمريكية فإن نجاح هذه الضربات في فترة زمنية معقولة سيمكّنها من إعادة التوازن بين أطراف النزاع (الحكومة والمعارضة) والسيطرة على مخازن السلاح الكيماوي والاستراتيجي السوري، وقد تدفع بعض فرق الكوماندوز للتسللّ على الرغم من أن الإدارة الأمريكية أعلنت أكثر من مرّة عدم إرسال قوات برّية أمريكية إلى سوريا .

وقد تذهب واشنطن إلى استخدام طائرات الشبح من قواعدها الجوية في المنطقة، وذلك ترافقاً مع صواريخ كروز وتوماهوك التي ستنطلق ضد المواقع السورية، وقد لا تدوم الحرب هذه طويلاً وقد تكون على شكل متقطع ولكن متواصل، باختيار أهداف محددة، كما حصل في السيناريو العراقي، الذي استمر لسنوات طويلة، خصوصاً في مرحلة الرئيس كلينتون وسياسة الاحتواء والاحتواء المزدوج “العراق- إيران” .

وحتى الآن فإن الأطراف ذات العلاقة ستكون أقرب إلى المتفرج، ف”إسرائيل” سوف لا تدخل الحرب، وروسيا “لن تدخل الحرب ضد أحد” حسب تصريح وزير خارجيتها سيرغي لافرورف، وإيران لن تغامر بمستقبلها في دخول الحرب وإن كانت تقف إلى جانب حليفتها سوريا، وتزوّدها بالسلاح والخبرة وتشجع حزب الله على التعاون إلى أبعد الحدود، خصوصاً وأن هذه الحرب لا تسعى إلى إسقاط النظام في هذه المرحلة حتى الآن .

أما المرحلة الثالثة من الحرب فتتمثل في نشر الفوضى الخلاقة وتفريعاتها الدينية والطائفية والإثنية، بهدف استنزاف المجتمع السوري، حتى ينهار النظام .

ولهذا فإن الإدارة الأمريكية وهي تدرس سيناريوهات الحرب فإنها ترجّح خيار الضربات العسكرية الجراحية، محتفظة بعدم تدخل أحد، لأن الهجوم الواسع الذي يهدف إلى إطاحة النظام سيلقى حالياً رد فعل كبير، ولهذا فإن الخيار العسكري المحدود سيخدم الاستراتيجية الأمريكية البعيدة المدى، وقد تذهب واشنطن بعدها إلى إعلان بعض المناطق كملاذ آمن Save Havenوبعضها كمنطقة حظر جوي NO Fly Zone ، وذلك بهدف توسيع دائرة القضم .

وقد حذّر الجنرال دمبسي قائد الأركان الأمريكي الادارة الأمريكية من الخيار العسكري الشامل ضد سوريا، معتبراً ذلك لا يخدم المصلحة القومية الأمريكية وأنه يعارضه بشدّة .

وسعت واشنطن إلى إيجاد غطاء قانوني لهجومها ضد سوريا حتى وإن كان من خارج الأمم المتحدة، سواء محاولات الثلاثي الأمريكي والبريطاني والفرنسي إقناع شعوبهم بأن النظام السوري استخدم السلاح الكيماوي في الغوطة، وأنه يمتلك أكبر مخزون في العالم، وأن ذلك يشكل خطراً على سلم وأمن العالم والمنطقة، بما فيها أمن “إسرائيل” حليفتهم، وكذلك فإنه يشكّل خطراً على الأمن القومي الأمريكي، لأن هذا الأخير يشمل العالم كله، ناهيكم عن ذلك فإن صورة الأسد كدكتاتور ترسخت في الإعلام الأمريكي والغربي مثلما هي صورة صدام حسين، حتى وإن لم يتمكن رئيس الوزراء البريطاني كاميرون من الحصول على تأييد مجلس العموم البريطاني للمشاركة في الضربة العسكرية، وذلك لجهة التجربة العراقية المريرة، وارتفعت نبرة الحديث في باريس وبرلين باتجاه انتظار نتائج البعثة الدولية بشأن استخدام الأسلحة الكيماوية .

لا تزال ساعة الصفر السورية في واشنطن وفي حين يترقب الملايين من البشر الضربة العسكرية، فإن معاناة السوريين تزداد تفاقماً سواءً كانوا لاجئين أو نازحين أو ينتظرون صواريخ لا قدرة لديهم على ردّها!


126
سؤال في الربيع العربي
هل المسيحيون أقلية مضطهدة؟

عبد الحسين شعبان

كاتب ومفكّر – العراق


(...) «سؤال حائر»: هل سيشمل الربيع المنتظر المسيحيين أيضاً، أم سيكون خريفاً لهم؟ وهل من الممكن أن نطلق عليه ربيعاً وهو يستثني فئة لها حضورها الثقافي والفكري والمعرفي والاجتماعي والديني؟ وبعد كل هذا هل يمكن أن يكون الربيع للمسلمين العرب فقط، في حين يكون خريفاً للمسيحيين العرب وللمجموعات الثقافية الأخرى؟
أليس في الأمر ثمة مفارقة وإجحاف، فكيف سيكون الربيع العربي ربيعاً حقيقياً، إنْ لم يكن ربيع المواطنة وربيع الحقوق والحريات؟ ربيع الجميع وليس ربيع فئة أو طائفة أو دين على حساب الآخر، لدرجة أن إعلامياً كبيراً (محمد حسنين هيكل) سبق له أن رحّب بثورة «25 يناير» 2011 المصرية، اعتبر ما يشهده العالم العربي اليوم ليس «ربيعاً عربياً» وإنما سايكس بيكو جديد لتقسيم العالم العربي وتقاسم موارده ومواقعه.
لعلّ زاوية النظر الخاصة بالمسيحيين قد تختلف عن غيرهم، وإنْ كان الاختلاف كما أحسب مؤقتاً أو ظرفياً، وحتى لو كان المشهد إيجابياً بشكل عام، ولكن قد توجد فيه نقاط معتمة، وربما في فصل الربيع على الرغم من اعتداله، هناك عواصف وأحياناً أمطار وسيول وانهيارات، هكذا هي الطبيعة، ولا نريد التشبيه، ولكن يمكن أن يكون ما حصل للمسيحيين هي جزء من الجوانب السلبية والمعتمة في إطار المشهد الربيعي العام وإن كان صعود تيار الإسلام السياسي يقلق المسيحيين وغيرهم، لكن الحكم قد يكون سابقاً لأوانه.
وهنا لا ينبغي إهمال ما تعرّض له المسيحيون، بل لا بدّ من أخذه بنظر الاعتبار، إزاء النتائج الأولية للربيع العربي، على الرغم من أنها لم تكتمل، فالاتجاهات الإسلاموية أو الإسلامية وبعضها المتطرف والمتعصب قد تصدّرت الواجهات حتى وإن كان الأمر بطريقة «تسليم المفتاح» على حد تعبير هيكل في لحظة من لحظات تبرّمه من هيمنة «الأخوان المسلمين» والاعتراف الغربي الأميركي بهم، وإنْ كان لم يأتِ قبولاً بحق ولا إعجاباًَ ولا حكمة، لكنه لتأجيج الفتنة بين المسلمين ، وكان باكورة عمل بعض القوى الإسلامية أو السلفية هو التهديد بإقصاء المسيحيين أو استهدافهم عملياً أو التصدي لطريقة حياتهم وعيشهم، بما فيها استخدام العنف ضدهم. نظرياً هناك خمسة أخطاء كبرى تنطوي على تصنيف المسيحيين كأقلية في أوطانهم:
الخطأ الأول يتجاهل كونهم عربا، والعرب «أغلبية» في بلدانهم، وإنْ كنت كما سيكون واضحاً في هذا الكتاب، لا أميل إلى استخدام مصطلح الأقلية والأغلبية، بالنسبة للمجموعات الثقافية: القومية والدينية والسلالية واللغوية، حتى وإن استخدمتها الأمم المتحدة، لأنني أعتقد أنها مصطلحات تصلح لتوصيف القوى والتجمّعات السياسية والكتل البرلمانية، ولا تصلح لتوصيف التنوّع الثقافي، أو «المجموعات الثقافية».
الخطأ الثاني هو السعي لفصل المسيحيين عن عروبتهم، إذ أن أغلبيتهم الساحقة تعتبر الرابطة العروبية وهي رابطة حقوقية ووجدانية وانتماء إنساني واجتماعي، بل هي الحبل السري الذي يربطهم بأوطانهم وبشركائهم في الوطن الواحد، فهم والمسلمون وغيرهم ينتمون إلى الرابطة العروبية.
الخطأ الثالث هو استصغار دور المسيحيين، في إطار نظرة موروثة سائدة تارة لعددهم، وأخرى لدينهم، وثالثة للامتداد المسيحي في الغرب، ورابعة التشكيك بولائهم، بل ان البعض يعتبرهم طابوراً خامساً، لا سيما في الأزمات، وتفسّر دعواتهم للحداثة والتنوير أحياناً وكأنها أدوات «خادعة» وواجهات للنفوذ الغربي.
وتهمل هذه النظرة ما لعبه المسيحيون من دور ريادي على مرّ التاريخ في هذه المنطقة، فقد سبقوا الإسلام في سكنى هذه المنطقة، بل أن أصولهم تمتد إلى ما قبل ذلك بكثير، حيث أبدعوا في حضارتها وثقافاتها وتفاعلاتها لاحقاً، سواء مع شعوبها الأخرى أو مع الهجرات الوافدة إليها.
الخطأ الرابع هو محاولة عزل المسيحيين الحاليين عن حركة التنوير التي ساهموا فيها، لا سيّما السعي لتحديث مجتمعاتنا، فضلاً عن المشروع الحضاري الراهن الذي ساهموا في بلورته، للانعتاق من نير الكولونيالية ولإحراز الاستقلال والتحرر والتنمية والاصلاح والديمقراطية والانبعاث الحضاري والوحدة الكيانية، وكانوا باستمرار جزءًا فاعلاً في هذا المشروع، بل أنه لا يمكن تصوّر وجود هذا المشروع دون مساهمة لأبناء الديانة المسيحية أو للمتحدرين منها، بحكم دورهم التنويري التقدمي.
فبحسب النظرة الانتقائية، فإن الراهن ليس استمراراً للماضي، والحاضر لا علاقة له بالتاريخ، وإذا كانت المساهمة المسيحية فعّالة وإيجابية في التاريخ المعاصر، فإن الاتجاهات الاقصائية ترى أن حاضرها مختلف، لاسيما الدعوة إلى المساواة والمواطنة وتكافؤ الفرص والحداثة وقيم حقوق الإنسان، وهذه أمور تختلف عن النضال ضد الكولونيالية والانعتاق من نيرها وإحراز الاستقلال، لأنها تتعلق بموضوع المشاركة وإدارة الحكم وبالمسألة الديمقراطية، تلك التي يحترز منها كثيرون، حتى وإن لم يخالفوها علنياً.
الخطأ الخامس فهو يتعلق بإنكار مساهمة المسيحيين في نضال أمتهم وشعوبها، لا سيّما بصعود التيار الإسلاموي أو الإسلامي المتطرف، وهو تيار استئصالي شمولي واحدي إطلاقي، ليس بحق المسيحيين فحسب، بل بحق مسلمين يختلفون معه في الرأي والتوجّه، ويعتقد المتطرفون والمتعصبون من التيار الإسلامي، السلفي أو الأصولي، أن على المسيحيين الانصياع وعدم المطالبة بالحقوق المتساوية والمواطنة المتكافئة، لأنهم «ذميون» و«لا ولاية لذميّ»، وبالتالي فإن المساواة التامة ليست ممكنة، وإذا ما أرادوا البقاء في «دار الإسلام» وتأمين حمايتهم، فما عليهم الاّ القبول بدرجة أدنى من المواطنة، أو مواطنة تابعة، أي ناقصة أو مبتورة، ولا ترتقي إلى الحد الأدنى للمعايير الدولية وللقواعد الدستورية المتعارف عليها في الفقه الدستوري.
هذه الأخطاء الخمسة الأساسية، التي تم التعبير عنها في رسائل واضحة أو مستترة، معلنة أو مضمرة، علنية أو سرّية، شكّلت المشهد الأكثر احتداماً خلال السنوات المنصرمة، وازدادت حدّة خلال موجة الربيع العربي، ولا سيّما في بعض البلدان التي فيها الوجود المسيحي كبير ومؤثر، ولا سيما في مصر وسوريا والعراق ولبنان وغيرها.
لعلّ بعض المتعصبين لم يقرأوا تاريخ المسيحيين العرب في المنطقة، وإن كانوا قد قرأوا التاريخ فإن قراءتهم مغلوطة أو إغراضية أو قاصرة، فقد كان المسيحيون باستمرار يضعون الانتماء الوطني والعروبي «القومي» فوق انتمائهم الديني، مع اعتزازهم بتاريخهم وثقافتهم وخصوصيتهم، سواءً كانوا متدينين أو غير متدينين، مثلهم مثل المسلمين، لكنهم في الوقت نفسه لا يشعرون بأنهم كاملو المواطنة مثلهم، حيث عانوا من التمييز واللامساواة والتهميش الشيء الكثير، قانونياً ومجتمعياً، ولسبب مختلف عن أسباب إقصاء أو تهميش الآخرين لنزعات استبدادية، وذلك ما يتعلق بنزعات استعلائية تعصبية باسم الدين أو تستخدمه وسيلة للهيمنة.
ومن باب النقد الذاتي يمكن القول ان ثقافة استعلائية ترسخت لدى أواسط واسعة من المسلمين، وخصوصاً لدى التيارات الإسلامية والتقليدية بشكل عام قوامها التمييز ضد المسيحيين، وقد لعب الموروث السلبي والتقاليد البالية والنظرة الخاطئة إلى الآخر دوراً في الترويج لمثل هذه الثقافة، فضلاً عن قراءة مؤدلجة ومخطوءة للتعاليم الإسلامية، من دون النظر إلى المشترك الإنساني، وثقافة التعايش السلمي بين الأديان والقوميات والسلالات واللغات المختلفة والمتنوعة.
المسيحيون جزءٌ من أوطانهم، ومثلما يدافعون عن استقلالها وحقوقها وحرياتها فإن لهم خصوصيتهم أيضاً، لاسيما حقهم في ممارسة طقوسهم وشعائرهم بحرية تامة، في إطار ما يسعون إليه من إقامة دولة مدنية تضع مسافة بين الأديان وتعتمد مبادئ المواطنة والمساواة.
ولعلّ تاريخهم منذ عهد الاستقلال وقيام الدولة العربية الحديثة يوضح على نحو جلي أن جوهر مطالبهم يتلخّص باحترام الخصوصية الإنسانية، والتعامل معهم كمواطنين على درجة واحدة من المساواة، بينهم وبين غيرهم من أبناء الوطن باعتبارهم «مواطنون لا ذميون» حسب تعبير الاعلامي والمفكر المصري فهمي هويدي و«مواطنون لا رعايا» وفقاً لكتاب الباحث والمفكر المصري خالد محمد خالد.
قد يكون مفيداً التذكير بكتب التنوير العربية المسيحية المعاصرة في مواجهة سياسة التتريك، إضافة إلى الصحف العربية التي صدرت في المهجر خلال القرن ونيّف الماضي، وهي تدلّ دلالة كبيرة وواضحة على دورهم المتميّز والريادي على هذا الصعيد، إذ لا يمكن تصوّر تحقق مثل هذا العطاء دون الحضور والمساهمة الفعّالة للمسيحيين وهو ما دفع إعلامي يمتلك قلماً رشيقاً وجملة أنيقة لجرد العطاء المسيحي على نحو مكثف، فقد ذهب علي الصراف بعد عناء ومواصلة، لطرح سؤالٍ بسيطٍ في شكله، عميقٍ في جوهره وهو: لماذا يُظلم المسيحيون ويعاملون بتمييز وتنتقص من حقوقهم الإنسانية ولماذا يهجرون ديارهم؟ وبعد كل هذا نقول لماذا يعاملون كأقلية.
كانت جماعات الإسلام السياسي وراء الهجرة المسيحية التي أصبحت ملفتة.
ولا تزال السياسة الرسمية في البلدان العربية تتجاهل العواقب التي تنجم عنها وحدانية الانتماء وإلغاء أو تهميش الهوّيات الفرعية، بزعم الوحدة العربية تارة والإسلامية تارة أخرى والطبقية في تارة ثالثة، تلك التي لا تعترف بالتنوّع والخصوصية، ومثل هذه الظاهرة تستجيب لنزعة استعلائية إزاء الآخر أو تغضّ النظر عنها أحياناً بتواطؤ أو بجهل عن بعض ممارسات التمييز قانونياً أو مجتمعياً، بصورة جماعية أو فردية، دون أن تدرك ماذا يعني غياب المسيحيين عن المشهد العربي؟



127
مقدمة كتاب " شرنقة شاهين الحريرية"
د. عبد الحسين شعبان*
أوراق خيرية المنصور وشجرة يوسف شاهين
تستعيد خيرية المنصور في أوراقها صورة الزمن الذي مضى، لكنها لا تريد له أن يمضي، إنها مسكونة به، بل هو حاضر فيها، ومتغلغل في كل تفاصيل حياتها التي تنبض فنّاً وإبداعاً وجمالاً. لم يكتشفها يوسف شاهين "جو" كما تسمّيه وكما يناديه أصدقاؤه، بل أنها اكتشفت نفسها معه، وتروي تفاصيل إنسانية وانفعالية حياتية تتدفق بها ذاكرتها للمكان والزمان، مثل نبع فيّاض.
لعل "الأحلام هي الحقيقة الوحيدة" كما كان يردد المخرج الإيطالي فريدريكو فيلليني، وقد ترك لنا أحلاماً كثيرة موزّعة بين أفلامه، كتراث غني للعقل والخيال في آن، وكانت الأحلام هاجساً دائماً لخيرية المنصور في رحلتها مع الفن السابع، بل عنواناً لحياتها كلّها.
عندما زار يوسف شاهين العراق كانت خيرية المنصور لا تزال خريجة حديثة من أكاديمية الفنون الجميلة، لكنها امتلكت الجرأة لتتحدث معه عن فيلم العصفور وعن مدرسته السينمائية النقدية الوضعية، ذات الملمح الانساني، العابر للطائفية والتعصب، والذي جعل فيها مصر الطيبة، المقهورة، الرافضة "بهيّة" الزمان. شعر الفنان الكبير وهو يقضي يوماً كاملاً في الصحراء، أنه أمام شابة واعدة، فخاطب المخرج توفيق صالح:عايز البنت دي تشتغل معاي مساعدة! وهكذا جاءت إلى قاهرة " المعز".
انخرطت خيرية المنصور في مدرسة يوسف شاهين تلك التي جمعت الصراع البصري (الصورة) والحركي، (الراقص) والصوتي (الموسيقا) والديالوغي(الحواري) كلها في هارموني جدلي متناسق ومتعدّد ومتنوّع، كما هي الحياة ذاتها، ولعل هذا مثل روح كتابها " شرنقة شاهين الحريرية المعرفية" الذي حاولت تعشيق دجلة والفرات مع النيل العظيم، في رحلة ممتعة لقامة شامخة وشجرة باسقة، هي أقرب إلى حكاية درامية، بل إنها سينما الحياة بكل عنفوانها وصخبها، وفي كل ذلك فضاء حرّ في الصدق والمعرفة وحب الحياة والفن.
وإذا كان اليونان القدماء (الإغريق) هم من صنّف الفنون الستة المعتبرة عندهم وهي : العمارة والموسيقا والرسم والنحت والشعر والرقص، فإن من استخدم مصطلح الفن السابع هو الناقد الفرنسي- الإيطالي الأصل ريتشيوتو كانودو، الذي وجد فيه تكثيفاً للكورال السداسي، وهو ما عبّرت عنه خيرية المنصور: السينما تتويج لجميع فنون الحياة وأحلامها!
•        كاتب ومفكر
•        عنوان الكتاب " شرنقة شاهين الحريرية".
•        المؤلفة- المخرجة السينمائية: خيرية المنصور.
•        دار الشؤون الثقافية، بغداد، 2013.


128
الرسالة الأمريكية إلى سوريا
   
 
عبدالحسين شعبان

إذا كان العالم يترقّب بقلق انتظار تحديد ساعة الصفر الأمريكية وبدء الهجوم على سوريا، فإن الكثير من الأسئلة تحتدم وتتشابك مصحوبة بتكهنات واحتمالات عديدة، فهل سيكون الهجوم رمزياً ومحدوداً، أي باستهداف مقار قيادة ومخازن أسلحة ولا سيّما الكيماوية ومراكز عسكرية حيوية بحيث تلحق ضرراً بالقدرات العسكرية السورية، أم أن المسألة ستكون أبعد من ذلك، وستؤدي إلى الإطاحة بالنظام أو تكون مقدمة لذلك؟ وكان الرئيس أوباما قد طلب مراراً من الرئيس السوري بشار الأسد التنحّي عن السلطة، فماذا سيحصل؟

حتى الآن فإن معظم المعطيات المتوفّرة تقول إن توجيه ضربة عسكرية إلى سوريا يأتي على هامش اتهامها باستخدام أسلحة كيماوية محرّمة دولياً أدت إلى مقتل أكثر من ألف شخص في الغوطتين الشرقية والشمالية . وبأن الهجوم سيكون محدوداً ومحدّداً، وستكون الضربة العسكرية بمثابة رسالة قوية إلى الحكومة السورية لعدم عبور الخطوط الحمر التي سبق أن تحدث عنها الرئيس الأمريكي، وحذّر من مغبة تجاوزها، وهذه الرسالة تحمل معها عقوبة شديدة ردّاً على مجزرة الغوطة التي تتهم الإدارة الأمريكية الحكومة السورية بارتكابها، في حين أن نتائج تحقيقات البعثة الدولية لم تصدر حتى الآن .

ولعلّ الحوار والبحث في واشنطن جاريان بشأن إيجاد المبررات القانونية الدولية لتكييف الخطة الأمريكية، لتأتي متوافقة مع القانون الدولي، لا سيّما في موضوع استخدام الأسلحة المحرّمة دولياً والذي يؤدي إلى تهديد السلم والأمن الدوليين، فضلاً عن أن مثل تلك الانتهاكات تعتبر تهديداً للأمن القومي الأمريكي الذي لا تنتهي حدوده بحدودها الجغرافية ، بل يمتد ليشمل جميع دول العالم حسب ما درجت على توصيفه العقيدة السياسية الأمريكية، بحيث يصبح أي خطر وشيك أو محتمل يتهدد مصالحها في أية منطقة من العالم يمثّل تهديداً مباشراً لأمنها القومي الداخلي، وهذا يمتد ليشمل “إسرائيل” أيضاً، الأمر الذي يحتاج إلى ردّ استباقي، وكأن الخطر قائم على حدودها، وفي ذلك استقواء وتعسف وعودة للقانون الدولي التقليدي الذي كان يجيز الحق في الحرب .

الجوانب اللوجستية لبدء الهجوم تستكمل على نحو سريع وحاسم، فالقوات البحرية الأمريكية ولا سيما المدمّرات الأربع قبالة السواحل السورية بكامل جهوزيتها وتنتظر الأوامر، ويستعد الفرنسيون بحماسة شديدة للعقوبة العسكرية لسوريا جرّاء استخدامها الأسلحة الكيماوية كما برّرت باريس، ومثل هذه الاستعدادات جاءت على هامش محادثات الرئيس الأمريكي أوباما مع الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند ورئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون .

أسئلة يطرحها موضوع الضربة العسكرية على سوريا: هل ستبقى “إسرائيل” خارج دائرة الهجوم والتنسيق، بعدما أعلنت بعض الدول الاقليمية استعدادها للتعاون على هذا الصعيد، وكانت تركيا أولى الدول التي رحّبت بخطوة من هذا النوع لردع النظام السوري ولمنعه من الانفراد بشعبه، ولكن ماذا لو استخدم النظام السوري صواريخ سكود التي ما تزال بحوزته، تلك التي لها قدرة على ضرب العمق “الإسرائيلي”؟ ثم ماذا لو دخلت إيران وحزب الله، المعركة لا سيما وأن الأخير يمتلك صورايخ على بعد “ضربة حجر” من العمق “الإسرائيلي”؟

قد لا تنتظر الولايات المتحدة الحصول على ترخيص دولي للقيام بعملياتها العسكرية  ضد سوريا، وقد جاء مبرر استخدام الأسلحة الكيماوية، ليضيف إليها رصيداً جديداً في اتخاذ قرار حاسم بتوجيه ضربة عسكرية، وقد حصل مثل هذا الأمر إبان السيناريو العراقي لإعلان الحرب من طرف واشنطن، فعند عدم تمكن واشنطن من استحصال قرار دولي لغزو العراق بعد اعتراضات روسية وتحفظات ألمانية وفرنسية وصينية، صدر القرار 1441 في اكتوبر/تشرين الأول  العام ،2002 وإن تضمن شروطاً حاسمة ضد النظام العراقي، لكنه لم يذهب إلى حد تفويض واشنطن لتجهيز خطتها العسكرية مشفوعة بموافقته لغزو العراق .

ولهذا اضطرّت واشنطن إلى جمع حشد كبير من حلفائها لغزو العراق، ضاربة عرض الحائط التحفظات الدولية، ومخالفة قواعد القانون الدولي والشرعية الدولية، ثم لجأت  إلى الأمم المتحدة طالبة مساعدتها في إصدار قرار، باعتبارها “قوة احتلال” تنطبق عليها اتفاقيات جنيف وقواعد القانون الدولي الإنساني، وهو ما حصل حين صدر القرار 1483 في 22 مايو/أيار  ،2003 وبذلك تم تقنين الاحتلال وإضفاء شرعية عليه، وهو ما ينبغي أن يؤخذ بالحسبان في السيناريو السوري، إذ إن المسألة العراقية اتجهت وفقاً لهذا السيناريو، الذي يبدو اليوم أكثر  قرباً إلى الواقع السوري . وقد تذهب الولايات المتحدة وبتشجيع من تركيا وتحت عنوان حماية المدنيين إلى إعلان ملاذ آمن في شمال سوريا وجنوبها وهو ما تطالب به الجماعات المسلحة وبعض أطراف المعارضة لمنع وصول النظام إليها، وهو السيناريو الذي اتّبع عراقياً في منطقة الملاذ الآمن في شمال العراق (كردستان) وفي منطقة الحظر الجوي في جنوبه .

ومع استمرار الحصار الاقتصادي والضغط السياسي والحظر العسكري يمكن أن يصل الأمر إلى تآكل النظام السياسي وتمزّقه، لا سيّما على قاعدة التشظي الديني، مسلمون ومسيحيون، والتشظي القومي، عرب وأكراد، والتشظي الطائفي، علويون وسنّة ودروز وتفريعات أخرى لهذه العناوين جهوياً ومناطقياً، في إطار مشروع تقسيم كبير لا يخصّ سوريا وحدها، بل عموم دول المنطقة .

وإذا كان الحكم في العراق قد دخل الحرب بلا حلفاء داخليين، حيث ظلّ حتى اللحظة الأخيرة يرفض التنازل لشعبه، فإن الحكم السوري ليس بعيداً عن هذا التعنت، فحتى من هم يدافعون عن سوريا ضد التدخل الخارجي، تعرضوا إلى ما تعرض إليه الشعب السوري ودفعوا ثمناً باهظاً .

وقد انقسم العالم العربي إلى فريق يؤيد الحرب للقضاء على الدكتاتورية ولوقف المجازر والارهاب وهو لا يرى أية إمكانية للحل السلمي والسياسي بإزاحة النظام، وفريق يقف ضد الحرب حتى ولو بقي النظام واستمرّ الحال، بمبرر أن العدوان الخارجي سيكون أكثر خطراً من الطغيان الداخلي . وتلك محنة لكثير من المثقفين العرب في الأزمة العراقية حين وقعوا تحت ضغط الفريقين، وهو ما يتكرّر اليوم في المسألة السورية، حيث كانت قلّة قد اتخذت موقفاً ضد الطغيان وضد العدوان، الأمر الذي يتطلب حملة عربية ودولية لنزع الفتيل بالعودة إلى مؤتمر “جنيف -2” على أساس الانتقال السلمي للسلطة وإجراء انتخابات ديمقراطية بإشراف دولي، مقابل ضمان عالمي لوقف العمل العسكري والسعي لعدم توسيعه فيما لو حصل .

إن طبول الحرب تدقّ على الأبواب، بل فوق الرؤوس وتسير الخطط العسكرية على نحو حثيث، الأمر الذي ينذر باحتمالات امتدادها لعموم المنطقة، لا سيما تفريعاتها الخطيرة ومع ذلك فإن السيناريو العراقي سيظل ماثلاً، بما فيه مغامرة واشنطن خارج نطاق القانون الدولي ما عرضها إلى ردّ فعل كبير ضد سياساتها داخلياً وأثارت الرأي العام الأمريكي والأوروبي ضدها، فاضطرت إلى الانسحاب بعد تعرّضها إلى خسائر كبيرة مادية ومعنوية، ثم جاءت الأزمة المالية والاقتصادية الطاحنة لتدفع واشنطن إلى المزيد من التراجع على المستوى العالمي . فهل سيتكرر السيناريو العراقي وماذا بعده؟


129
خريطة التغيير العربية
إضاءات في أطروحات مغايرة!

الدكتور عبد الحسين شعبان *

•   مفكر وباحث عراقي في القضايا الإستراتيجية العربية والدولية، خبير في ميدان حقوق الإنسان، والقانون الدولي، له مؤلفات عديدة .
•   استاذ فلسفة اللاعنف- جامعة أونور (بيروت)، مدير المركز الوثائقي للقانون الدولي الإنساني ومدير عام مركز الدراسات العربي- الأوروبي.
عوضاً عن المقدمة: الشرارة من تونس
بدأت حكاية الربيع العربي بإضرام الشاب التونسي محمد البوعزيزي النار في جسده، صباح يوم الجمعة 17 كانون الأول (ديسمبر) 2010، فقد عزّت عليه نفسه إثر صفعة تلقّاها من الشرطية فادية حمدي، وسط حشد شعبي في مدينة سيدي بو زيد، لاعتراضه على منعها ومصادرتها  مصدر الرزق الوحيد له ولتسعة أفواه من أسرته.
   كان ردّ البوعزيزي على كرامته المجروحة إنهاء حياته احتجاجاً، لا سيّما وأن فرص حصوله على عيش كريم باءت بالفشل بسبب استشراء سوء الإدارة وفساد السلطة في جسد الدولة وجميع مرافقها، ناهيكم عن شحّ الحريات المزمن. أحضر الشاب المتعلّم وبائع الخضار عدّته وتقدّم خطوات من مبنى المحافظة الذي لم يبعد سوى بضعة أمتار عن مكان وقوف عربات باعة الخضار، وبعد أن عبر الشارع ليكون أمام باب المبنى مباشرة، صبّ الزيت على نفسه وأشعل عود الثقاب، فتوهّج جسده، ولم يدر بخلده لحظتها، أن روحه الصاعدة إلى السماء، ستكون قرباناً للثورة، التي ستبدأ من تونس وتنتقل منها  إلى العالم العربي بأسره.
   وقد تسنّى لكاتب السطور زيارة مكان الحدث والحادث   الذي أشعل الثورة في العالم العربي كلّه، وحسب ماوتسي تونغ، "تكفي شرارة واحدة ليندلع اللهب ويشعل السهل كلّه".
كل شيء قبل هذا التاريخ بدا هادئاً، بل واعتيادياً، لكن النار كانت تضطرم تحت الرماد كما يُقال، فما أن حرّكتها ريح شديدة، حتى اشتعلت، ملتهمة كل ما حولها من أوهام القوة وجبروت الاستبداد والرفاه الزائف. ومن يرقب مسيرة تونس في السنوات العشرين ونيّف الأخيرة، ولاسيما منذ استلام زين العابدين بن علي الرئاسة سيلحظ النقيضين متجاورين: هدوء ظاهري ومستوى معيشي لا بأس به وسلطة أقرب  إلى الحداثة وحقوق للمرأة مكفولة دستورياً في أحسن مستوى قانوني في الوطن العربي، وهي إنجازات تُحسب بشكل أساسي للرئيس الحبيب بورقيبة الذي قاد تونس منذ الاستقلال حتى أواخر الثمانينيات رسمياً، ولكن من جهة أخرى كان البوليس السرّي بالمرصاد لكل من يتفوّه بكلمة ضد الرئيس وحاشيته أو يعارض النظام، كما كان القمع وشحّ الحريات والفساد المالي والإداري مستشرياً لدرجة مريعة، ناهيكم عن تمركز السلطة والمؤسسات السياسية والأمنية جميعها بيد رئيس الدولة، الذي أصبح تدريجياً حاكماً متسلّطاً لا يتورّع عن القيام بأي شيء بما فيه ما يتعارض مع القيم الإنسانية  المنصوص عليها في الشرائع والمواثيق الدولية، فضلاً عن مخالفته لدستور البلاد ذاته. 
   لم يكن إضرام البوعزيزي النار في نفسه مجرد حادث عابر، بل كان بمثابة الشرارة الأولى، التي بدأت تكبر مثل كرة الثلج، وتنتقل من حي  إلى حي ومن مدينة  إلى أخرى، ومن بلد  إلى بلد ثاني، حتى أصبحت رمزاً لثورة الشعوب المقهورة، المنقوصة الكرامة، والتي تعاني من ظلم معتّق، خصوصاً شحّ فرص العدل الاجتماعي وتفاقم الفساد بكل أشكاله وضعف الشعور بالمواطنة، بسبب نقص الحقوق والحريات وعدم التكافؤ في فرص التنمية. ومن وجهة نظر التاريخ الاجتماعي وحسب كارل ماركس، فإن عشرين عاماً من التطور العادي لا يمكن أن تساوي أكثر من يوم واحد، وأنه على العكس يمكن أن تأتي أيام يتجمّع في كل منها عشرون عاماً.
وفي شروط علم الثورات كانت تلك لحظة ثورية بامتياز، لو تأخّرت، لكان من الممكن أن تتبدّد وتضيع فرصة تاريخية، ولو تم الاستعجال بها أو تفجيرها قبل الأوان، لكان يمكن أن تذوي وتذبل وتنتحر حسب المواصفات اللينينية بشأن الانتفاضة، وهنا كانت البراعة التي تجسّدت بالاتساق التاريخي يوم اتّحدت الظروف الموضوعية المواتية بظروف ذاتية مناسبة، مع توفر أداة هي الشباب واستعداد لا محدود للتضحية. ولعلّ في ذلك الفارق بين اللحظة الثورية بعد إحراق البوعزيزي نفسه (أي الناضجة) وبين إحراق نحو ثلاثة وثلاثين شاباً عربياً أنفسهم وإضرام النار في أجسادهم، لكن اللحظة الثورية ظلّت مستعصية، حتى وإن كان هناك تشابهاً في الأوضاع السياسية والظروف الاجتماعية والقهر والحرمان وشحّ الحريات، لكن اللحظة الثورية لن تتكرر ولن تستنسخ، إلى أن تحين مواعيدها، يومها سيكون لكل حادث حديث.
كانت اللحظة التونسية بداية لثورات لم تُعرف نهايتها بعد، سداها ولحمتها شباب بعمر الورد، يشكّل كل واحد منهم وعلى طريقته الخاصة، جمرة غضب واعتراض ضد الظلم والفساد وهدر الكرامة، وإذا كانوا قد تقدّموا الصفوف دون مبالاة وبصدور عارية، فلأنهم أرادوا أن يصنعوا حياة جديدة بعد سنوات من العتمة واختلال علاقة الحاكم بالمحكوم.
لقد أراد هؤلاء الشباب صناعة ربيع عربي أخضر، فكانوا قادة الثورة وسواعدها ووقودها في الآن، متسلّحين بمعرفة وعلم جديدين بفعل الثورة الهائلة في تكنولوجيا المعلومات والاعلام والاتصالات والمواصلات. وإذا به يُحدث المفاجأة وتأتي هذه المرة من تونس، الأكثر رفاهاً وتعليماً ومدنية في العالم العربي، وهي بحد ذاتها ظاهرة جديدة في علم الثورات، لا بدّ من التوقف لدراستها واستخلاص الدروس والعبر منها   .
   "فهم" بن علي في اللحظة الأخيرة أن كل شيء قد حُسم وأن مناوراته لشق وحدة حركة الشباب لم تنجح، وأن الثورة في الأطراف وفي المركز حملت شعارات وطنية عامة وأنها كانت موحدة وسلمية ومدنية، وهنا تدخّل الجيش ليحسم الأمر، وحينها غادر بن علي  إلى منفاه في المملكة العربية السعودية التي وافقت على استضافته في يوم 14 كانون الثاني (يناير) 2011، الذي أصبح تاريخاً محفوراً بالذاكرة وفي القلوب وفي الساحات والملاعب والمكتبات بحروف من نور.
   ويبدو أن ثورة تونس التي كانت بطاقتها الحمراء جاهزة لا تشبه غيرها من الثورات، فهي ثورة تنمية إذا جاز التعبير، وليس هناك مظاهر جوع أو فقر مدقع، ولم تشر التقارير الدولية  إلى ذلك، فضلاً عن وجود متعلمين وخريجي جامعات، وإنْ كانوا يعانون من البطالة وشحّ فرص العمل في السنوات الأخيرة، الاّ أن في ذلك سبباً مختلفاً للتغيير، ولم يعد النظام الذي حقّق نوعاً من النمو الاقتصادي ووفّر خدمات صحية وتعليمية وهياكل ارتكازية وبنية تحتية، قادراً على الاستمرار، بانسداد الأفق الذي وصل إليه، وكما يقال "ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان"، فالكرامة والحرية أساسان للتطور الإنساني، وقيمة عليا لبني البشر، لا يمكن دونهما السير في دروب التنمية وتأمين احترام حقوق الانسان.
ومثلما حدث في ثورات أوروبا الشرقية أن تشكّلت سريعاً وخلال فترة وجيزة هيئات ومنظمات، فقد تأسست في تونس ومصر تحالفات ولجان وهيئات ناطقة باسم الشباب، ومع أنها حصلت في ليبيا وسوريا   أيضاً، لكن التباسات كثيرة رافقتها، خصوصاً في ظل التداخلات الخارجية والاحترابات الداخلية، وتصاعد القمع والعنف الداخلي، أما في اليمن فقد كان دور أحزاب اللقاء المشترك مهماً في توفير البيئة السياسية، للتحرك الشعبي، لكن الشباب شكّلوا هيئاتهم وتحالفاتهم. وفي البحرين لعبت حركة الوفاق الإسلامي (الشيعية الأصول) دوراً مهماً في قيادة التحرك الاحتجاجي، خصوصاً بما تمتلك من رصيد شعبي وبرلماني (حوالي نصف أعضاء مجلس النواب الذين قدموا استقالتهم) إضافة  إلى منظمات سياسية يسارية وديمقراطية ( جمعية العمل الوطني الديمقراطي والمنبر الديمقراطي) شاركت فيها، لكن التداخل الإقليمي حال دون إظهار السمات الحقيقية للمطالب الشعبية.
أما في العراق فالوضع مختلف إذْ أن غالبية القوى السياسية المنخرطة في العملية السياسية، ظلّت على اصطفافاتها، مع أنها حاولت مغازلة الشارع أحياناً، خصوصاً في ظروف نقص الخدمات الفادح، لاسيّما في الكهرباء والصحة، واستمرار تفشي البطالة واستشراء الفساد المالي والإداري، لكن الحركة الشبابية بحكم عوامل الانقسام الطائفي التي لا تزال موجودة والمحاصصات المذهبية والإثنية، لم تستطع أن تتجاوز ذلك، مع أن وجودها واستمرارها يعتبر أحد المظاهر الجديدة في المشهد السياسي العراقي.
ولكن أخطر ما تمرّ به العملية السياسية ومنذ العام 2003 ولحد الآن، هو الانقسام الجديد، خصوصاً بخروج محافظات بأكملها على الحكومة الاتحادية، حيث بدأت من الأنبار وشملت صلاح الدين والموصل وكركوك وديالى وبعض أجزاء من بغداد، ولا سيما الأعظمية، الأمر الذي قد ينذر بسيناريوهات عديدة، وربما سيكون أحلاها مرًّا فيما يتعلق بوحدة العراق وتماسك كيانه الدستوري والسياسي، لا سيّما باستمرار الانشطار العمودي والجغرافي سواء في المناطق الغربية والشمالية من العراق، أو في منطقة إقليم كردستان.
واختلفت حركات الاحتجاج في عُمان والأردن والجزائر والمغرب، فكل واحد منها سلك سبيلاً مختلفاً، ففي عُمان اتّجهت السلطات بعد محاولة منع الاحتجاجات إلى الحل الاقتصادي بزيادة المخصصات والمِنح، وهو إجراء سعودي أيضاً، لاسيما بعد عودة خادم الحرمين الملك عبدالله من رحلة العلاج، وفي الأردن احتدمت الأمور، لكنها لم تصل  إلى الحدّ الذي يدعو إلى تغيير النظام، وتجمعت حزمة من المطالب الشعبية والتقطت المؤسسة الملكية المبادرة، فشكّلت لجنة للحوار الوطني من شخصيات مرموقة اتصلت بجميع الفاعليات والأنشطة السياسية المعارضة وأعدّت تعديلات على الدستور، قال عنها بمن فيهم من تحفّظ عليها أو من يعتبرها غير كافية وغير جذرية، إنها خطوات إيجابية وإنْ لم ترقَ إلى بلوغ الملكية الدستورية لكنها في الطريق إليها، ولا تزال الجزائر على قائمة التغيير على الرغم من بعض مظاهر الصدام والاحتدام، أما في المغرب فقد صدرت تعديلات  دستورية جديدة لبىّ قسم منها مطالب المعارضة في خطوة استباقية لامتصاص موجة التغيير والاحتجاج، وهي مبادرة ذكّرت بمبادرة أواخر التسعينيات يوم انتقل المعارض عبد الرحمن اليوسفي من قيادة المعارضة  إلى رئاسة الوزراء (الوزير الأول) بعد خطوات واصلاحات بادرت إليها المؤسسة الملكية الحاكمة والعريقة   .
هكذا كانت حركة الاحتجاج تتّسع بسرعة خارقة جغرافياً لتصل إلى فئات واسعة في الأحياء والمناطق والبلدات القصيّة والنائية، مثلما هي في مراكز المدن والحواضر، حيث ينفتح الشباب ويتعايش، في ظل خيال جديد غير مألوف من قبل، ولعل مثل هذا الخيال بفضل  العولمة أصبح كونياً، وبمستطاع الفرد الاطّلاع على ما يجري في العالم، فلا حدود ولا قيود لذلك، الأمر الذي زاد في اشتعال حركة الاحتجاج لتذهب متجاوزة حدود الجغرافيا، لاسيّما في ظل وعي جماهيري شبابي ورغبة في التغيير والتخلّص من واقع بائس، الأمر الذي يوحي بميلاد ملامح مستقبل جديد حتى وإن صادفته عقبات أو تعثّرات، خصوصاً إذا ما أُحسن قراءة ما حدث في ضوء تعزيز مشروع نهضوي عربي جديد كإستحقاق كوني تأخر نحو ربع قرن عن المسار العالمي.
لقد انكسر حاجز الصمت وبدت الأنظمة المنيعة والقويّة، هشّة ومنخورة من الداخل، فمن كان منّا يتصور أن يبتدئ نهاره في تونس أو مصر أو ليبيا دون أن تقع عيناه على صورة بن علي أو حسني مبارك أو معمّر القذافي، سواءً عبر التلفاز أو في صحيفة أو إعلان أو ملصق في الشارع أو غير ذلك. وإذا بهم يرحلون في غضون أيام معدودات، ليس كما يغادر البشر العاديون، مواقعهم الوظيفية أو أماكن عملهم ورزقهم، بل غادر "القادة" مكرهين، مع إشارات بالأصابع والأيادي والصوت والصورة  إلى الفناء، أحدهما  إلى المنفى دون عودة، والآخر نُقل محمولاً  إلى قفص الاتهام في حال يُرثى لها، والثالث ظلّ مختبئاً وفارّاً من وجه العدالة  ثم عثر عليه، وبين مصدّق ومكذّب تساءل من أنتم؟ فأجهزوا عليه ففارق الحياة دون أن يصل إلى المحكمة. كلمة واحدة هي التي أطاحت بهم جميعاً وربما ستطيح بآخرين هي:  "إرحل".
مثلما تحوّل مسرح ليتارينا ماجيكا في براغ  إلى "صانع" قرار، حيث كان يجتمع فيه قادة المعارضة وأعضاء المجتمع المدني، فقد تحوّلت بعض المقاهي ودور النشر ومقرّات بعض مؤسسات المجتمع المدني قرب ميدان التحرير إلى مركز قرار أيضاً، وكذلك المقاهي المؤدية  إلى شارع الحبيب بورقيبة، مثلما هي ساحة التحرير في بنغازي  .
كانت ما عُرف بواقعة الجمل يوم 30-31 كانون الثاني (يناير)2011،الشعرة التي قصمت ظهر النظام المصري، ومعها النظام العربي الرسمي ككل، وتتعلق الواقعة باستقدام النظام ما سمّي بالبلطجية وهم عسكريون أو من أجهزة الأمن أو المتعاونين معها وهم على الجمال والخيول، فاقتحموا  ميدان التحرير ونشبت معركة شهيرة سمّيت بواقعة الجمل   وقد استخدمت أنظمة عربية أخرى جماعات مماثلة وأنزلتها إلى الشارع بزي مدني لمواجهة المحتجين، وهو ما أطلق عليهم الشبيحة أو الأزلام أو غيرهم.
لا أستهدف من هذه المقدمة الطويلة تقديم مخطط تفصيلي للثورات العربية الناجزة وغير الناجزة، وليس في نيتي تقديم وقائع يومية للأحداث فتلك قد تكون مهمة المؤرخ التي تتلخص في جمع وقراءة الأحداث وربطها ببعضها، بما قبلها وما بعدها وبما يناظرها في هذا البلد أو ذاك، بما فيها الروايات المتباينة، فالتاريخ مراوغ وماكر في الكثير من الأحيان حسب هيغل، كما أنني لا أستهدف تدوين تاريخ اللحظة، أو لحظة "التاريخ" فتلك مهمة الإعلامي حسب البير كامو باعتباره مؤرخ اللحظة، وستكون مهمة السسيولوجي غير مكتملة لأنه لا يتنبأ، بل يعطي أحكامه وتقديراته بعد وقوع الحدث ووفقاً لمعطياته، فيستخدم أدوات التحليل ومثل هذا الأمر لا يزال في تفاعلاته الأولى، بما فيها من انتهاكات وتجاوزات بانتهاء " شرعية" كانت سائدة أو تآكلها، مع بدايات لشرعية جديدة لم يتم التوافق عليها أو لا زالت تتقاذفها تيارات شتى ولم تستقر بعد.
أما مهمة المنشغل بقضايا الفكر فتتلخص بالوصول إلى الحقائق وتحديد السمات العامة والخلاصات والدروس الضرورية التي يمكن الوصول إليها، والهدف هو تحديد المعاني والدلالات، ليس لما وقع من الأحداث، حسب بل لاستشراف أبعادها ومضامينها وآفاقها المستقبلية.
وقد استهدفت من عملية البحث والتقصي والاستنتاج، استكشاف العملية الثورية الجارية، بالتوقّف عند مقدماتها والبحث في مساراتها والسعي للتعرّف على حقيقتها وخصائصها، ومن جهة ثانية دراسة التحدّيات والخيارات الصعبة التي أثارتها إزاء المستقبل، لاسيما التباسات بعض جوانبها وتداخلاتها مع بعض العوامل الخارجية، خصوصاً المسلحة وارتباط ذلك بحصار وعقوبات، قد تطول، دون إحداث التغيير المنشود، ولعل"النموذج الليبي" على الرغم من التضحيات والخسائر التي قدّمها الشعب الاّ أن عملية الحسم لم تحدث الاّ بعد التدخل الخارجي لحلف الناتو، الأمر الذي عقّد المسألة إلى حدود غير قليلة، ليس لأوضاع الحاضر فحسب، بل فيما يتعلق بالتطور المستقبلي أيضاً.
ولا تزال "المأساة السورية" ماثلة للعيان، لا سيما تأثيراتها الخطيرة على السكان المدنيين وارتهاناتها للعامل الدولي والإقليمي، حيث يدفع الشعب الثمن باهظاً  منذ ما يزيد على عامين من الاحتراب والاقتتال  وسقوط عشرات الآلاف من الضحايا وتدمير البنية التحتية وتخريب المرافق الحيوية والمعالم الثقافية والحضارية والآثارية.

التفاؤل المفرط والتشاؤم المحبط
إن الحكم على مسار حركة التغيير بالنجاح أو الاخفاق يتعلق بعدد من العوامل والظروف الموضوعية والذاتية، في الحاضر والمستقبل، الداخلية والخارجية، وذلك تبعاً لمصالح القوى والتيارات السياسية والاجتماعية، والأمر يحتاج إلى فترة زمنية كافية للتقويم، ولعلّ المقاربة الفكرية ذات الدلالة تحتاج إلى فحص للحدث وتحليل لعلاقته التاريخية وأبعاده الاجتماعية وسقفه الحقوقي، ولأن الحدث لم يكتمل بعد وفيه الكثير من الاحتمالات وربما المفاجآت، فإنه لا يمكن تقديم رؤية جامعة ومانعة ونهائية، الاّ إذا أخذنا خط التطور وأفقه المستقبلي دون إهمال ما قد يتعرّض له من منعرجات وتحدّيات.
وبكل الأحوال، فالأمر يحتاج إلى وقت لتقديم حكم أقرب إلى الدقة بعيداً عن التفاؤل المُفرط والتشاؤم المُحبط، وهما القراءتان اللتان سادتا بُعيد الربيع العربي منظوراً إليه بلحظته الراهنة وتداعياتها وما أعقبه من فوضى وانفلات، ناهيكم عن نشوة وشعور بالامتلاء، لاسيما بعد الإطاحة بالأنظمة التي بدت عاتية، وكأنه لا أمل في تغييرها، بعد أن تعتقت بالسلطة لسنوات، وضاعت أو تبدّدت كل فرص الإصلاح والتغيير السابقة، الأمر الذي أصيب البعض بسببه بالإحباط لدرجة القنوط واليأس أحياناً .
وإذا كانت القراءة الحقوقية مهمة، إلاّ أن هذه القراءة تحتاج إلى مزيج من السياسة وعلم الاجتماع، بما فيه علم الاجتماع السياسي، والقانون والشرائع حسب منطق مونتسكيو في كتابه " روح الشرائع"   وهذه هي التي يتكوّن منها " عقل الإنسان" ووفقا لجان جاك روسو فإن العلاقة بين الحاكم والمحكوم ينبغي أن ينظمها " العقد الاجتماعي"    ، لاسيّما في بحثه عن أشكال الحكم ونمط الدولة، وهكذا سيكون الوصول إلى ذلك تحليلاً ومقاربة، خصوصاً بعد أن يُنجز الحدث ويكتمل لتتم قراءته سسيولوجياً بقراءة منهجية.
وكل هذه القراءات المحتملة والمتداخلة ستكون ماثلة أمام الباحث والمفكّر، خصوصاً عند تناول موضوع لم يكتمل حتى فصله الأول ولا زال في مناطق عديدة أقرب إلى إرهاصات، حيث تستمر القوى المتصارعة بما فيها الثورية  في البحث عن الطريق الصحيحة، وتسعى جاهدة للمراجعة لكي تتأكد من مواقع أقدامها فيها، خصوصاً أفقها المستقبلي، ولكن لا بدّ من تمثّل الدلالات لما حصل وما وقع وما هي أهم الاستنتاجات الراهنة من خلال قراءة الواقع.
ومثل هذه الدلالات لا تأتي من خلال الشعور بنشوة الانتصار الأولى، بل من خلال التراكم والتحقّّق والتواصل، بما فيها تجاوز المشكلات الجديدة التي قد تنشأ والتحدّيات المختلفة والمتنوّعة التي ستواجهها، لاسيما إذا كان ما قد حدث كبير جداً وجديد جداً وهو أقرب إلى زلزال هزّ الأرض وما عليها، حيث انقلبت الأمور على بعضها، واختلطت الأوراق وضاع بعضها في زمام المواجهة وحركة التغيير، علماً بأن مسارات التغيير والانتقال المتداخلة والمتفاعلة، لا زالت في بداياتها، ولهذا لم يكن المطلوب تقديم فرضية، ليتم البرهان عليها أو تقديم وعد لكي يتم تأكيد تحققّه، بقدر ما هي قراءات مفتوحة لحدث لم يكتمل، فيه اشتباك لما حصل عربياً، لكن له خصوصياته، كما فيه عوامل موضوعية قد تكون ناضجة أو بعضها ناضجاً وبعضها لم ينضج بعد، مع نقص وقصور في الأداة الذاتية التي لم تستكمل بعد، وقد تحتاج إلى وقت غير قصير وتراكم  لكي تختزن التجربة، والأمر يحتاج إلى جهود غير قليلة، بما فيها الحفاظ على البيئة الجديدة، خصوصاً ما وفرته من حريات، لاسيما حرية التعبير وهو أهم عنصر من عناصر النجاح، إذ بدون حرية التعبير، التي هي حق من الحقوق الأساسية للإنسان، لا يمكن الدفاع عن الحقوق الأخرى بما فيها حق الحياة الذي هو حق مقدس وسامي ويتقدم على بقية الحقوق.
المعيار الحقيقي للتغيير لا يتم عبر الإطاحة بالأنظمة الحاكمة السابقة فحسب، بل بمدى ما يمكن إنجازه من عملية التغيير الاجتماعي- الاقتصادي، السياسي والثقافي والقانوني، ولاسيما في ميدان التنمية والرفاه الاجتماعيين، ولعل ذلك يحتاج إلى زمن طويل للحكم عليها وتقويمها إيجاباً أو سلباً ضمن مؤشرات الدخل ومعايير دولية، مع أخذ الظروف الخاصة بنظر الاعتبار، بما فيها مستوى التعليم والصحة ومياه الصرف والكهرباء والماء الصافي الصالح للشرب والبنية التحتية والهياكل الارتكازية والبطالة والفقر.
وإذا كانت حركات التغيير التي ابتدأت شرارتها الأولى في تونس وانتقلت إلى مصر ومنها إلى العالم العربي، سواءً تمكّنت من تغيير الأنظمة الحاكمة أو لم تتمكن بعد، قد رفعت شعارات الحرية والكرامة الانسانية ومحاربة الفساد وتحقيق العدالة الاجتماعية، فإن هذه الشعارات تمثل مسارات طويلة الأمد بحاجة إلى تراكم وتطور تدريجي. وهو ما أوردته في كتابي  .
الثورة والديمقراطية
يمكن القول: لا تولد الثورة مع الديمقراطية في يوم واحد، والثورة لكي تولد وتترعرع ويشتّد عودها وتنضج تحتاج إلى مسار طويل وتراكم يحتمل التجربة بما فيها الخطأ والصواب، وهي بذلك تحفر في الأساسات المفضية إلى الديمقراطية وإنْ كان الطريق إليها وعراً وغير سالك أحياناً، ولا بدّ أن يتسم بالآليات الديمقراطية حيث يتم حفره وتعبيده إرتباطاً باحترام حقوق الإنسان والسعي لإعلاء قيمه وحرياته الأساسية الفردية والجماعية، وعكس ذلك ستكون "الثورة" تغييراً فوقياً سرعان ما يتبخّر، لأنه نقرٌ في السطح، وليس حفراً في العمق على حد تعبير المفكر ياسين الحافظ.
وبين الثورة والديمقراطية طريق طويل وشائك ومعقد، وحتى وإنْ تعاشقا فإنهما لا ينامان في سرير واحد، وتصادف علاقاتهما، منعرجات وتضاريس وتباعدات أحياناً،  ويعتمد نجاح الأولى على درجة سيرها بخط متوازي مع الثانية، أما التطابق فهو أقرب إلى الأمنيات الكبرى وحسب فريدريك إنجلز إذا استطاع التطبيق (البراكسيس) السير بخط مواز للنظرية، فذلك يعني أنه في الطريق الصحيحة، أما التطابق فيكاد يكون مستحيلاً  . ويختلف مسار الثورة الديمقراطية، قرباً أو بُعداً بدرجة تطور كل بلد اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً وثقافياً وقانونياً، الأمر الذي يمكن أن يصل فيه بلد إلى الديمقراطية بطريق أقصر، في حين يحتاج بلد آخر للوصول إليها إلى فترات مضاعفة وبخسائر أكبر وتضحيات أعظم.
لعلّ وصول تجارب الانتقال الديمقراطي لبعض دول أوروبا الغربية كان أسرع كثيراً من بعض دول أوروبا الشرقية، بحكم البيئة الثقافية والتربوية الداخلية والتطور الاقتصادي والظروف الدولية المؤاتية، أي العمق الأوروبي الغربي، مثلما حصل في دول مثل البرتغال بعد القضاء على دكتاتورية سالازار في العام 1974، حيث توجّهت البلاد تدريجياً نحو مرحلة الانتقال الديمقراطي، بإعداد دستور دائم عبر جمعية تأسيسية وإجراء انتخابات ديمقراطية، وهكذا سهّل قيام مؤسسات ديمقراطية، وحصل ذلك بفعل تطور المجتمع المدني ودرجة استعداده ليتحوّل إلى قوة اعتراض ورصد ورقابة، وفي الوقت نفسه قوة اقتراح وشراكة.
وحصل الأمر ذاته في إسبانيا بعد وفاة الجنرال فرانكو، الذي حكمها  ثلاثة عقود وثماني سنوات بالحديد والنار، وحصل التوافق الشعبي للانتقال والتحوّل الديمقراطي بتأسيس جمعية وطنية وإعداد دستور دائم وقانون انتخابات ديمقراطي وإجراء انتخابات في ظل ملكية دستورية، وانفتاح وحريات.
وعلى الرغم من أن التجربة اليونانية، كانت أكثر صعوبة وتعقيداً بحكم الانقلابات العسكرية وظروف التخلف، لكنه تم وضع حد لهذا المسار الدرامي، بالاتفاق على التحوّل والانتقال الديمقراطي واختيار جمعية تأسيسية وطنية لإعداد الدستور وإجراء انتخابات.
أما في أوروبا الشرقية فقد ساهمت ظروف داخلية وأخرى خارجية في إنضاج حركة التغيير ابتداء من حركة البريسترويكا " التجديد وإعادة البناء" التي هيأت الأجواء المناسبة لحلحلة الستار الحديدي للكتلة الاشتراكية من الداخل، وصولاً إلى الظروف الدولية المناسبة والمشجّعة.
وقد تحاقبت فترة التغيير في أوروبا الشرقية، وتساوقت مع التغييرات التي حصلت في عدد من دول أمريكا اللاتينية، التي اتخذت مساراً طويلاً تعزّز من خلال شعار " الثورة في صندوق الاقتراع" 
يمكن مقاربة بعض التجارب العربية، ولا سيّما في تونس ومصر (خصوصاً في مساراتها الأولى، وبغضّ النظر عن العنف الذي اندلع لاحقاً) بالنموذج البولوني- المجري أو بالنموذج  التشيكوسلوفاكي - الألماني، وإن كان في هذا الأخير تغلّب فقه القطيعة، في حين تزاوجت في النماذج الأولى، فقه التواصل وفقه القطيعة، وإنْ كان هناك منزلة بين المنزلتين كما يُقال، وإذا كان العامل الخارجي إيجابياً في إيجاد تسوية في اليمن على سبيل المثال، لاسيما من جانب مجلس التعاون الخليجي ومبادرته للانتقال السلس للسلطة وتخلّي علي عبدالله صالح (الرئيس اليمني) عن صلاحياته إلى نائبه، فإنها كان أكثر إيلاماً وتعقيداً في الوضع الليبي، خصوصاً وأنها زادت من معاناة السكان المدنيين، بل أن بعضهم سقط بأسباب عدم التزام قوات حلف الناتو بمعايير القانون الدولي الانساني واتفاقيات جنيف لحماية المدنيين لعام 1949 وملحقيها البروتوكولين الخاصّين بحماية ضحايا المنازعات الدولية المسلحة، وحماية ضحايا المنازعات المسلحة غير الدولية.
ولا يزال الوضع السوري شديد التعقيد والتداخل بفعل استمرار آلة القمع وأعمال العنف، لاسيّما وقد أصبحت المجابهة المسلحة إحدى الوسائل الأساسية التي رافقته، منذ مطلع العام 2012، فقد كان الطابع العام للاحتجاجات هو الطابع السلمي ولكنه جوبه بقمع شديد  أو كم كان بالامكان اختصار الطريق وتجنيب سوريا والمنطقة الكثير من الخسائر المادية والمعنوية، ولا سيما البشرية، بالاتفاق على انتقال سلس وسلمي للسلطة نحو الديمقراطية وبإشراف عربي ودولي، علماً بأن المبادرات العربية والدولية، بما فيها مبادرة كوفي أنان الأمين العام السابق للأمم المتحدة، واتفاق جنيف لم تحرزا النجاح المطلوب وواجهاتهما تحديات كبرى، لاسيما باستمرار مسلسل القمع واستخدام القوة والعنف ضد المدنيين ومن جانب المسلحين أيضاً. ثم جاءت مبادرة الأخضر الإبراهيمي بتكليف عربي ودولي من جانب جامعة الدول العربية والأمم المتحدة .
وإذا كانت الأزمة السورية قد تم تدويلها، فإن حلّها اليوم لن يكون بمعزل عن توافق دولي أمريكي روسي، ولكنه إذا نجح سيكون حلاًّ سياسياً يسهم في الحفاظ على ما تبقى من سوريا ويمهّد الأرضية للانتقال السلمي وإجراء انتخابات بإشراف دولي وتهيئة مستلزمات تحوّل في طبيعة السلطة السياسية.
إذا كانت التجربتان التونسية والمصرية قد سارتا بسلاسة وحُسمتا بسرعة فائقة، على الرغم من التضحيات، فإن ذلك انعكس على مسارهما لاحقاً، فاستطاعتا إنجاز قيام جمعية تأسيسية وإجراء انتخابات برلمانية في تونس وبرلمانية ورئاسية في مصر، ولعل في ذلك نجاح كبير في عملية التحوّل الأولى، بنقل السلطة إلى مؤسسات والتحضير لوضع دستور دائم وإجراء انتخابات شاملة واختيار من يمثل الشعب، وإذا كان الدستور المصري قد أثار ردود فعل حادة ضدّه، فإن ذلك جزء من مسار طويل للتوجّه نحو الديمقراطية، وسيعتمد نجاحهما أكثر فأكثر على بناء العدالة الانتقالية التي تقوم على كشف الحقيقية كاملة ومساءلة المرتكبين وتعويض الضحايا وجبر الضرر وإجراء إصلاحات جذرية للنظام القانوني والقضائي والأمني لمنع تكرار ما حصل بعيداً عن الكراهية والانتقام والثأر.
وبذلك ستكون هذه التجارب قد وضعت قدميها على الطريق الصحيح، وإنْ احتاج الأمر إلى زمن غير قصير، لاسيما وأن الاستبداد والفساد اللذان حكما البلاد كانا قد استشريا إلى حدود كبيرة جداً. وإذا كانت التجربتان قد مرّتا بإنسيابية في تونس ومصر، فبحكم العامل الثقافي ودور النخبة، فضلاً عن التربية والتعليم، ولاسيما في تونس، قياساً بليبيا، التي ستكون فيها العملية أكثر تعقيداً، خصوصاً تداخلها مع بعض العوامل العشائرية والجهوية والعادات والتقاليد القاسية، وضعف البيئة الثقافية والمعرفية، وغياب المجتمع المدني، الذي كان له دور مهم في تونس ومصر، وإلى درجة أقل في اليمن التي فيها الكثير من عوامل الاحتراب الداخلي، مثل تداخل الديني بالسياسي والجهوي بالوطني والطائفي بالإقليمي، وهكذا تبرز أمام البحث مشكلة الجنوب وقضية الحوثيين والحروب الستة التي استهدفتهم ومشكلة القبائل ودور بعض الجماعات المسلحة بما فيها تنظيمات القاعدة الارهابية.
إن أهم أسباب النجاح في التجربتين التونسية والمصرية  تعود بتقديري إلى تمكّن كلتاهما من اجتياز المرحلة الأصعب والأخطر، وهي الحفاظ على الدولة وتدريجياً إستعادة هيبتها والحفاظ على مؤسساتها والعمل على تشغيل أجهزتها بما يساعد على حفظ النظام والأمن العام من جهة، وحماية أرواح وممتلكات الناس من جهة أخرى وتلكم الوظيفتان هما المهمتان الأساسيتان لأية دولة، ودونها تصبح الدولة لا معنى لها، بل تكفّ عن تصبح دولة. وإذا بقي جهاز الدولة متماسكاً في اليمن حتى الآن على الرغم من التصدّعات الذي أصابته، فإنه في الوقت نفسه جنّب البلاد شرور التشطير والانقسام والتشظي، كما أن الإسراع في إعادة بناء أجهزة الدولة هو الذي سيكون كفيلاً بالتخلص من تأثير الميليشيات وانتشار السلاح والتمترسات القبلية والجهوية، خصوصاً لوجود تراكمات واحتقانات طائفية ومذهبية وإثنية، ومثل هذا القلق يتعاظم في سوريا لوجود تراكمات واحتقانات طائفية ومذهبية وإثنية، ودينية وجهوية كثيرة، الأمر الذي ينذر بعواقب وخيمة قد تمتد إلى دول المنطقة.
وقد ساهم الجيش والقوات المسلحة في تونس ومصر، في حسم مسار التطور في اللحظة الحاسمة لانتصار الثورة، وفيما بعد في حماية أمن وسلم الوطن والمجتمع، وبالتالي الحفاظ على انسيابية المرحلة الانتقالية وحماية التدافع الاجتماعي والتصارع الفئوي من الإنفلات، وهو أمر في غاية الأهمية وإذا استطاعت الدولة أن تؤمن المسار اللاحق نحو الديمقراطية، وخصوصاً من خلال استعادة حكم القانون وإعادة النظر في طبيعة ودور القضاء وجهاز الأمن والإعلام وكل ما يتعلق بحق التعبير وحق الاعتقاد وحق التنظيم الحزبي والنقابي وحق المشاركة باعتبارها حقوق أساسية ولا غنى عنها لبقية الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، فإنها تكون قد اختصرت طريق الانتقال إلى الديمقراطية وجنّبت البلاد من احتمالات الانفلات والتقهقر.
أما أسباب الفشل أو الإخفاق، فقد يعود قسم منها إلى احتمال انفراد تيار سياسي واحد بالحكم أو الإصرار على قيام دولة دينية، حتى وإن جاء هذا عن طريق صندوق الاقتراع، لاسيما إذا ساهم في عزل أو تهميش التيارات الأخرى، مستبعداً مبدأ المشاركة والتوافق، خصوصاً في المرحلة الانتقالية وإزاء القضايا الكبرى والحاسمة التي تؤثر على مسار البلاد ككل: مثل الدستور وقانون الانتخابات  وإقرار التعددية والتنوّع وحقوق الأقليات " التنوّع الثقافي" وحقوق المرأة، إضافة الى حكم القانون واستقلال القضاء وفصل السلطات.
كما أن إهمال قضية العدالة الاجتماعية سيعود بالمجتمع إلى العهود السابقة التي إتّسمت بالتفاوت الطبقي والاجتماعي وعدم تكافؤ الفرص، حيث ازدادت الطبقات الغنية تخمة وغنى وازدادات الطبقات الفقيرة جوعاً وفقراً، وإذا ما استمر الفساد الإداري والمالي ونهب المال العام أو التهاون إزاء هدره، فإن المجتمع ككل سيصاب بالإحباط وستعود عوامل اليأس تنخر به، ناهيكم عن التشاؤم الذي يدفع إلى القنوط وربما إلى اليأس، ولهذا فإن وضع العدالة الاجتماعية كهدف من أهدافه تسعى إلى تحقيقه عن طريق التنمية الشاملة، لاسيما ترافقه مع مسألة الديمقراطية، يعيد إلى الثورة حيويتها ويجدد شبابها.
إن هيمنة التيارات الدينية ونزعات الإقصاء والإلغاء والتسيّد قد تدفع أكثر فأكثر إلى التمترس الديني والطائفي والإثني في بعض المجتمعات، وهذا يقودها إلى الإنقسام والتشظي ويكون عاملاً معرقلاً لقضية التقدم الاجتماعي وتحقيق الكرامة الإنسانية وتلبية الحقوق، ولاسيما الحق في العدالة الاجتماعية.
وإذا استطاعت الثورة المضادة بفعل أخطاء وانقسام حركة التغيير العودة إلى الواجهة، فذلك سيشكل إحباطاً جديداً للربيع العربي، بل يُشعر الناس بإخفاقه وربما بعدم جدواه فيما إذا عاد القديم إلى قدمه، وهو ما كانت قوى الثورة المضادة في فرنسا بعد الثورة العام 1789 تسعى إليه وتمكّنت منه لحين، كما تمكنت في بلدان أخرى لكن المسار العام استطاع تصحيح نفسه، ولعل حصول أحمد شفيق في مصر في انتخابات الرئاسة على نسبة موازية تقريباً لأصوات مرشح الأخوان(أحمد مرسي) هو دليل خطر وناقوس إنذار لذلك.
سأكون معنياً في هذا البحث بالمعنى والدلالة بالدرجة الأساسية، لأنهما يراكمان المعرفة ويمنحان الفرصة لقراءة التاريخ بوقائعه وأحداثه، بتضاريسه ومنعرجاته، وإذا ما توقفت عند التفاصيل فقد كان هدفي هو استنطاقها للوصول  إلى المعنى والدلالة، والإحاطة بجوانب المسألة المعرفية من كل جوانبها، ومع انفتاح العالم، لاسيما في ظل تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والمواصلات الحديثة، فإن إعادة صياغة المتوفر منها تتم بالتراكم المعرفي، ولعل التمرّد التلقائي العفوي على الواقع البائس الذي عايشه الشباب مع وجود عوالم أخرى يمكنه الإبحار أو التحليق إليها عبر وسائل التكنولوجيا الحديثة، جعلت خياله يتشكّل معرفياً، الأمر الذي ساهم في إشعال نار الثورة وانتقالها، وهنا تكمن وظيفة الباحث والمعني بقضايا الفكر والمعرفة، وأقصد بذلك استخلاص المعنى من كل ما حصل خارج حدود الجغرافيا والتاريخ والسياسة، بتجاوز الواقع  إلى المستقبل.
وهكذا فإن المتأمل لما حدث في العالم العربي من تغييرات جذرية عميقة ومن ثورات شعبية ووعي جماهيري هائل، يدرك أن ما حصل لم يكن أحداثاً طارئة أو تمردّات عابرة وانتفاضات تقليدية، بل إنه مخاض قد يكون طويلاً وعسيراً لولادة جديدة لعالم عربي لم يعد بالإمكان الإبقاء عليه خارج الزمن والتاريخ، ويعيش في جزر معزولة بعيداً عن التأثير، ولعلّ تلك واحدة من الاستحقاقات المؤجلة منذ نحو ربع قرن وترافقاً مع موجة أوروبا الشرقية للتغيير. ومهما حدث أو سيحدث فالأمر يتعلق بالتطور المستقبلي على الوجهة التي سيتخذها وعلى اصطفافات القوى الاجتماعية والسياسية، ودرجة الاستقطاب والصراع الذي سيحصل بين قوى إسلامية متنفذة وسيكون لها القدح المعلاّ، وبين قوى شبه علمانية (يسارية وعروبية)، شبه ليبرالية، شبه ديمقراطية تريد تلمّس طريقها في ظل تجاذبات حادة.

إذا كان الربيع العربي قد أطاح بنظم استبدادية، سلطوية وهيّأ المستلزمات الأولية لإحداث تغييرات في العالم العربي إنْ عاجلاً أم آجلاً، فإنه في الوقت نفسه أسقط بعض المقولات والأفكار التي سادت في العقدين الأخيرين أو برهن على بطلانها وهزالها حتى وإنْ ظلّ البعض يتشبث بها، ولعبت تلك الأفكار والمزاعم دوراً كبيراً في إطالة عمر بعض الأنظمة، بل ساهمت أيضاً في التأثير سلبياً على وعي بعض النخب الفكرية والسياسية وحتى تخديرها، على الرغم من معاناة السكان وتوقهم  إلى التغيير والتحوّل الديمقراطيين، ناهيكم عن حالات اليأس أو القنوط التي سببتها سواءً بوضع كوابح داخلية أو خارجية، لاسيما في جانبها النظري أو العملي .
وسنحاول أن نرصد بعض هذه الأطروحات، التي كادت أن تصبح مسلّمات لدى بعض القوى والفاعليات السياسية، والتي لم تكن بعيدة عن ترويج الأنظمة الحاكمة لها، فضلاً عن سدنتها من الآيديولوجيين والمثقفين، بمن فيهم الذين يتحدثون عن التغيير، بل يدعون إليه ولكن على نحو " تجريدي" أحياناً أو فيما يخص الغير، دون أن يصل  إلى أولي الأمر أو الحكام الذين يبررون استمرارهم ووجودهم بحجة غياب البديل أو عدم نضج عملية التغيير أو يراهنون على بعض الاصلاحات.
ومثل هذه الأطروحات لم تكن حصراً على القوى الداخلية، بل أن بعضها تبنّته القوى الخارجية، لاسيما القوى الدولية المتنفّذة، والتي شكّلت عائقاً فكرياً وعملياً إزاء التغيير الديمقراطي المنشود، حتى بدت الديمقراطية أو التحول الديمقراطي  وكأنها استعصاء أو "وعد" غير قابل للتحقق، في العالم العربي .

أسئلة وأطروحات: منزلة بين المنزلتين!
الأطروحة الأولى- تقول أن الصراع هو بين الإسلاميين وبين العلمانيين، وعلى الأخيرين حتى وإنْ اختلفوا مع الأنظمة الحاكمة، لكنها بكل الأحوال هي أقرب لهم من الإسلاميين، الذين يشكّلون خطراً على الديمقراطية المنشودة، لاسيّما وأن الكثير من الإسلاميين أو الإسلامويين لا يخفون مواقفهم السلبية منها، ويبرّر البعض أن أنصار الإسلام السياسي سوف لا يتورعون من الإجهاز على بعض الهوامش الديمقراطية القائمة، ويستندون في ذلك إلى ما حصل في الجزائر حين فاز الإسلاميون، فأعلنوا رغبتهم في إلغاء الديمقراطية، الأمر الذي "اضطر" العسكر في " إجراء غير ديمقراطي"، الدفاع عن الديمقراطية، كما زعموا، فكان تدخل الجيش بمبرر حماية الديمقراطية، وراح الإسلاميون ضحية مواقفهم وآرائهم، في حين أن الديمقراطية هي من نقلتهم  إلى السلطة، وتلك إحدى المفارقات السياسية في مطلع التسعينيات.
هذه الأطروحة راجت أيضاً عشية وخلال وبُعيد الانتفاضات العربية ومفادها أن الإسلاميين وحدهم، هم القوى المنظمة الكبيرة، وبالتالي سيشكّلون البديل المحتمل والأكثر رجحاناً بعد التغيير، لدرجة أحياناً يتم التبرير بشكل مباشر، وغالباً غير مباشر، لبقاء الأنظمة التسلطية والاستبدادية، ولعلّ بعضهم يستدلّ على نشاط بعض الجماعات الأصولية والسلفية من جهة، وعلى إعلان بعض الإسلاميين سواءً كان كبيراً أو صغيراً رغبتهم في قيام دولة إسلامية، وهو ما شهده ميدان التحرير في القاهرة في جمعة رمضانية (2011) وفيما بعد إصرار الإسلاميين على الذهاب بالدستور الجديد إلى الاستفتاء الشعبي حتى بعد انسحاب القوى غير الإسلامية من الجمعية التأسيسية، وحصل لهم ما أرادوا حيث حازوا على أغلبية 63.8 في الاستفتاء  (كانون الاول /ديسمبر 2012)، وكذلك ما فتحته الثورة التونسية من نقاشات ساخنة بين حزب النهضة الإسلامي  وجماعات إسلامية أخرى من جهة وبين قوى علمانية ماركسية وقومية وليبرالية من جهة ثانية، وهو الأمر الذي ينسحب على ليبيا واليمن، وإنْ كان الأمر محدوداً، لكنه سيكون ساخناً وحاداً فيما يتعلق بسوريا لاحقاً.
وكان نجاح ثورتي تونس ومصر بتدخل الجيش ومبادرته وفيما بعد حسم نجاح الثورة الليبية بمساعدة خارجية وإنْ كان لها تأثيراتها السلبية واضطرار الرئيس علي عبدالله صالح في اليمن على التنحّي بحكم مبادرة مجلس التعاون الخليجي، قد ساهم في تطويق دائرة العنف والسعي لعدم انفلاته بعد اللجوء إليه، لكن استمرار الحراك الشعبي في سوريا، ومواجهته بعنف متزايد، من جانب السلطات الحاكمة، وردود فعل من جانب الجماعات المسلّحة، دفع البلاد في أتون حرب أهلية برافعات إقليمية ودولية، وزاد من خطورة المشهد السياسي العربي، خصوصاً باحتمالات امتداده، لا سيما ما ستتركه الأزمة السورية من تداعيات.
وإذا كان الاعتقاد بترجيح هيمنة الإسلاميين واكتساحهم للشارع ولأية انتخابات قادمة، فإن المسألة ليست خياراً دائمياً، بل هو إجراء مؤقت يتعلق باصطفافات القوى أولاً ولأسباب تاريخية تتعلق بممارسات أنظمة الحكم السابقة ثانياً، وثالثاً فإن المسألة تتعلق بموازين القوى الراهنة موضوعياً وتاريخياً، فضلاً عن ردود فعل لسياسات الماضي، فبقدر قمعها للتيار الإسلامي منحته فرصة لاحقة، زادت على ما يمتلكه من جماهيرية ورصيد شعبي، وهو ما سيجعلهم القوة الأكبر والأولى في جميع بلدان التغيير بحكم عوامل مختلفة، لكن هذه "الشرعية" المؤقتة حسب ظني ستتصدع قريباً، خصوصاً وأن الآخرين سينتفعون من أخطاء التيار الإسلامي، الذي حسبما يبدو أنه لم يتعلّم من أخطاء الذين سبقوه.
ومع كل ذلك فيمكنني القول أن عملية التغيير بما حملته من ديناميكية أدّت إلى انتعاش الإفكار الديمقراطية لا سيّما المطالبة بالحرية والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية، وهو ما سيضع خريطة طريق جديدة لكل بلد وفي بلدان المنطقة بشكل عام من خلال لوحة الصراع السياسي التي ستأخذ وقتاً ليس بالقصير، خصوصاً عندما يكون الإسلام السياسي في الواجهة خلال العقد أو العقدين القادمين، وربما ذلك واحداً من الاستحقاقات لما بعد التغيير.
لهذه الأسباب فإن الحديث عن إقصاء الإسلاميين أو الانتقاص من مشاركتهم في عملية التغيير أو ما بعده، إنما هو حديث غير واقعي، فضلاً عن أن ليس من حق أحد أن يقوم بذلك، ناهيكم وأنه يتعارض مع قواعد الديمقراطية، خصوصاً وأن العزل السياسي إجراء غير مقبول، فضلاً عن تداعياته السياسية والاجتماعية، ومثلما هي رغبة غير واقعية وغير ممكنة، إقصاء أو عزل الإسلاميين، فهي كذلك إذا استهدفت غير الإسلاميين، علمانيين أو شبه علمانيين وشبه ليبراليين وديمقراطيين، مهما كان حجمهم وقوتهم، لأنهم جزء أصيل من حركة المجتمع والثقافة والتقدم!
ومثلما في السابق، ففي الحاضر أيضاً تجري محاولات للتهويل من دور الإسلاميين وافتراض  كونهم البديل الوحيد عن الأنظمة القائمة، الأمر الذي سيعني تبرير بقاء هذه الأنظمة، التي يعتبرها البعض أفضل من أي بديل إسلامي آيديولوجي، ولعلّ هذا ما ترغب به وما تريده الأنظمة ذاتها، وبعض الجماعات المحافظة ، بل بعضها يبدي ندمه من عملية التغيير، وهو  وما حاولت أن تنشره وتروّج له على نطاق واسع في السابق والحاضر.
وبالعودة  إلى هذه الأطروحة التي تفترض أن الصراع الأساسي هو  بين الإسلاميين والعلمانيين، فإن ثمت اجتهادات وتوجّهات مغايرة، ولعلّها الأكثر واقعية والأكثر راهنية، خصوصاً تلك التي تقول أن الصراع ضد الاستبداد الداخلي هو في جوهره صراع ضد الطغيان الخارجي، وفي الوقت ذاته صراع ضد التطرّف والتعصّب وإقصاء الآخر لدرجة لا يمكن فصله عن بعضه، لا سيّما وأن هناك ترابطاً أحياناً بين الطغاة والغزاة والغلاة، الأمر الذي نحن بحاجة  إلى إعادة قراءة المعادلة على نحو صحيح، خصوصاً  وأن  العالم العربي  يعاني من احتلال وعدوان منذ نحو ستة عقود ونصف من الزمان من جانب اسرائيل، ناهيكم عن محاولات فرض الهيمنة  والاستتباع، وهذا يتطلب تعاون الكتل والتيارات السياسية اليسارية، الماركسية والقومية، والإسلامية لانجاز مرحلة التحرر من جهة، ومن جهة ثانية السير في طريق الديمقراطية والتنمية.
الأطروحة الثانية تقول إن وجود أنظمة تسلطية تحمي الأمن والاستقرار هو أفضل من الفوضى التي قد تسود بعد التغيير، ولعلّ هذا ما روّجت إليه الأنظمة المستبدّة أيضاً، حين زعمت أنها هي وحدها القادرة على ضبط الأمن والاستقرار، وتختزن تجربة طويلة لعقود من الزمان في هذا الميدان، بدلاً من الإتيان بنظام غير مضمون وقد يؤدي  إلى انفتاح البلد على موجات من الفوضى والارهاب والعنف غير محسوبة النتائج، ناهيكم من إحتمال صعود تنظيم القاعدة والمنظمات الإرهابية وجماعات التكفير.
ولعلّ من الطبيعي أن يخلف أية ثورة أو انتفاضة نوع من الفوضى، لاسيّما وأن الأنظمة السابقة هي التي قوّضت حكم القانون وتغوّلت على القضاء وداست على كرامة المواطن، ولهذا فإن مجرد الشعور العام بتقويض هذه الأنظمة سيدفع  إلى الواجهة بعض أعمال التمرد والفوضى بعد التدمير المنهجي المنظم لعقود من الزمان لمبادئ الدولة القانونية، لكن ذلك لا ينبغي أن يحول دون عملية التغيير التي أصبحت حاجة ماسة لا يمكن الاستغناء عنها أو حتى تأجيلها، كما أن بعض الحوادث الفردية والانفلات الأمني المحدود الذي أعقب عمليات التغيير، ينبغي أن يُقرأ ضمن هذا المنظور، وأن يتم التعامل معه تاريخياً وستراتيجياً بما له علاقة بقضايا التقدّم وصيرورة العملية التاريخية.
وإذا كان من فوضى ستحدث أو حدثت فإن الأنظمة السابقة كانت قد زرعت هي بنفسها بذورها ورعتها لسنوات، وذلك للوقوف ضد أي عملية تغيير أو إصلاح مهما كانت  متواضعة، بزعم أن الفوضى ستعقبها، وكذلك عبر إنشاء ميليشيات أو جماعات مسلحة  غير قانونية تابعة للنظام أو لأجهزته الخاصة، وتحت مسمّيات مختلفة لقمع أية بادرة للإحتجاج بحجة مقاومة الفوضى وأعمال الشغب والتدخل الخارجي والأصابع الأجنبية، وغيرها من المبررات والمزاعم، وإذا كان الكثير من الشكوك يحوم حول ذلك فقد انكشفت تصرفات بعض الأجهزة التي سعت للاصطدام بالتظاهرات أو الاندساس بين صفوفها لإحداث التخريب المنشود، وهكذا شاعت مصطلحات جديدة ارتبطت بالربيع العربي وانتفاضاته مثل: البلطجية أو الشبيحة أو ال

130
تكلفة العدالة الانتقالية   

عبدالحسين شعبان
حين سُئل الأمين العام السابق للأمم المتحدة كوفي عنان عن العدالة الانتقالية أجاب: إنها أجدر وأقل كلفة من العدالة الجنائية التي لم تؤد إلى النتائج المرجوّة، ولعلّه قصد بذلك تجارب العدالة الانتقالية في نحو 40 بلداً وعلى مدى يزيد على أربعة عقود من الزمان، فقد سلكت هذه البلدان طريق العدالة الانتقالية، وذلك إثر انهيار نظام قانوني مثلاً، أو بعد انتهاء حرب أهلية، أو عقب نزاعات داخلية مسلحة، أو بعد انقضاء فترة حكم دكتاتوري، استبدادي، والتهيؤ للتحوّل الديمقراطي . ولا شكّ

أن العدالة الانتقالية تشمل مرحلة التحرر من الاحتلال إلى الاستقلال، الأمر الذي يستلزم في كل هذه التحوّلات فترة انتقالية ضرورية .

وإذا كان عنان قد فاضل بين العدالة الانتقالية والعدالة الجنائية، فإن هذه المفاضلة تشمل المرحلة الانتقالية، كما أنها لا تستبعد طريق العدالة الجنائية بالنسبة للضحايا، ولكن دوافع العدالة الانتقالية لا تكون قانونية فحسب، بل يدخل معها ويندرج فيها مراعاة الاعتبارات السياسية والاجتماعية والسلام الأهلي مع الأخذ بنظر الاعتبار، الظروف التي تتعلّق بدرجة تطور كل بلد، إضافة إلى الجوانب الإنسانية .

وعلى الرغم من شيوع مفهوم العدالة الانتقالية في العقود الأربعة الماضية، لا سيّما في المغرب بعد قيام حكومة التناوب العام 1997 برئاسة عبدالرحمن اليوسفي، حيث وجد له صدى في بعض الأدبيات والمدوّنات الحقوقية، وانعقدت لدراسة المفهوم وتفريعاته وعدد من تجارب العدالة الانتقالية، بعض المؤتمرات وورش العمل، لكنه لا يزال غامضاً، بل ويثير التباساً، خصوصاً لجهة علاقته بمبادئ العدالة التقليدية، المتعلقة بإحقاق الحق وإعادته، إضافة إلى بعض الاستخدامات السلبية التي رافقته، لدرجة أن هناك من يتصوّر أن المفهوم ينصبُّ على الانتقام وليس الانتقال، خصوصاً عندما ارتبط بممارسات من قبيل الاجتثاث والعزل كما هو في العراق وليبيا وتونس واليمن ومصر وغيرها، بحيث فتح نقاشات وجدالات حادة بدأت ولم تنته، فضلاً عن تأثيراتها السلبية .

وإذا كانت ثمة تجارب دولية قد تراوحت بين فقه القطيعة وفقه التواصل في السابق والحاضر في ما يخصّ العدالة الانتقالية، فإن موجة الربيع العربي طرحت هذه المسألة على بساط البحث على نحو جدّي، وتراوحت أطروحات “الشرعيات الجديدة” بعد انهيار وسقوط “الشرعيات القديمة” بين التشدّد والعزل، وبين الصلابة المبدئية مع شيء من المرونة، لكن الاتجاه الأكثر نفوذاً هو اتجاه الإقصاء والإلغاء، بما فيه التشدّد في تطبيق بعض معايير العدالة الجنائية، وقد لاقى مثل هذا التوجّه هوىً لدى شباب الثورات وبعض قياداتها اللاحقة، وانتقل الجدل إلى التشريعات والقوانين والبرلمان، بما فيه إلى الصياغات الدستورية .

وعلى الرغم من عدم اكتمال الشرعيات الجديدة بحيث تستقر على أساس قانوني وفي إطار حكم القانون، مع مراعاة الفترة الانتقالية التي تحتاج إلى نوع من العدالة تجمع بين القانون والحق وعوامل أخرى مكمّلة اجتماعية وسياسية وصولاً للمصالحة، وهي الهدف الذي لا بدّ أن تضعه مرحلة ما يسمى بالعدالة الانتقالية، خصوصاً وأن الرغبة في العزل السياسي لا تزال شديدة، بل وتطلّ برأسها بين الحين والآخر، بحكم احتدام الصراع السياسي ودخول فئات واسعة إلى عالم السياسة كانت محرومة منها لوقت قريب .

لقد اختارت بلدان عدة طريق العدالة الانتقالية، مع وجود خصوصيات لكل تجربة، بحيث لا يمكن استنساخها أو تقليدها، ولكن بدراستها يمكن الاستفادة منها، لا سيّما بعد تجربة ألمانيا عند انتهاء الحرب العالمية الثانية .

ولا شك أن تجربة الأرجنتين التي أخذت بنظر الاعتبار حجم الانتهاكات الكبيرة والعدد الواسع من المنتهكين، والذي لو تم تطبيق العدالة الجنائية الاعتيادية بحقهم لحصل نوع من الفوضى والانقسام في المجتمع، الأمر الذي فضلت فيه تجربة التحوّل الديمقراطي في الأرجنتين “إطفاء” الكثير من القضايا وحصرها بعدد محدود من المسؤولين، والتوجّه صوب التحوّل إلى الديمقراطية .

وكانت تجربة جنوب إفريقيا بقيادة نيلسون مانديلا قد سارت في هذا الطريق وهو الذي قال: علينا العيش في المستقبل بدلاً من الاستغراق في الماضي وذلك عبر تسوية بين الأغلبية السوداء والمؤسسة الأمنية . أما تجربة تشيلي فقد اختارت بعد صراع طويل بين السلطة والمعارضة، طريقاً وسطاً، بموافقة المعارضة على إصدار بيونوشيه قائد الانقلاب العسكري على الحكومة الشرعية برئاسة سلفادور أليندي العام ،1973 عفواً عاماً عن المرتكبين وجميع أفراد الجيش المسؤولين عن تعذيب عشرات الآلاف من التشيليين وقتل نحو 3 آلاف إنسان، مقابل موافقته على إجراء انتخابات ديمقراطية، حيث فازت بها المعارضة بعد سنّ دستور جديد حمل بعض الملامح الديمقراطية في العام ،1988 وهكذا تم وضع حد للنظام الدكتاتوري بصفقة سياسية بين السلطة والمعارضة، خصوصاً بعد أن وصل الصراع بينهما إلى طريق مسدود، فلا السلطة قادرة على القضاء على المعارضة ولا الأخيرة قادرة على الإطاحة بالسلطة .

أما في أوروبا الشرقية فقد اتخذت بولونيا وهنغاريا من فقه التواصل أساساً للتوجّه الديمقراطي، بتفاهم بين جزء من السلطة والمعارضة للانتقال السلس إلى الديمقراطية وإنهاء حقبة الحكم الشمولي، وحصل الأمر على نحو مقارب في تشيكوسلوفاكيا، لا سيما في الأيام الأخيرة حين وافقت أجزاء من السلطة على الاعتراف بالمعارضة والاتفاق على إجراء انتخابات وسن دستور ديمقراطي وهكذا، في حين كانت تجربة ألمانيا الديمقراطية قد انتهت إلى فقه القطيعة مع الماضي، لا سيّما بعد وحدتها مع ألمانيا الاتحادية، وذلك عبر تطبيق القوانين الألمانية الاتحادية لمساءلة الفترة التي امتدّت نحو 41 عاماً، هو عمر جمهورية ألمانيا الديمقراطية .

أما تجربة العدالة الانتقالية في المغرب فقد تهيأت فرصة لحكومة التناوب لإجراء إصلاحات ديمقراطية عبر اتفاق سياسي حضرت فيه إرادة الملك متوافقة مع إرادة المعارضة والمجتمع المدني، ولا سيّما منظمات حقوق الإنسان التي لعبت دوراً تعبوياً، وهنا كان التحوّل من داخل السلطة سهلاً وسلساً وغير انتقامي، متّخذاً شكلاً من أشكال العدالة الانتقالية يستجيب للتجربة المغربية وتطورها .

لعلّ مناسبة الحديث هذا هو ثلاث فعاليات فكرية رصينة انشغلت بموضوع العدالة الانتقالية وقضايا المصالحة والتحوّل الديمقراطي، حيث بدأ الاهتمام يزداد بهذه الموضوعات، لا سيّما بعد مرحلة الربيع العربي، الأولى- الحلقة النقاشية الأكاديمية التي نظّمها مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت، والثانية التي خصصها اتحاد الحقوقيين العرب في اجتماع مكتبه الدائم (الدورة 35) المنعقد في أبوظبي بدولة الإمارات العربية المتحدة، والثالثة اجتماع لثماني خبراء دوليين من بلغاريا وتشيكوسلوفاكيا والمانيا وجنوب إفريقيا والعراق والمغرب ولبنان في مركز بروكنغز في الدوحة لمناقشة قضايا المصالحات ما بعد الربيع ودور العدالة الانتقالية .

وقد رافق موضوع الفعاليات والأنشطة الأكاديمية والفكرية أسئلة من قبيل التفريق بين العدالة الانتقالية والعدالة الانتقامية، وموضوع الإفلات من العقاب، وأين هي حدود المساءلة والحقيقة؟ وكيف السبيل للجان العدالة والمساءلة أو الإنصاف والحقيقة من اتخاذ إجراءات غير قضائية، لملاحقة قضايا ذات طابع جنائي وتحتاج إلى قضاء مستقل ومحايد ونزيه ومهني للبت فيها؟ ثم ما هي حدود الفترة الانتقالية، وخصوصاً في ارتفاع موجة العزل السياسي والاقصاء المهني؟

ولأن الوضعية غير اعتيادية، فهي استثنائية ومؤقتة وانتقالية، ومهمتها مواجهة إرث الماضي، وهي تشمل العدالة الجنائية والعدالة التعويضية والعدالة الاجتماعية، لا سيّما بكشف الحقيقة كاملة والمساءلة عن الارتكابات وعدم تمكين المرتكبين من الإفلات من العقاب والسعي لجبر الضرر الذي هو أوسع من تعويض الضحايا، مادياً أو معنوياً، وذلك للوصول إلى منع تكرار ما حدث من خلال إصلاح الأنظمة القانونية والقضائية والأمنية .

والأمر يحتاج إلى تهيئة الأجواء لإجراء مصالحة وطنية شاملة في إطار من التسامح والتعايش والتفاعل، وهنا تكمن شجاعة المنتصر في مشاركة المهزوم، مثلما هي شجاعة المهزوم في قبول نتائج هزيمته واستعداده للتعاطي مع المستقبل بروح النقد في إطار عملية انتقال ديمقراطي، ولعلّ ذلك يشكّل جوهر وثيقة شيكاغو حول العدالة الانتقالية .

إن العدالة الانتقالية لا تعني عدالة المنتصرين، بل إقرار بحق المجتمع بالتغيير، وذلك بتوفّر إرادة سياسية تشارك فيها الأطراف المختلفة، لا سيّما وجود حركة باسم الضحايا ووعي لدى النخبة، وإصرار على كشف الحقيقة والمساءلة وصولاً للمصالحة، هكذا انتهى نظام الابرتايد الذي هو جريمة ضد الانسانية باتفاق سياسي بعد كفاح طويل، وكان لحركة التضامن مع الضحايا في الأرجنتين، دور كبير في الوصول إلى العدالة الانتقالية، التي من أركانها حفظ الذاكرة حيّة وعدم نسيان ما حصل، ولكن من دون انتقام أو ثأر، بل برياضة نفسية، تشمل أحياناً الضحايا والمرتكبين، وهو الأمر الذي كان أحد أسباب انتهاء النظام الدكتاتوري في تشيلي وهكذا .

لقد قرّرت إسبانيا وصولاً للعدالة الانتقالية قلب الطاولة ولعبت العقلانية الأوروبية والحاضنة الثقافية دوراً في التغيير والانتقال الديمقراطي في أوروبا الشرقية، على الرغم من تصدّعها في يوغسلافيا والاتحاد السوفييتي، وفي احتدام المشهد دموياً في رومانيا، فهل يمكن توفير مثل هذه الأجواء عربياً، استفادة من تاريخنا العربي -  الإسلامي ولا سيّما في جوانبه المشرقة المشجعة على التسامح، إضافة إلى القيم الإنسانية المشتركة .



131
عنصرا اليقظة: الحرّية والقانون   

عبدالحسين شعبان
طرحت التغييرات التي حصلت في العديد من أقطار الوطن العربي موضوع الحرية مجدداً على بساط البحث، ليس في سجالاتها السابقة ووجهتها الاجتماعية، مثلما هي قضية المسؤولية والالتزام وحدود الحرية وأين تبدأ وأين تنتهي؟ ولكن علاقتها بالقانون وبحكم القانون، حيث تصبح هذه العلاقة مدماكاً أساسياً وجوهرياً للتغيير والانتقال الديمقراطي المنشود، إذ لا يمكن الحديث عن تحوّل ديمقراطي حقيقي دون حكم القانون والشرعية الدستورية واستقلال القضاء .

للحرية موقع مهم في منظومة الحقوق الأساسية للإنسان، وخصوصاً الحقوق المدنية والسياسية، فبعد حق الحياة والعيش بسلام ، الذي هو حق مقدس لا يمكن الحديث عن أي من الحقوق دون توفره .

هناك أربعة حقوق وحرّيات أخذت بها المعاهدات والاتفاقيات والمواثيق الدولية التي تنظم حقوق الانسان، وهو ما نطلق عليه اسم “الشرعة الدولية” ونعني بها: “الإعلان العالمي لحقوق الإنسان” الصادر عام 1948 وما بعده “العهدين الدوليين” الأول عن الحقوق المدنية والسياسية والثاني عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية” الصادران عن الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1966 واللذان دخلا حيّز التنفيذ في عام ،1976 وغيرها من المواثيق والمعاهدات الدولية .

ويعد ميثاق الأمم المتحدة وما أعقبه من تقنينات وإضافات تطويراً معاصراً لما بدأته الثورة الفرنسية منذ ما يزيد على قرنين من الزمان عام ،1789 وقبلها ما تضمنه الدستور الأمريكي عام 1776 بخصوص حقوق الإنسان وبشكل خاص الحقوق والحريات الأساسية، والذي أعقبه الدستور الليتواني الذي صدر قبل الدستور الفرنسي بنحو أربعة أشهر، يوم كانت ليتوانيا تضم بيلاروسيا (روسيا البيضاء) وأوكرانيا وأجزاء مهمة من بولونيا وتعد من الدول الأوروبية الكبرى .

وعندما نقول الحرّيات الأساسية ، فإننا نعني:

1- حق الرأي والتعبير

2- حق الاعتقاد

3- حق التنظيم الحزبي والنقابي والمهني

4- حق المشاركة السياسية في ادارة الشؤون العامة

وقد ورد في ديباجة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ما يلي: ولمّا كانت الأمم المتحدة قد أكدت في الميثاق . . . إيمانها بحقوق الإنسان الأساسية وبكرامة الفرد وقدره، وبما للرجال والنساء من حقوق متساوية، وحزمت أمرها على أن تدفع بالرقي الاجتماعي قُدماً وأن ترفع مستوى الحياة في جو أفسح من الحرية  . . . فإن الجمعية العامة تنادي بهذا الإعلان العالمي لحقوق الإنسان” .

ونصّت المادة الأولى على ما يلي “يولد جميع الناس أحراراً متساوين في الكرامة والحقوق . وقد وهبوا عقلاً وضميراً وعليهم أن يعامل بعضهم بعضاً بروح الإخاء” .

وذهبت المادة الثانية إلى التأكيد أن “لكلّ إنسان حق التمتع بكافة الحقوق والحريات الواردة في هذا الإعلان، بدون تمييز، كالتمييز بسبب العنصر أو اللون أو اللغة أو الدين أو الرأي السياسي، أو الاصل الوطني أو الاجتماعي أو الثروة أو الميلاد، أو أي وضع آخر بدون أي تفرقة بين الرجال والنساء” . وأكدت المادة 18 أن “لكل شخص الحق في حرّية التفكير والضمير والدين ويشمل هذا الحق، حرية تغيير دينه أو عقيدته وحرية الإعراب عنهما بالتعليم والممارسة وإقامة الشعائر ومراعاتهما سواء أكان ذلك سراً أم مع الجماعة” .

أما المادة ،19 فقد التزمت قضية الدفاع عن حرية الرأي والتعبير، باعتبارها حقاً أساسياً للانسان لا يمكن تقييده أو التضييق عليه، فما بالكم بإلغائه وقد نصّت على أن “لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير . ويشمل هذا الحق حرّية اعتناق الآراء دون أي تدخل، واستقاء الأنباء والأفكار وتلقّيها وإذاعتها بأي وسيلة كانت، دون التقيّد بالحدود الجغرافية” .

ولهذا الغرض تشكّلت منظمة خاصة لحقوق الإنسان وفقاً للمادة 19 تُدعى  “Article 19” المركز الدولي ضد الرقابة”، التي تؤكد حرّية التعبير وتناقل المعلومات، التي هي حقوق أساسية لا يمكن بدونها الدفاع عن أي من الحقوق الأخرى، بما فيها حق الحياة .

ومن المفارقات أن يكون بعض ضحايا حرّية التعبير عن الرأي أنفسهم الوجه الآخر للاستبداد ومنع الرأي الآخر، حين تقوم بعض منظمات التطرّف بارتكاب وممارسات عنيفة تحت زعم “إقامة الحد” باسم مخالفة بعض تعاليم الدين، في محاولة لتنصيب نفسها فوق القانون، مشيعةً نوعاً من الإرهاب الاجتماعي، مبرّرة للسلطات (التي تعد أعمالها غير مبررة أصلاً في منع الصوت الآخر وحرية التعبير) الإيغال في عمليات التشدّد والتضييق على الحريات وممارسة الارهاب، بحجة مقاومة جماعات التطرف وأعمال الارهاب الفردية، في حين تمارس هي إرهاباً حكومياً سافراً .

وباعتقادي، أن الفكر لا يقابل بالعنف أو الاغتيال أو إخفاء الصوت الآخر، كما لا يحسم بالقضاء . الفكر يُرد بالفكر، وسماحة الحوار تتسع لصراع الأفكار . أما جعجعة السلاح فلا تنتج طحيناً، بل تجعله خليطاً برائحة البارود . والحوار يجب أن يتّجه أولاً وقبل كل شيء إلى إقرار حق الغير “الآخر” في التعبير وفي التعايش وفي المنافسة السلمية، ثم لاستخلاص ما هو ضروري لإدامة السلام الأهلي واحترام حقوق الجميع .

وبتقديري أن مكان حرّية الفكر والبحث العلمي والأكاديمي، هو قاعات الجامعات وأروقة الكليات والمعاهد وحلقات الدرس والبحث والمنابر الفكرية والثقافية، وفي إطارها يتم النقاش والجدل، فهي المكان الطبيعي والرحب لتبادل الأفكار واستمزاج وجهات النظر وقرع الحجة بالحجة والدليل بالدليل والشك بالشك والبرهان بالبرهان .

وفي الجامعات ومراكز الأبحاث والدراسات تبدأ الأسئلة والشكوك وتثور الانتقادات ويتم البحث والاجتهاد في محاولة الوصول إلى أجوبة مقنعة وبراهين .

أما محاكمة الفكر أو محاصرته اجتماعياً لدعاوى سياسية أو اعتبارات لا علاقة لها بالدين . فهي ليست سوى إصدار حكم بالموت المدني دون محاكمة، وهو مناقض لروح الإسلام وجوهره الذي يقرّ بمبدأ التسامح . فعدم التسامح يعني منع الاجتهاد وتحريم وتكفير أي رأي حرّ وجديد، بحجة المروق .

وتزداد اللوحة قتامة في ظل الدين الواحد حين يتم التمترس الطائفي والمذهبي وحين يُنظر إلى الآخر على أنه خصم وعدو، بل أشد عداوة من العدو الحقيقي أحياناً، وتجري محاولات لإلغاء الفِرَق والمذاهب والاجتهادات وتعميم نظرة أحادية الجانب وفقاً للأفكار الشمولية التي لا تعترف بالآخر .

ولا أظن أن مجتمعاً من دون اختلافات أو اجتهادات متعارضة مختلفة أو انقسام في الرأي أو معارضة، موجود أو أنه، وِجدَ في الكون منذ الخليقة، بل أستطيع القول إن مجتمعاً بلا اختلاف أو تمايز أو خصوصيات، هو من صنع الخيال، ولا وجود له على أرض الواقع، بل إنه مجتمع ميت إنْ وجد، فالتماثل ضربٌ من المحال .

التعددية والتنوّع وحق الاختلاف والاجتهاد هي بعض عناصر يقظة الوعي ومن أركان تنشيطه بما يساعد على التطوّر والتجدّد ولا تستقيم هوية “الأنا” من دون هوية “الآخر” .

وجاء في القران الكريم “ . . . واختلاف ألسنتكم وألوانكم لآيات للعالمين”، سورة الروم -آية 22 . والاختلاف لا يلغي الائتلاف بالطبع “ولو شاء ربّك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين” سورة يونس - الآية 99  ، وجاء في سورة البقرة -الآية 256 ، “لا إكراه في الدين قد تبّين الرشد من الغيّ  . . .” وجاء في سورة الكهف - الآية  ،29 “وقل الحقّ من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر  . . .” .

وسمح الإسلام بحرية الخطأ إذا لم يكن مقصوداً، خصوصاً إذا استهدف الاجتهاد الفكري واستنباط الحلول والأحكام، حين أكدّ الفقه الإسلامي أن “المجتهد إنْ أصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر الاجتهاد” بمعنى أن الخطأ مع الاجتهاد يتحوّل إلى حسنة، لأنه محاولة لاستخدام العقل . وكانت بعض الفرق الإسلامية قد أكدت دور العقل، بموازاة النقل خصوصاً فيما يتعلق بكل ما له علاقة بشؤون الحياة كالمعتزلة والصوفية وغيرهما.

وذهب الإمام الشافعي للقول “رأيي على صواب ولكنه يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ، ولكنه يحتمل الصواب” . وهو ردٌ بليغ على أفكار التعصب والانغلاق والعنف وعقلية التحريم والتجريم وفرض الرأي، التي قادت من الناحية السياسية إلى احتكار الحكم وتبرير مصادرة حقوق الآخرين  تارة باسم القومية أو بحجة الصراع العربي - “الإسرائيلي”، وأخرى باسم الطبقة العاملة ومصالح الكادحين، وثالثة باسم الدين، لإسكات أي صوت ولتسويغ فكرة الاستئثار وادعاء امتلاك الحقيقة .


132
وجها الإرهاب في العراق: "القاعدة" والمحاصصة الطائفية
   

د . عبد الحسين شعبان
 
يعد شهر يوليو/تموز الماضي لهذا العام الأكثر دموية وإرهاباً في العراق قياساً للسنوات الخمسة المنصرمة، فقد سقط فيه نحو ألف قتيل، في عاصفة عشوائية هوجاء من العنف ضربت عشرات المواقع والمؤسسات والمدارس والنوادي والجوامع والمساجد والشوارع والمدن والمحافظات . ولم تستثن “تسونامي الإرهاب” أحداً، بل وزّعت العنف والدمار والخراب على الجميع من دون استثناء، لدرجة يكاد يقع المراقب والمحلل السياسي في حيرة: تُرى ماذا يريد الإرهابيون؟ وما معنى “الإرهاب لأجل الإرهاب”؟!

إذا كانت هذه إحدى زوايا النظر، فإن هناك زوايا أخرى، لاسيّما إذا ربطناها بالأهداف، خصوصاً بالتأثير السيكولوجي (النفسي) على الناس ونظرتهم إلى الحكومة التي لا تستطيع حمايتهم وضبط الأمن والنظام العام، فستكون تلك مقدمة مهمة لضعضعة العملية السياسية التي ستظهر وكأنها عاجزة، خصوصاً باستهداف العراق كلّه، من دون استثناء، فحصّة العرب من العنف والإرهاب كبيرة، مثلما هي حصص القوميات الأخرى، لاسيّما التركمان، وكذلك كانت حصص المسلمين سنّة وشيعة، إضافة إلى الأديان الأخرى، مسيحيين وإيزيديين وصابئة وآخرين .

وجاءت عملية الهروب الجماعي لسجناء سجني أبو غريب والتاجي لتكشف هزال وهشاشة الوضع الأمني ومن خلاله الوضع السياسي، إذ كيف تستطيع إقناع الناس بأن الحكومة التي تزعم أنها تبني مؤسسات أمنية بوسائل حديثة تبقى عاجزة طوال السنوات العشر ونيّف الماضية عن تأمين وظيفتها الرئيسة، وهي حماية أرواح وممتلكات المواطنين وحفظ الأمن وضبط النظام العام؟ فبعد سلسلة عمليات إرهابية، يشترك نحو 200 من الإرهابيين من “الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام” في عملية اقتحام لسجنين رئيسين، حيث فرّ خلالها أكثر من 500 سجين بعضهم من كبار شخصيات تنظيم القاعدة الإرهابي، كما ارتكبت مجزرة بُعيد العملية راح ضحيتها أكثر من 100 شخص حسب بعض مصادر الطب العدلي في بغداد . وكان محللون غربيون قد اعتبروا أن فرار بعض أمراء “القاعدة” من سجني أبو غريب والتاجي في العراق، في عملية منظّمة، عزّز الانطباع بضعف الحكومة العراقية وفشل التدابير الأمنية التي اتخذتها، مثلما أعاد إلى الأذهان جهوزية تنظيم القاعدة، الذي اهتزّت صورته في السنوات الأخيرة الماضية، وإذا بالعملية النوعية التي قام بها تعطي انطباعاً بأنه تمكّن من إعادة بناء تنظيماته كما جاء في صحيفة الواشنطن بوست .

كما أن نجاح هذه العملية سيعطي دعماً لجماعة “القاعدة” في سوريا على حساب المجموعات المسلّحة الأخرى، خصوصاً قدرتها على التنظيم وخفّة حركتها وسرعتها على الانتقال، علماً أن بين الهاربين من وجه العدالة مقاتلون أجانب وهم قادة الجيلين الأول والثاني من تنظيم القاعدة . وإذا فحصنا العملية، سنكتشف دليلاً جديداً على قدرة التنظيم الكبيرة، بحيث إن سيارات كانت تقف على مقربة من السجنين قامت بنقل الفارّين، بهدف تأمين اختفائهم على أمل نقلهم إلى مناطق أخرى لاحقاً، وهو ما يدفع سكان بغداد ومناطق أخرى إلى القلق من احتمال ارتكاب هؤلاء مجازر جديدة .

وظلّت الرواية الرسمية الحكومية بشأن عملية اقتحام السجنين غامضة، لاسيّما بشأن ما ورد من تواطؤات، في حين كان بيان الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام، استعراضياً عندما تحدّث عن “قهر الطواغيت” . ولعلّ مجرد متابعة التفاصيل تضع الكثير من علامات الاستفهام على أداء الأجهزة الأمنية، خصوصاً عملية الاقتحام وساعة التنفيذ ترافقاً مع موجة من السيارات المفخخة، وعدد الانتحاريين الذين بلغوا ،12 وقطع الطرق المؤدية إلى السجنين وهما طريق بغداد- أبو غريب، وطريق بغداد - الموصل، بعد التخلّص من نقاط التفتيش المنتشرة على الطريقين، واستوجب الأمر استهداف قوات الجيش القريبة من الموقعين في مقر لواء المثنى ومعسكر التاجي بصواريخ “غراد” ورشقات من قنابل الهاون وشلّ حركة الامدادات الأرضية، ثم الاشتباك مع حراس السجن وقوات الحماية والأبراج المحيطة بها، وقد استمرت العملية عدّة ساعات، وهكذا تم فتح أبواب السجن ليخرج منه مئات السجناء .

وقد اتّخذ رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي بعض الإجراءات بإقالة عدد من المسؤولين وإحالة العديد منهم إلى القضاء، لكن ذلك لم يخفف من موجة القلق العارمة وحالة السخط الشديدة التي عمّت الشارع العراقي، والتي جعلت البلاد كلّها تشعر بعدم الطمأنينينة، بما فيهم بعض أطراف العملية السياسية، ومن الصعوبة بمكان إعادة لحمة الثقة المتزعزعة في ظل انهيارات واختراقات للوضع الأمني، خصوصاً عندما يعاني المواطن ضنك العيش وشحّ الكهرباء والماء الصافي، وسوء الخدمات الصحية والتعليمية واستمرار الانقسام الطائفي والمذهبي والإثني، واستشراء الفساد المالي والإداري، حيث تعتبر الدولة العراقية منذ الاحتلال الأمريكي من أكثر الدول فساداً في العالم، وهو ما دأبت منظمة الشفافية العالمية منذ العام 2003 على تصنيفها سنوياً .

ومع كل ذلك يأتي الإرهاب وانفجار الوضع الأمني ليزيد الصورة قتامة والمشهد بؤساً، لاسيّما عندما يسمع المواطن أن ما صُرف على الأجهزة الأمنية يفوق على 20 مليار دولار، وأن ما صُرف على الكهرباء يزيد على 27 مليار دولار، حينها يدرك أن أمواله تهدر بلا حساب أو رقابة كافية، وأن مستقبله محفوف بالمخاطر في ظل انخفاض مستوى الخدمات الصحية وتفشي الكثير من الأمراض الجديدة وبعضها غير معروف، ناهيكم عن أنواع جديدة من السرطانات والتشوّهات الخلقية التي يعانيها كثير من الولادات الجديدة .

لقد ساد نوع من الهلع والوجوم لدرجة الفزع في الأيام الرمضانية التي شهدت عملية الهروب الجماعية، الأمر الذي ينذر بتهديدات جدّية، ارتباطاً مع تدهور الوضع السياسي الداخلي من جهة، والإقليمي، ولاسيّما في سوريا، من جهة أخرى، وقد كانت احتجاجات الأنبار التي تبعتها صلاح الدين والموصل وديالى وكركوك وأقسام مهمة من بغداد إنذاراً للحكومة، تبعتها تظاهرات البصرة والناصرية والعمارة وغيرها، إضافة إلى الاحتجاجات الكثيرة التي شهدتها الساحة العراقية .

وقد عاظمت هذه الانفجارات من ضعف الثقة بين الكتل السياسية، إضافة إلى نظام المحاصصة الطائفية والإثنية، خصوصاً أن وزارات مثل الداخلية والدفاع والأمن الوطني، إضافة إلى المخابرات العامة لا تزال شاغرة، أي من دون مسؤولية مباشرة بزعم عدم التوصّل إلى اتفاق سياسي بين الكتل المتصارعة، وكل ذلك يساعد على الاختراق الأمني، وفي المحصلة فإنه يشكل فشلاً كبيراً ليس للأجهزة الأمنية فحسب، بل للحكومة العراقية، لأن مثل هذا الخلل بنيوي وعضوي، لا يمكن معالجته إن لم يتم إعادة النظر بطريقة تأسيس هذه الأجهزة وقبول منتسبي الجيش وغير ذلك، فالأجهزة الأمنية والجيش هما نتاج اتحاد ميليشيات لا تجمعها في الكثير من الأحيان عقيدة عسكرية، بل إن ولاء بعضها لا يزال للأحزاب أو الجماعات التي رشحتها، وقد كان لقرار بريمر الحاكم المدني الأمريكي في العراق بحلّ الجيش العراقي، الأثر الكبير في تدهور الوضع الأمني، خصوصاً بنقص الخبرات والتأهيل، ناهيكم عن المحاصصة .

إن الحكم بالنجاح أو الفشل على أية حكومة يعود إلى قدرتها في ضبط الأمن والنظام العام والحفاظ على أرواح وممتلكات المواطنين، ولا يكفي التذرّع بحجّة صندوق الانتخاب، فهذا الأخير لا يعتبر وحده مؤشراً كافياً للنجاح حتى وإن كان هو وراء مجيء هذه الحكومة، لكن فشلها في ضبط الأمن وشعور المواطن بعدم الثقة وعدم الطمأنينة، هو الذي يعطي شرعية، وبالتالي يحدّد نجاح أي جهاز أمني أو أية حكومة، وقد انعكس الوضع السياسي على الوضع التشريعي، فتعطّلت السلطة التشريعية بسبب الخلافات الحادة بين الكتل وتأجّل الكثير من مشاريع القوانين ذات الصلة المباشرة بحياة الناس، بما فيها قانون الانتخابات، في حين نوقش قانون لتحديد الرواتب التقاعدية لأعضاء مجلس النواب، وهو أمر مستغرب وغير مألوف، ولذلك أثار سخط الرأي العام ومؤسسات المجتمع المدني .

إن معالجة الوضع الأمني تحتاج إلى توافق سياسي وطني، يُبعد الجيش والأجهزة الأمنية عن المحاصصة الطائفية والمذهبية والإثنية، بل يجنبها كلياً الخوض في السياسة ومتاهاتها، ويتعامل مع منتسبيها على أساس مهني ووفقاً لعقيدة عسكرية تجعل الولاء للوطن والشعب وحدهما دون سواهما الأساس في الانتماء والولاء، باعتبار أن وظيفة الجيش هي للدفاع عن الوطن وللبناء، ومهمة القوى الأمنية الداخلية الدفاع عن أمن الدولة والمجتمع والحفاظ على النظام العام، وليس للحكومة دالة على الجيش والقوى الأمنية، الاّ بمقدار تحقيق وظائفهما الأساسية، لأنهما ملك للدولة وليس لأية حكومة، وعدا ذلك ستكون الدولة عرضة للتشظي والتفتت والتقاسم، إذا استمرت عملية المحاصصة، وهذا هو السبب وراء انعدام الثقة أو ضعفها داخل المؤسسات العسكرية والأمنية وبين الكتل السياسية، وهي وجه آخر للإرهاب!

* باحث ومفكر عربي


133
الجامعة وهجرة العقول
   
 
عبدالحسين شعبان
طرحت التغييرات التي حصلت في العديد من البلدان العربية موضوع الحرية الفكرية في الاطار الجامعي والأكاديمي على بساط البحث، خصوصاً في ظل الجدل المُثار سابقاً وحالياً حول النظام التعليمي والتربوي، ومنطلقاته الفكرية السياسية والاجتماعية والاقتصادية، لا سيّما موقفه من الآخر ومن الاختلاف والتنوّع والتعددية، وكل ذلك له علاقة بالثقافة وارتباطها العضوي بالحرّية، حيث تشكّل حرّية البحث العلمي ركناً مهماً وأساسياً من أركان تطور الجامعات والمؤسسات الأكاديمية، بل والمجتمع ككل .

لقد نما التعليم الجامعي بشكل كبير وبجميع مستوياته في الوطن العربي، سواء خلال المؤسسات الجامعية ومراكز الأبحاث والدراسات العلمية، وكذلك من خلال الارتفاع الهائل في عدد الطلبة وازدياد أعداد الأساتذة الجامعيين وتعاظم خبراتهم . ومع هذا النمو برزت مشكلات نوعية، لعلّ أهمها موضوع الحرية الفكرية في اطارها الجامعي والأكاديمي، حيث لم يرافق التطور الكمّي في التعليم الجامعي تطور نوعي في معظم الأقطار العربية .

وخلال ربع القرن الماضي ازداد عدد الجامعات العربية ومراكز الأبحاث الأكاديمية، زيادة ملحوظة، بالنسبة للجامعات الرسمية أو الأهلية، في حين كان هناك تسرب، بزيادة هجرة العقول والأدمغة المفكّرة، تساوق طردياً مع اندلاع الحروب والنزاعات وانفلات الوضع الأمني في بعض البلدان، فضلاً عن شحّ الحرّيات وضعف الحوافز المعنوية والمادية .

وكان المجتمع الجامعي يأمل في وضع حد لمحاولات احتواء وتأطير أساتذة الجامعات والباحثين الأساسيين في مراكز الابحاث والدراسات التي راجت في سنوات السبعينيات والثمانينيات ولا سيّما في بعض البلدان التي حدثت فيها تغييرات مؤخراً، والتي قابلها عزوفٌ شديد من جانب الأساتذة والباحثين عن المشاركة في الحياة العامة كردّ فعل طبيعي ضد محاولات قسرية لإجبارهم على تطويع وسيلتهم الابداعية والأكاديمية، الاّ أن أشكالاً جديدة من التسييس أو التديين أو التمذهب برزت لدى أوساط جامعية وأكاديمية لم تعرفها أروقة الجامعات من قبل، وانقسم المجتمع الجامعي، إلى أنصار الأنظمة القديمة وأنصار الأنظمة الجديدة، وبين الاتجاهات الإسلامية والعلمانية،وأحياناً بين أتباع هذه الطائفة أو تلك وغير ذلك .

وولّد الانغمار سابقاً في المهمات الوظيفية والابتعاد عن الأضواء شعوراً باليأس والانكفاء على الذات والانفصام عن المجتمع أحياناً، وذلك تلافياً لمحاولات السلطات توظيف نتاجات الأساتذة والباحثين واستغلال أسمائهم لمصالحها الخاصة، خصوصاً في ظل أنظمة تعليم عتيقة وادارات بيروقراطية ومناهج لا تستجيب لروح العصر وأجهزة لا تعرف الرحمة وغياب أو ضمور للحرّية الفكرية وضعف المبادرة وعدم تشجيع حرّية البحث العلمي والأكاديمي .

لقد ظلّ الباحث الأكاديمي والأستاذ الجامعي يعاني غياب الحرّية مثلما يعاني اليوم التعصب والتطرف والغلو ومن القيود المفروضة عليه للالتزام بالمناهج “المقررّة” التي غالباً ما تكون ذات اتجاه محدد “ضيق” ومن الرقابة المختلفة التي جعلته يعيش في بعض البلدان تحت هاجس الرعب، لا سيّما إذا ترافق الأمر مع تهديدات وانفلات للعنف وظلّت حرّية البحث العلمي محدودة، إضافة إلى الانظمة الجامعية الادارية، كالتعيين والدوام والاجازات والمرض والترقيات والتفرّغ، وهذه كلّها معوّقات أمام الباحث وعامل كبح يحدّ من إبداعه، فضلاً عن ضعف الحوافز في الكثير من الأحيان وتقديم الولاء كشرط أساسي لتولّي المسؤوليات والترقيات وذلك على حساب الكفاءة والاخلاص للوطن .

وانتشرت العديد من الاعتبارات الجديدة  القديمة  التي سبق للكثير من البلدان العربية أن سلكت طريقاً يساعد على تخطيّها أو يخفف من تأثيراتها السلبية بعد أن عانتها في حقبة سابقة، الطائفية والشوفينية والعشائرية والجهوية، وقد لعبت الاعتبارات الحزبية والدينية والطائفية السياسية الضيقة، دوراً كبيراً في التأثير على حرّية الجامعات والبحث العلمي، وعلى الاستفادة من الطاقات والكفاءات العليا لحسابات بعيدة كل البعد عن التقييمات العلمية والاكاديمية .

ففي العراق مثلاً وبعد الاحتلال الامريكي عام ،2003 تم إعفاء نحو 3 آلاف أستاذ جامعي من مواقعهم، بسبب الاتجاه السياسي وليس بسبب ارتكابات أو إدانات قضائية، ورغم أنه أعيد الكثير منهم، الاّ ان الجامعات العراقية ما تزال تعاني نقصاً فادحاً في مستوى الكفاءة، ولعلّ بعض التعيينات الجديدة لأسباب سياسية أو طائفية أو إثنية قد لعبت دوراً في ذلك، ناهيكم عن اغتيال نحو 450 عالماً واستاذاً جامعياً، وهجرة أعداد كبيرة إلى الخارج بسبب تصاعد أعمال العنف من جهة وممارسات الاحتلال من جهة أخرى، فضلاً عن الفوضى الأمنية، وكذلك بسبب موجة التطهير الطائفي وما رافقها من أعمال عنف منفلتة من عقالها، مما أضاف عبئاً جديداً على المستوى الجامعي والأكاديمي، خصوصاً وأن هناك آلاف من أساتذة الجامعات والباحثين كانوا قد غادروا العراق بسبب سياسات النظام السابق وبسبب الحروب والحصار .

لقد جرت عمليات “تخريب” للجامعات منذ السبعينيات وتم تفريغ الكثير من أصحاب الكفاءات والمواهب منها ومن مراكز الأبحاث، لا سيّما اذا كانت لا تتفق مع الاتجاه السائد، مما أدى إلى هبوط المستوى الدراسي الجامعي، فضلاً عن نكوص النظام التعليمي، وانعكس ذلك بشكل خطير على الحرّية الفكرية، بالترافق مع عدم مواكبة التطور الدولي، وخصوصاً منجزات العولمة وثورة الاتصالات والتدفق الهائل للمعلومات وتكنولوجيا المعلومات والطفرة الرقمية “الديجيتل”، الأمر الذي أدى إلى تخلف البرامج الدراسية والمناهج الجامعية، وأصبح بعضها يفوح برائحة النزعات الطائفية والعسكرية أو العنصرية أو العشائرية، وبما يضرّ بمصلحة المجتمع، ويفقده التعايش والسلام الأهلي والاجتماعي، ويؤثر في شخصية الطالب التي ينبغي ان تنمّى لتكوين شخصية عصرية منفتحة وقادرة على استيعاب الجديد وروح العصر .

وبسبب غياب الحرّية الفكرية وفقدان حرية التعبير، فإن هجرة كبيرة شهدتها البلدان العربية والبلدان النامية عموماً للعقول والأدمغة المفِكرة Brain Drain، إضافة إلى تأثير ذلك على الطموح الشخصي للاستاذ والباحث (موضوعياً وذاتياً) وإغراءات أخرى دفعت بأصحاب الكفاءات إلى ترك أوطانهم، حيث يتسرّب سنوياً العديد من العلماء والنابغين والباحثين وأساتذة الجامعات بحثاً عن الحرّية الفكرية والأمان، وتحسين أوضاعهم من الناحية الابداعية والشخصية، من خلال الفرص التي تتاح لهم خارج بلدانهم، وفي ذلك نزيف خطير للكفاءات وهدر كبير للموارد .

إن الغالبية من أصحاب العقول لا يرغبون في ترك بلدانهم ولا يطمحون بالهجرة، ولكنهم اضطروا للرحيل بسبب مشكلات ومعوّقات صادفتهم لدى عملهم، سواء مشكلات البحث العلمي وضيق فسحة الحرّية والتجاوز على حقوقهم الشخصية والعامة، والتعامل البيروقراطي، والنظام الاداري، وحقوق التفرغ العلمي وغيرها .

إن علاقة الباحث بالسلطة هي علاقة ملتبسة في الغالب، خصوصاً ما يتعلق بحرّيته في البحث والتعبير واستقلاله، فضلاً عن القيود المفروضة عليه وهاجس المراقبة، لدرجة أنها أصبحت أكثر تعقيداً وارتياباً من جهة، وعدائية من جهة أخرى . ومؤخراً استشكل الأمر مع جماعات التطرف والتعصب، فأصبح هناك شكل من العداء بينها وبين الجامعات ومراكز الأبحاث والدراسات الأكاديمية والفكرية، لعدم قبولها الرأي الآخر .

وتحتكر السلطات أحياناً بعض المعلومات أو مصادرها، وتحجبها عن الباحث وتحظر عليه الوصول إليها تحت حجة “أمن البلد” ومتطلبات “الصراع الخارجي” و”العدو” الذي يدق على الأبواب، بل يقرع الطبول . وهو ما تضع عليه خطّاً أحمر، وتحاول بعض السلطات ان تسخّر الباحث لأغراض الدعاية، بحيث يصبح داعيةً سياسياً فاقداً بذلك موضوعيته، الأساس في تكوين شخصية الباحث، وبالتالي بحثه . وقد كشفت أحداث الربيع العربي هشاشة العديد من الأنظمة التي كانت تبدو منيعة ومحصّنة، فضلاً عن حجم الاختراقات التي كانت فيها .

الباحث يتعامل مع الحقائق دون أن يروّج لأيديولوجية معينة، في حين أن الداعية السياسي يحاول نشر آرائه السياسية والترويج لها، بل تسويقها أحياناً وهو ما يتناقض مع مهمة الباحث الذي ينبغي عليه التمسك بالحيادية والموضوعية ونتائج البحث التي يتوصل إليها . إن ذلك لا يعني دعوة إلى الحيادية المطلقة للعلم ووظيفته ذات البعد الاجتماعي، فالعلم له علاقة وطيدة بالأخلاق، ولا يمكن فصلها وإلاّ فإنها تحوّل إلى النقيض، باستخدام نتائج العلم والبحث ضد المجتمع والإنسان، ولأغراض عدوانية وشريرة .

* باحث ومفكر عربي



134
العراق ومشاريع التقسيم!
د. عبد الحسين شعبان
أكاديمي ومفكر عراقي


عشر سنوات مرّت على احتلال العراق، وعلى الرغم من الانسحاب الأمريكي من العراق في أواخر العام 2011 فإن ذيوله وتأثيراته مستمرة، لا سيما وأن اتفاقية الاطار الاستراتيجي التي تم التوقيع عليها في العام 2008 لا تزال نافذة المفعول وهي غير محدّدة بزمن، ومع انتهاء مفعول الاتفاقية الأمنية التي ثار الجدل طويلاً حولها، ولا سيما رغبة بعض الأوساط في توقيع اتفاقية جديدة على مقاسها، لكن أوضاعاً وظروفاً تتعلق بالعراق وأخرى بالولايات المتحدة حالت دون ذلك، واضطرّت واشنطن إلى الانسحاب، حتى دون رغبة بعض حلفائها العراقيين.
إن اتفاقية الإطار الاستراتيجي وإن كانت أكثر نعومة، لكنها الأكثر خطورة، إذ أنها تكبّل العراق وترهق كاهله، وتجعله من الناحية الفعلية تحت الوصاية الأمريكية، حتى وإن كان الحديث في إطار " الصداقة والتعاون" سياسياً واقتصادياً وثقافياً وغير ذلك، كما نصّت عليه، بحيث لا يمكن تجاوز نفوذ واشنطن " الفعلي".
ثلاث عوامل أدت إلى الانسحاب الأمريكي من العراق:
العامل الأول– المقاومة السلمية- المدنية التي واجهتها الولايات المتحدة والتي لم تكن تتصورها، إضافة إلى المقاومة المسلحة، وقد سبّبت لها خسائر مادية ومعنوية كبيرة، ليس أقلّها الأرقام الرسمية، حيث خسرت نحو 4800 قتيل و26 ألف جريح وأكثر من تريليون دولار حتى نهاية العام 2008، وقد وصل الرقم إلى نحو ضعفين، كما أشارت تقارير أمريكية ودولية مؤخراً.
والعامل الثاني- ضغط الرأي العام الأميركي والأوروبي والغربي، عموماً بخصوص لا أخلاقية الغزو، سيما بعد الفضائح الكثيرة التي رافقته، ناهيكم عن كونه لم يحظ بترخيص من الأمم المتحدة أو المجتمع الدولي، الأمر الذي وضع أكثر من علامة استفهام حوله، خصوصاً بعد الخسائر التي تعرّضت لها واشنطن في العراق.
والعامل الثالث- الأزمة المالية والاقتصادية العالمية التي اجتاحت الولايات المتحدة، وضربتها بالصميم وادّت إلى انهيار مصارف كبرى وشركات تأمين عملاقة، وهي لم تعد قادرة على استمرار احتلالها الذي كلّقها أثماناً باهظة.
بعد عشر سنوات تندلع احتجاجات واسعة في العراق تهدد العملية السياسية برمتها، بل تجعلها على الحافة، خصوصاً وأن المحاصصة المذهبية والإثنية، والارهاب والعنف والفساد المالي والإداري لا تزال تطبع المشهد السياسي، على الرغم من تحسّن الوضع الأمني قياساً بالعام 2006، لكن اختراقات مستمرة ظلّت تداهمه لدرجة لا يمكن معها الإطمئنان أو الثقة إلى استقرار الوضع الأمني الذي هو جزء من استقرار الوضع السياسي، وثمة أسباب دفعت للاحتجاجات الحالية، خصوصاً في ظل شعور أوساط معينة من المحافظات الغربية والشمالية التي يقطنها السنّة بالإقصاء والتهميش.
لعل السبب الأول هو عدم إتمام المصالحة السياسية الوطنية، خصوصاً وأن الكثير من القوى لا تنظر إليها باعتبارها مسألة راهنية وحاسمة في التطور السياسي الحالي والمستقبلي،  ناهيكم عن أنه لا توجد بيئة صالحة للشروع بها وتحقيقها، وإذا كان المقصود هو أن تلقي بعض الجماعات المسلحة السلاح وتنتقل من تصنيف الارهابيين إلى تصنيف الأصدقاء، فيما إذا تعاونت مع التيار السائد في الحكومة، فتلك لن تؤسس لمصالحة حقيقية، لأن هذه القوى سرعان ما تعود إلى العنف وحمل السلاح، إنْ لم تحصل على امتيازات وشروط، وهي تريدها مستمرة ومتواصلة، في حين يقتضي إلقائها السلاح، التوجّه إلى العمل المدني والخدمة الوظيفية المدنية، دون أية اشتراطات الاّ حكم القانون.
وبسبب الصراعات السياسية بين الكتل القائمة، فإن هذه المجموعات أحياناً تنتقل من هذا التحالف إلى خصمه بحكم الامتيازات التي تحصل عليها أو التي توعد بها، وبعضها يلتجئ أحياناً إلى بعض دول الجوار لمساعدته، لأسباب ومبررات لا تبدو في الكثير من الأحيان مقبولة.
أما إذا كان المقصود بالمصالحة حزب البعث الحاكم سابقاً فهو مستهدف بحكم قانون الاجتثاث، وقانون المساءلة والعدالة لاحقاً، كما أنه هو الآخر حين كان في السلطة أراد أن يجتث الآخرين بإصدار قرار بإعدام أعضاء حزب الدعوة بأثر رجعي يوم 31 آذار (مارس) 1980 وفعل الشيء نفسه بالنسبة للحزب الشيوعي حين حدد موعداً (العام 1980) للقضاء عليه، وانتهك حقوق الكرد وشن حروباً عدوانية ضدهم. إن حزب البعث نفسه لا يؤمن بالمصالحة ومثله مثل الحكومة العراقية، كل يريد اجتثاث الآخر ويتهم خصمه بشتى التهم.
قد يكون مناسباً الحديث عن العدالة الانتقالية، التي تعني كشف الحقيقة كاملة عما جرى ولماذا جرى؟ ومن ثم المساءلة للمرتكبين في الماضي والحاضر، وفيما بعد وترافقاً مع ذلك تعويض الضحايا وجبر الضرر، وأخيراً إصلاح الأنظمة القانونية والقضائية والأمنية لكي لا يتم تكرار ما حصل.
للأسف الشديد فإن مبادئ العزل والإقصاء والتهميش والإلغاء ظلّت مهيمنة على عقلية الحكّام، بل الأكثر من ذلك حين يتحوّل الاجتثاث إلى سلاح يُرفع بوجه كل من يرفض العملية السياسية أحياناً، وهو سلاح مزدوج، فلغرض التطويع والترويض، يتم غضّ النظر عن الارتكابات السابقة، إذا أعلن الولاء للحاضر، بمسوّغ "التوبة"، والعكس صحيح  فإن الأفكار تحارب ويتم السعي لتحريمها، في حين يظل المرتكبون بمعزل عن المساءلة والعقاب.
ولكي لا تتحوّل المسألة إلى ثأر وكيدية وانتقام، فلا بد من إلغاء القانون، أما المرتكبون فيمكن احالتهم للقضاء، وأخذهم بالتسامح ووفقاً لمعايير العدالة الانتقالية، لكي يتم استعادة المجتمع لوحدته والمصالحة مع نفسه. ومن المفارقات أن ينتقل مثلاً أحد الذين تم رفضهم لشمولهم بقانون الاجتثاث إلى نائب لرئيس الوزراء بعد صفقة سياسية، وهكذا الأمر بالنسبة لعدد من الموظفين الكبار والعسكريين من الضباط، الذين تم تعيينهم وكالة في حين أنهم مشمولون بقانون الاجتثاث.
وحتى الآن لم تتبلور رؤية لطائف عراقية وإن كان " إسقاط" الارتكابات، أمرٌ يقرره القضاء، وليس اتفاقيات سياسية، الاّ أن أي اتفاق سياسي يمكن أن يحلحل القضية القانونية، ولاشك أن وراء كل مشكلة قانونية إشكالية سياسية، وهذه هي الأساس. وإذا كان لإيران أو غيرها تأثير في العراق، فإن الأمر يتعلق بدرجة وعي وقدرة الفرقاء في التوصل إلى ما هو مشترك، لكن الإرادة السياسية لا تزال قاصرة، ونزعات احتكار العمل قائمة، ورغبة البعض في عودة الماضي مستمرة، والاحتكام إلى صندوق الاقتراع وفقاً لقواعد جديدة للعبة السياسية لازال غائباً.
ويلعب العامل الخارجي الدولي والإقليمي دوراً كبيراً في العراق، الذي هو نصف لواشنطن ، حتى بعد الانسحاب الأمريكي من العراق، لكن نصفه الآخر لطهران، ولا يعني ذلك أن خط الساسة العراقيين يسير باتجاه منطقة الصفر أو "الزون" الفاصل بينهما، فهما متداخلان ومتشابكان، ويحاول بعض الساسة اللعب في منطقة الوسط، أي منزلة بين المنزلتين، وهو ما سعى إليها نوري المالكي رئيس الوزراء ولا يزال حتى الآن.
في آخر زيارة لواشنطن (أواخر العام 2011) أبلغ الرئيس أوباما رئيس الوزراء العراقي المالكي، بأن واشنطن ستدعمه، ولعل ذلك ما كان قد قررته الولايات المتحدة سابقاً عند دعمها له للعودة إلى رئاسة الوزراء، لأنها لم تكن ترغب في فرض من تريده(د. إياد علاوي) لأن فشل الأخير سيعتبر فشلاً لها، في حين أن فشل المالكي لا تتحمله، وقد أدركت واشنطن دور ونفوذ طهران، فهي لن تدع علاوي في السلطة، وإذا بقي فيها فستجد له ما ينغّص عليه كثيراً وفي نهاية المطاف سيفشل، كما أن إيران ارتضت بالمالكي وإنْ كانت تريد من هو أقرب إليها، لكنها فكّرت أنه سوف لا يلعب بحديقتها الخلفية، في حين أن واشنطن قدّرت أنها يمكن أن تدفع المالكي لمشاغلة إيران أو ممانعتها، وكلا الأمرين كانا على درجة من المعقولية والبرغماتية، الإيرانية والأمريكية.
من الخطأ القول أن السنّة حكموا العراق، واليوم جاء دور الشيعة، وهو خطأ آخر، ولعلّ من حكم باسم هذه الفئة أو تلك وباسم العرب أو غيرهم لم يكونوا سوى حكّام حاولوا تسخير كل شيء بما فيها الطوائف والقوميات وحتى الأديان، لخدمة مصالحهم، واستخدموا مختلف الأساليب للبقاء في السلطة. لذلك فإنك ستظلم السنّة مرتين في الأولى، عندما تقول أنهم حكموا العراق، وفي الثانية عندما تريدهم أن يدفعوا ثمناً لذنب لم يرتكبوه، كما أنك تظلم الشيعة اليوم، عندما تقول أنهم يحكمون العراق، وهم الأكثر معاناة، حتى وإن تمتع بالامتيازات شيعة الحكم، وهم فريق سياسي، لا يمثلون الطائفة ولا يعبّرون عن تطلعاتها، التي هي تطلّعات غالبية العراقيين في الأمن والكرامة والحرية واستعادة هيبة الدولة وتحسين الوضع المعاشي بإعادة الخدمات الصحية والتعليمية والمواصلات وتأمين الحصول على عمل مناسب وتأمين الضمان الاجتماعي والتقاعد والقضاء على البطالة وغير ذلك من جوانب الرفاه الاجتماعي.
لعل أكثر ما يهدد العراق هو خطر التقسيم فعلياً، وقد جاء اليوم لوضع المشاريع الكثيرة الخاصة بالتقسيم والتي بقي بعضها الأدراج موضوع التطبيق، انطلاقاً من مشروع برنارد لويس القاضي بتحويل المنطقة إلى 41 إمارة أو دوقية أو كانتون، إضافة إلى مشروع بريجنسكي مستشار الأمن القومي الأسبق في كتابه "أمريكا والعصر التكنوتروني"، والقاضي إلى تحويل المنطقة إلى أقليات عربية، شيعية، سنّية، كردية، مسيحية، درزية، علوية....الخ حيث ستكون إسرائيل فيها الأقلية المتميّزة، تكنولوجياً وعلمياً وثقافياً وتنموياً، فضلاً عن كونها محظية الغرب، أو ما قال كيسنجر بشأن تقسيم المنطقة: علينا خلق إمارة أمام كل بئر نفط.
وكان فولر من مؤسسة راند الأمريكية القريبة من المخابرات المركزية الأمريكية قد طرح سؤالاً في العام 1992، هل يبقى العراق موحّداً في العام 2002؟ وذلك بعد ترويج لكيانيات عراقية، شيعية ، سنية، كردية، وبعد عمل طويل ومنظّم للعديد من مراكز الأبحاث، وخصوصاً خلال الحرب العراقية- الإيرانية:
وعند وقوع العراق تحت الاحتلال في العام 2003 نشط جو بايدن،  نائب الرئيس الأمريكي الحالي ولا سيّما في العام 2007 بالحصول على موافقة الكونغرس حول تقسيم العراق إلى ثلاث كيانات ووضع نقاط تفتيش وسيطرة وحدود فاصلة للعبور وهوّيات أشبه بجوازات سفر وقد فاتح العديد من أعضاء مجلس الأمن، لا سيما الدئمي العضوية للحصول على تأييدهم لمشروع التقسيم.
ولعلّ ما يجري في الأنبار اليوم وفي نحو 5 محافظات هي: صلاح الدين والموصل وديالى وكركوك وأجزاء من بغداد، من حركة احتجاج يمكن أن كون نواة جديدة لكيانية عراقية لو تكرّست، ستقارب شكلاً من أشكال الكونفدرالية مثلما هو الوضع الكردي حالياً، خصوصاً وأن مفهوم الفيدرالية وسقفها وحدودها لا يزال ملتبساً من الناحية النظرية في الدستور، إضافة إلى النواحي العملية. ولا يمكن مع مرور الأيام، إعادة القديم إلى قدمه، فيما إذا تمكّن أمراء الطوائف من الحصول على امتيازات ومكاسب ، وفي هذا يصبح الأمر الواقع واقعاً.
التقسيم لا يتم دفعة واحدة، ولعلّ جميع اللاعبين السياسيين، ولاسيما الدوليين لا يريدونه حالياً، فدول الجوار الإقليمي بما فيها إيران وتركيا وسوريا والمملكة العربية السعودية والأردن، والدول الكبرى، وخصوصاً الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي لا تؤيده، بل تخشى من انعكاساته السلبية على دول المنطقة، وإن كان بعضهم وعلى رأسهم " إسرائيل" يميل إليه سواءً جاء صارخاً أو على نحو تدريجي وبطيء بحيث يصبح الأمر الواقع واقعاً.
كان جو بايدن نائب الرئيس الأمريكي الحالي قد  طرح مشروع الفيدرالية الثلاثية، وحسب مفهومه فهي أقرب إلى الكونفدرالية، بل أكثر من ذلك هي دوقيات أو كانتونات، حيث يتم وضع جك بوينت (CHECK POINT) على حدود بعضها البعض، وتنظيم هويات (أقرب إلى باسبورات) وتشكيل قوة مسلحة تبلغ نحو 300 ألف جندي تفصل بين الحدود ويتم توزيع الموارد وفقاً لنظام خاص ووضع ميزانية لتنفيذ المشروع تصل إلى مليار دولار، والحجة هي وضع حدّ للصراع بين السنّة والشيعة والعرب والكرد وإنهاء التوتّر الطائفي والإثني.
ولعلّ ذلك ليس سوى مقدمة للتقسيم كان بايدن قد طرحها وروّج لها واتصل بأعضاء في مجلس الأمن الدولي لتأمين تأييدها واستصدر قراراً من الكونغرس لذلك في العام 2007، لكنه بعد أن أصبح نائباً للرئيس وانشغل بالملف العراقي وزار بغداد زيارات مكوكية لأكثر من أربع مرّات، وجد القضية أعقد وأصعب بكثير مما تصوّره خياله أو مما وضعه على الورق.
باستثناء فيدرالية إقليم كردستان، وهي جزء من اشكالية تاريخية لم تتحقق حتى الآن فيدراليات أخرى في البصرة أو للجنوب أو فيدراليات لصلاح الدين أو الأنبار أو ديالى أو فيدرالية للسنّة، كما طرح رئيس البرلمان العراقي الحالي أسامة النجيفي في تصريح له من واشنطن نهاية العام المنصرم 2011 وذلك بمبرر التهميش وعدم المشاركة..
الفيدرالية الكردية هي امتداد لحقوق الكرد ومطالبهم (وقد اعترف دستور العام 1958 بشراكة العرب والكرد في الوطن العراقي. أما دستور العام 1970 فقد اعترف بأن الشعب العراقي مؤلف من قوميتين رئيسيتين هما العربية والكردية) وبعد الانسحاب الحكومي من إقليم كردستان في أواخر العام 1991 وإثر حرب الخليج وغزو الكويت، أعلنت الجبهة الكردستانية ملء الفراغ وأجريت انتخابات في العام 1992 بدعم دولي تكرّس بعد ذلك في منطقة الملاذ الآمن، لكن قتالاً اندلع بين الفريقين الكرديين: (الاتحاد الوطني الكردستاني (برئاسة جلال الطالباني) والحزب الديمقراطي الكردستاني( برئاسة مسعود البارزاني) شكّك في إمكانية استمرار الفيدرالية الكردية التي أعلنت من طرف واحد في 4 تشرين الأول (اكتوبر) 1992.
وعند إعلان الاتفاق بينهما 1998 وفيما بعد 1999-2000 تعززت إمكانية التقارب ولاحقاً توحيد الادارتين، وكان فريق الطالباني (السليمانية) قد تحالف مع طهران ضد (إربيل)، في حين تحالف فريق البارزاني ضد الطالباني حيث تدخل الجيش العراقي لصالحه لطرد غريمه من إربيل في 31 آب (اغسطس) 1996.
عندما أعلن قانون الأقاليم في دورة البرلمان التي سبقت هذه الدورة (2005-2008) تم تأجيل تطبيقه إلى 18 شهراً، وظلّ مؤجلاً حتى اليوم، وإن جرت محاولات لتفعيله من الفريق الذي رفضه، بل رفض الدستور بسبب احتوائه على الفيدرالية، وأعني بذلك محافظات صلاح الدين والأنبار وإلى حدود كبيرة الموصل وديالى، وكان كل من طارق الهاشمي نائب رئيس الجمهورية والحزب الاسلامي (سابقاً) وصالح المطلك بل جبهة التوافق بقضها وقضيضها ضد الفيدرالية، أما اليوم فقد انقسم بعضها وتوجّه إلى تأييدها لأسباب تقول أنها تتعلق بهيمنة رئيس الوزراء نوري المالكي على القرار والتحكّم بمصائر المحافظات التي تريد أن تتحوّل إلى أقاليم فيدرالية، ولعل ذلك ليس مبرراً كافياً لإعلان الفيدرالية، وهو نقص فادح في التوجّه الديمقراطي، وليس في قلب كل فيدرالية هناك مكان للديمقراطية، في حين أن كل نظام ديمقراطي يمكن أن يتحوّل إلى نظام فيدرالي وليس العكس.
للأسف أن الثقافة الحقوقية لا تزال شحيحة ومحدودة وكذلك الوعي القانوني، ولاسيما بالنظام الفيدرالي كنظام متطور، إذْ لا يزال البعض يخضع هذه المسألة الحساسة للمصالح السياسية الضيقة الآنية. وأحياناً يتم الحديث عن الدستور وهو حمّال أوجه فضلاً عن أن 50 مادة من مواده الأساسية لا تزال معلّقة تنتظر أن يصدر بشأنها قانون لكي تصبح نافذة، ولم يصدر هذا القانون على الرغم من انقضاء دورة برلمانية ونصف الدورة، كما أن الدستور لم يعدّل حسبما تم الاتفاق عليه، في انتخابات الدورة الأولى (أي بعد أربعة أشهر على انعقاد الدورة الأولى) ومضت اليوم نحو 7 سنوات على إبرام الدستور ولم يتحرك ولم يتم الحديث عن اللجنة الدستورية المكلفة بإعداد تعديلاته والتي أكدت منذ سنوات أنها غير قادرة على القيام بمهماتها بسبب الاختلافات السياسية بين الفرقاء.
وبخصوص الوضع الأمني فإنه لا يزال يراوح في مكانه وإن تحسّن قياساً لسنوات 2006 و2007 والخط البياني وإنْ كان في صعود، لكن هناك انتكاسات تحصل بين حين وآخر بسبب اختراقات وبسبب تفاقم الأزمة السياسية واستغلال أوساط مختلفة، لإثارة المزيد من الفتن، وهكذا يعود إلى الانتكاس، وسيظلّ الأمر على هذا الحال إنْ لم يتم ردّ الاعتبار للعقيدة الأمنية والعسكرية والتي تتلخص بالولاء للوطن وللمؤسسة، وليس للحزب أو لهذا الاتجاه السياسي أو الطائفي أو الديني أو ذاك.
ويقتضي الأمر تطهير الجيش وقوى الأمن، لأنه تم تشكيلهما على عجالة وبصورة مرتجلة، خصوصاً بدمج ميليشيات وصحوات بالجيش وبقوى الأمن الداخلي، وظلّت الكثير من الانتسابات في ولاءاتها محسوبة على الجهات التي رشّحتها، ولهذا تظهر اختراقات صارخة في صفوفها. ولعل عزل نحو 60 ألف منتسب من وزارة الداخلية قبل فترة قصيرة دليل على اختراقات كبيرة لهذه المؤسسة الحيوية، لأن غالبيتهم وربما يوجد أضعافاً لهم لا زالوا على ولاءاتهم، مما يسهل التلاعب بتوجههم على حساب حماية الوطن والدولة وعلى حساب مصالح الشعب والمواطن فضلاً عن أن غالبيتهم الساحقة غير مؤهل مهنياً.
أما بخصوص مسألة الفيدرالية هناك مشكلة مستمرة بين بغداد واربيل، أو بين المركز والإقليم أو الحكومة الاتحادية والحكومة الاقليمية وتتمركز أهم نقاط الخلاف بين الحكومة الاتحادية (الفيدرالية) وبين حكومة إقليم كردستان (الحكومة الإقليمية) تتلخص بالصلاحيات التي يمنحهاالدستور للحكومة الإقليمية والخلاف حول تطبيقها، لاسيما المادة 120 من الدستور وبشكل خاص المادة 121 التي منحت للأقاليم صلاحيات تشريعية وتنفيذية وقضائية. وإذا كان الخلل في الدستور الذي حدد صلاحيات الحكومة الإتحادية وترك ما عداها للحكومة الإقليمية، فإن بغداد تريد استعادة بعض تلك الصلاحيات الممنوحة للاقليم لحسابها، مثلما يتعلق الأمر بالنفط والغاز، وهو أمرٌ ترفضه حكومة إقليم كردستان وتعتبره تجاوزاً على الدستور.
أما الخلاف الثاني فهو حول النفط، حيث حددت المادة 111 النفط والغاز باعتبارهما ملكاً للشعب، في حين أن المادة 112 اعتبرت ذلك في الحقول المستخرجة، أما الحقول غير المستخرجة فيتم استخراج النفط بإدارة من الإقليم بالتعاون مع الحكومة الإتحادية. وهو الأمر الذي أثار إشكالاً حول حق الإقليم في التوقيع على عقود نفط (شراكة) دون الرجوع إلى بغداد أو أخذ موافقها وقد هدّدت بغداد الشركات بعدم الاعتراف بتلك العقود وتحريم التعامل معها ولعل هذه المشكلة هي جوهر الخلاف الرئيسي اليوم.
أما المشكلة الثالثة فهي مصير كركوك التي أسماها جلال الطالباني "قدس الأقداس" وكذلك ذهب مسعود البارزاني إلى التمسك بها باعتبارها مسألة غير قابلة للتنازل وقد تم ترحيل هذه المشكلة من قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية (المادة 58) إلى المادة (140) للدستور الدائم على أن يتم معالجة أثار الحقبة الماضية (سياسات التهجير والتعريب) وتعويض المتضررين وإجراء استفتاء سكاني وبالنتيجة تقرير مصير كركوك والأمر يشمل ما سمّي بالمناطق المتنازع عليها.
وقد فشلت الأمم المتحدة عن طريق مبعوثها في إيجاد حلول توافق عليها الأطراف الثلاثة ولاسيما سكان كركوك: العرب والكرد والتركمان، أما الطرف الرابع فهو الآشوريون والكلدان، وفي حين يظهر العرب والتركمان تقارباً إلاّ أن هناك، من يحاول التلويح بحلول أخرى، من الطرفين، لكن المشكلة تزداد تعقيداً، وهي مشكلة رافقت إتفاقية (بيان 11 آذار/مارس 1970) بين الحكومة العراقية والحركة الكردية بزعامة الملاّ مصطفى البارزاني وبسببها اندلع القتال في العام 1974 وقد كانت كركوك العقدة المستعصية في جميع مفاوضات الكرد مع الحكومات العراقية، وحتى في أوساط المعارضة كان هناك بعض الإشكالات في شأنها.
وفي اعتقادي ليس المهم أن تكون كركوك في إقليم كردستان أو في إقليم  مستقل أو في الاقليم العربي فيما إذا أصبح إقليماً أو حتى يمكن أن تنظم إلى إقليم أو تجتمع مع أقاليم مقاربة... أقول ليس المهم أين تكون، ولكن المهم أن وجودها في إطار العراق الموحد وأن تصان حقوق الإنسان فيها، وأن لا يجبر أحد من سكانها على الهجرة، الاّ طوعاً، مثلماً يمكن ولمن يريد أن يسكنها لاحقاً الانتقال طوعاً إليها، وعلى الفرقاء أن يتباروا في تقديم الخدمات لها، لكي يحصل كل منهم على ما يريد، وهو تأييد السكان، ولا بدّ من تعويض المتضررين بسبب التهجير وما لحق بهم وبهويتهم من انتقاص وانتهاك.
ولعل الحل الأكثر نموذجية وهو ما عرفته كركوك تاريخيا وهو التعايش والمشترك الانساني: القومي (العربي، الكردي، التركماني، الآشوري- السرياني وغيره) والديني (الإسلامي، المسيحي) والطائفي (الشيعي ، السنّي) وهي النموذج المصغّر للعراق.
وبخصوص البيشمركة فقد تم إدماجهم بالجيش العراقي، لكن قيادتهم تابعة للإقليم وليس للدولة الاتحادية، وهو اتفاق تم إبرامه في إطار الدستور كتحصيل حاصل، خصوصاً وقد كانت البيشمركة تمثل فصائل أنصارية للمقاومة ولحماية الإقليم وتكرّس وجودها واقعياً كنواة لجيش كردستاني، وإن كان استمرارها سيثير إشكاليات لاحقة، لاسيما إذا ما تفاقمت الأزمة واختلفت الرؤى، لا فيما يتعلق بالوضع الداخلي، بل حتى فيما يتعلق بالوضع الخارجي.
ولعل نظام الفيدراليات العالمي المطبق في نحو 25 بلد ونحو 40% من سكان الكرة الأرضية، يميل إلى اعتبار الجيش والقوات المسلّحة والعلاقات الدولية والعملة والخطط الاقتصادية الكبرى، كلّها بيد الحكومة الاتحادية، وفيما عدا ذلك بيد سلطات الإقليم من الصحة والتعليم والتجارة والاقتصاد والبلديات والبيئة والرياضة والسياحة والثقافة وكل ما يتعلق بإدارة الأقاليم واستقلالها، فهي من اختصاصات الإقليم الذي ينتخب برلماناً ويؤلف حكومة ويكون له بعض اختصاصات القضاء.
إن موضوع البيشمركة حساس، خصوصاً في ظل انعدام أو ضعف الثقة بين الطرفين وتنظر حكومة الإقليم بشيء من الشك أحياناً إلى بعض إجراءات الحكومة الاتحادية، ولأنه كان سابقاً جزء من تشكيلات مقاومة للجيش نفسه وللسلطات المركزية، فإن بقاءه بشكله الحالي يثير مشاكل مع الحكومة الاتحادية، وإخضاعه لها يثير مخاوف وقلق إدارة الإقليم الذي شهد تاريخه صراعاً عنيفاً، وكان للبيشمركة دورهم التاريخي في هذا الصراع، لاسيما  في الدفاع عن الشعب الكردي، ولهذا فإن الأكراد لن يتخلّو عن السلاح.
   أعتقد أنه من خلال تعزيز الثقة ونبذ استخدام السلاح وتحريم استخدام القوة وتأكيد التعددية والتنوّع واحترام الخصوصيات والهويّات الفرعية، يمكن الإسهام في إيجاد حلول دائمة لهذه المشكلة ولبقية المشاكل التي لا تزال عالقة، لاسيما إذا توفّرت بيئة للتوجه الديمقراطي تساعد في احترام حقوق الإنسان، بما فيها حقوق الشعب الكردي وحقه في تقرير مصيره!
وبقدر ما ينطبق الأمر على العلاقة بين الإقليم والمركز، فإنه في الوقت نفسه يمكن أن ينطبق على علاقة المركز مع المحافظات المحتجة، خصوصاً باستبعاد الحل العنفي أو الأمني أو العسكري، والتفتيش عن حلول سلمية تواصلية، والمهم في كل ذلك مدّ الجسور وترميم ما انقطع من علاقات أو تصدّع، والاّ فإن العراق يسير من كارثة إلى أخرى، وقد لا يبقى عراقاً.
مجلة الغدير، بيروت، العدد 62، ربيع (نيسان /حزيران)2013

135
انفجار الوضع الأمني في العراق
تراخي أم انقسام سياسي !
د.عبد الحسين شعبان
باحث ومفكر عربي

ثمة فرضية تُخضع كل شيء إلى السياسة واستناداً إلى هذه الفرضية يكون الاستنتاج المنطقي بأنه لا توجد مشكلة أمنية الاّ وكانت وراءها مشكلة سياسية. ومن هذا المنطلق سيكون خلف كل مشكلة أمنية أسباب سياسية، فضلاً عن الجوانب الفنية والمهنية وبعض النواقص والثغرات الأخرى، والأمر ينطبق على الاقتصاد والاجتماع والقانون والحرب والثقافة والفن والأدب والتربية والتعليم والرياضة والصحة والبيئة وغيرها، بل كل ما يتعلق بعملية التنمية بمختلف جوانبها.
وبخصوص انفجار الوضع الأمني في العراق مؤخراً فإن أسبابه سياسية بالدرجة الأولى، بعضها داخلية، وبعضها الآخر إقليمية ودولية، خصوصاً وأن العراق وقع تحت الاحتلال في العام 2003، وكان من أولى قرارات الحاكم المدني الأمريكي للعراق بول بريمر (13 ايار (مايو) 2003 -28 حزيران (يونيو) 2004) قرار حلّ الجيش، الذي امتدّ إلى الأجهزة الأمنية بما فيها شرطة مكافحة الجريمة وحرس الحدود وشرطة النجدة وغيرها.
يقول الفيلسوف الصيني كونفوشيوس: "إدرس الماضي إذا أرت معرفة المستقبل"، والحاضر هو حلقة وصل بين الماضي والمستقبل، فقد دفع قرار حلّ الجيش أعداداً كبيرة من منتسبيه إلى خارج الخدمة، وقادها إلى البطالة، ولم تتم عودة سوى عدد محدود منها إلى مواقعها، وذلك بحد ذاته خسارة كبيرة لما تركته من فراغ ونقص في الخبرة على التشكيلات الجديدة للجيش العراقي والقوات الأمنية.
وقد اعترفت اللجنة التي يرأسها حالياً حسين الشهرستاني وتضم في عضويتها صالح المطلك وهما نائبا رئيس الوزراء والتي تمت تشكيلها بعد الاعتصامات والتظاهرات التي حدثت في المناطق الغربية، بما فيها التحقيق لما أُرتكب بحق المتظاهرين في الحويجة والفلوجة، مثلما سقط ضحايا من الجيش في الأنبار، أن هناك حيفاً وقع على عشرات الآلاف من هؤلاء المواطنين، بسبب قرار حل الجيش من جهة وقرار الاجتثاث من جهة ثانية، خصوصاً وأن العقوبتين جماعيتين دون تهمة محددة للمتهمين.
ولا شكّ أن تلك القرارات ولّدت ردود أفعال، وهذه الأخيرة خلقت بيئة صالحة موضوعياً سواءً للمقاومة بشكل أساس، أو للعنف والإرهاب من جهة ثانية، خصوصاً لبعض الجماعات الإرهابية والتكفيرية مثل تنظيمات القاعدة وما شابهها، والأمر يتعلّق بدرجة الوعي وانعكاس ذلك على مدى ردّ الفعل، خصوصاً في ظل استمرار هضم الحقوق وعدم سلوك سبيل التسامح والمصالحة. ولعلّ هذه الأسباب هي التي كانت وراء اعتصامات الأنبار وصلاح الدين والموصل وديالى وكركوك وبعض مناطق بغداد ولا سيّما مدينة الأعظمية وغيرها.
يضاف إلى ذلك فإن تأسيس القوات المسلحة والأجهزة الأمنية، جاء وكأنه اتحاد ميليشيات، وهذه ظلّت تحمل ولاءاتها الفئوية والحزبية والمذهبية والإثنية قبل عقيدتها العسكرية وولاؤها للجيش وللوطن، أي أن الجيش الحالي قوامه الأساسي بعض تنظيمات لواء بدر التي كانت تابعة للمجلس الإسلامي الأعلى والتي تأسست في إيران وتدربت فيها وظلّ تمويلها بعد عودتها إلى العراق لفترة من الزمن منها، وبعض منتسبي أو مؤيدي حزب الدعوة الإسلامي، ثم جيش المهدي وخصوصاً جناحه العسكري والبيشمركة الكردية التي كانت تشكيلات رسمية في كردستان العراق منذ نهاية العام 1991 حين سحبت الحكومة العراقية قواتها وأجهزتها من المنطقة، والصحوات التي تم تشكيلها لمجابهة تنظيمات القاعدة، ولا سيّما في المناطق الغربية.
لقد كان ضعف الثقة بين الكتل السياسية، إضافة إلى نظام المحاصصة الطائفية – الإثنية وعدم الوصول إلى التوافق "مبرراً" لرئيس الوزراء للاحتفاظ بمناصب وزير الدفاع ووزير الداخلية ووزير الأمن الوطني ورئيس جهاز المخابرات تحت أمرته، باعتباره القائد العام للقوات المسلحة وقد ساهمت تلك الأسباب في عمليات الاختراق الكثيرة والمتعدّدة والمتكررة، على الرغم من تحسن الوضع الأمني منذ أواخر العام 2007، لكنه كان يتعرّض لانتكاسات كلّما تدهورت علاقات الفرقاء السياسيين .
وهناك سبب آخر مهم يتعلق بوجود الاختلافات بين الجيش الاتحادي وبين قوات البيشمركة الكردية التي يفترض أنها تابعة له، لكنها في الواقع العملي لا تتحرك بإرادة قيادة الجيش، بل بأوامر قياداتها المحلية وهو ما تأكّد لأكثر من مرّة، بحيث لا تستطيع  قيادة الجيش تحريك جندي واحد، تابع لقوات البيشمركة دون موافقة قيادة الإقليم وتشكيلاته المحلية، الأمر الذي حصل فيه نوع من الإرباك وغياب الجانب المركزي في جيش تابع لدولة موحّدة، سواءً كانت اتحادية أي فيدارلية مركّبة، أو دولة بسيطة مركزية.
لكن مثل هذا الاختلال يعود إلى الدستور ذاته الذي حدد صلاحيات السلطة الاتحادية، وترك ما عدى ذلك للسلطات الإقليمية ومن ضمنها سلطاتها على القوات التي بإمرتها وعلى ملاكها، وبما أن هناك ما سمّي بالدستور "المناطق المتنازع عليها"، ولا سيّما بين الاتحاد والاقليم واستمرار استعصاء المادة 140 من الدستور التي تضع الخطوط العريضة للحل، وهي مناطق مختلطة وفيها هوّيات متعددة ومتنوّعة أحياناً، فإن مثل هذه الاصطفافات تركت بصماتها على علاقة الاتحاد بالاقليم، ناهيكم عن تعارض الصلاحيات وتناقضها أحياناً في ظل تفسيرات وتأويلات واشتباك مصالح حاد أحياناً، مما أضعف الجانب الأمني كثيراً وتلك كلّها أمور موضوعية، تؤدي إلى إمكانية اختراق الوضع الأمني، ناهيكم عن هشاشته بالأساس.
ولعلّ الخلافات السياسية الحالية هي أسباب راهنة ومباشرة لتدهور الوضع الأمني، خصوصاً وقد عادت التفجيرات لتحصد أرواح نحو ما يزيد على 500 ضحية خلال الأيام الرمضانية القليلة الماضية، وهو رقم مخيف بكل المعايير، لا سيّما وأن موجة الارهاب والعنف ضربت جميع المناطق، من الموصل شمالاً وإلى البصرة جنوباً بما فيها العاصمة بغداد التي استحوذت على حصة الأسد كما يقال، وشملت هذه الموجة جميع الفئات والقوميات والديانات والطوائف لدرجة أن رياضيين وملاعب رياضة ومدارس، كانت هدفاً للعنف والإرهاب، مثلما كان المسيحيون والإيزيدون والصابئة هدفاً آخر، كما استهدفت جوامع ومساجد السنّة والشيعة، دون أي تمييز.
إذا كانت مهمة أية دولة تقوم على ضبط الأمن والنظام العام، والحفاظ على أرواح وممتلكات المواطنين، فإن الحكومة العراقية الحالية وحكومات ما بعد الاحتلال فشلت حتى الآن في تأمين المستلزمات الأساسية لتحقيق هذه المهمة، أما الحديث عن دولة الرعاية ودولة الرفاه، فإنه مجرد حلم بعيد المنال في ظل انفلات الأمن وتدهور علاقات القوى السياسية مع بعضها البعض، وكذلك في ظل انعدام ثقة المواطن بالدولة.
وإذا كان الاحتلال مسؤولاً عما وصلت إليه أوضاع البلاد، فإن الاختراقات الأمنية الإقليمية ، ولا سيما النفوذ الإيراني يكاد يكون كبيراً في العراق، وهناك تأثيرات ترتفع وتنخفض لتركيا ارتباطاً بموضوع نشاط حزب العمال الكردستاني PKK، مثلما لدول الجوار الأخرى دور موضوعي وذاتي في تدهور الوضع الأمني، فالأزمة السورية والاصطفافات العراقية بشأنها والتداخل الإيراني بخصوصها، وحركة التنظيمات الإرهابية وإمداداتها وانتقالاتها كلّها كانت وراء تدهور الوضع الأمني مؤخراً.
ولعل من أسباب الانفجار الأمني مؤخراً هو تعطيل دور البرلمان والخلافات الحادة بين كتله وتأجيل مشاريع القوانين والسعي لإمرار صفقة داخله، بما فيها قانون الانتخابات الجديد، حيث تتجاذب القوى بين القائمة المغلقة وبين القائمة المفتوحة ، والنقاش يدور حول دور رئيس القائمة، فقد عكست انتخابات العام 2010 إن الذين حصلوا على "القاسم الانتخابي" لم يزد عددهم عن 18 نائباً من مجموع 325، الأمر الذي أعطى حقوقاً لرؤساء القوائم لتعيين غير الفائزين، وفقاً للقانون السابق.
لقد كان هروب سجناء سجن أبو غريب وسجن التاجي فضيحة حقيقية للحكومة العراقية، وهذه الفضيحة تتكرر بين الحين والآخر، الأمر الذي يزيد من تدهور ثقة المواطن بها. وقد برّر رئيس الوزراء نوري المالكي ما حدث بتواطؤ حرّاس تابعين لمجموعة الصدر في عملية الهروب، وذلك ردّاً على طلب السيد مقتدى الصدر من البرلمان استدعاء المالكي لمساءلته، مؤكداً أن الوضع لم يعد يحتمل السكوت داعياً إلى التغيير.
إن أية معالجة للوضع الأمني تحتاج إلى توافق وطني جديد، وتعديل الدستور وسنّ قانون جديد للانتخابات وسن قانون للنفط والغاز بعد تسوية المشكلة مع إقليم كردستان. وهذا يتطلب أولاً وقبل كلّ شيء إرادة سياسية موحّدة، والعمل على اعتماد عقيدة سياسية لقوى الأمن والجيش، أساسها الولاء للوطن والشعب، وليس لهذا الحزب أو الطائفة أو المذهب أو القومية أو الحكومة، فقد ساهم الانقسام الطائفي والإثني في "تمذهب" بعض المؤسسات أو بعض مفاصلها، ناهيكم عن استشراء الفساد المالي والإداري.
وسيكون البلد كلّه عرضة للتشظي والتفتت، باستمرار انعدام الثقة أو ضعفها داخل المؤسسات العسكرية والأمنية أو بين الكتل السياسية، وهو الذي دفع بعض المكوّنات للمطالبة بتشكيل قوات خاصة بها سواء عبر فيدراليات، كما هي دعوات المناطق الغربية، أو بعد التفجيرات التي حصلت في توزخورماتو، حيث طالب العديد من التركمان بحمايتهم، وقبل ذلك حصل الأمر في منطقة تلعفر، كما ترددت بعض هذه المطالب لدى بعض الجهات المسيحية في سهل إربيل وغيرها.

136
آفة التمييز العنصري: هل من علاج؟


   

عبد الحسين شعبان
 
ظلّ العالم طيلة أسابيع يترقب بقلق الحالة الصحية للزعيم الجنوب إفريقي والشخصية العالمية البارزة نيلسون مانديلا . ومع زوال حالة الخطر التي رافقت وضعه، فإن جنوب إفريقيا والعديد من الجهات والمنظمات المعنيّة بحقوق الإنسان استعدت للاحتفال بعيد ميلاده الخامس والتسعين، كرمز للتسامح وأحد أبرز الداعين في العالم لتحقيق المصالحة الوطنية في إطار العدالة الانتقالية، دون ثأر أو انتقام أو كيدية .

كانت دعوة مانديلا إلى “المصالحة”، وهو الذي قضى 27 عاماً في السجن، بمثابة المسمار الأساسي لتصفية نظام الفصل العنصري “الأبرتايد” وتهيئة الأجواء لإجراء انتخابات لكل الأعراق والأصول والسلالات، للانتقال الديمقراطي، ووضع حد للعنصرية “الأقلوية” البيضاء، التي تعتبر شكلاً من أشكال الاستعمار الاستيطاني، الذي دام نحو قرنين من الزمان . وبزوال نظام جنوب إفريقيا فلم يتبق في العالم سوى “إسرائيل” كنظام عنصري استيطاني إجلائي .

وقد اعتبرت حادثة إطلاق الرصاص على تظاهرة شارفيل في جنوب إفريقيا العام 1960 وقتل 69 متظاهراً مناسبةً لإحياء ذكرى الضحايا، الذين كانوا يحتجّون على “قوانين المرور” العنصرية، حيث أخذ العالم كلّه يحتفل بذكرى تلك المجزرة العنصرية الشنيعة منذ العام ،1966 حين دعت الجمعية العامة للأمم المتحدة المجتمع الدولي، إلى مضاعفة جهوده من أجل القضاء على جميع أشكال التمييز العنصري، وذلك بصدور القرار 2142 (الدورة الحادية والعشرون/1966) .

لقد كان موضوع التمييز العنصري محطّ نقاش وجدل طيلة السنوات التي أعقبت تأسيس الأمم المتحدة، وذلك قبل التوصّل إلى اتفاقية دولية بهذا الخصوص، تلك التي تعتبر تطوّراً كبيراً في القانون الدولي وفي مناهضة العنصرية والتمييز العنصري . ولم تنشأ العنصرية كظاهرة اجتماعية وسياسية واقتصادية وقانونية وفكرية ونفسية دفعة واحدة، بل مرّت بمراحل عديدة واتخذت أشكالاً مختلفة، حتى غدت خطراً يهدّد العلاقات الإنسانية والتفاهم والسلم والصداقة بين الشعوب، ناهيكم عن كونها تنتهك أبسط مبادئ حقوق الإنسان .

وباستفحال ظاهرة العنصرية والتمييز العنصري فقد سعى المجتمع الدولي وعبر جهود مضنية لإصدار إعلان ضد العنصرية في العام 1963 تضمن أربع نقاط رئيسية، حيث اعتبر أن أي مذهب للتفرقة العنصرية أو التفوق العنصري هو مذهب خاطئ علمياً ومشجوب أدبياً وظالم وخطر اجتماعياً، وأن التمييز العنصري، هو انتهاك لحقوق الإنسان الأساسية واخلال بالعلاقات الودية بين الشعوب وبالتعاون بين الأمم وبالسلم والأمن الدوليين، وهو لا يقتصر على إيذاء الذين يستهدفهم، بل يمتدّ أذاه إلى ممارسيه، كما حدّد الاعلان هدف الأمم المتحدة الذي يتلخّص في بناء مجتمع عالمي متحرر من جميع أشكال العنصرية والتمييز العنصري .

وفي 21 ديسمبر/ كانون الأول العام 1965 أصدرت الجمعية العامة قراراً برقم (2106) “الدورة العشرون” وهو عبارة عن اتفاقية دولية دعت فيه الدول الأعضاء في الأمم المتحدة والأعضاء في أي منظمة من المنظمات الدولية المتخصصة المرتبطة بها أو أي دولة أخرى، الانضمام إليها لكي تصبح طرفاً فيها بالتوقيع والتصديق عليها . وتضمنت الاتفاقية ديباجة مطولة و(25) مادة . وقد عبّرت الديباجة عن التوجهات الأساسية للجمعية العامة، التي ينبغي أن تكون الأصل في ما يتعلق بمواقف الدول عموماً إزاء مسألة حقوق الإنسان .

ومن هذه التوجهات:

* إن البشر متساوون ويولدون أحراراً ولا ينبغي التمييز بينهم لأي اعتبار .

* إن التمييز بين البشر بسبب العرق أو اللون أو الجنس يمثل عقبة حقيقية في سبيل تنمية العلاقات الودية والسلمية بين الأمم والشعوب والإخلال بالوئام بين الأشخاص الذين يعيشون جنباً إلى جنب، حتى في داخل الدولة الواحدة، كل ذلك إلى جانب أن وجود الحواجز العنصرية، يشكّل أمراً منافياً للمثل العليا لأي مجتمع إنساني .

مؤتمران دوليان

وحول تعريف التمييز العنصري قالت المادة الأولى: “ كل تمييز أو استثناء أو تقييد أو تفضيل يقوم على أساس العرق أو اللون أو النسب أو الأصل القومي أو الجنس ويستهدف أو يستتبع تعطيل أو عرقلة الاعتراف بحقوق الإنسان والحريات الأساسية أو التمتع بها أو ممارستها على قدم المساواة في الميدان السياسي أو الميدان الاقتصادي أو الميدان الاجتماعي أو الميدان القضائي أو أي ميدان آخر من الميادين العامة” .

ودخلت الاتفاقية حيّز التنفيذ في العام 1969 بعد أن صدّقت عليها أو انضمت إليها 27 دولة . وقد انضم إليها حتى الآن أكثر من ثلاثة أرباع أعضاء الأمم المتحدة . وتعتبر هذه الاتفاقية من أقدم اتفاقيات الأمم المتحدة لحقوق الإنسان وأوسعها نظاماً من حيث التصديق عليها .

جدير بالذكر أن الأمم المتحدة واصلت دعواتها ومؤتمراتها بخصوص مكافحة العنصرية والتمييز العنصري . وذلك في السنة الدولية لمناهضة العنصرية والتمييز العنصري (1971) وخلال عقدين كاملين 1973-1983 و1983 - 1993 عقدت مؤتمرين دوليين للغرض نفسه في جنيف العام 1978 والعام ،1983 وتتوّج ذلك بعقد أكبر مؤتمر دولي لمناهضة العنصرية في ديربن (جنوب إفريقيا) في 31 أغسطس آب - /8 سبتمبر/ أيلول العام ،2001 وذلك بعد تحضيرات لمؤتمرات إقليمية أوروبية وأمريكية وإفريقية وآسيوية، وبينها مؤتمر تمهيدي انعقد في عمان، وهو المؤتمر الذي نظمته المنظمة العربية لحقوق الإنسان برعاية الأمم المتحدة، وكان له فضل طرح موضوع عنصرية الصهيونية وممارسات “إسرائيل” (فبراير/ شباط -2001) .

وفي مؤتمر ديربن كان للجنوب دور مهم في وضع جدول أعمال المؤتمر (بخلاف الكثير من المؤتمرات الدولية) وبخاصة لمؤسسات المجتمع المدني التي زاد حضورها على ثلاثة آلاف منظمة . ومن العلامات المميزة التي تجدر الإشارة إليها أن الآسيويين كانت إحدى شواغلهم مسألة الاتجار بالبشر وبخاصة النساء والأطفال، وانشغل الأفارقة بموضوع الاعتذار والتعويضات، وأخذ موضوع الأصول الإفريقية بالنسبة لأمريكا حيّزاً، وكان الهّم الأوروبي يتركز على ارتفاع موجات العنصرية وكراهية الأجانب . وتصدّر الموضوع الفلسطيني، وبخاصة العنصرية “الإسرائيلية”، أولويات الجانب العربي والإسلامي، خصوصاً المطالبة بتأمين حماية دولية للفلسطينيين وإعمال اتفاقيات جنيف لعام 1949 وبخاصة الاتفاقية الرابعة بشأن المدنيين، والعمل على وقف بناء المستوطنات تمهيداً لتفكيكها، وتأكيد حق الشعب العربي الفلسطيني في العودة وتقرير المصير وإقامة الدولة المستقلة . كما احتلّ موضوع دمغ الممارسات “الإسرائيلية” بالعنصرية بالاهتمام والإثارة وردود الفعل .

ضغوط أمريكية

لقد حاولت الولايات المتحدة أن تؤثر في المنظمات غير الحكومية بإطلاق العديد من التهديدات لمقاطعة المؤتمر، ومثلها فعلت “إسرائيل” وبعض الدول الغربية، وسعت لابتزاز بعض الدول والحكومات، بما في ذلك الضغوط التي قامت بها على المفوضية السامية لحقوق الإنسان وعلى السيدة ماري روبنسون، وبخاصة بعد تقريرها الصادر يوم 29/11/2000 عقب زيارتها للأراضي العربية المحتلة، والذي يبين أن السلطات “الإسرائيلية” لا تمارس شكلاً واحداً من أشكال العنصرية والتمييز العنصري، بل تمارس عدة أشكال في آن واحد . وإذا كان مؤتمر ديربن نصف انتصار مهم حققته مؤسسات المجتمع المدني العربية، الاّ أنه لم يؤدِ إلى التراكم المطلوب، حيث سرقت الأضواء منه بعد عدّة أيام أحداث 11 سبتمبر/ أيلول الارهابية التي حصلت في الولايات المتحدة، وانكفأ العرب، بعد إعلان الحملة الدولية لمكافحة الارهاب والتي أعقبها احتلال العراق في العام ،2003 فما أن انعقد مؤتمر ديربن (الثاني) أو مؤتمر جنيف الرابع حول العنصرية في إبريل/ نيسان ،2009 حتى تمكّنت “إسرائيل” وخلفها واشنطن من استعادة زمام المبادرة، وعلينا الاعتراف من باب النقد الذاتي ونحن في ذكرى اليوم العالمي ضد العنصرية ومرور 12 عاماً على مؤتمر ديربن، إن “إسرائيل” تتعلم من دروسها، فهي لا تترك شاردة أو واردة الاّ وتدقق فيها وتعيد النظر بحساباتها، في حين نحن لم نستثمر البيئة الدولية المناسبة التي أنتجت قرارات ديربن الأولى .

وعلى الرغم من الجهود المبذولة على النطاق العالمي لمكافحة العنصرية، الاّ أنها لا تزال موجودة بكثرة في ربوع العالم وتعاني منها الكثير من المجتمعات والأفراد، حيث يستمر الظلم والتمييز والاستعلاء، ناهيكم عن وجود نظام يمارس العنصرية كسياسة للدولة، وهو النظام الذي يرتكز على عقيدة عنصرية أدانتها الأمم المتحدة في قرارها 3379 الصادر في 10 نوفمبر/ تشرين الثاني 1975 والذي ألغي في العام 1991 بسبب اختلال موازين القوى الدولية .

ولا يزال فايروس العنصرية مستشرياً بأشكاله القديمة والجديدة وإن لم يتم القضاء عليه سيظلّ يلوّث حياة البشر وعلاقاتهم الإنسانية سواءً على المستوى الدولي، أو الداخلي في الكثير من البلدان والمجتمعات، تلك التي تتعلق بالتمييز المؤسسي إلى العنف العنصري وجرائم الكراهية والعداء للأجانب والاتجار بالبشر، إلى مظاهر التطرّف والتعصب والتهميش وغيرها،

* باحث ومفكر عربي


137
لاهاي وهاجس العدالة

عبدالحسين شعبان
تعتبر لاهاي (هولندا) عاصمة القضاء الدولي بامتياز، ففيها تنتصب محكمة العدل الدولية، الذراع القضائية لهيئة الأمم المتحدة من بين الأجهزة الستة التي تتألف منها، والتي يقع مقرّها جميعها في نيويورك باستثناء محكمة العدل الدولية . وتنظر المحكمة التي تم تأسيسها ترافقاً مع إبرام ميثاق الأمم المتحدة في 26 يونيو/حزيران في العام 1945 في القضايا التي تضعها الدول أمامها، كما تقدّم الاستشارات القانونية للهيئات الدولية التي تطلب منها ذلك، وتقوم بتفسير الاتفاقيات والمعاهدات الدولية وقواعد القانون الدولي . وعند تأسيس المحكمة الجنائية الدولية في روما يوليو/تموز في العام ،1998 التي دخلت حيّز التنفيذ في العام 2002 وبلغ عدد الدول الأعضاء الذين انضموا إليها حتى الأول من يوليو/تموز 2012 نحو 121 دولة، كانت لاهاي مقراً لها . ونظرت المحكمة في أربع قضايا مهمة هي: انتهاكات حقوق الإنسان في أوغندا الشمالية وجمهورية الكونغو الديمقراطية والجمهورية الإفريقية الوسطى ودارفور في السودان، وأصدرت مذكرات اعتقال  شملت الرئيس السوداني عمر حسن البشير، في حين استبعدت مساءلة أي شخص من دولة كبرى .

كما احتضنت لاهاي المحكمة الجنائية الخاصة في الجرائم التي ارتكبت في يوغسلافيا في العام ،1993 وقامت بمحاكمة عدد من المتهمين بينهم، سلوبودان ميلوسفيتش وكاراديتش وراتكو ميلاديتش والاثنان من زعماء صرب البوسنة، إضافة إلى الرئيس الصربي ميلان ميلاتونوفيش وغيره، ومنذ العام  2006 كانت لاهاي مقرّاً للمحكمة الجنائية الدولية الخاصة بمحاكمة المتهمين بارتكاب جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري في لبنان في العام 2005 .

ولهذه الأسباب تعتبر لاهاي بحق باحة قضاء دولي، لا سيّما باحتشاد العدد الهائل في المنظمات القضائية العالمية فيها، مثلما تعد نيويورك عاصمة سياسية للأمم المتحدة، حيث مقر الجمعية العامة، التي تشكل منبراً مفتوحاً لجميع الأعضاء، في حين يتمتع خمسة من أعضاء  مجلس الأمن البالغ عددهم 15 عضواً بصفة العضوية الدائمة ولهم حق النقض (الفيتو)، أما جنيف فإنها تعد عاصمة ثانية (أوروبية) للأمم المتحدة، لا سيّما للحقوق الإنسانية، ففيها المجلس الدولي لحقوق الإنسان ومفوضية اللاجئين الدولية واللجنة الدولية للصليب الأحمر وغيرها .

وقد شهدت لاهاي كما تنطق (بالفرنسية)، وهيغ (بالإنجليزية) ودنهاخ (بالهولندية) مؤخراً مؤتمراً عالمياً للعدالة، وهو عبارة عن فضاء قانوني وقضائي ومعرفي ومدني مفتوح، شارك فيه أكثر من 500 شخصية، فيهم الكثيرون من المعتبرين في بلدانهم كشخصيات لها تميّز، لا سيّما كبار القضاة والمحامين والحقوقيين وعدد من المفكرين، إضافة الى عدد من النشطاء، بعضهم شغل مناصب وظيفية ومهنية محلية ودولية متقدمة، بما فيها عدد من العسكريين وجهات إنفاذ القانون .

اللافت أن هناك حضوراً أمريكياً شمالياً، لاسيّما من الولايات المتحدة، وأمريكياً جنوبياً، إضافة إلى حضور إفريقي، في حين كان الحضور الصيني والهندي محدوداً، أما الحضور العربي فكان ضعيفاً جداً، باستثناء تونس، وقد تم تكريم شخصيتين بارزتين، هما شخصيتان نسويتان مسلمتان آسيويتان، الأولى من إيران وهي المحامية شيرين عبادي، التي حازت جائزة نوبل في العام 2003 والثانية من بنغلادش، وهي ناشطة حقوقية ونسوية، وهو أمر إيجابي .

ويبقى السؤال: لماذ العدالة؟ وفي هذا الوقت بالذات، لا سيّما التركيز على موضوع استقلال القضاء ومهنيته ونزاهته، وكذلك موضوع الفساد المالي والإداري وسبل مكافحة هذه الظاهرة المستفحلة دولياً، ارتباطاً بحكم القانون ودور الفن والأدب والتربية والتعليم والإعلام والبيئة، وذلك في إطار خريطة شاملة ومسطرة قانونية متنوّعة، على الصعيد العالمي . وهنا لا بدّ من قراءة مدققة لسير توجه الرأي الأغلب، لا سيّما في مثل هذه المؤسسات الدولية الكبرى، وماذا يعني ذلك، خصوصاً خلفيّاته الفكرية والتعبوية، ونشاط المجتمع المدني، وبالتالي التوجّه الدولي والحكومي، لوضع حد لبعض هذه الظواهر الخطرة، على المستوى الكوني، لدرجة أن منتدى للعدالة الدولي World Justice Forum (WJF)، وهو مؤسسة كبرى مرموقة، تكرّسَ مؤتمرها الدوري (كل سنتين) لبحثه وبلورة توصيات بشأنه .

لقد ظلّت العدالة كفكرة هاجساً إنسانياً يسعى إليه الإنسان، ومهما حاول مقاربته، فإنه سيجد أن هناك بوناً شاسعاً بينه وبين تحقيق قيم العدالة كاملة . ولهذا فإن الأديان والفلسفات والأيديولوجيات كانت ولا تزال تسعى لتحقيق شكل من أشكال العدالة مستشرفة طموحاً لا ينتهي لتحقيقها كاملة، سواءً على الصعيد القانوني والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والنوع الاجتماعي (الجندر)، والقومي والديني، بكل أشكاله، لتلبية الحاجات الأساسية والمتطوّرة للإنسان، تلك التي لا تتوقف عند حدود، لأنها تتعلق بحقوقه  المتوالدة  المتراكبة، المتخالقة، والمستمرة .

     وشكّلت العدالة ركناً أساسياً من أركان كفاح الإنسان عبر التاريخ، بين الحق والباطل، وبين الغنى والفقر، ومن يملك ولا يملك، وبين الجهل والعلم، وبين الخير والشر، وذلك على امتداد الحضارات والثقافات والدول والأمم والشعوب، وكانت مسألة عدالة النظام الدولي محل تساؤل كبير منذ نهاية الحرب العالمية الأولى، فهل هي عدالة المنتصر؟ وما السبيل لقواعد ناظمة لسلوك الدول بحيث يتحقق التوازن  بين الحق والواجب من دون إهمال موازين القوى وإمكانات الدول وأحجامها وطاقاتها، وهي مسألة تؤخذ بنظر الاعتبار من الناحية الواقعية، حتى وإن كانت الدعوة للمساواة بين الدول تأخذ طريقها إلى الدول الصغيرة والكبيرة .

وقد كان القانون الدولي التقليدي مثلاً يجيز حق الفتح والغزو، من خلال الحق في الحرب واستخدام القوة لتحقيق أهداف الدولة “القومية”، بما فيها شن الحرب تحت عناوين الخطر الوشيك الوقوع، والحرب الاستباقية، ولكنه بالتدريج أخذت تلك المفاهيم تنحسر، ولا سيّما بعد أن تأسست عصبة الأمم في العام 1919 وقبل ذلك إعلان الرئيس الأمريكي ويلسون مبادئه الأربعة عشر في العام ،1918 والتي دعت إلى حق الشعوب في تقرير مصيرها، وهو ما كانت ثورة أكتوبر الاشتراكية قد دعت إليه منذ العام 1917 .

وقد جاء ميثاق باريس أو ما يعرف باسم “ميثاق بريان كيلوك” في العام ،1928 ليحدّد استخدام القوة في العلاقات الدولية ويقننه، وصولاً إلى ميثاق الأمم المتحدة الذي صدر بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية في العام 1945 والذي حرّم استخدام القوة أو التهديد بها، باستثناء حالات الدفاع عن النفس وفقاً للمادة 51 من الميثاق أو في إطار النضال من أجل حق تقرير المصير والانعتاق من الاستعمار والتبعية، ودعا إلى الحل السلمي للمنازعات الدولية، وخصوصاً بتأكيده احترام حق السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية والمساواة بين الدول وحقها في تقرير مصيرها، مثلما دعا إلى التعاون الدولي لإنماء علاقاتها الاقتصادية والثقافية والإنسانية، وهي مبادئ جديدة انتشرت بفضل شيوع الأفكار الديمقراطية، بعد سقوط النازية والفاشية .

ولعل تلك القواعد الأساسية اعتمدها القانون الدولي، وسعى إلى تطويرها خلال العقود السبعة الماضية تقريباً، حتى وإن تم التجاوز عليها وانتهاك بعضها أو كلّها، كما هو بالنسبة لفلسطين، إلاّ أن وجود هذه القواعد يعد تطويراً للقانون الدولي يستحق العمل من أجل وضعها موضع التطبيق، جهوداً كبيرة حكومية وغير حكومية باتجاه مقاربة للعدالة ومفاهيمها .

وعشية الحرب العالمية الثانية وبُعيدها، تأسست الكثير من المنظمات الدولية والإقليمية الخاصة بالعدالة، ومن بينها منظمة أمريكية عُرفت باسم “عالم السلام من خلال القانون” والتي بدأت عملها بعقد عدد من المؤتمرات المهمة دعت إليها أعداداً من المحامين والقضاة والعاملين في الحقل العام من نشطاء حقوق الإنسان والمجتمع المدني، وكان من أبرز هذه المؤتمرات، مؤتمر أثينا الذي انعقد في العام 1963 تحت عنوان “السلام من خلال القانون” ومؤتمر واشنطن الذي ضم 110 دول وحضره نحو 3200 محام وقاض بما فيهم قضاة المحكمة العليا و3 من أعضاء محكمة العدل الدولية وحقوقيون وأكاديميون ونشطاء مدنيون، كما انعقد مؤتمر نيودلهي في العام ،1967  وكانت تلك محطات مهمة على صعيد متابعة فكرة العدالة، لا سيّما خلال فترة الصراع الأيديولوجي بين الشرق والغرب والذي دام كل فترة الحرب الباردة (1947-1989) .

وبحكم العولمة وتأثيراتها في المجتمع الدولي فقد تعاونت شخصيات وهيئات لتأسيس منتدى العدالة الدولي في العام 2007 الذي نظم أربعة مؤتمرات، الأول في فيينا (النمسا) والثاني في إفران (المغرب) والثالث في برشلونة (إسبانيا) والرابع في لاهاي (هولندا)، وكان الأخير بحكم تنوّع الحضور والموضوعات التي ناقشها تتويجاً للمؤتمرات الثلاث، لا سيّما أن فكرة العدالة سواء على المستوى الدولي أو الإقليمي أو المحلي لا تزال تشكل أملاً موعوداً وإن كان غائباً من عالم اليوم، وما بين العدالة المنشودة والعدالة القائمة فارق كبير .

* باحث ومفكر عربي


138
نشيد موطني والأَخوَان فليفل
   
 
عبدالحسين شعبان
لا يعرف كثيرون أصل نشيد موطني الذي ظلوا يرددونه على مدى عقود من الزمان، ولا سيّما في مرحلة النهوض الثوري، ضد الاستعمار ومن أجل الانعتاق والتحرّر والاستقلال، وقد استعاد العراقيون بعد خلاف عقب الاحتلال نشيد موطني، فما هو أصله؟ ومن قام بوضع كلماته؟ ومن لحّنه ومن أدّاه؟

ربّما لايزال كثيرون أيضاً يجهلون “الأخوان فليفل” محمد وأحمد اللذان أدّيا هذا النشيد، بل وجعلا له رمزية وطنية مقدسة على المستوى الشعبي، ولعلّ ما قدّماه من جهد موسيقي إبداعي رائع على المستوى العربي، أسهم في إذكاء الروح الوطنية وفي إعلاء شأن الهوّية وفي لحمة الأمّة العربية .

فحتى انطلاقة الأخوين فليفل كانت المدارس والمحافل في العالم العربي تهتف للسلطان العثماني وتدعو له بالنصر وللدولة العثمانية بالعزّ والسؤدد، ولكن المزاج الشعبي العربي بدأ بالتغيّر والتحوّل منذ أن انتشرت أناشيدهما الوطنية والقومية، ولا سيّما بعد فترة تململ وإرهاص عاشتها المجتمعات العربية المتطلّعة إلى التخلص من ربقة التبعية .

وقبيل انتهاء عهد الهيمنة العثمانية وبداية الحرب العالمية الأولى ومن ثم الانتداب المفروض على عدد من البلدان العربية بعد تجزئتها، شهدت المنطقة نوعاً من الأناشيد والأشعار ذات الطابع التجريدي التي تتحدث عن حب الوطن، في حين كانت مرحلة الأخوان فليفل تعبيراً عن توجهات وطنية وأبعاد قومية، تدعو:

* إلى التحرر من الاحتلال، وتحثّ على التمرّد والنهوض، وتحاول إدخال الحماسة إلى النفوس، لاسيّما الشباب، والتخلّص من عقدة الخوف التي أدت إلى الاستكانة .

ويمكن القول إن نشيد “موطني” هو النشيد الوطني للأمة العربية، حيث انتشر وشاع على نحو شامل في كل من لبنان، وسوريا، والعراق، ومصر وفلسطين . والنشيد من كلمات الشاعر الفلسطيني إبراهيم طوقان حيث كان الأخوان فليفل قد تعرّفا إليه حين كان طالباً في الجامعة الأمريكية، وذلك في منزل الشاعر عبدالرحيم قليلات، ثم قاما بتلحين النشيد وأدائه، وهكذا انتشر نشيد موطني مثل النار في الهشيم:

موطني  . . موطني

الجلال والجمال والسناء والبهاء

في رباك في رباك

والحياة والنجاة والهناء والرجاء

في هواك في هواك


أما نشيد نحن الشباب فقد انتشر في (الأربعينات) بين الشباب المتعلّم، ولا سيّما طلاّب الجامعات وأوساط المثقفين ومنتسبي بعض الأحزاب، حيث كانوا يخرجون في تظاهراتهم يردّدون نشيد “نحن الشباب” وخصوصاً في لبنان:

نحن الشباب لنا الغد

ومجده المخلّدُ

نحن الشباب

شعارنا على الزمنْ

عاش الوطنْ

بعنا له يوم المحنْ

أرواحنا بلا ثمنْ


ولد الأخوان فليفل في بيروت (حي الأشرفية)، إذ ولد محمد في العام 1899 أما أحمد فقد ولد في العام 1903 . وقد استلهم الأخوان فليفل الموسيقى وروح النغم الشرقي الأصيل من والدهما . أما التواشيح الدينية فقد أخذاها عن والدتهما التي كان لها صوت جميل وتجيد الابتهالات الدينية والمدائح النبوية، وذلك عن جدّهما (والد والدتهما) الشيخ ديب وهو مؤذن الجامع العمري الكبير في بيروت .

وفي فتوتهما تعلّق الأخوان فليفل بالفرق الموسيقية العسكرية التي كانت تجوب شوارع بيروت، حيث كانا يرافقان والدهما إلى الحدائق العامة ليتمتعا بما تعزفه من ألحان، وبعدها درسا الموسيقى وتعلّما العزف على الآلات . وقد التحق محمد بدار المعلمين التركية (لدراسة الموسيقى)، أما أحمد فقد التحق بفرقة دير المخلص لدراسة البيانو وآلات النفخ، وكان من أهم أساتذتهما مارون غصن وبشارة فرزين والإيطالي فردريك رثلي، كما تعلّما الهارموني على يد الاستاذ وديع صبرا .

عندما استدعي محمد فليفل إلى الجندية 1915 وألحق بمدرسة الضباط الاحتياط في اسطنبول، اغتنم الفرصة ليتابع دروس الموسيقى في دار الفنون، في حين أكمل أحمد  الدراسة في بيروت . وبعد انكشاف نتائج اتفاقية سايكس - بيكو، ارتفعت وتيرة الرفض الشعبي في أكثر من بلد عربي، فوجد الأخوان فليفل نفسيهما في لجّة الغضب الوطني، فقاما بإنتاج المزيد من الأناشيد الوطنية، ولحّنا للعديد من الشعراء العرب، مثل الأخطل الصغير وإبراهيم طوقان وسعيد عقل وعمر أبو ريشة ومعروف الرصافي .

وفي فترة لاحقة لحّنا لجورج غريب ونسيم نصر ومحمد يوسف حمّود وسلام فاخوري وشفيق جدايل ووديع عقل، كما يذكر محمد كريّم في صحيفة النهار اللبنانية . وفي العام 1923 أسّسا فرقة الأفراح الوطنية (في حديقة آل فليفل) وتم  شراء آلاتها من جيوبهما الخاصة .

وفي العام 1940 انطلق من كلية المقاصد نشيد “العُلى للعرب”، الأمر الذي أزعج المفوض السامي الفرنسي، حيث استشاط غضباً بعد ترجمة كلماته وتم تهديد الأخوين فليفل بالسجن وطلب طرد الشاعر المصري عبدالحميد زيدان . وقد أسس الأخوان فليفل في العام 1942 فرقة موسيقى الدرك ودرّبا أفرادها على المارشات العسكرية في عهد حكومة الرئيس سامي الصلح .

بعدها انتشرت أناشيد فليفل وانتقلت بين البلدان العربية، وفي العام 1944 طلب رئيس الوزراء رياض الصلح وقبيل عيد الاستقلال نشيداً لافتتاح العرض العسكري، وقد تم اختيار كلماته من الشاعر نسيم نصر وما يزال هذا النشيد حتى اليوم:

عيدُ البلاد وفجرُ العلم

بِكْرُ الجهادِ وبَعْثُ الهِممْ

تشرينُنا وحيُ الزمان

سيفُ الإبا مُرْهَفٌ للمدى

تشريننا غضبةُ الباتر

وصيحةُ الحق بالغادر

في حَوْمَةِ الموطن الثائر

مُرَوعاً جَحْفَلَ العِدى . .


لحّن الأخوان فليفل العديد من الأناشيد الوطنية للعديد من البلدان العربية، ومنها نشيد “للنسور”، من كلمات الشاعر سعيد عقل، الذي اختارته وزارة المعارف العراقية في الثلاثينيات، وكان ذلك بتكليف من قسطنطين زريق المفكر العروبي ورئيس جمعية العروة الوثقى .

للنسورْ . . . ولنا الملعبُ والجناحان الخضيبان بنورْ . . . العُلا والعَرَبُ

ولنا القولُ الأبي والسماحُ اليعرُبي . . ./ والسلاحْ

ولنا هز الرماحْ/ في الغضوب المشمسِ

ولنا هز الدنى/ قُبباً زُرقَ السّنا

ولنا صَهْلَةُ الخيلِ/ من الهندِ إلى الأندَلُسِ


وكان نشيد “حماة الديار” عنواناً للجلاء والاستقلال لسوريا، حيث عُزف لأول مرّة كنشيد وطني رسمي صبيحة السابع من إبريل/نيسان العام 1946 وهو من كلمات الشاعر خليل مردم . أما نشيد جامعة الدول العربية بعد تأسيسها في 22 آذار (مارس) 1945 فهو من ألحان الأخوين فليفل وشعر محمد المجذوب .

أشرق الفجرُ فسيروا في الضياء

ودعا الحقُ فهبّوا للنداء

إنه وحيُ السماء

إنه صوت الإباء

بوركَ النورُ سرى في الغَيْهَبِ

مُعْلِناً مطلع شمسِ العربِ

فاسكبوا البشرى بسمع الحِقَبِ


إن انتاج فيلم عن الأخوين فليفل وعرضه تلفزيونياً هو استعادة للزمن الجميل وللكفاح النبيل الذي خاضته الشعوب العربية ضد الاستعمار ومن أجل التحرر والتقدم والتنمية، ومثل هذه الاستعادة مفيدة حين تتهاوى أنظمة وتنهار شرعيات، وتدخل المنطقة كلها في مخاضات وتحدّيات ومرحلة انتقال قد تقصر وقد تطول، بما فيها احتمالات تعرّض كياناتها للتصدّع . . فما أحوجنا اليوم إلى نشيد موطني، إلى الوحدة الوطنية والانتقال السلمي وتحقيق ما عجزت مرحلة الاستقلال عن تحقيقه، وهو التنمية والحرية والديمقراطية والعدالة، وتلكم هي مطالب الشعوب العربية التي رافقت التغييرات التي ظلّت تنتظرها طويلاً ودفعت أثماناً باهظة من أجلها .




139
مكبّ النفايات الأمريكية   

عبدالحسين شعبان
تركت قوات الاحتلال الأمريكي بعد انسحابها من العراق (أواخر العام 2011) كمّيات ضخمة من النفايات السامة والمواد الخطرة التي خلّفتها في قواعدها العسكرية التي زادت على 500 قاعدة، وقبل انسحابها قامت بدفن الكثير منها في العراق بدلاً من إعادتها إلى الولايات المتحدة، حسبما تقتضي القوانين والاتفاقيات الدولية، لاسيّما اتفاقية بازل الدولية (سويسرا) لعام 1989 الخاصة بالتحكم في نقل النفايات الخطرة عبر الحدود والتخلّص منها، إضافة إلى قوانين وزارة الدفاع الأمريكية “البنتاغون” ذاتها . وحسب صحيفة ال”تايمز” فإن المواد السامة تشمل نحو 130 ألف طن من النفايات، علماً أنه تم التخلّص من 14 ألفاً و500 طن من الزيت النفطي والتراب الملوّث معه الذي تراكم خلال سنوات الاحتلال .

وقد أصيب الكثير من العراقيين الذين اقتربوا من هذه المواد بطفح جلدي وتقرّحات على الأيدي والأرجل واشتكوا من التعرّض إلى القيء والسعال، وشمل الأمر حتى الحيوانات، حيث تم الكشف عن الكثير من الفئران النافقة في المناطق التي تم دفن النفايات فيها . وكانت بعض الشركات الخاصة المتعاقدة مع القوات الأمريكية قد تكفّلت بالمهمة وقامت بخلط المواد السامة مع النفايات العادية، وسلمتها إلى عمّال محليين بتعاقدات داخل العراق على أنها مواد غير سامة .

أصبح ملف النفايات السامة موضوع تساؤل منذ الانسحاب الأمريكي من العراق، خصوصاً أن المواطنين العراقيين اكتشفوا بعض المواقع لمقابر النفايات السامة موجودة بالقرب من الطرق الرئيسة (بغداد - الموصل) و(بغداد -  الأنبار)، لأن أغلبية القواعد العسكرية تمركزت في هذه المناطق، حيث يوجد الكثير من الحاويات والسوائل غير المعروفة وأسطوانات الغاز المضغوط . وغيرها من المواد الشحمية والزيتية، فضلاً عن استخدامات اليورانيوم المنضّب والفوسفور الأبيض في الحرب على العراق العام 1991 والعام ،2003 حيث حدّد برنامج الأمم المتحدة للبيئة 311 موقعاً ملوّثاً يحتاج تطهيرها إلى عدّة عقود . وقد كشفت نرمين عثمان وزيرة البيئة العراقية (في 30/6/2010)، أن الجيش الأمريكي طمر في 30 موقعاً كميّات ضخمة من النفايات والمخلفات السامة .

وكانت قضية النفايات قد واجهت العراق بشكل حاد بعد الاحتلال، إثر انتهاء مفعول الاتفاقية العراقية - الأمريكية (نهاية ديسمبر/ كانون الأول 2011)، حيث خلّفت القوات الأمريكية وراءها مواد سامّة ونفايات ضارة، وهي مخلّفات نحو 170 ألف جندي أمريكي، فقد تم تفكيك القواعد العسكرية على عجل وبطرق غير نظامية أحياناً، وتركت الكثير من المواد في المواقع التي غادرتها القوات الأمريكية أو بالقرب منها .

وقد اعترف الجنرال كينرال كوكس قبل عام من مغادرة القوات الأمريكية العراق (2010) قائلاً: لقد تراكمت (خلال وجودنا) ملايين من أرطال النفايات الخطرة، لكنه حاول التملّص من مسؤوليته حسب الدستور الأمريكي ومسؤولية رئيسه الحالي (أوباما) والرئيس الذي قرر الحرب على العراق (بوش)، وكان ذلك قبل الانسحاب الأمريكي من العراق . أما بعد الانسحاب فقد كانت النفايات أكثر خطراً وسموماً، لاسيّما مواد التشحيم والأحماض والبطاريات والمواد الكيماوية وغيرها من بقايا النفايات، والخردة . ولكن بحكم ضغط الرأي العام وارتفاع أصوات بعض المنظمات الإنسانية اضطرّ الجيش الأمريكي إلى فتح تحقيقات وملاحقة بعض المتورطين، ولاسيّما من المقاولين والمتعاقدين، لانتهاك المعايير الخاصة بالبيئة والصحة، فضلاً عن حقوق الإنسان .

إن استخدام الأراضي العراقية سلّة للمهملات بطريقة غير مشروعة، أو ترك مواد بعض المنشآت الخطرة على أرضه دون مراعاة قواعد السلامة والصحة، ألحق أفدح الأضرار بموارد العراق وبيئته وتلويث أرضه، ولعلّ ذلك وحده جريمة ضد الإنسانية، بعد جريمة الاحتلال وانتهاك حقوق الشعب العراقي ككل، وهي من صنف الجرائم الدولية التي ينبغي إلزام الولايات المتحدة والشركات والأفراد المتعاقدين معها، بالمسؤولية القانونية الدولية، ومطالبة جميع هذه الجهات بدفع تعويضات لكل ما أصاب العراق من خسائر مادية ومعنوية بسبب تلك الممارسات غير الإنسانية والمنافية للاعتبارات القانونية والأخلاقية .

ولو لم توقّع بغداد على الاتفاقية العراقية - الأمريكية في أواخر العام 2008 لكان بإمكان العراق مطالبة واشنطن كدولة بالتعويض عن كل ما أصاب الشعب العراقي من غبن وأضرار بموجب القرار 1483 الصادر في 22 مايو/ أيار 2003 الذي شرعن للاحتلال، وبموجبه أصبحت القوات الأمريكية والبريطانية قوات محتلة ينطبق عليها اتفاقيات جنيف للعام 1949 وملحقيها للعام ،1977 أي البروتوكول الأول الخاص بحماية ضحايا المنازعات الدولية المسلحة والثاني الخاص بحماية ضحايا المنازعات المسلحة غير الدولية، طبقاً لقواعد القانون الدولي الإنساني .

ولعلّ الأمر يحتاج حالياً إلى جهد جماعي ودبلوماسي دولي، حكومي وغير حكومي، لمطالبة واشنطن بالتعويض ليس عن تبعات احتلالها فحسب، ولا سيما المستمرة، بل بسبب ما خلّفه انسحابها أيضاً من أضرار، وخاصة تلك التي تتعلق بترك مخلّفات ودفن نفايات ومواد سامة كانت استخدمتها في القواعد العسكرية الأمريكية، ولا تزال وستبقى تأثيراتها لعشرات السنين .

إن قضية دفن النفايات والمواد السامة لم تعد قضية داخلية بحتة في ظل العولمة وثورة الاتصالات والمواصلات وتكنولوجيا المعلومات والإعلام، وهو أمر يقتضي تحويله إلى قضية دولية، لا سيّما المطالبة بتطبيق اتفاقية بازل التي تقضي بإعادة المواد السامّة والمشعّة إلى أراضي الدولة التي استخدمتها .

وبهذه المناسبة نشير إلى أنه لدى مراجعتنا لاتفاقية بازل والدول الموقعة والمصدّقة عليها، اكتشفنا أن الولايات المتحدة لم تصادق عليها، علماً بأن القوانين الأمريكية ذاتها تقضي بعدم نقل هذه المواد السامة إلى بلد آخر، ولا سيّما من البلدان النامية أو ما يسمّى بالعالم الثالث، أو ما يطلق عليه “دول الجنوب” أو “الدول الفقيرة” أو “الريف العالمي”، فالعالم كلّه غدا متداخلاً ومتفاعلاً ويؤثر بعضه في بعضه الآخر سلباً أو إيجاباً، وكلّما ازداد العالم انقساماً تعاظمت مشكلاته، خصوصاً في ظل التفاوت الطبقي والاجتماعي والاختلال في توزيع الثروة ومحاولات فرض الهيمنة ونهب خيرات الشعوب، فضلاً عن المستوى الثقافي والتعليمي والاستفادة من منجزات العلم والتكنولوجيا .


140
مجلة سفيل الكردية
تحاور الأكاديمي والمفكر العراقي الدكتور عبد الحسين شعبان
أجرى الحوار- فيصل خليل (مدير التحرير)
1-   بعد سقوط النظام البعثي قال معظم العراقيين  لقد تجاوزنا المحنة، وإن أيام الدمار و التخلف و الدكتاتؤرية قد مضت و لن تعود، ولكن بعد عشرة أعوام لم يتحقق هذا الامل، و المشهد العراقي يوما بعد يوم يصبح أكثر تراجيدياً، ومستقبلنا غامض الملامح ، برأيك ما هو أسباب ذلك؟

ج1- للأسف الشديد لم تتمكن النخب السياسية والفكرية من تجاوز آثار الماضي المأسوية باتجاه بناء نظام بديل، بل سعت القوى السياسية، لا سيّما التي توافقت مع المحتل إلى الحصول على " غنائم" ساهمت في تكريس المحاصصة الطائفية والإثنية وفي تفشي الإرهاب والعنف واستشراء الفساد الإداري والمالي.
وكان من نتائج نظام الفوضى الخلاّقة الانقسام المجتمعي تحت عناوين مختلفة، تلك التي عبّرت عنها مراكز الأبحاث الأمريكية والغربية لنحو عشرين عاماً تقريباً ومنذ الحرب العراقية- الإيرانية، بأن الدولة العراقية مصطنعة وهي ليست سوى مكوّنات شيعية وسنّية وكردية، وإن لا هوّية موحّدة للمجتمع العراقي، وهو ما استند إليه بول بريمر الحاكم المدني الأمريكي للعراق بعد جي غارنر، والذي شكل مجلس الحكم الانتقالي على أساس هذه الفرضية التي تكرّست على نحو مريع، واستثمرها أمراء الطوائف لتعزيز امتيازاتهم ومكاسبهم، في ظل صراع محموم، تعويلي.
وكلما ازدادت حدّة المشاكل والخلافات بين الأحزاب والقوى المشاركة في العملية السياسية، وشعر أحد الأطراف بضعفه، إلتجأ إلى المحتل لتعديل الميزان، وهكذا أصبح المحتل "الخصم والحكم" في الآن ذاته، ولو استعرضت كم مرّة لجأ هذا الطرف أو ذاك إليه حتى بعد الانسحاب الأمريكي من العراق، ستتأكد أنه دوره لا يزال مؤثراً وقوياً ولا يمكن استبعاده أو تجاهله، لا سيّما في المسائل الحساسة، مثل النفط والجيش والتسلّح والعلاقات الدولية وعموم القضايا الاقتصادية والستراتيجية.
   اليوم وبعد مرور عشر سنوات وصل الجميع إلى قناعة، أننا أمام تحدّيات كبرى إن لم نعمل على مواجهتها، فإن البلاد مقبلة على التشظّي والانشطار، لا سيّما في ظل الحراك الشعبي الذي ابتدأ في الأنبار وانتقل إلى صلاح الدين والموصل وديالى وكركوك وبعض أجزاء من بغداد (بغضّ النظر عن بعض شعاراته، لكن غالبية مطالبه مشروعة باعتراف الجميع)، فضلاً عن لعبة شدّ الحبل بين بغداد وإربيل، وقد يكون من مصلحة البعض الإبقاء عليها، الأمر الذي سيكرّس الأمر الواقع ليصبح واقعاً مع مرور الأيام، حيث تتخذ العلاقات بين الأطراف المختلفة طابع التقاطع أو التعارض، حتى وإن كانت بعض خيوطها لا تزال في بغداد.

2-   البعض يقول أن الحل للمشاكل موجود في العراق فهل  الأمر يتعلق بتقوية المركز، أي تقوية الحكومة العراقية، ولكن هناك مخاوف عند البعض الآخر باعتبار، أي خطوة تجاه تقوية المركز تعني العودة  إلى الدكتاتؤرية و التسلطية، هل هناك امكانية لتقوية الحكومة المركزية  وما هي الضمانات كي لا تتحول إلى الدكتاتورية ؟

ج2- لا تقوية المركز ولا إضعافه هو سبيل حل الأزمة السياسية العراقية، وللقوة والضعف معاني مختلفة، فالقوة بالنسبة لي تعني تعزيز المواطنة والمساواة ومبادئ الشراكة الحقيقية واحترام حقوق الانسان، وهي غير العنف أو استخدام القوة لارغام كردستان على الانصياع أو ارغام المناطق الغربية على الرضوخ. كما هي لا تعني بالنسبة لي ابتزاز الحكومة الاتحادية لقبول جميع المطالب للقوى المختلفة تحت عناوين متنوّعة.
كما أن قوة المركز لا تعني العودة إلى الدكتاتورية بالضرورة، وإذا قررنا رغبة العيش المشترك، فلا بدّ من أن يكون العراق قوياً ككل، أي ينبغي أن تتمتع الدولة الاتحادية بكل مصادر القوة، وخصوصاً بالقواعد التي أشرت إليها ، وهي قواعد للقوة الناعمة، أما القوة الخشنة أو استخدام القوة العسكرية أو العنف أو الردع بالسلاح، فينبغي توديعه إلى غير رجعة من جانب حكومة بغداد أو من جانب القوى التي تختلف معها، لا سيّما وأن عالم اليوم يتعارض مع مثل هذه التوجّهات، بل يقف بالضد منها ويدينها، وهنا لا بدّ من البحث عن المشتركات وحل الخلافات بالوسائل السلمية وبالحوار وبقناعة الناس ورضاهم، وليس بفرض حلول عسكرية أو استخدام القوة العسكرية والعنف لتحقيق الأهداف.
لقد فشلت جميع الحكومات العراقية السابقة من تحقيق " أهدافها" في القضاء على الحركة الكردية،واضطرّت إلى التفاوض معها والجلوس إلى طاولة الحوار، فبعد انتصار ثورة 14 تموز (يوليو) 1958 تحقق أول إنجاز كردي بالاعتراف بشراكة العرب والأكراد في الوطن العراقي دستورياً، ثم جاء بيان 29 حزيران (يونيو) 1966 ليعطي بعض الحقوق للكرد وإن كان أقرب إلى هدنة طويلة، وبعد قتال مرير توصّل الطرفان الحكومي والكردي إلى بيان 11 آذار (مارس) العام 1970 الذي اعترف من حيث المبدأ بالحكم الذاتي، وصيغ دستور العام 1970 على أساس الاعتراف بقوميتين رئيستين هما العربية والكردية، مثلما اعترف بحقوق الشعب الكردي.
وكان اليسار العراقي قد دعا منذ وقت مبكّر إلى حق تقرير المصير وذلك منذ العام 1935 وأكد الكونفرنس الثاني للحزب الشيوعي العراقي على مبدأ "الاستقلال الذاتي لكردستان"، وهو من أوائل القوى التي دعت إلى الفيدرالية.
قلت إن الحكومات فشلت باللجوء إلى الحلول العسكرية من تحقيق أهدافها، كما أن الحركة الكردية هي الأخرى لم تحقق أهدافها بالوسائل العسكرية، وإن حملت السلاح فإنما كان دفاعاً عن النفس، ولهذا فإن تحقيق الأهداف لن يتم الاّ باللجوء إلى طاولة الحوار، وقوة العراق هو بتعزيز العلاقة بين كيانياته الإثنية العربية والكردية وغيرها، الأساس الذي بُنيت عليه الوحدة الوطنية العراقية، وهو ما كنّا في أوساط اليسار نقوله عنه " الصخرة التي تحطّمت عليها مؤامرات الاستعمار والرجعية"، وأظن أن مثل هذا الشعار يظلّ صحيحاً وإن اختلفت سبل تحقيقه.

3-   الدستور يعرّف العراق باعتبار دولة برلمانية، ولكن نحن نرى ان المالكي ضمنيا لايعترف بمجلس النواب و الدليل على ذلك أنه غير مستعد للمثول أمام النواب، ألا يعتبر هذا تهميشاً لدور مجلس النواب؟

ج3- التجربة العراقية لا تزال هشة ومتعثّرة ناهيكم عمّا صاحبها من ألغام في الدستور، وهذه الألغام تنفجر بين حين وآخر، مثلما ينفجر العنف والارهاب ويضرب المجتمع بالصميم. وبتقديري أن الخلل الأساسي هو في الدستور الذي هو حمّال أوجه وقابل للتفسير والتأويل المتناقض، وهو عبارة عن "كشكول"، احتوى على كل شيء وإن كان أحياناً بدون هارموني أو تناسق، فكيف تكون الشريعة الإسلامية مرجعية وإن لا تصاغ القوانين، بما يتعارض مع أحكامها، وفي الوقت نفسه أن لا تتعارض مثل هذه القوانين مع مبادئ الديمقراطية؟ وماذا إذا حدث الاختلاف بين مبادئ الديمقراطية وما يقصده البعض بالإسلام، لا سيّما في ظل أصابع المفسرين والمؤولين باسم الدين فلمن ستكون الغلبة؟
هناك تناقضات بخصوص النفط والغاز باعتبارهما "ملك الشعب" مع حقوق الأقاليم، فضلاً عن حدود الاقليم وعلاقته بالدولة الاتحادية، هل هي علاقة تواؤم وانسجام أم تعارض وعداء؟ هل نتحدث عن دولة واحدة نريد تقويتها بكل أقاليمها ومحافظاتها، أم أمام مركز وأطراف، يعمل كل ضد الآخر؟ وما هي علاقة الهوّية المشتركة الجامعة والهوّية الفرعية والخصوصية؟ وكيف السبيل إلى مواطنة متساوية؟
إن مسألة صلاحيات الأقاليم وحدودها هي مثل الألغام غير الموقوتة التي يمكن أن تنفجر في أية لحظة، وهو ما زرعه الدستور في ثناياه، ويتعلق الأمر بالعلاقات الدولية والخارجية، فما معنى وجود ممثليات للأقاليم لمتابعة الشؤون الثقافية والإنمائية والاجتماعية؟ وهو ما لم أجده في أي دستور فيدرالي، وكذلك الأمر بالنسبة لعلاقة الجيش مع البيشمركة، فالعلاقة لا تزال ملتبسة وتثير الكثير من الغموض والابهام والمشاكل.
لقد كنت من أوائل الداعيين ولا زلت لنظام فيدرالي تعددي دستوري ديمقراطي، وليس بالضرورة كل فيدرالية ستكون ديمقراطية، ولكن كل نظام ديمقراطي يمكن أن يكون فيدرالياً، ولذلك فإن الأساس هو بناء الديمقراطية وتعزيز وجود مؤسسات إضافة إلى قوانين ديمقراطية، ومن ثم مراقبة ومساءلة تطبيق هذه القوانين وإنفاذها عبر جهات مختصة وقضاء مستقل ونزيه ومهني، وهذه هي أساس أي عملية ديمقراطية، لا سيّما بدستور يقرّ الحريات والمساواة والمواطنة الكاملة دون أي تمييز.
لا البرلمان يمكن أن نقول عنه أنه يعمل في نطاق اختصاصاته ولا رئيس الوزراء أو الوزارة تعمل في نطاق اختصاصاتها، وكل يستقوي على الآخر بحجة المكوّنات والكتل والجماعات الحزبية والطائفية، ولا يستطيع أحد أن أن يقصي المقصّر لأن هناك من سيدافع عنه بزعم انتمائه إلى كتلة وهكذا يتم التغليس عن المفسدين بحجة "الشراكة" المزعومة والديمقراطية التوافقية. وبصراحة فالتجربة حتى الآن لم تثبت نجاعتها وهي تسير من تعثر إلى آخر ومن تراجع إلى تراجع أكبر، ونحن بحاجة إلى عملية انقاذ على الرغم من الأخطاء والنواقص والثغرات، لإعادة المسألة إلى حوار شامل في مؤتمر عراقي يأخذ بنظر الاعتبار التنوّع والتعددية بعيداً عن المحاصصة والتقاسم الوظيفي، والاّ فإن مصير البلاد صائر إلى الانقسام.

4-   العرب السنّة في العراق كانوا يقاومون وجود الأمريكان في العراق، و كانوا يأملون أن يرحل " المحتل" حسب ما يصفونه، ولكن انسحاب الامريكان و مشاهد بعد هذا الانسحاب أثبت ان السنوات اللاحقة كانت أكثر ضرراً، وأصبحوا مستهدفين أكثر من قبل الحكومة العراقية ذات الأغلبية الشيعية؟ وكان الأكراد لديهم مخاوف من انسحاب القوات الامريكية، فهل الاكراد كانوا على صواب في مخاوفهم، وهل الحكومة العراقية أصبحت اكثر قوة لضرب خصومها بعد الانسحاب؟

ج4- هناك مقاومة مدنية واسعة للاحتلال، مثلما كانت هناك مقاومة مسلحة. لم يكن السنّة وحدهم هم من قاوم الاحتلال وإن كانت المناطق التي يمثلون فيها أغلبية قد اتخذت هذا السبيل، ولكن كان هناك ممانعة واعتراضاً عراقياً عاماً، لا سيما لدى عرب العراق في الغالب، وإن كان البعض يريد إبقاء القوات الأمريكية بزعم المخاوف من الحرب الأهلية. وأعرف أن هناك قوى وتيارات سياسية بعضها كردية وبعضها الآخر يسارية كانت قد دعت إلى الإبقاء على القوات الأمريكية، تارة بحجة أن العراق سيقع في إطار الهيمنة الإيرانية، وأخرى أن الحرب الأهلية ستكون تحصيل حاصل، ولكن الأمريكان اضطرّوا إلى الانسحاب لأسباب تتعلق بأوضاعهم الخاصة بعد الخسائر المادية والمعنوية، لا سيّما البشرية التي تعرضوا لها حيث بلغ عدد قتلاهم أكثر من 4800 عسكرياً إضافة إلى نحو 26 ألف جريح حسب إحصاءات للبنتاغون، وهذه الأرقام لا تشمل أعداد القتلى من المدنيين ومن أفراد الشركات الأمنية مثل بلاك ووتر وغيرها.
أما السبب الثاني والمهم للانسحاب الأمريكي بعد المقاومة السلمية وبعد العمليات المسلحة ضد القوات المحتلة، فهو الأزمة المالية والاقتصادية الكبرى وانهيار مصارف ضخمة وشركات عملاقة وقد بلغت خسائرهم المادية بسبب احتلال العراق نحو تريليوني دولار، وقد لعب الرأي العام الأمريكي والغربي عموماً المناهض للحرب والرافض للوجود الأمريكي في العراق دوراً كبيراً في الإسراع بالانسحاب مثلما وعد به الرئيس أوباما، لا سيّما بعد فشل سياسة سلفه الرئيس بوش الذي اعترف بعدم صحة المعلومات التي وصلته بشأن أسلحة الدمار الشامل، أما عن علاقة الحكومة العراقية السابقة بالارهاب الدولي وتنظيمات القاعدة، فقد تحوّل العراق بعد الاحتلال إلى أرضية خصبة لتفريخه وبيئة مناسبة لتفقيس بيضه، فضلاً عن انتقال الارهابيين منه وإليه، مع معدّاتهم وأسلحتهم، وهم الآن ينتقلون إلى سوريا بكل ارتياح وخفّة!.
لم يكن الحكم في السابق سنّياً، مثلما ليس الحكم في الحاضر شيعياً، وإذا كان دور بعض النخب التي تنتمي إلى السنّة كبيراً في حكم العراق، فإنها لم تحكم باسم السنّة أو في إطار برامجهم علماً بأنه لم تكن توجد كتلة أو تياراً باسم السنّة، بل حكمت تحت عناوين مختلفة تارة باسم القومية وأخرى باسم الوطنية، وهكذا حتى وإن كان ثمة قانون زرع البذرة الطائفية قانونياً، وأعني بذلك القانون رقم 42 لعام 1924 الذي شرّع قبل الدستور العراقي الأول والدائم العام 1925، وعلى أساسه صيغت القوانين والقرارات الخاصة بالجنسية سواء قانون رقم 43 لعام 1963 والعديد من قرارات مجلس قيادة الثورة بعد العام 1968، وصولاً للقرار 666 الصادر في 7 أيار (مايو) 1980، الذي تم بموجبه تهجير عشرات الآلاف من المواطنين العرب بحجة التبعية الإيرانية المزعومة عشية الحرب العراقية – الإيرانية وكذلك عشرات الآلاف من الكرد الفيلية.
كما أن الحكم الآن ليس بيد الشيعة، وإن كانت جماعات دينية شيعية تتولى السلطة السياسية بشكل أساس أو لديها اليد الطولى فيه، لكن لا السنّة ولا الشيعة لهم علاقة بحكومات الماضي أو حكومات الحاضر وإنما من يحكم جماعات سياسية سواءً تعكّزت على القومية أو الوطنية أو الدين أو الطائفة، لكن هذه المكوّنات لا علاقة لها بمن يحكم.
والشيعة والسنة طائفتان كبيرتان لا يمكن اختزالهما بمجموعات صغيرة  مذهبية أو تحكم باسمها، وهم موزعون على التيارات الفكرية والثقافية والاجتماعية والسياسية، لأنهما يمثلان عرب العراق الذي يؤلفون نحو 80% من سكان العرقا ويؤلف المسلمون نحو 95% من سكان العراق بضم الكرد اليهم. ولعلّ 68% من أعضاء حزب البعث كانوا من الشيعة وأن جلّ الجيش العراقي من الشيعة، وأن غالبية أعضاء الحزب الشيوعي وحركة القوميين العرب والناصريين كانوا من الشيعة، أو أن أصولهم أو امتدادات عوائلهم تعود إلى الشيعة، مثلما كانت الحركة القومية منتشرة في المناطق السنّية، قسم منها لأسباب تاريخية ومناطقية وعشائرية، في حين أن الحركة اليسارية كان نفوذها كبيراً جداً في المناطق الجنوبية إضافة إلى كردستان، وإن كان حضورها لابأس به في مناطق غرب العراق، خصوصاً في هيت وعانة، إضافة إلى الموصل.
وأعتقد أن الشيعة والسنّة لم يتصارعوا لا في السابق ولا في الحاضر، وإن كان أمراء الطوائف هم من يقودون الشحن الطائفي، لكن المواطن العادي سواء كان شيعياً أو سنياً، فلا علاقة له بذلك، أما الانتماء لطائفة فهو مسألة ليست من اختيار الفرد مثلما هو الدين، فلو ولدت في الصين لأصبحت صينياً وربما بوذياً أو كونفوشيوسياً، مثلما لو كنت قد ولدت في إيطاليا لكنت إيطالياً ومسيحياً وهكذا.
الاختلاف حول الطائفية وليس الطائفة، فهذه الأخيرة لديها طقوس وعادات وتاريخ، في حين أن الأولى تدعو للتسيّد بحجة المظلومية أو الأفضلية وامتلاك الحقيقة أو غير ذلك.
على عرب العراق طمأنة كرد العراق، بأنها مع حقوقهم بما فيها حقهم في تقرير المصير واختيار شكل العلاقة مع الشعب العربي، مثلما على كرد العراق طمأنة عرب العراق، بأنهم اختاروا الاتحاد الاختياري بصورة طوعية وأنهم مع وحدة العراق، طالما تلبي طموحاتهم وحقوقهم في دولة مواطنة سليمة وحقوق متساوية وشراكة حقيقية.
5-   في الماضي كانت السلطة بأيدي السنّة، وكان يُظلم الشيعة و الأكراد، وبعد سقوط النظام البعثي وقعت السلطة بين ايدي  الشيعة و هم الآن يظلمون السنّة، هل أصبح العنف جزءًا من السياسة في العراق وهل اصبح العنف ثقافة عند السياسيين في العراق؟

ج 5-العنف سمة سائدة في العراق، وأول من أسس للعنف نوري السعيد بإعدام الضباط الأربعة الذين قادوا حركة رشيد عالي الكيلاني العام 1941، ثم إعدام القادة الشيوعيين في العام 1949 وفي مقدمتهم فهد، وقبل ذلك قمع تظاهرة بالرصاص سقط فيها شاؤول طوّيق (اليهودي) العام 1946.
ولعلّ العنف واستخداماته كانت قد تطوّرت في أعقاب إبرام معاهدة بورتسموث العام 1948 وفي العام 1952 اثر الانتفاضة، لكن العنف الأساسي جاء عشية وبعد ابرام ميثاق حلف بغداد العام 1955، بإصدار القوانين الغليظة المقيّدة للحريات تحت عناوين مكافحة الأفكار الهدّامة وإسقاط الجنسية العراقية عن عدد من العراقيين المعارضين وتكميم الأفواه وإغلاق ما تبقى من الصحف ومن حرّية التعبير، وفيما بعد الموقف من انتفاضة العام 1956 انتصاراً للشقيقة مصر ضد العدوان الانكلوفرنسي الاسرائيلي.
وعندما جاءت ثورة 14 تموز (يوليو) 1958 افتتحت باكورة أعمالها بالعنف بتصفية العائلة المالكة، وحين هيمن الحزب الشيوعي على الشارع مارس عنفاً فكرياً وسياسياً ضد خصومه، وكانت أحداث الموصل المفجعة ومن ثم أحداث كركوك المأساوية العام 1959 سبباً في انفتاح العنف على مصراعيه في وقت لاحق، وصولاً إلى انقلاب 8 شباط (فبراير) العام 1963 حيث مارس الحرس القومي أبشع أنواع التعذيب والارهاب والعنف ضد المواطنين وضد من اعتبرهم خصوماً أو أعداء لهم ولحزب البعث.
وعندما عاد حزب البعث إلى السلطة مرّة ثانية في 17 تموز (يوليو) العام 1968 بدأ بالعنف الناعم والقضم التدريجي، وهكذا استفرد بالجميع واحداً بعد الآخر إلى أن استحوذ على جميع مقاليد البلاد وصفّى آخر هوامش الحريات الشحيحة، فبدأ بالإقصاء والعزل والتهميش ابتداء من القيادة المركزية للحزب الشيوعي والكرد والقوميين العرب (غير البعثيين) والشيوعيين بعد جبهة وطنية مختلة التوازن وفيها تابع ومتبوع وكذلك استهدف الإسلاميين ونكّل بهم على نحو بشع، بل إنها شملت حتى البعثيين سواء من جماعة سوريا أو البعثيين من النظام ذاته، لا سيما بعد مجزرة قاعة الخلد الشهيرة في العام 1979، حين أعدم 22 بعثياً قيادياً. ومارس حزب البعث ونظامه العنف خارجياً بشن الحرب على إيران العام 1980 وبغزو الكويت العام 1990، ووقع العراق ضحية المغامرات العسكرية تحت حصار دولي جائر دام 13 عاماً، إلى أن جاء الاحتلال في العام 2003 بعد حرب ظالمة وتحت مزاعم واهية.
استمرّ العنف بعد الاحتلال، عبر عمليات ارهاب منظم وغير متوقّف، سواء من جانب المحتل أو من جانب الميليشيات الطائفية أو الجماعات الارهابية المسلحة، ولا سيما تنظيمات القاعدة الارهابية وغيرها من الجماعات التكفيرية، ذلك أن ثقافة السلاح والعنف وارغام الخضم على الانصياع أو الرضوخ ولوي الذراع لا تزال مستمرة، بل هي تشكل المشهد السياسي السائد، حيث الخشية والحذر والغدر والكراهية المستترة أو المعلنة، وبالتالي "الكل يريد أن يتغدّى بخصمة قبل أن يتعشى هو فيه" وذلك لانعدام الثقة.
6-   تزامناً مع الوضع السوري، نجد المشكلة السنية تتفاقم في العراق، هل تتوقع ان تختلط الأوراق و أن تتجاوز المشكلة السورية حدودها، و تتدخل الحكومة العراقية بالشأن السوري؟

ج6- بغضّ النظر عن المشكلة السورية، فإن هناك شعوراً بالتمييز رافق المناطق الغربية من العراق، لا سيما في ظل ضعف هيبة الدولة، وسياسات الاقصاء التي شملت أعداداً واسعة من الذين كانوا محسوبين على النظام السابق، عسكريين ومدنيين، بسبب قانون اجتثاث البعث، وفيما بعد المساءلة والعدالة.
صحيح أن بعض الأوراق بدأت تختلط، فبعض دعاة الفيدرالية بما فيهم لمحافظات الجنوب انكفأوا، بل أن بعضهم أخذ ميله يشتد إلى الدولة المركزية، في حين أن أعداء الفيدرالية والذين صوتوا ضد الدستور أو تحفظوا عليه بسبب الفيدرالية، ولا سيّما فيدرالية كردستان، أصبح بعضهم من دعاتها ومن المتحمسين إليها.
وكلا الموقفين بتقديري كانا خاطئين، وينطلقان من حسابات ضيقة ومصالح ذاتية أنانية. قلت مرّة لأحد المسؤولين الكرد هل تعتقد أن الفيدرالية ستتم بصفقة سياسية أم قناعة من جانب عرب العراق؟ وقد حاول تبرير تأييدهم لفيدرالية الجنوب (غير المكتملة الملامح) لأن عمر الصفقات قصير، فقد تم اعتراف عبد الكريم قاسم بحقوق الكرد واعترف البعثيون بالحكم الذاتي، ولكن أين نتائج ذلك؟ فما بالك إذا كانت الصفقة مع جماعات صغيرة، يتوهم البعض أنها تمثل هذه الطائفة أو تلك، في حين أنها تمثل أحزاباً سياسية محدودة التأثير حتى وإن حازت اليوم بفعل عوامل مختلفة على أغلبية في الانتخابات خصوصاً في ظل اختطاف الوعي أو تغييبه. وهنا أتحدث كأمر موضوعي وليس من باب التقليل من شأن هذه القوة السياسية أو تلك، وطالما الكتل والتيارات الأخرى ضعيفة ومتشتتة، لا سيما قوى اليسار والتنوير، فإن هذا المشهد سيبقى لحين.
قد تتعرض سوريا أيضاً لانشطارات أميبية، فهناك من يريد إقامة دويلات في دمشق وحلب (سنيتان) وفي السويداء درزية وفي الساحل والجبل علوية وفي عفرين والقامشلي كردية، أما دير الزور فيمكن أن تلحق بالمنطقة الغربية من العراق وقد يكون جزءًا من إقامة إقليم الأنبار الموسع. أعرف أن مثل هذا الأمر قد لا يتحقق أو أنه في القريب العاجل قد لا يجد فرصة لقيامه، لكن الجهات الدولية، بما فيها " إسرائيل" تسعى إليه وتعمل من أجله وهناك قوى محلية تعتقد أن مصلحتها في حدوثه.

7-   مشكلة الاكراد مع السيد المالكي هي مدينة كركوك، ما هو رأيك عن الخلافات الموجودة بين المالكي و الاكراد؟

ج7- كركوك "قدس الأقداس" كما قال عنها جلال الطالباني، لكنها "لقمة" لا يمكن بلعها، وقد يغصّ بها من يريد بلعها بسرعة، وربما ستجري محاولات لشطرها إلى عربية- تركمانية وأخرى كردية، وستكون المساومة على النفط مقابل تنازل عن مناطق أخرى (الأرض مقابل الأرض). لكن كركوك مشكلة معقّدة وهي جزء من عقدة العراق، فبعد بيان 11 آذار (مارس) 1970 بقيت كركوك عقدة ومؤشر تقدّم أو تراجع العلاقة مع حكومة بغداد وحاولت بغداد بحكم عقليتها البعثية وبعض الاتجاهات الشوفينية آنذاك تعريب المنطقة، وتقديم تسهيلات وامتيازات للعرب الذين ينتقلون إليها، وأصدرت في العام 2001 قراراً (من مجلس قيادة الثورة) في 6 أيلول (سبتمبر) بإمكانية تغيير قومية من يريد تغيير قوميته إلى العربية في حالة حصول  خطأ ما، لكنها لم تعطي مثل هذا " الحق" للغير لتغيير قوميته من العربية إلى الكردية أو التركمانية فيما إذا حصل خطأ أو سهو.
وإذا كان خطأ محاولة تغيير التركيب السكاني والواقع الديموغرافي  لكركوك فإنه من الخطأ التفكير اليوم بنفس عقلية الأمس. لا بدّ من إعادة من يريد العودة إلى مسقط رأسه ولكن دون إكراه، كما لا بدّ من تعويض المتضررين، ولا بدّ من التنافس المشروع العربي، التركماني، الكردي لتقديم أفضل الخدمات لكركوك وليس عبر العنف أو الأعمال المسلحة أو استعراض القوة أو الاستقواء بهذا الموقع أو ذاك، فالقضية لن تحلّ إطلاقا بهذه الأساليب.
وأظن أن المادة 140 مهما تحدث الأطراف المتنازعة عنها ومهما تدخّلت الأمم المتحدة، ومهما جرت من محاولات تكييفها إلى صالح هذا الفريق أو ذاك، فإنها لن تحلّ الموضوع، والحل الوحيد هو بالاتفاق والمصالح المشتركة والمنافع المتبادلة وتقديم المزيد من الخدمات للسكان واحترام حقوق الإنسان والسير في طريق التنمية، والتعايش، فذلك السبيل الوحيد للابقاء على المدينة.
يمكن لكركوك أن تكون ضمن اقليم كردستان أو في اقليم مستقل أو ضمن اقليم عربي مع مراعاة الحساسيات التركمانية والكردية، ولكن في كل الاحوال لا بدّ من احترام إرادة السكان واحترام حقوق الإنسان، فالإنسان هو مقياس كل شيء حسب الفيلسوف الاغريقي بروتوغوراس، ولا يوجد أثمن منه ومن أجله صيغت الأفكار والآيديولوجيات وجاءت الأديان.
إن مشكلة كركوك كانت مع جميع الحكومات في السابق وستبقى في الحاضر، فالجعفري اعترض عليه الكرد بسبب موقفه من كركوك، والمالكي بشأن موقفه في عموم العلاقة الحكومية – الكردية، والشهرستاني بسبب موقفه من النفط، وعدد من قيادات القائمة العراقية بسبب موقفهم من فيدرالية إقليم كردستان، وكذلك بسبب مواقفهم من كركوك والمادة 140 وقبلها المادة 58 من قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية. الأمر يحتاج أيضاً إلى حوار وطني ولا بدّ من اعادة السيوف إلى أغمادها والتفكير بعقل بارد وقلب حار، وبمسؤولية إزاء مصالح الكرد وكذلك مصالح العرب والتركمان، وبالتالي مصالح العراق.

8-   الان بعض الاكراد يتكلمون عن الدولة الكردية، و هذا الكلام على صعيد شعبي وسياسي؟ ولكن هناك مراعاة لظروف اقليمية و دولية، برأيك هل اصبح الاكراد قريبون من تحقيق حلمهم؟
9-   في ضوء التجربة السودانية، هل من ممكن ان تأسس الدولة الكردية دون الحرب؟ خصوصا نجد المشكلتين الأساسيتين هما النفط و الأرض؟

ج 8-9 ستقوم الدولة الكردية إن آجلاً أم عاجلاً، وقد تكون استحقاقاً لاحقاً، قد يطول أمده وقد يقصر، ولكنه سيكون بلا أدنى شك موضوعاً مطروحاً في الأروقة الدولية، وهو ما قلته قبل أكثر من عقدين من الزمان ولا زلت مؤمناً ومتمسكاً به، ولكن الدولة لها شروطها، وإن أصبح العيش المشترك مستحيلاً، فلا بدّ من الطلاق حتى وإن كان "أبغض الحلال عند الله" كما يقال، وحبذا لو كان سلمياً أو مخملياً كما حصل بين التشيك والسلوفاك في العام 1993، وظلّت العلاقة قائمة وقوية وبعض المرافق مشتركة حتى الآن.
وكعربي وأعتز بعروبتي فأنا مع حقوق الكرد بما فيها حقهم في تقرير المصير وإقامة كيان مستقل بما فيه (دولة) يعبّر عنهم، وقد نما مثل هذا الأمر مع وعيي الأول عندما وجدت أولى خطواتي مع الحزب الشيوعي بُعيد الكونغرس الثاني عندما كنت فتىً، ولا سيّما بحكم الجو العائلي والثقافي والمديني.
ولا اعتبر موقفي من القضية الكردية منّة أو هبة أو هدية ولا أقوله من باب المجاملة السياسية أو التقرّب من القيادات الكردية، بل هو إقرار بواقع أليم ولا إنساني عانى منه الشعب الكردي، ولا شكّ أن هناك فرقاً بين الموقف من القضية الكردية وبين تأييد مواقف القيادات الكردية التي قد تخطأ وقد تصيب وتقترب من مصالح الشعب الكردي وقد تبتعد، فالأمر يتعلق بالسياسة، والسياسة كما تعلم فيها الكثير من المراوغات والمصالح والمساومات والأخطاء وحتى الخطايا.
ويمكن إقامة دولة كردية دون حرب أو نزاع مسلح وبالاتفاق والتنازلات المتبادلة، وهو ما يخضع لتوازن القوى والمصالح والتحالفات العراقية والإقليمية والدولية. وتجربة جنوب السودان وإن لم تكتمل فإنها تقررت بعد استفتاء وحصلت دولة جنوب السودان على عضوية الأمم المتحدة بعد استفتاء شعبي لصالحها حيث نالت فيه على أكثر من 98% من المؤيدين لقيامها.
ويمكن حل مشكلة النفط ومسألة الأراضي بشكل سلمي، وبما يختاره السكان بإرادتهم سواء قدّرواً الانضمام إلى هذا الجانب أم ذاك، ولكن المهم أن تبقى العلاقات الشعبية التاريخية قائمة ومستمرّة ومتطوّرة.

10-   في 2003 طرح جو بايدن مشروعاً لتقسيم العراق، مع انتقادات العرب لهذا المشروع وبعد مرور عشرة اعوام من التجربة، هل ممكن أن نقول أن ما طرحه بايدن هو أفضل الحلول لمشاكل العراق؟

ج 10- مشروع بايدين هو استمرار لمشاريع كثيرة في المنطقة، قبله كان كيسنجر قد قال: لا بدّ أن يكون وراء كل بئر نفط إمارة، ودعا بريجنسكي في كتابه "أمريكا والعصر التكنوتروني" إلى إقامة مجتمعات الأقليات، حيث لا وجود للأغلبية، فالعرب أقلية والمسلمون منقسمون بين سنّة وشيعة والكرد أقلية والتركمان أقلية والدروز أقلية والمسيحيون أقليات موزعة على الطوائف، واليهود أقلية، ولكنهم الأقلية المتميزة تكنولوجياً وعلمياً والمحظية من الغرب، وهكذا يمكنها التسيّد على الأقليات الأخرى، وقبل ذلك كان إيغال ألون قد طرح مشروع تقسيم دول المنطقة في العام 1982، والأهم من كل هذه المشاريع هو مشروع برنارد لويس الذي كان يقضي إلى وضع خرائط لـ 41 دويلة في المنطقة، وهو بمثابة سايكس بيكو الثانية أو مشروع الشرق الأوسط الكبير أو الجديد.
كان فولر من مؤسسة راند Rand الأمريكية المقرّبة من وكالة المخابرات المركزية الـCIA قد طرح في العام 1992 هل سيبقى العراق موحداً للعام 2002؟ وجاء دور هذا السؤال بعد الاحتلال، وإذا بنا أمام مشروع بإشراف المحتل وقيادته وإن كان سيأخذ مراحل متعددة روّج له جو بايدن قبل أن يصبح نائباً للرئيس وحصل في العام 2007 على موافقة الكونغرس، كما عرضه على بعض ممثلي الدول الكبرى في الأمم المتحدة.
وحتى لو كان مشروع بايدن افتراضياً فإن مثل هذه الافتراضات قد تتكرس ويصبح الأمر الواقع واقعاً، ولكن بايدن لا يريد مشروعاً لدولة عراقية موزعة إلى فيدراليات، وإن ما بطرحه يقترب من مشروع تقسيم قد يحدث بعد صراعات ونزاعات وربما حروب.
للأسف الشديد بعض من عارض بايدن في السابق، بدأ بفعل الشعور بالحيف، وكأنه يريد تطبيقه أو حتى يتمنّاه لاعتقاده أنه سيضع حدّ لتهميشه، في حين أن مخاطر مثل هذا المشروع ستكبّله وتجعل من العراق، دولة فاشلة حتى وإن بقت شكلياً موحدة، وإن كان كل شيء في العراق يتجه بهذا المسار، لكن ثمة ردود فعل كبيرة إزاء المشروع، وربما عندما حاول بعض أمراء الطوائف تبنّيه فعلياً وإقامة نقاط تفتيش واستهداف مدنيين لتوتير الأجواء، هبّ العديد من القوى من أبناء المحافظات الغربية للتنديد به، وتنبّه له الكثير من عرب العراق الذين طالبوا رئاسة الوزارة الاستجابة إلى مطالب المحتجين سريعاً لكي لا تتطور الأمور باتجاه الانشطار واللاعودة.

11-   المعروف عنك، أن لديك علاقة طيبة مع الاكراد، وأنك تزور كردستان باستمرار، ماهي قراءتك لمستقبل إقلميم كردستان العراق؟

ج 11- كنت ولا زلت اعتز بعلاقتي بكردستان وصداقاتي مع النخب السياسية والفكرية والثقافية، وإن كنت أختلف مع بعض التوجّهات السائدة، لكنني حاولت دعم التجربة منذ بداياتها ولحد الآن، دون أن تؤثر ملاحظاتي المكتوبة والمنشورة على مدى السنوات العشرين ونيّف على ذلك، خصوصاً فترة الاقتتال الكردي – الكردي (1994-1998). وكنت قد قلت إذا كان تقسيم كردستان بين إربيل والسليمانية خطيئة، فإن الاقتتال جريمة لا بدّ أن تتوقف، وأن يستطيع الشعب الكردي تحقيق طموحه، وهو يستأهل أكثر من ذلك.
أعتقد أن ما تحقق على الرغم من النواقص والثغرات والعيوب غير قليل، من مؤسسات سياسية ومدنية وقانونية وقضائية وإعلامية وتربوية، وهو بحاجة إلى المزيد من الحريات والشفافية ومحاربة الفساد والتخلّص من المنافسة غير المشروعة بين الحزبين أحيانا، كما أن المعارضة ضرورية لتصحيح المسار وتعديله وتحسين الأداء، ولا يوجد حكم بلا معارضة وإن وجد مثل هذا الحكم، فهو سيكون ملفقاً وكاذباً بدون أدنى شك، لأن المعارضة والتنوّع والتعددية من طبيعة الأشياء، ومن صلب النظام الديمقراطي.
وبتقديري فإن موضوع الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، لا بدّ من إيلائه الاهتمام الأكبر، لأن استمرار الفقر والعوز والأمية والتخلف والمرض تدفع على التطرف والتعصب والعنف، لذلك لا بدّ من برنامج طويل الأمد لتحقيق العدالة الاجتماعية وتقليص الفوارق الطبقية والاهتمام بحقوق الفقراء والكادحين ومستقبلهم وضمانهم الاجتماعي، ولعل تلك القضايا هي التي دفعت بالشعب التونسي والمصري والليبي واليمني والسوري إلى إعلان الانتفاضة في ما سمّي بالربي العربي.

12-   كنت من يطالب بالحوار الكردي - العربي، وكنت تطالب بأنشاء معهد لهذا الغرض ما هي نتائج جهدك؟ لماذا لم يستمر هذا الحوار؟

ج12- كنت منذ نحو ربع قرن أفكّر في موضوع الحوار العربي- الكردي وسأحيلك إلى كلمتي في مؤتمر الثقافة العربية الكردية الذي انعقد في النجف قبل أسابيع، حيث يمكنك الاقتباس منها .
نص الاقتباس :
" وقد بادرتُ في إطار المنظمة العربية لحقوق الإنسان التي كنت أرأسها في لندن إلى تبنّي فكرة حوار عربي- كردي، العام 1992 ليظهر إلى العلن لأول مرّة، وأشركتُ طرفاً كردياً وهو المركز الثقافي الكردي في لندن. ومن الشخصيات العراقية العربية التي شاركت فيه أذكر:
السيد محمد بحر العلوم، عامر عبدالله، الدكتور حسن الجلبي، هاني الفكيكي، محمد عبد الجبار وآخرين، إضافة إلى نحو 20 مثقفاً عربياً من السودان وسوريا ومصر ولبنان والسعودية وفلسطين وليبيا وتونس والبحرين. أما من الكرد، فقد شارك محسن دزئي وابراهيم أحمد ولطيف رشيد ومحمود عثمان وهوشيار زيباري وعمر شيخ موس ومحمد هماوندي ومحمد قرداغي وسامي شورش وآخرين.
وحضر اللقاء عدد من وسائل الاعلام، وكُتب عنه الكثير، بينها مقالتين لشخصيتين عربيتين هما عبد الوهاب بدرخان وحازم صاغية وشخصية كردية  هو كاميران قرداغي.
كانت المبادرة شخصية، ثقافية، فكرية وشعور انساني بالحاجة للاجابة على أسئلة تاريخية، إضافة إلى مشكلات "راهنة" آنذاك. وكان الفريقان الكرديان قد رحّبا بالمبادرة ووعدا بعقد دورة ثانية للحوار العربي- الكردي الذي يتم لأول مرّة حينها، لكن الأمر لم يحصل بسبب القتال الكردي- الكردي الذي استمرّ نحو 4 سنوات (1994-1998) وراح ضحيته مئات من الأبرياء، إضافة، إلى خسائر مادية ومعنوية كبيرة.
في أواخر العام 1998 نضجت فكرة حوار عربي- كردي، وتم الحصول على موافقة القاهرة لانعقادها، وتوّلى الحزبان التحضير لها، وحضر جلال الطالباني ومحسن دزئي وهوشيار زيباري ومحمود عثمان وعدنان المفتي وعادل مراد وعمر بوتاني وعزيز محمد وبهاء الدين نوري وعبد الخالق زنكنة ولطيف رشيد وسامي عبد الرحمن وآخرين.
كما حضرت شخصيات مصرية مرموقة مثل أحمد حمروش ومحمد فايق وسعد الدين ابراهيم وحلمي شعراوي ومحمد السيد سعيد وآخرين، لكن الحضور العربي العراقي كان ضعيفاً ولم يحضر سوى عدد محدود، وهو أقرب إلى الحضور البروتوكولي وقد أبديت مثل هذه الملاحظة عند حضوري لمؤتمر القاهرة للجهات المنظّمة. ولم يشارك في المؤتمر كرد تركيا وكرد إيران وكرد سوريا، كما لم تكن هناك مشاركة عربية "أخرى".
وكان من المفترض انعقاد دورة ثالثة للحوار العربي- الكردي في العام 2001 بحضور نحو 80 شخصية عربية ويوازيها نحو 80 شخصية كردية تمثّل فاعليات وأنشطة فكرية وثقافية وحقوقية وسياسية مختلفة، بما فيها من المنفى، وجرت الاستعدادات اللازمة لذلك وبُذلت جهود مضنية ربما ستسنح الفرصة للحديث عنها، لا سيما وكان المفكر الكردي  السوري صلاح بدر الدين قد اشتغل على تأسيس جمعيات للصداقات العربية- الكردية وحضر عدداً من المؤتمرات دعا فيها إلى ذلك، كما كان عدد من المنظمات الدولية والحقوقية بشكل خاص قد اتّخذ قرارات بتأييد حقوق الشعب الكردي بما فيها حقه في تقرير المصير، لكن الخلافات بين الحزبين حالت دون ذلك، وانحلّت اللجنة التحضيرية التي كان لي شرف عضويتها كمبادر للفكرة.
وبعد الاطاحة بالنظام السابق، جرت محاولات في كل من إربيل والسليمانية لعقد عدد من المنتديات والملتقيات السياسية تحت عناوين الحوار العربي – الكردي بعضها لم يخلُ من طموحات شخصية ومهرجانات عامة، لكنني أعتقد أن مؤتمراً مثل مؤتمر النجف له أهمية خاصة لتأسيس كيانية ثقافية جديدة للحوار، خصوصاً في الوسط الثقافي للتواصل الإنساني بين المثقفين العرب والمثقفين الكرد، وحبذا لو تبنّى المؤتمر فكرة عقد ملتقى للحوار بين مثقفي الأمم الأربعة الترك والفرس والعرب والكرد، بما يساعد على التفاعل والتلاقح الثقافي، وسيكون مفيداً إيجاد مرجعيات للحوار ومأسسته.
وكنتُ قد دعوت منذ أكثر من عقد من الزمان إلى تأسيس معهد عربي- كردي ويمكن توسيعه إلى معهد للثقافات الشرقية، لا سيما للشعوب المتجاورة، وذلك بهدف تنشيط حركة التواصل والنشر والترجمة والاطلاع على آداب وفنون وثقافات كل طرف بما لدى الطرف الآخر، إضافة إلى التحدّيات والمخاوف التي تواجه الهوّية المشتركة للعرب والكرد والهوّية الخاصة لكل منهما على انفراد ومنها:"
أما بخصوص فكرة المعهد العربي- الكردي أو معهد الدراسات الشرقية، فكنت قد طرحته قبل أكثر من عقد من الزمان، ولكن لا أحد من المعنيين كان قد تبنّى الفكرة وهنا لست أقصد أن المسألة شخصية، وبإمكان مثقفين عرب أو كرد تبنيها والعمل عليها وأعتقد أنها ضرورية حتى وإن لم تر النور حتى الآن!

13-   السؤال ما قبل الاخير هو سؤال شخصي و بعيداً عن السياسة، فربما  يريد القرّاء الكرد، بل ويحبّون أن يعرفوا جوابك، نعرف أنك كنت على علاقة حميمة مع الشاعر الأكبر الجواهري؟ ما هو سر هذه العلاقة؟ كيف بدأت، على  الرغم من أنها لا تنتهي أبداً، فقد كنت وفياً له؟

ج13- علاقتي مع الجواهري قد يمكن وتمتد إلى نحو ثلاثة عقود من الزمان، ويمكن القول أنها مرّت بثلاث مراحل:
الأولى: هي مرحلة الطفولة  وهي المرحلة التخيّلية، فعندما كنت أذهب الى مدرستي الابتدائية (مدرسة السلام) كنت أمرُّ يومياً تقريباً من أمام جامع الجواهري، الذي مضى على بنائه أكثر من مئتي عام وذلك في منطقة (القباب الزرق) في محلة العمارة في النجف، ومنطقة القباب الزرق تضم قبور آل كاشف الغطاء وآل بحر العلوم وآل الجواهري. وقد ارتبط اسم الجواهري بذهنيتي الطفلية باعتباره شاعر التحدي، وهو ما كنت اقرأه وأسمعه ويقع نظري عليه، في مكتبات الأخوال والأعمام العامرة، والتي تحوي لا على قصائد الجواهري ودواوينه، بل قصاصات وأخبار وحكايات عن حياته وطرائفه ومعاركه. وما زال خالي جليل شعبان، المحامي والشاعر يحفظ الكثير منها، ويمكنني القول انه من القلائل حالياً الذين يعتبرون من رواة شعر الجواهري ومريديه الكبار!
الثانية: مرحلة المشاهدة، وكان ذلك عند مشاهدتي الجواهري لأول مرة (العام 1959 في احتفالية بمناسبة ذكرى وثبة كانون)، حدثاً كبيراً في حياتي، لاسيما وأن الشعر كان أحد الروافد الروحية، والثقافية الذي ساهم في تكويني، وحاولت أن أقارن بين المرحلة الأولى المتخيّلة بشخصية الجواهري وبين المرحلة الحسّية المباشرة، حيث كنت أمامه وجهاً لوجه، وهو ما دفعني لمقارنة المتخَيَّل بالواقع، ومدى انطباق الصورة عليه.
الثالثة: المعرفة المباشرة والصداقة، وهي مرحلة جاءت بعد انتظار غير قصير، واتسمت بعلاقة تعمّقت مع مرّ الأيام، لاسيما في براغ في السبعينيات، وفي دمشق في الثمانينات، وما بعدها. وقد رويتُ  بتلقائية وعفوية حدود تلك العلاقة في كتابي " الجواهري : جدل الشعر والحياة".
وعلى الرغم من رحيله فما زلت أعيش لا على ذكراه حسب، بل معه، أستعين به ليردّ عني كربتي وليخفف أحزاني، بشعره أستطيع الدفاع عن النفس أيضاً، فهو سلاح ماضٍ وبلسم شاف تحتاج اليه في كل الأوقات.
كنت باستمرار أحاول أن أتفهم مزاج الجواهري وأتعامل معه على هذا الأساس وأدركت أن بقاء العلاقة واستمرارها مرهون بي، فقد تخلّى الجواهري عن الكثير من صداقاته وأصدقائه، وكنت شديد الحرص على استمرار العلاقة لما فيها من غنّى وتنوّع، حيث كنت أضع مسافة لا أتجاوزها، ولكي لا يحصل لي ما حصل لآخرين، ولهذا استمرت العلاقة بكسب ثقته ومودته.
14-   وكنت من المقربين من الجواهري  والسيد جلال الطالباني، فكيف كان علاقته مع السيد الطالباني، وأيضا ما هو سر علاقتهما؟ وأعتقد أن الطالباني هو صديقك أيضاً؟

ج14- لعلّ علاقة الجواهري بالطالباني كانت علاقة متميّزة، فالطالباني استطاع ونجح في فهم الجواهري وتعاطى مع مزاجه وبما يريد، فتمكّن من كسب وده وثقته، وقد شهدت، ولا سيّما في دمشق طوال سنوات مكوث الجواهري فيها العديد من اللقاءات والزيارات التي قام بها الطالباني للجواهري وانبساط الجواهري لهذه اللقاءات، وكان يعرف مام جلال(أبو شلال) كيف يداعب الجواهري ويحرّكه، بل ويستثيره، لا سيما عندما يردّد بعضاً من أشعاره، وفي كل مرّة كان يجلب له عدد من غطاء الرأس الذي اعتاد الجواهري على ارتدائه ومكتوب عليه اسم كردستان.
عدد من الشخصيات وكل من موقعه وظروف علاقته بالجواهري كانت تستطيع تحريك الجواهري، فإضافة إلى الطالباني، كان هناك عامر عبدالله القيادي الشيوعي والمفكر الماركسي، حيث كان يعرف كيف يستفز الجواهري ويغريه بجولات حوار ومناقشة واختلاف، وموسى أسد الكريم (في براغ) الملحق الصحافي الأسبق في بيروت والملحق الثقافي الأسبق في براغ(قبل العام 1963) يعرف كيف يستحث الجواهري، ويستدرجه في الوقت نفسه، وأحياناً يناكفه بطريقة محببة تروق للجواهري في معظم الأحيان، وحسن العلوي يعرف كيف يستنطق الجواهري، حتى وإن كان مزاجه عكراً ويحاول تمليح الجلسة وحين أعدّ كتابه الرائع عن الجواهري، استعان بالكاسيتات التي كنت قد سجلتها للجواهري (10 ساعات) للاستفادة منها وبطلب من الجواهري، وحين حاول أحدهم أن يطلبها منه أو يستأذنه لطلبها مني رفض الجواهري واعتذر، بل أجاب صاحب الطلب بخشونة، وذلك قبل أن يسألني.
وأستطيع أن أقول أن جلسة الجواهري مع مسعود البارزاني كان لها هيبة خاصة، تسودها سمة تقدير حيث كان يُظهر باستمرار احتراماً كبيراً للعائلة البارزانية لا سيّما للملاّ مصطفى البارزاني ويسميه بالزعيم الجليل السيد البارزاني وقد ردّد في إحدى المرّات قصيدة " قلبي لكردستان" على مسامع وفد كردي زاره بقيادة مسعود البارزاني، وحضر معه في الجلسة صابر  فلحوط (مدير وكالة سانا في حينها) ود. فاضل الأنصاري العضو القيادي السابق في حزب البعث (دمشق) وكانا مما اعتادا على زيارة الجواهري الذي يكن لهما مودة.
أما السيدة الدكتورة نجاح العطار، فكانت تحظى بمنزلة خاصة لديه وقصيدته الشهيرة لها قديمة، وأتذكر أن الطالباني في إحدى المرّات عندما اجتمعنا خاطب د. نجاح العطار: مشيراً لها ولي وله : أن ثلاثتنا نعشق الجواهري وندين بالعرفان للرئيس حافظ الأسد.
أما عن " صداقتي " مع الطالباني، فأود أن أتمنى له الشفاء العاجل والعودة السليمة إلى وطنه وأهله، وربما هناك كثيرون اليوم ممن يزعمون صداقته أو يتقربون له أو ينسبون أنفسهم إليه لا سيّما بعد أن أصبح رئيساً، ولذلك لا أستطيع أن أدرج نفسي بين هؤلاء، والطالباني شخصية عامة ومتميّزة ومؤثرة وإشكالية في الآن ذاته، لا في التاريخ الكردي المعاصر فحسب، وإنما في تاريخ العراق، بل والمنطقة، بغضّ النظر عن الاتفاق أو الاختلاف معه.
وكنت قد تعرّفت على الطالباني لأول مرّة عندما كنّا وفداً طلابياً زار الصحف والشخصيات الوطنية بعد إلغاء انتخابات الطلبة العام 1967 وفاز بها في حينها الحزب الشيوعي (اتحاد الطلبة) للضغط على الحكومة ومطالبة الفاعليات والهيئات المختلفة التضامن معنا. وتعززت العلاقة في دمشق، في إطار مباحثات الجبهة الوطنية والقومية الديمقراطية (جوقد) 1980 وما بعدها والتي حضرت جزءًا منها في مرحلتها الأخيرة وقبل تجميد عضوية الحزب الشيوعي فيها (مع الرفيق عبد الرزاق الصافي).
والتقيته في لندن عدّة مرات وفي اجتماعات المعارضة في فيينا وصلاح الدين، وكنت من كتب التقارير السياسية لهذه الاجتماعات، وأول من وضع فكرة حق تقرير المصير للشعب الكردي فيها. وأتذكّر أن السيد حسين الصدر وتحسين معلّه وصلاح الشيخلي والسيد مصطفى جمال الدين وسامي عزارة المعجون كانوا قد عاتبوني على ذلك (فيينا) وأن الأمر قد يخلق مشكلة، وقلت لهم هذا رأيي وقد دونته لقناعتي، وقد كانت إشادات الطالباني قد وصلتني وعبّر عنها علناً، وعندما أراد تعديل النص بوضع " دون الانفصال" لإرضاء المجموعة المعترضة، قلت له أن هذا النص يتعارض مع فكرة حق تقرير المصير، والتمسني ألاّ أعترض، ولذلك بقي النص في الوثائق مقيّداً مرتين في مكان وغير مقيّد مرتين أخرى أيضاً في مكان آخر، لأن تلك قناعتي ولم أكتبها إرضاء لفلان أو علاّن. وكنت قد أشرت في وقت سابق، حتى لو تخلّى قادة كرد لاعتبارات سياسية وتكتيكية عن حق تقرير المصير، فإنني كمثقف حرّ لن أتخلّى عنه ولن أنكّس رايته.
وحتى عندما وقعت أحداث بشتاشان وكنت سأذهب ضحية باردة فيها، لم أكن قد اتخذت موقفاً شخصياً أو عدائياً لا من الطالباني ولا من ناوشيروان مصطفى، على الرغم من موقفي السياسي الذي أدان المجزرة وندّد فيها خصوصاً قتل الأسرى من العرب، وما زلت لم أكتب شهادتي فيها.
وعندما حدث الاقتتال الكردي- الكردي حاولت مع الطرفين لوقفه بالاتصالات المباشرة، ولديّ رسائل وقسم منها منشور أجوبة من مام جلال ومن كاك مسعود، وقد رحّبت كثيراً بجولة الحوار العربي- الكردي الثانية في القاهرة التي حضرها الطالباني.
وقد أرسل الطالباني رسالة تهنئة لي عند تكريمي في القاهرة 21 آذار (مارس) 2003 لحصولي على وسام أبرز مناضل لحقوق الإنسان في العالم العربي، بل أرسل حازم اليوسفي (ممثل أوك) لقراءتها في الاحتفال الذي أقيم لي في حينها في فندق شبرد بالقاهرة، مثلما أرسل البارزاني عمر بوتاني لقراءة رسالته.
وكنت قد وجهت رس

141
النهضة والمشروع النقدي

 
عبدالحسين شعبان
لا يمكن الحديث عن مشروع نهضوي عربي جديد دون الاستناد إلى ثلاثة عوامل أساسية، أولها إعلاء شأن الحرية، استناداً إلى حرية الفرد والمجتمع، وثانيها إعادة النظر في مفهوم الهوّية، لا سيّما العلاقة بين الهوّية الجامعة العامة الموحّدة، وبين الهوّيات الفرعية، بالاعتراف بقيم التنوّع والتعددية والتمايز والاختلاف، وثالثها الإقرار بالحقوق الإنسانية بما تتطلبه من مبادئ المساواة والمواطنة الكاملة وعدم التمييز .

ولعل الحديث عن مشروع النهضة لا ينفصل عن القراءة النقدية الأبستمولوجية، ابتداءً بالتراث ووصولاً إلى شروط التغيير، وذلك من خلال النقد العقلاني التاريخي بما فيه الديني والتأويلي التي تشمل نقد المسلّمات والفكر اليومي والسائد .

أما القراءة الثانية فتقوم على نقد الأيديولوجيا السائدة سواءً كانت دينية أو قومية أو يسارية في منطلقاتها ومرجعياتها، خصوصاً لما عفا عليه الزمن ولم يعد صالحاً .

أما القراءة الثالثة فهي قراءة تستند إلى الثقافة خصوصاً من زاوية القيم الإنسانية التي تقوم عليها، في إطار عملية التنمية الثقافية السوسيواقتصادية، بما فيها وسائل الاتصال والمعرفة الحديثة وعلاقتها بقضية العدالة الاجتماعية .

ومثل هذه القراءات تحتاج إلى مراجعة نقدية واضحة وصريحة لمشروع التغيير لمرحلة ما بعد الاستقلال، لا سيّما لنكوص العديد من أركانه، خصوصاً مع عودة العلاقات القديمة والولاءات ما قبل الدولة: الدينية والطائفية والمذهبية والعشائرية والجهوية وغيرها، تلك التي أسهمت في تبديد المشروع وتشتيت القوى القائمة عليه، بل ودفعتها باتجاه تناحري إلغائي وإقصائي .

والمسألة الثانية التي تحتاج هي الأخرى إلى إقرار، هي تراجع القوى والجماعات التي حملت لواء الحداثة والتقدم، بل وارتدادها أحياناً إلى جماعات محافظة، وتحوّلها من قوى راديكالية إلى قوى محافظة، بل إلى قوى رجعية في الكثير من الأحيان، لا سيّما عندما تسلّمت مقاليد السلطة، وتحت مبررات الدفاع عن وجودها والحفاظ على مواقعها، قمعت كل رأي معارض بما فيه حلفاؤها .

والاعتراف الثالث الذي ينبغي إعمال النقد فيه هو فشل المشروعات الثورية الخمسينية والستينية، بل وارتدادها بحيث انقلبت الثورات إلى نقيضها، إلى درجة أن البعض كفر فيها، في حين كان يمكن للتطوّر التدريجي والتراكم التاريخي والإصلاح المؤسسي الطويل الأمد، أن يؤدي إلى إنضاج عوامل التغيير من دون الحاجة إلى عمليات قيصرية وانقلابات عسكرية وأخرى مضادة وهكذا .

وإذا كانت هذه المراجعة ضرورية، لأن العديد من القوى والشخصيات الفكرية والثقافية والسياسية بدأت تقتنع بها وتميل إليها، فإنها بحاجة إلى تأصيل وحوار مجتمعي يحرّم العنف ويضع التغيير السلمي لعقد اجتماعي جديد، وهو ما فعلته بعض قوى دول أمريكا اللاتينية، التي استبدلت بشعار الثورة عبر الكفاح المسلح، شعار “الثورة من خلال صندوق الاقتراع”، خصوصاً بعد أن أصبح الارتداد على الماضي، بل وتقهقر خطط التنمية والتغيير، سمة مميّزة للثورات السابقة، والأمر لا يقتصر على المشروعات التغييرية العربية فحسب، بل إن له أبعاداً عامة، لا سيّما انهيار أنظمة أوروبا الشرقية وانحلال الكتلة الاشتراكية، بعد نهج شمولي استبدادي بالضد من الشعارات التي روّجت لها وحملتها لسنوات تبشّر فيها بالثورة والتغيير، بحيث عادت مسألة الهوّية إلى الانبعاث على نحو عكسي لما هو قائم من وحدات ظهرت قسريتها وسلطويتها على نحو واضح .

وهنا يمكن لفت الانتباه إلى أن بعض المراجعات ذهبت أبعد من ذلك حين “أثّمت” جميع محاولات التغيير، على الرغم من ضرورتها واضطرارها أحياناً، دون نسيان أخطائها وارتكاباتها وهدرها حقوق الإنسان، كما “مجّدت” الماضي بكل عيوبه ومثالبه .

المسألة الرابعة التي ينبغي الإقرار بها هي أن مشروعات الإصلاح التي رفع لواءها عدد من الروّاد مثل: رفاعة الطهطاوي وخير الدين التونسي ومحمد عبده وجمال الدين الأفغاني وعبد الرحمن الكواكبي وحسين النائيني وشبلي شميل وفرح أنطون وسلامة موسى وعلي عبد الرازق وغيرهم، لاتزال تحتاج إلى مراجعة وتجديد انسجاماً مع التطور الدولي، لا سيّما في مفاهيم حقوق الإنسان، وذلك استناداً إلى بناء الدولة، أو إعادة بنائها باعتمادها على الديمقراطية والتنمية والعدالة ومبادئ المساواة، ولا يمكن الحديث عن إصلاح دون التنمية، وهذه تحتاج إلى تربية وتعليم، كما تحتاج إلى الديمقراطية، التي هي الأخرى تستوجب إقراراً من جانب الناس، وتأييداً من قوى المجتمع وتياراته المختلفة ونقاباته واتحاداته المهنية الحرّة، أي بتوفّر الإرادة السياسية للتغيير، كي يكون قاعدياً ومن خلال قناعة الناس .

لقد انتهى أو انحسر مفهوم الانقلاب المفاجئ العسكري، الثوري، الذي تقوم به نخبة فوقية بهدف تغيير المجتمع وإحقاق الحق وإقامة العدل، فالتغيير بحاجة إلى دور أساسي من جانب المجتمع وقواه وهيئاته، وإلى إشراك أوسع سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً للقوى التي تستهدفها عملية التنمية الشاملة بجميع أبعادها الإنسانية .

وقد أظهرت حركة التغيير في العالم العربي على الرغم من تأخّرها لنحو عقدين من الزمان عن الموجة العالمية التي بدأت مرحلتها الثانية في أوروبا الشرقية وأمريكا اللاتينية في نهاية الثمانينات، أن العالم العربي غير معزول عمّا يجري في العالم وأنه جزء من أرخبيل مفتوح وليس بركة مغلقة، وأن القيم الإنسانية واحدة في ما يتعلق بكرامة الإنسان وحقوقه وحرياته، وهناك مشتركات إنسانية عامة تخص بني البشر بغض النظر عن قوميتهم ودينهم ولغتهم وجنسهم وأصلهم الاجتماعي وأفكارهم السياسية وغير ذلك .

فالحق في الحياة واجب، والحق في التعبير والتنظيم والاعتقاد والمشاركة السياسية هي حقوق أساسية تخص الإنسان أينما كان، ومثل هذه الحقوق تتعلق بالحق في العمل والسكن والتطبيب والضمان الاجتماعي والراحة والتمتع بأوقات الفراغ وكذلك بمنجزات الثقافة، مثلما هو الحق في عدم التعرّض للتعذيب وأي عمل يحطّ  من كرامة الإنسان أو ينتقص منها، كما هو الحق في شخصية معنوية قانونية، بما فيها المساواة أمام القانون والحق في الجنسية والحق في التنقل والإقامة وغير ذلك من الحقوق .

وتلك أمور لها علاقة بالحداثة وما أفرزته من تطوّر، لا سيّما في ظل ثورة الاتصالات والمواصلات وتكنولوجيا الإعلام والمعلومات والثورة الرقمية “الديجيتل”، خصوصاً بإقرار تنوّع واختلاف البشر وتعدد أعراقهم وأديانهم وجنسياتهم وأجناسهم وألوانهم ومستوياتهم الاجتماعية وأفكارهم السياسية .

إن التغيير الذي حصل في العديد من البلدان العربية هو جزء من تغيير عام سيصل إلى بلدان أخرى بطرق مختلفة حتى وإن انثلم أو تصدّع أو تعرّض لمحاولات الهيمنة عليه، فالماضي أصبح ماضياً، ولا يمكن إعادته بأي شكل من الأشكال، وليس بوسع الناس الذين خرجوا إلى الميادين وفرضوا التغيير إعادتهم إلى القمقم من جديد، كما لا يمكن لأحد عزل نفسه عن حركة التغيير والتحديث، خصوصاً أن أفق الحرية المجتمعية واسع، لا سيّما في ظل ارتفاع شأن الحرية الفردية، وصعود الهوّية، سواء على المستوى العام، الجماعي، أو الفردي، وذلك جزء من الحقيقة الاجتماعية الجديدة، فلم تعد الشعارات ذات الطبيعة الأيديولوجية هي التي تحرّك النخب، بل وتقودها، إنْ لم تُقد من قبلها، خارج نطاق الحرية، الضرورة، الحاجة التي لا يمكن إحداث النهضة المنشودة، والتنمية المنشودة، والعدالة المنشودة من دونها .

وإذا كان الحديث عن استراتيجيات وثوابت وطنية، فلعلّ الاستراتيجي المستمر والثابت المتواصل، هو الحرية وليس غيرها، والحرية هي غاية الإنسان، التي ينبغي أن يخضع لها كل شيء، لأنها تمثل القيمة العليا، وتلك هي التي تمثل الديناميكية الحركية، الاجتماعية والفردية التي تجسّد الهوّية ذات الأبعاد الإنسانية بمضمونها الجماعي أو الفردي، والتي مثلت الفاعلية التاريخية لحركة التغيير العربية اليوم، من دون نسيان محاولات المعاكسة والتراجع والتحدّيات التي تواجهها، والمنزلقات التي يمكن أن تُدفع إليها .




142
الزيوغانيفية ولعبة الكراسي
   
 
عبدالحسين شعبان
لم يعد الزعم بالانتساب إلى فكرة ما وحده كفيلاً بأن يُحتسب هذا الحزب أو الجماعة أو الفرد في إطار ما يريد أن ينسب إليه نفسه، بل أن الممارسة ستكون العبرة الأساسية بالقرب أو البُعد من الفكرة ذاتها، إذْ لا يمكن فصل الممارسة عن النظرية، مثلما لا يمكن فصل الوسيلة عن الغاية. وأكثر ما يتجلّى ذلك في الماركسية التي لا يمكن التعامل معها كمنهج وأداة تحليل فحسب، وإنما " ممارسة وتطبيق" أي  كـ "براكسيس"!.
ولعلّ الانفصام بين الفكرة وتطبيقاتها وإن كان أمراً سائداً، لكنه أصبح صارخاً منذ انهيار الكتلة الاشتراكية التي على كل ما فيها من عيوب ومثالب، لكنها كانت منسجمة مع نفسها، بما فيها مبرراتها الخاطئة وتطبيقاتها السيئة التي قادتها إلى الاستبداد، فأصبحتَ ترى قيادة شيوعية " تتخندق" مع الاحتلال وتؤيد معاهداته الاسترقاقية، وتستمر في الوقت نفسه تعلّق اللافتات الماركسية، وتجلّى مثل هذا الأمر في المؤتمر الأخير للحزب الشيوعي في الإتحاد الروسي، الذي يعود " تاريخه" إلى حزب البلاشفة، وهو يحاول التشبث بالتاريخ، فالتاريخ هو الصخرة التي يستريح عندها العاجزون أو المتحوّلون.
الظاهرة الروسية " الأم" ليست استثناءً، بل أصبحت مسألة شائعة وفاقعة في أوساط محسوبة على ملاك اليسار والماركسية وامتدّت إلى أوساط أخرى دينية وقومية، فعلى الرغم من أن بعضها انتقل إلى الضفة الأخرى، لكنه استمرّ في الخانة الآيديولوجية القديمة، يلوذ بتعاويذها ويردّد " أدعيتها"!.
الحزب الذي حكم الاتحاد السوفييتي نحو سبعة عقود ونيّف من الزمان مُنع من العمل القانوني بعد انقلاب آب (اغسطس) العام 1991 والذي كان البروفة الأخيرة قبل انحلال الدولة السوفيتيية، التي تأسست في أعقاب ثورة اكتوبر العام 1917، وما بين الثورة والدولة جرت مياه كثيرة تحت الجسور كما يقال، فالحزب الذي حمل راية التغيير والتجديد، تحوّل بحكم موقعه في الدولة إلى حزب محافظ، والحزب الذي حلم بإلغاء الفوارق الطبقية وتحقيق العدالة الاجتماعية بالقضاء على الاستغلال، ضاقت به السبل، فحاول ابتلاع المجتمع مثلما حاول أن يأكل نفسه وإن كان بطريقة القضم التدريجي، والحزب الذي حلم بالحرية لتكون راية ترفرف على رؤوس الجميع، تحوّل مع مرور الأيام إلى نظام استبداد وهيمنة وكبت للحريات.
وتلكم كانت أهم معاول الهدم التي عاشت معها التجربة الشيوعية السوفيتية، فمن جهة كانت محاولات البناء، لمشاريع كبرى، بكهربة البلاد السوفييتية، وتنظيم السبوت التطوعية، لا سيّما لأعضاء الحزب ومؤازريه وتمجيد الإنسان وعمله، ومن جهة أخرى كانت عملية الحفر تجري على قدم وساق، من السطح وحتى العمق، وذلك بنمو وتغلغل البيروقراطية بأذرعها الأخطبوطية ومن الرأس إلى الذنب، لدرجة الانفصام والانفصال عن الشعب الذي ظل يعاني وينزف ويشدّ الأحزمة على البطون، في حين راح " القادة" ينعمون بكل مباهج الحياة ويتعالون عليه ويرفعون من شأن عبادة الفرد، الزعيم، الأوحد، الفيلسوف، الأديب، الحكيم، الأمين العام، ويتعقّبون الخصوم والأعداء في الحزب وخارجه تحت عناوين مختلفة للاقصاء والإلغاء والتهميش.
بعد أكثر من 9 عقود ونيّف من الزمان استمرت لهجة الحزب "العتيق" الذي أراده زعيمه لينين أن يكون حزباً من طراز جديد في كتابه " ما العمل"؟، الصادر في العام 1902، بذات الايقاع وبنفس الأفق، ولكن دون بريقها في القرن الماضي الذي شهد صعود الآيديولوجيات بعد عهد القوميات. هكذا نستطيع قراءة أطروحات غينادي زيوغانوف أمين عام الحزب الشيوعي الروسي وسلوكه السياسي، لا سيّما وهو يتربع على رأس هرم الحزب منذ العام 1993  حين عاد الحزب إلى الحياة السياسية بعد تغيير اسمه، ليس هذا فحسب، بل إن الموقف من المعارضة الحزبية استمر كما هو، وكأن الزمن قد توقّف، خصوصاً عندما تقرأ مبررات وذرائع طرد المعارضين، باعتبارهم " أعداء" الحزب يسعون إلى تخريبه وهم مندسّون لا بدّ من فضحهم والتخلّص منه.
وبقدر تشدّد زيوغانوف إزاء الآراء المغايرة في داخله استمرّ بتقديم التنازلات إزاء خصومه الخارجيين، وعمل على مجاملتهم، مردّداً إن رسالة الفكر الاشتراكي – الشيوعي تجد مشتركات لها مع رسالة السيد المسيح، بل أن الحزب الشيوعي الروسي حاول التقرّب من الكنيسة الآرثوذكسية. وإذا كانت أحزاب وشخصيات شيوعية وماركسية قد أعادت قراءة علاقة الماركسية مع الدين في إطار جديد، انطلاقاً للمشتركات الإنسانية، فإن تلك القراءة انطلقت من رؤية فكرية ولم تكن مجاملة سياسية لحسابات نفعية، كما هي تجربة الزعيم الكوبي فيديل كاسترو وحواراته مع فراي بيتو الراهب الكاثوليكي البرازيلي في الثمانينيات  الذي أزال الكثير من الغشاوة الكثيفة التي غلّفت الرؤية القديمة للشيوعيين والماركسيين من الدين.
وإذا كان هذا التحوّل إزاء الموقف من القوى الدينية والغزل مع الكنيسة في روسيا بعد أكثر من عقدين على انهيار التجربة الاشتراكية، فإن هذا المنحى ذاته اتبعه الزعيم الشيوعي الروسي من القوميين الروس المتشدّدين متخلياً عن مبدأ لينين الذي كان قد بلوره إبان الحرب العالمية الأولى والذي يتعلق بفكرة حق الشعوب في تقرير المصير، وقد اتّخذ الحزب الشيوعي الروسي مواقف متعصّبة إزاء الشعوب التي تطالب بكيانية مستقلة، لا سيّما في الشيشان وغيرها.
أما التحوّل الثالث بعد الدين والقومية فهو انحياز الحزب لصالح الدولة المركزية على حساب الدولة اللامركزية، وتنديده بالحركات التي لا تصبّ في مصالح شعوبها المرتبطة تاريخياً بالشعب الروسي حسب تعبيره.
ويعتبر التحوّل الرابع أكثر صدمة، ولا سيّما إعادة النظر بالفترة الستالينية "المظلمة" والتي كانت بداية إدانتها في العام 1956 في المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفييتي، فقد اكتفى الحزب بعد مرور نحو ستة عقود من الزمان على إدانتها، برصد بعض الارتكابات والأخطاء فيها، في حين أعلى من تقييمه للزعيم الشيوعي جوزيف ستالين باعتباره "زعيماً قدّم خدمات جليلة لشعوب الاتحاد السوفييتي وقاده للنصر على ألمانيا النازية"، وهو بذلك يغضّ النظر عن أعمال البطش والعنف ومعسكرات الاعتقال وشحّ الحريات التي رافقت عهده، وتلك ليست سوى تفاصيل إزاء تحسين ظروف المعيشة والتقدم العلمي – التكنولوجي حسبما يقول الحزب.
وقد استبدل الحزب تكتيكاته من الرغبة في تغيير سياسة النظام في عهد بوريس يلتسِن إلى "حزب مستأنس" في عهد فلاديمير بوتين، وكان الرئيس الروسي قد أرسل رسالة تحية للحزب بمناسبة انعقاد مؤتمره الأخير، ومن المفارقات أن حزب الثورة أقلع عن فكرتها، بل أنه يخشى الوصول إلى السلطة، وقيادة الدولة حتى بالطرق الانتخابية، ويرغب في البقاء في المعارضة.
لقد سكت الحزب عن دك يلتسين البرلمان بالدبابات  في العام 1993، كما بلع لسانه بخصوص تزوير الانتخابات، ليبقى يلتسين في السلطة مرّة ثانية في العام 1996، وساوم على تزوير انتخابات كانون الأول (ديسمبر) العام 2011، واكتفى بالحديث عن طعون قضائية سيقدّمها ضد الانتخابات البرلمانية. كل هذه التحوّلات أثّرت على تطوره ومكانته وعلى قدراته التعبوية والتصويتية، حيث بدأت مقاعده بالتراجع من 157 (1995) إلى 113 (1999) ثم 52 مقعداً (2003) و57 مقعداً العام 2007 و92 مقعداً في العام 2012 وهناك من يشير إلى أن عضوية الحزب تراجعت من 600 ألف عضو إلى 150 ألف. وأن نسبة الشباب لا تزيد عن 15% في أحسن الأحوال تفاؤلاً.
وقد بلور بعض أعضاء الحزب رسالة مفتوحة بعنوان " خيانة الشيوعية" قالوا فيها: لقد طفح الكيل من سياسة أمين عام الحزب والتي أدّت إلى إضعافه وتحويله إلى مهزلة في الداخل والخارج، كما اتهموه بالفشل والانتهازية والإثراء، الأمر الذي أثّر على رصيد الحزب.
ومن الغريب أن الحزب يدير ظهره للتطور العالمي بشأن التداولية على الرغم من أنها أصبحت سمة للتغييرات الجديدة في أوروبا الشرقية والعالم أجمع، حيث تم انتخاب الأمين العام غينادي زيوغانوف مرّة أخرى بعد تصفية المعارضين، وبذلك يكون أميناً عاماً طيلة عشرين عاماً، فكل شيء ينبغي أن يخضع للعبة الكراسي!
الأخطاء الفادحة التي استمرّ عليها الحزب هو تأييد أنظمة الاستبداد، سواء الموقف من صدام حسين أو القذافي أو الأسد، إضافة إلى مواقفه السلبية من دول الربيع العربي والتغييرات التي حصلت فيها، وفي تقرير المؤتمر الأخير المنعقد في 23-24 شباط (فبراير) 2013 جاء ما يلي: ان ما يسمّى بالربيع العربي ترافق مع التدخل الأجنبي في شؤون مصر وتونس والبحرين واليمن، وتحوّلت ليبيا التي كانت مزدهرة يوماً ما إلى ساحة للمجرمين وقطّاع الطرق، ولا يكفّون عن محاولات تفجير الوضع في سوريا، إذ تقوم عصابات المرتزقة بارتكاب أعمال الارهاب وخلق الفوضى بانتظار تدخل الغرب المباشر... معتبراً في بيان خاص أن هذه الجماعات مموّلة ومدرّبة، ويصلها السلاح، دون أن ينظر إلى مطالب قطاعات واسعة من الشعب السوري.
وهكذا تحوّل الحزب الذي ظلّ يبشّر بالثورة ويدعو للحرية والعدالة إلى حزب محافظ وصديق لقوى الاستبداد وضد حق الشعوب في تقرير المصير ومع الدولة المركزية ومجاملاً للكنيسة وأصحاب رؤوس الأموال، على حساب تاريخه العويص، الطويل العريض وصراعه التاريخي مع جميع هذه القوى.



143
 
الاختفاء القسري قضية إنسانية

عبدالحسين شعبان

من قال إن الاختلاف الثقافي والقومي والديني والاجتماعي وغيره يعني عدم التشابه أو التماثل في السلوك والأفعال؟ فإذا نظرنا بشكل عام إلى العديد من دول العالم، نرى أن الظلم في الكثير من الأحيان يعيد نفسه لدرجة التشابه، حتى وإن اختلفت الأساليب، لكنه يبقى واحداً، فهو يستهدف حق الإنسان وهدر كرامته، والسعي لإذلاله والانتقاص من آدميته ومصادرة حقوقه .

والسؤال المهم هو من يمارس مثل هذه الأعمال؟ وكيف؟ ولماذا؟ وإذا كان أصحاب القلوب الغليظة هم من لا يتورّع من التجاوز على الاعتبارات الحقوقية والأخلاقية والاجتماعية والثقافية والدينية والقانونية، فذلك لأنهم يجعلون الغاية تبرر الوسيلة، وغايتهم هي إقصاء الآخر وإلغاؤه وحجب حقه في التعبير، حتى وإن اقتضى ذلك تغييبه قسرياً .

وقد ظلّ موضوع “الاختفاء القسري” حسب المصطلح القانوني الذي تستخدمه الأمم المتحدة، أو “الاختطاف” حسب المصطلح السياسي والإعلامي المتداول، يؤرق الضمير الإنساني والوجدان الشعبي، ويشغل شريحة واسعة من المجتمع: رجال فكر وحقوقيون وساسة ورجال دين ومهتمون ومشغولون بالقضايا العامة وفي أوساط مختلفة من الرأي العام وبخاصة الصحافة ووسائل الإعلام .

ابتداءً نقول، إن المقصود بالاختفاء القسري أو الاختطاف السياسي هو: احتجاز شخص “أو أشخاص” محدّد الهوية من جانب جهة غامضة أو مجهولة سواءً كانت سلطة أو منظمة أو أفراداً . وتقوم هذه الجهة بإخفاء مكان الشخص وترفض الكشف عن مصيره أو الاعتراف باحتجازه وتسعى إلى إخفاء معالم فعلتها النكراء .

فالضحايا أول المتضررين والمكتوين بنار الاختفاء القسري أو الاختطاف السياسي، وهم يعانون أقسى المعاناة، لأنهم لا يعرفون مصيرهم وهل سيطول اختطافهم؟ وهل سيفرج عنهم في ظل الظروف والملابسات الغامضة والكثيرة؟ حتى يكاد اليأس يتسلل إلى نفوسهم كلّما طالت فترة الاختطاف، وكلّما كان انقطاعهم عن العالم الخارجي تاماً وشاملاً .

أما ذوو الضحية الذين ينتظرون بأمل عودة “عزيزهم” ويتطلّعون إلى رؤيته سالماً، فضلاً عمّا يشكله الاختفاء أو الاختطاف من مخاوف تزداد مع مرور الأيام على حياة المخطوف أو المختفي دون إرادته، فإن قلقهم يكبر، وينعكس ذلك على حياة الأسرة، خصوصاً الزوجة والأولاد وتبعات ذلك قانونياً واجتماعياً ونفسياً ومعاشياً إذا كان هو ربّ الأسرة .

والمجتمع الذي يفجع عادة بفقدان صاحب رأي، لا يريد أن ينسى، وإلاّ فإن الأمر سيصبح واقعاً مع مرور الأيام، وقد يتكرر من دون رادع أو مقاومة أو احتجاج لتحديد المسؤولية ووقف مثل هذه الانتهاكات اللاإنسانية، التي لن تلحق الضرر بالضحية وذويه فحسب، بل بالمجتمع ككل، حيث تشكل ظاهرة خطرة تهدد السلام الاجتماعي والأمن والاستقرار وتثير الرعب والفزع في النفوس .

أما الخاطفون، سواء كانوا أفراداً أو جماعات أو سلطة دولة “بعض أجهزتها التنفيذية”، فإنهم يراهنون على النسيان، فتذبل القضية تدريجياً ويتلاشى الاحتجاج، بل يصبح مجرد ذكرى، ولذلك تراهم يعمدون إلى التعتيم، بل يثيرون غباراً من الشك لإبعاد الموضوع وإبقائه في دائرة الظل بعد أن كانت الأضواء مسلّطة عليه . . وهكذا يتآكل تدريجياً بالإهمال وصدأ الذاكرة وازدحام الأحداث ودورة الزمن بعيداً من الإثارة وتحديد المسؤولية، خصوصاً استمرار البحث عن هويّة الخاطفين والمرتكبين وترك المصائر المجهولة للمخطوفين باعتبارهم جزءاً من الماضي لا أمل فيه ولا عمل يُرتجى من البحث عنهم أو الانشغال بهم .

وفي كل الأحوال يظل الفاعل أو الجاني أو المرتكب غائباً أو بعيداً من دائرة الضوء، مجهول الهوية ولا يمكن الاستدلال عليه، سواء كان الفعل صادراً عن جهة أمنية أو بتكليف منها أو مجموعات مسلحة تكفيرية أو عصابات أو أفراد، فإن النتيجة واحدة، وإن المختفي قسرياً، قد سلبت حريته ولا يعرف أهله مكان اختفائه، كما لا يمكن الوصول إليه، وإذا كان سبب الاختفاء في الأغلب سياسياً، فإن هناك أسباباً أخرى دينية أو طائفية أو اجتماعية أو شخصية أو مالية أو غير ذلك .

ويلتجئ أصحاب القلوب الغليظة، الجناة، إلى السرية الكاملة باستهداف الضحايا، ويحدث الأمر في معظم الأحيان حين يتم رصد الضحايا ومراقبتهم ليتم معرفة تحركهم وعاداتهم، للتخطيط لعملية “الخطف”، دون ترك أي دليل أو أثر يثبت هوية الجهة الخاطفة إن كان من الأجهزة الأمنية أو مجموعات أخرى .

لعلّ مناسبة الحديث هذا هو استذكارية سنوية أقامتها مؤسسة عزيز السيد جاسم بالتعاون مع الاتحاد العام للكتاب والأدباء في العراق “بغداد”، لمفكر اختفى قسرياً في العام ،1991 وهو عزيز السيد جاسم الذي ترك للمكتبة العربية عشرات الكتب والدراسات والأعمال النقدية والفكرية والأدبية في مجالات مختلفة .

وعزيز السيد جاسم جمع العديد من المتناقضات المحببة في تجاور عجيب أحياناً فيه، فهو شخصية جدلية إشكالية، مشاغب ومشاكس، حتى وإن كان عقلانياً وتنويرياً، هو نوع من المثقف الذي يمتاز بالتماهي مع اللحظة الحرّة، إنه مثقف حرّ متنوّع الاهتمامات: كاتب وروائي وناقد وصحافي، ولا يمكن الحديث عن جانب واحد منه، أو اختزاله إلى فرع من فروع المعرفة، ففي كل ميدان خاض فيه عزيز السيد جاسم كان رياديّاً، إنه مجموع في واحد، لعب دور البطل، مثلما كان يميل إلى لعب دور الضحية، فكان البطل والضحية في آن .

وقد مثّلت قضية عزيز السيد جاسم واحدة من القضايا الخطرة في موضوع الاختفاء القسري، وهي تتطلب جهداً وعملاً مثابراً لكشف الحقيقة، وبالتالي للمساءلة، وخصوصاً لجبر الضرر وتعويض ذويه على أمل إصلاح النظام القانوني الدستوري والقضائي والأمني لوضع حد لعدم تكرار مثل هذه الأعمال . وإذا كنّا قد بدأنا ذلك بتزويد المنظمة العربية لحقوق الإنسان ومنظمة العفو الدولية بمعلومات عن عزيز السيد جاسم ودوره ومكانته وظروف اختفائه قسرياً منذ أواخر العام ،1991 فقد آن الأوان للكشف عن مصيره وإجلاء ذلك خدمة للحقيقة أولاً وأخيراً، مثلما آن الأوان لكي يكرّم مفكر مبدع وقلم رشيق وصاحب رأي متميّز مثل عزيز السيد جاسم .

وقد أضحت قضية الاختفاء القسري منذ اختفاء المناضل المغربي المهدي بن بركة في باريس العام 1965 واختفاء منصور الكيخيا وزير خارجية ليبيا الأسبق في القاهرة العام ،1993 وعشرات من الشخصيات التي اختفت في تشيلي إبان حكم بينوشيه قضية تشغل الرأي العام العالمي، لاسيّما ارتباطها بمسألة عدم الإفلات من العقاب “المساءلة العقابية” من جانب مرتكبي جريمة الاختفاء القسري .

وقد وضع الفريق العامل الخاص بالاختفاء القسري مسطرة فيها 10 شروط لحالات الاختفاء القسري منذ العام 1993 وعلى أساسها صيغت الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري واعتمدت بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 61/177 المؤرخ في 20 ديسمبر/ كانون الأول 2006 .

وأياً كان الخاطف ومهما كانت دوافعه وأسبابه فإنه من أصحاب القلوب الغليظة، وبغضّ النظر عن المخطوف، فإنه ضحية بغض النظر عن أفكاره وآرائه وقوميته ودينه وجنسه ومعتقداته السياسية .

144
بصمات الفوضى وإرث الاحتلال   

 
عبدالحسين شعبان
ما تركه الاحتلال حتى بعد انسحاب القوات الأمريكية من العراق في أواخر العام ،2011 لايزال قائماً، يذكّر العراقيين كل يوم بحجم الكارثة التي أحدثها، فبصماته ظاهرة في كل مكان، شاخصة للعيان وماثلة في الأرواح والنفوس والضمائر . ومع انفجار الأوضاع الأمنية وتدهور العملية السياسية المتكرّرة، يستعيد العراقيون في كل مرّة ما قام به الاحتلال من انتهاك لأبسط حقوقهم وتدمير لدولتهم وتمزيق لنسيجهم الاجتماعي، فضلاً عمّا آلت إليه أوضاعهم، بسبب تكريس المحاصصة الطائفية- الإثنية واستشراء الفساد المالي والإداري وتفشّي الإرهاب والعنف على نحو مريع، فضلاً عن استمرار ضعف هيبة الدولة، بسبب حلّ الجيش والعديد من مؤسساتها، تلك الخطوة التي اتّخذها الحاكم المدني الأمريكي بول بريمر، ولايزال يدفع الشعب العراقي ثمنها باهظاً، وقد أقرّ الاحتلال الأمريكي لاحقاً بخطئه الفادح .

وإذا كان مثل هذا الإحساس شعبياً لدى المواطن العادي، فإن المسؤولية التي تقع على كاهل المجتمع الأكاديمي أكبر وأعمق من حيث توثيق ما حصل وبحث ودراسة الأثر الذي نجم عن الاحتلال للتاريخ من جهة، ولإيجاد حلول ومعالجات بديلة من جهة أخرى في جميع الجوانب الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والقانونية والبيئية والتعليمية والصحية والنفسية وغيرها .

بعد عشر سنوات من احتلال العراق التأم في بغداد مؤتمر لمركز أكاديمي مرموق، ضم نخبة متميّزة من الخبراء والباحثين العراقيين، وبمشاركة عربية (محدودة)، لإطلاق تقرير بعنوان “بصمات الفوضى وإرث الاحتلال الأمريكي في العراق” . وقد صدر التقرير عن مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية الذي يترأسه البروفيسور عبد علي المعموري المختص بالاقتصاد السياسي، والذي لديه مساهمات بحثية مشهود لها .

وشارك في إعداد الأبحاث والدراسات نحو 25 أستاذاً ومختصاً من المجتمع الأكاديمي العراقي، وتوزّعت الدراسات التي ضمّها مؤلف جماعي ذو قيمة علمية 14 حقلاً، وقام المركز بإطلاقها في احتفالية مهيبة في بغداد حضرها عدد من المسؤولين والبرلمانيين، إضافة إلى النخبة الأكاديمية والثقافية والإعلامية، شملت الاحتلال الأمريكي وأزمة بناء الدولة، وقضايا الأمن والاستقرار، وإشكاليات الدستور والقوانين، ومسألة الهوية الوطنية، وموضوعات الفساد المالي والإداري، وأوضاع الإعلام وتدمير الإرث الحضاري للعراق، والتعامل مع البيئة والوضع الصحي والتكلفة الاجتماعية وانتهاكات حقوق الإنسان، والاقتصاد العراقي ومشكلات الزراعة ومؤشّرات التنمية البشرية .

لعلّ هذا المؤلف الأكاديمي الجماعي هو محاولة للإجابة عن سؤال كبير: إلى أين نحن سائرون؟ وهو السؤال الذي مازال يردّده، السياسيون والحقوقيون والبرلمانيون والأكاديميون، والمثقفون ومن عامة الناس، لاسيّما في ظل واقع مرير يشهد احتجاجات وأعمال عنف واحتراباً سببه نظام المحاصصة والتقاسم المذهبي والإثني الوظيفي، وهو التركة الثقيلة التي خلّفها الاحتلال الأمريكي للعراق .

وبهذه المحاولة الأكاديمية الجماعية أراد مركز حمورابي إبقاء الذاكرة حيّة لما فعله الاحتلال من جهة، ومن جهة ثانية تقديم صورة نقيضة له من جانب المجتمع الأكاديمي، بالدعوة إلى تجاوز الانخراط بما هو قائم من اصطفافات ما قبل الدولة، والعمل على بناء مشروع عابر للطوائفية والتعصّب بجميع أشكاله القومي والديني والمذهبي والمناطقي، وهو ما يسعى إليه المركز في دعوته إلى بناء دولة المواطنة والحق والمساواة التي تتطلب من جميع الفرقاء قدراً من التوافق واحترام سيادة القانون واستقلال القضاء، لإعلاء شأن الإنسان وقيمه دون كراهية أو أحقاد أو ثأر أو انتقام .

يقدّم التقرير منتجاً بحثياً متميّزاً يدلّل على الكفاءات العراقية التي كانت واحدة من استهدافات المحتل، فهو مؤلف من 342 صفحة من القطع الكبير، ومزوّد بالصور والوثائق والشهادات، حيث قامت النهضة العراقية المعاصرة بعقول وأدمغة وسواعد أبناء العراق، ولذلك كان العلماء والأكاديميون أول من استهدفهم الاحتلال الأمريكي، وقد ذهب ضحية أعمال الغدر أكثر من 450 عالماً وأكاديمياً، إضافة إلى هجرة عشرات الآلاف منهم إلى خارج العراق، بما يعدّ خسارة كبرى ضاعفت من خسائر العراقيين ما بعد الاحتلال .

ويكشف التقرير عن حجم الخداع والزيف وخطورة الذرائعية الأمريكية التي قامت على المغالطات وادّعاء تمدين العراق والعراقيين بعد تخليصهم من النظام الديكتاتوري السابق، فضلاً عن نشر النموذج الديمقراطي المنشود والرفاه الموعود، وإذا بالعراق يتحوّل إلى بؤرة للإرهاب، وخصوصاً لتنظيمات القاعدة، فضلاً عن الانقسام المجتمعي، وهو ما خططت له القوى المحتلّة بهدف “تأمين” أمن “إسرائيل” .

وقد كانت تكلفة احتلال العراق هي الأكثر من جميع الاحتلالات في العالم، على المستوى الاقتصادي والاجتماعي والإنساني والبيئي مروراً بمكوّنات الحياة المختلفة، ولولا الجهد العراقي المقاوم بجميع الوسائل، بما فيها المدنية والحضارية والأكاديمية، لما تمكّن من تحقيق الانسحاب الأمريكي، واضطرار واشنطن إلى إعلان رغبتها التي عبّر عنها الرئيس أوباما بالانسحاب من العراق، لا سيّما بعد الخسائر المادية التي تقدّر بأكثر من تريليوني دولار أمريكي، إضافة إلى الخسائر البشرية، حيث سقط من جنودها حسب الإحصاءات الرسمية للبنتاغون أكثر من 4800 عسكري أمريكي، إضافة إلى الجرحى والمعوّقين والمرضى الذين تجاوز عددهم نحو 26 ألفاً، من دون احتساب المتعاقدين من المدنيين وأفراد الشركات الأمنية، إلى الخسائر المعنوية التي ألحقت ضرراً بسمعة الولايات المتحدة وأضعفت من صدقيتها، سواء بشأن مشاريع الإصلاح، أو بخصوص مكافحة الإرهاب الدولي، وقد استنفر الرأي العام الأمريكي والغربي بشكل عام للمطالبة بالانسحاب من العراق مع تصاعد حملة الإدانة لعدم شرعية الحرب، ولعلّ هذه الأسباب جميعها، إضافة إلى الأزمة الاقتصادية والمالية التي طالت الولايات المتحدة وأدّت إلى انهيار مصارف كبرى وشركات عملاقة، هي التي كانت وراء الانسحاب .

السِفْرُ الذي تم الاحتفال به في بغداد وكتبت عنه الصحافة وعرضت شاشات التلفاز الكثير من مفرداته، بحاجة إلى عروض عربية ومناسبات إقليمية ودولية لكي تطّلع المجتمعات الأكاديمية المماثلة على هذا الجهد العراقي الميداني المعرفي والوطني والموضوعي، وتتبادل معها الرؤية والتحليل والمعالجة، بما يساعد على عمل عربي أكاديمي مشترك، لقضايا ملتهبة وساخنة، يمكن أن تؤثّر في تطور دول المنطقة، بحالتيها السلبية والإيجابية في الآن ذاته . وصدر عن المؤتمر الاحتفالي الذي التأم في قاعة فندق فلسطين في بغداد توصيات بتعميم نموذج التقرير والفيلم إلى لغات عدة للاطلاع الأوسع عليه .

ومن نتائج التقرير أن الانسحاب الأمريكي عسكرياً لا يعني انتهاء مفعوله كلياً، فلايزال تأثيره مستمراً وإن كان ناعماً من خلال التجاذب والشحن الطائفي واستمرار ظاهرة العنف والإرهاب وضعف هيبة الدولة وفساد الكثير من مؤسساتها، فضلاً عن التداخلات الإقليمية والدولية في شؤونها .

ومن دون استعادة مكانة العراق ودوره وإنعاش أوضاعه الاقتصادية والاجتماعية وتحقيق المواطنة الكاملة والمساواة التامة، فإن إرث الاحتلال يبقى في العراق وبصمات الفوضى ستستمر، وهو ما سيتفرّغ له مركز حمورابي في تقريره المقبل، لبحث مشكلات الثقافة ومسألة التنوّع الثقافي الديني والقومي والاجتماعي والمرأة والسياسة الخارجية، لاسيما مع دول الجوار والعالم .

إن مركزاً أكاديمياً حين يحتفل بمرور 10 سنوات على الاحتلال، إنما يريد أن ينشر رسالة، بتأكيد وحدة المجتمع العراقي، الوطنية، وبسيادته واستقلاله، ورغبة شعبية في العيش المشترك وفي تشخيص الظواهر السلبية لمعالجتها ومواجهة التحديات الخارجية والداخلية، عبر احترام حقوق الإنسان والمواطنة السليمة .



145
السويد والتسامح الديني   

 
عبدالحسين شعبان
إذا وقفت يوم الجمعة قرب مسجد فيتيا ظهراً، وامتلأت أذناك بصوت المؤذن، فقد تتصور أنك موجود في القاهرة أو بغداد أو الرباط، لكنك في الواقع واقف قرب مسجد في ضاحية من ضواحي استوكهولم في مملكة السويد، ففي سابقة تاريخية سمحت دولة السويد الاسكندنافية برفع الأذان جهراً لصلاة الجمعة من مئذنة لجامع إسلامي في ضواحي العاصمة استوكهولم، بعد جدل وحوار طويلين وأخذ ورد مستمرين .

وبالرغم من أهمية “الخبر” للعالمين العربي والإسلامي، لكنه لم يستثر الاهتمام الكافي من جانب المسؤولين في الدول العربية والإسلامية بمن فيهم الأوساط التي كانت صرختها عالية، بل وانفعالية حين تم نشر صور كاريكاتورية مسيئة للرسول قبل سنوات في الدنمارك من جانب صحيفة مغمورة أو في هولندا في وقت لاحق أو رداً على البابا بنيديكتوس السادس عشر أو غيرها .

لعلّ خبر مسجد فيتيا يستحق التوقف عنده من جانب الأوساط المهتمة بالحوار الحضاري والتفاعل الثقافي ومدّ الجسور بين مختلف الشعوب والأمم وعلى أساس المشترك الإنساني، وذلك لعدد من الدلالات التي تربط العرب والمسلمين بدولة السويد بشكل خاص، والغرب بشكل عام، لاسيما للعلاقات الإسلامية - المسيحية .

فالسويد تضم أعداداً كبيرة تصل إلى نحو نصف مليون من اللاجئين العرب والمسلمين، وتتعامل معهم باعتبارهم في الغالب الأعم مواطنين، اكتسبوا الجنسية السويدية، لهم حقوق وواجبات المواطن السويدي أو مقيمين بصورة دائمة يتمتعون بما يتمتع به المواطن السويدي والاسكندنافي، بل من دول ال Shingen  باستثناء بعض الحقوق السياسية المحدودة (كالترشيح والانتخاب وغيرها) .

وثانياً، إن القبول من جانب السويد برفع الأذان هو شكل من أشكال الاعتراف بالآخر وبالتعددية الدينية والتنوّع الثقافي لا بدّ أن ينعكس إيجاباً على علاقة الجاليات العربية والمسلمة بسكان البلاد الأصليين، طالما أن هناك حماية قانونية لذلك، خصوصاً أن دولة مثل السويد تشعر أنها تكتسب بُعداً جديداً بمثل هذه الاضافات من خلال تلاقح الثقافات وتفاعل الحضارات وتقارب الأديان، وهو ما يسهم في تقليص دائرة التعصّب والتطرّف ويساعد في تخفيض ردود الفعل التي قد تؤدي إلى العنف والارهاب بسبب الشعور بالتهميش والإقصاء أو غير ذلك .

وثالثاً، إن السويد ترتبط بعلاقات ودية مع غالبية البلدان العربية والإسلامية، فهي دولة لم تستعمر بلادنا العربية أو الإسلامية في السابق والحاضر، ولذلك فإن تعزيز العلاقات معها أمرٌ مهم، تأييداً ودعماً ليس لهذه الخطوة الإيجابية فحسب، بل لمجمل العلاقات المتكافئة القائمة على أساس المصالح المشتركة والمنافع المتبادلة من خلال توثيق العلاقات الاقتصادية والتجارية، والاستفادة من خبراتها في مجالات العلوم والتكنولوجيا والطب وبناء الهياكل الارتكازية والبنى التحتية وغيرها، وهي حقول تحتاج لها بلداننا العربية والإسلامية، بدلاً من الاعتماد على دول استعمارية عانت منها ومن إرثها شعوبنا العربية والإسلامية ولا تزال، بما فيها دعم “إسرائيل” والتنكر لحقوق الشعب العربي الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته الوطنية المستقلة وعاصمتها القدس .

رابعاً، إن خطوة من هذا النوع تساعد في توطيد العلاقة السياسية من خلال فتح مجالات جديدة للحوار بين الثقافات والحضارات المختلفة والمتنوعة في إطار الحضارة الكونية المشتركة والموحدة والمتعددة في آن، لا سيما بفتح نوافذ مهمة للعلاقة بين المثقفين العرب والمسلمين والمثقفين السويديين ومن الدول الاسكندنافية، فضلاً عن تبادل الزيارات، والاستفادة من الترجمات المتبادلة، والاطلاع على التجربة السويدية المتطورة في ميدان الصحة والتعليم، القائمة على التسامح والاعتراف بالآخر، وهو الأمر الذي نحتاج إليه، وينبغي أن يكون أمراً متبادلاً في علاقاتنا، كما أنه يساعد على بناء الجسور بين أبناء الوطن الواحد ويعزز لديهم الشعور بالمواطنة (سواء كانوا من أصل عربي أو إسلامي أو أصول اسكندنافية ومسيحية)، ومن جهة أخرى فإن منهج التسامح يساعد في تعزيز علاقة المهاجرين بالمجتمع الجديد السويدي من جهة، ومن جهة ثانية بمجتمعاتهم الأصلية، خصوصاً وهم من حملة الثقافتين العربية- الإسلامية والأوروبية الغربية، لا سيما الجيل الثاني .

جدير بالذكر أن جامع فيتيا اكتمل بناؤه العام ،2007 وحصل جدل حول السماح برفع الأذان، وكانت إدارة الجامع قد تقدمت بطلب إلى البلدية التي أحالته إلى دائرة الشرطة، التي قامت بمنح حق الأذان (يوم الجمعة لمدة 3 إلى 5 دقائق) بين الساعة 12 و13 ظهراً، حيث يبلغ عدد المصلين في هذا الجامع نحو 7000 مصل . وهكذا تم إلغاء الحظر الذي اعتمدته السلطات المحلية عند الترخيص ببناء الجامع، وقام التلفزيون السويدي بنقل الأذان مباشرة عبر شاشات قنواته المختلفة، فضلاً عن قنوات أخرى، وكانت “جمعية الثقافة الإسلامية” قد تقدّمت بطلب لرفع الأذان في العام ،2012 وتمت الموافقة عليه في شهر إبريل/ نيسان ،2013 أي بعد نحو عام، واعتبر الكثير من المسلمين أن ذلك حدث تاريخي مهم في حياتهم في السويد .

وبالرغم من احتجاج الحزب الديمقراطي السويدي، وهو حزب يميني معروف بعدائه للمهاجرين، ومحاولاته المستمرة لاستئناف القرار لدى المحاكم الإدارية، إلاّ أن الاحتكام إلى سيادة القانون في مجتمع تعددي وديمقراطي هو الذي قاد إلى هذه النتيجة الإيجابية التي بالإمكان أن تعمم على نحو 200 مسجد في السويد قسم منها فيها مآذن ولكن لا يوجد ترخيص بالأذان وقسم منها مبني بشكل مؤقت، فضلاً عن إمكانية إدراج أحد الأعياد الإسلامية (الفطر أو الأضحى) ضمن الأعياد التي تحتفل بها الجالية العربية- الإسلامية وفقاً لاعتراف رسمي من جانب الدولة، مثلما يحتفل المسلمون في هذه البلاد بعيد ميلاد السيد المسيح وغيره من الأعياد المسيحية .

وكنت قبل نحو عام التقيت السفيرة السويدية بريجيتا هولست العاني مديرة المعهد السويدي بالاسكندرية، خلال ندوة نظمها مركز دراسات الوحدة العربية في تونس بالحمامات، وكانت الندوة تحت عنوان “الدين والدولة” شارك فيها عدد من الباحثين والمختصين من تيارات مختلفة، بمن فيهم عدد من الأجانب، ودارت حوارات ساخنة وغنية إزاء مستقبل علاقة الدين بالدولة بعد التغييرات التي حصلت في تونس ومصر وليبيا واليمن، بل وعموم المنطقة .

وكنت قد سألتها عن معنى وجود معهد سويدي بالاسكندرية، فقالت إنه ملتقى للخبراء والفاعلين السياسيين والمدنيين بين منطقتي البحر المتوسط والشرق الأوسط ولا سيما العالم العربي ودول أوروبا من ذوي الرؤية المشتركة، وذلك تحت عناوين “الحوار من أجل التغيير” .

وبعد صدور قرار إجازة الأذان في جامع فيتيا التقيتها مجدداً، في الاسكندرية وكانت مرتاحة لصدور مثل هذا القرار، معتبرة ذلك جسراً لتعزيز الثقة بين المهاجرين والمجتمع السويدي، من أجل مواطنة متساوية وحقوق متكافئة، واحترام الخصوصية الثقافية في إطار الهوّية السويدية .

لعلّ هذه الخطوة تأكيد على الاختلاف والائتلاف في الآن ذاته، واحترام متبادل وفهم الآخرين ووجهات نظرهم وعاداتهم وطقوسهم ومقدساتهم .

إن بناء مستقبل العلاقات السويدية - العربية والإسلامية، يتطلب البحث في المشترك الإنساني في إطار احترام الثقافات والتعددية والتنوّع، بما يؤدي إلى تقليص الفوارق بين الجنوب والشمال والاستفادة من الثورة العلمية- التكنولوجية التي تسهّل التواصل وتبادل الخبرات وتبني الجسور واختصار المسافات بما يعزز دور الشباب والمرأة ويساهم في تقديم صورة إعلامية جديدة للعلاقات الدولية .



146
عن العدالة الانتقالية
   
 
عبدالحسين شعبان
يُعدّ موضوع العدالة الانتقالية أحد القضايا الشائكة في موضوع تجارب الانتقال الديمقراطي، خصوصاً تلك التي حدثت عقب انتهاء النزاعات السياسية المسلّحة والعودة إلى الحكم المدني أو عقب النزاعات السياسية التي صاحبها نشوء حالات عنف مسلح أو تطورات من داخل السلطة السياسية حيث وضعت حدّاً لحكم تسلطي أو استبدادي واتجهت نحو الديمقراطية، ذلك أن هذا الخيار، ظلّ ملتبساً، وبخاصة إزاء المآسي التي تعرّض لها الضحايا، سواءً خلال النزاعات المسلحة والحروب الأهلية أو في ظل الحكم العسكري أو الأنظمة السلطوية الاستبدادية، لا سيّما مسألة الإفلات من العقاب (المساءلة العقابية) من جانب مرتكبي جرائم التعذيب والاختفاء القسري وبقية انتهاكات حقوق الإنسان الجسيمة .

وإذا أردنا العودة إلى القواعد المعيارية بالنسبة إلى القانون الدولي الإنساني أو القانون الدولي لحقوق الإنسان، فإن مساءلة المرتكبين وتقديم الجناة إلى القضاء هما اللذان يمكن اللجوء إليهما كونهما قاعدة عامة، لكن الوقائع وضعت بعض الدلالات بشأن الإفلات من المساءلة، خصوصاً بتداخل السياسي بالقانوني أحياناً، وخصوصاً في الفترات الانتقالية .

وإذا كان الفريق العامل الخاص بالاختفاء القسري قد وضع مسطرة فيها 10 شروط لحالات الاختفاء القسري ( العام 1993- الدورة ال50 للجنة حقوق الإنسان) بهدف عدم الإفلات من العقاب، فإن عوائق وضغوطاً بالغة اعترضت تطبيق مبادئ العدالة الانتقالية، وهي شروط سياسية وقانونية . على سبيل المثال، ظلّ موضوع الإفلات من العقاب في الأرجنتين هاجساً قائماً على الرغم من انتقال السلطة إلى المدنيين وتأليف الهيئة الوطنية حول اختفاء الاشخاص عام 1983 . وبرّرت الحكومة الأرجنتينية في ردّها على تقرير الفريق الخاص المعني بالاختفاء القسري العام 1993 (مداخلتها أمام لجنة حقوق الانسان، 1993) بما يلي: “واتّساقاً مع نظرية أن المذنب ينبغي محاكمته، كانت الضرورة تقتضي أن يوضع عدد كبير جداً في أقفاص الاتهام من الفاعلين المباشرين وغير المباشرين، ومن يلزم من أعوانهم وشركائهم والمتواطئين معهم ومساعديهم، وفي داخل هذه الفئات كان سيتعيّن تطبيق القانون على أغلبية الضباط وضبّاط الصف في القوات المسلحة وقوات الأمن، بل المجنّدين المشاركين في أعمال غير قانونية، وفضلاً عن ذلك كانت التحقيقات ستكشف عن المدى الكامل لمسؤولية آلاف الموظفين المدنيين في الحكومة المركزية والسجون وإدارة البلديات والمستشفيات وجميع المؤسسات الضالعة في أعمال القمع، فضلاً عن آلاف الشركاء المدنيين، ولو أمكنت تلبية هذا الطلب لأدّى ذلك إلى تفجير حالة من الفوضى” .

لعلّ تجربة الأرجنتين من حيث شمولها واتساعها، ولا سيّما في موضوع المرتكبين، تقترب من تجارب البلدان الاشتراكية السابقة، وكذلك من التجربة العراقية في الماضي والحاضر، وإذا كانت مسؤولية الماضي الأساسية تقع على عاتق النظام السابق وأجهزته الأمنية والحزبية، سواءً عمليات الاختفاء القسري والتعذيب أو التهجير أو العقوبات الجماعية، ولا سيّما بحق الكرد بشكل عام والكرد الفيلية بشكل خاص، وكذلك خلال الحملات المعروفة باسم الأنفال فضلاً عن قصف حلبجة بالسلاح الكيمياوي 16-17- مارس/ آذار العام 1988 خلال الحرب العراقية- الإيرانية وما بعدها، أو خلال الانتفاضات الشعبية، ولا سيّما في جنوب ووسط العراق وفي كردستان في العام 1991 وفي فترة الحصار الدولي، فإن الانتهاكات الجسيمة والصارخة لكامل منظومة حقوق الإنسان تقع على عاتق قوات الاحتلال أيضاً والحكومات العراقية ما بعد الاحتلال، وقد كشفت أحداث سجن أبو غريب والسجون الأمريكية، إضافة إلى سجون وزارة الداخلية، حجم الانتهاكات التي تتحملها بموجب قواعد القانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف لعام 1949 وملحقيها لعام ،1977 ولا يعفي ذلك الجماعات المسلحة والإرهابية من مسؤوليتها هي الأخرى، لما يحصل من أعمال عنف وإرهاب من دون احترام القوانين والأعراف الدولية .

لذلك لو أريد فعلاً تقديم جميع المرتكبين وذيولهم إلى القضاء في تونس ومصر وليبيا واليمن والبلدان التي ستشهد تغييرات لاندلعت فوضى عارمة، ربما أكبر بكثير مما نشهده اليوم في ظل إرهاصات وتخندقات قد تؤدي إلى احترابات لا تحمد عقباها، ولكن ذلك لا يعفي المرتكبين من العقاب ومن المساءلة لجرائم لا تسقط بالتقادم، لكن السبيل للوصول إلى هذه النتيجة لا يمكن اقتباسه أو تقليده على نحو أعمى من تجارب سابقة، ولكل بلد خصوصيته، وقد يختار طريقاً غير مطروق، لكن من دون إهمال القواعد العامة المشتركة لمبادئ العدالة الانتقالية .

لهذا، كان فريق العدالة الانتقالية على المستوى الدولي قد أكّد المصالحة الوطنية بوصفها السبيل الممكن، والأقل كلفة والأوفر حظاً، للوصول إلى مسار الانتقال الديمقراطي بتحديد المسؤوليات وكشف الحقيقة وجبر الضرر وتعويض الضحايا وإجراء إصلاح مؤسسي ضروري في الأجهزة الحكومية القانونية والقضائية وخصوصاً الأمنية، إضافة إلى دور المجتمع المدني التنويري في نشر وتعميق الثقافة الديمقراطية والحقوقية، ولمنع عودة الماضي .

التجربة الأخرى التي استبعدت خيار الملاحقة الواسعة، ولا سيّما للفاعلين السياسيين الذين كانوا يتفاوضون حول الوضع الحساس للانتقال الديمقراطي استناداً إلى سلطة القانون واحترام حقوق الانسان، هي تجربة جنوب إفريقيا، وكان نلسون مانديلا قد دعا إلى التفكير في المستقبل بدلاً من الاستغراق في الماضي مؤكداً المصالحة الوطنية .

لكن موضوع المساءلة ظلّ يثير أسئلة متناقضة وحادة؛ فوفق أي اعتبارات يمكن ملاحقة المرتكبين؟ هل استناداً إلى قوانين قديمة كانت نافذة في العهد السابق أو استناداً إلى قوانين جديدة يتم تشريعها حالياً ويخضع لها المهتمون بأثر رجعي؟

لعلّ تجربة البلدان الاشتراكية السابقة تقدّم أكثر من نموذج بخصوص التواصل والاستمرارية القانونية أو القطيعة والقطع مع الماضي، فبولونيا وهنغاريا، على سبيل المثال، اختارتا فقه التواصل، ولهذا كان عدد الذين تمت مساءلتهم قليلاً ومحدوداً، في حين اختارت ألمانيا الديمقراطية، فقه القطيعة، لا سيّما بعد انضمامها إلى جمهورية ألمانيا الاتحادية، حيث خضع المهتمون بالارتكاب إلى القوانين الألمانية الاتحادية . أما تشيكوسلوفاكيا فقد اختارت في بداية الأمر فقه القطيعة لكنها عادت واختارت فقه التواصل، وخصوصاً عشية انتقال السلطة سلمياً وبصورة سلسة من النظام الشمولي إلى النظام الديمقراطي الجديد .

أما في التشيلي فبعد مرور 10 سنوات على عودة الحكم المدني، فقد حدث تطور مفاجئ بإيداع الجنرال بينوشيه (قائد الانقلاب العسكري ضد الحكم الشرعي العام 1973) رهن الإقامة الجبرية تمهيداً لمحاكمته بعد احتجازه في بريطانيا ومطالبة القضاء في إسبانيا بمحاكمته . وكان الجيش قد أصدر قانوناً للعفو الذاتي، خلافاً لتجربة جنوب إفريقيا التي لم تقرّ مبدأ العفو، وكذلك تجربة الأرجنتين حين كان العفو آخر المسلسل . لكن كشف الحقيقة وتحديد المسؤوليات كان المرتكز للمصالحة الوطنية وطيّ صفحة الماضي لاحقاً .

مثّل موضوع الكشف عن الحقيقة أحد أهم التحديات الكبرى في تجارب الانتقال الديمقراطي بعد المساءلة الجنائية، ولعلّ الكشف عن الحقيقة يشكّل أحد خيارات صدقية رجال السياسة والقانون . ويمكن إدراج ثلاث ضرورات ومبرّرات للكشف عن الحقيقة .

- الأول، رغبة الضحايا وعائلاتهم في معرفة الإجابات عن أسئلة كانت تتواتر: لماذا تم كل ذلك؟ وكيف حصل؟ ومن المسؤول؟ ولماذا وقعت كل تلك الانتهاكات والتجاوزات؟ وأين الحقيقة؟ وأي أماكن دفن الضحايا؟ وإلى غير ذلك من الأسئلة المشروعة والإنسانية .

- الثاني، الرغبة في عدم طمس الماضي، فالماضي أساس الحاضر والمستقبل ولا بدّ من توحيد الذاكرة وتوثيقها، ولا بدّ أيضاً من معرفة تفاصيل ما حدث . لكي لا ننسى؟

- الثالث، الرغبة في معرفة الحقيقة كاملة بكل عناصرها . والسؤال: هل يمكن معرفة كل شيء؟ هل في إمكاننا إدراك ما حصل بتقادم السنين، وربما يرغب بعض صناع القرار في مثل ذلك، مثلما يذهب البعض ممن أرادوا النسيان . لكن وفق تجارب الكثير من البلدان حتى الآن لم يتم التوصل إلا إلى نتائج محدودة .

تتطلب العدالة الانتقالية كشف الحقيقة أولاً، ثم المساءلة وإنصاف الضحايا وتعويضهم وجبر الضرر، وذلك تمهيداً لإصلاح الأنظمة القانونية والقضائية والأمنية، وذلك لمنع تكرار ما حدث ووضع حد له في المستقبل، ناهيكم عن إعادة تثقيف للمجتمع ككل بروح العدالة .






147
المستقبل تحاور المفكر العراقي عبد الحسين شعبان
(الجزء الثاني والاخير)


بريمر ارتكب مجزرة بحقّ القضاء العراقي

دعا المفكر العراقي عبد الحسين شعبان الى إجراء تحقيق نزيه بحادثة الحويجة تشارك فيه شخصيات دولية، لديها معرفة حقوقية وقضائية للوصول الى النتائج المضمونة، قبل عرض النتائج على القضاء للبت فيها.
 وأشار شعبان في الجزء الثاني والأخير من الحوار الذي أجرته صحيفة “المستقبل” الى تصدع القضاء العراقي على مدى سنوات طويلة، ولاسيما ما حصل في “مجزرة القضاء” التي ارتكبها بول برايمر (الحاكم الأمريكي للعراق)، وذلك باحالة نحو 250 قاضيا على التقاعد دفعة واحدة.
 وبشأن تفاصيل اللقاء الذي جمعه برئيس الوزراء نوري المالكي، قال شعبان: الدعوة لم تكن موجهة لي بشكل شخصي، بل كانت في اطار دعوة مع مجموعة من المثقفين، وانا تحدثت معه بصراحة، لأن افكاري لا اخفيها، ومسؤوليتي ووظيفتي الثقافية والفكرية تتطلب مني النقد حيثما أكون، لأنني اعتقد ان وظيفة المثقف هي النقد.

حاوره: علي الشريفي


- المستقبل: كيف تصف ماحصل في الحويجة،خصوصا وإنها قضية انسانية وحقوقية كبيرة لابد من الوقوف عندها لكي لا تتكرر مثل هكذا أخطاء؟
•عبد الحسين شعبان: أولا،لا بد من إجراء تحقيق نزيه، حتى وإن إحتاج هذا التحقيق الى مشاركة شخصيات دولية، لديها معرفة حقوقية وقضائية للوصول الى النتائج المضمونة على هذا الصعيد، واذا ما وصلنا الى النتائج لا بد من حسم هذه القضية عبر القضاء.
 وهنا لا بد أن نؤكد إن القضاء في العراق تصدع بشكل كبير على مدى سنوات طويلة، وربما التصدع الأهم هو في  “مجزرة القضاء”  التي ارتكبها بول برايمر( الحاكم الأمريكي للعراق ) وذلك باحالة نحو  250 قاضيا على التقاعد دفعة واحدة، وهذا في الواقع كان عملا تدميريا مورس ضد القضاء بدلا من تنقيحه وتنقيته من بعض المفسدين الذين حاولوا تسييسه او امتثلوا لارادة السياسيين في وقت معين، وبالتدريج كان يمكن ضخ عناصر كفوءة للقضاء لتجديد حيويته، علما بانه لدينا قضاة أكفاء ومشهود لهم بالنزاهة والحيادية والموضوعية والعلمية.
 
- المستقبل: كيف تصفوا حقوق الانسان في العراق الآن؟
•عبد الحسين شعبان: باستمرار، وضع حقوق الانسان في العراق كان مزريا، في السابق والحاضر، طبعا، لا شك انه اكتحسنا في بعض الجوانب وترديا في جوانب اخرى قد حصل، على سبيل المثال حرية التعبير لا يمكن قياسها بالسابق، فالان هناك صحفا وفضائيات، حتى وان كنا نختلف مع توجه هذه الصحيفة او تلك، ولكنها بالمحصلة هي صحافة واعلام.
صحيح إن حرية التعبير واسعة واحيانا قد تصل هذه الحرية الى الفوضى لكن لا بد من منحها المكانة والاحترام الكبيرين اللذين تستحقهما، في حين كان النظام السابق شموليا استبداديا واحاديا اطلاقيا، كان يقنن الكلمة والحرف ويقطرها احيانا بالقطارة في طريقة تقديمه للمعلومات وتداولها...والخ.
 هذا جانب، من جانب آخر انتشر العديد من منظمات المجتمع المدني، والمجتمع المدني يفترض ان يصبح له  دور مهم على هذا الصعيد، صحيح إن بعض النواقص وبعض الثغرات وبعض الجوانب السلبية يعاني منها المجتمع المدني لحداثة التجربة، ولعدم وجود خبرة سابقة، لكن هذا لا يمنع من ضرورة حمايته ومنحه الحرية الكاملة للعمل وتسهيل ما يحتاجه من تأهيل وتدريب، وبالعموم أقول: إن العملية انطلقت ولا بد من مساعدة العاملين في هذا المجال، خصوصا وإن المجتمع المدني يحتاج الى تراكم بعيد الأمد ليحقق نتائج ملموسة على الأرض.
 
- المستقبل: سمعت من بعض المثقفين إنك التقيت برئيس الوزراء العراقي نوري المالكي، فهل طلب منك استشارة على صعيد الواقع الحقوقي، أو هل انت نصحته بشيء محدد؟
•عبدالحسين شعبان: الدعوة لم تكن موجهة لي بشكل شخصي، بل كانت في اطار دعوة مع مجموعة من المثقفين، وانا تحدثت معه بصراحة كما تحدثت معك الان، فليس لدي شيء اخفيه، افكاري لا اخفيها اقولها مع الجميع بلغة واحدة وموحدة، ومسؤوليتي ووظيفتي الثقافية والفكرية تتطلب مني النقد حيثما أكون، لأنني اعتقد ان وظيفة المثقف هي النقد، واذا ما اضفت لها قبعة اخرى هي القبعة الاكاديمية ستكون النقد الموضوعي، أو الموضوعية مع النقد، وهذا هو الحديث الذي تحدثت به مع السيد رئيس الوزراء، ومع الشخصيات المسؤولة التي التقيتها، وباعتزاز اقول هذا الذي حصل، ولم يحصل شيء آخر.
 
- المستقبل: الآن هناك متغيرات كبيرة وكثيرة تجري في الدول العربية في إطار ما يسمى بالربيع العربي، أي من هذه النماذج يمكن ان يكون مثالا يصلح للواقع العراقي؟
•عبد الحسين شعبان: لكل خصوصيته، فالعراق له خصوصيته لأنه خرج من نظام استبدادي ليدخل في احتلال، واحتلال من ابشع الاحتلالات، التي عرفتها الشعوب، احتلال تدميري حطم الدولة العراقية وحلم ؤسساتها، واستمر في محق الانسان العراقي بعد ان محقه في حصار دولي جائر استمر لثلاثة عشر عاما، فضلا عن ذلك العراق عانى من حروب استمرت لربع قرن، الحرب العراقية استمرت ثماني سنوات، وغزو الكويت، حرب ما سمي قوات التحالف ضد العراق، وصولا الى احتلال العراق بعد حصار استمر لثلاثة عشر عاما.
لهذا اقول لكل دولة من دول الربيع العربي خصوصيته، تونس، مصر، ليبيا، اليمن، سوريا، لا يمكن ان تقول ان هذا النموذج يمكن أن يُقتدى به، نحن الان في مرحلة انتقالية، وعلى حد تعبير غرامشي“ الماضي قد احتضر أما الجديد فلم يلد بعد” ، نحن في مخاض، في مرحلة انتقال من طور الى طور، من شكل نظام حكم الى شكل آخر، انهارت فيه انظمة وعروش استمرت لسنوات طويلة، وشكلا لتغيير لم يكتمل بعد، فيه تعرجات وفيه منحنيات وانثلامات وانكسارات وتراجعات، لكن المحصلة بعيدة المدى ستكون أكثر وضوحا. لا يعني اني هنا اخفف من المخاطر التي تواجه الاستيلاء والاستحواذ على حركة التغيير، وتقنينها ودفعها باتجاهات معينة لكن سيكون من الصعب عودة الماضي، الماضي اصبح ماضيا، نحن امام حاضر ومتغير وامام آفاق سيجري فيها صراع واستقطاب سيعتمد على دور المتصارعين في تحقيق الاهداف المعلنة على الاقل للربيع العربي، اذا كان الاسلاميون هم القوة الاكبر بحكم تنظيمهم، وبحكم الترخيص المعنوي باسم الدين لهم، وبحكم انهم عملوا في الشوارع وفي الحارات والمزارع والمعامل، ولدى المؤسسات الخيرية والاجتماعية، في حين أن العديد من السياسيين في أوساط اليسار والعروبيين ظلوا بعيدين عن هذا التوجه وبقوا في مكاتبهم، بلا نبعضه متعتق في المكاتب، بعيدا عن الشارع وهموم الشارع، والامر طبيعيأ نيفوز الاسلاميون الآن.
 
-المستقبل: هل هناك احتمالان تتحسر شعوب الربيع العربي مضافا لها العراق،على الماضي؟
•عبد الحسين شعبان: كلا،الماضي اصبح ماضيا، هذه هي الصيرورة التاريخية.
 
-المستقبل:هناك قلق في بعض الأوساط الثقافية في الشارع العراق وتحديدا الشيعي منه، من أن استمرار ممارسات السلطة الحالية في العراق، ستبعد الشيعة عن محيطه العربي، هل تملك أنت أيضا نفس القلق؟
•عبد الحسين شعبان:  دعني اقللك شيئا، إن شيعة العراق هم عرب، انا افرق دائما بين شيئين مهمين المجاميع السياسية التي تعمل بين الطوائف، وبين عموم الناس. لا قلق لدي على عموم الناس،قلقي يتأتى من بعض الممارسات السياسية من الحكم ومن خارج الحكم.
 من الحكم ومن معارضته أحيانا.
 من الحكم ومن نقيضه، ربما أدرك الآن بعض المسؤولين او سيدركوا، واتمنى ان يدركوا قبل فوات الأوان لأن ناقوس الخطر سيدق في كل مكان، أن الامر يحتاج الى مراجعات، والى قراءات جديدة للوضع السياسي والى علاقات القوى السياسية مع بعضها البعض، لذلك لا بد من العودة الى طاولة الحوار، والى العقلانية والى التفاهم لايجاد حلول مشتركة، عليهم جميعا ان يقدموا تنازلات لحماية السلم الاهلي ووقف العنف، ووقف عجلة الارهاب المستمرة، وتهيئة الارضية لمصالحة وطنية وسياسية حقيقية وللاتفاق على خطط مستقبلية لاعادة بناء الدولة وجعل السلاح بيدها لوحدها، لا دولة حقيقية تسمح بوجود مسلحين خارج نطاقها.
 
- المستقبل: أفهم من هذا دكتور إنك لا تشارك البعض هذا القلق،اقصد القلق من أن تكون ممارسات السلطة في العراق ستبعد الشيعة عن محيطهم العربي؟
•عبد الحسين شعبان:  أنا قلقي ليس يأسا .الى حدود معينة لدي تشاؤم مع القلق، لكن التشاؤم ليس اليأس، لا بد من توفر إرادة عامة جماعية من الاطراف جميع الوضع خارطة طريق جديدة لعراق جديد، لا سيما بتعديل الاشكاليات التي تحدثت عنها، ولوضع سيناريو جديد لعملية الانتقال من طور الى طور آخر.
 قلقي سيكبر، إذا جرى الحديث بإسم الطوائف (الشيعة والسنة ... والخ )، هاجسي الاول والأخير أن نبني دولة، دولة مواطنة، دولة مواطن حر يستطيع أن يفكر بحرية وان يقول ما يشاء بحرية، وأن يتصرف بحرية، هذا هو هاجسي، بناء مواطن يحترم حقوق الانسان في إطار قضاء مستقل، وفي إطار عدالة اجتماعية، لأننا لا نستطيع مع الفقر أن نتحدث عن مساواة، حينها ستكون المواطنة ناقصة ومبتورة ومشوهة مع الفقر، لا بد من وضع خطط للحد من الفقر، والأمية، وإصلاح وضع التعليم، ولمنع إبادة الأكاديميين والعلماء الذين تعرض نحو 450  منهم للإغتيال، لتحسين الوضع الصحي، ومعالجة قضايا البيئة والتصحر، ووضع حد لمشكلة المياه.
 هذه عناوين رئيسية لما ينتظر أن يتحقق في العراق، أتمنى أن يعرف السياسيون كيف يحققوها للشعب العراقي.



148
المستقبل تحاور المفكر العراقي عبد الحسين شعبان

الجزء الاول

الدستور مليء باختلالات وألغام انفجرت بعضها وستنفجر غيرها

حاوره: علي الشريفي
حل الجيش واجتثاث البعث أضعفا الوحدة الوطنية
انتقدَ المفكر العراقي الدكتور عبد الحسين شعبان، عدم معالجة أزمة إنطلاق التظاهرات الإحتجاجية في عدد من المحافظات على نحو سريع، وقال: “لو عولج الأمر خلال الايام الثلاثة او الاسبوع الاول لما تطورت الأزمة، ولما وصل العراق الى حالة من الافتراق والاستقطاب التناحري الالغائي الاقصائي”.
 وبين شعبان في حوار أجرته معه “المستقبل” وينشر الجزء الأول منه اليوم (الاثنين 13 أيار 2013) إن سيناريوهات التصادم المطروحة الآن تمثل خطرا على وحدة العراق، وقال “اذا افترضنا ان الحكومة قضت على حركة الاحتجاج، فانها كيف ستحكم مناطق تكاد تكون بالكامل ضد التوجهات الرسمية السائدة والبيئة التي تتعامل معها تكاد تكون معادية بالكامل”، مشيرا الى أن “العلاقة ستكون مختلة وان الامر سيؤدي الى تمردات واحتجاجات وانتفاضات تتسع يوما بعد يوم، بسبب حالة التسلط وشعور سكان هذه المناطق بالتمييز والاقصاء والتهميش والالغاء وتعطيل ادوار لفئات ومناطق سكانية بكاملها”.
 وحذر شعبان من المخططات المرسومة للمنطقة ومن بينها “اذا تم تفتيت سوريا، يمكن ان تلحق دير الزور بالمنطقة الغربية في العراق، عندها ستكون هناك اكثر من فيدرالية او أكثر من كونفدرالية”.

- المستقبل: العراق الآن يعيش مرحلة حرجة جدا، يصفها البعض بانها قد تؤدي الى تقسيمه الى دويلات وكانتونات طائفية وقومية، واذا اردنا ان نخفف من حدة هذه النظرة نقول: ان الواقع بالعراق مقلق ومخيف حتى، فهناك صراع طائفي ان لم يتحدث به الناس بشكل مباشر، فانه موجود داخل النفوس، السني يخاف من الشيعي والشيعي يخاف من السني، العربي يخاف من الكردي والكردي يخاف من العربي، وهكذا، كيف تقيم هذا الخوف والقلق الموجود في العراق؟

• عبدالحسين شعبان: اعتقد ان هذا القلق مشروع، خصوصا وان الناس اخذت تتحسس المخاطر الجدية التي يمكن ان تترتب على التفتت في المشهد السياسي العراقي، لاسيما بعد مرور نحو اربعة اشهر على حركة الاحتجاج الواسعة التي انطلقت من الانبار وامتدت الى صلاح الدين والى الموصل والى كركوك والى ديالى والى اجزاء في العاصمة بغداد، فضلا عن حالة الاحتقان السياسي التي سببتها التفاعلات السياسية والمخاوف المشتركة من جميع الاطراف كل ازاء البعض الاخر هذا من جهة، من جهة ثانية؛ ارتبط هذا باحتدام المشهد السياسي خصوصا باعمال العنف والقتل والتفجيرات التي حدثت هنا وهناك، طيلة الاشهر الماضية، وكان شهر نيسان (ابريل) الماضي اكثر الاشهر دموية منذ العام 2008، حيث سقط مئات من القتلى بسبب اعمال العنف والتوتر والشحن الطائفي، كل هذه المؤشرات والمعطيات تجعل المواطن العراقي في حالة من القلق، خصوصا وان في ذهنه احداث عامي 2006 و2007، تلك التي احدثت هزة كبيرة في المجتمع العراقي بسبب التطهير المذهبي والطائفي والاغتيال على الهوية وتصدع الوحدة الوطنية، فما ان بدأنا باستعادة بعض اعضاء اجزاء هذه الوحدة ولملمة بعض اطرافها الا وانفجر المشهد مجددا، لذلك اعاد الوضع القائم الى الاذهان صورة سلبية وربما سوداوية عن المستقبل القريب او البعيد عن الوضع العراقي، هذا الامر (واقصد الحركة الاحتجاجية) للاسف الشديد لم تتم معالجته على نحو سريع، لو عولج الامر خلال الايام الثلاثة او الاسبوع الاول لما تطور، ولما وصلنا الى حالة من الافتراق والاستقطاب التناحري الالغائي الاقصائي. كل يريد ان يلغي الاخر، او يرمي الاتهامات على الاخر في بعض الاحيان جزافا، حتى بما فيهم الشركاء الذين كانوا حتى وقت قريب يجلسون على طاولة واحدة وياكلون من مائدة واحدة، وهم مسؤولون جميعا عن الاخطاء والممارسات السلبية التي مرت خلال السنوات العشر الماضية من عمر الاحتلال.

 - المستقبل: تحدثنا عن القلق والمخاوف العراقية من عودة العنف الطائفي، فما هو المخرج مما يحصل الان من احتقان؟

• عبد الحسين شعبان: قبل ان اتحدث عن المخرج، دعني احدثك عن مخاوفي الشخصية، وانا اشعر ان هذه اخطر حالة يمر بها العراق منذ عشر سنوات الى الان.

 منذ اليوم الاول قلت ان الاحتلال صائر الى زوال لا محالة، خوفي كان ان يتكرس الانقسام الطائفي. هذه القضية خطيرة لانها ستحفر في اساسات المجتمع العراقي وتمزق النسيج الاجتماعي، وتسهم في حالة الاستقطاب وفي حالة التناحر التي هي جزء من افرازات الاحتلال بسبب المحاصصة الطائفية والمذهبية. السيناريوهات التي اردت ان اتحدث عنها وهي خطيرة كلها، السيناريو الاول ربما، هو اذا حصل اصطدام أوسع، فبعد الذي جرى من اصطدام في الحويجة والفلوجة وربما في الانبار، هناك مخاوف من ان يحصل اصطدام اعم واشمل، قد يؤدي الى حرب اهلية. وأضع هنا عددا من الافتراضات، فاذا افترضنا ان الحكومة قضت على حركة الاحتجاج، فانها كيف ستحكم مناطق تكاد تكون بالكامل ضد التوجهات الرسمية السائدة والبيئة التي تتعامل معها تكاد تكون معادية بالكامل، ثم هناك حاضنات في هذه البيئة، لتغذية كل انواع التمرد بما فيها بعض الحركات الارهابية مثل القاعدة وغيرها. هذا هو الافتراض او السيناريو الاول، اي ان الامر سيتحول الى وجود تابع ومتبوع وان العلاقة ستكون مختلة وان الامر سيؤدي الى تمردات واحتجاجات وانتفاضات تتسع يوما بعد يوم، بسبب حالة التسلط وشعور سكان هذه المناطق بالتمييز والاقصاء والتهميش والالغاء وتعطيل ادوار لفئات ومناطق سكانية بكاملها. الوجه الثاني لهذا السيناريو: على افتراض ان الاصطدام قد حدث، لكن ربما بسبب تدخلات دولية او بسبب الضغوط، او الشعور بعدم امكانية القضاء على حركة الاحتجاج، قد تتوقف الاصطدامات عند منتصف الطريق، وهذا سيكرس الامر الواقع، والامر الواقع ربما سيكون اكثر من كونفدرالية، وقد تكون هناك نقاط تفتيش وتدقيق في الهويات، ويكون هناك عبور ودخول، وتكون هناك امتيازات لامراء هذه المناطق للحصول على مكاسب لادارة شؤون هذه المناطق، بالاضافة الى ان يكون هناك دعم خارجي وموارد وهكذا وهكذا، كل هذا سيؤدي الى تكريس الكونفدرالية، والكونفدرالية اذا ماربطتها مع حالة اقليمية قد تؤدي الى مخاطر كبيرة اخرى لان هناك ضمن المخططات المطروحة الان، فيما اذا تم تفتيت سوريا، يمكن ان تلحق دير الزور بالمناطق هذه، عندها ستكون هناك اكثر من فيدرالية او أكثر من كونفدرالية.

- المستقبل: هل تقصد ان مناطق في سوريا ستتبع العراق؟

• عبدالحسين شعبان: لا ليست تابعة للعراق، بل الى المنطقة الغربية تحديدا، حينها قد تكون دويلة او كانتون او مناطقيات، او دوقيات، أو أي مسمى آخر، واذا اخذت المخطط بشكل اشمل، فدمشق ستكون فيها دويلة سنية، وحلب ستكون فيها دويلة سنية، والسويداء ستلحق بدولة درزية، والساحل والجبل سيكونان دولة علوية، وعفرين والقامشلي سيكونان دويلة كردية. هذا الأمر ليس بالضرورة سيتحقق ولكنه مطروح على نطاق بحث. واذا عدنا بالبحث الى مشروع برنارد لويس الذي قال ان المنطقة يجب ان تنقسم الى 41 إمارة او دويلة او منطقة “سنية وشيعية وعلوية ودرزية ومسيحية وكردية”، فإن الامر يبدو مطروح للمناقشة، لكن ليس بالضرورة أن يتحقق كله. أضيف الى ذلك، إن كيسنجر (وزير الخارجية الامريكي) كان يقول منذ وقت مبكر: علينا ان نخلق امارة وراء كل بئر نفط، قبله بريجنسكي مستشار الامن القومي تحدث عن ان العالم العربي والشرق الاوسط ينبغي ان تتحول كلها الى اقليات، لا وجود لاغلبيات في المنطقة التقسيم. التجزئة والتفتيت سيحول كل المنطقة الى اقليات، الدروز اقلية والسنة اقلية والشيعة اقلية والمسيحيين اقلية والعلويين اقلية، (هنا اتحدث عن عموم المنطقة، وليس العراق فحسب)، وتكون اسرائيل الاقلية المتميزة والمتسيدة معرفيا وتكنولوجيا وبين قوسين “ديمقراطيا”، وستكون في الوقت نفسه محضية الغرب، وتحصل على دعم يضمن تسيدها تجاريا واقتصاديا وتكنولوجيا ومعرفيا. هذا ربما هو الحديث عن شرق اوسط كبير ومن ثم شرق اوسط جديد، وهذا هو جوهر سايكس بيكو 2، الذي قد نتحدث عما جرى لنا بسببه بعد مائة عام.

 - المستقبل: تحدثت عن سيناريوهين لما قد يحصل في العراق، ألا توجد سيناريوهات أقل عنفا وضررا للعراق؟
• عبدالحسين شعبان: نعم تحدثت عن سيناريو ذو شقين مبني على فرضية التصادم، اما السيناريو الثاني، وهو ان لا يجري اي صدام، ان يكون هناك تفهم ان الصدام سيؤدي الى كوارث كبيرة، ولكن ترك الامر سينتج خروج على قواعد النظام القانوني وعلى الدولة، حتى وان كانت المطالب مشروعة، فإن ترك المتظاهرين سيؤدي الى تكريس الامر الواقع وهذا الامر سيقود الى كونفدرالية، وهذا الامر سيؤدي أيضا الى جعل الامور خطيرة في الاطار التقسيمي والتفتيتي. هناك سيناريو ثالث، وهو الذهاب الى انتخابات مبكرة، ولكن هناك صراعا حول هذه المسألة، الحكومة تريد حل البرلمان لتدير البلاد نحو انتخابات مبكرة، والبرلمان يريد حل الحكومة على امل التحضير لانتخابات مبكرة، ومن الصعب بمكان التوصل الى تشكيل حكومة تكنوقراط او فنية تقود الانتخابات ولا ترشح فيها، الطرفان لا يوافقان عليه.

-المستقبل: ولكن احد الطرفين (وهي المعارضة) هي من قدمت الاقتراح؟..

• عبدالحسين شعبان: ولكن قدمته ليس لغرض الموافقة، بل لاحراج الطرف الاخر أحيانا. سأضع افتراضا اخر: حتى وان لم يتحقق حصول تصدع بين القوى السياسية التي تقود السلطة بسبب التناحرات، وتم على افتراض استبدال رئيس الوزراء، فاعتقد ان هذا الامر سيقود الى تفتت الجميع، لانه لن يقودنا الى المربع الأول بل الى المربع صفر.

- المستقبل: هل تقصد ان تغيير رئيس الوزراء سيؤدي الى شبه كارثة؟

• عبدالحسين شعبان: نعم، اذا حدث تغيير لرئيس الوزراء دون وضع خطة، او دون الاتفاق على خارطة طريق، او التوافق على جدول عمل عما سيحصل خلال الاشهر القادمة سيعقد الامور ولا يحلها، لان العراقية مفتتة وستتفتت اكثر، دولة القانون ستتفتت ايضا، وسيذهب كل منها في اتجاه، السيد مقتدى الصدر وقائمة الاحرار سيستقطب اطرافا من دولة القانون، السيد عمار الحكيم وقائمة المواطن سيستقطبان ايضا، اطراف اخرى قد تنتقل بين الكتل، علما بان هناك حركة بندولية بين الاطراف المهيمنة على المشهد السياسي، كل هذا قد يعيدنا الى المربع صفر اذا لم تكن هناك خطة طريق واضحة، ولهذا مخاوفي تزداد، لان ما تحقق ولو كان بسيطا، ولكنه مهما على صعيد اطفاء الاحتقان الطائفي او تقليص حجمه او تقليل تاثيراته السلبية، خوفي ان ينفجر الوضع وقد يؤدي الى مخاطر جمة وعواقب خطيرة ليس فقط على مستوى المستقبل، ولكن على الوضع الحاضر ايضا، وهذا الوضع خطير جدا، لهذا اعود الى السؤال الذي بدأته قبل قليل عن سبل الخروج من الوضع العراقي القائم حاليا، فاقول: ان لا سبيل اخر، غير الحوار، غير تقديم تنازلات متبادلة من جميع الاطراف، واقول حرصا ورغبة وشعورا بالمسؤولية، ان جميع الاطراف ينبغي ان تقدم تنازلات كل الى الطرف الاخر. ما حصل بالنسبة للكرد الان، هو تقديم تنازلات متبادلة وجرت تسوية بعض المشاكل، وستبقى مشاكل اخرى عالقة، وستظهر مشاكل اخرى لاحقا، ولكن لابد من اطفاء الحرائق، لابد من اخماد النيران، لابد من تبريد الرؤوس.

- المستقبل: ولكن ما يؤخذ على العراق، انه يقوم بتأجيل الازمات منذ احتلال العراق قبل عشر سنوات وحتى الان، لهذا وصلنا الى هذه المرحلة من تراكم الازمات غير المحلولة.

• عبدالحسين شعبان: هناك اطاران، الاطار الاول هو كيف نتعامل مع المشاكل آنيا، ظرفيا، لحظيا، هل نتركها لتنفجر، ام نطفئ النيران، ونخفض من سقف التوتر وحجم الاستقطاب والتناحر، وتخفيف الوضع المحتدم. على صعيد المدى البعيد، او لنقل ستراتيجيا، هذا يحتاج الى سلسلة من الاجراءات، بالنسبة لي وانا من خارج الاطارات كلها، واتحدث على نحو اكاديمي ومستقل، اعتقد ان هناك اختلالات كبرى وقعت في الدستور، ولابد من معالجة هذه الاختلالات، ولابد من اعادة النظر باجزاء مهمة منها، بالغاء جزء واضافة اجزاء اخرى، وبحذف وتنقيح، واعادة كتابة ربما، بما سيتوصل له الفرقاء من خلال الحوار المعرفي والثقافي وليس من خلال صفقات، الذي تم في الدستور هو عبارة عن صفقات، وكل فسره على طريقته، وهو بشكل عام حمال اوجه، وفيه تناقضات وتعارضات، وفيه الغام انفجر بعضها وسينفجر بعضها الآخر. هناك مشاكل بما يخص المادة 140 أو ما يسمى بالمناطق المتنازع عليها، وهناك مشاكل بما يتعلق بالسلطات الاتحادية، مثلما هناك مشاكل بما يتعلق بسلطات الاقاليم، او سلطات المحافظات كيف يمكن ان توازن هذه بتلك، علما بان لدينا تركة طويلة عريضة عويصة لنظام شمولي استبدادي ديكتاتوري حكم العراق منذ خمسة وثلاثين سنة، بالحديد والنار وبمركزية صارمة وباساليب ارهابية، فضلا عن وجود تركة ابعد من ذلك، وهو ان التوجه السياسي والاقتصادي كان احاديا في سنوات ما قبل الديكتاتورية الاخيرة، وهي شكل من اشكال الديكتاتوريات، ولكنها مخففة او محسنة قياسا لما حصل خلال الـ 35 سنة الاخيرة. هذا جانب، اما الجانب الثاني لابد من اصلاح او الغاء النظام الانتخابي الحالي او تعديله بما يؤدي الى نتائج مختلفة. لو اجريت الانتخابات وفقا لهذا النظام الانتخابي المعمول به حاليا، سننتج نفس الطبقة السياسية، فهناك قوائم اقرب الى الحيتان تبتلع الصغير ولايمكن ان تكون هناك تغييرات جذرية في ظل وجود نظام انتخابي من هذا النوع يعطي لرئيس القائمة وللكتلة دور كبير في تغيير او اضافة اسماء الى مجلس النواب، هذا المجلس الذي عدد اعضائه 325، كل الذين فازوا منه فعليا، اي الذين حصلوا على القاسم الانتخابي هم 18 نائبا فقط، والبقية الباقية اضيفوا، بطريقة اقرب الى الاضافات الحزبية لبرلمان يفترض ان يكون منتخبا، ثم ما اعقب البرلمان الفهم المخطوء لقصة الشراكة ولقضية المشاركة التي يعتقد البعض انها تقاسم ومحاصصة، وهذا ما هو حاصل فعليا، فهي محاصصة وتقاسم وظيفي وهناك تعطيل لدور الدولة، حيث اضعفت الدولة بعاملين رئيسيين الاول حل الجيش، الذي كان اضعافا حقيقيا للدولة والوحدة الوطنية، العامل الثاني كان قانون الاجتثاث الذي اضعف من امكانية تحقيق مصالحة حقيقية، حيث كان يمكن تطبيق ما يسمى بمبادئ العدالة الانتقالية، والمعروف ان العدالة الانتقالية تقوم على خمسة عناصر، الأول منها يقوم على كشف الحقيقة، ما الذي جرى وكيف جرى ولماذا جرى ومن قام... الخ، اما العنصر الثاني في العدالة الانتقالية فهي المساءلة، وهذه يمكن ان تتخذ اشكالا مختلفة مثل الاعتراف، الاعتذار، اصدار احكام مع وقف التنفيذ، اطفاء قضايا لاعتبارات سياسية، ايجاد تسويات وترضيات لاعتبارات سياسية بعيدا عن الكراهية والثأر والانتقام والكيدية، وهذا الذي حصل وأدى الى ان عشرات الالاف المواطنين الذين خدموا الدولة الآن هم بدون رواتب وبدون تقاعد، فضلا عن ذلك ان قسما من هؤلاء انتمى عن قناعة الى الحزب السابق، والحزب السابق لم يكن ممنوعا او محظورا، بل كان مرخصا وقانونيا، اي تم الانتماء الى حزب قانوني آنذاك، اما ان يحرم الحزب ويجرم لاحقا، فلا ذنب لمن انتمى لذلك الحزب، لانه لم ينتم الان (اي بعد حظره) بل انتمى اليه عندما كان الحزب قانونيا، انا اتحدث هنا من الناحية القانونية.  العنصر الثالث في العدالة الانتقالية هو جبر الضرر معنويا وماديا، العنصر الرابع هو تعويض الضحايا ماديا ومعنويا، كأن تسمى ساحات وشوارع ومدارس باسمائهم مع وضع نصب تذكارية لهم، وغيرها من تعويضات ذات أثر نفسي على أهالي الضحايا، وهنا لا أتحدث فقط عن ضحايا ما قبل الاحتلال بل أيضا عن ضحايا ما بعد الاحتلال، فالضحية هو ضحية بغض النظر عمن كان مسؤولا في إيذائه، خارج اطار جنسه ودينه ولونه وعرقه وقوميته وطائفته.
 العنصر الخامس في العدالة الانتقالية التي لم يجر العمل على تطبيقها -برغم اني قلت في السابق واكرر القول: إن نظام العدالة الانتقالية هو البديل الصحيح لقانون المساءلة والعدالة أو قانون الاجتثاث- هو اصلاح الانظمة القانونية والقضائية والامنية لكي لا يحدث ما حدث، وهذا الامر بحاجة الى اشاعة ثقافة حقوقية بين المجتمع وخصوصا رجال الامن والجيش، من خلال تعليمهم وتدريسهم مبادئ القانون الدولي الانساني واطلاعهم على اتفاقيات جنيف، فضلا عن تحميلهم مسؤوليات ارتكابهم اخطاء بحق الاخرين، فلا يكفي رجل الامن ان يقول نفذت لأنه جاءتني الاوامر، فهو يستطيع الامتناع عن تنفيذ ما يتعارض مع حقوق الاخرين لانه درس وتعهد باحترام حقوق الانسان وبالشرعية الدولية لحقوق الانسان وبقواعد القانون الدولي الانسانية.
 هذه معالجات طويلة الامد، لكن كيف السبيل للوصول لها؟، نقول عبر حوار وطني شامل للتوصل الى تفاهمات وليس صفقات، ما حصل هو صفقات، والتفاهمات هي غير الصفقات السياسية.

- المستقبل: العديد من الأصوات العراقية بدأت تنادي خلال الفترة الأخيرة بتطبيق الفدرالية لتحقيق العدالة ومنع الظلم (كما يقول المحتجون)، هل تعتقد ان الفدرالية مناسبة لبلد مثل العراق الذي يعيش حالة من الاحتقان المجتمعي والسياسي؟

• عبدالحسين شعبان: قلت منذ البداية، اي منذ سنوات انا مع مبدأ الفدرالية، ولكن على ان لا تتم الفدرالية عبر صفقات، لان عمر الصفقة قصير ووقتها محدود وافقها ضيق، لكن الفدرالية لابد ان تتم بالتفاهمات والقناعات المتأتية من الثقافة الحقوقية، من خلال التأكيد على إن الفيدرالية تؤدي الى وحدة الدولة وليس اضعاف السلطة الاتحادية. الفدرالية تؤدي الى توزيع الثروة وليس الاستحواذ على جزء على حساب جزء آخر، الفدرالية تؤدي الى وحدة الجيش وليس ان يكون قسم من الجيش غير خاضع للسلطة الاتحادية، الفدرالية تؤدي الى وحدة التمثيل الدبلوماسي والعلاقات الدولية، وغير مسموح باقامة شيء من هذا القبيل تحت اسماء وعناوين مختلفة باسمها، الفدرالية تؤدي الى التعامل بعملة موحدة وخطط اقتصادية موحدة مركزية اساسية.هذا هو مفهوم الفدرالية في الفقه والقانون الدستوري. توصلت بعد أن درست الانظمة الفدرالية في خمسة وعشرين بلدا في العالم تطبيق هذا النظام، الى قناعة ان افضل الانظمة هي الفدرالية. هناك وهم كبير يعتقد ان الفدرالية تقود الى الديمقراطية، ليس بالضرورة كل نظام فدرالي هو نظام ديمقراطي، فالانظمة الاشتراكية السابقة كانت فدرالية، فالنظام في الاتحاد السوفيتي كان شكلا من اشكال الفدرالية، يوغسلافيا كانت فدرالية، جيكوسلوفاكيا كانت فدرالية لكنها كانت انظمة شمولية ومستبدة وفيها صرامة مركزية وفيها توليتارية (متسلطة) وفيها الكثير من الجوانب التي تمنع التنوع والتعددية وغير ذلك. لكن كل نظام ديمقراطي ممكن ان يطبق النظام الفدرالي، بل يمكن ان نقول ان الأنظمة الديمقراطية يمكن ان تنقسم وتنفصل، لانها تحترم المواطنة وحقوق الانسان، والدولة الفدرالية يمكن ان تنفصل، خصوصا بعد أن برزت منذ نحو ربع قرن قضية الهوية والتمسك بها، بعد أن أرادت الهويات الفرعية ان تصبح بموازاة الهوية العامة المشتركة، وساضرب لك مثلا على ذلك، بلجيكا دولة ديمقراطية تحترم حقوق الانسان والمواطنة، وهي من أحسن الفيدراليات في العالم وفيها عشرة ملايين نسمة (فلامانيين 4 ملايين نسمة، والمتحدثون باللغة الفرنسية 6 ملايين)، لكنها تريد ان تنفصل الان. اذن حتى النظام الديمقراطي والفدرالي يمكن ان يؤدي الى الانفصال، بالمقابل هناك انظمة كانت كونفدرالية واصبحت فيدرالية وهي الان اقرب الى الدولة الموحدة، كما هو الحال في سويسرا التي هي عبارة عن كانتونات وفيها فيدراليات لثلاث مكونات رئيسة لغوية وسلالية، وفيها ألمان وفرنسيين وايطاليين، وثلاث لغات رسمية في البلد.
 اريد ان اقول، إن مسألة الهوية اصبحت حاجة لابد من التعاطي معها من موقع الفهم والتوافق، ومن موقع المشترك الانساني، لأن الهوية ليست بركة مغلقة، قد تكون ارخبيلات مفتوحة متصلة مع بعضها في مياه متحركة ولكنها ليست ثابتة. الهوية فيها عنصران اساسيان هما اللغة والدين، انت ولدت في العراق فأنت عراقي، وانت من أب وأم أو من أب عربي فأنت عربي، واذا كانت البيئة التي حولك إسلامية فأنت مسلم، ولو ولدت في الصين مثلا لكنت صيني او بوذي او كونفشيوسي، هذه أمور خارجة عن إرادة الانسان، هذه تعد من الثوابت، اما المتغير في الهوية فهي العادات والتقاليد والفنون والآداب التي تعد عناصر تفاعل على الهوية تتأثر بها وتؤثر فيها، هذا الذي ينبغي ان نفهمه. هناك من يريد ان يقدم الهويات الفرعية وربما المجهرية كأن تكون الهوية المناطقية والجهوية والعشائرية المحدودة جدا على الهويات العامة. ومع احترامنا لهذه الهويات الفرعية والحلقية، ولكن لابد من الاستقرار على ماذا نعني بالهوية. انا مثلا من النجف ولكني اجتمع مع ابن الرمادي بمائة قضية وقضية، منها إننا (أنا وابن الرمادي) عرب، ونتحدث اللغة العربية، ومسلمين، همنا عروبي، وتكويننا عراقي، درسنا بجامعة واحدة، نحن الاثنان تكون مزاجنا وسيكولوجيتنا ما يسمى بلغة الانثروبولوجي “منتلتي” (أي الذهنية او العقلية، أو الوعاء)، أي وعاؤنا الثقافي هو واحد، هذه هي بيئتنا.

- المستقبل: ولكن الهوية الطائفية هي المتسيدة الآن في المجتمع العراقي.
• عبدالحسين شعبان: من حق كل إنسان أن يتمسك او يتعطى مع انتمائه الطائفي، ولكن هناك فرق كبير بين الطائفة والطائفية، أنت جزء من طائفة، دون ان ترغب أو تريد ربما، ولدت سنيا فأنت سني، او ولدت شيعيا فأنت شيعي، هذا الانتماء تاريخي فيه طقوس وعادات ومجتمع محدد وتراكمات، وفيه أيضا جزء من تاريخ تكون خارج إرادة الإنسان، ولكن الفرق بين الطائفة والطائفية، هو أن الطائفية تريد التمييز والتمايز والحصول على مكاسب على حساب الغير، تارة باسم المظلومية وتارة باسم التسيد والاغلبية، والاثنان على خطأ. الغريب في الامر إن هناك بعض الطائفيين الآن وما أكثرهم في الساحة هم بلا دين، أي لا دين لهم، واستذكر هنا كلمة الراحل الكبير عالم الاجتماع العراقي علي الوردي عندما وصف هؤلاء بقوله:
 “إنهم طائفيون بلا دين”، أي إنهم غير متدينين لكنهم طائفيين. المشكلة ليست في الدين أيضا، فلكل دينه وحقه في الدين، بل المشكلة هي في التدين وطريقة فهم الدين، فكلنا نحترم الدين وكلنا من أسر دينية ونحترم المقدسات ونتعاطى معها باحترام واجلال كبيرين، ولكن المشكلة في التدين وتزوير الدين من خلال ضخه في قنوات طائفية، تثير الاحقاد والبغضاء والكراهية والانتقام والثأر وتجريم الآخر وتحقيره، بل واتهامه على مدى سنوات طويلة كأنه ولد مرتكبا جرما وسيظل مرتبكا للجرم الى آخر التاريخ، وهذا شيء غير عقلاني.
 مشكلة التدين إنه يعيش في الماضي وليس الحاضر، فهو لا يتعاطى مع الزمن ولا مع التكنولوجيا.



149
عن الكرد والنجف والثقافة   

عبدالحسين شعبان
أن ينعقد ملتقى للثقافة العربية - الكردية، فهو أمر جدير بالتأمل، لا سيّما وهو يأتي في ظل أوضاع ملتبسة وتوترات محسوسة . وإذا كان مثل هذا الملتقى قد اتخذ من الثقافة عنواناً فهو أمر يستحق التوقف عنده للدلالة والمعنى، بعدما طغت السياسة على كل شيء .

وبعد كل هذا فإن اختيار النجف، المعلم الحضاري، الديني والمدني العلمي والثقافي في الآن لانعقاد الملتقى، سيكون له مغزى كبير، فللمكان ذكرى وذاكرة ووقع خاص، فالنجف السعيد أو ما تكنّى ب “خدّ العذراء”، أو الغري أو المشهد، التي تحتضن الملتقى تستمر كأنها سفرٌ مستديم، بل أقرب إلى ملحمة درامية يجتمع فيها الأبطال والضحايا، المرئي واللامرئي، المنظور والمتخيّل . وهذه النجف الحاضنة للفقه وعلوم اللغة والقرآن والأدب عرفت قصائد الحب ورسائل الغزل، وعلّمت أبجديات الحرف الثوري الأول، مازجة الفلسفة بالشعر والسياسة بالثقافة والتمرّد بحب الناس .

كانت الثقافة عنوان الملتقى، وهي شأن راق في عقول النجفيين ونخبهم، فالمدينة العربية تحتضن الثقافة الكردية، وذلك لعمري تعبير عن رحابة صدر النجف وإيمانها بالتعددية والتنوّع . والنجف حين تنظّم مثل هذا الملتقى، إنما تريد تأكيد دورها الحضاري والثقافي، كحاضرة مستمرة للثقافة، بكل ألوانها وتجلّياتها .

والنجف حين تنفتح على الآخر، تريد أن تقول إنها مدينة “مدنية” بكل معنى الكلمة، عربية اللسان، مفتوحة لاستقبال الوافدين، وهي جامعة كونية وسوق تجاري عالمي . وهي مدينة تتجاور فيها المدارس الدينية والحوزة العلمية لدرجة التماهي أحياناً، مع الفكر المدني الحر في هارموني عجيب، حتى إن كان من باب جوار الأضداد، وتاريخياً وعلى الرغم من طابعها المحافظ، فقد كان الفكر المنفتح يجد طريقه مبكّراً إليها، وهو ما لفت إليه السيد مصطفى جمال الدين في كتابه “الديوان” .

ولأن النجف حاضرة لا يمكنها أن تعيش من دون الآخر، فهي تجد تكاملها معه، هي أقرب إلى ملتقى أممي لا يعرف التعصّب، تتعايش فيها الأقوام واللغات والسلالات من أصقاع شتى، يدرسون في جامعتها التي مضى عليها أكثر من ألف عام، منذ أن جاءها الإمام الطوسي سنة 448 هجرية، لهذا فإن انعقاد ملتقى الثقافة العربية - الكردية في النجف حدث غير اعتيادي .

ولعلّ انعقاد ملتقى الثقافة العربية- الكردية، كان مناسبة للحديث عن حكاية الحوار العربي- الكردي، لما له من علاقة بثقافة التواصل والتفاعل والمشترك الإنساني، انطلاقاً من موقف متميّز لليسار العراقي الذي كان قد بلور فكرة حق تقرير المصير للكرد منذ العام 1935 واتّخذ قراراً في الكونفرنس الثاني العام 1956 بالانطلاق من الفكرة الأولى إلى بلورة “الاستقلال الذاتي”، في إطار بحث مشروع عن الهوّية والوحدة القومية، وصولاً إلى الحكم الذاتي منذ مطلع الستينات، فالفيدرالية منذ مطلع التسعينات، وقد استند في ذلك إلى قراءة فكرية للتنوّع الثقافي وللأبعاد والقيم الإنسانية المتعلقة بالحقوق السياسية بالدرجة الأولى وتساوقاً مع التطور الدولي . ولعلّ ذلك ما تشرّب به أكثر من جيل، وشكّل أحد الهواجس المستمرة، وإنْ كانت زاوية النظر إليه مختلفة أحياناً، بين من يكون في السلطة ومن يكون خارجها، وبين التيارات المتشدّدة والاتجاهات المنفتحة .

وكانت قضية الكرد قد اختفت من الأروقة الدولية، منذ الالتفاف على معاهدة سيفر الصادرة في العام 1920 التي اعترفت بجزء من حقوق الشعب الكردي، بإبرام اتفاقية لوزان للعام ،1923 لكنها عادت مجدداً، كما يؤرخ لها كانت بصدور القرار 688 عن مجلس الأمن الدولي في 5 إبريل/ نيسان  1991 بعد غزو القوات العراقية للكويت، وهو القرار الخاص بكفالة احترام حقوق الإنسان والحقوق السياسية لجميع المواطنين . وقد حدث ذلك إثر مشاهد الهجرة الجماعية للكرد بعد فشل الانتفاضة في جنوب وشمال العراق (كردستان) في حينها .

وحكاية الحوار العربي- الكردي طريفة، فقد التأم (خارج العراق) في إطار المنظمة العربية لحقوق الإنسان في لندن في العام ،1992 وشارك فيه عدد من الشخصيات العراقية العربية وفي مقدمتها السيد محمد بحر العلوم، عامر عبدالله، الدكتور حسن الجلبي، هاني الفكيكي، محمد عبد الجبار وآخرون، إضافة إلى نحو 20 مثقفاً عربياً من السودان وسوريا ومصر ولبنان والسعودية وفلسطين وليبيا وتونس والبحرين . أما من الكرد، فقد شارك محسن دزئي وابراهيم أحمد ولطيف رشيد ومحمود عثمان وهوشيار زيباري وعمر شيخ موس ومحمد هماوندي ومحمد قرداغي وسامي شورش وآخرين . وكُتب عنه الكثير .

وكانت المبادرة، ثقافية، فكرية، إنسانية، لا سيما الشعور بالحاجة للإجابة عن أسئلة تاريخية، إضافة إلى مشكلات “راهنة” آنذاك، أفرزتها ما تعرّض له الشعب الكردي من اضطهاد وعسف، إضافة إلى الشعب العراقي بشكل عام . وكان الفريقان الكرديان قد رحّبا بالمبادرة وتبنّيا فكرة عقد دورة ثانية للحوار العربي- الكردي، لكن الأمر لم يحصل بسبب القتال الكردي- الكردي الذي استمرّ نحو 4 سنوات (1994-1998) وراح ضحيته مئات من الأبرياء، إضافة، إلى خسائر مادية ومعنوية كبيرة .

في أواخر العام 1998 نضجت فكرة حوار عربي- كردي، وتم الحصول على موافقة القاهرة لانعقادها، وتوّلى الحزبان التحضير لها، وحضر جلال الطالباني ومحسن دزئي وهوشيار زيباري ومحمود عثمان وعدنان المفتي وعادل مراد وعمر بوتاني وعزيز محمد وبهاء الدين نوري وعبد الخالق زنكنة ولطيف رشيد وسامي عبد الرحمن وآخرون، كما حضرت شخصيات مصرية مرموقة مثل أحمد حمروش ومحمد فايق وسعد الدين ابراهيم وحلمي شعراوي ومحمد السيد سعيد وآخرين، لكن الحضور العربي العراقي كان ضعيفاً ولم يحضر سوى عدد محدود، وهو أقرب إلى الحضور البروتوكولي وقد أبديت مثل هذه الملاحظة عند حضوري لمؤتمر القاهرة للجهات المنظّمة . ولم يشارك في المؤتمر كرد تركيا وكرد إيران وكرد سوريا، كما لم تكن هناك مشاركة عربية “أخرى” .

وكان من المفترض انعقاد دورة ثالثة للحوار العربي- الكردي في العام 2001 بحضور نحو 80 شخصية عربية ويوازيها نحو 80 شخصية كردية تمثّل فاعليات وأنشطة فكرية وثقافية وحقوقية وسياسية مختلفة، بما فيها من المنفى، وجرت الاستعدادات اللازمة لذلك وبُذلت جهود مضنية ربما ستسنح الفرصة للحديث عنها، لا سيما وكان صلاح بدر الدين (قيادي كردي من سوريا) قد اشتغل على تأسيس جمعيات للصداقات العربية- الكردية وحضر عدداً من المؤتمرات دعا فيها إلى ذلك، كما كان عدد من المنظمات الدولية والحقوقية بشكل خاص قد اتّخذ قرارات بتأييد حقوق الشعب الكردي بما فيها حقه في تقرير المصير، لكن الخلافات بين الحزبين حالت دون ذلك، وانحلّت اللجنة التحضيرية التي كان لي شرف عضويتها كمبادر للفكرة .

وبعد الاطاحة بالنظام السابق وعلى الرغم من ظروف الاحتلال، جرت محاولات في كل من أربيل والسليمانية لعقد عدد من المنتديات والملتقيات السياسية تحت عناوين الحوار العربي - الكردي بعضها لم يخلُ من طموحات شخصية ومهرجانات عامة، وكنتُ قد اقترحت تأسيس كيانية ثقافية جديدة للحوار، خصوصاً في الوسط الثقافي للتواصل الإنساني بين المثقفين العرب والمثقفين الكرد، لتنظيم ملتقى للحوار بين مثقفي الأمم الأربعة الترك والفرس والعرب والكرد، بما يساعد على التفاعل والتلاقح الثقافي، وسيكون مفيداً إيجاد مرجعيات للحوار ومأسسته .

ولعلّ تأسيس معهد عربي- كردي سيكون في غاية الأهمية ويمكن توسعه إلى معهد للثقافات الشرقية، لا سيما للشعوب المتجاورة، بهدف تنشيط حركة التواصل والنشر والترجمة والاطلاع على آداب وفنون وثقافات كل طرف بما لدى الطرف الآخر، إضافة إلى التحدّيات والمخاوف التي تواجه الهوّية المشتركة للعرب والكرد والهوّية الخاصة لكل منهما على انفراد ومنها:

* محاولة عزل الكرد عن المحيط العربي، وإضعاف ما هو مشترك وإيجابي في العلاقات وتقديم ما هو خلافي وإشكالي .

* اعتبار العرب والعروبة مسؤولين عمّا حدث للكرد من اضطهاد وعسف شوفيني، وتحميل العرب والعروبة ارتكابات النظام السابق وآثامه .

* اتهام الكرد بالانفصالية والعداء للعرب لمطالبتهم بحق تقرير المصير وإقامة كيانية خاصة مستقلة، وتحميلهم مسؤولية ما حدث وما يحدث بعد الاحتلال . ومثلما ينبغي التمييز بين عروبة الحكّام المستبدين وعروبة العرب، فإن ضيق أفق بعض النخب الكردية الانعزالية لا ينبغي أن يتحمّله المثقفون الكرد، تمثيلاً لإرادة العيش المشترك من الطرفين .

* تقديم ما هو طارئ ومؤقت وآني من قضايا شائكة ومعقدة، على حساب ما هو استراتيجي وثابت وبعيد المدى .

* عدم اكتراث بعض عرب العراق بمسألة كرد إيران وكرد تركيا وكرد سوريا وحقوقهم المشروعة، مثلما يتم اظهار عدم اكتراث بعض كرد العراق أو غيرهم من الكرد بالعلاقات مع “إسرائيل” وبحقوق الشعب العربي الفلسطيني .

وكصورة لعقد سياسي واجتماعي جديد للعيش المشترك، يمكن للمثقفين العرب تبديد مخاوف الكرد، من خلال الاعتراف بحقوقهم، لا باعتبارها منّة أو هبة أو هديّة، بقدر كونها إقراراً بواقع أليم، فضلاً عن مبادئ المساواة والشراكة والمواطنة، مثلما يمكن للمثقفين الكرد تبديد مخاوف العرب بتأكيد اعتبارهم جزءاً من العراق في إطار حق تقرير المصير الذي اختاروه عبر النظام الفيدرالي .



150
المنبر الحر / المثقف ونقد الثورة
« في: 20:32 02/05/2013  »
المثقف ونقد الثورة   

عبدالحسين شعبان
حين تنضج عوامل التغيير موضوعياً، لا سيّما عبر التراكم الطويل، وتتوفر الشروط الذاتية تكون اللحظة الثورية قد اكتملت، بمعنى أصبح التعبير عنها “لحظة حرّة” لا يمكن تقنينها أو احتواؤها، وبهذا المعنى ستكون فعلاً تاريخياً بامتياز، خصوصاً حينما تندفع كتلاً بشرية ومجموعات سكانية متجرّدة من كل شيء، غير هيّابة بحياتها، واضعة كرامتها فوق كل اعتبار .

إن التضحية بالنفس من أجل طلب التغيير الذي لم يعد يحتمل التأجيل، هي فاصل تاريخي انتقالي جسره الموصول هو اللحظة الحرّة للانتقال من حال إلى حال، ومن وضعية إلى أخرى، وتلك هي في الوقت نفسه لحظة استجماع غير مسبوقة ولا يمكن أن تتكرر كل يوم لتحرّك جماعي لا يكتمل أو يتبلور بسهولة، بل إن ظروفه تنضج بعد معاناة طويلة، لكن اكتماله سيؤدي إلى انقلاب الأوضاع وإطاحة الشرعية القائمة لإحلال شرعية جديدة مكانها .

ولعلّ حدثاً بهذا الوزن والحجم سيوقع الكثير من الناس، بمن فيهم بعض المثقفين، في حيرة وذهول، وربما أكثر من غيرهم بفعل حساسياتهم، لأنهم لم يكونوا يتوقعون حدوث ما حدث، لهذا ينظر بعضهم إلى الثورة لا باعتبارها عملاً تغييرياً ورفضاً للواقع وانقلاباً عليه، وإنما فعل عشوائي أو عمل اعتباطي، لزمرٍ خارجة عن القانون أو لرعاع لا همّ لهم سوى التدمير، أو لمجاميع دينية أو مذهبية تريد استنطاق التاريخ والاستقواء به مدفوعة بشهوة الحكم بزعم العودة إلى الأصول .

وللتدليل على مثل هذه التنظيرات أو الذرائع تستحضر أعمال العنف والانفلات الأمني، وما يصاحبهما من مظاهر نهب وسرقة وتجاوز على المال العام، وغير ذلك من أعمال “البلطجة”، التي تخلّلت الثورات أو أعقبتها .

ويذهب أصحاب مثل هذه التوجهات إلى التشكيك بقيم الثورة ذاتها أحياناً، خصوصاً إن أية ثورة حقيقية لن تكون ثورة من دون قيم، بل هي بحد ذاتها عمل قيمي، وما من إنسان سوي ويؤمن بالعدالة، ينكر مثل هذه الفضيلة، لهذا فإن نقد الثورة، ولا سيما ما صاحبها من أعمال شغب أو فوضى، إنما هو الآخر عمل قيمي، خصوصاً أن مهمة المثقف هي نقد الواقع، والاّ كيف يجوز لمثقف معاداة التغيير أو السكوت عن الظلم أو الاستكانة له أو تبريره؟ وإن فعل ذلك فقد تنازل عن ثقافته وهويته النقدية، لكن المثقف لكي يكون مثقفاً تنويرياً وتغييرياً لا بدّ له من تسخير وسيلته الإبداعية وأدواته المعرفية من أجل التغيير، إذ لا يكفي وقوفه إلى جانبه، بل لا بدّ من المساهمة فيه ونقده، ومن يريد الحفاظ على ما هو قائم من قيم تتعارض مع الحرية ومبادئ المساواة واحترام الحقوق والحريات، يمكن أن يكون مثقفاً، لكنه سيكون مثقفاً تقليدياً بمعنى يؤمن ويدافع عن التقاليد والعادات السائدة لأنها تخدم مصالحه، أو يستكين لها لأنه غير قادر على مقاومتها .

بعض المثقفين نظر إلى حركة الثورة والتغيير في العالم العربي باعتبارها مؤامرة مشبوهة أو عملاً مريباً مصنوعاً في الخارج، ولعلّ بعض هؤلاء استسلم لاعتقاده أن ما هو قائم سيبقى زمناً طويلاً، أو أن بعضهم بحجة الحياد وكونه مثقفاً تكنوقراطياً أو بزعم العقلانية أو الخوف من الاختراق الخارجي وغيرها من الذرائع الآيديولوجية، أو بحجة عدم معرفة خطط الثورة، وقف موقفاً حائراً وربما خائراً، إزاء الثورة، وتحت مثل هذه الافتراضات بدأ هذا “البعض” يكيل للثورة أبشع أنواع التهم، وهكذا أصبح الربيع “خريفاً” والتغيير “تدميراً” والثورة، “ثورة مضادة”، وهكذا .

ربما أراد بعض المثقفين من الثورة أن تستشيره أو حتى تستأذنه أو تأخذ رأيه قبل أن تندلع، وما كان لها أن تبدأ شرارتها من دون علمه، فهي مفاجأة كبيرة لدرجة الصدمة، خصوصاً إذا كانت لا تنطبق مع معطياته وتصوراته، فضلاً عن توثيقاته، وحسب وجهة نظر هؤلاء، هناك تغيير محمود وآخر مذموم، وهناك تغيير أخيار وآخر للأشرار، وتغيير سلمي وآخر عنفي، وتغيير فوقي وآخر جذري وتغيير ثوري وآخر إصلاحي، وتغيير عميق وآخر سطحي وهو مع التغيير الذي على مقاسه، وهو التغيير غير الموجود في الواقع .

لم يعد التغنّي بالجماهير كافياً، بعد أن تصبح تلك الكتل البشرية، واقعاً حسيّاً ملموساً، له خواصه، وحسب التجربة التاريخية، فإن الثورة تخرج من جوفها الأنبل والأجمل والأروع، مثلما تخرج نقيضها الأسوأ والأقبح والأبشع . التغيير فعل حرّية، ضد الشرّ والظلم، وهو صراع من أجل العدل والمساواة، ولكن عملية التغيير ذاتها بحاجة هي الأخرى إلى نقد، خصوصاً لما قد يصاحبها من عنف وتخريب وانفلات، وهذا النقد ضروري، لا سيما وهي في منعرجاتها ومساراتها واحتمالات انحرافاتها، وربما هيمنة قوى عليها استغلت لحظة تاريخية في منعطفها فركبت الثورة، لذلك فإن علمية التغيير تحتاج إلى تقويم ونقد مستمرين، لكي لا تستكين الأمور .

لا بدّ من الجرأة في نقد التغيير، خصوصاً أن هناك من يريد حشره في ثنوية لافكاك منها بين الخير والشر والعدل والظلم والحرية والاستبداد، وإن كان في العموم الأمر على هذه الشاكلة، لكن التغيير حفر في العمق وليس نقراً في السطح، حسب المفكر ياسين الحافظ، إنه بحاجة إلى بناء وتدرّج وتراكم ومساءلة والتزام بحكم القانون وإعادة النظر في الكثير من الأمور، فلكي تنجح الثورة فلا بدّ من الانتقال من الشرعية الثورية إلى الشرعية الدستورية .

التغيير الحقيقي لا يقوم على استبدال أفراد بآخرين، زعيم وبضعة مسؤولين بزعيم جديد مع شلّته، إذ لا بدّ من تفكيك النظام السابق واستبداله بنظام جديد يقوم على قيم جديدة، أفضل مما قام عليه النظام السابق، ولا يعني ذلك بالضرورة، حلّ الأجهزة السابقة جميعها، باعتبارها جزءاً من نظام ظالم، بل على قدرة النظام الجديد على احتواء وتكييف الكفاءات السابقة للاستفادة منها، وهو ما فعلته جميع الثورات الناجحة، أما الذين ارتكبوا الجرائم أو الذين يريدون إعادة القديم إلى قدمه، فلا بدّ من اتخاذ إجراءات حازمة بحقهم، لا سيما إذا لجأوا إلى وسائل عنفية، علماً بأن التغيير فعل مسالم إزاء الأفراد، بمن فيهم الذين خدموا أنظمة ظالمة، أما النظام الظالم، فلا بدّ من تغييره واستبداله، بضربة أولى بعد اكتمال اللحظة الحرّة، ومن ثم بالتدريج والتراكم، يتم تفكيكه واستبداله عبر معايير العدالة الانتقالية وتطبيقاتها .

ولعلّ لحظة الإرادة الجماعية الحرّة تتخطى البرامج والصياغات والآيديولوجيات والشعارات، لأنها تنطلق من الواقع ومن موازين القوى، خصوصاً عندما ينتقل الخوف من المحكومين إلى الحكام وهو ما حصل لجميع الثورات الكبرى، سواء الثورة الفرنسية العام 1789 أو الثورة الروسية العام 1917 أو الثورة الإيرانية العام ،1979 لكن الثورة تأكل الجميع، القيادات القديمة والجديدة، ومثلما يتم خلع رموز النظام السابق في المرحلة الانتقالية، فإن الصراع قد يؤدي إلى إلغاء رموز النظام الجديد وصنّاع الثورات، وهو ما يحصل أمام أعيننا بخصوص الثورات العربية، التي انطلقت تعددية غير آيديولوجية، وذات توجه ديمقراطي، ودعت إلى دساتير ديمقراطية وانتخابات حرّة ونزيهة ورفعت شعارات ضد الاستبداد ومن أجل الحرية والكرامة ومحاربة الفساد، وإذا بالفسحة تضيق أمامها حتى إن كان الأمر عبر صندوق الاقتراع، والمطلوب ليس الاحتكام إليه فحسب، بل الاتفاق على معايير للانتقال أو التحوّل الديمقراطي أولاً، ثم فيما بعد اللجوء إلى خيار الانتخابات الدورية الحرّة .

القواعد الما فوق دستورية، هي التي كانت وراء دستور (إسبانيا) التي حكمها الديكتاتور فرانكو 38 عاماً، ودستور البرتغال العام 1974 التي حكمها الديكتاتور سالازار، ودستور شيلي العام 1988 التي حكمها الديكتاتور الجنرال بينوشيه، ودساتير بلدان أوروبا الشرقية ذات الأنظمة الشمولية، ولهذا فإن الدستور لا بدّ أن يضمن التوافق أولاً والشراكة ثانياً، ومن ثم ضمان المنافسة في إطار شرعي ثالثاً، وهو بحاجة إلى أن تتوافق عليه القوى والمكوّنات المختلفة، لا سيما على شكل الدولة في إطار مواطنة متساوية ومساواة تامة واحترام حقوق الإنسان والتوازن بين الهوّيات الفرعية والهوّية العامة، ولعلّ تلك ما كانت تريده اللحظة العربية الحرّة، وهو ما ينبغي للمثقف التأمل فيه ونقده .



151
المنبر الحر / “إبادة” التعليم
« في: 19:02 25/04/2013  »
“إبادة” التعليم   

 
عبدالحسين شعبان
هل يمكن القول إن مصطلح “إبادة التعليم” دخل القاموس السياسي والحقوقي للجرائم الدولية ضد الإنسانية في توصيف ما حصل للتعليم في العراق طيلة العقدين ونيّف الماضيين، أم ثمة مبالغة في ذلك؟ وماذا نسمّي سلسلة الإجراءات والخطوات التدميرية ضد العملية التعليمية بجميع أركانها على نحو مُمنهج ومركّب، بما فيها القابلية على التعليم، إضافة إلى استهداف مستمر لفئات المتعلمين من مختلف الاختصاصات؟

وقد تم تطبيق هذه النظرية على نحو منظّم وطويل الأمد وعن سابق إصرار وتصميم في العراق، عبر طائفة من التدابير التي من شأنها تدمير التعليم والعملية التعليمية بمختلف مراحلها، وقد كان مفعول ذلك وتأثيره سريعاً، في ظل نظام العقوبات الاقتصادي الدولي الذي فرض على العراقيين من العام 1991 ولغاية العام 2003 .

وإذا ما أضفنا الحروب السابقة، ولا سيّما الحرب العراقية- الإيرانية التي دامت ثماني سنوات 1980-،1988 وفيما بعد عملية غزو الكويت في العام ،1990 وحرب قوات التحالف ضد العراق في العام ،1991 وصولاً إلى الاحتلال العام ،2003 وما تركه من تكريس للمحاصصة الطائفية والإثنية وظواهر الفساد المالي والإداري وتفشي الإرهاب والعنف، فإن الاستنتاج سيكون خطراً بكل معنى الكلمة إزاء النظام التعليمي بكل مفاصله والعملية التعليمية في العراق بكل أركانها، خصوصاً النزف الذي كان مستمراً طيلة نحو ثلاث عقود من الزمان .

إن الآثار المدمّرة لسنوات الحروب والحصار والاحتلال والطائفية تشكّل تحدّيات أمام المؤسسات التعليمية والأكاديمية العراقية بكل أنواعها وفروعها، الأمر الذي لم يقف على هذا الحد، بل شمل العملية السياسية والمجتمعية برمّتها، ناهيكم عن كونها تحدّياً للمجتمع الدولي، لا سيّما للخطط والمشاريع التي تحدثت بآمال عريضة وأحلام كبيرة عن إعادة الإعمار، تلك التي ظلّ يؤثر فيها سلباً ضعف الأمن واستمرار هشاشة مؤسسات الدولة والانقسام المذهبي والطائفي والإثني الذي اتخذ بُعداً مجتمعياً، حيث رافقته علميات تهجير ونزوح لمئات الآلاف من اللاجئين في خارج العراق وداخله، واغتيال العلماء والأكاديميين، إضافة إلى هزال المناهج التربوية والتعليمية، ومحاولة إضفاء توجهات دينية وطائفية عليها أحياناً، سواءً كان ذلك بصورة رسمية، أو بصورة غير رسمية، وما صاحب ذلك من ردود فعل ومطاولات، بضغوط من الطلبة وبعض الأساتذة، وفي ظل منافسة سياسية محمومة .

لعلّ من الصعب في ظل هذا الواقع المرير وضعف مخصصات التعليم بشكل عام والتعليم العالي والبحث العلمي بشكل خاص، تجاوز الوضع الراهن للعملية التعليمية بكل أركانها: الأساتذة، الطلبة، المناهج، الادارة، إضافة إلى الفضاء التعليمي “المتزمت” الذي يقلّص من فرص حرية التعبير والبحث العلمي، خصوصاً في ظل الصراعات السياسية والمذهبية والإثنية، فضلاً عن بلوغ أهداف التنمية للألفية الثالثة التي بدأت بعنوان التعليم للجميع التي حددت سقفاً أعلى بحلول العام 2015 بسبب آثار الحروب والحصار وضعف الأمن والأمان واستمرار انخفاض المستوى المعيشي ونقص الأبنية والخدمات واستمرار ارتفاع معدّلات الأمية .

واستناداً إلى معلومات رسمية ومقارنة مع معلومات من اليونسكو، فإن نحو خمسة ملايين من سكان العراق الذين تجاوزوا ال 30 مليوناً، هم أميون بينهم نحو 14% من هم بعمر التعليم، أي نحو 700 ألف طفل لم يدخل المدرسة أو تسربّ منها، لإعالة عائلته، فضلاً عن الهجرة وقلة الخدمات التي أسهمت في حرمان أعداد أخرى لتأمين حقوقهم في التعليم .

وإذا ما أضفنا إلى الأمية المعرفية، الأمية الأبجدية فستكون النسبة مرتفعة جداً وخطرة جداً، لا سيّما في ظروف انخفاض مستوى المعيشة وشحّ الأجور على الرغم من تحسنها ما بعد العام 2003 واستمرار ظاهرة الفقر، بل إن الأعداد المتزايدة لمن هم دون خط الفقر، والذين لا يزيد مدخولهم اليومي عن دولارين ونقص الخدمات الصحية واستشراء أمراض جديدة، بفعل الحروب واستخدام أسلحة غير معروفة، بما فيها ما تم استخدامه في الفلوجة وعدد من مناطق جنوب العراق، كل ذلك يهيئ بيئة خصبة للإرهاب والعنف ولنشر ثقافة الكراهية والثأر والإقصاء والإلغاء .

وإذا كان الصراع في العراق هو الأكثر شهرة اليوم في العالم، فإن جانباً منه يتعلق بالتصفية المنهجية للعلماء والأكاديميين العراقيين، الأمر الذي أدى إلى تهجير أوساط واسعة منهم ومن الكفاءات العليا والوسطية من الطبقة الوسطى . وقد أشارت صحيفة “الأنديبندنت” البريطانية إلى أن 470 من العلماء والأكاديميين العراقيين قتلوا (حتى أوائل العام 2007)، وكانت محكمة بروكسل سجّلت في مطلع أكتوبر / تشرين الأول 2010 أن 449 حالة قتل أعقبت الغزو منذ العام ،2003 إضافة إلى حرق ونهب وتدمير نحو 84% من مؤسسات التعليم العالي، إضافة إلى تعرّضها إلى عمليات عنف وتفجير واختطاف، ومن أكثرها شهرة حادثة اختطاف نحو 150 من منتسبي وزارة التعليم العالي عندما داهمها مسلحون في وضح النهار واقتادوا موظفيها إلى مكان مجهول .

وبضم موضوع تزوير الشهادات الجامعية والعليا الذي انتشر على نحو واسع إلى حزمة الإجراءات التدميرية، سندرك حجم الهدر السافر والصارخ الذي عاناه العراق منذ عقود ثلاثة من الزمان، إذ سيحتاج العراق لمعالجة هذا النقص الفادح وللنهوض بما كان يتمتع به التعليم بشكل عام والتعليم العالي بشكل خاص في السبعينات من مزايا، إلى تخصيص استثمارات وميزانيات تتناسب مع هذه المهمة لتأمين هذا الحق الذي ينبغي أن يعتمد على توجّه مغاير لما هو قائم اليوم، باعتماد سياسة انفتاحية وإقرار التعددية والتنوّع فعلياً واحترام الخصوصيات وتجاوز الانقسامات الدينية والطائفية والعرقية والفئوية بخطط للتسامح والعيش المشترك ومبادئ الحرية والمساواة والمشاركة والعدالة وذلك وحده يمكن أن يعيد للتعليم والعملية التعليمية اعتبارهما .

ولعلّ العودة إلى التعليم الإلزامي المصحوب بحملة توعية كبيرة تسهم فيها مؤسسات المجتمع المدني والإعلام والفاعليات والأنشطة السياسية والدينية، يمكن أن يؤدي إلى تطوّر إيجابي لتطويق الأمية ومكافحتها أبجدياً ومعرفياً، بحملة شعبية وتوعوية كبيرة، خصوصاً بنبذ العنف ونشر ثقافة السلام واعتماد الكفاءة والمؤهلات العلمية وعدم تسييس المناهج وتشجيع منهج الجدل والحوار بحثاً عن الحقيقة .

ولا يمكن لأي بلد أن يرتقي إلى مصاف البلدان المتقدمة من دون وجود ركنين أساسيين بعد توفر بيئة الأمن والاستقرار: الركن الأول يقوم على مبدأ حكم القانون، بما فيه استقلال القضاء ومهنيته ونزاهته وفصل السلطات وتحقيق مبادئ المساواة والمواطنة التامة، أما الركن الثاني فهو التعليم العالي، ولا سيّما البحث العلمي، وذلك ما تحتاجه الجامعات والمؤسسات الأكاديمية، خصوصاً في ظل حرّية البحث التي من دونها لا يمكن تطوير التعليم العالي والبحث العلمي .

وكثيراً ما يستشهد أصحاب القانون بالزعيم البريطاني ونستون تشرشل عندما سأل عن القضاء حينما كانت تدك الصواريخ والقنابل الألمانية لندن، فقيل له إنه بخير، فقال قولته الشهيرة: إذاً نحن بخير، وهو الأمر الذي ردّده الجنرال ديغول وهو يدخل فرنسا عند تحريرها بقوله: إذا كانت الجامعات الفرنسية (العريقة) بخير، وكذلك القضاء بخير، ففرنسا ستكون بخير ويمكن لها أن تتعافى سريعاً .

إن فرص التنمية ستكون ممكنة ومؤثرة إذا استطاع التعليم بشكل عام، والتعليم العالي بشكل خاص في العراق استعادة مكانته وردم الهوّة بينه وبين العالم المتقدم، ولعل مناسبة هذا الحديث هو جزء من حوار مع وزير التعليم العالي في العراق علي الأديب، في لقاء مع عدد من الأكاديميين وأساتذة الجامعات .




152
بول وولفويتز ورسائله المثيرة   
     
 
عبدالحسين شعبان
يعد الأكاديمي والسياسي بول وولفويتز نائب وزير الدفاع الأمريكي الأسبق دونالد رامسفيلد، من أشدّ دعاة الحرب على العراق، كما يعدّ من أبرز الشخصيات التي تمثل تيار المحافظين الجدد، وقد لمع اسمه في فترة التحضير للغزو، لا سيما أنه كان للبنتاغون دور مهم في الإعداد للحرب ورسم خطط الاحتلال . ويكاد يجمع الرأي على تمتع وولفويتز بالذكاء الحاد، فضلاً عن براعته الدبلوماسية وكفاءاته الإدارية والسياسية .

وكان وولفويتز يصرّ على أن التخلص من النظام العراقي السابق في مصلحة الشرق الأوسط، إضافة إلى الشعب العراقي بمكوّناته المختلفة، وهو يردّ على من يقول بحدوث فراغ كبير، يمكن لإيران أن تستغله لتوسّع نفوذها وتبسط هيمنتها .

وعلى الرغم من مرور عشر سنوات على الاحتلال الأمريكي وما خلفه من دمار شامل، فضلاً عن انعكاساته السلبية على عموم دول المنطقة، فإن وولفويتز لايزال مستمراً بل متحمساً لأطروحاته إزاء تطور الأحداث، لكنه في الوقت نفسه أخذ يزيح النقاب عن بعض الخفايا والأسرار، وهو وإن اعترف ببعض الأخطاء، فإنه لا يلقي باللائمة على واشنطن، بل يعزوها إلى جيران العراق، لا سيّما من العرب، دون أن يهمل ذكر بعض الأخطاء الأمريكية، وكذلك أخطاء الحكومات العراقية ما بعد حكم بول بريمر (الحاكم المدني الأمريكي للعراق) في الفترة الممتدة بين 13 مايو/أيار 2003 لغاية 28 يونيو/حزيران  2004 .

ويراهن وولفويتز على التاريخ الذي قد يستغرق سنوات طويلة لتتضح صورة التغيير الذي حصل في العراق، نافياً سعي الأمريكان إلى نهب النفط أو استعباد الشعب العراقي الذي تخلّص من ديكتاتور بغيض حسب تعبيره . ومع أنه يعترف بعدم وجود أسلحة دمار شامل في العراق من خلال “مجموعة مسح العراق” التي أعدّت تقريراً نهائياً في أواخر العام ،2005 (استمراراً للجان التفتيش التي زارت العراق مئات المرّات من العام 1991 ولغاية العام 2003)، فضلاً عن عدم إثبات وجود علاقة بين النظام السابق وتنظيمات القاعدة الإرهابية، وهما الذريعتان الأساسيتان اللتان تم شن الحرب استناداً إليهما .

يضاف إلى ذلك، أنّ حجة التخلّص من نظام شرير وبناء نظام ديمقراطي لا تزال محطّ تساؤل كبير بعد مرور عشر سنوات على الحرب، لا سيما بابتداع نظام المحاصصة الطائفية- الإثنية وتفشي ظاهرة الإرهاب والعنف، واستشراء الفساد المالي والإداري، واستمرار تردّي الخدمات الصحية والتعليمية، وكذلك الكهرباء والماء الصافي، وهشاشة الأمن وضعف هيبة الدولة، الأمر الذي جعل من الفوضى والتشظي مسألتين مستمرتين طوال العقد الماضي من الزمان . والذي عاظم من مآسي العراقيين وجود مئات الآلاف من النازحين ومثلهم من اللاجئين، وخصوصاً من المتحدّرين من هوّيات فرعية مثل المسيحيين والإيزيديين والصابئة وغيرهم بمن فيهم التركمان والكلدانيون والآشوريون الذين ضربتهم موجة العنف في الصميم، إضافة إلى عموم الشعب العراقي .

وإذا كانت لوثة العنف قد أصابت المجتمع ككل، فإن نصيب الفئات الضعيفة، لا سيّما المجموعات الثقافية والدينية كان أشد وطأة، خصوصاً وهي لا تستطيع مواجهة المتسيّدين باسم الهوّيات الكبرى، وليس لديها ما يؤهلها لذلك نفوساً أو امتداداً جغرافياً أو سلاحاً أو توجهاً .

ويبرّر بول وولفويتز قرار إدارة بوش بشن الحرب، حتى بعد عدم اكتشاف أسلحة دمار شامل “بأن جميع وكالات الاستخبارات الأجنبية كانت تعتقد بوجودها . . . وربما خطط صدام حسين لإعادة بناء قدراته من أسلحة الدمار الشامل فور تمكّنه من تحرير نفسه من نظام العقوبات الاقتصادي المفروض عليه”، وإن الإرهابيين كانوا قد بدأوا بشن هجوم من داخل الأراضي العراقية في أوروبا والشرق الأوسط، بمن فيهم أبو مصعب الزرقاوي الذي قتل في يونيو/حزيران 2006 .

ويبدو أن وولفويتز لم يُشْفَ من شبح  صدام حسين الذي ظلّ يطارده، حيث يقول لو كان صدام حسين في السلطة اليوم لمدّ يد العون إلى بشار الأسد خوفاً من أن يؤدي نجاح الثورة السورية إلى أن تصبح مصدر إلهام للعراقيين للثورة ضدّه، وتلكم لعمري افتراضات لا يجمعها جامع مع علم السياسة، فضلاً عن بعض الأحكام المسبقة، إذ يمكن أن يكون هذا الافتراض صحيحاً وقد يكون خاطئاً، خصوصاً بتبدّل الظروف والأحوال، لا سيما بحجم الأهوال التي عرفها البلدان .

ومع كل تبريراته فإن بول وولفويتز يعترف بأخطاء الولايات المتحدة ويجملها بتشكيل حكومة احتلال (المقصود مجلس الحكم الانتقالي والحكومة التي انبثقت على أساس المحاصصة الطائفية والإثنية التي انبعثت عنه بالاتفاق مع بول بريمر)، وهو ما شاركت فيه أغلبية القوى السياسة المتصدّرة للعمل السياسي اليوم، ويقول كان ينبغي تسليم السيادة للعراقيين منذ البداية . كما يعترف بأن واشنطن تأخرت أربع سنوات لتنفيذ استراتيجيتها في محاربة الإرهاب .

وبشأن حرب الخليج الأولى بعد غزو القوات العراقية الكويت، وفي أعقاب هزيمة الجيش العراقي العام ،1991 ينتقد وولفويتز واشنطن لسماحها باستخدام الهليكوبترات الحربية للقضاء على الانتفاضة العراقية التي اندلعت في مارس/آذار ،1991 ويعتبرها مسؤولة عن التسبّب بموت عدد كبير من المشاركين فيها، لا سيما بتقدم الحرس الجمهوري بالتحرك نحو الجنوب، من البصرة إلى حوض الفرات والمدن الأخرى، وقد شهدت تلك الفترة أعمالاً انتقامية وثأرية طالت الآلاف من المواطنين العراقيين الأبرياء .

وما يلفت النظر في قراءة بول وولفويتز استنتاجاته بخصوص العلاقة مع إيران، فإن لم يقدم العرب على دعم حكومة بغداد التي تتحدد علاقتها مع جيرانها بمعادلة طردية، فإن إيران ستكون لها الحظوة، فكلّما زاد دعم العرب للعراق، زاد ابتعاد العراقيين أو عدم حاجتهم إلى إيران، والعكس صحيح أيضاً، ولعل شيعة العراق، كما يقول، قد يضطرون إلى التقرّب من جار سيّئ، إذا لم يحصلوا على مساندة أشقائهم العرب، ومرّة ثانية يقول إن هذا رأي القيادات السعودية الذي بيّنته لبيكر بعد انتهاء حرب الخليج الأولى، وهو يدعو دول مجلس التعاون الخليجي اليوم إلى عدم النأي بالنفس عن بغداد، وربما هذا ما فعلته واشنطن قبل انسحابها من العراق .

لعلّ استنتاجات مثل هذه بحاجة إلى وقفة جديدة للقراءة، فشخصية مثل وولفويتز كان لها دور كبير خلال الغزو الأمريكي للعراق وما بعده، فضلاً عن تاريخه، حيث بدأ حياته السياسية والمهنية في وزارة الخارجية الأمريكية منذ مطلع الثمانينات، ثم أصبح مساعداً لوزير الخارجية لشؤون الشرق الأقصى وبعض المحيط الهادي، وبعدها عيّن سفيراً في إندونيسيا وانتقل إلى وكيل لوزير الدفاع لشؤون السياسات ونائب لوزير الدفاع (2001-2005) ورئيس للبنك الدولي 2005-،2007 إضافة إلى إدارته لمعهد الدراسات الدولية في جامعة جونز هوبكنز، وهو من مواليد مدينة نيويورك (1943) ودرس الرياضيات ثم العلوم السياسية، حيث نال شهادة الدكتوراه من جامعة شيكاغو ،1972 وانتقل حينها من الحزب الديمقراطي إلى الحزب الجمهوري وأصبح أبرز شخصيات المحافظين الجدد، أو ما يسمّون بصقور الحرب على العراق .

ولهذا فإن ما يقوله وولفويتز يعدّ أمراً في غاية الأهمية والخطورة حتى وإن كان خارج المسؤولية الآن، وعلى أصحاب القرار من العراقيين ومن العرب التمعّن فيه والتأمل في ما ذهب إليه، لا سيما بعد مرور عشر سنوات على الاحتلال .


153
حقوق الإنسان: سلاح أميركي

عبد الحسين شعبان

سعت الولايات المتحدة لفرض  فلسفتها ونمط حياتها وطريقة عيشها وثقافتها على العالم، عندما أصبحت القوة العظمى سياسياً واقتصادياً وعسكرياً وتكنولوجياً وعمرانياً بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، وزعمت أنها تمثّل ما أطلقت عليه «العالم الحر» بما فيه من قيم ليبرالية، تمجّد من الحرية والفردانية والسوق.
وإذا كانت قيم الديموقراطية وحقوق الإنسان قد انتشرت بعد الحرب العالمية الثانية وتكرّس بعضها في ميثاق الأمم المتحدة الذي صدر عن مؤتمر «فرانسيسكو» العام 1945 بتوقيع 51 دولة عليه، فإن الحوار والنقاش اكتسب بُعداً عالمياً امتدّ لنحو ثلاث سنوات ما بعد قيام الأمم المتحدة، تتوّج بصدور الاعلان العالمي لحقوق الإنسان في 10 كانون الأول العام 1948، الذي يعدّ تطوراً مهماً يقاس به تقدّم الأمم والشعوب والدول والجماعات البشرية، لا سيما مدى تمثّل الحقوق والالتزام بها واحترامها.
واعتبر الاعلان الشجرة الوارفة التي تفرّعت عنها نحو 100 اتفاقية دولية، لا سيما بعد صدور العهدين الدوليين الأول الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والثاني الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، في العام 1966 كاتفاقيتين دوليتين شارعتين، ودخلا حيّز التنفيذ في العام 1976 واعتبرا أساسين للشرعة الدولية لحقوق الانسان.
وخلال فترة الحرب الباردة التي يمكن تأرختها بصيحة الزعيم البريطاني ونستون تشرشل بضرورة اتحاد العالم الحر لمواجهة «الخطر الشيوعي» في العام 1947 واشتداد الصراع الآيديولوجي، فإن قضية حقوق الإنسان كانت واحدة من القضايا التي ثار الصراع حولها، واحتدم الجدل بشأنها، ولا سيّما محاولات توظيفها.
وإذا كان الاعلان العالمي لحقوق الإنسان ثمرة انتشار الأفكار الديموقراطية بعد القضاء على الفاشية والنازية، حيث وردت الإشارة إليه في ميثاق الأمم المتحدة سبع مرّات، فإن إبرامه كان بمبادرة من بعض دول أميركا اللاتينية وبكفاح دبلوماسي، كان للعلاّمة اللبناني شارل مالك دور مهم فيه وفي صياغته. ومن المفارقة فإن الإعلان لم يلق اهتماماً يُذكر من الولايات المتحدة أو من دول غرب أوروبا عموماً، كما تحفظت عليه الدول الاشتراكية، الاّ أن الاهتمام اللاحق بقضية حقوق الانسان من جانب الولايات المتحدة، كان أحد وسائل الصراع ضد المنظومة الاشتراكية، خصوصاً في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، حيث كانت واشنطن تبرز أهمية الحقوق الفردية في مواجهة تمسك الاتحاد السوفياتي بالحقوق الجماعية، وتقدِّم الحقوق المدنية والسياسية، على الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وهو الأمر الذي كان حلبة صراع ممتدة على امتداد خريطة العالم.
وخلال عهد الرئيس كينيدي تعززّت مجموعات ما يسمى بـ: تروست الأدمغة «ترسانة العقول» التي تعبّر عن مصالح المجمّع الحربي - المالي والصناعي، لشن هجوم فكري ضد الكتلة الاشتراكية، وفقاً لنظرية بناء الجسور التي قال عنها جونسون: إنها جسور ستعبرها البضائع والسلع والأفكار ونمط الحياة لاختراق المعسكر الاشتراكي، الذي كان يبدو منيعاً من الخارج، لكنه في واقع الأمر كان هشّاً من الداخل باستعادة فكرة جون بول سارتر.
ولم تتوان واشنطن أن تفرض رؤيتها الخاصة بحقوق الإنسان ديبلوماسياً وعبر جهد دعائي وسياسي لسنوات طويلة، ففي مؤتمر للأمن والتعاون الأوروبي الذي حضرته 33 دولة أوروبية، إضافة إلى كندا والولايات المتحدة حدّد بيانه الختامي في 1 آب 1975، اعتبار مبادئ حقوق الانسان مبادئ آمرة Jus Cogens في القانون الدولي، أي ملزمة، وجرى التأكيد على الحقوق الفردية والمدنية والسياسية، مع إشارات إلى الحقوق الجماعية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، الأمر الذي كان سيعني، إن ما ورد في ميثاق الأمم المتحدة بشأن حقوق الإنسان ارتقى إلى صيغة أعلى ذات صفة إلزامية، من خلال القوى المتنفذة في العلاقات الدولية، التي استخدمته بصورة انتقائية، وكان ذلك بمثابة رأس الحربة في سياسة جيمي كارتر وما بعده رونالد ريغان.
ولم تتورع واشنطن باستخدام جميع الوسائل لتحقيق أهدافها، بما فيها توظيف مجلس الأمن والأمم المتحدة لمصلحتها، وخصوصاً بعد ضعف وانحلال الكتلة الاشتراكية، وغالباً ما كانت تلجأ إلى سلاح العقوبات بأشكالها المختلفة.
وكانت بعض الحكومات تتجه لمقايضة قبول واشنطن عن أوضاعها الداخلية، بما فيها السكوت عن حالة حقوق الإنسان، مقابل مصالح اقتصادية وقواعد عسكرية وشراء أسلحة وصفقات تفضيلية، وغيرها من المزايا والامتيازات التي تمنحها للولايات المتحدة، مقابل غضّ النظر عن حالة حقوق الإنسان.
وكانت مفوضية حقوق الإنسان وفيما بعد المجلس الدولي لحقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، هو من يقوم بمهمة الضغط على البلدان التي تنتهك حقوق الانسان، وإن كان في الأمر ثمة شيء إيجابي، يتعلّق بالضغط على الدول لاحترام حقوق الإنسان ومطالبتها بالالتزام بالمعايير الدولية، لكن واشنطن كانت تستغلّه لأغراض مصلحية وأنانية ضيقة، حيث تستثمر التقارير الدولية أحياناً لمصالحها الخاصة، لكن التطور الدولي على هذا الصعيد قاد إلى أن تكون تلك التقارير «واجباً» على الدول اليوم تقدّمه سنوياً لتبين التقدّم الحاصل في حالة حقوق الانسان في بلدانها، ولم يعد تقرير وزارة الخارجية الأميركية كافياً لتوجيه التهمة إلى الدول والحكومات، بل أصبحت حتى الولايات المتحدة من يقدّم تقريره الخاص باحترام حقوق الانسان، أيضاً أسوة بالبلدان الأخرى.
وبحكم وزن واشنطن وثقلها الدولي فإن تقارير وزارة الخارجية الأميركية، كانت تؤثر على مجلس حقوق الانسان، بل أن هناك تسرّباً أحياناً يأخذ طريقه بشكل أو آخر إلى بعض المنظمات الدولية بما فيها ذات الصدقية العالية، وذلك وسيلة للابتزاز والبازار السياسي، ولكن هذا السلاح أخذ يستخدم ضد واشنطن لاحقاً، وأتذكر أن وزير داخلية أحد البلدان العربية في أواخر التسعينيات عاتبني إزاء الحملة ضد بلده، فما كان مني الاّ أن أطلعته على التقرير السنوي للمنظمة العربية لحقوق الإنسان الذي تضمّن تقارير عن 22 بلداً عربياً، فضلاً عن فصل خاص ضد سياسات ونهج الولايات المتحدة، الممالئ «لإسرائيل» وممارساتها العنصرية في فلسطين واستمرار احتلالها للأراضي العربية المحتلة وتنكّرها لمنظومة حقوقه كاملة، ولا سيما حقه في تقرير المصير، ناهيكم عن الموقف إزاء مفهوم «الإرهاب الدولي» الذي يستخدم بطريقة انتقائية وازدواجية.
اليوم تحاول روسيا تغيير قواعد اللعبة، فهي التي تقوم بكشف انتهاكات حقوق الانسان في الولايات المتحدة، بل إنها تستخدم هذا السلاح بعد أن احتكرته واشنطن لعقود من الزمان، وحتى لو كان استخدام هذا السلاح لاعتبارات مصلحية أو لظروف الصراع بين موسكو وواشنطن، فإن جانبه الأخلاقي يبقى مهماً، علماً أن ظروف الصراع اليوم مختلفة عن الحرب الباردة والصراع الآيديولوجي السابق.
لقد اطّلعت على تقرير صدر عن وزارة الخارجية الروسية بعنوان «حالة حقوق الإنسان في الولايات المتحدة الأميركية»، حيث تم فيه رصد عدد من الانتهاكات في الولايات المتحدة خلال العام المنصرم، سواءً المتعلّقة بالحريات والحقوق والتمييز العنصري والعرقي، وقضايا التعذيب والقتل خارج القضاء (لا سيّما خارج الولايات المتحدة) والمعاملة السيئة للسجناء وتنفيذ عقوبة الاعدام، ورفض واشنطن التصديق على العديد من الاتفاقيات الدولية الخاصة بحقوق الانسان، مثل اتفاقية منع التمييز ضد المرأة واتفاقية حقوق الطفل والاتفاقيات الخاصة بالعمالة المهاجرة والمهاجرين.
وعلى صعيد الحرّيات رصد التقرير انتهاكات ضد 80 صحافياً تعرضوا للضرب من جانب الشرطة وتتسع ظاهرة التخلي عن الإعلاميين بسبب آرائهم السياسية وانتقاداتهم للادارة الأميركية. أما بخصوص الضمان الصحي فيذكر التقرير أن أكثر من 40 في المئة لا يتمتعون به، وأن ما يزيد على 46 في المئة من السكان لا يملكون منزلاً، وأن شبكة المياه والكهرباء لا تصل إلى نحو 20 في المئة من السكان، وأن هناك نحو 12,8 مليون عاطل عن العمل.
ولعلّ التقرير الروسي الذي اقتفى أثر تقارير وزارة الخارجية الأميركية، استند إلى العديد من المصادر وإلى بعض المنظمات الحقوقية والدولية، ومثل هذا الأمر سيكون مساهمة في إثارة النقاش والجدل حول أوضاع حقوق الانسان في الولايات المتحدة بشكل خاص، والعالم بشكل عام، وهو وجه إيجابي للعولمة، حتى وإن كان القصد منه نفعياً، فموسكو المتهمة بالانتهاكات تحاول اتهام واشنطن بها، في جزء من الصراع في العلاقات الدولية ما بعد الحرب الباردة، حيث يصبح المتهِمْ متهمّاً والمهاجم مدافعاً، والأدلة كثيرة.



154
بغداد عاصمة الثقافة العربية
   
 
عبدالحسين شعبان
لعلّ الأصل في أن تكون للثقافة عاصمة سنوية، هو مبادرة مشتركة لوزيري الثقافة في اليونان وفرنسا، ففي العام 1985 اتفقت وزيرة الثقافة اليونانية الممثلة ملينيا ميركوري مع وزير الثقافة الفرنسي المفكر جاك لانغ على تبنّي هذه الفكرة وإخراجها إلى حيّز التنفيذ، وكان الغرض منها نسج خيوط التقارب ومدّ بساط التواصل بين المدن والعواصم الأوروبية، ذات الثقافة المتنوّعة والتعددية، في إطار هدف تعزيز العلاقات وتطويرها والتعريف بتاريخ الأمم والشعوب وثقافاتها، والعمل على تعميق المشتركات الأوروبية، لا سيما في القيم الثقافية والروحية والجمالية ذات الأبعاد الإنسانية .

ومنذ أن انطلقت تلك المبادرة، حتى بدأت منظمات وجهات دولية وإقليمية على تبنّيها، فأصبح هناك أكثر من مناسبة لأكثر من مدينة، وعنها تم استحداث ذلك عربياً وإسلامياً، فتارة يتم اختيار عاصمة للثقافة العربية وأخرى للثقافة الإسلامية، وهكذا، إضافة إلى مناسبات أخرى لعواصم أو مدن تقام فيها فعاليات ثقافية وفنية، لتعبّر عن رغبتها في أن يكون لها شأن في ثقافة الأمم أو الشعوب أو البلدان .

وبالطبع، فإن القرارات التي يتم اتخاذها بكون هذه العاصمة أو تلك هي عاصمة للثقافة لا يعني أنها ستتحوّل بين يوم وليلة إلى مركز للثقافة، فهناك فرق بين عاصمة وأخرى، تبعاً لإرثها الثقافي وتطورها الحضاري وتاريخها الثقافي . وقد جاء اختيار بغداد عاصمة للثقافة العربية لهذا العام ليثير الكثير من الجدل والنقاش، فهل بغداد مؤهلة حقاً لتحتضن المثقفين العرب؟ وهل مثل هذا الاختيار رغبة سياسية في تقليص العزلة والتهميش الذي عاشته بغداد خلال السنوات العشر الماضية من الاحتلال، أي منذ العام 2003 ولحد الآن، فضلاً عن الإشكاليات التي لاتزال تعصف بفضائها الثقافي قبل غيره، مثل المحاصصة الطائفية والإثنية، والفساد المالي والإداري، واستشراء الإرهاب والعنف وغير ذلك من الظواهر الخطرة، فضلاًعن شحّ الخدمات ولا سيّما الكهرباء والماء الصافي والتعليم والصحة، وغيرها؟

ولكن، كيف لبغداد أن تستعيد هوّيتها الثقافية التاريخية دون مشاركة عربية، ودون عودة بغداد إلى حاضنتها العربية، وعودة العرب إلى العراق بكل تنوّعه العربي والكردي والتركماني والآشوري والكلداني، وبكل امتداداته الدينية وتعدّد مذاهبه وفقهائه في السابق والحاضر؟ وإذا كان الحدث قد اكتسب طابعاً سياسياً، فكيف السبيل خلال هذا العام ليتحوّل الحدث إلى بعد ثقافي، يتعلق بالعمران والجمال والأدب والفن بكل فروعه وحركة النشر والترجمة وكل صنوف الإبداع والمعرفة؟

لعلّ المسألة الأولى تتعلق بكيفية الاحتفاء بكبار المثقفين والمبدعين العراقيين وتكريمهم والاستماع إليهم والتعاطي معهم من موقع الاتفاق أو الاختلاف، فوظيفة المثقف الأولى هي النقد الذي لا ينبغي أن يضيق به صدر المسؤولين، وهو الأمر الذي يتطلب تجسير الفجوة وتقليص الهوّة بين المثقف وبين صاحب القرار، ولأن المثقف حساس بطبعه ولا يريد توظيف أدواته الإبداعية لمصلحة السياسي، فلا بدّ أن يكون مجال الرأي واسعاً خارج نطاق الطوائفيات، والتحزّبات والانحيازات المسبقة، مذهبياً وإثنياً وسياسياً وجهوياً وعشائرياً وغير ذلك، لأن المثقف الحقيقي هو من يكون عابراً لهذه الانتماءات الضيقة دون أن يعني الترفّع عليها، فالهوّية الفرعية ينبغي أن تُصان وتحترم، ويمكن أن تتفاعل مع الهوّية الوطنية العامة الجامعة، على أساس الحرية والمساواة والعدالة ومبادئ المشاركة، وتلكم هي مفردات المواطنة السليمة .
إن الثراء الثقافي العراقي والتنوّع الحضاري والمعرفي وتعدّد المدارس الفكرية والثقافية والدينية، يمكن أن يكون عامل توحيد في إطار ثقافة عراقية موحدة وليست واحدة، متعدّدة الانتماءات والمشارب، ولكنها موحّدة التوجّه والأهداف، ذات أبعاد إنسانية تقوم على تمجيد قيم الحرية والجمال والعمران والسلام، وتعتمد الحوار وسيلة سليمة للتفاعل والتواصل وهو الأمر الذي ينبغي لصاحب القرار إدراكه والتعامل معه، بغضّ النظر عن التوجّه السياسي والانتماء الآيديولوجي والانحدار القومي أو الديني أو غير ذلك، ففي نهاية المطاف لا يمكن حصر الثقافة والمثقفين ضمن قالب أو تطويع أقلامهم أو ريشهم أو قصائدهم أو مسرحهم أو أفلامهم أو منحوتاتهم أو مقطوعاتهم الموسيقية أو غير ذلك من وسائل الإبداع، لأن الفن والأدب والثقافة مثل كل شيء في الحياة تعددّي، بل هي تعددية بامتياز بطبعها، والفنان والأديب والكاتب له خصوصيته التي ينبغي احترامها ولا يمكن تدجينه أو ترويضه في هذا القالب السياسي أو هذا الإطار التحالفي أو ذاك، لأن خياره الأساسي هو الحرية، وإن حصل تطويع المثقف فلحين قصيرة فقط.
وعلينا الاعتراف بأن الكثير من الأدباء والكتاب الذين اختاروا المنفى القسري منذ أواخر السبعينات مازالوا فيه، لا سيّما أنه قد تعرّضت البلاد لاحتلال غاشم وانفلت العنف إلى درجة مريعة، وأن الكثير من المثقفين الذين اختاروا المنفى اضطراراً في وقت لاحق، خصوصاً في شدّة الحصار الاقتصادي، مازالوا في الخارج، بل إن فريقاً آخر من المثقفين من وجد طريقه إلى المنفى بفعل الاحتلال والتطهير المذهبي والإثني لاحقاً، فضلاً عن عمليات الاغتيال التي تعرّض لها الأكاديميون والمثقفون من شتّى الاتجاهات .
ليس من الضروري أن يعود كل هؤلاء، فلكل ظروفه بغض النظر عن مواقفهم الفكرية والسياسية، خصوصاً وقد عرف العراق خلال ما يزيد عن ثلاثين عاماً ثقافة واحدية إطلاقية، أطبقت بالتدريج على جميع مفاصل المجتمع والدولة، وتركت تأثيراتها اللاحقة على مجمل حركة الثقافة والمثقف، سواء عبر ردّ فعل أو عبر استمرارها وتواصلها بأشكال مختلفة. وإذا كان نظام الاستبداد قد انتهى فإن الاستبدادية كثقافة لا تزال سائدة، بل إنها ابتدعت أساليب جديدة، من داخل الحكم ومن خارجه، خصوصاً في ظل أعمال العنف والتكفير والارهاب والاستقطاب الطائفي.
لقد عانى المثقفون العراقيون على مرّ العهود من القمع والاضطهاد وكانوا باستمرار رأس حربة ضد الاستعمار ومشاريعه واتفاقاته، وضد الأنظمة الاستبدادية، ولحق الأذى بالمثقف اليساري والديمقراطي والقومي العربي والكردي والإسلامي، تحت مبررات مختلفة دون أن يعني أن المثقف في السابق والحاضر لم يحاول أن ينفخ في صورة الحاكم ويزيّن خطابه الأيديولوجي ويبرّر قمعه البوليسي، بل وحروبه ومغامراته، بمن فيهم من حاول الاصطفاف في الخنادق الطائفية والمذهبية، سواءً بشكل معلن أو غير معلن، وتحت واجهات استشارية أو تعاقدية، بل إن بعضهم أرسل رسائل الشكر إلى جورج دبليو بوش الذي قاد الحرب على العراق  .

ثلاث رسائل أساسية كانت وراء اعتبار بغداد عاصمة الثقافة العربية، الرسالة الأولى أن بغداد على الرغم من الاحتلال والخراب والإرهاب والعنف، تسعى إلى استعادة دورها التاريخي بحيث تكون منارة للثقافة، ليس في سابق عهدها أيام المنصور والرشيد والمأمون، بل حين كان الزهاوي والرصافي والجواهري ومصطفى جواد، وعلي جواد الطاهر، والأب أنستاس الكرملي ورفائيل بطي، وسعد صالح، وعلي الشرقي، والشبيبي، وعلي الوردي، ومحمد باقر الصدر، وجواد علي، وذنون أيوب، وسيد مصطفى جمال الدين، وعبد الجبار عبدالله، وعبد العزيز الدوري، ومحمد سعيد الحبوبي وإبراهيم كبه، ومحمد حسن سلمان، وخير الدين حسيب، والبياتي، وبلند الحيدري، وسعدي يوسف، وأبو كاطع، وإبراهيم أحمد، وعبدالله كوران، وشيركو بيكسه، ويوسف العاني، وناهدة الرماح، وزينب وعشرات الأسماء اللامعة .

الرسالة الثانية هي أن بغداد على الرغم من الأوضاع القاسية التي تتعلق بالأمن والاستقرار، لاتزال تحتفي بالثقافة باعتبارها وعاءً رحباً للتواصل الإنساني، وهي تسعى إلى استقطاب المثقفين لتكون حاضنة لهم، وربّما ذلك واحد من أخطر التحدّيات التي ستواجهها خلال هذا العام، لكونها عاصمة الثقافة العربية، وليس بوسعها أن تكون كذلك إلاّ بالتفاعل مع العالم العربي ومثقفيه!

الرسالة الثالثة أن الانطلاقة على الرغم من تواضعها وحتى فقرها، ستدفع المعنيين من خلال النقد والمراجعة والتصويب وإدراك حجم التحدّي الثقافي، إلى إعادة النظر بالكثير من الأمور، تنظيماً وتوجهاً وأسلوباً، فضلاً عن بعض الجوانب المهنية والاعتبارية، لا سيّما أنه قد أثقل الكثير على كاهل بغداد ووصل الأمر إلى درجة القطيعة أحياناً، سواء في الماضي وبسبب الحروب والحصار، أو في الحاضر بسبب الاحتلال، وفيما بعد العنف والإرهاب والمحاصصة .

كل ذلك كان أمام اللقاء المفتوح والحوار الصريح الذي ضم عدداً محدوداً من المثقفين العراقيين مع رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي الذي استمع إلى نقد وتقويم، يريد لبغداد أن تكون عاصمة حقيقية للثقافة والإبداع والفن والجمال والعمران والسلام!


155
الثورة ومبادرة حكم القانون   

عبدالحسين شعبان
لم يحظَ “حكم القانون” كمفهوم وتطبيق عملي بعناية تُذكر في الأغلبية الساحقة من البلدان العربية، بل إن بعضها لم يعر الاهتمام به، وفي حقيقة الأمر كان يتم التجاوز عليه تحت مبررات مختلفة، فتارة باسم المصالح الوطنية العليا، وتارة أخرى بحجة “الخطر الخارجي” والاستعداد لحرب “تحرير” فلسطين، وثالثة باسم مصالح الثورة، ورابعة باسم الدين وغير ذلك من المزاعم التي تشترك في الانتقاص من حكم القانون وانتهاك سيادته والافتئات عليه .

وإذا كان من أهداف الثورات والانتفاضات العربية وخطط التغيير والإصلاح، تأكيد قيم الحرية والكرامة الإنسانية ومحاربة الفساد وتأمين العدالة الاجتماعية، فكيف سيتم تحقيق ذلك من دون توفير بيئة مناسبة لحكم القانون، والاّ فإن الأمور ستفلت باتجاه الفوضى .

وبما أن حكم القانون مثل كل المبادئ التي أريد من وضعها وتسخيرها خدمة الإنسان ورفاهيته وسعادته، فالإنسان هدف التنمية وغايتها، ولهذا استوجب أن تكون إدارة الحكم واستخدام السلطة السياسية على علاقة مباشرة بإدارة الموارد والثروات المادية وتوزيعها على نحو عادل، يوفّر الأسس الأولية لحياة لائقة بالبشر .

جدير بالذكر أن مجتمعات ما بعد الثورات أو مجتمعات الصراع وما يعقبها، واجهت جميعها دون استثناء مهمة استعادة أو تثبيت حكم القانون باعتباره مبدأ أساسياً ولا غنى عنه لضمان نجاح التغيير وإرسائه على أسس قانونية وشرعية جديدة تحلّ محلّ الشرعية القديمة .

وحكم القانون يعني فيما يعينه، خضوع جميع الأشخاص والمؤسسات والكيانات في القطاعين العام والخاص، بما في ذلك الدولة ذاتها وأجهزتها ومسؤولوها، بحيث يكون الجميع مسؤولين أمامه بصورة معلنة وتسري أحكامه عليهم بالتساوي، خصوصاً الاحتكام إلى قضاء مستقل ونزيه، كما يقتضي حكم القانون اتّخاذ التدابير اللازمة لكفالة الالتزام به، لا سيّما بالمساواة أمام القانون والمسؤولية القانونية والعدل في تطبيقه، والفصل بين السلطات والمشاركة في صنع القرار، ومنع التغوّل والعسف، وممارسة كل ذلك بشفافية وعلانية قانونية .

لعلّ مناسبة الحديث هذا كانت موضوع مناقشة عميقة لخبراء ومتخصصين عرب ودوليين (بمن فيهم من الإسكوا والبرنامج الإنمائي للأمم المتحدة) وعدد من نشطاء المجتمع المدني العربي من عشرة بلدان عربية، حيث استضافهم “مركز تطور حكم القانون والنزاهة” في حلقة نقاشية لبلورة رؤية لمبادرة طويلة الأمد كان قد طرحها المركز في بيروت، بالتعاون مع شركاء تحت عنوان “مواكبة مسارات التغيير العربية من منظور حكم القانون” .

وإذا كان العبء الأكبر يقع على الجهات التي قادت الانتفاضات، وخصوصاً الجهات التي تسلّمت زمام الحكم لاحقاً عبر صناديق الاقتراع، فإن مسؤولية مواصلة عملية التغيير وإرسائها وتطويرها عبر القانون، تحتاج إلى جهود الجميع لوضع تصوّرات مواتية لتوطيد دعائم حكم القانون، لا سيّما من دوائر المعرفة الحقوقية والقانونية أفراداً وهيئات ومؤسسات، بما فيها استقراء خط التطوّر واستشراف آفاقه، بهدف ضمان نجاحه .

ولعل ذلك يحتاج إلى نشر الثقافة الحقوقية بشكل عام وثقافة الديمقراطية وحقوق الإنسان بشكل خاص، وتصويب الاتجاهات في ميادين التشريع وإدارة الحكم وعمل القضاء والبرلمان والحريات، لا سيّما حرّية التعبير، ذلك أن التغييرات الكبيرة التي شهدتها بعض دول المنطقة، سواء بانهيار أو تآكل “الشرعيات” القديمة، أو بحلول “شرعيات” جديدة، لاتزال بحاجة إلى إرساء وتطوير، لتستقيم مع حكم القانون، ومع الأهداف التي أعلنتها حركات التغيير في العديد من البلدان .

وإذا كانت “الشرعية الثورية” كأمر واقع قد أخذت طريقها، لا سيما بعد التغيير مباشرة، فذلك لأن العديد  من البلدان تمرّ بمرحلة انتقال، لا بدّ منها قد تطول وقد تقصر، لكنها في نهاية المطاف ينبغي أن تستقر في إطار “شرعية دستورية” محكومة بالقانون، في ظل رقابة فعّالة وشفافية ومساءلة، تلك التي تعدّ من أساسيات التوجّه والانتقال الديمقراطي . وخارج الشعور بنشوة الانتصار الأولى، فإن تجاوز إشكاليات المرحلة الانتقالية التي قد تنشأ معها مشكلات وتحدّيات جديدة، يحتاج إلى وضع ما حدث في سياقه التاريخي كجزء من قانون للتطور الاجتماعي التاريخي، حيث مازلنا حتى الآن في بدايات مسار التغيير، الأمر الذي يحتاج أيضاً إلى تراكم وتحقّق، فضلاً عن استقرار وأمن مصحوب بحكم القانون .

لا تولد الديمقراطية مع الثورة في يوم واحد، والثورة لكي تنطلق وتترعرع ويشتدّ عودها وتنضج وتكتمل، بحاجة إلى مسار طويل وتراكم تدريجي، فهي “حفرٌ في العمق وليس نقراً في السطح”، على حد تعبير المفكر السوري ياسين الحافظ، وبين الثورة والديمقراطية طريق طويل وشائك ومعقّد، تصادفه منعرجات وتضاريس وتباعدات أحياناً، كما يختلف مسار الثورة والديمقراطية قرباً أو بُعداً، بدرجة تطور كل بلد اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً وثقافياً وقانونياً، الأمر الذي يمكن أن يصل فيه بلد إلى الديمقراطية بطريق أقصر وأقل وعورة، في حين يحتاج بلد آخر إلى فترات مضاعفة وتضحيات جسام وخسائر كبيرة .

نحن هنا معنيّون بالمعنى والدلالة، لأنهما يراكمان المعرفة التي يمكن تعزيزها بسياقات قانونية بما فيها تعميق الوعي الشعبي والثقافة الحقوقية، فما حصل لم يكن أحداثاً طارئة أو تمرّدات عابرة أو انتفاضات تقليدية، بل هو مخاض قد يكون طويلاً وعسيراً لولادة جديدة لعالم عربي لم يكن بالإمكان الإبقاء عليه خارج الزمن والتاريخ والحضارة الإنسانية، ولعلّ الأمر يعتمد على التطور المستقبلي وعلى الوجهة التي سيتخذها التغيير وعلى اصطفافات القوى ودرجة الاستقطاب والصراع الذي سيحدث والتجاذبات التي ستليه .

إن مبادرة المركز العربي لتطوير حكم القانون والنزاهة، فرصة أكاديمية فكرية ومدنية مرموقة ومسؤولة لتبادل الرأي واستمزاج وجهات النظر والاستئناس بتقديرات جمعيات ومنظمات المجتمع المدني سواء على الصعيدين الوطني أو العربي، يمكن لصاحب القرار الاستعانة بها والاستفادة منها، وأعتقد أن الهدف من ذلك يتلخص في وضع سياسات واقتراح استراتيجيات طويلة الأمد من خلال مشاريع وأنشطة ونشر وتعزيز الثقافة القانونية والدستورية، مع الأخذ في الحسبان عدداً من المبادئ مثل مبدأ فصل السلطات ومبدأ تداول السلطة سلمياً، وعبر إجراء انتخابات حرّة ونزيهة ودورية ومبدأ المشاركة والعدالة الدستورية لجميع الفئات والمكوّنات المجتمعية دينية أو ثقافية أو إثنية أو لغوية أو سلالية، ومبدأ وجود سلطة تشريعية معبّرة عن مصالح الفئات كافة، ومبدأ استقلالية السلطة القضائية ونزاهة القضاء، ومبدأ الإدارة الرشيدة أو الصالحة ومحاربة الفساد المالي والإداري ومبادئ احترام حقوق الإنسان وتأكيد دور الرأي العام، بنقاباته وجمعياته واتحاداته الحرّة  .

لقد انعقدت الكثير من المؤتمرات والاجتماعات والندوات ما بعد التغييرات التي حصلت في العالم العربي، لكن قيمة مبادرة من هذا النوع تنطلق من عمل جماعي لأكثر من 20 منظمة وهيئة، وبحضور عدد من الشخصيات العربية والدولية الأكاديمية والثقافية وبعض فقهاء القانون الدستوري، حيث اتفقوا على تنظيم مؤتمر موسع في نهاية سبتمبر/أيلول القادم 2013 من أجل متابعة نتائج الاجتماع التمهيدي، ووضعها موضع التطبيق، لا سيّما فكرة تأسيس مرصد عربي لحكم القانون وإنشاء بوابة إلكترونية Conpendium  لرصد التشريعات من زاوية حقوق الإنسان على المستوى العربي، في إطار القوانين النافذة، وتعزيز الوعي وتعميق المعرفة وتطوير القدرات في ما يتعلق بحكم القانون والانتقال الديمقراطي .


156
حلبجة ورائحة التفاح
   
 
عبدالحسين شعبان
لم تكن مدينة حلبجة الكردية الجميلة معروفة للعالم قبل 16-17 (مارس/ آذار العام ،1988 فهذه المدينة النائية، القريبة من الحدود العراقية- الإيرانية، مثلها مثل العديد من مدن وقصبات كردستان العراق، فقيرة ومهملة، وفي الوقت نفسه زادتها أوضاع الحرب ارتياباً أمنياً، رصداً ومراقبة من العراق وإيران على حد سواء، خصوصاً أن بعض البيشمركة كانوا يترددون عليها .

تغفو مدينة حلبجة على حافة سهل شهرزور، بالقرب من بحيرة دربندي خان القريبة منها، وفي بدايات فصل الربيع وانقشاع الثلوج التي تكسو قمم الجبال، تبدأ المدينة بارتداء أثوابها الملوّنة وتزهو بروائحها الزكية المنبعثة إليها من بساتينها المكتظة بالفاكهة، وعيونها المنحدرة من جبال أحمد أوه، حيث تشكل سلسلة جبال هورمان حماية طبيعية لها .

لكن هذه المدينة الوديعة بدأت وعلى نحو مفاجئ تلفت الانتباه إليها، حتى أصبحت مدينة “دولية”، حيث شغلت منظمات حقوق الإنسان وجهات مدنية وإعلامية، إضافة إلى هيئة الأمم المتحدة، الرواية تقول إن حلبجة دخلت التاريخ حين أصبحت ساحة حرب رغماً عنها، ولكن كيف حصل ذلك؟ الجواب يبدأ من موقعها الجغرافي، حيث تقع حلبجة على بعد 16 كيلومتراً من الحدود العراقية- الإيرانية، وخلال الحرب وبعد الانسحاب العراقي من إيران بعد معركة المحمّرة (خرمشهر) ،1982 بدأت محاولات التوغل الإيراني للأراضي العراقية، فضلاً عن اتساع نطاق المعارضة الكردية في المنطقة .

عشية المجزرة كانت إيران مسيطرة على الجبال المحيطة بالمدينة، وقد استشعر سكان مدينة حلبجة المسالمة أنهم سيذهبون في حرب لا ناقة فيها لهم ولا جمل، فحاولوا مغادرة المدينة بعد نداءات تحذيرية تلقّوها من القوات العراقية، بل أن بعضهم حاول مغادرتها ولكن تم منعه، وحدثت معركة بين القوات العراقية والإيرانية سبقت المجزرة، اضطرت فيها القوات العراقية إلى الانسحاب والتراجع صوب السليمانية، وفي ظهيرة ذلك اليوم وحوالي (الساعة الثانية عشرة إلاّ ربعاً) حلّت لحظة الرعب المروّعة، لكن أمراً غريباً قد جاء معها، إذ انتشرت رائحة التفاح الربيعي على نحو واسع .

في تلك اللحظة تم قصف المدينة بالأسلحة الكيمياوية وغاز الخردل الذي يمتاز بأن رائحته تشبه رائحة التفاح، بل إن من يشمّه يزداد رغبة في استنشاق رائحته، وخلال ربع ساعة فقط تقطعت الكثير من الأنفاس وتيبّست شفاه وعمّت رائحة الموت كل مكان، لا سيما قد بدأ قصف الطائرات بعد نصف ساعة وبالتحديد (الساعة الثانية عشرة والنصف) لتدمير الأحياء السكنية والقرى المحيطة، فتحوّلت رائحة التفاح إلى رائحة شبيهة بالثوم والعفن، حيث تساقط المئات في الشوارع والأزقة وأصيب العشرات بعمى دائم لاحقاً أو مؤقت، إضافة إلى التقيؤ حدّ الغثيان . فارق الحياة الأطفال والنساء، ولا سيّما الحوامل والشيوخ والحيوانات حيث نفق الآلاف منها، وتفسّخت الكثير من الجثث وانقطع نسل عوائل بكاملها وتم دفن الكثير بملابسهم .

حصيلة الكارثة كانت نحو خمسة آلاف ضحية ونحو عشر آلاف مصاب، بعضهم أصبح معوّقاً بشكل دائم . وقد تسنّى لكاتب السطور أن التقى أعداداً منهم خلال ربع القرن الماضي، مثلما استمع إلى قصص مرعبة، وشاهد فيلماً وزار متحفاً يحكي قصة المجزرة، مثلما وقف قرب نصب الشهداء في ساحة المدينة المقهورة .

يوم وقعت المجزرة لم يهتم بها الإعلام العالمي كثيراً، وخصوصاً الإعلام العربي، بل إنه لم يعرها أي اهتمام يذكر، حتى إن بعضهم برّرها بحجة تعاون الحركة الكردية مع إيران ضد العراق في الحرب، ومن وجهة نظر هؤلاء أن الحرب تجيز استخدام جميع أنواع السلاح “دفاعاً” عن النفس ضد اختراقات الطرف الآخر، حتى إن استخدم سلاحاً محرّماً دولياً ضد شعبه .

إن جريمة حلبجة لا تختلف من حيث الجوهر والأهداف عن مجازر الهنود الحمر، ومجازر الفرنسيين في الجزائر، ومجازر النازية بحق اليهود وغيرهم، ومجازر الصهيونية في دير ياسين وكفرقاسم ومدرسة بحر البقر وصبرا وشاتيلا، والمجازر بحق الأرمن ومجزرة حماه في سوريا ومجزرة سربرينتشا بحق المسلمين في البوسنة والمجازر بحق المسلمين في الهند وغيرها، ولكن للأسف إنها لم تأخذ الاهتمام الذي تستحقه كجريمة دولية، وهي إحدى جرائم الحرب، فضلاً عن كونها جريمة إبادة ضد الجنس البشري، وجريمة ضد الإنسانية، تستحق العقاب طبقاً لقواعد القانون الدولي، واتفاقيات جنيف لعام 1949 وملحقيها لعام 1977 .

ربما يعود السبب في أنه لم يسلط الضوء الكافي على الجريمة بسبب تداخل بعض الأدوار واختلاط بعض الأوراق، وهو ما كانت تريده القوى الكبرى، التي كان هدفها استمرار الحرب وإحداث نوع من التوازن القلق للقوى المتحاربة، لكي لا يكون هناك منتصر ومهزوم، وذلك بهدف إدامة الحرب، بل إن الولايات المتحدة كانت تزوّد الفريقين بمعلومات وصور مأخوذة عن الأقمار الصناعية .

وبغض النظر عن الموقف الدولي المتذبذب والهادف إلى تأمين مصالحه بعيداً عن القيم التي يدعو إليها، حين كان يحمّل المسؤولية تارة إلى هذا الطرف وأخرى إلى ذاك، لكن المسألة تحرّكت أول مرّة بعد توقف الحرب في 8/8/،1988 وبالتحديد في مؤتمر باريس العام 1989 حيث اتخذ قراراً بإدانة استخدام الأسلحة المحرمة دولياً، لا سيّما أن بغداد لم تكتفِ بذلك، بل ذهبت خلال الفترة ذاتها إلى إزهاق أرواح عشرات الآلاف من المواطنين الأكراد وتهجير عشرات الآلاف أيضاً إلى المناطق العربية في وسط وجنوب العراق، فيما سمّي بحملة الأنفال التي قادها ابن عم الرئيس العراقي السابق “علي حسن المجيد” الملقّب ب “علي الكيمياوي”، واستهدفت الحملة إضافة إلى البشر، الشجر والحجر، حيث تم تدمير نحو 3000 قرية وقصبة كردية وتعرّضت البيئة إلى عسف شديد بتدمير الحقول والمزارع والبساتين .

لعلّ العامل الحاسم في اكتساب قضية حلبجة لاحقاً بُعداً جديداً هو احتلال القوات العراقية للكويت في 2 أغسطس/ أب ،1990 لا سيّما أن نظام القطبية الثنائية كان قد انهار، وتفجّرت أزمة دولية أساسها النفط والسلاح ومناطق النفوذ في المنطقة .

بعد ربع قرن يحتفل الأكراد بهذه المجزرة احتفالاً مهيباً في حلبجة شعاره هو القول المأثور الذي أطلقته دانيال متيران أرملة الرئيس الفرنسي متيران: “من الدموع إلى الأمل” وهي عبارة لها مغزاها، فكيف بإمكان الضحايا وذويهم وعموم السكان تجاوز محنتهم ومأساتهم بحيث يكون التسامح بديلاً عن الكراهية .

ثمة درس جديد سيكون للشجاعة، حين يُقدم الضحايا أو ذويهم على استضافة جنود وضباط عراقيين بعد انتفاضة العام 1991 ويتعاملون معهم بكرم ومسؤولية وتسامح، دون أن يعني ذلك التخلّي عن حقوقهم في كشف الحقيقة والمساءلة وجبر الضرر وتعويضهم، ولكن بعيداً عن روح الانتقام أو الثأر، أو الكيدية، بل إبقاء الذاكرة حيّة لكي لا ينسى العالم، مثلما لا ينسى كل المعنيين بقضايا حقوق الإنسان، إن ما حصل في حلبجة كان جريمة بكل معنى الكلمة . ثلاث دلالات لا بدّ من التوقف عندها:

الدلالة الأولى، أهمية مبادئ التضامن، حيث تعزّز الموقف من حلبجة خطوة خطوة مع مرور الأيام، وإذا كان نفر قليل من غير الأكراد وقف إلى جانبهم أيام المحنة، فإن كثرة كاثرة اليوم تقف معهم من دول وجنسيات مختلفة وتنظر إلى تجربتهم، بحرص ومسؤولية ونقد، لاسيما وقد استطاع الشعب الكردي إقامة كيانية خاصة في الإقليم منذ أواخر العام ،1991 وتوطّدت دستورياً بعد العام 2003 تحت عنوان “فيدرالية إقليم كردستان” .

الدلالة الثانية، إن ما حصل في حلبجة يرتقي إلى مصاف جرائم الإبادة الجماعية “جنيوسايد”، وهي جريمة تنطبق على التدمير الكلي أو الجزئي لجماعة قومية أو إثنية أو عنصرية أو دينية بصفتها، عبر القتل وإلحاق الأذى الجسدي أو الروحي وإخضاعها عمداً لظروف معينة قاسية وفرض تدابير تستهدف عدم إنجاب الأطفال أو نقل أطفالها أو غير ذلك، وهو ما أكدته محاكمات نورنمبرغ وطوكيو العسكريتين، وفيما بعد في رواندا والبوسنة وغيرها، وهو الأمر الذي بدأ الكثير من الجهات يقتنع به ويتبناه!

الدلالة الثالثة - الرسالة التي وجهها مسعود البارزاني رئيس الإقليم والمؤلفة من شقين، الأول يقوم على ضرورة تمسك الكرد بتجربتهم والبناء عليها، والثاني البحث عن شراكة حقيقية، ولعل مثل هذين الأمرين يحتاج إلى حوارات موسعة لا تتعلق بالعراق فحسب، بل بين مثقفي الأمم الأربعة في المنطقة: العرب والأتراك والفرس والكرد، لاستشراف آفاق العلاقات المستقبلية .

إن مجزرة حلبجة دخلت الأدب السياسي منذ ربع قرن وستبقى وخزة في الضمير الإنساني، ولكل من تعنيه حقوق الشعوب وحرياتها، أوطاناً وإنساناً .



157
المنبر الحر / التغيير والتنوير
« في: 18:02 22/03/2013  »
التغيير والتنوير
    
 
عبدالحسين شعبان
ما حصل في العالم العربي من تغييرات خلال السنتين المنصرمتين لم يكن حدثاً عابراً أو نقراً في السطح، وإنما كان حفراً في العمق وانقلاباً في الصميم، حتى إن لم يكتمل، خصوصاً أن غبار المعارك ما زال كثيفاً وثقل الماضي قوياً .

لقد أدّى التغيير إلى إطاحة بعض الأنظمة وإسقاط أطروحات سادت لزمن غير قصير، ولم يكن الأمر مقتصراً على قناعات قطاعات واسعة من العرب والمسلمين وحدهم، بل شمل أوساطاً غير قليلة في الغرب والدول الصناعية المتقدمة، حتى بدت بعض المسلّمات أقرب إلى الأوهام .

لو قرأنا ما حصل من تغيير في بعض البلدان العربية برؤية الإعلامي، فسيكون شغلنا الشاغل هو وصف الحدث بتفاصيله ودقائقه ولحظاته، وحسب البير كامو، فالصحافي هو مؤرخ اللحظة . وإذا نظرنا إلى الحدث تاريخياً، فلا بدّ من سياقات للوقائع والأحداث من خلال مقارباتها السسيوثقافية ومقارناتها التاريخية بما سبقها وما لحقها من أحداث، وتلك لا تزال في بداياتها، ولم تكتمل بعد، وقد تكون لأول وهلة خادعة، والتاريخ مراوغ أو ماكر حسب هيغل .

أما إذا فحصنا التغيير حقوقياً، فسنكون معنيين بالإنسان وما وقع عليه من انتهاكات وتجاوزات في السابق والحاضر، والإنسان هو مقياس كل شيء حسب الفيلسوف الإغريقي بروتوغوراس . لكن القراءة الحقوقية مثلها مثل غيرها تبقى غير كاملة، فلا بدّ من تطعيمها برؤية سسيولوجية وثقافية تاريخية، لكن تلك لا تتنبأ، بل تعطي أحكاماً لما حصل بعد تحليلها ودراستها، ولا سيما للوقائع والتفاصيل .

إذاً لا بد من القراءة الفكرية التنويرية لعملية التغيير بما لها وما عليها وما صاحبها وما رافقها من صعود ونزول وتعرّجات وانحناءات، ومن ثم أخذها بدلالاتها بما فيها مقارباتها التاريخية، خصوصاً بحلول اللحظة الثورية للتغيير عبر التراكم الطويل الأمد والتطور التدريجي بعوامله الموضوعية والذاتية، الداخلية والخارجية، لاسيما بانتقال الخوف من المحكومين إلى الحكام وفي ظل بيئة مشجعة وخصبة، وأقرب إلى كيمياء متفاعلة وجدليات عضوية متصلة ومتراكبة .

ولعل من أهم الحقائق التي جاءت بها حركة التغيير بغض النظر عما أفرزته من صراعات وتداعيات، هو أن قطار التغيير قد بدأ ولا يمكن وقفه ولكنه قد ينحرف عن طريقه أو يتأخر أو يواجه عراقيل، تعطّله أو تحول دون وصوله إلى محطته المنشودة في الوقت المناسب، خصوصاً أن قيادته ستظل تتجاذبها قوى مختلفة ومتصارعة بمصالح متضاربة ومتناقضة أحياناً .

وأكدت حقائق التغيير أن الشعارات المطلبية العامة إنْ لم يتم الاستجابة لها وتلبيتها بسرعة وبراعة، فستتحول إلى شعارات راديكالية، وهكذا انتقلت حركات الشباب من شعارات الحرية والكرامة ومكافحة الفساد، إلى الدعوة للاطاحة بالأنظمة وتغييرها، وأحياناً استخدمت العنف سواءً برد فعل أو لفرض التغيير، وهناك تجارب سبقت العالم العربي وهو ما حصل في أوروبا الشرقية وبعض دول أمريكا اللاتينية .

وبيّنت حركة التغيير أنها ليست رسماً بيانياً أو خريطة هندسية أنيقة، بل هي أحداث وتراكمات تفاعلية ديناميكية حتى إنْ كانت انطلاقاتها عفوية، كما أثبتت أن لكل حركة خصوصية ولا يمكن استنساخها أو تقليدها، ولا بدّ من مراعاة ظروفها المحلية مع الأخذ بنظر الاعتبار الجوانب المشتركة العالمية أو الاقليمية أو العربية، أي أن الخصوصية لا ينبغي أن تتعارض مع المشترك الإنساني الذي يمكن الاستفادة منها، مثلما لا ينبغي لها وبحجتها التحلل من المعايير الدولية والإنسانية المشتركة، كما أن المشتركات العامة لا ينبغي أن تتجاوز على الخصوصيات بحجة الشمولية والمعايير الكونية .

وعلى الرغم من انطلاق بعض الشعارات والأهداف الدينية، لكن حركات التغيير بشكل عام، وخصوصاً عند انطلاقتها كانت غير أيديولوجية ومدنية وساهم فيها المجتمع المدني مع ضعفه ومشكلاته على نحو مؤثر وبتدرجية متصاعدة . وقد استغلّت بعض القوى الدينية بدايات التغيير وسعت لوضع اليد عليه وحصد نتائجه، خصوصاً أنها الأكثر تنظيماً من غيرها وتتمتع بإمكانات مالية ولوجستية كبيرة قياساً للقوى الأخرى .

وكانت حركات التغيير وراء سقوط معادلة الأمن أو الحرية مثلما أكدت فشل أطروحة الحل الأمني أو العسكري أو الاقتصادي، دون البحث في حلول سياسية، وفي الوقت نفسه بيّنت دور الإعلام وثورة الاتصالات والمواصلات والعولمة بوجهها الإنساني وليس المتوحش في دعم وتعزيز حركة التغيير التي كان جوهرها العام لا عنفي، بل كان سلمياً ووسطياً واعتدالياً .

وإذا كان ثمة اشكالات ترافق كل حركة تغيير، لاسيما إذا استهدفت التنوير، فإن ثورات وانتفاضات ما سمّي بالربيع العربي طرحت على بساط البحث عدداً من الإشكاليات التي تحتاج إلى حوارات معمقة على صعيد القوى السياسية والمجتمعية والدينية والثقافية والفكرية، بما فيها جمعيات ومؤسسات المجتمع المدني والنقابات والاتحادات المهنية ولا سيما الحقوقية والأكاديمية، ومن هذه الإشكاليات أن الصراع الحالي هو بين الإسلاميين والعلمانيين وإذا كان الأمر صحيحاً، فإن ذلك من إفرازات كبت الحريات لسنوات طويلة، فضلاً عن ذلك فإن صراعاً بين الإسلاميين المعتدلين والسلفيين المتطرفين سيجد طريقه إلى الساحة السياسية، بل إنه بدأ بالفعل، وهو الأمر الذي أصبح مطروحاً في تونس ومصر وليبيا واليمن وقد يطول سوريا وغيرها .

ودفعت الفوضى التي اندلعت عقب التغيير أطروحة تقول إن وجود أنظمة تسلطية أفضل من الفوضى، وكانت الأنظمة السابقة، تضرب على هذا الوتر لعقود من الزمان بهدف الحيلولة دون توحيد الجهود لتغييرها وإقلاق الرأي العام بتصدّع الأمن وانتشار الفوضى الأمر الذي لا يريده الجميع، بل بصابون منه بالفزع .

وبالطبع فإن ما سيرافق أي تغيير هو انقلاب على نمطية وتراتبية وبيروقراطية قديمة وسائدة، الأمر الذي يحتاج إلى مرحلة انتقال قد تطول وقد تقصر لبناء تراتبية جديدة مختلفة، ويعتمد ذلك على درجة الوعي والحراك السياسي ودور القوى الجديدة في الإسراع بإعادة بناء الدولة والحفاظ على سلم وأمن وحياة المواطنين والمجتمع . وبلا أدنى شك فإن القوى المخلوعة أو المتضررة ستحاول وضع العصي في عجلة النظام الجديد لعرقلة مساره ولإثبات عدم جدارته، لاسيما في موضوع حفظ الأمن وحماية أرواح وممتلكات المواطنين واستعادة هيبة الدولة .

وهناك أطروحتان تشبّث بهما الغرب لسنوات غير قصيرة وربما كانتا وراء اتهام العرب والمسلمين بالارهاب، وهما تنطلقان من فرضية أن المنطقة العربية- الإسلامية ليست بحاجة إلى الديمقراطية أو أنها غير مؤهلة لها، فضلاً عن أنها مرتع للإرهاب، بل إن الدين الإسلامي يحضّ عليه . وتواصل هاتان الأطروحتان القول إن الديمقراطية بحاجة إلى ثقافة ووعي وهما غير متوفرين في العالم العربي والإسلامي، ماعدا حاجة هذا الأخير إلى التنمية، وكأن الديمقراطية ونبذ الإرهاب يتعارضان مع التنمية إن لم يكونا في صلب اهتماماتها الإنسانية الشاملة والمستديمة .

ثم هناك من يقول إن انطلاق حركة التغيير أدى وسيؤدي إلى تصدّع الهوّيات، خصوصاً بضعف الهوية الجامعة والوحدة الوطنية، وصعود الهوّيات الفرعية التي قد تؤدي إلى التفتيت والتقسيم، وذلك دون النظر إلى أن سبب تصدّع الهوّية الجامعة العامة هو عدم احترامها للهوّيات الفرعية، سواء كانت دينية أو إثنية أو لغوية أو سلالية، الأمر الذي استوجب تعزيز المواطنة والمساواة والحريات العامة والخاصة وتأكيد مبادئ المشاركة والعدالة، تلك التي تشكل أساساً لتعزيز الهوية والوحدة الوطنية .

لقد كانت مثل هذه الأطروحات وغيرها محلّ فحص وتدقيق ونقاش جاد ومسؤول في جامعة النهرين في بغداد وبدعوة من مركز حمورابي، وبحضور نخبة متميّزة من الأكاديميين وأساتذة الجامعة وطلبة الدراسات العليا، لاسيما أنها قد مسّت هذه الأطروحات وتفاعلت معها، التطورات الدستورية والسياسية بعد التغيير، فضلاً عن مستقبلها خصوصاً في ظل الاستقطاب السياسي الحاد والتجاذب الفئوي الشديد، بما فيه من توجّهات دينية وطائفية وإثنية .

إن حركة التغيير بحاجة إلى مرحلة انتقالية لاستعادة الفضاء العمومي والتنوّع الثقافي، وكان ابن خلدون أول من تحدث عن ثنائية الظلم والخراب والعدل والمساواة، وهو القائل المُلك بالجند، أي باستخدام القوة الذاتية، والجُند بالمال، أي بالقوة الاقتصادية، والمال بالخراج أي دولة ضرائب وقانون، والخراج بالعمارة أي بالتنمية، والعمارة بالعدل، أي أن العدل هو سياج المدينة، وهو ما سبق للخليفة العادل عمر بن عبد العزيز أن خاطب به أحد ولاته بالقول: سوّر مدينتك بالعدل، فالعدل أفق التغيير وأساس التنوير .



158
المنبر الحر / سلاح أميركا ضدها!
« في: 20:09 19/03/2013  »
سلاح أميركا ضدها!
      

عبد الحسين شعبان
 
سعت الولايات المتحدة لفرض فلسفتها ونمط حياتها وطريقة عيشها وثقافتها على العالم، عندما أصبحت القوة العظمى سياسياً واقتصادياً وعسكرياً وتقنيا وعمرانياً بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، وزعمت أنها تمثل ما أطلقت عليه "العالم الحر" بما فيه من قيم ليبرالية تمجّد من الحرية والفردانية والسوق.

وإذا كانت قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان قد انتشرت بعد الحرب العالمية الثانية وتكرّس بعضها في ميثاق الأمم المتحدة الذي صدر عن مؤتمر فرانسيسكو عام 1945 بتوقيع 51 دولة عليه، فإن الحوار والنقاش اكتسب بُعداً عالمياً امتد لنحو ثلاث سنوات بعد قيام الأمم المتحدة، تتوّج بصدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان يوم 10 ديسمبر/كانون الأول 1948، والذي يعدّ تطوراً مهماً يقاس به تقدّم الأمم والشعوب والدول والجماعات البشرية، لا سيما مدى تمثّل الحقوق والالتزام بها واحترامها.
واعتبر الإعلان الشجرة الوارفة التي تفرّعت عنها نحو 100 اتفاقية دولية، لاسيما بعد صدور العهدين الدوليين الأول الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والثاني الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، واللذين صدرا عام 1966 كاتفاقيتين دوليتين شارعتين دخلتا حيّز التنفيذ عام 1976 واعتبرتا أساسيتين للشرعة الدولية لحقوق الإنسان.
وخلال فترة الحرب الباردة التي يمكن تأريخها بصيحة الزعيم البريطاني ونستون تشرشل بضرورة اتحاد العالم الحر لمواجهة "الخطر الشيوعي" عام 1947 واشتداد الصراع الأيدولوجي، كانت قضية حقوق الإنسان واحدة من القضايا التي ثار الصراع حولها.
وإذا كان الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ثمرة انتشار الأفكار الديمقراطية بعد القضاء على الفاشية والنازية، حيث وردت الإشارة إليه في ميثاق الأمم المتحدة سبع مرّات، فإن إبرامه كان بمبادرة من بعض دول أميركا اللاتينية وبكفاح دبلوماسي كان للعلامة اللبناني شارل مالك دوراً مهماً فيه وفي صياغته. أقول: على الرغم من ذلك فإن الإعلان لم يلق اهتماماً يُذكر من الولايات المتحدة أو من دول غرب أوروبا عموماً، كما تحفظت عليه الدول الاشتراكية.
غير أن الاهتمام اللاحق بقضية حقوق الإنسان من جانب الولايات المتحدة، كان أحد وسائل الصراع ضد المنظومة الاشتراكية، خصوصاً في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، حيث كانت واشنطن تبرز أهمية الحقوق الفردية في مواجهة تمسك الاتحاد السوفياتي بالحقوق الجماعية، وتقدّم الحقوق المدنية والسياسية على الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وهو الأمر الذي كان حلبة صراع ممتدة على امتداد خريطة العالم.
وخلال عهد الرئيس كينيدي تعززت مجموعات ما يسمى تروست الأدمغة "مجمّع العقول" الذي يعبّر عن مصالح المجمّع الحربي المالي (الصناعي) لشن هجوم ضد الكتلة الاشتراكية، وفقاً لنظرية بناء الجسور التي قال عنها جونسون إنها جسور ستعبرها البضائع والسلع والأفكار ونمط الحياة لاختراق المعسكر الاشتراكي الذي كان يبدو منيعاً من الخارج، لكنه في واقع الأمر كان هشّاً من الداخل باستعادة فكرة جون بول سارتر.
ولم تتوان واشنطن في فرض رؤيتها الخاصة بحقوق الإنسان دبلوماسياً وعبر جهد دعائي وسياسي لسنوات طويلة، ففي مؤتمر للأمن والتعاون الأوروبي الذي حضرته 33 دولة أوروبية، إضافة إلى كندا والولايات المتحدة، حدد بيانه الختامي يوم 1 أغسطس/آب 1975 اعتبار مبادئ حقوق الإنسان مبادئ آمرة في القانون الدولي، أي ملزمة.
وجرى التأكيد على الحقوق الفردية والمدنية والسياسية، مع إشارات إلى الحقوق الجماعية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، الأمر الذي كان سيعني أن ما ورد في ميثاق الأمم المتحدة ارتقى سمة أعلى، من خلال القوى المتنفذة في العلاقات الدولية، بإنشاء قواعد علوية ذات صفة إلزامية، وكان ذلك بمثابة رأس الحربة في سياسة جيمي كارتر ومن بعده رونالد ريغان التي اتسمت بمكافحة الإرهاب الدولي.

وكانت واشنطن تتصرف باعتبارها حامية لحقوق الإنسان، فتستقبل المنشقين السوفيات وتقيم الدنيا ولا تقعدها في الاحتجاج لتقييد الحريات، ولا سيما حرية التعبير والحق في التنظيم والاعتقاد والمشاركة، باعتبارها حريات وحقوقا أساسية. ولم تتورع واشنطن عن استخدام جميع الوسائل لتحقيق أهدافها بما فيها توظيف مجلس الأمن والأمم المتحدة لصالحها، وخصوصاً بعد ضعف وانحلال الكتلة الاشتراكية.
وغالباً ما كانت واشنطن تلجأ إلى سلاح العقوبات بأشكالها المختلفة، ولعل بعضها كان "كلام حق يُراد به باطل" مثل التنكّر لحقوق "الأقليات"، والمقصود هنا التجاوز على التنوّع الثقافي، وعدم الاعتراف بحقوق المجموعات الدينية والثقافية والإثنية واللغوية والسلالية، وحجب حرية التعبير وحقوق المرأة وغيرها.
وكانت بعض الحكومات تتجه إلى مقايضة قبول واشنطن عن أوضاعها الداخلية بما فيها السكوت عن حالة حقوق الإنسان، مقابل مصالح اقتصادية وقواعد عسكرية وشراء أسلحة وصفقات تفضيلية، وغيرها من المزايا والامتيازات التي تمنحها للولايات المتحدة، مقابل غضّ النظر عن حالة حقوق الإنسان.
وكانت مهمة مفوضية حقوق الإنسان وفيما بعد المجلس الدولي لحقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، هي الضغط على البلدان التي تنتهك حقوق الإنسان، وإن كان في الأمر شيء إيجابي يتعلق بالضغط على الدول لاحترام حقوق الإنسان ومطالبتها بالالتزام بالمعايير الدولية، لكن واشنطن كانت تستغلّه لأغراض مصلحية وأنانية ضيقة، حيث تستثمر التقارير الدولية أحياناً لمصالحها الخاصة.
لكن التطور الدولي على هذا الصعيد قاد إلى أن تكون تلك التقارير "واجباً" على الدول اليوم تقدّمه سنوياً لتبين التقدّم الحاصل في حالة حقوق الإنسان في بلدانها، ولم يعد تقرير وزارة الخارجية الأميركية كافياً لتوجيه التهمة إلى الدول والحكومات، بل أصبحت حتى الولايات المتحدة تقدّم تقريره الخاص باحترام حقوق الإنسان، أسوة بالبلدان الأخرى.
وبحكم وزن واشنطن وثقلها الدولي فإن تقارير وزارة الخارجية الأميركية كانت تؤثر على مجلس حقوق الإنسان، بل إن هناك تسرّباً أحياناً يأخذ طريقه بشكل أو بآخر إلى بعض المنظمات الدولية بما فيها ذات الصدقية العالية، كوسيلة للابتزاز والبازار السياسي، ولكن هذا السلاح أخذ يستخدم ضد واشنطن لاحقاً.
وأتذكر أن وزير داخلية دولة عربية في أواخر التسعينيات عاتبني إزاء الحملة ضد بلده، فما كان مني إلا أن أطلعته على التقرير السنوي للمنظمة العربية لحقوق الإنسان والذي تضمّن تقاريراً عن 22 بلداً عربياً، فضلاً عن فصل خاص ضد سياسات ونهج الولايات المتحدة الممالئ "لإسرائيل" وممارساتها العنصرية في فلسطين واستمرار احتلالها للأراضي العربية المحتلة وتنكّرها لمنظومة حقوق الشعب الفلسطيني كاملة، ولا سيما حقه في تقرير المصير، ناهيكم عن الموقف إزاء مفهوم "الإرهاب الدولي" الذي يستخدم بطريقة انتقائية وازدواجية مثل موضوع الحصار الاقتصادي. كما أطلعته على كتاب زاد عدد صفحاته عن 200 صفحة كانت منظمة العفو الدولية قد أصدرته بلغات مختلفة منها العربية، عن انتهاكات واشنطن لحقوق الإنسان الأميركي في الولايات المتحدة.
اليوم تحاول روسيا تغيير قواعد اللعبة، فهي التي تقوم بكشف انتهاكات حقوق الإنسان في الولايات المتحدة، بل وتستخدم هذا السلاح بعدما احتكرته واشنطن لعقود من الزمان، وحتى لو كان استخدام هذا السلاح لاعتبارات مصلحية أو لظروف الصراع بين موسكو وواشنطن، فإن جانبه الأخلاقي يبقى مهماً، علماً بأن ظروف الصراع اليوم مختلفة عن الحرب الباردة والصراع الأيدولوجي السابق.

لقد اطلعت على تقرير صدر عن وزارة الخارجية الروسية بعنوان "حالة حقوق الإنسان في الولايات المتحدة"، حيث تم فيه رصد عدد من الانتهاكات في الولايات المتحدة خلال العام المنصرم، سواءً المتعلّقة بالحريات والحقوق والتمييز العنصري والعرقي، وقضايا التعذيب والقتل خارج القضاء (لاسيما خارج الولايات المتحدة) والمعاملة السيئة للسجناء وتنفيذ عقوبة الإعدام، ورفض واشنطن التصديق على العديد من الاتفاقيات الدولية الخاصة بحقوق الإنسان، مثل اتفاقية منع التمييز ضد المرأة واتفاقية حقوق الطفل والاتفاقيات الخاصة بالعمالة المهاجرة والمهاجرين.
وعلى صعيد الحريات رصد التقرير انتهاكات ضد 80 صحفياً تعرضوا للضرب من جانب الشرطة، وتتسع ظاهرة التخلي عن الإعلاميين بسبب آرائهم السياسية وانتقاداتهم للإدارة الأميركية. أما بخصوص الضمان الصحي فيذكر التقرير أن أكثر من 40% لا يتمتعون به، وأن ما يزيد على 46% من السكان لا يملكون منزلاً، وأن شبكة المياه والكهرباء لا تصل إلى نحو 20% من السكان، وأن هناك نحو 12.8 مليون عاطل عن العمل.
ولعل التقرير الذي اقتفى أثر تقارير وزارة الخارجية الأميركية، استند إلى العديد من المصادر وإلى بعض المنظمات الحقوقية والدولية، ومثل هذا الأمر سيكون مساهمة في إثارة النقاش والجدل حول أوضاع حقوق الإنسان في الولايات المتحدة بشكل خاص، والعالم بشكل عام، وهو وجه إيجابي للعولمة، حتى وإن كان القصد منه نفعياً، فموسكو المتهمة بالانتهاكات تحاول اتهام واشنطن بها، في جزء من الصراع في العلاقات الدولية بعد الحرب الباردة، حيث يصبح المتهِم متهَماً والمهاجم مدافعاً.





159
هوبسباوم وتغيير العالم   

عبدالحسين شعبان
لم يتوقف المفكّر اليساري البريطاني أريك هوبسباوم عن التنظير حتى اللحظات الأخيرة من حياته، وعلى الرغم من بلوغه ال 95 عاماً من العمر، فقد نشر كتاباً بعنوان “كيف يمكن تغيير العالم؟” وذلك عشية وفاته في الأول من أكتوبر/ تشرين الأول 2012 مع عنوان فرعي له دلالة مهمة وهو: “روايات عن ماركس والماركسية”س . وقد ظل هوبسباوم حتى آخر رمق متمسكاً بما اعتنقه من أفكار منذ شبابه الأول، ساعياً إلى تجسيدها وتجديدها، لاسيما تساوقاً مع التطور الاجتماعي والعلمي والتكنولوجي على النطاق العالمي .

وخلال رحلته المثيرة أنجز هوبسباوم العديد من المؤلفات والكتب والدراسات المعرفية والثقافية والتاريخية التي أغنت المكتبة اليسارية العالمية، وخصوصاً في أبحاثه الخاصة بتاريخ القرنين الثامن عشر والتاسع عشر .

ولعلّ هوبسباوم هو “مشبّك” العروق على حد تعبير الشاعر الجواهري في وصفه لنفسه، فقد ولد في مصر وفي بيئة عربية في مدينة الإسكندرية، حين كان والداه يقيمان هناك، وتعود أصول والده البريطاني إلى بولونيا، أما والدته فهي تتحدّر من أسرة نمساوية . وكان مولد الصبي هوبسباوم عشية ثورة أكتوبر الاشتراكية العام ،1917 تلك التي سيكون لها تأثير كبير به، وجاذبية خاصة في شبابه .

وعاش حياته في فيينا ثم في برلين، ونشأ تعدّدياً وأممياً في الحياة واللغة والتكوين والثقافة . وكان لصعود النازية إلى السلطة بفوز هتلر العام 1933 دور كبير في حياته اللاحقة، حيث تبنّى خياره الماركسي واليساري، فانضم إلى الحزب الاشتراكي الألماني (الشيوعي) في ألمانيا وبعد انتقاله إلى بريطانيا عمل في الحزب الشيوعي البريطاني، وظلّ على هذا التوجّه اليساري حتى آخر يوم من عمره .

أمران شغلا هوبسباوم طوال حياته، وهما الموسيقا والفكر، فكتب عدداً من المؤلفات في الحقلين، وخصوصاً في موسيقا الجاز، مثلما كتب عن “الثورة المزدوجة” في تاريخ أوروبا المعاصر، وقصد بذلك الثورة الفرنسية وصنوها الثورة الصناعية . وإذا كانت الثورة الأولى قد ولدت في فرنسا، فإن مولد الثورة الثانية كان في بريطانيا، وكان مسارهما وتزامنهما وراء إلهام وعبقرية ماركس وزميله إنجلز، خصوصاً بعد إصدار البيان الشيوعي في العام ،1848 لاسيما عند كتابة ثلاثيته المثيرة: “الصراع الطبقي في فرنسا والحرب الأهلية في فرنسا والثامن عشر من بروميير” (لويس بونابرت) .

وإذا كان كتاب ماركس “المسألة اليهودية” مدخلاً مهماً لقضية الحريات والمجتمع المدني ودولة القانون، فإن تطوّره اللاحق، وخصوصاً في دراسة سياق النظام الرأسمالي العالمي، كان وراء مؤلفه الموسوعي “رأس المال” الذي صدر جزءه الأول في حياته 1867 وأصدر زميله إنغلز الجزء الثاني 1885 بعد وفاته، وصدر الجزء الثالث بعد وفاة إنغلز 1894 .

لم يهمل هوبسباوم ما حصل من تطورات في ما سمّي بالربيع العربي، فقد أذاعت محطة الBBC  البريطانية حواراً معه في أواخر العام 2011 وصف فيه ما حصل بفرح كبير قائلاً: إنه يكتشف مرّة أخرى أن من الممكن أن ينزل الناس إلى الشوارع، ليتظاهروا وليطيحوا أنظمة حكم! ولعل ذلك ما ذكّره بعصر المداخن، وخصوصاً بعد الثورة الصناعية .

وقارن هوبسباوم بين ثورات الربيع العربي وثورات العام 1848 الأوروبية، فمثلما انتقلت ثورة ال 1848 من فرنسا إلى أوروبا و”امتدت إلى أنحاء القارة في زمن قصير”، كما يقول هوبسباوم، فقد انتقلت الثورة من تونس ومصر إلى ليبيا واليمن وسوريا وربما ستمتد إلى بلدان عربية أخرى .

ومن الخصائص التي رصدها هوبسباوم في ما يتعلق بالمنطقة العربية، هو نسبة الشابات والشبان الذين لهم من الفاعلية والحيوية الديموغرافية الشيء الكثير والمؤثر، وذلك قياساً إلى بلدان أوروبا، الأمر الذي يجعل عملية التغيير ارتباطاً بكثافة جيل الشباب مسألة جوهرية وتاريخية في لحظة مفصلية من لحظات التطور الاجتماعي، فقد شكل الشباب هذه المرّة جمجمة الثورة وليسوا سواعدها فحسب .

ولعلّ إشارة هوبسباوم إلى هذه المسألة الحيوية هي أمرٌ في غاية الأهمية لمفكر يعرف كيف يستخدم أدواته في تحليل التاريخ البشري والاجتماعي، وفهم غاياته ودراسة مساراته في منتصف القرن العشرين، حين نشر أول كتاب له في العام ،1948 أو ما بعد العولمة بوجهيها الإيجابي والسلبي، وخصوصاً استخلاص الدروس الضرورية منها . وقد كتب هوبسباوم ثلاثية شهيرة تناولت ما أطلق عليه “القرن التاسع عشر الطويل”، وذلك بضم جزء من القرن الثامن عشر إليه وجزء من القرن العشرين، وقصد بذلك المرحلة المتّصلة من الثورة الفرنسية وصولاً إلى بداية الحرب العالمية الأولى العام 1914 .

وشملت تلك الثلاثية المؤلف الأول الذي صدر في العام 1962: “عصر الثورة” ابتداءً من الثورة الفرنسية العام 1789 ولغاية ثورات العام 1848 وكان المؤلف الثاني بعنوان “عصر رأس المال” وامتدّ من العام 1848 ولغاية العام 1875 وصدر هذا المؤلف في العام ،1975 أما مؤلفه الثالث فقد صدر في العام 1987 وحمل عنوان “عصر الإمبراطورية” الذي واصل فيه العمل من العام 1875 ولغاية العام 1914 حيث بدايات الحرب العالمية الأولى .

وواصل هوبسباوم عمله البحثي والفكري والمعرفي حتى أصدر كتاباً لقي اهتماماً كبيراً عُرف باسم “عصر التطرّفات” ولعل كتاب “القرن العشرون القصير” 1914-،1991 هو الآخر من أشهر مؤلفاته مؤرخاً لفترة انهيار الكتلة الاشتراكية بسقوط جدار برلين وانتهاء عهد الحرب الباردة وتفكّك الاتحاد السوفييتي، وإعلان ظفر الليبرالية على المستوى السياسي والاقتصادي العالمي . وقد صدر هذا الكتاب المهم في العام 1994 وهو عبارة عن سيرة تاريخية لأوروبا خصوصاً بصعود وهبوط الثورة البلشفية في العام 1917 ولغاية الانهيار المدوّي أواخر الثمانينات وصولاً إلى العام 1991 حيث استكمل انهيار الكتلة الاشتراكية في شرقي أوروبا والاتحاد السوفييتي .

جمع هوبسباوم بين العمل الأكاديمي والمعرفي وبين التنظير الفكري، فإضافة إلى دراساته الجامعية في كامبريدج وعدد من الجامعات البريطانية، انكبّ على الكتابة والتأليف، وما عنوان هذه المقالة سوى اسم موسوم لآخر كتاب صدر له، كما أن ما نشر عنه مؤخراً يشير إلى أن ورثته أعدّوا مخطوطة كتاب جديد سيصدر له وكان قد أنجزه قبل رحيله .

وعلى الرغم من انحيازه اليساري، لكن هوبسباوم لم يحاول إسقاط المفاهيم الأيديولوجية بصورة مسبقة على الأحداث التاريخية، بل إن قراءاته كانت مفتوحة في محاولة للبحث عن الحقيقة، من خلال الوقائع والمعطيات والتحليل، وذلك لمعرفة الدوافع واستخلاص النتائج، وظل يرتدي مسوح المؤرخ لا بزّة المحارب على حد تعبير الشاعر سعدي يوسف . وقد حظي بمكانة متميّزة ليس في أوساط اليسار فحسب، بل في عدد من المحافل والأوساط اليمينية، من دون أن يعني ذلك عدم نقدها لالتزامه الفكري والسياسي .

وقد ترجمت بعض أعمال هوبسباوم إلى نحو 40 لغة عالمية بينها اللغة العربية، وخصوصاً كتابه “القرن العشرون”، ونال تكريم رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، لكن ذلك لم يمنع هوبسباوم من توجيه النقد إليه بشأن دوره في الحرب على العراق العام 2003 .

رحل أريك هوبسباوم وعينه على الأفق الذي يمكن أن تفتحه حركة التغيير العربية كجزء من مسار تاريخي اجتماعي عالمي على الرغم من الكوابح والعقبات، لبناء مجتمعات أكثر مدنية وحضارّية وتقدماً، وتطلّع إلى بناء مجتمع دولي أكثر سلماً وعدلاً وإنسانية .



160
هل دستور مصر منزلة بين المنزلتين؟   

 
عبدالحسين شعبان
كان العالم العربي ولايزال، مشدوداً إلى مصر ومستقبلها، خصوصاً في ظلّ الصراع القائم بين الإسلاميين (الإخوان المسلمون والسلفيون وغيرهم) الذين فازوا بالأغلبية في البرلمان، وبين العلمانيين (اليساريون والديمقراطيون والليبراليون وغيرهم)، حيث كان للطرفين أحلام سياسية “مؤتلفة”، بالتخلص من النظام السابق، وأخرى مختلفة في مشروعين فكريين متعارضين .

بعد نجاح ثورة 25 يناير ،2011 كان الفريق الأول “الإسلامي” يسعى إلى قيام دولة دينية محكومة بالشريعة (وإن كان بالتقسيط)، على الرغم من التطمينات التي حاول تقديمها للآخرين، مبرّراً ما تعرّض له من تحريم وتجريم لعقود من السنين تارة، وتارة أخرى لكونه أغلبية في مجلس الشعب، في حين كان الفريق الثاني شبه “العلماني” أو “دعاة الدولة المدنية”، يأمل في ترسيخ كيانية الدولة وتعزيز طابعها المدني  من خلال حكم القانون والمساواة والتعددية وإقرار مبادئ المواطنة واحترام حقوق الإنسان، وهو ما افتقده في ظل النظام الشمولي، ولاسيّما في عهد الرئيس محمد حسني مبارك الذي دام 30 عاماً، كما افتقد إليه أيضاً الإسلاميون .

كلا التيارين اصطدم بصخرة الواقع، الأمر الذي أبقى صرح الدولة حتى الآن “منزلة بين المنزلتين”، فلا هي دولة مدنية كما أرادها العلمانيون، ولا هي دولة دينية ، كما أرادها الإخوان والسلفيون، ولهذا احتدم الجدل على نحو شديد في المرحلة الانتقالية، خصوصاً وقد حقّق الفريقان، ومن موقعين متعارضين، خطوات تنسجم مع اتجاه كل منهما، وفشلا أو تراجعا في خطوات أخرى في الوقت نفسه .

وإذا كان وجود جمعية تأسيسية اختارها مجلس الشعب المنتخب، مؤلفة من 100 عضو لصياغة الدستور أمراً إيجابياً، لكن إصرار الإسلاميين على التمتع بأغلبية أعضائها أضعف من جديتها ومن قدرتها على إحداث نوع من التوافق، بل صعّد من لهجة الشك والارتياب، وزاد الأمر التباساً واشكالاً، اعتماد دستور العام 1971 كخلفية للدستور الجديد .

وهكذا دبّ الخلاف بين الاتجاهين، ففي حين رأت القوى غير الإسلامية في الجمعية التأسيسية، أن الأغلبية النيابية “غير دائمة” في مجلس الشعب، بل هي مؤقتة، وينبغي اختيار جمعية تأسيسية متوازنة تمثل التيارات المصرية المتنوّعة، بغضّ النظر عن حجمها وعددها في البرلمان أو خارجه، أصرّت الجماعة الإسلامية على “أغلبيتها” فيها .

وعندما شعرت الجماعة شبه العلمانية، أن الدستور الذي يريده الإخوان والسلفيون سيمرّ على الرغم من البحث المضني لبضعة شهور، قرّرت الانسحاب لترك الإسلاميين يواجهون الموقف وحدهم، وذلك بإعلان التنصّل من دستور لا ترتضيه، حتى وإن أسهمت في إعداد مواده الأساسية .

وظنّت الجماعة شبه العلمانية أو غير الدينية أن الإسلاميين قد لا يكملون المشوار، وإن واصلوا ذلك، فهم وحدهم من سيتحمّل مسؤولية دستور لم يحظ “ بالشرعية الشعبية” أو “التوافقية” الديمقراطية القائمة على التعدّدية والتنوّع، لكن الإسلاميين صمموا على استكمال المهمّة بإنجاز الدستور وحدهم ومن معهم، وعرضوه على الاستفتاء في أواخر العام 2012 .

صحيح أن نسبة التصويت (الإقبال) لم تصل إلى الثلث من عدد الناخبين الذين يحقّ لهم التصويت، وأن نسبة ما حصلوا عليه هو 8 .63 من عدد المصوّتين، لكن الدستور أصبح نافذاً بعد الاستفتاء .

لقد وقعت الجمعية التأسيسية لصياغة الدستور عند تشكيلها في خطأ أول عندما وافقت على قبول دستور العام 1971 قاعدة للنقاش والانطلاق، بما فيه تكييف بعض مواده، وهو دستور كما هو معروف، تمت صياغته مثل غيره من الدساتير المصرية هيئات غير منتخبة، ونشأ في ظروف ملتبسة، فمثلاً تم وضع دستور العام 1923 في ظل الاحتلال البريطاني لمصر .
أما الاعلان الدستوري ما بعد ثورة يوليو (تموز) العام 1952، فقد صدر في 10 كانون الأول (ديسمبر) 1952، وتلاه إعلان دستوري ثاني صدر في 10 شباط (فبراير) 1953 واستمرّ لغاية العام 1956، حيث صدر اعلان دستوري جديد في 16 كانون الثاني (يناير) 1956، استمرّ حتى اعلان الوحدة بين مصر وسوريا وقيام الجمهورية العربية المتحدة، حيث أعلن دستور الوحدة في آذار (مارس) 1958، ولعلّ هذه الاعلانات بما فيها دستور الوحدة نشأت في رحم الاستبداد وسياسة احتكار العمل السياسي، وصاغها فريق معيّن فوقياً وغير منتخب.
وكأن خطأها الثاني هو الموافقة على الإعلان الدستوري الصادر في مارس/ آذار 2011 من المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وذلك حين تمّ تحديد فترة زمنية (أمدها ستة أشهر) لصياغة الدستور، وهو أمرٌ في غاية الصعوبة في ظلّ التحدّيات التي تواجه مصر وتجاذباتها السياسية، وكان على الرئيس محمد مرسي إلغاؤه، خصوصاً أن المهلة تلك، تشبه المهلة التي حدّدها الرئيس بوش الابن لصياغة الدستور العراقي الدائم، والتي تركت تأثيراتها السلبية في صياغة الدستور ومبادئ التوافق، بل في مجمل العملية السياسية!

وعندما توتّر الموقف وشعر المرشّحون لصياغة الدستور من غير الإسلاميين، أن غلبة ستحدث في نهاية المطاف خارج نطاق التوافق، لجأوا إلى الانسحاب من الجمعية التأسيسية لكيلا يبصموا على “شرعية” اعترضوا عليها، خصوصاً إذا بقيت الجمعية التأسيسية تمثّل لوناً واحداً، الأمر الذي سيضعف من شرعية المرحلة التوافقية، أو ما يطلق عليه “الديمقراطية التوافقية”، لكن الإسلاميين سيظهرون حسنات “ الدستور الجديد” بالقول: إنه ذهب إلى تحديد مدة انتخاب الرئيس بفترتين فقط، وهو النقاش الذي استغرقه نحو عقد من الزمان بخصوص المادة 76 من دستور العام ،1971 كما تم منح صلاحيات للبرلمان لم تكن متوافرة سابقاً، وأوجب على الرئيس التعاون مع البرلمان لتشكيل الحكومة، وعلى هذه الأخيرة تقديم برنامجها إلى البرلمان للموافقة عليه، وللبرلمان سلطة إقالة الحكومة بما فيها رئيس الوزراء بمجرد موافقة أغلبية بسيطة من أعضائه (المواد 133 و139 و126)، وكان ذلك بفعل الضغوط التي مارسها الأعضاء غير الإسلاميين قبل انسحابهم .

ووفّر الدستور آليات للأقلية البرلمانية، بما فيها حق الأعضاء الفردي تقديم طلب إحاطة بالمعلومات، أو طلب أي بيان من الحكومة أو حتى استجواب رئيس الوزراء بشأن القضايا الطارئة، مثلما وضع قيوداً على سلطات الرئيس بإعلان حالة الطوارئ وهي أمور لم يتضمنّها دستور العام 1971 .

ومع ذلك فقد ظلّت صلاحيات الرئيس واسعة، منها الحق في تعيين عُشر أعضاء مجلس الشورى وتعيين رؤساء المؤسسات المستقلة، مثلما بقيت هناك اختلالات بشأن تعيين القضاة أو إقالتهم وتحديد مرتباتهم، وهي أمور تتعلق باستقلالية السلطة القضائية واستقلالية القضاة أنفسهم، كما وردت إشارة غير واضحة في ثلاثة مواضع للمجلس القضائي الأعلى المشرف على أعمال القطاع القضائي، لكن تعريفه ظلّ عائماً .

لعل المسألة الجوهرية التي يستمر النقاش والجدل حولها بانفعال شديد من جانب الإسلاميين وبقلق كبير من جانب دعاة الدولة المدنية، هي علاقة الدين بالدستور والدولة، خصوصاً استخداماته السياسية وتأويلاته وتفسيراته، وهو الأمر الذي زاد فيه دستور العام 2012 ثقلاً على دستور العام 1971 الذي نصّ على اعتبار “مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيس للتشريع” .

وإذا كانت الدولة المصرية الحديثة منذ ولادتها في العشرينات لم تكن دولة دينية، فإنها لم تكن دولة مدنية تماماً، وضمّت في السابق والحاضر، ومن خلال قديم وجديد الدساتير المصرية، هذه الصفة، ذات الطبيعة المختلطة والأقرب إلى التوافقية أو “المنزلة بين المنزلتين”، إن صحّ التعبير . فقد ظلّت بعض الدساتير المصرية والعربية على الرغم من إقرارها، بمبادئ الشريعة الإسلامية، أو حتى ببعض أحكامها، تتأثر بعدد من الدساتير الغربية، لاسيما الفرنسية والبلجيكية، وكان ذلك جزءاً من سعي فكري منهجي اختطّه الفقيه الكبير عبد الرزاق السنهوري، الذي كانت بصمته التوفيقية واضحة بصورة مباشرة أو غير مباشرة على العديد من الدساتير العربية في المشرق .

الدستور المصري النافذ ليس هو ما يحلم به الإسلاميون، لقيام دولتهم الإسلامية بسبب أن ميزان القوى وإن مال لمصلحتهم، لكنهم لم يستطيعوا القضاء على مقاومة المعارضة التي ظلّت ممانعة ومتماسكة، كما أنه بالطبع ليس الدستور الذي حلم به الديمقراطيون والليبراليون واليساريون، خصوصاً وهو يحتوي على اختلالات كثيرة، وثغرات عميقة، لا سيّما إذا استثمره الإسلاميون لترسيخ مواقع أقدامهم، الأمر الذي قد يدفع المنطقة إلى صراعات جديدة أكثر احتداماً، فمصر أو غيرها من البلدان العربية، خصوصاً التي شهدت تغييرات لا يمكن أن يحكمها اتجاه واحد، والمطلوب البحث عن صيغة توافقية لدستور يعبّر عن الجميع وإن كان لا يمثلهم بالكامل! وتلك مهمة مضنية، لكنها ستكون صمام أمان لنزع صاعق التفجير .



161
تشيلي في الزمن العربي

عبد الحسين شعبان

ما آل إليه الوضع السوري يضع التجربة التشيلية بجميع جوانبها الإيجابية والسلبية أمام الباحث والمراقب، على الرغم من اختلاف الظروف ودرجة التطور الاجتماعي والاقتصادي والثقافي، والأمر لا يخصّ سوريا وحدها، بل يتعلق بالحراك العربي ككل ومصير التحوّل الديموقراطي ومآلاته.
زرت سنتياغو وعدداً من المدن التشيلية وحاولت التعرّف على تجربتها ودراسة بعض ملامحها، ولا سيما فيما يتعلق بالعدالة الانتقالية، وبعضها دوّنته في كتابي «كوبا ـ الحلم الغامض»، أما القسم المتعلق بالثورة في صندوق الاقتراع، فقد تناولته في كتابي «تأملات فكرية في الربيع العربي» في إطار مراجعة التجارب الدولية ومقارباتها العربية في ميدان العدالة الانتقالية، سواء تجربة بعض بلدان أميركا اللاتينية أو تجربة أوروبا الشرقية التي تراوحت بين فقه القطيعة وفقه التواصل أو تجربة جنوب أفريقيا أو تجربة المغرب أو غيرها من بلدان آسيا وأفريقيا.
لم يكن طريق تشيلي للتحوّل الديموقراطي سالكاً، لاسيما الانتقال السلمي، خصوصاً في ظل حكم دكتاتوري تسلطي، حيث كانت المجابهة تشتد بين السلطة ومعارضتها وبأساليب مختلفة، حتى تمكّنت الأخيرة ومعها المجتمع المدني وبدور إيجابي فاعل من الكنيسة من فرض إقرار دستور جديد في العام 1988 وإجراء انتخابات حرّة ونزيهة، وبالتالي تأمين الانتقال للديموقراطية، تلك القضية التي ظلّت استعصاءً في بعض البلدان العربية حيث تمترست الحكومات بالسلطة ورفضت تقديم أي تنازل للمعارضة، في حين كانت المعارضات تريد تغيير النظام دفعة واحدة، ولكن الحكومات عجزت من القضاء على المعارضة وتحطيم مقاومتها، مثلما لم تنجح المعارضات في زعزعة الأنظمة والانتصار عليها، حتى جاء ما سمّي بموجة الربيع العربي، استحقاقاً للتغيير الذي طال انتظاره وإن تجاذبته قوى مختلفة ومتباينة ولا يزال لم يستقر بعد أو تتحدد ملامحه بصورة واضحة.
ولعل تلويح كل من الموالاة والمعارضة بالقضاء على الآخر وإقصائه وتجريمه يجعل من العنف سيّد الموقف، بحيث يصبح السلاح هو المتحكّم باللعبة حتى النهاية، وإذا افترضنا فشل مشروع التغيير بعد احترابات ونزاعات مسلحة، خصوصاً إذا طالت، فكيف يمكن حكم شعب بعد خراب ودمار واقتتال وعنف وانتقام؟ وإذا افترضنا نجاح المعارضة في الإطاحة بالنظام القائم بواسطة السلاح والعنف، فهذا طريق لكسب السلطة وليس لبناء الدولة وحكم القانون، الأمر الذي يحتاج إلى تطور سلمي طويل الأمد، ومخرج تراكمي لتأمين التحوّل الديموقراطي واحترام حقوق الإنسان وتحقيق العدالة، في عملية توافقية جديدة وعقد اجتماعي جديد، خصوصاً أن مجتمعاتنا العربية بحاجة إلى مشروع حضاري نهضوي يربط بين المهمات السياسية الديموقراطية بمهمات التحرر والاستقلال الاقتصادي والتحوّل الاجتماعي والتنمية.
وللحديث عن «تشيلي العربية» أو التجربة التشيلية للعالم العربي، يمكن استذكار أن الرئيس سلفادور الليندي زعيم الحزب الاشتراكي فاز ممثلاً عن اليسار المتحالف مع الحزب الشيوعي في الانتخابات العام 1970 في أجواء ديموقراطية نزيهة، الأمر الذي أثار غضب الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون ومستشاره للأمن القومي هـنري كيسنـجر، الذي اعـتبر فوز الليندي تهديداً للأمن القومي الأميركي، فكيف ليساري ومتحالف مع الاتحاد السوفياتي أن يلعب في الفناء الخلفي للولايات المتحدة، وهي تخوض حرباً دموية في فيتنام، خصوصاً أن واشنطن كانت تعتبر أميركا اللاتينية بقضّها وقضيضها، باستثناء جزيرة كوبا المحاصرة، قاعدة للنفوذ الأميركي ولا تقبل وجوداً منافساً لها.
ولعلّ ما زاد الطين بلّة أن اليسار التشيلي والنظام الجديد أقدم على عدد من الإجراءات الاقتصادية والاجتماعية التي تهدد الولايات المتحدة ومصالحها في تشيلي وهو أمر لا تسمح به واشنطن، خصوصاً وقد يتكرر في دول القارة الأميركية، حيث سيكون بادرة ثانية بعد كوبا، ولاسيما عند تأميم قطاع المناجم وخاصة النحاس المشهورة به وإجراء إصلاح زراعي، حيث كان مثل هذا الأمر استفزازاً لشركات احتكارية أميركية عدة أيضاً، فاتجهت وكالة المخابرات المركزية الـ CIA وبالتعاون مع قوى يمينية معارضة للنهج اليساري، لترتيب انقلاب عسكري في شهر أيلول (سبتمبر) 1973 بقيادة أوغستو بينوشيه، حيث قتل الزعيم الاشتراكي الليندي في مبنى البرلمان وكبار القادة والمسؤولين وحُكمت البلاد بالحديد والنار.
وفي العام 1988 صدر دستور جديد وبموجبه تم خوض الانتخابات، خصوصاً بعد أن وصلت قوى الموالاة والمعارضة، إلى قناعة أن ليس بإمكان أي طرف إلغاء الطرف الآخر، في حين ظل الشعب ينزف بكثافة، وقد لعبت الكنيسة دوراً كبيراً في الوصول إلى هذه القناعة، عبر مغالبة النفس، تمهيداً للاعلان عن بقاء بينوشيه في موقعه العسكري لمدة 8 سنوات، مقابل إجراء انتخابات ديموقراطية حقيقية، وعندما فازت المعارضة شرعت بتطبيق مشروعها للعدالة الانتقالية، بتشكيل لجنة الحقيقة والمصالحة، وفتح ملف حقوق الإنسان وكشف الحقيقة وتعويض الضحايا وجبر الضرر وإصلاح الأنظمة القانونية والقضائية والأمنية.
وقد حدّثتني الشخصية الحقوقية البارزة لاورا نوفا عن تجربتها كيف استطاعت الانتقال من المعسكر المناوئ لحكم الليندي والمؤيد إلى بينوشيه في العـام 1973، إلى معسكر الديموقراطية قائـلة: لقد شعـرت أن تشيلي بدأت تتجه نحو الدكتاتورية، ولهـذا أخذت أعبئ الناس ضد حكومة بينوشيه، وبسـبب ذلك خسرت عملي، وقد انضممت إلى الحركة الشعبية التي دخلت الانتخابات على أساس الدستور الجديد، وكان شعارنا «لا» وهي الكلمة السحرية التي أطاحت الدكتاتورية.
كانت معارضة حكومة بينوشيه على نوعين، فإما أن تتم الإطاحة به عبر العنف، وهنا كان يكمن خطر الحرب الأهلية، أو عن طريق صندوق الاقتراع، وهو الطريق الذي توحّدت عليه المعارضة، حيث فازت في 5 تشرين الأول (اكتوبر) 1988 بالأغلبية. حينها بدأ العدّ العكسي التنازلي لسلطة بينوشيه، الذي لوحق دولياً فيما بعد عند منتصف التسعينيات.
وعلى الرغم من إجراء تعديلات عدّة على دستور العام 1988، فإن بعض آثار الديكتاتورية وبُقعها السوداء ظلّت عليه، وقد ساهم الحوار والإجراءات الديموقراطية اللاحقة، في الحيلولة دون تمكّن القوى المؤيدة للنظام السابق من العودة ومن انتهاج طريق العنف مرّة أخرى. ولعلّ ذلك كان معياراً للنجاح الحقيقي، لاسيما بإشراك الخاسرين، والخاسر لم يذهب إلى السجن ولكن عليه التسليم بخسارته. أما شجاعة الفائزين فهي بعدم الانتقام أو الإكراه أو الثأر، وهو ما أكّداه لي في حواراتي معهما كل من جنيرو أريكادا ولاورا نوفا في إطار من المصارحة والشفافية والمراجعة، وما أيّدته لوسيا سبيلفيدا وإليزابيت ليرا، وجميع هؤلاء أكاديميون وناشطون احتلوا مواقع مهمة في إطار تجربة العدالة الانتقالية.
وفي هذه الأجواء تمكّن ائتلاف واسع بين قوى الوسط واليسار المعارضة لنهج بينوشيه من إنجاح مرشحه للرئاسة في التسعينيات، وفيما بعد في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين وذلك تحت شعار «الثورة في صندوق الاقتراع»، وهو طريق جديد اتبعته دول أميركا اللاتينية، حيث تمكن اليسار من القفز إلى السلطة في عدد من دولها، ولكن الديموقراطية السياسية ظلّت باستمرار بحاجة إلى تحوّلات ديموقراطية اقتصادية واجتماعية، بعد النجاح الذي تحقق على المستوى السياسي.
لقد استطاع حزب سلفادور الليندي الإشـتراكي والقوى اليسارية أن يحرزا النصر عبر صنـدوق الاقـتراع في كل من تشيلي في المرّة الأولى بقـيادة ريكاردو لاغوس وفي المرّة الثانيـة بقيادة السيـدة باشليه (Michelle Bachelet)، وفي فنـزويلا، فاز هوغو شافيز (Hugo Chávez) الاشتراكي اليساري بنبرة صاخبة، وفي الإكوادور فاز رافاييل كوريّا (Rafael Correa)، وفي بوليفيا فازت القوى الاشتراكية اليسارية بقيادة موراليس (Juan Morales) مثلما حازت القوى اليسارية على أغلبية المقاعد في البرلمان في باراغواي بقيادة لوغو منديز وفرناندو أرميندو (Fernando Armindo Lugo Méndez)، ولعلّ تجربة نيكاراغوا مثيرة للجدل، فقد وصل دانيال أورتيغا (Daniel Ortega) قائد الثورة الساندينية المسلحة سابقاً، إلى السلطة بعد غياب عنها 15 عاماً، بواسطة صندوق الاقتراع.
إنّ هذه التجارب الكبرى بحاجة إلى تأمّل ودراسة، لاسيّما من جانب الحركات التي سُمّيت ثورية في بلداننا العربية، وكيف تراجعت، ولماذا، وما هو أفقها؟ والأمر لا يتعلق بإعادة تطبيق النموذج، ولكن بهدف الإفادة منه دون استنساخ أو تقليد أعمى.


162

العولمة والإعلام .. أثمة مبالغات؟   
   
      
عبد الحسين شعبان

 
حوّلت الثورة العلمية-التقنية وما لحقها من تكنولوجيا الإعلام والمعلومات بما فيها الطفرة الرقمية "الديجيتل"، العالم كله إلى قرية مفتوحة، فما يحصل في بلد ناءٍ وبعيد، ستشاهده لحظة وقوعه أو بعد دقائق أو ساعة أو سويعات وأنت مسترخٍ في غرفة الاستقبال أو مستلقٍ في غرفة النوم وعلى بُعد آلاف الأميال.
وإذا كنا نقول في البحث الأكاديمي "الوثيقة خبر"، ففي الإعلام نقول: الصورة خبر، وقد يغني عن مئات بل وآلاف المقالات، ولا سيما دورها في صياغة الرأي العام والتأثير عليه سلباً وإيجاباً.

ولعلّك ستتفاعل مع الصورة على نحو كبير باعتبارها "خبراً" بانورامياً بحد ذاته، حيث ستشاهد فيه الحدث وما خلفه وما رافقه وما سيتبعه وما قيل أو يقال فيه، وستطّلع على رأي صانع الحدث والمشارك فيه وخصمه والشاهد عليه والمشاهد بعد ذلك.
كل ذلك بفضل الدور المؤثر للإعلام، ولا سيّما إذا تمكّن الإعلامي من التقاط اللحظة التاريخية، فالصحافي في نهاية المطاف حسب تعبير ألبير كامو هو "مؤرخ اللحظة"، ولعل تاريخ اللحظة سيكون حاضرا في الصورة أيضا، دليلاً للباحث والمؤرخ وعالم السياسة والاجتماع، فهو المادة الأولى التي يتم الاعتماد عليها للاستنتاج وصولاً للتقويم وإصدار الأحكام واتخاذ المواقف!
وإذا ما جرت مبالغات في دور الإعلام، فربما يعود السبب إلى اعتقاد شاع في ظل العولمة وترسّخ لدرجة اليقين مفاده أنّ بالإمكان صناعة الخبر أو توليفه أو حتى اختراعه أو اختلاقه، وبالتالي ضخّه بطريقة مؤثرة ليبدو وكأنه حقيقة لا تقبل الشك، حتى وصلت المسألة إلى تحميل الإعلام ما حدث وما يحدث من مشكلات واضطرابات وأعمال عنف، لدرجة تقترب من تعويض الواقع بالافتراض أو بالوهم، حيث يصبح تصوير ما ينشر أو يذاع أو ينقل من الشاشات الزرقاء والإنترنت وكأنه الحقيقة دون سواها.
وإذا كان الإعلام قد ساهم في ظل العولمة في وصول الخبر بالصوت والصورة وبسرعة خارقة إلى المتلقّي، وقد حدث على نحو لم يسبق له مثيل من قبل في حرب الخليج الثانية، أي بعد غزو الكويت العام 1990 ومن ثم حرب قوات التحالف ضد العراق في العام 1991، بفعل محطة الـCNN، ومحطة تلفزيون الجزيرة في غزو العراق العام 2003، فإن الإعلام ليس هو من يصنع الخبر، حتى وإن بالغ فيه أو عرض جوانب منه وأخفى جوانب أخرى أو مارس انتقائية تضرّ بالمهنية والنزاهة التي يتطلبها العمل الإعلامي أو عاظم من شأن حدث ما وقلل من شأن آخر، فإنه ليس هو المسؤول عمّا حدث ويحدث، وإنْ كان له دور في تأجيج المشاعر واستثارة الغرائز وتقديم الصورة التي تساعد على تفضيل هذا الفريق أو ذاك، لكنه لن يكون قادراً وحده في اختراع شيء لم يحدث، وإن حصل لمرّة أو مرتين، فإن صدقيته ستكون منخفضة، بل محطّ تساؤل ومن ثم عزوف من جانب المتلقي.
ولعلّ هذا ما وجدناه في الإعلام العربي، لا سيما الرسمي، وخصوصا في البلدان التي شهدت اندلاع أعمال الاحتجاج الشعبية، لكن الأمر لم يدم طويلاً وسرعان ما كانت الحاجة إلى الحقيقة تتسع، بل وتظهر في ظل المنافسة الإعلامية حيث لا يستطيع أحد إخفاء الحقيقة إلى ما لا نهاية في ظل اتساع وسائل الاتصال المعولمة.

هكذا على نحو مفاجئ انتقل العالم العربي كلّه، ومرّة واحدة، إلى دائرة الضوء، لدرجة أن قرى وبلدات منسيّة وبعيدة أصبحت معروفة عالمياً، في ظل دهشة ومفاجأة لما حدث وكيف حدث؟ وكانت لحظة إحراق البوعزيزي نفسه في تونس وفي محافظة سيدي بوزيد إشارة البدء أو ساعة الصفر أو الانطلاق لإعلان صيرورة الانتفاضة التي سرت مثل النار في الهشيم، وامتدّت من تونس إلى مصر، معلنة وحدة المشترك العربي الإنساني، دون نسيان الخصوصية والتمايز بكل بلد ولكل حالة.
لقد جعلت العولمة والإعلام على وجه الخصوص التغيير بقدر خصوصيته شاملاً، وبقدر محليته كونياً، ولا سيّما أن كل شيء من حولنا كان يتغير على نحو جذري وسريع، ولعلّ هذا يطرح عدداً من الحقائق الجديدة التي تثير أسئلة بحاجة إلى إعمال العقل والتفكير لا بشأنها حسب، بل بشأن سياسات وأنظمة لم تشعر أو تتلمس الحاجة إلى التغيير طالما اعتقدت وهماً أنها تقوم بتوفير الأمن والاستقرار، وأن ذلك سيكون وحده كافياً لإسكات شعوبها أو إرضائها، وكأن ذلك الأمن والاستقرار يراد لهما تعسفاً أن يصبحا بديلاً عن الحرّية والكرامة والعدالة التي هي مطالب شرعية باعتراف الحكومات جميعها، ولعلّ هذه المطالب المشتركة وذات الأبعاد الإنسانية جعلت حركة الاحتجاج ومطالب الشباب تمتد من أقصى المغرب العربي إلى أقصى المشرق العربي، ومن المحيط إلى الخليج كما يقال.
يخطئ من يظن أن الحركة الاحتجاجية هي صورة نمطية يمكن أن تتكرر أو تستنسخ أو تتناسل أو أنها خريطة طريق واحدة أنيقة وملوّنة لجميع البلدان والشعوب، فالأمم والمجتمعات تحفل بالتنوّع والتعددية وبوجود اختلافات وخصوصيات وتمايزات، بقدر ما يوجد بينها جامع مشترك أعظم، وقواسم عامة، لا سيّما حاجتها الماسّة إلى التغيير طلباً للحرّية والعدالة والكرامة الإنسانية.
وبهذا المعنى فإن الحركة الاحتجاجية ليست طبعة واحدة أو فروعاً من حركة قائمة، أو صورة مصغّرة عنها. صحيح أن العالم العربي وصل في غالبيته إلى طريق مسدود، وهو ما عكسته تقارير التنمية البشرية، لا سيّما شحّ الحرّيات والنقص الفادح في المعارف وتفشي الأمية الأبجدية التي زادت على 70 مليون، ناهيكم عن الأمية المعرفية، خصوصاً التعاطي مع علوم العصر وتقنياته ووسائله الحديثة، إضافة إلى الموقف السلبي من المرأة وحقوقها ومساواتها، وكذلك الموقف الخاطئ من التنوّع الثقافي الديني والقومي والإثني واللغوي وحقوق المكوّنات المتساوية وغيره.
وإذا كان للتغيير جاذبيته، فإن له قوانينه أيضاً، لا سيّما المشترك منها والذي يشكّل قاعدة عامة، وبقدر ما يحمل التغيير من خصوصية، فإنه كذلك يمتلك أبعاداً شمولية، تتخطى حدود المحلّي إلى الإقليمي والكوني، وما حصل في مصر بقدر كونه مصرياً بامتياز قلباً وقالباً، فإنه عربي أيضاً، بل هو تغيير عالمي بحكم الجاذبية، الأمر الذي ينبغي التأمل فيه لا مكانياً حسب، بل زمانياً أيضاً، وخصوصاً بفعل العولمة وما أفرزته من معطيات، إيجابية وسلبية، فإذا كانت قد عممت الهيمنة العابرة للحدود والقارات والجنسيات والأديان والقوميات، وفرضت نمطاً سياسياً واقتصادياً واجتماعياً سائداً، فإنها عممت الثقافة والحقوق والمعرفة بما تحمل من آداب وفنون وعمران وجمال وعلوم، ولعلّ هذا هو الوجه الإيجابي للعولمة في مقابل وجهها المتوحش واللاإنساني!
هكذا يصبح التغيير استحقاقاً وليس خياراً فحسب، وتصبح الخصوصية جزءًا من الشمولية ويندمج الخاص بالعام والاستثناء بالقاعدة، على نحو فاعل ثقافياً واجتماعياً واقتصادياً وسياسياً وقانونياً ومعرفياً. ويلعب الإعلام دور مسرّع في التواصل والتعبئة وعلى المستويين الداخلي والخارجي، وهو أحد أعمدة التغيير التي لا غنى عنها في ظل العولمة.

وإذا كانت مصر قد شكّلت قطب رحى مهما في العالم العربي بحكم وزنها السياسي الكبير والفاعل وثقلها الثقافي والمعرفي الهائل والمؤثر وخبراتها وطاقاتها العلمية وكثافتها السكانية والبشرية، وبحكم موقعها الجغرافي وكونها جسراً بين أفريقيا وآسيا وبين العالم العربي وشعوب أخرى، فإنها أكدت جملة حقائق مهمة بالارتباط مع ما حدث في تونس وما بعده في العالم العربي، رغم عدم استكماله، بل وتحوّل بعض أوضاعه إلى معاناة جديدة ومأساة مستمرة بسبب تشبث الحكّام، كما حصل في ليبيا التي شهدت حرباً أهلية وتدخلاً عسكرياً دولياً قاده حلف الناتو.
ولولا تدخل مجلس التعاون الخليجي ومبادرته بشأن تنحّي الرئيس اليمني علي عبد الله صالح، لكانت احتمالات انفجار الوضع واردة، ولعلّ الأمر يحتاج إلى نزع الفتيل كلياً، وما زالت معاناة الشعب السوري مستمرة، ولم تفلح مبادرة جامعة الدول العربية والأمم المتحدة (المشتركة) برئاسة الأمين العام السابق كوفي أنان وخليفته الأخضر الإبراهيمي في الوصول إلى النتائج المرجوّة التي تتلخص في وقف العنف وتأمين الانتقال السلمي إلى الديمقراطية، وهو ما يسهم فيه الإعلام في ظل العولمة، حيث أصبح بإمكان كل إنسان أن يشارك في التغيير من مكانه، ومن موقعه بفضل وسائل الاتصال التي لا تحدّها حدود مثل الإنترنت (فيسبوك وتويتر) والهاتف النقال وغيرها.




163
الماركسية والدين:
التباسات العلاقة وأسس المصالحة
عبد الحسين شعبان
باحث وأكاديمي عراقي
مقدمة
تستحق ندوة الدين والدولة التي نظّمها مركز دراسات الوحدة العربية، والتي شارك فيها ما يقارب من 100 باحث ومختص ومفكر، وبدعم من المعهد السويدي بالاسكندرية، وقفة تأمل، فهي تشكّل إحدى منتديات الحوار الجادة والجريئة، ولا سيما أنه قد اجتمع في هذه الندوة متديّنون وغير متدينين، إسلاميون وعلمانيون، حداثيون وتقليديون، وجرى فيها نقاش عميق ومسؤول في الموقف من علاقة الدين بالدولة.
وإذا كانت الندوة قد فتحت شهية الحوار، فإن هناك الكثير الذي يمكن مناقشته على هذا الصعيد، فقد غاب مثلاً الموقف الماركسي من الدين والدولة، وهو الذي شكّل أحد أركان المشهد السياسي الخمسيني والستيني من القرن الماضي، والذي يمكن أن يستقطب اليوم بعد إعادة قراءته على نحو جديد، ولا سيما بعد الربيع العربي، أوساطاً جديدة مهتمة باحتدام الصراع والجدل بين الإسلاميين والمتدينين من جهة، وأوساطاً واسعة من اليسار الماركسي والعروبي، أو ما يمكن أن نطلق عليهم العلمانيين أو الليبراليين، من جهة أخرى، فضلاً عن فكرة الدولة بعد الثورة العلمية- التقنية، ولا سيما ثورة الاتصالات والمواصلات وتكنولوجيا اإعلام، وموضوع سوسيولوجيا الدين والتديّن، إضافة إلى العولمة وإفرازاتها والأزمة الاقتصادية والمالية، بما فيها موضوع الدولة الريعية...إلخ.
وأعتقد أن الندوة، بحكم تنوّعها وغناها، كانت أقرب إلى طرح أسئلة، بحاجة إلى المزيد من الدراسة والقراءة وإعادة النظر، خصوصاً في ظل المستجدات والمتغيّرات العربية والكونية. لذلك تأتي هذه المساهمة لتعرض موقف الماركسية من الدين، لما له من قيمة تحليلية ومعرفية، مثلما يفيد الإلمام بجوانب الفكر الماركسي من الدين، الفكر النقدي بوجه عام، وخصوصاً أن الهدف هو التنوير ودوره في إثراء الجدل الدائر حول العلاقة بين الدين والدولة، بما يتجاوز المعنى العام والفهم السطحي لمقولات ماركس حول الدين، ناهيكم عن موقف الماركسية لاحقاً.
أولاً: الدين أفيون الشعوب
إذا كان ماركس قد قال «"الدين أفيون الشعوب" فإنه كان يقصد العلاقات الملموسة بين الدولة البروسية والكنيسة البروتستانتية في ألمانيا في القرنين السابع عشر والثامن عشر. وقد ظلّ لهذه الجملة رنين خاص، فالدين يمكن أن يكون أفيوناً مثلما يمكن للفن والأدب أن يكونا أفيوناً، والسياسة يمكن أن تكون أفيوناً هي الأخرى، وهو ما عبّر عنه فيديل كاسترو في حواره الطريف والعميق مع فراي بيتو، رجل الدين المسيحي، لمجلة أنفيو (ANVIO).
وإذا كان ماركس لا يتحدث على نحو تعميمي وتجريدي يصلح لكل العصور والتشكيلات الاجتماعية، كما هو إنجلز وفيما بعد لينين، فقد تحدث هؤلاء على فعل ملموس وإيجابي، في الكثير من الأحيان، فيما يتعلق بالدين كعنصر يسهم في دعم نضال الكادحين، وهو ما قصده ماركس عند حديثه عن الفلاحين في ألمانيا. ولا يهم في ذلك إن كان الإنسان مؤمناً أو غير مؤمن، لكنّ الباحث ولا سيما الماركسي هو الذي يحاول قراءة الواقع لاستنباط الأحكام والقواعد التي يمكنها الإسهام في تغييره بتعزيز الجوانب الإيجابية فيه وتوظيفها لهذا الغرض، سواء كان ديناً أم غيره، وبتشخيص الجوانب السلبية التي تعيق عملية التغيير لمواجتها ودراسة تأثيراتها المعرقلة على مسار التطور الاجتماعي.
بحسب قراءاتي الماركسية، لم يكن ماركس، كما أشرت في كتاب (تحطيم المرايا- في الماركسية والاختلاف)، قد تحدّث عن الدين وناقشه كأطروحة متكاملة، لكنّ إسهام ماركس بالذات كان في البحث في وظيفة الدين وأسباب حاجة البشر إليه باعتباره "الزهرة الوهمية على قيد العبد" أو "زفرة المقهور". وقد استفاد ماركس من رؤية فيورباخ إزاء الدين، ولم يكن له موقف عدائي مسبق. وأظنّ أنّ أي مواقف مسبقة من الدين ستكون نقيضاً للماركسية التي هي أداة لتحليل الظواهر لا نفيها.
إنّ الماركسي الذي ينظر إلى الفكرة التي تكوّنت خارج الواقع لا يمكنه أن يكون ماركسياً؛ فالماركسية نظرية لفهم الواقع، وبالتالي العمل على تغييره، لكنها لا تتطابق مع الواقع الجديد الذي تريد تغييره، بل ستسعى، هي ذاتها، إلى عدم ثباته أو النظر إليه كشيء ساكن. ولعلّ الكثير من الماركسيين، بمن فيهم العرب والعالمثالثيين، عند بحثهم المسألة الدينية لم يخضعونها للمنهج الجدلي، وهو موقف غريب، ولذلك كانت استنتاجاتهم غريبة أيضاً، لأنها نقيض للماركسية، لا سيّما عدم إدراك طبيعة التناقضات في الظاهرة الدينية.
لا يمكن، في مجتمع مثل مجتمعاتنا العربية والإسلامية والعالمثالثية، إلى حدود كبيرة،  لأيِّ جماعة ثورية أن تتجاهل الظاهرة الدينية، لا سيّما أنها ظاهرة مجتمعية، وإلاّ فإنها، هي ذاتها، سوف لا تكون ثورية. وإذا ما فعلت ذلك فلن يعود بإمكانها القيام بالتغيير الاجتماعي الحقيقي للمجتمع. وحتى اليوم لا يوجد استثناء لذلك، فقد أفادت أمريكا اللاتينية وحركتها الثورية، إلى حدود كبيرة، من لاهوت التحرير المسيحي، فالتديّن الشعبي هو أحد معطيات الواقع الاجتماعي الذي ينبغي أخذه بنظر الاعتبار، ولذلك فإنّ من يعتبر نفسه طليعة الشعب لا بدّ وأن يعمل على كسب هذا السند الشعبي بما فيه من معطيات، الأمر الذي يستوجب احترام الدين واتخاذ موقف إيجابي منه، لا سيّما القيم الإنسانية المشتركة التي تمثل، في الوقت نفسه، قيماً للماركسية.
لقد ساد فهم ستاليني ميتافيزيقي للماركسية بحيث طغت أحياناً فوق التناقضات والنزعات في التشكيلات الاجتماعية، وهو ما أعادني إلى قراءة رسالة باكونين، الثوري الروسي، إلى ماركس عند تأسيس الأممية الشيوعية الأولى في إنكلترا، حين اقترح فيها أن تضمّ العمال الملحدين فقط، وكان جواب ماركس أنه يقبل بالعمال الشيوعيين بغضِّ النظر عن موقفهم من الدين، سواء كانوا ملحدين أم غير ملحدين، لأنّ الاقتصار على الملحدين  سيؤدي إلى قبول نسبة ضئيلة من العمال، وهو الموقف الذي اتّخذه لينين لاحقاً في الحزب البلشفي، باعتبار المسألة مسألة ضمير، وإن كانت في التطبيق العملي قد اتّخذت بعداً سلبياً بعد ثورة أكتوبر الاشتراكية عام 1917، لا سيّما إزاء رجال الكنيسة، وهو ما شرحته مطولاً في كتابي "تحطيم المرايا- في الماركسية والاختلاف"، خصوصاً الإجراءات التعسفية والانتهاكات السافرة لحرية الضمير والدين والحق في الاعتقاد، وهو ما سارت عليه معظم التجارب الاشتراكية لاحقاً.
وعلينا الاعتراف بشجاعة أنه كان بيننا تيار محدود أو حتى غير معلن يروّج للإلحاد، وذلك تقليداً لوجود مثل هذا التيار في الماركسية التاريخية، ففي الأربعينيات نشر السوفييت كتاباً يقول إنّ المسيح لم يوجد، بل هو اختلاق وهمي لعبيد الإمبراطورية الرومانية. كما حاولنا تفسير التاريخ بمنظور طبقي مادي بعيداً عن الدين، وهو تفسير يصلح لعهد الرأسمالية، خصوصاً بعد فكّ الاشتباك بين الدولة والكنيسة، إلاّ أنّ مثل هذا التفسير، لوحده أو بكامله، لا يصلح لمجتمعاتنا التي ما زال الدين فيها قوياً ومؤثراً، بل ويتدخّل في الشؤون العامة والخاصة، الأمر الذي احتاج إلى تكييف، دون أن يعني نكران، الصراع بين السيّد والعبد والمالك والمُعدم، ولكن ليس باستبعاد الدين أو عبر ثنوية لا ثالث لهما.
كانت بعض الأحزاب الشيوعية قد أقلعت عن التبشير بالإلحاد علناً أو سرًّا، عن قناعة حقيقية أو تكتيكية، وهو ما أخذت به كوبا والجبهة الساندينية في نيكاراغوا عام 1980 التي اعتبرت الدين عامل تحرر. وهذا الأمر يحتاج إلى عمل من نوع آخر في أحزابنا الشيوعية العربية، لا بهدف المصالحة وحسب، بل للحديث عن وظيفة الدين وكيف يمكنه تعبئة الناس للنضال من أجل حقوقها ومصالحها، وما هو دور الحركة الشيوعية في ذلك، سواء في مرحلة التحرر الوطني والانعتاق من ربقة الاستعمار أم في مرحلة ما بعد الاستقلال، مع بقاء فلسطين والعديد من الأراضي العربية محتلةً، وهو ما يمكن فحصه من خلال الواقع: حزب الله في لبنان مثلاً، أو حماس في غزّة، ناهيكم عن صعود تيار الإسلام السياسي في الغالبية الساحقة من البلدان العربية بعد الربيع العربي، وتلك إحدى مفارقات التغيير، وخصوصاً فوز الإسلاميين في انتخابات حرّة، الأمر الذي يحتاج إلى وقفة مراجعة لدور الدين ووظيفته وكيفية استخدامه أو التعاطي معه.
أما بخصوص أزلية المادة، التي كان معظم سجالاتنا تتم على أساسها مع الإسلاميين أو غيرهم، فقد كان الاعتقاد قبل اكتشاف أينشتاين أنّ للكون ثلاثة أبعاد: السرعة والزمان والمكان، وذلك تجاوزاً على العلوم الفيزيائية والكيميائية في عهد إنجلز. لقد كان ماركس مادياً ديالكتيكياً، أي ضد المثالية وفي الوقت نفسه ضد المادية المبتذلة التي تريد اختزال كل شيء إلى عقلانية علمية وتجريبية مادية وضعية، في حين أنّ هناك بعداً رمزياً وذاتياً للعالم،  مثلما له بعده المادي، وبهذا المعنى فقد كان ماركس ضد الماركسية الميكانيكية، وهو ما ينبغي على الماركسيين تمثله، آخذين بنظر الاعتبار ظروف مجتمعاتهم.
لا وجود لماركسية خارج الإنسان وخارج المجتمع، وبما أنّ الإيمان الديني موجود، فالإنسان المؤمن أو غير المؤمن له علاقة بالسماء، وكلّ الذين حاولوا توظيف العقلانية العلمية الخاصة وصلوا إلى مجتمعات مغلقة، بل وحتى ظلامية، ولعلّ تجربة الثورة الصينية في العام 1965 دليل على ذلك، تلك الثورة التي روّضت الصين والثقافة والتاريخ على نحو خطير. لا يمكن لأيّ أحد أن يصبح شكسبير أو دوستوييفسكي أو تولستوي أو المتنبي أو الجواهري أو بتهوفن أو أينشتاين أو بيكاسو، فهؤلاء يملكون مواهب نادرة تفوق العقلانية بتحليل الثقافتية. لعليّ أنظر إلى العلمانية باعتبارها إنجازاً للعقلانية.
منذ كتابة ماركس كتاب (أصول فلسفة الحق لهيغل)،  فإنه يعترف بالمحتوى الآيديولوجي للدين وبدوره في الصراع الطبقي، وفي الوقت نفسه يعترف بمحتواه التحرري حين وضعه "روحاً لعالم بلا روح". وقد قرأ ماركس وإنجلز المنجز الثوري للتقليد المسيحي، حيث تمثل المسيحية نتاجاً وهمياً لعالم معذّب وإسقاطاً ذهنياً لوعيٍّ مُستلب، ما يتطلّب إخضاعها للنقد لا التهجم عليها.
لعلّ المادية تقوم على ثلاث أطروحات أساسية هي:
-   الوجود الواقعي للعالم موضوعياً، أي أسبقية المادة على الفكر الذي هو نتاجها، وليس العكس.
-   إنّ العالم قابل للإدراك (ابن رشد: العالم قابل للإدراك ).
-   الأفكار انعكاس للواقع.
إنّ نصوص الماركسية الفلسفية، لا سيّما مقدمته لأطروحة الحق لدى هيغل أو لأطروحات فيورباخ، لا سيّما الأطروحة الرابعة، تمسّ الدين بوصفه مسعىً إنسانياً لا يقتصر على المسيحية، وكذلك أطروحاته السياسية حول المسألة اليهودية، فقد عالج فيها المسيحية لأنها دين أوروبا السائد، وحتى عندما عالج المسألة اليهودية فإنّ معالجته لم تمسّ جوهر الدين اليهودي، بقدر ممارساته في ذلك العهد في أوروبا. من هنا ينبغي النظر إلى ازدواجية المفهوم لدى ماركس، وذلك حين يجمع بين الروح والأفيون، تلك الازدواجية التي هي في أصل الدين ذاته.
وبحسب غرامشي في (دفاتر السجن)  الدين هو أحد أركان البنيان الفوقي الآيديولوجي للتشكيلة الاجتماعية الملموسة، وهو متداخل مع بنيتها السوسيو-اقتصادية، وهنا يمكن التفريق في وظيفته من خلال مستويين أساسيين: الأول يتعلق بالمجتمع المدني، والثاني له علاقة بالمجتمع السياسي- الدولة التي تعتمد على وظيفة الهيمنة.
وإذا كانت المسألة الدينية في العالم العربي من أعقد المشكلات، بل وأخطرها، وقد ازدادت اشتباكاً والتباساً منذ أواسط السبعينيات، فقد ارتبطت هذه المسألة، أولاً، بصعود التيار الديني، وبشكل خاص الإسلامي أو الإسلاموي، وثانياً، الأمر له علاقة بالمواقف الانتهازية للغالبية الساحقة من السلطات الحاكمة التي حاولت مداهنة الإسلاميين، بل وحتى تملّّقهم، عسى أن يرضوا عنها، وقدّم الحكام  التنازل تلو الآخر لها على الصعيد الدستوري أو القانوني أو على الصعيد العملي، أما ثالثاً فيتعلّق بفشل اليسار، لا سيّما الماركسي، في برنامجه الفكري والسياسي، وتراجعه عن مواقعه، إضافةً إلى بقائه على هامش وعي الجماهير ومعتقداتها اليومية.
لعلّ الرئيس المصري الراحل محمد أنور السادات، بعد توليّه الأمور، هو من شجّع على وضع دستور بصياغات إسلامية غير معهودة من قبل، من قبيل اعتبار "الشريعة الإسلامية"  "مصدراً أساسياً" للتشريع، وهو ما دار النقاش حوله، ولا يزال يدور، في العديد من البلدان العربية، علماً أنّ من غير الممكن عملياً تحديد قواعد هذه الشريعة أو الاتفاق عليها من جانب الفقهاء، ناهيكم عن تدخّل أصابع مفسّري ومؤولي النص الديني، وقد اندلع مثل هذا النقاش على نحو واسع في العديد من البلدان العربية بعد موجة الربيع العربي. وقد أقرّت لجنة صياغة الدستور المصرية، بعد الربيع العربي، هذا النص الذي اعتبره مفتي الأزهر الشريف محمد الطيب نصاً واقعياً وعملياً.  وأضيف إلى ذلك، رابعاً، نجاح الحركات الإسلامية الأصولية والمعتدلة في حكم العديد من دول المنطقة، بغضِّ النظر عن اختلافاتها المذهبية والعقائدية، فهي تحكم باسم الإسلام، وقد تعزز دورها بعد الربيع العربي كما جرت الإشارة إلى ذلك.
ولعلّ هذه الظاهرة بحاجة إلى دراسة سوسيوثقافية بعد فشل مشروع اليسار، بشقيه الماركسي والعروبي (القومي). وقد اكتسبت غالبية المناقشات حول المسألة الدينية طابعاً عاطفياً وراهنياً، دون النظر إليها كبعد ستراتيجي، فضلاً عن تبسيطية وإرادوية، لا سيّما بغياب منهج واقعي، الأمر الذي راكم في تعقيد المسألة، ناهيكم عن استخدامها من جانب القوى الرجعية والإمبريالية.
للدين، دون أدنى شك، قيمة علمية، نظرية وعملية، لأنه يشكّل أساس علاقة الفرد مع الذات، خصوصاً إحساس الإنسان وعاطفته وسلوكه واعتناقه عقيدة معينة، ومن جهة أخرى فإنّ الأشكال الاجتماعية التي يمثلها للوعي، كأنساق وتمثّلات، هي في جوهرها مجموعة من الأفكار والنظريات والآراء التي تعبّر عن حزمة بشرية من الكيان الاجتماعي في إطار قوانين وقواعد معيّنة.
وبحسب ماركس فإنّ هذه التمثّلات قد تكون منسجمة مع الواقع أو متعارضة معه، بل وحتى وهمية أو خيالية، إلاّ أنّ هذا الخيال لا يمكن اعتباره مفرغاً تماماً من الواقع، بل إنه يتجسّد ويتموضع في نتاج نشاط الناس.
ثانياً: الماركسية والإيمان الديني: المنظور وزاوية النظر
إنّ بحث المسألة الدينية من منظور ماركسي يستهدف فهم العلاقة بين الدين كخطاب، من جهة، وبينه وبين الممارسة الاجتماعية "البراكسيس" من جهة أخرى. ويرى ألتوسير أنّ إشكالية ماركس مع الدين هي بالأساس إشكالية فيورباخية، كما سبق وأن عرضنا ذلك في كتابنا (تحطيم المرايا- في الماركسية والاختلاف)، وهو ما تم التطرق إليه بشأن كتابه (المسألة اليهودية)، وكذلك كتابه (نقد فلسفة الحق لدى هيغل).
وبما أنّ الدين أوسع من الآيديولوجيا، فضلاً عن توجّهه لمخاطبة فئات واسعة من السكان، لا سيّما الفئات الشعبية، الأمر الذي يمكن أن يصبح سلاحاً ذا حدين بيد الحاكم وكذلك بيد المحكوم، فهل يصبح هدف محاربة الدين ثورياً؟ وأيّ ماركسية تلك التي تتوجه إلى معارضة دين ومعتقدات الغالبية الساحقة من السكان، لا سيّما الفئات الشعبية؟ أظنّ أنّ في ذلك ضربٌ من الصبيانية وعدم الشعور بالمسؤولية، ناهيكم عن الجهل، إلاّ إذا كان ناجماً عن وعي وسابق إصرار، فإنه يبقى يدور في نخبوية نظرية خارج الماركسية وليس مهمة نضالية تغييرية كما هي الماركسية.
جديرٌ بالذكر، فيمكن القول، أنّ الماركسية لم تقم بصياغة أطروحة كاملة حول المسألة الدينية، أو السوسيولوجيا الدينية، وإذا كان الاستغلال والقمع والاضطهاد في أوروبا قد ارتبط بالدين، فقد كان من المنطقي شنّ الكفاح على المستوى العملي والنظري، لا سيّما على مستوى الثقافة والوعي، ضد استثماره ليكون عائقاً بوجه التقدم الإنساني، خصوصاً وأنّ استغلال الدين قد عرقل تقدم المجتمع، ناهيكم عن إدامة السيطرة عليه.
وإذا كانت البرجوازية قد توجّهت إلى محاربة الإقطاع، لا سيّما في القرن الثامن عشر، فلأنه كان مرتبطاً بالكنيسة أيضاً، الأمر الذي اقتضى محاربة السلطة السياسية وكيانيتها الروحية ومنظومتها السلوكية العملية، وهو ما أدّى إلى ظهور حركات إصلاح ديني وتمرّدات واحتجاجات ضد الكنيسة من جهة، ناهيكم عن ظهور تيارات إلحادية كرد فعل على دور الكنيسة المتحالفة مع الإقطاع من جهة أخرى. وقد عمد ماركس وإنجلز إلى نقد وظيفة الدين و"السلطة الدينية" لكونهما كانتا مختفيتين خلف ستار الفلسفة، وبسبب هذا التستر حصل استلاب للجوهر الإنساني، وإذا اقتضى تحرير الإنسان ذلك فلا بدّ من تحطيم هذا الاستلاب المغلّف بالقناع الديني.
وقد حاول رجال الكنيسة، بحكم نظرتهم القاصرة إلى الإنسان، اعتباره قاصراً وضعيفاً، الأمر الذي يعني الإبقاء عليه بعيداً عن واقعه، بتقديم عالم خيالي ومثالي له بديلاً عن الواقع المعيشي.
إنّ ما ورد على لسان ماركس في كتابه (نقد فلسفة الحق لدى هيغل) من أنّ "الدين أفيون الشعوب" لم يفهم في سياقه. أولاً، فالأفيون في القرن التاسع عشر كان علاجاً طبياً وقانونياً يستعمل في الطب، وتتعامل به المستشفيات والمراكز الصحية، لا باعتباره مخدّراً ساماً أو مدمّراً لجسم الإنسان، وإنما هو مسكّن مؤقت من الآلام والأوجاع، ولم يكن النظر إليه كعمل إجرامي أو فعل مخالف للقانون، كما هي الحال في الوقت الحاضر، بل كان أمراً مرخصاً له ومسموحاً به ومفيداً.
وأودّ أن أشير هنا إلى أنّ ماركس قد اقتبس عبارة "الدين أفيون الشعوب" من عمانوئيل كانط، حيث وردت هذه العبارة في كتابه (الدين في حدود الفعل البسيط)، أما عن السياقات المستفحلة فيه فهي التطمينات التي كان الرهبان يقدّمونها عند رؤوس الموتى، فالخوف الجسدي من الموت هو الذي يعطي الشرعية لهذا التطمين، وليس الألم الأخلاقي أو وخز الضمير.
وإذا كان هناك في الدين المسيحي ما نطلق عليه اسم الإكليروس، وهي مؤسسة منظمة طبقاً لتسلسل هرمي وفقاً لتعاليم الكنيسة، وهؤلاء يلعبون دوراً وسيطاً تستمد منه الكنيسة سلطتها ووجودها، فلا يوجد في الإسلام مثل هذا الهيكل التنظيمي، علماً أنه توجد في الإسلام فِرَق ومذاهب واجتهادات فقهية تلتقي وتتعارض، ولذلك كان من خطأ الماركسيين العرب استعمال نفس تعاليم ماركس وإنجلز بشأن الدين، نظراً لاختلاف الظروف والأوضاع بينهما. لقد حاكمنا الدين من موقع أوروبي ومسيحي، وكان ذلك أحد أخطائنا الفكرية الفادحة.
لعلّ أطروحة ماركس بشأن انقراض الدين لم تكن صحيحة، وهو ما دحضته الحياة ذاتها، فالدين لم ينقرض أو يتراجع، على الرغم من تقدّم العلم. وقد حاول غرامشي، بعد ماركس وإنجلز، إعادة النظر في المسألة الدينية، لكنّ نهجه ظلّ بعيداً عن توجهات الماركسيين العرب، وقد استمدّ غرامشي نهجه من البراكسيس، أي الممارسة الكفاحية العملية، ولم يستمدّه من الكتب والتعليمات. لعلّ ذلك يجعلني أميل إلى استنتاج أساس بشأن موقفي من المسألة الدينية بالقول: "إنّ الظاهرة الدينية ظاهرة دائمة ترتبط بالوعي والثقافة الشعبية، وهي تعبير عن الإحساس المشترك الذي كان علينا إدراكه والتعامل معه من موقع نقدي، وليس من موقف نفي، وكان علينا الاستفادة منها بدلاً من صدمها أو التصدّي لها، وقد التفّت الجماهير حولنا يوم التقطنا مدى تعلّقها بهذه الظاهرة التي وظّفناها بالاتجاه الصحيح."  وقد أورد الباحث، من ذاكرته الطفلية التي احتفظ بها، كيف كان الناس يردّدون شعارات الحزب الشيوعي في المواكب الحسينية، أعوام 1954 و1956 و1957، وهناك شذرات أخرى في أواسط الستينيات.  ويوم ترفّعنا عليهم، بل وتصادمنا معهم ومن خلالهم مع الدين ككل (بعد ثورة 14 تموز/يوليو/1958 وفيما بعد 17 تموز (يوليو) 1968) حين اتّخذنا موقفاً مماثلاً لموقف حكومة البعث، بل ومزايداً أحياناً من قِبل بعض القياديين، لا سيّما خلال أحداث شباط (فبراير) 1977، وطالبنا باتخاذ إجراءات قسرية ضد المحتجيّن، خسرنا بيئة كان يمكن كسبها لصالح قضية التغيير، وهي البيئة التي تغنّينا بها وتغذّينا عليها طيلة عقود، لأنها بيئة الفقراء والكادحين والمحرومين.
وبدلاً من أن نوجّه بعض النقد إلى إجراءات القمع المشدَّد، وإلى بعض رجال الدين الفاسدين، وجّهنا نقدنا أحياناً، حتى دون أن ندري، إلى الدين والإيمان الديني والجماهير المؤمنة التي اتهمناها بالرجعية، وطالبنا بإنزال العقاب الصارم بحقها، بل سَخِرنا من بعض الممارسات الدينية، أو أهملنا التعاطي معها، من موقع متعالٍ ومترفّع، وهو ما عملت على استثماره الحركة الدينية، ووظفته لاحقاً ضدنا على نحو مسيء.
إنّ إلغاء الدين يعني إلغاء التاريخ، وهذا الأخير لا يمكن للحاضر أن يوجد دونه، ولا يمكن البدء من الصفر، وهو ما تبنّاه غرامشي على مستوى المنهج، لا سيّما للحزب الشيوعي الرديكالي.
وبحسب المفهوم التقليدي بشأن الدين، فإنّ الماركسية تعتبره نتاجاً خاصاً بالمجتمعات الطبقية، ومحكوم عليه بالاختفاء مع انتفاء الملكية الخاصة. وهكذا ربط التأويل الماركسي التقليدي الأرثوذكسي ذلك بالصراع الاقتصادي، في المجتمع الرأسمالي، بين البرجوازية والبروليتاريا، وبانتصار الأخيرة يكون الدين قد اضمحلّ تدريجياً. ولعلّ هذه الاستنتاجات النظرية المجرّدة هي التي اعتُمدت لدينا كنماذج للتعبير الثقافي في النظر إلى الظاهرة الدينية، في حين أنّ الحقيقة كانت باتجاه آخر، وهو ما لمسته خلال فترة عيشي وتنقّلي في الدول الاشتراكية، في السبعينيات، وما كان له من تأثير في التطورات اللاحقة التي أدت إلى انهيار الأنظمة الشمولية.
استناداً إلى هذه النظرة المسبقة اُعتبِر التاريخ الإنساني واحداً ويتطوّر باتجاه حتمي واحد ووحيد، والدين لديها مجرّد جهاز اضطهاد اجتماعي أو "آيديولوجيا متدنيّة" لا مكان لها في المجتمعات ما بعد الرأسمالية، لأنه معرقل للتقدم ولا تصبح له أي ضرورة تدريجياً، وهي النظرة التي تمّ اكتشاف هزالها في الواقع العملي.
يقسّم بليخانوف الوعي الديني إلى عنصرين: الأول إيماني والثاني اجتماعي، ويلعب الوعي الديني، حسب كارل ماركس، أدواراً متناقضة، سلباً أو إيجاباً، فهو من جهة "زفرة المضطهدين" في التعبير عن احتجاج الجماهير على الواقع، ومن جهة أخرى يساهم في "صياغة الوهم"، بتوظيفه من جانب القوى الاستغلالية لإدامة استغلالها، ولعلّ هذا الجانب الثاني هو المفهوم الذي شاع عن رؤية ماركس للدين، لا سيّما أنّ الوعي الديني كان هو السائد على أشكال الوعي الأخرى من فلسفة وعلوم وأخلاق، وشكّل الدين آنذاك الشكل الخارجي للصراعات الاجتماعية.
الآيديولوجيا الدينية، بذاتها ولذاتها، ليست رجعية أو ثورية، وإنما هي تتلون باللون الذي تعطيه إياه القوى الاجتماعية الحاملة لذلك الوعي وتكييفها لمضامينها لمصالحها. ولعلّ النقد لا ينبغي أن يوجّه إلى العقيدة الدينية والإيمان الديني والرؤية الوجدانية والروحية، وهذه جزء من منظومة متكاملة وخاصة للكون والطبيعة والمجتمع، ولهذا ينبغي أن ينصّب النقد بشدّة ضد التوجه السياسي، الفكري والاجتماعي، وضدّ دور بعض رجال الدين، لا سيّما في استغلال المشاعر الوجدانية والإيمانية الروحانية لتخدير الناس والتأثير في وعيهم وتوظيفه بالوجهة التي تريدها.
وعندما استخدمت القوى الماركسية في العراق المناسبات الدينية، لا سيّما عاشوراء وثورة الحسين ومواكب العزاء الحسيني، على نحوٍ صحيح وسليم اكتسب الدين بُعداً تقدمياً ضد الاستعمار والإمبريالية والقوى الرجعية، وضد الاستغلال والظلم، في حين عندما استقلنا من دورنا هذا، وتوجهنا إلى المكاتب، استحوذت الحركة الإسلامية على الجماهير وضخّتها بوعي جديد حوّلها إلى أداة مطواعة بيدها، لا سيّما عندما نفخت فيها روح الطائفية المقيتة، فصوّتت لها في الانتخابات ووجَّهت تظاهراتها التي أسمتها بالمليونية، وهي المسيرات ذاتها التي كانت تندّد بمشروع النقطة الرابعة وتهتف ضد حلف بغداد والعدوان الثلاثي على الشقيقة مصر وتنتصر لثورة الجزائر وتطالب بالخبز والعمل والحرية.
ليس غريباً أن ترى عدداً من قرّاء المنابر الحسينية وسدنة الروضات الحيدرية والحسينية والعباسية والكاظمية كانوا قد انخرطوا في الحزب الشيوعي بكثير من الاعتزاز لأنه كان يعبّر عنهم، بل ويمثّلهم، في طموحهم نحو مجتمع أكثر عدلاً وحرية ومساواة، وقد كانت تلك الظاهرة طبيعية في ظروف حضور الحزب الشيوعي القوي، لكنها كادت تختفي منذ عقود من الزمن.
لهذا يكتسب الحديث اليوم عن الظاهرة الدينية والماركسية بشكل عام، لا سيّما الظاهرة الإسلامية، أهمية خاصة في بلادنا، نظراً للتابوهات والمحرّمات التي تميّز بها المجال الديني، والحساسية الكبيرة التي تكتنف الموضوع في نقاش هذه الظاهرة. ولعلّ واحداً من الأسباب هو الغموض الذي تمتد جذوره إلى الماضي أحياناً أو بعض التصرّفات الطفولية أو الحسابات القصيرة النظر المتعلقة ببعض المصالح، ناهيكم عن الدور السلبي لبعض رجال الدين الذين يشعرون أنّ أيَّ مرجعية عقلانية حداثية يمكنها أن تؤثر في مواقعهم.
ثالثاً: الدين هو روح عالم بلا روح
لم تولِ الحركة الشيوعية الرسمية العربية الحركة الدينية الاهتمام الكافي، بل إنها إما اتخذت منها موقفاً عدائياً أو تجاهلتها، وعندما اضطرّت إلى التعامل معها في التسعينيات، خصوصاً في العراق بعد الهجرة الواسعة، سعت لكسب ودّها ورضاها، وحصل الأمر على نحو شديد التزلّف بعد احتلال العراق عام 2003 وصعود الموجة الدينية الطائفية. والحركة الإسلامية من جانبها شعرت بالكثير من الغرور والتعالي وهي تتعامل مع الحركة الشيوعية والماركسية، وتعتبر أنها إنما تأتي إليها وهي صاغرة ومهزومة في صراعها مع الحركة الإسلامية، وهو ما عبّر عنه رئيس الوزراء المالكي مؤخراً في حديثه بمناسبة الذكرى 32 لغياب المفكّر الإسلامي السيد محمد باقر الصدر (نيسان، 2012).
في السابق كانت الحركة الشيوعية موجودة وسط الكادحين والفقراء في المدن وفي الريف أيضاً، وإذا كان الوسط الثقافي والطلابي هو ساحتها الأساسية، إلاّ أنّ مساحة حركتها أوسع بكثير لأنها أقرب إلى العقلانية، فإنّ الإبتعاد عن الشغيلة والكادحين، حيث يكون الإسلام قريباً، طرح مسألة الدين على بساط البحث، لا سيّما بصعود تيار الإسلام السياسي. وعلينا أن نأخذ الإسلام كقوانين شريعة بحاجة إلى جهد وضعي يتم تكييفه أو تعقيده حسب الجهة الممسكة بالسلطة، أي تسهيله أو تصعيبه، كما أنه جزء من مكوّنات الهوّية، بغضِّ النظر عن الإيمان من عدمه.
قد يشعر غير المؤمن أنّ هويته إسلامية لأنه جزء من حضارة لا يمكنه التبرؤ منها، كما أنها حضارة فيها الكثير من الجوانب الإنسانية والعقلانية التي يمكن توظيفها لخدمة أهداف الراهن، ولذلك فإنّ الايمانية حقٌّ للمسلم، وله حريته في الإيمان، ونقل الصراع إليها أمر خاطئ، بل وضارّ، ويدلّ على الاستخفاف بالمشاعر الإنسانية والإيمانية وبطبيعة مجتمعاتنا، وعلى عدم فهمها.
إنّ عبارة "الدين هو روح عالم بلا روح" هي ردٌّ على الفكرة المادية المبتذلة، من أنصارها أو من خصومها، التي تعتبر الماركسية تهتم بالماديات فقط، وهي نقيض الروح التي تجسّد القيم الأخلاقية والإنسانية والمثل العليا، ففي استخدام ماركس يرى أنّ الحضارة الرأسمالية هي التي سلبت البشر روحهم، أي قضت على دينهم الحقيقي، ولأنه يريد القضاء على الاستغلال فإنّه يريد تحرير الروح من الهيمنة الرأسمالية من جهة، ومن جهة أخرى منع استغلال تلك الروح من قِبل المؤسسات الدينية التي توظفها بالضدّ منها. وكم هي صحيحة هذه اللفتة للتأمل في الردّة الحالية نحو التديّن تحديداً بسبب خواء رأسمالية عصر العولمة القيمي وفسادها الأخلاقي وفقرها الروحي، وهو ما يشير إليه المفكر اللبناني فوّاز طرابلسي.
يمكنني القول، دون وجل، إنّ ماركس كان طوباوياً في استنتاجاته الخاصة بالدين، والقائلة إنّ زوال المجتمعات الطبقية سينهي الحاجة إلى الدين، لا سيّما بزوال الظلم والاستغلال، الأمر الذي يتناقض مع الطبيعة البشرية، فألغاز البشر لا حصر لها، ولا يمكن الإجابة عنها بمثل هذه الاستنتاجات الخفيفة الوزن، كالحياة والموت والمخاوف الإنسانية من المجهول وعدم القدرة على تفسير بعض الظواهر، وهذه بحدّ ذاتها تستوجب بقاء الحاجة إلى الدين، الحاجة التي قد تكون أبدية.
إنّ وظيفة الدين تتجاوز النقد الفلسفي، وتمتد إلى الجوانب العملية، إذ بإمكانه تعبئة طاقات الناس نحو أهداف سياسية واجتماعية، وهذه تتموضع وتتحدد حسب المكان والزمان والمجتمع والجهات المهيمنة والمسحوقة.
للأسف فإنّ بعض من النقاد عند حديثهم عن الماركسية يقصدون ماركس دون غيره، أو معه إنجلز على أقل تقدير، وعلى الرغم من أنه يمثل النص الأول أو القراءة النقدية  الوضعية الأولى، لكنّ تلك القراءة ليست الماركسية كاملة، خصوصاً وقد اغتنت بمعارف وعلوم القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين، إذ لا ينبغي الوقوف عند استنتاجات كتاب (رأس المال) ونحن في عصر العولمة، وفي مرحلة ما بعد الكولونيالية والإمبريالية، على الرغم من أهميته واستناده إلى عدد من القوانين التي تمّت الإشارة إليها، والتي لا تزال صحيحة.
الماركسية الأولى هي علم الرأسمالية بامتياز، حين اكتشف ماركس قانون التطور التاريخي للمجتمعات البشرية، وقد اغتنت هذه الماركسية بكونها علم الكولونيالية والإمبريالية، وهي علم يتعلق بالتحرير القومي والاعتراف بالقوميات والأقليات التي أطلق عليها " التنوّع الثقافي"، وإذا كان ردّ بعضهم أنّ العالم العربي، والعالم الثالث بشكل عام، بلا طبقات واضحة ومحددة، فالماركسية لا تقتصر على ذلك، بل هي أكثر من غيرها أطاحت بالرأسمالية العولمية، لا سيّما رأسمالية التوسع الإمبريالي التي تستوجب ماركسية للتحرر الوطني والاجتماعي.
وتلك قيمة مضافة ينبغي على ماركسيينا التمسك بها، سواء في العالم العربي أم في العالم الثالث الذي لا يزال يعاني الاستغلال الإمبريالي المعولم والمركزية الأوروبية- الغربية الشديدة الإسقاط على مجتمعاتنا، خصوصاً محاولة تهميشها وإلحاقها واستغلال ثرواتها وشعوبها.
لقد حوّلت أوروبا الدين، لا سيّما بعد عصر التنوير، إلى مجرد تقليد ومحاكاة، وعلى الرغم من الاعتقاد السائد بأنّ الله يمثل القوة الكامنة التي ينسب إليها كل شيء، وأنّ الفرد والمجتمع بحاجة إلى التقرب إليها، لكنّ الأمر، تدريجياً وفي ظلّ عالم الحداثة، اتّخذ بعداً جديداً، بإضعاف دور الدين على حساب دور الدولة التي حاولت التأثير على المؤسسات الدينية لتتساوق مع مؤسسة الدولة العليا.
كان اكتشاف إسحاق نيوتن قوانينَ الفيزياء الحركية والميكانيك صدمة مؤثرة لعالم الغيب الذي ظلّ الدين متمسّكاً به، الأمر الذي وضع هذه القوانين في إطار الدراسة والفهم والتطوير، دون العودة أحياناً إلى نصوص دينية بإضفاء طابع التقديس عليها، وبالتالي جعلها فوق العلم وتجاربه!
ومع أنّ مثل هذه القوانين لا تلغي الحاجة إلى الدين وإلى الروحانيات، فقد أخذ نجم العلم يرتفع عالياً، وقد ترافق هذا الأمر مع نظرية داروين واكتشافاته، في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، التي دعا فيها إلى اعتبار أنّ الكائنات البشرية قد تطوّرت من أصل واحد بسبب طفرات جينية ووراثية، الأمر الذي يتعارض مع الأطروحات الدينية التي تقول "كلّنا من آدم، وآدم من تراب"، وهكذا ارتفع رصيد العلم على حساب الدين.
وهكذا جرت محاولات لتبهيت صورة الدين، فقد نظر أوغست كونت،  مؤسس الفلسفة الوضعية، إلى الدين باعتباره استلاباً فكرياً أما فيورباخ، الذي تأثر به ماركس في موقفه من الدين، فاعتبره استلاباً أنتروبولوجياً (إنسانياً)، وذهب عالم النفس سيغموند فرويد  إلى اعتباره استلاباً نفسياً، بل وهماً يُصنع في العقل الباطن مثل بقية الأوهام. وحين قرر ماركس، في المسألة اليهودية، ملامسة موضوع الدين اعتبره استلاباً اقتصادياً واجتماعياً، لكن على الرغم من كل ذلك، فالدين لم ينقرض في الغرب، مثلما بشّرت بعض الأطروحات، وعاد بقوة في الاتحاد السوفييتي وبلدان أوروبا الشرقية، مثلما لعبت الكنيسة في أمريكا اللاتينية دوراً في ما سمي لاهوت التحرير. فما بالك به في الشرق، خصوصاً في البلدان العربية والإسلامية، حيث الروحانيات وحيث المجتمعات ما زالت بعيدة، في الكثير من الأحيان، عن الماديات، كما هي في الغرب، لا سيّما حين تعجز الأرض عن إيجاد حلول لمشكلات الفقر والمرض والبطالة والعيش الإنساني والحرية، فلا بدّ من البحث عن معالجات لها في السماء، وبالوعد باليوم الآخر، فضلاً عن قلق الانسان وهواجسه منذ الأزل بشأن لغز الموت والحياة والولادة وأسرار الطبيعة التي تظلّ قائمة مهما تقدّم العلم، فهناك مناطق فراغ لا تشفي غليل الإنسان ولا تطمئن روحه.
يقول الباحث الفرنسي فردريك لينوار، المختص بفلسفة الأديان وسوسيولوجيا الدين، إنّ 93% من الأمريكيين و67 % من الأوروبيين يؤمنون بالله، لكنّ ذلك لا يعني أنهم جميعاً يمارسون الطقوس والشعائر الدينية أو يلتزمون بتعاليم الدين، فهذه المسألة إنسانية وتتعلق بالوجود الإنساني على مرّ التاريخ، وفي جميع المجتمعات والأمم.
ولعلّ نسبة الذين يذهبون إلى الكنائس والجوامع والحسينيات قد ازدادت في العالم خلال الثلاثين عاماً الماضية، لكنّ ارتفاعها كان هائلاً في بلدان الشرق، ومن جانب المسلمين، على نحو شديد.
إذا كان الوقوف عند بوابة الحداثة (MODERNISM ) التي تطلق باب الحرية للعقل والتفكير وتقلّل من سلطات المقدّس، فإنها، في الوقت نفسه، تؤكد أنّ التغيير أمرٌ لا مفرّ منه، فالقديم قديم بالتأكيد، مثلما أنّ الحاضر سيغدو قديماً، فتلك سنّة الحياة، إذ إنّ التطور والتغيير هما السمتان المطلقتان في الحياة، وما عداهما نسبي، الأمر الذي يحتاج إلى تحديث MODERNISATION  وإلى حداثة MODERNITY ، كما أنه بحاجة إلى تجديد ورفض التقليد، وهذا حسب آلن تورين، يحتاج إلى العقلانية RATIONALISM  وإلى انفجار معرفي، أي التركيز على العقل والعلم.


164
المنبر الحر / عملية إيمرلي
« في: 19:20 28/02/2013  »
عملية إيمرلي
   
 
عبدالحسين شعبان
بعد اغتيال ثلاث قياديات من حزب العمال الكردستاني التركي في باريس يوم 12-1-2013 في ظروف غامضة، تعرّضت عملية “إيمرلي” إلى ضربة موجعة . و”إيمرلي” هي جزيرة في بحر مرمرة يُعتقل فيها زعيم الحزب عبدالله أوجلان منذ 14 عاماً، وكان يفترض أن تبدأ فيها المفاوضات بين الحكومة التركية والقائد الكردي .

لعلّ اغتيال القياديات الكرديات، وأبرزهن كانت سكينة جانسيز إحدى مؤسسات الحزب، محاولة تستهدف إفشال المفاوضات، لاسيما أنها تحظى بمكانة كبيرة داخل الحزب وخارجه، ولدى قائد الحزب أوجلان ذاته، فضلاً عن أن مالية الحزب، كما تردّد، كانت تحت إشرافها، الأمر الذي سيعني أن اغتيالها يدل على عدم رغبة أحد الأطراف من داخل الحكومة التركية أو من داخل الحزب أو خارجهما، بما فيها أطراف من الأجهزة الأمنية الفرنسية أو غيرها من الدول من الشرق والغرب، في قيام تلك المفاوضات حتى قبل أن تبدأ .

لقد أُجهضت المفاوضات وهي في مهدها، وهو الأمر الذي سيفتح الباب على مصراعيه لصراعات ومنافسات جديدة داخل الحزب، وربما سيؤدي إلى اتهامات لهذا الفريق أو ذاك، وهو ما يحدث غالباً في الأحزاب الشمولية، خصوصاً أن التحقيقات قد تمتدّ إلى سنوات، كما جرت العادة في مثل هذه القضايا، حيث كان مخطط الاغتيال بارعاً، فضلاً عن وجود جهات داخلية وخارجية قد تكون ضالعة فيه ومتورطة ببعض جوانبه أو مستفيدة منه، بشكل مباشر أو غير مباشر، خصوصاً أن الموضوع معقّد وخطر للغاية لجهة ارتباطه، بالوضع الإقليمي المتفجّر بصراعات متنوعة جيوبولتيكية وإثنية، ودور الحكومة التركية وموقفها منها، فضلاً عن القوى الكردية المعنية بها، سواء كان في سوريا على نحو مباشر أو في غيرها .

وإذا كانت فرضية الصراع الداخلي واردة، خصوصاً وقد أشار المدعي العام الفرنسي  إلى تصفية الحسابات الداخلية، مستدلا على جانب فني “ بدليل أن السيدات الثلاث فتحن الباب الذي يُغلق من الداخل بشيفرة سرّية”، وهذا الدليل ذاته، وربما لدفع الشبهة، اعتمد عليه رئيس وزراء تركيا رجب طيب أردوغان، حيث بادر إلى اتهام جهات كردية متطرفة بتخريب المفاوضات بين أنقرة وزعيم حزب العمال  عبدالله أوجلان، علماً أن الحكومة التركية ناقشت إجراء بعض التعديلات الدستورية المتعلقة بقانون العقوبات والإرهاب، وحصرت تهمة “الإرهابي” على كل من يحمل السلاح وينتمي إلى حزب إرهابي ويستخدم العنف، ومثل هذا التعريف من شأنه التخفيف من ملاحقة أعضاء حزب العمال، فضلاً عن إطلاق سراح المئات منهم، وهو الأمر الذي لا يستبعد أيضاً وجود قوى معارضة من داخل الحكومة أو من خارجها لتعطيل ومنع الوصول إلى أي نوع من الاتفاق بين الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني .

ويعود بنا هذا الاغتيال بالذاكرة إلى 13 يوليو/ تموز 1989 يوم اغتيل الزعيم الكردي الإيراني الدكتور عبد الرحمن قاسملو وزميله الكردي العراقي فاضل رسول الذي كان يتوسط لإتمام اللقاء بينه وبين قياديين إيرانيين، في شقة في فيينا، وإذا بكاتم الصوت يصل إليهما قبل التئام الاجتماع المرتقب، ليضع حدّاً لأية توجّهات إزاء فتح صفحة جديدة سلمية بين الحركة الكردية الإيرانية وحكومة الجمهورية الإسلامية، وإلى حينه لم تنجلِ ضبابية هذا الاغتيال السياسي الغادر، والسؤال الذي يطرح نفسه هل ستتمكن السلطات الفرنسية من كشف ما عجزت عنه السلطات النمساوية قبل ذلك؟

لقد بدأت المفاوضات التي كان لمحمد أوجلان شقيق الزعيم الكردي، دور تمهيدي فيها، وذلك عندما أفرزت الحكومة حاقان فيدان رئيس الاستخبارات التركية الذي كلّف لقاء أوجلان شخصياً في محبسه في جزيرة إيمرلي التي يقبع فيها الزعيم الكردي الذي حكم بالاعدام، ثم تم تخفيض حكمه إلى المؤبد . وكانت الحكومة التركية قد افترضت أن أية مفاوضات لا تحظى بموافقة وتأييد أوجلان رئيس الحزب قد لا تؤدي إلى النتيجة المرجوّة، لذلك حرصت على لقائه والتفاهم معه، خصوصاً بعدما أبدى أوجلان شخصياً تحفظاً إزاء العمليات العسكرية، بل واستعداداً للتوصل إلى حل سلمي للمسألة الكردية، لاسيما الاعتراف بالحقوق القومية والثقافية للكرد .

ولعلّ مثل هذا الافتراض الذي ذهبت إليه الحكومة التركية له أبعاده السياسية التكتيكية والاستراتيجية، فعلى الرغم من نحو عقد ونصف العقد من الزمان أمضاه أوجلان في المحبس التركي، معزولاً ومنفياً بعد اختطافه من جانب أجهزة استخباراتية دولية في كينيا العام ،1999 ومحاولة الدولة التركية تفتيت الحركة الكردية بشتى الأساليب العسكرية والسياسية وغيرها، فمازال الحراك الكردي، وخصوصاً ما يقوم به حزب العمال الكردستاني هو الأقوى والأكثر تأثيراً في الميدان، ولهذا فإن أي اتفاق من جانب الدولة التركية من دون أوجلان وحزبه لن يكتسب شرعية وديمومة، وهو ما تدركه الدولة التركية، وتعمل على تحقيقه لأغراض استراتيجية وتكتيكية، داخلية وإقليمية، لأنه في خضم الصراع الإقليمي الدائر من حولها، وهي طرف أساس فيه، يصبح الاستقرار التركي الداخلي أولوية لا غنى عنها، خصوصاً أن أي اتفاق تركي حكومي - كردي سيحظى بدعم كردي - تركي شعبي، إضافة إلى تأييد كردي قومي .

ولهذه الأسباب تسعى تركيا إلى تحييد حزب العمال الكردستاني، لضمان أمنها الوطني من جهة، وللتفرّغ لمشروعها الخارجي من غير تهديد داخلي من جهة أخرى، مع وعود بمنح الكرد بعض الحقوق التي لا تلبي مطامحهم ولا تستجيب لتطلعاتهم، خصوصاً أن تركيا الرسمية بما فيها حزب العدالة والتنمية، لم تتوصل بعد إلى قناعة مبدئية بضرورة تأمين الحقوق القومية والسياسية للكرد كشعب شريك في دولة متعددة الانتماءات ومتنوّعة القوميات  .

ما الذي تريده الحكومة من حزب العمال الكردستاني؟ وما الذي تريده الحركة الكردية وحزب العمال من الحكومة؟

الحكومة تريد من الحزب إلقاء السلاح وإنهاء العمل العسكري مقابل تلبية بعض المطالب الثقافية والإدارية التي لا ترتقي بحدّها الأدنى إلى الحقوق السياسية والقومية، خصوصاً الكيان المستقل أو شبه المستقل مثل الحكم الذاتي أو الفيدرالية . وتاريخياً تقف الحكومات التركية ضد مبدأ حق تقرير المصير، باستثناء بعض أحزاب اليسار، وتعدّ التيارات السياسية القومية بشكل عام، الكرد أتراكاً سكنوا الجبال في جنوبي تركيا، وتتنكر لوجود الأمة الكردية، لدرجة أن دستور العام 1984 يحجب عن الكرد الحقوق الأساسية بما فيها اللغة وإحياء التراث والتنمية الثقافية، فضلاً عن حقوقهم السياسية والقومية، علماً أن الكرد فعلياً يمثلون نحو 20 محافظة من مجموع 81 وفيها كثافة سكانية، إضافة إلى أن نحو 4 ملايين كردي يعيشون في اسطنبول وحدها، ويبلغ عدد الأكراد الأتراك نحو 55% من كرد العالم حسب بعض الإحصاءات .

ويرى حزب العدالة والتنمية ومعه الأطراف السياسية بشكل عام أن قيام كيانية خاصة، سواء بالحكم الذاتي أو الاتحاد الفيدرالي، انتقاص من  السيادة التركية، ووفقاً لهذا التوجّه من جانب القوى التركية إزاء الكرد فإن مواقفها تراوح بين عدم الاعتراف بوجود كردي، وبين اعتراف محدود بحقوق محدودة ومدجّنة، وبشكل عام فإن التعصب والاستعلاء إزاء الكرد يبقى قائماً وهو الذي يحول دون الاعتراف القانوني بحقوقهم والعمل على إيجاد حلول عملية لمشكلتهم القومية .

أما الحركة الكردية ولاسيما حزب العمال، فإنه يطالب بالاعتراف بحقه في تقرير المصير في إطار دولة فيدرالية تركية على أساس المواطنة المتساوية، وذلك بإقامة إقليم كردي في تركيا الموحدة، على غرار بعض التجارب الفيدرالية، ومنها التجربة العراقية، فهل من المعقول أن تلبي حكومة أردوغان مثل هذه المطالب؟ أو أن استمرار التنكر لحقوق الكرد قد يؤدي إلى استحقاق أبعد يقود إلى تفكيك الدولة التركية ذاتها، علماً أن حلم الكرد كما هو معلن في العراق وإيران وسوريا وتركيا، هو إقامة كيان كردي موحد مثل حلم الأمة العربية بالوحدة العربية؟

وتعدّ الدولة التركية ودستورها، مثل هذه الأهداف والمطالب افتئاتاً عليها وانتقاصاً منها، خصوصاً أن توجهاتها الأولى قامت على “التتريك” وعدم الاعتراف بوجود قوميات أخرى في تركيا، في محاولة لصهر أو تذويب الانتماءات الإثنية والسلالية واللغوية والثقافية، حتى وإن كانت من أصول كردية أو عربية أو غيرها، وهو الأمر الذي دفع الحكام  إلى ممارسة شكل من أشكال الاضطهاد ضد “التنوّع” الثقافي، مثلما قاد إلى انعدام الثقة التاريخي بين المجموعات الثقافية والحكومات التركية المتعاقبة، سواء كانت قومية أو ليبرالية أو إسلامية، وهو الأمر الذي عانى منه الكرد في العراق وإيران وسوريا .

وفي ظل مثل هذا التفاوت في الرؤى والمواقف للأطراف المتفاوضة، فإن حظوظ  النجاح باتت ضئيلة، وإن الأمل في استكمال إيمرلي، في ظل اغتيال القياديات الكرديات الثلاث أصبح بعيداً، خصوصاً في الظروف الحسّاسة والأوضاع الدقيقة التي تمرّ بها تركيا والمنطقة .




165
سايكس - بيكو “الثانية” أو ما بعد الكولونيالية   

 
عبدالحسين شعبان
أسهمت موجة التغيير في أوروبا الشرقية التي أطاحت الأنظمة الشمولية، بزيادة عدد الدول على صعيد العالم، حيث انشطرت يوغسلافيا إلى ستة أجزاء كان آخرها كوسوفو، وانقسم الاتحاد السوفييتي إلى 15 دولة، وانفصلت تشيكوسلوفاكيا إلى جمهوريتين هما التشيك والسلوفاك، وقبلها وبعدها شهد العالم قيام دولة إريتريا المنفصلة عن إثيوبيا، ودولة تيمور الشرقية المنفصلة عن إندونيسيا، ولعلّ آخر دولة تأسست هي جمهورية جنوب السودان التي انفصلت عن السودان، وكل هذه الدول انضمت إلى الأمم المتحدة . كما شهدت سنوات الستينات تحرر واستقلال العديد من دول إفريقيا وآسيا، خصوصاً بعد صدور القرار 1514 الخاص بتصفية الكولونيالية العام 1960 من الجمعية العامة للأمم المتحدة .

ومثلما انتعشت الهوّيات الفرعية في الثمانينات في أوروبا الشرقية وأدت إلى قيام دول جديدة، فإن إشارات واحتدامات غير قليلة بدأت تتجمّع في إطار جدل وصراع بين الهوّيات، الأمر الذي قد يدفع باتجاه انقسام العديد من دول المنطقة، وهي احتمالات تبقى واردة، بل إن هناك من يسعى إليها، ارتباطاً بظروف السياسة الدولية ومآلاتها ومصالح القوى الكبرى ومحاولاتها في فرض الاستتباع والهيمنة، ولاسيما لوجود عاملين أساسيين هما: حماية أمن “إسرائيل” و”تأمين الحصول على النفط”، وإذا كانت هناك مزاعم قديمة بمواجهة “الخطر الشيوعي”، فإن المزاعم الجديدة تركّزت على مواجهة “الخطر الإسلامي” المتمثل بالإرهاب الدولي .

 وقد لفت انتباهنا مؤخراً، ولا سيما خلال موجة التغيير العربية، حجم التوقعات التي سبقته ولحقته، من خلال العديد من مراكز الأبحاث و”تروست الأدمغة” وعلى سبيل المثال لا الحصر، هو ما يتوقعه الباحث الهندي الأمريكي باراج خانا من مؤسسة أمريكا الجديدة New America Foundation  في كتاب أصدره عشيّة التغييرات في العالم العربي بعنوان “كيف ندير العالم” How to Run The world، حيث يذهب إلى احتمال وصول دول العالم إلى نحو 300 دولة خلال العقود القليلة المقبلة، أي أنها ستزيد بأكثر من 100 دولة .

ولعلّ موجة الانشطار الأميبي المتوقعة تلك، كان قد أطلق عليها “مرحلة ما بعد الاستعمار” (الكولونيالية)، لأنه يرى أن العديد من البلدان نشأت من رحم مستعمرات قديمة، وشهدت منذ الاستقلال انفجاراً سكانياً هائلاً، كما عانت الديكتاتوريات وفسادها، وصراعات عرقية ودينية وطائفية، فضلاً عن بنية تحتية ومؤسسات متداعية، الأمر الذي سيدفعها إلى الانفصال .

ويعزو خانا أسباب الكثير من الصراعات الداخلية إلى الحدود القائمة اليوم (خارجية وداخلية)، وهو أمرٌ عانته الكثير من المجتمعات: اليمن وباكستان وجمهورية الكونغو الديمقراطية، ويعيش العراق اليوم أحد فصوله المأساوية، ولا سيما في كركوك . وما يسمى في “المناطق المتنازع عليها”، حيث ينفجر العنف على نحو جنوني .

وبعيداً عن نظرية المؤامرة، فإن تقسيم العالم بموجب خرائط قديمة وجديدة قائم فعلياً، ففي مؤتمر برلين العام 1884 تم تقسيم إفريقيا دون مراعاة إرادة السكان ومصالحهم . وقامت بريطانيا بتقسيم الهند إلى الهند والباكستان، وظلّت مشكلة كشمير قائمة، وانبثقت دولة بنغلادش العام1971 .

وكانت منطقة الشرق الأوسط منذ مطلع القرن العشرين عرضة للتقسيم الذي وجدت ضالته خلال الحرب العالمية الأولى، حين وقعت بريطانيا وفرنسا، على اتفاقية سايكس - بيكو العام ،1916 وبموجبها، تم تقسيم الإمبراطورية العثمانية (حليفة ألمانيا ضد دول الحلفاء) بينهما، وقد كشفتها روسيا البلشفية ونشرت وثائقها بعد ثورة أكتوبر العام 1917 .

وتزامناً مع سايكس - بيكو الأولى، أصدر آرثر جيمس بلفور (وزير خارجية بريطانيا) وعداً تم بموجبه “منح اليهود وطناً قومياً لهم في فلسطين”، وذلك في العام ،1917 لكن الحدود “النهائية” للشرق الأوسط في تلك المرحلة وضعت لمساتها الأخيرة في مؤتمر القاهرة العام ،1922 من قبل وزير المستعمرات البريطاني ونستون تشرشل، وبموجب ذلك فُصل شرق الأردن عن حدود ولاية فلسطين .

ولكي يتكرس التقسيم، بل يتحوّل إلى أمر واقع، فقد عملت القوى الإمبريالية والصهيونية، على إنشاء “إسرائيل” في العام ،1948 لتكون عائقاً في خاصرة أية وحدة أو اتحاد أو حتى تنسيق أو تقارب بين دول المنطقة، وهو الأمر الذي يفسّر توظيفها لكل الإمكانات والطاقات لإطاحة الجمهورية العربية المتحدة التي أقيمت في العام ،1958 وقد حصل لها ما أرادت في الانفصال العام 1961 .

كما بقيت العلاقات العراقية - السورية متدهورة منذ استقلال سوريا العام 1946 ولغاية الآن، باستثناء فترات قصيرة جداً، جرى فيها تطبيع متعثر، مهما اختلفت الأنظمة: ملكية أو جمهورية، يسارية أو يمينية، بعثية أو غيرها، وعلى الرغم من وجود نظامين بعثيين خلال عقود من الزمان، يزعمان أنهما يؤمنان بالوحدة العربية، فإن قضية الوحدة صارت أقرب إلى الكابوس منها إلى الحلم على أيديهما .

وكان زبيغنيو بريجنسكي قد دعا في كتابه “بين عصرين - أمريكا والعصر التكنوتروني” الصادر في العام 1970 إلى إعادة تشكيل “الوطن العربي” على شكل كانتونات عرقية ودينية وطائفية، ففي ذلك وحده سيسمح للكانتون “الإسرائيلي” أن يعيش في المنطقة . وواصل برنارد لويس فكرة تقسيم الدول العربية، بحيث تضيع ملامح الفكرة العروبية، بصعود الهوّيات الفرعية “المصغّرة” للمكرو دويلة التي سينقسم إليها العرب .

واستكمالاً لذلك يرى باراج خانا أن معظم دول المنطقة هي دول “اصطناعية” وإن ظلّت تحافظ على حدودها، لكن الكثير من شعوبها لم يرضِها ذلك، فالأكراد موزّعون على العراق وسوريا وتركيا وإيران . وليبيا دولة “اصطناعية” أيضاً، فقد أعيد تركيبها بعد الاستعمار الإيطالي من خلال توحيد ثلاث مناطق هي: برقة وطرابلس الغرب وفزان، وكذلك اليمن وسوريا والأردن، وهذه كلها تشهد توترات داخلية بين جماعات وقبائل، وتعاني “حكم أقليات” تفرض نفسها على الأكثرية .

وحسب الخريطة الجديدة للشرق الأوسط، فليس من المستبعد أن يعيد التاريخ نفسه وتنفصل هذه البلدان .

وتميل القوى الغربية إلى شرق أوسط متصارع ومنقسم، بل أقرب إلى التشظي، وهو ما تشجّع عليه دول الغرب، بل ستسهم فيه، كما يقول خانا، وعندها ستكون “إسرائيل” قادرة على فرض قوتها ونفوذها في المنطقة بأسرها . ويواصل باراج خانا سيناريوهاته في مقالة أخرى بالتعاون مع فرانك جاكوبس التي قام بترجمتها مركز الزيتونة في بيروت، حيث يتم تناول سوريا التي لن تعود إلى سيرتها الأولى بعد “الاقتتال” الدائر فيها، ولربما ستصبح شبيهة بلبنان حيث الديانات تتنازع حقوقاً لمحتلي أملاك الغير، بسبب ضعف الحكومة المركزية .

يقول خانا وجاكوبس: قد تعود سوريا إلى التقسيم العرقي الذي وضعه الفرنسيون: دولة للدروز وأخرى للعلويين في الساحل والجبل ودول منفصلة في دمشق وحلب للسنّة، ويمتد الأمر إلى إيران وبقدر تمدّدها الخارجي، فهي عرضة لانهيار داخلي، وهناك 20 مليون أذربيجاني شمالي إيران (مدينة تبريز) وقد يلتحقون بأذربيجان أو يتحالفون مع تركيا بحكم أصولهم العرقية، وهو أمرٌ قد يقوّض هيمنة أرمينيا على إقليم ناغورني- كارا باخ المتنازع عليه .

وأفغانستان هي الأخرى يمكن أن تنقسم بعد الانسحاب الأمريكي إلى باشتوستان وقد ينفصل شعب بلوشستان في دولة خاصة، في منطقة غنية بالغاز، وحسب رالف بيترز، فإن ما تخسره أفغانستان غرباً لمصلحة إيران، يمكن أن تكسبه شرقاً من باكستان، وهكذا يتم عبور الحدود بحدود جديدة وبكل الاتجاهات .

وحسب هذه السيناريوهات، فإن خريطة الشرق الأوسط ستشهد دولاً جديدة لا تنشأ عبر الانفصال وحسب، بل من خلال ولادات جديدة، بدلاً من الخصومات القديمة، ولكن بعضها سيكون معزولاً وبعيداً عن السواحل(جنوب السودان وفلسطين وكردستان)، إلاّ إذا تم تجهيزها ببنية تحتية جيّدة تربطها بالأسواق العالمية، إلى جانب أنابيب النفط المتجهة إلى أوروبا أو عبر البحر المتوسط، حيث ستكون الروابط الخارجية، هي سياسة حمائية لتأمين عدم انقيادها للدول المجاورة، الأمر الذي يحتاج إلى بناء سلمي .

وإذا كانت سايكس - بيكو الأولى في مرحلة الكولونيالية، فإن سايكس - بيكو الثانية هي التعبير النموذجي عن مرحلة ما بعد الكولونيالية، وبغضّ النظر عمّا هو مضمر، فإن ما هو معلن، ينبغي أن يؤخذ بالحسبان، لكيلا نأتي بعد قرن من الزمان، ونتحدث عن سايكس - بيكو ثالثة، لا سمح الله .





166
التغيير والمأزق الحضاري*
المشروع النهضوي وأسئلة الديمقراطية والعنف  والإسلام السياسي
التغيير ليس نقراً في السطح، بل هو حفرّ في العمق



عبد الحسين شعبان**





•   حوار أجرته مؤسسة الفكر العربي مع 30 مفكراً وباحثاً وصدر في سلسلة الكتب الشهرية " معارف"  وتحت عنوان إلى أين يذهب العرب؟ (رؤية 30 مفكراً في مستقبل الثورات العربية، إصدار المؤسسة العربية للدراسات والنشر ودار الفارس، بيروت، ط1، 2012، (491 صفحة من القطع الكبير) (إجابات د.شعبان كما هي منشورة في الكتاب).
* *  استاذ القانون الدولي وفلسفة اللاعنف وحقوق الإنسان- بيروت

بعد اكثر من عام على الاطاحة بالنظم الحاكمة في كل من مصر وتونس وليبيا هل يوحي مسار حركة التغيير في هذه الدول بنجاح هذه الحركات أو بإخفاقها؟ وما هي برأيك أسباب النجاح أو الإخفاق أم هناك تقييم ثالث؟

الأمر يحتاج إلى وقت لتقديم حكم أقرب إلى الدقة بعيداً عن التفاؤل المُفرط والتشاؤم المُحبط، وهما القراءتان اللتان سادتا بُعيد الربيع العربي منظوراً إليه بلحظته الراهنة وتداعياتها وما أعقبه من فوضى وانفلات.
المعيار الحقيقي للتغيير لا يتم عبر الإطاحة بالأنظمة الحاكمة السابقة، بل بمدى ما يمكن إنجازه من عملية التغيير الاجتماعي- الاقتصادي، السياسي والثقافي والقانوني، ولاسيما التنمية والرفاه الاجتماعيين، وتلك تحتاج إلى زمن طويل للحكم عليها وتقويمها إيجاباً أو سلباً ضمن مؤشرات الدخل ومعايير دولية، مع أخذ الظروف الخاصة بنظر الاعتبار، بما فيها مستوى التعليم والصحة والبطالة والفقر.
وإذا كانت حركات التغيير التي ابتدأت شرارتها الأولى في تونس وانتقلت إلى مصر ومنها إلى العالم العربي، سواءً تمكّنت من تغيير الأنظمة الحاكمة أو لم تتمكن بعد، قد رفعت شعارات الحرية والكرامة الانسانية ومحاربة الفساد وتحقيق العدالة الاجتماعية، فإن هذه الشعارات تمثل مسارات طويلة الأمد بحاجة إلى تراكم وتطور تدريجي. وهو ما أوردته في كتابي " الشعب يريد... تأملات فكرية في الربيع العربي".
يمكن القول: لا تولد الثورة مع الديمقراطية في يوم واحد، والثورة لكي تولد وتترعرع ويشتّد عودها وتنضج تحتاج إلى مسار طويل وتراكم يحتمل التجربة بما فيها الخطأ والصواب، وهي بذلك تحفر في الأساسات المفضية إلى الديمقراطية وإنْ كان الطريق إليها وعراً وغير سالك أحياناً، ولا بدّ أن يتسم بالآليات الديمقراطية حيث يتم حفره وتعبيده إرتباطاً باحترام حقوق الإنسان والسعي لإعلاء قيمه وحرياته الأساسية الفردية والجماعية، وعكس ذلك ستكون "الثورة" تغييراً فوقياً سرعان ما يتبخّر، لأنه نقرٌ في السطح، وليس حفراً في العمق على حد تعبير المفكر ياسين الحافظ.
ولعل بعض التجارب العربية، ولاسيما في تونس ومصر  ليست بعيدة عن النموذج البولوني- المجري أو النموذج الألماني – التشيكوسلوفاكي، حيث تزاوجت بين فقه التواصل أو فقه القطيعة، وإنْ كان هناك منزلة بين المنزلتين كما يقال، وإذا كان العامل الخارجي إيجابياً في إيجاد تسوية في اليمن على سبيل المثال، لاسيما من جانب مجلس التعاون الخليجي ومبادرته للانتقال السلس للسلطة وتخلّي علي عبدالله صالح (الرئيس اليمني) عن صلاحياته إلى نائبه، فإنها كان أكثر إيلاماً وتعقيداً في الوضع الليبي، خصوصاً وأنها زادت من معاناة السكان المدنيين، بل أن بعضهم سقط بأسباب عدم التزام قوات حلف الناتو بمعايير القانون الدولي الانساني واتفاقيات جنيف لحماية المدنيين لعام 1949 وملحقيها البروتوكولين الخاصّين بحماية ضحايا المنازعات الدولية المسلحة، وحماية ضحايا المنازعات المسلحة غير الدولية.
ولا يزال الوضع السوري شديد التعقيد والتداخل بفعل استمرار آلة القمع وأعمال العنف، لاسيما وقد أصبحت المجابهة المسلحة إحدى الوسائل التي رافقته، منذ مطلع العام 2012، حيث كان الطابع العام للاحتجاجات هو الطابع السلمي والذي جوبه بقمع شديد، كما أن المبادرات العربية والدولية، بما فيها مبادرة كوفي أنان الأمين العام السابق للأمم المتحدة لم تحرز النجاح المطلوب وتواجهها تحديات كبرى، لاسيما باستمرار مسلسل القمع واستخدام القوة والعنف ضد المدنيين.
إذا كانت التجربتان التونسية والمصرية قد سارتا بسلاسة وحُسمتا بسرعة فائقة، على الرغم من التضحيات، فإن ذلك انعكس على مسارهما لاحقاً، فاستطاعتا إنجاز قيام جمعية تأسيسية وإجراء انتخابات برلمانية في تونس وبرلمانية ورئاسية في مصر، ولعل في ذلك نجاح كبير في عملية التحوّل الأولى، بنقل السلطة إلى مؤسسات والتحضير لوضع دستور دائم وإجراء انتخابات شاملة واختيار من يمثل الشعب، وسيعتمد نجاحهما أكثر فأكثر على بناء العدالة الانتقالية التي تقوم على كشف الحقيقية كاملة ومساءلة المرتكبين وتعويض الضحايا وجبر الضرر وإجراء إصلاحات جذرية للنظام القانوني والقضائي والأمني لمنع تكرار ما حصل بعيداً عن الكراهية والانتقام والثأر.
إن أهم أسباب النجارح بتقديري تعود إلى تمكّن كلا التجربتين من اجتياز المرحلة الأصعب والأخطر، وهي الحفاظ على الدولة وتدريجياً إستعادة هيبتها والحفاظ على مؤسساتها والعمل على تشغيل أجهزتها بما يساعد على حفظ النظام والأمن العام من جهة، وحماية أرواح وممتلكات الناس من جهة أخرى وتلكم الوظيفتان هما المهمتان الأساسيتان لأية دولة، ودونها تصبح الدولة لا معنى لها، بل تكفّ عن تصبح دولة.
أما أسباب الفشل أو الإخفاق، فقد يعود قسم منها إلى احتمال انفراد تيار سياسي واحد بالحكم أو الإصرار على قيام دولة دينية، حتى وإن جاء هذا عن طريق صندوق الاقتراع، لاسيما إذا ساهم في عزل أو تهميش التيارات الأخرى، مستبعداً مبدأ المشاركة والتوافق، خصوصاً في المرحلة الانتقالية وإزاء القضايا الكبرى والحاسمة التي تؤثر على مسار البلاد ككل.
وإذا استطاعت الثورة المضادة بفعل أخطاء وانقسام حركة التغيير العودة إلى الواجهة، فذلك سيشكل إحباطاً جديداً للربيع العربي، بل يُشعر الناس بإخفاقه وربما بعدم جدواه فيما إذا عاد القديم إلى قدمه، وهو ما كانت قوى الثورة المضادة في فرنسا بعد الثورة العام 1789تسعى إليه وتمكنت منه لحين، كما تمكنت في بلدان أخرى لكن المسار العام استطاع تصحيح نفسه.

ما هي برأيك أهم تفسيرات الصعود الكبير للإسلام السياسي في المجتمع العربي بحسب ما كشفت عنه الأحداث والمتغيرات التي شهدتها دول ما يعرف بالربيع العربي؟

لا بدّ من تقديم بعض المعطيات لتفسير أسباب الصعود الكبير للإسلام السياسي، فقد فاز الإسلاميون بأغلبية في انتخابات تونس ومصر والمغرب وكانوا قد تربّعوا على دست الحكم في العراق، ولعلّ التوجّه الاسلامي ليس بعيداً عن الثورة الليبية وقيادتها وهو أمر أفصح عنه مصطفى عبد الجليل رئيس المجلس الانتقالي، ولا شك أن التيار الاسلامي يتمتع بنفوذ كبير في سوريا، فضلاً عن الدور الأساسي لحزب الله في لبنان، كما يحظى الاتجاه الاسلامي بحضور ملحوظ في فلسطين، لاسيما في غزة حيث فازت حماس في انتخابات آذار (مارس) العام 2006، وكذلك الدور الكبير الذي تضطلع الحركة الاسلامية به في الأردن، وكان لحركة الوفاق الإسلامية دور واضح في البحرين حيث فازت بـ 18 نائباً من مجموع 40 نائب في البرلمان البحريني، ويمتد نفوذ الحركة الإسلامية إلى الكويت حيث تعزز وجودها في الانتخابات البرلمانية الأخيرة، وإلى بعض دول الخليج العربي أيضاً، وليس بعيداً عنها حضورها اللافت في موريتانيا والجزائر والصومال التي تشهد احتراباً ليس بعيداً عن الصراع على السلطة، بأذرع إسلامية، أما السودان فإنها منذ العام 1989 تحت نفوذ الإسلاميين وحزب المؤتمر حيث كان الموجّه الآيديولوجي له حسن الترابي ولا يزال التوجه العام إسلامياً.
وفوق كل ذلك فإن الإسلام الإيراني الراديكالي لا يزال "مؤثراً" في المنطقة ودولها بالملف النووي الذي يتخوّف منه الغرب أو لاتهامه بالارهاب الدولي أو بغيره، حيث تزداد خشية بعض الدول العربية والخليجية من الامتداد المذهبي، وكذلك الاسلام التركي الديمقراطي المسحة، وإن كان بقفازات نووية أطلسية، حيث يتقدّم على نحو ناعم مبشّراً بالمصالحة بين الاسلام والعلمانية.
لعل أحد أسباب صعود الإسلام السياسي هو تراجع ونكوص المشروع القومي العربي، خصوصاً وقد ترافق وجوده في السلطة في العديد من البلدان العربية، مع سيادة نمط حكم شمولي استبدادي ودكتاتوري وفردي، لاسيما وقد وصلت خطط التنمية إلى طريق مسدود في جميع تلك البلدان، وخصوصاً مناهضتها للديمقراطية والحريات، الأمر الذي ضيّق من القاعدة الاجتماعية لتلك الأنظمة التي اعتمدت على نظام الحزب الواحد في الغالب أو "الحزب القائد" مع بعض الهوامش الشكلية وجهات وطنية كوزماتيكية أصبح لونها باهتاً مع مرور الأيام وديماغوجية إعلامية لا حدود لها وأجهزة منفلتة من عقالها وفساد لطغمة حاكمة مع أقاربها وسلطات مطلقة الصلاحيات.
كما أن فشل المشروع الماركسي وخصوصاً بعد انتهاء الحرب الباردة وسقوط وانحلال الكتلة الاشتراكية، ساهم في إنعاش المشروع الإسلامي، الذي كان خطابه في الغالب "شعبوياً" حرّك مشاعر الناس وأحاسيسهم، حيث يتفشى الفقر والمرض والبطالة وشحّ الحريات وضعف خدمات الصحة والتعليم والعمل والضمان الاجتماعي وغيرها، ناهيكم عن ذكاء التيار الإسلامي في مخاطبة الأوساط الشعبية عبر وسائل تحذيرية وغيبية عن عالم ما بعد الحياة، وبوعود تعويضية عن بؤسهم وحرمانهم.
لقد ساعدت الدولة البيروقراطية الاستبدادية والحكم الفردي واستشراء الفساد والرشا في اندفاع مجموعات كبيرة من البشر نحو الخطاب الإسلامي، خصوصاً بانعدام أو إجهاض أية إمكانية لإصلاح الأوضاع أو إيجاد حلول للمشاكل والأزمات التي أصبحت مزمنة بل كادت أن تكون مستعصية، وهو ما لعب عليه التيار الإسلامي ببراعة شديدة قادته إلى الحضور والتأثير، لا في الشارع فحسب، بل من خلال صناديق الإقتراع لاحقاً، وهذه حقيقة لا بدّ من الاعتراف بها.
وإذا كان التيار الإسلامي موجوداً في الجوامع والمساجد والشوارع والساحات والحارات وفي المناطق البعيدة والنائية، فإن حضوره لم يكن دينياً فحسب، للصلاة أو لأداء الفرائض، بل كان سياسياً بامتياز وتعبوياً ناعماً أو خشناً، إستطاع وفي لحظات حاسمة نقل البندقية من الكتف اليمنى إلى الكتف اليسرى، وكان يجد تبريرات ومسوّغات دينية واقعية أو غير واقعية لإقناع جماهيره



أياً كانت التفسيرات المطروحة لصعود الإسلام السياسي فهل ترى أن حركة الإخوان المسلمين على وجه التحديد قادرة على التوافق مع متطلبات التحول الديمقراطي، والتعاطي مع معضلة الحداثة؟


لدى الحركات الدينية القدرة على التعامل ببرغماتية أكثر من غيرها مع المتغيّرات السياسية ومنها حركة الأخوان المسلمين، ولعلها في سبيل البقاء في الحكم يمكن أن تتوافق مع متطلبات التحوّل الديمقراطي والتعاطي مع معضلة الحداثة، وأظن أنها خلال العقدين ونيّف المنصرمين كانت قد غيّرت الكثير من أطروحاتها وشعاراتها وتبنّت " نظرياً" قبول النظام الديمقراطي، بل والدعوة إليه، لاسيما عندما كانت خارج دائرة الحكم، واعتقَدَتْ في ذلك وكانت على صواب، أنها من خلال المطالبة تستطيع أن توسّع دائرة الحريات بشكل عام، وخصوصاً حرّياتها وتخفيف وطأة الملاحقة ضدّها.
ولهذا فإنها في سبيل البقاء اليوم في السلطة ستكون أكثر برغماتية، وستصدر الفتوى تلو الأخرى لتأكيد انسجامها مع المستجدّات، وقد كان لحركة النهضة ولاسيما لزعيمها راشد الغنوشي دوراً كبيراً على هذا الصعيد، وخصوصاً كتابه الموسوم  "مفهوم الأحزاب الديمقراطية وواقع الأحزاب في البلدان العربية" " المنشور في مركز دراسات الوحدة العربية ، في العام 1993، لاسيما في التمهيد لذلك، حتى مع وجود تيارات محافظة أو ممانعة للتوجه الديمقراطي، داخل تياره أو التيارات الإسلامية الأخرى.
   وكذلك تبنّى حزب الدعوة الإسلامي في العراق والمجلس الإسلامي الأعلى والحزب الاسلامي العراقي (امتداد حركة الأخوان) أيام المعارضة ولاسيما بعد العام 1992 ولاحقاً وهم في السلطة، مسألة قبول التعددية وآليات النظام الديمقراطي، ولعلهم مستعدّون اليوم تكييف كل شيء وإيجاد الذرائع والمسوّغات طالما يؤدي ذلك إلى بقائهم في السلطة أو مشاركتهم فيها.
وكانت حركة الاخوان في سوريا قد طرحت برنامجاً دعت فيه إلى قبول النظام الديمقراطي وآلياته قبل سنوات، الأمر الذي يعني أن هذه الحركات بغض النظر عن خلفياتها ومرجعياتها حاولت أن تتكيّف منذ أواخر الثمانينيات مع الموجة العالمية للديمقراطية، بل أن بعضها اشتغل في إطار مؤسسات مجتمع مدني وحاول توجيهها بما يخدم توجهاته السياسية، خصوصاً وأن رصيدها كبير لدى الكثير من الأوساط الشعبية، ولاسيما في المناطق الفقيرة، وكانت القوى الإسلامية شديدة الالتصاق بهذه الأوساط وتسعى للتأثير عليها، لاسيما وهي تزعم أنها صلة الله بعباده من خلال علماء وفقهاء ومرجعيات وعبر تحريم وتجريم وتقديس وتدنيس.
ولعل أمراً مضافاً ومتغيّراً ينبغي أخذه بنظر الاعتبار، وهو الذي قد يدفع الأخوان أو يقف وراء مواقفهم الجديدة لقبول متطلبات التحوّل الديمقراطي والتعاطي مع معضلة الحداثة، ونعني به محاولة تمييز أنفسهم عن التيار السلفي. وأعتقد أن صراعاً سينشأ في البرلمانات والجوامع والمساجد والشوارع وفي المؤسسات والجمعيات المدنية والخيرية، بين الأخوان والإسلاميين بشكل عام، وبين السلفيين والمتزمتين بشكل خاص. وأعتقد أن الأخوان والتيار الإسلامي عموماً، سيحاولون تكييف أنفسهم مع المتغيّرات، لاسيما مع متطلبّات التحوّل الديمقراطي، بل سيظهرون في بعض المحطات وكأنهم دعاته وأصحابه، خصوصاً إذا شعروا أنه حاملهم إلى السلطة، وهم من الذكاء بمكان، حيث يستطيعون أن يسوّقوا أنفسهم، بما اكتسبوه من حنكة وبراعة وتنظيم وجماهيرية خلال عقود من الزمان، أي منذ تشكيل حركة الأخوان في مصر في أواخر العشرينيات وحتى الآن.
قد لا يكون الصراع بين الإسلاميين والعلمانيين حتمياً في المرحلة الراهنة والمنظورة، فهم تحالفوا في تونس، وسبق أن حصل الأمر في التجربة العراقية على تشوّشها وهشاشتها، وهم متحالفون في اليمن، حيث يعمل حزب الإصلاح "الإسلامي" مع أحزاب اللقاء المشترك، الذي له دور كبير في عملية التغيير، ومن المحتمل جداً انضمام التيار الوطني والعروبي والعلماني إلى مرشح الأخوان محمد مرسي في الجولة الانتخابية الثانية ضد أحمد شفيق وجماعة النظام السابق، أو من المحتمل تشكيل مجلس رئاسة من الأخوان زائداً من حصل على المرتبة الثالثة والرابعة (حمدين صباحي وعبد المنعم أبو الفتوح) وغيرهما. وهو الأمر الحاصل على صعيد التعاون في إطار المعارضة السورية بين الأخوان والتيار العلماني، وتلكم حكم الضرورة والمصلحة وتوازن القوى الذي يفرض على التيار العلماني واليساري والعروبي أيضاً، التعاون مع الأخوان والقوى الإسلامية إزاء أهداف مشتركة سياسية  بالدرجة الأساسية والضرورات تبيح المحظورات كما يقال.
أما الاختلاف الآيديولوجي، على قيم السماء فيبقى في بطون الكتب وأدراج المكتبات أحياناً وعلى أقل تقدير فإنه مؤجل حالياً أو أنه لا يتصدّر المهمات المطروحة على التيار الاسلامي ونظيره التيار العلماني، لاسيما حين يتقدّم طبق السياسة  على طبق الآيديولوجيا، وهو الأمر الذي غالباً ما يحصل، وتلك القاعدة التي يفترض أن تسود وليس العكس، وهو ما حصل في أوروبا والعديد من دول العالم، وكان للكنيسة دور كبير في التغيير الذي حصل في أمريكا اللاتينية بالتعاون مع قوى اليسار والمجتمع المدني.

عقب فوز الاسلاميين في الانتخابات التشريعية والتأسيسية التي جرت في مصر وتونس هل تتوقع للقوى الإسلامية في هذين البلدين اللحاق بالنموذج الإيراني أو بنموذج حزب العدالة والتنمية التركي أو ستفرز نموذجاً إسلامياً عربياً خالصاً؟

لا أظن أن القوى الاسلامية في كل من تونس ومصر ستحاول اللحاق بالنموذج الإيراني، الثوري، الراديكالي، كما لا أظن أنهما سيهتديان بالنموذج التركي، ولاسيما لحزب العدالة والتنمية، وستكون لهما خصوصيتهما، وليس بعيداً أنهما سيكونان أمام نموذج عربي أو نماذج عربية لتجارب إسلامية جديدة. فالنموذج الإيراني قام على أساس ولاية الفقيه والدعوة للثورة وفي إطار توجه مذهبي آيديولوجي شيعي، في حين أن النموذج التركي الذي وصل إلى الحكم عبر صندوق الاقتراع لا زال يعيش في إطار دولة مدنية وفي أفق غربي أو تطلّع ليكون جزءًا من الغرب " الديمقراطي" والاتحاد الأوروبي، ولم يجد أردوغان غضاضة عندما خاطب العالم من دار الأوبرا في القاهرة في مصر وليس من الأزهر الشريف قائلاً : " إن الشعب التركــي الذي منحـني 50% من الأصوات (وبالطـبع فهو شعب مسلم) يعلم أنني أعتبر وجــود دولة علمـانية أساساً للتطور، ولكنني لا أرى تعارضاً بين العلمانية والاسلام، وأن علمانية تركيا تختلف عن علمانية الغرب."
إن أية ثورة لا تشبه غيرها، ولا يشبه أي شعب شعباً آخر، وإنْ كان هناك مشتركات بين الشعوب والمجتمعات، إلاّ أن لكل خصوصيته، التي لا بدّ من أخذها بنظر الاعتبار عند الحديث عن التطور السياسي والاجتماعي والاقتصادي.
ولعل هذه المسألة تكاد تكون مطروحة وعلى نحو شديد فيما يتعلق بالربيع العربي والانتفاضات الشعبية، فإذا كان ثمت تأثيرات وتفاعلات وانعكاسات بين التجارب المختلفة، لاسيما الكبير منها وخصوصاً الناجح فيها، إلاّ أن لكل تجربة نكهتها الخاصة ومذاقها المختلف، وذلك بحكم التطور التاريخي واصطفافات القوى والطبقات الاجتماعية والدينية والإثنية وتنوّع الفاعليات والأنشطة السياسية والفكرية، ناهيكم عن تراكم العديد من المشكلات المختلفة.
إن أي عملية تقليد أو تكرار لنموذج ما دون الأخذ بالاعتبار خصوصية كل تجربة سيكون تشويهاً للنموذج، كما لو تمّ زرع بذرة في بيئة غير ملائمة مما سيؤدي لعدم نموها، ولو نمت فسيكون لأجل قصير ومن بعد ذلك تذوي وتموت. ولعل ذلك ينذر بمستقبل محفوف بالمخاطر، مما يؤدي لضياع الزمن والجهد والموارد دون طائل أو جدوى تذكر.
حاولت الثورات الاشتراكية السير على هدي الثورة الروسية الأكتوبرية،وقامت باستنساخ  التجربة، لكنها بعد حين وصلت  إلى طريق مسدود، لأنها قلّدت بشكل أعمى التجربة الأصل بكل التحدّيات والمشكلات التي تواجهها، كما حاولت بلدان ما أطلق عليها محور "التحرر الوطني" إعادة استنساخ أو تقليد التجارب الاشتراكية، لكنها سرعان ما انهارت عندما انهار النموذج الأصل، الأمر الذي لا بدّ من أخذه بنظر الاعتبار، وقد حاولت بعض البلدان العربية تقليد نموذج الثورة المصرية الناصرية وتجربتها السياسية، لكنها في واقع الحال كانت عبارة عن استنساخ وتشويه لتجربة لها خصوصيتها ولها مشكلاتها وتحدياتها، وإذا كانت لم تفقس بيضة التجارب الأولى، فما بالك بالتجارب اللاحقة "الصغيرة" أو الأقل جاذبية وتأثيراً.
   إلاّ إن قراءة التجارب العالمية والعربية واستلهام دروسها وعِبَرها بانفتاح وشفافية  أمر ضروري لتحصين التجارب الخاصة بعيداً عن الانغلاق والتقوقع من جهة، وفي الوقت نفسه دون تقليد أعمى أو استنساخ مشوّه أو اقتباس بحذافيره، والأمر يتطلب عقداً جديداً في كل مجتمع بين القوى والفاعليات المؤثرة، لتنظيم العلاقة أيضاً بين الحاكم بالمحكوم، ومن جهة أخرى يقتضي وضع قواعد قيمية قد يكون بعضها ما فوق دستوري، وقد يندرج بعضها الآخر ضمن بنود الدستور الذي يؤكد على احترام هذه القيم والقواعد دون لبس أو غموض، وهي قواعد لا يمكن استبدالها أو اللعب بها، باسم الأغلبية أو المظلومية أو قرارات البرلمان أو غير ذلك، لأن أي إخلال بها سيُمسّ النظام الديمقراطي ومحتواه ويؤثر على سير عمله ومستقبله، ولهذا تضع بعض الدساتير مواداً جامدةً لا يمكن تغييرها أو استبدالها بسهولة إلاّ ضمن ضوابط معقدة وفترات زمنية قد تطول وتوافقات  تكاد تقترب من الإجماع أحياناً، لكي لا تلجأ إحدى القوى  إلى العبث بالدستور أو استخدامه لتحقيق أغراضها الآيديولوجية أو توجهها الفكري أو الديني أو الطائفي أو الفئوي، أو التغوّل على الآخرين.
   
بما أن تفسير السلوك الإنساني (والسلوك السياسي جزء منه) لا ينفصل عن معرفة دوافعه فهل كان ما حدث في مصر وتونس وليبيا وما يحدث في سورية الآن تعبيراً عن حراك مجتمعي تلقائي صادف درجة الوعي والغضب اللازمين لإشعال ثورة وانتفاضة أو كان بفعل مخططات أجنبية؟

إن دوافع السلوك الإنساني، والسياسة جزء منه، لا يمكن أن تتحرك على نحو تلقائي أو عفوي أو بفعل ظروف خارجية مهما كان تأثيراتها، إنْ لم يكن هناك أسباباً وظروفاً داخلية متراكمة وعميقة، لاسيما في الثورات الكبرى والانتفاضات التاريخية، الفاصلة بين عهدين، ومثل هذا لن يحصل الاّ بحكم ارتفاع منسوب الوعي وشدّة حساسية الغضب الشعبي، وباتحاد العوامل الموضوعية مع العوامل الذاتية يمكن اقتناص اللحظة الثورية التي تؤدي إلى الإنفجار وإذا استطاعت الشعوب الإمساك بدقة على تلك اللحظة، اختياراً وتوقيتاً وإدارة وقيادة لاحقاً، فإنه عند ذلك يصعب القضاء عليها أو انتزاعها منها، لاسيما إذا انتقل الخوف من المحكومين إلى الحكام، وعندها لن يستطيع أحد انتزاع المبادرة حتى وإنْ أغرق البلاد والعباد بالدم. وبالطبع فإن العامل الموضوعي والذاتي سيستفيد سلباً أو إيجاباً من البيئة الدولية سواءً إذا كانت مشجعة أو محبطة، ولهذا فإن سلوك المحتجين في الأيام الأولى للربيع العربي، كان واحداً من مؤشراته هو التضامن والتأييد الدولي في ظرف مساعد للتشجيع على الديمقراطية.
ولعلّ عاملاً جديداً برز على هذا الصعيد وهو عامل موضوعي احتارت به الأنظمة كثيراً، بل أنها نسبته إلى دور الخارج، وأعني به الثورة العلمية- التقنية، لاسيما ثورة الاتصالات والمواصلات وتكنولوجيا الاعلام والمعلومات والطفرة الرقمية "الديجيتل" التي حوّلت العالم كلّه  إلى قرية مفتوحة، فما يحصل في بلد ناءٍ وبعيد، ستشاهده لحظة وقوعه أو بعد دقائق أوساعة أو سويعات وأنت مسترخٍ في غرفة الاستقبال أو مستلق في غرفة النوم وعلى بعد آلاف الأميال، ولعلّك ستتفاعل مع الصورة على نحو كبير باعتبارها "خبراً" بانورامياً بحد ذاته، حيث ستشاهد فيه الحدث وما خلفه وما رافقه وما سيتبعه وما قيل أو يقال فيه، وستطلّع على رأي صانع الحدث والمشارك فيه وخصمه، وسيكون للاعلام دوراً مؤثراً، لاسيما إذا تمكّن من إلتقاط اللحظة التاريخية.
لقد جعلت العولمة التغيير بقدر خصوصيته شاملاً، وبقدر محليته كونياً، لاسيما وأن كل شيء من حولنا كان يتغيّر على نحو جذري وسريع، ولعلّ هذا الأمر يطرح عدداً من الحقائق الجديدة التي تثير أسئلة بحاجة  إلى إعمال العقل والتفكير لا بشأنها حسب، بل بشأن سياسات وأنظمة لم تشعر أو تتلمس الحاجة  إلى التغيير طالما شعرت بتوفير الأمن والاستقرار، واعتقدت واهمة أن ذلك وحده كافٍ لإسكات شعوبها أو إرضائها، وكأن ذلك  الأمن والاستقرار يراد لهما تعسفاً أن يصبحا بديلاً عن الحرية والكرامة والعدالة التي هي مطالب شرعية باعتراف الحكومات جميعها، ولعلّ هذه المطالب المشتركة وذات الأبعاد الإنسانية جعلت حركة الاحتجاج ومطالب الشباب تمتد من أقصى المغرب العربي  إلى أقصى المشرق العربي ومن المحيط  إلى الخليج كما يقال.
يخطئ من يظن أن الحركة الاحتجاجية هي صورة نمطية يمكن أن تتكرر أو تستنسخ أو تتناسل أو أنها خريطة طريق واحدة أنيقة وملوّنة لجميع البلدان والشعوب، فالأمم والمجتمعات تحفل بالتنوّع والتعددية وبوجود اختلافات وخصوصيات وتمايزات، بقدر ما يوجد بينها جامع مشترك أعظم، وقواسم عامة، لاسيما حاجتها الماسّة  إلى التغيير طلباً للحرية والعدالة.
وبهذا المعنى فإن الحركة الاحتجاجية ليست طبعة واحدة أو فروعاً من حركة قائمة، أو صورة مصغّرة عنها. صحيح أن العالم العربي وصل في غالبيته  إلى طريق مسدود، وهو ما عكسته تقارير التنمية البشرية، لاسيما شحّ الحريات والنقص الفادح في المعارف وتفشي الأمية الأبجدية التي زادت على 70 مليون، ناهيكم عن الأمية المعرفية، خصوصاً التعاطي مع علوم العصر وتقنياته ووسائله الحديثة، إضافة  إلى الموقف السلبي من المرأة وحقوقها ومساواتها، وكذلك الموقف الخاطئ من التنوّع الثقافي الديني والقومي والاثني واللغوي وحقوق المكوّنات المتساوية وغيرها.

إذا سلّمنا أن بعض الثورات أو الانتفاضات في دول عربية ما كانت بفعل مخطّطات أجنبية تنفيذاً لأجندات دولية ما ، فهل يكون الانحياز للثورة أو الانتفاضة  ولو كان المقابل تمكين المخطط الأجنبي ؟ أو تكون الأولوية لإفشال المخطط الأجنبي ولو كان الثمن إجهاض الثورة أو الانتفاضة؟ أم تُرى هناك خيار ثالث ما؟
   
لا يمكن  مقايضة انتصار الثورة أو الانتفاضة بتمكين المخطط الأجنبي، كما لا يمكن المفاضلة بين مقاومة المخطط الأجنبي وبين ثمن إجهاض الثورة، وقد دار نقاش مقارب عقب العدوان الإسرائيلي على البلدان العربية العام 1967 بين أفضلية شعار "هل كل شيء من أجل الجبهة" وبين شعار "كل شيء إلى الجبهة"؟، وجرت سجالات وأخذ ورد وشدّ وجذب، فالحكام ومن يدور في فلكهم قدّموا شعار كل شيء إلى الجهة بقيادتهم بالطبع، والحركات الثورية واليسارية، قالت لنسخّر كل شيء من أجل الجبهة بما فيها الإطاحة بالأنظمة القائمة، وانقسمت أحزاباً ثورية وجبهاتٍ وطنية وفقاً لهذا الشعار المدوّي يومذاك.
ولعل مشروع التعويل الخارجي أثار انشقاقاً وتباعداً بين بعض قوى الإصلاح والتغيير ذاتها، وبذريعة رفض التغيير الخارجي اصطّف بعضهم مع الأنظمة الدكتاتورية ودافع عنها، بل وبرّر بعض أعمالها، وبعضهم الآخر برّر تعاونه مع القوى الأجنبية بذريعة عدم التمكّن من إنجاز التغيير داخلياً، ودعا للاستعانة بالخارج وإنْ زعم أنه أمرٌ غير مشروط، ولكنه عملياً سيقبل بشروط المتحكّم باللعبة السياسية، ونفوذه وقوته وماله، الأمر الذي قاد  إلى  تعويلية، واستتباع وتفريط.
وبين هذا وذاك ضاعت الأصوات المعتدلة والمتوازنة، بل ونظر إليها كلا الفريقين بارتياب أحياناً، فمن جهة هي ترفض الاصطفاف مع مشروع الفريق الأول المؤيد لمشروع التغيير الخارجي، أو التماهي معه، علماً، بأن الفريق الثاني الحاكم لا يقبل مسافة بينه وبين أية قوى أخرى خارج نطاق أطروحاته الأساسية ويريدها تابعة له، ومن جهة أخرى اعتبرها الفريق المؤيد لمشروع التغيير الخارجي برفضها للتدخل الخارجي، ليست إلاّ ممالأة للدكتاتوريات والأنظمة المستبدّة الثورية أو المحافظة، وهكذا حصل الإنشطار عمودياً وتضببت الصورة على نحو قاتم .
نعود إلى جوهر السؤال المتواصل مع ما سبقه ونصوغه على النحو الآتي: هل التغيير بضاعة مصدّرة إلينا أم هي صناعة محلية لا علاقة لها بالخارج؟ ولا يمكن الإجابة بنعم أو لا، فكل ما في العالم هو امتداد وتواصل وتشابك وتفاعل مع الآخر، لاسيما في ظل العولمة، وإذا كان التغيير عملية معقدة، وصيرورة واقعية، فلا شك أنها تأثرت وتتأثر بما يحصل في الخارج، والخارج بحكم مصالحه وشبكة علاقاته ودوره العسكري والاقتصادي والمالي والعلمي والتكنولوجي، يؤثر في الداخل ويحاول قطف زهرة التغيير، بحيث تكون له حصة في مستقبل بلداننا ومنطقتنا الحيوية استراتيجياًً، والمتنوعة دينياً، والغنيّة بمواردها وطاقاتها، لاسيما بوجود النفط والغاز.
   أعتقد أن توازن القوى بين التيارات الإسلامية والمدنية في تونس ومصر، يدفعها إلى التقارب السياسي لتجاوز حالات الانقسام والشك والريبة وعدم الثقة، فالسياسة هي دائماً كذلك: صراع واتفاق مصالح على مرّ التاريخ، ولعل كلا الفريقين يدركان مصادر قوتهما ومصادر ضعفهما، ولهذا سيظلاّن بحاجة إلى بعضهما، ولعلّ الأمر يحتاج إلى نوع من التوازن والتوافق سواءً طال الأمر أو انفرط العقد.
إن التيار المدني أو العلماني الموزّع بين عروبيين واشتراكيين ويساريين يعمل مع النخبة وحضوره في الشارع ضعيفاً وهو غير موحّد أو إذا توخيّنا الدقة فهو مفتّت، ولكن تأثيره في أوساط النخبة والمثقفين بشكل خاص وفي مراكز الحضر والمدن الكبرى قويّاً، وخصوصاً نفوذه الفكري، لاسيما في الإعلام  والثقافة والفن والأدب والحداثة والتجديد، ولا يمكن للتيار الإسلامي تجاوزه، كما أن الدخول بمعركة معه ستكون خاسرة مستقبلاً، خصوصاً وهناك بيئة دولية ضد التيار الاسلامي وتشكك في أطروحاته، وهو يريد أن يثبت أنه ليس معادياً للديمقراطية وليس استئصالياً أو إقصائياً، ولذلك فسيكون في أشد الحرص على إشراك القوى الأخرى للظهور بالمظهر الإيجابي عالمياً، ويسعى لتجنّب الصدام أو تأجيله مع التيار المدني الذي سيكون صوته عالياً وقد يكون أكبر من حجمه.
ويدرك التيار الإسلامي مصدر قوته فهو يعمل مع القاع في القواعد، لاسيما في المناطق الشعبية والفقيرة وحتى النائية، وحيث ما يوجد الله يوجد التيار الإسلامي، وقد بنى له قاعدة كبيرة في هذه المناطق بعد أن كانت في سنوات الاربعينيات والخمسينيات بيئة أكثر ملائمة لانتشار الأفكار الاشتراكية واليسارية والشيوعية.
وحين انصرف اليساريون إلى المكاتب والصالات، كان التيار الإسلامي في الحارات  والأزقة والقرى والأرياف والقصبات يعمل ويعبئ ويساعد من خلال جمعيات ومؤسسات خيرية وأموال تتدفق عليه، في حين ظل اليسار فقيراً ومعدماً ويتيماً بعد غياب الاتحاد السوفييتي، وقد لامس التيار الإسلامي بعض هموم الناس ومشكلاتهم في الخبز والحرية والعمل والسكن والدواء، إضافة إلى الجوامع وتأمين قوافل الحج وتيسير أمور الزواج وغير ذلك، في حين كانت القوى اليسارية تستصغر الحديث عن هذه الأهداف المطلبية وتنصرف في الغالب إلى التنظير والجدل العقيم أحياناً.
ولأن عالم السياسة " واقعي" فهو يتطلب الحلول الوسط والبرغماتية من جميع الفرقاء، ولا سيما التيار الإسلامي الذي يمثّل القوة الأكبر حيث سيكون الأكثر برغماتية ووسطية للوصول إلى ما هو مشترك، ولهذا كانت تصريحات الغنوشي ولاحقاً مرسي بشأن حقوق المرأة إيجابية أو تطمينية على أقل تقدير.

في شأن الانقسام الحاصل بين القوى الإسلامية والقوى المدنية في مصر وتونس:هل تعتقد شخصياً في احتمال تجاوز  هذا  الانقسام؟ وهل ترى – موضوعياً- إمكان توظيفه لنجاح  مرحلة التحوّل الديمقراطي في هذين البلدين؟

أعتقد أن ضغط الواقع سيفرض نفسه على القوى الإسلامية والمدنية لتجاوز الإنقسام الحاصل بينها، لاسيما في الخلفيات الآيديولوجية والمنطلقات النظرية، ولن يدور الخلاف اليوم كما كان حاداً وصارماً في الخمسينيات  والأربعينيات حول الإيمان والإلحاد، وحول قيم السماء وقيم الأرض وحول الحلال والحرام، بل سيتخذ من الواقع المعقد، المتشابك، سبيلاً لصياغة برامج سياسية لكلا الفريقين أقرب إلى الواقع، وذلك ضمن ضرورات تمليها الحياة وفي إطار توجّه براغماتي، بحثاً عن التوافق وتوازن المصالح، والسياسة في نهاية المطاف هي صراع واتفاق مصالح، منذ بدايات التاريخ وإلى نهايته إن كانت له نهاية.
ولعل تجربة التوافق الثلاثية التونسية: رئيس وزراء (من النهضة ) ورئيس جمهورية (عروبي، علماني، ديمقراطي) ورئيس برلمان (يساري ديمقراطي) خير دليل على أن حزب النهضة الإسلامي وبكل براعة قائده الشيخ راشد الغنوشي، سعى للتوافق مع خصوم آيديولوجيين في إطار حلف سياسي، يضمّ الأهداف المشتركة للفرقاء الثلاثة، في المرحلة الانتقالية، على الرغم من فوزه في الانتخابات، كما سعى لدعم تلك التشكيلات من المجتمع المدني ومؤسساته التي حظيت باهتمام كبير في الإعداد للانتخابات وفي المجلس التأسيسي وفي الأطر الدستورية المنشودة.
للضرورة أحكام كما يقال، وستكون أية توافقات بين الأخوان والقوى الأخرى، لاسيما في إطار صياغة الدستور وقبل ذلك تشكيل المجلس الدستوري، والاعلان عن تشكيل مؤسسة الرئاسة والتوجّه الذي سيتبلور على هذا الصعيد، عاملاً إيجابياً لدفع عملية الانتقال الديمقراطي إلى الأمام واستعادة الدولة لهيبتها ومكانتها وتوظيف ذلك لنجاح التوافق الوطني في المرحلة الانتقالية المعقّدة والقاسية، وهي مرحلة تتطلب تطبيق قواعد العدالة الانتقالية، التي تتلخّص في كشف الحقيقة كاملة عمّا حصل في الماضي ولماذا حصل ومساءلة المتهمين وجبر الضرر وتعويض الضحايا وإصلاح النظام القانوني والقضائي والأمني.
الحياة ستجبر التيارين الإسلامي والعلماني (المدني) على التوافق، مهما كانت شقّة الخلافات الآيديولوجية بينهما، فالعزل السياسي والتهميش والإلغاء والإقصاء أصبح  من تراث الماضي، ولم يعد الوضع الداخلي، ناهيكم عن البيئة الدولية، ولاسيما بعد الربيع العربي، تتقبّل مثل تلك السياسات التي تستأثر بالسلطة وتنفرد بالحكم، دون مشاركة لبقية الفئات مهما صغرت،وخصوصاً تلك التي تعبّر عن تنوّع ثقافي وتعددية قومية أو دينية.
سيكون التعاون الوطني على الرغم من التجاذبات والاستقطابات والتحضير لجولات قادمة ومنافسات مشروعة وغير مشروعة، ضرورة لا غنى وهي اختيار في آن، فليس بإمكان أحد مهما كانت شعبيته ومهما حصل على مقاعد في البرلمان حكم تونس أو مصر أو غيرها لوحده، باعتباره تياراً سائداً أو "حزباً قائداً" مدعوماً بأوسع الجماهير، وقد فشلت تلك الأطروحات، وآن الأوان للإقرار بالتنوّع والتعددية وتداولية السلطة سلمياً في إطار حكم القانون والتطور الدستوري السليم واستقلال القضاء.

إذا سلّمنا أن جوهر المأزق الحضاري العربي  يكمن في الفجوة المعرفية التي تفصلنا عن كلّ الدول المتقدّمة  والتي تؤكدها الأرقام  والمؤشرات العالمية... فكيف السبيل إلى سد هذه الفجوة المعرفية؟ وهل من أولويات يتعيّن البدء بها على المدى العاجل؟
إن محاولة تجاوز المأزق الحضاري العربي والذي يكمن في الفجوة المعرفية التي تفصلنا عن الدول المتقدمة يتطلب تشخيص واقع الحال، فهناك دول عالمثالثية إهتدت إلى وسائل ناجعة لتجاوز هذه الفجوة مثل الهند وماليزيا وكوريا والصين وغيرها. ولعل التقرير العربي الثاني للتنمية الثقافية الصادر عن مؤسسة الفكر العربي للعام الثاني على التوالي كان قد تناول الملفات الأساسية التي على صلة بمؤشرات التنمية  في مجتمعاتنا وقد أجملها بالمعلوماتية والإعلام والتعليم والإبداع والحصاد السنوي، والأمر يشمل جميع جوانب التنمية السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والقانونية، الأمر الذي يعكس الهوّة بين العالم المتقدم وبين مجتمعاتنا في الحقول المختلفة.
ولعلّ السبيل الأول الذي يمكن بواسطته ردم الفجوة يكمن في توفر إرادة سياسية، لتأمين مستلزمات التغيير، فعلى الصعيد التشريعي، فالأمر بحاجة إلى منظومة قوانين تتواءم مع القوانين العصرية في الدولة الحديثة، لاسيما التي تحترم الحق في المواطنة والحق بالمساواة باعتبارهما  ركنان أساسيان لا يمكن للدول أن تتقدّم دون تأمين مستلزمات احترامهما، فالمواطنة السليمة والمتكافئة تحتاج إلى أجواء من الحرية، التي هي مفتاح بقية الحقوق.
ولعل السبيل الآخر لردم الفجوة يستوجب تهيئة المستلزمات لبيئة تعليمية وتربوية سليمة، وإعادة النظر بالمناهج الدراسية وتنقيتها عن كل ما يتعارض مع حقوق الانسان، وتكييفها لما يستجيب للتطور الكوني، وبثّ روح المساواة والتآخي القومي والديني بين المكوّنات المختلفة وتوفير حرية البحث العلمي والأكاديمي، وضمان تربية متوازنة ولاسيما للنشء الجديد ومن الطفولة إلى الجامعة،  بحيث تعزز من كرامة  الفرد وحريته وتنمّي العوامل الإيجابية  في شخصيته. ويحتاج الأمر إلى إعلام متوازن  ومنفتح وحرّ وكذلك إلى مجتمع مدني قوي يكون مكمّلاً وشريكاً للدولة، لاسيما في صنع القرارات الأساسية.
   إذا كانت فكرة الديمقراطية تمثّل الحداثة، فانها ليست مقطوعة الجذور عن التراث وهناك نماذج مهمة من الأبحاث والدراسات في العالمين العربي والإسلامي  عن الإصلاح والحداثة والتطور وحقوق الإنسان، إذْ أن قطع الصلة مع التراث يؤدي  إلى التغريب، فالحداثة لا تعني قبول الوصاية والاستتباع الفكري والثقافي، كما أن عدم قبول الوصاية أو التبعية، لا يعني الانغلاق والعزلة عن التطور الدولي والتجارب العالمية، فالفكر هو الذي يتجاوز الجغرافيا والجنسية والعرق والدين واللغة وغيرها من التصنيفات التي تؤدي  إلى حشره في دائرة ضيقة.
إن استلهام التراث ومواكبة التطور العالمي، لا بدّ أن يسيرا في خط متواز، وليس متقاطعاً، فالشورى وإنْ كانت لا ترتقي  إلى مفهوم الديمقراطية الحداثوي العصري، الاّ أنه يمكن اعتبارها نوعاً من المشاركة الأولية وترجيح الرأي "وأمرهم شورى بينهم "، ومصطلح " أهل الحل والعقد "، و"مبادئ العدل والانصاف " في التاريخ العربي- الإسلامي  مرتكزات أساسية للدولة العادلة وللحكم الصالح، تلك التي يمكن أن تشكل قاعدة يمكن البناء عليها، خصوصاً في بعض البلدان التي ما تزال شديدة المحافظة، أو لم تشهد وجود دستور عصري أو انتخابات لاختيار ممثلي الشعب.
   وقد لاحظ رفاعة الطهطاوي في كتابه "تخليص الابريز في تلخيص باريز" أن مفهوم الحرية "الفرنسي " هو ما نطلق عليه مصطلح " العدل والانصاف " فالحرية تعني المساواة بحيث لا يجور ( من الجَوْرْ ) حاكم أو سلطان على بشر أو إنسان، بل أن القوانين هي المحكّمة والمعتبرة.
   وبدلاً من العودة  إلى التراث، الذي يضع العدل والانصاف مرتكزاً أساسياً للدولة العادلة يسود ضعف احترام حقوق الانسان، بل يُطرح الموروث والتقاليد البالية عوضاً عن ذلك. وهنا يتم التشبت بدور العشيرة، أو الطائفة أو المذهب أو الدين أو الجهة، وكل ما له علاقة بالتعصب، خصوصاً النظرة الدونية  إلى المرأة في محاولة لتهميش دورها، والتنكّر لحقوقها ومساواتها الكاملة في مخالفة الكرامة الانسانية، التي ضمنها كتاب الله – القران الكريم، وكذلك الموقف الاستعلائي من الاقليات القومية والدينية وغيرها. علماً بأنني أميل إلى استخدام مصطلح " التنوّع الثقافي" بدلاً من الأقليات أو الجماعات القومية والدينية.
واذا ما أضفنا  إلى كل ذلك عوامل موضوعية كالجهل والفقر والمرض والأمية، وخصوصاً التوزيع غير العادل للثروة ونقص الوعي الديمقراطي عموماً، فان الكوابح الداخلية تشكل عائقاً أمام مسألة التحول الديمقراطي والانتقال  إلى الحكم الصالح وإجراء تغييرات تنسجم مع روح العصر.
   إن ضعف وهشاشة الدولة الحديثة وعدم وجود تقاليد ديمقراطية أمور أدّت  إلى سيادة الإستبداد خصوصاً في ظل إنعدام الرقابة والشفافية والمساءلة، فضلاً عن الفساد الإداري والمالي لأجهزة الدولة، لاسيما دمجها أحياناً في إطار منظومة سلطوية، سواءً كانت تشريعية أو تنفيذية أو حتى قضائية، بما يؤدي  إلى قيام سلطات مطلقة بعيداً عن الفصل بين السلطات وتأمين استقلال القضاء، أحد أركان الدولة العصرية.
   ولا بدّ هنا من الاشارة  إلى الانقلابات العسكرية ودور الجيش في تخريب الحياة المدنية السلمية وعرقلة تطورها.
    وبحجة العدو الخارجي جرت مصادرة الحريات العامة وفرضت أحكام الطوارئ، الأمر الذي ساعد على وصول الجيش  إلى قمة السلطة السياسية، وقيام  أنظمة "الحزب الواحد" والدولة التسلطية الشمولية وزاد الأمر تعقيداً محاولة استنساخ تجربة البلدان الاشتراكية من طرف دول " التحرر الوطني"، كما أطلقنا عليها مع إهمال خصوصية الوطن العربي وتطوره التاريخي.

هل ترى أن العرب بحاجة إلى مشروع عربي يكون بديلاً من أيّ مشاريع إقليمية أو دولية غير عربية؟ وما هي برأيك الأسس التي يجب أن ينطلق منها هذا المشروع العربي المنشود؟

   أعتقد أن الحاجة إلى " مشروع" عربي جديد مسألة في غاية الأهمية لتنظيم العلاقة بين الحاكم والمحكوم على نحو جديد وديمقراطي، ولعل هذا المشروع يمثّل حاجة وخياراً في آن، لاسيما بصعود ثلاث مخاوف أساسية تسللت  إلى  الواجهة السياسية أو وجدت طريقها إليها ترافقاً مع ربيع الحرية والكرامة الذي حلّ على العالم العربي، فقد ارتفع قلق وهاجس بعض الجهات والجماعات من حضور القوى الدينية أو السلفية، إما لاعتبارات آيديولوجية أو دينية بصبغة طائفية أو لأسباب سياسية أو اجتماعية وهكذا، لكن هذا القلق لم يكن الهاجس الوحيد لدى هذه القوى التي بقيت متخوّفة أو متردّدة أو حتى مرتابة من التغيير لهذا السبب،  بل كان الخوف من الفوضى موازياً للخوف من القوى الإسلامية، لاسيما بعد تجربة "الفوضى الخلاقة" التي ضربت أفغانستان ومن ثم العراق ، بعد احتلالهما العام 2001 و2003، على التوالي.
 يضاف  إلى ذلك، الخوف الكبير والقلق العميق من محاولات الاستغلال الخارجي،  لحركة التغيير سواءً من خلال توجيهها أو التأثير عليها.
إن فكرة عقد اجتماعي عربي جديد يمكن أن تستند  إلى مشروع نهضوي عربي جديد هو الآخر أصبح لا مناصّ منها للقوى الحيّة الحاملة لعملية التغيير والنهوض ناهيكم عن التحديات المشتركة التي تواجه العرب، خصوصاً التنمية الاقتصادية والعلمية والتكنولوجية والأمن القومي.
ولعل الوحدة العربية بمنظورها الجديد يمكن أن تكون ديمقراطية الاسلوب بالضرورة، أي ألاّ تفرض فرضاً وإنما ينبغي أن تقترن برضا شعبي ومن خلال الاختيار الحر الديمقراطي وعبر صندوق الاقتراع أو الاستفتاء، بحيث تكون وحدة شعبية وليست فوقية أو انقلابية أو احتلالية أقرب  إلى الضم والإلحاق. ولعل وحدة تقوم على الخيار الديمقراطي فإن ذلك سيعني ذلك أنها تستند إلى مؤسسات دستورية منتخبة، ونظام يكفل المساواة وحقوق الإنسان  ويحقق المواطنة التامة، كما لا بدّ له أن يحمي التنوّع الثقافي، للجماعات الدينية والعرقية في الوطن العربي وحقوقها العادلة والمشروعة.
أما صيغة الوحدة العربية فقد تكون أقرب  إلى الدولة الفيدرالية (الاتحادية) وقد فشلت حتى الآن جميع التجارب الاندماجية التي حسبما يبدو أن شروطها غير ناضجة، ويمكن أن يكون مدخل الوحدة تدريجياً واقتصادياً طويل الأمد يعتمد على وسائل وأساليب تعددية ومتنوعة وهو لا يشترط انضمام جميع الأقطار العربية اليه مرّة واحدة، بل يمكن لمن لديه جهوزية لذلك وتوفرت الشروط المناسبة لانضمامه.
أما مضمون الوحدة فهي مطلب للمجتمعات وليس حكراً على طبقة واحدة، لكنه دون أدنى شك ينبغي أن يصب في مبادئ العدالة الاجتماعية باعتباره أحد أركان المشروع النهضوي العربي الجديد، ولعل نقيض التخلف والنمو القاصر في ظل العولمة هو التنمية المستدامة المستقلة باعتبارها ركناً من أركان المشروع النهضوي.
لقد فشلت التنمية في تحقيق التقدّم في مرحلة ما بعد الاستقلال، وظلّ الاقتصاد العربي بجميع أقطاره يعاني من التخلف والتبعية في بلدان اليُسر وفي بلدان العُسر. وازداد الاعتماد على النفط ومشتقاته، الأمر الذي عمّق الطبيعة الريعية للاقتصاد العربي، الذي يقوم على المضاربات العقارية والمالية وتراجعت القطاعات المنتجة الزراعية والصناعية، وقد إزدادت المجتمعات العربية فقراً على الرغم من زيادة مردوداتها.
لا تقوم التنمية المستقلة بحسب المشروع النهضوي العربي على فرضيته الأولى " الاكتفاء الذاتي"، و"الانقطاع عن العالم" ، أو فرضية الثانية أي "الاندماج في السوق العالمي"، بل تعني الاعتماد على القوى الذاتية للمجتمع في المقام الأول، وفي مقدمة ذلك القدرات البشرية والمدخّرات الطبيعية، والتعامل الصحيح مع العولمة. وأهم مبادئ التنمية المستقلة هي تحرير القرار التنموي من السيطرة الأجنبية وإعتماد مفهوم واسع للرفاه الإنساني كهدف للتنمية، يتجاوز المكوّنات المادية  إلى المكوّنات المعنوية للتنعّم الإنساني مثل الحرية والمعرفة والجمال، والاعتماد على المعرفة

167
المفاضلة بين “ضحيتين”   

عبدالحسين شعبان
ارتفعت أصوات المعتصمين والمتظاهرين في الحراك الشعبي في محافظة الأنبار وسواها من المحافظات الغربية والشمالية، إضافة إلى بغداد، ولا سيما منطقة الأعظمية وغيرها، تطالب بإنصاف الضحايا وأسرهم وذويهم بإلغاء قانون المساءلة والعدالة أو إعادة النظر فيه بحيث يتم تعويض عشرات الآلاف من الذين كانوا ضحية تطبيقه السيئ من دون وجه حق، فحرموا من وظائفهم ورواتبهم التقاعدية، وإلغاء بدعة “المخبر السرّي” وإطلاق سراح الأبرياء من المعتقلين، وإلغاء المادة 4 إرهاب، ووضع حد لسياسات التهميش والإقصاء، وغيرها من المطالب المشروعة والعادلة .

ولكن بسبب عدم تطبيق معايير العدالة الانتقالية وعدم كشف الحقائق كاملة، بما فيها إنصاف ضحايا النظام السابق وتعويضهم وجبر الضرر، خصوصاً عوائل الشهداء والمقابر الجماعية وغيرها، أخذ البعض يفاضل بين ضحايا الأمس وضحايا اليوم، وهو الأمر الذي لا يوجد رابط بينه، فالضحايا هم الضحايا في الماضي والحاضر والمستقبل، قدامى وجدد، والعدالة لا يمكن تجزئتها أو الافتئات عليها، كما لا يمكن التعامل معها بانتقائية أو بازدواجية في المعايير أو ضدّية، لأنها، أي العدالة، واحدة في كل الأوقات، والضحية هي الضحية، بغض النظر عن انتمائها السياسي وانحدارها القومي ودينها ومعتقدها وجنسها ولونها وأصلها الاجتماعي .

ولعلّ الأغلبية الساحقة من المشاركين في العملية السياسية أو خارجها، وإن اختلفت رؤاهم الاّ أنهم أخذوا يدركون أنْ لا سبيل لتطبيع الوضع السياسي وعبور الأزمة المستفحلة إلاّ بتلبية مطالب المعتصمين أو قسمها الأعظم، على الرغم من اختلاف زاوية النظر إليها، حيث تصوّر الدعوة إلى إطلاق سراح الأبرياء كأنها إطلاق سراح الإرهابيين والعفو عنهم، كما يذهب البعض في النظر إلى مسألة العفو العام، وإلى مسألة “المخبر السري” .

ويتخّذ مطلب إلغاء أو تعديل قانون المساءلة والعدالة، وهو سليل قانون اجتثاث البعث الذي أصدره بول بريمر الحاكم المدني الأمريكي في العراق في 16 مايو/ أيار  ،2003 كأنه دعوة لإعادة حزب البعث والبعثيين إلى السلطة، مثلما تصوّر الرغبة في إلغاء قانون الإرهاب، لا سيما المادة الرابعة منه، كأنها دعوة لتبرير ممارسة جرائم الإرهاب أو غضّ الطرف عنها، فما حقيقة هذه المادة؟ وما علاقتها بحقيقة الوضع السياسي الراهن والمستقبلي في العراق، لا سيما في قضية مكافحة الإرهاب؟

صدر قانون مكافحة الإرهاب رقم 13 في نوفمبر/تشرين الثاني العام 2005 تساوقاً مع الحملة الدولية لمكافحة الإرهاب، في ظل وجود القوات الأمريكية المحتلة، ولا ننسى أن صدوره كان في فترة اشتداد المقاومة المسلحة والسلمية ضد القوات المحتلة التي شهدت أيضاً انفجار العنف الطائفي وانفلات الوضع الأمني .

وقد تضمّن القانون نصوصاً عقابية شديدة الخطورة، خصوصاً وقد جاءت عامة وغير محدّدة، لدرجة  يمكن القول عنها إنها نصوص فضفاضة وقابلة للتفسير والتأويل، لا سيّما في ظل الصراع المحتدم، والمحاصصة الطائفية والإثنية، وضعف المؤسسات بشكل عام، بما فيها القضائية، واستمرار ضعف هيبة الدولة وتفشّي الفساد المالي والإداري، الأمر الذي يمكن استغلال وجود قانون لفرض مثل هذه العقوبات الغليظة التي تصل إلى عقوبة الإعدام، لأغراض سياسية أو مذهبية، أو استخدامه ضمن محاور الصراع السياسي على السلطة في ظروف انعدام الثقة والاتهامات المتبادلة بين أطرافها .

     ونصّت المادة الأولى من القانون على أن الإرهاب هو فعل إجرامي يقوم به فرد أو جماعة منظمة، ليستهدف فرداً أو مجموعة أفراد أو جماعات أو مؤسسات رسمية أو غير رسمية، ويوقع أضراراً بالممتلكات العامة أو الخاصة، بغية الإخلال بالأمن أو الاستقرار أو الوحدة الوطنية، أو إدخال الرعب والخوف والفزع بين الناس أو إثارة الفوضى، تحقيقاً لغايات إرهابية .

ولو حلّلنا هذا النص فإننا سوف لا نصل إلى تعريف محدد للعمل الإرهابي، سوى أنه فعل إجرامي، سواءً جاء من فرد أو جماعة ويستهدف إلحاق الضرر والإخلال بالأمن، ويدخل الرعب ويثير الفوضى، وذلك لأهداف إرهابية . ولم يحدّد القانون معنى الغايات الإرهابية، خصوصاً أن مثل هذا التحديد ضروري، لا سيما إذا استهدف المدنيين وألحق الأذى المادي أو المعنوي بهم، وأسهم في ترويعهم، وهو الأمر الذي تندرج فيه الجريمة الإرهابية، وقد توجد جرائم كثيرة تُحدث الأذى ذاته، لكنها ليست جريمة إرهابية، لأن الهدف منها مختلف .

إن وجود نصوص واضحة للتجريم أمرٌ مهم لتحديد العقوبة طبقاً للمبدأ المعروف في القانون الجنائي الذي يقول “لا جريمة ولا عقوبة الاّ بنص”، وهو ما أخذت به معظم دساتير العالم، وكذلك اعتمده القانون الدولي الجنائي، لا سيّما نظام محكمة روما “المحكمة الجنائية الدولية” التي تم التوقيع عليها في العام 1998 ودخلت حيّز التنفيذ في العام ،2002 استناداً إلى الشرعة الدولية لحقوق الإنسان التي تأخذ بمبدأ “الشرعية الجنائية” حيث تؤكد على مبدأ “لا عقوبة إلا جريمة إلاّ بنص” .

وقد ذهب قانون العقوبات رقم 111 لعام 1969 إلى اعتماد هذا المبدأ حين نصّ على: لا عقوبة على فعل أو امتناع عنه الاّ بناء على قانون ينص على تجريمه وقت اقترافه، وبهذا المعنى لا يجوز توقيع عقوبات أو اتخاذ تدابير احترازية “استثنائية” لم ينصّ عليها القانون .

وقد اعتمد قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية الذي وضع صيغته الأولى نوح فيلدمان الأمريكي الجنسية والصهيوني التوجّه، والممهور من قبل بول بريمر في 8 مارس/ آذار ،2004 وفيما بعد الدستور الدائم 15/10/2005 الذي استوحى معظم مواده الأساسية من قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية، على المبدأ القانوني الجنائي “لا جريمة ولا عقوبة الاّ بنص، ولا عقوبة الاّ على الفعل الذي يعدّه القانون وقت اقترافه جريمة” (المادة 19- ثانياً) .

ولعلّ هذه المقدمة تضع علامات استفهام حول النصوص العائمة الواردة في قانون مكافحة الإرهاب، ومنها المادة الرابعة التي يمكن تفسيرها ضد المتهمين، بل يمكن استخدامها لأغراض كيدية وثأرية وانتقامية، وربّما هذا ما هو ما حصل بالفعل، ولهذه الأسباب خرجت الحشود البشرية التي تطالب بإلغاء هذه المادة أو إلغاء القانون كلّه، طالما أنه صدر في ظل الاحتلال، ويكفي لتجريم الأعمال الإرهابية، تطبيق القوانين العراقية النافذة بما فيها قانون العقوبات، خصوصاً أنها تتضمن أحكاماً محددة طبقاً لمبادئ الشرعية الجنائية .

إن ما قام به الاحتلال من إلغاء للقوانين وإجراء تغييرات في طبيعة الأنظمة العقابية أو إصدار قوانين جديدة، إنما هو عمل غير قانوني وغير شرعي، بموجب اتفاقيات جنيف لعام 1949 وملحقيها بروتوكولي جنيف لعام 1977 بخصوص ضحايا المنازعات الدولية المسلحة وضحايات المسلحة غير الدولية، حيث حظرت المادة 54 على دولة الاحتلال تقييم وضع الموظفين أو القضاة في الأراضي المحتلة، وهو الأمر الذي خالفه بريمر بإصدار قرارات بإعفاء نحو 250 قاضياً من مناصبهم، في واحدة من القرارات غير الشرعية التي عُرفت باسم “مجزرة القضاء العراقي” .

لقد كان قانون مكافحة الإرهاب متعلقاً بمرحلة ما بعد الاحتلال التي انتهت عند خروج القوات المحتلة في نهاية العام ،2011 الأمر الذي يستوجب وقف العمل بهذا القانون أو إعادة النظر فيه، لا سيما وهو يذهب إلى إنزال عقوبة الإعدام طبقاً للمادة الرابعة . والإعدام كعقوبة لا يزال الجدل بشأنها عميقاً على المستوى الدولي، خصوصاً لجهة إلغائها أو استبدالها، فما بالك حين يستهدف متهمين على أفعال غير محددة ولا يوجد نص واضح بشأنها؟

وإذا كان حق ضحايا النظام السابق قائماً وواجب الأداء، بما تعرضوا له، فإن حقوق الضحايا الجدد ينبغي أن تكون مكفولة أيضاً، مثلما يقتضي الواجب الوقوف بوجه الإرهاب بجميع أشكاله وصوره فردياً كان أم جماعياً، وتجفيف منابعه الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، تمهيداً للقضاء عليه، وفقاً للمعايير القانونية المعروفة، إضافة إلى قواعد العدالة الانتقالية .




168

د.عبد الحسين شعبان لـ ( مركز أعلام الربيع العراقي )
المظاهرات حق مشروع والمطالب مشروعة وعادلة


د.عبد الحسين شعبان لـ ( مركز أعلام الربيع العراقي )
المظاهرات حق مشروع
بغداد – احمد الطائي

وصف الدكتور عبد الحسين شعبان الباحث والمفكر العراقي التظاهرات في العراق بالحق المشروع الذي يكفله الدستور ويجب أن تستجيب الحكومة العراقية فورا الى مطالب المتظاهرين، خصوصا وأن رئيس الوزراء نفسه أقر أن كثيرا من المطالب منها مشروعة لذلك اعتقد أن التأخر في التعاطي لهذه المطالب زاد من تعقيد المشكلة، خصوصا الكلمات التي لم تكن في محلها تلك التي اطلقها رئيس الوزراء ،بما فيها من توصيفات لا تليق بالتعاطي مع جمهور واسع وعريض ولديه مطالب مشروعة،وينزل الى الساحات والى الميادين يطالب بتلبية هذه المطالب الملحة، لا سيما أطلاق سراح المعتقلين والمعتقلات الابرياء ووقف الانتهاكات والتميز وابطال مفعول المادة اربعه ارهاب، تلك التي الحقت ضرار كبيرا بالكثير من المواطنين، خصوصا التهم الكيدية والانتقامية والثأرية والتطبيقات السيئة لقانون الاجثاث او قانون المساءلة والعداله وغير ذلك.
ويواصل :
هذه المطالب مطالب عادله مشروعه كان ينبغي الاستجابه إليها لا التصرف بطريقة لا تليق بموقع المسؤلية تجاه قضية من هذا النوع.
وأضاف في حديثة: التظاهرات في غالبيتها الساحقة تظاهرات حضارية سلمية ومدنية ورفعت مطالب مشروعة , ربما هناك بعض الاختراقات البيسطة أن ترتفع صورة لرئيس دولة اجنبية او اشارة الى استخدامات لهذا الطرف السياسي او ذاك من النظام السياسي الحالي او السابق، وهذه تحصل في معظم التظاهرات ذات الطبيعة الكبرى، ولكن بشكل عام وبغالبيتها الساحقة كانت تظاهرات حضارية ومدنية لم ترتفع فيها الشعارات الطائفية، بل كانت وطنية تدعو الى مواطنة متكافئه الى مواطنة سليمة والى الغاء التميز والتهميش ،وانا من هذا الموقع اقول ان هذه الشعارات شعارات وطنية تخص الغالبية الساحقه من سكان العراق، خصوصا موضوع الخدمات وموضوع المواطنة واطلاق سراح المعتقلين والغاء التهم الكيدية، التي عبر عنها المتظاهرون بطريقة دستورية قانونية غير طائفية.

وتحدث بشأن الخروقات التي حصلت في الفلوجة، وقال الابقاء على الطابع السلمي للتظاهرات أمر مهم، ولا بد من إطفاء الحرائق ولا بد من الاصغاء الى صوت العقل وإستخدام الحكمة والابتعاد عن الفعل وردة الفعل ،والمطالبة بمحاسبة المقصرين المسؤولين عن هذه الارتكابات واحالتهم الى القضاء بأسرع وقت ممكن، وتطويق هذه القضية لكي لا تندلع اعمال عنفية واعمال عنفية مضادة،و بالتالي ستضبب المشهد وستندفع بالاتجاهات التي تريدها بعض الاوساط ، سواء داخلية او خارجية بأتجاه الانقسام والتمترس الطائفي والمذهبي، تلك التي لا يستفيد منها الا اعداء الشعب والضمير الحي،الذي عبر عنه المتظاهرون طيلة الشهر الماضي.



169
“الأخوة الأعداء” في العراق
   
 
 
عبدالحسين شعبان
منذ شهر ونيّف تجتاح محافظات العراق الغربية والشمالية، تظاهرات واعتصامات أخذت بالاتساع والامتداد، بعد أن بدأت شرارتها الأولى من محافظة الأنبار، ثم انتقلت إلى محافظات صلاح الدين والموصل وكركوك وديالى وبعض مناطق العاصمة بغداد، ولاسيما في الأعظمية، حتى بدا المشهد السياسي وكأنه على الحافة .

لقد تعرّضت العملية السياسية منذ الاحتلال العام 2003 ولحد الآن، إلى تحدّيات كثيرة وتعثرات كبيرة، لكن ما تواجهه اليوم هو الأكثر حدّة، لأنه يتعلق بوجودها ومستقبلها، لا سيما بتدهور الثقة بين الأطراف المتحالفة “المتناحرة”، وحسب الروائي اليوناني كازانتزاكي بين “الأخوة الأعداء” .

وعلى الرغم من المطالب ذات الطبيعة الاحتجاجية والمطلبية للمتظاهرين، فإنها مع مرور الأيام وبتعاظم الزخم الشعبي، أخذت تكتسب مضامين سياسية، بحيث ارتفعت بعض الأصوات المطالبة بإبطال العملية السياسية برمتها، خصوصاً في مسألة رفع الحيف والغبن الواقع على أبناء عدد من المحافظات، ووضع حدّ لسياسة التهميش التي شملت السنّة بشكل عام، إضافة إلى إطلاق سراح المعتقلات والمعتقلين (الأبرياء) وإعادة النظر ب أو إلغاء قانون المساءلة والعدالة، الذي أدّى تطبيقه السيئ إلى حرمان عشرات الآلاف من حقوقهم، وإلغاء المادة 4 إرهاب التي تستخدم كيدياً وثأرياً ضد الخصوم السياسيين، وإلغاء اعتماد “المخبر السرّي” .

وكانت العملية السياسية قد تعرّضت إلى تعثرات كبيرة، ولا سيما بعد خروج القوات الأمريكية من العراق في نهاية العام ،2011 حيث ساءت علاقة القائمة العراقية مع كتلة دولة القانون، منذ أن حسمت المحكمة الاتحادية تفسير موضوع الكتلة الأكبر لصالح الأخيرة، وبموجب ذلك تمكّن نوري المالكي من الاحتفاظ بمنصب رئاسة الوزارة للمرّة الثانية، وتدخلت أطراف كثيرة، دولية وإقليمية، لا سيما واشنطن وطهران، لإحداث نوع من التوافق على تشكيل الوزارة التي بدت وكأنها استعصاء، حتى تم إبرام اتفاق إربيل بين قادة الكتل والقوائم والقيادات السياسية وإن ظلّت الوزارة غير مكتملة .

ووفقاً لاتفاق إربيل تقرر أن يصبح د . إياد علاوي رئيساً للمجلس الأعلى لرسم السياسات الذي استحدث خصيصاً له، ليضم الرئاسات الثلاث: لكن مثل هذا الاتفاق وصل إلى طريق مسدود حتى قبل تشكيله وإقراره برلمانياً، لأنه ولد وهو يحمل فيروس موته معه، لا سيما عدم دستوريته، فكيف يكون هناك رئيس فوق الرؤساء، الأمر الذي فجّر الأزمة وجعلها مفتوحة على كل الاحتمالات .

ولاحقاً حاولت القائمة العراقية “المجروحة” وقائمة التحالف الكردستاني الإطاحة بالمالكي دستورياً عن طريق سحب الثقة منه بواسطة أغلبية 163 صوتاً في البرلمان، لكن هذه المحاولة باءت بالفشل، بسبب الاستقطاب الطائفي وشعور الأحزاب والكتل الشيعية بضرورة مواجهة التحدي بتحدٍ مقابل، كي لا يفلت الموقع ويتبدد من بين أيديهم .

وانعكس موقف “الأخوة الأعداء” على العلاقة بين دولة القانون والتحالف الكردستاني أيضاً، بل إن أمراً جوهرياً ظلّ معلّقاً أو مسكوتاً عنه بينهما، أصبح راهناً بحيث لا يمكن تأجيله أكثر من ذلك، وترافق ذلك مع حصول احتكاكات جديدة بين الحكومة الاتحادية، ممثلة برئيسها المالكي وإقليم كردستان ممثلاً برئيسه مسعود البارزاني، وارتبطت المشكلات والاشكاليات بصورة رئيسية في ثلاث نقاط أساسية:

الأولى- صلاحيات الإقليم وحدودها في ضوء الدستور التي ظلّت محطّ جدل وتفسير وتأويل من جانب الأطراف المختلفة، ولا سيما علاقة البيشمركة الملتبسة بالجيش العراقي .

الثانية- عقود النفط الموقّعة من جانب الإقليم واعتراضات الحكومة الاتحادية عليها، خصوصاً أنها عقود شراكة تتراوح نسبتها بين 18% إلى 20% للشركات الاحتكارية، وهي متصاعدة بارتفاع أسعار النفط، في حين أن حصتها في عقود بقية مناطق العراق تبلغ نحو 2% وهي عقود خدمة، وهذا فارق كبير، إضافة إلى تفسير المادة ،111 وما بعدها بشأن النفط، الواردة في الدستور، فضلاً عن تعطّل صدور قانون النفط والغاز على الرغم من إنجاز مسودته منذ أربع سنوات .

الثالثة- عائدية محافظة كركوك “والمناطق المتنازع عليها” ومصير المادة 140 من الدستور، التي ظلّت مصدر خلاف طويل وعميق، وقد يستمر لفترة طويلة .

لعلّ ما يحصل اليوم من توترات سياسية واحتدامات طرفية أو جهوية، مهما حملت من مطالب، مشروعة وعادلة، فإنها في نظر القوى المتسيّدة في الحكومة تحمل بُعداً فئوياً وطائفياً حتى وإنْ تحدثت عن المطالب المتعلقة بالخدمات، وخصوصاً الصحية والتعليمية ومسألة البطالة وهشاشة الأمن وضعف الدولة واستمرار تدنّي هيبتها وصعود نبرة التقسيم مجدداً باستعادة مشروع جو بايدن بأشكال مختلفة، والفساد المالي والإداري، وتفشي العنف والإرهاب . ولا تتوقف تلك الحزمة من المطالب والاحتجاجات عند حدود معينة، بل قد تضع العملية السياسية برمّتها في مهبّ الريح .

وإذا كان السيد مقتدى الصدر وكتلة “الأحرار” والمجلس الإسلامي الأعلى بقيادة عمار الحكيم، إضافة إلى مرجعية النجف الشيعية قد دأبت على تبني خطاب وسطي وتوفيقي منذ اندلاع تظاهرات الأنبار ولحد الآن، لكن حل الأزمة المستفحلة، العميقة الغور، يحتاج إلى موقف أكثر حزماً، بحكم المسؤولية والقلق على مستقبل العراق ووحدته، خصوصاً وهو مهدد بالانزلاق إلى مستنقع الفتنة الطائفية التي تدقّ على الأبواب، وليس بعيداً عنها وعن تغذيتها التداخلات الخارجية .

لم يعد الحديث الإنشائي وحده كافياً، كما أن تكرار عبارات عفا عليها الزمن، من قبيل عدم وجود “الفوارق” بيننا والتصاهر التاريخي، وحل الأمور بالتي هي أحسن، فتلك خطابات لا تغني ولا تسمن من جوع، في ظل الخطر الداهم . إن درء الكارثة المحدقة لا يحدث بالدعاء ولا يمكن حلّه بالفتاوى والمواعظ أو بكلمات المجاملة وتبادل التحايا عن بعد .


170
مـاذا يـريـد المـتـعـصـبـون والمتطرفـون من المسيحيين؟

عبد الحسين شعبان

لعلّ السؤال الذي واجهني بأشكال مختلفة ومتعدّدة وأنا أتحدّث أمام جمع من المسيحيين العراقيين في المنتدى الثقافي السرياني بعينكاوا في إربيل، أهو ربيع عربي حقاً؟ إذاً كيف يكون خريفاً للمسيحيين يستهدفهم في أمنهم وأمانهم وحياتهم وممتلكاتهم، ويدفع بهم لمغادرة بلادهم إلى المجهول؟
إن استهداف المسيحيين هو إحدى مفارقات الربيع العربي، فبعد إقصاء وتهميش مُزمِنَين، تجلّيا باللامساواة والتمييز والمواطنة الناقصة أو المبتورة، وإذا بهم يفاجأون ويؤخذون، ومعهم الجميع على حين غرّة، حين يتعرضون إلى حملة منفلتة لتغييبهم وإلغائهم هذه المرّة، لا سيما باجبارهم على الهجرة، وهم الذين كانوا الأكثر توقاً إلى التغيير والمساواة والكرامة الإنسانية، وأكبر أملاً في الحصول على المزيد من الحقوق والحريات.
مفاجأة أخرى غير سارّة للمسيحيين حملتها موجة التغيير، تلك التي جلبت التعصّب والتطرّف والغلو بدلاً من التسامح والتواصل والتفاعل، فإذا بهم أمام خذلان جديد وعذابات «مبتكرة»، لا سيما حين يقترن التغيير باستهداف المسيحية والمسيحيين الذين سبقوا الإسلام والمسلمين، بل والعرب أجمعين، في العيش والإبداع وبناء الحضارة على أرض هذه البلاد!
وإذا كانت الهوّية مسألة اشكالية، لا سيما إذا ما تعلق الأمر بالخصوصيات والاندماج، قد تعرّضت ما قبل الربيع العربي إلى التجاوز والاستتباع وفرض الارادة والهيمنة، فإنها اليوم تبدو وكأنها استمرار أكثر قسوة، وحرب لا ضفاف لها، خصوصاً بزعم الخضوع للأغلبية، والانصياع للأكبر وقبول الوصاية بحجة الأفضلية، ورفض التنوّع بدعاوى الوحدة، واستهجان الخصوصية بدلالة التقسيم، وهكذا.
فهل حقاً كان ربيع العرب مفارقة غير مريحة للمسيحيين؟ أم ثمة قراءات أخرى، أقلّها يمكن القول عنها: إن عملية التغيير لم تكتمل بعد وإن أعراضاً جانبية ترافق عادة عمليات التغيير الكبرى، لا سيما أن الأمر لا يتعلق بما حدث، فذلك تصوير للحدث فقط عبر عدسة مصوّر، وهي مهمة الاعلاميين، وحسب البير كامو، فإن الصحافي هو مؤرخ اللحظة، واللحظة لا تعني نهاية الحدث، بل هي بدايته.
صحيح ان الصورة خبرٌ بحد ذاته، وهو ما نردّده في الإعلام، مثلما نقول في العمل الأكاديمي ان الوثيقة خبرٌ هي الأخرى، لأنها تغني عن الكثير من المقالات والتعليقات، لتوصل إلى الدلالة والاستنتاج، لكن مثل هذه الوثيقة لا تزال في صفحتها الأولى، ولم تكتمل قراءتها الحقوقية، بشأن التجاوزات والانتهاكات أو قراءاتها التاريخية والاجتماعية، حتى وإن كان المكتوب يُقرأ من عنوانه، وان اختلفت زاوية النظر، لكن الأمر يحتاج إلى زمن لبحث ما قبله كما لبحث ما بعده، وإن كانت الفاصلة التاريخية حدثا استثنائيا بكل معنى الكلمة، والتاريخ بهذا القدر تاريخ مخادع حسب هيغل، فقد تمرّ فيه الكثير من اللحظات الماكرة.
وإذا نظرنا بعين السوسيولوجي فسيكون التحليل ناقصاً لحدث لم يكتمل أصلاً. ولعلّ وظيفة عالم الاجتماع هي التحليل ودراسة ما حدث فعلاً،، ومثل هذا سيكون قاصراً إنْ لم تنضج ظروف القراءة السليمة، لإمكانية مقاربتها بصورة صحيحة، سواء إزاء المسيحيين أم غيرهم!
القراءة الفكرية تعطي بعض الدلالات الأولية، إزاء كامل المشهد سواء لما حصل بشكل عام، أم ما تعرّض له المسيحيون بشكل خاص، من خلال تحقق، فامتلاء، وذلك عبر فرضـيات وبراهين تدعـمها معـطيات ووقائع، ليس بفصلها عن سياقها التاريخـي أو المجتمعي في لحظة من لحظات الانتقال الثوري، خصوصاً درجة الوعي وطبيعة القوى المجتمعية السياسية والدينية، لا سيما أن الثوراتِ تُخرِجُ ما في القاع من بشاعة وقبح وعنف، مثلما تُظهر ما فيه من جمال ونُبل وتسامح.
القراءة المفتوحة، لا سيّما ما حصل للمسيحيين، تجعلنا نتوقف عند أسئلة ساخنة: ماذا يريد المتطرفون والمتعصبون منهم، بعد تعايش تاريخي لآلاف السنين، وإنْ لم يكن التاريخ كلّه نظيفاً أو سليماً، فقد شهد عنفاً ضدهم مثلما عرف حالات من الإقصاء والتهميش. لكن سؤالاً مشروعاً يطرح نفسه اليوم: لماذا يرتبط غياب ديكتاتوريات وإزالة استبداد، باستهدافات خاصة «للجماعات الثقافية» ومنها المسيحيون، وهو ما يطلق عليه في الأدب السياسي المتداول إسم «الأقليات» التي لا أميل إلى استخداماتها لأنها تعني سلفاً الانتقاص من دين أو قومية أو سلالة أو لغة بحجة الأغلبية العددية، تلك التي لا تنطبق الاّ على الجماعات السياسية والحزبية والاستقطابات البرلمانية والنيابية، وليس بحساب الأديان المتكافئة والمتساوية مع بعضها، بغضّ النظر عن عدد معتنقيها.
وحتّى الأمم المتحدة التي أصدرت إعلاناً حول حقوق الأقليات العام 1992 وإعلانا آخر عن حقوق الشعوب الأصلية العام 2007 لا تزال نظرتها غير مستوفية البعد الإنساني ولا ترتقي إلى الشرعة الدولية لحقوق الإنسان، بخصوص مبدأ المواطنة المتكافئة والمساواة التامة، تلك التي لا تزال شعوبنا تعاني من نقصها الفادح، وهو أمر يخص المسيحيين مثلما يخصّ الجماعات الثقافية الأخرى.
هل الهجرة هي الحل؟ ولكن لماذا يريد هؤلاء من المسيحيين أن يهاجروا؟ ثم ألا تعني هجرتُهم خسارةً لمكوّنٍ نوعيٍّ، ثقافي ومجتمعي قدّم خدماته لمجتمعه تاريخياً، سواء في التاريخ العربي - الإسلامي أم في حركة التنوير التي شهدتها المنطقة منذ القرن التاسع عشر وما بعده؟ فهل يريدون تمزيق النسيج الاجتماعي؟ وماذا يستهدفون من ذلك: هل استئصال دين أم إلغاء هوية أم إخضاع فئة بعينها؟ وهل هناك علاقة لمثل هذه التصرفات بالإسلام وتعاليمه، لا سيما ما يفعله هؤلاء المهووسون بالواحدية والإطلاقية من استنزاف للطاقات البشرية المتنوعة؟
وكيف السبيل للحيلولة دون هجرة المسيحيين؟ هل بواسطة سنّ قواعد قانونية أم بإقرار مبادئ المواطنة الكاملة والمساواة التامة أم بعقد سياسي مجتمعي؟ أم بكل ذلك وبمشاركة جماعية من القوى والتيارات المختلفة بما فيها من المجتمع المدني، لتأمين سياج قوي لحمايتهم ووضع حد لاستهدافهم، الذي لن يخدم سوى «إسرائيل» والقوى التي لا تريد خيراً للعرب ومستقبلهم، فـ«إسرائيل» منذ قيامها في العام 1948 وهي تسعى جاهدة لتصوير الصراع بأنه بين مسلمين ويهود، وبما أن عدد المسلمين في العالم يقارب المليار ونصف المليار، فإنهم إذاً يريدون «استئصال» اليهود الذين لا يزيد عددهم عن بضعة ملايين ورميهم بالبحر، وبالتالي على الغرب حماية الدولة العبرية، حسب الدعاية الصهيونية النافذة.
و«إسرائيل» لتأكيد فرضياتهـا تقوم بإجبار المسيحيين على الهجرة لتفريغ فلسطين من مكوّن أساس في مجتمعها قبل الاحتلال الإسرائيـلي، حـيث كان يربو عدد المسيحيين على 20% من سكان فلسطين، وإذا بهم اليوم أقل من 1,5% من السكان العرب في فلسطين. وفي القـدس وحـدها كان عدد المسـيحيين نحو 50 ألفا قبل الاحـتلال، في حين أن عـددهم لا يتـجاوز الخمسة آلاف بعد نحو ستة عقود ونـصف العقد من الزمان، حيث أجبرت الأغلبية الساحقة على الهجرة.
ومثل هذا الاستهداف حصل في العراق واضطرّت أعداد واسعة للهجرة إلى خارج البلاد، حيث وصل عددها نحو نصف السكان المسيحيين، خصوصاً خلال الحروب السالفة والحصار الدولي وبشكل كبير بعد الاحتلال، وهو ما حصل في لبنان حيث اضطر نحو 700 ألف مسيحي إلى الهجرة قبل اتفاق الطائف وبعده. واليوم يعاني المسيحيون في سوريا من استهداف خطير لوجودهم، خصوصاً العنف الذي تعرضوا له، مثلما تعرض له مسيحيو العراق وأقباط مصر، الأمر الذي يضع معادلة ربما أقرب إلى المفارقة بين ربيع العرب «المسلمين» وخريف المسيحيين.
استعدت في ذلك الحوار الساخن موقف البابا بنديكتوس السادس عشر الذي وقّع في بيروت «وثيقة الارشاد الرسولي» (أواخر تشرين الثاني/نوفمبر2012)، التي تضمنت مبادئ مهمة تتعلق بموضوع العلاقات الإسلامية ـ المسيحية، لا باعتبارها تاريخاًُ، بل كونها حاضراً وطموحاً مستقبلياً، سواء في الشرق أو بين دول الشرق التي أغلبيتها من المسلمين وبين دول الغرب المسيحي.
ما يحتاج إليه المسيحيون هو «التمتع بمواطنة كاملة» بحيث لا تتم معاملتهم كمواطنين أو مؤمنين من الدرجة الثانية، مثلما يحتاجون إلى مشاركة تامة، كما جاء في الوثيقة، إذْ كيف تستقيم الأخوة المنشودة التي يتغنّى بها البعض دون اعتماد مبادئ المساواة، تلك التي لا تزال غائبة ومفقودة في مجتمعاتنا العربية.
لا يكفي القول إن هناك تياراً سلفياً متعصباً لا يؤمن بحقوق المسيحيين، فالمسألة أبعد من ذلك بكثير، وعلينا الاعتراف بها ومواجهتها بشجاعة ونقد ذاتي، حيث يعود جزء منها إلى عدم قناعة أقسام واسعة من المسلمين: مؤمنين أو غير مؤمنين متدينين أو غير متدينين بمبدأ المساواة، وفي قسم آخر إلى قراءة خاطئة أو إغراضية للتعاليم الاسلامية، مصحوبة بتأويلات وتفسيرات، تعود إلى الموروث السلبي في النظر إلى الآخر تحت عناوين: «أهل الذمة» ولا «ولاية لذميّ»، بل هناك من وجّه رسائل لأعداد من المسيحيين في العراق طالباً منهم دفع الجزية أو الموت، ومثل هذه النظرة المتخلّفة لا تزال متفشية في أوساط واسعة ولدى قوى وتيارات مستفيدة من هذه المواقف.
أعتقد أن المسلم الحقيقي لن يكون مسلماً صادقاً ومؤمناً ما لم يحترم الآخر باعتباره بشراً نظيراً له في الخلق، وما يجمعهما هو الإيمان والمشترك الإنساني لا الاستعلاء أو فرض الرأي أو إملاء الارادة. ولا يهمّ العدد كثرة أو قلّة، فمسيحي واحد يمـثلّ مكوّناً، مثلمـا هو المكوّن الإسلامي، كما يمثل المسلم معادلاً للمكوّنات الأخرى. وهو الأمر الذي ظلّت مجتمعاتنا تعاني منه وهو مصدر شكوى مشروعة من لدن المسيحيين أفراداً وجماعات في المشرق العربي، سواء ما يتعلق بحقوق المواطنة أو بحق الاعتقاد وحق التعبير وحق المشاركة وغيرها.



171
كردستان: العنف بضدّه
   
 
 
عبدالحسين شعبان
غالباً ما نتحدّث عن العنف بضدّه، “اللاعنف” وقديماً قال الشاعر “والضدّ يظهر حُسنه الضد”، والضدّ له دلالة، ولهذه الأخيرة معنى، والمعنى دائماً يأتي بعد أسئلة، تلك التي تظلّ مفتوحة على إجابات، والجواب حاضر أم غائب، يحتاج إلى تفكير وتفكّر .

لقد شَغَلنا أمر العنف لسنوات طويلة، فقد عانينا منه، مثلما حاولنا “أدلجته”، سواءً سمّي عنفاً “ثورياً” أو “عادلاً” أو “تحريرياً” أو “طبقياً” أو “قومياً” أو “دفاعياً” أو “جهادياً” أو لم يُسم، وإنْ ظلّ بعضهم يبدي انبهاراً به حتى اليوم، بل ويعتبره الوسيلة المثلى لتحقيق الأهداف، لدرجة أنه يستخف بأية دعوة للاعنف، التي يقاربها بالاستسلام أو الضعف أو الخنوع . ومثلما يُنسب للعنف الفضائل الكبرى مثل الشجاعة والجرأة والشرف والبطولة، يُنسب إلى اللاعنف كل الرذائل، مثل الجبن والخوف والخيانة والتخاذل وغيرها .

وإذا كان لدى كل إنسان قدرة على العنف، فإن لديه القدرة على اللاعنف، والسبيل القويم لتحريره من العنف هو استفزاز قدراته اللاعنفية، لتكون سائدة وموجهة لحياته وسلوكه وعلاقته مع الآخرين، أي تقليص مساحة العنف في داخل كل منّا، تمهيداً لإحداث القطيعة، بينه وبين العنف، سواءً إزاء نفسه أو ضد الآخرين .

قد يبدو الأمر غريباً حين تتحدث عن اللاعنف في مجتمع بيئته تشجع على العنف، فسيكون الانطباع الأول وكأن المسألة أقرب إلى المثالية إذا كان التقدير بحسن نيّة، أو غير الواقعية، في عالم يتنفس بالعنف، وعانى من القسوة والوعورة اللاإنسانية، فماذا يحتاج الإنسان لكي يكون لاعنفياً؟

بلا أدنى شك إنه يحتاج إلى القوة، ولا بدّ له أن يكون قويّاً للانتصار على ذاته أولاً، ثم لكي يواجه العنف باللاعنف، عبر مقاومة واعية لوضع حد لهذه الظاهرة من حياتنا التي تدمّر الجميع، سواءً من يتعرّض للعنف من الآخر أو من يقوم بممارسته، حيث يتم تدمير الإنسان في داخله . إن وظيفة نشر ثقافة اللاعنف ستكون مهمة تغييرية إضافة إلى وظيفتها الأكاديمية . أي أنها مهمة جليلة أولى لانتشال بشر من براثن العنف، فكيف السبيل لتحقيق اللاعنف في مجتمعات لا تزال ثقافة العنف سائدة ومهيمنة فيها؟

قد تكون أبسط وسيلة للرد على العنف بالعنف، لكن تلك الوسيلة ستمنح دعاة العنف فرصة أخرى أشدّ وأقسى لممارسة العنف، بل تسدي له خدمة كبيرة، فقد يكون العنفي “الظالم” هو من يستدرجنا لممارسة العنف ضدّه، على أرضية هو اختارها ومنهج هو من يدعو إليه، أما المدافع عن الحقوق، فلا شكّ أن العنف لن يستطيع تحقيق أهدافه تلك التي لا يمكن تأمينها الاّ باللاعنف والتسامح والاعتراف بالآخر، مهما كانت عادلة وأخلاقية، لأن هذه الأخيرة تتطلب وسائل عادلة وأخلاقية . فالظالم “يبرر” استخدام العنف، لا سيما إذا كان متنفذاً، فكيف إذا استخدمت الضحية العنف، فإنه سيستخدمه ضدها أضعافاً مضاعفة، فالعنف عنصر فعّال في خدمة الظلم والتجاوز على الحقوق . ولهذا حسبما يقول غاندي “إن العنف فخٌ ينصبه الظالم ويقع فيه المظلوم” .

وأظهرت الكثير من التجارب أن العنف يلوّث القضايا الإنسانية العادلة، وربما أكثر من غيره، لأنه يشوّه محتواها الإنساني، ولا يمكن تبرير الغاية الإنسانية بوسائل لا إنسانية . لا بدّ للوسيلة أن تشبه الغاية، ولا يمكن لغاية شريفة أن تستخدم أساليب خسيسة أو بالعكس، ولعل ذلك ما انزلقت إليه الكثير من الممارسات والتجارب الحكومية والرسمية وغيرها من التجارب السياسية، بل وروّجت إليه الدعاوى الأيديولوجية ذات الذرائع الشمولية .

وعلى ذكر الأهداف فلا يمكن الاّ أن تقرن بوسائل تحقيقها، فمهما كان الهدف شريفاً ونبيلاً، فلا بدّ من وسيلة شريفة ونبيلة لتحقيقه، لأن الغاية لا يمكن فصلها عن الوسيلة، ومثل هذا التلازم ضروري لأي عمل أخلاقي وهدف شريف، إذْ كيف يمكن الوصول إلى هدف إنساني بوسائل قد تؤدي إلى قهر الإنسان أو إذلاله أو ممارسة العنف ضدّه، باعتباره قاعدة في حين أن اللاعنف هو استثناء .

إن مناسبة الحديث هذا هو جزء من حوار وورشة عمل ومحاضرات تم تقديمها في دورة تدريب مهنية عالية المستوى نظمتها جامعة اللاعنف وحقوق الإنسان في العالم العربي، شارك فيها نساء ورجال، مختصون وباحثون بقضايا الحقوق والحريات وإنفاذ القانون والعنف بشكل عام والأسري بشكل خاص، وذلك في إربيل عاصمة إقليم كردستان العراق .

ولعلّ واحدة من المفارقات أن الدورة المتخصصة نظمتها وزارة الداخلية لمنتسبيها من الجنسين في أجواء حساسة إزاء العنف، بسبب ما عانته كردستان من عنف مزمن ومعتق لعقود من السنوات، كان أبرزها قصف حلبجة بالسلاح الكيماوي وحملة الأنفال التي راح ضحيتها عشرات الآلاف من المواطنين العام 1988 وتدمير نحو 4 آلاف قرية وقصبة كردية، وتهجير السكان الكرد، ولاسيما من الفيلية في الثمانينات، من دون نسيان ما حصل من قسوة وعنف بين الكرد أنفسهم بين أعوام 1994-1998 وراح ضحيته ما يزيد على ثلاثة آلاف إنسان، وهو الأمر الذي ينبغي أن يوضع حدا له إذا ما أريد استقرار كردستان ونجاح التجربة الفتية وتخليصها من النواقص والثغرات التي علقت بها خلال السنوات العشرين ونيّف الماضية، وذلك ديدن كل تطور ورغبة في التجديد .

هناك تراث لا عنفي، إلى جانب العنف، لدى كل شعب وفي تاريخ كل أمّة، وهذا التراث اللاعنفي هو الذي يمكن استنهاضه وتنميته والبناء عليه بوسائل تربوية حديثة، خصوصاً المقاومة باللاعنف، ومواجهة العنف، بالقوة اللاعنفية .

كان الزعيم الكردي الملاّ مصطفى البارزاني ثائراً، لكن ميله للسلم والتسامح كان كبيراً، على الرغم مما تعرّض له من عنف وهو في عمر الثالثة حين اعتقل مع أمه في سجن بالموصل، وبعدها أُعدم أخوه عبد السلام، وفي وقت لاحق تم اعتقاله في العام ،1936 حيث تم إجلاؤه وعائلته من منطقة كردستان . وفي العام 1943 حكم عليه بالاعدام غيابياً في كل من العراق وإيران، ثم اضطر إلى الهجرة إلى الاتحاد السوفييتي بعد فشل تجربة جمهورية ماهاباد وإعدام القاضي محمد العام ،1947 لكن شعاره ظلّ “العفو عند المقدرة”، الذي حمل خياراً جنينياً لا عنفياً استلهمه من حياته وقيمه الاجتماعية، وهو ما طبّقه في ظروف حساسة، فبعد بيان 11 مارس/ آذار 1970 بين الثورة الكردية بقيادته والحكومة العراقية برئاسة أحمد حسن البكر، عفا عن الكرد الذين كانوا قد انضموا إلى الحكومة لمقاتلة أبناء جلدتهم الكرد، وكان ذلك السلوك والتصرّف الإنساني يقوم على تفهّم لرجل سياسي يشعر بالمسؤولية إزاء شعبه، وتلك سمات رجل الدولة والواقعية السياسية، بدلاً من الانتقام والثأر والكيدية .

حصل الأمر على مستوى سياسي أيضاً بينه وبين المختلفين معه بعد بيان 11 مارس/ آذار، وكان موقفه متفهماً وإيجابياً معهم على الرغم من بعض الخسائر والمرارات، بهدف قطع الطريق على قيادة السلطة الحاكمة آنذاك لاستغلال هذا الانقسام لمصلحتها .
وفي واقعة ثالثة رفض الرد على الارهاب الحكومي بارهاب مضاد، وهو ما رواه لي مسعود البارزاني، فقد كان أن حدثت محاولة لاغتيال الملاّ مصطفى البارزاني في أيلول (سبتمبر) 1971 بتدبير من مدير الأمن العام ناظم كزار، حيث تم إرسال رجال دين لمقابلته، وتم تفخيخ هؤلاء لتفجيرهم عند لقائهم به وقُتل هؤلاء جميعا في الحادث ونجا البارزاني بأعجوبة بعد أن سقط ضحايا كثيرون. بعد ذلك توفّرت معلومات بإمكانية الرد بالمثل، وكانت الخطة ستنجح، وتم إطلاع البارزاني عليها وعلى المعلومات المتوفرة، فتجهّم وجهه ولم يردّ بشيء بادئ الأمر، ثم قام وتوضأ وصلّى وبعدها قال لنا (كما يقول نجله مسعود البارزاني): نحن لا نردّ على الجرائم بجرائم مماثلة، لأن ذلك سيعرّض الأطفال والشيوخ والنساء والأبرياء للأذى... وأردف بالقول أحذّركم بشدّة من القيام بذلك، وأرجو منكم الإقلاع عن التفكير بمثل هذه الأمور، وثورتنا دفاعاً عن النفس وعليها أن تنأى بنفسها عن الإرهاب.
واعتبر البارزاني تلك العمليات جبناً وليست مقاومة أو كفاحاً أو حتى دفاعاً عن النفس، ولعلّ ذلك كان ماثلاً أمام مستشار النمسا كرايسكي حين وصف الثورة الكردية بالثورة النظيفة، لأنها لم تقم بتفجير مدارس أو مرافق حيوية أو تدمير مؤسسات أو مباني عامة أو قتل أبرياء أو أسرى مدنيين.

يظلّ اللاعنف مرتجاً، وإنْ كانت أمامه تحدّيات كثيرة، لكن الوعي بأهميته وبإعادة لحمة المجتمع يمكن أن تهتدي إليه، وهذا هو ما دفع الجبهة الكردستانية إلى إصدار عفو عام عن الأفواج الخاصة والجاش “والمجموعات المتعاونة مع السلطة” وغيرهم الذين شاركوا في القتال ضد الثورة الكردية . وبعد إجراء أول انتخابات لبرلمان كردستان في مايو/ أيار 1992 اعتبر البرلمان الكردستاني كل قرارات الجبهة الكردستانية نافذة، لا سيما قرار العفو العام، وهو ما حصل وتكرر بعد العام 2003 عند احتلال العراق أيضاً .

وكم كان ممكناً التعامل وفقاً لهذا المنطق الإيجابي في القسم العربي من العراق، بحصر المساءلة بعدد محدود جداً والتمهيد لإجراء مصالحة وطنية وفقاً لمبادئ العدالة الانتقالية، الأمر الذي كان سيجنّب البلاد الكثير من الويلات والكوارث والعنف .



172
المنبر الحر / فيتو النفط
« في: 19:46 25/01/2013  »
فيتو النفط
   
 
عبدالحسين شعبان
كان النفط ولا يزال محور الصراع السياسي والاجتماعي في العراق وفي دول المنطقة، لا سيما الارتباط مع المصالح الدولية، وخصوصاً الشركات الاحتكارية العابرة للقارات وفوق القومية . وبسببه أطيحت حكومات وأشعلت حروب وحدثت نزاعات مسلحة وتعطّلت التنمية وأبطلت فرص الإصلاح، والأكثر من ذلك، فإن النفط في بعض الدول تحوّل إلى نقمة بدلاً من أن يكون نعمة، حيث عانت شعوبها فقراً وتفاوتاً  اجتماعياً  كبيراً ، بسبب تبديد الموارد على الحروب والمغامرات وتكديس الأسلحة، الأمر الذي يطرح قضية النفط في العراق على بساط البحث باستمرار، ارتباطاً بعدد غير قليل من القضايا: مثل مستقبل كركوك، والمادة ،140 و”المناطق المتنازع عليها”، وقانون النفط والغاز، ودور البرلمان، بل مجمل العملية السياسية، التي بدأت مع الاحتلال، ومستقبلها في ظل استمرار المحاصصة المذهبية والإثنية .

منذ أن تدفق النفط في حقول باباكركر في كركوك في العام 1927 تدفق معه شلال الدم الذي ظل مستمراً وهادراً، خصوصاً بعدد من الانقلابات العسكرية، التي بدأها انقلاب بكر صدقي، العام 1936 ومروراً بإعادة احتلال العراق من قبل بريطانيا في العام ،1941 بعد حركة رشيد عالي الكيلاني خلال الحرب العالمية الثانية، وإعدام الضباط الأربعة الكبار، وبعدها مجزرة كاورباغي ضد عمال النفط في العام ،1946 وصولاً إلى معاهدة بورتسموث في العام 1948 لاستبدال معاهدة العام 1930 مع بريطانيا، التي تم رفضها شعبياً، تمهيداً للحرب العربية - “الإسرائيلية” بعد تأسيس “إسرائيل” في 15 مايو/ أيار العام ،1948 وبعدها إعدام القادة الشيوعيين فهد ورفاقه الثلاثة في 14-15 فبراير/ شباط العام ،1949 وإصدار قوانين غليظة ومقيّدة للحريات تحضيراً لحلف بغداد العام 1954-،1955 وردّ الفعل الذي أعقبه في ثورة 14 يوليو/ تموز ،1958 والمفاوضات العصيّة التي دخلتها الحكومة العراقية، الأمر الذي اضطرها إلى تشريع القانون رقم 80 لعام 1961 لاستعادة 5 .99% من الأراضي العراقية من يد الاحتكارات النفطية، وما تبعها من انقلاب عسكري لم يكن بعيداً عن دور لشركات النفط والقوى الاستعمارية التي تقف خلفها في 8 فبراير/ شباط العام ،1963 وفيما بعد صدور القانون رقم 97 وتأسيس شركة النفط الوطنية وصولاً لتأميم النفط في العام 1972 .

كل تلك التطوّرات السياسية لم تكن بعيدة عن النفط، بل إنه كان في الصميم منها، بما فيها التشجيع على استمرار الحرب العراقية - الإيرانية التي دامت ثماني سنوات 1980-،1988 فضلاً عن فرض حصار دولي شامل على العراق دام نحو 13 عاماً بعد غزو الكويت في 2 أغسطس/ آب العام ،1990 وصولاً إلى احتلال العراق في 9 إبريل/ نيسان 2003 .

ومنذ اللحظة الأولى للاحتلال، قيل إن النفط هو الهدف الأساسي، إضافة إلى تفكيك الجيش العراقي خدمة ل”إسرائيل”، لاسيما بعد انكشاف زيف وجود أسلحة دمار شامل وهزال تهمة العلاقة بالإرهاب الدولي، الذي انفتح على مصراعيه في العراق، ناهيكم عن ضبابية التحول الديمقراطي، وانسداد آفاقه، وخصوصاً في ظل التمترس الطائفي والإثني .

وإذا كانت قضية النفط قد شغلت البرامج السياسية للأحزاب العريقة في العراق، إضافة إلى النقابات العمالية والمنظمات المهنية، فإنها تشكل اليوم محوراً للتجاذب السياسي والاستقطاب الفئوي والمنفعي، بالنسبة للكتل والمجموعات البرلمانية والسياسية حالياً، وقد استغرقت حيّزاً غير قليل من مناقشات الدستور، سواءً قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية أو “الدستور الدائم” الذي تم التصويت عليه في 15 أكتوبر/ تشرين الأول العام 2005 وأجريت انتخابات أولى، ديسمبر/ كانون الأول ،2005 وانتخابات ثانية مارس/ آذار،2010 على أساسه، ولكن ذلك لم يمنع من اندلاع الخلاف والجدل واحتدام النزاع والصراع لتفسير أو تبرير اتجاهات الكتل السياسية ومصالحها بشأن النفط، خصوصاً قد تضمّن الدستور على الكثير من الألغام، ناهيكم عن غموض والتباس، قاد ويقود إلى المزيد من التوتر في الوضع السياسي، بل أصبح يهدد العملية السياسية برمّتها، لا سيما إذا لم يتم التوصّل إلى حلول مُرضية وسلمية، تنسجم وتتوافق مع المصلحة الوطنية العليا، وهدف التنمية الشاملة .

ونصت المادة 111 من الدستور على أن النفط والغاز ملك الشعب، الأمر الذي ينبغي توظيفه لمصلحة عموم الشعب وإخضاع هذا المورد الحيوي والأساسي لرفاهه وتنميته . ولكن للأسف الشديد ظلت هذه الثروة تهدر من دون حساب أو رقابة تُذكر، فضلاً عن أعمال النهب المنظّمة والعشوائية التي طالته . وخلال السنوات المنصرمة فشل البرلمان في التوصل إلى إصدار قانون موحد للنفط والغاز، على الرغم من الضغوط التي مارستها إدارة الرئيس بوش الابن، لاسيما منذ العام 2007 ولغاية انتهاء إدارته الثانية، علماً بأنها تمكّنت من فرض الاتفاقية الأمريكية- العراقية، وفقاً للصيغة التي تريدها، في إطار اختلال موازين القوى، بين طرفين أحدهما قوي والثاني ضعيف، والأول محتل والثاني محتلة أراضيه .

وبسبب عدم وجود قانون موحد للنفط والغاز، فإن الأطراف السياسية المعنيّة تصرّفت بما ينسجم مع قناعاتها ومصالحها، بفعل فيتو الكتل السياسية، وبسبب هذه الخلافات بقي الحال على ما هو عليه، وهكذا يتم الأمر حين يحدث التوتر، فإن التصعيد سيكون جاهزاً، ويستمر الأمر الواقع، “واقعاً” لا سيما إذا تكرّس بحكم الزمن ومن دون حلول جدّية ومقنعة .

ومن الأمور التي قد تعقّد الوضع، وتزيد من تباعد الحكومة الاتحادية المنفرط عقدها عن حكومة إقليم كردستان بشأن السياسة النفطية، هو الاتفاق بين الإقليم وتركيا على مدّ أنبوب للنفط وآخر للغاز عبر أراضيها، وهذا الخط يمثل المرحلة ما قبل الأخيرة لاكتمال المشروع النفطي في الإقليم منذ العام ،2003 وستكون المرحلة الأخيرة عند الاتفاق على ميناء التصدير .

إن استمرار الخلافات وتعثّر العملية السياسية وضعف الثقة بين الفرقاء، بل واحترابهم، قد يؤدي إلى المزيد من التشظّي، بسبب النفط أولاً، خصوصاً بدخول الشركات الاحتكارية والمصالح الدولية على الخط، الذي قد ينذر بعواقب وخيمة، لاسيما في ظل ارتفاع موجة التشطير المذهبي والإثني، فالنفط كان ولا يزال سبباً أساسياً، وإن لم يكن وحيداً للصراعات التي شهدها العراق المعاصر، ولهذا فإن فيتو النفط، يعتبر أهم عقدة تواجه البلاد وسيؤثر حلّها في بقية العُقد!!



173
أكاديميون وبرلمانيون
   
 
عبدالحسين شعبان
أية علاقة يمكن أن تنشأ بين الأكاديميين والبرلمانيين؟ وكيف السبيل إلى تبادل الخبرة، ولا سيما لجهة توظيف الخبرة الأكاديمية بما يخدم العمل البرلماني، التشريعي والرقابي، فضلاً عن الخدمة العامة والتعبير عن مصالح الناس وتطلعاتهم؟

كان ذلك محطّ نقاش معمّق وحوار مسؤول في ورشة عمل راقية نظّمتها “دار الخبرة العراقية” التي تضم أكاديميين ومتخصصين على درجة عالية من الكفاءة والخبرة، وشارك فيها برلمانيون من شتى الاتجاهات والمشارب، بهدف تبادل وجهات النظر والخبرات للاستفادة القصوى من الدراسات والأبحاث والتوجهات الأكاديمية في تطوير العمل البرلماني ووضع السياسات .

ولعلّه السؤال الاستهلالي الذي ظلّ يتردد على ألسنة البرلمانيين والأكاديميين على حد سواء، واستحوذ على الكثير من المداخلات والآراء، بل إنه تصدّر ورشة العمل، التي رعتها جامعة ويستمنستر البريطانية وشارك في تنظيمها “منتدى البدائل المصري للتنمية” .

وتفرّع عن هذا السؤال المحوري أسئلة كثيرة منها: هل إن البرلماني هو من سيسعى وراء أهل الخبرة، أو أن على الأكاديميين والاختصاصيين أخذ المبادرة؟ وقبل ذلك هل يمتلك البرلماني الخبرات الضرورية لإتمام عمله على أكمل وجه، أو أنه يشعر بالحاجة إلى طلب الخبرة؟ ومتى؟ وكيف يمكن الحصول عليها؟ ثم كيف يستطيع أن يوظفها؟ ويلحق ذلك سؤال مهم، ما المرجعية المتوافرة لتقديم الخبرة أو للحصول عليها؟

تبقى هناك حساسية أحياناً لاعتبارات شخصية ووظيفية في ما يتعلق بموضوع الخبرة، فضلاً عن عدم وجود تقاليد لطلب الخبرة أو الاستفادة منها، ولهذا ينطرح السؤال بقوة: كيف السبيل لتجنب الحساسية، لا سيما أننا ليست لدينا ثقافة الاستشارة؟ علماً أن زاوية النظر إلى السياسي أو البرلماني أو صاحب القرار، تكون في الأغلب سياسية وتعتمد على منظوره الخاص، في حين أنه يحتاج إلى الخبرة المهنية وإلى دراسات وأبحاث علمية اجتماعية واقتصادية وغيرها . وبالمقابل فإن نظرة الأكاديمي وآراءه تستند إلى تقديرات مختلفة، خصوصاً وهو يبحث في القضايا بأبعادها العلمية والقانونية والاجتماعية والاقتصادية والمهنية المتنوعة .

ولعلّ تلك العلاقة المعقدة بين البرلماني والأكاديمي، أو بين السياسي والمثقف  قادت إلى تهميش دور الأكاديميين والمثقفين من جانب أصحاب القرار والسياسيين بشكل عام، وقد ازدادت هذه العلاقة تعقيداً منذ العام 1958 في العراق، في حين أن دور الأكاديميين والمثقفين ارتقى على المستوى العالمي بحيث تعززت مساهماتهم في توجيه السياسات عبر مجمّعات العقول والأدمغة والعصف الفكري، وهو ما سمي ب “Think Tank” . إذاً، كيف تتحول منظمة مثل دار الخبرة إلى قوة اقتراح وشريك  وليس منافساً أو ندّاً للبرلماني؟ بتقديري أن الأمر يتطلب بناء جسور التواصل ومن ثم تأكيد الصدقية والثقة، والعمل على رؤية مشتركة لخلق تصورات موحدة لدور كل من الأكاديميين والمثقفين من جهة، وبين البرلمانيين والسياسيين من جهة أخرى، لتعزيز دور كل منهم للتمكين المتبادل كل بشأنه وفي حقله، كما يحتاج الأمر إلى بناء مؤسسات داعمة للفكر والتخطيط الاستراتيجي وتأمين مهارات وتدريب وتأهيل .

يمكن الحديث عن وظيفة التشريع في البرلمان، إضافة إلى دور البرلمان الرقابي، والخدمة العامة، ولكن عبر ثلاث قواعد هي قاعدة الحقوق، وقاعدة الأدلة، وقاعدة القيم الاجتماعية والدينية والثقافية . بهدف توطيد المعايير الأساسية من خلال دراسات وأبحاث وتقويمات وخبرات . فما هو المعيار التشريعي ودور الخبرة في هذا المجال؟ وما هي المعايير التي يمكن التعامل من خلالها لبناء وتطوير التشريع وتعزيز القدرات؟ باختصار يمكن القول إنها تكمن في:

1- المساواتية، حيث يقتضي الأمر البحث في المساواة كقاعدة معيارية، ولاسيما ما ينسجم مع الاتفاقيات الدولية، وعلى سبيل المثال بشأن المرأة والطفل وحظر التعذيب ومنع العنصرية والتمييز وحقوق اللاجئين والجنسية واتفاقيات العمل والحق في الصحة والحق في التعليم وغيرها .

2- التعددية، وهي القاعدة التي تقوم على مبادئ التعددية في المجتمع، الثقافية والدينية والإثنية والاجتماعية والحقوقية واللغوية وغيرها، تلك التي تستلزم تأمين احترامها .

3- التمثيلية، وذلك بضمان تمثيل كل المجتمع بجميع  فئاته، من خلال تعددية التمثيل، إثنيات، أديان، لغات، وغيرها من المجموعات الثقافية .

4- الشراكة والمشاركة، للفئات المهمشة وخصوصاً من أصحاب الشأن والمصلحة أو للمستفيدين منها، ويحتاج الأمر إلى سماع آراء ووجهات نظر أصحاب المصلحة الحقيقية، إضافة إلى أصحاب الخبرة القانونية والاجتماعية والفنية بهذا الخصوص، وذلك من خلال مشاركة فعّالة في صنع القرار بحيث يأتي القرار بعد استشارات واستطلاعات رأي وسماع وجهات نظر، لكي يكون معبّراً حقيقياً عن تطلعات الفئات المختلفة باختلاف تنوعها الاجتماعي والاقتصادي والمناطقي .

5- العدلية وهذا يستلزم تحقيق مبادئ العدل وسيادة القانون واستقلال القضاء، لأنه لا نظام ديمقراطياً دون قضاء مستقل، ولا قضاء مستقلاً دون فصل السلطات، وذلك جزء من المبادئ العدلية التي يفترض أن يؤمنها البرلماني، وخصوصاً الاستفادة من خبرة “الخبير” في المجالات المختلفة ولا سيما القانونية منها .

6- القانونية، وهذه تقتضي احترام الدستور والنظر في دستورية القوانين التي يصدرها المشرّع، بحيث يكون التشريع أكثر وضوحاً وأقل التباساً أو غموضاً ومكتوباً بلغة دقيقة وفنية خالية من الإطناب، وتلعب الخبرة التشريعية دورها عند إنشاء المحكمة الدستورية العليا للنظر في دستورية القوانين والفصل في النزاعات التي قد تنشأ من جرّاء تفسير القانون والدستور . ويندرج هذا المعيار في صلب عمل البرلماني .

7- الجندرية، وتقتضي هذه القاعدة أخذ النوع الاجتماعي Representation في الحسبان، خصوصاً بما ينسجم مع التطور الدولي في هذا الميدان .

8- المصطلحية (الفنية) التقنية، وذلك بتوظيف المصطلحات بما يخدم النص والمبادئ السبعة المذكورة، الأمر الذي يستوجب الخبرة بالمصطلحات Advocacies، وهذا المعيار يوفّر خبرة بالتحفيز، أيضاً لما له من دلالات، خصوصاً بإقناع المجموعات الثقافية المختلفة دينياً وإثنياً بمشروعية التشريع وعدالته، ولعل التحفيز يقوم على قاعدة أدلة وبيانات وشراكة .

9- المفاهيمية، وهنا لا بدّ من إعطاء معانٍ للمفاهيم والمصطلحات بحيث تكون منسجمة مع القواعد العامة وتعطي مضموناً موحداً، من خلال صياغة مصطلحات دالة وتوفير خبرة في التقنيات القانونية، وهذه لن تتمّ من دون توعية برلمانية وتوعية عامة، بحيث يأتي التشريع دالاً ومعبّراً، وذلك مقارنة مع دول أخرى في قضايا مماثلة من خلال اطلاع على خبرات البرلمانيين في العالم، ولا بدّ من التعاون وتبادل الخبرات على هذا الصعيد، كما أنه من الضروري إطلاع البرلمانيين على الاتفاقيات والمعاهدات الدولية التي يكون بلدهم قد انضم إليها .

وهنا لا بدّ من تعزيز مفهوم السياسات العامة والقطاعية لدى المشرّعين والبرلمانيين وأهمية تطويرها في حل المشكلات على جميع الصّعد المحلية والوطنية، كما يمكن دعم السياسات من خلال التشريع وتعزيز القدرات وآليات التنفيذ والرصد والتقييم .

إن تعزيز دور البرلمانيين بأهمية وضع السياسات العامة، لخلق إطار لحل المشكلات والموضوعات المهمة، بآليات ومشاركات فعّالة لأصحاب الشأن، أمر في غاية الأهمية، لاسيما لدور الشباب والنساء، وهو ما أفرزته التغييرات بما سمّي لدول الربيع العربي في السنتين الأخيرتين وما ينتظر من دور لاحق، الأمر الذي يتطلب المزيد من الخبرات، سواء كانت محلية أو وطنية أو إقليمية أو دولية، ولا سيما من جانب المنظمات الدولية، مثل الأمم المتحدة وإدارتها، والهدف هو بناء قدرات المشرّعين والموظفين الفنيين، وتعزيز الإصلاح المؤسسي وتمتين علاقات البرلمان مع السلطتين  التنفيذية والقضائية والمجتمع المدني، وكذلك تعزيز فاعليات النساء البرلمانيات وتحسين قدراتهن، باعتماد الشفافية وتشكيل لجان متابعة للتشريع ووضع السياسات .

وتقع المسؤولية على عاتق البرلمانيين والأكاديميين، وكذلك على عاتق السياسيين والمثقفين، من خلال العمل المشترك والشامل الموجّه للتشريع والسياسات، استناداً إلى قاعدة أبحاث معمقة ودراسات رصينة وخبرات وفيرة، لخدمة عموم الناس .




174
نعيم الهوّية أم جحيمها في العراق؟   

 
عبدالحسين شعبان
كان موضوع “الهوّية والمواطنة” مثار نقاش جاد وهادف في قصر الثقافة والفنون في تكريت “محافظة صلاح الدين” في العراق، بحضور ومشاركة نخبة من الأكاديميين، لاسيما من أساتذة الجامعة ومن المثقفين والفنانين والأدباء والمبدعين بشكل عام، وذلك في حوار مفتوح خصوصاً لجهة الالتباس والإشكال بشأن جدل أو صراع الهويات، وهو موضوع استأثر باهتمام الشارع العراقي ولا سيما بعد الاحتلال في العام 2003 .

وسبق للباحث أن طرح هذا الموضوع على نحو موسّع في كتاب صدر له بعنوان “جدل الهوّيات في العراق - المواطنة والدولة” اقترح فيه مشروع قانون لتحريم الطائفية وتعزيز المواطنة في العراق، تلك التي ينبغي أن تقوم على أساس الحرية والمساواة والمشاركة والعدالة، وهي أركان أساسية للمواطنة المتكافئة والفاعلة دون أي تمييز أو استقواء، وهو الأمر الذي كان مطروحاً في الماضي، ولكنه يصبح أكثر إلحاحاً وأشد خطورة في الوقت الحاضر، خصوصاً ما يعانيه المجتمع العراقي من انقسامات طائفية ومذهبية وإثنية، تركت بصماتها على مجمل العملية السياسية، ولعل أحداث محافظات الأنبار وصلاح الدين والموصل التي امتدت إلى مدينة الأعظمية ومدينة الشعب في بغداد ومناطق أخرى، ليست بعيدة عن الاستقطابات والتحديات الجديدة - القديمة .

وقد شهدت الساحة العراقية تطهيرات مذهبية وإثنية خلال عامي 2006 - 2007 وما بعدهما على نحو أقل، لكن ذيولها وتأثيراتها ظلّت تطلّ برأسها بشكل أو بآخر وبين فينة وأخرى، خصوصاً عند بعض الاحتكاكات السياسية، تلك التي ترفع درجة الشعور بالتمييز والحرمان وعدم المساواة والتهميش، وهو الأمر الذي انعكس مؤخراً في صيغة التظاهرات الكبرى ذات الطبيعة الاحتجاجية والمطلبية، وهذا ما يطرح مجدداً هوّية الدولة العراقية “الموحدة”، ذات التنوّع الثقافي والهويات الفرعية لجهة التوازن، وعدم تغوّل أية هوّية على أخرى بما فيها الهوّية الجامعة أو “الكبرى” على الهوّيات الفرعية، مثلما يفترض احترام الهوّيات الفرعية للتطلعات العامة للهوّية الجامعة الموحدة، بما فيها لمكوّناتها الأساسية .

وإذا كان المجتمع العراقي واحداً، لكنه يزخر بهوّيات متعددة، وهناك فرق كبير بين الوحدة والواحدية، فهو يشترك بهوّية عامة ويمتاز بهوّيات فرعية، والهوّية العامة غير مفروضة وإنما تتشكل كهوّية طوعية واتحاد اختياري، وهي بالتالي ليست هوّية إكراهية مفروضة أو استعلائية أو ردّ فعل لها .

ولعل الثقافة هي الوعاء الذي يستوعب ويجسّد الهوية، خصوصاً الشعور بالانتماء، ولاسيما أن الهوّية تقوم على التوالف بين القيم المتراكبة والمتفاعلة، الثابتة والمتغيّرة على نحو عميق، عبر التطور التدريجي التراكمي لفترات زمنية طويلة، وذلك من خلال العلاقة مع الآخر إنسانياً وعبر العادات والتقاليد التي تعكس سلوك الناس وحياتهم، وبالتالي فالأمر مثل الكائن الحي يخضع لقوانين التطور الحياتية ذاتها، وبقدر انطباق الأمر على المستوى الفردي، فإنه ينطبق على المستوى الجماعي أيضاً .

هل ينفرد المجتمع العراقي بوجود هوّية موحّدة وهوّيات فرعية؟ وكيف السبيل إلى علاقة تكاملية بين الهوّيات المتنوعة؟ وكان الماضي بقدر ما يزخر بالعلاقات الإيجابية الودية، فإنه يحمل ذكريات مؤلمة في الوقت نفسه، وهو الشعور الذي ظل ملازماً لبعض القوى السياسية الدينية ومعارضتها أحياناً، لاسيما في ظل المحاصصة الطائفية - الإثنية . ولكن هل أصبح التعايش مستحيلاً؟ وما هو دور السياسة في استعادة التوازن والتواؤم والانسجام وحلّ الإشكالات القائمة بروح الوحدة والتسامح والمصير المشترك؟ وما هي تجارب الغير على هذا الصعيد؟

في المجتمعات المتقدمة تقلّص الصراع إلى حدود غير قليلة، لاسيما الصراع المسلح، ولكن الجدل يستمر ويتواصل ويتصاعد أحياناً حتى وإن قررت الأطراف المتنازعة الافتراق، لكنها تختار الطريق السلمي المدني في الأغلب، بعد أن جرّبت طريق العنف بكل ما فيه من مآسٍ ووعورة وآثار سلبية .

إن لغة الحوار والوسائل السلمية هي الأساس لحل مشكلات البلدان المتقدّمة مع بعضها بعضاً، في حين أن العنف هو الشكل السائد في بلداننا لحل قضايا الهوّية والمواطنة، أي أن البلدان المتقدمة يغيب فيها البعد الاستئصالي والإقصائي، بينما الجانب العنفي والعسكري يستمر في مجتمعاتنا، لإلغاء الآخر أو ترويضه .

ثمة أوهام أربعة عاشت معنا ما قبل التغييرات التي حصلت في أوروبا الشرقية وربما بعضها لايزال مستمراً، فالوهم الأول الذي يقول إن الدول الصناعية والديمقراطية التي اعتمدت المواطنة قد حلّت مسألة الهوية، لكن الواقع يثبت يوماً بعد آخر أن مثل هذا الحل لايزال ناقصاً ومبتوراً، بدليل التحدّيات التي تواجهها، فضلاً عن التعبير عن حاجات وطموحات إنسانية .

أما الوهم الثاني فهو الذي يقول إن تحقيق الديمقراطية والمواطنة يدفع بصراع الهوّيات إلى الخلف مقابل المصالح والحقوق، ولكن الواقع يزخر بالمزيد من التمسك بالهوّيات الفرعية التي يبدو أنها ترتفع فوق الاعتبارات الأخرى أحياناً .

وكان الوهم الثالث ينطلق من رؤية افتراضية هي أن البلدان الاشتراكية قد حلّت مسألة الهوّيات، حتى اعتقدنا أن ألمانيا الديمقراطية أصبحت أمة منفصلة عن الأمة الألمانية (الغربية)، وذلك بعد ما تبنّاه دستورها في العام 1977 بحكم نظامها الاجتماعي المختلف، وإذا بالبنيان ينهار سريعاً بانهيار جدار برلين في شهر تشرين الثاني (نوفمبر) العام 1989 ويلتقي الألماني بالألماني دون أيديولوجية، ولكن الجامع المشترك هو اللغة والدين أساسا الهوية .

والوهم الرابع أن صراع الهوّيات وجدلها، إنما هو حكر أو دمغة خاصة بالعالم الثالث الذي يعاني أزمة تعايش، لكن تجربة الهند التي اتخذت من الديمقراطية والفيدرالية طريقاً لتحقيق المواطنة أوجدت شكلاً جديداً لتعايش الأديان والقوميات واللغات والسلالات، مازال قائماً وبصورة سلمية يستمر ويتعزز على الرغم من تحدياته، وهناك تجربة ماليزيا وتجارب أخرى .

وخلاصة الأمر، فإن الهوّية تتعلق بوعي الإنسان وإحساسه بذاته وانتمائه إلى جماعة بشرية قومية أو دينية، مجتمعاً أو أمة أو جماعة في إطار الانتماء الإنساني، وهذا ما ينطبق على الجماعة في إطار مجتمع متعدّد ومتنوّع ومختلف، لكنه متعايش ومتواصل ومتكامل، بل مجتمع موحد وإنْ ليس واحداً .

وإذا كان موضوع الهوّية والمواطنة مصدر جدل فكري وسياسي وثقافي واجتماعي، لكنه اتخذ بُعداً أكثر حدّة وتعارضاً ودراماتيكية في ربع القرن الماضي، لا سيما بعد انتهاء عهد الحرب الباردة وانحلال الكتلة الاشتراكية، وتحفيز الهوّيات الفرعية إلى التعبير عن نفسها، وهو الأمر الذي ينبغي أخذه في الحسبان، خصوصاً في البلدان المتعددة التكوينات مثل العراق، للبحث عن حلول ممكنة وواقعية سلمية ومدنية تجنّب البلاد الصراعات المسلحة وتؤمن قيام مواطنة سليمة وكاملة دون تمييز، واحترام الهوّيات الفرعية، والإثنية والدينية، ونزع فتيل صاعق الطائفية بتحريمها قانوناً في إطار توافق وطني عام، وإلا فإن جحيم الهوّية سيؤدي إلى المزيد من التناحر والاحتراب في ظل انعدام الثقة وغياب الإرادة الموحّدة للعيش المشترك .



175
شيء عن الدبلوماسية “الإسلامية”   

 
عبدالحسين شعبان
كانت ردود الفعل الغاضبة والمنفعلة إزاء الفيلم المسيء إلى الرسول محمد (عليه الصلاة والسلام) الذي أنتجه متطرفون أقباط في أمريكا، وبثته شبكات الإنترنت لمدة 13 دقيقة، مثار نقد شديد، خصوصاً ما نتج عنها من أعمال عنف، ولاسيما اغتيال السفير الأمريكي جون كريستوفر ستيفنز في بنغازي ومهاجمة السفارة الأمريكية في مصر وعدد من البلدان العربية . ولعل هذه ليست المرّة الأولى التي يتم فيها استفزاز مشاعر العرب والمسلمين، فقد سبق ذلك ببضع سنوات نشر صور كاريكاتورية تسخر من مقام الرسول وتسيء إلى الإسلام، وغيرها من الأعمال المقصودة والمغرضة التي حدثت في الدنمارك وهولندا والعديد من البلدان الأوروبية .

وإذا كان ينبغي صيانة حرية التعبير باعتبارها جزءاً من الحقوق الأساسية للإنسان،  مثل حق الاعتقاد وحق التنظيم وحق المشاركة، وبالطبع بعد حق الحياة المقدس، فالمسألة لا علاقة لها بذلك، خصوصاً في ظل الازدواجية والانتقائية في المعايير، وبقدر ما يتعلّق الأمر بمعاداة السامية أو التشكيك حتى بالأرقام المتعلقة بمحرقة “الهولوكوست” من جانب مفكرين وباحثين جادين، مثل روجيه غارودي مثلاً، فهنا تتراجع حرية التعبير للعديد من الأوساط الغربية وتعد تشهيراً حتى وإن كان مثل هذا التشكيك لا ينصبّ على حقيقة وقوع المحرقة الفعلي بحق اليهود .

إن حرّية التعبير التي ينبغي احترامها وصيانتها والدفاع عنها ليست مقتصرة على مسألة معاداة السامية، وإنما ينبغي أن تشمل حقوق جميع الأديان، فالإساءة إلى الإسلام وازدرائه والتطاول على الرموز الدينية وبأي شكل من الأشكال، يلحق ضرراً بالعلاقات السلمية بين الأديان والثقافات والحضارات المختلفة، فضلاً عن الإساءة إلى حرية التعبير ذاتها، وهو الأمر الذي يطرح سؤالاً مهماً عن حدود حرية التعبير في الغرب وسقفها والمشمولين فيها! وإذا كانت معاداة السامية تستحق إصدار تشريعات خاصة، فينبغي أن تشمل هذه التشريعات والقوانين معاداة الأديان الأخرى بما فيها الإسلام، وهكذا يفترض وضع حرية التعبير عن الرأي والمعتقد في إطار لا يؤدي إلى نشر ثقافة الكراهية والحقد وازدراء الآخر، لأنها ستقود إلى ردود فعل متعصّبة ومتطرّفة وعنفية، في حين أن هدف حرية التعبير هو نشر ثقافة السلام والتسامح والتواصل الإنساني بين الأمم والقوميات والأديان على أساس المشتركات، والعمل على حلّ المنازعات بينها بما يحفظ أمنها وحريتها ورفاهها وليس العكس .

حين كان القرار الأممي 3379 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في 10 نوفمبر/تشرين الثاني  1975 بخصوص دمغ الصهيونية بالعنصرية واعتبارها شكلاً من أشكال العنصرية والتمييز العنصري سارياً، ارتفع الكثير من الأصوات في الغرب لتعلن معارضتها له وتعدّه معادياً للسامية، لكن هذه الأوساط ذاتها بما فيها بعض الحقوقيين تسكت عن محاولات الإساءة إلى الإسلام .

فهل نقد ممارسات “إسرائيل” ودمغها بالعنصرية إساءة إلى اليهود، في حين أن الإساءة إلى الإسلام وازدراء نبيّه والسخرية منه، لا تعد إساءة إلى الشعوب العربية والإسلامية، وهو الأمر الذي يستحق الإدانة من باب أولى؟ في حين أن ممارسات “إسرائيل” بحق شعب فلسطين تجاوزت كامل منظومة القانون الدولي وانتهكت على نحو سافر الشرعة الدولية لحقوق الإنسان وجميع المعايير والقيم الدولية، ومن المفارقة أن الدول الغربية التي عملت على تحشيد الرأي العام العالمي لإلغاء هذا القرار ،3379 وحصل لها ما أرادت بعد اختلال ميزان القوى العالمي في العام ،1991 ولاسيما بعد انهيار الكتلة الاشتراكية، هي نفسها اليوم تسكت أو تغضّ النظر عن الإساءة إلى الإسلام والمسلمين .

وبالطبع فإن الطريق إلى إصدار تشريع دولي لمكافحة العنصرية والتعصب، ولاسيما ضد الأديان، لم يكن سهلاً، واستناداً إلى جهد عربي وإسلامي ودعوات إلى حوار الحضارات وتفاعل الثقافات، صدر في العام 2011 قرار من مجلس حقوق الإنسان في جنيف برقم 16/18 أكد ضرورة “مكافحة التعصب والقولبة النمطية السلبية والتمييز والتحريض على العنف وممارسته ضد البشر بسبب دينهم أو معتقدهم” .

ولعلّ هذا القرار استند إلى ما سبقه من قرارات وإعلانات واتفاقيات دولية، مثل قرارات مؤتمر ديربن، إضافة إلى الشرعة الدولية لحقوق الإنسان، ولاسيما العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الصادر عن الأمم المتحدة في العام 1966 والداخل حيّز التنفيذ العام ،1976 وخصوصاً المادتين 19 و20 اللتين تنصان قانوناً على حظر الدعاية للحرب وللكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية، تلك التي تقوم على التمييز والعداوة أو العنف .

إن مثل هذه القواعد العامة، إضافة الى ميثاق الأمم المتحدة، تحتاج إلى جهود عربية وإسلامية من أجل تفعيلها ووضعها ضمن برنامج وخطط راهنة ومستقبلية، فإضافة إليها هناك العديد من القرارات الدولية التي تصب في هذا الاتجاه مثل:

1- إعلان مبادئ التسامح الصادر عن اليونيسكو، العام 1995 .

2- إعلان ثقافة السلام وبرنامج العمل الخاص به الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة، العام 1990 .

3- القرار المتعلق بالترويج لثقافة السلام واللاعنف الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة، في العام 2002

4- القرار المتعلق بالترويج للتفاهم والوئام والتعاون الديني والحضاري الصادر العام 2003 .

5- القرار المتعلق بالقضاء على كل أشكال التعصب وعدم التسامح الديني الصادر في العام 2009 .

6- القرار المتعلق بالترويج لحوار الأديان والحضارات والتفاهم والتعاون من أجل السلام الصادر في العام 2009 .

7- القرار المتعلق بأسبوع الوئام العالمي بين الأديان الصادر في العام 2011 .

ولعلّ هذه القرارات جميعها تؤكد الحاجة إلى أهمية نشر الثقافة المتسامحة ووضع قواعد تنفيذية وتشريعات دولية ووطنية، خاصة على صعيد كل بلد وعلى الصعيد العالمي لوضعها موضع التطبيق .

إن بعض مظاهر الجحود والإنكار لبعض حقوقنا لا يعني نفي صفة الديمقراطية عن العديد من الدول الغربية، إلاّ أنها لا تكترث كثيراً بما يخص الإسلام، ويعود ذلك في جزء منه إلى وسائل الدعاية السوداء ضدنا وتضارب المصالح، فضلاً عن الصورة السيئة التي يقدمها بعض المتأسلمين عن الإسلام، لكن ذلك لا يبرر مواقفها التي تبدو وكأنها غير معنية بما يحصل من إساءة إلى مقدسات المسلمين، وهو أمر سيدخلها في خانة التواطؤ في كل ما يتعلق بحقوقنا، بما فيها دعواتنا حوار الحضارات واحترام المقدسات الدينية، المسكوت عنها سواء بالصمت أو السكوت أو بالتنديد على نحو خافت وبعد حين، وكل ذلك حسب القوانين يعدّ تهرّباً من المسؤولية، في حين قامت بصبّ جام غضبها ضد بعض ردود الفعل المتطرفة، والتي هي وجه آخر للتطرف الغربي، وربما بسببه، وعانت منه الدول العربية والإسلامية قبل غيرها .

آن الأوان للمجتمع الدولي لإصدار تشريع دولي يحرّم الإساءة إلى الأديان والمعتقدات الدينية، وهو أمرٌ ضروري من ضرورات السياسة الدولية الراهنة، لا سيما إذا كان الهدف يقوم على تنقية الأجواء الدولية من الكراهية والعنصرية . ومثلما يذهب الغرب إلى نقد كل ما له عداء للسامية، فلا بدّ أن تكون المسألة على كفة ميزان واحد في ما يتعلق بالأديان الأخرى أيضاً، ولاسيما الإسلام .




176
الدستور العراقي الحالي حمّال أوجه وألغام*

مقابلة مع الأكاديمي والمفكر العراقي
 د. عبد الحسين شعبان(أستاذ فلسفة اللاعنف والقانون الدولي)

أجرى المقابلة علي شكر – بيروت

1-   ما هي قراءتكم للتغيرات العربية الراهنة، أو ما يسمى بالربيع العربي؟
ما نطلق عليه " الربيع العربي" هو جزء من قانون اجتماعي عام لمرحلة تأريخية طويلة نسبياً، خصوصاً صيغتها الجديدة ما بعد الحرب العالمية الثانية، فبعد انحلال الحلف المعادي للفاشية والنازية، وانفكاك عرى الإئتلاف الرأسمالي- الاشتراكي، بدأت الحرب الباردة تستقطب المعسكرين في إطار صراع آيديولوجي محموم، حين رفعت الرأسمالية شعارات العالم الحر والحريات الفردية وهو ما دعا الزعيم البريطاني وينستون تشرشل لإطلاق صيحة "الحرب الباردة" لمواجهة الخطر الشيوعي، في حين رفعت الاشتراكية شعارات العدالة الاجتماعية والحقوق الجماعية والقضاء على الاستغلال في المواجهة الكونية مع الرأسمالية.
ــــــــــ
•   نشر هذا الحوار بشيء من التكثيف في مجلة معلومات العدد 108، تشرين الثاني (نوفمبر) 2012.
لقد ركّز الغرب على الديمقراطية  السياسية والحقوق الفردية، في حين كان اهتمام الشرق تعظيم شأن الديمقراطية الاجتماعية " التشاركية " والحقوق الجماعية، لا سيما الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وفي هذه المواجهة لم تصمد الكتلة الاشتراكية في الصراع الدولي، الذي استخدم فيه الغرب سباق التسلّح وصولاً لحرب النجوم، إضافة إلى الاختراقات الداخلية وفقاً لنظرية بناء الجسور التي قال عنها مجمع العقول والأدمغة الحربي - الصناعي الأمريكي منذ الستينيات أنها جسور ستعبرها الأفكار والسلع ونمط الحياة، إلى قلاب المعسكر الاشتراكي لتقوم بتغييره.
وإذا كانت المدرسة الرأسمالية قد قطعت شوطاً بعيد المدى في درب الديمقراطية السياسية، فإن ثلاث بلدان غربية ظلّت استعصاء حتى أواسط السبعينيات، وهي البرتغال التي حكمها الدكتاتور سالازار الذي أطيح به في العام 1974 وإسبانيا التي حكمها الدكتاتور فرانكو نحو أربعة عقود من الزمان حتى وفاته واليونان التي كان للعسكريتاريا دوراً كبيراً في فرض الدكتاتورية العسكرية، وقد اتجهت هذه البلدان نحو الديمقراطية، وأعدّت دستوراً ديمقراطياً وأجرت انتخابات في إطار التعددية، استناداً إلى مبادئ سيادة القانون وفصل السلطات وإشاعة الحريات والتداول السلمي للسلطة.
أقول أن هذا  القانون العام وموجة التغيير الثانية وصلتا إلى أوروبا الشرقية في أواخر الثمانينيات، وشملت دولاً مثل بولونيا وهنغاريا وألمانيا الديمقراطية وتشيكوسلوفاكيا، ورومانيا ويوغسلافيا، وفيما بعد بلغاريا وألبانيا والاتحاد السوفييتي، حيث أطيح بالأنظمة الشمولية التي حكمت ما بعد الحرب العالمية الثانية ولغاية انتهاء الطور الأول والأساس من الحرب الباردة في العام 1989.
وهكذا وصلت الموجة الثالثة للتغيير إلى الوطن العربي بعد أن كانت قد تحاقبت فترة التغيير الديمقراطي مع عدد من دول أمريكا اللاتينية، وبعض دول آسيا وأفريقيا التي سبقتنا إليه.
وإذا كانت تونس ومصر وليبيا واليمن قد أنجزت الخطوة الأولى الأساسية لعملية التغيير بالإطاحة  بالأنظمة السابقة، على الرغم من بعض التداخلات الخارجية بما فيها للناتو في ليبيا وما تركه من تأثيرات سلبية، فإن مشروع التغيير وخصوصاً لتحقيق أهداف الثورات العربية، لا سيما في الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية ومكافحة الفساد، لا يزال ينتظره الكثير،  خصوصاً وهو يتعرّض لتعثرات وتراجعات، لكنه يبقى جزءًا من موجة عامة ستطال بلدان المنطقة، وإنْ كانت ليست قدرية أو  استنساخية ، فلكل بلد ظروفه الخاصة وأوضاعه  المختلفة، وإنْ كان  هناك نوع من المشتركات الجامعة  للثورات العربية، إلاّ أنها في الوقت نفسه تحمل طبعتها الخصوصية وسماتها المحلية، حتى وإن استفادت من الظروف الدولية والإقليمية.
كان التغيير في العالم العربي قاب قوسين أو أدنى، فقد بُذلت تضحيات كبيرة ودفع الإصلاحيون ثمناً باهظاً وكانت الظروف الداخلية ناضجة والعامل الذاتي يستكمل قوامه، الاّ أن العامل الخارجي لم يكن مهيئاً أو مستعداً.
وهكذا تعثر التغيير الداخلي، وذلك لأسباب ثلاثة: الأول وجود إسرائيل وعدوانها المتكرر على البلدان العربية، التي انصرفت فيها ما سمّي بدول المواجهة وغيرها إلى التسلّح مبررة تعليق الديمقراطية والتنمية على شماعة الصراع العربي- الإسرائيلي، وهو ما تعكّزت عليه الأنظمة لعقود من الزمان، خصوصاً وأن الديمقراطية لم تكن من أولويات الحركات السياسية العربية بجميع تياراتها.
والثاني وجود النفط ودور القوى الامبريالية في وضع اليد عليه والهيمنة على مصادره والتحكّم بانتاجه وأسعاره وأسواقه وطرق مواصلاته وغير ذلك، وهو عامل يوازي عامل حماية ما يسمى "أمن إسرائيل" الذي ظلّ سياسة شبه ثابتة للقوى الغربية الكبرى، ولا سيما للولايات المتحدة منذ أواخر الخمسينيات.
والثالث  بسبب الصراع الآيديولوجي الدولي الذي كان دائراً بين الرأسمالية والشيوعية وكان كل فريق يريد أن يهيمن على جزء من المنطقة ويوجهه أو يستفيد منه في صراعه ضد الفريق الآخر.
وعندما انهارت المنظومة الاشتراكية كان من المتوقع أن تصل رياح التغيير إلى شواطئ البحر المتوسط، لكنها انكسرت عندها، وكان للعامل الخارجي دوراً أساسياً في ذلك، فلم ترغب القوى الإمبريالية خوض الصراع على جبهتين قبل ربع قرن من الزمان، فضلاً عن عدم استعدادها أو تمكّنها من الدخول في ذلك، حتى لو أرادت، خوفاً أو حذراً من نتائج لم تكن قادرة على استيعابها آنذاك.
لكن هذه العوامل لا تعني أن التغيير هو إرادة خارجية، بقدر ما كانت تواصلاً وتفاعلاً مع المحيط الدولي ونضالات  طويلة ومتشعبة لدعاة التغيير والإصلاح من المناضلين العرب، خصوصاً في ظل احتدام العوامل الداخلية الأساسية، ونعني بها شحّ الحريات وهدر حقوق الانسان ووصول التنمية بمعناها الاجتماعي إلى طريق مسدود، فضلاً عن هدر المال العام وانتشار ظاهرة الفساد المالي والإداري وازدياد التفاوت الطبقي، خصوصاً وأن نسبة الفقر ارتفعت في جميع بلدان المنطقة، في حين ارتفعت نسبة الأغنياء على حساب الفقراء، مع تردّي ظروف التعليم والصحة والخدمات والضمان الاجتماعي بشكل عام.

2-   وهل هناك تأثير بين ما حصل في العراق وبين الثورات العربية؟

إن الزعم بأن الاحتلال العسكري للعراق كان "ربيعاً" عراقياً، فيه شكل من أشكال الإقحام وربما التعسف أو التجنّي في استخدام ما تحقق من منجزات للربيع العربي، وهو أمرٌ لا علاقة له لا من بعيد أو قريب بالاحتلال أو تشكيلاته، لكن بعض أخواتنا من القيادات العراقية الحاكمة والمشاركة في العملية السياسية، يريد أن يعطي مثل هذا الانطباع  ناسباً " الريادة" في الربيع العربي " للعراقيين"، علماً بأن الإطاحة بالنظام السابق استندت بالأساس على العامل الخارجي، الذي عوّلت عليه بعض القوى العراقية وتوافقت معه في سبيل ذلك، في حين أن عملية التغيير في البلدان العربية كانت داخلية أساساً، حتى مع وجود جيوب خارجية.

وإذا كان حلم العراقيين بغالبيتهم  الساحقة الخلاص من الديكتاتورية، فإن الإحتلال كان وجهاً آخر للديكتاتورية البغيضة. صحيح أن مستلزمات كثيرة قد توفرت اليوم بفعل الإنسحاب الأميركي من العراق، لكن ذيوله وتبعاته لا تزال باقية ومؤثرة، منها الانقسام الطائفي والإثني ونظام المحاصصة والفساد المالي والإداري وظاهرتي الارهاب والعنف، ناهيكم عن ضعف الدولة وانكسار هيبتها.
ومع ذلك فموضوعياً فقد تهيأت فرص للتغيير التطوري التدريجي في العراق، ولا يمكن لعراق اليوم أن يعود إلى الماضي. فقد وصلت الدولة البسيطة المركزية إلى طريق مسدود، خصوصاً بعد أن تميّزت بالصرامة والواحدية والغاء الآخر والتفرد في إتخاذ القرارات، في إطار حكم شمولي شديد البأس، لكن ذلك لا يعني أن الدولة الفيدرالية المركبة، أي التي توزّع الصلاحيات بين المركز والأقاليم قد تأسست أو تم بناء تركيبتها على نحو مستقر أو واضح.
فما هو قائم اليوم  هو مرحلة انتقالية فيها إرهاصات غير مكتملة، وبعضها تطبيقات متناقضة ومتداخلة، وهناك نقص في الفهم والوعي لمركب الدولة الفيدرالية وآفاقها ومستقبلها ومثل هذا يشمل جميع الفرقاء، خصوصاً إذا أراد البعض أن ينظر إلى الفيدرالية باعتبارها صفقة سياسية مؤقتة، وليست نظام حكم متطور وعصري يقوم على أساس تفاهم وعقد اجتماعي بين المجموعات المختلفة ويأخذ مصالحها جميعاً بنظر الاعتبار، سواء كانت فيدرالية قومية أو إدارية أو جغرافية.
إن المنطق الذي يقول أن ما حصل في العراق كان النموذج الأول للتغيير في المنطقة فيه تغول على الحقيقة، خصوصاً وأن التغيير الذي حصل لم يكن بفعل العوامل الداخلية، وإن كانت هذه ناضجة ومهيأة ، لكن التغيير الذي حصل كان بفعل شن قوات التحالف هجوماً حربياً واسعاً على العراق بعد حصار دولي جائر دام نحو 13 عاماً، أدت إلى احتلاله تحت حجج ثلاث واهية:
الأولى: إن العراق يملك أسلحة دمار شامل يمكن أن يستخدمها لتهديد السلم والأمن الدوليين وذهب البعض إلى زعم أنه يمتلك مادة الانتراكس التي يمكن أن تقضي خلال وقت قصير على ملايين الناس، ودفع مثل هذا الزعم وكلاء عراقيين بعضهم من المثقفين إلى ترويج ذلك، بحجة أنه يمكن استثمار صناعة الانتراكس خلال 45 دقيقة.
الثانية: زعم علاقة العراق بالارهاب الدولي، ولا سيما تنظيمات القاعدة ورسمت سيناريوهات مختلفة عن صلات واجتماعات وغير ذلك، مثلما تم نسج علاقة من صنع الخيال بدولة النيجر وغيره بشأن أسلحة الدمار الشامل، وكل ذلك أخذ طريقه إلى الاعلام الدولي، لا سيما بعد أحداث 11 أيلول (سبتمبر) الارهابية الاجرامية في الولايات المتحدة.
والثالثة: إن العراق يشكّل عقبة أمام النظام الدولي الجديد بسياسته الخارجية العدوانية إزاء دول الجوار خاصة بعد غزو الكويت في العام 1990، وفي سياسته الداخلية ولا سيّما في ميدان حقوق الإنسان، وهي قول حق يراد به باطل، فالنظام العراقي الدكتاتوري القمعي الذي يكشف سجّله الحقوقي انتهاكات سافرة لحقوق الإنسان سواء إزاء عموم الشعب أو إزاء الأكراد بشكل خاص، كان مقبولاً إن لم يكن حليفاً للغرب، خصوصاً في فترة الحرب العراقية- الإيرانية 1980-1988، وتم غض النظر عن ارتكاباته السافرة والصارخة عندما تم قصف حلبجة بالسلاح الكيمياوي أو شن حملة الأنفال التي راح ضحيتها عشرات الآلاف، أو ملاحقة القوى اليسارية والقومية العربية والدينية وخصوصاً تهجير عشرات الآلاف إلى إيران بحجة التبعية الإيرانية.
بفعل هذه العوامل الثلاث، شنت الولايات المتحدة الأميركية الحرب على العراق واحتلت أراضيه بعد معارك محسومة النتائج سلفاً دامت 3 أسابيع،  أرادت من خلالها أن تجعل من العراق نموذجاً لسياسيتها في المنطقة، وكان أن حددت بعض الدول على أنها "مارقة" أو دول "محور الشر" لا بد أن يجري فيها ما جرى في العراق وهي إيران، سوريا، كوريا، وليبيا.
هكذا كان التغيير جاهز الصنع، بمعنى أنه بعد التفكيك ستأتي عملية لإعادة البناء، لهذا السبب حلّ الجيش العراقي وعدد من مؤسسات الدولة بتبرير الفوضى الخلاقة، على أمل أن يعاد بناؤها وفقاً للمخطط أو الخارطة الأميركية للبناء الجاهز، أي يجب الإتفاق على جمعية تأسيسية، ثم مجلس حكم إنتقالي، ثم دستور مؤقت، ثم دستور دائم، ثم إستفتاء وإجراء انتخابات لكي يقال أن هذه البلدان أصبحت جاهزة للسير بطريق الديمقراطية.
3-   ما أهم المتغيرات التي عرفها العراق بعد سقوط نظام البعث واحتلال البلد من قبل الولايات المتحدة وحلفائها؟.
أول المتغيّرات هو وقوع العراق تحت الاحتلال، وعلى الرغم من انسحاب القوات الأمريكية المحتلة في نهاية العام 2011 فإن اتفاقية الإطار الاستراتيجي التي لا تزال تحكم العلاقة بين بغداد وواشنطن نقلت الاحتلال العسكري إلى احتلال تعاقدي، بحيث تستطيع الولايات المتحدة بموجب هذه الاتفاقية التأثير والتحكّم في الكثير من مفاصل السياسة العراقية، سياسياً واقتصادياً وعسكرياً ولآماد غير محددة، علماً بأن العراق لا يزال يرزح تحت تأثير نظام العقوبات الدولي والفصل السابع حتى الآن، على الرغم من تغيير النظام وإبطال الكثير من مفردات الحصار الدولي الذي فرض عليه.
أما المتغيّر الثاني فهو الإطاحة بالديكتاتورية، لكن هذا لا يعني الانتقال أوتوماتيكياً إلى الديمقراطية،  فهذه الأخيرة  كيانية تكاملية تدرّجية تطوّرية بطيئة الأمد وبحاجةٍ إلى بناء مُحكم يقوم على أساسات ثابتة بالأرض والبيئة، وذلك لكي تنبثق الديمقراطية وتُرعى يوماً بيوم وخطوة خطوة، لتأتي ثمارها ناضجة ومفيدة.
أما أن تنتقل الديمقراطية جواً بواسطة الطائرات، أو تُحمل أرضاً فوق  ظهر الدبابات، أو يُراد فرضها بطريقةٍ افتراضية، فهذا أمر يتنافى مع مبادئ الديمقراطية أولاً،  ثم أنه مسألة غير واقعية ثانياً، حتى وإن كانت بعض مظاهر الديمقراطية قد وصلتنا، مثل إجراء انتخابات ووجود دستور وبرلمان وسلمية تداول السلطة، لكن ذلك لا يعني الديمقراطية، فما بالك إنْ كان مشوّهاً.
صحيح أن الدستور الدائم الذي تم الاستفتاء عليه في 15 تشرين الأول (اكتوبر) 2005 جاء ببعض المبادئ المتقدمة بشأن المواطنة والحقوق والحريات، وهو أفضل من جميع الدساتير العراقية التي سبقته بل أفضل من الكثير من الدساتير العربية في هذا الباب، لكنه يصطدم بكوابح وعقبات أساسية تحول دون تطبيقه، لاسيما المحاصصة الطائفية  والإثنية التي فرضها بول بريمر الحاكم المدني الأمريكي للعراق 13 أيار(مايو) 2003- 28 حزيران (يونيو) 2004، خصوصاً افتراض تقسيم المجتمع العراقي إلى تكوينات مؤلفة من (شيعة، سنّة، أكراد) بعيداً عن الهوية العراقية الجامعة والمشتركة، الأمر الذي بدأ بالحصص ثم قرر بريمر حصة كل فريق، وقادة هذا المنطق بنهاية المطاف إلى تقزيم فكرة المواطنة وتحويل الهوية المانعة الجامعة الموحدة والمتعددة في الآن عينه إلى هويات مصغّرة وجزئية.
لقد كانت الهوية العراقية تجمع الوحدة والإختلاف، وإذا بها تتحول في إطار تقسيم بريمر وأمراء الطوائف إلى هويات فرعية خاصة متصارعة مع الهويات الأخرى، ونسي بريمر أن الديمقراطية -وهكذا أثبتت التجارب -أوجدت جدلية جديدة وعلاقة عضوية ما بين الهوية المشتركة والمختلفة في الآن ذاته على أساس ما هو موحّد وما هو خاص.
ولعلّ من واجب الهويات الكبرى إحترام الهويات الصغرى على أساس المساواة والتكافؤ، وهكذا ستكون علاقة الهويات الفرعية بالهويات العامة، علاقة تكامل وتواصل وتفاعل وليست احتراب وافتراق وتباعد واقتتال، وتلك هي الميزة التي تمنحها الديمقراطية والمواطنة والمساواة وليس العكس.
لكن تكريس الامتيازات الطائفية والإثنية وخصوصاً لأمراء الاحتراب الداخلي والتمترس المذهبي وبسبب سيادة العنف والارهاب وانتشار الفساد وتفشي الميليشيات  فقد تعرضت الدولة العراقية التي ضَعُفت هيبتها إلى حدود كبيرة إلى التعويم وضاعت المسافات أحياناً، بينها وبين مكوّناتها، وربما أراد البعض تقديم هذه المكوّنات عليها، فأخذ ينسب نفسه إلى الطائفية أو القومية أو العشيرة أو الدين قبل الوطن وهويته الجامعة لجميع هذه التكوينات.

4-   كيف يسهم الدستور العراقي في التغير الحاصل، وما تأثيره على مستقبل النظام السياسي؟.

لقد انتقل العراق من سيادة فكر مركزي شمولي استبدادي بوليسي طويل الأمد وعلى نحو مفاجئ إلى  شكل من الفوضى والحريات غير المنظمة المصحوبة بتنازع المصالح وتضارب الامتيازات، تلك التي ولّدت صراعات حادة طائفية وإثنية. صحيح أن حرية التعبير اليوم أفضل بما لا يقاس عن السابق، لكن حرية التعبير جاءت في ظل غياب الهوية الوطنية العراقية الموحدة  وتمترس العديد من الجهات في الهويات الفرعية التي بدت متناحرة للحصول عن المواقع الطائفية والمذهبية والإثنية.
كل ذلك وجد بعض تبريراته من خلال صيغة بريمر وبعض مواد الدستور، سواء قانون أدارة الدولة للمرحلة الإنتقالية الذي كان بإشراف بول بريمر الحاكم الأميركي بالعراق، أو دستور العام 2005 الذي تم الاستفتاء عليه في 15/10/2005 وأجريت الإنتخابات على أساسه في 15/  12/ 2005، وكلاهما كان من صياغة نوح فيلدمان اليهودي الأميركي الجنسية، الصهيوني التوجّه، حتى أن بعض أحكام قانون إدارة الدولة إنتقلت أوتوماتيكاً وبالكامل إلى الدستور الدائم الذي حمل في داخله ألغاماً كثيرة موقوتة وغير موقوتة، وكنت قد أطلقت عليه في حينها وعند عرضه للاستفتاء عبارة: الدستور غير الممكن دستورياً، لإن ما أعطاه بيد أخذه بالأخرى.
فمثلاً: جاء فيه: لا يمكن سنّ أي قانون يخالف أحكام الشريعة والدين الإسلامي مصدر أساس من مصادر التشريع، وفي الوقت نفسه وبنفس المادة جرى التأكيد على أنه لا يمكن سن أي قانون يتعارض مع مبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان، فماذا لو حصل اختلاف بين الديمقراطية والشريعة؟ ثم كيف تخرج من تحت عباءة المفسرين أو المؤولين وهم كثر بظل الازدحام في الفتاوى وأغراضها ودور أمراء الطوائف الذين وظفوا الدين في خدمة السياسات الأنانية الضيقة.
هذا واحد من الألغام الكبيرة، وهناك لغم آخر يتمثل بالنص على أنه لا يمكن لأي قانون (القضايا الرئيسية خاصة) أن يسري إذا اعترضت عليه  (3) محافظات من مجموع (18) محافظة، وبالتالي يمكنها تعطيل  قانون يسرى على (15) محافظة بتبرير منع تغول الأكثر العربية على الأقلية الكردية.
وكان يمكن وضع ضوابط من نوع آخر بإطار المجلس الإتحادي الذي تتمثل  فيه الأقاليم والفيدراليات على نحو متساوٍ والذي لم يتأسس على الرغم من مرور  (7) سنوات.
وهناك أيضاً لغم آخر يتعلق بالتنازع ما بين القانون الإتحادي "الفدرالي" والقانون (الإقليمي) فإذا ما تعارض نص ما في القانون الإقليمي مع نص في القانون الاتحادي فإن هذا الأخير يخضع للقانون للإقليمي وهو عكس على ما تأخذ به الأنظمة الفيدرالية جميعها.
وقد استندت إدارة أقليم كردستان فيما يخص إستثمار النفظ والغاز إلى تفسير ما ورد في الدستور وهو أمر يثير التشوش والالتباس أيضاً، فقد جاء فيه  أن "النفط والغاز ملك الشعب" وورد في نص آخر أنه يتم إستثمارهما من جانب السلطات الاتحادية في الحقول المستخرجة. أما في الحقول غير المستخرجة فستكون بإدارة الأقاليم بالتعاون مع السلطات الإتحادية، وإذا ما شرّعت سلطات الأقاليم قوانين تضمن "حقوقها" في التصرف والتوقيع والإستثمار حسب تفسيرها، فإن المشكلة ظهرت إلى السطح واصطدم الأمر بالسلطات الإتحادية وهو ما حدث فعلاً بشأن توقيع عقود النفط والغاز. 
وهكذا نجد العديد من العقد والإشكالات التي تضمنها الدستور الذي لم يناقش بما فيه الكفاية، ولأن كل طرف اعتقد أنه وضع ما يريد فيه دون أن ينظر إلى ما وضعه الفريق الآخر، ولذلك ظهر مثل في كشكول جامع وشامل ولكن دون انسجام أو تواؤم، حيث أخذت كل مجموعة تكتشف أن أحكامه تميل إلى الطرف الآخر الذي وضع أيضاً ما يريد في الدستور، وهنا ظهر التنازع، على الرغم من أن الجميع من المشاركين في العملية السياسية يقول أنه لا يزال يتمسك به، الأمر الذي خلق حالة  تنازع وتنافر وتراشق بالنصوص، ولهذا يعلن كل طرف انه يريد تطبيق الدستور قاصداً النص الذي يعينه دون سواه، وهو ما أبقى الكثير من الأمور عائمة وغير محدودة وغامضة.
ورد في نحو (55) مادة من الدستور أنها بحاجة لإعداد قانون لتصبح نافذة، وعلى الرغم من مرور 7 سنوات فإن سنّ قوانين بخصوص تلك المواد  لم يزد عن عدد أصابع اليد ما يجعل الأمر يحتاج إلى دورتين أو أكثر لصياغة القوانين التي يتطلبها الدستور، لتصبح مواد الدستور نافذة، خصوصاً إذا كان تشريع القوانين يتم على هذه الوتيرة.
يحتاج الدستور إلى إعادة نظر جذرية به وبنصوصه ومعالجة الثغرات الأساسية التي وردت فيه وإزالة الألغام التي احتواها والتي يمكن أن تنفجر في أية لحظة، ودون ذلك ستبقى العملية السياسية تراوح في مكانها والنظام السياسي يتعثر والمستقبل سيكون محفوفاً بالمخاطر، ولكن تعديل الدستور أو إلغائه أو سنّ دستور جديد يحتاج إلى توافقات سياسية ورؤية قانونية وحقوقية جديدة عابرة للطائفية والإثنية، رؤية تكرّس الهوية العامة الجامعة مع احترام الهويات الفرعية الخاصة والتنوّع الثقافي ووفقاً للشرعة الدولية لحقوق الإنسان.

5-   كيف ترون مستقبل الحياة السياسية في العراق شعبياً ومؤسساتياً، وما رؤيتكم لمسألة الفدرالية؟.

لقد انتهت صيغة الدولة العراقية التي تأسست في (1921)، أي الدولة البسيطة المركزية، لكن الدولة الفيدرالية المركّبة، أي التي توزع الصلاحيات بين المركز والأقاليم لم تنشأ بعد، وكما أشرت أن ما هو قائم اليوم هو مرحلة انتقالية لا تزال ملامحها ملتبسة، حتى وإن كان خطها العام يميل إلى اللامركزية، لكنها تصل أحياناً إلى كونفيدرالية في حين أن الثقافة المركزية لا تزال سائدة، الأمر الذي يخلق تناقضاً حاداً في الواقع القائم، ولا سيّما في فهم القوى السياسية من جهة، وفي مصالحها ورغباتها من جهة أخرى.
فمثلاً: يفترض النظام الفيدرالي،-وهو النظام المطبّق  في (25) بلد وينضوي تحت لوائه نحو 40 في المئة  من سكان الأرض-،  أن تكون السياسة الخارجية والعلاقات الدولية والسياسات المالية الرئيسية والخطط الإقتصادية والتنموية الكبرى والعملة بيد السلطة الاتحادية، وكذلك القوات المسلحة والسياسة الدفاعية بشكل عام.  ولكن صلاحيات السلطة الاتحادية في الدستور العراقي النافذ لا تزال محل نقاش اليوم بين إدارة الاقليم والسلطة الاتحادية، وهناك نصوصاً لا تزال تحتاج الى تفسير ويتم تأويلها أحياناً بما يرضي هذا الفريق أو ذاك. وحسب قراءتي القانونية وخارج نطاق الصراع الدائر بين الكتل القائمة فإنني أرى أن النظام القائم حسب مواصفاته هو أقرب إلى نظام كونفدرالي، فحتى الآن تعتبر قوات البيشمركة قوات خاصة بإقليم كردستان وهي غير تابعة للقوات الرسمية للجيش العراقي وقد رفض رئيس الوزراء العراقي تخصيص موازنتها للعام 2013 من الموازنة العامة.
صحيح أن قوات البيشمركة تأسست في مرحلة سابقة وفي خضم النضال ضد الدكتاتورية وسبقت الإطاحة بها، لاسيما في المنطقة الكردية التي كانت شبه مستقلة لما يزيد عن عقد من الزمان، لكن وجودها كقوات مستقلة اليوم حتى من باب الأمر الواقع، يعني قيام كيانية مستقلة عن كيانية الدولة داخلها، ولعل مشكلة إقليم كردستان الذي نشأ قبل السلطة الاتحادية، لا بدّ من حلّها بعقل بارد وقلب حار، بحكم "Status que" "الوضع الراهن"، خاصة وقد عاش لفترة من الزمن في إطار ما سمي بالملاذ الآمن Safe heaven  وثم فرض الحظر الجوي No Fly Zone  على الطيران العراقي، إضافة إلى الدعم الغربي، وانسحاب الدولة العراقية إدارياً ومالياً وعسكرياً من منطقة كردستان. ودون حل مشكلة الإقليم فإن مشكلات الدولة العراقية ستتفاقم وتزداد تعقيداً، علماً بأن لهذه المشكلة ذيولها مثل المادة140 من الدستور الخاصة بكركوك وكذلك المناطق المتنازع عليها وغيرها.
أعتقد أن الفيدرالية كنظام إداري متطور يصلح للعراق، لا سيما إذا اعتمدنا وجود إقليم كردستان كواقع قائم منذ ما يزيد عن عقدين من الزمان، لكن الأمر يحتاج إلى تنظيم وتأطير وتفاهم وتوافق، وحل المشكلات القائمة على أساس سلمي وبما يرضي مصلحة السكان وينسجم مع شرعة حقوق الإنسان الدولية.
لقد عاشت كردستان شبه استقلال منذ نهاية عام (1991) ولم تنشأ السلطة الاتحادية بتراكيبها المفككة والمتصارعة المطيّفة والممذهبة والمؤثننة الاّ بعد الاحتلال الذي بدأ بعد العام (2003)، وإذا أردنا الدقة أكثر بعد انتخابات العام 2005،  وهي لا تزال للآن تعاني إرباكات وإشكالات تتعلق ليس بإقليم كردستان فقط، بل بالأقاليم الأخرى التي تعلن عن نفسها ورغباتها يوماً بعد آخر كالبصرة وصلاح الدين وسارت على منوالهما الأنبار وديالى وهناك من دعا بالموصل لاقليم للسنة بحجج مواجهة المدّ الشيعي، وهو ما ذهب إليه رئيس البرلمان العراقي أسامة النجيفي.
إن حديث الساسة في العراق عن الفيدرالية بمفهومها  العصري الحضاري المدني السلمي التفاهمي التواقفي التصالحي بين الجماعات الدينية والقومية التي تتشكل كجزء من التنوع الثقافي لا زال ملتبساً، وهناك أكثر من صورة. فأي فيدرالية يقصدون؟: فيدرالية قومية لمنطقة "كردستان" مثلاً؟ أو إدارية،أو مذهبية طائفية، أو مناطقية جغرافية؟.كل ذلك يجري الحديث عنه بعموميات ودون معرفة في الكثير من الأحيان، بل في إطار ردود فعل سياسية.
حتى الآن فإن قانون الأقاليم الصادر بالدورة الأولى للبرلمان والذي تم تأجيل تطبيقه إلى (18) شهراً ما زال معطلاً أو غير نافذ. وهناك عقبات  جديدة أمامه، لاسيما وقد انقلب بعض خصوم الفيدرالية إلى أنصار متحمسين لها، وهم من حاول إفشال حصول الدستور الدائم في ثلاث محافظات على الأغلبية المطلوبة، تلك التي كانت ستعني الإطاحة به، ومن مفارقات السياسة العراقية، أن بعض دعاة الفيدرالية وقد يكون بعضهم متحمساً كجزء من غنيمة أو صفقة تمنحه بعض الإمتيازات، تحوّل إلى خصم لها، لا سيما عندما أصبحت السلطة السياسية كلّها بيده أو هكذا يريد أن تكون . 

6-   هل الفيدرالية مصير محتوم ، وما هي حسناته وسيئاته؟.

أعتقد شخصياً أن هناك ارتباك وقصور في فهم موضوع الفيدرالية، ناهيكم عن ضعف في الوعي الحقوقي والثقافي والقومي لمسألة الفدرالية، فهناك من يعتقد أنها شرٌ مطلق، ومشروع تقسيم، لذلك فهو يدعم فكرة الدولة المركزية حتى ولو قامت بالاكراه، لإعتقاده أن نقيض المركزية سيكون التفتت والتفكك والتشظي.
أما الفريق الثاني فيعتقد أن أي مركزيه مهما كانت ستقود  لحكم شمولي استبدادي ديكتاتوري نموذجه في ذلك نظام حكم صدام حسين وحافظ الأسد وعمر البشير وغيرهم، ولهذا فإنه مع توزيع صلاحيات الدولة المركزية على الأقاليم، وهذا التوزيع  بعضهم يراه بأساس ديني، وبعضهم قومي، وبعضهم إداري، ليحول دون إعادة الدكتاتورية عبر التسلط المركزي ووضع اليد على الصلاحيات والتفرد بإتخاذ القرار أو احتكاره.
 وبتقديري كلا الفهمين لا يعبّران عن حقيقة ما هو مقصود بالدولة الفدرالية، فليس كل فيدرالية تقود إلى التقسيم أو تعرّض الدولة للتفتت والتشظي، بل الفيدرالية بمفهومها الحقوقي العصري الذي يعني توزيع الصلاحيات، هو نموذج يساعد على إعادة توحيد الدولة على  أسس حقوقية  وإتفاقية، لا سيّما وأن الدولة تقوم على عقد اجتماعي بين الحاكم والمحكوم، كما هو في أطروحات الفيلسوف الفرنسي  جان جاك روسو.
كما أنه ليست بالضرورة أن تكون الدولة المركزية نموذجاً لحكم البعث في العراق وسوريا أو حكم البشير في السودان، أو لحكم جبهة التحرير الجزائرية أو حكم القذافي في ليبيا أو الجبهة القومية والحزب الإشتراكي في اليمن الجنوبية، لا سيما إذا إقترنت بالديمقراطية والمواطنة وإحترمت الحقوق والحريات وإستندت لسيادة القانون وتداول السلطة واستقلال الغطاء وغير ذلك.
وبالمقابل ليس كل فيدرالية تقود للديمقراطية، فهناك دول غير ديموقراطية مثل النظم الإشتراكية السابقة في الاتحاد السوفياتي ويوغوسلافيا وتشيكوسلوفاكيا والجمهورية العربية المتحدة ودول أخرى كانت دولاً فيدرالية، لكنها غير ديمقراطية. ولكن كل دول ديمقراطية يمكن أن تتحول إلى دولة فدرالية، فالاساس هو النظام الديمقراطي ورضى الناس وقناعتها وتوافقها وليس شكل الإدارة والدولة وإنما مضمونها وطريقة اختيار الحكّام واستبدالهم .
وليس كل دولة ديمقراطية تكون قد حلّت قضايا التنوّع الثقافي والمشكلات  القومية. خذ مثلاً بلجيكا فهي ديمقراطية وفيدرالية، لكنها الاختلافات المجتمعية والقومية قد تؤدي إلى انقسام البلاد، فهناك ما يزيد على 6 ملايين من أصول فلامانية (وهم ناطقون بالهولندية) يقابلهم نحو 4 ملايين من أصول والونية وهم ناطقون بالفرنسية، والمشكلة قائمة في كندا (اقليم الكيبك) والباسك  في إسبانيا وفي جنوب ِإيطاليا  وفرنسا ومشكلة إيرلندا وغيرها من الدول الديمقراطية  التي  لم تستطع حل المشكلات  القومية واللغوية،  سواء كانت دولاً فيدرالية مركبة أو دولاً مركزية بسيطة.
وهكذا فإن الدول الديموقراطية يمكن أن تنشأ فيها مشكلات قومية ودينية ولا تجد لها حلولاً  بنظامها الديمقراطي؟ ولا ينبغي أن يذهب بنا الوهم ونعتبر الديمقراطية حل سحري وشامل لكل شيء. لكننا نجد أيضاً أن إتحاداً كونفدرالياً مثل سويسرا الذي تحوّل إلى فيدرالية بحكم الأمر الواقع قدّم نموذجاً راقياً للفيدرالية والديمقراطية في آن، وبلداناً فقيرة كالهند تقدم بنفس الوقت نموذجاً راقياً للفيدرالية الديمقراطية.  ولعل مشكلات الديمقراطية لا تحل بالعنف، بل بالمزيد من الديمقراطية وتلك مسألة مهمة وأساسية، وهذا أحد أوجه الخلاف بين الأنظمة الديمقراطية وغيرها من الأنظمة.
الفيدرالية بدون ديمقراطية لا تستطيع تحقيق التنمية السياسية والاقتصادية والاجتماعية والقانونية والحقوقية والمدنية، أي التنمية الشاملة القائمة على العدل وتكافؤ الفرص وإحترام الخصوصيات، وقد وصلت بعض التجارب التنموية إلى طريق مسدود لفقدان القاعدة الديمقراطية للتنمية، وحتى لو حققت نتائج إيجابية، فستكون لفترة محددة وبعدها تبدأ مشكلاتها بالظهور كما حصل في تجارب البلدان الاشتراكية والعديد من البلدان النامية لافتقارها إلى الديمقراطية.
 ولهذا فلا بدّ من توفير الأساس الديمقراطي ، لكي يتم تعميقه بالفيدرالية وهو ما يجب أن نبحث عنه بالعراق والعالم العربي ولو كان طموحاً بعيد المدى ولكن يجب وضعه هدفاً سلمياً نريد الوصول اليه.
وقد تؤدي الفيدرالية إلى التقسيم أيضاً مثلما حصل في تشيكوسلوفاكيا التي تحوّلت بصورة مخملية إلى جمهوريتين ( التشيك وسلوفاكيا) ويوغسلافيا التي انقسمت إلى خمس كيانات والاتحاد السوفييتي الذي انقسم إلى 15 كياناً، وسادت حروب ونزاعات عنفية بينها، لكن ذلك ليس مصير محتم للفيدراليات، وقد يكون مصيراً منتظراً للدكتاتوريات، أما الديمقراطيات سواءً كانت فيدرالية أو غير فيدرالية، فيمكن حل مشاكلها  بصورة سلمية وبالتوافقات والتسويات الرضائية.
لا زالت الثقافة الحقوقية والديمقراطية بالعراق متدنيّة بسببت شحّ الحريات المزمن، والصراع الدموي الذي عاشه العراقيون فضلاً عن الحروب والحصار والمعارك الداخلية. ولهذا هناك شكوكاً ومخاوفاً من الحديث عن الفيدرالية بالرغم من أن القوى السياسية إستخدمت أسهل الطرق لتمرير الفيدرالية عبر صفقات سياسية أو إتفاقات فوقية، في حين كان يجب المزيد من الحوار والتفاهم وصولاً إلى مفهوم موحد وشامل للفيدرالية وأهميتها وضرورتها وفائدتها ومستقبلها، لا سيما إذا قامت على أسسها السليمة الرصينة وفي ظل أجواء طبيعية سلمية.
لقد ربط بعض العراقيين موضوع الفيدرالية بالإحتلال وقاوموها وخاصموا الفكرة قبل التعرّف عليها وكاد مشروع الدستور يسقط بسبب تضمنه مبدأ الفدرالية، لكن من المفارقات أن أشد المعادين للفيدرالية قبل وضع الدستور أصبحوا أكثر المتحمسين لها حالياً، لا بمنظورها الفلسفي الحقوقي العصري القانوني، بل لاعتقادهم بإمكانية الحصول على إمتيازات بظلها أو تقليل من هيمنة الآخر على مقاليد السلطة، لاسيما للاتجاهات الدينية الشيعية.
فأقاليم ديالى وصلاح الدين والأنبار والموصل وأجزاء مهمة من المعارضين لفكرتها من بينهم النجيفي وأجزاء مهمة من القائمة العراقية وغيرهم اندفعوا نحو تأييدها أو لم يعارضوها عندما طرحت، الأمر الذي يعطي انطباعاً أن فهماً قاصراً لايزال يغذّي تفاصيل الحياة السياسية العراقية إزاء الفيدرالية أو غيرها من الأفكار العقدية المستعصية.
وحتى الفريق الذي كان متحمساً لها فَتِر حماسه عندما أصبح قريباً من السلطة ومتحكّماً فيها، ودليلي  على ذلك دعوة رئيس الوزراء المالكي لمركزية الدولة وإعادة النظر ببعضها بنود الدستور، بل تعديله لخدمة هذا التوجه، كما نجد أن حزب الدعوة والمجلس الإسلامي الأعلى وكان من مناصري الفدرالية، وإنْ على مضض أيام المعارضة وأطلقوا عليها مصطلح " الولايات" تشبثاً بنظام الولايات الإسلامي ولكن عندما صاروا في الحكم  إنفتحت شهيتهم  لتأييد الفيدرالية أو غيرها من الصيغ  التي قد تعارضها طالما تقربهم من الحكم أو تبعيتهم فيه.
الدستور الحالي حمّال أوجه فيه كثير من الإيجابيات لا سيما مواد  الحريات والمواطنة والقضاء وحقوق الإنسان وهو أفضل الدساتير العربية راهناً في هذا الجانب بغض النظرعن أن فيه الكثير من العقد والألغام والمشكلات الحقيقية.
الدستور حالياً معطل فعلياً وموضوع على الرف، كل ما يجري الحديث عنه هو التوافق، أو ما سمي بالديمقراطية التوافقية، وإذا صلحت هذه الديمقراطية للسنة الأولى بمرحلة التغييرات بظل المرحلة الإنتقالية وإنهيار مؤسسات الدولة وتفكك الأجهزة الأمنية والعسكرية، لكنها أن تصبح كقاعدة، فهذا أمر مخالف لجوهر الديمقراطية وتعطيل للدستور ولإدارة الدولة، فالتوافقات أصبحت تتجاوز الدستور، فمثلاً هناك اتفاق إربيل لا موقع له في الدستور، بل هو يخالف أحكامه صراحة، فكيف يمكن إيجاد منصب ما يسمى بمجلس السياسات العليا وأن يكون الرؤساء الثلاثة رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء ورئيس البرلمان وأعضاء بالمجلس أي رئيس فوق الرؤساء. الأمر سياسي وأريد به ترضية الدكتور إياد علاوي  الذي حصلت قائمته العراقية في الانتخابات  على 91 نائباً في حين حصل المالكي وقائمته دولة القانون على 89 نائباً ، وتحالف الأخير مع الائتلاف الوطني (الشيعي) الذي لديهم 70 مقعداً فأصبحوا أغلبية في تفسير المحكمة الاتحادية العليا.
إن ضعف الوعي الحقوقي والقانوني، بل والاستهانة به أحياناً، هو الذي كان وراء اتفاق اربيل غير الدستوري، وقد تبيّن للبعض عدم قانونيته، وهذا ما حدث وما سيحدث من إرباكات كثيرة في الحاضر والمستقبل، وكنت قد أشرت عند إبرام اتفاق إربيل وبغض النظر من نوايا بعض الأطراف السياسية ورغباتها في إنجاح الاتفاق، إلى أن الاتفاق ولد وهو يحمل في تلافيفه أسباب موته، لأنه اتفاق غير دستوري، بل يتعارض صراحة مع الدستور.
وكقاعدة فالدستور رغم مشاكله وقصوره والتغوّل فيه لا بدّ من إحترامه والعمل وفقاً له، لحين تعديله أو إلغائه أو وضع دستور جديد بدلاً عنه، وهو أمر مرهون بتوازن القوى وتوافقات الجماعات السياسية، وبرأيي أن أي إنتخابات جديدة ستثير المشاكل نفسها، لأن المشكلة الأساس في قانون الإنتخاب أيضاً، وهو قانون سيئ، لأنه يعطي حق تعيين النواب من قائمته وللقوائم الكبرى الحق في بعض المقاعد التعويضية.
وبسبب هذا القانون فإن عدد  الفائزين بالإنتخابات كان 18 نائباً فقط من أصل 325 نائباً،  أما الباقون فقد إنتقلوا بالتعيين منهم من حصل على 70 صوت فقط  أو 120 صوت،  فعدد الأصوات غير مهم، طالما أن رئيس القائمة سيختارهم أو يعيّنهم ليكونوا نواباً، وذلك بسبب الدور المعطي لرئيس القائمة بالأختيار. وهذا الأمر سيتكرر إذا لم يتغير القانون، والدستور بدوره لن يتغير إلا بتغيير قانون الانتخاب أو ضمن اتفاق سياسي على تعطيله أو إلغائه أو تعديله بصورة جذرية.

7-   من يحكم مستقبل العراق؟.

لا يزال هناك فريقان خارجيان يتحكّمان بالوضع العراقي على نحو منظور وغير منظور حتى وإن كانت الواجهة أن من يحكم العراق هو حزب الدعوة الإسلامي وقوى أخرى إسلامية متحالفة معه، لكن الولايات المتحدة وإيران هما من لهما اليد الطولى بالعراق. فأمريكا تتحكم بالعراق بعنوان الصداقة والتعاون: ونفوذها من خلال النفط، والتسلح، والتجارة، والسياسة الخارجية والداخلية، وحتى أموا لالعراق المجمّدة لا تزال تحت هيمنة واشنطن.
وإيران لها رأي كبير في الوضع العراقي وتفاصيله من خلال أذرعها القائمة والفعلية في السياسة العراقية، سواء من خلال الصداقات مع الفريق الحاكم وبعض من كان يعمل معها ولديها إمتدادات أمنية وعسكرية ومذهبية ولوجستية ومدنية. ولم يكن موقف بغداد بشأن المشكلة السورية بعيداً عن موقف طهران وإن لم يتطابق معه.
قلت أكثر من مرّة أن الحكم في العراق نصفه لواشنطن ونصفه الثاني لطهران وهي صفقة غير مباشرة تمت بُعيد الانتخابات التي حصلت عام 2010. الأميركيون كانوا يريدون إياد علاوي بحكم علاقته التاريخية بهم لكنهم لم يفرضوه لإعتقادهم أنه سيفشل، واعتبروا أن موافقتهم على رئيس وزراء تقبل به ايران ستوفر لهم إمكانية العمل بشكل مريح وإن كان ما تعرضوا له في العراق من مقاومة سلمية وعسكرية اضطرّتهم إلى الانسحاب، لذلك وافقوا على المالكي ورجّحوا كفته لأنهم من خلاله يمكن أن يدفعوه تدريجياً للوقوف ضد ايران مقدّرين بذلك نزعته الاستقلالية ورغبته بالظهور بمظهر الزعيم العراقي . 
وإيران التي لم ترغب بالمالكي رجحته بعد أن تيقّنت أن ليس بإمكانها الإتيان ببديل تريده هي، لأنه سوف لا يلعب بفنائها الخلفي أو حديقتها الخلفية، ويمكن أن يغضّ النظر عن بعض مشاريعها أو خططها بالتمدّد الداخلي فهي في نهاية المطاف عمقاً ستراتيجياً له، طالما سيشعر أنها دعمته ولن تقف ضده أو تتآمر عليه، وأظن أن هذه الصيغة ستنتهي بانتهاء الدورة الإنتخابية الحالية وسيكون الصراع حامي الوطيس، بل محموم في الدورة القادمة بين من ترغب به إيران ومن تريده واشنطن.
للأسف سيكون كلا الإستقطابين بعيدان عن هموم الناس اليومية بظل ما يعاني المجتمع العراقي من مشكلة الكهرباء والماء الصافي وتدني خدمات الصحة والتعليم، حيث تصل نسبة الأمية إلى 30% واستشراء البطالة التي بحسب المنظمات الدولية المعتمدة تبلغ 50%، بينها بطالة مقنعة تشمل القوى العاملة والفساد والرشوة والعبث بالمال العام، ويزيد هذا الشعور الذي أخذ يطغى، التمترس بالهويات الفرعية على حساب المواطنة والهوية الجامعة، وهو ما يفضي إلى التشرذم والتشتيت تحت عناوين مختلفة، لا سيما إذا غاب السلام المجتمعي والثقة الضرورية بين الأطراف السياسية والمكوّنات الثقافية الدينية والاثنية.
إن الإرهاب والعنف أصبح سمة بارزة في الحياة السياسية العراقية مع وجود منظمات القاعدة ودولة العراق الإسلامية وبقايا الميليشيات والعنف خارج القضاء وبعيداً عن القانون، وأحياناً بإستخدام القانون بصورة لا قانونية، كل ذلك يهدد وحدة وسلامة ومستقبل العراق.


177
اختبار جديد للحرب الباردة   

عبدالحسين شعبان
منذ انتهاء عهد الحرب الباردة 1947-1989 والعالم تتنازعه استراتيجيتان أساسيتان، حتى إن بدتا متناقضتين، إلاّ أنهما في الوقت نفسه متداخلتان أحياناً، الاستراتيجية الأولى استندت إلى مبدأ القوة الناعمةSoft Power  التي تقوم على الدبلوماسية والحوار في إطار نظام عالمي جديد له شروطه التي روّج لها جورج بوش الأب، ونظر لهذه الاستراتيجية ولسيادة الهيمنة الرأسمالية العالمية فرانسيس فوكوياما، الأمريكي من أصل ياباني، وصاحب أطروحة “ نهاية التاريخ”! .

أما الاستراتيجية الثانية فقد ظلّت منشغلة بالصراع العسكري (القوة الخشنة (hard Power) تلك التي ينبغي استغلال الوقت لتحقيقها ولضمان هيمنة واشنطن على العالم ليصبح القرن الحادي والعشرين قرناً أمريكياً بامتياز . ولعل أطروحة “ الخطر الإسلامي” كانت جاهزة بعد انتهاء “ الخطر الشيوعي”، وهكذا ضجّت وسائل الإعلام بالإسلامفوبيا، وصدام الحضارات التي نظّر لها صموئيل هنتنغتون  . وإذا كانت واشنطن سعت لتوظيف ظفر الليبرالية على المستوى العالمي وتحقيق هزيمة الاشتراكية، فقد حاولت عبر تحالف مع الدول الصناعية الكبرى، لاسيما الاتحاد الأوروبي واليابان، فرض الهيمنة على العالم، بما يضمن لها السيادة الشاملة، باعتبارها السبيل لقيام عالم أكثر عدلاً، ولتقليص حدّة الفقر والتخلّف، كما برّرت .

ولم يكن اليمين الغربي وحده هو منظّر القوة الناعمة، بل إن مفكراً يسارياً كبيراً مثل نعوم تشومسكي كان قد دعا وإن كان من زاوية مختلفة إلى مواجهة المشكلات الكبرى مثل الإرهاب والفقر والتخلف والعولمة والتنمية من خلال علاقات دولية أكثر تكافؤاً، حيث تتفرغ الأمم المتحدة لحل النزاعات الدولية، وهذا يتطلّب انضماماً (جديداً) لواشنطن لنظام محكمة روما التي أعلن عن تأسيسها في العام 1998 ودخل ميثاقها حيّز التنفيذ في العام ،2002 وكانت الولايات المتحدة قد انضمت إليها عشية إغلاق باب الانضمام إلى الهيئة التأسيسية (أواخر العام 2000)، لكنها انسحبت منها بعد أن أصبحت نافذة بانضمام 60 دولة (2002) .

لم يكتفِ تشومسكي بذلك، بل اقترح حلولاً دبلوماسية واقتصادية واجتماعية للمشكلات الدولية، لاسيما بعد الاعتراف بمبدأ حق تقرير المصير الوارد في ميثاق الأمم المتحدة (المادة 55) وبحق الدول في الدفاع عن النفس فرادى أو جماعات طبقاً للمادة ،51 خصوصاً من أجل التحرر الوطني والانعتاق ونيل الاستقلال، كما اقترح بضع خطوات لإعادة هيكلة الأمم المتحدة وتعديل ميثاقها، بما فيه إلغاء حق الفيتو للدول الأعضاء الدائمة العضوية (الخمسة الكبار) .

وإذا كانت تلك مفردات استراتيجية القوة الناعمة، فإن استراتيجية القوة الخشنة (أو الصلبة) اعتمدت على تشكيل إمبراطورية أمريكية بهدف السيطرة العالمية، ولم يكن ذلك مجرد التلويح بالقوة أو التهديد باستخدامها، بل قادت واشنطن حروباً لتأكيد ذلك، وذلك من خلال منظومة أفكار اتّسمت عملياً بسيادة العنف والعسكريتاريا على السياسة الأمريكية، ابتداءً من بوش الأب ومروراً بكلينتون ووصولاً إلى بوش الابن، وإن ظل أوباما يسير على خطاهم، لكنه بتثاقل أو بالكثير من التردّد .

خلال السنوات الماضية خاضت واشنطن حرباً ضد العراق (لتحرير الكويت) العام 1991 وحرباً اقتصادية (حصاراً ضد العراق) استمر 13 عاماً، وخلالها خاضت حرباً لتفكيك يوغسلافيا (عبر الأطلسي) ضد صربيا بعد المجازر في البوسنة والهرسك، ثم حرباً ضد أفغانستان 2001 . أما الحرب ضد الإرهاب التي بدأت بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول الإرهابية العام 2001 فا تزال مستمرة ومتواصلة من باكستان وأفغانستان وإيران وسوريا، وصولاً إلى المغرب العربي والصومال ومالي في إفريقيا، بل إن مداها العالم كلّه . وكانت واشنطن قد وصفت في “مفكرتها” الدولة المارقة التي يدخل فيها إيران وكوريا أيضاً، وذلك بعد العراق وسوريا وليبيا والسودان، ناهيكم عن منظمات تم وصفها بالإرهاب مثل حزب الله وحماس والجهاد وغيرها، وهو ما كان قد ركّز عليه وزير الدفاع في عهد بوش الابن، دونالد رامسفيلد، وصقور الإدارة الأمريكية .

لقد كان قرار الحرب على العراق قد اتخذ بُعيد أحداث 11 سبتمبر/أيلول الإرهابية، لاسيما أن الكونغرس كان قد أصدر قراراً “لتحرير” العراق في العام ،1998 ولدعم المعارضين للنظام السابق، بحجة وجود أسلحة دمار شامل وعلاقته بالإرهاب الدولي، لاسيما تنظيمات القاعدة، فضلاً عن إجراء تغيير ديمقراطي ليكون العراق “نموذجاً” يحتذى به في الشرق الأوسط الجديد والكبير لاحقاً .

وبعد احتلال العراق العام 2003 واتّضاح كذب مزاعم وجود أسلحة دمار شامل، ثم عدم صحة وجود أسلحة دمار شامل، وبعد المأزق الأمريكي في العراق، طويت مسألة الديمقراطية، وأصبح الحفاظ على الأمن والاستقرار الهاجس الأمريكي الأساسي، واضطرت واشنطن إلى سحب قواتها من العراق بفعل الخسائر التي تعرّضت لها، المادية والمعنوية، وخصوصاً البشرية، إضافة إلى الأزمة الاقتصادية والمالية الطاحنة، وضغط الرأي العام الأمريكي والأوروبي والعالمي المعادي لاحتلال العراق، لاسيما بعد فضائح سجن أبو غريب والسجون السرية الطائرة والسجون السرية العائمة .

لا يزعم اليوم أحد لاسيما من الأمريكان، بمن فيهم من خطّط ونظّم للحرب والغزو على العراق، إلاّ على نحو محدود جداً، إنها كانت حروباً من أجل الإنسانية أو من أجل الشعب العراقي، خصوصاً هذا الأخير وبعد معاناة من الاستبداد والدكتاتورية والحصار، ظل يعاني الاحتلال، فضلاً عن الإرهاب والعنف، اللذين لا يزالان قائمين حتى الآن، ناهيكم عن الفساد المالي والإداري وضعف هيبة الدولة وتشظيها، بفعل المحاصصة الطائفية والإثنية، التي أسهمت في تفتيت الوحدة العراقية .

“الحروب بلا حدود” التي قادتها واشنطن وبالتعاون مع دول حلف الأطلسي أضعفت من نظرية الأمن الناعم أو الدبلوماسية الناعمة  soft diplomacy ورجّحت الدبلوماسية الصلبة أو الخشنة Hard Diplomacy . وحتى الآن فإن الأزمات ازدادت استفحالاً، وطوي مشروع الدولة الفلسطينية الذي تبنّاه الرئيس كلينتون في آخر فترة رئاسته ، وكان الرئيس جورج بوش قد تذكّره في أشهره الأخيرة وحاول كسب الوقت لإحيائه، لكن الوقت أدركه، أما أوباما فقد نسي وعوده بإغلاق سجن غوانتانامو وخطابه في جامعة القاهرة باحترام مقدسات المسلمين، بل إن الأصوات تعاظمت خلال سنوات إدارته، باستفزاز مشاعرهم والإساءة إلى نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم، وما زال الملف النووي الإيراني ساخناً، ولعلّ أي تحرش به من جانب “إسرائيل” يمكن أن يفجّر المنطقة ويدخلها في حروب قد لا تحمد عقباها، خصوصاً لإنتاج النفط وأسواقه وأسعاره وطرق مواصلاته، أو قد يؤثر في “إسرائيل” حليفة واشنطن ذاتها .

عادت اليوم روسيا والصين إلى الميدان، الأولى بفعل الأزمة السورية، أما الثانية فبحكم حضورها الاقتصادي، فهل نحن إزاء حرب باردة جديدة، ولعلّ انتخابات الرئاسة الأمريكية والمنافسة الشديدة بين أوباما ورومني، قد تفصح عن توجهات إزاء المرحلة الجديدة من الصراع الدولي، خصوصاً أن فجوات اقتصادية بدأت تكبر منذ الأزمة الكونية للرأسمالية العالمية، وصعود دور الصين .

وإذا كانت ملامح القوة الخشنة مهيمنة على المجمّع الصناعي - الحربي في واشنطن، فإن بعض ملامح القوة الناعمة، لا تزال في أوروبا واليابان، وتسيطر على أوساط دبلوماسية وعلمية وأكاديمية غير قليلة، فهل ستختار الحرب الباردة ساحات جديدة كأمريكا اللاتينية أو آسيا أو إفريقيا أو سيتم اختبارها في العودة إلى الشرق الأوسط الذي ظل منذ ما يزيد على ستة عقود ونصف من الزمان بؤرة توتر وحروب ونزاعات مستمرة، خصوصاً بفعل تأسيس “ إسرئيل” وقيامها بشن عدوان  متكرر على العرب، وبحكم وجود النفط ودور منطقة الشرق الأوسط في الصراع الدولي خلال الحرب الباردة، وهو ما عبّر عنه  الرئيس الأمريكي الأسبق أيزنهاور في مذكراته بالقول: إنها أقيم قطعة عقار في العالم؟


178
المنبر الحر / حلف الفضول
« في: 16:10 12/12/2012  »
حلف الفضول   

 
عبدالحسين شعبان
يحتفل العالم أجمع في 10 ديسمبر/كانون الأول ومنذ العام 1948 وفي كل عام بذكرى صدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وبهذه المناسبة تستعيد الشعوب والأمم واقع حضاراتها وثقافاتها وما له علاقة بمساهماتها في رفد الفكرة الدولية الخاصة بحقوق الإنسان، لا سيّما أنها جميعاً تدرك أهمية هذا التطور الذي حصل على المستوى العالمي، بل تتسابق لتأكيد دور قناتها الثقافية في مدّ فكرة حقوق الإنسان الكونية، فلسفياً ودينياً وحضارياً وإنسانياً .

هكذا تفعل فرنسا معتزّة بالثورة الفرنسية العام 1789 التي جاءت بإعلان حقوق الإنسان والمواطن، وهو من الإعلانات المعاصرة التي أثّرت في الفقه الدستوري العالمي وفي الثقافة القانونية بشكل عام، خصوصاً قد جاء هذا الإعلان تتويجاً لأفكار الثورة ومبادئها الأساسية في الحرية والإخاء والمساواة، واستناداً إلى رصيد فلسفي وحقوقي ضخم تجسّد في أفكار فولتير لا سيما حول التسامح، وفي نظرية جان جاك روسو حول العقد الاجتماعي، وكذلك في فلسفة مونتسكيو الحقوقية، التي تأثر بها مفكرون وفلاسفة كبار، لاسيما كتاب “روح الشرائع” .

ويحتفل الأمريكان برافدهم الثقافي لحقوق الإنسان، خصوصاً ما تجسّد في دستورهم الذي صدر في العام 1776 واستغرقت صياغته نحو 12 عاماً، وهو من الدساتير العصرية المتطوّرة، ويعتبر مرجعية لدساتير كثيرة .

وكانت دولة ليتوانيا التي كانت تضم بيلاروسيا وأوكرانيا وجزءاً كبيراً من أراضي بولونيا ومن دول بحر البلطيق قد أصدرت دستوراً عصرياً متطوراً قبيل صدور الدستور الفرنسي ببضعة أشهر العام ،1791 وعكس هذا الدستور في حينه بعض القواعد الحقوقية التي أخذ يتعارف عليها باسم حقوق الانسان، لاسيما في جوانبها السياسية والمدنية . وسبقت ذلك بريطانيا التي تحتفل هي الأخرى برفدها فكرة حقوق الإنسان العالمية عبر مساهماتها في نشر أفكار العهد العظيم “الماغنا كارتا” العام ،1215 وفي ما بعد عبر الحركة الجارتية .

وإذا عدنا إلى بطون التاريخ سنرى كيف أسهمت الحضارتان اليونانية والرومانية في رفد الفكرة القانونية والحقوقية الخاصة بحماية حقوق الإنسان، حتى وإن اقتصرت على فئة محددة، “طبقة النبلاء” أو “الأحرار”، لكنها كانت تتضمن بعض أسس إيجابية لحماية  الإنسان وحقوقه، وحسب الفيلسوف الإغريقي بروتوغوراس “الإنسان مقياس كل شيء”، ولكن مساهمة الحضارتين الصينية والهندية كان كبيراً، خصوصاً عن أفكار التاو والفيلسوف لاوتسه وبعده الفيلسوف كونفوشيوس، كما لعبت الديانة البوذية دوراً كبيراً في نشر قيم السلام والتسامح .

أما الحضارة العربية - الإسلامية فلها رافدها الذي لا بدّ من الاعتزاز به في المساهمة بأفكار حقوق الإنسان الكونية، تلك التي هي نتاج تواصل الحضارات القديمة التي عاشت على أرض الرافدين وأرض النيل، خصوصاً أن شريعة حمورابي اكتسبت شهرة عالمية لا تضاهيها أية منظومة قانونية وحقوقية . وحتى قبل الإسلام فقد كان هناك حلف الفضول “الجاهلي” وهو الذي يمكن اعتباره أول جمعية لحقوق الإنسان، وهو ما تبنّاه المفكر السوري الدكتور جورج جبور ومعه كاتب السطور، وقادا حملة على المستوى العالمي، ومعهما نخبة من المفكرين والحقوقيين ومنظمات عربية وإقليمية لمخاطبة الأمم المتحدة، للاعتراف بذلك، وهو ما حصل بالفعل العام 2007 حين صدر بيان من مفوضية حقوق الإنسان الدولية وفيه إشارة متواضعة إلى “حلف الفضول” .

وإذا كان علينا أن نعتز برافدنا الثقافي الغني لفكرة حقوق الإنسان، فهناك من يقلل من شأنه، وذلك حين يعتبر الفكرة مجرد بدعة دخلت علينا، وهي غريبة عن ثقافتنا، بل إنها فكرة مشبوهة واختراع غربي، وفي أحسن الأحوال إننا لسنا بحاجة إليها، لأن لدينا ما هو أفضل منها، وعلى أقل تقدير فإن بضاعتنا ردّت إلينا . وإذا كانت الفكرة قد تأثرت بالحضارة الغربية المسيحية، إلاّ أنها في الوقت نفسه كانت نتاجاً لتفاعل الحضارات وتواصل الثقافات، وكان دور الفقيه اللبناني شارل مالك كبيراً في صياغتها .

وبالعودة إلى “حلف الفضول” فقد جسّد الفكرة الإنسانية في ظرفها التاريخي وقد ورد لدى ابن الأثير: “ . .إن  قبائل من قريش تداعت إلى هذا الحلف، في دار عبدالله بن جدعان، لشرفه وسنّه، وكان بنو هاشم وبنو عبد المطلب وبنو أسد بن عبدالعزي، وزهرة بن كلاّب وتميم بن مرّة، قد تحالفوا وتعاهدوا ألاّ يجدوا  بمكة  مظلوماً من أهلها أو من غيرهم من سائر الناس إلاّ قاموا معه، وكانوا على ظالمه، حتى تردّ مظلمته . فسمّيت قريش ذلك الحلف: “حلف الفضول . .” .

يعود سبب تأسيس حلف الفضول 590-595 ميلادية إلى حادثتين لهما دلالاتهما، الحادثة الأولى مضمونها يتعلق بامتناع العاصي بن وائل من دفع ثمن بضاعة اشتراها من رجل زبيدي، فتنادى الزبير بن عبد المطلب وثلة من أصحابه واجتمعوا في دار عبدالله بن جدعان، وتحالفوا في ذي القعدة في شهر الحرام، قياماً ليكونوا يداً واحدة مع المظلوم على الظالم حتى يؤدي إليه حقه، وسميت قريش ذلك ب”حلف الفضول” وساروا إلى العاصي بن وائل وهو ذو قدر وشرف بمكة، فانتزعوا منه بضاعة الزبيدي، وأعادوها إليه وقال الزبير بن عبد المطلب:

إن الفضول تحالفوا وتعاقدوا

                                   أن لا يقيم ببطن مكة ظالم

أمرٌ عليه تعاقدوا وتواثقوا

                                     فالجار والمعتر فيهم سالم

وكان رسول الله قد ألغى جميع أحلاف الجاهلية وأبقى على “حلف الفضول”، وقد جاء في حديث له: “لقد شهدت في دار عبدالله بن جدعان حلفاً ما أحب لي به حمر النعم، ولو دعيت إليه في الإسلام لأجبت” . والحادثة الثانية هي أن ختعم جاء إلى مكة معتمراً ومعه ابنته التي قام نبيه بن الحجاج باختطافها، فانتصر له أصحاب “حلف الفضول” وأعادوها إلى والدها .

وفي مقاربة أخرى تقول الرواية إن الفضل بن فضالة والفضل بن وداعة والفضيل بن الحارث اجتمعوا في دار عبدالله بن جدعان وأسسوا الحلف، ويُذكر أن جدعان كان  من الصعاليك أو الفتوة الشريفة كما يسميها أحمد أمين في كتابه “الصعلكة والفتوة في الإسلام”، وكان معروفاً بتوزيع الطعام على الناس .

واليوم وحيث يحتفل العالم بذكرى صدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أليس حرياً  أن ينظر العرب والمسلمون إلى واقعهم مستفيدين من تراثهم الثقافي، لأنهم  مثل غيرهم معنيون بالفكرة الكونية ومآلها المعاصر، بل هم الأكثر حاجة إلى تخصيب ثقافتهم وتراثهم بالمنجز الإنساني من خلال الانفتاح والتعاون والتفاعل مع الحضارات والثقافات المختلفة عبر مشتركات وقواسم إنسانية تخصّ البشر بغض النظر عن عرقهم أو دينهم أو جنسهم أو لونهم أو أصلهم الاجتماعي، وهذا لا يعني فقدان هويتهم أو خصوصيتهم أو تمايزهم الديني والقومي والثقافي، ولكن يعني التفاعل مع المجتمع الدولي في المشترك الإنساني .

ولهذه الأسباب فإن ربط “حلف الفضول” بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان يعني: رفض الظلم والعمل على إلغائه ونصرة المظلوم واحترام الآخر بغض النظر عن دينه أو أصله أو اتجاهه الفكري والسياسي وإحقاق الحق وردّه إلى أصحابه والحفاظ على حياة الناس وحرياتهم على أساس المساواة وعدم التمييز .

ولأن الناس يولدون أحراراً متساوين في الكرامة والحقوق، وقد وهبوا عقلاً وضميراً، وعليهم أن يعالج بعضهم بعضاً بروح الإخاء، كما ورد في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وقبله بنحو 1400 سنة قول الفاروق عمر “رضي الله عنه”: “متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً”، فلا بدّ من البحث عن المشترك الإنساني وعن الجوامع التي تقرّب البشر على نحو يعزز الروابط الإنسانية في إطار من الحرية والمساواة والعدالة والسلام .



179
الحلم الفضي يعود إلى بنغازي
كلمة الدكتور عبد الحسين شعبان في بنغازي في حفل تأبين منصور الكيخيا
أمس فقط عاد منصور الكيخيا إلى مدينته بنغازي. رجع كعادته حالماً ببيته وغرفة نومه. عاد منصور الكيخيا مكلّلاً بالورد ومحمولاً على الأكتاف بعد غياب قسري طويل. عاد مصحوباً بدعوات وهتافات صادقة وبريئة بالمجد والخلود، حيث تصرّف الناس بكل عفوية ومحبة إزاء هذا الرجل الشجاع والأمير الحالم الذي عرفوه في كل الأوقات جريئاً ومخلصاً ورصيناً وموضع ثقة باستمرار.
ازدحم الشارع البنغازي محيياً حضوره البهي ، وكم كان الناس يتمنّون أن يكون بينهم وفي مقدمتهم يوم اندلعت الثورة في هذه المدينة التاريخية المهمّشة، وهو الذي ظلّ يمنّي النفس بحكمة الضوء وانتصار الحلم على الكراهية وليالي الزمهرير السوداء. هكذا جاءت الشرارة وبعدها اندلع اللهيب، فهوى نظام الاستبداد والتسلّط والاستئثار والفردية.
وحده الحلم الجميل كان وراء هذه القدرة العجيبة التي امتلكها منصور الكيخيا، والشبيبة التي تطلّعت للضوء وعلى هدية كانت قادرة على مقارعة الطغاة. كان منصور الكيخيا حاملاً  لمشروع تنويري حضاري أساسه العقلانية والديمقراطية والمدنية ويعتمد الحوار والوسائل اللاعنفية سبيلاً للتغيير، لا سيما بنشر الثقافة الحقوقية السلمية التي تشجّع على احترام الرأي والرأي الآخر والتنوّع والتعددية.
كان منصور الكيخيا سياسياً من طراز فريد، فقد اختزن خبرة متراكمة ودراية ومعرفة وعلماً، مثلما عرف العمل المهني والحقوقي العربي والدولي، بخلفيته القانونية والدبلوماسية والإدارية. وكان مثقفاً عضوياً متميّزاً، عاش هموم شعبه وأمته، وتطلعاتهما وآمالهما، خصوصاً وقد جمع في شخصه على نحو منسجم ووثيق، بل في هارموني لا انفصال فيه، بين السياسية والثقافة، وبين الوطنية والإنسانية وبين المبدئية والمرونة وبين الصلابة والنعومة وبين الستراتيجية والتاكتيك، كل ذلك في إطار أخلاقي يسري في عروق حركته وتوجهاته بجميع مفاصلها، سواءً في عمله السياسي أو الدبلوماسي أو الحقوقي أو المهني أو الصداقي.
أدرك منصور الكيخيا أن مشروعه الحضاري يحتاج إلى تراكم وتطوّر طويل الأمد، لأن أهدافه هي تفكيك بُنية الاستبداد التي عصفت بالدولة والمجتمع، ولم يكن لديه أدنى شك أو أي وهم من ثقل الواقع الذي كان يهيمن على الحياة ويضفي قتامة وعتمة، أقرب إلى انسداد الآفاق، وبما يدعو لليأس أحياناً. وعلى الرغم من أجواء التشاؤم العامة، فقد كان الحلم حبله السري إلى المستقبل، بل أن جزءًا من عقله وتفكيره كانا يعيشان في المستقبل، ولأجل ذلك الحلم عاش وواصل  نضاله دون كلل أو ملل. وكان الإنسان حلمه واستثماره الحقيقي متمثلاً بقول الفيلسوف الإغريقي  بروتوغوراس " الإنسان مقياس كل شيء" ولأجله ينبغي تسخير كل شيء، لاسيما لرفاهه وسعادته وبالطبع لحريته وإنسانيته.
ومثل حلمه بنظام جديد وحريات ومؤسسات منتخبة، فإن إعلاء شأن الإنسان ورفع قدره كان هاجسه الأول، إيماناً منه بسمو حق الحياة وقيم الحرية والمساواة والعدالة والمشاركة، الأساس في المواطنة الفاعلة التي كان يعتبرها حجر الزاوية للتقدّم والعدالة الاجتماعية.
لعلّ الحلم الأخير لمنصور الكيخيا قبل أن يرقد الرقاد الأبدي هو اجتماعنا هذا، الذي أراد أن يشاركنا فيه فقد دعانا بكل كرمه المعهود  إلى مدينته وبيته وغرفة نومه ليقول لنا:
الآن هو الآن
أمس قد كان
ليس هناك من شك !
وتلكم لعمري حكمة الضوء والحلم الفضّي!


بنغازي 3/12/2012



180
حكمة الضوء وشهادة التاريخ
كلمة الدكتور عبد الحسين شعبان في الاحتفال التكريمي للشهيد منصور الكيخيا *

أيّتها السيّدات أيّها السّادة
عائلة الشهيد
الدكتور محمد المقريف رئيس المؤتمر الوطني الليبي
دولة رئيس الوزراء الأستاذ علي زيدان
أصحاب المعالي والسعادة

*******
أيّها الحفل الكريم
ها نحن نلتقي اليوم في احتفال تكريمي مهيب في حضرة منصور الكيخيا وفي طرابلس، لنعلن أنه رحل شهيداً بعد التأكد من وجوده الفعلي بفضل نجاح ثورة 17 فبراير (شباط) 2011 وبعد العثور على جثته وإجراء الفحص المختبري للحمض النووي.
لعلّ سؤالاً ملحّاً ظلّ يراود أذهان الكثيرين كل سنوات اختفائه القسري التسعة عشر ألا وهو: لماذا تستبدل الدولة مهمّاتها بمهمّات قاطع طريق، فتخطف تحت جنح الظلام مواطناً أعزلاً أو مثقفاً مسالماً، في حين أنها مدجّجة بالسلاح والمال والمخبرين والسجون .
وعلى الرغم من معرفتها أن الشبهات تحوم حولها، بل تلاحقها الاّ أنها كانت تراهن على الصمت وضعف الذاكرة والنسيان. ولعلّ أخشى ما كانت تخشاه هو حكمة الضوء التي تكشف المستور، وتظهر الحقيقة ساطعة، وتفضح أصحاب "الصناديق السوداء" وغلاظ القلوب ومعهم الزّيف المعتّق والخداع المزمن والسّريّة المقيتة.
إن هدف هذا الإستذكار هو كشف الحقيقة وإدانة المرتكبين ومساءلتهم وتعويض الضحايا وعوائلهم معنوياً وماديّاً ومجتمعيّاً وإنسانيّاً، وجبر الضرر، ووضع حد لهذه الجرائم كي لا تتكرّر، وذلك بإصلاح الأنظمة القانونيّة والقضائيّة والأمنيّة.
إن الغاية من هذه الإستعادة الإنسانيّة لا تستهدف الإنتقام أو الثّأر أو الكيديّة أو التحريض بقدر بحثها عن العدالة الغائبة أو المفقودة، وبلا أدنى شك الحوار حول أفضل السبل للعدالة المنتظرة والموعودة .
كان المشروع الفكري التنويري لمنصور الكيخيا يقوم على العقلانية والديمقراطية والمدنية كثلاثية لا انفصال بينها لإنجاز التغيير المنشود ولتفكيك بُنية الإستبداد، خصوصاً باعتماد وسائل سلمية وحضارية، وبممارسة مختلف الضغوط المشروعة لفتح ثغرة في جدار التسّلط والإستئثار والفردية .
وأعتقد أن القذافي كان يدرك جدية وفاعلية مثل هذا التوجّه اللاعنفي الإنساني والحقوقي، ولاسيما التعبير عن الرأي، وكان يخاف من اتساع دائرة الضوء لأنه حريص على إخفاء الحقيقة، أو تشويهها مثلما هو حريص على الصمت والنسيان.
ولهذه الأسباب أيضاً إستهدف شخصياً ورمزياً منصور الكيخيا، لأنه شعر بخطورة دور المثقفين والحقوقيين الليبيين، مثلما استهدف المثقفين والحقوقيين العرب، خصوصاً وأن منصور الكيخيا عضو مؤسّس وفاعل في المنظمه العربيه لحقوق الانسان، وممثل اتحاد الحقوقيين العرب في الأمم المتحدة في جنيف (ونيويورك)، وله دور مهم في اتحاد المحامين العرب.
كان منصور الكيخيا المثقف والحقوقي أكثر من يعرف قسوة النظام السابق، ولكن لم يعدم وسيلةً إلاّ واستخدمها لثنيه عن توجهه بما فيها الحوار معه، مع علمه المسبق بوعورة الطريق والعقبات التي تعترضه، لاسيما وأن النظام يرفض أيّ مساحة للإعتراض أو أية حواشي للإختلاف أو أيّه مسافة للتمايز، حيث كان شعاره الذي لا يتهاون فيه ( من تحزّب خان)، ولكن منصور الكيخيا كرجل حوار وسلام وكمثقف لا عنفي وصاحب مشروع تنويري للتغيير الديمقراطي، لا بدّ أن يواصل جهوده السلمية المدنية الحضارية باتجاه التحوّل والتغيير، منطلقاً من ثقته بنفسه وبمشروعه ودوره الريادي .
رحل منصور الكيخيا منتصراً على جلاّده الذي ظلّ يخاف من إسمه وهو يتردد في المحافل والأروقة الدولية كرمز لحقوق الإنسان ولجميع المختفين قسرياً في ليبيا والعالم أجمع .
وإذا كان إسم الكيخيا يرتفع اليوم عالياً في سماء ليبيا مثل نجمة فضية مشعّة وهادية، فإن إسم خاطفيه الذين حاولوا اخفاء كل أثر له لا يُذكر إلاً وهم مجلّلون بالعار والشنار والإشمئزاز والإزدراء، وتلكم هي حكمة الضوء وشهادة التاريخ.
لعلّ فضل منصور الكيخيا استمرّ حتى بعد رحيله، فقد منحنا اليوم هذا الشرف لنجتمع في رحابه ونودعه إلى مثواه الأخير بكل الحب والإعتزاز والعرفان بالجميل، ولنمجّد مجدداً حكمة الضوء وسلطة الحقيقة المنوّرة.
لا نقول وداعاً لمنصور الكيخيا، بل نقول له اشتياقاً
يوم الشهيد تحيةٌ وسلامُ                                      
بكَ والنضالُ تؤرّخ الأعوامُ    
مرّة أخرى منصور الكيخيا اشتياقاً ..
منصور الكيخيا ... سلاماً!
طرابلس(ليبيا) 2/12/2012
ـــــــــــــــــــــــ
•   كاتب ومفكر عراقي وأستاذ القانون الدولي وفلسفه اللاعنف في جامعة أونور - بيروت

181
مصر والإسلام السياسي   

عبدالحسين شعبان
أثار ما أقدم عليه الرئيس المصري المنتخب “ديمقراطياً” الدكتور محمد مرسي بإصدار إعلان دستوري جديد يوم 21 نوفمبر/تشرين الثاني 2012 جدلاً واسعاً على الصعيدين الشعبي والقانوني، خصوصاً أن قوى المعارضة اعتبرته، إجراءً غير ديمقراطي من حيث الشكل والمضمون . وخطوة خطرة لعودة الاستبداد .

وتنادت القوى والشخصيات الوطنية المعارضة للتوقيع على بيان تلاه سامح عاشور نقيب المحامين المصريين نيابة عنهم اعتبروا الإعلان “جريمة” ويمثل “انقلاباً” على الشرعية واستحواذاً غاشماً على سلطات الدولة، ولحقت بهذا الاجراء استقالات لنواب الرئيس بينهم سمير مرقص وعمرو الليثى وأيمن الصياد، مستشارا الرئيس لشؤون الإعلام، والمهندس محمد عصمت سيف الدولة، مستشار الرئيس للشؤون العربية، والدكتور سيف عبدالفتاح، مستشار الرئيس للشؤون السياسية .

صحيح أن عهد الرئيس مرسي يختلف عن سابقاته وإنْ كان لا يزال في بداياته، وكل بداية صعبة كما يقال، لكن المكتوب يُقرأ من عنوانه أيضاً . كان يمكن استثمار عوامل الاختلاف وهي موضوعية وذاتية لمصلحته لا ضده، فالاختلاف بينه وبين الأنظمة السابقة جوهري، لا سيما سياقات وصوله إلى السلطة الذي يأتي في ظرف تاريخي داخلي مختلف وعبر صندوق الاقتراع وهذا أولاً، وثانياً أنه جاء في ظل موجة الربيع العربي وفي ظروف دولية وعربية وإقليمية مختلفة أيضاً، وثالثاً أنه رئيس فاز بانتخابات ديمقراطية ولم يأتِ على ظهر دبابة، ورابعاً فهو يمثّل عمقاً لحركة شعبية واسعة، لكن انتخابه شعبياً لا يعطيه الحق ليتصرف خارج نطاق اللعبة الديمقراطية التي تشمله مثلما تشمل الآخرين، في إطار قواعد وقوانين لا بدّ من مراعاتها، الأمر الذي يضع قراراته بما فيها الاعلان الدستوري، أقرب إلى الدساتير المؤقتة والقرارات الثورية التي تعرّضت إلى نقد شديد بما فيه من جانب حركة الأخوان المسلمين، لاسيما تلك التي عرفتها الثورات في الخمسينات والستينات عقب الانقلابات العسكرية .

ولهذا فإن محاولة جمع السلطات بيد واحدة تُفسّر الرغبة في تجيير نتائج الانتخابات الديمقراطية لغير قضية الديمقراطية التي تتطلب فصل السلطات لا جمعها تحت سلطة واحدة، ومن جهة أخرى أنها عملية استبطان لرغبة في الهيمنة بحجة الظرف المؤقت والانتقالي . وإذا افترضنا حسن النيّة كما حاول الرئيس مرسي أن يعطي مثل هذا الانطباع في مقابلته التلفزيونية بُعيد اندلاع أحداث ميدان التحرير اعتراضاً على صدور الإعلان الدستوري، فإنه سيكون أقرب إلى السذاجة السياسية، وربما يعكس قلّة الحكمة بحكم ضعف وانعدام الخبرة والدراية الإدارية بشؤون الحكم والدولة، فما كان يصلح لفترة من الزمن قد لا يصلح لغيرها وكلّها أمور غير مقبولة . وعلى أقل تقدير فهذه القراءة المخطوءة ستقود إلى نتائج ضارة قد لا تحمد عقباها، لاسيما على الرئيس وتياره السياسي، فالماضي أصبح ماضياً ولا يمكن استعادته .

وحتى كتابة هذه السطور فإن الرئيس مرسي لم يتراجع عن قراراته وطلب من المعارضة الحوار، لكن لغة التصعيد اتخذت أبعاداً جديدة، بارتفاع منسوب العنف والتراشق السياسي وحملة الاعتقالات وغيرها، كما شهدت القاهرة ومدن أخرى تظاهرات حاشدة واجتماعات متنوّعة، بما فيها لنادي القضاة، حيث أعلن المستشار عبد المجيد محمود رفض قرار إقالته وقرر التوجه إلى القضاء لحسم الأمر .

لم يخطر ببال كثيرين أن الرئيس مرسي سيتخذ مثل هذه الخطوة التي أعادت إلى الأذهان الصلاحيات الكبيرة التي تمتع بها الرؤساء السابقون، خصوصاً وأن الرئيس أدّى القسم على الاعلان الصادر في 11 أغسطس/ آب ،2011 أي بعد انتخابه رئيساً في 30 يونيو/حزيران، لاسيما الفقرة الخاصة باحترام استقلال القضاء، الأمر الذي يعني بصدور الإعلان الجديد والخطوات التي اتخذها بإقالة النائب العام، نسفاً لأسس النظام الديمقراطي الوليد، خصوصاً بمنح نفسه سلطات تجاوزت سلطات جميع الرؤساء السابقين، فضلاً عن جميع الدساتير والإعلانات الدستورية السابقة .

لعل قرارات الرئيس مرسي كانت أقرب إلى الضربة الاستباقية، فقد كانت المحكمة الدستورية تريد النظر في 2 ديسمبر/كانون الأول في ثلاث قضايا: الأولى في شرعية منح سلطات لرئيس الجمهورية في الإعلان الدستوري الصادر في 11 أغسطس/آب الماضي بعد انتخابه، والثانية احتمالات المطالبة بإلغاء الاعلان الدستوري وإعادة العمل بالاعلان الدستوري المكمّل الذي سبق للمجلس العسكري السابق أن أصدره (عشية الانتخابات الرئاسية وتحت ضغط مطالبة القوى السياسية المعارضة) . أما الثالثة فكانت تدعو إلى إعادة النظر في بطلان الجمعية التأسيسية وعدم شرعية مجلس الشورى، وهو ما دفع بها إلى مناقشة بنود الدستور الجديد “ المقترح” أن يتم الاستفتاء عليه قبل مناقشة موضوع شرعيتها .

وكان احتمال إصدار مثل هذه الفتاوى القانونية يعني إثارة أزمة دستورية وسياسية قد تعصف بالعملية السياسية وتؤدي إلى الاطاحة بالشرعية القائمة التي يمثلها مرسي نفسه، ولهذا حاول الرئيس الاسراع بتجهيز إعلان دستوري جديد يوضع ضمن مواصفات تحصّن “شرعيته” ضد السيناريوهات المحتملة، ويحمي نفسه إزاء أية مساءلات قادمة، لكنه لم يحسب حساب الشارع، لاسيما أنه يتعامل مع ثورة لا تزال في حال الفوران ولم تهدأ بعد، ولا تزال تتجاذبها قوى مختلفة، ولم تحدد بعد توجهها بحكم طبيعة القوى التي تمثلها .

وكان الرئيس مرسي قد تدرّج في الوصول إلى هذه الخطوة الاستباقية، ففي أغسطس/آب الماضي استردّ سلطة التشريع من المجلس الأعلى للقوات المسلحة (الذي قاد البلاد خلال الفترة الانتقالية) . ثم تم وضع يده على السلطة القضائية وأنهى دورها في الرقابة على السلطتين التشريعية والتنفيذية، وعند إصدار الاعلان، سعى لتحصين نفسه بأثر رجعي منذ توليه السلطة 30 يونيو (حزيران) ،2012 الأمر الذي أثار ارتياب الحركة الوطنية والتيارات الشعبية والمدنية التي اعتبرت نفسها معارضة لحكم الأخوان وحزب الحرية والعدالة، بل واتهمته بمحاولة الاستدارة بالبلاد نحو  الدكتاتورية السابقة .

ربما لم يفكّر الرئيس المصري أو سواه من الذين وصلوا إلى السلطة أن زمن ما يسمى بالشرعية الثورية قد انتهى أو توقف أو أصبح في رحم الماضي، خصوصاً حين انتهكت الثورات الدساتير التي سنّتها، بل أهدافها ومبادئها وتحوّلت إلى دكتاتوريات سافرة، الأمر الذي لا يمكن فيه التفكير بالعودة إلى الماضي واتباع الأحكام الاستثنائية والقرارات الثورية التي عرفتها مصر بعد ثورة يوليو والتي كرست سلطات وصلاحيات تكاد تكون مطلقة للرؤساء .

فكيف يسمح حاكم منتخب ديمقراطياً أن تكون قراراته نهائية ونافذة بذاتها وغير قابلة للطعن عليها بأي طريق وأمام أية جهة، كما لا يجوز التعرّض بقراراته بوقف التنفيذ  أو الإلغاء، وتنقضي جميع الدعاوى المتعلّقة بها والمنظورة أمام أية جهة قضائية؟ وكيف يكون من حقه تعيين النائب العام من دون المساس باستقلال القضاء؟

      وإذا كان القضاء في الظروف الاعتيادية والسلمية إحدى دعامات النظام الديمقراطي، فإن البلاد ستكون بحاجة أشد إليه في فترة الانتقال والتحوّل حيث يضعف أو يتصدّع حكم القانون، وقد نسب إلى رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل عندما كانت لندن تدكّ بالقنابل أن سأل: وماذا عن القضاء؟ وعندما عرف أنه بخير علّق إذاً بريطانيا بخير، الأمر الذي يحتاج في الظروف العصيبة إلى عدالة انتقالية لكشف الحقيقة كاملة والمساءلة عمّا جرى، وليس بروح الانفلات أو الانتقام أو الثأر، وإنما بهدف جبر الضرر وتعويض الضحايا والتأسيس لإعادة بناء وإصلاح الأنظمة القانونية والقضائية والأمنية، بما يحول دون تكرار الانتهاكات والخروقات، ولهذا يصبح أي حديث عن حماية واحترام حقوق الإنسان من دون وجود قضاء مستقل مجرد سفسطة ودعاية سياسية .

إن التحدي الذي واجه الإعلان الدستوري لا يخص مصر وحدها، إنما يخص كل جماعات الإسلام السياسي، فهل يمكن تجاوز عقدة النظام الشمولي والاحتكام إلى الديمقراطية وقواعدها، أم أن الرغبة في الهيمنة واحتكار السلطة السياسية والاستئثار بها سيكون الهاجس الأكبر لقوى ظلّت مخلوعة ومقموعة على مدى سنوات؟ إن هذا السؤال سيواجه تونس واليمن وليبيا وسوريا إضافة إلى مصر وجميع البلدان التي شهدت ربيعاً عربياً أو ما يشبهه!!




182
منصور الكيخيا والرهان على «سلطة» الضوء!

عبد الحسين شعبان

نقلت وكالات الأنباء مؤخراً تصريحاً لمحمود الكيخيا، كشف فيه أن الجثة التي عُثر عليها مؤخراً في حديقة أحد المنازل في العاصمة الليبية طرابلس تعود إلى أخيه «منصور رشيد الكيخيا» وزير خارجية ليبيا ومندوبها الأسبق في الأمم المتحدة قبل أن ينتقل إلى المعارضة في أواخر السبعينيات.
وكانت تقارير الطب الشرعي ومن ثم نتائج تحليل الحمض النووي، قد بيّنت أن الجثة هي بالفعل لمنصور الكيخيا، كما أوضحت أن سبب الوفاة ليست طبيعية، وهو الأمر الذي نفاه صاحب «الصندوق الأسود» عبدالله السنوسي رئيس المخابرات الليبية السابق المعتقل حالياً بعد أن سلّمته الحكومة الموريتانية إلى طرابلس في الخامس من شهر أيلول (سبتمبر) 2012.
كان الاعتقاد السائد في بادئ الأمر أن الجثة التي تم العثور عليها تعود إلى الإمام موسى الصدر الذي اختفى مع رفيقيه في ليبيا في شهر آب (أغسطس) العام 1978، خصوصاً أن شقيقه لم يستطع التعرف على الجثة بسبب تغيّر ملامحها، ولكن نتائج الحمض النووي كانت قد حسمت الأمر بتطابقها مع الحمض النووي للعائلة، لاسيما بعد زيارة شقيق الكيخيا إلى ساراييفو في أوائل تشرين الثاني (نوفمبر) 2012 برفقة اثنين من النيابة العامة لنقل عيّنات الحمض النووي.
وعلى ذكر المنزل التي وُجدت فيه الجثة فقد كانت السيدة بهاء العمري «زوجة الكيخيا» قد زارت طرابلس وقابلت القذافي شخصياً بعد اختفاء الكيخيا، ولم تخفِ هواجسها من وجوده وبطريقة أقرب إلى الاستدراج وربما لاستدرار العطف خاطبت القذافي قائلة: أكاد أسمع هنّاته وصدى صوته، أو لعلّه هو الذي يسمعنا، وأظنه قريباً من هنا. فكان جواب القذافي أن منصور صديقه، وهو يتمنّى أن يتمكن من إجلاء مصيره، وذلك واجب عليه، وسوف لا يألُو جهداً إلاّ وسيبذله على هذا الصعيد. وهذا ما نقلته لي بعد عودتها من طرابلس مباشرة.
كنت شخصياً قد قابلت منصور الكيخيا وهو الذي اختفى قسرياً في القاهرة يوم 10 كانون الأول (ديسمبر) 1993، وكان آخر لقاء في اجتماع الجمعية العمومية للمنظمة العربية لحقوق الإنسان الذي شاركت فيه أيضاً، وبرفقة أديب الجادر ومحمد فائق وبوجود المخرج السينمائي الليبي محمد مخلوف، الذي شاءت الأقدار أن يقوم بإخراج فيلم عنه بعنوان «إسمي بشر»، وكان ذلك أول وآخر لقاء له بالكيخيا. وقبل أن أسافر وأودعه في فندق السفير بالدقي بدا كثير الهم والقلق، لا سيما بعد أن تبادلنا الكثير من الأحزان الإنسانية والحقوقية الليبية والعراقية والعربية.
وعلى الرغم من معرفته العميقة ومعلوماته الدقيقة بشأن الأوضاع في ليبيا، الاّ أنه كان في الوقت نفسه ميّالاً إلى الحوار وسيلة للوصول إلى حلول سلمية، مع علمه المسبق بوعورة الطريق والعقبات والعراقيل التي تعترضه، لا سيما أن النظام كان يرفض أية مساحة للاعتراض، أو أية حواشٍ للاختلاف أو أية مسافة للتمايز، لأن شعاره الذي لن يتهاون فيه كان: «من تحزّب خان». ولكن الكيخيا كمثقف لا عنفي لا يملك أكثر من قول الرأي والضغط السياسي، المدني، من أجل تحقيق انفراج حتى وإن كان بسيطاً على أمل إحداث ثغرة في الجدار، يمكن أن تتسع وتكبر باتجاه التغيير.
وقد صادف اختفاء الكيخيا الذكرى الخامسة والأربعين لصدور الاعلان العالمي لحقوق الانسان ( 10 كانون الأول/ديسمبر) وشكّل ذلك بحدّ ذاته رمزية كبيرة، لا سيما أنه رجل سلم وحوار وداعية لحقوق الانسان، ولهذا اعتبر الكيخيا رمزاً للمختفين قسرياً على المستوى الدولي، وقد عملت المنظمة العربية لحقوق الإنسان في لندن على تشكيل لجنة عليا للدفاع عنه ترأسها الشاعر بلند الحيدري، وشارك فيها نخبة متميّزة من خيرة المثقفات والمثقفين العرب، بينهم د. محمد المقريف (رئيس المؤتمر الوطني الليبي الحالي) ود. خلدون الشمعة ود. غادة الكرمي وفاطمة أحمد ابراهيم وناهدة الرماح، وحضر الاجتماع ناشطات وناشطون حقوقيون بينهم علي زيدان (رئيس وزراء ليبيا الحالي) وتميم عصمان ومصطفى كركوتي وأمجد سلفيتي وغالب العلوي، كما نظّمت المنظمة عدداً من المؤتمرات واللقاءات واستحضرت شهادات لعدد من الشخصيات الديبلوماسية التي عاصرها الكيخيا مثل محسن العيني رئيس وزراء اليمن الأسبق وممثله في الأمم المتحدة وصلاح عمر العلي وزير الاعلام العراقي وممثل العراق في الأمم المتحدة وغيرهما.
وفي القاهرة أقامت المنظمة دعوى قضائية على السلطات المصرية، بهدف إجلاء مصيره مقدّمة بعض الأسماء التي تريد استدعاءها للتحقيق بينها يوسف صالح نجم، آخر من التقاه منصور الكيخيا واصطحبه إلى منزل ابراهيم البشاري ممثل ليبيا الأسبق في جامعة الدول العربية، وكلاهما قتل في ظروف غامضة، علماً بأن نجم جاء إلى القاهرة بعد أسابيع من اختفاء منصور الكيخيا وبقي فيها خمسة أيام وخرج منها متوجهاً إلى تونس، وعندما سُئل من جانب بعض وسائل الاعلام أن هناك أمراً للتحفظ عليه واستدعائه للتحقيق في مصر، قال: إنه قدِم من القاهرة، الأمر الذي زاد من الشكوك باحتمالات التواطؤ الرسمي المصري مع السلطات الليبية، وهو الأمر الذي يحتاج اليوم وما بعد الربيع العربي إلى إجلائه على نحو يخدم الحقيقة ويسائل المرتكبين ويخفف من آلام عوائل الضحايا.
ولعل كشف مكان جثة منصور الكيخيا يضع على عاتق السلطات الليبية بعد الثورة العمل على كشف مصير بقية الضحايا لاسيما إجلاء مصير الإمام موسى الصدر ورفيقيه.
وكانت قضية الاختفاء القسري حاضرة في أكثر من 63 بلداً في العالم، وشهدت بعض البلدان حالات صارخة، ففي باريس اختفى المعارض المغربي البارز المهدي بن بركه العام 1965 حين اقتاده شرطيان من مقهى «ليب» في شارع الشانزليزيه، ولم يظهر أي أثر له حتى الآن، على الرغم مما نشر مؤخراً من معلومات تثير علامات استفهام حول تواطؤات مخابراتية.
وشهد العراق اختفاء شخصيات فكرية وثقافية واجتماعية مثل عائدة ياسين رئيسة رابطة المرأة ود. صفاء الحافظ عضو مجلس السلم العالمي ود. صباح الدرّة سكرتير اتحاد الشباب الديموقراطي العالمي الأسبق والمفكر الإسلامي محمد باقر الصدر وأخته الأديبة بنت الهدى، ودارا توفيق رئيس تحرير صحيفة التآخي الكردية وذلك في أوائل الثمانينيات واختفاء المفكر والكاتب عزيز السيد جاسم في أوائل التسعينيات، وفي لبنان اختفى منذ عام ونيّف كل أثر للقيادي البعثي السابق شبلي العيسمي في عاليه بلبنان.
ولعلّ الهدف من هذا الاستذكار، ونحن نتحدث عن إجلاء مصير منصور الكيخيا الذي يقام احتفال تأبيني له في طرابلس، هو إجلاء الحقيقة ومساءلة المرتكبين والمتواطئين معهم وتعويض عوائل الضحايا وجبر الضرر المادي والمعنوي، كي لا تتكرر مثل هذه الجرائم التي لا تسقط بالتقادم، لا بدّ من إصلاح الأنظمة القانونية والقضائية والأمنية.
كما أن الغاية من هذه الاستعادة الإنسانية، ليست انتقامية أو ثأرية، بل تحقيق لعدالة غائبة أو منتظرة، حتى وإن أتى الأمر بعد حين، فقد أقرّت الأمم المتحدة إعلاناً مهماً بشأن «حق ومسؤولية الأفراد والجماعات وأجهزة المجتمع في تعزيز وحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية المعترف بها عالمياً» وذلك في 4 آذار (مارس) 1998، وقد تم التوصل إلى هذا الإعلان الذي استغرق فريق العمل لمناقشته وإعداده 13 عاماً، وهو الاعلان الذي عرف باسم «إعلان حماية نشطاء حقوق الإنسان».
وقد أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة بمناسبة الذكرى الخمسين للاعلان العالمي لحقوق الإنسان الموافق في 10 كانون الأول (ديسمبر) 1998 وهو يوم اختطاف (الاختفاء القسري حسب المصطلح المتداول في الأمم المتحدة) منصور الكيخيا قبل (خمسة أعوام من ذلك التاريخ).
وكانت الأمم المتحدة قد أصدرت قبل اختفاء منصور الكيخيا بعام واحد «إعلان حماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري» وذلك في 18/12/1992، الأمر الذي لم يعد مبرراً للدول والحكومات السكوت عن جرائم الاختفاء القسري، لأنها ستتعرض للمساءلة والمحاسبة الدولية، خصوصاً بوجود المحكمة الجنائية الدولية.
لعل سؤالاً ملّحاً ظل حاضراً في أذهان الكثيرين سواء في قضية الكيخيا أو في قضايا المختفين قسرياً بشكل عام: لماذا تستبدل دولة مهماتها بمهمات قاطع طريق، فتخفي قسرياً وتحت جنح الظلام وفي غفلة من الزمن مواطناً أعزل، في حين هي مدججة بالسلاح والمال والمخبرين والسجون، وعلى الرغم من الشبهات التي تظل تحوم حولها فإنها تراهن على الصمت مثلما تراهن على الزمن. وإذا كان المرتكبون يراهنون على النسيان وضعف الذاكرة وتقادم الزمن، فعلى دعاة حقوق الانسان الرهان على التضامن وعلى دائرة الضوء، حيث تسطع الحقيقة دائماً!

باحث ومفكر ـ العراق


183
هل ترسو سفينة مصر الدستورية؟
   
 
عبدالحسين شعبان
منذ انتصار ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011 في مصر والإعلانات الدستورية تتوالى الواحد بعد الآخر، ففي 13 فبراير/شباط 2011 صدر أول إعلان دستوري ما بعد حكم الرئيس حسني مبارك الذي حكم البلاد بدستور العام 1971 ومن العام 1981 ولغاية العام ،2011 امتداداً لحكم الرئيس محمد أنور السادات الذي حكم مصر بعد وفاة عبد الناصر من العام 1970 لغاية مقتله العام 1981 .

أما الإعلان الدستوري الثاني فهو إعلان 30 مارس/آذار العام ،2011 الذي منح المجلس العسكري صلاحيات تشريعية لغاية إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية . وقد انتهت هذه الفترة بإصدار الإعلان الدستوري في 11 أغسطس/آب ،2012 وذلك بعد نقل سلطات المجلس العسكري إلى رئاسة الجمهورية بعد انتخاب الرئيس الدكتور محمد مرسي في 30 يونيو/حزيران 2012 .

أما الاعلان الدستوري الجديد 21 نوفمبر/تشرين الثاني ،2012 فهو الإعلان الدستوري الرابع منذ ثورة 25 يناير ولغاية الآن . وقد أعطى هذا الإعلان لرئيس الجمهورية سلطات غير معهودة في الدساتير والاعلانات الدستورية السابقة جميعها، لا في دستور العام 1923 ولا في دستور ما بعد ثورة يوليو/تموز ،1952 ولا في دستور العام 1954 الذي  لم ير النور، وكان قد وضعه الفقيه الدستوري عبد الرزاق السنهوري، وتم العثور عليه في القمامة، فكتب صلاح عيسى كتاباً في العام 2001 بعنوان “دستور في صندوق القمامة”، ولا في دستور العام 1971 .

وبموجب الإعلان الدستوري الجديد اعتبرت قرارات الرئيس نهائية ونافذة بذاتها وغير قابلة للطعن عليها بأي طريق وأمام أية جهة، كما لا يجوز التعرّض لقراراته بوقف التنفيذ أو الإلغاء، وتنقضي جميع الدعاوى المتعلّقة بها والمنظورة أمام أية جهة قضائية .

وأعطى الإعلان الدستوري الجديد لرئيس الجمهورية حق تعيين النائب العام من بين أعضاء السلطة القضائية لمدة أربع سنوات . وبموجب هذا الإعلان تم إقالة النائب العام المستشار محمود عبد المجيد وتعيين المستشار طلعت عبدالله بدلاً منه .

وجاء في الأسباب الموجبة لصدور الإعلان: إن الثورة حمّلت رئيس الجمهورية مسؤولية تحقيق أهدافها، وخاصة هدم بنية النظام البائد وإقصاء رموزه والقضاء على أدواته في الدولة والمجتمع، والقضاء على الفساد واقتلاع بذوره وملاحقة المتورطين فيه، وحماية مصر وشعبها، والتأسيس لشرعية جديدة تاجها دستور يرسي ركائز الحكم الرشيد الذي ينهض على مبادئ الحرية والعدالة والديمقراطية . وقرر الإعلان الدستوري إعادة التحقيقات والمحاكمات في جرائم القتل والشروع في قتل وإصابة المتظاهرين وجرائم الارهاب التي ارتكبت ضد الثوار وفقاً لقانون حماية الثورة .

تعرّض الإعلان لنقد شديد، ولا سيما لجهة تركيز السلطات بيد رئيس الجمهورية ومحاولات تحصينه من أية مساءلة في الحال وفي المستقبل .ولعل مثل هذا التوجه غير الديمقراطي أصبح من تراث الماضي، في ظلّ التحوّلات الديمقراطية التي شهدها العالم، لاسيما في دول أوروبا الشرقية وأمريكا اللاتينية في أواخر الثمانينات والتسعينات .

جدير بالذكر أن الدكتور محمد مرسي رئيس الجمهورية كان قد أقسم على الإعلان الدستوري الذي لم يضع أحداً فوق القانون أو يعفيه من المساءلة أو  رقابة القضاء، الأمر الذي يعدّ إصدار إعلان دستوري جديد مخالفة للاعلان الدستوري السابق، ولاسيما لجهة تحصين النفس وجعلها فوق المساءلة .

وقد شارك نحو 1000 قاضٍ في مسيرة لرفض الإعلان الدستوري الجديد، كما وقع قادة المعارضة على بيان ضم محمد البرادعي وأيمن نور وعمرو موسى وجورج إسحاق وحمدين صباحي، وتحدث سامح عاشور نقيب المحامين المصريين باسمهم قائلاً في وصف البيان، إنه “جريمة” ويمثل انقلاباً كاملاً على الشرعية واستحواذاً غاشماً على سلطات الدولة . وكان سمير مرقص مستشار الرئيس قد استقال من منصبه، كما أعلن مستشار الرئيس أيمن الصياد أنه لم يكن يعلم بصدوره ولم يستشره أحد . وكانت مواقف وتصريحات أغلبية القوى والفاعليات السياسية والمدنية مندّدة وغاضبة، باستثناء حركة الاخوان المسلمين وحزب الحرية والعدالة .

يطرح الإعلان الدستوري الجديد مسألة في غاية الأهمية والحساسية بعد مسألة تمركز السلطات بيد الرئيس، ونعني بها استقلالية السلطة القضائية عن السلطة التنفيذية التي ابتلعتها، وهو الأمر الذي له علاقة وثيقة بموضوع فصل السلطات في النظام الديمقراطي، خصوصاً أن السلطة القضائية هي دعامة من دعامات النظام الديمقراطي، ولاسيما في المرحلة الانتقالية: أي مرحلة التحوّل من الاستبداد إلى الديمقراطية، إذ إن الديمقراطية تقوم وتتعمق بتعزيز دور السلطة القضائية، فهي الركن الحصين من أركانها، ولا يمكن الحديث عن الديمقراطية أو القضاء على الاستبداد والفساد، بهدم أحد أعمدتها ونعني به السلطة القضائية .

وعلى الرغم من جميع ظروف الاستبداد والهيمنة التي مرّت بها مصر، فقد ظلّت محافظة على قدر من استقلالية السلطة القضائية ومهنيتها ونزاهتها . ولا يجوز لأي رئيس حتى وإن كان منتخباً بانتخابات ديمقراطية وتحت أية حجة أو ذريعة، أن يعطي لنفسه مثل هذه الصلاحيات التي سوف لا تعصف بالسلطة القضائية واستقلالها فحسب، بل وبكامل التوجه الديمقراطي .

وبموجب هذا الإعلان الدستوري سيحقّ لرئيس الجمهورية اتخاذ قرارات خاصة بإلغاء الأحزاب وإغلاق الصحف والمنابر الإعلامية وحل مؤسسات المجتمع المدني واستخدام أجهزة الدولة لانتهاك حقوق الإنسان، بما فيها أجهزة وزارة الداخلية، دون أن يحاسبه أحد وذلك بموجب الصلاحيات الممنوحة له بالإعلان الدستوري، حيث سيجد الذرائع والمبررات لذلك  .

وقد برّر بعض أنصار مرسي وحركة الإخوان المسلمين هذه الإجراءات التسلطية بهدف التخلص من النائب العام والقصاص لدم الشهداء وإعادة فتح التحقيقات والمحاكمات بشأنها، وهو تبرير غير منطقي، لأنه كان بإمكان الرئيس إصدار قانون جديد يتيح وضع هيئة قضائية مستقلة عن النائب العام تحقق في موضوع قتل المتظاهرين أو الشروع بقتلهم .

أما الزعم بأن هذه الصلاحيات تسعى إلى تحقيق الاستقرار واتهام المعارضة بأنهم مجموعة من المحرضين وعملاء مأجورون، وأن الرئيس يريد أن يحمي مؤسسات الدولة، فهو عزف على نغم قديم استخدمه الرئيس المخلوع حسني مبارك مثل سائر الجهات والجماعات الحاكمة إزاء خصومها من المعارضة .

وليس هناك تبرير عقلاني للقول إن الرئيس يمتلك صلاحيات السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية بصورة مؤقتة، ومن حقه إصدار قوانين لتنظيم ذلك، لكن إصدار قوانين غير ديمقراطية، سيقوّض فرص التحوّل الديمقراطي وسيعاظم المخاوف إزاء محاولات إلغاء الديمقراطية، فهي حزمة كاملة ومترابطة من الإجراءات والآليات، اعتماداً على عدد من القواعد والمبادئ العامة مثل تداولية السلطة سلمياً بإجراء انتخابات دورية وقضاء مستقل بفصل السلطات ومبادئ المساواة وحكم القانون والمساءلة والشفافية والرقابة الدستورية والشعبية والحريات الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان .

وبخصوص الجمعية التأسيسية لكتابة الدستور الدائم، فإن الأغلبية من أعضائها لاتزال في خانة حزب الإخوان وجماعة السلفيين، لا سيما بعد انسحاب وتجميد عضوية القوى المعارضة (نحو ثلث الأعضاء)، ومطالبتها بحلّها وتشكيلها على أساس متوازٍ ومقبول بالتوافقات السياسية .

إن صدور الإعلان الدستوري الجديد وضع ثورة 25 يناير كلها في مواجهة التحديات الجديدة غير الديمقراطية، مهما كانت مبرراتها وذرائعها . ومثلما حصّن الإعلان الدستوري مرسي من المساءلة فقد حصّنت قراراته الجمعية التأسيسية التي تكتب الدستور، كما أنه حصّن مجلس الشورى من حكم الحل الذي كان ينتظره، لأنه جاء عبر قانون انتخابي غير دستوري، وهو الأمر الذي يمكن مقاربته من زاوية مبدأ ولاية الفقيه الإيرانية أو تشخيص مصلحة النظام في إيران!



184
ماذا عن أكراد سوريا؟
      

عبد الحسين شعبان

 
لم تحظ القضية الكردية في سوريا مثلما حظيت به في العراق أو تركيا، وإن كانت المشكلة الكردية في إيران كبيرة بحكم حجم الوجود العددي الكردي، إلا أن طرق التعبير عنها كانت محدودة قياساً بالعراق أو تركيا.
ولعلّ السبب في عدم تبلور المطالب والشعارات الكردية في سوريا يعود إلى ضعف الحركة الكردية السورية من جهة، مقارنة بالحركة الكردية في العراق التي اتخذت شعار "الحكم الذاتي" لكردستان منذ العام 1961 وربطت ذلك "بالديمقراطية للعراق".
كما أن مواقف الحركة اليسارية الماركسية والديمقراطية في العراق كانت أكثر تفهماً ونضجاً وأوسع تأييداً وتعاطفاً مع حقوق الشعب الكردي قياساً بسوريا أو إيران أو تركيا، خصوصاً وقد اتّخذت شعارات واضحة ومحدّدة منذ زمن بعيد، حتى قبل تبلور الحركة القومية الكردية، وهو الموقف الذي سبق للحزب الشيوعي العراقي أن تبنّاه منذ العام 1935 والذي تجسّد في مفهومه لحق تقرير المصير، وكان الكونفرنس الثاني المنعقد في العام 1956 قد اتّخذ شعار "الاستقلال الذاتي للأكراد" وهي شعارات جريئة ومتقدمة في حينها، ولقي بعضها نقداً معلناً أو مستتراً من أطراف يسارية أخرى.
أما الحركات القومية في العراق مثل حزب البعث العربي الاشتراكي وخصوصاً بعد فشل المشروع الحربي، فقد بدأت في البحث عن حل سلمي للقضية الكردية وذلك بالاعتراف بحقوق الأكراد، بل إن حزب البعث أقدم على توقيع اتفاقية مع الأكراد عُرفت ببيان 11 آذار (مارس) لعام 1970 أقرّت مشروع الحكم الذاتي، وهو موقف متقدّم على جميع الحركات القومية حينذاك، بغضّ النظر عمّا تعرّض له الأكراد لاحقاً من قمع وتهجير ومحاولات تعريب بعض المناطق.
ويوجد في سوريا عدد من الأحزاب الكردية، بعضها قريب من البارزاني والحزب الديمقراطي الكردستاني (العراقي) وبعضها الآخر قريب من جلال الطالباني وحزب الاتحاد الوطني الكردستاني (العراقي)، أما القسم الآخر فيضم جمهوراً واسعاً وعريضاً، وهو قريب من حزب العمال الكردستاني PKK (التركي) وزعيمه عبد الله أوجلان، إضافة إلى حركات وتيارات أخرى بعضها أقرب إلى اليسار.
وإذا كان قسم من هذه الأحزاب والحركات قريبا من السلطة السورية وإن كان لديه ملاحظات حول موقفها من المسألة الكردية فإن القسم الآخر شديد العداء لها، لكن كلا الفريقين لم يبلور مشروعاً كردياً سورياً يمكن اعتباره المشروع القومي الكردي في سوريا على غرار العراق، بغض النظر عن اختلافات أحزابه وحركاته السياسية والفكرية.
وبعد اندلاع الثورة السورية المستمرة منذ مارس/ آذار2011 وحتى الآن بدأت حركات شبابية كردية وتوجّهات جديدة تتبلور في صفوفها ليشارك بعضها في الحراك الشعبي السلمي، وفي بعض التنسيقيات، لاسيما في مناطق القامشلي والمناطق ذات الكثافة الكردية، بما فيها منطقة ركن الدين في دمشق. وإنْ حاول بعضها باتفاق أو دون اتفاق النأي بنفسه من المشاركة المسلحة، واكتفى بالتأييد السلمي لحركة التغيير.
لقد فرضت السلطات السورية المتعاقبة عدداً من الإجراءات الاستعلائية العنصرية ضد الشعب الكردي، وذلك بعد أن تنبّهت لوجود تململ كردي في مناطق شمال سوريا، متأثّراً بثورة أيلول  الكردية العراقية التي قادها الزعيم الكردي الملاّ مصطفى البارزاني العام 1961، وبدأت خطّة استحكامية لتطويق المناطق الكردية، وهي ما أُطلق عليه "الحزام الأخضر" التي قادها الجنرال محمد طلبة هلال في العام 1964، وذلك بهدف عزل المناطق الكردية ونقل بعض السكان العرب إليها على أمل تغيير الواقع الديموغرافي والقومي والتركيب السكاني والمجتمعي.

وعانت شرائح كردية واسعة من مسألة الحرمان من الجنسية السورية، علماً بأن الأغلبية الساحقة منها ولد هو وآباؤه في سوريا وعاش فيها ولم يعرف وطناً سواها، لكنه ظلّ محروماً من حق الحصول على الجنسية، وهو حق يكفله الإعلان العالمي لحق الإنسان في المادة 15 وقواعد القانون الدولي الإنساني والقوانين الدستورية بشكل عام، وقد تفاقمت المشكلة حتى بلغ عدد السوريين الأكراد بدون جنسية أكثر من ثلاثمائة ألف مواطن سوري كردي، الأمر الذي اضطر الرئيس بشار الأسد إلى الاعتراف بحقهم في الجنسية.
وحصل ذلك بُعيد اندلاع انتفاضات الربيع العربي وإثر حوادث درعا الشهيرة التي كانت الشرارة التي أشعلت الثورة السورية، علماً بأن الرئيس السوري كان قرر منح الجنسية للأكراد غير المجنّسين والذين يُعرفون " بالمكتومين" منذ العام 2006، لكن قراره المذكور ظل في الأدراج ولم ير النور إلا مؤخراً.
وكان يترتّب على حرمان هذا العدد الهائل من المواطنين السوريين الأكراد من الجنسية، ظهور حالات صارخة لللاجنسية، أي فقدان الكثير من أبسط الحقوق الإنسانية وفي مقدمتها حق التمتع بأهلية قانونية كاملة، إضافة إلى الحقوق المدنية والسياسية، لاسيما حق الانتخاب والترشّح، فضلاً عن حق التوظّف في دوائر الدولة والحصول على جواز سفر وغير ذلك. وقد ولّد الحرمان من هذه الحقوق ندوباً نفسية وتاريخية لدى أعداد واسعة من المواطنين السوريين الأكراد الذين وقفوا مع العرب في محنتهم وحروبهم وتصدّوا للعدوان الإسرائيلي، بل دعوا لإقامة علاقات أخوية مع العرب على أساس من الصداقة والشراكة والتكافؤ في أوطان ذات تنوّع وتعددية وثراء قومي وإثني وديني وغير ذلك.
ومثل هذا التوجّه حدث في كل من تركيا وإنْ كان بدرجة أدنى وفي إيران بصورة محدودة، لكن حلم الكردي حتى وإنْ كان يميل إلى بناء كيان مستقل، كان في المواطنة المتساوية المتكافئة والشراكة في الوطن الواحد دون تمييز أو إقصاء أو تهميش.
وإذا كان المرء يعترف بأن الكرد شعب مثل سائر الشعوب له لغته الخاصة وتاريخه وثقافته وتراثه ومناطق سكانه المتصلة، فإن له الحق في تقرير مصيره، وهذا الحق يقوم على ركنين أساسيين فإما الاتحاد الاختياري الطوعي أو الاستقلال بما فيه تكوين كيان خاص، ويعتمد تأمين هذا الحق على مصالح النضال المشترك ودرجة نضج الحركة الوطنية في كل بلد على حدة، إضافة إلى الظروف الدولية والإقليمية.
وللاتحاد أشكال مختلفة، تبدأ من إقرار المواطنة الكاملة وعدم التمييز وتمرّ بالحكم الذاتي وتصل إلى الفدرالية وتتخطاها أحياناً إلى الكونفدرالية في دولة موحدة وبتمثيل دبلوماسي واحد وموّحد وقوات مسلّحة موحدة وخطط اقتصادية وعملة موحّدة أيضاً. أما الاستقلال فيصل إلى إقرار صيغة قد تفضي إلى إقامة كيان مستقل(دولة)، وهو مثل الطلاق "أبغض الحلال" عند الله كما يقال، لكنه حق للكرد مثلما لسائر الشعوب.
وحتى بعد اندلاع الثورة السورية فقد ظلّت الحركة الكردية السورية تقدّم خطوة وتؤخر أخرى، لأن جميع الأطراف ظلّت تنظر إلى مطالبها بشكل لا يختلف كثيراً عن شعارات الأمس وليس شعار المستقبل، التي تتطلب إعادة النظر بصيغة الدولة من خلال مواطنة كاملة وهوّية سورية موحّدة، وحقوق خاصة للشعب الكردي بشكل حكم ذاتي أو فدرالية أو أية صيغة تتبلور وتتفق عليها الأطراف السورية.
لم تعد ترضي الأكراد السوريين، الصيغ العمومية والحديث عن أواصر الأخوة وما إلى ذلك من دعوات عاطفية أو تبرير عدم الاعتراف بالحقوق وتأجيل بحث المطالب لما بعد التغيير، فالمسألة الكردية  حتى وإن كانت فرعية ينبغي أن تكون في صلب مشروع التغيير وليست مسألة هامشية فيه، وإذا كانت المسألة الكردية مطروحة اليوم على بساط البحث كجزء من المسألة الديمقراطية بشكل عام، فإن مثل هذا الحضور لا يمكن إهماله، لترابطه أولاً بالمسألة الجوهرية عضوياً، خصوصاً وأن الماضي سيصبح ماضياً، وثانياً لأن الاستحقاق الكردي يظهر إلى العلن كتعبير عن واقع أليم، وهو ليس منّة أو هبة أو هدية من أحد أو غير ذلك.
إنه جزء من الاعتراف بمجتمع متعدد الثقافات والجماعات القومية والإثنية، والشعب الكردي جزء من الأمة الكردية المجزّأة، مثلما هي الشعوب العربية جزء من الأمة العربية المجزّأة.
 وإذا كان الحديث يكثر اليوم عن دور أميركي في المسألة الكردية، وربما أبعد من ذلك، فهناك من يتحدث عن محاولات اختراق صهيوني أيضاً، فالأمر ليس مستبعداً، ذلك أن القوى الإمبريالية والصهيونية تستغل هضم الحقوق والتنكّر للوجود القومي للأكراد، لكي تنفذ إلى الكيانات الموحدة، لتمزيقها وتشظيتها، ليتحوّل الجميع إلى "أقليات"، حينها تكون "إسرائيل" هي الأقلية المتميّزة بين الأقليات.
ولكن كيف السبيل لمنع التغلغل الصهيوني إن وجد ولوقف النفوذ والتأثير الأميركي، هل باستمرار هضم الحقوق أم بإقرارها والتفاهم حول صيغة الدولة الجديدة بعد أن فشلت الدولة القديمة التي حكمت ما يزيد عن ستة عقود ونصف من الزمان؟
أظن أن خيار الأكراد سيكون المواطنة المتساوية وعدم التمييز، فضلاً عن التمتع بالحقوق الإنسانية كاملة ودون أي انتقاص، سواءً كانت الدولة بسيطة مركزية، أم مركّبة لا مركزية، بصيغة الحكم الذاتي أو الفدرالي، ولكن ضمن عقد اجتماعي جديد يحدد الحقوق والواجبات.
وقد آن الأوان أن يواجه الجميع هذا الواقع الجديد بروح الشعور بالمسؤولية، وذلك قبل فوات الأوان، فأكراد سوريا بعد الثورة لم يعودوا هم أنفسهم قبل الثورة، وما كانوا يقبلون به أمس، فإنهم سيرفضونه اليوم، بل سيقاومونه غداً، والأمل كبير في أن يكون الحل السلمي الديمقراطي للمسألة السورية ككل هو المتحقق، مثلما هو للمسألة الكردية أيضاً.



185
غزة و”عمود السحاب”   


عبدالحسين شعبان
بدت عملية “عمود السحاب” التي قرر رئيس الوزراء “الإسرائيلي” بنيامين نتنياهو شنها على غزة، وكأنها حرب جديدة بعد حصار شامل ضد القطاع منذ العام ،2007 وبعد حرب مفتوحة استمرت 22 يوماً في العام 2008-2009  وسميت بعملية “الرصاص المصبوب”، وقصف مستمر ومتقطّع يستهدف البنية التحتية للمقاومة ومواقع عسكرية وناشطين وأماكن تجمع بحجة ملاحقة “الإرهابيين” .

ولكن إلى أي مدى يمكن لهذه الحرب أن تستمر؟ وهل ستستكمل باجتياح بري شامل شبيه بما حصل في عملية “الرصاص المصبوب”؟ وإذا كان ثمة أوجه تقارب بين الحربين، فهناك اختلافات أيضاً، فالعدوان الجديد يأتي في ظرف مختلف عربياً وفلسطينياً، وخصوصاً بعد موجة الربيع العربي والحضور المصري اللافت، فضلاً عن تقارب بين حركة حماس وحركة فتح، وبين السلطة في رام الله وحكومة حماس في غزة، على الرغم من التصدع في الوحدة الوطنية الفلسطينية الذي لا يزال مستمراً .

ولهذا فإن الاحتلال “الإسرائيلي” لا يمكن أن يسقط من حساباته معادلة المتغيّرات العربية في وضع غزة، ومن هنا فقد تكون عملية عمود السحاب “مجرد” اختبار أول لكنه مهم، بعد الربيع العربي، ف”إسرائيل” قد لا تفكّر في الوقت الحاضر في توسيع ساحة المواجهة ورقعة الصراع، وكذلك في إطالة أمد المجابهة العسكرية، لأن الأوضاع الجديدة في العالم العربي قد لا تكون لمصلحتها، ولهذا فقد تكتفي بعمليات عسكرية جوية لاستعادة “قوة الردع”، ولمنع حركة حماس من إقامة قواعد جديدة في جبهة المواجهة . وحسب وزير الخارجية “الإسرائيلي” أفيغدور ليبرمان فإن “أهداف عمليتنا هي تعزيز قدراتنا على الردع وتدمير القذائف، وحين تتحقق هذه الأهداف ستنتهي العملية” .

لعل توقيت عملية “عمود السحاب” جاء مختلفاً عن عملية “الرصاص المصبوب”، فالأخيرة جاءت في ظل نكوص عربي عام وصراع فلسطيني  فلسطيني حاد، وهيمنة مصرية “مباركية” على الوضع الفلسطيني ممالئة ل”إسرائيل”، ووضع إقليمي أقل ما يقال عنه، فيه الكثير من السكوت على ارتكابات “إسرائيل”، ووضع دولي، ولاسيما من جانب الولايات المتحدة، مؤيد لسياسات “إسرائيل” ومزاعمها بشأن “إرهابية” حركة حماس والمقاومة بشكل عام، وإن كانت “إسرائيل” استغلت في العام 2008-2009 وحالياً، فترة ما بعد انتخابات الرئاسة الأمريكية، مثلما استغلت غياب سوريا عن المواجهة وانشغالها بحرب داخلية . لكن الوضع العربي هو اليوم أكثر حساسية ورهافة من السنوات السابقة احتضاناً للفلسطينيين، خصوصاً مصر بعد الثورة، فضلاً عن صعود قيادات جديدة بعد الثورات العربية مختلفة عن سابقاتها التقليدية .

من جهة أخرى أظهرت “عملية عمود السحاب” والعدوان على غزة مفاجآت فلسطينية لم تكن بالحسبان، وهكذا وصلت صواريخ حماس إلى القدس بعد صواريخها وصواريخ حركة الجهاد إلى “تل أبيب” وإصابة عدد من الطائرات “الإسرائيلية” .

لعل من جملة أهداف “إسرائيل” من هذا العدوان اختبار قدرات المقاومة الفلسطينية، مثلما تريد اختبار رد فعل القيادة المصرية المنتخبة بعد الثورة، إضافة إلى إمكان تنامي الدعم العربي .

وحتى الآن فإن حماس استطاعت استيعاب الضربة الأولى، ونقلت جزءاً من الرعب إلى داخل “إسرائيل”، لاسيما باستخدام صاروخي جديد، ولعلها هذه المرة الأولى التي تفكر “إسرائيل” جدياً بتحاشي الصواريخ الفلسطينية، وهو ما يذهب إليه بعض المحللين العسكريين والباحثين الاستراتيجيين من أن هذا يعد خطوة جديدة في استراتيجية الطرفين، خصوصاً أن نحو ثلثي سكان “إسرائيل” دخلوا الملاجئ، وأن بعض المواقع العسكرية اعتبرت تحت خط نيران المقاومة، وهو الأمر الذي دعا “إسرائيل” إلى الاعلان عن بدء تجنيد 75 ألف جندي .

إن قصف “تل أبيب”، وكذلك ضرب محيطها بعشرات الصواريخ ومن ثم قصف القدس، أدخل الردع “الإسرائيلي” في مأزق، وتخطى الأمر عملية اغتيال أحمد الجعبري ورد الفعل إزاءها، وهو ما دفع “إسرائيل” إلى شن عملية عمود السحاب وتدمير مقر حكومة حماس وتسويته بالأرض، كما أنها، وإن تعمدت إظهار جبروتها وعنفها اللامحدود إزاء شعب أعزل، لكنها بدت أكثر حذراً من حربها المفتوحة في عملية “الرصاص المصبوب”، خصوصاً في موضوع استهداف المدنيين .

من السذاجة بمكان اعتبار عملية “عمود السحاب” رد فعل لإطلاق صواريخ من قطاع غزة على “إسرائيل”، ولاسيما بعد اغتيال أحمد الجعبري، كما أن السعي إلى التوظيف الانتخابي هو غير كاف لشن حرب بحجم عملية عمود السحاب، وليس هناك من مبررات كافية للقول إن هذه العملية العسكرية كانت رد فعل مسبق إزاء توجه محمود عباس رئيس السلطة الفلسطينية إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة للحصول على عضوية دولة فلسطين وفقاً لحدود العام 1967 وما يرتبه ذلك من اعتبار الأراضي الفلسطينية “أراضي” محتلة وفقاً للقانون الدولي واتفاقيات جنيف لعام 1949 وملحقيها لعام 1977 . ولكن كل ذلك يمكن أن يدخل في الحساب “الإسرائيلي” على خلفية تعزيز نظرية الرعب بتحطيم البنية التحتية للمقاومة الفلسطينية واختبار ما بعد الربيع العربي من ردود فعل .

واستهدفت “إسرائيل” من حربها على غزة دفع الولايات المتحدة إلى المزيد من التطابق معها، لاسيما إزاء الموقف من الفلسطينيين ومن الدبلوماسية الفلسطينية في الأمم المتحدة، خصوصاً أن شعار الدولتين الذي تبنّاه الرئيس بيل كلينتون في السنتين الأخيرتين من ولايته، إضافة إلى تأييد الرئيس جورج دبليو بوش في الأشهر الأخيرة من ولايته الثانية، والذي كان  الرئيس بارك أوباما متحمّساً له منذ توليّه المسؤولية في البيت الأبيض، لكن هذا الشعار تراجع في الواقع العملي حتى إن واشنطن استمرت في ضغطها على السلطة الفلسطينية للامتناع من التقدم إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة للحصول على موافقتها لعضوية فلسطين، والتي من المقدر أن يصوّت لها نحو 150 دولة من مجموع 193 دولة عضو في الأمم المتحدة .

ولكن ماذا بعد عملية “عمود السحاب”؟ هل ستكون نتائجها مثل نتائج عملية “الرصاص المصبوب” التي لم تحقق فيها “إسرائيل” أهدافها الأساسية؟ حتى وإن دمّرت البنى التحتية وألحقت خسائر بشرية مادية ومعنوية بسكان غزة؟

كل ذلك سيكون اختباراً ومجسّاً جديداً لدول الربيع العربي، ولاسيما في مدى استعدادها لتحقيق أهداف ثوراتها الشعبية التي انتفضت بسببها على الأنظمة السابقة، وبضمنها الموقف من القضية الفلسطينية وعدوان “إسرائيل” المتكرر على الأمة العربية .



186
المنبر الحر / غوته وسحر الشرق
« في: 12:40 17/11/2012  »
غوته وسحر الشرق   

عبدالحسين شعبان
هل يمكن استحضار مواقف مفكرين وأدباء كبار من وزن الشاعر الألماني غوته والروائي الروسي تولستوي والزعيم الهندي غاندي والكاتب البريطاني برناردشو وغيرهم من الإسلام وقيمه السمحة مقابل الحملة المسعورة ضد الرسول محمد (ص) وردود الفعل الغاضبة والمنفلتة إزاءها؟ الأمر يتعلق بزاوية النظر اختياراً  للهدف والأسلوب والدلالة، فكيف يمكن مقارنة ذلك الحضور البهي لمفكرين كبار بمحاولات تافهة هدفها الاستفزاز عبر صور ورسوم كاريكاتيرية أو فيلم يبث على الإنترنت أو أعمال عدائية .

لعل هذه الخاطرة وردت في ذهني وأنا أقوم بزيارة إلى متحف غوته في مدينة فرانكفورت، حيث يعد يوهان فولفغانغ فون غوته واحداً من الأدباء والشعراء الغربيين العظام بعد هوميروس ودانتي وشكسبير، فقد ولد في 28 أغسطس/آب العام 1749 في مدينة فرانكفورت الألمانية ومن أسرة مثقفة .

أعجب غوته بالعرب والإسلام وحاول دراسة الأدب العربي واللغة العربية، وهو من  أهم من روّج لفكرة “الأدب العالمي«، المصطلح الذي يدلّ على مبادئ الاحترام للثقافات والحضارات المختلفة وعلى إيمان بالتنوّع والتعددية، فضلاً عن مبادئ التسامح والتواصل والتفاعل والمشترك الإنساني، من خلال آداب الشعوب وثقافاتها، إضافة إلى تعزيز علاقاتها على أسس السلام والشراكة بين البشر . وتحت هذه العناوين حاول غوته تقريب الثقافة العربية والإسلام من العقل الغربي، لافتاً الانتباه إلى كنوز المعرفة والثقافة العربية- الإسلامية .

الشرق بسحره وغموضه شغل غوته منذ شبابه الأول، بكل ما فيه من أدب وشعر وثقافة وروحانيات، وقد كان غوته موسوعياً بكل معنى الكلمة، إضافة إلى لغته الأصلية الألمانية، تعلّم الفرنسية والإنكليزية واليونانية واللاتينية والإيطالية والعبرية، وحاول تعلّم العربية والفارسية، كما درس العلوم المختلفة كالرياضيات والرسم والموسيقا والتصوير والنبات والطب والهندسة والسياسة . ولعل من الشخصيات التي أثّرت في حياته الشاعر والمسرحي الألماني شيلر الذي ارتبط معه بصداقة حميمة، وإذا كان والده يريد له دراسة القانون ليتخرّج محامياً مثلما أرسله إلى جامعة لايبزغ، فقد انصرف هو إلى الأدب والكتابة واللهو، لكنه عاد إلى جامعة ستراسبورغ لينهي كلية الحقوق العام 1771 . وبقدر التأثير الإيجابي العميق للإسلام في شخصية كبيرة بهذا الحجم، كان لهذه الشخصية تأثيرها في مجتمعها، لاسيما بتقديم الصورة المشرقة للإسلام، بروح التسامح والتعارف والتآلف والتآزر والتواصل الإنساني، وقد استلهم روح الإسلام من أدباء وشعراء عرب ومسلمين، فضلاً عن طريقة عيش وثقافة وانفتاح، بكل يُسرٍ وتفاعل، في حين يحاول بعض المتأسلمين تقديم الإسلام في الغرب وفقاً لفهم آيديولوجي متزمت بعيداً من روح العصر، خصوصاً عندما تقترن هذه الصورة بابن لادن وتنظيمات “القاعدة”والجماعات الأصولية والإرهابية . وعندما أصدر روايته “آلام فارتر”كان قد ذاع صيته، ثم شغل مناصب إدارية بما فيها وزارة في فايمار، ثم عاد ليتفرّغ إلى الأدب، لأن نزوعه الأول كان للحرية والانفتاح والتواصل الإنساني .

      درس غوته القرآن الكريم وتأثّر بأجواء الإسلام الروحانية، وكان قد نظم قصيدة موحية أشاد بها بالرسول محمد، وذلك عندما كان في عامه الثالث والعشرين، وتدريجياً كانت روح الإسلام تتغلغل فيه حتى إنه عندما بلغ السبعين من العمر أعلن على الملأ وبصراحة ووضوح أنه يعتزم الاحتفال بخشوع في تلك الليلة التي أنزل فيها القرآن على النبي محمد (في العشر الأواخر من شهر رمضان) . يقول غوته: “كلّما قرأت القرآن شعرت بأن روحي تهتز داخل جسمي”.

حاورت رفيقتي ونحن في المتحف بشأن رحلة غوته مع الإسلام التي زادت على أربعة عقود من الزمان، فسألتني هل أسلم؟ فقلت لها لقد كان مؤمناً وتأثر بتعاليم الإسلام وروحانياته في سفر طويل بين الشباب والشيخوخة، وهو ما عبّر عنه بجلال واحترام، ولعل كل ما يدلّ عليه كان ينبض بروحانيات إنسانية إسلامية أو مسيحية مستوحاة من قيم ومثل تمثل المشترك لبني البشر . لكنني لا أظن أنه دخل الإسلام أو أصبح مسلماً بالمعنى المحدد للكلمة، ويدلّ مؤلفه “فاوست”ثم “الديوان الغربي- الشرقي«، أن لا فرق لديه لو قيل إنه مسلم، وهو ما عبّر عنه برباعية في كتاب الحِكَم التي وردت فيها الدعوة إلى التسامح حين يقول:

من حماقة الإنسان في دنياه/أن يتعصب كل منّا لما يراه

وإذا كان الإسلام معناه أن الله يعني التسليم، /فعلى الإسلام نحيا ونموت أجمعين

في مقطع آخر استوحى غوته سورة البقرة حين يقول: الله المشرق، الله المغرب، والأرض شمالاً والأرض جنوباً، تسكن آمنة بين يديه! وتقول سورة البقرة “ولله المشرق والمغرب، فأينما تولّوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم”.

وفي ضوء سورة الأنعام الآية 97 كتب غوته يقول:

هو الذي جعل لكم النجوم، لتهتدوا بها في البر والبحر، ولكي تنعموا بزينتها، وتنظروا دائماً إلى السماء

وذلك استلهاماً للنص القرآني “وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البرّ والبحر، قد فصّلنا الآيات لقوم يعلمون”.

حفظ غوته الكثير من آيات القرآن حيث كان يرى فيه ثلاثية هارمونية عضوية تمثل: الروح والكلمة والخط، وذلك في تناسق منقطع النظير، ولكنه كان في الوقت نفسه ملتزماً بتعاليم الكنيسة، ساعياً إلى البحث عمّا هو مشترك من قيم إنسانية، وكان دائماً يعظّم الجوامع ويُبعد الفوارق .

تأثّر غوته بالمتنبي وأدرج بعض ملامح أشعاره في روايته “فاوست«، كما تأثّر بأبي تمام والمعلّقات وترجم بعضها إلى الألمانية بمساعدة معلّمه هيردر، وقرأ لامرئ القيس وطرفة بن العبد وعنترة وزهير بن أبي سلمى . ولعلّ كتاب “ألف ليلة وليلة”كان حاضراً معه عندما ألّف كتابه “نزوة العاشق«، مثلما حضرت في الديوان الغربي- الشرقي أشعار مجنون بني عامر وحاتم الطائي والطغرائي .

وللأسف فقد أغفلت الموسوعة البريطانية علاقة غوته بالإسلام وذكرت أن بعض أعماله التي لم يكملها “محمد”. وقد نقل إلينا محمد عوض ترجمة فاوست عن الألمانية وأحمد حسن الزيات ترجم آلام فارتر، أما عباس محمود العقاد فقد نقل إلينا بعض روائع غوته، واطلعت مؤخراً على كتاب كاتارينا مومزن عن غوته وبعض شعراء العصر الإسلامي الذي ترجمه عدنان عباس علي عن الألمانية، وهو جزء من ثلاثية قسمها الأول والثاني عنوانه “غوته والعالم العربي”.

وإذا أراد عالمنا العربي والإسلامي مواجهة المتطرفين والمتعصبين والعنصريين ودعاة الكراهية في الغرب وعندنا، فلا بدّ من إبراز هذا التراث والتاريخ والعلاقة الإنسانية السويّة بين الشرق والغرب، وهي الأساس الذي ينبغي أن نبني عليه في إطار المصالح المشتركة والحقوق الإنسانية، لاسيما في إطار الثقافة والأدب والتفاعل الإنساني، وليس بردود فعل أحياناً هي الأخرى قد تسيء إلى مُثل الإسلام وقيمه، خصوصاً بعض أعمال الإرهاب والعنف التي ألحقت ضرراً بالإسلام قبل أعدائه أو خصومه . ولعل الوجه المشرق للعلاقة بين الأمم والشعوب هو الرد على بعض الأعمال الغربية المسيئة، “فَأَما الزبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَما مَا يَنْفَعُ الناسَ فَيَمْكُثُ فِي الأرْضِ”.


187
اعتراف هولاند الخجول بجرائم قتل الجزائريين

عبد الحسين شعبان

بعد نصف قرن من الصمت الرسمي اعترف الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند مؤخراً بمذبحة ارتكبت بحق عدد من الجزائريين أثناء مسيرة في باريس تطالب فرنسا باستقلال الجزائر وتندّد بالاستعمار الفرنسي. كان ذلك قد حدث في العام 1961 خلال التحضير لمباحثات إيفيان بين القادة الجزائريين والمسؤولين الفرنسيين. جاء الاعتراف الرسمي في بيان موجز صدر عن قصر الايليزيه في ظل مساعي لتحسين علاقات فرنسا مع الجزائر، قبل زيارة مقرّرة للرئيس الفرنسي في شهر كانون الأول (ديسمبر) 2012، وبذلك تكون هذه الرسالة أول اعتراف رسمي بوقوع أعمال قتل ضد جزائريين. ولعل هذه الخطوة تطرح على بساط البحث مدى استعداد فرنسا واستجابتها للاعتراف بباقي جرائمها أبان الحقبة الاستعمارية، وهو الأمر الذي لا يزال يلقى معارضة شديدة.
أصل الحكاية يعود إلى الأوامر التي أصدرها موريس بايون قائد شرطة باريس إلى قواته بقمع آلاف الجزائريين المحتجّين الذين تحدّوا حظر التجوّل المفروض عليهم، ليواجهوا قمعاً دموياً منفلتاً. وقد ورد في رسالة هولاند أن «الجمهورية (المقصود الفرنسية) تقر بهذه الحقائق بوضوح» وقام بتقديم الاحترام للضحايا (الإعتذار) بعد 51 عاماًَ من الصمت والإغفال.
الاعتراف الفرنسي وإن جاء خجولاً بارتكاب جرائم ضد مواطنين جزائريين أبرياء كانوا يعبّرون عن رأيهم من أجل استقلال بلادهم بصورة سلمية واستناداً إلى مبادئ حرية التعبير التي يقرّها الدستور الفرنسي، وتكفلها اللوائح الدولية لحقوق الإنسان، إلاّ أنه بادرة إيجابية تدلّ على حسن نيات بالنسبة للعلاقات الجزائرية - الفرنسية، لكنه لا ينبغي نسيان الضحايا وتعويضهم أو تعويض عوائلهم المادي والمعنوي وجبر الضرر، والسعي لكشف الحقيقة كاملة، ومن ثم المساءلة، خصوصاً وأن مثل هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، وسبق لفارنان ميسونيي، وهو أحد الجلادين الفرنسيين، أن اعترف بقيامه بتعذيب مناضلين جزائريين، وهو الأمر الذي لا بدّ من وضعه في سياقه، لا سيما ما قامت به بعض منظمات حقوق الإنسان الدولية للمطالبة باعتذار المرتكبين، وأولاً وقبل كل شيء اعترافهم بوقوع الحدث، ومن ثم التوجه إلى الضحايا لطلب المغفرة منهم بعد الاعتذار، وواجب السلطات في التعويض، كما هو واجب الجميع، دولة ومجتمعاً في كشف الحقيقة والمساءلة، وبالطبع في نشر الثقافة الحقوقية وتعزيز الوعي الديمقراطي والحقوقي، ولاسيما تقوية الشعور بالمسؤولية، خصوصاً الحساسية إزاء أية انتهاكات لحقوق الإنسان.
وقد طالب مؤتمر ديربن ضد العنصرية الدول والحكومات التي استعمرت القارة الأفريقية بالاعتذار والتعويض، لبناء علاقات جديدة أساسها الاحترام، حيث يمكن لجبر الضرر المادي والمعنوي أن يسهم في تخفيف آلام الضحايا أو عوائلهم أو للشعوب المستعمَرة بشكل عام، التي دفعت أثماناً باهظة جرّاء ما تعرّضت له، ناهيكم عن نهب ثرواتها ومواردها وتعطيل تنميتها وتقدّمها. وقد سبق لبلجيكا أن اعتذرت من الكونغو، مثلما كان من البيض في الولايات المتحدة الاعتذار من سكان البلاد الأصليين (الهنود الحمر) أو من السود الأفارقة خلال عقود من التمييز العنصري.
لقد كانت ضحية المجزرة الفرنسية أكثر من 200 جزائري وظلّت مسألة الاعتراف بالمسؤولية تلقى تهرّباً من جانب القوى اليميـنية في فرنـسا التي وقفت ضد استقلال الجزائر، بل وانتقدت ديغول عندما اضطر للاعتراف باستقلالها وإن كان قد جرّب جميع الوسـائل للاحـتفاظ بها دون جدوى، بما فيها أنواع العنف والاستلاب. وحتى اليوم، هناك من لام هولاند على اعترافه، وجاء في انتقاد كريستيان جاكـوب زعيم حزب الاتحاد من أجل الحركة الشعبية، الرئـيس الاشـتراكي هولانـد، بأنه يريد إثارة الانقسامات في فرنسا وتوريطها على ما يبدو بمسؤولية المذبحة.
وعلى الرغم من ذلك فقد اعترف جاكوب بمجزرة 17 تشرين الأول (أكتوبر) العام 1961، لكنه حاول التملّص من مسؤولية شرطة باريس، ومن خلاله رفض إلقاء اللوم على الجمهورية الفرنسية بأكملها.
وقد حاولت جهات كثيرة متنفذة في فرنسا خلال الأعوام الخمسين والنيّف الماضية عدم تسليط الضوء على ما حدث، مراهنة على النسيان، لكن دائرة الاعتراف أخذت تتسع، وبدأت الصور القليلة الملتقطة والشهادات المحدودة، تنتشر وتوّلت عدداً من الجهات الحقوقية رفع المطالبة بالاعتذار. وحتى الآن لم ينشر كتاب عن المجزرة وتفاصيلها، فقد حظرت السلطات الفرنسية في وقت سابق نشر مثل هذا الكتاب الذي يوثّق للمجزرة.
لقد تعرّض الجزائريون لحرب ضد الهوّية وركنيها اللغة والدين واستمرت هذه الحرب لمدة 132 عاماً في إطار استعمار استيطاني، سعى بكل ما استطاع من قوة وجبروت من فرض وجوده الإحلالي، وفي الوقت نفسه تعاملت «الكولونيالية» الفرنسية على نحو عنصري استعلائي مع السكان الأصليين، لكن ذلك لم يثنِ الجزائريين عن نضالهم من أجل حقوقهم واستقلالهم، حتى اندلعت ثورتهم المعاصرة في العام 1954 ولم تنته حرب الاستقلال الاّ في العام 1962 حين اعترفت فرنسا باستقلال الجزائر، وأجلت قواتها ومواطنيها عن الأرض الجزائرية ووقعت مع الجزائر المستقلة وممثليها اتفاقية دولية عُرفت بـ«اتفاقية إيفيان»، حيث انضمت الجزائر إلى هيئة الأمم المتحدة كدولة جديدة مستقلة بعد أن كانت جزءًا لا يتجزأ من فرنسا.
لم تتحرّر الجزائر فحسب، بل ساهمت في تحرير أفريقيا والعالم، عندما تمكّنت بسبب كفاحها ومثابرتها على المستوى الديبلوماسي كجبهة تحرير ومناضلين من أجل الاستقلال من اقناع الأمم المتحدة إصدار القرار 1514 في العام 1960 وهو الإعلان العالمي لتصفية الكولونيالية. وقد ساهم هذا الاعلان في تحرير العديد من شعوب آسيا وأفريقيا التي نالت استقلالها وحريتها.
وقد استقبلت الجزائر ذكرى إعلان تصفية الكولونيالية قبل عامين باحتفالية كبيرة حضرها مثقفون ومفكرون وفقهاء وديبلوماسيون وزعماء باعتباره حدثاً بارزاً كان للجزائر وكفاحها بما فيه على المستوى الديبلوماسي الدور الكبير، وقد تشرّف كاتب السطور بحضوره وتقديمه بحثاً عن دينامية حق تقرير المصير والقانون الدولي، وكان ذلك آخر اجتماع يحضره الزعيم الجزائري أحمد بن بلّه قائد الثورة، حيث أقيم الاحتفال في 15/12/2010، وبعده ببضعة أشهر ودّع الجزائر والعالم العربي احدى أبرز شخصيات حركة التحرر الوطني.
وإذا كانت الجزائر قد احتفلت بعـيد استقـلالها الخـمسين في شهـر تموز (يوليو) 2012، فمن حقـها اليوم أن تحتفل بإعلان فرنسا اعتذارها عـن مسـؤوليـة قـتل مواطنـين جزائريين سلمـيين، وذلك خـطوة أولى أمام اعتراف كبير بمسؤوليتها عن الاحتلال والاستعمار، وعمّا لحق بالشعب الجزائري من تدمير مادي ومعنوي طيلة 132عاماً، الأمر الذي يستوجب طي صفحة الماضي من جهة وتعويض الجزائر عمّا نالهـا من غبن وأضرار، وفي الوقـت نفسه سيــكون مثل هذا الاعلان تطـهيراً لفرنـسا الديموقراطية وموطن أول إعلان لحقوق الإنسان والمواطن في العالم، أي قبل ما يزيد على قرنين من الزمان، من أدران الماضي وكوابيسه السوداء.

باحث ومفكر عربي ـ العراق


   
   


188
الفصل السادس
دلالات الديمقراطية وحقوق الإنسان في فكر أمين الريحاني

عبد الحسين شعبان(*)

أولاً: إشكاليٌّ، حَمَلَ الثقافتين!
أربع قضايا هي أقرب إلى المفاجآت استحضرتها لحظة كتابتي عن أمين الريحاني، المثقف والمفكر الحداثي، الإشكالي .
المفاجأة الأولى، زيارته إلى النجف في العام 1922 وهي المدينة التي ولدت فيها، أي مسقط رأسي، وكان الريحاني قد وصفها بأنها "أعظم مدينة في العالم" ليس بجمال بيوتها وزخارفها ولكن برجالها... ويتذكر النجفيون وربما بشيء من المفاخرة وصف الريحاني لمدينتهم، ويتناقلوه جيلاً بعد جيل، على الرغم من انشقاق الشارع النجفي بخصوص زيارته بين مرحّب بل ومتحمس، لا سيما من النخبة الفكرية والسياسية والدينية وخصوصاً علماء الدين، وبين معارض، من بعض أوساط العامة ومن أطلق عليهم الشيخ علي كاشف الغطاء العالم الديني المجدد "الغوغاء والدهماء". يومها كتب الشاعر محمد مهدي الجواهري اعترافاً بالجميل لزيارة الريحاني قصيدته النونية بتلك الزيارة الأثيرة، حيث جاء في مطلعها:
أرض العراق سَعَتْ لها لبنان      فتصافح الإنجيل والقرآن
وتطلّعت لك دجلةٌ فتضاربت      فكأنما بعبابها الهيمان
أأمين إن سُرَّ العراق فبعدما      أبكى ربوعَ كولمبس الهجران
لك بالعراق عن الشآم تصبر      وبأهله عن أهلها سُلوان
لو تستطيع دنت إليك مُدلّةً      فتزودت من رُدنك الأردان
وقبل وصوله إلى النجف التقى الريحاني في كربلاء العلاّمة الشيخ علي كاشف الغطاء وولده العلاّمة الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء فاحتفيا به أشد الاحتفاء، وكان ذلك يوم عاشوراء حيث كانت تسيّر المواكب الحسينية التي شاهدها الريحاني وقام بتصويرها، وقد جرت مطارحات علمية وثقافية بين الريحاني والكثير من العلماء، أبدى فيها هؤلاء إعجابهم لسعة علمه وحرية أفكاره. وقد التقى في النجف في أحد السراديب (الأقبية) الشيخ محمد رضا الشبيبي والشيخ محمد السماوي والشيخ جواد الجزائري، وغيرهم. وقد أهدى الشبيبي مخطوطاً قديماً جداً للريحاني وهو كتائب المثالب لابن الكلبي وهو من نوادر المخطوطات العربية. ومن النجف توجّه الريحاني الى الحِلّة ثم إلى بغداد. 
المفاجأة الثانية: انفعال الجواهري، وموقفه المندّد بالريحاني الذي لم أكن قد اطّلعت عليه قبل ذلك، ولكنني فوجئت في مطلع الثمانينيات عندما كنت أجري حواراً معه، وهو الذي نشرت قسماً منه في كتابي الجواهري- جدل الشعر والحياة وإذا بالجواهري يكيل التهم الواحدة بعد الأخرى للريحاني، ولعل سبب الانقلاب في الموقف: من الاحتفاء إلى الاتهام، يعود إلى انحياز الريحاني إلى ساطع الحصري في خلافه مع الجواهري بشأن موضوع الجنسية، وهو ما رواه الجواهري مفصّلاً في كتابه ذكرياتي.
   وكان الريحاني قد أصدر كتاباً عن العراق بعنوان قلب العراق غمز فيه من قناة الجواهري، بكونه فارسي المولد، ويكتب الشعر العربي،  في إشارة إلى الفتنة الطائفية، التي اندلعت عند تعيين الجواهري بوظيفة معلم العام 1926، ثم فصله بعد نحو شهر بحجة عدم امتلاكه الجنسية العراقية، وقيل بسبب تغزّله بالمصايف الإيرانية خلال زيارته لطهران في مطلع العشرينيات، فما كان من الملك فيصل الأول إلاّ أن عيّنه في تشريفات البلاط الملكي العام 1927، وأداً للفتنة، وهي التي نجمت عن خلاف حادٍ بين وزير المعارف عبد المهدي المنتفجي ومدير المعارف المفكر التربوي ساطع الحصري، واضع مناهج الدراسة العراقية، لا سيما القراءة الخلدونية. وقد اندلعت ذيول الفتنة لاحقاً إثر نشر كتاب أنيس النصولي المدرّس اللبناني الجنسية في العراق، الموسوم تاريخ الدولة الأموية  خصوصا،ً  وقد استغلّها بعض من أراد إلقاء المزيد من الزيت فوق النار المشتعلة كي لا تنطفئ.
وقد بيّت الجواهري غيظه، فانتهز قدوم أمين الريحاني إلى العراق لتغطية أحداث ما بعد انقلاب بكر صدقي العام 1936، فنشر مقالة انفعالية مُدوّية بعنوان "جاسوس خطير في أوتيل تايكرس بالاس" ويروي الجواهري ذلك المشهد، على النحو التالي: "... وكان القلم في يدي في الليلة التي حلّ فيها أمين الريحاني بهذا الفندق، عندما اتصلت به هاتفياً ليلاً لأقول له بالحرف الواحد: مرحباً أستاذ أمين، هل تعرف من يكلّمك؟ إنه الرجل الذي ولد في إيران، فارسياً ينظم الشعر، وطبعاً بالفارسية، إنه محمد مهدي الجواهري".
ولعل تبرير الجواهري باتهام الريحاني، كونه يكتب عن الملوك وينتقل في المحافل والمجالس، ويطلع حدّ التخمة على الأسرار والدفائن والكوامن، ويذهب أكثر من ذلك حين يُريد أن يدلّل على صحة ما ذهب إليه بكون جنسيته أمريكية، إضافة إلى ما نُشر عنه من وثائق في الصحافة الكويتية عن علاقته بالأوساط البريطانية والأمريكية حتى أنه ينتقد رغيب الطبّاع، الذي كتب كتاباً عن أمين الريحاني، بعنوان صقر الجزيرة، لموالاته للعائلة السعودية،  وهو ما كتبه في مذكراته الصادرة في العام 1988.
المفاجأة الثالثة: ما كتبه الشيخ محمد رضا الشبيبي الذي استمرت علاقته إيجابية مع الريحاني، بل إن تقييمه له ظلّ هكذا حتى بعد وفاته. فقد كتب الشبيبي مقدمة جديدة لكتاب قلب العراق امتدح فيها الكاتب والكتاب بقوله: إنّه من أمتع ما اطّلع عليه من كتب الريحاني.
وقد كانت مفارقة الجواهري كبيرة عندما عرف، وهو في المنفى في دمشق العام 1957، أن مقدمة الشبيبي قد صدرت. ويعزو الجواهري صدور المقدمة إلى كونه كان غائباً عن الساحة، وإلاّ كيف يتجرّأ الشبيبي على مدح خصمه بتلك المقدمة البائسة كما يُطلق عليها. ويقول عندما نشرت مقالتي ضدّ الريحاني، أثيرت ضجة في بغداد، اضطرّ على أثرها الريحاني إلى مغادرتها، وحسبما يروي الجواهري: فما كان منه في اليوم الثاني إلاّ أن يطوي أوراقه ويرزم حقائبه ويرحل، وعندما سألته أيستحق الأمر كلّ ذلك حتى بعد مرور نحو ستة عقود من الزمان، فهزّ رأسه بالإيجاب.
ولعله يعني الجرح الذي ظلّ فاغراً، على الرغم من مرور عقود من الزمان، وهو الذي يتعلق بمشكلته مع الحصري بخصوص موضوع الجنسية الذي لم يبرأ منه، ولم يهدأ له بال، كلما جرى الحديث عنه أو كلّما استذكره، لا سيما وأن أعداء الجواهري غالباً ما استثمروه للتنديد به أو الغمز من قناته، باعتبار أصوله إيرانية، وهو الذي خدم اللغة العربية والأمة العربية من خلال إبداعه أكثر من أي أحد آخر، وطيلة نحو ثمانية عقود من الزمان.
المفاجأة الرابعة: هي استمرار تأثير الريحاني على عدد من علماء النجف، ففي تلك الزيارة الأثيرة ترك انطباعات متنوعة، وفيها الكثير من الإعجاب، ولعل أهمها ما كتبه العلاّمة علي كاشف الغطاء بحق الريحاني كتابيه: المراجعات الريحانية (مجلدان) والثاني نقد كتاب ملوك العرب لأمين الريحاني وهو ما رواه البروفسور عبد الإله الصائغ في مقالته بعنوان "كاشف الغطاء- مرجعية حضارية".
ولعلّ هذه المقدمة تشير إلى إشكالية الريحاني نفسه، فقد زار النجف وكتب عنها، وخاصمه الجواهري النجفي واتهمه، في حين امتدحه وأثنى عليه الشبيبي النجفي وكاشف الغطاء الأب علي والشاب حينها محمد حسين وعدد من العلماء أيضاً. وبغضّ النظر عن دلالة الحادث وتأثيراته، فقد كان الريحاني مجتهداً وصاحب رأي وحامل فكر أصاب أم أخطأ، لكنه بلا أدنى شك كان شخصية استثنائية حاملاً الثقافتين العربية والغربية، واضعاً لنفسه وظيفة أن يكون همزة وصل أو جسراً بين الحضارتين والثقافتين.
ثانياً: الحداثة وأسئلة الريحاني الإنسانية
هاجر الريحاني في ثمانينيات القرن التاسع عشر إلى أمريكا الشمالية فأضحت وطناً ثانياً له، وكان قد ولد في قرية الفريكة العام 1876، وانصرف إلى الأدب والكتابة والترجمة، وتفتّقت مواهبه على نحوٍ ملفتٍ. وقد كانت مؤلفاته الأولى باللغة الإنكليزية، إلاّ أنه تحدث لأول مرّة بالعربية أمام جمع بدعوة من إحدى الجمعيات السورية في نيويورك، في العام 1900 عندما ألقى محاضرة عن "التساهل الديني" والمقصود بذلك "التسامح" (tolerance)، وقد استخدم فرح أنطوان مصطلح التساهل الديني أيضاً وقصد به "التسامح الديني" ذلك أيضاً في العام 1902.
أما أول ترجمات الريحاني إلى الإنكليزية فكانت قصائد أبي العلاء المعرّي، ولا أدري مدى دقة القول إن كثيرين من أدباء جيله الأمريكيين قد تأثروا بتلك الأشعار وبفلسفة أبي العلاء ولزومياته فيما له علاقة بالوجود والعدم والإيمان.  وقد استقرّ الريحاني على فكرة أساسية طبعت جميع أعماله التي ظلّت تتمحور حولها، وهي التي تتعلق بالتواصل والتفاعل بين الثقافات. وانتدب نفسه بكل إخلاص ليكون جسراً بين ثقافتين ونقطة التقاء بين حضارتين، وكان كل همّه تعريف الشرق بالغرب وحضارته وقيمه، وتعريف الغرب بالشرق وبهمومه وقضاياه.
ومن خلال قراءة ما كتبه الريحاني يمكن القول إنه كان يجمع على نحو هرموني متعدد النوتات ومتداخل الأصوات بين روحانيات الشرق ومادّيات الغرب، وبين العقل والروح. وقد ردّ الريحاني على الشاعر البريطاني روديار كيبلينغ الذي قال "الشرق شرق والغرب غرب ولن يلتقيا"، فكان رأي الريحاني أنه بإمكان الشرق أن يلتقي مع الغرب على قيم وحقائق أساسها المشترك الإنساني، وهو ما نذر نفسه له لكي يكون جسراً بين الاثنين.
لقد شغلت الريحاني أسئلة كبيرة منها، بحثه الدائم عن الهوية والتنقيب عن جذور الثقافة والتراث، وإعادة قراءتهما بما ينسجم مع روح العصر في إطار محاولات نهضوية عربية، لتحرير البلدان العربية من ربقة الاستعمار ولحاقها بالعالم المتقدم، والاشتباك بين الدين والدولة، والعلم والدين، فضلاً عن الموقف من الغرب وحضارته. وكان من أبرز دعواته هي "التسامح" في محاولة لتربية النفس عليها، وكذلك دعوته إلى العلمانية والعقلانية والمدنية والليبرالية (الديمقراطية)، وتلك كلّها من أركان الحداثة بالتجاوز على الطائفية والتمييز، لا سيما بين المرأة والرجل.
وكان الريحاني يدعو إلى تعليم علماني لصهر الجميع في بوتقة واحدة، والتحرر من كلّ أشكال الاستعباد، مطالباً المثقفين بتحمّل مسؤولياتهم والتمسّك بالعقلانية والفكر الابتكاري وتحرير المرأة، كما دعاها إلى المبادرة إلى تحطيم قيودها بنفسها، رافضاً الحجاب مؤكداً مساواتها مع الرجل، رافضاً مبدأ تعدّد الزوجات، لأنه حسب رأيه يقضي على المحبة.
بنى الريحاني مدينته الفاضلة بتعظيم قيم الحرية والكرامة الإنسانية والتآخي والعدل، كما بشّع الظلم والفقر والاستبداد والطائفية، وبذلك يقول: الحكومة التي تقيس عدلها بمقياس طائفي، لا بمقياس الكفاءة، هي حكومة بائدة، بل وظالمة.
وبقدر احترام الريحاني للدين لضرورته، فإنه دعا لتنقيته من التعصب المشحون بالتنافس والأحقاد، وكان قد وجّه كلامه إلى ملوك العرب، يحذّرهم من الإنسياق في ذلك، ما داموا يتّخذون الطائفية وسيلة لتأدية سيادتهم وتحقيق مقاصدهم.  ودعا الريحاني إلى علمنة الفكر والتعليم والسياسة، مخاطباً مفكّري المسيحيين والمسلمين، من دون إثارة الجمهور، في ظل سيادة الجهل وانتشار سموم التعصّب، معتبراً أن الأمة الراقية هي التي يتمتّع مواطنوها بالحرية الروحية.
يقول الريحاني في كتاب خالد إن الهوية العربية ليست مُستلبة فحسب، بل هي مقموعة ومُستبدٌ بها، ويوجه نقده إلى الغرب وحضارته المادية "غير الإنسانية"، مثل ما انتقد تخلّف الشرق. وفي هذا الكتاب المهم ينفي عن الغرب الصفة المثالية، مثلما ينفي عن الشرق صفة التخلّف القدرية.
وبخصوص العلاقة بين الدين والعلمانية فإن الريحاني يرى قابلية الإنسان على التغيير، من دون أن يحصر نفسه باتجاه أو فلسفة، فقد كان يقتطف بكل أريحية من الإنجيل والقرآن، مثلما يستشهد بأفلاطون وجان جاك روسو وفولتير، ويقتبس من ماركس وداروين، وهو لا ينظر إلى العلمانية كبديل عن الدين، أو منافسة معه وكأنهما في حلبة صراع، لكنه كان يدعو إلى الحياة المدنية بوضع مسافة واحدة من الدين، أي أنه يقف ضدّ تسييس الدين أو تطييفه أو تأميمه، بجعله حكراً على مجموعة صغيرة.
إن باقة الأفكار التي عرضناها، والتي شكّلت شغلاً شاغلاً للريحاني، لا على الصعيد النظري فحسب، بل في جوانبها العملية والتطبيقية، تشكّل جوهر ومحتوى "الشرعة الدولية لحقوق الإنسان"، وقد ظلّ على مدى يزيد على أربعة عقود يدعو إليها ويبشّر بها، وقد سبقت آراؤه ووجهات نظره الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي أُبرم في 10 كانون الأول/ديسمبر العام 1948، أي بعد وفاة الريحاني بثماني سنوات.
وكان الريحاني يتحرك في فضاء كوني، من خلال انتماء عروبي شديد، بلبنانية محببة، وشرقانية عميقة ومتأصلة، ولكن ضمن بُعد ودائرة وشعور إنساني. ولو استعدنا اليوم ما كتبه سنرى أنه كان أحد المبشرين والمدافعين عن المثل والقيم التي احتوتها لاحقاً الشرعة الدولية لحقوق الإنسان، كما أشرنا، لا سيما موقفه من مبادئ المساواة وعدم التمييز ودفاعه عن قضية الحريات العامة والشخصية، وكذلك عن حقوق المرأة، ومبادئ وقيم التسامح لا سيما الديني، وموقفه من الاستغلال، وخصوصاً العلاقات غير المتكافئة مع شعوب الشرق ونقده محاولات الهيمنة والاستئثار. وقد دافع الريحاني عن كلّ ما يُعلي شأن الإنسان.
وإذا كان موقف الريحاني من الديمقراطية، منحازاً، إلاّ أنه لم يكن عاطفياً، بل كان مُسبباً باعتبارها النظام الأصلح، وفي الوقت نفسه انتقد الديمقراطية الغربية المادية، فالديمقراطية عنده طريق للحرية، لا سيما حرية الفكر، وكان ينظر إلى الإنسان باعتباره القيمة العليا، مزاوجاً بين عقلانية الإنسان الغربي وصوفية الإنسان الشرقي، متجاوزاً أي تمييز بسبب العرق أو الدين أو الجنس أو اللغة أو الوطن أو غيرها.
والليبرالية التي دعا إليها الريحاني تقوم على إعلاء شأن الفرد وتعظيم حريته، وهي أقرب إلى قيم الثورة الفرنسية التي دعت إلى الحرية والإخاء والمساواة. وهو ما دعا الكاتب الروسي الشهير تولستوي أن يُعجب بالريحاني "اللبناني المولد، العربي اللسان والقومية"، وكما يقول هو عن نفسه، وقد يكون في عروقه دم فينيقي أو كنعاني أو آرامي أو كلداني، وإذا كان قلبه في لبنان فروحه في البلاد العربية ، ولعل ذلك جزء من تقييم الروائي تولستوي نفسه.
لم يقارب الريحاني واقع مجتمعه المتأخر من زاوية سياسية اقتصادية، بل من منظور أشمل يتعلق بالنهضة والتنوير والعقلانية، وكانت نظرته الفلسفية أكثر عمقاً من نظرات مجايليه: جبران خليل جبران وشبلي شميّل وفرح أنطون وطه حسين. وإذا أردنا إيصالها إلى بعض روّاد الاصلاح، فيمكن مقاربتها ومقارنتها بجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وخير الدين التونسي ورفاعة الطهطاوي وعبد الرحمن الكواكبي، وغيرهم، وصولاً إلى علي عبد الرازق وإن كانت زاوية النظر مختلفة  وبهذا المعنى فإن مشكلة تخلف الوطن العربي حسب الريحاني ليست مشكلة اقتصادية أو تقنية، وإنما تتعلق بغياب مشروع نهضوي جذري شامل.
وكان الريحاني يعتقد أن الهوّة شاسعة بين التقدم والتأخر، ولن يتم تجسير الفجوة بينهما بوصفات تنموية أو دعوات خيرية أو نصائح إدارية، بل إن الأمر يطرح أسئلة ذات بعد فلسفي بخصوص التحديات والمعوّقات التي تعترض طريق التقدم، وينظر اليهما من خلال بُعدين:
البعد الأول الذي يقوم على نظرية النشوء والارتقاء، وهو ما تناوله في ريحانياته، الجزء الأول، وهذا البعد يستند إلى فلسفة الأنوار ذات النزعة الإنسانوية الباحثة عن الحرية والعدالة والكمال، ولعل ذلك كان نَسَقاً من أنساق ماركس نفسه.
أما البُعد الثاني فهو "العود الأبدي" وهو ما عبّر عنه بأنه "أشبه بالحية التي تأكل ذنبها"، واستناداً إلى ذلك، وعلى حدّ تعبير الناقد عبد الرزاق عيد "إن خيار الريحاني كان فلسفة التاريخ القائمة على التقدم، وهذه إنما هي تلبية لحاجة مجتمع متأخر ينبغي أن ينهض، ولعله بذلك ينتج وعياً مطابقاً بأسئلة زمنه، عصره، بيئته، فأنتج وعياً (مبيئاً/ مطابقاً) وليس متفرنجاً، مغرّباً، منقطع الجذور، لتعصف به رياح التغريب .
خاتمة
ولا يمكن فهم الأفكار الريحانية من دون الإطلاع على كتاب الريحانيات، الذي مضى على صدوره أكثر من مئة عام (صدر في العام 1910)، وتُرجم إلى عدة لغات، وكان قد طرّزه بعبارته الشهيرة "قل كلمتك وامشِ" وهي التي اعتمدها كامل مروّة عموداً صحفياً له في صحيفة الحياة. ومن أبرز مقالات الريحانيات: "من أنا؟"، "التساهل الديني"، "من على جسر بروكلين"، "المدينة العظمى"، "روح هذا الزمان"، "روح اللغة"، "دولة المستقبل"، "في ربيع اليأس"، "وادي الفريكة" (مسقط رأسه)، "في العزلة"، "الأخلاق"، "قيمة الحياة"، "مناهج الحياة"، "حبل التفاؤل"، "الحقيقة المبعثرة"، "الحكمة المثلثة"، "الرسول الأسمى".
وقد قال المفكر شبلي شميّل في الريحانيات عند صدورها: إن في الريحانيات أفكاراً جديدة وأسلوباً خاصاً ومقالات بديعة في الوصف والنقد. واعتبر اسماعيل باشا صبري إنها: من حسنات الآداب في زماننا. وكتب أنطوان الجميّل للريحاني: كن دليلاً من أدلاّء القافلة السائرة إلى الواحة في وسط الصحراء (1922). وعند وفاة الريحاني سنة 1940، قال عنه المستشرق الروسي أغناطيوس كراتشقوفسكي، إنه أكبر كاتب عربي في هذا الزمان .
لم يكن الريحاني كاتباً ومثقفاً موسوعياً فحسب، بل كان مصلحاً اجتماعياً، وبقدر دفاعه عن وطنه العربي، فقد دافع عن حقوق الإنسان، وقد كان كتاب الريحانيات بشكل خاص، وبقية مؤلفاته تعكس فلسفته الخاصة وآراءه الاجتماعية الاصلاحية ونظرته إلى الإنسان الذي يعتبره "مقياس كلّ شيء" على تعبير الفيلسوف الإغريقي بروتوغوراس.

189
عن تونس والدين والدولة   

 
عبدالحسين شعبان
قبل صعود الطائرة المتجهة إلى تونس من بيروت وهي تقلّ عدداً من المشاركين في ندوة الدين والدولة التي نظمها مركز دراسات الوحدة العربية في الحمامات بتونس، تم تداول يوتيوب عن لقاء الشيخ راشد الغنوشي زعيم حركة النهضة “الإسلامية”في تونس مع مجموعة من قيادات الحركة السلفية الناشطة هناك، جوهره يتعلق بضرورة استيعاب الخطوات التي تنوي النهضة اتخاذها وصولاً إلى حكم الشريعة الإسلامية .

الأمر كان مثار نقاش مسبق بين مصدّق ومكذّب، فقد دافع البعض بحرارة عن الشيخ الغنوشي لما عُرف عنه من انفتاح وتطوّر، لاسيما في قضية انحيازه إلى الديمقراطية والحرية وتجديد الخطاب الديني، بل ونقد الخطاب السائد، منذ أن نشر له المركز كتابه الشهير “الحريات العامة في الدولة الإسلامية، العام 1994”والذي بسببه حُرمّ على المركز ومطبوعاته ومديره العام في حينها الدكتور خير الدين حسيب، دخول تونس .

في حين كان هناك من اعتبر الشريط حقيقة بالفعل، والمقصود به تحريض السلفيين ضد العلمانيين، ليتمكّن حزب النهضة من قضم السلطة تدريجياً والهيمنة على جميع مفاصلها، وتبرير هؤلاء أن الغنوشي قبل وصول النهضة إلى السلطة شيء، وقيادتها للائتلاف الحاكم شيء آخر، فالسلطة هي السلطة دائماً، إنها “ملكٌ عضوض«، كما قالت العرب، ولا يشذّ في ذلك عروبي أو ماركسي أو إسلامي، فكل من اقترب منها أو هيمن عليها، وجد المبرّرات والذرائع لبقائه فيها، سواء بقوة السلاح أو بأساليب الاستتباع وحشد إمكانات الدولة وبعض قوى المجتمع للبقاء فيها، بزعم ما يريده الشعب .

وبغضّ النظر عن صحة أو فبركة الشريط، وعن نوايا الإسلاميين أو السلفيين، أو خصومهم من العلمانيين واليساريين إزاء بعضهم بعضاً، فالأمر مطروح للنقاش والجدل والتعبئة الشعبية، وكل طرف يحاول في المرحلة الانتقالية الراهنة حشد كل الطاقات لتمكّنه من الحصول على مزايا السلطة الجديدة بعد الربيع العربي الذي ابتدأ من تونس ومن مدينة سيدي بو زيد التي ظلّت محرومة ومهمّشة حسبما دلّت أعمال عنف وصدام شهدتها، بما فيها ضد حزب النهضة .

ولكن اتخاذ مواقف أو بناء مواقع استناداً إلى شريط يوتيوب دليل على ضعف جسور الثقة بين الأطراف السياسية وهشاشة ائتلافاتها وتحالفاتها، ولربما بعضها يجلس على برميل بارود قد ينفجر في أية لحظة، فالرئيس يصرّح أو يلمّح أو يوحي، بعدم رضاه لما حصل وما يحصل، بل يمارس دور المعارض أحياناً، فضلاً عن عدم قناعة بموقعه البروتوكولي وصلاحياته المحدودة، ويطمح إلى أن يتحوّل إلى موقع سيادي أو هكذا يظهر ذلك .

ورئيس البرلمان وإن حاول الموازنة والوسطية، لكن تيار اليسار والوسط يضغط عليه، ويذهب التيار اليساري المعارض إلى رفع شعارات تندّد بمحاولات “أسلمة”الدولة، ويعلن بعضه تعبئة بشأن حقوق المرأة والحريات العامة والشخصية ويدعو إلى إضرابات واعتصامات، في حين يرى تيار النهضة أن ما يجري إنما هو محاولة للإساءة إليه وإلى تاريخه النضالي، فقد لوحق في أواخر الثمانينات ما يزيد على 30 ألفاً من أنصاره الذين دخلوا السجون وتحمّلوا الكثير من العذاب والمعاناة، بمن فيهم من اضطر إلى الهجرة وفي مقدمتهم الشيخ الغنوشي .

والأكثر من ذلك حين يعدّ حزب النهضة أن ما يجري هو مؤامرة ضد الإسلام التونسي الذي يتسم خطابه بالوسطية والاعتدال والعقلانية، وكان الغنوشي قد أنكر قطعياً ما جاء في شريط اليوتيوب واعتبره دسيسة رخيصة ضده وضد حزب النهضة الذي أحرز مكاسب ونجاحات، لاسيما حفاظه على الاستقرار ووضع حدٍّ للعنف الذي كان يمكن أن ينفلت في المجتمع بعد حكم استبدادي طويل، في حين يرى بعض المعارضين التونسيين، أن هناك تنسيقاً واتفاقاً غير معلن بين السلفيين والنهضويين في إطار التصدّي للتيار اليساري والعروبي والعلماني، بحيث يشكل السلفيون رأس حربة في المواجهة، في حين يظهر النهضة بمظهر وسطي ليحصد نتائج الصدام السلفي - العلماني .

كل ذلك كان حاضراً في الندوة، لاسيما في خطاب ومداخلات الشيخ راشد الغنوشي التي أضفت على الندوة عمقاً كبيراً، لاسيما في رؤية التيار الإسلامي لطبيعة علاقة الدين بالدولة، وخصوصاً أنه لم يرفض فكرة العلمانية بالمطلق، لكن مقاربته للدولة استندت إلى موضوع علاقة الإسلام بالسلطة (الحكم) وعلاقة الإسلام بالقانون (الشريعة)، وهي أمور واجهت مرحلة بناء الدستور ونظام الحكم الجديد، في تونس ومصر مثلما تواجهه في ليبيا واليمن، وربما على نحو أكثر حدّة في سوريا، فضلاً عن الأغلبية الساحقة من البلدان العربية سواء التي شهدت ربيعاً عربياً أو تنتظر أو لم تشهده حتى الآن .

وعَدّ الغنوشي الديمقراطية آليات ومنها تنبثق الانتخابات التي هي الأخرى آليات، في حين أن الديمقراطية نظام شامل وهي جزء من منظومة الحداثة وترتبط على نحو وثيق بالعلمانية والمدنية والعقلانية، ولا يمكن اختزالها إلى مجرد آليات مثلما هي العلمانية كذلك . لكن الغنوشي يعود في نهاية مداخلته ليدعو إلى فكرة المواطنة وأن البلاد ملك لمواطنيها ولهم حسب الإسلام نفس الحقوق، ولهم ما شاء من حق الاعتقاد في إطار احترام بعضهم بعضاً وفقاً للقانون الذي يسنّونه هم وعبر ممثليهم في البرلمان .

إن ندوة الدين والدولة التي نظّمها مركز دراسات الوحدة العربية الذي مضى على تأسيسه ثلاثة عقود ونصف العقد من الزمان ، والتي شارك فيها ما يقارب من 100 باحث ومختص ومفكر وبدعم من المعهد السويدي بالإسكندرية الذي تأسس في العام 2000  تستحق وقفة أخرى، لأنها تشكّل إحدى منتديات الحوار الجادة والجريئة، وهي ليست الأولى فقد سبقتها حوارات وورش عمل ما بعد الربيع العربي، ولاسيما في موضوع الدستور وشكل الدولة ونوع النظام السياسي وقضايا الحريات والموقف من حقوق المرأة ومن التنوّع الثقافي، والمقصود به حقوق الجماعات الإثنية والدينية في إطار المواطنة والمساواة .

وقد اجتمع في هذه الندوة متديّنون وغير متدينين، إسلاميون وعلمانيون، وجرى فيها نقاش عميق ومسؤول في الموقف من علاقة الدين بالدولة .

وإذا كانت الندوة قد فتحت شهية الحوار، فإن هناك الكثير الذي يمكن مناقشته على هذا الصعيد، فقد غاب مثلاً الموقف الماركسي من الدين والدولة، وهو الذي شكّل أحد إركان المشهد السياسي الخمسيني والستيني من القرن الماضي، والذي يمكن أن يستقطب اليوم أوساطاً جديدة، لاسيما إعادة قراءته على نحو جديد بعد الربيع العربي، فضلاً عن فكرة الدولة بعد الثورة العلمية - التقنية وخاصة ثورة الاتصالات والمواصلات وتكنولوجيا الإعلام، وموضوع سسيولوجيا الدين والتديّن، إضافة إلى العولمة وإفرازاتها والأزمة الاقتصادية والمالية، بما فيها موضوع الدولة الريعية إلى آخره . وأعتقد أن الندوة بحكم تنوّعها وغناها كانت أقرب إلى طرح أسئلة، بحاجة إلى المزيد من الدرس والقراءة وإعادة النظر، خصوصاً في ظل المستجدات والمتغيّرات العربية والكونية .


190
العدالة الانتقالية والعدالة الانتقامية   
   

عبد الحسين شعبان
 
يعتبر مفهوم العدالة الانتقالية من المفاهيم التي ما زالت غامضة أو ملتبسة، خصوصاً لما يشوبه من إبهام فيما يتعلق بالجزء الثاني من المصطلح ونعني به "الانتقالية"، فهل توجد عدالة انتقالية؟ وما الفرق بينها وبين العدالة التقليدية المرتبطة بأحكام القضاء واللجوء إلى المحاكم بأنواعها ودرجاتها؟
وإذا كانت العدالة قيمة مطلقة، ولا يمكن طمسها أو التنكّر لها، أو حتى تأجيلها تحت أي سبب كان أو ذريعة أو حجة، فإن العدالة الانتقالية تشترك مع العدالة التقليدية في إحقاق الحق وإعادته إلى أصحابه، وفي كشف الحقيقة، وفي جبر الضرر وتعويض الضحايا، خصوصاً لما له علاقة بالقضايا السياسية والمدنية العامة، وكذلك في توخّي صلاح المجتمع من خلال إصلاح قوانينه وأجهزته القضائية والأمنية، لاسيما المعنية بإنفاذ القانون.
"
لكن العدالة الانتقالية تختلف عن العدالة التقليدية المتواترة في كونها تُعنى بالفترات الانتقالية مثل: الانتقال من حالة نزاع داخلي مسلح إلى حالة السلم، أو من حالة حرب أهلية إلى حالة السلم، أو الانتقال من حالة صراع سياسي داخلي يرافقه عنف مسلح إلى حالة السلم وولوج سبيل التحوّل الديمقراطي، أو الانتقال من حكم سياسي تسلّطي إلى حالة الانفراج السياسي والانتقال الديمقراطي، أي الانتقال من حكم منغلق بانسداد آفاق، إلى حكم يشهد حالة انفتاح وإقرار بالتعددية، وهناك حالة أخرى وهي فترة الانعتاق من الكولونيالية أو التحرر من احتلال أجنبي باستعادة أو تأسيس حكم محلي، وكل هذه المراحل تواكبها في العادة إجراءات إصلاحية ضرورية، وسعي لجبر أضرار ضحايا الانتهاكات الخطيرة، وخصوصاً ذات الأبعاد الجماعية.
قد يتبادر إلى الذهن أن اختيار طريق العدالة الانتقالية يتناقض مع طريق العدالة الجنائية، سواءً على المستوى الوطني أو على المستوى الدولي، في حين أن اختيار الطريق الأول لا يعني استبعاد الطريق الثاني، وخصوصاً بالنسبة للضحايا، ولاسيما مسألة إفلات المرتكبين من العقاب!!، وقد كان هذا الأمر محلّ نقاش جاد -لاسيما للتجربة التونسية- في ندوة نظمّها مركز الدراسات الوطنية في تونس مؤخراً.
ولعل مفهوم العدالة الانتقالية ودوافعها السياسية والقانونية والحقوقية والإنسانية، أخذ يتبلور وإنْ كان ببطء في العديد من التجارب الدولية، وفي العديد من المناطق في العالم، ولاسيما في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية فيما يخص ضحايا النازية، وانْ كان قد شابه شيء من التسييس، وخصوصاً بعد تقسيم ألمانيا من جانب دول الحلفاء، كما اتخذ بُعداً جديداً في أميركا اللاتينية وخاصة بعد ما حصل في تشيلي إثر الانقلاب العسكري في 11 أيلول (سبتمبر) 1973، الذي قاده الجنرال بينوشيه.
ومنذ سبعينيات القرن العشرين وحتى الآن، شهد العالم نحو 40 تجربة للعدالة الانتقالية، من بين أهمها تجربة تشيلي والأرجنتين وبيرو وسلفادور ورواندا وسيراليون وجنوب أفريقيا وتيمور الشرقية وصربيا واليونان، وقد شهدت البرتغال وإسبانيا والدول الاشتراكية السابقة شكلاً من أشكال العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية، اتسم بعضها بالاستمرارية القانونية أو ما أطلقنا عليه "فقه التواصل"، وساد بعضها "فقه القطيعة" كما هي تجربة ألمانيا الديمقراطية، لاسيما بعد اتحادها مع ألمانيا الاتحادية.
ويعتبر البعض أن تجربة لبنان ما بعد مؤتمر الطائف شهدت شكلاً من أشكال المصالحة الوطنية كان يمكن أن يفضي إلى تحقيق العدالة الانتقالية، لكنني أعتبر أن الشروط العامة للعدالة الانتقالية لا تنطبق عليها، وخصوصاً كشف الحقيقة وجبر الضرر وتعويض الضحايا والإصلاح المؤسسي، إلاّ أن التجربة اللبنانية -على الرغم مما عليها- بحاجة إلى تأمل ودراسة، ولاسيما في ظروف لبنان الراهنة والمعارك السياسية "المتكررة"، لكي لا يعيد التاريخ نفسه!!
وعلى الرغم من أن المقاربة اللبنانية للعدالة الانتقالية ناقصة ومبتورة، فإن التوافق القلق والهش دون أدنى شك أفضل من الاحتراب والاقتتال، الأمر الذي هو بحاجة إلى بحث في إطار التوافق اللبناني، دون نكء للجراح في عدالة انتقالية، مع تنازلات متبادلة واعتراف مجتمعي على أساس التسامح وعدم تكرار ما حصل.
ولا بدّ من إدراج تجربة المغرب كإحدى أهم التجارب العربية والدولية في إمكانية الانتقال الديمقراطي السلمي من داخل السلطة، خصوصاً بإشراك المعارضة التي كان في مقدمتها عبد الرحمن اليوسفي الذي تم تعيينه رئيساً للوزراء (الوزير الأول)، وفتح ملفات الاختفاء القسري والتعذيب، وفيما بعد تشكيل هيئة الإنصاف والمصالحة، وتعويض الضحايا، والعمل على إصلاح وتأهيل عدد غير قليل من المؤسسات.

وقد بدأت فكرة العدالة الانتقالية تدخل الأدب الحقوقي والسياسي الحقوقي على المستوى العربي، ابتداءً من المغرب العربي ومروراً بمصر، ووصولاً إلى دول المشرق العربي، والأمر له علاقة بانتشار الثقافة الديمقراطية بشكل عام والثقافة الحقوقية بشكل خاص، لاسيما ارتباط ذلك بانبثاق العديد من مؤسسات المجتمع المدني ونشاطها وفاعليتها، وخصوصاً بعد انتهاء عهد الحرب الباردة وموجة التغيير التي اجتاحت أوروبا الشرقية، وقادت إلى تحوّلات ديمقراطية أنهت الأنظمة الشمولية، وفتحت الباب على مصراعيه لإشاعة الحريات، وتعزيز دور المجتمع المدني، وإعلاء شأن الفرد، وتقليص توجه الدولة للتدخل في الشؤون الاقتصادية، وغيرها من التوجهات الانفتاحية التي انتقلت إلى العديد من دول أميركا اللاتينية وبعض بلدان آسيا وأفريقيا، حيث اعتبرت الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان القيمة العليا التي يقاس بموجبها تقدم أي مجتمع، وهو الأمر الذي يفترض علاقة جديدة بين الحاكم والمحكوم على أساس اختيار المحكومين للحكام بشكل دوري، وفصل السلطات، وتأكيد استقلال القضاء، وإعمال مبدأ سيادة القانون ومبادئ المساواة والمواطنة.
وإذا كان مثل هذا التوجّه يرتكز على قواعد عامة مشتركة تمثّل المشترك الإنساني، فإن لكل بلد خصوصيته، ولا تشبه عملية انتقال ديمقراطي غيرها من العمليات، نظراً لاختلاف التطور السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والتاريخي، على الرغم من المشتركات بين الأمم والشعوب.
ولعل هذه المسألة تنطبق -إلى حدود كبيرة- على مسألة العدالة الانتقالية المطروحة اليوم بشدة بعد انتفاضات الربيع العربي الناجحة منها أو تلك التي تنتظر إجراء تغييرات من شأنها أن تحتاج إلى الإفادة من المبادئ العامة للعدالة الانتقالية، على الرغم من أن لكل تجربة عربية نكهتها الخاصة ومذاقها المختلف، وذلك بحكم التطور التاريخي واصطفافات القوى والطبقات الاجتماعية والدينية والإثنية، وتنوّع الفاعليات والأنشطة السياسية والفكرية، فضلاً عن طريقة الانتقال، وحجم العنف، وتراكم الفساد المالي والاداري، وغيره من المشكلات.
وإذا كان هدف هذا المقال البحث في التجارب الدولية لمقاربتها من زاويتها الفكرية والمبادئ العامة وظروف التطبيق، فإن الغرض يتركز على الإفادة من النجاحات التي حققتها، وبالقدر نفسه التوقف عند أخطائها وثغراتها وعيوبها لتجاوزها وتجنبها وعدم الوقوع فيها، ذلك أن أي عملية تقليد أو تكرار لنموذج ما دون الأخذ بنظر الاعتبار خصوصية كل تجربة سيكون تشويهاً للنموذج الأول، وإكراهاً للنموذج الثاني، فللأول سياقاته وظروفه الناجحة والفاشلة، وللثاني أوضاعه الخاصة وتركيباته المختلفة، ولا يمكن زرع بذرة في بيئة غير ملائمة، مما سيؤدي إلى عدم نموها، ولو تمت فسيكون نموّها لأجل قصير، ومن بعد ذلك تذوي وتموت. وكلا الحالين ينذران بالمخاطر، مما يؤدي إلى ضياع الزمن والجهد والموارد دون طائل أو جدوى تذكر.
لكن حقيقة الحاجة إلى تجارب دولية تبقى مهمة وقائمة لاستلهام الدروس والعِبَر والإفادة منهما بشفافية وانفتاح، وهذه مسألة ضرورية لتحصين التجارب الخاصة وجعلها بعيدة عن التقوقع والانغلاق من جهة، وفي الوقت نفسه ملاحظة التمايز بين التجارب بحيث لا تقود التجربة العالمية إلى استنساخ مشوه أو تقليد أعمى، الأمر الذي يحتاج إلى معرفة ودراية بظروف كل بلد لإنجاز مشروع عقد جديد لتنظيم علاقة الحاكم بالمحكوم فيه، تلك التي يمكن أن تندرج فيها مبادئ وقواعد ذات طابع قيمي، حيث تتحول إلى مبادئ دستورية عليا، بما فيها ما ينطبق على العدالة الانتقالية لأن ذلك يمس جوهر التحول الديمقراطي ومحتواه اللاحق. وبقدر احترام الخصوصيات والتمسك بها، فالأمر يحتاج إلى الاطلاع على التجارب ودراستها لاستكمال صورة التغيير على المستوى الكوني والبحث في المشترك الإنساني.
إن تجربة تونس لا تشبه تجربة مصر، مثلما أن تجربة ليبيا لا تشبه تجربة اليمن، وتجربة المغرب مختلفة عن تجربة العراق، مثلما تختلف تجربة الأردن عن تجربة سوريا، حتى وإن كان هناك الكثير من المشتركات بينها.
يعتقد البعض أحياناً أن مجرد انهيار نظام تسلطي واستبدادي يعني الاقتصاص من جميع أركانه وعناصره، وقد لا يريد انتظار الإجراءات القانونية والقضائية لبطئها، وقد يكون لعدم جدواها في إنزال العقاب بالمتهمين بالارتكاب، لاسيما بعد مضي زمن ليس بالقصير، ناهيكم عن التحوّطات التي كانت تضعها الأنظمة السابقة للإفلات من العقاب، وقد يندفع بعضهم الآخر لأخذ العقاب بنفسه طالما أن "الجميع" يعرف أن هناك ارتكابات، ومثل هذا الأمر لا يجمعه جامع مع العدالة الانتقالية التي تتطلب حكم القانون في ظرف استثنائي وضمن أوضاع انتقالية، أما العقاب السياسي الجماعي فليس ذلك سوى عدالة انتقامية.
أما العدالة الانتقائية فنقصد بها معاقبة البعض وإهمال البعض الآخر لاعتبارات تمييزية دينية أو طائفية أو اجتماعية أو سياسية أو غير ذلك، والعقوبة الانتقامية أو الانتقائية تؤدي إلى إثارة الكراهية والبغضاء والثأر والأحقاد، وتعطّل وتعرقل عملية الانتقال الديمقراطي الذي هو الأساس والهدف للعدالة الانتقالية، وهو ما أخذت به مبادئ شيكاغو التي تتلخص في محاكمة المشتبه في ارتكابهم لانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، وإبراز الحق في الحقيقة، وتشجّع التحقيقات الرسمية في الانتهاكات السابقة عن طريق لجان لتقصّي الحقائق أو هيئات أخرى، والاعتراف بالوضع الخاص للضحايا، وضمان وصولهم إلى العدالة، كما تعدّ سبل جبر الضرر وتحقيق الإنصاف وتنفيذ سياسة العقوبات والإجراءات الإدارية ودعم البرامج الرسمية والمبادرات الشعبية لتخليد ذكرى الضحايا، وتثقيف المجتمع فيما يتعلق بالعنف السياسي الماضي وتخليد الذاكرة التاريخية.
كما أن من واجب الدول أن تدعم وتحترم الوسائل التقليدية والأهلية والدينية في التعاطي مع الانتهاكات السابقة، والمشاركة في الإصلاح المؤسسي لدعم سيادة القانون، واستعادة ثقة الجمهور، وتعزيز الحقوق الأساسية، ودعم الحكم الرشيد، ولعل تلك الحزمة من الأسئلة ستكون موضوع بحث ونقاش وجدل ليس بين النخبة والباحثين والمتخصصين فحسب، بل على صعيد الفاعلين السياسيين والفكريين من جهة، وفي الشارع من جهة أخرى، خصوصاً وهي تواجه جميع التجارب التي شهدت الربيع العربي!



191
الشبيبي والبنك المركزي: قضية رأي عام!
عبد الحسين شعبان
باحث ومفكر عربي

اللغم الذي ظل غير موقوت انفجر على نحو مفاجئ حين صدرت مذكرة إلقاء القبض بحق محافظ البنك المركزي الدكتور سنان الشبيبي، فمنذ أكثر من عام تردّد عن وجود خلافات بين رئيس الوزراء نوري المالكي والدكتور الشبيبي، لاعتذار الأخير عن قبول طلب لإقراض الحكومة بمبلغ خمسة مليارات دولار. ولعلّ اعتذار الشبيبي يعود إلى استقلالية  البنك المركزي وقانونه الخاص. وأشيع أن قرار الإحالة جاء جرّاء تأثر سعر الصرف للدينار العراقي على خلفية سوء إدارة أو فساد، علماً بأن العملة العراقية لم تشهد أية تغييرات دراماتيكية منذ العام 2004 ولحد الآن، باستثناء الفترة الأخيرة.
وتردّد أيضاً، وهو ما نقله لي أحد أقطاب العملية السياسية، أن قرار الإقالة بحق الشبيبي كان قد اتخذ قبل بضعة شهور، ونتيجة وساطات وتدخلات أطراف وشخصيات غير قليلة تم إلغاءه أو تأجيل تنفيذه، وعندما سافر الشبيبي في زيارة رسمية إلى اليابان صدرت مذكرة الاعتقال بحقّه، خصوصاً وأن الموضوع جاء على لسان بعض النواب في البرلمان، إضافة إلى ما تناوله الإعلام.
إن صدور مذكرة الاعتقال وسحب اليد من الوظيفة، والشبيبي خارج العراق،  يضع أكثر من سؤال حول التوقيت الذي كثيراً ما تكرّر مثلما حصل بالنسبة لطارق الهاشمي نائب رئيس الجمهورية، وذلك على خلفية اتهامه بالارهاب وبحق عدد من الوزراء والمسؤولين الآخرين، الأمر الذي يعطي انطباعاً بالاستهداف والتبييت وربما الانتقام. ولعل ذلك يتجلّى من المقصد والدلالة، خصوصاً عندما يكون المسؤول خارج العراق، فهل يعني الإشارة إليه بعدم العودة؟
وبغضّ النظر عن الاتهام ومدى صدقيته أو عدمها، فإن المتهمين الذين يتم اتهامهم لا يعودون إلى العراق ليواجهوا الأمر، لأنهم جميعاً "يتفقون" وهو أمر يثير الاستغراب، على أن القضاء غير مستقل، وأنه مسيس، وأن التهمة كيدية، وأن تآمراً قد تم نسجه على نحو بارع للإيقاع بهم، والمسألة تتكرر في كل مرّة، في حين أنهم لم ينبسوا ببنت شفة قبل ذلك. وقد تشمل قوائم الاتهام في المستقبل بعض الساكتين اليوم الذين من يتم غضّ الطرف عنهم أو أنهم ابتعدوا عن دائرة الضوء، حيث تردّد أن مفوضية النزاهة بحوزتها ملفات أكثر من 1000 شخصية رسمية مسؤولة متهمة بالفساد، بما فيها 15 وزيراً سابقاً وعدد من النواب وعشرات من وكلاء الوزراء والمدراء العامين.
مشكلة البنك المركزي لا تتعلق بشخصية سنان الشبيبي المستقلة أو إدائه الشخصي أو مهنيته أو كفاءته، بل تتعلق بعموم العملية السياسية وعلاقات الفرقاء وطرق التفكير السائدة والوعي القانوني عموماً، لاسيما بين الوظيفة العامة والشأن السياسي أو الشخصي. قد تكون ثمة أخطاء أو نواقص أو حتى فساد وقع فيه البنك المركزي بما فيها محافظه، وليس بالضرورة عن سوء قصد، وقد يكون سوء إدارة، حتى وإن تحمّل المسؤولية القانونية، لكن طريقة المعالجة لا ينبغي أن تتسم بالتشهير والإساءة وإصدار الأحكام حتى قبل التحقيق بالقضية وحتى قبل أن يتقرر ما إذا كان الأمر يستحق الذهاب إلى القضاء، وهو الجهة الوحيدة التي من حقها ومن واجبها النظر في مثل هذه القضايا التي تصله وترفع إليه.
وفي الكثير من الحالات وصلت القضية إلى الاعلام قبل أن تصل إلى الجهة ذات العلاقة، والإعلام بطبيعة الحال سيؤثر على سلطة القضاء، لأنه قد يصدر أحكامه قبل دفع القضية إلى السلطة القضائية، وذلك وفقاً لتوجّهات حكومية وامتثالاً وتساوقاً مع ما تريده السلطة التنفيذية أحياناً. وسيؤدي مثل هذا الأمر حتى وإن ذهبت القضية إلى القضاء، إلى تعرّض القضاة إلى ضغوط نفسية ومعنوية ومعلوماتية قد تكون مشوهة أو ملتبسة، ستؤثر على قرارهم وبالتالي ستلحق الضرر بمبادئ العدالة وبالمتهم بالدرجة الأساسية، لا سيما إذا كان بريئاً، وحتى لو تمت تبرئته فإن ضرراً معنوياً سيلحق به وبسمعته. وتزداد المسألة خطوة عندما تكون السلطة الاعلامية، "صاحبة الجلالة"، قوية ومؤثرة، لا سيّما إذا كانت سلبية، بحيث يخشاها القضاء، الذي سيكون موقفه ضعيفاً، خصوصاً إذا ما أدرك أن وراء حملة التشهير، الاعلام الرسمي ومن ورائه الحكومة.
هكذا يتم التأثير على قرار القضاء مسبقاً ويحدّ من دوره واستقلاله، وهناك أمثلة كثيرة في الحاضر والماضي على ذلك، حيث لعبت الضغوط والآراء المسبقة دورها السلبي في التأثير على العدالة، خصوصاً إذا ما شعر القاضي خشية من السلطة التنفيذية، أو تهديداً، وقد كان اغتيال عدد من القضاة في العراق واحداً من أسباب اختلال بعض الأحكام، فضلاً عن تداخلاته الاجتماعية.
ولعلّ الحديث عن المعايير الدولية للمحاكمة العادلة تتطلب وجود قضاء مستقل، فهذا الأخير هو المعيار الحقيقي للنظم الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان، تلك التي تتطلب مجتمعات حرّة وأفراد قادرين على مراقبة نزاهة القضاء. وحسب مونتسكيو وكتابه " روح الشرائع" فالحرية تنعدم إنْ لم يكن القضاء مستقلاً ومنفصلاً عن سلطة التشريع (البرلمان)، أما إذا تماهت السلطة القضائية مع السلطة التنفيذية أو خضعت لها فسيكون القاضي إما طاغياً أو منفذاً لأوامر متنفذين وطغاة يتدخلون في شؤون القضاء ويؤثرون على أحكامه.
وذهبت المادة 11 من الاعلان العالمي لحقوق الإنسان لتأكيد المبدأ القانوني "المتهم بريء حتى تثبت إدانته" في " محكمة علنية" مع توفير ضمانات الدفاع عن النفس، في حين أن الإعلان العالمي لاستقلال القضاء الصادر في العام 1983 عن مؤتمر مونتريال (كندا) أكّد على " حرية القاضي في الفصل في الدعوى دون تحيّز أو تأثير أو الخضوع لأية ضغوط أو إغراءات..." وهو ما أكّده إعلان ميلانو (إيطاليا) لعام 1985 الذي أقرّته الجمعية العامة للأمم المتحدة، ومؤتمر منع الجريمة المنعقد في العام 1990 بخصوص مبادئ الأمم المتحدة بشأن المحامين ومثلما هناك حقوق للمتهم خلال المحاكمة، فهناك حقوق تسبق المحاكمة وأخرى تعقبها.
إن المتابع للشأن السياسي العراقي، لاسيما للمواقف الحادّة والمفاجئة للعديد من القوى والأشخاص يدرك حقيقة أن ما حصل للشبيبي، قد يطال غيره، طالما كانت الثقة ضعيفة والشفافية هشّة والمساءلة مؤجلة، والأكثر من ذلك غياب معايير الحكم والتقويم في إطار مسؤولية الدولة، ومن جهة أخرى فالأمر قد يتكرر طالما سكت الآخرون عمّا يجري، في حين إن المسألة تتعلق بنظام إدارة الدولة ككل، وهو لا يتعلق بامتيازات لهذه الكتلة أو تلك أو لهذا الشخص أو ذاك، فقد جرى التدخل بعدد من الهيئات المستقلة، مثل مفوضية الانتخابات، ومفوضية النزاهة، وغيرها دون وضع حد لذلك باستثناء بعض الاعتراضات  التي تتعلق بالحصص والنسب الطائفية والإثنية.
ولأن الشبيبي خبير اقتصادي مستقل فإن فرصه في الدفاع ستكون أضعف من غيره، ولأن الحملة التي استهدفته قبل التحقيق كانت واسعة وخطيرة فإن قضيته ينبغي أن تتحول إلى قضية رأي عام، إذ أن ما حصل فيها كان أقرب إلى عمل الأحزاب السرّية والحركات والأنظمة الشمولية، حين يختلف أحد معها فتنزل عليه معاول التشهير والإساءة بهدف الانتقام، وقد كان النظام السابق بارعاً في ذلك.
لقد عرفت الشبيبي في الستينيات من القرن الماضي، يوم تزاملنا في جامعة بغداد "كلية الاقتصاد والعلوم السياسية"، وكان يسبقني بصف واحد، وعندما تخرّج قبلي بسنة عيّن "أستاذاً معيداً" لأنه كان الأول على دفعته، وأتذكّر أننا دعوناه لمشاركتنا في سفرة خاصة باتحاد الطلبة إلى سدّة الهندية، وكان هدفها انقاذ إثنين من الذين هربوا من سجن الحلة (1967) حيث تم حفر نفق لتهريب السجناء السياسيين، وعندما انحرفت السيارة في طريق خاص وغير مبلط استغرب، وحينها همسنا بأذنه وقبل صعود "الرفيقين" بأن هذا عمل إنساني بمن انقطعت به السبل، وفي موقع علاوي الحلّة أفرغنا السيارة من الركاب، وبقينا فيها خمسة أشخاص أتذكر منهم سامي مهدي الهاشمي (الذي اغتيل في العام 1968) أي بعد عام واحد من التاريخ المذكور، وسليم الربيعي، إضافة إلى الشخصين الآخرين، وأحدهما هو شقيق سامي الهاشمي(سعدون الهاشمي) الذي كان محكوماً لمدة 20 عاماً (كان قد قضى منها نحو ستة سنوات قبل هروبه) والشخص الثاني الذي نسيت اسمه وأنا، واختفى الهاشمي في منطقة الزوية في بغداد لعدة أيام، ثم أخذ يزورنا غير آبه بما قد يحصل له ولنا، وبعد نحو عام غادر العراق وأصبح أحد قادة المقاومة الفلسطينية لاحقاً.
أكمل الشبيبي دراسته في بريطانيا ونال شهادة الدكتوراه في الاقتصاد، ثم عمل في الأمم المتحدة في جنيف، وشارك مع أديب الجادر ومهدي الحافظ في مناقشات ما سمي باللجنة الاستشارية، كما حضر مؤتمر صلاح الدين في العام 1992، ومعه شقيقه أكرم الشبيبي أيضاً، وكان قد وصل إلى كردستان عبر طهران.
   أقول ذلك الآن لأن الكثير من الأصوات حاولت الإساءة إليه، مستغلة عدم وجود جماعة سياسية تدافع عنه، مشككة بمهنيته وتاريخه، علماً بأنه نجل الشخصية الوطنية والعلمية الكبيرة الشيخ محمد رضا الشبيبي وقد قدمت عائلته للأدب والثقافة والوطنية العراقية شخصيات لامعة، كما أن شقيقه أسعد الشبيبي اختفى قسرياً في ظل النظام السابق وقيل أنه تمت تصفيته مطلع الثمانينيات.
   لعلّ القصد من هذه المرافعة ليس الدفاع عن الشبيبي، وإنما إجلاء ملابسات إقالة محافظ البنك المركزي، وذلك دفاعاً عن الحقيقة وعن النزاهة والعدالة، لا سيّما وأنها قضية رأي عام ينبغي أن يكون له دوره الذي يستأهله!



192
برزخ العنف والوعي الشقي   

عبدالحسين شعبان
هل انكسرت موجة التغيير عند شواطئ الواقع أم أن رياحه تلاشت أو تقهقرت أمام حدّته؟ وإذا كانت الثورات العربية لا سيما في تونس ومصر وليبيا واليمن قد أنجزت مهمتها الأولى بتغيير الأنظمة السابقة، فهل ستواصل المشوار لتحقيق التغيير الاجتماعي المنشود، وخصوصاً الأهداف التي دعت لها كالحرية والكرامة ومحاربة الفساد وصولاً إلى العدالة الاجتماعية، الطموح البعيد المدى والهدف الذي ترنو إليه . ولعلّ السؤال الذي يواجه الباحث ويعبّر عن قلق وتبرّم أوساط اجتماعية واسعة يتلخّص في المنعطف الذي وصلت إليه الثورات، إضافة إلى الكبوات التي صادفتها، ومن ثم التحديات التي تواجهها، خصوصاً بعد أن عادت واصطدمت بصخرة الواقع لكلّ ما يزخر به من مألوف وسائد وتقليدي وصراع وكوابح كثيرة .

التحالف بين أصحاب السلطة وأهل الثروة الذي بدا وكأنه انهزم يحاول العودة بأشكال مختلفة، خصوصاً بالتغلغل بوسائل ناعمة، بعد أن حاول القضاء على حركة الاحتجاج بالوسائل الخشنة، وقد كان تلوّث بعض الثورات بالعنف سبباً في احتدام المشهد، ففي ليبيا فقّس التدخل الخارجي العسكري بيضاً كثيراً حين تغذّى من العنف الذي لم يلد الاّ العنف، وفي سوريا دخلت عوامل مريبة وغريبة على الحركة الاحتجاجية السلمية التي استمرت لستة أشهر تقريباً ليصبح الصراع عنفياً بامتياز، لاسيما بعد أن تم رفض المطالب الشعبية واللجوء إلى الخيار الأمني والعسكري والعنفي .

كثير من الاحلام تصدّعت، بل كثير من الخيبات نشأت، حتى إن باحثاً جاداً مثل عبد الاله بلقزيز اختار عنواناً لكتابه عن الربيع العربي »ثورات وخيبات«، وهو دليل على ارتفاع سقف المخاوف الكثيرة التي أعقبت الثورات والتي دفعت إلى الواجهة حركات إسلامية لتتصدر المشهد، الأمر الذي أثار قلق الكثير من الأوساط التي حلمت بديمقراطية وحرّيات وانفتاح تعقب الأنظمة الدكتاتورية والاستبدادية، وإذا بها تواجه أنماطاً جديدة من الأفكار والممارسات الشمولية، على الرغم من أن طابع الأنظمة الانتقالية الجديدة لم يستقر بعد، وما زال محطّ صراع وجدل، سواء من خلال مناقشات مشاريع الدساتير أو عبر انتخابات مرحلية أو أولية عكست اختلالاً في توازن القوى، بين حركات إسلامية مستعدّة ولديها قاعدة تقليدية، وبين حركات علمانية، يسارية وديمقراطية وليبرالية، لكنها ضعيفة وليس لديها جاهزية فكرية أو تنظيمية حركية، وبدت متشتتة ومتناقضة وغريبة عن الواقع أحياناً .

هل يدعو الأمر للتشاؤم والقنوط أم يستوجب عملاً طويلاً ومضنياً وبالتدريج كما يقال ولكن بالضبط، خصوصاً وقد استرخى البعض لأحلامه أو أوهامه، بإمكانية الانتقال السلمي السريعإلى الديمقراطية وذلك بعيداً عن التفاؤل المفرط، لدرجة السذاجة أحياناً؟

الصورة الرومانسية التي تشكّلت في مخيّلات الكثير من الشابات والشبان وربما لدى جيل أكبر منهم سرعان ما اختفت في إطار معادلات جديدة وعُقد تاريخية مزمنة وواقع صلب مثل جلمود، سياسياً واجتماعياً ودينياً حيث فعلت فيه القوى التقليدية المستحكمة باستمرار فعلها من خلال بقايا السلطة والثروة، ومرجعيات قائمة يمكن تغيير هواها بسهولة، مثلما فعلت فيها الثقافة السائدة نتاج الوعي الشحيح في المجتمع قبلياً وطائفياً وإثنياً وغير ذلك .

سرعان ما فقد البعض ثقته مع خفوت البريق الأول للثورات ووهج حركة الاحتجاج، وكان للاعلام دور كبير في الوصول إلى هذه النتائج بسرعة خارقة، فمثلما ساهم في تحطيم صورة الرمز الأولى للحاكم، التي جرى تضخيمها سابقاً فهو المناضل، العالِم، الفيلسوف، الإنسان، فقد ساهم لاحقاً بدوره في إظهار صورة العنف والضعف لحركة الاحتجاج، بعد صورتها الجميلة الموحدة، المتسامحة، الشبابية، حيث كان دور المرأة كبيراً، مثلما ظهرت معها قيم السلام والتسامح والمحبة، ولكن سرعان ما ظهرت صور أخرى من خلال تقنيات جديدة معولمة لتقول هناك من يقوم بتهديم الدولة، أو الهيمنة عليها، ولا فرق في ذلك من قام بتفجير الثورة أو حاول وضع اليد عليها أو سرقتها، فالأمر يتعلق بدرجة الوعي والمصالح الآنية واللاحقة، ومقابل ذلك فهناك من انخرط في برزخ العنف في لحظة جزع ويأس وانسحاق .

الثورة توقظ أفضل ما في الإنسان من قيم نبيلة من حرية وشجاعة وإيثار وصدق وعدل وشراكة، مثلما تظهر نقيضها من جبن وخسّة وخنوع وغدر وأنانية وعدوانية، ولعلّ ميدان التحرير في القاهرة كان النموذج الباهر لإنسانية الإنسان ولصورة المصري البسيطة الشفيفة المتعاونة والأصيلة، في حين ما أعقب ذلك من سرقات وفساد وهدر للمال العام والخاص وعدائية واستعداد للجريمة، كان من إفرازات الثورات ولا سيّما في المراحل الانتقالية وفي مرحلة تزعزع هيبة الدولة .

أما إذا أردنا الحديث عن العنف فإنه لم يلوّث الثورات فحسب، بل لوّث النفوس والضمائر وجعل كل ما هو لا إنساني طاغياً، لا سيما وقد اتخذ تهديم المباني والمرافق والمنازل والاستحواذ على المال العام والخاص بعد أن استمرأ القتل وسيلة، ضد القانون وقد شهدنا ما حصل في العديد من البلدان ما بعد التغيير من عبث وتجاوز وأنانية وانفلات .

الصورة التي أظهرها الاعلام في المرّة الأولى في ميدان التحرير في القاهرة وسواها من الميادين هي حامل فكري عفوي وتلقائي، لدلالة الحدث والمكان، وهذا الأخير مؤشر على طبيعة الحراك الاجتماعي والطبقي حين يتجاور الجميع في هارموني منظور وغير منظور ليخاطب الحاكم بالرحيل بوسائل سلمية حضارية متمدنة، وليقابل الرصاص والبلطجة بصدور عارية، بما فيها ما حدث من واقعة الجمل التي لها مغزى كبير، وإنْ كان الأمر يتكرّر حين يقوم رجال من السلطة يرتدون ملابس مدنية بأعمال بلطجة أو شبيحة أو شقاوة في محاولة للتملّص من المسؤولية، وبدلاً من أن تتمسك السلطة بالقانون تقوم هي بمخالفته واختراقه، مشجعة الجماعات المسلحة على فعل ذلك . إنها تختار دور عصابة بدلاً من دولة، حيث تمارس العنف لتختلط أوراقه وليصيب الجميع رذاذه السام!

العنف لا يبني دولة أو وطناً، إنه يؤدي إلى الفوضى ويفكك المجتمع، أياً كانت أهدافه، والتغيير العنيف يؤدي إلى رد فعل عنيف وهكذا، حيث لا يمكن معالجة العنف بالعنف، والمطلوب هو بناء دولة وتحقيق المثل وليس تهديم أو تحطيم مؤسسات قائمة، حتى وإن كانت غير سليمة، ولكن البناء يحتاج إلى تراكم وتطور بطيء وتدريجي، أما التفكير الانقلابي، فإنه لا يستطيع البناء الاّ بالإلغاء والإقصاء الذي سيولّد ردود فعل حادة، في حين أن ما يحتاج إليه المجتمع هو إعادة البناء وإعادة التفكير بمشروع الدولة، لإصلاحه وتطويره وليس الانقلاب على الدولة .

قد يحصل التغيير في نظام الحكم، لكن التغيير الحقيقي المنشود لم يحدث، والمهم هو تغيير المجتمع بصورة سلمية تطورية تواصلية تفاعلية، لأن العنف مرعب وغير معلوم الحدود، فضلاً عن نتائجه غير المحسوبة، ولا يمكن مقابلة الجنون الاّ بالعقل والعقلانية والبناء وإعادة النظر بالماضي لا بتكراره، بحاضر جديد يختلف في التوجهات، لكنه يؤدي إلى نتائج مماثلة أحياناً، فالجنون لا يقابل بالجنون، مثلما لا يقابل العنف بالعنف .

لعلّ حديث الثورات السائد في الخمسينات كان يقوم على العنف لترسّخ اعتقاد مفاده عدم إمكانية نجاح الثورات ما لم تستخدم العنف باعتباره » قاطرة التاريخ«، حسب كارل ماركس، وكلما كانت المغالاة باستخدام العنف أو الدعوة لاستخدامه فإن ذلك يعني دليلاً على »ثورية« الحزب أو الحركة أو الإنسان، في حين أن الثورية هي موقف من الحياة والكون والتغيير، وها هو التغيير في أوروبا الغربية ما بعد الحرب العالمية الثانية، يحصل بالسلم حتى وإن كانت المواجهة رأس حربة فيه، كما حصل في البرتغال العام 1974 حين تم القضاء على دكتاتورية سالازار وفي إسبانيا بعد موت فرانكو وفي اليونان، حين اتجهت هذه البلدان نحو الديمقراطية، من خلال جمعيات تأسيسية وإجراء انتخابات وإعداد دستور تعددي وتأكيد تداولية السلطة سلمياً .

ومن ثورة القرنفل البرتغالية إلى الثورات المخملية في أوروبا الشرقية وتواصلاً مع ثورة الحجارة ضد العدو »الإسرائيلي« تحققت تغييرات مهمة، وإن كانت بعض التصدعات قد حصلت في رومانيا وفيما بعد في يوغسلافيا والاتحاد السوفييتي السابق التي قادت إلى احترابات ونزاعات، لكن خط التطور السلمي كان صاعداً، والفضاء التواصلي كان ممكناً، حيث غابت صورة القائد الصنم والزعيم المخلّد والملهم المخلص »المعبود« والمقدس وفوق حدود النقد .

لقد أفرزت الانتفاضات نمطاً جديداً من التفكير والممارسة متقدماً وشجاعاً على الرغم من التشوش والالتباس لاحقاً، مثلما ساهمت في تعميق الوعي الثقافي المحلي المتفاعل مع الوعي العالمي . وأدرك جيل الشباب الذي كان جمجمة الثورات وسواعدها أن التشدق بالشعارات وببعض السفسطات الآيديولوجية أو التعويذات الدينية لن يوصله إلى شاطئ الأمان بحكم سياسات استبداد طويلة الأمد واحتكار الحاكم لجميع مرافق السياسة والإدارة والاقتصاد والثقافة والاعلام في الدولة، الأمر الذي يحتاج إلى وسائل سلمية جديدة لإرغام الحاكم على الامتثال لرأي الشعب .

وإذا ما كانت حسابات الحقل غير منطبقة على حسابات البيدر، فهذا أمر شهدته وستشهده جميع الثورات بحكم الموروث والسائد والتقليدي، ولكن سيكون ذلك لحين حتى وإنْ بدت الصورة اليوم عكس ذلك، خصوصاً حدّة الواقع وذبول عملية التغيير، لكن حاجز الخوف الذي انكسر، لا يمكن إعادته، فقد انتقل الخوف من ضفة المحكومين إلى ضفة الحكّام ومثل هذا الانتقال هو مفتاح التغيير وعلّة الأمل على حد تعبير غسّان سلامة .


193
ما ينتظره مسلمو ميانمار   

 
عبدالحسين شعبان
كاد بث الفيلم المسيء إلى الرسول محمد صلى الله عليه وسلم . عبر الإنترنت لمخرجه نيقولا باسيلي والبالغ 13 دقيقة، أن يسرق الأضواء عن مجزرة تم ارتكابها بصمت ضد مسلمي ميانمار، ولاتزال تداعياتها منذ أسابيع مستمرة، ولكن التحرّك لوضع حد لمعاناتهم ظلّت دون المستوى المطلوب . صحيح أن هناك إدانات واستنكارات، لكن نبرتها ظلّت خافتة وتأثيراتها محدودة . ولعل أهم تحرّك كان هو ما بحثه مؤتمر القمة الإسلامية الاستثنائية المنعقد في مكة بتاريخ 14 - 15 أغسطس/ آب الماضي حين استنكر فيه المجتمعون ما تقوم به حكومة اتحاد ميانمار ضد جماعة الروهينغيا »المسلمة« . ولم يكتف البيان بذلك، بل أوصى بإيفاد بعثة تقصّي حقائق من منظمة التعاون الإسلامي لمتابعة الأمر وتشكيل فريق اتصال للغرض ذاته .

إذا كانت تلك الخطوة إيجابية والمبادرة طيبة، لكن كيف السبيل إلى وقف سياسة العنف المنفلت من عقاله ووضع حد للتنكيل المنهجي الذي تقوم به سلطات ميانمار، سواء على صعيد دور منظمة التعاون الإسلامي ودولها كل على إنفراد، لاسيما أن المبادرة جاءت من المملكة العربية السعودية، وخادم الحرمين الشريفين الذي تبرع بمبلغ 50 مليون دولار للتخفيف من معاناة مسلمي ميانمار، وللتضامن مع الضحايا وأسرهم، أو على صعيد دور المجتمع الدولي، وهيئة الأمم المتحدة وبقية المنظمات الدولية، وخصوصاً مجلس حقوق الإنسان الدولي والمنظمات غير الحكومية للضغط على حكومة ميانمار وإجبارها على الامتثال لقواعد القانون الدولي الخاصة بحماية التكوينات المختلفة في مجتمع متعدد الانتماءات، بما يحفظ حقوقها ويمنع الاعتداء أو التغوّل عليها .

جدير بالذكر أن سياسة تهميش وإقصاء منهجيين تقوم بها حكومة ميانمار ضد جماعة الروهينغيا »المسلمة«، وقد اندلعت في الأسابيع الماضية موجة من العنف شملت آلاف المسلمين من دون أن تتخذ حكومة ميانمار أية وسائل وقائية أو تدابير أمنية ضرورية لوقفه، وإعادة الأمن والاستقرار إلى نصابهما، والشروع بوضع حد لمأساة المسلمين وتأمين حقوق جميع السكان بما يشجّع على عملية التأهيل والمصالحة .

ولعلّ الأكثر من ذلك، أن المساعدات الإنسانية المرسلة إلى الجماعة المسلمة وللأشخاص المتضررين تعرضت إلى عرقلة تكاد تكون متعمّدة في ظل شعور بانعدام الثقة وضعف المواطنة والتمييز بين السكان على أساس الدين، لا سيما في إقليم راخين .

إن الجرائم بحق جماعة الروهينغيا »المسلمة« تقترب من جرائم الإبادة والجرائم ضد الإنسانية، تلك التي يحاسب عليها القانون الدولي، بل يُلاحَق المتهمون بارتكابها أياً كانت جنسياتهم، انسجاماً مع قواعده المعاصرة وتجاربه التاريخية، لا سيّما محاكمات مجرمي الحرب في محكمتي نورنمبرغ وطوكيو، إضافة إلى النظام الأساس للمحكمة الجنائية الدولية التي أسست في يوليو/ تموز العام 1998 ودخلت حيّز التنفيذ في العام ،2002 وكان على مجلس الأمن الطلب لإحالة المتهمين بارتكاب جرائم في ميانمار إلى القضاء الدولي، وكذلك كان يفترض بالمدعي العام الدولي ملاحقة المتهمين، كما فعل في حالات أخرى، منها حالة الرئيس السوداني عمر البشير .

كما كان يفترض بالدول الإسلامية اتخاذ مواقف أكثر حزماً، لا سيّما من الدول الموقّعة والمصدّقة على نظام روما، وذلك بالتوجّه إلى إقامة الدعوى ضد حكومة ميانمار واتخاذ جميع الوسائل المشروعة السياسية والاقتصادية والدبلوماسية لإجبارها على الامتثال لاحترام قواعد القانون الدولي والاتفاقيات الدولية بشأن حقوق الإنسان، خصوصاً إعلان حقوق الأقليات الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة لعام 1992 .

ولا يمكن إغفال المضمون العنصري لما قامت به حكومة ميانمار من أعمال منافية لأبسط القواعد الإنسانية والقانونية الدولية، ولذلك كان صمت المجتمع الدولي وعدم إدانته لتلك الأعمال الإجرامية بمثابة تواطؤ، خصوصاً أن المحكمة الجنائية الدولية ترتّب التزامات قانونية دولية في المساءلة على مثل هذه الارتكابات، ولا سيّما إزاء القواعد العامة الملزمة للقانون الدولي Jus Cogens، وبالدرجة الأساسية للمواد 5 و6 و7 من نظامها الأساسي . بحيث يكون تحرك مجلس الأمن ملزماً قراراً بالملاحقة بموجب المادة ،15 علماً أن نزف الدم لايزال مستمراً وآثاره عميقة، ولا سيّما من قبل جماعة »الماغ« البوذية المتطرفة، التي أعلنت الحرب »المقدسة« ضد المسلمين، وهو ما يذكّر بالمذبحة التي ارتكبتها هذه الجماعة في العام ،1942 تلك التي راح ضحيتها أكثر من 000 .100 (مئة ألف) مسلم وشرّد بسببها مئات الألوف .

وحتى المنظمات الدولية كان موقفها ليس بمستوى المسؤولية، سواء اللجنة الدولية للصليب الأحمر أو مجلس حقوق الإنسان أو المنظمات غير الحكومية مثل منظمة العفو الدولية ومنظمة مراقبة حقوق الإنسان والفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان .

إن الأقلية المسلمة في ميانمار تحتاج إلى الحماية القانونية الدولية وفقاً لما ينظّمه القانون الدولي من قواعد واتفاقات دولية شارعة أي ملزمة، إضافة إلى المواثيق الدولية لشرعة حقوق الإنسان، سواء الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر في العام 1948 أو العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الصادر العام 1966 والذي دخل حيّز التنفيذ في العام 1976 واكتسب صفة ملزمة .

وقد كان موضوع حقوق الأشخاص المنتمين إلى أقليات قومية أو أثنية وإلى أقليات دينية أو لغوية محطّ بحث ونقاش دولي لفترات طويلة، وتمخّض ذلك بإصدار إعلان حقوق الأقليات العام 1992 بهدف تعزيز حقوقها وتأمين حمايتها ولا سيما بتأكيده »حق تمتع الأقليات بثقافتها والمجاهرة بدينها وممارسة واستخدام لغتها وإقامة الاتصالات مع سائر أعضاء جماعة الأقلية عبر الحدود، ومع مواطني الدول الأخرى الذين تربطهم معه صلات قومية أو دينية أو أثنية أو لغوية« .

وألزم الإعلان الحكومات المعنية (في المجتمعات المتعددة)، على اتخاذ التدابير الإيجابية لتعزيز الحريات الأساسية للأشخاص المنتمين إلى الأقليات ومنها التعليم والثقافة، وضرورة حماية وجودها وهويتها القومية أو الأثنية أو الدينية أو اللغوية، واشترط ضرورة إتاحة الحريات لأبناء الأقليات للمشاركة الفعّالة في شؤون الدولة، وفي اتخاذ القرارات المتعلقة بالإقليم الذي يقيمون فيه وفي القرارات التي تخصّ الأقلية نفسها .

ولعلّ هذا الإعلان كان الأساس الذي استند إليه إعلان حقوق الشعوب الأصلية الصادر عن الأمم المتحدة في 13 سبتمبر/ أيلول العام ،2007 الأمر الذي يستوجب تعديل قوانين الدول بما يضمن حقوق الأقليات والشعوب الأصلية .

وعلى الرغم من أن مصطلح »الأقليات« مستخدم في الأمم المتحدة ووثائقها وأروقتها، خصوصاً »بإعلان حقوق الأقليات« Minority rights  أو »إعلان حقوق الشعوب الأصلية«، فإنني أميل إلى استخدام مصطلح »التنوّع الثقافي« والتعددية الدينية أو الأثنية أو اللغوية أو غيرها، وأجده الأقرب إلى مبادئ المساواة والتكافؤ وعدم التمييز، بغضّ النظر عن حجم التكوينات وعددها، أقلية أو أكثرية، وذلك في إطار الحقوق المتساوية، لا سيّما حقوق المواطنة .

وسيكون مثل هذا الفهم مدخلاً سليماً لدراسة موضوع الأقليات الذي نستخدمه مجازاً بما يعني المجتمع المتعدد الثقافات، مثلما هو المجتمع البورمي المتنوّع والمتعدّد الثقافات والأديان، حيث سيكون استخدامنا من زاوية الإقرار بالتنوّع والتعددية الثقافية، لا سيّما حين يُراد فرض حدود وحواجز بين الأديان والقوميات والثقافات والحضارات، حيث يريد البعض نسف الجسور التي تربط بينها، لا عبورها بهدف التقارب والحوار والتفاعل والتواصل والبحث عن المشترك الإنساني الجامع .

إن هذا الوضع هو الذي ينطبق على مسلمي ميانمار الذين يحتاجون إلى جهد عربي وإسلامي ودولي لوقف المجزرة أولاً وضمان حمايتهم القانونية في الحاضر والمستقبل، فضلاً عن الاعتراف بخصوصيتهم وهويتهم الفرعية في إطار الهوية البورمية العامة المتعددة والموحّدة، وذلك بما ينسجم مع الفكرة الكونية والشرعة الدولية للحقوق الإنسانية .



194
"اللاعنف" هل هو منتج غربي؟   

 
عبدالحسين شعبان
في أوضاعنا الراهنة، وحيث يسود العنف إلى درجة يكاد يطبع حياتنا، قد يبدو الانشغال بأفكار اللاعنف، وكأنه نوع من التعالي على الواقع بتعقيداته ومشكلاته وهمومه، لكن مثل هذا الاهتمام له ما يبرره، خصوصاً أن العنف لم يترك جانباً إلاّ ويهيمن عليه، ويقوم بتدميره . ومع ذلك فثقافة العنف لاتزال سائدة، الأمر الذي يحتاج إلى شجاعة استثنائية لاختيار اللاعنف طريقاً واعياً للتصدّي لمشكلات المجتمع .

 لعلّ أبسط ما يمكن أن تواجهه أفكار اللاعنف هو ردود فعل ستراوح بين السخرية والخيانة، ففي الأولى سيقال إنها أفكار مثالية وغير واقعية، الأمر الذي سيظهر دعاتها أقرب إلى اليوتوبيا، أما في الثانية فسيثير البعض عنها الكثير من الارتياب والشكوك، بل وسيعدها دليلاً للاستسلام والانهزامية، امتثالاً أو تواطؤاً مع ما تريده القوى الاستكبارية الغربية!

 لكن مثل ردود الفعل تلك ستكون قد حرّكت ما هو ساكن إلى درجة التحجّر أحياناً، لاسيما وقد أخذ التجاوب مع الخيارات اللاعنفية يشمل قطاعات غير قليلة، في حين ظلّ التردد سمة غالبة لآخرين تتقلّب بين خيارات اللاعنف وخيارات العنف، وأحياناً تستبدل الأولى بالثانية وربما يحصل العكس .

  ولأن مجتمعاتنا تعاني طغيان العنف، فإن الحاجة كبيرة جداً ليس إلى تعميم ثقافة اللاعنف تعويضاً عن استمرار فعل العنف، خصوصاً أن الجميع يعانيه، بل لجعل مثل هذا الخيار أمراً واقعاً ومقبولاً يمكن الركون إليه، وهدفاً ممكناً وقابلاً للتحقيق ويمكن الوصول إليه .

 ولأن العنف فشل فشلاً ذريعاً في أن يكون الحل للمعضلات القائمة، السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والقانونية والتاريخية والنفسية، فإن الكثير من دعاته انتقلوا إلى التبشير والدعوة لفكرة اللاعنف، بل إن بعضهم نبذ العنف وأسدل الستار على مرحلة كاملة من حياته استخدم فيها العنف أو أيّد استخدامه، خصوصاً عندما عدّه وسيلة لا غنى عنها لحل المشكلات، لاسيما بإرغام الآخر وإجباره على التسليم والخنوع .

ولعل العنف قادر على تلويث أية قضية نبيلة، حيث يقوم بتشويه طابعها الإنساني، وهكذا تتحوّل المسيحية بحكم العنف إلى محاكم تفتيش وحروب صليبية، والإسلام إلى تكفير وتأثيم وإلغاء للآخر، والاشتراكية إلى استبداد وطغيان، والتحرير من الاحتلال الخارجي، إلى احتلال داخلي، وكل ذلك تجاوزاً على أفكار العدالة والحق والخير والجمال والسلام، غاية كل عمل شريف وإنساني .

ولكن هل العنف مدان بالمطلق؟ وماذا لو حصل العنف كرد فعل بسبب الغضب أو حالات من اليأس والقنوط، على نحو عفوي وفردي ضد محاولات القهر والإذلال والاستلاب؟ وبقدر تفهّم الأمر إنسانياً، وهو ما يحصل باستمرار ولا يمكن الحؤول دونه، فهذا شيء، أما محاولة تبريره أو أدلجته، فهذا شيء آخر، إذ إن تمجيد العنف أو تبرير استخدامه لتحقيق الغايات حتى وإن كانت شريفة، فالأمر مختلف تماماً . وكان فكرنا السائد وثقافتنا المعاصرة تزخر بتمجيد العنف بمصطلحات مثل: »العنف الثوري« و»العنف العادل« و»العنف الدفاعي« و»العنف الطبقي« و»العنف التحريري« و»العنف الإنساني« .

ولعلّ من يصل إلى السلطة بالعنف سيحكم بالعنف، وتلك عبرة التاريخ، والحصيلة هي هزيمة العدل والحق والسلام، وكان ميكافيللي هو من أدلج فكرة »الغاية تبرر الوسيلة« في كتابه »الأمير« . أما غاندي فقد كان نقيضه، حيث دعا إلى توحّد الغاية مع الوسيلة حين قال »الغاية هي الشجرة والوسيلة هي البذرة . إن الغاية موجودة في الوسيلة، كما أن الشجرة موجودة في البذرة« .

لعل مناسبة موضوع هذا الحديث هو حوار ونقاش جدي، مع مسؤولين رسميين في إقليم كردستان العراق بينهم وزراء التعليم العالي والتربية والعدل والداخلية والمعهد القضائي الأعلى، ونخب فكرية وثقافية وسياسية كردية وعربية عراقية بينها رئيس جامعة صلاح الدين ورئيس جامعة كردستان، وعميدا كلية القانون والسياسة (أربيل) وكلية الآداب لجامعة بابل (الحلّة)، خلال زيارة وفد جامعة اللاعنف . وكان الصديق جان ماري مولير الفيلسوف الفرنسي الذي رفض الخدمة العسكرية في الجزائر ودخل السجن بسببها، كثيراً ما يردد في حواراته وفي محاضراته وآخرها في دار آراس بأربيل: إذا كنّا لا نستطيع التحكّم بالغايات، فبإمكاننا التحكّم بالوسائل، وهذا سيعني التحكّم بالغاية من خلال الوسيلة، فالغاية هي مجردة، أما الوسيلة فهي ملموسة، وفي حين تُعنى الغاية بالمستقبل، فإن الوسيلة تُعنى بالحاضر .

أما المفكر العربي اللاعنفي وليد صليبي، ففي كتابه التأصيلي لفكرة اللاعنف »نعم للمقاومة، لا للعنف«، فإنه يَعد الوسيلة هي المعيار الأساس لشرف الغاية، حيث يقول: تبدو الغايات جميلة وكأنها متشابهة، لكن الفرق يكمن في الوسائل، فهي المقياس الوحيد لتقويم الأفكار والغايات التي تسعى إلى تحقيقها .

  وبهذا المعنى سيكون هناك تلازم عضوي بين الغاية والوسيلة، وتلك مسألة جوهرية وأساسية وليست عابرة أو ثانوية، فالسياسة من دون أخلاق تغدو بشعة وكريهة، لهذا بات من الضروري أن تكون السياسة أخلاقية لتكون فاعلة، لأن فاعليتها تُقاس بمدى تحقيق غاياتها النبيلة، ولعل إسقاط الخصم أو إطاحته ليس انتصاراً، إن لم يؤدِ إلى تحقيق الغايات الشريفة .

العنف يحتاج إلى بديل ولا بديل سوى اللاعنف والتسامح والتعايش والتواصل الحضاري والتفاعل الثقافي . ولكن ذلك لا يأتي بين عشية وضحاها، إنه يحتاج إلى عمل تراكمي، تدرّجي وتواصلي، أي عمل من دون انقطاع لنشر فكرة اللاعنف، باعتبارها الطريق القويم إلى تنمية المجتمعات .

ولكن، هل يعني خيار اللاعنف، تخفيض خيار المقاومة، أو استبدال وسائلها العنفية بوسائل لا عنفية؟ وانطلاقاً من تجربة انتفاضة الحجارة التي اندلعت في أواخر العام 1987 ضد الاحتلال »الإسرائيلي« واستمرت بضع سنوات، فقد أنجزت عملاً كبيراً لم يكن من الممكن إنجازه باستخدام العنف، وتلك إحدى تجارب المقاومة الناجحة . وثمة سؤال قد يحتاج القارئ إلى استجلائه بصورة واضحة، فالكثير من الحساسيات وردود الفعل تأتي إذا كانت الأفكار والفلسفات قد جاءت من الغرب، وإنْ كان ليس للفكر جغرافيا أو جنسية أو دين أو قومية أو لغة، ومع ذلك، فإن بعض التيارات المتطرفة والمتعصبة تبدي تحفظات عليه، بل وترى المنجز الغربيّ مريباً، و»كل غريب مريب« حسب وجهات نظرها . ولكن ماذا بشأن اللاعنف؟!

  يقول جان ماري مولير الفيلسوف الفرنسي المعاصر لفلسفة اللاعنف: لقد تعلمت اللاعنف من الشرق، من مفكر ومناضل آسيوي اسمه غاندي الذي استطاع بفعل مقاومته اللاعنفية الانتصار على أكبر دولة استعمارية في وقتها »بريطانيا العظمى« . فغاندي بحكم فلسفته ونضاله استطاع أن يكون جسراً بين الشرق والغرب، بما حققه من إنجاز فكري وعملي، حين جمع أفضل ما في الحضارتين الغربية والشرقية لتحقيق منجز اللاعنف .

 وإذا كنّا قد قرأنا الكثير من الفلسفات المعاصرة، الليبرالية والرأسمالية والاشتراكية، فإننا لم نقرأ فلسفات الشرق، لاسيما فلسفة اللاعنف التي جاء بها غاندي، الأمر الذي نحتاج إلى أن ندخله في مناهجنا العلمية والتربوية وفي جامعاتنا ومدارسنا، خصوصاً أنّ التربية معمل لإنتاج العنف أو اللاعنف، علماً أن الثقافة السائدة لاتزال تمجّد العنف دليلاً على القوة والجبروت وقهر الآخر، وبقدر ما يكون العنف سلبياً هادماً، فإن اللاعنف إيجابي بنّاء .

ولعلّ الانسان بطبيعته لديه طاقات عنفية مثلما لديه طاقات لا عنفية، وإذا ما استطاع تخطّي ضعفه واللجوء إلى خيار اللاعنف، سيكون قد تجاوز في الآن ذاته، الواقع الذي يزخر بالعنف، منتصراً بذلك لا على الآخر فحسب، بل على ذاته أيضاً .

 هكذا آمن قادة غربيون بأفكار الشرق اللاعنفية التي بلورها وطبّقها بشكل مبدع وخلاّق غاندي، وعنه أخذ مارتن لوثر كنغ قوة المحبة من أجل الحقوق المدنية، واكتسب نضال نيلسون مانديلا طعماً جديداً من خلال التسامح والمصالحة . اللاعنف إذاً، منتج حضاري ومدني وعصري، والفكر منجز إنساني وهو القاسم المشترك الأعظم .



195
الأقليات في الدول الإسلامية المعاصرة
المسيحيون والصابئة المندائيون في العراق نموذجاً!
تمهيد
يثير مصطلح " الأقليات" إلتباساً في المعنى والدلالة وزاوية النظر إليها، مثلما يثير ردود فعل متباينة من خارجها ومن داخلها، إزاء موقعها القانوني والاجتماعي والثقافي والسياسي، لاسيما بخصوص الحقوق والواجبات وما يترتب عليها من مسؤوليات.
وعلى الرغم من أن المصطلح مستخدم من جانب الأمم المتحدة، خصوصاً "بإعلان حقوق الأقليات"Minority rights (1) أو "إعلان حقوق الشعوب الأصلية"(2)، لكنني أميل إلى استخدام مصطلح " التنوّع الثقافي" والتعددية الدينية أو الإثنية أو اللغوية أو غيرها، وأجده الأقرب إلى مبادئ المساواة والتكافؤ وعدم التمييز، بغض النظر عن حجم التكوينات وعددها، أقلية أو أكثرية، وذلك في إطار الحقوق المتساوية، لاسيما حقوق المواطنة.
وسيكون هذا المنطلق مدخلاً لدراسة موضوع الأقليات الذي سنستخدمه مجازاً بما يعني المجتمع المتعدد الثقافات، مثلما هو المجتمع العراقي المتنوّع والمتعدد الثقافات والأديان، حيث سيكون استخدامنا من زاوية الإقرار بالتنوّع والتعددية الثقافية وليس طبقاً للنظرة التي سادت في سنوات ما بعد الاحتلال المتعلقة بنظام المحاصصة الطائفية- الإثنية، تلك التي تختزل المجتمع العراقي الموحد، المتعدد، المتنوّع، إلى مجرد مكوّنات وكأنه جزرٌ متباعدة أو حتى متناحرة، لاسيما حين يُراد فرض حدود وحواجز بين الأديان والقوميات
ــــــــــــــ
•   بحث منشور في كتاب شهري يصدره مركز المسبار للدراسات والبحوث، دولة الإمارات العربية المتحدة، 2012.
والطوائف، حيث لا جسور تربط بينها ولا يمكن عبورها أو حتى التفكير بإلغائها ولو افتراضياً، وهكذا ستلغى الهوّية الجامعة، ذات الأركان الوطنية العراقية الموحّدة، التي عاشت تحت ظلالها الأديان والقوميات والطوائف، وإنْ لم تتمتع بالمساواة والتكافؤ بسبب سياسات لأنظمة حكم سلطوية واستبدادية، وثقافة سائدة ومهيمنة وأخرى مطلوب منها أن تكون تابعة أو مستتبعة، دون أن يعني عدم وجود مشتركات إنسانية تجمعها، باعتبارها الأساس في هوّيتها المتعددة والموحدة في آن،  حتى وإنْ كان لها هوّيتها الفرعية أو الخصوصية الثقافية دينياً أو قومياً أو حتى مذهبياً، وهو أمرٌ طبيعي في الغالبية الساحقة من المجتمعات البشرية.
وقد سبق للروائي اللبناني العالمي أمين معلوف أن بحث في كتابه الموسوم " الهوّيات القاتلة" وقد مثّل هو شخصياً هذا البُعد المتحرك في الهوّية بحمله الثقافتين العربية والفرنسية وقدرته في أن يكون جسراً للتواصل بين هوّيات مزدوجة متعددة ومتنوّعة وبينها هارموني منسجم (3). وقد توقف عند هذه المسألة المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد في كتابه "خارج المكان" الذي هو بحث في الهوّية التي ظلّت تشكل هاجسه الإنساني (4). وكان أدونيس في كتابه " موسيقى الحوت الأزرق" (5) قد ناقش فكرة الهوّية مستهلاً بعبارة قرآنية تضيء بقدَمِها نفسه حداثتنا نفسها، بمعايشة الآخر داخل حركته العقلية ذاتها في لغته وإبداعاته وحياته اليومية، أي الحركة بين الانفصال والاتصال في آن، فالهوّية ليست سوى معطىً ثابتاً، بل هي متحركة وتتأثر بغيرها. وقد يحمل الإنسان أكثر من هوّية في إطار من التعايش والانسجام، بل والتفاعل والتكامل الذي لا فكاك منه.
لهذا فإن استخدام مفهوم "الأقلية" و"الأكثرية"، سيحمل في ثناياه معنى التسيّد من جهة، والخضوع أو الاستتباع من جهة أخرى، أي اللامساواة، وذلك سيكون انتقاصاً من دين أو قومية أو لغة أو غيرها من المكوّنات بزعم كونها أقلية، فضلاً عن تعارضه مع مبدأ التكافؤ والمساواة في الحقوق ، فحق المسلم مثل حق المسيحي وغيره من أبناء الأديان الأخرى، مثلما هو حق الكردي مثل حق العربي، دون أي افتئات أو استصغار من هذا المكوّن أو ذاك على أساس عددي، فذلك سيعني مخالفة صريحة لمبادئ الشرعة الدولية لحقوق الانسان، التي تقول ديباجته بالاعتراف بالكرامة الأصلية لجميع أعضاء الأسرة البشرية وبحقوقهم المتساوية الثابتة، التي هي أساس الحرية والعدل والسلام في العالم... حيث يولد جميع الناس أحراراً متساويين في الكرامة والحقوق، وقد وهبوا عقلاً وضميراً، وعليهم أن يعامل بعضهم بعضاً بروح الإخاء، كما جاء في المادة الأولى (6).
ولذلك لا ينبغي أن يشمل مصطلح الأقليات، القوميات أو الأديان، بل هو أقرب إلى التوازنات والاصطفافات السياسية في البرلمان وخارجه، وفي تمثيل القوى السياسية أو المهنية أو النقابية أو مؤسسات المجتمع المدني. أما بخصوص القوميات والأديان واللغات والأصول السلالية والإثنية، فينبغي أن تكون على قدر من واحد من المساواة، لأن الأمر يتعلق بالحقوق، وهذه متساوية وتشمل جميع البشر، ولا يمكن التمييز بينهم بسبب عددهم: أقلية أو أكثرية، كما أن هذه الحقوق شاملة وعامة، وتخصّ الإنسان بغض النظر عن عرقه ودينه وقوميته ولغته  وجنسه وأصله الاجتماعي، وهي حقوق، لا يمكن تجزئتها أو الانتقاص منها أو المفاضلة بينها  لأي سبب كان.
وإذا كان المجتمع العراقي يتكون من العرب والكرد والتركمان والكلدان والأشوريين، وغيرهم كتكوينات قومية وإثنية، فإنه في الوقت نفسه يتألف من المسلمين والمسيحيين   والصابئة (المندائيين) والإيزيديين واليهود كأديان تاريخية(7)، يضاف إليها الشبك والكاكائين وغيرهم. وتنقسم الديانة الإسلامية والمسيحية، إلى طوائف في العراق، حيث يتوزّع المسلمون على طائفتين كبيرتين هما: السنّة والشيعة، ويتألف المسيحيون من الكاثوليك والروم والسريان الآرثوذكس والبروتستانت والأرمن.
وتتنوّع اللغات في العراق، بين العربية التي يتحدث بها سكان العراق بشكل عام إلى الكردية والتركمانية والسريانية والأرمنية وغيرها، وأحياناً تتعايش الإثنيات والسلالات والأديان والطوائف واللغات في أمكنة واحدة متداخلة ومتجاورة ومنسجمة، لاسيما في المدن الكبرى مثل بغداد وأحيائها الكثيرة التداخل والاختلاط، والبصرة والموصل وكركوك وغيرها، وتلك إحدى سمات الدولة العراقية مجتمعياً.
ولم يعرف العراق المعاصر أية احتدامات دينية أو طائفية، الاّ باستثناءات محدودة ولظروف خاصة، كما أنها لم تكن ظاهرة عامة، بل كانت سرعان ما تنتهي أو يتم تطويقها، خصوصاً بالاجتماع الوطني والشعارات ذات الهوّية العراقية الجامعة، وإنْ كان الأمر يتم أحياناً على حساب الهوّيات الفرعية، لكنه في الوقت نفسه يمتص عوامل الاصطدام أو الاحتكاك ويعظّم من عوامل التعايش والمشترك الإنساني دون إهمال المطالبة بالحقوق، ولاسيما بالمساواة والمواطنة، ليس فقط من أبناء الأقليات حسب، بل من عموم أبناء الشعب العراقي، لاسيما من القوى الوطنية العراقية، وخصوصاً قوى اليسار والتيار الديمقراطي والليبرالي، الذي كان وجودهما مؤثراً في العراق، في فترة العهد الملكي بكاملها أو خلال فترة الحكم الجمهوري ولاسيما لسنوات الستينيات.


قلق ومخاوف
لقد ساور الكثير من أبناء "الأقليات" مخاوف وقلق إزاء مصيرها ومستقبلها، لاسيما بعد الاحتلال الأمريكي للعراق وارتفاع نبرة الكراهية والإقصاء والتوجّهات الطائفية والمذهبية، خصوصاً من جانب بعض الجماعات السياسية التي ادّعت أنها تنطق باسم الأغلبيات أو حتى أنها تمثلها أو تعبّر عنها، وذلك في محاولة لفرض التقاسم المذهبي والإثني ليصبح أمراً واقعاً.
وقد سادت موجة الاحتدام الطائفي والإثني التي اتّسمت بالتكفير والتأثيم ومحاولات تسييد نمط ديني أو طائفي على الآخرين، وكان لتنظيم القاعدة وممارسته أعمال إرهاب دوراً كبيراً في ذلك، فضلاً عن بعض الجماعات المتطرفة الشيعية أو السنّية، بحيث شملت عملياتها كل من يخالفها بالدين والمذهب والرأي، وإنْ كان ما قاموا به من ممارسات لا علاقة له بالدين أو بالقيم الإنسانية والأخلاقية، لكن انعكاساته كانت كبيرة على أبناء الديانات والقوميات الأخرى، فضلاً عن أبناء الطوائف الأخرى، وبالطبع فإن أكثر ما يتأثر به هو أبناء "الأقليات"، حيث يكون استهدافهم استئصالياً، لكونهم ينتمون أو ينحدرون من أديان أو أصول أخرى، فضلاً  عن طوائفهم المختلفة.
ومثل تلك الممارسات اتّخذت مبررات مختلفة تارة دينية إقصائية ضد الآخر وأخرى كونهم طابوراً خامساً، لاسيما وقد عمل بعضهم مع الأمريكان بصفة مترجمين أو لتسهيل بعض أعمالهم الخدمية، وربما اتّهم بعضهم بأنه من أنصار النظام السابق، ورابعة ذهبوا "فرق عملة" كما يقال، أي لتصفية الحسابات بين المجموعات الطائفية، ولاسيما في الطريق إلى عمليات التطهير الطائفي والمذهبي والإثني، وخامسة لتشويش وارتباك المواقف واختلاطها، وخصوصاً لإضاعة الأثر، وكل ذلك كان يشكّل ذرائع جديدة للتطهير الطائفي والإثني، وهو الأمر الذي شمل مئات الألوف من الفريقين السني والشيعي، لكنه كان أشد قسوة على الأقليات، لاسيما المسيحيين والمندائيين (الصابئة) والإيزيديين وغيرهم، الذين بدأ عددهم يتناقص على نحو ملفت، لدرجة أن الفسيسفاء العراقية الملّونة موزائيكياً، بدت أكثر شحوباً، حيث هاجر ما يزيد عن ثلثي من تبقى من الصابئة، فبعد أن كان عددهم قبيل الحرب العراقية- الإيرانية نحو 70 ألفاً، انخفض هذا العدد إلى النصف حتى الاحتلال الأمريكي للعراق، وقد هاجر ثلثي هؤلاء، بعد احتلال العراق ولم يبق منهم أكثر من 5 آلاف صابئي، كما تعرض الإيزيديين إلى عمليات تطهير وإجلاء وتفجيرات (8)
سببان مشروعان للقلق
ولعل قلق ومخاوف أبناء الأقليات إتّسعت لسببين أساسيين الأول: هو ما صاحب الإحتلال والإطاحة بالنظام الدكتاتوري السابق وما أعقبهما من فوضى وأعمال عنف استهدفت بهذا القدر أو ذاك التنوّعات الثقافية، سواءً المسيحيين أو الصابئة المندائيين أو الإيزيدين أو التركمان أو غيرهم من الكرد، ولاسيما الفيلية في بعض المناطق، فضلاً عن أن الإرهاب شمل التكوينات المختلفة التي شهدت تململات لا تزال تمور في أحشائها، لكنه لم يجرِ التعبير عنها على نحو واضح ومعلن، على الرغم من الإرهاصات التي ظهرت هنا وهناك بشكل محدود، وخصوصاً بعد ردود الفعل.
وبالطبع فقد كان هناك طرف قوي أو أطراف قوية وأخرى ضعيفة وأصبحت هذه الأخيرة مهدّدة بوجودها واستمرارها بعدما تعرضت له من استهدافات وانتهاكات، الأمر الذي لم يبق أمام الكثيرين من أفرادها سوى الهجرة في الغالب. وإذا كانت بعض الأطراف القوية والقريبة من السلطة لديها مليشيات، فالإقليات أو المجموعات الثقافية لا تملك سوى وجودها الانساني والحضاري، ولم تكن في يوم من الأيام حاكمة أو قريبة من السلطة، كما لم تكن لديها ميليشيات، لا في السابق ولا في الحاضر، بل إنها فئات وتكوينات مسالمة وتحاول قدر الامكان أن تتجنب أي اصطدام أو أعمال عنف لأنها ستكون الخاسرة بلا أدنى شك والضحية باستمرار.
والثاني هو صعود التيار الإسلامي، في العراق بجميع تكويناته، فضلاً عن النفوذ الإيراني الذي عرف بتوجهه المذهبي الآيديولوجي وهو تيار بالمعلن أو المستتر، بالشريعة أو دونها، يحاول أن يفرض شكلاً من أشكال الهيمنة بحجة أنه أغلبية، ولاسيما عددية، وأحياناً أغلبية طائفية، ومثل هذا الأمر انعكس على بلدان الربيع العربي، لاسيما في تونس ومصر والمغرب حيث فازت القوى الإسلامية في أول انتخابات بعد الربيع العربي، ناهيكم عن انتعاشه في ليبيا واليمن وسوريا والبحرين، وهي الدول التي شهدت حركات احتجاج واسعة تكلّل بعضها بتغيير الأنظمة السابقة، وظلّت تراوح في بعضها الآخر، الأمر الذي زاد من المخاوف المشروعة في الغالب، خصوصاً ما أثير من علاقة الدين بالدولة فضلاً عن علاقته بمفهوم الهوّية والحقوق الفردية والجماعية ومبادئ المواطنة والمساواة والمشاركة في إدارة الحكم وتولّي المناصب العليا، لاسيما بالنسبة "للأقليات"، وكذلك في الموقف من حقوق المرأة!(9)
ولعل الحذر لدرجة الهلع أحياناً من تكرار موجة العنف والتطرّف والتعصّب وتفجيرات الكنائس والاختطاف الذي تعرّض له المسيحيون وكنائسهم ومقدساتهم، كان الهاجس العام لهم ولبقية الأقليات، بعد الموجة الطائفية التي بلغت ذروتها في العام 2006، حتى وإن انتشرت مثلها في المجتمع ككل، لكن تأثيرها على الأقليات كان واسعاً وعميقاً، حيث بدأت بعض ملامح ووجهة الدولة ومستقبلها تتحدّدان، الأمر الذي لم يكن خارج نطاق أعمال " بلطجة" وعنف منفلت من عقاله، لاسيما لمليشيات قريبة من السلطة، رافقت بعض التغييرات حيث انطلق ذلك من قاع المجتمع في لحظة ضعف الدولة وانهيار أو تفكّك بعض مؤسساتها في وقت بالغ الدقة، ولاسيما في غياب رؤية موحدة وعدم القدرة على اتخاذ قرارات حاسمة والخوف من المساءلة عن أوضاع الماضي، وأوضاع الحاضر، وخصوصاً المتعلقة بالانتهاكات بشكل عام وانتهاك حقوق الأقليات بشكل خاص.
لقد انزلق العنف في العراق إلى منحدر مجتمعي تمارسه مجموعات ضد أخرى بدوافع مختلفة، فبعد أن كان العنف في العراق مقتصراً على الدولة ضد معارضتها أو مقاومة هذه المعارضة بالعنف ضد السلطة، لكنه خرج عن هذا السياق وانحدر إلى مستويات غير مسبوقة حيث أصبح يمارس باسم فئات أوطوائف لأسباب أحياناً يعجز الإنسان عن إدراك دوافعها الحقيقية، إذا استثنينا محاولة الهيمنة وإملاء الارادة.
الأقليات ومرجعية الدولة
لعل الحكومات العراقية السابقة في غالبيتها كانت تزعم سواءً تعبيراً أو تمثيلاً لطرف أساس سائد (أقلية أو أغلبية) على الأطراف الأخرى الخاضعة (أغلبية أو أقلية)، لا بالمعنى السياسي بل، بقدر علاقته بالتكوين القومي أو الديني أو المذهبي أو حتى الجهوي والمناطقي أحياناً، لأسباب تتعلق بالاستحكام بالسلطة أو الاستئثار فيها، من خلال شبكة من الأتباع والمريدين، لاسيما من ذات الجهة الحاكمة والمتحكّمة، الأمر الذي يطرح موضوع المواطنة على بساط البحث بشكل راهن وغير قابل للتأجيل، خصوصاً بسبب التمييز القومي والديني وعدم الاعتراف بالتنوّع الثقافي والتعددية المجتمعية، في بلد متعدد التكوينات الثقافية دينياً وقومياً ولغوياً. وهي المشكلة التي ظلّت تعاني منها الدولة العراقية منذ تأسيسها في 23 آب (أغسطس) العام 1921 وحتى العام 2003، حين وقع العراق تحت الاحتلال. (10)
ولأن الغالبية الساحقة من العراقيين وبسبب غياب أو ضعف الديمقراطية مفاهيماً وحقوقاً ومؤسسات وممارسات وشحّ الثقافة الحقوقية والقانونية، خصوصاً ثقافة حقوق الإنسان، فقد نظرت إلى التغييرات التي أرادتها وضحّت من أجلها، بشيء من الإرتياب بعد حسم الصراع مع السلطات الحاكمة السابقة، بل أنها ظلّت مذهولة وعاجزة أحياناً في ظل غياب مرجعية الدولة وإحداث نوع من الفراغ أوجدته نظرية الصدمة والترويع الأمريكية، فضلاً عن ما سمّي بالفوضى الخلاّقة، التي قامت على أساس التفكيك ومن ثم إعادة البناء بمواصفات المحتل والقوى التي تعاونت معه، فلجأ العراقيون في لحظة حساسة ودقيقة إلى المرجعيات الدينية والمذهبية والعشائرية والمناطقية تلك التي لها مكانتها الكبيرة، لكنها لا تمثّل مرجعية جامعة، بقدر ما تمثّله من هوّيات فرعية، سواءً كانت دينية أو إثنية أو طائفية، وبكل الأحوال ومع احترام خصوصيتها، فإنها لا ترتقي إلى الهوّيات  الجمعية الموحّدة.
ولعل تلك المسألة أحدثت نوعاً من الاستقطاب الطائفي والمذهبي والديني والاثني، تم تغذيته في ظروف الصراع المحموم والرغبة في الحصول على المكاسب وبتشجيع من القوى الخارجية المحتلة، الأمر الذي كان أولى ضحاياه هم أبناء الأقليات والجماعات الثقافية الدينية والقومية.
لقد كانت مرجعية الدولة بغض النظر عن الموقف منها مرجعية وطنية موحِّدة ، حتى وإن اختلفنا حول طبيعة الدولة، لاسيما الاختلال في تأسيسها واستبداد أجهزة الحكم والسلطة، خصوصاً تماهي السلطة مع الدولة في محاولة ابتلاعها وعدم التفريق بينهما، لكن غياب تلك المرجعية على ضعفها وعوارها ساعد في ظهور الهوّيات الفرعية، وهو أمر لا بدّ له أنه يظهر في ظل عوامل الكبت والاستلاب، ولكن ظهوره بهذا الشكل كان على حساب الهوّية الوطنية العامة، التي ينبغي أن لا تلغي الهوّيات الفرعية، بل تقوم على احترام خصوصياتها وحقوقها، وتعضدّها لكي تعبّر عن نفسها في إطار مواطنة سليمة ومتكافئة، تلك التي كان فقدانها أو الانتقاص منها سبباً في الانقسام والتشظي الذي وصل إليه المجتمع العراقي بعد الاحتلال، الذي حاول تكريسه بصيغة مجلس الحكم الانتقالي وبناءً على قرار من بول بريمر الحاكم المدني الأمريكي للعراق (13 أيار (مايو) 2003- 28 حزيران (يونيو) 2004) وقد سارع التيار التقليدي ليتصدّر المشهد، ويسعى لملء الفراغ ونجح في ذلك، لاسيما الاتجاهات الدينية والمذهبية والإثنية، في محاولة لركوب الموجة وقيادتها، خصوصاً وقد كانت هذه التيارات قد تعرّضت إلى قمع شديد من الأنظمة السابقة(11).
وكان التيار الإسلامي، المعتدل أو المتطرف، بما فيه الإسلامويين، وإن اقتبس شعارات الديمقراطية وحاول التكيّف ببراغماتية عالية مع توجهاتها، ينظر إلى الغرب (باعتباره المنبع للفكرة الديمقراطية) بكثير من الشك معتبراً كل بضاعته مغشوشة أو غير صالحة للاستعمال في بلداننا، ساعياً إلى إعادة انتاج خطاب جديد، يروّج له، مستغلاً التضييق على نشاطه في السابق وملاحقته، ليتصدر الشارع السياسي، معتمداً على عدد من الجمعيات والمنظمات الدينية، المهنية والخيرية والإنسانية والخدمية التابعة للمرجعية الدينية، التي تماهت في الفترة الأولى مع التيارات الحزبية الإسلامية، للتبشير بآرائه، ناهيكم عن محاولة مدّ جسر بينه وبين الناس باعتباره الطريق الموصول بالله وباليوم الآخر، لاسيما بارتداء ثوب المرجعية بالنسبة لغلاة الشيعة وعلماء الدين لغلاة السنّة وبحثاً عن الشفاعة المنشودة، خصوصاً وأن كلا الفريقين يعتبر نفسه من الفرقة الناجية، مخطّئاً للآخرين ومستخفّاً بطقوسهم وشعائرهم.
وكانت تلك الجهود قد أثمرت عن فوز التيار الاسلامي الشيعي وبقيادة حزب الدعوة حيث توالى على رئاسة وزراء العراق في الدورة الأولى (الانتقالية) الدكتور ابراهيم الجعفري ولدورتين كاملتين نوري المالكي، وبالمعدّل فإنه منذ العام 2005 فإن حزب الدعوة وحلفاءه يعتبرون حكاماً فعليين، للعراق، في ظل انقسام طائفي وإثني، وقانون انتخابات لا ينجم عنه سوى نتائج مشابهة في ظل القائمة المغلقة في انتخابات العام 2005 ثم القائمة المفتوحة في انتخابات 2010، ولكن مع قاسم انتخابي ومقاعد تعويضية وأخرى للأقليات بما يكرّس التمترس الطائفي والإثني، فضلاً عن استمرار ظواهر المحاصصة والارهاب والفساد الإداري والمالي، تلك التي تطال الأقليات قبل غيرها، بل وتجعلها هدفاً سهلاً للميليشيات أو لسياسات التهميش والعزل.
ولذلك لم تكن النتائج التي أحرزها التيار الإسلامي الشيعي ونظيره السنّي مفاجئة تماماً، وإن كانت لبعضهم صدمة قوية، لأنها لم تدرك ولم تتحسّب ماذا يعني استمرار حكم الاستبداد لعقود من الزمان؟ وماذا يمكن أن ينتج من بدائل سياسية؟ وهو ما حاول النظام السابق، مثله مثل الأنظمة العربية السابقة قبل موجة الربيع العربي العزف على هذا الوتر، زاعمين أن بديلها سيكون متطرفين وربما ارهابيين من تنظيمات القاعدة أو غيرها، وفي أحسن الأحوال سيكون "الاسلاميون السلفيون" وهم جميعاً معادون للغرب بديلاً عنهم، حيث ستتهدد هوامش الحريات المحدودة وحقوق المرأة وستزداد معاناة الأقليات، لاسيما التلويح بتطبيق مبادئ الشريعة حسب التعاليم المتشدّدة السائدة لدى الجماعات الاسلامية، الأمر الذي كان رسالة للداخل من جهة وأخرى للخارج من جهة أخرى.
وإذا كان التيار الوسطي واليساري الماركسي والعروبي، الأقرب إلى العلماني والمدني والعقلاني والليبرالي هو من دفع أثماناً باهظة في الماضي، فإن التيار الإسلامي والإسلاموي هو الذي حصد نتائج ما بعد الحكم الدكتاتوري في العراق، وسواءً كان الأمر باستحقاق من خلال التعبئة والتحشيد والشحن الطائفي، أو دون استحقاق في لحظة فراغ تاريخية ولحظة تخدير للوعي، فإنه أصبح واقعاً وعلى الجميع التعامل مع هذه الحقيقة.
لقد أعاد التيار الإسلامي تنظيم نفسه وقواه على نحو سريع مستفيداً من امكاناته المالية واللوجستية وتأثيره العاطفي على الناس باستمرار تفاعله معهم من خلال اللقاءات اليومية في الجوامع والمساجد وأماكن العبادة، فضلاً عن دعم المرجعية، لدى الشيعة، وعلماء الدين لدى السنّة، خصوصاً وقد انقسمت وزارة الأوقاف العراقية إلى وقفين: شيعي وسني وسرت الدماء الطائفية في عروق الكثيرين، علماً وأن وظائف الدولة العليا بفعل نظام المحاصصة توزّعت على الطوائف، "ومن المشير إلى الخفير" كما يُقال، ولم تكن للكفاءة والمساواة أي اعتبار في ظل تلك الأوضاع وهو ما انعكس على ظروف الأقليات، لاسيما المسيحيين والصابئة وغيرهم.
ولمجرّد صعود التيار الإسلامي ساورت كثير من الشكوك المشروعة موقفه من الأقليات التي ظلّت "محرومة" إلى حدود غير قليلة من مواطنة متساوية ومتكافئة وعلى قدر من الندّية مع الآخرين، خصوصاً وأن التاريخ المعاصر للأقليات لقي مثل هذا التمييز أو العنف، سواءً كانت أقليات قومية أو إثنية أو دينية أو طائفية أو غيرها.
لقد إزدادت وتعاظمت مسألة الأقليات في البلدان العربية، بل أنها اشتبكت لدرجة التعقيد ووصلت في بعض البلدان إلى طريق مسدود لأنها لم تجد حلولاً عقلانية وعلى أساس المواطنة واحترام حقوق الإنسان ومبادئ المساواة وعدم التمييز، على الرغم من التطورات التي حصلت في العالم على هذا الصعيد، لاسيما في أوروبا التي شهدت حروباً طاحنة في القرون الوسطى، إلاّ أنها استقرت بإقرار الدولة المدنية وإعلان مبادئ المساواة طبقاً للقانون، تلك التي تعمّقت في القرن العشرين بخصوص حقوق المرأة والأقليات وحقوق الإنسان عموماً.
لقد عانت الأقليات في بلداننا العربية، وفي العراق بشكل خاص من إشكالات تاريخية كثيرة، ففي فترة الدولة العثمانية، ولاسيما الحقبة المتأخرة منها والتي عُرفت باسم الرجل المريض، سعى الغرب للتدخل فيها على نحو سافر، بحجة حماية الأقليات الدينية وضمان حقوقها(12)، ولم تكن فكرة الاعتراف بالمِلَلِ والنِحَلِ كافية لتلبية هذه الحقوق للولايات العثمانية وللأديان والقوميات المتكوّنة منها، وهذه الفترة هيّأت لفترة أخرى أعقبتها، خصوصاً بانتشار الوعي القومي من جهة، والشعور بالهوّية الدينية من جهة أخرى، واتخذت شكلاً آخر في فترة الاستعمار.
وكان يفترض بعد تأسيس الدولة العراقية في العام 1921 وفيما بعد استكمال استقلالها ودخولها عصبة الأمم في العام 1932 أن تبحث في حلول لمشكلة الأقليات على أساس المواطنة والمساواة والمبادئ الدستورية للدولة العصرية التي انتشرت في العالم، لاسيما في الفترة بين الحربين العالميتين الأولى والثانية، والفترة التي أعقبتها وذلك بعد انهيار الفاشية والنازية، وتأسيس منظمة الأمم المتحدة وإقرار مبدأ حق تقرير المصير كأحد أركان المبادئ الآمرة في القانون الدولي Jus Cogens وفيما بعد بإقرار الاعلان العالمي لحقوق الإنسان في العام 1948 باعتباره الشجرة الوارفة التي أثمرت عشرات الغصون والفروع طيلة السنوات الستين ونيّف، حيث تم إبرام نحو 100 إتفاقية دولية بهذا الخصوص.
لكن مشكلة الأقليات تفاقمت بالتدريج، وإذا كانت فترة العهد الملكي في العراق 1921-1958 قد اتسمت بأنها الأقل تمييزاً بخصوص الأقليات، فإنها شهدت احتدامات لاحقة بسبب تعقّد الوضع السياسي في العراق وظروف الحرب والحصار وفيما بعد الاحتلال التي عاظمت من مشكلة الأقليات، خصوصاً عدم الاعتراف بحقوقها وبالتعددية الثقافية والتنوّع الديني والقومي، الأمر الذي زاد الطين بلّة وعمّق من مشكلة الحكم، سواءً إزاء حقوق الكرد القومية، بما فيها حقهم في تقرير المصير واختيار شكل العلاقة مع أشقائهم عرب العراق، أو اعتماد مبدأ عدم التمييز والمساواة إزاء الأديان والتنوّعات الثقافية الأخرى، ولاسيما المسيحيين والصابئة المندائيين وبقية الأقليات، في حين كانت أوروبا الغربية قد وضعت اللمسات النهائية أو شبه النهائية للإقرار بالتنوّع والمساواة والمواطنة، ولحقت بها أوروبا الشرقية في أواخر الثمانينيات.
وإذا كانت القوى الوطنية العراقية ما بعد الاستقلال رفعت شعارات ما فوق دينية وما فوق إثنية أو مذهبية وسعت لعبور التكوينات المختلفة في إطار الدولة الوطنية وهو أمر صحيح، لكن ما كان ينقصه هو الاعتراف بالأقليات على القدر نفسه من المساواة، ناهيكم عن احترام خصوصياتها وهوّياتها الفرعية. وقد كان عدم الاعتراف، فضلاً عن التمييز سبباً في تعميق المشكلات، التي تراكمت وتعقّدت خصوصاً عندما صاحبها قمع وتهميش.
ولا شك أن مسألة التنوّع الثقافي التي وجدت لها أرضاً خصبة لدى أطراف سياسية يسارية وديمقراطية، وخصوصاً بالنسبة للكرد انعكس ذلك في الدساتير العراقية بعد ثورة 14 تموز (يوليو) العام 1958 وفي دستور العام 1970 وإن كان الأمر ظل دون حلول عملية باستمرار القمع والاضطهاد، لكن مسألة المساواة وعدم التمييز ظلّت إشكالية بالنسبة للأديان الأخرى وقد انتعشت في الثمانينيات وعشية انهيار النظام الدولي القديم القائم على القطبية الثنائية وانتهاء عهد الحرب الباردة وتحوّل الصراع الآيديولوجي من شكل إلى شكل آخر، الأمر الذي عزّز الشعور بضرورة انبعاث وتعزيز الهوّيات  الفرعية وإيجاد حلول عقلانية وعملية لمشكلة الأقلّيات، سواءً كانت قومية أو دينية أو غيرها.
ولم يعد بالإمكان غضّ النظر عن حقوق قوميات أو أديان تحت أية مبررات أو شعارات كبرى، سواءً مواجهة العدو الصهيوني أو الخطر الخارجي أو التفرّغ لبناء الدولة وتسليح جيشها وتدريبه، لأن بالاعتراف بالحقوق والحريات، لاسيما للأقليات، بإمكانه تعزيز المشاركة التي من شأنها تعميق التوجه نحو التنمية وتوسيع دائرة المواجهة مع الأخطار والتحديات الخارجية، وليس العكس.
ولم تكن المقايضات في قضايا الحريات والحقوق، لاسيما فرض ثقافة سائدة بحجة الأغلبية والتنكر لتعددية المجتمعات المتعددة الثقافات، كما هو المجتمع العراقي، سوى مبررات لأنظمة شمولية لتثبّت سلطاتها وادعاء أفضلياتها وزعم نطقها باسم الشعب كل الشعب، تارة باسم العروبة والوحدة ومواجهة العدو والخطر الأجنبي الذي يدّق على الأبواب، وثانية باسم مصالح الثورة ولاسيما الكادحين، وثالثة باسم الإسلام والشريعة، والحرام والحلال والمقدّس والمدنس بذريعة أنها تمثل السماء، كما هي الفترة الراهنة.
ولعلّ الجماعات الإرهابية لم تعطي نفسها حق تمثيل العدالة حسب، بل عملت على استخدام السلاح وأصدرت أحكاماً خارج القضاء، بل ونفذتها باسم الله لدرجة أن الذبح أصبح على الهويّة في بلد عرف التسامح والتعايش الديني والقومي مثل العراق، على الرغم من استمرار مشكلة الأقليات، وهكذا سعت المجموعات الإرهابية والميليشيات لتكون هي جهة التشريع والقضاء والتنفيذ في آن واحد دون أية قوانين أو مؤسسات شرعية أو رسمية ومعلنة، بل كان كل شيء يتم في الخفاء وفي ظروف بالغة السرّية.
أخطاء معتّقة
لم تتعامل الحكومات العراقية في العقود الثلاثة الماضية مع هذه الظواهر الجديدة والتطورات في موضوع الأقليات بشكل إيجابي وبإنفتاح لقبول الواقع القائم على التنوّع، وحاولت تسويف الاعتراف بالحقوق الحريات أو المداورة على حساب الأقليات أو إعلان بعض الحقوق والمراوغة عليها أو جعلها أقرب إلى مكرمات، ولكن الواقع الجديد، لاسيما الاحتلال كان هو الأسوء فيما يتعلق بالأقليات، لدرجة أن ما تعرّضت له من انتهاكات وارهاب أصبح أكثر إشكالية سواءً فكرية أو موقف استعلائي أو رغبة في الهيمنة أو سعي للانتقاص من الحقوق، والنظر إلى الأقليات بمنظار أدنى، بل أصبح الأمر تهديداً للوجود بالكامل في محاولة استئصال وإقصاء وتهجير.
وهكذا شعرت "الأقلّيات" لا الانتقاص من حقوقها فحسب، بالتهديد من فقدان أمنها وأمانها، ولهذا ظلّت تتقدّم خطوة أحياناً وتؤخر أخرى، لأنها غير متيقّنة أن وضعها اللاحق سيكون أحسن من وضعها السابق، على الرغم من معاناتها في ظل الحكم الدكتاتوري، لكنها كانت تعيش في ظل مجتمع يتقبّل وجودها ويحفظ أمنها وأمانها، حتى وإن كانت مبررات الدولة لا تأخذ بمبدأ المساواة والمواطنة المتكافئة، لكن المجتمع بشكل عام كان ينظر إليها نظرة إيجابية بشكل عام.
ولم نعرف أو نسمع أن ثمت استهدافات جماعية أو حتى فردية طالت الأقليات لكونها أقليات، وإن حصل الأمر على نحو محدود وفردي ولا يكاد يذكر وهو محصور جداً بظروف خاصة، في حين أن استهدافهم أصبح مجتمعياً من جانب جماعات متطرفة باسم الإسلام: سنة وشيعة، فضلاً عن التنظيمات الإرهابية مثل تنظيم القاعدة: والأكثر من ذلك هناك محاولات لإضفاء الطابع الإسلامي أو الإسلاموي على الدولة العراقية بشعارات استفزازية والقيام بأعمال عنفية، طالت الأقليات بمقدساتها وأفرادها، وهو أمرٌ لم يحصل في السابق منذ تأسيس الدولة العراقية وحتى وقوعها تحت الإحتلال.
   ولعل هذا ما حاول آلان جوبيه وزير خارجية فرنسا أن ينفخ فيه عندما قال: أن مسيحي الشرق قلقون على ديمومة وجودهم، ولاسيما في ظل صعود التوتر الطائفي، ولهذا ينبغي تفهّم مخاوفهم، وإذا كان هذا الكلام صحيحاً، فإن الوجه الآخر له ولكيلا يستغل ويستثمر على كونه كلام حق، حتى وإن أريد به باطل، ينبغي النظر إليه من زاوية مواقف الدولة العراقية ونواقصها إزاء مسألة حقوق المواطنة والمساواة وعدم التمييز. وإذا كانت شعارات الربيع العربي، تأمين الحرية والكرامة الإنسانية، فإن الحق في المواطنة المتساوية يكون في صلب أهدافه، ذلك لأن ضياع هذه الأهداف، سيكون ضياعاً للربيع العربي أو تأخيراً لنتائجه وزيادة في معاناة السكان التي طال انتظارها. (13)
   وقد دفعت أعمال عنف واسعة النطاق في العراق ضد المسيحيين والتنوّعات الثقافية الأخرى مثل الصابئة والأيزيديين والتركمان والشبك بما فيها تفجيرات لكنائس أو المطالبة بإقامة دولة إسلامية أو وضع المسيحيين والصابئة وغيرهم بين خيارين أما الدخول في الإسلام أو دفع الجزية، والاّ مغادرة البلاد، والاستيلاء أحياناً على بعض مساكنهم وبيوتهم، وهو ما أدى إلى زيادة درجة الاستقطاب والهلع من استهدافهم، وتهديد مصيرهم ووجودهم، فالارهاب والعنف ضدهم يختلف عن استهداف المكوّنات الأخرى مثل المسلمين أو العرب أو الكرد في كردستان أو المكوّنات الكبرى، لأنه مهما حصل فلن يؤدي إلى هجرتها كاملة أو زوال تأثيرها.(14)
وقد لعب تنظيم القاعدة في العراق وما سمّي بدولة الرافدين الاسلامية دوراً في إذكاء نار العداوة ضد الأقليات، فضلاً عن جماعات إسلامية متطرفة، سواءً تعلن مواقفها أو تضمرها أحياناً، ولكن بيئة التطرف والتعصب والإقصاء التي سادت في العراق، كانت مشجعة لاستهداف الأقليات، خصوصاً في ظل الفوضى، وهو ما حصل بُعيد الربيع العربي في العديد من البلدان العربية.
مشكلة المسيحيين العرب
عانت المنطقة من عناصر تطرف وتعصّب لرفض وجود المسيحيين العرب وجرت حملات منظمة معلنة ومستترة لاجلائهم، وبشكل خاص في إسرائيل بعد قيامها وطرد سكان البلاد الأصليين، ولاسيما باستهداف المسيحيين لكي يُقال أن الصراع ديني بين مسلمين ويهود وليس صراعاً وطنياً بين مستوطنين وكيان عنصري مغتصب وبين شعب عربي فيه مسلمون ومسيحيون ودروز ويهود كذلك. فبعد أن كانت نسبتهم في فلسطين تزيد عن 20% أصبحت اليوم نحو 1.5% وكان عددهم في القدس وحدها قبل العام 1948 نحو 50 ألف وإذا بها لا تزيد اليوم عن 5 آلاف. وحصلت هجرة مسيحية سورية أيضاً فبعد أن كان عدد المسيحيين ما يزيد عن 16% أصبح اليوم أقل 10%.
أما في العراق فقد هاجر ما يقارب ثلثي عدد المسيحيين خلال ثلاث فترات الأولى فترة الحرب العراقية- الإيرانية والثانية فترة الحصار الدولي، أما الثالثة فهي الأوسع والأشمل فقد كانت بعد الاحتلال الأمريكي للعراق في العام 2003، ولاشك أن النسبة الأكبر كانت خلال اندلاع موجة التطهير والقتل، ولاسيما في العام 2006- 2007. وإن كانت عملية نزوح داخلي بدأت من البصرة إلى بغداد وكذلك من الموصل وكركوك إلى بغداد، وفيما بعد إلى كردستان ومنها إلى الخارج.
وبعد أن كان عدد المسيحيين في العراق قبل الحرب العراقية- الإيرانية نحو مليون مسيحي في مجتمع لا يزيد عدد نفوسه عن 17 مليون إنسان، أصبح عددهم بعد ثلاثين عاماً أقل من نصف مليون، في حين أصبح سكان العراق أكثر من 30 مليوناً، علماً بأنه لا توجد إحصاءات دقيقة، وهذه هي إحصاءات تقريبية، ولكنها باعتقادي قريبة من الواقع.
وحصلت هجرة مسيحية كثيفة في لبنان أيضاً، فقد هاجر نحو 700 ألف لبناني من أصول مسيحية ومعظمهم من الكفاءات إلى الخارج، ولاسيما خلال الحرب الأهلية 1975-1990 وبُعيد اتفاق الطائف، ولم يسلم أقباط مصر من التمييز، وشهدت أحداث تفجير كنيسة الاسكندرية في العام 2011 وأحداث امبابة استخدام هذه الورقة، بل التعويل عليها أحياناً أما لاستمرار الاستبداد أو لجعل الاصطفاف دينياً، الأمر الذي يعقّد من مشكلة الأقليات، التي لا تتعلق باستبدال الأنظمة أو تغييرها، بل تتطلب تغيير العقليات المهيمنة واستبدال الثقافة السائدة ونشر الوعي الحقوقي والقانوني وتعزيز احترام حقوق الانسان، بل والعمل على وضعها أساساً في الدساتير والتشريعات لكفالة مبادئ المساواة والمواطنة والعدالة ولضمان حقوق الأقلّيات وهوّياتهم الثقافية وخصوصياتهم دينية كانت أم قومية، والأمر يحتاج أيضاً إلى إعادة النظر بالمناهج التربوية والتعليمية التي تحتوي على الكثير من الانتقاص من الأقليات أحياناً بل إنها تنظر إليهم باستصغار، وهذا يتطلّب أن يلعب الإعلام دوراً على هذا الصعيد وكذلك ما يمكن أن تقوم به مؤسسات المجتمع المدني من خلال تعزيز القيم القانونية والأخلاقية لمبادئ المساواة وعدم التمييز.
ولعل هذه واحدة من مفارقات غريبة، إذا كانت الأنظمة  العراقية السابقة كابتة للحريات ولحقوق الجميع، بما فيه الاقليات التي يقع عليها الإضطهاد مضاعفاً ومركباً، لكن ما حصل من تغييرات، لم تجعل هذه القضية في الصدارة، لاسيما وقد تعرّض الكثير من أبناء الأقلّيات إلى أعمال عنف وتنكيل واضطهاد، بل وإن الفتاوى التحريضية انتشرت ضدهم وازداد التعصب والتطرف بحقهم، الأمر الذي يثير علامات استفهام كبيرة حول المستقبل، وهو يحتاج إلى وقفة جدية للبحث في موضوع الهوّيات  والجدل التي خلقته في الماضي والحاضر.
والأمر يحتاج إلى جهود غير قليلة، فموضوع الأقلّيات لا يزال يثير ردود فعل متباينة وحتى الآن، فإن النخب الفكرية والسياسية والدينية، تتعامل معه من منظور ذاتي أحياناً دون رؤية شاملة لموضوع الدولة والمبادئ الأساسية التي تقوم عليها بدءًا من المواطنة ووصولاً للمساواة في إطار احترام الحقوق والحريات الأساسية الفردية والجماعية انطلاقاً من عدم التمييز وعلى قاعدة ومنظور حقوق الإنسان.
وإذا كان الشعار الكبير الذي واجه النظام السابق في العراق، ونعني به انتهاكاته السافرة والصارخة لحقوق الإنسان، فإن ما شهدناه، لاسيما على صعيد الممارسة بعد الاحتلال والحكومات التي أعقبته كان تعارضاً كاملاً مع منظومة حقوق الانسان الدولية، سواءً للحقوق الجماعية أو الفردية تلك التي تقرّ بحق الأمم كبيرها وصغيرها بالمساواة في الحقوق، واعتبار جميع الثقافات جزءًا من التراث الإنساني المشترك للبشرية بما فيها من تنوّع واختلاف بتأكيد واجب الحفاظ على الثقافة ورعايتها وضمان حق كل شعب في تطوير ثقافته، إضافة إلى حق كل فرد في المشاركة الحرّة في حياة مجتمعه وحقه في التمتع بالفنون والآداب والمساهمة في التقدم العلمي وحقه في الحرية الفكرية الخ ...
ولعل ذلك يعني فيما يعنيه إقرار بمبدأ المساواة، لا على أساس أغلبية دينية أو قومية، بل على أساس مبادئ المساواة والهوّية المشتركة  المتعدّدة، المتنوّعة، والقائمة على مبادئ المواطنة، دون التوقف عند التمييز بسبب الأقليات أو الأكثريات.
وتقرّ الشرعة الدولية لحقوق الإنسان بالمساواة بين الثقافات ورفض التمييز بين الأمم والشعوب وعدم الاعتراف بفكرة التفوّق أو الهيمنة، وهو ما أكدته منظمة اليونسكو وما تبنّاه إعلان مكسيكو عام 1982 حول الحق في احترام الهوّية الثقافية. إن الحق في الهوّية الثقافية للشعوب والجماعات يعطي الأشخاص والجماعات الحق في التمتع بثقافاتهم الخاصة وبالثقافات الأخرى المحلية والعالمية، ذلك أن إقرار الحق في الثقافة يعني : حق كل ثقافة لكل أمة أو شعب أو جماعة في الوجود والتطوّر والتقدّم في إطار ديناميتها وخصائصها الداخلية واستقلالها، ودون إهمال العوامل المشتركة ذات البعد الانساني وقيم التعايش والتفاعل بين الأمم والشعوب والجماعات.
وقد شهد القانون الدولي في العقود الثلاثة الماضية تطوراً ايجابياً في موضوع الأقليات، حيث تناولت العديد من المعاهدات والاتفاقيات الدولية موضوع عدم التمييز، كما حظيت " الحقوق الخاصة" باهتمام كبير، خصوصاً بعد إبرام " إعلان حقوق الأشخاص المنتمين إلى أقليات قومية أو اثنية أو دينية أو لغوية " الذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة في العام 1992 كما تم ذكره في مقدمة هذا البحث والذي عُرف باسم " إعلان حقوق الاقليات " Minority Rights، حيث أنشئ على أساسه فريق معني بحقوق الأقليات عام 1995 اعتماداً على الحقوق الثقافية ( 15).
وعودة إلى تعريف الأقلية فإنه ليس محل إجماع، بل يثير الكثير من الالتباس والجدل إلاّ أن التوصيف الوارد في الإعلان، أو مقاربته بخصوص الأقليات أو الجماعات القومية والإثنية والدينية يكاد يكون الأقرب الى تحديد مفهوم الأقلية. إن الهوّية الثقافية لبعض الأقليات تعتمد على شعور قوى بالتاريخ، خصوصاً عندما تكون تلك الأقلية قد تمتعت بشيء من الاستقلالية، أو الخصوصية المتميزة في إدارة نفسها.
ويقصد بالحقوق الخاصة، الحفاظ على تلك الهوّية والخصائص الذاتية والتقاليد واللغة في إطار المساواة وعدم التمييز. ونصّت المادة (27) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على ما يلي: " لا يجوز في الدول التي لا توجد فيها أقليات إثنية أو دينية أو لغوية، أن يُحرم الأشخاص المنتمون الى الأقليات المذكورة من حق التمتع بثقافتهم الخاصة، أو إعلان ممارسة دينهم أو استخدام لغتهم بالاشتراك مع الأعضاء الآخرين في جماعتهم". وتؤكد هذه المادة على الحق في الهوّية القومية أو الإثنية أو الدينية أو اللغوية، وحق الحفاظ على الخصائص المتميزة، التي لا بد من تنميتها وحمايتها، ولا يعفي ذلك دولة من الدول من الالتزام بهذه الحقوق اعترافها أو عدم اعترافها رسمياً بوجود أقلية من الأقليات.(16)
ويمنح إعلان حقوق الأقليات الصادر عام 1992، والمكوّن من 9 مواد، الأشخاص المنتمين إلى أقليات عدداً من الحقوق منها:
•   حماية الدول لوجودهم وحقوقهم (م/1).
•   الحق في التمتع بثقافتهم الخاصة (م/2).
•   الحق في المشاركة في الحياة الثقافية والدينية والاجتماعية والاقتصادية العامة (م/2- الفقرة الثانية).
•   الحق في إقامة صلات سلمية، ومواصلتها مع سائر أفراد جماعتهم، والحق في إنشاء روابط خاصة( م/2 –الفقرة 495).
•   حق ممارسة الحقوق فردياً وجماعياً، ودون تمييز (م/3).

وبالقدر الذي يتطلب مراعاة الخصوصية الثقافية والقومية والدينية وتعزيزها بوجه محاولات " الإلغاء" و"التهميش" و"الإلحاق" و"الاستتباع"، بحجة "الشمولية" والثقافة السائدة أو العالمية، إلاّ أنها لا ينبغي أن تكون وسيلة للانتقاص أو التملص أو التحلل من المعايير والالتزامات الدولية، خصوصاً في القضايا الأكثر راهنية وإلحاحاً بما أبدعه الفكر الإنساني وما توصلت اليه البشرية، وهو ملكها جميعاً، تعمق على مرّ العصور، وهو لا يقتصر على قارة أو أمة أو شعب أو جماعة، بل هو مزيج من التفاعل الحضاري للثقافات المتعددة المشارب والتكوينات والمصادر.
الإسلام والتنوّع الثقافي
أعتقد أن الإسلام ساهم برافده الثقافي في تعميق توّجه البشرية الحضاري باتجاه احترام التنوع والتعددية والخصوصية الثقافية والدينية، ولعل "حلف الفضول" الذي أبرم في عهد الجاهلية في دار " عبدلله بن جدعان"، حين تعاهد فضلاء مكة على ألاّ يدعوا مظلوماً من أهلها أو ممن دخلها من سائر الناس إلاّ ونصروه على ظالمه، خير دليل على العمق الحضاري العربي، حيث أبقى عليه الرسول صلى الله عليه وسلم، وفيما بعد عكست تعاليم الإسلام والقرآن الكريم النزعة الانسانية المتأصلة. وهناك من يعتبر " حلف الفضول" أول رابطة لحقوق الانسان في العالم، وأراني منذ نحو عقدين ونيّف من الزمان وأنا أدعو إلى ذلك، أن أقرّ بالدور الريادي للمفكر العربي السوري د.جورج جبّور الذي واصل الفكرة بإصرار لا نظير له لتصبح "واقعاً " بدأت تعترف به بعض المنظمات والجهات الدولية الحقوقية.
وكان دستور المدينة أول دستور مكتوب في العالم يتناول الحقوق والواجبات ويتضمن حقوق الطوائف والأديان والتكوينات التي تعيش في المدينة (يثرب) التي جاء الرسول (ص) مهاجراً وكتب فيها شرعة أو دستور المدينة. وإذا كان دستور المدينة قد ضمن حقوق اليهود فإن صلح الحديبة كان قد ضمن حقوق نصارى نجران التي تعني الاعتراف بالتنوع الثقافي والديني.
أما العهدة العمرية فهي عبارة عن وثيقة أصدرها الخليفة عمر بن الخطاب (رض) بعد معركة اليرموك الشهيرة التي انتصر فيها العرب على الروم، وعند دخول الفاروق مدينة القدس استقبله أهلها دون أن تراق قطرة دم واحدة وأعطاهم العهد المشهور " العهدة العمرية" وتضمن العهد حفظ الحقوق، مؤتمناً على نصارى وطوائف القدس على حياتهم وأمنهم وكنائسهم وأموالهم.
كما تضمنت وثيقة فتح القسطنطينية التي أعطاها محمد الفاتح الى سكان اسطنبول (الأستانة) منح الحقوق الى أهلها والأمن والسلامة الشخصية وحفظ المال والعرض وحق تأدية الطقوس والشعائر الدينية خصوصاً وأن معظمهم من المسيحيين.(17)
إن ضمان حقوق الاقليات الثقافية تبدأ خطوته الأولى من الاعتراف بالتنوّع والتعددية!!
لقد استهدفت "الأقليات" سواء كانت مسيحية أو مندائية (صابئية) لكونهم مسيحيين وصابئة أولاً، ثم استهدفوا لأنهم جزء من الاستهداف العام، ولكن ذلك ليس بمعزل عن محاولات لتفريغ العراق من المسيحيين والصابئة الذين قدّموا على مدى تاريخهم خدمات جليلة للعراق وللامة العربية، على جميع الصُعد الفكرية والسياسية والاقتصادية والثقافية والأدبية والفنية والتاريخية والقانونية والعلمية.
لقد كان المسيحيون والصابئة هدفاً سهلاً للارهاب، وضحايا جاهزون لفرض نمط سياسي وديني واجتماعي معيّن، في إطار صراع أصولي- طائفي ومذهبي وإثني، وغالباً ما يتم التشكيك بأصولهم ووطنيتهم وولائهم، وينسى هؤلاء أن مسيحيي الشرق هم أهل الشرق، والمسيحية كانت موجودة في منطقتنا قبل الإسلام، وأن السيد المسيح شرقي بتراثه وليس غربياً، فالمسيحيون ليسوا طارئين أو مهاجرين جاءوا ليستقروا في هذه البلدان. إنهم ليسوا رعايا، بل إنهم مواطنون لهم الحقوق وعليهم الواجبات ذاتها التي على الآخرين. وإذا افترضنا حقوقاً للمواطنة، فينبغي أن تقوم على أساس المساواة وعدم التمييز بسبب الدين أو العرق أو اللغة أو المنشأ الاجتماعي أو غير ذلك.
شخصياً لا أنظر إلى المسيحيين كأقلية، كما لا أنظر إلى أي تنوّع ثقافي وخصوصية تعددية قومية أو دينية باعتبارها "أقلية"، وأشعر بقدر من الانزعاج عند استخدام مصطلح "الأقلية" على المكوّن الثقافي المسيحي أو غيره قومياً كان أم دينياً، على الرغم من أن الأمم المتحدة جاءت على ذكر حقوق الأقليات كما تمت الإشارة إليه، لأن للمسيحيين خصوصية، وتميّزاً وتاريخاً وعادات وطقوساً مختلفة وهم جزء من مكوّن كوني تاريخي واسع ومتشعب وعميق. وقد يكون مناسباً استخدام مصطلح الاقلية والأكثرية في المعادلات السياسية وفي نتائج الانتخابات النيابية أو غيرها وليس للأديان أو القوميات أو اللغات، تلك التي أجد في استخدام مصطلح التنوّع والتعددي

196
المنبر الحر / حوار باريس 3
« في: 18:58 05/10/2012  »
حوار باريس 3
عبد الحسين شعبان
باحث ومفكر عربي

إلتأمت في باريس مؤخراً ندوة نظّمها مركز الدراسات العربي- الأوروبي (بمناسبة ذكرى  تأسيسه العشرين) بالتعاون مع غرفة التجارة العربية- الفرنسية، وذلك تحت عنوان "العالم العربي في مواجهة التحديات الداخلية والخارجية" وقد شهدت الندوة مشاركات متميّزة من شخصيات روسية وأخرى صينية، إضافة إلى دول الجوار الإقليمي وخصوصاً من تركيا وإيران، فضلاً عن مساهمات مهمة لخبراء عرب وفرنسيين ومن الاتحاد الأوروبي.
وإذا كانت الكثير من الملفات تحتاج إلى حوار جاد ومسؤول وإيجابي، فلا بدّ من البحث في الاشكاليات والمشاكل الحقيقية دون مجاملات أو ترضيات، الأمر الذي يستوجب الدخول في التفاصيل والجزئيات وهي عديدة ومتشعبة ومعقدة، وعدم الاكتفاء بالعموميات أو الاطلال على نقاط الاختلاف من فوق، فما بالك حين تتم مناقشة موضوع مهم وراهني مثل التحوّلات التي تواجه العالم العربي والسبل الكفيلة والمناسبة لبحثها، إضافة إلى التحدّيات القديمة والمستجدّة التاريخية منها والمعاصرة، ولاسيما الراهنة وتأثيراتها، وتداعياتها المستقبلية، وخصوصاً بعد رياح التغيير التي اجتاحت العديد من البلدان العربية.
كما انشغلت أعمال حوار باريس في البحث عن المشترك الانساني الذي يمثل ملتقى للثقافات والحضارات المختلفة، تلك التي تتعايش وتتفاعل وتتداخل على نحو شديد في عالم موحد ومختلف ومتنوّع في الآن ذاته.
ولم تتوقف الندوة عند ذلك، بل اهتمت بمبادرات تدعو لحوار المذاهب في أجواء رحبة من الرأي والرأي الآخر وفي إطار التعايش السلمي المجتمعي والإنساني مثلما هي مبادرة خادم الحرمين الملك عبدالله بن عبد العزيز مؤخراً، وهو ما تمت مناقشته باستفاضة من زوايا مختلفة،ارتباطاً مع مسألة حوار الأديان والثقافات وتواصل الحضارات وتفاعلها.
يأتي انعقاد حوار باريس -3 بعد النجاح الذي حققه حوار باريس -1 حول أمن الخليج، وحوار باريس - 2  حول الربيع العربي، لاسيما بعد صعود دور الإسلام السياسي وما يمكن أن تتركه المسألة السورية من تداعيات عربية وإقليمية ودولية، خصوصاً جوانبها الإنسانية المعقّدة والكثيرة التداخل بما له علاقة بالنظام العربي الرسمي ككل وعلاقته بدول الاقليم للجوار العربي، ولاسيما النفوذ الإيراني ومحاولات التدخل والهيمنة والدور التركي وآفاقه بعد الربيع العربي، وزاوية النظر إلى الإسلام السياسي، بخلفياتها الآيديولوجية سواءً الراديكالية أو التوافقية!
فهل يمكن اقتراح خارطة طريق موحّدة لمواجهة التحدّيات الداخلية والخارجية التي تعترض العالم العربي؟ وهل هناك وصفة صالحة لجميع البلدان العربية، حتى وإن كانت الجوامع والمشتركات بينها قوية ومتنوّعة؟ أم أن لكل بلد خصوصيته وتميّزه، الأمر الذي يحتاج إلى معالجات خاصة؟ ومع ذلك فلا يمكن إهمال ما هو مشترك أو اعتبار كل بلد أو مجتمع عربي أو من دول الجوار وكأنه في عزلة أو جزيرة نائية، عمّا يجري حوله أو بالقرب منه من تجارب وتغييرات، خصوصاً وأن هناك الكثير من عوامل الجذب والشدّ والتفاعل والتواصل الإنساني وعلى جميع المستويات.
وإذا كان لنا أن نأخذ الجوامع والمشتركات بنظر الاعتبار، بحكم أن المنطقة ككل جزء من كيان إقليمي واسع، فيه تنوّعات وخصوصيات، ولكن دروس التاريخ البعيدة والقريبة دلّت على أن استنساخ التجارب أو تقليدها، مهما كانت درجة التطابق أو التقارب وثيقة وعميقة الاّ أنها ستصل إلى نتائج عكسية، مشوّهة وهجينة، لأن لكلّ بلد ظروفه ولكل مجتمع خصوصيته، وبالتالي لا يمكن نقل تجربة وزرعها في محيط غير محيطها.
أربعة اتجاهات أساسية تعاطت مع الأزمة ومشروع التغيير وبالتالي مع التحديات الراهنة والمستقبلية، كل من موقعه ومن خلفياته وهذه هي:
الاتجاه الأول الذي ينفي وجود أزمة عميقة ومستفحلة في المجتمعات العربية، وأحياناً يعلّقها بشمّاعة الخارج والقوى المتواطئة أو المتعاونة معه. وقد لا يعترف هذا الفريق بأية حركة احتجاج أو أية مطالب مشروعة من قبيل توسيع دائرة الحرّيات ومحاربة الفساد وتحقيق العدالة الاجتماعية في إطار مواطنة سليمة، وقد لا يتورّع من استخدام جميع الوسائل لقمعها طالما أنه لا يعترف بشرعيتها.
الاتجاه الثاني الذي يقللّ من شأن الأزمة ويختزلها إلى مجرد صعوبات أو احتقانات قد تجد بعض الحلول والمعالجات التي من شأنها إجهاض حركة الاحتجاج أو تأجيل انفجارها، أو السعي لامتصاص الغضب والنقمة، خصوصاً وأن عواقب الانفلات قد تكون باهظة ووخيمة، لا سيّما إذا استحوذت عليها التيارات الإسلاموية والأصولية المتطرفة، ويضرب أمثلة على ذلك، كيف تراجعت مظاهر الدولة المدنية وحيثياتها في بعض المجتمعات العربية التي شهدت تغييرات ثورية، ناهيكم عن بروز نزعات مذهبية وإثنية وارتفاع منسوبها، الأمر الذي قد يؤدي إلى تفتيت الكيانات القائمة ويقسّمها أو يعرّضها إلى التشظي، وقد يقود إلى التدخّل الخارجي والهيمنة الأجنبية التي ستلعب في ساحة الوطن ككل، خصوصاً إذا ما استغلت الصراع القائم، ولا سيما إذا تحوّل إلى صراع مسلح.
أما الاتجاه الثالث فإنه يعترف بوجود الأزمة ويدلل على عمقها ويؤيد التغيير الجذري الذي لا غنى عنه، لكنه يبدي مخاوف مشروعة إزاء بعض مظاهر الفوضى والعنف والانفلات بسبب ضعف هيبة الدولة، خصوصاً في ظل التداخلات الجيوبوليتيكية الإقليمية والدولية. وتدريجياً أخذ يزداد قلق العديد من النخب المدنية من هيمنة الإسلاميين على الحياة العامة واستحواذهم على التغيير أو حصدهم لنتائجه وتوجيه الوجهة التي يريدون، في ظل ضعف وتشتت القوى اليسارية والعروبية والديمقراطية.
ويعتبر الاتجاه الرابع الأزمة بنيوية سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية وقانونية وأخلاقية، ولا فكاك منها إلاّ بالثورة والانقلاب عليها بحيث تطيح بما هو قائم لتقيم مكانه نقيضه السياسي، ولا يتورّع بعض عناصر هذا الفريق الراديكالي ( وقد يكون ثمة جزع أو عجز أو تبرير) وبسبب الانتهاكات المزمنة، من استخدام العنف وصولاً لتحقيق أهدافه، وأحياناً يستسهل التدخّل الخارجي، بل ويعوّل عليه لإنجاز هدفه المباشر، نافياً أية إمكانية للتراكم والتطوّر التدريجي الطويل الأمد، خصوصاً وقد وصلت الأزمة في بعض البلدان إلى طريق مسدود.
وفي إطار هذه التقديرات المتناقضة والمتباعدة كانت تدور أحداث الربيع العربي في عدد من البلدان العربية، ولا تزال عجلتها مستمرة بالدوران حتى الآن! وبقدر ما يصبح التغيير أمراً واقعاً، وهو الحقيقة التي لا غنى عنها، فإن هناك تحدّيات تواجهه في الحال وفي المستقبل أيضاً، وهي تحدّيات موضوعية وذاتية، ويمكن رصدها من خلال مشتركات وقواسم محددة، وإنْ كان هناك اختلاف وخصوصية لكل بلد، فثمة تحدّيات تتعلق باحتمال انزلاق المجتمعات نحو الفوضى والتشتّت والتشظي بسبب التراكم السلبي الطويل الأمد لهضم الحقوق والحرّيات، ناهيكم عن احتمالات تفشي ظاهرة العنف والارهاب وتداخلاتها وتداعياتها المحلية والدولية.
ودون إسقاط الرغبات فإنه موضوعياً ستكون قضية التنوّع الثقافي والهوّيات الفرعية الدينية والإثنية وحتى "المذهبية" مطروحة على بساط البحث، مثلما هو موضوع المرأة وحقوقها وقضايا التقدم الاجتماعي بشكل عام. أما قضية العدالة الانتقالية فستحظى بحيّز غير قليل من الاهتمام، لاسيما أسلوب التعامل مع أركان الأنظمة السابقة، خصوصاً ولا بدّ من كشف الحقيقة كاملة ومساءلة المرتكبين وتعويض الضحايا وجبر الضرر، الأمر الذي يستوجب إصلاح المؤسسات القانونية والقضائية والأمنية، لتوفير بيئة صالحة لعملية التحوّل الديمقراطي، سواء بالانطلاق من فقه التواصل أو من فقه القطيعة، ولكن لا بدّ من إطفاء نار الكراهية والثأر والأحقاد وإعادة لحمة المجتمعات على أسس سلمية ومدنية وعابرة للطوائف والإثنيات والأديان، باحترامها وتأمين جميع المستلزمات للخصوصيات والهويات الفرعية.
أما إعادة بناء الدولة فهي عملية معقّدة تراكمية وثقافة تدريجية طويلة الأمد وعلى حد تعبير الشاعر اكتوفيو باث الحائز على جائزة نوبل فالديمقراطية ليست نسكافيه (قهوة) سريعة الصنع، بل إنها عملية بناء مضنية وطويلة وتربية وثقافة تراكمية تدرّجية بحاجة إلى أسس صحيحة.
وسيواجه موضوع حكم القانون والعدالة دول المنطقة سواء التي انهارت نظمها أو ربما ستنهار، وسواء سعت لتحقيق الإصلاحات أو لم تسع، إذ أن الأمر سيكون استحقاقاً واقعياً داخلياً ودولياً وسيثار موضوع شكل الدولة: مركزية أم لا مركزية، بسيطة أم مركّبة، فيدرالية متعددة أم موحدة، مع احتمال وجود نزعات انفصالية قد تجد طريقها إذا لم تتوصل المجتمعات القائمة إلى توافقات واحترام للهوّيات والخصوصيات.
وسيكون الاسلاميون والعلمانيون في حوار منقطع ومتصل، وبين مفترق الطرق: هل يتواصلون أو يديرون الظهر لبعضهم، وهو ما ستحدث حوله اصطفافات إسلامية وصراعات بين اسلاميين معتدلين وإسلاميين متطرفين، وكذا الحال بالنسبة للعلمانيين ولعل هذا يحتاج إلى حوار مستقل قد ينتظم في باريس، تحت عنوان حوار باريس -4.




197
عن فيتو الفقهاء في العراق!

عبدالحسين شعبان()
لم ينجح البرلمان العراقي للمرّة السادسة خلال الأشهر التسعة الماضية من التصويت على مشروع قانون المحكمة الاتحادية العليا، وذلك على خلفية الجدل المحتدم والاستقطاب المتّصل بشأن منح أربعة فقهاء إسلاميين حق النقض "الفيتو" ضد أي قرار يعتبرونه لا يتطابق مع الشريعة الإسلامية.
اتجاهان أساسيان تبلورا منذ عرض فكرة المشروع على البرلمان، الأول يريد إضفاء مسحة دينية على الدولة ومؤسساتها كجزء من صراعه على مراكز النفوذ، ولا يهمّه إن تحوّلت المحكمة، هذه المؤسسة الدستورية والقانونية والقضائية الرفيعة المستوى إلى مؤسسة أقرب للإفتاء الديني، أو للإفتاء الطائفي، وخصوصاً حين تكون خاضعة لتوجيهات رجال الدين ومن ورائهم الأحزاب الدينية التي ستقوم باختيارهم، حيث ستكون سلطاتهم فوق السلطات الثلاث: التشريعية والتنفيذية والقضائية، وبإمكانهم إبطال وتعطيل أي قرار للمحكمة ذات الاختصاصات الواسعة والمتشعّبة.
يسعى أصحاب هذا الاتجاه المتنفّذ والذي يهادنه كثيرون عبر سياسة القضم التدريجي إلى تديين الدولة المدنية، لا سيما وقد شهدت خلال السنوات المنصرمة عدداً من الخطوات على هذا الصعيد الديني، ذي البعد المذهبي، حيث يتم تسخير الأجهزة الأمنية والخدمية في عدد من المناسبات الدينية لحماية مسيرات وطقوس خاصة، كما يتم تعطيل الدوام الرسمي لعدّة مرّات ولعدّة أيام في السنة وارهاق مرافق الدولة المختلفة، الأمر الذي عاظم من هدر المال العام وخفّض الانتاجية المنخفضة أصلاً، ناهيكم عمّا يثيره من حساسيات بين الطائفتين الاسلاميتين.
ويبرر أصحاب هذا الاتجاه موقفهم بالاستناد إلى الدستور، الذي كرّس في ديباجته إعلاء شأن "القيادات الدينية" و"المراجع العظام" فضلاً عن اعتبار الإسلام "مصدر أساس للتشريع" وعدم جواز سنّ قانون يتعارض مع ثوابت أحكامه. (المادة الثانية). وإنْ كانت الشريعة وأحكامها غير قابلة للتحديد، وهي عرضة للتأويل والتفسير، على أيدي الفقهاء ومدارسهم.
أما الاتجاه الثاني فهو الذي أخذ يتخوّف من اتساع نفوذ الاتجاه الأول، ويعتقد أن خط الدفاع الأخير عن الدولة المدنية، هو القضاء والمحكمة الاتحادية، وإذا ما جرى تديينها أو تطييفها صوب اتجاه معين، فإن الهيمنة المذهبية ستكون شبه كاملة. وهذا الاتجاه داخل البرلمان يمثل الأقلية قياساً بتوازن القوى السائد، لكن بعض الأصوات أخذت ترتفع خارجه، مثيرة مخاوف فئات اجتماعية مختلفة ومتنوعة بما فيها لبعض "الأقليات" أو ما نطلق عليه التنوّع الثقافي. كما شارك في نقد مشروع القانون حقوقيون وأكاديميون وبعض نشطاء المجتمع المدني، فضلاً عن يساريين وعلمانيين من توجهات مختلفة.
لعلّ القلق مشروع وواقعي بسبب ما وصلت إليه حالة العراق في ظل الممارسات الطائفية والقسمة المذهبية والمحاصصة الوظيفية حيث يستمر الشحن المذهبي، واللهاث وراء المكاسب والامتيازات ويستمر الارهاب والعنف والشعور بالتمييز، وكلّها عناصر غير مشجعة على استعادة الثقة المتزعزعة بين الفرقاء.
إن خطوة من قبيل منح الفقهاء الإسلاميين حق النقض "الفيتو" ستكون إشارة مهمة على الإصرار في المضي في طريق الدولة الدينية، بل ستكون القوى الدينية بنجاحها في فرض هذا التوجّه قد قطعت شوطاً بعيداً بذلك، يصعب العدول عنه أو تغييره.
مثل هذا الأمر سيجعل المحكمة الاتحادية العليا باختصاصاتها الواسعة عرضة لتحكّم فئة رجال الدين والقوى الدينية، وخطورة المسألة ناجمة عن الدور الذي مناط بالمحكمة الاتحادية، فهي المختصة بالرقابة على دستورية القوانين وتفسير نصوص الدستور والبت في التنازع بين القوانين الاتحادية، وكذلك البت في التنازع بين الحكومة الاتحادية والحكومات الاقليمية، كما أن مهمتها هي البت في نزاع حكومات الاقاليم والمحافظات، ناهيكم عن البت في الاتهامات التي توجّه إلى رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء والوزراء. ومن جهة أخرى تصادق على نتائج الانتخابات وتفصل في النزاع بين القضاء الاتحادي وقضاء الأقاليم والمحافظات، وذلك حسب المادة 93 من الدستور العراقي الدائم (النافذ) المُستفتى عليه يوم 15 تشرين الأول (اكتوبر) 2005.
وبطبيعة الحال فإن إخضاع المحكمة الاتحادية باختصاصاتها المذكورة، لحكم الفقهاء سيعني وضع الدولة العراقية بكيانياتها وسلطاتها الثلاث تحت تصرفهم ومن ورائهم الحركة الدينية. وعلى الرغم من اضطرار التوجه السائد لتخفيض سقف مطالبه باقتراح أربعة فقهاء بدلاً ستة من حيث كان توزيعهم (4 شيعة تختارهم مرجعية النجف و2 سنّة يختارهم الوقف السنّي). لكنه تم الاحتفاظ بدورهم السامي، حيث سيكون قرارهم نافذاً بأغلبية 3 فقهاء لإبطال وتعطيل قرار المحكمة الاتحادية.
وإذا افترضنا حسن النية، وأن الأمر ليس مُبيّتاً من لدن الأطراف السياسية الدينية، فلماذا الإصرار على وجود الفقهاء، في محكمة قضائية عليا؟ علماً بأن غالبية المنازعات التي تعرض على المحكمة الاتحادية العليا، تخص القانون العام ومبادئ القانون الدستوري، وهي غير معنيّة بالقانون المدني أو قانون الأحوال الشخصية، لكي تتذرع هذه القوى التمسك بمقاعد الفقهاء الاسلاميين.
وفي العديد من البلدان هناك ما يطلق عليه القضاة الجالسون والقضاة الواقفون، الأولون هم من لهم الولاية الحصرية في إصدار الأحكام، أي أنهم مجازون وحصلوا على شهادات أكاديمية ولديهم تأهيل (خريجو معاهد قضائية وتمرسوا في هذا المجال) ومارسوا القضاء وعُرفوا بحيادهم ونزاهتهم وغير ذلك، في حين أن مهمة القضاة الواقفين هي تعضيد وتعزيز الحكم القضائي بتقديم المشورة، ولا يحق لهؤلاء الاعتراض على الأحكام أو اتخاذ قرار بالفيتو أو ما شابه ذلك، لأن الولاية هي للقضاة الجالسين وليس لغيرهم.
إن المشكلة الأولى والأساسية هي في الدستور الذي بسبب "التوازن غير المتوازن" فيه، طفت مثل هذه الأمور على السطح، وسبق لنا أن أطلقنا عليه خلال مناقشتنا لحيثياته "الدستور غير الممكن دستورياً"، فمن جهة اعتبر الشريعة مصدراً أساسياً للتشريع وعدم سنّ أي قانون يخالف أحكامها(المادة الثانية). ومن جهة أخرى وفي المادة نفسها، أكدّ على عدم جواز سن قانون يتعارض مع مبادئ الديمقراطية، وكذلك عدم جواز تعارض أي قانون مع الحقوق والحريات الأساسية الواردة في الدستور (وهو تناقض صارخ لاسيما لو حصل الخلاف بينهما في التأويل أو التفسير).
وبخصوص المحكمة الاتحادية كان الدستور قد أشار في المادة 92 (ثانياً) على أن المحكمة "تتشكل من عدد من القضاة، وخبراء في الفقه الإسلامي وفقهاء القانون" وهو الأمر الذي يتعكّز عليه أصحاب الاتجاه الأول في قراءة وتفسير للنص.
وحتى الآن فإن آلية اختيار القضاة الـ 17 الذي تم اقتراح عددهم، قد تخضع إلى المحاصصة أو ما يسمى مجازاً "التوافق"، الأمر الذي سيؤثر على استقلالية القضاء باعتبار المحكمة "هيئة قضائية مستقلة مالياً وإدارياً" حسب المادة 92 (أولاً).
وإذا كانت ثمة خشية لدى بعضهم على الإسلام حيث راح يتشبث بموقع متميز للفقهاء يمنحهم بموجبه حق الفيتو، فمثل هذه الخشية غير واردة بل وغير واقعية، فالدولة المدنية العراقية، وبغض النظر عمن حكمها طيلة الثمانين عاماً ونيّف الماضية قبل الاحتلال الأمريكي للعراق العام 2003، لم تشرّع أي قانون يتناقض مع أحكام الشريعة الإسلامية، وهو الأمر الذي يبدو أن التعكز عليه هو بمثابة شماعة بوجه أي قرار أو قانون لا يتوافق مع بعض المصالح الحزبية أو الطائفية الخاصة. وإذا كان البعض يحاجج بقانون رقم 188 بشأن الأحوال الشخصية وحقوق المرأة في العهد الجمهوري الأول (حكم عبد الكريم قاسم) فإن المسألة خضعت للتفسير والتأويل أيضاً.
من حق المحكمة أن تستشير خبراء بصفة دائمة أو مؤقتة أو في حالات معينة، وعندها سيكون رأي الخبير ليس كرأي القاضي، وهذا الأخير هو صاحب القرار، وهكذا فإن رأي الخبير (في الفقه الإسلامي أو في القانون) سيكون غير ملزم حتى وإذا أخذنا بنص المادة 92 التي اعتبرت المحكمة تتكون من عدد من القضاة وخبراء في الفقه الإسلامي وفقهاء القانون...!
إن استقلال القضاء وفصل السلطات وتداولية السلطة سلمياً هو المدماك الأساس الذي لا غنى عنه للدولة العصرية، ولا يمكن تحت أي حجة أو ذريعة إعطاء رجال دين سلطات فوق سلطات القضاء أو تعطيل سير عمله واختصاصه، لتكييفه مع رأي هذا الفقيه أو ذاك، مهما أوتي من علم ومقدرة ودراية وخبرة، سواء كانت باسم "تشخيص مصلحة النظام" أو "ولاية الفقيه" أو "مجلس قيادة الثورة "كما كان سابقاً أو غيرها، فالأمر ليس سوى التغوّل على دور القضاء واستقلاله، فالقضاء هو أحد أهم أعمدة الدولة القانونية وحصنها الأمين، وستكون محاولة مثل تلك التي تريد اعطاء حق الفيتو للفقهاء مجاراة لفرض توجه سياسي أو مذهبي على مفاصل الدولة الأساسية، أقرب إلى اغتصابها من أي شيء آخر.
() كاتب وباحث من العراق

198
رياح التغيير: الوعي والسياسة   

 
عبدالحسين شعبان
بعد أن هبّت رياح التغيير على تونس ومصر وانتقلت منهما إلى العديد من البلدان العربية، لم يعد من السهولة التكهّن متى وكيف ستصل إلى هذا البلد أو ذاك، لاسيما وهي جزء من موجة دولية بدأت في سبعينات القرن الماضي في البرتغال وإسبانيا واليونان، وشملت دول أوروبا الشرقية في أواخر الثمانينات وتحاقبت مع العديد من دول أمريكا اللاتينية، حتى وصلت إلى منطقتنا في العام 2011 التي شهدت عاصفة من التغيير . ولأن قطار التغيير قد انطلق بقوة شديدة وسرعة فائقة فقد يكون من المتعذّر وقفه حتى وإنْ تعثر أو تأخّر أو انحرف أو ابتعد عن أهدافه، لكن العودة إلى الوراء لم تعد ممكنة، بل تكاد تكون مستحيلة، مهما كانت المبررات والدوافع وتلك أحد تحدّيات الواقع وربما حقائقه .

وبقدر ما يمكن أن يصبح التغيير حقيقة، فإنه سوف يتخذ أشكالاً مختلفة ومتنوّعة وحتى متباينة تدرّجية وإصلاحية وسلمية في بعض البلدان، وانقلابية وثورية وعنفية في بلدان أخرى، وذلك حسب طبيعة تطور المجتمعات وتاريخها واحتدام الصراع السياسي فيها .

وهذا يعني أن لا وجود لصورة نمطية للتغيير، كما لا يمكن تكرار أو استنساخ تجارب معينة أو رسم خارطة طريق واحدة للتغيير لجميع الشعوب والبلدان، فهذه تحفل بالتعددية والتنوّع والاختلاف والخصوصيات والتمايزات، بقدر ما يوجد جامع انساني مشترك بينها، وهو الحاجة إلى التغيير طلباً للحرية والعدالة والكرامة الانسانية، ولكن الأمر يتعلّق بدرجة الوعي وبشكل التعبير عنه والبيئة الحاضنة له والعوامل الداخلية الموّلدة له والعوامل الخارجية المشجعّة عليه، سواءً الظروف الموضوعية أو الظروف الذاتية . ومثلما يتعلق الأمر بدرجة الوعي، فإنه يرتبط بشكل وثيق بالسياسة ومدى استعداد الناس للانخراط فيها والدفاع عن مصالحها .

     ولعلّ التغيير بما مثله من فعل سياسي واجتماعي كبير هو حفر في العمق وإن لم يكتمل بعد وقد يتعثر وقد يتلكأ لكنه حتى الآن أفرز عدداً من الحقائق، منها: إمكانية الانتصار في بعض التجارب بالسلم واللاعنف، وأصبح ممكناً اليوم الحديث عن تجارب لا عنفية أدت إلى تغييرات كبرى في العالم العربي، لاسيما وقد أدركت بعض النخب الحيّة أن طريق العنف لن يقود إلى تحقيق الأهداف المرجوّة، وسعت على الرغم من عوامل الكبح والمعوّقات إلى المبادرات الجسورة بالدعوة إلى نشر ثقافة اللاعنف والاستعاضة عن “القوة الخشنة” في حل الخلاف مع الحكومات والسلطات بالوسائل المدنية والسلمية بدلاً من الوسائل المسلحة والعنفية، أي “بالقوة الناعمة” استناداً إلى مبدأ المقاومة اللاعنفية .

وأصبحت المقاومة السلمية المدنية اللاعنفية ممكنة بفضل تجارب ناجحة، حيث أدركت قطاعات واسعة من الحركة الاحتجاجية أن انتصار ثورة الكرامة والياسمين في تونس وثورة الغضب والنيل في مصر كان بواسطة اللاعنف، حتى وإن حاولت الحكومتان التونسية والمصرية استخدامه، لكن بفضل اختيار طريق السياسة اللاعنفية في مقاومة عنف السلطات الحاكمة تم اجبار زين العابدين بن علي وحسني مبارك على الرحيل .

وقد اتخذت الثورة اليمنية مساراً ثالثاً، في حين شهدت الحركة الاحتجاجية في ليبيا عنفاً وتعنتاً من جانب القذافي وأعوانه، وازداد الأمر تعقيداً بالتدخل العسكري من طرف حلف الناتو، في حين ظلت الثورة السورية سلمية طيلة ما يزيد على ستة أشهر، تعرضت خلالها لقمع شديد، ومنذ نحو عام تشهد البلاد عمليات عسكرية ومواجهات مسلحة، فلا النظام قادر على القضاء على المعارضة أو التنازل، ولا المعارضة قادرة على حسم الأمور والإطاحة بالنظام، وتزداد الاختراقات والتداخلات الأجنبية والحل الدولي والإقليمي بعيد المنال، وتزداد معاناة السكان من العنف المنفلت .

وكان لتحطيم حاجز الخوف وانتقاله من المحكومين إلى الحكّام عاملاً آخر في انكسار هيبة السلطة من جهة، ومن جهة أخرى خطوة مهمة في التقدم لفك حلقات السلسلة المحكمة الواحدة بعد الأخرى .

وتتجلى أهم حقائق التغيير بعودة الوعي الذي أسهمت فيه حركة التغيير في العالم العربي، من خلال وسائل التعبير المختلفة، التي كان الاعلام في المقدمة منها، خصوصاً وأن الكثير من الحركات السياسية التقليدية سواءً كانت يسارية أو عروبية أو إسلامية، فوجئت بقصور النظر السائد والذي حكم المرحلة السابقة واستمرّ لعقود من الزمان، حيث كان الانشغال بالشعارات الكبرى دون الاهتمام بالتفاصيل والجزئيات التي دونها لا يمكن الوصول إلى الأهداف الكبرى . وهكذا انفجرت مشكلة الطوائف والإثنيات، بجانبها الإيجابي والسلبي، أي من خلال بحثها عن حقوقها وحرياتها وخصوصياتها وهويتها أو في تمترسها وانغلاقها لدرجة التناحر والتشظي ورفض ما هو مشترك إنساني .

وكشف التغيير ووسائل التعبير عن أهمية وضرورة ردّ الاعتبار للسياسة، حيث اندفعت كتل بشرية هائلة نحو التسيّس، خصوصاً بعد أن كانت السياسة في العهود السابقة مؤممة ومنحصرة بفئة صغيرة في السلطة والمعارضة، وأصبح لكل فرد رأيه ولن تستطيع الدولة (الحكومة) بعد اليوم منع مواطن من حرية التعبير بعد أن امتلك هذه المساحة، بل والساحة لذلك . فالانسان حسب أفلاطون “حيوان سياسي ويمارس السياسة  كفن بالفطرة والطبيعة” أو كما يقول أرسطو: الإنسان بطبيعته كائن سياسي وأن هدف السياسة هو تحقيق الخير العام!

ولعلّ من مشكلات التغيير، لاسيّما  التي ستواجه الحركة الإسلامية الصاعدة والتي أحرزت فوزاً انتخابياً وحضوراً شعبياً، هو الجواب عن سؤال كبير وملتبس: هل سيحلّ الدين مشكلات السياسة، أم أن الدين سيزيدها تعقيداً؟ وإذا كان الدين يسهم في حلّ الأزمات الأخلاقية والروحانية والنفسية والسلوكية بالنسبة للإنسان، فإنه ليس بالضرورة يستطيع أن يحلّ مشكلات السياسة المعقّدة، الاّ من زاوية دفعها للاقتراب من العدل واحترام الكرامة الإنسانية، وستزداد مشكلات الدولة بعد الربيع العربي، خصوصاً وأن الدولة المركزية ستشهد نهائياً أو بداية الطريق لانقضائها، حيث ستكون النظم السياسية الجديدة قائمة في الغالب على قاعدة اللامركزية أو الفدرالية في الكثير من التجارب أو الدعوة في الطريق إليها، خصوصاً بإقرار التنوّع الثقافي والتعدّدية الدينية والقومية، وتلك إحدى حقائق التغيير، التي ستجد في حرّية التعبير طريقاً للوصول إلى احترام حقوق الجماعات القومية والدينية في إطار الوحدة، مع الإقرار بالاختلاف والتنوّع، والاّ فإن حالة التشظي والتفتيت ستكون هي السائدة!


199
الثورة وسؤال اللاعنف
   
 
عبدالحسين شعبان
سألتني الأديبة والإعلامية نوال الحوار عن جدوى الحديث عن اللاعنف في ظل مجتمعات تنزلق إلى العنف بصورة مريعة، وتنفتح فيها شهيّة المتصارعين بلا حدود للإقصاء والإلغاء والإفناء، للآخر، الخصم، العدو، وأردفت بالقول أين مكان اللاعنفيين في ما تطلق عليه “الربيع العربي” حيث تندلع الثورات، ومثالي هو سوريا؟ وكان جوابي في برنامج “المشهد الثقافي” الذي تقدّمه، أن استمرار ظاهرة العنف ومن ثم العنف المضاد هما اللذان يجعلان من الدعوة للاعنف ضرورية وراهنية بإلحاح، خصوصاً أن ثقافة العنف هي السائدة، ويتطلّب الأمر تسليط الضوء على مخاطر العنف وردّ الفعل “ العنفي” عليه في ثنوية لا تنتهي، كأنها مصارعة على الطريقة الرومانية، بحيث يتم القضاء على أحد المتصارعين، في حين يصل الثاني إلى حدود الموت أيضاً، وهكذا سوف لا يكون أحد منتصراً وهو يمارس لعبة العنف التي ستحرق الجميع من دون استثناء . ثم من قال إن العنف ملازم للثورات بالمطلق؟ لنأخذ انتفاضة الحجارة الفلسطينية مثالاً بارزاً، فقد اندلعت في أواخر العام 1987 وأوائل العام 1988 وامتدّت لأعوام، من دون أن تتمكن “إسرائيل” من القضاء عليها، على الرغم من محاولات استدراجها للانخراط في ردّ الفعل لمواجهة العنف بالعنف، في ظرف مختل ويميل فيه ميزان القوى لمصلحة الصهيونية و”إسرائيل”، وهو الأمر الذي لم تنجرّ إليه الانتفاضة الفلسطينية آنذاك، حيث فوّتت الفرصة على “إسرائيل” لدمغ كل أعمال المقاومة والحق المشروع بالدفاع عن النفس بالإرهاب . وأتذكّر أنني بدعوة كريمة من السفير الفلسطيني في براغ سميح عبد الفتاح، العام 1988 ألقيت محاضرة عن “الانتفاضة الفلسطينية” . . بين السياسي والايديولوجي، وعندما وصلت إلى الحديث عن سمات الانتفاضة وخصائصها الجديدة ندّت همهمات من داخل القاعة، أقرب إلى الاعتراض أو حتى الاحتجاج تتساءل عن مدى انطباق أطروحاتي مع تعاليم ماركس ولينين حول شروط الانتفاضة وقيادتها . 

وأقدّر الوقع الجارح على الذين لم يستوعبوا المتغيّرات، فاستمروا يفسّرون الظواهر طبقاً لبعض القوالب الجاهزة والتعاليم النظرية التي عفا عليها الزمن، حتى وإن كانت تصلح لزمانها، خصوصاً أن معطيات مختلفة تبلورت بين هذه وتلك، فما بالك ونحن نتحدث عن  فلسطين تحت الاحتلال، والأمر سيزداد تعقيداً في الوقت الحاضر بشأن قيادة الانتفاضة وأساليب كفاحها وتكتيكاتها وقواها المحرّكة ودور الشباب، وأهمية الاعلام تعبوياً وتحريضياً وتنظيمياً في تواصلها واستمرارها، وهو الأمر الذي تفرضه العولمة بوجهيها المتوحّش والإيجابي، في ظلّ الثورة العلمية- التقنية وتكنولوجيا الإعلام والمعلومات والاتصالات والمواصلات .

وإذا أردنا أن نتحدث عن حركة الاحتجاجات الواسعة التي انطلقت في العديد من البلدان العربية وقادت إلى تغيير أنظمة الحكم فيها فلا بدّ أن نأخذ المعطيات الجديدة في نظر الاعتبار، تلك التي تجلّت، على وجه الخصوص في تونس ومصر، فقد كان الخيار هو اللاعنف والمقاومة السلمية المدنية، أما في ليبيا فقد انطلقت الحركة الاحتجاجية وتوسّعت باعتبارها حركة سلمية ولا عنفية، لكنها تحوّلت لاحقاً كردّ فعل لعنف السلطات إلى عنف مقابل، ومن ثم تداخلها مع العنف الخارجي الذي قاده حلف الناتو، الأمر الذي ألحق أضراراً بالغة بقضية التطوّر السلمي المدني، وبالطبع اللاعنفي اللاحق .

وفي اليمن، أجبرت الحركة الاحتجاجية اللاعنفية، الرئيس علي عبدالله صالح على التنحّي على الرغم من انتشار السلاح، حيث أسهم مجلس التعاون الخليجي في إنجاح عملية اتفاق مضنية، لا تزال بحاجة إلى تأمين مستلزمات نجاحها واستمرارها، لا سيّما أن هناك قلقاً لا يزال قائماً من الصدام المسلح وانفلات العنف الذي قد يجرّ وراءه عنفاً لبعض دول الجوار .

وكانت الحركة الاحتجاجية المدنية السلمية لا عنفية في سوريا، واستمرّت على هذا النحو ستة أشهر تقريباً، لكن العنف الذي مارسته السلطات بقمعها، دفع بعض أطرافها إلى الاستعانة بالعنف للمواجهة، وهكذا يستمر العنف والعنف المضاد من دون إمكانية التوصل إلى حلول سياسية ومقنعة، ويدفع الشعب الفاتورة عدّة مرات، في الأولى حيث يستمر قمعه وعدم الاستجابة لمطالبه السلمية، وفي الثانية حيث المجابهات المسلحة وتدمير البنى التحتية والمرافق الاقتصادية الحيوية وما بناه بسواعده وعرقه على مدى عقود من الزمان، وفي الثالثة حيث يستمر الحصار الاقتصادي عليه مدمّراً نسيجه الاجتماعي، وفي المرّة الرابعة حيث تلوح في الأفق احتمالات استمرار الحرب الأهلية التي قد تؤدي إلى تفتيت البلاد وتشطيرها، من دون التمكّن من حماية المدنيين وتأمين احترام حقوق الإنسان . وفي المرّة الخامسة ما سيتركه العنف على المجتمع من تأثيرات خطرة، ولعلّ التجربة العراقية خير مثال على انزلاق العنف وشموله فئات الشعب كافة .

ولهذه الأسباب يعدّ البعض أي حديث عن اللاعنف إنما هو أقرب إلى “البطر الفكري” أو رغبة في إسقاط الأفكار على الواقع أو محاولة لتجسيد بعض المثل العليا في بيئة لا تصلح لها، أو حتى يعدّه في أحسن الأحوال نوعاً من “الهذيان الفلسفي” .

لكن وقائع التاريخ البعيد والقريب فيها الكثير من الأمثلة للإجابة عن السؤال الذكي عن الثورة واللاعنف، ولنأخذ مثالين آخرين من منطقتنا بعد مثال ثورة الحجارة الفلسطينية . الأول هو نجاح الثورة الإيرانية في العام 1979 باللاعنف، بعد حركة احتجاج استمرت بضعة أشهر، وبعد تطوّر أساليب المقاومة اللاعنفية، حيث اضطرّ شاه إيران إلى الرحيل وأطيح النظام، والثاني هو الحركة الاحتجاجية الواسعة التي بدأت في لبنان في العام 2005 التي اضطرّت بعدها القوات السورية إلى الانسحاب بعد وجود استمر نحو 30 عاماً .

أما الأمثلة من خارج المنطقة فهي كثيرة أيضاً، حيث كانت لحظة انهيار جدار برلين ،1989 إيذاناً بوضع حد فاصل بين مرحلتين، ونجحت ثورات أوروبا الشرقية جميعها تقريباً باللاعنف، عدا بعض استثناءاتها في رومانيا، أو في ما بعد خلال حروب يوغسلافيا وانقساماتها، أو عند تفكّك الاتحاد السوفييتي والحروب التي أعقبته، لكنها كانت ثورات لا عنفية بامتياز، وقد تحاقبت مع بعض التغييرات في أمريكا اللاتينية بواسطة اللاعنف، وأحياناً كانت الثورة تمرّ عبر صندوق الاقتراع كما عكست الانتخابات في نيكاراغوا وفنزويلا وتشيلي والإكوادور والبرازيل .

ولعلّ هذا واحد من التغييرات التي حصلت في مفهومنا للثورة، فهي ليست بالضرورة عملية عنفية، أو تشترط أن يكون وراء كل ثورة أو حتى حركة ثورية “نظرية ثورية”، وهو ما كنّا نردّده لعقود من الزمن، وقد كشف لنا الواقع إمكانية “الانتصار باللاعنف”، مثلما انتصرت حركة الحقوق المدنية في الولايات المتحدة، والحركة المناهضة للتمييز العنصري في جنوب إفريقيا، بل أصبح اليوم بإمكان قيادات ثورية شابة ومن خلال التواصل الاجتماعي، إنجاز مشروع الثورة، إذا ما توفّرت الشروط الموضوعية والذاتية لذلك، وانتفت الحاجة إلى ما سُمّي “العصبة الثورية” لقيادة العمل الانقلابي في جنح الظلام، والتخطيط له سرا وعبر أوكار حزبية، فالعالم تغيّر وأساليب الكفاح تطوّرت .

ومهما ارتبطت الثورات تاريخياً بالعنف باعتباره “قاطرة التاريخ” على حد تعبير ماركس، ومهما كان العنف متأصلاً في المجتمع، الاّ أن السلم والتطوّر التدريجي، يظلاّن الهدف المستمر لأي تغيير ثوري، وبهذا المعنى ستكون الثورة حالة مؤقتة، بل وحتى عابرة، وسيكون وليدها “ التاريخي” الذي ارتبط بها أي العنف “ مؤقتاً” أيضاً، ولن تزدهر الحرية الاّ بالسلم، وهكذا، فالثورة ليس بإعلان مجابتهما للأنظمة القائمة، ولكن بقدر استمرارها وتحقيقها أهدافها، ولاسيما الحرية والعدالة الاجتماعية .

وبهذا المعنى سيكون اختيار اللاعنف لتفجير الثورات عملية خيار واعٍ لجوهر ومحتوى الحرية، استباقياً، باختصار الطريق للوصول إلى “مملكتها”، ذلك أن انفلات العنف سيؤدي إلى التجاوز على القوانين والأنظمة، ويفتح الغرائز لشهيّة المتصارعين في استئصال أحدهم الآخر، وإذا كان العنف بالقانون “مقنناً”، فإن انفلاته مجتمعياً سيكون بلا حدود، وخطراً يهدّد السلام والحرية وقيم الثورة ذاتها وفلسفتها . وسيكون من أولى واجبات الثورة تقنين العنف وحصره بالدولة تحديداً لإمكانية تحقيق المساواة والعدالة والتنمية واحترام الحقوق الإنسانية . ويعرف غاندي بأنه مؤسس المقاومة السلمية “الساتياغراها” التي تقوم على ثلاثية الشجاعة والحقيقة واللاعنف، وقد انتصر باللاعنف على “بريطانيا العظمى” أعتى امبراطورية في العالم في حينها عبر الإضراب عن الطعام والمقاطعة والاعتصام وصولاً للعصيان المدني حتى تمكن من إلحاق الهزيمة بالاحتلال وتحقيق الاستقلال . وأخيراً، يمكن القول إن اللاعنف لا يعني السلبية أو الضعف، وحسب غاندي أنه أعظم قوّة متوفرة للبشرية . إنها أقوى سلاح صنعته براعة الإنسان .



200
مركز حمورابي للدراسات


قبل وبعد الربيع العربي
الجيوبوليتيك ومفترق الطرق




الدكتور عبد الحسين شعبان *





ــــــــــــــ
•   أستاذ القانون الدولي وهو خبير دولي في ميدان حقوق الإنسان، حالياً هو أستاذ نادة اللاعنف وحقوق الإنسان في جامعة أونور(بيروت). تخرّج من جامعة بغداد (كلية الاقتصاد والعلوم السياسية) ودرس العلاقات الدولية والقانون في براغ ونال درجتي الماجستير من جامعة 17 نوفمبر وجامعة جارلس، كما حاز على درجة الدكتوراه (مرشح علوم) في فلسفة القانون من أكاديمية العلوم التشيكوسلوفاكية، وهو من تيار التجديد والحداثة الثقافي، وينتمي إلى الجيل الثاني للمجددين العراقيين.
توطئة
   بانتهاء عهد الحرب الباردة في أواخر الثمانينيات وتفكك الكتلة الاشتراكية وانحلال الاتحاد السوفييتي في العام 1991، انتقل الصراع الآيديولوجي العالمي، من ضفة إلى أخرى، لاسيما عندما اتّخذ من الإسلام السياسي عدوّاً جاهزاً لمحاربته، في إطار ما سمي بالنظام الدولي الجديد، الذي لعبت فيه الولايات المتحدة الدور المتسيّد والمتنفّذ في العلاقات الدولية، خصوصاً بانقضاء نظام القطبية الثنائية الذي طبع فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، ولمدّة قاربت من أربعة عقود ونصف من الزمان!
   ولعل من أبرز ملامح فترة الصراع الآيديولوجي مع الإسلام السياسي، كانت مسألة الإرهاب الدولي، التي استخدمت ذريعة لشنّ الحرب وإرسال الجيوش وذريعة و"تحقيق المصالح الحيوية" للقوى المتنفّذة، دون مراعاة مصالح الأمم والشعوب واعتبارات القانون الدولي، لدرجة أصبح العالم كلّه على الحافة واتّسعت في تلك الفترة بالذات نشاطات قوى التطرف والتعصب والغلو في العالمين العربي والإسلامي، الأمر الذي أعطى ذريعة جديدة لواشنطن لمواصلة ستراتيجيتها ضد تطلّعات الشعوب وأهدافها في التحرر والانعتاق والتنمية والإصلاح.
وكانت كلّما حدثت عملية إرهابية تتوجه الإنظار إلى المنطقة العربية- الإسلامية، مثلما حصل في أحداث أوكلاهوما العام 1995 والتي اتّضح أن لا علاقة للعرب والمسلمين بها. وإن الإرهاب لا وطن ولا هوية ولا جنسية ولا دين ولا مذهب ولا لغة له، إنه موجود في جميع المجتمعات ويمكن أن يستنفر في ظل أوضاع تؤدي إلى استفحاله أو تساهم في الحد من غلوائه، تبعاً للحالة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والتعليمية وغيرها.


الجيولوليتيك والإرهاب الدولي
كانت أحداث 11 أيلول (سبتمبر) 2001 الإرهابية محطة أساسية وفاصلة بحكم تداعياتها التي طالت شعوباً وأمماً وثقافات وحضارات وأديان، وقد هيمن على العالم قلق ومخاوف إزاء استفحال وامتداد ظاهرة "الإرهاب الدولي" International Terrorism، وفي الوقت نفسه تباينت التفسيرات حوله بتباين الجهات والتيارات التي تقف خلفه وتديره، الأمر الذي بات من الضروري تسليط الضوء عليه للوقوف على أسبابه ومعرفة جذوره، خصوصاً بعد أن أصبح موضوع مكافحة الإرهاب الدولي موضوع الساعة، وذلك بعد الهجوم الذي بدأته الولايات المتحدة وبعض حلفائها ضد تنظيم القاعدة وأسامة ابن لادن وحكومة طالبان في أفغانستان، المتهمون بالعملية الارهابية الإجرامية ضد السكان المدنيين العزّل، الذي حصل في نيويورك وواشنطن وبنسلفانيا.
وإذا كان العالمان العربي والإسلامي قد شهدا تصعيداً خطيراً فيما يتعلق بالارهاب، فهما بالأساس كانا مستهدفان من جهة كون الذين اتهموا بالقيام بالعلميات الإرهابية ينتمون إليهما أولاً، وثانياً كونهما ظلاّ مترددان أو خارج نطاق الانخراط الفاعل أو بتعاون محدود ودون حماسة في الحملة الدولية ضد الإرهاب الدولي، التي قادتها الولايات المتحدة ضمن أهداف خاصة ووفقاً لمعطيات لم تشأ نشرها أو إطلاع الدول والحكومات عليها، علماً بأنها  كانت قد طلبت من الدول العربية والإسلامية التعاون الأمني واللوجستي لمكافحة الإرهاب، دون تقديم معطيات ملموسة لها، وهو الأمر الذي استمر يتكرر لمدة زادت على عقد من الزمان، حيث قامت طائرات أمريكية دون طيار في الغالب بقصف مواقع في الباكستان وأفغانستان واليمن والعراق وغيرها بحجة ملاحقة الإرهابيين، دون أي مراعاة للقوانين الدولية ولحدود وسيادة الدول وحرمة أراضيها، تلك التي يتضمنها ميثاق الأمم المتحدة.
وترافقت الحملة الدولية لمكافحة الإرهاب الدولي بتصعيد "إسرائيل" وخصوصاً في عهد حكومة شارون من أعمالها الإرهابية ضد الشعب العربي الفلسطيني، مستغلة تلك الحملة ومحاولة دمغ المقاومة السلمية المدنية للاحتلال والإستيطان بالإرهاب، وهو الأمر الذي تكرر ولا يزال في حصار غزة المستمر منذ العام 2006 وحتى الآن وفي الحرب المفتوحة عليها، سواء في أواخر العام 2008 ومطلع العام 2009 والتي دامت 22 يوماً أو في عمليات القصف المستمر وترويع السكان المدنيين بحجة ملاحقة الناشطين من تنظيمات المقاومة الفلسطينية الذين تتهمهم بالارهاب، وكذلك في الحرب على لبنان التي دامت 33 يوماً في العام 2006 واستمرار تهديد سيادتها واستقلالها، فضلاً عن الاحتفاظ بأراضي لبنانية محتلة في مزارع شبعا، ظلّت حتى بعد اضطرار "إسرائيل" للانسحاب من لبنان وهزيمتها في العام 2000.
لقداستخدمت الولايات المتحدة القوة المسلحة لأجل بلوغ أهداف سياسية، وحضّرت لهذه الستراتيجية، بعد الحرب العالمية الثانية مباشرة، وقبل انتهاء الحرب الباردة، ولكنها تعاظمت بعد انفرادها في الساحة الدولية كلاعب أساس منذ أواخر الثمانينيات وحتى الآن.

الجيوبوليتيك واستعادة الماضي بهدف الحاضر
يمكن باختصار تسليط الضوء على أهم محطات الاستراتيجية الأمريكية منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، وبداية عهد الحرب الباردة وإلى اليوم، بهدف المساعدة في قراءة استعادية للماضي القريب:
المحطة الأولى: مبدأ ترومان، الذي قام على فكرة " القوة الضاربة" وهي فكرة مفادها إعطاء الحق للولايات المتحدة للتدخل بقوة عسكرية حين تقتضي مصالحها. وهي الخطة التي طبقت في كوريا والفيتنام وأمريكا اللاتينية وغيرها. وكان الرئيس ترومان قد أعلن هذا المبدأ في 12 آذار (مارس) 1947، وهو العام الذي شهد إعلان ونستون تشرشل الحرب الباردة من طرف العالم الحر ضد الشيوعية والاتحاد السوفييتي.
المحطة الثانية: مبدأ ايزنهاور، الذي اعتمد على ما سمي بـ"نظرية ملء الفراغ" حفاظاً على المصالح الحيوية للولايات المتحدة وهو ما سيتم التطرق إليه لاحقاً.
المحطة الثالثة: مبدأ نيكسون، الذي قام على نظرية " الدركي بالوكالة"  وهو دعوة لصيغة مشاركة من قبل حلفاء الولايات المتحدة في تحمل أعباء النفقات العسكرية واستقطاب متعدد الأطراف حسب بريجنسكي مستشار الأمن القومي الأسبق فيما بعد .
المحطة الرابعة: مبدأ كارتر المعروف بـ" التدخل السريع والمباشر"  الذي بموجبه يحق لواشنطن أن تتصدى بأي وسيلة بما فيها القوة المسلحة " أي تطاول" على المصالح  الحيوية للولايات المتحدة وهو ما عناه بريجنسكي مستشار الأمن القومي الأسبق " قوس الأزمات والعمليات الصاعقة" الذي يعني التدخل المسلح لمجرد وجود خطر وشيك الوقوع ومحتمل يهدد المصالح الحيوية للولايات المتحدة.
وعلى هذا الأساس تحدّدت "استراتيجية الحرب ونصف الحرب" حسب المناطق. فالمنطقة الأولى أوروبا، والمنطقة الثانية هي الشرق الأقصى، أما المنطقة الثالثة فهي الشرق الأوسط. وتعني هذه الاستراتيجية أن يكون للولايات المتحدة القدرة على شن حرب شاملة في أوروبا وفي نفس الوقت تستطيع أن تشن نصف حرب في أي مكان من العالم، أي حرب أساسية( ضد الاتحاد السوفييتي السابق) وحرب فرعية (في أي بقعة من العالم).
إن مبدأ كارتر هو استمرار لمبدأ أيزنهاور المعروف بمبدأ "إملاء الفراغ" تبعاً "للمصالح الحيوية" بوجه " الخطر السوفيتي" وبموجب ذلك فوّض الكونغرس الأمريكي الرئيس " سلطة استخدام القوة العسكرية" وحق استقدام قواتها لمساعدة أي بلد أو مجموعة من البلدان تطلب المساعدة .
وقد عبّر عن ذلك منذ وقت مبكر جون فوستر دالاس وزير الخارجية الأمريكي الأسبق لدى زيارته للشرق الأوسط عام 1953 بضرورة بناء " الحزام الشمالي" وفي جنوب شرق أسيا عبّر عنها بفكرة بناء " السدود المنيعة".
وحول مصطلح " المصالح الحيوية" فتجدر الاشارة إلى أنه ليس جديداً بل يعود إلى عهد الرئيس الأمريكي مونرو، الذي اعتبر نصف العالم الغربي مجالاً حيوياً للمصالح الأمريكية. ووسع الرئيس ترومان من هذا المفهوم فشمل حوض البحر الأبيض المتوسط والشرق الأوسط، أما الرئيس كارتر، فقد أدرج في هذا المجال، أوروبا الغربية والدول الاسكندينافية وأفريقيا والشرق الأدنى وجنوب شرقي آسيا.
ثم تطور الأمر على يديه ليعتبر العالم كله مجالاً حيوياً للمصالح الأمريكية وخصوصاً منابع النفط في الخليج العربي، حيث يحقّ لواشنطن أن تصدّ بأية وسيلة، بما فيها القوة المسلحة، أي تطاول على المصالح الحيوية الأمريكية.
ولعل هذا بالضبط ما قصده المفكر الأمريكي اليهودي نعوم تشومسكي بالقول: إن النظام الأمريكي هو نظام مركزي كوني، وهو صورة للنظام العالمي الجديد وإن " أي تحدٍّ له لا يمكن التسامح حياله: فكل عمل من جانب الولايات المتحدة يهدف لتعزيز نظامها وآيديولوجيتها والحالة هذه هو عمل دفاعي"
المحطة الخامسة: مبدأ ريغان، المعروف بـ" مبدأ التوافق الستراتيجي" الذي تم بموجبه تطوير فكرة الحيوية وتحقيقاً لأهداف المجمّع الصناعي- الحربي، الهادف إلى بسط السيطرة الأمريكية على مناطق شاسعة من العالم وتطبيقاً لسياسة العصا الغليظة، الذي اتخذ شكل هيمنة وتسيّد على العالم بعد انهيار الكتلة الشرقية.
لقد تطورت نظرية الحرب ونصف الحرب في عهد ريغان، لتصبح " نظرية الحربين ونصف الحرب" حسب كاسبار واينبرغر في أوروبا والخليج وحروبصغيرة في أمريكا اللاتينية .
المحطة السادسة: مبدأ الإستخدام الأوسع لنظرية القوة المسلحة" وهو المبدأ الذي دشنه الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب ومن بعده الرئيس كلينتون ثم الرئيس جورج دبليو بوش الإبن، إذ جرى تقديم القوة المسلحة وسيلة لفض النزاعات الدولية على الوسائل السياسية السلمية وحتى قبل استنفاذها، وربما دون إعارة اهتمام لها وبشكل خاص في إدارة الرئيس بوش الإبن، التي دأبت خلال ثماني سنوات على رفع درجة حدّة التوتر العالي مستغلة أحداث 11 أيلول (سبتمبر) في محاولة لابتزاز العالم أجمع، لاسيما بدفع الأمم المتحدة على اتخاذ قرارات تبيح لها شن حرب استباقية أو حروب وقائية، بزعم تدارك الأمر في مواجهة الإرهابيين، وخصوصاً القرارات الثلاث، الأول: القرار 1368 الصادر في 12 أيلول (سبتمبر) 2001 والثاني: القرار 1373 الصادر في 28 أيلول (سبتمبر) من العام نفسه، وهو أخطر قرار في تاريخ الأمم المتحدة والثالث: القرار 1390 الصادر في 16 كانون الثاني (يناير) 2002، وهي قرارات شرعنت للقوى المتنفّذة القيام بإجراءات واتخاذ خطوات بما فيها شن الحرب بزعم أن خطراً وشيك الوقوع يمكن أن يحدث.
وتمكّنت واشنطن من توظيف تلك القرارات بما يخدم أهدافها الستراتيجية الحيوية، حيث انقلبت الآية من مكافحة الارهاب إلى القيام بإرهاب الدولة واحتلال أراضي والتدخل بشؤون الدول الأخرى وفرض الهيمنة بزعم ملاحقة الإرهابيين والإرهاب ونشر قيم الحرية والديمقراطية.
المحطة السابعة: فترة رئاسة أوباما التي واجهت منذ بداياتها تحدّيات كبرى وتركة ثقيلة على الصعيد الداخلي أو الخارجي، وعلى المستوى السياسي والاجتماعي والاقتصادي، تلك التي تجلّت بالأزمة المالية والاقتصادية العالمية التي ضربت الولايات المتحدة بالصميم، لاسيما بانهيار مصارف كبرى وشركات تأمين عملاقة، إلاّ نهج واشنطن وخصوصاً إزاء القضايا الأساسية لم يتغيّر، وإنْ أصبحت أكثر تأنياً، بعد أن كانت أكثر اندفاعاً.
إن سياسة واشنطن على الرغم من كل وعود الرئيس أوباما هي المسؤولة عن انهيار سمعتها التي تدهورت إلى الحضيض، لاسيما في العالم الثالث، بل على المستوى العالمي، خصوصاً بعد كشف فضيحة سجن أبو غريب والسجون السرّية الطائرة والسجون السرّية العائمة وسجن غوانتانامو، وما حصل في سجن قلعة جانكي في أفغانستان وممارسات التعذيب، حيث شكّلت المشهد الأكثر حساسية لضمير مجتمعاتنا، بل وللضمير الإنساني بشكل عام.
ولم تتعافَ الولايات المتحدة من وطئ سياساتها حتى يومنا هذا، ولم تفلح خطابات الرئيس أوباما لتعويض سلفه الرئيس بوش، لاسيما خطابه من جامعة القاهرة في (حزيران/يونيو) 2009 بُعيد توليّه مهماته في البيت الأبيض ببضعة أسابيع، بتأكيده احترام العرب والمسلمين وخصوصياتهم والحديث عن المشترك الانساني، وكذلك تعهّده بإغلاق سجن غوانتانامو الذي لم يتحقق على الرغم من أن ولايته تشارف على الإنتهاء (نهاية العام 2013)، فقد ظلّت تلك علامة سلبية في السياسة الأمريكية، وأخذ العالم يتحدث عن التعذيب للإيهام بالإغراق، وحفلات الاغتصاب الجنسي والجماعي والصور الشاذة والكلاب الجائعة والماركات المسجّلة، والمدموغة Made in USA.
أفغانستان والعراق والمشهد الجيوبوليتيكي الأمريكي
اضطرّت واشنطن، وخصوصاً بعد فشل حملتها لمكافحة الإرهاب ولاسيما بعد غزو واحتلال أفغانستان العام 2001 والعراق العام 2003 إلى دفع جنودها بكثافة لتحقيق ستراتيجيتها، الأمر الذي ألحق بها خسائر فادحة مادياً ومعنوياً، فمن جهة بشّرت الولايات المتحدة العالم أن العراق لا يملك أسلحة دمار شامل بعد تفتيش دقيق لطول البلاد وعرضها (العام 2005)، وكذلك سكتت عن مزاعمها بشأن علاقته بالارهاب الدولي وبتنظيمات القاعدة، ولو كان الأمر كذلك لتم كشف الأوراق التي كانت "مبرراً" لزعم الولايات المتحدة لشن الحرب على العراق، خارج نطاق ما يسمى بالشرعية الدولية ودون تفويض من الأمم المتحدة، التي عادت وشرعنت الاحتلال بالقرار 1483 الصادر في 22 أيار (مايو) 2003، وأخضعت كل ما حصل لاتفاقيات جنيف لعام 1949 ولقواعد القانون الدولي الإنساني.
وابتلعت الولايات المتحدة لسانها بخصوص الديمقراطية المزعومة، المحمولة على الطائرات، والمصاحبة لسمفونيات القصف المستمر على بغداد، ولاحقاً انفلات أعمال إرهاب لا حدود لها، واكتفت واشنطن بالحديث عن الاستقرار والهروب إلى الأمام بإعلان الانسحاب بعد اتفاقية استمرت 3 سنوت (أواخر العام 2008 ولغاية 31 كانون الأول /ديسمبر 2011) ولكن اتفاقية التعاون الستراتيجي، التي هي أكثر خطورة ونعومة لا تزال مستمرة وتكبّل العراق وترهق كاهله، بل وتجعله من الناحية الفعلية وتحت باب التعاون والصداقة واقعاً تحت النفوذ الأمريكي.
واضطرت بفعل ثلاث عوامل إلى الإنسحاب من العراق هي :
العامل الأول- موجة المقاومة السلمية- المدنية التي واجهتها والتي لم تكن تتصورها، إضافة إلى مقاومة مسلحة، وقد سبّبت لها خسائر مادية ومعنوية كبيرة، ليس أقلّها الأرقام الرسمية، حيث خسرت نحو 4800 قتيل و 26 ألف جريح وأكثر من تريليون دولار لنهاية العام 2008 وربما يصل الرقم إلى ضعفين، حتى إتمام انسحابها مع بقاء بعض ذيول جيشها وسفارتها التي هي أكبر سفارة في العالم.
والعامل الثاني- ضغط الرأي العام الأمريكي والأوروبي والغربي، عموماً بخصوص لا أخلاقية الغزو، لاسيما بعد الفضائح الكثيرة التي رافقته، ناهيكم عن كونه لم يحطْ على ترخيص من الأمم المتحدة أو المجتمع الدولي، الأمر الذي وضع أكثر من علامة استفهام حوله، خصوصاً بعد الخسائر التي تعرّضت لها واشنطن في العراق.
والعامل الثالث- الأزمة المالية والاقتصادية العالمية التي اجتاحت الولايات المتحدة، وضربتها بالصميم وادّت إلى انهيار مصارف كبرى وشركات تأمين عملاقة، وهي لم تعد قادرة على استمرار احتلالها الذي كلّقها أثماناً باهظة.
لقد طبعت واشنطن العقد الماضي كلّه بطابعها، فعززت من نشر أطروحاتها بصدد مكافحة الإرهاب الدولي، معتبرة كل عمل ضدها يندرج في هذا الإطار، حتى ولو كان مقاوماًَ وروّجت لمفهوم الحرب الاستباقية أو الحرب الوقائية كما أشرنا، وطرحت فكرة التفكيك وإعادة البناء، وفقاً لما يسمى بالفوضى الخلاقة، كما روّجت لأطروحة الديمقراطية والإصلاح وحاولت ابتزاز بلدان عربية وإسلامية لتغيير مناهجها والتدخل بشؤونها فيما يتعلق بالخيارات الاجتماعية.
ولذلك فإنها بعد الربيع العربي وقفت في بداية الأمر بحالة ذهول لما حصل في تونس ومصر، ثم تصرفت على نحو براغماتي للاتصال بالحركات الإسلامية للتعرّف عليها مباشرة وفهمها ودراسة إمكانية التعاون معها بعد أن أصبحت الأنظمة الاستبدادية التي دعمتها في خبر كان.
واضطرّت واشنطن إلى جرجرة هزيمتها في أفغانستان فعلى الرغم من مرور نحو 11 عام على غزوه فإنها غير قادرة على حفظ الأمن واستتباب الوضع، وأن الحكومات التي جاءت بها لا تزال عاجزة، وأعمال العنف والارهاب ومقاومة وجودها العسكري لا تزال قائمة. وبسبب ذلك ولوجود تنظيمات القاعدة التي تعاملت معها باكستان ببراغماتية ومصلحية، فإن علاقتها  ساءت مع الباكستان وهي دولة إسلامية مهمة، ولها موقع نووي أيضاً وتلعب دوراً مؤثراً في جنوب آسيا وغربها، فضلاً عن دورها الإسلامي، خصوصاً علاقاتها مع الصين.

الجيوبوليتيك والربيع العربي
ثمة محاور أساسية تندرج تحت هذا العنوان الواسع والكبير، لاسيما في فترة تغييرات هائلة يمرّ بها العالم العربي، سواءً في البلدان التي شهدت احتجاجات وتظاهرات وصراعات مختلفة أدّت إلى الإطاحة بالأنظمة أو في البلدان التي ظلّت بمعزل عنها، لكنها لن تكون بعيدة عن تأثيراتها حتى وإنْ أتت بعد حين، لأن عملية التغيير والانتقال الديمقراطي جزء من قانون طبيعي للتطور التاريخي وصلت مفاعيله اليوم إلى البلدان العربية، بعد أن مرّت موجته الأولى في أوروبا الغربية في السبعينيات، واجتاحت الموجة الثانية أوروبا الشرقية في أواخر الثمانينيات، وفي فترة متزامنة ومتعاقبة وصلت الموجة إلى أمريكا اللاتينية، وها هي الموجة الثالثة للتغيير تصل إلى البلدان العربية.
بدت صورة البلدان العربية خارجياً، وكأنها استعصاءٌ أو استثناءٌ من عملية الانتقال الديمقراطي على الرغم مما يدور في داخلها، وإذا بالحراك الشعبي الذي بدأ من تونس يزحف سريعاً وينتقل إلى مصر ومنها إلى العديد من البلدان العربية. ولعل المتمعّن في أوضاع بلادنا العربية، سيدرك أن هناك تراكماً تدريجياً لم يظهر تغييره النوعي إلاّ حين نضجت اللحظة الثورية، تنبؤية، ولم يكن الأمر إذاً صدفة أو إشارة غامضة جاءت من الخارج، وإن بدا مفاجأة، لاسيما إيقاعها السريع، وكانت قد تكشفت على نحو لم يسبق له مثيل العلاقة غير السويّة بين الحاكم والمحكوم التي وصلت إلى إنسداد أفق، وإلى طريق مسدود بتعاظم العسف وشحٌ الحريات واستشراء الفساد، فحانت لحظة الإنفجار حين اندلعت الثورات العربية الواحدة تلو الأخرى.
لعل الحراك الشعبي والرغبة في التغيير كان تراكماً طويل الأمد شمل ما هو سياسي واجتماعي واقتصادي ونقابي ومهني، حيث كان يتمظهر ثم يخبو، حتى يكاد يقترب من الانطفاء، بسبب عوامل موضوعية وأخرى ذاتية، لكنه لا ينقطع، وظلّ مستمراً ومتواصلاً على الرغم من الصعود والنزول، إلى أن جاء موعد اللحظة الثورية المثيرة للدهشة حد المفاجأة، يوم أحرق بوعزيزي نفسه في تلك المدينة النائية "سيدي بو زيد" فانتقلت الشرارة وسرت مثل النار في الهشيم، وكما يقول ماوتسي تونغ: يكفي شرارة واحدة لكي يشتعل السهل كلّه.
حصلت اللحظة الثورية حين نضجت وتفاعلت واتّحدت العوامل الموضوعية، والعوامل الذاتية، لاسيما عندما انتقل الخوف من المحكومين، إلى الحاكم، فلم يعد هناك ما يخيف الشعب بعد أن عملت آلة الإذلال والكبت والقتل ما عملته، بالشعب الأعزل، وعندها لم يعد الموت مرعباً، في حين أصبح، هذا الموت، يخيف الحاكم الذي أخذ بالتراجع خطوة بعد أخرى، وتصريحاً بعد تلميح، وإجراءً بعد آخر.
وهنا اختلّت موازين القوى لصالح المحكومين في حين ظل الحاكم يبحث عن ملاذ، فقد وجده زين العابدين بن علي في الرحيل، وفي حالة محمد حسني مبارك كان بالتنازل بعد تطمينات من الجيش، الذي كان الخطوة الانتقالية للسلطة في البلدين، بينما في حالة القذافي فقد لاذ بالفرار، لكنه لم يتمكن من النجاة واضطر علي عبدالله صالح إلى التوقيع على المبادرة الخليجية بعد مماطلة دامت نحو ثمانية أشهر، في حين ظل بشار الأسد متمسكاً بالسلطة، مثلما ظلّت التظاهرات الشعبية مستمرة ودون انقطاع منذ 15 آذار (مارس) من العام الجاري(2011)، ودخلت الأزمة السورية مرحلة جديدة وخطيرة حين بدأ مسلسل العقوبات من جانب جامعة الدول العربية الذي انتقل إلى مجلس الأمن، الأمر الذي ساهم في تدويل المسألة السورية.
وبعد مرور أكثر من 15 شهراً فإن جميع فرق المراقبة العربية والدولية، بما فيها التي يترأسها كوفي أنان الأمين العام السابق للأمم المتحدة، لم تفلح في إيقاف نزيف الدم ووضع حد لأعمال القمع والعنف والصدام، وأستطيع القول أن الأزمة السورية دخلت في نفق ضيق وسيكون الخروج منه عسيراً وأن كلاً من السلطة والمعارضة، لاسيما المسلحة، دخلا في سباق أقرب إلى المصارعة على الطريقة الرومانية لا ينتهي إلاّ بموت أحد المتصارعين ووصول الثاني إلى حالة من الإعياء والإنهاك أقرب النهاية، ولكن الشعب سيدفع الثمن باهظاً، ولاسيما إذا استمر نار العقوبات والاحتراب والقمع ، خصوصاً وهو يعاني منذ أربعة عقود ونيّف من الزمان من الاستئثار بالحكم والتفرد فيه ومن الفساد وهدر الحريات .
لعل أهم المشتركات للثورات العربية تتلخص بالمطالبة بالحريات والكرامة الانسانية ومحاربة الفساد المالي والإداري المستشريين، لاسيما تماهي السلطة مع المال. وكانت تقارير التنمية البشرية لسنوات قد شخّصت الحال بهدر الحريات والنقص الفادح في المعرفة والافتئات على حقوق الأقليات وعدم مساواة المرأة بالرجل، وتلك القضايا شكّلت المشهد الذي يكاد يكون مشتركاً للوضع العربي، وإن كان هناك بعض الخصوصيات، فمثلاً إن وضعية المرأة وحقوقها كانت مكفولة في تونس قانونياً وهي تختلف عن العديد من البلدان العربية منذ عهد الرئيس بورقيبة بعد الاستقلال في العام 1956.
وإذا كانت  تونس تعيش في كنف الحزب الواحد وكذلك سوريا حيث " الحزب القائد" أما ليبيا فإن تشكيلات "اللجان الثورية" لا يمكن إدراجها تحت أي مسمّى سوى "الحزب الواحد" مع تحريم الحزبية " من تحزّب خان"، فإن مصر كانت قد وجدت في فكرة التعددية الشكلية طريقاً للحكم، في حين كانت اليمن تعيش توازناً إلى حد ما بين حزب السلطة " المؤتمر الشعبي" والمعارضة السياسية الممثلة "بأحزاب اللقاء الوطني"، لاسيما في العقد الأخير. أما البحرين فإن التباس العامل الإقليمي ساهم في تضبيب صورتها، لاسيما وأن القوة الأساسية فيها من حركة الوفاق الشيعية، الأمر سهّل اتهام إيران بالتدخل في شؤونها، علماً بأن لجنة التحقيق الدولية برئاسة الخبير الدولي محمود شريف بسيوني لم تلحظ أو تتوفر لديها معطيات لهذا التدخل، وقد بادر مجلس التعاون الخليجي، ولاسيما المملكة العربية السعودية بإرسال قوات تحت عنوان "درع الخليج" للدفاع عن الحكم في البحرين، لكن المسألة لم تهدأ بعد واحتمالات انفجاراتها لا زال مستمراً، إذ أن جذوتها حتى الآن متّقدة، وخصوصاً في ظل الشحن الطائفي والمذهبي وحملات المواجهة والعنف.
لم يكن في البلدان العربية عشية الاحتجاجات الشعبية ما يشير أو حتى يوحي في بعضها على الأقل، أن الذي حدث سيحدث، في حين كان العالم يراكم خبرات وتجارب على هذا الصعيد، إلى أن حصل التراكم التدريجي ذروته، فانفجر الوضع في بعض البلدان وتأخر في أخرى، وحتى البلدان التي لم يتحقق فيها التغيير ثورياً فلم تكن بمنأى عن استحقاقاته.
وبغضّ النظر عن نتائج الحراك الشعبي العربي وتداخلاته الإقليمية والدولية أحياناً، فإنه بلا أدنى شك غيّر الصورة النمطية السائدة عن العرب، تلك التي كانت أقرب إلى السكون، وإذا بالعديد من البلدان العربية تمرّ بحركة غير مشهودة، حيث تنزل الجماهير إلى الشوارع والساحات تريد تغيير مستقبلها وصناعة مصيرها، وعلى الرغم من حرمانها واستلابها فقد رفعت شعارات سلمية وذات طبيعة مدنية، وبغلبة للشبابية والوسطية والاعتدالية والمطالبة بالحريات والكرامة الانسانية ومحاربة الفساد، ومثّلت هذه السمات مشتركاً لجميع الحركات الاحتجاجية الشعبية، وإنْ كان لكل بلد خصوصيته وتطور مطالبه وشعاراته، لكنها في بداية الأمر رفعت هذه الشعارات ذات الصفة المطلبية تلك التي لم يجر التعامل معها بصورة إيجابية، فزاد الأمر تعقيداً، حتى غدت مطالب من قبيل تغيير الأنظمة، كحد أدنى، لا يمكن القبول بأقل منها.
لقد دلّ الحراك الشعبي على أصالة حركة التغيير، التي لم تكن سوى نتاج تفاعل سياسي واقتصادي واجتماعي وثقافي داخلي ونضالات طويلة ومعقّدة لقوى وحركات سياسية وفكرية، على مدى عقود من الزمان، ناهيكم عن عوامل موضوعية وأخرى ذاتية، مع وجود أوضاع دولية مشجعة، خصوصاً الموجة الداعمة لقضايا حقوق الانسان والحريات على المستوى العالمي، تلك التي ازداد رصيدها منذ انتهاء عهد الحرب الباردة في أواخر الثمانينيات، وحتى وإن تم توظيفها لأغراض سياسية الاّ أنها موضوعياً خلقت أجواء مناسبة دولياً للتغيير والانتقال الديمقراطي، بغض النظر عن ازدواجية المعايير وانتقائية السياسات.
وأكّد الحراك الشعبي ان عملية التغيير لا يمكن صنعها في الخارج أو زرعها في بيئة غير مناسبة وفي أجواء غير صحية، والاّ فإن الثورات ستذبل وتدريجياً ستموت وقد تتحول إلى ضدها، فلكل تربة لها كيمياء خاصة، وإن كان هناك مشتركات، وعلاقة جدلية بين الداخل والخارج. ولا يمكن أن تنجح ثورة في العالم دون وجود مثل هذه الجدلية على مرّ التاريخ، وإن اختلفت موازين القوى، خصوصاً ونحن نتحدث في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين.
وقد لعب الاعلام وشبكات الاتصال والمواصلات والثورة العلمية والتكنولوجية والطفرة الرقمية " الديجيتل" دوراً كبيراً في ربط البلدان العربية بالعالم، وكذلك بدول الجوار التي بدت مؤثرة، كما أنه رفع من درجة وعي المجتمعات ودفعها إلى التفاعل، لكي تلعب دوراً في عمليه التغيير ورسم صورة المستقبل.
ودلّ الحراك على دور الشباب وحيويته، حيث كان يمثل العقل المدبّر والساعد المنفّذ، وحتى وإن بدى الحراك عفوياً، وقد كان كذلك، الاّ أنه لم يكن بمعزل عن تراكمات طويلة الأمد، ساهم المجتمع المدني على ضعفه ومشكلاته في تهيئة المستلزمات الأولى لها أو الدعوة إليها، وكذلك القوى والفاعليات السياسية والفكرية، كما كشف الحراك عن النزعة الوسطية الاعتدالية الجامعة، وهي التي ظهرت لدى جميع التحركات الشعبية، حتى وإن اتخذ بعضها طابعاً عنفياً، الاّ أنه ظل محدوداً بشكل عام، ولم يلجأ إليه الاّ بعد عنف مضاد أو دفاعاً عن النفس، وإن تطوّر الأمر لاحقاً، لاسيما بالتداخل الخارجي، وظهور بعض المجموعات المسلّحة.
إن عملية التغييرموضوعياً ودون إسقاط رغبات الكبح أو الانفلات، ستطرح الكثير من القضايا التي ستطفو على السطح مثل الموقف من الأقليات والتنوّع الثقافي، لاسيما الديني والطائفي والإثني، فمثلاً برزت المسألة الدينية في مصر (مشكلة الأقباط) وفي سوريا برزت (المشكلة الكردية) وكذلك البعد الطائفي والمذهبي كجزء من صراع مستتر (السنّة والعلويون والدروز) وكذلك الانقسام الديني (مشكلة المسيحيين)، والمشكلة العشائرية وكذلك المناطقية، في ليبيا وفي اليمن، ولاسيما مشكلة الجنوب ومشكلة الحوثيين وبعض القضايا والمشاكل القبلية الأخرى أيضاً، وفي البحرين المشكلة الطائفية (الشيعة والسنّة) ودور التداخلات الخارجية، (إيران في مواجهة دول مجلس التعاون الخليجي)، وكان إتهام إيران في محاولة اغتيال السفير السعودي في واشنطن قد زاد من الطين بلّة، باشتباك ما هو دولي بما هو إقليمي وهذان العاملان بما هو عربي.
وستبرز قضية المرأة وموضوع الشريعة الاسلامية، خصوصاً إن هناك صراعاً بين الإسلام السياسي والعلمانيين، وبين المحافظين والليبراليين، وبين التراثي والتغريبي، وهكذا، وأعتقد أن موضوع الشريعة سيكون مادة صراع بين الاسلاميين أنفسهم هذه المرة، خصوصاً وأن هناك قراءات متباينة للاسلام وتطبيقاته، بين إسلاميين معتدلين وآخرين متطرفين، بين إسلام منفتح تركي وإسلام راديكالي إيراني، وإسلام معتدل وآخر محافظ، وإسلام متسامح وآخر متعصب وإسلام مسالم وآخر ارهابي، كما هي منظمات القاعدة، وذلك حين يتم استخدام الدين وتوظيفه لأغراض سياسية. ومثل هذا الأمر انعكس في الجدل حول الدستور في تونس ومصر وليبيا وقبل ذلك في المغرب، وسيكون محط نقاش واسع في اليمن وسوريا والبحرين وغيرها.
وقد كانت وثيقة الازهر الشريف التي أعلنها د. أحمد الطيب شيخ الأزهر بالتعاون مع نخبة من المثقفين المصريين من اتجاهات مختلفة تعبيراً جديداً عن ارتفاع الموجة الوسطية التي تدعو إلى "قيام دولة وطنية دستورية ديمقراطية حديثة" في "إطار ستراتيجية توافقية" أساسها مبادئ الحرية والعدل والمساواة، ولم تكن تلك بعيدةً عن التطور الذي شهده الاسلام التركي، التي عبّر عنه برامج حزب العدالة والتنمية، لاسيما رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان حين اعتبر عدم وجود تناقض لكونه رئيساً لدولة علمانية، وإن كانت مرجعيته الشخصية إسلامية، لاسيما بوضع مسافة واحدة من جميع الأديان.
ولعل مثل هذا الأمر سيطرح على شكل أسئلة أخرى أبعد من علاقة الدين بالدولة، بل بشكل الدولة، خصوصاً في إطار التنوّع الثقافي ولوجود قوميات وأديان: هل الدولة الديمقراطية المنشودة ستكون دولة بسيطة أم مركبة؟، أي، دولة مركزية أو دولة لا مركزية وحتى فيدرالية، بتوزيع الصلاحيات بين السلطات الاتحادية وبين السلطات المحلية، علماً بأن هناك تشوشاً والتباساً بين مفهوم الفيدرالية وغيره من المفاهيم التي قد تصل إلى الانفصال أو التقسيم بشكل مباشر أو غير مباشر، وبين مفهوم الفيدرالية الإداري والقانوني، الأمر الذي يحتاج إلى فضّ الاشتباك وتأصيل المفاهيم وتوضيح ذلك بما لا يؤدي إلى الإساءة للنظام الفيدرالي وهو نظام متطور ويعيش في ظلّه أكثر من 40% من سكان العالم، ونحو 25 بلداً بما فيها بلدان كبرى ومؤثرة، وبما يعزّز من المسار الديمقراطي بحيث لا يؤدي إلى تفتيت الكيانات القائمة بدعوى رفض المركزية التي تحمل صورة مشوّهة عنها مثلما هي أنظمة العديد من البلدان العربية، كما لا ينبغي أن يكون مبرّراً أو ذريعة لتفتيت دول المنطقة، حيث ينصرف الذهن إلى التجربة العراقية التي هي أقرب الكانتونات والدوقيات والمناطقيات منها إلى قواعد الفيدرالية المعتمدة دولياً ودستورياً، وفي إطار حق تقرير المصير، لاسيما للقوميات وباسلوب ديمقراطي وظروف سلمية وطبيعية.
لقد أعاد الحراك الشعبي العالم العربي إلى السياسة التي تم النظر إليها باعتبارها حكراً على نخبة أو مجموعة، فدفع الملايين من الناس إلى الساحات والشوارع لتدعو إلى عقد اجتماعي جديد بين الحاكم والمحكوم، وعلى أسس مختلفة، بحيث يستطيع المحكوم أن يستبدل الحاكم وعلى نحو دوري وبرضا الناس الذين يمكن أن يسهموا بتحديد ملامح مستقبلهم. كما أعاد الحراك الشعبي إلى السياسة بريقها ووهجها، وفي الوقت نفسه كشف عن خطل السياسات التقليدية في الحكم وفي المعارضة، خصوصاً بانكسار حاجز الخوف الذي انتقل من المحكومين إلى الحاكم في تغيير موازين القوى، وانكشاف الكثير من الخفايا والخبايا في أروقة الدول الاستبدادية .
لقد كان الحراك الشعبي في الغالب الأعم داخلياً بامتياز وهو نتاج تراكم طويل الأمد فقد ظل غياب مشروع نهضوي للتجدد الحضاري لأكثر من قرنين من الزمان ثغرة كبيرة عانى منها المجتمع العربي، على صعيد علاقته مع بعضه البعض وتنميته وأساليب الحكم المتبعة واستقلاله الاقتصادي وبالطبع على صعيد لحاقه بالعالم لا تقليداً وإنما للتجدد والتواصل.
وليس لديّ أدنى وهم بأن ما حصل سيكون بديلاً أو تعويضاً عن معاناة المجتمع العربي من التجزئة وهدر الحريات والاستعمار والاستغلال وغياب العدالة الاجتماعية وكبح جماح التنمية فضلاً عن الركود والجمود، لكنه بلا أدنى شك حفّز الذاكرة وحرّض الواقع على استعادة المشروع النهضوي العربي، باعتبار أهدافه لا زالت مطمحاً  تسعى الشعوب العربية للوصول إليهما وتمثل مشتركاً عربياً وإنسانياً وشعبياً على المستوى العربي.
فمنذ عصر النهضة هناك مطالب أساسية ظلّت هدفاً مشتركاً للنضال العربي، وهذه المطالب يمكن أن تشكل اليوم، ولاسيما بعد الثورات والانتفاضات الشعبية، مشتركاً أساسياً ومحورياً للعقد الاجتماعي المنشود، وعبر عقود من الزمان كانت مطالب الإصلاح والتغيير وسيادة القانون والدولة الدستورية واختيار الحكام واستبدالهم والمساواة والعدالة، أساس حركة فكرية إصلاحية من جمال الدين الأفغاني إلى محمد عبده وخير الدين التونسي ورفاعة الطهطاوي وحسين النائيني وعبد الرحمن الكواكبي ورشيد رضا وشبلي شميّل وفرح انطون  وصولاً إلى سلامة موسى وعلي عبد الرازق وغيرهم، وهؤلاء يجتمعون وكل من موقعه ومن مدرسته الفكرية، على أهداف ومطالب أساسية، أو يشتركون في بحث معطياتها الرئيسية، حتى وإن اختلفوا في طريقة تناولها، وهو ما تبنته حركات سياسية واجتماعية لاحقاً، لاسيما في مرحلة ما قبل وبعد الاستقلال.
لعل ذلك هو مأزق الجيوبوليتيك، لاسيما للقوى الكبرى ولاسيما للمشروع الإمبراطوري الأمريكي، خصوصاً بعد الربيع العربي، فقد وصل إلى مفترق طرق بعد انهيار أنظمة حليفة وبعضها ممانعة له، وإذا كان التعامل معها يسيراً في السابق، فإن التعامل مع انتفاضة شعبية وثورة شبابية وهياكل غير مكتملة في ظل مرحلة انتقالية هو أكثر صعوبة، لاسيما إذا استمرت الولايات المتحدة في نهجها، دون أن تأخذ بنظر الاعتبار تطلعات الشعوب في التنمية والديمقراطية وفي تأمين مستلزمات نهوضها وتقدّمها في إطار الجماعة السياسية التي تنتمي إليها وتجمعها بها مشتركات كثيرة مثل اللغة والدين والتاريخ والمصالح المشتركة.
لقد وضع الربيع العربي الجميع في مفترق طرق، فأمّا التخلص من آثار الماضي بكل تبعاته الداخلية والخارجية، وأمّا الإنكفاء والتشظي، والسبيل للوصول إلى حالة الاستقرار بعد التغيير وبعد غياب أنظمة الاستبداد وتساوقاً مع المتغيّرات الدولية يمرّ عبر صندوق الاقتراع والإقرار بحقوق المواطنة المتكافئة والمساواة التامة وحكم القانون وتداولية السلطة سلمياً واستقلال القضاء وإشاعة الحريات، وتلك تحتاج إلى تراكم وتجربة وتوافقات سياسية واجتماعية، لاسيما في المرحلة الانتقالية التي ستكون حاسمة.


201
المنبر الحر / الاستيطان
« في: 11:20 08/09/2012  »
الاستيطان
      
ثلاث قضايا أساسية ظلّت تشغل "إسرائيل" منذ قيامها في 15 مايو/ أيار 1948، وتشكّل لها أرقًا دائمًا وهمًّا متصاعدًا، طيلة السنوات الستين والنيّف الماضية من عمرها. وهذه القضايا متداخلة ومترابطة ومتكاملة ولا يمكن فصل إحداها عن الأخرى.

القضية الأولى تتعلق بحق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى وطنهم وتعويضهم عمّا لحق بهم من غبن وأضرار، وهو حق جماعي وفردي غير قابل للتصرّف أو التنازل أو الإنكار.

والقضية الثانية، تتعلق بالاستيطان باعتباره إحدى المسائل العقدية بالنسبة للقضية الفلسطينية، وقد اتخذت بُعدًا تقسيميًّا وعنصريًّا، تشريعًا وممارسة، ولاسيما بتكريسه عند بناء جدار الفصل العنصري، علمًا بأن الاستيطان يشمل قرى وأحياء ومجمّعات سكنية كبيرة موزّعة في الأراضي العربية المحتلة، خلافًا لقواعد القانون الدولي وللاتفاقيات والمعاهدات الدولية، ولاسيما اتفاقيات جنيف لعام 1949 وملحقيها لعام 1977.

ولعل تأمين الحق في العودة وحل مشكلة المستوطنات يلتقيان، بل ويندرجان على نحو متفاعل ومترابط بالقضية الثالثة، وإن كان لهما خصوصيتهما، والمقصود بها حق تقرير المصير وبناء الدولة الوطنية المستقلة القابلة للحياة، تلك التي أعلن عنها المجلس الوطني الفلسطيني في مؤتمر الجزائر عام 1988 انسجامًا مع الحق القانوني الدولي الشرعي، المتمثل بتقرير المصير والانعتاق والاستقلال، واستنادًا إلى ميثاق الأمم المتحدة والإعلان الدولي لتصفية الكولونيالية رقم 1514 لعام 1960.

وتمثّل إشكالية قيام الدولة مع تأمين حق العودة ووقف الاستيطان والعودة إلى القرارات الدولية 181 و242 و338 وغيرها من القرارات، جوهر الحق الفلسطيني، وفي الوقت نفسه بداية العدّ التنازلي لدولة "إسرائيل" حيث سيعني ذلك النكوص والارتكاس لمشروعها الاستيطاني التوسعي.
وإذا كان موضوع الدولة الفلسطينية المستقلة والقادرة على العيش إسوة بدول العالم، يسبّب قلقًا مستمرًّا "لإسرائيل"، فإن عاصمة هذه الدولة المنشودة "القدس" تبقى الأكثر ازعاجًا لها ولمشروعها الصهيوني، بل ولنظرياتها العنصرية الشوفينية، القائمة على الفكرة الإلهية المزعومة بالأرض الموعودة والحقوق التاريخية والعاصمة الأبدية، ولمسعاها بتحويل كيانها القائم إلى "دولة يهودية نقية"!

ومنذ أن أعلن أن الاحتفال بيوم القدس العالمي "آخر جمعة من شهر رمضان" و"إسرائيل" تزداد حنقًا واستفزازًا، لأنها تدرك ماذا سيعني ذلك ارتباطًا مع مفردات القضية الفلسطينية ومتفرعاتها الأخرى، مثل الحدود والمياه والمقاومة وغيرها.

"

والاستيطان الذي نحن بصدده كان مصدر اهتمام دولي باستمرار، وبسببه بالدرجة الأساسية، مع وجود أسباب إضافية أخرى بالطبع، حاولت "إسرائيل" الضغط على المجتمع الدولي بكل الوسائل ومعها الولايات المتحدة، للإقلاع عن فكرة تشكيل المحكمة الجنائية الدولية، التي تأسست بتوقيع ميثاق روما عام 1998.
وقد اعتبر هذا الميثاق الاستيطان "جريمة دولية"، وهو ما تذهب إليه الاتفاقيات الدولية وقواعد القانون الدولي، وعندما شعرت تل أبيب أن الأمر خرج عن السياق الذي تريده انضمّت ومعها واشنطن إلى الميثاق في اللحظات الأخيرة (قبل إغلاق باب التوقيع في 31 ديسمبر/ كانون الأول عام 2000) وحين وصل العدد المطلوب للتوقيع بدخول الاتفاقية حيّز التنفيذ في يوليو/ تموز 2002، انسحبت "إسرائيل" ومعها الولايات المتحدة، بعد أن تركتا بعض بصماتهما عليه، ولاسيما بشأن مساءلة المرتكبين، وبخصوص الملاحقة ومدّتها.

وفي تقديري لا يوجد شيء يزعج "إسرائيل" مثلما هو موضوع الاستيطان لأنه يرتبط ويتداخل مع جوهر الصراع العربي الصهيوني.
وقد اتّخذ مجلس حقوق الإنسان الدولي عددًا من القرارات في 22 مارس/ آذار 2012 بشأن إدانة الاستيطان، الأمر الذي أثار عاصفة من الغضب في "إسرائيل" حيث ثارت ثائرة رئيس الوزراء "الإسرائيلي" بنيامين نتنياهو الذي وصف مجلس حقوق الإنسان بسبب قراراته بخصوص الاستيطان بأنه "مجلس منافق".
وقال أفيغدور ليبرمان وزير الخارجية "الإسرائيلي" منددًا بمجلس حقوق الإنسان "إنها هيئة منافقة تعتمد على لغة مزدوجة، وهدفها تلطيخ سمعتنا" ولم يتورّع "الإسرائيليون" بمختلف اتجاهاتهم السائدة عن اعتبار قرارات مجلس حقوق الإنسان بشأن الاستيطان منحازة للفلسطينيين.
وتلك مفارقة حقيقية، فمنذ متى كان المتنفّذون في الوضع الدولي منحازين أو حتى محايدين إزاء حقوق الشعب العربي الفلسطيني؟ لكن القيم والقواعد التي يحتكم إليها المجلس، لا تجعله قادرًا على مخالفتها على الرغم من محاولات الضغط الكثيرة عليه.
لقد عبّر المجلس عن إدانته لإعلان "إسرائيل" المتكرر عن النية في الشروع في بناء وحدات سكنية جديدة في الضفة الفلسطينية وحول القدس الشرقية، وطالبها باعتبارها "قوة احتلال" بالتخلّي عن سياساتها الاستيطانية، ومنع أي "توطين" في الأراضي المحتلة، بما فيها القدس والجولان السوري. ودعا القرار إلى احترام الالتزامات الدولية والعمل على منع العنف الذي يواجهه الفلسطينيون من جانب المستوطنين.
وأوصى المجلس بإيفاد لجنة لتقصي الحقائق إلى الأراضي الفلسطينية "المحتلة" كافة، بما فيها القدس، للتحقق من موضوع تداعيات إقامة المستوطنات على الحقوق المدنية والسياسية، إضافة إلى الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

وتفهم "إسرائيل" مغزى ودلالة هذه التوصية التي تصيب جوهر مشروعها في الصميم، خصوصًا موضوع "نقاء الدولة" و"يهوديتها"، ولاسيما أن هذه التوصية تقوم على التنديد بفكرة الاستيطان وتدعو إلى التحقق من انعكاساته.
وبهذا المعنى فإنها تشعر بالإحباط من هذا التوجه الدولي، خصوصًا وهي تعمد منذ سنوات على إخراج فلسطينيّي القدس وضواحيها لجعل طابعها يهوديا، حيث سيكون كل الفلسطينيين خارج الجدار الموجود حول القدس بدون إقامة، أي أن إقامتهم ستلغى، وسيعتبرون غائبين بموجب قانون الغائبين لعام 1950 كما ستصادر أملاكهم.

وإذا كان هذا الأمر يتعلق بالحقوق المدنية والسياسية فإن انعكاساته ستكون شاملة، خصوصًا وقد وضع علامة شك كبيرة إزاء سياسات "إسرائيل" كلها، بما فيها محاولة إلغاء الطابع العربي عن القدس الشرقية وطمس المعالم الثقافية لعدد من المواقع في الضفة الغربية، في مسعى لتزوير التاريخ أو تحريفه، ولهذا السبب فإنها رفضت التعاون مع البعثة الأممية.

وهناك جوانب أخرى لقرارات مجلس حقوق الإنسان بعضها ذو طابع اقتصادي يتعلق بدور قوة الاحتلال المسؤولة عن إدارة الإقليم المحتل، وهي واجبات لا تقوم بها "إسرائيل"، ناهيكم عن جانبها الإنساني، فضلاً عن الجانب السياسي لأنها تتعلق بحق تقرير المصير للشعب العربي الفلسطيني، وهو حق ثابت له إسوة ببقية الشعوب، ولا يمكن لها مهما كانت الادعاءات أن تحول دون تنفيذه أو التنكر له.

أربعة قرارات اتّخذها المجلس لعل أهمها القرار "35.L//19/A.HRC" الذي تناولنا عرضه، وقد صوّت إلى جانبه 36 عضوًا (دولة) وصوّتت ضده الولايات المتحدة وحدها، وامتنعت عشر دول عن التصويت.
وكان القرار "34.L//19/A.HRC" قد اعتمد بأغلبية 44 دولة وامتناع عضوين ومعارضة الولايات المتحدة وحدها، وهو الذي يعتبر جميع التدابير التي اتخذتها إسرائيل في الأراضي الفلسطينية المحتلة بما فيها القدس الشريف تنتهك أحكام القانون الدولي وتتعارض مع قرارات مجلس الأمن ذات الصلة (خصوصًا قراره الصادر عام 1980 بعدم الاعتراف بشرعية قرار الكنيست بضم القدس)، وطالب "إسرائيل" بوقف الاستيطان وتفكيكه وتعويض الفلسطينيين المتضررين.

وكان قد سبق هذا القرار قرار آخر برقم "33.L//19/A.HRC" دعا إلى احترام حق تقرير المصير للشعب العربي الفلسطيني، في الحرية والعدالة والكرامة وإقامة دولة ديمقراطية مستقلة ذات سيادة. وقد اختص القرار رقم "36.L//19/A.HRC" بمتابعة توصيات لجنة تقصي الحقائق بعد العدوان على غزة "عملية الرصاص المصبوب".

إن جميع هذه القرارات تعتبر خطوات مهمة من جانب المجتمع الدولي نحو العدالة، الأمر الذي يحتاج إلى جهد عربي شعبي وحكومي، ولاسيما دبلوماسي وقانوني لمتابعة هذه القرارات والتوصيات التي اتخذها مجلس حقوق الإنسان بشأن الاستيطان.
ويذكّر ذلك بقرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة في أواسط السبعينيات التي اعترفت بمنظمة التحرير الفلسطينية وبحق تقرير المصير وأدانت في القرار 3379 الصادر في 10 نوفمبر/ تشرين الثاني 1975 الصهيونية باعتبارها "شكلاً من أشكال العنصرية والتمييز العنصري"، وكان لهذا القرار صداه الذي وصل إلى مؤتمر ديربن حول العنصرية عام 2001 والذي استلهم منه إدانة الممارسات "الإسرائيلية" العنصرية.

وللأسف الشديد فقد تعامل العرب مع هذه النجاحات والانتصارات على نحو سلبي أو قليل الشعور بالمسؤولية ودون متابعة وحشد للجهود والإمكانات العربية المختلفة، ولاسيما الدبلوماسية والدولية منها، في حين أن كسب مثل هذه المعارك سيكون بداية للعدّ التنازلي "الإسرائيلي".


202
بغداد- أربيل : البيشمركة والجيش العراقي  حدود الوصل والفصل
البيشمركة والحكومة المركزية

الدكتور عبد الحسين شعبان

http://www.ankawa.com/upload/1/ankawa1/abdelhusain.pdf
ــــــــــــــــــــــــــــــ
*مفكر وأستاذ فلسفة اللاعنف في جامعة أونور - بيروت
أعاد الاحتكاك الذي حصل مؤخراً بين قوات الجيش العراقي في محافظة الموصل " نينوى" وبين قوات البيشمركة الكردية العراقية، أعاد إلى الأذهان ذكريات مؤلمة لصدامات دامت لعقود من السنين، وجدد في الوقت نفسه مخاوف مستمرة لكلا الطرفين، فالحكومة العراقية ساءها كثيراً أن تتصدى قوات كردية عراقية، وهي جزء منها، ولكنها تابعة لحكومة إقليم كردستان، لقوات الجيش العراقي التابعة للحكومة الإتحادية، وقوات البيشمركة اعتبرت المناطق التي يريد الجيش العراقي دخولها هي من عائديتها وإذا سمحت اليوم بدخولها، فقد يتكرر الأمر في مناطق أخرى، الأمر الذي قد يؤدي الى تقليص نفوذها في حين هي تحاول توسيعه، ولا سيما في ما يسمى بالمناطق المتنازع عليها سواء عن طريق سياسة القضم التدريجي أو الأمر الواقع، وهو نهج يتبعه كلا الفريقين منذ زمن ليس بالقصير.
وغالباً ما يترشّح للتفكير سؤال في غاية الأهمية، لأنه يربط شكل العلاقة بين الطرفين وهو الذي يمكن أن يوضع على النحو الآتي: كيف بإمكان  قوات إقليم كردستان " البيشمركة" منع قوات اتحادية عراقية من دخول بعض المناطق، بحجة أنها متنازع عليها، علماً بأن قوات البيشمركة هي جزء من تشكيلات الجيش العراقي، مرتبطة به وتتقاضى رواتبها منه، لكنها تأتمر بأمر حكومة الإقليم ووزير البيشمركة، وهي أقرب إلى وزارة الدفاع الكردية. ثم ماذا سيترتب على ذلك خصوصاً إذا تكرّس الأمر الواقع ليصبح واقعاً؟ وماذا سيبقى منوحدة الإرادة والعمل والقرار الموحد لمؤسسة عسكرية؟
وإذا افترضنا وجود تنازع حول بعض المناطق " العراقية" أساساً سواء كانت كردية أم عربية أم تركمانية أم آشورية أم مختلطة، وهي الغالبة  فإن من المناسب إيجاد تفاهم حول سبل عدم استفزاز أي طرف للأطراف الأخرى، والعمل على حفظ التوازن لحين إيجاد حلول سياسية أو قانونية، علماً بأن هذه المناطق واسعة حيث تمتد من محافظة الموصل الى محافظة دهوك وتشمل كامل محافظة كركوك وأجزاء من محافظات صلاح الدين وديالى والكوت وغيرها.
لعلّ الأمر له علاقة مباشرة بتدهور عنصر الثقة في العلاقة بين الإقليم والسلطات الاتحادية وازدياد عوامل الشك والريبة إلى حدود كبيرة، بحيث بلغت ذروتها الآن، ولم تصل إلى هذه الدرجة من القلق والخشية منذ احتلال العراق العام 2003 وحتى الآن، حيث يتم لأول مرة تعاظم المخاوف من مواجهات مسلحة وتحشيد قوات وارتفاع نبرة الخطاب السياسي الذي يصل أحياناً إلى درجة العنف، لا على الصعيد السياسي فحسب، بل على صعيد التهديد والوعيد وانقطاع حبل المودّة بين بغداد وأربيل، والأدق بين حكومة رئيس الوزراء نوري المالكي وقائمة دولة القانون تحديداً، وبين التحالف الكردستاني، وخصوصاً مع رئيس الإقليم مسعود البارزاني.
إن هذا الوضع المعقد والمنذر بالشك، هو الذي يقف وراء عدم التنسيق بين الطرفين وبالتالي إلى منع قوات البيشمركة لقوات عراقية من دخول بعض المناطق والذي يعني فيما يعنيه، الاستعداد لمواجهة مسلحة، حتى لو كانت محدودة، لكن نتائجها السياسية ستكون مدمّرة على كامل العملية السياسية، ولو لم تتدخل الحكمة وبعد النظر وحساب العواقب الوخيمة لانقاذ الموقف، لشهدنا احتمالات الصدام مع لغة الشحن السياسي والتصعيد الإعلامي، تلك التي تصل نتائجها إلى ما لا تحمد عقباها.
وقد تعاظمت حدّة التوتر خلال الأشهر التسعة الماضية، مترافقةً مع عدد مثير ومستعصي من القضايا، أو تلك التي لم تجد حلولاً لها حتى الآن، الأمر الذي انعكس على تصدّع العلاقات السياسية وارتفاع وتيرة المطالبة بتنحية المالكي، تلك التي اتخذت عنوان "سحب الثقة" من رئاسته للوزارة والطلب من الإئتلاف الوطني تعيين محلّه، الأمر الذي استغرق وقتاً طويلاً وأخذ وشدّ، لاسيما بدخول عناصر كثيرة داخلية وخارجية، مثل القائمة العراقية ورئيسها د.إياد علاوي والسيد مقتدى الصدر وجماعته ولا سيما كتلة أحرار، إضافة إلى كتلة التحالف الكردستاني، دون أن ننسى العوامل الإقليمية، خصوصاً إيران وزيارات قاسم سليماني مسؤول الملف العراقي، وهو ما عبّر عنه السيد الصدر في مذكراته التي كتبها مؤخراً.
وما زاد الطين بلّة هو استضافة رئيس الجمهورية جلال الطالباني نائب الرئيس طارق الهاشمي في السليمانية في بداية الأمر، ثم انتقاله إلى أربيل باستضافة مسعود البارزاني، وهو ما اعتبرته حكومة بغداد استفزازاً لها ومخالفة صريحة للدستور، حين يتم إيواء أشخاص متهمين بالإرهاب، حيث كانت بغداد تستعد لمحاكمة الهاشمي غيابياً. وقد نشبت الأزمة بين بغداد وأربيل على خلفية هذا الحدث الذي صبّ النار على الزيت لتشتعل الأزمة وكانت بوادرها، بل مقدماتها قد لاحت في الأفق، خصوصاً بزيادة حدّة التوتر، وما أن جاءت هذه المشكلة حتى اشتعلت الأزمة، بل أصبح طريق الحوار والتفاهم غير سالك. وكل فريق ازداد تمترساً من جانبه، وحاول استخدام أوراق مختلفة ضد خصمه.
لكن انسحاب جلال الطالباني من مجموعة المطالبين بسحب الثقة من المالكي، بحجة أنه رئيس وراعي بحكم منصبه الدستوري أضعف من التحالف الكردستاني من جهة، ومن جدية المطالبة بسحب الثقة من جهة ثانية، وحتى لو كان الأمر بضغوط إيرانية، فإن المالكي استثمر الموقف على أحسن وجه واستعاد زمام المبادرة، فطرح مشروعاً للاصلاح السياسي، لا زال غامضاً وغير معلن، بل أن التشكيك بجدواه سبق الدخول في حوار بشأنه ومعرفة تفاصيله، كما فشل من قبل مشروع الحوار الوطني الشامل بعد أن استهلك من الوقت بضعة أشهر.
إن مشكلة البيشمركة مع حكومة بغداد ترتكز على فهم خاطئ من جميع الأطراف حول شكل العلاقة الملتبس الذي أوجده الدستور العراقي الذي ولد ومعه عناصر ضعفه وإشكالياته ومشكلاته، بل وألغامه الكثيرة، ومنها مسألة الفيدرالية والنظام الفيدرالي الذي ظل بين مؤيد مسبقاً ورافض سلفاً، وجرت تسوية بينهما بحيث حصل كل منهما على ما يريد، لكنه في الوقت نفسه نسي أن الطرف الثاني هو الآخر حصل على ما يريد أيضاً، بحيث تضمّن الدستور صياغات متناقضة ومضطربة وغير دستورية، وهو الذي دعاني حينها أن أقول عنه " الدستور غير الممكن دستورياً" والذي كان يفترض تعديله بعد أربعة أشهر من الانتخابات البرلمانية السابقة العام 2005، وانتهت تلك الدورة وجاء انتخابات برلمانية جديدة العام 2010 ومرّ عليها سنتان ونصف والدستور لم يعدّل، الأمر الذي جعله معوّماً، وتمت الاستعاضة عنه غالباً بالاتفاقات السياسية مثلما حصل في موضوع مجلس السياسات العليا الذي لم ير النور، ليس لأنه غير دستوري فحسب، بل لأنه لا أساس له، حيث كانت الموافقة عليه لتمشية أزمة ظلّت تلد أزمةً أخرى، حتى كادت البلاد تلد أزمات متوالدة مترافقة مع هشاشة الوضع الأمني والاختراقات المتكررة على الرغم من تحسنه، لكن ذلك لم يمنع وزارات أمنية أن تظل شاغرة حتى الآن مثل وزارات الداخلية والدفاع والأمن الوطني.
ومن مسألة الدستور وشكل النظام السياسي ونوع الدولة (إتحادية أم مركزية، مركبة أم بسيطة) تتفرع مشكلات عديدة منها أن نوع النظام الذي انبثق بموجب الدستور الفيدرالي هو أقرب إلى النظام الكونفيدرالي، كما تدل على ذلك قراءة نصوصه التي تميل إلى هذا الاستنتاج بعد فحص وتدقيق ومعرفة الأنظمة الفيدرالية، لا سيما موقع وعلاقة البيشمركة السياسي والإداري والمالي المتداخل بين صلاحيات إقليم كردستان وصلاحيات الحكومة الاتحادية، وعلى أساس الإجابة على هذه الأسئلة يمكن فهم طبيعة العلاقة، لكن نصوص الدستور الملتبسة والغامضة فضلاً عن تفسيراته الضيقة جعلت مثل هذه المهمة صعبة، بل وقاسية  في مناخ إنعدام الثقة والمنافسة السياسية المحمومة للحصول على المكاسب والامتيازات، حتى هبطت المشاكل كلها دفعة واحدة بعد سكوت ومداهنة وغض النظر عنها مثل هي يمكن التعاقد لشراء أسلحة خفيفة أم متوسطة المدى أو حتى أسلحة ثقيلة؟ ولماذا تحتاج البيشمركة إلى هذه الأسلحة وخصوصاً المتوسطة المدى والثقيلة إذا كانت مهمة حماية الحدود من اختصاص الجيش العراقي الموحد؟
وهل يمكن تخريج دفعات عسكرية بمعزل عن التنسيق والتعاون والتفاهم مع حكومة الاتحاد في بغداد، ثم ما علاقتها بالجيش العراقي، خصوصاً وهي جزء منه وليست كياناً منفصلاً أو مستقلاً؟ ويضاف إلى ذلك مشكلة وجود مطارات غير خاضعة لرقابة الحكومة الاتحادية وكذلك إصدار الفيز الخاصة والإشراف على المراكز الحدودية وغيرها من ملاحظات واعتراضات حكومة بغداد على حكومة أربيل.
ولعلّ النفط والتعاقدات التي وقعت عليها حكومة الإقليم مع شركات أجنبية والتي يتذرّع كلا الطرفين أنه يحتكم إلى الدستور كانت سبباً آخر في توتير علاقة المركز بالإقليم والحكومة الاتحادية بحكومة إقليم كردستان، خصوصاً وأن الدستور العراقي كان مصدر هذا الإشكال بما منحه للأقاليم من صلاحيات على حساب السلطة الإتحادية، وإنْ أكّد في الوقت نفسه أن النفط والغاز هما ملك الشعب (المادة 111)، لكن تفسيرات  تخص الحقول غير المستخرجة التي تكون بإدارة حكومات الأقاليم بالتعاون مع السلطات الاتحادية، هي التي يتعكّز عليها الكرد في استخراج وبيع النفط أو التعاقد بشأنه.
وبسبب سوء العلاقة الناجم عن ضعف الثقة، بل تدهورها إلى أسفل مستوياتها، لم تحلّ مسألة المادة 140 من الدستور العراقي الدائم المستفتى عليه في 15 تشرين الأول (اكتوبر)2005، تلك المادة المرحّلة من المادة 58 من قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية(2004) وهي تتحدث عن المناطق المتنازع عليها، لاسيما تسوية ما هو عالق، بما فيه عودة اللاجئين والمهجّرين وتعويضهم وتشجيع من يريد العودة إلى مناطقه الأصلية وإجراء استفتاء سكاني بالتعاون مع الأمم المتحدة وممثلها الخاص.
وعلى الرغم من مرور نحو عشر سنوات، الاّ أن هذه المسألة لم تنجز ويبدو أنها لن تلقى حلاً سريعاً، بل حلاً مقبولاً من الفرقاء والأطراف المتنازعة، التي يزداد بعضها تشدّداً، بحيث أن ما هو موجود على الأرض بما فيه التداخل الإقليمي، لعب دوراً في زيادة حدّة التوتر، وكانت زيارة رئيس الوزراء التركي أوغلو إلى كركوك مؤخراً، خلقت ردود فعلٍ بدأت ولم تنقطع من جانب بغداد، ومن جانب أطراف قريبة على الحكومة العراقية، بل حتى من خصومها أحياناً، ازدادت نبرة تنديدها بسياسات الإقليم وبمحاولات تركيا التدخل بالشؤون الداخلية العراقية، فضلاً عن قصفها مناطق عراقية في جبل قنديل بحجة وجود حزب العمال الكردستاني PKK، وكان المالكي قد قال في مقابلة مع قناة خبر التركية: يجب أن تكون علاقة تركيا مع الإقليم عبر بوابة العراق، مؤكداً أننا نرفض تعاملكم مع أكرادنا كدولة مستقلة متهماً تركياً بالتدخل بالشؤون الداخلية العراقية، محذّراً أن دولاً وحكومات ستنهار بسبب العاصفة التي يمرّ بها الشرق الأوسط والعراق في قلبها.
ومن الجانب الآخر يزداد  التنديد بالتدخل الإيراني في كردستان، بل في عموم العراق، فمن جهة لا تزال تتعرض كردستان أحياناً إلى قصف إيراني وإلى نفوذ قوي، ولاسيما في السليمانية، ناهيكم عن أذرعها الطويلة الاستخبارية والأمنية والمذهبية والسياسية في عموم العراق، وتأثيراتها المباشرة وغير المباشرة على السياسة العراقية، بما فيها الموقف من الثورة السورية.
وبصدد الخلاف مع حكومة بغداد، تتعكز حكومة إقليم كردستان على نص دستوري مفاده إن أي خلاف بين الدستور الاتحادي أو قوانين الحكومة الاتحادية وبين القوانين الإقليمية، فالقانون الاتحادي يمكن تعديله ما يتناسب مع القانون الإقليمي، وليس العكس، ولعمري أن وجود نص من هذا لقبيل يقرّب الفيدرالية العراقية من النظام الكونفدرالي، الذي يؤسس على علاقة بين دول تتوحد حول سياسات خارجية ومواقف دولية وبعض المواقف والمناهج والقوانين المشتركة، في حين يكون لكل جزء منها خصوصيته وسلطاته الخاصة التي تحكم علاقته بسكان الإقليم دون تدخل من الأطراف الأخرى، بينما في  الأنظمة الفيدرالية المطبقة في نحو 25 بلد في العالم، تخضع القوانين الإقليمية للقوانين الاتحادية في حالة خلافهما أو اختلافهما.
وذهب دستور الاتحاد إقتفاءً للأمر الواقع إلى جعل البيشمركة كياناً خاصاً يخضع إدارياً وماليا للسلطة الاتحادية في حين أن خضوعه السياسي والتعبوي والحركي الفعلي سيكون بأمرة الحكومة الإقليمية، ولا يمكن لحكومة بغداد الإتحادية تحريك جندي واحد في الإقليم الاّ بموافقة السلطات الإقليمية، وعكس ذلك فإن مرجعية البيشمركة وولائها هو للحكومة الإقليمية حتى وإن كانت جزء من القوات العراقية المسلحة وتتلقى رواتبها ومخصصاتها منها.
وتلك حجة بيد الكرد في مواجهة حكومة بغداد، كما أن قانون الأقاليم الذي تم تجميده مدة 18 شهراً انقضت ولم يتم تفعيله منذ الدورة البرلمانية السابقة وحتى الآن، يذهب بهذا الاتجاه، أي أن النموذج شبه الكونفدرالي هو النموذج الأقرب إلى الواقع، وذلك من خلال القراءة القانونية للدستور الاتحادي.
وما يزيد الاعتقاد بذلك هو أن من حق السلطات الإقليمية إقامة ممثليات لها في السفارات العراقية لمتابعة الشؤون الإنمائية والاجتماعية والقضائية لمواطنيها، وليس ذلك سوى سفارة مصغّرة أو نواتات لسفارات لاحقاً، علماً بأن للسلطات الإقليمية الكردستانية ممثليات مستقلة باسم حكومة الإقليم في العديد من دول العالم مثل الاتحاد الأوروبي وبريطانيا والولايات المتحدة وغيرها.
واستناداً إلى نص في الدستور الاتحادي (المادة 112) فإن حكومة الإقليم كانت تسعى تدريجياً ومن خلال الأمر الواقع للتعامل معها باعتبارها كياناً مستقلاً حتى وإن انتظم في إطار العراق، خصوصاً وأن وجوده سابق لوجود الحكومة الاتحادية حيث ظلّت سلطات الإقليم خارج سيطرة الحكومة المركزية منذ أواخر العام 1991، وأصدرت إعلاناً من طرف واحد في 4 تشرين الأول (اكتوبر) 1992 بالاتحاد الفيدرالي، الأمر الذي تحقق بصورة ملتبسة ومشوشة بعد الاحتلال في دستور العام 2004 (المؤقت) ثم في الدستور العام 2005 (الدائم).
وهكذا أصبحت حكومة الإقليم تشعر بحقها في التمثيل الخارجي وحقها في وجود قوات مسلحة خاصة بها، ولهذا فإنها، من باب أولى، وهو جوهر تفكيرها تملك الحق في استثمار الثروات الطبيعية الموجودة في أراضيها، ولهذا ذهبت إلى توقيع عقود شراكة مع العديد من الشركات النفطية العالمية، في ظل غياب قانون نفط موحّد، علماً بأن مسوداته الأولية تم الانتهاء منها منذ العام 2007 وظلّت معروضة على البرلمان منذ العام 2008، ولكن لم يتم البت به حتى الآن، في حين أن حكومة بغداد توقع عقود خدمة وليست شراكة، وهناك فرق بين عقود الشراكة وعقود الخدمة، لاسيما فيما يتعلق بمصالح العراق، وهو الأمر الذي فجّر جميع المشكلات الحالية حيث تسعى حكومة إقليم كردستان على الانفراد بالأمر في موضوع العقود النفطية ودون أي اكتراث بمواقف حكومة بغداد، ولعل الصراع السياسي يقف اليوم سلباً في مواجهة هذه المسألة الحيوية التي هي جوهر الصراع في الشرق الأوسط وفي العراق، لدرجة أن القائمة العراقية وأطراف أخرى لم تعلّق على الأمر، في حين ترفض، حكومة بغداد وتندد، لاسيما وزير النفط السابق حسين الشهرستاني نائب رئيس الوزراء لشؤون الطاقة الحالي، بمواقف حكومة الإقليم وتؤكد عدم اعترافها بشرعية تلك العقود ما لم تمر عبر بغداد وبإشرافها، بل ذهبت إلى تهديد الشركات التي أقدمت على توقيع العقود بإدراجها ضمن القائمة السوداء إن لم تتخلى عنها.
ولعل هذا الأمر هو الذي يكمن وراء انفجار علاقة البيشمركة والتصريحات النارية المتبادلة بين الأطراف السياسية، فحكومة كردستان تحاول التعكز على الدستور وتفسيراته وتنطلق من العديد من الألغام والالتباسات التي احتواها، وكذلك من نقاط الضعف الكثيرة فيه، وحكومة بغداد تحاول تفسيره بما يعزز من صلاحيات السلطة الاتحادية ويقوي من نفوذ المالكي، علماً بأن كلا الطرفين ومعهما أطراف أخرى حاولت الاستعانة بالطرف الإقليمي، تركيا وإيران بالدرجة الأساسية، ثم بعض دول الخليج، إضافة إلى الولايات المتحدة الأمريكية.
وإذا كان رئيس الوزراء العراقي يمتلك أوراقاً كثيرة أهمها الدستور وضعف خصومه، لا سيما بعد فشل محاولة سحب الثقة منه، فإنه يحاول أن يفرض واقعاً جديداً يحدّ فيه من نفوذ الكرد، ولكنه لا يتجه إلى الصدام، وقد حاول اللعب أيضاً على إضعاف التحالف الكردستاني، لاسيما عبر موقف رئيس الجمهورية الطالباني الذي تراجع عن مطلب سحب الثقة. أما  حكومة الاقليم فهي تملك أوراقاً كثيرة، هي الأخرى أهمها الدستور، ثم الالتفاف الشعبي الكردي الذي حول أغلب مطالبها، لكنها لا تتجه إلى الصدام، بل تريد وتسعى للحصول على مطالبها بطريقة ناعمة، حتى وإنْ بدت خشنة من خلال التصريحات السياسية والإعلامية، وإن لم يتم إعادة النظر بالدستور وتحديد شكل النظام الفيدرالي وصلاحيات الاتحاد مقابل صلاحيات الأقاليم، فإن هذه المشكلات تزداد تعاظماً وسيكون الوصول إلى حلول لاحقاً أكثر صعوبة، بل استحالة، علماً بأن بعض المشكلات مضى عليها أكثر من أربعة عقود من الزمن مثلما هي مشكلة كركوك، حيث تم تأجيلها في العام 1970 عند الاتفاق بين الحكومة العراقية برئاسة أحمد حسن البكر والثورة الكردية بزعامة الملاّ مصطفى البارزاني، باتفاقية 11 آذار (مارس) المعروفة، وتم استبعادها من قانون الحكم الذاتي لعام 1974 وحتى في مفاوضات الكردية – الحكومية العام 1991 رفضت الحكومة العراقية إدراجها على جدول العمل آنذاك.
وتشكّل مسألة المناطق المتنازع عليها نقطة احتكاك كبيرة بين سكانها الذين كانوا متعايشين من العرب والكرد والتركمان والآشوريين، ومن المسلمين سنّة وشيعة والمسيحيين والكلدانيين والأرمن، وإن كانت مشكلتهم جميعاً مع الحكومة العراقية السابقة وإجراءاتها الشوفينية وأعمالها التمييزية، التي خلقت واقعاً متأزماً ومأزوماً، لكن الأمر انعكس لاحقاً بسبب الشحن الطائفي والاستقطابات الإثنية على المجتمع وعلى الانقسام المجتمعي، خصوصاً بغياب المواطنة المتساوية وضعف هيبة الدولة العراقية وتفككها.
إذا كانت البيشمركة (قوات الأنصار الكردية – البرتيزان Partisan التي خاضعت حرب غوار " حرب عصابات" لعقود من الزمن)  قد تأسست في العام 1961 في إطار الثورة الكردية ودخلت حروباً شرسة ضد القوات الحكومية العراقية وتحت عناوين تحقيق مطالب الكرد المشروعة، وساهم فيها جميع القوى الكردية، إضافة إلى الشيوعيين وقوى يسارية، فإنها اليوم جيشاً كبيراً تعداده يزيد عن 100.000 مائة ألف عنصر، ولا يمكن بأي شكل من الأشكال الركون إلى الاستقرار دون تأمين علاقة طبيعية وسلمية في الوصل والفصل بينها وبين القوات المسلحة العراقية: أما في إطار جيش موحد وواحد وله عقيدة عسكرية واحدة وموحدة، أو العمل بصورة منفردة وبقيادة خاصة، وذلك سيعني قراراً سياسياً بالاستقلال عن الدولة العراقية، وهو أمر له محاذيره ومخاطره وتداعياته ليس على صعيد أوضاع الحاضر، بل على صعيد أوضاع المستقبل.
وأعتقد أن القيادة الكردية الحالية سوف لا تقدم على اتخاذ قرارٍ من هذا العيار الثقيل في الظروف الحالية لأنها تدرك ماذا سيكون موقف إيران وتركيا اللتان تعانيان من مشكلة كردية، ناهيكم عن تبعات حرب مع بغداد في ظل وضع دولي وإقليمي  غير مؤات حتى ولو كان من باب حق تقرير المصير.




203
في الذكرى السنوية الأولى لرحيل عبد الرحمن النعيمي
كلمـــة أصدقائــــه العــــــرب
جدارية الخلود وحضرة الغياب
د.عبد الحسين شعبان
لا أدري لماذا استعدت محمود درويش الذي رحل قبل ثلاث سنوات حين كان عبد الرحمن النعيمي يستغرق في غيبوبة طويلة لم يفق منها سوى إلى الموت، فقد أبى قلبه أن يطاوعه هذه المرّة، حيث ظلّ مسجّى، مثل طفل حالم بغدٍ سعيد، لكنه لا يستطيع أن ينهض لاستقبال ضيوفه أو أن يمدّ يديه ليرحّب بزوّاره ولا يتمكن من أن ينظر إليهم، ومع ذلك فقد بقيت ابتسامته البريئة مرتسمة على شفتيه لم تفارقه أبداً، وربما كان يستمع إلينا وإلى أحاديثنا، ويحاول أن يكون سباقاً كعادته إلى فرحنا وحزننا، إلاّ أن دماغه لم يسعفه من الحركة، ليشاركنا.
لم يأته الموت دفعة واحدة مثلما هي العادة، كما لم يأتِه مواجهة، بل تسلّل إليه واستوطن جسده وعاش معه ونضج فيه، بدرامية عالية، حيث كان يقضم روحه بالتدريج، وكانت رفيقة عمره السيدة مريم " أم أمل" تشهد ذلك، وتتألم بصمت وتكظم غيظها للقدر الغاشم، الذي نهش شريكها دون رحمة.
عندما لم يقوَ قلبه الكبير على حمل أثقال همومه، توقف بعد أن أرهقه التعب وطول الانتظار ومراوغة الموت، وكان هذا خَطبٌ جلل للبحرين التي ارتدت الحزن عنواناً للتقدير والاحترام والهيبة، لمن كان معه أو من كان ضدّه، فحتى خصومه، أوجعهم موته، لأن الجميع قدروا ما أصاب البحرين من خسارة وطنية كبيرة.
رحل النعيمي وهو في عزّ نضجه وحكمته، تلك التي نحتاج إليها، فقد علّمته السياسة وطول معاناة وعمق تجارب: الصبر والتروّي وعدم الاندفاع وبُعد النظر، وهو ما انعكس على سلوكه ولغته التي اكتسبت معنى ودلالة وامتلاء.
رحل "أبو أمل" بعد أن حقق وعده بالتخلّي عن مواقعه القيادية، تلك التي يتصارع عليها الكثيرون، فقد ظلّ يدعو للتداولية والتناوبية، مثلما هي دعواته للعقلانية والمدنية والتحضّر والديمقراطية والمشاركة والمساواة والتنوّع والتعددية، لدرجة أن أكثر من جيلين في البحرين تربّوا على تلك الأطروحات التي كان يدعو إليها هو ونخبة متميّزة من رفاقه وزملائه، وجاء الوقت المناسب ليختبروه، فسارع دون انتظار أو تبرير ليعلن ذلك، فلم تبهره المواقع أو المناصب في أي يوم من الأيام.
كأن النعيمي كان ينتظر أن تنتهي مرحلة الحزبية الضيقة التي سادت لعقود من الزمان ليرحل بعدها مطمئناً، فهذا العروبي، اليساري، الاشتراكي، كان تواصلياً وتفاعلياً مع محيطه اليساري، الديمقراطي، الإسلامي، ولم يفرّق في سنواته الأخيرة كثيراً بين الانتماءات المختلفة، بل كان يبحث عن القواسم المشتركة، معظّماً الجوامع الإنسانية، تلك التي تتشارك وتتجمع على الهم الوطني العام والموحّد، فقد كان نقطة جذب واستقطاب جامع، بملحمية خالدة، تتفجر مشاريع ومبادرات مستمرة.
لم يرتضِ لنفسه أن يكون "القائد" الدائم وكأنه زعيم قبيلة، فقرّر التنازل بهدوء، لينتقل إلى موقعه في القاعدة العريضة، ليقول رأيه ويقدم خبرته وعصارة فكره لزملائه وأصدقائه من "جمعية وعد" أو من القوى المتحالفة معها لا فرق لديه، مثلما كان يحاول أن يعرض وجهات نظره لدى المسؤولين في الدولة وسبل الاصلاح الدستوري المنشود، وهو ما عبّر عنه في كتابه " موضوعات الاصلاح الدستوري".
لقد أبى عبد الرحمن النعيمي، وهو خير مثال لنا جميعاً، أن يتمترس في مواقعه، فأخلاها بكل أريحية وممنونية، وأتذكّر أنه قال لي في طرابلس في الثمانينيات حين كنّا نحضر ندوة فكرية: لعل في داخل كل منّا يقبع دكتاتور صغير...يا رجل! وهو ما ذكرته يوم الاحتفال به عندما وقع صريعاً في الغيبوبة اللئيمة.
لقد ترك "أبو خالد" لنا منهجاً في التواضع الرفيع، فكان كلما ازداد علماً ازداد تواضعاً، وكلما تواضع أكثر سما فكراً  وشأناً ومقاماً.
لقد غمّس النعيمي سلوكه الفكري والسياسي والثقافي بعمل الخير، مستدرجاً مكنونات الافصاح والجمال في النفس الإنسانية التوّاقة إليه، وكان يمارس ذلك بتلقائية كبيرة غير متكلفة أو متباهية، أقرب إلى عملية خلق شفيفة لغنائية مبهرة وإيقاع راق ورؤية سمحة مفتوحة.
كان النعيمي يوزّع اللؤلؤ البحريني الأصيل، ذات اليمين وذات اليسار، فهذا البحريني المتميز كان فلسطينياً بامتياز، بل مسكوناً بكل بفلسطين تضاريسها ومنعرجاتها، مثلما كان عربياً، لا فرق عنده بين البحرين، ومصر وسوريا والعراق واليمن والمغرب والخليج كلّه دون استثناء ولبنان، كان عربياً من المحيط إلى الخليج، بصدق ومحبة، عابراً للإقليمية والقطرية والطوائفية والمناطقية وغيرها.
وأستطيع القول أن همّه كان أوسع من ذلك كثيراً، حيث كان إنسانياً يسبح في هذا الفضاء ويحلّق في سماواته البعيدة، ليس على صعيد الفكر حسب، بل على مستوى الممارسة الشخصية، مؤمناً إيماناً عميقاً بقيم التسامح والتعايش والتواصل، بين الحضارات والثقافات والأديان والأمم والشعوب، فمعاناة البشر لديه واحدة والاستغلال واحد، وقيم الحرية والعدالة واحدة أيضاً.
إنسانيته تلك ومعه نخبة متميّزة من مثقفي البحرين ومن اتجاهات متنوعة أخرجت البحرين من محليتها، إلى ساحتها العربية، ومنها إلى مساحاتها الكونية الواسعة، حيث كان عبد الرحمن النعيمي يحمل البحرين معه وفي قلبه إلى أصقاع الدنيا، وكأنه كلما كان يأتي على ذكر البحرين كان ينظر إلى من لم تصله لؤلؤة، علامة محبة وصداقة، لتذكّره بالبحرين دائماً.
كان الوطن بالنسبة له يعني الحرية والكرامة والعدالة والمساواة والجمال والعمران والتسامح والخير والتنمية، المهم أن لا يتعرّض إنسان لانتهاك حقوقه سواءً على المستوى الجماعي أو الفردي، ولعلّه كرّس حياته لذلك، وكان أحد المبادرين الأوائل للتعاطي الإيجابي مع حملة الإصلاحات التي شهدتها البحرين بعد العام 2001، وعاد من منفاه، رافضاً أية امتيازات أو أفضليات، ضارباً "قوة مثل" عالية الرفعة، ستظل الأجيال تتحدث عنها.
وعلى الرغم من أنه واجه الموت مرّات عديدة وخرج من امتحانه ضافراً، في ظفّار وبيروت والمقاومة والسجن والمطاردات المختلفة، لكنه استسلم أخيراً مثل فراشة جميلة للضوء حين قرر الرحيل، فقد أعيته المراوغات الماكرة، وهكذا غادرنا بذات الابتسامة التي طبعت صورته، بل وشخصيته قبل أن يدخل الغيبوبة وحتى وفاته.
رحل النعيمي ولكنه لم يرحل، لأنه ترك فينا الكثير الذي يذكّرنا به، ويبقي عليه مقيماً فينا ومعنا وبيننا: فكره وكلامه وكتاباته وسلوكه، والأهم من كل ذلك إنسانيته وتواضعه، ولعلّنا بهذه المناسبة السنوية سنحيي خالدنا "أبو خالد" الذي أحب الحياة وعمل من أجل أن تكون أحلى وأبهى وأكثر حرية وعدلاً وسلاماً، وهكذا نحتفل في حضرة الغياب لاستعادة جدارية الخلود.

بيروت، 29/8/2012

204
بعض أوهامنا وصخرة الواقع   

 
عبدالحسين شعبان

قبل قرن من الزمان وخمسة عشر عاماً تحدث ليون تولستوي الروائي الروسي الكبير وصاحب رواية “الحرب والسلام” عن الغفلة وربما النسيان، فكتب يقول: كنت أمسح الغبار عن أثاث غرفتي، وفيما أنا أكمل الدورة دنوت من الديوان، فوجدتني عاجزاً عن تذكّر هل مسحت الغبار عنه أم لا؟ في غمرة الحياة المعقّدة، الغنيّة، المملوءة بالمتناقضات يسير الكثير من البشر على هذا النحو، فهم لا يتذكرون الكثير من الأمور التي حولهم، وقد ينشغلون عنها في غفلة أو ينسونها على الرغم من أنها تواجههم، والأمر كذلك في شؤون السياسة والدين والمجتمع، حيث تمرّ الكثير من الأشياء في غفلة أو من دون انتباه أو حتى التفات أحياناً، في حين يبقى الواقع بما يحمله من وعورة التضاريس الاجتماعية والسياسية والثقافية قائماً، سواء تم التغافل عنه أو نسيانه أو تناسيه، فالحياة تنثال بما تحمله من استمرارية واعتياد سواء غفلنا عن بعض الأشياء الضرورية أو تذكرناها . لا أدري كيف استذكرت واخترت تولستوي وإنْ كنت قد نسيت أين ومتى قرأت عن غفلته، كمدخل لحديث عن الطائفية والهوّية؟ ربما لأنني أريد ألا يأخذنا النسيان ونستمر في لجّة الغفلة لنتحدّث عن أشياء كبرى ونهمل تفاصيل كثيرة، لولاها لما تكوّن المشهد الذي نعيشه، لكنني في الوقت نفسه أعرف أن عكوفي على هذا الموضوع، إنما هو عكوف على الذات لنقدها، مثلما ننقد الآخر والوجود والحياة والكون، تأكيداً لأهمية الوعي بذاته ولذاته من جهة وارتباطه بالواقع من جهة أخرى، وبحثاً عن المعنى والدلالة، وصوناً لما هو استرجاعي أو استعادي ونقدي، كي لا نسقط في هاوية النسيان، وكي لا نستمر مأخوذين بالغفلة! يوم كانت تندفع مجاميع سياسية في أدنى السلّم لتتخذ مكان الصدارة بتحريكها جموعاً غفيرة وكتلاً بشرية باسم الطائفة والهوّية والتميّز وادّعاء الأفضليات، كنّا نقف لنزدري ذلك، أو نستخف به، وإذا بهذه الجموع  تتّسع وتكبر، ويتعاظم شأنها بسبب القمع والإرهاب السلطوي، وجاءت الفرصة ليتم استغلالها في لحظة من لحظات تغييب الوعي أو تزييفه أو اختطافه، لأن من كان ينبغي لهم التصدّي لتلك الظاهرة والإعلاء من شأن المواطنة والمساواة عنواناً للتغيير كانوا غائبين، أو مستنكفين من الخوض بمثل هذه الأمور، الاّ من منظور التنظير، بينما كان الآخرون يعملون على الأرض ويمضون “بالإبل” على حد تعبير الأعرابي، الذي صادفه قاطع طريق فسلب منه إبله، ولما سألوه حين عاد “لديرته” قال لهم: أوسعتهم نعلاً وراحوا بالإبل، وهكذا ضُرب مثلاً .

إن الدعوة لقراءة ارتجاعية نقدية للماضي وعقده واشكالياته هي وليمة للفكر واستنهاض للوجدان وتحفيز للضمير، خصوصاً ونحن في زمن الاختلال، وكل اختلال يؤدي إلى الحيرة والقلق، وهذا سيكون المدخل حيث يبدأ السؤال، ثم النقد، وبالفكر النقدي الموضوعي والذاتي، يُختصر طريق الحقيقة، التي عنها نبحث ونخوض الصراع . ثم بالتفكير الإبداعي، أي نقيض ما هو قائم يمكن المواجهة الحضارية الإنسانية السلمية اللاعنفية . وبالطبع للفكر لغته التي يمكن البناء عليها، وهذا البناء هو الأسلوب، وهذا الأسلوب هو الإنسان ذاته، هدفاً وغايةً، أي عملاً أو جهداً، فالإنسان حسب الفيلسوف الإغريقي بروتوغوراس “مقياس كل شيء” له ومن أجله وفي سبيل سعادته جاءت الأديان وانتظمت الفلسفات وانبثقت الأفكار!!

ولعل سلاح الحقيقة هو المعرفة، والمعرفة قوة على حد تعبير الفيلسوف فرانسيس بيكون، والمعرفة في الوقت ذاته خلق وتجديد، وكل معرفة هي جواب عن سؤال، ولهذا لا بدّ من محاسبة أنفسنا وتحمّل المسؤولية، والأخيرة تتطلب المساءلة التي ظلّت غائبة على طول الخط، وكان البعض يبحث عن المسؤولية وليس المساءلة لنفسه وللغير، وهذا ما كان شائعاً وهو مستمر حتى الآن . إن أنماط التعبير عن هذا الواقع لنقده وتغييره تتطلب أيضاً التفسير والبرهان والإيعاز ليس بوعد أو فرضية وإنما بإقامة الدليل، وهو الأمر الذي لا بدّ من التوقف عنده من خلال نمط التفكير التفسيري ونمط التفكير البرهاني ونمط التفكير الإيعازي، فقد حرّكت موجة التغيير موضوع الهوّية ولاسيما الهويّات الفرعية حتى أصبحت العديد من الدول أقرب إلى التفكّك، بل إن بعضها تفكّك بالفعل، كما حصل في يوغسلافيا السابقة التي انشطرت إلى خمسة أقسام، وانحلّ الاتحاد السوفييتي إلى ما يقارب عن خمسة عشر قسماً، وانفصل التشيك عن السلوفاك في جمهورية تشيكوسلوفاكيا .

وهكذا صعدت الهوّيات الفرعية على نحو صاروخي، أما حيرة وقلق من تبنّوا الشعارات الكبرى، سواءً كانت مبالغة فيها أقرب إلى الوهم أو صحة أو صواب أطروحاتها، لكنها وعد وليست برهاناً أو حلماً ظلّ بعيداً عن الواقع وإنْ اقترب منه، لا سيّما عدم توفر الأدوات اللازمة لإنجازها، وانشغال النخب بقمع بعضها بعضاً، وغياب الديمقراطية الذي شجّع على بروز هذه الهوّيات الفرعية التي شعرت بالتهميش والإقصاء، وبدلاً من دولة واحدة متعددة الهوّيات وموحّدة التوجه والانتماء، وقفنا أمام هوّيات متناحرة أحياناً، تلك التي تطرح اليوم على نحو حاد وعدائي .  أربعة أوهام ساورتنا خلال العقود الخمسة ونيّف الماضية ونحن نواجه هذه المشكلات المستعصية .

* الوهم الأول  يقوم على فكرة أن الدول الصناعية المتقدمة حلّت مسألة الهوّية، ولكن حتى اليوم فإن العديد من هذه الدول تعاني مشكلة الهوّية مثلما هي بلجيكا وإيرلندا وفرنسا وإسبانيا وكندا وغيرها .

* الوهم الثاني اعتقادنا أن تحقيق المواطنة يدفع بالهوّية الموحّدة إلى الواجهة ويزيح صراع الهوّيات إلى الخلف، بل يجعل التنافس المشروع محلّ الصراع التناحري الاستئصالي، لكن في العديد من الدول التي تحترم الحقوق والحرّيات وتقوم على مبادئ المواطنة والمساواة، فإن الهويات الفرعية ظلّت قائمة، بل إن بعضها قد تفاقم .

* الوهم الثالث إن الدول الاشتراكية السابقة حلّت مسألة الهوّية من خلال الاعتراف بالتنوّع الثقافي القومي والديني واللغوي، وإذا بمشكلة الهوّيات تندلع على نحو لا حدود له في هذه البلدان بعد ربيع أوروبا الشرقية، وتشهد حروباً واقتتالاً وعداءً غير مسبوق، بل إن بعضها تحالف مع أعداء تقليديين، وذلك بسبب التسلط والإكراه والاستعلاء الذي شهدته التجارب الاشتراكية .

* الوهم الرابع اعتقادنا أن صراع الهوّيات ينحصر في بلدان العالم الثالث، في حين أن بعضها وهي تعاني من ارتفاع عدد السكان الهائل مع نسبة عالية من الفقر والجهل، وجدت شكلاً من التعايش والديمقراطية واحترام الهوّيات الفرعية، ربما كان أفضل من بعض البلدان الصناعية المتقدمة والبلدان الاشتراكية السابقة، كما هي التجربتين الهندية والماليزية .

 لقد انهارت كل هذه الأوهام دفعة واحدة، حيث لم تصمد أمام الواقع بفعل انفجار مشكلة الهوّيات، ولاشك أن شظايا هذا الانفجار وصلت إلى البلدان العربية التي تعاني هي الأخرى إشكاليات قومية ودينية ولغوية مكبوتة بسبب السياسات المهيمنة والتسيّد وعدم الاعتراف بالحقوق، وقد شهدت البلدان العربية خلال الفترة الأخيرة احتداماً دينياً ومذهبياً وإثنياً ولغوياً لا حدود له، وإذا لم تسارع لإيجاد حلول معقولة ومقبولة وعادلة من لدن الفرقاء، فإن أوضاعنا قد لا تبشّر بالخير ولن ينفع بعد ذلك المناشدات بالوحدة والتغني بالاتحاد والهوّية العامة . وللأسف الشديد فإن كل فريق حاول أن يبرئ نفسه سواءً كان قامعاً أو مقموعاً، في السلطة أو في المعارضة، لأنه لم يبذل الجهد المناسب والمطلوب لمواجهة بعض الحقائق، ومن المفارقات أن ينساق بعض العلمانيين والحداثيين مع الاتجاه الطائفي، حيث التبس موقفهم من الأقليات والتنوّع الثقافي بين “التأييد الأعمى” و”التنديد الشامل” وعلى كل ما يعزز الانقسام وعدم الاعتراف بالآخر، ولعلّي هنا أستند إلى علي الوردي عالم الاجتماع العراقي الكبير الذي أوضح الفرق بين الطائفية والطائفة، حين قال عن هؤلاء الذين يبررون الانخراط في لعبة الطوائف وأمرائها ب”أنهم طائفيون بلا دين” .

وإذا كان من الطبيعي جداً الانتماء إلى طائفة وربما يكون خارج إرادة المرء، ولكن من غير الطبيعي أن يكون المرء طائفياً، فالطائفية هي ادعاء للأفضليات بحجة امتلاك الحقيقة، في حين أن الطائفة تشكيل تاريخي واجتماعي وعادات وطقوس . الطائفية نقيض للمواطنة والمساواة اللتين تقومان على الانتماء لوطن يجمع أبناء الديانات والطوائف والقوميات واللغات والسلالات، من خلال الوطن والمواطنة والمشترك الإنساني . لعلّي في مشروع قانون تحريم الطائفية وضعت عنواناً نقيضاً، لكنه من صلب المشروع وجوهره البديل وأعني به “تعزيز المواطنة”، مشيراً إلى أن السعي  للتطييف والتمذهب والترويج لهما والتشجيع عليهما واعتمادهما أساساً للتعامل مع الآخر من خلال الممارسة أو التستر، يقترب إلى مصاف الجرائم الكبرى التي يحاسب عليها القانون، وإذا كان الجميع يعلن بأنه يغسل يديه من الطائفية، فمن باب أولى إبرام قانون يحرّمها ويجرّم من يدعو إليها ويمارسها! وذلك سيكون الخطوة الأولى للسير في درب المواطنة والمساواة، حيث صخرة الواقع الصلدة بدلاً من الاستغراق بالأوهام .


205
ويخلق من الشبه «البعثي» اثنين

عبد الحسين شعبان

هل يتكرر السيناريو العراقي في سوريا، أم ثمة سيناريوهات أخرى لا تقل خطورة عن السيناريو العراقي؟
فعلى الرغم من التباين والاختلاف بين البلدين وخصوصية تطورهما وخصائص شعبيهما، الاّ أن هناك الكثير من المشتركات بينهما، فسوريا مثل العراق حكمها حزب البعث « القائد» بموجب «الدستور»، مثلما حكم شقه الثاني العراق، وسوريا مثل العراق خسرت حلفاءها الإقليميين الواحد بعد الآخر، وهو ما حصل للعراق أيضاً. وسوريا مثل العراق فقدت حلفاءها الداخليين ويعاني نظامها مثل النظام العراقي السابق من العزلة، كما بدأت بعض قواه تتسرب بهدوء أو بضجة.
وسوريا مثل العراق خسرت حلفاء دوليين، لكن بعض التغييرات التي شهدها المسرح الدولي ألقت بثقل روسي وإلى حد ما صيني في مجلس الأمن وخارجه، في محاولة للتخفيف من عبء الضغوط التي تتعرض لها سوريا وتريد الإطاحة بنظامها السياسي.
واستندت سوريا، مثل العراق، على جهاز مخابرات ضارب بدأ يفقد الكثير من قدراته، وهو ما حدث للعراق في سنواته الأخيرة، وسوريا كانت مثل العراق تمتلك صداقات في أوساط المثقفين والإعلاميين، بدأت تخسرهم بصمت أو بإعلان، بل إن بعضهم بالغ في إظهار العداء لتوجهاتها، لا سيما وقد استشعر سرعة العدّ العكسي التنازلي، وإنْ بقي بعضهم يدافع، وربما يستمر حتى الرمق الأخير عنها، مثلما دافع عن العراق، بحجة مقبولة مثل الموقف ضد الحصار وضد العدوان والتدخل الخارجي، أو بحجة مبطّنة أو متواطئة للدفاع عن نظام الاستبداد والدكتاتورية.
والمعارضة في سوريا منقسمة، مثل المعارضة العراقية، في الموقف من الحصار والتدخل الخارجي ونظام العقوبات الدولية. وسوريا مثل العراق تعاني من مشكلات أساسية مثل المشكلة الكردية التي احتدمت مؤخراً في سوريا، حيث كان نحو 300 ألف مواطن كردي سوري بلا جنسية وأخذت تتبلور فكرة «الحكم الذاتي» لدى بعض الأوساط السياسية والثقافية الكردية، كتعبير عن سوريا الجديدة الديموقراطية، والتي ينبغي لها الاعتراف بالحقوق السياسية والثقافية والقومية للكرد.
وسوريا مثل العراق تعاني من إشكاليات طائفية، بسبب « أقلوية» سياسية انعكست على فريق الحكم مذهبياً، حيث يستأثر عدد منهم بقيادات الدولة العليا ويتصرّف بعضهم بطريقة استعلائية إزاء الآخرين، مثلما كان يتصرّف بعض شخصيات الحكم في العراق المتحدرّين من مناطق معينة بطريقة فوقية، لا سيما وقد اتخذت المسألة بُعداً أكثر سفوراً بعد حملات التهجير العراقية في العام 1980 وعشية الحرب العراقية ـ الإيرانية، التي شملت بعض الشيعة والكرد الفيلية بحجة التبعية الإيرانية.
وسوريا مثل العراق يتحدّر فريقها الحاكم من قرداحة في حين يتحدّر فريق الحكم الحاكم في العراق قبل الاحتلال من تكريت، وسوريا مثل العراق شهدت استهدافاً للمسيحيين، وهو ما انعكس في العراق خلال الحصار والحرب، وتعاظم على نحو مريع بعد الاحتلال، وكان هو الأخطر، وهو ما برز في سوريا خلال احتدام الصراع، ولا سيما المسلّح بين المعارضة والحكومة.
وسوريا مثل العراق كانت أقرب إلى دولة مدنية وكانت المرأة تتمتع ببعض الحقوق، لا سيما في جوانبها الاجتماعية والثقافية، ولعل هذه الحقوق قد تتعرّض للتهديد فيما إذا انتصر النموذج الإسلامي مثل العراق، حتى وإنْ كان بواجهات سياسية وبمشاركات شكلية لتعددية أقرب إلى المحاصصة السياسية، لكن الجو الديني والتزمّت الاجتماعي أصبحا سائدين.
سوريا مثل العراق بدأت الدولة تفقد سلطانها وسيطرتها ونفوذها تدريجياً على مناطق من البلاد، وأخذت المجاميع المسلّحة تهاجم مواقع عديدة للدولة ومرافقها الحيوية وهياكلها الارتكازية.
سوريا مثل العراق أزمتها عربية، حيث بدأت الدول العربية بمحاصرتها وإصدار قرارات من جامعة الدول العربية، هذه المرّة وتخويل للأمم المتحدة ومبعوثها كوفي أنان، وتصرّفت سوريا مثل العراق في إطار ردود فعل، ومن دون حساب موازين القوى.
سوريا مثل العراق تتعرض لحصار دولي جائر وقرارات دولية مجحفة ستزيد من معاناة السكان المدنيين ومن تفكك النسيج المجتمعي السوري ومن مضاعفة التدخل الأجنبي، لا سيما إيجاد مرتكزات داخلية له. ولعل نظام العقوبات سيسهم بشكل سريع وحاسم مثل العراق في تهيئة مستلزمات الانهيار، حيث يمكن أن تسقط سوريا مثل التفاحة الناضجة بالأحضان، بالتدخل الخارجي أو حتى بدونه، وقد يطول الأمر وقد يقصر، لكن قطار العقوبات الدولية طالما أصبح على السكّة، فإنه لن يتوقف إلاّ في المحطة السورية بعد الإطاحة بالنظام.
وسوريا مثل العراق عدو لإسرائيل، والأخيرة لن تدّخر وسعاً لحل الجيش السوري مثلما حصل للجيش العراقي، وهو الهدف الأكثر خطورة. وسوريا مثل العراق ستخسر الكثير من علمائها وأكاديمييها مثلما خسرت في العقود الثلاثة ونيّف الماضية، وستضيع وتتبدد الكثير من الطاقات، ذلك أن إعادة البناء بعد الهدم والتفكيك، ستكون طويلة وقاسية.
القيادة السورية مثل القيادة العراقية رفضت جميع النصائح بحل سياسي وقبول انتقال سلس للسلطة نحو الديموقراطية والتغيير الديموقراطي، ولعلّ نتيجة هذا الرفض ستكون مكلفة على الجميع بما فيه النظام السوري وأركانه، وكان يمكن قبول حل سياسي منذ بدايات الأزمة بتشكيل حكومة ائتلاف وطني ثلثها من المعارضة وثلثها الآخر من حزب البعث وثلثها الأخير من المستقلين والتكنوقراط، وبقيادة المعارضة، وهناك وجوه بارزة تم ترشيحها لإدارة دفة السلطة خلال الفترة الانتقالية في إطار التنوّع والتعددية ومشاركة غالبية القوى المعارضة وتحديد فترة 6 أشهر أو 9 أشهر لإجراء انتخابات حرّة نزيهة بإشراف دولي وإجراء تعديلات دستورية وإلغاء قوانين ذات عقوبات غليظة أو مقيّدة للحريات، وسنّ أخرى بما يكفل إنسيابية التغيير والتواصل بدلاً من القطيعة، ودرء الخطر الخارجي بالتدخل أو التسرّب سياسياً وعسكرياً.
لكن القيادة السورية لم توافق على حلول من هذا القبيل، ولم تتوقف عمليات الملاحقة والقمع والإرهاب للحركة السلمية والمدنية الاحتجاجية الواسعة، التي لجأ بعض أطرافها لاحقاً وبعد مرور بضعة أشهر إلى السلاح، وهو ما لقي تشجيعاً رسمياً عربياً وإقليمياً ودولياً، سواءً من قطر أو المملكة العربية السعودية أو من تركيا أو الاتحاد الأوروبي وبموافقات ضمنية أميركية، معلنة أو مستترة.
وسوريا مثل العراق يمكن أن تذهب ضحية «فرق عملة»، كما يقال، بسبب تصريحات لمسؤولين رسميين، لعلهم بلا مسؤولية، عندما يتحدثون عن وجود أسلحة كيمياوية، وذهب خيال الإسرائيليين إلى احتمال تسليمها إلى حزب الله «الإرهابي» من وجهة نظرهم والذي يمكن أن يستخدمها ضد إسرائيل، الأمر الذي قد يعطي مبرراً لتشديد الحصار على سوريا، بل وحتى ضربها في إطار استهداف عسكري يطال سوريا ولبنان في الآن.
الولايات المتحدة تريد التعامل مع سوريا مثل العراق، أي خارج مجلس الأمن وذلك في مسعى لإدامة الصراع الداخلي ليتحوّل إلى حرب أهلية، أو ربما باتخاذ خطوة لاحقة بالتدخل العسكري (لم يحن وقتها) كما حصل بالنسبة للعراق، فعندما لم تستطع واشنطن الحصول على قرار جديد بعد القرار 1441 عشية الحرب على العراق، لجأت ومن دون تفويض إلى شنّ الحرب عبر تحالف خارج الأمم المتحدة.
وسوريا مثل العراق لم تستطع المبادرات المطروحة عليها إخراجها من النفق، لا سيما لجهد متوازن، حيث أصبحت العودة إلى منطق الحوار تعبيراً عن التمسك بالهوية الوطنية والحل الداخلي مستعصية، كما أن استمرار الحال على ما هي عليه قد يطول وقد يفرض نوعاً من الملاذ الآمن save haven أو الحظر الجوي No Fly zone كما حصل للعراق، وهذا سيعني التفتيت والتشظي، وكلّما طال الأمد كلما زادت معاناة الناس وهمومهم.
بقي أمر أساسي تختلف به سوريا عن العراق، وهو أن لها تحالفاً متيناً مع «حزب الله» اللبناني الذي يحظى بصدقية عالية، لا سيما في مقاومته للمشروع الصهيوني وتصدّيه للعدوان الإسرائيلي، وهو حليف قوي وأساسي لإيران في المنطقة، مثلما هو النظام السوري، وإنْ كان ذلك عنصر قوة لاستمرار الوضع، كما هو الموقف الروسي، الاّ أنه عنصر ضعف في الوقت نفسه، فالأزمة الداخلية تتفاقم وأعمال العنف تتسع، والفوضى تنتشر، واحتمالات التفتيت والتشظي تلوح في الأفق، بل تدّق على الأبواب، والعودة إلى الوراء غير ممكنة، بل مستحيلة.
هل أصبح اقتفاء أثر السناريو العراقي «حتمياً» أم ثمة احتمال آخر؟ فإن لم يتم قبول مبادرة وحيدة لإنقاذ ما تبقى من سوريا، وهي الانتقال السلس والسلمي للسلطة، ووضع حد لعهود الاستئثار والدكتاتورية، وتحديد فترة انتقالية وإجراء انتخابات حرّة في إطار التعددية فإن سوريا ستزداد لظىً على النار «العراقية».

باحث ومفكر عربي

206
المنبر الحر / الطائفية
« في: 17:54 01/08/2012  »
الطائفية
   
 
عبدالحسين شعبان
كان مجرد الإشارة إلى شخص ما أو جماعة أو جهة بالطائفية تعني اتهاماً أو محاولة للانتقاص أو الإساءة أو حتى شتيمة، ولكن حين استشرت الطائفية وأصبحت الانتماءات الضيقة والفئوية "هوّيات" يتم التفاخر بها، لاسيما بتراجع الهوّيات العامة الجامعة ذات الأبعاد الوطنية، فإن المسألة اتخذت بُعداً آخر، خصوصاً بالامتيازات التي أخذت تترتّب عليها مثل هذه الاصطفافات الطائفية والانحيازات الفئوية المسبقة، حتى لأناس لم يكن شعورهم الطائفي هو الغالب، بل أن بعضاً من منهجهم كان محاربة الطائفية والقضاء عليها، باعتبارها أحد مكامن الخطر الاجتماعي، حين لم يكن لها شكلاً مقبولاً أو لوناً مميزاً أو رائحة طيبة أو مذاقاً لذيذاً.
الطائفية في نهاية المطاف تعبير عن سلوك لشخص أو جماعة أو جهة خلال نشاطهم السياسي أو الاجتماعي أو الثقافي بهدف التميّز بالاستعلاء والهيمنة أو الوقوف ضد التهميش والعزل، سواءً كانوا في السلطة أو في المعارضة أحياناً، والأمر يتعلق بشعور متراكم بالمظلومية أو عدم المساواة أو محاولة فرض أو استعادة مواقع أو تبرير سياسات وممارسات ضد الآخر من موقع الأقوى!
وإذا كان الجميع اليوم يزعم أنه ضد الطائفية ويريد أن يغسل يديه منها، حتى وإن انغمس فيها من رأسه حتى أخمص قدميه، فلماذا إذاً لم يتفق الفرقاء لوضع حد لظاهرة تعدّ من وجهة نظر علم النفس الاجتماعي خارج سلوك الإنساني الطبيعي؟ فالإنسان لا يولد طائفياً، وإنما يأخذ مثل هذه الجرعات أو المضادات من محيطه ومن مجتمعه ومن الانتماءات الفرعية التي تصبح في مثل هذه الحالات مهيمنة، بل وطاغية لدرجة لا يمكن التفكير خارجها.
الطائفية مثل شقيقتها العنصرية تحاول التميّز بمعناه السلبي، الاستعلائي وتبخيس قيمة وقيم الطوائف الأخرى أو إظهار فضائلها عليها، أو إبراز "رذائل" الطرف الآخر، تحت مبررات ومزاعم مختلفة منها إدّعاء امتلاك الحقيقة وقراءة وتفسير التاريخ والحاضر وفقاً لمنطقها الضيق، واستبعاد الطرف الآخر أو تحجيم دوره، خصوصاً وأنّ النظريات الطائفية والعنصرية غالباً ما تستند على الثنويات المتصارعة والضدّيات المتقابلة: مثل الأبيض والأسود، والمسيحي والمسلم، والشيعي والسنّي وغير ذلك، وهي تناقضات إن لم يتم تنظيم التعايش فيما بينها، فإنها ستكون استئصالية، إلغائية، تناحرية ، عدائية.
وإذا كانت الاختلافات من طبيعة الأشياء ولا تنبجس الحقيقة بدونها، فإنها بالأساس  ناجمة من اختلاف في الطبيعة البيولوجية والوراثية: اللون، الجنس، الشكل، أما الاختلافات الأخرى فهي اختلافات مكتسبة مثل العرق والدين والتقاليد والفئات الاجتماعية.
الاختلافات الأولى لا دور للإنسان فيها، أما الاختلافات الثانية حسب المفكِّرة التربوية اللاعنفية أوغاريت يونان فهي اختلافات من صنع البشر، وهي ليست حتمية أو بديهية، الأمر الذي يتكوّن فيه الإختلاف في العقول، أولاً، ثم ينمو ويترعرع ويتعزز تدريجياً، لدرجة يصبح عدم الإلتقاء أو التعايش وحتى الإحتراب وكأنه من المسلمات: فهذا طرف صائب وصحيح وذاك طرف آخر خاطئ بل وغير محق. طرفان لا يشبهان بعضهما البعض إطلاقاً، وهو ما يولد بالتراكم تربية تمييزية ومواصفات مختلفة، كما ينمو الخوف من المختلف، الغريب، و"كلّ غريب مريب"، وإذا ما أصبح هذا متبادلاً فإن هذا الإحساس ينغرس في البيئة الطائفية حيث تكون تربته خصبة، بما فيها من شحنات إنفعالية تكبر مع الاحتراب والعنف والارهاب ومحاولات الإقصاء والتهميش.
ويتعاظم الشعور بوجود من هو فوق ومن هو تحت، أي وجود من هو أرقى ومن هو أدنى، وهكذا يعتبر كل طرف طائفته هي الأرقى على حساب طائفة الآخرين الأدنى، الأمر الذي يتّخذ شكلاً من السلوك يقوم على إزدواجية وباطنية، فهو أمام الآخرين شيء، وداخل محيطه المغلق شيء آخر، وتنشأ مشاعر وأحاسيس بالكره والحقد والعدائية والتقوقع من الأدنى إزاء الأرقى، أما أحاسيس الأرقى وأفعاله وردود فعله فتتراوح بين الشعور بالتميّز والاستعلاء والرفعة إزاء الأدنى، الآخر، المختلف.
وهكذا تتصدر الأحكام القيمية والأخلاقية إزاء الآخر، بحيث تنمو هذه الركيزة الاستعلائية الطائفية والعنصرية المصحوبة بشحنات توتر إزاء الآخر، ويتم تعميم مثل هذه الأحكام المسبقة والتصوّرات الخاطئة، سواءً من خلال النسب والعرق أو الجغرافيا أحياناً، بالقرب أو البعد من المقدّس وغيرها، ويتعامل الطرفان المختلفان أحياناً على توظيف الرموز، بل صناعتها أحياناً إن لم تكن موجودة أو بعيدة، وتدريجياً يتحولون هم إلى "عبيد" لها: أشخاص، مقدسات، روايات، تقاليد، طقوس وغيرها، ويحاول كل طرف استصغار أو الاستخفاف برموز الأطراف الأخرى بصورة معلنة أو مستترة.
وأحياناً يحتكر الرمز، الكلام والانتماء، حتى وإن كان وشاحاً أو صورة أو كتابة، فالمهم كيف يستطيع برمجة حياة الناس، بكثافة شحن طائفية أو عنصرية، سواء في أوقات السلم أو أوقات الحرب، بما فيها النزاعات الأهلية، بحيث يتقدّم هذا الانتماء الضيق ليطغي على بقية الانتماءات.
وبفعل تواتر الاستعمال والتكرار تتحول العادات والطقوس إلى هوية رمزية، لهذه المجموعة أو لتلك الجماعة، وسيقول لك الطائفي أن هويته الأولى هي الشيعية وهم أغلبية سكان العراق المسلمين وما على الآخرين سوى التسليم، وسيقول لك الثاني أنه يريد الدفاع عن مظلومية السنّة، لكي لا ينفرد بها شيعة الحكم، وتسير الأمور على نحو محموم في ماراثون لا نهاية له، لدرجة يُطلب من الجميع المشاركة فيه، بحيث يصبح مثل هذا الانتماء الضيق إلزامياً حتى وإن كان الانتماء إلى دين أو مذهب أو طائفة ليس عملاً اختيارياً، فقد ولدنا هكذا وبالوراثة نحن جزء من تاريخ، فحين تولد عربياً ومسلماً، ستكون كذلك، ولم يكن ذلك محض اختيارك، وإن كان الأمر جزء أساس من هويتك لا سيما لغتك ودينك بمعناه الحضاري والثقافي، لكن العادات والتقاليد تتغيّر وتتفاعل مع الآخر وتتخالق تبعاً للتطور الاجتماعي، تأثيراً وتأثّراً بالآخر، أمماً وشعوباً وجماعات وأشخاص سواءً للهويات العامة أو الخاصة.
ولأن الطائفية لم تعد مجرد ممارسات غير مقبولة وانتهاكات وردود أفعال هنا وهناك تنام وتستيقظ وتنحصر في مجالات معيّنة، بل استشرت واستفحلت على نحو مريع، وذلك من خلال نظام المحاصصة والتقاسم الوظيفي الذي جاء بصيغة بول بريمر الحاكم المدني الأمريكي في العراق، والتي تجسّدت في مجلس الحكم الانتقالي، فإنها باتت تشكل ظاهرة خطيرة بعد أن سيطرت على المشهد السياسي برمته.
ولعل مناسبة الحديث كان موضوع نقاش أكاديمي نظمه مركز "راسام" في اسطنبول ودار حول سؤال محوري: هل الطائفية السياسية هي نتاج الاحتلال أم أن جذورها تمتد إلى ما قبل ذلك، لاسيما منذ تأسيس الدولة العراقية في العام 1921 ومن خلال قانون الجنسية الأول رقم 42 الصادر في العام 1924 وما تلاه من قوانين؟
وللأسف فما زال البعض ينحو منحىً عاطفياً بالزعم بعدم وجود الطائفية قبل الاحتلال بل ويرمي كل شيء على عاتق الدولة الصفوية (إيران) التي هي ليست بعيدة عن الاختراق المذهبي في العراق، في حين يتجه آخرون على تناول المسألة على نحو تجريدي للابتعاد عن مناقشة جوهر المشكلة، لاسيما جوانبها القانونية والسياسية وتأثيراتها الاجتماعية والثقافية والنفسية، ويركّز جانب آخر على الحاضر وخطر الطائفية اليوم، خصوصاً الواقع الذي يعيشه العراقيون، في محاولة للزوغان عن مواجهة الطائفية تاريخياً.
وبغضّ النظر عن زاوية التناول والمقاربة للفكرة والممارسة الطائفية في العراق فإنها كظاهرة تفشت في السنوات الأخيرة على نحو صارخ. وإذا كانت قد حصلت العديد من الارتكابات في الماضي، فضلاً عن الخلل في موضوع الجنسية والجوانب التمييزية  الذي ترتبت عليه، ناهيكم عن تهجير عشرات بل مئات الآلاف من المواطنين ومصادرة ممتلكاتهم، فإن التوجّهات الطائفية والقسمة المذهبية لم تتوقف في الوقت الحاضر عند الجوانب السياسية فحسب، بل امتدّت إلى تقسيم الوقف الإسلامي، إلى وقف شيعي ووقف سنّي، ناهيكم عن موضوع القتل على الهوية وعمليات التطهير المذهبي والطائفي والتي طالت ما يزيد عن مليوني إنسان عراقي، وإذا لم يكن مبرّراً تبرئة الماضي، بزعم تفاقم الظاهرة لاحقاً، فإن ما حصل بعد الاحتلال تجاوز جميع الحدود والتقديرات، بل والاحتمالات.
المدافعون عن الحاضر مثل المدافعين عن الماضي، كلاهما وجهان لعملة واحدة، والطائفية لا تقوم على طرف واحد، كما لا يمكن محاربة الطائفية بطائفية مقابلة، وهو ما يدعو إليه البعض، وإنْ كانت هذه النزعات قد انحسرت نسبياً، لكن ناراً لا تزال متأججة تحت الرماد، لأن هناك من يشحذ ويغذّي ويشحن ويتصرف بغلاف سياسي أو ديني، إقليمي وتارة دولي!
وإذا كانت الطائفية تفترض أن تكون جريمة بحق الشعب والوطن يعاقب من يمارسها أو يدعو أو يروّج لها أو يتستر عليها بأغلظ العقوبات، فإن ما يقابلها ويشكّل ضدّاً نوعياً لها ونقيضاً موازناً قادراً على صرعها، هو تعزيز المواطنة القائمة على مبادئ وقيم الحرية والمساواة والعدالة والمشاركة، وتلك هي المقاربة الأكاديمية والقانونية والمجتمعية، السياسية والعملية المطلوبة!



207
المنبر الحر / كي لا تطمس الحقيقة
« في: 23:11 27/07/2012  »
كي لا تطمس الحقيقة   

عبدالحسين شعبان
شهد نحو 40 بلداً من البلدان التي جرت فيها تحوّلات وتغييرات ما سمّي “مسار العدالة الانتقالية”، وإنْ ظلّ الجدل محتدماً والنقاش دائراً حول آفاقها وحدودها والنتائج التي يمكن أن تتمخض عنها . وهو ما نراه اليوم بحدّة في بلدان ما أطلق عليه الربيع العربي، لاسيما بعد الإطاحة بالأنظمة الحاكمة السابقة، وخصوصاً في تونس ومصر وليبيا واليمن .

وتعتمد العدالة الانتقالية على طائفة من التدابير والإجراءات القضائية وغير القضائية للوصول إلى الحقيقة وكشفها، وذلك بحد ذاته واحد من الأهداف الأساسية لها، أما الهدف الثاني الموازي له، فهو يسعى لتقديم مرتكبي انتهاكات حقوق الإنسان للمساءلة . ويقوم الهدف الثالث على جبر الضرر المادي والمعنوي والعمل على تعويض الضحايا أو ذويهم مما لحق بهم من غبن وأضرار، ويُعد الهدف الرابع للعدالة الانتقالية وتتويجاً لجميع الأهداف هو إصلاح الأنظمة القانونية والدستورية والقضائية والأمنية لمنع تكرار ما حدث والالتزام بالمعايير القانونية خلال إنفاذها لحكم القانون .

والعدالة الانتقالية بهذا المعنى هي أداة لفحص وفهم آليات الأنظمة الاستبدادية والسلطوية السابقة والعمل على تفكيك بنيتها، ولها في الوقت نفسه دور تربوي كبير، لاسيما إذا استطاعت مساعدة الأفراد والمجموعات على التخلص من منطق الثأر والكراهية، والانتقال إلى منطق الحق والعدل، والعمل على تربية الأجيال على الثقافة الحقوقية، التي تكفل حقوق الإنسان وتسعى لحمايتها وتأمين مستلزمات تحقيقها: دستورياً وقانونياً وقضائياً وتربوياً وثقافياً واجتماعياً .

ولعل تجارب العدالة الانتقالية سواءً التي حصلت في الحرب العالمية الثانية، لاسيما في ألمانيا وما تبعها من تجارب في تشيلي والعديد من الدول أمريكا اللاتينية وجنوب إفريقيا وبعض البلدان الآسيوية والإفريقية، وتجربة البلدان الاشتراكية السابقة، هي تجارب معقدة ومسارات متعددة ومتنوعة، وإنْ كانت الأهداف العامة الأساسية تشكل مشتركاً لها وقاعدة حقوقية وأخلاقية، لكن لكل بلد خصوصيته ومساره، وبقدر ما يمكن الاستفادة من التجارب والخبرات التي سبقت بلدان الربيع العربي، الاّ أنه لا يمكن استنساخها أو تقليدها بشكل أعمى، ولا بدّ من أخذ الظروف الخاصة والتطور التاريخي والاجتماعي والعوامل الدينية والاقتصادية والقانونية بنظر الاعتبار، وذلك بهدف وضع آليات للمسار الذي يمكن أن تتخذه العدالة الانتقالية في كل بلد بما يتمتع به من أوضاع وظروف .

إن موضوع العدالة الانتقالية المتعدد الأبعاد يقع في قلب تحوّلات كل مجتمع من المجتمعات التي تشهد تغييرات وتحوّلات سياسية، بما يؤدي إلى الوقوف بصورة عميقة عند ما حصل من ارتكابات، ليحلل آليات عمل سياسات العنف والإقصاء والتهميش، وفي الوقت نفسه ليضع ضوابط للتخلّص من آثارها وقطع الطريق عليها للعودة .

وبقدر كشف الحقيقة أولاً والمساءلة ثانياً والعمل على تنظيم سبل إنصاف الضحايا ثالثاً ثم بلورة سياسات اجتماعية واقتصادية وثقافية وتربوية وتشريعات ناظمة وقضاء ضامن وأجهزة أمنية حامية، لجعل احترام حقوق الإنسان مدخلاً لرؤية جديدة لقضية الحقيقة بحيث تؤطّر مجتمعاتنا، فإن مسألة السلام المجتمعي وإقرار التنوّع والتعددية والاعتراف بالآخر تكون قد خطت خطوات مهمة على هذا  الطريق .

إن الثورات التي حصلت في تونس ومصر وتبعتها العديد من البلدان العربية، التي نجحت فيها أو التي لا تزال تعيش مخاضاً، كانت قد رفعت شعارات تدعو للحرية وتحقيق الكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية، بما تضمنه من مبادئ المساواة، تحتاج اليوم وأكثر من أي وقت مضى إلى إطلاق مسارات للعدالة الانتقالية، بحيث تصبح قضية احترام حقوق الإنسان جوهرية في مسألة التحوّل الديمقراطي، وأساساً مستقبلياً لتضميد جراح الماضي، وذلك وفقاً لتحكيم معايير السلم الاجتماعي والمجتمعي وإقرار التعددية والتنوّع .

ولا شك أن مسار العدالة الانتقالية ليس مستقيماً، وستعتوره الكثير من العقبات والمصاعب، خصوصاً إذا تحوّلت المبادئ العامة إلى تطبيقات وبرامج، وذلك لارتباط عملية الكشف عن الحقيقة بمصالح أطراف وجهات عديدة ومختلفة، في السابق والحاضر، الأمر الذي يتطلب العمل من دون أية ازدواجية في المعايير من خلال رؤية حقوقية شاملة بعيداً عن الانحيازات الآيديولوجية أو الانتماءات الحزبية أو الدينية أو القرب أو البعد من هذا الفريق السياسي أو ذاك، سواءً في السلطة الجديدة أو خارجها، لتأمين الأدوات والآليات الفاعلة والموارد البشرية والاقتصادية لكشف الحقيقة كاملة، ولمعرفة كل ما جرى والمساءلة على الارتكابات، لاسيما وأن المسألة تتعلق بأجيال وأزمان تقادمت وإن كانت تلك “الجرائم” لا تسقط بالتقادم، مهما طال الزمن .

إن مسألة إبعاد مسار العدالة الانتقالية عن التجاذبات السياسية أو سيطرة أو هيمنة جهة رسمية عليها أو غير رسمية، أو إخضاعهما لمنطق التقاسم والمحاصصة، ضرورية جداً لنجاح هذا المسار ولتأكيد الثقة بأهميته، ولاسيما بإشراك أصحاب الاختصاص من منتجي المعرفة سواءً من المؤرخين أو علماء السياسة أو الفقهاء القانونيين أو الخبراء الأمنيين، فضلاً عن بعض قادة الرأي والفكر في مؤسسات المجتمع المدني، وذلك لوضع مسار طويل ومتدرّج بحيث تتراكم فيه المعرفة والخبرة بحثاً عن الحقيقة .

وبقدر الحاجة عربياً إلى مثل تلك الخبرة والمعرفة، فقد أسهم المعهد العربي لحقوق الإنسان بقسطه الوافر في هذا الميدان من خلال تنظيم دورات ومحاضرات وندوات على مدى يزيد على عقد من الزمان تخصّ إبعاد هذا المسار عن الاحتواء السياسي والآيديولوجي، وجعله مستقلاً وتكييفه ضمن قواعد الشرعية الدولية لحقوق الإنسان، وقد تم مناقشة هذا الأمر مؤخراً على مستوى إقليمي في مؤتمر نظمه المعهد بالتعاون مع المنظمة العربية لحقوق الإنسان في القاهرة ومؤسسات دولية أخرى .

وبالطبع فقد ذهبت العديد من البلدان إلى إحداث هيئات مستقلة للعدالة الانتقالية، وفي تجربة تونس تم تأسيس وزارة لحقوق الإنسان والعدالة الانتقالية، ولعلها يمكن أن تكون تجربة مفيدة لربط المسارين لأنهما ينتميان إلى جذر واحد أو قيامهما على قاعدة واحدة .

إن نجاح مسار العدالة الانتقالية يتطلب فتح حوار وطني ومعرفي وقانوني شامل، حول الحقيقة الغائبة أو المغيّبة أو التي يُراد التستر عليها، من خلال شهادات للضحايا أو ذويهم، وهنا لا بدّ من إعداد فريق من أصحاب الاختصاص في المجالات المختلفة وتوسيع دائرة الاستشارة لكل من له خبرة بالموضوع، والأمر له علاقة بالثقافة السائدة حيث لا ينبغي أن يأخذ الإقرار بالتظلم، لاسيما للانتهاكات السابقة، شكل إحسان أو مكرمة، بل النظر إليها وإلى الضحايا بمن فيهم الشهداء، انطلاقاً من معايير الكرامة والدفاع عن الحقوق ضد الارتكابات والاقصاء .

وإذا كانت العدالة الانتقالية مساراً لعدم طمس الحقيقة، بل العمل على كشفها كاملة، فلا بد من التأكيد والعمل على أن يكون دورها ضمانة جديدة للتطور السلمي بعيداً عن عوامل الانقسام والكراهية والحقد، ولا يمكن لبلد يريد أن يحقق التنمية، البناء على هذه الأسس التدميرية، والقاعدة التي يجب البناء عليها في مسار العدالة الانتقالية هي حقوق الإنسان، كما لا يمكن لسياسات العزل الشامل والتجاذبات السياسية الاقصائية، بناء مستقبل زاهر، وتلك إحدى العبر الضرورية، التي على الحكام الجدد والقوى المجتمعية السياسية والمدنية والدينية، الاستفادة منها .

لعل مناسبة هذا الحديث هي الذكرى ال 14 لانبثاق المحكمة الجنائية الدولية في روما يوليو/تموز ،1998 وكانت قد دخلت اتفاقية روما حيّز التنفيذ في العام ،2002 ومنذ عامين تقرر اعتبار يوم 17 يوليو/تموز من كل عام “يوم العدالة الجنائية” لاستحضار موضوع عدم الإفلات من العقاب، لا عبر قاعات المحاكم فحسب، وإن كانت أساسية، بل في إطار أوسع لتحقيق العدالة والمصالحة والسلام الدائم .



208
الربيع العربي وديناميات التأثير الإقليمي

* الدكتور عبد الحسين شعبان*

على الرغم من الاختلاف الظاهر والصراع التاريخي والاستقطاب الحاد بين المشروع الإيراني والمشروع التركي، الاّ أن هناك نوعاً من التفاهم في الإبقاء على الوضع القائم بين البلدين على ما هو عليه ودون أية تغييرات تُذكر، لاسيما في مجال العلاقة الثنائية والاتفاقيات الجيوسياسية الإستراتيجية التي ربطتهما والتي أبعدتهما منذ قرون عن اندلاع حرب أو نزاع مسلح بينهما، لاسيما على أراضيهما.

وبفضل هذا التوافق تمكن البلدان أن يكونا فاعلين رئيسين في أمن المنطقة، في ظل أحداث كبرى وتطورات هائلة شهدتها المنطقة من أقصاها إلى أقصاها خلال العقود الثلاثة ونيّف الماضية، وزاد الأمر وثوقاً هو العلاقة التجارية والاقتصادية التي ربطت البلدين، وخصوصاً بعد الثورة الإيرانية في 11 شباط (فبراير) العام 1979 وانقلاب كنعان إفرين في تركيا في 12 أيلول (سبتمبر) العام 1980.

ومع أن عوامل التنافس التاريخية قائمة والتعارض الأيديولوجي بين المشروع الإيراني والمشروع التركي مستمرة، فإن البلدين حاولا وكل حسب منطلقاته وأجنداته، الاستفادة والتأثير على بلدان الربيع العربي، علماً بأن الموضوع السوري اليوم مطروح على بساط البحث على نحو شديد، خصوصاً وهو مصدر خلاف حاد بين المشروعين التركي والإيراني.

وقد كان موضوع الربيع العربي والتأثير الجيوبولتيكي لدول الجوار غير الإسلامي باستبعاد إسرائيل، والمقصود إيران وتركيا، مصدر نقاش معمّق ومتميّز في القاهرة نظمه المركز الدولي للدراسات المستقبلية الإستراتيجية ومركز الإمام الحكيم، وشارك فيه نخبة من الباحثين والمختصين من زوايا نظر مختلفة.

كان العالم العربي يشهد احتداماً وصراعاً بين شرعيتين، الأولى ذابلة ومتآكلة ومُسَاءَلة، والثانية لم تولد بعد أو لم تتحدد ملامحها، وإنْ استظهرت صورتها، إلا أنها لم تكتمل، وقد تحتاج إلى زمن ليس بالقصير، وهي تمرّ بمرحلة انتقالية تتجاذبها صراعات شتّى. وحسب المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي فإن الماضي قد احتضر، أما الجديد فلم يولد بعد، وإنْ كانت بعض ملامحه هلّت علينا.

والسؤال الملح الذي يواجهنا، ما هو حجم الدور الذي يمكن أن تلعبه دول الجوار في رسم المتغيّرات العربية؟ فثمة إشكالات ذات طبيعة منهجية، وأخرى ذات طبيعة عملية، تكتنف بحث علاقة الربيع العربي ارتباطاً بمنظور تركي أو إيراني، خصوصاً وهناك اختلافات لدرجة التناقض في المواقف أحياناً إزاء ما حصل، ناهيكم عن تفسيره وتأويله.

وإذا كانت المفاجأة للبلدين قد حصلت بشأن الربيع العربي فهي ليست مفاجأة لهما وحدهما، بل مفاجأة للقوى والتيارات السياسية في البلدان التي حصل فيها الحراك الشعبي، فما بالك بدول الجوار والعالم، بل ويمكن القول أن أكثر مراكز الاستخبارات في العالم أهمية ومعرفة لم تكن تتنبأ بما حصل، بل أن بعضها كان يعتبر بعض البلدان مستقرّة أو أقرب إلى الاستقرار، فظلّ يقدّم خطوة ويؤخر أخرى، لكنه اندفع بالاتجاه المعاكس عشية التغيير، واختلفت لهجة واشنطن إزاء التغييرات، لاسيما بعد مفاجآتها لما جرى في تونس ومصر وبهذه السرعة، خصوصاً خشيتها من أن يؤثر ذلك على مجريات الصراع العربي- "الاسرائيلي".

أما "إسرائيل" فقد كانت الأكثر تطيّراً إزاء الحراك الشعبي العربي، فإذا كانت قد اعتبرت أن تغيير النظام التونسي قد يخلّ بمعادلة الصراع العربي- "الإسرائيلي"، فما بالك بالتغيير الذي حصل في مصر، الأمر الذي جعلها في حالة استنفار وقلق، وحتى ممانعة لإحداث أي تغيير في العالم العربي، خوفاً من التأثير على اتفاقيات الصلح المنفرد وكامب دايفيد لعامي 1978-1979 وما تبعها من صيغ ومعادلات بما فيها اتفاقيات أوسلو العام 1993 التي وصلت الى طريق مسدود.

كانت إيران أو تركيا تنظران إلى بعض البلدان العربية بكونها دولاً مستقرّة، فلإيران علاقات إستراتيجية مع سوريا، الأمر الذي استلزم إعادة التفكير بما سيؤول إليه الوضع لو حدث تغيير النظام السوري على سبيل المثال، حيث ظلّت علاقاتها تتطور منذ الثورة الإيرانية العام 1979، واختُبِرت في منعطفات عديدة منها: الحرب العراقية- الإيرانية التي دامت ثماني سنوات 1980-1988، حيث كان موقف سوريا أقرب إلى الموقف الإيراني بسبب عداء مستفحل بين دمشق وبغداد وهو عداء استئصالي حزبي وسياسي، وكذلك بعد احتلال العراق العام 2003، لاسيما في الموقف من الوجود العسكري الأمريكي.

أما علاقة سوريا بتركيا فقد بدأت بالتحسن الملحوظ والسريع منذ إخراج عبدالله أوجلان زعيم حزب العمال الكردستاني التركي PKK من سوريا، وبلغت ذروتها في العام 2010. وإذا بها تستدير ثانية إلى الجانب السلبي دون أن ننسى نظام العقوبات الذي تم تطبيقه على سوريا عربياً ودولياً، حيث تشكل تركيا جزءًا فاعلاً منه.

كما كانت علاقة تركيا بمصر فاترة وإذا بها بُعيد التغيير تشهد تطوّراً مهماً، بما فيه زيارة رئيس وزراء تركيا رجب طيب أردوغان إلى القاهرة وإلقائه خطاباً من دار الأوبرا داعياً إلى إقامة دولة علمانية، عارضاً تجربته كرئيس لدولة علمانية، بمرجعية دينية وإسلامية، ولعلها قد تكون رسالة للإخوان المسلمين، الذين التقطوا الإشارة معلّقين عليها بقولهم: أن هذا الأمر يصلح لتركيا، في إطار جدل مصري محموم حول هوّية الدولة ومرجعيتها وربما سيزداد حدّة بعد فوز الرئيس محمد مرسي!

وإذا كانت علاقة "إسرائيل" السياسية مع تركيا قد تراجعت في الفترة الأخيرة بسبب تعرّضها لباخرة تركية تابعة لأسطول الحرية وقتلها لتسعة من مواطنيها، ورفضها الاعتذار، إلا أن الموقف التركي الأخير من سوريا ونصب الدروع الصاروخية لحلف الناتو على أراضيها يمكن أن يعتبر كموقف تعويضي أقرب إلى الاعتذار من التحسّن النسبي والتفاهم السياسي للعلاقات التركية – الإيرانية في الفترة الأخيرة.

ولعلّ من أبرز القضايا التي ستكون محط صراع وجدل طويلين بعد الربيع العربي هو موضوع نشر الدروع الصاروخية لحلف الناتو في تركيا وعلاقة ذلك الملف النووي الإيراني، وذلك لما له علاقة بالجيوبوليتيك، وخصوصاً ببعدها التاريخي والمستقبلي، وإنْ اكتسبت بعداً أيديولوجيا في العقود الثلاثة الماضية، وهو التعارض بين المشروعين التركي (ذا التوجه الديمقراطي) بالخلفية الإسلامية أو بالمرجعية الإسلامية (السنّية)، لاسيما بعد فوز حزب العدالة والتنمية في العام 2002 بالضد من النموذج الإيراني (الراديكالي الشيعي) وبخلفية ولاية الفقيه، خصوصاً منذ الثورة الإسلامية في إيران العام 1979.

ويتوقف على التفاهم الإيراني- التركي حلّ هذه القضايا والتأثير المحتمل للربيع العربي على العلاقات الإيرانية – التركية، لا مستقبل العلاقات فحسب، بل جزء أساسي ومهم من مستقبل المنطقة بما فيها القضية الكردية، لعموم دول المنطقة كالعراق (لاسيما في ظل احتدام الخلافات) وسوريا. وقد شهد عقد التسعينيات كلّه اجتماعات ثلاثية تنعقد على نحو دوري بين تركيا وإيران وسوريا لاتخاذ موقف موحّد إزاء القضية الكردية في العراق، والأمر يتعلق بمخاوف الدول الثلاث من النظام الفيدرالي واحتمال قيام دولة كردية في شمال العراق.

ولعل مثل هذا الأمر يتطلب اليوم حواراًَ بين النخب الفكرية والثقافية والسياسية عن العلاقة بين الأمم الأربعة ومستقبلها بخصوص أمن المنطقة بعد الربيع العربي، وهذه الأمم هي: الأمة العربية والأمة التركية والأمة الفارسية والأمة الكردية. وإذا كانت الأمة العربية المجزأة إلى 22 دولة، فإن الأمة الكردية المجزأة بالأساس بين الأقطار الأربعة، لا تملك أي كيان سياسي أو دولة مستقلة، وهو ما سيكون مطروحاً على بساط البحث خلال العقدين القادمين.

المشروعان يسعيان لمدّ نفوذهما إلى العالم العربي: الإيراني بوسائل صلبة عبر دعم القوى الراديكالية وفي إطار مذهبي أو ديني في الغالب ومن خلال الاستقواء. أما التركي فيسعى بالوسائل الناعمة، عبر قوة المثل والتقدم المحرز والعلاقة المتصالحة مع الغرب ومع بعض القوى التي يطلق عليها " معسكر الاعتدال" في المنطقة، دون نسيان الإبقاء على علاقة خاصة مع "إسرائيل" على الرغم من تصدّعها بسبب حادثة أسطول الحرية، لكن هناك بعض الاتفاقيات الأمنية مثل اتفاقية ترايندت التي لا تزال نافذة منذ العام 1958، ناهيكم عن ارتفاع حجم الميزان التجاري بين تل أبيب وأنقرة الذي لم يتأثر بالأساس، بل ازداد وثوقاً!

أثار الموقف الإيراني إزاء أحداث البحرين ومطالب المعارضة ردود فعل حادة، بشأن التدخل بالشؤون الداخلية، والذي قابله موقف مجلس التعاون الخليجي بإرسال قوات درع الخليج إلى البحرين. الموقف الإيراني لا يخلو من مفارقة حقيقية، فهو وإن بدا مشجّعاً وداعماً سياسياً ومعنوياً، لمشاريع التغيير في تونس ومصر وليبيا واليمن والبحرين، لكنه ظل معارضاً، بل رافضاً للتغيير في سوريا، وهو ما حصل فيه تعارض حاد مع الموقف التركي، وقد بدا الأخير أكثر تطرّفاً واندفاعاً حتى من الموقف الأوروبي والأمريكي، بشأن المسألة السورية، وتلك مفارقة تركية مقابل المفارقة الإيرانية، وبلا أدنى شك فقد كانت  قرارات جامعة الدول العربية عاملاً مشجعاً لتركيا في تصعيد موقفها فضلاً عن تدويل المسألة السورية، وخصوصاً بالقرارات التي أصدرها مجلس الأمن الدولي، وبتشكيل فريق المراقبة برئاسة كوفي أنان الأمين العام السابق للأمم المتحدة، لاسيما باستمرار سفك الدماء.

لقد قلب الربيع العربي الكثير من المسلّمات والبديهيات لا في البلدان العربية حسب، بل بشأن العلاقة مع دول الجوار الإقليمي، وخصوصاً تركيا وإيران، ولعل نهوض مصر المحتمل ومعها الدول العربية التي شهدت تغييرات باتجاه الانتقال الديمقراطي، واستعادة الأمن والاستقرار واسترجاع هيبة الدولة ومعالجة آثار الماضي يمكن أن يبلور مشروعاً عربياً جديداً، لاسيما إذا أعيد تأسيس وبناء المجتمعات العربية وفقاً لعقد اجتماعي جديد بين الحاكم والمحكوم، أساسه تداولية السلطة سلمياً وحكم القانون واستقلال القضاء ومحاربة الفساد المالي والإداري وتأكيد مبادئ المساواة والمواطنة والمشاركة واحترام الحقوق والحريات.


* مفكر وباحث قانوني عربي




209
المنبر الحر / جدار برلين الثاني!
« في: 17:53 12/07/2012  »
جدار برلين الثاني!
      
عبد الحسين شعبان 

على بعد خطوات من جدار برلين الذي كان يفصل برلين الشرقية الشيوعية عن برلين الغربية الرأسمالية، شيّدت فنانة من مقدونيا جداراً جديداً يبلغ طوله 12 متراً وارتفاعه 5 أمتار، وقالت الفنانة نادا برلغا إن "جدار السلام" هو علامة للفصل بين الأغنياء والفقراء.
ولعل هذا الجدار يفصل بين شمال شارع فريديش شتراسه الذي يمتاز بمتاجره الفاخرة وشققه الفخمة، والجزء الجنوبي منه الذي يتسم بالفقر والتعدد العرقي والديني ومشاكل المهاجرين، ولا شك أن للتقسيم دلالته الاجتماعية والطبقية، بين الغنى والفقر، وبين المتخومين والمحرومين.

عند قراءتي هذا الخبر استذكرت ما قرأته للينين حين كتب قبل نحو قرن من الزمان، وهو يزور لندن ويتجوّل في مناطقها وشوارعها المختلفة، يوم هتف على نحو مفاجئ -وهو يشاهد الفلل الفاخرة في بعض أحياء لندن، وإلى جوارها أو بالقرب منها الأحياء الفقيرة- "أمّتان" أي أمّة الغنى وأمّة الفقر، حيث إن عالم الأغنياء لا يجتمع مع عالم الفقراء، فلكل حياته وطريقة عيشه، ففي حين ينعم الأغنياء بالثروة والرفاه يعاني الفقراء من الحاجة والعوز وقلّة فرص التعليم والصحة وغيرها.
ولعله مما كان يشغلني إبان اندلاع الثورات العربية التي ابتدأت من تونس، هو موضوع العدالة الاجتماعية، ومسألة الفقر التي لا تستقيم مع المواطنة، وستكون هذه الأخيرة ناقصة ومبتورة مع استمرارها، لاسيما إذا كانت مستفحلة.
وقد ظنّ الكثيرون أن قضية العدالة الاجتماعية وهدف تحقيق الاشتراكية قد ابتعد أو ألغي، وخصوصاً بعد انهيار النظام الاشتراكي العالمي، وانتهاء الحرب الباردة ونجاح الليبرالية، لكن ما طرحته الثورات العربية من الأهداف الكبرى التي بدأت نشيدها الأول بالحديث عن الحرية والكرامة ومحاربة الفساد، أعاد إلى الأذهان قضية العدالة الاجتماعية باعتبارها القضية المحورية، وخصوصاً في بلدان العالم الثالث، على الرغم من أن الديمقراطية والعدالة الاجتماعية لا تولدان مع الثورات في اليوم نفسه، لكن الاستهلال الأول والإرهاص التمهيدي كان مشجعاً وواعداً، وهو يحتاج إلى زمن وتراكم واصطفافات جديدة وكفاح مستمر.
جدار برلين الثاني مع رمزيته يعيدنا إلى ذاكرة المكان بكل تداعياتها الاجتماعية والسياسية بما فيها من بعد درامي تاريخي، فلم يكن في خلد أحد أن يحصل ما حصل وعلى جناح السرعة وبهذه الطريقة المثيرة، حيث كان الزعيم الألماني الشرقي إريش هونيكر لا يتصور أن جدار برلين سينهدم في يوم قريب، فقد تصوّر بقاءه 100 عامٍ كما قال، بل إن "الألمان الديمقراطيين" أسسوا دستورهم الجديد في السبعينيات على أن هناك أمتين ألمانيتين، بتطور مختلف ومتفاوت اجتماعياً واقتصادياً، وبنظامين سياسييْن متعارضين تفصل بينهما 40 عاماً ما بعد الحرب.
وروّج بعض المنظرين القانونيين والباحثين الاجتماعيين -على نحو احتفالي- لوجود نظامين ومجتمعين وقواعد قيمية وسلوكية مختلفة بين ألمانيا الغربية وألمانيا الديمقراطية، ولذلك اعتبروا أن ثمة متغيّرا -وهو ما تم تكريسه دستورياً- يقضي بوجود "أمتين"، حتى وإن كانت لغتهما مشتركة وتاريخهما مشترك، وإنْ تم فصلهما بدولتين مختلفتين!
كان هونيكر يستعرض -في عيد العمال العالمي (1 مايو/أيار) عام 1989- كتلاً بشرية متراصّة، كلّها تهتف له والنصر لحزبه وللاشتراكية الظافرة، في زهو لقدرات عسكرية ونجاحات اجتماعية وإمكانات إدارية وتنظيمية، وبتباهٍ بحلف مع الاتحاد السوفياتي، لكن المجتمع الألماني الديمقراطي كان يخفي في الوقت نفسه هشاشة تراكيب اجتماعية وقيمية، ونقصاً فادحاً في الحريات، وتعطّل عملية التنمية وانحسار الثقة بين الحاكم وجمهوره. ولعل الجدار الذي قسّم برلين أو ألمانيا، بل أوروبا ظلّ شاخصاً جامداً دون حراك، على الرغم من محاولات عبوره والهروب من هذا الجانب إلى ذلك، الأمر الذي أصبح ثمناً للحرية المفقودة.
كنت كلما أعبر من برلين الشرقية متجهاً إلى برلين الغربية -من محطة فريدريش شتراسه أو جك بوينت (C. Check point) القريبة من ألكسندر بلاس- أستعيد وأستذكر ثمن الهروب عندما تضيق فسح الحرية، وقد بنى الألمان الغربيون على الجانب الآخر "متحفاً" صغيراً يعرض بالصور والشواهد والوسائل هروب ألمان شرقيين إلى ألمانيا الغربية، معظمهم يلقى حتفه بجدار مكهرب، أو تكشف سيارته، أو يطلق عليه الرصاص، أو يلقى القبض عليه جرّاء وشاية أو غيرها، ولذلك أطلق على جدار برلين "حاجز الموت".
 
لقد انهار الجدار قبل انهياره الفعلي في ضمائر وعقول وأفئدة الناس، وهذا ديدن كل الأنظمة الاستبدادية، ابتدأ الأمر في بولونيا بنجاح نقابة "تضامن" بقيادة فاليسيا، ثم امتدّت الموجة إلى بودابست ووصلت إلى برلين، وفي طريقها كانت براغ تستعيد ربيعها المفقود. وقد احتفظت ذاكرتي بمشاعر متناقضة يوم صادف وجودي في براغ اندلاع الثورة المخملية، حين اصطفّت الجماهير وكأنها في عرس تريد الحرية والتعددية والحوار، وهو الأمر الذي تطوّر إلى أن طوى النظام الاشتراكي البيروقراطي صفحته المؤلمة، بعد وصول الأمور إلى طريق مسدود واختناقات لم يكن من السهل تجاوزها.
وعلى الرغم من أن الاشتراكية المطبّقة لها أخطاؤها ونواقصها وعيوبها، وأهمّها تعارضها مع جوهرها الإنساني ومحتوها الاجتماعي العادل، وسلوكها سبيل الاستبداد والانفراد بالحكم، فإنها -بقياسات تلك الأيام- حققت بعض النجاحات الاقتصادية والاجتماعية والتنموية، التي لا يزال الكثير من الناس يفتقرون إليها، لاسيما في مجالات التعليم والصحة والعمل وغيرها.
لكن غياب الحريات وسيادة نمط استبدادي شمولي (توتاليتاري)، وهيمنة أقلية على الحكم، ووصول التنمية إلى طريق مسدود باستنفاد أغراضها، دفعت الأوضاع إلى تلك النتيجة -التي لم يكن هناك فرار منها، وهي أقرب إلى استحقاق- حين أصبحت "الأيديولوجيا" أقرب إلى الكابوس وأحد أسباب الاختناق، لاسيما بتطبيقاتها الاقتصادية البيروقراطية والسياسية التسلطية، وخاصة في منافسات وضغوط إمبريالية كبيرة، في موضوع التسلح وحرب النجوم وتخصيص أكثر من تريليونيْ دولار أميركي لها، وميزانيات ضخمة للعلوم والأغراض العسكرية، الأمر الذي لم تكن ممكنة مجاراته في ظروف سياسية واقتصادية معقّدة، وسباق تسلح لم يستطع الاتحاد السوفياتي الفوز فيه، على الرغم من محاولاته المتأخرة للانفتاح وما سمي بالبريسترويكا والغلاسنوست (إعادة البناء والشفافية)، ولكن بعد فوات الأوان.
أتذكّر أيضاً عام 1989 أن هنغاريا قررّت في خطوة غير مسبوقة دعوة الصحفيين والإعلاميين إلى حدث هام، لم يكن أحد يتصوّر ماذا ستقدم عليه؟ وإذا بها -وتحت أضواء الكاميرات- تلتقط الصور لإلغاء السياج الكهربائي الذي يفصلها عن النمسا، وأصبح الطريق سالكاً بين بودابست وفيينا، وهو الذي شجّع مئات الأشخاص من الهنغار والتشيك والألمان الشرقيين على العبور إلى النمسا يومياً، مثلما فعلوا أيام ربيع براغ الأول عام 1968.
لقد كان إلغاء السياج المكهرب أول خطوة كبرى لتعويم النظام الاشتراكي البيروقراطي، فقد كانت القبضة الحديدية مستمرة وخانقة إزاء اختراقات الحدود وطوال أربعة عقود أو ما يزيد على ذلك، واضعة شعوباً وأمماً ومجتمعات "خلف الستار الحديدي" الذي ظلّ قلعة كبرى لا يمكن اقتحامها من الخارج على حد تعبير سارتر، لكنها كانت هشّةً وخاويةً من الداخل، وهو الأمر الذي شاهدناه بانهيار السياج المكهرب ومظاهرات العمال في بولونيا، وصعود المعارضة في هنغاريا، وفيما بعد انهيار جدار برلين، وإرغام حركة الاحتجاج التشيكوسلوفاكية الحكومة على الاعتراف بها وتقديم التنازلات إليها.
وخلال بضعة أشهر، شهدت برلين وألمانيا الديمقراطية هروباً شبه جماعي إلى النمسا عبر المجر حيث بلغت أعداد الفارين أكثر من 50 ألفا، وهو ما أطلقت عليه جريدة نيوزويك الأميركية في حينها "الهروب الكبير"، ولعل هذا كان أحد أسباب انهيار جدار برلين، وتمهيداً له.
كان إلغاء السياج المكهرب بين النمسا وهنغاريا الصفحة الأكثر وضوحاً، ودليلا على أن ثمت وضعاً دولياً جديداً أخذ في التشكّل، وأن الانقسام الذي أحدثته نتائج الحرب العالمية الثانية بدأ ينهار، وكان ذلك يعني تفكيك الستار الحديدي الذي ظلّت أوروبا الشرقية تحتجب خلفه نحو أربعة عقود من الزمان وتوّج ذلك بهدم جدار برلين، وحينها كرّت المسبحة دولة بعد أخرى، مما أدى إلى انحلال النظام الاشتراكي العالمي، لاسيما بانهيار الاتحاد السوفياتي وتفكيكه عام 1991.
وهو التفكيك الذي شهدته بعض دول أوروبا الشرقية، حيث تفككت يوغسلافيا إلى دويلات وعاشت حروباً واقتتالاً وإبادات، لاسيما بصعود نزعات قومية وإثنية ودينية عبّرت فيها عن نفسها هويات فرعية، بالضد من الهوية الجامعة، خصوصاً لشعورها بالإجحاف والكبت، وانفصلت تشيكوسلوفاكيا  إلى التشيك والسلوفاك، على الرغم من أن انقسامها كان هو الآخر مخملياً، في حين اتجهت الأمة الألمانية نحن وحدتها، ولم تنفع معها دساتير أو قيود أو حدود أو جدار، فإرادة الوحدة الألمانية كانت هي الأقوى.

جدار برلين لم يعد سوى ذكرى مؤلمة لطريقة تفكير على صعيد الموديل الاشتراكي الداخلي، أو على صعيد العلاقات الدولية، وعلى الرغم من فشل هذا الموديل وما تركته من تداعيات، فإن طيف الاشتراكية ظلّ وسيبقى يداعب عيون الحالمين في نومهم وفي يقظتهم لعالم أكثر عدلاً وإنسانية، حيث يلغى استغلال الإنسان للإنسان.
ولعل أزمة الرأسمالية العالمية الحالية وانهياراتها الاقتصادية والمالية المدوّية, تعني -فيما تعنيه- أن سرّ فشلها هو في نجاحها، الأمر الذي لا يجعلها بمأمن من الأزمات الدورية، وحتى لو تمكّنت من تجاوزها وتجديد قدرتها على الاستمرارية، فإنها ستواجه مشكلات جديدة طالما بقي الاستغلال والقهر، وهو ما كشفته مسيرتها وسيرتها نحو قرنين من الزمان. فنقيض الرأسمالية كامن في بطنها.
وهكذا قد تكون الإطلالة الأولى للربيع العربي حين طرحت قضية الحرية ارتباطاً مع الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، وهو ما حاولت الفنانة المقدونية التعبير عنه بطريقتها الخاصة حين أقامت جدار برلين الثاني!



210
حكاية الدستور الثاني في العالم الحديث
   
 
عبدالحسين شعبان
طرح الربيع العربي إشكاليات ومشكلات الدساتير وصياغتها، لاسيما في البلدان التي حصلت فيها عمليات انتقال من شكل نظام حكم إلى شكل آخر، وخصوصاً بعد إطاحة بعض الأنظمة، كما حصل في تونس ومصر، أو انهيار النظام القانوني والأمني والقضائي في بلدان أخرى، كما حصل في ليبيا، أو عند تجاور القديم مع الجديد وتداخلهما، مثلما حصل في اليمن، حيث اضطر رئيسها علي عبد الله صالح إلى التنحي، في حين لايزال يمسك بقوة على بعض المفاصل الأساسية، وخاصة في الجيش وقوى الأمن، أو أن قوى التغيير لم تَطَلْها بعد، أو ربما لم تصلها بما فيه الكفاية، الأمر الذي يشكّل حالة من القلق والتوتر وعدم الاستقرار وضعف الثقة .

وأيّاً كان شكل التغيير، فإن موضوع الدولة والنظام السياسي وعلاقة الحاكم بالمحكوم والحقوق والواجبات، لايزال يشكّل قاسماً مشتركاً أعظم لإشكاليات ومشكلات صياغة الدساتير والمبادئ القانونية والقواعد العامة التي ينبغي أن تتضمنها .

وإذا كنّا نعرف أن عملية صياغة الدستور تستغرق وقتاً طويلاً، لاسيما إذا كان دستوراً دائماً، فإن إعلانات دستورية أخذت طريقها في بعض البلدان وتنتظر بلدان أخرى صياغات دستورية لتسيير المرحلة الانتقالية، التي أصبحت ضرورية لأكثر من اعتبار، لضمان سير العدالة . الأول يتعلق بالكشف عن الحقيقة كاملة، والثاني لمساءلة المرتكبين، ووضع حدّ لعمليات الثأر أو الانتقام أو انتشار مظاهر الكراهية والحقد والكيدية، والثالث لتعويض الضحايا مادياً ومعنوياً، والرابع لجبر الضرر شخصياً ومجتمعياً، والخامس لتهيئة المستلزمات لإصلاح النظام القانوني والقضائي والأمني، لكيلا يتكرر ما حصل من ارتكابات وانتهاكات في السابق، مستقبلاً .

لقد شهد العالم دساتير وأنظمة ومدوّنات قانونية مختلفة منذ القِدَم، حتى يمكن القول إن مدوّنة أوركاجينا العام 2300 قبل الميلاد، وقانون أورنمو، هي أقدم القواعد الدستورية في العالم، وهي تعود إلى العهد السومري، وقد سبقت شريعة حمورابي البابلية الأكثر شهرة في العالم، بنحو ثلاثة قرون (حيث حكم حمورابي في الفترة بين 1792  1750 قبل الميلاد وأصدر شريعته بعد ثلاثين عاماً من حكمه)، ثم جاءت دساتير أثينا العام 621 قبل الميلاد . وكان ما تركه لنا أرسطو من إرث حضاري وقانوني ودستوري مهم جداً، لا سيما في أعماله “دستور أثينا” و”السياسة” و”الأخلاق”، وأعقب ذلك دستور روما المدوّن في العام 450 قبل الميلاد .

ولعل دساتير الهند “مراسيم أشوكا” التي جاءت في القرن الثالث قبل الميلاد كانت جهداً إنسانياً متميزاً لتنظيم الحقوق والواجبات، ولاسيما علاقة الحاكم بالمحكوم، وعلاقة المواطنين ببعضهم، وحل مشكلاتهم، والفصل في نزاعاتهم، وتسوية أمور البيع والشراء والديْن والإقراض وغير ذلك . وكذلك ما تركته الفلسفة التاوية (الصينية) من قواعد دستورية وقانونية وأخلاقية في إثراء الفكر الإنساني .

وكان دستور المدينة “صحيفة المدينة” مدوّنة دستورية صاغها النبي محمد (ص)، وهي عبارة عن قواعد لتنظيم علاقة المسلمين مع غيرهم: اليهود والوثنيين، وعلاقتهم مع بعضهم (الأوس والخزرج)، وقد صيغت بعد هجرة الرسول إلى يثرب من مكة التي غادرها اضطراراً، وهذه القواعد لتسوية المنازعات وحل المشكلات وتنظيم طرق دفع الدّية، ونظام الضرائب وبث روح السلام المجتمعي .

أما وثيقة العهد العظيم “الماغنا كارتا” الصادرة عام ،1215 فقد حرّمت اعتقال أي إنسان حر أو سجنه أو الاعتداء على ممتلكاته أو حظرها أو تدميرها أو نفيه، إلاّ بحكم قضائي، وهي وثيقة مهمة لعلاقة الملك بالنبلاء، ومهّدت إلى إصلاحات دستورية وقانونية في إنجلترا وأوروبا لاحقاً .

ويعدّ دستور سان مارينو (إيطاليا) المكتوب باللغة اللاتينية، من المقدمات المهمة للدساتير الحديثة، ويتألف من ستة كتب تلك التي حددت المجالس والمحاكم والقانون الجنائي والمدني والإجراءات القضائية وسبل الإنصاف، وهو الدستور المكتوب في العام 1600 وأعقب ذلك دستور كرومويل (عريضة أو ملتمس الحقوق-Pétition of right ) العام 1628 .

وكان مونتسكيو قد نشر كتابه “روح القوانين” أو “روح الشرائع” عشية الثورة الفرنسية التي اندلعت في 14 يوليو/تموز العام ،1789 حيث أصدرت دستورها لاحقاً (في 3 سبتمبر/أيلول 1791) و”إعلان حقوق الإنسان والمواطن”، ولكنّ ذلك جاء بعد الثورة الأمريكية، وكتابة دستور الولايات المتحدة في العام 1776 الذي استغرق عقداً ونيّفاً من الزمان، حيث تمت المصادقة عليه في 21 يونيو/حزيران 1788 .

لكن ما لفت انتباهي وأنا أزور ليتوانيا وعاصمتها فيلينيوس، أنني اكتشفت من خلال مترجمتي الشابة إيلينا غازيوليتا Elena Gasiulyte  أن دستور ليتوانيا هو ثاني دستور حديث في العالم بعد الدستور الأمريكي، وليس الدستور الفرنسي، كما كنت أعتقد، وربما هو الاعتقاد المهيمن على دارسي تاريخ الدساتير والقوانين ولاسيما الحديثة، والفارق بينهما أربعة أشهر، حيث صدر الدستور الليتواني في 3 مايو/أيار 1791 .

ولعلّ فلاسفة عصر التنوير وما بعده مثل توماس هوبز وجان جاك روسو وجون لوك ومونتسكيو وفولتير وغيرهم، كانوا قد أثّروا في الحركة التنويرية الدستورية في أوروبا كلّها، وإنْ كان الأمر بدرجات متفاوتة، وهم الذين دعوا إلى اعتبار السيادة للشعب، وقالوا بفصل السلطات واستقلال القضاء، فضلاً عن تحديد الحقوق والحريات، العامة والخاصة .

لقد دفعني الفضول العلمي والمعرفي للبحث عن دستور ليتوانيا التي تقع في شمالي أوروبا وهي جزء من دول البلطيق الثلاث: إضافة إلى لاتفيا وأستونيا، وتشترك حدودها مع روسيا البيضاء أيضاً (الجنوب الشرقي) وبولونيا، وعبر بحر البلطيق إلى الغرب، حيث تقترب من السويد والدنمارك .

كانت ليتوانيا بلداً كبيراً ما بين القرنين الرابع عشر والسادس عشر، لأنها تضم روسيا البيضاء وأوكرانيا وأجزاء من بولونيا وروسيا، إضافة إلى أراضي دوقية ليتوانيا . وقد اتّحدت ليتوانيا مع بولونيا التي كانت مدينة كراكوف عاصمتها في العام 1569 وشكّلت ما عُرِفَ بالكومنولث البولوني الليتواني الذي استمرّ أكثر من قرنين من الزمان، ولكنه تم تفكيكه منهجياً بين العام 1772 والعام 1795 .

وإذا اعتبرنا أن الدستور الأمريكي هو الدستور الأول الحديث في العالم، فإن دستور ليتوانيا المتميّز هو الثاني، لكن ليتوانيا خضعت للإمبراطورية الروسية لاحقاً، ثم استقلّت في أعقاب الحرب العالمية الأولى في 16 فبراير/شباط ،1918 واستعادت إنشاء دولتها ذات السيادة، ثم أعيد احتلالها خلال الحرب العالمية الثانية من قبل ألمانيا النازية بعد أن خضعت للنفوذ السوفييتي، وأعاد السوفييت احتلالها مرّة أخرى في العام 1944.

استعادت ليتوانيا استقلالها مجدداً في 11 مارس/آذار ،1990 وهي أول جمهورية انفصلت عن الاتحاد السوفييتي السابق، بعد حركة البريسترويكا (التجديد وإعادة البناء)، حيث كانت قد خضعت إلى عمليات “ترويس” وتذويب للهوية وتعويم للخصوصية قابلتها بـ “مقاومة” شديدة، وحاولت موسكو الحيلولة دون استقلالها ومارست ضدها حصاراً اقتصادياً، بل هاجمت برج التلفزيون في 13 يناير/كانون الثاني ،1991 لكن ذلك لم يغيّر إرادة شعب ليتوانيا في الإصرار على نيل الاستقلال، وانضمت ليتوانيا المستقلة إلى الأمم المتحدة في 17 سبتمبر/أيلول العام ،1991 وغادر آخر جندي سوفييتي في 31 أغسطس/آب 1993 . وحصلت على عضوية حلف الأطلسي والاتحاد الأوروبي في العام 2004 وهي عضو في مجلس أوروبا واتفاقية شينغن الموقعة في 21 ديسمبر/كانون الأول 1997 .

واتّبعت ليتوانيا طريق الحوار الواسع والنقاش المكثف إزاء صياغة دستور جديد وأجرت استفتاءً خاصاً عليه في 23 مايو/أيار ،1992 وأصبح النظام شبه رئاسي، وأجريت أول انتخابات في 25 أكتوبر/تشرين الأول ،1992 أما الرئيس فينتخب مباشرة من الشعب لمدة 5 سنوات (لدورتين فقط) وترأس ليتوانيا حالياً السيدة داليا كريباسكانيا، والبرلمان الليتواني من غرفة واحدة ويضم 141 عضواً (ينتخبون) لمدة أربع سنوات .

تلكم هي حكاية الدستور الثاني في العالم الحديث، لشعب صغير لا يزيد سكانه الآن على ثلاثة ملايين نسمة، ولكنه يتمتع بإرادة قوية وثقة بالديمقراطية وبصندوق الاقتراع، مستفيداً من تاريخه الدستوري العريق الذي امتاز بمستوى رفيع من التنوّع الثقافي والعرقي والتسامح الديني، ومن حاضره الذي يتّجه إلى إعلاء شأن الحريات العامة والخاصة، وقد سُجّلت ليتوانيا بوصفها واحدة من أسرع الاقتصادات نموّاً في الاتحاد الأوروبي (العام 2007) وذلك قبل الأزمة المالية والاقتصادية العالمية .

* باحث ومفكر عربي



211
مجتمع الطوطم والقوّة .. ما قبل الدولة... ما بعد الأمة / عبد الحسين شعبان

د. عبد الحسين شعبان 
شعرت وأنا أقرأ مخطوطة كتاب الباحث والمفكّر علي السعدي، ( العراق: غمد السيف أم درب المعبد? - عن المتشكّل والمتحوّل ما قبل الدولة.. ما بعد الأمة) إن ما كتبه هو وصف يستحوذ على الإنتباه للواقع العراقي الذي هو مشغول فيه، بل ومستغرق بكلّ تفاصيله ومفرداته على نحو شامل، فلم يدع مسألة شائكة أو عابرة تمرّ الاّ وكان له رأي فيها، فقد سجّل قلمه على نحو حسّاس مثلما هي شخصيته، كلّ تعقيدات الوضع العراقي، وكأنه كان يلتقط صوراً حيّة لما جرى ويجري في العراق وما حوله.
بقلم رشيق وجملة أنيقة، كتب بحروف بارعة مضيئة، لكن بألم ومعاناة هي صنوها معاناة العراقيين، التي دوّنها بتفاعل منقطع النظير، لما هو منظور أو مستور منها، بما هو معه أو ضدّه، وكأنه كان أيضاً يختبر نفسه إزاء هذا الفيض الهائل من المعطيات المتناقضة، المتضادّة، المختلفة والمتجاورة، بل والمتعايشة في الآن ذاته.
من زحمة تلك المشكلات والإشكالات كانت شجرة أسئلته تكبر وتمتدّ، حتى كاد الكتاب أن يضيّق بها، وكلّما طرح أسئلة جديدة زادت أسئلته اللاحقة، فهو لا يبحث عن إجابات سهلة أو يقينيات أو مسلّمات، بقدر ما يفكّر بالأبعد والأصعب والأكثر جرأة، وهكذا كانت الأسئلة تتوالد لديه، وتلك وليمة عقلية، لتحفيز الفكر واستثارة التفكير والتفكّر.
وبقدر ما في  كتاب السعدي من عمق، فهو في الوقت نفسه كتاب ممتع، بل هو عبارة عن مجموعة كتب في كتاب واحد، بحيث ما أن تنتهي من موضوع حتى تجد امتداده وتواصله مع موضوع آخر مختلف، والمؤلف ينتقل بكل انسيابية بينها كأنه مايسترو يمسك بعصاه ليؤشّر لفرقته الواسعة، فتتحرك الآلات وتعرف كل آلة وكل عازف موقعه ودوره ونغمات آلته، فيأتي هذا الهارموني الذي جمع فيه الكثير من الأفكار والآراء والإستنتاجات، وإنْ خرجتْ منها أحياناً نغمات منفردة، لكنها سرعان ما تنسجم مع اللحن الذي يريده المايسترو.
علي السعدي مجتهد ومشاكس في الوقت نفسه، وتلك ميزة للباحث، فهو بقدر مشاغبته الفكرية، فإن لديه الاستعداد للتنظير وعدم الخوف من الوقوع في الخطأ، لاسيما عندما يشعر بأنه أخذ يمتلك أدواته، فتراه يتجه بشجاعة وجرأة كبيرتين في البحث عن الحقيقة .
كان صعباً عليّ تصنيف كتاب علي السعدي وبقية كتاباته التي أطلعت عليها مثل : العراق والمصباح النووي- جدلية الممكنات المستحيلة، وحزام النار - مفردات المواجهة وملامح السلام، والعراق الجديد- قلق التاريخ وعقدة القوة وغيرها. فإذا قدّرت أنها أقرب إلى علم الإجتماع فذلك ليس كافياً حيث يدخل في صميم الفلسفة ويتفاعل مع السياسة ويندرج في التاريخ، بل إن لغة الصحافة في بعض مواضعه ليست بعيدة عنه، ولذلك فإنني بثقة أقول أنه جهد فكري بارع وهو القاسم المشترك للكتابات غير التقليدية، كما أن لغته حداثية، والكلمة لديه مطواعة سلسة، بل رقيقة مع أنها من جمر.
وإذا كان الأمر استوجب التدقيق، فإنه يحاول تقليب الفكرة بعد عرضها ويترك النهايات مفتوحة حتى وإن اتّخذ رأياً، لكنه بلا أدنى شك، رأي قابل للتغيير بما تحمله الحقيقة من معطيات جديدة، وحتى عندما تختلف معه، ولاسيما في بعض استنتاجاته، فإنك لا تستطيع الاّ أن تقدّر وتحترم وجهة نظره، لأنه لا يلقيها على عواهنها، وإنما يقوم بالبحث والتمحيص والتقصّي والمقارنة ليصل إلى الحقيقة أو يقاربها، باختصار إنها آراء وأفكار مؤسسة على معرفة واجتهاد، أصابت أم أخطأت.
الكتاب خلطة نادرة من التاريخ والسسيولوجيا والسياسة بكل معانيها والأدب والثقافة، لكن التاريخ كان قلبها بامتياز، وفي مقاربته للوضع العراقي قدّم لنا تاريخاً قديماً ومعاصراً بأسلوب شائق ومثير، بما في ذلك أحياناً من طرافة لم يخلُ منها الكتاب، كلّ ذلك مصاغ بعمل تحليلي ومشهد إخباري واجتهاد تنظيري، لاسيما وأن موضوعات الكتاب هي موضوعات شائكة ومعقدة كما أشرت، مثل: متى تربح الجغرافيا - متى يخسر التاريخ؟ والوطنية والموروث الديني، والسياسة والفكر الديني، وقضايا الهوية والأصالة والحداثة والماركسية والربيع العربي وأفلاطون وجمهوريته، إلى موضوعات راهنة من خلال عملية تفكيك ونقد وإعادة   تأسيس وتأصيل .
علي السعدي لسانه قلبه، والأصغران يتحركان بإتجاه واحد، بل إنهما يشتبكان أحياناً، لأن كل منهما يريد أن يظهر ما عنده، وهكذا تفوح من بين ثنايا الكتاب، ما لا يرغب بالإفصاح عنه أو البوح فيه، لكن قلبه ولسانه يفضحانه أحياناً، ولعل تلك فضيحة إنسانية لعالمه الذي عاش فيه وتخيّله وتمنّى أن يكون.
يقول هو ذاته: للتاريخ نكهة عن بقية العلوم، سواءً كانت هذه النكهة قراءة أو تأويلاً. وإذا كان قد انشغل بموضوع الدولة وكرّس هذا الكتاب بتقاطعاته، لبحثها وتفسيرها ونقدها، فإنه نظر إلى التغيير باعتباره الحقيقة " الوحيدة الثابتة وسواها يمكن أن يكون " ثابتاً". لأن السعدي ينظر إلى التاريخ باعتبار: ما يفعله الإنسان في مكان معلوم وزمن معلوم (سابقا). وفي التاريخ ركنان ثابتان (نسبياً) وآخر متغيّر، وهذا الأخير فانٍ ولا يمكن الحفاظ عليه، وكم من الفلاسفة والحكماء وروّاد الخلود صاحوا: أيها الزمن قف ما أجملك، ابتداء من جلجامش الذي خاطبه سيدوري:
إلى أين تجري على هذا النحو ياكلكامش ؟
إنك لن تعثر أبداً على حياة الخلود التي تبحث عنها
فحين خلق الإله البشر
قدّر عليهم الموت
وجعل الخلود لنفسه وحده
الزمن ممتدّ بالمطلق والمتغيّر، وهو الوعاء الذي يستوعب ما يحصل، لكنه لا يتوقف، أنه الأقوى. أما الركنان الآخران فهما الجغرافيا المرتبطة بالسياسة والدولة والاقتصاد والبيئة (وبالطبع بالمصالح والقوى الإجتماعية) في حين أن الركن الثالث هو الإنسان الفاني مصيراً و"الثابت" سعياً وطموحاً.
لكن التاريخ حسب هيغل فيه الكثير من المراوغة والمكر، ومع ذلك فالسعدي مهجوس به، لأنه العلم الذي تتفرّع منه العلوم الأخرى، فهو الذي يدوّن تاريخ السياسة والساسة، وتاريخ العلوم وتاريخ الفنون وتاريخ الآداب والعمران، وهو الفعل في لغة الزمن، وبالعودة إلى الجغرافيا فستكون مفعولاً به، وهذه الأخيرة يمكن أن تنتصر بانتصار الطغاة، لكنها ستخسر بخسارتهم، في حين أن التاريخ منتصر دائماً، على الرغم من أنه شاهد سلبي على الأحداث، في حين تشارك الجغرافيا في صنع الحدث أو التأثير فيه، وينأى التاريخ عنه بكلّ استعلاء أو عدم إكتراث أو لا أبالية أحياناً.
الإرهاصات الفكرية لدى علي السعدي لا تتوقف عند ذلك فيشبّه الجغرافيا بالإنسان، فإذا ذهب شبابها فلن يعود حتى لو أجرت العديد من عمليات التجميل، وهو تشبيه لم أجد أجمل منه، ولكي يطبّق ذلك على العراق، يقول مقارناً الحاضر بالماضي مع أفق المستقبل: لقد احتفظ العراق بشبابه وحيويته أكثر من 50 قرناً
( خمسة آلاف عام) على الرغم مما مرّ به من حروب وموات وولادات، بما فيها ولادة التاريخ ذاته بكل تفرّعاته ووجوهه، لكنه دخل مرحلة الشيخوخة والموت في أقل من أربعة عقود، فقد بدأ عصر الطغيان مع تجفيف مياه الأهوار وقطع رقاب الملايين من أشجار النخيل ودخلت الأنهار في شيخوخة في ظل التفرّغ للعمل الحزبي والمغامرات العسكرية (وما تركه الحصار الدولي الجائر لاحقاً)، وما كادت الحرب الأولى (العراقية- الإيرانية 1980-1988) أن تنتهي حتى اندلعت حرب ثانية (غزو الكويت في 2 آب/أغسطس 1991) ولم يكن كل ذلك كافياً، بل استلزم الأمر غزواً خارجياً، الأمر الذي خلخل الجغرافيا (وأفقدها رونقها وجمالها ودفعها للإنكفاء).
ولعلّ التاريخ يكون قد جلب لنا طغاة من نوع جديد حسب تعبيره، والطاغية يمكن أن يكون وطنياً أو غازياً، وقد يجمع الإثنين معاً، فثوب الوطنية وواقع الغزاة، يمكنهما الإجتماع في وقت واحد، وهو ما أوصلنا إلى أفواه نهمة لما تدرّه جغرافيا منهكة عجوز لا أحد يمدّها بأمصال الحياة سوى ما تنتجه من بترول. ويخلص المؤلف إلى القول " لكن الجغرافيا لا تفتح ذراعيها للقادمين، والتاريخ لا يفرد صفحاته لتسجيل أفعالهم، الآّ إذا غابت الوطنية وحضرت التبعية" وفي ذلك تلخيص بليغ وبمسحة أدبية للواقع الراهن، حيث نظام المحاصصة الإثنية والطائفية واستشراء العنف والإرهاب وتفشي الفساد المالي والإداري والرشا وكل ذيول ما بعد الإحتلال.
وإذا اختلّت البوصلة الوطنية وأخضعت مصالح الوطن للمصالح المذهبية أو الفئوية أو الحزبية الضيقة، فإن المقادير ستنقلب، وهو ما يتحدث عنه بحسرة حين يقول: أصبح  الإنتماء الوطني إتهاماً والمجاهرة بالوطنية أو العراقية يستحق إعلان الحُرم... إن حديث علي السعدي عن التاريخ هو كالحديث عن الأفعى في الأساطير الغابرة والميثولوجيا لدى المجتمعات القديمة والحديثة، وذلك باستعارة كلام الشاعر اليوناني أرخيليوس عن الطاغية، وهو أول من استخدم هذا المصطلح ضد الملك ليديا في الولاية اليونانية " جيجز" الذي استولى على الحكم بانقلاب عسكري أطاح بملكها السابق.
ويفرّق السعدي بين الطاغية والقائد، فالقيادة تفترض وجود أمّة من المواطنين (الأحرار) الشجعان، ويقتبس قولاً لأرسطو موجّه إلى تلميذه الإسكندر المقدوني: كن لشعبك قائداً ولعبيدك سيّداً، أي أن القيادة علم وفن وتجربة وحزم واحترام وقدرة على اتخاذ القرار، وقبل ذلك معرفة وإنسانية. ويلوم القيادات الشيعية الدينية والسياسية فيما وصلت إليه أوضاع العراق، بل ويعتبر إحدى الأخطاء الاستراتيجية لها هو إقدامها على تفجير ثورة العشرين، وهي مسألة نختلف بشأنها، تلك التي أعطت للعراق وللدولة العراقية ما بعد الإحتلال البريطاني وجهتها وتوجّهها بل وساهمت في إنهاء الإنتداب البريطاني وتحقيق استقلال العراق في العام 1932 وانضمامه إلى عصبة الأمم.
ولعل منظوره إزاء هذه المسألة يقوم على أن الشيعة كسبوا المعارضة والممانعة والتحدي، في حين كسب الآخرون والمقصود السنّة مقاليد السلطة السياسية، وتلك المسألة تناظراً مع رأي المفكر والكاتب حسن العلوي، الذي ظل يردد: إن الشيعة في السابق كسبوا الوطنية في حين أخذ السنّة الوطن، والصورة المقلوبة اليوم حسب وجهة نظره: إن السنّة كسبوا الوطنية بمقاومتهم للإحتلال الأمريكي، في حين كسب الشيعة الوطن أو الدولة والمقصود السلطة.
وبتقديري أن للمسألة وجهان قيمي وعملي، ولا يمكن إهمال أحدهما عند التقييم فالوطنية بلا وطن وواقعية سياسية ستكون مجرد أحلام، والوطن دون الوطنية سيكون استتباع، وهنا تكمن براعة أي مجموعة أو شخصية سياسية، هي في حفاظها على حدود وطنيتها وقدرتها على التعاطي مع الوطن من هذا الموقع لا خارجه، وذلك ما يطلق عليه في علم السياسة: الصلابة المبدئية والمرونة التكتيكية.
ويقول السعدي أن القيادات الشيعية أخطأت في موقفها في عدم مساندة الشيخ خزعل لتولي الحكم في العراق، وكذلك أخطأت في موقفها من حكم الزعيم عبد الكريم قاسم والهوية الوطنية بشكل عام، ويتوصل إلى استنتاج أخير بشأن وصول الجماعات الشيعية إلى الحكم بالقول: إن الحكم جاءها على طبق جاهز لكنها أخطأت في العداء لما هو عربي أو عروبي، وبتقديري أن الموافقة على التعاون مع الإحتلال، لاسيما بصيغة بول بريمر، كان أحد أهم الأخطاء الكبرى لها ولجميع القوى التي وافقت على ذلك، وهو الذي أدخل العراق في نفق الإحتراب الطائفي وبدّدت من طاقاته في مقاومة الاحتلال سلمياً ومدنياً وبجميع الوسائل الممكنة.
ويستنتج السعدي أن العراق لم يعرف في تاريخه سوى الحكم الإستبدادي ووجود طاغية وحاكم جائر، في حين يقسّم الأنظمة حسب تصنيفات أفلاطون إلى خمسة هي الأرستقراطية والمقصود بها حكم الأقلية المختارة " النخبة" أو الصفوة، والتيموقراطية أي الطامحين إلى المجد والساعين إليه، والأوليغارشية، وهو حكم أصحاب الثروات والديمقراطية وهي حكم الشعب، أما الاستبدادية فهي حكم الطاغية.
علي السعدي مشحون بعراقية صميمية، وتراه ينافح ويكافح من أجلها بجرأة وتحدّ أحياناً، وفي الوقت نفسه يمتاز بخفّة دم وحسجة (تورية) جنوبية، لاسيما عندما يتحدث عن تثاؤب الساسة وعمى الألوان وعن مزرعة الحيوان وكأنه يستعير من الروائي الشهير جورج أوريل عنوان روايته الأثيرة " مزرعة الحيوان"، وهو إذ يثير أسئلة  حول علاقة الفكر بالسياسة، والسياسة كممارسة والفكر كمنتج، وهل تبرع السياسة في غياب الفكر أو يتطور الفكر عند ضمور السياسة، يتناول القوة ومصادرها ويحددها بثلاث: مقدسٌ متعال وطوطم متجلّ يمثل جذر عرقي أو مكاني أو رمزي وأخيراً سلطة تحافظ على النظام وتنمّي القوة.
وإذا كانت الجغرافيا قد لعبت الدور الأبرز والأكثر فاعلية في اختيارات الاجتماع البشري فقد كانت المنشأ الأول والأساس لمعتقداته وطواطمه وتكوين سلطته، بل وتحديد سلوكياته وطريقة عيشه وما وصفه من تشريعات وقوانين.
وحين يتناول من خلال كتابه السياسة الخارجية، ولاسيما مواقف دول الجوار، فإنه ينطلق من خلال بحث الداخل العراقي، ولاسيما حين يحدد أربعة لوبيات، اللوبي الأول الإيراني، ويقول أن فروعه عقائدية ومصلحية ووظيفية، والأخيرة هي الأخطر بما لها علاقة بالأجهزة الإيرانية، أما اللوبي الثاني فهو اللوبي السعودي ويعطيه دوراً ربما أكثر مما يستحقه، حين يربطه بالأصولية المتشددة، والحزب الإسلامي وبعض أجنحة حزب البعث، إضافة إلى جماعات مسلحة مثل: تنظيم أنصار السنّة وجند السماء وكتائب ثورة العشرين، ولا أدري هل يجهل الأمريكان ذلك بالنسبة لحلفاء أقوياء لهم في المنطقة، وهل أن السعوديين لا يراعون اعتبارات واشنطن وهي تحتلّ بغداد؟
أما اللوبي الثالث فهو اللوبي السوري، الذي ضعف حالياً وقد احتضن التيار البعثي وبعض القوميين العرب، لكنني اعتقد أن حضوره في العراق في السابق والحاضر، كان ضعيفاً لأسباب تاريخية، لاسيما تتعلق بالصراع البعثي- البعثي، والعراقي- السوري، ولعل تهويل حجمه ودوره كان لأسباب سياسية بهدف إضعاف المحور الإيراني- السوري.
ويعتبر اللوبي الأمريكي هو الرابع، ويضم قيادات إقليم كردستان حسب المؤلف، إضافة إلى قيادات ليبرالية ويسارية متحوّلة وثقافية وإعلامية وأكاديمية. وإذا كان من تقديرات فكان لا بدّ من الإشارة إلى قيادات الوفاق الوطني، لاسيما الدكتور أياد علاوي، ورئيس المؤتمر الوطني العراقي الدكتور أحمد الجلبي، إضافة إلى بعض الشخصيات المحسوبة على التيارات الدينية التي كانت ولا تزال علاقاتها وثيقة مع اللوبي الأمريكي، الذي لديه نفوذاً كبيراً حالياً في العراق، ولاسيما بعد الاحتلال العام 2003، بما فيهم قيادات عسكرية وأمنية غير قليلة، ولعل بعضها لم يأتِ دوره حتى الآن.
وبالنسبة للحركة الكردية، ولاسيما الحزبين، فإن تقديرهم للوجود الأمريكي باعتباره حليفاً، ولذلك كان موقفهم الأكثر وضوحاً بشأن التوقيع على الإتفاقية الأمنية العراقية- الأمريكية في العام 2008 والتي انتهى مفعولها في نهاية العام 2011 وكان من رأيهم أن يتم التوقيع على إتفاقية جديدة، لكن الميل العام للقوى الأخرى لم يأخذ بهذا الإتجاه.
ولمواجهة ما هو حاصل من فوضى إزاء العمل السياسي يقترح السعدي تشريع قانون للترخيص بالعمل الحزبي واعتبار التمويل دون علم الدولة جريمة وإصدار قانون يعاقب بالخيانة لكل من تعامل مع دولة أجنبية بشكل سري، وكنت أتمنى عليه أن يطرح تشريع البرلمان لقانون يحرّم الطائفية في العراق ويعزز المواطنة، وهو ما كنت قد دعوته له وأدرجته (كمشروع) في كتابي " جدل الهويات في العراق: الدولة والمواطنة" الصادر في العام 2009، في بيروت.  وكذلك تحريم ومنع حمل السلاح لأي سبب كان، وجعله بالكامل بيد الدولة وأجهزتها المسؤولة.
ولعل استنتاجات السعدي هي حصيلة مهمة يتوصل إليها الباحث وربما العديد من الباحثين الجادين الذين "تفاءلوا" بخصوص مستقبل العملية السياسية، لكنهم وصلوا بعد فحص وتدقيق ومعايشة إلى نتائج أخرى، فإن لم تكن يأساً فهو شكل من التشاؤم إزاء ما حصل وما يحصل، وإقرار بواقع أليم في الوقت ذاته، وذلك خدمة للحقيقة.
ويسلّط الكتاب ضوءًا كاشفاً على العديد من محطّات الضعف العراقية، وبأريحية ولكن بألم يتحدث عن مزوري الشهادات الذين بلغ عددهم 50 ألف وينقل ذلك عن وزير العدل العراقي حسن الشمري، وقسم من هؤلاء هم من خريجي الجامعات والمعاهد الإسلامية ومن خريجي الحوزات، ولعل بعض هؤلاء أسس جامعات وأخذ هو الآخر يمنح شهادات وحصل على امتيازات ومِنَح، وتبرّعت له الدولة بأراض أو اشتراها بأسعار زهيدة، وطالب بعض المسؤولين بكتب رسمية موجهة إلى المنظمات الدولية والجامعات الكبرى، للإعتراف بتلك الجامعات والمؤسسات وبشهاداتها كمؤسسات أكاديمية، وتلك واحدة من تردّي الوضع العام في العراق.
إن أقوى المؤسسات اليوم في العراق هي مؤسسة الفساد إذا جاز لي القول، وإذا ما طرق الفساد أبواب الجامعات والقضاء، فلا خير يُرجى من أي نظام، ويُنسب إلى الزعيم الفرنسي شارل ديغول وهو يعود إلى فرنسا على رأس مقاومة لتحريرها، إن أول ما سأل عنه هو الجامعة والقضاء، وعندما عرف أنهما بخير  على الرغم من الاحتلال الألماني (النازي) إطمأن على مستقبل فرنسا.
يخلص السعدي في أبحاثه حول الأمّة، الدولة، المواطنة، إلى تصنيف الدول إلى استبدادية والمقصود دولة الإدارة وتوافقية والمقصود دولة الوظيفة، ودولة العقد الإجتماعي، ويتوصل إلى أننا نعيش في أزمة دولة المواطنة، ليس في العراق فحسب، بل ربما في عموم المنطقة وأظنّه من أهم الإستنتاجات الواقعية، حيث تتوزع الولاءات إلى دينية وإثنية وطائفية ومذهبية وعشائرية وجهوية وغيرها، في حين تتطلب المواطنة هوية عابرة للطوائف والقوميات والأديان والمكوّنات الأخرى، بحيث تكون جامعة موّحدة، لكنها ليست واحدة، أي متعددة ومتنوّعة، وتحترم الخصوصيات والهويات الفرعية. والمواطنة تتطلب مساواة (وهي غائبة) وحرية (وهي مفقودة أو ناقصة) ومشاركة وهي (ضعيفة) وعدلاً وهو (شحيح أو محدود) ولاسيما العدل الإجتماعي.
ويعتبر السعدي العراق يعيش منزلة بين المنزلتين فلا هو دولة الأمّة ولا هي أمّة الدولة، وهو يملك مقوّمات الأمّة ويملك عناصر الدولة وهو من القائلين والمنادين بأمّة عراقية (ربما في طور التكوّن) وذلك مفهوم فيه شيئاً من الإنكفاء على العراقية، التي قد يكون بسبب ما لحقها من ظلم وتقاسم ومحاصصة، فتراه يريد العودة إلى عراقية خالصة، وذلك بانبعاثها في إطار وطنية جديدة قائمة على المساواة والمواطنة، لكن هذه العراقية هي جزء من عروبة ثقافية، غير آيديولوجية، تلك التي لديه حساسية منها وهو على حقّ، خصوصاً عندما تحوّلت إلى نظام استبدادي واستعلاء وقمع للآخر. العروبة رابطة مشتركة، فيها التاريخ واللغة والدين كمشتركات مثلما هي المصالح المشتركة، ومثلما هناك عناصر للإتحاد العربي بين الأقطار الأمّة العربية، فهناك عناصر مشتركة لتوحيد الأمّة الكردية.
كتاب السعدي بحث في الصالح العام حسب فهم أرسطو للسياسة، وهو معيار للخير العام حسب ما ذهب اليه ابن خلدون إنسجاماً مع الطبيعة الإيجابية للبشر، مثلما هي الشجاعة والمرؤة والإيثار والصدق والإخلاص والوفاء، وبالتالي فهي ضمن إدارة الدولة وصراع واتفاق في نهاية المطاف، حيث يظلّ الانسان هاجسها الأول والأخير حسب الفيلسوف اليوناني بروتوغوراس " الإنسان مقياس كلّ شيء".
صاغ علي السعدي أطروحات كتابه في رمال عراقية متحرّكة، لم يسع لإرضاء أحد، كما أنه لم يستهدف إغضاب أحد، بقدر ما كان متعالياً في بحثه عن الحقيقة، ومتواضعاً في الكشف عنها، وهو الهدف الذي كان يسعى إليه، ولا أظن أنه كباحث لديه أهدافاً أخرى غير ذلك.
وبقدر راهنية الكتاب، فإنه استراتيجي أيضاً، لما يطرحه من عناوين مهمّة وإشكاليات قائمة، يبحث فيها برؤية المخّتص والعالِم، ولكن بقلب حار وإن كان يكتب برأس بارد، وهو ما أعطى للكتاب هذه النكهة التحليلية العميقة.
آمل أن يثير الكتاب عاصفة من الرأي والرأي الآخر والجدل والنقاش والسجال حول موضوعاته الساخنة والملحّة، على نحو يغذّي الحاجة إلى المزيد من المعرفة ويغني التوجهات المطروحة فيه اتفاقاً أو اختلافاً، وأجده أحد المراجع المهمة في بحث واقع المجتمع العراقي وتوزّع تياراته السياسية وقواه الإجتماعية، وجماعاته الدينية والإثنية، ومرجعياته، وهو كتاب تعامل مع كل هذه المفردات بثقة وصراحة، ولهذا أظن ان الباحث والمخّتص فضلاً عن القارئ الذي يبحث عن الحقيقة، سيجد فيه مادة غنية ومهمّة تمثل وجهة نظر لمثقف وكاتب عراقي مستقل.
 
................
(*) مفكر وكاتب وأكاديمي، ينتمي إلى الجيل الثاني لتيار التجديد والحداثة الثقافي.
- أستاذ القانون الدولي و مادة اللاعنف وحقوق الإنسان في جامعة أونور(بيروت).
- له  ما يزيد عن 50 كتاباً كرّس معظمها لقضايا التجديد والتطوير والنقد للفكر الإشتراكي، كذلك قضايا الديمقراطية والمجتمع المدني والتنمية والفكر والإسلام وحقوق الإنسان وثقافة التسامح واللاعنف .
الناشر




212
من باليرمو إلى دوكان
   

عبدالحسين شعبان
بعد نشر مقالتي “الاتجار بالبشر” على صفحات جريدة “الخليج” في 20 يونيو/حزيران  2012 التي سلّطت فيها الضوء على مؤتمر دوكان (السليمانية- إقليم كردستان العراق) صدر تقرير عن وزارة الخارجية الأمريكية، تناول واقع حال الاتجار بالبشر في العراق ودور القضاء والقوانين العراقية النافذة، ولاسيما تشريع البرلمان العراقي لقانون يخصّ الاتجار بالبشر، وهو القانون الذي صدر خلال العام الجاري 2012 بعد مناقشات مستفيضة في شهر فبراير/ شباط الماضي، وحدد سبل الحماية المتوافرة من جهة والمطلوبة من جهة أخرى، لاسيما باعتبار مبدأ الوقاية الأساس في ذلك، مناقشاً ما قامت به الحكومة العراقية حتى الآن، واضعاً توصيات خاصة انطلاقاً من المعايير الدولية التي جاء بها بروتوكول منع ومكافحة ومعاقبة الاتجار بالأشخاص وخاصة النساء والأطفال، تلك التي تضمنتها اتفاقية الأمم المتحدة المضادّة للجريمة المنظمة عبر القارات والتي تُعرف ب “بروتوكول باليرمو” (إيطاليا) العام 2000 وملاحقه .

ابتداءً، لا بدّ من الإقرار أن العراق وبقية البلدان العربية وبلدان المنطقة بشكل عام، تعاني مشكلة الاتجار بالبشر، وعلينا تحديد الإشكالية وحجم المشكلة وثانياً، إن صدور تقرير من وزارة الخارجية الأمريكية يتناول هذا الموضوع يعني أنه أصبح مقلقاً وخطراً لا على المستوى المحلي والإقليمي، بل على المستوى الدولي وثالثاً، إلى متى لا تصغي الجهات الرسمية وربما غير الرسمية العربية كثير من النداءات التي صدرت عن منظمات دولية وإقليمية بما فيها العربية، بشأن استفحال ظاهرة الاتجار بالبشر؟ ورابعاً، هل إن الإجراءات التي اتّخذتها الحكومة العراقية وبقية بلدان المنطقة بشأن منع ومناهضة ومعاقبة الاتجار بالبشر، كافية للحد من هذه الظاهرة الخطرة، نظراً إلى تأثيراتها الاجتماعية والاقتصادية والأمنية، وخصوصاً انتقالها بين البلدان المختلفة وعلاقتها بالجريمة المنظمة وببعض صنوف الإرهاب، بما فيه الإرهاب الدولي؟

وبخصوص العراق، فإنه يعد من حيث التقويم الدولي ممراً ومصدراً (مقراً) لانتشار ظاهرة الاتجار بالبشر، للرجال والنساء والأطفال على حد سواء، لاسيما من ضحايا البغاء أو العمل القسري . وقد صدرت العديد من الإشارات الأمنية في العراق مؤخراً عن تعاظم هذه الظاهرة، وأن الحكومة العراقية تلاحق خمس شركات تعمل على الاتجار بالنساء، وأن القانون الذي شرّعه البرلمان العراقي ينزل عقوبات غليظة بالمرتكبين، إضافة إلى القوانين العراقية النافذة .

وقد تفشّت هذه الظاهرة خلال العقدين الماضيين، لاسيما في فترة الحصار الدولي، وبعد الاحتلال بسبب تصاعد نسبة النازحين والمهجّرين واللاجئين، لاسيما بانتشار البغاء القسري والعمل المقيّد بشروط أقرب إلى الإكراه، وترافقت تلك المستجدات مع استشراء الفساد المالي والإداري، وخصوصاً ضعف هيبة الدولة .

وقد شخّصت الكثير من التقارير الدولية، بما فيها تقارير لمنظمات حقوق الإنسان، أشكالاً مختلفة من البغاء القسري، تبدأ من إغواء النساء بالحصول على عمل أو وعد بذلك، إلى متاجرة بعض العوائل ببناتهن بسبب تدنّي الحالة المعاشية والحاجة الاقتصادية، فضلاً عن التقاليد البالية التي تذهب إلى تزويج الفتيات دون السن القانونية وإجبارهن على الزواج وغير ذلك، إضافة إلى وجود عصابات تقوم بالابتزاز واستغلال النساء للدعارة أو تجنيدهن لأعمال أخرى بما فيها الإرهاب .

وتتعرض العديد من النسوة العراقيات لظروف متاجرة داخل البلاد وخارجها، وخصوصاً في سوريا ولبنان والأردن والكويت وتركيا وإيران واليمن . كما يتم تهريب نساء إلى العراق ومنه أحياناً، وغالباً ما يكنّ من إيران والصين والفلبين بهدف الاتجار، وهو ما يذكره تقرير وزارة الخارجية الأمريكية أيضاً .

ويعدّ العراق وجهة يقصدها الرجال والنساء الذين يهاجرون من بنغلاديش والهند وباكستان والنيبال وسريلانكا والفلبين وتايلاند وجورجيا وأوغندا وغيرها، ويتعرّض هؤلاء لظروف بالغة القسوة، عندما يعملون بمهنة عمّال بناء أو حرّاس ليليين أو منظّفين أو حرفيين أو شغيلة منازل، حيث يتم في الأغلب مصادرة أو وضع اليد على جوازات سفرهم ووثائقهم الرسمية وعدم دفع أجورهم، فضلاً عن استغلالهم للاشتغال لساعات طويلة، في ظل مخاوف من الإبعاد والاعتداء الجنسي أو الجسدي . وقد وصل بعض هؤلاء إلى العراق أو كان العراق ممراً لهم عن طريق التدليس وعبر شركات سمسرة ودلالين ووسطاء للعمل في إحدى دول الجوار، لكنهم وجدوا أنفسهم في مواجهة الأمر الواقع بوجودهم في العراق .

 لعل انشغال العراق بأوضاعه الداخلية غير المستقرة واستمرار هشاشة الوضع الأمني، على الرغم من تحسّنه، والصراعات السياسية المفتوحة، كان سبباً في عدم إيلاء هذه المسألة ما تستحقه من أهمية، إلاّ في الفترة الأخيرة، ولاسيما بعد تفاقمها وتصاعد مخاطرها دولياً وإقليمياً، وهو ما نبّه إليه تقرير وزارة الخارجية الأمريكية، خصوصاً بعد استمرار إدراج اسم العراق وللسنة الرابعة على التوالي في قائمة المراقبة من الدرجة الثانية، علماً أن بغداد كانت قد أعدّت في الآونة الأخيرة خطة مكتوبة لمواجهة هذا الواقع المتردّي . ولو جرى اعتمادها وتطبيقها بشكل حيوي لأمكن الوصول إلى الحد الأدنى من المعايير الدولية للحد من ظاهرة الاتجار بالبشر، فضلاً عن القضاء عليها، وهذا سيعني أن العراق يضع نفسه في الطريق الصحيح لذلك، وإنْ كان لايزال في البدايات .

لقد حدّد القانون الذي صدر عن البرلمان العراقي (2012) عقوبات لكل من حالتي التهريب لأغراض جنسية، والتهريب من أجل العمل، ولكن الإجراءات العملية لاتزال دون المستوى المطلوب، لاسيما لمساعدة ضحايا العمل القسري، فضلاً عن استمرار معاقبة ضحايا البغاء القسري وعدم توفير الحماية الكافية للضحايا بسبب استغلالهم، وهي نظرة قاصرة لاتزال سائدة في معظم البلدان العربية .

وإزاء هذه الظاهرة المستفحلة، فلا بدّ من اعتماد تشريعات تنسجم مع المعايير الدولية لمنع تهريب البشر، والاستمرار في تطبيق القوانين العقابية النافذة، لاسيما تلك التي تحرّم الاختطاف (الاختفاء القسري حسب مصطلح الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي الإنساني)، والحجز والغش والتدليس والتحقيق والمحاكمة في جرائم الاتجار . ولا بدّ من تدريب وتأهيل شاملين لأجهزة الشرطة وموظفي الهجرة ووزارة العمل والشؤون الاجتماعية الذين يكونون على اتصال مع ضحايا الاتجار بالبشر، وكل من له علاقة بإنفاذ القوانين بشكل عام، وقوانين منع الاتجار بالبشر بشكل خاص .

وبالعودة إلى العراق، فإن قانون العقوبات النافذ وتعديلاته اتّجهت إلى إنزال عقوبات قاسية بالمرتكبين بعد إدانتهم بواسطة القضاء على جرائم الاتجار بالبشر، ومنها الاحتجاز غير القانوني والاختطاف أو الاختفاء القسري واستخدام القوة أو التهديد بها لإجبار شخص ما على القيام بعمل معين بالإكراه أو الامتناع عن القيام بعمل ما، وتصل عقوبات تلك الجرائم من 7 سنوات إلى 15 سنة، وإذا كانت الضحية طفلاً وتعرّض للعنف، فإن عقوبة ممارسة جريمة الجنس بحقه أو الاغتصاب تصل إلى 10 سنوات . وأعتقد أنها عقوبات رادعة بشكل عام وإن تطلّب الأمر تغليظها، خصوصاً مع انتشار ظاهرة الاتجار بالبشر .

ولعل هناك بعض النواقص في العديد من القوانين العربية، إزاء تهاون الجهات الرسمية في جرائم تهريب البشر والاتجار بهم، الأمر الذي يتطلّب وضع آليات عملية للحيلولة دون التملّص من المسؤولية، ولا بدّ أن ذلك يحتاج إلى معرفة بالقوانين والأنظمة المرعية والنافذة محلياً ودولياً، وخصوصاً من جانب الموظفين العموميين سواء من وزارة الداخلية أو وزارة العمل والشؤون الاجتماعية . وإذا كانت بعض مراكز الشرطة تحتوي على أقسام مختصة بتقديم المساعدة للنساء والأطفال من المعنّفين، ولاسيما من ضحايا الاتجار بالبشر وسوء المعاملة، فثمة كوابح اجتماعية، وعشائرية ودينية وطائفية وإثنية، تحول دون تنفيذ القوانين ودون قيام الموظفين العموميين بواجبهم، ويبرز ذلك في ظروف العراق بشكل خاص، الأمر الذي يتطلب حملة توعية وتثقيف واسعتين تسهم فيها مؤسسات المجتمع المدني، كما يتطلب تخصيص ميزانية كافية لحماية الضحايا وعدم تمكين المرتكبين للإفلات من العقاب، مثلما يتطلب ذلك تعاوناً دولياً بهذا الشأن .

لعل الكثير من البلدان العربية ومنها العراق كانت تصرّ على إنكار وجود هذه الظاهرة الخطرة أو تقلل من شأنها في بلدها، مثلما دأب مسؤولون في وزارة الداخلية على ذلك، لكن صدور قانون من البرلمان العراقي جعل المسألة ذات اعتبار خاص، ما لفت الانتباه إليه عربياً، وهو الأمر الذي يحتاج إلى إدراجه على جدول اجتماعات وزراء الداخلية العرب ووزراء العدل العرب، وكذلك على جدول اجتماعات اتحاد الحقوقيين العرب واتحاد المحامين العرب والمنظمات العربية لحقوق الإنسان بهدف منع التغوّل على الضحايا تحت مزاعم مختلفة، والعمل على منع الاتجار بالبشر ومناهضته والمعاقبة عليه .

لقد لفت مؤتمر دوكان الدولي الرأي العام العربي والعالمي، وخصوصاً بمشاركة منظمات دولية وجهات رسمية، ولاسيما من الاتحاد الأوروبي ووزارة الخارجية الإيطالية وسفراء وممثلين عن منظمة التعاون الأوروبي وجامعة الدول العربية، إضافة إلى ممثلين عن الحكومة العراقية وحكومة إقليم كردستان، إلى أهمية تضافر الجهود لمنع هذه الجريمة والمعاقبة عليها، وذلك بتأكيده توصيات نابعة في معظمها من بروتوكول باليرمو التي تمثل معايير دولية، وهو ما اعتمده أيضاً تقرير وزارة الخارجية الأمريكية، حين شجّع على التقاضي ضد المرتكبين ووضع بدائل قانونية لانتقال ضحايا الاتجار بالبشر من الأجانب ومنع الزواج القسري والعمل على فسخه في حالة حدوثه، وتنظيم حملة التشغيل للعمال الأجانب بما يتناسب مع قوانين العمل الدولية وغيرها .

* باحث ومفكر عربي


213
المسيحيـون والبيئـة الطـاردة


عبد الحسين شعبان

هل باتت البيئة العربية - الإسلامية طاردة للوجود المسيحي الذي سبق الإسلام في الشرق؟ وهل هناك مشكلة وإشكالية لدينا تتعلق بالتعايش، علينا مواجهتها أم ثمة مبالغة في كل ما يقال بخصوص الهلع المسيحي والفزع الديني لدى المكوّنات الثقافية غير الإسلامية لمجتمعنا؟ وإذا كان الأمر واقعاً، لكننا قد نختلف في تقرير مخاطره وبالتالي سبل مواجهته، إذ لم يعد التنديد باستهداف المسيحيين كافياً، فضلاً عن توجيه دعوات التآخي والتعايش أو تنظيم مؤتمرات للخطابات، لا تخرج عن دائرة المجاملة والشكلية!
لعل الإشكاليات لا تتعلّق بصراع مجتمعي بقدر كونها تتعلق بالمواطنة المفقودة أو الغائبة أو المنتقصة أو المبتورة، فضلاً عن غياب أو ضعف مبادئ المساواة والشراكة، والحق في تولي الوظائف العليا من دون تمييز بسبب الدين أو الجنس أو العرق أو اللغة أو الأصل الاجتماعي، كما أن شحّ الحريات بشكل عام وحرية التعبير بشكل خاص، ولا سيما حرية الضمير والحق في الاعتقاد والحق في ممارسة الطقوس والشعائر الدينية، تعتبر خلفية لمثل تلك الإشكالات.
ويعود أحد أسباب استفحال ظاهرة الشعور المسيحي بشكل خاص وغير الاسلامي بشكل عام بالتمييز وعدم المساواة، إلى ظهور وتنامي تيارات دينية وطائفية متعصبة ومتطرفة في الثلاثة عقود ونيّف الماضية، وقد أدّى ذلك إلى تراجع هوامش الحريات التي كانت موجودة، كما أنه قلّص من فرص التسامح التي كانت متوفرة، على نحو تلقائي وعفوي، حيث مارست تلك الجماعات شكلاً من أشكال القهر والإكراه والدعاية الاستئصالية إزاء الآخرين من أبناء الدين الإسلامي، فما بالك بمنتسبي الديانات الأخرى.
ولا شك في أن هناك أسباباً سياسية واجتماعية وثقافية، تتعلق بالعلاقة مع الآخر وبمبادئ التعايش، وهي التي تقف خلف انكفاء المسيحيين وانحسار دورهم وعزلتهم أحياناً واختيار الهجرة «اضطراراً» في أحيان غير قليلة، الأمر الذي عاظم من شعورهم بالاغتراب عن مجتمعاتهم، في حين كان دورهم مشرّفاً على مرّ التاريخ، وقد ارتفع منسوب الشعور لديهم بالتهميش والإقصاء، لا سيما عند التعامل معهم «كأقلية» بمعناها السلبي، تلك التي تعني قبول منطق الأغلبية « المقرِّرة» الحاكمة، المتسيّدة، بالعدد وليس بالكفاءة والخبرة والإخلاص أحياناً.
ولعلّ غياب إرادة سياسية عليا لاحترام حقوق الإنسان وخصوصاً مبادئ المساواة والمواطنة، زاد من حدّة التوتر المجتمعي، ولا سيما من جانب القوى الدينية المتطرفة الشديدة الغلو، المنغلقة على نفسها، والتي تريد فرض تصوراتها على المجتمع كلّه، ناهيكم عن طريقتها بالعيش والسلوك والتفكير.
هكذا غدت البيئة العربية - الإسلامية طاردة للأديان الأخرى، وهي الأديان المتعايشة، المتواصلة والمتفاعلة، ولا سيما في الشرق، وخصوصاً المسيحية الشرقية التي يربطها تاريخ عريق بالاسلام وبالمسلمين، خصوصاً بالانتماء العروبي المشترك، وقد ساهمت المسيحية في النهضة العربية الأولى، وكان دورها ريادياً على الصعيد الفكري والثقافي والأدبي والفني والاقتصادي والاجتماعي، بما في ذلك أدباء الاغتراب الأول الذين أسسوا في الولايات المتحدة «الرابطة القلمية» وفي دول أميركا اللاتينية أسسوا «العصبة الأندلسية».
كما لعب المسيحيون في الدولة العربية المعاصرة دوراً مهماً من خلال مواقعهم السياسية والفكرية، بما في ذلك للقضية الفلسطينية، وقد استهدفتهم الحركة الصهيونية ومارست عليهم ضغوطاً مختلفة لإجبارهم على الهجرة من فلسطين أو ترحيلهم أو إجلائهم، وذلك كي تبرّر أن الصراع هو يهودي - إسلامي، وليس فلسطينياً (إسلامياً ومسيحياً ودرزياً وحتى يهودياً) ضد الصهيونية.
وكانت «إسرائيل» قد نظرت بارتياب إلى مواقف الفاتيكان المؤيدة لحقوق الشعب العربي الفلسطيني، وسعت لتغيير مواقفه منذ قرار التقسيم، وهو الموقف الذي أثر إيجاباً على الدول الكاثوليكية مثل إسبانيا والبرتغال وإيرلندا وبعض دول أميركا اللاتينية، وظل الفاتيكان وهذه الدول على مواقف متعارضة مع سياسات «إسرائيل» وليس لديها علاقات دبلوماسية معها، الاّ بعد إبرام اتفاقيات كامب ديفيد والصلح المنفرد العام 1978- 1979، وفي ظل التراجع والنكوص العربيين، وهو الأمر الذي انعكس سلباً على نحو 30 دولة أفريقية قطعت علاقاتها مع «إسرائيل» بين عدوان 1967 وحرب العام 1973 وكذلك على البلدان الاشتراكية السابقة تلك التي أعادت علاقاتها جميعها مع إسرائيل، بل إن بعضها منحها امتيازات «الدولة الأكثر رعاية».
وحتى اليوم فإن الفاتيكان ينشغل بمستقبل العلاقات الإسلامية - المسيحية وينظر إليها من خلال موقع مسيحي الشرق، وهو ما انعكس على مؤتمر السينودس، لا سيما علاقة ذلك بتصاعد موجة العنف والإرهاب ضد المسيحيين واستمرار الانتقاص من مبادئ المواطنة والمساواة والتعايش، وكل ذلك بالارتباط مع موضوع الهجرة والصراع الدولي.
لقد استُهدِفَ المسيحيون في موجة جديدة من التشدد والتطرف والغلو باسم تنظيمات القاعدة أو غيرها من قوى الإسلام السياسي، الأصولي، وقد تزامن ذلك مع أحداث 11 أيلول (سبتمبر) الإرهابية - الإجرامية في العام 2001، وفي ما بعد احتلال أفغانستان وغزو العراق، حيث قادت هذه الموجة إلى الشعور بتصدّع فكرة التعايش وتعرّضت العديد من الكنائس والأديرة ودور العبادة المسيحية وشخصيات مسيحية ومواطنين عاديين إلى تفجيرات وأعمال عنف، كما حصل في بغداد والبصرة والموصل وكركوك والاسكندرية والقاهرة وحمص وغيرها.
وقد ازدادت تلك الموجة حدّة بعد الربيع العربي، حيث تحركت قوى كامنة مستغلّة الانفلات الأمني ورغبة تدميرية واستئصالية لا إنسانية لتستهدف التجمعات المسيحية وتقوم بأعمال عنف وإرهاب منفلتة من عقالها، والهدف كان وسيظل دفع المسيحيين إلى الهجرة وهم مستضعفون وليس لديهم ميليشيات ولم يمارسوا العنف. والنتيجة التي سيأخذها الغرب لمعاقبة مجتمعاتنا هي أن المسلمين لا يريدون العيش مع المسيحيين في دول المشرق، وهذا دليل على التطرف والتعصب ورفض الآخر.
وحسب بعض توجهات الإسلام السياسي، فالآخر هو غريب وكل غريب مريب، وأنه خصم أو عدو، خصوصاً عندما يسود منطق الإسلاملوجيا وادعاء امتلاك الحقيقة والتشبث بمبدأ الأفضلية. هكذا يتم الحديث بصورة معلنة أو مستترة عن دار الحرب ودار السلام، ويتجرأ من يطلب من المسيحيين اليوم دفع الجزية أو الرحيل. ولعل ذلك سيؤدي إلى تمزيق النسيج الاجتماعي لشعوب ومجتمعات ظلّت متعايشة، وإلى الهجرة وتفريغ مجتمعاتنا من المسيحيين!
وسيكون الغرب الايديولوجي مستفيداً لتبرير مزاعمه حول الرهاب من الإسلام، الذي روّج له، ليظهر أن المسلمين غير راغبين في التعايش مع الغرب المسيحي، وهو ما يضع 15 مليون مسلم أو أكثر في أوروبا في دائرة الشك والريبة، وسيبرر الغرب أطروحاته بزعم أن الإسلام هو دين استئصال ويحضّ على الإرهاب ضد الأديان الأخرى، وهي الرسالة التي تعمل لأجلها «إسرائيل» لتأكيد أن الصراع مع الفلسطينيين والعرب ليس سوى صراع ديني، لأن الإسلام لا يتقبّل الآخر، في حين أنها تسعى لإخفاء حقيقة وجوهر الصراع، وهو بين أصحاب حق تجري محاولات مستمرة لاقتلاعهم من أرضهم وبين مغتصبين وعنصريين صهيونيين، يسعون لتحويل «إسرائيل» إلى دولة يهودية نقية بعد طرد سكان البلاد الأصليين منها.
ولعل الرسالة المعاكسة التي ترسلها الصهيونية إلى العالم، هي استغلال استهداف المسيحيين بالقول إن العرب والمسلمين غير مهيئين لقبول الديموقراطية، لا سيما في ظل تدنّي مستوى الحريات العامة والخاصة، وحتى بعد اندلاع الربيع العربي فإن الشك لا يزال يساور الغرب بشأن الموقف من الديموقراطية، وستكون خسارة المسيحيين هي خسارة طاقات علمية واجتماعية في الموزاييك العربي.
إن هذه المسائل وغيرها كانت محطّ نقاش وحوار جدّي وعلى مستوى مسؤول ساهمت فيه نخبة متميّزة من مثقفين عرب وبينهم من ينتمي إلى الإسلام أو المسيحية، ويجمعهم الهمّ الثقافي والفكري ومنشغلين بفكرة التعايش. وقد نظّم هذا اللقاء الحواري والعصف الفكري «المعهد الملكي للدراسات الدينية» في الأردن ورعاه منتدى الفكر العربي برئاسة الأمير الحسن بن طلال. وكانت رسالته الواضحة هي مواصلة الحوار المدني، العلمي، النقدي، الواقعي، في تعظيم المشتركات الانسانية والقيم والمثل الجامعة، تلك التي تمثل جوهر الأديان والأفكار والفلسفات على مرّ التاريخ.
ويتطلب الأمر إضافة إلى دفع صاحب القرار لاتخاذ مواقف حاسمة لجهة المساواة والمواطنة وتكافؤ الفرص وعدم التمييز، العمل على خلق بيئة تشريعية صالحة، وكذلك بيئة تربوية مناسبة تساعد النشء الجديد في تلمس الطريق الصحيح وتسعى لإزالة كل ما من شأنه الإساءة إلى الأديان بشكل مباشر أو غير مباشر في المناهج التربوية والتدريسية وتربية الطلبة بروح الأخوة والتضامن والتسامح والمساواة واللاعنف والمشترك الإنساني، الذي يعلي من شأن الإنسان ويخدم خصوصياته.
ولعل ذلك يهيئ الأجواء للمؤسسات الدينية وغيرها لتبنّي خطاب الوحدة والمساواة والكرامة الإنسانية، ويعزز من مستلزمات إعلام إيجابي يلعب دوراً في التعايش والتفاهم وعدم التمييز، ويستطيع المجتمع المدني أن يلعب دوراً إيجابياً على هذا الصعيد، وهو ما يعطي لمجتمعاتنا هويتها الموحدة الجامعة والمتنوّعة ذات الخصوصية والتعددية في آن، وحيثما يكون صاحب القرار يتمتع بوضوح وإرادة سياسية لتحقيق ذلك قانونياً وتربوياً وإعلامياً ومدنياً، فإن فرص السلام الاجتماعي والتعايش الأهلي واحترام حقوق الإنسان واعتماد المواطنة والمساواة تكون وفيرة وأجواؤها رحبة.

 باحث ومفكر عربي



214
المنبر الحر / الاحتلال والكارثة
« في: 18:51 26/06/2012  »
الاحتلال والكارثة

في حوار مع الهيئة نت في عمان..الدكتور (عبد الحسين شعبان) يصف الاحتلال بانه اكبر كارثة حلّت بالعراق بعد  الحرب العراقية - الإيرانية والحصار الجائر الذي فرضته أمريكا عام 1990باسم الامم المتحدة .. موضحا ان كارثة غزو العراق كانت  بحجم كارثة فلسطين أو ما بعدها.
جاء ذلك في حوار صحفي أجراه معه مراسل الهيئة نت في العاصمة الاردنية عمان ( جاسم الشمري ) وفي ما يأتي نص الحوار :
       
الهيئة نت : من هو عبد الحسين شعبان بنظر عبد الحسين شعبان؟
 شعبان:  حالم، بل مستغرق في أحلامه، وكاتب لا يزال يكتب بشغف، مشاغب تستهويه المشاغلات الفكرية، عالمه فسيح لأنه يسبح في فضاءات الحرية التي لا يريد أن يتنازل عنها لأي سبب كان، ينتمي إلى العقل وقيم السلام واللاعنف ويميل إلى التسامح، لا يريد أن يرضي أحداً، لأن النقد سلاحه المفضل، ولم يوفّر ذلك مع نفسه أيضاً، يضع مسافة بينه وبين الآخرين حتى وإن كانوا من أقرب المقرّبين.
الهيئة نت : هل أنت معارض دائم؟
 شعبان:  نعم ولا: وأقول نعم لأنني ضد الاستبداد ومعارض لكل دكتاتورية، ولأن معارضتي فكرية وثقافية، فالاختلاف بيني وبين المعارضين واضح وجلي، فقد كان بعضهم ضد نظام صدام حسين، لكنهم ليسوا ضد الاستبداد في حين أنني كنت ضد الاستبداد، بكل أنواعه وأشكاله سواءً كان نظام صدام حسين أو نظام المحاصصة الطائفية أو غيره، لقد بلع البعض لسانه يوم اقترب من السلطة في ظل الاحتلال، في حين أنني بقيت ضد الاستبداد وبالطبع ضد الاحتلال، المسألة بالنسبة لي جوهرية تتعلق بصميم حقوق الإنسان وحرياته، ولا علاقة لها بهذا النظام أو ذاك، وهناك فارق آخر، فأنا عندما أتعاطى السياسة، فمن موقع فكري وعبر وسائل ثقافية، ولأهداف حقوقية وإنسانية بالدرجة الأولى، في حين هناك من يتعاطى السياسة بهدف قلب نظام حكم ليحلّ محله، ولا يهم بعد ذلك نوع النظام وشكله وممارساته، التي سيجد المبررات والذرائع للدفاع عنه.

الهيئة نت: كنت أحد قادة المعارضة في الثمانينيات ومطلع التسعينيات.. أين أنت الآن؟

شعبان:  تلك مرحلة انتهت، فقد كنت حينها أعمل في صفوف الحزب الشيوعي واختلفت، ومعي مجموعة غير قليلة من المثقفين والقياديين مع المجموعة الرسمية المهيمنة عليه، ولاسيما بشأن موقفها " المائع" من الحرب العراقية - الإيرانية، ومن المشروع الحربي والسياسي الإيراني، وأعلنت ذلك صراحة وشكّلنا كتلة متميّزة، باسم " المنبر" وأصدرنا صحيفة بالاسم ذاته، وكان لي شرف الاشراف عليها وتحريرها.
وعندما اتجهت المعارضة الرسمية إلى تأييد الحصار الدولي الجائر ونظام العقوبات والتعويل على المشروع الدولي، اتّخذت رأياً معاكساً، واستقلت من موقعي كأمين سر المعارضة في المؤتمر الوطني العراقي الذي تأسس في فيينا – صلاح الدين (أواخر عام 1992) وكان ذلك في العام 1993 بعد عدد من المذكرات والاعتراضات التي كنت قد قدّمتها في حينها.
كانت المعارضة لنظام الاستبداد أمرٌ مشرف وشجاعة كبيرة، لاسيما إذا كانت معارضة وطنية، لكن الكثير من المعارضين في تلك المرحلة أضاعوا بوصلتهم، وقد يخطأ المرء، لكن عليه أن يعالج ذلك بالنقد وإعادة النظر.
كان أحد أركان النظام السابق وقد التقيت به عن طريق الصدفة يقول " أنتم أخطر علينا من الآخرين"، قلت له لماذا أليس موقفنا وطنياً ومشرّفاً من الحصار الدولي وكذلك من التعويل على القوى الخارجية، ولاسيما الولايات المتحدة، وكذلك موقفنا المعروف من الصهيونية ومن "إسرائيل"، قال لهذه الأسباب بالضبط أنتم أكثر خطراً علينا، لأنكم تنافسوننا، ونحن بإمكاننا تشخيص ارتباطات الآخرين، فمنهم من هو مع الأجهزة الإيرانية أو أن ولاءه هناك بحكم انتمائه العقائدي وربما المذهبي، وبعضهم كانوا منشقّين عنّا وهم قلّة في سوريا، أما عملاء الـ CIA والموساد، فأمرهم أسهل من غيرهم وهم مرفوضون شعبياً، اما أنتم فأجدر منّا ليس بالحديث عن معاناة العراقيين بسبب التدخلات الخارجية والحصار الدولي، بل في الحديث عن حالة حقوق الإنسان في العراق وقضايا الديمقراطية والحريات وحقوق الأكراد والتمييز الطائفي، الأمر الذي لا نجاريكم فيه، لهذا فأنتم حسب نظر " القيادة" أخطر علينا.

الهيئة نت: هل تعتقد أن المعارضة العراقية السابقة كانت معارضة صحية؟
شعبان:  أي معارضة، لاسيما إذا كانت مدنية وسلمية فهي حالة صحية، لكن النظام السابق لم يسمح بذلك، الأمر الذي اضطر أعداداً كبيرة من المعارضين اللجوء إلى الخارج، وفي البداية لدول الجوار وفيما بعد للمنافي البعيدة، وبالتدريج أخذت المعارضة تتآكل، لأنها تعمل في غير بيئتها وبسبب الضغوط التي تتعرض لها، ستضطر الكثير من قياداتها وتعويضاً عن العجز والفشل إلى المساومات وتقديم التنازلات، فضلاً عن الاختراقات.
وقد ازدادت أعداد المعارضين بسبب الحرب العراقية - الإيرانية، التي لم يكن لها مبرر على الإطلاق والتي دامت ثماني سنوات ( 1980- 1988 ) وارتفعت النسبة بصورة كبيرة بعد مغامرة غزو الكويت في العام 1990 وما بعدها خلال فترة حرب قوات التحالف ضد العراق عام 1991 وفيما بعد خلال الحصار الدولي (1991- 2003)
وخلال تلك الفترة استغلّت بعض القوى علاقاتها الخارجية وارتباطاتها مع جهات أجنبية لتتسلق على متن المعارضة، وتتربع في الصفوف الأمامية، ولاسيما في ظل الدعم الدولي والاختراقات الفكرية والسياسية والشخصية. من جهة أخرى اتجهت قاعدة الحكم إلى الضيق أكثر فأكثر وأُخضع حزب البعث ذاته لأجهزة المخابرات، وحددت سلطة صدام حسين تاريخاً معيناً (العام 1980) للقضاء على الحزب الشيوعي، وأصدرت في 31 آذار / مارس عام 1980، قراراً يقضي بإعدام أعضاء حزب الدعوة العميل ( كما ورد في القرار) بأثر رجعي إنْ لم يتم الإبلاغ عن انتمائهم السابق.
إذا كانت المعارضة حالة صحية، فإن البقاء طويلاً في الخارج يخضعها لمصالح القوى والدول المتنفّذة (الإسلامية لإيران في الغالب) والعروبية واليسارية (لسوريا واليمن وللبلدان الاشتراكية سابقاً لاسيما بالنسبة للشيوعيين) وعندما انهارت الكتلة الاشتراكية وانتقلت أعداداً من المعارضين من كل بلدان الجوار والبلدان الاشتراكية إلى أوروبا الغربية دخل عنصر جديد بإخضاع أجندتها لتلك البلدان، وهو ما شجّع عليه وهيأ له من كان على علاقة مسبقة بهذه الجهات، التي أخذ بعضها يتبارى في كسب ودها ورضاها والحصول على امتيازاتها. وهذا هو واقع الحال.
والمعارضة اليوم إذا طال بها البقاء ستتعرّض هي الأخرى إلى تداخلات وضغوط واختراقات من الخارج، من دول الجوار، إضافة إلى القوى الكبرى، وبعضها حاصل بالفعل، الأمر الذي لا يشجّع على قدرتها على اتخاذ قرارات مستقلة أو مؤثرة، خصوصاً في المنافي.

الهيئة نت : كيف تنظر إلى استعانة ما تسمى قوى المعارضة بالجيوش الغازية الأمريكية وغيرها للوصول إلى الحكم؟
 شعبان:  كان ذلك كارثة حقيقية من الكوارث الكبرى التي حلّت بالعراق بعد كارثة الحرب العراقية - الإيرانية وكارثة الحصار الدولي الجائر ونظام العقوبات اللاإنساني، ولعل تلك الكارثة هي بحجم كارثة فلسطين أو ما بعدها.
لا يمكن الزعم أن التعاون مع قوى أجنبية، لا تريد الخير للعراق ولأهله ولشعبه، بحجة التخلّص من نظام دكتاتوري، كما لا يمكن لنظام دكتاتوري بحجّة التصدي للمخططات الخارجية قتل شعبه. الوطنية لوحدها تقود إلى الدكتاتورية إذا ما تفرّدت بالسلطة، وكل دكتاتورية هيّ عدوّة للشعب ولطموحاته وحرياته وحقوقه، وبهذا المعنى فالوطنية دون الديمقراطية ستقود إلى الاستبداد والتسلّط والاستئثار إن عاجلاً أو آجلاً، والديمقراطية لا يمكن قيامها اعتماداً على الدبابات الخارجية والاحتلال العسكري، وأية ديمقراطية دون الوطنية، ستؤدي إلى الإستتباع وقبول وصاية الأجنبي والرضوخ لمشيئته ومقدراته وقبول نهب ثروات البلاد.
إن من حق كل مجموعة سياسية الوصول إلى الحكم، وستكون شرعيتها واجبة الاحترام إذا كان ذلك عن طريق صندوق الاقتراع، في إطار ما سمّي بالشرعية الدستورية، لاسيما بعد أن تآكلت وأثبتت عجزها ما سمّي بالشرعية الثورية التي انتهى حظها، واستنفذ زمنها. لكن الوصول إلى السلطة طبقاً لمخططات أجنبية، سيكون الفصل الأكثر مأسوية من الصراع بين الحاكم والمحكوم، كما أن تشبّث الحاكم بمواقعه وتصفية أية معارضة سيدفع الأخير للتفتيش عن حلول قد لا تكون مقبولة أو حتى أن بعضها لا يرتضيها، لكنه سيجد لها مبررات مؤقتة لعجزه من جهة ولقمع الحاكم من جهة أخرى، وهي معادلة صعبة وقاسية، لكن بوصلة الوطنية لا ينبغي أن تضيع والرؤية لا يمكن أن تتبدد أو تتضبب في ظل احتدام الصراع.

الهيئة نت : كيف تنظر للعراق بعد عام 2003؟
 شعبان:  إنه بلد محتل على نحو لا يتفق مع ما يسمى بالشرعية الدولية، فضلاً عن قواعد القانون الدولي، والولايات المتحدة التي لم تحصل على تفويض من الأمم المتحدة لشن الحرب على العراق، سعت بعد احتلاله لشرعنة الاحتلال بإصدار القرار 1483 في 22 أيار / مايو  2003 من مجلس الأمن الدولي الذي اعتبر العراق بلداً محتلاً، والقوات الأمريكية والبريطانية هما بلدان محتلاّن له، وينطبق على تعاملهما مع العراق والعراقيين اتفاقيات جنيف لعام 1949 وملحقيها عام 1977.
ما قام به الاحتلال من حلّ الدولة والعديد من أجهزتها لاسيما القوات المسلحة وقوى الأمن الداخلي وحرس الحدود وشرطة النجدة وغيرها، هو عمل غير شرعي وباطل قانونياً، وهو الذي عرّض البلاد للانفلات والفوضى والإرهاب. كما أن تشكيل مجلس الحكم بالطريقة التي حددها بول بريمر أدى إلى تكريس المحاصصة الطائفية، المذهبية والإثنية فقد أعطى لشيعة الحكم 13 مقعداً ولسنّته 5 مقاعد وللكرد 5 مقاعد ومقعد واحد للتركمان وآخر للكلدوآشوريين، وهو الأمر الذي دفع البلاد في دوامة من العنف والتشظي والاحتراب، لا نزال ندفع ثمنها باهظاً على الرغم من مرور تسع سنوات.
الهيئة نت : هل حققت أمريكا الديمقراطية في العراق ؟
 شعبان: أظن أنها أقلعت عن ذلك منذ زمن، فالديمقراطية لا تعني إجراء انتخابات، إنها تعني حكم القانون واستقلال القضاء وفصل السلطات وإقرار التعددية والتنوّع واحترام حقوق الإنسان ومبادئ المواطنة والمساواة، وكل تلك مفردات غائبة، ولعل الدستور الدائم الذي هو امتداد للدستور المؤقت (قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية) الذي كان سبباً في الكثير من المشكلات، لأنه احتوى على طائفة من الألغام التي لا يعرف المرء متى تنفجر.
ومع أن باب الحقوق والحريات احتوى على نصوص وقواعد أفضل من جميع الدساتير السابقة بما فيها الكثير من الدساتير العربية، لكنه ظلّ معلقاً والدستور مجمّداّ، خصوصاً وأن هناك نحو 50 مادة تنتظر إلى أن تصبح نافذة المفعول بإصدار قانون.
وبعد انكشاف زيف وفريّة وجود أسلحة دمار شامل وبطلان علاقة العراق بالإرهاب الدولي، وهو ما رددته المزاعم الأمريكية كمبررات لاحتلال العراق، انكشف أيضاً زعم واشنطن بخصوص الديمقراطية المحمولة جوّاً، وعلى أنغام سمفونيات القصف، وفيما بعد الارهاب والتفجير والمفخخات وغيرها، وزاد الأمر افتضاحاً ما تم كشفه لما عُرف بفضيحة سجن أبو غريب اللاأخلاقية، وكذلك بعض السجون السرية الطائرة والسجون السرّية العائمة.
كل ما تمنته أمريكا لاحقاً، هو الاستقرار والانسحاب الآمن السريع بعد الخسائر المادية والمعنوية بفعل التحدي الشعبي الكبير الذي واجهته، والمقاومة السلمية والمدنية، فضلاً عن المسلحة، تلك التي أوصلت قتلاها إلى أكثر من 4800 قتيل ونحو 26 ألف جريح وزادت خسائرها عن تريليون دولار حتى نهاية العام 2008 وقد يصل إلى ضعفين هذا الرقم بإتمام عملية الانسحاب، ولعل ضغط الرأي العام الأمريكي والدولي كان أحد العوامل المهمة في التعجيل بالانسحاب، فضلاً عن الأزمة المالية والاقتصادية العالمية التي ضربتها بالصميم وأدت إلى انهيار مصارف كبرى وشركات تأمين عملاقة.

الهيئة نت : هل الصراع في العراق هو صراع حزبي أم طائفي أم عرقي أم فكري أم سياسي أم ماذا ؟
 شعبان: الصراع هو كل ذلك، لكن الأغلب الأعم اتّخذ بُعداً طائفياً، بين أمراء الطوائف من شيعة الحكم المهيمنين إلى سنتّه المتمردين أو الممانعين، وهو صراع اثني في الوقت نفسه، خصوصاً بشأن المناطق المتنازع عليها، ونعني بها كركوك والمادة 140 والمناطق الأخرى بين العرب والتركمان من جهة والكرد من جهة ثانية، وهو صراع حزبي حيث التنافس بين المجموعات والكتل الحزبية، كما أنه صراع سياسي وفكري بين قوى أيّدت الاحتلال وقوى عارضته، ولعلّ حالة التشظي تلك والتنافر دفعت بالهويات الفرعية إلى الصعود إلى الواجهة على حساب الهوية الوطنية الجامعة.

الهيئة نت : هل تتوقع نشوب حرب أهلية في العراق؟
 شعبان: كان العراق على مشارفها، بل في مدخلها عامي ( 2006 و 2007 )، ولاسيما بعد تفجير مرقدي الامامين علي الهادي والحسن العسكري في سامراء، وردود الأفعال العشوائية والشحن الطائفي والقتل على الهوية ودخول جماعات إرهابية مثل تنظيمات القاعدة وغيرها على الخط، الأمر الذي أدّى إلى تهجير ونزوح مئات الآلاف من بيوتهم ومناطق سكنهم وكذلك لجوء مئات الآلاف إلى الخارج في أوسع موجة عرفها العراق.
ومع أن نار الحرب الأهلية خفتت، لكنها يمكن أن تشتعل، لأن مسبباتها وعوامل اندلاعها لا تزال مستمرة، بل تختبئ أحياناً تحت الرماد، ويمكن تحريكها مع الأزمات السياسية، ولاسيما في ظل التوترات التي شهدتها البلاد.
إن واحداً من عوامل تطويق الحرب الأهلية وإبعاد شرورها، يكمن في تحريم الطائفية والمعاقبة عليها، وقد سبق لي أن اقترحت ذلك في مشروع قانون لتحريم الطائفية وتعزيز المواطنة، يعاقب بأشد العقوبات كل من يدعو أو يروّج أو يمارس أو يتستر عليها، لاسيما وأن الجميع يقولون أنهم ضد الطائفية، ويريدون أن يغسلوا أيديهم منها، ولكن المهم أن يتم غسل العقول. وكنت قد دعوت إلى ذلك في كتابي " جدل الهويات في العراق"، ويحتاج الأمر إلى نشر ثقافة المواطنة والمساواة ونبذ الطائفية وتشجيع المبادرات العابرة للطوائف والإثنيات، لتكوين بيئة حاضنة ضد الطائفية والحرب الأهلية، سداها ولحمتها التوجه الوطني والتوافق الاجتماعي.
الهيئة نت : هل الغاية تبرر الوسيلة في سياسة العراق اليوم؟
 شعبان: تلك سياسة ميكافيلية التي تقول " الغاية تبرر الوسيلة" وللأسف فإن هذه السياسة كانت ولا تزال متّبعة في العراق، فضحايا التعذيب يمارسونه والمجتثون يجتثون والمطاردون يطاردون والمنفيون ينفون، لا أحد يتعلم من تجارب غيره، وكلّ من يصبح في السلطة يصاب بالصمم، حتى إذا أزيح عنها، يبدأ بإبداء الندم وأحياناً تأخذه العزّة بالإثم فيتحدث عن عهده المنير.
الهيئة نت : ماذا تعني لك المصطلحات الآتية من خلال قراءتك للمشهد العراقي؟ ( الوطنية ـ الطائفية ـ الفيدرالية ـ الدستور ـ المنطقة الخضراء ـ المادة 4 ارهاب)
شعبان: أ- الوطنية- صفة أصيلة بالإنسان السوي
        ب- الطائفية- لوثة تخلّف وبدائية
      ج- الفيدرالية-نظام حكم متطوّر يحتاج إلى من يتفهمه ويطبّقه بصورة صحيحة، وهو يختلف عن المفهوم الدارج الذي ينصرف إلى التقسيم.
       د- الدستور في العراق- خزّان ألغام يمكن أن ينفجر في كل لحظة.
      هـ- المنطقة الخضراء- رائحتها كريهة.
      و- المادة (4) ارهاب- تهمة جاهزة أحياناً وتنام وتستيقظ.

الهيئة نت :  كيف تقيّم أحزاب المعارضة خلال مرحلة ما قبل عام 2003 وما بعده؟

شعبان:
أ ـ حزب الدعوة: تأسس ردًّا على المدّ الشيوعي بعد الثورة العام 1958، وكبر اسمه بعد ملاحقة السلطة البعثية وتحديداً بعد الثورة الإيرانية عام 1979، مال الى التعاون مع الأمريكان في نهاية التسعينيات وكان مكانه محفوظاً بعد الاحتلال، وظل يحتفظ بعلاقته الإيرانية الإيجابية.

ب ـ المجلس الإسلامي الأعلى: قبل الاحتلال كان ائتلافاً ثم أصبح اتجاهاً بقيادة السيد محمد باقر الحكيم، وحظي بدعم إيراني واسع، تحوّل بعد الاحتلال، لاسيما بعد القرب من مؤسسة الحكم والامتيازات التي لديه إلى قوة كبرى بوجود فيلق بدر أو بدونه لاحقاً، يحاول السيد عمار الحكيم أن يعطي للمجلس وجهاً آخر أكثر انفتاحاً ومرونة .
ج-  الحزب الشيوعي العراقي: أعرق وأكثر الأحزاب تضحية، وتعرّض إلى تنكيل مستمر، لكن مواقف قيادته أضعفت وطنيته، وإذا كان صدام حسين قد شنّ حملة لتصفية الحزب، فإن الوجه الآخر لهذه الحملة قاده قياديون تصفويون، فأجهزوا على القسم المتبقي من الحزب، وأصعب ما عليّ عندما كنت أرى قيادياً شيوعياً يمجّد الاحتلال ويتشبث بأذيال بريمر وجماعة مجلس الحكم.
د- الاتحاد الوطني الكردستاني: حزب تأسس في دمشق وضم نخبة من المثقفين الكرد، لكن همّه وشغله الشاغل ظلّ ألاّ  يتغلّب عليه الحزب الديمقراطي الكردستاني، تعاون مع إيران ضد حليفه في منافسته المحمومة.
هـ- الحزب الديمقراطي الكردستاني: يريد تثبيت زعامته للشعب الكردي بكل الوسائل، تعاون مع صدام حسين لطرد حليفه الطالباني والاتحاد الوطني الكردستاني من أربيل في العام 1996.
و- الحزب الإسلامي العراقي: تحوّل من مناوئة الاحتلال وضد غزو العراق، إلى مؤيد له بتبرير سياسة الأمر الواقع.

الهيئة نت :  كيف تنظر إلى المستقبل القريب والمتوسط؟
 شعبان: المراوحة وعدم التقدّم إلاّ بحدود يسيرة، والانتخابات القادمة بوجود مثل القانون الحالي للانتخابات، وتجميد الدستور فعلياً، ستؤدي إلى نتائج مشابهة، أي الاستمرار في الدوّامة.

الهيئة نت : كيف تقيمون أداء هيئة علماء المسلمين في العراق؟
 شعبان: إذا كانت الهيئة سياسية فالتقييم سيكون سياسياً، لمواقفها ضد العملية السياسية وبالأساس ضد الاحتلال، أما إذا كانت الهيئة " لعلماء المسلمين" دينية، فالأمر شأن ديني، لاسيما إذا اقتصر على علماء السنّة.
وبالمناسبة إذا أريد للعراق التحرر من وطأة الاصطفافات المذهبية والطائفية، فلا بدّ من النص في قانون تشكيل الأحزاب، على إبعاد الدين عن السياسة، أي عدم تسييس الدين أو تديين السياسة، لأن ذلك سيلحق ضرراً بالاثنين، ولن يكون في ظروف العراق الحالية إلاّ طائفياً، ذلك أن نبذ الطائفية وتبيان شرورها ومساوئها، لا يتم إلاّ بتحريمها، وما هو ضد الطائفية لا ينبغي أن يكون من موقع طائفي.
وهنا لا بدّ من التمييز بين الطائفة والطائفية،  فالأولى تكوين طبيعي وتاريخي وله عادات وطقوس، في حين أن الثانية تريد التسيّد وتزعم بأفضلياتها على حساب الآخر، وهو ما يؤدي إلى نشر الطائفية وإدامة عوامل الصراع.
ولعل في مجتمعنا العراقي وفي ظروف التخلف هناك حسب العالم الاجتماعي الكبير علي الوردي "طائفيون بلا دين"، والمسلم الصحيح لا يمكن أن يكون طائفياً، لأنه يحب لنفسه ما يحب لغيره، ويحترم الكرامة الانسانية والتنوّع والاختلاف.
الهيئة نت : شكراً، لكم ودمتم بخير.
 شعبان: شكراً لكم.


يشار إلى أن الباحث والاكاديمي الدكتور ( عبد الحسين شعبان ) المولود في النجف عام 1945 هو أستاذ القانون الدولي ويدرس حالياً مادة اللاعنف وحقوق الإنسان في جامعة (أونور) بالعاصمة اللبنانية بيروت، وكان قد تخرج من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة بغداد، ودرس العلاقات الدولية والقانون في براغ، وحصل على درجتي الماجستير من جامعة (17 نوفمبر ) وجامعة (جارلس)، كما حصل على شهادة الدكتوراه في فلسفة القانون من أكاديمية العلوم التشيكوسلوفاكية، وله اكثر من ( 50 ) كتاباً في قضايا الفكر والقانون والسياسة والأدب والثقافة والنقد، وهو الان استشاري في عدد من المؤسسات الثقافية والأكاديمية والحقوقية والإعلامية .




215
يوسف سلمان يوسف ... فهد
جدل في إشكالية تعريق النسخة السوفيتية من الماركسية  ؟
الحلقة الأخيرة
حوار أجراه يوسف محسن مع الدكتور عبد الحسين شعبان - بغداد

عبدالحسين شعبان الماركسية اللينينية الستالينية تأويل قومي روسي في نسخة غير قابلة للجدل والقراءة والحوار
إن موضوع المراجعات والتي نعمل عليها تقوم على أساس الالتزام العقلي والأخلاقي لجهود الأشخاص والمؤسسين والرعيل الأول في نقل الأفكار العالمية ودمج العراق في الحداثة، وفي هذا الجزء نناقش الماركسية العراقية وأعمال يوسف سلمان يوسف التي لم تقدّم أي شكل من أشكال المعرفة السياسية، وإنما قدّم في اغلب أعماله الفكرية معرفة بالسياسة الفاعلة البراكسيس وبقيت الماركسية العراقية التي يظهر فيها العراق كمنطقة رمادية غامضة، تابعا إلى إنتاج المعرفة من المركز السوفيتي، والتي تعدّ الماركسية اللينينية الستالينية والتي وصلت إلى العراق، وهي تأويل قومي روسي للماركسية الكونية، نسخة غير قابلة للجدل والقراءة والحوار، نسخة مقدسة تحوّلت وظيفتها من أداة للمعرفة إلى وظيفة آيديولوجية تتمثل في إضفاء الشرعية على المصالح الإستراتيجية للإمبراطورية السوفيتية ومدرسة كادحي الشرق وجهاز الكومنترون إلى توابع لهذه الإمبراطورية.
هل استطاع يوسف سلمان يوسف فهد تعريب، تعريق النسخة السوفيتية من الماركسية؟ هل استطاع يوسف سلمان يوسف تقديم قراءة متحرّرة للماركسية؟ هل لديه صور واضحة أم فهم مشوّش وغامض عن الأفكار الاشتراكية؟ إن أية قراءة تأملية دقيقة لأعمال يوسف سلمان يوسف السياسية يكتشف أنها أعمال بسيطة في أطروحاتها الفكرية والاقتصادية والسياسية؟ مع العلم أن الحقل الفكري العالمي والعراقي كان يعجّ بالحركات السياسية والتيارات الفكرية؟ فضلا عن ذلك أن تلك الأعمال تفتقد إلى التأهيل الفكري والفلسفي، وكذلك أنها غير مفارقة للثقافة العراقية التقليدية في تلك الفترة التاريخية؟ من سماتها، يطغي عليها الأسلوب التعليمي المدرسي وفي بعضها عنف تطهير وأتصور أنه يعود إلى النزعة الستالينية؟ في هذا الجزء من المشروع نحاور المفكر العراقي عبد الحسين شعبان وهو أكاديمي ومفكر من الجيل الثاني للمجددين العراقيين، يساري النشأة والتوّجه،، لم يتقيّد بتعاليم المدرسة الماركسية التقليدية، ومنذ الثمانينات كانت له مساهمات متميزة في إطار التجديد والتغيير والنقد للتيار الاشتراكي واليساري العربي، تعكس مؤلفاته وكتبه ومساهماته المتنوعة انشغالات خاصة بقضايا الحداثة والديمقراطية والإصلاح والمجتمع المدني، واهتمامات فكرية لتطوير الفهم المتجدد لقضايا حقوق الإنسان ونشر ثقافته وخصوصاً من خلال وسائل الإعلام. ولد في مدينة النجف الأشرف العراق في 21 آذار 1945. ودرس وتعلّم في مسقط رأسه ثم استكمل دراسته الجامعية في بغداد وتخرج من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية في جامعة بغداد، وواصل دراسته العليا في براغ، حين نال درجتي الماجستير والدكتوراه مرشح علوم في القانون دكتوراه فلسفة في العلوم القانونية من أكاديمية العلوم التشيكوسلوفاكية. باحث في القضايا الإستراتيجية العربية والدولية ومختص في القانون الدولي وخبير في ميدان حقوق الإنسان واستشاري في عدد من المنظمات والدوريات الثقافية والإعلامية، وعضو في عدد من المنظمات العربية والدولية، مؤسس الشبكة العراقية لثقافة حقوق الإنسان والتنمية كردستان لندن بغداد وأول رئيس لها في مؤتمرها التأسيسي بغداد نقابة المحامين 5»11»2004 . الأمين العام المساعد للرابطة العربية الديمقراطية صنعاء صدر له النزاع العراقي الإيراني، 1981. و المحاكمة المشهد المحذوف من دراما الخليج 1992 . وعاصفة على بلاد الشمس، 1994 . و بانوراما حرب الخليج 1995 . والإختفاء القسري في القانون الدولي 1998. والسيادة ومبدأ التدخل الإنساني 2000. و من هو العراقي؟ إشكالية الجنسية واللاجنسية في القانونين العراقي والدولي، 2002 . والإنسان هو الأصل مدخل إلى القانون الدولي الإنساني، مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، القاهرة 2002 والمجتمع المدني الإصلاح والنبرة الخافتة 2004.
إشكاليات الدستور العراقي المؤقت الحقوق الفردية والهياكل السياسية، 2004. والعراق الدستور والدولة، من الإحتلال إلى الإحتلال، القاهرة، 2004. وجذور التيار الديمقراطي في العراق2007. والمعاهدة العراقية الأمريكية من الاحتلال العسكري إلى الاحتلال التعاقدي، وفقه التسامح في الفكر العربي الاسلامي، ط1، بيروت 2005 وط2 إربيل 2012، وأبو كاطع على ضفاف السخرية الحزينة، دار الكتاب العربي، لندن، 1998. والجواهري جدل الشعر والحياة، بيروت، ط1، 1997 وط2 2008، وط3 بغداد 2010، وسعد صالح الضوء والظل، الوسطية والفرصة الضائعة، الدار العربية للعلوم، بيروت، 2009.جدل الهويات في العراق المواطنة والدولة، الدار العربية للعلوم، بيروت2009. وتحطيم المرايا في الماركسية والاختلاف، 2009، وكوبا الحلم الغامض، 2011، والشعب يريد… تأملات فكرية في الربيع العربي، 2012 والمجتمع المدني سيرة وسيرورة، 2012.
الماركسية اداة تحليل
الماركسية نتاج لحظة تنويرية أوربية وبني اجتماعية وصناعية وانساق ثقافية وفكرية وحواضن طبقية؟ أتساءل كيف جرت عملية نقلها إلى المجتمعات اللاغربية وبالذات العراق؟
الماركسية أولاً وقبل كل شيء منهج وأداة للتحليل، وتعاليمها ليست سرمدية أو ثابتة أو غير قابلة للتغيير، لاسيما للتجديد والتطوير، بل هي تتطور مع تطور الواقع والعلم واكتشافاته وكان انجلز نفسه قد أشار إلى أن علينا أن نغيّر إستراتيجيتنا بعد كل اكتشاف مهم في العلوم العسكرية، فما بالك بالمجتمع وما يزخر به من تراكم وتغير مستمرين. وبهذا المعنى فالماركسية جدلية ولا توجز في شخص أو كتاب أو نظام أو مجتمع أو حضارة أو فكر مُصاغ مضى عليه نحو قرن ونصف، والاّ ستكون قد تحنّطت أو تجمّدت، لاسيما بإهمال التطور التاريخي. إنها خلاف ذلك حيوية ومتخالقة بحكم منهجها وتفاعلها مع محيطها فلا توجد وصفة جاهزة تصلح لكل زمان ولكل مكان. ويُعتبر ماركس بداية الماركسية وليست نهايتها، والماركسية مفتوحة وقابلة للتطور، لاسيما بالنقد وبالمنهج الجدلي الذي جاءت به. وقد كانت ماركسية ماركس نفسه، أي جدليته، قد عممت معارف القرن التاسع عشر وسعت لاستنباط حلول ومعالجات للتنمية والتطور تنسجم معها، ولهذا يمكن اعتبار ماركسية ماركس هي علم الرأسمالية بامتياز، لأنه اكتشف قانون التطور التاريخي، ولاسيما عبر فائض القيمة، في حين أن الكثير من تعاليم ماركس عفا عليها الزمن.
نسخة مدرسية
ألم ترى أن النسخة العربية من الماركسية التي وصلت إلى هذا العالم قد تحوّلت إلى نسخة مقدسة مدرسية؟ ماركسية بدون فلسفة الأنوار؟
لو جاء ماركس الآن لغيّر الكثير منها، بل وعارضها، وقد تستغرب إذا ما حاربه الكثير من غلاة الماركسيين أو المتمركسين الذين تمسكوا بتعاليمه وبعض مقولاته الشائعة وتركوا منهجه وجدليته، فتحوّلت عندهم الماركسية إلى كيانية مسطّحة بلغة شحيحة ونبض متقطّع ودون حرارة أحياناً، لدرجة بدت متحشرجة أو حتى مستنكفة من الجدلية الماركسية ذاتها، التي أخذتها عن طريق التكاتب والانبهار، دون قراءة ينابيعها والتعرّف على جوهرها الحقيقي والسعي لتكييفها لدراسة الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والتاريخية والقانونية الخاصة بكل مجتمع ووفقاً للمنهج. وبواسطة المنهج يمكن اكتشاف قوانين جديدة للتطور ووضع برامج وستراتيجيات ورسم تاكتيكات واستبدالها وتغييرها باستمرار وصولاً، لتحقيق الخطط والأهداف التي تم وضعها دون الوقوف عندها، لأن هذه متطورة ومتواصلة أيضاً. ولم يكن ماركس كلّي الجبروت والقدرة، فهو إنسان مثل غيره من البشر، وله عمر بيولوجي محدد، ولكنه يختلف عنهم بمحاولته المعرفية وثقافته الموسوعية ورؤيته العبقرية وعقله التنويري الاستشرافي، وإبداعه في اكتشاف قوانين التطور الاجتماعي التاريخية من خلال منهجه الجدلي، حيث وضع علوم عصره في خدمة قضية التقدم، لاسيما في موضوع النضال ضد استغلال الإنسان للإنسان.

منهح تحليلي
الماركسية إذن في الأصل منهج تحليلي فلسفي؟
الماركسية شاملة بمعنى أنها ليست فلسفة خالصة أو رؤية للتاريخ أو مشروعاً سياسياً واقتصادياً أو حركة اجتماعية ثورية للتحرير والتغيير حسب، بل هي كل ذلك التنوّع في حقوله المختلفة في إطار هارموني شامل، وبذلك اختلفت وتمايزت عن سواها من المدارس الفكرية التي سبقتها وعايشتها من الكانتية مروراً بالديكارتية وصولاً إلى الهيغلية. أعود وأقول الماركسية فكرة كونية غير محصورة بطبقة اجتماعية أو شعب أو مجتمع أو أمة أو لغة أو قارة أو دولة، إنها مثل كل الأفكار الإنسانية عامة وشاملة، ولاسيما من خلال مشتركات إنسانية فمحاربة الاستغلال ليست لحظة غربية أو أوروبية، والمساواة والعدالة وأنسنة الإنسان ليست اختراعا ماركسياً، وإنما هي قيم للحرية والجمال والحق، ضخّت فيها الماركسية رؤيتها، عبر قراءة لتطور المجتمعات البشرية. وإذا كان العمر البيولوجي لماركس لم يسمح له بدراسة علم النفس والتحليل النفسي والدين والميثولوجيا والانتربولوجيا والسرديات وعلم الجمال والنقد الأدبي، وأن تعاليمه بشأن الدولة وذبولها أي اضمحلالها كانت طوباوية، وبخصوص رجعية الشعب التشيكي ورؤيته لشعوب الشرق، لاسيما مصر والهند والجزائر، لم تكن صحيحة، فقد كان على الماركسيين عدم الاكتفاء بتعاليمه التي تصلح لعصره وليس للعصور التي تلته، وضع تعاليمهم في ضوء المنهج، لكنهم للأسف الشديد، تركوا المنهج واكتفوا بمقولات واطروحات، أصبحت مثل البسملة لدى المؤمنين. هكذا تم تحويل الماركسية إلى لاهوت وكان الكثير من الماركسيين ولا زال بعضهم، بمن فيهم الذي تلبرلوا من الليبرالية لاسيما الجديدة على الطريقة اليانكية الجديدة، قد حوّلوا الماركسية إلى تعاويذ وأدعية يرددونها حتى دون فهم في الكثير من المرّات وفي غير سياقاتها، بعد أن أغلقوا عقولهم واستعاضوا عن نعمة التفكير بنقمة التخدير، بالاستنساخ والتقليد وليس بالإبداع والتجديد، مثلما يفعل بعض أصحابنا المؤمنين الذين يرددون الكثير من الآيات القرآنية أو الأحاديث النبوية الشريفة أو تعاليم السيد المسيح، دون سياق تاريخي، مكتفين بالنقل وتاركين نعمة العقل الربانية، التي وهبها الله لعباده، كما يُقال.

أيقونة إيديولوجية
ألا ترى أن عدم إخضاع الماركسية إلى النقد والتفحص الدائم جعلها أيقونة آيديولوجية؟
الذين يتهيّبون من نقد الماركسية ويقصدون بذلك تعاليم ماركس، لم يهضموا حتى تلك التعاليم، ناهيكم عن منهجه، فالماركسية ليست أيقونة أو تحفة أو كتاباً مقدساً، لا يأتيها الباطل من خلفها أو من أمامها، كما أن ماركس لم يكن فيها نهاية مطاف، بل بداية له، وقد مثّل حلقة أساسية من الحلقات الذهبية في الماركسية، التي ينبغي أن تكون حلقاتها مستمرة ومتواصلة ومتغيّرة وبلا نهايات.
وسيكون من الإجحاف، بل والغباء اختصار الماركسية بماركس وحصرها عليه، فذلك سيكون معارضاً لمنهج ماركس ذاته ولماركس نفسه. وليس من الصحيح وضع مسطرة ماركس وتجاربه الشخصية، وكأنها حقائق يتم التعامل معها باعتبارها قائمة وصالحة، وأية إضافة أو حذف أو نقد أو معارضة لها، وكأنه كفر أو انحراف أو تشويه أو خيانة، فقد كانت تجربة ماركس واجتهاداته الحياتية صالحة له ولعصره، ولا يقاس بها صحة أو خطأ تجارب غيره. وحتى ماركس يمكن نقده ماركسياً بمعنى استخدام منهجه واخضاعه للفحص في ضوء جدليته، ولذلك قلنا أن قراءته لشعوب الشرق كانت استشراقية وإن دمغه للشعب التشكيلي بالرجعية على إطلاق هذه الكلمة كان خطأ وأن رؤيته لفكرة الدولة فيها طوباوية ومثالية وغير ذلك. لقد أعلت الماركسية من شأن الجماعية، عدها تمثل الموضوعية الخالصة للتطور وفقاً لما سمي بالحتمية التاريخية ، مبررة تقليص الذات البشرية بكبواتها وتوهماتها وصبواتها على حساب المجموع.

مثقف جماعي
يعد البعض أن يوسف سلمان يوسف فهد مثقف جماعي أي يمثل جماعة سياسية، هل من علاقة بين الثقافة الفردية وثقافة الجماعة السياسية؟
ولعل هذا ما تقصده أنت في سؤالك بخصوص فهد يوسف سلمان يوسف أمين عام الحزب الشيوعي الذي أعدم في 14 شباط فبراير 1949 مع رفاقه حسين محمد الشبيبي ومحمد زكي بسيم، بوصفه مثقفاً جماعياً يمثل جماعة سياسية.
وقد يكون قصدك من المثقف الجماعي أن الماركسية السائدة استصغرت من دور الفرد والفردانية لدرجة الذوبان والانصهار، وبتقديري أن ذلك أحد الأخطاء الفادحة في التعاطي مع الفرد، الإنسان، وهو الأمر الذي كان على الماركسية أن توليه اهتماماً كبيراً، فقد كان دور الفرد في التاريخ مؤثراً وكبيراً، مثلما كان دور فهد في تاريخ الحركة الشيوعية في العراق، ولا يمكن الحديث عنها وعن تطورها دون التوقف طويلاً عند فهد ومكانته وكارزميته كقائد كبير، كما لا يمكن الحديث عن الماركسية دون دور ماركس التأسيسي.
لكن هذا شيء، وعبادة الأفراد أو تقديسهم شيء آخر، مثلما حصل إزاء ستالين وقادة الأحزاب الشيوعية الحاكمة وغير الحاكمة، وانتقل مثل هذا الأمر إلى أحزاب وسلطات ما أطلقنا عليه حركات التحرر الوطني، دولاً أو منظمات، تلك التي طبقت الموديل الستاليني، بل أن بعضها زاد عليه تخلفاً ورثاثة.
ولكن مهما كانت مساهمة الأفراد جليلة في قيادة الناس لصنع تاريخها، فإن علينا أخذ الأفراد بمزاياهم الشخصية وقدراتهم الفكرية المحمودة، مثلما علينا أخذهم بأخطائهم ونواقصهم وبعض مواقفهم السلبية، ونقدهم من خلالها، والأمر قابل للمراجعة وإعادة النظر في الكثير من القضايا والمواقف، ابتداءً من الكاتب وانتهاء بالقادة والزعماء بمن فيهم ما أسميناهم الزعماء التاريخيون .وأظن إن أحسن من وصف هذه الحالة بجمع المجد مع الأخطاء هو الشاعر الجواهري الكبير حين كتب عن الزعيم جمال عبد الناصر قائلاً
أكبَرتُ يومك أن يكون رثاء         الخالدون عهدتهم أحياء
لا يعصم المجد الرجال، وإنما      كان العظيم المجد والأخطاء
تحصى عليه العاثرات، وحسبه      ما كان من وثباته الإحصاء




216

يوسف سلمان يوسف ... فهد
جدل في إشكالية تعريق النسخة السوفيتية من الماركسية  ؟
( 3 – 3 )
حوار أجراه يوسف محسن مع الدكتور عبد الحسين شعبان - بغداد
بغداد- خاص/صحيفة الزمان 13/6/2012

جدل

بيّن د. عبد الحسين شعبان  : كانت صورة الإشتراكية وردية لدى فهد بما فيها التطبيقات البيروقراطية، التي حرص على تقديمها باعتبارها مثالية ونموذجية وموديلاً، دون أن يتم الحديث عن مصاعبها وتحدياتها وأخطائها، باستثناء الحديث عن الدور الخاص لتخريبها من طرف الإمبريالية العالمية. وكانت الاشتراكية أقرب إلى حزمة من المبادئ السياسية والجذابة التي تمنح الانسان الوعد بالسعادة والرفاه وإلغاء الإستغلال وتحرره من الظلم، وقد أشرتُ إلى طغيان الأسلوب المدرسي في عرضها، لاسيما عبر عمليات تأويل شعبوية أحياناً، خصوصاً لواقع عراقي معقد ويعجّ بالكثير من المتناقضات، الدينية والطائفية والقومية واللغوية والتشكيلات الاجتماعية الاقطاعية والعشائرية والتدخلات الخارجية والمعاهدات والاتفاقيات المجحفة والمذلة، وبالأخص مع بريطانيا، سياسياً واقتصادياً وعسكرياً وأمنياً وغير ذلك.
واضاف شعبان في مراجعتنا بشأن الفكر العراقي الحديث : أن ماركسية الكومنترن ومدرسة كادحي الشرق ظلّت برانية وهامشية، إذا أخذناها منظوراً إليها من زاويتها الفكرية بجوانبها الفلسفية والاجتماعية والاقتصادية، لكنها في الوقت نفسه كانت تعبيراً عمّا هو سائد، بل حتى متقدم على الأفكار السائدة آنذاك وخصوصاً في البلدان العربية، وسرعان ما تقبلها المثقفون حتى بطبعتها الستالينية، وخصوصاً نظراتها التجديدية باسم الواقعية الاشتراكية إزاء قضايا الأدب والفن، على الرغم من تشدد مدرسة جدانوف إزاء المثقفين والمبدعين وما مثلته آنذاك من رؤية متزمتة، لدرجة أنها تدخلت في تفاصيل الخير والجمال والحق ومكافحة الاستغلال والاستثمار.

   الاشتراكية صورة وردية
س / من خلال قراءتكم أعمال يوسف سلمان يوسف ما هو تصوره عن الاشتراكية ، الماركسية ، هل لدية صورة واضحة أو فهم مشوش وغامض تلك  الأفكار ؟

    / كانت صورة الإشتراكية وردية لدى فهد بما فيها التطبيقات البيروقراطية، التي حرص على تقديمها باعتبارها مثالية ونموذجية وموديلاً، دون أن يتم الحديث عن مصاعبها وتحدياتها وأخطائها، باستثناء الحديث عن الدور الخاص لتخريبها من طرف الإمبريالية العالمية. وكانت الاشتراكية أقرب إلى حزمة من المبادئ السياسية والجذّابة التي تمنح الانسان الوعد بالسعادة والرفاه وإلغاء الاستغلال وتحرره من الظلم، وقد أشرتُ إلى طغيان الأسلوب المدرسي في عرضها، لاسيما عبر عمليات تأويل شعبوية أحياناً، خصوصاً لواقع عراقي معقد ويعجّ بالكثير من المتناقضات، الدينية والطائفية والقومية واللغوية والتشكيلات الاجتماعية الاقطاعية والعشائرية والتدخلات الخارجية والمعاهدات والاتفاقيات المجحفة والمذلة، وبالأخص مع بريطانيا، سياسياً واقتصادياً وعسكرياً وأمنياً وغير ذلك.

   انتاج المعرفة
   س /  لماذا تم الاعتماد على المركز السوفياتي في انتاج المعرفة الفلسفية والسياسية وتحديد المواقف من الانعطافات التاريخية؟
على الرغم من أن فهد كان في السجن عشية اندلاع النقاش والجدل حول القضية الفلسطينية، وكان له في البداية رأي واضح بخصوص "عروبة" فلسطين وأحقّية سكانها الأصليين وموقفه النقدي من المهاجرين اليهود إليها، مشيراً إلى أن اليهود ليسوا أمّة، لكن هذا الموقف لم يظهر لاحقاً، لاسيما بعد تأييد الاتحاد السوفييتي لقرار التقسيم.
ويمكن القول أن اعتقال فهد ورفاقه في المكتب السياسي حسين الشبيبي وزكي بسيم يعدّ تاريخاً فاصلاً في موقف الحزب الشيوعي من القضية الفلسطينية، فإضافة إلى أن اعتقاله كان قد تزامن مع صعود النشاط الصهيوني والدولي بخصوص فلسطين، فإن غياب قيادته أدّى الى ابتعاد الحزب عن انخراطه في الدفاع عن القضية الفلسطينية لدرجة أن الشيوعيين ظلّوا لفترة ينفرون أو يتحسسون من مواجهة مثل هذه المواقف، وإن لم يفلحوا من الزوغان عنها، فقد كانوا يقتبسون موقف الاتحاد السوفييتي، وكأنهم دبلوماسيون يتحدثون ببرودة عن دول لا تهمهم أو تعنينهم، وحتى الآن لم تتم مراجعة تلك المواقف ونقدها وتصويبها، حيث لا يزال بعضهم مأخوذاً بما يقال " العزّة بالإثم" فالنقد رياضة فكرية وروحية، وهو مطهرٌ للأخطاء والنواقص، ولا يمكن لأي كان من العاملين في الحقل السياسي الاّ أن يخطأ، وكما يُقال "الاعتراف بالخطأ فضيلة" وليس عيباً، خصوصاً في ظروف اشتباك الصراع وتداخلاته، ناهيكم عن اشتداد القمع والارهاب وأحياناً في ظل تشوش الرؤية أو ضبابية الأجواء .
وأظن أن هيمنة بعض العناصر اليهودية، وبعيداً عن نظرية المؤامرة، وإنْ لا يمكن إغفالها، قد أثّر على تعاطي الحزب مع القضية الفلسطينية، وأدّى الى إعراض أوساط غير قليلة من الجماهير عن الحزب، وكذلك ابتعاد القوى الوطنية عنه، الأمر الذي استفادت منه بعض القوى القومية التي "تاجر" قسم منها بالقضية الفلسطينية واستمر لعقود من الزمان دون أن يقدّم لها شيئاً يُذكر.
وتستحق هذه القضية وقفة أخرى، فالحزب الذي نظّم تظاهرة ضد قرار التقسيم وطالب بسقوط الاستعمار الانكلو – أمريكي وربيبته الصهيونية وبتحرير فلسطين وإقامة دولة ديمقراطية مستقلة حرّة فيها، وهو ما ورد في جريدة القاعدة  في حينها عاد وتبنّى قرار التقسيم، على الرغم من معارضة فهد له، لاسيما بعد صدور كراس " ضوء على القضية الفلسطينية" الذي صدر بتوافق بين الحزب الشيوعي الفرنسي وبعض الشيوعيين الدارسين في باريس، وحمله يوسف اسماعيل البستاني إلى بغداد، باعتباره يمثل الموقف الأممي.
وكان الحزب الشيوعي الفرنسي حينها معروفاً باتجاهاته "الشوفينية" سواءً من قضية الجزائر، إضافة إلى موقفه من قرار التقسيم وقيام دولة إسرائيل في 15/أيار(مايو) 1948، وقد مارس هذا الحزب بالاتفاق مع السوفييت ضغوطاً لحمل الأحزاب الشيوعية العربية الرافضة لقرار التقسيم على تغيير مواقفها.
وكان قد وصل مبعوثاً عن الحزب الشيوعي الهندي إلى بغداد من جانب الكونفورم لحمل الحزب الشيوعي على تغيير موقفه من قرار التقسيم. وهو ما نقله شريف الشيخ أحد الكوادر والقيادات لاحقاً عن لقائه الدكتور راناجت كوها الذي سأله عن موقفه وموقف الحزب من قرار التقسيم مستعرضاً عليه مواقف الماركسية والأحزاب الشيوعية العربية وغير العربية.
وكان فهد قد تحفّظ على كراس " ضوء على القضية الفلسطينية" من داخل السجن وكتب " ليس كل ما فيه ينسجم مع نظرتنا إلى القضية الفلسطينية..."وأضاف في الكراس "... معلومات خاطئة واستنتاجات غير صحيحة" وفي رسالة أخرى كتب إلى مالك سيف المسؤول الأول للحزب معترضاً على استخدام مصطلح " القومية اليهودية"، واعتبره استخداماً غير صحيح، ولكنه برّر موقف الاتحاد السوفييتي قبول بضعة مئات من الألوف للهجرة إلى فلسطين واعتبارهم من سكانها، الاّ أنه لم يتمكن من اعتبارهم قومية، بل أخضع موقف السوفييت إلى ذريعة المؤامرات والمشاريع الاستعمارية، مركّزاً على إلغاء الانتداب البريطاني وجلاء الجيوش الأجنبية وتشكيل دولة ديمقراطية وطلب استطلاع مواقف الأحزاب الشيوعية في سوريا وفلسطين لتعيين الموقف، لكن جريدة الحزب آنذاك بدأت بنشر المقالات المؤيدة لقرار التقسيم وهو ما عكسته الوثائق التي كبستها شرطة التحقيقات الجنائية عند اعتقال مالك سيف و"يهودا صديق" الذي أعدم مع فهد وكذلك ساسون دلال الذي استلم القيادة بعدهما وأعدم هو الآخر لاحقاً.
وكان زكي خيري قد كتب لاحقاً كراساً من السجن انتقد فيه عزيز شريف الذي كان موقفه معارضاً للتقسيم. وكانت تلك فترة عصيبة ففهد في السجن وغير قادر على اتخاذ الموقف أو بلورة الرأي، لاسيما بعد موقف الاتحاد السوفييتي والحركة الشيوعية بشكل عام، التي أيّدت هذا التوجه الذي لقي "مناصرة" من داخل الحزب الشيوعي، لاسيما بعض قياداته، سواءً لأسباب عاطفية أو لجهل باتخاذ الموقف الماركسي السليم، ولعل بعضهم ظل يجادل حتى وقت قريب ولربما إلى الآن بزعم أن الموقف من قرار التقسيم كان صحيحاً، بدليل أن مواقف الأخرين لم تأتِ بالنتائج المرجوة لتحرير فلسطين.
وكنت في أواسط الثمانينيات قد ألقيت محاضرة في دمشق وبيروت حول القراءة الارتجاعية للموقف السوفيتي بشكل خاص والموقف الماركسي بشكل عام من قرار التقسيم، وكانت قد أثارت ردود فعل متباينة، لاسيما وأن الجمود العقائدي والولاء المطلق للمركز الأممي كانا مهيمنين على المشهد، ولعل بعض من رفاقنا لا زال أسيراً للماضي ولم يتحرر من عادة انتظار التعليمات حتى بعد غياب الاتحاد السوفييتي.

عروض مدرسية
س / ان الماركسية القادمة من سياسات (الكومنترن) و( مدرسة كادحي الشرق)  ظلت برانية وهامشية في الثقافة العراقية، بقيت عروض بيداغوجية مبسطة لمقولات في التاريخ والسياسة والاقتصاد فما هو رأيكم؟

    / بقدر ما يصحّ القول أن ماركسية الكومنترن ومدرسة كادحي الشرق ظلّت برّانية وهامشية، إذا أخذناها منظوراً إليها من زاويتها الفكرية بجوانبها الفلسفية والاجتماعية والاقتصادية، لكنها في الوقت نفسه كانت تعبيراً عمّا هو سائد، بل حتى متقدم على الأفكار السائدة آنذاك ولاسيما في البلدان العربية، وسرعان ما تقبلها المثقفون حتى بطبعتها الستالينية، وخصوصاً نظراتها التجديدية باسم الواقعية الاشتراكية إزاء قضايا الأدب والفن، على الرغم من تشدّد مدرسة جدانوف إزاء المثقفين والمبدعين وما مثلته آنذاك من رؤية متزمتة، لدرجة أنها تدخّلت في تفاصيل الخير والجمال والحق ومكافحة الاستغلال والاستثمار.
وبالمناسبة فقد كان الإسم الأول للحزب الشيوعي " لجنة مكافحة الاستعمار والاستثمار" حيث تأسس في 31 آذار (مارس) 1934باتحاد حلقات بغداد مع التنظيمات الجنوبية (البصرة والناصرية بشكل خاص) وبعض الامتدادات الموصلية وأصبح إسمه الحزب الشيوعي بعد نحو عام وانتخب الخياط عاصم فليح أمينا عاماً للحزب وأصدر جريدة باسم كفاح الشعب في العام 1935، وهو ما ناقشته عند تقريضي لكتاب شوكت خزندار " الحزب الشيوعي العراقي- رؤية من الداخل"، المنشور في مجلة المستقبل العربي.
وقد تعرّض الحزب خلال تاريخه إلى عدد من الانشقاقات والتكتلات، وكانت التهم جاهزة لمن يخالف المركز ولعل أبسطها " الانتهازية والتحريفية والسطو على الفكر الماركسي والخيانة وخدمة البرجوازية"، ومثل هذا الصراع الداخلي أفرز لغته الخاصة، وكان فهد قد تميّز بها، لاسيما عند كتابة كرّاسه " حزب شيوعي لا اشتراكية ديمقراطية" حيث انكبّ على تأليفه العام 1943 مستخدماً أسلوب لينين في الرد على الأسئلة، وإن كان الكرّاس في سياقه التاريخي يعكس الفكرة الستالينية إزاء مفهوم الحزب تلك التي دفع بها لينين في كراسه " ما العمل؟" ردّاً على الفكرة المارتوفية، الاّ أنه طرح فهماً من واقع التجربة الكونية إزاء موقف الأقلية الصائبة من الأغلبية الخاطئة، وهي أطروحة لينينية قاربها من موقف البولشفيك من المونشفيك، ثم وحدانية العمل الحزبي، أي شرعية وجود حزب شيوعي وانتهازية الآخر في حال وجود أكثر من تنظيم، مركّزاً على جذور الانتهازية.
وكانت إجابات فهد على الرفيق " مقدام" قد اعتمدت على لينين لاسيما أطروحاته حول الحركة العمالية العالمية وإحدى المسائل الأساسية في الثورة، وبأي شيء نبدأ؟ وكتابات ستالين "مسائل اللينينية" وفي سبيل تكوين حزب بولشفي، وبعض الكراسات الخاصة بالمدرسة الحزبية (كادحي الشرق) كما يذكر د. كاظم حبيب ود. زهدي الداووي في مؤلفيهما المشترك " فهد والحركة الوطنية في العراق" ويمكن إضافة خبرته وتجربته العملية في ذلك.

الديمقراطية هاجس برجوازي
س / عدى فهد ( الديمقراطية ) و ( القومية ) هاجس برجوازي ؟

   / لا يخرج فهد عن النمط السائد الداعي إلى المركزية الملتصقة صمغياً بها اسم الديمقراطية وخضوع الهيئات الدنيا للهيئات العليا والأقلية للأكثرية والتنفيذ اللاشرطي للقرارات " نفّذ ثم ناقش" وهي قواعد عمومية تصلح لحالات الطوارئ وليس لحالات حزب في ظروف اعتيادية، حتى وإن كانت ظروف العمل السري.
وكان فهد يطلب من رفاقه إطاعته من خلال ما ينقله عن ستالين الزعيم "المحبوب" و"المُطاع" و"المحنّك" و"المُحترم" وذلك حين يقول : وأصبح ما يقوله قائدهم الأكبر ستالين، وما يأمر به، واجباً مقدساً وأمراً مطاعاً ليس فقط من قبل أعضاء الحزب والطبقة البروليتارية السوفييتية والشعوب السوفييتية، بل من البروليتاريا العالمية والشعوب، كما جاء في كراسه "حزب شيوعي لا اشتراكية ديمقراطية".
لقد أراد فهد أن ينشأ حزباً شيوعياً بمواصفات الكومنترن بغض النظر عن الظروف والواقع، ولعل ذلك طلباً أممياً، على الرغم من محاولاته " تعريق" الطبعة الدولية والعربية، لكن إيمانه بقيادة ستالين وبالتطبيق الاشتراكي السوفييتي، جعلته يغضّ النظر عن سلبياتهما، بل ينفّذ تعليماتهما باعتبارها "واجباً مقدساً" مع سعيه لإيجاد بعض الأجوبة عن طبيعة المجتمع العراقي وتشكيلاته، لاسيما عدم وجود طبقة عاملة بالمعنى العلمي للكلمة وكذلك اختلاط المهمات الاجتماعية بالمهمات الوطنية في مقاومة الاستعمار، لكنه تراه يتحدث عن دكتاتورية البروليتاريا وجوهر البلشفية والانحرافات اليسارية واليمينية في الحركة العمالية والاتجاهات الاقتصادية للحركة العمالية والأمميات الثلاث والأممية الشيوعية في جوانب لا تشغل كثيراً المجتمع العراقي، وقد حاول تبيان صواب الماركسية وتطبيقاتها في البلدان المتقدمة والرأسمالية المتطورة وكذلك في البلدان المتخلّفة أيضاً.
كان فهد يتبرّم من الدعوة لتوسيع الديمقراطية ويتطيّر كثيراً من النقد ويتعامل تحت زعم ظروف العمل السري بأوامرية وفردية شديدة، فيقيل ويقدّم أعضاء إلى اللجنة المركزية دون استشارة أحياناً أو بزعم وحدة الإرادة والعمل، فمثلاً تعامل مع يعقوب كوهين أحد الكوادر الطلابية في الحزب الشيوعي حين طالب عام 1942 منح المثقفين دوراً متميّزاً وقيادياً واشباعهم من جهة ثانية بالثقافة الماركسية، ولم يكن فهد مقتنعاً بذلك، لاسيما دعوة كوهين إلى اعتبار الاشتراكية هدفاً مباشراً وراهناً لتوجهات الحزب الشيوعي، وبدلاً من مناقشته وإقناعه تم طرده، وحصل الأمر مع الروائي ذو النون أيوب الذي كان عضواً في قيادة الحزب مع فهد والشبيبي وزكي بسيم وأمينة الرحال ووديع طِلبه ونعيم طويّق وداود الصائغ وصفاء الدين مصطفى وعبدالله مسعود القرني وذلك في تشرين الثاني (نوفمبر)العام 1941، وهو ما يذكره حنا بطاطو.
وعندما تململ ذو النون أيوب مطالباً بزيادة الديمقراطية الداخلية، قام فهد بطرده أيضاً، لاسيما بعد انحيازه لصوب يعقوب كوهين، الأمر الذي دفعه إلى قيادة تكتل انشقاقي عُرف باسم " إلى الأمام" وصدرت جريدة بالإسم نفسه، وشدّد هذا الاتجاه على ضرورة احترام الديمقراطية الداخلية وسنّ نظام داخلي (كان الحزب يفتقر إليه) وعقد مؤتمر عام (لم يكن قد انعقد حتى العام 1945) ووضع برنامج وإجراء انتخابات لقيادة الحزب والتوجه لتعزيز دور المثقفين وإعلان الدعوة لقيام نظام اشتراكي كمهمة مرحلية.
ولم تمضي فترة طويلة حتى طرد عبدالله مسعود القرني الذي كان منفياً في البصرة وكان بمثابة الرجل الثاني، ومنافساً قوياً لفهد لمنصب الأمين العام، حيث تم انتخاب فهد في وقت كان هو غائباً (كمسؤول أول- سكرتير عام) واعتبر مساعداً لفهد.
ولكن القرني استغلّ غياب فهد الذي سافر لحضور اجتماعات الكومنترن، وعقد مؤتمراً حضره 26 مندوباً وكان بعنوان "وعي البروليتاريا العراقية" وسمّيت جماعته "بالشرارة الجديدة" وأبعد عدداً من قيادة الحزب وانتخب القرني أميناً عاماً، ولعل مثل هذه الإجراءات غير الديمقراطية والتهميشية وسواها من إقصاء وعزل كانت سائدة داخل الحركة الشيوعية، وانتقلت عدواها إلى الأحزاب القومية والإسلامية  لاحقاً، لاسيما في ظروف العمل السري وفرض شرعيات خارج نطاق الاختيار الحر حتى وإن سمّيت بالشرعية الثورية والمركزية الديمقراطية، التي لم تكن سوى مبررات ومزاعم بغياب الديمقراطية الداخلية.
ولم تسلم قيادة فهد مرّة أخرى من انشقاقات جديدة حين قاد داوود الصائغ الذي كان عضواً في المكتب السياسي الذي شكل " رابطة الشيوعيين العراقيين" وأصدر جريدة باسم "العمل" في العام 1944 ثم شكل يوسف زلخا جماعة شيوعية من أوساط المثقفين والشباب عُرفت باسم " وحدة النضال" وذلك للأسباب ذاتها، وخصوصاً النزعة الفردية وغياب الديمقراطية الداخلية.

التنويرية الأوربية
س /  لم نجد في إعمال  يوسف سلمان يوسف السياسية أي أثر للحركة التنويرية الأوربية التي تعد الحاضن الأساسي للماركسية أو الحركة التنويرية العراقية أو العربية ؟ ما هو التفسير لذلك ؟

    / كان فهد سياسياً بامتياز وامتلك ثقافة حزبية واسعة، لاسيما في ظروف العمل السري، وكتب وأنتج خلال اختفائه في بغداد أهم المعالجات الحزبية، لاسيما بين العام 1941 و1946، ولكن انشغالاته وهمومه والتحدّيات التي واجهته لم تكن خارجية حسب، بل بعضها كان داخلياً، ولم تكن تلك التحدّيات بمعزل عن الظروف السائدة ونمط التفكير آنذاك، وقد صبّ جلّ اهتمامه على الأوضاع الداخلية من جهة، وعلى كيفية التقريب بين الفكرة الاشتراكية والواقع العراقي، وبتقديري كانت اطلاعاته محدودة على حركة التنوير الأوروبية، فضلاً عن ظروف العمل السري، خصوصاً وكان تحصيله العلمي بسيطاً بسبب ظروفه المعاشية، حيث كان قد انقطع عن الدراسة لغاية المرحلة المتوسطة.

إنتاج  مفكر
   س / هناك ظاهر غربية في النسخة الماركسية العراقية أنها لم تستطع إنتاج ( مفكر )  إسوه بالنسخة السورية أو اللبنانية ( الياس مرقص ، مهدي عامل ) ؟ هل ذلك بسبب العوامل التاريخية والمعرفية  لعدم اسهامها في انتاج مفكر ؟

    / بخصوص النسخة الماركسية العراقية التي وردت في سؤالك، فأظن أن القمع والارهاب ساهما في منع تكوين مفكرين ماركسيين في العراق، على خلاف مصر ولبنان وسوريا: مثل محمود أمين العالم، فؤاد مرسي، الياس مرقص، ياسين الحافظ ومهدي عامل وكريم مروّة وفوّاز طرابلسي وآخرين، لكن ذلك لا يعني أن الماركسية العراقية لم تنجب مفكرين أو أنها لم تكن "ولوداً". وكان واحداً من النماذج التي يمكن إطلاق صفة مفكر عليها هو عامر عبدالله وهو شخصية اشكالية في الحركة الشيوعية، امتاز بقلم رشيق ولغة جميلة، أقرب إلى الأدب وفكر عميق وإطلاع واسع، لكن انصرافه للعمل الحزبي وانخراطه في التكتلات والصراعات استهلكت الكثير من طاقاته وفيما بعد تفرّغه إلى العمل الوظيفي والوزاري، وبتقديري أن الشيء الأهم هو ما تعرّض له في حياته الحزبية من ضغوط ومحاولات إبعاد لم تكن بعيدة عنها بعض طموحاته الشخصية، وهكذا خسرنا مفكراً كبيراً وواعداً بسبب  الصراعات والخصومات والأحقاد التي نالت منه كثيراً، حيث قضى آخر أيام حياته لاجئاً وحيداً ومنكسراً في لندن التي توفيّ فيها العام 2000.
وإذا أردنا استعراض بعض المفكرين الماركسيين، فيمكن ذكر عبد الفتاح ابراهيم أحد أبرز مؤسسي جماعة الأهالي العام 1932 وكاتب منهجها " الشعبية" وصاحب كتاب "على طريق الهند" الصادر العام 1935 والعديد من المؤلفات وكذلك د. ابراهيم كبه ود. محمد سلمان الحسن المفكران الماركسيان الرياديان والأكاديميان من الطراز الأول، ولهما عشرات الكتب والمؤلفات والترجمات وقد حافظا على استقلاليتهما، وقدّما أطروحات في غاية الأهمية وفي ظروف لم تسمح بالنشر أو الكتابة أو حرية التعبير، لكنهما تركا تأثيراتهما الكبيرة على الفكر الماركسي العراقي وإلى حدود معينة العربي، وعلى الوسط الجامعي والأكاديمي، وإن كان هناك جحوداً عاماً إزاء التعامل مع المفكرين والمثقفين، لاسيما إذا كانوا من مواقع مستقلة أو انتقدوا التيار الحزبي السائد وقياداته. وهو الأمر الذي ظل مشتركاً لجميع القيادات في الأحزاب الشمولية، مهما كانت تسميتها.

تنصيصات
   كان فهد واعياً لدور قوى التحالف المعادي للفاشية، لاسيما بانضمام الاتحاد السوفيتي، ولذلك ركّز جهود الحزب خلال تلك الفترة في فضح النازية والفاشية فكرياً وسياسياً مبيّناً خطرها على الشعوب، بما فيها العربية. وبحكم إلتقاطه للحلقة المركزية في النضال فقد خفّض من نبرة العداء لبريطانيا،
   كان فهد يتبرّم من الدعوة لتوسيع الديمقراطية ويتطيّر كثيراً من النقد ويتعامل تحت زعم ظروف العمل السري بأوامرية وفردية شديدة، فيقيل ويقدّم أعضاء إلى اللجنة المركزية دون استشارة أحياناً أو بزعم وحدة الإرادة والعمل،
   وكانت الاشتراكية أقرب إلى حزمة من المبادئ السياسية والجذابة التي تمنح الانسان الوعد با لسعادة والرفاه وإلغاء الاستغلال وتحرره من الظلم، وقد أشرتُ إلى طغيان الأسلوب المدرسي في عرضها، لاسيما عبر عمليات تأويل شعبوية أحياناً، خصوصاً لواقع عراقي معقد ويعجّ بالكثير من المتناقضات، الدينية والطائفية والقومية واللغوية والتشكيلات الاجتماعية الاقطاعية والعشائرية والتدخلات الخارجية والمعاهدات والاتفاقيات المجحفة والمذلة،


217
يوسف سلمان يوسف ..(فهد)
جدل في إشكالية تعريق النسخة  السوفيتية من الماركسية ؟
( 2 – 3 )

حوار أجراه يوسف محسن - بغداد
بغداد- خاص/صحيفة الزمان 12/6/2012

•   جدل

قال د. عبد الحسين شعبان:  ان فهد استطاع  ضمن المتوفر له من كتب ومطالعات ودراسة حزبية في مدرسة كادحي الشرق في موسكو 1939-1941 وجولات قبل ذلك ومشاركات في الكومنترن (1935) قراءة الوضع السياسي والاجتماعي في العراق في ضوء المنهج، واستخدم معرفته لتحليل طبيعة المجتمع العراقي، من خلال رؤية عراقية وإن خضعت للسائد من الأفكار. وبالطبع فإنه لم يكن مفكّراً ولم يكن أكاديمياً، لكنه كان مناضلاً كبيراً وقائداً سياسياً شجاعاً ومجتهداً، وليس بالضرورة أن يكون القائد مفكّراً . وأضاف في حوار مع مشروع مراجعات في الفكر العراقي الحديث : إن فهد كان  يمتلك حلماً كبيراً أسمه تحرير العراق وسيره نحو الإشتراكية، لاسيما بوجود الاتحاد السوفيتي " محرر" الشعوب وأبو البروليتاريا العالمية " ستالين"، كما كان يُطلق عليه، ولم يكن لديه تصوّرات واضحة عن الاشتراكية وهو ما عكسته مؤلفاته، كما لم توجد لديه ضمن العقلية الستالينية السائدة أية إشارة سلبية على التطبيقات الاشتراكية، سواءً خلال فترة الحرب العالمية الثانية أو ما بعدها، واتّسمت صحافة الحزب والكراريس التي كان يصدرها على محدوديتها، بالتمجيد والإشادة بدور الجيش الأحمر وتضحياته.
***
كان فهد يمتلك حلماً كبيراً إسمه تحرير العراق وسيره نحو الإشتراكية، لاسيما بوجود الاتحاد السوفيتي " محرر" الشعوب وأبو البروليتاريا العالمية " ستالين"، كما كان يُطلق عليه ولم يكن لديه تصورات واضحة عن الاشتراكية وهو ما عكسته مؤلفاته، كما لم توجد لديه ضمن العقلية الستالينية السائدة أية إشارة سلبية على التطبيقات الاشتراكية، سواءً خلال فترة الحرب العالمية الثانية أو ما بعدها، واتسمت صحافة الحزب والكراريس التي كان يصدرها على محدوديتها،  بالتمجيد والاشادة بدور الجيش الأحمر وتضحياته.



   

تعريق النسخة السوفيتية

س / هل استطاع يوسف سلمان يوسف ( فهد ) تعريب ، تعريق النسخة السوفيتية من الماركسية ؟    و تقديم قراءه متحررة للماركسية ؟

   استطاع  فهد ضمن المتوفر له من كتب ومطالعات ودراسة حزبية في مدرسة كادحي الشرق في موسكو 1939-1941 وجولات قبل ذلك ومشاركات في الكومنترن (1935) قراءة الوضع السياسي والاجتماعي في العراق في ضوء المنهج، واستخدم معرفته لتحليل طبيعة المجتمع العراقي، من خلال رؤية عراقية وإن خضعت للسائد من الأفكار. وبالطبع فإنه لم يكن مفكّراً ولم يكن أكاديمياً، لكنه كان مناضلاً كبيراً وقائداً سياسياً شجاعاً ومجتهداً، وليس بالضرورة أن يكون القائد مفكّراً، فجيفارا كان بطلاً وقائداً مقداماً وجورج حبش وياسر عرفات كانا قائدين كبيرين، وكان الملاّ مصطفى البارزاني زعيماً كردياً كبيراً، وشعلان أبو الجون والشيخ الخالصي والشيخ الضاري وكامل الجادرجي ومحمد مهدي كبّه وسلام عادل الذين كانوا قادة بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، في حين جمع غاندي بين الفكر والقيادة مثلما هو نيلسون مانديلا ومثلهما لينين وماوتسي تونغ وهوشيه منه ومحمد باقر الصدر والإمام الخميني وغرامشي.
    لعلّ المفكر الخالص بمعنى انصرافه للفكر بالدرجة الأساسية هو من أمثال طه حسين وعلي الوردي وعبد العزيز الدوري، وجون بول سارتر وميشيل فوكو وهابرماز وجواد علي والياس مرقص وياسين الحافظ ومحمد عابد الجابري وأراكون ونصر حامد أبو زيد  ومحمود أمين العالم وحسين مروّة وغيرهم، وإن كان لكل منهم مشروعه الخاص.
وقد لا تجتمع صفة القائد والمناضل مع صفة المفكر والباحث، لكن القائد هو الذي بإمكانه الاستفادة ممن حوله من المفكرين والباحثين وتسخير طاقاتهم وكفاءاتهم لخدمة مشروعه السياسي، لاسيما بمشاركتهم وإقناعهم،   فمثلاً في الوقت الذي كانت النظرة إلى الدين  في الوسط الشيوعي سلبية، فقد دعا فهد لاحترام الأديان والطقوس والشعائر الدينية، وطلب من الرفاق في السجن دراسة القرآن والاحتكاك برجال الدين ومحاورتهم بروح إيجابية. وإذا كان فهد لم يقرأ الماركسية من مصادرها كما أعتقد، لكنه قرأ ما كُتب عنها في تلك الفترة التي هيمن عليها الفكر الستاليني، وإذا توخيّنا الدقة أكثر فيمكن القول أن فهد قد لا يكون تبحّر في الماركسية بحكم مهماته النضالية والمسلكية اليومية، لكنه بحسّه الثوري وسليقته الإنسانية وشجاعته، حاول ونجح إلى حدود غير قليلة في تكييف بعض قواعدها لكي تكون منسجمة مع الواقع العراقي، وتلك لعمري براعة وخلقاً وإبداعاً لا يمكن نكرانه.

فهم مشوش وغمض
س/ من خلال قراءتكم أعمال يوسف سلمان يوسف ما هو تصوره عن الاشتراكية ، الماركسية ، هل لدية صور واضحة؟ أو فهم مشوش وغامض عن الأفكار ؟
   
   / كان فهد يمتلك حلماً كبيراً إسمه تحرير العراق وسيره نحو الإشتراكية، لاسيما بوجود الاتحاد السوفيتي " محرر" الشعوب وأبو البروليتاريا العالمية " ستالين"، كما كان يُطلق عليه ولم يكن لديه تصوّرات واضحة عن الاشتراكية وهو ما عكسته مؤلفاته، كما لم توجد لديه ضمن العقلية الستالينية السائدة أية إشارة سلبية على التطبيقات الاشتراكية، سواءً خلال فترة الحرب العالمية الثانية أو ما بعدها، واتّسمت صحافة الحزب والكراريس التي كان يصدرها على محدوديتها،  بالتمجيد والاشادة بدور الجيش الأحمر وتضحياته.
لعل انقسام العالم إلى معسكرين: معسكر الفاشية والنازية، وجبهة التحالف المعادية لهما وخصوصاً بعد انضمام الاتحاد السوفييتي إليها في حزيران (يونيو) 1941 قد لعب دوراً في الانحياز والاصطفاف المسبق. لقد كان فهد واعياً لدور قوى التحالف المعادي للفاشية، لاسيما بانضمام الاتحاد السوفيتي، ولذلك ركّز جهود الحزب خلال تلك الفترة في فضح النازية والفاشية فكرياً وسياسياً مبيّناً خطرها على الشعوب، بما فيها العربية.
وبحكم إلتقاطه للحلقة المركزية في النضال فقد خفّض من نبرة العداء لبريطانيا، على الرغم من تأييده لحركة رشيد عالي الكيلاني (المعروفة بثورة مايس ايار/مايوالعام 1941) لكن ذلك كان قبل انضمام الاتحاد السوفييتي إلى التحالف المعادي للفاشية.
وبهذا المعنى فقد كان فهد كقائد ومثقف قادراً على تحديد الحلقة المركزية واخضاع بقية الحلقات إليها وبالانتقال بتكتيكات مرنة لتغيير المواقع تبعاً لتغيّر المواقف، فقد كانت أطروحاته متقدّمة وجريئة وواقعية وبرغماتية في الآن ذاته على الرغم من بساطتها، ولكن ينبغي أخذها ضمن سياقها التاريخي والثقافة السائدة آنذاك، لاسيما بخصوص الشأن العراقي، دون محاولة إضفاء أبعاد فلسفية أو تنظيرية عليها، لأن مثل تلك الأبعاد تحتاج إلى خلفية فكرية لم يكن فهد يمتلكها بحكم ثقافته ومصادرها المحدودة، إضافة إلى أنه طغى عليها الإسلوب التربوي أو المدرسي، لكن ذلك يعكس في الوقت نفسه قدرته وحيويته على فهم المجتمع العراقي وخصوصياته، فضلاً عن مستوى الرفاق الذين ينتمون إلى الحركة آنذاك والذين هم بحاجة إلى أسلوب مبسّط لكي يلامس عقولهم ويدخل إلى شغاف قلوبهم، وهو ما حصل للعشرات، بل للمئات الذين انضموا إلى الحزب الشيوعي، عبر شعارات بسيطة، لكنها واقعية فضلاً عن شعبيتها وحتى شعبويتها أحياناً، ناهيكم عن صدقية المُثل والقيم التي تمت الدعوة إليها، وخصوصاً التي تم تجسيدها عبر شخصيات كارزمية مثل فهد ورفاقه الأوائل.

مقت للمثقفين
س / هناك مقت شديد يمارسه يوسف سلمان يوسف ضد المثقف الافندي هل يستمد هذا المقت والكراهية من التقاليد اللينينية – الستالينية لكون هولاء يفتقدون إلى الضبط الحديدي الذي تحتاجة الاحزاب السياسية وخاصة في العمل السري ؟ تذكر بعض المصادر أن بعض الأفندية في الحزب طالبوا يوسف سلمان يوسف بعقد مؤتمر ديمقراطي وصفهم ( بالفراشات العاهرة) حيث قال ( إنّ تعشقهم للديمقراطية وحرية العمل والتفكير والتصرف يشبة تعشق تلك الفراشات العاهرة التي تنتقل من مستنقعٍ الى آخر ) القيادة الحديدية هذه ليوسف سلمان يوسف ، لماذا أوجدت أرضاً خصبة في العراق؟ هل تعود إلى طبيعة الثقافة السياسية في المجتمع العراقي؟


   لعل الاعتراف بهذه الحقيقة لا يعني عدم وجود سلبيات أو نواقص لدى قيادة فهد، فقد كانت احدى نقاط ضعفه الأساسية هي نظرته السلبية إلى المثقف وهي امتداد لنظرة لينين ذاته، وفيما بعد نظرة ستالين الاستصغارية أيضاً، إضافة إلى تجربته العملية غير المشجعة، لدرجة أخذ يزدري المثقفين ويشعر بالضيق إزاءهم، ولعل هذا حصل مع العديد منهم داخل الحزب وخارجه، من عبد الفتاح إبراهيم إلى ذو النون أيوب إلى داود الصايغ إلى زكي خيري وإلى غيرهم، وهي النظرة التي إستلهمها هادي العلوي في موقفه من المثقفين، في حديثه عن الأغيار الأربعة، وهم الحكّام والمثقفون والرأسمالية والاستعمار. وقد عبّر عن ذلك في بياناته المشاعية في التسعينيات حين يقول: المثقفون مأخوذون بالخساسات الثلاث ويجعلونها من صميم العمل الثقافي، وبعد أن يتهمهم بالرخاوة حسب لينين يحدد الخساسات الثلاث بالمال والسلطة والجنس.
وكان ضيق صدر فهد من المثقفين يستند إلى 1- مطالبتهم له بعقد مؤتمر للحزب  2- اعتراضهم على قيادته، لاسيما تفرّده بالقرارات 3- حدّته في التعاطي مع النقد 4- اعتقاده أن المثقف سريع العطب وليبرالي، في حين كان هو يبحث عن ضبط حديدي يحتاج له العمل السري، انطلاقاً من كتاب لينين "ما العمل؟" الذي صدر في العام 1903، ولذلك ورد في تثقيفه، لاسيما في كتاب "حزب شيوعي لا اشتراكية ديمقراطية" ردّاً على سؤال الرفيق رياض ما يحقّر المثقفين ويزدريهم ويطلق عليهم لقب الأفندية، بل ويطلق عليه وصف "الفراشات العاهرة" التي تنتقل من مستنقع إلى آخر، وذلك في نقده للفكرة الديمقراطية والمطالبة بحرية العمل والفكر.
ولعل هذه الفكرة الازدرائية ليست خاطئة فحسب، بل تمثّل قصور نظر، فحتى الاشتراكية لا يمكن تحقيقها بطريق آخر غير الديمقراطية، لأنها حسب لينين (نظرياً على الأقل) ستصل إلى استنتاجات رجعية وخرقاء.
وقد كان هادي العلوي يكرر ما يذهب إليه فهد عن شيوعية الأفندية- والأفندي تعني باللغة التركية- السيد الكبير. وعلى الرغم من أن زكي خيري كان من ضحايا هذه النزعة السلبية إزاء المثقفين، من جانب فهد الذي كان ينتقص من موقعه القيادي، الاّ أنه هو الآخر حمل فيروس العداء للمثقفين أيضاً، الذي لولاهم لما استطاع الحزب أن يتوسع ويمتد إلى الأوساط العمالية والفلاحية وعموم الشعب.

المثاقفة مع الفكر الغربي
س / ألم ترى معي أن الماركسية التي وصلت إلى العالم العربي بشكل عام والعراق بشكل خاص ( نسخة حسين الرحال ويوسف سلمان يوسف ) والتي تمثّل القاعدة الآيديولوجية لفكر الطبقة العاملة، لم تكن تعبّر عن محتوى طبقي ، وإنما كانت نتاجاً للمثاقفة مع الثقافة الغربية ؟

   / من قال أن الماركسية تنظر إلى النضال الاجتماعي بوصفه نضالاًَ طبقياً حسب، وإنما هو نضال وطني أيضاً، لاسيما في مرحلة ما يطلق عليه الثورة الوطنية الديمقراطية التي تنتصب أمامها مهمات ديمقراطية، يتداخل  فيها الاجتماعي والوطني، وهي مهمات انتقالية أساسية للتحوّل الاشتراكي. قد يكون حسين الرحّال بثقافته الماركسية وإطلاعه على ثورة سبارتاكوس 1919 في ألمانيا وإتقانه التركية والألمانية إضافة إلى الانكليزية ساعدته في تعزيز قراءاته، وهو بتوجهاته أقرب إلى المثاقفة، لاسيما إطلالاته على ماركس وانجلز ودعوته المبكّرة إلى تحرير المرأة ومشاركته في الحوار الدائر حول السفور والحجاب، لكن قيادة فهد كانت نسخة عراقية من الثقافة الماركسية السائدة بحدودها الدنيا في الثلاثينينات، لاسيما بعد أن ترجم خالد بكداش "البيان الشيوعي" ولم تُظهر دراساته في مدرسة كادحي الشرق سوى الاطلاع على أسس الاقتصاد بالطبعة الستالينية ومبادئ اللينينية التي وضعها ستالين، واهتمام كبير بكتاب لينين "ما العمل؟" وفيه ردود على المارتوفية، والتشدد باتجاه الضبط الحديدي البروليتاري.
ابتكارات فهد وإبداعاته
س / إن ماركسية يوسف سلمان يوسف تقع في سوء استعمال الكليات العلمية للماركسية حيث تعمم النتائج المعرفية والسياسية على المجتمع العراقي حيث تم اختراع الطبقات الاجتماعية ( ارستقراطية ) (برجوازية ) (برجوازية صغيرة ) (بروليتارية ) ماهو قولك ؟
    أظن أن أطروحات فهد تلك كانت جديدة على المجتمع العراقي، وأبدع فهد في تكييفها للظروف العراقية، حتى الأمثلة التي كان يضربها لتفسير الديالكتيك كانت بسيطة ومن واقع المجتمع، وتردد على لسانه أكثر من مرّة منارة سوق الغزل وسوق هرج  "والباسورك" (وهو نوع المكسّرات المشهورة آنذاك)، وكانت  جريدة القاعدة تنقل حياة الناس وما يدور بأسلوب مبسّط وقابل على الفهم بالنسبة لبسطاء الناس، الذين استطاع جذبهم، على الرغم من الانشقاقات والانقسامات التي سادت فترة قيادته.
وفي محاولة اضفاء تقسيمات طبقية على المجتمع العراقي، تحدّث فهد عن أرستقراطية وكومبرادور وبرجوازية وسطى وبرجوازية صغيرة وبروليتاريا، وهي تصنيفات غير دقيقة آنذاك في حين أن أهم المنشآت الكبرى عهد ذاك كانت في النفط والميناء والسكك الحديدية، في مجتمع شبه إقطاعي يحتاج إلى نشوء وتنمية البرجوازية الوطنية ودعم الصناعات والمنتجات المحلية لكي تستقيم، وعلى الرغم من أنه رفع شعاراً صحيحاً " قوّوا تنظيم حزبكم.. قوّوا تنظيم الحركة الوطنية"، الاّ أن اتجاهاً انعزالياً ساد آنذاك في الموقف من الكتل والتنظيمات الماركسية، سواءً التي انشقت عن الحزب أو كوّنت لها تنظيمات خاصة مثل حزب الشعب بقيادة عزيز شريف أو حزب الاتحاد الوطني بقيادة عبد الفتاح ابراهيم، وهذا الموقف الاستعلائي انسحب على تنظيم الحزب الوطني الديمقراطي بقيادة كامل الجادرجي، وكذلك الموقف السلبي من حزب الاستقلال القومي العربي بقيادة محمد مهدي كبّه.
لعل النهج الستاليني الإقصائي واحتدام الصراع خلال الحرب العالمية الثانية وسرّية العمل، دفعت إلى مثل هذه التوجهات التي تركت تأثيراتها على مجمل عمل الحزب في إطار ثقافة الأفضليات وتحريم وتجريم، بل وحتى تخوين الآخر في لحظة الاختلاف، ونتذكّر لاحقاً حديث جماعة القاعدة عن راية الشغيلة " راية البلاط" ومعظمهم سجناء يقضون أحكاماً ثقيلة خلف القضبان.
وكانت قيادة فهد والقيادات التي من بعده أخشى ما تخشاه هو استقلالية الرأي والتفكير الحر، وهذا ينطبق إلى حدود كبيرة على تعامل فهد مع المثقفين الشيوعيين عهد ذاك، وهي النزعة التي تمسكت بها الأحزاب الشمولية جميعها سواءً كانت قومية بما فيها حزب البعث أو إسلامية، وكلّها يمكن اعتبارها " أحزاب لينينية " بطبعة ستالين خصوصاً إزاء الرأي الآخر وقواعد الضبط والصرامة.

التأويل وإعادة التأويل
س / في الماركسية العراقية تم تحويل النصوص الماركسية الأم إلى نصوص مقدسة ( كانت تجري عملية تأويلها واعادة التاويل ) باستمرار بوصفها تحمل الحقيقة المطلقة ولا تقبل ( صراع النزوعات ) أو نسبية المعرفة التاريخية) ولا تسعى إلى التمازج بين الماركسية العالمة والحس الشعبي العام ؟

   / كان ستالين يقول كلّما استعصي أمرٌ علينا استدعينا لينين من قبره، وكلما كانت تستعصي مسألة على لينين يستدعي ماركس من لحده، وهكذا فإن التعبّد في النصوص كان سمةً سائدة للاعتقاد الخاطئ، أن ماركس هو نهاية الماركسية لا بدايتها ، وحين تم " روسنة" الماركسية عبر "لنينتها"، وهي محاولة قام بها ستالين لإسكات معارضته الحزبية، لاسيما إزاء تروتسكي وبوخارين وزينوفيف وغيرهم فقد تم توسيع دائرة القدسية، وهكذا أضيفت اللينينية إلى الماركسية، لتصبح الماركسية اللينينية، وخلال حكم ستالين الذي استمر من العام 1924 ولغاية العام 1953 انتشرت تدريجياً صور الأربعة الكبار: ماركس، انجلز ، لينين، ستالين، وعندما انتصرت الثورة الصينية وجرت محاولة لاحقة لصنينة الماركسية، فقد تم وضع صورة ماوتسي تونغ جنب صور ماركس ولينين وهكذا.
وكجزء من التراث الشيوعي، فقد كان فهد يُسكتْ خصومه كلما اقتبس من أبو البروليتاريا العالمية أو نسب قولاً إليه، وعندها لا بدّ للمناقشسة أن تنتهي، حتى وإن كان القول المقتبس في غير سياقه وفي غير محلّه، ولعل تلك التوجهات لم تكن بعيدة عن تعليمات الكومنترن والسياسات السائدة آنذاك.
لقد تعبّدنا كثيراً في محراب النصوص ونظرنا إليها بقدسية، باعتبارها غير قابلة للخطأ، فضلاً عن النقد، مثلما يفعل بعض المتدينين عندما يرددون ببغائياً أقوال بعض رجال الدين أو يستخدمونها بطريقة لا سياق فيها وفي غير موضعها، وغالباً ما استخدم هؤلاء القادة السياسيون، مثلما استخدم بعض رجال الدين، المنتسبين أو المقلدين، لأغراض سياسية وأحياناً خارج نطاق الدين، مثلما يستخدمهم بعض السياسيين خارج نطاق المبادئ التي يدعون إليها.

هامشية النسخة  السوفيتية
س / أن الماركسية القادمة من سياسات(  الكومنترن ) و( مدرسة كادحي الشرق )  ظلت برّانية وهامشية في الثقافة العراقية ، بقيت عروض بيداغوجية مبسّطة لمقولات في التاريخ والسياسة والاقتصاد فماذا تقول؟

    / قام فهد بمحاولات عديدة لتكييف ما كان يقرأه على الواقع العراقي، ولعل أهم إنجازاته هو بناء حركة شيوعية مقدامة وإصراره على المواصلة والاستمرارية، وقدّم قوة مثل للقائد الشجاع الذي كان مستعداً لتقديم حياته دفاعاً عن مبادئه، وفعل ذلك مختتماً ومودعاً العالم أجمع بتلك العبارة الأثيرة:"الشيوعية أقوى من الموت وأعلى من أعواد المشانق" . وكانت تلك الصرخة المدوية أشبه بكلمة السر التي احتفظ بها الكثير من الشيوعيين واستحضروها لحظة الامتحان، على الرغم من حبهم للحياة، لكن تفانيهم من أجلها ومن أجل مثل الخير والحرية والعدالة والجمال جعلهم لا يهابون الموت إنْ اضطروا عليه.
لكن ذلك لا يمنع من أنه هناك الكثير من الأخطاء التي صاحبت فترة قيادة فهد، والتي يمكن إخضاعها إلى سياقها التاريخي، مثل تشبثه بعبادة الفرد وازدراء دور المثقفين والتقليل من شأن القوى الوطنية الأخرى، وتحويل الحياة الحزبية الداخلية إلى حياة شبه عسكرية، حيث لا يمكن مناقشة القائد بقدر تنفيذ وإطاعة أوامره وقراراته.
كانت الماركسية ثورة على الآيديولوجيا، الاّ أنها تحوّلت إلى معتقد آيديولوجي محدد ومنغلق لدى الكثيرين من أتباعها، الذين اكتفوا بقراءتها، كما توصل إليه ماركس، دون أن يستمروا في تطبيق قراءة الماركسية كمنهج  للجدل وإمكانية تطبيقه على ماركس نفسه، أي أن الأجدر هو قراءة المنهج الذي قرأ به ماركس ماركسيته وواقع المجتمعات الأوروبية.
وبموجب هذا المنهج بإمكاننا قراءة واقع مجتمعاتنا العربية، ولكن بعضنا وهو الأعم الأغلب قرأ ماركس بعد تحنيطه وترك ماركسيته وجدليته جانباً، لدرجة أقرب إلى موتها، لاسيما باندثار الأحلام وغياب النزوع إلى التحرر وضعف الإرادة وتعطل الاستقلالية، وهي بلا أدنى شك التحوّل عن حيوية الماركسية ومنهجها الجدلي إلى مقولات أقرب إلى " المعلبات" حتى وإن كانت "صائبة"، لكنها في غير محلّها وفي قسم كبير منها دون روح، أو تكون قد فقدت عافيتها بعد أن تجاوزها الزمن.
ولعل ماركس هو من تحدّث عن "الوعي الزائف" في كتابه "الآيديولوجيا الألمانية" بمعارضة مفهوم هيغل "الوعي الشقي" عندما تكون الآيديولوجيا شكلاً نسقياً محدداً، فإنها تصبح وعياً زائفاً لا يعكس الصراع الداخلي منها ولا يعرض لنا أضدادها.
   قلت في كتابي تحطيم المرايا: ماذا يحدث لو كان ماركس" مَفْهَم (أي قدّمه كمفهوم) كل شيء أو قال فيه، فلن يحدث شيء، بعد ذلك مثلما اختلف الناس بعد موت النبي محمد، حينها خرج أبو بكر الصديق على الناس ليقول قولته الشهيرة " من كان يعبد محمداً، فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله، فإن الله حي لا يموت" وسواءً كان الأمر لهذه الحالة أو للحالة الأولى، فإن الحياة تتطور وتحتاج دائماً إلى التجديد والتغيير والانفتاح، ولن تصمد القوالب والنسقيات، بل ستتحول الى يباس في حين أن الحياة ستمضي، مثل نهر جارف وبحر لا يستكين.
من خلال قراءتي الوضعية النقدية للماركسية فإن ماركس ساهم بمحاولة إجرائية مرهونة بظروف ماركس الشخصية من جهة، بالقراءة والتنقيب والبحث، ومن خلال منهج لازال صائباً ويمكن استخدامه، لكن ماركس لم يكن  مُلقناً أو مروّجاً أو دعائياً كما يتصوره أصحابنا المتشبثين بأذيال الماركسية من "المتمركسين"، بل باحثاً ومفكّراً وإنساناً عظيماً، لكنه وفي الوقت نفسه كان يخطئ ويصيب أيضاً مثل كل البشر دون مقدسات، وإنْ كان قد تمتع بقدرات فكرية هائلة وموهبة نادرة وعقل جبار.
أما فهد فقد حاول تمثيل وهضم أفكار ماركس، وإن كان بطبعتها الستالينية التي وصلتنا، لاسيما التشبث بتقليدها أو استنساخها، لكنه في الوقت نفسه امتلك قدرات تنظيمية كبيرة وبسالة نادرة ومعرفة عميقة بالمجتمع العراقي، وللأسف فإن العمر لم يسعفه لمواصلة مشواره النضالي، لاسيما بعد أن اختزن تجربة غنية وخبرة طويلة وتمرّساً حزبياً وسياسياً كبيراً .
تنصيصات

   دعا فهد لاحترام الأديان والطقوس والشعائر الدينية، وطلب من الرفاق في السجن دراسة القرآن والاحتكاك برجال الدين ومحاورتهم بروح إيجابية.
   فهد حاول تمثيل وهضم أفكار ماركس، وإن كان بطبعتها الستالينية التي وصلتنا، لاسيما التشبث بتقليدها أو استنساخها لكنه في الوقت نفسه امتلك قدرات تنظيمية كبيرة وبسالة نادرة ومعرفة عميقة بالمجتمع العراقي.
   هناك الكثير من الأخطاء التي صاحبت فترة قيادة فهد، والتي يمكن إخضاعها إلى سياقها التاريخي، مثل تشبثه بعبادة الفرد وازدراء دور المثقفين والتقليل من شأن القوى الوطنية الأخرى، وتحويل الحياة الحزبية الداخلية إلى حياة شبه عسكرية، حيث لا يمكن مناقشة القائد بقدر تنفيذ وإطاعة أوامره وقراراته.


218

يوسف سلمان يوسف "فهد"...
جدل في  إشكالية تعريق النسخة السوفيتية من الماركسية  ؟
(1 – 3 )

بغداد- خاص/صحيفة الزمان 11/6/2012
•   حوار مع المفكر والأكاديمي الدكتور عبد الحسين شعبان
        أجراه الصحافي يوسف محسن

جدل
تاريخ يوسف سلمان يوسف (فهد) الفكري والسياسي لم تتم دراسته ضمن التاريخ الوطني العراقي، بالرغم من أنّه يشكّل الحيّز الحيوي من تاريخ الفكر السياسي العراقي، وأقصد هنا دراسة (يوسف سلمان يوسف) من وجهة نظر نقدية متحررّة من القراءة الحزبية التقريضية، وإخضاع مشروعه إلى التفحص النقدي وتجاوز التصنيفات التي وضعته  كما يشير إلى  ذلك د. كاظم حبيب وزهدي الداوودي. حب وتقديس يوسف سلمان يوسف بسبب دوره التأسيسي للحزب الشيوعي العراقي والطريقة التي استشهد بها، إضافة  إلى الصيغة التي عملت بها الشيوعية العالمية والعربية في تحويل الزعماء السياسيين المؤسسين إلى المخيال الأسطوري، والتصنيف الثاني هي الحقد والكراهية والتشويه الذي تعرضت له شخصية يوسف سلمان يوسف من أشخاص انتقلوا من المؤسسة الشيوعية العراقية إلى صف المناوئين، إضافة إلى كتابات أولئك الذين يختلفون معه فكريا وسياسيا ويعدونه عدوًّا طبقيا لهم .
إن موضوع المراجعات والتي نعمل عليها تقوم على أساس الالتزام العقلي والأخلاقي لجهود الأشخاص والمؤسسين والرعيل الأول في نقل الأفكار العالمية ودمج العراق في الحداثة، وفي هذا الجزء نناقش الماركسية العراقية وأعمال  يوسف سلمان يوسف التي لم  تقدّم أي شكل من أشكال المعرفة السياسية، وإنما قدّم في أغلب أعماله الفكرية معرفة بالسياسة الفاعلة (البراكسيس) وبقيت الماركسية العراقية التي يظهر فيها العراق كمنطقة رمادية غامضة، تابعاً إلى إنتاج المعرفة من المركز السوفيتي، والتي تعدّ الماركسية اللينينية– الستالينية والتي وصلت إلى العراق، وهي تأويل قومي روسي للماركسية الكونية، نسخة غير قابلة للجدل والقراءة والحوار، نسخة مقدسة تحوّلت وظيفتها من أداة للمعرفة إلى وظيفة آيديولوجية تتمثل في إضفاء الشرعية على المصالح الإستراتيجية للإمبراطورية السوفيتية ومدرسة كادحي الشرق وجهاز الكومنترون إلى توابع لهذه  الإمبراطورية.
نواة العمل
هل استطاع يوسف سلمان يوسف (فهد) تعريب، تعريق النسخة السوفيتية من الماركسية؟ هل استطاع يوسف سلمان يوسف تقديم قراءه متحرّرة للماركسية ؟  هل كان لديه صورة واضحة أو فهم مشوّش وغامض عن الأفكار الاشتراكية؟
إن أية قراءة تأملية دقيقة لأعمال يوسف سلمان يوسف السياسية تكشف عن أنها أعمال بسيطة في أطروحاتها الفكرية والاقتصادية والسياسية؟ مع العلم أن الحقل الفكري العالمي والعراقي كان يعجّ بالحركات السياسية  والتيارات الفكرية، فضلا عن ذلك  أن تلك الأعمال تفتقد إلى التأهيل الفكري والفلسفي، وكذلك  أنها غير مفارقة للثقافة العراقية التقليدية في تلك الفترة التاريخية، التي كان يطغى عليها  بل يعتبر من سماتها، الأسلوب التعليمي المدرسي وفي بعضها (عنف تطهير) وأتصور أنه يعود إلى النزعة الستالينية؟  في هذا الجزء من المشروع نحاور المفكر العراقي عبد الحسين شعبان .
مسارات فكرية
عبد الحسين شعبان أكاديمي ومفكر من الجيل الثاني للمجددين العراقيين، يساري النشأة والتوّجه، لم يتقيّد بتعاليم المدرسة الماركسية التقليدية، ومنذ الثمانينات كانت له مساهمات متميزة في إطار التجديد والتغيير والنقد للتيار الاشتراكي واليساري العربي ، تعكس مؤلفاته وكتبه ومساهماته المتنوعة انشغالات خاصة بقضايا الحداثة والديمقراطية والإصلاح والمجتمع المدني، واهتمامات فكرية لتطوير الفهم المتجدد لقضايا حقوق الإنسان ونشر ثقافته وخصوصاً من خلال وسائل الإعلام. 
ولد في مدينة النجف الأشرف (العراق) في 21 آذار(مارس) 1945. ودرس وتعلّم في مسقط رأسه ثم استكمل دراسته الجامعية في بغداد وتخرج من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية في جامعة بغداد، وواصل دراسته العليا في براغ، حين نال درجتي الماجستير والدكتوراه (مرشح علوم) في القانون (دكتوراه فلسفة في العلوم القانونية) من أكاديمية العلوم التشيكوسلوفاكية.
باحث في القضايا الإستراتيجية العربية والدولية ومختص في القانون الدولي وخبير في ميدان حقوق الإنسان واستشاري في عدد من المنظمات والدوريات الثقافية والإعلامية والحقوقية، وعضو في عدد من المنظمات العربية والدولية ، مؤسس الشبكة العراقية لثقافة حقوق الإنسان والتنمية (كردستان-لندن – بغداد) وأول رئيس لها في مؤتمرها التأسيسي (بغداد- نقابة المحامين 5/11/2004). الأمين العام المساعد للرابطة العربية الديمقراطية (صنعاء).
صدر له النزاع العراقي - الإيراني ، 1981.  والمحاكمة - المشهد المحذوف من دراما الخليج 1992 .  وعاصفة على بلاد الشمس، 1994 .  وبانوراما حرب الخليج 1995. والإختفاء القسري في القانون الدولي 1998. والسيادة ومبدأ التدخل الإنساني) 2000. ومن هو العراقي؟ إشكالية الجنسية واللاجنسية في القانونين العراقي والدولي، 2002. والإنسان هو الأصل - مدخل إلى القانون الدولي الإنساني، مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، القاهرة 2002  وجامعة الدول العربية والمجتمع المدني – الإصلاح والنبرة الخافتة 2004 وإشكاليات الدستور العراقي المؤقت – الحقوق الفردية والهياكل السياسية، 2004. والعراق: الدستور والدولة، من الإحتلال إلى الإحتلال، القاهرة، 2004، وجذور التيار الديمقراطي في العراق2007. والمعاهدة العراقية – الأمريكية: من الاحتلال العسكري إلى الاحتلال التعاقدي، وفقه التسامح في الفكر العربي- الاسلامي، ط1، بيروت 2005 وط2 إربيل 2012، وأبو كاطع - على ضفاف السخرية الحزينة، دار الكتاب العربي، لندن، 1998.  والجواهري: جدل الشعر والحياة، بيروت، ط1 ، 1997 وط2 2008، وط3 (بغداد) 2010 وسعد صالح- الضوء والظل، الوسطية والفرصة الضائعة، الدار العربية للعلوم، بيروت، 2009، وجدل الهويات في العراق: المواطنة والدولة، الدار العربية للعلوم، بيروت2009.  وتحطيم المرايا – في الماركسية والاختلاف، 2009، وكوبا : الحلم الغامض، 2011، والشعب يريد... تأملات فكرية في الربيع العربي، 2012 والمجتمع المدني: سيرة وسيرورة، 2012.

الماركسية أداة تحليل
 س: الماركسية نتاج لحظة تنويرية أوربية و بني اجتماعيه و صناعية وانساق ثقافية وفكرية وحواضن طبقية ؟ أتساءل كيف جرت عملية نقلها إلى المجتمعات اللاغربية وبالذات العراق ؟                                     
•     الماركسية أولاً وقبل كل شيء منهج وأداة للتحليل، وتعاليمها ليست سرمدية أو ثابتة أو غير قابلة للتغيير، لاسيما للتجديد والتطوير، بل هي تتطور مع تطور الواقع والعلم واكتشافاته وكان انجلز  نفسه قد أشار إلى أن علينا أن نغيّر إستراتيجيتنا بعد كل اكتشاف مهم في العلوم العسكرية، فما بالك بالمجتمع وما يزخر به من تراكم وتغيّر مستمرين. وبهذا المعنى فالماركسية جدلية ولا توجز في شخص أو كتاب أو نظام  أو مجتمع أو حضارة أو فكر مُصاغ مضى عليه نحو قرن ونصف، والاّ ستكون قد تحنّطت أو تجمّدت، لاسيما بإهمال التطور التاريخي. إنها خلاف ذلك حيوية ومتخالقة بحكم منهجها وتفاعلها مع محيطها فلا توجد وصفة جاهزة تصلح لكل زمان ولكل مكان.  ويُعتبر ماركس بداية الماركسية وليست نهايتها، والماركسية مفتوحة وقابلة للتطور، لاسيما بالنقد وبالمنهج الجدلي الذي جاءت به. وقد كانت ماركسية ماركس نفسه، أي جدليته، قد عممت معارف القرن التاسع عشر وسعت لاستنباط حلول ومعالجات للتنمية والتطور تنسجم معها، ولهذا يمكن اعتبار ماركسية ماركس هي علم الرأسمالية بامتياز، لأنه اكتشف قانون التطور التاريخي، ولاسيما عبر فائض القيمة، في حين أن الكثير من تعاليم ماركس عفا عليها الزمن.
نسخة مدرسية
س: ألم ترى أن النسخة العربية من الماركسية التي وصلت إلى هذا العالم قد تحوّلت إلى نسخة مقدّسة مدرسية ؟ ماركسية بدون فلسفة الأنوار ؟
 
لو جاء ماركس الآن لغيّر الكثير منها، بل وعارضها، وقد تستغرب إذا ما حاربه الكثير من غلاة الماركسيين أو المتمركسين الذين تمسكوا بتعاليمه وبعض مقولاته الشائعة وتركوا منهجه وجدليته، فتحوّلت عندهم الماركسية إلى كيانية مسطّحة بلغة شحيحة ونبض متقطّع ودون حرارة أحياناً، لدرجة بدت متحشرجة أو حتى مستنكفة من الجدلية الماركسية ذاتها، التي أخذتها عن طريق التكاتب والانبهار، دون قراءة ينابيعها والتعرّف على جوهرها الحقيقي والسعي لتكييفها لدراسة الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والتاريخية والقانونية الخاصة بكل مجتمع ووفقاً للمنهج.
وبواسطة المنهج يمكن اكتشاف قوانين جديدة للتطور ووضع برامج وستراتيجيات ورسم تاكتيكات واستبدالها وتغييرها باستمرار وصولاً، لتحقيق الخطط والأهداف التي تم وضعها دون الوقوف عندها، لأن هذه متطورة ومتواصلة أيضاً.
ولم يكن ماركس كلّي الجبروت والقدرة، فهو إنسان مثل غيره من البشر، وله عمر بيولوجي محدد، ولكنه يختلف عنهم بمحاولته المعرفية وثقافته الموسوعية ورؤيته العبقرية وعقله التنويري الإستشرافي، وإبداعه في اكتشاف قوانين التطور الاجتماعي التاريخية من خلال منهجه الجدلي، حيث وضع علوم عصره في خدمة قضية التقدم، لاسيما في موضوع النضال ضد استغلال الإنسان للإنسان.
منهح تحليلي
س : الماركسية إذن في الأصل  منهج تحليلي فلسفي ؟
   الماركسية شاملة بمعنى أنها ليست فلسفة خالصة أو رؤية للتاريخ أو مشروعاً سياسياً واقتصادياً أو حركة اجتماعية ثورية للتحرير والتغيير حسب، بل هي كل ذلك التنوّع في حقوله المختلفة في إطار هارموني شامل، وبذلك اختلفت وتمايزت عن سواها من المدارس الفكرية التي سبقتها وعايشتها من الكانتية مروراً بالديكارتية وصولاً إلى الهيغلية.
   أعود وأقول الماركسية فكرة كونية غير محصورة بطبقة اجتماعية أو شعب أو مجتمع أو أمة أو لغة أو قارة أو دولة، إنها مثل كل الأفكار الإنسانية عامة وشاملة، ولاسيما من خلال مشتركات إنسانية: فمحاربة الاستغلال ليست لحظة غربية أو أوروبية، والمساواة والعدالة وأنسنة الإنسان ليست اختراعا ماركسياً، وإنما هي قيم للحرية والجمال والحق، ضخّت فيها الماركسية رؤيتها، عبر قراءة لتطور المجتمعات البشرية.
   وإذا كان العمر البيولوجي لماركس لم يسمح له بدراسة علم النفس والتحليل النفسي والدين والميثولوجيا والانتربولوجيا والسرديات وعلم الجمال والنقد الأدبي، وأن تعاليمه بشأن الدولة وذبولها أي " اضمحلالها" كانت طوباوية، وبخصوص رجعية الشعب التشيكي ورؤيته لشعوب الشرق، لاسيما مصر والهند والجزائر، لم تكن صحيحة، فقد كان على الماركسيين عدم الاكتفاء بتعاليمه التي تصلح لعصره وليس للعصور التي تلته، وضع تعاليمهم في ضوء المنهج، لكنهم للأسف الشديد، تركوا المنهج واكتفوا بمقولات واطروحات، أصبحت مثل البسملة لدى المؤمنين.
   هكذا تم تحويل الماركسية إلى لاهوت وكان الكثير من الماركسيين ولا زال بعضهم، بمن فيهم الذي " تلبرلو" ( من الليبرالية لاسيما الجديدة) على الطريقة اليانكية الجديدة، قد حوّلوا الماركسية إلى تعاويذ وأدعية يرددونها حتى دون فهم في الكثير من المرّات وفي غير سياقاتها، بعد أن أغلقوا عقولهم واستعاضوا عن نعمة التفكير بنقمة التخدير، بالاستنساخ والتقليد وليس بالإبداع والتجديد، مثلما يفعل بعض أصحابنا المؤمنين الذين يرددون الكثير من الآيات القرآنية أو الأحاديث النبوية الشريفة أو تعاليم السيد المسيح، دون سياق تاريخي، مكتفين بالنقل وتاركين نعمة العقل الربانية، التي وهبها الله لعباده، كما يُقال.
أيقونة آيديولوجية
س: ألا ترى أن عدم إخضاع الماركسية إلى النقد والتفحص الدائم جعلها أيقونة آيديولوجية؟ 
إن الذين يتهيّبون من نقد الماركسية ويقصدون بذلك تعاليم ماركس، لم يهضموا حتى تلك التعاليم، ناهيكم عن منهجه، فالماركسية ليست أيقونة أو تحفة أو كتاباً مقدساً، لا يأتيها الباطل من خلفها أو من أمامها، كما أن ماركس لم يكن فيها نهاية مطاف، بل بداية له، وقد مثّل حلقة أساسية من الحلقات الذهبية في الماركسية، التي ينبغي أن تكون حلقاتها مستمرة ومتواصلة ومتغيّرة وبلا نهايات.
وسيكون من الإجحاف، بل والغباء اختصار الماركسية بماركس وحصرها عليه، فذلك سيكون معارضاً لمنهج ماركس ذاته ولماركس نفسه.
وليس من الصحيح وضع مسطرة ماركس وتجاربه الشخصية، وكأنها حقائق يتم التعامل معها باعتبارها قائمة وصالحة، وأية إضافة أو حذف أو نقد أو معارضة لها، وكأنه كفر أو انحراف أو تشويه أو خيانة، فقد كانت تجربة ماركس واجتهاداته الحياتية صالحة له ولعصره، ولا يقاس بها صحة أو خطأ تجارب غيره، وحتى ماركس يمكن نقده ماركسياً بمعنى استخدام منهجه واخضاعه للفحص في ضوء جدليته، ولذلك قلنا أن قراءته لشعوب الشرق كانت استشراقية وإن دمغه للشعب التشيكي بالرجعية على إطلاق هذه الكلمة كان خطأ، وأن رؤيته لفكرة الدولة فيها طوباوية ومثالية وغير ذلك.
لقد أعلت الماركسية من شأن الجماعية، باعتبارها تمثل الموضوعية الخالصة للتطور وفقاً لما سمي "بالحتمية التاريخية"، مبرّرة تقليص الذات البشرية بكبواتها وتوهماتها وصبواتها على حساب المجموع.
مثقف جماعي    
س: يعتبر البعض يوسف سلمان يوسف ( فهد ) مثقف جماعي أي يمثل جماعة سياسية، هل من علاقة بين الثقافة الفردية وثقافة الجماعة السياسية ؟
ولعل هذا ما تقصده أنت في سؤالك بخصوص فهد (يوسف سلمان يوسف) أمين عام الحزب الشيوعي الذي أعدم في 14 شباط (فبراير) 1949 مع رفاقه حسين محمد الشبيبي ومحمد زكي بسيم، بوصفه "مثقفاً جماعياً" يمثل جماعة سياسية. وقد يكون قصدك من "المثقف الجماعي" أن الماركسية السائدة استصغرت من دور الفرد والفردانية لدرجة الذوبان والانصهار، وبتقديري أن ذلك أحد الأخطاء الفادحة في التعاطي مع الفرد، الإنسان، وهو الأمر الذي كان على الماركسية أن توليه اهتماماً كبيراً، فقد كان دور الفرد في التاريخ مؤثراً وكبيراً، مثلما كان دور فهد في تاريخ الحركة الشيوعية في العراق، ولا يمكن الحديث عنها وعن تطورها دون التوقف طويلاً عند فهد ومكانته وكارزميته كقائد كبير، كما لا يمكن الحديث عن الماركسية دون دور ماركس التأسيسي، لكن هذا شيء، وعبادة الأفراد أو تقديسهم شيء آخر، مثلما حصل إزاء ستالين وقادة الأحزاب الشيوعية الحاكمة وغير الحاكمة، وانتقل مثل هذا الأمر إلى أحزاب وسلطات ما أطلقنا عليه حركات التحرر الوطني، دولاً أو منظمات، تلك التي طبقت الموديل الستاليني، بل أن بعضها زاد عليه تخلفاً ورثاثة.
ولكن مهما كانت مساهمة الأفراد جليلة في قيادة الناس لصنع تاريخها، فإن علينا أخذ الأفراد بمزاياهم الشخصية وقدراتهم الفكرية المحدودة، مثلما علينا أخذهم بأخطائهم ونواقصهم وبعض مواقفهم السلبية، ونقدهم من خلالها، والأمر قابل للمراجعة وإعادة النظر في الكثير من القضايا والمواقف، ابتداءً من الكاتب وانتهاء بالقادة والزعماء بمن فيهم ما أسميناهم "الزعماء التاريخيون". وأظن إن أحسن من وصف هذه الحالة بجمع المجد مع الأخطاء هو الشاعر الجواهري الكبير حين كتب عن الزعيم جمال عبد الناصر قائلاً :
أكبَرتُ يومك أن يكون رثاء
      الخالدون عهدتهم أحياء

لا يعصم المجد الرجال، وإنما
      كان العظيم المجد والأخطاء

تحصى عليه العاثرات، وحسبه
      ما كان من وثباته الإحصاء

   
الإستنبات في مجتمع بلا طبقات    
س:  من المفارقات أن الماركسية في العراق حاولت الاستنبات في مجتمع بلا طبقات اجتماعية أو صراع طبقات و أنما مجتمع اللا مجتمع ( ملل ، طوائف ، أثنيات ، قوميات ) هل هنا يكمن الضعف البنيوي للماركسية بنسختها العراقية ؟                           

لقد ظلّ الماركسيون ولاسيما في منطقتنا العربية يعانون من فقر فكري وشحّ نظري، وخصوصاً بعد تطبيقات الدولة البيروقراطية الأوامرية الاستبدادية وساد الكسل والترهّل في أوساطهم، فضلاً عن ضعف المبادرة لدرجة الجمود أحياناً وانتظار تعليمات المركز الأممي، وفي خضم تلك الصورة السائدة ضاع ماركسيون مجتهدون وناقدون ومجددون حقيقيون، في حين استقوت الماركسية الطقوسية والمدرسية والمسلكية والأوامرية والذرائعية، بالجهاز الحزبي البيروقراطي والجهازالأمني في ظل الأحزاب الحاكمة، وفي ظروف العمل السري في الأحزاب غير الحاكمة، التي شهد بعضها إن لم يكن غالبيتها الساحقة تصفيات داخلية وعزل وتهميش واتهامات ما أنزل الله لها من سلطان.
وقد توقّفتُ عند هذه الظاهرة  عربياً فذكرت أمثلة نافذة، مثلما قارنتها بالحركة الشيوعية كونياً، وذلك في كتابي " تحطيم المرايا- في الماركسية والاختلاف".
الماركسية من حيث الجوهر فكرة حداثية تعنى بدراسة الظواهر وتحليل الأوضاع ونقدها، وتلك وظيفة المثقف الماركسي بالأساس، الذي عليه استخدام المنهج الجدلي ودراسة المجتمعات البشرية بتنوّعها، مع أخذ ظروف كل مجتمع وتشكيلاته الاجتماعية وطبقاته وقومياته وأديانه وفئاته وسلالاته ولغاته وعشائره وغير ذلك، من فسيفساء متنوّعة وتعددية ثقافية.
لم يتم استنبات الماركسية في غير بيئتها، فالتربة العراقية كانت ولا زالت صالحة لوجود تيار ماركسي نقدي وضعي، كان نواته حسين الرحّال ومحمود أحمد السيد وعبد الفتاح ابراهيم ونوري روفائيل وفهد وزكي خيري وعبد القادر اسماعيل وقاسم حسن وغيرهم.
وإذا لم يكن في المجتمع العراقي وجود للطبقات، لكن الاستغلال كان قائماً وتتحد والحالة هذه المهمات الوطنية، بالمهمات الاجتماعية، فطرد المستعمر البريطاني والمطالبة بإلغاء الاتفاقيات الاسترقاقية، المذلّة والمجحفة، والدعوة لمساواة المرأة بالرجل والمطالبة برفع المستوى المعيشي، لاسيما للفقراء، من فلاحين وشغيلة وتحسين ظروف العمل والتخلص من ظلم الاقطاع وإطلاق الحريات ونشر التعليم والمطالبة بالصرف الصحي وبناء مستوصفات ومستشفيات والقضاء على البطالة والأمية، كلها عبارة عن تداخل الوطني بالاجتماعي.
ولعل وجود هذه المطالب على رأس قائمة الحركة الشيوعية المطلبية هو جزء من النضال المتشعّب في مرحلة التحرر الوطني، لكن ذلك لا يعني إهمال وجود مِلَل ونِحل وأديان وطوائف وإثنيات وقوميات وعشائر وقبائل، الأمر الذي لم يخلق ضعفاً أو فقراً بقدر ما كان عنصر قوة وإثراء، ولذلك سترى هذه الفئات المختلفة، لاسيما المحرومة منها مكانها الطبيعي في الحركة الشيوعية المدافعة عنها وعن عموم الشعب إذا ما انتهجت سياسة صحيحة، سواءً بالمطالب الوطنية أو المطالب الاجتماعية، وسيكون الدفاع عن الحقوق والمساواة والحريات والعدالة الاجتماعية هو دفاع عن الفئات المحرومة أو المضطهدة أو التي يجري التمييز بحقها جميعها، سواءً كانت على أساس ديني أو مذهبي أو طائفي أو قومي أو جنسي أو لغوي أو اجتماعي أو ثقافي أو لأي سبب آخر.
استقالة الفكر التنويري
س: ما هي العوامل البنيوية التي جعلت اليسار العراقي بصورة خاصة  والعربي بصورة عامة يستقيل عن دوره التنويري ؟
كان الحضور اليساري والماركسي واضحاً ومبرّزاً في الأربعينيات والخمسينيات وإلى حدود معيّنة في الستينيات، لكن اليسار العراقي والعربي "استقال" عن دوره التنويري والتعبوي، لاسيما في تمثيل الفئات المحرومة والتعبير عن تطلعاتها، فاحتلّه الآخرون، سواءً كان من القوميين أو الإسلاميين في وقت لاحق. تصوّر أن مدينة الثورة التي بناها الزعيم عبد الكريم قاسم كانت معقلاً للشيوعيين وقاومت انقلاب 8 شباط (فبراير) الدموي العام 1963 الذي حمل حزب البعث إلى السلطة، إلاّ أنها تحوّلت تدريجياً وفي غفلة من الزمن إلى نقيض ذلك، لاسيما بعد أن اشتغل عليها الانقلابيون الجدد الذين جاءوا إلى السلطة مرّة ثانية في 17 تموز (يوليو) 1968، وكانت تنظّم فيها ندوات تحت عنوان " أنت تسأل والحزب يجيب" وتم تقديم مغريات لاستقطاب الكثير من قطاعاتها، لاسيما مع تحسن الوضع الاقتصادي وفرص العمل، وخصوصاً في السبعينيات مع محاولات للتأثير الفكري والآيديولوجي المصحوب بالقمع البوليسي والارهاب المنظّم، فأصبحت مدينة الثورة تسمّى مدينة صدام، حيث احتفلت بيوم زيارته لها ورفعت سيارته فوق الرؤوس وكانت تحتفل بذلك سنوياً.
لكن الخريطة السياسية تبدّلت في فترة الحرب العراقية- الإيرانية تدريجياً حيث بدأت التوابيت تتقاطر على المدينة بدلاً من بعض  الامتيازات والإغراءات، وتدريجياً ظهر تيار رافض، حتى اكتسبت المدينة شكلاً وملمحاً جديداً أساسه صعود الحركة الدينية الإسلامية الشيعية، وكان من الطبيعي أن يتم استبدال اسمها إلى مدينة الصدر بعد الاحتلال والإطاحة بنظام صدام حسين، لاسيما وأن النظام الدكتاتوري الشمولي كان قد استبدلها من "مدينة الثورة" إلى "مدينة صدام".
والموقف ذاته ينسحب على العمل في الأوساط الدينية، التي كانت في سنوات الأربعينيات والخمسينيات قاعدة ينتقي منها الحزب الشيوعي عدداً من النشطاء ويزّجهم في النضال الوطني والاجتماعي، لكن الأمر تغيّر بسبب ظروف موضوعية مثل الإرهاب والقمع الذي تعرّض له الشيوعيون وظروف ذاتية مثل النكوص عن دورنا وأمور تتعلق برؤيتنا، وإذا بها تتحول إلى نواة وبؤرة للتيارات الاسلامية، وخصوصاً لحزب الدعوة، وللأحزاب الإسلامية لاحقاً،.
تنصيصات
   هل استطاع يوسف سلمان يوسف ( فهد ) تعريب ، تعريق النسخة السوفيتية من الماركسية ؟ و تقديم قراءه متحررة للماركسية ؟
   لقد ظلّ الماركسيون ولاسيما في منطقتنا العربية يعانون من فقر فكري وشحّ نظري، وخصوصاً بعد تطبيقات الدولة البيروقراطية الأوامرية الاستبدادية وساد الكسل والترهّل في أوساطهم، فضلاً عن ضعف المبادرة لدرجة الجمود أحياناً وانتظار تعليمات المركز الأممي،
     الماركسية أولاً وقبل كل شيء منهج وأداة للتحليل، وتعاليمها ليست سرمدية أو ثابتة أو غير قابلة للتغيير، لاسيما للتجديد والتطوير، بل هي تتطور مع تطور الواقع والعلم واكتشافاته
   

219
المنبر الحر / تعويض الضحايا!
« في: 14:43 16/06/2012  »
تعويض الضحايا!
   
   
عبد الحسين شعبان

تواجه الثورات العربية في تونس ومصر وليبيا واليمن مسألة تعويض الضحايا وإنصافهم بالسرعة اللازمة، وذلك بعد إنجاز مرحلتها الأولى من التغيير وبداية مسار جديد انتقالي من طور إلى آخر.
ولعل تأخير تعويض الضحايا يطرح على بساط البحث مشكلات جديدة، منها كيفية التعامل مع الأجهزة البيروقراطية من جهة، ومن جهة ثانية استحقاقات المرحلة الانتقالية، خصوصاً وأن مثل هذا الموضوع مستحدث في إطار ما يتعلق بفترة الانتقال من حال إلى حال، سواءً من نظام دكتاتوري إلى نظام ديمقراطي، أو من انهيار النظام القانوني والقضائي، إلى محاولة إرساء نظام جديد، أو من حرب أهلية ونزاع مسلح -وبعضه ليس بعيداً عن تدخلات خارجية- إلى حالة السلم مع وجود قلق لهشاشة الوضع الجديد، وهذه جميعها عوامل موضوعية وذاتية تواجهها التجارب العربية، سواءً ما هو منجز منها أو ما ينتظر الإنجاز.
ولأن العدالة في الفترة الانتقالية لها خصوصيات، فإنها تشتبك مع العدالة العادية وبالقدر نفسه تختلف عنها في بعض الجوانب، وإنْ كان هدفهما مشتركاً، فإن المبادئ الأساسية والقواعد المتعلقة بالحق في التعويض تندرج في إطار القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، إضافة إلى قواعد القانون الدولي العام، بما فيه القانون الدولي الجنائي.
إن هذه القوانين جميعها، إضافة إلى القوانين الوطنية، تؤكد على حق الضحايا في الحصول على تعويض مناسب وفعّال وسريع، الأمر الذي يستوجب اتخاذ إجراءات سريعة للتعويض وردّ الحق عن الأضرار وإعادة التأهيل البنيوي والنفسي، فضلاً عن ردّ الاعتبار الشخصي، بما يكفل إرضاء الضحايا: مثل كشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين وإيقاف الانتهاكات والحيلولة دون تكرارها، وضمان إصلاح الأنظمة القانونية والقضائية والأمنية على نحو مؤسسي.
لقد شهدت جميع الثورات تحدّيات من هذا القبيل فضلاً عن صعوبات كثيرة مثل عدد الضحايا وكيفية ردّ الاعتبار والتعويض وعلاج الانتهاكات للفرد أو للمجموعة، الأمر الذي يمكن أن يترك آثاراً بعيدة المدى على الأفراد وعلى المجتمع ككل، ناهيكم عما قد يسببه من ردود فعل خطيرة.
لقد دأبت التجارب الدولية على انتهاج سبيل العدالة الانتقالية لتعويض الضحايا وذلك لاعتبار أن هذا هو عنصر أساس من عناصرها، سواءً بإعادة الحقوق أو بالتعويض عن الأضرار أو ردّ الاعتبار الشخصي جرّاء هدر الكرامة الإنسانية، على أن يعتبر التعويض حقاً من الحقوق وليس منّة أو هدية أو مكرمة أو حسنة، الأمر الذي يستوجب وضع برنامج لاعتبار الضحايا أصحاب حق، وهو ما يتطلب دعمهم في الدفاع عن حقوقهم.
وإذا كانت التجربة الدولية تختزن نحو أربعين طريقاً للعدالة الانتقالية لنحو ما يزيد عن نصف قرن من الزمان، فإن لكل بلد في الوقت نفسه خصوصيته وسماته وتطوره وتاريخه وثقافته، الأمر الذي لا يعني تقليد أو استنساخ نموذج من النماذج بقدر الإفادة منه بما له وما عليه مع مراعاة خصوصية وحساسية بلداننا العربية وتاريخها وآفاقها ومشكلاتها السياسية والاجتماعية، دون نسيان القواعد العامة التي تشكل مشتركاً إنسانياً لجميع التجارب.
إن الإقرار بحق التعويض يندرج في إطار القانون المدني الذي يقرّ بهذا الحق، وهو جزء من الاعتراف بالانتهاكات الماضية وبالمسؤولية إزاءها الفردية والجماعية، خصوصاً لتعويض الأضرار والالتزام العلني بالاستجابة لآثارها وعلاجها.
وغالباً ما ذهبت الدول وتجارب العدالة الانتقالية إلى اعتبار الاعتراف العلني أهم عنصر من عناصر التعويض، وتزداد فاعليته بالكشف عن الحقيقة وإصلاح المؤسسات وتوفير آليات للمحاسبة وإحياء الذكرى، كما أن التعويض لا ينبغي أن ينصب على إسكات الضحايا أو إسدال الستار على الماضي، بقدر كون التعويض وسيلة من وسائل البناء، لاسيما لفترات ما بعد النزاع من أجل إعادة بناء السلام والإعمار سواء كان التعويض مادياً أو معنوياً.
ويمكن للقضاء أن يلعب دوراً حاسماً في وضع معايير للالتزامات القانونية على أساس إستراتيجي، لكن هذه المعايير ليست وحدها كفيلة لمواجهة التحديات، ويتطلب الأمر من الضحايا أو عوائلهم تقديم أدلة تفصيلية عن الانتهاكات التي تعرّضوا لها والأضرار التي لحقتهم وعن هوية الأفراد الذين ارتكبوا، وإذا كان الإقرار بالتعويض يتطلب برامج إدارية فإن هدفه هو الحصول على منافع رمزية أو مادية أو كليهما، سواء تقديم اعتذارات أو إطلاق أسماء شوارع أو مدارس أو ساحات عامة لتكريم الضحايا أو نقل رفاتهم بعد كشف أماكن دفنهم وإعادة دفنهم في مقابر لائقة وفي ظل احتفالات عامة، وتقديم هبات مالية وتمويل مشاريع اجتماعية ودفع تعويضات نقدية ورواتب شهرية أو تقاعدية، وهو ما حصل لبعض ضحايا ما سمّي بالمقابر الجماعية.
إن هدف التعويض هو إعادة الثقة وإدماج الضحايا في المجتمع دون إهمال الجانب المادي. وهناك التعويض الجماعي والفردي، أي للأفراد أو للجماعات أو لمناطق كاملة، مدن: أحياء سكنية، مجموعات بشرية إثنية أو دينية، أو لقطاعات شاملة، مثل حقوق المرأة، التطهير الإثني والعنصري والديني، أو عقوبات جماعية شاملة مثل التعذيب والقمع لأبناء منطقة بكاملها أو النزوح والتهجير والإجلاء لسكانها، الأمر الذي يحتاج إلى رد اعتبار جماعي كأن يتم تحويل مواقع الاعتقال السرية إلى مواقع لتخليد الذكرى والضحايا وإقامة مجمّعات ثقافية واجتماعية ومتاحف ونُصب تذكارية في المناطق التي تعرضت للعقوبات الجماعية.
وسواءً كان التعويض فردياً أو جماعياً لا بدّ من وضع أسس لمبادئ العدالة والمساواة وتجنّب المحاباة أو التمييز، ذلك لأن التعويضات ذات طبيعة رمزية للحق الذي يتمتع به كل فرد على حدة والاعتراف بقيمة كل فرد في المجتمع.
إن عدم حسم قضايا التعويض سريعاً والاستغراق في الروتين والبيروقراطية يؤدي أحياناً إلى إلحاق أضرار جديدة لدى الأشخاص الذين يطالبون بالتعويض، فيما يتعلق بالجرائم التي يصعب إثباتها بعد مرور سنوات عديدة، وذلك مثل حالات التعذيب والاغتصاب والانتهاكات الجنسية والمعاملات الحاطّة بالكرامة، وهناك عقبات كثيرة تقف أمام ذلك، سواءً كانت طبية أو الخوف من التحدث بتجارب مرّ الضحايا بها، وأحياناً حتى الفحوص النفسية لا تعطي النتائج المطلوبة، مما يؤدي إلى  زيادة معاناة الضحايا، وقد يتنازل الضحية عن حقه بدلاً من التعرّض مرّة ثانية للتجربة المريرة، خصوصاً إذا ما تعرضوا للإشهار بما حصل لهم أو لم يلقوا العلاج الكافي أو التقدير الكافي لحالتهم، وكثيراً ما يفضل الضحايا عدم الحديث عن معاناتهم، في حين يرغب آخرون بعرضها.

وإذا كانت الدولة مسؤولة عمّا حصل للضحايا، فإن المليشيات هي الأخرى مسؤولة سواءً سلّحتها الدولة أو لم تسلّحها، مثل البلطجية والشبيحة وغيرهما، ومن واجب الدولة تعويض الضحايا حتى عن ارتكابات لمتمردين أو جماعات مسلحة، وذلك بسبب التزاماتها بالصالح العام والعمل على إعادة دمج الضحايا أياً كان المسؤول عن ارتكاب الجرائم.
إن غياب عملية الكشف عن الحقيقة يستدعي أحياناً اتخاذ عدد من الخطوات الإضافية اللازمة لبرنامج التعويض، ومنها مثلاً تحديد هوية الضحايا وتقدير الأضرار التي ينبغي معالجتها. وإذا أريد تعويض الضحايا فعلاً فلا بدّ من توفر إرادة سياسية، لأن التعويض أمر عاجل ولا يحتمل الانتظار، وهذه مسألة حساسة ونفسية بالنسبة للضحايا، والأمر يحتاج إلى تشريعات مناسبة وإستراتيجية طويلة المدى وإجراءات راسخة ذات أولويات عادلة ومنطقية بهدف إتمام إصلاح شامل لكل جوانب الحياة.
التعويض هو رد اعتبار للضحايا والإقرار الرسمي العلني بمعاناتهم، وهو تقريب معاناتهم من الرأي العام، وبالتالي اقتراب فهمه لأحداث الماضي وتنمية اهتمامه بضرورة احترام حقوق الإنسان وتعزيز التضامن الوطني وخلق شروط للمصالحة وتغذية مساراتها وحفظ الذاكرة الجماعية، خصوصاً إذا صاحبته جلسات استماع.



220
زمن الفتاوى ومغزاها
   
 
عبدالحسين شعبان
استعدت كتاب الصحافي الكبير فؤاد مطر “ألف فتوى . . وفتوى” وأنا أقرأ فتوى جديدة صدرت مؤخراً من المرجع الشيعي المقيم في إيران آية الله كاظم الحائري حرّم بموجبها التصويت لمصلحة العلمانيين المشاركين في العملية السياسية في العراق . ولعل مثل هذه الفتاوى وغيرها قد لا تعني الناس المهمومين بالطائفية والفساد المالي والإداري ونقص الخدمات واستمرار ظاهرة العنف واستشراء الإرهاب، وضعف هيبة الدولة التي لم تستطع أن تبسط نفوذها حتى الآن، بسبب صراع وانشغال القوى السياسية بالامتيازات والمواقع والمحاصصة .

لكن مثل هذه الفتاوى قد تكون سبباً جديداً في زيادة حدّة التوتر بين الأطراف السياسية المتصارعة على السلطة منذ إعلان نتائج انتخابات مارس/ آذار 2010 لحد الآن، ولاسيما أن جميع الوعود التي قدّمت إلى الناخب تبخّرت وحلّت محلّها أجندات أخرى تتعلق بالمكاسب والامتيازات التي يريدها كل طرف مما سمّي بحكومة الشراكة والتوافق التي لم تكن سوى حكومة محاصصة وتقاسم وظيفي، ظلّ ناقصاً ومعطّلاً بسبب صعود رغبة هذا الفريق أو ذاك بالحصول على المزيد من الصلاحيات والامتيازات .

خلال السنوات الأخيرة وبسبب غياب مرجعية الدولة ما بعد الاحتلال في العام ،2003 اتجهت العديد من الفاعليات والأنشطة السياسية إلى الاحتماء بمرجعيات دينية وطائفية في الأغلب، وقد أسهم ذلك في إذكاء نار الصراع المذهبي، ولاسيما بين المستفيدين من استمراره، ولعلهم من دونه ستكون تلك الامتيازات والمكاسب التي حصلوا عليها مهددة بالضياع .

وقد حاولت المؤسسة الدينية وبعض رجال الدين والقوى الدينية عموماً أن تستثمر ذلك على أحسن وجه، موجهة الأنظار إلى دور المرجعيات الدينية التي أخذت تتعاطى مع بعض القضايا العامة من الانتخابات إلى تشكيل الوزارة ومباركتها إلى تأييد سياساتها، وصار ما تقول به ليس محل مناقشة، بل على الجميع الاحتكام إليه والإصغاء إلى قرارها أو توجهها أو ما تصدره من فتاوى .

لكن تلك الفتاوى في الكثير من الأحيان لا تتعلق بصميم حياة الناس ووجودهم ومستقبلهم، وإنما انحصر بعضها على الشكليات والمعاملات وبعض السلوك الاجتماعي، ولم يكن لها التأثير المجتمعي المطلوب، حيث ظلّت تلك القضايا غائبة أو بعيدة عن التناول أو مسكوتاً عنها، مثل موقف المرجعية من الاحتلال ومقاومته المدنية والسلمية، فضلاً عن مواجهته العسكرية، وموقفها من الفساد المالي والإداري الذي ضرب المجتمع والدولة إلى حدود صارخة، والموقف من الفتنة الطائفية والمذهبية التي استفحلت إلى درجة مريعة، ولاسيما خلال أحداث تفجير مرقدي الإمام الحسن العسكري والإمام علي الهادي في فبراير/ شباط ،2006 وموقفها من المسيرات “المليونية” سيراً على الأقدام إلى مدينة كربلاء بمناسبة استشهاد الحسين في ذكرى عاشوراء وغيرها من المناسبات التي غالباً ما كان يصاحبها تعريض الناس لحالات من الإرهاب والعنف، وتعطيل مرافق الدولة وتسخيرها لغير أغراضها ومهماتها الأساسية والملحّة، في حين تتطلب إعادة بناء الدولة الإسراع في تقديم الخدمات ومعالجة مشكلات الصحة والتعليم والعمل والكهرباء والماء الصافي والسكن للملايين من المحرومين، ولاسيما لعوائل الشهداء والنازحين والمهجرين وتنظيف الشوارع والطرق العامة والأحياء والمدن، وتوفير ذلك خدمة للحسين الشهيد وإحياءً لذكراه العطرة وتأكيداً لمعاني ودلالات استشهاده .

وإذا كانت المرجعية بعيدة عن السياسة ولا بدّ لها أن تضع مسافة بينها وبين العمل السياسي والمسلكي اليومي، فإن ما تقول به ليس سوى عموميات وتمنّيات بالوحدة والتآخي والتفاهم ومصلحة الدولة والشعب والتخلص من الفساد والابتعاد عن الفتنة، وليس ذلك سوى حزمة عامة من الإرشادات أو المواعظ التي لا تغني ولا تسمن من جوع، لكن بعض المفاصل والمحطّات التي تفصح فيها عن رأي سياسي أو اجتماعي بشكل مباشر أو غير مباشر تكشف حقيقة الخلفية الفكرية لدورها الذي يثير مواقف متباينة حتى وإنْ كان مسكوتاً عنه .

فما معنى أن تصدر الفتوى بتحريم التصويت إلى أي إنسان علماني في أي من مرافق الدولة؟ أليس في ذلك تمييز وتأليب وتحريض ضد اتجاه عميق في المجتمع العراقي؟ ولاسيما التيار العلماني الديمقراطي والليبرالي والعروبي واليساري بشكل عام، ولاسيما الماركسي الذي لا يمكن الحديث عن الدولة العراقية من دون الحديث عن دوره ومساهماته، ولاسيما في تخريج النخب الثقافية والفكرية تلك التي درست في مدرسة الكفاح الوطني والإنساني الأصيل، والتي شملت خيرة مثقفي العراق من أدباء وكتاب وفنانين ومثقفين ومبدعين، بشكل عام كان لهم شأنهم في بناء العراق ودولته منذ تأسيسها وحتى الآن، على الرغم مما تعرّضوا له من كبت وملاحقة، من دون أن ننسى أخطاءهم أيضاً أو دون أن نهملها، لكنه من الإنصاف أن نحتكم إلى الضمير عند تقييم ما قدّمه التيار العلماني وخصوصاً اليساري والماركسي من تضحيات ومن قوة مثل وإبداع على مرّ السنين، وسيكون من الجحود وعدم الإنصاف والتجاوز على العدل إغفالها أو التنكّر لها . وإذا كانت جماعة الصدر والسيد مقتدى تحديداً، من مقلدي آية الله الحائري، فعليهم وعليه، أن يبدي رأيه بهذا الخصوص، وإلآّ فإن مثل هذه الفتاوى يمكن أن تلعب دوراً سلبياً وتقسيمياً في المجتمع، وقد تؤدي إلى الاحتراب وهو ما يذكّرنا بفتويين شهيرتين، الأولى لآية الله الشيخ بشير نجفي التي بادر إلى إصدارها قبل عام، طارحاً فيها وجهة نظر تقول بضرورة منع الاختلاط بين الجنسين، ولاسيما في الجامعات، مبرراً أن ذلك يؤدي إلى الميوعة والابتعاد عن القضايا الوطنية . والثانية فتوى السيد محسن الحكيم آية الله “العظمى”، بشأن اعتبار الانتماء إلى الحزب الشيوعي “كفراً وإلحاداً” .

وإذا كانت الفتوى الخاصة بتحريم الاختلاط قد أثارت ردود فعل محدودة، ولاسيما في قطاع الطلبة ومنظماتهم ورفض الفاعليات والأنشطة الثقافية لها، خصوصاً أنها تزامنت مع محاولات التجاوز على اتحاد الأدباء والكتاب، بحجة تعاطي المشروبات الروحية في النادي التابع له، فإن الفتوى الثانية بخصوص الشيوعية كفر وإلحاد، لاتزال تأثيراتها السلبية باقية حتى الآن، ولعل من ذيولها فتوى الحائري بخصوص العلمانية، وهي جزء من ماراثون تتسابق فيه بعض القوى الدينية، وخصوصاً بعد أن فرضت الهيمنة على الشارع إثر سقوط نظام الاستبداد والديكتاتورية، لكي تتبارى في تبشيع الفكر العلماني واليساري والماركسي تحديداً، خصوصاً في ظل انكفاء وضعف اليسار، وخطأ خياراته السياسية وخصوصاً في ممالأة الاحتلال .

وكنت قد أشرت أكثر من مرّة إلى أن فتوى تحريم الشيوعية التي كان أحد مراتعها في النجف، لم تؤثر في نشاط الحركة الشيوعية في النجف وبغداد ومدن العراق بشكل عام، إلاّ أن تأثيرها كان في الريف وفي الأطراف، وبقدر ما قلّصت من نفوذ الحزب الشيوعي، فإنها أثارت علامات استفهام عن الحركة الدينية ودورها وأهدافها، لاسيما في ظروف الحرب الباردة وانقسام العالم إلى معسكرين، الأمر الذي أضرّ بالحركة الدينية وصوّرها على أنها جزء من حملة مناهضة الشيوعية التي كانت تقودها دوائر المخابرات المركزية الأمريكية ال CIA، وهو الأمر الذي تستعيده بعض الفتاوى على نحو مثير .

فهل استنفدنا حل جميع مشكلات البلد ووضعناه على شاطئ السلام وتحقيق رفاه مجتمعه، لكي يتفرغ النجفي والحائري ليحدثونا عن مساوئ الاختلاط التي تسبّب الميوعة أو عن مخاطر العلمانية على المجتمع؟ إن هذا الأمر يثير شكوكاً في جدوى مثل تلك الفتاوى ومغزاها الإنساني والاعتباري .

وإذا نظرنا إلى الفتوى من حيث زمانها ومغزاها تاريخياً، سنراها مختلفة عن أسئلة يوجهها رجل دين إلى نفسه أو من أحد أتباعه ليردّ عليها، في ظروف الأزمات الوطنية، حيث لعبت دوراً مهماً وشكّلت مشتركاً جامعاً تعظّم فيه نقاط الاتفاق وتستبعد منه نقاط الاختلاف، مثلما هي فتوى آية الله محمد تقي الشيرازي في العام 1920 لإعلان الجهاد ضد الاحتلال البريطاني و”تشريع” مقاومته، تلك التي أعلنها من سامراء حيث كانت محل إجماع وطني شيعي- سني، وأيّدها زعماء من الفريقين وعموم الفاعليات والأنشطة الشعبية الوطنية، وعمل الجميع بتفان لإعلان ثورة 30 يونيو/ حزيران 1920 .

وكانت فتوى آية الله علي كاشف الغطاء بشأن استبدال الحج من مكة إلى القدس في العام 1931 تضامناً مع عرب فلسطين ودعماً لانتفاضة البراق وتنبيهاً إلى خطر الصهيونية على المستوى العربي والعالمي، عاملاً جامعاً ورؤية مستقبلية ليس للحركة الإسلامية فحسب، بل للحركة الوطنية العربية بجميع قواها وتياراتها واتجاهاتها، وكانت تلك النظرة الثاقبة سابقة لأوانها . وكان رفض آية الله محمد حسين كاشف الغطاء المساهمة في مؤتمر بحمدون الذي دعت إليه دوائر ثقافية أمريكية ليس بعيداً عن رأي الحركة الوطنية، وخصوصاً عندما برر ذلك بفتوى (كرّاس) صدر بعنوان “المثل العليا في الإسلام لا في بحمدون” .

مثل هذه الفتوى ولاسيما في القضايا الوطنية والعربية لها أكثر من مغزى وأعمق دلالة، وهي فتاوى تمتاز بالتجرّد وعدم الأغراض، كما أنها ليست فتاوى غُبّ الطلب، للمحلَّل أو المحرَّم حسب تعبير فؤاد مطر، خصوصاً ونحن في عصر العولمة، ولعل مثل هذا الأمر يدعو إلى إعادة النظر بمفهوم الفتوى والحق في إصدارها، فضلاً عن تبعاتها القانونية، وخصوصاً ما يمكن أن تسبّبه من توترات وصراعات، لاسيما في إذكاء نار الطائفية أو زيادة الشحن والاستقطاب المذهبي والديني، أو التسبب في العزل السياسي والتهميش والإقصاء، فتلك بلا أدنى شك تدخل في باب إثارة الفتن التي يحاسب عليها القانون بأشد العقوبات .

* باحث ومفكر عربي


221
خمسة آراء بصدد المسألة الكردية في العراق

عبد الحسين شعبان

تجدّد النقاش والجدل والصراع بشأن المسألة الكردية في العراق، لا سيما بتدهور العملية السياسية، خصوصاً حول «موضوع الفيدرالية» تأييداً أو تنديداً، تصريحاً أو تلميحاً، وارتبط ذلك باستعصاء تسوية مشكلة كركوك وعائديتها ومصير المادة 140، ولعل قضية النفط تشكل محور الصراع الأساسي بين حكومتي بغداد وإربيل، فبغداد لا تريد الاعتراف بالعقود التي وقعتها حكومة إقليم كردستان، وهي عقود شراكة وتقول انها لم تطلع على حيثياتها، فضلاً عن تعارضها مع وجهة بغداد التي وقعت على عقود خدمة مع عدد من الشركات التي منحتها تراخيص وفقاً لعطاءات معلنة نقلتها وسائل الإعلام.
وتعتبر بغداد هذه العقود هي الأنسب بالنسبة للعراق وتضمن حقوقه والتصرف بموارده وتقلّص من نفوذ الشركات النفطية وغير ذلك. في حين تعتبر إربيل أن حقها مكفول بموجب الدستور لكن اتجاهاً مهيمناً لا يريد لها التصرّف بهذا الحق، وخصوصاً من جانب حكومة المالكي ونائبه لشؤون الطاقة الدكتور حسين الشهرستاني، ولعل سجالاً وتوتراً قد صاحب العلاقات خلال الفترة المنصرمة كان الأكثر حدّة منذ الاحتلال وحتى الآن.
خمسة اتجاهات أساسية يمكن استكشافها لتحديد ملامح الموقف من القضية الكردية ثم من مسألة الفيدرالية في العراق ومن خلالها يمكن رسم الخريطة السياسية العراقية بتعقيداتها وتشابكاتها.
الاتجاه الأول: القوى المؤيدة للفدرالية، كما جاءت بحذافيرها في الدستور العراقي الدائم، والتزاماً بأحكامه وسعياً لتأكيد سلطاته من خلاله وبواسطته، لا سيما القوى الكردية، وبالتحديد حكومة اقليم كردستان، وبرلمانها، الذي رسم ملامح دستور جديد لكردستان قبيل انتهاء دورته الأخيرة 2009. ومن القوى المؤيدة إلى حد ما لهذا التوجه أو أنها لا تعارضه أو تتحفظ عليه، «الحزب الشيوعي العراقي» وبعض المحسوبين عليه والقريبين من العملية السياسية.
لكن المشكلة لا تتعلق بالدستور فحسب، على الرغم من أنه سبب المشكلة الأساسي، لا سيما ببعض صياغته المبهمة والتي يمكن تفسيرها أو قراءتها على نحو مختلف، بل في الجوانب العملية التي تترتب على النصوص والوقائع، خصوصاً تحفّظ قوى من داخل العملية السياسية، بما فيها أركان حكومة المالكي، على الدور الكردي المتعاظم. وقد اعتبرت رئاسة إقليم كردستان أن عقد اجتماع مجلس الوزراء العراقي برئاسة المالكي في كركوك استفزازاً للكرد وأوعزت إلى الوزراء الكرد بعدم الحضور، بل نظّمت هي لاحقاً زيارة لعدد من وزراء الإقليم ومسؤوليه إلى محافظة كركوك ردًّا على زيارة المالكي!
الاتجاه الثاني قوى إسلامية مؤيدة للفدرالية من داخل العملية السياسية، لكنها تنظر إليها باعتبارها جزءًا من صفقة تاريخية، لاعتقادها أن الموافقة على الفدرالية الكردية يجعل الحركة الكردية توافق على فدرالية أو فيدراليات الجنوب (العربية) (واحدة أو متعددة)، في إطار تقاسم وظيفي « طائفي- إثني» وهو ما حصل لدى اقرار قانون الاقاليم الذي تم تجميد تطبيقه إلى 18 شهراً، انتهت من دون أن تحرّك هذه القوى ساكناً والتي حضّرت له ونافحت من أجله كثيراً، وذلك بسبب ردّ فعل شعبي وظروف وصراعات ما بين أطرافها، لا سيما بين كتلة السيد عمار الحكيم والمجلس الإسلامي الإعلامي المتحمس للفدرالية وكتلة حزب الدعوة ودولة القانون الذي أخذ حماسها يفتر كثيراً على حساب الدولة المركزية، وهذا الرأي أقرب إلى موقف كتلة السيد مقتدى الصدر أيضاً.
وإذا كان رئيس الوزراء نوري المالكي قد وافق على الفدرالية الكردية وأبدى مرونة في الأسابيع والأشهر الأُولى إزاء تطبيقاتها، الاّ انه عاد وتمسّك على نحو شديد «بمركزية» الدولة، وسعى لتوسيع صلاحياتها الاتحادية على حساب سلطات الاقاليم التي عبّر عنها بضرورة اعادة النظر بالدستور، لكن مواقفه تلك لم تترجم إلى واقع عملي باستثناء بعض ردود الأفعال، خصوصاً عندما اتخذت موقفاً أكثر حزماً بشأن عقود النفط في حكومة الاقليم التي عارضها وزير النفط حسين الشهرستاني بشدة.
أما موضوع كركوك فهو ينام ويستيقظ، لكنه لا يجد حلولاً ممكنة بسبب تشبث جميع الأطراف بمواقفها، وقد تحرّك الموضوع خلال العامين المنصرمين عقب سماع مقترحات المفوض الدولي، التي لم ترضِ أحداً أو لم تستطع الوصول إلى التوافق المُنتظر ، وهو الأمر الذي بحسب تقديري المتواضع لا يمكن حسمه، لا بتطبيق المادة 140 ولا بإلغائها، ولا بالإحصاء السكاني أو بدونه، لأنه أكثر تعقيداً مما نتصوّر لارتباطه بمشكلات تاريخية بعضها موروثة من الحكم السابق وقد ظل معلقاً عند إقرار بيان 11 آذار العام 1970 وكان أحد الأسباب الأساسية في اندلاع القتال بين الحكومة والحركة الكردية العام 1974، وبعضها تفاقمت خلال الاحتلال، بين الكرد والتركمان والعرب، ناهيكم عن اشتباكها مع ملفات أخرى بما فيها اقليمية!
وتتجدد مسألة كركوك اليوم على نحو أشد بعد مطالبة سكان محافظة صلاح الدين بالفيدرالية لأسباب قالوا أنها تتعلق بالتهميش والغبن ولحقهم مجلس محافظة الأنبار ومجلس محافظة ديالى وسبق لرئيس البرلمان العراقي أسامة النجيفي أن أبدى امتعاضاً إزاء تهميش السنّة وذلك في تصريح مثير له من واشنطن عشية الانسحاب الأميركي من العراق أواخر العام الماضي، وكلما جرى الحديث عن الأقاليم أو الفدراليات تقفز مسألة كركوك إلى الواجهة .
الاتجاه الثالث يميل إلى الموافقة على الفدرالية الكردية كتحصيل حاصل وحقيقة قائمة وأمر واقع وجزء من توازن القوى الحالي (المُختل)، لكنه يرفض بشدة الفدراليات الجنوبية. ولعل بعض القوى التي توافق على الفدرالية الكردية تنتظر دعم القوى الكردية لرفضها الفدراليات الجنوبية، على عكس الاتجاه الآخر الذي ينظر إلى موافقته على الفيدرالية الكردية، عربوناً لموافقة الحركة الكردية على الفيدراليات الجنوبية.
وبعض أصحاب هذا الاتجاه كانوا يناوئون الفدرالية الكردية أساساً، وصوتوا ضدها عند الاستفتاء على الدستور، لكن مواقعهم تحركت إلى تأييدها حتى وإنْ كان الأمر تكتيكاً للوقوف ضد الفدرالية الجنوبية وضد الاتجاهات المتنفّذة في الحكومة الحالية برئاسة المالكي. من أصحاب هذا الاتجاه جبهة التوافق سابقاً وخاصة الحزب الاسلامي، وقائمة التجديد برئاسة طارق الهاشمي نائب رئيس الجمهورية الحالي الذي تحوّلت قضيته من سياسية إلى جنائية بتوجيه تهم خطيرة لضلوعه بالإرهاب كما ورد ذلك، وتجري محاكمته غيابياً بعد انتقاله إلى كردستان، وفي ما بعد ضيفاً على تركيا التي رفضت تسليمه بعد صدور مذكرة لاعتقاله من الانتربول (الشرطة الدولية) بطلب من الحكومة العراقية بعد صدور أمر بإلقاء القبض عليه من القضاء العراقي وقائمة الجبهة الوطنية للحوار برئاسة صالح المطلك، وحزب الوفاق الوطني برئاسة علاوي وقوائم برئاسة ظافر العاني ورافع العيساوي وآخرين، كلّها انضوت تحت لواء القائمة الوطنية العراقية التي حصلت على 91 مقعداً في البرلمان، (أكبر عدد من المقاعد)، لكن المحكمة الاتحادية قضت بأن الذي يشكل الحكومة هو الكتلة الأكبر في البرلمان.
الاتجاه الرابع يعارض الفيدرالية بشدّة كمبادئ وتطبيقات ويعتبرها دعوة مبطّنة للانفصال ومقدمة خطيرة للتقسيم وإقامة الدولة الكردية، ومن أصحاب هذا الاتجاه حزب «البعث» حالياً (على الرغم من أنه شرّع قانون الحكم الذاتي العام 1974 بعد بيان 11 آذار 1970 الذي اعترف بحقوق الكرد القومية، وأدرجها في الدستور العراقي المؤقت الذي صدر في 16 تموز/يوليو من العام ذاته، بتأكيده أن الشعب العراقي مكوّن من قوميتين رئيسيتين هما العربية والكردية). ومن القوى الرافضة لفكرة الفدرالية بعض القوى والشخصيات القومية العربية، في حين ذهب البعض منها لتأييد المشروع الفدرالي من دون ابداء تحفظات بشأنه، باستثناء الموقف من فدراليات الجنوب، ومن أكثر المواقف تشدداً إزاء الفدرالية هيئة علماء المسلمين التي يرأسها حارث الضاري.
ان الاتجاه الغالب لدى معارضي الفكرة الفدرالية يقوم على انها جاءت مع الاحتلال ويعتبرها جزءًا من مشروع «اسرائيلي» قديم. اما تنظيم «القاعدة» وزعيميه اسامة بن لادن وأيمن الظواهري، فيميل إلى اعتبارها فكرة صليبية تهدف إلى تقسيم العراق وتفتيت الامة الاسلامية على الرغم من اختلافهما في المنطلقات وفي التقييم.
الاتجاه الخامس يؤيد الفدرالية كمبادئ وقواعد دستورية وادارية، لكنه يفترق عنها في التطبيق، لا سيما ببعض التفسيرات الضيقة، وبعض أصحاب هذا الاتجاه من الماركسيين واليساريين والديمقراطيين والليبراليين، الذين لا يميل بعضهم إلى ما ورد في الدستور لأنه مخالف لقواعد النظام الفيدرالي كمفهوم اكتسب إقراراً عبر تجارب مشهودة، وناجحة لنحو 25 دولة وحوالي 40% من سكان البشرية، ناهيكم بأن هذه الصيغة لم تأخذ حيّزاً كافياً من الحوار، لا سيما وأن اقرارها جاء في ظروف الاحتلال، وفي أوضاع استثنائية وغير طبيعية، وفي ظل موجة العنف والارهاب التي ضربت العراق، خلال الفترة تلك، ولا سيما في إطار المحاصصة المذهبية - الإثنية!
الاختلاف في فهم وتفسير فكرة الفيدرالية لا يقوم على تباينات نظرية أو اجتهادية فحسب، في ما يتعلق بالدولة البسيطة والدولة المركّبة، بل يستند إلى اعتبارات عملية وسياسية، لا سيما في ما يتعلق بموضوع وحدانية الجيش ووحدانية الخطط الوطنية الاقتصادية والمالية الكبرى بما فيها الثروات والموارد الطبيعية (خصوصاً النفط والغاز) ووحدانية التمثيل الخارجي والدبلوماسي واخضاع دساتير الاقاليم في حالة تعارضها مع الدستور الاتحادي، للأخير لسموّه على دساتير وقوانين الاقاليم، وليس العكس كما يرد تفسيره في الدستور، حين تم تحديد صلاحيات السلطة الاتحادية وترك ما سواها إلى دساتير الأقاليم.
وفي ما عدا ذلك، فإن أصحاب هذا الاتجاه يؤيدون الفيدرالية كنظام اداري متطوّر يتم فيه تقاسم السلطات بين المركز والأطراف (الاتحاد والأقاليم) بحيث يمكن إحالة كل ما يتعلق بالتعليم والصحة والبلديات والبيئة والسياحة والادارات المحلية والخدمات ولواحقها للاقاليم واستقلالها في إطار الحكومة والبرلمانات الاقليمية، بعيداً عن المركزية الصارمة التي كانت تحكم الدولة العراقية منذ تأسيسها في العام 1921 وحتى سقوطها العام 2003، ومع كل ذلك لا بدّ من إقرار الحقوق السياسية والقومية للكرد بما فيها حقهم في حكم أنفسهم بأنفسهم في إطار مبدأ تقرير المصير.
ان تأييد أصحاب هذا الاتجاه للفدرالية كمبادئ وقواعد متطورة، يجعلهم محتارين وقلقين في أحيان كثيرة من العودة إلى المربع الاول باحتدام الاوضاع واحتمال تجدد الصراعات الضيقة، خصوصاً بتنامي اتجاهات مركزية صارمة داخل الحكومة الاتحادية، يقابلها اتجاهات انعزالية لدى الاقليم، وفي كلا الاحوال يوجد من يدفع الامور باتجاه التباعد والتطرف أحياناً، والابتعاد عن دائرة الحوار، تلك الدائرة التي ينبغي أن تكون هي الأساس في أي تغييرات أو تطورات.




222
المنبر الحر / الحق في الجمال
« في: 19:38 31/05/2012  »
الحق في الجمال
   
 
 
عبدالحسين شعبان
ما حصل في أفغانستان والعراق بعد الاحتلال، ربما يتكرر في مصر وسواها من البلدان، لاسيما بعد الإطاحة بالأنظمة الحاكمة وشيوع بعض مظاهر الفوضى والانفلات وبروز توجّهات متزمتة ومتعصبة، إزاء الآخر، وخصوصاً بما له علاقة بالفن والجمال والمرأة والتنوّع الثقافي (ولاسيما للمسيحيين وغيرهم من المكوّنات الدينية أو الإثنية) . وقد اتّسمت الفوضى الجديدة، بانتشار دعوات وأطروحات أخذت تطير على جناح السرعة بل وتتردد على لسان بعض رجال الدين والمتعصبين من الإسلامويين أو السلفيين أو “الإسلاميين”، أو غيرهم بالتكفير بدل التفسير والتأثيم والتحريم والتجريم، وما أسهل إصدار الفتاوى وتحشيد الناس وشحنهم دينياً أو طائفياً أو غير ذلك، خاصة في ظروف التخلّف والفقر وشحّ الحريات والمعارف .

لم تصغ حكومة “طالبان” إلى مناشدات العالم كلّه وهو يدعوها إلى الإقلاع عن فكرة تدمير التماثيل البوذية في باميان التي هي تراث يهمّ البشرية برمتها، ولا يخصّ أفغانستان وحدها . وكانت أوضاع النساء وصلت إلى أسوأ مستوياتها من العزل والتهميش، ناهيكم عن ممارسة العنف والإكراه وحجب الحقوق وذلك باسم “الإسلام” وتعاليمه السمحة التي لا يجمعها جامع مع مثل تلك الأطروحات المتخلفة، والتي كان الاسلام الأول قد تجاوزها قبل أكثر من 1400 سنة، فما بالك اليوم حيث حصلت المرأة على حقوقها في كثير من البلدان، وأبرمت العديد من الاتفاقيات الدولية، التي وقّعت عليها العديد من البلدان العربية والإسلامية، التي تمنع التمييز ضد المرأة وتناهضه وتؤكد مساواتها مع الرجل وتمكينها من أجل نيل حقوقها كاملة .

وإذا كان العراق قد شهد تطوراً قانونياً إزاء حقوق المرأة ووضع نسبة “كوتا” خاصة لها بمقدار 25%، فإن أوضاع النساء الاجتماعية واستمراراً لفترات طويلة من الحروب والحصار الدولي إزدادت سوءًا، وقد ارتفعت أصوات مؤثرة تدعو إلى منع الاختلاط في الجامعات لوضع حد للميوعة والتسيّب، سواءً كانت تلك الدعوات من بعض الأوساط الدينية أو من جانب جهاز التعليم العالي، أو في بعض دوائر الدولة التي تجاوزت على حقوق المرأة بحجة الحشمة في اختيار ارتداء الثياب والملابس، وقد تعرّضت النسوة إلى مضايقات كثيرة على هذا الصعيد وذكرت منظمات نسوية وحقوقية تفاصيل كثيرة، وتم التعبير عنها بصورة احتجاجات وأعمال رفض .

لقد واجهت دعوات عدم الاختلاط ومبرراتها “الدينية” ردود أفعال شعبية قسم منها عفوي، لاسيما في قطاع الطلبة وتنظيماتهم الطلابية، حيث احتدم المشهد بين الطلبة أنفسهم، فقسم منهم مؤيد للقرار انطلاقاً من توجهات دينية وآخر معارض من توجهات علمانية، حول مغزى ودلالة تلك الإجراءات، التي ترافقت مع حملة  ضد وجود تماثيل ومنحوتات وبعض الأعمال الفنية في أكاديمية ومعهد الفنون الجميلة، حيث امتنع أحد المسؤولين عن زيارتها بسبب ذلك، بزعم أنها محاكاة للجاهلية، وهي صنف من الأصناف التي ينبغي أن تُزال .

ويتكرر اليوم مثل هذا الأمر في مصر، بعد دعوات لمنع كتب وتأثيم تصرفات وهدر دماء مثقفين وعقوبات بحق فنانين مثل عادل إمام نموذجاً وغيره، أو كما حصل في السابق لنجيب محفوظ وفرج فودة ونصر حامد أبو زيد وغيرهم، وكتب مثل ألف ليلة وليلة ورواية وليمة لأعشاب البحر وغيرها .


لعل أساس الربيع العربي المنشود كان دفاعاً عن الحرية، والعدالة الاجتماعية، والكرامة الإنسانية، وفي ذلك تقديس للجمال في ذاكرة الانسان وليس تدمير وإجهاض رغبات الانطلاق والتحرر، بحجج وذرائع مختلفة، وهو الأمر الذي انتبه إليه التيار الإسلامي، ولاسيما حزب النهضة في تونس، فبادر إلى تأكيد احترام حقوق المرأة ومكتسباتها التي حصلت عليها في العهد السابق وعدم المساس بها .

وليست الدعوات التي تريد النيل من حقوق المرأة أو من بعض مظاهر الجمال والفن والأدب والحرية، سوى شكل من أشكال التوحّش الاستبدادي، وهو لا يختلف في جوهره عن التوحّش السلطوي الذي مارسته الأنظمة السابقة، ولا يمكن محاكمة الفن والأدب وفقاً لمعادلات رياضية أو أرقام صمّاء، لقياسهما بالمسطرة، فعالمهما فسيح ويملك من الخيال والرمزية والتوريات وزوايا النظر الكثير، بحيث لا يمكن حصره أو تقنينه في أطر ضيّقة أو قوالب جامدة .

لقد أطلق الصحافي البريطاني روبرت فيسك تعبير “موت التاريخ” عندما تحدث عن تدمير الآثار العراقية، من جانب قوات الاحتلال وسرقة ونهب ممتلكات ثقافية لا تقدّر بثمن، وأي عمل بهذا الشأن يتجاوز على حق الإنسان في الجمال، إبداعاً أو استمتاعاً، أو تأثراً أو تجلّياً أو غيره، ويصبّ في هذا الاتجاه، إنما يراد به “موت الحرية” أيضاً .

ما يحصل في مصر التي تعرّضت هي الأخرى متاحفها للنهب والسرقة والتخريب، ليس سوى شكل متشابه في الجوهر مع ما حصل في أفغانستان والعراق وبلدان أخرى، وإنْ كانت التجربة العراقية قد حرّضت بعض النخب المصرية ودفعت جمهوراً واسعاً لحماية المتاحف عشية الثورة وخلالها وبعد انتصارها، في حين أن القوات المحتلة تركت الأبواب مفتوحة ومشرّعة، “وكل مال سائب يغري بالسرقة كما يقال”، فما بالك ببلد محتل ومنكوب بعد دكتاتورية طويلة، وتتحمل قوات الاحتلال مسؤولية هذه الخسارة العراقية الفادحة للممتلكات والآثار الثقافية والتي لا تقدّر بثمن، وقد أكدت ذلك التقارير الدولية طبقاً لاتفاقيات جنيف لعام 1949 وملحقيها لعام 7791 .

إن تدمير الجمال والفن ومعاقبة التاريخ والحرية ليس سوى اعتداء آخر على خصوصية الإنسان وكرامته وتاريخه، وهي فصول موازية للقهر السياسي والفقر الاقتصادي والإذلال الاجتماعي، بشحّ الحريات والعوز والتهميش .

ويعني الانتقام من التاريخ محاولة محو الذاكرة الجماعية للشعوب ومناخاتها وفضاءاتها الطبيعية حيث عاش الإنسان الأول، لاسيما في الحضارات القديمة المعروفة ببلاد الرافدين والنيل وغيرها، والهدف هو تصحير الذاكرة وتجفيف منابعها، وإحلال العنف، بل وغريزته الحيوانية، وذلك خلافاً للأهداف التي انطلقت الثورات من أجلها . ولعل كل عنف منفلت يولد الخوف، وهذا نقيض التطور الإنساني والأخلاقي لتحقيق السلام والتسامح واحترام الكرامة الانسانية ومبادئ المساواة .

إن تنمية عوامل الجمال والإحساس به وتمثله وجعله عنصراً ملازماً لحياتنا وحقوقنا الثقافية، هو حق من حقوق الإنسان، وينبغي على الحكومات حمايته، وهو واجب عليها أيضاً، فرغبة الانسان في استحضار طفولته واستعادة طفولة الأرض ذاتها وأسرارها وخباياها، هي رغبة أصيلة لدى البشر، لاسيما في مواجهة القبح والعنف والخوف .

إن الدولة مسؤولة عن حماية الجمال والفن والأدب وكل ما يضمن الخصوصية والتنوّع والتعددية، ولا يمكن لأية جهة مهما أطلقت على نفسها من مسمّيات أن تقرر بأنها صاحبة الحق في التصرف بذوق الانسان وعقله، لاسيما إزاء قيم الجمال والحرية، مهما كانت دعاواها، وفي الوقت نفسه فهو واجب على المجتمع الدولي لمنع سيادة العنف والقبح والتخلّف وفرض قيم محددة، والاّ فإن الدولة ستنتهي كونها دولة، لأن من واجبها الأول حماية أرواح وممتلكات الناس وأمنهم وتقدمهم، كما هو حماية النظام والأمن العام، ومن دون هاتين الوظيفتين، فإن الدولة ستكفّ أن تكون دولة، ولا بدّ للمجتمع الدولي أن يتوقف عن التعامل معها كدولة ذات سيادة، طالما تقوم على العنف والقبح والخوف وفرض نمط حياة معين، والأمر لا يتعلق بالدول المتخلّفة وحدها التي تتصرف نقيضاً للجمال أحياناً في بلدانها، لكن بعض الدول المتقدمة تسلك سلوكاً متوحشاً إزاء أمم أخرى، تحت واجهات تمدينية أو استعمارية استيطانية أو غيرها .

ولكي تقوم الدولة بهذه المهمات، فلا بدّ من وجود مجتمع مدني قوي، مكمّل وشريك وقوة اقتراح للدولة ورقيب وراصد لها في الوقت نفسه، وإن كان من خارجها، لأنه لا يسعى للوصول إلى السلطة وليس ذلك من مهماته، وهدف هذه المؤسسات هو تطوير المسؤولية الاجتماعية للدفاع عن وجود الانسان (الفرد) وحماية خصوصيته بهدف توسيع ثقافة السلام والتسامح واللاعنف .

إن “رحلة” الدفاع عن حقوق الإنسان هي واحدة من أهم المغامرات الإنسانية في تاريخ البشرية، والتي تعاظمت في منتصف القرن العشرين ولاسيما بعد صدور ميثاق الأمم المتحدة في حزيران (يونيو) 1945 والاعلان العالمي لحقوق الإنسان في 10 ديسمبر/كانون الأول ،1948 وفيما بعد العهدين الدوليين للحقوق المدنية والسياسية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية العام 1966 .

لكن هذه المغامرة التي أصبح الجميع يقرّ بالانتماء إليها أو على أقل تقدير لا يمكن إعلان الوقوف ضد منظومتها، تعرضت، لاسيما في السنوات الأخيرة إلى محاولات لتدمير القيم الجمالية والأخلاقية المعنوية التي امتازت بها، وخصوصاً الحقوق والحريات، سواءً ما حصل في سجن أبو غريب أو سجن غوانتانامو أو في السجون السرية الطائرة والعائمة أو في بناء جدار الفصل العنصري واستمرار اغتصاب حقوق الشعب العربي الفلسطيني، أو تدمير معاني الجمال والفن والنزوع إلى الغرائز العنفية الحيوانية . ولهذا يبقى الحق في الجمال حق أصيل لا يمكن إخضاعه لأية اعتبارات دينية أو إثنية أو مذهبية أو سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية أو غير ذلك .

* باحث ومفكر عربي


223
المساءلة والحقيقة في بعض تجارب العدالة الانتقالية   

 
عبدالحسين شعبان
يعتبر موضوع الإفلات من العقاب “المساءلة الجنائية” لمرتكبي جرائم الاختفاء القسري أو التعذيب أو بقية انتهاكات حقوق الإنسان الجسيمة، إحدى القضايا العقدية في موضوع تجارب الانتقال الديمقراطي، خصوصاً تلك التي حدثت بانتهاء نزاعات سياسية مسلحة والعودة إلى الحكم المدني أو نزاعات سياسية صاحبها نشوء حالات عنف مسلح أو تطورات من داخل السلطة السياسية بإنهاء حكم تسلطي أو استبدادي والتوجه صوب الديمقراطية، ذلك أن هذا الخيار بما فيه من نبل إلاّ أنه ظلّ ملتبساً وخاصة إزاء المآسي التي تعرض لها الضحايا سواءً خلال النزاعات المسلحة والحروب الأهلية أو الحكم العسكري أو الأنظمة السلطوية الاستبدادية .

وكان هذا الموضوع محور نقاش معرفي معمّق في ندوة في تونس نظّمها “مركز الدراسات الوطنية” و”الاتحاد الوطني الحر” . ولعل موضوع المساءلة لا يواجه تونس وحدها وإنما يواجه جميع البلدان التي شهدت تغييرات في ما سمّي بالربيع العربي، كما أنه سيكون حاضراً في جميع تجارب الانتقال الديمقراطي في المستقبل .

وإذا أردنا العودة إلى القواعد المعيارية بالنسبة إلى القانون الدولي الإنساني أو القانون الدولي لحقوق الإنسان، فإن مساءلة المرتكبين وتقديم الجناة إلى القضاء هما اللذان يمكن اللجوء إليهما، فهذه هي القاعدة العامة، لكن الوقائع وضعت بعض الدلالات بشأن الإفلات من المساءلة خصوصاً بتداخل السياسي بالقانوني أحياناً .

وإذا كان الفريق العامل الخاص بالاختفاء القسري قد وضع مسطرة فيها 10 شروط لحالات الاختفاء القسري ( العام 1993- الدورة ال50 للجنة حقوق الإنسان) بهدف عدم الإفلات من العقاب، فإن عوائق وضغوط بالغة اعترضت تطبيق مبادئ العدالة الانتقالية، وهي شروط سياسية وقانونية، فعلى سبيل المثال، في الأرجنتين ظل موضوع الإفلات من العقاب هاجساً قائماً على الرغم من انتقال السلطة إلى المدنيين وتشكيل الهيئة الوطنية حول اختفاء الاشخاص 1983 .

وبرّرت الحكومة الأرجنتينية في ردّها على تقرير الفريق الخاص المعني بالاختفاء القسري العام 1993 (مداخلتها أمام لجنة حقوق الانسان-1993) بما يلي: “واتساقاً مع نظرية أن المذنب ينبغي محاكمته، كانت الضرورة تقتضي أن يوضع عدد كبير جداً في أقفاص الاتهام من الفاعلين المباشرين وغير المباشرين، ومن يلزم من أعوانهم وشركائهم والمتواطئين معهم ومساعديهم، وفي داخل هذه الفئات كان سيتعيّن تطبيق القانون على غالبية الضباط وضبّاط الصف في القوات المسلحة وقوات الأمن، بل المجنّدين المشاركين في أعمال غير قانونية، وفضلاً عن ذلك فإن التحقيقات كانت ستكشف عن المدى الكامل لمسؤولية آلاف الموظفين المدنيين في الحكومة المركزية والسجون وإدارة البلديات والمستشفيات وجميع المؤسسات الضالعة في أعمال القمع، فضلاً عن آلاف الشركاء المدنيين، ولو أمكنت تلبية هذا الطلب لأدّى ذلك إلى تفجير حالة من الفوضى” .

لعل تجربة الأرجنتين من حيث شمولها واتساعها ولاسيما في موضوع المرتكبين تقترب من تجارب البلدان الاشتراكية السابقة، وكذلك من التجربة العراقية في الماضي والحاضر، وإذا كانت مسؤولية الماضي الأساسية تقع على عاتق النظام السابق وأجهزته الأمنية والحزبية سواءً عمليات الاختفاء القسري والتعذيب أو التهجير أو القمع الجماعي، لاسيما بحق الكرد بشكل عام والكرد الفيلية بشكل خاص، وكذلك خلال الحملات المعروفة باسم الأنفال فضلاً عن قصف حلبجة بالسلاح الكيمياوي 16-17- آذار (مارس) العام 1988 خلال الحرب العراقية- الإيرانية وما بعدها أو خلال الانتفاضات الشعبية ولاسيما في جنوبي ووسط العراق وفي كردستان وفي فترة الحصار الدولي، فإن الانتهاكات الجسيمة والصارخة لكامل منظومة حقوق الإنسان تقع على عاتق قوات الاحتلال أيضاً والحكومة العراقية ما بعد الاحتلال، وقد كشفت أحداث سجن أبو غريب والسجون الأمريكية، إضافة إلى سجون وزارة الداخلية، حجم الانتهاكات التي تتحملها بموجب قواعد القانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف لعام 1949 وملحقيها لعام ،1977 ولا يعفي ذلك الجماعات المسلحة والإرهابية من مسؤوليتها هي الأخرى، لما يحصل من أعمال عنف وإرهاب دون احترام القوانين والأعراف الدولية .

لذلك لو أريد فعلاً تقديم جميع المرتكبين وذيولهم إلى القضاء في تونس ومصر وليبيا واليمن والبلدان التي ستشهد تغييرات لاندلعت فوضى عارمة ربما أكبر بكثير مما نشهده اليوم في ظل إرهاصات وتخندقات قد تؤدي إلى احترابات لا تحمد عقباها، ولكن ذلك لا يعفي المرتكبين من العقاب ومن المساءلة لجرائم لا تسقط بالتقادم، لكن السبيل للوصول إلى هذه النتيجة لا يمكن اقتباسه أو تقليده بشكل أعمى من تجارب سابقة، ولكل بلد خصوصيته، وقد يختار طريقاً غير مطروق، ولكن دون إهمال القواعد العامة المشتركة لمبادئ العدالة الانتقالية .

ولهذا فإن فريق العدالة الانتقالية على المستوى الدولي كان قد أكّد المصالحة الوطنية باعتبارها السبيل الممكن، والأقل كلفة والأوفر حظاً للوصول إلى مسار الانتقال الديمقراطي بتحديد المسؤوليات وكشف الحقيقة وجبر الضرر وتعويض الضحايا وإجراء إصلاح مؤسسي ضروري في الأجهزة الحكومية القانونية والقضائية وخصوصاً الأمنية، إضافة إلى دور المجتمع المدني التنويري في نشر وتعميق الثقافة الديمقراطية والحقوقية، ولمنع عودة الماضي .

التجربة الثانية التي استبعدت خيار الملاحقة الواسعة لاسيما للفاعلين السياسيين الذين كانوا يتفاوضون حول الوضع الحساس للانتقال الديمقراطي استناداً إلى سلطة القانون واحترام حقوق الانسان، هي تجربة جنوب إفريقيا، وكان نلسون مانديلا قد دعا إلى التفكير في المستقبل بدلاً من الاستغراق في الماضي مؤكداً المصالحة الوطنية .

يقول بوذا: إذا رددنا على الحقد بالحقد فمتى سينتهي الحقد؟ وكان غاندي قد قال: لا أحبّذ التسامح، لكني لا أجد وسيلة أفضل منه . وقد ربط ابن خلدون الظلم بالخراب مثلما ربط العدل بالمساواة والعمران .

لكن موضوع المساءلة ظل يثير أسئلة متناقضة وحادة: فوفق أي اعتبارات يمكن ملاحقة المرتكبين، هل استناداً إلى قوانين قديمة كانت نافذة في العهد السابق أو استناداً إلى قوانين جديدة يتم تشريعها حالياً ويخضع لها المهتمون بأثر رجعي . ولعل تجربة البلدان الاشتراكية السابقة تقدم أكثر من نموذج بخصوص التواصل والاستمرارية القانونية أو القطيعة والفصل مع الماضي، فبولونيا وهنغاريا، على سبيل المثال، اختارتا فقه التواصل، ولهذا كان عدد الذين تمت مساءلتهم قليلاً ومحدوداً، في حين اختارت ألمانيا الديمقراطية، فقه القطيعة لاسيما بعد انضمامها إلى جمهورية ألمانيا الاتحادية، حيث خضع المهتمون بالارتكاب إلى القوانين الألمانية الاتحادية، أما تشيكوسلوفاكيا فقد اختارت في بداية الأمر فقه القطيعة لكنها عادت واختارت فقه التواصل، خصوصاً عشية انتقال السلطة سلمياً وبصورة سلسة من النظام الشمولي إلى النظام الديمقراطي الجديد .

أما تشيلي فبعد مرور 10 سنوات على عودة الحكم المدني، فقد حدث تطور مفاجئ بإيداع بينوشيه رهن الإقامة الجبرية تمهيداً لمحاكمته بعد احتجازه في بريطانيا ومطالبة القضاء في إسبانيا بمحاكمته . وكان الجيش بقيادة بيوشيه قد أصدر قانوناً للعفو الذاتي، خلافاً لتجربة جنوب إفريقيا التي لم تقر مبدأ العفو وكذلك تجربة الأرجنتين حين كان العفو آخر المسلسل . لكن كشف الحقيقة وتحديد المسؤوليات كان المرتكز للمصالحة الوطنية وطي صفحة الماضي لاحقاً .

لقد شكّل موضوع الكشف عن الحقيقة أحد أهم التحديات الكبرى في تجارب الانتقال الديمقراطي بعد المساءلة الجنائية، ولعل الكشف عن الحقيقة يشكل أحد اختيارات صدقية رجال السياسة والقانون! ويمكن إدراج ثلاث ضرورات ومبررات للكشف عن الحقيقة .

* الأول- رغبة الضحايا وعائلاتهم حين كانت الأسئلة تتواتر: لماذا تم كل ذلك؟ كيف حصل؟ من المسؤول؟ لماذا وقعت كل تلك الانتهاكات والتجاوزات؟ أين الحقيقة؟ أي أماكن دفن الضحايا؟ إلى غير ذلك من الأسئلة المشروعة والإنسانية .

الثاني- الرغبة في عدم طمس الماضي، فالماضي أساس الحاضر والمستقبل ولا بدّ من توحيد وتوثيق الذاكرة، ولا بدّ أيضاً من معرفة تفاصيل ما حدث!! لكيلا ننسى!؟

* الثالث- الرغبة في معرفة الحقيقة كاملة بكل عناصرها! والسؤال: هل يمكن معرفة كل شيء؟ هل بإمكاننا إدراك ما حصل بتقادم السنين، وربما يرغب بعض صناع القرار مثل ذلك، مثلما يذهب البعض ممن أرادوا النسيان! لكن تجارب العديد من البلدان حتى الآن لم تتوصل إلاّ إلى نتائج محدودة .

لكن الحقيقة بذاتها ولذاتها تجلب قدراً من التطهّر الروحي الإنساني للفرد والمجتمع، وتشكّل عنصر ردع مستقبلي ضد الانتهاكات سواء الإدلاء بشهادات أو روايات حتى وإن اختلطت معها أحداث اجتماعية أو سياسية أو قانونية، لكنها كإقرار حقوقي مهم لتشكيل مدلول قانوني يشحذ الذاكرة ويعيد الاعتبار إلى الضحايا ويسهم في تعزيز العدالة الانتقالية وبالتالي يوفر أساساً للمصالحة الوطنية وللانتقال الديمقراطي .




224
الأسرى الفلسطينيون والوعي النقدي المطلوب!
   
   
عبد الحسين شعبان
 
كان تأسيس "إسرائيل" في 15 مايو/ أيار عام 1948 محطة متقدمة وأساسية لتطور المشروع الصهيوني، الذي كانت محطته الأولى انعقاد مؤتمر بال (بازل) في سويسرا عام 1897 والذي دعا طبقًا لأطروحات هيرتزل الأب الروحي للصهيونية، إلى تأسيس دولة يهودية كما ورد في كتابه "دولة اليهود".

أما المحطة الثانية فقد كانت وعد بلفور الذي أصدره وزير خارجية بريطانيا عام 1917 القاضي بمنح اليهود وطنا قوميا في فلسطين، وهو الوعد الذي وصفه جمال عبد الناصر بأنه "وعد من لا يملك لمن لا يستحق"!
وكانت أخطر المحطات وأكثرها حسمًا لبلورة انطلاقة جديدة للمشروع الصهيوني هي صدور قرار التقسيم من الأمم المتحدة الذي على أساسه تم تأسيس دولة "إسرائيل" على نحو مشروط من جانب الأمم المتحدة مع تأكيد احترامها لميثاقها الداعي إلى حفظ السلم والأمن الدوليين، لكن ذلك كلّه كان مناورة لكسب الرأي العام وللسيطرة على المزيد من الأراضي الفلسطينية وطرد عرب فلسطين من وطنهم.
وعلى الرغم من النضال البطولي للفلسطينيين والعرب للتصدي للعدوان "الإسرائيلي" المتكرر والمستمر والدفاع عن حق تقرير المصير وحق إقامة الدولة الوطنية المستقلة وعاصمتها القدس، وعودة اللاجئين الفلسطينيين، فإن العمل الوطني الفلسطيني والعربي في مقاربته لهذه القضية ظل يدور في إطار أزمات متكررة وقصور ذاتي وفهم مشوش وملتبس للعلاقات الدولية، وإذا كانت الأزمة تولد الأزمة حسب ماركس، فقد كانت الأزمات الفلسطينية والعربية تتوالد والتراجعات تتناسل، وهو الأمر الذي نجم عنه ضياع فلسطين كاملة، بل معها أراض عربية أخرى ما زالت تحت الاحتلال، بما فيها الجولان وجزء من مزارع شبعا اللبنانية.
ولو استعدنا التاريخ الفلسطيني والعربي منذ ما يطلق عليه النكبة، لرأيناه ليس بعيدًا عن تاريخ الصراع العربي "الإسرائيلي"، فقد كان قيام "إسرائيل" وتمددها العدواني الإجلائي الاستيطاني، وقضمها للأراضي العربية، عامل إبطاء وتعطيل للمشاريع التنموية العربية ولقضايا الإصلاحات والديمقراطية في الوطن العربي كلّه من أقصاه حتى أقصاه، وحتى الدول العربية البعيدة نسبيًّا عن دائرة الصراع أو من غير دول المواجهة فقد تأثرت وانشغلت بالصراع العربي "الإسرائيلي"، ولم يكن هناك بدّ من ذلك، لأن الأمر ليس برغبتها أو ضمن قراراتها، خصوصًا أنه يتعلق بإستراتيجيات كونية، ولاسيما في فترة الحرب الباردة والصراع الأيديولوجي بين الشرق والغرب.
لعل الوعي العربي الذي تأسس في الأربعينيات والخمسينيات وما بعدهما كان يقوم على اعتبار أن كل ما حصل هو من فعل مؤامرة خارجية فقط، دون تحديد القصور الذاتي ومسؤولية الجهات الفلسطينية والعربية فيما وصلت إليه أوضاعنا، خصوصًا الاستخفاف بشعوبنا وقمع حرياتها، وكانت الذريعة على مدى ما يقارب ستة عقود ونصف من الزمان أننا في مواجهة مع العدو الذي يدّق الأبواب، لذلك علينا مقايضة الديمقراطية والتنمية والعدالة الاجتماعية بالعسكرة وتكديس السلاح و"كل شيء إلى المعركة"، دون أن نستعدّ فعليًّا لذلك.
ولعل استخدام السلاح يحتاج إلى المعرفة والعلم وهما في أدنى مستوياتهما في عالمنا العربي، حيث لا تزال الأمية مستشرية والتخلف متفشيًا وهناك ما يزيد عن 71 مليون أمي، وهذه نسبة الأمية الأبجدية وحدها، وهي غير الأمية المعرفية. وكان تقرير التنمية البشرية قد ذكر أن معدّل ما يقرؤه العربي نصف صفحة في العام، في حين يقرأ الأميركي 10 كتب سنويًّا و"الإسرائيلي" "العدو حتى العظم" ستة كتب، وتلك مفارقة كبرى، فإذا كان من المأثور "اطلبوا العلم ولو في الصين" أو "اطلبوا العلم من المهد إلى اللحد"، فإن ما يفصلنا عن تمثل مثل هذه الآراء القيّمة والعظيمة هو هوّة ساحقة ومسافة شاسعة، "وهل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون" كما يقول القرآن الكريم، وهو الخطاب الذي نحاجّ به من يدعو إلى الدين باعتماد النقل وليس العقل وكأن الدين نقيض للعلم والمعرفة.

وإذا استمرّت حالتنا على ما نحن عليه، لاسيما في ظل الاحتراب العربي والاستقطابات الدينية والطائفية والمذهبية والإثنية والابتعاد عن جوهر فكرة المواطنة والمساواة والحرية التي تمثل جوهر ما ثار الشباب العربي من أجله، فإن فلسطين ستذهب إلى خبر كان، بل الأكثر من ذلك فسيكون العالم العربي في إطار كانتونات ودوقيات ومناطقيات لأقليات وتجمّعات ستكون "إسرائيل" هي الأقوى بينها حسب مشروع عوديد ينون لعام 1982.
وإذا كان الشعب العربي الفلسطيني حتى الآن لم يستسلم ولا أظنه سيستسلم يومًا من الأيام، لأن من لا يقاوم الاحتلال إنما هم العبيد وحدهم، ولا أعتقد أن عرب فلسطين: مسلمين ومسيحيين ودروزا وحتى يهودا هم كذلك، بل هم شعب من الأحرار، تكالبت عليهم عوامل خارجية وداخلية، في محاولة لإذلالهم وسلب حقوقهم، لكنهم لن يدعوا عدوهم ينعم بالراحة في بلادهم!
ولعل "إسرائيل" تدرك ذلك، فعلى الرغم من كل ما حققته فإنها هي الأخرى تعيش أزمات متلاحقة، بما فيها الصراع بين السفرديم والأشكيناز (وهم اليهود الشرقيون واليهود الغربيون) ويشعر سكانها بقلق مستمر في مجتمع أقرب إلى العسكرة والتهديد وشن الحروب المستمرة إزاء شعب لم تنكسر إرادته حتى الآن، بل إن عزلة "إسرائيل" تزداد على المستوى الدولي أيضا، بما فيها يهود العالم.
وقد شهدت الأيام القليلة المنصرمة تضامنًا عالميًّا مع الأسرى الفلسطينيين في السجون "الإسرائيلية"، ووقفت إلى جانبهم منظمات وقوى دولية، وشخصيات حقوقية وإنسانية مرموقة، وفي الأساس فإن هؤلاء تضامنوا ضد العنصرية الصهيونية وممارساتها وسياساتها إزاء شعب فلسطين، وهو ما كان مؤتمر ديربن ضد العنصرية، قد تبنّاه عام 2001.
لعل نقد الوعي العربي والفلسطيني يتطلب إعادة النظر فيما وصل إليه الحال سواءً ما تم في اتفاقيات أوسلو أو بخصوص الحل النهائي بحيث يشمل اللاجئين طبقًا للقرار 194 لعام 1948 والقدس والحدود وتفكيك المستوطنات وجدار الفصل العنصري، إضافة إلى إقامة دولة وطنية فلسطينية قابلة للحياة وحرّة ودون اشتراطات، وذلك يتطلب إرادة سياسية جديدة موحدة، عابرة للفصائل والتجمّعات، فإذا اختارت التفاوض والدبلوماسية، فلا ينبغي لها إسقاط حق المقاومة، وإن اعتبرت المقاومة هي الوسيلة الأساسية للكفاح، فلا ينبغي أن تستبعد المفاوضات، فوراء كل مفاوض ناجح، هناك سياسي ناجح ووعي سليم، ووراء كل قضية قانونية، هناك قضية سياسية وفي كل قضية سياسية هناك جوانب قانونية وشرعية لا بدّ من مراعاتها، باعتبارها ثوابت غير قابلة للتصرف أو التنازل، مثلما هو حق تقرير المصير.
أما المفاوضات التي لا تستعيد الحقوق فإنها ستؤدي إلى تفتيت الوضع الفلسطيني، فالتفاوض عمل جدي يحتاج إلى المعرفة والدراية والحنكة، والقبول بالتفاوض على الحق يعني قبول التنازلات، لكنها يفترض أن تكون تنازلات متبادلة وإلا على ماذا سيكون التفاوض دون الوعي بالقوة والسعي لامتلاكها من خلال بدائل وخيارات لغير التفاوض، وهنا لا بدّ للسياسي ولاسيما المفاوض من الإمساك بزمام المبادرة وعدم الانتظار أو تلقي ما يطرحه العدو، إذ إن ذلك سيجعله يتلقى ضربات وفي أحسن الأحوال سيردّ عليها سلبيًّا.
إن نقد الوعي الفلسطيني والعربي والشعارات التي اعتمدناها على مدى عقود من الزمان والعمل في إطار الواقعية السياسية والصلابة المبدئية مع المرونة الثورية المطلوبة، ضرورة لا غنى عنها، للتخلص من الشرنقات والثقّالات التي أعاقت العمل الوطني الفلسطيني والعربي.
ولعل ذلك يحتاج إلى رؤية جديدة لطبيعة الصراع، دون أوهام أو دون إسقاط الرغبات على الواقع، كما يتطلب العمل على كسب المجتمع الدولي في إطار سياسة دبلوماسية موحدة وهجوم سلمي يعيد لمنظمة التحرير الفلسطينية هيبتها وعنفوانها، ولعل استثمار قضية الأسرى والذهاب بها إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة وإلى محكمة العدل الدولية للحصول على فتوى أو رأي استشاري لبطلان الإجراءات "الإسرائيلية"، هو واحد من المنطلقات الجديدة التي يمكن استحضارها في ذكرى اغتصاب فلسطين




225
اشتراكي جديد في قصر الإليزيه   

عبدالحسين شعبان
أخيراً حسم الفرنسيّون موقفهم وانتخبوا الرّئيس فرانسوا هولاند مرشّح اليسار وانهزم أمامه مرشّح اليمين نيكولا ساركوزي بعد ماراثون انتخابي مضنٍ، حيث عاد ممثل الحزب الاشتراكي إلى سدّة السلطة خلفاً للرئيس الفرنسي الرّاحل فرانسوا ميتران، الذي فاز في انتخابات العام 1981 الذي مثّل في حينها دائرة أوسع من الاشتراكيين واليساريّين، حين صوّت لجانبه الجمهوريّون وبعض قوى الوسط، وهو الأمر الذي تكرّر اليوم بفوز فرانسوا هولاند، الذي يطلق عليه “فرانسوا الثاني” تواصلاً مع فرانسوا ميتران “رقم 1” أو “فرانسوا الأوّل” .

ووفقاً للنتائج فاز المرشح الاشتراكي هولاند بنسبة 51،9% من الأصوات وبذلك يصبح هولاند زعيماً لإحدى الدول المهمّة في العالم التي تملك السلاح النّووي، وهي عضو في مجلس الأمن الدّولي، وتلعب دوراً رئيساً في الاتحاد الأوروبي، فضلا عن علاقاتها مع العديد من دول العالم الثالث الإفريقيّة والعربيّة .

كان الرّئيس السابق ساركوزي قد وعد المراقبين بمفاجأة كبرى يوم 6 مايو/ أيار بعد أن أظهرت استطلاعات الرّأي عن تقدّم هولاند عليه بنسبة 4%، لكن هذه المفاجأة لم تحصل، وتلك إحدى دروس الانتخابات الفرنسية التي تعكس وجهة نظر الرأي العام الفرنسي بشكل عام، ورأي الناخب بشكل خاصّ، حيث شهدت فترة ساركوزي الممتدّة من العام 2007 ولغاية العام 2012 (خمس سنوات) تراجعات كثيرة في الكثير من المجالات، وترافقت تلك مع الأزمة الاقتصادية والمالية العالمية، الأمر الذي انعكس على فرنسا وحليفاتها، لاسيما دول الاتحاد الأوروبي التي عانت مشاكل كبرى وأزمات خانقة، والقسم الأكبر منها مازال مستمراً، فضلا عن تخبّط السياسة الفرنسيّة الخارجيّة .

إنّ انتخاب هولاند هو انتخاب لسابع رئيس للجمهوريّة الفرنسيّة الخامسة وفقا للتحقيب الفرنسي . وقد ابتدأت هذه الجمهورية العام 1958 على يد الرئيس شارل ديغول بالانتخاب المباشر، حيث انتخب لمرّتين، لكنه لم يتمكّن من إتمام مدّة رئاسته الثانية، فاضطرّ إلى الاستقالة في العام 1969 بعد فشله في الاستفتاء الشعبي بخصوص “الإصلاحات الجامعيّة والاجتماعية والاقتصاديّة” إثر الثورة الطلابية التي شهدتها باريس وعدد من المدن الفرنسية التي ترافقت مع تحرّكات عمالية واسعة .

وقد خلف الرئيس ديغول الرئيس جورج بومبيدو الذي توفّي في العام 1974 قبل انتهاء مدّة رئاسته ليصل إلى قصر الإليزيه الرئيس جيسكار ديستان حيث استمرّ حتى العام 1981 وفاز عليه الرئيس فرانسوا ميتران الذي قضى أطول فترة رئاسية فرنسية وأمدها 14 عاماً، حيث كانت مدّة الرّئاسة آنذاك 7 أعوام . ثمّ حصل الاتفاق على تقليصها الى 5 أعوام في مطلع العام 2002 .

انتهت مدّة رئاسة الحزب الاشتراكي والرئيس فرانسوا ميتران في العام 1995 وعاد اليمين إلى السلطة حين فاز الرئيس جاك شيراك الذي حكم فرنسا حتى العام 2007 ليخلفه الرئيس نيكولا ساركوزي، الذي انهزم أمام الرئيس الجديد فرانسوا هولاند .

فاز فرانسوا هولاند كما توقعت استطلاعات الرأي، لاسيما وقد تمتّع بدعم وتأييد قوى اليسار بشكل خاص والحركة العمالية وحزب الخضر وبعض أنصار تيار الوسط الفرنسي، لاسيما رئيسه فرانسوا بايرو، في حين تراجعت شعبية ساركوزي تدريجياً على صعيد تحالفاته مع أحزاب اليمين أو على صعيد الشارع الفرنسي، فلم يتمكّن من الحصول حتى على دعم مارين لوبان زعيمة التيار اليميني المتشدّد التي قرّرت التصويت بورقة بيضاء وتركت الخيار لأنصارها لانتخاب من يرونه مناسباً .

لقد اتّهم ساركوزي بتقسيم الفرنسيين وعدم الالتزام بتعهّداته التي قطعها للشعب الفرنسي خلال حملته في العام 2007 التي قيل إنّ الزعيم الليبي السابق معمّر القذافي كان قد موّلها بخمسين مليون يورو، وهو الأمر الذي نفاه ساركوزي خلال حملته ومناظراته الأخيرة عشية الانتخابات، بل اعتبره أمراً لا أخلاقياً، وكان عدد من القياديّين الليبيّين السابقين قد أكّدوا حصول مثل هذا الدّعم، وهو الأمر الذي فعله سابقاً الرئيس العراقي صدام حسين حين دعم جاك شيراك في العام ،1995 وقيل إنّه دعم الرئيس جيسكار ديستان في السبعينات أيضاً .

وشهدت فترة ولاية ساركوزي انخفاض مستوى النموّ الاقتصادي، تلك التي اتّسمت بالانكماش واتساع نطاق البطالة وتدهور القدرات الشرائية للناس وتراجعت روح المنافسة، كما اتّهم من جانب خصومه بالفساد والرّشى . ولعلّ واحداً من أسباب نجاح هولاند هو الشعارات المعاكسة التي رفعها ضدّ شعارات وتصرّفات ساركوزي مثل شعار “توحيد الفرنسيّين” وشعار “العدل والمساواة” و”منح الشباب مستقبلاً أفضل”، وقد طغى على حملته الانتخابية شعار “الآن” وكأنّه صدى لثورات الرّبيع العربي التي ابتدأت من تونس إلى مصر وشملت قطاعات الشباب بالدرجة الأساسية في الكثير من البلدان العربية، رافعة شعارات تدعو إلى الحرية والكرامة ومحاربة الفساد .

أراد هولاند أن يقدّم نفسه وتيّاره الاشتراكي بشكل خاصّ واليسار بشكل عامّ باعتباره تيار التغيير على أساس توحيد الفرنسيّين، في إشارة إلى خصمه ساركوزي المتّهم بتفريق الفرنسيّين، في حين أنّه يريد هو توحيدهم وتجميعهم، وهو جوهر رسالته التغييريّة للناخب الفرنسي الذي قال له: لقد حلّ موعد التغيير “الآن”، إذ لم يعد الانتظار مقبولاً .

وتحت شعار “الآن” عاد الاشتراكيون واليسار إلى سدّة الرئاسة بعد غياب دام 17 عاماً، ولم تنفع كلّ الوعود التي أرادها ساركوزي أن تصبح حقيقة، باللّعب على عنصر المفاجأة والتأثير النفسي ومحاولة مخاطبة ما يطلق عليه “الأغلبيّة الصّامتة” واستنهاض قوى اليمين، لاسيما المتطرّف لممارسة دورهم والإدلاء بأصواتهم لمصلحته .

فرانسوا هولاند أو فرانسوا الثاني أو فرانسوا “رقم 2” هذا هو الرئيس السابع للجمهورية الفرنسية الخامسة، والذي سيحكم فرنسا إلى العام ،2017 فماذا سيكون موقفه إزاء أزمة الوحدة الوطنية الفرنسية وارتفاع تيّار التشدّد والتّعصّب، لاسيما ضدّ الأجانب بشكل عامّ والعرب والمسلمين بشكل خاصّ، في ما يتعلّق بالحجاب وممارسة بعض الطقوس الخاصّة، التي يعتبرها البعض جزءاً من الخصوصيّة، في حين اعتبرها التيار اليميني المتشدّد تجاوزاً على العلمانية الفرنسيّة وعلى الثقافة الاندماجيّة الموحّدة .

ثمّ ماذا سيكون موقفه إزاء أزمة الاتحاد الأوروبي، وخصوصاً انهيار اقتصاديات بعض دوله؟ ولولا المساندة القوية لما تمكّن اقتصاد اليونان والبرتغال أو حتى إسبانيا من الصمود، وبعد ذلك ماذا سيكون الموقف إزاء استمرار وضع اليورو في حالة من عدم الاستقرار؟ وكيف السبيل لسياسة فرنسية متوازنة إزاء الولايات المتحدة، سواء في إطار الاتحاد الأوروبي أو على أساس مستقلّ ومنفرد؟

كيف سيتعاطى الرئيس الجديد في فرنسا مع القضايا العربية ولاسيما القضية الفلسطينية، حيث لايزال الشعب العربي الفلسطيني محروماً من حقوقه الثابتة وغير القابلة للتصرّف، وفي المقدمة منها حقّه العادل والمشروع في إقامة دولة مستقلّة وعاصمتها القدس على أساس حقّ تقرير المصير المبدأ القانوني الدولي المعروف وارتباطاً مع حقّ عودة اللاّجئين؟ وكيف سيتصرّف فرانسوا هولاند إزاء غزّة المحاصرة منذ خمس سنوات ويستمر عدوان “إسرائيل” عليها على نحو صارخ وخلافاً للقانون الدولي؟ وما توجّهات الرئيس الفرنسي الجديد إزاء الاستيطان والدولة اليهودية النقية وجدار الفصل العنصري وغيرها من الأسئلة والاشكالات إزاء بؤرة التوتّر العربية  “الإسرائيلية” التي تهدّد السلم والأمن الدوليين وتؤثر في الاستقرار العالمي .

وإذا كانت تلك الأسئلة مطروحة على الرئيس الفرنسي الجديد، فماذا سيفعل العرب إزاء فرنسا والرئيس المنتخب، وما الملفات التي بحوزتهم لإدارة حوار شامل وعلى جميع المستويات مع فرنسا لصالح قضاياهم، سواءً في دول الربيع العربي أو في الدول التي مسّها الربيع العربي وتنتظر إجراءات تغييريّة بدأت في بعضها؟ سواء على مستوى علاقتها منفردة مع فرنسا أو الاتحاد الأوروبي، أو على المستوى العربي خصوصاً إزاء الصراع العربي - “الإسرائيلي”، الذي أسهم في تعطيل التنمية، وكان عقبة أساسيّة أمام سياسات الإصلاح والانتقال الديمقراطي أو مبرّراً لذلك .

هذه أسئلة الرئاسة الفرنسية بقدر ما أسئلة العرب إزاء فرنسا، فماذا سيفعل الرئيس الاشتراكي الجديد الذي وصل إلى قصر الإليزيه؟ وكيف سيتصرف العرب إزاء الإليزيه أيضاً؟


226
الهوّيـــة وأدب المنفـــى !

الدكتور عبد الحسين شعبان*

ـــــــــــ
•   مفكر وباحث أكاديمي عراقي، استشاري في عدد من المنظمات والدوريات الثقافية والاعلامية والحقوقية، له ما يزيد عن 50 مؤلفاً في قضايا الفكر والقانون والسياسة والإسلام والصراع العربي الإسرائيلي والمجتمع المدني وحقوق الإنسان والثقافة والأدب.
باستعادة رسالة الجاحظ " الحنين إلى الأوطان"(1) وهو الجد الأقدم للمثقفين العرب والمسلمين ندرك حقيقة المعاناة الإنسانية للمهاجرين أو المهجّرين أو المنفيين في عالمنا المعاصر، سواءً ما يتعلق بالمكان والذاكرة من جهة، ومن جهة ثانية ما يتعلق بالهوية والثقافة بشكل عام، وأدب المهجر بشكل خاص.
وإذا كانت العولمة اليوم قد جعلت عالمنا الشاسع والمترامي الأطراف، قرية صغيرة، فإنها بهذا المعنى أعطت فيه للمنفى ولثقافة المهجر أهمية كبيرة، لم يكن يتمتّع بها من قبل، ولم يعد بالامكان في ظل ثورة الاتصالات والمواصلات وتكنولوجيا المعلومات والطفرة الرقمية "الديجيتل" منع التواصل والتفاعل والتشارك والتداخل بين الوطن والمنفى، وبين المهاجر وثقافته الأصلية، وبين الثقافات والحضارات المختلفة والمتنوّعة، وصار من غير المجدي للدول والحكومات حجب المعلومة والرأي والقصيدة والرواية والمقطوعة الموسيقية والكتاب واللوحة، لأنها تصل بسرعة الضوء أو أسرع منه في الكثير من الأحيان.
ومع كل هذا التطور الهائل يبقى هناك شيء مختلف بين الوطن والمنفى، حيث يعيش المهاجر خارج بيئته وثقافته المجتمعية ولغته الأصلية أحياناً، حتى وإن حافظ عليها، وتلك مسألة تحتاج إلى تبصّر وتفكّر، لاسيما ونحن نتحدث عن الثقافة العربية في المهجر، سواءً في جانبها الإيجابي أو في بعض جوانبها السلبية أحياناً.
في كتابه " تأملات المنفيين"(2) يعرّف الصحافي البريطاني جون سمبسون المنفي بالقول" هو الشخص الذي لا ينسجم مع مجتمعه" ثم يعدد ست مجموعات من المنفيين لأسباب سياسية أو دينية أو قومية أو قانونية أو نفسية أو اقتصادية أو غير ذلك. ولعل هذه الشمولية في أسباب الهجرة أو التهجير أو النفي سواءً كانت قسرية أو طوعية أو بين المنزلتين تغنينا عن الدخول في دلالات المصطلح لغوياً وواقعياً، حيث أخذت تتدفق المجموعات والكتل البشرية الهائلة في عملية هروب جماعي أحياناً بسبب الحروب الخارجية والنزاعات الداخلية المسلحة والخوف من الإضطهاد الإثني والديني والمذهبي، بأبعاده الإنسانية: السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وهكذا ازدحمت بلدان المهجر بعشرات، بل مئات من المثقفين العرب وعلى دفعات مختلفة ومن بلدان متنوّعة وإن اختلفت الظروف.
وفي المهجر هناك حياة جديدة يحاول المهاجر أن يتكيّف على العيش فيها، مكتسباً عادات جديدة حتى وإن ظل محافظاً على عاداته وتقاليده وطريقة عيشه ومأكله وملبسه، لكن للمجتمع الجديد أوضاعاً مختلفة تفرض على الإنسان التواءم معها. وإذا كانت الظروف الجديدة ضاغطة على المهاجر بشكل عام والمثقف بشكل خاص نظراً لحساسيته وانشغالاته الإبداعية، فإن هذه الحياة تكتسب ملمحاً جديداً، فبقدر ما هي موجودة وقائمة، فإن المثقف يحاول أن يصنعها على طريقته ومثلما يريد، خصوصاً إذا تمتّع بالحرية المفقودة، لاسيما سعيه للحفاظ على لغته وثقافته، حتى وإنْ اكتسب لغة أخرى وكتب فيها وتعمّق في الثقافة المستقبِلة (بالكسر) وهكذا تنشأ ثقافة جديدة في المهجر لها سماتها وتحدياتها وبيئتها وعناصرها.
لقد شملت الهجرات العربية الأولى (في القرن التاسع عشر) مثقفين مثل جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة وأمين الريحاني وآخرين، الذين أسسوا "الرابطة القلمية" في نيويورك، وقد أقاموا صلات مع أدباء الوطن وكانوا الأكثر شهرة قياساً بالأدباء الذين هاجروا إلى أمريكا الجنوبية، لاسيما إلى البرازيل مثل شفيق المعلوف والياس فرحات وجبران سعادة وغيرهم الذين أسسوا " العصبة الأندلسية".
وكان المنفى آنذاك أقرب إلى "الاختيار" حتى وإن كان اضطراراً، لأسباب اقتصادية في الغالب أو بسبب الفتن الطائفية ويومها كان منتصراً على عوائل وصلات وعلاقات ومصالح باستثناءات محدودة، مثل هجرة الشاعر العراقي أحمد الصافي النجفي إلى إيران بعد فشل ثورة العشرين في العراق (1920)، وبقائه فيها ثماني سنوات وترجمته الشهيرة لرباعيات عمر الخيام، ومن ثم انتقاله إلى سوريا ولبنان(3).
لكن هجرة الخمسينيات والستينيات وما بعدها كانت أقرب إلى الهجرات الجماعية، لاسيما الهجرة الفلسطينية القسرية بعد قيام إسرائيل في 15 أيار (مايو) العام 1948 وإجلائها مئات الآلاف من السكان الأصليين لعرب فلسطين وانتقال أقسام منهم إلى أوروبا وأمريكا بمن فيهم عدد من الأدباء والمبدعين، وفي السبعينيات وما بعدها شهدت لبنان هجرة واسعة، شملت مبدعين ومثقفين، وإعلاميين، بسبب الحرب الأهلية.
وكانت الهجرة العراقية الواسعة قد بدأت على خمسة مراحل: الأولى بعد ثورة 14 تموز (يوليو) العام 1958 وفي مطلع الستينيات وخصوصاً، بعد انقلاب العام 1963 وهي هجرة محدودة جداً ولأسباب سياسية في الغالب والهجرة الثانية وهي في نهاية السبعينيات، حيث شملت عشرات الآلاف، بمن فيهم بضعة مئات من خيرة المثقفين العراقيين بسبب حملة القمع التي تعاظمت في تلك الفترة، لكن هذه الأرقام تضاعفت على نحو كبير بعد الهجرة الثالثة خلال الحرب العراقية- الإيرانية 1980-1988، ثم بدأت هجرة رابعة كبرى بعد غزو الكويت وحرب قوات التحالف وبالأخص عند فرض نظام  العقوبات الدولي بين أعوام 1990-2003. أما الهجرة الخامسة فهي التي بدأت بعد احتلال العراق واصطبغت بالاصطفافات الطائفية والاستقطابات المذهبية، فقد شملت مئات الآلاف من العراقيين بمن فيهم مئات من المثقفين والأدباء من كل الألوان والانحدارات، لاسيما بعد العام 2006.
وكانت هجرات سورية قد شملت عوائل ومجموعات سكانية محدودة، وقد كان للجيل الثاني الذي ولد في المهاجر دوراً كبيراً في التلاقح الثقافي خصوصاً بحمل الثقافتين، أو من ذوي الثقافات المزدوجة وازدادت بعد العام 1960، وشملت أعداد من المسيحيين الذين تناقص عددهم في جميع البلدان العربية، وخصوصاً في فلسطين حيث كانوا يشكّلون نحو 20% من السكان فإنهم اليوم لا يزيدون عن 1.5 %  بسبب سياسات الإجلاء والنفي وكذلك في سوريا حيث كان عددهم يزيد عن 16% فإنهم اليوم لا يشكّلون أكثر من 10%، كما شهد لبنان هجرة واسعة وخصوصاً للمسيحيين حيث بلغت حسب بعض التقديرات نحو 700 ألف مسيحي، وفي العراق تناقص عددهم خلال الخمسين سنة الماضية ولم يعودوا يشكّلون أكثر من 2% من السكان بعد أن كانت نسبتهم أعلى بكثير عند تأسيس الدولة العراقية في العام 1921، وكانت المسيحية العربية بشكل خاص والمسيحية الشرقية بشكل عام قد لعبت دوراً كبيراً في حركة النهضة العربية وفي تجديد الفكر العربي منذ القرن التاسع عشر والقرن العشرين.
لقد اتّسعت وتنوّعت أسباب الهجرة، لاسيما للأدباء والمثقفين بشكل عام وحسب المفكر الأمريكي الياباني الأصل فرانسيس فوكوياما أصبحت الهجرة ظاهرة مقلقة، بل مهددة للاستقرار العالمي، ولاسيما للغرب بشكل خاص، وكان قد حذر من تعاظم مشكلة المهاجرين واللاجئين، في كتاب " نهاية التاريخ وخاتم البشر" (4) حين أعلن منذ أواخر الثمانينيات سيادة الليبرالية، كنظام سياسي واقتصادي على المستوى العالمي، معتبراً مشكلة تدفق المهاجرين من بلدان الجنوب "الفقير" إلى بلدان الشمال " الغني" إحدى التحدّيات التي تواجه العالم المعاصر إضافة إلى النفط والإرهاب.
وقد أضاف المفكر الأمريكي صمويل هنتنغتون في كتابه " صراع الحضارات وإعادة بناء النظام العالمي" (5) بعداً جديداً على الفكرة، مفاده أن العدو المحتمل والتحدّي الأساسي لعالم ما بعد انهيار الأنظمة الشيوعية في بلدان شرق أوروبا والاتحاد السوفياتي سيكون " الإسلام" الذي يشكل تهديداً خطيراً لظفر الليبرالية على المستوى العالمي، على أساس نظريته المعروفة بصدام الحضارات وصراع الثقافات.
ومع تعاظم مشكلات اللاجئين والمهاجرين والمنفيين تبرز العديد من الإشكاليات مثل: الهوية، ومسألة الاندماج وتفرّعاتها، وقضية الخصوصية الثقافية والقومية والدينية، وكان هنتنغتون قد اعتبر الصراع الأساسي هو بين الحضارات والثقافات، وهو الأمر الذي ساد بشكل خاص بعد أحداث 11 أيلول (سبتمبر) الإرهابية الإجرامية في الغرب، الأمر الذي أعاد موضوع الهوية والاندماج والخصوصية الثقافية إلى الواجهة في سلسلة من أفعال وقوانين تم تشريعها في الغرب، وفي ردود فعل برزت من جانب المهاجرين أو من جانب حركات دينية أصولية استغلّت بعض الإجراءات التعسفية في الغرب لتعيد انتاج حتميات الصراع التناحري منظوراً إليه من زاوية أخرى، وهي الوجه الآخر لأطروحات فوكوياما وهنتنغتون  وبيان المثقفين الستين الأمريكان بعد أحداث أيلول (سبتمبر) 2001.
وإذا كان موضوع علاقة الحضارات والثقافات مطروح ستراتيجياً على المستوى الكوني، فإنه يواجه المثقفين، ولا سيما المهاجرين على المستوى الفردي أيضاً. وتظهر هذه القضية على نحو واضح وربما صارخ بالنسبة للجيل الثاني أحياناً، حيث تبدأ بمواجهة المشكلة الأكبر مع البلدان المضيفة (المستقبِلة)، خصوصاً في موضوع الهوية والاندماج، وقد تتحوّل إلى احتدام محموم فيه الكثير من المفارقات، ابتداء من الاعتراف ومروراً بمواجهة التمييز، وانتهاء بمسألة الخصوصية الثقافية، بكل جوانبها القانونية والاجتماعية، وعلى أساس التنوّع والتعددية.
رحلة المنفى
   كتب الشاعر العراقي عبد الوهاب البياتي في منفاه الخمسيني والستيني قصائد مفعمة بغنائية رقيقة وصوفية عقلانية متآلفة راسماً صوراً أليفة بألوان منسجمة، ولعل ذلك أراده تواصلاً مع الوطن أكثر من كونها تعبيراً عن الفقد واللوعة والحزن، وهذا ما ظهر في "النور يأتي من غرناطة" وفي "بستان عائشة" وهو من أجمل دواوينه، وكذلك صوفياته عن ابن عربي. وعلى نحو مختلف كتب الشاعر سعدي يوسف عن منفاه الأول في الجزائر، وخصوصاً في مجموعته الشعرية " الأخضر بن يوسف" حين حظر المنفى باعتباره واقعاً ظلّ من خلاله يتهجى الوطن" يبلل ماؤه طعم الوسادة في ليالي النوء والحسرة
ويأتي أخضراً مثل رائحة الطحالب يسمح كفه اليمنى
بغصن الرازقي أفق، أنا النهر  ألست تحبني؟
أو لم  ترد أن تبلغ البصرة ،
بأجنحة الوسادة أيها النهر
أفقت فوق وسادتي قطرة لها طعم الطحالب إنها البصرة!
أما مظفر النواب فقد كان يجد "المنفى كالحب" يسافر في كل قطار أركبه
في كل العربات أمامي
أو كما يقول
يجي يوم إنلم حزن الايام
وإثياب الصبر
وإنرد لهلنا (لأهلنا)
يجي ذاك اليوم
لجن (لكن) آني خايف
كبل (قبل) ذاك اليوم
تاكلني العجارب (العقارب)
ويودع مظفر النواب كل اوجاعه ومنفاه  وحزن روحه بالقول :

يجي ذاك اليوم
وإذا ما جاش (لم يأتِ)
إدفنوني على حيلي (طولي)
وكصتي (جبهتي)  لبغداد
لعلّي هنا أتوقّف عند رواية الكاتب والروائي الفلسطيني غسان كنفاني "رجال في الشمس" (6) في الحديث "عن رحلة النفي أو الهجرة أو اللجوء". كيف قدر لهؤلاء الرجال الذين بقوا في الصهريج ينتظرون موتهم ببطء ويأس وحتى دون حراك، فبدلاً من فتح باب الفرج، انفتح لهم باب القبر بكل صمته وظلامه. وبإيحاء كنفاني الذي كان منولوجه الداخلي عالي النبرة، يخاطب هؤلاء الرجال لماذا لا تصرخوا؟ لماذا لا تدقوا كي يسمعكم من بالخارج؟
كان خوفهم في اكتشافهم من جانب سلطات الحدود العراقية- الكويتية وهم يجتازون مفرق سفوان، هو الذي دعاهم إلى الصمت، الإذعان، وإلى الموت انتحاراً إذا جاز التعبير. إن صمتهم وعدم حراكهم سببه الخوف من ضياع فرصتهم في الهجرة، فبعد النفي الأول من الوطن كان البحث عن منفى جديد مؤقت ولو للعمل، ولم يخطر ببالهم أنهم يرحلون هذه المرّة إلى المجهول، إلى العالم الآخر وقد عانى الكثير من الأدباء من مصائر مختلفة ووقعوا فريسة لأعمال نصب واحتيال، بل كان العديد منهم ضحايا في رحلة منفى قاسية.
إن مأساة الفلسطيني التي صوّرها غسان كنفاني ببراعة تتكرر يومياً وبصورة دراماتيكية مرعبة أحياناً، ويكاد لا يمرّ أسبوع أو شهر إلاّ ونسمع موتاً جماعياً، غرقاً أو اختناقاً أو ضياعاً، فالكوارث الطبيعية وحراس الحدود والشواطئ يقفون بالمرصاد، والمشهد يستمر: قوارب وبواخر وحافلات وقطارات .. مهرّبون وسماسرة، ضحايا ومنفيون، سجون واحتجاز... وقصص لا تنتهي عن بلدان الرعب والحروب والجوع وهدر الكرامة.
ولم تكن مأساة دوفر التي ذاع صيتها (العام 2000) سوى واحدة من الشهادات اليومية على الموت البطيء لضحايا مجهولين وانكسار آدميات وإذلال بشر.. هكذا تتحول الجنان الموعودة إلى كوابيس، وحراس الحدود والمطارات والموانئ يقفون سدًّا منيعاً أمام (زحف الجراد) على الأرض الخضراء، وتعرض شاشات التلفاز صوراً بشعة، ولكنها للأسف أصبحت مألوفة وقد لا تثير الاهتمام والتعاطف المطلوب، عن جثث لفظها البحر وأخرى تجمّدت وضحايا مطاردات وإصابات عبر الحدود والأسلاك والموانئ والحواجز واستغاثات أدباء ومثقفين... ومعها برزت أصوات جديدة تندّد بالهجرة وتطالب بالتشدد إزاءها، بل وتدعو إلى طرد اللاجئين والمهاجرين.
مع الاستقرار المؤقت والاندماج الجزئي في المجتمع الجديد، تبدأ مشكلات المهاجرين والمنفيين الحقيقية وتطل هواجس الروائي الألماني أريش ماريا ريمارك قائمة في (ليلة لشبونة)(7) فالمهاجر كثير الشك، منغلق في مجموعات، يثير ريبة أهل البلاد الأصليين أحياناً، ويتعامل مع العالم الخارجي في الكثير من الأحيان بمنظار أمني، ويعاني من فقدان هويته الأصلية، وعدم قدرته على التكيّف مع الهوية الجديدة.
وحتى لو حصل الأديب المنفي على جنسية البلد المستقبِل (المضيف) بعد سنوات من إقامته فيه، فإنه يظل يعاني من ازدواجية الجنسية فيما بعد، لاسيما وأنها في إحدى تعبيراتها تواجه ازدواجية المواطنة أحياناً، وهذه تثير نوعاً ملتبساً من ازدواجية الهوية.
لعل أهمية كتاب أدوارد سعيد " خارج المكان"(8) لا تتأتّى فقط من أسلوبه المشوّق والممتع أو من سرده الدرامي، وليس بسبب مضمونه أيضاً، ولكن لكونه يمثّل أو يجسّد إحدى شهادات العصر المهمة عن حدث لا زال يؤرّق الضمير الإنساني، فقد استطاع إدوارد سعيد وهو أحد أبرز المثقفين العرب الموسوعيين في القرن العشرين أن يخاطب العقل (الآخر) ويتحدث عن تجربة اقتلاع شعب من أرضه ورميه خارج المكان في محاولة لمحو ذاكرته ومصادرة تاريخه وإقصاء مستقبله. ويعتبر إدوارد سعيد المثقف المغترب الأخطر بالنسبة للحركة الصهيونية، حيث فهمت الأخيرة ماذا يعني كتابه الأول "الاستشراق"(9) وهو ما حدا ببعض قادتها لتحسس استمرارهم ووجودهم في فلسطين عند قراءة هذا الكتاب الذي صدر عام 1978.
في كتاب " خارج المكان" عبّر سعيد عن إزدواجية الهوية، أو الهوية المزدوجة، المختلفة والمؤتلفة لديه، على نحو مثير. والكتاب محاولة لإحياء الذاكرة، لإبقائها حيّة، والبحث في التفاصيل الصغيرة، التي تشكل عوالمها مهمة أساسية يستعيدها المنفيون واللاجئون. "خارج المكان" هو بحث في الهويّة، رغم العواصف، والتنقّلات والهجرات والثقافات، فالهوّية ظلّت تشكل الهاجس الذي يطلّ برأسه ويلوح بصورة عفوية ودون استحضار مسبق. وقد سبق لأمين معلوف الروائي اللبناني العالمي الذي منح أعلى وسام فرنسي مؤخراً أن تحدّث عن موضوع الهوّية في كتابة " الهوّيات  القاتلة" وقد مثل هو شخصياً هذا البعد المتحرّك في الهوّية بحمله الثقافتين العربية والفرنسية وقدرته في أن يكون جسراً للتواصل (10)، دون أن يعني ذلك تجاوز المعاناة الإنسانية الفائقة، لاسيما في التعبير عن تلك الهوّيات  المزدوجة، بل المتعددة والمتنوّعة.
الهوية: بعيداً عن التبشير
في كتابه " موسيقى الحوت الأزرق"(11) يناقش أدونيس فكرة الهوّية ويستهل حديثه بالعبارة القرآنية التي تضيء بقِدَمِها نفسه، حداثتنا نفسها على حد تعبيره، وأعني بها التعارف، أي الحركة بين الانفصال والاتصال في آن، من خلال " روية الذات، خارج الأهواء" وخاصة الآيديولوجية، ويمكن أن نضيف الدينية والقومية وغيرها، بمعايشة الآخر داخل حركته العقلية ذاتها، في لغته وابداعاته وحياته اليومية.
وبعد أن يستعرض أدونيس آركيولوجية الغياب المعرفي العربي على خارطة المعرفة الإنسانية، وهو ما أشارت إليه على نحو صارخ تقارير التنمية البشرية في العقد الأخير، لاسيما شحّ المعارف ونقص الحريات واستمرار الموقف السلبي من حقوق الانسان وخصوصاً حقوق المرأة والأقليات وغيرها، يطرح سؤالاً حول سبل الخروج من هذا الغياب، ويسأل أيضاً ولِمَ هذا الغياب؟ لاسيما بتمثّل ذلك نقدياً ومعرفياً، من خلال معرفة الآخر بمعرفة ذاتنا معرفة حقيقية، ولعل الخطوة الاولى التي ظل يركّز عليها في كتابه الممتع والعميق، هو كيف يمكن أن يصغي بعضنا إلى بعض!؟(12).
وتستند هذه الرؤية إلى احلال الفكر النقدي التساؤلي، محل الفكر التبشيري- الدعائي، حيث يصبح الوصول إلى الحقيقة التي هي على طول الخط تاريخية ونسبية، وصولاً يشارك فيها الجميع رغم تبايناتهم إلى درجة التناقض أحياناً، وهذا يعمّق الخروج إلى فضاء الإنسان بوصفه أولاً، إنساناً، ويدفع الذات إلى ابتكار أشكال جديدة لفهم الآخر ثانياً، وثالثاً يكشف لنا أن الهوّية ليست معطى جاهزاً ونهائياً، وانما هي تحمل عناصر بعضها متحركة ومتحوّلة على الصعيد الفردي والعام، وهو ما يجب اكماله واستكماله دائماً في إطار منفتح بقبول التفاعل مع الآخر. وإذا كانت ثمت تحولات تجري على الهوية على صعيد المكان- الوطن، فالأمر سيكون أكثر عرضة للتغيير بفعل المنفى وعامل الزمن وتأثير الغربة والاغتراب.
هل الهوّية جوهر قائم بذاته، لا يتغيّر أو يتحوّل؟ أم هي علاقة تجمعها مواصفات بحيث تكوّن معناها وشكلها؟ وبالتالي لا بدّ من تنميتها وتعزيزها وتفعيلها في إطار المشترك الإنساني، الأمر الذي يتخطّى بعض المفاهيم السائدة، ذات المسلّمات السرمدية السكونية لدرجة التقوقع، وينطلق إلى خارج الأنساق والاصطفافات الحتمية، من خلال قراءات مفتوحة تأخذ التطور بنظر الاعتبار عناصر تفعيل وتعزيز وتحوّل في الهوّيات الخاصة والعامة.
بهذا المعنى لا يكون اختلاف الهوّيات  أمرٌ مفتعلٌ حتى داخل الوطن الواحد، فما بالك في بلدان المنافي وتعدّد منابع الثقافات وتنوّع الحضارات واختلاف التراث واللغة. وإذا كان ثمت تكوينات مختلفة دينية أو إثنية أو لغوية أو سلالية، ناهيكم اختلاف الهوّيات  الخاصة للفرد عن غيره وعن الجماعة البشرية، فالأمر سيكون تحصيل حاصل بما يجري من تغييرات على هوية المنفي وثقافته.
ولعل هناك علاقة بين الشكل والمعنى التي تتكون منها الهوّيات  الفرعية – الجزئية الخاصة وبين الهوّيات  الجماعية العامة ذات المشتركات التي تتلاقى عندها الهوّيات الفرعية للجماعات والافراد، حيث تكون الهوّية العامة أشبه بإطار قابل للتنوّع والتعددية، جامعاً لخصوصيات في نسق عام موحّد، ولكنه متعدد وليس آحادي، فمن جهة يمثل هوّية جامعة ومن جهة أخرى يؤلف هوّيات  متعددة ذات طبيعة خاصة بتكوينات متميّزة أما دينياً أو لغوياً أو إثنياً او غير ذلك، فالشكل ليس مسألة تقنية، حسب أدونيس وإنّما هو مسألة رؤية.
   إن الحديث عن هوّيات  فرعية، أو خصوصيات قومية أو دينية، لأقليات أو تكوينات، يستفزّ أحياناً بعض الاتجاهات المتعصبة دينياً أو قومياً فهي لا ترى في مجتمعاتنا سوى هوية واحدة اسلامية أو اسلاموية حسب تفسيراتها وقومية أو قوموية حسب أصولها العرقية ونمط تفكيرها واصطفافات طبقية كادحيّة حسب آيديولوجياتها الماركسية أو الماركسيوية، أما الحديث عن حقوق وواجبات ومواطنة كاملة ومساواة تامة وحق الجميع في المشاركة وتولّي المناصب العليا دون تمييز بما فيها حقوق المرأة وحقوق متساوية للأديان والقوميات، فهذه تصبح في "الواقع العملي" حسب جهات التشدد والتطرف ليس أكثر من مؤامرة ضد الأمة والدين، تقف خلفها جهات امبريالية- استكبارية تضمر الشرور للمجتمعات العربية – الاسلامية.
وبهذا المعنى لم تسلم حقوق بعض المبدعين في التميّز والاستقلالية والتفكير الحر، تلك التي ينبغي أن تُحترم ويؤمن لها كل أسباب التطور والنمو، لكن أصحاب نظريات الإجماع وإلغاء التمايزات وإزدراء الفردانية، يعتبرون ذلك بمثابة انشقاق وخروج على الجماعة والمصلحة العليا وفي حالة معارضة تفكيرها، فالامر يستحق العقاب والتحريم والتجريم، لكونه مروق وبدعة وتجاوز على ما هو سائد.
وقد كان لمثل هذه الممارسات، لاسيما بحق الجماعات القومية أو الدينية سبباً في دفعها للانغلاق وضيق الأفق القومي، وخاصة إذا تعرّضت للاضطهاد الطويل الأمد وشعرت بالتهديد لهويّتها الخاصة المتميّزة، وهو الأمر الذي كان أحد نقاط ضعف الدولة القطرية العربية تاريخياً، خصوصاً في مرحلة ما بعد الاستقلال. ولعلي هنا وأنا أتناول مسألة الأقليات فإنني آتي عليها مجازاً، لأنني أقصد التنوّع والتعددية الفكرية والثقافية والدينية والإثنية والسلالية واللغوية وغيرها، على الرغم من أن الأمم المتحدة تستخدم مصطلح الأقليات في قرار الجمعية العامة لعام 1992 بشأن حقوق الأقليات وقرار العام 2007 بخصوص الشعوب الأصلية، لكنني أجد مصطلح التنوّع أقرب إلى جوهر فكرة المساواة بغض النظر عن العدد (أغلبية أم أقلية) تلك التي تصلح للتوصيف السياسي وليس للانتماء القومي أو الديني أو اللغوي أو غير ذلك، كما أن مفهوم الأقلية القومية أو الدينية يحمل في ثناياه فكرة الاستتباع والخضوع.
أقصد من هذه الأطروحات إثارة النقاش والتفكير بقضية حساسة عاشها المثقفون داخل وخارج بلدانهم، وأعني بها الهوية والعلاقة بالآخر، لأنك قد تجد هناك من يدعو لعدم نشر الكلام الذي ينتقد أوضاعنا العربية، بحجة استفادة العدو من كشف المستور، تحت مبرر عدم نشر الغسيل الوسخ، ولأن نشره يسيء إلى صورتنا أمام الآخرين، وينسى هؤلاء المبشّرون أن إخفاء المرض لا يشعر المرء بالطمأنينة على صحته ولا يعيد له العافية، كما أن التغلّب على العدو يحتاج إلى تشخيص لنقاط ضعفنا والتخلّص من بعض النزعات العنصرية إزاء الآخر في داخلنا، وقراءة واقعنا موضوعياً بروح النقد والنقد الذاتي والاعتراف بحقوق الاقليات وبالهوّيات  المتعددة، وعدم تجميل صورتنا أمام أنفسنا، خصوصاً إذا كانت صورة البعض كالحة.(13)
ولا زال الموقف من الأقليات القومية والدينية قاصراً في الكثير من الأحيان وحتى الاعتراف ببعض الحقوق يأتي كمنّة أو مكرمة أو هبة أو حسنة، حيث تسود تصوّرات مخطوءة عنها، بل أن الكثير من السائد الثقافي يعتبرها، خصماً أو "عدواً " محتملاً أو أن ولاءها هشاً وقلقاً وسرعان ما يتحوّل إلى الخارج، دون أن نعي أن هضم حقوقها، تارة باسم مصلحة الإسلام وأخرى مصلحة العروبة والوحدة وأحياناً بزعم الدفاع عن مصلحة الكادحين، والقوى العلمانية والمدنية وقيم النضال المشترك وغير ذلك، هو السبب الأساسي في مشكلة الاقليات وليس نقص ولائها أو خروجها على الهوّية الوطنية العامة التي تصبح لا معنى لها بسبب معاناتها، وبسبب نقص المواطنة الفادح والنظر إلى أفرادها كرعايا لا مواطنين من الدرجة الأدنى، وإنْ كان المواطنون ككل مهضومو الحقوق، فإن العبء الذي سيقع على كاهل الأقليات سيكون مركّباً ومزدوجاً ومعاناتها كذلك.(14)
ولعل هذا الموقف من الأقليات ودلالاته الثقافية لا يقوّم الإنسان بوصفه إنساناً، له حقوق وواجبات معروفة في الدولة العصرية، بحقوق المواطنة، وإنما يقيّمه بوصفه "انتماءً "، أي هو يحوّل الإنسان إلى سياسي برأس إثني أو قومي أو ديني أو مذهبي، وهكذا يتحوّل الإنساني إلى سياسي، وهذا الأخير إلى حقل من الحروب تبعاً للمصالح السياسية والمادية، فتهيمن الأهواء والنزعات على العقول وتظهر الوحشية عند الممارسة، ويغيب كل ما هو إنساني.
وأحياناً كثيرة تستخدم القوى الخارجية هذه الثغرات والعيوب والنظرة الاستعلائية القاصرة للنفاذ منها لتشتيت الهوّية الجامعة والعزف على الهويات الخاصة لدرجة التعارض والتصارع مع المشترك الانساني. والأمر لا يقتصر على البلدان المتخلفة، بل إنه يشمل أحياناً بلداناً متقدمة، ففرنسا بلد الحريات يريد أن يصهر هوية المهاجرين وثقافتهم وذلك بوضع قوانين تتعلق بفرض خلع الحجاب أو وضع عقبات تمييزية فيما يتعلق بالعمل أو غيره، الأمر الذي يتعارض مع الشرعة الدولية لحقوق الإنسان، بغض النظر عن الموقف من الحجاب، سواءً كان سلبياً أو إيجابياً، فهو حق فردي لمن يرتديه أو يخلعه.
ولنعد إلى ما يسمى بالهوّية الوطنية، ولنتأمل الحرب الأهلية اللبنانية، فبعد دماء غزيرة وخراب استمرّ 15 عاماً، غسل الجميع أيديهم وتعانقوا وكأن شيئاً لم يكن، وظلّت الهوّيات  الصغرى طاغية، والهوّية الجامعة هشّة، قلقة، مقصاة.
وبعد الاحتلال الامريكي للعراق، اندلع العنف والارهاب على نحو لم يسبق له مثيل ليحصد أرواح عشرات ومئات الآلاف من العراقيين من جميع الطوائف والقوميات والاتجاهات، تحت شعارات التفوّق الطائفي والإثني أحياناً، وهو ما كانت له بعض الأسباب في التاريخ لاسيما المعاصر، وخاصة الاتجاهات التمييزية السائدة، على الرغم من أن المحاصصة والتقاسم المذهبي والإثني كانتا تشكلان أساساً قام عليه مجلس الحكم الانتقالي وما بعده، ولكن ظل جميع  الفرقاء والفاعلين السياسيين من جميع الاتجاهات، يعلنون أن لا علاقة لهم بالطائفية والمذهبية، بل هم يستنكرونها ويعلنون البراءة منها، لكنهم عند اقتسام المقاعد والوظائف يتشبثون بها، ويحاولون الظهور بمظهر المعبّر، وربما الوحيد عنها، دون تخويل من أحد.
وإذا كان هذا هو السائد، فإن الغالبية الساحقة من المهاجرين والمهجّرين والمنفيين، تتصرف لاسيما في الخارج وخصوصاً الأدباء والمثقفين بشكل عام، على نحو مختلف دون التوقف عند المسألة الطائفية أو المذهبية، سواءً إزاء الثقافة والهوّية الوطنية العامة، أو إزاء الثقافة والهوّية الجديدة التي قد تكون إغناءً للهوية الأصلية (15).
إن الفكر اليقيني المطلق، هو فكر امحائي لا يؤمن بالآخر، ويريد إلغاء الفروق داخل المجتمع بكياناته ومكوّناته وأفراده وسجن التعددية واقصاء الخصوصيات، والأكثر من ذلك يريد إلغاء تاريخ مكوّنات بحيث يلعب فيها مثل كرة عمياء تتدحرج في طريق أعمى وبأيد عمياء. (16)
إن التعصّب والعصبية هما اتجاهان إلغائيان لمن لا يتعصّب لهما، ولعل جدل الهوّيات يكشف ان اختيار الصراع بدل التعايش، والصدام بدل الحلول الانسانية، سيكون ضاراً وخطيراً على الهوّيات  الكبرى مثل الهوّيات الصغرى وهذه الأخيرة إنْ لم يتم احترامها وتأمين حقوقها المتساوية ستكون عنصر ضعف كبير ويتسع باستمرار على مستوى الهوّية والدولة العراقية، إذ لا بدّ من اتّباع طريق المعرفة وشراكة الناس في المسؤولية والبحث عن الحقيقة وعن المعنى، سواءً عبر الهوّيات الفرعية- الجزئية أو من خلال الهوّيات الأوسع والأكبر، ولكن بانسجام مع الهوّية العامة التي لا تستقيم كينونتها وحقوقها الاّ باحترام الهوّيات الفرعية وخصوصيتها على مستوى الجماعات أو الأفراد (17).
ذاكرة المهاجر
أتذكّر حديثاً للقاضي يوجين قطران وهو أول قاضي فلسطيني عربي في بريطانيا كان قد مضى على وجوده فيها آنذاك نحو خمسة عقود من الزمان، كيف تحدث في ندوة عن اللاجنسية في الوطن العربي، أقامها مركز أكسفورد لدراسات اللاجئين والمنظمة العربية لحقوق الإنسان ومركز شمل اللاجئين والشتات الفلسطيني في رام الله 2000، عن تجربته المثيرة للنفي وازدواجية الهوّية والولاء والإنتماء والمواطنة والجنسية، كيف أراد أن يحضر حفل زفاف أخته في السودان في أواسط الخمسينيات، بجواز مرور بريطاني، وكيف كان الحصول على الفيزا من أصعب القضايا. تحدّث عن إشكاليات عانى منها " قطران" مثلما عانى منها المهاجرون والمنفيون قبل اكتساب جنسية البلد المضيف، والذي يهمنا هنا المواطنة والهوّية والذاكرة، التي تختلط وتتقارب وتتباعد وتؤثر، بل وتضغط على المنفي أو المهاجر المبدع وثقافته وإنتاجه، لاسيما على وعيه إزاء النظر للقضايا والإشكاليات.
إن صورة حياة المنفيين لاسيما المثقفين الألمان خلال الحرب العالمية الثانية وقبلهم المهاجرون الروس في العشرينيات، وفي أواخر الأربعينيات والخمسينيات المهاجرون الإيرانيون واليونانيون وفي السبعينيات الشيليون وبشكل خاص في التسعينيات، وفي السبعينيات أكراد العراق وفي أواخرها المثقفون العراقيون المنفيون الذين استمروا في الهجرة حتى الآن وبأعداد كبيرة كما تمت الإشارة إليهم، هي صورة الهواجس الدائمة والهموم والشكوك والانكسارات، هذه كلها تمثل حياة المثقفين المهاجرين في كل مكان: البحث عن وثيقة، باسبورت، مكان آمن، الابتعاد عن الاحتكاك برجالات السلطة ومؤسساتهم، تحاشي المشكوك بأمرهم، الدعايات والإشاعات المبثوثة في كل مكان جدل الهوّيات أو الهوّيات المتعددة، المتفاعلة، المختلفة والمؤتلفة، وما تسبّبه أحياناً من تمزّقات.
ولعل خير من عبّر عن هذه الحالة من الصراع والتناقض والتألق كتاب إدواد سعيد "خارج المكان" الذي سجل حياته من خلال العلاقة المركّبة والمزدوجة بين الوطن والمنفى. فقد حاول الاستعاضة أحياناً عن فلسطين بمصر ولبنان، لكن فلسطين ظلّت الفضاء الذي تسبح في أجوائه الذكريات الأولى ومراتع الصبا والنشأة، ولكنه مع الفضاء الجديد الذي وجد نفسه فيه بعد هجرته إلى الولايات المتحدة، ظل الهاجس الأول يسري معها أينما ذهب وحيثما ارتحل!.
"خارج المكان" مثلت جسراً بين ماضي لا يمكن أن ينسى وبين حاضر لا يمكن أن يدوم، وبينهما صور وانعكاسات وأحداث ووقائع ومؤامرات وآمال وحروب، ولكن الذاكرة تظل قائمة وكأنها تعيش واقعاً هو استمرار بحثها عن هوّية ومكان وأرض ووطن مسلوب، لعلها الهوّية اللقاحية على حد تعبير الباحث التراثي هادي العلوي، الذي ظل يردد أنه سليل الحضارتين الصوفية ( العربية- الاسلامية) والتاوية (الصينية) لاسيما انتسابه إلى لاوتسه مثلما هو منتسب إلى الحلاّج.
لعل إدوارد سعيد لم يكن بعيداً عن جبرا إبراهيم جبرا حين تحدث في " البئر الأولى"(18) عن نشأة الطفل والتشكّل الأول لذاكرته وما استقرّ فيها من تفاصيل ولم يكن من الممكن محوها أو التجاوز عنها فقد حفرت في قاع الذاكرة وهي ما لا يمكن إهماله.
في حديث خاص مع الشاعر الكبير الجواهري، سألته عن المنفى: ماذا كان هناك يا أبا فرات: فردوس الحرية أم زمهرير الغربة؟؟ بعد فترة تأمّل سحب نفساً عميقاً من سيجارته فأجاب، الإثنان معاً أي والله الاثنان معاً! لكن تجربة الجواهري تكاد تكون مختلفة عن التجارب التي جرى ذكرها، فالجواهري الذي عاش ثلث حياته البيولوجية ونصف حياته الإبداعية في المنفى، كان قد تشكّل واكتمل في الوطن وظلت الهوّية التي يبحث عنها تمثّل هاجس الحرية التي جعلها تشكل همّا يومياً له، مثل همّ الغربة والمنفى والابتعاد عن الوطن(19) وهو أمر مختلف حين يحمل المرء الثقافتين: الثقافة الجديدة للدول المستقبِلة (بالكسر) والثقافة القديمة أي العربية – الإسلامية (الوافدة بالنسبة للمجتمع الجديد). لكن هذه الميزة تتحول إلى صراع داخلي أحياناً وربما إلى فقدان البوصلة، لدرجة التشظي!
وإذا كان الأمر يتعلق بالثقافة العربية في المهجر، فإن الشاعر الدكتور مصطفى جمال الدين (20)  يرسم لنا صوراً أخرى تتعلق بالهجرة إلى الثقافة العربية، وذلك عند حديثه عن أحد مصادر الثقافة النجفية، التي تتعلق بثقافات الوافدين الذين يأتون للدراسة في جامعة النجف الشهيرة التي مضى على وجودها أكثر من ألف عام، وهم من الأتراك والإيرانيين والأفغان والهنود والباكستانيين، إضافة إلى الوافدين من بعض الأقطار العربية، الذين يجدون أنفسهم في أجواء تستوجب التلاقح والتفاعل لدرجة الإنغماس بالثقافة العربية.
وإذا كان مثل هذا الأمر مفهوماً أو حتى مقبولاً، فإن نقيضه يثير إشكاليات حقيقية ومعاناة فعلية، ثقافية واجتماعية ونفسية بالنسبة للمنفى أو بالنسبة لمجتمعه الجديد، وخاصة للشباب، لاسيما إذا دخل الدين عنصراً في الموضوع، فإن هناك الكثير من عوامل عدم الاندماج الموضوعية والذاتية قد تدخل على الخط، ويزداد الأمر تعقيداً بالنسبة للمرأة في ظل العقلية الشرقية والأبوية "الإسلامية" التقليدية التي تظل تفعل فعلها في حياة المهاجرين والمنفيين لوقت طويل وربما تتجدد بأشكال وأساليب تزيد من التمسّك بها على نحو يبدو كثير الغرابة والتعقيد، خصوصاً في أوروبا أو في الغرب عموماً.
لذلك فقد بدأت بعض الظواهر الغريبة والمستنكرة تظهر في الغرب أحياناً، مثل القتل غسلاً للعار أو إجبار الشابات على الزواج دون اختياراتهن أو حتى في سن قاصرة أو ختان الإناث أو غير ذلك، الأمر الذي يتعارض مع القوانين السائدة، فضلاً عن تعارضه مع اللوائح الدولية لحقوق الانسان، وبالمقابل هناك محاولات للتجاوز على الخصوصية الثقافية والدينية، لاسيما في موضوع خلع الحجاب وإصدار قوانين مشددة بهذا الخصوص، تفرض غرامات على المحجّبات.
لم يستطع روائي كبير مثل غائب طعمة فرمان الذي عاش المنفى طيلة أكثر من ثلاثة عقود أن يكتب رواية عن المنفى، ظل هاجسه الوطن، حيث ولد وترعرع وعاش شبابه الأول وظلّت شخصياته ذات ملامح بغدادية حادة أحياناً. لم يتمكن المنفى منه، على الرغم من أنه أعطاه فضاء الحرية.  وعلى العكس منه كان برهان الخطيب الذي عاش في المنفى أكثر من ثلاثة عقود في موسكو ودمشق واستكهولم، قد خصص أعماله الروائية عن الغربة والنفي والبحث عن الهوّية وقد بلورها في روايته " الجنائن المعلّقة" وهي تصوّر الشتات العراقي في الأعوام الأربعين الأخيرة، وروايته هذه هي استمرار لرواياته " بابل الفيحاء" و"الجسور الزجاجية" و"ليلة بغدادية" و"حب في موسكو".
في سؤال لمجلة "الوطن العربي" (21) يقول الخطيب: للمهجر أو للمغترب وجهان ظاهر وخفي. الأول مبهرج والثاني كالح، حياة المهجر تكشف لي عن وجه شنيع أحياناً، وهناك صعوبات وضغوط حاولت كسري. ويضيف: أمّا التأقلم والذوبان أو الصمود أمام الصعوبات والضغوط ومجابهة احتمال التحطّم... خياري هو المجابهة وتجديد النفس بدلاً من تذويبها أو تحجّرها. الهرب من فجيعة الوطن لا ينبغي أن يجعلنا نسقط في فجيعة الغربة. والثقافة إذاً فرصة لتطوير ومعرفة الذات لمواجهة المنفى وتجاوز الكسل بالإبداع حسب الخطيب. لكن هل يكفي ذلك لكي نتمسّك بالهوّية؟: أليس ثمت همّ إنساني يتشكل بمعزل عن الإرادة وخاصة للجيل الثاني يؤثر على لغتهم وهويتهم، لاسيما من ولدوا في بلدان المهجر وترعرعوا فيها واكتسبوا ثقافتها وكتبوا وأبدعوا بلغتها، فماذا يمكن أن يعتبر أدبهم؟ وهو سؤال كبير ومهم لا يتعلق بالرغبات، بل لا بدّ من أخذ الواقع بنظر الاعتبار.
في حوار أداره المنتدى الأورومتوسطي (22) وحضرته نخبة متميزة من المثقفين قال أسامة الشربيني في معرض معالجته لظاهرة الازدواجية: حين أكون في المغرب أشعر بأنني مغربي وعربي ومسلم، وحين أكون في بلجيكا أشعر بأنني بلجيكي وأوروبي وجزء من الثقافة الغربية. وهنا يثار تساؤلاً مشروعاً: وهل المكان هو الذي يحدد الهوّية؟ أم أن الهوّية التي تكونت وترسخت واكتسبت تظهر عل نحو جلي في بيئتها الحقيقية ، حيث المكان والاستمرار والتفاعل؟
   وإذا كان مثل هذا الأمر يواجه النخبة، خصوصاً من تكوّن وترعرع، ثم انتقل ليواصل ويندمج في مجتمع جديد، فالأمر مختلف باختلاف درجة الوعي والنضج والاستعداد للتكيف والاندماج، وبالتالي حمل الثقافتين ومواصلة الاستفادة من النبع الأول، بالقدر الذي تتم فيه الاستفادة من المصادر الجديدة، كما يختلف مثل هذا الأمر للجيل الثاني وبالطبع بالنسبة للجيل الثالث من المهاجرين.
   وإذا أردت أن أتحدث عن تجربتي الشخصية، فإنني كنت أواجه بشكل شبه يومي وعلى مدى 10 سنوات حالات تعدّ بالآلاف بخصوص المهاجرين والمنفيين واللاجئين العراقيين والعرب وذلك أثناء رئاستي للمنظمة العربية لحقوق الإنسان في بريطانيا. وكان العراقيون يشكّلون أكثر من 80% من هذه الحالات، ناهيكم عن ذلك فقد عشت تجربة المنفى لعقدين كاملين من الزمان، وأن كنت على اتصال مستمر بالوطن وضمن الفسح والمساحات المتاحة، لكن الأمر استمر حتى بعد سقوط النظام السابق حيث بدأت معاناة جديدة للعراقيين في الداخل والخارج، وبدأت مرحلة نفي جديدة أو اغتراب من نوع جديد، قوامه نحو مليونين جديدين من المهاجرين في البلدان المجاورة والمنافي البعيدة، ومثلهم في بدايات العام 2006 و2007 من النازحين بالداخل، لاسيما بضعف الهوّية الوطنية العراقية أو تصدّعها وصعود النزعة الطائفية والإثنية وارتفاع رصيد الهوّيات الفرعية على حساب الهوّية العامة، بفعل التنكّر والتهميش الطويل الأمد، الأمر الذي وجد متنفساً له لعب عليه أمراء الطوائف كثيراً، ودفع العراق ثمنه باهظاً.
وإذا كانت هناك من معاناة للثقافة  العربية في المهجر، وخصوصاً للمثقفين، فهو ما يمكن أن نتمثله من خلال ببيتين من شعر الحلاج الذي نختتم به هذا البحث والذي كان يرددها وهو يواجه السيف بعد رحلة نفي طويلة يقول:
         طلبتُ المستقرّ بكلّ أرضٍ
               فلم أر لي بأرض مستقرّا
         وذقت من الزمان وذاق منّي
               وجدتُ مذاقهُ حلواً ومرّا
   فقد ولد الحلاج حسب ما يروي المؤرخ الطبري عنه في مدينة البيضاء في اليمن(حسب ابنه أحمد) وهاجر منها إلى بلدة " تستر " ثم إلى البصرة. ثم رحل إلى بغداد ومنها عاد إلى تستر ثم خراسان، حيث غاب هناك 5 سنوات مطارداً ومنها إلى " كرمان"  وبعدها إلى الأهواز، حيث انتقل إلى البصرة ومنها إلى مكة وعاد إلى البصرة ومن البصرة إلى بغداد، وقد سبقته روايات عن زندقته المزعومة فهجرها إلى حيث واجه حتفه حسبما ورد في كتاب الصحافي والكاتب عبد المنعم الأعسم " الهجرة والتهجير"(23).
إن هوّية الحلاج الرئيسية مثلما هي هوّية اللاجئ، والحرية في إحدى تجلياتها تظهر في فضائها ألوان ثقافات وتواصل حضارات وعادات شعوب وبشر. فالحرية إذن هي الشرط الأول للاجئ والمهاجر والمنفي، وهي القاعدة التي تؤسس عليها الهوّية اللاحقة، ذات البعد الإنساني والتي تمثل المشتركات الإنسانية.


المصادر
(1)   انظر: رسالة الجاحظ رقم 387، الجزء الثاني، تحقيق طه الحاجري، دار الكتب العلمية.
(2)   أنظر: شعبان عبد الحسين – المنفى والهوّية والحنين إلى الأوطان، موقع الحوار المتمدن الالكتروني، 15/7/2008
(3)   انظر: شعبان، عبد الحسين- سعد صالح: الضوء والظل- الوسطية والفرصة الضائعة، الدار العربية للعلوم، بيروت، 2009، ص 192-194.
(4)   انظر: فوكوياما، فرانسيس- نهاية التاريخ وخاتم البشر، مركز الأهرام ، القاهرة ، 1999.
(5)   أنظر: هنتنغتون، صموئيل، صراع الحضارات وإعادة بناء النظام العالمي، الدار الجماهيرية، القاهرة، 1996.
(6)   أنظر: كنفاني، غسان- رجال في الشمس، مؤسسة الأبحاث العربية، بيروت، 1963.
(7)   أنظر: ريمارك، اريش ماريا – ليلة لشبونة، ترجمة الدكتورة ليلى نعيم، مؤسسة الأبحاث العربية، بيروت، 1981.
(8)   انظر: سعيد، ادوارد- خارج المكان- ترجمة فواز طرابلسي، دار الاداب ، بيروت ، 2000.
(9)   أنظر: سعيد ، ادوارد- الاستشراق، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ترجمة محمد عناني ، بيروت، 1978.
(10)   انظر: معلوف، أمين- الهوّيات القاتلة، دار الفارابي، بيروت، 2004.
(11)   انظر: أدونيس – موسيقى الحوت الأزرق (الهوية، الكتابة، العنف)، دار الاداب، ط1، بيروت، 2002، ص 5-8 (الاستهلال).
(12)   قارن: تقارير التنمية الانسانية العربية، منذ صدور التقرير الأول، العام 2002 وحتى تقرير العام 2009 وهو بعنوان : تحديات الأمن الانساني في البلدان العربية، البرنامج الانمائي للأمم المتحدة (المكتب الاقليمي للدول العربية)، بيروت، 2009، وقد شارك الباحث بأوراق خلفية في عدد من التقارير السنوية، إضافة إلى مساهمات مع اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا والباسفيك (الاسكوا).
(13)   أنظر: شعبان عبد الحسين- جدل الهوّيات في العراق: المواطنة والدولة، الدار العربية للعلوم، بيروت، 2009، ص 30 وما بعدها.
(14)   أنظر: شعبان، عبد الحسين – استحقاقات المواطنة العضوية الحق والمشاركة والهوّية،(ورقة عمل قدّمها الى) منتدى الفكر العربي، الرباط ، 21-23 نيسان (ابريل) 2008.
(15)      ولعل ذلك هو الذي دفع الباحث لاقتراح مشروع لتحريم الطائفية وتعزيز المواطنة في العراق وهو إذ يعرضه على جميع الفرقاء، يأمل أن يثير نقاشاً وحواراً واسعاً لدى الجميع، آملاً أن تتبناه القوى السياسية الوطنية وفاعليات المجتمع المدني، التي لا تؤمن بالطائفية وتدعو إلى تحريمها ومحاسبة كل من يمارسها أو يدعو ويروّج لها أو يتستر عليها، واعتماد مبادئ المساواة التامة والمواطنة الكاملة، فذلك هو السبيل لتعزيز الهوّية الوطنية العراقية وتأمين حقوق الهوّيات الفرعية القومية والدينية وغيرها.
انظر: مشروع قانون تحريم الطائفية وتعزيز المواطنة  في العراق، الذي سبق أن اقترحه الباحث وأدرجه في كتابه " جدل الهوّيات في العراق- المواطنة والدولة" وأجرى عليها تعديلات لاحقة بعد مناقشته من جانب نخبة متميّزة من رجال القانون والفكر والسياسة وعدد من الحقوقيين العراقيين، كتاب جدل الهوّيات – مصدر سابق، الملاحق.
(16)   انظر: ادونيس- موسيقى الحوت الأزرق، مصدر سابق، ص 212.
(17)    أنظر: المصدر السابق.
(18)   أنظر: جبرا، ابراهيم جبرا –البئر الأولى، دار الكشكول، لندن، 1986.
(19)   انظر: شعبان، عبد الحسين- الجواهري: جدل الشعر والحياة، ط2، دار الآداب، بيروت، 2008.
(20)    انظر: جمال الدين، مصطفى – الديوان، دار الفكر، بيروت، 1995.
(21)   انظر: مقابلة مع برهان الخطيب في مجلة الوطن العربي بتاريخ 24/11/2000
(22)   وهو الحوار الخاص بالشمال والجنوب، وقد انعقد في مدينة الرباط في شهر تشرين الأول (اكتوبر) العام 2000 وشارك فيه الباحث.
(23)   أنظر: الأعسم، عبد المنعم- الهجرة والتهجير، دار الأماني، دمشق، 2003.



227
الدولة البسيطة والدولة المركّبة   

عبدالحسين شعبان
لعل الاختلاف بين دساتير ما قبل الاحتلال العام 2003 وما بعده وأعني بذلك الدستور المؤقت “قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية” والدستور العراقي الدائم هو حول شكل الدولة وطبيعتها، فقد كانت جميع الدساتير السابقة تتعامل مع الدولة العراقية التي تأسست في 23 أغسطس/ آب العام 1921 كدولة بسيطة، ولكنها أصبحت بعد العام 2003 دولة مركّبة، أي اتحادية حسبما ورد في المادة الأولى من الدستور التي تقرر “جمهورية العراق دولةٌ اتحاديةٌ واحدةٌ مستقلةٌ ذات سيادة كاملة، نظام الحكم فيها جمهوريٌ نيابيٌ (برلماني) ديمقراطيٌ، وهذا الدستور ضامنٌ لوحدة العراق” .

وإذا كان برلمان إقليم كردستان قد أعلن الاتحاد الفيدرالي في العام 1992 من جانب واحد، فذلك لأن الدولة العراقية البسيطة والمركزية سحبت قواتها وإدارتها المحلية من مناطق كردستان في أواخر العام 1991 ونجم عن تلك الخطوة فراغ، قامت الجبهة الكردستانية بإملائه في حينها، ثم نظمت انتخابات سريعة لاختيار أول برلمان كردستاني، وهذا الأخير اتخذ قراراً في 4 أكتوبر/ تشرين الأول 1992 بإعلان الاتحاد الفيدرالي، وهكذا ظلّت المناطق خارج السيطرة الحكومية تتمتع بشيء من الاستقلال بصيغة الاتحاد الفيدرالي المعلن من طرف الكرد .

مثل هذا الوضع الملتبس واجهه الحكم الجديد بعد الاحتلال، فأقرّ دستوراً فيدرالياً وتم الاستفتاء عليه، ثم جاءت بقية مواد الدستور لتؤكد التوجّه الفيدرالي في الحكم من حيث اللغات الرسمية المعمول بها في البلاد (م 4)، وكون الدستور الجديد نافذاً في كل أنحاء العراق ولا يجوز سنّ دستور إقليمي يتناقض معه (م 13)، وتحديد مؤسسات الحكم الاتحادي: التشريعية، والتنفيذية، والقضائية (م ،47 م،48 م ،65 م89)، والهيئات والمجالس الاتحادية (م،105 م ،106 م107)، وكيفية توزيع الاختصاصات بين الحكومية الاتحادية وحكومات الأقاليم(م ،110 م ،111 م ،113 م،114 م115)، والآليات الدستورية لتكوين الأقاليم الجديدة في الدولة الاتحادية الناشئة (م ،118 م،191 م،120 م121) .

وعلى الرغم من الكثير من الألغام التي احتواها الدستور في ما يتعلق بعلاقة الدين بالدولة وسلطات الاتحاد والأقاليم والمادة 140 بخصوص كركوك وما سمي بالمناطق المتنازع عليها، الاّ أنه في موضوع الفيدرالية انتبه “المشرّع” إلى الخلط الشائع بين الفكرة الفيدرالية وفكرة التقسيم، فقرر في المادة 109 التي نصت على أن “تحافظ السلطات الاتحادية على وحدة العراق وسلامته واستقلاله وسيادته ونظامه الديمقراطي الاتحادي” ولعل الهدف من هذا النص هو وضع صعوبات وعراقيل أمام بعض الرغبات الانفصالية، لكن ذلك لم يمنع الجدل والنقاش حول مشاريع التقسيم، سواءً عند إقرار صيغة قانون الأقاليم في الدورة الأولى للبرلمان بعد العام 2005 أو ما بعدها، لاسيما خلال الترويج لمشروع بايدن العام 2007 الذي صادق عليه مجلس الشيوخ الأمريكي بأغلبية 75 صوتاً مقابل 25 لكنه لم يكن ملزماً، وقام هو بجولة على الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن وعرضها عليهم، وذلك قبل أن يصبح نائباً للرئيس أوباما في مطلع العام 2009 .

ولعل الحديث عن شكل الدولة، وخصوصاً بعد المطالبة من جانب عدد من المحافظات للتحوّل إلى إقليم يعيد إلى الذاكرة مشروع بايدن سواءً ما له علاقة أو بما ليس له علاقة . ويتلخّص هذا المشروع بتقسيم العراق إلى ثلاث مناطق أطلق عليها “فيدراليات”، وعندما أصبح نائباً للرئيس أوباما انشغل بالموضوع العراقي إلى حدود كبيرة . يكفي أن نشير إلى أنه حلّ “ضيفاً” مفاجئاً على بغداد ثلاث مرّات خلال فترة قصيرة، سبقت وأعقبت الانتخابات البرلمانية التي جرت في 7 مارس/ آذار ،2010 وكان آخر زيارة له (الرابعة) إلى بغداد للإشراف على اللمسات الأخيرة لانسحاب القوات الأمريكية من العراق وبُعيد إطلاق دعوة الأقاليم أو الفيدراليات إثر مطالبة مجلس صلاح الدين للتحوّل إلى إقليم .

لعل من أبرز تجليّات النظام السياسي الجديد بعد إطاحة النظام السابق تتلخّص في تغيير شكل الدولة من بسيطة إلى مركبة، ومن مركزية إلى فيدرالية، ثم العلاقة الجديدة بين الدين بالدولة، تلك التي لم تكتف باعتبار “الإسلام دين الدولة” كصيغة عامة احتوتها جميع الدساتير العراقية، وإنما توثقت الصلة واشتبكت بما هو أبعد من ذلك، في التشريع والأحكام والممارسة، التي اتخذت بُعداً مذهبياً أحياناً، خصوصاً في ظل نظام المحاصصة .

ولأن صيغة الدولة الجديدة تم وضعها من جانب بول بريمر الحاكم المدني الأمريكي في العراق (13 مايو/ أيار 2003 ولغاية 28 يونيو/ حزيران 2004) وقامت على أساس المحاصصة المذهبية والإثنية، فإن التخريج النظري لها استند إلى ما يسمى ب “مبادئ الديمقراطية التوافقية” أساساً في الدولة الجديدة، لكن تلك الصيغة كانت التعبير الأكثر تهذيباً للتقاسم الوظيفي والمحاصصة السياسية الطائفية والإثنية، فعطّلت الكثير من القواعد الدستورية والقانونية، بحجة التوافق، بل إنها تجاوزت على الدستور في الكثير من الأحيان، فنتائج الانتخابات خضعت للتوافق والمناصب الوزارية كذلك .

وإذا كانت الديمقراطية التوافقية ضرورية لفترة محددة وانتقالية، لاسيما بعد تغيير الأنظمة وللانتقال من شكل دولة إلى آخرى، فإن استمرارها سيعني تعطيل هيكلية الدولة وقراراتها بإخضاعها للتوافق غير المتحقق في الكثير من الأحيان بسبب عنصر الشك والقلق على مراكز النفوذ وضعف الثقة بين الفرقاء، يضاف إلى ذلك التناقض في الدستور الذي أصبح بفعل كثرة أثقاله ومعوّقاته غير ممكن دستورياً، وزاده الأمر تعقيداً وجود نحو 50 مادة تقتضي إصدار قانون لكي يصبح تنفيذها ممكناً أو تحتاج إلى تفعيل، مثلما تحتاج أخرى إلى تعديل بتوافق الأطراف غير المتوافقة .

أما خارج نطاق العملية السياسية فقد التبس الأمر كذلك، فدعاة المركزية الشديدة وأصحاب الفكر الشمولي، كانوا ضد الفيدرالية كمبادئ ومفاهيم تحت عنوان وحدة العراق، والوقوف ضد التقسيم والانفصال وبعض دعاة اللامركزية والفيدرالية، تدريجياً انتقلوا إلى مواقع القبول بالتقسيم، بحجة الأمر الواقع والخوف من عودة المركزية والشمولية ونظام الاستبداد والعسف . وكلا الموقفين لهما علاقة بالقرب أو البُعد من السلطة .

أما الفكرة الفيدرالية ذات الطبيعة المتطورة والمطبقة في نحو 25 بلداً وينضوي تحت لوائها نحو 40% من سكان العالم فهي ليست موضوع جدل بين المعارضين أو المؤيدين، خصوصاً أن هذا الجدل سواءً استخدم الدستور أم لم يستخدمه فهو خارج نطاق القوانين الدستورية والدولية والقواعد العامة للنظام الفيدرالي . وهكذا اختلطت الأوراق بين ما هو فكري وسياسي، وبين ما هو مبدئي ومصلحي، وبين ما هو قيمي وما هو نفعي وبين ما هو مؤقت وطارئ وما هو استراتيجي وبعيد المدى .

* أكاديمي ومفكّر


228
مواقف خاطئة للحزب الشيوعي
حوار مع الأكاديمي والمفكر الدكتور عبد الحسين شعبان -القسم الاخير

   أجراه: توفيق التميمي   

 
(القسم الأخير)
التفريط الكبير
ويواصل الدكتور شعبان نقده لقيادة الحزب الشيوعي:
كيف يوافق سكرتير الحزب حين يجتمع خمسة رفاق ليطردوا خمسة رفاق على حد تعبير باقر ابراهيم أحد المطرودين ومعه حسين سلطان ونوري عبد الرزاق وعدنان عباس وناصر عبود، والاشارة الى اجتماع عزيز محمد وفخري كريم وحميد مجيد موسى وعبد الرزاق الصافي وكريم أحمد وقبلهم وبعدهم تمت التضحية ببهاء الدين نوري وزكي خيري وآرا خاجادور وعامر عبدالله وماجد عبد الرضا ومهدي الحافظ وعبد الوهاب طاهر ومكرّم الطالباني وعشرات آخرين، وكل واحد من هؤلاء، ولا أريد أن أذكر الكوادر القيادية والوسطية، يساوي حزباً سياسياً على طريقة الأحزاب الجاهزة الصنع، ولا يعني ذلك بما فيه المتحدث ليس لهم أخطاء سياسية أو شخصية أو نواقص أو ثغرات، لكن ذلك شيء ونهج التفريط والاقصاء والالغاء شيء آخر، وهو نهج سار عليه صدام حسين في حفلة الدم العام 1979 حين أعدم 22 بعثياً بينهم 5 من أعضاء القيادة القطرية وحكم بأحكام غليظة على 33 كادراً قيادياً، مات بعضهم داخل السجن وعندما أطلق سراحهم العام 1983 كان عددهم 17 شخصاً، روى لي بعضهم صنوف التعذيب الذي تعرضوا له بحجة المؤامرة المزعومة.
وفي حين يتم التفريط بالنخبة الشيوعية يتم البحث في الدفاتر العتيقة على أسماء أكل الدهر عليها وشرب أو بعضهم شيوعيون سابقون تركوا العمل السياسي بسبب مواقفهم الضعيفة وتخلّيهم عن قناعاتهم وانزواء بعضهم لعقود من الزمان، لكي يشكّلوا ما يسمّى التيار الديمقراطي، وهو تيار لا علاقة له بالديمقراطية، لا في السابق ولا في الحاضر.
كان على الرفيق أبو سعود أن يكون حازماً، وأنا شخصياً أعرف أنه ليس مع الاستئصال أو التنحيات والإساءات، فهو يمتلك لساناً دافئاً، لا يذكر أحدا الاّ بإيجابياته وإن أبدى ملاحظة سلبية فستكون مغمسة بروح المسؤولية والحرص والمودّة. ولكن للأسف لم يلعب مثل هذا الدور، فربما وقع تحت ضغوط كثيرة في الخارج، كما تعرّض لإبتزازات، لم يكن قادراً على مجابهتها لدرجة أنه وقع "أسيراً " لأوضاع وملابسات أفقدته موقعه الأول، ففضل الانسحاب في العام 1993، وأظنه حسناً فعل ذلك، معطياً درساً حتى وإن كان متاخراً بعد قيادة دامت 29 عاماً.
ومع كل ذلك يمكنني القول أن عزيز محمد يتمتع بكاريزما كبيرة، وهو محترم من جانب الشخصيات العربية والكردية ومن جانب جميع القوى والشخصيات السياسية، وهو شخصية مقنعة وكنت آمل أن يلعب هذا الدور بعد خروجه من قيادة الحزب، لكنه يبدو حسبما هو واضح، فضّل الابتعاد، على الرغم من بعض المساهمات المحدودة حين حاول رأب الصدع داخل الحركة الكردية بين العام 1994- 1998 وساهم معنا في القاهرة في الحوار العربي- الكردي العام 1998، وكنت آمل أن يكون موقفه مختلفاً ما بعد الاحتلال وأن يكون كلامه مع بول بريمر الحاكم المدني الأميركي في العراق هو مطالبته بالانسحاب السريع ودون شروط، لكن الأمر لم يحصل، فربما كانت الضغوط التي عليه تزداد والأعباء تكبر وتقدّم السن له استحقاقاته، متمنياً بهذه المناسبة " لأبي فينك" الصحة والمزاج الطيب كما عهدناه دائماً.
إذا كانت أخطاء الحزب وقيادته، وهي ليست بعيدة عن أخطائنا ككل يمكن النقاش حولها أو ادراجها في باب الاجتهادات التي كان بعضها خاطئاً ولم تزكه الحياة، فمثلاً كان عليّ أن أترك الحزب منذ أواسط السبعينيات لعدم قناعتي بالاستمرار وبطبيعة العمل الحزبي المسلكي البيروقراطي، كما كان عليّ بعد المساهمة في قيادة انشقاق كتلة المنبر عن الحزب في أواسط الثمانينيات، أن أعلن رأيي وأنسحب، لأن الكثير من الأمراض كانت تعشعش في الرؤوس والقلوب، وإذا كان لدى كل منّا أخطاؤه فلم أكن مستعداً لإضافة أخطاء أخرى ربما بعضها صميمياً الى أخطائي، ولذلك أعلنت استقلاليتي بما فيها معارضتي للنظام الدكتاتوري من موقع لا يقبل فرض الحصار أو تجويع الشعب العراقي، ولكنه يسعى بكل ما يستطيع للإطاحة بالنظام الاستبدادي الشمولي العدواني.
الموقف من الاحتلال
أعتقد أن خطأ الحزب الأساسي هو موقفه من الاحتلال الأميركي وتعاونه مع مجلس الحكم الانتقالي بقيادة بول بريمر، الذي كان مرجعيته، وإذا كان ليس لديّ أية أوهام حول إمكانية الحزب على اتخاذ قرار مستقل مخالفاً فيه لما يسميّه " الإجماع"  أو لكي لا يشعر بالعزلة، لكنه كان بإمكانه عدم الاشتراك، والتوجّه صوب الناس لتعبئتهم للمقاومة السلمية المدنية، كما يفعل اليوم على الرغم من أن سقفه وطموحه وتطلعاته لا تزال دون المستوى المطلوب، حيث عينه على الحكم وكرسي الوزارة المفقود، ولذلك كانت النتائج وضفافها مثل الطموح وحدوده .
لا يوجد حزب يضم الفسيفساء العراقية بكل أطيافها السياسية والقومية والسلالية واللغوية والاجتماعية والدينية والمذهبية مثل الحزب الشيوعي، ولعله الحزب الوحيد الذي كان عراقياً بامتياز، حسب ما عبّر عنه وضاح شرارة في التسعينيات، فقد كانت بعض الأحزاب تتأسس على أساس قومي (آحادية القومية) أو ديني أو طائفي أو فئوي، في حين أن هوية الحزب الشيوعي كانت عراقية وطنية.
أليس مفارقة تلك التي حصلت عند انتخابات مجالس المحافظات وبعدها الانتخابات البرلمانية، على الرغم من سوء قوانين الانتخابات، لكن الحزب لم يحصل على مقعد واحد، الأمر الذي بحاجة الى وقفة جديّة للمراجعة وإعادة النظر بالكثير من مواقفه وسياساته؟ ولأنني منذ نحو ربع قرن كنت قد ابتعدت عن العمل الحزبي ووضعت مسافة من التيارات والكتل الشيوعية الأخرى لاحقاً، حيث اعتبرت نفسي ماركسياً مستقلاً وخارج نطاق الصراع بين الفرقاء، وهو ما جعلني أتصرف بحرية إزاء أصدقاء ورفاق ما زالوا يعملون مع الحزب والفرق المنشقة عنه، وهو الذي دفعني الى كتابة رسالة قبيل احتلال العراق، موجهة الى الرفيق الامين العام حميد مجيد موسى واللجنة المركزية "القيادية"، تطلب منه عدم الانخراط في مشروع احتلال العراق وتشجّعه وقيادة الحزب على اتخاذ موقف واضح وحازم.
ولعلي في حوارات مع أصدقاء من الحزب الشيوعي، كنت أتفهم بواقعية الضغوط التي يتعرّض لها، لكنني لم أستطع أن أهضم أو أبرر مهما كانت المزاعم موضوع التعاون مع الاحتلال، وفي  إحدى الحوارات مع رفيق وصديق شيوعي قيادي  من موقع آخر، قلت له أنا لا أدعو الحزب الشيوعي ليحمل السلاح بوجه الاحتلال، فذلك في الوقت الحاضر فوق طاقاته وامكاناته، ولكن يكفيه أن ينسحب من العملية السياسية بعد تجربة فاشلة ومريرة وتحالفات خاطئة مريبة، وأن يعلن أنه مع مقاومة الاحتلال سلمياً ويرفض الاتفاقية المجحفة والمذلّة، مثلما رفض جميع الاتفاقيات الاسترقاقية من قبل، كما كان يسميها أيام العهد الملكي، فضلاً عن رفضه ومقاومته لحلف بغداد.
كما أن موافقته على دستور يحتوي الكثير من الألغام، فضلاً عن نكهة طائفية ودينية، فيه خطأ كبير، مع أنني من الذين نظروا بواقعية الى الدستور، لاسيما القضايا الايجابية التي دونها في باب الحقوق والحريات والمواطنة ومبادئ المساواة واحترام حقوق الانسان، لكنه من جهة أخرى احتوى على نواقص وثغرات لدرجة أنها تشطب بعض المبادئ الايجابية التي سطّرها، والتي سيكون لا معنى لها بعد تعويمها.
أستطيع أن أقول أن هذه الأسباب الفكرية والسياسية هي التي وقفت أمام اختيار الناخب لمرشحي حزب وطني عراقي عريق وذي تاريخ مشرّف رغم جميع الاخطاء والنواقص، ومثلها هناك أسباب تنظيمية، هي علاقاته الداخلية وتعامله مع قياداته السابقة ورموزه الوطنية، فبمجرد الاختلاف نزلت على رؤوسهم التهم والشتائم والنعوت، وكأنهم لم يكونوا حتى وقت قريب " قادة تاريخيين" كما تتم تسميتهم، مع أنني اعتبرهم ومعهم الآخرين ادارات حزبية ليس الاّ.
أعتقد أن رسالة الانتخابات لا ينبغي أن تمرّ دون مراجعة جدية وجريئة، وأتحدث هنا من موقع الصديق والحريص بعيداً عن الاتهام والتخوين، وليس لدي أية أغراض خاصة أو علاقة بالماضي، رغم اعتزازي به، فلا بدّ من الاعتراف بالتقصير حتى وإن جاء متأخراً، كما لا بدّ من الاعتراف بالأزمة التي يعاني منها الحزب منذ سنوات طويلة، ولعل بعضها أزمة قراءة للماركسية في السابق والحاضر،  وهي أزمة موضوعية وذاتية شاملة، لاسيما بوصول التجارب جميعها الى طريق مسدود، فضلاً عن عدم دراسة الوضع العربي الاجتماعي والتاريخي والديني والنفسي، بما فيه من مكوّنات، على نحو مفتوح وبعيداً عن الكليشيهات المسطّحة التي ترد أحياناً في غير سياقها.
إنني إذ أتخذ موقف الناقد، من قيادة الحزب، فالموقف نفسه من المجموعات القيادية الأخرى، وأعتقد أن مطارحاتي مع باقر إبراهيم وآرا خاجادور ومثل ذلك مع عامر عبدالله، إنما تصبّ في إطار الحوار الفكري الذي أتمنى أن يكون عقلانياً ورزيناً، وهدفه ووجهته هي صلاح أوضاع الحزب وبناء تيار يساري عريض وإعادة قراءة الماركسية على نحو نقدي وضعي بعيداً عن القوالب الجامدة والصيغ الجاهزة، وقد حاولت ذلك في كتابي تحطيم المرايا أن أسلط الضوء على العديد من الجوانب الفكرية ولاسيما التي تجاوزها الزمن.
وإذا ما اتخذ الحزب أية خطوة صحيحة على هذا الاتجاه فسأكون معه من خارجه ناقداً ومقيّماً ودافعاً بالاتجاه الذي أعتقده صحيحاً، لقد جرّبنا وأخطأنا، وعلى الشيوعيين الذين كانوا نموذجاً للتواضع أن يرتبوا بيتهم الداخلي أولاً ويحافظوا على استقلاليتهم ثانياً فلم يعد التحالف مع هذه الكتلة أو تلك أو هذا الكيان أو ذاك مجدياً، ولعل هذا النموذج هو الذي على الشيوعيين أن يختاروه، عليهم التحالف مع شعبهم ومع النخب الثقافية والفكرية واحترام رأي المثقف وسماع انتقاداته والاصغاء الى صوته.
رسالة
لقد كتبت رسالة الى حميد مجيد موسى الأمين العام للحزب الشيوعي كما أشرت  قبيل احتلال العراق ببضعة أشهر وذلك في 25 أيلول(سبتمبر) 2002 ولديّ نصّها وأرسلتها عبر أحد أعضاء المكتب السياسي حينها (باليد) لتسليمها له، حذّرت فيها من الانخراط مع القوى المساندة للاحتلال ولفت النظر الى خطر التعويل على القوى الخارجية، لأن هذا الموقف تاريخي ولا أريد للشيوعيين أن يتلوّث تاريخهم وأن يشار الى وطنيتهم المعهودة بالثلم، واستعرضت بذلك الموقف من الحصار والعقوبات الدولية والمشاريع الخارجية، وغيرها.
وخاطبت الأمين العام للحزب الشيوعي حينها بالقول" وإذ أدرك أن القوى الوطنية بمجموعها ليست بقادرة على درء الكارثة المحدقة أو منع وقوعها، خصوصاً في أوضاع غير طبيعية وتوازنات مختلّة وغياب الحريات في ظل نظام شمولي استبدادي لا مثيل له، الاّ أنه يمكنها أن ترفع صوتها ضد الكارثة، والاعلان عن أن ما يجري في الخفاء والعلن من محاولة الهجوم على العراق،إنما تتم بإسم العراقيين أو بطلب منهم أو لمصلحتهم مثلما تريد بعض الدوائر أن تصوّر ذلك.
وأضفت " ولأنني أقدّر حجم الضغوط التي تتعرضون لها خارجياً وداخلياً ومن جانب أوساط قريبة وبعيدة، بما فيها بعض التنظيرات التي تريد ركوب الموجة لأغراض مختلفة من خلال  "عدم الانعزال" وأن خيار الحرب واقع لا محال، وإن علينا الاستفادة من "الفرصة" وتكييفها لصالحنا وغير ذلك من التبريرات والحجج، فإنني أخاطبكم بدوافع وطنية أولاً وقبل كل شيء، وبحكم العلاقة التاريخية التي أعتز بها ثانياً، وبإخلاص وحرص على أهمية التمايز كي لا يتم خلط الأوراق وبخاصة في المنعطفات الحادة ثالثاً، وللحفاظ على الموقف الوطني وتعزيزه دون لبس أو غموض أو إبهام رابعاً.
وطالبته " بالاعلان على نحو صريح وواضح إدانة الهجوم العسكري الأمريكي دون قيد أو شرط.. وإدانة المشاريع المشبوهة بما فيها " قانون تحرير العراق" التي لا تريد خيراً للعراق وشعبه ومستقبله، قدر هدفها تأمين مصالح القوى الدولية المتنفذة وخاصة الولايات المتحدة وإسرائيل، وأن البديل عن الخيار الحربي والعمل العسكري هو الضغط بكل الوسائل من أجل امتثال العراق الى القرار 688 (وهو القرار الوحيد لصالح الشعب العراقي) الخاص بكفالة احترام حقوق الانسان والحقوق السياسية لجميع المواطنين، مثلما إمتثل الى القرارات الدولية الأخرى (المجحفة) والتمسك بمشروع التغيير الديمقراطي المنشود وحقوق المواطنة الكاملة والإنتباه إلى خطورة الانتهازية السياسية التي أخذت تتفشى في هذا الظرف بالذات، وسينقلب البعض انقلاباً معاكساً وهذا ما يحصل دائماً في المنعطفات والمتغيّرات السياسية، فحتى قبل أن يبدأ الهجوم الأمريكي انخرط البعض بصفة " خبراء" أو " باحثين" وأسس البعض مراكز وتجمّعات سياسية ومهنية سريعاً، لكي يلتحق بالماراثون أو للمشاركة في الطبخة التي ستنضج بالهجوم الأمريكي دون أن يفوته الوقت وموعد العرس، الذي يريد البعض أن يرقص فيه واختتمت الرسالة بالقول: أيها الأخ والرفيق العزيز: إنني أضع هذه الملاحظات أمامكم، التي يصلح بعضها للاعلان والآخر للتحرك فإنني أستهدف تعزيز وتعميق الموقف الوطني الذي ننتمي اليه جميعاً من خلال حوار بصوت مسموع وهو الهدف الرئيس من وراء رسالتي... فالموقف لا يحتمل الصمت ولا التأويل.
وكنت أتمنى الاّ تفلح ضغوط بريمر وبعض القوى من استدراج قيادة الحزب الى مجلس الحكم الانتقالي لأن في ذلك تبرئة وتزكية للاحتلال، وهو ما أدرجه بول بريمر في كتابه "عام قضيته في العراق" وبطريقة يشعر المرء بالاهانة إزاءها.كما كنت أقف مستغرباً كيف لأمين عام الحزب الشيوعي أن يصف الإتفاقية العراقية- الأمريكية غير المتكافئة والمذلّة، بأنها: أحسن الصيغ السلبية؟ أليس في ذلك استهانة بالعقول وبالتاريخ: فقد كان عليه أن يقول أنه ضد هذه الاتفاقية المجحفة وسيقاومها سلمياً ويدعو جماهير الشعب الى ذلك. ولذلك إنساق كثيرون وراء مواقف السيد مقتدى الصدر المنددة  بالاتفاقية والداعية اليوم الى عدم تجديدها أو استبدالها، والملوّحة بخيار المقاومة إذا لم تنسحب القوات الأمريكية من العراق. وفي ذلك درس للحاضر والمستقبل.
أقول ذلك ليس من موقع الإتهام أو الإساءة أو التشكيك بالوطنية أو من باب الاستعلاء والجلوس على التل وتوجيه النصائح للآخرين، بل من موقع الشعور بالمسؤولية في خلاصة تجربتي الشخصية الفكرية والسياسية، فإن نفعت فخير على خير، وإن لم تنفع، فعلى الأقل يعرف جمهور الحزب والتيار اليساري عموماً أن بعض الماركسيين يفكرون بطريقة مختلفة عن تفكير زملائهم في قيادة الحزب، فذلك وحده هو بداية لحوار جاد ومسؤول ولا أحد فيه يدعي امتلاك الحقيقة، والحوار الهادئ على الرغم من الظروف الساخنة هو وحده الذي يضع المخلصين على الطريق الصحيحة لاسيما أمام الشعب والوطن والضمير، ولعل "صوتاً واحداً شجاعاً أغلبية" حسب قول الامام علي، وكان فهد هو من فسّر موقف "الأقلية الصائبة" من "الأغلبية الخاطئة". والمهم هو ثقة الشعب أولاً وليس وجود شخص بموقع وزير وآخر نائب وثلاثة مدراء عامين ووكلاء وسفراء.
السؤال الاخير
*سؤال أخير، بعد مسيرة حافلة سياسياً وفكرياً وثقافياً، فيها نجاحات كبيرة وفيها إخفاقات غير قليلة والبعض يقول فيها انتكاسات وغياب عن مواقع التأثير، لاسيما للحركة الشيوعية والماركسية العراقية والدولية، كنت من ناقديها  والمشاركين فيها والشاهدين عليها... كيف تنظر اليوم الى الشيوعية؟.. هل بروح التمرّد الذي أيقظته فيك وأنت فتى  أم لكونها جزءاً من الكتب المتحفية التي درستها ودرّستها واحتفظت بها في مكتبتك المتنقلة باعتبارها  شيئاً يعود الى الماضي؟.

- الشيوعية بالنسبة لي تعني الجمال والخير، لكل ما تاق له الانسان منذ الأزل، وأعني بذلك إلغاء الاستغلال والاضطهاد والظلم بتأكيد قيم الحرية والعدالة والمساواة، وهذا الأمر يرتبط في أعماق وجداني، ولا معنى للثقافة ولصيرورة المثقف، إن لم يكن منحازاً للقيم الجمالية، الانسانية، القيم التي تُشبع ذات الانسان في الانسان، وذلك ما نذرت له حياتي وسخّرت كل شيء، غير نادم، من أجله ولا أزال أمارسه بفرح غامر دون كلل أو ملل في جميع المجالات.
وأجد في الحرف وسيلة للتعبير عن تلك القيم، ولذلك أصبحت الكتابة هي هاجسي الذي لا أنفصل عنه، دفاعاً عن تلك القيم وإنسجاماً مع فضائها الانساني. كان ميلي حداثياً منذ الشباب الأول، وكلما تعمّقت في الماركسية والمدارس الاجتماعية والحقوقية المعاصرة، أصبحت أكثر حداثية، ولهذا فالموقف الذي أنتمى إليه حتى وإن كنت قارئاً وناقداً للتراث، ينسجم مع الحداثة والتقدم. إنني أنظر إلى التراث من خلال رؤيتي الحداثية، وأتعامل معه كماضٍ له سياق تاريخي، لا يمكن إهماله أو حذفه، مثلما لا يمكن العيش فيه وحبس النفس لمفاعيله.
نحن جزء من العالم الواسع المتداخل، المتفاعل، المشتبك، ولا يمكن أن نعزل أنفسنا عنه، فالعالم يمضي سريعاً، باستثناء البلدان المتأخرة أو ما نطلق عليه النامية، الكل يتطلّع الى المستقبل، بينما بعضنا غارق في الماضي، بل يكاد يدفن نفسه فيه. وحتى بعض الماركسيين توقفوا عند القراءة المدرسية للماركسية باعتبارها نظرية منجزة وكاملة وسرمدية، ولا يمكنهم تصوّر أو استيعاب ماركسية بلا ماركس.
لقد كان ماركس حلقة مهمة وأساسية في الماركسية، وإذا كان ماركس قد استحق ريادة تاريخية وعبقرية خالدة، بقراءة تاريخ التطور الاجتماعي واكتشاف قوانينه، فإن ذلك مضى عليه أكثر من 150 عاماً، الأمر يحتاج الى ماركسية ما بعد ماركس، وذلك بقراءة الواقع في ضوء المنهج الجدلي لاكتشاف واستنباط قوانين العالم الجديد وأحكامه، خصوصاً في ظل العولمة والتطور الهائل في الثورة العلمية التقنية وثورة المواصلات والاتصالات والطفرة الرقمية " الديجيتل".
ولو جاء ماركس اليوم لحذف الكثير من استنتاجاته وأطروحاته التي لم تزكها الحياة، بل عارضتها في أمور كثيرة، بما فيها ما جاء بسِفْره الأثير "رأس المال" لكنه قد يفاجأ بكيانية هرمة تريد إعادته من حيث أتى، وإنْ لم يستجب فيمكن وصمه بالخيانة أو الارتداد أو حتى خدمة الرأسمالية باعتباره ليس ماركسياً أو شيوعياً حسب وصفة الشيوعيين الطقوسيين والاداريين وأضرابهم.
ولو ظهر الإمام علي اليوم، لوجد جيشاً من المتدينين بمن فيهم بعض رجال الدين يقفون ضده ويكفّرونه ... لأن تعاليمهم لا علاقة لها في الكثير من الأحيان بقيمه، فهم لم يقرأوا كتاب " نهج البلاغة" الذي هو عبارة عن فلسفة واقعية وروحية قيمية إنسانية، وهم إنْ قرأوه فيحاولون تكييفه لما يستجيب مع مصالحهم وامتيازاتهم. وهذا ما يذكّرني بالشاعر الكبير مظفر النواب" لو جئتَ اليوم لحاربك الداعون اليك وسمّوك شيوعياً ".
على من يعتبر نفسه ماركسياً جدلياً نقدياً أن يتحلّى بالشجاعة لقول ذلك، لأن ذلك جوهر الماركسية وروحها الحية، الحقيقية. علينا الكفّ عن التعبّد في محراب ماركس أو قراءة نصوصه كمحفوظات مقدسة أو منزّلة وغير قابلة للمناقشة، لأنها مثل أي فكر يحتاج الى مراجعة وتطوير ونقد، لكي يستطيع على العيش والتقدم في بيئة سليمة، والاّ سيكون مصيره النسيان، ولا أظن أن الماركسية التي تركت تأثيراتها على البشرية قرن ونصف من الزمان سينتهي بها الأمر لتصبح في متحف التاريخ، الاّ إذا أراد لها بعض "أصحابها" ذلك، بتمسكهم بما عفا عليه الزمن وما تجاوزه الواقع، لكنهم هم من سيكونون في المتحف إنْ استحق بعضهم ذلك والاّ سيلفّهم عالم النسيان، وقد كان للأزمة العالمية الاقتصادية والمالية الجديدة دوراً كبيراً في إعادة الحاجة الى قراءة جديدة للماركسية، خصوصاً بعد أن عادت " أطياف ماركس" التي حاول جاك دريدا استحضارها!.
لا أذيع سرًّا إذا قلت لك: كنت متمرّداً في بدايات شبابي ومن لم يكن كذلك في شبابه، فهذا يعني أنه كان " شيخاً" طاعناً في السن حين اقتضى الأمر المغامرة والقلق والرفض وكسر النمطية وتجاوز الرتابة، ولكن في الوقت نفسه كنت رومانسياً، وعلاقة التمرد بالرومانسية علاقة غريبة وسحرية، فالتمرد يعني رفض الواقع والعمل من أجل تغييره، لاسيما باستخدام العقل، أما الرومانسية فتعني رفض الواقع بسبب قسوته على المشاعر الانسانية المرهفة والحساسة، أي باستخدام القلب، فهناك علاقة غامضة بين الأصغرين (القلب واللسان)، وتلك هي التي تؤثر على الجمال والحب والخير والعدل والسلام والأهم الإنسان.
إذا احتفظت بتمردي ورومانسيتي لحد الآن، فلأن العقل والقلب لا زالا يحلمان بالتغيير والتمرد على الواقع ويتفاعلان بحساسية خيالية أو متخيّلة لاستشراف واقع جديد نظلّ نركض وراءه كسراب.
هل لا زلت أنا في البداية أم أنها نهاية، لكنها نهاية من حيث نبدأ... لعلي أردد مع الشاعر البريطاني  ت. س. إليوت: إن ما ندعوه بداية هو في الغالب نهاية. النهاية من حيث نبدأ ولا بدّ لنا بالبدء والبدء والبدء.


229
عن قيادة الحزب الشيوعي

حوار مع الأكاديمي والمفكر الدكتور عبد الحسين شعبان -23

   أجراه: توفيق التميمي   
   
 
(القسم 23)
 
نقد قيادة الحزب
*ضمن منهجيتك الموضوعية كنت تفرّق بين الأشخاص والمواقف.. بين الآيديولوجيات وتطبيقها، فمثلاً تعتز بالمزايا الشخصية والانسانية لعزيز محمد أمين عام الحزب السابق وتعترف بكارزميته القيادية، كذلك في الوقت نفسه لا تتوانى من نقد سياساته وتؤشر الى إخفاقاته التي قادت الى نتائج سلبية على الحزب وجماهيره وربما للحركة الوطنية العراقية. هل لك أن تبين أبرز ملاحظاتك على قيادة الحزب خلال العقود الأربعة الماضية، لاسيما بعد العام 1963، وخصوصاً في فترة التحالف مع حزب البعث فيما يسمى بالجبهة الوطنية.
- شخصياً بعد أن اخترت لنفسي مكاناً خارج الصراع الحزبي الداخلي، لاعتقادي بعدم جدواه، خصوصاً وقد تحوّل الى مناكفات وإساءات، لاسيما بعد أن اتخذت الأمور نوعاً من  العداء والكراهية والاتهامات والتخوين، فقد وضعت مسافة واحدة مع جميع الفرقاء، لاسيما وأن الظروف السياسية الدولية والعربية اختلفت كثيراً.
كان التيار الأساسي في الصراع هو تيار المنبر الشيوعي الذي كنت أحد مؤسسيه، وهذا التيار انتهى تقريباً في أواخر العام 1990، وكان آخر اجتماع لقيادته في آب (أغسطس) 1990 وبعد غزو الكويت تحديداً، واتخذ إسماً جديداً " المنبر الاشتراكي الديمقراطي" لكن الخلافات دبّت في صفوفه ووصلت ذروتها،وهكذا انتقلت اليه أزمة القيادة المستفحلة أيضاً، وكان العدد الأخير للمنبر قد صدر في تشرين الثاني (نوفمبر) العام 1990 من لندن، لكن عودة ماجد عبد الرضا الى بغداد وبتشجيع من بعض قادة التيار أو القريبين منه، جعلني أتخذ موقفاً آخر حتى وإن كان تبرير عودته الانفرادية شخصياً، واعتبرت في لقاء مع رفاق من التيار "أن عقد اجتماعنا قد انفرط"، والمهم أن نبقي العلاقات الشخصية ودية، وكتبت رسالة الى أعضاء المنبر لا أزال أحتفظ بمسودتها أنني من الآن فصاعداً غير مسؤول وسأتصرف بصفتي مستقلاً محاولاً تكييف مواقفي في ضوء قناعاتي، وحرصت أن لا أسيء بكلمة واحدة الى الرفيق ماجد عبد الرضا على الرغم من معارضتي الشديدة لتوجّهه وهو أمر معروف للجميع على ما أظن، والسبب يعود الى الاعتبارات الاخلاقية، وعلى أقل تقدير لكي لا نسلك سلوك القيادة الرسمية في التشهير، وكذلك لعلاقات الصداقة التي ربطتنا في ميادين مختلفة ولسنوات طويلة منذ تعارفنا في بغداد بعد الانشقاق بفترة وجيزة ثم في لقاءاتنا المتكررة وعملنا المشترك في كردستان ودمشق وبراغ.
وكنت ولا أزال عند ذكره لا أتناوله الاّ بالايجاب، وأعتبره ضحية لسوء تعامل واستعلاء ومحاولة إذلال تعرّض له من جانب القيادات الحزبية حين أهين وفُصل من الحزب وبلّغت أكثر من جهة بعدم تسهيل مهمته سواء في الحصول على الفيزا أو الإقامة، الأمر الذي اضطرّنا الى مفاتحة جورج حبش لتخصيص راتب له وكذلك مخاطبة الرفاق اليمنيين لمنحه جواز سفر خاص، وبقيت معارضات حزبية دون عنوان، فقد عاد ملاّ علي الى الحزب وبقي بهاء الدين نوري خارجه يصدر صحيفة باسم "القاعدة"، سرعان ما توقفت، أما بعض رسائل الرفيق باقر ابراهيم فقد ظلّت محدودة، في حين أن عامر عبدالله بقي متردداً، فعلى الرغم من اندفاعه في أواسط الثمانينيات لتجميع المعارضة الحزبية، ومذكرته الشهيرة التي كتبها  باسم المجموعة المعارضة بما فيها جماعة المنبر، الى عزيز محمد وقبلها رسائله الى السوفييت ومذكرات مجموعة من القيادات والكوادر كذلك الى عدد من الأحزاب الشيوعية، لكنه عاد بعد أن شعر باليأس، وخصوصاً عندما دبّ الخلاف بين المعارضين أنفسهم فغيّر وجهته، وكان يأمل مثل غيره أن يستعيد موقعه، وقد سردت تفاصيل موقفه في المادة التي كتبتها عنه بعنوان " عامر عبد الله: النار ومرارة الأمل! فصل ساخن من فصول الحركة الشيوعية" وكذلك بدأ الرفيق آرا نشر بعض مواقفه في أوائل التسعينيات على نحو محدود، لكن هذا النشر ازداد مؤخراً من خلال الانترنيت، لكن ذلك لم يشكل معارضة حزبية في مواجهة التيار الرسمي السائد، لاسيما بعد انهيار الكتلة الاشتراكية.
وللحقيقة لا بدّ من الإقرار أن عزيز محمد استلم الحزب في العام 1964 وهو حزب منهك، زاده إنهاكاً بعد خط آب (أغسطس) العام 1964الذي روّج لفكرة التعاون مع الاتحاد الاشتراكي العربي. وكان يتنازعه تقويمان، الأول- مثّله عامر عبدالله وبهاء الدين نوري، والثاني عزيز الحاج وزكي خيري، وانقسم الحزب العام 1967 في 17 أيلول(سبتمبر) الى قيادة مركزية ولجنة مركزية، وبعد انقلاب 17 تموز (يوليو) 1968  أصبحت عين الحزب على المشاركة في السلطة وحصل ذلك قبيل توقيع الجبهة الوطنية العام 1973، بحمله حقيبتين وزارتين لعامر عبدالله ومكرّم الطالباني (أيار/مايو/1972).
يمكنني القول أن عزيز محمد شخصية أليفة وسلمية ومحببة لكنها غير حاسمة ومترددة وغير مواجهة، ولذلك يتم التأثير عليها، وإذا ما عمل معه شخصيات إيجابية وجامعة فسيكون سبّاقاً الى ذلك، لكنه إذا عمل معه شخصيات سلبية أو عدوانية أو مفرّطة، فسيضطر عزيز محمد الى مجاراتها والانصياع لها، وتلك مشكلة عاشها من عرف عزيز محمد عن قرب أو من راقب سلوكه الحزبي، ولذلك فأنت لا تستطيع أن تخاصمه، وإذا خاصمته فإنه لا يتحوّل الى عدو، وهو مستعد للمصالحة في أية لحظة، ولكن ذلك يعتمد على من يعمل معه، ولهذا ترى الجميع حريصين على صداقته وتلك واحدة من المفارقات.
لقد خسر الحزب كثيراً في فترة قيادته، فعلى الصعيد السياسي استمر نهج الواحدية وشحّ حرية التعبير حتى داخل الهيئات الحزبية بحجة " الحليف"  و"الخوف من التسرّب" وغير ذلك، الأمر الذي خلق عادات غريبة  مثل الوصولية والانتهازية والتملق وهو ما ورد في مذكرة عامر عبدالله ونوري عبد الرزاق الى عزيز محمد، أما في الخارج وبعد الهجرة الواسعة فقد ترك عزيز محمد الحبل على الغارب وأصبح أقرب الى شاهد منه الى قائد، في حين كانت مسؤولياته تقتضي وقف الانتهاكات والتجاوزات ووضع حد للتلاعب بمصير الناس ومستقبلهم، الأمر الذي دفع أوساط واسعة الى الخروج من الحزب أو ترك العمل أو حتى تحوّل بعضهم الى معاداة له.كان الكثير من الرفاق يشعرون أن عزيز محمد يأتي ضيفاً أو زائراً على الحزب، وليس أمينه العام.
وفي فترة الأنصار حصلت تجاوزات صارخة، حتى إن بعض الرفاق بسبب وجهات نظرهم وآرائهم تعرضوا الى التعذيب والسجن، ولديّ أمثلة كثيرة سبق أن ذكرت بعضها وبعض أصحابها لا زالوا أحياءً وقد سبق لي أن كتبت عن استشهاد الرفيق منتصر تحت التعذيب " الرفاقي" وتعذيب الرفيق ستار غانم الذي التحق بتنظيمات الداخل واستشهد هناك، كما عذّب الرفيق أمين (أحمد الناصري) ولا يزال حيًّا، وهو واحد من الشيوعيين الشجعان الذي تم تعذيبه في مقرّات الأمن مثلما عذّب في سجن خاص في مقر الأنصار، وعندما التقيته بعد ذلك نزع قميصه وأشرّ الى موقعين قال هنا: تعذيب البعثيين الفاشست، وهذا تعذيب الرفاق الأشاوس.
كما لم يتم التدقيق بمن يُرسل الى الداخل الأمر الذي أدى الى خسارات كبيرة وفادحة، لأن الكثير ممن يتحكمون بمصائر الرفاق يغامرون بهم أما لجهلهم بالأوضاع أو لرغبتهم في تحقيق منجز حزبي أو للتخلّص من بعض الرفاق، لاسيما المشاغبين، سواءً إذا تمت تصفيتهم فسيضاف هذا العدد الى قافلة الشهداء وإذا أسقطوا سياسياً فقد يكون ذلك وسيلة للخلاص منهم، وسيروي لك كثيرون وكل حسب تجربته نماذج من التصرفات الحزبية الجهولة أو الانتقامية وعلى أحسن تقدير الساذجة.
وكان يفترض بالرفيق عزيز محمد وبالمكتب السياسي الاّ يبالغوا في ذلك لكي لا يخسروا الرفاق، والمسألة لا تتعلق بمسؤولية عضو المكتب السياسي باقر إبراهيم، بل بالمكتب السياسي كله وباللجنة المركزية، سواءً السابقة، أو الذين حلّوا محلهم بعد المؤتمر الرابع العام 1985 وهناك الكثير من الحكايات والقصص المثيرة بما فيها اختراقات الأجهزة الأمنية العراقية ومن دول الجوار، الأمر الذي أثيرت حوله تقوّلات كثيرة ولا يكفي تبرير أن هناك تضحيات وراء عمليات إعادة التنظيم في الداخل، بل كانت هناك كمائن غير قليلة كان ينبغي التعامل معها بمسؤولية وحسّ انساني دون محاولات اسقاط الرغبات على الواقع، وهو الأمر الذي حصل فعلياً وخسرنا بسببه عشرات الرفاق والكوادر القيادية والكفاءات العلمية، فقسم منهم قتلوا تحت التعذيب في أقبية الأمن والمخابرات العراقية والقسم الآخر تم إعادة إرسالهم كمندسين حيث ظلّوا يعملون لحين اكتشافهم، ولعل بعضهم لم يكتشف واستدرجوا الكثيرين، بمن فيهم أعضاء في قيادة الحزب، لاسيما في العام 1991 في فضيحة مدوية، وقيل أن المسؤول عن ذلك قد تم قتله وتصفيته دون حكم قضائي وجرى الحديث عن اعترافاته، لكننا لم نطلّع على نصوص أو وثائق. وإذا كان الأمر يحصل دائماً في أوضاع العمل السري وقوات الأنصار، فقد آن الأوان لكشف هذه الأمور على الملأ.
ملاحظات نقدية
ولعل أهم ملاحظاتي السياسية على فترة قيادة الرفيق عزيز محمد (أبو سعود) تتلخص عدم التمكن من تضميد جراح الحزب بعد العام 1963، فدخل الحزب في نفق جديد إسمه خط آب، ووصل التفكك في الحزب الى حدوث انشطار عمودي حاد، كان يمكن أن تتم معالجته داخلياَ، وحتى بعد اندلاعه لا أظن أن وسيلة التصدّي له كانت ناجعة. أعتقد أن بعض الصقور من الطرفين هيمنت على المشهد لدرجة لم يكن بإمكان عزيز محمد أن يضع حداً لها، وكان الأجدى به العودة من موسكو لمواجهة الأمر، لا ترك حرب الصقور تدور وهو بعيدٌ عن ساحة الصراع الأساسية.
كان قرار عقد الجبهة أممياً أكثر منه عراقياً، وكانت نصائح القادة السوفييت تُضخ لنا من خلال الجهاز الحزبي، وكلّها مشجعة ومحبّذة على عقد التحالف على الرغم من الهجوم ضد الحزب واعتقال المئات من أعضائه العام 1970. وإذا كان عقد الجبهة الوطنية تحصيل حاصل، لاسيما بعد إضعاف الحزب، فإن التعاطي مع حزب البعث بعدها كان موضع نقد الشيوعيين وجمهورهم دون أن يسمع أحد اعتراضاتهم فقد كان بعض القياديين قد وضعوا كل بيضهم في سلّة "الحليف" وأخذوا يتغنّون به، ويقمعون أي رأي يخالف ذلك، لدرجة أن محاضر الاجتماعات الحزبية كان فيها فقرة " لا يوجد رأي مخالف" وقد أصبحت تلك من صلب الإنجازات الحزبية، التي يتباهى بها البعض.
وبعد الانقلاب على الجبهة من جانب حزب البعث وإعدام 30 عسكرياً بحجة أن لديهم تنظيماً شيوعياً في الجيش، إنسحب الحزب بشكل غير منظم، وترك مئات بل آلاف الشيوعيين بلا غطاء إذا جاز لي التعبير، ولعل عبارة " دبّر حالك" كانت أقرب الى السيف الذي اقترب من رقبة الكثير من الشيوعيين، يوم سادت مسألة التعهد بموجب المادة 200 السيئة الصيت.
إذا كان الحزب قد قرر الإنسحاب، فكان لا بدّ من خطة طويلة الأمد وتكتيكات وتراجعات لكي يتم حماية ظهر الحزب المنكشف والذي سلّم كل أوراقه أو غالبيتها الساحقة الى السلطة، لاسيما عندما تعهّد بعدم العمل في القوات المسلحة وحلّ تنظيماته الجماهيرية في الطلبة والمرأة، وقبل بدور ثانوي وتابع لحزب البعث مراهناً على السلطة مسقطاً أي خيارات أخرى، بل أن القيادة كانت ترفض حتى مناقشة الأمر أو الاستماع الى أية وجهة نظر خارج ذلك، الأمر الذي جعلها تهرب الى الأمام، وأعتقد أن الأمين العام والقيادة كانت مسؤولة عمّا حدث دون تقليل من مسؤولية حزب البعث وأجهزته الأمنية التي هي المسؤولة الأساسية عن الانتهاكات والارتكابات ودفع البلاد الى عجلة الانفراد والتسلط والدكتاتورية السوداء والمغامرات الرعناء لاحقاً، لكن واجب القيادة وأمينها العام كان يقتضي البحث بمسؤولية عن حدوث مثل تلك الاحتمالات وبالتالي توقع مثل تلك النتائج. وإذا كان غالبية أعضاء القيادة قد غادرت العراق من مطار بغداد، فإن العشرات، بل المئات من الكوادر راحوا ضحية الملاحقة وطحنت عظام البعض منهم دون رحمة، وحتى لم يجدوا قبوراً لهم بينهم د.صفاء الحافظ ود.صباح الدرّة وعايدة ياسين وآخرين.
وفي الخارج تصرّفت القيادة على نحو عشوائي وردود فعل ومزقتها الصراعات، ولاسيما محاولة الاستحواذ على المناصب والامتيازات، فانخرطت سريعاً في جبهة وطنية جديدة، حتى قبل أن تجف "دماء" الجبهة السابقة تلك التي أبرمت في سوريا بإسم، "جوقد" التي رضي بها الحزب لكنها لم ترضَ به (رضينا بالبين والبين ما رضه بينا). فتم تجميد الحزب فيها، وذلك بسبب انضمام الحزب الى جبهة جديدة هي جود التي تم تشكيلها في كردستان بعد اسبوعين من الجبهة الأولى، ثم إنضم الحزب الى جبهة التسعة عشر حزباً في طرابلس التي أعلنت على عجل بدعوة من القذافي ووقع الحزب على بيان مع جهة لم تعلن عن نفسها ولم يرغب الحزب في الإفصاح عنها، ولكن دور هذه الجهة جاء بعد غزو الكويت العام 1990 وبواسطتها تم اختراق جهاز دولي عريق للحزب فيما يتعلق بحادثة ثابت حبيب العاني، أحد أشجع وأنبل الشيوعيين العراقيين وأكثرهم إخلاصاً، وقد كتب مهدي الحافظ حينها مقالة في صحيفة المنبر يجلي فيه صورة ما حدث، ويحمّل الجهات المتنفذة مسؤولية الحفاظ على حياته.
لقد أصبحت مسألة الحديث عن الجبهة الوطنية بقدر ما هي مأساة، فقد كانت ملهاة أيضاً، ونوع من الكوميديا السوداء أو السخرية الحزينة، وكأنها هي الهدف وليست الوسيلة. واتذكر أن أبو كَاطع كان يطلق عليها إسم " الجبحة" أي الكبوة أو الانكفاءة، وباستثناء جهة الاتحاد الوطني العام 1957 فلم تكن الجبهات التي دخلها الحزب واستمات أحياناً من أجل عقدها بما فيها الجبهة الكردستانية العام 1988 سوى تحميله المزيد من الأعباء، واضطر في غالب الأحيان الى خسارة استقلاليته أو فقدانه جوانب منها بما فيها تحالفاته ما بعد الاحتلال.
ومثلما كان بإمكان الحزب عدم إبرام جبهة العام 1973 والبقاء في موقع الناقد والمعارض للحكم، حتى وإن كان بأساليب غير عنفية ومن موقع الحرص والمسؤولية، فقد كان بإمكانه عدم الانخراط في جبهات ورقية أو هوائية أو طارئة ومؤقتة. كما اندفع الحزب في تحالفات سريعة كان ضحيتها مجزرة بشتاشان التي ارتكبتها قوات الاتحاد الوطني الكردستاني ضد الحزب الشيوعي وراح ضحيتها نحو 60 شيوعياً في العام 1983 وكان الثمن الذي دفعه الى ذلك هو مقايضة التحالف مع المعارضة بالتحالف مع بغداد حينها،  حيث استمرت المفاوضات حتى أواسط العام 1984 ولكنها لم تثمر عن نتيجة بسبب تعنت الحكم، فعاد وفد الاتحاد الوطني وتدريجياً انتقل للتحالف مع طهران بدل بغداد.
ومع أنني من الذين يميلون الى التسامح، لاسيما إذا كان فيه مصلحة الوطن ومصلحة إعادة العلاقات الودية بين الأحزاب والقوى السياسية وذلك كأفق سياسي، لكن الضحايا لم يتم تعويضهم، ولعل من حقهم أو ذويهم المطالبة بتعويض مادي ومعنوي، كما أن من حقهم ملاحقة المرتكبين قانوناً، ولم يتم جبر الضرر، بما فيه اعتذار رسمي من جانب الاتحاد الوطني الكردستاني للحزب الشيوعي، وهكذا دائماً يتم نسيان الارتكابات حين وقوعها أو بعد بقليل، وفي الوقت نفسه يجري استذكارها بعد حين، عندما يصبح الأمر بعيداً، أو حينما تسؤ العلاقة.
النسيان والتسامح
لقد تم السكوت عن جرائم 8 شباط (فبراير) 1963 خلال سنوات الجبهة (1973-1979) لكننا اندفعنا بعد ذلك نستذكر كل شيء وبتفاصيله لاحقاً، وسكتنا ولا زلنا نتوخى الصمت أو ننشد النسيان عن جرائم اغتيال 12 شيوعياً من جانب عيسى سوار(حدك) أو جرائم قتل 60 شيوعياً من جانب الاتحاد الوطني الكردستاني، بل نتغنّى أحياناً بأمجاد الغير طالما هم في موقع المسؤولية، وسترى كيف تكال التهم بعد تبدّل الحال. إن دعوتي هنا لا تستهدف إثارة الكراهية أو الثأر أو الانتقام، بقدر ما هي نقد الماضي وأساليبه والدعوة الى عقد اجتماعي سياسي جديد بين القوى السياسية، لا يجيز استخدام السلاح ويمنع استخدام القوة ويعمل من أجل حلّ الخلافات بالطرق السلمية ووفقاً للقوانين والأنظمة .
النسيان ليس حلاًّ، والمقصود بالتسامح أن تبقى تلكم الارتكابات في دائرة الضوء، بهدف عدم تكرارها، ولعل ذلك عبارة عن مصل مضاد لكي لا تنتقل عدواها بحيث تستكمل مستلزمات وضع حد لها، بما فيها إصلاح النظام القانوني وتعويض الضحايا مادياً ومعنوياً وجبر الضرر وغير ذلك.
لقد اندفعت قيادة الحزب وجرّاء نهج التراجع السابق، ولاسيما غير المنظم بالاتجاه المعاكس، فرفعت أشدّ الشعارات رنيناً ويسارية، مضحّية بالعشرات بل وبالمئات بكوادر وطاقات وكفاءات في معارك لم يكن مبرراً في معظمها، خصوصاً وقد دارت بين الأنصار أنفسهم من القوى المختلفة. ولعل هوى الجملة الثورية استولى على عقول البعض فتصرفوا على نحو غير مسؤول بتجنيد الحزب كلّه في محاولة لعسكرته وسادت ثقافة الشروال والجمداني والجبل محلّ الثقافة الشيوعية الحداثية المدنية الراقية، وهكذا اضطر المئات الى الالتحاق بقوات الانصار دون قناعة لدى الكثيرين منهم، ولكن خوفاً من سوط العقوبات والاتهامات بالجبن وحفاظاً على عضويتهم أحياناً حيث كان التهديد الأساسي يبدأ منها، لتبدأ معاناة لا حدود لها في موضوع العمل أو السكن أو الاقامة أو الدراسة أو العلاج أو التزكية السياسية، وهكذا.
أقول ذلك لأنني أعرف العشرات، بل المئات من الحالات ممن كان يمكن الاستفادة منهم في ظروف مناسبة وهم ذخيرة للحزب، الأمر الذي شجّع على روح التملق والخضوع والسكوت عن الحق، مقابل التهميش والإقصاء وصولاً للفصل، خصوصاً للكثير من أصحاب الرأي، وكان النقاش حاداً بشأن موقف الحزب من الحرب العراقية- الإيرانية، وهو الموقف الذي لقي نقداً شديداً من كوادر قيادية كثيرة فضلاً عن قاعدة الحزب، وكذلك حول أساليب الكفاح وحول التحالفات ولاسيما ضياع هوية الحزب ولونه الخاص حيث سيطرت بعض الاعتبارات القومية الكردية الضيقة على قيادات الحزب وملاكاته، أقول ذلك والجميع يعرف موقفي الثابت من مبدأ حق تقرير المصير وحقوق الشعب الكردي العادلة والمشروعة، والأمر له علاقة أيضاً بالعلاقات الداخلية بين الشيوعيين التي ساءت الى أبعد الحدود.
لم يكن الأمين العام عزيز محمد يرغب في وصول الأمور الى ما وصلت اليه، وذلك قناعتي منذ تلك الفترة وتعززت لاحقاً، ولكنه كان مسؤولاً عن كل ما حصل، لاسيما عندما ترك الحبل على الغارب لبعض المغامرين الذين لم يتورعوا باستخدام مختلف الأساليب لتحقيق غاياتهم، ولا أظن أن عزيز محمد كان يشجع على المقاطعة الاجتماعية الذميمة التي تولاّها البعض وبررها في حينها لكل مختلف في الرأي، بل كان هو من يبادر أحياناً باللقاء، حتى وصل الأمر الى تفتيت قوى الحزب، حيث ساد التذمر المراتب المختلفة، ولولا غزو الكويت ومغامرة صدام حسين العام 1990 وقبلها قصف مناطق الأنصار بغاز الخردل وبالسلاح الكيمياوي، لكانت الأمور قد ازدادت قسوة وصعوبة وتفتتاً، خصوصاً وقد ترافق ذلك مع إنهيار الكتلة الاشتراكية وتفكك الاتحاد السوفيتي، لكن الرغبات شيء والواقع شيء آخر، والأمر لا يعفيه من المسؤولية، ولا يمكن تبرير قوله أنه يتحمل المسؤولية ولكنه ليس لوحده، بل كانت معه القيادة.
كان على عزيز محمد أن يأخذ مبادرة والاّ يستجيب للصقور والمفرّطين والعدوانيين، وأن يجمع شتات وشمل الحزب المنفي، المعذّب، المستلب، لا أن يقبل طرد عشرات من أصدقائه وزملائه من القياديين والكوادر، وإنْ لم ينجح كان عليه أن يستقيل، كما كان يمكن أن يحدث الافتراق ودّياً وليس بالطرق الاكراهية والزجرية التي تم استخدامها. وقد اعترف أحد القياديين ومن ثم اعتذر سواءً أمام من تمت الاساءة اليهم أو بما كتبه ونشره عن الأساليب غير الرفاقية التي تم استخدامها ووصلت الى التهديد والاتهام والمحاربة بالأرزاق والدراسة والإقامة وغيرها.





230
50 مادة في الدستور العراقي تحتاج الى إصدار قانوني
حوار مع الأكاديمي والمفكر الدكتور عبد الحسين شعبان -22


   أجراه: توفيق التميمي   
      


 
(القسم 22)
 
الحراك العراقي
بقدر ما يتعلق بالتجربة العراقية، فقد تمكّنت الولايات المتحدة من الاطاحة بالنظام الديكتاتوري السابق، لكنها لم تستطع بناء نظام ديمقراطي على أنقاضه، فضلاً عن ذلك فإن أزمتها العالمية اقتصادياً ومالياً، وهي جزء من دورة النظام  الرأسمالي العالمي المستفحلة، قد تعمّقت بسبب الغرق في المستنقع العراقي، حيث كلفتها الحرب أكثر من 3 تريليونات دولار وأكثر من 4479 قتيلا وأكثر من 26 ألف جريح حسب الأرقام المعلنة من جانب وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون)، الأمر الذي دفعها للهروب الى الأمام بعد توقيع اتفاقية مع العراق نقلت فيه الاحتلال العسكري الى احتلال تعاقدي، وستضطر الى الانسحاب من العراق في نهاية 2011 ، مع أن احتمالات البقاء واردة، بقوة عسكرية مؤهلة وقواعد لا تزال مؤمّنة ومحميّة، ولكن ذلك يمكن أن يتم بتوقيع اتفاقية جديدة مع العراق وفي ضوء التطورات الجديدة.
لا يمكن للولايات المتحدة اليوم القول أنها بنت نظاماً ديمقراطيا في العراق، حتى وإن جرت انتخابات وأبرم دستور جديد، احتوى بعض المبادئ الديمقراطية الايجابية، لكن فيه الكثير من الألغام التي يمكن أن تنسف الإيجابيات الواردة فيه، فضلاً عن القيود الكثيرة، بما في ذلك نحو 50 مادة تحتاج الى إصدار قانون، وينتظر الدستور تعديلاً لا يزال مسكوتاً عنه.
وقد تفاقم الفساد الى درجة مريعة واحتّل العراق الصدارة بين دول العالم في تقارير منظمة الشفافية الدولية، وارتفعت موجة العنف الطائفي والمذهبي والاثني الى درجة تشظّي المجتمع العراقي، لاسيما في ظل وجود الميليشيات المعلنة أو المستترة، ناهيكم عن جماعات الارهاب الخارجة عن القانون، بما فيها تنظيمات "القاعدة" الارهابية، واستمرت معضلة الخدمات، فالماء الصافي شحيح والكهرباء لا تزال غائبة في معظم الأوقات، والبطالة تضرب أطنابها، والحكومة معوّقة على الرغم من إجراء الانتخابات منذ آذار2010، وبعد ولادة عسيرة دامت أكثر من عشرة أشهر لا تزال الوزارات الامنية فارغة، فأي انجازات ديموقراطية يمكن الحديث عنها؟ ولعل صندوق الاقتراع وحده ليس مؤشراً أو دليلاً على الديمقراطية، إنْ لم يقترن بالمساواة والمساءلة وسيادة القانون والمواطنة السليمة والحريات والعدالة.
لقد حذّر رئيس الوزراء العراقي من التظاهر، لاسيما من المندسين، وخصوصاً تنظيمات "القاعدة" والبعثيين، وذلك في محاولة لإجهاض التحرك الذي يطالب باستعادة الخدمات ومحاربة الفساد ومساءلة المفسدين وإيجاد فرص عمل للعاطلين وتقليل رواتب المسؤولين وتحسين مفردات الحصة التموينية وغيرها. وإذا كان ذلك مفهوماً و"مبرراً" لأي حاكم يلتجئ اليه، وإنْ كان غير مبرّر، فالدستور على الرغم من نواقصه وعيوبه يكفل حق التظاهر السلمي، وأي تجمّع سواءً كان لزيارة المراقد أو لمناسبة عاشوراء أو غيرها يمكن أن يؤدي الى انضمام مندسّين، الأمر الذي لا يستوجب إلغاءها من جانب المعنيين سواءً الحكومة أو رجال الدين المتنفّذين وما يطلق عليهم اسم "المراجع العظام" والمقصود أربعة أساسيين هم آيات الله: السيد علي السيستاني، والسيد محمد سعيد الحكيم، واسحق فياض، وبشير نجفي.
ومرّة أخرى أقول إذا كان موقف رئيس الوزراء مفهوماً، فموقف المرجعية غير مفهوم أو لا يزال ملتبساً ويتراوح بين التأييد والتنديد، وبشكل عام ظلّ ضبابياً، من خلال تصريحات الناطقين باسم السيستاني، وأعني بهما الكربلائي والصافي، اللذين ظلاّ على مدى شهرين يحرّضان بشدّة للدفاع عن بعض المطالب الشعبية مثل عدم استحداث المزيد من المناصب الحكومية لمنع ترهّل الدولة وأجهزتها ويتحدثان عن سوء الخدمات وتفاوت الرواتب واستشراء الفساد والبطالة وعدم التلاعب بمفردات البطاقة التموينية، وهو أمر إيجابي، تبنّاه أيضاً المجلس الاسلامي الاعلى وجماعة السيد مقتدى الصدر وقوى دينية أخرى، لكنه عاد عشية تظاهرة 25 شباط  الى إصدار تحذير من الاندساس ووضع شروطاً تقترب من الامتناع عن المشاركة، وهو ما جاء متناغماً مع تصريحات رئيس الوزراء، وقبل ذلك دعا السيد مقتدى الصدر الى تأجيل الاحتجاجات لمدة 6 أشهر لإعطاء فرصة للحكومة.
وإذا كانت التظاهرات قد نجحت في لفت النظر على الرغم من العقبات التي وضعت في طريقها وإغلاق الطرق والجسور والاعتقالات، التي شملت بعض الصحافيين، وتوقيعهم على تعهدات تذكّر بتعهدات النظام السابق، وأكّدت استمرارها وتجددها، الأمر الذي اضطرّت معه المرجعية الى التأكيد على لسان من يمثلها أنها مع شرعية التظاهرات إذا ما حافظت على الإطار السلمي دون نسيان التعبير عن قلقها، وشكرت المتظاهرين كما شكرت الذين لم يتظاهروا، بمعنى من استجابوا اليها، ودعت حكومة المالكي الى تقديم الخدمات والاستماع الى المطالب، وقال من ينطق باسمها أن المرجعية طالما حذّرت الحكومة من خطورة هذا الاداء، ولقد صبر الناس طويلاً.
أستطيع أن أتفهم حراجة موقف المرجعية التي دفعتها الأحداث الى إبداء رأيها والنطق بعد اضطرار طويل الى الصمت في زمن النظام السابق، كما أقدّر حرصها على حماية  الأرواح والممتلكات، فهو أمر مشروع ومفهوم، خصوصاً إزاء محاولات الاندساس والعبث، ولكن مثل هذا الأمر قد يحدث أيضاً خلال الزيارات للمراقد وفي المناسبات الدينية، لكنها لم تتخذ الموقف ذاته، علماً أن القضية لا تتعلق هذه المرة بطقوس أو شعائر أو روحانيات، بل إن المسألة تتعلق بصميم حياة الناس واحتياجاتهم الانسانية، لاسيما الضرورية والاساسية.
وسبق للكربلائي ممثل السيستاني أن أجاب على سؤال بخصوص تلك المناسبات التي تكرّس لها الدولة كل طاقاتها، وتتعطل الدراسة أحياناً، وأحياناً أخرى تتعطل دوائر الدولة ومؤسساتها ويُستنفر الجهاز الأمني بالكامل وغير ذلك، قال و" إذا تعطلت الدولة "، فالأمر يستحق ذلك، ولكن ألا تستحق الخدمات والفساد والبطالة تسخير كل شيء في الدولة من أجلها، والضغط على الحكومة لتحقيقها، خصوصاً بعد مرور 8 سنوات على الاحتلال؟ ثم ألا يستحق ذلك دفع الناس للتظاهر حتى تستجيب الحكومة لمطالبهم أو تتنحّى إنْ لم تكن قادرة؟.
 
الغضب العراقي ليس استثناءً كما أنه ليس استعصاءً، فقد شهد التاريخ العراقي احتجاجات كاسحة، ولم يصغ الشارع سوى لعقله وضميره ولحاجاته الانسانية والحياتية، فقد أطاحت الاحتجاجات معاهدة بورتسموث العام 1948 وأسقطت حكومات وقادت انتفاضات وثورات في العام 1952 و1956 و1958، وكادت انتفاضة العام 1991 تطيح النظام السابق لولا تعرّضها لمحاولات تحريف وتجويف ومساومة ومؤامرة ولم تكن للمرجعية حينها الدور الذي تلعبه اليوم، فعسى أن نقرأ التاريخ جيداً!
المثقفون والأنظمة
*على الرغم من التحفظ حول توقيت نشر وثائق ويكيليكس أو غيرها من الوثائق التي تظهر بعد سنوات من حصول أحداثها ووقائعها، ولكن ما يهمنا من هذه الوثائق هو تورط مثقفين ومفكرين وسياسيين يساريين وقوميين، وهم يستلمون الرشاوى المالية والهبات السخية من حكام فاسدين ومستبدين بما يخالف سيرتهم الكفاحية أو مبادئهم ومثلهم التي يبشرون وينحازون اليها، وهؤلاء الحكام أثبتت الوقائع مصادرتهم لحريات شعوبهم أين تضع هؤلاء وكيف تتعاطى مع هذه الظواهر؟
- لا أتفق معك بخصوص التحفظ في توقيت نشر وثائق ويكيليكس، وأعتقد أنها جاءت متأخرة كما أن نشرها أمرٌ مفيد جداً، وهي لم تُخترَع أو تُفبرَك الحقيقة، بقدر ما ساهمت في نشر ما يتوافر منها، وقد لا تكون كاملة كلية أو دقيقة بالكامل، لكنها بلا أدنى شك وقائع حصلت ووثائق ظهرت ومعلومات وتقارير، وكُتبت حسب ما كان يسعى اليها من قام بتدبيجها، وبالطبع لم يكن هو صاحبها، بقدر ما كان هو جامعها، من مصادر رسمية وشبه رسمية بعضها مصادر دبلوماسية وعسكرية وسياسية أو غير رسمية، وحيث تم تسريبها. وإذا كانت واشنطن قد احتجت على الوثائق وحاولت ملاحقة صاحبها جوليان أسانج فإن الأمر له علاقة بكشف بعض المستور لاسيما علاقاتها مع قوى وشخصيات وزعامات ودول، كانت تتم من تحت الطاولة.
ومؤخرا فقد أعربت السلطات الأمريكية عن استيائها فيما يتعلق بالمئات من التقارير والوثائق العسكرية والتي تتعلق بممارسات تعذيب ممنهج لما يزيد عن 700 معتقل في سجن غوانتانامو. وقال البيت الأبيض إن هذه الوثائق كانت بين مصادر للمعلومات استخدمها فريق عمل خاص شكّله الرئيس أوباما العام 2009. وقال غاري كارني المتحدث باسم البيت الأبيض أن من المؤسف أن المؤسسات الصحفية قد قررت نشر الوثائق التي تم الحصول عليها بصورة غير مشروعة. أي انه لم يشكك بالوثائق، بل شكك في هدف نشرها وأنه تم الحصول عليها بصورة غير مشروعة وقال أن هذه الوثائق لا تزال سرية.
قبل ذلك تم تسريب وثائق عن النفط مقابل الغذاء، ولم تكن هناك جهة واحدة معتمدة، لكن هذا الاسلوب أي شراء الأتباع والمؤيدين استخدمه صدام حسين لاستمالة بعض القوى السياسية وبعض الشخصيات المحسوبة عليه أو المتعاونة معه، للوقوف الى جانبه، وبعضهم لا يخفي ذلك، وبالطبع فإن معظمها ليست أسراراً، حتى وإن اختفى البعض وراء بعض الأقنعة، وأود أن أشير في هذا الصدد الى دور البترودولار في إفساد الحركات الوطنية العربية منذ السبعينيات، تحت باب بعضه " مشروع" وهو دعم حركات التحرر الوطني، لكن استخداماته، لاسيما من جانب بعض المسؤولين أثارت شكوكاً وإشكالات واسعة، ولو أعدت قراءة آرشيفات ووثائق الحركة الوطنية العربية وأحزابها وغيرها ستطلّع على الكثير من الوقائع في هذا الشأن، وخصوصاً مرحلة الثمانينيات وما بعدها، وذلك قبل دخول العامل الدولي الذي أغرق بعض الحركات بالمال السياسي. وتستطيع أن تستعرض الكثير من الأسماء، خصوصاً وأن غالبية السياسيين المحترفين لم يمارسوا عملاً في يوم ما أو انقطعوا عنه بحجة الواجبات النضالية، وعاشوا حياة كسولة تشجع على الفساد والافساد، لاسيما إذا كان ما يصلها من المال وفيراً أو كافياً لاستخداماته بما يعزز سلطاتهم.
في السابق كانت العلاقات الأساسية والمساعدات المالية تقدّم في إطار آيديولوجي، فالشيوعيون يحصلون على دعم معنوي وثقافي واجتماعي من الدول الاشتراكية، حيث الزمالات الدراسية والإقامات الطويلة الأمد والاستشفاء وقضاء أوقات طويلة والراحة والتدريب والتأهيل والدراسة الحزبية وغيرها، وبعض هذه الامتيازات محصورة بالقيادات وعوائلها التي يصبح همّ الكثير منها هو كيفية كسب الطرف الآخر لاعتقاده بأن ذلك يعزز من دوره الداخلي، لاسيما في إطار الحزب وقد واجهت الصراع الحزبي الداخلي في الستينيات ولاسيما إبان انقسام الحزب بين القيادة المركزية واللجنة المركزية مواقف بعض الكوادر المتقدمة والوسطية، الذين سمّيوا " أصحاب المعاشات"، أي بعض المحترفين الحزبيين، حيث كانت مواقف البعض منهم مثيرة للشفقة فقد كان قسماً منهم يؤيد القيادة المركزية لكن معيشتهم كانت على اللجنة المركزية، وهكذا انحاز بعضهم الى صفها ليس عن قناعة أحياناً. وكان هناك من يتندّر على بعض المواقف فيقول: إن فلاناً في الليل مع القيادة وفي النهار مع اللجنة، وذلك دليل على القلق والتردد. وانعكس الأمر على صعيد طلبة الزمالات في الدول الاشتراكية، حيث تم تهديد البعض منهم، بل اتخذت إجراءات بحق إقامات البعض، وهو الأمر الذي كان صارخاً في الثمانينيات خلال الصراع داخل الحزب الشيوعي، واحتفظ بعشرات الوثائق والرسائل والأدبيات بهذا الخصوص.
والأمر ذاته تقريباً ينطبق على البعثيين، لاسيما المجموعة السورية والقوميين الناصريين أيام عبد الناصر الذين كانوا يحصلون على دعم من القاهرة، أما الاسلاميين فقد كانت فرصتهم بعد الثورة الإيرانية التي دعمت توجهاتهم مادياً ومعنوياً وقصص الاسلاميين كثيرة في طهران. وكانت ولاءات غالبية القوى في الأغلب الأعم لهذه البلدان تحت مبررات: الأخ الأكبر والأشقاء ومصلحة الاشتراكية أو العروبة أو الاسلام أو المذهب أو غير ذلك.
ومنذ أواخر السبعينيات دخلت بعض دول الخليج، لاسيما المملكة العربية السعودية في استقطاب الاعلام العربي وأقلام كثيرة، وقامت مؤسسات اعلامية كبرى وذلك قبل الفضائيات في تأمين جانب بعض الدول وأصبح الاعلام الأساسي، أمّا بيد أمراء الخليج أو بيد صدام حسين، الذي انحسر دوره في الثمانينيات وانقلب الى الضد منه في التسعينيات، وغيّر الكثير ممن كانوا يروجون له وجهتهم الى الطرف الآخر، بل دبّج بعضهم المقالات والكتابات ضده، خصوصاً بعد فترة الحصار الدولي، مع بقاء عدد لا يستهان به معه.
وخلال أواخر السبعينيات ومطلع الثمانينيات كان للجماهيرية الليبية دوراً كبيراً في استقطاب معظم قيادات الحركة الوطنية العربية، لاسيما من الفلسطينيين واللبنانيين والعراقيين وبعض المصريين واليمنيين والصحراويين والموريتانيين وغيرهم، وحصل هؤلاء على دعم كبير، واستمرت ليبيا في ذلك بين مدٍ وجزر. وكانت سوريا على ضعف امكاناتها المادية تقدّم للأحزاب المقيمة لديها والمسمّاة حركات التحرر الوطني دعماً مادياً يحصل عليه الغالبية الساحقة من القوى السياسية، كما كانت اليمن الجنوبية تقدّم مساعدات للأحزاب اليسارية ولبعض الشخصيات السياسية أيضاً، مثلما تقدّم مساعدات لمثقفين أيضاً. وقد كانت منظمة التحرير الفلسطينية (م. ت.ف) سخيّة في هذا الجانب واحتضنت الكثير من المثقفين والمعارضين السياسيين، وكذلك المنظمات الفلسطينية التي فتحت ذراعيها للشيوعيين العراقيين في أواخر السبعينيات والثمانينيات ومنحتهم فرص عمل وعلاج ومخصصات، وقد ذكر أحد القياديين الشيوعيين في مذكراته أن منظمة أبو نضال (المجلس الثوري) كانت قد قدمت مساعدات مالية لهم.
ولعل بعض السياسيين وخصوصاً إعلاميين ومثقفين حصلوا على الكثير من الدعم، ولكنه ليس دون مقابل. وهنا يختلط المشهد ، خصوصاً إذا كان الثمن يتعلق بمجانبة الحقيقة أو للترويج أو للدعاية والتسويق، وقد عمل البعض أشبه بمقاولين لبعض الأنظمة. أتذكر ما كان يروى عن أحد الاعلاميين اللبنانيين الكبار، الذي غالباً ما يشاهد وهو يحمل أوراقه وأقلامه متجهاً الى المقهى وهي طريقة لبنانية في الكتابة لاسيما للصحافة، وإذا ما سأله أحدهم ماذا تحمل؟ كان يجيبه بكل أريحية: إنها عدّة النصب! .
 
وحسب الصحافي المذكور فإن: البعض يمدح ليقبض والبعض يذّم ليقبض بعد السكوت، ليتحوّل من الذم الى المديح والبعض يسكت ليقبض وفي كل الأحوال يرتضي بالخنوع حين يسخر قلمه بالضد من ضميره. وإذا كانت الصورة التي كنّا نسمعها كاركاتورية، فإنها في واقع الحال وفي مرحلة البترودولار كانت تشكل جزءًا من المشهد السياسي العربي للأسف الشديد، ولكن هذه المرّة كان حظ السياسيين وافراً، خصوصاً في المنافي.
لعلها مسألة لا أخلاقية ولا إنسانية، بل تشكل ثلماً كبيراً في الشرف المهني والحقوقي بل والوطني، حين يتم شراء ثمن سكوت أو كتابة مثقف أو كاتب أو صحافي عن جرائم ترتكب من جانب حكام دكتاتوريين، وهم يحاولون تلميع صورهم، وأعتقد أن مسائل من هذا القبيل تستحق الملاحقة وينبغي أن تُعرض على القضاء ولجان الشفافية والمساءلة، والأمر له علاقة بشرف الكلمة ووظيفة المثقف، ناهيكم عن رشاوى مدفوعة وأموال مهدورة، حصل البعض عليها من دون وجه حق.
وقد لاحظنا خلال السنوات المنصرمة لجوء معارضات الى جهات خارجية للحصول على التمويل، ونشر تلك الجهات معلومات عنها بما فيها من فساد مالي وإداري وإصدارها صحف ومطبوعات، كما أقيمت مراكز أبحاث ودراسات لخدمة الغرض نفسه حيث تم تمويل مثقفين للغرض ذاته، كل همّهم جمع معلومات وتقارير عن بلدانهم للاستفادة منها من خصومهم وأعداء بلدانهم، والاّ كيف يستطيع مثقف أن يجزم أن العراق وفي ظروف الحصار البالغة القسوة أن بإمكانه تدمير العالم خلال 45 دقيقة بواسطة مادة الانتراكس، كما كيف يمكن لمثقف آخر أن يجزم أيضاً ان إيران هي من استعمل السلاح الكيماوي في حلبجة، لتبرئة صدام حسين وهكذا تم تسخير بعض الاقلام بهذا الاتجاه أو ذاك لا عبر قناعات حتى وإن كانت خاطئة بل طبقاً لمصالح وحسابات  وأجندات خاصة.
حرية التعبير وحرية التشهير
وحسبما نشرت الصحافة مؤخراً، وينبغي هنا التوثق دائماً، فحرية التعبير غير حرية التشهير فقد كان نحو 80 صحافياً مصرياً موظفاً لدى دوائر الأمن المصرية، وهو ما تم اكتشافه بعد نجاح الانتفاضة. وكنت قد إطلعت على معلومات مماثلة بعد سقوط النظام الدكتاتوري السابق، وجاء من يعرض عليّ معلومات عن أشخاص أو جهات عسى أن يشتريها خصومهم، وبعدها انتشرت الكثير من الوثائق الصحيحة والمزوّرة وضاع الكثير من المعلومات المهمة وحرص البعض على اللعب بها وسميت لاحقاً بوثائق " سوق مريدي " وهو سوق معروف في مدينة الثورة (الصدر) وفيه تزوير لكل شيء، وللأسف فقد كان هناك فرصة نادرة لتوثيق الكثير من الاختراقات وأعمال الاندساس والعبث بمصائر الناس، لاسيما الشخصيات المعارضة والوطنية، وحبذا لو تمكن العراق من استعادة أرشيفه الذي نقل الى واشنطن بعد حرب الخليج، وفي كل الأحوال فإن هذا التاريخ وهذه الوثائق تمثل قيمة علمية وسياسية مهمة، لاسيما لحقبة تاريخية ظلّت غامضة أو مبهمة على الرغم من كل ما نشر عنها بسبب السرّية الصارمة والتعتيم على المعلومات حيث كان كل شيء يعتبر مساساً بالأمن الوطني.
وقد نشر مؤخراً جميل مطر وهو كاتب مصري مرموق مقالاً بعنوان:" ما شعورك وأنت تقرأ ملفك في أمن الدولة؟" حيث يلفت النظر فيه الى العديد من أبناء الشعب كانوا أمام أمن الدولة يبحثون عن ملفات تحمل اسماءهم وتحكي عنهم حكايات صاغها آخرون. وروى كيف احترقت ملفات وفُرمت أخرى لإخفاء معلومات وارتكابات واندساسات، كما استذكر قصة المؤرخ تيموثي جارتون آش الذي زار ألمانيا بعد سقوط جدار برلين بحثاً عن ملفه الشخصي في أرشيف جهاز الأمن الألماني الخطير شتازي (جهاز الأمن السياسي) الذي تلقى الكثير من الجلادين العرب دروسهم فيه ومنه تعلموا الكثير، ودخلوا دورات للتدريب والتأهيل بما فيه على وسائل التعذيب التي كانت تستورد من ألمانيا الديمقراطية. وكانت حكومة بون قبل انتقالها الى برلين قد فاجأت العالم بالاعراب عن نيتها فتح أرشيف جهاز شتازي لكل من يريد الاطلاع على الملف الخاص به.
وبالمناسبة فقد نشرت العديد من الجهات أسماء المتعاونين مع جهاز شتازي وكذلك مع جهاز الـ KGB والمخابرات التشيكية والرومانية والهنغارية والبولونية والبلغارية وغيرها، وبين هؤلاء عرب وعراقيون أيضاً، وإذا كان البعض يبرر تعاونه لاعتبارات آيديولوجية أو حزبية، فإن البعض الآخر لم يكن تلقيه الأموال، سوى رشوة حيث وافق أن يبيع نفسه وقلمه أو فنّه، مهما كانت المبررات، ولا فرق كبير بين من يبيع نفسه لجهاز مخابرات داخلية أو لجهاز مخابرات أجنبية، وفي كلا الحالين فالأمر سيّان ولا فرق بين خائن وآخر، الاّ في الدرجة. وللأسف فإن مثل هذه النماذج لا تزال موجودة مع تبدّل الأوضاع، فقد سعت جهات دولية للطلب من بعض المؤسسات التعاون معها والكتابة اليها مقابل المال، وقامت هذه المؤسسات للتعاقد مع مثقفين وإعلاميين للكتابة، كما أن بعض المثقفين وتحت حجج مختلفة، حصلوا على بعض الامتيازات، ومثلما كان يفعل النظام السابق في توزيع بعض الأموال سواءً المكرمات أو أنواط أصدقاء الرئيس أو كوبونات النفط، حيث كانت بعض الأسماء معروفة، لاسيما من الشخصيات العربية، ولم يتوان هؤلاء من تسويق الحكم ورئيسه صدام حسين في المجالات المختلفة. وعلى الرغم من تبدّل الأوضاع، فإن الأمر لا يخلو من استمرار هذه الظاهرة ولذات الأهداف، وإنْ إختلفت التبريرات.
وإذا كان من مزايا ينبغي على المثقفين أن يحصلوا عليها ويكرمون وتراعى حساسياتهم فلا بدّ من أن يكون الأمر علناً وليس سرًّا وعبر جهات معترف بها ونظامية وليس جهات خاصة وغير مخوّلة أحياناً وبإمكانها توظيف ذلك، لحسابات خاصة وحتى دون رقابة من الجهات المانحة، وهو أمر خطير، ولعل حاجة بعض المثقفين الى ذلك تضطرهم أحياناً الى المداهنة أو السكوت، لاسيما وأن المثقف وأي كان من يستغلّه فإن ذلك يؤثر على إبداعه، وهو عمل بكل المعايير لا أخلاقي ويستحق الادانة والملاحقة القضائية، له وللجهات التي تحاول ترويضه أو تطويعه أو رشوته!.



231
المنبر الحر / مواطنة "إسرائيل"
« في: 19:30 27/04/2012  »
مواطنة "إسرائيل"   

عبدالحسين شعبان
قراران مهمان اتخذهما المجتمع الدولي مؤخراً بحق “إسرائيل”، الأول صدر عن المجلس الدولي لحقوق الإنسان، حيث قرر تشكيل لجنة تحقيق بشأن استمرار “إسرائيل” بسياسة الاستيطان، التي تعتبر حسب قواعد القانون الدولي الإنساني جريمة لا يمكن السكوت عنها أو التهاون بشأنها . والمعروف أن موضوع المستوطنات (المستعمرات)، “الإسرائيلية” ظل نقطة خلاف أساسية في اتفاقيات مدريد- أوسلو، وكان من المفترض أن يتم البتّ فيها في إطار مفاوضات الحل النهائي أواخر العام ،1999 ولكن بسبب تعنّت “إسرائيل” وتملّصها عن التزاماتها حتى وإنْ لم تستجب لمعايير الحد الأدنى تفاقمت المشكلة واستمرت “إسرائيل” بسياسة القضم التدريجي وتقطيع الأراضي والتهجير ومواصلة بناء المستوطنات بما فيها في القدس الشريف وخارج نطاق ما يسمى الشرعية الدولية، لاسيما قرار مجلس الأمن الدولي الصادر في العام 1980 والقاضي بعدم شرعية قرار الكنيست “الإسرائيلي” بضم القدس .

وكانت الانتفاضة الفلسطينية الثانية قد اندلعت في 28 سبتمبر/ أيلول العام 2000 بسبب استمرار سياسة الاستيطان من دون توقف ورفض حق عودة اللاجئين الفلسطينيين وإعلان القدس عاصمة أبدية موحدة ل”إسرائيل” والمراوغة بشأن دولة فلسطينية بسيادة كاملة وحدود واضحة لما قبل العام ،1967 وهي النقاط الأساسية التي وضعت على جدول عمل ما سمّي بالحل النهائي، التي لا تزال تشكّل وحدها ومعها قضايا أخرى ما يتعلق بالمياه والأسرى وقضايا “الإرهاب” والمقاومة وغيرها من مشكلات عالقة ومستعصية، والأكثر من ذلك فإن “إسرائيل” كرّرت إعلانها عن تحويل نفسها دولة يهودية نقية من خلال قانون غريب وعنصري للمواطنة يخالف القواعد والقوانين الدستورية بشأن المساواة، الركن الأساسي لمبادئ المواطنة في الدولة العصرية .

القرار الثاني الذي صدر ضد السياسة “الإسرائيلية” العنصرية جاء من لجنة الأمم المتحدة لمكافحة التمييز، حيث قررت مطالبة “إسرائيل” بوقف سياسة التمييز العنصري ضد مواطنيها العرب (المقصود فلسطينيو العام 1948- سكان البلاد الأصليون) وسياسة الفصل العنصري في المناطق الفلسطينية، المتمثلة باستمرار بناء الجدار على الرغم من الفتوى المضادة التي أصدرتها محكمة العدل الدولية في لاهاي التي قضت ببطلان بنائه، بل العمل على تفكيكه وتعويض المتضررين .

وكانت لجنة الأمم المتحدة قد بحثت في اجتماعها الدوري، مدى تطبيق “إسرائيل” لالتزاماتها تجاه الاتفاقية الدولية للقضاء على التمييز العنصري، وكانت هيئات عربية ودولية قد تقدمت بمذكّرات للجنة الأمم المتحدة تؤكد خرق “إسرائيل” لبنود الاتفاقية الدولية لمكافحة التمييز الصادرة في العام ،1979 جدير بالذكر أن “مركز عدالة” لحقوق الإنسان، كان قد تقدّم بمعلومات تفصيلية بخصوص التمييز المنهجي الذي تتبعه “إسرائيل” إزاء المواطنين العرب الفلسطينيين .

وكانت “إسرائيل” قد وقعت على الاتفاقية المذكورة وصادقت عليها، الأمر الذي يفرض تنفيذ أحكامها، فضلاً عن أن مخالفتها يعتبر انتهاكاً سافراً وصارخاً لقواعد القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني، علماً أن بعض تلك الانتهاكات (الجرائم) لا تسقط بالتقادم، ناهيكم عن كونها تمثل استهانة بالقواعد الآمرة- الملزمة Jus Cogens  التي لا يجوز بأي شكل من الأشكال وبأي وقت من الأوقات، في حالات الحرب أو السلم الافتئات عليها أو التنكّر لها .

القراران الدوليان أربكا الدبلوماسية “الإسرائيلية” لأنهما أعادا إلى الأذهان قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 3379 الصادر في 10 تشرين الثاني (نوفمبر) العام 1975 الخاص بمساواة الصهيونية بالعنصرية، الذي على أساسه تحرّك المجتمع المدني العربي ومنظماته الأساسية لرفع هذه القضية إلى مؤتمر ديربن (جنوب إفريقيا) المنعقد في أواخر أغسطس/ آب أوائل سبتمبر/ أيلول العام 2001 لدمغ الممارسات “الإسرائيلية” بالعنصرية، وهو ما حصل بالفعل حين دانت أكثر من 3000 منظمة دولية السياسة العنصرية “الإسرائيلية”، خصوصاً ضد عرب فلسطين ووجهت الأنظار من طرف المجتمع الدولي، إلى أوضاعهم المزرية واللاإنسانية، ناهيكم عن ممارسات “إسرائيل” العدوانية ضد السلطة الفلسطينية وتنكّرها لاتفاقيات أوسلو على الرغم من الملاحظات والتحفظات الكثيرة عليها .

لهذه الأسباب قررت وزارة الخارجية “الإسرائيلية” مقاطعة المجلس الدولي لحقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، وأصدرت تعليمات لمندوب “إسرائيل” في جنيف بقطع جميع العلاقات مع سكرتارية المجلس، وأعلن المسؤول “الإسرائيلي” أن حكومته لن تسمح بزيارة أعضاء المجلس إلى “إسرائيل” (المقصود لجنة التحقيق الدولية) .

ولعل هذا الإجراء غير المسبوق يمكن أن ينسحب على مقاطعة اللجنة الدولية الأممية لمكافحة التمييز العنصري، لاسيما وقد اتخذت قراراً شديداً بحق “إسرائيل” . وأستند في ذلك إلى رد الفعل “الإسرائيلي” الغاضب ضد المجلس الدولي لحقوق الإنسان، إضافة إلى دعوة اللجنة الدولية لمكافحة التمييز العنصري “إسرائيل “ إلى: بذل جميع الجهود لإزالة كافة أشكال الفصل بين الجماعات اليهودية، وإلغاء جميع القوانين والمشاريع التي تميّز ضد السكان غير اليهود، سواء في العمل أو في الخدمات الاجتماعية أو في المشاركة السياسية . كما طلبت من “إسرائيل” إلغاء قانون المواطنة (والدخول إلى “إسرائيل” - الأمر المؤقت) وتسهيل جمع شمل العوائل لجميع المواطنين بغضّ النظر عن هويتهم العرقية أو انتمائهم القومي أو أصلهم . وبخصوص التعليم دعت لجنة الأمم المتحدة لمنع التمييز إلى سدّ الثغرات فيه وتسهيل دخول البلدات اليهودية وغير اليهودية، وضمان تمتع الأقليات غير اليهودية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية على قدر المساواة ومضاعفة الجهود من أجل حصول المساواة للنساء وعلى جميع الحقوق المنصوص عليها في الاتفاقية الدولية لمناهضة التمييز العنصري .

وكانت “إسرائيل” قد طرحت مشروع قانون للتمييز ضد العرب من سكان البادية في منطقة النقب، بهدف استمرار سياسة هدم البيوت واقتلاع السكان الأصليين بالقوة من أراضيهم وحرمان الأغلبية الساحقة منهم من الحصول المتساوي على الحق في التعليم والعمل والسكن والخدمات الاجتماعية .

وأعربت لجنة الأمم المتحدة عن قلقها من استخدام “إسرائيل” الاعتقال الإداري والإفادات السرّية التي تؤخذ من المعتقلين ومن ضمنهم الأطفال أحياناً، ومنع سكان غزّة من التوّجه إلى المحاكم “الإسرائيلية” بشكل يتنافى مع اتفاقيات جنيف لعام 1949 وملحقيها لعام ،1977 خصوصاً أن الأراضي الفلسطينية لا تزال تحت الاحتلال، وتسعى “إسرائيل” خلافاً لقرارات محكمة العدل العليا لإعفاء نفسها من دفع تعويضات لفلسطينيين أصيبوا جراء عمليات قوات الأمن “الإسرائيلية” .

ولعل من أكبر انتهاكات مبادئ المواطنة المتساوية هو وجود أنظمة قانونية منفصلة وأجهزة مؤسسات منفصلة أيضاً، واحدة للفلسطينيين وأخرى للمستوطنين اليهود الذين يسكنون في مستوطنات غير قانونية وغير شرعية أصلاً في الضفة الغربية المحتلة، وتريد السلطات “الإسرائيلية” فصلها في إطار “الأمر الواقع” وضمن صفقة في ربع الساعة الأخير .

وقد فصّلت المحامية اليهودية، أورنا كوهين، التي تعمل استشارية في مركز عدالة نحو 40 قانوناً عنصرياً يميّز ضد العرب، بما فيها قوانين تتعلق بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية، في العمل والإسكان والتعليم وأداء الخدمة العسكرية . ولعل هذه القوانين جميعها تتعارض مع مبادئ المواطنة والمساواة، تلك التي يناقضها على نحو صريح وصارخ قانون المواطنة “الإسرائيلي” الذي يمنع الفلسطينيين من لمّ الشمل إذا كان يعيش في “إسرائيل” مع شريكه في الضفة الغربية وقطاع غزّة و”دول العدو”، والمقصود دول المواجهة العربية، وهو انتهاك سافر للحياة الإنسانية العائلية ولحق الحياة والكرامة الانسانية .

* باحث ومفكر عربي


232
الشباب العربي ثار من دون حزب ثوري يقوده
حوار مع الأكاديمي والمفكر الدكتور عبد الحسين شعبان
   أجراه: توفيق التميمي   
      
(القسم 21)
 
لا أسرار
كان من المقدّر أن تصل الموجة العالية للتغيير التي ارتفعت في أوروبا الشرقية الى الشرق الأوسط لكنها انكسرت عند شواطئه، بسبب المصالح الدولية، خصوصاً وجود اسرائيل وعامل النفط محور الصراع الاجتماعي في المنطقة والعالم أجمع، لكن الموجة الجديدة كانت مفاجئة على الرغم من توفّر العامل الموضوعي، فالدعوات الى الديمقراطية والتغيير كانت قد ارتفعت عن صدق أو بهتان، لكنها هيّأت موضوعياً ظرفاً مناسباً، أما العامل الذاتي فقد بدا وكأنه يحاك مثل سجادة تنسج من ألوان مختلفة، لكنها منسجمة وعلى بطء شديد ولكن باتقانٍ وبراعة عاليتين، وكان الشباب، الحيوي، المتوثب، المقدام، هو المحرّك لما حصل.
لم تكن الانتفاضة سرّية أو عبارة عن تآمر لعصبة من الثوريين كما بدت انتفاضة اكتوبر العام 1917، ولا يهمّ إن كان الأمر مكشوفاً، فقد أذيع خبر الانتفاضة قبل انطلاقها عبر التكنولوجيا الحديثة بالفيسبوك والتويتر والانترنت والفضائيات والهاتف الجوّال، والكل يعرف ساعة الانطلاق ومكان التجمّع والشعارات التي سترفع، ليس مهمّاً إذاً إنْ سرّب  زينوفيف أو كامنيف خبر الانتفاضة (وهما عضوان قياديّان في الحزب الاشتراكي الديمقراطي الروسي " البلشفي" خالفا قرار الشروع بالانتفاضة ونشرا رأيهما عشية اندلاعها، لكن لينين أعادهما الى اللجنة المركزية بعد نجاح ثورة اكتوبر)، فقد كان الشباب الثوري قد ملأ الدنيا بأخبارها، وهي لن تحتاج الى حزب ثوري يفجّرها أو قائد مقدام يتولى إدارتها برمزيته المعروفة وكارزمتيته الأثيرة.
لقد رفضت الجماهير فكرة الأب القائد، مثلما رفضت النظام الأبوي الذي حكمها بسلطويته المعهودة لعقود من الزمان، ولم يكن الشباب الثائر في قرية سيدي بوزيد أو ميدان التحرير أو بنغازي أو ميدان التغيير أو ساحة اللؤلؤة، بحاجة الى من يشحذ همته، أو يعطيه التعليمات والأوامر، التي تصل من وكر سري أو من جامع أو مسجد أو من مقر لأحد الأحزاب أو حتى لمؤسسة المجتمع المدني، بل انها استخفت بفكرة القيادة ذاتها، لاسيما التي كانت مفروضة عليها.
لم يحتج الشباب الى حزب قائد أو متميّز، وشعر أن مصيدة الحزب كانت تلاحقهم وعندما طلب منهم البعض تنظيم أنفسهم بحزب ليتسنى له حوارهم، كان شعورهم أنه يُراد ادخالهم الى "قفص الدجاج"، كما عبّر عن ذلك من حاور بعض الشباب المصري الثائر في ميدان التحرير بالقول: لماذا لا تنظّمون أنفسكم في حزب 25 شباط (فبراير)؟، فضحك الشباب ضحكة الواثق الذي لا تنطلي عليه تلك الأساليب الثعلبية لآخر ابتداعات السلطة الآيلة الى السقوط.
مشاعر
كان لدى الشباب ثقة كبيرة بأنه لن يكون النصر إلاّ حليفه. لم يرفع الشباب شعارات طبقية أو دينية أو قومية أو فيها شيء من المزاودة الآيديولوجية، بقدر ما رفع شعارات وطنية عامة ومطالب واحتياجات انسانية وحياتية. إلتحمت الطبقات بهم وحولهم ومن خلالهم، مثلما شعر الجميع أنهم لسانها وقلبها وعقلها وذراعها ومزاجها. وكانت وحدة الحال ووحدة الروح تعبّر عن الآمال العريضة والمكبوتة لعقود من السنين، لدرجة كنت ترى دموع المحبة تهطل من عيون الثوار وعيون الشعب: محبّة الشباب لمصر بعد شيخوخة النظام وعسفه، محبّة تونس التي هرب منها بن علي، ومحبّة الليبيين لبعضهم البعض، بعد أن نسوا أسماءهم حين ارتفع اسم القائد فوق كل شيء، ومحبّة اليمنيين وحكمتهم التي عبّروا عنها بأكثر ما يستطيعون من تعبير هذه المرّة عن الرغبة بالتغيير، بشعارات فيها الكثير من الواقعية والبرغماتية.
كتبت لي إحدى الصديقات الاعلاميات من مصر تقول: مصر تحبّ حالها.. النيل أجمل.. النيل أزرق.. هل رأيت النيل قبل ذلك بلونه الحقيقي؟ إني أراه اليوم بعنفوانه وثورته وضحكته كما لم أره  من قبل. وأظن أنها محقّة بذلك  وقد رويت لها حادثة مماثلة وإن كان القياس مختلفاً وممزوجاً لدرجة الاندغام بين الفرح والألم، وأضفت إنه انكسار لحاجز الخوف، ولعل الخوف قد انتقل من المواطن الى الحاكم، أجابت وهي من قلب الحدث وكانت الصورة تكبر بعينها وأمامها: لكنه خوف مختلف، فالخوف الأول من القمع، هو خوف على الحياة، تلك التي كان الحاكم يخيف المحكوم بها على مدى عقود من الزمان، ويقايضه من أجلها، وإذا بالمحكوم هذه المرّة يقلب الطاولة ويرتضي بالموت، لكن سؤاله الكبير الموحد كان: إلى أين سيذهب الحاكم؟ إنه يخاف على موقعه وماله وطمعه ويخاف من الذين ارتكب بحقهم، ويخاف من الخوف ذاته، ناهيكم من الخوف على حياته.!؟ إنه السؤال بالمقلوب وعندما تحوّل هذا السؤال الى عكسه، بدأ العدّ التنازلي الذي لا رجعة عنه، لاسيما للمحكومين والمُعدمين، الذين لا يملكون شيئاً سوى كراماتهم وحقوقهم المهضومة.
رفض المحكوم كل الاغراءات والترقيعات والوعود، والتنازلات، بما فيها استعداد النظام لرمي بعض أقطابه الى المزبلة، فلم تعد تكفي المساومات أو التهديدات أو التحذيرات، أو حتى استخدام بعض رجال الدين،أو إرسال بلطجية، والقيام بأعمال عنف وتخريب. لم يعد يُرضي المحكوم شيء، لأنه شعر أنه والموت أصبحا صديقين، هو لا يخافه ضيفاً ثقيلاً فقد أبدى الشعب بأسره استعداده لقبوله ولمواجهته، مقايضاً إيّاه بالحرية، وفداءً من أجلها، وتعويضاً عن صبر طويل، هكذا حوّلوه منهم الى صالحهم، فلاحقوا به الحاكم غير مكترثين بخطاباته وتوسلاته وتهديداته واستباحاته، وغير مبالين أو خائفين هذه المرّة من مرتزقته وبلطجيته وإرهابه. لم يعد الشباب الثوريون يرون سوى النصر، وأصبح بينهم وبين  الهزيمة هوّة سحيقة.
أدركوا حينها ما كان يعنيه الشيخ إمام قبل أربعة عقود من الزمان:
 دقت ساعتنا وابتدينا
 إحنا نمنا في المضاجع
إحنا نمنا وما اشتهينا
واسأل علينا في المواجع
وإحنا انوجّعنا واكتفينا
نسلك طريق مالهوش راجع
والنصر قرّب من عينينا !
 
اللحظة الثورية
ومع الاختلاف أستعيد كلام ماركس بشأن كومونة باريس، فعلى الرغم من ملاحظاته، الانتقادية للتوقيت والاستعداد، لكنه هلّل لها واعتبر الثوار يقتحمون عنان السماء، داعياً إياهم الى عدم تسليم سلاحهم، حتى عندما اختلّ ميزان القوى، لأن ذلك سيترك تأثيراته السلبية على الحركة العمالية لاحقاً، فعندما تبدأ المعركة، لم يعد هناك من رأي سوى الانحياز الى جانب الشعب، وليتأجل كل شيء!
هل يمكن اختيار اللحظة الثورية إرادوياً، أم أن ثمة ظروفا ومواصفات بحاجة الى تنبؤ لحسم المعركة، فقد أصرّ لينين على يوم 7 تشرين الثاني (نوفمبر) وحسب التقويم الروسي القديم يوم 25 اكتوبر، فقبله ستكون ظروف الثورة غير ناضجة وبعده ستكون الثورة قد احترقت أو أحرقت، لاسيما إذا استعدّ العدو لمقارعتها. لم يحتج الشباب إلى ساعة صفر لكي يتوجهوا الى القصر الجمهوري أو الى البلاط الملكي ليهاجموه، ويذيعوا البيان رقم واحد من دار الإذاعة، وتتحرك بضع دبابات لتحتل المواقع الحساسة، ثم تتوارد برقيات التأييد للعهد الجديد، وبرقيات التنديد بالعهد القديم، فقد كانت انتفاضات الشباب مدنية وليست عسكرية، سلمية وليست عنفية، علنية وليست سرّية.
إختار المنتفضون لحظة الشروع بالانتفاضة عند إحراق البوعزيزي نفسه وهو الخريج الجامعي العاطل عن العمل، والباحث عن الرزق في عربة لبيع الخضراوات بعد إهانته من مسؤول إداري في قرية نائية وبعيدة، وهكذا تحوّلت تلك الشرارة، التي كانت أشبه بنداء سرّي غامض الى فيض علني عارم، شمل الشوارع والمدارس والساحات والمعامل وصعد الى السماء كما صعدت روح البوعزيزي.
الشباب الثوري اقتنص اللحظة الثورية في تونس دون تراجع أو تراخ أو تردد وقابل الرصاص، بالمزيد من التظاهرات والإصرار على رحيل النظام ودون مساومات. لقد حُسم  الأمر على النحو الذي يتمتع به الشباب بالثقة والقدرة والديناميكية. وبعد تونس كانت اللحظة الثورية تطبخ على نار هادئة في مصر، حتى جاءت المواجهة التي جاء معها الإصرار على عدم مغادرة ميدان التحرير، حتى يغادر النظام وشمل الأمر الاسكندرية والسويس وامتد الحريق الى مصر كلّها. هكذا نضجت اللحظة الثورية في الميدان ودرجة بعد أخرى وخطوة بخطوة.
وإذا كانت الانتفاضات السابقة مركزية وتراتبية وعمودية ومسلحة، فإن الانتفاضات الحالية كانت أقرب الى الجزر المتعددة والممتدة وليس لها قيادة واحدة، بل كان لها قيادات ميدانية  في كل حي ومكان، وكانت أفقية وسلمية بامتياز. لم يكن وراؤها حزب ثوري، أو قيادة معلنة، ولم تستخدم السلاح الاّ دفاعاً عن النفس وعلى نطاق محدود واضطراراً وليس اختياراً وخطتها علنية ومطالبها معلنة ومعروفة وواقعية، وهي انتفاضات قاعدية وأفقية.
ومثلما تميّزت الانتفاضات السابقة بارتفاع رصيد الآيديولوجيا "الثورية البرجوازية" في الثورة الفرنسية و"العمالية الاشتراكية" في كومونة باريس و"الاشتراكية الشيوعية" في ثورة اكتوبر و"الإسلامية الدينية" في الثورة الايرانية، فإن انتفاضات أوروبا الشرقية لم تكترث بالآيديولوجيا، بل إنها انتفاضات غير آيديولوجية، وكذلك انتفاضات اميركا اللاتينية التي شاركت فيها الكنيسة في إطار ما اصطلح عليه لاهوت التحرير.
وإذا كانت المرحلة الاولى للتغيير الديمقراطي التي شهدتها أوروبا الغربية في السبعينيات بانتهاء عهد الدكتاتوريات في إسبانيا بعد موت الدكتاتور فرانكو الذي حكم البلاد أربعة عقود من الزمان، والدكتاتور سالار في البرتغال والحكم الدكتاتوري في اليونان، فإن الموجة الثانية اجتاحت أوروبا الشرقية وشملت بولونيا وهنغاريا وتشيكوسلوفاكيا وبلغاريا ويوغسلافيا ورومانيا والاتحاد السوفييتي، كما امتدّت الى ألبانيا وغيرها، فإن الموجة الثالثة ابتدأت من تونس ومصر وقد لا تتوقف عند حدود  الشرق الأوسط أوالعالم العربي، بل قد تشمل بعض بلدان أفريقيا وآسيا، ولا يمكن قراءة تأثيراتها اليوم بالكامل، خصوصاً وأنها ما تزال لم تكتمل، من حيث صيرورتها وافقها ومستقبلها.
وإذا كانت الانتفاضة قد تجاوزت القيادات التقليدية، بوطنية جديدة متلازمة مع الحقوق، فقد ساهمت فيها المرأة إلى حدود كبيرة، وكان للنساء دور بارز في القيادة والإدارة والحضور والمشاركة وابدى المجتمع درجة عالية من التقدير والانضباطية لتلك المشاركة التي يمكن أن تؤسس الى عهد جديد تنتقل فيه النساء من الصفوف الخلفية المساندة للثورة إلى واجهات الحدث ليتصدّرن المنابر والقيادات على اختلاف انتماءاتهن، لا فرق بينهن، فقد وحدهنّ حب الوطن وميادين التحرير والتغيير، وكنّ جميعهن يرددن ذات الشعارات المطالبة برحيل النظام ومحاكمة الفساد. كما برهنت  الانتفاضات على أن التعددية والتنوّع والديمقراطية والانفتاح كان الطابع الحقيقي لذلك الحراك الشعبي ولطبيعة المجتمعات العربية.
لقد عاش الشباب العربي ومعه الشباب من قوميات أخرى في مختلف أرجاء المنطقة بلا استثناء أزمة اغتراب حقيقية، حيث كان يواجه الأنظمة ببيروقراطيتها المتعنتة، وأنماط شتى من السلطة يصحّ عليها، أي من المسميات إلاّ، مسمّى الديمقراطية، فإضافة الى السلطة الحاكمة، فإن هناك الثيوقراطية الدينية التي اقتربت من استبداد مجتمعي وتسلطي في الآن، لاسيما في ظل التزمّت والتعصّب والغلو، وكذلك ثقل العادات والتقاليد والكثير من الكوابح الاجتماعية، وجرى عزل الشباب والتشكيك بقدرته وإخضاعه بالقوة والترهيب، ليكون جزءًا من الماكنة السائدة دون أي اعتراض أو مناقشة أو جدل، وإلاّ فإنه عرضة للتنكيل والملاحقة، بل والأكثر من ذلك حين تم إلصاق شتى التهم به، من الميوعة والانحلال وعدم الشعور بالمسؤولية، الى عدم الاكتراث بقضايا الأمة المصيرية وصولاً الى محاكاة الغرب والتأثر به، في حين لم يفكر أحد بقضايا الشباب وتطلعاته ورغباته وطموحاته وهمومه ومشاكله، لاسيما سعيه للحاق بالعالم المتقدم والمتطور والتساوق معه في قضايا الحرية وحق التعبير والعدالة والمشاركة.
وبسبب تلك الممارسات فُرض على الشباب إمّا الولاء والطاعة العمياء مع الشعور بالقرف والاشمئزاز أو الانسحاب من هذا الواقع ورفضه، والتمرّد عليه والسعي للتغيير لاحقاً، ولو كان بقوة السلاح وسفك الدماء أحياناً مثلما استغلته بعض القوى المتطرفة، وهو الأمر الذي تجاوزته الانتفاضات الحالية، حتى لو تعرّضت هي الى عمليات إبادة لاسيما في ليبيا، أو عمليات بطش وتنكيل مثلما حصل في اليمن والبحرين والعراق وغيرها.
وبسبب القمع المعتّق أيضاً فلم يعد الشباب يهمّه التشدّق والسفسطات الأيديولوجية والتعويذات الدينية، التي رافقت السياسات الاستبدادية والسلطوية الطويلة الأمد، واحتكارات العوائل الحاكمة لجميع مرافق السياسة والإدارة والاقتصاد والثقافة في الدولة، لذلك وجد نفسه في القيم المغايرة، التي تقوم على الحرية والحق في الحصول على المعلومات وحق المساءلة والشراكة والعدل.
وكشفت انتفاضات الشباب لا تخلّف السلطات الحاكمة والتقليدية حسب بل بعض المعارضات السياسية أيضاً، التي كانت تمثل الوجه الآخر للسلطات الحاكمة بشموليتها وأساليب عملها المتخلّفة وأنماط علاقاتها التسلطية. لقد تصلّب عود الجيل الجديد في غرف الانترنيت وفي سماع موسيقى الراب وفي الجامعات ومقاهي المهمّشين وعلى الأرصفة وقراءات جديدة للتراث، وأثبت جدارة لا حدود لها على عكس الانطباع السلبي السائد، فقد أبدى الجيل الجديد استعداداً للموت أكثر بكثير مما أبدته أجيال سابقة، وكان يعرف قضيته أكثر من غيره، ولديه القدرة للتضحية من أجلها، دون وصاية أو أبوية أو ادّعاء إحتكار للمعرفة والحقيقة.
لم تفاجأ الأنظمة بما حصل فحسب ، بل فوجئ العالم أجمع، لاسيما لم يدرك أحد حجم الغضب والشعور بامتهان الكرامة من جهة، ومن جهة أخرى حجم الامكانات التقنية الهائلة التي اختزنها الشباب والمشاعر الوطنية الفيّاضة التي كان يعيشها على طريقته الخاصة،  فلم تعد توافقه القضايا الكبرى وحدها، والشعارات الرنانة والاهتمامات بالشكليات السابقة، فقد كان له منظوره الخاص الذي لم يُدرك الاّ حين فاجأ الجميع بقدراته الخلاّقة وامكاناته الهائلة  وأطروحاته الجديدة عند إعلان الانتفاضة. وبما أن الشباب يشكّل النسبة الأكبر من شريحة السكان، فقد كان رفضه وتمرّده حاسماً، ولعل همومه مختلفة عمّا سبقه من أجيال وإن كانت تجمعه بعض المشتركات، لكن هذا الجيل، هو أكثر ثقافة وأكثر حرفية وأكثر إطلاعاً على التكنولوجيا وأكثر تفاعلاً مع الزمن، وقد استطاع استخدام ما يتوفر من تقنيات لقضيته العادلة، أي استخدام ما يسمى "القوة الناعمة" لتحقيق اختراقات ضد "القوة الخشنة" والتي هي الدولة وأجهزتها.
لقد حلّت الواقعية السياسية، محلّ الرومانسية القديمة التي كانت الغذاء المحرّك لأجيال سابقة، فاليوم لا وجود لتشدقات ووعود بعيدة المنال، وأقرب إلى السراب، لقد انتظمت الملايين بشعارات مبسّطة: عاشت الحرية، نريد تغيير الدستور، نطالب بالمساواة، نريد احترام حقوق الإنسان. هكذا سدّت الجماهير التي تذكّر بعصر المداخن، الساحات والشوارع، بل زلزلت الأرض تحت أقدام الحكام، في حين أن المثقف الأيديولوجي، الذي برّر خطاب الحاكم بالقمع السياسي أو بالقمع الفكري وحرق البخور بالدعاية والتزويق لم يكن له دور، أو المعارض الذي كان بعيداً أو غائباً أو مخادعاً ظل تائهاً، أما الأغلبية الصامتة المغلوبة على أمرها، فقد كانت في البداية بعيدة عن ساحة المشاركة الفاعلة، لكنها بحسّها وسليقتها الثورية إلتحمت بكل عنفوانها مبددة صمتها الطويل ، معلنة إن أية سياسة دونها لا تعني سوى الاستبداد.
لقد أثبتت قوة الشباب أنها اللاعب الأساس في رسم الخارطة المستقبلية للعالم العربي والشرق الأوسط وحسب مفهوم الشباب هذه المرة، لا حسب مفاهيم الآخرين.  إن التغيير في الوطن العربي بات محسوماً، وبالتالي فالسؤال لم يعد: هل سيحدث التغيير؟ بل متى سيحدث؟ وكيف سيحدث؟ وما هو الثمن؟ وما هي ملامح المستقبل؟ وما هو السبيل للتغيير بأقل خسارة؟ فلا وجود لثورة أو انتفاضة دون خسائر وملابسات وحتى اختراقات،  وقد تتعرض سفينة التغيير  الى عواصف شتى، وقد تتقاذفها الرياح من مواقع مختلفة، لكن ما حصل حتى الآن هو مقدمات مرحلة جديدة من مراحل التغيير لا يمكن وقفها أو صدّها أو تحدّيها، وأظن أن القديم قد احتضر، لكن الجديد لم يولد بعد، حسب المفكر الايطالي أنطونيو غرامشي، ولكن عملية التغيير لا بدّ أن تصل في نهاية المطاف الى محطتها  الموعودة، مهما تأخرت أو سارت في منعرجات خطرة أو مسارات ضيقة، وواجهت تحدّيات محسوبة أو غير محسوبة، ولكن ذلك جزء من قراءة لقانون التطور الاجتماعي الذي لا يمكن نقضه الى النهاية.
أعتقد أن بانهيار النظام المصري بدأ عهد جديد في العالم العربي، بل أن هذا التغيير سيترك تأثيراته على العالم أجمع، والسؤال اليوم كيف يستعيد المجتمع العربي بناء دوله ومؤسساته على نحو جديد يجنّبه المزيد من الخسائر ويعطّل تنميته وتقدّمه، ولعل أبسط ملامح التغيير تتطلب إقرار تداولية السلطة سلمياً واعتماد مبدأ سيادة القانون والمساءلة ومحاربة الفساد وتأمين المستلزمات الضرورية والحاجات الأساسية للمواطنين وفقاً لمبادئ الحرية والعدالة والمشاركة، وإذا كان هناك من تفاعل بين الأجيال، فيمكن للشباب الإفادة من تجربة من سبقوهم، لاسيما بدراستها واستخلاص الدروس والعبر منها، فقد آن لهذه الأمة أن تتجاوز المآسي والمحن، وعلى الجميع الاعتراف بحق الشباب في إدارة عصرهم وزمانهم، والتكيّف مع هذه الحقيقة برغبة أو حتى دونها، أمّا محاولات التطويع بحجة الأبوية أو نقص التجربة، أو السعي لترويضهم أو امتصاص ثورتهم المتدفقة، فستقود الى نتائج عكسية وقد تكون كارثية.
كلام الأمس وكلام اليوم
لقد أطاحت الانتفاضات الشبابية الدكتاتوريات، ويمكنها أن تطيح أنظمة حكم تسلطية ومحافظة، وهي بذلك تضع سؤالاً محرجاً أمام المعارضات والأحزاب الكلاسيكية والحركات الاسلامية، أين دورها وما هو موقعها من الخارطة السياسية الجديدة؟!  تلك التي ظلّت تلوك خطابها ولغتها الخشبية عقوداً من الزمان، سواءً أكانت ماركسية أو قومية أو إسلامية؟ هكذا قدّمت الجماهير الغاضبة الفعل الثوري الواقعي الحسّي، على حساب الأيديولوجيات والوعود والخطابات، التي سمعتها كثيراً، بل أظهرت ضمور وتلاشي دور الدعاة الحزبيين الأيديولوجيين، العقائديين الدينيين، الذين بشّروا الناس بالجنة أو بعالم خال من الاستبداد والاستغلال، أو بعالم يحقق الوحدة العربية أو تحرير فلسطين أو حلم الاشتراكية والعدالة الأخّاذ، حيث ظلّ الصراع بين القوميين والشيوعيين، وفيما بعد مع الإسلاميين لا على الحاضر فحسب ، بل على المستقبل، وأحياناً ليس في مملكة الأرض، بل على قيم السماء، هكذا ظلّت الأمور تجريدية أحياناً.
أعتقد أن الصراع اليوم على القيم والمثل التي كان لها أن تتحول إلى خطط وبرامج، وهذه الأخيرة إلى أعمال وأفعال، وهو الفارق بين كلام الأمس وكلام اليوم، وهذا ما ينبغي فهمه والتعامل على أساسه، خصوصاً عندما تبدأ الآيديولوجيا بالانزياح لصالح السياسة، التي ينبغي ردّ الاعتبار لها، كعلم له قوانينه وشروطه ومدخلاته ومخرجاته!
عندما بدأت موجة التغيير التي اجتاحت البلدان العربية، منتقلة من عاصمة الى أخرى ومن مدينة الى ثانية، لم يكن العراق إستثناءً، فقد شهد الوضع العراقي، وبغضّ النظر عمّا سبّبه الاحتلال من تدمير للدولة العراقية ومرافقها ومؤسساتها، وخصوصاً بعد حل الجيش وانفلات الوضع الأمني، حراكاً وديناميكية غير معهودين، لاسيما بعد نظام شمولي دام ما يزيد عن ثلاثة عقود من الزمان، واتّخذت الحركة الاحتجاجية السلمية شعارات مطلبية وواقعية تتعلق بصلب الاحتياجات الحياتية والانسانية ودون ضجيج آيديولوجي مثلها مثل انتفاضات تونس ومصر واليمن وليبيا والجزائر والبحرين والاردن وعُمان وغيرها، وشهدت المحافظات والمدن العراقية من البصرة وحتى السليمانية والموصل، فضلاً عن الفرات الأوسط وبغداد والرمادي وغيرها تحركات واسعة.
وعلى الرغم من أن الشعب العراقي جرّب سلاح الانتفاضة في العام 1991، ردّاً على  مغامرة غزو الكويت وهزيمة الجيش العراقي، حين اندلعت حركة احتجاجية وغضب شعبي شمل 14 محافظة كادت تطيح النظام السابق بعد توقيع اتفاق مذل في خيمة صفوان، لكن مساومة دولية حصلت ومفاجأة من جانب "قوات التحالف"، أضف الى ذلك أن إيران وبعض القوى المتعاونة معها استثمرت الهبّة الشعبية الهائلة ورفعت بعض الشعارات الطائفية، التي استفزّت أوساطاً غير قليلة شعبياً، ناهيكم عن دور بعض دول الجوار الاقليمي الذي لم يكن متهيئاً للتغيير، الأمر الذي سهّل مهمّة قمع الانتفاضة.
ويبدو أن ما قرّره اجتماع باريس أواخر العام 1990 بخصوص ما سمّي بالنظام الدولي الجديد، وبعده اجتماع برلين في حزيران العام 1991 (بُعيد تحرير الكويت وتدمير العراق) من توجّهات بخصوص التعددية والانتخابات وسيادة القانون في ظل توجّه ديمقراطي على المستوى العالمي، لم يكن قد وضع موضع التطبيق، لا فيما يتعلق بالعراق حسب، بل بمشروع التغيير الديمقراطي في المنطقة ككل، وعند أول بادرة للتغيير تم اكتشاف هزاله وزيفه أيضاً.
ولعل التنظيرات للتغيير الديمقراطي، بعد ورطة واشنطن في كابول العام 2001 وبغداد العام 2003، اتّخذت شكل دعوة الى شرق أوسط كبير، وبعد حرب تموز الاسرائيلية ضد لبنان، طرحت كوندوليزا رايس مشروع "الشرق الأوسط الجديد"، لاسيما بعد تهيئة الأجواء من خلال تنظيرات "نهاية التاريخ" التي جاء بها فرانسيس فوكوياما وصدام الحضارات لصاحبها صموئيل هنتنغتون التي ارتفعت وتيرتها بعد اطاحة أنظمة أوروبا الشرقية، وصعود موجة الارهاب الدولي، التي تعكّزت عليها واشنطن بعد أحداث 11 أيلول الارهابية الاجرامية العام 2001 لشن حرب كونية.



233
المنبر الحر / عن ثقافة التغيير
« في: 18:46 24/04/2012  »
عن ثقافة التغيير
حوار مع الأكاديمي والمفكر الدكتور عبد الحسين شعبان -20
   أجراه: توفيق التميمي   
   تاريخ النشر       22/04/2012 03:04 PM   


 
(القسم 20 )
 
سمات وسمات
ويواصل الدكتور عبد الحسين شعبان تعداد السمات العامة والمشتركة للحراك الشعبي العربي الكبير الذي سماه الاعلام الربيع العربي:
السمة السادسة- مثلما كان هناك مشتركات للشباب دفاعاً عن الحرية والكرامة والعدالة، فقد كان للحكومات مشتركات أيضاً، فقد اعترفت جميعها بضرورة الإصلاح وبأن مطالب الشباب عادلة ومشروعة، لكنها في الوقت نفسه ادّعت أن يد الخارج طويلة بحيث تمتد داخل حركات الاحتجاج، سواءً بالتحريض أو بنقل الأسلحة أو بالتدخل أو بالعلاقة مع المعارضات، وإذا كان هناك شيء من الحقيقة في ذلك وهو ما تحاول القوى الخارجية استثماره دائماً، فلا يصح إنكار المطالب العادلة والمشروعة للشعوب وإنسابها إلى القوى الأجنبية والمؤامرات الدولية. ولعل الحقيقة الأساسية تكمن في أن سبب التخلف وتعطيل التنمية وعدم السير في دروب الديمقراطية، هو الاستبداد والتسلّط والانفراد، الأمر الذي ضاعف من معاناة الناس، خصوصاً وقد اختبرت الشعوب بطريقتها اليومية، والحسّية، المسبّب في شقائها وآلامها، لاسيما باستمرار ارتباط البلاد بأوضاع الاستتباع الخارجية وإملاء الارادة والخضوع للأجندات الأجنبية .
السمة السابعة- بقدر ما كان الشباب واعياً ومتحفّزاً للانخراط دفاعاً عن مطالب وأهداف آمن بها، ومستعدًّا للتضحية من أجلها، فإن الحكومات هي الأخرى كأن لها أنصارها، من أعضاء الأحزاب الحاكمة ومن مؤيديها أو المستفيدين من وجودها، ومن أجهزتها الأمنية الضاربة، وحاولت بعض الحكومات إنزال أتباعها إلى الشارع لمقابلة  المتظاهرين، في تظاهرات  موالاة، وإن كان بينهم بعض من أطلق عليهم لاحقاً أسماء "البلطجية"، فقد اعتاد هؤلاء على ارتداء ملابس مدنية لقمع المدنيين العزّل.
وهكذا جرى الحديث عن الإندساس والمندسين أو المدسوسين، من الخارج أو من قوى داخلية، بل أن غالبية حكومات المنطقة إتّهمت حركة الاحتجاج بالتخريب ومهاجمة المرافق والممتلكات العامة والعبث بها، وأن هناك ضحايا من شرطتها وجنودها أكثر من المحتجين، بل أن أكثر من مسؤول حكومي إعتبر عدد الضحايا العسكريين أكثر من المدنيين.
السمة الثامنة- إن الحكومات جميعها ودون استثناء تمسّكت بمواقعها وحاولت مقايضة الأمن بالحريات والكرامة، وبضده سيّحل الانفلات والخراب، ملوّحة إلى تنظيمات إرهابية وأصولية، لم تكن تنظيمات القاعدة والتنظيمات الإسلامية المتشددة بعيدة عنها، وذلك في عزف على "العود المنفرد" وكأنها تريد التلويح بأنها ستكون البديل الأسوأ عنها.
 السمة التاسعة- إن حركة الاحتجاج سحبت البساط من تحت الكثير من الأنظمة السياسية التي إهتزّت شرعيتها، الأمر الذي يحتاج إلى صياغة عقد اجتماعي جديد بين الحاكم والمحكوم على حد تعبير المفكر اللبناني غسان سلامة، فالتغيير ليس مجرد هلوسات أو مجموعة مخربين مدعومين من الخارج أو كفّار بنعمة الأمن والاستقرار أو دعاة تغريب، بل حركة شعبية عارمة يتطلب قراءتها بتبصّر وبُعد نظر من جانب الأنظمة والقوى السياسية المختلفة، جاءت بعد تراكمات لعقود من السنين.
 
السمة العاشرة- إن التغيير لم يعد نزوة فكرية أو رغبة لنخبة من المثقفين أو المنشقين أو الليبراليين، بل أصبح مطلباً شعبياً عاماً، أجمعت قوى وتيارات فكرية وسياسية عليه بما فيها بعض أجنحة من الأنظمة الحاكمة ذاتها، حتى وإن اختلفت وتباعدت مناهجها وأهدافها، فقد أدرك الجميع إن قطار التغيير قد بدأ ولا يمكن وقف مساره أو تغييره، لكنه قد يتعثر أو يتأخر أو ينحرف، الاّ أنه سيصل في نهاية المطاف، مهما كانت المعوّقات، فالاصلاح والديمقراطية والحريات ومكافحة الفساد وتلبية الحقوق الانسانية، أصبحت حاجة ضرورية ماسة، واستحقاقاً ليس بوسع أي مجتمع أن يتنصل عنه، وهو "فرض عين وليس فرض كفاية"، وإذا كان الماضي قد احتضر فالجديد لم يولد بعد حسب تعبير المفكر الايطالي انطونيو غرامشي.
حوّلت الثورة العلمية- التقنية، لاسيما ثورة الاتصالات والمواصلات وتكنولوجيا الاعلام والمعلومات والطفرة الرقمية " الديجيتل" العالم كلّه إلى قرية مفتوحة، فما يحصل في بلد ناءٍ وبعيد، ستشاهده لحظة وقوعه أو بعد دقائق أوساعة أو سويعات وأنت مسترخٍ في غرفة الاستقبال أو مستلق في غرفة النوم وعلى بعد آلاف الأميال، ولعلك ستتفاعل مع الصورة على نحو كبير باعتبارها "خبراً" بانورامياً بحد ذاته، حيث ستشاهد فيه الحدث وما خلفه وما رافقه وما سيتبعه وما قيل أو يقال فيه، وستطلّع على رأي صانع الحدث والمشارك فيه وخصمه، وسيكون للاعلام دوراً مؤثراً، لاسيما إذا تمكّن من إلتقاط اللحظة التاريخية، فالصحافي حسب تعبير البير كامو هو "مؤرخ اللحظة" ، ولعل تاريخ اللحظة سيكون حاضراً في الصورة أيضاً.
وكانت لحظة إحراق البوعزيزي نفسه في تونس وفي قرية سيدي بو زيد إشارة البدء أو ساعة الصفر أو الانطلاق لإعلان صيرورة الانتفاضة التي سرت مثل النار في الهشيم، وامتدّت من تونس إلى مصر، معلنة وحدة المشترك العربي الإنساني، دون نسيان الخصوصية والتمايز بكل بلد ولكل حالة.
لقد جعلت العولمة التغيير بقدر خصوصيته شاملاً، وبقدر محليته كونياً، لاسيما وأن كل شيء من حولنا كان يتغير على نحو جذري وسريع، ولعل هذا الأمر يطرح عدداً من الحقائق الجديدة التي تثير أسئلة بحاجة إلى إعمال العقل والتفكير لا بشأنها حسب، بل بشأن سياسات وأنظمة لم تشعر أو تتلمس الحاجة إلى التغيير طالما شعرت بتوفير الأمن والاستقرار، واعتقدت واهمة أن ذلك وحده كافٍ لإسكات شعوبها أو إرضائها، وكأن ذلك  الأمن والاستقرار يراد لهما تعسفاً أن يصبحا بديلاً عن الحرية والكرامة والعدالة التي هي مطالب شرعية باعتراف الحكومات جميعها، ولعل هذه المطالب المشتركة وذات الأبعاد الانسانية جعلت حركة الاحتجاج ومطالب الشباب تمتد من أقصى المغرب العربي إلى أقصى المشرق العربي ومن المحيط إلى الخليج كما يقال.
يخطئ من يظن أن الحركة الاحتجاجية هي صورة نمطية يمكن أن تتكرر أو تستنسخ أو تتناسل أو أنها خارطة طريق واحدة أنيقة وملوّنة لجميع البلدان والشعوب، فالأمم والمجتمعات تحفل بالتنوّع والتعددية وبوجود اختلافات وخصوصيات وتمايزات، بقدر ما يوجد بينها جامع مشترك أعظم، وقواسم عامة، لاسيما حاجتها الماسّة إلى التغيير طلباً للحرية والعدالة. وبهذا المعنى فإن الحركة الاحتجاجية ليست طبعة واحدة أو فروعاً من حركة قائمة، أو صورة مصغّرة عنها.
وإذا كان للتغيير جاذبيته فإن للتغيير قوانينه أيضاً، لاسيما المشترك منها والذي يشكّل قاعدة عامة، وبقدر ما يحمل التغيير من خصوصية، فإنه في الوقت نفسه يمتلك أبعاداً شمولية، تتخطى حدود المحلّي إلى الاقليمي والكوني، وما حصل في مصر بقدر كونه مصرياً بامتياز قلباً وقالباً، فإنه عربي أيضاً، بل هو تغيير عالمي بحكم الجاذبية، الأمر الذي ينبغي التأمل فيه لا مكانياً حسب، بل زمانياً أيضاً، وخصوصاً بفعل العولمة وما أفرزته من معطيات، إيجابية وسلبية، فإذا كانت قد عممت الهيمنة العابرة للحدود والقارات والجنسيات والأديان والقوميات، وفرضت نمطاً سياسياً واقتصادياً واجتماعياً سائداً، فإنها عممت الثقافة والحقوق والمعرفة بما تحمل من آداب وفنون وعمران وجمال وعلوم، ولعل هذا هو الوجه الايجابي للعولمة في مقابل وجهها المتوحش واللاانساني!.
هكذا يصبح التغيير استحقاقاً وليس خياراً حسب، وتصبح الخصوصية جزءًا من الشمولية ويندغم الخاص بالعام والاستثناء بالقاعدة، على نحو فاعل ثقافياً واجتماعياً واقتصادياً وسياسياً وقانونياً ومعرفياً.
وبقدر ما يمكن القول أن التغيير في تونس هو غيره في الجزائر، وأنه في اليمن لا يشبه البحرين وأنه في سوريا سيكون مختلفاً عن مصر، وفي الاردن لا يتشابه مع المغرب، وعموماً فالتغيير في المشرق قد لا يشبه التغيير في المغرب، لكنهما يجتمعان في المشترك العربي الانساني الذي هو الحاضر والجامع في سلسلة عمليات التغيير أو الطموح إليه، وعلى سعة شموليته وكونيته فسيكون خصوصياً ومحلياً أيضاً.
مثل الحياة والحب قد تبدو الانتفاضة عصيّة على الفهم لأول وهلة، فهي لا تأتي دفعة واحدة، كما أنها لا تحضر كاملة ونهائية، ولكن مظاهرها تتضّح وتتكشّف مع مرور الأيام وبالتدريج، ولعل الزمن كفيل بكشف أسرارها وتسليط الضوء على خفاياها وخباياها، لاسيما في مراحلها المختلفة، بما فيها من عوامل قوة ونقاط ضعف، بالتقدّم والتراجع، بالنجاح والإخفاق، خصوصاً بتحديد مصيرها، وبالاقتراب من تحقيق أهدافها.
الانتفاضة سياسة بامتياز وهي تكثيف لكل ما سبقها من سياسات واحتجاجات ونضالات، إلى أن وصلت ذروتها من خلال تراكم كمّي طويل الأمد وتصاعد بالفعل الثوري، حتى وإن خبا أو إختفى عن الأنظار، لكن قانون الطبيعة كان يفعل فعله، حيث تصل التراكمات إلى تغييرات نوعية في لحظة معينة يحدث فيها الإنفجار. وإذا كانت الانتفاضة تتطلب كفالة الإعداد السليم وبرنامجاً طويل الأمد مع برامج فرعية أولية ومؤقتة، وتاكتيكات مناسبة وغير تقليدية، فلا بدّ أيضاً من توفّر ظروف موضوعية وذاتية للانطلاق، ومن ثم الإمساك بخيطها الصاعد حتى تحقيق أهدافها، سواءً تحقيق مطالب محددة أو إصلاح النظام السياسي أو استبداله أو تغييره بنقيضه.
حسابات موضوعية
هكذا يتطلّب الأمر قراءة الوضع السياسي على نحو صحيح دون مبالغات بسبب التفاؤل المُفرط أو التشاؤم المُحبط، لا بتضخيم الذاتي على حساب الموضوعي، سواءً بالرهان على المغامرات وصولاً إلى الانتحار أحياناً، ولا بتقزيمه بحيث يقود إلى العجز والقنوط، وتضييع الفرص بانتظار أخرى، وكثيراً ما ضاعت  انتفاضات بسبب حرق المراحل أو عدم إقتناص اللحظة الثورية على نحو صحيح.
ومن أصعب الأمور هو إتخاذ القرار ببدء الانتفاضة، ثم الشروع بتهيئة مستلزمات انطلاقتها وبالتالي الحفاظ على جذوتها حتى تحقيق أهدافها والوصول إلى النتائج المطلوبة، خصوصاً ما حددته من أهداف، ولعل ذلك ما يمكن أن نطلق عليه " علم التنبؤ الثوري"، وهو يحتاج إلى معرفة بالظروف والمحيط وتوازن القوى وقيادة لتدير خطط العمل والتاكتيكات، ومن ثم كيفية التدرّج في وضع المطالب والشعارات، والتقدّم باقتحام معسكر الخصم أو العدو وصولاً إلى تحقيق الهدف بالاصلاح أو التغيير حسب أهداف الانتفاضة ذاتها، وهذا الأمر يعتمد على مدى تصدّع معسكر الخصم أو العدو، وانهيار بعض أركانه، أو انتقال بعضها إلى المعسكر الآخر أو تحييد بعض قطاعاته أو تمردّها أو حتى تركها مواقع العمل مع النظام. ولعل أخطر ما يحصل للانتفاضة بعد انطلاقتها هو التردد وعدم الحسم، ولا يعني ذلك سوى موتها وتعريض مصيرها للدمار.
والانتفاضة ليست هندسة أو رسماً بيانياً أو "خارطة طريق" كما يتصوّر البعض بحيث يتم تحديد أبعادها ومسافاتها وتضاريسها سلفاً، ووضع محطّات لاستمرارها وتحديد مسارها، بقدر ما تعكس الواقع وما يزخر به التغيير من مستجدات وتطوّرات وتفاصيل واحتمالات، يمكن التكيّف معها لوضع الخطط والبرامج المناسبة للمواجهة، وتجاوز المعوّقات التي تعترض طريقها، والتناقضات التي تستوجب إيجاد حلول مناسبة لها، للاستمرار بالانتفاضة وصولاً للتغيير المنشود. وفي ذلك مقاربة لمفهوم الانتفاضة بمعنها الكلاسيكي، خصوصاً وجود قيادات معلومة لها ومخطِطة لإندلاعها.
لعل بعضنا استعاد صورة الانتفاضة كما تم تحديدها في الأدب الماركسي، خصوصاً الصورة السائدة والنموذجية التي كانت دائمة الالتصاق بثورة اكتوبر الاشتراكية العام 1917 وقيادة لينين، وهي الصورة ذاتها التي استعدناها في انتفاضة العام 1988 الفلسطينية، التي عُرفت باسم انتفاضة الحجارة، لدرجة أن بعضنا استعمل تلك التعاليم باعتبارها " مدوّنة" قانونية أقرب إلى مسطرة يقيس بها بالأفتار، مدى انطباقها أو عدم انطباقها على الانتفاضة الأكتوبرية الشهيرة وذلك ضمن وصفة نظرية أقرب إلى الوصفات العلاجية.
وكنت قد واجهت ذلك عند إلقائي محاضرة بدعوة من السفير الفلسطيني سميح عبد الفتاح، خلال زيارتي إلى براغ مطلع العام 1989، حول "مفهوم الانتفاضة"، وكانت المحاضرة بعنوان " انتفاضة الحجارة بين السياسي والآيديولوجي". وقبل ذلك عند حديثنا عن الثورات التاريخية الكبرى، عدنا إلى الثورة الفرنسية البرجوازية، والى انتفاضة باريس العمّالية العام 1871 (الكومونة الحمراء الشهيرة) وتوقفنا كثيراً عند ثورة اكتوبر، ووصلنا إلى الثورة الايرانية الدينية الاسلامية، العام 1979، تلك الثورات التي تركت تأثيراتها على النطاق العالمي واستمرت تفعل فعلها في العقول والنفوس.  ومثل هذا الأمر يجري استعادته أو القياس عليه في ظروف مختلفة وتطورات هائلة، لاسيما في عصر العولمة والثورة العلمية- التقنية وما أحدثته من تأثيرات كبرى في مجال الاتصالات والمواصلات وتكنولوجيا الاعلام والمعلومات والطفرة الرقمية " الديجيتل" وغيرها، خصوصاً في العقدين الماضيين.
وإذا كان الهدف هو البحث عن القاسم المشترك والقانون الجامع لتلك الانتفاضات، فإن لكل انتفاضة خصائصها وشروطها التي لا تشبه الانتفاضات الأخرى، زمانياً ومكانياً، ناهيكم عن البيئة التي تنطلق منها والسياق التاريخي لها. وقد عاش جيلي وربما الذي بعده انتفاضات أوروبا الشرقية في الثمانينيات، لاسيما أواخرها، وحتى انهيار جدار برلين العام 1989، ومن ثم انحلال الاتحاد السوفيتي في العام 1991 وانتفاضات أمريكا اللاتينية التي شهدت تلاحماً شعبياً ويسارياً مع دور خاص للكنيسة، من خلال لاهوت التحرير، وانتقال الثورة من "الكفاح المسلح إلى صندوق الاقتراع"، وهو الأمر الذي يمكن اليوم التوقف عنده بقراءة جديدة للتغييرات الراهنة التي بدأت انتصاراتها الأولى في تونس ومصر، واستقطبت شعوباً وشباباً وبقايا أحزاب ومؤسسات مجتمع مدني في الجزائر وليبيا واليمن وسوريا والبحرين وعُمان والعراق وغيرها.
شخصياً أجد في مثل هذه القراءة الجديدة ضرورية جداً، خصوصاً ببعدها السياسي والاجتماعي والثقافي، وليس بهويتها الآيديولوجية، ولعلها تحتاج إلى وقفة جادة لدراسة تطوّر فن الانتفاضة من جهة، وثانيا لدور الشباب المتميّز فيها من جهة ثانية، وثالثاً دراسة تأثير العولمة لا بوجهها المتوحش واللا إنساني حسب، بل بوجهها الإيجابي، بما فيها عولمة الحقوق وعولمة الثقافة وعولمة وسائل الاعلام والتكنولوجيا والعلوم وغيرها.
 
وإذا كان الشباب هو العمود الفقري في أية حركة أو انتفاضة أو أي فعل تغييري جاد، فهذه المرّة أراد هؤلاء الشباب بصدورهم العارية وعقولهم أن يكونوا وقود الثورة وقادتها، سداها ولحمتها، دماغها وسواعدها في الآن ذاته، فلم يفتش هؤلاء الشباب بين السطور ومن خلال النصوص الآيديولوجية ليضعوا خطط الانتفاضة على الورق ويدرسونها ويشبعونها بحثاً وتحليلاً، بل نظر إلى المجتمع الذي يعيش فيه وتفحّص ظروف حياته واحتياجاته الانسانية التي يواجهها كل يوم دون أن يكترث كثيراً بالآيديولوجيات والعقائد السياسية، وعلى الرغم من تفاعله مع السياسة، فإن منظوره لها يختلف عن جيل الانتماءات الحزبية والسرية الصارمة، وإدعاءات احتكار الحقيقة ولغة الإقصاء والتهميش والتخوين، كما عبّر عنه د. عمر الشوبكي، فشباب اليوم أكثر انفتاحاً ومرونة، وأقدر على تقبّل الآخر. وبقدر ما حاولت الأنظمة تطويعه لإبعاده عن السياسة أو لجعل الأخيرة تمرّ من قناة ضيقة، فقد كانت انتفاضاته تعبيراً عن ردّ اعتبار للسياسة، كعلم وقيم ومبادئ، مثلما هي خطط وبرامج وافعال وأعمال.
مواقف الغرب
لم يكن هناك الطراد أورورا موجوداً، مثلما لا وجود للقصر الشتوي الذي يتطلب اقتحامه لكي تتحقق كلمة السر في الانتفاضة الاكتوبرية ضد الحكومة الكيرنسكية التي تحتاج إلى تطوير وتثوير كما حصل في الثورة الروسية العام 1917. كانت صورة العالم العربي تبدو للناظر من بعيد: أنظمة مستقرّة وبدت عملاقة، وشعوباً "مستكينة" و"راضية" سواءً لبلدان اليُسر أو لبلدان العسر، وإذا كان ثمت هوامش سياسية ومدنية في بعضها فثمت بعض الحقوق الاقتصادية والاجتماعية في بلدان أخرى، حتى أن الرئيس الفرنسي شيراك سليل أمّة لها الفضل في إصدار أول إعلان لحقوق الإنسان في العالم لم يتورّع من وصف تونس على قدر من مجافاة الحقيقة لنظام بوليسي بقوله: بأنها تؤمن الحقوق الإنسانية الأساسية، المتعلقة بالغذاء والسكن والعمل، وذلك في ردّه على حقوقيين تونسيين.
وفعل الرئيس الفرنسي ساركوزي مثله حين ظلّ متردداً في الموقف من انتفاضة الياسمين بسبب المصالح، حيث كان صوته باهتاً في مطالبة بن علي وقف المجازر وإنْ حاول الاستدارة سريعاً بعد الانتفاضة الليبية، التي ردّ عليها نظام القذافي بمطالبته لاسترداد المبالغ التي غطّت حملته الانتخابية العام 2007، كما بقيت واشنطن حائرة بين دعم نظام حسني مبارك المستقر وبين تأييد حركة الانتفاضة "الغامضة" و"المقلقة" لها بسبب من خشيتها غير المبرّرة بصعود الأخوان المسلمين، ومن الموقف من إسرائيل واتفاقيات كامب ديفيد، وتضاربت تصريحات العديد ممن يطلقون على أنفسهم قادة العالم الحر بشأن التغييرات، مثلما فقد الكثير من القوى توازنه لانهيار أنظمة دكتاتورية دموية، بحجة الخوف من "التدخل الخارجي"، وهي وإنْ كانت خشية في مكانها باستعادة تجربة العراق ومأساته، لكن ذلك لا يعني السكوت عن عمليات القتل والإبادة، وتبرير الدفاع عن أنظمة متسلطة، هكذا تنقلب الآية لتوضع مسألة المطالبة بحماية السكان المدنيين من عمليات القتل ومنع الأنظمة من استباحة مواطنيها، مقابل التدخل الخارجي، في حين أن أي كيان ووحدة وسيادة للأوطان ستكون قوية ومنيعة باحترام حقوق الانسان دون إحداث تصدّع في كياناتها ووحدتها وسيادتها.
لقد نسي المتردّدون والحائرون والمفاجأون والناقمون على التغيير الذي يرفعونه هنا ويرفضونه هناك أو العكس بحجة آيديولوجية أو بغيرها، إنما حصل هو استعادة للكرامة المهدورة لشعوب على أيدي حكامها، والكرامة والحرية ومكافحة الفساد ورفض الاستبداد، كانت هي المحرك الأساس وراء انتفاضات الشباب المحروم والمكلوم والمستباح والمستلب، وليس السبب الأساس هو ثمت أصابع أجنبية أو اندساسات خارجية، وحتى لو وجدت مثل هذه، وهو أمر محتمل، فلا يمكن الاستخفاف بالشعوب ومصائرها بمثل تلك الحجج المزعومة.
ولعل ملاحظة مهمة تشكل قاسماً مشتركاً لجميع الحكام وهي العزف على التدخل الخارجي وعمليات التخريب والاندساس، ابتداءً من زين العابدين بن علي وشمولها حسني مبارك ومعمّر القذافي وعلي عبدالله صالح وصولاً إلى نوري المالكي، ومن الجزائر إلى البحرين فالسودان الذي أضاع نصف أرضه ولا يزال يتحدث عن المؤامرات الخارجية، فقد كانت المقطوعة واحدة والعزف موحّداً، ولا يتعلق الأمر بالأنظمة حسب، بل أن بعض الحركات السياسية، لاسيما التي قدّمت الآيديولوجيا ونظرية المؤامرة المعروفة، حاكت بعض الأنظمة، بل كانت أكثر استفزازية منها.

حقائق عن الانتفاضات
وإذا كانت الطبقة الوسطى تمثل وعاءً حاملاً للشباب الثائر، ساهمت في تحفيزه وفي تشكيل ملامح تطلعاته بالرفض والاحتجاج، سواءً في تونس أو مصر أو ليبيا أو الجزائر أو اليمن أو سوريا أو البحرين أو العراق أو غيرها، فإن الانتفاضات الراهنة اختلفت عن سابقاتها فلم تكن ثورات جياع أو هجوم سكان العشوائيات على المدن، واختلفت عن انتفاضة يناير المصرية العام 1977 وثورة الخبز في تونس العام 1984، بل كانت مزيجاً من طلب الحرية والكرامة ومحاربة الفساد وسوء الحكم. ولعلها كانت أقرب إلى انتفاضة العام 1948 العراقية ضد معاهدة بورتسموث وانتفاضة اكتوبر السودانية، العام 1964 ضد حكم الجنرال عبود.
وبقدر ما كان الحاكم ينتفخ ويهيمن على كل شيء، من السلطة والمال والاعلام والتجارة والثقافة والرياضة والسياحة، كان هناك من جهة أخرى شعوب جائعة ومقموعة ومكتوية بالفساد المالي والإداري ونهب المال العام، ومهزومة على أكثر من صعيد، وتعاني من سلطات مترهّلة وأبناء وأقرباء وأنسباء، وهمْ الدولة لوحدهم، وما عداهم المواطنون ليسوا سوى رعايا أو تابعين في أحسن الأحوال، وفي حين يتقدم العالم نحو مواطنة فاعلة وحيوية وعضوية تقوم على قواعد متطورة من الحرية والمساواة والعدالة والمشاركة، بحيث تشكل ملامح في هوية وطنية عامة وجامعة، انحدرت بلداننا إلى ضيق قاعدة الحكم وارتفع هرم السلطة إلى درجة غير مرئية، بحيث لا يمكن للحاكم أن ينظر إلى القاع أو يشعر بشعور من يعيش عليها، والأكثر من هذا فإن بلداننا تم استتباعها للخارج الذي تحذّر منه الأنظمة اليوم، ولعل الكثير منها يردد: إن مجرد سقوطها سيعني انتصار الارهاب وهيمنة تنظيمات القاعدة، بل والأكثر من ذلك وجد من يحرّض " اسرائيل" التي ستتضرر لمجرد إطاحة هذه الأنظمة، وليس ذلك سوى استخفاف بالعقل وبمنطق التفكير السليم وبوقائع التاريخ ذاته.
كانت الغالبية الساحقة من انتفاضات أوروبا الشرقية قد بدأت سلمية وانهارت أنظمة توتاليتارية شمولية استمرّت عقوداً من الزمان على الرغم من أنها حققت بعض المنجزات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لشعوبها، لكن غياب الحريات وانعدام الديمقراطية وسيادة الصوت الواحد، قاد إلى هذه النتائج وحدث الأمر بعد أجواء داخلية مناسبة، لاسيما في ظل قيادة غورباتشوف الذي بشّر بالبريسترويكا (إعادة البناء) والغلاسنوست (الشفافية)، وانهار نمط من الأنظمة الاشتراكية التي شاركت في تأسيس نظام ما بعد الحرب العالمية الثانية، لاسيما بانفكاك الحلف المعادي للنازية، والذي يشكّل ما يسمى بالقطبية الثنائية التي شهد العالم بسببها حرباً باردة وسباقاً على التسلح، كان الخاسر الأكبر فيها شعوب البلدان الاشتراكية، إضافة إلى التنمية والتقدم على المستوى العالمي، لاسيما في مجالات الصحة والتعليم والبيئة والثقافة والفضاء والعلم وغيرها.



234
ثلاث موجات للتغيير عالمياً
حوار مع الأكاديمي والمفكر الدكتور عبد الحسين -19
      
   تاريخ النشر       21/04/2012 03:55 PM   


 
 
لعل الفضاء الذي حققته الموجة الثالثة للتغيير الديمقراطي تختلف عن الموجتين الأولى والثانية، وذلك لأن العالم العربي هو الأكثر تخلفاً، لاسيما في سلّم التطور الديمقراطي، فضلاً عن أن المصالح الدولية، وخصوصاً للقوى المتنفّذة والمتسيّدة، ظلّت تريد إبعاد العالم العربي عن التغيير في أواخر الثمانينيات من القرن الماضي، لكي لا يختل توازن القوى لحكومات صديقة لها، لاسيما فيما يتعلق بالصراع العربي- الاسرائيلي، فإسرائيل إضافة الى النفط، هما أعزّ ما في الستراتيجية الأميركية لا على النطاق الإقليمي حسب، بل على النطاق الدولي أيضاً، وخصوصاً بعد تفكك الاتحاد السوفيتي وانهيار المنظومة الاشتراكية.
وإذا كان النفط محور الصراع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، فإن موقع العالم العربي الستراتيجي، هو الآخر مسألة لا تستغني عنها الولايات  المتحدة، حيث يشكّل جسراً بين الشرق والغرب وبين آسيا وأفريقيا وبينهما وبين أوروبا، ولعل هذه المكانة هي التي تجعله يحظى بمثل هذا الاهتمام، فضلاً عن قيمة موارده الطبيعية، وكان الرئيس أيزنهاور قد وصف الشرق الأوسط في مذكراته بأنه "أقيم قطعة عقار في العالم".
لقد سادت انطباعات لحد القناعة لدى النخب الفكرية والسياسية الحاكمة والمحكومة، في المنطقة والى حدود كبيرة في الغرب كذلك، إن الشعوب العربية بسبب القمع المعتّق غير قادرة على النهوض لمواكبة التطورات الكونية، فهي ما تزال تقف في مرحلة ما  قبل الدولة في الكثير من بلدانها، وتعاني من انقسامات دينية وطائفية واثنية وعشائرية، ولم تدخل عالم الحداثة والتكنولوجيا والعلوم بعد، في ظل شحّ الحريات وضعف الطبقة الوسطى، خصوصاً، وأن الحكام تماهوا مع الدولة، التي تغوّلت عليها السلطة، وهم والسلطة تماهوا في التغوّل على الدولة والمجتمع على حد سواء. فاحتكر الحاكم السلطة وتصرّف بتعسّف لا نظير له فامتلك الاعلام والمال وهيمن على التجارة والسياحة والرياضة والثقافة، وأصبح هناك تداخل بينه وبين الحقل العام، ولا فرق في ذلك أنظمة الحكم الوراثية الملكية أو الجمهوريات " الملكية- الوراثية" أو الثورية العسكرية" أو غيرها.
وأتذكّر أن كاتباً وروائياً عراقياً ساخراً يدعى شمران الياسري المشهور باسم " أبو كَاطع" كان يردّد أحياناً وبين الجد والهزل توصيفات يقول إن لا أساس لها في علوم السياسة مثل "الفاشية الريفية" أو "الفاشية البدوية" وذلك لعجزه عن إيجاد تفسيرات للظواهر الجديدة التي كان المجتمع العراقي يعيشها في سبعينيات القرن العشرين، ولاسيما بعد فورة النفط، خصوصاً تماهي الحكم مع "البزنس" مصحوباً بالعنف والتخلّف والبيروقراطية الطفيلية الكسولة، لا فرق فيما إذا كانت السطوة لدور القطاع العام أو لدورة الانفتاح الاقتصادي لاحقاً، وأظنّه اليوم لو عاش لأطلق وصف "الفاشية المذهبية" أو "الدكتاتوريات الدينية" أو "دكتاتوريات الفساد الشامل" على أنظمة مماثلة، خصوصاً عندما يتم الاستحواذ على كل شيء، وهو ما سبق أن ذكرته وأكرره في هذا المجال نظراً لأهميته.
وساد الانطباع باللاجدوى في ظل تغييب دور المرأة ووجود أمية كاسحة، زادت عن 70 مليون نسمة أي أن أكثر من 20 % من سكان المنطقة العربية لا يحسنون القراءة والكتابة ويزيد على هذا العدد عدم معرفتهم للتكنولوجيا ووسائل الاتصال والمواصلات الحديثة، ولعل ذلك وحده مدعاة للشعور باليأس، لاسيما التشكيك بدور الشباب واتهامه بالميوعة وعدم الشعور بالمسؤولية، كما أن صورة أحزاب المعارضة الهرمة أو المهاجرة والتي يغيب الشباب عن ملاكات أعضائها، فضلاً عن المشاركة في فعالياتها، لا توحي بالثقة أو بانطباعات جيدة بشأن التغيير، خصوصاً وهي تلوك خطابها بلغة خشبية مستهلكة.
قانون نافذ
يمكنني القول أن الجامع في الانتفاضات العربية هو التماثل في التوجّهات السلمية والشعارات المدنية والحشود المليونية، التي فاجأت الجميع، لاسيما استخداماتها للكومبيوتر والانترنت والفيسبوك والتويتر والهاتف النقّال، فضلاً عن الشجاعة المنقطعة النظير التي أبداها الشباب لكسر حاجز الخوف الذي انتقل من المحكومين الى الحكام، الذين أخذوا يخشون شعوبهم لأول مرة، فلم يعد الاعلان عن عدم التوريث كافياً، أو عدم التجديد لولاية أخرى وارداً، بل بات إجراء إصلاحات جذرية بما فيها فحص وتدقيق موضوع شرعية الحكام والنظام السياسي أساساً، وإذا كانت الشعارات المطلبية قد سادت، فإن فيها الكثير من الواقعية والبرغماتية، خصوصاً موضوع البطالة، وشحّ الحريات، وقضايا الفساد، وغيرها.
ومثلما كانت توجّهات الشباب العربي متماثلة، فإن توجّهات الحكام العرب كذلك! صحيح أن تونس لا تشبه القاهرة وهذه لا تشبه طرابلس أو بغداد أو صنعاء أو غيرها، لكن التبرير كان موحداً، فقد اتهم مبارك المنتفضين بأجندتهم الخارجية، وقبلها عزف بن علي ذات المقطوعة، أما القذافي فقد هاجم الشباب واتهمه بتناول حبوب الهلوسة وحذر من البديل الارهابي، ولم ينسَ دور إسرائيل وبريطانيا وأمريكا، وفعل علي عبدالله صالح الشيء ذاته عندما اعتبر الدوائر الأمريكية والاسرائيلية وراء الانتفاضة، أما المالكي فقد حذّر من المندسين وتنظيمات القاعدة والبعثيين الصداميين، الذين يريدون استغلال المطالب الشعبية، وفي كردستان، وخاصة في السليمانية هناك من اعتبر إيران تقف خلف المعتصمين، وفعلت إيران الشيء ذاته عندما اعتقلت مهدي كروبي وحسين موسوي من زعماء المعارضة والمحرّضين على أعمال "الشغب" معتبرة أنهم يتلقون تعليمات من القوى الاستكبارية الغربية، وهما اللذان قادا مئات الآلاف احتجاجاً على الانتخابات التي قيل أنه تم تزويرها في العام 2009. وفي البحرين قيل أن القوى الطائفية الخارجية تقف وراء المنتفضين والمقصود "إيران".
وإذا كان لكل حاكم خصمه أو عدوّه، لكنه لا يمكن التغاضي عن وجود قانون طبيعي يتم سريانه على الجميع وهو "قانون التحوّل الديمقراطي" الثالث الذي بدأ مفعوله يدخل حيّز التنفيذ في العالم العربي، وخصوصاً بعد الزلزال المصري، وسواءً سار قطار التغيير بانسيابية أو بوجود منعرجات وتوقفات، الاّ أنه في نهاية المطاف سيصل الى محطته الأخيرة، إن آجلاً أو عاجلاً، طالما أن القانون كوني وشامل، وبلا حدود، كما شاهدنا ذلك في الموجتين الأولى والثانية. هكذا يمكن قراءة المفاجأة في ضوء قانون التغيير!!.
ما حصل في تونس والقاهرة وعدد من العواصم والمدن العربية هو وليمة للعقل ومناسبة للتفكير والتدبير في ما آلت وما ستؤول إليه سياسات وأنظمة ومسلّمات، ظل بعضها منذ عهد الحرب الباردة أو ما قبلها مستمرّاً ودون شعور بالحاجة الى التغيير، على الرغم من أن كل شيء من حولنا يتغيّر على نحو جذري وسريع، في ظل الثورة العلمية- التقنية وثورة المواصلات والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والطفرة الرقمية " الديجيتل". لكن  العالم العربي كلّه انتقل مرّة واحدة الى دائرة الضوء، لدرجة أن قرى وبلدات ومدن نائية ومنسيّة أصبحت معروفة عالمياً، في ظل دهشة ومفاجأة لما حدث وكيف حدث؟ ولعل الأمر بحاجة الى وقفة تأمل.
ليست الثورة رسماً بيانياً أو خارطة هندسية أنيقة تُعرف تضاريسها وحدودها سلفاً، إنها تمرّد وانتفاضة على ما هو قائم، وبمراجعة وقراءة للثورات المعاصرة الكبرى سواءً الثورة الفرنسية العام 1789 أو الاكتوبرية الروسية العام 1917 أو الإيرانية الإسلامية العام 1979، لم أجد ثورة "نظيفة" في التاريخ، بمعنى ما ينبغي وما لا ينبغي أن تقوم به، لاسيما القوى المشاركة في التغيير أو المتضررة منه.
والتغيير ليس استنساخاً أو عدوى تنتقل على نحو مباشر أو غير مباشر، بقدر ما هو قانون طبيعي للتطور التاريخي للمجتمعات، خصوصاً وقد وصلت غالبيتها الى طريق مسدود وهو ما عكسته تقارير التنمية البشرية، لاسيما شحّ الحريات والنقص الفادح في المعارف واستمرار ظاهرة الأمية، بينهم نحو 13 مليون من الشباب بسن 13-24 حسب توصيفات منظمة الاسكوا (اللجنة الاجتماعية- الاقتصادية لغربي آسيا) والحديث هنا عن الأمية الأبجدية وهو لا يشمل التعاطي مع علوم العصر وتقنياته ووسائله الحديثة، حيث لا يزال العالم العربي بقضّه وقضيضه لا تزيد استخداماته للانترنيت عن 6.1% وهي نسبة متدنّية جداً قياساً بالنسب العالمية.
كما أن الموقف من مشاركة المرأة ومساواتها وحقوقها وتمكينها في العالم العربي لا يزال متأخراً قياساً بالتطور العالمي، حيث يعاني نصف المجتمع من تهميش وإقصاء كبيرين، وهو ما ينعكس سلباً على عموم المجتمع، وتعاني المجتمعات العربية من موقف استعلائي من التنوّعات الثقافية الدينية والقومية والاثنية واللغوية والسلالية، لاسيما من طرف القوى المتسيّدة، وهو ما يستخدم مجازاً مفهوم الأغلبية والأقلية.
وإذا كنتُ ميّالاً الى استخدام مصطلح التنوّع الثقافي والتعددية للمكوّنات المجتمعية، فذلك لشعوري أن مصطلح الأغلبية والأقلية يصلح على الجوانب السياسية أكثر منه للجوانب الدينية أو القومية أو الاثنية أو غيرها، لأنه يفترض أن يتم التعامل مع المكوّنات على أساس المساواة الكاملة والتامة، لأنها مكوّنات مختلفة، مع الأخذ بنظر الاعتبارتميّزها وخصوصيتها وليس إخضاعها لمبدأ الأقلية والأكثرية.
وإذا كانت الأمم المتحدة قد استخدمت مصطلح "الأقليات" في إعلانها العام 1992 فقد قصدت المكوّنات المختلفة وحقوقها المتساوية مع التنوّع والاختلاف والخصوصية، وهو اعلان يحتاج الى تطوير واستكمال وتعميق بما امتازت به خارطة طريق التنوّعات الثقافية والتعددية الكيانية طيلة العقدين الماضيين، لاسيما بعد انتهاء عهد الحرب الباردة. وأظن أن ما طرحته الانتفاضات الشعبية، لاسيما على الصعيد العملي قد تجاوز عوامل الانقسام التقليدية، عابراً الطوائفيات والأديان، وهو ما حصل في مصر على نحو واضح وجلي.
لعل التغيير الذي حصل في مصر، ليس مصرياً حسب وإن كان بامتياز قلباً وقالباً، وليس عربياً، وإن كانت الجاذبية المصرية شديدة على العالم العربي، لكنه تغيير عالمي، فمصر، الشجرة التي يمكن أن تتفرع منها أغصان أفريقية وآسيوية كثيرة، مع مراعاة الطقس والتربة والبذور ووقت قطف المحصول، وخصوصاً اليد الشبابية العاملة.
إن مصر تمتلك أهمية استثنائية، فهي وزن سياسي كبير وفاعل ومؤثر، وهي ثقل ثقافي ومعرفي هائل ومستودع لخبرات وطاقات كبيرة وهي كثافة سكانية وبشرية وقوى عاملة جبّارة بحاجة الى استثمار، وهي بعد أو قبل كل ذلك تاريخ وحضارة حافلتين وأرض متّسعة وشاسعة وخصبة، لاسيما بالنيل "هبة السماء" الى مصر. ومصر هي جسر الوصل بين الشرق والغرب، وصلة الوصل بين أفريقيا وآسيا، وفي منطقة تحفل بالأديان السماوية الثلاثة، بل أنها موطن: اليهودية والمسيحية والاسلام، حيث المدن المقدسة: بيت لحم والقدس ومكة والمدينة وبعضهم يضيف اليها النجف.
والعالم العربي هو موطن النفط والغاز وهما عصب الحياة ومحور الصراع الاجتماعي العالمي، ولا يمكن لواشنطن التفكير بمعزل عنهما، ارتباطاً مع حلفها الإسرائيلي الستراتيجي الدائم في المنطقة، فالنفط وإسرائيل أساسان لستراتيجيتها الطويلة منذ عقود من السنين، والمنطقة هي طريق ستراتيجي بين القارات الثلاث: آسيا وأفريقيا وأوروبا. لهذا يكون للجاذبية المصرية بُعداً كونياً، علينا إدراكه.
 
8 حقائق عن التغيير
ولعل الحقيقة الأولى التي ينبغي استيعابها هو أن التغيير قد بدأ ولا يمكن وقف قطاره حتى وأن تعثر أو تأخر، فلم يعد ممكناً العودة إلى الوراء، مهما كانت المبررات، فالإصلاح والدمقرطة والحريات ومكافحة الفساد وتلبية للحقوق الإنسانية، أصبحت استحقاقاً ليس بوسع أي مجتمع التنصل عنه، وإذا كان الماضي قد " إحتضر" فالجديد لم يولد بعد حسب تعبير أنطونيو غرامشي.
الحقيقة الثانية توفر البيئة المناسبة داخلياً وخارجياً، موضوعياً وذاتياً، فالتغيير هو فعل داخلي بامتياز وإن كانت البيئة الدولية مشجعة، وسواءً كانت بصدقية أو بتوظيف سياسي، لكن السياسة حسب ابن خلدون هي صناعة الخير العام.. وهي أمانة وتفويض ولا مجرى لها الاّ بين تضاريس المحاسبة والتوضيح، فليس لأحد الحق في امتلاك أركانها، بإسم استخلاف إلهي أو ما شابه، والاّ فستبقى دواوين التاريخ مفتوحة على أخبار قوى التسلط والتحكّم المناقضة لشرائع النقل والعقل، وهو ما تستهدفه التغييرات التي تطمح اليها الشعوب وحركتها الاحتجاجية.
الحقيقة الثالثة إمكانية التغيير بالسلم وباللاعنف، وحتى إن لم تستجب بعض الحكومات للارادات الشعبية، فإن الشباب سيعيد الكرّة بعد الأخرى حتى يحصل التغيير، سواءً حصل من جانبها مرغمة أو مضطرة أو بتخطيّها وانزياحها.
الحقيقة الرابعة، إنكسار حاجز الخوف الذي هو سمة للمحكومين، وسيفاً مسلطاً على رقابهم، لاسيما في ظل الأنظمة الاستبدادية، فإن مجرد كسر الحلقة الأولى منه يمكن كسر الحلقات الأخرى تباعاً وعلى جناح السرعة، بل إنه يمكن أن ينتقل الى الحكام أنفسهم، ولعل هذه اللحظة هي الإيذان، ببدء عملية التغيير، مهما اتّخذت منعرجات وإتجاهات، قد تزيد الأمر تعقيداً، لاسيما بالتدخل الخارجي، خصوصاً إذا كان عسكرياً، وحالة ليبيا مثالاً على ذلك، وإذا كانت حماية المدنيين إحدى واجبات المجتمع الدولي، فإنه حتى الآن يتم البطش بهم، بل إن معاناتهم إتّسعت وازدادت.
الحقيقة الخامسة، قيادة الشباب، وإذا كان الشباب في السابق هو الذي يفجّر الانتفاضات وهو وقودها على الدوام، فالأمر قد تغيّر في موجة التغيير الحالية، فقد أصبح هو من يخطط ويقود وينفّذ، بطريقة حضارية ومدنية راقية، متقدماً على الكيانات  القائمة، كما أثبت أنه يختزن طاقات لا حدود لها، وكان سياسياً بجدارة وعملانياً بمقدرة وبرغماتياً ببراعة، لاسيما بحيويته وديناميكيته وانفتاحه وشجاعته ورغبته في الجديد والتجديد.
الحقيقة السادسة الوحدة الوطنية، فقد تجاوزت حركة التغيير الانقسامات المجتمعية والاختلافات والآيديولوجيات الدينية والطائفية، وأنجزت ما لم تنجزه الحكومات والمعارضات بسرعة مذهلة، الأمر الذي يحتاج الى الحفاظ عليه وتنميته باتجاه تحقيق الدولة المدنية العقلانية التي تقوم على المواطنة والمساواة وعدم التمييز، وفي الوقت نفسه على تداولية السلطة سلمياً وسيادة القانون والمساءلة والشفافية.
الحقيقة السابعة، ارتفاع رصيد المعرفة والاعلام، اللذان شكّلا خلفية مهمة لنجاح حركة التغيير، فما امتلكه الشباب من معارف، تم توظيفها من خلال الاعلام وتكنولوجيا المعلومات، فقد كان للاعلام دور تعبوي وتنظيمي هائل ولم يعد بإمكان أحد حجبه، فالعالم أصبح قرية صغيرة، وما جرى في سيدي أبو زيد البلدة النائية، أصبح بعد لحظات أمام أنظار العالم كلّه.
الحقيقة الثامنة إن الحكومات لم يعد بإمكانها إنكار المطالب المشروعة للشعوب ولحركات الاحتجاج المستمرة، لكنها سعت الى تأجيلها أو تسويفها أو احتوائها، لاسيما بإدعاء علاقتها بعناصر خارجية مشبوهة أو أنها خاضعة لأجندات أجنبية، وهي جزء من مؤامرة غربية، أو أن قوى متطرفة وقد تكون ارهابية هي من يقودها أو يقف خلفها أو من يحرّضها على العنف، وإذا كان لا يصح إنكار أو الاستهانة ببعض المشاريع والأجندات الخارجية أو الإرهابية الخارجية، لكن ذلك يعود بالدرجة الأولى إلى عدم استجابة الحكومات لمطامح شعوبها، لأنه لا يجوز إنكار المطالب المشروعة والعادلة للحركة الاحتجاجية، فالغزاة والغلاة يجدون الفرصة سانحة كلّما إستحكم الكغاة وأداروا الظهر لشعوبهم.
 
سمات مشتركة
لعل ما حصل في تونس ومصر والجزائر وليبيا والمغرب واليمن وعُمان والأردن وسوريا والبحرين والعراق، وثمة إرهاصات أخرى في عدد من البلدان العربية بما فيها بلدان الخليج، إنما هو دعوة للتفكير فيما يعكسه المشترك العربي الانساني في أوضاع بلادنا العربية المتنوعة، المختلفة والموحدة في الآن ذاته. ومثل هذا المشترك بقدر تماثله أو تشابهه أو تقاربه، فإنه يحمل اختلافه وتباعده وتمايزه أيضاً، لكن الأداء في ممارسات حركة الانتفاض والاحتجاج الواسعة، سواءً للسلطة أو معارضيها، ظلّت تحمل سمات مشتركة وهي السمات الغالبة والعامة.
السمة الأولى- أن مطالب الحركة الاحتجاجية تدرّجت وإتّسعت، بل وإمتدّت على طول البلاد وعرضها، ولم تعد محصورة بأهداف فئوية أو ضيقة أو مناطق محددة، بل شملت مطالب عامة تبدأ من الاصلاح وتنتهي أحياناً بتغيير النظام، وهو ما حصل في تونس ومصر، الأمر الذي لا بدّ من أخذه بنظر الاعتبار فيما ستؤول اليه سياسات وإجراءات لم ترتقِ الى مستوى الأحداث وتداعياتها، فضلاً عن أنظمة، ظلّ بعضها  منذ عهد الحرب الباردة مستمراً دون شعور بالحاجة الى التغيير، على الرغم من أن كل شيء حولنا يتغيّر على نحو جذري وسريع.
السمة الثانية- إنتقال العالم العربي الى دائرة الضوء دفعة واحدة، لدرجة أن قرى وبلدات ومدناً نائية ومنسيّة أصبحت اليوم معروفة عالمياً، فقد كان للثورة العلمية- التقنية وثورة المواصلات والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والطفرة الرقمية " الديجيتل" دوراً كبيراً في ذلك، ولم يعد بالإمكان خنق حركة أو دفن عشرات من الأشخاص أو قهر آلاف الناس دون خَبَرٍ أوصورة، فالصورة كما نقول في الاعلام هي خبر، مثلما نقول في البحث العلمي إن "الوثيقة خبر"، وقد تُغني عن عشرات التقارير والدراسات والمقالات، ومهما حاولت بعض الجهات الرسمية منع الاعلام من تغطية الأحداث تحت مبررات مختلفة، فإن الصورة بحد ذاتها ستكون خبراً مؤثراً، وهكذا تحوّل الكثير من المواطنين ممن يلتقطون هذه الصور الى مراسلين صحفيين برغبة منهم أو دونها، لأنهم كانوا مصدر بعض الأخبار، وهكذا أصبحت الحركة الاحتجاجية جزءًا من تيار عالمي وكوني، لا على صعيد رسمي حسب، بل في إطار المجتمع المدني العالمي أيضاً.
السمة الثالثة- ان الانتفاضة وحركة التغيير وإن جمعتها مشتركات عديدة الاّ أنها ليست  استنساخاً، فهي في تونس غيرها في الجزائر وفي اليمن لا تشبه البحرين، وفي مصر مختلفة عن سوريا وفي المغرب تختلف عن الاردن، وفي شمال أفريقيا لها سمات متباينة عن الخليج العربي، أي أنه لا توجد صورة نمطية يمكن اقتباسها وتعميمها لتصلح للثورات جميعاً، كأن يكون هناك انقلاب عسكري أو قيادة ثورة لحزب أو جبهات وطنية أو غيرها، بل كانت حركة شاملة خطط لها الشباب وقادها وأدار حركتها باقتدار وموهبة.
السمة الرابعة إن الثورة ليست كما أشرنا رسماً بيانياً أو خارطة هندسية أنيقة تعرف تضاريسها وحدودها سلفاً، فهي حركة تمرّد وانتفاضة على ما هو قائم، ولا توجد ثورة في التاريخ تركت تأثيراتها من دون أن تترك انقلاباً على النظام القديم مروراً بفترة انتقالية، قد تطول وقد تقصر، وقد تشهد معاناة جديدة باتجاه بناء نظام جديد، بغض النظر عن طبيعته، لكنه سيكون نقيضاً لما سبقه، ولعل جميع الثورات صاحبها ورافقها شيء من الخراب للقديم باتجاه مرتكزات جديدة ونظام قيمي آخر، بغضّ النظر عما ستتركه من بعض التأثيرات السلبية أحياناً.
ولهذا فإن هذه الثورات الراهنة لا يمكن الحكم عليها الاّ بعد انقضاء الفترة الإنتقالية، خصوصاً إذا تمكنت من إرساء قاعدة الصراع السلمي، المدني، حيث يكون الخيار هو صندوق الاقتراع وتداول السلطة، الذي سيحدد شرعية الحاكم وعلاقته بالمحكوم.
السمة الخامسة- إن التغيرات التي حصلت في تونس أو في مصر ليست تونسية أو مصرية، وإن كانت قلباً وقالباً انعكاساً لرغبة شعبي تونس ومصر، لكنها بالقدر نفسه كانت عربية، وإن كانت جاذبيتها كونية، ولعل حركة التغيير مثل شجرة تتفرع منها أغصان أفريقية وآسيوية كثيرة، مع مراعاة الطقس والتربة والبذور ووقت قطف المحصول، وخصوصاً بيد الشباب العامل الحالم، وهذا بحد ذاته تأكيد لما هو مشترك وإنساني.



235
«الفدرالية» المرذولة والحلّ السحري

عبد الحسين شعبان

أعاد إعلان بنغازي «برقة إقليماً فيدرالياً» النقاش الحاد والجدل الساخن حول مفهوم الفيدرالية وحدودها وسقفها ومدى ملاءمتها لهذا البلد أو ذاك من بلدان المنطقة، حيث لا زالت الفكرة مطروحة ولها أنصار متحمّسون، مثلما لها معارضون شرسون في الوطن العربي وخارجه!
وعلى الأقل فإن الفكرة مطروحة في العراق منذ التسعينيات يوم أعلن إقليم كردستان (خارج سيطرة الحكومة المركزية آنذاك) الفيدرالية من طرف واحد في 4 تشرين الأول (اكتوبر) العام 1992، وهو الأمر الذي كرسته الاتفاقات والدساتير اللاحقة بعد الاحتلال، لاسيما قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية لعام 2004 والدستور الدائم الذي تم الاستفتاء عليه في 15 تشرين الأول (اكتوبر) وأجريت أول انتخابات على أساسه في 15 كانون الأول (ديسمبر) العام 2005، ووفقاً له صدر أيضاً قانون الأقاليم من الدورة الأولى للبرلمان العراقي، لكنه تم تأجيل تطبيقه إلى 18 شهراً، بسبب ردود فعل كثيرة.
وأعيد الحديث عن الفيدرالية العراقية إثر مطالبة محافظة صلاح الدين ولحقتها محافظتا الأنبار وديالى بالفيدرالية، خصوصاً وكان رئيس البرلمان العراقي أسامة النجيفي قد صرّح من واشنطن خلال زيارته الرسمية لها في أواخر العام 2011، إذا استمر الوضع كما هو عليه (المقصود تهميش السنّة) كما ذكر، فسيكون الخيار الفيدرالي هو الحل المرجّح، وعلى الرغم من الأخذ والردّ، لاسيما اعتراضات رئيس الوزراء نوري المالكي وكتلة «دولة القانون»، ضد إعلان المحافظات التحوّل إلى فيدراليات وتغيير مواقع بعض المعارضين إلى مؤيدين وبالعكس، فإن الموضوع مطروح للنقاش وقد يعاد بحثه، خصوصاً بإصرار مجالس بعض المحافظات على تبنيّه خياراً لا رجعة عنه، علماً بأن الدستور يحدد آليات الوصول إليه، وهو ما يؤيده إقليم كردستان، الذي يتمتع بالاستقلال الذاتي الواقعي Defacto، إلى إقليم بإدارة معترف بها بموجب الدستور النافذ.
وفي اليمن فإن الخيار الفيدرالي بدأ يُطرح على نحو متواصل ومتقطّع منذ سنوات، وربما إزداد رصيده أيام الحراك الجنوبي، حيث تبنّت بعض القوى خيار الاتحاد الفيدرالي ضمانة لاستمرار الوحدة اليمنية بين شطري البلاد الجنوبي والشمالي، التي تحققت في العام 1990، وجرت محاولات لإعادة الانفصال في العام 1994 إثر احتجاجات بدعوى تهميش الجنوب وإقصاء الشركاء من المسؤولية، أدت إلى اندلاع حرب وحدوث خسائر كبرى وتصدّع في تجربة الوحدة.
واليوم بعد إجبار الرئيس علي عبدالله صالح على التنحّي إثر المبادرة التي قادها «مجلس التعاون الخليجي»، يبرز الخيار الفيدرالي، الذي قد لا يقتصر على الجنوب اليمني، بل يشمل مناطق أخرى، ولكن المهم أن يتم الأمر عبر استفتاء شعبي وفي ظروف سلمية وطبيعية وفي إطار دستوري وقانوني ودون افتئات على أحد، سواءً بإعادة انتاج الدولة المركزية الاستبدادية، أو بزعم التخلّص من آثارها بحيث يؤدي الأمر إلى تقسيمها وانفصالها، وبالتالي ضياع وحدة البلاد أرضاً وشعباً، تلك التي عمل اليمنيون بمختلف اتجاهاتهم وانتماءاتهم من أجل تحقيقها، وينبغي أن لا ننسى أن أي حل سواءً كان فيدرالياً أو لا مركزياً أو على أساس إعادة بناء الدولة المركزية البسيطة، لا بدّ أن يأخذ بنظر الاعتبار إرادة الناس في اختيار شكل الحكم الذي يناسبهم، بحيث يتم كلّ شيء في إطار سلمي وديمقراطي ودون إكراه ومراعاة للمشترك الانساني!
وكان الخيار الفيدرالي مطروحاً في إطار حلول كثيرة للمشكلة الجنوبية في السودان، ومنذ استقلال السودان ظلّت مشكلة الجنوب قائمة بسبب الهدر السافر لحقوق الانسان وعدم اعتماد مبادئ المساواة والمواطنة المتكافئة، وقد ازداد الأمر تعقيداً إثر صعود الخيار الحربي أو العسكري، ذلك الخيار الذي لم يوصل إلى الحل المنشود، مثلما هو في العراق أيضاً.
وهكذا اضطرّ حكام السودان، مثلما اضطرّ قادة الحركة الجنوبية إلى اعتماد أسلوب المفاوضات التي كانت تنام وتستيقظ، سواءً للوصول إلى اتفاقيات أو نقضها ومحاولة التملّص منها، سواءً بإقرار الفيدرالية مع بقاء السودان موحّداً، أو اختيار «أبغض الحلال» وهو الطلاق كما يقال، أي الاستقلال والانفصال، وهو ما حصل إثر استفتاء لسكان الجنوب حيث نالت الرغبة في الاستقلال على أكثر من 98%، وعلى أساس ذلك تشكّلت دولة جنوب السودان التي انضمّت إلى الأمم المتحدة وحصلت على عضويتها.
وبالعودة إلى الخيار الفيدرالي الليبي فقد كانت ليبيا بعد الاستقلال ومنذ عهد الملك إدريس السنوسي، إقليماً فيدرالياً يضم ثلاث ولايات، حسب دستور العام 1951، واستمرّت في هذا النظام حتى العام 1963، حيث جرت تعديلات دستورية ألغي بموجبها النظام الاتحادي وحلّت الولايات الثلاث، وأقيم بدلاً عنها نظام مركزي يتألف من عشر محافظات.
الأقاليم الثلاثة التي تكوّنت منها ليبيا الفيدرالية هي: إقليم الشرق (برقة) التي أعلنت بعد عام من انتصار الثورة والإطاحة بالعقيد القذافي رغبتها في التحوّل إلى إقليم (من جانب واحد) وبرّر الداعون إلى الفيدرالية أسباب هذا الخيار بالتهميش الذي عانى منه سكان الشرق، وهو الاقليم الأغنى حيث تتمركز معظم حقول انتاج النفط فيه، والأكبر مساحة وثقافة. أما الإقليم الثاني فهو إقليم طرابلس (الغرب) الذي تمركزت فيه السلطات وتم التغوّل على الإقليمين الآخرين، وكان الاقليم الثالث هو إقليم فزّان (الجنوب الغربي).
وقد يعود تبنّي بعض الليبيين خيار الفيدرالية في هذه المرحلة الانتقالية إلى أن انهيار الدولة المركزية أوجد فرصاً أوسع وأكبر لحرية التعبير وللرغبة في تأكيد الخصوصية والهويّة الفرعية، بعد أن عانت البلاد لأكثر من أربعة عقود من الرأي الواحد والفكر الواحد والزعيم الواحد، وبعد الإطاحة بالحكم الشمولي الشديد الصرامة والمركزية، انبثقت رغبات ومطامح للتخلّص من آثاره وتبعاته، تلك التي أضرّت بمبدأ المساواة في التعامل مع مناطق البلاد المختلفة، لاسيما المنطقة الشرقية وعاصمتها بنغازي.
وبقدر توزّع الليبيين بين مؤيّد ومندّد، فإن الأمر يحتاج إلى استكمال الشكل الدستوري لنظام الحكم، لاسيما وأن الاعلان الدستوري هو مؤقت، وليبيا لم تشرّع بعد دستوراً جديداً، فضلاً عن أنه لم يتم استفتاء السكان في شكل الدولة الجديدة، سواءً كانت دولة بسيطة أي مركزية أو دولة مركّبة أي لا مركزية: فيدرالية كانت أو عبر قيام أشكال من الحكم الذاتي اللامركزي.
ولعل الأمر يحتاج إلى وقفة سريعة إزاء مفهوم الفيدرالية فهي لا تعني التقسيم أو الانفصال بالضرورة، كما أنها لا تملك عصاً سحرية لإقامة العدل وإنهاء التهميش، بل هي نظام قانوني وإداري متطوّر قد يصلح لهذا البلد ولا يصلح لذاك، وهو مطبق في نحو 25 بلداً بما فيها بلدان كبرى ومتقدمة، مثل الولايات المتحدة وروسيا وألمانيا وكندا وبعض البلدان النامية مثل الهند، كما هو مطبق في دولة الإمارات العربية التي تمثل شكلاً من أشكال النظام الفيدرالي، وهو ما دعا أحمد الزبير السنوسي وهو من أقارب الملك السابق وأقدم سجين سياسي في عهد القذافي كما تم تقديمه، والذي تم اختياره ممثلاً لإقليم برقة، إلى تحبيذ النموذج الإماراتي، علماً بأنه عضو في المجلس الوطني الانتقالي الحاكم في ليبيا حالياً.
بعض المؤيدين للنظام الفيدرالي قالوا إن الفيدرالية سواءً في ليبيا أو غيرها هي أنسب نظام، وهي ستوحّد ليبيا والبلاد الأخرى بدلاً من استغراقها بالصراعات والتناحرات التي ستؤدي إلى تقسيمها فعلياً، وبرروا الخيار الفيدرالي بأنه سيضع حدّاً للإهمال المزمن وسيوزّع الثروة والصلاحيات بين الدولة الاتحادية والسلطات الاقليمية (الفيدرالية) ويمنع عودة المركزية التي تذكّر بعهد الدكتاتورية.
في حين أن المعارضين لفكرة الفيدرالية يعتبرونها بداية الكارثة، وهي طريق ملغوم ومحفوف بالمخاطر، حيث سيتم تقسيم البلاد تمهيداً لانفصالها، وكانت فيدرالية تشيكوسلوفاكيا تمهيداً لانقسامها مثلما هي فيدرالية يوغسلافيا وفيدرالية الاتحاد السوفياتي السابق، حيث تم انفصال هذه البلدان إلى دول وأقاليم عديدة، بعد أن كانت موحّدة.
ويذهب أصحاب الإتجاه المناوئ للفيدرالية أكثر من ذلك، حين يشكك بعضهم بما سمّي بالربيع العربي الذي يعتبره الخطوة التدميرية للكيانات العربية، فبعد أن كان التطلّع لوحدة عربية أو لوحدات مناطقية، وإذا بنا نصل إلى تفتيت الدول القائمة بدلاً من تعزيز وحدتها أملاً في وحدات أكبر. وينسى أصحاب هذا الرأي أن الفيدرالية قد لا تكون سبباً في الانفصال بقدر ما كانت الدكتاتوريات هي المسؤولة الأساسية.
وبغض النظر عن رأي المؤيدين أو المعارضين بخصوص صلاحية أو عدم صلاحية النظام الفيدرالي، سواءً في ليبيا أو غيرها من البلدان العربية، فالأمر يحتاج إلى انتخاب جمعية تأسيسية واعتماد دستور توافقي واستفتاء الشعب في ظروف سلمية وطبيعية ودون إكراه، وفي إطار آليات ديمقراطية لإجلاء إرادته بشأن نظام الحكم الذي يريده.
والمهم أولاً وقبل كل شيء تحقيق المصالحة واستعادة هيبة الدولة وإنهاء المظاهر المسلحة وحلّ الجماعات والميليشيات خارج نطاق القانون ونبذ العنف ووضع حد للجوء إلى الثأر والانتقام والالتزام بسيادة القانون واحترام حقوق الانسان والمواطنة المتساوية، وفي ذلك سيكون المدخل الصحيح للخيارات المفتوحة سواءً كانت الفيدرالية أو غيرها.

باحث ومفكر عربي



236
رسالة الى الحزب الشيوعي السوداني
الأخوة الأعزاء في قيادة الحزب الشيوعي السوداني المحترمون
أعزّيكم ورفاق وأصدقاء الفقيد الرفيق محمد إبراهيم نقد، الأمين العام السابق للحزب الشيوعي السوداني، كما أعزّي الشعب السوداني والحركة اليسارية والتقدمية العربية والعالمية، برحيل أحد أبرز مناضليها الذين عملوا بتفان ونكران ذات وخارج دائرة الأضواء، لنشر الفكرة الشيوعية والدفاع عن مصالح الكادحين وعموم الشعب السوداني والذود عن حقوق الأمة العربية في الحرية والاستقلال والتقدم الاجتماعي، وفي التخلص من الاستغلال والمرض والجهل، وتحقيق الرفاه والعز والسؤدد، لاسيما بالانعتاق والتحرر من نير الاستعمار والهيمنة الامبريالية.
أيتها الرفيقات.. أيها الرفاق
لقد عرفنا الرفيق محمد ابراهيم نقد خلال العقود الأربعة ونيّف الماضية مناضلاً باسلاً ومقداماً وشجاعاً، عاش حياته بزهد، وقدّم كلّ ما يستطيع من أجل الحزب والشعب، ولم يتوان للحظة من التعبير بكل كفاءة ونبل عن تطلّعات الإنسان إلى الحرية، على الرغم من أنه عاش لعقود في الظل وتحت الأرض كما يقال، لكنه كان في صميم المشهد العلني، إسماً متداولاً وموقفاً رزيناً ورؤية صادقة وحرصاً وطنياً أصيلاً.
خلال زيارتي للسودان في العام 2000 للقاء مع الرئيس عمر حسن البشير أرسلت خبراً للرفيق نقد، وكان متوارياً عن الأنظار، مختفياً وبعيداً عن العمل العلني، بل كان يقود العمل السرّي في ظروف بالغة التعقيد، وإنْ كانت الأحوال قد بدأت تتحسن تدريجياً، ولكنه لم يقرر الخروج للعمل العلني، وقلت للرسول الذي بيننا " إحدى الرفيقات"، إذا كانت ظروفه تسمح للقاء فأنا على استعداد لذلك، وأترك تقدير المسألة له وتحديد شكل ووقت الاتصال، وقلت لا أريد أية إحراجات قد تتسبب له، علماً بأنني في زيارة رسمية، وقد تكون دائرة الحركة مراقبة أو تحت الأضواء، لهذا فإن الأمر يعود لتقديراته.
وعند اللقاء التلفزيوني مع الرئيس البشير وسؤالي له عن " بيوت الأشباح" جاءتني المُراسلة " الرفيقة الوسيط" لتبلغني تحيات الرفيق نقد وقيادة الحزب لطرحي هذه المسألة التي كان الحديث عنها يتم همساً أو تصريحاً، ولكن طرحها على الرئيس وفي حوار تلفزيوني، كان أمراً مهماً وجديداً، ناهيكم عن تأثيراته لاحقاً.
أذكر ذلك الآن وفي برقية التعزية هذه، لأحيي الدورالريادي الذي لعبه الرفيق نقد على مدى عقود من الزمان، مؤكداً أن فقدانه في هذه الظروف بالذات يعتبر خسارة فادحة للحزب الشيوعي السوداني وللحركة الشيوعية والماركسية واليسارية العربية والعالمية، بل للشعب السوداني والأمة العربية.
وحين أرسلت إليه كتابي النقدي للماركسية السائدة " تحطيم المرايا – في الماركسية والاختلاف" وعد بالتفرغ لدراسته والكتابة عنه، ويبدو أن تداعيات المرض وظروف الحياة حالت دون ذلك. وهو ما أبلغني به أكثر من رفيق سوداني إلتقيت بهم، ممن هم على علاقة به.
العزاء الحار لعائلة الرفيق نقد ورفاقه وأصدقائه والصبر الجميل لليساريين والوطنيين العرب بمختلف اتجاهاتهم، متمنياً للجميع حياة خالية من المكاره والأحزان ولتكن المثل والقيم التي ناضل من أجلها إبراهيم نقد ماثلة للعيان، من أجل خير الإنسانية ورفاهها وخلاصها من الاستغلال والاضطهاد والظلم.
وفي الختام أرجو لحزب عبد الخالق محجوب والشفيع أحمد الشيخ وقاسم أمين ومحمد ابراهيم نقد ورفاقهم المزيد من النجاح والتقدم من أجل تعزيز وتجديد التيار اليساري والثوري السوداني والعربي، كما كانوا باستمرار روّاد متقدمين في سوح الفكر مثلما هم في سوح النضال، وقد ربطتني بهم علاقات حميمة ونقاشات مثمرة وحوارات هادفة، وذلك منذ ما يزيد عن أربعة عقود ونصف من الزمان، ولا زلت أحتفظ بصداقات سودانية ماركسية ويسارية ومن كل الألوان الفكرية، وأجد متعة وفائدة في النقاش معهم لصدق توجهاتهم وعمق معرفتهم وانسيابية النقد لديهم وقدرتهم على المراجعة والتغيير، على الرغم من ثقل هذه المهمة التي تواجهها كوابح كثيرة، وهو ما كنت أستعيده في أكثر من مناسبة مع د. عبد الوهاب سنادة والطيب صالح وفتحية نقد وأماني عثمان وفاطمة أحمد ابراهيم وحيدر ابراهيم الأبجر وكمال عبد الكريم الميرغني والحسن أبا سعيد وعبد السلام حسن وعبد السلام نورالدين وعبد السلام سيد أحمد والخوجلي عثمان وآخرين.
لقد حظي محمد ابراهيم نقد باحترام جميع التيارات السياسية السودانية في الحكم والمعارضة، بما فيها التيار الإسلامي وهو ما لمسته لدى الحديث عنه في حياته وعند وفاته أيضاً، وهو ما عبّر عنه الصادق المهدي رئيس حزب الأمة وفاروق أبو عيسى وأمين مكي مدني وحيدر ابراهيم علي وحسن الحسين ومحمد محمد أبو شامة.

أشد على أياديكم بحرارة والى اللقاء.
رفيقكم
د. عبد الحسين شعبان
Dr_shaban21@hotmail.com
15 نيسان (ابريل) 2012






237
المنبر الحر / السياسة والطائفة
« في: 19:28 18/04/2012  »
السياسة والطائفة
حوار مع الأكاديمي والمفكر الدكتور عبد الحسين شعبان -17

   أجراه: توفيق التميمي   
      


 
(القسم 17)
 
البيت الشيعي وقضايا أخرى

يواصل الدكتور شعبان حديثه عن الطائفة والعمل السياسي:
- كما أن بعض الذين يرفضون التوجه الديني من منظور آخر، كانوا يرغبون في وجود كيان أو مجموعة من الشيعة العلمانيين، لمعارضة الشيعة الطائفيين، وبتقدير هؤلاء أن ذلك هو الرد النوعي، وبهذا المعنى كان البعض يريد أن يأكل الثوم بلسان الغير، وتحت أي مسمّيات سيكون مثل هذا التوجّه هو الآخر طائفياً حتى إذا افترضنا فيه حسن النية، وسيكون الخلاف من يمثل الطائفة أو يعبّر عنها، في حين أن المسألة لديّ هي إلغاء الطائفية وتحريمها من أي أتت وتحت أي ثوب اختفت.

والأمر ينطبق على العشائرية أيضاً، فلا يمكنك أن تكون حداثياً وأنت مع العودة إلى العشائرية وقيمها وتقاليدها، فلعل ذلك يتعارض مع فكرة الدولة التي ينبغي أن تخضع لها كل المكوّنات، لا أن تصبح العشيرة فوقها، بحيث تتوقف حدود الدولة فيما إذا تعارضت مع حدود العشيرة،  وإذا كنت أعتز بانتسابي العراقي وأرومتي العربية، ورابطتي العشائرية الكبيرة، لكن ذلك ليس على حساب الدولة وقوانينها وآلياتها.
إعتذرت بأدب من الأزري صاحب الدعوة لشيعة علمانيين ومن زملائه الأكارم، مع استمرار علاقتي الوطيدة بكل منهم حتى مغادرتهم الدنيا الفانية، وأعتزّ بتلك العلاقات الإنسانية ونزاهتها.
لقد بلور د. أحمد الجلبي فكرة "البيت الشيعي"، وأقنع أوساطاً دينية شيعية واسعة للانخراط بها، وأظن أنه نجح في تشكيل كتلة سياسية مؤثرة، لاسيما في ظل قانون انتخاب، لا يسمح الاّ للحيتان الكبيرة على العيش، وعلى الرغم من مخالفتي للفكرة أساساً ولأي مشروع مشابه، لاسيما باعتمادها على المسألة الطائفية، التي سبق أن دعوت لتحريمها تعزيزاً للمواطنة، لكنني بكل صراحة أقول لك أن ذلك كان براعة سياسية من الجلبي وحشداً انتخابياً وقوة كبيرة، بحيث أثّرت في المشهد السياسي اللاحق، ولا أبالغ إذا قلت لولاها، لكان الأمر قد اتّخذ مسارات أخرى، لكن نجاحها أسس لكيانية لها حضور فاعل، وكما قلت لك ولا أخفي ذلك أنني لست مع أي توجّه يستثمر الطائفة أو قطاعات واسعة منها بسبب الأوضاع المزرية في الماضي والمعاناة الفائقة التي عاشتها، ولاسيما خلال الحرب العراقية- الإيرانية وما بعدها.
ولعل مثل هذا التوجّه يجمع الضد النوعي في مواجهته أيضاً، حيث تكتلت المجاميع السنية الدينية ممثلة بالحزب الاسلامي، الأمر الذي دفع البلاد إلى هاوية طائفية، كان بول بريمر قد وضع العراق على عتبتها، بتكريس ما هو قائم وجعله عرفاً سائداً من خلال ما سمّي بنظام  المحاصصة والتقاسم الوظيفي.
لا أظن أن موقفي هذا من الطائفية أو دعوتي للدولة المدنية يتعارض مع الدين، والدين كما يُقال "معاملة" على حد قول الرسول الأعظم، وليس من حق المفسّرين أو المؤّلين أن يحللوا ويحرّموا ويقدسوا ويدنسوا، فالعقل الذي هو هبة ربانية وهو المعيار والحكم على كل شيء.
وهنا لا بدّ من التمييز بين الطائفة والطائفية، فالأولى هي فرقة من الفرق الإسلامية لها تاريخها وطقوسها وشعائرها وخصائصها التاريخية، مثلها مثل غيرها من الطوائف، أما الثانية فهي محاولة سياسية للتميّز أو للتسيّد وإدعاء الأفضليات تحت حجج مختلفة، لكن أهدافها سياسية، وهي حسب تقديري تضرّ بمصلحة الطائفة والمنتسبين إليها تاريخياً وهذا الأمر بقدر انطباقه على الشيعة، فهو ينطبق على السنّة أيضاً.
لا أخفي موقفي ضد المشاهد المقززة لتعذيب النفس والتي لا علاقة لها بالمذهب الشيعي وقد جاءت عن طريق الصفويين من إيران، وحتى لو كانت هذه  المواقف تهمة ضد الدين أو غيره فأنا غير عابئ أو معنيّ بها، خصوصاً وإنني أحترم أتباع الديانات والمذاهب، وأنا من عائلة دينية، لكنني استخدم العقل في دعواتي لما أراه لا علاقة له بالدين أو المذهب. فقد ولدت في النجف وأعرف مدى تأثير مثل تلك الطقوس، ولكن على رجل الدين أن لا يتخلّى عن واجباته، وعليه أن يقول رأيه لا أن يلعب على مشاعر الناس البسطاء. أما التقاعس أو مجاملة " العامة" فيما استقرت عليه بعض العادات والطقوس التي لا علاقة لها بالدين، فهو نكوص عن واحدة من واجبات رجل الدين، وسيكفّ أن يكون يكون مرجعاً بدونها. وإذا كان هذا دور رجل الدين، فحرّي بالمثقف، لاسيما التنويري والمعرفي والحداثي أن يكون سبّاقاً إلى ذلك.
ممارسات مؤذية
كما أن بعض رجال الفقه والدين المتنورين كانوا ضد تلك الممارسات التي تؤذي الانسان، ولأكثر من مرّة أثرت الموضوع مع السيد بحر العلوم، الذي كان جوابه أنه لا يحبّذها، لكن الحديث عنها، لاسيما على نطاق علني، يسبب المتاعب لأصحاب تلك الدعوات. وقلت له وليكن الأمر، فهو واجب عليكم وعلى من يعتقد ذلك، وكان عدد من رجال الدين ضد التطبير وضرب القامات والزناجيل على الظهور لإدماء النفس، وفي مقدمتهم السيد أبو الحسن الأصبهاني، حين قال إن استخدام السيوف والسلاسل والطبول والأبواق وما يجري من أمثالها في مواكب العزاء بيوم عاشوراء بإسم الحزن على الحسين، إنما هو محرّم وغير شرعي.
وأدان السيد محمد حسين فضل الله ضرب الرأس بالسيف أو جرح الجسد أو حرقه حزناً على الإمام الحسين، واعتبر ذلك مخالفاً لأحكام الاسلام الذي يحرّم إيقاع النفس في أمثال ذلك الضرر حتى وإن صار مألوفاً أو مغلّفاً ببعض التقاليد. وكان محمد جواد مغنية أكثر جذرية عندما اعتبر ما يفعله بعض عوام الشيعة في لبنان والعراق وإيران كلبس الأكفان وضرب الرؤوس والجباه بالسيوف في العاشر من محرم، هي عادات مشينة وبدعة من بدع الدين والمذهب. ولم يكن معها كذلك السيد محسن الحكيم وابو القاسم الخوئي، ناهيكم عن محمد باقر الصدر الذي اعتبرها فعلا من أفعال العوام وجهّالهم، ولا يفعل ذلك أي واحد من العلماء، بل دائبون على منعه وتحريمه وذلك في ردّه على محمد التيجاني السماوي (صاحب كتاب ثم اهتديت) وهو ما أخبرني به في حديث لي معه خلال حضورنا ندوة في الولايات المتحدة (ديترويت) العام 1992. وبالمناسبة فقد وجدت ما كتبه ليس أكثر من حب ظهور سياسي في مخالفة ما هو سائد، كما أن الاهتمام به ليس سوى محاولة سياسية أيضاً بحجة انتشار المذهب. وقد دخلت في حوارات معه لمدّة أربعة أيام واكتشفت ذلك، وهو ما ذكرته للسيد بحر العلوم ومحمد عبد الجبار في حينها.
أتلاحظ أن ما يفعله البعض باسم الدين أو الطائفة، هو الذي يعدّ إساءة للدين وتجاوزاً عليه وعلى العقل الإنساني، وكما أشرت واجب رجال الدين هو تنبيه عموم الناس من خطورة ذلك، ومن تلك الترهات التي لحقت بالدين أو المذهب، أما سكوتهم فأعتبره مساهمة في استمرار التجهيل.
قلت لأكثر من مرّة وأقول أيضاً لا أجد ضرورة في مسيرات مليونية كما يُقال سيراً على الأقدام والمسافات الطويلة بين مدن متباعدة، لزيارة المقامات المقدسة وفي مناسبات دينية معينة. ولكي لا يتم تفسير هذا الموقف تفسيراً خاطئاً ووضعه في خانة العداء للدين، فقد أضفت ذلك بتجنّب الإشكالات والتفجيرات التي وقعت طيلة السنوات الثماني الماضية، الاّ إذا أراد بعض رجال الدين إظهار الولاء لهم والشعور بالقوة لجمهور يعتقد البعض أنه يتحرك لمجرد إشارة من هذا المرجع أو ذاك، لكن هذا شيء والولاء الحقيقي- الايماني شيء آخر، فقد كانت الجماهير التي تخرج بمناسبة استشهاد الحسين في الاربعينيات والخمسينيات كلها تهتف للشعارات التي كان يعبئ لها ويقودها الحزب الشيوعي وبعض القوى السياسية لاحقاً. ولم يكن لرجل الدين أو للحركة الدينية من تلك التأثيرات المذكورة.

ولأن الارهاب ضارب الأطناب ولأن القوى الإرهابية متغلغلة ومندسّة كما تقول الحكومة، فكان على رجال الدين أن يقولوا كلمة بشأن توفير هذه الطاقات والإمكانات وادّخارها لبناء مدارس أو مستوصفات أو تبليط شوارع أو تنظيفها من الأوساخ والقاذورات المتجمعة في الأحياء السكنية أو إعادة إصلاح الكهرباء أو غير ذلك في الأعمال المفيدة، وأظن أن ذلك سيكون أكثر نفعاً للدين وللعقل وللحاضر الإنساني، وللدولة والأمن  أيضاً، ولكن المرجعية لم تقل شيئاً بهذا الخصوص لكنها توافقت مع رأي الحكومة بخصوص تظاهرة 25 شباط (فبراير) 2011 فحذّرت من الاندساس في حين لم تحذّر ولم تمانع من الحشود المليونية، وهو الأمر الذي أحرجها لاحقاً فشكرت من حضر في التظاهرات وشكرت من لم يحضر أيضاً، أي من لبّى دعوتها ومن لم يلبِّها، علماً بأن ممثلين عن السيد السيستاني وهما الصافي والكربلائي كانا لنحو شهرين يحرّضان الناس على المطالبة بتحسين الخدمات الصحية والتعليمية ومفردات البطاقة التموينية وتخفيض رواتب المسؤولين ومكافحة الفساد والرشى.
عن المرجعية
لقد قلت رأيي بخصوص مرجعية الدولة ولا أجد مرجعية فوقها أو موازية لها دينية أو طائفية أو حزبية أو عشائرية أو مناطقية أو غيرها،وعندما أقول دولة فأعني الدولة المدنية، العلمانية، العقلانية، الديمقراطية القانونية، وليس غيرها وهو أعظم ما أنجزته البشرية من تنظيم حتى الآن. وليس لديّ أي وهم بأننا لمجرد رفع مثل هذه الاعلانات سيتحقق كل شيء دفعة واحدة، لكن إعلان هذا التوجه شيء مهم والقياس عليه وبموجبه باعتباره معياراً للحكم أمر لا غنى عنه، ومن ثم البناء عليه وتطويره بما يتناسب مع ظروف العراق القومية والدينية واللغوية والفكرية والثقافية.
 
والسؤال الذي يطرح نفسه كيف يمكن التوفيق بين مقلدٍ يرى علاقته بالله من خلال نائب الامام (وكيله) أي فقيه الامة في حال غياب الامام (المقصود الامام الثاني عشر، المهدي المنتظر " صاحب الزمان") وبين مسؤولياته في الدولة بما ترتبه الأولى والأخيرة من استحقاقات وأولويات وآليات.. وفي حالة التعارض لمن ستكون الغلبة؟ وكيف السبيل لفك الاشتباك أو التعارض!؟
 
واذا كان السيستاني لا يتبنّى مسألة ولاية الفقيه حسب الطبعة الخمينية أو الايرانية، مثلما ورد في كتاب الخميني " الحكومة الاسلامية"، الاّ انه من الناحية العملية يضع نفسه بالمقام الذي يكون فيه ولي الفقيه دون تحديد او توكيد، بل بطريقة مرنة ودون اكراه، ولكنها لا تخلو من محددات بما فيها الدعم والمساندة وبالتالي إفتراض الامتثال والطاعة.
 
الفارق بين الطبعة الخمينية والطبعة السيستانية لولاية الفقيه، هي أن الأول سعى اليها بنفسه وطالب بها ونظّر لها ودخلها من باب السياسة متحمّلاً النفي والتشرد، في حين أن الثاني ظل صامتاً وهو جالس في مهجعه لا يبارحه، وهو يريد على نحو غير مباشر ان تأتي الولاية بنفسها إليه لا أن يذهب هو إليها. هكذا على طريقة المرجعية التقليدية : لم يكن يصرّح أو يلتقي الناس أو يظهر على الملأ أو في وسائل الاعلام (الاّ اضطراراً)، مضيفاً نوعاً من الكارزمية والغموض مضافاً إليه أعلميته وزهده وورعه وتقواه وخصائصه الشخصية الاخرى، واذا ظهر من يصرّح بإسمه لمن ينوب عنه بين الحين والآخر، فإنه يحصد ردود الافعال، لينفي أو يكذب أو يهمل ما يقال من الاحاديث التي تنسب اليه.

ولعل مرجعية النجف تاريخياً لم تتبن مسألة ولاية الفقيه او تتحمس لها، أشير بالذكر إلى مرجعية محمد تقي الشيرازي وشيخ الشريعة والسيد ابو الحسن الاصبهاني والسيد محسن الحكيم والسيد الخوئي اضافة إلى السيد السيستاني وعدد من المراجع العليا، خصوصاً وأن علاقتهم بالدولة لم تكن ودية، في حين كانت المرجعية الايرانية وبخاصة أيام الدولة الصفوية وما بعدها تتسم بالايجابية، فالمرجعية تدعم الدولة، والدولة تضفي عليها نوعاً من القداسة والعصمة، ويعتبر المساس بمكانتها وكأنه خروج على "إجماع" حتى وإن كان مصطنعاً.
ويدعي بول بريمر الحاكم المدني الاميركي في العراق في كتابه " عام قضيته في العراق" أيار (مايو) 2003- حزيران (يونيو)2004، انه تلقى من السيد السيستاني أكثر من 30 رسالة، الاّ انه لم يفصح فيما اذا كانت الرسائل مكتوبة أو شفوية!؟ وحسب اعتقادي ومن معرفة بالمرجعية وآليات حركتها وحذرها، انها كانت رسائل شفوية ينقلها من أسماهم بريمر "القنوات السرية" اليه وهم: الدكتور موفق الربيعي (مستشار الامن القومي السابق)، والسيد حسين اسماعيل الصدر (الكاظمية) وعماد ضياء (الخرسان) المسؤول عن ملف اعادة الاعمار والذي جاء مع وصول الجيش الاميركي إلى بغداد.
ويقول بريمر إنه أرسل عماد ضياء " الخرسان" أكثر من 10 مرات بطائرة خاصة إلى النجف لاستطلاع رأي السيستاني، الذي لم يحبذ اللقاء المباشر " السيستاني لا يمانع الاجتماع مع الإئتلاف (الدولي) بسبب عدائه، بل إنه تجّنب الاتصال معه ... وإنه قد يفقد صدقيته في أواسط المؤمنين اذا تعاون علناً... ونحن نتقاسم الأهداف نفسها ..."(ص 213- 214) ويضيف بريمر أنه لم يلّح عليه أيضاً لكنه كما ينقل، كان ذا فائدة أكبر لمساعينا المشتركة ... ويبدي إعجابه بالديمقراطية، وببريمر شخصياً كما يذكر!

وبغض النظر عن إحتمال فبركة هذه المعلومات أو الافتراء في بعضها أو المبالغة فيها بهدف ادّعاء دور أو إنساب موقف (ولكنها تبقى احدى الروايات للحدث وعلى الاخرين أن يصححوا حقيقة ما ورد في هذا الكتاب المهم خصوصاً الذين وردت اسماؤهم)، الاّ أن المرّجح في تردّد السيستاني من لقاء بريمر والمسؤولين الاميركان الكبار، هو الخوف من تصدع صدقيته ومكانة المرجعية، لكن ذلك لم يكن بمعزل عن حضوره كفاعل سياسي من الدرجة الاولى ومحاولة قوى الاحتلال التعامل معه لدعم العملية السياسية.
واذا كان العديد من مراجع الشيعة لا يدعو إلى ولاية الفقيه، بل يعتبرون أن لا أساس لها في الفقه الشيعي " الجعفري" (نسبة إلى الإمام جعفر الصادق) فإن البعض ما يزال ليس بعيداً عنها. وقد انقسم حزب الدعوة الاسلامية بسبب ذلك واضطر أحد زعمائه الروحيين "الشيخ الآصفي" إلى التخلي عنه ( ويمثل الجناح الايراني كما يقال) بدعوته الصريحة والواضحة لولاية الفقيه ممثلة بالسيد علي الخامنئي، في حين كان الجناح "البريطاني- السوري" (النسبة جغرافية) ممثلا برئيسي الوزراء "الجعفري- المالكي" يبتعدان عن الفكرة وان لم يعارضاها على نحو شديد، حاولا الاستفادة منها لاحقاً.
حاول السيستاني بعد الاحتلال مباشرة أن يحوّل المرجعية من صامتة إلى ناطقة، فاتّخذ عدداً من المواقف، لعل أبرزها دعوته إلى الوحدة الوطنية وحق الشعب العراقي في تقرير المصير واجراء انتخابات حرة وكتابة دستور بأيد عراقية، لكن اعلان تأييده لدور متميّز للشيعة باعتبارهم " أغلبية" إحتسبه البعض باعتباره طرفاً من الاطراف، حيث لم يعد  بعضها يرى فيه " مرجعاً جامعاً "، وهو ما يفسر تصريحات سابقة لعدد من قادة " جبهة التوافق"  و" هيئة علماء المسلمين" و"جبهة الحوار"  ناهيكم عن رأي بعض القوى والشخصيات السياسية غير الطائفية (القائمة العراقية) او التي تدعو إلى فصل الدين عن الدولة.
 
إن اعتبار المشاركة في الانتخابات واجب شرعي، ثم امتّد هذا الواجب لتأييد  قائمة الائتلاف الشيعية (انتخابات العام 2005)، والتي حصلت على أغلبية كبيرة يرّتب مسؤوليات واستحقاقات ذات قيمة خطيرة، خصوصاً وان خطواتها لم تؤدِ إلى تحقيق الوحدة الوطنية، بل إتسعت في ظل حكمها الهوة الطائفية والاحتراب المذهبي وازداد الاحتقان والتوتر لدرجة الحرب الاهلية والتطهير والاجلاء، بحيث أصبح الناس يُقتلون على الهوية وتنتشر ظاهرة الجثث المقطوعة الرؤوس والمجهولة الهوية، في حين لم تستطع المرجعية بما فيها السيد السيستاني أن تفعل شيئاً أو تحرك ساكناً، اللهم الاّ اذا استثنينا نداءات وعظية وتصريحات ارشادية، لم يكن لها التأثير المطلوب ولم تستطع من إيقاف حرفة الموت اليومي المجاني!
وقد زجّت قائمة الائتلاف الشيعية بإسم المرجعية السيستانية وصورها خلال الحملة الانتخابية لاهدافها السياسية، ووظفت ذلك على نحو ناجح جداً، والشيء نفسه حصل عند مباركة رئاسة وزارة الجعفري وفيما بعد المالكي، بما أخذ البعض ينظر اليها باعتبارها الغطاء الروحي أو السقف الايديولوجي ذا الوزن الثقيل للتيارات الشيعية، وقد يحملّها المسؤولية في ذلك، ولم يصدر أي إيضاح من المرجع ذاته أو بتوقيعه وختمه كما يقال لفك هذا الاشتباك، وهو ما يُفسر الامر باعتباره درجة معينة من درجات ولاية الفقيه غير المعلنة أو ربما الصامتة، إذْ أن مجرد إعلانها أو التمسك بها سيؤدي إلى معارضة شديدة، من الحكمة تجنّبها وفقاً لهذه الصيغة المرنة.
وإذا كان السيد السيستاني لا يسعى إلى ولاية الفقيه لادراكه بتعقيدات الواقع، فإن الجماعات السياسية الشيعية هي التي تسعى لتتويجه، بهدف الاستفادة من مكانته ودوره، لكن الأمر سيلحق ضرراً كبيراً بمستقبل المرجعية إذا حصل او استمر هذا التماهي بينها وبين المجموعات السياسية الشيعية، خصوصاً وأن الآخرين سيتعاملون مع المرجعية كطرف مؤثر بل ومسؤول في الصراع، خاضع للمصالح والتوازنات،  في حين يفترض في المرجعية التنّزه عن أغراض وحاجات الدنيا، ببلوغها درجة من العلم والمعرفة تؤهلها في استنباط الأحكام أو القول برأي أو ترجيح وجهة نظر بحكم الخبرة والكفاءة، وفي كل الاحوال يبقى المرجع بشراً غير مقدس، يخطئ ويصيب ولعل مثل هذا الامر عند الانخراط في السياسة سيكون معرضاً للنقد بل والتجريح باختلاف المصالح والاهداف.

إن موقع رجال الدين من الفريقين ( الشيعة والسنّة) بل بشكل عام مسلمين ومسيحيين وغيرهم هو المساجد والجوامع والكنائس ودور العبادة والعلم بشكل عام، وليس الانخراط في العمل السياسي، ذلك أن الاستمرار في التدخل بالشأن السياسي وبخاصة اليومي وربما الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والتربوي وغيره، سيفقده المكانة التي ينبغي أن يكون فيها باعتباره " مرجعاً " وليس طرفاً او داعماً لطرف في محاولة لابتلاع الدولة من جانب المؤسسة الدينية او توجيهها!
 
ولا يمكن بالتالي للدولة الاّ أن تكون دولة أو ستكفّ عن ذلك كلما تماهت مع المؤسسة الدينية، فالدولة هي التي لا بدّ لها ان تحمي المرجعية من كل الالوان والاشكال والاديان والتوجهات، وتساعدها من القيام بدورها التوجيهي الارشادي- الادبي لا ان تحل المرجعية، مهما عَظُمَ شأنها، محل الدولة أو تكون فوقها او خارج حدود رقابتها بما فيها المالية!

الهم الحقوقي
* بوصفك مهووساً بالهمّ الحقوقي، الذي لا تدعه يبتعد عنك وأنت تقدّم استنتاجاتك الفكرية في القضايا الستراتيجية المعقدة أحياناً.. متى بدأت حركة حقوق الإنسان في العراق والعالم العربي وما هي أبرز علاماتها وملامحها في السابق والحاضر؟ وقد لمست في كتاباتك، لاسيما كتابك من هو العراقي الصادر أيام المعارضة وقائع حقوقية موثقة فيما يتعلق بتسفير اليهود العام 1950 والمشهد الوحشي ضد الأكراد الفيلية بإلقاء الالاف منهم خارج الحدود في الثمانينيات. وهل ترى مستقبلاً للحركة الحقوقية يؤثر على المشهد السياسي؟
- منذ عقود من الزمان وأنا أسعى لتكييف مواقفي في إطارات حقوقية وقانونية، فيما يتعلق برؤيتي إزاء قضايا التطور والتنمية والديمقراطية  والعدالة. وقد تعمقت هذه الرؤية تدريجياً، ويمكن متابعة ذلك من خلال آرائي وأطروحاتي منذ ربع قرن من الزمان على أقل تقدير، ارتباطاً مع عملي في إطار منظمات حقوقية عربية ودولية ومنظمات خاصة بالمجتمع المدني، وقد كتبت الكثير عنه طيلة الفترة المنصرمة، وألقيت بخصوصه محاضرات في عدد من الجامعات وقمت بتدريب وتأهيل قيادات له كخبير دولي على هذا الصعيد، على الرغم من الاشتباك أحياناً بينه وبين السياسي، فالسياسي يريدك أن تنحاز إلى رؤيته وهو يأخذ ويتقبّل ما يصدر عنك طالما لا يتعارض مع آرائه سواءً كان في المعارضة أو في السلطة، أما إذا جاءه النقد من طرفك فقد يعتبره ممالأة أو حتى انحيازاً للطرف الآخر، خصمه، طالما يخالفه الرأي.
ومثل ذلك سبّب إشكالية ومشكلة في بناء حركة حقوقية مهنية، في ظل انحيازات دينية أو طائفية أو مذهبية أو إثنية أو سياسية، ويتم أحياناً بانتقائية كبيرة اتخاذ بعض المواقف أو تركها، على الرغم من أن الرؤية الحقوقية متكاملة ولا يمكن اقتطاع جزء منها بما يتناسب أو لا يتناسب مع المصالح أو المواقف والأفكار المسبقة ، كأن تكون داعية لحقوق الإنسان وأنت ضد حقوق المرأة ومساواتها مع الرجل، أو أنت ضد الحقوق الثقافية وخصوصاً التنوّع والتعددية، بما فيها حق تقرير المصير للقوميات، أو تنظر إلى الأديان الأخرى نظرة أدنى إذا كنت من " أغلبية" دينية، وذلك تحت تبريرات ومزاعم آيديولوجية أو دينية.



238
الأحزاب العراقية بلا قانون
حوار مع الأكاديمي والمفكر الدكتور عبد الحسين شعبان -16

أجراه: توفيق التميمي   
      



(القسم 16)
 
الاحزاب

*هل تعتقد أن ثمة ضرورة تاريخية ملحّة للقيام بحركة تصحيح أو إعادة بناء (بريسترويكا) خاصة بالأحزاب العراقية، لمراجعة أطرها الآيديولوجية والتنظيمية ، بعد سلسلة الخيبات، لاسيما ما أفرزته قوى الإسلام السياسي من سياسات خلال توليها الحكم منذ العام 2003؟
- لا زالت الغالبية الساحقة من الأحزاب العراقية التقليدية ستالينية في الفكر والممارسة، والأمر لا يخصّ الحركة الشيوعية وحدها وإنْ كانت هي النموذج الأصل عالمياً، لكنه يشمل الأحزاب القومية العربية والكردية والأحزاب الإسلامية الشيعية والسنية، بل أن بعض الأحزاب التي أدّعت ليبراليتها لم تشذّ عن هذا المسار.
ولعل المثل الصارخ للحزبية الضيقة الشمولية الاستبدادية،هو الصدامية التي حكمت العراق بعقلية ستالينية ميكافيلية ولكن بخليط من خميرة ريفية ممزوجة بتوابل بدوية. كان النموذج البعثي الذي ضاهى النموذج الستاليني، الماوي، الكيم إيلسونغي، الشاوشسكي، الأنور خوجي، وكذلك النموذج القذافي السلطوي البدوي وجميع الأنظمة التي أطلقنا عليها "بلدان التحرر الوطني" التي سارت في هذا الطريق، ولعلك يمكن ملاحظة ذلك وإنْ بدرجات متفاوتة في نظام مصر وسوريا واليمن بما فيه اليمن الجنوبي والجزائر وغيرها التي عانت من مشكلات مشتركة ويمكن أن نلمس ظواهر مشتركة في فكرها وممارستها، بما فيها قيادات تاريخية وجزء من حركة التحرر الوطني في مرحلة صعودها مثل جمال عبد الناصر.

ولعل مسار حزب الدعوة أو التنظيمات الإسلامية الأخرى لا يختلف عن هذا التوجه، من حيث القواعد التي اعتمدتها في بناء تنظيمها، خصوصاً وقد استندت هذه القوى جميعها في العمل السري أو حتى عندما أصبحت في السلطة على كتاب لينين " ما العمل؟" الذي ألّفه العام 1903 والذي على أساسه أراد بناء " حزب شيوعي من طراز جديد" باعتبار الحزب طليعة تضم عصبة شبه عسكرية حديدية منضبطة، متفرّغة للنضال، يمكنها القيام بالمهمات الموكولة اليها، حيث تخضع الأقلية للأكثرية والهيئات الدنيا للهيئات العليا، وتسود فيه وحدة الإرادة والعمل والتنفيذ اللاشرطي للقرارات وفقاً لما يسمى" نفّذ ثم ناقش" باعتبار المركزية والتراتبية هي الأساس في علاقة هيئات الحزب مع بعضها، لضمان وحدة القرار ووحدة التنفيذ، ووحدة الرأي، وهذا يستلزم عدم التبشير بالرأي الشخصي وهكذا.

كنتُ قد أشرتُ منذ سنوات إلى أن كتاب لينين وعلى الرغم من أخذه بسياقه التاريخي، خصوصاً مرحلته، وظروف روسيا ونضال الحزب البلشفي ضد القيصرية، قد أصبح جزءًا من التاريخ وأن معظم تعاليمه لا يصلح الآن لعصرنا، كما أن مفهوم الحزب والدور الطليعي قد اختلف إلى حدود كبيرة في إطار الثورة العلمية- التقنية وثورة الاتصالات والمعلومات وبوجود الانترنيت والفيسبوك والتيوتر وغيرها، بل أن مفهوم الطبقة العاملة تغيّر كثيراً عمّا كان في عهد ماركس أو عهد لينين أو حتى قبل الحرب العالمية الثانية، وظهرت عليه تطورات كبيرة.
وقد ناقشت ذلك مطولاً في كتابي " تحطيم المرايا".
وإذا كنّا في الحزب الشيوعي نصف خصومنا بالمارتوفيين دليلاً على الليبرالية وعدم الانضباط، فإن المارتوفية اليوم هي الأقرب إلى فكرة الحزب السياسي من عهد لينين، فالحزب يمكن أن يكون تياراً عريضاً واسعاً، فيه حرية الرأي والتعبير والتبشير بآراء مخالفة للقيادة وللتوجّه العام، ولعل ذلك ما كان سائداً في فترة ذهبية داخل بعض الأحزاب الأوروبية التي تطورت إلى ما أطلق عليه الاشتراكية الديمقراطية، وعلى نحو محدود كانت بعض تقاليد الحزب البلشفي تقبل النقاش العلني أحياناً، لكن الأمر بعد ثورة اكتوبر تحوّل إلى شيء آخر، وتدريجياً ساد الصوت الواحد، وهو صوت الحزب ولجنته المركزية ومكتبه السياسي وأمينه العام يجلس فوق رؤوس الجميع، وأسدل الستار على حرية التعبير حتى داخل الحزب.
تصوّر أن حزب البعث بعد إعدام صدام حسين عيّن الأمين العام المساعد أميناً عاماً للحزب، بل إنه أصبح أميناً قومياً، دون الرجوع إلى عقد مؤتمر أو اجتماع، حتى وإن كانت ظروفهم لا تسمح بذلك، فعزة الدوري لا يزال متوارياً عن الأنظار ومطلوباً من السلطات، ومتهماً بعدد من التهم السابقة واللاحقة، فقد حكم حزب البعث العراق نحو 35 عاماً، لكنه كان تنظيماً سرّياً ولم يعقد اجتماعاته علناً، وعلى الرغم من أن قراراً صدر عن مجلس قيادة الثورة باعتبار تقريره للمؤتمر القطري الثامن، العام 1974 مرجعية للدولة، وأن الدستور يعطيه هذه المكانة وكذلك ميثاق الجبهة، لكنه في واقع الحال كان تنظيماً سرّياً، ولم يتقدّم حتى بطلب ترخيص من وزارة الداخلية، لا هو ولا الحزب الشيوعي بين العام 1973-والعام 1979 ولا الحزب الديمقراطي الكردستاني بين أعوام 1970-1974، وامتدّت هذه العدوى حتى بعد الاحتلال، فالأحزاب التي تأسست أو مارست نشاطها علناً ودخلت انتخابات واشتركت في قوائم وكتل وتحالفات، كلّها غير قانونية، إذْ لا يوجد قانون لتنظيم عمل الأحزاب والكشف عن عضويتها وماليتها وهيئاتها وإداراتها.
لم يعرف العراق الحياة الحزبية العلنية إلاّ في فترتين: الأولى- عندما أجاز وزير الداخلية سعد صالح جريو العام 1946 في وزارة توفيق السويدي، خمسة أحزاب هي الحزب الوطني الديمقراطي (بقيادة كامل الجادرجي) وحزب الاستقلال (بقيادة محمد مهدي كبّة) وحزب الاتحاد الوطني بقيادة (عبد الفتاح ابراهيم) وحزب الشعب (بقيادة عزيز شريف) وحزب الاحرار (الذي كان توفيق السويدي رئيسه ثم أصبح سعد صالح نفسه بعد استقالة الوزارة) ولكن هذه التجربة انكفأت وتراجعت سريعاً.
 الثانية- عندما أجاز أحمد محمد يحيى وزير داخلية وزارة الزعيم عبد الكريم قاسم عدداً في الأحزاب في العام 1960، واستثنى الحزب الشيوعي، ولم يتقدّم حزب البعث وبعض الأحزاب القومية للحصول على ترخيص، واستبعد الحزب الجمهوري بقيادة عبد الفتاح ابراهيم (بسبب برنامجه) ثم جمّد الحزب الوطني الديمقراطي نشاطه، ولم يبق سوى الحزب الوطني التقدمي (بقيادة محمد حديد) والحزب الشيوعي (جماعة داود الصائغ- المبدأ) أما الحزب الديمقراطي الكردستاني فقد صعدت قياداته إلى الجبال بعد اندلاع الثورة الكردية، وكان حزب التحرير قد مارس نشاطاً في تلك الفترة، لكن الوضع السياسي ذلك سرعان ما انقلب سريعاً بسقوط قاسم العام 1963 وتحكّم حزب البعث والحرس القومي بالعمل السياسي والنقابي .
ولكن بعد انقلاب 18 تشرين الثاني (نوفمبر) الذي قاده عبد السلام عارف شهد العراق فترة سياسية رخوة بتأسيس الاتحاد الاشتراكي العربي (الحزب الوحيد أيام سلطة عارف الأول) العام 1964 والذي تأسس بقانون لكنه انشطر إلى عدّة أقسام وتلاشى دوره تدريجياً، وعندما وصل حزب البعث إلى السلطة مرّة ثانية العام 1968 لم يشعر لحظة بحاجة إلى وجود قانون للأحزاب ينظم علاقتها بالدولة.
وبسبب غياب الحياة الديمقراطية ونزعات التسلّط والفردية، كم من المرّات انشطرت الأحزاب وتشظّت وكثرت الاتهامات داخل صفوفها وبين قياداتها، ولعل أقلّها الاتهام بالخيانة أو بالشرف الوطني أو الشخصي، وفي ظروف الغربة والمنافي تعاظمت هذه الظاهرة على نحو صارخ، وكانت بعض قيادات الأحزاب تتصرف وكأنها أجهزة مسلّطة على رؤوس أعضائها تتحكم في قضايا عملهم وجوازات سفرهم ودراسة أبنائهم وعلاجهم وتنقّلهم وسكناهم وتزكيتهم أمام السلطات المحلية، وهناك أمثلة صارخة، ولعلّي أحتفظ بالكثير من المعلومات، بل والملفات التي تخصّ ممارسات يندى لها الجبين، والأمر لا يخصّ جهة واحدة، بل انه يتعلق بالجميع بلا استثناء.
سيتحدث لك من كان في إيران عن مراراته وعذاباته من أصحاب النفوذ والسطوة، وسيتحدث لك من كان في سوريا عن معاناته وآلامه من علاقات البعض وتحكّمه بمصائر الناس وحياتهم وأرزاقهم ، وسيتحدث لك من كان في عدن والدول الاشتراكية، كيف كانت تتم المساومات والضغوط؟.
 
ولعل مسؤولي الأحزاب بحكم العقلية الستالينية، يمكنهم لاحقاً قبول أي شيء الاّ الرأي، وقد يصبح صاحب الرأي عليهم أخطر من عدوّهم الأصلي الذي غالباً ما ينسوه، لاسيما وهم منشغلون بالحفاظ على سلطاتهم وامتيازاتهم، وكان بعض القياديين يتكالبون ويوقعون أحدهم بالآخر، للحصول على امتياز " الزعامة" حتى وإن كان يعني الاقتراب من حبل المشنقة، ولعل قصة الرسالة التي أخفاها يهودا صدّيق في ملابسه الداخلية، وهي عبارة عن تكليف صادر من قيادة فهد من السجن يطلب فيه تسليم المسؤولية إلى مالك سيف تكشف مدى التشبث بالمواقع على حساب القيم والمبادئ، وقد انتقل هذا الصراع اليوم إلى دست الحكم، على نحو لم يسبق له مثيل، بحيث يبدي كل طرف استعداده للقضاء على خصمه أو حليفه ليوم أمس، إنْ حاول الاقتراب من السلطة او امتيازاتها على حساب القوى المتنفذة فيها أو في بعض مواقعها.
لم أسمع خلال حياتي الحزبية الطويلة وخلال علاقاتي السياسية ما بعدها، أن أحداً قد تم فصله لأسباب تتعلق بالسرقة أو التجاوز على مالية الحزب أو التلاعب بها أو إرتكاب فاحشة أخلاقية أو الصلة بجهاز أجنبي أو ضعف موقف خلال الاعتقال، أو الاساءة للحزب لسلوك معين أو التنكيل بأعضائه واستغلال نفوذه، كل ذلك يمكن غفرانه أو نسيانه أو تناسيه أو غضّ النظر عنه، إذا أعلن الطاعة ورفع يديه إلى الأعلى بالاستسلام ونفّذ ما يريده المسؤولون، الاّ خطيئة الرأي فهي لا تغتفر حتى وإن لبست ألف قناع، فستظل تلاحق أصحابها إلى الموت وربما بعده.
الأحزاب العراقية بحاجة إلى شفافية وعلانية، وعلى الناس الاطلاع على برامجها ومناهجها وإدارتها وماليتها ومؤتمراتها وانتخاباتها، في أطر قانونية. تصوّر أن موضوع التوريث الحزبي المعلن وغير المعلن موجود لدى أحزابنا. عدّد أسماء الأحزاب وسترى من يتحكّم فيها ومن يملك النفوذ ومن بيده المال، وستظهر لك الصورة واضحة، فالقسم الأكبر من هذه الأحزاب لا يزال يعيش في مرحلة ما قبل الدولة.
أما موضوع الديمقراطية، فهي ليست سوى يافطة، فقد مضى على أحزاب، أكثر من ثلاثين عاماً بقيادة لا تتغيّر أو بأمين عام لا يتغيّر وبعضها حتى دون مؤتمرات شكلية، وأحياناً يبقى الأمين العام لوحده ويشكّل قيادة جديدة، غالبيتها يتبخّر، ولكنه لا يزال يتحدث عن التعددية والتداولية والشفافية، بكل أريحية دون أن يذكر حاله أو يحاسب نفسه، وهو يراهن على " إستغفال" الجمهور أو عدم معرفته، لاسيما وقد تباعدت أوضاع الداخل عن أوضاع الخارج بسبب النظام الدكتاتوري السابق، فمن هم في الداخل حيث لا أحزاب ولا حريات، ليس لديهم معلومات عن الخارج، ومن هم في الخارج ووصلوا إلى السلطة، لاسيما بصيغة بريمر تعاملوا مع الداخل كأنه " تابع"، خصوصاً بتداخل الأجندات الدولية والإقليمية، والتنطّع أحياناً باسم " المعارضة" ومقارعة النظام الدكتاتوري.
وخلال وجود المعارضة في الخارج تعرّضت إلى اختراقات كثيرة، بعضها لم يكن بعيداً عن أيدي النظام السابق وأجهزته وهو كثير ومتشعّب، وبعضها الآخر من جانب الدول والأجهزة التابعة لها سواءً في إيران أو في سوريا أو الأردن أو في الدول الاشتراكية أو في ليبيا أو في مصر وحتى في اليمن أيضاً، إضافة إلى الاختراقات التي تسللت إلى صفوفها، لاسيما من القوى الدولية وبخاصة الأميركية والبريطانية، وقد قلت في مقابلة لي في أواخر العام 1993 لم أستبعد أن يكون للموساد الإسرائيلي دور في ذلك، وكنت ولا أزال أعني ما أقول، وبعد غزو الكويت دخلت عليها جهات عربية وخليجية، لاسيما بعد حرب قوات التحالف لتحرير الكويت التي استمرت حتى تدمير العراق.

عدوى الدكتاتورية
 
لقد انتقلت بعض مساوئ السلطة وأساليبها إلى المعارضات وكأنها عدوى، بل إن بعض المعارضين كان يتشبث بأساليب صدام حسين، وحتى بعد الاحتلال والإطاحة بالنظام السابق، ظلّت الكثير من أحزاب السلطة أو المشاركة معها أو التي تدور في فلكها تتصرف وكأنها في المعارضة وليس في السلطة، مسقطة ما في ثقافة المعارضة على ثقافة السلطة، مستبدلة أحياناً موقع الضحية بموقع الجلاد، حتى وإن استمرت تندب الحظ حول المظلومية وتلوك خطاب الماضي حول التضحيات والبطولات، فلم يعد لذلك الخطاب من معنى في الوقت الحاضر.
ولهذا قلت وأقول أن على الأحزاب السياسية أن تعيد النظر في برامجها ومناهجها وخططها وأساليب عملها وعلاقتها بالناس ومع بعضها البعض، لاسيما بما له علاقة بالحداثة والثورة العلمية- التقنية وثورة الاتصالات والمواصلات، فالداعية الحزبي وأساليب الدعاية والضبط الحديدي- اللينيني- الستاليني وما يسمى بالمركزية الديمقراطية، وكون الحزب هو الطليعة ومفهوم القيادة التاريخية والأمين العام الذي لا يخالفه أحد وهو المناضل الأول والفيلسوف والأديب، لم يعد له مكان في عالم اليوم، الاّ في الأطر المتخلّفة والصيغ الجامدة غير القابلة للتطور.
ولعل مثل هذا الأمر يتعلق أيضاً بفكرة التجديد والتداولية والانتخابات الحقيقية وتبادل المسؤوليات وتحديد سقف زمني للقيادة (دورتين مثلاً لاسيما للمواقع الأولى- الرئيس والأمين العام، نوابه، أعضاء المكتب السياسي، اللجان التنفيذية والمركزية...) ولا بدّ من الاعتناء بالمناضلين القدامى وتكريمهم والاستماع إلى آرائهم كإستشاريين يمكن الاستفادة من خبرتهم ومعرفتهم...الخ. كما يمكن تحديد سقف عمري للتقاعد من تولي مناصب حزبية مع إمكانية البقاء في الحزب.
لا بدّ أولاً وقبل كل شيء تقديم الشباب بتحديد كوته بحيث يكون نصف القيادة أو ا يزيد عليها على الأقل من الشباب دون سن الـ 35 مع مراعاة النوع الاجتماعي وخصوصاً النساء وحقوقهن وتوليهن القيادة، وكم سيكون متقدّماً وجود إمرأة على رئاسة الحزب مثل الكثير من الدول الآسيوية وإن كان طابعها إسلامياً أو في إطار التقاليد المقاربة من ذلك مثلاً في باكستان، وسريلانكا، والهند وغيرها، إضافة إلى بعض دول أمريكا اللاتينية، كالبرازيل مثلاً. ولعل ذلك سيكون دليلاً على لحمة النسيج الاجتماعي لو تولّى أحد المسيحيين رئاسة حزب عراقي مثلاً أو حتى رئاسة الجمهورية أو رئاسة الوزراء أو رئاسة القضاء أو البرلمان، ففي الثلاثينات قاد فهد(يوسف سلمان يوسف) المسيحي الحزب الشيوعي دون أن يشعر أحد بأية حساسيات.
وإذا كان من حق أية مجموعة تأسيس حزب يعبّر عن مصالحها وتطلعاتها سواءً  إدّعت تمثيل طائفة أو إثنية معينة، لكنها لا بدّ أن تضع ذلك في إطار وسياقات الدولة العراقية، ويمكن أن تلعب الأحزاب الوطنية العراقية المفتوحة لقبول الجميع دوراً في استقطاب الانتماءات إليها، مثلما كانت في السابق، خصوصاً إذا استطاعت عبور المغريات الطائفية والإثنية والعشائرية والمناطقية، مثلما كانت جماعة الأهالي وحزب الشعب وحزب الاتحاد الوطني وحزب التحرر الوطني وهذه كلّها مجاميع ماركسية، إضافة إلى الحزب الشيوعي، وكذلك الحزب الوطني الديمقراطي وغيرها .
إن وجود أحزاب هو أساس وجود الديمقراطية، التي لا يمكنها أن تتبلور دون وجود أحزاب ومنافسة وانتخابات، فضلاً عن سيادة القانون واستقلال القضاء والمواطنة واحترام حقوق الانسان، تلك التي على الأحزاب تبنيّها والعمل بموجبها، كما ينبغي أن تكون تلك الأحزاب تعمل في سياقات قانونية سواءً كانت أحزاباً دينية أو غير دينية ، إثنية أو غير إثنية، طائفية أو غير طائفية (من حيث التوجّه والمطالب والأهداف) وهذه اللوحة المتنوّعة يمكن حمايتها في إطار الدولة المدنية، وأعني بها العلمانية، والعقلانية والديمقراطية، فهذه أركان أساسية للحداثة، إضافة إلى المدنية، والدولة المدنية هي وحدها الضامن لإحترام الأديان والقوميات والإثنيات والطوائف وحقوقها وتطلعاتها، بما فيها وجودها واستمرارها وكذلك ضامن لمبدأ المساواة، والعكس سيؤدي إلى احتراب المجتمع وتفتيته.
وإذا ظلّت الأحزاب العراقية تعيش في الماضي، فلن تتحقق الدولة التي نطمح في الوصول إليها، كما أنها هي الأخرى ستتعرّض إلى الجمود والتقوقع، لأن عجلة الزمن سوف تتخطاها وتتجاوزها، عليها كما قال الروائي الروسي مكسيم غوركي أن تعيش نصف عقلها في المستقبل وليس في الماضي.

الطائفة والسياسة
 *أنت من دعاة الدولة المدنية.. ألا يتعارض موقفك مع الدين؟ وكيف تنظر للعلاقة مع رجال الدين ومن بعض ممارساتهم؟
- كانت علاقتي ولا تزال ودّية وإيجابية مع الكثير من رجال الدين، على الرغم من معرفتهم المسبقة بدعواتي المعلنة لفكرة الدولة المدنية وفصل الدين عن السياسة، فمنذ وقت مبكّر ربطتني صداقة مع السيد محمد بحر العلوم وبيننا مطارحات كثيرة والسيد مصطفى جمال الدين وقد كتبت عن غزلياته، وكنت قد زرت السيد محمد باقر الصدر في النجف وهو في "الإقامة الجبرية" الفعلية، وكتبت عن ذلك لاحقاً مادة بعنوان " حلّق في سماوات بعيدة وسبح في بحور عميقة".
 
وعلاقتي ودية مع محمد مهدي شمس الدين، ودائماً كنت أستذكر أطروحاته حول ضرورة إندماج الشيعة بمجتمعاتهم وطلبهم المساواة في دولة المواطنة، وهو ما يخدم مذهب آل البيت حسب تعبيره ويجعلهم في المكانة التي يستحقون، وكثيراً ما استشهدت بكتابه القيّم " الوصايا" الذي اعتبره دليل عمل لمن يريد من الشيعة أن ينخرط في إطار نسيجه الاجتماعي وعلى أساس المشتركات الانسانية، وليس بغيرها، كما ربطتني علاقات حميمة مع السيد محمد حسين فضل الله، وكتبت أكثر من مادة عنه، إضافة إلى السيد محمد حسن الأمين والسيد حسين الصدر (لندن) والسيد حسين اسماعيل الصدر (الكاظمية) والسيد علي الأمين وغيرهم.
ولعل الكثير من الذين ذكرتهم هم من المجددين في الفكر الاسلامي المعاصر، لاسيما في إطار المذهب الجعفري، كما ربطتني علاقات وطيدة مع الكثير من القيادات الاسلامية مثل السيد محمد باقر الحكيم وكذلك السيد عبد العزيز الحكيم والسيد محمد الحيدري والشيخ همام حمودي والشيخ المولى، إضافة إلى من عمل في الإطارات السياسية سواءً في حزب الدعوة ممثلاً بإبراهيم الجعفري ونوري المالكي وعلي الأديب وسامي العسكري وحيدر عباس العبادي ووليد الحلي  أو في إطار المجلس الإسلامي الأعلى والحركة الاسلامية بشكل عام مثل عادل عبد المهدي وباقر جبر صولاغ وأكرم الحكيم وحامد البياتي وعز الدين سليم وليث كبّه ومحمد عبد الجبار وخالد العطية وعلي العضاض وغانم جواد ورضا جواد تقي ( أبو أمير) وموفق الربيعي وعلي الدباغ وشمران العجلي وحسين الركابي والسيد عامر الحلو، بل وغالبية الكوادر الأساسية للحركة الإسلامية، لكن الجميع يعرفون توجهي بصدد الموقف من الدولة المدنية وهو ما حاولت أن أضفيه على توجهات المعارضة في فترتها الأولى خلال كتابتي لتقاريرها وبياناتها الأساسية، خصوصاً في مؤتمري فيينا وصلاح الدين(1992).
لعل مشكلة الحركة الدينية، لاسيما الشيعية، تعتبر أن مشكلة العراق الأساسية، هي الطائفية، فهي تصوغ كل شيء من خلال هذا المنظور، حتى وإن قصدت الدولة بجميع مكوّناتها، في حين أنني أرى أن المشكلة في سوء الحكم وفساد الإدارة وشحّ الحريات وعدم احترام حقوق الإنسان وغياب الديمقراطية وانعدام سيادة  القانون وضعف المواطنة، لاسيما في ظروف عدم المساواة والتمييز سواءً ما يتعلق بحقوق الأكراد أو فيما يتعلق بمسألة التمييز الطائفي التي تندرج في هذا الإطار كجزئية من المشكلات العامة للدولة، يضاف إلى ذلك ضعف النوع الاجتماعي وأعني به حقوق المرأة وعدم مساواتها مع الرجل، ناهيكم عن ضعف المشاركة بشكل عام، وللمرأة بشكل خاص، وعدم الإقرار بالتنوّع والتعددية، لاسيما بجانبها الثقافي: الديني والإثني واللغوي والسلالي والاجتماعي والفكري. هنا الافتراق في زاوية النظر.
يعتقد بعض " الشيعة" ممن يطلقون على أنفسهم علمانيين أن بإمكانهم المساهمة في تغيير المشهد السائد للشيعة الدينيين، ولكنني أعتقد أنهم على وهم كبير، وقد حاولت شخصيات مرموقة بوزن عبد الكريم الأزري وعبد الأمير علاوي وعبد الغني الدلّي (وهم وزراء سابقون في فترة العهد الملكي) ومعهم آخرون تكوين تصوّر أولي حول دور علماني لشيعة العراق، وأتذكّر أنهم دعوني في إحدى الأماسي في لندن لحضور اجتماع أو لقاء ، وطرحوا الموضوع عليّ، وكان جوابي: أنكم جئتم على العنوان الغلط، وإذا كنت علمانياً فأنا لا أخفي ذلك، ولكنني ماركسي وأممي ولا يمكن اختزال نفسي بحكم انتماء عائلتي التاريخي، للعمل في إطار مصغّر بإسم الشيعة العلمانيين أو غيرهم، فمن الناحية الفكرية ليس بإمكاني فعل ذلك، ومن الناحية السياسية فهو خطأ فادح، فكيف يمكن أن أنشغل بمجموعة صغيرة وهي جزء من طائفة لمواجهة مشاكل البلد ككل، ناهيكم عن أن ذلك لا يتناسب مع فكرة الحداثة التي اؤمن بها منهجاً وسلوكاً وتصرفاً؟ .




239
لا تقديم للنظرية على حساب الوقائع الموضوعية

حوار مع الأكاديمي والمفكر الدكتور عبد الحسين شعبان

أجراه: توفيق التميمي   
      


 
(القسم 14)
 
مواقف قديمة

لا يمكن تجزئة المواقف، أو تجزئة الحقوق، ومثلما علينا التمسّك بحقوقنا، فعلينا الاعتراف بحقوق الآخرين، لاسيما حقوق الاقليات الدينية والإثنية التي تعيش بين ظهرانينا كالأكراد والتركمان والمسيحيين والامازيغيين وسكان جنوب السودان وغيرهم، باعتبارها نماذج لاحتكاكات وتعارضات قومية ودينية ساهمت في تعطيل التنمية في الوطن العربي، وخصوصاً عدم حلها حلاً ديمقراطياً والاعتراف الكامل بحقوقها السياسية والثقافية واللغوية والسلالية.
كنت ولا أزال أعتز بمواقفي الداعمة لحقوق الأقليات القومية والدينية، انطلاقا من ايماني الكامل بحقوق الانسان. حتى وإن غلبت السياسة أحياناً، فإن البوصلة المُرشدة والهادية تبقى هي كل ما يتعلّق بالحقوق والحريات.
وإذا كان ماركس وانجلز قد ربطا القضايا القومية بانجاز البروليتاريا لوظيفتها التاريخية، واعتبرا أن ذلك سيضع حداً للاضطهاد القومي، وشدّدا على أن إلغاء الاستغلال الطبقي سيؤدي إلى إلغاء الاستغلال القومي " أزيلوا استغلال الانسان للانسان تزيلوا استغلال أمة لأمة أخرى" ، وورد على لسان ماركس " إن شعباً يستعبد شعباً آخر لا يمكن أن يكون حُرّاً" وهو الرأي الذي يعتبر سقفاً انسانياً للموقف من حقوق الاقليات، الذي أُومن به، لكن ماركس وانجلز لم يتمكنا من تطوير مفاهيمهما للمسألة القومية، خصوصاً للبلدان التابعة والمستعمَرة بشكل عام، وهو الأمر الذي حاول لينين معالجته لاحقاً.

الحيرة ليست لديّ في هذا الشأن المبدئي، الماركسي، النقدي، الوضعي، بل لدى إتجاهات ماركسوية حائرة، فهي إما مع الاتجاه القومي اللاماركسي بشأن الموقف من العروبة، أو مع الاتجاه الماركسي اللاعروبي واللاقومي في الموقف من القضية الكردية ومن مسألة الاقليات بشكل عام.
وتلك مفارقة النظرة المبسّطة الأحادية، ولعل هذه المواقف التي أنفرد بها باعتزاز لا تقدّم النظرية والتصوّرات المسبقة على حساب الواقع الموضوعي، وذلك ما اعتبره استشرافاً للماركسية النقدية الوضعية.
لم يكن هناك ثمة وعي نقدي لليسار العربي وللماركسيين العرب بشأن الهوّية العربية وطبيعة الصراع العربي -الاسرائيلي، فإضافة إلى الاتكالية والكسل الفكري وتنفيذ تعليمات المركز الأممي، فقد كان هناك قصور في فهم طبيعة العلاقة من خلال رؤية مركبة ومتداخلة للوعي التاريخي العربي، بجعله جدلياً هادفاً التنوير والتغيير بشروط موضوعية لبلورتها وليس عبر محاولات تفسيرية محدودة وقاصرة.
إذا عدنا إلى الرأي "الماركسي" السائد باستثناء ارهاصات محدودة، فإنه بشكل عام اقتفى أثر الموقف الستاليني، الذي تبدّل بين عشية وضحاها بالموافقة على قرار التقسيم بعد ان كان يدعو إلى دولة ديمقراطية يتعايش فيها العرب واليهود، وهو الموقف الذي لا أفهم أي تبرير له ماركسياً، إنْ لم يكن هو ضد الماركسية، فكيف لمن يدّعي انه طليعة البروليتاريا العالمية يوافق على تقطيع أوصال بلد وتسليم ما يزيد عن نصفه إلى مهاجرين جاؤوا من أصقاع الدنيا وطرد سكان البلاد العرب الاصليين، إنْ لم يكن ذلك بصفقة قد تمت من وراء ظهورهم بعد اتفاقية يالطا عام 1943، وضمن تسويات ما بعد الحرب العالمية الثانية، التي شملت بلداناً ومناطق عديدة، ولعل الأمر لا يتعلق بالسياسة التي قد تصيب وتخطئ وبالإمكان تصحيح الخطأ، لكن المسألة تتعلق بالتنظير الآيديولوجي الخاطئ، واعتماده باعتباره تطبيقاً للماركسية في ظرف ملموس هذا من جهة، ومن جهة أخرى المصالح السياسية للدولة السوفيتية، وهو الأمر الذي استمر دون نقد ماركسي حيوي من جانب الأحزاب الماركسية الرسمية، بل وأحياناً الاستمرار في تبرير ذلك الموقف الآيديولوجي الخاطئ بتبريرات سياسية ساذجة وخاطئة أيضاً.
وبكل الأحوال فقد كان ذلك خطيئة تاريخية لا يمكن غفرانها، والغريب أن قيادات الأحزاب الشيوعية وافقت عليها وتبّنتها، بل وتحمّست لها (باستثناء الحزب الشيوعي السوداني)، كما ذهب إلى ذلك الحزب الشيوعي السوري- اللبناني والحزب الشيوعي المصري والشيوعيون الفلسطينيون والاردنيون، والحزب الشيوعي العراقي، لاسيما مطارحات زكي خيري الصادمة للمزاج الشعبي، ناهيكم عن خطئها ماركسياً باعتبار " اليهود أمة" ولها " الحق في تقرير المصير" وبمقارنة أوضاع اسرائيل المغتصِبة للحقوق والارض باعتبارها " دولة ديمقراطية" قياساً إلى البلدان العربية الرجعية، ولأن فيها حزباً شيوعياً علنياً ونقابات مرخّصا بها، وهو الموقف الخاطئ الذي كان سائداً في إطار الحركة الماركسية العالمية التي حاول خيري تمثيلها آنذاك رغم وجوده في السجن.
ولا أريد هنا أن أشكك بموقف أحد باعتبارها مؤامرة حيكت لصالح الحركة الصهيونية، وإن كنتُ لا أستبعد تواطؤ البعض، إلاّ أنني بشكل عام ومن خلال الوضعية النقدية للماركسية، أستطيع القول أن ثمة موقفا لا ماركسي، لاسيما من الناحية النظرية بما فيه كل التبريرات التي قيلت، إضافة إلى أنه يُلحق ضرراً بقضية النضال والتحرر القومي في المنطقة، وهو ما تفترضه الماركسية في الصراع الطبقي- البروليتاري ضد الرأسمالية والامبريالية " أعلى مراحلها" على حد تعبير لينين.
 
وللأسف الشديد لم يبادر الشيوعيون والماركسيون العرب إلى تصحيح ذلك الموقف الخاطئ، والأقرب إلى الخطيئة نظرياً وعملياً، بل كانوا يزوغون عنه كلّما جرى الحديث عن القضية الفلسطينية، وتراهم بحماسة منقطعة النظير يرددون ويستذكرون "الانذار السوفيتي" عام 1956 ضد العدوان الثلاثي على مصر " انذار بولغانين": وتسليح بعض البلدان العربية والموقف من حرب الاستنزاف وهي كلها مواقف مشرّفة للاتحاد السوفيتي والحركة الشيوعية العالمية، في حين أنك تناقش في مسألة التقسيم، بل ان بعضهم يبرّر بسذاجة وسماجة قائلاً: ألم تكن الموافقة على قرار التقسيم أفضل من عدم الحصول على شيء؟ ألا يتمنى العرب حالياً العودة إلى قرار التقسيم رقم 181 لعام 1947؟ ألا يكفي مزاودةً وهي التي أوصلتنا إلى ما نحن عليه، حيث ضاعت نصف فلسطين بموجب القرار، وأصبحنا نوافق على 22% منها حسب اتفاقات أوسلو لعام 1993، التي لا تنفذها إسرائيل!؟
 
وكأنهم يريدون القول أن مواقف الحركة الشيوعية كانت ماركسية وإنها لا تخطئ، مقدِّمين تبريرات مصالح الدولة السوفياتية على مصالح الشعب العربي الفلسطيني وحقوقه العادلة والمشروعة، وغير القابلة للتصرّف، ولم توجد هناك سابقة قانونية بحيث تقوم الأمم المتحدة بإنشاء دولة على حساب سكان البلدان الأصليين، وتتعهد هذه الدولة باحترام ميثاق الأمم المتحدة وقرارات الشرعية الدولية، لكنها تتنكّر لذلك بما فيها لقرار التقسيم نفسه وللقرار رقم 194 الخاص بحق العودة لعام 1948 وللقرارين رقم 242 لعام 1967 ورقم 338 لعام 1973 وغيرها من القرارات دون أي إلزام أو إكراه أو عقوبات من مجلس الأمن والأمم المتحدة.
وأرجو ألاّ يتم تفسير كلامي هذا باعتباره انحيازاً إلى الضفة الاخرى، فهي وإن تمسّكت بالحق الفلسطيني شكلياً، لكن مواقف بعضها لم تكن تميّز بين الصهيونية كأيديولوجيا وبين اليهودية كدين، فضلاً عن نزعاتها الشوفينية الاستعلائية ومواقفها الدونكيشوتية حول " رمي اليهود في البحر" و" التحرير" الكامل، لكنها قامت حين وصلت إلى السلطة بقمع  شعوبها وتكبيل حركتها، بل والتآمر أحياناً على القيادة الفلسطينية المتمثلة بمنظمة التحرير الفلسطينية (م.ت.ف)، كما قننت حركتها واغتالت بعض قياداتها، في حين كان موقفنا من الصهيونية كحركة رجعية أكثر وضوحاً منها، وكنّا نفرق بين اليهودية كدين وبين الصهيونية كعقيدة، لكن هذه المواقف ضاعت وتبدّدت عند تأييدنا قيام دولة اسرائيل، باعتباره انسجاماً مع مبدأ حق تقرير المصير ومنه حق الشعب اليهودي في تقرير مصيره وقيام دولته الخاصة، وأحياناً برّرنا ذلك بالشرعية الدولية وبمواقف الاتحاد السوفيتي، التي تعتبرها الادارات الحزبية المحك " الحقيقي"  الذي تقيس به الخطأ والصواب، والأكثر من ذلك تفسيرنا هذا الخطأ النظري وفقاً للماركسية، الأمر الذي يتناقض مع جوهرها ومحتواها.
 
نقد للمواقف
وإذا كان هذا جزءا من النقد الذاتي فقد كنت أريد أيضاً نقد مواقف القوى القومية التي تعكّزت على مسألة فلسطين لتصادر الديمقراطية وتعطّل التنمية وتؤجل الاستحقاقات الاجتماعية الضرورية، ليس هذا حسب، بل ان الهمّ الرئيس لبعضهم أحياناً كان هو القضاء على الشيوعية بدلاً من اعتبار الصهيونية والامبريالية، الخطرين الأساسيين. ولعل العودة إلى بعض كتابات تلك المرحلة، تراها تقارب مثل هذه الاطروحات الخاطئة، على الرغم من أنها كانت هي الأخرى محكومة بظروف الصراع اللاعقلاني الذي ساد بين التيارين الماركسي- الشيوعي من جهة والقومي- البعثي من جهة أخرى.
وإذا كان ساطع الحصري تحدّث عن نشوء الفكرة القومية وميشيل عفلق تناول القومية بشيء من الرومانسية في كتاباته الأولى مطلع الاربعينيات، بعناوين مثل: "القومية حُبٌ قبل كل شيء" و" القومية قدر محبّب"، لكن ما واصله عبدالله عبدالدايم وعبد العزيز الدوري وسعدون حمّادي وعبد الرحمن البزاز وشبلي العيسمي والياس فرح وقبل ذلك قسطنطين زريق، كان شيئاً مختلفاً أكثر عمقاً وشمولاً.
وبسبب ارتباك وضعف مواقف الحركة الشيوعية، إزاء قضايا الوحدة والمسألة الفلسطينية وجدتني مندفعاً منذ عقود من الزمان، وبمعاناة فائقة، بالدرس والتمحيص وإعادة النظر والنقد، في محاولة لبلورة موقف ماركسي أكثر انسجاماً مع تطلعات الأمة العربية، متخطياً بعض ما كان من اتهامات حول تقديم مصالح الدولة السوفيتية ودور اليهود في الحركات الشيوعية مثلما هو دور بعض المكوّنات الأخرى غير العربية في قيادات الأحزاب الشيوعية، لصياغة وبلورة مواقف الأحزاب الشيوعية أو ضعف وعيها أو غير ذلك.
 
وكتبت على هذا الصعيد أكثر من ثمانية كتب منذ أواسط الثمانينيات، لاسيما في قضية الصهيونية وقد نشطتُ في تأسيس اللجنة العربية لدعم قرار الأمم المتحدة 3379 القاضي بمساواة الصهيونية بالعنصرية، والتي أصبح إسمها " اللجنة العربية لمناهضة الصهيونية والعنصرية" وانتخبت أميناً عاماً لها، بمساهمة من شخصيات مرموقة مثل: إنعام رعد وناجي علوش وصابر محي الدين وعبد الرحمن النعيمي وسعدالله مزرعاني وعبد الفتاح ادريس ود. جورج جبور الذي كان مديراً لقسم الدراسات والأبحاث في مكتب الرئيس حافظ الأسد (والذي اعتمد رئيساً للجنة ثم أعقبه انعام رعد).
ولعلي أفشي سرّاً لك إذا قلت إن القرار الذي صدر عن قمة الكويت للمؤتمر الاسلامي العام 1987 بخصوص دمغ الصهيونية بالعنصرية واعتبارها شكلاً من أشكال العنصرية والتمييز العنصري، كان باقتراح منّي وبدعم وتشجيع من الدكتور جورج جبور وأعضاء اللجنة، وكنت قد كتبت رسالة إلى الرئيس حافظ الأسد ( بصفتي أميناً عاماً للجنة ) طلبت منه التكرّم والإيعاز إلى وفد وزارة الخارجية السورية لحمل مقترحنا، ولعرضه على المؤتمر باسم الوفد السوري. وحصل الأمر فعلاً وعُرض المقترح ووافق عليه المؤتمر كما هو مدوّن ومن دون أي تعديل.
 
لقد كنّا قد تلمسّنا حجم الضغط الدولي لإعدام القرار 3379، خصوصاً بعد حملة تواقيع دولية قادتها اسرائيل ومطالبة الأمم المتحدة بإلغاء القرار، حيث شارك فيها أكثر من 800 شخصية سياسية واجتماعية وفنية عالمية (العام 1985) وكانت اسرائيل قد حددت على لسان رئيسها هيرتسوغ الذي كان ممثلها في الأمم المتحدة عند صدور القرار، بأن لا يمرّ العام 1990 الاّ ويكون القرار قد ألغي، وحصل الأمر فعلاً بحكم اختلال موازين القوى في كانون الأول (ديسمبر) 1991.
أقدّر أن مثل هذا الموقف الماركسي لا يروق للكثيرين، لاسيما للصهيونية وذيولها، وقد لمست خلال وجودي في أوروبا أن الكثير من الأصابع والبصمات تقف خلف بعض المواقف، ولم يكن ذلك بعيداً عن إلحاق الأذى بي ومحاولات الإساءة على نحو مباشر أو غير مباشر، وكانت  تلك تظهر تحت مسميات مختلفة، وقد يأتي الوقت المناسب للحديث عنها على نحو تفصيلي.
 
ربما اجتمعت فيّ أغلبيات كثيرة منها أنني مسلم والمسلمون هم غالبية سكان العراق (نحو 95%) وإنني عربي والعرب يتجاوزون نسبة 80% وقد يحتسبني البعض على طائفة أو مذهب معين بحكم العائلة، وأزعم أنني دافعت عن مصالح الفقراء والكادحين لعقود طويلة من الزمن، لكنني أشعر بعروبتي أو بانتمائي إلى الاسلام كحضارة وتراث، بل إلى المواطنة والانسانية إن لم أقرّ وأعترف بحقوق الغير، لاسيما القوميات  والأديان الأخرى وعلى قدم المساواة مع العرب والمسلمين في إطار التنوّع الثقافي والتعددية.
ولعل هذا الموقف يختلف عن مواقف بعض من يتنكرون لعروبتهم ويلصقون بها أرذل الصفات، ويحابون الغير لاعتبارات أخرى، وترى بعضهم كان ينام حتى أمس بملابس الجيش الشعبي أو يحمل الهوية الأممية، ليتحوّل إلى داعية ضد العروبة وضد العرب، ناسباً كل ما فعله الحكام الفاشست أو الدكتاتوريون المستبدون إليهم، فهل نستطيع أن ننسب ما فعله الجحوش وعصاباتهم من فرسان صلاح الدين والمتعاونين معهم إلى الشعب الكردي، لكي نتهم ونندّد به أو بسبب علاقات مع هذه الجهة أو تلك.
 
مقاربة بشأن المقاومة
*كيف تنظر إلى المقاومة؟ وهل ما جرى في العراق يندرج تحت هذا العنوان،خصوصاً إستهداف المدنيين الأبرياء وتبدّل الأدوار وتجاذبها بين الميليشيات الشيعية والسنية؟ هل من مقاربة لما يسمى بالمقاومة العراقية مع المقاومات الباسلة في فيتنام وتشيلي وكوبا والجزائر وغيرها؟
 
قانونياً أستطيع القول إن المقاومة حق مشروع لكل شعب تحتل أراضيه، وهو أمرٌ مكفول بموجب القانون الدولي وجميع الشرائع الوضعية والدينية، ولا أعتقد أن شعباً تُحتلّ أراضيه لا يقاوم الاحتلال بكل الوسائل الممكنة ابتداءً من الوسائل السلمية، المدنية، وصولاً إلى الوسائل العنفية فيما إذا رفض الاحتلال الانسحاب أو الجلاء، ولعل الشعب الذي لا يقاوم محتليه إنما هو شعب من العبيد، ولا أظن أن الشعب العراقي كذلك، لأنه شعب حي ونابض بالحياة والحيوية والشجاعة ويتوق إلى الانعتاق والحرية، ويريد العيش مثل بقية الشعوب تحت الشمس، ويطمح إلى إقامة نظام ديمقراطي يلبّي آماله المشروعة، في ظل سيادة كاملة وتنمية شاملة دون تدخل خارجي أو إحتلال أجنبي.
لقد قلت عشية غزو العراق في مقابلة مع صحيفة القاهرة التي يرأس تحريرها الكاتب والصحفي صلاح عيسى: أعتقد أن النظام سيسقط سريعاً وقد لا تدوم الحرب أكثر من ثلاثة أسابيع، ولم يكن ذلك يحتاج إلى علم وخبر أو معرفة بالستراتيجيا، فقد كان النظام العراقي يعاني من عزلة شعبية كبيرة وليس لديه حلفاء في الداخل والخارج، والجيش مترهّل ويتحكم فيه الحرس الجمهوري، وهذا يتبع قيادات خاصة إضافة إلى دور الحرس الخاص، كما عانى العراق طويلاً بسبب الحصار لدرجة الشلل تقريباً، ولأن قوة دول التحالف كبيرة والهجوم سيكون كاسحاً مع تكنولوجيا متطورة وأسلحة فتّاكة، فقد كان مؤملاً أن يسقط النظام سريعاً.
 
وكنتُ قد قلت في المقابلة ذاتها أعتقد أن المحتلين سوف لاينعمون بالاسترخاء تحت شمس بغداد الذهبية، فسرعان ما ستبدأ مقاومة ضارية وشرسة للاحتلال. وبعد عام من هذه المقابلة حاورني لذات الصحيفة الدكتور يسري مصطفى، وكان أول سؤال وجهه لي: من أين كنت تعرف أن المقاومة ستندلع ضد الاحتلال، فقد قلت عشية الحرب، ما ذكرته في أعلاه.. قلت له لم يكن لديّ أية معلومات، ولا علم لي حتى بالشؤون العسكرية، لكنني كعراقي وأزعم أنني أعرف العراقيين، فقرأت المسألة سياسياً، كما قرأت المسألة استنتاجاً لما يمكن أن يواجه أي شعب يتعرّض للاحتلال، لكنني أضفتُ أن تقديري كان خاطئاً فقد كنت قد حدّدت ستة أشهر لاندلاع المقاومة، وإذا بها تبدأ بعد أيام أو أسابيع.
وأود هنا أن أشدّد بوضوح، وهو ما أكّدته باستمرار على ضرورة التفريق بين عمليات المقاومة التي تستهدف القوات المحتلة وبين العمليات الارهابية التي تطال السكان الأبرياء المدنيين العزّل، كما حصل في تفجيرات كبرى في الحلة والكاظمية والنجف والموصل وصلاح الدين وأربيل وديإلى والأنبار والفلوجة والبصرة، فضلاً عن بغداد، إضافة إلى عمليات الخطف وأخذ الرهائن وقطع الرؤوس وجزّ الأعناق وأعمال الجريمة المنظمة، فمثل تلك الأعمال مدانة بكل المعايير الإنسانية والأخلاقية والدينية والحقوقية والقانونية.
لعل الأحزمة الناسفة والسيارات المفخخة والنداءات التي كان يصدرها أبو مصعب الزرقاوي وتنظيمات القاعدة لا علاقة لها بمقاومة المحتل، بل أنها ساهمت في تشويش الصورة والتأثير سلباً على أشكال المقاومة المشروعة، لاسيما السلمية والمدنية، خصوصاً باستهدافها للسكان المدنيين، وأحياناً لفئات محدّدة ومحاولة فرض فكرها التكفيري الإجرامي بالقوة، عبر موت مجاني وعقاب جماعي، لاسيما تخريب كل شيء. وبلا أدنى شك فإن مثل هذه النظرة العدمية السادية غير المسؤولة ألحقت ضرراً كبيراً بمسألة التصدّي للمحتل بالوسائل المشروعة، وكادت مثل تلك الأعمال التكفيرية والارهابية أن توقع العراق في أتون حرب أهلية، استغلّها أمراء الطوائف من الفريقين للحصول على امتيازات، رافقها عمليات عزل وتطهير طائفي ومذهبي وإثني، وتفجيرات لجوامع ومساجد وحسينيات وكنائس.
لقد قامت المقاومة في فيتنام بقيادة حزب ثوري وأفق ماركسي وجبهة وطنية لمشروع تحرر وطني، واستطاعت استقطاب جميع القوى والفاعليات السياسية الفيتنامية، لاسيما تحت رمز هوشي منه حقق لها الانتصار على الفرنسيين، خصوصاً في معركة ديان بيان فو العام 1954 وعلى الأميركان في العام 1973 حين بدأت مفاوضات السلام.
وفي تشيلي كانت حركة احتجاجية مدنية بالأساس ساهم فيها بالدرجة الأساسية الحزب الشيوعي بقيادة لويس كورفلان والحزب الاشتراكي الذي اغتيل قائده رئيس الجمهورية الشرعي المنتخب سلفادور إلندي، وساهمت الكنيسة لاحقاً بدورها في التصدي للانقلابيين الذين قادهم بينوشيه، وتحققت بعد عقد ونصف مساومة تاريخية، حين تخلّى بينوشيه عن الرئاسة مقابل احتفاظه بقيادة الجيش، وإجراء انتخابات حوّلت تشيلي تدريجياً إلى المسار الديمقراطي.
أما في كوبا فقد كانت هناك عصبة ثورية بقيادة كاسترو وجيفارا وراؤول شقيق كاسترو (حركة 26 تموز/يوليو) ضمّت 82 مقاتلاً وصلوا على باخرة من المكسيك وقتل منهم ساعة وصولهم نحو 60 شخصاً، لكنهم شنّوا كفاحاً مسلحاً لمدة نحو عامين وحققوا نصراً ساحقاً في 1 كانون الثاني (يناير)1959، حين نزلوا من جبال سيرامايسترا حتى وصلوا العاصمة هافانا، حيث فرّ الدكتاتور باتيستا.
أما في الجزائر فكان الاستعمار الفرنسي استيطانياً وحاول تغيير هوّية الجزائر على مدى 132 عاماً، لكنه فشل في ذلك، فانطلقت مقاومة عنيدة بقيادة جبهة التحرير الجزائرية في العام 1954 وحققت نجاحاً كبيراً عربياً وعالمياً، لاسيما بعد نجاحها الميداني، ولعل أول ما يتبادر إلى الذهن هو أن الجزائر بلد المليون شهيد كانت كريمة جداً ثمناً للحرية، حتى اضطرت فرنسا إلى المفاوضات التي توّجت بما عرف اتفاقية إفيان العام 1962 واستقلت الجزائر بعد جلاء المستعمر.
ولعلي يمكن إضافة حركات المقاومة في أوروبا ضد الاحتلال النازي، ففي فرنسا وبلدان أوروبا الشرقية استقطبت شخصيات ثقافية مهمة وعبّأت الجماهير ضد الاحتلال في إطار حركة رفض شعبي استكملت بعمليات مسلحة، كما ساهمت السلطة السوفيتية والحزب الشيوعي في عمليات المقاومة خلف خطوط الجيش النازي وفي اختراقات كبرى، ساعدت الجيش الأحمر على دحر النازية، لاسيما عندما وصلت على مشارف بعض المدن التي استبسلت في مقاومتها للمحتل الألماني.
لعل ظروف العراق مختلفة عن الحالات التي سألت عنها، فلا توجد قيادة موحدة للمقاومة، فضلاً عن اختلاط بعض فاعلياتها بالارهاب، لاسيما وجود تنظيم القاعدة الذي حاول أن يطبع كل عمل عنفي بطابعه، وهكذا ضاعت بعض الأعمال التي استهدفت  المحتل في غمرة أعمال القاعدة الارهابية، أما الاختلاف الثاني، ففي المقاومات المذكورة كان  الصراع واضحاً بين محتل أو أنظمة مستبدّة وبين حركات سياسية حاولت تعبئة الشعب، لكن المشهد العراقي مختلف، فالحركة السياسية منقسمة بين من يعتبر الاحتلال " تحريراً"، ويفلسف ذلك ويبرّره بعدم إمكانية إزاحة صدام حسين من السلطة دون مساعدة خارجية، وبين قوى تعتبره احتلالاً، بعضها محسوب على النظام السابق، الأمر الذي يحدث نوعاً من المفارقة، فضلاً عن التداخل. وإذا كان الأمر واقعاً، فكيف السبيل بعد الذي حصل لإنهاء الاحتلال؟




240
3 تريليونات دولار خسرتها أمريكا في العراق

حوار مع الأكاديمي والمفكر الدكتور عبد الحسين شعبان-15


أجراه: توفيق التميمي   
      


 
(القسم 15)
 
الاتفاقية

ويواصل الدكتور شعبان الحديث عن الاتفاقية الاميركية – العراقية:
- ينقسم المشهد السياسي العراقي، حيث تراه بعض القوى المشاركة في السلطة بالتفاهم مع المحتل لكي ينسحب ويدعم رأيه هذا بالحصول على خطوات على هذا الطريق بما فيها الاتفاقية العراقية – الاميركية، حيث انتهى مفعولها في نهاية العام الجاري 2011 وكان حسب موادها لا بدّ من إنسحاب القوات الأميركية من العراق، لكنني أعتقد وهو ما كتبته على مدى السنوات الثلاث الماضية وما أوردته في كتابي عن المعاهدة العراقية- الأميركية، ان الاحتلال سيتحوّل من إحتلال عسكري إلى احتلال تعاقدي (تعاهدي) طبقاً لاتفاقية جديدة أو صيغة يتم الاتفاق عليها دون أن يعني ذلك سحب جميع القوات الأميركية من العراق وتصفية قواعدها العسكرية، لاسيما الخمس الأساسية منها، وهو ما صرّح به روبرت غيتز وزير الدفاع الأميركي خلال زيارته إلى العراق (أوائل نيسان/ابريل 2011) عندما خاطب الساسة العراقيين، إذا أردتم تمديد الاتفاقية (على الرغم من عدم وجود مادة خاصة بالتمديد) فعليكم الطلب من الآن، وأظن أن هذا يتفق مع رغبات الكثير من القوى، لاسيما القوى الكردية التي كانت أكثر وضوحاً عندما تحدّث باسمها من يطلب بقاء القوات الأميركية ضمانة لإستمرار وحماية العملية السياسية من التحديات الخارجية والداخلية، وأعتقد  ان هذه رغبة قوى أساسية في الحكومة أيضاً، سواءً أفصحت عنها أو لم تفصح، لكنها في نهاية المطاف سوف تركب هذا المركب، وهي تنتظر أن يتم أكل الثوم بلسان الغير!
وللعلم فإن اتفاقية العام 2008 لم يتم الاستفتاء عليها (في تموز /يوليو 2010) كما تم الاشتراط حينها، وهكذا مرّت حتى دون استكمال بعض الجوانب الإجرائية.
أعتقد من جهة أخرى أن قوى عراقية غير قليلة، بعضها مشاركة في العملية السياسية تعلن صراحة مطالبتها "إنهاء الاحتلال" و"سحب القوات الأميركية"، مثل جماعة السيد مقتدى الصدر، ناهيكم عن جمهور واسع لقوى مشاركة في العملية السياسية وترغب في بقاء القوات المحتلة، لكن جمهورها ليس مع بقاء المحتل، بل إن هذا الجمهور يقاوم الاحتلال برفضه خلال السنوات الثمان الماضية وعلى طريقته الخاصة بالتعبير.
لعل هذا الوضع المعقّد، ناهيكم عن فشل المشروع الأميركي في العراق والخسائر التي تكبّدها، البشرية والمادية، حيث بلغت نحو 4439 قتيلاً وأكثر من 26 ألف جريح، وهذه هي الأرقام الرسمية، يضاف اليها أعداد كبيرة من المتعاقدين وأفراد الشركات الأمنية مثل بلاك ووتر وغيرها ومن هم من طالبي الإقامة الدائمة (الـ Green Card) والمتقدّمين لطلب الجنسية وغيرهم من المرتزقة. كانت كلفة الولايات المتحدة لغاية العام 2008 نحو ثلاثة تريليونات دولار (حسب بعض التقديرات)، وهو الأمر الذي انعكس على اقتصادها وعمّق من أزمتها، لدرجة انهيار بنوك وشركات تأمين ومؤسسات كبرى. وإذا كانت "لعنة العراق" هذه واحدة من أسباب الأزمة، فإن المأزق السياسي والأخلاقي أكبر بكثير، لا على أوضاع الحاضر حسب، بل على أوضاع المستقبل.
أعود وأقول إن الإنقسام الشيعي – السني ووجود ميليشيات وأعمال تطهير على الهوّية، فضلاً عن رؤية القوى الكردية المختلفة للوجود العسكري الأميركي، جعل مشروع المقاومة يقدّم خطوة ويؤخر أخرى، على الرغم مما حققه من إنهاك للمحتل وإجباره على التسليم بضرورة الانسحاب، لكنه هو الآخر عاش أزمة مثل الآخرين، ولكن مشروع المقاومة المدني السلمي إزداد إتّساعاً لدرجة أن الغالبية الساحقة من الفاعليات والأنشطة السياسية تحمّل الولايات المتحدة وبول بريمر الحاكم المدني الأميركي، أيار(مايو) 2003- حزيران (يونيو)2004، مسؤولية ما حصل في العراق، وحتى الذين تقدّموا بالشكر في السابق لجورج بوش على قراره باحتلال العراق وتخليصه من صدام حسين، أما بلعوا ألسنتهم أو إلتزموا الصمت أو أعادوا النظر، خصوصاً بعد التشظي الطائفي والإثني وبعد انتشار أعمال الإرهاب وإستشراء العنف، وإستفحال الفساد والرشى وغياب هيبة الدولة، لاسيما بعد حلّ الجيش.
الهوية والطائفة
*ما قصة بيان الشيعة ؟ ومن يقف وراءها ولماذا قلت إن هناك شيعة ريشارد دوني وشيعة الإمام علي؟
لعل الأمر يحتاج قبل ذلك الرجوع إلى الجنسية وملابساتها ومحاولة بعض القوى استثمار ذلك لاحقاً لأغراض سياسية، بتوظيف معاناة جمهور غفير لمصالح سياسية ضيقة. قلت في بداية هذا الحوار أن الدولة العراقية واجهت مشكلة "الطائفية السياسية" منذ تكوينها وذلك بتشريع قانون غريب للجنسية العراقية رقم 42 لسنة 1924 وهو القانون الذي صدر بعد دخول معاهدة لوزان حيّز التنفيذ في 6 آب (أغسطس) العام 1924 وقد أرادت بريطانيا بسنّها هذا القانون معاقبة رجال ثورة العشرين وزرع بذرة التمييز قانونياً، وتدريجياً، وبسبب موروث سلبي تكرست هذه المشكلة التي واجهت جميع الحكومات المتعاقبة، وساهم في تقليص الهوامش الديمقراطية في زيادتها وتفاقمها.
وقد عبّر الملك فيصل الأول بحكمته المعهودة في العام 1932 وبعد أكثر من أحد عشر عاماً على حكم العراق عن مرارته إزاء ضعف الهوية العراقية، وذلك بمذكرته الشهيرة التي عبّرت عن مشكلة الحكم في العراق، والتي عنون عبد الكريم الأزري كتابه باسمها دليلاً على تعاظمها.
ولعل شكوى الملك من انقسام المجتمع العراقي إلى ملل ونحل وطوائف كان تعبيراً عن واقع أخذ يتفاقم بسبب غياب مبدأ المساواة وشحّ فرص الحريات ووجود تمييز " قانوني" تراكم عبر قوانين أكثر غلاظة وهو ما تمت الإشارة اليه، لاسيما بنكوص مفاهيم الوطنية، خصوصاً بضعف المرجعيات وانحسار دورها، الأمر الذي أبرز نزعات طائفية ومذهبية وإثنية مجتمعية في حين كانت المشكلة محصورة بين الحكومات ومجموع الشعب.
وقد ازدادت المشكلة تعقيداً بعد عمليات التهجير، ولاسيما في الثمانينيات وعشية وخلال الحرب العراقية- الإيرانية، ولهذا أصبحت تجد علمانياً أو هكذا يعتبر نفسه يصبح داعية طائفياً أو منكفئاً قومياً كافراً بانتماء عراقي أوسع، أو عائداً إلى أصول العشيرة أو المناطقية أو المحلّة، تحت حجج وذرائع مختلفة وواهية، ولكن العنوان الأساسي هو تقديم الهوية الفرعية على الهوية العامة، بل جعلها وحدها أساساً للتعريف، وقد يكون من حق أصحاب الهوّية الفرعية، الإعلاء من هويتهم والتمسّك بخصوصيتهم وحقوقهم الكاملة، ولكن على أساس المشترك الإنساني مع بقية الهويات وفي إطار هوّية جامعة وطنية.
لقد عبّر علي الوردي عالم الاجتماع العراقي منذ زمن طويل عن رفضه للطائفية ودعاتها حين وصفهم بأنهم " طائفيون بلا دين"، وذلك لكي يسلّط الضوء على إهتمام البعض بالطائفية دون أمور الدين، فهم يجادلون في أمور قضى عليها زمن طويل ليس من باب العلم أو المعرفة أو دراسة حقائق التاريخ، بل لإثارة الفرقة والاحتراب والتمزّق في المجتمع، الذي يتصرّف بكل تلقائية وتسامح وتعايش ومن دون " وعاظ السلاطين".
إن هذه الظاهرة التي برزت في السنوات الاخيرة بسبب النهج الاقلّوي السلطوي، والتي غذتّها بعض النزعات الانعزالية ضيّقة الأفق وجدت طريقها في الداخل والخارج أحياناً بمبالغات شديدة.
وبودي أن أشير إلى أنّ الإعلام الغربي والكثير من مراكز الأبحاث والدراسات في الغرب وبعد حرب الخليج الثانية أكثرت الحديث بهذا المنطق التقسيمي عن كردية الانتفاضة الشمالية وشيعية الانتفاضة الجنوبية، وهو ما تناغم مع التقسيم الحكومي حول الانفصالية والشعوبية وضعف الولاء الوطني وتأثيرات العامل الخارجي والاقليمي.
أنا ضد الطائفية من أين أتت، سواءً من نهج تسلّطي أو رد فعل طائفي بحجة المظلومية، مهما إرتدت من لبوس أو اختفت وراء أقنعة، فالطائفية مرض خبيث ينبغي إجتثاثه من المجتمع، ليعود سليماً معافى يتساوى فيه المواطنون أمام القانون، ولا اخفيك سرّاً إذا قلت إن التمترس الطائفي هو مظهر مختلق لا علاقة له بمفاهيم الحداثة، واذا كنت أنا ضد التمييز الطائفي وسخّرت قلمي لتعريته وفضحه، فلا يعني ذلك سوى الدعوة لثقافة المساواة والتسامح واحترام حقوق الانسان ونبذ وتحريم الطائفية وتعزيز المواطنة، وهو المشروع الذي طرحته منذ سنوات وعدت وبلورته في كتابي " جدل الهويات في العراق".
عندما شنّت السلطات الحاكمة حملة تهجير واسعة النطاق وكنت في دمشق وأتردّد كثيراً على بيروت قمت بصياغة أول رسالة قانونية موجهة إلى الأمم المتحدة والأمين العام كورت فالدهايم في حينها ونشطت وأشرفت على إنشاء "جمعية للمهجّرين العراقيين" وكتبت بياناتها الأولى، لكن ذلك شيء والتعكّز على الطائفية والتمترس الطائفي شيء آخر.
أتذكر قبل سنوات جاءني أحد " المعمّمين"، وعلى نحو غير منتظر قال لي ينبغي أن يُسلّم الحكم إلى الأغلبية فأجبته: الأغلبية يمكنها أن تحكم عبر صندوق الاقتراع اذا توخيّنا السير في الطريق الصحيحة، مع حماية حقوق "الاقليات".. لكنه من دون أن يدرك توّغل في المنطقة المحظورة، فحرّك فيّ شجوناً وهواجس كان يعني الاقتراب منها بالنسبة لي مساساً بقيمٍ ومُثلٍ عشت معها ولها ووهبتها سنوات عمري، واختلفتُ وتصارعتُ بسببها، فأشار إلى أننا نحن " الشيعة" نمثّل الأغلبية وعلينا أن نستلم الحكم، وبعد فترة صمت وتأمل داهمني منولوجي الداخلي حين إستعرضت بسرعة فائقة تجربتي الفكرية والسياسية فقلت : كيف تجرّأ الرجل وخاطبني بما هو أقرب إلى المساس بالمقدسات عندي.. غفرت له ذلك فربما يعود الأمر لمنطقه في التفكير أولاً ولعدم معرفته (الكافية) بي ثانياً، وقلت مع نفسي "عذره جهله"!. وحسب الإمام علي " الإنسان عدوّ ما يجهل"!
لكنني وددت أن أوجّه إليه ومن خلاله خطاباً واضحاً فقلت له: أنت شيعي وتتصرف من خلال شيعيتك وأنا أنحدر من عائلة شيعية، ولكن بيننا فروق كثيرة وشاسعة، فأنت امتهنت الدين وأنا وأعوذ بالله من كلمة أنا على حد تعبير الروائي الراحل شمران الياسري "أبو كاطع" من أسرة دينية عريقة، وأنت درست في النجف أو كربلاء، وأنا من النجف، أباً عن جد ولقرون موغلة في القدم على تعبير جعفر صادق محبوبة في كتابه "ماضي النجف وحاضرها"، وأنت من أصل فارسي وأنا من أصول عربية تمتد إلى قحطان في اليمن، وبرغم أنني أقدّر وأحترم الحضارة والثقافة الفارسية الاّ إنني أعتزّ بعروبتي وبانتمائي للأمة العربية، وأنت بدأت حياتك على هامش الحركة الاسلامية الشيعية وأنا عملت لسنوات طويلة في تيار يساري علماني، وأنت لا تزال تريد دولة للأكثرية على أساس طائفي، وأنا أدعو للتغيير الديمقراطي وللتسامح والحداثة واحترام حقوق الاقليات وضمان حق الاغلبية بصندوق الاقتراع لا على أساس طائفي، بل بالتعايش والتفاهم والتضامن بين جميع التكوينات وعلى أساس الاخلاص للوطن والشعب والكفاءة.
وإذا كنت قد خصصت جزءًا من جهدي الفكري والثقافي للكشف عن الطائفية السياسية فليس من معيار طائفي، بل برفض الظاهرة ككل باعتبارها من الأمراض الاجتماعية التي ينبغي محاربتها والوقوف ضدها وفضح الدعاوى التي تستند اليها، ولعل هذا الحديث منشور في جريدة الزمان عندما حاورني كرم نعمة في العام 2000.
بودي أن أقول: الجنسية هي نظام قانوني وليست علاقة عقدية بين الفرد والدولة تشترط توافق ارادة الطرفين، والجنسية هي غير التجنّس الذي هو عمل إرادي أو طوعي يقوم به الفرد بكامل إرادته ووعيه لاكتساب الجنسية، والجنسية، كما هو متعارف عليه دستورياً ودولياً لا تمنح طبقاً لأسس عنصرية أو عرقية أو دينية أو مذهبية، فنظرية الصفاء العرقي والإثني والصفاء الديني أو المذهبي لا تصلح أن تكون أساساً لمنح الجنسية.
 
أنا أعرف أن الموضوع حساس ويتطلّب صبراً وشجاعة في مواجهته، ولا بدّ أن تُقال الحقائق، ولا بدّ أن تتم مجابهة الاضطهاد والتمييز الطائفي بخطاب عقلاني وموضوعي وغير منفّر أو مستفز، وينبغي تعبئة جميع الطاقات ضد الإستلاب الطائفي وضد خطر الطائفية الآن وفي المستقبل.
للأسف أنني ألاحظ إن هناك نكوصاً في مواجهة الظاهرة في الداخل والخارج، فربما بسبب الاضطهاد المزمن الطويل الأمد والحرمانات والعذابات والتهجير والمنافي، لكن ذلك يرمى على كاهل النخبة والمثقفين عبئاً مضاعفاً وليس مخفّفاً فعليهم أن يلعبوا دورهم التنويري لدفع جمهور المنافي لإستلهام المثل والقيم الأصيلة للحركة الوطنية وإستثمار مناسبة استشهاد الامام الحسين كرمز للشجاعة والدفاع عن المبادئ وتأصيل وترسيخ الاهداف التي دفع حياته في سبيلها، ولتجاوز الطائفية السياسية.
 
ويمكن أن يلعب رجال الدين والمراجع دوراً مهماً في هذا المضمار لإستخلاص الدروس والعبر وتوعية جمهور العامة وتوجيههم صوب الوحدة والائتلاف والشراكة في الوطن الواحد وبعيداً عن عوامل الفرقة والاحتراب، بدلاً من تشجيع التمترسات الطائفية أو الشحن الطائفي لأغراض سياسية قصيرة النظر، فسرعان ما ستتحول هذه إلى ردود فعل كبيرة، سيدفع المجتمع العراقي كلّه ثمنها بما فيهم من يشجع عليها ويستفيد منها.
الجنسية والتجنّس
واذا عُدنا إلى القوانين العراقية فنراها تنفرد عن غيرها من القوانين في موضع الجنسية فهي تشترط على المواطن ليس إكتساب الجنسية وحسب، بل شهادة الجنسية العراقية، وحسب معلوماتي فانه لا يوجد قانون في العالم يتطلّب الحصول على شهادة للجنسية بعد الجنسية. ان وضع مرحلتين: مرحلة الجنسية ومرحلة شهادة الجنسية، استهدف وفقاً للسياسة البريطانية عند احتلال العراق وعقاباً على ثورة العشرين، تجزئة المواطنين العراقيين وبشكل خاص إحداث صدع بين المسلمين. وعلى الرغم من إلغاء بعض القرارات ذات المسحة الطائفية مثل قرار مجلس قيادة الثورة رقم 666 الصادر في 7 أيار (مايو) 1980 بخصوص عملية التهجير، فإن موضوع شهادة الجنسية لا يزال قائماً، الأمر الذي يحتاج إلى دراسة وإعادة نظر والاطلاع على أنظمة الجنسية في العالم للاستفادة منها ولا أظن أن وجود مرتبتين للجنسية أمر مقبول، إذ لا يكفي أن يولد الإنسان في العراق أو من أب أو أم عراقية ليصبح عراقياً.
 
وقد عالجت ذلك في كتابي "عاصفة على بلاد الشمس"، الصادر في بيروت عام 1994 وقد استكملت دراسة قوانين الجنسية العراقية وعلاقتها بالهوية والمواطنة بكتاب صدر العام 2009 عن الدار العربية للعلوم، بعنوان "جدل الهويات في العراق: المواطنة والدولة".
يمكنني القول أن هناك معايير يتم منح الجنسية بموجبها، مثلما هناك ضوابط، وهي بتقديري تقوم على مبدأين هما:
1- مبدأ البنوّة أي الولادة، أو ما يسمى رابطة الدم، وهو ما أخذ به قانون الجنسية العراقية لعام 1924، فمن كان أبوه عراقياً(عثمانياً) فهو عراقي طبقا لهذه الرابطة ويحمل فئة "أ"، ومن لم تكن أصوله "عثمانية" فإنه يصنّف بالفئة "ب" وللاسف فان تطبيقات هذا القانون فضلاً عن موضوع شهادة الجنسية المؤقتة وقضية التبعية والفئة "ب" شكلت عائقاً أمام العدالة في منح الجنسية العراقية.

2-  مبدأ الإقليم أي الدولة التي يولد فيها المولود بغض النظر عن جنسية الأب، وتمنح عدداً من القوانين الأوروبية الجنسية للمولود الجديد الذي يولد على الارض (الاقليم) وضمن سيادة الدولة بحدودها الجغرافية بما فيها الطائرة، الباخرة، القطار..الخ الذي تكون عائديتها إلى الدولة المعنية.
ويخصّ هذا الأمر الجنسية الأصلية، أما الجنسية المكتسبة فيمكن الحصول عليها أما بالولادة أو بالاستقرار لمدة طويلة ومتّصلة حسب قانون كل بلد وعلى أسس تقديم طلب للسلطات المسؤولية وموافقة الاخيرة عليه.
واذا عدنا إلى حقيقة أوضاع المهجرين.. فقد برّرت السلطات العراقية عملية تهجيرهم، بالاستناد إلى الأصول العرقية وإلى الولاء السياسي، فاكتشفت إن أصول البعض ليست عربية حتى وإن كان الامر يمتد إلى 200 أو 300 سنة، كما حصل مع عائلتي الجواهري والخليلي وغيرهما، من تلك الأسر التي قدّمت خدمات جليلة للعربية، يكفي الأمّة ان ينتمي اليها شاعراً عملاقاً كالجواهري، أضاف إلى العمارة العربية التي بناها وقوامها: عشرون الف بيت من الشعر على مدى ثمانية عقود تقريبا، فجامع الجواهري الذي مضى على تأسيسه نحو 200 عام ومدرسة الخليلي في النجف، خرّجت مئات وربما الآلاف من الطلبة الدارسين على مدى عقود من الزمان، وهما أحد شواخص النجف المدينة العربية العريقة حيث مرقد الامام علي.
إن ربط الولاء السياسي بالحكومة وليس بالوطن، اضافة إلى نبش الاصول العرقية، أثار إستفزاز المشاعر الوطنية وخدش التسامح الديني والمذهبي والتعايش بين التكوينات، خصوصاً وإن الحملة كانت شاملة واستهدفت جزءًا مهماً من عرب العراق في الوسط والجنوب، مما أضفى عليها بُعداً خطيراً ليس على أوضاع الحاضر بل على أوضاع المستقبل.
ومقابل اللاابالية والانفلات والعنف بدأ ينتشر وبخاصة في الخارج ولدى بعض الفئات الدنيا الشعور بالانعزال أو التمايز جرّاء رد الفعل و"المظلومية". وغذّت بعض القوى الخارجية الاقليمية والدولية مثل هذا الشعور لأغراضها ولمصالحها الخاصة للامعان في تمزيق المجتمع العراقي وانهاكه، وهو الوجه الآخر لنهج الحصار الدولي الجائر وسياسة النظام السابق وممارساته الطائفية المشحونة بالعداوة والبغضاء، خصوصاً التي امتازت بها فترة الحرب العراقية- الإيرانية.
إن الغالبية الساحقة من المهجّرين العراقيين، لم يكونوا موالين للسلطات الحاكمة لكنهم: "عراقيون أباً عن جد ولدوا في العراق وعاشوا فيه ولم يعرفوا وطناً سواه"، وقسمٌ منهم دخل سلك العسكرية أو أدّى الخدمة الالزامية ودافع عن الوطن أو استشهد آباؤهم أو أولادهم أو أخوانهم، كما قدّم قسم منهم أعمالاً جليلة لتقدم العراق وازدهاره.
ولا أعتقد أنه في العالم المعاصر اليوم من يبحث في الأصول العرقية أو الإثنية لإضطهاد العنصر الآخر أو لتكوين شعب صاف من عنصر نقي، خصوصا وان النظريات الانثربولوجية قد أكّدت عدم علمية هذه الانتقائية وعدم جدواها.
وللأسف الشديد لم تميّز الحكومات العراقية وخصوصاً غلاتها من المتعصبين بين الدولة والسلطة أو الحكومة، فتصرّفت وكأنها هي الدولة وليست سلطة مرحلية، فتماهت مع الدولة، بل اعتبرت نفسها بديلاً عنها، في حين أن السلطة زائلة أو متغيّرة والدولة باقية ولها صفة الدوام (نسبياً) كما تصرّف بعض المعارضين من المنطلق نفسه حين جعلوا خصومتهم مع الدولة وليس مع السلطة، بل إن بعض توجهاتهم اتخذت موقف العداء من الدولة وليس من السلطة حسب، ولعل المثال على ذلك كان بيان حقوق الشيعة، كان طائفية بالمقلوب لبعض التصرفات الطائفية التي انتهجتها الحكومة العراقية، سواءً بالتهجير أو اسقاط الجنسية أو لبعض جوانب التمييز، والأخطر من ذلك حين استعان البعض بالقوى الخارجية، التي أوحت له بمثل هذا التحرك طمعاً في الحصول على مواقع وامتيازات لاحقاً، وكان ريشارد دوني (منسّق المعارضة) وراء مثل هذا التوجّه بعد قانون تحرير العراق الذي صدر عن الكونغرس الاميركي العام  1998،  فإذا كان البعض ينتسب في شيعيته للإمام علي للمثل والقيم التي دعا اليها واستشهد من أجلها، فإن بيان شيعة ريشارد دوني سرعان ما اختفى بعد أن استنفد أغراضه باحتلال العراق، ولعل هذا الكلام قلت في حينها وهو أمرٌ يستحق التأمل والتفكّر ليس بأوضاع الماضي فحسب، بل بأوضاع الحاضر واستشرافاً بأوضاع المستقبل.
إن تركيبة الشعب العراقي وإن كانت بأغلبيتها الساحقة من العرب، غير أنها تتكون من خليط وفسيفساء بشرية تعكس التنوع والتفاعل الحضاري، واذا كانت غالبية سكان الجنوب والوسط والغرب والشمال الغربي من عرب العراق، فان أغلب سكان كردستان هم من الأكراد إضافة إلى التركمان والاشوريين وأقليات اخرى، وليس ذلك مدعاة للنقص أو العيب بقدر ما هو مصدر تكامل وقوة تعددية ووحدة في الآن، فمع الاختلاف هناك عناصر جذب واستقطاب في اطار الوحدة.



241
الميثاق الاجتماعي العربي: تنازع شرعيتين   

عبدالحسين شعبان
حين يخصص منتدىً فكري ندوة حوارية لخبراء ومفكرين وممارسين عرب لمناقشة فكرة إبرام ميثاق اجتماعي عربي، فهذا يعني استشعار النخبة بضرورة وراهنية المسألة التي تمثل حاجة ماسة وليست ترفاً فكرياً، لاسيما أنها تأتي بعد التغييرات العاصفة في الوطن العربي خلال العام المنصرم، والتي لا تزال مفاعيلها وتأثيراتها مستمرة .

الميثاق يستهدف إعادة مناقشة وتركيب العلاقة بين الحاكم والمحكوم وفقاً لعقد جديد، لاسيما أن العلاقة السابقة اختلّت إلى درجة لم يعد بالإمكان الاستمرار بها بصيغتها القديمة، خصوصاً بعد تصدّع شرعيتها وتآكلها، الأمر الذي يستوجب شكلاً جديداً قائماً على التوافق لتنظيم هذه العلاقة . ومن جهة أخرى فإن الميثاق يسعى أيضاً ليكون مرجعية لتنظيم العلاقة بين المحكومين أنفسهم وفقاً لمبادئ عصرية، تنسجم مع ما توصّلت إليه البشرية عن شكل نظام الحكم، فضلاً عن علاقتهم مع بعضهم، وليس ذلك بعيداً عن الحداثة والعقلانية والمدنية والديمقراطية، دون نسيان إمكانية استلهام ما يتساوق مع مشروع النهضة والتاريخ العربي- الإسلامي، ولكل مجتمع خصوصيته وإن كانت هناك قواعد عامة تعنى بها البشرية وتشكل مشتركاً إنسانياً جامعاً .

لعل الاهتمام بمشروع الميثاق استند إلى حوار معلن ومضمر لعقود من الزمان، مسموح وممنوع أحياناً ونعني به معيار شرعية أي نظام، لاسيما وقد طرح الربيع العربي مسألة الشرعية على بساط البحث وعلى نحو حاسم، خصوصاً النزاع بين شرعيتين إحداهما أصبحت محل تآكل وتساؤل وذبول وانحلال، لاسيما بعد أن أطيح بعضها، والثانية لم تولد بعد أو لم تكتمل، وقد صاحبت بعضها مخاضات عسيرة، وهناك معوّقات أو محاولات هيمنة أو تأثيرات إقليمية أو دولية عليها، خصوصاً وقد انشغلت هي باحترابات أهلية أو اقتربت منها، ولم تستطع حتى وإنْ أطاحت الأنظمة تحقيق السلم الاجتماعي، باستمرار حالة الفوضى والعنف وبعض مظاهر عدم الأمن والأمان، التي قد تستمر لفترة أطول .

عاشت المنطقة بعد حصول الدولة العربية المعاصرة على استقلالها ومنذ الخمسينات على تنازع شرعية ثورية مقابل شرعية دستورية حتى وإنْ كان ينقص الأخيرة الكثير من الجوانب الحقوقية، والإنسانية وكانت كلّما توغّلت ما أطلقنا عليه “الشرعية الثورية” كلما انخفض منسوب حكم سيادة القانون، وسادت إجراءات الطوارئ والأحكام العرفية وحصّن الحكام أنفسهم إزاء المساءلة، فضلاً عن تعتّقهم في الحكم، فباتوا آباء الثورة والشرعية في آن، تلك التي لا ينازعهم عليها منازع، سوى رغباتهم وإراداتهم أو إلغائها بإرادات أخرى، تعزف على اللحن الثوري نفسه ولا تريد من المحكومين أن يسمعوا لحناً غيره .

وبقدر ما كان الربيع العربي مفاجأة سارّة للكثيرين، أثار قلقاً مشروعاً حول المستقبل، لاسيما أن غالبية التغييرات التي حصلت في الوطن العربي، ظلّت مفتوحة الاحتمالات، بل صاحبتها بعض المخاوف من قبيل صعود التيار الإسلامي وهيمنته على مقاليد الأمور في ظل اختلال موازين القوى لمصلحته وغياب ميثاق اجتماعي توافقي قانوني وسياسي واقتصادي للمرحلة الانتقالية وللمرحلة التي يمكن أن تليها، خصوصاً لتأسيس أنظمة عصرية جديدة .

لقد أكّد الربيع العربي الذي حمل معه تحديات كبيرة، أن العالم العربي ليس استعصاء مثلما تصوّر البعض، كما أنه ليس استثناء عن سلسلة التحوّلات التي حصلت في العالم، فموجة التغيير الديمقراطي التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، ولاسيما بعد انهيار الفاشية والنازية وإحداث تطور في نظام العلاقات الدولية والقانون الدولي وخصوصاً عند تأسيس الأمم المتحدة، استمرت في التصاعد، حيث شملت بعض دول أوروبا الغربية التي ظلّت بعيدة عن رياح التغيير حتى أواسط السبعينات، مثلما حصل عند إطاحة نظام الدكتاتور سالازار في البرتغال وبعد موت فرانكو الذي حكم إسبانيا بالحديد والنار ما يقارب أربعة عقود من الزمان،  كما أزيح نظام العسكر في اليونان بانقلاب عسكري مهّد للتغيير الديمقراطي، كما جرى في البرتغال .

ولحقت أوروبا الشرقية في أواخر الثمانينات بأوروبا الغربية، لاسيما بعد انهيار جدار برلين في العام 1989 وتهيئة مستلزمات الانتقال الديمقراطي بعد تغيير الأنظمة الشمولية، التي حكمتها منذ الحرب العالمية الثانية، ووصلت تلك الموجة إلى الاتحاد السوفييتي الذي تشكل كنظام بعد الحرب العالمية الأولى بانتصار الثورة الاشتراكية الأولى في العالم عام ،1917 الأمر الذي قاد إلى تفكيكه إلى 15 دولة مثلما تم تفكيك يوغسلافيا إلى 5 بلدان، وانقسمت جمهورية تشيكوسلوفاكيا إلى جمهورية التشيك وجمهورية السلوفاك، والتحقت ألمانيا الديمقراطية بألمانيا الاتحادية، وسارت بولونيا وهنغاريا وبلغاريا في طريق التغيير السلمي السلس وتحوّلت إلى الديمقراطية، في حين اتخذ التغيير العنفي سبيلاً إلى رومانيا .

وإذا كان هناك بعض المعوّقات والعراقيل مثل وجود واستمرار الصراع العربي-” الإسرائيلي”، كتحد خارجي خطر يهدد الكيانات العربية ككل، لاسيما عدوان “إسرائيل” المتكرر وقضمها للأراضي العربية، يضاف إليه وجود النفط كمادة يسيل لها لعاب القوى الدولية المتصارعة، الاّ أن البيئة الداخلية أخذت تنضج بالتدريج ذاتياً وموضوعياً، وقد أسهم الوضع الدولي وخصوصاً بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001 الإرهابية الإجرامية في تهيئة مستلزمات التحوّل الديمقراطي دولياً، الأمر الذي ساعد على ولوج طريق الانتقال الديمقراطي وإن كان بأثمان باهظة أحياناً، حين امتزج بالتدخل الخارجي وخاصة العسكري .

لقد أعاد الحراك الشعبي، الوطن العربي إلى السياسة التي تم النظر إليها باعتبارها حكراً على مجموعة متنفّذة أو فئة متسيّدة أو نخبة متحكّمة، فدفع الملايين من الناس إلى الساحات والشوارع لتدعو إلى شكل جديد لعلاقة الحاكم بالمحكوم، بحيث يستطيع الأخير تغيير الأول على نحو دوري، ولا يستطيع الأول أن يحكم إلاّ برضا الناس الذين من حقهم استبداله، فهم من يحدد ملامح المستقبل، بقبولهم أو رفضهم للحكّام .

وبقدر استعادة السياسة دورها من جانب الناس وهم صنّاعها، فقد أعيد في الوقت نفسه للسياسة بريقها ووهجها، باعتبارها حسب ابن خلدون بحثاً في الخير العام، مثلما كشفت خطل السياسات التقليدية في الحكم والمعارضة التي اعتمدت الإقصاء والتهميش .

ولعل ما شهدته البلدان العربية يترجم بجلاء الآثار الناجمة والخطرة المترتبة على غياب وجود ميثاق يلتزم به الجميع كإطار ناظم أساسه العدالة الاجتماعية والتقدم والرفاه الاجتماعيان، عدا ما يعاني العالم العربي من انكشافات علمية وتكنولوجية وصناعية وثقافية وإعلامية ومعرفية وغذائية وأمنية كبيرة، وهذه كلّها يمكن أن تكون في صلب الميثاق العربي المنشود .

يضاف إلى ذلك الضغوط السكّانية على اختلاف أنواعها وغياب مبدأ المساواة وصعود واستشراء النعرات الطائفية والعنصرية والجهوية والمناطقية والإقليمية، وخصوصاً في ظلّ التنكّر لحقوق المواطنة المتكافئة، ونشوب نزاعات مختلفة قادت إلى تفتيت المجتمعات العربية .

كما أن غياب الأمن الإنساني والاقتصادي والاجتماعي والحقوقي والنفسي وعدم الاعتراف بالتنوّع الثقافي والديني والإثني واللغوي والسلالي، أسهم في انكفاء المجتمعات العربية وأدّى إلى تراجع مسارها في تحقيق ما طرحته فترة ما بعد الاستقلال .

إن تغييب أو عدم الاعتراف بدور “الفضاء الثالث” الرديف والشريك للدولة، ونعني به المجتمع المدني، الذي يمكن أن يتحوّل إلى قوة اقتراح للقوانين والأنظمة ورقيب وراصد على تنفيذها، أسهم في وصول السلطات الحاكمة إلى طريق مسدود، لاسيما بخصوص انغلاق شرعيتها وانزياحها . وبالقدر الذي ازدادت الحاجة إلى الاعتراف بدور المجتمع المدني فإن هذه تعكس الرغبة والضرورة إلى الميثاق الاجتماعي المنشود، ببعده السياسي والديمقراطي، والدستوري والقانوني، والاجتماعي والاقتصادي، والتربوي والبيئي والصحي، للخروج من مأزق المجتمع الريعي، إلى فضاء المجتمع الإنتاجي، ومن مجتمع الاستهلاك إلى مجتمع الإنتاج، وتلك واحدة من أسس التغيير وحقائقه الجديدة، وهو ما كان محلّ نقاش جاد ومسؤول في “منتدى الفكر العربي” في عمّان لنخبة متنوعة المشارب والاتجاهات ومن بلدان عربية مختلفة، توصلت إلى ضرورة دعوة مئة مثقف عربي لمناقشة الفكرة تساوقاً مع أفكار وأطروحات تتعلق بالمشروع النهضوي والقواعد المافوق دستورية أو بالعقد الاجتماعي المنشود .

* باحث ومفكر عربي

242
الشيوعيون والوحدة العربية
حوار مع الأكاديمي والمفكر الدكتور عبد الحسين شعبان -13
   أجراه: توفيق التميمي   
   تاريخ النشر       11/04/2012 04:23 PM   


 
(القسم13)
 
مواقف من الحرب
أستطيع القول إذا اعتبرنا قيام الدولة الصهيونية العام 1948 والكارثة التي حلّت بالشعب العربي الفلسطيني حدثا من أخطر الأحداث التي مرّت بالمنطقة، فإن اندلاع واستمرار الحرب العراقية- الإيرانية لنحو 8 سنوات يعتبر واحداً من الكوارث الكبرى التي حلّت بالمنطقة وصولاً إلى الاحتلال الأميركي بالعراق.
وبقدر ما تثير الحرب العراقية- الإيرانية من إشكالات عسكرية وسياسية دولية، فإنها أثارت في الوقت ذاته إشكالات نظرية وعملية، ولعل الموضوعة الأساسية في تلك  الإشكاليات هي التي برزت في الآراء والمواقف المتباينة والمختلفة حول وجهات النظر من مسألة إنهاء الحرب أو استمرارها؟
كان البعض يعتقد أن " استمرار الحرب" هو السبيل الكفيل بإسقاط نظام صدام حسين، مثلما كانت تعلن إيران ذلك" تبريراً" لاستمرارها في الحرب. وتؤيدها في ذلك القوى الإسلامية، وقد ذهب ما يسمى " مؤتمر نصرة الشعب العراقي" الذي انعقد في طهران 24-27 كانون الأول (ديسمبر) 1986، إلى ذلك مقتفياً الموقف الإيراني، حين دعا إلى " استمرار الحرب حتى الإطاحة بنظام صدام حسين" ومن الجدير بالذكر أن هذا المؤتمر الذي أريد له تزكية للموقف الإيراني، خصوصاً لهجوم كربلاء الذي جرى الإعلان عنه بصخب وضجيج عشية انعقاد المؤتمر، قد شاركت فيه بعض القوى القومية الكردية التي أعلنت إنحيازها لإيران، إضافة إلى القوى الدينية وبعض الشخصيات العراقية، في حين قاطعه الشيوعيون والبعثيون وبعض القوى والشخصيات الوطنية والقومية، خصوصاً من وصلته دعوات أو استطلع رأيه بالحضور، فاعتذر.
وبصرف النظر عن النوايا والدوافع والتكتيكات والأهداف التي تكمن وراء تلك الأطروحات، الاّ أنها حسب تقديري لم تكن تقيم وزناً لمخاطر دخول جيش أجنبي إلى العراق، خصوصاً في ظل تصاعد المشروع التوسعي الإيراني، الذي كان يعلن صراحة عن هدفه بإقامة نظام حكم إسلامي في العراق بعد إسقاط صدام حسين.
ويمكن القول أن هذا التقدير الخاطئ ينطلق من رؤية خاطئة وضارة للحركة الوطنية العراقية، وهو ذات التقدير بشأن تأييد الحصار على العراق طوال أعوام التسعينيات وصولاً إلى الاحتلال العام 2003، وهو ينطلق من رؤية تعويلية على الخارج وشعور بالعجز وحالات يأس مريرة ونظرة تشاؤمية، إضافة إلى ما في بعضها من عدمية وطنية وقومية لا تأخذ بالحسبان المخاطر التي تهدد العراق ومساعي القوى الامبريالية الهادفة إلى تمزيقه وتقسيمه إلى دويلات وهو ما ورد في تصريحات لبعض القوى السياسية الكردية لجريدة اللوموند الفرنسية في نيسان 1987، فضلاً عن أبعاد المشروع الإمبريالي- الصهيوني الجديد الرامي إلى تفتيت دول المنطقة وتحويلها إلى كانتونات طائفية وعنصرية وفئوية.
إن الاستهانة بموضوع " إنهاء الحرب" وتأجيلها إلى ما بعد إسقاط النظام الدكتاتوري، كان يعني فيما يعنيه استمرار الحرب وإلحاق المزيد من الكوارث والويلات والمآسي بالشعبين العراقي والإيراني، فضلاً عن كونه يلحق أفدح الأضرار بالنضال ضد الدكتاتورية ومن أجل إسقاطها وإقامة البديل الوطني المنشود، ودرء الاحتلال الإيراني ومنعه من التقدم أكثر فأكثر داخل الأراضي العراقية.
بتقديري أن الموقف الصحيح والمسؤول كان هو الذي ينطلق من روح الشعور بالمسؤولية إزاء المصالح العليا للشعب العراقي والمصالح القومية العليا لحركة التحرر الوطني العربية. فاستمرار الحرب وما كان سينجم عنها من مضاعفات وتعقيدات، وآلام واحتمالات سوف لا يؤدي إلى خدمة هدف إسقاط الدكتاتورية، بل يعرقل نضال الشعب العراقي وتحرك قواه الوطنية والتقدمية ومن موقع وطني عراقي ثابت لإسقاطها، بما فيها بعض القوى من داخل النظام نفسه.
ولذلك فقد كان إنهاء الحرب ورفض الاحتلال الإيراني للأراضي العراقية والوقوف بوجه الخطط الحربية والأطماع التوسعية الإيرانية، أرضية سليمة لإسقاط الدكتاتورية وتعبئة كل الطاقات الشعبية والوطنية، ومنها داخل القوات المسلحة، للتخلص من الدكتاتورية وإقامة البديل الوطني الديمقراطي.
وهنا كان لا بدّ من بذل جميع الجهود عراقياً وعربياً ودولياً لشعار إنهاء الحرب المدمّرة وحشد جميع الطاقات تحقيقا لهذا الهدف، كما كان يقتضي الأمر التمييز والتفريق بين الدعوات لرفض الاحتلال الإيراني للأراضي العراقية، ومن أي جهة كانت والحفاظ على الاستقلال الوطني وصيانة السيادة الوطنية ووحدة الأراضي العراقية، وبين دعوات النظام الدكتاتوري للدفاع عن نفسه، كما ينبغي أن لا تفضي الدعوة لإنهاء الحرب لخدمة النظام الدكتاتوري، بل لتسهيل مهمة إسقاطه.
وبعد فالحرب العراقية- الإيرانية، فصل من أعنف وأقسى الفصول المأساوية في تاريخ المنطقة، وكان لا بد لهذه المأساة أن تنتهي وأن تتوقف وأن يصار إلى تسوية عادلة وسليمة تضمن مصالح وحقوق الشعبين والبلدين ومصالح حركة التحرر الوطني في المنطقة، على أساس قواعد القانون الدولي المعاصر وميثاق هيئة الأمم المتحدة ، وتعيد البلدين إلى ركب البلدان المتحررة في النضال ضد الإمبريالية والصهيونية والرجعية، وبدلاً من الإنهماك بإعادة الإعمار وبناء ما خرّبته الحرب والتوجه لتحقيق التنمية وحل مشكلات البلاد السياسية والاقتصادية، بما فيها مشكلة الحكم نفسه، فقد إتجه النظام في العراق إلى مغامرة جديدة، لاسيما باحتلال الكويت.
لا يستطيع أحد أن يجادل اليوم أن شعار استمرار الحرب كان شعاراً صحيحاً، مهما كانت المبررات، لاسيما وأن الكارثة حلّت بالشعبين وأزهقت مئات الآلاف من القتلى والجرحى وعشرات الآلاف من الأسرى، كما لا يستطيع أحد أن يجادل اليوم أن استمرار تجويع الشعب العراقي لمدة 13 عاماً كان صحيحاً أو ثمناً مقبولاً لشن الحرب على العراق للاطاحة بالنظام، ولكن البعض قد يبرر اليوم تلك المواقف بالقول أنه لم يكن العنصر الحاسم في استمرار أو وقف الحرب أو في فرض الحصار واستمراره من إلغائه، لأن الأمر كان بيد القوى الدولية المتنفّذة، التي لم ترغب بوقف الحرب، بل أرادت استنزاف طاقات البلدين وانهاكهما لكي يتم إشغالهما عن مشكلات التنمية الانسانية بكل حقولها، فضلاً عن إبعادهما عن دائرة الصراع العربي- الاسرائيلي جوهر مشكلة الشرق الأوسط.
كما أن سياسة فرض الحصار والعقوبات على العراق كانت تستهدف الاحتواء فالاطاحة، وتلك القناعة كانت سائدة في عهد الرئيس كلينتون وأصبحت تدريجياً تعني الاحتواء المزدوج (العراق- ايران)، لكن صدور قانون تحرير العراق من الكونغرس 1998 وصعود مجموعة الصقور لاسيما في عهد الرئيس بوش الإبن، بما فيهم بول وولفتز وديك تشيني وكونداليزا رايس ودونالد رامسفيلد وآخرين فضلاً عن أحداث 11 أيلول (سبتمبر) الارهابية الإجرامية في العام 2001 كان وراء الإسراع بعملية غزو العراق واحتلاله.
ولكن القوى الدولية كانت تحتاج إلى أصوات عراقية مؤيدة لخططها وهو ما حصل من جانب بعض القوى المعارضة. وإذا كان صحيحاً أنها لم تكن القوى الحاسمة أو المقررة أو المؤثرة  في القرار، لكن الواجب الأخلاقي والإنساني والاعتباري كان يقتضي عدم تأييد استمرار الحرب أو تأييد فرض الحصار أو تأييد احتلال العراق، حتى وإن كانت قد استمرت في النضال للاطاحة بالنظام الدكتاتوري الذي دفع العراق إلى كل تلك الكوارث، وحتى لو استفادت موضوعياً من البيئة المعادية لنظام الحكم في العراق، لكن ذلك شيء مختلف عن الإنخراط في المشروع الخارجي، الذي أوقعها في ورطة حقيقية.
أتذكّر أن الكثير من الأصوات إختفت بعد وقف الحرب العراقية- الإيرانية ونقل البعض رحيله من القوى الإقليمية بما فيها إيران إلى القوى الدولية، لاسيما بعد مغامرة الحكم في العراق لغزو الكويت في العام 1990، الأمر الذي دفع بعض القوى الدينية التي كانت ترفض التعاون مع القوى الأخرى، لاسيما قوى اليسار، إلى القبول بها والجلوس معاً في لجنة العمل المشترك 1990 ومن ثم في مؤتمر بيروت في العام 1991 والمؤتمر الوطني العراقي في العام 1992.
ولعل الموقف من الحصار والتعويل على القوى الخارجية كان محط جدل جديد، الأمر الذي أدى إلى انسحابات وتصدّعات في المؤتمر الوطني العراقي، ولم يحضر العديد من القوى مؤتمر ونزور العام 1999 ومؤتمر نيويورك ومؤتمر لندن العام 2002، بسبب تلك التوجهات، حتى أن حزبي الدعوة والحزب الشيوعي وإن ظلّت علاقاتهما قائمة مع أطر المؤتمر الوطني، لكنهما لم يكونا قادرين على حضور المؤتمر بأجنداته المعلنة، وإن أيّداها موضوعياً، الأمر الذي بدا محرجاً لهما وللعديد من القوى والشخصيات الوطنية.
العروبة والقومية والأممية
* تقول عن نفسك أنك تعتز بانتسابك إلى الأمة العربية وأنك عروبي غير تقليدي، ما الذي تقصده بذلك؟ ألا يفسر الأمر تراجعاً أو نكوصاً عن الأممية التي تبشر بها؟ ثم هل ثمة عروبة غير ما خلفته حكومات العروبيين والقوميين من ذكريات وقمع وانتهاك وبؤس؟ خذ مثلاً التجربة الناصرية العروبية والصدامية العروبية اللاحقة لها... ألا تعتبر أن العروبة والقومية في هذه اللحظة تعدّ استفزازاً لضحايا الحكام الذين لم يجدوا الاّ في العروبة والقومية كمراكب لسلطتهم الجائرة والبربرية؟
- هذا سؤال وجيه لاسيما وهناك تشوش وإلتباس يتعلق بالمفاهيم، فالقومية غير العروبة وللأسف فقد حوّل " القوميون" العروبة إلى " قومية"، في حين أن العروبة  كانتماء وجداني وشعوري وعاطفي أمرٌ موضوعي، أي أن يكون شعور العربي عربياً ، والتركي تركياً والفارسي فارسياً والكردي كردياً والروسي روسياً والفرنسي فرنسياً وهكذا، ولكن هناك سجال حول الفكرة القومية، لاسيما إذا أردنا نقلها من حيّز الأفكار إلى حيّز الواقع، كما حصل في القرن العشرين من محاولات لتقليد الفكر القومي الأوروبي، ما حوّل العروبة إلى أيديولوجيا قومية وأدّى الى إحداث نوع من الالتباس والتشوش بالنسبة لانتماء المواطن، وقاد إلى تعميق إحساسه بالتجزئة والانقسام على الذات، أضف إلى ذلك أن تحوّل الفكرة القومية بوصفها "إيديولوجيا" إلى نظام سياسي حمل معه الكثير من مظاهر وممارسات الاستبداد والديكتاتورية والتسلّط، ونجم عنه ردود فعل لا بخصوص تلك الممارسات حسب، بل إزاء الفكرة القومية العروبية الوجدانية.
قلت أنا عربي وأشعر باعتزاز بعروبتي ولعل أي إنسان سوي يشعر باعتزاز بآرومته وانتمائه الوجداني، التلقائي، الطبيعي، أما إذا أريد للعروبة أن تصبح قومية بمعنى آيديولوجيا، فإن الأمر سيكون مختلفاً تماماً، ولعل الطامة الكبرى عندما تتحول إلى نظام سياسي، فإن التسلط سيكون رديفاً لها ولأية قومية استعلائية حاكمة، لا في العالم العربي حسب، بل على مستوى دول المنطقة الفارسية والتركية والعالم أجمع وهنا هو الفارق.
وبالمناسبة ليس هناك تعارضاً بين اعتزازي بانتمائي العروبي وبين عراقيتي وانحداري النجفي ونشأتي البغدادية، فأين التعارض في ذلك، ثم أين التعارض بين النظرة الإنسانية القائمة على المساواة وعدم التمييز بين البشر، سواءًَ على أساس قومي أو ديني أو جنسي أو لغوي أو إجتماعي أو غير ذلك.
ومن هذا المنطلق فأنا كنت على الدوام مؤيداً لحقوق الشعب الكردي، بما فيها حقه في تقرير المصير، وبالأساس إنطلاقاً من أمميتي، ناهيكم عن الجانب الانساني والحقوقي، للعلاقة مع الآخر، ووفقاً للمشترك الانساني. إن احترام الخصوصية والحق في التمسك بالهوية الفرعية، لاسيما الإثنية أو العرقية، هو أساس اختبار عروبة العربي الحقيقي، خصوصاً إذا كان يمثل أغلبية في إطار التنوّع الثقافي والهويات الفرعية المتعددة لمجتمع ما، وهو الذي يعطيه مثل هذا الواجب المشرف، لا العكس، عندما يمارس استعلائية وفوقية واضطهاداً للقوميات الأخرى، فذلك سيتخلى عن عروبته، مثلما يتخلى الكردي عن كرديته بالإنعزالية وضيق الأفق القومي والبعد التناحري الذي سبّبه الاضطهاد القومي المزمن والمعتق بإسم "العروبة" أو بغيرها!
ولعل ماركس هو من قال "أن شعباً يضطهد شعباً آخر لا يمكن أن يكون حراً"، ولا أظن أن الشعب العربي في العراق أو غيره هو الذي اضطهد الشعب الكردي أو مارس الاستعلاء عليه أو النظر اليه بدونية، بل أن الحكام بغض النظر عن قوميتهم هم الذين مارسوا الاضطهاد والتنكيل بالشعب الكردي ومنعوه من التمتع بحقه في تقرير مصيره واختيار شكل العلاقة الحرة والطوعية مع شقيقه الشعب العربي، الذي هو الآخر عانى من اضطهاد آخر سياسي وليس قوميا، في محاولة لتطويع إرادته بالوسائل المختلفة.
كان فهد أحد أبرز مؤسسي الحزب الشيوعي وأمينه العام هو الذي قال عشية إعدامه أنه وطني وعندما أصبح شيوعياً شعر بمسؤولية أكبر إزاء وطنه، أي أن أمميته، لم تمنعه من الاعتزاز بعراقيته، فلماذا تمنعني أمميتي من الاعتزاز بعروبتي وبعراقيتي وبغداديتي ونجفيتي، ولعل اللغة والدين هما الركنان الأساسيان في تكوين هوية الإنسان، وإن كان النظر اليها يختلف ويتطور، لاسيما فهماً وتفسيراً، لكنهما يظلاّن محمولين أساسيين مع الفرد في نشأته وتكوينه وتطوره اللاحق وفي هذا الجانب أشير إلى النقص الفادح في الفهم الماركسي، لاسيما العربي للمسألة القومية ومنها مسألة العروبة، ولا بدّ هنا من التأكيد أن هذا القصور الذاتي الذي انطوى عليه رؤية الماركسيين والشيوعيين العرب، تقوم على جانبين ، الأول عدم الانشغال بهذا الجانب المهم من البنية التكوينية للمجتمعات العربية، بل النظر اليها باستخفاف أحياناً.
والثاني هو أن وجهة النظر كانت أقرب إلى المفهوم الأوروبي المبسّط للقضية القومية، لاسيما الاستعانة بخطوطها المعرفية، كما هي دون التفكير بالاجتهاد النقدي أو التجديد النوعي المطلوب.
وكنت أرى أن عدم الاهتمام البحثي والمعرفي بالمسألة القومية، وقضية الوحدة العربية وسبل الاتحاد والمشتركات الانسانية ما بين الشعوب والبلدان العربية، إضافة إلى المسألة الفلسطينية، عرّض نظرة الشيوعيين العرب للإفقار، خصوصاً وقد ترافق ذلك مع بعض المواقف الخاطئة التي اتّخذتها غالبية الأحزاب الشيوعية، لدرجة تحوّل الكثير من الدعاة إلى مدافعين عن صحة وصواب تلك المواقف دون البحث في جوهر علاقتها بالفكر الماركسي.
وكان النشاط المحموم والصراخ والدعاية والتنديد والاحتجاج بمواقفنا من جانب الخصوم " القوميين" أثره في ذلك، وفي اتخاذ موقف دفاعي . ولعل واحداً من الأسباب هو الموقف السوفيتي الخاطئ من قرار التقسيم العام 1947 وما بعده في الاعتراف بدولة إسرائيل في 15 أيار (مايو) 1948 وتردّده في الموقف من فكرة الوحدة العربية، لاسيما عندما انطلق النقاش حولها عشية توقيع الوحدة الثنائية السورية- المصرية (شباط/فبراير/1958) وقيام الجمهورية العربية المتحدة أو بعد ذلك بحكم الحساسية والاختلاف حول الاتحاد الفيدرالي أو الوحدة الفورية، حين دار الصراع بين الشيوعيين والقوميين في العراق بعد ثورة 14 تموز (يوليو) العام 1958.
قد تكون وجهة نظر الحزب الشيوعي السوري، لاسيما قيادة الرفيق خالد بكداش الذي لم يصوّت على الوحدة، وغادر البلاد إلى موسكو، كانت وراء بعض التصوّرات السوفيتية، إنْ لم يكن خالد بكداش نفسه قد أخذ رأي موسكو بهذا الشأن، باعتبارها " الباب العالي"، ولعل نظرة الشيوعيين العرب ظلّت سلبية من قضية الوحدة العربية ولا تزال إلى الآن.
لقد تطور موقفي ورؤيتي للمسألة القومية، ليس في النظر إلى القوميات الأخرى فحسب، بل إزاء المسألة القومية العربية تدريجياً، ولم يكن ذلك دون معاناة أو ألم، وبقدر تأييدي لأي شكل من أشكال الاتحاد أو الوحدة أو أي نوع من التعاون والتنسيق بين العرب لاسيما وأن هناك ما يجمع البلدان العربية التي ظلّت جزراً متباعدة في حين يتجه العالم إلى التعاون والتنسيق بل والوحدة كما هو الاتحاد الاوروبي الذي يضم أمماً مختلفة ولغات متنوعة، بل وشعوباً كانت متصارعة ومتناحرة إلى وقت قريب، فإن نظرتي هي ذاتها إلى أي شعب مجزأ بما فيه الشعب الكردي وأنظر اليه من هذا الموقع في حقه في وحدة الأمة الكردية. ولكن أية وحدة ينبغي أن تقوم على أسس ديمقراطية ووفقاً لقناعة الشعوب ذاتها، كما أتمنى أن تقوم على أسس إجتماعية، تتعلق بالعدالة والمساواة وسيادة القانون، وكل ما له علاقة بخير الناس ورفاههم، خصوصاً بالتنمية الإنسانية.
لقد إعتبر بعض الشيوعيين والماركسيين كون الماركسية نظرية شمولية، بمعنى لا حاجة لها لأبحاث تفصيلية، لقضايا إشكالية مثل قضايا الوحدة، وكان الأمر يتطلب من الحركات الشيوعية إيلاء اهتمام أعمق وعناية أكبر بقضية علاقة الشعوب العربية مع بعضها البعض، لاسيما وأن المكوّن الجمعي للشعور الشعبي مهم، وذلك إذا أردنا الإستعانة بكارل غوستاف يونغ عالم الاجتماع، خصوصاً بما له علاقة بالطبائع الجمعية للمجتمعات العربية.
قلت في كتابي تحطيم المرايا: في الماركسية والاختلاف، وأكرر هنا وهو ما أقوله منذ ما يزيد عن ربع قرن بنقد ذاتي: ومثلما تركنا خزانة الكتب التاريخية والدينية، للقوى الاسلامية أو " الاسلاموية" فقد أدرنا الظهر للتراث العربي والانتماء التاريخ والمشترك الانساني الذي يجمع العرب واعتبرناه من غختصاص أحزاب قومية وفي الغالب قوموية وكنّا نستصغر ذلك، علماً بأن نظرة غالبيتها لم تكن بعيدة عن الفكرالأوروبي إزاء مسألة القومية. وللأسف فقد استطاعت هذه الأحزاب والقوى تجيير مسألة العروبة لصالحها، بل أنها سحبت الشارع أحياناً إلى صفّها، وهي بعيدة كل البعد عن تحقيق مستلزمات العروبة والانتماء الذي تجسّده أو ترتقي اليه.
ولم تدّخر هذه القوى والأحزاب وسعاً حتى كادت أن تنفرد بإدعاء الوعي التاريخي بأهمية تلك الفكرة وتجسيداتها، كهوية خاصة ومكوّن أساسي، لا يمكن إغفاله أو التنكر له.
كنت ولا أزال أتوقف حائراً بعجب، وبقلق في الوقت نفسه كيف لشيوعي لا يعتز بقوميته. وفي الوقت الذي كنت أرى شيوعياً كردياً يفخر بكرديته (كراديتي)، بل بعضهم يشعر بالاعتزاز بفيليته، بعد عقود من النضال، ولا يقابل ذلك شيوعياً عربياً أو ماركسياً عربياً ذات الاعتزاز بعروبته. والأمر يحصل بذات الدهشة لي عندما أقابل شيوعياً روسياً أو تركياً أو إيرانياً أو فرنسياً، فأراه يعتز بقوميته وتراثها ولغتها، في حين كان بعض الشيوعيين ولا يزال البعض لا يجد وسيلة الاّ ويحاول فيها الانتقاص من الانتماء العروبي، وذلك في نظرة سطحية بأن العرب هم من كان يحكم العراق، وهو المعيار القوموي بالمقلوب للفكرة ذاتها، أما المعيار الطائفي والمذهبي، فيعتبر أن السنة هم حكام العراق، وعلى هذا المنوال يغزل البعض نسيجه من أن الشيعة هم من يحكم العراق الآن، ولذلك، كل ما يلصق سابقاً يكون باسم العرب والسنة، واليوم بإسم الشيعة الذي يرجع البعض إلى أصولهم الصفوية، في نظرة مسطحة لموضوع السلطة وتغوّلها بإسم هذا أو ذاك من المكوّنات أو دونها، ولكن بهدف إيجاد غطاء آيديولوجي، سياسي أو ديني، قومي أو مذهبي، للحكم ، أو هكذا يتصوّر خصومه أيضاً.
ولذلك كررت في مناسبات كثيرة اعتزازي بانتمائي لعروبتي وكأن في ذلك جزء من التعويض عن الحرج عند الحديث عن العروبة لدى أصحابنا من الماركسيين " الأقحاح"، في حين أنني أحترم وأقدّر حقوق القوميات الأخرى، لاسيما حقها في تقرير مصيرها وقيام كيانيتها المستقلة، في إطار تحوّل ديمقراطي حقيقي ومساواة تامة ومواطنة كاملة، وهذا الأمر هو الذي يؤاخذه عليّ البعض، فإما أن يعتبرني تخلّيت عن ماركسيتي الصارمة " النقية" لحساب الفكرة العروبية، أو أن البعض الآخر يعتبر إيماني بحق تقرير المصير، إنما هو جنوح باتجاه معاكس للعروبة وتأييد للانفصال وتقسيم العراق ودول المنطقة، خصوصاً المتعددة القوميات.
وإذا كان حسن الظن متوافراً، الاّ أن دهاليز السياسة وتقاطعاتها قد تذهب أبعد من ذلك، فتعتبر مثل هذا الموقف مجاملة أو ربما تواطؤاً سياسياً مع الكرد، وقد يذهب البعض أكثر من ذلك (حسب أصحاب نظرية المؤامرة)، في اعتبار الموقف الأول ممالأة وتساوقاً مع الحركة القومية العروبية النافذة أو القومجية في دعوتهم للعروبية" المرذولة" كما يعتقدون، وينّم كلا الموقفين من بعض "المتمركسين" أو غيرهم  من أصحاب النظرة التبسيطية عن رؤية أحادية، فإما أن يكون الأمر تعبيراً عن جنوح برجوازي أو برجوازي صغير أو تقلّب وقلق، وفي كل الأحوال  دليل عدم انحياز كامل أو ثابت، وتلك سمة الأفكار الشمولية النسقية التي لا تقبل أي قدر من الاجتهاد، لاسيما إذا بحثنا في الاتجاهين، في حين أن المسألة مركبة ومتداخلة ومفتوحة، بل متغيّرة في إطار الموقف الثابت من الانسان وحقوقه على المستوى الجماعي والفردي.
وفي إطار حسن الظن أيضاً يمكنني أن أتفهم الاصطفافات المسبقة والجوانب الانفعالية والعاطفية لدى البعض وعدم قدرتهم على قراءة واستيعاب الظاهرة المعقدة والمركّبة، فكيف يستقيم الأمر في كونك عروبياً وتدافع عن العروبة من خلال فهمك الماركسي النقدي، وأنت في الوقت نفسه مدافع عن حقوق الكرد، لاسيما المبدأ الحقوقي: حق تقرير المصير، بل وتعتبره الأساس في العلاقة مع الآخر.




243
حوار مع الأكاديمي والمفكر الدكتور عبد الحسين شعبان -6

أجراه: توفيق التميمي   
   
 
(القسم السادس )
 
الحركة الطلابية
* كيف تنظر إلى الدور الطلابي في الفعالية السياسية على ضوء تجربتك الذاتية بصفتك أحد الناشطين في الحركة الطلابية اليسارية منذ نهاية العهد الملكي، وأحد قادتها البارزين لاحقاً حتى مجيء حزب البعث ثانية إلى السلطة العام 1968 وما بعده؟
 
- في البلدان النامية ومنها بلدنا العراق، لعبت الحركة الطلابية دوراً مهماً في الحركة الشعبية في مختلف العهود، بحكم كون الطلبة فئة واعية ومثقفة، وهم ينحدرون من فئات وطبقات اجتماعية مختلفة، لكن ما يجمعهم هو الأهداف المهنية الموحدة. وتتأثر الحركة الطلابية بشكل سريع بالتحولات التي تجري  حولها، وغالباً ما تبدأ ردود الفعل منها، بحكم عنصر الشباب والحيوية وروح الاندفاع والحماسة والتنوّر، فضلاً عن كونهم يعيشون في مراكز تجمّع كبيرة كالجامعات والمدارس والأقسام الداخلية، التي توّفر فرصاً مناسبة لتبادل الرأي والتأثير والتحشيد لاتخاذ موقف معين.
الطلبة والشبيبة بشكل عام تميل إلى التجديد والتغيير، ورفض القديم وتقبّل الأفكار الحديثة والمبادئ التقدمية التي تلبي طموحاتهم وآمالهم، لذلك لعبوا دوراً في إشعال فتيل الانتفاضات والوثبات الجماهيرية، ضد الاستعمار والامبريالية والحكومات المستبدّة والدكتاتوريات. وإذا كان هذا الكلام ينطبق على الماضي، فلعلّه بعد نجاح انتفاضتي الياسمين في تونس وانتفاضة النيل في مصر، وانتشار حركة التمرد والتغيير في العالم العربي كلّه من أقصى المحيط إلى الخليج، يصّح إلى حدود كبيرة وحاسمة، حيث لعب الشباب دوراً ريادياً وطليعياً في التفكير والتخطيط والادارة والتنفيذ.
وقد سعت الحركة الطلابية لتنظيم نفسها منذ وقت مبكر، لاسيما بعد تأسيس الدولة العراقية في العام 1921 وتأسيس المدارس الحديثة، حيث ظهرت لجاناً لا صفّية للنشاطات الاجتماعية والفنية والرياضية، وكانت أولى النشاطات الجامعية في مدرسة الحقوق التي تأسست في العام 1908 وتحوّلت لاحقاً إلى " كلية الحقوق" وفي كلية الطب التي تأسست في العام 1927.
ولعل باكورة عمل الحركة الطلابية هو قيادتها لتظاهرة 8 شباط (فبراير) العام 1928 ضد زيارة الداعية الصهيوني الفريد موند إلى بغداد واصطدمت مع الشرطة معبّرة عن احتجاجها وسخطها للسياسة البريطانية إزاء فلسطين وإدانتها لوعد بلفور العام 1917 واتخذت السلطات الحكومية اجراءات تعسفية بفصل عدد من طلبة المدارس بينهم مدرسة الاعدادية المركزية في بغداد. كما ساهمت في رفض، معاهدة العام 1930 مع بريطانيا وفي الدعوة للإضراب العام في تموز (يوليو) 1931، ويمكن القول أن مهمات التحرر الوطني امتزجت بالمهمات المهنية إلى حدود كبيرة، خصوصاً في سنوات الحرب العالمية الثانية.
ومن المحاولات الأولى لتأسيس أول اتحاد طلابي كانت مبادرة عدد من الطلبة لتقديم طلب إلى السلطات الملكية لعقد مؤتمر طلابي العام 1945 وطالبت الترخيص لها للمشاركة في مؤتمر للطلبة العرب، الاّ أن الحكومة رفضت الطلبات المذكورة واعتقلت مقدميها، وكانت وثبة كانون التي أسقطت معاهدة بورتمسوث العام 1948 مناسبة جديدة لتشكيل لجنة طلاب الكليات والمعاهد وهي الظهير للجنة التعاون الوطني (اللجنة التي شكّلتها الأحزاب الوطنية).
وقد فرضت هذه اللجنة حضورها بعد الوثبة وبعد استشهاد عدد من الطلبة بينهم شمران علوان وقيس الآلوسي وجعفر الجواهري، وعملت لتأسيس إتحاد الطلبة العراقي العام، الذي انعقد في ساحة السباع يوم 14 نيسان (ابريل) 1948 ومثّل 52 كلية ومعهداً ومدرسة وحضره 102 مندوب، وكان الجواهري شاعر العرب الأكبر ضيف شرف عليه وألقى قصيدته الحماسية الشهيرة والتي يقول في مطلعها:
يوم الشهيد تحية وسلامُ   بل والنضال تؤرخ الأعوامُ
وإستبدل الجواهري يوم الشهيد "بيوم الشباب" مما أثار حماسة المشاركين، الذين حمتهم فصائل عمالية شيوعية ونقابية. وجرت الإشارة إلى أن الاتحاد يمثل طلبة العراق عرباً وأكراداً وأقليات، وتدريجياً تحوّل الاتحاد إلى منظمة جماهيرية وأصدر جريدة باسم "صوت الطلبة" التي تحوّلت لاحقاً إلى "كفاح الطلبة". وشارك الطلبة في انتفاضة تشرين الثاني (نوفمبر) ضد قانون رجعي للعام الدراسي 1952-1953، بشأن الدراسة في كلية الصيدلة والكيمياء وامتدت الشرارة لتشمل بغداد وعددا من المحافظات، كما شارك بفضح حلف بغداد الاستعماري العام 1955، وبعدها شارك على نحو فعّال بانتفاضة العام 1956 انتصاراً للشقيقة مصر ضد العدوان الثلاثي، وخلال تلك السنوات دفع ثمناً غالياً باستشهاد عدد من قياديه في سجن بغداد وسجن الكوت بينهم موسى سليمان عضو اللجنة التنفيذية ورؤوف صادق الدجيلي، كما استشهد قبلهم نعمان محمد صالح في إضراب سجن بغداد العام 1951 واستشهد عواد رضا الصفار وأحمد الدجيلي العام 1956. ومهّد الاتحاد مع القوى الأخرى للتحضير لجبهة الاتحاد الوطني.
وساهمت الانتفاضة والأجواء الإيجابية التي خلّفتها قيام الجبهة بانتعاش عمل الاتحاد في أواخر العام
1956 والعام 1957-1958 وخلال هذه الفترة انتظمنا في حلقات أصدقاء وشاركنا في فريق رياضي (بإسم أشبال الاتحاد) وكان إسم الفريق " الاتحاد" ويرأسه عبد الرضا فيّاض الذي حكم عليه لمدة عام وعام آخر تحت المراقبة. في هذه الأجواء المفعمة بالثقة والتفاؤل والتجربة المحدودة على الرغم من الاشتراك بتظاهرات العام 1956 نجحت ثورة 14 تموز (يوليو) 1958، التي عززت من دور الحركة الطلابية، لكنها في الوقت نفسه أحدثت شرخاً كبيراً في صفوفها، وقد انعكس الصراع الشيوعي – البعثي، القومي عليها.
وعلى الرغم من إجراء انتخابات للمؤتمر الثاني والثالث للاتحاد وفوز قوائمنا، الاّ أن الأمر زاد تعقيداً، وبدأت أشعر أن هناك قوى أخرى خارج الاتحاد. ولعل النقطة الفاصلة كانت بانعقاد المؤتمر السادس لاتحاد الطلاب العالمي في بغداد العام 1960، الأمر الذي دفع القوى البعثية والقومية إلى التفكير بإطار مستقل فشكّلت الاتحاد الوطني لطلبة العراق في 13 تشرين الثاني (نوفمبر) 1961، الذي إنضمّ إلى منظمة الكوسك " الندوة الطلابية العالمية" اليمينية والمشبوهة بتعبيرات الصراع آنذاك.
ولعل تأسيس الاتحاد الوطني لطلبة العراق كان مقدمة لقيادته إضراباً واسعاً تمهيداً للإطاحة بحكم عبد الكريم قاسم، وكنت مع نفسي قلقاً وضمن حدود تجربتي لا أجد تفسيراً مقنعاً، فمن جهة نحن ضد قاسم وسياساته الداخلية، باستثناء الشحنات الإيجابية التي كنّا نضعها في ميزان السياسة السلبية على المستوى الداخلي، لكننا في الوقت نفسه لا نريد الإطاحة به، بل نصرّ في الدفاع عنه، وتلك إحدى مفارقاتنا. كنت مثل غيري من الطلبة الشيوعيين والاتحاديين ضد الإضراب، الذي اعتبره الحزب عملاً سياسياً تآمرياً للإطاحة بالسلطة الوطنية، التي مثّلها قاسم.
وقد استعدتُ هذا المشهد لاحقاً مع تبادل المواقع، فقد كان الحزب الشيوعي بجناحيه، لاسيما القيادة المركزية، تريد الإطاحة بحكم عارف، ونظمنا إضراباً شاملاً بدأ في كلية الزراعة ثم امتدّ إلى 3 كليات ليشمل جامعة بغداد بأسرها في أواخر العام 1967 وأوائل العام 1968 وتصدّت لنا السلطة بالرصاص في حينها، خصوصاً في كلية التربية وسقط عدد من الجرحى، وانتظمت الغالبية الساحقة من الحركة الطلابية في مسيرة احتجاجية ضمّت نحو 10 آلاف طالب وتقدّمت بمذكرة إلى رئاسة الجامعة، لكن حزب البعث لاسيما جناح البكر -صدام وقف ضد الاضراب وحاول كسره بالقوة، علماً بأن القوميين وجناح سوريا لحزب البعث والحركة الكردية، كانت جميعها مع الإضراب ومشاركة فيه بفاعلية غير قليلة، وهكذا طغت السياسة على الحقوق المهنية.
 
لم يكن موقفنا في العام 1962-1963 صحيحاً بالوقوف ضد الاضراب، وكان يمكن تبنّي بعض المطالب النقابية المشروعة والمشاركة فيه وقطع الطريق على القوى الأخرى لقيادته، وقد نجحت في ذلك بالفعل، مثلما  كان موقف حزب البعث خاطئاً ومتواطئاً مع سلطة عارف العام 1967-1968، عندما وقف ضد المطالب النقابية الطلابية.
الفارق بيننا وبينهم، هو أننا كنّا نقدّم أنفسنا وخدماتنا للآخرين دون أن يُطلب منّا، في حين أنهم قدّموا خدماتهم تحضيراً لانقلاب عسكري في المرتين الأولى في العام 1963 والثانية في العام 1968. وفي المرتين دفعنا الثمن غالياً، والأكثر من ذلك هناك من أخذ يبرر حلّ اتحاد الطلبة لاحقاً واخترع فكرة "تجميده" بعد قرارات صدرت من مجلس قيادة الثورة بإنزال عقوبات غليظة بمن يعمل بمنظمة غير مرخّصة، واعتبر ذلك ضد مشروع الجبهة الوطنية، بل هناك من تطوّع لمخاطبة المجتمع الطلابي الدولي، بقبول الاتحاد الوطني وإلغاء عضوية إتحاد الطلبة العام 1976 بحجة الحفاظ على الجبهة الوطنية العتيدة.
لم تفلح المفاوضات التي كنت قد ساهمت بها بجدية ومسؤولية مع لؤي أبو التمن الوجه الطلابي المعروف والشخصية الديمقراطية البارزة وعضو الوفد المفاوض في التوصل إلى إتفاق مع الاتحاد الوطني، على الرغم من تخرّجنا من الجامعة في حينها، وقد كنت مفاوضاً أيضاً باسم الحزب الشيوعي في الجمعية العراقية للعلوم السياسية التي ساهمنا في تأسيسها آواخر العام 1967.
لم تنجح الجهود بسبب تعنّت قيادة حزب البعث آنذاك ومحاولاتها إملاء بعض شروطها. وإذا استعدت تلك الأيام فيمكنني أن أستذكر أن المفاوضات كان يفترض أن تبدأ مع الاتحاد الوطني بقيادة ناظم كزار الذي أصبح مديراً للأمن العام، ورفضنا ذلك بشدّة، لكن المفاوضات الحقيقية ابتدأت مع كريم الملاّ رئيس الاتحاد لاحقاً ووزير الشباب والسفير فيما بعد، وللتاريخ أقول فقد كان مرناً ومتفاهماً ويرغب في التوصل إلى اتفاق معنا، ويشاركه في ذلك محمد دبدب وآخرين، لكن وجود حسن المطير في الوفد المفاوض معهم كان بمثابة لغم اكتشفناه بعد اجتماعين من الصديق طيب محمد طيب وفاضل رسول ملاّ محمود (الذي اغتيل مع عبد الرحمن قاسملو في فيينا في العام 1988 واتهمت الحكومة الإيرانية بذلك) والذي أخبرنا بإيعاز من الطيب بإسمه وصفته وكونه أحد الجلادين الأساسيين في قصر النهاية وكان يحضر اجتماعاتنا باسم " فيصل".
دعني أخبرك بأن أول لقاء تم بيننا كان بحضور كريم الملاّ وعصام البصّام /كلية الصيدلة، من حزب البعث وصباح عدّاي (من الحركة الاشتراكية) وعزيز حسون عذاب (من الحزب الشيوعي- اتحاد الطلبة وعبد الحسين شعبان رئيس الوفد)، وقد أبلغنا صباح عدّاي بموعد اللقاء كما أبلغنا الملاّ الذي رحّب كثيراً، واعتبر موقفنا إلتزاماً سياسياً بالحركة الاشتراكية، وحصل اللقاء في مقهى الربيع على شارع أبو نواس بناء على اقتراحنا.
وعند احتدام النقاش وكنت أمسك ببيان كنّا قد أصدرناه في حينها وكان كريم الملاّ قد أخرجه من جيبه تضمّن اعتراضات وانتقادات على السياسة الأُحادية التمييزية للاتحاد الوطني، وكنت أناقش فيه الملاّ بخصوص الأقسام الداخلية والقبول الجامعي، والدراسات العليا، والبعثات، والحريات النقابية وغيرها، وإذا بالمقهى يطوّق من جميع الجوانب، وكان أحدهم قد تقدّم مني ووضع المسدس فوق رأسي وسحب البيان من يدي وطلب هوياتنا. كان عدد الذين طوّقوا المكان نحو 25 شخصاً، ولم أعرف كيف أجيب سوى أنني وجهت الكلام إلى صاحب المسدس قائلاً: لدى الاستاذ كريم، وقد انفعل كريم الملاّ جداً، وسأله بحدّة من الذي أرسلكم فقال له: أعطني هويتك ودون سؤال، وعندما فتش الملاّ عن هويته وجدها وكان مكتوب فيها "مجاز بحمل السلاح بأمر من مجلس قيادة الثورة- التوقيع شفيق الدراجي (أمين سرّ المجلس- كما أطلعني عليها حسبما أتذكّر).
وبعد أن إطّلع رجل الأمن ومن معه على الهوية خاطب كريم الملاّ: قائلاً عفواً سيدي، واستمرّ الملاّ يلحّ عليه من أرسلكم: أجاب: ملازم أمن عبدالرزاق- والاتصال جاءنا من مركز البتاوين، وهذه الإخبارية كانت بهدف إلقاء القبض على اجتماع شيوعي، فأجابه الملاّ :نحن نتفاوض مع رفاقنا الشيوعيين، ثم انسحب رجال الأمن وبعد انسحابهم خاطبني الملاّ: لقد رفضتم الجلوس معنا في مقرّاتنا، ونحن نعلم أنه حتى ليس لديكم مكان للاجتماع، فجئنا إلى المقهى وحصل ما حصل، تصوّر أنني لو نسيت هويتي ماذا ستقولون؟ ألستم ستشكّون أننا نصبنا لكم كميناً، قلت له وما زال الشك قائماً، وهو أمرٌ وارد، لكنه قد لا يكون من طرفك!
ثم قررنا عقد اجتماعاتنا لاحقاً بعد ابلاغ قيادة الحزب الشيوعي في مقر الاتحاد الوطني وكان هذا رأيهم، لطالما أننا نتحاور ومعروفون لديهم، ومن الجدير بالذكر أن مجلة الصياد اللبنانية حينها نشرت أن لقاءات شيوعية تجري في عدد من مقاهي أبو نواس وسمّت منها مقهى رعد بالتحديد، تلك التي كنّا نرتادها، مساءً إضافة إلى مقهى "زناد" و"عارف آغا" و"الشابندر" و"البرازيلية" وهذه كانت أماكن للقاءاتنا ظهراً أو عصراً، أما المواعيد فكانت معظمها في الشوارع العامة وفي مواقف الباصات وفي بعض الصيدليات أو المكتبات.
أما ما يتعلق الجمعية العراقية للعلوم السياسية فقد توصلنا إلى اتفاق مع حزب البعث، حيث كان يفاوض عنهم حامد الجبوري لجلسة واحدة، وفيما بعد محمد محجوب، ومجبل السامرائي لاحقاً، ولعلّه أول اتفاق حصل بعد 17 تموز (يوليو) والذي ساعد في انضاج الاتفاق والتوصل إلى نتائج إيجابية، مردّه إيجابية السامرائي ومرونته، وقبل ذلك الأجواء التي وفّرها زهير يحيى القيادي البعثي الذي كان صديقاً شخصياً لي، وكان متفهماً ويرغب في تقديم كل شيء للوصول إلى اتفاقات مع الشيوعيين، لكنه للأسف الشديد، كان هو الآخر أحد ضحايا العسف والصراعات الداخلية، وتوفّي في ظروف غامضة بعد عزلة مريرة، وكان قد أُختير عضواً احتياطياً في قيادة حزب البعث في المؤتمر القطري الثامن العام 1974.
وكان قد مثّلنا في الجمعية العراقية للعلوم السياسية نعمان شعبان واقترحنا معه أحد المستقلين، لكنه بعد فترة انتمى إلى حزب البعث، ومثّل الحركة الاشتراكية صباح عدّاي وترأس الجمعية طه الحديثي ممثلاً عن حزب البعث ومثّل الأكراد طيب محمد طيب واستقبل الرئيس أحمد حسن البكر الهيئة الإدارية، لكنه لم تمضِ سوى أشهر معدودة الاّ وتعرّض صباح عدّاي للاعتقال وكذلك سمير العاني واختفى هاني إدريس الذي كان يفاوضنا من طرف الحركة الاشتراكية، وصدر أمر بإلقاء القبض عليّ، إضطررت إلى الإختفاء لبضعة أسابيع ثم الذهاب إلى كردستان وبعدها العودة إلى بغداد، والذهاب بعدها إلى الكويت، ومنها إلى الشام فبيروت ثم إلى أوروبا، كما انقطع نعمان شعبان عن الذهاب إلى الجمعية، حتى تم حلّها ودمجها بجمعية الحقوقيين العراقيين.
عندما حدث انقلاب 17 تموز (يوليو) كان زهير يحيى عضواً في قيادة فرع بغداد، ثم أصبح مسؤولاً عن وزارة الخارجية، ثم مسؤولاً عن تنظيمات مدينة الثورة (الصدر حالياً) وبعدها مسؤولاً عن الموصل، ثم انقطعت أخباره المباشرة عنّي، وكنت قد عرفته قبل 17 تموز بنحو سنتين، وكنّا نناقش أوضاع العراق، يوم كان عائداً من لندن وأكمل دراسته معنا، وكان مثقفاً ومنفتحاً ومعتدلاً، وكانت همومه عراقية وأكبر من حزب البعث، وأعتقد أنه من المخلصين لقضية اللقاء الشيوعي – البعثي، لاسيما بتوجهاته اليسارية وقد طلب مني قبل 17 تموز (يوليو) أن يعرف موقف الحزب الرسمي من إحتمال استلام حزب البعث السلطة بالتعاون مع آخرين، وهل لديه استعداد للتعاون معه، قبل أو بعد ذلك وقلت لهم أظن أن قنوات أخرى أهم منّي لمعرفة رأي الحزب، لكنه طلب مني شخصياً، وكتبت رسالة إلى المكتب السياسي أعلمه بذلك وجاء الجواب سلبياً، أو قل مشروطاً بشروط قبل الوصول إلى السلطة ، لكنه بعد الوصول إلى السلطة تغيّر  الموقف.
ودعاني على ما أتذكر على العشاء في مطعم سميراميس (في الكرادة) وذلك بعد 4 أيام من احتفالنا بساحة السباع، حيث تم إطلاق الرصاص علينا وسقط ثلاث شهداء و12 جريحاً و42 معتقلاً في الوقت الذي كان صادق جعفر الفلاحي يلقي كلمته. وكان معنا في اللقاء: أحمد سعود الذكير، وعبد الحسن الحاج راهي الفرعون، وسمير الشيخلي، ومجبل السامرائي، ومالك العاني، وأعتقد ان زهير يحيى في تلك الفترة كان مسؤولهم جميعاً أو مشرفاً عليهم. وعاتبتهم بشدّة على ما حصل في ساحة السباع قائلاً أهذا هو الطريق للجبهة كما تقولون؟ ومن المسؤول عن ذلك: أليس صدام التكريتي؟.. وعلى الرغم من أنه أدان العمل الإجرامي كما سماه، ولعل الأحياء ما يزالوا يتذكّرون ذلك اللقاء، لكنه رفض أية علاقة لصدام حسين بالحادث، وحاول إلصاق التهمة ببقايا أجهزة نظام عارف ومعاداة الشيوعية والتصدّي لأي عمل معارض.
وعندما أخبرته بأننا كنّا قد بلّغنا قيادة البعث وأخذنا موافقة مبدئية بعدم التصدّي لنا، أجاب مهما كانت المسؤولية، فليس هناك قرار حزبي بضرب الشيوعيين، بل بالعكس، لاسيما بتمييز جماعة اللجنة المركزية عن جماعة عزيز الحاج، الذي كانوا يناصبونه مثلما يناصبهم العداء، لكن ذلك لم يقنعني بالطبع وهو ما ذكرته له وللحاضرين، وأعتقد أن جبار كردي وستار كردي المتهمين الأساسيين بإطلاق النار والقتل، كانا يعملان في جهاز خاص، هو إمتداد لجهاز حنين أو "العلاقات العامة" السري الذي تم تأسيسه بعد 17 تموز (يوليو)، وهذا الجهاز كان بإشراف صدام حسين ومعه سعدون شاكر ومحمد فاضل وناظم كزار وعلي رضا باوه وآخرين. وعلى الرغم من اعتقالهما لفترة بسيطة تم إطلاق سراحهما، ثم دبّرت لهما عمليات اغتيال على الطريقة المعروفة، والمهم اختفى كل أثر لهما، ولم تتم الإشارة إلى التحقيقات بخصوص تلك الجريمة.
لا أنسى ما نقله لي زهير يحيى من اندساس لأحد الأشخاص الذي كان قد تقدّم برسالة للحزب عن طريقي، ولكنه تم إلقاء القبض عليه وهو محسوب على القيادة المركزية، لكنه أطلق سراحه بعد 17 تموز (يوليو) أو قبيلها بأيام، وكان على اتفاق للعمل مع الأمن براتب قدره 15 دينارا شهرياً. أخبرني بالمعلومات الكاملة قائلاً: لعل من واجبي ألاّ أخبرك، فأنتم ما زلتم خصومنا، ولست راغباً بشيء، لكنني من جانب الوفاء للصداقة الشخصية فقط، وعليك أن تتصرف بالطريقة التي تراها مناسبة، سواءً بإبلاغ الحزب أو دون إبلاغه، لكن تأكّد يا فلان أن الشخص المعني يعمل لحساب الأمن، ثم قال يعمل لحسابنا الآن، فنحن الحكومة، لكن ذلك يشعرني بالحرج إزاء الصداقة.
وعندما كنت أستمع إليه، قال لي لا أريد منك جواباً، فأنتم أعرف بمثل هذه الأمور، وكنّا قد وضعنا علامة استفهام قبل ذلك حول الشخص المعيّن، وبرّرنا عدم ضمّنا له لأسباب فنّية وظروف خاصة، ثم بالتدريج قطعنا صلته الاتحادية، التي بقيت معي، وكانت صلته الحزبية مقطوعة، باستثناء علاقته بي. أسوق ذلك الآن لأن العلاقات السياسية تردّت إلى حدود لا أخلاقية لاحقاً ليس بين القوى السياسية بعضها مع بعض، بل حتى داخل الحزب الواحد، لدرجة أن البعثي يخاف من البعثي أكثر مما يخاف من الآخرين، وراجت عمليات كتابة التقارير و"كسر الرقاب" كما يقال، وهي عادة الأنظمة الشمولية جميعها التي تسود إلى درجة مريعة، لكنها في العراق وفي ظروف التخلّف والبداوة والقروية والشكوك المستحكمة، كانت صارخة، وأدّت إلى تدمير المجتمع العراقي، حين أصبح الأخ يخاف من أخيه، والأب من إبنه أو إبنته والزوج من زوجته، وأعتقد أن الجميع يعرفون قصصاً مثيرة عن ذلك، وهناك أمثلة فاقعة، لاسيما ما حصل في مجزرة العام 1979 "المؤامرة المشهورة" والتي أودت بثلث القيادة القطرية وتم تنفيذ حكم الاعدام بـ 22 بعثياً وحكم على 33 منهم بعقوبات غليظة، وروى لي بعضهم (فارس حسين وغسان مرهون) قصصاً أقرب إلى الخيال عن التعذيب، ولم يخرج منهم في العام 1983، أي بعد أربع سنوات، سوى 17 شخصاً، أما البقية الباقية فقد فارقت الحياة في السجن.
سافرت خلال فترة المفاوضات وعشية الانتخابات الطلابية  (الجامعية) إلى براغ ومنها إلى كراكوف (بولونيا) لحضور مؤتمر تحضيري لميلاد لينين(الذكرى المئوية) وحلّ محلي إضافة إلى لؤي أبو التمن، حميد برتو وهو من القيادات الطلابية البارزة ووجه وطني واجتماعي، وقد عرفّناه بإسم " أبو رياض" خلال الجلسة المشتركة التي حضرناها سويّة وبهدف التعارف، وظل حسن المطير بعد عودتي وسفر حميد برتو إلى براغ يسأل عن أبو رياض. جدير بالذكر أن الذي قام لاحقاً بتعذيب لؤي أبو التمن في قصر النهاية هو حسن المطير، وحين كان معصوب العينين ومعلّقاً، كان يسمع أحياناً صوت حسن المطير ويستطيع أن يميّزه عن غيره، مثل سالم الشكرة، لأنه كان يجلس معه وجهاً لوجه لأكثر من عام ونيّف في المفاوضات، وكان محمد دبدب رئيس الاتحاد الوطني لاحقاً قد استذكر في حوار تلفزيوني معه العلاقات الايجابية التي جمعتنا وهو أمرٌ صحيح تماماً، لكن هذا الوجه السلبي والقمعي واللاأخلاقي ساد بالتدريج وغلب على كل شيء، بما فيه على البعثيين أنفسهم الذين أصبح بعضهم من ضحاياه، بينهم الصديق محمد دبدب


244

حوار مع الأكاديمي والمفكر الدكتور عبد الحسين شعبان – الحلقة 3

   أجراه: توفيق التميمي   
      


 
بيضة التمرد
النجف عندي أكبر من مدينة، أوسع من مكان، أبعد من جغرافيا.. هي أفق يعيد خلق نفسه باستمرار
أنجبت النجف علماء وفقهاء متميّزين وكانت حوزتها مفتوحة على سواها كما أنجبت ماركسيين وقادة شيوعيين.

قراءتنا للماركسية كانت أقرب إلى "المحفوظات" بتكرار بعض الشعارات والجمل عن ظهر غيب
لم يكن هناك مشروع ديمقراطي في العراق، بل توجّه جنيني لبعض آليات الديمقراطية.
مدينة النجف

*من يجرؤ على اختراق محرّمات ومقدّسات النجف في حياة شاب ومراهق مثلك ..هل هو معلم المدرسة الحكومية ؟ أم صديق سبقك بالتمرّد وعرف مسالك الثقافة المحظورة ؟ أم هي رياح التغيير التي تأتي من المدن الكبرى عادة؟ أي من هذه العوامل التي جعلت مدينة صحراوية تحفها المقابر تنجب عمالقة الشعر كالجواهري وأبطال مثل الحاج نجم البقال او حسين الشبيبي أو سلام عادل وكتاب ومعرفيين مثل عبدالحسين شعبان وغيرهم كثر؟

- النجف عندي أكبر من مدينة، هي أوسع من مكان، وأبعد من جغرافيا.. أرى النجف أفقاً يعيد خلق نفسه باستمرار، النجف عندي صيرورة تنتج نفسها وتبتكر العلائق والروابط مع الآخر، بحبّ متبادل وثقة بالنفس وقدرة على إثبات "الأنا" من خلال الآخر أيضاً، بالتسامح في أحيان كثيرة وبغيره حيناً آخر عندما تقتضي المواجهة والاقتحام.
بيني وبين النجف شيء من البعاد أحياناً، أو قلْ مسافة لا أحاول ردمها، إذ أشعر برغبة غامضة على إبقائها، هي رغبة ناجمة عن عدم التطابق أو التماهي، فالمسافة تتجسّد أحياناً بين الانسان وذاته، وإذا ما التقت ذات الإنسان مع روحه تتحقق تلك الكينونة الرمزية الخاصة، ليكون الإنسان مائزاً رائزاً، هو ذاته التي لا تشبه شيئاً آخر، عندها تسهل عليه العلاقة مع الآخر، وإذا كانت المسافة تتمثل في شيء من البعد المكاني، فهي لا تعني الابتعاد الزماني- الرمزي، وإذا كان في المسافة ثمة تباعد، فهي ذاتها ما يجمّع وما يوحّد، حيث تتمفصل في هوية التكامل الجامعة، لكنها متنوعة وكثيرة، وكأنها حسب أدونيس "تتعدد فيما تتوحد وتتجمعن فيما تتفردن" .

النجف توشوشني... أسمع همسها وأسئلتها الطافحة، "أناها" وكينونتها وتعالقها وتفاعلها مع الآخر، تخالقها وابتكارها مثل الموسيقى ذات الأصوات المتناغمة، المختلفة، المؤتلفة، كأن كل صوت جاء من وترٍ له مكانه الذي لن يتحقق التناسق النغمي (الهارموني) إلاّ بوجوده، ودونه سيكون العزف ناشزاً. ليس غريباً أن تجد في النجف المتديّن واللامتديّن، والمؤمن وغير المؤمن، والديني والعلماني، فقد أنجبت النجف علماء وفقهاء متميّزين وكانت حوزتها مفتوحة على سواها، كما أنجبت ماركسيين وقادة شيوعيين في مقدمتهم حسين محمد الشبيبي وحسين أحمد الرضي (سلام عادل) وحسن عوينه، الأول أعدمته سلطات العهد الملكي في 14 شباط (فبراير) 1949 والثاني قُتل تحت التعذيب في 24 شباط (فبراير) 1963 في قصر النهاية وأعلن عن استشهاده يوم 7 آذار  (مارس) 1963، والثالث قتل تحت التعذيب أيضاً في العام 1963.
لا يمكن إلغاء تعددية النجف، فلن تكون نجفاً دونها، المعرفة تعددية والعلم تعددي والشعر تعددي والفلسفة تعددية والفن تعددي والسياسة تعددية، والإنسان تعددي، والذوق والجمال والأمل تعددي أيضاً.
في مدرسة " الأخوند" كانت ثلّة من المتمردين الأُوَل: باضت بيضتها بعد المشروطة وصراعها مع المستبدّة، في "معقل الأحرار" الوكر السرّي بلغة السياسة والمحفل الفكري بلغة الثقافة، كانت حلقة تمرد، ضمّت سعيد كمال الدين وعباس الخليلي وسعد صالح وعلي الدشتي وأحمد الصافي النجفي، ولعلّها هي البؤرة الأولى للتمرد في القرن الماضي، وكان أحد رواد المدرسة الفقهية النجفية محمد سعيد الحبوبي، الشاعر والثائر والعاشق للجمال والحرية، ثم جاء جيل التمرد فشمل إضافة  إلى أسماء الأعلام أعلاه، الجواهري وآل الخليلي، عباس وجعفر وبعدهما عبد الغني، وتجمّع حول هذه البؤرة كل من: حسين مروة ولاحقاً محمد شرارة وآخرين، هؤلاء الذين انتقلوا من الفقه الديني  إلى الفكر والفلسفة، ومن الإيمانية العقائدية التبشيرية المستقرة،  إلى التساؤلية العلمانية التفكيرية النقدية القلقة.
ولم تقتصر المسألة على النخب الفكرية التي تجاوزت حدود المدرسة الدينية التقليدية التي طلّقتها متجهة  إلى مدرسة أخرى، بل شهدت المدرسة الدينية ذاتها رغبة في التجديد ومحاولة في نفض الغبار الذي علق بالفكر الإسلامي، لاسيما مع هيمنة المدرسة التقليدية التي تركت المعاني وجوهر الدين، لتتمسك ببعض الشكليات وتقتصر على النقل وتُهمل العقل.
وشملت المدرسة التجديدية السيد محمد باقر الصدر الذي أسس لتيار إسلامي فكري جديد، بالرغم من أنه لم يستكمل تطوره، لاختفائه القسري العام 1980 وهو في أوج عطائه، وكذلك محمد مهدي شمس الدين ومحمد حسين فضل الله ومحمد بحر العلوم ومصطفى جمال الدين وآخرين، الذين كانوا يمثّلون الحلقة الأولى في الجيل الثاني للمجددين من داخل المدرسة الدينية.
لا يمكن إختزال النجف بفريق سياسي أو عقائدي، علماني أو إسلامي، فهي كالموزائيك بجميع ألوانه وصوره، هي معقل ثورة العشرين ورحابة فكر وحقل أدب ومعرفة وفن: هي مدينة محمد سعيد الحبوبي وعلي الشرقي وعبد الكريم الجزائري وأحمد الصافي النجفي وسعد صالح والجواهري وسيد ابو الحسن وعبد الأمير الحصيري والياس خضر وكاشف الغطاء ومحمد رضا الشبيبي وحسين الشبيبي وسلام عادل ومحمد باقر الصدر وأحمد الحبوبي وموسى صبّار وصدقي أبو طبيخ ومحمد باقر الحكيم وعبد الحسين أبو شبع وعلي الصراف ونجم البقال والفتى الشجاع محمد موسى، هي مدينة الجدل والحوار والاختلاف والتنوّع، والتعايش والمشترك الإنساني.
للنجف عليّ سلطة عليا، وأظنّها سلطة الحق، تواجهني بالقوة الناعمة، وليست تلك السلطة سوى المعرفة خارج حدود اللاهوت ومعه أحياناً، كأني وبهذه العلاقة الروحية أردّد ما ذهب اليه المتنبي حين يتحدث عن الوطن، المنبع الأول، الذي "ينبت العزّ"، وعزّ النجف في حريتها، في معرفتها، في كرامتها، في تعددها، في كونها مدينة خارج حدود الانصياع لهذه اللافتة أو تلك، هي المُمانِعة، الرافضة، المتمرّدة، لأنها تعرف أن ما لديها من مخزون ضوء لا يمكن حجبه في جميع الأحوال والأهوال...
ضوء النجف يفيض ليشرك الآخر ويشاركه، القريب والبعيد، بما فيه "الغريب"... هو ضوء المعرفة المتجدد، دون حدود أو توقف، أسمع صوتاً مثل الرعد أحياناً يأتيني من بعيد، ويظل صداه في أذني يحضر ويغيب، لكنه لا ينقطع، هادراً أو خفيضاً، يوشوشني كلاماً كأنه استحضار لصوت محمد بن عبد الجبار النفّري المتصوّف الكبير وهو ما انفكّ يلاحقني:
إنّي أحدثك لترى
فإن رأيت
فلا حديث!
 بدأ وعيي الأول يتفتح في أجواء العائلة ومحيطها، وكانت هذه الأجواء شيوعية ويسارية وثقافية وأدبية، وكنت وأبناء جيلي ننهل المعرفة من خلال ما يتيّسر لنا من كتب ومجلات، حيث لم يكن للتلفزيون آنذاك من وجود، فقد بدأ البث في العراق العام 1956 وانتشر بعد العام 1958، لاسيما في أجواء احتدام الصراع السياسي، حيث كان الجميع، موالين ومعارضين يتجمّعون لمشاهدة محاكمات المهداوي الشهيرة (محكمة الشعب) كما أطلق عليها أو المحكمة العسكرية العليا الخاصة كما هو إسمها الرسمي.
لم نكن نمتلك من وسائل المعرفة أكثر من ذلك، لم نكن نعرف أدوات العصر كالكومبيوتر والانترنت والفيس بوك والتيوتر والهاتف النقّال، تلك الوسائل التي ساهمت في إنجاز انتفاضات تاريخية في موجة التغيير الثالثة عالمياً، لاسيما في تونس ومصر وانتقلت الشرارة إلى العديد من البلدان العربية وبلدان المنطقة من المغرب والجزائر وليبيا إلى الاردن والبحرين وعُمان وغيرها. كما لم يكن هناك سينما باستثناء بعض شاشات عرض بدائية (يدوية) وبعض الزيارات إلى مدينة الحلة أو إلى بغداد التي كنّا نزورها بانتظام في فترة الطفولة حيث كنّا نقضي فيها العطل الصيفية والشتوية والأعياد الخاصة، ولم يكن لنا من مصدر معرفي سوى الكتاب، الذي كان رفيقنا وجليسنا وصديقنا وزميلنا ومعلّمنا.
في أجواء العائلة الثقافية وجدت نفسي في لجّة الانخراط، فقد كان عمّي ضياء من أنصار السلام وعمي شوقي عضواً في الحزب الشيوعي وعدد من أفراد العائلة على ملاك الحركة الشيوعية، وكان أخوالي ناصر ورؤوف وجليل شعبان من وسط قريب من اليسار وأجوائه وإن لم ينخرطوا في العمل السياسي، وكان ميلهم ثقافياً، كما كان الكثيرون من أصدقاء العائلة في إطار اليسار وضد سياسات الحكم الملكي، مثل آل الحكيم وآل الرفيعي وآل الخرسان وآل الجواهري وآل الشبيبي وآل الدجيلي وآل سميسم وآل بحر العلوم وغيرهم (واستخدم هنا صفة الجمع، لأن الكثير من شبابهم الناشط آنذاك كان بهذا الاتجاه) وقسم من هؤلاء كانوا مثل الكثير من أفراد العائلة يعملون في حضرة الإمام علي.
ومع أن جدّي لوالدي الشيخ جابر شعبان كان الأبرز بين الوجوه الاجتماعية للعائلة، وكان يحق له أن يكون من سلك خدمة الإمام علي بموجب فرامين سلطانية من الدولة العثمانية، لكنه فضّل مثل آبائه وأجداده العمل في التجارة وكان يسهر على حلّ مشاكل الأسرة الكبيرة من آل شعبان. أما جدّي لوالدتي فهو الحاج حمود شعبان الذي اختار مثل آبائه وأجداده ذات الطريق فعمل في التجارة، وكان أحد أبرز أعيان ووجوه آل شعبان، وكلاهما كانا من ميسوري الحال ومن التجار المعروفين والأثرياء بأعراف ذلك الزمان. واهتمّا بإرسال أبنائهما إلى المدارس والجامعات .
هكذا وحتى دون تفكير وقبل أن تتبلور رؤيتي ووعيي، شعرت أنني في المواجهة، وعندما حدث العدوان الثلاثي على مصر في العام 1956 حملني المتظاهرون على الأكتاف لأقرأ بعض القصائد:

يــا عبّادة الدولار وأتباعه
مدّ باع الشعب فنّه اليرِدْ باعه
كَرب ليكم الموت وكربت الساعة
وجيوش الحتم بانـت طلايعهــا
 
وكان ذلك بطلب من محمد موسى الذي قُتل تحت التعذيب العام 1963، والذي طالما تردّد إلى بيتنا حيث طلب منّي حفظ هذه الأبيات لألقيها في اليوم الثاني أثناء التظاهرة الحاشدة التي اخترقت المدينة من أقصاها  إلى أقصاها. كما قرأت قصيدة لزاهد محمد بعنوان:
ناضل يا شعب واحقدْ على العدوان
تجلي من الشعيبة وقلعة الذبان
وإمحي هل العبيد اللباعو الأوطان
وإلغــي للابــد صـكّ  العبودية

* * *

ليش الشعب جايع ما يحصل القوت
والكادح أطفاله من المجاعة تموت
أنابيب النفط ملك الشعب وتفوت
كل أرباحه بجيب الحراميــــة ...

* * *
يا جيش السلم ومحطّم العـــدوان
يا حامي الشعوب وحارس الأوطـان
ذكرك من يمرّ يبعث ثقة وإيمــان
ميّة مرحبه باسمه وطارّيـــــة
*  * *
كلّ الإحنة نناضل لأجــل الاستقلال
أحــرار الشعب والفلح والعمــال
وبالجبهة يختوي نحطّم الأغـــلال
ونحــــرر شعبنا من العبوديــة
 
وهتفتُ بعد ذلك بسقوط حكومة نوري السعيد وبحياة جمال عبد الناصر: رافعاً صوتي: ماذا تريدون وبأي شيء تطالبون؟ وكان الجواب جماعياً اسقاط حكومة نوري السعيد، وهو ما كنت قد تعلمته في تظاهرة سابقة قبل يوم واحد، وما درّبني عليه الشهيد محمد موسى عشية يوم التظاهرة التاريخية، لاسيما على حياتي اللاحقة.
جدير بالذكر أن جريدة "اتحاد الشعب" كانت قد أشارت إلى ذلك، كما أن عزيز شريف كان قد أصدر كتاباً في دمشق بعنوان "وثبات العراق" في العام 1957 وتطرّق إلى ذلك، ضمن استعراضه لانتفاضة العام 1956 في المناطق المختلفة من العراق.
وبالمناسبة فقد عملت مع زاهد محمد في هيئة حزبية واحدة العام 1971.
أقول لك اليوم ومن باب الاعتراف والنقد الذاتي: لم يكن أياً منّا قد قرأ حينها الماركسية لكي يقول أنه اهتدى إليها، كان احساساً سليقياً وجدانياً بالظلم من جهة، وبالرغبة في تحقيق العدالة والمساواة والرفاه والتطلّع إلى العصرنة والحداثة من جهة أخرى، هو ما دفعنا للانخراط في العمل السياسي الماركسي، خصوصاً التأثّر بأجواء العائلة والاصدقاء، وحتى بعد هذا التاريخ وتحديداً بعد ثورة 14 تموز (يوليو) 1958 وعلى الرغم من تيّسر الكتب الماركسية، فقد ظلّت القراءات محدودة ومدرسية إذا جاز لي التعبير.
ويمكنني الآن القول أن قراءتنا للماركسية كانت أقرب إلى "المحفوظات" بتكرار بعض الشعارات والجمل عن ظهر غيب، ولعل الكثير منّا أراد أن يضفي عليها نكهة  "قروية" أي "ريفية" أو حتى "بدوية" أو "عشائرية"، وهو الأمر الذي يتعلق بدرجة فهمنا، وتلك هي طبعة الماركسية التي وصلتنا أو التي حاولنا تكييفها لتنسجم أو لتستجيب لقراءتنا السطحية، ولعلها تلك كانت قراءة بعض القياديين الذين كانوا يديرون الحزب، علماً بأن تشويه ماركس لم يكن يقتصر على الشيوعيين العراقيين في ظروف العمل السري القاسية أو السجون البعيدة والنائية، بل شملت العالم العربي، وحتى في روسيا السوفيتية، حدث فيها ما يمكن اصطلاحه "لنينة" (من لينين) الماركسية بطريقة روسية أو " روسنة" أو "ترويس" الماركسية، ثم أضفى عليها ستالين بُعداً توتاليتارياً استبدادياً، حيث صادر كل شيء وأخضع كل شيء لسطوته وتسلّطه الذي لا حدود له.
وامتدّ الأمر ليشمل الصين حيث جرت محاولة "تصيين" الماركسية، وجنوب شرقي آسيا، فضلاً عن أوروبا، التي امتلك بعض قادتها قلقاً وإرهاصاً إزاء الماركسية السائدة، وسعى لاحقاً لتحرير ماركسيته منها. وهنا يمكن استذكار مساهمات جورج لوكاش وغرامشي وتولياتي ودوبشيك والاوروشيوعية في سبعينيات القرن الماضي.
والمقصود " بالروسنة" أو " الصنينة" أو " الكوبنة" أو "تعريب" الماركسية، لا إخضاعها وتكييفها لدراسة الواقع الروسي أو الصيني أو الفيتنامي أو الكوبي أو العربي، ضمن منهجها الجدلي وقانون التطور التاريخي، فذلك أمرٌ ضروري وأساسي، بل جرت محاولة لتطويعها وإغراقها في الواقع القائم، بحيث هيمنت التطبيقات الخاصة لدرجة أريد تعميمها على تجارب أمم وشعوب مختلفة بطريقة استنساخية وتقليد أعمى.
وهكذا سادت التجربة الروسية الاشتراكية بحذافيرها تقريباً في أوروبا الشرقية، وحاولت الصين أن تحذو حذوها، ولعل هذا الأمر الذي أدى إلى تناقضات خطيرة، ظهرت نتائجه لاحقاً، حين جرى بالتدريج "تصنيم" الماركسية وإفقادها روحها الحية ومنهجها الجدلي، بل والإقفال عليها ببضعة مقولات وتعاليم تتعلق بدور الحزب كطليعة، وتأميمات شاملة، وآحادية سياسية بإسم "دكتاتورية البروليتاريا"، وهيمنة على الدولة وإخضاعها لأجهزة المخابرات في إطار بيروقراطي أوامري استبدادي، وحتى الأحزاب غير الحاكمة سار بعضها على ذات الطريق مبرّراً الاجراءات التعسفية وعبادة الفرد بظروف العمل السرّي.
وعلى المستوى الشخصي أستطيع القول أن قراءاتي النقدية للماركسية، بدأت بعد أكثر من خمسة عشر عاماً أو ما يزيد على علاقتي بالحركة الشيوعية، وتدريجياً بدأت أراجع جوانب منها وأحلل في ضوء المنهج، السياسات السائدة، وهو ما جعلني في تعارض أخذ يكبر وفي خلاف بدأ يتسع بالتدريج، وهو أمر طبيعي.

المشروع المجهض

*برأيك من هو المسؤول عن إجهاض مشروع التيار الديمقراطي في عراق ما قبل الجمهوريات ،هل هو الاحزاب البرجوازية بتوصيف الشيوعيين أم هو التخلف الاجتماعي أم طبيعة الثقافة الشعرية العراقية المهيمنة والمحتكرة لفضاءات الثقافة العراقية ؟ هل هو طبيعة المستعمر البريطاني؟ ولماذا ظلّ دوي الدبابات أعلى ضجيجاً في تاريخنا من حوار السياسة والثقافة في بلادنا؟
 
- بتقديري لم يكن هناك مشروع ديمقراطي في العراق، بقدر ما يمكن اعتباره توجّهاً جنينياً لبعض آليات الديمقراطية، والأقرب عندي هو إرهاص ديمقراطي حاول واضعو الدستور العراقي الأول (القانون الأساسي 1925) بثّه في بعض ثناياه، الاّ أن هذا الدستور وضع على الرف تدريجياً، بل أهمل في السنوات الأخيرة لاسيما في الخمسينيات، حين تمت تهيئة الأجواء لمشروع النقطة الرابعة الأمريكي والمعاهدات البريطانية- العراقية والأمريكية - العراقية لعام 1954 التي تكيّفت لما بعد معاهدة العام 1930 ومعاهدة بورتسموث العام 1948 التي أسقطها الشعب.
وكانت تلك الإجراءات تحضيراً لحلف بغداد (حلف المعاهدة المركزية – السنتو) الذي انعقد في العام 1955 وانضم اليه العراق وإيران وتركيا وباكستان وبريطانيا، وكان الحلف رأس حربة ضد الاتحاد السوفييتي من جهة، لاسيما بدفع بلدان المنطقة لتكون جزءًا من النفوذ الغربي والصراع الدولي في عهد الحرب الباردة، مع إهمال وجود " إسرائيل" كبؤرة توتر وعدوان في المنطقة، ومن جهة أخرى ضد حركة التحرر الوطني، لاسيما بصعود دور جمال عبد الناصر، بعد كسر احتكار السلاح، فضلاً عن نقطة انطلاق ضد التيار الماركسي والتيار الديمقراطي والتيار القومي العربي من جهة أخرى.
وعلى الرغم من أن مشروع القانون الأساسي (الدستور) أعدّ في وزارة المستعمرات البريطانية من قبل المستر يونيك والسير بونهام ادوارد (مستشار وزارة العدلية العراقية) وكذلك المندوب السامي برسي كوكس، ومشاركة عراقية ضمّت وزير العدلية ناجي السويدي ووزير المالية ساسون حسقيل، وفيما بعد لجنة برئاسة عبد المحسن السعدون وعضوية السويدي ورؤوف الجادرجي، فقد كان متقدّماً في عهده، الاّ أن المستوى المتدني من الممارسات اللاديمقراطية أفرغته من محتواه، فإضافة إلى تزوير الانتخابات شهد العراق فترة الخمسينيات قمعاً مكثفاً بإصدار قوانين ذات عقوبات غليظة، لما سمّي مكافحة الأفكار الهدّامة، حيث كان بالإمكان إتّهام كل وطني عراقي بها، من المنتمين إلى اتحاد الطلبة و إلى منظمة أنصار السلام ورابطة المرأة، إضافة إلى أعضاء الحزب الشيوعي والأحزاب الوطنية الأخرى، وكانت الأحكام العرفية حالة شبه دائمة، كما تقلّصت حرية التعبير  إلى حدود كبيرة جداً، وساءت علاقات العراق مع سورية ومصر.
وإضافة إلى ضعف البُنى والهياكل والتراكيب الحكومية، فقد كان العراق يعاني من مشكلة كردية، ظلّت مستفحلة، وشهدت كردستان ثورات وانتفاضات عديدة، فبعد معاهدة سيفر العام 1920، التي أعقبت ثورة الشيخ محمود الحفيد في السليمانية العام 1919 والتي اعترفت ببعض حقوق الأكراد، حصلت المساومة الدولية في معاهدة لوزان العام 1923 مع تركيا، وتم التنكّر للقضية الكردية التي غابت من الأروقة الدولية حتى العام 1991 عندما عادت بصدور قرار مجلس الأمن 688 في 5 نيسان (ابريل) القاضي بوقف القمع الذي تعرّضت له المنطقة الكردية وبقية مناطق العراق، معتبراً هذا القمع تهديداً خطيراً للسلم والأمن الدوليين.
أما المشكلة الثالثة التي عانت منها الدولة العراقية فهي بعض الممارسات الطائفية التي ابتدأت مع تأسيس الدولة بصدور قانون الجنسية الأول رقم 42 لسنة 1924. ومن المفارقات أن هذا القانون صدر قبل الدستور، والذي وضع درجتين للجنسية "أ" و" ب"، ولم يعتمد على كون العراقيين هم المواطنون بالتأسيس طبقاً لمعاهدة لوزان لعام 1923، وإنما جعل من هم من التبعية العثمانية عراقيين، أما غيرهم فعليهم اكتساب الجنسية العراقية، والأكثر من ذلك حين اشترط القانون "شهادة الجنسية" كوثيقة داعمة للجنسية، وحرم القانون الكثير من عرب العراق من الجنسية العراقية الأصيلة، ممن لم يكن لديهم تبعية عثمانية، وبذلك بذر بذرة التمييز الطائفي قانونياً علماً بأن مفهوم الجنسية كرابطة قانونية وسياسية حديثة لم يكن قد استقر آنذاك، فقد اعتبرت عشائر عربية معروفة كانت ترفض الجنسية العثمانية للتخلص من الخدمة العسكرية، غير عراقية أو أدنى " عراقية" من عراقيين آخرين قبلوا بالجنسية العثمانية، سواءً من الأرمن أو الأتراك أو الكورجيين أو الهنود أو غيرهم، في حين أن قبائل بني كعب وبني أسد وآل مالك الذين ينتقلون ما بين العراق وإيران على الحدود الشرقية، أصبح بعضهم عراقيين من الدرجة الثانية، بعد اكتسابهم الجنسية.
لم يكن المواطن العراقي يعي آنذاك أهمية كونه من التبعية العثمانية أو الإيرانية، طالما هو عربي ويعيش في أرضه، وتهيمن عليها وتتنازعها قوتان وامبراطوريتان "اسلاميتان" الفارسية والعثمانية، خصوصاً وأن العديد من أبناء العشائر العربية كانت تحاول التخلص من الالتزامات التي تفرضها السلطات، ولذلك كان هناك عدم اكتراث من بعض العوائل بموضوع اكتساب الجنسية نظراً لموقفها من السلطة العثمانية حتى بعد تأسيس المملكة العراقية في العام 1921 وتشريع قانون الجنسية العراقية. وكانت الجنسية في الواقع العملي لا تعني شيئاً للعراقي من الناحية الفعلية وفي حياته اليومية.
ولم يكن الحصول على الجنسية دليلاً للولاء القومي أو الوطني سواءً العثماني أم الفارسي، فليس ثمت ما يربط بين الجنسية وبين الانتماء العروبي بالنسبة للعرب أو الكردي بالنسبة للأكراد والانتماء القومي. وقد شجّع بعض القناصل الإيرانيين على حصول بعض من تريد "حمايتهم" أو كسبهم على الجنسية الايرانية لمدّ نفوذ الامبراطورية الفارسية، وكانت ترتبط الدولة الإيرانية مع الدولة العثمانية بمعاهدات لتنظيم شؤون الرعايا والأقليات والحدود، بما يمنحهم بعض "الامتيازات".
وقد فصّلت ذلك في كتابي "من هو العراقي؟" الصادر في العام 2002، وذكرت حادثة طريفة تتعلق بكيف بقي الوزير حسن الدجيلي وهو من عائلة الخزرج العربية " عربياً" بمحض الصدفة، وحواره الطريف مع الرئيس عبد السلام عارف حينها، خصوصاً بمناقشة مشروع دستور العام 1964، وذلك عندما عرض القنصل الإيراني على والده الذي كان يدرس في النجف "منحه" الجنسية الإيرانية، فوافق على ذلك، وعندما ذهب لملء الاستمارات المطلوبة لم يكن القنصل موجوداً، وفي المرّة الثانية تقاعس عن الذهاب، وهكذا بقي عربياً وعراقياً أصيلاً، ولو كان والده قد حصل على الجنسية الإيرانية، حتى ولو كان الأمر شكلياً، لأصبح هو أتوماتيكياً " إيرانياً " وهو ما رواه للمشير عارف، أو من " التبعية" كما هو معروف.




245
ماذا بعد الربيع العربي!

عبد الحسين شعبان

لا يمكن الحديث عن مفاجأة، كما لا يمكن الحديث نبوءة، لاندلاع حركة الاحتجاج والمطالبة بالتغيير فيما سمّي بالربيع العربي، فقد كان الأمر تراكماً طويل الأمد لحراك سياسي واجتماعي ونقابي ومهني، يتمظهر ثم يخبو، حتى يكاد يقترب من الانطفاء، لكنه لا ينقطع، وظلّ مستمراً ومتواصلا على الرغم من الصعود والنزول، إلى أن حانت لحظة الانفجار المثيرة للدهشة، يوم أحرق بوعزيزي نفسه في تلك المدينة النائية "سيدي بو زيد" فانتقلت الشرارة وسرت مثل النار في الهشيم، وكما يقول ماوتسي تونغ: كان يكفي شرارة واحدة لكي يشتعل السهل كلّه.
كان الكمون الثوري يتجلّى في تراكم العوامل الموضوعية للتغيير، تلك التي وجدت في إكتمال العوامل الذاتية فرصتها الأثيرة، لاسيما بنضوج اللحظة الثورية للتغيير، وذلك حين انتقل الخوف من المحكومين، إلى الحاكم، فلم يعد هناك ما يخيف الشعب بعد أن عملت آلة القتل والنهب والتجويع ما عملته، بالشعب الأعزل، وعندها لم يعد الموت "مرعباً"، في حين أصبح هذا الموت يخيف الحاكم الذي أخذ بالتراجع خطوة بعد أخرى، وتصريحاً بعد تلميح، وتنازلاً بعد آخر، وهنا اختلّت موازين القوى لصالح المحكومين في حين ظلّ الحاكم يبحث عن "ملاذ" عسى أن ينفذ بجلده.
لعل أهم المشتركات للثورات العربية تتلخص بالمطالبة بالحريات والكرامة الانسانية ومحاربة الفساد المالي والإداري المستشريين، ولاسيما تماهي السلطة مع المال، وهو الزواج الذي أنجب ولادات مشوّهة. لعلّي هنا أستذكر الكاتب والروائي العراقي الراحل شمران الياسري المشهور باسم "أبو كاطع" الذي كان يردد أحياناً بين الجدّ والهزل توصيفات على بعض الأنظمة، لم تجد لها أساساً في علم السياسة من قبيل "الفاشية البدوية" أو "الفاشية الريفية" وذلك بعد عجزه عن إيجاد تفسيرات للظواهر الجديدة التي كان المجتمع العراقي والعربي يعيشها في سبعينيات القرن الماضي، ولاسيما بعد فورة النفط، خصوصاً تماهي الحكم مع البزنس مصحوباً بالعنف والتخلف والبيروقراطية الطفيلية الكسولة، ولا فرق في ذلك بين ما إذا كانت السطوة للقطاع العام أو لدورة الانفتاح الاقتصادي اللاحقة، ما دام ذلك يشكّل مراكز ثقل السلطة في العائلة الحاكمة التي تمسك بالثروة أيضاً، وتتحكم بالاستيراد والتصدير والسياحة والرياضة والثقافة والاعلام، ناهيكم عن الموارد الطبيعية.
لقد قصد أبو كاطع من توصيفاته أشكال الاستبداد في الدولة العربية، التي تجاوزت الديكتاتوريات إلى التغلغل الاقتصادي المجتمعي وسيادة نمط شمولي يتدخل في حياة الفرد، بعدما هيمن على جميع مفاصل المجتمع، مثلما أخضع الدولة وملكيتها وأجهزتها وآلياتها إليه.
وكانت تقارير التنمية البشرية لسنوات قد شخّصت الحال بهدر الحريات والنقص الفادح في المعرفة والافتئات على حقوق الأقليات وعدم مساواة المرأة بالرجل، وتلك القضايا شكّلت المشهد الذي يكاد يكون مشتركاً للوضع العربي، وإذا كان هناك بعض الخصوصيات، فوضعية المرأة وحقوقها المكفولة في تونس تختلف عن العديد من البلدان العربية منذ عهد الرئيس بورقيبة بعد الاستقلال في العام 1956.
وإذا كانت تونس قد عاشت في كنف "الحزب الواحد" عملياً وكذلك سوريا حيث "الحزب القائد"، فيما لا يمكن إدراج تشكيلات اللجان الثورية في ليبيا تحت أي مسمّى سوى الحزب الواحد، فإن مصر كانت قد وجدت في فكرة التعددية الشكلية طريقاً للحكم، في حين كانت اليمن تعيش توازناً إلى حد ما بين حزب السلطة " المؤتمر الشعبي" والمعارضة السياسية الممثلة "بأحزاب اللقاء المشترك". أما البحرين فقد ارتفع سقف مطالب المعارضة، ولم تعد سلسلة الاصلاحات مجزية، بما فيها الميثاق الذي حاز على 98% من الأصوات العام 2001.
وإذا لم يكن في البلدان العربية عشية الاحتجاجات الشعبية ما يشير أو حتى يوحي في بعضها أن الذي حدث سيحدث، وبدت وكأنها أقرب إلى الاستعصاء أو الاستثناء أو حتى انسداد الآفاق، لكن النار كانت تختبئ تحت الرماد ووصل التراكم التدريجي ذروته، فانفجر الوضع في بعض البلدان وتأخّر في أخرى، لكنها لا يمكن أن تكون بعيدة عن دائرة التأثير وبادرت بعض البلدان لاتخاذ خطوات دستورية (المغرب والاردن) وأخرى اقتصادية (المملكة العربية السعودية وعُمان) وتدخل مجلس التعاون الخليجي عسكرياً في البحرين في عملية "درع الجزيرة" كل ذلك بهدف تفادي التوتر والاحتقان وتأجيل عملية الانفجار.
وعلى الرغم من محاولات الكبح أوالتأجيل فإن ما حصل في البلدان العربية انما هو جزء من قانون للتطور التاريخي العالمي، فقد حصل في أوروبا الغربية حين استكملت تطورها الديمقراطي، بالقضاء على نظام سالازار الديكتاتوري والتوجه نحو التحوّل الديمقراطي في البرتغال 1974- 1975، وتم التخلص من ديكتاتورية فرانكو في إسبانيا وكذلك في اليونان ضمن مسار ديمقراطي تدرّجي، بإعداد دساتير توافقية وإجراء انتخابات في إطار التعددية والتنوّع والاعتراف بالحقوق المدنية والسياسية.
وجاءت الموجة الثانية للتغيير في أوروبا الشرقية في أواخر الثمانينيات بالتواصل، ولاسيما عندما سارت عملية التحوّل سلمياً في بولونيا وهنغاريا وإلى حد ما في تشيكوسلوفاكيا ولاسيما في مرحلتها الأخيرة، في حين اتجهت عملية التحوّل نحو القطيعة في ألمانيا الديمقراطية، التي التحقت بألمانيا الإتحادية في إطار وحدة ألمانية في العام 1990. لكنها كانت دموية في رومانيا، وفي يوغسلافيا إذ أدت إلى تقسيمها إلى خمسة كيانات وشهدت حروباً ونزاعات مسلحة، وكذلك أدت إلى تقسيم الإتحاد السوفييتي السابق إلى 15 دولة وكياناً.
ولعل موجة التحوّل الديمقراطي الثانية انتقلت إلى العديد من دول أمريكا اللاتينية حيث لعبت الكنيسة دوراً إيجابيا فيما سمّي بلاهوت التحرير.وكانت إيران قد حققت عملية تغيير سلمي خلال احتجاجات وتظاهرات امتدّت من العام 1978 ولغاية شباط العام 1979، حيث أطيح بنظام الشاه محمد رضا بهلوي. لكن موجة التغيير الثمانينية انكسرت عند شواطئ البحر المتوسط الجنوبية، بسبب عدم استعداد القوى الدولية لاستيعاب عملية التغيير ولوجود النفط، مع عدم التيقّن من إمكانية تأمين استمرار الاستحواذ عليه واستثماره بما يؤمّن مصالحها، فضلاً عن وجود إسرائيل واستمرار الصراع العربي – الإسرائيلي.
لم يكن العالم العربي إذن استثناءً أو استعصاءً أو شذوذاً على قانون التطور التاريخي العالمي، فقد وصلت إليه موجة التغيير حتى وإنْ تأخّرت، ولكنها كانت تنمّ عن تراكمات بطيئة وطويلة الأمد، ولكن هذه المرّة مع بيئة دولية مشجعة، دون أن يعني أن الأمر صناعة خارجية، بل كانت تعبيراً عن ظلم معتق مع اختلال في توزيع الثروة وزيادة نسبة الفقر، لدرجة أن ملايين العرب هم دون خط الفقر، حتى في بلدان نفطية غنية، واستمرت الأمية بما يزيد عن 70 مليون عربي.
إن عملية التغيير موضوعياً ودون إسقاط رغبات الكبح أو الانفلات، ستطرح الكثير من القضايا على السطح مثل الموقف من الأقليات والتنوّع الثقافي، ولاسيما الديني والطائفي والإثني، فضلاً عن الموقف من علاقة الدين بالدولة وكذلك من حقوق المرأة وقضايا التقدم الاجتماعي. والأهم من كل ذلك سيكون شكل الدولة وطبيعتها من أكبر التحديات التي تواجه دول ما بعد الربيع العربي.
فهل ستكون الدولة الديمقراطية المنشودة دولة بسيطة أم مركبة؟ أي دولة مركزية أو لا مركزية وحتى فيدرالية، بتوزيع الصلاحيات بين السلطات الاتحادية وبين السلطات المحلية، وهو ما طُرح سابقاً في العراق والسودان قبل التقسيم، واليوم في اليمن وليبيا وربما في بلدان أخرى، علماً بأن هناك تشوشاً والتباساً بين مفهوم الفيدرالية وغيره من المفاهيم التي قد تصل إلى الانفصال أو التقسيم بشكل مباشر أو غير مباشر وبين مفهوم الفيدرالية الإداري والقانوني، الأمر الذي يحتاج إلى فضّ الاشتباك وتحديد المفاهيم أولاً وتأمين قناعة وإرادة الناس ثانياً، فالنظام الفيدرالي المطبق في نحو 25 بلداً هو نظام متطور وحتى إن وجدت فيه بعض المشاكل فإن اللجوء إلى حلّها سيكون سلمياً وعبر إرادة ممثلي الشعب والتكوينات المختلفة التي دفعت بهم صناديق الاقتراع إلى البرلمان، والأساس هنا هو الديمقراطية التي يمكن للفيدرالية التي تنتعش في ظلّها، وليس العكس.
إن مواجهة مسألة الدولة باعتبارها مسألة محورية سيكون الأساس اللاحق للموقف من التعددية والتنوّع الثقافي وحقوق المرأة وغيرها، فهل سنشهد ظروفاً مؤاتية لسلوك هذا السبيل بعد استبداد طويل دام عقود.
* باحث ومفكر عربي




246
من تاريخ الأفكار

حوار مع الأكاديمي والمفكر الدكتور عبد الحسين شعبان – الحلقة 1
النقد ممارسة تربوية وتحريضية معاً
ورياضة روحية مع النفس
إنني أسائل الفكر الماركسي من داخله، فلست غريباً عنه أو طارئاً عليه

فيما عدا استثناءات قليلة، خصصت (الناس) صفحة تاريخ لنشر وقائع الحوادث السياسية التي ميزت تاريخنا السياسي الحديث . لا يتعلق الامر بمصادفة ، ولا بتخطيط متقصد أو اختيار  ، بل لأن نتائج هذا التاريخ ما زالت تطوقنا ، وما زالت النخب السياسية بصدد حل نفس المشكلات الخاصة بالتمثيل والعلاقات السياسية بين الطوائف والقوى الاجتماعية والسياسية التي كانت قائمة في الماضي . حتى الحل القائم على الانتخابات النيابية جاء في شروط سيئة من التفاعل المجتمعي وفي ظروف الاحتلال . لقد بدأ تاريخنا السياسي الحديث باحتلال وانتهى باحتلال ، بدأ من عملية بناء دولة بشظايا المكتبية العثمانية ، لينتهي نهاية كارثية بعد الاحتلال الاميركي الذي انهى الدولة وجعل من عملية اعادة البناء شاقة ومعقدة وسط خرائب الدولة القديمة وأعمال النهب المنظم الذي قامت به قوى ما قبل الدولة المتعطشة للمال والسلطة.
بسبب هذا التاريخ الدائري الذي تتكرر فيه اعمال العنف ، راح المواطنون حالهم حال السياسيين يضعون تاريخهم السياسي موضع مساءلة . من هنا اولينا هذا التاريخ الاهتمام . والمثير أنه حتى ونحن ننشر مذكرات شخصية لبناة المشروع النووي العراقي بدا واضحا أن تاريخنا السياسي كان هو من يمسك بالخيوط ويحدد المصائر . يلتمع المشروع في أفق القرار المستقل وإذا به يتراجع ويصبح بلوى حقيقية ، ويحسب على الاخفاقات والفواجع ، تماما كما في رواية اخفاق السياسة النفطية ، واخفاق التنمية كلها . لقد  أمسكت سلطة قوية ليست لها ضوابط شرعية ولا تلتزم بقانون بمصير كل شيء مستخدمة اياه بمغامرات عسكرية انتهت كما هو معروف بكوارث ما زلنا ندفع ثمنها. 
هذا هو تبريرنا . لكننا ندرك أن التاريخ لا يتحدد بالتاريخ السياسي ، على اهمية هذا التاريخ . فبقدر ما أن هناك انواعا من الكتابة التاريخية ، فإن لكل حقل معرفي تاريخا خاصا به. هناك مستويات متنوعة من الاداء في الكتابة التاريخية او تقديم شهادات لها قيمة تاريخية في ظرف محدد ، وتسجيل نشاط من طبيعة خاصة يصحّ عدّه على تاريخ الافكار في منطقة محددة . إن الجملة الاخيرة تمثل فهمنا لما سنقدمه ابتداءً من اليوم ، وهي اعادة نشر سلسلة من اللقاءات التي اجراها توفيق التميمي مع الأكاديمي والمفكر الدكتور عبد الحسين شعبان.  إن اسلوب الاسئلة والاجوبة الصحفي يقدم في هذا الحوار تسهيلاته في طرح القضايا العامة وربطها في الحياة الشخصية ، ومن ثم الاجابة عليها بالاعتماد على تجربة انضجها السن والاجتهاد والقراءة ومواصلة النضال والتأليف واعمال الفكر والتأمل .
يعد الدكتور شعبان من الجيل الثاني للمجددين العراقيين، يساري النشأة والتوّجه، لكنه لم يتقيّد بتعاليم المدرسة الماركسية التقليدية، ومنذ الثمانينيات كانت له مساهمات متميزة في اطار التجديد والتغيير والنقد للتيار الاشتراكي واليساري، وتعكس مؤلفاته وكتبه ومساهماته المتنوعة إنشغالات خاصة بقضايا الحداثة والديمقراطية والاصلاح والمجتمع المدني، واهتمامات فكرية لتطوير الفهم المتجدد لقضايا حقوق الانسان ونشر ثقافته

أجراه: توفيق التميمي

بعد عقود من تجربة الحياة قضيتها داخل الوطن وخارجه.. داخل الحركة الشيوعية وخارجها، وبعد مواكبتك لكل ما رافق هذه السيرة من تحوّلات تقدّماً ونكوصاً، هل تجد أن شهادة عراقية في دلالاتها التاريخية والتوثيقية والمعنوية ستكون مجدية، سواءً لك شخصياً أولقارئ متعدّد في مستويات تلقّيه ودرجات وعيه؟ وهل يمكن أن تحقق في هذه الشهادة ميزة الباحث في المشاكَسَة أكثر من مهمّة الرواية اليقظة لأحداث قد يكون مضى عليها عقود طويلة؟


ستكون الشهادة التاريخية مفيدة ونافعة بقدر صدقيتها وصراحتها أولاً، وثانياً تعتمد على مدى قدرتها في قراءة التاريخ برواية أساسها النقد والمراجعة والبحث عن الحقيقة،لا بهدف التبرير والتسويغ وإخفاء الأخطاء. ولعل هدف أية قراءة إرتجاعية هو استفزاز الذاكرة، لإستعادة تشكيل الأحداث والوقائع والأفكار، لاسيما المسكوت عنها أوالساكن منها أوالمنسي! وأي استيقاظ للذاكرة سيفضي إلى شرعية العودة المثابرة والمستمرة للتاريخ لإعادة قراءته لا باعتباره مفردات أووقائع منفصلة، بل كسياقات اجتماعية تحتاج  إلى استعادة نقدية برؤية الحاضر، بما فيه من وقائع ومعطيات ومتغيّرات. ليس المطلوب نقد النهايات فحسب بل لا بدّ من نقد البدايات وصولاً إلى ما آلت إليه التجربة، لاسيما الشفوية منها، قبل تقنينها وإعادة صياغتها ووضعها بيد القارئ والمتابع، والاّ فإن الأخذ برواية معينة من وجهة نظر محددة دون سماع روايات أخرى، قد تفضي  إلى الضد منها أحياناً، الأمر الذي يتطلّب الاستماع إلى أكثر من رواية وأكثر من زاوية نظر للوقائع والأحداث وإعادة تقييمها في ضوء ذلك، وليس الهدف من هذه القراءة النقدية إصلاح الماضي، لأنه أصبح ماضياً، بل إصلاح الحاضر واستشراف المستقبل، وتقديم قراءة جديدة للتاريخ.
الشهادة الفردية قد تنكفئ على الذات إنْ لم تنشد فعلاً إجتماعياً تغييرياً، لتحريك الساكن والبعيد والمُغفل والمُهمل، وهذا يتطلّب أيضاً مصالحة مع الذات، فلا نقد للتاريخ وللآخر دون نقد الذات، بعيداً عن أي تمجيد أوطقوسية نرجسية أوإرتكاس. النقد عمل معرفي ومعياري وأخلاقي، وهو فعل نظري وسياسي قد ينتج أفكاراً جديدة، لاسيما إذا كان جاداً، وإذا احتوى على المواصفات الأساسية للمعرفة والاجتهاد، فإنه يساهم في إعادة ربط الوقائع وجمعها وتأطيرها في لجّة الحقيقة التي تشكّل هاجساً لمن يشتغل في البحث عنه، دون كلل أوملل من أجل التصويب والتصحيح والتجديد والتغيير، وبعد كل ذلك، فالنقد هو ممارسة تربوية وتحريضية معاً وهو رياضة روحية مع النفس، يمكن تنميتها بالمران والاستزادة والمراجعة المستمرّة، لاسيما إذا توفّرت وقائع ومعلومات جديدة.
وإذا كنتُ قد وافقت على تقديم شهادة قد لا تكون "ناجزة"، لأننا مع ذلك ما زلنا نعمل، ونمارس فضيلة الاجتهاد، وقد نخطئ وقد نصيب مهتدين بقول أثير للإمام الشافعي "رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب"، وهكذا يمكن القول إن "للمجتهد إن أصاب أجرين وإن أخطأ أجر". ولهذا فقد سعيت خلال مراجعات وقراءات إستعادية الوقوف عند الأسس والمكوّنات والروافد الروحية الأولى، ثم التنقيب في الأصول والمسارات، وبقدر هاجسي النظري فقد ظلّ قلقي العملي يطلّ برأسه عليّ باستمرار ولا أستطيع مفارقته.
وقمتُ بقدر ما يتعلق الأمر بتجربتي الفكرية بنقد السائد من الأفكار، التي يستحق بعضها أن يكون في متحف التاريخ، دون هجاء للماضي أومحاولة تسفيهه أوتسويد صورته كلّه، ودون اللجوء إلى تجاوزه بهراوة ناعمة تحت مبررات كثيرة، فتارة بإسم "العولمة" وما بعد الحداثة وغيرها، وتارة أخرى بإدعاء التساوق مع الليبرالية الجديدة الظافرة، وثالثة تحت عنوان ما بعد الماركسية بزعم تجاوزها الزمن ورابعة تحت تبرير فشل العلمانية، والبحث عن توافقية جديدة والسعي لمزاوجة الدين والماركسية أو"مركسة" الدين أوتديين الماركسية وحصلت مثل بعض المحاولات في الستينيات وما بعدها وهكذا، وخامسة تبعاً لمتطلبات السوق السياسية والحصول على الامتيازات والمكاسب.
النقد الذي مارسته كان ضد "الماركسية الرثة -الماركسيوية" وليس ضد منهج ماركس وهو يمتد إلى "القومية المبتذلة -القوموية" التي حوّلت العروبة كرابطة وشعور طبيعي بالانتماء إلى نمط من الاستبدادية والاستعلائية باعتبارها آيديولوجيا، تلك التي أصبحت طغموية، لاسيما ممارساتها السلطوية، كنظام سياسي، والنقد يشمل أيضاً " الإسلامية المتحجّرة - الاسلاموية" تلك التي تحاول استغلال التعاليم الدينية السمحاء لأهداف سياسية وطائفية ومذهبية، تحرّم وتحلل، بل تملك مفاتيح الجنّة، وهي التي تقرر المقدّس والمدنّس، متخذة من التأثيم والتحريم والتجريم بإسم الإسلام السياسي ودون الرجوع  إلى القانون أحياناً، وسيلة لفرض هيمنتها الآيديولوجية، باسم ولاية الفقيه أوبغيرها، بإعلان أحياناً ودون اعلان في الكثير من الأحيان.
هكذا تتحول الماركسية  إلى "ماركسلوجيا" والقومية  إلى "قوملوجيا" والإسلامية إلى "اسلاملوجيا"، وذلك بالأدلجة، وأقول ذلك ليس من باب طهرانية ساذجة يخالطها شعور بالرضا عن النفس أوالأنا المتضخمة، بل بقدر معقول من الانزياح الآيديولوجي الذي أصبح عائقاً يمنع المرء من التطور، ويحول بينه وبين رؤية مزايا الآخر والعقل الناقد والحر، سواءً كان شيوعياً أوقومياً أوإسلامياً.
وإذا كنتُ قد انتقدتُ الماركسية السائدة، فهذا لا يعني أنني أتخلّى عن ماركسيتي فأنا شديد الاعتزاز بها، بل وفخور بها إلى درجة لا أخفيها أوأغلف بعضها بأردية أوعناوين أخرى، كما يفعل كثيرون هذه الأيام، لكن الماركسية ليست تمامية أوكاملة أونهائية، بقدر ما هي منهج للتحليل وأداة للعمل لا يزال صالحاً، على الرغم من أن الزمن تخطّى الكثير من جوانبها، متخليّاً عن قراءات إرادوية ساهمت في تحويلها إلى تعليمات أقرب إلى التعاويذ والأدعية والوصفات الجاهزة.
إنني أُسائل الفكر الماركسي من داخله، فلست غريباً عنه أوطارئاً عليه، فقد قضيت أكثر من ثلث عمري البيولوجي مكافحاً ومنافحاً عنه، وفي الثلث الثاني كنت ناقداً له من داخله، ساعياً لتجديده وتكييفه مع واقع ما بعد ماركس، مع علوم أواخر القرن العشرين وعلوم القرن الحادي والعشرين، تلك التي لم يدركها ماركس، لاسيما في ظل الثورة العلمية – التقنية وثورة الاتصالات والمواصلات وتكنولوجيا الإعلام والطفرة الرقمية "الديجيتل".
إنني أنقد الماركسية بعد تجارب مريرة بإسمها زادت على 70 عاماً، وبعد إخفاقات وانتكاسات عالمية، ونقدي لا يقتصر على الممارسة، بل يمتدّ  إلى نقد جوانب مهمة من ماركسية ماركس نفسه، لاسيما نظريته حول الدولة وذبولها، فضلاً عن ذلك تسليط الضوء على جوانب أخرى لم يكن عمر ماركس البيولوجي يتّسع لبحثها بعمق ما فيها نظرته للشرق والدين والجماليات والميثولوجيا وعلم النفس والنقد الأدبي وغيرها وهو ما شرحته مطوّلاً في كتابي " تحطيم المرايا- في الماركسية والاختلاف- 2009".
لعل نقدي للماركسية لا يستهدف نثر التراب فوق جثمانها لإعلان موتها أوتشييعها  إلى مثواها الأخير وإقامة طقوس الاحتفال برحيلها، كما لا يسعى لنشر الغسيل الوسخ وجلد الذات وتعريتها كما يعتقد البعض، بل هو نقد يستهدف إبراز الجوانب المضيئة والمشرقة منها، لاسيما منهجها الجدلي وقوانينها الأساسية، وخصوصاً قانون التطور التاريخي وقانون فائض القيمة، وتأشير ما تخطّاه الزمن.
إن نقدي ينطلق من موقع الغيور والفاعل والمُحتج والرافض، والأمر يحتاج  إلى نقد ماركس ذاته وإنْ كان هذا النقد بمنهجه الديالكتيكي، أي نقد ماركس بالماركسية، وأعني بذلك بالجدلية الديالكتيكية. وإذا كانت قراءة ماركس لمجتمعات القرن التاسع عشر الأوروبية، وضمن العلوم السائدة آنذاك تصلح لها، فإنها لا تصلح لمجتمعاتنا، لاسيما بعد قرن ونصف من الزمان أوما يزيد عليها في ظل التطورات العلمية الهائلة التي حصلت في العالم، وذلك بمنهج ماركس نفسه، وإذا كانت تعاليمه تصلح له ولعصره، فعلينا استنباط تعاليم جديدة في ضوء التطور التاريخي لمجتمعاتنا.
ولعل هذه القراءة ضرورية لأن الحياة تتطلبها ودونها سيعني الجمود والتحجّر، وهذه القراءة ضرورية أيضاً في أوضاع الجدب الفكري وانحطاط القيم وتخلّي الكثير من "الماركسيين" أومن يحملون الصولجان الرسمي، عن "الماركسية" أومحاولة تطويعها لتكون بضاعة مقبولة في سوق النخاسة الطائفي والإثني، والعمل بطريقة مقاولين أومتعهدين من الباطن لمشاريع أخرى لطغاة أوغزاة، سواءً بحرق البخور أوتبرير بعض الإجراءات والممارسات السلبية، وأتطلّع شخصياً من هذه القراءة إيقاظ الوعي إستناداً إلى فضيلة النقد ذاته.
الشهادة التاريخية تقتضي الصدق مع الذات ونقدها والتسليم بفرضيات جديدة للظواهر الاجتماعية والتاريخية، لاسيما بعد أن شاخت معظم الفرضيات القديمة، وذلك بعيداً عن الارتجال أوالهجاء أوتثبيط العزائم والهمم. النقد هو محاولة لإعادة البناء وضرورة من ضرورات قراءة العلاقة بين الذاتي والموضوعي، المؤسس معرفياً على النقد، ومسؤوليته جسيمة إزاء حركة تاريخية وطنية عشتُ في داخلها بكل جدلياتها واشكالياتها ومشكلاتها.
لقد قرأتُ الماركسية قارئاً وقرأتها مبشّراً وقرأتها كاتباً وأقرأها اليوم ناقداً ومشاكساً كما عبّرت عن ذلك في سؤالك الاستهلالي لهذه الحوارات، وهي القراءة ذاتها للتجربة التاريخية الوطنية العراقية، بعيداً عن الآيديولوجيا والأفضليات وإدّعاء إحتكار الحقيقة والتعالي على الآخرين.
قراءتي الجديدة ليست إعادة تركيب وشرح وتفسير للوقائع، بقدرماهي نقد سسيوثقافي في إطار منهجية جديدة لتأكيد صيرورة الاجتهاد، كما أن الوعي التاريخي يشترط نقداً للفكرة في مراحلها المختلفة، منذ أن جاءت الفكرة إلينا وكيف نمت واستقرت في العقول والأذهان، ثم إن هذا النقد يتوغّل ليصل إلى نقد الممارسات والتطبيقات ذاتها أيضاً.
النقد ليس حبًّا بالنقد أوشغفاً به أومخالفة لكي تعرّف بأفكار صاحبها أوبه، بل هو فضيلة وواجب أيضاً، فإذا إهتديت إليه ومارسته بأريحية غدى فضيلة وسيقودك إلى فضاء رحب من التوازن والتجانس والانسجام مع النفس، وهو واجب في الوقت نفسه، لأنه لا يمكن مواجهة الأزمة المستفحلة بكل جوانبها، تلك التي ولّدت التحدّي المزمن والمستمر، بل والمعتّق دون ممارسة النقد بروح الشعور بالمسؤولية، والأزمة والتحدّي يتطلّبان نقداً يقترب من الواجب، أوربما يصبح واجباً لا غنى عنه للمراجعة التاريخية، فالأمر يتطلّب نقد الفكر ونقد طريقة التفكير ونقد الفهم ونقد الممارسة ونقد الذين يتطيّرون من النقد، وحتى لا ننسى، علينا نقد الذات وتقديمها كما هي دون إدعاء أوتضخيم أواستصغار، لهذا أعتقد أن الشهادة مهمة وضرورية.
وقد أشرتُ في أكثر من مناسبة  إلى أن الآيديولوجيا مثل الدين أوبعض تأويلاته لا ترتضي بقسط من الحقيقة أوبجزء منها، إنها تدّعي امتلاك الحقيقة كاملة ناهيكم عن الحق في الاستحواذ عليها وحتى النطق باسمها، وما عداها باطل وزائف، ولذلك فإن الغالب الشائع هو عدم قبول النقد، بل إتهام الناقد أحياناً أوحتى تخوينه، أي أنه لا يردّ على نقده بنقد آخر، بل يردّ عليه أويشكّك به، فلا نقد عند ذاك، لأن من لا يتقبّل النقد، كيف يتقبّل التغيير، وكل نقد سيكون مُريباً أومُغرضاً، ذلك أن الفكر اليقيني، يشعر بالتعاظم والتطامن، وهو لا يرى ضرورة للنقد، فلديه جميع البراهين والحجج والمسوّغات التجسيدية والادعاءات التوكيدية على امتلاك الحقيقة، بل وحق احتكارها في إطار نسقي وشمولي من الأفكار والترتيبات.
ويكون الأمر أكثر خطورة إذا ما انتقلت الآيديولوجيا الشمولية من الفكر المجرد  إلى الدولة التي تحكمها، سواءً كانت دولة "اشتراكوية" أوفرعها في التحرر الوطني "دولة قوموية" أوالنموذج "الإسلاموي"، وجميع هذه النماذج سواءً البعثي- القومي أوالاشتراكي الستاليني- الماوي- وذيولهما أوالإسلاموي- الإيراني- السوداني، قاد إلى التقاطب والعدائية لكل شيء خارجه، فشعر بالامتلاء لدرجة الفيض، ولعل القبول بأي نقد أومراجعة، حتى وإن كانت من الداخل وليس من الخارج، لكنها ستعني في نهاية المطاف خروج على المركزية وتمرد على المراتبية ومؤامرة كبرى، وقد تدمغ بالانحراف والخيانة، التي تستحق الإدانة والتجريم.
ولعلّ كلّ خروج على التراتبية النمطية الافتراضية العمودية المركزية، سيكون بطلاناً وشروراً، تلك هي الماركسية السطحية المعلّبة وغير الصالحة للاستعمال أوالمنتهية صلاحياتها منذ زمن بعيد، التي تقابلها الدولة الدينية التي تمنح نفسها "العصمة" وتصادر أي رأي مخالف لها، مثلما رفعت التيارات البعثية- القوموية منزلة القومية للاستعلاء إلى حدّ الشوفينية أحياناً، ومقابل ذلك ضاعت واحتجبت  إلى حد الإلغاء الفردانية التي ينبغي اخضاعها لرأي الجماعة والأمة والطبقة، في إطار كيان جمعي نسقي جاهز يعتبر كل مشروع خارجه أوأية رغبة في التميّز هي أقرب  إلى الانشقاق أوالمروق الذي يستحق التكفير والإدانة والتجريم، بل أن كل تفكير خارج السائد يعتبر نوعاً من الشذوذ.
ولم يكن التيار الماركسيوي بعيداً عن الفكر الطغياني- الانغلاقي مثلما هو الاسلاموي والقوموي، وهما وجهان آخران للفكر الشمولي التوتاليتاري، عدا استثناءات قليلة فرضها الأمر الواقع.



* ولكن عن أية ماركسية يتحدث اليوم عبد الحسين شعبان، بعد خيبات ومرارات وتطبيقات مشوهة؟


-في حوار نظمه "حزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي" في القاهرة الذي أسسه خالد محي الدين و"مجلة أدب ونقد" التي ترأس تحريرها الأديبة فريدة النقاش، التأمت ندوة حوارية حول الماركسية والاختلاف، ولعل المناسبة كانت صدور كتابنا " تحطيم المرايا" الذي ناقشه الكاتب والناقد حلمي شعراوي والباحث صلاح عدلي والناقد علي الديب والدكتور أحمد كامل والناقد خضير ميري، إضافة إلى مدير الندوة الشاعر حلمي سالم، ولعل السؤال الذي ظلّ معلقاً، لاسيما بعد الأزمة العالمية المالية والاقتصادية للرأسمالية: هل عادت أطياف ماركس أم أن نجم الماركسية قد أفل؟

الماركسية التي وصلت إلى السلطة لا تشبه ماركسية ماركس، كما أن الماركسية المطبّقة لا تشبه ماركسية ما قبلها وما بعدها. وكذلك فإن ماركسية القرن العشرين لا تشبه ماركسية القرن التاسع عشر، وبالطبع فهي لا تشبه ماركسية القرن الحادي والعشرين، خصوصاً في ظل ثورة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والتي فجرتها العولمة، إضافة إلى الموجة الأولى من الحداثة، التي أطلق عليها البعض ما بعد " الحداثة".
ويمكن القول أن ماركسية ما بعد هدم جدار برلين وانتهاء عهد الحرب الباردة أو تحوّلها إلى شكل جديد ونمط جديد للصراع الآيديولوجي، ستكون مختلفة عن ماركسية القرن الحادي والعشرين، وماركسية السلطة تختلف عن ماركسية المعارضة، مثلما ماركسية الثقافة تختلف عن ماركسية السياسة.
لعل ماركس هو الذي رفض الحجر عليه ضمن أنساق ومقولات، ولم يعتبر تمرّده عليها خروجاً على المنهج الجدلي، أو تخلياً عنه كما يعتقد البعض، إذا ما رددنا ذلك، بل هو خروج على الأطر والانساق المُحكمة والصارمة التي أراد البعض أن يصهر الجميع في بوتقتها، بإقفال باب العلم والاجتهاد والادّعاء بتمامّية ماركس واكتمال تعاليمه.
وأتصوّر أن ماركسية القرن الحادي والعشرين ستكون أقرب إلى ماركسية القرن التاسع عشر أي حرّة وطليقة- وتتحرّك في فضاء واسع- وسوف لا تحجز  نفسها بقوالب جامدة! وإذا كانت ماركسية القرن التاسع عشر، أي ماركسية ماركس قد عمّمت معارف القرن التاسع عشر وسعت إلى استنباط الحلول والمعالجات للتنمية والتطوّر والتغيير الذي حلم به ماركس، انسجاماً مع ما توصّل اليه وما عرفه من معلومات، فذلك لأن الماركسية- كنظرية جدلية نقدية وضعية حية- كانت في صراع بينها وبين ذاتها من جهة، وبينها وبين حركة التطور التاريخي من جهة أخرى.
لم تكن الماركسية فلسفة خالصة أو منهجاً للتحليل أو رؤية للتاريخ حسب، أو مشروعاً سياسياً أو حركة ثورية للتحرر والتغيير فقط، إنها هي كل ذلك، وبذلك اختلفت وتمايزت عن سواها من النظريات الفكرية التي سبقتها أو عايشتها، من الكانطية إلى الديكارتية إلى الهيغلية.
نظر بعض الماركسيين إلى الماركسية باعتبارها نهاية مطاف أو حلقة ذهبية أخيرة في الفكر الانساني، يمكن اقتناؤها أو الاحتفاظ بها كما هي، أي "متحفيتها" في حين أن الماركسية منهج جدلي، لا يشكل ماركس الاّ حلقة من سلسلة حلقاته المتصلة والمستمرة وهي بلا نهايات.
يمكنني القول: لا يمكن اختصار الماركسية بماركس، وينبغي قراءة الماركسية بمنهج جدلي، أي بمنهج ماركس لا بتعاليمه فتلك تصلح له ولعصره، وعلينا اكتشاف قوانينا. كان ألتوسير يردد: إن فهم التاريخ هو في قراءة الوعي بضده، وتلك أزمة المنهج التي يمكن بواسطته قراءة الواقع بضده، كما أن الفكر يُعرف بضده.
في زيارة ميشيل فوكو لألتوسير في مصحته العقلية بسانت آن في ضواحي باريس سأله: هل ما زلت ماركسياً؟ أجابه ألتوسير ومن تكون أنت بغيرها؟ لكن ماركس هو الذي نبذ فكرة التأطير بردّه هذا على برودون.
الماركسية كما أفهمها هي فلسفة حضور، والحضور يعني اختلاف عن الغياب، وكان جاك دريدا في كتابه " أطياف ماركس" قد توقّف عند نصّية ماركس، التي إعتقد أن بالامكان تجاوزها، بكتابة تؤمن بأن الاختلاف أعلى من الواقع .
هكذا أفهم أنا " الوضعية النقدية" في الماركسية، التي تعني نقد للوضعيات الأخرى باعتبار الماركسية مرحلة من مراحل الوضعيات. قد تبدو هذه "مغالطة" إذا ما قرأنا الماركسية من الخارج، ولكن إذا ما قرأناها من الداخل فسنجدها هكذا، وقد كان فضل ماركس على البشرية كبيراً بحكم اكتشافه فائض القيمة وكذلك الصراع الطبقي في إطار قانون التطور الاجتماعي التاريخي، الأمر الذي ينبغي قراءته في ضوء المتغيرات اليوم، لاسيما الحداثة وما بعدها والعولمة ووجهها المتوحش. إن الحلقات المكوّنة للفهم الوضعي النقدي تقوم على أن: كلَّ نص هو مشروع قراءة، وكلَّ قراءة هي مراجعة للنص، وكلَّ مراجعة تكبر أو تصغر تقاس بمدى حجم النقد في النص.




حوار مع الأكاديمي والمفكر الدكتور عبد الحسين شعبان – الحلقة 2
ما بيني وبين النجف علاقة سحرية وسرّية يتعذّر تفسيرها،
هي أبعد مما تراه العين أو تتخيّله
الماركسية تحررت واستعادت عافيتها بعد تخلّصها من البطريركية (الأبوية) السوفيتية
أجراه : توفيق التميمي

من تاريخ الأفكار
نواقص الماركسية
هناك جوانب نقص لم تعالجها الماركسية، ففي حين أولت اهتماماً كبيراً وطاغياً بالجانب الاقتصادي، لم تعطي هذا الاهتمام للجانب الروحي. بتواضع أقول هناك نقصاً ماركسياً في تناول موضوع الدين، وإذا كان ماركس نفسه لم يتحدث عن الدين باستثناء الكرّاس الذي كتبه عن المسألة اليهودية، فإن فيورباخ كان قد قدّم قراءة نقدية للدين تأثر بها ماركس. أما استخدام مقولة " الدين أفيون الشعوب" فقد كان قصد ماركس مختلفاً عن الاستخفاف بالدين، بقدر اعتباره مهدئاً ومسكّناً، بل ترياقاً أو مورفيناً مؤقتاً للمشاكل الاجتماعية والاقتصادية، وقد استخدمت هذه المقولة شهادة اعتراف لإدانة الماركسية من جانب خصومها، باعتبارها ضد الدين، كما استخدمت من بعض الشيوعيين المتطرفين، أو من بعض المتمركسين السطحيين، لإظهار "ماديتهم" باعتبارها معادية للدين في تحدي لما استقرت عليه الكثير من المجتمعات، الأمر الذي يتطلب فهم الدين كتراكم إنساني لا تهميشه أو تقديسه، لأن كلاهما يؤدي إلى نتائج ضارة، ولكن في كل الأحوال لايمكن للماركسي الاّ احترام الأديان والعقائد والتعاطي معها بما ينسجم أو يتعارض مع الوضع الاجتماعي وقضايا التقدم، وقد استغلت آيديولوجيا العداء للدين في منطقتنا لإصدار فتاوى التأثيم والتحريم.
هناك نقص أيضاً في التعاطي مع الجماليات لحساب الجانب الآيديولوجي، لاسيما في الأصول النظرية، وهذه مسألة لا بدّ من التوقف عندها مثلما قرأ ماركس خطأً دور العامل النفسي،وقد ظلّت المدارس الماركسية والجامعات بما فيها في الدول الاشتراكية تحجم عن تدريس علم النفس أو حتى الإعتراف به لغاية أواسط الستينيات، كما أن هناك نقصاً في فهم دور الميثولوجيا وغير ذلك.

لا بدّ من التوقف عند الفهم الخاطئ  من جانب ماركس لجوانب من المسألة القومية عندما اعتبر شعباً، مثل الشعب التشيكي رجعياً (بالمطلق)، رغم أن أفق الحل الماركسي للمسألة القومية نظرياً كان صحيحاً بتأكيده: أن شعباً يضطهد شعباً آخر لا يمكن أن يكون حراً، وهو ما بنى عليه لينين مبدأً صحيحاً "حق الامم والشعوب في تقرير مصيرها "، وبغضّ النظر عن ذلك فقد جرت محاولة روسية لـ" لنينة " الماركسية من موقع الدولة الاشتراكية البيروقراطية وهذه أدت إلى تصنيمها وجمودها، لاسيما باستخدام مصطلح " الماركسية اللينينية" وكأنها الحدود الفلسفية. وقد تم إهمال الدفاتر الفلسفية للينين والمادية والنقد التجريبي، وهما من أهم ما كتبه.
كما لم تولي الماركسية اهتماماً كافياً بالحريات الفردية وأخضعت الفردانية إلى حكم المجموع بالرغم من أن ماركسية ماركس الأصلية حسب جورج لوكاش أعطت حيّزاً لا يستهان به في موضوع الحريات، لكن علينا الاعتراف أن الماركسية حتى في عهد ماركس أعلت من شأن الجماعية باعتبارها تمثل موضوعية التطور وفقاً للحتمية التاريخية مبرّرة قصور الذات الفردية بكبواتها وتوهماتها.
أستطيع القول أن ماركس هو بداية الماركسية لا منتهاها، وقد آمن ماركس بحرية النقد لا دوغمائيته، ولعل هذا يدفعنا للقول إن المنهج الجدلي بحاجة إلى بنيوية جديدة تحليلية من داخل الماركسية، دون إغلاق الأبواب عليها أو حجرها في مناخ غير صحي، ولابدّ من الانفتاح على ما حصل من تطور لدى المدارس الاجتماعية المختلفة والاستفادة منها.
الماركسية نقدية جدلية وهي نظرية مضادة للمفهوم الميتافيزيقي للمعرفة، إذ أن الماركسية بلا نقيض هي مجرد أحلام نظرية، والوضعية النقدية تعني نقد الوضعيات، وهي المنظار الذي من خلاله  أراد البعض رؤية الرأسمالية بتداعياتها وأفقها ومستقبلها، فضلاً عن قدرتها على تجاوز بعض معضلاتها البنيوية، لكن طيف ماركس وربما شبحه يظلّ يطلّ علينا، طالما ظلّت قضية العدالة الاجتماعية غائبة!!

س3- لكن أتريد إقناعنا أن حظّ الماركسية اليوم لا زال قائماً، وإنها ممكنة، بل أن المستقبل أمامها ؟ أليس ذلك "مملكة" عبد الحسين شعبان وليس صخرة الواقع؟
أعادت الأزمة الاقتصادية والمالية العالمية طيف ماركس الذي غاب لسنوات زادت على عقدين من الزمان، لاسيما بعد انهيار الكتلة الاشتراكية التي كان بانهيارها إنهيار النظرة الجامدة (الستاتيكية) للماركسية، بل يمكنني القول أن الماركسية تحررت واستعادت عافيتها بعد تخلّصها من البطريركية (الأبوية) السوفيتية وما شابهها التي طبعت فهمها وتفسيرها وقولبتها في ظل تطبيقات مشوّهة.
 وفي ظل انهيار مؤسسات مالية وتأمينية ومصرفية عملاقة،  عاد طيف ماركس الذي كان قد أصبح شبحاً لأوروبا العجوز في منتصف القرن التاسع عشر، ولا أبالغ إذا قلت أن بعض ما تحقق كان واحداً من قراءات ماركس التنبؤية لأزمة الرأسمالية العالمية " الدورية"، لكن ذلك لا يعني أننا سنشهد نهاية النظام الرأسمالي، فالرأسمالية لديها القدرة على تجديد نفسها وتجاوز أزماتها. لكن ما يحصل من تراكم ليس بدون ثمن.
هكذا عاد ماركس بقوة إلى المشهد السياسي والاقتصادي، وإلى مراكز الأبحاث والدراسات لا الاشتراكية فحسب، بل الرأسمالية أيضاً بحضور كثيف، واستعيدت مؤلفات ماركس، التي اعتبرت الأكثر قراءة خلال سنوات 2009-2010، في حين كان يُنظر اليه في السنوات الماضية باعتبارها جزءًا من "المتحفية التراثية" للقرن التاسع عشر، خصوصاً بعد أن انصرف عنها الكثيرون من مريديها، بل وغلاّتها المتطرفين، وولوا وجوهم صوب "الليبرالية الجديدة"، الأمر الذي بحاجة إلى وقفة مراجعة وجردة حساب بخصوص الماركسية واتجاهاتها، من زاويتها الفلسفية الفكرية، ومن زاويتها التطبيقية العملية.
غالباً ما يتم الحديث عن الماركسية بلحاظ سلبية المعنى التاريخي للممارسة، سواءً ممارسة ماركس نفسه وتجاوز الزمن للكثير من أطروحاته أو الممارسة الماركسية بعده، أما المنهج الماركسي وهو الأساس، فلعلّه الجزء المنسي من الماركسية، ونسيان أو تجاوز هذا الجزء من الماركسية يجعلها عند البعض شرٌ مطلق وعند البعض الآخر خيرٌ تام، فالأول يقيس على بعض التطبيقات والممارسات الخاطئة المحكومة بزمنها وبظرفها، أما الثاني فهو ينطلق من الكمال والعصمة والثبات، فبدلاً من استخدام المنهج الجدلي على نفسه أولاً، تراه ينغلق ويضيق بل يتشرنق على ذاته، بحكم ادّعاء امتلاك الحقيقة وبطلان ما سواها.
لعل الاتجاه الاول ينطلق من رؤية مغالية في التبديد، في حين أن الاتجاه الثاني يأخذ بالتأييد، وبين المدّنس والمقدّس يضيع المنهج الجدلي، كما ارتآه وكشف عنه ماركس بعد جهد ومعاناة، باعتباره بداية وليس نهاية، منهجاً ديالكتيكياً وليست أحكاماً جاهزة.
ان اعتبار الماركسية علماً كاملاً ونظرية تامة مخالفة لجوهر منهج ماركس الجدلي، فهو أول من قال بعدم القطع بتمامية وكمال كل شيء، الأمر الذي جعل اعتبار كل شيء نسبي، وهو ما ذهب اليه عالم الفيزياء باسكال الذي تحدث عن النقص في العلم والفكر والفلسفة. وكان ماركس نفسه يردد:" لا علم كامل الاّ في مملكة النحل"، وإنّ كل علم ناقص، وفي نقصه سرّ تقدمه التاريخي، ولعل ذلك يذكرنا بالفيلسوف العربي الكبير الصوفي الاتجاه العلاّمة محمد بن عبد الجبار النفري الذي قصد من قول " كلّ علمِ مستقر" يعني " جهلاًَ مستمراً " وذلك لأن كل شيء متغيّر وغير كامل ولا تحتسب الاشياء الاّ بنسبيتها.
ولا يمكن اعتماد قانون : وحدة وصراع الاضداد دون الحديث عن قانون نفي النفي، فالجدلية الماركسية دون القانون الثاني تتحول إلى ثنوية ومثنويات: خيرٌ وشرٌ، جمالٌُ وقبحٌ، نهارٌ وليلٌ، حياةٌ وموتٌ وهكذا. وإن الجدل منهجياً يعني الحفاظ على الجدلية، لا تصنيمها أو تحنيطها، وبقدر كون الماركسية احتراماً وتقديراً لجهد ماركس الكبير والخلاّق، فينبغي اعتبارها أولاً وقبل كل شيء مثالاً لحرية النقد لا دوغمائيته، فالجدل المنهجي الماركسي، بحاجة إلى نقدية من داخله، إضافة إلى من خارجه.
وبهذا المعنى تكون ماركسية ماركس هو بداية الماركسية لا منتهاها، الأمر الذي نحتاج فيه إلى نقد الماركسية السائدة بمنهج ماركس، ونقد ماركس وتطبيق منهجه الجدلي عليه وعلى أحكامه، لاكتشاف ما يتناسب مع أوضاعنا، لا تطبيق تعاليمه، لأن الكثير من تعاليمه وإستنتاجاته وأطروحاته لا تصلح لعصرنا، لاسيما وبيننا وبينه نحو 150 عاماً، وإذا كانت استنتاجاته تعميماً لمعرفة القرن التاسع عشر وعلومه، فالماركسية اليوم، وبخاصة المستقبلية تجاوزت علوم القرن العشرين، لاسيما ما بعد العولمة والحداثة، وهي تسير الخطى حثيثاً في القرن الحادي والعشرين.
   هناك نوعان من الماركسية، الماركسية الاولى بإنسابها إلى ماركس " الاصلي" وانجازاته الكبرى، ولعلها في الكثير منها ماركسية نصيّة، لاسيما إذا أخضعت للقراءة المنهجية في إطار حقبتها التاريخية ، ماركس الشاب الهيغلي، وماركس ومخطوطات 1844، وماركس ما قبل رأس المال، وماركس والثلاثية الأثيرة 1848-1852، وماركس ورأس المال، ولا ينبغي أن يؤخذ ماركس كلّه مأخذ الجد، وبهذا المعنى لا ينبغي أخذ " الماركسية الممكنة" عند ماركس كلّها باعتبارها اكتمالاً أو تماماً، فلم يكن ماركس كلياً في عمله النقدي، بل كان نقدياً في عمله الكلي، وهو ما ينبغي أن نفهمه أولاً في نقد هيغل أو تعديله نقدياً.
   أما الماركسية الثانية فهي ما بعد ماركس فيمكنني أن أقسّمها إلى قسمين:
القسم الأول – ماركسية النموذج الاشتراكي الاستبدادي في الانظمة التي حكمت الاتحاد السوفيتي منذ العام 1917 حتى انهياره العام 1991 والبلدان الاشتراكية الاخرى، التي اعتمدت الموديل ذاته، وإن اختلفت في التفاصيل في شرق اوروبا أو آسيا أو أفريقيا أو أمريكا اللاتينية. والقسم الثاني الماركسية المستقبلية "ماركسية ما بعد الحداثة" وكانت ارهاصاتها الاولى مدرسة فرانكفورت وإعادة قراءة تأثيرات هيغل على ماركس.
إن الماركسية وضعية نقدية جدلية، وهي مضادة للمفهوم الميتافيزيقي عن المعرفة والعالم، وهي تكوين يناقض الواقع، وعندما تصبح الماركسية بلا نقيض ستكون مجرد أحلام، وبإعمالها يتأكد ويتأتّى النقيض. لقد جرت محاولات لاختزال ماركس والماركسية إلى تبسيطية، بحيث أصبح فهم التاريخ كلّه ماركسياً بحذف نقيضه الضروري وجدله الخلاّق، وذلك دون مراعاة باحتمال تقديم الضد لضدية أخرى جديدة ، ولعل ماركسية ماركس نفسه كانت وحياً من النقيض، فكيف يتم إلغاء النقيض في الخطاب الماركسي الذي ساد بضعة عقود وما يزال بعضه يصارع على البقاء رغم نقوصه وتقهقره!؟
لا اعتقد بوجود ماركسية نقية أو كاملة على غرار هيغيلية مطلقة أو كليّانية نسقية، ولعلي أميل إلى اعتبار كل عمل ماركسي صرف هو عمل هيغلي بشكل عام، وقد سعى ماركس إلى احتواء نقدي للمتناقضات، وكان هو أكثر من يكره إضافة المزدوجتين اللاحقتين اللغويتين " Marxist " و" Marxisizm"، وكان يرفض اعتبار بعض استنتاجاته وقوانين الكشف التي قام بها مثل منهجه الجدلي في دراسة تاريخ تطور البشرية واستغلال الانسان للانسان عبر فائض القيمة، نظرية كاملة أو نهاية لمعرفة نظرية خالصة، وكان يردد عندما كان أحدهم يخاطبه " أنتم الماركسيون" بالقول: كلُّ ما أعرفه أنني لست ماركسياً!!
   وبهذا المعنى لا بدّ من وضع مسافة بين نقد البديل الآيديولوجي ماركسياً، وبين البديل الماركسي للآيديولوجية، أي عدم الاكتفاء بماركس وماركسيته، باعتبارها كل ما لدينا من الماركسية، وذلك باعتماد منهجه النقدي الوضعي المفتوح.
إن اقتصار قراءة الماركسية على ماركس ذاته دون المدارس الاخرى سيكون مأخذاً على الماركسيين، فالمتمركسون بألوانهم وحدهم هم الذين قفلوا خزانتهم على الكتب المدرسية الماركسية التاريخية، ووضعوا مسافة بينهم وبين تجديد الفكرة الماركسية ذاتها، ولعل رد الاعتبار للجدل والمنهج الماركسي النقدي الوضعي قبل تحويله إلى لاهوت وأحكام وقوانين ثابتة ومنزّلة، سيكون مساهمة في إحياء الماركسية بعد أن تصحّرت روحها وتم سلب جوهرها من خلال تطبيقات مشوّهة.
الماركسية هي جزء من التاريخ وليس التاريخ كله، ولعل فهم التاريخ ماركسياً لن يكون فهماً تاريخياً نقياً الاّ إذا أرادت الماركسية السائدة التعالي عليه، فلا يمكن ان يكون هناك وعي بالتاريخ دون تاريخ للوعي، والوعي في الغالب موقف من التاريخ، فبأي وعي ماركسي أصبح التاريخ كله خاضعاً لفهمه الماركسي؟
كان ماركس في إطار عمره البيولوجي ومعارف عصره مهرجاناً لقوة الفكر والسطوع واحتدام العاطفة والجرأة والقراءة النقدية بانتاج فكر جديد نقيض، ولذلك لا ينبغي اختزال ما قام به بمقولات " فوق بشرية "، والماركسية التي سادت في الانظمة الاشتراكية، أو حتى التي وصلتنا مسكوبة بإناء بدوي وبمذاق ريفي، هي غير الماركسية الحداثية، المدنية، المنفتحة، وكانت عبارة عن جمل وشعارات عفا عليها الزمن من كثر التكرار، لهذا السبب أصيبت بالشيخوخة وأحياناً بالعقم، ولم تكن سوى ما تحت أو ما دون الماركسية الحيّة، وغالباً ما كانت تقدّم، من خلال لغة شحيحة وباردة أحياناً وإذا أريد تسخينها فمن خلال حرارتها الثلجية، وكانت في الكثير من الأحيان متكلّفة، مليئة بالاستشهادات المقحمة.
الماركسية المستقبلية الحداثية، الحيّة، القادرة على العيش والقراءة والاستنباط، ستكون متحرّرة  من زمانها، وهي تجسيد للواقع وانعكاس له، أي: ماركسية لا تتثاءب في الصباح، لتغطّ في كسل عميق في المساء، لأنها ماركسية غير فائضة أو مرتشية أو خشبية أو ماركسية الديجيتل. ولعل ثمة كوابح وتعقيدات لا تعدّ ولا تحصى تقف أمام هذه النظرة الانتقادية فهي لا تريد الاستيقاظ ولا نفض غبار الزمن، بعد استرخاء في نوم عميق يقترب من السبات، ولا زال بعض أصحابنا لا يعرفون من الماركسية وعلم الاقتصاد السياسي، أكثر من فهم مبتسر لما كتبه نيكيتين في الخمسينيات والذي تم تعميمه على المدارس الحزبية، لا كما كتبه ماركس قبل وبعد كتاب رأس المال.
وتشعر أحياناً بالحرج حد الشفقة على ماركسيين طقوسيين لا يعرفون من الماركسية سوى الأجندة التي في حوزتهم عن الاحتفالات بالمناسبات المختلفة، مثلما يفعل بعض أقرانهم المتدنيين الشكليين أو الطقوسيين، وبالطبع فإن الشعائر وحدها ليست دليلاً على ماركسية الماركسي، أو إيمانية المتديّن.
وللأسف فإن الماركسية المدرسية الذرائعية التي كانت سائدة ظهر عليها عامل جديد عولمي، لاسيما بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، الأمر الذي أصبح بسهولة نقل الولاء من موسكو إلى واشنطن تحت مبررات البرغماتية والواقعية وعدم الانعزال وغيرها من التبريرات التي تقدمها بعض القيادات، وأحياناً تحاول أن تصبّها بإناء " ماركسي" على الرغم من الصدأ الذي يلفّه.
تلك هي الحقيقة التي نبحث عنها أحياناً لدرجة الجنون على حد تعبير أندريه مارلو.

س 4- لننتقل من التجربة الفكرية النظرية إلى التجربة السياسية الملموسة: أسألك ما هي الملامح المتبقية في ذاكرتك من نشأة صبي شغف باليسار وأفكاره مبكّراً في مدينة تُعدّ عاصمة دينية للعالم الإسلامي والشيعي منه على وجه الخصوص، كما أنها مشهورة بأنها تضم أكبر مقبرة في العالم وتكتنز أزقتها الضيقة جوانب سرية لحياة أناسها العاديين وعمائمهم السوداء والبيضاء  ....متى حصلت عندك شرارة الوعي بهذا اليسار ؟ و إلى أي حد أثّرت أجواء هذه النشاة في ذلك وتوجيه المسارات اللاحقة من حياتك؟
** كنت دوماً أسعى لتحريض السيد هاني فحص لكتابة النجف التي في داخله، ذلك الماضي الذي عبّر عنه بقوله: "ماضي لا يمضي"، ولعلّي كنت وأنا أستمع إليه، كأنني أطالب نفسي بإخراج النجف التي في داخلي، بصورتها المرئية وصورتها اللامرئية، إلى حيث المعنى والدلالة. هكذا كنتُ أشعرُ أن النجف متغلغلة في داخلي، ولكأنني في فضاء من الحب واللانهايات الأبدية، عاشق ولا شيء يروي ظمأه وشوقه لمعشوقته.
ما بيني وبين النجف علاقة سحرية وسرّية يتعذّر تفسيرها، هي أبعد مما تراه العين أو تتخيّله، ترتبط بالذكرى والذاكرة والرغبة المستمرة والصيرورة والحلم المتصاعد، لذلك ظلّت النجف تسكن مخيلتي، كقصيدة متواصلة الإبداع، لغتها غير قابلة للانقطاع، كنص شامل تعانقت حروفه وتكاثرت معانيه.
الحوار بيني وبين النجف يتواصل منذ عقود من الزمان، بوتيرة مستمرة تارة، ومنقطعة تارة أخرى، لكن هذا الحوار العفوي لم يكن بلا نظام، أنه يأتي أحياناً مكثّفاً بصور متناسقة، وأحياناً أخرى مفاجئاً بصور متنافرة، لكنها منسجمة فكراً ولوناً، متجانسة حتى باختلافها وتنوّع طيفها الأدبي والفني والاجتماعي.
باستمرار كنت أتحدّث مع النجف التي أعرفها، أتحدّث معها بصفة الحضور بالرغم من الغياب، كنت أريدها دائماً حاضرة، حتى ولو كانت على صورة برقٍ أو شعاعٍ، بايحاء وإيقاع سرعان ما أدرك كنهه، بإشاراتها الغامضة المحببة، اللذيذة.
ألتجئ إلى النجف كنص أدبي وقراءة جدلية، ألتجئ  إلى قبابها الذهبية، للحكمة والفلسفة المزدانة، لصوت المواكب الهادرة، ولنسائها الجميلات، للمناشير السرّية والجنائز المستوردة والعمائم المصدّرة، حسب الشاعر أحمد الصافي النجفي، فسرعان ما أعرف الباطن من الظاهر والخفي من المكشوف والغامض من الواضح، حين تلتبس فيها بعض الأمور ويستشكل الفكر والدين والجمال والأمل.
متعتان للجمال في النجف، متعة العقل ومتعة الشعر، حيث يتنامى الفكر المنفتح في مجتمعها المنغلق، حسب تعبير السيد مصطفى جمال الدين، والانغلاق الظاهري، يحمل تحت ثيابه انفتاحاً وتطلّعاً للتغيير والتجديد وحركة تمرّد وانعتاق وتوق للحرية بلا حدود، ولعل هذا التجلّي ليس سوى ما تختزنه النجف من طاقة إبداعية- عقلية خلاّقة، ووهج شعري متدفق مثل شلال!!.
لا أستطيع إغلاق أبواب النجف في رأسي فقد ظلّت مشرّعة تدخلها الريح من كل الاتجاهات، فعند كل قراءة نقدية وضعية، تتجاوز الآني  إلى المستقبلي، والماضي  إلى الحاضر، وهي قراءة أبعد من حدود السلطة والسياسة بمعناها الديني- الثيوقراطي والآيديولوجي. ويخطأ من يتوهم أن بإمكانه حصر النجف بقالب أو بمجموعة أو فئة أو طائفة، فالنجف هذا المعهد الدراسي المفتوح، ظلّت تتوالد فيها أكثر من ألف عام منصّات الفقه والفكر والفلسفة واللغة والأدب والشعر بشكل خاص، منذ أن جاءها الإمام الطوسي هارباً من بغداد العام 449 هجرية، حيث نظّم حوزتها العلمية وأضفى على منهجها الدراسي حركية ودينامية، احتفظت بها على الرغم من محاولات تقييدها وتجميدها أو حبسها بأطر معينة.
   وقد تركت المدرسة النجفية تأثيراتها العلمية والثقافية والأدبية على مختلف الأوساط والحقول والفئات، وكانت ملتقى الأعراق والقوميات، فيها تتفاعل الثقافات وتتداخل الحضارات، في إطار إنساني وبُعد إسلامي وهوية عربية، وفيها يتعايش المتديّن واللا متديّن، اليساري واليميني، ولكل رافده ولونه وطيفه الذي أضفى على النجف هذه الفسيفساء المتّحدة – المتناسقة- المختلفة في إطار مؤتلف.
علّمتني هذه النجف كيف أوالف بين الماء والشجر، وأؤاخي بين الهواء والحجر، بين المادة والخيال، وبين الشعر والواقع، فبتُّ أشعُر أني أولد فيها كل يوم من جديد، بل في كل يوم، هي تعيد خلقي، وكأنني مولودها الذي ما زال مربوطاً بحبلها السري فما هي قطعته ولا أنا أردت قطعه.
هي ليست الماضي حتى وإن كان حاضرها ملتبساً، تتشوّش فيه المرآة وتضطرب الرؤى وتتلبّد الغيوم، هي المستقبل فقد استعصت وظلّت مكابرةً، ولعلها كانت قد عقدت  معاهدة صداقة تاريخية بينها وبين التمرد. هي النجف استعصاءٌ واستثناءٌ في الآن ذاته، وتلك ليست فكرة، بل عبرة لمن يريد أن " يعتبر" منها!
هذه النجف تُعيدُني  إلى طفولتي، وفي الآن نفسه تجرّني إلى الأمام، وتحركّني باتجاه القادم، المفاجئ، الجديد، الذي كان وجهاً من وجوهها المُدهشة، المفعمة بالحيوية!
لعلي كلّما إزددتُ غوصاً في النجف، إزددتُ قدرة على التواصل مع الآخر، وقدرة على تفهّم وقبول التعايش، وحين تكون الهوية من القوة والفاعلية تكون مفتوحة وحيوية وقابلة على التلاقح مع الغير.
هذه النجف ظلّت على مرّ الأيام فاتحة ذراعيها كالبحر تستقبل كل فكر جديد، رافعة رايات الحرية لجدل بلا قيود، ومثلما تستقبل النجف البشر والفكر وكل ما هو جديد، فهي تستقبل أيضاً الأموات حيث تضم مقبرتها "الغري" – وادي السلام – وهي أكبر مقبرة في العالم رفات الملايين من شتى أنحاء العراق، بل والعالم الاسلامي، الذين يريدون أن يدفنوا قرب قبر الإمام علي. النجف ذلك الفضاء الفضي المفتوح والسراب اللامتناهي، فليس لصحرائها المترامية الأطراف حدود.


247
حلبجة: العين والمخرز!
شهادة عربية حول حلبجة والأنفال





د.عبد الحسين شعبان

تنشر وكالة كردستان للأنباء (آكانيوز) شهادة عربية لواحد من المثقفين العراقيين بمناسبة ذكرى مجزرة حلبجة، وهي شهادة المفكر والأديب العراقي الدكتور عبد الحسين شعبان، الذي وقف باستمرار، إلى جانب الشعب الكردي وحقه في تقرير المصير انطلاقاً من موقف فكري ماركسي ومن موقف إنساني، وإيماناً منه بالصداقة والتآخي العربي- الكردي، وقد وجهت إليه آكانيوز سؤالاً بهذه المناسبة، فأدلى بشهادته هذه:

في 16-17 آذار (مارس) عام 1988 قُصفت مدينة حلبجة الكردية العراقية بالسلاح الكيمياوي، وذهب ضحية تلك الشراسة والحقد نحو خمسة آلاف مواطن في الحال، وقيل أنهم فارقوا الحياة نتيجة لاستنشاقهم غاز الخردل.

وعلى الرغم من أن الجريمة هزّت الضمير الإنساني على نحو مروّع، أو كما هو مفروض إلا أنها من جهة أخرى لم تلقَ الإدانة المطلوبة على الصعيد الدولي، فالولايات المتحدة والغرب عموماً لم يحرّكوا ساكناً، بل شوِّش الأمر على نحو مثير، حين ألقي باللائمة تارة على هذا الطرف وأخرى على الطرف الثاني من طرفي الحرب العراقية- الإيرانية، والمقصود إيران والعراق.

وللأسف ذهب بعض "المتعصبين" باستثناء نخبة متميّزة إلى تبرير هذا الفعل الإجرامي على نحو ساذج وسطحي، بحجة تعاون القوى الكردية مع الإيرانيين، وهو عمل يجيز للحكومة العراقية بحد ذاته استخدام جميع أنواع الأسلحة، لاسيما والعراق في حالة حرب في حين ذهب بعضهم الآخر ممن عمل في خدمة الحكومات المتعاقبة أو اشتغل لحسابها، لتبرير ذلك أيضاً بمتطلبات الحرب والخشية من توسّع النفوذ الإيراني في اختراق الأراضي العراقية.

وبغضّ النظر عن هذه المواقف وتحميل هذا الطرف أو ذاك المسؤولية، فإن المسألة لم تأخذ الاهتمام الذي تستحقه كجريمة دولية نكراء، واستخدام سلاح تدميري محرّم دولياً، وهي القضية التي لم تأخذ مداها إلا بعد توقّف الحرب في 8/8/1988، وفي مؤتمر باريس بالذات وذلك بعد ما يزيد عن عام ونيّف من ارتكاب هذا الفعل الجرمي الشنيع.

ربما يعود ذلك إلى اختلاط بعض الأوراق وتداخل بعض الأدوار، لاسيما في ظل توازن قلق للقوى المتحاربة، حيث كانت القوى المهيمنة، ولاسيما الولايات المتحدة، التي سعت لإدامة نار الحرب، وكانت تزوّد الفريقين بمعلومات وصور مأخوذة عن الأقمار الصناعية، لا تسمح بإلحاق هزيمة بأحدهما في حين ظلّت الحرب مستعِرَة ثماني سنوات بالكمال والتمام . وقد يعود ذلك في جزء منه إلى حساسية الصراع الدولي الاستراتيجي آنذاك، لاسيما قبل انهيار الكتلة الاشتراكية وتفكك الاتحاد السوفيتي فيما بعد، وخصوصاً وجود النفط عصب الحياة الأساسي على الصعيد العالمي، فضلاً عن استمرار الصراع العربي- الإسرائيلي دون حل عادل، ولاسيما التنكر لحق تقرير المصير للشعب العربي الفلسطيني.

ولعل ما أعقب مجزرة حلبجة، كان خطراً، لاسيما بتنظيم حملة إبادة جماعية، تحت اسم "الأنفال" راح ضحيتها عشرات الألوف من المواطنين الكرد، وبلغ عدد القرى والقصبات التي تم تدميرها ابتداءً من الحرب العراقية- الإيرانية وحتى نهايتها ما يقارب على 3000 (ثلاثة آلاف) قرية وقصبة، في حين تعرّضت البيئة إلى عسف لا حدّ له، بتدمير الحقول والمزارع وحرق الأشجار. وكان ذلك يتم بحجة ملاحقة " الثوار" الكرد و"المعارضين" الوطنيين العراقيين، ومنع تسلل الإيرانيين وجرى ترحيل عشرات الآلاف من المواطنين القاطنين في المناطق الحدودية خلال الحرب العراقية- الإيرانية، إضافة إلى من تم ترحيلهم بعد اتفاقية 6 آذار (مارس) العام 1975 بين شاه إيران محمد رضا بلهوي والرئيس صدام حسين (النائب) في حينها.

كل ذلك كان يجري بصمت ودون ضجة  تُذكر أحياناً. لكن تجاوز النظام العراقي، الخطوط الحمر وتحرّشه بالمصالح الدولية الكبرى بإقدامه على مغامرة اجتياح الكويت في 2 آب (أغسطس) عام 1990، وفي ظل انهيار نظام "القطبية الثنائية" وتفكّك المعسكر الشرقي وبداية عهد جديد من العلاقات الدولية، فجّر أزمة الخليج والنفط والسلاح في المنطقة على نحو لم يسبق له مثيل، وغير مسموح به فيما سمّي بـ "النظام الدولي الجديد" وهو ما دفع القوى الغربية إلى إدانة الحكومة العراقية لاستخدامها الأسلحة الكيمياوية ضد الكرد، ولاحقاً فرض الأمم المتحدة نظام عقوبات دولي ضده شمل الحظر على السلاح ونظام مراقبة وتفتيش كما هو معروف في القرار 715 وقبله في القرار 687 الصادر في 3/4/1991، وذلك لاعتبارات دولية تتعلق بظروف الصراع، ولم يكن الهاجس الرئيس هو الاعتبارات الإنسانية أو المبدئية أو حقوق الإنسان، التي ظلّت مسكوتاً عنها.
*   *   *

عندما حدثت مجزرة حلبجة في العام 1988، كنّتُ في دمشق، ونظّمنا بمبادرة محدودة من نخبة من المثقفين مذكرة أو نداء للرأي العام العالمي. ولا أذيع سرًّا إذا قلت أن بعض المثقفين العرب من أصدقائنا، اعتذر عن التوقيع على المذكرة بحجة أن الحكومة العراقية كانت تدافع عن "البوابة  الشرقية" أو أنه لا يوجد دليل واضح يدمغ الحكومة العراقية باستخدامها السلاح الكيمياوي، إذ كانت إرادة المصالح الدولية يوم ذاك قد أخفت نتائج صور الأقمار الصناعية، الأمر الذي بدأ يتكشف بالتدريج، لاسيما بعد نهاية الحرب العراقية- الإيرانية لاحقاً، ولعله لأول مرة في التاريخ البشري أن تتهم حكومة باستخدام " السلاح الكيمياوي" ضد شعبها.

وكان بعض المثقفين العرب من أصدقائنا يشعر بالحرج حتى وإن كان بسليقته يعرف المتهم أو المرتكب، وعلى الرغم من أن مجموعة متميّزة منهم وضعت تواقيعها على مذكرتنا الموجّهة للأمم المتحدة والتي تطالبها بإجراء تحقيق فوري وعاجل والسعي لوقف الحرب العراقية- الإيرانية، إلا أن هؤلاء أو بعضهم كان قد وقّع على المذكرة لاعتبارات صداقة أو بكثير من المجاملة والحياء فضلاً عن الاعتبارات المبدئية، الإنسانية التضامنية. كما أن بعضهم الآخر أعلن تأييده لنهج المذكرة، لكنه اعتذر من وضع توقيعه عليها، ولم يكن الأمر بعيداً عن تشويشات وربما ابتزازات أو عدم الرغبة في الدخول بمعارك غير متكافئة مع نظام قوي ولديه كل عوامل الديماغوجيا من إعلام وأتباع وأموال وبطش وتضليل.

ربما بعضهم لم يسمعوا بحلبجة أو أنهم لم يريدوا أن يسمعوا بها أو سمعوا وأداروا ظهورهم لاعتبارات ليس المجال لذكرها أو لتفصيلها في هذا المقام، خصوصاً ولم يكن حينها قد دخلت تكنولوجيا الإعلام المنازل دون رقابة أو استئذان، في حين شكّل بعضهم بضجيج وصخب الموكب اللاحق والصورة الأشد قتامة في المشهد الأكثر إثارة واستغراباً بعد حرب الخليج الثانية. حيث نقل الكثيرون رحيلهم من هذا الموقع إلى ذاك.

وشملت المذكرة التي وقعها 88 شخصية عربية معظمهم من العراقيين المطالبة بإدانة جريمة حلبجة وإجراء تحقيق عاجل حول استخدام الأسلحة المحرّمة دولياً. ومع الأسف، فإن صحيفة عربية مرموقة ولا يُعرف عنها ممالأتها  للحكومة العراقية، اعتذرت هي الأخرى عن نشر المذكرة لاعتبارات الصراع ولحراجة الموقف ولحسابات أقل ما يقال فيها، إنها كانت خاطئة أو قصيرة النظر، بينما غرق البعض الآخر حتى أذنيه في تبرير أو تفسير أو إيجاد الذرائع لعمل "إجرامي" مدان بكل الاعتبارات القانونية والدينية والأخلاقية والسياسية ومن أي أتى ضد سكان مدنيين وآمنين وعزّل، وهو ما يشكل انتهاكاً صارخاً لاتفاقيات جنيف لعام 1949 والبروتوكولين الملحقين بها لعام 1977، ناهيكم عن تعارضه الصارخ مع حقوق الإنسان.


*              *              *


كإنسان أشعر بحزن شديد في ذكرى حلبجة، وأعتقد أن الاعتذار عن هذا الحادث الجلل لا بدّ أن يجد طريقه يوماً ما. وكعراقي يشعر بالانتماء إلى وطن واحد مع الكرد، فإنه يقف معهم من أجل مواطنة متساوية وحقوق متكافئة، ويحترم حقهم في اختيار نوع وشكل العلاقة مع عرب العراق طبقاً لمبدأ حق تقرير المصير، سواءً أكانت الفيدرالية أو غيرها، فمثل هذا الحق لهم مثل سائر الشعوب الأخرى.

وكعربي يعتز بعروبته فأنا أقف مع الشعب الكردي ونضاله من أجل توحيد الأمة الكردية، مثلما أتمنى أن يتحقق حلم الوحدة العربية، وفي كلا الحالين على أساس سلمي وديمقراطي أسلوباً، واجتماعي وتقدمي مضموناً.

وعندما أقف هذا الموقف من إدانة مجزرة حلبجة أو الأنفال وفضح الدعاوى الشوفينية، فإنني اصطف إنسانيا مع كل موقف يدين المجازر المرتكبة على مرّ التاريخ سواءً على أيادي المحتلين الأجانب أو الطغاة من كل لون وصنف محليين أو إقليميين، ولعلّي في ذلك أمارس إنسانيتي، بل أشعر بالامتلاء، ولا أجد ثمة منّة أو هديّة أو هبة أو مكرمة لأي أحد يتخذ مثل هذا الموقف: حكومة أو معارضة وعلى مدى التاريخ، بل اعتبره واجباً على كل إنسان سوي يتعامل مع البشر بصفتهم الإنسانية ودون أي تمييز.

ومثل هذا الاعتراف بحقوق الكرد إنما هو إقرار بواقع أليم عانى منه الشعب الكردي وعلى أشقائه واجب الاعتراف بحقوقه والدفاع عنها، خصوصاً عندما يكونون من القومية الكبرى بمعناها العددي، والذي تم الاضطهاد باسمها دون أن يكون لها علاقة بذلك، ولهذا فإن واجب التضامن هو تبرئة في الوقت نفسه من أية علاقة بين الاستبداد والأمة التي ينتمي إليها. وهناك فرق كبير بين الحاكم والشعب، مثلما هناك فرق بين الحق والسياسة وطريقة التعبير عن الحق قد تكون سليمة وصحيحة وقد تكون خاطئة، وبقدر وقوفي اللامحدود مع الشعب الكردي وحقوقه العادلة والمشروعة، ولاسيما حقه في تقرير المصير، انطلاقاً من رؤيتي الماركسية، لكن ذلك لا يمنع من نقد بعض المواقف والسياسات التي تخطأ وتصيب مثل غيرها.

وأعتقد أن قيام نظام ديمقراطي حقيقي في البلدان التي يعيش فيها الكرد وتأكيد حقوق المواطنة والمساواة واحترام حقوق الإنسان، سواءً أكان في العراق أو تركيا أو إيران أو سوريا، كفيل بإيجاد حلول ومعالجات للمسألة الكردية خصوصاً عبر الحوار والخيار السلمي واستبعاد ونبذ العنف.

وأظن أن حواراً بين مثقفي الأمم الأربعة: الأمة العربية والأمة الكردية والأمة الفارسية والأمة التركية، يمكن أن يسهم في مهمة التقارب والتعايش وتأكيد المشترك الإنساني.

ستبقى ذكرى حلبجة مثل المخرز بالعين،

فهذه المدينة الشهيدة تستنفر فينا وفي جميع المخلصين الهادفين لتأمين احترام حقوق الإنسان ما سجلته الذاكرة في ذلك اليوم الحزين وليس ككل الأيام.

* باحث ومفكر عربي



248
الأمن أولا والحرية أخيراً.. والعنف بينهما

عبد الحسين شعبان

يذهب سيغموند فرويد عالم النفس الكبير وصاحب مدرسة التحليل النفسي إلى اعتبار الأمن لا يقل أهمية عن الحرية، بل انه يضع الأمن في بعض الأحيان في منزلة متقدّمة، ذلك لأن انعدامه يؤدي إلى الفوضى، ويُشعِرُ الإنسان بالخوف والقلق من المجهول. وقد كانت الحكومات قبل اندلاع أعمال الاحتجاج الواسعة وخلاله، من تونس مروراً بمصر وامتداداً إلى البلدان العربية المختلفة، تلوّح بأن غيابها سيؤدي إلى الفوضى وانعدام الأمن وانتشار الإرهاب وتسلّط جماعات متطرفة وإرهابية.
ولا شك بأن في ذلك جزءاً من الحقيقة، فلمجرد انهيار الأنظمة السابقة، ظهر إلى جانب ما اختزنه المجتمع من جمال ورفعة وأصالة، كل ما في قاعه من قبح ودونية ورثاثة، ولعل كبت الحريات وشحّ الكرامة الانسانية وتفشي الفساد المالي والإداري كانت من الأسباب الكامنة وراء انفلات الأمن وشيوع بعض مظاهر الفوضى، خصوصاً بتصدع هيبة الدولة، الأمر الذي يطرح السؤال بإلحاح، هل الأمن نقيض للحرية؟ ثم إلى متى يعيش الناس دون حريات خوفاً من انعدام الأمن؟
لعل المعادلة ليست مقايضة أو مفاضلة بين الأمن والحرية. وإذا كان الاختلال لمصلحة الأمن في السابق وضد الحرية، فالمطلوب اليوم هو التوازن بين الأمن والحرية، وذلك لأنه بغياب الأول لا يمكن حماية الثاني، فضمان الحرية هو الأمن والاستقرار والسلام. ولا تتحقق التنمية دون السلام والحرية.
وإذا كان ما حصل في البلدان التي شهدت تغييرات خلال العام 2011 من أحداث متسارعة قد أنجزت المرحلة الأولى من عملية التغيير، واكتسب الناس حرياتهم، لا سيما حرية التعبير والتنظيم والحق في المشاركة واختيار من يمثلونهم بانتخابات حرة، الأمر الذي سيكون أمن المواطن والوطن مسؤولية ومهمة بالغة الخطورة ينبغي تأمينها وحمايتها بالوسائل المتاحة والسبل المفترضة جميعها.
لكن الحقيقة الأولى التي ينبغي استيعابها هي أن التغيير قد بدأ ولا يمكن وقف قطاره، حتى وإنْ تعثّر أو تأخر أو انحرف أو تلكأ، لكن العودة إلى الوراء أصبحت غير ممكنة إن لم تكن مستحيلة، بغض النظر عن الدوافع والمبررات، فلم يعد البكاء على الأطلال نافعاً! ولهذا لا بدّ من تعزيز معادلة الحرية بالأمن بحيث يكون الأخير في خدمة الأول وليس نقيضاً له.
أما الحقيقة الثانية فهي أن جميع حركات التغيير الكبرى في التاريخ شهدت أعمال عنف وأعقبها ورافقها انفلاتات أمنية، لكنها في نهاية المقام استقرت، والتغيير لن يتم بضربة واحدة، بل هو عملية ديناميكية طويلة، وستمرّ بمرحلة انتقالية قد تطول وقد تقصر هي الأخرى، وربما ستصاحبها أعمال عنف وانفلات، وهو ما حصل في تونس إلى حدود معينة، وعلى درجة أكبر في مصر، أما في ليبيا وسوريا فسيكون تأثير العنف كبيراً بفعل الصراع ومجابهة الاحتجاجات بقمع منفلت من عقاله، وعلى درجة لا يستهان بها في اليمن. وقد تترك تلك الحقيقة، ونعني بها الفترة الانتقالية المصحوبة بانفلاتات أمنية، آثاراً سلبية طويلة الأمد على تطور هذه البلدان، الأمر الذي سيزيد من معاناة السكان المدنيين الأبرياء العزّل، إنْ لم يتوقف العنف ويوضع حدّ له، ويتم الحفاظ على الأمن والاحتكام إلى القانون، وتستعيد الدولة هيبتها.
الحقيقة الثالثة هي أن الحرية انتصرت على أمن الحاكم وبات اليوم من الضروري عقد حلف بين الحرية وأمن المواطن "الإنسان"، وأمن الوطن، خصوصاً أن التغيير نجح بالسلم واللاعنف في تونس ومصر. وإذا كان قد انتكس في ليبيا بحكم القمع المعتّق من جانب النظام من جهة، وتدخّل حلف الناتو عسكرياً من جهة أخرى، واستطاعت الحرية منازلة أمن الحاكم في اليمن وحققت نتائج طيبة حتى الآن، إلاّ أن هذه المعادلة ما زالت متعثرة في سوريا.
وإذا تم تدويل المسألة السورية، وهي مدوّلة نسبياً الآن، فإنها ستأخذ أبعاداً خطيرة، وقد تؤدي إلى اقتفاء أثر السيناريو العراقي، على الرغم من معارضة روسيا والصين حتى واستخدامهما «الفيتو» المزدوج في مجلس الأمن، لكن تأييد 137 دولة في الجمعية العامة للأمم المتحدة قد يكون مقدمة للمضي بالسيناريو العراقي الذي قد يستغرق لتحقيقه فترة طويلة.
الحقيقة الرابعة لقد ثبت حتى الآن أن الحلول الأمنية أو العسكرية أو الاقتصادية هي خيارات غير مجزية دون حل سياسي، فمن دونه لا يمكن تفعيل الحلول الأخرى، وستبدو الحلول جميعها مثل المورفين أو المهدّئات. الحرية تحتاج إلى الأمن لضمان استمرارها ولمنع حدوث الفوضى، والأمن دون حرية سيكون أمن الحاكم وليس أمن الناس.
الحقيقة الخامسة هي انكسار حاجز الخوف لدى المحكومين، وخصوصاً عندما انتقل جزء منه إلى الحكّام الذين لم يصغوا إلى شعوبهم، ومثل هذا الأمر كان الإيذان الأول لنضوج اللحظة الثورية للتغيير، تلك التي ينبغي دراستها بدقة وعمق وأخذها في المعادلات اللاحقة، لا سيما معادلتي الأمن والحرية.
لقد أحدثت تلك التغييرات تحوّلاً في مزاج الناس التي ازدادت ثقتها بنفسها، حيث رأت أن بإمكانها أن تساهم في تغيير حكّامها أو تنال حريتها، بعد أن وصلت في العقود الماضية إلى حالة من اليأس والقنوط، وإذا بها اليوم وبعد عقود من الكبت تحاول الإمساك بزمام أمورها، وهكذا يمكن أن تنتقل "عدوى" الثورات من بلد إلى بلد ومن مجتمع إلى آخر. ولا يمكن لأي بلد اليوم أن يجنّب نفسه إشكالية التحرّكات الشعبية، إلا إذا قام بطائفة سريعة وعاجلة من المبادرات، مستمزجاً ومشاركاً للفاعليات والأنشطة الشعبية، مزاوجاً بين معادلتي الأمن والحرية.
الحقيقة السادسة تتجسّد بارتفاع سقف مطالب حركة الاحتجاج، كلما تصدّعت وتباعدت معادلتا الأمن والحرية، فبعد أن بدأت حركات الاحتجاج بدايات بسيطة عبر مطالب عامة بالحرية والكرامة ومحاربة الفساد، لجأت الحكومات إلى الحل الأمني والقمع بشراسة، والتنكر لمطالبها العادلة، فازداد الوضع تعقيداً، ولهذا لم تعد حركة الشارع تقبل بأقل من إطاحة الأنظمة، في حين كان بإمكان الأخيرة القيام بإصلاحات سياسية وإدارية ومالية واجتماعية واقتصادية سريعة، لامتصاص النقمة والتحضير لعملية انتقال سلس للسلطة المنبثقة ديموقراطياً.
الحقيقة السابعة تتجلى بالدور المؤثر الذي لعبه الاعلام وتكنولوجياته المتنوعة، حيث غلب على الانتفاضات الطابع العفوي، ولم تكن منظمة بقيادة حزب أو تيار سياسي أو آيديولوجي، ولم يكن بالإمكان حجب الاعلام أو منع تأثيره. ولهذا كان من الصعب مقايضة الأمن بالحرية والكرامة، بفعل الاستلاب الطويل الأمد، كما لا يمكن إقناع الجموع الشعبية الهائجة التي تذكّر بعصر المداخن أيام الثورة الصناعية، بأن خراباً أو انفلاتاً قد يحدث لاحقاً وقد يضرّ بمصالحها، لأنها لا يمكن أن تصغي إلى مثل تلك النصائح، خصوصاً وقد عرفت معنى الحرمان والعذاب والفقر. ولعلها بسليقتها كانت تدرك أن حريتها لا يمكن المقايضة عليها تحت أي عنوان أو مبرر حتى وإن كان منطقياً.
هذه المعطيات يمكن تدقيقها وتمحيصها، فالقمع ليس هو السلاح الفعّال والمناسب للقضاء على حركة الاحتجاج وإطفاء مطالب الناس العادلة، وحتى وإن نجح في التأجيل أو التسويف أو الاحتواء، فإنه سيكون لحين، وسرعان ما ستعاود الناس احتجاجاتها إنْ لم تتغير أوضاعها وهو ما أثبتته التجارب السابقة.
وعلى الدول والحكومات اليوم قبل الغد اتّباع خطوات عاجلة في إطار التشريع بسن قوانين جديدة وعصرية تنسجم مع التطور الدولي، إضافة إلى التوقيع والتصديق على الاتفاقيات الدولية بهذا الخصوص والشروع بمراجعة النظام التعليمي والتربوي، وخصوصاً مناهجه وتوجهاته من مرحلة الطفولة وإلى المرحلة الجامعية. ويتطلب الأمر جهداً إعلامياً وثقافياً لنشر الوعي الحقوقي والقانوني، مثلما يحتاج الى شريك فعال وراصد إيجابي حيث يمكن للمجتمع المدني أن يقوم بهذه المهمة إذا كان بجاهزية فكرية ومهنية. ولكن قبل ذلك كله الحاجة أساسية إلى إرادة سياسية وقناعة قمة الهرم، بأن هذا التغيير يصب في مصلحة الشعب والوطن ويحمي أمن الإنسان وحريته.
باحث ومفكر عربي



249
((  عــند ضفاف التسامــــح  ))*

                                                                                                                                  نوفل أبو رغيف**

حـين تكـون المعـرفة هـاجساً وحـيداً ..
وحين يصبح البحث عن حقيقة الأشياء ملاذاً كبيراً في دوامة القلق المتصاعد بأزاء الحياة وأسئلتها الكبرى.
وحين تكون الثقافةُ بوابةً لعالمٍ مأهولٍ بقيم الجمال والأمل والحب،.. عندها سنمتلك مفاتيح الدخول إلى مدائن الصبح وجمهوريات الشمس.
ولكن من ذا الذي يملك القدرة على شدِّك إلى هذهِ المدائن ؟. ومن ذا الذي يقنعنا بأن أسماءنا وحدها التي ستمكث في نهاية المطافٍ ؟ ومن ذا سيُسلمنا إلى بلادٍ تعصمنا من الخوف أو جبلٍ نأوي اليه في موعدٍ مع الناس ؟؟.
لاشك في أن الذي يملك ذلك ، هو نفُسهُ من يملك الإجابة عليه .. إنه وحده المثقف..
ولاسيما حين يكون  المثقفُ صنوَ نفسه ونسيج وحده وفضاءً من المعرفة لايملؤه سواه ..كما هي الحال تماماً مع من نحتفل هذهِ اللحظة بصوته ونتأمل في رؤيته هذا اليوم ، وهو يفتح للتسامح أفقاً جديداً مكتـنـزاً بمفاتيح التأريخ عامراً بالحوار ،على وفق قراءةٍ تعيدُ إنتاجه بما يلبي دعوة واقع عربي/إسلامي/ شرقي يكاد يُطبق على الناس.
ثمة أسئلةٌ وأختلاجاتٌ تنتابني منذ حسمت المجيء لهذا اللقاء المميز متحرراً من مواعيد والتزاماتٍ أساسيةٍ أُخرى ..قادماً إلى أربيل.
رغبة وجلةٌ وسؤال مترددٌ في ماالذي ينبغي أن أُقدمه ونحن نفتتح معلماً جديداً من معالم الكتاب ونفحص بالتأمل أثراً ماأحوجنا لمثله في زمن التحول الحرج ، على الرغم من كونه متناً معتاداً ونسقاً متصلاً في منظومة يتشابك فيها الأدب بالتأريخ ، والقانون بالأجتماع والصحافة بالسياسة في تداخل حميم.
 ولاشك فـي أنها أسئلةٌ تُحرِجُ المتأمل فيها وتشحُّ بالجواب .
فهي بأزاء مايمكن أن نصطلح عليه (بمنظومة عبد الحسين شعبان) مفكراً ،كاتباً ،ناقداً ، أديباً ..مؤرخاً راكزاً ، سياسياً مخضرماً وصحفياً وناشطاً والقائمة تطول ..
لم أعثر على ماأقتنع به سوى الحضور بمحبةٍ غامرةٍ.. مصغياً لما سيدور في هذا المحفل المميز الذي يستأهل أن نقطعِ من أجله المسافات.
فلعل مايمكن أن يطلقهُ البوحُ على عجالة المناسبة في هذا المقام يخشى أن ينحسر في زاويةٍ دون غيرها أو ينحاز إلى ركن من أركان المنظومة التي تشكلت لديّ عبر قراءاتٍ تراكمت في هذهِ المنظومة العراقية بامتياز..
إسمحوا لي أن تكون هذهِ الشهادة كما تشكلت .. هكذا من دون مراجعةٍ أواستعداد لتكون لحظة احتفاء من القلب إلى القلب .. فلا أصدق من مشاعر ينحتها الصدق والإعجاب.. ولي أن أتأمل في ذلك قليلاً مستحضراً لحظةً مما تناثرفي ذلك الفضاء الذي تسبح فيه منظومته الثقافية.
فغالباً .. عندما ينطفيء النهار .. ونعود محّملين بما تبقى من القلق المزمن .. مثقلين بصمت التعب وأصوات الآخرين ..
أتذكر كل مرةٍ أن هناك ماسأقرأهُ في نهاية المساء ..
وكالعادةِ فإن من بين ماأدخره لتلك اللحظة وقفةٌ جديدة مع الدكتور شعبان .. ورقةٌ أو رؤية أو موقف من الحياة يطلُّ علينا من نافذةٍ تتسع كل يوم لمزيدٍ، وتنفتح على مواقع الثقافة وخرائطها ..
وكالعادة أيضاً فإن مانقرأه لـه .. لايستثني متناً أو ركناً أو مساحةً في المعرفة إلاما تقصَّدَ هو أن يستثنيه من كتاباته تلك.
فالتأريخ ممزوجاً بالوفاء للجذور الأولى ولشركاء المشوار ..، والأدب منصهراً في تفاصيل الذات وأصدائها وحضورها، والرؤية السياسية ممهورةً بتجارب نحتتها عقودٌ من الإنتظار والتأمل والمراجعة ،لغة علميةٌ ذكيةُ تحكُمُ أُفقَهُ الاقتصادي المتوازن، وانثيالات شعريةُ تعكس موقعه المائز في تضاريس الأدب الذي يطلع من رائحة النجف الأشرف ليطوف العالم بأسره على جناحي يراع طالما صال وجال في سوح العلاقات الدولية الرصينة .
أنك لاتشعُر بتخوم اللغة أو أسوار الكلمات ومفازاتها .. كيف لا ؟ وأنت تقرأُ مايصعب أن يجيء بمثله سوى قلم الأستاذ شعبان .. في برنامج متصل متواصل من البحث والكتابة والتأمل بهاجس المسؤولية .. والرسم بالأفكار..
وأما على صعيد العلاقة فقد كان اللقاء بالدكتور شعبان لحظةً قدريةً مميزةً عند ضفةٍ من ضفاف القاهرة الساحرة .. كان معي صديقنا الناقد خضير ميري في نهاية أُمسيةٍ شعّريةٍ أقيمت لكاتب السطور في (أتيليه  القاهرة)..
كان لقاءاً جزلاً مكثفاً مفعماً بأسئلة الأهل والبدايات .. فكان مفتاحاً لمابعده من وصالٍ حميم وتواصل واعتزاز يدعوني لأن أقف اليوم في هذهِ المناسبة معبراً عنه معرباً عن سعادتي به وحرصي على آمتداده أبداً..
وهكذا فقد كانت وزارة الثقافة العراقية محظوظةً وهي تقدم عبر مؤسستنا الرائدة دار الشؤون الثقافية العامة جدلاً شعبانياًَ من طرازٍ خاص حين أعدنا قراءة الجواهري بطبعةٍ مميزةٍ في بغداد ، ليُطل علينا (جدل الشعر والحياة) من جديد، متناً مميزاً يتلاقى عنده الأدب بالتأريخ والمواقف بالقصائد والشعر بالسياسة ..
كان الكتاب الذي ننتظر أن نعقد لـهُ حفل توقيع في مؤسستنا، قد أخذ طريقةُ إلى جمهور المؤلف وقرائه .. بمجرد إنجازه في اليوم نفسه الذي صدر فيه ..فكان مفتتحاً لسلسةٍ جديدةٍ شقت طريقها بقوة حملت عنوان  "تجارب"
إننا إذ نحتفل اليوم بتوقيع كتابه الجديد ( فقه التسامح في أفقه العربي – الإسلامي) فإنما نؤشر موقفاًواعياً في لحظةٍ تأريخية تكاد تعصف بمشهد الشرق الأوسط عموماً وبعراقنا على وجه الخصوص إذ يحتدم الموقف من طرفيه الأساسيين في معادلة التحولات الإقليمية الكبرى – اسلامياً مع المد الاسلامي المتصاعد وعربياً بوصف المنطقة العراقية حاضنة أساسية لتلك التحولات.



















ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*((بمناسبة حفل توقيع الدكتور عبد الحسين شعبان لكتابه (( فقه التسامح)) في دار آراس /اربيل بتاريخ24/1/2012))
** شاعر وكاتب- مدير عام دار الشؤون الثقافية- بغداد.

250
البارزاني في ذكرى رحيله الثالثة والثلاثين..
الكاريزما الشخصية والواقعية السياسية


د. عبد الحسين شعبان

إذا جاز القول إن الرواية الروسية قد خرجت من معطف غوغل، فربما يجوز القول إن الحركة الكردية المعاصرة قد خرجت من " جمداني" (لباس الرأس الذي يرتديه الرجال الكرد) الملاّ مصطفى البارزاني في تاريخ الدولة العراقية المعاصرة.


وإذا كان هذا القول ينطبق على الحركة القومية الكردية التحررية في العراق، الاّ أنه ليس بعيداً عن بقية أجزاء كردستان. وذلك للدور البارز والمتميّز لقيادة البارزاني وللمكانة التي احتلّتها لدى عموم الأمة الكردية، فقد استطاع بفضل مؤهلاته وموقعه وحنكته وبعد نظره أن يحقق الكثير للشعب الكردي وأن يُعلي قضيته في شتى الميادين والمحافل ولاسيما بعد ثورة 11 (سبتمبر) 1961 في كردستان العراق، على الرغم من الظروف المعقّدة والتداخلات الخارجية وظروف الصراع الدولي في فترة الحرب الباردة، لاسيما بغياب القضية الكردية عن الأروقة الدولية منذ عشرينيات القرن الماضي وبعد معاهدة لوزان العام 1923 ولغاية العام 1991، وذلك بصدور القرار 688 عن مجلس الأمن الدولي في 5 نيسان (ابريل) الخاص بكفالة احترام حقوق الانسان في العراق ووقف القمع الذي تعرّضت له المنطقة الكردية وبقية مناطق العراق، باعتباره تهديداً للسلم والأمن الدوليين.

لقد اجتمعت في شخص البارزاني عناصر قوة كثيرة يندر أن تجتمع في شخص واحد. وهذه العناصر موضوعية وذاتية. فهو سليل الأسرة البارزانية الشهيرة وصاحبة الطريقة النقشبندية، والتي تمتلك نفوذاً دينياً ومادياً ومعنوياً كبيراً. يضاف إلى ذلك فهي أسرة مكافحة وشجاعة ساهمت في العديد من الحركات والانتفاضات ضد الحكم العثماني وما بعده حين أصبح العراق خاضعاً للنفوذ البريطاني، وليس عبثاً أن تدمّر منطقة بارزان خلال القرن ونيّف الماضي من تاريخها 17 مرّة وتستباح ويتم تخريبها وقصفها عدّة مرّات.

*              *               *

نشأ البارزاني في ظروف قاسية، فحين بلغ الثالثة من العمر اعتقل مع أمّه في سجن الموصل. كما أعدم أخوه عبد السلام. وترعرع الفتى بعد ذلك في ظروف المقاومة ومواجهة التحديات والتصدّي لمحاولات إملاء الإرادة، دفاعاً عن النفس وعن حقوق الكرد، سواءً خلال مشاركته بالثورة في كردستان تركيا 1917-1919 أو بانتفاضة الشيخ محمود الحفيد في السليمانية عام 1919، حيث قام بتنفيذ تعليمات أخيه الأكبر الشيخ أحمد البارزاني.

وفي الثلاثينيات شارك في الإعداد والتنفيذ والقيادة لحركات البارزان، وفي أواسط العام 1936 اعتقل في الموصل، ونقل هو والشيخ أحمد البارزاني وعدد كبير من العوائل البارزانية إلى بغداد وبعض المدن العراقية حيث فرضت عليهم الاقامة الجبرية، وهو إجراء طالما لجأت إليه الحكومات المتعاقبة بحق الكرد، حيث يتم إجلاؤهم وتهجيرهم إلى مناطق أخرى بحجة الظروف الأمنية.

وخلال الحرب العالمية الثانية، استطاع البارزاني الهرب (1943) حيث وصل إلى قرية "شنو" في إيران، تمهيداً للانتقال إلى بارزان لقيادة حركة بارزان بين عام 1943-1945، حيث كان البارزاني قد تمرّس في القيادة العسكرية، وفي الوقت نفسه اكتسب مهارة سياسية وأثمرت مؤهلاته القيادية، في المساهمة بتأسيس الحزب الديمقراطي الكردستاني (البارتي) عام 1946. وكان البارزاني قد شارك في الدفاع عن جمهورية مهاباد " الكردية" الإيرانية مع القاضي محمد الذي أعدم عام 1947، حيث اضطر البارزاني إلى مغادرة كردستان بعد أن ضاقت به السبل ليطلب اللجوء السياسي في الاتحاد السوفيتي السابق وعدد من أنصاره وعاش في المنفى نحو 12 عاماً.

وبعد ثورة 14 تموز (يوليو) 1958 تمكّن من العودة إلى العراق في 6/10/1958 حيث استقبل استقبالاً حافلاً من لدن حكومة الثورة والزعيم عبد الكريم قاسم. وكان في طريق عودته قد التقى الزعيم المصري جمال عبد الناصر في القاهرة، ليؤكد أهمية وضرورة التآخي العربي- الكردي. كما اختار ميناء البصرة العربية محطة أولى لوصوله ومنها إلى بغداد وبعدها إلى كردستان.

ومن المفارقة الإشارة إلى أن البارزاني كان قد حكم عليه غيابيا بالاعدام في كل من العراق وإيران، وقد سبق للحكومتين أن خصصتا مبلغ 50 ألف دينار كمكافأة لمن يلقي القبض عليه أو يقدّم معلومات عنه (1943). وكانت الحكومة التركية في وقت سابق قد اعتقلت الشيخ أحمد البارزاني وقامت بتسليمه إلى الحكومة العراقية عام 1933 وذلك يعكس البعد القومي لتحرّكه من جهة ودور الجغرافية السياسية في تعطيل مطالب الشعب الكردي وحقوقه من جهة أخرى، والتعاون والتنسيق الحكومي والأمني بين الحكومات الثلاث الذي ظلّ يشكل على مدى ثلاثة أرباع القرن أو ما يزيد العلامة البارزة في سياسات الدول الثلاث إزاء القضية الكردية، وفي سنوات التسعينيات كان مسؤولو كل من إيران وتركيا وسوريا يجتمعون بشكل دوري لبحث الموضوع الكردي في العراق، ارتباطاً بتطورات قيام كيان كردي مستقل عن الحكومة المركزية في العراق.

*              *              *

لقد تمكّن البارزاني من الجمع الوثيق بين دفاعه الراسخ وإيمانه اللامحدود بقضية شعبه وأمته وعدالة قضيته، وبين قدرته الكبيرة على فهم طبيعة العلاقة المتميّزة بالشعب العربي. وهو ما أكسبه مكانة كبيرة لا باعتباره زعيماً كردياً مرموقاً ومتفانياً حسب، بل باعتباره شخصية وطنية عراقية كبيرة لعب دوراً مهما وخصوصاً في العقود الثلاثة التي تلت ثورة 14 تموز (يوليو) 1958 في السياسة العراقية، إذْ لم يكن من الممكن تجاهله، كما لم يكن من الممكن استبعاده من أي حل لأزمة الحكم المزمنة في العراق.

ولذلك حاولت الحكومات " والثورات" والانقلابات العسكرية استمزاج رأيه وجسّ نبض موقفه قبل قيامها أو بعدها مباشرة، وذلك لأنه كان يمثّل ضمير الشارع الكردي، بغضّ النظر عن الاتفاق أو الاختلاف حول سياساته أو نهجه من جانب السياسيين الآخرين، وفي تقييماتها اللاحقة.

وإذا كان البارزاني قد توفّي في الغربة بعيداً عن أرض كردستان الطيبة التي أحبّها، لكنه حسب وصيته فقد استعيدت رفاته ليدفن في موطنه (بارزان) وحيث نشأ وترعرع، فقد توفّي البارزاني في 1 آذار (مارس) 1979 في الولايات المتحدة، ودفن في بلدة شنو الإيرانية (قرب الحدود) واستقبلت رفاته شعبياً في جو من الحزن والهيبة والوقار والوفاء في 16 تشرين الأول (اكتوبر) 1993، وأصبح بإمكان الشعب الكردي وأصدقائه زيارة قبر البارزاني في منطقة بارزان، حيث تنظّم مسيرات شعبية في ذكراه كل عام.

وقد شاهد كاتب السطور يوم 1 آذار (مارس) 2000 خلال زيارته لكردستان لإلقاء محاضرات على طلبة الدراسات العليا في جامعة صلاح الدين (كلية القانون والسياسة) تدفّق جموع غفيرة من المواطنين وعلى نحو عفوي منذ الصباح الباكر متوجهين إلى منطقة بارزان من جميع أنحاء كردستان. وكان لذلك المشهد تأثير كبير في نفس الكاتب الذي شاهد كردستان وقد لبست حلّتها الربيعية الجميلة الممزوجة والمطرّزة بالحزن ومشاعر اللوعة والغياب. وأصبحت زيارة قبر البارزاني تقليداً شعبياً للتعبير عن علاقة المواطنين الكرد بالرمز. ولعل الكرد أرادوا من خلال مظاهر الاحتفال التعبير الواعي وليس العفوي حسب، عن تمسكهم بالطريق الذي اختاره البارزاني وبعدالة القضية التي نذر لها نفسه.

*              *              *

الاستثنائية في المرونة والواقعية

لقد كان البارزاني قائداً استثنائياً بكل معنى الكلمة، استطاع أن يجمع بين الاصرار وروح المقاومة من جهة وبين المرونة والاستعداد للحلول المرحلية من جهة أخرى. وإلى جانب روح الكبرياء والعزّة القومية كان يحترم الشعوب والأمم الأخرى ويتحلى بالتواضع الكبير والأدب الجم. وعلى الرغم من أنه كان ثائراً ومتمرّداً واقتحامياً في ميدان القتال، فقد كان مسالماً ومتسامحاً وغير ميال للعنف لاسيما بحق الأبرياء والعزل.

وفي سؤال للأخ الاستاذ مسعود البارزاني رئيس اقليم كردستان لاستجلاء واستكمال هذه الصورة، قال لي: بعد محاولة الاغتيال التي تعرّض لها البارزاني بواسطة السيارة الملغمة التي اتهمت بها الأجهزة الأمنية بقيادة ناظم كزار مدير الأمن العام آنذاك (1971)، توفّرت لدينا معلومات وتقديرات عن أمكانية الرد بالمثل وكانت الخطة ستنجح، واطلعنا البارزاني على المعلومات فتجهّم وجهه، ولم يرد بشيء بادئ الأمر، ثم قام وتوضأ وصلّى وبعدها قال لنا: نحن لا نردُّ على الجرائم بجرائم مماثلة، لأن ذلك سيصيب الأطفال والنساء والأبرياء. أحذّركم بشدّة وأرجو منكم الاقلاع عن التفكير بمثل هذه الأمور.

وعلى الرغم من استخدام السلاح في الثورة الكردية دفاعاً عن النفس، الاّ أنها نأت بنفسها عن "الارهاب" واعتبر البارزاني تلك الممارسات جُبناً وليس مقاومة أو دفاعاً عن النفس. وهو ما جعل شخصية مثل كرايسكي مستشار النمسا وصف الثورة الكردية بـ " الثورة النظيفة" لأنها حاولت الابتعاد قدر الامكان عن القيام بأعمال تخريب أو تفجيرات أو أعمال عنف أو اغتيالات من شأنها إلحاق الأذى بالمواطنين الأبرياء العزل. واقتصرت عملياتها الأساسية على الدفاع عن النفس والقيام ببعض الهجمات ضد القطعات والمواقع العسكرية الحكومية في كردستان، خصوصاً المهاجِمة منها.

وكان شعار البارزاني " العفو عند المقدرة"  وعلى أساسه تعامل مع "الجحوش"  واستقبل بعضهم ممن ترك مواقعه على الرغم من معرفته بأنهم " خانوا شعبهم" لكنه كان يتعامل بمرونة ومسؤولية إزاء هذه الشريحة، ويبدي تفهّماً إزاء الضغوط التي كانوا يتعرضون لها، ناهيكم عن بعض المُغريات، الأمر الذي يقتضي بتغيّر الظروف والأوضاع، تغيير مواقفهم، وهو ما كان يشجعهم عليه من خلال نهجه المتسامح، خصوصاً إذا ما قرروا فك ارتباطهم بالجهات التي لا تضمن الود للشعب الكردي.

وقد سارت الحركة الكردية على هذا الطريق، فبعد انتفاضة آذار (مارس) 1991 تمكنت من السيطرة على المحافظات الكردستانية ووقع في الأسر أعداد غفيرة من الضباط والجنود والموظفين الحكوميين والحزبيين البعثيين، ولكنها تعاملت معهم بشكل انساني في الغالب (على الرغم من بعض الإستثناءات) تنفيذاً لتعليمات "الجبهة الكردستانية" لاسيما مسعود البارزاني رئيس الحزب الديموقراطي الكردستاني ومام جلال الطالباني الأمين العام للاتحاد الوطني الكردستاني، على الرغم من المرارات والعذابات التي تعرّض لها الشعب الكردي وخصوصاً عند قصف قضاء حلبجة بالسلاح الكيمياوي 16-17/3/1988، والذي  راح ضحيته خمسة آلاف مواطن في الحال وعمليات الأنفال السيئة الصيت التي أودت بحياة عشرات الآلاف من المواطنين الكرد العزّل وسياسة الأرض المحروقة التي أدت إلى تدمير واتلاف 4500 قرية وقصبة خلال الحرب العراقية – الايرانية.

وقد استوعبت الحركة الكردية هذه البروفة الأولية، وكانت مهيأة بعد الاطاحة بالنظام السابق للتعامل مع حرس الحدود والأكراد الذين كانوا يعملون مع الحكومة مع موقع يساعد على تطمينهم، خصوصاً بالابتعاد عن سياسة الانتقام والثأر والكيدية، وهو الأمر الذي كان العراقيون بشكل عام وليس الأكراد حسب، بحاجة ماسّة إليه لإعادة ترميم الوطن وإشاعة أجواء السلام والتسامح، والتخلص من بيئة الكراهية والأحقاد والضغائن.

*              *              *

دروس التجربة التاريخية!

يمكنني القول إن البارزاني استوعب بشكل حيوي ومن تجربته التاريخية الغنيّة وخصوصاً في السنوات الأخيرة، أهم الدروس للحركة القومية الكردية في علاقاتها الخارجية، خصوصاً مع القوى الإقليمية والدولية، تلك التي تجلّت فيما عبّر عنه كيسنجر وزير خارجية الولايات المتحدة الأمريكية الأسبق بفصل السياسة عن الأخلاق، لاسيما بإخضاع مصالح الحركة الكردية للمصالح العليا للاستراتيجية الأمريكية في علاقاتها الدولية، ولعل مثل هذا الأمر كان يمثل أيضاً  جوهر الاستراتيجية التركية والإيرانية والإسرائيلية في المنطقة، تلك التي حاولت استثمار القضية الكردية في العراق لحساباتها الخاصة.

وقد عبّر البارزاني بمرارة عن هذه الحقيقة، وهو ما يمكن استنتاجه من رسائله إلى الادارة الأمريكية، فلا يمكن بأي شكل من الأشكال اعتماد صداقة مع أي عدو للعرب باعتباره صديقاً للكرد، مثلما لا يمكن للعرب اعتماد أي عدو للأكراد باعتباره صديقاً لهم، وكان مثل هذا الاستنتاج المهم والخطر أحد دروس انتكاسة العام 1975 بتوقيع إتفاقية 6 آذار (مارس) بين شاه إيران محمد رضا بهلوي والرئيس السابق صدام حسين (النائب حينذاك).

ومثل هذا كان البارزاني قد أدرك على نحو أعمق وخصوصاً بعد اتفاقية (بيان) 11 آذار (مارس) العام 1970 مع الحكومة العراقية ضرورة وأهمية وضع القضية الكردية في مكانها الصحيح من القضية العراقية، فالجزء يؤثر في الكل ويتأثّر به والعكس صحيح. ولذلك فإن الحل الوطني الديموقراطي والتآخي العربي- الكردي يشكل الحجر الأساس في حلّ المشكلة الكردية في إطار مشكلة الحكم في العراق ككل.

لقد استوعب البارزاني الترابط العضوي بين حلّ المشكلة القومية وبين قضية الديموقراطية، إذْ لا يمكن الحديث عن حقوق الشعب الكردي في العراق أو بقية أجزاء كردستان دون الحديث عن الديمقراطية، ذلك أن غيابها قلّص من امكانيات حلّ القضية الكردية والاعتراف بحقوق الشعب الكردي سلمياً، كما أنه رجّح الحل العسكري، الذي هو الآخر لم يكن بوسعه التوصل إلى حلّ معقول وعادل لقضيته، بل زادها تعقيداً.

ولذلك كان شعار الحركة الوطنية اليسارية والديمقراطية العراقية وبضمنها الحزب الديمقراطي الكردستاني لسنوات طوال " الديمقراطية للعراق والحكم الذاتي لكردستان" وهو التعبير الأكثر واقعية في تلك المرحلة على التلازم بين الحل الديمقراطي لأزمة الحكم في العراق وبين الحل السلمي للقضية الكردية.

ولعل فداحة غياب الديمقراطية، كان يتجلى أيضاً بحرمان الشعب الكردي، من ممارسة حقوقه المشروعة في التعبير عن إقامة كيانه السياسي، وكذلك حرمانه من ممارسة حقه في التعبير والتنظيم والمشاركة السياسية، وهي من الحقوق الأساسية التي يقرّها الاعلان العالمي لحقوق الانسان الصادر في 10 كانون الاول (ديسمير) العام 1948 إضافة إلى العهدين الدوليين، العهد الأول الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والعهد الثاني الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، الصادرين عن الجمعية العامة للأمم المتحدة العام 1966، والداخلين في حيز التنفيذ العام 1976، واللذين يقران بحق تقرير المصير.

كما أن فداحة غياب الديمقراطية تجسّد في استمرار نكوص الدولة العراقية عن واجباتها الأساسية في حماية حقوق مواطنيها، وخصوصاً حقوق المواطنة الكاملة وعدم التمييز، واستمرّت الحكومات المتعاقبة في الإستئثار والإنفراد بالحكم، الأمر الذي قاد إلى ميل شديد لهضم الحقوق في إطار حكم شمولي استبدادي، لدرجة أخذت قاعدته الاجتماعية تضيق تدريجيا مع استمرار حرمان الشعب الكردي من حقوقه المشروعة، وبالأخص حقه الأساسي وأعني به حق تقرير المصير.

ولعل حجب حق المشاركة السياسية في إدارة شؤون الحكم وتولّي المناصب العليا هو واحد من اشكاليات الدولة العراقية منذ التأسيس. ويزداد هذا الأمر ويتضاعف بممارسة العزل بالنسبة للشعب الكردي. وقد أبانت التجربة أن القضية الكردية لا يمكن حلّها دون إقرار نظام تعددي دستوري برلماني. وقد ضاقت سبل التجربة الأولى من تأسيس الدولة العراقية في العام 1921 وإصدار القانون الاساسي عام 1925، حين تقلّصت الهوامش الشكلية وزاد الاختلال في تركيبة الدولة العراقية بإهمال الوجود القومي الكردي وربط البلاد بأحلاف أجنبية زادت من تبعيتها وخصوصاً بعد قيام حلف بغداد (حلف السنتو – حلف المعاهدة المركزية) العام 1955.

المسألة الكردية فقهياً

وعلى الرغم من التطور الذي حصل بعد ثورة 14 تموز (يوليو) 1958، بإقرار شراكة العرب والاكراد في الوطن العراقي (المادة الثالثة) الذي يعتبر أول نص دستوري يعترف بحقوق الشعب الكردي فإن توتر الأوضاع ومطالبة الشعب الكردي باستكمال وتطوير حقوقه واستدارة البلاد نحو الحكم الفردي، أدّى إلى تفجير الأوضاع وقصف مناطق بارزان عام 1961 حيث اندلعت ثورة أيلول (سبتمبر) 1961 التي قادها البارزاني.

وكانت اتفاقية (بيان) 29 حزيران (يونيو) العام 1966 بين حكومة الدكتور عبد الرحمن البزاز وقيادة البارزاني بمثابة هدنة طويلة، كما أن السلام الذي انبثق على أساسها ظلّ مصحوباً بالحذر وأجواء عدم الثقة والترقّب ولم يكن يفضي إلى الحل المنشود والطموح الذي يبتغيه الشعب الكردي.

أما اتفاقية (بيان) 11 آذار (مارس) العام 1970 فقد كانت أهم وأشمل المحطّات التي اعترفت بحقوق الشعب الكردي. وتعتبر أفضل وأعمق نص سياسي وقانوني يحصل عليه الشعب الكردي في تاريخه المعاصر منذ تأسيس الحكم الأهلي في العراق العام 1921 وحتى تاريخه. كما أن بيان 11 آذار (مارس) في حينه كان النص المتميز بالنسبة لدول المنطقة التي تعاني من مشكلة كردية وخصوصاً تركيا وإيران وسوريا.

لقد وضع بيان 11 آذار (مارس) الأساس الصحيح لحل سياسي سلمي معقول للقضية الكردية، كان يمكن تطويره وتعميقه على أساس التفاهم والتوافق والمصلحة المشتركة بعيداً عن الحلول العسكرية والعنفية التي لم تحصد سوى الهزيمة والخيبة والفشل باستمرار. وعلى أساسه تمت صياغة قانون الحكم الذاتي لعام 1974. وهو القانون الذي يعدّ تطوراً مهما في نظرة إحدى حكومات المنطقة إلى القضية الكردية، على الرغم من النواقص والثغرات والمثالب التي احتواها القانون والممارسات الحكومية التي أعقبته، لدرجة قادت إلى تسويفه وسلب صلاحياته من الناحية الفعلية.

وتكمن دلالة ذلك التطور في القضية الكردية قانونياً وسياسياً في تشريع دستور جديد (مؤقت) للبلاد في 16 تموز (يوليو) 1970 (استمرّ نافذاً حتى احتلال العراق في 9 نيسان (ابريل) 2003) حيث تضمّن صياغة دستورية مهمة للغاية وجديرة بالتأمّل على الرغم من أن العبرة ليست بالنصوص، وإنما بالممارسة، وهو ما تم أخذه بنظر الاعتبار في ضوء النصوص الجديدة والنافذة لقانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية 2004، أو الدستور الدائم في 2005، فقد كان  للتجربة السابقة دور كبير في وضع الأسس للتخلي عن الأساليب العنفية والعسكرية لحل القضية الكردية، وهي إحدى دروس الحاضر والمستقبل.

ولعل ذلك ما تم البناء عليه انطلاقاً من القاعدة الدستورية التي أرست بعض النصوص وجرى تطويرها بما يتلاءم مع حاجات التطور ومطالب الشعب الكردي وحقوقه تلك التي بلورها برلمان كردستان في العام 1992 بإصداره قانون الاتحاد الفيدرالي.

ويلاحظ الباحث أن وجود نص يعتبر الشعب العراقي يتألف من قوميتين رئيستين هما القومية العربية والقومية الكردية كما ورد في المادة الخامسة كان مسألة مهمة في التطور الدستوري بالنسبة للقضية الكردية، حيث تضمن النص المذكور عبارتين لهما دلالة بالغة وردتا لأول مرة في التشريع العراقي حين نص على " القومية الكردية" و" الشعب الكردي". وذهبت المادة السابعة من الدستور المؤقت العام 1970 (الفقرة ب) إلى التأكيد على أن تكون اللغة الكردية لغة رسمية إلى جانب اللغة العربية في المنطقة الكردية، وذلك وفقاً لما ورد في بيان 11 آذار (مارس) الذي اعتبر اللغة الكردية لغة التعليم في هذه المناطق، وقرّر مراعاة مبدأ الكفاءة ونسبة السكان في تولّي المناصب المهمة والحساسة كالوزارات والجيش وأن يكون أحد نواب رئيس الجمهورية من الكرد.

ولكن مع الأسف الشديد سارت الأمور باتجاه آخر، حيث اندلع القتال الذي أبعد كل امكانية للتفاهم والحل السلمي وذلك بسبب نهج الغرور والتفرد والاستئثار من جهة وبعض التداخلات والضغوط الخارجية من جهة أخرى للقوى الإقليمية والدولية، ولاسيما لإيران. وبعد اتفاقية الجزائر عام 1975 استخدمت الحكومة عنفاً مضاعفاً ومنظّماً، فقامت بعمليات عقاب جماعي وتهجير قسري في محاولة لتغيير الواقع السكاني والتركيب القومي.

الدرس الآخر الذي استلهمه البارزاني من تجربته الشخصية وخصوصاً بعد اتفاقية 6 آذار (مارس) العام 1975، هو أن أي حل مهما كان إيجابياً ويستجيب إلى حدود معينة لمطالب وحقوق الشعب الكردي، سيبقى ناقصاً وقلقاً ومعرضاً للاقصاء في ظل غياب المؤسسات الدستورية والديمقراطية، وذلك لإمكانية العدول عنه وتسويفه وإجهاضه، خصوصاً دون رقابة ومساءلة.

كما أن أي حلّ لا بد أن يحظى بدعم الإرادة الشعبية وفي فضاء رحب تستطيع فيه أن تعبّر عن نفسها، لكي يكون حلاً راسخاً وثابتاً ولا عودة عنه وليس حلاً مؤقتاً أو قلقاً أو فوقياً. ولن يتحقق ذلك الاّ في أجواء سلمية وطبيعية، ولن يكون مثل هذا الحل الاستراتيجي صفقة سياسية مع هذه المجموعة السياسية أو تلك أو مع هذا الفريق السياسي أو ذاك، لأن ذلك سيمكن التنصل عنه كما حصل في التجارب السابقة، ولعل مثل هذا الحل الستراتيجي يتطلب اعترافاً بحق تقرير المصير لا باعتباره هبة أو منّة أو مكرمة، بل باعتباره اعترافا بواقع أليم كان غيابه سبباً في معاناة حقوق الشعب الكردي.


الفهم الملتبس للفيدرالية

وإذا كان البرلمان الكردستاني (المجلس الوطني لكردستان العراق) قد اختار الفيدرالية في تشرين الأول (اكتوبر) 1992، فإن المسألة كانت تحصيل حاصل واعتراف بالأمر الواقع لإقليم كردستان عند وضع الدستور العراقي المؤقت أو الدائم لاحقاً، على الرغم من التداخلات المعروفة والتجاذبات التي ظلّت قائمة بخصوص النظام الفيدرالي، وهي لا تزال حتى الآن بغض النظر عن استبدال الفرقاء مواقفهم ومواقعهم من الفيدرالية، فمن كان بالأمس القريب ضدها ويعتبرها كارثة على العراق أصبح من المنادين بها، أما من كان مؤيداً له فقد أبدى تحفظات بشأنها، والأمر له ارتباط بالقرب أو البعد من موقع السلطة والحكم. وليس لديّ أدنى شك ومن خلال قراءتي للنظام الفيدرالي العالمي المطبق في نحو 25 بلداً ونحو 40% من سكان العالم يتبعونه، فإن ما ورد في الدستور العراقي يثير إشكاليات منهاجية وعملية ستبقى قائمة ومصدراً للتناحر والاختلاف وبتقديري انه لا يمكن الحفاظ على وحدة طوعية للدولة العراقية دون تعزيز العلاقة والأخوة العربية- الكردية بشكلها القانوني، وعلى أساس المشترك الإنساني والفهم المتبادل.

فالفيدرالية حسب وجهة نظري كحقوقي عربي، هي تأكيد على انتماء الكرد للدولة العراقية. وهي نفي قاطع للانفصال والتجزئة، ولكنها في الوقت نفسه محاولة لإعادة تأصيل العلاقة العربية- الكردية وتحديد المسؤولية بين الحكومة المركزية (الاتحادية) والمنطقة الكردية (إقليم كردستان) بما يوفر للاكراد ضمانات مستقبلية وصلاحيات تنسجم مع تعقيدات المشكلة الكردية مستفيدين من وصول تجربة الحكم الذاتي السابق التي وصلت إلى طريق مسدود، ومن آثار حقبة الاضطهاد الطويلة الأمد.

وقد سبق لي أن لمست حقيقة الموقف الكردي من خلال لقاءاتي العديدة وصداقاتي مع النخب الفكرية والثقافية والقيادات الكردية، فقد كان الزعماء الكرد التاريخيون منهم والجيل الثاني يؤكدون بعقلانية وبعد نظر وفهم عميق للوضع الجيوبوليتيكي والعلاقات الدولية على أهمية الاتيان بنظام حكم دستوري تعددي فيدرالي لعراق ديمقراطي موحد لكن مثل هذا الأمر سيخضع دون أدنى شك إلى تطورات الوضع السياسي الداخلي والإقليمي والدولي ودرجة نجاح الدولة العراقية في بناء مواطنة سليمة قائمة على أساس المساواة تنسجم فيها المكوّنات القومية وفقاً لشراكة حقيقية وتوزيع سليم للصلاحيات والسلطات والثروات.

وإذا كانت مثل هذه الفرصة قد أصبحت سانحة، فلا بدّ من إعادة بنائها على أسس صحيحة وحل المشاكل التي تعترض طريقها عبر الحوار والتفاهم والمشترك الانساني، سواءً فيما يتعلق بالمادة 140 أو قضية كركوك أو غيرها من القضايا التي ينبغي أن تحل على أساس احترام حقوق الإنسان، وإرادة السكان ودون أي إكراه مع مراعاة مصالح النضال المشترك للعرب والكرد وسائر المكوّنات العراقية وحقوقها العادلة والمشروعة.

واعتقد ان من مصلحة الكرد قبل غيرهم انجاز مشروع التغيير الديمقراطي الذي لا بدّ أن يأخذ بنظر الاعتبار الاعتراف بحقوقهم وفي المقدمة منها حق تقرير المصير واحترام خياراتهم بصيغة العلاقة مع شقيقهم الشعب العربي سواء كانت الفيدرالية أو غيرها.

إنّ حلاً مثل هذا سيلغي المخاوف والمبررات والدعاوى من خطر " الانفصال" أو "التقسيم" أو "التجزئة" أو " التفتيت" أو " البلقنة" أو " اللبننة" أو الأفغنة"، خصوصاً باعلان الرغبة المشتركة في إعادة توحيد الدولة العراقية على نحو جديد ومشروع، ويحظى بثقة المواطنين وعلى أساس ارادتهم الحرة ووفقا لحق تقرير المصير، بما يؤدي إلى تقليص نزعات الاستعلاء القومي والشوفينية من جهة وكذلك نزعات الانعزالية وضيق الافق القومي، من جهة أخرى. ولا شك أن حلاً مثل هذا سيعزز من وحدة الدولة العراقية ومن كيانيتها المؤتلفة في إطار اتحاد فيدرالي أساسه العرب والكرد وليس فيدرالية قائمة وفقاً لاعتبارات طائفية أو مذهبية ستثير مشاكل جديدة بوجه الوحدة العراقية.

*              *              *

الحوار العربي- الكردي

ان الاقرار بحق تقرير المصير هو اقرار بواقع أليم عانى منه الشعب الكردي الذي ذاق حرب الإبادة والتهجير ومحاولات إلغاء الهوية والتشكيك بالوطنية والمواطنية وتغيير التركيب السكاني والطابع الديموغرافي بهدف تذويب أو صهر أو تعويم أو إضاعة لونه الخاص ومعالمه.

وحسب تقديري فإن الاقرار بحق تقرير المصير ونحن نتحدث عن سيرة البارزاني، الذي أفنى حياته في سبيله، ليس حسنة من أحد أو هدّية من مجموعة (حكّاماً أو معارضة)  كما أشرت إلى ذلك في البحث الذي قدّمته في ندوة الحوار العربي- الكردي في القاهرة 1998، وهو ما سبق أن عرضته في المؤتمر الذي كان لي شرف تنظيمه في لندن العام 1992 بخصوص " الحوار العربي- الكردي" في إطار المنظمة العربية لحقوق الإنسان التي كنت أترأسها، بل هو تعبير عن النظرة الإنسانية الأصيلة والتفكير العصري المتحضّر، خصوصاً وإن عالم اليوم أخذ يقر للأمم والقوميات، بما فيها أمم وقوميات صغيرة، بل وحتى وقبائل خرجت لتوها من الغابات، بحقها في تقرير مصيرها، وأخذ علمها يرتفع في الأروقة والمحافل الدولية والدبلوماسية بما فيها الأمم المتحدة، وهو ما تقرّه القوانين والقواعد الدولية ومبادئ وشرعة حقوق الانسان وقواعد العدالة الدولية.

*              *              *

مع البارزاني في كلاله!

أتوقف الآن بعد 33 عاماً على وفاة البارزاني وقد قدّر لي أن ألتقي الزعيم الكردي الكبير في مقرّه بكلالة قبل 42 عاماً، حيث زرته على رأس وفد مهنئاً ببيان 11 آذار (مارس)1970 وشاكياً في الوقت نفسه تجاوزات حكومية شملت قوى وتيارات وشخصيات يسارية وقومية وليبرالية، فما كان منه الاّ أن يندّد بالارهاب ويعدّ ببذل ما يستطيع لوقفه معبّراً بطريقته الخاصة عن الإخاء العربي- الكردي، بإشارته أنه لا يمكن للجزء الكردي أن يتعافى طالما أن الجزء العربي من العراق في وضع غير سليم.

لم يكن البارزاني ليهمل قواعد الدبلوماسية والبروتوكول والحصافة السياسية حين وجه رسالة تندد بالارهاب بعد أسابيع من بيان 11 آذار (مارس) والتي سرت في وقتها مثل النار في الهشيم كما يقال، لكنه كان شديد الحساسية إزاءه مما دفعه إلى انتقاد الحكومة العراقية علناً محذّراً من مغبة السير في هذا الطريق.

لقد كانت مبادرة البارزاني بتوجيه رسالة تضامن لها وقع كبير على المستوى الداخلي والخارجي، وفي حينها كلف الاستاذ صالح اليوسفي (رئيس تحرير صحيفة التآخي) بكتابة الرسالة وبحضور الاستاذ علي عبدالله والاستاذ علي السنجاري والدكتور محمود عثمان والاستاذ فرانسو الحريري.

وكانت الرسالة أول بادرة انذار علنية وإشارة صريحة ضد الممارسات القمعية، إذ أن بيان 11 آذار (مارس) لم يكن بالامكان تطبيقه في ظل تدهور حالة الانفراج السياسي وتلكؤ القيام باصلاحات ديمقراطية، التي تشكل صمام الأمان لتلبية مطالب الشعب الكردي.

ووعد البارزاني في رسالته بذل ما يستطيع لوقف الانتهاكات والارهاب مختتما اياها بالاية القرانية الكريمة "لا يكلّف الله نفسا الا وسعَها" صدق الله العظيم.

ولكي تتم متابعة توجيهاته حاول تنظيم صلة خاصة مع الاستاذ سامي عبد الرحمن (وزير الدولة آنذاك) لمتابعة الموضوع عن طريق صحيفة التآخي وأخرى عن طريق الفرع الخامس للحزب في بغداد، وهناك تلقى الأخوة المسؤولون مني مطالعات ومعلومات عن الحملة التي قامت بها السلطات الحكومية ضد عدد من اليساريين والقوميين، إضافة إلى بعض المنظمات الفلسطينية في حينها، وذلك في ظروف بالغة الدقة والحساسية.

*              *              *

عراقي الهوى كردي الهوية

كان البارزاني عراقي الهوية، كردي الانتماء، وطني الملامح وقومي السمات. كان لديه القدرة على التقاط الجوهري من الأشياء رغم الرياح العاتية وعوامل الجذب الكثيرة والاستقطابات الدولية والاقليمية والضغوط الكثيرة. فلديه جميع مؤهلات القيادة : الشجاعة، القدرة على حسم الأمور واتخاذ القرار، المبادرة، المرونة، والواقعية... وقبل كل شيء الاخلاص والوفاء للشعب الكردي وقضيته العادلة... كل ذلك في إطار من الصلابة العالية والحزم والحساسية إزاء مظاهر الظلم والاستبداد.

لعلّي هنا أستعيد قصيدة الجواهري الكبير التي نظمها عام 1964 وألقاها في مؤتمر جمعية الطلبة الأكراد في ميونيخ":

              " قلبي لكردستان يُهدى والفمُ                            ولقد يجود بأصغريه المعدمُ

إلى أن يقول فيها:

              سلّم على الجبل الأشم وأهله                             ولأنت تعرف عن بنيه من همُ

              باسم الأمين المصطفى من أمة                            بحياته عند التخاصم تقسمُ

صلب الملامح تتقي نظراته                                           شهب النسور ويدرّيها الضغيم

*              *              *

تجربة للدراسة!

وكصديق عربي وباحث ومختص أقول في الختام، لا بدّ من دراسة تجربة البارزاني بسياقها التاريخي وضمن ظروف المرحلة التي عاشها وتنظيم حلقات وورش عمل خاصة بذلك بروح انتقادية ومنفتحة بما لها وما عليها، لتسليط الضوء على آرائه ووجهات نظره السياسية والعسكرية والاجتماعية وعلاقاته الدولية وخبراته الخاصة، سواءً في المنفى وهي فترة لم تعطَّ إلى الآن حقها وأعني بها تجربتي نكسة جمهورية مهاباد العام 1946-1947 واعدام القاضي محمد وتجربة نكسة العام 1975 وخصوصاً التواطؤ الإيراني- الأمريكي أو عند ممارسته دور القيادة والتوجيه والاشراف المباشر عام 1961-1975 وما بعده.

ان هذه المهمة تحتاج إلى فريق عمل ومتخصصين ومتفرّغين لجمع هذا التراث ووضعه بيد الجيل الحالي والأجيال القادمة للاستفادة منه واستلهام الدروس والعبر لما فيه مصلحة الشعب الكردي والأمة الكردية بما يساهم في تعزيز نضاله من أجل حقوقه وبالأساس حقه في تقرير المصير وإقامة كيان خاص به يلبي طموحاته وينظّم علاقاته مع جيرانه والشعوب الصديقة على أساس من الشراكة والتكافؤ والمساواة والمصالح المشتركة والمنافع المشاركة وبما يعزز التطور السلمي والتنمية والديمقراطية وحقوق الانسان في كردستان بجميع أجزائها وفي بلدان ودول المنطقة بجميع أقطارها.

ومن هذا المنطلق فإن حواراً بين أمم المنطقة الأربع وخصوصاً الأمة العربية والأمة التركية والأمة الفارسية والأمة الكردية، ضروري جداً لتحقيق الأمن الإقليمي إذْْ دون علاقات متكافئة وسلمية أساسها المصالح المشتركة والمنافع المتبادلة، لا يمكن للمنطقة أن تنعم بالسلام والأمن والتنمية. ولن يكون ذلك واقعاً دون علاقات وطيدة بين أبناء هذه الأمم وحقها في تقرير مصيرها.

وإذا كان للأمة العربية أكثر من دولة وكيان ومن حقها المشروع قيام وحدتها وللأمة التركية دولة وللأمة الفارسية دولة، فإن الأمة الكردية هي الوحيدة المحرومة من إقامة دولة خاصة بها وكعربي أشعر باعتزاز بعروبتي أقدّر في الوقت نفسه حق الأمة الكردية في الوحدة، حيث ظلّت موزعة بين بلدان المنطقة: تركيا وإيران والعراق وسوريا وتفتقد إلى كيان خاص بها، بل أنها تعرضت وتحت أسماء ومبررات مختلفة إلى الاضطهاد والقمع والتنكر للحقوق تاريخياً.

ودون قيام أنظمة ديمقراطية حقيقية في بلدان المنطقة لا يمكن حل المسألة القومية الكردية، التي لن تجد اعترافاً بها وبحق الأمة الكردية عن تقرير المصير الاّ في إطار انتقال ديمقراطي لدول المنطقة، وعندها سيكون الحوار والسلام والتسامح والمشترك الانساني السبيل السليم لإخراج هذه المسألة إلى حيّز التنفيذ.

* مفكر وباحث أكاديمي عربي



251
الجنادرية والروح الجامعة
عبد الحسين شعبان
باحث ومفكر عربي


كلّما حلّ موسم الجنادرية، كان الحديث عن مبادرة بلغ عمرها 27 عاماً، لاجتماع مفتوح لنخب متجددة من المثقفين العرب. ومن الإنصاف القول أن مبادرة خادم الحرمين إكتسبت روحاً جامعة بفعل الديناميكية  التي امتاز بها عبد العزيز التويجري مهندس فكرة المهرجان، الذي استطاع بحكم كونه مفكراً منفتحاً أن يتعايش ويتجاور بين الأضداد وأحياناً أن يكون جسراً للتواصل والتفاعل، ولعله كان يجد في التماثل والتطابق سكونيةً وخمولاً، في حين كان يرى في الاختلاف والتنوّع جدلاً وحيوية، وصولاً إلى الحقيقة التي ظلّت هاجسه دائماً.
كان التويجري يجد في الفلسفة والتاريخ والأدب سبيلاً للتعبير عمّا يريده من الحاضر والسياسي بشكل خاص، فيكتب بروح الفيلسوف والفلسفة تأمل وحكمة، ويروي بمنظور التاريخ وهو عبرةٌ ودروسٌ، بما فيه مراوغاته على حد تعبير هيغل، ويتحدث بلغة الأديب، بأناقة كلماته وجمالية صوره، تلك التي يستمدها من فضاء الصحراء وأفقها المفتوحة وألوانها المتنوّعة، وكان في كل ذلك كان بالغ المعنى وعميق الدلالة.
وإذا كانت المبادرة كأي شيء جديد قد يبدو "مغامرة"، لاسيما عندما تبدو غريبة إزاء  الساكن والمألوف والمتكرر من الأمور، الاّ أنها وهي الجديدة وكيما تصبح سائدة، مائزة ورائزة بعد حين،فهي تحتاج إلى بيئة خصبة وواقع مزدهر وإرادة لا غنى عنها لمواجهة التحديات. وهكذا كانت الجنادرية وهي تخطو خطوتها الأولى تحدّياً ووعداً يحتاج إلى برهان، وقد اختبرها العديد من المثقفين العرب، الذين كان بعضهم على حساسية غير قليلة حتى لا  ينطوي الأمر على نوع من النفاق أو الإزدواجية أو الاستثمار غير البريء، لكن التجربة واستمرار سقف النقد ظلّ عالياً وكما هو معتاد، سواءً كان نقداً عاماً أو نقداً في المحافل والمجالس الخاصة دون مجاملة أو مداهنة، ولكن بحرص ومسؤولية، وتلك وظيفة المثقف الناقد، أو ما يطلق عليه المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي " المثقف العضوي".
أعرف أعداداً من المثقفين الذين اقتربوا من الجنادرية عبر بوابة التويجري الثقافية، وظلّوا محافظين على توجهاتهم الفكرية، فقد كان صدره رحباً في التعامل مع مختلف الآراء والأفكار، وعلى حد تعبير الناقد رجاء النقاش كان يتلقى الاختلاف بمساحة كبيرة، حتى كسب إلى صفّه المئات ممن كانوا يعارضونه ويبتعدون عن رؤيته الفكرية بمسافات طويلة. وحسبي هنا أن أشير إلى كتاب المفكر حسن العلوي الذي أطلق على التويجري صفة "الروح الجامعة"، ولم أجد تعبيراً أكثر انطباقاً على التويجري من هذا التعبير البليغ والعميق وهو الروح الجامعة، فقد جمع الفلسفة والتاريخ والأدب والثقافة والسياسة في هارموني، حتى وإن بدا متناقضاً، لكنه كان متكاملاً وجدلياً بتعارضاته.
ولأن روح التويجري جامعة، فقد "اجتمع إلى مجلسه الدهاة والعصاة والمؤمنون، الموالون لحكوماتهم والمعارضون، اليساريون منهم واليمنيون"، على حد تعبير العلوي، ومع بساطته ووضوحه وشفافيته، لكن المرء يحتار أحياناً كيف يصنّفه؟ حيث ظل عصياً على التصنيف أو الإختزال ويبدو أن من العبث التفكير في ذلك، لأنه من الصعوبة بمكان اكتشاف شخصيته المركّبة المتداخلة المتراكبة المتخالقة الشديدة الاشتباك، في حين تبدو في غاية البساطة والعفوية واليقين والوضوح.
لعب التويجري أدواراً مختلفة، ابتداءً من صحبته ومرافقته لمؤسس المملكة وملوكها الستة، لكنه في الوقت نفسه كان مع المجتمع بتكويناته المختلفة يجمع قبائله ويقابل تناقضاته بروح الوحدة، جامعاً بين السياسة بتضاداتها المختلفة، وبين أهل الدولة وأهل الرأي عربياً وإسلامياً وعالمياً، حيث كان بيته ملتقى مفتوحاً للاجتماع والاختلاف بين المجموع والفرد، وفي الوقت نفسه ملتقى الاستقطابات والاصطفافات لشخصيات دولية متباعدة ومتناقضة.
ظل التويجري صديقاً حميماً ووفياً للمتنبي الذي شاطره الفلسفة، أما المعرّي فقد كان زميلاً له يتنافس معه على الحكمة والعدل، وفي كل ذلك كان السؤال ملازماً له، وستدوم لديه الأسئلة سؤالاً فوق سؤال وسؤالاً يغري آخر، دون نهايات ودون إجابات، سوى أسئلة جديدة لموضوعات جديدة، وهو ما أسماه الكاتب والباحث عبدالله الغذامي بثقافة الأسئلة الغائبة عن فكرنا المعاصر.
وإذا كان التويجري سياسياً بامتياز فهو ينفي عنه هذه التهمة ، مثلما يرفض أن يعتبر نفسه مؤرخاً أو صانع حدث أو شاهداً عليه، ولعل تواضعه ذاك يريد منه فسحة خاصة من حريته مع نفسه فكثيراً ما كان يقول " على مسؤوليتي الشخصية". وبقدر كونه مطّلعاً على التراث، فقد كان مطلعاً على الثقافة المعاصرة، وليس غريباً أن يكون اسم المهرجان الجنادرية للتراث والثقافة، وذلك متابعة للمتغيّرات والتطورات على ساحة الفكر والسياسة والثقافة والأدب.
وإذا كان ثمت ملاحظات طبعت الجنادرية بطابعها، فهي تلك الروح الجامعة التي زرعها التويجري في ثنايا هذا الحدث الثقافي. الملاحظة الأولى  هي أن التويجري لم يكن مقيماً في التاريخ، بل كان يعيش في الحاضر ويتطلع إلى المستقبل، بل أن جزءًا من تفكيره كان يعيش للمستقبل وبقدر تمسكه بالأصول والتراث، فقد كان يمتاز بالفكر المنفتح والمتفتح، ويسعى للتواصل الحضاري والتفاعل الثقافي، خصوصاً بانفتاحه على العالم وعلى الأفكار والتيارات السياسية والدينية المعاصرة.
الملاحظة الثانية لم يكن التويجري يبحث في بطون الكتب أو يتوقف عند النصوص بجمود أو قدسية، بل كان يخضع كل شيء لسياقه التاريخي والاجتماعي، ولمنهجه التاريخاني- السسيولوجي وكان يسعى للاعتماد على الفهم الاجتماعي للنص سواءً كان فكرياً أو سياسياً أو دينياً، وإذا كان شديد الاهتمام بالبناء اللغوي، فإنه في الوقت نفسه كان حريصاً على جمال المعنى وعمقه، وكأنه يريد من الناس لا استيعاب القرآن والسنّة المحمدية فحسب، بل معرفة أسباب النزول وحجية الظهور، وذلك بالكشف عن الواقعية الاجتماعية للنص وفق صدوره، ومتابعة ذلك في الأزمان اللاحقة.. أي العلاقة بين النص وحركة الواقع والقصيدة والوضع الاجتماعي.
الملاحظة الثالثة امتياز التويجري بالديناميكية الفكرية وذلك بوضع الجدل الفكري في موقع الصدارة التي يستحقها، وفي ذلك نوع من الجهاد المركّب، جهاد مع النفس، ومع القريب، ومع الآخر (الغير)، وهو جهاد متنوّع ومتعدّد الوجوه، وكأن الجهاد الفكري هو الاختيار والمآل، وفي الوقت نفسه فهو ساحة المنازلة كجزء من مشروعه الفكري – الفلسفي- لبناء الدولة: جهاد مع النفس ومع الدولة ومع المجتمع، من أجل الانسان، حيث كان يدرك أهمية وحيوية هذا المدخل وقدرته في توظيف الأدوات المناسبة بحيث يستطيع تقديم الفكرة بعيداً عن التلقين والاستنساخ، ولهذا ابتعد عن اسلوب الاجترار أو التقليد واتّجه صوب الإبداع والتجديد، مستلهما فكرة أصيلة قال بها الامام الشافعي: من أصاب فله حسنتان ومن أخطأ فله حسنة الاجتهاد.
والملاحظة الرابعة هي اطلاعه على الفكر الآخر والدين الآخر والمذهب الآخر والانسان الآخر، ولم يكتب في تهويمات أو تعميمات أو أحكام مسبقة، بل كتب بعد دراسة وتأن وبأسلوب حواري، وعن طريق الأسئلة حيث تتوالد الحجة بعد الأخرى والسؤال بعد السؤال، وهكذا يظل الأفق مفتوحاً، والمعرفة بحرٌ لا قرار له ولا ضفاف، ولهذا لم يلتجئ التويجري إلى إصدار الأحكام، بقدر ما كان يسعى لتسليط الأضواء وكأنه يقدّم الفكرة، بطبق من فضة ولا يريد بها أن تفرض، بقدر ما كان يريد طرح أسئلة جديدة بخصوصها.
الملاحظة الخامسة لم يكتب التويجري للسعوديين، وإنما كان يفكر بقارئ أبعد، ليس عربياً فحسب، بل أنه كوني أيضاً، إنساناً آخر وظل حريصاً في التوجه إلى عموم المسلمين، دون أن ينسى النخب للتقريب والبحث في المشتركات وما هو جامع، حيث تحرّك في فضاء لا حدود له واتخذت رؤيته بعداً عربياًُ وإسلامياً، متجاوزاً الدائرة السعودية إلى دائرة عربية وإسلامية أوسع وصولاً للدائرة الإنسانية، حيث أصبح العالم كلّه والإنسان أينما كان مداه وأفقه.
الملاحظة السادسة كان التويجري حريصاً أن يخاطب غير المسلمين أيضاً، واكتسب ذلك من خلال لقاءاته بعشرات ومئات المسؤولين والمثقفين، متدينين وغير متدينين، يساريين ويمينيين، من خلال نظرة سمحة للاسلام وللأديان الأخرى وللسياسات والمناهج، لاسيما إيمانه بقيم التسامح.
كل ذلك كان التويجري يطرحه من خلال تأملات وأسئلة هي محور منهجه الفكري التي اتّسم بتواضع جم حتى ليتبدى من خلاله وكأنه تلميذ في حلقة درس، يستصغر شأنه وهو الكبير، ليشعر الآخر بعلو شأنه، وهو تواضع الحليم الكبير بعلمه، الباحث عن المزيد من المعرفة حسب الشاعر يحيى السماوي في كتابه " التويجري.. أدب الرسائل" وتلكم هي روح الجنادرية وجوهر رسالتها الجامعة للتراث والثقافة.




252
العدالة الانتقالية وخصوصيات المنطقة العربية   

عبدالحسين شعبان

تظل دراسة التجارب العالمية في ما يتعلق بالعدالة الانتقالية مسألة مفيدة، بل وضرورية لاستخلاص الدروس والعبر من جهة، والاغتناء بنماذج عملية بما لها وما عليها من جهة ثانية . وليس الهدف من ذلك هو تقليد هذه التجارب أو استنساخها، بقدر الإفادة منها بما فيها تجنّب الأخطاء التي وقعت فيها، إذ إن لكل تجربة خصوصيتها، ولكل بلد ظروفه وتحديّاته ومشكلاته، لكن الاطلاع على التجارب السابقة ومقاربتها من زاوية انتقادية، تسلّح التجربة الجديدة وتغنيها بالمعرفة، من خلال الانفتاح والشفافية على تجارب الغير، بعيداً عن الانغلاق أو التقوقع، فالتمسك بالخصوصيات لا يلغي المشتركات والقواعد العامة التي تشكل معايير ذات أبعاد إنسانية جامعة .

وسواءً كان الموضوع خاصاً بالعدالة الانتقالية أو غيرها من الموضوعات الإنسانية، فإن المسألة تتخذ جانبين مهمين الأول إجرائي، أي وفق أي المعايير التشريعية سيتم تأمين نموذج “براغماتي” للتوجّهات الجديدة بعد القضاء على الأنظمة الاستبدادية والديكتاتورية السابقة، ولعل هذه المسألة تطرح إشكالية كبيرة تتعلق بالتطور اللاحق، من خلال مواجهة سؤال كبير هو الآتي: ما السبيل إلى التعامل مع إرث الماضي من جهة، ومع مبادئ الديمقراطية والتعددية واقتصاد السوق من جهة أخرى؟ وتلك بعض القواعد العامة التي يشترك فيها العديد من التجارب القائمة، وخصوصاً بعد موجة الربيع العربي .

أما الثاني فهو معياري، وأعني به البحث عن هوية جديدة للمجتمع السياسي الجديد تكون بديلاً أو نقيضاً للمجتمع السابق الذي انهار أو تراجع أو تفتّت، والمقصود هنا أية معايير سيتم الاحتكام إليها بالنسبة إلى السلطة الجديدة، بعد فشل المعايير القديمة؟ ولهذا فإن كلا الجانبين أو الاستراتيجيتين يقوم على قيمتين مثاليتين منفصلتين، لكنهما مترابطتان واقعياً بشكل متكامل ووثيق .

وعلى الجبهة الثقافية، فثمة حقوق ستبدأ وقد تأخذ بُعداً جديداً، في ما يتعلق بالتنوّع الثقافي، لاسيما القومي والديني ولا أقول هنا بمصطلح “الأقليات”، على الرغم من أن الأمم المتحدة تستخدم هذا المصطلح منذ تأسيسها، وأصدرت إعلاناً تضمّن حقوقها في العام ،1992 لكنني أميل إلى استخدام “التنوّع الثقافي” و”التعددية الثقافية” بدلاً منه، وأجد ذلك المصطلح أقرب إلى فكرة المساواة وهي الفكرة الجوهرية، بدلاً من أغلبيات وأقليات .

والمسألة الأكثر حساسية في موضوع العدالة الانتقالية تتعلق بالمساءلة والمطالبات التي تترتب عليها، والتي تتخذ طرائق مختلفة للوصول إلى الحقيقة وكشفها كاملة، خصوصاً ظواهَر الظلم وارتكابات من النظام السابق، إضافة إلى تعويض الضحايا وجبر الضرر، والعمل على إصلاح الأنظمة القانونية والقضائية والأمنية، وصولاً إلى تنقية البيئة الحاضنة للتغيير الديمقراطي، وخصوصاً بوضع ضوابط لمنع تكرار ما حصل .

وقد يحتاج الأمر إلى إعادة النظر بالعديد من القوانين والأنظمة النافذة، خصوصاً بصياغة دستور عصري، مثلما يتطلب تهيئة تربة صالحة في ميدان التربية والتعليم، لإعادة تثقيف الجيل الجديد بقيم جديدة أساساً للشرعية الدستورية القائمة على الحقوق والحريات، وكذلك تعزيز دور المجتمع المدني الذي يمكن أن يكون شريكاً فاعلاً وقوة اقتراح مكمّلة للدولة ومشروعها العدالي، وهنا يمكن للإعلام أن يؤدّي دوراً كبيراً ولا غنى عنه لتعزيز التوجه العام الدستوري والقضائي والتربوي والمدني للوصول إلى الهدف المنشود .

وقد سبق المنطقةَ العربيةَ عددٌ من البلدان على هذا الطريق، مثل الأرجنتين وتشيلي في أمريكا اللاتينية التي ترافقت مع تجربة جنوب إفريقيا وكذلك تجارب بلدان أوروبا الشرقية التي عكست اتجاهين: الاتجاه الأول يميل إلى طي صفحة الماضي بعد تطبيق إجراءات العدالة الانتقالية (العقابية) على عدد محدود من القيادات المسؤولة من الارتكابات بالترافق مع كشف الحقيقة والسعي إلى إحقاق العدالة وتعويض الضحايا وجبر الضرر والتركيز على إصلاح الأنظمة القانونية والدستورية والقضائية والأمنية، وإلغاء كل ما من شأنه إعادة عهود الاستبداد والديكتاتورية .

أما الاتجاه الثاني فقد كان يميل إلى التوسّع في العقوبة وتصفية الحسابات، من دون أن يتوقف كثيراً عند ردود الفعل إزاء فكرة الانتقام والثأر، بما فيها أحياناً اللجوء إلى وسائل غير قانونية، عند تعثر أو تلكؤ الوسائل القانونية لمساءلة المرتكبين، ولعل بعض البلدان العربية سارت بهذا الاتجاه، وخصوصاً تلك التي شهدت أعمال عنف وتدخلات خارجية، وهو اتجاه أقرب إلى القطيعة مع الماضي، في حين سلكت المغرب طريق التواصل، خصوصاً بتقديم المتهمين بالارتكاب إلى القضاء وصدور أحكام بحقهم، ومن ثم اعتذارهم ومراعاة الدولة والقائمين على ملفات المساءلة والعدالة ومبادئ التسامح .

فالعنف لا يولد الاّ عنفاً والانتقام بمثله، والعزل والتهميش يترك ندوباً كبيرة وربما ردود فعل قد تعرقل من مسيرة الانتقال الديمقراطي، وتشكل تحدّيات جديدة، لكن ذلك لا يعني نسيان الماضي، بل إن تذكّره أمر لا بدّ منه، خصوصاً بوضعه في دائرة الضوء وليس في دائرة النسيان، مع الأخذ في الاعتبار الأمور بسياقها التاريخي وضمن القوانين التي كانت سائدة، بما يعني ترجيح مبادئ التسامح والتواصل على فقه القطيعة والانتقام .

لقد سلكت بولونيا وهنغاريا ما أطلقتُ عليه فقه التواصل، في حين اتّبعت ألمانيا الديمقراطية فقه القطيعة، أما تشيكوسلوفاكيا فقد راوحت بين القطيعة والتواصل، وإذا كانت عملية التغيير السلمية في هذه البلدان قد حصلت بفعل صعود اللحظة الثورية إلى ذروتها، باتحاد العوامل الموضوعية مع العوامل الذاتية، وانتقال الخوف من المحكومين إلى الحكام، فإنها في رومانيا اتخذت طريق مواجهة عنفية ودموية، وأدت في يوغسلافيا إلى تمزيق وحدة الدولة، وانقسمت إلى خمس دول ودخلت في حروب ونزاعات وانتهاكات جديدة وسافرة لحقوق الإنسان وعمليات إبادة وتطهير، بما فيها تدخلات دولية، وخطا الاتحاد السوفييتي السابق على هذا الطريق وتحوّلت الدولة العظمى إلى 15 دولة في إطار حروب ونزاعات حدودية ومجتمعية، أدت إلى إضاعة الكثير من قواعد العدالة الانتقالية التي كان يمكنها تجنيب البلاد الكثير من الآلام والويلات، بالتمسك بالحقوق ومساءلة الماضي وكشف حقيقة الانتهاكات ووضع حد لها قانونياً ومجتمعياً، خصوصاً بتعويض الضحايا وجبر الضرر .

أعتقد أن البلدان العربية ليست بحاجة الى المرور بكل تلك المآسي للوصول إلى الاستقرار والأمن والتحوّل الديمقراطي، بل عليها وبقدر ما تستطيع نخبها الفكرية والسياسية التمسك بالقواعد العامة للعدالة الانتقالية والمضي في ترسيخ القوانين والأنظمة الديمقراطية، دفعاً للفوضى والضياع وتبديد المال العام .

صحيح أن ظروف ليبيا هي غير ظروف تونس أو مصر، كما أن ظروف اليمن هي غير ظروف سوريا وظروف العراق ليست مشابهة لظروف البحرين، والملكية في المغرب غير متماثلة مع ملكية الأردن، لكن القواعد العامة يمكن أن تشكل مشتركاً إنسانياً وقانونياً يُبعد عن هذه البلدان سلوك سبيل الانتقام والاجتثاث والثأر لارتكابات الماضي، ويضع المستقبل نصب العين باعتباره الأساس في طريق التحوّل الديمقراطي، باتّباع خصوصيات كل بلد بالإفادة من قواعد العدالة الانتقالية التي يمكن تطبيقها على الانتقال من حالة نزاع داخلي مسلح إلى حالة السلم، أو الانتقال من حالة صراع سياسي داخلي يرافقه عنف مسلح إلى حالة السلم، أو الانتقال من حكم تسلّطي إلى انفراج سياسي وانتقال تدريجي للتحوّل الديمقراطي، كما يمكن تطبيقه في حالة الانعتاق من الكولونيالية أو التحرر من احتلال أجنبي باستعادة أو تأسيس حكم محلي (وطني) .

وكل هذه المراحل تصاحبها إجراءات إصلاحية ضرورية لما يسمى بالعدالة الانتقالية، خصوصاً للانتهاكات ذات الصيغة المجتمعية أو الجماعية .

* مفكر وباحث عربي


253
الربيع العربي منظور إليه استشراقياً   

عبدالحسين شعبان
إذا كان الربيع العربي قد أطاح بنظم استبدادية، سلطوية وهيّأ المستلزمات الأولية لإحداث تغييرات في العالم العربي إنْ عاجلاً أم آجلاً، فإنه في الوقت نفسه أسقط بعض المقولات والأفكار التي سادت في العقدين الأخيرين أو برهنت على بطلانها وهزالها حتى وإنْ ظلّ بعضهم يتشبث بها، ولعبت تلك الأفكار والمزاعم، دوراً كبيراً في إطالة عمر بعض الأنظمة، بل ساهمت أيضاً في التأثير سلبياً على وعي بعض النخب الفكرية والسياسية وحتى تخديرها وانعكس الأمر على الشعوب بما أصابها من حالات اليأس أو القنوط داخلياً أو خارجياً، سواءً بجانبها النظري أو العملي، على الرغم من معاناة السكان وتوقهم  إلى التغيير والتحوّل الديمقراطيين .

بعض هذه الأطروحات، كادت أن تصبح مسلّمات لدى بعض القوى والفاعليات السياسية، والتي لم تكن بعيدة عن ترويج الأنظمة الحاكمة لها، فضلاً عن سدنتها من الأيديولوجيين وبعض المثقفين، بمن فيهم الذين يتحدثون عن التغيير، بل يدعون إليه ولكن على نحو “تجريدي” أحياناً أو في ما يخص الغير، من دون أن يصل  إلى أولي الأمر أو الحكّام الذين يبررون استمرارهم ووجودهم بحجة غياب البديل أو عدم نضج عملية التغيير أو يراهنون على بعض الاصلاحات، أو الذين يستحضرون نظرية المؤامرة الخارجية، بل يعلّقون كل شيء على شمّاعتها .

ومثل هذه الأطروحات لم تكن حصراً على القوى الداخلية، بل إن بعضها تبنّته القوى الخارجية، لاسيما القوى الدولية المتنفّذة، والذي شكّل عائقاً فكرياً وعملياً إزاء التغيير الديمقراطي المنشود، حتى بدت الديمقراطية أو التحول الديمقراطي  وكأنهما استعصاء أو وعد غير قابل للتحقق، لاسيما في العالم العربي .

ومنذ انطلاقة الربيع العربي وحتى الآن رصد الباحث بعض أطروحات استشراقية شكّكت في إنجاز عملية التغيير، وقد لقيت مثل هذه الأطروحات صدىً داخلياً، لاسيما بعد اندلاع أعمال عنف وفوضى، الأمر الذي دفع بعض الأوساط إلى القلق أو حتى إلى التشاؤم لمجرد فوز الاسلاميين في الانتخابات التونسية والمصرية وغيرها . وسنحاول التركيز هنا على أطروحتين أساسيتين الأولى التي تنفي عن العرب الحاجة إلى الديمقراطية والثانية التي تشكك بالإسلام باعتباره دين عنف لا يسمح بالتحوّل الديمقراطي .

تقول الأطروحة الأولى أن العرب لا يحتاجون  إلى الديمقراطية بقدر حاجتهم  إلى التنمية، وإذا أردنا إعادة تركيب هذه الأطروحة، فقد تصل إلى تبرير عنصري ينطوي على استصغار حاجة العرب  إلى الديمقراطية وحقوق الانسان، إسوة بالشعوب والأمم الأخرى، وهي حاجات انسانية لبني البشر جميعاً، خصوصاً وأن غالبيتها الساحقة ذات طبيعة شمولية، مع خصوصية كل شعب وأمّة في هضم هذه المفاهيم الإنسانية، التي هي نتاج الفكر البشري .

صحيح أن المواطن العربي بحاجة  إلى الغذاء والدواء والعمل والصحة والتعليم والسكن، ولكن من قال إن الإنسان يحيا بالخبز وحده؟ ومن قال إن بالإمكان تأمين الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية من دون تأمين الحقوق المدنية والسياسية والمساواة أمام القانون وبين الرجال والنساء والمواطنة والحق في انتخابات دورية وتغيير الحاكم عبر صندوق اقتراع والحق في المساءلة في إطار سيادة القانون وفصل السلطات واستقلال القضاء، والحق في عدم التعرض للتعذيب وفي أن يكون له جنسية وشخصية قانونية وغير ذلك من عناصر الديمقراطية التداولية السلمية للإدارة والمسؤولية، لاسيما في تولّي المناصب العليا والمشاركة والحق في التعبير والاعتقاد والتنظيم المهني والسياسي .

وقد أثار هذا الأمر بعض نشطاء حقوق الإنسان ردّاً على الرئيس الفرنسي جاك شيراك في العام 2003 عند زيارته  إلى تونس التي حاول فيها تزيين صورة نظام ابن علي في مجال حقوق الإنسان بزعم تأمينها  الغذاء والعمل والسكن لمواطنيها، ونسي هدر الحقوق والحريات والكرامة الإنسانية . وقد ركّزت ثورة تونس وبعدها مصر وكذلك ثورة ليبيا وحركة الاحتجاج الواسعة في اليمن وسوريا والجزائر والأردن والمغرب وعُمان والعراق وغيرها على الحريات والحقوق والكرامة ومحاربة الفساد، الأمر الذي يدحض أطروحة عدم الحاجة إلى الديمقراطية، وهي نظرة استصغارية طالما تصدر عن فكر استشراقي، وعن استعلائية غير مبررة، وقد حاول الرئيس ساركوزي أن يطمئن نظام ابن علي الحليف، بل أن يعرض عليه الدعم للقضاء على حركة الاحتجاج، لولا تسارع الأحداث وانتقادات وسائل الإعلام لسلوكه الانتهازي، وهو الأمر الذي اندفع فيه لاحقاً لاشراك الناتو للتدخل العسكري في ليبيا .

أما الأطروحة الثانية فتقول، إن الدين الإسلامي  يحضّ على العنف والإرهاب وهو دين غير متسامح وتتعارض تعاليمه مع الديمقراطية ومع الشرعة الدولية لحقوق الانسان، وبالتالي فسيكون الاستنتاج المنطقي أن العرب والمسلمين غير مؤهلين للحكم الديمقراطي أو لسيادة القانون أو احترام حقوق الانسان، ولعل مثل هذه الفرضية تستند أيضاً  إلى مرجعية عنصرية أيضاً، تستخف بحضارات الأمم والشعوب وثقافاتها ودياناتها، وعلى الرغم من أن الإسلام دين غالبية سكان المنطقة  العربية، فإنه دين شعوب غير عربية أيضاً، ولعل عدد المسلمين في العالم اليوم يقارب مليار ونصف المليار إنسان، فهل سنلغي هذا الرقم الهائل من قائمة الدول الديمقراطية؟

وإذا كان الكثير اليوم في الغرب يتحدث عن تركيا، كدولة مدنية بخلفية إسلامية؟ أو يتكلم  عن الإسلام المعتدل والمنفتح، فهل تركيا أو غيرها بعيدة عن دين غالبية السكان المسلمين . ولعل تعاليم الديمقراطية وحقوق الإنسان بقدر شموليتها وعالميتها وكونيتها، فلها خصوصيات تبعاً للثقافات والحضارات والتاريخ، لكل أمة أو شعب، ويمكن أن تغتني هذه المبادئ ذات الطبيعة العامة والالزامية بالقدر نفسه، من حضارات وثقافات الشعوب بما فيها الإسلامية . وإذا كان لكل حضارة رافدها، فالعرب والمسلمون يعتزّون برافدهم العربي والإسلامي للحضارة الكونية، وهو ما يشهد له العالم، بما فيه المنصفون من المستشرقين .

وإذا كان ثمة بعض التجاذبات أو الاجتهادات الفكرية أو الثقافية، فإنها خاضعة للنقاش والجدل، والأخذ والرد، داخل مجتمعاتنا العربية ومع الغرب، مثلما توجد الكثير من الحقوق والحريات معرض جدل في الغرب ذاته، لكن الفارق الوحيد بيننا وبينه، هو وجود مؤسسات راسخة حامية للديمقراطية توطّدت عبر عقود من الزمان وشهدت تطورات تدريجية، ولكننا لا زلنا نفتقد لمثل هذه المؤسسات، لاسيما الرقابية التي تحاسب وتسائل وفقاً لحكم القانون ومبادئ الشفافية .

ولعل وجود مثل هذه المؤسسات لا يتعلق بالدين بقدر تعلّقه بدرجة تطور المجتمع واختياره طريق التنمية الشاملة بمعناها السياسي والاقتصادي والاجتماعي والقانوني ومساهمة المجتمع المدني وتحقيق مبادئ المشاركة، فدولة مثل الهند فيها تعدد ثقافي وتنوّع قومي وإثني، وأديان مختلفة ولغات متعددة، وعلى الرغم من وجود كل ذلك، فقد اختارت الطريق الديمقراطي، كدولة نامية، ونجحت فيها الديمقراطية  إلى حدود كبيرة، وعلى الرغم من ظروف التفاوت الطبقي والاجتماعي، إلاّ أنها استطاعت بناء قاعدة حقوقية وقانونية سليمة لتطوير الديمقراطية واحترام حقوق الانسان . وتركيا الإسلامية نموذج آخر، وماليزيا التي يحتل المسلمون فيها نسبة كبيرة وأساسية من السكان، فقد أقامت شكلا من الحكم التداولي والديمقراطي وسيادة القانون، من دون أن يقف الدين عائقاً .

الارهاب لا دين ولا قومية ولا جنسية ولا وطن ولا لغة له، مثلما هي الديمقراطية نظام حكم يمكن أن يستفيد منه الجميع ويستخدم آلياته بما يتناسب مع درجة تطور مجتمعه وخصوصياته ويمكن أن يضفي عليها بما يغنيها، آخذاً بنظر الاعتبار ثقافتها وتاريخها وقيم حضارتها، القديمة، المتلاحقة مع الحضارة الكونية الراهنة، وإذا كانت الموجة الديمقراطية قد وصلت إلى أوروبا المتقدمة على دفعات واستغرقت أكثر من 200 عام لتصل إلى ما وصلت إليه، لاسيما بعد استكمالها بالقضاء على دكتاتورية سالازار في البرتغال وبعد موت فرانكو في إسبانيا والتخلص من حكم الجنرالات في اليونان، فإن أوروبا الشرقية دخلت مرحلة التغيير الديمقراطي في أواخر الثمانينات من القرن الماضي، مثلها مثل العديد من دول أمريكا اللاتينية وآسيا وإفريقيا، ولعل العالم العربي أصبح اليوم مهيأً لمثل هذا التغيير الذي طال انتظاره، ولا يمكن أن يكون خارج التاريخ، سواءً شكك الاستشراق أو لم يشكك، لكن ذلك واقع الربيع العربي الذي سيؤمن بناء معادلات جديدة، يدخل فيها العالم العربي إلى لجّة التطور على الرغم من محاولات الكبح أو التأثير على مسارها التاريخي .

* باحث ومفكر عربي



254
الأزمة الجنائية إنعكاس للأزمة السياسية وانعدام الثقة
الحوار الذي أجراه المركز العراقي للدراسات الإستراتيجية مع: الدكتور عبد الحسين شعبان، في 18 /1/2012م ، وذلك بمقر المركز في عمان.




نص الحوار:
 باسم المركز العراقي للدراسات الإستراتيجية، نرحب بالدكتور عبد الحسين شعبان، ويودّ المركز أن يستفيد من وجودك بيننا بتوجيه بعض الأسئلة التي  تتعلق بالشأن العراقي.
المركز العراقي: ما هي تصوراتكم عن مستقبل العملية السياسية الجارية في العراق، في ظل الأزمة الأخيرة ؟
د.عبد الحسين شعبان: إن الأزمة الأخيرة هي من أخطر الأزمات التي مرّت بها العملية السياسية منذ عام 2003م وحتى الآن، وهذه الأزمة ليست أزمة سياسية فحسب؛ بل تحوّلت أيضا إلى مشكلة جنائية، واشتبكت القضية الجنائية  بالعملية السياسية، ولم يعد حسمها ممكناً إلا قضائياً وقد يكون من الصعب وربما العسير الوصول إلى المصالحة السياسية بين القائمة العراقية وكتلة دولة القانون، خصوصاً بعد صدور مذكرة إلقاء القبض على نائب رئيس الجمهورية السيد طارق الهاشمي، وذهابه إلى كردستان بضيافة رئيس الجمهورية. لعل توجيه اتهامات إلى الهاشمي من جانب رئيس الوزراء نوري المالكي والإصرار على جلبه للقضاء، ومخاطبة سلطات الاقليم، يعني أن الأزمة دخلت في طريق اللاعودة بتخطي عناصرها السياسية والولوج الى اتهامات جنائية، ولابد للقضاء أن يأخذ مجراه، فأما أن يبرأ الهاشمي أو يجّرمه، أو يدين من اتهم الهاشمي باتهامات باطلة ومزوّرة، وبكلا الحالين أصبح أمر العملية السياسية على كف عفريت، وليس مبالغة القول أنها وصلت إلى طريق مسدود، الأمر الذي يعرضها بالكامل للانهيار وأعتقد أن هذه الأزمة هي أخطر أزمة تمرّ بها العملية السياسية.
وقد قيل في السابق إن القضاء مستقل ولا سلطان على القضاء، وإن الدستور كرس هذه المبادئ، وبعد فترة قصيرة، بات كل طرف رئيس في العملية السياسية يتهم القضاء بالتسييس، الأمر الذي يفضي الى التشكيك بالأحكام القضائية التي اتخذت بعد عام 2003م إذا كان هناك ثمة طعون من أطرافها الأساسية، بما في ذلك قرار تجريم الرئيس السابق صدام حسين؛ طالما كان القضاء مسيساً. وقد سبق أن اتهم القضاء أيضا من قبل كتلة المالكي، بأنه مسيس لاسيما عندما اتخذ قراراً بتأجيل البت في قضايا الاجتثاث لما بعد الانتخابات، في حين أن القائمة العراقية أشادت بالقضاء وبدوره، عندما اتخذ مثل هذا الإجراء بتجميد البت في قضايا الاجتثاث لما بعد الانتخابات، ولكن بعد فترة قصيرة غيّر القضاء وجهة نظره بناء على اتفاقات سياسية أو ضغوط مورست عليه، وأعيد بحث القضية من جديد، وصار ممكناً ان يبت في مسألة الاجتثاث قبل الانتخابات، وبتّ فيها بالفعل  وكانت النتيجة استثناء صالح المطلق وظافر العاني وآخرين من حق الترشيح.

مداخلة المركز: هناك اجتماع حصل بين المالكي، وإياد السامرائي، ومدحت المحمود، قرروا فيه إعادة النظر في القضية، وكان القرار سياسياً أكثر منه قضائياً بضرورة حسم الامور.
د. عبد الحسين شعبان: نعم بالضبط. بعد ذلك ندد أعضاء من القائمة العراقية بدور القضاء، بينما أشاد الطرف الثاني(المالكي) بالقضاء؛ لأنه اتخذ قرار الاجتثاث في الوقت المحدد. وقد أعيدت هذا العملية الآن من جديد، الأمر الذي يجعل العملية السياسية في مهب الريح؛ طالما انتقلت من أزمة سياسية، إلى مشكلة جنائية، ولا يمكن حلّها سياسيا وهذه إحدى المظاهر.
أما المظهر الثاني من هذه الأزمة فأن الإجراءات الإدارية التي اتخذها رئيس الوزراء بحق نائبه صالح المطلك، وبحق ثلاثة وزراء آخرين، بمنعهم من مزاولة أعمالهم والدخول الى وزاراتهم أو مواقع عملهم طالما ظلّوا ممتنعين عن حضور اجتماعات مجلس الوزراء هي إجراءات إدارية، علما أن عدم حضور اجتماعات مجلس الوزراء هو إجراء احتجاجي سياسي ولا علاقة له ببعض التصرفات الإدارية لكي تتخذ بحقها إجراءات انضباطية فنائب رئيس الوزراء والوزراء هم ذات صفة سياسية وليس إدارية.
أما المظهر الثالث من الأزمة فهو طلب القائمة العراقية من الأمريكان التدخل؛ الأمر الذي يعني أن الوجود الأمريكي لا يزال قويا في ظل اتفاقية الإطار الاستراتيجي حتى وإن انسحب الأمريكيون.
إن وصول العملية السياسية إلى طريق مسدود، وتوجه بعض أطرافها بطلب  إلى تدخل الأمريكان، يعطيان  شعوراً من طرف المتمسكين بالعملية السياسية بصيغتها القائمة، أن الطرف الثاني انقضّ على مبادئ الشراكة الوطنية، وان المعركة عادت  معركة كسر عظم، وليست مسألة خلاف سياسي بالاتهامات، علماً بأن الشراكة أمر مشكوك فيه، وكل ما حصل هو عبارة عن تقاسم وظيفي اتخذ بُعداً طائفياً واثنياً وهذا يتعارض مع قواعد مفهوم الشراكة.
والفصل المهم الآخر من الازمة هو التلويح بالدور الإيراني ما بعد انسحاب الولايات المتحدة من العراق.
وحسب التقديرات التي أميل إليها فإن إيران لن تتخلى عن المالكي إلى الانتخابات القادمة، علماً بأن شعور المالكي بشكل عام أنه كسب ود الأمريكان أيضاً، وهكذا صار يلبس القبعتين الأمريكية والإيرانية، ولهذا بدأ يشعر بنوع من الغرور والعظمة ويستصغر لا خصومه حسب، بل حتى بعض أركان حلفائه.
إن هذه المفاصل الأربعة أوصلت العملية السياسية إلى طريق مسدود، ومن ثم  يبدو أكثر من احتمال:
الأول إما أن يسير المالكي بذات الاتجاه ويصعّد لكي يجبر القائمة العراقية على الرضوخ وعند ذلك سينتهي أي حديث عن الشراكة الاّ بالاسم. الثاني  أن ترفض القائمة العراقية توجه المالكي وتعارض توجهاته وتنسحب من الحكومة وتتجه الى المعارضة، حينها سيضطر المالكي إلى تشكيل حكومة أغلبية ولكنها ستكون ضعيفة حتى إذا دعمها الأكراد. ولعل إجراءً من هذا النوع سيؤدي لاحقاً إلى تقويض العملية السياسية، ويكون الثالث إيجاد حلول تسووية بين القائمة العراقية ودولة القانون على أن تتخلى العراقية عن الهاشمي، وعن المطلك، أو من الممكن أن تتخلى عن الهاشمي، وأن يقدم المطلك اعتذاراً ويعود إلى موقعه، وهذا أمر واردٌ، واعتقد أن المؤتمر الوطني سوف لا يصل الى الحل المنشود، وكل ما هنالك قد يؤدي في حالة انعقاده الى تأجيل انفجار الأزمة ويترك الوضع على ما هو عليه.

المركز العراقي: هناك دعوات لتشكيل حكومة الأغلبية؟
د. عبد الحسين شعبان: من الصعب بمكان أن يقدم المالكي على عمل بمثل هذا النوع الاّ إذا انسحبت القائمة العراقية من الحكومة، وعندها سيكون مضطراً، ولكنه سيشرك الشخصيات من ذات الطيف السياسي ويدخلها الى الحكومة، كما أن الولايات المتحدة لا تقبل عملية انفراد المالكي بالسلطة، ولكن المالكي يبقى يلوح بالأغلبية ويهدد بها إلى حين، الأمر الثاني الذي سيفعله المالكي، إذا انسحبت العراقية من الحكومة فانه سيأتي بشخصيات بديلة من نفس اللون الطيفي ويضمها إلى الوزارة، وهناك أشخاص مستعدون لمثل هذا الدور، ولكن المشكلة الرئيسية ماذا ستفعل القائمة العراقية إذا انسحبت من الحكومة، واعتقد أنه لاستراتيجية لها، كما أنه لاستراتيجية لدى الأطراف الأخرى غير ما هو قائم ؟
مداخلة المركز: انسحاب من الحكومة أم من العملية السياسية؟
  د. عبد الحسين شعبان: إذا انسحبت العراقية من الحكومة، فانه بداية الانسحاب من العملية السياسية أيضاً، والمشكلة انه لايوجد برنامج للعراقية في حال انسحابها من العملية السياسية. هل تريد الاطاحة بحكومة المالكي وبالائتلاف الشيعي، ولكن بأية أساليب؟ ولحد الآن لم نطلّع على ماذا تريد العراقية وكل ما تقوم به تكتيكات أقرب إلى ردود فعل، وحتى المالكي لا نعرف ماذا يريد غير البقاء في السلطة، ولا وجود لبرنامج أو مشروع لديه أو لغيرة السياسة في العراق في حالة من السبات والتعويم، على الرغم من الحركية الظاهرة.

المركز العراقي: هل من الممكن سحب الثقة عن الحكومة العراقية بالتحالف مع بقية الكتل مثل التحالف الكردستاني؟
د. عبد الحسين شعبان: لن يتخلى التحالف الكردستاني عن دولة القانون، وعن التحالف الوطني مهما يكن الأمر، لأنهم غير واثقين بأن القائمة العراقية ستبقى معهم إلى آخر الطريق؛ وذلك لأنها غير مدعومة من إيران، كما أن  الطالباني لا يفرط بالتحالف الوطني المدعوم من إيران إطلاقا؛ لأنه تحالف استراتيجي. كما أن الكتل الشيعية الأخرى لن تفرّط بحكومة رئيسها شيعي لحساب كتلة أخرى، وعليه سيكون المجلس الاسلامي مع المالكي مهما كانت الخلافات وكذلك الصدر وعصائب أهل الحق وحزب الله العراقي والفضيلة وغيره.
المركز العراقي: هل ستمهد هذه التطورات السياسية إلى مسألة الأقاليم؟
د. عبد الحسين شعبان: الأكراد يشجعون إقامة الأقاليم، و لكن  فكرة الأقاليم انتقلت بين مواقع القوى، و إن المجلس الاعلى اول من دعا إلى إقامة الأقاليم، والآن فتر حماستهم كثيراً كما أن المالكي من أشد المعارضين لها؛ وذلك لان حدود الأقاليم غير محددة، وكذلك إحصائيات السكان وغيرها غير محسومة وأن المادة 140 معطلة وأن مشكلة كركوك تتفاقم فإن الأقاليم بصيغتها الحالية ليست حلاّ بقدر كونها شكلاً من أشكال تأجيج المشكلة، أما الذين عارضوا الإقاليم في السابق فهم من أشد المتحمسين الآن إلى إقامتها وأعني بذلك الأركان الأساسية في لاقائمة العراقية ومحافظات صلاح الدين والأنبار والموصل وإلى حدود معينة في ديالى.
إن فكرة الأقاليم التي وردت في الدستور ملتبسة لثلاثة أسباب:
السبب الأول: أعطي الحق لأي ثلاث محافظات في نقض أي تشريع دستوري، أما السبب الثاني: فمن حق أي إقليم أن يكون له ممثلوه في السفارات العراقية لمتابعة العمليات الإنمائية والاجتماعية والثقافية، وهذه وغيرها، ولن تكون إلاّ عبارة عن سفارة مصغرة داخل السفارات العراقية، والسبب المهم الثالث والخطير، والذي يتعارض مع كل الأنظمة الفيدرالية في العالم، هو انه إذا تعارض القانون أو الدستور الإقليمي مع القانون والدستور الاتحادي، فان الغلبة لقانون الإقليم وليس للقانون الاتحادي، ولا يوجد نظام فيدرالي في العالم يحمل هذه الميزة وتعرفون أنني من مؤيدي النظام الفيدرالي وقد تسنى لي أن درسته واعتبره النظام الأكثر تطوراً في العالم حيث هو مطبق في ما يزيد عن 25 بلد ونحو 40% من سكان العالم يخضعون له، لكن بعض القواعد المستخدمة في النظام الدستوري العراقي، أراها تتعارض مع القواعد العامة للنظام الفيدرالي الذي يتم فيه توزيع الصلاحيات والاختصاصات بين المركز والأطراف، بحيث تكون من صلاحيات الملاكز العلاقات الدولية والدبلوماسية والجيش والقوات المسلحة وقوى الأمن وموارد البلاد الطبيعية وخططها الاقتصادية المركزية والعملة وغيرها وما عدى ذلك من أمور إدارية وثقافية وسياسية وخدمية وتعليمية وصحية وبيئية وغيرها من اختصاصات الأقاليم .

المركز العراقي: بافتعال الأزمات فور انسحاب الأمريكان من العراق هل تعتقد أن هناك توجهاً إلى إقامة دولة احادية ( شيعية)، علما بأن ايران تحاول أن تملأ الفراغ بسرعة ممكنة، وإزاحة المجموعات غير القابلة للتفاوض، واستحضار شخصيات من الطيف الآخر تقبل أن تكون شريكاً مطيعاً؟
د. عبد الحسين شعبان: لا يمكن إقامة دولة شيعية إلاّ في حال تقسيم العراق، اما دولة شيعية بحدود العراق الحالية فلا يمكن إقامة دولة شيعية على الإطلاق، كما لا يمكن إقامة دولة سنية في العراق بحدوده الحالية، هذا الآمر ناتج عن توزيع جغرافي وكيانات قائمة جغرافيا وتاريخيا.
لكن النفوذ الشيعي الإيراني بابعاده الآيديولوجية، او المذهبية أو القومية يزداد في العراق علما بان المالكي لا يمثل الشيعة، ولا أي احد من الحكام السابقين يمثل السنّة، واليوم يلعب البعض على الوتر الطائفي، ليجدوا الفرصة المناسبة لادعاء تمثيل الطائفة أو جزء منها، ويمكن تسمية هؤلاء( بامراء الطوائف) ومقابلهم تشكلت كتل اخرى لتمثيل الطوائف بالمقابل ولإيجاد نوع من التوازن، لكن هذا النوع بتقديري إذا تكرّس سيكون واقع حال، وتكون مكاسب لهولاء الأمراء، إذا استمرت العملية السياسية معطلة وعلى الأساس المحاصصة وسيكون هناك نوع من التوازن القلق، وفي حال تكريسها سيكون التقسيم وفق مشروع "جو بايدن" أمراً واقعاً!.


255
مقدمة الطبعة الثانية
فريضة التسامح وجدلية القطيعة والتواصل!
على الرغم من تصاعد أعمال العنف والارهاب على المستوى العالمي، لكن الدعوة إلى التسامح(1) تزداد وترتفع، لاسيما وأن أوساطاً واسعة أخذت تلتمس عمق الحاجة إليه. وتأخذ هذه الدعوة أشكالاً مختلفة من التساوق مع حوار الحضارات وتفاعل الثقافات وتواصل الأديان، لاسيما من خلال القيم الموحّدة والمشتركة وذات الأبعاد الإنسانية، إضافة إلى اهتمام النخب الفكرية والسياسية والثقافية والدينية، بفكرة الحوار وتنظيم فاعليات وأنشطة بعضها إكتسب بُعداً أممياً من خلال الأمم المتحدة واليونسكو ومنظمات دولية أخرى.
وتشكّلت هيئات وطنية وإقليمية وأممية لتأطير هذا الحوار في أجواء من التسامح والتعايش وإعادة النظر بالآخر، خصوصاً في مواجهة التيارات المتعصبة والسياسات
ـــــــــــــ
(1) استخدم مصطلح Tolerence منذ القرن السادس عشر بمعنى أقرب الى المفهوم السياسي والأخلاقي والسلوكي إزاء الآخر، من المذاهب الدينية، في حين أن استخدامه كمفهوم قانوني Toleration بدأ بعد إصدار  بعض الحكومات الأوروبية في القرنين السادس عشر والسابع عشر مراسيم تدعو الى التسامح وتطلب من موظفي الدولة والسكان تطبيق حكم القانون The rule of law وأن يكونوا متسامحين في سلوكهم إزاء الأقليات الدينية الأخرى مثل أنصار الراهب مارتن لوثر. ومن القوانين التي صدرت في حينها: مرسوم هنري الرابع في فرنسا 1598 وقانون التسامح The Toleration Act الصادر عن ملك انكلترا 1689، وكان جون لوك قد نشر رسالته الشهيرة" رسالة في التسامح" تعبيراً عن الثقافة البديلة للتعصب والتطرّف الديني التي كانت سائدة والتي دفعت أوروبا بسببها ثمناً باهظاً من الحروب والنزاعات وسياسات الإقصاء.
  أنظر:النجار، شيرزاد، أحمد- التسامح واللاتسامح في فلسفة هابرماز، مجلة التسامح ، العدد 32، نيسان(ابريل) 2011.
 قارن: Habermas, Juergen- Intolerence and Discrimination in, Con, Vol.1 No 1, 2003,pp2-12. .
قارن كذلك: لوك، جون- رسالة في التسامح، ترجمة د. عبد الرحمن بدوي، طبعة جديدة، دراسات عراقية، بيروت، سنة النشر (بلا). 

المتطرفة والمناهج الإقصائية والإستئصالية من جميع الأطراف، لاسيما تلك التي سادت في أعقاب أحداث 11 أيلول (سبتمبر) الإرهابية الإجرامية التي حصلت في الولايات المتحدة، بمهاجمة برجي التجارة العالميين في نيويورك وقتل نحو ثلاثة آلاف مواطن أمريكي بريء، أو ردود الفعل الشديدة التي أعقبتها.
وإذا كانت الدعوة إلى التسامح قد كثر رصيدها، خصوصاً بعد التوتّر الذي حصل في العلاقات الدولية في العقدين الماضيين واندلاع حروب وتفجّر نزاعات، الاّ أن غزو أفغانستان العام 2001 واحتلال العراق العام 2003، إضافة إلى أحداث 11 أيلول (سبتمبر) عاظم من الشعور بالخطر، خصوصاً من جانب الفريقين المتناحرين، اللذين ينظر كل منهما الى الآخر باعتباره عدوًّا يتطلب استخدام جميع الأسلحة والأدوات للقضاء عليه أو نزع قدرته على المقاومة، وقد حصل الأمر في ظل استنفار دولي وانقسام ودعاية آيديولوجية وأجواء نفسية حادة. ومثلما قسّم أسامة بن لادن العالم إلى فسطاطين وهو الذي شغل دولاً واستخبارات وأجهزة أمنية وهيئات سياسية ودبلوماسية ما يزيد عن عقدين من الزمان حتى قتل في أيار (مايو) 2011، فعل الرئيس جورج بوش الشيء ذاته عندما قسّم العالم هو الآخر الى معسكرين، أطلق على دول العالم الحر " الغربي": معسكر الخير أما الثاني فهو معسكر الشر، واختار دولاً أطلق عليها "المارقة" أو دول محور الشر الذي ينبغي القضاء عليه، وليس ذلك بعيداً عن سياسة وآيديولوجيا وحتى ديني متطرف ساد في حقبة رئاسة الرئيس بوش، التي لم تتورع في إطلاق مصطلح " الفاشية الإسلامية" خلال حرب تموز (يوليو) التي شنتها إسرائيل ضد لبنان العام 2006 وقبلها أطلق وصف" الحرب الصليبية" في الحديث عن الحملة ضد الإرهاب الدولي.
ولم تسلم من أعمال العنف والإرهاب جميع دول العالم تقريباً، يتساوى في ذلك الدول المتقدمة مع الدول النامية، الغربية- المسيحية، مثلما هي العربية- والإسلامية، أيضاً سواءً إرهاب الدولة أو إرهاب الجماعات المسلحة والخارجة على القانون أو إرهاب الأفراد، الأمر الذي أدّى الى تسميم الحياة الدولية، وخيّم نوع من الشك والوجوم على العلاقات الدولية، فضلاً عن العلاقات الداخلية، خصوصاً بلجوء بعض القوى الى العنف كوسيلة لحل الخلافات السياسية، وهو ما ترافق مع نشاط منظمات إرهابية عديدة، لذلك أصبح الحديث عن التسامح تعويضاً عن سيادة نزعات الإقصاء والإلغاء، سواءً على الصعيد الداخلي أو الدولي، من جانب الحكومات أو من جانب مؤسسات المجتمع المدني، خصوصاً وقد هيمن خطر الجماعات المسلحة وأعمال الإرهاب على نطاق العلاقات الدولية كلّها.
وهكذا غدا الحديث عن التسامح مثل الريح الخفيفة التي تشبه المطر كما أسميتها في أحد المقالات التي كتبتها بعد حين من صدور كتابي " فقه التسامح في الفكر العربي- الاسلامي: الثقافة والدولة" (1) والذي لقي إهتماماً واسعاً من أوساط مختلفة.
إذاً بهذا المعنى نحن نتناول التسامح أولاً لراهنية الفكرة وثانياً لضرورتها وثالثاً لإمكانية إحداث نوع من ترميم الحياة السياسية الداخلية والدولية في إطارها ، خصوصاً إذا تم اعتماد مبادئها. ونقصد بمبادئ التسامح ما جاء من تقنين دولي صدر عن المؤتمر العام لليونسكو في دورته الثامنة والعشرين، التي إلتأمت في باريس في 25 تشرين الأول (اكتوبر) الى 16 تشرين الثاني (نوفمبر) 1995، وهو الاعلان الذي تضمن على ديباجة وستة مواد(2). وتنص المادة الأولى منه على " أن التسامح يعني الاحترام والقبول والتقدير للتنوّع
ــــــــــــــ
(1)   أنظر: شعبان، عبد الحسين – فقه التسامح في الفكر العربي- الاسلامي: الثقافة والدولة، دار النهار، بيروت، 2005(تقديم المطران جورج خضر).
أنظر كذلك: التسامح مثل الريح الخفيفة التي تشبه المطر، صحيفة العرب القطرية، 17/5/2011.
(2)   أنظر: إعلان مبادئ التسامح، اليونسكو، باريس، 1995.
الثري لثقافات عالمنا ولأشكال التعبير وللصفات الإنسانية لدينا. ويتعزز هذا التسامح بالمعرفة والانفتاح والاتصال وحرية الفكر والضمير والمعتقد" (الفقرة الأولى)، وجاء فيها أيضاً إشارة الى معنى التسامح بالقول: أنه الوئام في سياق الاختلاف وهو ليس واجباً أخلاقياً فحسب، وإنما واجب سياسي وقانوني أيضاً. والتسامح هو الفضيلة التي تيّسر قيام السلام، ويسهم في إحلال ثقافة السلام محل ثقافة الحرب".
والتسامح يعني أيضاً اتخاذ موقف إيجابي فيه إقرار بحق الاخرين في التمتع بحقوق الانسان وحرياته الأساسية المعترف بها عالمياً، ولهذا نوّه اعلان اليونسكو ودفعاً لأي إلتباس، بأنه: لا يجوز الاحتجاج (التذرّع) بالتسامح لتبرير المساس بالقيم الأساسية  لحقوق الإنسان، وهو ما حاولت الشبكة العربية للتسامح التفريق بين قيم التسامح والدعوة الى التخلّي عن الحقوق والحريات الأساسية، لاسيما في فلسطين. التسامح أيضاً هو ممارسة ينبغي أن يأخذ بها الأفراد والجماعات والدول.
والتسامح لا يعني كذلك: قبول الظلم الاجتماعي أو تخلّي المرء عن معتقداته أو التهاون بشأنها، بل ينبغي التمسك بها، مثلما على الآخرين التمسّك بمعتقداتهم، ولا يعني الإقرار بحق الاختلاف في طباع البشر ومظهرهم وأوضاعهم ولغاتهم وسلوكهم وقيمهم (المادة الأولى- الفقرة الرابعة) فحسب، ولكن مع تأكيد الحق في العيش بسلام، وذلك يعني عدم فرض الرأي على الغير ونبذ الدوغماتية والاستبدادية.
ولكن هل يأخذ المتطرفون في الغرب المسيحي أو الشرق الاسلامي أو غيره بمثل  هذه النظرة التي جاء بها الاعلان العالمي للتسامح؟ ولعل الجواب بعد الكثير من البحث والتقصي والتدقيق، هو أن الأمر لا يزال يثير الكثير من الإلتباس والغموض والإبهام، وقد شهدت النظرة الغربية الى الإسلام نوعاً متخيلاً، كما شهدت النظرة الإسلامية الى الغرب هي الأخرى نوعاً من التخيّل بغض النظر عن الحقب الاستعمارية التي تركت تأثيراتها السلبية في الذاكرة العربية والاسلامية الجمعية وكلا النظرتين ماضويتين، على الرغم من اختلاف زاوية النظر في الكثير من الأحيان بين الغرب السياسي والغرب الثقافي، وبين الإسلام السياسي والحضارة العربية الاسلامية سواءً على المستوى التاريخي أو المعاصر، بما في ذلك المنجزات العلمية والتقنية وثورة الاتصال والمواصلات وتكنولوجيا المعلومات والطفرة الرقمية " الديجيتل" التي أصبحت جزءًا من الحضارة الكونية السائدة، لاسيما في ظروف العولمة بوجهيها الانساني والمتوحش.
فقبل ذلك كتب فولتير وهو أبو التسامح بعد جون لوك كتاباً في العام 1741 بعنوان "التعصب أو النبيّ محمد" وهو ما يعيده التاريخ في القرن الحادي والعشرين من نشر صور كاريكاتورية مسيئة الى الرسول محمد في الدانمارك أو غيره من البلدان الغربية على نحو استفزازي، وذلك بتوجيهه الاتهام الى الإسلام باعتباره مثالاً للتعصب وعدم التسامح مع الآخر، لاسيما مع الغرب".(1)
ولعل ما يقابل هذه النظرة الإزدرائية، اللامتسامحة، هو نظرة البعض الى الغرب باعتباره شرٌّ مطلق وإنكار دوره الريادي في إنجاز ما حققته البشرية حتى الآن من تقدم، في جميع مجالات العلوم والتكنولوجيا والعمران والجمال والفن والآداب، بل إنه المستودع لكل ما هو منجز بشري، لاسيما خلال السنوات الخمسين الأخيرة، التي قامت كل ما حققته

ـــــــــــــ
(1)   عاد فولتير في العام 1763 وصحح موقفه ليكتب رسالته عن التسامح، التي دعا فيها الى الأخلاقية، ولاسيما القائمة على التسامح الديني بين الشعوب والأمم المتعايشة على أرض الغرب.
أنظر : خالص عبد الرحيم- أي معنى لـفكرة التسامح في المتخيّل الجماعي للأفراد في "الغرب" و"الإسلام"؟، مجلة الغدير ، بيروت، 6 آذار (مارس)2011.
البشرية في تاريخها من تقدم (1) .
وبغض النظر عن رؤية الغرب كجغرافيا والإسلام كهوية، فإن مبدأ التسامح لا يمكن فصله عن المتخيّل الجمعي للمجتمعات المعاصرة سواءً في الغرب أو في البلدان الإسلامية، فالمخيال الشعبي لديه القدرة على التحريك، لاسيما باستثارة الكامن في الصدور سواءً كانت ردود فعل إيجابية أو سلبية، لاتخاذ موقف مسبق سلباً أو إيجاباً. فلا زال الغرب ينظر الى الإسلام وبلاد المسلمين باعتبارها صحارى يسكنها بدو، حلّت عليهم نعمة النفط وتكدست لديهم الأموال، ولكنهم لا يعيشون حياة القرن الحادي والعشرين، حيث يتشبثون بالماضي ويحثهم دينهم على الارهاب والعنف، ومن جهة أخرى فإن الغالب الشائع عند استذكار العرب والمسلمين لأوروبا والغرب عموماً، فإنه يتم عبر صورة الحروب "الصليبية"  وأسميّها حروب الفرنجة، وكأن كل ما يجري حولنا هو امتداد للتاريخ ولا علاقة له بالحاضر وبالمصالح.(2)
لقد شهدت القرون الوسطى ولاسيما في أوروبا التي كانت تعيش ظلام فكري دامس ظاهرة اللا تسامح، خصوصاً بهيمنة رجال الدين " الإكليروس" ولاسيما في الكنيسة وتحريم وتجريم ما عدى ذلك، من خلال المقدس والمدنس، اللذان سادا في الحكم على الناس واستمرّ الأمر حتى عهد التنوير الذي توّج بالثورة الفرنسية التي وضعت حداً للثنائية التي كانت سائدة والتي تقوم على الكنيسة كطرف مرجعيتها الله، مقابل قيام مجتمع علماني مرجعيته الواقع،
ـــــــــــــ
(1) أنظر:  شعبان، عبد الحسين، الإسلام والارهاب الدولي- ثلاثية الثلاثاء الدامي: الدين، القانون، السياسة، دار الحكمة، لندن، 2002
(2) انظر: أركون، محمد :" من فصيل التفرقة الى فصل المقال- أين هو الفكر الاسلامي المعاصر" دار الساقي، ط2، بيروت، 1995، ص 12.
وفي حين تستمد المرجعية الالهية مشروعيتها من الله، فإن المرجعية المدنية تستمد مرجعيتها من الناس ومن خياراتهم في العقد الاجتماعي وفي الحقوق والحريات(1).
وإذا كان المخيال العربي شديد الارتباط حتى الآن بالحروب الصليبية (والأصح حروب الفرنجة) وهي حروب غير دينية، وإنما قامت على المصالح والسعي لاحتلال الشرق العربي واستغلاله، كما هي الحروب الاستعمارية، بما فيها حروب اليوم، فإن المخيال الغربي هو الآخر يقوم على العدائية للعرب والمسلمين، لاسيما بمحاولة تهييج المزاج الشعبي، بما يعاكس الطبيعة البشرية أحياناً، باعتبار الإسلام يحضّ على الارهاب، وهو دين العنف وعدم التسامح.
ولعل القطيعة التي حصلت في الغرب في القرن الثامن عشر ما بين الدين (الكنيسة) والدولة لم تحدث لدينا بعد، فمجتمعاتنا العربية- الاسلامية في الكثير من جوانبها يتداخل فيها الديني بالسياسي، والدين بالدولة الى حدود غير قليلة، الأمر الذي لا يفهمه الغرب باعتباره خصوصية لمجتمعات لاتزال لم تدخل مرحلة الحداثة، وتعيش حالة انتقال من طور الى طور، ومن جهة أخرى يفهم بعض العرب والمسلمين، أن أي حديث عن دولة مدنية، بمعنى فصل الدين عن الدولة، إنما هو محاولة من الغرب لفرض "العلمانية" التي تعني من وجهة نظرهم التصرف ضد الدين أو اتخاذ موقف منه، في حين أن البعض الآخر يعتقد أنه أراد العرب والمسلمون دخول عالم الحداثة ووفقاً لنظرية الدولة المعاصرة القائمة على المساواة التامة والمواطنة الكاملة وحق الناس على اختيار الحكّام واستبدالهم، ووضع الدين في مكانه المقدس الذي يستحقه وليس استخدامه لأمور الدنيا بما يؤدي الى المزيد من التباعد والتنافر والاحتراب أحياناً، فإن العلاقة بين الدين والدولة قد تأخذ شكلاً آخر، أخف ارتباطاً وأكثر
ـــــــــــ
(2)   أركون، محمد، من فصيل التفرقة الى فصل المقال،  مصدر سابق، ص 111.
استقلالاً.
لقد قبلت أوروبا بعد التمايز ما بين الدين والدولة، مبادئ التسامح حين اعترفت بالحق في الحرية الدينية وحماية القانون للحريات الأساسية للإنسان، التي تعمقت تدريجياً، لاسيما على المستوى الدولي بعيداً عن احتكار الحقيقة أو ادّعاء النطق بإسمها، وإذا كان هذا الأمر حُلَّ مسيحياً وغربياً، فلا يزال عربياً وإسلامياً بعيداً عن الحل، وكذلك يهودياً، لاسيما الدعوة لدولة نقية، كما يطرح اليمين الاسرائيلي حالياً، وهذا يعني أن لا مكان للمسلمين أو المسيحيين أو الدروز العرب فيها.
لقد حاول الإسلام ضمن سياقه التاريخي بحث المسألة بالنسبة لمنتسبي الديانات الأخرى في دار الإسلام بالتمييز الايجابي وإن كان سلبياً، وذلك عبر اصطلاح وتشريع فكرة الذميين وهم رعايا في الدولة الاسلامية (اليهود والمسيحيون) وهو ما يطلق عليه أركون "تسامح اللامبالاة" وأسميه أنا "التسامح السلبي"، خصوصاً وكانت تلك ولا تزال تنظر الى الآخر مع موقع أعلى، وهكذا يكون اليهودي والمسيحي في موقع أدنى.(1)
لقد خطت أوروبا خطوات متقدمة بشأن فصل الكنيسة عن الدولة، أما الدولة العربية المعاصرة، فلا تزال الشريعة الاسلامية تشكّل محوراً وصيرورة وجودها في الغالبية الساحقة من الدول، ولعل فكرة القطيعة التاريخية التي سبق لأركون أن تناولها، لا تزال بعيدة المنال عنها، وقد لا تبدو قريبة في المنظور الحالي، وربما لسنوات غير قليلة، بما فيها الدول التي أحدثت تطوراً في النظر الى الفكرة الدينية في دولة اعتمدت الإسلام مرجعية لها، كما هي تركيا المترنّحة بين الإسلام والعلمانية، فقد ظلّ الطابع الغالب في القوانين والتشريعات يعتمد على الإسلام الذي يعتبر " دين الدولة " في الغالبية الساحقة من الدول الاسلامية، وفي بعضها
ـــــــــــ
(1)    المصدر السابق، ص 112.
مصدراً أساسياً أو المصدر الأساسي للتشريع، بل وأكثر من ذلك حين يعتبر الكتاب المقدس "القرآن " هو الدستور. وعلى الرغم من أن الدولة ينبغي أن تكون محايدة أو لا يكون لها دين محدد، فالدين هو هوية الفرد، ومثلما الإسلام هوية المسلمين، فالمسيحية هي هوية المسيحيين وهكذا، الأمر الذي يحتاج الى فك اشتباك دون خلط أو إكراه.
وعندما انتقلت أوروبا الى مرحلة الفصل، ظلّت المنطقة العربية تعيش حالة وصل
غير اعتيادية لدرجة التماهي بين الدين والدولة، وبين السلطة الزمنية والسلطة الدينية، دون أن يعني عدم انقسام العالم العربي الى قبائل وعشائر ومناطقيات، لكن الدين ظل عاملاً أساسياً في التجمعات القائمة لمرحلة ما قبل الدولة أو في ارهاصاتها الأولى.
لقد حققت أوروبا والغرب عموماً، ولاسيما بعد الثورة الفرنسية، العام 1789 تطوراً كبيراً في قضايا الحريات والمساواة وحقوق الانسان، وهو ما كان قد مهّد له كتابات فولتير ولاسيما حول "التسامح" وكتابات مونتسكيو، وخصوصاً كتاب "روح الشرائع" وكتابات جان جاك روسو وبالتحديد كتابه " نظرية العقد الاجتماعي"، وذلك بتهيئة بيئة ثقافية للثورة، وحتى بعد مرور أكثر من مئتي عام فإن عالمنا العربي  والاسلامي، لا يزال يقف في الكثير من مجتمعاته في مرحلة ما قبل الدولة وعند بوابات الحداثة التي تم ولوجها من جانب أوروبا، والانخراط فيها على نحو عميق، الأمر الذي يحتاج الى تأكيد مسألتين أساسيتين: المسألة الأولى أن ما نطلق عليه مصطلح الدولة لا يزال هشًّا وضعيفاً ويعاني في الكثير من الأحيان من نكوص كبير، فضلاً استمرار التأثيرات السلبية للحقب الاستعمارية، ولم تتوفر بعد إرادة سياسية جماعية على مستوى الكيانية القائمة للاعتراف بقيم ومبادئ التسامح ونشرها وتأكيد احترامها والالتزام بها.
ولعل مسألة الدولة تطرح موضوع الشرعية، لاسيما علاقة الحاكم بالمحكوم، تلك التي تحتاج الى مرجعية محددة وواضحة ما فوق دستورية أحياناً، مع إدراج مبادئها الأساسية في الدستور، وهذه المرجعية تجسّد القيم الإنسانية المشتركة. الشرعية Legitmacy التي تشكل موضوعاً رئيساً من مواضيع علم السياسة والنظام السياسي على وجه الخصوص، وذلك لارتباطه بمسألة كيفية وطريقة ممارسة السلطة السياسية في المجتمع، وبالتالي العلاقة بين الحكام والمحكومين .
وقد اختلف مضمون الشرعية وأدواتها وأهدافها، ففي فترة الحرب الباردة والصراع الآيديولوجي وفي ظل نظام القطبية الثنائية ساد مفهوم "الشرعية الثورية"، حتى وإنْ كان هذا الاستخدام له ما يبرره في مرحلة الإنتقال، لكن هذه "الشرعية الثورية" استمرّت لعقود من الزمان، وعلى نحو متعسّف، بحيث فقدت الشرعية المزعومة أي معنى وتحوّلت إلى إستبداد وإستئثار ومصادرة للحقوق والحريات.
والمسألة الثانية أن الثقافة العامة والفردية لا تزال متدنية، بل غائبة في الكثير من الأحيان عن المجتمعات على المستوى العام والفردي، الأمر الذي تتشبث فيه الكثير من الجماعات بالتعصب والتطرف والنظرة السلبية إزاء الآخر، سواءً الأوروبي، الغربي، غير العربي أو المسلم أو غير المسلم (الآخر المختلف) في الأقطار الاسلامية، المسيحي، اليهودي الصابئي ، الإيزيدي، وغير العربي، الكردي، التركماني، الأمازيغي وهكذا.
ولعل مثل هذه الثقافة لا تزال سائدة قانونياً واجتماعياً ودينياً وتمثل الفضاء الثقافي العام، الذي لا يتعامل على قدر المساواة القانونية والاجتماعية مع مكونات خاصة بالتنوّع الثقافي والتعددية القومية أو الدينية أو بالانتقاص منها بالتمييز وعدم المساواة، وهذا الأمر إذا كان ظاهرة عربية وإسلامية بامتياز، فإن الغرب ليس بريئاً منه، فالنظرة الإستئصالية الإلغائية تسود لديه أيضاً في ظل أجواء التطرف والتعصب، وفي إطار اعتقاد خاطئ، وذلك حين يتم اختزال الثقافة العربية الاسلامية الى دين والى تعاليم منشودة في حين أنها هوية لحضارة ممتدة ومتصلة، بغض النظر عن القومية واللغة والجنس والأصل الاجتماعي والاتجاه السياسي.
ومن جهة أخرى حين تدمغ بعض التيارات الاسلامية والاسلاموية قيم الحداثة والديمقراطية والليبرالية والعلمانية بالكفر وتعتبرها قيماً غربية حصرياً، الأمر الذي يدفع باتجاهين خاطئين أمّا التعصب أو التغريب، الذي تغيب معها فكرة التسامح. ولكن الفرق واسع والمسافة شاسعة بيننا وبين الغرب، ففي الغرب قوانين وأنظمة تستند الى قيم التسامح التي ترتقي بها قوانين وأنظمة حتى وإن وجدت بعض الممارسات من بعض الاتجاهات المتعصبة والمتطرفة، في حين أننا لا نزال حتى الآن بعيدين عن قيم التسامح ومبادئه.(1)
   واستناداً الى بعض الاتجاهات المتطرفة في الغرب ذلك صاغ صموئيل هنتنغتون فكرته حول "صدام الحضارات" وذلك انطلاقاً من قراءة مخطوءة للعلاقات بقوله: أن العلاقات بين الإسلام والمسيحية كانت غالباً عاصفة، وذلك وفقاً للنمو السكاني ومحاولة الأحياء الاسلامية والتدخل الغربي وانهيار الشيوعية واختلاف الهويات. وقبله كان فرانسيس فوكوياما قد توجه الى الحديث عن نهاية التاريخ (2).
ـــــــــــــــــ
(1)   قارن: خالص، عبد الرحيم، أي معنى لفكرة التسامح في المتخيّل الجماعي للأفراد في " الغرب" و "الإسلام" مصدر سابق.
   انظر كذلك: مالكي، إ محمد – مفهوم التآخر التاريخي في المنظومة المعرفية، المجلة العربية للعلوم السياسية، العدد 18، ربيع 2008    (بيروت/لبنان)
    قارن: حنفي، حسن- مقدمة في علم الاستغراب، المؤسسة الجامعة للدراسات والنشر والتوزيع، ط1، بيروت، 1992.
(2)هنتنغتون، صموئيل " صدام الحضارات وإعادة بناء النظام العالمي" ترجمة د. مالك عبيد أو شهبوة ود. محمد محمد خلف، الدار الجماهيرية، دار الكتب الوطنية، بنغازي، ليبيا، ط/1، 1999، ص 370 وما بعدها.
Huntington- Samuel- Aclash Of Civilization, Foreign Affaires, Summer 1993
Huntington, Samuel- The Clash Of Civilization And Remarking of world order, London Simon and Schuster,1997.
Fukuyama ,Francis- The End of history, International affairs journal,1989, “The End of History and the Last Man, 1992”.
للأسف الشديد لا يزال المسلمون، لاسيما المؤدلجون أو الإسلامويون أو المتأسملون غير متصالحين مع تاريخهم الايجابي منه أو السلبي، فهو يريدونه كما يروق لهم اليوم، ولا سيما بعض رجال الدين، بما يعني توظيفه لمصالحهم الآنية، التي في الغالب هي مصالح اقصائية وتسلّطية، وخصوصاً عدم الاعتراف بالآخر، فما هو إيجابي من فقه التسامح وقيم الإسلام السمحاء يتم أحياناً غضّ النظر عنها، وهو الجانب المشرّف من التاريخ الاسلامي المنسجم مع روح القرآن والسنّة النبوية، لاسيما القيم ذات البعد الشمولي، متجاوزة علىزمانها ومكانها.(1)
ويتم التشبث أحياناً بعكسها، بما عفا عليه الزمن وكان ضمن سياق تاريخي انتهى عهده، وذلك بحجج واهية لا تخدم التعايش والتعاون والمشترك الانساني بين بني البشر، وهو ما تحاول بعض الاتجاهات في الغرب نعت الإسلام وإتهامه كلّه بالتعصب والغلو، بسبب تفسيرات خاطئة وبعيدة عن التسامح.
إن التصالح مع التاريخ سيقود الى تصالح مع الحاضر، سواءً جغرافياً أو دينياً أو قيمياً، وهو يقتضي المصالحة مع النفس ومع الآخر الذي نعيش وإيّاه في وطن واحد أو على كوكب واحد، سواءً كان مسلماً أو مسيحياً أو يهودياً أو غير ذلك، مؤمناً أو غير مؤمن، المهم أن يكون إنساناً يستطيع أن يعيش معنا في إطار مجتمع واحد أو عالم واحد، بغض النظر عن الدين أو اللون أو الجنس أو العرق أو اللغة أو الأصل الاجتماعي أو الاتجاه السياسي، كما تذهب الى ذلك الشرعة الدولية لحقوق الانسان وعدد من الاتفاقيات والمعاهدات الدولية.
التصالح مع النفس يقتضي الحوار مع الآخر والتواصل معه من خلال التبادل
ـــــــــــــــــــ
 (1) انظر: شعبان، عبد الحسين- التجديد والاجتهاد في النص الديني، بحث مقدّم الى مؤتمر بيروت، معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية، 6-7 حزيران(يونيو)2011.
الانساني، على أساس المشترك، الجامع، الموحد، المختلف، والمؤتلف في الآن ذاته.
بيئة التسامح(1)
هل نحن إزاء بيئة صحية لنشر وتعميم قيم التسامح، أم ثمة عوائق وعقبات تعترض ثقافة التسامح، لاسيما وأن هناك فهماً مختلفاً أحياناً بخصوص ما يعنيه البعض بالتسامح؟ ولعل ذلك يتطلب إيجاد قواسم مشتركة لفهم فكرة التسامح.
التسامح يعني اتخاذ موقف إيجابي، فيه إقرار بحق الآخرين في التمتع بحقوق الإنسان وحرياته الأساسية . وحسب إعلان مبادئ التسامح الذي صدر عن اليونسكو فإن “التسامح يعني الاحترام والقبول والتقدير للتنوّع الثري لثقافات عالمنا ولأشكال التعبير وللصفات الإنسانية لدينا، ويتعزز هذا التسامح بالمعرفة والانفتاح والاتصال وحرية الفكر والضمير والمعتقد . .” . وهكذا فالتسامح تأسيساً على ذلك: يعني الوئام في سياق الاختلاف وهو ليس واجباً أخلاقياً حسب، وإنما هو واجب سياسي وقانوني، الأمر الذي يعني قبول وتأكيد فكرة التعددية وحكم القانون والديمقراطية ونبذ الدوغماتية والتعصب .
إن التسامح يعني أن المرء حرٌّ في التمسك بمعتقداته، وأنه يقبل أن يتمسك الآخرون بمعتقداتهم، وكما أن الاختلاف من طبيعة الأشياء، فلا بدّ من الإقرار باختلاف البشر بطبعهم ومظهرهم وأوضاعهم ولغاتهم وسلوكهم وقيمهم، وهذا يقود إلى الإقرار بحقهم في العيش بسلام ومن دون عنف أو تمييز لأي سبب كان: دينياً أو قومياً أو لغوياً أو اجتماعياً أو جنسياً أو ثقافياً أو سياسياً . . الخ .(2)
ـــــــــــــــــ
(1)   انظر: شعبان ، عبد الحسين، صحيفة الخليج الاماراتية، الاربعاء، 6/1/2010.
(2)   أنظر: إعلان مبادئ التسامح، اليونسكو، باريس، 1995، قارن كتاب: ثقافة حقوق الإنسان، (مشترك –عبد الحسين شعبان وآخرون)، البرنامج العربي لنشطاء حقوق الإنسان، القاهرة، 2001.
وإذا لم يرد ذكر التسامح لفظاً في القرآن الكريم، إلا أن ما يفيد به أو ما يقاربه أو يدّل على معناه قد جاء حين تمت الدعوة إلى: التقوى والتشاور والتآزر والتواصي والتراحم والتعارف والعفو والصفح والمغفرة وعدم الإكراه، وكلّها من صفات “التسامح”، مؤكدة حق الاختلاف بين البشر و”الاختلاف آيات بيّنات”، ويشير ابن منظور في لسان العرب إلى التسامح والتساهل باعتبارهما مترادفين، ويقول الفيرزوأبادي في القاموس المحيط: المساهلة كالمسامحة، وتسامحوا وتساهلوا، وتساهل أي: تسامح، وساهله أي ياسره، ولعل من استخدم مصطلح التسامح لأول مرّة بمعنى “التساهل” هو فرح انطوان في العام 1902 .
ومنذ إعلان اليونسكو فقد انعقد الكثير من الفاعليات والأنشطة بشأن نشر ثقافة التسامح، وصدرت كتب ومطبوعات وتأسست منظمات وشبكات لهذا الغرض، بينها الشبكة العربية للتسامح(1) التي شكّلت دعوة مهنية وحقوقية لمبادئ التسامح، على الرغم من أننا على الصعيد الفكري أو العملي لا تزال تفصلنا هوّة سحيقة عن قيم التسامح الإنساني التي تكرست في مجتمعات سبقتنا على هذا الصعيد، الأمر الذي يحتاج إلى مراجعات ونقد ذاتي، لاسيما من جانب النخب الفكرية والسياسية الحاكمة وغير الحاكمة، لمقاربة فكرة التسامح والتعاطي معها إيجابياً، على الصعيدين الأخلاقي والاجتماعي، لاسيما بعد إقراره قانونياً ودستورياً .
وإذا كنّا نتحدث عن حال التسامح في الفكر العربي الإسلامي المعاصر، فتجدر الإشارة إلى أن المسيحية كانت قد سبقت الإسلام بقرون للتبشير بقيم التسامح، وفي التاريخ
ــــــــــــ
(1)   تأسست الشبكة العربية للتسامح بتاريخ  9 أيلول (سبتمبر)2008  ويتشرف الباحث أن يكون أحد مؤسسيها فضلاً عن ذلك أعدّ وثيقتها النظرية. وقد عقدت 3 مؤتمرات كبيرة وقررت منح جائزة سنوية للتسامح لأحد الشخصيات العربية التي لها حضور بارز فكري أو عملي على هذا الصعيد، وكان أول جائزة تسلّمها في بيروت، الدكتور سليم الحص.

الحديث شكّلت خلفية لحركة التنوير، وقد وظّفها فولتير على نحو سليم بإبراز نزعتها الإنسانية المتميّزة، حيث اقترنت فكرة التسامح باسمه ويعتبر هو “الأب الروحي” لها، وكان يبّشر بضرورة تحمّل الإنسان للإنسان الآخر، فكلّنا بشر ضعفاء ومعرضون للخطأ، وعلينا أن نأخذ بعضنا بعضاً بالتسامح .
وهنا حريٌ بنا أن نستذكر المهاتما غاندي الذي عبّر عن فكرة التسامح في رسالة من السجن بالقول: لا أحب التسامح، ولكني لا أجد أفضل منه للتعبير عمّا أقصده . وهي الفكرة التي آمن بها نيلسون مانديلا بعد سجنه لمدة 27 عاماً، وهو ما عبّر عنه المطران جورج خضر في تقديمه لكتابنا حول “فقه التسامح في الفكر العربي  الإسلامي” بالقول: لست هنا مبرئاً ساحة الغرب وأعرف كل البؤس الذي أحلّه ليس فقط بالإسلام ولكن في الكنيسة الشرقية أيضاً . . ولكن أن تردّ “العدوانية” بهجوم معاكس (أي بعدوانية معاكسة) فذلك يضعف مواقعك، ولعل ذلك كما نعتقد ليس هو الحل الأمثل(1) .
ومن المفارقات أن يتعرض داعية التسامح والمقاومة اللاعنفية الى الاغتيال، فقد تم اغتيال الزعيم الهندي المهاتما غاندي في 30 يناير/ كانون الثاني، ففي العام 1948، حين هاجمه متطرف هندوسي وأرداه قتيلاً، واضعاً حداً لحياة زعيم اقترب من “التقديس” لدى الشعب الهندي بمختلف توجهاته وقومياته وأديانه وطوائفه وطبقاته الاجتماعية، فاتحاً صفحة جديدة من العنف أودت بحياة زعامات هندية مثل أنديرا غاندي ابنة جواهر لال نهرو وراجيف غاندي وآخرين . ولعل ذلك من مفارقات التاريخ، فالعام 1948 هو عام صدور
ــــــــــــــــــــ
(1)   انظر: خضر، جورج- مقدمة كتاب فقه التسامح، مصدر سابق.

الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وهو العام ذاته الذي تأسست فيه دولة “إسرائيل” .
لعل القاتل لم يفكّر في الإجابة عن سؤال طالما ظل يقلق غاندي ويسعى لاختبار صدقيته، وهو مستغرق في نضاله لتحرير بلاده، فهل هناك جدوى من العنف؟ وهل يمكن الوصول إلى الهدف باللاعنف والتسامح؟ وقد فضّل غاندي الخيار الثاني رغم العذابات والحرمان، لكنه لم يكن يتوقع أن الغدر سيأتيه هذه المرّة على يد هندوسي بعد أن تمكّن من إحراز النصر لشعبه .
كان غاندي يؤمن باللاعنف وبواسطته استطاع أن يهزم أكبر إمبراطورية في عصره (بريطانيا العظمى)، فهذا الرجل الأعزل نصف العاري، بنمط حياته البسيط، وبعلاقته الحميمة بشعبه، استطاع أن يثبت للعالم أن إحدى وسائل المقاومة هي اللاعنف والتسامح والقدرة على إنجاز مشروع التحرير واستعادة السيادة والحقوق، بالمقاومة السلمية . وكان غاندي يُردّد: لو كان هناك بديل أفضل من التسامح لاخترته ولكني والحالة هذه لا أجد أفضل منه .
لقد ترك غاندي تأثيراته الكبيرة في ما سمّي بحركة اللاعنف أو المقاومة السلمية، الأمر الذي دفع دُعاة المساواة والحقوق المدنية للسود في الولايات المتحدة إلى استلهام أساليب النضال التي أبدع فيها غاندي، وكان مارتن لوثر كينغ من أبرز الزعماء السود الذين تأثروا به .
لم يكتفِ غاندي بالحديث عن اللا عنف، بل أظهر كيف أن المقاومة السلمية يمكنها أن تواجه وتتحدى من خلال سلاح المقاومة والإضراب عن الطعام والاحتجاج والاعتصام والتسامح .
ولعل شخصية مثل نيلسون مانديلا الزعيم الجنوب إفريقي (ورئيس المؤتمر الوطني)، الذي مكث في السجن 27 عاماً وقاد مقاومة سلمية ضد نظام التمييز العنصري “الأبارتايد”، كان قد أمسك بمفتاح التسامح بعد مفتاح المقاومة السلمية، فاتحاً صفحة جديدة في نضال شعب جنوب إفريقيا مقدماً نموذجاً مهماً: للعدالة الانتقالية من خلال كشف الحقيقة وتحديد المسؤولية وجبر الضرر وتعويض الضحايا وإصلاح النظام القانوني والمؤسسي، والأهم من كل ذلك نشر فكرة التسامح وعدم اللجوء إلى الثأر أو الانتقام أو العنف .
لقد أدرك غاندي أن منهجه القائم على اللاعنف حظي بقبول واسع، وكان يردد أن ذلك خيار شعبي “فإذا انطلق شعبي فيجب أن ألحق بركبه لأنني زعيمه” .(1)
وكان إعلان اليونسكو قد جاء بعد حين ليؤكد أنه “من دون التسامح لا يمكن أن يكون هناك سلام، ومن دون سلام لا يمكن أن تكون هناك تنمية وديمقراطية” .
وإذا كان التسامح اصطلاحاً يعود إلى تطور الفلسفة الغربية في القرنين السابع عشر والثامن عشر، خصوصاً ما سمي بفلسفة التنوير، وذلك بعد بروز وتطور النزعة الإنسانية المعتمدة على العقل في مواجهة اللاهوت والغيبيات، فإن هذا المصطلح راج في السنوات الأخيرة، حيث خصصت اليونسكو يوم 16 نوفمبر/ تشرين الثاني من كل عام يوماً للتسامح على المستوى العالمي، منذ العام ،1995 كما تمت الإشارة اليه .
في عالمنا العربي، ما زال التسامح غير مقبول لدى أوساط واسعة، وربما نظرت إليه بعض الاتجاهات الإقصائية والإلغائية الإسلاموية باعتباره “نبتاً شيطانياً” أو “فكراً مستورداً”، لاسيما بعد خلطه بالنزعات التغريبية الاستتباعية التي تستهدف فرض الهيمنة وإملاء الإرادة.
ـــــــــــ
(1) قارن: شارب، جين- المقاومة اللاعنفية (مجموعة أبحاث)، الدار العربية للعلوم، بيروت، 2009 (طبعة خاصة).
وفي الوقت الذي يهرب أصحاب وجهات النظر هذه إلى التاريخ باعتباره ملاذاً، يتناسون أن الإسلام الأول، خصوصاً الراشدي اتّسم بقدر كبير من التسامح والاعتراف بحق الاختلاف، لكنهم يحاولون الزوغان عن ذلك رغم محاولة تمجيد الماضي بهدف الهروب من الحاضر، الذي يزخر بالتأثيم والتحريم والتجريم ضد الآخر، الخارجي، الأجنبي، العدو، الخصم، بادعاء الأفضليات وإنسابها إلى النفس ونفي الإيجابيات عن سواه، لذلك احتاج مفهوم التسامح إلى “تبيئة” وتأصيل تاريخيين بهدف جعله راهنياً وقائماً ومستمراً، بالعودة إلى حلف الفضول ودستور المدينة وصلح الحديبية والعهدة العمرية ووثيقة فتح القسطنطينية، إضافة إلى القرآن والسنّة النبوية، كدليل ومرشد لفقه التسامح، بما فيه تأشير جوانب اللاتسامح في تاريخنا، خصوصاً التي اتسمت بالتطرف والتعصب والغلو والعنف والإقصاء والاستئصال.
   

هل كان التسامح وراء اغتيال غاندي؟(1)

ارتبطت الدعوة للتسامح في تاريخ الهند المعاصر باسم المهاتما غاندي الزعيم الهندي الذي قضى حياته مدافعاً عن الحرية ومناضلاً من أجل الاستقلال، والذي تمكّن من قيادة حركة جماهيرية مدنية- سلمية واسعة تحت لواء اللاعنف، محققاً الانتصار التاريخي على بريطانيا العظمى في العام 1947.
إعتقدَ غاندي وأقنع النخبة الطليعية من حزب المؤتمر الوطني الهندي بالدعوة الى اللاعنف ومواجهة العدوان وعمليات القتل ومحاولات الاذلال والخنوع التي اتبعتها بريطانيا
ــــــــــــــ
(1)   أنظر: صحيفة الخليج الاماراتية، الأربعاء، 20/1/2010
بحق الشعب الهندي، بسياسات الاحتجاج المدني السلمي والاضراب عن الطعام، لاعتقاده بأنها الأكثر واقعية وعقلانية في التصدي لسياسات العنف، وباللاعنف يمكن تحقيق النصر، أي بسياسة نقيضة للعنف وليس مواجهة العنف بالعنف، بل مواجهته بعكسه، وتلك مصدر قوته كما كان يرى.(1)
ورغم ايمان غاندي أن نهج التسامح ليس هو النهج "الأصوب والأمثل"، الاّ أنه كما قال لم يجد أفضل منه، وبذلك فإن خياره هو اللاعنف والتسامح والمقاومة السلمية- المدنية، وهو ما شاع من توجّهات سياسية للتصدي للاحتلال البريطاني وإجباره في نهاية المطاف على التسليم باستقلال الهند.
لكن تلك الأجواء المتسامحة خلقت معها ردود فعل غير متسامحة من جانب بعض المتطرفين والمتعصبين وأعداء التسامح، الذين وجدوا الفرصة مؤاتية لهم، لكي يمرروا نهجهم وسياساتهم، تلك التي راح ضحيتها أول المتسامحين وأكبرهم قدراً وشأناً في تاريخ الهند وهو الزعيم غاندي نفسه، الأمر كشف عن الحاجة الماسّة الى بيئة وتراكم تاريخي وتطور طويل الأمد لنشر وتكريس قيم التسامح، إذ أن المجتمعات الأوروبية والغربية عموماً التي وصلت الى ضفة التسامح، كانت قد شهدت تصفيات وإبادات وحروب ونزاعات طائفية ودينية وقومية لقرون من الزمان، وكان المخاض عسيراً والمعاناة والآلام قاسية، لكنها استطاعت بالعقلانية والمشترك الانساني والمدنية والحريات تجاوز العقبات الاساسية والكوابح الكبيرة التي تقف أمام تطبيق مبادئ التسامح، والانتقال بها من البعد الاخلاقي الى الأبعاد القانونية والاجتماعية  والدينية والقومية والسياسية، لاسيما على الصعيد الداخلي وبين
ــــــــــــــــــ
(1) Fisher, Louis- The life of Mahatma Gandhi, Thomson press (India), 2008.

بعضها البعض، الأمر الذي ما زال يشكل نقصاً فادحاً في إطار العلاقات الدولية، خصوصاً إزاء البلدان النامية والفقيرة.
ولعلّي هنا استذكر قيم التسامح في الإسلام التي كانت الأكثر اشراقاً خلال الدعوة المحمدية، لاسيما بتأكيد احترام الحقوق والاقرار بالتنوّع والتعددية وحق الاختلاف، سواءً على الصعيد النظري أو على الصعيد العملي، ولعل مقولة النبي محمد (ص) عندما فتح مكة كانت دلالاتها كبيرة جداً في تهيئة أجواء التسامح عندما خاطب الأسرى قائلاً : "اذهبوا فأنتم الطلقاء" تمهيداً لاصدار عفو عام، كان اعلانه قد جاء على لسان الرسول بقوله: " من دخل بيت أبو سفيان فهو آمن".
ليس هذا حسب، بل عندما أبقى على حلف الفضول الذي تعاهد فيه فضلاء مكة بأن لا يدعوا مظلوماً من أهلها أو من دخلها (وباللغة المعاصرة فالمقصود هو أي مواطن أو أجنبي) الاّ ونصروه على ظالمه وأعادوا الحق اليه، فضلاً عن دستور المدينة وفيما بعد صلح الحديبة وما انتهجه الخلفاء الراشدون خلال فترة حكمهم التي دامت نحو 40 عاماً.(1)
لكن تلك الأجواء المفعمة بالتسامح هي الأخرى لم تمنع أعداء التسامح من العمل ضد فكرة التسامح مستغلين الأوضاع التي وفّرتها سياسة التسامح للاجهاز على الخلفاء الراشدين أنفسهم، حيث ذهب ثلاثة منهم: وهم عمر وعثمان وعلي ضحية الغدر والخديعة، ناهيكم عن اندلاع فتن وحروب ومعارك داخلية، أضعفت من عرى التسامح ولحمة المنتسبين الى الإسلام المتسامح.
لم تكن إذاً أجواء التسامح التي دعا اليها وقادها زعماء تاريخيون لتحقيق قيم العدالة
ــــــــــــ
(1)   انظر: شعبان، عبد الحسين- فقه التسامح في الفكر العربي- الإسلامي، مصدر سابق.
وتأمين الحقوق، كافية لردع اللامتسامحين، الذين كانت تستفزهم مثل تلك الأوضاع، فيستغلون الأجواء المتسامحة لتحقيق مآربهم لمعاكسة قيم التسامح وإعلاء شأن الاستئصال والالغاء والتهميش، والتشبث بالتعصب والتطرف والغلو، بادعاء امتلاك الحقيقة والأفضليات على الغير.
لقد كانت أجواء التسامح التي حققت الانتصار الهندي على بريطانيا والتي ساهم في الدعوة اليها وتعزيزها غاندي، هي السبب وراء إقدام فاتورام غودسي على اقتراف جريمة اغتيال غاندي في 30 كانون الثاني (يناير) العام 1948.
حاولت خلال زيارتي الأخيرة الى الهند التوقف مجدداً عند ظاهرة اللاتسامح التي تثيرها أجواء التسامح كردود فعل، وهو السؤال الكبير الذي يتم مناقشته الآن وعلى نحو شديد خلال العقود الثلاثة الماضية، لاسيما بعد أحداث 11 أيلول (سبتمبر) 2001: ما هو السبيل للتعاطي مع غير المتسامحين؟ هل بالتسامح أيضاً، أم لا بدّ من مواجهة اللاتسامح بالحزم إذا اضطر الأمر ولا بدّ من ردع اللامتسامحين، لكن كارل بوبر يعتبر أن عدم التسامح لا ينبغي أن يكون مبرراً للابتعاد عن قيم التسامح بحجة اللامتسامحين!؟، والاّ كنّا سنجد الكثير من الأعذار لنقض قيم التسامح(1).
ـــــــــــ
(1)   في أعقاب زيارتي الى الهند كتبت عدداً من المقالات عن انطباعاتي الشخصية، بما فيها عن التسامح وغاندي، 2009. وكنت قد زرت قبر غاندي وكتبت ما يلي: (في بارك راجات "ضفة الملك" حيث يرقد غاندي ألقيت النظرة الأخيرة عليه مأخوذاً بنهر بامونا الاسطوري الذي يمرّ عبر دلهي قادماً من جبال الهملايا، وفي الجهة المقابلة لراجات هناك متحف ضم مقتنيات وكتب وصور غاندي الذي ظلّت روحه ترفرف فوق الهند، حيث كان قد حلّق في سماوات بعيدة وسبح في بحور عميقة، لاسيما وقد كان الانسان في داخله هو المقياس لكل شيء، حسب الفيلسوف الاغريقي بروتوغوراس.)

تاريخ الهند المطبوع بالتسامح يشهد تعايشاً مثيراً لشعوب وأمم ولغات وأديان حيث يتواصل الهندوس والمسلمون والسيخ والبوذيون والمسيحيون وغيرهم، ونحو 23 لغة رسمية وأكثر من ألف لهجة محلية، لسكان يبلغ عددهم مليار و20 مليون نسمة في إطار نظام فيدرالي تعددي ديمقراطي فيه نحو 25 اقليماً، وفي الوقت نفسه يشهد نقيض التسامح حيث التعصب والتطرف والعنف.
لم يكن غاندي الضحية الوحيدة فقد تبعته لاحقاً أنديرا غاندي وراجيف غاندي، وكانت مبررات القاتل هي بسبب سياسته اللاعنفية ولعل هذا ما أعلنه، كما يمكن إضافة مبررات أخرى مضمرة وليست معلنة منها: موقفه من وحدة الهند التي حاول البريطانيون العبث بها، حيث رفض التقسيم بشدة لأسباب مبدئية ووطنية لم تكن بعيدة عن إيمانه بمبادئ التسامح، كما انه شجع وحثّ المسلمين على عدم الرحيل الى القسم الباكستاني عندما أصبح التقسيم أمراً واقعاً، كما شجع الهندوس وحثهم على التعايش مع المسلمين وعدم اللجوء الى العنف، وكانت تلك السياسة المتسامحة تلقى رفض بعض القادة المتطرفين من كلا الفريقين.
بذرة اللاتسامح هندياً!(1)
   بعد ثلاثة عقود ونيف من الزمان على اغتيال غاندي مؤسس الهند الحديثة ورائد الاستقلال الاول، وتحديداً في العام 1984 سيقوم مرتكب آخر يدعى جاسفير باغتيال السيدة انديرا غاندي حيث كان مرافقا لها، وهو من الطائفة السيخية. وأنديرا غاندي هي إبنة زعيم الهند جواهر لال نهرو أحد قادة حركة الحياد الايجابي ومؤتمر باندونغ العام 1955 وحركة عدم الانحياز لاحقاً. ولعل إسم أنديرا غاندي له أكثر من دلالة للتسامح فهي إبنة نهرو
ـــــــــــ
(1)   انظر: صحيفة الخليلج الإماراتية ، الأربعاء، 27/1/2010.
ودرست في بريطانيا في الاربعينات في جامعة اكسفورد وهناك أحبّت زميلاً لها من أصول فارسية، وهو مسلم واسمه فيروز غفار، لكن أجواء اللاتسامح لم تكن تسمح باستمرار علاقتهما وبالزواج منه، وقد ناقشت المسألة مع والدها ومع غاندي الذي أخذ يتبنّى هذا الشاب اللامع، خصوصاً وأن والده كان متوفياً، وهكذا أعطى " غاندي" لقبه الى الشاب المسلم بعد اقتناعه به وإيماناً منه بمساواة البشر وبقيم التسامح، خصوصاً وأنه يعتبر نفسه ويعتبره الجميع أباً لكل الهنود، الأمر الذي مكّن فيروز غفار (غاندي) من الزواج من أنديرا وأصبح اسمها أنديرا غاندي لاحقاً.
   لعل سبب مقتل أنديرا غاندي كان هو اللاتسامح، حيث كان بعض السيخ  وقتها قد طالبوا في اقليم البنجاب بالاستقلال بما يسمى بكالستان باعتباره حقاً لهم، وكانوا قد تقدموا باقتراح الى أنديرا غاندي التي رفضته، الأمر الذي دفعهم للقيام بأعمال عنفية طالت أعداداً من الهندوس، فاضطرت أنديرا غاندي الى التصدي لهم في عملية سميّت بلوستان Bluestan، خصوصاً بعد اعتصامهم في المعبد الذهبي في البنجاب، وحدوث معارك أدت الى سقوط عدد من المدنيين، ورغم ترددها في قصف المعبد أو اقتحامه الاّ أنها في نهايةالمطاف أعطت الأوامر بحسم الأمر والتصدي بحزم الى من اعتبرته سبباً في المشكلة ويتحمل نتائجها.
لعل رفض أنديرا غاندي مطلب التقسيم (استقلال اقليم البنجاب) وتمسكها بوحدة الهند كان وراء اغتيالها، مثلما لقي راجيف غاندي مصرعه أيضاً لأنه وقف ضد حركة التاميل ووافق على ارسال قوات هندية لدعم سريلانكا، يومها قامت سيدة في محاولة لتقديم باقة ورد له، لكنها بدلاً من ذلك فجّرت قنبلة فيه، وكان هذا قد حدث في اقليم كيرالا العام 1991 الذي ظلّت القوى الشيوعية واليسارية مهيمنة على مشهده العام منذ الاستقلال وحتى الآن.
ان مسلسل الاغتيالات للزعامات الهندية يدعو الى التأمل ويبدو أن بذرة اللاتسامح ما تزال قوية في المجتمع الهندي، الذي يشهد في الكثير من الاحيان نزاعات وصدامات واحترابات، لاسيما بين الهندوس والمسلمين وهو الامر الخبيث الذي بذرته بريطانيا قبيل اضطرارها للرحيل من الهند.
لقد حاول غاندي أن يطبع حزب المؤتمر الوطني الهندي بطابعه بالدعوة الى سياسة اللاعنف والتسامح وهذا الحزب العريق كان قد تأسس عام 1885 على يد السياسي الهندي المتحدّر من عائلة ثرية واسمه دادا بهاي نروجي، حيث درس في بريطانيا ثم رأس تحرير صحيفة حرية الهند Azadi Hind وقد انضم اليه غاندي في العام 1920 وأصبح أحد أبرز قادته مؤسساً لفلسفة جديدة أساسها اللاعنف، لاسيما بعد عودته من جنوب أفريقيا وسجنه هناك لعدة مرات حيث عاش هناك نحو 21 عاماً.
وكان غاندي قد تخرّج من جامعة اكسفورد في كلية الحقوق، واعتبرت دعوته تلك نهجاً سياسياً فريداً قال عنه انه يتسم بالعقلانية والواقعية، واستغلّ وجود ضريبة للملح تفرضها بريطانيا على الهنود فدعا الى تحرك جماهيري سلمي مدني واسع للامتناع عن دفع الضريبة، كما شجع الحركة النسائية للتمسك بالوطنية الهندية من خلال ارتداء الملابس الهن

256
مصير الإمام موسى الصدر: متى خاتمة الأحزان؟


عبد الحسين شعبان

لم تشهد قضية الإمام موسى الصدر الذي اختفى في ليبيا قسرياً في 31 آب (أغسطس) العام 1978، اهتماماً مثلما تشهده هذه الأيام، وعلى نحو أدق منذ اندلاع الثورة الليبية في شباط (فبراير) العام 2011، وكان عدد من السيناريوهات قد ارتسم بشأن غياب السيد موسى الصدر، الذي كان في زيارة رسمية لطرابلس بوساطة من الرئيس الجزائري الأسبق هواري بومدين الذي حاول التقريب بينه وبين الرئيس الليبي معمر القذافي في حينها.
السيناريو الأول هو الذي رواه الرائد عبد المنعم الهوني مندوب ليبيا الذي استقال من جامعة الدول العربية ومدير مخابراتها ووزير داخليتها وخارجيتها الأسبق وأحد المشاركين الأساسيين «بثورة» الفاتح من سبتمبر (أيلول) 1969، والذي جاء فيه أن قريبه نجم الدين اليازجي الذي كان طياراً برتبة مقدم هو الذي نقل جثمان السيد الصدر إلى منطقة سبها جنوب ليبيا، فقد كان لزاماً بعد قتل السيد الصدر أن يُقتل اليازجي، ولكي يدفن السرّ معه، حيث تمت تصفيته لاحقاً بطريقة غامضة، وهو ما حصل مع قضية منصور الكيخيا الذي اختفى قسرياً في القاهرة في 10 كانون الأول (ديسمبر) العام 1993عندما كان يحضر اجتماعاً للمنظمة العربية لحقوق الإنسان في القاهرة، وكان الكيخيا قد التقى ابراهيم البشاري مندوب ليبيا في جامعة الدول العربية وقتها، الذي قتل بحادث سيارة غامض لاحقاً في ليبيا كما اغتيل يوسف نجم آخر من التقاهم الكيخيا قبل اختفائه، وهو ما أوردته في كتابي «الاختفاء القسري في القانون الدولي: الكيخيا نموذجاً، دار شؤون ليبية، واشنطن - لندن، 1998».
السيناريو الثاني هو ما رواه عبد الرحمن شلقم في حديثه لتلفزيون العربية من أن تصفية القذافي للسيد الصدر تعود إلى انزعاجه من حوار دار بينهما بشأن آية قرآنية وردت في سورة الفاتحة «قل هو الله أحد» فكان رأي القذافي ينبغي القول «الله أحد» فغضب السيد الصدر من تفسيراته وتأويلاته وحاول محاججته، فكان رد فعل القذافي لاحقاً الانتقام منه ومن زميليه الشيخ محمد يعقوب والصحافي عباس بدر الدين اللذين اختفيا قسرياً معه، وقيل إنهما قتلا ودفنا معه أيضاً.
السيناريو الثالث تحدّث به عبد الحكيم بلحاج أحد القيادات البارزة للمجلس العسكري الليبي في طرابلس، حيث قال إن الصدر مدفون في مزرعة قرب طرابلس، وهذه المزرعة أثارت ارتيابات عديدة، لكنه أكد مقتله ودفنه.
السيناريو الرابع يقول إن «أبو نضال» (صبري البنّا) أحد الشخصيات الفلسطينية المنشقة عن فتح والمتهم بقيادة عدد من العمليات الإرهابية هو من خطط عملية الاختطاف، وأن القذافي أوكل له ذلك وترك الأمر معه لكي يتنصل من المسؤولية، وأن هذا الأخير عندما اضطر إلى مغادرة طرابلس وذهب إلى العراق، أخذ السيد الصدر معه، وهناك ظل يعيش في قبو لفيلا يسكنها أبو نضال، وعندما قتل أبو نضال في بغداد قيل إن شخصاً يشبه الصدر وجد مقتولاً أيضاً في قبو الفيلا، لكن هذه الرواية ضعيفة على الرغم من أن لجنة تحقيق دولية قامت بالبحث في الموضوع بعد تناول بعض الجهات هذا السيناريو عن مصير الإمام موسى الصدر.
السيناريو الخامس أن السيد الصدر لم يقتل، وإنما سافر إلى روما وهناك اختفى بتواطؤ بين المخابرات الليبية وبعض أجنحة المخابرات الإيطالية التي كانت تتعاون معه، وسبق لهذه الأجهزة أن ضيّعت قضية اغتيال ماجد أبو شرار الشخصية الفلسطينية الإعلامية البارزة من جانب الموساد الإسرائيلي في روما، وظلّت التحقيقات عاجزة عن إثبات ذلك، وتستند هذه الرواية الى أن السيد الصدر الذي كان ينزل في فندق الشاطئ وشوهد آخر مرّة فيه 31/8/1978 وغادره غاضباً بعد المناقشة الحادة مع القذافي، دون أن يخبر السلطات الليبية، لكنها لحقته واقتادته من المطار من جانب جهاز المخابرات باسم «التشريفات»، وبعدها اختفى قسرياً، حيث لفقت قضية ختم جواز سفره بمغادرته إلى روما، وكانت تلك مسرحية سمجة أيضاً، حيث نفت أجهزة المطار الإيطالية وصوله كلياً، ثم عادت ووضعت احتمال مروره في وقت لاحق وهو ما ينبغي إثارته قضائياً، خصوصاً في هذه الفترة بالذات التي كشفت عن تواطؤات عديدة دولية وإقليمية.
السيناريو السادس وهو إحدى فلتات القذافي، فقد أكّد في 31 آب (أغسطس) 2002 أن السيد الصدر اختفى في ليبيا وأشاد بدوره المقاوم وقال إنه زعيم مرموق وضد الاحتلال وهو من أسّس ألوية المقاومة اللبنانية، وأشار إلى أنها مأساة تقلق «ضمائرنا» حيث اختفاء أحد رجالات الأمة الإسلامية. وقد حاولت منظمة العفو الدولية في تقريرها لعام 2003 أن تطالب القذافي بالكشف عن مصير الصدر، مثلما سبق أن ظلّت تطالبه ومعها المنظمة العربية لحقوق الإنسان التي أسست لجنة قانونية كان لكاتب السطور شرف المساهمة فيها، كما تأسست في لندن بإشراف لجنة من المنظمة لإجلاء مصير الكيخيا كان الشاعر بلند الحيدري رئيساً لها. ولكن تلك المحاولات كلها لم تدفع نظام القذافي إلى التفكير بالكشف عن مصير الشخصيتين الأثيرتين الاسلامي المتنور والزعيم الكاريزمي موسى الصدر، وكذلك منصور الكيخيا الشخصية الحقوقية المحاورة، حيث يعتبران رمزاً للاختفاء القسري.
السيناريو السابع، ان الصدر لا يزال حياً وقد لعبت وساطة إيرانية في وقت سابق على هذا الوتر، وكان السفير الإيراني في دمشق أحمد موسوي قد أكّد ذلك، كما أن بعض الشهود بعد الثورة كانوا قد ذهبوا في هذا الاتجاه بينهم عبد الباسط المصراتي الذي كان يصرّ على أن الصدر كان حياً حتى العام 1992 أي بعد 14 عاماً من اختفائه، وهناك من أكّد أنه شاهد الصدر حتى العام 1994.
وحتى لو افترضنا ذلك صحيحاً، فإن من المحتمل جداً أن يكون قد صُفّي بعد فضيحة اختفاء الكيخيا قسرياً، لا سيما ما تركته تلك الجريمة من أثر دولي وردود فعل واسعة تجاوزت ما كان قائماً في العام 1978، خصوصاً تدخلات المجتمع الدولي، حيث أصبح يصنّف النظام الليبي باعتباره نظاماً إرهابياً بعد حوادث كثيرة من أبرزها قضية لوكربي، رابطاً إياه بالارهاب الدولي، الأمر الذي أعطى لقضية الاختفاء القسري أهمية جديدة، حيث قابل الرئيس الأميركي بيل كلينتون السيدة بهاء العمري زوجة منصور الكيخيا، وشدّد على ضرورة إجلاء مصيره، وتحميل ليبـيا وقيادتها مسؤولية اختفائه.
بعد هذه السيناريوهات كيف يمكن أن ينجلي مصير السيد موسى الصدر، التي ينبغي أن تبقى قضيته في دائرة الضوء بحيث لا يتسلل إليها النسيان، لا سيما بعد تغيّر الظروف، وسقوط حكم القذافي، ويمكن للقضية أن تكتسب بعداً قانونياً وإنسانياً جديداً، حيث لا بدّ من الكشف عن ملابساتها وفكّ طلاسمها ومعرفة رموزها بتعاون بين القضاء اللبناني والقضاء الليبي، وبمساعدة من المحكمة الجنائية الدولية، أي أن تعاون القضاء الوطني مع القضاء الدولي مسألة مهمة، من خلال لجان تحقيق دولية وبمساعدة من الدولتين وفتح الملف مجدداً والاستماع إلى الشهود ودراسة الأدلة والأسانيد والقرائن، وبالتالي التوصل إلى الحقيقة، ليتم كشـفها كاملة وغير منقوصة، بهدف تحديد المسؤولية الجنائية، بما فيها للأموات، فضلاً عن الأحياء، وتعويض الضحايا وعوائلهم مادياً ومعنويا، وجبر الضرر والعمل على إصلاح النظام القانوني والقضائي والأمني وأجهزة التحقيق وغيرها، لمنع تكرار مثل هذا الحدث الجلل، الذي لا يزال العالم يعـاني مـنه في نحو 63 بلداً وإن كان قد انحسر مؤخراً، لكن بعض الأنظــمة ومنها نظام القذافي الذي أُطيح لا يزال متهماً بالكثير من حالات الاختفاء القسري، التي ينبغي كشفها وتسليط الضوء على مثل هذه الأعمال الإجرامية ووضع حد لها.
وإذا كانت قضية الإمام موسى الصدر قد شكّلت أزمة مستديمة بين الدولة اللبنانية والدولة الليبية، لا سيما أن قطاعاً واسعاً ومؤثراً من اللبنانيين يعتبر ليبيا كدولة مسؤولة عن اختفائه قانوناً، ولا يهم في ذلك تضارب المعلومات بشأن وجوده حياً أو ميتاً، فإن المهم هو إجلاء مصيره، وإعادة لحمة العلاقات بين البلدين وتعاونهما في هذه القضية التي قد تكون مفتاحاً لقضايا أخرى مهمة، بما فيها تواطؤ بعض الجهات أو الأشخاص لحسابات أنانية ضيقة، علماً بأن السيد الصدر كان موفور الصحة، وعمره لم يتجاوز الخمسين عاماً لحظة اختفائه، فقد ولد في العام 1928 واختفى في العام 1978.
آن الأوان للكشف كيف أن دولة تستبدل وظيفتها من مهمة حماية الأمن وأرواح وممتلكات الناس إلى قاطع طريق أو عصابة، تقوم بتجاوز الشرائع القانونية والإنسانية والأخلاقية والدينية جميعها، فتخفي البشر دون أي شعور بوخز الضمير، متصوّرة أن العقاب لن ينالها، وأن المرتكبين سيبقون خارج دائرة المساءلة.

باحث ومفكر عربي


257
التواصل والقطيعة في فريضة التسامح   

عبدالحسين شعبان
إذا كان التسامح يعني الاحترام والقبول والتقدير للتنوّع الثري لثقافات عالمنا ولأشكال التعبير وللصفات الإنسانية لدينا، فإن اللاتسامح سيكون نقيضه بكل ما له علاقة بالتعصب والتطرف والغلو وإلغاء الآخر وتهميشه .

التسامح يتعزز بالمعرفة والانفتاح والاتصال وحرية الفكر والضمير والمعتقد، وهو ما أخذ به إعلان مبادئ التسامح الصادر عن منظمة اليونسكو (منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة) في العام 1995 حين عَد يوم 16 نوفمبر/تشرين الثاني من كل عام هو يوم التسامح العالمي . والتسامح ليس واجباً أخلاقياً فحسب، وإنما واجب سياسي وقانوني أيضاً، وهو الفضيلة التي تيّسر قيام السلام، وتسهم في إحلال ثقافة السلام محل ثقافة الحرب .

والتسامح يعني اتخاذ موقف إيجابي فيه إقرار بحق الآخرين في التمتع بحقوق الإنسان وحرياته الأساسية المعترف بها عالمياً . ولهذا أشار إعلان اليونسكو، ودفعاً لأي التباس، إلى أنه لا يجوز الاحتجاج (التذرّع) بالتسامح لتبرير المساس بالقيم الأساسية لحقوق الإنسان، وهو ما حاولت الشبكة العربية للتسامح الأخذ به حين فرّقت بين قيم التسامح والدعوات إلى الاستسلام والتنازل عن الحقوق، لاسيما بخصوص فلسطين .

والتسامح لا يعني قبول الظلم الاجتماعي أو تخلّي المرء عن معتقداته أو التهاون بشأنها، بل ينبغي التمسك بها، مثلما على الآخرين التمسك بمعتقداتهم، ولا يعني الإقرارَ بحق الاختلاف في طباع البشر ومظهرهم وأوضاعهم ولغاتهم وسلوكهم وقيمهم فحسب، ولكن تأكيد الحق في العيش بسلام، وذلك يعني عدم فرض الرأي على الغير ونبذ الدوغماتية والاستبدادية .

ولعل هذه النظرة التي أخذ بها إعلان اليونسكو مازالت غائبة في الكثير من الأحيان لا في ما يتعلق بمنطقتنا وشعوبنا فحسب، بل إزاء نظرة الغرب إلينا، مثلما هي نظرتنا إلى الغرب أيضاً، حيث يشوب كلتا النظرتين المسبقتين الكثير من الالتباس والتشوّش والغموض والإبهام، ويحلّ الصراع والعنف محل الحوار والسلام والمشترك الإنساني .

لقد حققت أوروبا والغرب عموماً، ولاسيما بعد الثورة الفرنسية، العام 1789 تطوراً تدريجياً كبيراً في قضايا الحريات والمساواة وحقوق الإنسان، وهو ما مهّدت له كتابات فولتير، ولاسيما “التسامح” ومونتسكيو، وخصوصاً كتاب “روح الشرائع” وجان جاك روسو وبالتحديد كتابه “نظرية العقد الاجتماعي”، بتهيئة بيئة ثقافية للثورة .

وعلى الرغم من مرور أكثر من مئتي عام، فإن عالمنا العربي والإسلامي، لا يزال يقف في الكثير من مجتمعاته في مرحلة ما قبل الدولة وعند بوابات الحداثة التي تم ولوجها من جانب أوروبا، والانخراط فيها على نحو عميق، الأمر الذي يحتاج الى تأكيد مسألتين أساسيتين: المسألة الأولى تعزيز مستلزمات بناء الدولة التي لاتزال هشّة وضعيفة، وهو ما كشفته أحداث الربيع العربي مؤخراً، حيث ظهر تماهي السلطة مع الدولة، في إطار السياسة والاقتصاد والثقافة والإعلام وأجهزة القمع والمال والبزنس . ولم تتوافر بعد إرادة سياسية جماعية على مستوى الكيانية القائمة للاعتراف بقيم ومبادئ التسامح ونشرها وتأكيد احترامها والالتزام بها .

والمسألة الثانية أن الثقافة العامة والفردية إزاء قيم التسامح لاتزال متدنّية، بل غائبة في الكثير من الأحيان، الأمر الذي أدى إلى تشبث الكثير من الجماعات بالتعصب والتطرف والنظرة السلبية إزاء الآخر، سواءً الأوروبي، الغربي، غير العربي أو المسلم أو غير المسلم (الآخر المختلف) في الأقطار الإسلامية، المسيحي، اليهودي، الصابئي، الإيزيدي، وغير العربي: الكردي، التركماني، الأمازيغي وهكذا .

وإذا كان هذا الأمر ظاهرة عربية وإسلامية بامتياز، فإن الغرب ليس بريئاً منه، فالنظرة الاستئصالية الإلغائية تسود لديه أيضاً في ظل أجواء التطرف والتعصب، وفي إطار اعتقادات خاطئة وتصوّرات مسبقة، وذلك حين يتم اختزال الإسلام إلى دين وإلى تعاليم “مشوّهة”، في حين أنه هوية لحضارة ممتدة ومتصلة، بغض النظر عن الوطن والقومية واللغة والجنس والأصل الاجتماعي والاتجاه السياسي .

ومن جهة أخرى تدمغ بعض التيارات الإسلاموية قيم الحداثة والديمقراطية والعقلانية والليبرالية والعلمانية بالكفر وتعدّها قيماً غربية حصرياً، الأمر الذي يدفع باتجاهين خاطئين: إمّا إلى التعصب وإمّا إلى التغريب اللذين تغيب معهما فكرة التسامح الحقيقية . ولكن الفرق واسع والمسافة شاسعة بيننا وبين الغرب، ففي الغرب هناك قوانين وأنظمة ومؤسسات تستند إلى قيم التسامح، وإن وجدت بعض الممارسات من بعض الاتجاهات المتعصبة والمتطرفة (وهي موجودة) لكن روادعها موجودة قانوناً، في حين أننا لانزال حتى الآن بعيدين عن قيم التسامح ومبادئه، قانونياً وسياسياً واجتماعياً، فضلاً عن غياب المؤسسات الضامنة .

من هنا تكتسب مسألة التسامح راهنيتها، وخصوصاً في مجتمعات عانت من اللاتسامح والعنف والتهميش، ولهذا عندما تقوم مؤسسة كردية ثقافية عراقية مرموقة مثل “دار آراس” و”وكالة آكا نيوز” بترجمة عمل فكري عربي خاص بالتسامح “فقه التسامح في الفكر العربي- الإسلامي: الثقافة والدولة”، فإنه في ذلك أكثر من معنى، الأول أن المسألة ضرورية، بل هي حاجة ماسة إلى هذا المجتمع، لتجاوز الماضي بكل آثاره السلبية وجروحه العميقة، والثاني السعي إلى ترميم الحياة السياسية بعيداً عن الكيدية والانتقام ورد الفعل والعنف والثأر إزاء ما حصل، والثالث حاجة المجتمع الكردستاني العراقي إلى التخلّص من التركة الثقيلة لنزاعات داخلية كردية- كردية، وتلمّس خطورة مثل هذا الطريق . ولعل المعنى الرابع يتلخص في رؤية اعتذار منزّه من الاعتبارات المصلحية والنفعية السياسية والشخصية عن معاناة الشعب الكردي التي لحقت به من جرّاء حروب وأعمال إبادات وقمع أكثرها مأساوية وشهرة ما حصل من استباحات وقتل جماعي في حلبجة والأنفال في الثمانينات .

وإذا لم يرد ذكر لمصطلح التسامح في القرآن فقد كان هناك ما يدلّ عليه مثل التقوى والتآزر والتشاور والتواصي والتراحم والتعارف والعفو والصفح والمغفرة وهي كلّها تدلّ على التسامح . وإذا كانت المسيحية قد سبقت الإسلام إلى ذلك تاريخياً، فإن الإسلام عمّق مفهوم التسامح، فإضافة إلى القرآن الكريم والسنّة النبوية، فإن التوجه العام كان يميل إلى تأكيد احترام الحقوق والإقرار بالتنوّع والتعددية والخصوصية وحق الاختلاف، وقد ورد ذلك في “حلف الفضول” قبل الإسلام الذي أبقى عليه الرسول من بين جميع أحلاف الجاهلية، ولعل مقولة النبي محمد (ص) عندما فتح مكة كانت دلالاتها كبيرة جداً في تهيئة أجواء التسامح عندما خاطب الأسرى قائلاً: اذهبوا فأنتم الطلقاء، تمهيداً لإصدار عفو عام، كان إعلانه قد جاء على لسان الرسول بقوله: “من دخل بيت أبي سفيان فهو آمن” .

لكن تلك الأجواء المفعمة بالتسامح هي الأخرى لم تمنع أعداء التسامح من العمل ضد فكرة التسامح مستغلين الأوضاع التي وفّرتها سياسة التسامح للإجهاز على الخلفاء الراشدين أنفسهم، حيث ذهب ثلاثة منهم: وهم عمر وعثمان وعلي (رضي اللهم عنهم) ضحايا الغدر والخديعة، فضلاً عن اندلاع فتن وحروب ومعارك داخلية، أضعفت من عرى التسامح ولحمة المنتسبين الى الإسلام المتسامح الذي عرف دستور المدينة وصلح الحديبية وروح الاعتراف بالآخر وحقه في ممارسة طقوسه وشعائره الدينية والحفاظ على الأرواح والممتلكات، عند فتح القدس والقسطنطينية .

وإذا كانت فكرة التسامح المعاصرة قد جاءت على خلفية حركة التنوير، فإن خير من عبّر عنها في العصر الحديث هو المهاتما غاندي الزعيم الهندي الذي كتب رسالة من السجن: بالقول قد لا أحب التسامح لكني لا أجد أفضل منه وسيلة للتعبير عمّا أقصده، وهو ما آمن به لتحرير بلاده من الاستعمار البريطاني . وحذا حذوه مارتن لوثر كنغ المناضل من أجل الحقوق المدنية ونيلسون مانديلا زعيم جنوب إفريقيا، وإن كان غاندي وكنغ قد ذهبا ضحية اللاتسامح .

ولعل التسامح يحتاج إلى بيئة يستطيع أن ينمو ويترعرع فيها، بل ويزدهر وهذه تتطلب توافر القوانين والأنظمة (البيئة التشريعية)، فضلاً عن البيئة التربوية (مناهج التعليم وأساليبه)، وبيئة قضائية (قضاء مستقل ونزيه)، وبيئة إعلامية (حرية التعبير)، وبيئة مجتمعية مدنية (منظمات مستقلة تكون قوة اقتراح وليس قوة احتجاج وحسب) .

التسامح قيمة عليا، ولعل الثقافات الحيّة هي التي تأتي برافدها إلى التسامح ولا تتذرع برفضه بحجة أنه “نبت شيطاني غربي” أو ادعاء أنه موجود لديها فقط دون غيرها من الثقافات والحضارات الأخرى أو تتعامل معه بشكل انتقائي أو بتغريبية ترفض التراث كلياً، الأمر الذي يستوجب إثارة مثل هذه الحوارات والثقافات بل والجدل المفتوح، وهو ما قصدته “دار آراس” التي نظمت ندوة فكرية لمناقشة الترجمة الكردية الأنيقة لكتاب “فقه التسامح” .

* باحث ومفكر عربي


258


فقه التسامح في ترجمة كردية

إربيل- القسم الثقافي- خاص

احتفل المثقفون الكرد في ندوة متميّزة أقامتها دار آراس في إربيل في مقرها وبالتعاون مع وكالة أنباء أكانيوز بصدور الطبعة الكردية لكتاب فقه التسامح في الفكر العربي- الاسلامي: الثقافة والدولة للمفكر والأكاديمي العراقي الدكتور عبد الحسين شعبان.
وكانت الطبعة العربية الأولى قد صدرت عن دار النهار اللبنانية في بيروت في العام 2005، أما الطبعة الثانية المزيّدة والمنقّحة فقد ترافق صدورها مع الترجمة الكردية وبمقدمة إضافية كتبها المؤلف خصيصاً لهذه الطبعة.
وقد قام بترجمة الكتاب الى اللغة الكردية الاستاذ عبد الرزاق العلي الذي أدار الندوة حيث تحدث فيها الاستاذ بدران حبيب مدير الدار ومدير وكالة آكانيوز وضمت قائمة المتحدثين الدكتور شيرزاد النجار استاذ العلوم السياسية في جامعة صلاح الدين والبروفسور محسن محمد حسين والدكتور بشير خليل حداد والقاضي كيلاني سيد أحمد والدكتور نوفل أبو رغيف مدير عام دار الشؤون الثقافية في وزارة الثقافة (بغداد). واختتم الدكتور شعبان الندوة بمداخلة دعا فيها إلى اعتماد يوم 16 تشرين الثاني (نوفمبر) يوماً للتسامح في كردستان وعموم العراق. وحضر الندوة نخبة من الأكاديميين والمثقفين وجمهور غفير.
 

259
تعويم الدستور العراقي


عبد الحسين شعبان

عشية الانسحاب الأميركي من العراق ارتفعت نبرة الحديث عن الدستور على نحو لم يسبق له مثيل، وبرّر الفرقاء جميعاً الخطوات التي اتخذوها بالاستناد إلى الدستور، فالحكومة قالت إن الاعتقالات التي قامت بها ومذكرات إلقاء القبض بحق بعض شركائها، بما فيها التي طالت نائب رئيس الجمهورية طارق الهاشمي إنما تمت وفقاً للدستور وللاختصاصات الممنوحة بموجبه، كما ورد في إجابات رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي في مقابلته مع محطة السومرية الفضائية، ودعاة تشكيل الأقاليم ومن يؤيدونهم أو يبررون توجههم قالوا إن هذا التوجّه ينسجم مع الدستور، سواءً كان الحديث عن إقليم للسنة بسبب التهميش، وهو ما جاء على لسان رئيس البرلمان العراقي أسامة النجيفي، أو طلب مجلس محافظة صلاح الدين التحوّل إلى إقليم، رغبة في التخلّص من هيمنة بعض إجراءات الحكومة الاتحادية (المركزية)، لا سيما بعد عزل 146 أستاذاً وموظفاً جامعياً من جامعة صلاح الدين من قبل وزارة التعليم العالي، التي بررت ذلك بشمولهم بقانون اجتثاث البعث «المساءلة والعدالة». وهكذا كان توجّه مجلس محافظة الأنبار بعد ميوعة موقف الحكومة الاتحادية من محاولة اعتقال المرتكبين بحوادث النخيب بطريقة أقرب إلى الاختطاف، حيث تم نقلهم إلى كربلاء وتردّد ما لحق بهم من إهانات وتجاوز خارج القانون، وأخيراً ما نقلته الأنباء عن حصار محافظة ديالى بسبب إقدام مجلسها على التقدم للتحوّل إلى إقليم.
الغريب في الأمر، أن المؤيدين والرافضين لفكرة الفيدرالية والأقاليم المستقلة يتشبثون بالدستور، ولعل ذلك واحدة من إفرازات الوضع الجديد في العراق بعد الاحتلال، وبعد سن دستور دائم، فقد كانت الدساتير الجمهورية جميعها مؤقتة، ولم يعرف العراقيون في تاريخ دولتهم المعاصر جدلاً دستورياً مثلما عرفوه ما بعد عام 2003. ربّما يعود الأمر في جزء منه إلى انتشار الثقافة الدستورية وإلى التعويض عن غياب دستور دائم وممارسة لحق مفقود منذ «ثورة» 14 تموز (يوليو) عام 1958، حين كرّت الدساتير المؤقتة كل بضعة أعوام، أو بعد كل انقلاب عسكري، حيث صدر الدستور المؤقت الأول في 27 تموز (يوليو) عام 1958 وحكم البلاد لغاية 8 شباط (فبراير) 1963، واستبدل هذا الدستور بقانون المجلس الوطني « الدستور المؤقت الثاني» الذي صدر عقب الانقلاب البعثي الأول الذي أطاح بحكومة الجنرال « الزعيم» عبد الكريم قاسم.
أما الدستور المؤقت الثالث فقد صدر عقب انقلاب 18 تشرين الثاني (نوفمبر) 1963 الذي كرّس عبد السلام عارف رئيساً للجمهورية بدستور صدر عام 1964. وإثر انقلاب 17 تموز (يوليو) 1968 ومجيء حزب البعث ثانية إلى السلطة، صدر الدستور المؤقت الرابع في أيلول (سبتمبر) 1968، واستبدل هذا الأخير بدستور مؤقت خامس صدر في تموز (يوليو) عام 1970 واستمرّ لغاية عام 2003 أي نحو 33 عاماً. ومن المفارقة أن تكون فترة الدستور المؤقت الخامس الذي حكم العراق ثلاثة وثلاثين عاماً، مساوية للفترة التي حكم بها الدستور الدائم الأول الذي شرّع عام 1925 بإشراف بريطانيا، وهو أول دستور للدولة العراقية المعاصرة بعد تأسيسها في 23 آب (أغسطس) 1921، والذي أُبطل عام 1958.
وإذا كان العهد الملكي على الرغم من جميع عيوبه ومثالبه قد اتّسم بوجود دستور دائم واستقرار نسبي، فقد شهد العهد الجمهوري دساتير مؤقتة وانقلابات عسكرية قطعت خط التطور التدريجي، إلى أن وقعت البلاد تحت الاحتلال وأطيح بنظام صدام حسين الشمولي الاستبدادي، بعد حروب لا مبرر لها، دامت نحو ربع قرن، وحصار دولي جائر استمر نحو 13 عاماً، حيث تم سنّ قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية في عام 2004.
ولأن «العراقيين» لم يصوغوا دستورهم في الماضي، حيث كانت الدساتير أقرب إلى منحة أو تصدر عن جهة فوقية، فإن نقاشاتهم وحواراتهم بدت أكثر سخونة وحدّة خلال الأعوام الأخيرة، فالدستور الأول الدائم «القانون الأساسي»، وضعت مسودته الأولى وزارة المستعمرات البريطانية، أما الدساتير الجمهورية الخمسة فكلّها صدرت بمعزل عن الشعب، ولم تتم مناقشتها من قبله، بل كانت «هيئات مصغرة» تصوغها وتصدرها الجهة التنفيذية وهي «مجلس قيادة الثورة» في الغالب، الذي كان يعطي لنفسه الحق للنطق باسم الشعب باعتباره قائد الثورة وصاحب الشرعية.
ولم يشذ قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية الذي صدر عن مجلس الحكم الانتقالي الذي شكّله بول بريمر الحاكم المدني الأميركي في العراق في 8 آذار (مارس) 2004 عن هذه القاعدة، على الرغم من تشكيل لجنة دستورية وإجراء اتصالات أولية، لكنها عجزت عن مواصلة عملها حتى صدر الدستور بتكليفات خاصة، علماً أن بعض المسوّدات الأولية كانت قد وضعت في واشنطن وتم تداولها قبيل وبعد احتلال العراق، وقيل إن نوح فيلدمان اليهودي الأميركي المتعاطف مع إسرائيل هو من وضع النصوص الأولى.
وكان قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية بروفة أولية للدستور العراقي الدائم، ونقلت الكثير من أسسه ونصوصه ومواده إليه، على الرغم من تشكيل لجنة موسعة لإعداده، لكنه حتى عندما عُرض على الاستفتاء العام، لم يكن الشعب قد اطلع عليه ولم تتم مناقشته في وسائل الاعلام وفي الأوساط الأكاديمية والثقافية على نحو مسبق، وقد واجهته مشكلات عديدة وهي المتعلقة بشكل نظام الحكم والدولة الاتحادية المركبة والعلاقة بين الإسلام والدولة وموضوع الفيدرالية ومشكلة كركوك، ناهيكم عن باب الحريات والحقوق الذي يعتبر متقدماً على جميع الدساتير التي سبقته.
لعل قانون إدارة الدولة هو الذي وضع أسس الدولة العراقية الجديدة الاتحادية كما حددتها المادة الرابعة، حين نصّت «نظام الحكم في العراق جمهوري اتحادي «فيدارلي» ديموقراطي، تعددي، ويجري تقاسم السلطات فيه بين الحكومة الاتحادية والحكومات الأقلية والمحافظات والبلديات والإدارات المحلية. ويقوم النظام الاتحادي على أساس الحقائق الجغرافية والتاريخية والفصل بين السلطات».
وهكذا تحوّلت الدولة العراقية من دولة بسيطة، لا سيما بعد استقلالها ودخولها عصبة الأمم عام 1932، إلى دولة مركبة «اتحادية» جديدة. وقد بُني على أساسها قانون إدارة الدولة والدستور الدائم الذي تم إقراره في 15 آب (أغسطس) 2005 وجرى الاستفتاء عليه يوم 15 تشرين الأول (اكتوبر) من العام نفسه، وتمت الانتخابات النيابية بموجبه في 15 كانون الأول (ديسمبر) من العام ذاته.
أصبح للعراق دستور دائم بعد سبعة وأربعين عاماً من الدساتير المؤقتة وإنْ اختلفت وتعارضت وجهات النظر بشأنه، لكنه على الرغم من جميع مساوئه، وهي كثيرة، وكل مثالبة، وهي ليست قليلة، وكامل ألغامه وقنابله الموقوتة وغير الموقوتة وهي متشعبة، بل ومعقدة، الاّ أنه احتوى على بعض الإيجابيات التي تتعلق بالحقوق والحريات وقواعد الديموقراطية والمواطنة وفصل السلطات واستقلالية القضاء واختيار الحكّام في إطار التداولية والتعددية، وسيكون من الصعب تجاوز هذه النصوص، حتى وإن تم تعديل الدستور أو إلغاؤه أو استبدال بعض مواده وفقراته، لأنها عكست تطوراً بخصوص حرية التعبير وحق تشكيل الأحزاب والجمعيات وحق المشاركة وغيرها.
لكن الكثير من القضايا العقدية في الدستور ظلّت عالقة أو محلّ خلاف، انفجر لاحقاً، مثل حدود الفيدرالية وسقفها، وموضوع حق ثلاث محافظات في إبطال أي تعديل دستوري، وقضية الأقاليم من غير إقليم كردستان، وهي التي تم إقرارها لاحقاً، لكنه تم تأجيل تطبيقها إلى 18 شهراً، وبعد ذلك طواها النسيان (حتى جاء رجع صداها عشية الانسحاب الأميركي من العراق)، وقضية كركوك والاختلاف بشأن المادة 140 التي جاءت مرحّلة من المادة 58 من قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية، وتوزيع الثروة والمياه ومشكلة الموارد الطبيعية، لا سيما النفط والغاز، على الرغم مما ورد في نص المادة 111 من أنهما «ملك الشعب العراقي في كل الأقاليم والمحافظات»، لكن نصوصاً وتفسيرات تعويمية أخرى أعطت للأقاليم حق التصرف في الحقول غير المستخرجة بالاتفاق مع السلطة الاتحادية (الفيدرالية)، الأمر الذي أثار التباسات بين إقليم كردستان وبغداد، خصوصاً بعد رفض السلطات الاتحادية العقود التي وقعتها حكومة الاقليم مع الشركات النفطية، وهكذا نشبت أزمة بين بغداد وإربيل لا تزال مستمرة.
وكان يفترض أن يتم تعديل الدستور، بناءً على اتفاق بين القوى السياسية عشية الاستفتاء عليه، باعتباره شرطاً لبعض القوى التي كانت ممانعة للتصويت عليه بالصيغة المعتمدة، لا سيما جبهة التوافق في حينها، وحُدّدت فترة 4 أشهر بعد افتتاح جلسات البرلمان بعد الانتخابات عام 2005 لإنجازها، وشكّلت لجنة لهذا الغرض، لكنها وصلت إلى طريق مسدود، وقد انتهت الدورة الانتخابية الأولى المحددة بأربع سنوات، وزاد عليها ما يقارب عامين، منذ انتخابات آذار (مارس) 2010 ولحد الآن، ولم يتم إجراء التعديلات المذكورة، فلا القوى التي وعدت بتنفيذ ذلك استجابت، ولا القوى التي أصرّت على إجراء التعديلات واصلت ذلك أو طالبت به.
وإذا كان تعديل الدستور الدائم غير سالك أو مجمّد، فإن نحو 50 مادة من مواده نصّت على صدور قانون لتكون صالحة للاستعمال، الاّ أن هذه القوانين لم يتم تشريعها من جانب البرلمان، وهكذا، فإن هذه المواد لا تزال غير نافذة هي الأخرى، وهو أمر يحتاج إلى أكثر من دورة برلمانية اعتيادية لكي يتم إنجازها، قياساً لما هو عليه وضع البرلمان وعلاقة القوى السياسية بعضها ببعضها الآخر، ناهيكم عن الوضع الأمني للبلاد بشكل عام، ولا سيما بعد نشوب الأزمة بين القائمة العراقية وكتلة دولة القانون، التي تحوّلت من أزمة سياسية إلى مشلكة جنائية، صاحبها تصعيد وتوتر أخذ يهدد العملية السياسية برمتها على الرغم من محاولات الاحتواء وعقد مؤتمر وطني عام ، الأمر الذي يقترب من استعصاء أو استحالة تطبيق الدستور أو الاحتكام إليه بسبب جوانب عملية وأخرى فنية وبالأساس تعقيدات سياسية، لا سيما في ظل التمترس الطائفي والمذهبي واستمرار ظاهرة العنف والارهاب واستشراء الفساد المالي والاداري، على الرغم من تشبث «الجميع» بالدستور!.
أما بصدد الديموقراطية والحريات، وهما مسألتان إيجابيتان وردتا في الدستور، فهناك تضادّات تقف بوجههما وتحدّ من امتداداتهما، لا سيما في علاقة الدين بالدولة، حين نصّ الدستور في المادة الثانية على أن «الإسلام دين الدولة الرسمي، وهو مصدر أساس للتشريع»، وفي الفقرة «أ» «لا يجوز سن قانون يتعارض مع ثوابت أحكام الإسلام» وتلك هي أيضاً قضية إشكالية، لا سيما بتداخلها مع اجتهادات وآراء المفسرين والمؤولين الذين يسعون لتوظيفها سياسياً ومذهبياً أحياناً، وهي واحدة من إفرازات الوضع العراقي بعد الاحتلال، ويقابل هذه النصوص، نصوص أخرى خاصة بالديموقراطية والحريات حيث أكدت المادة الثانية نفسها الفقرة «ب» من الدستور على أنه: «لا يجوز سنّ قانون يتعارض مع مبادئ الديموقراطية» والفقرة «ج» التي نصّت على: «لا يجوز سنّ قانون يتعارض مع الحقوق والحريات الأساسية الواردة في هذا الدستور».
وإذا كان غالباً ما يقال العبرة بالتطبيق، فإن مثل هذا الأمر ينطبق إلى حدود كبيرة على الدستور العراقي، الذي ظلّ معوّماً، سواءً بتبرير أو تعليق كل شيء على ما يسمى بالتوافق أو الديموقراطية التوافقية التي يستعاض بها أحياناً عن نتائج الانتخابات وتتحول ملفات جنائية واتهامات بالفساد الى قضية مساومة باسم التوافقية، فاقتراح تشكيل مجلس السياسات الستراتيجية العليا مثلاً لم يكن دستورياً وبقاء الدستور من دون تعديل غير دستوري وإبقاء نحو ثلث مواده من دون إصدار قوانين ملحقة بنحو 50 مادة كما ورد في أصل نصوص تلك المواد، غير دستوري أيضاً، ولعل تبرير فكرة إنشاء الأقاليم أو تبرير رفضها سياسياً وليس دستورياً، الأمر الذي أصبح فيه الدستور شمّاعة يعلّق عليها الجميع حججه، على الرغم من أنه دستور معوّمٌ!

باحث ومفكر عربي من العراق


260
الشعب يريد..! تأملات فكرية في الربيع العربي




بيروت- دمشق (المحرر  الثقافي)

للمفكر والكاتب العراقي الدكتور عبد الحسين شعبان صدر كتاب جديد بعنوان "الشعب يريد..!- تأملات فكرية في الربيع العربي". وعرّفت الناشرة سمر حداد (مديرة دار أطلس) بالكتاب قائلة: كتاب من قلب الحدث يطرح فيه المفكر والباحث الدكتور عبد الحسين شعبان أسئلة ساخنة ومفتوحة ترى كيف حدث أن اتّحدت حناجر الملايين من الشابات والشباب العربي، ومن أقصى المحيط إلى أبعد نقطة في الخليج وهي تردد عبارة " الشعب يريد..."!؟ وختمت قولها: كتاب لا غنى عنه لكاتب غير تقليدي.
ضمّ الكتاب خمسة فصول وملاحق خمسة وفهرس للاعلام وآخر للأماكن وكان الفصل الأول بعنوان: أسئلة ما بعد الانتفاضة: تونس- مصر إلى أين؟ أما الفصل الثاني فهو الموسوم بـ"الشباب وفن الانتفاضة: خريف الآيديولوجيا وربيع السياسة"وبحث الفصل الثالث في الربيع العربي والمستقبل : علاقة الحاكم بالمحكوم، وكان الفصل الرابع قد خصص للشباب وخلفيات التغيير: استعادة الوعي العربي. أما الفصل الخامس فقد خصصه الباحث للذاكرة والعدالة الانتقالية وبحث في عدد من التجارب الدولية، لاسيما تجارب أوروبا الشرقية، إضافة إلى تجارب جنوب أفريقيا وأمريكا اللاتينية والمغرب. وكانت الملاحق مكرسة لأوضاع ليبيا وسوريا واليمن والمغرب والعراق.
يقع الكتاب في 287 صفحة من القطع الكبير وأهداه الباحث إلى عبد الرحمن النعيمي ومحمد السيد سعيد وادريس بن زكري الذين غابوا قبل أن تتكحل عيونهم برؤية التغيير!

261
تركيا ـ إيران: دروع الناتو وأزمة الثقة!


عبد الحسين شعبان

تكتنف الباحث صعوبات وإشكاليات في ما يتعلق بالعلاقات التركية - الإيرانية، بعضها من طبيعة منهاجية وأخرى من طبيعة عملية، لا سيما في المشهد الأخير الذي تركه الحراك الشعبي العربي وتداعياته، فقد تجد اختلافات إلى درجة القطيعة أحياناً، وعوامل تقارب تشكل عنصر تفاهم وتواصل لا يمكن الاستغناء عنها أحياناً أخرى.
ولعل من أبرز القضايا التي ستكون محط صراع وجدل طويلين بعد الربيع العربي هو موضوع نشر الدروع الــصاروخية لحلف الناتو في تركيا وعلاقة ذلك بالملف النووي الإيراني، وذلك لما له علاقة بقضية ذات بعد تاريخي ومستقبلي، وإن اكتسبت بعداً آيديولوجياً في العقود الثلاثة الماضية، وهو التعارض بين المشروعين التركي (ذي التوجه الديموقراطي)، لا سيما بعد فوز حزب العدالة والتنمية في العام 2002 بالضد من النموذج الإيراني (الراديكالي)، خصوصاً منذ الثورة الاسلامية في إيران العام 1979، وبما له من انعكاسات على عموم الصراع في المنطقة، ولا سيما بعد الربيع العربي، وتفاعله مع الأزمة السورية، إضافة إلى علاقته بنشاط حزب العمال الكردستاني، لا سيما على الأراضي العراقية، ناهيكم عن علاقته بالقضية الكردية ككل ومستقبلها، عراقياً وتركياً وإيرانياً وسورياً.
ويتوقّف على حلّ هذه القضايا والتأثير المحتمل للربيع العربي على العلاقات الإيرانية ـ التركية، لا مستقبل العلاقات فحسب، بل جزء أساسي ومهم من مستقبل المنطقة سواء باتباع حلول سلمية ناعمة أو حلول خشنة قد تؤدي إلى المجابهة أو الصراع، لا سيما لو دخلت إسرائيل على الخط، وخصوصاً في موضوع المفاعل النووي الإيراني، إضافة إلى المنافسة التركية ـ الإيرانية، التي هي أقرب إلى ماراتون تاريخي.
لقد شهدت العلاقات الإيرانية ـ التركية توترات ونزاعات وحروبا منذ منتصف القرن السادس عشر، مثلما حفلت باتفاقيات دولية أبرزها معاهدة أرضروم الأولى 1823 ومعاهدة أرضروم الثانية 1848 وبروتوكول القسطنطينية 1911 وبروتوكول طهران العام 1913 بين الدولة العثمانية والامبراطورية الفارسية وكان العراق تاريخياً ساحتها الأساسية، لا سيما في فترة الامبراطورية الفارسية أو في فترة الخلافة العثمانية، بعض منها جيوسياسي وتاريخي والبعض الآخر أساسه مذهبي وطائفي، وإن كان كل منهما يضع المصلحة الفارسية أو التركية فوق كل اعتبار.
وكانت تلك الاتفاقيات تحت باب حسن الجوار واحتواء التوترات وتوازن المصالح، لا سيما عندما تكون القوتان المتنافستان متوازيتين، وحصل هذا في السنوات الأخيرة بشأن أفغانستان وباكستان أيضـاً، على الرغم من تعارض الاستراتيجية التركية والإيرانية، وكذلك بشأن العراق لأنه بوابة أساسية للعالم العربي فضلاً عن نفوذه المحتمل في الخليج وعلاقة ذلك بدور الاحتلال الأميركي ومستقبله، لا سيما بعد الانسحاب في نهاية العام 2011، إضافة الى الموضوع الكردي، ومخاوف تركيا بشأن تركمان العراق ومصالح إيران بشأن علاقتها مع شيعة الحكم في العراق.
ومنذ نجاح الثورة الإيرانية في 11 شباط (فبراير) العام 1979 ونجاح انقلاب كنعان أفرين في 12 أيلول (سبتمبر) العام 1980 كان هناك نسبة توافق استراتيجي بين البلدين، فقد كانا فاعلين رئيسين، في أمن المنطقة، إضافة إلى العلاقات الاقتصادية والتجارية بينها، فضلاً عن ذلك، فهما يتشـاركان في الموقف من القضية الكردية وكذلك مع دول المنطقة مثل العراق وسوريا، وفي عقد التسعينيات كلّه كان هناك اجتماع ثلاثي دوري بين تركيا وإيران وسوريا لاتخاذ موقف موحد إزاء القضية الكردية في العراق، خصوصاً بعد سحب النظام العراقي إدارته السياسية والمالية من كردستان وقيام حكم ذاتي خارج السلطة المركزية، والأمر يتعلق بمخاوف الدول الثلاث من احتمال قيام دولة كردية في شمال العراق.
ولعل الأمر لا يقتصر على أفغانستان والباكستان والعراق، بل يمكن القول ان تحقيق سلم وأمن المنطقة بما فيها آسيا الوسطى لا يمكن أن يحدث دون توافق استراتيجي بين تركيا وإيران بما يؤثر على وسط آسيا وجنوبها، ناهيكم عن الحاجة بالنسبة إلى إيران لتركيا كجسر للغرب.
ومع كل هذه الجوانب فهناك عوامل تنافس تاريخية بين أنقرة وطهران، لا سيما حول إمكانية الاستفادة من الربيع العربي، فقد ترافق ذلك مع موافقة تركيا على نصب الرادارات الخاصة بالدروع الصاروخية لحلف الناتو ببلدة كوراجيك بولاية ملاطيا التركية الحدودية مع إيران، الأمر ألذي أدى إلى تشديد التوتر الناجم عن أزمة الثقة بين البلدين.
وقد فسّرت أنقرة الأمر بكونه لا يتعدى عن تساوق روتيني مع متطلبات العضوية في حلف الناتو، لكن إيران اعتبرته تهديداً فعلياً لها، خصوصاً في موضوع الملف النووي الذي تشترك فيه إسرائيل والولايات المتحـدة والغرب عموماً وتركيا أيـضاً، فــهو يجرّد إيران من امتيازات تتمثل في ترسانتها من المنظومات الصاروخية المتوسطة والطويلة المدى، التي تعتبرها أداة رادعة بوجه احتمالات هجوم إسرائيلي أو حتى أميركي ضد المفاعلات النووية الإيرانية أو أي أهداف استراتيجية، وقد هددت إيران بأن أي هجوم إسرائيلي أو أميركي عليها، سوف تردّ عليه بضرب الرادارات التابعة لحلف الناتو في تركيا.
وأقدمت تركيا على هذه الخطوة كرسالة إيجابية للغرب بشكل عام، لا سيما وهي لا تزال تتشبث بعضويتها في الاتحاد الأوروبي أيضاً وهي رسالة إيجابية خاصة لواشنطن وللاتحاد الأوروبي، خصوصاً بدعم المعارضة السورية واستضافة اجتماعاتها، وفي الوقت نفسه فهي رسالة سلبية إلى إيران بشأن ملفها النووي، كما أنها رسالة إلى العراق حليف إيران حيث نشطت جماعات شيعية وأخرى كردية، ليس بمعزل عن إيران لدعم نشاطات حزب العمال الكردستاني، حيث كانت طهران قد ألقت القبض على أحد قادة الحزب المذكورين، وتردّد اسم نائب رئيس الحزب، لكنها أطلقت سراحه، وقيل ان ذلك تم عبر صفقة مع «العراقيين». ويأتي ذلك عشية الانسحاب الأميركي من العراق، وهو له دلالة خاصة على مستقبل الوضع في العراق ودور إيران ونفوذها.
في سياق التحولات في المنطقة برز المشروع التركي، كمشروع ديموقراطي لدولة علمانية ومبشر لإسلام منفتح، يقابـله المشـروع الإيراني لنظام حكم يضع ولاية الفـقيه فوق كل اعتبار، وإذا كان الأول يحاكي النمط الغربي، فإن الثاني كان قريباً من مشروع الممانعة العربي ضد الهيمنة الإسرائيلية والأميركية.
المشروعان المتضادان يسعيان كلّ بطريقته لمدّ نفوذهما إلى العالم العربي: الإيراني بوسائل خشنة عبر التدخل ودعم القوى الراديكالية وفي إطار مذهبي وديني في الغالب. أما التركي فيسعى بالوسائل الناعمة، عبر قوة المثل والتقدم المحرز والعلاقة المتصالحة مع الغرب ومع ما يسمى بمعسكر الاعتدال العربي، مع الإبقاء على علاقة خاصة مع إسرائيل على الرغم من تصدعها بسبب حادثة أسطول الحرية، لكن هناك بعض الاتفاقيات الأمنية مثل اتفـاقية ترايندت التي لا تزال نافذة منذ الـعام 1958 وكذلك فإن حجم الميزان التجاري بين تل أبيب وأنقرة لم يتأثر.
المشروع الإيراني مجابه، في حين أن المشروع التركي مصالح، الأول يعتمد على الوسائل العنفية ويشجع على الصدام بالحـكومات التي يعتبرها لا تنسجم مع أطروحـات الممانعة، في حين أن الثاني يسعى لنشر الديموقراطية بالوسائل الناعمة والتنمية الاقتصادية والجمع بين الاسلام والعلمانية والحداثة، وإنْ كانت له قفازات نووية، أو أن سيفه العثماني هو بغمد نووي، في حين أن المشروع الإيراني لا يتورّع من الظهور أحياناً بخلفية صفوية حتى وإن ارتدى الجبّة الاسلامية واستند إلى ولاية الفقيه أو مذهب آل البيت.
وقد أثار المشروع الإيراني ردود فعل حادة، لا سيما بعد اندلاع حركة الاحتجاج في البحرين وتدخّل مجلس التعاون الخليجي، وإن كان الأمر لا يخلو من مفارقة حقيقية، فهو إن بدا مشجعاً وداعماً سياسياً ومعنوياً، لمشاريع التغيير في تونس ومصر وليبيا واليمن والبحرين، لكنه ظل معارضاً بل رافضاً للتغيير في سوريا، وهو ما حصل فيه تعارض حاد مع الموقف التركي، وهذه مفارقة أخرى في مقابل المفارقة الإيرانية، فقد بدا الموقف التركي أكثر تطرفاً من الموقف الأوروبي والأميركي، بشأن سوريا لدرجة أنه اعتبر المسألة السورية قضيته الأساسية، وبلا أدنى شك كانت قرارات جامعة الدول العربية، تشجعّ تركيا في تصعيد موقفها، خصوصاً باستمرار سفك الدماء.
وبكل الأحوال يبقى الموضوع الأكثر إثارة وتوتّراً، هو المفاعل النووي الإيراني، ويقابله بناء الدروع الصاروخية للناتو في تركيا، الذي قد ينسف جسور الثقة التي حرص البلدان على بنائها في السنوات الثلاثين والنيف الأخيرة.

باحث ومفكر عربي


262
د.شعبان - حوار مع جريدة العمال المصرية




263
المنبر الحر / الشيخوخة
« في: 18:50 04/01/2012  »
الشيخوخة   

عبدالحسين شعبان
طرحت الثورات العربية التي خطط لها وقادها الشباب العلاقة بين الأجيال، ولاسيما موضوع الشيخوخة، وفيما إذا تم إهمال أو تهميش كبار السن؟ ولعل موضوع الشيخوخة يندرج في إطار رؤية اجتماعية- ثقافية - اقتصادية، وذات أبعاد دينية وأخلاقية أيضاً، وقد ذهبت العديد من الوثائق والخطط الدولية لمعالجة هذا الأمر على الصعيد النظري على أقل تقدير، ولكن العبرة تظلّ بالتطبيق دائماً، علماً بأن الهوة لا تزال شاسعة وعميقة بين الدول المتقدمة والدول النامية في هذا الموضوع، لاسيما علاقته بالتنمية .

لقد كانت مسألة الشيخوخة وكبار السن موضوع حوار جاد ومسؤول على مستوى دولي، حيث دعت منظمة الأسكوا (اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا) عدداً من الخبراء، إضافة إلى ممثلي عدد من الدول لمناقشته، ارتباطاً بتأثره بمسألة الحراك الشعبي العربي، فضلاً عن كيفية تعاطي الإعلام معه .

على الرغم من اختلاف الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية في دول منطقة الأسكوا، إلاّ أن هناك سمات تكاد تكون مشتركة فيما يتعلق بأوضاع المسنين والشيخوخة، فقد ظلّت هذه الفئة العمرية تعاني مشكلات وتحدّيات كبيرة، لعل أولها هو عدم الاهتمام الكافي بها، وإنْ أخذت العديد من الدول في السنوات الأخيرة تشعر بمسؤوليتها إزاء هذه الشريحة سواءً على المستويين الدولي والوطني .

وقد سعت الأمم المتحدة لتقديم بعض المعالجات والحلول الأولية لإشكالات الشيخوخة ومشكلاتها، لكن الفارق مازال كبيراً بين الواقع والطموح، دولياً ووطنياً، الأمر الذي يحتاج إلى مراجعات دورية ضرورية بشأن ما هو مُنجز من جهة ولمتابعة ما تعثر إنجازه، فضلاً عن الاستجابة لتطوير حقوق هذه الفئة وتلبية تطلعاتها بما ينسجم مع التطور الدولي، الأمر الذي اقتضى مراجعة إقليمية لخطة عمل مدريد الدولية لعام 2002 حول الشيخوخة، بعد أن كانت المراجعة الأولى عام 2007 .

إن قضية التعامل مع كبار السن هي قضية ذات مسوّغ منطقي وأخلاقي وثقافي وإنساني، ولابد للجميع من الاشتراك فيها، إذ إن المحافظة على كرامة كبار السن في المجتمع مطلب كبير وأولوية قصوى، وإذا كانت البلدان المتقدمة قد هيأت ظروفاً ومستلزمات لتأمين سعادة ورفاه المسنين، فإن الاهتمام بهم في البلدان النامية والفقيرة وبلدان الجنوب بشكل عام، لا يزال ضعيفاً وقليلاً .

وإذا كان ارتفاع متوسط العمر يعتبر إنجازاً دولياً من إنجازات البشرية، فإن هذا سيعني زيادة نسبة المسنين على المستوى الدولي، الأمر الذي يمكن أن يشهد فيه العالم تحوّلاً ديموغرافياً غير مسبوق، وبحلول عام 2050 ستكون نسبة أعمار الذين تجاوزوا ال60 سنة أكثر من ملياري شخص، بعد أن كانت في مطلع القرن الحادي والعشرين وعشية وضع خطة مدريد نحو 600 مليون، ويتوقع أن تزيد نسبة المسنين في العالم من 10% إلى 21%، الأمر الذي سيشكل تحدياً اجتماعياً واقتصادياً وديموغرافياً لا بدّ من أخذه بنظر الاعتبار وضمن الأهداف التي وضعتها خطة مدريد .

لا شك أن الحق في التنمية هو حق فردي وحق جماعي في الآن ذاته، حيث أقرّته الجمعية العامة للأمم المتحدة بإعلان الحق في التنمية عام ،1986 وهو يمثل ركناً أساسياً من أركان الجيل الثالث لحقوق الإنسان، بإضافة الحق في السلام والحق في بيئة نظيفة والحق في الاستفادة من منجزات الثورة العلمية التقنية . وكان الجيل الأول قد ركّز على الحقوق المدنية والسياسية، أما الجيل الثاني فقد اهتم بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية .

وبالعودة الى مفهوم”مجتمع لكل الأعمار”، فإنه يتضمن أربعة أبعاد أساسية . البعد الأول التنمية طوال حياة الفرد، البعد الثاني العلاقات بين الأجيال المتعددة، البعد الثالث الترابط بين شيخوخة السكان والتنمية، والبعد الرابع حالة كبار السن . وكان هذا الموضوع “الأساس” في السنة الدولية لكبار السن عام 1999 .

وقد تبنّت خطة العمل العربية للمسنين لغاية عام 2012 والتي اعتمدت في صياغتها على التقارير الوطنية بالمسنين في البلدان المختلفة، من خلال سياسات التشغيل ورفع مساهماتهم في القطاع الرسمي حيثما أمكن ذلك، ومحاولة الحد من العوامل الطاردة التي قد يواجهونها في مكان العمل، إضافة إلى استرشادها بخطط العمل العالمية بخصوص المسنين .

ومن اللافت أن التركيز كان على الشباب خلال الحراك الشعبي، وهو أمر مفهوم ومبرر، لاسيما لما أبدوه من حصافة وحصانة ودور قيادي وتعبوي وتنفيذي أساسي، لكن ذلك ترافق مع ظاهرة إهمال وسائل الإعلام للمسنين ودورهم في الحراك الشعبي العربي، خصوصاً أنهم قدّموا الكثير من التضحيات على هذا الصعيد، الأمر الذي يحتاج إلى معالجة الأمر بروح خطة مدريد والوثائق العالمية الأخرى، ومعاملتهم بالاحترام والامتنان ومراعاة الكرامة والمشاعر الإنسانية، بما فيه الاعتراف بدورهم وما قاموا به .

ولعل هذا ما أكّدته توصيات اجتماع الخبراء في الأسكوا، إذ كان ينبغي على وسائل الإعلام أن تأخذ بنظر الاعتبار مساهمات المسنين في فترة سابقة، ومقاومة شرائح منهم لسياسات الاستبداد والاستئثار بالحكم، فضلاً عن تحديد المعوّقات والتحدّيات التي تواجههم، والعمل على إيجاد الحلول المناسبة لها، مع الأخذ بعين الاعتبار تحليل أثر المتغيرات في كبار السن ونظرة المجتمع لهم، بما يساعد على الاستفادة من تجاربهم وخبراتهم .

* باحث ومفكر عربي



264
الإسلاميون والعلمانيون   

 
عبدالحسين شعبان
أخيراً فاز الإسلاميون بأغلبية في انتخابات تونس ومصر والمغرب، وكانوا قد تربّعوا على دست الحكم في العراق، ولعل التوجّه الإسلامي ليس بعيداً عن الثورة الليبية وقيادتها، وهو أمر أفصح عنه مصطفى عبد الجليل رئيس المجلس الانتقالي، ولا شك أن التيار الإسلامي يتمتع بنفوذ كبير في سوريا، فضلاً عن الدور الأساسي لحزب الله في لبنان، كما يحظى الاتجاه الإسلامي بحضور ملحوظ في فلسطين، لاسيما في غزة حيث فازت “حماس” في انتخابات مارس/آذار عام ،2006 وكذلك الدور الكبير الذي تضطلع الحركة الإسلامية به في الأردن، وكان لحركة الوفاق الإسلامية دور كبير في البحرين حيث فازت ب 18 نائباً من مجموع 40 نائباً في البرلمان البحريني، ويمتد نفوذ الحركة الإسلامية إلى الكويت وإلى بعض دول الخليج العربي أيضاً، وليس بعيداً عنها حضورها اللافت في موريتانيا والجزائر والصومال التي تشهد احتراباً ليس بعيداً عن الصراع على السلطة، بأذرع إسلامية، أما السودان فإنه منذ عام 1989 تحت نفوذ الإسلاميين وحزب المؤتمر حيث كان الموجّه الإيديولوجي له حسن الترابي ولا يزال التوجه العام إسلامياً .

وفوق كل ذلك فإن الإسلام الإيراني الراديكالي لا يزال “مؤثراً” في المنطقة ودولها بالملف النووي الذي يتخوّف منه الغرب، أو لاتهامه بالإرهاب الدولي أو لغيره، حيث تزداد خشية بعض الدول العربية والخليجية من الامتداد المذهبي، وكذلك الإسلام التركي الديمقراطي المسحة، وإن كان بقفازات نووية أطلسية، حيث يتقدّم على نحو ناعم مبشّراً بالمصالحة بين الإسلام والعلمانية .

المشروعان، الإيراني الذي يستخدم القوة الصلبة أو الخشنة، والتركي الذي يستخدم القوة اللينة أو الناعمة، لديهما أصدقاء مثلما لديهما أعداء، ولكنهما يشكّلان نموذجين يستقطبان التيارات الإسلامية القائمة، وإذا كانت تركيا تسعى لنيل عضوية الاتحاد الأوروبي، فإيران تعلن عداءها السافر للغرب عموماً ول”إسرائيل” .

وإذا كان على الغرب التعامل “برغماتياً” مع القوى الإسلامية التي فازت في عدد من البلدان العربية وإبداء استعداده للتعاون مع التيارات الإسلامية المعتدلة، فلأنه يدرك أن موجة الإسلام السياسي بدت كاسحة، وما عليه إلا السعي لاستيعابها وإبعادها عن التأثيرات الراديكالية، وعلى الرغم من بعض تحفظاته إزاء تركيا، لكنه يحاول تقديمها للعالم العربي باعتبارها نموذجاً للإسلام المعتدل .

إذا كان الربيع العربي قد أطاح نظماً استبدادية سلطوية، وهيّأ المستلزمات الأولية لإحداث تغييرات في العالم العربي إنْ عاجلاً أم آجلاً، فإنه في الوقت نفسه أسقط بعض المقولات والأفكار التي سادت في العقدين ونيّف الأخيرين أو قبلهما، أو برهن على بطلانها وهزالها حتى وإنْ ظلّ بعضهم يتشبث بها، ولعبت تلك الأفكار والمسلّمات دوراً كبيراً في إطالة عمر بعض الأنظمة، بل أسهمت أيضاً في التأثير سلبياً في وعي بعض النخب الفكرية والسياسية وحتى تخديرها، على الرغم من معاناة السكان وتوقهم  إلى التغيير والتحوّل الديمقراطيين، كما سببت بعض الأطروحات حالات يأس وقنوط بوضع كوابح داخلية أو خارجية أمام التغيير، سواءً في جانبها النظري أو العملي .

وكادت أن تصبح بعض تلك الأطروحات والمسلّمات “حقائق” لا يجوز مخالفتها، ولم يكن ذلك بعيداً عن ترويج الأنظمة الحاكمة لها، فضلاً عن سدنتها من الإيديولوجيين والمثقفين، بمن فيهم الذين يتحدثون عن التغيير، بل يدعون إليه، ولكن على نحو “ تجريدي” أحياناً أو فيما يخص الغير، دون أن يصل  إلى أولياء الأمر أو الحكام الذين يؤيدونهم ويبررون استمرارهم ووجودهم بحجة غياب البديل أو عدم نضج عملية التغيير، أو يراهنون على بعض الإصلاحات، أو يستحضرون نظرية المؤامرة الخارجية، بل يعلّقون كل شيء على شماعتها .

ومثل هذه الأطروحات لم تكن حصراً على القوى الداخلية، بل إن بعضها تبنّته القوى الخارجية، لاسيما القوى الدولية المتنفّذة، والتي شكّلت عائقاً فكرياً وعملياً إزاء التغيير الديمقراطي المنشود، حتى بدت الديمقراطية أو التحول الديمقراطي، وكأنها استعصاء أو استثناء أو وعد غير قابل للتحقق، لاسيما في العالم العربي . 

تقول أطروحة راجت لنحو ثلاثة عقود من الزمان، بما فيه عشية أو حتى خلال عمليات التغيير أن الصراع الأساسي هو بين الإسلاميين وبين العلمانيين، وعلى الأخيرين حتى وإنْ اختلفوا مع الأنظمة الحاكمة، لكنها بكل الأحوال هي أقرب لهم من الإسلاميين، الذين يشكّلون خطراً على الديمقراطية المنشودة، لاسيما أن الكثير من الإسلاميين أو الإسلامويين لا يخفون مواقفهم السلبية منها، ويبرر بعضهم أن أنصار الإسلام  السياسي سوف لا يتورعون عن الإجهاز على بعض الهوامش الديمقراطية القائمة، ويستندون في ذلك إلى ما حصل في الجزائر حين فاز الإسلاميون، فأعلنوا رغبتهم في إلغاء الديمقراطية، الأمر الذي “اضطر” العسكر في “ إجراء غير ديمقراطي”، الدفاع عن الديمقراطية، كما زعموا، وراح الإسلاميون ضحية مواقفهم وآرائهم، في حين أن الديمقراطية هي من نقلتهم  إلى السلطة، وتلك إحدى المفارقات السياسية في مطلع التسعينات .

ويستكمل بعضهم هذه الأطروحة بأطروحة تكميلية راجت أيضاً عشية وخلال وبُعيد الانتفاضات العربية، ومفادها أن الإسلاميين وحدهم، هم القوى المنظمة الكبيرة، وبالتالي سيشكّلون البديل المحتمل والأكثر رجحاناً بعد التغيير، لدرجة أحياناً يتم التبرير بشكل مباشر، وغالباً غير مباشر، لبقاء الأنظمة التسلطية والاستبدادية، ولعل بعضهم يستدلّ على نشاط بعض الجماعات الأصولية والسلفية من جهة، وعلى إعلان بعض الإسلاميين سواءً كان كبيراً أو صغيراً، رغبتهم في قيام دولة إسلامية، وهو ما شهده ميدان التحرير في القاهرة في جمعة رمضانية (2011)، وما فتحته الثورة التونسية من نقاشات ساخنة بين حزب النهضة الإسلامي  وجماعات إسلامية أخرى من جهة، وبين قوى علمانية ماركسية وقومية وليبرالية من جهة ثانية، والأمر مفتوح في اليمن وليبيا والبحرين وسوريا والأردن والمغرب والجزائر وغيرها .

إن ما شهدته الساحة العربية من انتعاش الشعارات الديمقراطية، لاسيما المطالبة بالحرية والكرامة ومحاربة الفساد، أثار بعض الشكوك حول صواب مثل تلك الأطروحة أو خطأ تعميمها، مثلما هو خطأ الاعتقاد بترجيح هيمنة الإسلاميين واكتساحهم للشارع ولأية انتخابات قادمة، والأمر لا يعني أن الإسلاميين هم من دون جماهيرية أو رصيد شعبي، بل إنهم الأكثر شعبية في الوقت الحاضر، بعد تراجع ونكوص المشروع الماركسي وإخفاق وانتكاس المشروع العروبي . وسيستمر التنافس بين الإسلاميين والعلمانيين لعقدين من الزمان على أقل تقدير، ويحتاج إلى استقطابات جديدة وجبهات مختلفة عمّا هو سائد، لاسيما إذا انتشر التيار السلفي، الذي سيكون تهديداً لا على العلمانيين فحسب، بل على التيار الإسلامي المعتدل، وستبحث هذه القوى المتعارضة إيديولوجياً عن توافقات سياسية وحلول وسطية واعتدالية للانسجام مع المسار الديمقراطي، الذي يمكن أن يلتقي عنده إسلاميون وعلمانيون بأجنحتهم المختلفة، عروبيون وليبراليون وماركسيون وغيرهم . 

وعلى أية حال لا ينبغي أن يتم إقصاء أو عدم مشاركة الإسلاميين بزعم مواقفهم اللاديمقراطية، في حين أن ليس هناك دليل على ديمقراطية اليساريين أو القوميين في النظرية والتطبيق والممارسة الداخلية، ولكن المطلوب بإلحاح هو وجود قوانين ومؤسسات ديمقراطية، بما فيها دستور وقانون انتخاب وقضاء مستقل ورأي عام حر .

كما ليس من حق أحد تهميش أو عزل أية قوة سياسية وحجب حقها، ناهيكم عن أن ذلك يتعارض مع قواعد الديمقراطية، خصوصاً أن العزل السياسي إجراء غير مقبول، فضلاً عن تداعياته السياسية والاجتماعية . ولن يكون من مصلحة الإسلاميين إقصاء العلمانيين مثلما تم إقصاؤهم هم أنفسهم في السابق .

ومن جهة أخرى لا ينبغي التهويل من دور الإسلاميين وافتراض كونهم البديل الوحيد عن الأنظمة القائمة، الأمر الذي سيعني تبرير بقاء هذه الأنظمة، التي يعتبرها البعض أفضل من أي بديل إسلامي إيديولوجي، ولعل هذا ما ترغب به وما تريده الأنظمة ذاتها، وما حاولت أن تنشره وتروّج له على نطاق واسع، بحجة أن البديل عنها هو الإرهاب وتنظيمات القاعدة أو التنظيمات الإسلاموية أو الإسلامية المتشددة، لدرجة أن بعض اليساريين والعروبيين تحالفوا مع الأنظمة القمعية بالضد من الإسلاميين، بزعم أن مجيئهم إلى السلطة سيعني استئصال التيارات الأخرى، وعلى أية حال فهو افتراض أضرّ بقضية التحوّل الديمقراطي، وأعطي مبرراً للأنظمة المستبدّة في قمعها للإسلاميين، وحصل الأمر في العراق وسوريا ومصر وتونس والمغرب والجزائر وغيرها، لذلك اقتضى الأمر اعتماد الآليات الديمقراطية وسيلة للتداول السلمي للسلطة، بحيث يكون صندوق الاقتراع هو الفيصل في شعبية أي حكّام، حيث يمكن  استبدالهم على نحو دوري، وبالوسائل التي تضمن سير واستمرار العملية الديمقراطية .

وبالعودة  إلى هذه الأطروحة التي تفترض أن الصراع الأساسي بين الإسلاميين والعلمانيين، فإن ثمة اجتهادات وتوجهات قد تبدو أكثر واقعية وأكثر راهنية، وهي أن الصراع  هو صراع ضد الاستبداد والطغيان، وضد التطرف والتعصّب وإقصاء الآخر لدرجة لا يمكن فصله عن بعضه، لاسيما أن هناك ترابطاً أحياناً بين الطغاة والغزاة والغلاة، الأمر الذي يجعلنا بحاجة  إلى إعادة قراءة المعادلة على نحو صحيح، فلا يمكن تبرير قمع أو تهميش فئة بحجة أنها ستكون أكثر استبداداً من الاستبداد القائم فيما لو وصلت إلى الحكم، ولعل هذا يتطلب تعاون الكتل والتيارات السياسية اليسارية، الماركسية والقومية، والإسلامية لإنجاز مرحلة الانتقال الديمقراطي، ومن جهة ثانية السير في طريق التنمية، وكان ذلك إحدى توصيات مؤتمر علمي مرموق حضره مختصون وأكاديميون دوليون وعرب، دعت إليه مؤسسة التميمي والتأم في تونس العاصمة، بمناسبة مرور عام على ربيعها الأول .

* باحث ومفكر عربي



265
ماذا بعد الربيع: العرب والجوار والعالم؟   

عبدالحسين شعبان
كان هذا العنوان سؤالاً مهماً لمحور من محاور المؤتمر العاشر لمؤسسة الفكر العربي التي يرأسها الأمير خالد الفيصل والتي عقدت اجتماعاتها في دبي مؤخراً . تُرى ما هو حجم دورها في رسم الأحداث العربية أو المساهمة فيها أو التأثير فيها؟

وإذا كانت المفاجأة كبيرة بشأن الربيع العربي للقوى والتيارات السياسية في البلدان التي حصل فيها الحراك الشعبي، فإن المفاجأة أعمق للبلدين الجارين تركيا وإيران، ولعلها أقرب إلى الصدمة على المستوى العالمي، ويمكن القول إن أكثر مراكز الاستخبارات في العالم أهمية ومعرفة لم تكن تتنبأ بما حصل، بل إن بعضها كان يعتبر بعض البلدان مستقرة أو أقرب إلى الاستقرار .

وقد كانت “إسرائيل” الأكثر تطيّراً إزاء الحراك الشعبي العربي، حين اعتبرت أن تغيير النظام التونسي قد يخلّ بمعادلة الصراع العربي- “الإسرائيلي”، فما بالك بالتغيير الذي حصل في مصر وقد يحصل في سوريا، الأمر الذي جعلها في حالة استنفار وحذر وحتى ممانعة لإحداث أي تغيير في العالم العربي، خوفاً من التأثير على اتفاقيات كامب ديفيد عامي 1978-1979 وما تبعها من صيغ ومعادلات بما فيها اتفاقيات أوسلو العام 1993 التي وصلت الى طريق مسدود .

وكانت لإيران علاقات استراتيجية مع سوريا، الأمر الذي استلزم إعادة التفكير بما سيؤول إليه الوضع لو حدث تغيير النظام السوري على سبيل المثال، حيث ظلّت علاقة طهران بدمشق حميمة ومتصاعدة منذ الثورة الايرانية العام ،1979 واختبرت في منعطفات عديدة منها: الحرب العراقية - الإيرانية التي دامت ثماني سنوات 1980-،1988 حيث كان موقف سوريا أقرب إلى الموقف الإيراني بسبب عداء مستفحل بين بغداد ودمشق، وهو عداء استئصالي حزبي وسياسي، وكذلك بعد احتلال العراق العام ،2003 لاسيما في الموقف من الوجود العسكري الأمريكي .

كما كانت علاقة تركيا بسوريا قد بدأت تتحسن منذ إخراج عبدالله أوجلان من سوريا، لدرجة أنه عشية الربيع العربي،2010 وصل الأمر إلى “تصفير” المشاكل العالقة بين البلدين، إعلاناً أو بالصمت، بما فيها قضية لواء الاسكندرون جغرافياً وعلى الخارطة أيضاً، ومروراً بتوسيع نطاق العلاقات التجارية والاقتصادية، وصولاً إلى إلغاء التأشيرات بين البلدين، وإذا بنا بعد موقف تركيا من النظام السوري، وتشجيعها واحتضانها لبعض اجتماعات المعارضة تتجه العلاقات ثانية سلبياً، لاسيما في الجوانب السياسية بالدرجة الأساسية، من دون أن ننسى نظام العقوبات الذي سيتم تطبيقه على سوريا عربياً ودولياً .

كما كانت علاقة تركيا بمصر فاترة وإذا بها بُعيد التغيير تشهد تطوراً مهماً، بما فيه زيارة رئيس وزراء تركيا رجب طيب أردوغان إلى القاهرة، وإلقاؤه خطاباً من دار الأوبرا داعياً إلى إقامة دولة علمانية، عارضاً تجربته كرئيس لدولة علمانية، بمرجعية دينية وإسلامية .

وإذا كانت علاقة “إسرائيل” مع تركيا قد تراجعت في الفترة الأخيرة بسبب مداهمتها باخرة تركية تابعة لأسطول الحرية وقتلها تسعة من مواطنيها، ورفضها الاعتذار، الاّ أن الموقف من سوريا يمكن أن يكون تعويضاً لموقف تركيا من “إسرائيل”، ناهيكم عن استقبالها الدرع الصاروخية لحلف الناتو، في موقف تعويضي أقرب إلى الاعتذار من التحسن النسبي والتفاهم السياسي للعلاقات التركية - الإيرانية في الفترة الأخيرة .

ولعل من أبرز القضايا التي ستكون محط صراع وجدل طويلين بعد الربيع العربي، موضوع نشر الدرع الصاروخية لحلف الناتو في تركيا وعلاقة ذلك بالملف النووي الإيراني، لما له علاقة بقضية ذات بعد تاريخي ومستقبلي، وإنْ اكتسبت بعداً آيديولوجياً في العقود الثلاثة الماضية، وهو التعارض بين المشروعين التركي (ذي التوجه الديمقراطي)، لاسيما بعد فوز حزب العدالة والتنمية في العام 2002 بالضد من النموذج الإيراني (الراديكالي)، خصوصاً منذ الثورة الاسلامية في إيران العام ،1979 وبما له من انعكاسات على عموم الصراع في المنطقة .

ويتوقف على التفاهم الإيراني- التركي، الدولي ليس مستقبل العلاقات بين البلدين فحسب، بل جزء أساسي ومهم من مستقبل المنطقة سواءً باتباع حلول سلمية ناعمة أو حلول عنفية خشنة قد تؤدي إلى المجابهة أو الصراع، لاسيما لو دخلت “إسرائيل” على الخط، وخصوصاً في موضوع المفاعل النووي الإيراني إضافة الى المنافسة التركية - الإيرانية .

ومنذ نجاح الثورة الإيرانية في 11 فبراير/ شباط العام 1979 ونجاح انقلاب كنعان أفرين في 12 سبتمبر/ أيلول العام 1980 كانت هناك نسبة توافق ستراتيجي بين البلدين، فقد كانا فاعلين رئيسين في أمن المنطقة، لاسيما بشأن أفغانستان وباكستان والعراق، إضافة إلى العلاقات التجارية بينهما، فضلاً عن ذلك، فهما يتشاركان في الموقف من القضية الكردية وكذلك مع دول المنطقة مثل العراق وسوريا . وفي عقد التسعينات كلّه كان هناك اجتماع ثلاثي ينعقد على نحو دوري بين تركيا وإيران وسوريا لاتخاذ موقف موحد إزاء القضية الكردية في العراق، خصوصاً بعد سحب النظام العراقي إدارته السياسية والمالية من كردستان وقيام حكم ذاتي خارج السلطة المركزية، والأمر يتعلق بمخاوف الدول الثلاث من احتمال قيام دولة كردية في شمال العراق .

كما يمكن لمنطقة آسيا الوسطى أن تحظى بسلم وأمن أفضل في ظل توافق استراتيجي بين تركيا وإيران، فإيران بحاجة إلى تركيا لتكون جسراً للغرب .

ومع كل هذه الجوانب فهناك عوامل تنافس تاريخية بين أنقرة وطهران، لاسيما حول إمكانية الاستفادة من الربيع العربي . فقد ترافق ذلك مع موافقة تركيا على استضافة الرادارات الخاصة بالدرع الصاروخية لحلف الناتو ببلدة كوراجيك بولاية ملاطيا التركية الحدودية مع إيران، الأمر الذي نجم عنه تشديد التوتر وزيادة عوامل أزمة الثقة بين البلدين .

وقد فسّرت أنقرة الأمر بكونه لا يتعدّى تساوقاً روتينياً مع متطلبات العضوية في حلف الناتو، لكن إيران اعتبرته تهديداً فعلياً لها، خصوصاً في موضوع الملف النووي الذي تشترك فيه “إسرائيل” والولايات المتحدة والغرب عموماً وتركيا أيضاً، فهو يجرّد إيران من امتيازات تتمثل في ترسانتها من المنظومات الصاروخية متوسطة وطويلة المدى، التي تعتبرها أداة رادعة بوجه احتمالات هجوم “إسرائيلي” أو حتى أمريكي ضد المفاعلات النووية الإيرانية أو أي أهداف استراتيجية أخرى، وقد هددت إيران بأن أي هجوم “إسرائيلي” أو أمريكي عليها، سوف تردّ عليه بضرب الرادارات التابعة لحلف الناتو في تركيا .

ولعل تركيا تدرك خطورة ما أقدمت عليه، فالخطوة رسالة إيجابية للغرب بشكل عام، لاسيما وهي لا تزال تطمح في دخول الاتحاد الاوروبي، وهي رسالة إيجابية خاصة أيضاً لواشنطن وللاتحاد الأوروبي، مثلما هي خطوة لدعم المعارضة السورية واستضافة اجتماعاتها، وفي الوقت نفسه فهي رسالة سلبية إلى إيران بشأن ملفها النووي، كما أنها رسالة إلى العراق حليف إيران حيث نشطت جماعات شيعية وأخرى كردية، وليس بمعزل عن إيران، بشأن نشاطات داعمة لحزب العمال الكردستاني، حيث كانت طهران قد ألقت القبض على أحد قادة الحزب المذكورين، وتردّد اسم نائب رئيس الحزب، لكنها أطلقت سراحه، وقيل إن ذلك تم عبر صفقة مع “العراقيين”، وعشية الانسحاب الأمريكي من العراق، ولذلك دلالة خاصة على مستقبل الوضع في العراق ودور إيران ونفوذها .

لقد قلب الربيع العربي الكثير من المسلمات والبدهيات ليس في البلدان العربية فحسب، بل بشأن العلاقة مع دول الجوار والعالم، ولعل ما حصل في اليونان ولاسيما الأزمة الاقتصادية والمالية، ناهيكم عن تراجع اليورو، لم يكن بعيداً عن تداعيات الربيع العربي . كما كان اندفاع إيطاليا في إطار حلف الناتو بالتدخل العسكري في ليبيا، قد عاظم من مشكلاتها الاقتصادية والسياسية، الأمر الذي كانت إحدى نتائجه إسقاط حكومة برلسكوني، ومن تجلياته التظاهرات الحاشدة المطالبة بالإصلاح والتغيير، ومحاربة الفساد وبنظام أكثر عدالة وضمانات اجتماعية في وول ستريت ولندن وحوادث العنف التي شهدتها العديد من المدن الأوروبية، فضلاً عن حركة الاحتجاج الواسعة التي شهدتها “إسرائيل” .

* باحث ومفكر عربي


266
ليبيا من الثورة إلى الدولة   

 
عبدالحسين شعبان
يمكن القول بمقتل القذافي وإلقاء القبض على نجله سيف الإسلام ورئيس مخابراته عبدالله السنوسي، تكون ليبيا قد “تحررت” من النظام الاستبدادي الذي حكمها نحو 42 عاماً، فقد انطوت صفحة من أكثر الصفحات مأساوية من التاريخ الليبي المعاصر، لاسيما بعد التخلص من “الاحتلال” الإيطالي .

ولكن عملية التغيير تلك رافقتها تدخلات خارجية عسكرية قامت بها قوات حلف الناتو، بعد قرار جامعة الدول العربية الطلب من الأمم المتحدة تأمين حماية للسكان المدنيين، فصدر القرار 1973 بتاريخ 20/3/،2011 الذي تولّى حلف الناتو تطبيقه على طريقته الخاصة، الأمر الذي زاد من معاناة السكان المدنيين .

وقد عقّدت تلك التدخلات من موضوع التحوّل الديمقراطي، المعقّد أصلاً، خصوصاً في ظل تضاريس وعرة للخريطة السياسية والاجتماعية الليبية بكل ألوانها القبلية والجهوية والمناطقية وغيرها، الأمر الذي فتح صفحة جديدة أخرى مثيرة ومؤلمة أيضاً، وإنْ لم تطوى بسرعة فستزيد من معاناة الشعب الليبي، وستكون واحداً من التحدّيات الأساسية الجديدة التي تواجه الحكم الجديد، إضافة إلى تراكمات ثقيلة تنوء بها الدولة والمجتمع .

لقد عانى الشعب الليبي هدر الحريات وامتهان الكرامة وتبديد المال العام والفساد الإداري والمالي، في ظل حكم تسلطي، أعلى من دور الفرد لدرجة التأليه أو العبادة، لاسيما بغياب المؤسسات والرقابة، وإخضاع الدولة ومرافقها ومنشآتها إلى إرادة الفرد الذي وضع نفسه فوق الجميع، حيث “ألغى” الدولة والمجتمع في آن، لتصبح إرادته فوق جميع الاعتبارات القانونية والاجتماعية والإنسانية، وما على الجميع سوى الامتثال إنْ لم يكن الانصياع إليها، من دون أي حقوق، باستثناء “مكرمات” يقرر الزعيم منحها بين الفينة والأخرى، وبما يتماشى مع مزاجه ورغباته الشخصية الأكثر إثارة للجدل في التاريخ العربي المعاصر .

عندما ألغى القذافي ونظام حكمه، الدولة الليبية الناشئة “بثورة” الفاتح من سبتمبر (أيلول) 1969 وعد الشعب بالكثير، لكن أولى خطواته بعد الانقلاب العسكري كانت وقف التطور التدريجي للدولة، التي راكمت خبرة لا بأس بها، وبرّر ذلك بنظريته المعروفة عن “الجماهيرية” التي دوّنها ب”الكتاب الأخضر”، لاسيما بالفكرة الرومانسية التي تقول: الشعب يحكم نفسه بنفسه، ولكن كيف؟ يجيب الكتاب الأخضر “من خلال المؤتمرات الشعبية” وهذه تنتخب “اللجان الثورية”، وخلال فترة أربعة عقود ونيّف من الزمان كانت تقوم وتقعد لجان من دون أن يحكم الشعب نفسه، حيث ظلّ بعيداً عن مركز القرار، الذي يعود بالنتيجة إلى شخص واحد، اعتبر نفسه لا يحكم، وهو ما حاول تبريره لآخر لحظة، حين انفجرت الجماهير في بنغازي مطالبة برحيله، وامتدّ اللهيب الثوري، لينتقل من مدينة إلى أخرى، فقال رداً على الشعب المنتفض والمطالب برحيله: بأنه لا يحكم، وليس له موقع في الدولة، وإنما الذي يحكم هي اللجان الثورية المنتخبة من المؤتمرات الشعبية، حيث يحكم الشعب نفسه بنفسه، في فكرة يوتوبية ساذجة وسمجة في الآن .

لقد ألغى القذافي الدولة ومؤسساتها وقوانينها، وأصبحت إرادته وقراراته، بل ورغباته لها قوة القانون، ولا يعلو قانون فوقها، وبعد كل ذلك ألغى المجتمع، فحوّله إلى ملحق وتابع للجان الثورية التي أسسها، وطبّق عليها “مبدأ الإجماع المصطنع” من دون أي اعتراف بالتعددية والتنوّع واختلاف الرأي، الذي كان خطيئة، لاسيما إذا كان الأمر يتعلق برأيه، ولم يعرف المجتمع الليبي خلاله فترة حكمه أي هوامش ديمقراطية أو منظمات للمجتمع المدني مستقلة أو بعيدة عن التدخلات الحكومية ولجانها الثورية، وهكذا ضعف إلى درجة الإلغاء الصوت الآخر وحرّمت الحياة الحزبية قانوناً، بل إنها جرّمت على الصعيد النظري، ضمن شعار “من تحزّب خان” وهي اليافطات التي كانت ترفعها المؤتمرات الشعبية .

وحسب المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي، إذا كان الماضي قد احتضر، فإن عملية البناء تحتاج إلى إعادة تركيب وأولويات للدولة والمجتمع، خصوصاً أن الحاضر لا تزال تتجاذبه أفكار ورغبات لا تخلو من الثأر والانتقام وثقافة السلاح التي سادت لسنوات طويلة، الأمر الذي يحتاج إلى بنية جديدة لتنشئة الجيل الجديد والمجتمع ككل على ثقافة مختلفة قوامها السلام والتسامح والتفكير الحر واحترام الحقوق والحريات والمواطنة المتساوية والقيم الديمقراطية والإنسانية، ولذلك ستكون المهمة صعبة وقاسية، فعملية الهدم أو القضاء على النظام القديم أسهل بكثير من عملية إعادة البناء .

ولعل الجديد لم يولد بعد وقد يطول المخاض، لاسيما في ظل وجود تدخلات خارجية وصراعات قد تندلع بين حلفاء اليوم لاختلاف التوجّه والخلفيات الفكرية والسياسية والاجتماعية، والمصالح المتباينة، بل والمتضاربة أحياناً، حول شكل الدولة المنشود وبنائها وحدود الاعتراف بحق الاختلاف والتنوّع والتعددية، وعلاقتها بالدين وإن كان الأغلبية الساحقة من المسلمين ومن المذهب السني المالكي تحديداً، ثم أي طريق للتنمية ستختار وموقفها من قضية المرأة والعدالة الاجتماعية وغيرها، خصوصاً كيفية التصرف والاستفادة من الثروات الطبيعية، لاسيما الثروة النفطية، التي بُددت عائداتها من دون أي شعور بالمسؤولية، على مغامرات وحروب وولاءات وأجهزة أمن، بعيداً عن التنمية ورفاه الشعب الليبي، وصحة وتعليم أبنائه .

وإذا كان التناقض الأساسي سابقاً بين الشعب ونظام القذافي والشلّة المرتبطة به، فإن هذا التناقض قد حلّ بإطاحة النظام السابق، لكنه فتح الباب على مصراعيه لتناقضات أخرى داخلية وخارجية، تلك التي ظهرت على السطح، والتي بدأت منذ اللحظات الأولى لانهيار نظام القذافي، والتي توّجت في الطريقة البشعة التي قُتل فيها القذافي، ولعل مثل هذا التناقض سيستمر بين قوى تريد بقاء الناتو، وقوى لا ترغب في استمرار وجوده، بل إن بعضها يعتبره “خطراً” على ليبيا واستقلالها ومستقبلها .

هكذا ظهر على السطح الاختلاف بين قوى الائتلاف الموحدة ضد نظام القذافي، وأصبحت هناك برامج متنوعة، وهو أمر طبيعي، بين قوى إسلامية أكثرها تنظيماً هي حركة الإخوان المسلمين، إضافة إلى الجماعة الإسلامية المقاتلة، فضلاً عن السلفيين، وهي قوى لها حضور غير قليل، وقوى ليبرالية أو يسارية أو حتى نيوليبرالية تختلف في تصوّراتها وتقديراتها حول بناء الدولة، الأمر الذي سينعكس عند إعداد الدستور، خصوصاً في الموضوع الشائك والمعقد هو علاقة الدين بالدولة، وهو الأمر الذي جرى نقاش واسع حوله في تونس وفي مصر، وسيستمر بعد انتخابات المجالس التأسيسية،  وسيكون مطروحاً في ليبيا أيضاً، بل وعلى جميع الثورات العربية في اليمن وسوريا وغيرها . وبرزت هناك قوى لم تكن منظورة في السابق، بعضها يدعو لعودة الملكية وإن كانت محدودة، وبعضها يريد تقاسماً قبائلياً أو مناطقياً، ولعل الاختلاف على هوية الدولة سيزيد من الانقسامات والتباعدات، إنْ لم تتم إدارتها على نحو سليم وعبر حوار سلمي ومنافسة ديمقراطية .

لعل خطّة الطريق الانتقالية التي كان قد وضعها المجلس الانتقالي برئاسة مصطفى عبد الجليل وزير العدل السابق كانت قد حددت الملامح الأساسية للمبادئ الدستورية التي تم الاتفاق عليها وهي التي احتوتها الوثيقة التي شملت 37 مادة، تقضي بتسليم السلطة وإجراء انتخابات بعد ثمانية أشهر، وتشكيل جمعية وطنية، تستمر عاماً واحداً، حين يتم إعداد الدستور الجديد، ثم تجري الانتخابات البرلمانية، وهي خطة لا تختلف كثيراً عن الخطط المعلنة والمتبعة في أفغانستان والعراق سابقاً وتونس ومصر حالياً وبعض دول أوروبا الشرقية التي جرت فيها عمليات تغيير نحو الديمقراطية، وإن كانت لكل بلد خصوصيته، لاسيما اختلاف طرق ووسائل التغيير .

وكان انتخاب أستاذ الهندسة الكهربائية د . عبد الرحيم الكيب رئيساً للحكومة المؤقتة وقد قضى القسم الأكبر من حياته في الخارج، الخطوة الأولى لتشكيل حكومة أقرب إلى التكنوقراط مؤلفة من 24 وزيراً، في حين كان هناك من يريد محاصصة مناطقية وجهوية، لكن حكومة الكيب وهو ابن طرابلس لم تستجب للضغوط وحاولت الابتعاد قدر الإمكان عن المحاصصة، ووعد الكيب بإلغاء مظاهر التسلح والسعي لدمج الثوار في الحياة المدنية والاجتماعية وعودة الجميع إلى وظائفهم بمن فيهم العسكريون في الجيش والشرطة والأمن، لتحقيق الأمن والاستقرار والأمان كما قال، وعبّر عن ذلك أن الموضوع مسألة وقت .

لكن السلاح أصبح بيد ميليشيات ثورية جديدة، وسيكون نزعه إحدى أهم المشكلات التي ستواجه الحكومة الليبية الحاضرة، وربما الحكومات المقبلة، وقد حدثت اشتباكات دامية وأعمال تطهير وقمع وانتقام لا بين الثوار وأنصار القذافي حسب، بل بين بعضهم بعضاً، وهو ما نقلته صحيفة الديلي تلغراف البريطانية بالتفصيل، لاسيما بين كتيبة طرابلس وأخرى من مدينة الزنتان، واستخدمت في هذه الاشتباكات والمعارك أسلحة ثقيلة .

المشكلة الأخرى التي ستواجه طرابلس هي حلّ الميليشيات وإنهاء وجود الجماعات الثورية المسلّحة وفرض نفوذ الدولة وهيبتها والتخلص من مظاهر العنف وحالات الفلتان الأمني وإخضاع الجميع لمبدأ سيادة القانون، وإعادة بناء أجهزة الأمن على أسس جديدة ديمقراطية وإنسانية، وتلك مهمة كبيرة وعويصة تنتظر الوضع الجديد .

ولعل هذه المهمات جميعها تدخل في إطار العدالة الانتقالية التي تستوجب كشف حقيقة ما جرى أولاً، ثم العمل على المساءلة للمرتكبين، وردّ الاعتبار للضحايا وتعويضهم، وجبر الضرر، وإعادة بناء وإصلاح النظام القانوني والقضائي والأمني، بحيث لا يتكرر ما حصل في السابق، وعند الانتفاضة وبُعيدها، وأعتقد أن ذلك مهمة طويلة الأمد وتحتاج إلى إعادة ترتيب الأولويات سواءً لأجهزة الأمن أو الشرطة أو القضاء أو التعليم أو الصحة أو إعادة بناء ما خربته الحرب، وإعادة إصلاح المنظومة القانونية، وهذا يستوجب على نحو سريع ولكن مدروس، إعادة النظر في جميع القوانين السائدة، والمسألة تحتاج إلى تدريب وتأهيل واطلاع على تجارب عربية ودولية، ليس بهدف الاستنساخ أو التقليد، بل للإفادة منها بما فيها بعض أخطائها .

أما التحدي الذي ستواجهه الدولة الليبية وقد يوازي التحديات الأخرى مجتمعة فهو موضوع دور الناتو المستقبلي، الذي قد ينقل قوته الخشنة إلى قوة ناعمة، بالهيمنة والنفوذ الاقتصادي والسياسي، فما قام بتدميره سيسعى لأخذ مناقصة لإعادة بنائه، وربما بأضعاف ما تستحق من أكلاف، وهكذا سيتم ارتهان عملية إنتاج النفط لسنوات قد تطول تحت باب إعادة الإعمار، ولعل ذلك سيكون “تعويضاً للتدخل الإنساني” مقلوباً بتأمين المصالح الحيوية، لاسيما النفطية لدول حلف الناتو، خصوصاً فرنسا وبريطانيا ومعهما الولايات المتحدة، بما يثير هواجس كثيرة بوجه الدولة، ومستقبلها، لاسيما بخصوص استقلالها وسيادتها وحق التصرّف بمواردها الطبيعية .

* أكاديمي ومفكر عراقي



267
الانسحاب الأميركي من العراق.. من الأقوى؟

عبد الحسين شعبان

ثلاثة مرتكزات اعتمدت عليها الإدارة الأميركية في سياستها إزاء العراق في السنوات الثلاث الماضية، وذلك كي تتجنب المزيد من الخسائر المادية والمعنوية التي تعرّض لها مشروعها الامبراطوري، الذي تكرّس باحتلال العراق عام 2003، على الرغم مما لاقاه من مقاومة شرسة، ولعل هذه المرتكزات هي:
المرتكز الأول- إعادة تنظيم العلاقة بين بغداد وواشنطن، بحيث يتم اعتماد صيغة جديدة بدلاً من «الاحتلال العسكري « الذي نظّمه القرار 1483 الصادر في أيار (مايو) 2003 عن مجلس الأمن الدولي، والذي يخضع في أحكامه لاتفاقيات جنيف ولقواعد القانون الدولي، إضافة إلى نحو عشرة قرارات دولية أخرى صدرت بعده من الأمم المتحدة.
وبإبرام الاتفاقية العراقية - الأميركية في أواخر عام 2008 وعشية مغادرة الرئيس جورج دبليو بوش البيت الأبيض الذي أصرّ على إنجازها قبل انتهاء ولايته، تغيّرت صفة الاحتلال إلى «احتلال تعاقدي»، لا سيما بإسقاط حق العراق بالتعويض عن الأضرار التي لحقت به، الأمر الذي كان واضحاً أن الصيغة الجديدة هي الأخرى غير متكافئة حسب اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام 1969، لأنها انعقدت بين طرفين أحدهما قوي ومحتل، والآخر ضعيف ومحتلة أراضيه، حيث تم استبقاء القوات الأميركية بحصانة قانونية لمدة ثلاث سنوات، وتم منحها امتيازات على حساب السيادة الوطنية العراقية التي ظلّت معوّمة. لكن هذه الصيغة هي الأخرى وصلت إلى طريق مسدود، وفشلت في تلبية طموحات واشنطن، لا سيما تداعياتها اللاحقة.
المرتكز الثاني ـ إعادة ترتيب العلاقة بين أطراف العملية السياسية، بحيث يتم تشكيل حكومي ثلاثي يضم القائمة الأكبر الفائزة بـ 91 مقعداً وهي القائمة العراقية برئاسة الدكتور إياد علاوي القريب من واشنطن، والثانية كتلة الائتلاف الوطني التي ضمت قائمة دولة القانون التي حصلت على 89 مقعداً، والمجلس الإسلامي الأعلى وجماعة السيد الصدر وجماعات إسلامية ـ شيعية أخرى التي حصلت على 70 مقعداً، واعتبرت حسب قرار المحكمة الاتحادية، الكتلة الأكبر التي من «حقها» تشكيل الوزارة، حيث تم إعادة تكليف نوري المالكي الذي يعتبر عمقه الاستراتيجي لإيران، وأفقه السياسي لواشنطن، وقد حاول الموازنة خلال فترة ولايته الأولى، إضافة إلى الكتلة الكردية وهي المجموعة الثالثة، التي يتزعّمها الحزبان الديموقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، مع بروز عنصر جديد هو المعارضة الكردية الداخلية، منذ الانتخابات المحلية لإقليم كردستان، خصوصاً «كتلة كوران» القوية في السليمانية.
وقد كُلّف جو بايدن نائب الرئيس الأميركي بالمهمة عشية وعقب الانتخابات البرلمانية التي جرت في 7 آذار (مارس) 2010 والتي تأخّر تشكيل الوزارة بعدها لعام تقريباً، وحتى بعد تشكيلها ظلّت وزارتا الدفاع والداخلية شاغرتين حتى الآن، وقد تم «اختراع» صيغة «المجلس الوطني للسياسات الاستراتيجية العليا» لترضية إياد علاوي، لكن هذه الصيغة سبّبت المزيد من التعقيد بدل التوافق، وظل طريق هذا المجلس غير سالك، لا من الناحية الدستورية، ولا من الناحية العملية، حيث لا موقع له في الدستور، ومن الناحية العملية لا يوجد منطق يبرر وجود «رئيس للرؤساء».
وقد فشل بايدن، الذي زار العراق لعدّة مرات عشية وبُعيد الانتخابات، وكان فشله ذريعاً في خلق الائتلاف العراقي المنشود، بل ازداد التباعد حدّ التناحر، لا سيما في ظل تدهور الوضع الأمني، والإعلان عن بدء الانسحاب الأميركي من العراق، إضافة الى ظهور مشكلة الأقاليم، خصوصاً بعد إعلان مجلس إقليم محافظة صلاح الدين عن رغبته في التحوّل إلى إقليم، وكذلك تلويح مجلس محافظة الأنبار، وقبل ذلك تصريحات رئيس البرلمان العراقي أسامة النجيفي عن تهميش السنّة، الذين قد يضطرّون إلى تشكيل إقليم مستقل إذا استمرت حالة الإقصاء والعزل.
المرتكز الثالث هو اضطرار واشنطن، حسبما يبدو، إلى سحب قواتها بالكامل من العراق، خصوصاً وقد فشل القادة الأميركان في الإبقاء على 20000 (عشرون ألف) جندي أو حتى 10000 (عشرة آلاف) في العراق، لأسباب أميركية داخلية، فقد كلّفت الحرب ما يزيد عن 4478 قتيلاً ونحو 30 (ثلاثون ألف) جريح، إضافة إلى نحو ثلاثة مليارات دولار حتى نهاية عام 2008، والأمر يتعلق بالانتخابات الرئاسية القادمة ورغبة الرئيس الأميركي أوباما في الترشّح لولاية ثانية، لا سيما أن موقفه كان مناوئاً للحرب على العراق، وكذلك يتعلق الأمر بضغط الرأي العام الأميركي والغربي عموماً، إضافة إلى الرأي العام العالمي، ناهيكم عن الأزمة الاقتصادية والمالية التي ضربت الولايات المتحدة والعالم أجمع، ولا تزال مستمرة، خصوصاً بانهيار مصارف كبرى وشركات تأمين عملاقة.
وحتى الآن يبدو أن بقاء نحو 3000 (ثلاثة آلاف) جندي أميركي للتدريب والتأهيل مع طواقم السفارة وملحقاتها بحصانتهم القانونية بنحو 16 ألف غير قادر على أن يمثل وجوداً عسكرياً مؤثراً، وحسبما يبدو فإن واشنطن تحاول الاستعاضة عن وجودها العسكري الكثيف بقواعد عسكرية قريبة من العراق في دول الخليج، للتدخل العسكري عند الحاجة، وهكذا أخذت تفكّك القواعد والمقرّات والمواقع العسكرية وتسلّمها إلى الحكومة العراقية.
لعلّ رفض بقاء قوات أميركية شعبياً في العراق من جهة وعدم رغبة واشنطن في إبقائها مهددة من جهة ثانية، هي المرّة الأولى التي تحتل فيها واشنطن بلداً وتخرج منه من دون الحاجة إلى الإبقاء على قوات أو قواعد عسكرية، ففي ألمانيا لا زال هناك نحو 54000 جندي وفي اليابان نحو 40000 جندي، وفي كوريا لا يزال نحو 28500 جندي.
لم يصادف أن انسحبت واشنطن من بلد، الاّ مضطرة كما حصل في الفيتنام، وهي إذْ تضع اللمسات الأخيرة على انسحابها، تترك العراق في حالة غليان وفوضى لا تزال مستمرة، فنبرة الانقلاب العسكري والتنظيم البعثي عادت إلى الواجهة، وشملت الاتهامات بعض الأطراف المشاركة في العملية السياسية والحليفة في ما سمّي بحكومة الشراكة.
ولعل هذه الأطراف هي الأخرى تتهم من جانبها الكتل الأساسية، لا سيما المالكي وحزب الدعوة والمجلس الإسلامي الأعلى وجماعة السيد الصدر ومنظمة بدر وغيرها، بالانحياز إلى إيران وتسهيل مهمتها في العراق، وعاد الانقسام المذهبي والطائفي إلى الواجهة بعد مطالبات إقليم صلاح الدين بالفيدرالية، واستفحل العنف والارهاب مجدداً في الشارع، لا سيما استهداف الأكاديميين ومؤخراً شرطة المرور، ناهيكم عن كواتم الصوت التي أصبحت ظاهرة مخيفة في الفترة الأخيرة.
أما ما يسمى بـ«المناطق المتنازع عليها»، فقد ازدادت حدّة وحصل الأمر في خانقين مؤخراً برفع العلم الكردي ومطالبة الحكومة الاتحادية بإنزاله وازدياد العنف والتوتر في كركوك حيث لا يزال مصير المادة 140 من الدستور المرحّلة من المادة 58 من قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية، غامضاً، ولا أفق سريعاً في الحل، بل إن الوضع يزداد تعقيداً.
ومثلما فشل الرئيس بوش في إدارة مرحلة ما بعد الاحتلال، لا سيما باستخدام القوة الخشنة وزيادة عدد الجنود الذي وصل الى 170 الف جندي، فقد «خسرت» إدارة أوباما العراق، الذي لا يزال مفتوحاً لاحتمالات شتى، وهكذا بعد سنوات من الشراسة الفاشلة، بدت خطة أوباما باستخدام القوة الناعمة فاشلة أيضاً، وكلاهما لم يكونا «قوة ذكية» كما جرى تبريره.
وإذا كانت الولايات المتحدة ستترك العراق مضطرة، فإن تنظيم القاعدة لا يزال نشطاً ويمارس إرهاباً شنيعاً على الرغم من الضربات التي تعرّض لها وتقليص دائرة نفوذه، ولكن لا يمكن الحديث اليوم أن حملة مكافحة الارهاب التي أعلنتها واشنطن بعد أحداث أيلول (سبتمبر) الارهابية الإجرامية قد «نجحت» وأنه تم تنظيف العراق من آثارها السوداء. كما أن النفوذ الإيراني في العراق، العدو التقليدي في المنطقة لواشنطن، لا زال قوياً، بل إنه اتّسع وامتدّ إلى العمق العراقي، وبدت الوحدة الوطنية هشّة ومضعضعة، والاحتراب بين القوى السياسية تضاعف إلى حدود تنذر بالخطر، خصوصاً بارتفاع الدعوات إلى «الفيدرالية»، تلك هي التي تعارضها الحكومة.
أما تأمين عقود وتراخيص خاصة في موضوع النفط، وإصدار قانون النفط والغاز الذي ظلّ معلّقاً منذ عام 2007، فإنه لن يكون لوحده الثمن المجزي لواشنطن، وإنْ كان تعويضاً مناسباً لما خسرته في الحرب، لكن سياساتها في العراق والمنطقة باءت بالفشل، سواءً باستخدامها القوة الخشنة أو القوة الناعمة، ولكن في كلا الحالتين لم تكن سوى قوة غبيّة عاظمت من معاناة شعوب المنطقة، التي ظلّت محرومة من الحريات والحقوق الديموقراطية والعدالة الاجتماعية واستحقاقات التنمية الشاملة، الأمر الذي كانت فداحته غالية كثيراً، ولعل ذلك ليس سوى الصورة الأولى لمخلّفات الانسحاب الأميركي من العراق.

([) باحث ومفكر عربي


268
اليونيسكو والثقافة بالمقلوب
    
 
عبدالحسين شعبان
يصحّ القول إن وراء كل مشكلة ثقافية هناك مشكلة سياسية، والعكس ليس صحيحاً، فحقل السياسة حتى إنْ كانت خلفيته ثقافية، فإنها تعكس واقع المصالح، لاسيما الاقتصادية والاجتماعية، إزاء القضايا والأحداث، سواءً على صعيد السياسات الداخلية، وعلى درجة أكبر في السياسات الدولية . ولعل مثل هذا الاستنتاج ينطبق على الكثير من القضايا العقدية، سواء في جانبها الثقافي، أو في خلفياتها السياسية التي تعبّر عن صراع أو اتفاق المصالح، الأمر الذي يتحدد في ضوئه “فن الممكن” كما يقال، باعتباره أحد أوجه التعبير عن السياسة وتوازناتها .

وإذا كانت منظمة اليونيسكو، إحدى منظمات الأمم المتحدة، المختصة بالتربية والعلوم والثقافة، فإنها ليست بعيدة عن السياسة، فهي في صلب الصراع السياسي المحتدم في العلاقات الدولية، باعتبارها حقلاً من حقول الدبلوماسية الدولية على مدى عقود من الزمان، ولا يتعلق الأمر بحقبة الحرب الباردة وتضاد الأيديولوجيات وقطبية الإعلام وأساليب الدعاية السوداء فحسب، بل إنها حتى بعد انهيار النظام الاشتراكي، لاسيما منذ سقوط جدار برلين في نوفمبر/ تشرين الثاني ،1989 استمرت على المنوال ذاته، خصوصاً بصعود قطب أساسي متنفذ ومهيمن، ليس على سياسات وبعض توجهات اليونيسكو حسب، وإنما على السياسة الدولية بشكل عام .

وإذا كانت القضية الفلسطينية قد وجدت طريقها إلى أروقة الأمم المتحدة منذ أواسط السبعينات بشكل مكثف، فقد كانت منظمة اليونيسكو أيضاً أحد أوجه هذا الحضور الجديد، ويبدو أن توجّه السلطة الفلسطينية برئاسة محمود عباس (أبو مازن) للحصول على عضوية كاملة لدولة فلسطين في الأمم المتحدة، والتقدّم بطلب رسمي في سبتمبر/ أيلول 2011 لا يزال ينتظر الإجراءات الرسمية لعرضه على الجمعية العامة، قد انتقل إلى اليونيسكو كذلك على نحو أكثر حدة .

ولعل السبب الأساسي في الدبلوماسية الفلسطينية الجديدة العودة إلى المجتمع الدولي، هو ضغط الواقع بعد وصول اتفاقيات أوسلو لعام 1993 إلى طريق مسدود منذ عام ،1999 حيث كان من المفترض المباشرة في ما سمّي بمفاوضات الحل النهائي، لكن تعنّت “إسرائيل” وتراجعها عن “التزام” لم يكن يحظى بالإجماع الفلسطيني والعربي ولو بحدّه الأدنى، دفع الأمور إلى المجهول، ناهيكم عن ارتفاع حجم القمع والإقصاء والعدوان والحصار .

وبعد أن سدّت جميع المنافذ اندلعت الانتفاضة الفلسطينية الثانية في 28 أيلول (سبتمبر) عام ،2000 ولم تنفع لاحقاً اتفاقية واي ريفر وخريطة الطريق، حيث استمر “الإسرائيليون” سادرين في غيّهم وقاموا بقصف وتخريب المطار الفلسطيني ومحاصرة الرئيس الراحل ياسر عرفات، وفي ما بعد شن العدوان على غزة بعد حصارها الذي لا يزال مستمراً منذ عام 2007 حتى الآن، ولكن نتائج عدوان أواخر عام 2008 وأوائل عام 2009 جاءت بما لا يرضي “إسرائيل” مثلما كانت نتائج عدوانها على لبنان عام 2006 .

الغريب أن واشنطن حذرت الأمم المتحدة من قبول فلسطين عضواً كامل العضوية، وزعمت أن عضويتها مشروطة باتفاق مع “إسرائيل” التي هي في الواقع لا تريد أي اتفاق أو حل، بما فيها حلّ أوسلو المطعون فيه، وهو حل لا يشمل سوى 22% من الأراضي الفلسطينية التي كانت بموجب قرار التقسيم رقم 181 لعام 1947 من حصة الدولة الفلسطينية المنشودة، ناهيكم عن رفض “إسرائيل” للقرار 194 لعام 1948 الخاص بحق العودة .

لقد بادرت واشنطن بالضغط على منظمة اليونيسكو لمنع قبول دولة فلسطين، وعندما أصبح الأمر خارج سيطرتها قامت بإيقاف مساهمتها المالية البالغة نحو 80 مليون دولار سنوياً . ولعل هذه الخطوة تذكّر بخطوة أخرى اتخذتها الولايات المتحدة بحق اليونيسكو حين قاطعتها عام 1984 واستمرت في هذا الإجراء حتى عام،2003 ومثل هذا الموقف يمكن أن يمثل “تهديداً” للأمم المتحدة في ما إذا وافقت على عضوية دولة فلسطين التي تحظى حتى الآن باعتراف 126 دولة منذ إعلان الجزائر في عام ،1988 وفي الواقع فإن الخطوة الأمريكية الاستباقية ليست سوى ابتزاز جديد تحاول واشنطن تطويع المنظمة الدولية من خلاله .

لقد كان الاعتراف بدولة فلسطين عضواً كامل العضوية في منظمة اليونيسكو هو اعتراف بواقع أليم وبظلم تاريخي لحق بالشعب العربي الفلسطيني وهيئاته وممثليه، وآن الأوان لتصحيحه على أقل تقدير، في حين تتطلب مبادئ العدالة الدولية التعويض عن الغبن والضرر المادي والمعنوي الذي لحق به جرّاء إبعاده عن الأروقة الدولية، لاسيما من عضوية المنظمات الدولية، خصوصاً منذ أواسط السبعينات، حين عملت منظمة التحرير الفلسطينية على إقامة علاقات وثيقة مع أوساط كثيرة دولية وغير دولية لتأكيد حقوق الشعب العربي الفلسطيني، لاسيما حقه في العودة وتقرير المصير وإقامة دولته المستقلة، أي كيان سياسي يعبّر عنه وخصوصاً في المحافل الدولية .

ومن مبررات قرار الرئيس الأمريكي باراك أوباما بخصوص اليونيسكو، قرار سابق اتّخذه الكونغرس قبل عقدين من الزمان يقضي بالامتناع عن تمويل أية منظمة أو أنشطة دولية تمنح الفلسطينيين عضوية فيها، الأمر الذي يطرح سؤالاً مشروعاً، وماذا لو تم قبول فلسطين في الجمعية العامة أو في منظمات الأمم المتحدة الأخرى، مثل المجلس الاقتصادي والاجتماعي ومحكمة العدل الدولية والوكالة الدولية للطاقة الذرية ومنظمة الصحة العالمية وغيرها؟ فهل ستنسحب الولايات المتحدة منها جميعاً وتعلّق عضويتها أو تمتنع عن تمويلها؟ ولعل مثل ردود الفعل تلك ستبدو أقرب إلى الاستهتار وشكل من أشكال المراهقة السياسية من جانب دولة دائمة العضوية في مجلس الأمن، وعليها مسؤوليات كبرى بموجب ميثاق الأمم المتحدة .

لقد وضع قرار إدارة أوباما بخصوص الاعتراف بدولة فلسطين، الأمم المتحدة كلّها في حرج، باستثناء “إسرائيل”، التي كانت هي الأخرى قد هددت المجتمع الدولي، بل قامت فعلياً وميدانياً بارتكاب جرائم جديدة تضاف إلى جرائمها التاريخية بحق العرب والفلسطينيين بالقيام بعمليات انتقامية، فأقدمت على الشروع ببناء نحو 2000 وحدة سكنية استيطانية في القدس والضفة الغربية، وامتنعت عن تحويل الأموال العائدة إلى السلطة الفلسطينية للضغط عليها والإمعان في إيذائها معنوياً وخنقها اقتصادياً، ثم قامت بعملية عسكرية في قطاع غزة بحجة منع إطلاق الصواريخ على المستوطنات “الإسرائيلية” .

ولم تكتف “إسرائيل” بذلك، بل ارتفعت بعض الأصوات داخلها بالدعوة إلى إلغاء السلطة الفلسطينية، والتحضير لعدوان جديد قد لا يكون بعيداً عن تقليم أظفار حزب الله اللبناني وحركة حماس الفلسطينية، بالترافق أو بالتعاقب في مغامرة قد تبدو صعبة، لكن طبول الحرب التي يتم استحضارها، وتتم بإشراف رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه إيهود باراك، تجعلها غير مستحيلة، كرد فعل ضد الهجوم السلمي الفلسطيني، وقد تصل إلى حد مهاجمة إيران لتدمير مفاعلاتها النووية بالتنسيق مع واشنطن أو لوضعها أمام الأمر الواقع، ف”إسرائيل” لا تستطيع العيش من دون حروب أو مغامرات، وأكثر ما يزعجها بل يقضّ مضاجعها هو السلام العادل، حتى إن كان بحدّه الأدنى .

لقد شعر الرئيس الأمريكي بوطأة قراره “غير الحكيم”، وهو ما دفعه إلى الحصول على استثناء من الكونغرس بشأن الموضوع، لكن اللوبي الصهيوني داخل الكونغرس وخارجه لا يزال قوياً ومؤثراً، الأمر الذي ستضطر إدارة أوباما إلى مراعاته، سواءً بخصوص سياستها إزاء اليونيسكو أو غيرها من المنظمات الدولية التي تلوّح لها بأكثر من عصا .

ومن جهة أخرى فإن “إسرائيل” لا تزال تتشبث بسياساتها الثقافية الداعية إلى الإقرار بيهودية الدولة، أي “نقائها”، الأمر الذي يعني استبعاد الفلسطينيين، وهم أهل البلاد الأصليون الذين يؤلفون حالياً نحو 20% من سكانها، خصوصاً وهي تريد تغيير الهوية بالكامل أو طرد من يبقى متشبثاً بهويته، ناهيكم عن منع الفلسطينيين من حق العودة، ولعل ذلك يمثّل صورة الدولة الفلسطينية التي تريدها “إسرائيل” حسب مقاساتها، وهي في الواقع ليست أكثر من “بلدية”، أو “شعبة إدارية” في إحدى الوزارات، وليس دولة لها جيش وشعب وحكومة وسيادة في إطار حق تقرير المصير .

إن السياسة الثقافية ل”إسرائيل” إزاء “الصراع الشرق أوسطي” وحقوق الشعب العربي الفلسطيني، وهي الجزء الأكثر سوداوية وعنصرية من استراتيجيتها المدعومة من واشنطن، لاسيما في المحافل الدولية، تجعلها يوماً بعد آخر أكثر انفضاحاً إزاء المشترك الدولي والمجتمع الإنساني، كلّما أصبحت على المحك، وما التصويت في اليونيسكو لمصلحة عضوية دولة فلسطين، إلاّ التعبير الأكثر كثافة بإدانة الثقافة العنصرية الاستعلائية، التي تقف بالمقلوب ضد حقوق الإنسان، وهو ما أدانته نحو ثلاثة آلاف منظمة في ديربن (جنوب إفريقيا) في المؤتمر الدولي ضد العنصرية العام 2001.

* باحث ومفكر عربي


269
المنبر الحر / بانتظار بايدن
« في: 19:17 25/11/2011  »
بانتظار بايدن   

 
عبدالحسين شعبان
لا تعتبر زيارة جو بايدن نائب الرئيس الأمريكي إلى العراق سرّية تماماً هذه المرّة، فقد أعلنت الكثير من الأطراف السياسية توقّع زيارته إلى بغداد، بل إنها ظلّت تترقب قدومه، لاسيما في ظل احتدام الجدل والصراع حول موضوع الانسحاب الأمريكي ومشروع الفيدراليات ومستقبل العملية السياسية . ومع أن زيارته غير سرّية، لكن توقيتها ظلّ سرّياً مثلما جرت العادة في كل مرّة، حين كان يأتي ويغادر من دون إعلان مسبق، وفي كل مرّة كان التبرير أمنياً .

ومنذ أن اقترن اسم جو بايدن بمشروع تقسيم العراق إلى ثلاث مناطق أطلق عليها “فيدراليات” في عام 2007 ازدادت زياراته إلى العراق، وعندما أصبح نائباً للرئيس أوباما انشغل بالموضوع العراقي إلى حدود كبيرة . يكفي أن نشير إلى أنه حلّ “ضيفاً “ مفاجئاً على بغداد ثلاث مرات خلال فترة قصيرة، سبقت وأعقبت الانتخابات البرلمانية التي جرت في 7 مارس/ آذار 2010 .

فزيارته الأولى كانت بُعيد إعلان قوائم الاجتثاث عشية الانتخابات لمنع بعض المرشحين من الترشّح، وزيارته الثانية كانت بُعيد الانتخابات غير الحاسمة، والاختلاف حول القائمة الفائزة أو الكتلة الأكبر، لاسيما من سيكون رئيساً للوزراء، أما زيارته الثالثة، فجاءت مترافقة مع سيناريو المرحلة الأولى من الانسحاب الأمريكي من العراق، فضلاً عن وضع اللمسات الأخيرة لتشكيل وزارة عراقية، قال في زيارته الثانية يريدها أن تمثّل جميع التيارات والأطياف العراقية، وشدد في زيارته الثالثة 30/8/2010 على أن شراكة واشنطن مع بغداد هي شراكة استراتيجية طويلة الأمد، وأن واشنطن ملتزمة بذلك حتى بعد انسحابها من العراق .

ويبدو أن مشروع المجلس الوطني للسياسات الستراتيجية العليا الذي اقترح كترضية لإياد علاّوي رئيس القائمة العراقية، بعد قرار المحكمة الاتحادية حول الكتلة الأكبر، كان من بنات أفكار بايدن أو من إيحاءاته، لكن هذا الأخير صبّ المزيد من الزيت على النار المشتعلة بين القائمة العراقية وقائمة دولة القانون، وبدلاً من أن يكون حلاً أو عاملاً مساعداً في الحل، زاد الأمر تعقيداً، خصوصاً أنه مجلس غير سالك دستورياً، حيث لا مكان له في الدستور، ناهيكم عن أنه غير منطقي عملياً، فكيف يمكن أن يكون هناك رئيس للرؤساء؟

يصل بايدن إلى بغداد وهي على مفترق طرق، فالجو السياسي العراقي مكفهّر وملبّد بالغيوم، والمخاوف تتعاظم من احتمال تصدّع العملية السياسية ومن تعاظم النفوذ الإقليمي، لاسيما لجهة الدور الايراني، وانفلات أعمال العنف والإرهاب، خصوصاً الاختراقات الأمنية التي شهدها العراق طيلة الأشهر الماضية، حيث بدى المشهد السياسي العراقي أكثر التباساً وتشويشاً واحتداماً، ولهذا ترى كتلاً وتيارات سياسية أكثر ترقباً لوصول طائرة الرجل، خصوصاً أن مجيئه له أكثر من دلالة هذه المرّة .

السبب الأول أن جو بايدن قادم عشية إتمام الانسحاب الأمريكي من العراق، الأمر الذي سيترك تداعياته المختلفة على المستقبل العراقي، وهو الوعد الذي قطعه الرئيس الأمريكي أوباما على نفسه وعلى الملأ، لاسيما أنه كان هو معارضاً للحرب على العراق، حيث بدأت القوات الأمريكية بالانسحاب من العراق منذ شهر أغسطس/ آب عام 2010 وستكمل انسحابها في 31 ديسمبر/ كانون الأول 2011 .

ويأتي بايدن وهو صاحب مشروع التقسيم الشهير الذي طرحه في عام 2007 وأخذ موافقة الكونغرس عليه وعرضه على الأمم المتحدة، كجزء من “حل عراقي” أو هكذا يريده بعضهم، خصوصاً أنه وصلت مشاريع التقسيم المحلية إلى ذروتها، في محافظات كانت هي أول من وقف ضد الفيدرالية، بل صوتت ضد الدستور بسبب النص عليها، وإذا بها تغيّر وجهتها بقوة، بل تجد فيها “الحل” حتى إنْ كان “هروباً” إلى الأمام، سواءً من دعا إلى إقامة إقليم للسنة لأسباب تتعلق بتهميشهم وإقصائهم وشعورهم بالتمييز، مثلما ذهب إلى ذلك رئيس البرلمان العراقي الحالي أسامة النجيفي يوم أطلق تصريحاته من الولايات المتحدة الأمريكية وسبّبت ردود فعل حادة ضده، أو من يعتقد أن نظام الأقاليم يجنّبه تحكّم وهيمنة الحكومة الاتحادية “المركزية” .

وعادت النبرة هذه الأيام حين قرر مجلس محافظة صلاح الدين اتخاذ الخيار الفيدرالي “سبيلاً” لرفع الغبن والحيف، وهدّد مجلس محافظة الأنبار بذلك، واحتدم النقاش والجدل والصراع حول ما يسمى المناطق المتنازع عليها ومصير المادة 140 من الدستور الدائم المستفتى عليه في 15 تشرين الأول/أكتوبر 2005 الخاصة بكركوك، والمنقولة من المادة 58 من قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية في العراق الصادر في آذار/مارس ،2004 وشمل الأمر خانقين حين رفع مجلسها المحلي العلم الكردي، وأمر رئيس الوزراء بإنزاله، حيث أثيرت بعض الإشكاليات الإثنية مجدداً ارتباطاً بمسألة الأقاليم .

وإذا كان من اعتبر بايدن “عدواً” أو “خصماً” لأنه دعا إلى مشروع تقسيم العراق، فإن هناك من يعتبره اليوم “حكماً”، خصوصاً بعد أن اندلع الصراع، وتلك من مفارقات المشهد السياسي العراقي، في حين ظلّت الحركة الكردية تجد فيه “صديقاً” طالما أن مشروعه قريب من مشروعها بشأن تقاسم السلطة والنفوذ والثروة في العراق، بتعزيز استقلالية الأقليم الكردستاني والتشجيع على إقامة أقاليم أخرى .

لعل أوضاع العراق المتقلّبة والسريعة التغيير مثل كثبان رملية متحركة، أجبرت بايدن وغيره من دعاة التقسيم على تأجيل مشاريعهم، لكن المتغيرات الجديدة على الأرض، بينت أن “النعرة الطائفية” لا تزال عميقة الجذور، أو أنها تظهر بين آونة وأخرى بأشكال مختلفة، من الصراع الخشن والعنفي والقاسي، إلى الصراع الناعم والسلمي والكثير المكر أحياناً، الأمر الذي يستوجب تعديل قواعد اللعبة وإنْ كان الهدف واحداً، سواءً بالتوافق مع بايدن بتطوير وتكييف مشروعه، أو باستخدام نفوذه لتأييد مشروع الفيدرالية الجديد بعد إعلان مجلس محافظة صلاح الدين والتوجّه الفيدرالي الجديد، الذي وصفه رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي ب”الكارثة”، مُخطئاً “التوقيت” و”التوجه”، فضلاً عن المبررات والذرائع .

أما السبب الثاني فهو للإشراف على الانسحاب الأمريكي من العراق من جهة، وتأمين البقاء الأمريكي فيه من جهة ثانية، أي خروج الولايات المتحدة عسكرياً من العراق، والبقاء فيه تعاقدياً بموجب اتفاقية “الإطار الاستراتيجي”، حيث نقلت تلك الاتفاقية التي هي جزء من منظومة اتفاقيات بما فيها الاتفاقية الأمنية لعام 2008 العراق من “الاحتلال العسكري” إلى “الاحتلال التعاقدي”، ومن “الاحتلال الخشن” إلى “الاحتلال الناعم” .

ولعل من أخطر ما ورد في “اتفاقية الإطار الاستراتيجي” هو السماح لواشنطن ب”التدخل” في شؤون الوزارات العراقية، تحت باب: دعم الوزارات والوكالات العراقية في إطار الشراكة الاستراتيجية في مجالات اقتصادية ودبلوماسية وثقافية وأمنية، وليس ذلك سوى إخضاع هذه المجالات لإشراف واشنطن . وهو ما تناولناه في كتابنا الأخير الصادر في بغداد والموسوم “بغداد- واشنطن: أي مقايضة للاحتلال العسكري” بغداد 2011 .

ولعل سبباً ثالثاً له دلالة مهمة أيضاً، يتعلق بمنح المدنيين الأمريكيين الذين من الممكن أن يتحدد عددهم بثلاثة آلاف، إضافة إلى متعاقدين معهم وطواقم السفارة الأمريكية والشركات الأمنية الخاصة، حصانة قانونية، وهو أمر تصرّ عليه واشنطن . وحسب المعلومات الموثقة وكما تشير التجربة التاريخية، فإن واشنطن لا تبقي جندياً واحداً خارج الولايات المتحدة من دون حصانة قانونية، وترفض خضوع جنودها لأي قانون أجنبي، بما فيها بعض القوانين الدولية، ولعل ذلك واحداً من أسباب معارضتها قيام المحكمة الجنائية الدولية (نظام روما الأساسي) عام 1998 التي دخلت حيّز التنفيذ في عام ،2002 وكانت واشنطن قد انضمت إليهما قبيل انتهاء المهلة المحددة بساعات عام ،2000 وعادت وانسحبت منها بعد دخولها حيّز التنفيذ، لكي تتجنب تعريض أي من جنودها للمساءلة القانونية، وهو ما أصرّت عليه في اتفاقية عام 2008 العراقية- الأمريكية .

ومن الجدير بالذكر أن السبب الرابع لزيارة بايدن التي لها دلالة عملية أيضاً هو الاتفاق مع حكومة المالكي على الملفات التي سيتم بحثها عند زيارة رئيس الوزراء العراقي إلى واشنطن في 12 ديسمبر/ كانون الأول المقبل للقاء مع الرئيس أوباما، تلك التي قال عنها سامي العسكري المقرّب من رئيس الوزراء نوري المالكي، هي ملفات للتعاون الاقتصادي والثقافي والأمني في إطار اتفاقية التعاون الاستراتيجي .

وإذا كانت ملفات التقسيم وخرائط الحدود بين الأقاليم والمحافظات، سواءً حسب بايدن أو وفقاً لما قدّمه الرئيس جلال الطالباني إلى البرلمان لتحديد الحدود والذي عارضته معظم الكتل البرلمانية وموضوع الانسحاب وتأمين الوجود الأمريكي اللاحق هي ما في جعبة بايدن، فماذا سيكون في حقيبة السياسيين العراقيين، لاسيما في ظل التشظي الطائفي والاحتراب المذهبي والإثني وعودة العنف والإرهاب واستشراء ظاهرة الفساد والرشوة المسكوت عنهما وغياب وحدة وطنية متينة مدعومة بإرادة سياسية موحدة؟

* باحث ومفكر عربي


270
الفدرالية العراقية والكثبان المتحرّكة

عبد الحسين شعبان

الخريطة السياسية العراقية متغيّرة مثل كثبان رملية، وتظهر بين الحين والآخر مفارقات سريعة في المشهد السياسي العراقي، لا يستطيع المراقب ملاحقتها أو التوقف عندها، فغالباً ما تتبعها تغييرات واصطفافات جديدة في المواقف، لدرجة الانقلاب على المواقف التي قبلها. وإذا كانت السياسة بطبيعتها متغيّرة وغير مستقرة، ولا بدّ للسياسي أن يأخذ بنظر الاعتبار المتغيّرات ويتعامل مع الواقع كجزء من «فن الممكن»، فإن مثل هذا الشيء ينطبق على الوضع العراقي أكثر من غيره، لا سيما بعد الاحتلال، حيث تقام ائتلافات وتنفصم عرى اتفاقات وتتغير المواقف بين عشية وضحاها بنسبة 180 درجة.
لقد ساد اعتقاد لعقود من الزمان أن الحكومة المركزية تقوم بتجميع المسؤوليات بيد السلطة التنفيذية حيث يتم التغوّل على السلطات الأخرى، وغالباً ما يؤدي ذلك إلى الدكتاتورية، ولعل الحكومات العراقية السابقة منذ ثورة 14 تموز (يوليو) ولغاية وقوع العراق تحت الاحتلال في العام 2003 تمثل نموذجاً لها، لا سيما في فترة حكم حزب البعث، التي قاربت 35 عاماً، وخصوصاً في فترتها الثانية حين أصبح صدام حسين «الزعيم» بلا منازع منذ العام 1979، ولذلك تولّد شعور عام ضد الدولة المركزية، لأن نموذجها السائد هو النموذج الدكتاتوري الاستبدادي.
وواجه مثل هذا الاعتقاد الخاطئ، اعتقاد آخر لا يقلّ خطأً، مفاده أن اللامركزية، ولا سيما النموذج الفيدرالي، ستؤدي الى التقسيم والانفصال، خصوصاً أن ثقافة الدولة المركزية الشمولية هي السائدة. ومثل هذا الاعتقاد كان يُثار بوجه الكرد ومعهم قوى يسارية حيث كانوا يطالبون بالحكم الذاتي وفي ما بعد بالفيدرالية. وكانت مثل تلك المطالبات أقرب إلى المحرّمات التي تصل إلى حد الخيانة، قبل اتفاقية (بيان 11 آذار/مارس) العام 1970 بين الحركة الكردية بزعامة الملا مصطفى البارزاني والحكومة العراقية برئاسة أحمد حسن البكر، لكن الأمور تغيّرت تدريجياً وأخذت الكثير من الأوساط تقتنع بحقوق الكرد وتقرّ لهم بصيغة الحكم الذاتي ولاحقاً وربما على مضض في إطار المعارضة العراقية بحق تقرير المصير وبنوع من الفيدرالية، أطلق عليها «نظام الولايات» رديفاً لها، وهو ما تمت محاكاته من التاريخ الاسلامي لإرضاء أوساط إسلامية بفكرة الفيدرالية.
لكن الاعتقاد الأول مثلما هو الاعتقاد الثاني بشأن مركزية أو لامركزية الدولة، طرأ عليه الكثير من التغييرات بل الانقلابات، مثلما حصل في الخريطة السياسية للقوى والأحزاب العراقية، لا سيما بعد الاحتلال الأميركي، وربما ليس بعيداً عنه، خصوصاً صيغة الدستور المؤقت «قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية» التي أُقرّت في آذار (مارس) 2004 والتي قيل إن نوح فيلدمان أعدّ مسوّدتها الأولى، وهو يهودي داعم لإسرائيل، وقد حصل ذلك في ظرف اتسم بالخوف وعدم الثقة، وهو ما تم نقله إلى أجواء إعداد الدستور الدائم، الذي استند في غالبية مواده، لا سيما ذات الطبيعة العقدية والإشكالية، الى قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية، وهكذا سُلقت على عجل، مسألة إنجاز مسوّدة الدستور من لجنة موسعة، وعلى الرغم من التحفظات التي أبدتها بعض الكتل على موضوع الفيدراليات وعلى مواد أخرى في الدستور، حيث تم الاتفاق على تعديلها، إلا أنها صوّتت في نهاية المطاف لمصلحته عند عرضه للاستفتاء العام في 15 آب (أغسطس) 2005، ثم أجريت انتخابات على أساسه في 15 كانون الأول (ديسمبر) من العام نفسه.
وكان من المفترض أن تتم التعديلات خلال فترة أربعة أشهر من تاريخ انعقاد أول جلسة للبرلمان، لكن ذلك لم يحدث وانتهت اللجنة التي تم تشكيلها إلى طريق مسدود وتركت الأمور للقوائم السياسية، التي لم تتفق على شيء، بل أن نحو 50 مادة دستورية ذيّلت: «على أن تنظم بقانون»، وذلك لتصبح نافذة، لكن الأمر لم يحصل وظلّت الغالبية الساحقة من هذه المواد مثل التعديلات غير منجزة، وكلا الأمرين يحتاج إلى عمل مضنٍ بسبب التباعد بين القوى السياسية وتدهور الوضع الأمني من جهة، وتنامي عوامل الشك والحذر والخوف، لا سيما عشية الانسحاب الأميركي من العراق من جهة أخرى.
لعل تبدّلات كبيرة وخطيرة قد حصلت في المشهد السياسي العراقي، فالقوى التي رفضت الدستور ولم تصوّت عليه أو صوتت ضمن «صفقة سياسية لم تكتمل» بسبب تضمّنه موضوع الفيدرالية، أصبحت هي اليوم أكثر حماسة له، لا سيما أن بعضها هو الذي تبنّى مطلب الفيدرالية التي لم يجد لها من بدٍّ أو بضعة تبريرات أو لم يعارضها على أقل تقدير.
ومن المفارقة أن مطلب الفيدرالية الذي كان مدنساً في السابق في محافظات صلاح الدين والأنبار والموصل وإلى حدود معينة في ديالى، أصبح «مقبولاً»، ولا سيما بعد تأويلات وتفسيرات وتبريرات مختلفة له على الرغم من وجود معارضة شديدة ضده في هذه المحافظات وفي أوساط شعبية واسعة، باستثناء إقليم كردستان الذي كان رأيه من البداية تشجيع قيام أقاليم، وكان موقفه خلال الدورة السابقة للبرلمان، تأييد سن قانون خاص بالأقاليم الذي صوّت عليه البرلمان (طبقاً للدستور) لكن تم تجميده إلى 18 شهراً، ثم طواه النسيان بسبب المواقف المتعارضة بشأنه.
المفارقة الأخرى أن أكثر من ثلثي الناخبين في محافظتي صلاح الدين والأنبار صوّتوا ضد الدستور (لأنه نصّ على الفيدرالية)، وكان من المفترض أن يسقط الدستور لو صوّتت محافظة الموصل بأكثر من ثلثي الناخبين ضده، وكاد الأمر أن يحصل بفارق بسيط، وربما بتداخلات أدّت إلى تغيير المسار حيث كان يمكن لثلاث محافظات أن تبطل مفعول الدستور فيما إذا عارضه ثلثا الناخبين في تلك المحافظات.
الوجه الآخر لهذه المفارقة هو أن الذين كانوا يتحمسون للدستور وللفيدرالية، وخصوصاً المجلس الاسلامي الأعلى وحزب الدعوة وغيرهما، بدوا وكأنهم استبدلوا مواقعهم مع جبهة التوافق والحزب الاسلامي وأطراف مهمة من القائمة العراقية لاحقاً، بحيث انتقل هؤلاء من مواقع المؤيدين إلى مواقع المعارضين لتطبيق النظام الفيدرالي أو قانون الأقاليم خارج نطاق إقليم كردستان، بحجة أن الظرف غير موات وأن إقليم صلاح الدين سيتحول الى ملاذ للبعثيين المخلوعين والمحرّم عليهم العمل السياسي بموجب قانون الاجتثاث. وهكذا تم استبدال المواقع، فقد انتقل المعارضون أو المتحفظون على مشروع الفيدراليات، إلى متحمسين أو دعاة، أو من يجد المبررات والذرائع، والعكس صحيح أيضاً.
إن تغييراً جوهرياً حصل في الخريطة السياسية العراقية، بحيث أصبح بعض دعاة اللامركزية أشد مركزية من مروجيها، أما من كان يتمسك بالنظام المركزي، فقد بدا أكثر رغبة في حكم لامركزي فيدرالي، وهو القرار الذي اتخذه مجلس محافظة صلاح الدين الرافض للفيدرالية سابقاً، والمرفوض حالياً من جانب المالكي والائتلاف الشيعي المؤيد سابقاً للفيدرالية، والرافض لها حالياً والمتمسك بخيار حكومة مركزية قوية، ومثل هذا الموقف سبق لرئيس البرلمان العراقي أسامة النجيفي أن اتخذه بخصوص دعوته الى الخيار الفيدرالي للسنّة الذين يشعرون بالتهميش والإقصاء، فيما إذا استمر الوضع كما هو، في حين أن الذي روّج للخيار الفيدرالي سابقاً والذي سمّي بالأقاليم هو المجلس الاسلامي الأعلى ورئيسه السيد عبد العزيز الحكيم، الأمر الذي يعني أن كثباناً رملية كبيرة يمكن أن تتحرك لتغيّر الخريطة السياسية العراقية.
لقد كانت مبررات المحافظات المذكورة برفض الفيدرالية، إضافة إلى أوساط سياسية من خارج العملية السياسية وداخلها، أن الفيدرالية تؤدي إلى تقسيم البلاد تمهيداً لانفصالها، لا سيما بعد مشروع جو بايدن الذي أصبح نائباً للرئيس الأميركي، حين اقترح في العام 2007 تقسيم العراق إلى 3 مناطق: كردية وسنية وشيعية ووضع نقاط تفتيش وإصدار هويات للأقاليم أقرب إلى جوازات سفر، أو يمكن أن تكون كذلك لاحقاً، لا سيما بوجود قوات عسكرية محلية في الفيدراليات الثلاث لتنظيم وحماية حدود هذه الأقاليم، التي هي في الواقع العملي ليست سوى المرحلة ما قبل النهاية للانفصال. ولعل بعضهم أبدى تخوّفاً من زيارة بايدن إلى بغداد لاحتمال ارتباطها بهذا المشروع، على الرغم من أن واشنطن حسبما يبدو ليست في وارد الغوص فيه بعد الانسحاب.
ومن المفارقات أن بعض القوى الرافضة سابقاً للفيدرالية كانت تتهمها صراحة باعتبارها جزءًا من مشروع صهيوني وامبريالي، لتفتيت البلدان العربية وتحويلها إلى كانتونات أو دوقيات، بتجزئة المجزأ، لكن بعضه أخذ يبحث في المبررات المذهبية وغير المذهبية لتبرير مطالبته بالفيدرالية، لا سيما في ظل سياسات الإقصاء والتهميش كما يقول، ناهيكم عن أنه تبنّى حجج معارضيه بشأن أن الفيدرالية هي مدعاة للوحدة وتوزيع الصلاحيات وتنظيم العلاقة بين السلطات، وهي المبررات التي كانت حججاً لخصومه، دون البحث جدّياً في مآلها القانوني والسياسي في إطار الوحدة الوطنية، التي يمكن أن تزداد لحمة أو تتشظى بحسب أجواء الثقة والتوافق.
المثير في الأمر هو اتهام مجلس محافظة صلاح الدين أو المطالبين بالفيدرالية لشعورهم بالتهميش والتمييز وثقل أعباء الحكومة الاتحادية، بالانفصالية، وأن طلبهم هذا غير مشروع توقيتاً وهدفاً، لا سيما انه يأتي عشية الانسحاب الأميركي من العراق ولحماية البعثيين، في حين أن النص الدستوري يفترض أن يعرض رئيس الوزراء طلب مجلس المحافظة على البرلمان العراقي، وفي ما بعد يتم إجراء استفتاء، لا سيما أن المادة 119 من الدستور منحت الحق لكل محافظة أن تصبح إقليمياً بطلب من ثلثي الأعضاء في كل مجالس المحافظات أو بطلب من عُشر الناخبين في كل محافظة من المحافظات التي تريد تكوين إقليم. هكذا تبدو الفيدرالية العراقية كثباناً رملية متحرّكة لا تعرف حدودها!

باحث ومفكر عربي


271
الدرس التونسي: القطيعة والتواصل
   
 
عبدالحسين شعبان
أشرقت شمس الربيع العربي من مغربه، فكانت تونس وبالتحديد مدينة سيدي بو زيد، المكان الأول الذي تلقّى الضوء الشفيف الذي لاح من الأفق البعيد وهو يشق غابة الزيتون الكثيفة أو بحرها الممتد مع امتداد البصر . ومن تونس بدأ الفجر بالبزوغ من المحيط إلى الخليج، وإن اتّخذ في كل بلد شكلاً ولوناً جديداً، بما فيها في التوقيت، لكن السبق كان لتونس التي بدأت منها ثورة الكرامة والياسمين وانتشرت في بقاع العالم العربي .

ولهذا ليس غريباً أن تكون التجربة الانتخابية التونسية محطّ ترقّب عربي وعالمي، لكونها أول تجربة للانتقال الديمقراطي، حيث تم انتخاب أعضاء المجلس التأسيسي في معركة حامية الوطيس، بين القطيعة مع الماضي والتواصل، بين الاسلاميين والعلمانيين، وبين الاختيار والاضطرار .

ولعل تجربة الانتخابات التونسية كانت المختبر العربي الأول لقياس درجة الوثوق والإيمان بإمكانية التحوّل الديمقراطي، ناهيكم عن التمسّك به من لدن جميع القوى والتيارات التي أصرّت على إنجاح التجربة، وهي دليل آخر على درجة التمدّن والرقي الثقافي والسياسي، حيث تنافست قوى مختلفة أساسها عدد من الأحزاب والمنظمات أو التيارات وفي مقدمتها حزب النهضة المحظور سابقاً والمُطارد، والذي يرأسه الشخصية الإسلامية المفكر والكاتب راشد الغنوشي، والذي حصل حزبه على أعلى الأصوات والمقاعد الانتخابية، ثم حزب المؤتمر من أجل الجمهورية وهو حزب ديمقراطي علماني يرأسه الدكتور منصف المرزوقي وهو رئيس سابق للرابطة التونسية لحقوق الإنسان وقد جاء بالمرتبة الثانية .

أما التيار الثالث فهو العريضة الشعبية المستقلة التي يرأسها الإعلامي التونسي الدكتور محمد الهاشمي الحامدي صاحب “تلفزيون المستقلة” الذي يبث من لندن، وقد جاء بالمرتبة الثالثة، لولا حذف سبعة مقاعد منه من قبل الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، فجاء بالمرتبة الرابعة، وقد شكّك أنصاره وربما بعض المراقبين في قانونية إجراء الهيئة المستقلة، واعتبره إجراءً سياسياً وليس قانونياً، لكن قرارها كان نافذاً ومبرراته ظلّت محط نقاش، إلى أن حسمها القضاء الإداري بإعادة المقاعد المحذوفة إلى قائمة العريضة الشعبية .

وقد أعلن حزب النهضة أنه سوف لا يتعاون مع تيار العريضة، وربما يعود الأمر إلى أن رئيس التيار كان ضمن حزب النهضة وقد خرج عليه منذ عقدين من الزمان، لكن حساسيات العمل السياسي تستمر حتى بعد الممات، فما بالك عند المنافسة . وتلك واحدة من مفارقات المشهد العربي السائد . ويبدو أن تيار العريضة ينوي عدم المشاركة في الحكومة التي يؤلفها النهضة، بل إنه سيتوجه إلى المعارضة، لاسيما في البرلمان .

أما التيار الرابع فهو التكتل من أجل العمل والحريات، وترأسه اليساري مصطفى بن جعفر، وهو يمثل تياراً علمانياً، بضمنه حزب العمال الشيوعي المحظور سابقاً، وقد جاء هذا التيار بالمرتبة الرابعة بعد إعادة المقاعد المحذوفة لتيار العريضة الشعبية كما تم ذكره .

وشكّل اليسار العلماني تياراً انتخابياً خامساً ضم في صفوفه الحزب الشيوعي التونسي (التقليدي) والذي أبدل اسمه إلى “حركة التجديد” مع 11 حزباً صغيراً وحديثاً وأوساطاً من المثقفين، لكنه حصل على نسبة ضئيلة من الأصوات .

وكان الحزب الديمقراطي التقدمي بزعامة أحمد نجيب الشابي التيار الأكثر تشدّداً ضد الاتجاهات الدينية ما بعد التغيير، خصوصاً حزب النهضة الذي استحوذ على قسم كبير من الشارع التونسي، وفي ما بعد على أصوات الناخبين، ولولا تشدده لتمكّن من إحراز النجاح في الحصول على مقاعد برلمانية أكثر، ولكن تلك هي العملية الانتخابية بكل تناقضاتها ومفارقاتها .

يمكن القول إن الدرس التونسي أفرز عدداً من الحقائق المهمة:

* أولاها: إن التيار الإسلامي ظهر بثقل كبير في المجتمع التونسي، على الرغم من محاولات الإقصاء القديمة، ومن فرض الحداثة الرسمية التي انتهجها الحبيب بورقيبة منذ تأسيس تونس الحديثة عام ،1956 وفي ما بعد حكومة زين العابدين بن علي منذ عام 1987 إثر انقلاب 7 نوفمبر/ تشرين الثاني، لكن ذلك لم يمنع بقاء جزء كبير من الشارع التونسي ميّالاً إلى الإسلام السياسي، واستطاع حزب النهضة ببراعة بلورة شعارات قريبة من مزاجه، الأمر الذي أدى إلى الاستحواذ عليه وتوظيفه سياسياً .

لقد شعر قسم غير قليل من التونسيين بأن انتخابهم للتيار الإسلامي ولحزب النهضة، إنما هو تصويت على الهوية الإسلامية، التي أريد، أو هكذا شعر بعضهم، أن محاولات تغريبية وقسرية جرت لتغييبها، وهو ما دفع أوساطاً غير قليلة لإعطاء أصواتهم لحزب النهضة، الذي نال قسطه الأوفر من القمع والتهميش طوال عقدين ونيّف العقد من الزمان، ولهذا فالأمر جاء تعويضاً اتّجه لمنحه الأصوات، خصوصاً أن كل ما هو ضد بن علي، أصبح مرغوباً، وهكذا فاز النهضة بأكبر المقاعد .

* ثانيتها هي المفاجأة الجديدة التي سماها الكاتب والإعلامي التونسي الدكتور خالد شوكات، والتي قد تكون قاربت مفاجأة الثورة التونسية نفسها، هي الفوز الأهم لتيار العريضة الشعبية أو “حركة المحرومين”، ولو تطورت هذه الحركة فقد تكون أقرب إلى تيار مقتدى الصدر في العراق، الذي بدا كاسحاً وإنْ لم تكتمل أدوات تيار العريضة بعد، والأمر يتوقف على المستقبل، لكنه من دون أدنى شك، كان الأبرع في بلورة شعارات شعبوية، حتى وإنْ كانت غير قابلة للتطبيق موضوعياً، فقد استطاع كسب الشارع حين دعا على المستوى السياسي إلى دستور ديمقراطي، وعلى المستوى الاجتماعي إلى تقديم منحة بطالة للعاطلين عن العمل مقدارها 200 دينار شهرياً في بلد نسبة العاطلين فيه 500 ألف عاطل، وإلى ضمان صحي مجاني، فضلاً عن تقديم بطاقات للنقل المجاني للمتقاعدين عن العمل، وهو برنامج بسيط وجاذب ومن دون تعقيدات أو تفاصيل كثيرة .

* وثالثتها أن فوز تيار العريضة كان في المناطق الأكثر فقراً وحرماناً، وهي المناطق التي انطلقت منها الثورة مثل مدينة سيدي بو زيد، التي فاز فيها على حزب النهضة، وقد سبق لكاتب السطور أن زار مناطق سيدي بوزيد والقصرين وسفاقس وغيرها التي كانت مهداً للثورة وكتب عنها، لاسيما عن محمد بو عزيزي الذي تلقى صفعة من الشرطية فاديا حمدي، ثم قام بإحراق نفسه احتجاجاً عليها دفاعاً عن كرامته وعن حقه في حياة أفضل، وهي الشرارة التي كانت كافية لإشعال السهل كلّه، على حد تعبير ماوتسي تونغ .

* ورابعتها سيادة خطاب الاعتدال والوسطية وعدم التطرف، حيث كان ذلك من أسباب فوز القوى التي حصلت على مقاعد انتخابية كبيرة، سواء بالنسبة لحزب النهضة أو المؤتمر من أجل الديمقراطية أو تيار العريضة الشعبية أو التكتل من أجل الحريات، حيث كانت هذه القوى بشكل عام تحمل خطاباً توفيقياً، غير إقصائي وغير متعصب، وهو أقرب إلى قبول الحلول الوسط، في حين أن التيار الحداثي واليساري والعلماني الذي غالى في رفضه للأطروحات الإسلامية كان هو الخاسر الأكبر من هذه الانتخابات، حيث استطاع الناخب أن يميز الخطابات الأكثر ميلاً للوحدة الوطنية من غيرها، وهو درس للحركات والأحزاب والقوى السياسية العربية المقبلة على انتخابات جديدة .

* وخامستها النزاهة التي تميّزت بها العملية الانتخابية التونسية بشكل عام باعتراف منظمات دولية وباعتراف العالم كلّه، وباستثناء الالتباس والشكوك في موضوع إلغاء بعض المقاعد من العريضة وبعض التجاوزات وهي تحصل في كل انتخابات، فإنه يمكن القول إنها كانت انتخابات أقرب إلى النموذجية في بلد يمارسها بحرية وتعددية وتنوّع ومن دون إكراه لأول مرة منذ نحو خمسة عقود ونصف العقد من الزمان .

 ولعل الحفاظ على هذا المستوى من الأداء والإتيان بدستور ديمقراطي من خلال المجلس التأسيسي، والتحضير لانتخابات برلمانية جديدة سيكون من أهم وأخطر التحديات للتحوّل الديمقراطي في تونس، وهو ما سينعكس بهذا القدر أو ذاك على جميع البلدان العربية، التي عليها هي أيضاً أن تراجع مسارها، سواءً بالتواصل أو القطيعة مع الماضي، لا على مستوى الحكومات، بل على مستوى التيارات والحركات السياسية، الإسلامية والعلمانية، وستكون تجربة مصر بكل ثقلها الحضاري، الفكري والثقافي والسياسي، محطة انتظار أساسية لمسيرة التحوّل الديمقراطي عربياً وإفريقياً، بل وعالمياً .

* باحث ومفكر عربي


272
ما بعد الانسحاب الأمريكي من العراق!!

عبدالحسين شعبان
باحث ومفكر عربي

   يستمر الجدل بين بغداد – وواشنطن حول آفاق العلاقات بين البلدين، لاسيما بعد انتهاء مفعول الاتفاقية العراقية- الامريكية في 31 كانون الأول (ديسمبر) 2011، حيث من المفترض أن تنسحب القوات الأمريكية من العراق. لكن واشنطن التي جاءت لغزو العراق واحتلاله لا تغادر أرض الرافدين،  مثلما لم يغادر جنودها أراضي أية دولة أقامت فيها قواعد عسكرية، زادت على 136 قاعدة أساسية الاّ إذا اضطرّت الى الخروج أو الانسحاب مهزومة مثلما حصل في فيتنام.
ولدى الحكومة العراقية رغبة شديدة في أن تعاملها الولايات المتّحدة على أنّها حكومة ذات سيادة، وعلى الرغم من أن واشنطن تروّج خارج نطاق العلاقة الثنائيّة، إلى أن العراق استعاد سيادته في 30 حزيران ( يونيو) 2004 وبقي أن يستكمل بعض جوانبها العمليّة المنقوصة، إلاّ أنها تدرك حجم الاختلال في هذه العلاقة التي تريدها بين تابع ومتبوع.
كما توافق الحكومة العراقية على تقديم تسهيلاتٍ لواشنطن، لكنّها تريدها تسهيلاتٍ مؤقّتةً في حين تريدها واشنطن مفتوحة، وكانت بغداد بموجب اتفاقية العام 2008 قد وافقت على قيام القوّات الأمريكية  بشنّ عمليّات عسكرية داخل العراق لملاحقة الإرهاب محتفظة بحقّها دون منازع في تفسير الإرهاب، إضافة إلى حق اعتقال من تريد اعتقاله، وتحمي نفسها بالتمتّع بالحصانة القانونيّة لجنودها وشركاتها الأمنيّة، والمقاولين والعاملين معها، لكن اعتراضها كان ينصب حول إبلاغها أو أخذ موافقتها وحصر الحصانة القانونية للجنود والشركات أثناء العمليّات العسكرية، كما تريد بغداد رقابة على دخول وخروج الأموال الأمريكية إلى العراق عبر البنك المركزي، لكن واشنطن رفضت وترفض ذلك، ولم يحدث أن لجأت إليه، أو حتى طالبتها الحكومة العراقية به سابقاً. ولا يزال المسؤولون الأمريكان يأتون ويذهبون الى العراق دون إذن من الحكومة العراقية.
وكانت واشنطن تريد امتيازات على الأرض ببناء قواعد عسكرية ثابتة ونقاط تفتيش، مع أنها خفّضت من ذلك واكتفت بقواعد أساسية وستقوم بتسليم المراكز الأخرى الى القوات العراقية، كما كانت تريد امتيازات بالسيطرة على الأجواء العراقية حتى ارتفاع 29 ألف قدم وتسهيلات مفتوحة في المياه ، الأمر الذي لم تستطع بغداد رفضه بالكامل، لكنها تريده بصيغةٍ تعديليّةٍ، وإلاّ فإن بديله يعني العودة إلى قرار مجلس الأمن والفصل السابع من الميثاق، ولذلك أصرّت واشنطن عشية انتهاء المهلة المحددة 31/12/2008 على توقيع الاتفاقية الأمنية مع العراق، لأن القوات الأميركية في العراق ستكون دون غطاء قانوني، وهو الأمر الذي ترفضه واشنطن بالمطلق، ولكن هذا السقف العالي الذي طرحته واشنطن، كان يستهدف اختبار رد الفعل العراقي لاسيما الشعبي، وهو الأمر الذي يتكرر اليوم عند الحديث عن إتفاقية عراقية– أمريكية جديدة، أو بروتوكولات بين الطرفين مع تأكيد الانسحاب وبقاء قوات من بضعة آلاف أو حتى مئات للتدريب والتأهيل، مع عدد من الموظفين الدبلوماسيين والاداريين والمتعاقدين يزيد على 16 ستة عشر ألف أمريكي يتمتعون بالحصانة القانونية الكاملة.
وعلى الرغم من أن المشروع الإمبراطوري الأمريكي قد بشّر بوعودٍ كثيرةٍ ليس أقلّها بزوغ نجم الحرّية وحلول ربيع الديمقراطيّة مع الرفاه المنشود، إلاّ أن انهياره أصبح حديث الأمريكان قبل غيرهم، لا سيّما خلال التحضير للانتخابات الرئاسية، وكان التعويل على صعود نجم أوباما الذي قد يكون عاملاً جديداً في إعادة النظر بالإستراتيجية الأمريكية بشأن العراق، وهو الأمر الّذي أراد الرئيس بوش أن يُظهر عكسه بإدعائه أن هدف الحرب قد تحقّق، حيث تمّ وضع اليد على النفط وتوقيع إتفاقية عراقية - أمريكية  وأن الحرب على الإرهاب تُحرز نجاحاتٍ مستمرّة بما فيها التلويح بضرب إيران، مع اعترافه بخطأ المعلومات التي وردته بشأن غزو العراق وذلك قبل مغادرة البيت الأبيض .
وتريد الحكومة العراقية "ضماناتٍ" لحمايتها ضد أي عدوان خارجي، وضمانات أخرى لحماية العمليّة السياسيّة القائمة، التي قد تنهار أو تُجري تغييراتٍ لمساراتها الأساسيّة إذا تخلّى عنها الأمريكان، لكن واشنطن هي التي ستقرر في النهاية فيما إذا تعرّض البلد إلى عدوان خارجيّ أو أن ما حصل  يستوجب تدخّلها لحماية النظام، الأمر الّذي سيجعل المقدّرات العراقية كلّها بيد واشنطن من جهة، ومن جهة أخرى فإن التداخل الإقليمي، ولاسيما النفوذ الإيراني سيتعاظم في العراق بعد الانسحاب، وهو ما أبدت قوى كثيرة تخوّفات منه.
وإذا كان قانون النفط والغاز قد تم إمراره في البرلمان بعد صراع لم ينتهِ منذ العام 2007، فإن وجود قواعد أمريكية عسكرية متقدّمة في الشرق العربي، لا بدّ أن يؤخذ بالحسبان لا فيما يتعلق بالعراق وسيادته وموارده فحسب، بل لجيرانه أيضاً، ولعموم دول المنطقة، التي سيكون نفطها في الحال والمستقبل تحت هيمنة القوّة العسكرية . ومهما جرى أي تعديل أو تحسين على بعض مواد الاتفاقية السابقة، أو تم توقيع بروتوكولات جديدة، إلاّ أن ذلك لا يغيّر من حقيقة الوضع القانوني الذي نظّمته الاتفاقية والذي قد يترك تأثيراته السلبيّة على العراق ولسنواتٍ طويلة، لاسيما وأن "الاحتلال العسكري" قد تحوّل قانونياً الى "احتلال تعاقدي".
وعلى الرغم من الحديث عن الرفاه الاقتصادي وبحبوحة العيش بعد سنوات عجاف للحصار الدولي، فإن الشركات الأمريكية ظلّت عينها مفتوحة على الثروة النفطية، لاسيما بعد إلغاء قرارات التأميم لعام 1972 وإبرام قانون نفطي (ما زال محطّ خلاف شديد) يعطي للاحتكارات النفطية حصصاً كبيرة تعويضاً عما فقدته طيلة السنوات الثلاثين ونيف الماضية وربما بفترة مقاربة، وإن قيل بشروط ومواصفات دولية، لكن الأمر لا يتعلق بعقود التراخيص الجديدة، بل التحكّم بخطوط إمدادات النفط وإنتاجه وأسعاره، وليس بالنسبة للعراق فحسب، بل لمعظم دول المنطقة.
لقد ساهمت الحرب على العراق في تدمير مقوّمات البُنية التحتية الهيكلية في العراق، وكذلك فككت مؤسسات الدولة، لاسيما أجهزتها الأمنية والعسكرية. ولم تسع واشنطن إلى إعادة بناء الجيش والقوى الأمنية على الرغم من مرور ثماني سنوات ونيف من الاحتلال وقد تحتاج إلى بضع سنوات أخرى، فيما إذا استتب الوضع الأمني، لكنها حتى الآن دخلت تجارب عديدة فاشلة، وتباطأت وتلكأت في إعادة تأهيل القوات المسلحة والأجهزة الأمنية، الأمر الذي جعل العراق ضعيفاً ومضطراً لقبول شروط المحتل، خصوصاً في ظل غياب إجماع شعبي ومصالحة وطنية حقيقية.
إذا كان التاريخ لا يعيد نفسه حسب كارل ماركس وإن حدث ذلك، ففي المرة الأولى كمأساة وفي المرة الثانية كملهاة، فإننا ونحن نتحدث عن اتفاقية عراقية- أمريكية فكأن الزمن قد توقف ولم نتعلم من دروس الماضي، في مرحلة الاستقلال الأول. ويروي السياسي والمفكر الاجتماعي العراقي عبد الفتاح إبراهيم أنه التقى رئيس الوزراء العراقي نوري السعيد" برمانا" والذي جاء إليها للاصطياف وذلك أيام دراسته في بيروت، بصحبة نجله صباح نوري السعيد ويوسف زينل، وطالبه بإنهاء النفوذ البريطاني في العراق وإلغاء معاهدة 1922 وما تبعها (الحديث في العشرينات) فأجابه بعد نقاش طويل: "تكبرون وتعقلون وتتعلمون" وقصد بذلك أن العراق خرج لتوّه من السيطرة العثمانية وهو ضعيف ويريد التعاون مع حليف قوي، ولهذا اضطرّ للموافقة على المعاهدة.
ويذكر أن فهد (يوسف سلمان يوسف) أمين عام الحزب الشيوعي الذي أعدم في 14 شباط (فبراير) 1949 كان يعلّق على الحكومات التي فرّطت بالمصالح الوطنية بقوله: إنها حكومات من ورق، (حكومات ورقية) ويمسك بخيوطها سميث وآل سميث (نسبة الى تبعيتها للبريطانيين).
وإذا كانت السياسة في جانب منها " فن الممكن" طبقاً لصراع واتفاق المصالح، لاسيما توازن القوى، لكن ذلك لا يعني أن بالإمكان وصف اتفاقية مذلّة بأنها مكسباً شعبياً، وهو الأمر الذي كان سبباً في سقوط حكومة صالح جبر العام 1948 الذي أقدم للتوقيع على معاهدة بورتسموث الشهيرة، ويُذكر أن الشخصية الوطنية محمد جعفر أبو التمن عندما اضطرّ الى تأييد اختيار الملك فيصل الأول العام 1921، رفض المجيء مع الجوقة التي رافقته قائلاً، إذا كان الأمر اضطراراً فعلينا أن لا نبالغ في إظهار البهجة والتأييد وباللهجة العراقية لا نريد أن نكون "زفّافين"، أي من يزفّ الملك الجديد الى العراقيين.
وإذا أخضعنا إتفاقية العام 2008 إلى التحليل السياسي بعد تشخيص عوارها القانوني، فإنه يمكن القول أنها اتفاقية غير متكافئة وقد "اضطرّ" إليها الجانب العراقي، لأنه الطرف الضعيف، أما المحتل فهو الطرف القوي الذي فرض شروطه، ناهيكم عن وجوده العسكري. ولعل مثل هذا الاستنتاج سيكون أمام صاحب القرار والمشرّع والشعب العراقي، لاسيما وأن الحديث يزداد حول احتمال بقاء عدد محدود من المدربين الأمريكان، ولكن لا أحد يستطيع تحديد عددهم حتى لو تم الاتفاق على ذلك، فمن سيقوم بتعداد أفراد القوات المسلحة الأمريكية، فضلاً عن أفراد الشركات الأمنية المتعاقدة معها؟
وكان سكوت إتفاقية العام 2008 عن  موضوع  التعويضات، قد أسقط حق مطالبة الحكومة العراقية، وإنْ لم يلغِ حق مطالبة المتضررين العراقيين، لكن هؤلاء دون دعم حكومي لا يمكنهم مقاضاة واشنطن وملاحقة المرتكبين، والأدهى من ذلك قامت بغداد قبل أشهر قليلة بتعويض واشنطن 400 مليون دولار أمريكي دون أن تنبز ببنت شفة إزاء حقوق العراقيين جرّاء الأضرار المادية والمعنوية التي تعرّضوا لها بسبب احتلال العراق، وما نجم عن ذلك من خراب ودمار ونهب وسلب، تتحمله القوات المحتلة حسب إتفاقيات جنيف لعام 1949 وملحقيها لعام 1977، وقواعد القانون الدولي الانساني.
لكن هذه المسائل العقدية والإشكالية ستكون مصدر اختلاف وجدل وصراع عراقياً داخلياً، إضافة الى صراع عراقي مع واشنطن، وخصوصاً بفتح ملف الاحتلال كاملاً بما فيها انتهاكات حقوق الانسان.
ومثلما ارتابت بعض الأطراف من عدم التوقيع على اتفاقية العام 2008، فإن بعضها لا يزال مرتاباً، بل كثير القلق فيما إذا اضطرت القوات الأمريكية إلى الرحيل سريعاً، فإن ذلك سيغيّر من ميزان القوى لصالح إيران، وهي الأخطر على بعض القوى، التي يشارك قسم منها في الحكم وقسم منها خارجه، وهي معادلة متداخلة ومتناقضة، لدرجة أن هذه القوى تعتقد أن إيران هي أكثر خطراً من الاحتلال الأمريكي. ومن بعض المفارقات أن طارق عزيز وزير خارجية النظام السابق والمحكوم عليه بالإعدام خاطب الأمريكان من محبسه قائلاً: "لا ينبغي على الولايات المتحدة أن تتركنا بيد الذئاب"، في إشارة إلى القوى الدينية المهيمنة على الحكم والقريبة من إيران، إضافة الى إيران ذاتها.
وعشية  الانسحاب الأمريكي من العراق فإن علاقات القوى المشاركة بالعملية السياسية بدأت تتدهور فازدادت هذه العلاقة حدّة بين إربيل وبغداد، وارتفع الاستقطاب والتراشق بين القائمة العراقية وقائمة دولة القانون، كما ارتفعت موجة الارهاب والعنف وكواتم الصوت التي طالت الأساتذة الجامعيين والعلماء ومؤخراً شرطة المرور، في حين ضعفت الثقة بين الأطراف السياسية، خصوصاً بعد شن الحكومة حملة اعتقالات قالت أنها استهدفت عناصر محسوبة على النظام السابق تريد التحضير لانقلاب عسكري، وأن هناك تواطؤات من بعض أطراف العملية السياسية لتغطيتها، ولكن الأنظارلا تزال مصوّبة باتجاه الإنسحاب الأمريكي وما سيترتب عليه!!


273
جدل دستوري عراقي وغواية الانقلاب العسكري
   
 
عبدالحسين شعبان
لم يعرف العراقيون في تاريخ دولتهم المعاصر جدلاً دستورياً مثلما عرفوه بعد الاحتلال في العام ،2003 ربّما يعود الأمر في جزء منه إلى تعويض عن غياب دستور دائم منذ “ثورة” 14 يوليو/ تموز العام ،1958 حين كرّت الدساتير المؤقتة كل بضعة أعوام أو بعد كل انقلاب عسكري، إذ صدر الدستور المؤقت الأول في 27 يوليو/ تموز العام 1958 وحكم البلاد لغاية 8 فبراير/ شباط ،1963 واستبدل بهذا الدستور قانون المجلس الوطني “الدستور المؤقت الثاني” الذي صدر عقب الانقلاب البعثي الأول الذي أطاح حكومة الجنرال “الزعيم” عبد الكريم قاسم .

أما الدستور المؤقت الثالث فقد صدر عقب انقلاب 18 نوفمبر/ تشرين الثاني 1963 الذي كرّس عبد السلام عارف رئيساً للجمهورية بدستور صدر العام ،1964 وإثر انقلاب 17 يوليو/ تموز 1968 ومجيء حزب البعث ثانية إلى السلطة، صدر الدستور المؤقت الرابع في سبتمبر/ أيلول ،1968 واستبدل بهذا الأخير دستور مؤقت خامس صدر في يوليو/ تموز العام 1970 واستمرّ لغاية العام 2003 أي نحو 33 عاماً .

ومن المفارقة أن تكون فترة الدستور المؤقت الخامس الذي حكم العراق، مساوية للفترة التي حكم بها الدستور الدائم الذي شُرّع العام 1925 بإشراف بريطانيا، وهو أول دستور للدولة العراقية المعاصرة بعد تأسيسها في 23 أغسطس/آب ،1921 والذي أبطل في العام 1958 .

وإذا كانت الفترة الملكية قد اتّسمت بوجود دستور دائم واستقرار نسبي، فقد شهدت الفترة الجمهورية وجود دساتير مؤقتة وانقلابات عسكرية، إلى أن وقعت البلاد تحت الاحتلال وأطيح نظام صدام حسين، بعد حروب لا مبرر لها دامت نحو ربع قرن، وحصار دولي جائر استمر نحو 13 عاماً، حيث تم سنّ قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية في مارس/ آذار 2004 خلال فترة حكم الحاكم المدني الأمريكي للعراق بول بريمر، وقيل إن المشروع الأساسي أعدّه نوح فيلدمان اليهودي الأمريكي المتعاطف مع “إسرائيل” .

وقد بُني على أساس هذا الدستور المؤقت، الدستور الدائم الذي تم إقراره في 15 أغسطس/ آب 2005 وجرى الاستفتاء عليه يوم 15 أكتوبر/ تشرين الأول من العام نفسه، وتمت الانتخابات النيابية بموجبه في 15 ديسمبر/ كانون الأول من العام ذاته .

وهكذا أصبح للعراق دستور دائم وإنْ اختلفت وتعارضت وجهات النظر بشأنه، لكنه على الرغم من جميع مساوئه، وهي كثيرة، وكل مثالبه وهي ليست قليلة وكامل ألغامه وقنابله الموقوتة وغير الموقوتة وهي متشعبة، بل ومعقدة، إلاّ أنه احتوى على بعض الإيجابيات التي تتعلق بالحقوق والحريات وقواعد الديمقراطية والمواطنة، وفصل السلطات، واستقلالية القضاء، واختيار الحكّام في إطار التداولية والتعددية، وإنْ كان بعض هذه الحقوق أعطيت بيد وجمّدت باليد الأخرى، لاسيما باشتباك إشكالية الدين والدولة .

كما بقي الكثير من القضايا العقدية في الدستور عالقة أو محلّ خلاف انفجر لاحقاً، مثل حدود الفيدرالية وسقفها، وموضوع حق ثلاث محافظات في إبطال أي تعديل دستوري، وقضية الأقاليم من غير إقليم كردستان، وهي التي تم إقرارها لاحقاً، لكنه تم تأجيل تطبيقها إلى 18 شهراً، وبعد ذلك طواها النسيان، وقضية كركوك والاختلاف بشأن المادة 140 التي جاءت مرحّلة من المادة 58 من قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية، وتوزيع الثروة والمياه ومشكلة الموارد الطبيعية، لاسيما النفط والغاز، على الرغم مما ورد في نص المادة 111 من أنهما “ملك الشعب العراقي في كل الأقاليم والمحافظات”، لكن نصوصاً وتفسيرات تعويمية أخرى أعطت للأقاليم حق التصرف في الحقول غير المستخرجة بالاتفاق مع السلطة الاتحادية (الفيدرالية)، الأمر الذي أثار التباسات بين إقليم كردستان وبغداد، خصوصاً بعد رفض السلطات الاتحادية العقود التي وقعتها حكومة الإقليم مع الشركات النفطية، وهكذا نشبت أزمة بين بغداد وأربيل لاتزال مستمرة .

وكان يفترض أن يتم تعديل الدستور، بناءً على اتفاق بين القوى السياسية عشية الاستفتاء عليه، وكان ذلك شرطاً لبعض القوى التي كانت ممانعة للتصويت عليه بالصيغة المعتمدة، لاسيما جبهة التوافق في حينها، وحُدّدت فترة 4 أشهر بعد افتتاح جلسات البرلمان بعد انتخابات العام 2005 لإنجازها، وشكّلت لجنة لهذا الغرض، لكنها وصلت إلى طريق مسدود، وقد انتهت الدورة الانتخابية الماضية المحددة بأربع سنوات، وزاد عليها ما يزيد على عام ونصف، منذ انتخابات مارس/آذار 2010 ونحن في نهاية العام 2011 ولم يتم إجراء التعديلات المذكورة، فلا القوى التي وعدت بتنفيذ ذلك استجابت، ولا القوى التي أصرّت على إجراء التعديلات واصلت ذلك أو طالبت به، وهكذا صدرت الصيغة وهي تحمل عواراً باعتراف جميع القوى .

وإذا كان تعديل الدستور الدائم غير سالك أو مجمّد، فإن نحو 50 مادة من مواده نصّت على صدور قانون لتكون صالحة للاستعمال، إلاّ أن هذه القوانين لم يتم تشريعها من جانب البرلمان، وهكذا فإن هذه المواد لاتزال غير نافذة هي الأخرى، وهو أمر يحتاج الى أكثر من دورة برلمانية اعتيادية لكي يتم إنجازها، قياساً إلى ما هو عليه وضع البرلمان وعلاقة القوى السياسية بعضها ببعضها الآخر، فضلاً عن الوضع الأمني للبلاد بشكل عام، الأمر الذي يقترب من استعصاء أو استحالة تطبيق الدستور أو الاحتكام إليه بسبب جوانب عملية وأخرى فنية وبالأساس تعقيدات سياسية، لاسيما في ظل التمترس الطائفي والمذهبي واستمرار ظاهرة العنف والإرهاب واستشراء الفساد المالي والإداري، على الرغم من تشبث “الجميع” بالدستور!

أما بصدد الديمقراطية والحريات، وهما مسألتان إيجابيتان وردتا في الدستور، فهناك تضادّات تقف بوجههما وتحدّ من امتداداتهما، لاسيما في علاقة الدين بالدولة، حين نصّ الدستور على عدم تعارض جميع القوانين التي يتم تشريعها مع مبادئ وأحكام الشريعة الإسلامية، وتلك هي أيضاً قضية إشكالية، لاسيما بتداخلها مع اجتهادات وآراء المفسرين والمؤولين الذين يسعون إلى توظيفها سياسياً ومذهبياً أحياناً، وهي واحدة من إفرازات الوضع العراقي بعد الاحتلال، ويقابل هذه النصوص، نصوص أخرى خاصة بالديمقراطية والحريات، حيث أكد الدستور على أنه: “لا يجوز سنّ قانون يتعارض مع مبادئ الديمقراطية” و”لا يجوز سنّ قانون يتعارض مع الحقوق والحريات الأساسية الواردة في هذا الدستور” .

ألم يكن كافياً القول إن الإسلام دين الدولة (وخصوصاً أنها فقرة واردة في النصوص الدستورية السابقة)، أو أنه دين أغلبية الشعب العراقي لكي يعطيه المنزلة العلوية، وبالتالي سيكون أمراً مفهوماً، مراعاة ذلك عند صياغة أي قانون أو تشريع؟ ثم ماذا لو حصل اختلاف بين نص دستوري يفسره “الإسلاميون” أو “غيرهم” بشيء، وبين الديمقراطية وحقوق الإنسان والحقوق والحريات العامة والخاصة، التي يمكن تفسيرها بشيْ آخر؟ فلمن ستكون الغلبة خصوصاً بين المصادر الأساسية التي يُعَدّ الإسلام واحداً منها؟

إن هذه النصوص تعكس ارتباكاً حقيقياً في الصياغة، فضلاً عن عدم وجود فهم مشترك وضعف الثقة بين الأطراف، وعن تداخل السياسي بالديني، والديني بالمذهبي، وهذا الأخير بالفقهي، في ظل اختلاف الفقه والمجتهدين والاجتهاد تاريخياً!

وإذا كانت الأوساط السياسية العراقية، لاسيما المشاركة بالحكم والعملية السياسية قد أخذت تتحدث عن الدستور وتدعو إلى التمسك به وتعزو صراعاتها إلى مخالفة أحكامه أو بعض مواده، فذلك يعود الى انتشار “الثقافة الدستورية”، وهي مسألة إيجابية وإن كان تفسيرها لايزال اعتراضياً ومصلحياً، وأحياناً بالضد من المعايير القانونية، خصوصاً في النظر إلى دور القضاء، لاسيما عند الفصل في القضايا السياسية الشائكة، مثلما حصل في موضوع “حق الترشيح” لبعض من شملهم قانون اجتثاث البعث، لكنه في الأغلب الأعم يتم استخدام الدستور والاحتكام إليه في غير موضعه، والأغرب من ذلك فإن مواد الدستور غالباً ما يجري الاستهتار بها، ويتم تعطيلها بحجة التوافق، ولعل اتفاق أربيل بخصوص إنشاء مجلس السياسات الأعلى، “غير الممكن دستورياً”، سوى أحد هذه المظاهر الصارخة التي يتم ابتلاعها إذا كانت مصالح الاصطفاف السياسي والمذهبي والإثني تقتضي ذلك، وهناك العديد من الأمثلة التي لا يتّسع المجال لذكرها .

وإذا كان وراء كل مشكلة قانونية إشكالية سياسية، فإن المسألة لا تتعلق بالدستور فحسب، بل بالعملية السياسية ككل، وقد تداخل الأمر بينهما لدرجة الاشتباك بحيث أصبح من الصعب حلّه، لا في ما يتعلق بالصياغات والقواعد القانونية العامة، وإنما من خلال المواقف والاستقطابات السياسية، وهو ما ثار بين القائمة العراقية برئاسة د . أياد علاوي، وبين دولة القانون برئاسة نوري المالكي رئيس الوزراء، وستكون مثل هذه الاصطفافات أكثر حدّة وربما تناحراً، بعد انسحاب القوات الأمريكية من العراق في نهاية العام الجاري ،2011 وقد تكون هناك “معركة كسر عظم”، كما يقال، إذا اقترنت بتداخل خارجي إقليمي، لاسيما من جانب إيران، وهو ما تبديه بعض القوى السياسية، خصوصاً وقد ارتفعت موجة العنف مؤخراً وشهدت تصفية علماء وأساتذة جامعيين بوساطة كواتم صوت، ومؤخراً رجال شرطة المرور، فضلاً عن اعتقالات واسعة بررت الحكومة ذلك بتحسّبات ومعلومات عن استعدادات للقيام بانقلاب عسكري، على الرغم من الحديث أن زمنه قد ولّى .

* باحث ومفكر عربي

274
بغداد ـ واشنطن: انتبهوا الوقت ينفد!

عبد الحسين شعبان

أكّد الرئيس الأميركي باراك أوباما مجدداً، بلغة لا تقبل التأويل، أن الولايات المتحدة ستنسحب من العراق في نهاية العام الجاري 2011. قد تكون انتخابات الرئاسة القادمة سبباً في ذلك، وقد تتعلق المسألة بالوضع الداخلي الأميركي، لا سيما بعد الأزمة الاقتصادية والمالية الطاحنة، ويذهب بعض آخر إلى ضغط الرأي العام الأمـيركي والأوروبي.
لكن أياً كان السبب، فالأمر أثار تساؤلات مشروعة: هل إن الإنسحاب يعني عدم الإبقاء على عدد محدود من القوات الأميركية لتأهيل وتدريب القوات العراقية، لا سيما إذا طلبت بغداد ذلك؟ ثم هل سبق لواشنطن أن تخلّت طواعية عن «وجودها العسكري» من تلقاء نفسها من دون أن تترك لها أثراً معلوماً، مثل اتفاقية عسكرية أو أمنية تضمن استمرار مصالحها أو غيرها، الاّ إذا خرجت مهزومة كما حدث لها في فيتنام، التي شكّلت عقدة لها، صاحبتها في حربها واحتلالها للعراق وما بعد ذلك؟ هل بحسن نيّة أم أنها مضطّرة بعد مقاومة عنيفة لها، خسرت معها ما يزيد على أربعة آلاف وأربعمئة قتيل وما يقارب الـ 30 ألف جريح، فضلاً عما يزيد عن 3 تريليونات دولار حتى نهاية العام 2008؟
وأظنّ أن وزير الدفاع الأميركي السابق روبرت غيتس كان واضحاً حين خاطب المسؤولين العراقيين خلال زيارة مفاجئة له لبغداد في نيسان الماضي لمناسبة الذكرى الثامنة لغزو العراق قائلاً «انتبهوا الوقت ينفد في واشنطن»، إذْ ان من المفترض أن تنسحب القوات من العراق في نهاية العام الجاري 2011 بموجب الاتفاقية العراقية - الأميركية المبرمة العام 2008. لكن، هل سيتم تنظيم بقاء عدد محدود عبر صيغة جديدة أم عبر بروتوكولات بين وزارات عراقية ونظيراتها الأميركية من دون الحاجة إلى عرضها على البرلمان أو طلب الموافقة عليها، بزعم أنها «اتفاقيات» تنفيذية؟
وبعدها، هل سيحتفظ الجنود الأميركيون بالحصانة القانونية في العراق كما حصل في الاتفاقية السابقة؟ وهل سيستمر العراق في شراء الأسلحة والمعدّات الأميركية، كما فعل في الفترة الماضية، الأمر الذي استوجب التدريب والتأهيل كما جرى تبريره؟ وماذا عن عدد أفراد الشركات الأمنية الذي لا توجد إحصائية رسمية عنه، لا سيما أن لديهم تعاقدات خاصة مع القوات الأميركية تضمن حصولهم على الحصانة أو تمكّنهم من الزوغان من تبعات القوانين العراقية؟
ثم ماذا عن تعويض العراقيين الذين تضرّروا بسبب الاحتلال، فهل سيسدل الستار على المطالبة بحقوقهم المادية والمعنوية من جانب الحكومة العراقية، كما حصل في الاتفاقية السابقة، على الرغم من أن حقهم كأفراد أو حتى جهات حقوقية أو معنوية يمكنهم إقامة الدعوى على المرتكبين الأميركيين بسبب ما لحق بهم من غبن وأضرار جرّاء الاحتلال؟ وأخيراً هل القوات العراقية مؤهلة حالياً لمواجهة التحديات الخارجية والداخلية لتستعيض عن دعم واشنطن وقواتها العسكرية في العراق؟
وإذا كانت أجوبة هذه الأسئلة واضحة أمـيركيا، فإنــها غير ذلك عراقياً، بل إن الأمر لا يزال مصدر خلاف بين القوى والفاعلـيات السياسية المشاركة في الحكومة، فبعضهم يريد إلقاء تبعات تقدير ذلك على رئيـس الوزراء، وبعضــهم الآخر لا يزال ينتظر « أكل الثــوم بلسان الغير»، أما الجهات الأكثر تعبيراً عن مواقفها الواضــحة فهي حكومة إقليم كردستان التي رحّبت لأكثر من مرّة ولأكثر من مسؤول، لا سيما في تصريحات لرئيس الاقليم مسعــود البارزاني عن رغبــتها، بل حاجتها الى وجود قوات أميركية لفضّ النزاعات بين القوى السياسية، لا سيما بخصوص ما تسميه «المناطق المتـنازع علـيها»، ومن الجهة الأخرى فإن التيار الصدري بزعامة مقـتدى الصـدر حتى الآن يرفض التمديد للقوات الأميـركية ويدعو لمغـادرتها العراق، وإنْ كان قد خفّض من نبرة التنديد بها أو التهديد بمهـاجمتها في حال بقائها.
وأخيراً وليس آخراً ظلّت السرية والكتمان يغلّفان الموقف الرسمي العراقي مثلما حصل إبان إبرام اتفاقية العام 2008، التي نظّمت «الاحتلال العسكري» بتحويله الى «احتلال تعاقدي» في إطار قواعد قانونية، وشملت هذه السرّية كل شيء، ابتداءً من تشكيلة الوفد المفاوض ومكان انعقاد الاجتماع وجدول العمل ومشروع نص الاتفاقية، ومع أن السرّية سمةً ملازمةً للسياسة الرسمية، سواءً في ظل النظام السابق أو في ظل النظام الحالي، فإن السرية الحالية في ظل تفكيك الدولة وإعادة بنائها وفقاً لشروط المحتل، جعلت منها عامل هدم وتشكيك، حيث اعتبر الحصول أو الإطلاع على نصوص مشاريع قوانين أو معاهدات أو اتفاقيات دولية مقترحة بمثابة «اختراق أمني»، وبالتالي يجب فرض شكل من التعتيم عليها، كما حصل بخصوص نصوص الدستور وقانون النفط والغاز والاتفاقية العراقية - الأميركية، في حين أن السرّية القديمة طبعت جميع القضايا من أصغر الأشياء وأتفهها الى أكبرها وأخطرها، فحتى غزو الكويت العام 1990 مثلاً لم يطلّع عليه أكثر من ثلاثة أشخاص يمثّلون المثلث الحاكم آنذاك، كما ظلّت ميزانية العراق منذ العام 1976، لا سيما بعض مفرداتها الأساسية، وخصوصاً التي تتعلق بالتسليح والأمور العسكرية سرّية ولم يطّلع عليها أحد أو يناقشها حتى أعضاء قيادة حزب البعث الحاكم نفسه.
لقد وقّعت الحكومة العراقية على الاتفاقية الأمنية مع الولايات المتحدة على الرغم من بعض الممانعات الرسمية أو شبه الرسمية، إلاّ أنها ولا سيما أركانها الأساسية لم يكن لديها «بديل» أو» خيار» عن الاتفاقية، وإنما كانت تريد استثمار الوقت والمناورة لتحسين بعض هوامش أو شروط التفاوض، وقد يكون للظهور بمظهر الممانع أو الرافض أو المضطر، وهو ما تحاول القوى السياسية سلوكه اليوم باستثناء جماعة السيد الصدر المعارضة للوجود العسكري الأميركي والكتلة الكردية الممثلة للإقليم المؤيدة لاستمرار هذا الوجود.
وقد برّرت الأطراف السياسية المؤيدة سرّاً أو علناً للوجود العسكري الأميركي صيغة التعاقد بين بغداد وواشنطن بالقول إن الاتفاقية ستُخرج العراق من مظلّة الفصل السابع ووصاية الأمم المتحدة، وتارة أخرى خرجت علينا بتبرير حول إمكانية إطلاق الأموال العراقية المجمّدة في البنوك الأميركية، وثالثة انتقدت الأطراف الرافضة، كما فعل رئيس الوزراء نوري المالكي عندما قال انهم عارضوا قبل أن يطّلعوا على نصوصها وصيغتها النهائية، ورابعة بتبرير انسجام هذه الاتفاقية مع مبادئ السيادة وضمان مصالح البلاد!
وإذا كان التعارض العراقي واضحاً عشية التوقيع على إتفــاقية العام 2008، فإنه لم يكن كذلك لدى الولايات المتحدة وكما جاء على لسان رئيس هيئة أركانها في حينها مايكل مول فقد حذّرّت الحكومة العراقية من عدم توقيعها على الاتفاقية الذي سيؤدي إلى عواقب كارثية، حيث ستضطر الولايات المتحدة إلى سحب قواتها، ما سيعرّض الوضع العراقي لانهيار متوقع تتحمل مسؤوليته والنـتائج التي ستترتب عليه الحكومة العراقية. وأياً كان الأخذ والرد في حينها، فإن واشنطن استطاعت فرض الاتفاقية السابقة باللين أو بالــقوة، واضطرت الحكومة العراقية للموافقة عليها باختيارها أو باضطرارها، سواء أجرى تعديل بعض نصوصها شكلياً أم لم يجر، وبالمقـابل فقد كان عدم توقيع الاتفاقية يعني بالنسبة لواشنطن اضطرارها لسحب قواتها من العراق، الأمر الذي سيعني انهيار استراتيجيتها في المنطقة ككل.
وبحسب القانون الدولي فإن إبرام أي اتفاقية أو مــعاهدة دوليــة يمـثّل في حقيــقة الأمر أحد مظاهـر ممارسة الســيادة، والدولة الكاملة السيادة هي الشخص القانوني المؤهل في المجتمع الدولي الذي يملك الصلاحية الكاملة في إبرام المعاهدات والاتفاقيات مع غيره من أشخاص القانون الدولي الآخرين من دول ومنظمات. وانطلاقاً مما تقدم، فإنه يجب أن تكون للدولة السيادة التامة ليتسنّى لها إبرام الاتفاقيات والمعاهدات، أما بالنسبة للدول الناقصة السيادة كالدول المحمية أو الدول التابعة والخاضعة لنظام الوصاية أو الواقعة تحت الاحتلال، فإن صلاحيتها لإبرام المعاهدات والاتفاقيات الدولية تتوقف على مدى الاختصاصات الممنوحة لها في هذا المجال بموجب اتفاقية الحماية أو التبعية أو نظام الوصاية أو أي نظام أو قرار دولي أخر يمكن أن تخضع له.
وعند الحديث عن الاتفاقية الأمنية الجديدة أو توقيع بروتوكولات أو تنظيم العلاقة بين بغداد وواشنطن، فإنها لا تخرج عن الحيثيات التي سبقتها، خصوصاً أن توازن القوى ما زال مختلاً بين طرفيها، فأحدهما محتل وقوي ويستطيع فرض إرادته وهو الولايات المتحدة، والآخر محتلة أراضيه وضعيف ولا يملك أوراقاً كثيرة للعب أو للضغط بها، فوحدته الوطنية مفككة والإنقسام والتشظي المذهبي والإثني يهدّد كيانية الدولة، والإرهاب والفساد مستشريان على نحو لا مثيل له، والميليشيات والصحوات تتصرفان بمعزل عن الدولة وأحياناً بالضد منها، وهيبة هذه الأخيرة لا تزال مصدر شك وتصدّع!
وأياً كانت التبريرات والذرائع التي تسوقها الحـكومة العــراقية، إذا ما أرادت واشنطن الابقاء على عدد من قواتها أو قواعـدها فإنها ستـضطر الى التوقيع على اتفاقية جديدة أو بروتوكولات جديدة تلبّي الغرض ذاته بعد انتهاء مفعول الاتفاقية المذكورة في نهاية العام 2011، خصوصاً وأن الظروف التي أجبرتها أو «أقنعتها» على التوقيع على الاتفاقية السابقة، لا تزال موجودة، لا سيما بعد تدهور علاقات القوى السياسية مع بعضها البعض وهو ما أفرزته انتـخابات آذار العام 2010، مع بقاء شواغر في الوزارات الأمنية، خصوصاً وزارتي الدفاع والداخلية حتى الآن، وحصول بعض الاختراقات في الوضع الأمني، وارتفاع منسوب العمليات الارهابية واستهداف الأكاديميين والعلماء.

باحث ومفكر عربي




275
الأردوغانية : تأويل للعلمانية أم للإسلامية ؟!
د. عبد الحسين شعبان
باحث ومفكر عربي
على هامش فوز حزب العدالة والتنمية في الانتخابات البرلمانية العام 2002 تساءل كثيرون بقلق: هل عاد الإسلام إلى تركيا أم عادت تركيا الى حظيرة الإسلام وربما الإسلاموية بعد غياب دام عقود من الزمان؟ والسؤال يُطرح اليوم على نحو جديد كيف يمكن التوفيق بين "دولة علمانية" وبين توجهات بخلفية إسلامية؟!
أتذكّر أنني قرأت قبل فترة ليست بالقصيرة أن مجموعة متنفذة في الدولة التركية وبمناسبة مرور عشر سنوات على تأسيسها جمعت بعض المصاحف والكتب الدينية ووضعتها على ظهور الجمال ليقودها رجل يرتدي "الزي العربي" وقد علّقت على رقابها لافتة تقول :" جاءت من الصحراء، ولتعدْ إليها، وجاءت من العرب فلتذهب إليهم". ولعل مثل هذا الفهم المغلوط لا يزال مستمراً حول علاقة الدين بالتخلف، منظوراً إليه استشراقياً أو انعكاساً لرؤية التيارات الدينية المتشددة.
لقد اعتقدت بعض النخب الفكرية والثقافية أن تركيا التي ارتبطت بعلاقة خاصة مع الغرب، وحاولت تقليده في بعض المظاهر، وشهدت بعض الممارسات لإضعاف دور الدين والتديّن، حيث بنى رجال الدولة الأوائل كل مجدهم على علمنة الدولة وعصرنتها وتحديثها بالقوة أو بغيرها، وكان المهم لديهم أن تتخلص تركيا من آثار الدولة العثمانية وأن تتجه صوب أوروبا، لكن الاسلام عاد بحلّة جديدة، وإذا بنا أمام مفارقة أخرى حين يدافع " إسلاميون" عن العلمانية.
استعدت ذلك وأنا أتابع تصريحات رجب طيب أردوغان رئيس الوزراء التركي  المثيرة في مصر، وبعد ذلك في تونس وليبيا، والتي أثارت موجة عاصفة من الجدل، حول علاقة الدولة بالدين، وحول مفهوم الدولة العلمانية والمدنية، وعلاقة العلم بالدين وغيرها من الأسئلة الساخنة على مستوى العالم الإسلامي بشكل عام، وهي مقاربة لأسئلة مشتبكة منذ عقود من الزمان حول علاقة العروبة بالاسلام، وعلاقة الماركسية والاشتراكية بالدين، وهل كان من الممكن "أسلمة" الماركسية، أو "مركسة" الإسلام؟ ثم علاقة الإسلام بالديمقراطية وحقوق الانسان وغير ذلك، من التداخل والتفاعل والتناحر في الكثير من الأحيان.
في مصر، هتف الاسلاميون، لاسيما قيادات حركة الاخوان المسلمين بحرارة لدى استقبال أردوغان مطالبين إيّاه بالخلافة الاسلامية " أردوغان يا زعيم وحّد صف المسلمين"، ففجأهم هو بدعوته للعلمانية، مفسّراً العلمانية بأنها لا تعني اللادينية، معتبراً أن الدولة العلمانية هي التي تضع مسافة واحدة من جميع الأديان، وهو ما ذهب اليه دستور تركيا العلماني العام 1982.
وعلى الرغم من إشارته أنه رجل مسلم، وهو في الوقت نفسه رئيس وزراء دولة علمانية تقف على مسافة واحدة من جميع الأديان، ولكنها تتعامل مع الأقليات الدينية- وأقول مع " التنوّع الديني" المسيحي واليهودي على أساس المساواة-، على الرغم من 99% من سكانها من المسلمين، وهذا يعني أن المسافة واحدة من الجميع، وهو لا يجد تناقضاً في ذلك، فهو مسلم، وغير علماني، لكنه رئيس دولة علمانية، فالدولة بهذا المعنى لا دين لها (حتى عندما نقول مثلاً الاسلام: دين الدولة) فالدين سواءً كان الإسلام أو المسيحية أو اليهودية، هو دين المسلمين أو دين المسيحيين أو دين اليهود، أما الدولة فهي محايدة ويمكن أن يوجد فيها من لا دين له، أو من أتباع الديانات غير السماوية.
الحفاوة البالغة التي استقبل بها أردوغان لم تكن ذاتها التي وُدِّع بها، لاسيما بعد حواره مع الاعلامية المصرية منى الشاذلي في برنامج العاشرة مساءً لمحطة تلفزيون قناة دريم. وعلى الرغم من أن هذا البرنامج قد تم تسجيله في اسطنبول قبل زيارته الاّ أن بثّه خلال زيارته أحدث نوعاً من الاصطفاف في الشارع المصري بين جماعات الاسلام السياسي وبين القوى الأخرى، العلمانية، ففي حين انخفض رصيده لدى التيار الاسلامي، تعزّز موقعه لدى التيار العلماني، والأمر ليس في مصر حسب، بل في تونس وليبيا وفي العالمين العربي والاسلامي.
   ولكي يظهر أردوغان "الاسلامي" بأطروحاته المتقدمة على التيارات الاسلامية، لاسيما الأخوان والسلفيين وغيرهم من القوى الاسلامية، وجّه دعواته من دار الأوبرا وليس من جامعة الأزهر، ولعلّ اختيار المكان وحده له أكثر من دلالة، وهو يذكّرنا بالرئيس الأمريكي باراك أوباما الذي اختار جامعة القاهرة ليوجّه خطابه الى المجتمع العربي والاسلامي، في رسالة تطمينية، لاسيما باحترام الخصوصيات والعقائد والدعوة للحوار بين الثقافات والحضارات، الأمر الذي ترك انطباعات إيجابية، لكنها سرعان ما تبخّرت بالدعم اللامحدود" لإسرائيل" والتواطؤ في حرب غزة المفتوحة وحصارها المستمر منذ نحو أربع سنوات، وأخيراً موقف واشنطن من قبول الدولة الفلسطينية في الأمم المتحدة، خصوصاً وقد بلغ عدد الدول التي اعترفت بها 126 دولة منذ اعلان الاستقلال في مؤتمر الجزائر العام 1988.
لا شكّ أن لتركيا مشروعاً كونياً أساسه دور اقليمي متميّز سواءً بالتوازن مع إيران، حيث كان ما يقلقها هو المشروع النووي الإيراني، إضافة الى سياسة التمدّد الإيرانية، لاسيما عربياً، خصوصاً العلاقة المتميّزة مع سوريا وحزب الله اللبناني ووصولاً الى فلسطين حيث العلاقة الوثيقة مع حماس، ناهيكم عن علاقات مع بعض القوى الاسلامية في الخليج، وعلاقة خاصة مع الجماعات الاسلامية الشيعية في العراق، وبالأخص شيعة السلطة، لكن أردوغان يعرف مصادر قوة تركيا، لاسيما وهناك مخاوف إزاء الإسلام السياسي ليس في الغرب وحده، بل في العالمين العربي والاسلامي، لذلك فإن مقاربته للعلمانية ليست سوى تطمين الغرب كما أن موقفها الجديد من "إسرائيل"، خصوصاً إزاء عدوانها ضد أسطول الحرية وقتلها 9 مواطنين أتراك وامتناعها عن تقديم اعتذار رسمي هو أحد أرصدتها عربياً وإسلامياً، وما زاد الموقف تعقيداً هو صدور قرار دولي باسم لجنة بالمر برّأ المعتدي ولام الضحية، لاسيما سكان غزة المحاصرين ومعهم من يريد أن يرفع عن كاهلهم عبء الحصار، كما حجزت تركيا موقعاً لها في الشارع العربي، بسبب موقفها الايجابي من حركة الاحتجاج الشعبي العربي، بل حاولت أن يكون لها دوراً مؤثراً فيها، حتى وإن لقي بعض الهواجس والشكوك، خصوصاً موافقتها على بناء الدرع الصاروخي وعضويتها في حلف الناتو واستخدام ورقة التدخل العسكري.
هناك سعي دؤوب لإظهار اعتدال الإسلام التركي القابل بالعلمانية، بل الداعي إليها، مقابل إسلام متشدد مثّلته حركات إرهابية مثل تنظيمات القاعدة وحركات سلفية انبعثت خلال السنوات العشرين ونيّف الأخيرة، في دول المنطقة العربية، وإسلام سياسي لا يزال كثير الارتباط بالماضي، واسلام آخر يرفض الغرب ويعتبره عدوًّا ممالئاً لإسرائيل، بل شرٌّ المطلق. ولهذا ليس عبثاً أن يحاول أردوغان الدعوة الى دستور مصري علماني وهو ما تلقّاه الأخوان بإنزعاج وقد عبّر عنه محمود غزلان المتحدث باسم الجماعة حين ردّ على أردوغان قائلاً: إن التجارب الأخرى لا تستنسخ، وإن ظروف تركيا تفرض عليها التعامل بمفهوم الدولة العلمانية، معتبراً نصيحته تدخلاً بالشؤون الداخلية.
والسؤال الذي يمكن أن يُطرح منذ  متى كان الفكر والتعبير عن وجهات النظر تدخّلاً بالشؤون الداخلية، لاسيما من جانب قوى شقيقة، الاّ إذا فهمنا ضيق صدر الأخوان ورفضهم لفكرة العلمانية التي يعتبرونها دعوة للادينية، خصوصاً في ظل احتدام الصراع الداخلي بينهم وبين العلمانيين؟ لقد كان الأخوان يرغبون بصدور تصريحات من أردوغان وحزبه ذو الخلفية الاسلامية بما يعزز مواقعهم ضد العلمانيين، وإذا به يقوّي أطروحات الطرف الآخر بتأكيده على علمانية الدولة.
لقد أكّد أردوغان على ضمان وقوف الدولة على  مسافة واحدة من جميع الأديان،  واحترامها جميعها ومنح الناس ضمانات لذلك، الأمر الذي سيوفّر أماناً للمسلمين والمسيحيين وغيرهم  بما فيهم غير المتدينين على حد سواء، فحتى من لا يؤمن بالتديّن لا بدّ للدولة من احترامه، وتلك مواصفات الدولة العلمانية التي يدعو اليها أردوغان، ولعمري أن تلك المواصفات لا يقول بها أي من دعاة الاسلام السياسي، سواءً كانوا مرنين أو متطرفين، في السلطة أو خارجها، ولعل هذا لا ينطبق على الاسلاميين وحدهم، فهناك علمانيون يريدون الإقصاء والإلغاء والتهميش للتيارات الاسلامية بزعم العلمانية، الأمر الذي بحاجة الى توافق وطني في إطار عقد اجتماعي جديد يحدد علاقة الحاكم بالمحكوم في إطار مواطنة متساوية دون تمييز أو عزل، وهي الأساس في تعامل الدولة مع الفرد.
جدير بالذكر أن هذه الآراء التي بشّر بها أردوغان سواءً في مصر أو في تونس أو في ليبيا ستزيد من حدّة الجدل الذي لا يزال مطروحاً بشدة في العديد من البلدان العربية، لاسيما التي نجحت فيها الثورات الشعبية. وتأكيداً على الزواج الكاثوليكي بين علمانيته وإسلاميته قال أردوغان: أن الشعب التركي الذي منحني 50% من الأصوات (وبالطبع فهو شعب مسلم) يعلم أنني أعتبر وجود دولة علمانية هو أساس للتطور، ولكنه لا يرى تعارضاً بين العلمانية والاسلام، وأن علمانية تركيا تختلف عن علمانية الغرب.
لقد تجاهل أردوغان عن وعي وإدراك وتصميم الدعوات الى الخلافة، لأنه أدرك أن هذه الدعوات عفا عليها الزمن، وأنه لا سبيل لاستعادة مجدها الغابر، فعقل أردوغان يفكّر بالمستقبل، وهو ليس مثل غيره من الإسلاميين أو الإسلامويين الذين يستغرقون في الماضي، بل يستحضرونه في صراعهم اليومي، وتجد أحياناً مفردات التاريخ تدور في حلقة مفرغة حول أحقية هذا الفريق أو ذاك، في مسألة خلافية تمتد لقرون من الزمان ولا يمكن حسمها.
إن واقعية أردوغان السياسية وبراغماتيته جعلته موزع بين العلمانية والاسلامية، بحثاً عن تأويلات  يستخدمها في نوع من التوافق والهارموني بين جدليتين بالتواصل وليس بالقطيعة حتى وإن تناقضتا ، فهو يدرك ان مثل هذا التناقض جزء من مشروعه البعيد المدى.

276
المنبر الحر / "إسرائيل" والمياه
« في: 13:10 22/10/2011  »
"إسرائيل" والمياه   

 
عبدالحسين شعبان
منذ قيامها في عام 1948 أدركت “إسرائيل” أهمية المياه في الصراع العربي  الصهيوني، ولذلك سعت للاستحواذ عليها والتصرّف بها من جهة، ومن جهة أخرى تشجيع دول المحيط، والتعاون معها، للتحكّم في المياه لإضعاف البلدان العربية وجعلها بحاجة مستمرة ومتنامية إليها، لأنها كانت متيقنة أن مستقبل الشرق الأوسط يتوقّف على السيطرة على المياه أو وضع اليد عليها .

وإذا قيل في الحرب العالمية الأولى “من يملك النفط يكسب المعركة”، وهو قول صحيح آنذاك، فيمكن القول إن “من يسيطر على مصادر المياه ويتحكّم فيها ويستثمرها هو الذي ستكون له اليد الطولى في الحرب المقبلة”، سواءً كانت حرباً ناعمة أو حرباً بالوسائل الخشنة، فالمياه قد تكون الشرارة التي سيشعل فتيلها من يتمكن من محاولة الاستحواذ عليها .

ويتبيّن اهتمام “إسرائيل” بجميع قواها وكتلها السياسية المختلفة بالمياه، حيث هناك ما يشبه الإجماع عليها، وهو ما تضمنه برنامج الليكود منذ وقت مبكر حول احتفاظه بالأراضي العربية المحتلة الذي كان يبرر أن نسبة تزيد على 50 في المئة من مصادر المياه العذبة المستهلكة تأتي من الضفة، وتضمنت برامج كتل أخرى فقرات مماثلة في انتخابات الكنيست لأكثر من مرة .

لقد دخلت “إسرائيل” موضوع المياه مباشرة من خلال المعركة التي بدأت في الستينات عندما حاولت سوريا التفكير في تحويل نهر بانياس، الذي ينبع من سفوح الجولان (أحد روافد نهر الأردن) وقامت بإطلاق تهديد مباشر لسوريا إدراكاً منها لأهمية المياه في اقتصادها، الأمر الذي استدعى عقد القمة العربية عام ،1964 وهي القمة الأولى بعد انقطاع قارب عقدين من الزمان، حين انعقدت القمة التأسيسية في أنشاص عام 1946 .

ولإدراك “إسرائيل” أن الماء واحد من مصادر الطاقة الأساسية ولا يمكن الاستغناء عنه أو تحقيق تنمية وتقدم من دونه، فقد حاولت إضعاف مصر وذلك من خلال تقديم خدماتها لإثيوبيا عبر شركة “تاحال” التي أسهمت في وضع تصاميم ودراسات لعدد من السدود على نهر النيل في إثيوبيا التي أدت إلى تخفيض حصة السودان ومصر من المياه الضرورية .

وتحركت “إسرائيل” باتجاهين، الأول السعي لإعادة العلاقات الديبلوماسية التي ظلّت مقطوعة منذ عام 1967 مع بعض الدول الإفريقية ونجحت في ذلك، والثاني تزويد إثيوبيا بالسلاح لمواجهة “الثورة الإريترية” في حينها، وما إن نجحت هذه الأخيرة وحصلت إريتريا على الاستقلال، حتى سارعت “إسرائيل” إلى إقامة أوثق العلاقات معها، علماً بأن علاقات “إسرائيل” مع إفريقيا  كانت مقطوعة لنحو 30 دولة إفريقية لاسيما بعد عام 1973 ، بسبب مواقفها العدوانية ضد الشعب العربي الفلسطيني، لكن “إسرائيل” بدأت باستعادة تلك العلاقات، بل تعويض ما فاتها والحصول على امتياز الدولة الأكثر رعاية في بعض علاقاتها منذ أن وقع الرئيس المصري محمد أنور السادات على اتفاقية كامب ديفيد واتفاقية الصلح المنفرد العام 1978-،1979 وحتى أواسط الثمانينات استعادت “إسرائيل” جميع علاقاتها المقطوعة، بما فيها مع الدول الاشتراكية السابقة (أواخر الثمانينات) مع ألمانيا الديمقراطية وبولونيا وهنغاريا وتشيكوسلوفاكيا وبلغاريا والاتحاد السوفييتي السابق، إضافة إلى يوغسلافيا ورومانيا، كما استعادت علاقاتها مع الصين في وقت لاحق .

أما في ما يتعلق بتركيا، وهي أول دولة إسلامية تعترف ب”إسرائيل” منذ العام ،1949 فقد ظلّت علاقتها وطيدة بها، خصوصاً في مجال المياه . وعلى الرغم من تدهور العلاقة السياسية أخيراً، خصوصاً بعد حصار غزة وإعلان الحرب عليها في أواخر العام 2008 وأوائل ،2009 وفيما بعد مهاجمة “إسرائيل” أسطول الحرية، وقتل 9 من الأتراك كانوا ينقلون مساعدات إنسانية على ظهر السفينة مرمرة، واضطرار تركيا إلى مطالبتها بالاعتذار الرسمي وتخفيض العلاقات إلى مستوى سكرتير ثان بدلاً من سفير، فإن العلاقات الاقتصادية لا تزال مستمرة، كما أن العلاقات الأمنية بما فيها اتفاقية ترايدنت الموقعة العام 1958 لا تزال سارية المفعول من الناحية الفعلية .

لقد اهتمت “إسرائيل” منذ أواخر الثمانينات ومطلع التسعينات بشكل خاص، بالمياه وأولتها مكانة خاصة في استراتيجيتها، وقد تزامن ذلك الاهتمام مع تدفق الآلاف من اليهود السوفييت إليها، خصوصاً أن حاجتها إلى المياه ازدادت على نحو كبير جداً، لاسيما وكان مخططها الذي قامت بتنفيذه يتلخص في إسكان قسم من اليهود السوفييت في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وهو الذي دفع شامير يومها للحديث عن ضرورة الاحتفاظ بهذه الأراضي وعن “دولة إسرائيل الكبرى” .

ومع مقدمات حرب الخليج وما بعدها، قامت “إسرائيل” بمحاولات سطو “دولية” على نهر الأردن، وسعت إلى سرقة مياهه وسيّرتها بموازاة الساحل الجنوبي بهدف إرواء صحراء النقب . كما أقدمت بعد حرب العام 1967 على شفط المياه الجوفية من الأراضي المحتلة، وحالياً فإن أكثر من (60% ستين في المئة) من مياه نهر الأردن تذهب إليها “إسرائيل” في حين لم يتجاوز ما كانت تستفيد منه من حوض النهر “عبر أراضيها” أكثر من 3% (ثلاثة في المئة) قبل عدوان حزيران (يونيو)، ثم أقدمت “إسرائيل” على سرقة أخرى وذلك بالاستيلاء على مياه نهر بانياس عام 1967 وهو الذي يفسر تمسّكها الشديد، بمرتفعات الجولان .

وكانت “إسرائيل” قد وضعت عينها على نهر الليطاني اللبناني، وفي عام 1978 أطلقت اسم عملية الليطاني على غزوها للبنان والجنوب اللبناني بشكل خاص . جدير بالذكر أن طول نهر الليطاني يبلغ 170 كلم ويقطع أكثر من نصف لبنان طولياً من الشمال إلى الجنوب ثم يتحول إلى الغرب، ويصب فيه 16 نهراً ونبعاً، ومياهه أفضل أنواع المياه بالمواصفات والجودة، كما أن نحو 80% منه يقع في سهل البقاع و20% يمرّ في الجنوب، ويصب في البحر على مسافة 8 كم شمال مدينة صور، وهذه المياه مهمة ل”إسرائيل” وضرورية لتزويد الجليل المحتل بالمياه من دون ضخّ مكلف، وكان ذلك أحد أهداف الغزو “الإسرائيلي” للبنان واحتلال العاصمة بيروت العام 1982 .

أما بخصوص الجولان فظلّت القوى الصهيونية تردد “الجولان أبو فلسطين” لأنها تضم مياه نهر الحاصباني وبانياس والوزان والدان والأردن واليرموك وبحيرة طبريا ومساحة الاحتلال نحو 2001 كلم،2 وهي جزء من مساعي “إسرائيل” لتغيير الهوية العربية لسكان الجولان وتأكيد جديد على التمسك “الإسرائيلي” بالجولان بعد قرار ضمها الذي اتخذه الكنيست العام 1981 .

إن زيارة ليبرمان، وهو أحد أكثر الشخصيات الصهيونية الرسمية المتطرفة، إلى الجولان عشية عرض طلب دولة فلسطين إلى الأمم المتحدة للحصول على العضوية الكاملة، هي جزء لا يتجزأ من استفزازاته للمجتمع الدولي، مثلما كان إقرار “إسرائيل” مشروعاً استيطانياً جديداً ببناء مئات الوحدات السكنية في القدس الشرقية، ومثل تلك الاجراءات تشكل حلقات متصلة في مسلسل استراتيجي متكامل يستهدف قضم الأرض وشفط المياه وإجلاء السكان وجعل الأمر الواقع واقعاً، خصوصاً بالعلاقة مع دول المحيط، فدول منبع النيل وممرّه خلقت أزمة مائية في السودان وجنوبه ومصر، خصوصاً أن نسبة ما يصلهما غير كاف، فما بالك بزيادة نسبة السكان، ناهيكم عن أن “إسرائيل” التي استأجرت جزيرة دهلك قامت ببناء قاعدة عسكرية متطورة فيها، مثلما ترتبط بعلاقات وطيدة عسكرية وأمنية مع بعض دولها .

وفي الوقت نفسه، فإن بناء سدود تركية وأهمها مشروع الغاب أسهم في تخفيض حصة سوريا والعراق من المياه، الأمر الذي ينذر بعواقب بيئية وكارثية على البلدين .

وقامت إيران أخيراً بتحويل نهر القارون وعدد من الأنهار إلى الداخل الإيراني حاجبة إياها عن شط العرب، الأمر الذي ستكون نتائجه خطرة على مستقبل شط العرب، الذي يقدّر الطوبوغرافيون أنه سيكون بعد قرن من الزمان في الداخل الإيراني، بسبب الطمى والغرين، وهو بحاجة إلى حلول ومعالجات جذرية .

لعل ذلك يعيدنا إلى أطروحة بن غوريون الذي افترض خشية إثيوبيا من سياسة عبد الناصر “التوسعية” في إفريقيا، ومن “عداء” تركيا التقليدي للأمة العربية، يضاف إليها الدور التركي الجديد حالياً، وهو سيف إسلامي بغمد نووي، حتى وإن اشتبك مع “إسرائيل” حالياً، إضافة إلى مشروع إيراني يتعارض مع أكثر من طرف عربي، جزء منه لأسباب تاريخية والآخر يتعلق بمحاولة الهيمنة، الأمر الذي يجعل “إسرائيل” تتصرف بطريقة مرتاحة إزاء مشكلة المياه العربية .

* باحث ومفكر عربي



277
مشكلة المياه العربية
   
 
عبدالحسين شعبان
إذا كانت مشكلة المياه دولية بامتياز وقد أولتها الأمم المتحدة جانباً غير قليل من الاهتمام، ولاسيما خلال العقود الأربعة ونيّف الماضية، فإن المشكلة عربياً تزداد خطورة، فإضافة إلى تفاقمها عالمياً، فهناك التوزيع غير العادل للمياه، لاسيما نسبة هطول الأمطار، ففي بعض البلدان العربية، إضافة إلى الأنهار وربما الثلوج، فإن نسبة الأمطار أكثر من غيرها في مناطق أخرى تعاني من جفاف، لاسيما بسبب قلّة الأمطار . يضاف إلى ذلك الزيادة السكانية، حيث إن معدلاتها في بعض البلدان غيرها في بلدان أخرى، ومثل هذا الأمر يتعلق أيضاً بالمصادر المائية ونسبة استهلاكها، وكذلك سوء استخداماتها، ففي البلدان النامية ومنها الدول العربية تختلف نسبة الاستخدام للأغراض الزراعية عن الأغراض الصناعية والمنتجة، إضافة إلى الاستخدامات للحياة المنزلية، والأمر يتعلق أيضاً بمعدلات درجة الحرارة وارتفاع منسوب مياه البحار وازدياد نسبة الاحتباس الحراري وغيرها .

وتزداد المشكلة عربياً لأن هناك دولاً تفتقر أساساً إلى وجود كميات كافية من المياه، لاسيما بما يتناسب مع حجم الاستهلاك، كما أن منابع معظم الأنهار العربية هي في بلدان غير عربية، مثل النيل ودجلة والفرات، وتسير في دول الجوار، وهذه العوامل تشكل لغماً قابلاً للانفجار في أية لحظة، خصوصاً بارتفاع أهمية المياه وتعاظم الحاجة إليها وزيادة استهلاكها وشحّ مصادرها وتأثرها بالتغيرات المناخية والبيئية، فضلاً عن محاولات استغلالها سياسياً وتوظيفها لخدمة مصالح خاصة .

وإذا كانت مصر والسودان ويضاف إليهما اليوم جنوب السودان مستفيدة من النيل، فإن الدول المحيطة يمكنها تحجيم وتقييد حجم هذه الاستفادة، خصوصاً الدول التي فيها منبع ومجرى النيل، وهي تقارب نحو عشر دول . أما دجلة والفرات، حيث تستفيد منهما العراق وسوريا، فإنهما في مواجهة خاصة مع تركيا، لاسيما بعد بناء مشروع الغاب الكبير منذ أواسط الثمانينات الذي يضم نحو 21 سداً . أما فلسطين والأردن ولبنان وسوريا المستفيدة من نهر الأردن ونبع الوزاني ومياه الجولان والمياه الجوفية في الأرض المحتلة، فهي في مواجهة دائمة مع “إسرائيل” منذ تأسيسها، وقد تفاقمت هذه المشكلة في الستينات، وذلك عندما عملت سوريا على تحويل نهر بانياس، فحاولت “إسرائيل” التصدي لها، الأمر الذي دفع البلدان العربية إلى عقد قمة عربية عام ،1964 وهي القمة الأولى بعد قمة إنشاص عام 1946 لمواجهة الموقف واتخاذ خطوات موحّدة .

ويعاني الخليج من عدم وجود أنهار بل يعتمد بالدرجة الأساسية على تحلية مياه البحار بنسبة 62% على الرغم من أسعارها الباهظة، الأمر الذي سيؤدي إلى مشاكل جديدة، لاسيما بارتفاع مستوى المعيشة وارتفاع أسعار التكلفة .

يمكن القول إن المشكلة كبيرة ومعقدة، ولا تتعلق بالجانب العربي فحسب، لكنها تتعلق أيضاً بالدول التي تمرّ فيها الأنهار التي يستفيد منها الوطن العربي، وذلك لأن 62% من المياه العربية هي من خارج الوطن العربي، وإنْ كانت هذه النسبة كبيرة إلاّ أنها لا تغطّي الأراضي العربية الشاسعة، حيث تعاني من صحراء ممتدة وهائلة تزيد على 80% .

ويوجد في الوطن العربي نحو 34 نهراً مستمراً ومستديماً، وقد جفّ نهر بردى الذي ظلّ منذ خمسة آلاف سنة متدفقاً ومن دون توقف، وعلى الرغم من تدفق الأنهار لكن قدرتها التخزينية ليست كبيرة بسبب عدم ارتفاع نسبة المياه، ناهيكم عن التغييرات الحاصلة في الطبيعة . وقد تنتظر أنهار ذات تاريخ عريق تغزّل بها الشعراء على مرّ العصور من جفاف، وحسب بعض التقديرات فإن هذا ما ينتظر نهر دجلة في العراق في عام ،2040 إن لم يتم تدارك الأمر بسياسة بعيدة المدى تأخذ مصالح جميع الأطراف في الاعتبار مع مراعاة الجوانب الإنسانية وقواعد القانون الدولي .

ولعل هذه المشكلة ستزداد ارتفاعاً، وخصوصاً بازدياد الطلب وارتفاع الاستهلاك وتقدّم مستوى المعيشة والحاجة الأساسية للمياه للاستخدامات الصحية والبيئية والتنموية، الأمر الذي سيؤثر على نحو كبير في الأمن المائي والأمن الغذائي بحكم الاشتباك على المستوى الإقليمي بدول الجوار المحيطة، وقد تؤثر المسألة في قضية السلام في المنطقة، بل على المستوى العالمي، لعلاقتها بدول المحيط وخصوصاً “إسرائيل” وتركيا وإيران وإثيوبيا، وما يمكن أن تتركه من تأثيرات سلبية على النظام الإقليمي، ناهيكم عن انعكاساتها الاقتصادية والاجتماعية والتنموية والقانونية، إضافة إلى المسلحة والعسكرية .

ولعل هذه الإشكالات الفنية ستنعكس سياسياً وقانونياً واجتماعياً واقتصادياً، لتشكل  تحديات كبرى، خصوصاً إذا ما عرفنا أن الماء سلعة استهلاكية، فضلاً عن التغيرات المناخية والبيئية والاحتباس الحراري وانعكاسات ذلك على الثروة المائية في المنطقة، لاسيما على الجانب العربي، الأمر الذي يحتاج إلى جهد منفرد على مستوى كل بلد عربي وجهد جماعي عربي مشترك يمكن أن تلعب فيها جامعة الدول العربية دوراً إيجابياً إذا ما استندت إلى خريطة طريق طويلة الأمد وعبر جهد معرفي وسياسي استراتيجي .

لقد سعت “إسرائيل” إلى تطويق الوطن العربي منذ وقت مبكر، ولهذا عملت على توثيق علاقاتها مع دول المحيط، ففي الستينات نشطت لبناء اتفاقية بين دول المحيط الثلاث: إيران الشاه، تركيا، وإثيوبيا، حيث تم التوقيع في عام 1958 على اتفاقية ضمّت تركيا وإثيوبيا و”إسرائيل” والتي عُرفت باسم اتفاقية “ترايدنت” أو الرمح الثلاثي ضد مصر وسوريا والعراق، مشجعة على مخاوف إثيوبيا هيلاسيلاسي من سياسة عبد الناصر الإفريقية التحررية، إضافة إلى محاولة دق أسافين بين العرب والأتراك، بعد الانفكاك من الدولة العثمانية التي حكمت البلاد العربية أكثر من أربعة قرون من الزمان، فضلاً عن ذلك استحضار أطماع بلاد فارس “العربية” ومحاولاتها للهيمنة على الخليج والعراق .

لقد بنت “إسرائيل” ثلاثة سدود كبرى في إثيوبيا في السبعينات للتحكّم في مياه نهر النيل والضغط على مصر والسودان، عبر شركة “تاحال الإسرائيلية” واستأجرت جزيرة دهلك في وسط البحر لاستخدامها قاعدة عسكرية، كما أن تركيا ظلّت تتحكم في مياه حوضي دجلة والفرات مؤثرة في سوريا والعراق، في حين أن إيران التي استفادت من اتفاقية 6 مارس/آذار عام 1975 المعروفة باسم “اتفاقية الجزائر” بين شاه إيران وصدام حسين بموجب خط الثالويك، ولا تزال متمسكة بها، وقامت بتحويل نهر قارون والكرخة إلى الداخل الإيراني وعدد غير قليل من الفروع التابعة  لشط العرب! وخط الثالويك هو خط وهمي من أعمق نقطة في وسط مجرى النهر عند انخفاض منسوب المياه وحتى البحر، الأمر الذي سيعني بحكم الطبوغرافيا وتراكم الطمي والغرين أن شط العرب بعد نحو 100 عام سيصبح في الأراضي الإيرانية .

ومن دون إعادة النظر منهجياً بجميع هذه القضايا فإن مشكلة المياه ستتفاقم في الوطن العربي منذرة بحروب لا تحمد عقباها، خصوصاً في ظل ما تقوم به دول المحيط من برامج ومشاريع تلحق ضرراً بالعرب ومستقبلهم . ولعل هذه المسألة كانت موضوع مناقشة جادة في مؤتمر عقد مؤخراً في باريس نظّمه “مركز الدراسات العربي  الأوروبي” بالتعاون مع “المعهد الأورو  متوسطي” .

باحث ومفكر عربي

278
كلمة الأصدقاء العرب للراحل عبد الرحمن النعيمي


عبد الرحمن النعيمي

الرجل الذي مشى بوجه الريح
سمفونية الرحيل
عبد الحسين شعبان
لعلّه شرف لي أن أمثّل أصدقاء الراحل الكبير عبد الرحمن النعيمي "سعيد سيف"، وأن أتحدث باسمهم في هذه المناسبة الجليلة وفي هذا الحفل المهيب، الذي يُقام تكريماً له، فقد غادرنا وهو في أوج عطائه الفكري والثقافي، سياسياً لامعاً وأحد القمم العربية الشعبية التي عرفتها الساحات العربية من مشرق الوطن العربي وحتى مغربه، ولذلك ليس غريباً أن يلتئم  هذا الشمل وأن تجتمع هذه النخبة المتميّزة من الشخصيات العربية المتنوعة والمختلفة، لتقول كلمة تحية بحق الرجل الذي مشى بوجه الريح، غير آبه بما ستؤول إليه النتائج طالما يستهدف الوصول إلى الحقيقة، التي ظلّ باحثاً عنها ومخلصاً لها وغير متمسك بسواها، بل ومستعد لتغيير أو تعديل مساره إذا شعر أنه ابتعد عنها أو تعارض معها، خصوصاً وقد استعان ببوصلتها.
لم يكن النعيمي طيلة ما يقارب عقود خمسة من الزمان، يفتش عن السهل من الأمر، فقد كان خياره  هو الأصعب دائماً، فكان حازماً مع نفسه أولاً، مترفعاً عن الصغائر، يعمل بصمت ودون عنعنات أو ادعاءات، يتواصل مع الآخر ويعترف بالاختلاف والحق في الاجتهاد. وإذا كان الوصول إلى الحقيقة يمرّ بطرق مختلفة، فقد فضّل النعيمي أن يختار الطريق الأصعب، حتى وإن اضطّر إلى امتشاق السيف بحثاً عن الحرية والعدالة والمساواة، وكنّا غالباً ما نرددّ مقطعاً شعرياً من قصيدة شهيرة بعنوان "زفة شناشيل" لصديقنا الشاعر الكبير مظفر النواب:
أنه يعجبني أدوّر عالگمر بالغيم
ما أحب الگمر كلّش گمر!!
وحسب الشاعر المبدع سعيد عقل: "الصعب صنو الجمال،لأنه دهشة وإعمال كدّ عقلي وإبداع عبقرية وكدح فكري".
ولعل النعيمي  في عمله واجتيازه للصعاب كان أشبه بنحات ينقش في الرخام ويرسم ألواناً من الضوء هي نوع من الخلق والتفرد والتمييز، وفي ذلك تتجسد الصعوبة لأنها إبداع. 
كان النعيمي في تساؤل وقلق وحوار دائم مع نفسه، تُرى هل أن الطريق الذي اختاره كان صحيحاً، لا سيما  بعد تجارب مريرة وخيبات كبرى وأحزان معتقة ومرارات مستمرة؟ وكان يعيد السؤال على نفسه: هل أن هذا الطريق هو المؤدي إلى الحقيقة أم ثمة طرق أخرى؟.
في مواجهته مع الصعاب، ولا سيما في فترات الأزمات والاحتدامات سواءً على المستوى البحريني أو على المستوى العربي، كان النعيمي بعد تقليبه الأمور يميناً وشمالاً، يعود وهو الأكثر عناداً وصلابة، في اختيار طريق الحقيقة، طريق النضال على الرغم من وعورته ومخاطره، لكنه كان يجد فيه سعادته وعلى العكس كان ينظر إلى الخنوع الذي لم يكن بالنسبة إليه سوى تعاسة ما بعدها تعاسة، وكأنه يقتفي أثر الجواهري شاعر العرب لأكبر الذي يقول:
 إن الحياة كفاح وتضحية
       
      حبّ السلامة فيها أرذل السبل


وبقدر واقعية النعيمي وبراغماتية مواقفه السياسية، لكنه كان حالماً كبيراً، ولم يفارق حلمه في أشد الأوقات حلكة وسواداً وحسب اقتباس من مكسيم غوركي الروائي الروسي الكبير في وصف أحد الثوريين الكبار: كان نصف عقله يعيش في المستقبل الذي كرّس له حياته، غير عابئ بالتضحيات من أجل الحرية والعدالة والخلاص من الاستغلال والاستبداد واللامساواة.
توّصل النعيمي في سنواته الأخيرة إلى ضرورة تكوين كتلة تاريخية، فلم يعد التخندق بالأيديولوجيات أو المواقف السياسية مقدساً، ولا بّد من عمل جماعي على مستوى اليسار أولاً وفيما بعد على المستوى الوطني بجميع تموّجاته وألوانه الدينية أو السياسية. وقد بذل في سبيل ذلك الكثير سواءً للتقارب بين الجبهة الشعبية في البحرين وجبهة التحرير الوطني البحريني، مثلما ساهم في فتح حوارات متواصلة للهدف ذاته بين جمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)، والمنبر الديمقراطي، كما سعى وساهم في إقامة علاقة تأصيلية مع حركة الوفاق الإسلامية، ولا أريد التحدث عن ذلك، فأهل مكّة أدرى بشعابها، وهل يُفتى ومالك في المدينة؟
استذكرنا باستعادة ارتجاعية ولكن بحضور بهي شخصية النعيمي ودوره القيادي وسجاياه الإنسانية عشية رحيله الأستاذة خولة مطر وأنا في اجتماع على الغذاء في بيروت التي أحبّها، حيث كان أكثر من نصف حديثنا يدور حوله، وعلى الرغم من معرفتنا بحاله وهو في غيبوبته منذ أربع سنوات، لكنه لم يدر بخلدنا أنه كان في ساعات احتضاره الأخيرة.
عاش النعيمي حياته كثير الاعتزاز ببحرينيته وبخليجيته، وفي الوقت نفسه كان مخلصاً وفخوراً بانتمائه العروبي، مثلما كان اتجاهه اليساري والأممي منفتحاً، وكان فضاؤه إنسانياً رحباً.
وبقدر ما كان المنفى ضاغطاً وعنيفاً عليه، خصوصاً وقد انتقل لأكثر من بلد خليجي وعربي، من ظفار إلى عدن ومنها إلى سوح المقاومة في لبنان، ثم استقر به المقام في الشام، وفي تلك المنافي حمل البحرين في قلبه، وظل متمسكاً بهويته التي لم يغادرها أو يغب عنها قط، ولم يشعر للحظة واحدة أن بُعد المسافات كان عائقاً أمام تواصله وتفاعله وربما وجوده قريباً من حيث يُريد.
وعندما انفرجت الأوضاع السياسية في البحرين في مطلع الألفية الثالثة وساد نوع من الوفاق الوطني، كان النعيمي ينظر بإيجابية وتقدير لذلك التطور وكم تمنى أن يستكمل مداه بالمزيد من الانفتاح والحريات والقواعد القانونية والدستورية الديمقراطية. 
ومثلما كانت البحرين عشقه، فقد كان نصيب فلسطين كبيراً من هذا العشق  الإنساني المتماهي مع الحقيقة، حيث عاش القضية الفلسطينية بكل تفاصيلها كما لم يسبقه أي فلسطيني آخر، وحمل الهّم اللبناني في جميع مراحل الحرب الأهلية وبعدها، ومع اندلاع الحرب العراقية – الإيرانية، وفيما بعد غزو الكويت والحصار على العراق وأخيراً وقوعه تحت الاحتلال، كان العراق شغله الشاغل، ومع حساسيته من الاستبداد ورفضه لأساليب الحكم الدكتاتورية، إلا أنه كان ضد شن الحرب على الشعب العراقي وإذلاله، مثلما كان ضد الاحتلال والتدخل العسكري الخارجي، ولعله دفع ثمن اعتداله ومواقفه المتوازنة تلك، وقد أغضب موقفه المبدئي الفريقين، لكن إرضاء الحقيقة كان هاجسه الأول والأخير.
كان بيته الدمشقي الياسميني الصغير، منتدىً يتسع للعلمانيين والمتدينين والماركسيين واليساريين، للقوميين والليبراليين، ولكأن البيت وأصحابه بمن فيهم سيّدة المنزل الفاضلة مريم والأبناء كانوا في ورشة عمل دائمة ومفتوحة للحوار والتفاعل والمبادرة والضيافة والكرم في كل الأوقات، حيث يلتقي فيه ضيوف من المغرب والمشرق، سوريون ولبنانيون وفلسطينيون وعراقيون ومغاربة من شتى الاتجاهات الفكرية والسياسية. وغالباً ما كانت الجلسات تضم مثقفين كبار.
وإذا كان التواضع سمة من سمات الكبار، فقد كان النعيمي متواضعاً بامتياز، دون تكلّف أو ادعاء، يعيش مع الناس ويختلط بطبقاتهم وفئاتهم الاجتماعية وألوانهم الدينية، وكان يمارس دور المثقف العضوي والناقد دون أستاذية أو غرور، بل كان يسعى للتعلّم من أصدقائه ومريديه ومعارفه، بمن فيهم تلامذته، وهو الحكيم والمجرّب الأمين.
لقد سعى النعيمي خلال منافيه لبناء نفسه وتطوير قدراته وعمل طويلاً على تنمية إمكاناته الفكرية والثقافية، وبقدر حرصه على الحوار والنقاش والجدل ومدّ الجسور، إلاّ أنه كان بعيداً عن كسل بعض المثقفين الذين عرفتهم المنافي، حيث استهلاك الوقت في المقاهي والتسكع على الأرصفة والانشغال بالترهات، لأنه كان يعرف قيمة الوقت وكم هو ثمين، كما كان يدرك أهمية الفكر في الصراع الدائر، لذلك كرّس وقته للعمل النافع، وحرص في أواخر الثمانينيات من القرن العشرين وأوائل تسعينياته على نشر ثقافة الحوار والاختلاف والتنوّع والتعددية، فعمل مع ثلّة من رفاقه إلى تأسيس دار الكنوز الأدبية التي قدّمت عناوين ثقافية وسياسية مهمة لكتاب ومفكرين ومثقفين، على اختلاف مشاربهم وانتماءاتهم!
حزننا شديد بفقدان "أبو أمل" على الرغم من أن الشجرة الكبيرة والمثمرة التي زرعها تتحول اليوم إلى بستان مزدهر، بفضل إصراره وصحبه على التمسك بالحقيقة، ومع حزننا الكبير لرحيل "أبو خالد" فلن نبكي عبد الرحمن النعيمي ولن نقول له وداعاً، وإنما نقول له اشتياقاً، فالسفينة التي أبحر بها أول مرة لا تزال تمخر عباب البحر على الرغم من العواصف والرياح، حيث الشمس الذهبية التي تتوهج في كبد السماء ترسل أشعتها الدافئة إلى المرافئ الخليجية، واعدة بحلم وضاء وربيع أخضر ومستقبل أكثر سعادة وإشراقاً..
عبد الرحمن النعيمي نمّ قرير العين فلك الذكرى العطرة المخلّدة.
وتحية لك من أصدقائك العرب.


المنامة 10/10/2011


279
المنبر الحر / الحق في الماء
« في: 18:45 11/10/2011  »
الحق في الماء   

عبدالحسين شعبان
لم تعد مشكلة المياه في منطقة الشرق الأوسط تجري بصمت، لاسيما خلال العقود الأربعة ونيّف الأخيرة، فقد احتدمت على نحو شديد، وبرزت إلى العلن، حتى طفت على السطح، وتفاقمت على مرّ السنين، ولم تحجبها أية معركة أخرى . وعلى الرغم من أن أزمة الخليج الثانية التي نجمت عن احتلال القوات العراقية للكويت في 2 أغسطس/آب 1990 وحرب “تحرير الكويت” التي تبعتها في 17 يناير/كانون الثاني 1991 والتي امتدّت إلى “تدمير العراق”، وفرض عقوبات وحصار دولي عليه، طغت على الاهتمامات السياسية الأخرى في الشرق الأوسط، إلاّ أن مشكلة المياه أو ما يطلق عليه “الأمن المائي والغذائي”، ظلّت إحدى الهواجس الكبرى المعلّقة، وليست ثمة مبالغة إذا اعتبرت إحدى المعارك المؤجلة، التي قد تنفجر في أية لحظة، ليس لاحتمال بلوغها مرحلة الصدام العسكري المسلح فحسب، بل لأهميتها الاقتصادية وأبعادها السياسية والقانونية الخطيرة وانعكاساتها على الأمن القومي العربي عموماً، والأمن المائي والغذائي خصوصاً .

وتشمل مشكلة المياه، الأنهار الرئيسية التالية: دجلة والفرات والنيل وبانياس والليطاني ونهر الأردن، إضافة إلى شط العرب وملحقاته والمياه الجوفية في الأراضي الفلسطينية المحتلة ويدخل في نطاقها سبع دول عربية هي: العراق وسوريا ولبنان والأردن وفلسطين ومصر والسودان، وذلك ارتباطاً مع الدول المحيطة، لاسيما تركيا وإثيوبيا وإيران، إضافة إلى “إسرائيل” .

   إن التفكير بكون مشكلة المياه إحدى الصراعات الموازية التي يمكن أن تنشب بأية لحظة، باعتبارها لغماً غير موقوت، يمكن أن ينفجر حتى من دون إنذار، هو تقدير سليم، وربما يمتد ليصل إلى جوهر الصراع في المنطقة ونعني به الصراع العربي- الصهيوني ولبّه القضية الفلسطينية . وقد تعاظم الأمر منذ أوائل السبعينيات بين تركيا وسوريا والعراق، خصوصاً بعد الشروع بتنفيذ مشروع الغاب وبناء 21 سداً على حوضي دجلة والفرات، وكذلك بين العراق وإيران، بخصوص شط العرب والنزاع الحدودي الذي تطوّر إلى حرب دامت ثماني سنوات بالكمال والتمام (1980-1988)، ومؤخراً إقدام إيران على تحويل مياه نهر قارون وعدد آخر من فروع شط العرب إلى داخل الأراضي الإيرانية، فضلاً عن مستقبل الاتفاقية العراقية - الإيرانية لعام 1975 (المعروفة باسم اتفاقية الجزائر)، إضافة إلى التعاقدات “الإسرائيلية” - الإثيوبية لبناء سدود على نهر النيل، واستمرار “إسرائيل” في الهيمنة على الجولان ومحاولتها استغلال مياه نهر الأردن وشفط مياه الأرض المحتلة، وأخيراً وليس آخراً محاولة بعض الدول الإفريقية المستفيدة من منبع ومرور نهر النيل استغلاله دون مراعاة مصالح السودان وجنوبه بعد تأسيس جمهورية جنوب السودان ومصر، بما يلحق ضرراً بالأمن المائي للدول العربية المتضررة، فضلاً عن الأمن المائي على المستوى العربي .

إن مناسبة الحديث هذا هو انعقاد ملتقى متخصص شارك فيه خبراء دوليون وعرب التأم في باريس بدعوة من مركز الدراسات العربي- الأوروبي ومساهمة الغرفة التجارية العربية الفرنسية، والمجلس العربي للمياه وجائزة الأمير سلطان بن عبد العزيز العالمية للمياه،  تحت عنوان مثير وحيوي وفي إطار سؤال ملح “المياه: منبع للحياة أم مصدر للنزاعات في الشرق الأوسط؟” .

جدير بالذكر أن المركز الذي يستعد لإقامة احتفالية كبرى لمناسبة مرور عشرين عاماً على تأسيسه سبق له أن انشغل بموضوع المياه منذ نحو عقدين من الزمان، وقد نظّم مؤتمراً موسعاً في المغرب عام 1996 بعنوان “الأمن العربي: التحديات الراهنة والتطلعات المستقبلية”، كما أصدر كتاباً ضم العديد من الأبحاث والدراسات الأكاديمية في العام ذاته بعنوان “الأطماع “الإسرائيلية” في المياه العربية”، وعاد وناقش موضوع المياه في مؤتمر دولي نظمه في القاهرة في عام 2000 بعنوان “الأمن المائي العربي” .

ولعل ملتقى باريس الراهن هو استمرار لذات التوجه، لاسيما أن المنطقة تشهد ثورات شعبية تتوخى تكريس مناخ جدي من الديمقراطية وحرية الرأي والتعبير، الأمر الذي يعيد طرح مسألة المياه على بساط البحث، وهو ما أشار إليه رئيس المركز الباحث والمستشار القانوني الدكتور صالح بكر الطيار في كلمته الترحيبية عند افتتاح الملتقى، مؤكداً أن الجميع تابع تاريخ الصراع في منطقة الشرق الأوسط منذ أكثر من 60 عاماً، وما له من انعكاسات سياسية واقتصادية وعسكرية، مشيراً إلى أن مسألة المياه تنذر بالتحوّل إلى حروب أكثر دموية .

لم تقتصر مشكلة المياه على المنطقة العربية ومحيطها من الدول التي تشتبك معها في مسألة المياه أو تتشاطأ معها في الأنهار، بل أصبحت المشكلة عالمية، وأخذت تزداد تعقيداً بفعل ندرتها، ومن ثم زيادة نسبة التصحّر والتلوث والتغييرات المناخية والبيئية، فضلاً عن محاولات تسييسها واستغلالها اقتصادياً، ناهيكم عن الاستقواء بها على حساب الآخرين، ولهذا عمدت الأمم المتحدة إلى إيلاء اهتمام كبير بها، وقد حددت منذ عام 1993 يوم 22 مارس/آذار من كل عام باعتباره اليوم العالمي للمياه، خصوصاً وقد أدركت يوماً بعد يوم شحّ المياه على المستوى العالمي، حيث تفيد دراسات معتمدة من جانبها إلى أن 5 .1 مليار نسمة يعانون من عدم وجود مياه صالحة للشرب، وأن نحو 3 مليارات نسمة آخرين ليس لديهم نظام صرف صحي، وأن ما يزيد على 35 ألف شخص يموتون يومياً نتيجة النقص الفادح في موضوع المياه أو استخدامهم لمياه ملوثة أو غير صالحة للشرب .

باختصار يعتبر الماء السلعة الجارية والنادرة، ولعل هذا ينطوي على مخاطر شديدة على الصحة والأمن والمستقبل، فضلاً عن انعكاساته على التنمية، حيث أن نسبة 5 .2% من كميات المياه في العالم هي المياه الصالحة للشرب فقط وهي نسبة ضئيلة جداً، تشحّ باستمرار، بسبب تناقصها المستمر منذ قرن من الزمان، على الرغم من بناء السدود والخزانات والتقدم العلمي والتكنولوجي ووجود اتفاقيات دولية لتنظيم استخداماته، من دول المنبع وصولاً إلى دول المصب أو على الصعيد الداخلي .

ولعل الحق في المياه هو حق من حقوق الإنسان، وهو حق جماعي وحق فردي في الآن ذاته، أي حق كل فرد في الحصول على مياه نقية وبكمية مناسبة، أضف إلى ذلك حقه في الصرف الصحي، الذي لا يمكن الاستغناء عنه، الأمر الذي يحتاج إلى تنسيق أفضل على مستوى الموارد الخاصة بالطاقة مثل النفط والغاز والكهرباء وغيرها، فضلاً عن الحكامة الرشيدة، وبهذا المعنى فإن الحق في الماء، هو حق للمجتمع أيضاً لإدامة الحياة واستمراريتها على نحو كريم وبشكل يتناسب مع تطوّر حاجات الإنسان ذاته .

وإذا كان قد قيل عشية الحرب العالمية الأولى وخلالها: إن من يملك النفط يستطيع السيطرة على العالم، فقد يبدو صحيحاً القول: إن من يضع يده على منابع المياه ويتحكم بمساره وأسعاره ونقله وتوزيعه ورسومه، يستطيع أن يهيمن على العالم، وذلك لأن لا تنمية من دون مياه، ولا حياة صحية من دون الماء .

وجاء في القرآن الكريم: “وجعلنا من الماء كل شيء حي” (سورة الأنبياء- الآية 30). (صدق الله العظيم)، فالماء هو مهد الحياة والحضارة الإنسانية، وهو مكوّن لا غنى عنه لجميع الكائنات الحيّة، وهو في الوقت نفسه منتج الثروات ومطهّر الأجسام وملهم الإنسان، لاسيما بالعلوم والفنون والآداب، ودائماً ما تقام الحضارات والمدن على ضفاف الأنهار وبالقرب من سواحل البحار والبحيرات، وتقوم على تنظيمه قوانين وأعراف وتفصل في نزاعاته محاكم وقضاء، وهكذا يصبح الحق في الحصول على الماء ، وبكميات مناسبة ومياه صالحة للشرب والاستعمال حق أصيل للفرد والجماعة ، وهو حق لابدّ من الدفاع عنه وحمايته بالوسائل المشروعة والقانونية، مثلما هو واجب على الدولة، وبمشاركة من المجتمع المدني، أن تصونه وتؤمّنه بشكل سليم ومستمر ودائم لهذا الجيل وللأجيال الآتية .

باحث ومفكر عربي


280
العقدة اليمنية وما السبيل لحلها؟



عبد الحسين شعبان
أخيرا عاد الرئيس علي عبد الله صالح إلى صنعاء بعد علاج دام ثلاثة أشهر في الرياض إثر تعرضه لحادث تفجير. عودته أعادت مجددا السؤال الذي ظلّ معلّقا منذ أشهر في اليمن ومحيطها: كيف يمكن حل العقدة اليمنية؟ فما العقدة اليمنية وما السبيل لحلها؟
كان إعلان الوحدة اليمنية في عام 1990 حدثا مهما وبارزا في تاريخ اليمن المعاصر، ولا سيما أن اليمن شهدت منذ استقلال الجنوب وتحرره من الاستعمار البريطاني بنجاح ثورة ردفان عام 1967 نزاعات واحترابات ومؤامرات بين شطريها الشمالي والجنوبي، لكن حلم الوحدة ظل يداعب اليمنيين في الشطرين، على الرغم من اختلاف النظامين الاجتماعيين حتى تحقق لهم ما أرادوا في عام 1994 إلاّ أن تحقق الوحدة لم يكن إنهاء للاحتراب المعلن والمستتر والتشطير والانقسام، خصوصا بين مرجعيتين، فبعد الاقتتال الداخلي عام 1994، عانت اليمن مشكلات داخلية حادة بعضها اتّخذ طابعا مسلحا، ولا سيما في صعدة، وهي عبارة عن حرب تخمد قليلا حتى تنفجر.
وكانت آخر الحروب الست ضد صعدة قد اتسمت بالتداخل الخارجي بعد أن اتّسعت رقعة النزاع إقليميا وامتدّت إلى حدود المملكة، ناهيكم عن اتهامات وردت ضد إيران في محاولتها دعم الحوثيين، وهم زيديون يمثّلون فرقة أقرب إلى الشيعة الإثني عشريين، وأضحت قضية الحوثيين مشكلة إقليمية، بحكم التواصل والتفاعل مع الخارج، ثم اندلعت مسألة الحراك الجنوبي، الذي اتخذ بُعدا شعبيا عشية انتفاضتي تونس ومصر، الأمر الذي حفّز الشارع اليمني على الانتفاضة. وقابلت السلطات الحاكمة الاحتجاجات الطلابية المطلبية بالقمع، الأمر الذي اتّسع تأثيرها بانضمام فئات أخرى إليها منذ كانون الثاني (يناير) عام 2011.
لعل أهم أسباب الحراك الشعبي تعود إلى وصول مسألة المشاركة إلى طريق مسدود ولم تنفع معه جميع المحاولات التي بذلتها أطراف عقلانية في المعارضة والسلطة على حلّ هذه الإشكالية، لكنها لم تنجح في تحقيق أي تقدم يخفف من ثقل المشكلة، فضلا عن تدنّي المستوى المعاشي وارتفاع نسبة البطالة وزيادة حجم الفساد، ولا سيما في المفاصل التي تحيط بالرئيس وعائلته. وكان لانكسار حاجز الخوف وراء نزول مئات الآلاف من الناس طوال أشهر أسبوعيا وأحيانا يوميا، إلى الشوارع والساحات.
وتطوّرت الشعارات المطلبية إلى شعارات سياسية راديكالية تطالب بإسقاط النظام، وهو الشعار الأبرز الذي ارتفع في ساحات التغيير، وسرى مثل النار في الهشيم من صنعاء مرورا بـتعز وصولا إلى عدن وبقية المحافظات، ولعل هذا ما جعل أحزاب اللقاء المشترك، وهي تمثل قوى سياسية إسلامية وناصرية وماركسية وتقليدية كانت قريبة من مؤسسة النظام، التجاوب معه، على الرغم من أنه لم يكن في برامجها شعار الإطاحة بالنظام، بقدر إجراء إصلاحات سياسية وقانونية واجتماعية واقتصادية طويلة الأمد تفضي إلى تغيير طبيعة النظام، بالانتقال تدريجيا من نظام استبدادي إلى مرحلة التحوّل الديمقراطي، ولا سيما عبر التراكم والتغيير المستمر.
وإذا كان خيار الوحدة أساسيا لدى عدن بقدر رومانسيته وصميميته، فقد كان لدى صنعاء واقعيا. عدن ضحّت بتوجهها الاشتراكي ووأدت أول تجربة ماركسية عربية عن طيب خاطر، وعلى الرغم من الكثير من الأخطاء والعيوب التي صاحبتها، خصوصا مرض الطفولة اليساري الذي عانته وشحّ الحريات وفرض الرأي الواحد، إلاّ أنها حققت بعض المنجزات الاجتماعية والاقتصادية، خصوصا في مجال حقوق المرأة، حيث يعتبر قانون الأحوال الشخصية متقدما على دول المنطقة، فضلا عن حقوق الشغيلة وإعلاء شأن الثقافة، إلاّ أن العواصف السياسية كانت تجتاحها بين حين وآخر وتقضي على النخب السياسية والفكرية، ولا سيما الحاكمة وتفتح حمام الدم، الأمر الذي غدا فيه خيار الوحدة هروبا إلى الأمام، في ظل مشكلات عصفت بالنظام الاشتراكي العالمي من جهة، وانقطاع دعمه ومساعداته لليمن من جهة أخرى، ما حملها على الإسراع بطلب الوحدة، وبالأخص بعد إعلان عزم ألمانيا على توحيد شطريها، ولا سيما بانهيار جدار برلين في عام 1989، وهكذا تصورت عدن أن خيارها سيؤمّن خلاصا للأزمة المستفحلة من جهة ثالثة.
وفي حين كان الحراك الشعبي يتعاظم كان نظام الحكم يراهن على مؤسسة الجيش، ولا سيما الحرس الخاص الذي كان ملتفّا حول الرئيس، إضافة إلى قوات عسكرية أخرى، هي عبارة عن تشكيلات لقوات نظامية تابعة مباشرة إلى مؤسسة الرئاسة، ويتم انتقاء عناصرها من الموالين، خصوصا من العائلة والأقرباء والبلدات التي ينتمي إليها قادة الحكم، وهي سمة لم تقتصر على اليمن، بل كان العراق في العهد السابق، وكذلك سورية وليبيا، تمتلك تشكيلات مماثلة، وقيل إن الحرس الجمهوري اليمني كان من تدريبات الحرس الجمهوري العراقي، ولعل هذه التشكيلات ليست بعيدة عن تلك التي تندغم فيها العائلة والعشيرة والقرية أو المدينة والطائفة أحيانا وغيرها، بجهاز الحكم، خصوصا القوات الأمنية والاستخبارية والعسكرية الضاربة مثلما تتماهى السلطة مع المال والإعلام والاستيراد والتصدير والثقافة والرياضة والسياحة، بحيث تهيمن على كل شيء في شكل من أشكال الدولة الغنائمية التي تستحوذ على المجتمع.
ازدادت المشكلة اليمنية احتقانا بعد الأخذ والرد بشأن المبادرة الخليجية في 18 نيسان (أبريل) 2011 التي أعلنت الحكومة الموافقة عليها في 22 نيسان (أبريل) بهدف تأمين عملية انتقال سلس للسلطة، خصوصا بعد تأييد قوى اللقاء المشترك، وكذلك الفعاليات الشعبية للحراك المجتمعي. وكانت المبادرة الخليجية قد تضمّنت بضع قواعد تؤمن الانتقال السلس، لكن تلك المبادرة كانت تنام وتستيقظ في إطار مناورات ومساومات، تارة لكسب الوقت وأخرى للتسويف وثالثة للانتظار، ولا تزال، ولعلها على نحو أكثر إلحاحا بعد عودة الرئيس إلى صنعاء، خصوصا وقد ترافقت عودته مع نبرة أمريكية تطالبه بنقل سلس للسلطة، في حين أن الدعوة إلى ضبط النفس والتوصل إلى حل سلمي هي اللغة السائدة في الخطاب الأمريكي طوال الفترة الماضية.
لقد شهدت اليمن عشية عودة الرئيس وخلال الأيام 19 - 20 أيلول (سبتمبر) 2011 وبُعيد عودته مباشرة يوم 23/9 مجزرة حقيقية راح ضحيتها مئات وعشرات المواطنين في مواجهة بين متظاهرين سلميين وقوى شبحية، ينفي النظام أي ارتباط له بها، وتؤكد المعارضة وقوى الحراك الشعبي أنها قوى نظامية أو شبه نظامية بملابس مدنية، وهي مكلّفة من النظام وبإشرافه لقمع المتظاهرين وإرهابهم، الأمر الذي ينذر بتصاعد موجة العنف بعد أن وصلت الأمور إلى طريق مسدود.
لا يمكن النظر إلى قضية التغيير الديمقراطي في اليمن مثل غيره من البلدان، ولا يمكن استنساخ حلول جاهزة له، فله خصوصيته وتعقيدات وضعه السياسي والقبلي والمذهبي والمناطقي والإقليمي، إضافة إلى حساسياته السياسية، فالمشكلة القبلية، ولا سيما "قبيلة حاشد" التي لها دور كبير، وتحديدا عائلة الأحمر التي ينتمي إليها اللواء علي حسن، الذي كان من أشد المتصدّين للحوثيين في حروب صعدة، انفجرت مثل بركان. أما مشكلة الحوثيين فهي مشكلة مذهبية بحكم دور الجماعة الحوثية الزيدية الأصول، فقد شنت عليها الحكومة ست حروب دون أن تتمكن من القضاء عليها، على الرغم من هدنات واتفاقيات ووساطات قطرية وغيرها.
وهناك مشكلة مناطقية أيضا بحكم تعبيرات مناطق الجنوب والشعور بالتمييز التي تستبطن احتقانات تعود إلى سنوات طويلة، ولا سيما ما حصل في عام 1994، خصوصا هناك من يسعى لإعادة القديم إلى قدمه والمطالبة بانفصال الجنوب مثلما يدعو إلى ذلك الرئيس السابق علي سالم البيض، أما المشكلة العسكرية فهي قائمة أيضا، حتى إنْ ظل الجيش، إلى جانب الرئيس خصوصا التشكيلات الخاصة، لكن انشقاق اللواء علي محسن وانضمامه إلى الحراك الشعبي مع قواته، قد يدفع باتجاه الاقتتال الذي لو تطور - ولا سيما بوجود نحو 68 مليون قطعة سلاح - فقد يدفع بعض الأطراف الدولية للتدخل طلبا لتأمين حماية للسكان المدنيين، سواء بمنع الطيران الرسمي من التحليق No Fly Zone أو بفرض حصار قد يؤدي إلى شلّ يد الحكومة وإضعاف قدرتها تدريجيا، وإذا العامل الدولي لم يقرر اتجاهه بعد، فإن تدهور الوضع الأمني وارتفاع عدد الضحايا، سيضطرّه إلى اتخاذ موقف، لاعتبارات أخلاقية بحكم وزن الرأي العام ودوره من جهة، ومسؤوليات قانونية وسياسية من جهة ثانية.
المشكلة اليمنية مشكلة سياسية بامتياز؛ إذ إن الحركة السياسية القوية نسبيا بما فيها الحزب الحاكم تتصارع منذ عقدين من الزمان، علما بأن المعارضة بجميع تياراتها عنصر فاعل على مستوى الشارع السياسي أيضا، بما فيها حزب التجمع اليمني للإصلاح الذي يضم تحالفا وامتدادا لجماعة الإخوان المسلمين وبعض رؤساء القبائل والعسكريين، إضافة إلى معارضة الحزب الاشتراكي اليمني والناصريين ومؤسسات المجتمع المدني وشخصيات مستقلة.
ولا يخفى وجود مشكلة كبرى في اليمن اسمها الإرهاب والتطرّف والتعصب، حيث يستغل تنظيم القاعدة وجماعات سلفية وتكفيرية هذه الأجواء للزحف على هذه المدينة أو تلك، التي تعلن عصيانا هنا وتمرّدا هناك، تقتل وتذبح على الطريقة "الإسلامية" أو دونها، فتربك الوضع وتخلط الأوراق، علما بأنه لا جامع يجمع هذه المجموعات بالإسلام وقيمه السمحة. وحاول نظام الحكم في اليمن وفي أكثر من مناسبة تأكيد شراكته والتزامه للتعاطي مع المتطلبات الدولية فيما يسمى محاربة الإرهاب الدولي، ولعله اليوم أكثر استعدادا لقبول أية صيغة تؤمن له البقاء والاستمرار، خصوصا وقد ظل خلال السنوات الماضية يوحي بأن غيابه سيعني ترك البلاد تقع تحت هيمنة تنظيمات القاعدة الإرهابية.
هكذا تبدو المشكلة اليمنية معقدة ومتشابكة، وبقدر محليتها فهي مشكلة إقليمية أيضا بحكم دور مجلس التعاون الخليجي وقلقه ومخاوفه، ولا سيما امتدادها وعناصرها الخارجية، بما فيها إيران وهي مشكلة دولية في الوقت نفسه، سواء تطورها الداخلي أو نشاط تنظيم القاعدة والإرهاب الدولي فيها ومسارها اللاحق، ولعل هذا ما عبّر عنه السفير البريطاني جوناثان ويلكس، في مقابلة له، حين قال "لدينا بعض القوات في المنطقة، ولها أهمية استراتيجية في الخليج والبحر الأحمر والبحر المتوسط، وهناك تنقّلات مستمرة عبر هذه المنطقة، ولهذا ستظل اليمن تتصدر جداول الأعمال الدولية".
وأضاف سفير بريطانيا في صنعاء بخصوص توصيفه للمشكلة اليمنية بالقول إنها "ليست مجرد أزمة يمنية، إنها مشكلة ذات بعد دولي، وهذا واضح عند النقاش في مجلس الأمن، فإن روسيا والصين تشتركان في القلق الذي يساور بريطانيا وأمريكا وفرنسا". ولعل هذا التوصيف ينطبق على مواقف القوى الكبرى في مسألة ليبيا وسورية أيضا، وهي إشكالية لم تعد خافية على أحد بحكم تعارض أو اتفاق المصالح الدولية بما فيها للقوى المتنفذة، خصوصا واشنطن ولندن وباريس أيضا.
ولعل سؤالا محرجا سيثار لماذا لم يتخذ مجلس الأمن وجامعة الدول العربية قرارات مثلما اتخذت بحق ليبيا؟ وكيف تدخّل حلف الناتو بهذه السرعة، في حين لم يحرّك المجتمع الدولي ساكنا، باستثناءات محدودة بخصوص اليمن، على الرغم من شلال الدم والعنف المنفلت من عقاله منذ أشهر؟ أهو وجود النفط في ليبيا أم أن تدخلا في اليمن سيكون له انعكاسات سلبية على دول الخليج؟ أم أن الوجهة العامة ليست كما يريدها الغرب وقواه المتنفذة؟! ومثل هذه الأسئلة مشروعة قانونيا وسياسيا، وبالطبع لا ينبغي تفسيرها وكأنها دعوة للتدخل الخارجي، ولا سيما العسكري، وإنْ كان من واجب المجتمع الدولي حماية السكان المدنيين الذين يعانون أشدّ المعاناة، وهي حماية مفروضة بحكم مبادئ التدخل الإنساني، وإن كان الغرب قد استخدمه في حالات أخرى، لأغراض سياسية ووظّفه بطريقة فيها انتقائية في المعايير وازدواجية في السياسات.


281
أسئلة الثقافة والسلطة: اختلاط الزيت بالماء   

عبدالحسين شعبان
غالباً ما يثار السؤال: هل هناك علاقة تكافؤ بين السياسي والمثقف؟ أي هل هي علاقة ندّية أم علاقة تبعية؟ ولماذا يحتاج السياسي إلى المثقف؟ هل لترويج خطابه؟ أو لتسويق أفكاره؟ أو للحديث نيابة عنه للجمهور؟ أو لاستخدامه في صراعه مع خصومه؟ أو لاستثماره في نزاعاته الداخلية الحزبية والحكومية؟ أو للاستفادة منه كجزء مكمّل للصورة المرسومة التي تقضي أن يكون السياسي جليساً للمثقفين ونديماً للشعراء والأدباء، أو أن يكونوا هم من ندمائه، لاسيّما عندما يكون هذا السياسي حاكماً؟

وقد يكون الجواب: ما العيب إذا اقترن اسم المثقف بالسياسي أو الحاكم، لاسيّما إذا كان الانسجام والتوافق الفكري بينهما موجوداً، وتوافرت بينهما فسحة من الحرية المانعة للحواجز والقيود على الفكر والثقافة؟ في الوقت ذاته كيف يمكن للمثقف وضع مسافة فاصلة بينه وبين الحاكم، باعتباره غير ملحق به، ولا يستطيع الحاكم الاستغناء عنه أو تجاهله كلياً لأنه بحاجة إليه، وإنْ كان مطيعاً ومنفّذاً لتطلعاته أو مزوّقاً أطروحاته . لكن المثقف أحياناً يفكّر في أنه بدلاً من إقصائه أو تهميشه، قد تؤمن له تلك العلاقة الحماية والاستقلالية، باعتباره كياناً آخر وليس جزءاً من حاشية الحاكم؟ وهو الأمر الذي يثير الكثير من الالتباس وربما الارتياب .

ولكن السؤال غالباً ما يثور: وهل يُسمح للمثقف بمثل هذا الهامش؟ ثم هل يتقبّل الحاكم من خلال سلطته، أن يكون المثقف ندّاً له، وليس واحداً من أتباعه؟ وإنْ رفض المثقف ذلك فإنه سيخسر السياسي، وإن ارتضى فإنه  سيخسر نفسه .

هناك درجات قاسية في معادلة الثقافي  السياسي، حسب طبيعة الحاكم وتوجهاته ومتطلباته، مثلما هي طبيعة المثقف واستعداداته وتمسّكه بحريته وثقافته وإبداعه .

لقد جالس السياسيون والحكّام على وجه الخصوص المثقفين، وأحاطوا أنفسهم بهم لإدراكهم أن الثقافة سلطة أخرى موازية للسلطة السياسية والعسكرية والبوليسية، وحسب فرانسيس بيكون، فإن المعرفة سلطة، أي إن سلطة المثقف هي معرفته ووسيلته الإبداعية لنشر ثقافته وبسط سلطانه، وكما يقال المعرفة: قوة أو سلطة Knowledge is power، إلاّ أن سلطة المعرفة تختلف عن السلطة السياسية والعسكرية من حيث التأثير والسلطان والجبروت، إذْ إن الأخيرة تمتلك أدوات القمع وبإمكانها تسخير الأدوات المعرفية والثقافية لفرض سلطتها القمعية .

وقد استخدمت الكثير من الأنظمة على نحو مترابط القمع السياسي البوليسي مترافقاً مع القمع الإيديولوجي الثقافي، خصوصاً بتطويع وتوظيف بعض المثقفين لتبرير سياساتها بما فيها القمعية، فضلاً عن ترويج خطابها، الأمر الذي انخرط فيه مثقفون غير قليلين تحت مبررات مختلفة تارة طبقية وأخرى قومية وثالثة دينية، وهكذا، الأمر الذي يتطلب من المثقف إذا ما أراد احترام نفسه أن يحترم ثقافته وسيلته الإبداعية، نائياً بنفسه عن الاستخدام التوظيفي لثقافته من جانب السلطات لإضفاء مشروعية على القمع السياسي، فالمثقف الذي لا يخدم معرفته وثقافته لا يحترم سلطته، أو إنه يتنازل عنها بثمن بخس، والمسألة لا تعني أن عليه اختيار العزلة أو الاعتكاف أو عدم الاختلاط بالحكام، لكن المهم أن يُبقي المثقف يده على الزناد، كما يقال، لإطلاق كلمة الحق، كلّما شعر بضرورة ذلك، وكلما كان الأمر واجباً، فلا ينبغي له والحال هذه الاستقالة من دوره أو التخلي عنه .

تعود حاجة الحاكم إلى المثقف لأمرين أساسيين:

الأول: الظهور أمام الرأي العام كصاحب مشروع فكري- ثقافي، خصوصاً إذا كان للمثقف صدقية وضميرية، لأن ذلك يسبغ إيجابية على الحاكم وخطابه، وإذا حظي الحاكم بدعم المثقف، وخصوصاً بعض الرموز المهمّة، فإنه سيحظى بدعم شعبي .

والثاني: يريد الحاكم التظلل بمظلة الثقافي مبعداً “سلطويته” عن التصوّر السائد، لإدراكه أهمية إظهار جوانبه الإنسانية ذات البُعد الأخلاقي، مستخدماً التأثير النفسي (Psychology) في كسب تأييد المجتمع له .

كان بعض الحكام تاريخياً يغدقون على الأدباء والشعراء الموالين الذين يقومون بالترويج والدعاية الإيديولوجية، ويعاقبون من يمتنع عن ذلك، بالتهميش والعزل والسجن أحياناً، أو بالتصفية الجسدية، لأنهم يدركون أهمية سلطة الثقافة، وقد أثرت في كتابي “الجواهري- جدل الشعر والحياة” بطبعته الأولى، عن دار الكنوز الأدبية، بيروت، ،1997 التباس علاقة الجواهري بالزعيم عبد الكريم قاسم، فالأول: زعيم السلطة الثقافية، والأدبية، والإعلامية، لكونه رئيس اتحاد الأدباء العراقيين ونقيب الصحفيين، أما الثاني: فهو زعيم السلطتين العسكرية والتنفيذية، أي القائد العام للقوات المسلحة، وفي الوقت نفسه رئيس الوزراء .

وبالرغم من أن عبدالكريم قاسم زار بيت الجواهري كأول بيت يزوره بعد ثورة 14 يوليو/تموز ،1958 وقال عنه: هذا البيت هو الذي أنجب الثورة، فإنه عاد وتنكّر لذلك بسبب خصومة كنت قد رويتها تتعلق بما كتبه الجواهري في جريدته “الرأي العام”، ولاسيّما مقالة بعنوان “ماذا يجري في الميمونة؟”، وهي قرية في محافظة ميسان (العمارة) جنوبي العراق، وذلك بعد تدهور الوضع السياسي في العراق واستدارة الحكم باتجاه الهيمنة الفردية، الأمر الذي قلّص هوامش الحريات التي جاءت بها الثورة، وخاصة عندما ضاق صدر الزعيم إزاء أي رأي آخر . وكنت قد أضفت فقرة جديدة في طبعة الكتاب الثانية، الصادرة عن دار الآداب، في بيروت، ،2009 بعنوان “الجواهري حيال السلطة والسياسة” وهي دراسة نُشرت في مجلة “أبواب” العدد (16- 1998) وهي تتعلق بصميم علاقة المثقف بالسلطة .

أسوق هذه المعلومات ليقيني بمدى أهمية وحساسية علاقة المثقف بالحاكم، التي قد تثمر إيجاباً أو قد تُستثمر سلباً، لاسيّما إذا أدركنا اشتباك هذه العلاّقة وتعقيداتها، ولي أن أتساءل مرّة أخرى: ما الذي أراده فيديل كاسترو من صداقته مع غابرييل غارسيا ماركيز الذي ظل يحرص على لقائه؟ كما يمكنني القول: ما الذي أراده الأخير من كاسترو؟ ويمكن سحب السؤال على علاقة عبدالفتاح إسماعيل بأدونيس على الرغم من أنها لم ترتق إلى مستوى علاقة كاسترو بماركيز، وهي علاقات مزدوجة ومركّبة، وهو ما حاولت إضاءته في كتابي “كوبا الحلم الغامض”، خصوصاً المعادلة القاسية بين الثقافة والسياسة .

إن صورة المثقف لا تزال تثير جدلاً واسعاً، ليس على صعيد النُخب الفكرية والثقافية فحسب، بل على الصعيد السياسي والاجتماعي، فكثيرون يعتقدون أن المثقف منزّه وأن عليه ألاّ يخطئ، وإذا أخطأ وغيّر رأيه، سيعدّ ذلك تراجعاً، وإذا أقام علاقة مع مسؤول أو حاكم، لاحقته الشبهة والاتهامات، وإذا بادر وتخلّى بالنقد عن بعض وجهات النظر أو خالف السائد من الآراء، اعتبر مارقاً، في حين أنه بواقع الأمر إنسان كغيره من الناس، يخطئ ويصيب ويغيّر رأيه ويتراجع وينقلب ويصحح، خصوصاً إذا توافّرت لديه معطيات جديدة ومعلومات مختلفة .

صحيح أن مسؤولية المثقف أكبر بكثير من مسؤولية الفرد العادي، لاسيّما إذا كان صميمياً، فهو تحت الأضواء أكثر من غيره ورأيه موثق، في حين أن الكثير من الناس لا يغيّرون آراءهم فحسب، بل ينتقلون من ضفة إلى أخرى، ويصدرون أحكاماً قاطعة وجازمة، ثم يعودون ليتراجعوا عنها، بل يناقضونها ولا أحد يحسب ذلك عليهم، أما المثقف فكل أمر محسوب عليه وموثق، لذلك عليه أن يتوخّى الدقة ويلاحظ حساسية موقعه .

يذهب بعضهم إلى تشبيه علاقة المثقف بالحاكم بحالة اختلاط الزيت بالماء، فهما عنصران غير قابلين للمزج والخلط حتى إن وضعا معاً لفترة طويلة، فإنهما سيعودان كل إلى أصله، لا يندمجان ليشكلا عنصراً واحداً يملك الصفتين، ولذلك تظل العلاقة بين المثقف والحاكم ملتبسة بالرغم من كل ما يرافقها أحياناً من مظاهر التوافق والتفاعل، وسيكون الخاسر الأكبر هو المثقف في غالب الأحيان، لاختلال موازين القوى، وخير مثال على ذلك ما انتهت إليه العلاقة الحميمة بين المتنبي وسيف الدولة من الجفاء والعداء والهجاء .

وقد توجد ثمة استثناءات، لكنه بالرغم من ذلك لا يمكننا القول إنها علاقات متكافئة، فلم يكن ممكناً لماركيز كمثقف كبير هاجسه الحرية والحقيقة والجمال، الحديث عن شحّ الحريات وغياب التعددية والرأي الآخر، وتلك الرسالة تشكل جوهر وظيفته الإبداعية باعتباره ناقداً اجتماعياً حسب ماركس ومثقفاً عضوياً حسب غرامشي، وأياً كان الحاكم تقدمياً أو رجعياً، علمانياً، أو متديناً، يمينيأً أو يسارياً، فهو حريص على علاقة خاصة بالمثقفين .

كما لم يكن بإمكان غوبلز وزير الإعلام وهيوس رئيس مسارح الرايخ سوى تلميع صورة أدولف هتلر وخطابه وحركاته . كما كان “جدانوف” مبرراً كل شيء لستالين باسم “الواقعية الاشتراكية” بما فيها ملاحقة المثقفين، وكان أندريه مارلو قريباً من شارل ديغول، مثلما كان محمد حسنين هيكل لصيقاً بجمال عبدالناصر، وكان الكاتب حسن العلوي قد أسهم في تهيئة الأجواء عشية تسلّم صدام حسين قيادة الحزب والدولة في أواخر السبعينات، وذلك خلال مرافقته في رحلته المثيرة مع “السيد النائب” إلى جنوبي العراق التي أعطاها عنواناً “مئة ساعة مع السيد النائب” ونشرها في مجلة “ألف باء” في حينها، وكما يقول عنها، كانت المقابلات التي نشرها بمنزلة برنامج سياسي  ل “السيد النائب”، على الرغم من أن طموح صدام حسين كان أكبر بكثير، وهو الأمر الذي التقطه أمير إسكندر حين أصدر كتابه المثير “صدام حسين مفكراً ومناضلاً وإنساناً” . والأمر ينطبق على حسني مبارك وزين العابدين بن علي والقذافي والأسد والبشير وعلي عبدالله صالح وغيرهم، ولعل هذا ديدن علاقة المثقف بالحاكم .

لعل أسئلة الثقافة والسلطة تبقى مفتوحة، لأنها أسئلة الحياة وتشتبك فيها أحياناً القيم والمبادئ بالمصالح والامتيازات، الأمر الذي يحتاج إلى نوع من فك الارتباط الهادئ والواضح بحيث لا نخسر المثقف، لاسيما بخسران ثقافته التي تبدأ من حريته في الفكر والإبداع والجمال والخيال .

باحث ومفكر عربي



282
كلمة د. عبد الحسين شعبان
في إحتفالية يقيمها أصدقاء عبد الرحمن النعيمي والمنتدى القومي العربي بعنوان:
تحية لروح المناضل العربي الكبير عبد الرحمن النعيمي
بيروت- دار الندوة ، 23/9/2011


في رحيل عبد الرحمن النعيمي
كلام في المعنى: هل يغيب التاريخ؟
فارقنا عبد الرحمن النعيمي مبكّراً وهو على أبواب السبعين. كان قد تجاوز الستين ونيّف من عمره يوم دخل في الغيبوبة، وبعد أن قضى شبابه وكهولته في المنفى الذي أكل ما يزيد على نصف عمره البيولوجي، ونحو ثلثي عمره الإبداعي والنضالي، غاب هذه المرّة مثل شهاب! ولكن هل يغيب التاريخ الذي اعتاد أن يحجز مكاناً لمن يتركون أثراً لوجودهم؟ أظنّه سيحفظ لعبد الرحمن النعيمي ورديفه "سعيد سيف"، موقعاً في ذاكرته الحية أبداً، ما دام التاريخ باقٍ ولم يمت، وإن كان يراوغ أحياناً على حد تعبير هيغل.
كانت سنواته الأخيرة، ولاسيما بعد أن قرر التخلي عن الموقع الأول في جمعية العمل الديمقراطي (وعد) أكثر هدوءًا، لكنها أكثر تأملاً ومراجعة وحكمة ونقداً، وبلا أدنى شك فقد أصبح أكثر نضجاً، لاسيما بتراكم خبراته المتنوّعة من العمل الطلابي في المنامة الى بيروت ومنها إلى العمل السياسي في إطار حركة القوميين العرب، الى تأسيس الجبهة الشعبية لتحرير عمان والخليج والتي تم اختزالها الى البحرين، ومن الكفاح المسلح في ظفار ومروراً باليمن الى الشام والعمل السياسي العربي، ثم الى جمعية العمل الديمقراطي بعد عودته الى البحرين.
أدرك النعيمي في خلاصات تجربته الكثير من هشاشات الآيديولوجيا وإن أطلقنا عليها "ثورية" و"علمية" أحياناً، لكن صخرة الواقع لا تزال صلدة ومنيعة، فما قيمة الأفكار إنْ لم تخترق الواقع وتسعى لتغييره؟ الأمر الذي يتطلب معرفة ميدانية بأوضاع الناس ومعتقداتها وفئاتها وعشائرها وقبائلها وعاداتها وتقاليدها، وتاريخها وحاضرها، وعقليتها وآفاقها، وأحلامها ومخاوفها، كل ذلك حاول التوقف عنده، بعد عودته إلى البحرين، ولعله كان يشعر أن الكثير قد فاته لهذا أخذ يسابق الزمن للتعويض أحياناً.
كان النعيمي أحد روّاد مدرسة المصالحة التاريخية، وقد بذل الكثير للتقارب مع جبهة التحرير البحرينية اليسارية، وفيما بعد بين جبهة العمل الديمقراطي والمنبر الديمقراطي، وسعى للتنسيق مع كتلة الوفاق الاسلامية، وعمل ما في وسعه لتوحيد مواقف المعارضة إزاء السلطة. وقد إقتنع في سنواته الأخيرة بفكرة الكتلة التاريخية، في جانبها الفكري، وفي جانبها العملي، إذ أن القوى مجتمعة بروافدها الماركسية والعروبية اليسارية والوطنية والإسلامية، ليس بمقدورها إنجاز عملية التغيير، فما بالك لو كانت مشتتة!؟ ولعل إيمانه بمفهوم الكتلة التاريخية انطلق من قراءة الواقع البحريني والواقع العربي، وهي الدائرة الثانية من الدوائر الثلاث التي كان يتحرك فيها: البحرينية - الخليجية والعربية- الفلسطينية والعالمية-الإنسانية.
وكان النعيمي حتى في موته موحّداً للبحرين، فقد خرجت البحرين بتياراتها السياسية والفكرية والدينية، في الموالاة والمعارضة، لتكريمه وإلقاء تحية الوداع الأخيرة على روحه. لعلها مفارقة أن يصبح موت عبد الرحمن النعيمي مناسبة للوحدة الوطنية البحرينية. هكذا احتفل المنبر الديمقراطي بتكريمه، وتبعه نادي العروبة، إضافة الى جمعية العمل الديمقراطي التي تستعد لتكريمه في مناسبة عربية متميّزة، ناهيكم عن مشاركات عربية وإسلامية نوعية من البحرين ومن خارجها ومن المؤتمرات الثلاث: القومي العربي والقومي الإسلامي والأحزاب. وما هذا الاحتفال الذي ينظمه المنتدى القومي العربي وحضور هذه الكثافة الثقافية والنخبة اللامعة، الاّ دليل على أن النعيمي بحضوره وغيابه، كان عنصر تقارب وتنسيق وتوحيد.
كنت أرى أن شروط المثقف العضوي بتعبيرات أنطونيو غرامشي تنطبق على النعيمي، لاسيما وهو يتماهى مع قضيته، وخصوصاً بتفاؤل الارادة، الذي امتلكه وصفاء الذهن الذي كان لديه، على الرغم من تشاؤم الواقع. وقد يكون النعيمي وبعد حوارات مطوّلة مع الباحث العراقي هادي العلوي أميلُ الى المثقف الكوني المترفّع عن الخساسات الثلاث: السلطة والمال والجنس. ولعل مقاربتي لهذا الموضوع من زاوية أخرى، كنت قد اشتبكت فيها معرفياً مع الراحل هادي العلوي، وهذا ما حاولت عرضه في كتابي" تحطيم المرايا- في الماركسية والاختلاف".
كان النعيمي عابراً للطوائفيات والمناطقيات والانحدارات القبلية والجهوية وكانت شعوره أنه يحمل هوية جامعة مع احترامه للهويات الفرعية، وكان بقدر كونه بحرينياً خليجياً، كان فلسطينياً وعراقياً وسورياً ويمنياً ومغاربياً ولبنانياً ومصرياً، بل كل ذلك في آن، لاسيما شعوره العروبي الجامع فقد كان حبه للآخرين صافياً وكان يسعى  لحمل همومهم ومساعدتهم، أما عشقه لبلاده فكان شيئاً آخر، فقد استغرق بتفاصيلها وقهوتها وفنانيها ومثقفيها ونسائها وروادها ومناضليها وعلمائها، لذلك أجمع الجميع على تكريمه، مثلما كان حبه لأسرته عالياً، لاسيما زوجته السيّدة مريم وأبنائه.
على الرغم من رقته ولطفه، لكنه كان صلباً وحازماً.. صبوراً ومثابراً، وقد كان رصيده قوة الثقافة والمثقف والمعرفة التي في داخله، وتلك أسلحته السرّية التي طالما نازل بها، مائزاً، رائزاً بالحق والاجتهاد، حتى وإن أخطأ.
لم يتهاون النعيمي إزاء الاستبداد ولم يبرّره تحت أية حجة أو ذريعة، وإذا كان موقفه ثابتاً إزاء الإحتلال والصهيونية ومن يقف وراءها من قوى امبريالية، فإن قناعته لاسيما في السنوات الأخيرة أصبحت راسخة إزاء التحوّل الديمقراطي وإزاء قيم الديمقراطية والحرية وحقوق الانسان.
إمتاز النعيمي بعفة اللسان والنفس، حتى إزاء خصومه ومنتقديه، لاسيما وقد كانت سعة صدره وحلمه، دليلاً على أناقة روحه وإباء نفسه وجاذبيته كقائد له كاريزما وحضور أدبي وهيبة كبيرة.
تدريجياً أصبح عبد الرحمن النعيمي مَعْلماً من معالم البحرين، لاسيما منذ عودته في العام 2001 بعد التغييرات الإيجابية التي حصلت فيها، وكان صادقاً في دعمه  للميثاق الوطني، مثلما كان يأمل في تحوّلات ديمقراطية أكثر جذرية ورسوخاً ومؤسساتية، وكان يدرك أن ذلك لن يتأتّى دون تدريب وتهيئة المواطن، لاسيما بروح المواطنة التي كان مؤمن بها ويعدّها نقيضاً للطائفية، وكان يتمنى أن يعبر النضال الشعبي في البحرين من الطائفية الى المواطنة، ومن التمييز الى المساواة، خصوصاً وأن موقفه من المرأة كان حضارياً وراقياً، والسبيل الى ذلك هو توسيع دائرة الحريات وإقرار مبادئ المساواة وسيادة القانون والشفافية والتداول السلمي للسلطة، بحيث تصبح البلاد على عتبة الملكية الدستورية الديمقراطية، وقد كرّس جهده وقلمه وفكره لذلك.
كان عبد الرحمن النعيمي بقدر ما له من خصوم، يكسب كل يوم صديقاً جديداً، بل إنه يكسب لنا أصدقاء جدد حتى دون أن يسألنا إنْ كنّا نرغب بذلك أو لا نرغب، ولذلك كان بالغ الثراء بأصدقائه ورفاقه، وعند رحيله كسب دفعة واحدة عشرات الأصدقاء الجدد، بمن فيهم بعض خصومه القدامى، الذين يحتفلون بتكريمه ومعترفين بنزاهته وأخلاقيته وكرمه.
وإذا كان النعيمي قد رحل وهو مرتاح البال، فإن ما نقوله هنا هو كلام في المعنى لدينٍ علينا جميعاً، لرجل شجاع وإنسان نادر، والنادر لا حكم له كما يقال، ولكن عبد الرحمن النعيمي نادر بحكم.. إنه التاريخ، ولذلك علينا أن نقدّر كم خسرنا!!؟


283
ثروات العراق: عقود ملتبسة ومستقبل غامض!!
عبد الحسين شعبان
باحث ومفكر عربي

على الرغم من الحديث عن الشفافية والمكاشفة وحرية التعبير ووجود مجلس نواب " منتخب" واعتماد آليات ديمقراطية، الاّ أن السريّة ظلّت تطبع المشهد السياسي العراقي الراهن، بل شكّلت سمة مميزة للوضع الجديد الذي جاء بعد الاحتلال. السرية الحالية تختلف عن السرّية السابقة، فالأولى جاءت في ظل تفكك الدولة وإعادة بنائها التي لا تزال متعثرة، أما السرّية الثانية القديمة فقد اعتمدت من نظام مركزي شمولي صارم، مهيمن على كل شيء، من أصغر القضايا وأتفهها الى أكبرها وأكثرها خطورة، فغزو الكويت مثلاً في 2 آب (أغسطس) العام 1990 لم يطّلع عليه أكثر من ثلاث أشخاص فقط، وهم المثلث الحاكم آنذاك، وميزانية العراق أصبحت سرّية منذ العام 1976 ولم يطّلع عليها كاملة أو يناقش بنودها، لاسيما العسكرية والأمنية، من هم في أكثر المواقع مسؤولية وحساسية.
واليوم فإن الحصول على نصوص مشاريع قوانين أو معاهدات واتفاقيات دولية مقترحة، يعتبر بمثابة "اختراق أمني" ويفرض نوعاً من التعتيم، في حين أن عقلية الأمس كانت تميل الى حجب المعلومات باعتبارها "حقوقاً " مكتسبة للقيادة التي عليها أن تقرر ما يمكن تسريب جزء منها أو ما لا يمكن، في حين أنها في ظل الفوضى واستفحال العنف أصبحت " مبرراً " للإخفاء بزعم الأسرار الأمنية والخوف من محاولات إفشالها وتسريبها سلفاً.
أتناول ذلك كمقدمة لما جرى تسريبه مؤخراً، لاسيما ما تناولته صحيفة الأوبزرفيز البريطانية (أواخر حزيران /يونيو الماضي) بخصوص الاتهامات الموجهة الى شركة بريتش بتروليوم BP النفطية البريطانية، بالسيطرة على الاقتصاد العراقي والتحكّم فيه، بعد أن وافقت الحكومة العراقية على أن تستمر في الدفع للشركة، حتى في حالة عدم انتاج النفط بحقل الرميلة العراقي، حسبما جاء في وثائق سرية، عرض مضمونها النائب عن كتلة التحالف الوطني د. أحمد الجلبي في مؤتمر صحافي عقده في جريدة المدى العراقية، واتهم فيه وزارة النفط العراقية، بإعادة كتابة بعض العقود النفطية ضمن جولة التراخيص بشكل سرّي، مشيراً الى أن العقد الجديد يلزم العراق بدفع نسبة من المال الى شركة بريتش بتروليوم عن كل برميل نفط حتى في حال تعسّر الانتاج.
وعودة الى السرّية الجديدة المفروضة، فقد حاولت شخصياً الاطلاع على قانون النفط والغاز، لكنني اكتشفت أن طوقاً حديدياً قد ضُرب حوله وأحيط بدرجة عالية من السرّية في العام 2007، ولهذا لم أفلح في الحصول على نسخة معتمدة، وكنت أنتظر عرضه على مجلس النواب لمناقشته، ومن جانبي للتعليق عليه ونقده، لكنه لم يُعرض بصيغته الرسمية على مجلس النواب العراقي، ولم يطلّع الرأي العام على نصوصه المعتمدة، وفي الكثير من الأحيان إتخذت بعض الشخصيات والمنظمات السياسية والاجتماعية، بما فيها بعض نقابات العمال، لاسيما عمّال نفط البصرة واتحادهم، مواقف من خلال بعض التسريبات أو لقراءات غير رسمية لمشروع القانون، قبل اكتمال صيغته المعتمدة، مثلما هناك اختلاف بين الصيغة العربية والصيغة الانكليزية.
والأمر واجهني كذلك في الحصول على صيغة الاتفاقية الأمنية العراقية- الأمريكية، التي تم التوقيع عليها في شهر تشرين الثاني (نوفمبر) العام 2008، وذلك منذ إعلان النيّة عنها، ويومها لم أدّخر وسعاً أو وسيلة للسعي في الحصول على مسودّة الاتفاقية، بهدف مناقشتها، لكنني عجزت عن ذلك على الرغم من سؤالي لجهات رسمية وغير رسمية، بمن فيهم نواب أو وزارء في العراق.
وكنت قد كُلّفت بالكتابة والتقويم للاتفاقية العراقية – الأمريكية من أحد المراكز الأكاديمية، كإستشاري، ولكنني لم أحصل على الصيغة المعتمدة، وأعترف أنني حصلت على أكثر من نص وبقيت حائراً أي النصوص أعتمده في المناقشة، وحصل الأمر معي أيضاً خلال إعداد الدستور الدائم، حيث تم توزيع أكثر من صيغة  حتى عشية مناقشته بالطريقة السريعة التي تمت في البرلمان، وإضافة الى السرّية فإن سوء الادارة وتنوّع مراكز القوى والقرار، يعتبر أحد الأسباب في ذلك، ناهيكم عن الصراعات السياسية والحزبية، الطائفية والاثنية التي قد تحول دون النشر العلني، والأمر الذي تُحاط به اليوم، موضوع التوقيع على اتفاقية جديدة لبقاء بضعة آلاف من القوات الأمريكية في العراق بعد انتهاء مفعول الاتفاقية الحالية أواخر العام 2011، والذي لا يزال يكتنفه الكثير من الغموض والتكهّنات، وكل طرف يلقيه على الآخر.
لقد راج في الفترة الأخيرة بشكل واسع موضوع إقدام وزارة النفط على تغيير عقد حقل الرميلة بشكل سرّي، ولم يُعرض على مجلس النواب ليبّت فيه، الأمر الذي  يثير علامات استفهام حول ذلك ويدفع الى الاعتقاد بأن مثل تلك السرّية قد تعني إلحاق الضرر بحقوق العراق لصالح شركة بريتش بتروليوم، خصوصاً وأن العقد الجديد يلزم العراق بدفع الأموال الى الشركة حتى لو لم ينتج الحقل، ولأسباب قد تعود مثلاً الى اندلاع نزاعات مسلحة أو حدوث كوارث طبيعية أو غير ذلك من ظروف قاهرة.
جدير بالذكر أن العقد الذي أبرمته وزارة النفط مع شركة بريتش بتروليوم لتطوير حقل الرميلة النفطي في أيام الوزير السابق الدكتور حسين الشهرستاني  في جولة التراخيص الأولى، كان عقد خدمة ولم يكن عقد مشاركة، علماً بأن هذا العقد يمنح الشركة مبلغاً من المال عن كل برميل إضافي يتم انتاجه من قبل الشركة.
ولعل مواصفات العقد الجديد ستكون أسوأ بكثير من العقود السابقة، فالاقتصاد العراقي هو اقتصاد ريعي بالأساس، ويعتمد على النفط، وهذا الأخير سيكون تحت سيطرة الأطراف والشركات الأجنبية، في أجزاء غير قليلة منه، لاسيما في حقل الرميلة الذي يمثل نحو 40 % من انتاج نفط العراق. كما سيؤثر هذا العقد الجديد على دور وموقع العراق في منظمة الأوبيك، مثلما سيكون تأثيره سلبياً عليها. لقد تم إعادة صياغة الاتفاقية بين الشركة وبين وزارة النفط، بحيث تحصل الأولى على تعويضات فورية حال حصول تعطيل فني أو حتى صدور قرار حكم بتخفيض الانتاج.
ومن المقرر أن تناقش لجنة النفط والطاقة في البرلمان العراقي كذلك اتفاقية الغاز المعقودة بين وزارة النفط وشركتي شيل ومسيوبوشي العملاقتين، ولم يترشّح عن هذه الاتفاقية سوى القليل، وظل الجزء الأكبر منها غامضاً أو مبهماً، لاسيما بعض المواد والملحقات التي لم يفصح عن مضمونها. وأشارت مذكرة كتبها بعض الشخصيات العراقية في بريطانيا قالت أنها من التيار الديمقراطي أن الاتفاقية تضرّ بمصلحة العراق وأجياله القادمة، وتشكل انتهاكاً لسيادة البلد في التحكّم بمصادر ثرواته الوطنية. وحسب بعض المعلومات المتوفرة، فإن معدل العوائد المالية التي ستدخل ميزانية الدولة العراقية، من هذا المشروع الملتبس والذي لا يزال طي الكتمان ستكون بحدود مليار و245 مليون دولار سنوياً فقط، ولعل هذا المبلغ لا يساوي شيئاً قياساً بالمبالغ السنوية الناتجة عن تصدير النفط.
وتحاول وزارة النفط تقديم صورة وردية عن هذه الاتفاقية وذلك عبر أرقام منتقاة ومعدّلة، خلافاً للواقع حسبما يبدو ولما يذهب اليه العديد من خبراء النفط والطاقة، خصوصاً وأنها تخنق الكثير من قطاعات الاقتصاد العراقي الانتاجية، لاسيما القطاعات الصناعية والتحويلية، وكذلك القطاع الزراعي ذو الأهمية الكبيرة، كما سيكون لها أثراً سلبياً على استغلال الغاز الطبيعي داخل العراق، وهو أهم مصادر الصناعات الكيماوية والبتروكيماوية العراقية، التي يفترض أن تفكّر الدولة بإعادة الحياة إليها والعمل فيها دون تقاعس.
لقد سعت شركات النفط والغاز العالمية على إبقاء العراق دولة ريعية ضعيفة ومتخلّفة تابعة للغير، ولعل هذا يفتح أسواق العراق المحلية الى السلع والبضائع التي تأتينا من دول الجوار، بحيث يكون الاقتصاد العراقي نهباً لقوى خارجية، وليس بمقدوره إذا استمر الأمر على هذا المنوال التخلص من شرنقة الريعية التي يعيشها .
ولا أدري لماذا تحجم الحكومة العراقية ووزارة النفط على نشر الاتفاقيات وملاحقها وتفاصيلها؟ فإذا كان الرأي العام العالمي والنقابات والاتحادات ومؤسسات المجتمع المدني، ناهيكم عن المختصين والخبراء النفطيين الذين لم يطلعوا عليها، إضافة الى أعضاء البرلمان فمن يا ترى من حقه إتخاذ قرار وتحمّل المسؤولية ولمصلحة من أيضاً؟ ومثل هذا الأمر  يحتاج الى تدقيق الاتفاقيات مع القوانين والأنظمة المعمول بها، ناهيكم عن موقعها من الدستور العراقي النافذ.
تعاني صناعة النفط في العراق من مشاكل كثيرة لا تتعلق بالعقود والاتفاقيات حسب، بل أيضاً بالنزاع بين الحكومة الاتحادية وبين الحكومات الاقليمية، لاسيما حكومة إقليم كردستان، وإذا كان الدستور العراقي قد نصّ على أن النفط والغاز هما ملك الشعب في كل الأقاليم والمحافظات (المادة -111)، وهو توجّه صحيح، لكنه خصص ذلك للحقول المستخرجة، أما الحقول غير المُستخرجة وهي الأكثر في العراق، فإن صيغتها جاءت ملتبسة بين اختصاص حكومات الأقاليم بإشراف الحكومة الاتحادية، وهو الذي أثار مشكلات بين الحكومة الاتحادية (الفيدرالية) وحكومة إقليم كردستان التي وقّعت على عقود خاصة مع شركات دولية بشروط أقل من شروط الحكومة الاتحادية، وضمن ظروف تفاوض غير متكافئة أحياناً قانونياً وخبرة، ناهيكم عن الأساليب المخادعة التي تتبعها هذه الشركات، وهو الأمر الذي سبّب بتهديد وزير النفط العراقي السابق الدكتور حسين الشهرستاني بعدم الاعتراف بالعقود الاقليمية، بل وتهديد الشركات بعدم التعامل معها أو وضعها في القائمة السوداء.
ومثل هذا الأمر له علاقة أيضاً ببعض الهواجس بين الحكومة الاتحادية وحكومة اقليم كردستان، فيما يتعلق بمشكلة كركوك التي تم ترحيلها من قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية والمادة 58 الى المادة 140 من الدستور العراقي الدائم، الذي تثار حوله نزاعات تتعلق بانتهاء مفعول هذه المادة، ناهيكم عمّا تثيره من اشكالات تتعلق بمطالبة الكرد بضم كركوك الى اقليم كردستان، واحتكاكات مع الجانب العربي والتركماني، وهو الأمر الذي لا يزال يثير تداعيات بين الدولة الاتحادية والاقليم الفيدرالي، وبين البرلمان من جهة والحكومة من جهة ثانية، خصوصاً بما له علاقة بمستقبل المنطقة والصناعة النفطية.
لقد كان موضوع الشفافية والعلانية وحرية التعبير محط امتحان كبير وسؤال مشروع عن السبب في تستّر الحكومة على نصوص اتفاقيات وعقود نفطية أو اتفاقيات أمنية أو وثائق قانونية تؤثر على ثروات العراق، بل إنها تمسّ مستقبله، ولعل الغموض والسرية والعمل في الخفاء وليس تحت أنظار الناس، بحد ذاته يثير شكوكاً مضاعفة، ليس حول أوضاع الحاضر، بل حول أوضاع المستقبل، لاسيما بغياب عنصر الثقة وتغليب ما هو حزبي وسياسي على ما هو مهني وعراقي، الأمر الذي يضعف الرغبة في إعادة تأهيل العراق، ليلعب دوره المنشود في إطار عملية التنمية المستدامة.
وإذا كانت أموال العراق قد نُهبت خلال فترة الحصار الدولي الجائر 1991-2003 تحت يافطة "النفط مقابل الغذاء"، فلعل البعض اليوم يريد الاستمرار في نهبها تحت شعار "النفط من أجل النفط"، وهو الأساس الذي أُنتقِدَ عليه قانون النفط والغاز، حيث فتح الباب على مصراعيه لنهب منظّم وغير منظم محلي وإقليمي ودولي حسب تقدير بعض خبراء النفط العراقيين، ولعل ذلك ما كان بول بريمر الحاكم المدني الأمريكي للعراق يبيّته للعراق، إضافة الى قوانين محلية وضعتها بعض الشركات الأمريكية، الأمر الذي يثير الكثير من الشكوك حولها.
   وأخيراً يمكن القول: إن النفط ليس سلعة حيوية حسب، إنه محور الصراع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي في المنطقة منذ قرن من الزمان، وهو ليس موضوعاً علمياً فقط، بل هو صناعة وتكنولوجيا وسياسة وإدارة وإقتصاد وثروة، وتاريخ أيضاً، حيث ظل النفط أحد محركات الصراع مع الشركات والدول التي تقف خلفها منذ أن سنّت الحكومة العراقية العام 1961 القانون رقم 80 القاضي بإستعادة 99.5% من الأراضي من أيادي الشركات للتنقيب فيها، فضلاً عن معركة تأميم النفط العام 1972، من عملية استخراجه واستثماره وتسويقه، وقد ارتبط هذا الأمر بتاريخ العراق: ثروة وحروباً ودماءً ودكتاتورية واحتلالاً، منذ أن سال في أول حقل عراقي في بابا كركر العام 1927، وارتفعت شعلته وظلّت مشتعلة، وإلتهمت معها العشرات من العمال قرباناً لها منذ معركة كاورباغي الشهيرة في العام 1946 ضد الاحتكارات النفطية والدول الاستعمارية من ورائها وحتى اليوم.






284
إرهابيون أشرار وإرهابيون أخيار!

عبد الحسين شعبان
ما صدر عن لجنة بالمر من تقرير يُعَدُّ فضيحة قانونية بكل معنى الكلمة، فاللجنة الدولية المكلفة بالتحقيق في الجريمة ''الإسرائيلية'' على أسطول الحرية وسفينة مرمرة التركية التي كانت تحمل مساعدات إنسانية إلى قطاع غزة ''المحاصر'' خارج نطاق الشرعية الدولية، خلصت بعد عام ونيّف إلى وصف حصار غزة ''مشروعًا'' وإسرائيل في ''حالة دفاع عن النفس''، والهدف منع دخول الأسلحة إلى غزة بحرًا.
ولعل هذا الاستنتاج الغريب الذي ننقله حرفيًا يثير الكثير من الإشكاليات السياسية والقانونية، ولا سيما في صدقية بعض اللجان الدولية المنبثقة عن الأمم المتحدة والهيئات التابعة، ناهيكم عن محاولات التوظيف السياسي بالضد من القواعد القانونية الدولية المعتمدة، وهي قواعد آمرة، أي ملزمة Jus Cogens. ورد في التقرير: ''الحصار البحري جاء كإجراء أمني مشروع بهدف منع دخول الأسلحة إلى غزّة بحرًا، وأن تطبيقه يتماشى مع متطلبات القانون الدولي''، ولعل هذا أمر أقرب إلى الكوموتراجيديا.
تشكلت لجنة التحقيق بعد العدوان الإسرائيلي في 31 أيار (مايو) 2010، وباشرت عملها في العاشر من آب (أغسطس) في العام ذاته، وأصدرت تقريرها في أواخر آب (أغسطس) 2011، ونشرت صحيفة ''نيويورك تايمز'' الأمريكية النص الكامل للتقرير في الثاني من أيلول (سبتمبر) الجاري 2011. وترأس اللجنة جيفري بالمر رئيس وزراء نيوزيلاندا السابق، وأسند منصب نائب رئيس اللجنة إلى الرئيس الكولومبي السابق ألفارو أورويبي.
وعلى الرغم من الفترة الزمنية الطويلة نسبيًا (أكثر من عام) التي استغرقها عمل اللجنة لإصدار هذا التقرير، إلاّ أنها لم تكلف نفسها عناء اللقاء ببعض الضحايا الناجين من المجزرة ''الإسرائيلية''، إنما اكتفت بمراجعة وثائق التحقيق التي أجرتها الحكومتان التركية و''الإسرائيلية''، وخرجت علينا بتقرير تفوح منه رائحة الانحياز والتبرير، ولم يكن بعيدًا عن المواقف المسبقة لأعضاء اللجنة، ولا سيما رئيسها، فجاء مسوّغًا للجريمة وقراءة معكوسة للإرهاب الدولي، الذي كثُر الحديث عنه ليل نهار، وضجّت وسائل الإعلام الأمريكية والغربية تحذّر من مغبّاته ونتائجه الوخيمة، وتدعو إلى تجفيف منابعه، وهي على حق في ذلك، لكنها فيما يتعلق ''بإسرائيل''، يتحول الموضوع ويصبح إرهابًا محمودًا، بما فيه قتل المدنيين ومنع وصول المساعدات الإنسانية، بل الأكثر من ذلك محاولة تكييفه مع القانون الدولي، بحيث يصبح الحصار الاقتصادي إجراءً أمنيًا مشروعًا بحجة منع وصول الأسلحة إلى غزة.
التقرير صدر عشية الذكرى العاشرة للجريمة الإرهابية الكبرى التي حدثت في الولايات المتحدة وهزّت العالم بأجمعه، وأعني بها الحدث الأخطر والأهم في مطلع الألفية الثالثة، الذي حصل في 11 أيلول (سبتمبر) 2001، حيث جرى على نحو مفاجئ وغير متوقع نسف برجي التجارة العالمية في نيويورك والبنتاجون في واشنطن، في عمل إرهابي - إجرامي غير مسبوق، هزّ الضمير العالمي. ولعل هذا الحدث المأساوي الذي قامت به جماعات غامضة أو لم تعلن عن نفسها، ونسب إلى تنظيمات القاعدة التي حيّته في أكثر من مناسبة، هو عمل يقترب من الحرب في جوانب مشتركة مثل: العنف وحجم الضحايا والعدوان.
لقد أسهم نكوص المجتمع الدولي عن إيجاد تعريف للإرهاب في مزيد من الالتباس والإبهام، وكذلك في الاستمرار في سياسات الكيل بمكيالين والازدواجية في التعامل والانتقائية في المعايير، خصوصًا بدمغ المقاومة المشروعة بالإرهاب؛ ولهذا السبب فإن القوى المتحكِّمة في الساحة الدولية في الوقت الذي تسارع فيه لإدانة الأعمال الإرهابية الفردية، أو التي تقوم بها جماعات مسلحة، لكنها تشجع وتحمي إرهاب الدولة الجماعي بما فيه احتلال الأراضي وانتهاك حقوق الشعوب في تقرير مصيرها والتجاوز على اتفاقيات جنيف لعام 1949 وملحقيها لعام 1977 وقواعد القانون الدولي الإنساني، وليس بعيدًا عن ذلك الحرب على غزة وحصارها المستمر منذ أربع سنوات وقتل تسعة مواطنين أتراك يحملون مساعدات إنسانية إلى سكانها، وهو ما حاول تقرير بالمر إيجاد ذرائع قانونية له.
كيف يمكن وصف مقاومة الفلسطينيين الذين يريدون استعادة وطنهم وحقهم في تقرير المصير إرهابًا، ودمغ من يقومون بها بالإرهاب، وهو بالطبع حسب الوصفة ''الإسرائيلية'' ''إرهاب أشرار وأبالسة''، وهو إرهاب مذموم، أما بناء جدار الفصل العنصري والمستوطنات والإبادات الجماعية وإجلاء السكان من جانب ''إسرائيل'' في الضفة والقطاع، والعدوان على لبنان والحرب المفتوحة على غزة، وقتل المتضامنين الأتراك مع الشعب العربي الفلسطيني فهو إرهاب أخيار يستحق الإعجاب وهو إرهاب محمود، طالما تقوم به ''إسرائيل'' ''دفاعًا عن النفس'' ضد الآخر الفلسطيني، سواءً كان على مستوى جماعي أو على المستوى الفردي. لعل الأول هو إرهاب فقراء أما الثاني فقد يكون إرهاب أغنياء!
إن استمرار الزعم بوجود إرهاب أشرار مذموم ووجود إرهاب أخيار محمود، سيؤدي إلى تقويض أسس وقواعد القانون الدولي المعاصر، ويجعل منطق الغاب هو الناظم للعلاقات الدولية، أي هيمنة الفوضى والعنف والقوة والإرهاب، وليس مبادئ الحق والعدل وحقوق الإنسان واحترام حق الدول والشعوب في تقرير مصيرها.
إن زعمًا كهذا إنما هو وسيلة زئبقية للتملّص من الالتزامات الدولية، ومن ثَمَّ ستصبح الحرب على الإرهاب غير محددة بزمن أو بجغرافيا أو بأيديولوجيا، ناهيكم عن التوظيف السياسي، إذْ إن كل من يخالف الولايات المتحدة أو لا يمتثل لسياستها يمكن أن يندرج في خانة الإرهاب، حتى إن كان ضحية الإرهاب، بما يؤدي إلى خلط الأوراق، ومن ثم خلق بيئات تغّذي الإرهاب، وتمدّه بأسباب البقاء طالما تغيب العدالة، ويبتعد الحق وتتعمق الفوارق، وتزداد الهوة بين الحضارات والثقافات، تلك التي يشجّع عليها المتطرفون والمتعصبون والإرهابيون من كل الأجناس والأشكال والألوان والقوميات والأديان والبلدان!
الإرهاب ليس له وطن أو دين أو قومية أو لغة أو جنسية أو زمان، الإرهاب هو الإرهاب، فلا وجود لإرهاب أخيار أو إرهاب أشرار، إنما هناك حقوق وعدل، وفي المقابل انتهاك وظلم.
وعلى الرغم من صدور أكثر من 12 قرارًا دوليًا بخصوص الإرهاب من عام 1963، الذي ظلت مناقشته مفتوحة منذ عام 1937، إلاّ أن التوّصل إلى اتفاق بشأن تحديد ماهيته وتعريفه بقي مسألة مستعصية منذ تأسيس الأمم المتحدة وقبلها حتى الوقت الحاضر، بسبب محاولة القوى المتنّفذة، وبخاصة الولايات المتحدة، وبشكل خاص بعد أحداث أيلول (سبتمبر) الماضي التحكم في العلاقات الدولية، السعي إلى احتكار العدالة وفرض مفهومها الخاص للإرهاب ورفض كل ''محاولة'' للتفريق بين الإرهاب والمقاومة، علمًا بأن القواعد القانونية الدولية، تجيز للشعوب المضطهَدة أو المستعمَرة (بالفتح) أو التي تتعرض للعدوان والاحتلال، الدفاع عن نفسها، باستخدام جميع الوسائل بما فيها العسكرية لاستعادة سيادتها واستقلالها وحقها في تقرير مصيرها.
ولهذا يأتي تقرير بالمر استحقاقًا جديدًا يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته، ولا سيما بوضع ''إسرائيل'' فوق القانون وعدم مساءلتها عن ارتكاباتها، والأكثر من ذلك أن الولايات المتحدة تؤيدها فيما ذهبت إليه من ارتكابات وقرصنة دولية.
وإذا كانت الأمم المتحدة قد أصدرت عبر مجلس الأمن ثلاثة قرارات دولية لمكافحة الإرهاب الدولي هي القرار 1368 في 12 أيلول (سبتمبر) 2001 والقرار 1373 في 28 أيلول (سبتمبر) من العام نفسه، والقرار 1390 في 16 كانون الثاني (يناير) 2002، وذلك تحت ضغط ما تعرضت له الولايات المتحدة من عمل إرهابي في 11 أيلول (سبتمبر) 2001، إلاّ أن هذه القرارات هي الأخرى لم تعرّف الإرهاب، ولعل أخطر ما ورد في القرار رقم 1373 صدوره ضمن الفصل السابع الخاص بالعقوبات، وهذا يعني أن حجيته القانونية تفترض من جميع الدول الأعضاء الالتزام به، وإلاّ فإن مجلس الأمن بإمكانه تطبيق المادة 41 من هذا الفصل الخاص باتخاذ إجراءات كالحصار الاقتصادي وقطع العلاقات الدبلوماسية وغيرهما، وإن لم تطبّق الدولة المعترضة هذه الإجراءات، فبإمكان مجلس الأمن تطبيق المادة 42 التي تذهب إلى اتخاذ جميع الإجراءات بما فيها المسلحة، فيما إذا لم تمتثل الدولة المعنية لقرارات مجلس الأمن.
الشيء الجديد الذي تضمنه القرار 1373 وفيما بعد القرار رقم 1390 هو إعطاء الحق للدولة (وبخاصة المتنفذة) وبالتطبيق الحالي (الولايات المتحدة) في إعلان الحرب ساعة تشاء، وضد من تشاء إذا تأكدت أو اشتبهت أن عدوّها (دولة أو جماعة)، تقوم بعمل إرهابي، وذلك دون اعتماد مرجعية دولية كمجلس الأمن مثلاً، وبتعبير أدق فإن ميثاق الأمم المتحدة الذي أعطى الحق للدولة في استخدام القوة العسكرية للدفاع عن النفس حسب المادة 51، قد قلّص هذا الحق بدعوة مجلس الأمن للاجتماع لمعالجة الأمر وإعادة السلم والأمن إلى نصابهما.
أي أن القرار 1373 أعطى للدولة حق ''إعلان الحرب'' أو كما تُعرف باسم ''الحرب الاستباقية''، أو الحرب الوقائية ضد من تعتقد أنه يمارس عملاً إرهابيًا دون الرجوع إلى المرجعية الدولية التي يقررها ميثاق الأمم المتحدة، ودون الالتزام بالآليات التي حددها الميثاق، وهو ما حصل في أفغانستان والعراق، الذي يعد عودة إلى القانون الدولي التقليدي، الذي حرّم ''حق الفتح'' ومنع ''الحق'' في التمتع بمكاسب سياسية جراء شن الحرب.
ولعل خلفية قرار لجنة بالمر ليس بعيدًا عن التقسيم المسبق للإرهاب بين إرهاب أخيار وإرهاب أشرار، وما تقوم به ''إسرائيل'' مهما كان فهو إرهاب أخيار، أما دفاع الفلسطينيين عن حقوقهم فهو إرهاب أشرار.


285
عبد الرحمن النعيمي سلاماً.. سعيد سيف اشتياقاً

د. عبد الحسين شعبان

بهدوء غير اعتيادي استسلم ولأول مرّة بعد صراع طويل مع المرض عبد الرحمن النعيمي المعروف باسمه الحركي «سعيد سيف»، الطائر الجميل وذو العينين الذكيتين والقلب الكبير، بعد أن ظلّ عصيّاً وثائراً ومنفياً. ربما يكون قد يئس من ذلك الصراع العبثي مع الموت، أو شعر على الرغم من غيبوبته التي دامت أربع سنوات ونيّف، أن قلبه حين سيتوقف عن الخفقان، فإن قلوب الملايين التي كان يخاطبها ويعمل من أجلها أخذت بالخفقان في انتفاضات شعبية من أقصى الوطن العربي إلى أقصاه، من أجل الحرية والكرامة والعدالة التي كرّس حياته من أجلها، مناضلاً وكاتباً وإنساناً. عندها أغمض عينيه مطمئناً ونام نومته الأبدية.
حينما دُعيت لتكريم عبد الرحمن النعيمي في المنامة عام 2007 وكان قد مرّ عدّة أسابيع على غيبوبته التي استمرت حتى رحيله قلت في بداية حديثي: لا أتصور أن يجتمع شمل مؤتمر أو فعالية فكرية أو ثقافية أو سياسية في البحرين، من دون أن يكون عبد الرحمن النعيمي حاضراً. لم يتخيّل أحد غيابه وسيظل مقعده شاغراً، وهو الذي شغل الجمع السياسي والفكري العربي من مغرب الوطن وحتى مشرقه، ومن شماله حتى الخليج في جنوبه.
لعل هذا القدر الغاشم أو الذئب المفترس الذي يداهمنا يدرك بكلٍ لؤم وتشفٍّ أن هذه الإصابة وهذا الاستهداف إنما هما بالصميم. يقول الشريف الرضي:
مـا أخـطـأتـك النائباتُ
إذا أصـابـت من تحبُّ
ويقول الجواهري:
يظلّ المرءُ مهما أدركتهُ
يدُ الأيام طوع يد المصيبُ
كلامي على الراحل عبد الرحمن النعيمي هو كلام في المعنى والدلالة، جعلته محطات أطلّ منها عليه.

المحطة الأولى: ظفار ـ عدن

التقيتُ به في عدن في آذار/مارس عام 1974 وكنتُ مشاركاً في مؤتمر «ديموقراطية التعليم والإصلاح الجامعي»، وكان هو عائداً لتوّه من ظفار. عرّفني عليه الصديق المشترك شايع محسن (القيادي في الحزب الاشتراكي اليمني) وقدّمه لي قائلاً: «أنا على ثقة بأنك ستحبّه، أتمنى عليك أن تصغي إليه، لا سيما بعض تفاصيل ثورة ظفار ومؤتمر الجبهة وإعلامها».
تأملت هيئته طويلاً، وكأنه أدرك ما في نفسي، فسارع ليقول لي: «إن لبس الفوطة (الإزار) (الوزرة باللهجة العراقية) مريح جداً، وخصوصاً في الصيف!».. وبابتسامة عذبة ومودّة صادقة وعناق حار بدأنا صداقة مديدة طالت ثلاثة عقود ونصف عقد من الزمان.
طلبت منه أن يعرّفني على سلطان أحمد عمر (أمين عام حزب الطليعة الديموقراطية) لأنني كنت أحمل له رسالة من زميلي محمد أحمد زيدان (القنصل في السفارة اليمنية في روما سابقاً)، وفعل ذلك بكل ممنونية وارتياح.
مساء ذلك اليوم أو اليوم الذي تلاه دعانا الرئيس سالمين على العشاء وحضر كاجمن الألماني وفلاديمير السوفياتي وفتحي الفضل وأبو سعيد حسن السودانيان، كما حضر عبد الرحمن النعيمي وآخرون. يومها همس بأذني بعد اللقاء بعبد الفتاح إسماعيل: إنها تجربة متميّزة!

المحطة الثانية: دمشق ـ وحركة التحرر

اختطّ الشيب شعر عبد الرحمن النعيمي، الذي ظل اسمه غريباً علينا وعليه أيضاً، فحتى بعد عودته إلى البحرين كان اسم سعيد سيف أقرب إلينا وإليه وربما أكثر ألفة، أو لعل هذا الأمر يعود إلى شيء من النوستالجيا «الحنين إلى الماضي»، إلاّ أننا شيئاً فشيئاً اعتدنا على الإسم الجديد «عبد الرحمن» وسرعان ما أحببناه.
في مكتبه الصغير مقابل فندق أميّة في الشام الحبيبة، كان يجمع وينظّم ويستضيف ويحتفظ بالمحاضر ويوّجه الرسائل والدعوات ويقدّم لنا أقداح الشاي وفناجين القهوة. هو فلسطيني وعراقي، هو لبناني وسوري، هو مصري وسوداني، هو مغاربي ويمني، هو خليجي. هو كل ذلك في الآن ذاته.
كان حديثنا أثناء اللقاء الأول لنا في الشام (أوائل ثمانينيات القرن الماضي) عن «فهد» السعودي، وعن القرامطة، وعن انتقاله إلى باريس. استذكرنا فهد مرّة أخرى بعد زيارتي للمشاركة في مؤتمر «اللومونتيه» عام 1987، يومها علّق «أبو خالد» (عبد الرحمن): فهد هو آخر القرامطة!.

المحطة الثالثة: القرار 3379 وفلسطين

كانت تلك محطة مهمة في حياتنا وعلاقاتنا. فقد اجتمعنا على هامش مؤتمر أقامه اتحاد الكتاب والصحافيين الفلسطينيين، حيث عمدنا بناء على مقترح للصديق المفكر السوري الدكتور جورج جبور وكاتب السطور إلى تأسيس منظمة باسم «اللجنة العربية لدعم قرار الأمم المتحدة 3379» التي تحوّلت فيما بعد إلى «اللجنة العربية لمناهضة الصهيونية والعنصرية».
وكان عبد الرحمن النعيمي وناجي علّوش وإنعام رعد وعبد الفتاح يونس وسعد الله مزرعاني وصابر محيي الدين وعبد الهادي النشاش أعضاء مؤسسين فيها وأصبح جبور رئيسها وكاتب السطور أمينها العام من عام 1986-1989.

المحطة الرابعة: طرابلس

كنا في طرابلس نحضر ندوة عن الأزمة في حركة التحرر الوطني عام 1985 بمشاركة التيارين القومي العربي واليساري الماركسي والشيوعي، شارك فيها جورج حاوي وجورج البطل وعبد الله العياشي وأديب ديمتري وعمر علي وعربي عواد وتيسير قبعة وعوني صادق وإنعام رعد ومحمد فائق وكامل زهيري وعصمت سيف الدولة وعمر الحامدي وآخرون، وحضر بعض جلساتها الرائد عبد السلام جلّود. حينها تمّ إبلاغنا برغبة الأخ «القائد» كما يلقبونه - المقصود معمر القذافي - باستقبالنا. طال انتظارنا نحو ساعة محشورين في قاعة مكتظة ومزدحمة وقليلة التهوية في صيف تموزي حار، قررنا يومها عبد الرحمن وأنا مغادرة القاعة حيث كدنا أن نختنق... مشينا نحو ثلاث ساعات متواصلة حتى وصلنا إلى فندق «باب البحر» منهكين. وعندما عاد الزملاء أبلغونا «أن الأخ القائد لم يحضر... بل خاطبهم عبر التلفزيون... وهم استمعوا إليه». وقتها هتف عبد الرحمن معلقاً: فزنا وربّ الكعبة!

المحطة الخامسة: المنبر

في ثمانينيات القرن الماضي بدأت السبل تتباعد بيننا وبين القيادة الرسمية للحزب الشيوعي بسبب مواقف فكرية وسياسية وتنظيمية اتخذناها، خصوصاً فيما يتعلق بالحرب العراقية - الإيرانية، لا سيما بعد انتقالها إلى الأراضي العراقية. وشعرنا بأن إعلان موقف واضح أصبح واجباً والسكوت يعني تواطؤاً، فأصدرنا عدداً من المذكرات ووقعنا احتجاجات وأجرينا اتصالات وأصدرنا صحيفة باسم «المنبر». كان لي شرف تحريرها والإشراف عليها في بيروت.
وقف النعيمي معنا، دعمنا، شاركنا همومنا، لكنه لم يتدّخل بالتفاصيل والخصوصيات. مرّة دعانا إلى اجتماع لكوادر الجبهة الشعبية في البحرين، التي كان أمينها العام وكانوا قد جاءوا من «الداخل» حضرنا: محمود شكاره وعلي شوكت وأنا. وكان الاجتماع في بيته. ناقشونا وأجبنا على أسئلتهم وما كنا نطرحه بخصوص تجديد الفكر الاشتراكي وتطوير الماركسية وقضايا الحرب والسلام والثورة والتحالفات السابقة واللاحقة، وتقويم أخطائنا، وأساليب الكفاح والبيروقراطية والتسلطية الحزبية، التي وصلت بفعل المنفى إلى حد خطير والبيروستريكا والخطر الصهيوني الجديد!
لم يكترث يوماً بأي تهديد سواءً من متنفذين أو من غيرهم، فقد كان اعتقاده ثابتاً وموقفه مبدئياً.

المحطة السادسة: الحرب والاعتقال

لم يتخلّ عبد الرحمن عن مبدئيته... بل ظل متمسكاً بها وفياً للقيم والأخلاق إلى أبعد الحدود. وعندما احتلت القوات العراقية الكويت، رفض النعيمي الغزو والضم، لكنه في الوقت نفسه رفض الحرب على العراق ودعا في تصريح أصدره إلى انسحاب القوات الأميركية من الخليج والجزيرة العربية، كما حذر الدول العربية إلى عدم الانخراط فيها.
إلا أنه ولدى وصوله إلى مطار دمشق اعتقل احترازياً، وظل في المعتقل بضعة أشهر حتى انتهت الحرب. وبدأت كارثة جديدة، فقد تحررت الكويت وانسحبت القوات العراقية منها، لكنه تمّ تدمير العراق. وبحكم حسّه السياسي كان يدرك من وقف معه في تلك المحنة ومن دافع عنه على مستوى العلاقات السياسية مع الإخوة المسؤولين السوريين أو عبر المنظمات الدولية الحقوقية وخصوصاً منظمة العفو الدولية.
قال لي على الهاتف وأنا أهنئه على استعادة حريته: إشكرْ جميع الأخوات والإخوة الذين وقفوا معنا. وسألته لاحقاً فيما إذا كان قد تعرّض للتعذيب؟ أجابني بالنفي، وأردف قائلاً: لقد تعاملوا معي باحترام. ثم أضاف: أنا لست نادماً لموقفي على الرغم من أنني تعرّضت للإساءة وحجب الحرية!

المحطة السابعة: البرلمان البريطاني

حضر النعيمي إلى لندن ليقدّم شهادة في البرلمان البريطاني. وكنت قد ألقيت مداخلة في جلسة الافتتاح بالبرلمان بمشاركة اللورد أفبري وقدّم د. سعيد الشهابي ود.مجيد العلوي (الوزير البحريني لاحقاً) وآخرون شهادات بخصوص الانتفاضة والمعارضة وكان منصور الجمري أحد أبرز الناشطين في هذا الميدان. وعندما تمت دعوتي لزيارة البحرين خلال تلك الأحداث لإلقاء محاضرة، اتصلت بالنعيمي والجمري وعبد الهادي خلف وآخرين أستطلع رأيهم فشجعوني على الزيارة. وعندما التقيت بوزير الداخلية ووزير الإعلام، كان عبد الرحمن النعيمي حاضراً فقد تردّد اسمه على لساني أكثر من مرّة وأنا أتحدث عن المبعدين وقضايا محاكم أمن الدولة والاعتقال التحفظي الطويل الأمد والتعذيب وهندرسون، إضافة إلى قضية الشيخ عبد الأمير الجمري. قلت حينها إن على الحكومة أن تطرح مبادرة للمصالحة وأنا واثق أن الخطوة ستقابل بخطوتين من جانب المعارضة. وأطلعت عبد الرحمن النعيمي على ما حصل.

المحطة الثامنة: التشويه والإساءة المقصودة!


حاولت بعض الأصوات الممالئة للاحتلال الإساءة إلى عبد الرحمن النعيمي وعدد من المثقفين والمناضلين العرب، بحجة أنهم تلقوا أموالاً من العراق أو كوبونات نفط. وسخر النعيمي مثلما سخر آخرون، وإذا كان بعضهم قد تعامل ولاعتبارات سياسية أو مصلحية سرّاً أو علناً، فلم يكن ذلك عبد الرحمن النعيمي بالطبع، وأصحاب هذه الحملة سرعان ما لاذوا بالصمت عندما أنكشف حجم الاختراق والفساد والكيدية! ولكن الحملة تجددت ضده ومن الفريق الآخر بسبب انتقاده الأساليب الدكتاتورية التي انتهجها الحكم السابق، فاعتبرها بعضهم ممالئة للاحتلال أو قبولاً به وتلك مفارقة أخرى.
ظل النعيمي طيلة حياته النضالية متوازناً ومبدئياً، ولم يسمح لاعتراضاته على النظام السابق في العراق، بأن تتحول لصالح العدو، فلم يدّخر وِسعاً إلاّ ووظفه بالضد من استمرار الحصار الدولي الجائر وضد ضرب العراق، مثلما هو ضد الاستبداد والطغيان، وكان هذا موقفه منذ الأيام الأولى لاحتلال العراق، خصوصا اشمئزازه من التمذهب والطائفية.

المحطة التاسعة: العودة: الحلم

كان حلم عبد الرحمن النعيمي العودة إلى البحرين. وعاد عند أول فرصة سانحة، حيث استقبلته جماهير البحرين بعرس حقيقي، حملوه على الأكتاف وطافوا به هو وزملاؤه وخصوصاً صديقه الوفي عبد النبي العكري. قال لي بقيت أحتفظ بهذا الحلم أكثر من ثلاثة عقود، فبعد أن درس الهندسة في الجامعة الأميركية في بيروت عاد للعمل في البحرين، لكن الهّم الوطني والقومي أخذاه بعيداً في إطار حركة القوميين العرب ثم إلى عدن بعد الاستقلال وإلى ظفار واستقرّ في الشام، وطالت رحلة المنفى أكثر من ثلاثة عقود.

المحطة العاشرة: الجواهري


كان متحمساً لصدور كتابي عن الجواهري: جدل الشعر والحياة (أواخر 1996) في دار الكنوز الأدبية التي كان يديرها، لأنه يدرك أهمية صدوره والجواهري على قيد الحياة، واعتذر عن بعض الأخطاء بسبب السرعة، وكان ينوي إعادة طبعه بمناسبة الذكرى العاشرة لوفاة الجواهري (27 يوليو/ تموز2007). وعندما توفي الجواهري توجهت في اليوم نفسه إلى دمشق للمشاركة في مراسم العزاء. وفي اليوم الأخير نظم المنتدى الثقافي ندوة عن الجواهري حاضر فيها: هادي العلوي وكاتب السطور، وأدارها جمعة الحلفي، وحضرها عبد الرحمن النعيمي ورفيقه عبد النبي العكري.

المحطة الحادية عشرة: البحرين

زرت البحرين عدّة مرات لإلقاء محاضرات أو للمشاركة في ندوات أو لتدريب بعض ناشطي المجتمع المدني وحقوق الإنسان. لم أفلت مرّة من دعوة غداء أو عشاء لعبد الرحمن ورفيقة عمره السيدة مريم « أم أمل أو أم خالد». كما لم أفلت مرّة من لقاء أو محاضرة في نشاط أو مخيّم يدعوني إليه عبد الرحمن وجمعية العمل الديموقراطي «وعد»، كنت أرى فيه إضافة إلى النخب الفكرية والثقافية شرائح من المجتمع البحريني السياسية والاجتماعية، من الرجال والنساء.

المحطة الثانية عشرة:  عبد الرحمن يفوز في الانتخابات!

التقينا في الرياض وبعدها في بيروت. كان هاجس الانتخابات والتحالفات مع «الوفاق الإسلامي» والشيخ علي السلمان ورغبته في تحالفات أوسع شاغله الشاغل. بادرته قائلاً: تهانينا. قال: لكنني لم أفز في الانتخابات... كان الفرق قليلاً وحصلت تداخلات وملابسات... قلت له: أعرف ذلك، لكن ما حصل هو وسام على جبينك، فعدم الفوز أو عدم النجاح، ليس فشلاً أو إخفاقاً... إنه هزيمة للآخرين في ظل الاصطفافات الطائفية والتجاذبات غير السياسية.


عشرات المرّات وعشرات الندوات وعشرات المؤتمرات وعشرات اللقاءات وعشرات السهرات وعشرات الأماسي، كنت فيها مع النعيمي، وفي كل مرّة كنت أكثر ثقة بأنني أمام شخص نادر، بل استثنائي، في وفائه وإخلاصه، في صراحته ومبدئيته، في شجاعته وكرمه، وتلك صفات الرجال الحقيقيين، وغالباً ما كان يعتذر أو يراجع نفسه أو يتراجع إنْ شعر أنه أخطأ أو قصّر أو أهمل على الصعيد الشخصي أو السياسي، وتلك ميزة أخرى للرجال الحقيقيين أيضاً. كانت لديه القدرة على نقد نفسه، ومرّة قال لي: يا رجل نحن نحمل فيروساً تسلطياً لدى كل واحدٍ منا، إنه مرض الفردية وادّعاء الأفضليات!
كم أشتاق اليوم إلى عبد الرحمن النعيمي وما أحسبه إلا مسارعاً للقول: هل لنا أن نتفق على مشروع ونباشر به فوراً؟، مجلة فكرية؟ مطبوع أسبوعي؟ برنامج أو محطة إذاعية صغيرة؟ برنامج أو محطة تلفزيونية متواضعة؟ لأنه يدرك معنى الحرف والصوت والصورة في المعركة الدائرة.
كم نحتاج اليوم إلى عقل وحكمة وخبرة عبد الرحمن النعيمي الإنسان، الراقي، المتسامح.
عبد الرحمن النعيمي سلاماً .. سعيد سيف اشتياقاً..

([) باحث ومفكر عربي


286
ما بعد كركوك: هل جنوب السودان نموذج؟

عبد الحسين شعبان

كلما احتدمت مشكلة كركوك سياسياً أو ازداد التوتر فيها أمنياً، لا سيما حوادث الانفجار والاغتيال والخطف المتكررة، استذكرت مشكلة جنوب السودان التي تابعت تفاصيلها خصوصاً في السنوات الأخيرة. وكنت قد سبق وسألت الرئيس البشير العام 2000: ما هو السبيل الذي تفكر الحكومة المركزية بانتهاجه بعد فشل الخيار العسكري؟ فأجاب: إذا لم يوافق الجنوبيون على الفيدرالية والعيش المشترك، فليــس أمامنا سوى الانفصال. وأعدت عليه السؤال بأسلوب آخر قائلاً: هل لديكم خطة حول حق تقرير المصير، أو هل هناك مشروع جنوبي مطروح لدراسته بهذا الشأن؟ فأجابني حينها: «نحن مستعدون لكل الخيارات». وكنت أظن أن ما قاله في حوار متلفز أجري معه بمشاركة خمسة مثقفين عرب وعلى مدى ثلاث ساعات بثته ولعدّة مرات كل من قناة المستقلة اللندنية والقناة السودانية، كان من باب الذهاب إلى أبعد نقطة لاستباق أية أسئلة أخرى حول هذا الموضوع.
وحين تقرر إجراء استفتاء شعبي لسكان الجنوب في 9 كانون الثاني (يناير) 2011 وكانت نتائجه قد زادت على 98 في المئة لصالح الاستقلال (الإنفصال) وتشكيل كيان جديد، حددت مهلته إلى 9 تموز (يوليو) 2011 وهو ما حصل بالفعل انتظرت رد فعل الرئيس البشير الذي تعامل بواقعية إضطرارية (مكرهاً أخاك لا بطل) إزاء حدث خطير بل من أخطر ما مرّ على السودان منذ استقلاله في العام 1956، وما ان حلّ الموعد حتى أقيمت على أرض السودان جمهوريتان، بدلاً من واحدة ، وانضمت إلى الأمم المتحدة جمهورية جديدة باسم جمهورية جنوب السودان.
وكنت قد أشرت إلى مشكلة جنوب السودان في بحثي حول تقرير المصير المقدم إلى مؤتمر الجزائر الذي عُقد لمناسبة الذكرى الخمسين لصدور قرار الأمم المتحدة الخاص بتصفية الكولونيالية رقم 1514 في 14 كانون الأول (ديسمبر) 1960، ولمّحت في نهايته من خلال بعض الإشارات عن الوضع في كردستان العراق. وبعدها بنحو شهر ونصف ألقيت محاضرة في رابطة كاوا في أربيل (شباط/ فبراير) 2011 حول فكرة حق تقرير المصير وتطرقت فيها إلى القرار 1514 وتداخلات المسألة الكردية إقليمياً.
وكما كانت مشكلة وجود الأصابع الأجنبية والأجندات الخارجية تُثار في جنوب السودان، فإن المشكلة مطروحة بالنسبة للقضية الكردية أيضاً، وعلى الرغم من أن هذا الأمر ينطوي على شيء من الصحة، إلا أنه ليس صحيحاً بالكامل، فقضية الجنوب أو الكرد لم تعد مسألة داخلية، ولا حتى إقليمية، لا سيما أن عامل التدويل قد أخذ له حيزاً قوياً فيها، خصوصاً في العقدين ونيف الأخيرين في ظل اختلال موازين القوى الدولية، وانحلال الكتلة الاشتراكية، وتصاعد دور الولايات المتحدة كلاعب أساس في العلاقات الدولية، أضف إلى ذلك أن القضية الكردية كمسألة قومية لها خصوصية، لا سيما ارتباطها بثلاثة بلدان إقليمية هي إيران وتركيا وسوريا، التي واظبت على الاجتماع خلال التسعينيات من القرن الماضي لاتخاذ مواقف موحدة إزاء تطورات القضية الكردية في العراق، خصوصاً بعد حرب قوات التحالف ضد العراق العام 1991 إثر غزو قواته للكويت.
من جهة أخرى، يتناسى الكثيرون بقاء قضية جنوب السودان من دون حل منذ العام 1956 وفشل جميع الحكومات المتعاقبة في إيجاد حلول مقبولة لها، لا سيما وقد لجأت إلى الخيار العسكري، على الرغم من أن اتفاقية نيفاشا للعام 2005 كانت خطوة مهمة اعترفت من خلالها الأطراف المتنازعة، لا سيما الحكومة المركزية والحركة الجنوبية، بفشل الحلول العنفية، وضرورة السعي للتوصل إلى حل سلمي يرضي الطرفين، اللذين شهدا سنوات من الصراع المسلح والتداخل الخارجي الإقليمي والدولي، ناهيكم عن تدهور الوضع الإنساني، وخصوصاً في ظروف ضعف أو انعدام الثقة، ولهذا فقد مال الميزان إلى رجحان كفة الانفصال «الاستقلال».
ولعل الأمر ذاته ينطبق على موضوع القضية الكردية في العراق، فكلما احتدمت الأزمة ازداد رصيد الخيار الانفصالي «الاستقلالي»، وإذا لم تتمكن اليوم الأطراف المتنازعة من إيجاد حلول عملية ممكنة لمشكلة كركوك، فإن هذا الخيار سيكون مطروحاً على نحو أشد.
لقد جربت الحكومات العراقية منذ تأسيس الدولة العراقية في العام 1921 الحلول العسكرية، لكنها لم تستطع القــضاء على الحـركة الكردية أو منع الشعب الكردي من المطالبة بحقوقه العادلة والمشروعة بــما فيها حق تقرير المصير، كما لم تتمكن الـثورة الكردية في الوقت نفــسه من تحقيق أهدافها باللجوء إلى الخــيارات المسلــحة، حتى وإن كانت اضطراراً، وكان الطرفان الحكومي والكردي غالباً ما يقــيمان بينـهما هدنة أو يضعان حلاً مؤقتاً أو شبه دائم، كما في اتفاقية (بيان) 11 آذار مـارس العام 1970 حيث تم الاعتــراف بالحـكم الذاتـي للأكراد، وكان ذلـك من أهم وأكثر الحلول الإيجابية بالنسبة للقضية الكردية حتى ذلك التـاريخ. لكن تلك الهدنات أو الحلول كثيراً ما كانت تنهار بسبب ضعف الثقة وانعدامها، فضلاً عن تأثير تداخلات الأجندات الخارجية والأصابع الدولية والإقليمية.
لعل التفكير والتبصّر بما آل إليه وضع جنوب السودان، فضلاً عن اشتباك العامل الإقليمي والدولي بالعامل الداخلي، يحتاج إلى البحث عن سبل وحلول معقولة ومقبولة من الأطراف المختلفة بما في ذلك مساعدة الأمم المتحدة، لا بشأن كركوك حسب، بل بشأن العلاقة بين الدولة الاتحادية والفيدرالية الكردية، وبين الأولى وفيدراليات أخرى مقترحة، ممكنة أو واقعية وذلك كما ورد في الدستور الدائم على الرغم من التحفظ حول الكثير من الألغام التي احتواها، لكن ذلك لا بدّ من أخذه بنظر الاعتبار من دون أن يعني ذلك الانخراط في فيدراليات طائفية لأنها ستزيد الطين بلّة، ولكن فكرة فيدراليات إدارية وجغرافية على أساس الأقاليم يتضمّـنها الدستور، بما يوزع الصلاحيات بين المركز والأطراف وبين الدولة الاتحادية والأقاليم الفيدرالية، مع الاحتفاظ بأسس الوحــدة العراقية وكيانــية الدولة العراقية الموحدة، ذات الجيش الواحد، والعـملة الواحدة والخطط الاقتصادية الكبرى موحدة، وحدانية العلاقات الدولية والتمثيل الدبلوماسي، في إطار سيادة وحدود وسلطة موحدة، ومراعاة شؤون الأقاليم واستقلالها في الإدارة والبلديات والتعليم والصحة والثقافة والبيئة والسياحة والرياضة والتجارة وجميع الشؤون ذات الطابع الخدماتي والمحلي، مع التمثيل السياسي لحكومات وبرلمانات الأقاليم في إطار الدولة الاتحادية.
وإذا ما تحقق الأمر، فلن تكون كركوك أو غيرها مما يطلق عليه اليوم «المناطق المتنازع عليها» خارج حدود العراق أو خارج سـيادة الدولة العراقية الموحدة، وبالطبع لن تكون خارج إرادة شعب كركوك وخياراته الحرّة بتمثيلاته القومية والديـنية والسياسية المتــنوعة، في أن ينــضم إلى إقليم كردستان أو يشكّل إقلـيماً مسـتقلاً أو ينضم إلى القـسم العربي من العراق فيما إذا أصـبح إقليماً أو محافظـة أو أكثر من المحافظــات العربية المجاورة والتي قد يرغب بالاتحاد معها، ولكن أولاً وقبل كل شيء تحقيق احترام حقوق الإنسـان لشعب كركوك ومكـوناته المختــلفة وقناعاته وخياراته المستقلة دون إكراه. ولعل ذلك يتطلب أيضاً تعويض المهجرين وإعادة من يريد العودة إلى مناطق سكناه من الذين قدموا إلى كركوك أو من رُحّلوا عنها، بكـل حريـة. وأعتقد أن جوهــر المادة 58 من قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتـقالية، التي تم ترحيــلها إلى المادة 140 والتي كان من المقرر تنفيذها خلال الفترة الماضية، تصب في هذا الاتجاه.
يتراءى لي أنه كلما استمر وضع كركوك والمناطق التي لم تحسم موقعها إدارياً وبقيت على حالها، فإن الأمر سيتفاقم وستزداد معاناة السكان وقد يصبح العيش المشترك صعباً أو مستحيلاً، وعندها سيتم اللجوء مجدداً إلى خيارات غير سلمية على الرغم من تأكيد الجميع تجنبّها، لكن ضغط الواقع قد يقود إليها وإذا ما حصل ذلك فإن ضرراً بليغاً سيلحق العلاقات العربية ـ الكردية، والعلاقات الكردية ـ التركمانية، ولعله مع تصاعد وتيرة التوتر وطول فترة الانتظار والتربص، يدخل الإرهابيون على الخط ليزيدوا من خلط الأوراق ودفع العناصر المتطرفة لدى جميع الفرقاء لكي تبرر عدم الثقة والقطيعة وممارسة أعمال العنف.
ما يحصل في كركوك أو إزاء الكرد أو التركمان هو جزء من مشكلة التنوع الثقافي وأكثر منه التعددية الثقافية، ولا أقول بمصطلح الأقليات لأنه حسب تقديري يحتوي ضمنياً على نوع من الاستصغار وعدم المساواة على الرغم من إعلان الأمم المتحدة العام 1992 «حقوق الأقليات» وكذلك صدور إعلان حقوق الشعوب الأصلية عن الجمعية العامة لعام 2007، يُضاف إلى ذلك حقوق «الأقليات» المهاجرة.
أقول ذلك بعد متابعتي التعددية الثقافية من منظور غربي ومقارنته مع المنظور السائد في المنطقة، فلم ألحظ في الغرب أي اتجاه حالي يثير الارتياب في أقلياته كما كان في الماضي، وكما هو عندنا اليوم، مصدراً للحروب والنزاعات والشك أو عدم الأمان الجيوسياسي، حيث الخوف من الجيران الأعداء وامتداداتهم «الأقليات» للاعتقاد السائد بتواطئها أو احتمال أن تصبح طابوراً خامساً.
اطلعت مؤخراً على كتاب مهم صدر حديــثاً (العــام 2009) من تألـيف ويل كيميليكا (ترجمة إمام عبد الفتــاح إمام) وهو بعنوان «أوديسا التعددية الثقافية» يذكر فيه: «أن مشكلة الأقليات في الغرب هي من تراث الماضي، لأن الأنظمة الديموقراطية في الغرب لا أعداء لها من الجيران»، وأشدد هنا من الجيران، ويضيف: «ومن الصعب أن نفكر بنظام غربي واحد تخشى فيه الدولة من الأقلية القومية أو جماعة السكان الأصليين في أن تتعاون أو تتواطأ مع عدو مجاور أو معتد محتمل» فهذا حسب رأيه لا وجود له.
ولعل هذا الاستنتاج المثير يحتاج إلى التأمل والتفكير عند بحث العلاقات الدولية في منطقتنا المملوءة بالصراعات والاحتدمات، والنفط مصدر أساس لها، ناهيكم عن وجود «إسرائيل» كبؤرة توتر وعدوان دائم فهل ستكون «الأقليات» في ظل سياسات التنكر للحقوق وعدم الاعتراف بها بعيدة عن تأثيراتها المباشرة وغير المباشرة؟
إذا كان وجود حلف الناتو عامل استقرار لتنظيم العلاقة بين أعضائه ومنع التغوّل من دولة على أخرى أو احتلال جزء من أراضيها أو الاستعانة بالأقليات، فإن مثل هذا الوضع غير متوفر في منطقتنا ولا يمكن مقارنتها بأي شكل من الأشكال بالغرب، الذي أعاد التعددية الثقافية إلى جذرها الداخلي وقطع إلى حدود كبيرة خيط التدخل الخارجي.
وحتى يتحقق نظام جديد لعلاقات دول وشعوب المنــطقة، فعــلينا التفكير بواقعية والتساؤل هل سيبقى جنوب السودان المستقل حليفاً للسودان وللعرب، أم أن خيطاً إسرائيلياً بدأ يُحاك في إطار علاقاته الجديدة؟ لكن مثل هذا قد يضرّه ويضرّ العرب بالتأكيد. وهل سنرى الكرد حلفاء للعرب ومدافعين عن دولهم في العراق وإيـران وتركيا وســوريا، لا ســيما إذا تمكنوا من الحصول على حقـهم في تقرير المصير (بالاتحاد او الاستقلال) في إطار مواطنة حرّة ومتساوية (غير ناقصــة أو مبتورة أو من الدرجة الثانية)، وطبقاً لخيار ديموقراطي؟ وإذا رغب العرب والكرد والتركمان وغيرهم من المكونات القومية والدينية والسياسية والفكرية في العيش المشترك، فلا بد من البحث عن معالجة هادئة لمشكلة كركوك قبل أن تتفاقم وتنفجر!!

([) باحث ومفكر عربي



287
الدبلوماسية العالمية: مفارقات وحيرة   

عبدالحسين شعبان
على الرغم من ديناميكية الدبلوماسية الدولية السائدة منذ انتهاء عهد الحرب الباردة وتحوّل الصراع الأيديولوجي من شكل إلى آخر في أواخر الثمانينات إلا أنها مع مطلع الألفية الثالثة تعيش مفارقات وحيرة، فما أن تبدأ مفارقة حتى تستمر وتتداخل مع مفارقة جديدة أخرى وهكذا، وذلك بفضل العولمة وبفعل كون العالم أصبح قرية صغيرة في ظل الثورة العلمية - التقنية وتكنولوجيا الإعلام والاتصالات والمواصلات والطفرة الرقمية “الديجيتل” .

المفارقة الأولى بدأت ولا تزال مستمرة منذ مطلع القرن الحادي والعشرين، ونعني بها اتساع نطاق الإرهاب الدولي الذي تجلّى في أحداث سبتمبر/ أيلول الإرهابية الإجرامية عام 2001 يوم قامت تنظيمات القاعدة بضرب برجي التجارة العالمية في نيويورك، حيث راح ضحية ذلك العمل الغادر نحو ثلاثة آلاف إنسان بريء . ولعل ما حصل قبل أسابيع من عمل إرهابي في أوسلو (النرويج) على يد مواطن نرويجي متطرف وعنصري يشير إلى أن ظاهرة الإرهاب الدولي على الرغم من كل ما قيل عن التصدي لها، فهي لم تنحسر كلياً وإنما لا تزال مستمرة، وتظهر بصور مختلفة في العديد من بلدان العالم، الأمر الذي يشير إلى أن الإرهاب الدولي لا وطن ولا دين ولا هوية ولا جنسية ولا عقيدة ولا لغة له .

أما المفارقة الثانية التي فاجأت هي الأخرى الدبلوماسية العالمية المتسيّدة، فهي الأزمة الاقتصادية والمالية العالمية التي ضربت أكثر الدول الصناعية تقدماً، لاسيما الولايات المتحدة الأمريكية، خصوصاً بانهيار شركات تأمين كبرى وبنوك عملاقة ومؤسسات عابرة للقارات والحدود وما فوق قومية . ولا تزال تأثيرات هذه الأزمة الكونية مستمرة في النطاق العالمي منذ عام 2008 ولحد الآن، ويبدو أنها ستستمر وإن على نحو أبطأ خلال السنوات الثلاث المقبلة (إلى نهاية عام 2014 أو مطلع عام 2015) .

ولعل المفارقة الثالثة للدبلوماسية العالمية في الألفية الثالثة، هي اندلاع ربيع الثورات العربية في مطلع عام ،2011 وهو ربيع ما زلنا نعيشه حتى هذه اللحظة وإن كانت بعض المناطق تعاني عواصف واحتدامات وحتى حروب ونزاعات أهلية، لكن الأمر كان خارج الحسابات التقليدية للقوى المهيمنة على الدبلوماسية الكونية .

وتطرح هذه المفارقات الثلاث الكبرى أسئلة جديدة أمام الدبلوماسية الكونية التقليدية، خصوصاً وقد أصبح الإعلام عنصراً مؤثراً وأساسياً في صناعة الرأي العام . ولاحظنا كيف أسهم الفيس بوك والتويتر والإنترنيت والفضائيات في نقل أخبار الانتفاضات الشعبية، فالصورة خبر بحد ذاتها تفوق بمئات بل آلاف المرات أحياناً، أية مقالة أو تعليق أو رأي . ولعل ما نشره موقع ويكيليكس قبل أشهر دليل كبير على الزوبعة التي انطلقت ولم تهدأ، لاسيما وقد تحوّلت بحكم الصورة إلى خبر يومي وزاد صباحي للكثير من وسائل الإعلام، وخصوصاً المرئية منها، وذلك لامتداداتها المختلفة والمتنوعة وتداعياتها وأبعادها .

لقد ساد اعتقاد لدى الكثير من المحللين السياسيين والمفكرين وأصحاب الرأي أن نظاماً دولياً جديداً بدأ يتشكل خلال ربع القرن الماضي، لاسيما بعد انهيار الكتلة الاشتراكية وسيادة النمط الليبرالي على النطاق العالمي، خصوصاً بقيادة قطبية آحادية هي الولايات المتحدة التي تتربع فوق قمة النظام الرأسمالي العالمي، لكن مثل هذا الاعتقاد صاحبته بعض الشكوك، فضلاً عن ممانعات واعتراضات، أخذ رصيدها يرتفع بعد تطبيقاته المشوّهة وممارساته السلبية باستخدام المعايير المزدوجة والسياسات الانتقائية، الأمر الذي بلور رأياً عاماً جديداً، ولاسيما في البلدان النامية يدعو إلى إقرار التعددية والتنوّع واحترام قواعد شرعية دولية جديدة يمكن أن تسهم فيها المنظمات الدولية القائمة على نحو أكثر فاعلية، خصوصاً الأمم المتحدة، بغض النظر عن الملاحظات التي لدى جميع الأطراف عليها وكل لأغراضه الخاصة، لكن رغبة الكثير من الأوساط الشعبية كانت تنمو هنا وهناك، وخصوصاً في دول العالم الثالث لتعزيز دور مؤسسات المجتمع المدني العالمي، فضلاً عن تطوير مسؤولية الأمم المتحدة في نظام العلاقات الدولية بعيداً عن انفراد دولة أو مجموعة دول، لاسيما إزاء قضايا حفظ السلم والأمن الدوليين .

وقد سعت إدارة جورج بوش الأب وبيل كلينتون وجورج بوش الابن والرئيس أوباما خلال العقدين الماضيين تقريباً ومن خلال دبلوماسية ديناميكية وقدرات سياسية واقتصادية وعسكرية مؤثرة للانفراد بالقرار الدولي سواءً من جانب واشنطن وحدها أو مع مجموعة من الدول، وذلك بتجاوز أي قيد على “حرية” الولايات المتحدة  يمنعها من التحكم بنظام العلاقات الدولية وتوجيهه الوجهة التي تخدم مصالحها .

وتصرفت واشنطن في الكثير من المرّات خارج نطاق المنتظم الدولي لتأمين مصالحها أو لفرض سياساتها وإملاء إراداتها، بما فيها مخالفة ما يسمى بالشرعية الدولية وقرارات دولية صادرة عن الأمم المتحدة تدين “إسرائيل” . وقد تذرّعت أنها في مواجهتها للإرهاب الدولي تحتاج إلى بناء دبلوماسية وقائية أو استباقية ضد الإرهابيين لمنعهم من تنفيذ مخططاتهم  العدوانية والعمل على تجفيف منابعهم، بل إنها مرّرت ذلك بقرارات دولية أسهمت هي في وضع أسسها وأصدرتها بالضغط على الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي، وأعني بها القرارات رقم 1368 الصادر في 12 سبتمبر/ أيلول 2001 والثاني 1373 الصادر في 28 سبتمبر/ أيلول من ذاته والثالث القرار 1390 الصادر في 16 يناير/ كانون الثاني 2002 .

وطبقاً لتلك الذرائع قامت باحتلال أفغانستان وأطاحت  بنظام حكومة طالبان  بزعم محاربة تنظيمات القاعدة في عام ،2001 وقامت باحتلال العراق كذلك في عام 2003 بحجة امتلاكه أسلحة دمار شامل وعلاقته بالإرهاب الدولي، واتضح أن الفريتين لا أساس لهما من الصحة . أما الديمقراطية المحمولة على الطائرات فقد تم طي صفحتها ليتحوّل موضوع الاستقرار وحماية الأمن الذي ظلّ منفلتاً منذ ثماني سنوات هو الشغل الشاغل، لاسيما في الموقف من بقاء قوات أمريكية في العراق بعد انتهاء مفعول الاتفاقية العراقية - الأمريكية لعام 2008 في نهاية العام الجاري 2011 .

وإذا كان توازن القوى على المستوى الدولي لا يميل إلى العودة إلى نظام القطبية الثنائية، على الرغم من أن هناك من يرغب  في أن تلعب الصين مثل هذا الدور، كما يذهب إلى ذلك مستشار الأمن القومي زبغينيو بريجنسكي، وكذلك هنري كيسنجر وزير الخارجية الأمريكي الأسبق، لكن الصين ظلّت تصرّ على أنها دولة نامية، وهي لا تريد أن تلعب دوراً بديلاً عن الاتحاد السوفييتي السابق .

ولهذا فإن قيام نظام دولي جديد سيكون مؤجلاً حتى إشعار آخر، ويحتاج إلى استقطابات وقوى جديدة صاعدة، سياسياً وعسكرياً واقتصادياً وبشرياً، فإضافة إلى الصين، هناك احتمال العودة الجديدة لروسيا، وكذلك تعزيز دور اليابان، لاسيما الاقتصادي والمالي، فضلاً عن الدور الكبير للاتحاد الأوروبي الذي لا يتعارض حتى الآن مع دور واشنطن التي لا تزال تمثل قطب الرحى في النظام الدولي القائم وما بعد نظام القطبية الثنائية وانتهاء عهد الحرب الباردة . فهل هناك ملامح للدبلوماسية الجديدة غير الرسمية أو التي لم تعد تقتصر على الأوساط الحكومية والدبلوماسية؟

إن القوى الجديدة التي دخلت ساحة الدبلوماسية الدولية، سواءً نقابات العمال أو الاتحادات المهنية أو منظمات المجتمع المدني، لاسيما التنموية، بما فيها جمعيات حقوق الإنسان، وكذلك روابط وجمعيات رجال الأعمال وحتى بعض الشخصيات الثقافية والعلمية والدينية الكبرى والعامة، فضلاً عن بعض المنظمات الدولية غير الحكومية، يمكن أن تسهم في إطار ما نطلق عليه الدبلوماسية الشعبية التي ارتفع رصيدها في ربع القرن الماضي، خصوصاً بانتهاء عهد الحرب الباردة، وهو ما شاهدناه خلال المستجدات والتغييرات والثورات التي شهدها الوطن العربي، في حين ظلّت الدبلوماسية الرسمية في الكثير من الأحيان حائرة أو مترددة أو محكومة بمعادلات أقرب إلى المفارقات التي واجهتها .

باحث ومفكر عربي



288
البوعزيزي وسيدي بوزيد وبحر الزيتون   

عبدالحسين شعبان
في طريقي من العاصمة تونس إلى المحافظة الثانية صفاقس وبعدها إلى محافظة سيدي بو زيد، كنت أتطلّع على امتداد النظر إلى غابات شاسعة من أشجار الزيتون، وبدت لي تلك الغابات مثل بحر بلا ضفاف، وانشغلت طول الطريق الذي زاد على 300 كيلومتر أقارن وأربط بين الثورة التونسية ومستوى المعيشة المقبول نسبياً في تونس، سواءً لبلدان نفطية غنية مثل ليبيا أو الجزائر أو العراق أو غيرها .

ولعل الأمر لا يتعلق بالزراعة والأراضي الزراعية في الريف، بل في المدن والمناطق الحضرية، بما فيها الأحياء الشعبية، فلا يمكن مقارنتها بدول واردتها الريعية تزيد عشرات المرّات على تونس، لكن مستوى معيشة سكانها أخفض بكثير منها، فما بالك بدول فقيرة .

وإذا كانت المقارنة مع الدول النفطية أو دول اليُسر لمصلحة تونس، فبالتأكيد ستكون المقارنة مع دول العُسر لجانبها أيضاً، الأمر الذي يحتاج إلى التفكير في مآل الثورة والفئات التي قادتها ودور الشباب الذين كانوا المحرّك الأساسي لها، فثورة تونس لم تكن ثورة جياع، بل ثورة من أجل الكرامة والحرية .

عندما وصلت محافظة سيدي بو زيد التي يبلغ عدد سكانها نحو 400 ألف نسمة وعدد سكان المدينة لا يزيد على 50 ألفاً، عرفت أن فيها حركة نقابية متطورة يقودها التهامي الهاني الذي التقيته وشرح لي مسارات الثورة ويومياتها بعد سيدي بو زيد، حيث سقط العديد من الشهداء في منزل بو زيان والرقاب ومكناسي والقصرين وتالة وحاجب العيون ونصرالله وسيدي عمر بو حجلة، ثم اندلعت تحركات في المهدية والمنستير وسوسة والقيروان، وهذه المناطق مرّ الباحث على معظمها وتوقف عند بعضها وصولاً إلى العاصمة تونس التي اندلعت انتفاضتها يوم 4 يناير/ كانون الثاني ،2011 وهي التي علّقت الجرس كما يقال، وأرغمت الرئيس السابق زين العابدين بن علي على الرحيل .

لعل الحكاية بدأت بإضرام محمد البوعزيزي النار في جسده صباح الجمعة 17 ديسمبر/ كانون الأول ،2010 فقد عزّت عليه نفسه إثر صفعة تلقّاها وسط حشد شعبي من الشرطية فادية حمدي لاعتراضه على منعها ومصادرتها مصدر الرزق الوحيد له ولتسعة أفواه من أسرته .

كان ردّ البو عزيزي على كرامته المجروحة إنهاء حياته احتجاجاً، لا سيما أن فرص الحصول على عيش كريم باءت بالفشل، حيث استشرى سوء الإدارة وفساد السلطة في جسد الدولة وجميع مرافقها، ناهيكم عن شحّ الحريات المزمن .

كان إحراق البو عزيزي نفسه خاطفاً ومُتقناً، ففارق الحياة وسط حيرة ودهشة المجتمع السيدي بو زيدي بشكل خاص، والمجتمع التونسي بشكل عام، حيث انتشر الخبر مثل النار في الهشيم وشاع بسرعة خاطفة مثل البرق وأصبح بفضل العولمة، وهذا جزء من وجهها الإيجابي أمام وجهها المتوحش، على كل لسان وأمام كل ناظر بفعل التويتر والفيسبوك واليوتيوب والإنترنيت والمحطات الفضائية، فقد كان يكفي شرارة واحدة ليشتعل السهل كلّه، كما يقول ماوتسي تونغ .

كل شيء قبل هذا التاريخ بدا هادئاً، بل واعتيادياً، لكن النار كانت تضطرم تحت الرماد كما يقال، فما أن حركتها ريح شديدة، حتى اشتعلت، ملتهمة كل ما حولها من أوهام القوة وجبروت الاستبداد والرفاه الزائف، لاسيما إذا كان من دون حريات .

ومن يرقب مسيرة تونس في السنوات العشرين ونيّف الأخيرة، ولاسيما منذ استلام زين العابدين بن علي الرئاسة، سيلحظ النقيضين: هدوء ظاهري ومستوى معيشي لا بأس به، وسلطة أقرب إلى الحداثة وحقوق المرأة مكفولة دستورياً في أحسن مستوى قانوني في الوطن العربي، وهي إنجازات تُحسب بشكل أساسي للرئيس الحبيب بورقيبة، الذي قاد تونس منذ الاستقلال وحتى أواخر الثمانينات رسمياً، ولكن من جهة أخرى كان البوليس السري بالمرصاد لكل من يتفوّه بكلمة ضد الرئيس وحاشيته أو يعارض النظام، كما كان القمع وشحّ الحريات والفساد المالي والإداري وتمركز السلطة جميعها بيد رئيس الدولة، الذي أصبح تدريجياً حاكماً متسلطاً لا يتورّع من القيام بكل شيء من دون مراعاة اللوائح الدولية لحقوق الانسان، فضلاً عن مخالفته لدستور البلاد ذاته .

ولعل تلك السمات تكرست تدريجياً في بنية الدولة التونسية التي لم تعرف منذ الاستقلال العام 1956 التداول السلمي للسلطة أو إجراء انتخابات حرّة أو نزيهة أو الاحتكام إلى قواعد الديمقراطية المعروفة، مثل سيادة القانون وفصل السلطات واستقلال القضاء والمساءلة والشفافية، ناهيكم عن الحريات .

كان حادث إحراق البو عزيزي نفسه مؤثراً ودراماتيكياً لدرجة أنه لم يحرّك الشباب التونسي وحده، بل حرّك الشارع العربي، في إطار حملة تضامن ضد نظام بن علي، وبدأ الشباب باقتناص اللحظة الثورية بامتياز، فلو تأخرت، لكان من الممكن أن تتبدد أو تضيع فرصة تاريخية، ولو جرى الاستعجال بها أو تفجيرها قبل الآوان لكان يمكن أن تذوى أو تبذل، وحتى تنتحر أو تُنحر .

يوم 28 ديسمبر/ كانون الأول 2010 كتب الباحث والإعلامي التونسي الدكتور خالد شوكات، بنباهته أولاً وبقراءة دقيقة للواقع ثانياً، أن ما جرى في سيدي بو زيد وغيرها من المدن التونسية هو بطاقة صفراء للنظام . ولم يكن ينطلق في ذلك من مبالغات أو تهويل، بل من واقعية سياسية، كان يتلمسها خلال زيارته لتونس ناهيكم عن استشراف مستقبلي للأحداث . وقد فوجئ في اليوم التالي بوزير الإعلام السابق يتصل به معاتباً بالقول: إنها عبارة غير موفقة، أو إنها ليست في محلها .

ربما أراد شوكات أن يخفف بعض الشيء من ارتفاع سورة الغضب، وقد يكون في ذلك تنبيه للمعارضة والسلطة في آن، لاسيما أن ساعة الرحيل قد حلّت، فتاريخ ما بعد سيدي بو زيد هو غيره ما قبلها، وكان على الجميع أن يدرك ذلك، ولعل ما تعاملت به قوى الأمن مع المتظاهرين والمحتجين في تشييع جنازة البو عزيزي من قسوة، إنما كان بمثابة التعجيل بإنضاج اللحظة الثورية، ففي أجواء الاحتقان والحزن والرفض تنتقل جذوة الثورة بسرعة خاطفة مثلما تسري النار في كومة القش .

كان شوكات يدرك أن النظام ينتظر البطاقة الحمراء لمجرد وصول الثورة إلى العاصمة في 4 يناير/ كانون الثاني ،2011 ولعشرة أيام من الاحتجاج والمجابهة اضطر الرئيس السابق إلى الرحيل .

لقد ذهبت إلى تونس لألقي محاضرة حول “ الثورة التونسية والمشروع النهضوي العربي الجديد” بدعوة من “مؤسسة صالحة للتنمية والبيئة”، وقد قلت في بداية محاضرتي جئت لأتعلّم لا أعلّم، و”هل يُفتى ومالك في المدينة؟”، وكان بودي أن أستمع شخصياً إلى آراء الشباب وتطلعاتهم فقد كانوا بحق جمجمة الثورة وسواعدها وحطبها في الآن، وينبغي اليوم أن يكونوا زهورها وحماة حديقتها، ولعل أهل مكة أدرى بشعابها .

وكان كلامي لا يتعلق بالتفاصيل والحيثيات، لكنه قول في الدلالات والمعاني . وليس بوسع المرء، لاسيما الباحث، تقديم مخطط تفصيلي للثورات الناجزة وغير الناجزة، أو إعادة تبويب وأرشفة يوميات الأحداث فتلك مهمة الإعلامي مؤرخ اللحظة، حسب ألبير كامو، كما أن مهمة المؤرخ تتلخص في جمع وقراءة الأحداث وربطها ببعضها بعضاً، بما قبلها وبعدها، بما فيها الروايات المتباينة . أما مهمة المنشغل بقضايا الفكر فتتلخص بالوصول إلى الحقائق والسمات التي يمكن استخلاصها وبذلك يحدد المعاني والدلالات للحدث . وقد استهدفت من حديثي استكشاف العملية الثورية الجارية، بالتوقف عند مقدماتها والبحث في مساراتها والسعي للتعرّف إلى حقيقتها وخصائصها، ومن جهة ثانية دراسة التحديات والخيارات الصعبة التي أثارتها إزاء المستقبل، لاسيما التباسات بعض جوانبها وتداخلاتها مع بعض العوامل الخارجية .

لعل الانشغال بالدلالات والمعاني هو غير الاستغراق بالتفاصيل والأحداث، فالأول هو الذي يفضي إلى تراكم المعرفة، وهي فرصته أيضاً لقراءة التاريخ بوقائعه وأحداثه ليس ما يجري اليوم فحسب، بل في سياقاته التاريخية إذا جاز التعبير، بتضاريسها ومنعرجاتها، وستكون التفاصيل والوقائع بكل جوانبها في خدمة المعرفة وبكل فروعها، لاسيما في ظل انفتاح العالم اليوم وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات والمواصلات الحديثة .

من كان يتصور أن يبتدئ نهاره في تونس من دون أن تقع عيناه على صورة بن علي، سواء عبر التلفاز أو في صحيفة أو إعلان أو ملصق في الشارع أو غير ذلك، وإذا به يرحل في غضون أيام معدودات، ليس كما يغادر الناس العاديون مواقعهم الوظيفية أو يتقاعدون، بل غادر مكرهاً مع إشارات بالأصابع والأيادي والصوت والصورة إلى المنفى من دون عودة .

كلمة واحدة هي التي أطاحته: “إرحل”، هكذا صحونا من دون بن علي، ولعل الحدث كان أقرب إلى الكومتراجيديا، فبقدر كونه مفرحاً بإفراط، فإنه مؤلم إلى حدود كبيرة أيضاً، ففي العالم المتحضر حين يرحل الرئيس عبر صندوق الاقتراع أو حين تنتهي فترة ولايته، يتم ذلك باحتفال رسمي، باستلام وتسلّم المسؤولية .

أتذكّر قولاً أثيراً للفقيه الدستوري الدكتور يحيى الجمل قبل ربع قرن حين قال لي: نريد رؤساء سابقين، يمشون في الشارع ويقودون سياراتهم ويتبضّعون ويعيشون مثلما يعيش الناس جميعاً في العالم المتقدم، فعسى أن نرى ذلك في جمهورية الياسمين وبحر الزيتون مستقبلاً .

باحث ومفكر عربي

289
ليبيا: احتلال بالتعاقد أم الأمن الناعم؟

عبد الحسين شعبان

قد لا يكون تدخّل حلف الناتو «عسكرياً» في الأزمة الليبية هو الأخير من نوعه في المنطقة العربية، فقد تتكرر عمليات التدخل إذا ما توفّرت بعض الظروف الملائمة والبيئة المواتية، وهو الأمر الذي لا بدّ من أخذه بنظر الاعتبار، في ما يتعلق بتطورات الوضع في المنطقة، ولا سيما الاحتراب الداخلي أو الصراع المسلح في بعض البلدان العربية من جهة، ومن جهة أخرى تطور سياسة حلف الناتو وما يسمى بنظرية «الأمن الناعم» أو «القوة الناعمة»، في مواجهة المتغيرات.
وإذا كان حلف الناتو قد تأسس في ظروف الحرب الباردة بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، لا سيما بعد أن أطلق ونستون تشرشل صيحته الشهيرة العام 1947 بإعلان الحرب ضد الشيوعية من جانب دول «العالم الحر»، فإن الحلف تطور كثيراً في التسعينيات من القرن الماضي وبعد انهيار الكتلة الاشتراكية وانتهاء نظام القطبية الثنائية، حيث امتدّ نشاطه ليشمل دول أوروبا الشرقية التي كانت جزءًا من منظومة حلف وارسو، وقد سعى الى ضم العديد من دولها إلى عضويته، وبناء قواعد صاروخية في بعضها كما حصل في التشيكيا وبولونيا الذي احتجت عليها روسيا وهددت بتدميرها.
كما تطورت استراتيجية الحلف من «الردع» في حالة التهديد الى المبادرة والهجوم «للدفاع عن المصالح الجماعية»، خصوصاً بعد تأسيس تشكيلات للتدخل السريع، حال اندلاع أزمة من شأنها المساس بمصالح أعضاء الحلف أو تهديدها، بما فيها منطقة حوض البحر المتوسط.
مبادرتان أساسيتان قادهما الحلف إزاء المنطقة العربية، الأولى بفتح الحوار مع سبع دول متوسطية العام 1994 وهي: المغرب وتونس ومصر وموريتانيا والجزائر والأردن و«إسرائيل»، وذلك تحت شعار «محاربة تهديدات محتملة لأعضاء الحلف»، وهذه التهديدات تتلخص بالإرهاب الدولي والهجرة غير الشرعية (اللاجئين) وانتقال المخدرات.
وقد انعقدت قمة لدول الحلف في براغ في شهر تشرين الثاني (نوفمبر) العام 2002، وذلك بعد أحداث 11 أيلول (سبتمبر) الارهابية الإجرامية التي حصلت في الولايات المتحدة، وتم الاتفاق على خطة عمل مشتركة ضد الارهاب الدولي وأنشئت لاحقاً قوة تدخل سريع في عام 2006.
أما المبادرة الثانية الخاصة بدول الشرق الأوسط، فقد انطلقت في حزيران (يونيو) العام 2004 من اسطنبول وسمّيت «مبادرة التعاون الاستراتيجي»، وقد انضمت إليها أربع دول خليجية هي الكويت والإمارات العربية والبحرين وقطر. أما المملكة العربية السعودية وسلطنة عمان فقد بقيتا خارجها. وتضمنت هذه المبادرة مكافحة الإرهاب الدولي وحماية أمن الحدود والتصدي لانتشار الأسلحة النووية ومجابهة حالات الطوارئ وإدارة الأزمات، وتعزيز التعاون العسكري.
وجاءت مبادرة اسطنبول بعد الحملة الدولية للحرب على الارهاب تلك التي تجسّدت في غزو أفغانستان العام 2001 واحتلال العراق العام 2003، وقد تركا ردود أفعال حادة إقليمياً ودولياً، فلجأ الحلف الى إطلاق هذه المبادرة بخصوص نظرية الأمن الناعم، وذلك عبر التدريب والتأهيل للقوات العسكرية حيث الوجود العسكري الأميركي، وهو ما حاولت الاتفاقية الأمنية العراقية – الأميركية أن تعكسه في العام 2008 بنقل صيغة الاحتلال العسكري الى صيغة احتلال تعاقدي، وهو ما تسعى الى تأكيده وتوظيفه في اتفاقية جديدة بانتهاء العام 2011 أو توقيع عدّة بروتوكولات بين وزارات عراقية ونظيراتها وزارات أميركية، دون الحاجة للذهاب الى البرلمان لإعطاء رأيه بشأنها، خصوصاً إذا ما اتجهنا الى صيغ تنفيذية بين المؤسسات العراقية والأميركية، وذلك دفعاً لأية إشكالات تقود الى مضاعفات قد لا تحمد عقباها، ولعل مثل هذا المخرج لا يزال قيد الدرس بديلاً من اتفاقية جديدة بين بغداد وواشنطن، لا سيما بعد أن خوّلت الكتل السياسية رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي التفاوض باسمها.
لقد شارك بعض دول حلف الناتو في حرب الخليج الثانية ضمن تحالف دولي ضمّ 33 دولة في العام 1991 في إطار عملية تحرير الكويت التي امتدت الى تدمير العراق، كما شارك بعض دوله بفاعلية بفرض الحصار الدولي ونظام العقوبات على العراق (1991-2003)، كجزء من عملية استراتيجية جديدة لنظرية الأمن الناعم.
أما تدخل حلف الناتو في الأزمة الليبية العام 2011 فهو شأن آخر، له علاقة بأوضاع الحاضر والمستقبل، خصوصاً بتوسع مفهوم التدخل في استراتيجيات الحلف، وعلى الرغم من القصف الجوي الذي استمر ما يزيد عن أربعة أشهر، إلا ان الحلف لم يرسل قوات برية حتى الآن، لكن الحديث أخذ يتردد عن احتمال إرسال قوات لحفظ الأمن وضبط النظام.
وإذا عرفنا أن تدخّل الناتو ظل محدوداً ومحدداً بما نصّ عليه ميثاقه الذي اعتبر أي هجوم مسلح ضد أي عضو من أعضائه يعدّ هجوماً على دول الحلف كافة، إلا أن انقضاء عهد الحرب الباردة وتحوّل الصراع الايديولوجي من شكل الى شكل آخر وسّع من المنطقة الجغرافية للحلف، خصوصاً وقد اتخذ الحلف قرارات بخصوص إدارة الأزمات بدلاً من مراقبتها سواءً في منطقة جنوب المتوسط عامة وفي الشرق الأوسط خاصة، وهو ما تقرر في اجتماع روما الذي مهّد له المفهوم الاستراتيجي للحلف العام 1999 والتدخل في كوسوفو وكذلك المفهوم الاستراتيجي الجديد في العام 2010، الأول الخاص بإدارة الأزمات، أما الثاني فقد قام على توسيع البيئة الأمنية خارج دول الناتو التي قد تهدد مصالحه.
وقد استند الحلف في تدخله العسكري الى «مرجعية» إقليمية ودولية للتدخل في الأزمة الليبية، انطلاقاً من قراري مجلس الأمن رقم 1970 و1973، لا سيما باتخاذ عقوبات ضد ليبيا وإحالة الزعيم معمر القذافي الى المحكمة الجنائية الدولية، وإقامة حظر جوي للطيران No Fly Zone، وتساوقاً مع قرار جامعة الدول العربية رقم 7298 بتاريخ 2 آذار (مارس) 2011، الذي طلبت فيه من مجلس الأمن تحمّل مسؤولياته إزاء تدهور الأوضاع في ليبيا. وهو ما قام حلف الناتو باتخاذ إجراءاته للتدخل العسكري، ليس لها علاقة بمبدأ التدخل الإنساني، أو «لأغراض إنسانية». وإذا كان الأخير يستهدف حماية السكان المدنيين خارج دائرة الصراع، فإن التدخل العسكري ضاعف من معاناة السكان المدنيين، الأمر الذي أثار إشكالات قانونية وأخرى عملية.
وقد أدت هذه الاحتدامات السياسية والصراع المسلح لاحقاً الى زيادة الهجرة غير الشرعية للدول الأوروبية وتنامي نشاط تنظيم القاعدة في دول المغرب العربي، وهو ما أشار إليه جيمس ستافريديس قائد قوات حلف الناتو لدى تقديم شهادته أمام مجلس الشيوخ الأميركي. وانعكس ذلك على تهديد أمن الطاقة وانقطاع إمدادات الموارد الحيوية وارتفاع أسعار النفط.
وعلى الرغم من تبدد بعض المخاوف من استمرار ليبيا كدولة موحدة، لا سيما أن بذرة التشظي التي حاول أن يزرعها النظام السابق ظلّت كامنة وقد يحركها التمترس الميداني وحزازات قديمة ومنافسات غير مشروعة، قد تؤدي الى تصدّع الوحدة الليبية أو تفتتتها، ولعل هذا الأمر قد يتماشى مع المخيلة الغربية، خصوصاً بعد تدخل الناتو ومحاولة فرض وصايته بإعادة ولاية برقة (التي كانت تحت الهيمنة البريطانية) وولاية فزّان (التي كانت تحت النفوذ الفرنسي) وولاية طرابلس (التي أقامت بها الولايات المتحدة قاعدة عسكرية) الى نفوذ الناتو على الرغم من وعي المعارضة الليبية ويقظتها، التي كان موقفها موحداً إزاء رفض التدخل الأجنبي الذي يتحمل القذافي ونظامه مسؤوليته بما وصلت اليه الأوضاع، لا سيما إصراره على قمع حركة الاحتجاج ودعوته لمقاتلة الثوار «زنقة زنقة»، وهو الأمر الذي استغله الناتو الذي يستخدم جميع الأوراق تحت خط ماكر هو الأمن الناعم لإدانة وجوده وفرض رؤيته وتأمين مصالحه، ولا يستبعد أن يطالب حلف الناتو الوضع الجديد بالتعويض وبالحصول على امتيازات ومكاسب سياسية وعسكرية واقتصادية، الأمر الذي يحتاج الى تفكر وتدبر ونظرة بعيدة المدى وإرادة سياسية لحماية المصالح الوطنية الليبية، ناهيكم عن ضمان أمن دول المنطقة.
لعل التجربة الليبية للأمن الناعم إذا ما «نجحت» قد تشجع حلف الناتو على الاستمرار فيها أو نقلها الى بلدان أخرى كلما كان ذلك ممكناً!

([) باحث ومفكر عربي ـ العراق



290
المنبر الحر / مصر التي في خاطري
« في: 18:56 05/09/2011  »
مصر التي في خاطري
   

عبدالحسين شعبان
لعل غالبية أبناء جيلي ومن المنشغلين بالهمّ العام تتذكر أغنية كوكب الشرق أم كلثوم “مصر التي في خاطري وفي دمي أحبّها من كل روحي ودمي”، وقد أعادتني الصديقة الكاتبة اللبنانية دلال البزري إلى أجواء تلك الفترة من عنوان كتابها الجديد “مصر التي في خاطري” الذي تناولت فيه بعض مظاهر الحياة الاجتماعية والثقافية المصرية عشية التغيير، لاسيما تراجع مستوى التعليم بما فيه الجامعي ونكوص دور المرأة وانتشار مظاهر استخدام الدين وسيلة للتوظيف السياسي والآيديولوجي والمصلحي، خصوصاً لجهة فرض الحجاب وشيوع بعض الممارسات الغريبة عن جوهر الإسلام، إضافة إلى تدني مستوى الذوق العام والإحساس بالجمال .

والبزري كاتبة وناقدة جادة نحتاج إلى أن نفرد لها قراءة خاصة لهذا الكتاب المثير، لكن أهم ما فيه هو أنها بأسلوب السهل الممتنع ولغتها الرشيقة أعادتنا إلى حدود غير قليلة بما ارتبط بذاكرتنا بشأن مصر، ولعلها حفّزت فينا شكلاً من أشكال الحنين إلى الوعي الجمعي العربي، لاسيما لحضور مصر المتميّز آنذاك، خصوصاً بعد تأميم قناة السويس والتصدّي للعدوان الإنجلو  فرنسي  “الإسرائيلي” عام ،1956 إضافة إلى حملة التضامن العربي الشعبي والتظاهرات التي اندلعت في الوطن العربي من أقصاه إلى أقصاه، دفاعاً ودعماً لمقاومة الشعب المصري .

ومصر التي في الخاطر هي بتاريخها وحضارتها ودورها الريادي، على المستويات الثقافية والفكرية والسياسية والاجتماعية كافة، دولة أقرب إلى الحداثة، وكانت تتطلّع إلى أن تؤدي دوراً كبيراً بحكم ثقلها البشري وموقعها الجغرافي، فضلاً عن مشروعها التحرري على صعيد إفريقيا وآسيا وفي ما بعد أمريكا اللاتينية، خصوصاً أنها كانت قد تركت بصماتها على تأسيس حركة عدم الانحياز في مؤتمر باندونغ عام 1955 التي تحوّلت إلى تيار عالمي واسع باسم عدم الانحياز أو مجموعة ال 77 كما أطلق عليها في السبعينات .

استعدت ذلك وأنا أحضر ندوة دولية، بصفتي خبيراً مستقلاً بالتعاون مع الأمم المتحدة، وقد نظمتها الجمعية المصرية للنهوض بالمشاركة المجتمعية وبالتعاون مع المعهد الدولي للديمقراطية والمساعدة الانتخابية Idea، والمركز العربي لاستقلال القضاء والمحاماة وجامعة القاهرة، وكانت بعنوان: “العدالة الانتقالية في التجارب المقارنة: خارطة طريق لمصر”، كما استذكرت الدور المصري للتضامن مع الحركات التحررية ضد الاستعمار ومن أجل التحرر، لاسيما بخصوص قرار الأمم المتحدة الصادر عن الجمعية العامة رقم 1514 لعام 1960 الذي اشتهر بإعلان تصفية الكولونيالية، وتأييد حق تقرير المصير باعتبار ذلك قاعدة آمرة وملزمة في القانون الدولي Jus Cogens .

مصر التي عرفتها منذ نحو خمسة عقود من الزمان ظلّت في الخاطر، فمنذ شباط/ فبراير، عام ،1965 كنت أزورها باستمرار ولمرات عدّة سنوياً لاسيما خلال ربع القرن الماضي، وكانت الأمور فيها تنتقل من سيئ إلى أسوأ، ابتداءً من فترة الانفتاح الاقتصادي حيث زاد الأغنياء غنىً والفقراء فقراً وبرزت طبقة جديدة من الرأسمالية الجديدة البيروقراطية الطفيلية المتماهية مع الحكم، التي أشاعت فساداً لا حدود له في البلاد، إلى اتفاقيات كامب ديفيد وما تركته من حالة تراجع ونكوص، بل ضعف على مستوى الأمة العربية ككل، في ما يتعلق بمواجهة المشروع الصهيوني، لاسيما بعد حرب أكتوبر عام ،1973 فبدلاً من أن تتحول تضحيات الجيش والشعب المصري وانتصاراتهما العسكرية إلى واقع سياسي جديد لمصلحة الحركة التحررية المصرية والفلسطينية والعربية، لكنها اتجهت في الطريق المعاكس الذي قاد إلى المساومة والتخلي عن الصراع مع العدو الذي لا يزال يحتل ويعتدي ويحاصر ويتنكر لكل ما له علاقة بالشرعية الدولية، وإن كانت بحدودها الدنيا، ناهيكم عن الشرعة الدولية لحقوق الإنسان وقواعد القانون الدولي .

كان إضعاف مصر يعني إضعاف العالم العربي، الأمر الذي سهّل ل “إسرائيل” ومن يشجعها على المستوى الدولي، ولاسيما الولايات المتحدة، الضغط على قيادة منظمة التحرير الفلسطينية والرئيس ياسر عرفات لقبول التفاوض من دون شروط الحد الأدنى، وحصل اتفاق أوسلو عام ،1993 لكن الأمور لم تتحلحل منذ ذلك التاريخ حتى الآن، على الرغم من أن المرحلة النهائية للمفاوضات كانت تنتهي عام ،1999 ولكن اثني عشر عاماً جديداً انقضت ولم يتحقق أي شيء جدّي على الأرض، بل تراجعت “إسرائيل” عن تلك الاتفاقية المجحفة وغير المتكافئة أصلاً .

ومارست “إسرائيل” خلال العقدين الماضيين مناورات ومؤامرات وضغوطاً وعدواناً وحروباً دون أن يؤثر فيها شيء مما سمّي خريطة طريق ما بعد أوسلو في واي ريفير أو كامب ديفيد، فبنت جدار الفصل العنصري على الرغم من أن محكمة العدل الدولية أفتت بعدم شرعيته وبطلانه عام 2004 وقامت بحرب ضد لبنان عام ،2006 وحرب أخرى ضد غزة دامت 22 يوماً في أواخر عام 2008 ومطلع عام 2009 ويستمر حصارها ضد غزة منذ أربع سنوات حتى الآن .

ولعلها أخذت تتجرأ للتدخل في الشأن الفلسطيني، حين أعلنت رفضها لخطة المصالحة بين حماس وفتح، واعتبرتها خطوة لنسف عملية السلام، وكأن السلام بناء قائم، ولكنها بالطبع تقصد مفهومها الخاص للسلام، الذي لا يعني سوى الاستسلام، وهذه المرة تريده استسلاماً من جانب الشعب العربي الفلسطيني وقواه السياسية، سياسياً وجغرافياً، عبر عملية تشطير وتقسيم .

غياب مصر الحاضرة دائماً في العقل الجمعي العربي، سبّب حالة التردي على المستوى العربي، ولعل عودتها اليوم من دون استبداد ومن دون فساد وبتوجّه اجتماعي جديد ودولة قانونية دستورية، قد يعيد شيئاً من العافية إلى الوضع العربي، فمعافاة مصر تعني بداية معافاة الأمة العربية، وإذا كان لا يمكن تصوّر الوطن العربي دون مصر، كذلك لا يمكن تصوّر نهضة للعرب دون استنهاض مصر، وإذا ما نجحت الثورة في مصر فإنها يمكن أن تمتد إلى الوطن العربي والمهم أن تنتصر، أما إذا فشلت أو نكصت عن دورها التاريخي بعد حقبة مزمنة وطويلة من التسلط ونقص في الثقافة الديمقراطية بشكل عام والثقافة الحقوقية بشكل خاص، فإن انعكاسها سلباً سيكون على العالم العربي، وربما على نحو مضاعف .

لعل من أولويات فترة ما بعد سقوط النظام السابق، وضع اللمسات الضرورية للتغيير والتحوّل الديمقراطي وتأثيث الأرضية السياسية والاجتماعية للعدالة الانتقالية، الأمر الذي يحتاج في الظروف المصرية الملموسة إلى تحقيق نوع من التوازن بين مبادئ العدالة من جهة وبين الخشية من الوضع الأمني المنفلت من جهة أخرى، كما أن من أهداف نظام العدالة الانتقالية إرساء وتعزيز الديمقراطية عبر مبادئ سيادة القانون والدولة القانونية القائمة على أخلاقية العدالة الانتقالية، وكذلك كشف جرائم الماضي والتحقق منها بشفافية وحيادية لكي يتم التوصل إلى الإصلاح المنشود، وهذا الأخير ليس وصفة جاهزة يمكن اعتمادها في كل بلد أو استنساخها أو تقليدها، بل لا بدّ من مراعاة الخصوصيات .

وإذا ما استهدفنا الوصول إلى العدالة الانتقالية، فلا بدّ من العمل على بناء ذاكرة وطنية وتقصّي الحقائق، وفي ما بعد كشفها وتعويض الضحايا لجبر الضرر المادي والمعنوي وتهيئة المستلزمات لإصلاح النظام القانوني كي لا يحدث ما حدث في الماضي . ولعل قضية العدالة تحتاج إلى مدافعين عنها وساعين لتحقيقها، فقد تكون للسياسيين حساباتهم الخاصة وأحياناً مساوماتهم، لكن مهمة الحقوقيين أبعد من الكسب السياسي أو الحصول على المواقع أو الانتقام أو الثأر، وإذا غاب من يدافع عن قضية حقوق الإنسان، ضاعت العدالة الانتقالية، الأمر الذي يتطلب معرفة الحقيقة، لاسيما للجرائم وتحديد ماهيتها ووضع ضمانات لعدم تكرارها، ناهيكم عن جبر الضرر وتعويض الضحايا .

وبالطبع فإن الوصول إلى العدالة الانتقالية في وضع معقد ومتداخل وحكم سلطوي طويل الأمد مثل مصر، ليس سهلاً، بحيث يتم كشف جرائم الماضي من جهة والتعويض من جهة ثانية وإصلاح النظام القانوني ضمانة للمستقبل من جهة ثالثة .

وقد أشار خوسيه أنطونيو مارتين بالين أحد الخبراء الدوليين في موضوع العدالة الانتقالية من إسبانيا بالقول: “يمكن التعلم من تجربتنا وكذلك تجنب أخطائنا، والأمر يشمل تشيلي والأرجنتين وجنوب إفريقيا والمغرب والعديد من دول أمريكا اللاتينية وكذلك إفريقيا وآسيا، كما يمكن الاستفادة من تجربة دول أوروبا الشرقية، حيث سارت التجربتان البولونية والهنغارية في طريق الاستمرارية القانونية . أما في ألمانيا الديمقراطية وفي تشيكوسلوفاكيا فقد كان التغيير ثورياً، لاسيما بعد انهيار جدار برلين والتحوّل الكبير في ميزان القوى بنزول الجماهير إلى الشوارع والساحات، حيث اضطرت الحكومتان إلى التراجع، والاعتراف بالمعارضة التي تسلمت السلطة، خصوصاً بعد إجراء انتخابات حرّة وفي إطار التعددية” .

وإذا كان ثمت تحديات تواجه المسيرة الثورية المصرية وتتمثل في صعود التيار الديني ومحاولة فرض اتجاهه على الدولة والدستور والمجتمع، وكذلك بعض المخاوف من حال الانفلات الأمني، وإن كانت محدودة، فالسبيل لوضع حد لها يتطلب عقد اجتماع جديد بين الشباب وتحالفاته التي مثّلت جمجمة الثورة وسواعدها وحطبها وبين القوى السياسية المعارضة، الإسلامية واليسارية والناصرية، وقوى المجتمع المدني، للتوافق على القيم الأساسية المشتركة التي يمكن أن تسير عليها الدولة المدنية المنشودة، ويمكن تحويل بعضها إلى قواعد دستورية ديمقراطية بحيث تأتي منسجمة مع هذه القيم، وفي ذلك ضمانة لعودة مصر لدورها الريادي ولكونها مصدر إشعاع فكري وثقافي وثوري في الآن، وهي مصر التي في خاطري، تلك التي بقينا نبحث عنها طيلة عقود من الزمان .

* باحث ومفكر عربي



291
التزوير «القانوني» وكاتم الصوت العراقي

عبد الحسين شعبان
ولا بدّ من جرد وتدقيق الشهادات من جهة وكذلك استخدام الألقاب المزوّرة، فقسم من الشهادات لم تستوفِ الشروط الدراسية بما فيها للبلد المانح، والقسم الآخر من جامعات غير معترف بها، وقسم منها بواسطة علاقات خاصة ولحسابات سياسية حتى وإن كانت غير منظورة، إذ غالباً ما يتم غض الطرف عن الشهادات الجامعية الأولية أو شهادات الثانوية أو الحضور أو الدوام، أو احتساب بضعة أبحاث لا قيمة لها أحياناً مقابل منح دكتوراه.
> اغتيل الدكتور داود سلمان رحيم مدير عام تصديق الشهادات في وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، الاغتيال حصل في بغداد صباح يوم الأحد 31 تموز (يوليو) الماضي وبواسطة مسدس كاتم صوت، وهو الأداة التي كثرت ضحاياها في الأشهر الأخيرة الماضية. وعلى الرغم من أن قناة العراقية (الرسمية) كانت قد عرضت مجموعة من المتهمين بالقتل بواسطة كاتم الصوت، في وقت سابق، وعلّقت على الصورة ـــ الخبر: إن حوادث الاغتيال بواسطة كاتم الصوت ستختفي، علماً بأنها نسبت الجناة
إلى تنظيم القاعدة الإرهابي، لكن حوادث الاغتيال لم تتوقف، فقبل فترة قصيرة اغتيل عميد كلية طب الجامعو المستنصرية، وبُعيد ذلك جرت محاولة اغتيال لأحد أساتذة كلية الطب البيطري، وهكذا.
وتردد أن بعض أسباب حوادث الاغتيال تعود إلى تزوير الشهادات، تلك الظاهرة التي استشرت على نحو مريع بعد الاحتلال عام 2003، وقيل إن اغتيال الدكتور داود سلمان رحيم ليس بعيداً عن ذلك، فقد طُلب منه من جانب جهات متنفّذة في العملية السياسية، المصادقة على شهادات خريجي المدارس الدينية والحوزة العلمية، واعتبارها معادلة للشهادات الأكاديمية، ولكنه اعتذر عن ذلك وطلب تعليمات رسمية تحريرية من مرجعه الرسمي، وإذا به يتعرّض للتفتيش في منزله ويُسأل عن البطاقة التموينية ورقم سيارته في إجراء استفزازي. ونُقل عنه أنه شعر باستهداف غامض إزاءه، وفسّره بموقفه من موضوع معادلة الشهادات.
وسواءً صحّت هذه الرواية أو لم تصح فلم تنكشف صورة ما حدث، لا سيما من جانب وزارة التعليم العالي، فقد تعرّض الأكاديميون والعلماء العراقيون لعملية تصفية منظمة وغير منظمة، في مسلسل بدأ منذ أكثر من ثماني سنوات ولم يتوقف حتى الآن، خاصة وقد شهد العراق حوادث اغتيال بالجملة، ناهيكم عن هجرة الكثير من العقول الأكاديمية والأدمغة المفكّرة إلى الخارج، خصوصاً خلال موجة التطهير الطائفية عام 2006. ومنذ مطلع عام 2004 اغتيل الدكتور عبد اللطيف الميّاح أستاذ العلوم السياسية في الجامعة المستنصرية، لتكرّ المسبحة ويتساقط العشرات من الأكاديميين والعلماء والأساتذة الجامعيين. وقد نقلت صحيفة الإنديبندنت البريطانية أن هناك أكثر من 200 عالم وأكاديمي عراقي تم تصفيتهم ما بعد الاحتلال، وهو ما وثقه الباحث في محاضرة ألقاها في بيروت في 12 كانون الثاني (يناير) عام 2005 ونشرتها كاملة مجلة "المستقبل العربي"، التي يصدرها مركز دراسات الوحدة العربية، في عددها لأيار (مايو) 2005، وعاد الباحث على مدى الأعوام الماضية إلى مناقشة موضوع استهداف الأكاديميين أكثر من مرّة وأمام جهات عربية ودولية، ثقافية وحقوقية.
وكانت رابطة التدريسيين الجامعيين برئاسة الدكتور عصام الراوي قد عملت على توثيق الاغتيالات وتصنيف اختصاصات الضحايا وفروعهم وأماكن عملهم وتواريخ اغتيالهم، وزاد الرقم عن 350 أكاديمياً وعالماً، ولم يدر بخلد الدكتور الراوي أن اسمه سيكون ضمن القائمة التي عمل على توثيقها وتقديمها إلى الهيئات العلمية والثقافية، وخصوصاً إلى منظمة اليونسكو التابعة للأمم المتحدة، كما طالب المجتمع الدولي، فضلاً عن الحكومة العراقية، بتحمّل مسؤولياتهما إزاء العلماء والأكاديميين العراقيين.
لعل التلاعب والهدر في هذه الثروة العلمية هو أحد أسباب احتلال العراق، لكن التعليم العالي في العراق انحدر منذ عقود من الزمان لأسباب داخلية أيضاً، وهي أسباب سياسية بالدرجة الأساسية ومحاولة توظيفه بما يخدم توجّه الجهات السياسية السائدة. وعلى الرغم من اتساعه بعد ثورة 14 تموز (يوليو) عام 1958 وتعيين العالم عبد الجبار عبد الله، الصابئي الديانة رئيساً لجامعة بغداد، إلاّ أن الثورة حملت سلبياتها معها للتعليم العالي، وقد ارتبط ذلك بما سمّي بـ "قانون الزحف" أي إنجاح من كانوا قد رسبوا في سنة الثورة بقانون غريب، بانتقالهم إلى الصف الأعلى، الأمر الذي مكّن العشرات بل المئات منهم من الانخراط في الجامعات دون مؤهلات علمية، بل إن مؤهلاتهم لا تمنحهم "الأهلية" للانتساب إلى الجامعات، لأنهم لم يتجاوزوا الامتحانات النهائية (البكالوريا) أو أنهم كانوا مكملين بدرس أو درسين.
وفتحت الثورة الباب على مصراعيه لتدخل "الواسطة" في القبول بناءً على تزكيات سياسية وحزبية، وإن كانت المسألة محدودة وخجولة، لكن الأمر اتسع لاحقاً وعلى نحو كبير بعد عام 1968 يوم وصل حزب البعث إلى السلطة مرّة ثانية. وفي المرّة الأولى عام 1963 تم فصل العشرات من الأساتذة الأكفاء أو سحبت أياديهم من الوظيفة أو منعوا من التدريس لأسباب سياسية، بمن فيهم رئيس الجامعة العالم عبد الجبار عبد الله الذي اعتقل وأهين واضطر لاحقاً إلى مغادرة العراق ليستقر في الولايات المتحدة، وفي عام 1963 أيضاً تم سرقة أسئلة البكالوريا (الصف المنتهي للثانوية ـــ الإعدادية) وقيل إنه تم تسريبها للمقربين، الأمر الذي أغرق الجامعة بطلبة غير مستوفين الشروط القانونية.
وإذا كانت سلطة عام 1968 قد أنعشت التوجه الأكاديمي والبحث العلمي، لا سيما في السنوات الأولى، لكنها عادت وضيّقت من هذه القاعدة، بل تحوّلت إلى نقيضها عندما نظمت عملية تبعيث الجامعات والمؤسسات الأكاديمية منذ أواسط السبعينيات من القرن الماضي، ونحّي عشرات الأساتذة الأكفاء من الشيوعيين واليساريين والناصريين ولاحقاً من الإسلاميين وغيرهم ومقابل ذلك جرت عمليات إكراه منظمة لانضمام غالبية الأساتذة إلى الحزب الحاكم، خصوصاً بحصر القبول والدراسات العليا والمنح والزمالات الدراسية والإيفادات وغيرها بيده، وأُقفلت بعض الكليات على الاتجاه السياسي السائد، خصوصاً كليات التربية والتربية الرياضية وأكاديمية الفنون ومعهد الفنون وغيرها، أي تم احتكار القبول فيها للجهة السياسية المتسيّدة. وأرسل الحزب الحاكم بتوجيه أو دون توجيه كجزء من المكانة الاجتماعية والمنزلة الوظيفية الكثير من أعضاء الأجهزة الأمنية والعسكرية والخاصة والملاكات الحزبية إلى الجامعات، حيث أعفوا من شروط القبول، بل أن بعض الأساتذة هو من قام بكتابة أطروحات لبعض المسؤولين أو أبنائهم الذين منحوا درجات امتياز دون وجه حق، أو اعتبار للمعايير الأكاديمية.
وابتُدعت مسألة الدرجات المضافة لأبناء أصدقاء الرئيس لإعطاء أولوية لاختيار الكليات التي يرغبون فيها، وغير ذلك من الاعتبارات التي أضعفت التوجهات الأكاديمية، لا سيما خلال الحرب العراقية ـــ الإيرانية 1980 ـــ 1988، وكذلك فترة الحصار الدولي الجائر 1991 ــ 2003 للاعتبارات السياسية والحزبية والطائفية والجهوية وكدليل على الاستخفاف بالتعليم العالي فقد نصّب حسين كامل وزيراً للتعليم العالي، وإن كان لفترة محدودة وهو نائب العريف شبه الأمي وذلك حين أصبح الولاء السياسي وليس الكفاءة هو الأساس في الحكم.
وعلى الرغم من تنحية قسم كبير من الأساتذة الأكفاء، لكن ذلك لا يعني أن مؤسسات البحث العلمي والتعليم العالي خلت منهم، وهو ما تم استكماله ما بعد الاحتلال بتنحية أعداد كبيرة لسباب سياسية أيضاً وكذلك لاختلاط الأمر بالورقة الطائفية والإثنية التي صعدت على نحو مرتفع بفعل نظام المحاصصة والتقاسم الوظيفي.
وإذا كان المجتمع الأكاديمي في حاجة إلى إصلاح بعد فترات من الحروب والحصار والاستبداد والاحتلال، فإن حمّى الصراع السياسي والطائفي امتدّت إلى الحرم الجامعي في الكثير من المرّات، بدلاً من الحوار والمناظرة والاجتهاد، بل ساد نوع من الإكراه، لا سيما في فرض الحجاب أو منع الاختلاط أو المضايقة عليه أو استهداف المسيحيين أو غير ذلك، وهناك العشرات من الأمثلة الصارخة.
وترافقت عمليات اغتيال واستهداف الأكاديميين مع ظاهرة تزوير الشهادات، ولكن الغريب في الأمر بدلاً من معالجة الظاهرة وملاحقة المرتكبين تردد أخيرا أن في نيّة مجلس النواب إصدار قانون للعفو عن أصحاب الشهادات المزوّرة التي تم اكتشافها. وبتقديري أن هذا الإجراء يعطي للتزوير بُعداً قانونياً حتى وإن تم الاعتراف أنه تزوير، فكيف يمكن الإفلات من العقاب، علماً أن التزوير هو جريمة يحاسب عليها القانون وتتطلب إنزال العقوبات الصارمة بمن يرتكبها، خصوصاً وهو ارتكاب مع سبق الإصرار والترصّد إذا جاز التعبير.
ولعل جريمة التزوير من الخطورة بمكان، فهي لا تتعلق بعمل ارتكب فحسب، بل إن تأثيره سيبقى مستمراً على الجيل الجديد، فضلاً عن الجيل الحاضر، ناهيكم عن سرقة جهد ومثابرة من حصل على الشهادات باستحقاقه وأهليته، "هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون" كما ورد في القرآن الكريم. ولا بدّ من جرد وتدقيق الشهادات من جهة وكذلك استخدام الألقاب المزوّرة، فقسم من الشهادات لم تستوفِ الشروط الدراسية بما فيها للبلد المانح، والقسم الآخر من جامعات غير معترف بها، وقسم منها بواسطة علاقات خاصة ولحسابات سياسية حتى وإن كانت غير منظورة، إذ غالباً ما يتم غض الطرف عن الشهادات الجامعية الأولية أو شهادات الثانوية أو الحضور أو الدوام، أو احتساب بضعة أبحاث لا قيمة لها أحياناً مقابل منح دكتوراه، ناهيكم عن جامعات تم تأسيسها لحسابات سياسية أو دينية أو مذهبية.
لقد حمل الوضع الجديد في العراق ما بعد الاحتلال أمراضه معه، لا سيما وقد سال لعاب الكثيرين ممن يريد أن يصبح وزيراً أو نائباً أو سفيراً أو مستشاراً أو من أصحاب الدرجات الخاصة، أو غير ذلك، واستسهل البعض انتحال صفة أو استخدام لقب أو حتى تزوير شهادة أو الحصول على شهادة دون المستوى المطلوب من الجهد العلمي، ولعل ذلك ما يفسر وجود نحو 2500 شهادة مزورة تم الاعتراف بها، غالبيتها الساحقة من المقربين للحكومة وأنصارها أو منافسيها.
رحم الله الروائي والصحافي العراقي الساخر شمران الياسري " أبو كَاطع" حين كتب مقالة ووضع أمام اسمه حرف (د.) أي "دكتور" وعندما سُئل قال: بلابوش دنيا: فلاّح ودكتور على عناد الميرضة (الذي لا يرغب) وكان في ذلك جزء من الرد الساخر على الكثرة التي حملت الدكتوراه دون مؤهلات كافية فعسى أن نتفكر في رد الاعتبار للتعليم والبحث العلمي الذي شهدت سنوات الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي في العراق ازدهاره.


292
صالح جبر وسعد صالح : التاريخ وصداقة الأضداد

الكاتب: الدكتور عبد الحسين شعبان


حين يكون الصراع نظيفا والخلاف رزيناً
كثيراً ما يحصل الإلتباس بين إسم سعد صالح جريو وزير الداخلية الأسبق ولاحقاً إسم سعد صالح جبر نجل صالح جبر رئيس الوزراء العراقي الأسبق، وقد كان صالح جبر صديقاً حميماً لسعد صالح قبل اختلافهما المبدئي وافتراقهما التاريخي، مع بقاء الصداقة الشخصية والعائلية قائمة بينهما. وقد أطلق صالح جبر إسم "سعد" على نجله، وقيل أن ذلك تيمّناً بسعد صالح صديقه، وكان سعد صالح قد أطلق إسم "صالح" على أحد أولاده وقيل الشيء ذاته تأثراً بصداقته بصالح جبر، إضافة الى إسم والده "صالح" وقد فارق الأخير الحياة مبكراً. وكان سعد صالح جبر غالباً ما يستذكر علاقة والده بسعد صالح، ويتندّر أحياناً حول الإلتباس الذي يحصل، مثلما كانت عائلة سعد صالح (جريو) قد تعرّضت أكثر من مرّة للسؤال عن علاقتها بسعد صالح جبر بسبب الإلتباس أو التشابه في الأسماء، لاسيما عندما بدأ نشاطه يزداد في المعارضة في ثمانينيات القرن الماضي في لندن.
درس صالح جبر وسعد صالح في كلية الحقوق، وكانا قد سكنا في فندق واحد عند الجسر القديم في الرصافة، حيث جاء سعد صالح من النجف، أما صالح جبر فقد جاء من الناصرية، والفندق متواضع وفيه بعض المكاتب، منها مكتب داود السعدي، الذي كان صاحب جريدة " دجلة" ومكتب سامي خوندة "جريدة الرافدان". لكن تلك الصداقة الشخصية لم تدم بسبب بعض العواصف السياسية، لاسيما بعد أن أصبح لسعد صالح وصالح جبر شأن بالحياة العامة الادارية والسياسية.
وعن علاقة صالح جبر بسعد صالح تقول ثمينة ناجي يوسف (زوجة سلام عادل الأمين العام للحزب الشيوعي الذي أعدم العام 1963) بأن الاثنين تميّزا وقتها بالوطنية والكفاءة والنزاهة، ولم يثلم من سمعة صالح جبر أي شيء حتى عام 1941، ولعلها تقصد وقوفه ضد حركة رشيد عالي الكيلاني والعقداء الأربعة، ومساعدة الوصي عبدالاله على الهرب. يومها كان صالح جبر متصرف لواء (محافظة) البصرة، وعندما حدثت حركة العام 1941 هرب الوصي عبد الاله الى الديوانية، أملاً في مساعدة الفرقة الأولى، لكن الفرقة تمرّدت على أمر اللواء، الذي اتّصل بصالح جبر طالباً مساعدته في إنقاذ الوصي، وتم بالفعل نقله الى البصرة حيث خرج بواسطة زورق بخاري منها، وعاد بعد بضعة أسابيع مدعوماً من الجيش البريطاني الذي استعاد احتلال العراق مرة أخرى وبقي فيها حتى نهاية الحرب العالمية الثانية.
وبغض النظر عن الرؤية الشخصية لكل من صالح جبر وسعد صالح، بشأن الموقف الذي كان يمكن اختياره، الاّ أن هذه الحادثة على ما يبدو أسهمت في فتور العلاقة وانقطاعها وتحوّلها الى نوع من العداء السياسي، ووقتها كان الاثنان يشغلان منصب المتصرفين للوائين مهمين. ويذكر شاكر علي التكريتي، ان الخلاف بين سعد صالح وصالح جبر تطور، لاسيما في ظل وزارة حمدي الباجه جي الأولى، حيث كان مصطفى العمري وزيراً للداخلية ، أما وزير المالية فكان صالح جبر، وقد شن سعد صالح هجوماً شديداً في البرلمان على وزارة الباجه جي.
ويقول التكريتي أنه وبحكم وظيفته فقد حضر تلك الجلسة التاريخية الصاخبة في البرلمان، وقد أمر أحمد زكي الخياط مدير الدعاية العامة عدم نشر خطاب سعد صالح ما لم تُنشر معه ردود الحكومة، لاسيما ردّ رئيس الوزراء ووزيري الداخلية والمالية، الاّ أنه حسبما يقول سمح بنشره في جريدة البلاد لصاحبها روفائيل بطي، في حين امتنع ناجي القشطيني عن نشره في جرائد المساء.
وعلى الرغم من الخلاف السياسي الذي اتّسع بعد حركة السنة 1941 واندفاع صالح جبر ضد أقطابها وفيما بعد خلال وزارة حمدي الباجه جي ومن ثم عند استيزار سعد صالح مروراً بتباعد الموقف من المعاهدة العراقية- التركية العام 1947 وصولاً الى معاهدة بورتسموث المعروفة بإسم جبر-بيغن، فإن العلاقة الشخصية على فتورها ظلّت قائمة ولم تنقطع رغم الافتراق، وكان الخلاف رزيناً وموقّراً حتى وإن إكتنف على بعض التراكمات الشخصية حسبما يذهب الى ذلك بعض الأصدقاء أو المعارف المشتركين ولعل ذلك أمراً طبيعياً، لاسيما عندما تذبل العلاقة بين صديقين.
ويقول عبد الكريم الازري إن خلافات سعد صالح كانت نظيفة بما فيها خلافه مع صالح جبر ويعلّق الازري بقوله "الاختلاف لا يفسد في الود قضية" وهو ما ينطبق على اختلافات وخلافات سعد صالح وصالح جبر، فقد كان اختلافهما اختلافاً مصحوباً بالاحترام بعد صداقة عميقة وقوية، بل وتاريخية، لذلك أحجم الاثنان عن التعليق على اختلافاتهما على الرغم من مواقفهما المتباينة إزاء الاحداث كما هو معروف، فبينما اتّجه صالح جبر الى توثيق علاقته مع البلاط وعبدالاله، اتّجه سعد صالح الى تعزيز علاقته مع المعارضة، حيث كانت إجازة أحزابها الخمسة عندما كان وزيراً للداخلية بمثابة تعاهد جديد بينه وبينهما.
ويروي المحامي لؤي سعد صالح نجل سعد صالح أنه كان قد شارك في تظاهرة العام 1952 (انتفاضة تشرين) وكانت التظاهرة متجهة إلى جسر الأحرار (حالياً) وقرب تمثال الملك فيصل، حيث فوجئ كما يقول "بأن شخصاً رفعني بشدة ووضعني في سيارة فإلتفت الى الجالس بجانبي، فوجدته المرحوم صالح جبر"، فصرخت " هاي منو عمي": وكنت أناديه إحتراماً له الاّ أنني في نفس الوقت كنت أهتف لا ارادياً بسقوط نوري الدين محمود ونوري السعيد وصالح جبر، فأخذ رحمه الله يضحك وقال لي " ميخالف خلّي يسقط صالح جبر، بس إمشي واياي أوديك لأمك" ( نعم ليسقط صالح جبر ولكن عليّ أن أوصلك الى والدتك).(حديث خاص مع الكاتب).
كان صالح جبر على الرغم من تطلعاته أقرب الى المحافظة بحكم اقتراب بيئته من الريف (الناصرية)، أما أجواء سعد صالح فقد كانت أقرب إلى الحداثة وأكثر ميلاً الى التمرّد، بحكم بيئة النجف القادم منها، لاسيما بمواصفات ذلك الزمان، وكلاهما إختارا الوظيفة العامة وسيلة للعيش والعمل والخدمة العامة، كما أن كليهما كانا قريبين من موقع السلطة وتدرّجا فيها وعملا متصرفين (محافظين) وكانا عضوين في مجلس النواب، لكن الخلاف دبّ بينهما أو اشتدّ بسبب انحياز صالح جبر لمواقف الوصي عبدالاله وخصوصاً موقفه ضد حركة السنة1941، واقطابها، حيث ارتفعت موجة القمع ضد المؤيدين لها، خاصة من التيار القومي العربي، الذي كان "بعض" قياداته ممالئاً للألمان في حينها أو متعاوناً معهم، باعتبارهم ضد البريطانيين.
لقد اندفع فريق من السياسيين وفي مقدمتهم الوصي عبدالاله ونوري السعيد وصالح جبر وغيرهم في ملاحقة أعضاء الحركة وتوّجت حملتهم بإعدام العقداء الأربعة، خصوصاً بعد هرب رشيد عالي الكيلاني وعدد من أنصاره، قسم منهم الى إيران ومنها إلى تركيا، ثم الى ألمانيا، والقسم الآخر ضمّتهم السجون والمعتقلات. وقد وقف سعد صالح "ناصحاً" للحكومة وللبريطانيين داعياً إياهم التوقف عن حملة الاعتقالات وعدم توسيع رقعة اجراءات الملاحقة، لأنها ستعود بردود فعل سلبية على الحكم، ويوم كان متصرفاً في لوائي المنتفك (الناصرية) والحلة وقف ضد اعتقال المؤيدين لحركة العام 1941، معتبراً موقفهم جزءًا من موقف الدولة، والحكومة التي دخلت حرباً مع بريطانيا، أما وإن الحال قد تغيّرت، فإنه لا ينبغي ملاحقة هؤلاء الذين قاموا بواجبهم.
ولم يخلُ موقف سعد صالح من اعتبارات انسانية، فحين أقيمت الفاتحة على روح الشهيد صلاح الدين الصباغ من العقداء الأربعة وأحد أبرز قادة حركة العام 1941،في دار الدكتور عبد الحميد الطوخي (مصري الجنسية وزوجته سورية) وكانت مخصصة للنساء، أولمَ (أقام وليمة عشاء) سعد صالح وعقيلته كما تجري العادة في اليوم الثالث من الفاتحة، وكانت الأواني تنقل من دارهما الى دار الطوخي وهو الموقف الذي أغضب المسؤولين الذين اعتبروه تعاطفاً مع الحركة .
ولعل الأمر الذي سعّر من نار الخلاف هو قيام سعد صالح بدور المحرّض ضد حكومة الباجه جي في البرلمان، حيث ألقى عدداً من الخطب تندد كلّها بالوزراة وتنال من الباجه جي وصالح جبر بطريقة ساخرة، ولا يستبعد أن يكون سعد صالح أحد المحرّضين أو المشجعين للجواهري فضلاً عن المستلطفين لقصيدته " أي طرطرا" الشهيرة، التي نظمت العام 1945، لكن الجواهري لم ينشرها الاّ عندما تولىّ سعد صالح وزارة الداخلية في العام التالي، وقد حاكت هذه القصيدة الساخرة في الوزن "القصيدة الدبدبية" المشهورة في العهد العباسي، ولعل فيها يضرب الجواهري على الوتر الحساس الذي كان هو وسعد صالح من أنصاره وهو الوطنية العراقية وفكرة المواطنة العابرة للطوائف والإثنيات حيث يقول فيها :
إيْ طرطرا تطرطري
تشيَّعي تسنّني
صالحة " كصالح"
تقدّمي، تأخّري
تهوَّدي تنصَّري
عامرة " كالعمري"
وقد روينا في كتابنا " الجواهري- جدل الشعر والحياة" قصة نشر هذه القصيدة من خلال علاقة الجواهري بسعد صالح، لاسيما بعد نشر القصيدة واحتمائه به. وازداد التباعد والافتراق بين صالح جبر وسعد صالح حين اختار الأخير الوقوف الى جانب الحريات، بل ودفع ثمناً باهظاً بسبب مواقفه المتشددة، رغم اعتداله، في مسألة إطلاق سراح المعتقلين واغلاق المعتقلات وإصدار قوانين بخصوص حرية الصحافة وإجازة خمسة أحزاب (أربعة منها في خانة المعارضة) لاسيما الراديكالية، والحزب الخامس، أبحر به سعد صالح بعد استقالة وزارة السويدي وانسحابه من الحزب، باتجاه المعارضة، وكان أحد أصواتها المهمة، بعد أن أريد له أن يكون أقرب الى السلطة، لاسيما في قضية المعاهدات والاتفاقيات، وخصوصاً موقف سعد صالح المعاكس تماما لموقف صالح جبر من الاتفاقية العراقية- التركية العام 1947 وموقفه من معاهدة بورتسموث العام 1948.
وعلى الرغم من مرض سعد صالح الاّ أنه لم يدّخر وسعاً في التصدي لمعاهدة بورتسموث، ويوم جاءته الجماهير الى بيته مطالبة منه إتخاذ موقف خرج لها من شرفته وحيّاها، وتذكر ذلك كريمته السيدة نوار التي تقول أنها كانت تمسك بذيل " روبه "، كما أنّب كريمته سلمى لأنها عادت دون أن تشارك في التظاهرات ضد المعاهدة، التي انطلقت من عدد من المدارس في بغداد، ومنها مدرستها " مدرسة الكرخ".
وحينما اشتدَّ الخلاف مع صالح جبر سعى سعد صالح، وحينها كان متصرفاً للواء الناصرية إلى تشكيل جبهة من متصرفي الألوية للوقوف ضده،ويومها كان جبر وزيراً للداخلية، ويروي القاص جعفر الخليلي أنه كان مدعوًّا عند الشيخ محمد حسن حيدر في سوق الشيوخ، فاستبقاه سعد صالح عنده في الناصرية لقضاء ليلة هناك، وكان قد جاء عبدالله القصاب من الديوانية بناءً على دعوة سعد صالح، وعلى مائدة العشاء جرى الحديث بين سعد صالح والقصاب عمّا ينبغي أن يقوما به للحد من تصرفات صالح جبر في الادارة، وقال سعد صالح أنه مطمئن من أن عبد الهادي الظاهر "متصرف الحلة" وعبد الرزاق عدوة " متصرف العمارة" وربما عبد الحميد عبد المجيد " متصرف البصرة" أيضا سيكونون متفقين تمام الاتفاق في الوقوف معهما في وجه صالح جبر. ويشير طه الهاشمي رئيس الوزراء العراقي الأسبق الى خلاف سعد صالح وصالح جبر ويقول أن الأول قوي بالجماعات الملتفة حوله.
لم أعثر خلال تدقيقاتي على أسباب شخصية للخلاف، باستثناء إشارة لا قيمة لها، لكنني في كل ما قرأت ودققت وسمعت وقابلت، كنت أرى احتراماً وصداقة وإنْ توقفت أو تعثرت بين الرجلين، مع افتراق الموقف السياسي بل وتعارضه بشدة. وما أن توفّي سعد صالح، فقد طوى صالح جبر الخلاف، وكان يحضر لعدة مرّات للسؤال عن عائلة سعد صالح وللاطمئنان عليها، ويذكر لؤي سعد صالح انه حضر تشييع صالح جبر، عندما سمع بوفاته وأن والدته كانت قد بكت عندما سمعت خبر وفاة صالح جبر(1957) .
ولعل هذا دليل آخر على نظافة العلاقات الشخصية وتنزيه الخلاف من الأغراض الخاصة، في حين أن الخلاف الوطني والسياسي كان على أشدّه.



293
دولة فلسطين واعتراف الأمم المتحدة
   
 
عبدالحسين شعبان
 أثارت الانتفاضة الفلسطينية (أواخر العام 1987) والتي استمرت الى العام 1993 قضية إعلان الاستقلال والاعتراف بدولة فلسطين ضمن حدود العام ،1967 وتوصلت منظمة التحرير الفلسطينية (م .ت  .ف) الى بلورة هذا الموقف في اجتماعات المجلس الوطني (الدورة التاسعة عشرة الطارئة) في الجزائر في 15 نوفمبر/تشرين الثاني ،1988 وذلك بصيغة قانونية أطلقت عليها “إعلان الاستقلال”، وخلال فترة قصيرة اعترفت بالدولة الفلسطينية واستقلالها ما يزيد على100 دولة .

 وجاء في إعلان الاستقلال “ . . . واستناداً إلى الحق الطبيعي والتاريخي والقانوني للشعب العربي الفلسطيني في وطنه فلسطين وتضحيات أجياله المتعاقبة دفاعاً عن حرية وطنهم واستقلاله وانطلاقاً من قرارات القمم العربية ومن قوة الشرعية الدولية فإن المجلس الوطني يعلن قيام دولة فلسطين فوق أرضنا وعاصمتها القدس الشريف” .

 وإذا كان إعلان الاستقلال قد ترافق مع تصاعد الانتفاضة الفلسطينية فإن ذلك سلّط الضوء مجدداً على الانتهاكات الخطيرة والجسيمة لحقوق الإنسان الفلسطيني، مما حدا بالدورة الخامسة والأربعين للجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة إصدار قرار يدين “إسرائيل” لخرقها المستمر لحقوق الإنسان ولاتفاقيات جنيف لعام 1949 المتعلقة بحماية الأشخاص المدنيين وقت الحرب، باعتبارها تشكّل “جرماً مخلا بسلم الإنسانية” و”خرقاً لمبادئ القانون الدولي” فضلاً عن كونها “جرائم حرب” .

 إن إعلان ولادة الدولة الفلسطينية في 15 تشرين الثاني (نوفمبر) 1988 ترافق أيضاً مع صدور ثلاثة قرارات دولية مهمة من مجلس الأمن هي القرارات رقم 605 و607 و608 التي اعترفت بكون الأراضي الفلسطينية (التي تحت الاحتلال “الإسرائيلي”) أراضي محتلة، الأمر الذي يطرح مستقبلها السياسي، خصوصاً ما أعلنته م .ت .ف مؤخراً من رغبتها في التقدّم بطلب الى الجمعية العامة للأمم المتحدة للاعتراف بدولة فلسطين ضمن حدود 1967 كدولة عضو في الأمم المتحدة، وهكذا يصبح مستقبل الضفة الغربية وقطاع غزة والقسم الشرقي من القدس (المحتل عام 1967 والذي أعلنت “إسرائيل” ضمّه اليها بموجب قرار الكنيست عام 1980) موضوع إشكال جديد في ما يتعلق بالحدود الجغرافية للدولة الفلسطينية التي يفترض أن تعترف بها الأمم المتحدة .

 وكان رد فعل واشنطن الأولي أن هددت بإحباط هذا المسعى، أما “إسرائيل” فقد لوّحت باتخاذ عقوبات ضد السلطة الفلسطينية، ولم تظهر ردود فعل مغايرة للتوجهات “الإسرائيلية” - الأمريكية أوروبياً، في حين لا زال التحرك العربي والإسلامي “بارداً” إزاء ما تنوي م .ت .ف القيام به في معركتها الدبلوماسية لنيل اعتراف الأمم المتحدة .

 وبغض النظر عن التأثير المباشر أو غير المباشر للحصول على الاعتراف القانوني الكامل  De Jure  من جانب الأمم المتحدة بالدولة الفلسطينية، فإن ثمة عقبات قانونية تحاول “إسرائيل” زرعها أمام التحرك الفلسطيني . ولعل العقبة الأولى التي تتعكز عليها “إسرائيل” أن الضفة الغربية كانت تحت الهيمنة الأردنية وأن قطاع غزة كان تحت السيطرة المصرية، وأن “إسرائيل” دفاعاً عن النفس اكتسبت هذه الأراضي، وهو ما تذهب إليه المدرسة “الإسرائيلية” الصهيونية .

ولا تحتاج هذه الفرضية غير القانونية الى عناء كثير لدحضها، فالأراضي الفلسطينية لم تكن قفراً (أي أرض بلا شعب) كما أن الوجود الأردني أو المصري في أراض فلسطينية عربية، لم يكن تجاوزاً لقرار التقسيم رقم 181 لعام 1947 (عدا ما حصل في القدس) ولعل قول “إسرائيل” إنها اكتسبت هذه الأراضي في حرب دفاعية لا يجد له سنداً في القانون الدولي، على حد تعبير الدكتور أنيس فوزي القاسم، حيث لا يمكن اكتساب الأراضي بالقوة، وهذه قاعدة قامت عليها الأمم المتحدة واستند إليها ميثاقها .

أما العقبة الثانية التي تتعكز عليها “إسرائيل” فهي “أل” التعريف والخلاف الذي ثار حول انسحاب “إسرائيل” من “أراض محتلة” وليس “الأراضي المحتلة”، وهناك خلاف بين النص الانجليزي والنصوص الفرنسية والإسبانية والروسية والصينية حول “أل” التعريف، علماً بأن لهذه النصوص الحجية القانونية نفسها، باعتبارها لغات رسمية ومعتمدة في الأمم المتحدة، ولهذا فإن القرار رقم 242 الصادر عن مجلس الأمن في حزيران/يونيو 1967 ينسجم مع ميثاق الأمم المتحدة الذي لا يجيز اكتساب أراضي الغير بالقوة، وهو ما ذهبت إليه القرارات الثلاثة المشار اليها، فضلاً عن قرار محكمة العدل الدولية الاستشاري الصادر في عام 2004 بشأن مسألة “جدار الفصل العنصري” حين أكدت المحكمة أن “الأراضي الفلسطينية المحتلة” هي تلك الواقعة بين خط الهدنة لعام 1949 وحدود فلسطين التاريخية من الناحية الشرقية .

 وإذا كانت الفرضيات “الإسرائيلية” غير قانونية ولا تنسجم مع قواعد القانون الدولي المعاصر وميثاق الأمم المتحدة، ناهيكم عن تطورات فقه القانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان، فإن طلب التقدّم لعضوية الأمم المتحدة تواجهه عقبات من نوع آخر وإن كان ينسجم مع مبدأ حق تقرير المصير وقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة حول تصفية الكولونيالية رقم 1514 لعام  1960 .

العقبة الأولى هي احتمال اصطدام الطلب بالفيتو الأمريكي أو البريطاني أو الفرنسي، ولهذا فإن الفشل قد يصيبه . أما العقبة الثانية فتتعلق بالإجراءات “الإسرائيلية” ضد السلطة الفلسطينية لمنعها من تحقيق أي نجاح حتى وإن كان إجرائياً أو شكلياً، وللسبب ذاته فقد شنت حملة شعواء ضد تقرير غولدستون، بل وأجبرته لاحقاً على التخلي عنه، على الرغم من أن ذلك لا يغيّر شيئاً في حقيقة إدانة انتهاكات “إسرائيل” لقواعد القانون الدولي وحقوق الإنسان الفلسطيني، وخصوصاً حربها المفتوحة ضد غزة والتي دامت 22 يوماً وفرضها حصاراً جائراً ضدها منذ ما يقارب أربع سنوات .

 وبغض النظر مرّة أخرى عن آفاق قبول أو عدم قبول دولة فلسطين في الأمم المتحدة، فإن الإشكالات الأساسية ستبقى من دون حل، سواءً قضية اللاجئين والمستوطنات أو الحدود والقدس والمياه، والأهم من ذلك كلّه هو اتفاقيات أوسلو التي مضى على توقيعها ما يقارب 20 عاماً ووصلت الى طريق مسدود منذ ما أطلق عليه مفاوضات الحل النهائي في العام ،1999 الأمر الذي كان سبباً أساسياً في اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية في 28 أيلول (سبتمبر) العام 2000 .

 وطالما استمر الموقف “الإسرائيلي” العدواني من دون أية حلحلة، ومعه الموقف الأمريكي الذي بدا أكثر تشدّداً بشروط الرئيس أوباما الفلسطينية، فإن الرهان على عضوية الأمم المتحدة لن يغيّر شيئاً على الرغم من الحديث عن العودة الى حدود العام ،1967 وهذه الشروط هي: الشرط الأول الاعتراف ب “إسرائيل” كدولة يهودية “نقية” والشرط الثاني رفض الاتفاق بين فتح وحماس والشرط الثالث هو عدم السماح بانتقاد “إسرائيل” في المحافل الدولية، وهي شروط غريبة وتعبّر عن انحياز مع سبق الإصرار ل “إسرائيل”، التي يريد الرئيس أوباما من المفاوض الفلسطيني الجلوس معها على طاولة المفاوضات، وهي المواقف التي سيتم التعبير عنها عندما يتم عرض موضوع قبول دولة فلسطين في الأمم المتحدة .

باحث ومفكر عربي


294
الربيع العربي واستنساخ التجارب!

عبد الحسين شعبان

لا ثورة تشبه أخرى ولا شعب يشبه شعباً آخر، وإن كان هناك مشتركات بين الشعوب والمجتمعات، لكن لكل منها خصوصيتها، التي لا بدّ من أخذها بنظر الاعتبار عند الحديث عن تطورها السياسي والاجتماعي والاقتصادي.
ولعل هذه المسألة تكاد تكون مطروحة على نحو شديد فيما يتعلق بالربيع العربي والانتفاضات الشعبية، وإذا كان ثمة تأثيرات وتفاعلات وانعكاسات بين التجارب المختلفة، لا سيما الكبير منها وخصوصاً الناجح فيها، إلا أن لكل تجربة نكهة خاصة ومذاقا مختلفا، بحكم التطور التاريخي واصطفافات القوى والطبقات الاجتماعية والدينية والإثنية وتنوّع الفعاليات والأنشطة السياسية والفكرية، ناهيكم عن المشكلات المتراكمة.
يمكن القول إن الجامع للتطورات الشعبية وأسبابها يتلخّص في شح الحريات وهدر الكرامة الإنسانية لأنظمة استبدادية، ناهيكم عن استشراء الفساد المالي والإداري. إنها باختصار اختلال وسوء علاقة الحاكم بالمحكوم، حيث تغيب أية فسحة للمحكومين لاختيار الحاكم واستبداله على نحو دوري، حر ونزيه، الأمر الذي جعل الأنظمة تترهل وتشيخ وتفقد أية حيوية أو فاعلية سياسية أو اجتماعية، مما راكم الشعور بالاستلاب والغبن وفقدان الحقوق، بل والتجاوز على أبسطها.
إن عملية تقليد أو تكرار نموذج ما ستكون تشويهاً للنموذج أولاً، مثلما هي زرع بذرة في بيئة غير صالحة ليس بإمكانها النمو وإن حصل لحين، فلعل المستقبل يكون محفوفاً بالمخاطر، وقد يضيع معه الزمن والجهد والموارد دون طائل أو جدوى تذكر.
حاولت الثورات الاشتراكية السير في هدى الثورة الروسية الاكتوبرية، وقامت باستنساخ التجربة، لكنها وصلت بعد حين إلى طريق مسدود، مثلما كانت التجربة الأصل تعاني من تحديات ومشكلات انعكست على التجارب الفرعية الأخرى، كما حاولت بلدان ما أطلقنا عليه "التحرر الوطني" إعادة استنساخ أو تقليد التجارب الاشتراكية، لكنها هي الأخرى انهارت، لا سيما عندما انهار النموذج الأصل، الأمر الذي لا بدّ من أخذه في الاعتبار، وحاولت بعض البلدان العربية تقليد نموذج الثورة المصرية الناصرية وتجربتها السياسية، لكنها في واقع الحال كانت عبارة عن تشويهات لتجربة لها خصوصيتها ولها مشكلاتها وتحدياتها، وإذا كانت لم تفقس بيضة التجارب الأولى، فما بالك بالتجارب اللاحقة الصغيرة.
لكن قراءة التجارب العالمية والعربية واستلهام دروسها وعبرها أمر ضروري لتحصين التجارب الخاصة دون انغلاق، مثلما هو دون تقليد أعمى أو استنساخ مشوه، والأمر يتطلب عقدا جديدا لكل مجتمع بين القوى والفعاليات المؤثرة، لتنظيم علاقة الحاكم بالمحكوم، ومن جهة أخرى لوضع قواعد قيمية قد يكون بعضها ما فوق دستوري، وقد يندرج بعضها في الدستور يتم فيه تأكيد واحترام القيم والقواعد دون لبس أو غموض، وهي قواعد لا يمكن استبدالها أو اللعب بها، باسم الأغلبية أو المظلومية أو قرارات البرلمان أو غير ذلك، لأن أي إخلال بها سيمس النظام الديمقراطي ومحتواه ويؤثر في سير عمله ومستقبله، ولهذا تضع بعض الدساتير مواد جامدة لا يمكن تغييرها أو استبدالها بسهولة إلا ضمن ضوابط معقدة وفترات زمنية قد تطول وتوافقات تكاد تقترب من الإجماع أحياناً، لكيلا تلجأ إحدى القوى إلى العبث بالدستور أو استخدامه لتحقيق أغراضها الأيديولوجية أو توجهها الفكري أو الديني أو الطائفي أو الفئوي.
وبقدر احترام الخصوصيات والتمسك بها، فالأمر يحتاج إلى الاطلاع على التجارب ودراستها، ولعل شباب وقوى الربيع العربي، في حاجة إلى مثل هذه التجارب، لاستكمال تصوراتهم حول العقد الاجتماعي الجديد في كل مجتمع، ناهيكم عن طبيعة التغيير والتحوّل الديمقراطي المنشود.
اطلعت أخيرا على تجربة مهمة، كنت قد عشت بعض فصولها، وأعني بذلك التجربة التشيكية، فيوم حصل الانعطاف باتجاه التحوّل الديمقراطي كنت في براغ وقد احتشدت الجماهير المحتقنة على مدى عقود من الزمان، لترفع أبسط الشعارات وأكثرها عمقاً في الوقت نفسه: نريد حواراً، نطالب بالتعددية، نريد حرية، وكانت هذه الشعارات كافية لتطلق العنان لقوى وجماهير ظلّت صامتة لسنوات طويلة لتتحرك وتنزل إلى الميدان ويضطر معها الحاكم إلى الرضوخ.
الكتاب الذي اطلعت عليه بعنوان "التجربة التشيكية" في التحوّل الديمقراطي" أعادني إلى عقدين ونيف من الزمان، حيث كان من المؤمل أن تنتقل انتفاضات أوروبا الشرقية إلى دول جنوب البحر المتوسط، لكنه للأسف لم يحصل ذلك بسبب المصالح الدولية ووجود إسرائيل والنفط اللذين كانا ولا يزالان العنصر الأكثر إثارة في معادلات التغيير، لا سيما في ظل التداخلات الخارجية ومحاولات القوى المتنفذة في العلاقات الدولية، استثمار ذلك لصالحها بعد أن فوجئت بما حصل في تونس ومصر، وخصوصاً سرعة انهيار النظامين.
ضم الكتاب آراء خبراء ومسؤولين تشيك سابقين، شرحوا كيفية الانتقال الديمقراطي والانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وإعادة تشكيل الحياة السياسية التعددية وذات التنوّع الثقافي واعتبار صندوق الاقتراع هو الحكم، وهو فيصل الشرعية الدستورية، وتوضّح التجربة التنازلات المتبادلة التي قدّمتها القوى السياسية بعضها للبعض الآخر للتوصل إلى توافقات وإجراء انتخابات حرة وتهيئة المستلزمات للتحوّل الديمقراطي، ثم حصل الانفصال المخملي بين التشيك والسلوفاك في الأول من كانون الثاني (يناير) 1993. ويشرح الكتاب النجاحات والإخفاقات في الميدان الاقتصادي، لا سيما الخصخصة، ونشوء مظاهر جديدة للفساد بعد انهيار النظام الشمولي السابق، لكن وجود مساءلة وشفافية حدّ منه على نحو كبير. كما يعرض الكتاب تجربة التعامل مع النخب السياسية الحاكمة سابقاً وكيفية تمتعها بحقوقها دون عزل أو إلغاء أو إقصاء، بما فيها إعادة بعض ممتلكاتها إليها، على الرغم من تجريم بعض رموز النظام السابق وتأكيد عدم قانونيته ولا شرعيته، لكن ذلك لم يمنع من وجود ممثلين عن الحزب الشيوعي السابق في البرلمان، لا سيما وقد تم انتخابهم.
ويعرض الكتاب مقارنة بين التجربة التشيكية والألمانية (الديمقراطية) في ملاحقة المرتكبين وفي سياسة ما يطلق عليه "العدل العقابي" على ارتكابات الماضي ويشير إلى أن أول وأهم تغيير بدأ من الدستور التشيكي حين تم إلغاء الفقرة الخاصة بالدور القيادي للحزب الشيوعي في المجتمع، وذلك حين صوّت البرلمان المنتخب على حذفها، وكانت نحو عشرة موضوعات قد تم استبدالها في الدستور التشيكي تمهيداً لأول انتخابات عام 1990، ولعل هذه التغييرات كانت ضرورية لوضع لبنات عقد اجتماعي جديد، وقد تمت على نحو تدرّجي تمهيداً لوضع قوانين ديمقراطية بدلاً عنها، خصوصاً ما يتعلق بحرية التعبير وحق التنظيم والحق في المشاركة.
إن دراسة التجارب العربية والعالمية والاطلاع على نقاط قوتها ونقاط ضعفها أمر ضروري لأية تجربة سياسية جديدة، لكن ذلك لا يعني استنساخ التجربة أو تقليدها، بل الاستفادة من الخبرة العامة المتراكمة بمراعاة الخصوصية والتطور التاريخي لكل بلد في إطار القيم والمثل والمشترك الإنساني، سواءً كانت هذه التجربة عربية أو أجنبية.




295
المفكر العراقي والباحث في الشؤون السياسية الدكتور عبد الحسين شعبان لـ" الصدى":
القوى المخلوعة والمحافظة تهدد الثورة .. وحذار من التصدع!

نظمت مؤسسة " صالحة لدراسات التنمية والبيئة يوم السبت 23 جويليه الجاري لقاء إعلامياً حول " دور الثورة التونسية في إنهاض المشروع الحضاري العربي" ينزل المشتل في العاصمة، ودام هذا اللقاء طيلة الفترة الصباحية من الساعة العاشرة الى الواحدة بعد الزوال. وكان من بين الحاضرين في قاعة الاجتماع بعض الوجوه الإعلامية والحقوقية والسياسية.
في البداية عرّف السيد خالد شوكات بهذه المؤسسة التي يرأسها مبيناً أنها منظمة غير حكومية تعنى بتقديم دراسات علمية واستراتيجية حول قضايا التنمية ومشاكل البيئة بالتعاون مع منظمات المجتمع المدني والأحزاب وهياكل الدولة المتعلقة بهذا المجال ثم انتقل بعد ذاك الى تقديم المحاضر والمفكر العراقي د. عبد الحسين شعبان. فذكر أنه من مواليد سنة 1945 بالنجف الأشرف بالعراق ومتحصل على درجة الدكتوراه في فلسفة القانون من أكاديمية  العلوم التشيكوسلوفاكية وهو عضو باتحاد المحامين العرب واتحاد الكتاب العرب ويرأس المنظمة العربية لحقوق الانسان وكان أميناً عاماً سابقاً للجنة العربية لمناهضة الصهيونية. وبين أن هذا المفكر يتميز بغزارة إنتاجه. فله نحو 50 كتاباً في القانون والسياسة الدولية وفي الإسلام والقضايا الفكرية وفي الثقافة والأدب.
حاوره: عادل زارعي

وعلى هامش هذا اللقاء، تحدثنا إلى هذا المفكر لنسأله عن مشاغل الفكر والسياسة في الوطن العربي وعن مستقبل الثورات العربية الحالية وآثارها على المجتمعات. فكان لنا معه هذا الحوار:
•   كيف ترى الساحة الثقافية في العالم العربي اليوم؟
ما زال العالم العربي يعاني من شح الحريات. فالمثقف يحتاج إلى حرية التعبير التي ما زالت محدودة في البلدان العربية في كثير من المجالات ، في البحث العلمي، في السياسة، في الإدارة، في التعليم... وهذا ينعكس انعكاساً سلبياً على المثقف. فالحرية هي المدخل الأول للنهوض بالثقافة. فهناك مثقفو السلطان الذين يروجون إيديولوجيا القمع، ومثقفون منكفئون تحولوا إلى حرفيين لبيع بضاعتهم دون ملامح محددة بحجة أنهم غير سياسيين ومثقفون اضطروا إلى المنافي وابتعدوا عن مشكلات أوطانهم ولكن هذا لا يعني أن الساحة الثقافية خالية من رموز قاومت في الداخل والخارج في إطار مشروع نهضوي جديد من أجل الحرية والتنمية الشاملة والاستقلال وقيم العدالة الاجتماعية وتحقيق المواطنة الكاملة، ولا يمكن أن تتحقق هذه الأهداف إلا من خلال نظام ديمقراطي. إن المثقف حساس بطبعه خصوصاً في بحثه عن الجمال والخير والسعادة. لذلك حاولت السلطات تدجينه وتطويعه وللأسف خسرنا بعض المثقفين على هذا الصعيد أو خسرناهم إلى حين إن استطاعوا استعادة وسيلتهم الإبداعية. ومنجهة أخرى فإن آراء وأعمال بعض المثقفين كانت منارة وخلفية ثقافية للثورات العربية.

•   بعد رحيل الجابري وتراجع مشروع حسن حنفي وفشل مشروع التيزيني، هل ثمة إمكانية لمشروع جديد ينهض بالفكر العربي؟
المشروع الاجتهادي (للجابري والآخرين) هو جزء من المشروع وشخصي فردي. ما نطمح اليه هو مشروع جماعي يضم التيارات المختلفة على أساس قيم ست هي الحرية والمساواة والعدالة بمعناها القانوني والعدالة الاجتماعية (التوزيع العادل للثروة) والمشاركة (بمعنى الإعتراف بكل المكونات الاجتماعية والاثنية) والمواطنة بما هي حقوق وواجبات ، وفيما يتعلق بالتراث هناك عدة قراءات، قراءة سلفية وقراءة عدمية، وما نحن بحاجة اليه اليوم هو قراءة تنطلق من معرفة الحاضر ولا تسقط رغباتنا على التراث ولا تتعامل معه بانتقائية، فالعلاقة بين التراث والحداثة لا ينبغي أن تكون على أساس قطيعة آبستمولوجية، بل يجب أن تكون علاقة سالكة وديناميكية وإلا فإننا سنسقط في لجة ضياع الهوية، نريد هوية مفتوحة وقابلة للتطور فرديا وحضاريا وعلى التيارات الفكرية والسياسية أن تتفق على عقد اجتماعي جديد.

•   هل يعني هذا أن النخبة ستلتحم بالجماهير؟
النخب تعالت عن المجتمع وانفصلت عن قضايا الجماهير فيجب عليها اليوم أن تقرأ حاجيات الناس وتعي همومهم وأن تشركها في فكرها لا أن تقصيها وإلا ستصبح عاجزة عن التأثير في المجتمع والتواصل معه. فالمفكر الحق هو الذي ينطلق فكراً وعملاً من الواقع.

•   نحن إذن نحتاج إلى ثورة ثقافية، فكيف نبني هذه الثورة حسب رأيكم؟

هناك فرصة مناسبة لتنشيط وتنقية الوضع الثقافي عبر فسحة الحريات التي جاءت بها الثورة. ولا بد من وجود مؤسسات لسن قوانين تحمي الثقافة  ولا مناص من مراجعة المناهج التربوية والتعليمية مراجعة جذرية وهذا لا يتم إلا بفسح مجال الحرية والتعبير. ويمكن للإعلام أن يلعب دوراً كبيراً في تعزيز الوضع الثقافي وإعادة لحمته بالشعب ولا يمكن  أن نغفل أو نتغافل عن ضرورة استعادة سيادة القانون واستقلال القضاء لدورهما الحيوي في نشر وترسيخ الوعي العربي وهذا ما يجب أن تقوم به النخبة التي بانخراطها في هذا المشروع تعود الى الشعب الثقة بها فيتحقق بينهما جسر متصل.

•   في ظل الحراك السياسي والتجاذبات الفكرية بعد الثورة. كيف تنظر الى العلاقة بين الديني والسياسي؟

كل ما هو ديني سياسي ولكن ليس كل ما هو سياسي ديني. الخلاف لا ينبغي أن يكون حول قيم السماء ولا ينبغي أن يتحول الى صراع للتراشق بالآيديولوجيات ذات النسقية المغلقة فلا بد أن يكون هناك حوار سلمي سياسي حول البرامج والأهداف والوسائل ليحدث نوع من الوفاق أو التنازل المتبادل من أجل تحقيق العقد الاجتماعي الجديد. فيجب أن نضع السقوف عالية جداً في قضية القواعد القيمية وليبق الديني باحثاً عن السعادة الأبدية في السماء وليبق السياسي باحثاً عن السعادة في الأرض ولكن بينهما مشترك: إلغاء الاستغلال وتحقيق رفاه الإنسان وسعادته وإشاعة الحريات والقضاء على الظلم والفساد.

•   لننتقل إلى الشأن العراقي بماذا تفسر تراجع الفكر العراقي رغم قيمة العراق الحضارية وموقعه الاستراتيجي؟

بسبب الحروب والحصار الدولي الجائر والاحتلال أكثر من ثماني سنوات، كل هذا كانت له نتائج مباشرة على الثقافة والمثقفين. أضف إلى ذلك المحاصصات الطائفية والمذهبية، وظاهرة الإرهاب وخصوصاً الفساد الذي ينخر مؤسسات الدولة ولاسيما المؤسسة الأمنية والعسكرية. فالدولة ظلّت عرضة للتفتيت والتشظي والفكر في هذه الأجواء يسير نحو النكوص بصعود قيم ما قبل الدولة مثل العشائرية والطائفية والفئوية الضيقة. إن لم تستعد الدولة حضورها لا يمكن للعراق أن يستعيد وحدته ولا يمكن للإبداع أن ينمو ويترعرع في ظل بيئة متوترة طاردة وليست موحدة مقصية وليست جالبة، الأمر يحتاج إلى بيئة جديدة اجتماعية وسياسية تساهم في استعادة دور العراق. إن ربع سكان هذا البلد اليوم يعاني من الأمية ونسبة العراقيين من هم تحت خط الفقر تربو عن هذه النسبة بكثير. هناك تدهور كبير في الخدمات الصحية والتعليمية وتراجع كبير في الجامعات بسبب الصراعات السياسية غير المبررة أحياناً.

•   هل أنت متفائل  بالمستقبل العربي؟
ما حصل بعد 14 جانفي هو مصدر تفاؤل كبير ليس في تونس فحسب بل في العالم العربي كلّه، الماضي قد احتضر حسب غرامشي. ومهما يكن من أمر فإن الاستبداد لن يعود وقد جرّبت الأنظمة الحلول الأمنية ففشلت وبحثت عن الحلول الإقتصادية (بالرفع في الرواتب) ففشلت أيضاً. المشكلة سياسية بامتياز لا بد لها من حل سياسي بامتياز.
ولا أظن أن عجلة التاريخ ستعود إلى الوراء وأمام المستقبل تحديات من القوى المخلوعة والمحافظة وقد يحدث تصدع في معسكر الثورة وقد تنحاز بعض القوى السياسية التقليدية بسبب المصالح السياسية إلى خندق يتعارض مع توجهاتها الفكرية.
وقد تحصل تراجعات وكوابح وغيرها من عراقيل ولكن الماضي أصبح ماضياً والتطلع إلى الأمام يبقى هو الرهان الذي ستصطف حوله قوى جديدة ناشئة لها مصلحة في استمرار الثورة. ولا بد من تعاون وشراكة بين التيارات الفكرية والسياسية على أهداف مشتركة من بينها استمرار الثورة والاتفاق على عقد اجتماعي جديد والسير بهدف تحقيق المشروع الحضاري العربي الذي يضمن مصلحة الجميع والبحث في القضية الاجتماعية لتجذير الثورة اجتماعياً عبر القوانين والأنظمة الديمقراطية.



296
في نظرية التفكيك العراقية!

عبد الحسين شعبان
دعا سامي العسكري، مستشار رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي، إلى تفكيك القائمة العراقية، وكذلك تفكيك الائتلاف الوطني العراقي، الذي يضم ائتلاف دولة القانون في صفوفه، ولعل العسكري السياسي القيادي في حزب الدعوة سابقا والذي ينتمي إلى دولة القانون يدرك ما تعنيه مثل هذه الدعوة؛ فالقائمة العراقية، التي انشطر عنها القائمة العراقية البيضاء (ثمانية نواب)، اتخذت مواقف متباعدة عن العراقية، بعضها أقرب إلى دولة القانون، والآخر أكثر راديكالية وبُعدا عنه، لكن أمر عودتها إلى العراقية، حسبما يبدو بات بعيدا، وحتى بعد إعلان انضمام قائمة وحدة العراق إلى القائمة العراقية، فإن الأمر لا يزال يعاني من التفكك، خصوصا بعد حدثين مهمين، الأول هجوم الدكتور أياد علاوي رئيس القائمة العراقية على حزب الدعوة ورئيس الوزراء نوري المالكي، حين أطلق خطابه الشهير الذي نعتهم "بخفافيش الليل" في ردّة فعل غاضبة على تمزيق صوره في ساحة التحرير، ولا سيما تلك الصورة التي تم استغلالها مع مرتكب مجزرة عرس الدجيل (الجبوري).
والحدث الثاني جاء عند تصريحات أسامة النجيفي، رئيس البرلمان العراقي، من واشنطن ودعوته لإقامة إقليم سني أو حتى انفصاله، تعبيرا كما قال عن مشاعر وهموم السنّة الذين يعانون التهميش والإقصاء، فتفجّر الموقف، خصوصا وأن بعض أعضاء كتلته عبّروا عن تأييد فاتر أو تحفظ محدود أو تنديد شديد، لكن مثل هذا الموقف لم يكن مدروسا، وربما فوجئ به البعض أو لم يكن مستعدا لمواجهة مثل هذا الاحتمال، أما أعضاء الكتل الأخرى المنضوية تحت لواء القائمة العراقية سواء تلك التي برئاسة طارق الهاشمي نائب رئيس الجمهورية (التغيير) أو الدكتور صالح المطلق نائب رئيس الوزراء أو الدكتور رافع العيساوي وزير المالية أو الدكتور ظافر العاني، فإن صوت الاحتجاج أصبح منخفضا أو أن نبرة المعارضة بدت خافتة منذ تشكيل الحكومة العراقية الحالية، وتوليهم مناصب قيادية فيها، الأمر الذي يعني أن رئيس القائمة وبعض القريبين منه في واد والآخرين في واد آخر، وذلك ليس سوى تفكيك فعلي حتى وإن ظلّت القائمة العراقية موحدة شكليا حتى الآن.
أما الائتلاف الوطني العراقي فقد بات هو الآخر أكثر تفككا من قبل، باستثناء دولة القانون الكتلة الأكثر تماسكا والأكبر حجما، في حين أن جماعة مقتدى الصدر يغرّدون خارج السرب، ولا سيما بشأن الاتفاقية الأمنية المرتقبة بين العراق والولايات المتحدة، حيث سينتهي مفعول الاتفاقية الموقعة بين البلدين عام 2008، في نهاية العام الحالي 2011، الأمر الذي يستوجب مناقشة بقاء أو رحيل القوات الأمريكية، وتنفرد جماعة الصدر عن حلفائها وخصومها بموقف متميّز هو دعوتها لخروج القوات الأمريكية من العراق، وإصرارها (حتى الآن) على مقاتلة الأمريكان في حال بقائهم وعدم انسحابهم.
وبدت كتلة الائتلاف بقيادة عمّار الحكيم وهي كتلة محدودة ومعها كتلة الإصلاح الصغيرة التي يمثلها الدكتور الجعفري ونائب آخر غير منسجمة الإيقاع مع رئيس الوزراء، وربما باستثناء الجعفري وفالح الفياض اللذين حاولا لحمة العلاقة مع المالكي الذي كان هو الآخر حريصا عليها، خصوصا عندما شهدت مواقع حزب الدعوة والكتلة الشيعية، بعد فوز القائمة العراقية بـ 91 مقعدا مقابل فوز المالكي وكتلة دولة القانون بـ 89 مقعدا، قلقا شديدا، الأمر الذي تمت معالجته على جناح السرعة خوفا من أن تطير السلطة من أيديهم، فوقّعوا على تحالف جديد يضم نحو 70 مقعدا إليهم بما فيهم جماعة مقتدى الصدر التي فازت بـ 40 مقعدا، وهكذا حازت كتلة الائتلاف الوطني على الأغلبية في البرلمان وتم تشكيل حكومة ثانية بقيادة المالكي.
لكن هذا المشهد لم يستمر طويلا وكان أقرب إلى التفكيك هو الآخر، ففي حين أريد إمرار صيغة نواب رئيس الجمهورية الثلاث، إرضاء لخضير الخزاعي، استقال عادل عبد المهدي بعد تسميته نائبا للرئيس، خصوصا وقد شعر بأن المنصب أساسا بلا صلاحيات، ناهيكم عن أن المكانة الاعتبارية التي يمثلها الموقع بدأت تتدهور علما بأن الصفقة مرّت خلافا للدستور.
وحتى كتلة التحالف الكردستاني التي لم يأتِ سامي العسكري على ذكرها فهي الأخرى تعاني تباعدا وتعارضا، وقد استطاعت كتلة التغيير بقيادة ناوشيروان مصطفى، والتي حصلت بالتحالف مع الحركة الإسلامية في كردستان الحصول على 16 مقعدا في البرلمان العراقي وعلى نحو ربع عدد أعضاء برلمان كردستان، وكذلك على نسبة موازية تقريبا في انتخابات مجالس المحافظات، أن تهدد بانقسام التحالف الكردستاني، وفيما إذا حازت على أغلبية في السليمانية مستقبلا، فقد تعلن السليمانية إقليما مستقلا إذا رأت مصلحتها في ذلك، وإذا اعتقدت أن ذلك سيضعف التحالف بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني خصميهما اللدودين، وبذلك فإن فكرة عدم قبول أو رفض ثلاث محافظات على أية تعديلات دستورية، ستكون معطّلة، ولا سيما إذا سادت نظرية التفكيك، وإذا قررت كتلة التغيير وبعض المتحالفين معها الانسحاب من التحالف الكردستاني.
وإذا كانت نظرية التفكيك أمريكية في الأساس، ولا سيما بعد الفوضى الخلاقة بحل مؤسسات الدولة وتفكيكها وإعادة تركيبها بما فيها القوات المسلحة، فإن التفكيك السياسي سيجعل الجميع أقلية، ولا أحد يستطيع أن يدعي أنه أغلبية، وبالإمكان التحكّم في لعبة شدّ الحبل والصراع بين الأقليات، ولا سيما إذا تم تحويلها إلى طائفية وإثنية، حيث يتم تقسيم المقسّم وتجزئة المجزأ، وقد فُصّل القانون الانتخابي والكتل المتحالفة على أساسه، لتأتي بمثل هذه النتائج التي قد تزيد وقد تنقص حسب الهوى السياسي والتحديات التي تواجه هذه الكتل عشية أو لحظة الانتخابات البرلمانية.
ولعل ما ينسجم حاليا بين نظرية التفكيك الأمريكية ونظرية التفكيك العراقية، هو أن كتلة المالكي (دولة القانون) لا تستطيع امتلاك ناصية الأغلبية، فهي الكتلة الأقوى بين الضعفاء والكتلة الأكبر أو كتلة الأغلبية بين الأقليات، ولا سيما بعد تفكيك الكتل جميعها، وبما أن رئيس الوزراء والوزراء يعانون من مشكلة المحاصصة والتقاسم الوظيفي المذهبي والطائفي والإثني، فإن عملية ترشيق الوزارات التي تضخّمت لتصبح 42 وزارة والتي ستطول الجميع ستجعله يتصرف خارج نطاق بعض الحسابات التي تفرضها المحاصصة، خصوصا بعد الإقدام على عملية الترشيق، وستضحي الكتل الكبيرة داخل الائتلافات القائمة بالكتل الصغيرة في الحصول على مواقع وامتيازات، وهكذا ستكون الكتل الصغيرة بمنأى عن استمرار التحالفات القديمة، الأمر الذي سيؤدي إلى تفكيك الكتل الكبيرة، حيث تبقى الكتلة الأكبر وإن كانت أقلية، هي كتلة رئيس الوزراء.
ومثل هذا السيناريو يتفق مع نظرية التفكيك الأمريكية، ولا سيما عشية إمرار الاتفاقية العراقية - الأمريكية الجديدة، خصوصا بارتياب القوى والكتل والقوائم بعضها من بعض واضطرارها إلى التفكير بمستقبلها الذي سيظل مرهونا بوجود طرف ضامن، كما تبرر من خلال الوجود العسكري الأمريكي في العراق، وهكذا ستحصل الولايات المتحدة على ما تريد من بقاء قواتها وربما بإجماع الجميع.
وباستثناء جماعة السيد الصدر حاليا فإن لا وجود لقوى أو طرف سياسي من داخل الحلبة السياسية أن أعلن اعتراضه على بقاء القوات الأمريكية، ويبرر البعض مثل القائمة العراقية بأطرافها وجود القوات الأمريكية للحيلولة دون التدخل الخارجي الإقليمي، ولا سيما الإيراني الواسع النفوذ، أما حكومة إقليم كردستان فتراه ضرورة لا غنى عنها لاستمرار العملية السياسية، ويذهب بعض أطراف الائتلاف الوطني ودولة القانون إلى أن ذلك ضرورة أمنية، ولا سيما خارجية تمليها التحديات التي تواجه التجربة الجديدة في العراق والعملية السياسية، خصوصا النقص الفادح في سلاح الجو والبحرية. ولعل حالة الاحتراب وغياب الوحدة الوطنية والإرادة الموحدة هي التي ستدفع بهذا الاتجاه وهكذا تلتقي نظرية التفكيك الأمريكية مع نظرية التفكيك العراقية، لكن التفكيك الجديد قد يقود إلى إعادة تركيب جديدة، وقد يحتاج الأمر إلى وقت، ربما طويل نسبيا لحين الانتخابات القادمة، وقد يسهم التحرك الشعبي الذي بدأ في 25 شباط (فبراير) في تهيئة بعض المستلزمات لذلك، لكن الأمر لا يزال على صعيد القوى القابضة للسلطة أو خصومها أو معارضيها مجرد إرهاصات، سواء بالاتفاق أو الاختلاف، حتى أن اتفاقية أربيل التي كانت أقرب إلى صفقة سياسية لعملية تركيب جديدة لم تنجح في امتصاص حالة الغضب والتباعد التي هيمنت على علاقات القائمة العراقية مع قائمة دولة القانون، وبين رئيس الوزراء نوري المالكي ورئيس الوزراء الأسبق الدكتور أياد علاوي. وقد اتضح أن حكومة ما سمّي بالوحدة الوطنية أو حكومة الشراكة الوطنية التي أقيمت على شرفها ولائم كثيرة، لم تكن زواجا منسجما أو موفّقا، ناهيكم عن كونه زواجا غير قائم على الحب والتفاهم والتعاون، بل كان أقرب إلى زواج مصلحة مؤقتة وحتى عابرة في حالة يأس وقنوط من جميع الأطراف، ولا سيما من القائمة العراقية.



297
المنبر الحر / ديناميكية مغربية
« في: 22:37 07/07/2011  »
ديناميكية مغربية   

عبدالحسين شعبان
عشية التغييرات الكبيرة التي حدثت في دول أوروبا الشرقية وبُعيدها أواخر الثمانينات ومطلع التسعينات من القرن الماضي، باشر الملك الحسن الثاني بإطلاق مبادرة للتقريب بين الحكم والمعارضة، فقد استشعر بحسّه أن المراوحة في أساليب الحكم السابقة ستعود على المغرب بالضرر، لاسيما وقد آن الأوان للتغيير في ظل بيئة عالمية مشجعة وظروف داخلية ضاغطة، خصوصاً للدور الذي أداه المجتمع المدني ومؤسساته وتنظيماته، بما فيها جمعيات حقوق الإنسان، فضلاً عن القوى السياسية المعارضة بجميع تياراتها وألوانها .

لقد أدرك الملك أن التغيير أصبح قاب قوسين أو أدنى، فإن لم يأتِ تراكمياً، تدرجياً، فإنه سيأتي عاصفاً ومدوياً، وإن لم يكن داخلياً، فسيكون للخارج دور غير قليل، وإن لم يحدث في ظروف انفراج، فسيكون في حال احتدام، وإن لم يكن توافقياً، فسيكون تناحرياً، لهذا أقدم على مبادرة جريئة بوضع دستور عام 1996 الذي تضمن أسساً صالحة للتعاون الوطني بين الحكومة والمعارضة، واختار بعد أول انتخابات المناضل الوطني المعارض عبدالرحمن اليوسفي ليصبح الوزير الأول (رئيس الوزراء)، وكانت تلك المبادرة قد وضعت حداً لسنوات من التسلطية وملاحقة وقمع المعارضة وكبت الحريات .

في حديث جمعني في كازابلانكا (الدار البيضاء) عام 1999 مع عبدالرحمن اليوسفي وكان حينها قد تولّى رئاسة الوزراء (الوزير الأول) كما يسمّى في المغرب العربي بعد أن كنت قد تعرفت إليه عندما كان رئيساً لحزب الاتحاد الاشتراكي، وهو من الشخصيات الحقوقية المؤثرة، حيث عمل في المنظمة العربية لحقوق الإنسان وفي اتحاد الحقوقيين العرب، ثم قبل تكليفاً ملكياً بتولي رئاسة الوزراء، وكان اليوسفي قد طلب اللقاء مع نخبة من زملائه العاملين في الإطارين ذاتهما، على دعوة عشاء نظمها عبدالعزيز البنّاني في بيته، يومها تحرّك فيّ الهاجس الصحفي لسببين، الأول هو كيف يمكن لمعارض وطني قضى أكثر من ثلاثة عقود في المنفى أن يتبوأ رئاسة وزارة في عهد لا زال مستمراً، وكان من أشد المعارضين له، بل داعياً لإلغائه؟ والثاني كيف يفهم السياسي الوطني معارضته من خلال هيكل الدولة وكيف يمكن التعامل معها؟

بادرت حينها إلى إثارة النقاش بسؤال الوزير الأول: ألا تشعر أحياناً بالغربة أو الاغتراب، يا “دولة” سي عبدالرحمن وأنت في هذا الموقع؟ وكان جوابه، نعم وإلى حدود غير قليلة، لكن شفيعي أن جزءاً من خطابي لا زال معارضاً، وهو ما كنت ألمسه في أحاديثه وخطبه التي تابعتها لأكثر من مرة وفي أكثر من مناسبة، بما فيها عندما استقبل عدداً محدوداً من الذين يرتبطون بعلاقة أو معرفة معه في منزله، الذي رفض البقاء فيه رغم طلب الملك نفسه، لكنه عاد إلى شقته التي كان يسكنها قبل توليه الوزارة، وبعدها أردف اليوسفي قائلاً: لقد كنّا نعارض الدولة من خارجها وربما بعض معارضتنا الآن من داخلها، وهي تجربة اخترناها بالأغلبية رغم تحفظ بعض الأصوات، وعلينا اجتيازها، ونأمل بأن تكون مفيدة وناجحة، وهي تجربة مفتوحة للزمن للمناقشة والتقييم .

وقال اليوسفي كنّا نعتقد أن بعض الملفات يمكن أن نفتحها بيُسر وسهولة وإذا بها مغلقة أمامنا، وبعضها اعتقدنا بصعوبة فتحها، وإذا بها مفتوحة أمامنا، بل أننا استطعنا المضي فيها إلى حدود كبيرة، بما فيها ملفات التعذيب والمساءلة وجبر الضرر والتعويض، فضلاً عن إعادة النظر ببعض القوانين وتشريع قوانين جديدة .

استعدت تلك الديناميكية والحيوية المغربية لدى المعارضة والسلطة في المغرب وأنا أتابع ما يحدث فيه منذ سنوات طوال، لاسيما في ظل موجة الاحتجاجات والتظاهرات الأخيرة، ففي هذه المرة حاولت المؤسسة الملكية، استباق الأحداث واللحاق بعجلة التغيير، قبل أن تسبقها أو تبعد عنها بمسافات لا يمكن ردمها أو الوصول إليها، فأقدم الملك محمد السادس على طائفة من التغييرات، لعل أهمها هو إجراء تعديلات مهمة على دستور عام ،1996 وسواءً قبل بها البعض واعتبرها خطوة إيجابية باتجاه الملكية الدستورية، أو رفضها البعض واعتبرها محاولة لإجهاض التطور نحو ملكية دستورية حقيقية، فإنها في جميع الأحوال تعتبر تطوراً دستورياً للمغرب قياساً بالمؤسسة الملكية وصلاحياتها المعروفة تاريخياً، بما فيها تلك التي قننت في دستور عام 1996 .

وتم تشكيل لجنة مؤلفة من 18 عضواً برئاسة د . عبداللطيف المانوني ضمّت ألوان الطيف السياسي والنوع الاجتماعي والاختصاص القانوني والأكاديمي، إضافة إلى نشطاء من المجتمع المدني ومن قوى يسارية، مع أن هناك من لاحظ غياب التيار الإسلامي وهو تيار مؤثر وفاعل، معتبراً ذلك نقصاً في تركيب اللجنة وتوجهها إلاّ أن التمثيل الواسع وإن لم يكن شاملاً فهو إيجابي مع الإشارة إلى نقص تمثيل بعض الاتجاهات . وقامت اللجنة باستطلاع رأي القوى والأحزاب والمنظمات بشأن مسوّدات مشروعها، الأمر الذي أيّده البعض وعارضه البعض الآخر، لاسيما طريقة استطلاع الرأي والوقت المخصص والأسلوب الشفاهي الذي تم فيه من دون وجود نص مكتوب بهدف مناقشته وإبداء الملاحظات عليه، لكن ذلك بحد ذاته يعكس حراكاً اجتماعياً وسياسياً وفكرياً .

وإذا كانت التعديلات الدستورية قد ألزمت الملك باختيار الوزير الأول (رئيس الحكومة) من الحزب الذي يحصل على الأغلبية البرلمانية ومنحه صلاحيات واسعة قياساً لما سبق، لكن ذلك لم يغيّر من صلاحيات الملك واختصاصاته الأساسية، التي ظلّت ذات طبيعة تنفيذية وتشريعية وقضائية بصفته “أميراً للمؤمنين”، الأمر الذي أعطاه حصانة وحرمة وأعفاه من أي مساءلة، فضلاً عن ذلك فإن وجود نصوص من هذا القبيل تشكل عائقاً أمام تحوّل النظام الملكي المغربي إلى نظام برلماني يتمتع فيه رئيس الوزراء (الوزير الأول) بالصلاحيات الكاملة باستثناء اختصاصات الملك المحدودة والمحدّدة .

واحتوى الدستور المغربي على تعديلات دستورية مهمة تدخل في صلب حقوق الإنسان، فتوّسع في ما يتعلق بحرية التعبير والحق في الإبداع الثقافي (الفن والأدب) وأكد مبادئ الشفافية والنزاهة ومحاربة الفساد، والحماية من الاعتقال التعسفي والاختفاء القسري ونبذ العنصرية ومظاهر الكراهية والعنف وشمل الحقوق السياسية في التصويت والترشيح وحقوق المغتربين وغيرها وتكاد بعض هذه الحقوق تقترب من المعايير الدولية .

ولعل جعل اللغة الأمازيغية لغة رسمية للدولة إلى جانب اللغة العربية، واستحداث مجلس وطني للغات واللهجات المغربية، كان من الأمور المهمة التي تضمنتها التعديلات الدستورية، انسجاماً مع إعلان حقوق الأقليات الصادر عن الأمم المتحدة عام 1992 .

وفي خضم فوضى الفتاوى بادرت التعديلات الدستورية إلى تنظيم ذلك بحصرها بالمجلس العلمي الأعلى الذي هو برئاسة الملك، وذلك منعاً من التلاعب بها أو توظيفها لأغراض خاصة من جانب قوى الإسلام السياسية .

وبتقديري فإن هذه التعديلات مهمة في إطار النظام الملكي القائم، لكنها قد لا ترتقي إلى تحويل المغرب إلى ملكية دستورية برلمانية، إذ إن فلسفة المشرّع قامت على اعتبار نظام الحكم في المغرب مع اعتباره “ملكية، دستورية، ديمقراطية، برلمانية، اجتماعية” أي أن الملكية هي الجوهر الثابت بسياقات الحكم، ضمن اختصاصاتها التي أشرنا اليها، لكنها بكل تأكيد اتفاقاً أو اختلافاً ستترك ديناميكية جديدة وهو ما تشهده الحياة السياسية المغربية منذ نحو عقد ونصف العقد من الزمان .

باحث ومفكر عربي



298
إقليم السنّة العراقي: التباس التاريخ

عبد الحسين شعبان

التصريحات التي أطلقها من واشنطن رئيس مجلس النواب العراقي أسامة النجيفي بشأن أوضاع السنّة ومعاناتهم، أثارت ردود فعل كبيرة ومتباينة، جاء بعضها من الأوساط السنّية ذاتها، وقد انقسمت ما يمكن أن نطلق عليه النخبة السنّية بين التنديد الشديد، والتحفظ الحذر، والتأييد الفاتر.
لكن زيارة النجيفي إلى واشنطن لم تقتصر على إطلاق بالون الاختبار بشأن السنّة حسب، بل تضمّنت جسّ نبض قضيتين خطيرتين، ضاعتا أو ضيعهما، في خضم الصخب الاعلامي بشأن مستقبل السنّة في العراق. القضية الاولى هي مطالبة واشنطن بإجلاء مصير 17,5 مليار دولار فُقدت ولم يعثر على أي أثر لها، علماً بأنها نقلت في طائرات أميركية خاصة. وهو ما دعا النجيفي الى مساعدة واشنطن في التحقيق لملاحقة الجهة التي تقف خلف عملية النهب تلك، وقال إن جو بايدن نائب الرئيس الأميركي وعد بمساعدة العراق للتفتيش عن المبالغ المفقودة، وأن وزيرة الخارجية هيلاري كلنتون اعتبرت ذلك عملاً لاأخلاقياً يلحق ضرراً بسمعة الجنود الأميركيين.
القضية الثانية التي كانت في إطار جدول عمل الزيارة هي البحث مع واشنطن في موضوع الاتفاقية العراقية - الاميركية التي ستنتهي في نهاية العام الجاري 2011، وهو الأمر الذي سيكون الشغل الشاغل للحراك الشعبي والسياسي والبرلماني طيلة الأشهر الستة المقبلة، علماً بأن الأمر المرجّح هو التوقيع على اتفاقية جديدة بشروط ومواصفات مقاربة لاتفاقية العام 2008، حيث ستبقي على عدد محدود من الجنود الأميركان 10,000 (عشرة آلاف) أو أكثر بقليل، علماً بأنه لا يستطيع أحد إحصاء عددهم، مع الموافقة على خمس قواعد عسكرية أميركية أساسية، فضلاً عن وجود نحو 2400 موظف أميركي في السفارة مع حماياتهم، لا سيما من الشركات الأمنية، حيث يقدّر عدد هؤلاء بنحو 100,000 (مئة ألف مرتزق) استثنت الاتفاقية الأمنية التي ينتهي مفعولها سبل مساءلتهم، طالما اعتبروا جزءًا من التعاقدات بينهم وبين الجهات الأميركية المسؤولة.
وقد أبلغ النجيفي بفحوى الرأي الأميركي كما قال، ولخّصه بأن رغبة واشنطن هي البقاء في العراق، وعلى العراقيين الاستعجال في طلب التوقيع على اتفاقية جديدة، وهو ما أوضحه روبرت غيتس وزير الدفاع الأميركي السابق عندما قال خلال زيارته الى بغداد (نيسان/ابريل 2011): الوقت ينفد في واشنطن وعلى العراقيين إن رغبوا في بقاء القوات الأميركية الطلب سريعاً، ولم يذكر النجيفي موقفه أو موقف القائمة العراقية التي ينتمي اليها، من التوقيع على اتفاقية جديدة، وهو ينتظر ما سيقدّمه رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة نوري المالكي من تقديرات بشأن جهوزية القوات المسلحة وقوى الأمن الداخلي في مواجهة التحديات الخارجية والداخلية.
ولعل هذا هو موقف معظم القوى السياسية المشاركة في الحكم، والتي تترقب وتنتظر وكأنها تريد «أكل الثوم بلسان الغير»، رامية بالكرة في ملعب المالكي، باستثناء الكرد الذين أعلنوا صراحة عن ترحيبهم باستمرار شكل العلاقة مع واشنطن، وأعربوا عن ضرورة وجود عسكري أميركي في العراق لحماية مكتسباتهم من جهة، ومن جهة أخرى للفصل في النزاعات الداخلية، ومن جهة ثالثة، لمواجهة التحديات الاقليمية والدولية. أما جماعة مقتدى الصدر التي هي الوحيدة من بين القوى المشاركة، فقد أعلنت رفضها للوجود العسكري الأميركي واستعدادها لمقاتلته في حال بقائه في العراق وعدم الانسحاب بعد العام 2011.
وأياً كانت التصريحات والمواقف، فإنها تهدف الى معرفة مواقف القوى الأخرى المنافسة أو الموازية سلباً أو إيجاباً، إلا أن الأغلب والأعم هو التوقيع على اتفاقية بشروط واشنطن، بحساب موازين القوى داخليا وإقليمياً، وفي ظل غياب إرادة سياسية موحدة لإجلاء القوات الأميركية من العراق، ولعل ذلك يعيد الى الذاكرة الجدل الذي اندلع عشية إبرام اتفاقية العام 2008 وبعض التبريرات الساذجة التي قيلت بشأنها ابتداءً من خروج العراق من الفصل السابع ومروراً بكون الاتفاقية تنسجم مع مبادئ السيادة، وأن الاتفاقية مع دولة صديقة وحليفة الخ، لكن ذلك لم يغيّر من طبيعة الاتفاقية حسب القانون الدولي، والتي هي طبقاً لاتفاقية فيينا حول قانون المعاهدات لعام 1969، اتفاقية غير متكافئة، وذلك لأن الطرفين غير متكافئين، فأحدهما قوي ومحتل والثاني ضعيف ومحتلة أراضيه، وفي ذلك أحد عيوب الرضا التي تشوب الارادة الحرة فضلاً عن عنصر الإكراه.
للأسف الشديد لم ينشغل الرأي العام طويلاً بموضوع فقدان المليارات وقد يعود الأمر لحالة اليأس أو الإحباط من استعادتها كما أن جميع المؤشرات تميل الى أن الفساد المالي والاداري ضارب الأطناب، وهناك الكثير من المتورطين فيه من الأميركيين وغير الأميركيين، كما لم يتأمل في موضوع الاتفاقية العراقية - الأميركية الجديدة التي حسبما يبدو سيكون توقيعها تحصيل حاصل، ولهذا كان موضوع إقليم السنّة أو انفصالهم الأكثر رنيناً، لا سيما وقد حرّك موجة من التداعيات، بدأت ويبدو أنها لن تتوقف.
لعل النجيفي عبّر بإحساسه وتلمّسه حقيقة أوضاع السنّة حين قال «هناك إحباط سنّي في العراق، وإذا لم يعالج سريعاً، فقد يفكّر السنّة بالانفصال أو على الأقل تأسيس إقليم» لافتاً الانتباه الى أن «سنّة العراق يشعرون بالتهميش وبأنهم مواطنون من الدرجة الثانية». لا يمكنني أن أكون محل النجيفي أو من يمثله لكي يصاحبني مثل هذا الشعور والاحساس، وهو إحساس، طالما صاحب من على شاكلته من النخب الشيعة في السابق، الأمر الذي جرى توظيفه لخدمة بعض الأغراض الطائفية، فعشية احتلال العراق روّج البعض فكرة بيان الشيعة، بوحي من ريشارد دوني، مثلما جاءت إطلاق فكرة إقليم السنّة بوحي من جو بايدن، أو ضمن الأجواء المشجعة عليها، لا سيما وهناك من طرح فكرة إقليم صلاح الدين أو الأنبار أو المنطقة الغربية أو غيرها من المسمّيات التي لا تدلّ إلا على شيء واحد هو المحاصصة والتقسيم الطائفي.
ولعل الشعور بالتهميش والعزل خلق تصورات وأوهاماً حول طبيعة الصراع الذي اعتبره البعض مذهبياً طائفياً بامتياز، ففي السابق معادياً للشيعة إضافة الى عنصريته ضد الكرد، مثلما يعتبره البعض حالياً معادياً للسنّة ومتواطئاً مع الكرد ضدهم وهي طائفية مقلوبة، لا سيما عندما تقرأها النخب التي تتمترس بعناوين الطائفة والطائفية.
أعتقد أن النجيفي على حق عندما عبّر عن شعور أوساط واسعة بالتمييز، وهو الذي تم تكريسه عبر صيغة مجلس الحكم الانتقالي الذي فرضها بول بريمر، لكنني أعتقد أن دعوته لانفصال السنة هي خطأ فادح وخطير، سيترك تداعياته على وحدة العراق. وإذا كان النظام الفيدرالي مقرراً طبقاً للدستور الدائم الذي تم الاستفتاء عليه، على الرغم من الألغام الخطيرة التي يحتويها، لكنه ضمن ما هو قائم يعتبر الاطار الناظم للعلاقات بين الفرد والدولة وبين الدولة ومؤسساتها، في ظل اختصاصات تشريعية وقضائية وتنفيذية للسلطات الثلاث، فإن اللجوء اليه، والاحتكام لقواعده ووفقاً لمعاييره هو الذي ينبغي أن يعتمد، لا سيما بخصوص الفيدرالية، لا على أساس مذهبي أو طائفي، بل على أساس جغرافي ومناطقي وإداري. فالاقليم الوحيد القائم حالياً هو إقليم كردستان لاعتبارات تاريخية وقومية، ويمكن تأسيس أكثر من إقليم في إطار ما هو قائم على أساس المواطنة، وهذا يتطلب شفافية وحواراً سلمياً مستمراً وفي ظل أوضاع اعتيادية، لا سيما بعد إنهاء الاحتلال والتداخل الخارجي ومساءلة المفسدين، خصوصاً الذين تسببوا في نهب المال العام أو في تبديده.
جدير بالذكر أن البرلمان العراقي في دورته السابقة أقرّ مشروع قانون للأقاليم، كان أحد أشد المتحمسين له هو السيد عبد العزيز الحكيم رئيس المجلس الاسلامي الأعلى، لكن الاحتدامات السياسية، أجّلت تنفيذه الى 18 شهراً، وقد انتهت الفترة دون أن يتذكرها أو يتذكر القانون أحد، أسوة بتعديل الدستور الذي تم الاتفاق عليه عشية انتخابات العام 2005، وكان يفترض إنجاز ذلك بعد انعقاد أول جلسة للبرلمان بأربعة أشهر وانتهت 4 سنوات ونيّف وجاءت دورة جديدة، ومرّ عليها أكثر من عام ولم تنجز التعديلات ولم يتم استكمال إصدار قوانين طبقاً للدستور، بحيث تكون المواد التي زادت على الخمسين صالحة للاستعمال بتشريع قوانين لاستكمالها، لكن الصمت وغضّ النظر كانا سيّدي «التوافق» والحل الأمثل.
لعل شعور النخب السنية أو النخب الشيعية بالخوف والقلق إزاء المستقبل هو الذي يقف وراء هذا الفريق أو ذاك للتمترس الطائفي أو لزعم النطق باسم الطائفة أو مجموعة منها، والهدف هو الإبقاء على الامتيازات، لا سيما التي حصل عليها أمراء الطوائف، في حين أن استعادة كيانية الدولة العراقية وهيبتها، في ظل نظام فيدرالي يتمسك بوحدة العراق، يتطلّب إلغاء الطائفية وتحريم كل فعل أو سلوك يؤدي إليها. والطائفية كما أراها هي جريمة بحق الشعب والوطن، ولا بد من معاقبة من يرتكبها بأشدّ العقوبات سواءً بالدعوة إليها أو ترويجها أو التستر عليها أو التهاون في مكافحتها أو إخفاء معلومات عنها.

[ أكاديمي وحقوقي عربي ـ العراق




299
حين تصبح العدالة ميداناً للصراع الدولي!

عبد الحسين شعبان
أعلن عن تصديق تونس على نظام المحكمة الجنائية الدولية، وبذلك أصبحت الدولة العربية الرابعة التي صدقت على نظام روما، فقد سبقها الأردن وجيبوتي وجزر القمر. ولم يكن متوقعاً أن تقدم تونس على هذه الخطوة قبل ثورة الياسمين والكرامة التي أزاحت الرئيس زين العابدين بن علي عن السلطة.
لعل امتناع أو تلكؤ أو تحفظ البلدان العربية عن الانضمام أو التصديق على نظام روما يضع الكثير من التساؤلات حول جدية الحديث عن العدالة الدولية بالنسبة للعديد من البلدان العربية، وهو ما أعيد طرحه على نحو مثير بعد العدوان الإسرائيلي على غزّة في أواخر عام 2008 وأوائل عام 2009، ولا يزال هذا الموضوع مصدر قلق واهتمام في الوقت نفسه من جانب إسرائيل، لا سيما بخصوص ملاحقة المتهمين بارتكاب جرائم حرب وجرائم الإبادة ضد الإنسانية، وكذلك ارتباطاً بجريمة العدوان وخرق السلم والأمن الدوليين، وقد تحركت إسرائيل، لا سيما بعد ارتفاع رصيد الفكرة التي تدعو إلى ملاحقة المرتكبين، وازدياد القوى والمنظمات الداعية لتحقيق العدالة الدولية لتقديم المتهمين بتلك الارتكابات إلى القضاء الدولي، فكلّفت مكتباً مهماً للمحاماة ومنحته أتعاب محاماة مجزية لمتابعة إمكانية التخلّص والتملّص من الملاحقات القانونية، خصوصاً بعد تقديم عدد من نشطاء حقوق الإنسان والمجتمع المدني دعاوى ضد وزير الدفاع الإسرائيلي الأسبق بن أليعازار وستة من رفاقه، إلى القضاء الإسباني، ولاحقاً دعوى لملاحقة تسيبي ليفني وزيرة خارجية إسرائيل السابقة عبر القضاء البريطاني، لا سيما خلال زيارتها لندن، واضطرارها إلى ترك مؤتمر كان يفترض أن تتحدث فيه وتعود ''سراً'' إلى إسرائيل.
فكيف يمكن إهمال هذا الجانب المهم في الملاحقة القانونية لتحقيق العدالة الدولية وجلب المرتكبين إلى قفص الاتهام. ونتساءل: هل يمكن الاستعانة بنظام محكمة روما لرفع دعوى ضد الجناة الإسرائيليين لما ارتكبوه من جرائم وما السبل إلى ذلك؟
يتطلب الأمر معرفة حيثيات نظام محكمة روما، لكي يُصار إلى اتباع آلياتها.
في تموز (يوليو) 2002 بدأ العمل بنظام المحكمة الجنائية الدولية، بعد مصادقة 60 دولة، مثلما جرى إعلان ذلك في نيويورك في مقر الأمم المتحدة. والمحكمة التي تأسست في روما في عام 1998، اتخذت من لاهاي مقراً لها.
وتعتبر المحكمة الجنائية الدولية International Criminal Court ICC أول هيئة قضائية دولية، تحظى بولاية عالمية وبزمن غير محدد، لمحاكمة مجرمي الحرب ومرتكبي الفظائع بحق الإنسانية وجرائم إبادة الجنس البشري.
فلأول مرة في التاريخ يتم تكليف هيئة قضائية دولية دائمة لحماية حقوق الإنسان، بما توفره من إقرار الدول الموقعة عليها وبالتالي المجتمع الدولي مبدأ العدالة الشاملة وعدم الإفلات من العقاب عن تلك الجرائم الخطيرة بحق الضمير الإنساني على المستوى الدولي.
إن وجود قضاء جنائي دولي مستقل ومحايد يمارس اختصاصاته على جميع الأشخاص دون تمييز لتحقيق العدالة الدولية أمرٌ في غاية الأهمية في تطور الفقه والقضاء الدولي على الصعيدين النظري والعملي.
لكن وجود مثل هذا القضاء لا ينفي ولا يلغي مسؤولية القضاء الوطني بل يعني التعاون بينه وبين القضاء الدولي خصوصاً بشأن الجرائم التي ورد ذكرها، بالتوقيع والمصادقة على النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، بما يتطلب تعزيز كفاءة القضاء الوطني من جهة وتفعيل وتنشيط فكرة السيادة القضائية بأبعادها الدولية من جهة أخرى، ليس كنقيض للسيادة القضائية الوطنية، بل كحقل واحد للعدالة.
ويمكن القول مع القاضي الأردني الدكتور محمد الطراونة إن العلاقة بين النظام القضائي الدولي والنظام القضائي الوطني ''هي علاقة تعاون وتكامل''، وليس علاقة تنافر أو تعارض. وهي الدعوة التي يمكن توجيهها إلى الأنظمة القضائية العربية للتعاون مع الأنظمة القضائية الدولية المنبثقة من نظام محكمة روما والتسريع بالتوقيع والمصادقة، وهو ما يقتضي مواءمةً وتكييفاً للتشريعات الوطنية مع التشريعات الدولية خصوصا عندما تنضم الدولة أو تصبح طرفاً من اتفاقية روما للمحكمة الجنائية الدولية.
وإذا كان الاعتبار الأكاديمي هو أحد أسباب بحث هذا الموضوع فإن الاعتبار الإنساني والحقوقي يحتل مكان الصدارة، سواءً ما له علاقة بالقانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان، أو تأثيرات الحروب وأعمال العدوان التي حفلت بها الساحة الدولية وبخاصة بعد أحداث 11 أيلول (سبتمبر) الإرهابية وما يتبعها من عمليات غزو أفغانستان واحتلال العراق وانعكاسات ذلك على مجمل نظام العلاقات الدولية، فضلاً عن تأثيراته على النظام القضائي الدولي، خاصة بعدما حصل من أعمال مشينة في سجن أبو غريب في العراق وسجن جوانتنامو في كوبا وكذلك في السجون السرية الطائرة في أوروبا والسجون العائمة، التي أظهرت مدى الاستخفاف بحقوق الإنسان وبنظام العدالة الدولية من جانب الولايات المتحدة!
إن جعل ولاية هذا القضاء دائمة سيعطيها فرصة الملاحقة عن الجرائم وإنزال العقاب بمرتكبيها، علما بأن تلك الجرائم لا تسقط بالتقادم.
ولذلك ليس عبثاً أن تصف السيدة ماري روبنسون المقررة السابقة في (المفوضية العليا لحقوق الإنسان) إنشاء نظام المحكمة الجنائية الدولية بعد تصديق 60 دولة عليه بأنه ''حدث تاريخي''، وهو ما دعا إليه كوفي أنان الأمين العام السابق للأمم المتحدة إلى اعتبار ذلك ''خطوة عملاقة نحو تحقيق شمولية القانون والسياسة''. ومع أن العديد من الدول الكبرى بما فيها بعض أعضاء مجلس الأمن الدولي الدائمين، عارضوا إنشاء نظام المحكمة الجنائية الدولية أو تحفظوا عليه أو لم يصادقوا حين وقعّوا، إلاّ أن إنشاء المحكمة ودخولها حيز التنفيذ رغم المعارضات الشديدة، يعد في حد ذاته أحد التطورات المهمة في بداية هذا القرن وأحد تحدياته الكبرى.
لقد سعت الولايات المتحدة إلى معارضة تأسيس محكمة دولية جنائية دائمة إلاّ أنها فشلت في ثني المجتمع الدولي عن المضي في هذا الطريق. فاضطرت إلى التوقيع في اللحظات الأخيرة قبيل إغلاق باب التوقيع في يوم 31/12/2000 لكنها بعد ذلك امتنعت عن التصديق، وأعلنت أن من غير المطروح أن يتم صرف ''دولار واحد'' من موازنة الأمم المتحدة لتمويل المحكمة. وقد عبّر السفير الأمريكي لشؤون جرائم الحرب في حينها ريتشارد بروسبر عن معارضته الشديدة تلك أمام لجنة من الكونجرس، وذلك حين قال ''إن الولايات المتحدة لا يمكنها أن تدعم محكمة لا تملك الضمانات الضرورية لمنع تسييس العدالة''. ثم قامت الولايات المتحدة بخطوة غريبة، حين أعلنت انسحابها من معاهدة روما في رد فعل غاضب يعكس حراجة الموقف الأمريكي ''12 نيسان (أبريل) 2002'' خصوصاً أن دول الاتحاد الأوروبي كانت داعمة لتأسيس محكمة روما. وتعتقد واشنطن أن من الأفضل في كل الحالات اعتماد الهيئات القضائية الوطنية لمحاكمة جرائم الحرب ومساعدتها إنْ اقتضت الضرورة للقيام بمهماتها، وإنْ لم يتسن ذلك فمحاكمة مثل محاكمات يوغسلافيا ورواندا تصبح ممكنة وولايتها محدودة وزمنها مرتبط بحدث محدد وبقرار محدد.
ورغم الاعتقاد الذي ساد لدى بعض الأوساط الدبلوماسية باحتمال تغيير أمريكا لموقفها إثر حملتها ضد ''الإرهاب الدولي'' بعد أحداث أيلول (سبتمبر) الإجرامية في عام 2001، وإن الولايات المتحدة تعكّزت على مسألة محاكمة المتهمين بارتكاب جرائم الإرهاب الدولي خصوصاً بعد صدور القرار 1368 من مجلس الأمن الدولي بتاريخ 12 أيلول (سبتمبر) والقرار 1373، الذي يعد من أخطر القرارات في تاريخ المنظمة الدولية في 28 من الشهر نفسه والقرار 1390 في 16 كانون الثاني (يناير) 2002، إلاّ أن مثل هذا الاعتقاد لم يكن صائباً وبدد الانتظار بشأنه عدم تصديق الولايات المتحدة على المعاهدة وتصريح بروسبر الذي قال: ''إن تلك الأحداث (المقصود بها الأعمال الإرهابية التي راح ضحيتها نحو ثلاثة آلاف شخص في الولايات المتحدة) لم تغيّر وجهة نظرنا''، ومن ثم انسحابها بعد أن حاولت وضع المزيد من العراقيل بشأن النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية خلال المناقشات التحضيرية.
والأنكى من ذلك أن الولايات المتحدة بعد احتفالية الأمم المتحدة بدخول معاهدة روما للمحكمة الجنائية الدولية حيّز التنفيذ بتصديق 60 دولة عليها في نيسان (أبريل) 2002، أقدمت على خطوة انفعالية بسحب توقيعها من المعاهدة في محاولة لإضعاف دور المحكمة الجنائية الدولية بعد أن سعت في البداية لعدم إنشائها، ثم وقعت عليها لكي تساهم في وضع قيود وعراقيل في نظامها الأساسي تمنع انسحاب صلاحياتها واختصاصاتها على الحاضر ووضع سبع سنوات لدخولها حيز التنفيذ وغيرها ثم عادت وأعلنت سحب توقيعها.
ورغم مرور نحو 13 عاماً على إنشاء نظام المحكمة، فإن روسيا هي الأخرى لم تصدق عليها، في حين أن الصين لم توقع عليها أصلاً. ويعود أحد الأسباب لهذه المواقف إلى الانتهاكات الصارخة التي حدثت في الشيشيان وكذلك في التيبت، إضافة إلى سجل حقوق الإنسان في كلا البلدين.
وإذا كان هذا موقف أعضاء دائمين في مجلس الأمن فإن الاتحاد الأوروبي كان قد عبّر عن ترحيبه ببدء العد العكسي للعمل بنظام المحكمة، ودعت إسبانيا باسم رئاسة الاتحاد الدول الباقية إلى الانضمام سريعاً إلى معاهدة روما لكي تحظى المحكمة الجنائية الدولية بأسرع ما يمكن من دعم عالمي، مؤكدة على ''الدعم غير المشروط من الجميع''، لأن المحكمة ستكون أداة فعالة في مكافحة الإفلات من الجرائم وهو ما رحب به الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك أيضاً.
ولعل اللافت للنظر أيضاً أن إسرائيل هي من الدول التي عارضت إنشاء المحكمة ولكنها اضطرت هي الأخرى للتوقيع عليها عشية إغلاق باب التوقيع ولم تصادق عليها، خصوصاً في ظل الدعوات الدولية التي تصاعدت لمحاكمة شارون واعتباره ''مجرم حرب''، ليس لأعمال ارتكبت في الماضي بما فيها صبرا وشاتيلا، بل نظراً للجرائم المستمرة بحق السكان المدنيين العزّل في جنين ونابلس ورام الله وغزة والعديد من المناطق الفلسطينية المحتلة، بما فيها محاصرة الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات وعدد من المقاومين الفلسطينيين في كنيسة المهد، فضلاً عن تدمير البنية التحتية وهدم المنازل والقتل العشوائي بما في ذلك للأسرى والإصرار على بناء جدار الفصل العنصري وبالضد من اتفاقيات جنيف عام 1949 خاصة الاتفاقية الرابعة وملحقها البروتوكول الأول عام 1977 حول ''حماية ضحايا المنازعات الدولية المسلحة''، وحتى بعد صدور رأي استشاري من محكمة العدل الدولية يقضي بعدم شرعية بناء الجدار، فإن إسرائيل لم تكترث لأي رأي قانوني دولي كما أنها لا تحترم قواعد القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة أو قراراتها.
وإذا كان موقف إسرائيل مفهوماً فلماذا لم تصادق أي من الدول العربية باستثناء الأردن وجيبوتي وجزر القمر على نظام المحكمة الجنائية الدولية؟ ونعيد السؤال أليس تصديق تونس اليوم على نظام روما أحد الحوافز المهمة لتوقيع وتصديق البلدان العربية، على نظام روما إذا توخينا ملاحقة المرتكبين وتحقيق العدالة الدولية، فلا تزال ثماني دول عربية خارج نظام التوقيع؟ أليس في الأمر ثمة غرابة وربما التباس وعدم قدرة على تفهم طبيعة الصراع الدولي، وبالتالي إيجاد مواقف متوازنة، منسجمة مع التطور الدولي من جهة ومن جهة أخرى، حماية مصالح دولنا وشعوبنا؟ والاستعداد للتعاطي مع المتغيرات والمستجدات وتوظيفها بشكل مناسب خدمة للمصالح العربية والإسلامية العليا. وتظل هذه المسألة تثير تساؤلات كبيرة بخصوص الموقف من نظام العدالة الدولية كقيم ومثل وبين المصالح الحيوية للبلدان العربية، لا سيما في خضم الصراع الدولي بالنسبة للعديد من البلدان العربية، وهو الأمر الذي أعيد طرحه ما بعد العدوان على غزة!



300
نادي الكتاب" بمنتدى الفكر العربيّ يُناقش كتابًا للمفكّر د. عبد الحسين شعبان
الصمت إزاء الانتهاكات الإسرائيلية يعد تواطئًا
تترتّب عليه مسؤولية قانونية





 
عمّان- قال المفكّر والباحث وعضو منتدى الفكر العربيّ د. عبد الحسين شعبان: إنّ ما تعرض له السكان المدنيون الفلسطينيون الأبرياء العُزّل من انتهاكات إسرائيليّة لحقوقهم، خلافًا لاتفاقيات جنيف لعام 1949 وملحقيها لعام 1977، تتحمَّل مسؤوليته إسرائيل باعتبارها دولة احتلال، ومن بعدها المجتمع الدوليّ، ولا سيما القوى المتنفّذة فيه والداعمة لإسرائيل، والمُعرقِلة لأي قرار من مجلس الأمن الدوليّ يدينها ويحمّلها المسؤوليّة.
وأضاف في اللقاء الثالث لنادي الكتاب في المنتدى بعنوان "العدالة الدولية بين الحلم والواقع"، مساء يوم الإثنين 27/6/2011، الذي جرى فيه عرض ومناقشة كتابه الصادر حديثًا عن مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت "لائحة اتهام – حلم العدالة الدولية في مقاضاة إسرائيل": إنَّ الصمت إزاء الوضع اللاإنساني لا يعدّ تواطئًا فحسب، بل هو شكل من أشكال التغطية على الجريمة؛ ما يترتّب عليه مسؤوليات قانونية؛ إضافة إلى أن ما حدث من انقسام في الوضع الفلسطينيّ عطَّل مهمة التحرّر الوطني في صراعات لا مبرّر لها ولا معنى، عدا التلكؤ في ملاحقة المرتكبين الإسرائيليين.
وفي تقديمه للقاء أشار أ.د. فايز خصاونة، أمين عام المنتدى بالوكالة، إلى أن الدراسة القانونية التي ضمنها د. عبد الحسين شعبان، تضع سيناريوهات عمليّة لوضع الأمور في نصابها الصحيح، وتنقل الحلم إلى واقع يحتاج إلى التهيئة والاستناد إلى ما يحقق الأهداف، بعيدًا عن الجيشان العاطفي الذي لا يقود إلى شيء في مثل هذه القضية.
ويوضح د. شعبان في كتابه أنه على الرغم من أن وتيرة المطالبة الدولية بالتحقيق في جرائم الحرب المرتكبة في غزة، التي جرى توثيقها من جانب جهات دوليّة عدّة، إلى جانب ما نُقِل عبر الشاشات الزرقاء من وقائع مرعبة لأكثر من (22) يومًا، فإن إسرائيل رفضت إجراء تحقيقات دولية مستقلّة، وحاولت ذرّ الرماد في العيون بإجراء تحقيقات ميدانية سرعان ما أوقفتها، كما رفضت التعاون مع المقرّر الخاص المعني بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلّة منذ عام 1967؛ ما يدل في الواقع على ازدرائها للأمم المتحدة، وتنكرها لقواعد القانون الدوليّ، وهو الأمر الذي دفعها إلى رفض التعاون مع بعثة التحقيق الدولية التي قررها مجلس الأمن في 12/1/2009.
وفي هذا السياق أشار د. شعبان إلى أن إسرائيل عملت بجهود حثيثة للحيلولة دون محاكمة مقترفي جرائم الحرب الإسرائيليين، مثل بن أليعازر وزير الدفاع الإسرائيلي الأسبق و6 من قيادات إسرائيل، أمام المحاكم الوطنية الإسبانية التي تأخذ بالاختصاص الدولي. وأكد أن مسؤولية المجتمع الدولي تتلخص بمحاكمة المرتكبين، لكي لا يفلتوا من العقاب، وذلك باستخدام جميع الإمكانات المتاحة والآليات المتوافرة، وهو ما تحاول الدراسة أن تبيّنه، فضلاً على إبقاء الحلم قائمًا وعدم تخفيض السقف، بصرف النظر عن المساومات والاتفاقيات السياسية، ما دام بقيت قضية العدالة غائبة ومغيبة.
وتهدف الدراسة أيضًا إلى تحديد مسؤولية مَنْ ساند العدوان ومنح آلة الحرب الإسرائيلية فرصة الالتفاف على العدالة أو الإفلات من قبضتها، والتغوّل على الحقوق الفلسطينية، خاصة بوضع العراقيل أمام إدانة المعتدي، وعدم تنفيذ القرارات الدولية السابقة القاضية بالانسحاب من الأراضي المحتلة أو العمل على تأخير وقف إطلاق النار، أو تبرير العدوان بذريعة الدفاع عن النفس التي لا تنطبق على ممارسات إسرائيل منذ قيامها عام 1948 حتى اليوم، وهو ما سعت الدراسة إلى تبيانه بهدف فضح الحيل القانونية الإسرائيلية والفقه القانوني الإسرائيلي الذي تتعكز عليه.
وتضع الدراسة مسؤولية مواجهة الضغوط الصهيونية – الأمريكية، لا على عاتق الشعوب والدول الأخرى والمجتمع الدوليّ فحسب، بل على عاتق العرب وأصحاب القضية الأساسيين، وبذل الجهود بصورة كافية لتفعيل قرارات القمم العربية التي قضت بملاحقة مقترفي جرائم الحرب "الجناة الإسرائيليون". وقال    د. شعبان في هذا المجال: لعل ذلك يقتضي التصديق على ميثاق محكمة روما (المحكمة الجنائية الدولية) لعام 1998، الذي دخل حيز التنفيذ عام 2002،     ولا سيما بالنسبة للدول العربية الموقِّعة عليه، للتمكّن من طلب التحقيق في جرائم الحرب الإسرائيلية على لبنان وغزة. ذلك أن أيًا من الدول العربية والسلطة الفلسطينية لم تتقدم بطلب التحقيق.
يتألف كتاب د. عبد الحسين شعبان من أربعة فصول يبحث فيها فلسفة الحلم في إظهار المعايير والقيم، وتجسيد صورة العدالة، ومن ثم الانتقال إلى الواقع لعرض الوقائع. كما يبحث في موقف القانون الدوليّ من مقاضاة مرتكبي الجرائم الإسرائيليين، وتحديد المسؤولية الدولية إزاء انتهاكات إسرائيل قواعد القانون الدولي، وحيثيات العدوان والجرائم الدولية، وإلقاء الضوء على ادعاءات إسرائيل بشأن الدفاع عن النفس، وخطورة ذلك في ضوء القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. ثم يتناول سبل الملاحقة القانونية وخياراتها من خلال الآليات المتاحة والمتوافرة في الوقت الحاضر عبر خمسة خيارات أو سيناريوهات تحقيق العدالة. كذلك إلقاء الضوء على مسألة ما إذا كانت قواعد القانون الدولي تتعارض مع الشرعية الدولية، والإجابة عن سؤال لماذا لا تلتجىء إسرائيل إلى القضاء الدولي.
وألحق المؤلِّف بهذه المباحث أضواء على أربع قضايا يمكن أن تشكّل دليل إحالة جديدًا إلى القضاء الدولي، وهذه القضايا هي: الإتجار بالأعضاء البشرية، والجدار الديمغرافي، تقرير غولدستون والملابسات التي رافقته، وقلق إسرائيل من القانون الدولي.
حضر اللقاء جمهور من القانونيين والدبلوماسيين والكُتّاب، ودار نقاش موسع حول مضمون الكتاب والقضايا التي تناولها.     
 

301
منهج ماركس لا يزال صحيحاً لكنه لا يصلح لنا الآن
عبد الحسين شعبان: على الأحزاب أن تتعلم من جيل الشباب

 
شعبان: أقرأ ماركس مشاغباً (بلال قبلان)
   
   

رندة جباعي

لم يتقيد الشيوعي العراقي السابق، اليساري النشأة والتوجه، بتعاليم المدرسة الماركسية التقليدية، ففضل تطوير هذه المدرسة لتواكب عصرنا الحالي. عبد الحسين شعبان أكاديمي ومفكر من الجيل الثاني للمجددين العراقيين، انعكست مساهماته المتميزة منذ الثمانينيات في إطار التجديد والتغيير والنقد للتيار الاشتراكي واليساري على مؤلفاته وكتبه التي فاقت الخمسين في مجال القانون الدولي والقوانين الدستورية والسياسية، وصراعات الأيدلوجيا، الإسلام، الثقافة، الأدب وحقوق الإنسان فحققت انشغالات خاصة بقضايا الحداثة والديموقراطية والإصلاح والمجتمع المدني وقدمت اهتماماته الفكرية مبادئ متجددة لتطوير الفهم لقضايا حقوق الإنسان ونشر ثقافته، خصوصاً من خلال وسائل الإعلام التي يعد شعبان من الخبراء في مجالها.
من أبرز كتبه «تحطيم المرايا - في الماركسية والاختلاف» (2009) الذي أثار جدلاً كبيراً، «بانوراما حرب الخليج» (1995)، «الجواهري في العيون من أشعاره» (1986) ومؤخراً صدر له كتاب «كوبا، الحلم الغامض» عن دار الفارابي. التقيناه خلال وجوده في بيروت وكان لنا معه هذا اللقاء الغني حول كتابه الأخير، وحول نظرياته في الشيوعية، الماركسية وحتى النظام الفيدرالي في العراق.
«كوبا الحلم الغامض»، كتاب تسرد فيه سيرة جيفارا». ما الذي أعادك اليوم إلى كوبا وإلى جيفارا الرمز اليساري؟
^ في الحقيقة كان يفترض بي أن أزور كوبا لحضور مؤتمر الشباب والطلاب العام 1978 ولكن لم أستطع حينها بسبب ظروف العراق السياسية. وبعدها مرت الدعوات والأيام ولم أقم بهذه الزيارة، إلى ان قررت مؤخراً أن ألبّي دعوة قلبي للاطلاع على التجربة الكوبية من قرب، وكنت حريصاً على زيارة كوبا بوجود كاسترو، لذا سميت الكتاب بعنوان فرعي «رؤية ما بعد الخمسين». ذهبت لأبحث عن جيفارا في أواسط الستينيات أي عندما بزغ نجمه، عن جيفارا الأسطوري برمزيته وبالدور الذي يمكن أن يتركه الإنسان في المجرى التاريخي. بداية كتبت انطباعاتي الشخصية في صحيفة عربية، فشعرت كأنني أحرث في أرض بكر. ووددت التواصل أكثر مع الحياة الكوبية خصوصاً في الحياة الاجتماعية الكوبية من رقصة السالسا، إلى الفرح والغناء الكوبي، إلى شراب الماهيتا، فنشرت أربعا وعشرين حلقة واستكملتها بأربع عشرة حلقة لم تنشر وجمعتها وأعدت تبويبها فكان هذا الكتاب.
مصادر
في الكتاب نجدك تتحدث عن جيفارا بمواقع عدة، كما نراك تجمع بين ما هو ثقافي وما هو سياسي وبين ما هو فني وما هو ثوري، كيف يمكن الجمع بين كل هذه الميادين ومقارنة تجربة جيفارا بتجارب أشخاص بعيدين عن ثورته؟
^ بالفعل أنا داخلت الكثير من الميادين بعضها بالبعض الآخر، وما ساعدني على هذا التداخل نظرتي الشمولية للإنسان. فتعاملت مع جيفارا في كتابي كإنسان، وتناولت صوابه وخطأه وانطلقت من السياق التاريخي من دون التقليل طبعاً من رمزيته المهمة. وأستعين هنا بقول للشاعر الجواهري «كان الزعيم المجد والأخطاء». لكن السياق العام كان إيجابياً وبعد مرور أربعة عقود ونصف من الزمان كان لا بد من التطرق إلى جيفارا الإنسان، كرحلته على الـ«موتوسيكل» او علاقته بالنساء، وهذه حالة إنسانية طبيعية. إضافة إلى قوة تأثيره في المنطقة على الآراء وعلى منطق المقاومة التي صنعها، فخطاب الجزائر العام 1965 لم يكن بعيداً عن الاشتراكية السوفياتية البيروقراطية مثلاً.
ما هو مصدر معلوماتك في كتابك عن جيفارا؟
^ جزء من الكتاب أعبر فيه عن انطباعاتي الشخصية وجزء آخر معلومات تاريخية، وجزء كبير جمعته من شذرات مقابلات نشرت عن لقاءات بين جيفارا وزعماء ومثقفين عرب، كمثل لقاء جمال عبد الناصر بجيفارا وما ورد من هذا اللقاء على لسان محمد حسنين هيكل. والكتب المرسلة من جمال عبد الناصر إلى جيفارا أو النقاش مع أحمد بن بلا والمهدي بن بركة، استنتجت منها مفردات ومعلومات. وقد تبين لي أنه وحتى ثورة كوبا كان جيفارا متأثراً بنا نحن العرب إلى حد كبير، خصوصاً «دول التحرر الوطني» كالجزائر وغيرها. ولا بد من الإشارة إلى أنني قرأت عن جيفارا منذ كنت يافعاً، وهذه القراءات المتصلة أضافت إليّ الكثير مثل كتاب «جيفارا 1967».
معروف عنك نقدك الدائم للماركسية، الأمر الملموس في كتابك الأخير «كوبا الحلم الغامض». لم هذا الاتجاه في النقد؟
^ الماركسية ليست تمامية وليست كاملة أو نظرية منجزة وهي منهج جدلي يتطلب التغيير ليستجيب لمتطلبات الحياة. منهج ماركس لا يزال صحيحاً لكنه لا يصلح لنا الآن، هي تصلح لعصره وتصلح لعلوم القرن التاسع عشر، من هنا كان توجهي في انتقاد المدرسة الماركسية التقليدية.
هل نستطيع أن نقول إن كتاب «كوبا» هو تكملة لكتاب «تحطيم المرايا في الماركسية» في نقد الماركسية؟
^ نعم هو تكملة لكتاب «تحطيم الماركسية»، هو جزء من المنهج ونص مكتوب بلغة مفتوحة فيها شيء من الأدب وفيها ثقافة بالإضافة إلى نقد مغمس بالحب أحياناً، كما يوجد فيه قلق على التجربة وما قد تؤول إليه، وفيه تمنّ للمراجعة وطلب إنساني لنفتح الأبواب لاستنشاق هواء الحرية، كما فيه تمسك بالخيار الاشتراكي. هذا الخيار الذي يفترض به أن يقترن بالتعددية وقبول الآخر والتأكيد على قبول المعارضة لكنه خيار لا عودة عنه، فأنا أظن أن ذلك الانفتاح يعزز من مقاومة كوبا ومن تصديها للمؤامرات التي تحاك ضدها بالعلن وبالخفاء. لينين يقول إنه لا يمكن تصور أن الوصول إلى الاشتراكية يكون عبر طريق يختلف عن طريق الديموقراطية. والديموقراطية هي احترام حقوق الإنسان واستقلال القضاء وتقبل التعددية، وهي بعيدة عما كنا نطلق عليه «ماركسية ديموقراطية»، التي هي من أشكال الفرض والتوجه والخضوع.
الماركسيون
في كتابك «تحطيم المرايا، في الماركسية والاختلاف» كان نقدك الماركسية انطلاقاً من تجربتك في الحزب الشيوعي العراقي وقد أعطيت خمسة تصنيفات للماركسيين وزعتهم بين طقوسيين، مدرسيين، مسلكيين، ذرائعيين وعولميين. أنت ماركسي الأصل، هل تجد نفسك بين هذه التصنيفات؟
^ عندما وضعت هذا التصنيف في كتابي كنت أتحدث عن المتمركسين وليس الماركسيين. وبالتالي أنا أضع نفسي في خانة الماركسيين النقديين الوضعيين. من وضعتهم في هذه الخانة تشبثوا بأذيالها بدلاً من الدخول إلى جوهرها ومحتواها ومضمونها وقد أطلقت على البعض بأنها ماركسية بدوية وقروية، هؤلاء الذين دخلوا إلى الماركسية وعدلوا فيها بما يتناسب وآراءهم القروية السائدة، مع أن الماركسية هي فكرة مدنية حديثة. أنا قرأت ماركس قارئاً وقرأته مبشراً وقرأته ناقداً، واليوم أنا أقرأه مشاغباً، أقرب إلى الشغب الفكري. فماركس قدم قضيتين مهمتين هما قانون التطور التاريخي عبر الصراع الطبقي وقانون «فاقد القيمة»، لكن الماركسية توقفت عنده. مع أن كل نظرية قابلة للتطور. برأيي، ماركس بالطبع قابل للنقد، فنظريته بشأن الدولة ليست قابلة للتطبيق وكذلك نظريته في حق الشعوب في تقرير مصيرها، وهو لم يستكمل أدواته في ما يتعلق بالميثولوجيا او علم الجمال وقد يكون السبب عدم نضوجه العمري، لكني حتماً لا أنكر أن إنجازاته كانت كبيرة على كل المستويات. فهو محسوب كواحد من أهم الاقتصاديين في التاريخ، وأهم فيلسوف وكاتب تاريخي بل وأبرز ناشط ثوري وهو بالفعل كل ذلك وأكثر، لكن تعاليمه لا تطبق على عصر الحداثة والعولمة وما بعدهما من تطور هائل في ثورة الاتصالات والمواصلات.
انطلاقاً من تجربتك، كيف ترى وضع الحزب الشيوعي في العراق والعالم العربي اليوم؟
^ بالرغم من التضحيات التي قدمها الحزب الشيوعي والعذابات التي مر بها، إلا أن الأحزاب الشيوعية في عالمنا العربي أحزاب تقليدية لم تجر مراجعات كافية لمنهجها وأساليب عملها. بعض هذه الأحزاب شاخ ودخل في مرحلة الزهايمر، وبعضها الآخر قرأ التحولات على نحو خاطئ. لا تزال قيمة الفكر محدودة في معظم هذه الأحزاب ويغلب عليها الطابع السياسي المسلكي، فالنقد غالباً ما ينظر إليه بكراهية وازدراء. على هذه الأحزاب أن تتعلم من جيل الشباب الذي ملأ الساحات وأنجز التغيير في بلدين على الأقل هما تونس ومصر، في حين ظل الآخرون يناقشون في جو قلق وحيرة وتردد إذا كان المنتصر هو الإسلاميين، أم إن الدكتاتوريات ستبقى من دون أن يسألوا أنفسهم ماذا كان دورهم وماذا ينبغي أن يكون. لم يعد كتاب لينين «ما العمل» الذي كتبه العام 1903 صالحاً للتغيير السياسي، وحتى دور الحزب الشيوعي وقضيته اختلفت، وحتى ظروف الفئة العاملة اختلفت قياساً على القرن الثامن عشر.
أبرز مواقفك موقفك الداعم للشعب الكردي، ومطالبتك بالنظام الفدرالي في العراق. برأيك هل هذا النظام هو الحل الأمثل ؟
^ أنا مع النظام الفدرالي تماماً، فهو النظام الأكثر استقراراً، والذي يضمن وحدة الشعب العراقي، ومن خلاله تتوزع الصلاحيات بشكل صحيح. بالنسبة إلى الشعب الكردي، أنا أدعم قضيته تماماً، فأنا مع حقه في تقرير مصيره. هذا الشعب اضطهد على مرّ سنوات الأنظمة المختلفة التي مرت على العراق.
حاورته: رندة جباعي




302
الربيع العربي وحرية التعبير

عبد الحسين شعبان

في كل أزمة يمرّ بها العالم العربي تبرز إشكالية الدولة الوطنية على نحو غير مألوف في العديد من جوانبها وأركانها، خصوصاً في ما يتعلق بشرعية وقانونية الحصول على المعلومات، حيث تتعرض الكثير من وسائل الاعلام والاعلاميين الى الانتقاد والى العسف من جانب أطراف كثيرة وفي مقدمتها الأطــراف الحــكومية، ويــتم اتهامهم بشتى التهم ابتداءً من الانحياز وعدم الحيادية ووصولاً الى العمل لصالح جهات خارجية، ناهيكم عن اتخاذ إجراءات بحقهم، لعل أولها مصادرة حقهم المشروع والقانوني في الحصول على المعلومات، خصوصاً في مناطق النزاع أو عند احتدام المشاكل واستفحالها.
حينما اشتعلت انتفاضة الكرامة والياسمين في تونس استهدفت السلطات الحاكمة الكثير من وسائل الاعلام والاتصال لاسيما المرئية منها، وذهب الأمر بعيداً عند اندلاع انتفاضة الغضب والنيل في مصر، فقد كان استهداف وسائل الاعلام والفضائيات بشكل خاص، إضافة الى «الانترنيت» و«الفيس بوك» و«التويتر» وكذلك الهاتف النقال، بشكل ملحوظ، وكأن معركة العدّ العكسي وارتفاع موجة العنف بدأت عند التصدي لوسائل الاعلام والاتصال، ولاسيما للاعلاميين، الذين كانوا ضحايا مواجهات وانتهاكات وبشكل خاص من السلطات الحاكمة التي اعتبرتهم «عدوّاً « لا يختلف عن أعدائها التقليديين بل أكثر منهم أحياناً، ناهيكم عن المندسين والمدسوسين وأصابع للخارج في التحريض والتعبئة وإثارة الفتن.
لم يختلف الأمر في أي من البلدان العربية التي شهدت تحركات شبابية واحتجاجات شعبية وثورات، فقد كان الاعلاميون وهم يقومون بواجبهم المهني أول الضحايا المستهدفين ولا يزال بعضهم يختفي مثلما هو الصحافي حسن زيتوني مراسل قناة الـ ام بي سي في ليبيا، في حين أطلق سراح الصحافية دوروثي بارفاز مراسلة قناة الجزيرة بعد اختفاء آثارها لحظة وصولها الى دمشق، واتضح أنه تم تسليمها الى إيران، بسبب من أصولها وجنسيتها، كما قتل عدد من الاعلاميين، وكانت المنطقة العربية، هي الأكثر خطراً على حياتهم، لا سيما في العراق، الذي شهد منذ الاحتلال الى اليوم مقتل ما يزيد عن 200 اعلامي.
كنت أراجع هذا السجل لمناسبة يوم حرية الصحافة العالمي، المصادف 3 أيار (مايو) منذ أن قررت اليونسكو تخصيص هذا اليوم للاحتفال في جلستها السادسة والعشرين المنعقدة في العام 1991، الأمر الذي بحاجة الى تقويم أوضاع الاعلام عالمياً، لاسيما ما يتعلق بحرية الصحافة، خصوصاً ضد الانتهاكات ومحاولات الهيمنة عليها وتقويض استقلالها، حيث صدر «إعلان الحق في الوصول على المعلومات» في العام 2010 في اختتام مؤتمر نظمته اليونسكو وكلية الصحافة في جامعة كوينز لاند (استراليا - بريسبان)، ولأن الصحافي (الاعلامي) هو مؤرخ اللحظة حسب البير كامو، فإن هذه اللحظة تثير قلقاً أحياناً إزاء وصول المعلومة الى الجمهور، لاسيما كيفية توظيفها أو استغلالها، ناهيكم عن مهنيتها، وهو ما ينبغي التدقيق بشأنه، خصوصاً هواجس الحكومات وروادعها.
ولعل هناك إلتباساً، بل وفهماً مغلوطاً، إزاء مسألة الحق في الحصول على المعلومات، وقد برز ذلك على نحو شديد في البلدان العربية إبان الانتفاضات الشعبية، فقد اعتبرت جميع الحكومات ودون استثناء أن وسائل الاعلام في غالبيتها ساهمت في التحريض وإثارة الفتن والتدخل بالشؤون الداخلية، وأن لها أجندات خاصة، وربما معادية، في حين أنها تقر مبدأ حرية الحصول على المعلومات، لكنه تريدها على مقاسها وعلى ضوء ما تحدده هي من أهداف، وبما يخدم أغراضها السياسية. وإذا كان خيطاً رفيعاً هو الذي يفصل بين «حرية التعبير» و«حرية التشهير»، فإن تجاوزه سيكون خطاً أحمر يحاسب عليه القانون. أما الحجر على المعلومات بحجة التشهير أو القذف، فليس سوى محاولة لمنع وصول المعلومات الى الجمهور، وهو انتهاك لا يمكن الاّ مساءلة من يقوم به أو يلتجئ اليه. ولا يمكن تبرير أي عمل أو فعل من هذا القبيل، لأنه سيعني في نهاية المطاف منع الاعلام من إداء دوره التنويري في إيصال المعلومات الى الناس.
إن ضمان الحق في الحصول على المعلومات هو أمر حاسم للمشاركة الديموقراطية، خصوصاً من خلال رصد الانتهاكات وكشف التجاوزات، على نحو شفاف ومسؤول، فيما يتعلق بانتهاكات حقوق الانسان أو بقضايا الفساد المالي والاداري أو مكافحة التمييز بسبب الدين أو العرق أو الجنس أو اللون أو الأصل الاجتماعي أو الاتجاه السياسي، كما أن نشر وإذاعة المعلومات سيساهم في تعزيز دور المجتمع المدني ويحسّن من ادائه، لا سيما حين يلعب الاعلام مثل هذا الدور الايجابي.
وقد أشار « اعلان الحق في الوصول الى المعلومات» الى القلق إزاء ضعف إنفاذ هذا الحق في جانبيه التشريعي والعملي بوضع عقبات وعوائق أمامه. ودعا الى اتخاذ الإجراءات والقوانين والتشريعات الضرورية لضمان هذا الحق باعتباره «حقا لكل فرد في الحصول على المعلومات التي تحتفظ بها الهيئات العامة عدا جميع المستويات، المحلية والوطنية والدولية» ولا شك أن وجود بعض الاستثناءات، لكنها ينبغي أن تكون محدودة.
لا زال إنفاذ مثل هذا الحق محدوداً وضعيفاً، لاسيما في البلدان العربية، بل أحياناً تعتبر بعض المعلومات، وهي عامة ولا خصوصية أمنية أو عسكرية لها، من قبيل الأسرار، وتذهب بعض السلطات الى إنزال العقوبات الغليظة بمن يريد الوصول اليها، علماً بأنها في البلدان المتقدمة، هي معلومات عامة وأحصاءات وأرقام تخص حقولاً اقتصادية أو اجتماعية أو طبية أو بيئية أو تربوية أو ثقافية أو قانونية أو غيرها، ويمكن للباحث والمسؤول ولمن له رغبة الحصول عليها الوصول اليها بكل يُسرٍ وسهولة من أي مرفق عام وحيوي، بل إن هذه الجهات تقوم بمساعدته في الحصول على المعلومات.
وإضافة الى المحاذير الأمنية التي تبديها بعض الحكومات، وهي محاذير لا علاقة لها بالأمن، فهناك انخفاض في مستوى الوعي العام حول الحق في الحصول على المعلومات وتطوير قدرات كل فرد في ممارسة هذا الحق، بمن فيهم الفئات المهمشة، والمحرومة من مبادئ المساواة مثل النساء، وكذلك ما يطلق عليه التنوّع الثقافي وشعوب البلدان الأصلية (طبقاً لإعلان حقوق الأقليات لعام 1992 وإعلان حقوق شعوب البلدان الأصلية لعام 2007) إضافة الى المعوّقين أو ذوي الاحتياجات الخاصة، ناهيكم من الحصول على المعلومات المتعلقة بانتهاكات حقوق الانسان أو التكنولوجيا الحديثة، انطلاقا من مبادئ المساواة والتعددية.
إن رفع مستوى الوعي بخصوص حرية التعبير والحق في الحصول على المعلومات وتعزيز الجوانب الاستقصائية في الاعلام واتباع ستراتيجيات جديدة بالفئات المهمشة وتعزيز التعددية والتنوّع، يساهم في تعزيز التحوّلات نحو مواطنة فاعلة وقائمة على المساواة وتكافؤ الفرص وتعزيز المشاركة، وذلك ما تضمّنه إعلان اليونسكو المشار اليه، ولعل هذه التحدّيات ستواجه الثورات والانتفاضات، لاسيما التي نجحت في تحقيق أهدافها الأولية، أو تلك التي لا تزال تراوح، مثلما سيكون على الحكومات أن تتصرف على نحو مختلف عمّا سبق تلك الاحتجاجات الواسعة، بوضع هذه المبــادئ بنــظر الاعتبار، لاسيما إذا استمرت الأسباب لاندلاعها كامنة، فيـمكن أن تنفجر في أي لحظة، ولا بد من حلول ومعالجات سياسية وليست أمنية أو اقتصادية، وإن كانت هذه مكمّلة، لكن الحل السياسي هو الأساس وهو ما له علاقة بموضوع بحثنا الخاص بحرية الوصول الى المعلومات.
وقد ذهبت وثيقة كامدن (لندن) الصادرة في مؤتمر دولي انعقد في 23-24 شباط (فبراير) 2009 حول حرية التعبير والمساوة الى اعتبار حق التعبير والحق في المساواة هي حقوق جوهرية وأساسية وهي تكمّل بعضها البعض وتلعب دوراً حيوياً ولا غنى عنه، في حماية الكرامة الانسانية واحترام حقوق الانسان، ولا شك أنه دون حرية التعبير لا يمكن حتى الدفاع عن حق الحياة وهو أسمى الحقوق جميعاً، فضلاً عن الحقوق الأساسية الأخرى مثل حق العيش بسلام ودون خوف وحق التعبير وحق التنظيم الحزبي والنقابي والمهني وحق الاعتقاد والحق في المشاركة، إضافة الى الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
ولعل الهدف من مدوّنة كامدن المستندة الى المادة 19 من الاعلان العالمي لحقوق الانسان الصادر في 10 كانون الاول (ديسمبر) العام 1948 الخاصة بحرية التعبير يعود الى الرغبة في تشجيع المزيد من توافق الآراء على الصعيد الدولي حول العلاقة العضوية بين الحق في التعبير والحق في المساواة، وهي الأساس لوضع نظام عالمي يحمي حقوق الانسان.
ولعل من واجب حكوماتنا ونخبنا السياسية والفكرية والحقوقية إمعان النظر بالتلازم الوثيق بين حرية التعبير والحق في المساواة، فمهمة الاعلام نقل الخبر، لا التحريض على تبنّيه، وللأسف لم تفرّق بعض أجهزة الاعلام العربية أو بعض الاعلاميين بين الوظيفة المهنية وبين الوظيفة السياسية، وقد اندفع بعضها بالاتجاه الثاني، الأمر الذي أعطى مبرراً (وهو غير مبرر على الإطلاق) للحكومات لكي تنال من بعض وسائل الاعلام وتستغل بعض المواقف المسبقة الرأي، لكي تتجاوز على الاعلام بشكل عام وتتخذ إجراءات رادعة وزجرية ضد بعض وسائل الاعلام والاعلاميين.
إن حرية الحصول على المعلومات تتطلب حق الحصول عليها وحرية الوصول اليها والبحث عنها ثم حرية نقلها وإذاعتها دون قيود.
أعتقد أن التقدم العلمي والتكــنولوجي، ولاسيـما في حقل الاتصالات والمعلومات والمواصلات، سيسهم في إثارة مشكلات جديدة بوجه حرية الحصول على المعلومات وإذاعتها، وقد يتطلب وضع إتفاقيات دولية جديدة بخصوصها، وهو ما أثاره نشر وثائق ويكيليكس التي فتحت جدلاً واسعاً وسجالاً فقهياً حول حق المواطن، الانسان في الاطلاع على المعلومات في إطار حرية التعبير وحق المساواة.

[ أكاديمي وحقوقي عراقي




303
المنبر الحر / التسامح والرمز
« في: 22:57 29/06/2011  »
التسامح والرمز
   
 
عبدالحسين شعبان
جرت العادة أن تمنح جائزة التسامح سنوياً لشخصية بارزة، اكتسبت تجربة وأثبتت جدارة واختزنت معرفة واتسمت بالتسامح فكراً ومنهجاً وسلوكاً، لكنها هذا العام مُنحت إلى شابين في مقتبل العمر: تسلّمتْ الجائزة الأولى شابة مصرية عاملة في جريدة “الأهرام”، وحاز على الجائزة الثانية شاب تونسي جامعي، ولم يكن منحهما اعتباطياً وبصفتهما الشخصية حسب، بل مع اعتبارهما من الشباب الذين أصرّوا على المنازلة بصدور عارية في شارع الحبيب بورقيبة في تونس وفي ميدان التحرير في القاهرة، إذاً الجائزة استحقها هذا العام شباب حالم، بمجتمع ينعم بالحرية والكرامة ويضع حداً لأنظمة الاستبداد والفساد .

في السنوات السابقة تسلّم جائزة التسامح شخصيات عربية مرموقة بينهم رئيس وزراء لبنان الأسبق سليم الحص، لكن الشبكة العربية للتسامح هذا العام خرجت عن هذا التقليد لتكرّم من الشباب العربي، لما في ذلك من رمزية ومعنوية لها ما يبررها وما يزكّيها، فجائزة التسامح هذا العام لها طعم خاص ومذاق جديد، فقد شهد الوطن العربي من أقصاه إلى أقصاه نهوضاً شعبياً كان الشباب عقله المفكر والمدبر، المخطط والمنفذ، مشمّراً عن سواعده وطاقاته، ليبدع ملامح متميزة وريادية على صعيد تاريخنا المعاصر، وقد فاجأ الشباب العالم أجمع بالمستوى الحضاري، المدني، السلمي، الراقي، ولاسيما حين أجبر حاكمين من عتاة حكامنا في تونس ومصر على مغادرة السلطة، عن طريق المقاومة المدنية، اللاعنفية، خصوصاً بعد ما انتقل الخوف من المحكوم إلى الحاكم، وكان مثل هذا التوقيت اختياراً لا عودة عنه للحظة الثورية التي تم اقتناصها ببراعة منقطعة النظير .

لقد اكتشف الشباب واكتشفنا معه، الطاقات الخلاقة، اللامحدودة، الكامنة، التي يملكها، حين جابه ترسانات من السلاح والمخبرين، وعمليات الخداع والغدر، خصوصاً بعد إحراق الشاب بوعزيزي من قرية سيدي بو زيد نفسه، انتفاضاً لكرامته ودفاعاً عن حقه وحريته في حياة حّرة كريمة، فلم يعد يقف بوجهه شيء، خصوصاً عندما انسجمت حركته مع حركة التطور التاريخي وبتراكم وتطور تدريجي طويل الأمد، لتصل إلى لحظة الانفجار التاريخي، عندها ألقى البركان الشعبي حممه بوجه من حاول أن يصادر أحلام الشباب وكرامته وحريته .

وعندما فاض الكأس وخرج الشباب مائزاً رائزاً، متطلعاً إلى مستقبل حر، وهو يطفح بالبشارة والأناقة، ويتواصل بأحدث وسائل الاتصال الحديثة، من الإنترنت إلى الفيسبوك إلى التويتر، إلى الهاتف النقال، عندها أدرك بعض جماعات الحكم والمدلسين والمترددين في السرّ والعلن أن لحظة الحسم اقتربت، فانحاز بعضهم إلى معسكر الشباب، واضطر الحاكم في محاولة منه إلى التكيف برمي جزء من متاع طريقه إلى سلة المهملات، مقدّماً التنازل تلو التنازل، لكن الشباب لم يعد يرضى بغير “الشعب يريد إسقاط النظام” .

هكذا كان الخيار السلمي أقوى من مدفعية الميدان، وكان شعار الحرية والكرامة أكثر وقعاً من كل الأسلحة الفتاكة وغير الفتاكة، من أجهزة النظام وبلطجيته، وعندما أصر الشباب على فرض إرادته وأخذت تنكشف الكثير من عورات النظام ويفقد أوراقه، بدأت آلياته بالتعطل، بل أصيب بعضها بالشلل وفقد قدرته على القمع، وكان العدّ التنازلي إيذاناً، بالتحلل تدريجياً إلى أن انهار واستسلم، حتى بدون الضربة القاضية سواءً في تونس أو في مصر، وهكذا كان يخيّل للأغلب الأعم أن الأنظمة التي كانت تبدو حتى وقت قريب منيعة ومحصنة وكأنها قلاع لا يمكن اقتحامها، وإذا بها تتهاوى سريعاً فقد كان خريفها قد أزف وحل ربيع الشباب .

لقد كان تكريم الشباب، بمنزلة تكريم للمستقبل، ولا مستقبل لحركة أو شعب من دون دور ريادي للشباب، الذي علينا الإصغاء له، والتعلم منه، فهو من يستطيع المواءمة بين الحكمة والتجربة والحاضر والمستقبل، بين الوطنية والمواطنة، وبين الحرية والمسؤولية .

والجدير بالذكر أن حفل التكريم لم يكن للشباب حسب، بل كان لثقافة السلام واللاعنف، التي تتسم بالتسامح وقبول حق الاختلاف والاعتراف بالآخر وإقرار التعددية والتنوع الثقافي الديني والإثني والقومي والسلالي واللغوي .

إن فرضيات التسامح تعني الإقرار بنسبية المعرفة والإقرار بفكرة الخطأ والصواب، وهو المبدأ الذي أخذ به سقراط وطوره فولتير . وهذه الفرضية تقودنا إلى عدم إدعاء امتلاك الحقيقة كفكرة جوهرية للتسامح، أي فكرة عدم العصمة عن الخطأ، بما فيهم للعلماء والمفكرين، وهذا يعني الإقرار بإمكانية الخطأ والاعتراف به عند تقويمه وصولاً إلى محطة التسامح .

والتسامح كفرضية يتطلب معرفة الآخر والانفتاح عليه والاتصال به وحرية التعامل والتعايش معه، وهذا يعني التمسك بالحقوق ومبادئ العدالة وليس العكس . ويفترض التسامح الإقرار بالاختلاف بين البشر بطباعهم ومظاهرهم وأوضاعهم ولغاتهم وسلوكهم وقيمهم، لهذا يقتضي قبول الحق في العيش بسلام معهم .

ويفترض التسامح اتخاذ موقف إيجابي من حقوق الآخرين، خصوصاً التمتع بحقوق الإنسان وحرياته الأساسية، وهذا لا يعني التنازل على حساب حقوقنا أو المساومة عليها (جماعياً أو فردياً) بل هو اعتراف بحق “الآخر” على قدم المساواة بين البشر وحقوقهم . والتسامح على مستوى الدولة يعني العدل وعدم التمييز في التشريع وفي إنفاذ القانون والإجراءات القضائية والإدارية وإتاحة الفرص للجميع من دون تهميش أو تغييب .

وتبقى فرضية مهمة وهي تتعلق بكون التسامح ضرورياً على صعيد الفرد والأسرة والمجتمع، وإن الأفراد متساوون في الكرامة والحقوق وعليهم أن يساعدوا بعضهم بعضاً من خلال التعايش والاعتراف بحق الاختلاف والمساواة .

ولعل ذلك يتطلب وسائل ناجعة للوقوف بوجه اللاتسامح . ويعتمد ذلك على تنشئة الجيل الجديد من خلال التعليم بمراحله المختلفة، فالمدرسة والتربية من الطفولة يمكن أن تسهم في خلق بيئة مستعدة لقبول التسامح والاختلاف، ويمكن للجامع والكنيسة والمؤسسات الدينية والإعلامية ومؤسسات المجتمع المدني أن تسهم في إصلاح الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية ووضع مستلزمات التطور طويل الأمد وبعيد المدى للإقرار بالتسامح .

إن مبادئ التسامح تتخذ منابع متعددة دينية وسياسية وقانونية وعرقية وأخلاقية واجتماعية وفكرية وفلسفية، وهو ما ينبغي لجيل الشباب استلهامه، لبناء دولة مدنية عصرية حديثة تقوم على المساواة التامة والمواطنة الكاملة، وفي ذلك يمكن مواجهة عقبات اللاتسامح التي تتخذ أحياناً شكل حروب أو عدوان أو أعمال إبادة أو انتقام أو تحريم آراء أو تجريم وجهات نظر أو تكفير فكر، ولعل ذلك ما قررته منظمة اليونسكو حين قررت اعتبار يوم 16 نوفمبر/ تشرين الثاني اليوم العالمي للتسامح، الأمر الذي يعطي للفكرة رمزيتها، مثلما يعطي للرمز دلالاته .
 *باحث ومفكر عربي




304
هل تتقطّع خيوط واشنطن في بغداد؟
التعويضات ومعسكر أشرف





عبد الحسين شعبان
على نحو مفاجئ وفي خضم الجدل حول بقاء أو انسحاب القوات الأمريكية من العراق، أعلن وفد من الكونجرس الأمريكي زار بغداد مطالبته دفع تعويضات من الجانب العراقي، بسبب الخسائر التي تكبدتها القوات الأمريكية منذ غزوها واحتلالها العراق في ربيع عام 2003 حتى الآن. واعتبر ذلك التصريح خارج حدود اللياقة الدبلوماسية، فضلاً عن كونه استفزازياً، خصوصاً وهو يطلب "ثمن" الاحتلال الأمريكي للعراق، في حين أن واشنطن هي التي يجب أن تعوّض الشعب العراقي، بعد افتضاح عدم وجود أسلحة دمار شامل في العراق، وزيف علاقته بتنظيمات القاعدة والإرهاب الدولي، ناهيكم عن غضّ النظر عن موضوع النموذج الديمقراطي الذي تم التبشير به، ولا سيما أن هاجس القوات الأمريكية الأهم والأكبر هو تحقيق الاستقرار والقضاء على الإرهاب والعنف، اللذين ضربا المجتمع العراقي في الصميم. على خلفية تصريحات رئيس وفد الكونجرس الأمريكي، التقى دانا روهر رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي وناقش معه، كما جاء في تصريحه، موضوع "تعويضات الجانب الأمريكي حول خسائر جيشه في العراق"، الأمر الذي نفاه بعض المحسوبين على قائمة رئيس الوزراء "دولة القانون"، في حين اعتبره بعضهم "وسيلة ضغط" بهدف تمديد وجود القوات الأمريكية في العراق، والمقصود هنا استبدال اتفاقية 2008 التي تنتهي في أواخر عام 2011 باتفاقية جديدة والموافقة على إبقاء قوات أمريكية في العراق، بحدود عشرة آلاف أو تزيد عليها مع وجود قواعد عسكرية أمريكية تستخدمها. وكان ستة من أعضاء وفد الكونجرس الأمريكي قد عقدوا مؤتمراً صحافياً في مقر السفارة الأمريكية في بغداد طالبوا فيه بدفع تعويضات عن خسائر الجيش الأمريكي في العراق، لكون الحكومة الأمريكية حسبما برروا: لا تستطيع أن تتكبد مبالغ طائلة في ظل الأزمة الاقتصادية والمالية التي تعيشها والوضع الاقتصادي الحرج الذي تعانيه. وظلّت قضية تعويضات الأمريكيين موضوع جدل ونقاش بين الجانبين العراقي والأمريكي، ولاسيما بعد موافقة مجلس الوزراء العراقي على دفع تعويضات لأمريكيين بنحو 400 مليون دولار كانت قد حكمت فيها محاكم أمريكية ضد النظام السابق، وذلك في أيلول (سبتمبر) عام 2010، ووافق عليها البرلمان العراقي في 30 نيسان (أبريل) من العام الجاري 2011، باعتبارها اتفاقية تسوية بين الطرفين. وفجّرت مطالبة أعضاء الوفد الأمريكي الذي يزور العراق الموقف، خصوصاً أن هناك اعتراضات شعبية شديدة، تعتبر مثل هذه التصريحات استفزازاً للعراق والعراقيين. جدير بالذكر أن الاعتراضات الشعبية أخذت تتصاعد بخصوص تعويض العراقيين المتضررين، خصوصاً أن الاتفاقية العراقية - الأمريكية لعام 2008 غضّت الطرف عنها، ولعلها بما رتبته من أحكام أسقطت حقوق العراق للمطالبة بالتعويض. وعلى الرغم من أن ردّة فعل الحكومة العراقية كانت سريعة وحادة بعد تصريحات الوفد الأمريكي، ولا سيما مطالبة الوفد بمغادرة العراق، لكن هذا الموقف لم يكن موحّداً، فقد قالت وزارة الخارجية العراقية إن القرار اتخذ من دون العودة إلى وزارة الخارجية، وأضافت: علماً أن ما طرحه الوفد الأمريكي وإن كان قد أثار حفيظة العراق، إلاّ أنه لا يستدعي الطرد، وهو الأمر الذي طالما تكرر بخصوص الوفد الفني لبحث موضوع بناء ميناء مبارك. في تقديري أن ردود فعل الحكومة العراقية لا تتعلق فقط بتصريحات الوفد بخصوص المطالبة بالتعويضات، بل إن الموضوع الأكثر حساسية كان هو: طلب الوفد الأمريكي زيارة معسكر أشرف للاجئين الإيرانيين، الأمر الذي أدى إلى نوع من الاحتكاك، خصوصاً وقد تسرّبت بعض الأخبار أخيرا عن معسكر أشرف ورفعت العديد من المنظمات الدولية صوتها للمطالبة والتحقيق في مقتل نحو 35 من عناصر منظمة مجاهدي خلق داخل المعسكر، الأمر الذي اضطرت فيه الحكومة العراقية إلى طلب مغادرة الوفد من العراق. اللافت أن معسكر أشرف شهد خلال السنوات الماضية توتّرات واصطدامات وسقط العديد من القتلى والجرحى من جرّاء ذلك، وكانت الحكومة الإيرانية ومعها أطراف نافذة من الحكومة العراقية تطالب بطرد أعضاء هذه "المنظمة الإرهابية"، حتى إن كانوا بصفة لاجئين، وظلّت طهران تضغط لتسليمهم إليها، الأمر الذي دفع بأوساط واسعة من الرأي العام الدولي، بما فيه ناشطون في مجال حقوق الإنسان ومنظمات دولية معروفة، مناشدة الحكومة العراقية والقوات الأمريكية عدم تسليمهم، لأن ذلك سيعرّض حياتهم للخطر. وهنا لا بدّ من التنويه ولفت النظر إلى أن الولايات المتحدة كانت تعتبر منظمة مجاهدي خلق إرهابية، وأنها تعاونت في السابق مع الأجهزة الأمنية العراقية وقامت بمهمات مزدوجة، إلاّ أنه بعد احتلالها العراق، أقامت علاقة معها وسعت إلى رفع اسمها من قائمة الإرهاب الدولية، وتم ذلك بالفعل، وظلّت تضغط على الحكومة العراقية بعدم تسليم أفرادها من اللاجئين إلى إيران، بل إن واشنطن كانت توحي بأن موقفها الجديد ليس بعيداً عن الضغوط التي تمارسها ضد طهران بسبب سياستها الممانعة من جهة، وملفها النووي من جهة ثانية. ولهذا فإن حساسية ملف أشرف لها ثلاثة أبعاد، الأول يتعلق بانتهاكات حقوق الإنسان، الذي يراد أن يستخدمه بتوظيف سياسي، والثاني إيراني ضاغط، خصوصاً لنفوذ إيران "العراقي"، أما البعد الثالث فهو أمريكي يريد استخدام هذا الملف كجزء من الضغط على إيران وللمناورة السياسية، وذلك لنفوذ أمريكا "العراقي". وبخصوص مسألة التعويضات أستطيع أن أتفهم إنسانياً وقانونياً موضوع مطالبة المتضررين بالتعويضات سواءً كانوا أمريكيين أو غير أمريكيين، عراقيين أو غير عراقيين، التي هي حق لكل متضرر بفعل غير قانوني وغير شرعي قامت به دولة ضد دولة أخرى أو عرّضت مواطني دولة أخرى على المستوى العام أو الخاص للضرر، مثل التعذيب والترويع والمعاملة القاسية، أو التي تحطّ بالكرامة أو استخدام الدروع البشرية أو غير ذلك، لكن مثل هذا الإدراك، وسبق أن أشرت إليه منذ احتلال العراق، ينبغي أن يتسم بالمساواة، لا سيما أن حقوق شعب كامل تضررت ولم يتم تعويضه جرّاء الغزو والاحتلال والممارسات المنافية لحقوق الإنسان، الأمر الذي سيعني الافتئات على القانون وتجاوز الحقوق الإنسانية على نحو صارخ، فمن يتحمل هدم كيانية الدولة العراقية وتعريض ممتلكاتها للنهب والسلب بما فيها متاحفها وآثارها وصروحها الثقافية التي لا تقدر بثمن. ولعل ما نشر أخيرا من فقدان 6.5 ملياردولار كانت تنقلها طائرات عسكرية أمريكية من الولايات المتحدة إلى بغداد بعد احتلاله عام 2003، وهي من أموال العراق، ما يلقي المزيد من الاتهامات والمساءلات حول مسؤولية الولايات المتحدة عن تبديد الأموال العراقية حسب اتفاقيات جنيف لعام 1949 وملحقيها لعام 1977 وطبقاً للقانون الدولي الإنساني، وهو ما يستحق المطالبة به، إضافة إلى هدر ثمانية مليارات و800 مليون دولار صُرفت معظمها دون إيصالات قانونية في عهد بول بريمر، كذلك تبديد نحو 20 مليار دولار في ظل الاحتلال للحكومتين الثانية والثالثة، ناهيكم عن ضياع نحو 40 مليار دولار أخرى حسب تصريحات رئيس البرلمان العراقي أسامة النجيفي؟ وإذا كان الأفراد هم من يستحقون التعويضات، فمن يعوّض أرواح مئات الآلاف من العراقيين التي أزهقت بسبب الاحتلال وما بعده، وتشرّد نحو مليونين في الخارج وتقابلهم مئات الآلاف (نازحون في الداخل)، ووصل عدد الأطفال الأيتام إلى خمسة ملايين، بمن فيهم عشرات الآلاف من أبناء الشوارع وما يزيد على مليون أرملة .. فمن المسؤول عن كل ذلك ومن يعوّض خسارة العراقيين؟ أما بخصوص مسألة معسكر أشرف فإن ملف حقوق الإنسان لا يتوقف عند معسكر أشرف فحسب، بل يمتد ليشمل جميع الانتهاكات السافرة والصارخة منذ الاحتلال حتى الآن، وهو يستحق وقفة جادة، فالولايات المتحدة تتحمل المسؤولية الأساسية في الانتهاكات السافرة والصارخة لمنظومة حقوق الإنسان المدنية والسياسية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ولا سيما استشراء ظواهر الطائفية والعنف والإرهاب والمليشيات والفساد المالي والإداري والرشا وغيرها من تجاوزات جسيمة مثل: التعذيب والاختفاء القسري والقتل على الهوية، كما أن الحكومات العراقية المتعاقبة تتحمل قسطها في هذه المسؤولية لا فيما يتعلق بمعسكر أشرف، وهي قضية إنسانية تستحق الاهتمام، بل في مجمل انتهاكات حقوق الإنسان في العراق. وهنا أيضاً لا بدّ من التوقف عند ازدواجية المعايير وانتقائية المواقف، فقضية حقوق الإنسان لا تقبل التجزئة ولا يمكن التلاعب بها لأسباب سياسية، وتوظيفها لمصالح خاصة، طالما تتعلق بحقوق الناس والبشر ككل. وإذا كانت التعويضات وملف حقوق الإنسان سيبقيان مطروحين للنقاش، فالأمر يرتبط بمصير اتفاقية عام 2008 التي سينتهي مفعولها نهاية عام 2011، ولا سيما التلويح بالفراغ السياسي والأمني وعدم جاهزية القوات العراقية في مواجهة التحديات الخارجية والداخلية، وكذلك إمكانية الخروج من الفصل السابع، وهي ذاتها الضغوط التي مارستها واشنطن على بغداد مثلما ستمارسها الآن في سيناريو جديد للتوقيع على اتفاقية جديدة لتنظيم بقاء بضعة آلاف من أفراد القوات المسلحة الأمريكية في العراق، مع وجود قواعد عسكرية أساسية يمكن استخدامها، ولا سيما عند الحاجة .. فهل تستطيع بغداد التملص من ضغوط واشنطن، لا سيما بخصوص التعويضات، إضافة إلى معسكر أشرف؟



305
ثلاثة ألغام أمريكية جديدة في العراق   

عبدالحسين شعبان
 
ثلاث قضايا هي بمثابة ألغام تكاد تسمم العلاقات العراقية - الأمريكية، ولعل هذه القضايا طفت على السطح خلال الأيام القليلة الماضية، وقد تترك تأثيراتها في مستقبل علاقة واشنطن ببغداد، خصوصاً أن ذلك سيتقرر، حسبما تشير التوقعات خلال الأشهر القريبة المقبلة، مع قرب انتهاء مفعول الاتفاقية الأمنية العراقية - الأمريكية في 31 ديسمبر/ كانون الأول 2011 .

القضية الأولى تتعلق بالتعويضات، فعلى نحو مفاجئ وفي خضم الجدل حول بقاء أو انسحاب القوات الأمريكية من العراق، أعلن وفد من الكونغرس الأمريكي زار بغداد عن مطالبته دفع تعويضات من الجانب العراقي، بسبب الخسائر التي تكبدتها القوات الأمريكية منذ غزوها واحتلالها العراق في ربيع عام 2003 وحتى الآن . وعلى خلفية تصريحات رئيس الوفد الأمريكي التقى دانا روهر رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي، وناقش معه، كما جاء في تصريحه، موضوع “تعويضات الجانب الأمريكي حول خسائر جيشه في العراق”، الأمر الذي نفاه بعض المحسوبين على قائمة رئيس الوزراء “دولة القانون”، في حين اعتبره بعضهم “وسيلة ضغط” بهدف تمديد وجود القوات الأمريكية في العراق، والمقصود هنا استبدال اتفاقية 2008 التي تنتهي أواخر عام 2011 باتفاقية جديدة والموافقة على إبقاء قوات أمريكية في العراق، بحدود عشرة آلاف (10000) أو تزيد عليها مع وجود قواعد عسكرية أمريكية تستخدمها .

وكان ستة من أعضاء وفد الكونغرس الأمريكي قد عقدوا مؤتمراً صحفياً في مقر السفارة الأمريكية في بغداد، طالبوا فيه بدفع تعويضات عن خسائر الجيش الأمريكي في العراق، كون الحكومة الأمريكية حسبما برروا: “لا تستطيع أن تتكبد مبالغ طائلة في ظل الأزمة الاقتصادية والمالية التي تعيشها، والوضع الاقتصادي الحرج الذي تعانيه” .

وظلّت قضية تعويضات الأمريكيين موضوع جدل ونقاش بين الجانبين العراقي والأمريكي، لاسيما بعد موافقة مجلس الوزراء العراقي على دفع تعويضات لأمريكيين بنحو 400 مليون دولار كانت قد حكمت فيها محاكم أمريكية ضد النظام السابق، وذلك في سبتمبر/ أيلول ،2010 ووافق عليها البرلمان العراقي في 30 إبريل/ نيسان من العام الجاري ،2011 باعتبارها اتفاقية تسوية بين الطرفين . وقد فجّرت مطالبة أعضاء الوفد الأمريكي الذي يزور العراق الموقف، خصوصاً أن هناك اعتراضات شعبية شديدة، تعتبر مثل هذه التصريحات استفزازاً للعراق والعراقيين .

وكانت ردّة فعل الحكومة العراقية بعد تصريحات الوفد الأمريكي هي مطالبته بمغادرة العراق، لكن وزارة الخارجية العراقية قالت إن القرار اتخذ من دون العودة إلى وزارة الخارجية، وأضافت: “علماً بأن ما طرحه الوفد الأمريكي، وإن كان قد أثار حفيظة العراق، إلا أنه لا يستدعي الطرد” .

جدير بالذكر، أن الاعتراضات الشعبية أخذت تتصاعد بخصوص تعويض العراقيين المتضررين، خصوصاً أن الاتفاقية العراقية  الأمريكية لعام 2008 غضّت الطرف عنها، ولعلها  بما رتبته من أحكام  أسقطت حقوق العراق للمطالبة بالتعويض .

القضية الثانية هي معسكر أشرف (للاجئين الإيرانيين)، فلم يكن الاحتكاك بسبب التعويضات وحده سبباً للتوتر في زيارة وفد الكونغرس الأمريكي إلى بغداد، بل كان الاحتكاك الثاني، هو مطالبة أعضاء الوفد زيارة “معسكر أشرف” والتحقيق في مقتل نحو 35 من عناصر منظمة “مجاهدي خلق” داخل المعسكر، الأمر الذي اضطرت فيه الحكومة العراقية إلى طلب مغادرة الوفد من العراق . مع العلم أن معسكر أشرف شهد خلال السنوات الماضية توترات واصطدامات، وسقط العديد من القتلى والجرحى جرّاء ذلك، وكانت الحكومة الإيرانية ومعها أطراف نافذة من الحكومة العراقية تطالب بطرد أعضاء هذه “المنظمة الإرهابية”، حتى وإن كانوا بصفة لاجئين، وظلّت طهران تضغط لتسليمهم إليها، الأمر الذي دفع بأوساط واسعة من الرأي العام الدولي، بما فيه ناشطون في مجال حقوق الإنسان ومنظمات دولية معروفة، مناشدة الحكومة العراقية والقوات الأمريكية عدم تسليمهم، لأن ذلك سيعرّض حياتهم للخطر .

القضية الثالثة هي الاتفاقية العراقية  الأمريكية، وهي وإن كانت بين طرفين أحدهما قوي ومحتل، والآخر ضعيف ومحتلة أراضيه، لكن بعض الإشكالات قد تواجهها، لاسيما على الجبهة الداخلية، إضافة إلى مواقف بعض دول الجوار، خصوصاً إيران، فقد سبق لجماعة مقتدى الصدر أن هددوا بالعودة إلى الخيار المسلح إذا لم تنسحب القوات الأمريكية من العراق . وتريد الولايات المتحدة من إبرام اتفاقية جديدة ترسيخ وتعزيز “الاحتلال التعاقدي” بعد أن أصبحت صيغة “الاحتلال العسكري” مكلفة وغير ممكنة .

وكانت تصريحات وزير الدفاع الأمريكي (البنتاغون) روبرت غيتس واضحة ومحددة، وذلك حين قال خلال زيارته إلى بغداد بمناسبة الذكرى الثامنة للاحتلال إبريل/ نيسان ،2011 إن على بغداد أن تطلب تجديد الاتفاقية قبل وقت كاف . “انتبهوا الوقت ينفد في واشنطن”!!

وبخصوص القضية الأولى: أستطيع أن أتفهم إنسانياً وقانونياً موضوع مطالبة المتضررين بالتعويضات، سواءً كانوا أمريكيين أو غير أمريكيين، عراقيين أو غير عراقيين، التي هي حق لكل متضرر بفعل غير قانوني وغير شرعي قامت به دولة ضد دولة أخرى، أو عرّضت مواطني دولة أخرى على المستوى العام أو الخاص، للضرر، مثل التعذيب والترويع والمعاملة القاسية أو التي تحطّ بالكرامة أو استخدام الدروع البشرية أو غير ذلك، لكن مثل هذا الإدراك، وقد سبق أن أشرت إليه منذ احتلال العراق، ينبغي أن يتسم بالمساواة، لاسيما أن حقوق شعب كامل تضررت ولم يتم تعويضه جرّاء الغزو والاحتلال والممارسات المنافية لحقوق الإنسان، الأمر الذي سيعني الافتئات على القانون وتجاوز الحقوق الإنسانية على نحو صارخ، فمن يتحمل هدم كيانية الدولة العراقية، وتعريض ممتلكاتها للنهب والسلب بما فيها متاحفها وآثارها وصروحها الثقافية التي لا تقدر بثمن؟ وإذا كان الأفراد هم من يستحقون التعويضات، فمن يعوّض أرواح مئات الآلاف من العراقيين التي أزهقت بسبب الاحتلال وما بعده، وتشرّد نحو مليونين في الخارج ويقابلهم مئات الآلاف (نازحون في الداخل)، ووصل عدد الأطفال الأيتام إلى خمسة ملايين، بمن فيهم عشرات الآلاف من أبناء الشوارع وما يزيد على مليون أرملة . فمن المسؤول عن كل ذلك ومن يعوّض خسارة العراقيين؟ 

أما بخصوص القضية الثانية: فإن ملف حقوق الإنسان ليس ما يتعلق بمعسكر أشرف فحسب، بل ما جرى منذ الاحتلال وحتى الآن يستحق وقفة جادة، فالولايات المتحدة تتحمل المسؤولية الأساسية في الانتهاكات السافرة والصارخة لمنظومة حقوق الإنسان المدنية والسياسية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، لاسيما استشراء ظاهرة العنف والإرهاب والميليشيات والفساد المالي والإداري والرشى، وغيرها من مظاهر التعذيب والاختفاء القسري والقتل على الهوية، كما أن الحكومات العراقية المتعاقبة تتحمل قسطها في هذه المسؤولية، لا في ما يتعلق بمعسكر أشرف، وهي قضية إنسانية تستحق الاهتمام، بل بمجمل انتهاكات حقوق الإنسان في العراق .

أما القضية الثالثة فهي تتعلق بمصير اتفاقية عام 2008 والتي سينتهي مفعولها نهاية عام ،2011 لاسيما التلويح بالفراغ السياسي والأمني وعدم جاهزية القوات العراقية في مواجهة التحديات الخارجية والداخلية، وكذلك إمكانية الخروج من الفصل السابع، وهي ذاتها الضغوط التي مارستها واشنطن على بغداد، مثلما ستمارسها الآن في سيناريو جديد لتوقيع اتفاقية جديدة لتنظيم بقاء بضعة آلاف من أفراد القوات المسلحة الأمريكية في العراق، مع وجود قواعد عسكرية أساسية يمكن استخدامها، ولاسيما عند الحاجة . فهل تستطيع بغداد إزالة ألغام واشنطن الثلاثة؟

 

* باحث ومفكر عربي



306
السلام يُصنع في العقول   

عبدالحسين شعبان
 
تبدو قضية العنف إشكالية ومشكلة، غير قابلة للحل حتى إشعار آخر، وقد باءت بالفشل حتى الآن محاولات إنهاء مشكلة العنف سواءً في المنزل ضد المرأة أو الطفل أو المدرسة أو العمل أو على النطاق الاجتماعي أو الاقتصادي، ناهيكم عن علاقة الحاكم بالمحكوم، حتى غدا العنف داخل المجتمع، وبشكل خاص العنف السياسي بجميع أشكاله ومظاهره، كأنه سيرورة، خصوصاً من خلال الانتهاكات والقمع وممارسة التعذيب وصولاً الى القتل، الأمر الذي يحتاج إلى جهود مضنية وطويلة للحد منه . فما هو البديل عن العنف؟

إن الكفاح اللاعنفي هو أسلوب سياسي له منطقه الخاص وله أسلحته الخاصة ومصادر قوته كثيرة ومتنوعة تبدأ من أبسطها وحتى أرقاها مثل الاحتجاج الرمزي وعدم التعاون الاجتماعي والمقاطعات الاقتصادية والإضرابات والاعتصامات والتظاهرات وعدم التعاون السياسي، وصولاً الى العصيان المدني، وينبغي عدم انصراف الذهن الى الخلط بين أسلوب النضال اللاعنفي وفكرة اللاعنف في بعض المعتقدات الدينية أو الأخلاقية التي تحث على نبذ العنف . ولعل واحداً من مصادر قوة العمل اللاعنفي هو أنه قد يرتدّ على الخصم وهو ما يطلق عليه “الجودو السياسية”، وهذا الأسلوب أصاب بالخوف وإلى درجة الفزع الحاكم بعد أن كان المحكوم خائفاً، وهو يفسّر ذعر الحكام من شعوبهم الغاضبة، وهو ما حصل في تونس ومصر، لاسيما باقتناص اللحظة الثورية .

يمتاز العمل اللاعنفي بأربع آليات للتغيير ضد قمع القوى المتسلطة: الأول، التحوّل وذلك بانتقال قسم من معسكر الخصم الى معسكر اللاعنف . وثانياً التكيّف عندما يضطر الحاكم الى تقديم تنازلات . وثالثاً الإرغام اللاعنفي، وذلك عند تغيير الموقف واضطرار الحاكم الى التنازل من خلال وصول التحدي الى درجة لا يمكن أن يصمد أمامها، ويصبح النظام مشلولاً وتتقلص قدرته على القمع . ورابعاً التحلل، وذلك بقطع مصادر قوة الخصم الذي ينهار أو يستسلم .

ولعل خيار اللاعنف سواءً كان خياراً فلسفياً باعتباره الوسيلة الناجعة للوصول الى الهدف، كما تبنّاه المهاتما غاندي وحقق فيه ومن خلاله أعظم انتصار للشعب الهندي على الإمبراطورية البريطانية، أو كان خياراً استراتيجياً، أي أن الخيارات الأخرى مستبعدة، لأنها حتى إن وصلت الى الهدف فستكون التضحية كبيرة والتبعات خطيرة أحياناً، فإنه خيار أخذ ينتشر ويتسع ويجمع أنصاراً وحركات، ليتبلور كتيار، سواءً لمواجهة النزاعات الفردية أو الاجتماعية بما فيها مشكلات الصراع الاجتماعي وتوزيع الثروة أو النزاعات الاقتصادية المتعلقة بقضايا العدالة أو النزاعات السياسية، بما فيه مجابهة الأنظمة الدكتاتورية أو مقاومة الاحتلال .

هكذا يبرز تيار اللاعنف، لا باعتباره قوة استسلام أو انهزامية وميوعة أو دعوة لعدم المواجهة، بل هو شكل من المواجهة الشجاعة، المدنية، السلمية بقوة ناعمة تستبعد الحلول الخشنة أو العنفية . اللاعنف يظهر أيضاً قيماً جديدة باتجاه أهداف قيمية، مثل الكرامة الإنسانية وحقوق الإنسان والعدل، سواءً من خلال التضامن المجتمعي ومشاركة واسعة من أعداد غفيرة من الناس أو يمتد عبر الحدود، وذلك من خلال التضامن الدولي والأممي . والخيار اللاعنفي حسب أحد أبرز مفكري اللاعنف في العالم العربي الدكتور وليد صليبي هو خيار وجودي علني سلمي ومدني وواضح، وليس موارباً، انقلابياً، تآمرياً، عنفياً، وهو يعني إعادة اتصال بالهوية الإنسانية، وإعادة اكتشاف الذات، وهو يعتقد أن المرحلة الراهنة مؤاتية لتوسيع خيارات اللاعنف جذرياً في العالم بشكل عام، وفي العالم العربي بشكل خاص، خصوصاً من خلال التربية على اللاعنف ونشر الثقافة اللاعنفية .

واللاعنف هو تحمّل مسؤولية فردية بالأساس وجماعية في الوقت نفسه إزاء قضية التغيير، من خلال أعمال مدنية، سلمية تبدأ من الاحتجاج وتتطور تدريجياً، وقد جرّبت بلدان غير قليلة خيارات اللاعنف، وكانت الانتفاضة الفلسطينية أواخر عام 1987 وأوائل عام 1988 برمزيتها “الحجارة” خياراً لا عنفياً ضد الاحتلال، وقبلها انتفاضة عام ،1936 وقد ساهمت حركة تضامن عربية وعالمية باستمرارها مدّة ستة أشهر، ويُذكر أن العلامة الشيخ كاشف الغطاء كان قد أعلن من العراق عن التضامن مع الانتفاضة ودعوة المسلمين الى الحج في ذلك العام الى القدس، استثناءً، تضامناً مع الشعب العربي الفلسطيني ضد الصهيونية وممارساتها في السعي لاحتلال الأرض والعمل والإنتاج والسوق .

قد لا يؤمن الكثير من الناس الذين يعانون من عنف الأنظمة والاحتلال بمثل هذه المعادلة للمقاومة اللاعنفية، أو ليست لديهم الثقة بأنها ستحقق الهدف المرجو وهو إزاحة الأنظمة وإلغاء الاحتلال، لكن تجربة تونس ومصر مؤخراً، كما هي تجارب أوروبا الشرقية وعدد من دول أمريكا اللاتينية أثبتت نجاعة هذا الطريق، خصوصاً بالتصميم والعزم والثقة بالنفس وبمهارات المقاومة المدنية اللاعنفية، ولاسيما إذا كانت ضمن خطة وتكتيك وهي خيارات للتحرير الاستراتيجي إذا ما تم الاختيار فلسفياً واستراتيجياً في الآن ذاته .

لعل مناسبة الحديث هذا أيضاً هي تأسيس “جامعة اللاعنف وحقوق الإنسان” (جامعة أونور  UNOHR)، حيث كان حفل افتتاحها في بيروت وكما عبّر عنها مؤسساها الدكتورة أوغاريت يونان والدكتور وليد صليبي وصديقهما وعضو مجلس أمناء الجامعة البروفيسور جان ماري مولر أن هدفها تربوي تغييري، أي أنها جمعت المشروع الأكاديمي مع مشروع التغيير، من خلال تهيئة كوادر علمية تؤمن باللاعنف وعبر نشر الوعي القانوني والحقوقي بأهمية ثقافة السلام والتسامح واحترام حقوق الإنسان .

ولعل هذه السمة السلمية، اللاعنفية، المدنية كانت السمة الأغلب للثورات والانتفاضات المشتعلة في العالم العربي من أقصاه إلى أقصاه، كما أن مسيرات العودة التي انطلقت باتجاه الحدود مع المحتل “الإسرائيلي”، إنما هي تعبير مدني، سلمي، حضاري، لا عنفي، لاستعادة الحقوق بهدف إرغام العدو على التسليم بحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني وعودة اللاجئين وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف، على الرغم من مجابهة “إسرائيل” لها بالرصاص .

قد تبدو فكرة وجود جامعة لنشر ثقافة اللاعنف وحقوق الإنسان، مثالية لكنها، كما أرى، ضرورة وحاجة ماسة، وبالقدر نفسه فهي مهمة أكاديمية ونضالية لفرض هذه الثنائية المتلازمة، المتفاعلة، العضوية والتي يمكن أن تتحول إلى قوة مادية يصعب اقتلاعها إذا ما استطاعت إقناع أوساط واسعة بصواب ومبدئية هذا الطريق .

ولعل هذه الجامعة هي أول جامعة على المستوى العالمي تُنشأ بمبادرة وتعاون بين نخبة أكاديمية متميّزة دولية وعربية، وهي محاولة جديدة، واثقة وهادفة وحتى إنْ بدت عكس التيار، إلاّ أنها تدرك وعورة هذا الطريق، بقدر إدراكها صدقيته ونبله وضرورته الحياتية لجيلنا الحالي وللأجيال القادمة، لبناء سلام حقيقي قائم على العدل واحترام حقوق الإنسان، وهي الثقافة التي تخشاها القوى المتنفّذة والمتسيّدة على الساحة الدولية والإقليمية والمحلية .

وإذا كان السلام يصنع في العقول قبل صناعته على الأرض، فإن العنف يتم القضاء عليه بالعقول أولاً، لاسيما عبر تشخيص أسبابه الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية والنفسية، ذلك هو السبيل لمواجهته الجدية . إذاً لنبدأ رحلة العقول والحق والمعرفة، فالمعرفة قوة لا تضاهيها أية قوة أخرى .

 

باحث ومفكر عربي




307
الشاعر أحمد الصافي..
التمرّد والاغتراب والوفاء للشعر




 
عبد الحسين شعبان
نشأ الشاعر أحمد الصافي في بيئة دينية - ثقافية مفتوحة وأجواء أدبية - علمية جدلية، لا سيما وقد بدأ شبابه الأول دارساً في الحوزة العلمية الدينية في النجف، تلك التي غالباً ما يطلق عليها تعبير مدرسة أو معهد أو جامعة أو أكاديمية، وهي وإن اختلفت في بعض المواصفات والدرجات العلمية المعروفة اليوم، إلا أن المقصود بها ونحن نتحدث عن الحوزة، هو ما يتم اعتماده من مراتب وسلّم تدرّجي واعتراف من الأساتذة بالتقدم في اجتياز المنهج الدراسي، الأمر الذي يقرّبها من الجامعات والكليات الحديثة.
وتضاهي المدرسة النجفية مدارس أو جامعات الأزهر (القاهرة) والزيتونة (تونس) والقرويين (فاس)، وتعتبر امتداداً لمدرسة الكوفة الشهيرة، وبحسب ابن الأثير فإن الدراسة فيها بدأت في القرن الثالث الهجري، وتذهب بعض الدراسات المعاصرة إلى اعتبار جامعة النجف من أقدم وأعرق الجامعات العلمية، فجامعة بولونيا في إيطاليا، وهي من أشهر جامعات أوروبا، تأسست عام 1119م، في حين التحق الإمام الطوسي بجامعة النجف التي كانت قائمة آنذاك في عام 1107 المصادف 448 - 449 هجرية، أي أنها وفقاً لبعض المؤرخين تأسست نحو عام 250 هـ، وقد تأسس الأزهر الشريف في 359 هـ.
وكان لدراسة الصافي، في الحوزة العلمية أثرها الكبير في ثقافته وسعة أفقه وتعزيز وصقل موهبته الشعرية، لا سيما اختلاطه بالدارسين من أمم وقوميات وشعوب أخرى، خصوصاً وكان يقصدها ولا يزال الطلبة من جميع أنحاء العالم الإسلامي ويتخرج منها العشرات، بل المئات سنوياً.
ولد أحمد الصافي وهو من السادة آل الصافي من آرومة عربية معروفة عام 1897، وأخذ يُلقّب خلال منافيه بالنجفي، ومثلما بدأ في الدراسة الدينية مبكّراً، فإنه بدأ بالتمرد والشعر في الوقت ذاته. وعندما اندلعت ثورة العشرين وعلى أثر فشلها غادر العراق إلى إيران، وهناك درس الفارسية وترجم رباعيات الخيام، حيث تعتبر ترجمته من أحسن الترجمات.
عاش حياته مشرّداً ومغترباً في إيران وسورية ولبنان نحو نصف قرن، وظل طوال حياته يعشق الحرية ويتغنّى بها، حتى وإن كانت حريته أقرب إلى الفوضى أحياناً، عاش مُعدماً ووحيداً، ولم يتزوج أو يقترن بامرأة، فلم يُعرف عنه ذلك، وقد لازمته الوحدة والاغتراب والشعر طيلة حياته.
خلال الحرب الأهلية في لبنان اخترقت جسده النحيل شظيتان واضطّر على أثرها إلى العودة إلى العراق بعد منفاه الاختياري، وكان متاعه الوحيد هو الشعر، حيث حمل معه عشرة دواوين مطبوعة وقصائد كثيرة غير منشورة. وقد طبعت وزارة الثقافة العراقية المجموعة الكاملة لأشعاره عام 1977، وهو العام ذاته الذي وافاه الأجل بعد عودته إلى العراق. وقد أشرف على طبعها وكتب مقدمة لها الدكتور جلال الخياط.
بدأ شبابه الأول بالشعر مثلما بدأه بالتمرد أيضاً، واختار مع ثلة من أصحابه الدارسين طريق التميّز والتحرر، فأسسوا صومعة أطلقوا عليها "معقل الأحرار"، وهي ملتقى ثقافي - فكري تجديدي بلغة الثقافة، ووكر سري معارض ومنتقد للتيارات التقليدية وللسلطات البريطانية بلغة السياسة، ولا سيما وقد ترافق ذلك قبيل وبُعيد ثورة النجف عام 1918 وعشية اندلاع ثورة العشرين 1920 التي شارك فيها العراقيون المتمردون الأربعة من أعضاء المعقل، وهم: سعد صالح، سعيد كمال الدين، وبعد فشل الثورة هربا إلى الكويت، مثلما هرب عباس الخليلي وأحمد الصافي النجفي إلى إيران، وإذا كان سعد صالح وسعيد كمال الدين قد عادا إلى العراق بعد أشهر عديدة بتوسّط من طالب النقيب فقد مكث الصافي والخليلي في إيران لعدة سنوات، حيث تجاوزت الثماني سنوات بالنسبة للصافي.
أما الدارس الآخر معهم ومن أعضاء الشلّة، فهو علي الدشتي، إيراني الأصل، وقد عاد إلى إيران وأصبح له شأن سياسي وثقافي، حيث توفي مطلع الثمانينيات وهو مؤلف لكتاب شهير صدرت ترجمته قبل سنوات بعنوان: "23 عاماً دراسة في السيرة النبوية المحمدية".
ربطت سعد صالح بالصافي صداقة مديدة وكلاهما نظم الشعر منذ شبابه وقد أورد سعد صالح قصيدة يذكر فيها صديقه أحمد الصافي، وكان كلاهما على الرغم من التقاليد والعادات الثقيلة وأجواء المدينة المحافظة، يحملان فكراً منفتحاً وميلاً نحو التجديد، ولا سيما في القضايا الاجتماعية، الأمر الذي جعلهما أقرب إلى بيئة التمرد والرفض، مثلما كانت بيئة الشعر وصداقته هي حبل الوصل السحري بينهما.
وإذا كان سعد صالح قد اختار الدراسة الأكاديمية لاحقاً، حيث تخرّج من دار المعلمين، ثم التحق بكلية الحقوق وتخرج منها، وفيما بعد اختار الوظيفة العامة طريقة للعيش والخدمة والعمل وتدرّج في المناصب الإدارية وأصبح وزيراً للداخلية، فإن الصافي عاش حياته كلّها مشرّداً وصعلوكاً وبوهيمياً بكل ما لهذه الكلمة من معنى.
ولعلّي كلما تذكّرت الصافي أستذكر معه الشاعر عبد الأمير الحصيري، الذي نشأ في البيئة ذاتها، في أجواء مفعمة بالشعر والجدل، وكان الصافي والحصيري قد انصرفا إلى الشعر والتمرد والاغتراب، حيث عاشا اغتراباً مزدوجاً اجتماعياً وفكرياً، كما عاش الصافي اغتراباً فيزيولوجياً أي جسدياً بابتعاده نحو خمسة عقود عن العراق. وظلّ كلاهما وفيّين للشعر، وله وحده، لا يعرفان سواه، وإذا كان الصافي زاهداً بكل شيء باستثناء الشعر، فإن نؤاسية الحصيري لازمته وكأنها مكمّلاً للشعر الذي أعطاه كل حياته.
أتذكّر أنني التقيت الصافي عدّة مرات، حيث كنت أزوره في الستينيات من القرن الماضي وما بعدها في مقهى أبو عجاج في دمشق "الشام" وفي مقهى البحرين في بيروت (قرب ساحة البرج) وأعرف أن له علاقة وطيدة مع جدي (والد والدتي) الحاج حمود شعبان، الذي كان يلتقيه سنوياً في الشام أو بيروت أو بحمدون، لحين وفاته عام 1963، وظلّ الصافي في بيروت حتى عندما اندلعت الحرب الأهلية اللبنانية فعاد إلى بغداد، لكنه توفي إثر إصابته بشظيتين ظل يعاني منها إضافة إلى أمراضه وتدهور حالته الصحية.
وأتذكّر أنه عندما كان يحتسي فنجان الشاي كان يردد:
إذا كان غيري بالمدامة مولعاً
فقد ولعت نفسي بشاي معطّر
الصافي راح ضحية ارتباك فهم شرطه التاريخي، ولا سيما عندما حوّل الشعر إلى الحياة، أو هكذا أصبح الشعر لديه كل منطق الحياة الذي يطمح له، وعندما تتحول الحياة كلها إلى شعر، فالشاعر سيكون أول الخاسرين في معادلة الحياة القاسية، ولا سيما إذا عاش الحياة شعراً وأصرّ عليها، وإذا كان سعد صالح إدارياً وسياسياً واقعياً ومشروع مفكر وناقد، فقد كان الصافي حلاجياً وتصوّفياً أقرب إلى الصعلكة كجزء من فهمه لكينونة الحياة، فبعد نصف قرن من الطواف والحرية والتشرّد والفوضى والمنفى الاختياري، عاد الصافي محمّلاً بالقصائد محتشداً بالشعر وبكل ما هو مثير من تجارب وذكريات واغتراب، وظلّ يحن إلى الوطن المنبع الأول، الذي جمع أشعاره وربما أشلاءه بعد أن هزل جسده النحيل خصوصاً عندما استقرت به شظيتان. ظلّ الصافي يتغنّى:
يا عودة للدار ما أقساها
أسمعُ بغداد ولا أراها
وفي جلسة استذكار كان الصافي يستعيد بيتين من الشعر نظمهما في طهران عندما هرب إليها ولم أعثر على البيتين إلاّ بعد نشر المجموعة الكاملة لديوان الصافي في بغداد عشية رحيله عام 1977، وهي الطبعة التي قدّم لها وأشرف عليها الدكتور جلال الخياط كما أشرت.
وهنا اكتشفت المفاجأة حين قرأت عن أحد اللقاءات الذي ضمّ الصافي والشيخ علي أحد علماء الطائفة الجعفرية في طرابلس، والشريف حسن من أشراف مكة المقيم في اللاذقية، والسيد عباس الخوئي نجل العلاّمة الخوئي، وعندما استعاد الصافي ذكرياته في إيران التي مكث فيها عدة سنوات، سأله السيد الخوئي وهل نظمت شعراً هناك: فأجابه نعم نظمت بالفارسية، وحين ذكر له بيتين نظمهما عام 1924، فأجابه الخوئي إذاً هذا شعرك، فقال الصافي نعم، إنهما من شعري، فقال له إن البيتين وأبيات أخرى من القصيدة تغنيهما في طهران "أم كلثوم الفرس" المسماة "حميراء"، وقد تأكّدت من ذلك من السيد الخوئي، وكان الخياط قد قام بنشر البيتين بلغتهما الفارسية مع ترجمة بالعربية.
على الرغم من اعتزاز أحمد الصافي بالنجف، إلا أنه كغيره من النجفيين، لا سيما الأدباء والشعراء كانوا يتندّرون أحياناً بدعابات يخالها السامع هجاءً، ولعلها صورة من صور المزاج والمزاح عند شعراء النجف، فالنجف التي على طرف الصحراء ليس فيها أنهار، فالخضرة شحيحة والمزارع قليلة ومناخها بارد قارس في الشتاء وحار جاف في الصيف، وهو الذي دفع أحمد الصافي لأن يصفها مزاحاً:
صدق الذي سمّاك في وادي طوى
يا دار بل وادي طوى وعراء
جلستْ على الأنهار بلدان الورى
فعلامَ أنت جلستِ في الصحراء
وهو القائل:
وواردات بلدتي جنائز
وصادرات بلدتي عمائم
وذلك إشارة رمزية لمقبرة الغري (وادي السلام) التي تعتبر من أكبر مقابر العالم مثلما هي إشارة إلى المدينة المصدِّرة للعمائم، حيث كان يتخرّج من حوزتها العشرات من الدارسين سنوياً والذين ينتشرون في مختلف البلدان الإسلامية.
واستذكاراً بذلك كان الشاعر الشيخ علي الشرقي يقول في وصف المدينة:
بلدي رؤوس كلّها
أرأيت مزرعة البصل؟
وذلك في مقاربة لمرتديي العمائم الذي كان الشرقي منهم!!
عاش الصافي للشعر وأخلص له وكان الشعر بيته وحياته التي لم تتوقف إلاّ عندما توقف قلبه.


 

308
كتاب جديد للدكتور شعبان
كوبا والحلم الغامض


المحرر الثقافي- بيروت –خاص
-       صدر في بيروت عن دار الفارابي، كتاب جديد للدكتور عبد الحسين شعبان بعنوان "كوبا – الحلم الغامض: رؤية ما بعد الخمسين" وعرّف الناشر بالكتاب  بفقرة  من المقدمة جاء فيها :
" حاولت من خلال انطباعاتي الشخصية، الجمع بين ما هو فكري وما هو عملي، وبين ما هو سياسي وما هو ثقافي، وبين ما هو كوبـي وما هو أمريكي لاتيني، وبالقدر نفسه مع ما هو اشتراكي وإنساني. ولم أتوقف عند الصورة النمطية (التبشيرية)، بل سعيت لنقد التجربة من داخلها..!
توقفت عند يوميات المغامر النبيل مقارناً بين جيفارا ورامبو ودون كيشوت، بين شبح ماركس أو أسطورته وبين شبح جيفارا وأسطورته، ولم أنس أن أشير إلى بعض تأثيرات جيفارا العربية والعراقية، إضافة إلى التأثيرات العربية على رؤيته، لاسيّما من خلال علاقته بعبد الناصر وبن بيلا وبن بركة، من حيث أحلام الكبار وقلقهم وهواجسهم وعنفوانهم، وتغريدهم خارج السرب أحياناً وغيابهم المبكـّر.
كما توقفت عند الحياة السسيوثقافية الكوبية من خلال الروائي الأمريكي أرنست همنغواي وحانة بودغيتا دل ميديو، وحاولت استذكار ما بين الجواهري وهمنغواي، ثم عرّجت على علاقة كاسترو بأبـي عمار وجورج حبش.
وأفردت فقرة خاصة لعلاّقة الثورة الكوبية بالدين عنونتها «ملكوت السماء وملكوت الأرض» و«الاشتراكية والإيمان الديني» و«الروح والمادة: حوار المتدينين مع الماركسيين» و«الثورة والكنيسة» و«كاسترو والدين».
وهتفت مع كريستوفر كولومبوس «يا الله ما أجمل هذه الأرض؟!»
كما عرّف بالكاتب بما يلي:
"         ولد في مدينة النجف الأشرف (العراق) في 21 آذار (مارس) 1945. درس في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية في  جامعة بغداد ونال درجة البكالوريوس، وأكمل دراساته العليا في براغ في جامعة 17 نوفمبر وجامعة تشارلس (كلية الحقوق) وأكاديمية العلوم التشيكوسلوفاكية (معهد الدولة والقانون) وحاز على درجتي الماجستير والدكتوراه (مرشح علوم ) في فلسفة القانون (القانون الدولي).
أكاديمي ومفكر عراقي، وهو ينتمي إلى الجيل الثاني للمجددين العراقيين. ماركسي الانتماء لكنه لم يتقيّد بتعاليم المدرسة الماركسية التقليدية، وكانت له مساهمات ودراسات في إطار تجديد ونقد المدرسة الاشتراكية منذ أوائل الثمانينات، وهو ما عكسته مؤلفاته وكتبه، خصوصاً اهتماماته بقضايا الديمقراطية والتنمية والمجتمع المدني، وقد بلور رؤيته حول الماركسية الوضعية النقدية في كتاب نقدي صدر له مؤخراً بعنوان "تحطيم المرايا – في الماركسية والاختلاف".
يتألف الكتاب من 231 صفحة من القطع الكبير.
 

309
في العقول يبنى السلام وفي العقول يتم القضاء على العنف
كلمة د. عبد الحسين شعبان
في افتتاح جامعة أونور " جامعة اللاعنف وحقوق الانسان"
بيروت في 2/6/2011
أوتيل لو رويال - الضبيه

أيتها السيدات .. أيها السادة
أيها الحضور الكرام

بإسم مجلس أساتذة جامعة " أونور"- جامعة اللاعنف وحقوق الانسان أحييكم بهذه المناسبة وأتمنى لكم النجاح والتقدم على المستوى الشخصي والعام وفي الحياة والعمل، ولعل حضوركم في هذه الأمسية إنما هو دعم منكم للفكرة النبيلة والإنسانية التي قامت من أجلها الجامعة، وأعني بها فكرة اللاعنف ونشر الوعي القانوني والحقوقي بأهمية ثقافة السلام والتسامح  واحترام حقوق الانسان.
لقد عانت منطقتنا العربية من عدوان مستمر وحروب متتالية ونزاعات أهلية حادة وظروف تمييزية قاهرة وعنف متواصل وهدر للحقوق والحريات، وانتشرت إلى حد الإستشراء ثقافة العنف والإستئصال والإلغاء والتهميش والعزل والإذلال ومحاولة التسيّد والمغالبة بحجج ومبررات مختلفة تارة دينية وأخرى طائفية وثالثة عرقية أو إثنية ورابعة سياسية واجتماعية وغيرها، الأمر الذي عطّل مجتمعاتنا ومنعها من السير بدروب الإصلاح والديمقراطية والتنمية المستدامة، ما بعد الاستقلال وحتى الآن، ولعل ذلك وفّر الأرضية للإستبداد والتفرّد واحتكار السلطة والفساد المالي والاداري وتبديد المال العام والتحكّم بالمصائر، وغالباً ما يستخدم العنف وسيلة لإملاء الارادة وإرغام الخصم على التسليم، والعنف لن يولّد سوى عنفاً جديداً، وهكذا تتوالد دورات العنف والعنف المضاد.
   لقد أدركت بعض النخب الحيّة أن طريق العنف لن يقود إلى تحقيق الأهداف المرجوّة، وسعت على الرغم من عوامل الكبح والمعوّقات إلى المبادرة الجسورة، بالدعوة إلى نشر ثقافة اللاعنف، والإستعاضة عن "القوة الخشنة" في حل الخلاف "بالقوة الناعمة" إستناداً إلى المقاومة اللاعنفية، التي تعني المقاومة السلمية المدنية، سبيلاً لا غنى عنه للوصول إلى طريق التنمية المنشود.
   وأدركت الحركة الشبابية اليوم بحسّها وسليقتها، إن انتصار ثورتها سيكون بوسيلة اللاعنف، هكذا إنتصرت ثورة الكرامة والياسمين في تونس، لاسيما باختيار اللحظة الثورية المناسبة، مثلما كان انتصار ثورة الغضب والنيل في مصر، التي اختارت طريق اللاعنف في مقاومة عنف السلطات الحاكمة حتى تم اجبارها على الرحيل.
كما أن مسيرات العودة التي انطلقت باتجاه الحدود مع المحتل الإسرائيلي، إنما هي تعبير مدني سلمي، حضاري، لا عنفي، لإستعادة الحقوق وإرغام العدو على التسليم بحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني وعودة اللاجئين وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.
ولعل هذه السمة السلمية، اللاعنفية، المدنية للثورات والانتفاضات المشتعلة في العالم العربي من أقصاه إلى أقصاه، كانت المشترك الانساني، بل القاسم الأعظم للحركة الشبابية الأكثر صميمية وحداثة وتطلّع للتغيير الديمقراطي.
إن وجود جامعة لنشر ثقافة اللاعنف وحقوق الانسان، ليست دعوة مثالية فحسب، بل هي ضرورة وحاجة ماسة، وبالقدر نفسه فهي مهمة أكاديمية ونضالية لفرض هذه الثنائية المتلازمة، المتفاعلة، العضوية، التي يمكن أن تتحول إلى قوة مادية يصعب إقتلاعها إذا ما استطاعت إقناع أوساط واسعة بصواب ومبدئية هذا الطريق.
ولعل هذه الجامعة هي أول جامعة على المستوى العالمي تُنشأ بمبادرة وتعاون بين نخبة أكاديمية متميّزة دولية وعربية، لاسيما مؤسسيها: الدكتورة أوغاريت يونان والدكتور وليد صليبي، وهي محاولة جديدة، واثقة وهادفة وحتى إنْ بدت عكس التيار، الاّ أنها تدرك وعورة هذا الطريق، بقدر إدراكها صدقيته ونبله وضرورته الحياتية لجيلنا الحالي وللأجيال القادمة، لبناء  سلام حقيقي قائم على العدل وعلى احترام حقوق الانسان، وهي الثقافة التي تخشاها القوى المتنفّذة والمتسيّدة على الساحة الدولية والإقليمية والمحلية.
وإذا كان السلام يصنع في العقول قبل صناعته على الأرض، فإن العنف يتم القضاء عليه بالعقول أولاً، لاسيما بتشخيص أسبابه الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية والنفسية، ذلك هو السبيل لمواجهته الجدية.
إذاً لنبدأ رحلة العقول والحق والمعرفة، فالمعرفة قوة لا تضاهيها أية قوة أخرى!

310
فصل جديد من الدبلوماسية الأمريكية   

عبدالحسين شعبان

في خطابه المثير توقّف الرئيس الأمريكي باراك أوباما عند الثورات والانتفاضات التي حصلت في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، لاسيما بتنحي رئيسين عن الحكم مع احتمال أن يلحق بهما آخرون، كما ألمح لذلك .

وإذا كان حديث الرئيس الأمريكي يوم الخميس 19 مايو/ أيار 2011 قد بدا جديداً في شكله وصياغاته، لكنه من حيث الجوهر لا يختلف كثيراً عن خطابات الدبلوماسية الأمريكية خلال العقد ونصف العقد الماضي، اللهم إلا إذا استثنينا موضوع العودة إلى حدود عام 1967 والتأكيد على مبدأ حق تقرير المصير .

الملاحظ أن أوباما كان أشدّ وثوقاً من قبل، باستثناء خطابه في جامعة القاهرة (يونيو/ حزيران 2009) الذي أنعش بعض الآمال في إمكانية إحداث تغييرات في الدبلوماسية الأمريكية بعد انتهاء إدارة الرئيس بوش، وخصوصاً بشأن قضية الشرق الوسط، فقد جاء خطابه الأخير بعد اغتيال أسامة بن لادن بنجاح في العملية الخاصة التي نفذتها ال CIA في باكستان .

لقد كرر الرئيس أوباما مشروع الدولتين، على الرغم من أن ذكر حدود العام 1967 جاء ملتبساً بإشارته إلى تبادل أراض يتفق عليها الطرفان بغية إنشاء حدود آمنة ومعترف بها لكلتا الدولتين، مستدركاً أن الدولة الفلسطينية يجب أن تكون منزوعة السلاح، مكرّراً التزام واشنطن بأمن “إسرائيل”، الأمر الذي يُلقي بظلالٍ من الشك حول علاقة ذلك بالتغييرات التي حصلت في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا .

لقد انخفضت شعبية الرئيس أوباما في الشرق الأوسط إلى حدود كبيرة وتبددت صورته خلال السنتين الماضيتين، خصوصاً وقد ترافق ذلك مع الحرب على غزة التي استمرت منذ مطلع عام 2009 وحتى الآن، على نحو متقطع أو متواصل، ولكنه ضمن خطة للقضم التدريجي والعقاب الجماعي فضلاً عن الحصار الجائر، الذي تفرضه السلطات “الإسرائيلية”، والذي تجلّى في أعمال عنف ضد أية محاولة لكسره أو الالتفاف عليه، كما حصل لأسطول الحرية ومحاولات أخرى .

ولا شك في أن اتفاق حماس- فتح، وإن جاء متأخراً بإعادة لحمة الشعب الفلسطيني، واعتبار ممثله الشرعي والوحيد “منظمة التحرير الفلسطينية” إطاراً مرجعياً وقانونياً، قد أغضب السلطات “الإسرائيلية”، التي حاولت مدّ حصارها الذي يستمر منذ أربع سنوات إلى الضفة الغربية والسلطة الفلسطينية أيضاً، بحجج واهية ومزاعم مفضوحة، بما فيها تعطيل دفع المستحقات من الضرائب .

لقد حاول الرئيس بيل كلينتون، ولاسيما في آخر عهده تنشيط المفاوضات الفلسطينية  “الإسرائيلية”، خصوصاً بعد وصول اتفاقيات أوسلو إلى طريق مسدود عام 1999 وتأجيل مفاوضات الحل النهائي، ولم تفلح مساعي الرئيس الأمريكي لجمع الفلسطينيين و”الإسرائيليين” للتوقيع على خريطة طريق في “واي ريفر” من إخراج اتفاقيات أوسلو من غرفة الإنعاش، لاسيما وقد أثبتت التجربة أنها تموت سريرياً وتتعرض إلى شللٍ أخذ يدب في جميع أعضائها ومفاصلها .

وفي عهد الرئيس جورج دبليو بوش الابن نامت القضية الفلسطينية في أدراج الدبلوماسية الأمريكية نحو ثماني سنوات، ولكنها استيقظت على نحو مفاجئ في مواجهة كوابيس ظن الرئيس الأمريكي أنها يمكن أن تكون أحلاماً وردية، فوعد بدولتين، ولكن الدولة الفلسطينية التي تحدث عنها ستكون منزوعة السلاح بعد قيامها وتأكيد حماية أمن “إسرائيل” .

لم يتحدث الرئيس أوباما مثل سلفيه بوش وكلينتون عن وقف الاستيطان وقفاً كاملاً، بل إنه عشية خطابه كان رئيس الوزراء “الإسرائيلي” بنيامين نتنياهو الذي تقرر لقاءه بُعيد خطابه قد وقّع على بناء 1550 وحدة استيطانية في مدينة القدس، كما لم يتحدث عن مصير مدينة القدس في ظل محاولات التهويد وقضم الأراضي وإجلاء العديد من الفلسطينيين منها، بمن فيهم المسيحيون وإحلال مهاجرين يهود مكانهم .

كما لم يتحدث الرئيس أوباما عن حق العودة للاجئين الفلسطينيين وتعويضهم، وعن قضية المياه والمستوطنات القائمة وغيرها، وهو ما أهمله أيضاً الرئيسان اللذان سبقاه، وهو ما أهملته أيضاً اتفاقيات أوسلو حين تركت هذه الأمور إلى مفاوضات الحل النهائي، الذي لم يتحقق منذ اثني عشر عاماً، وقد مضى على المفاوضات الفلسطينية  “الإسرائيلية” أكثر من عقدين من الزمان من دون التوصل إلى أفق يساعد في الحل الذي يلبّي ولو جزءاً بسيطاً من حقوق الشعب العربي الفلسطيني، طبقاً للشرعية الدولية، وليس للحقوق العادلة والثابتة والتاريخية للشعب العربي الفلسطيني .

وإذا كان الرئيس أوباما قد تحدّث عن حق تقرير المصير، فإن هذا الحق متوفر ل “الإسرائيليين” من دون الفلسطينيين، بل الأكثر من ذلك تناول يهودية الدولة “الإسرائيلية” أي هويتها، وهو الأمر الذي ظلّت تعزف عليه “إسرائيل” منذ قيامها وحتى الآن، خصوصاً إصدارها قوانين تثبت ذلك، وهو يعني في ما يعنيه التنكر لحقوق المكوّن العربي الفلسطيني، الذي يؤلّف نحو 20 في المئة من السكان وهم أهل البلاد الأصليون، الأمر الذي يتعارض مع إعلان الأمم المتحدة حول حقوق الأقليات، الصادر عن الجمعية العامة عام ،1992 ومع حقوق سكان البلاد الأصليين الصادر عن الأمم المتحدة عام 2007 . إن محاولة الحديث عن حق تقرير المصير ينبغي ألا تكون عمومية أو بالمطلق كمبادئ عامة، وإنما كانت تقتضي العودة إلى القرار 1514 الصادر في 14 ديسمبر/ كانون الأول عام 1960 والمعروف باسم إعلان تصفية الكولونيالية وحق تقرير المصير للشعوب المستعمَرة والتابعة، وذلك في إطار مسؤوليات الولايات المتحدة ودورها كعضو دائم العضوية في مجلس الأمن، بما يحدّده ميثاق الأمم المتحدة بمبدأ حق تقرير المصير، إضافة إلى إعلان علاقات الصداقة والتعاون بين الدول والموسوم “إعلان التعايش السلمي” الصادر عام 1970 وإعلان تعريف ماهية العدوان الصادر عام ،1974 إضافة إلى الشرعة الدولية لحقوق الإنسان بما فيها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عام 1948 والعهدان الدوليان لحقوق الإنسان المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وهما اتفاقيتان دوليتان شارعتان، أي منشئتان لقواعد قانونية جديدة أو مثبتتان لها، واللتان تمّ التوقيع عليهما في عام 1966 ودخلتا حيّز التنفيذ في عام 1976 .

لقد أراد أوباما ذرّ الرماد في العيون، فلم يكن بإمكانه تجاهل موجة التغييرات في العالم العربي، ولعل ذلك إيجابي ، إلا أنه سعى للحاق بالموجة السريعة والمفاجئة التي تجاوزت الدبلوماسية الأمريكية التي ظلّت متردّدة وتقلّب أمرها بين “التأييد” الحذِر وإبداء النصح للفريقين بضبط النفس والدعوة لإجراء إصلاحات خوفاً من بديل مجهول لاسيما في ظل ارتفاع “فزّاعة الإسلام السياسي” .

إن قلق “إسرائيل” من التغييرات والانتفاضات الشعبية العربية، بدا واضحاً منذ الأيام الأولى، وقد أكّد ذلك ما حصل في يوم النكبة في 15 مايو/ أيار ،2011 حيث هرع مواطنون عرب يجمعهم المشترك الإنساني للمطالبة بحقوق الشعب الفلسطيني، وإعادة النظر بإتفاقيات كامب ديفيد والصلح المنفرد، وهو ما تدرك أبعاده إدارة أوباما، لا على حليفتها “إسرائيل” حسب، بل على مستقبل استراتيجيتها ودبلوماسيتها في المنطقة أيضاً، بما فيها النفط وإمداداته وأسعاره، وهو ما حاولت الدبلوماسية الأمريكية وضعه في أولوياتها بعد تصدّع أركانها في العالم العربي .

* باحث ومفكر عربي




311
الوسطية في أجواء التمترس
سعد صالح.. سياسي كان يسيل من قلمه حبر الأدب

عبد الحسين شعبان
قبل 65 عاماً وفي مثل هذه الأيام بالذات، تشكلت وزارة جديدة في العراق بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، حيث أعلنت هزيمة الفاشية والنازية وارتفع رصيد أفكار الحريات والديمقراطية. الوزارة جاءت بعد خطاب الوصي الأمير عبد الإله، الذي وعد فيه بإجراء إصلاحات، وكانت الوزارة برئاسة توفيق السويدي، واحتل يومها سعد صالح المثقف والشاعر والحقوقي منصب وزير الداخلية، وشرع في تنفيذ برنامجه على الفور، مستفيداً من الأجواء الإيجابية التي أفرزتها الأوضاع السياسية لما بعد الحرب، سواءً على الصعيد الداخلي أو على الصعيد الخارجي والدولي.
وعلى الرغم من أن سعد صالح لم يعمّر طويلاً فقد توفي يوم 17 شباط (فبراير) عام 1949 وهو على مشارف الخمسين، حيث كان عمره لم يتجاوز الأربعة عقود ونصف من الزمان يوم توليه الوزارة، ولم تستمر الوزارة المذكورة سوى 97 يوماً حقق فيها منجزات ظلّت تشهد له، ولعلها كانت نتاج ظرف موضوعي وذاتي تاريخي، وبعدها بنحو عام ونيف دهمه المرض وتدهورت حالته الصحية وبقي مقعداً على فراش المرض حتى غادر دنيانا الفانية. تشكلت الوزارة يوم 23 شباط (فبراير) 1946 وانتهت يوم 30 أيار (مايو) من العام ذاته.
في كتابي "سعد صالح: الوسطية الفرصة الضائعة: الضوء والظل" سلّطت الضوء على جوانب مهمة من حياته ومواقفه وشعره، الأمر الذي فتح آفاقاً جديدة لإعادة قراءته بالارتباط مع تلك المرحلة المهمة من تاريخ العراق، التي شهدت أجواءً إيجابية وحركة انفتاح ورغبة في التجديد على صعيد السياسة والأدب والفن، ولا سيما في الشعر الحديث والمسرح، وذلك تساوقاً مع الأفكار الوسطية والديمقراطية، على الرغم من عوامل الكبح والتطرف أحياناً، سواءً من جانب السلطات الحاكمة أو بفعل الاستقطاب الحاصل في إطار الحركات الشمولية، إضافة الى دور السلطة الدينية الثيوقراطية، والسلطة الاجتماعية، بما فيها العادات والتقاليد البالية، خصوصاً بشأن المرأة والتقدم الاجتماعي وقضايا الحداثة، وهو ما كان يعبّر عنه سعد صالح في صلب مشروعه الاجتماعي والثقافي.
كان فخر أبي صخر عند تقريظه كتابي "جذور التيار الديمقراطي في العراق ـــ قراءة في أفكار حسين جميل"، قد استغرب كيف يكون فقيهاً قانونياً بارزاً مثل حسين جميل كاتب أول دستور جمهوري غائباً، وذلك في الندوة التي نظمها اتحاد الحقوقيين العرب والمنتدى القومي العربي في بيروت. وكنت قد طرحت في ندوة التأمت في برلين خلال أيار (مايو)2011، كيف أن حسين جميل كان أول من دعا إلى محكمة عربية لحقوق الإنسان، كما كان قد بلور فكرة محكمة عدل عربية، وذلك قبل ثلاثة عقود من الزمان.
ثم كيف قدّر لسعد صالح وزير الداخلية حينها أن يكون وسطياً ومعتدلاً في أجواء من التطرف والتمترس، وفي إطار مشروع حداثي وديمقراطي يؤمن بالتعددية والتنوّع، بحيث يقدم على إجازة خمسة أحزاب سياسية معارضة بينها حزبان يساريان وحزب ديمقراطي وآخر عروبي، إضافة إلى حزب ترأسه لاحقاً بعد استقالة الوزارة. ولعل مثل هذه الشخصيات كسعد صالح وحسين جميل وعبد الفتاح إبراهيم وكامل الجادرجي وجعفر أبو التمن وآخرين، جرى التعتيم عليها في ظل أنظمة شمولية، لم تعرف إلاّ ثقافة اللون الواحد. وإذا كان هذا الأمر ينطبق على عدد كبير من الشخصيات، فإنه أكثر انطباقاً على شخصية وطنية سياسية وإدارية استثنائية ـــ على حدّ تعبير الدكتور منذر الشاوي ـــ وزير العدل الأسبق في احتفالية أقيمت لتكريم سعد صالح في مدينة الكوفة (كلية الآداب) في نهاية التسعينيات.
ترك سعد صالح أثراً إيجابياً كبيراً لا يزال يشكّل خزيناً معرفياً وثقافياً كبيراً في حاجة إلى إجلائه والكشف عنه سواءً على عمله الوظيفي والإداري أو خطاباته أو مواقفه المثيرة في البرلمان أو دوره في إشاعة الحريات وإغلاق السجون وإجازة الأحزاب في الوزارة التي شارك فيها أو في رئاسته لحزب الأحرار "الوسطي" الذي خرج من معطف الحكومة ليصبح بعد رئاسة سعد صالح جزءًا من التيار الوسطي ـــ الليبرالي المستقل.
وعلى الرغم من أن هناك من يقول ـــ وبينهم الشاعر الكبير الجواهري: إن ساحة السياسة والادارة حين كسبت سعد صالح، فإن ساحة الثقافة والأدب خسرته شاعراً مبدعاً ومثقفاً بارزاً، وتعكس لغته الجميلة ومقالاته وخطبه ونثره نموذجاً متقدماً في حينه، أما على الصعيد الاجتماعي فقد كان داعياً لحقوق المرأة ورافضاً تكبيلها بالقيود والعادات الاجتماعية البالية، مبتدئاً من "أهل بيته"، ولا سيما في معركة السفور والحجاب، وذلك بشهادات من كريمتيه سلمى ونوار ونجله لؤي سعد صالح.
يقول المؤرخ اللبناني حسن الأمين (جريدة "الحياة" 18/2/1992): "كانت الأربعينيات هي التي أطلقت بدر شاكر السياب ونازك الملائكة وعاتكة الخزرجي ولميعة عباس عمارة وبلند الحيدري رواد الشعر، الاّ أنه لم يولَ تاريخ تلك الفترة أية عناية، وكان الأبرز في ذلك سياسي بدأ نجمه يسطع شعبياً ونيابياً، باعتباره رجل مبادئ وقيم وذا كفاءة قيادية وفكرية، مضافاً الى ذلك أنه شاعر مجيد وكاتب متفوق وخطيب، إنه سعد صالح فاتجهت الأنظار اليه...!!"
ويقول الدبلوماسي والمؤرخ العراقي نجدت فتحي صفوت إن بغداد شهدت مولد شيء جديد هو الأدب السياسي، وكان "سعد صالح الأديب الموهوب والكاتب الملهم قد عاد بعد استقالته (استقالة الوزارة) إلى جريدة "الأحرار" معارضاً يكتب افتتاحياتها بعقل السياسي الناضج وقلم الشاعر الناقد الذي أخذ البلاغة من جميع جوانبها، فكانت مقالاته حديث النوادي الأدبية قبل المجالس السياسية".
ويتحدث الجواهري عن علاقته بسعد صالح فيقول: بعد سقوط الفاشية وانتعاش المناخ الديمقراطي والليبرالي الجديد، شكّل الوزارة آنذاك توفيق السويدي في 23 شباط (فبراير) عام 1946. وكان وزير الداخلية صديقي سعد صالح، الذي أجاز خمسة أحزاب سياسية وعدداً من الجمعيات والنقابات. وكانت وزارة السويدي تلك أقرب الى الأجواء الجديدة، التي ساعدت على حرية الصحافة، لكنها سرعان ما تعرضت إلى ضغوط، واستقالت بعد ثلاثة أشهر ونيف (30 أيار 1946) وأعقبتها وزارة أرشد العمري التي صادرت الحريات وضيّقت على حرية التعبير ونشاطات الأحزاب، مستخدمةً بعض التظاهرات المعادية لبريطانيا ذريعة لإجراءاتها التعسفية. (كتابنا: الجواهري جدل الشعر والحياة).
ويضيف الجواهري تقييمه لسعد صالح فيقول: "لقد رحل وهو في عنفوان عطائه وتفتق مواهبه وكفاءاته، لا أدري إن كان قد رأى بعض الحقائق مثلنا! ولكنني دائماً أتساءل مع نفسي من أين أتته هذه النزعة الوسطية في مجتمع متناقض ومحتدم ومتعصب وحاد الاستقطاب!؟"
أما الوزير والنائب العراقي عبد الكريم الأزري فيقول عنه: "كانت لغة سعد صالح وصوته لا يضاهيهما أحد في مجلس النواب، وبعد صداقة دامت سنوات طويلة مع رئيس الوزراء صالح جبر، إلاّ أنه اختلف معه خلافاً راقياً وتعمّق هذا الخلاف في معاهدة بورتسموث رغم أن سعد صالح كان مريضاً".
لقد ربطت سعد صالح صداقة حميمة مع الشاعر أحمد الصافي النجفي، وبدآ شاعرين ودارسين للفقه في النجف ومؤسسين لمعقل الأحرار عام 1918 خلال دراستها في الحوزة العلمية، وهو محفل للتمرد بلغة الثقافة ووكر سري للرفض بلغة السياسة، وقد افترقا بعد فشل ثورة العشرين 1920، يوم هرب سعد صالح إلى الكويت، وهرب أحمد الصافي النجفي إلى إيران.
يقول روفائيل بطي عن سعد صالح: "شخصيته كونتها مواهب أصلية وصقلتها المدرسة النجفية المنوّرة بلوامع الفكر الطليق والمضخمة بروحانية علوية".
ويقول عنه مصطفى علي وزير العدل الأسبق: "عرفت سعد صالح شاعراً صريح القول قوي الحجة، ناصع البيان"، أما حسين جميل فيقول: "رجل كنّا نعقد عليه الآمال الجسام".
عاش سعد صالح بفكر منفتح في إطار مجتمع منغلق، ورغم الأجواء المحافظة، فقد كانت روحه ترنو إلى الحداثة والتجديد، لعل ذلك هو استثناؤه وفرادته التي وجدها في الوسطية، وكان كلّما تحدث في السياسة غلبت عليه الثقافة، وعندما كان يكتب كان يسيل من قلمه حبر الأديب ليلطّف السياسة ودروبها الوعرة!!



312
المنبر الحر / إمبابة وأخواتها
« في: 13:27 26/05/2011  »
إمبابة وأخواتها

عبدالحسين شعبان
 

أكثر من أربعة عقود مضت على ارتفاع موجة التعصّب الديني التي ضربت مصر والعديد من بلدان المنطقة، وزادت بعد الثورة الإيرانية عام ،1979 وتدريجياً فقد اتّسعت الاصطفافات الطائفية لتتحوّل إلى فتنة مستعرة مع مرور الأيام، بل يمكن القول، إنها أصبحت إحدى مظاهر الحياة السياسية التي تهدّد وحدة المجتمعات بما فيها المجتمع المصري الأكثر انسجاماً من الكثير من المجتمعات العربية، ولعل ما حصل في إمبابة في يوم 9 مايو/ أيار الجاري قد أعاد إلى الأذهان أعمال العنف ومحالاوت إلغاء الآخر وازدرائه، لاسيما بتعمّق الكراهية والتعصّب والتطرّف، الأمر الذي يحتاج إلى معاينة جدّية حول علاقة المسيحيين بالمسلمين، خصوصاً في إطار فكرة المواطنة والمساواة، الأساسين في الدولة العصرية .

وإذا كان التعايش والتسامح من السمات التاريخية للشعب المصري، فإن ثمة عوامل ضاغطة، داخلية بالدرجة الأساس، وخارجية مساعدة، قادت إلى المزيد من التباعد والاحتراب الطائفي، حتى وإنْ كان أساسها سياسياً، لكنها دفعت أوساطاً واسعة وفي ظلّ حكم الاستبداد وضعف المواطنة ووهن المساواة، إلى التمترس الطائفي والتخندق الديني .

هكذا تحوّلت العديد من حالات الاحتقان إلى توتّر طائفي واندلاع للعنف، على الرغم من أن بعضها كان فردياً أو بدأ هكذا، لكنه تحوّل نهاية المطاف إلى عنف منفلت من عقاله في ظل خطاب إقصائي، ولهذا يخشى أن أحداث العنف الأخيرة في إمبابة وأخواتها وفي ظل ضعف مرجعية الدولة من أن تتحول إلى المزيد من حالة الانقسام المجتمعي، لاسيما في ظل الاصطفافات والاستقطابات الحاصلة، وانفلات بعض النزعات الكامنة والمكبوتة وردود الأفعال إزاءها، الأمر الذي ينذر بعواقب وخيمة على وحدة المجتمع وعلى العلاقات المسيحية- الإسلامية، لاسيما في إطار جهل بالدين وشحن طائفي تقوم به بعض الجماعات الدينية بالاتجاه نحو القطيعة، وفي ظروف التعصب والشائعات وعدم الشعور بالمسؤولية .

وإذا كانت ثورة 25 يناير/ كانون الثاني 2011 قد أظهرت مدى وحدة وتسامح وحضارية ورقي الشعب المصري ونزوعه للسلام، بتياراته المختلفة وقواه المتنوّعة ودياناته واتجاهاته الفكرية والسياسية، فإن أعمال عنف وتخريب ضد المسيحيين وكنائسهم ستعني تأجيج المشاعر الطائفية وتغذية الانقسامات الدينية مجدداً، الأمر الذي يمكن حسابه على الثورة المضادة أو بقايا النظام السابق، في حين لم تسجّل الوقائع أي حادثة خرق كبيرة خلال الانتفاضة العارمة الموحّدة والمؤتلفة حول شعار مركزي أساسي واحد هو رحيل النظام ورأسه محمد حسني مبارك .

وإذا استثنينا حادث كنيسة صول بأطفيح، فإن تلاحماً كبيراً وتعاوناً شاملاً كان الملمح الأكثر إثارة في ميدان التحرير وميادين الانتفاضات الشعبية، مع إعلان احترام الديانات، لاسيما عندما شاهد العالم كله كيف يصلّي المسيحي إلى جانب المسلم وكيف يحمي هذا ذاك، وكيف اصطف الشباب لحماية المتحف المصري من أعمال السرقة أو الدهم أو التخريب؟هناك أسباب تاريخية تقف وراء الاحتقانات والتوتّرات، فالأمر لا يقتصر على مجرد بعض الحوادث الفردية، بإشهار إسلام فتاة أو اختباء أخرى في كنيسة أو غيرها، بل هي أسباب عميقة الغور في مجمل النظام السياسي وعقليته التي حكمت البلاد عقوداً من الزمان، ولعل هذا أفرز نوعاً من التراكم وردود الفعل لدى المسيحيين والأقباط الذين شعروا بالتمييز السياسي أو الديني أو الاجتماعي أو في توّلي الوظائف العليا، وكذلك في ممارسة طقوسهم وبناء كنائسهم وصروحهم الدينية بحرية ومن دون تمييز، وكل ذلك انعكس على إضعاف الهوية العامة الجامعة القائمة على أساس المشترك الإنساني، فضلاً عن التنكّر للهويات الفرعية . هكذا تولّد شعور عام لدى الغالبية الساحقة من الأقباط بوجود ظلم واضطهاد يقع عليهم، ولعل هذا يتم التعبير عنه على نحو مباشر أو غير مباشر، سواءً منظوراً أو مستتراً، ولكنه يرتفع ويبرز عند اندلاع أعمال العنف وصعود وتيرة التشدد والتطرّف والغلو من بعض الإسلامويين، من خلال التنظير والتبشير أو من خلال التفسير والتبرير .

ولعل ما أسهم مؤخراً في أعمال العنف هو ضعف الأمن نسبياً واستشراء ظاهرة البلطجة ووجود كمية من السلاح الذي لم تعرفه مصر سابقاً، وإظهار وجه “السلفيين” المتشددين، الذين وجدوا الفرصة حالياً، لإعلان شعاراتهم والتبشير بأفكارهم والتجاوز على مؤسسات الدولة . يضاف إلى ذلك تفشي الفقر والجهل في المناطق العشوائية والمهمّشة وضعف الوعي بشكل عام والوعي الديني بشكل خاص، الأمر الذي أدى إلى الانفلات من جهة، ومن جهة أخرى عزز الاعتقاد السائد بأن أعمال العنف ليست عشوائية أو اعتباطية، بل هي منظّمة، خصوصاً في ظل ضعف ثقة المسيحيين بإجراءات الحكومة، وكذلك عدم إنزال العقاب بالمرتكبين، الأمر الذي ضاعف من الشكوك بعدالة الإجراءات المتّبعة لمواجهة مثل هذه الأعمال الإجرامية .

وإذا كان وجود كيانية دينية إسلامية أو مسيحية مسألة قائمة، فإن هذا الوجود سيخسر كثيراً إذا استمرّ نهج التعصب والإلغاء ومحاولة التسيّد وعدم الاعتراف بالحق والحرية في اتباع أي دين وكفالة ذلك قانوناً من جانب الكيانية الإسلامية، أما التفتيش في العقول والمنازل والكنائس، فهو أمر يسيء إلى الإسلام وصورته السمحاء . كما تخطئ الكيانية المسيحية إذا وضعت أمر الأقباط خارج نطاق دائرة النضال من أجل دولة مدنية موحدة تسود فيها مبادئ المساواة والمواطنة وحقوق الإنسان، من دون أي تمييز، وستزداد هذه الخسارة فداحة بالمراهنة على قوى خارجية، قد تستغلها لأغراضها الخاصة وليس لتحقيق أهدافها .

وهذا الأمر يتطلب اتّخاذ إجراءات سريعة حكومياً وشعبياً، بما فيها من جانب الأحزاب والقوى السياسية ومؤسسات المجتمع المدني، لوضع حلول قانونية وعملية ومجتمعية ودينية للمشكلات المتراكمة، ووضع حد للخطابات المتشددةلبعض رجال الدين وأئمة الجوامع وبعض ردود فعل رجال الدين المسيحيين، وضرورة تأسيس “مجمّع” ديني معرفي يضم الأزهر والكنيسة على حد سواء وعلى أساس الاحترام المتبادل، وزيادة نسبة تولّي الأقباط الوظائف العليا على أساس الكفاءة والنزاهة والمساواة في جميع مرافق الدولة ومؤسساتها بما فيها في البرلمان، إضافة إلى المجالس المحلية، وكذلك وضع عقوبات شديدة إزاء أعمال العنف وثقافة الكراهية والانتقام والثأر ونشر ثقافة السلام والتسامح والمساواة، بديلاً عنها، فضلاً عن أهمية التفاعل والتبادل الثقافي وفتح حوار مستمر سلمي ومدني بين المكوّنات المختلفة، مع احترام الخصوصيات والهوية الفرعية في إطار الهوية العامة الجامعة، من خلال إقرار التنوّع الثقافي وحرية الآخر وحقوقه .

إن حادثة إمبابة التي امتدّت إلى كنيسة مار مينا وكنيسة العذراء وسقط بسببها 15 شخصاً وأصيب فيها نحو 272 آخرين، واستخدمت فيها قنابل مولوتوف، تذكّر بما حدث في كنيسة القديسين في الإسكندرية أو كنيسة نجع حمادي أو كنيسة صول بأطفيح، وهي نذير خطر على الانتفاضة الشعبية ومنجزاتها السلمية المدنية الكبيرة، الأمر الذي يتطلّب تطويقها ووضع حد لنتائجها ومعالجة أسبابها الحقيقية . وأظن أن هذا هو السبب في اعتصام المسيحيين أمام مبنى الإذاعة والتلفزيون المصري، حيث يتطلب إصدار قانون جديد لدور العبادة، بتأكيده منع التمييز والاعتراف بالفرص المتساوية ووضع قانون جديد للأحوال الشخصية مع مراعاة الخصوصيات، ولعل هذا ما ذهبت إليه مؤسسة عالم جديد لتنمية وحقوق الإنسان (مرصد الإصلاح والمواطنة) في تقريرها الخاص بأحداث الفتنة الطائفية بإمبابة (مايو/ أيار 2011) .

إن تنامي التيارات المتعصبة في مصر وفي بعض البلدان العربية والسعي لتكفير كل من يخالفها الرأي، بحجة التمسك بالأصول والهوية، والوقوف ضد الآخر سواءً كان علمانياً أو يختلف معها في التفكير، باعتباره خارجاً على الدين والملّة، ينذر بعواقب وخيمة، خصوصاً أن المسيحيين هدف سهل، ولعل بعض هذه التيارات وفي ظروف تراجع دور القوى اليسارية والديمقراطية والوطنية والقومية، قد اندفعت لرفع شعارات “لا ولاية لكافر على مؤمن” و”لا ولاية لذمّي على مسلم”، الأمر الذي يعني الإقصاء والتهميش وعدم المساواة .

لا شك في أن المسيحيين المصريين يخافون على مستقبلهم فقد استُهدف قبلهم المسيحيون في فلسطين والعراق ولبنان، وكانوا عُرضة للكثير من الألاعيب الدولية أيضاً، واضطرّ الكثيرون منهم إلى الهجرة في ظل غياب الحرية والمساواة، وزيادة التطرف الديني والتشكيك في هويتهم الوطنية والتنكر لهويتهم الفرعية .

باحث ومفكر عربي


313
التنمية وحقوق الطفل: المشاركة تعني الحماية

عبد الحسين شعبان
في 20 تشرين الثاني (نوفمبر) عام 1989 تبنّت الجمعية العامة للأمم المتحدة اتفاقية حقوق الطفل بعد سلسلة من القرارات والإعلانات السابقة، ودخلت هذه الاتفاقية حيّز التنفيذ في الثاني من كانون الأول (ديسمبر) 1990، وأصبحت جزءًا من الشرعة الدولية لحقوق الإنسان، ولا سيما فيما يتعلق بحقوق الطفل.
ولعل هذه الاتفاقية هي الأولى من نوعها التي تحدد حقوق الطفل باعتبارها قواعد ملزمة في القانون الدولي، خصوصاً إذا ما صادقت الدول عليها، وهي قواعد آمرة، أي Jus Cogens واجبة الأداء.
وأهم ما في هذه الاتفاقية هو تأكيد حقوق الطفل دون أي تمييز لأسباب تتعلق بالدين أو العرق أو اللون أو الجنس أو السلالة أو اللغة أو الأصل الاجتماعي أو الرأي السياسي أو الملكية أو الإعاقة أو الولادة أو غيرها.
وتتكون الاتفاقية من 54 مادة، حيث أكدت ديباجتها على المبادئ الأساسية لميثاق الأمم المتحدة والقواعد العامة لمواثيق ولوائح حقوق الإنسان الدولية، وهو ما نطلق عليه "الشرعة الدولية"، كما تربط تحقيق ذلك بالتعاون الدولي لتأمين تلك الحقوق وتحسينها، وخصوصاً في البلدان النامية.
وسارت الاتفاقية في تحديد حقوق الطفل طبقاً للعهدين الدوليين حين تناولت الحقوق السياسية والمدنية (العهد الدولي الأول) والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية (العهد الدولي الثاني)، كما شملت التدابير الواجب تطبيقها لإقرار هذه الحقوق. وتناولت الاتفاقية أساليب تطبيقها ونشر مبادئها ومراقبة ذلك وآلية كتابة التقارير للجنة الدولية التابعة للأمم المتحدة الخاصة بحقوق الطفل، كما شملت التوقيع على الاتفاقية والتعريف عليها والتعديلات وغير ذلك من المسائل الإجرائية.
ويمكن من خلال قراءة الاتفاقية استبيان أهم المجالات التي شملتها الحقوق المذكورة التي تتلخص في الحق في الحياة والعيش بسلام والحق في التنمية والحق في الحماية والحق في المشاركة، وذلك بجعل مصلحة الطفل في المقدمة وإعطائه الأسبقية في كل قرار يتعلق به.
وإذا كان الحق في المشاركة جزءًا من الحق في الحماية، فهذه الأخيرة تتطلب الحق في الحياة أولاً من خلال تأمين الحق في الغذاء والرعاية الصحية والسكن، مثلما تشمل الحق في التنمية الذي يعني حق الطفل في تنمية قدراته الجسدية والعقلية والنفسية والروحية، وذلك كجزء متوافق مع إعلان الحق في التنمية الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1986، وهذا يشمل أيضاً الحق في التعليم والحق في الحصول على المعلومات والحق في الترفيه وحرية الفكر والعقيدة.
وإذا كان حق المشاركة يعني: الحق في إبداء الرأي، وحق الأطفال في المشاركة في القضايا التي تخصهم وتخصّ مجتمعاتهم في حدود قدراتهم وإمكاناتهم ومستوى نضجهم العقلي، فإن هذا الحق سيعني أولاً وقبل كل شيء الحق في الحماية من جميع أشكال الانتهاكات والاستغلال بجميع أنواعه، تلك التي يتعرض لها الطفل تحت مبررات ومزاعم مختلفة، اجتماعية وقانونية وكوابح تتعلق بالتشكيك بحقوق الطفل وبقدرته في أن يكون مستقلاً وأن يبدي رأياً أو يشارك في اتخاذ القرار الذي يخصّه.
لقد شهد عالمنا المعاصر، ولا سيما منذ نحو ربع قرن تقريباً تطوراً في حقوق الطفل، سواءً على الصعيد الحكومي أو على الصعيد غير الحكومي، المدني، وعلى صعيد دولي بما فيه مؤسسات الأمم المتحدة وهيئاتها المتخصصة والدول المانحة والمنظمات الدولية، إضافة إلى منظمات وهيئات محلية وإقليمية، وذلك على نحو مستقل خاص بحقوق الطفل أو على نحو يتسم بحقوق الإنسان بشكل عام.
وإذا كانت تقارير التنمية البشرية بما فيها التنمية العربية تعد البشر الثروة الحقيقية، فإن المهمة الأساسية للتنمية ستكون وستتقرر وفقاً لمتطلبات البشر أنفسهم، لخلق بيئة مواتية، لتوسيع خياراتهم الإنسانية، الصحية والتعليمية والعيش الكريم، ولا سيما في ظل الحرية وضمان احترام الحقوق، وتلكم أمور تتعلق بالكرامة الإنسانية بشكل عام، ولعلها كانت الأسباب الحقيقية التي قادت إلى حركة احتجاجات وانتفاضات واسعة في العالم العربي، وإلى تغييرات جوهرية تنتظر الاستكمال بالبناء والتطلّع للمستقبل، ولا سيما في تونس ومصر.
وبشكل عام حقوق الطفل هي حقوق غير قابلة للتجزئة أو الانتقاء، بل هي حقوق موحدة ومترابطة وعامة، وهي في الوقت نفسه حقوق كونية تستند إلى معايير دولية، الأمر الذي يتطلب رفع وعي الأطفال أنفسهم والجهات المحيطة بهم والمقتنعة بدورهم بما فيهما الأسر والعائلات والجماعات السياسية والمجتمع المدني وصنّاع القرار لإشراكهم في اتخاذ القرار من جهة، ولوضع حقوقهم في صميم مستلزمات وبرامج وتنمية الإنسانية.
ولعل هذه المعطيات تجعل من الضرورة بمكان البحث في كل بلد وعلى المستوى العربي، تحليل واقع الطفل والطفولة وتجد لها الأولويات والاستراتيجيات الخاصة بهم، ولا سيما الخيارات الأساسية والوسائل المناسبة لتحقيقها، والمهم في ذلك هو تحقيق مبدأ الحق في مشاركة الأطفال مشاركة فعليّة وليست شكلية، وكيف سيشاركون في التنفيذ أيضاً، ولا سيما بما يتناسب مع درجة وعيهم ومستوى نضجهم وأعمارهم.
ولعل مناسبة هذا الحديث هو مناقشة المجلس العربي للطفولة والتنمية خطته الاستراتيجية للأعوام 2011 ـــ 2014 بحضور الأمير طلال بن عبد العزيز رئيس المجلس، ومشاركة خبراء عرب ودوليين، حيث جرى التركيز على تنمية المعرفة ومناهضة العنف ونشر الثقافة الحقوقية والوعي القانوني للطفل والطفولة وحماية ودمج حقوق الطفل في عملية التنمية. وحماية الأطفال المهمّشين وأطفال الشوارع وبناء الشراكات من أجل ذلك، خصوصاً أن ذلك يتطلّب الاستناد إلى مرتكزات أربعة أساسية هي:
المرتكز الأول، الاندماج والمساهمة في عملية التنمية. المرتكز الثاني، توفير الحماية للطفولة. والمرتكز الثالث، تحقيق مبادئ المشاركة. أما المرتكز الرابع فيقوم على دمج الفئات المهمّشة وذوي الاحتياجات الخاصة، ولا سيما من الأطفال في عملية التنمية.
ولعل الأمر يتطلب تشريعات جديدة وتكييف القوانين القائمة والاهتمام بالقطاع التربوي والتعليمي، ولا سيما المناهج التعليمية، بما له علاقة بالأستاذ والطالب والبيئة التربوية، وكذلك الاهتمام بدور المجتمع المدني الذي يمكنه الإسهام في عملية رفع الوعي وتعزيز ثقافة الطفل وحقوقه، إضافة إلى المعنيين بالطفولة لدى الفئات المختلفة، سواءً في إطار السياسيين والنخب الحاكمة وغير الحاكمة، أو لدى البرلمانيين والقضاة وسلك القانون، كما أن الإعلام يمكنه أن يلعب دوراً إيجابياً في تغطية الخطة الاستراتيجية بكل مفاصلها وحلقاتها.
ولعل لكل خطة فلسفة، وهذه الفلسفة تقوم على مرجعيات فكرية، وإذا ما كانت هذه المرجعيات شمولية وتنسجم مع المعايير والقوانين الدولية وتستجيب لطموحات شعوب وبلدان المنطقة وترتقي بقضية الطفل والطفولة إلى المستوى الذي يستحقه، فإنها ستكون قد نجحت في تلبية جزء ولو يسير من متطلبات التقدم والتنمية وقبول حق الاختلاف والإقرار بالتعددية والتنوّع.
إن تنمية الطفولة والاعتناء بالطفل هو مفتاح الدخول للتنمية البشرية، ولا سيما أن مشاركة الأطفال هي جزء لا يتجزأ من توفير الحماية لهم، ولعل هذا الهدف هو أحد أهداف تأسيس المجلس العربي للطفولة والتنمية في عام 1987 بناءً على توصية من مؤتمر الطفولة والتنمية المنعقد في تونس عام 1986 برعاية جامعة الدول العربية، وهو منظمة غير حكومية لها شخصية قانونية اعتبارية، كما أنه عضو استشاري في عديد من المنظمات الدولية.

314
لغز الانسحاب الأميركي من العراق!


عبد الحسين شعبان

«انتبهوا الوقت ينفد في واشنطن!!».. هذه هي العبارة التي وجّهها وزير الدفاع الأميركي روبرت غيتس للمسؤولين العراقيين لحثّهم على الاستعجال في طلب التمديد للقوات الأميركية في العراق، خلال زيارته المفاجئة الى بغداد في شهر نيسان/أبريل 2011 ولمناسبة الذكرى الثامنة لغزو العراق.
ومن المفروض أن تنسحب القوات الأميركية من العراق حسب الاتفاقية الموقعة بين بغداد وواشنطن في شهر تشرين الثاني/نوفمبر العام 2008 ضمن جداول زمنية تنتهي في أواخر العام 2011. وبالفعل وبناءً على قرار الرئيس الأميركي باراك أوباما، فقد تم سحب 91 ألف جندي في شهر آب (أغسطس)2010، لكن جدلاً عراقياً وأميركياً أخذ يدور حول استكمال خطوة الانسحاب أو الابقاء على بضعة آلاف من الجنود الأميركان بعد انتهاء مدّة الاتفاقية، الأمر الذي يحتاج الى اتفاقية جديدة لتنظيم بقائها قانونياً.
وإذا كان مطلب التمديد قد بدا أميركياً، فهو في الوقت نفسه قد يكون عراقياً، وباستثناء كتلة السيد مقتدى الصدر، فلا وجود لجهة سياسية تطالب وتصرّ على انسحاب القوات الأميركية كاملة، بل بالعكس، فإن بعض الجهات تدعو علناً لبقائها، كما هي كتلة التحالف الكردستاني في البرلمان، وكذلك تعلن صراحة حكومة إقليم كردستان ذلك. ويتفاوت موقف بعض الأطراف بين السكوت أو إبداء شيء من الممانعة أو انتظار موقف الحكومة الرسمي، لا سيما وأن خطوة إبرام اتفاقية جديدة تتطلب مناقشتها في البرلمان لإقرارها فيما إذا اتخذت الحكومة قراراً بشأنها.
ويرى السفير الأميركي السابق في العراق رايان كروكر والذي عمل في بغداد بين عامي 2007-2009 أن على واشنطن أن تتبع سياسة «الصبر الاستراتيجي» في المرحلة المقبلة إزاء العراق، ولم يعد بإمكانها القيام بخطوات أحادية بعد الآن، لكن إذا طلب العراقيون إعادة تقويم الوضع بشكل مشترك لما بعد العام 2011، فسيكون من مصلحة الإدارة الأميركية استراتيجياً أن تردّ على الطلب بالإيجاب. وبهذا المعنى تريد واشنطن أن تضع الكرة في ملعب العراقيين، وعلى الرغم من انقسامات المجموعات السياسية، إلاّ أنها مع الاستثناء الذي ذكرناه، يمكن أن تتفق على بقاء محدود للقوات الأميركية مع بعض القواعد التي تتمركز فيها ولمدة محــدّدة كأن تكون سنتين أو ثلاث سنوات، وقد تكون قابلة للتمديد وقد تستبدل باتفاقية أخرى، لا سيما إذا اقتضت الحاجة لذلك.
وقد كانت الدهاليز السياسية تتداول بعض الإشاعات القوية حول تحضيرات متبادلة لإبرام اتفاقية جديدة تنظّم العلاقات السياسية والعسكرية والأمنية وغيرها بين واشنطن وبغداد. وعلى الرغم من بعض التحفظات والمشاغلات، وهو ما سبق أن حصل إبان إبرام اتفاقية العام 2008 التي «اضطر» الجميع تقريباً في نهاية المطاف للموافقة عليها، وعلى أمل عرضها للاستفتاء الشعبي، الذي لم يحصل حسبما هو مقرّر، فإن عقد اتفاقية جديدة قد ينحو المنحى ذاته، علماً أن بعض القوى لا تريد المبادرة، وبعضها ينتظر من يبادر، والكل يريد «أكل الثوم بلسان الغير»، حتى من برّر أن الاتفاقية السابقة باعتبارها «أحسن الحلول السيئة» وذلك في تصريح لأمين عام الحزب الشيوعي حميد مجيد موسى.
ومع الإقرار بالنواقص والثغرات الأمنية وعدم استكمال بناء قوات مسلحة قادرة على مجابهة التحدّيات الخطيرة الخارجية والداخلية، فإن أولويات واشنطن لا تتوقف عند هذا الحدّ، بل تربط وجود اتفاقية جديدة مع العراق، بملفات مهمة وملحّة مثل: الملف الإيراني لا سيما الشق النووي، وموضوع انسحاب وإعادة انتشار قوات أميركية من أفغانستان، والعلاقة المعقّدة مع الباكستان، وآفاق السلام بعد التغيير، لا سيما استمرار تعنّت الموقف الإسرائيلي، والارتياب من المصالحة الفلسطينية بين فتح وحماس، والأزمة الاقتصادية والمالية العالمية وانعكاساتها على الولايات المتحدة، خصوصاً أن الأرقام التي نشرها جوزيف ستيغلز الاستاذ في جامعة كولومبيا وبلميز ليندا الأستاذة في جامعة هارفرد تشير الى أن واشنطن صرفت على حرب العراق أكثر من 3 مليار دولار حتى أواخر العام 2008، وهو ما صدر ضمن تقرير عن وزارة الخارجية الأميركية (العام 2009). كل ذلك يأتي بعد الانتفاضات الشعبية للعديد من بلدان المنطقة وبعد قتل أسامة بن لادن في عملية خاصة لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية في إسلام أباد.
وفي كل الأحوال فإن الإبقاء على بضعة آلاف من القوات الأميركية (المرجح أن العدد يتجاوز العشرة آلاف) له ما يبرّره أميركياً وعراقياً على صعيد الحكومة وشركائها، لا سيما وهذه القوة مدرّبة وبجاهزية عالية ولديها كل ما تحتاج الى القتال تقنياً، تحت باب تدريب وتجهيز القوات العراقية، وتقديم المشورة لها والقيام بعمليات محدودة مشتركة لمكافحة الارهاب، بما يتفق مع الالتزامات العراقية والأميركية.
يضاف الى هذه القوة العسكرية، وجود أميركي مدني قوي في العراق، خصوصاً وأن السفارة الأميركية في بغداد هي أكبر السفارات الأميركية في العالم، ولديها قنصليتان في البصرة وأربيل، إضافة الى مكاتب في كركوك والموصل وتضم نحو 2400 موظف، وتتعاقد هذه مع شركات أمنية توفّر لها حماية قانونية خاصة لحماية مجمّعاتها الخمس في العراق، إضافة الى حماية الشخصيات الرسمية المدنية والعسكرية الأميركية.
وبما أن القوات المسلحة العراقية غير قادرة حتى الآن على حماية الأجواء العراقية وكذلك المياه الإقليمية، إزاء التحديات الخارجية، فالأمر يتطلب وجوداً عسكرياً أميركياً لتأمين ذلك، وهو المبرر ذاته الذي «رضخت» اليه القوى السياسية بقضّها وقضيضها تقريباً، لا سيما من المشاركين بالعملية السياسية لتبرير موافقتهم على اتفاقية العام 2008 وقبلها مذكرة التفاهم، وعلى تمديد القرارات الدولية، ومهمّات قوات التحالف في العراق، ودفع تعويضات لواشنطن في اتفاقية التسوية بلغت 400 مليون دولار بعد اغلاق صندوق تنمية العراق الذي تأسس طبقاً لقرار مجلس الأمن الدولي 1483 في 22 أيار (مايو) 2003.
ولكن ماذا لو قررت واشنطن لحساباتها الخاصة، ولا سيما تحت وطأة الأزمة المالية والاقتصادية وضغط الرأي العام الأميركي والدولي، الانسحاب من العراق، فهل ستتركه فريسة لدول الجوار، لا سيما لإيران التي اتّسع نفوذها الى حدود كبيرة؟ وحتى الولايات المتحدة التي احتلت العراق، اضطرت الى التوافق معها بشكل مباشر أو غير مباشر على تشكيل الحكومة العراقية القائمة، لاعتقادها أن فرض مرشح عنها سيعني فشلاً مؤكداً لسياساتها الفاشلة بالأساس.
لكن واشنطن، حتى لو انسحبت من العراق، فلن تترك الحبل على الغارب وتهرب الى الأمام، وفي الوقت نفسه تبحث عن انسحاب «مشرّف» ومسؤول كما أسماه الرئيس الأميركي أوباما. وفي ذلك واقعية سياسية، خصوصاً بعد هزيمة المشروع الأميركي الشرق أوسطـي الكبير أو الجديد، والغرق في الوحل العراقي حتى العنق. وهنا لا بدّ من الاستعاضة عن الوجود العسكري والقواعد المباشرة (فيما إذا حصل الانسحاب) بقواعد عسكرية موجودة وقائمة في الخليج، خصوصاً أن هناك قاعدتين عسكريتين في الكويت، وحيث مقر الاسطول الخامس الأميركي في البحرين، إضافة الى قاعدة إمداد ضخمة في قطر ومنشأتي طوارئ في عُمان ودولة الامارات العربية، وباستطاعة واشنطن أن تنشر بسرعة قوات أرضية، إضافة الى قدرات جوية وصاروخية وقوات بحرية، لردع أي هجوم ولمواجهة أي احتمال خارجي.
وإذا كان المشهد العراقي ملتبساً، فإن الوضع الأميركي، ولا سيما العسكري معقداً، فعلى الجبهة العراقية، تتخوّف بعض القوى من الانسحاب الأميركي، وإذا كانت الحركة الكردية تريده ضماناً للمكاسب التي أحرزتها ومساعداً في حل مشكلة ما يسمى المناطق المتنازع عليها، لا سيما «عقدة كركوك» فإن بعض الأطراف السياسية ممن يصطفون تحت إسم «العرب السنّة» يبدون حذراً إزاء الانسحاب الأميركي، وإن كانوا لا يعبّرون عن ذلك صراحة، خوفاً من احتمال تمدد القوى الشيعية المهيمنة، خصوصاً باختلال معادلة وجود طرف موازن، والأكثر من ذلك أن بعض الجماعات المعارضة للوجود الأميركي هي الأخرى عبّرت عن مخاوفها من انسحاب أميركي، فقد صرّح طارق عزيز وزير خارجية العراق الأسبق والقيادي في حزب البعث من محبسه، إن على أميركا مسؤولية أن لا تترك العراق بيد «الذئاب»، والمقصود بذلك القوى المهيمنة على الحكم، الأمر الذي يثير الكثير من المفارقات والتداعيات، حول «واقعية» الانسحاب ومواقف القوى منه، بما فيها القوى المهيمنة التي قد يتعاظم قلقها فيما إذا حصل الانسحاب.
وبالقدر الذي يريد بعض القوى تعبئة الشارع لمناوأة مواقف الحكومة، بالدعوة الى الانسحاب، لكنه في حقيقة الأمر يريد بقاء القوات الأمريكية، خوفاً من اختلال معادلة التوازن لصالح طهران التي يعتبرها أخطر من الاحتلال الاميركي، فهي ستسارع لدعم أصدقائها. وكان الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد صرّح بخصوص الفراغ الأمني قائلاً إن إيران وغيرها من دول المنطقة مستعدة لملء الفراغ المتوقع في سيناريو يبدو أقرب بالكابوس لبعض الجهات المشاركة في العملية السياسية أو من خارجها.
كما أن هناك من يعتقد، أن مجرد الموافقة على الانسحاب الأميركي، سيدفع البلاد مجدداً في أتون الحرب الأهلية، حيث ستصل العملية السياسية الى انسداد الأفق، وقد تنهار ويتحوّل الصراع الحالي، الذي عطّل الدولة ومهماتها الأساسية في توفير الأمن والخدمات الصحية والتعليمية وتأمين العمل للعاطلين ومحاربة الفساد، من صراع سياسي الى صراع مسلح قد تتشظى البلاد بسببه. والأكثر من ذلك هناك من يقول إن «التمذهب» والتفتت العراقي قد ينتقل الى دول الجوار، التي تعيش أوضاعاً صعبة، لا سيما أن الانتفاضات الشعبية أثبتت رخاوة الكثير من الأنظمة، الأمر قد يؤدي الى انفلات الأوضاع في ظل بيئة مشجّعة إقليمياً ودولياً، وهكذا يمكن أن تعمّ الفوضى أكثر من بلد انطلاقاً من العراق.
من جهة أخرى واستكمالاً لسيناريو الانسحاب الأميركي فإن تعويضاً آخر يمكن أن يحلّ محله، وهو استمرار التعاقد مع الشركات الأمنية، التي هي جيش خفيّ وسرّي تديره مؤسسات خاصة تتعاقد مع الجيش الأميركي وتضمّ مرتزقة لمهمات خاصة وهي تخدم من يدفع لها، ويمكن لهذه الشركات القيام بدور القوات الأميركية الضاربة، إضافة الى حماية المنشآت والمرافق الأميركية في العراق وما يمكن حمايته مثل آبار النفط وخطوط إمداده وغيرها.
ومثلما ظلّ الغموض والإبهام يحيطان باتفاقية العام 2008 ونصوصها التي لم تنشر الاّ بعد إبرامها، ولم يطّلع عليها أعضاء البرلمان، الذين وجب عليهم مناقشتها، الاّ عند عرضها عليهم، فإن الغموض والسرية لا يزالان يلفّان الموقف من الانسحاب الأميركي، الأمر الذي يضاعف القلق من احتمال تدهور الوضع نحو المزيد من التعويم وعدم الشعور بالثقة والاطمئنان والأمن، ومثلما حذر رئيس هيئة أركان الجيش الأميركي في وقتها مايكل مول الحكومة العراقية من أن عدم التوقيع على الاتفاقية سيؤدي الى عواقب كارثية، فهناك من يقول، لا سيما من الجانب الأميركي وبعض المسؤولين العراقيين، أن الانسحاب سيعرّض الوضع العراقي الى انهيار متوقع. فما أشبه اليوم بالبارحة.

([) كاتب وسياسي عراقي


315
التعذيب والحوار العربي - الأوروبي   

 
عبدالحسين شعبان
توقفت طويلاً عند الدعوة التي وصلتني من برنامج الحوار العربي  الأوروبي تنظيم مؤتمر حول “التعذيب وسيادة القانون”، وتساءلت كثيراً هل يصلح مثل هذا العنوان لفتح حوار بين المؤسسات الوطنية (شبه الرسمية) لحقوق الإنسان ومعاهد ومراكز متخصصة أقرب إلى بيوت خبرة تعمل بصفة استشارية مع وزارات الخارجية الأوروبية؟ لعل أطراف الحوار شبه الحكومية هي أقرب إلى مؤسسات وسيطة بين الحكومة وبين منظمات المجتمع المدني، والمجتمع بشكل عام، سواءً من خلال دورها القانوني، أو عبر الرصد والمراقبة والضغط لوضع حد لانتهاكات التعذيب . وكنت قد حضرت مؤتمراً أسبق للحوار العربي  الأوروبي تم تنظيمه من الجهات المعنية ذاتها بعنوان “الإرهاب وحقوق الإنسان” وكان قد التأم في عمان، لاسيما بعد شيوع ظاهرة الإرهاب الدولي وانتقالها إلى بلدان كثيرة، خصوصاً بعد أحداث 11 سبتمبر/ أيلول عام 2001 واحتلال العراق العام ،2003 الأمر الذي أسهم في صعود نجم تنظيمات القاعدة والتنظيمات الإرهابية بشكل عام .

وإذا كان موضوع الحوار حول الإرهاب له امتدادات دولية مباشرة، فإن موضوع التعذيب له فضاء دولي أيضاً حتى وإن تراءى للبعض أنه يدخل في صميم العلاقات الداخلية، الأمر الذي استوجب الحوار حوله من المؤسسات الوطنية والمعاهد والمراكز ذات العلاقة . وقد استضافت وزارة الخارجية الألمانية هذا الحوار في العاصمة برلين (قاعة ويلتسال هال) وحضره إضافة إلى الممثلين الرسميين عدد محدود من الخبراء والمختصين .

وإذا كان الحوار العربي  الأوروبي اختياراً في السابق، فقد أصبح اليوم ضرورة ماسّة وحاجة لا غنى عنها في ظل الثورة العلمية  التقنية، وفي ظل أوضاع العولمة والانفجار الهائل في حقل المعلومات والاتصالات والمواصلات والطفرة الرقمية “الديجيتل”، ولهذا أصبح الحوار واجباً في ظل عالم متداخل، مترابط، متشابك، ولم يعد نزوة أو حتى رغبة لمجموعة من المثقفين العرب والأوروبيين، بسبب تدنّي مستوى الحريات، وارتفاع معادلة الأمن على حساب الكرامة والحرية، والسكوت أو حتى تبرير جرائم التعذيب أحياناً، بزعم الاستقرار، ولعل مثل هذا الأمر لا يقتصر على هذا البلد أو ذاك، سواءً من البلدان العربية أو البلدان الأوروبية، بل أصبح ظاهرة عامة للعديد من الحكومات التي تتعكّز عليه، لاسيما بعد أحداث 11 سبتمبر/ أيلول الإرهابية الإجرامية التي حصلت في الولايات المتحدة وتداعياتها الخطرة .

لقد كشفت الانتفاضات الشعبية التي حصلت في العديد من البلدان العربية، لاسيما التي استطاعت الإطاحة بالأنظمة التسلطية والاستبدادية السابقة في تونس ومصر، عن تفشي ظاهرة التعذيب، لا للمواطنين العرب فحسب، بل في الدول الأوروبية أيضاً التي شعر العديد منها بالمأزق الأخلاقي والوجداني، في السكوت عن الحكام المستبدين أو تبرير بعض أعمالهم، ناهيكم عن القصور التشريعي، وكذلك ضعف الآليات القانونية للحماية، الأمر الذي يجعل الحوار مهماً وضرورياً .

ومع تأكيدي لهذه الأهمية، فقد شعرت بحساسية خاصة وأنا ألقي بحثي وأتحدث إلى المؤتمرين، فقد كان مكان الاجتماع ليس بعيداً عن مقر جهاز “ستازي” المعروف بقسوته (جهاز الأمن السياسي الألماني التابع لألمانيا الشرقية قبل هدم جدار برلين)، وقد أسهم هذا الجهاز في تدريب و”تأهيل” العديد من الجلادين العرب، وتلقينهم وسائل التعذيب الحديثة والمؤثرة، ناهيكم عن بيع أجهزة وأدوات التعذيب إلى العديد من البلدان النامية، تحت واجهات ومزاعم مختلفة، بما فيها الصراع الإيديولوجي العالمي بين الشرق والغرب والاصطفافات الحادة في ظل الحرب الباردة، الأمر الذي كان على حساب الإنسان وحقوقه، التي هي غاية كل فلسفة وهدفها، كما أن الإنسان هو أغلى رأسمال في الوجود، وعلى حد تعبير الفيلسوف الإغريقي بروتوغوراس “الإنسان مقياس كل شيء” .

إن أي حوار لا يتّسم بالمصارحة والشفافية والنقد سيكون لا قيمة يعتدّ بها له، خصوصاً إذا توخّت الأطراف المتحاورة كما هي التي شاركت بالحوار العربي  الأوروبي بشأن “التعذيب وسيادة القانون”، تحقيق شراكة حقيقية عربية وأوروبية .

ولهذا فقد اقتضى الحوار إظهار “التردد” في مواقف بعض الحكومات  الأوروبية والغربية عموماً إزاء التحركات الشبابية والانتفاضات الشعبية، بسبب المصالح الاقتصادية والامتيازات التجارية التي كانت تحصل عليها، إضافة إلى بعض التبريرات التي تقدّم الأمن والاستقرار على حساب الحريات والحقوق وهو ما حاول كاتب السطور لفت النظر له .

وإذا كان التعذيب ظاهرة مستشرية في جميع البلدان العربية تقريباً خصوصاً بوجود نواقص تشريعية وضعف الروادع وآليات الحماية المنقوصة والإفلات من العقاب، فضلاً عن النقص الفادح في الثقافة القانونية والوعي الحقوقي  المجتمعي، فإن عدم استقلال القضاء أو خضوعه في الكثير من الأحيان لتأثيرات السلطة التنفيذية أو ضعف جهات إنفاذ القانون هو سمة بارزة، لكن أوروبا والغرب عموماً ليسا بريئين من التعذيب .

إنّ ما حصل في سجن أبو غريب أو سجن غوانتانامو الذي وعد الرئيس الأمريكي أوباما بإغلاقه، لكنه لا يزال حتى الآن يضم نحو 160 معتقلاً في ظروف لاإنسانية، كما أكّدت العديد من التقارير الدولية، والسجون السرّية الطائرة (التي شارك فيها أكثر من بلد أوروبي) والسجون السرية العائمة (وسط البحر)، يحتاج إلى وقفة جدّية حقيقية من مواقع النقد والنقد الذاتي للكشف عن الممارسات والانتهاكات المنافية لحقوق الإنسان، ناهيكم عن أن هذه الوقفة لا بدّ أن تشمل معاناة اللاجئين أو طالبي اللجوء والمهاجرين والعمال الأجانب، في ضوء القانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف لعام 1949 وملحقيها لعام 1977 (بروتوكولي جنيف)، فضلاً عن الشرعة الدولية لحقوق الإنسان، واتفاقيات العمل الدولية .

لقد تطوّر الفقه الدولي كثيراً في موضوع تحريم التعذيب وتجريمه من وضع إعلان لمناهضة التعذيب العام 1975 وتحوّل هذا الإعلان إلى اتفاقية دولية شارعة، أي منشئة لقواعد قانونية جديدة أو مثبتة لها، وذلك في 10 ديسمبر/ كانون الأول عام ،1984 ودخلت حيّز التنفيذ في 26 يونيو/ حزيران عام ،1987 لاسيما بتأكيد أن التعذيب جريمة لا تسقط بالتقادم، وحسب القانون الدولي الإنساني، فالتعذيب هو جريمة حرب مثلما يعتبره القانون الجنائي الدولي، جريمة ضد الإنسانية . وكانت الشرعة الدولية لحقوق الإنسان (الإعلان العالمي في المادة الخامسة والعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية في المادة السابعة) قد حرّمت التعذيب، وذهبت اتفاقيات جنيف وملحقاها، إضافة إلى النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية (نظام روما عام 1998) الذي دخل حيّز التنفيذ في عام 2002 (المواد الخامسة والسابعة والثامنة) بهذا الاتجاه، الأمر الذي يتطلب الوقاية على صعيد التشريع والقانون وآليات الحماية، فضلاً عن التقنيات الضرورية، وهو ما ذهب إليه البروتوكول الاختياري الملحق باتفاقية مناهضة التعذيب الذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة في 18 ديسمبر/ كانون الأول عام 2002 ودخل حيّز التنفيذ في 22 يونيو/حزيران عام ،2006 وحتى الآن لم توقّعه أي من البلدان العربية باستثناء لبنان . وإذا كان بعض البلدان العربية قد وقّع على اتفاقية مناهضة التعذيب، فإن العديد منها تحفظ على اختصاص اللجنة المعنية حسب المادة 20 .

الجدير بالذكر أن جمعية دولية للوقاية من التعذيب كانت قد تأسست في عام 1977 بمبادرة من المحامي والمصرفي السويسري جان جاك غوتييه، شعوراً منه بتفاقم هذه الظاهرة التي ينبغي وضع حد لها في عالمنا المعاصر .

باحث ومفكر عربي

316
بعد سنوات من التمرد.. مظفر النواب يعود إلى بغداد




عبد الحسين شعبان
يعود إلى بغداد بعد أكثر من أربعة عقود هي غربة الشاعر الكبير مظفر النواب صاحب القصيدة الحديثة المكتوبة باللهجة العامية. لعل منفى النواب زاد على نصف عمره البيولوجي وأكثر من ثلثي عمره الإبداعي، وباستثناء عقد ونيّف من الزمان كتب فيه النواب قصائده الشهيرة إبتداء من " الريل وحمد" و"ياريحان" و"صويحب" و"حن وآنه حن" و" سفن غيلان إزيرج" و"البراءة" و"حسن الشموس"، فإن منجزه الشعري الإبداعي إكتمل في المنفى، بعد تجربة السجن المريرة إثر هروبه بعد إنقلاب 8 شباط (فبراير) العام 1963 إلى إيران وإلقاء القبض عليه وتسليمه الى السلطات العراقية، ثم الحكم عليه وإيداعه في سجن نقرة السلمان، وبعد ذلك هروبه مع مجموعة من السجناء من سجن الحلّة العام 1967 بعد نجاحهم في حفر نفق تحت السجن وفرارهم الجماعي.
منذ أن نشر النواب قصيدة " الريل وحمد" جاءت الإشارة بقدر غموضها، واضحة، فقد كان أمام النقّاد نوع من الأدب الجديد المكتوب بالعامية، لكنه مختلف عن القصيدة العامية التقليدية أو الكلاسيكية التي عُرف بها شعراء كبار مثل حسين قسّام والحاج زاير والملاّ عبود الكرخي وغيرهم، لاسيما وأن القصيدة النوابية شكّلت خروجاً على التقليد، وامتازت بلغة آسرة ومفردات جديدة، بل إن بعضها يستخدم لأول مرة ، بعيدة عن الوصف المباشر، وحملت صوراً وتأملات عكست احتدام روح الشاعر وشحناته العاطفية وحبكته الدرامية.
وإذا كان شعراء كبار مثل بدر شاكر السياب ونازك الملائكة وبلند الحيدري وعبد الوهاب البياتي قد سبقوا النواب الى القصيدة الحديثة المكتوبة باللغة الفصحى، إلاّ أن الفارق بينه وبينهم أن هؤلاء الشعراء الكبار اجتازوا مرحلة تمهيدية طالت أو قصرت ارتباطاً وتزامناً مع من سبقوهم من شعراء كبار في الشعر العمودي والقصيدة الكلاسيكية، كالجواهري الكبير مثلاً، مع أنهم حملوا لواء الحركة التجديدية الشعرية وكان لهم شرف النهوض بالقصيدة الحديثة الحرّة، الاّ أن تأثير الرواد عليهم لم يكن بعيداً.
أما في حالة النواب وهنا المفارقة التي يذكرها الناقد والكاتب الدكتور حسين سرمك حسن في كتابه القيّم " الثورة النوابية" الصادر حديثاً عن دار الينابيع في دمشق (2010)، فإنه كان "رائد الثورة العامية الحديثة في الشعر الشعبي" ويعتبره فارسها الوحيد.
وفي وصف رمزي لم أجد أجمل منه بخصوص دور النواب الريادي في الحركة التجديدية الشعرية الشعبية، يقول حسين سرمك حسن " في مجال الثورة النوابية كنّا أشبه بأناس اعتادوا أن يروا كلّ يوم بستاناً كبيراً من الأدب العامي، ثم نمنا ذات ليلة واستيقظنا، فإذا بنا نجد غابة جديدة ساحرة قائمة بجوار البستان السابق، لم نألف مظهرها من قبل... لا في شكل شجرها ولا ثمره ولا في تنظيم صفوفه، غابة آسرة وجدنا لغة طيورها فقط هي اللغة (اللهجة) العامية" ثم يضيف في تبيان اختلاف عاميّة النواب عن العامية السابقة التي ألفنا سماعها والتعامل بها أو معها. ولنلاحظ هذه الصورة: آنه يعجبني أدوّر عالكَمر بالغيم... ما أحب  الكَمر كلّش كَمر (من قصيدة النواب- زفّة شناشيل).
وإذا كانت القصيدة الجواهرية قد بلغتي سدسها العبقري حسب الكاتب حسن العلوي، في الأربعينيات، باعتباره رائد القصيدة الكلاسيكية الحديثة، فإن قمة الجواهري الشعرية تلك كانت تعاصرها وتقف الى جانبها حركة شعرية ريادية جديدة،حاولت أن تشق طريقها وإن كان بصعوبة، وذلك بسبب أن الجواهري ومُنجزه الإبداعي لم ترك متّسعاً للشباب من الشعراء المفعمين بالتجديد مجالاً للمنافسة حسبما عبّر عنه الناقد والكاتب جبرا ابراهيم جبرا.
هكذا كان للقصيدة الجديدة والحركة الشعرية الحديثة والحرّة عرّابون سابقون مثلاً لكنه حسب استنتاج د. حسين سرمك حسن، لم يكن للثورة الشعرية النوابية من أب روحي، ومن يقرأ شعر النواب وتطوره خلال العقود الخمسة، سيرى أن تأثير وحضور شعراء العامية الكبار الذين سبقوا النواب كان قليلاً، بل لا يكاد يُذكر.
وإذا كان النواب معجباً بالحاج زاير الدويج والملاّ عبود الكرخي، لكنه لا يمكن بأية حال من الأحوال مقارنة القصيدة النوابية لا من حيث معانيها أو مبانيها أو صورها أو لغتها، بالشاعرين الحاج زاير أو الكرخي، فكلاهما لم يمدّا النواب بوسائل الخلق والتمرد والتجديد، الأمر يرجح الاعتقاد السائد أن النواب فيما ذهب اليه كان المبدع الأول في القصيدة التجديدية العامية، وأعقبه وسار على طريق التجديد شعراء مثل طارق ياسين وشاكر السماوي وعزيز السماوي وعريان السيد خلف وكاظم اسماعيل الكَاطع وآخرين، وإن كان لكل منهم صوته الخاص.
يعتبر مظفر النواب الشاعر الأكثر اغتراباً (فسيولوجياً) فقد عاش في المنفى وانتقل بين المدن والبلدان والمرافئ والمحطات والقطارات والحدود والجوازات. وسواءً تآلف أو تخالف مع المنفى، لكنه ترك بصماته على النواب وشعره، بل أخذ يطبع كل شيء: هوياتنا وعاداتنا وأصدقائنا وهمومنا وعذاباتنا يقول النواب:
سواءً إعتاد النواب على صحبة المنفى أو يعتد، لكن وجعه كان يزداد وحزنه كان يكبر، بل لم يفارقه منذ أن غادر الوطن:
       " المنفى كالحب يسافر في كل قطار أركبه "  لأنه.
      " مو حزن لاجن حزين
      مثل ما تنكَطع تحت المطر
      شدّة ياسمين...
مثل بلبل كَعد متأخر
لكَه البستان كله بلايا تين
مثل صندوق العرس
ينباع خرده من تمضي السنين
آنه كَتلك مو حزن
لاجن حزين "

سألت الجواهري يوماً وهو الذي لم يكفّ يتحدّث عن المنفى والسبع العجاف (سنوات غربته الأولى 1961-1968) وماذا كان في المنفى يا أبا فرات: أهو زمهرير الغربة أم فردوس الحرية؟" وبعد أن سحب نفساً طويلاً من سيكارته أجابني: الاثنان معاً.. أي والله. وقد صادف أن زار مظفر النواب براغ لبضعة أيام في العام 1970 وخلال وجوده ضمتنا جلسة في مطعم "أوفليكو" المكان الذي زاره نابليون عندما احتلّ براغ في أوائل القرن التاسع عشر، والطريف أن الساعة التي تزّين واجهة المطعم قد أوقفت عقاربها وظلّت هكذا لتحمل توقيت احتلال نابليون للعاصمة التشيكية. وهناك صدح صوت النواب وشاركه فيه جعفر ياسين أحد المثقفين والاقتصاديين العراقيين الذي يمتلك صوتاً شجياً وعذباً.
في براغ إلتقى النواب بالجواهري في مقهى سلوفانسكي دوم الشهير الذي كان مقرًّا للجواهري يرتاده كل يوم تقريباً، وهناك دارت الكؤوس حيث تزدان مدينة براغ وكأنها " حلم العذارى في يقظتها" جامعة كل الفصول والجمال والحُسن والفتنة: يقول الجواهري:
أعلى الحسن ازدهاءً وقعت       أم عليها الحسن زهواً وقعا ؟
يا لصيف ممتع لو لم يكن       غيره كان الفصول الأربعا
ممطرٌ آناً.. وريّان الضحى       مزهرٌ أناً.. وذاوٍ سَرِعا

في مقهى سلوفانسكي دوم علقت فاتنة من اللواتي يعشقهن الجواهري بالشاعر مظفر النواب.. وهنا انتبه الجواهري للحكاية فسأل النواب: بأيّة لغة تتكلّم معها؟ فأجاب النواب: بفرشاة الرسم، وبالمناسبة فالنواب رسّام وله اذن موسيقية، وكما أن صوته جميل جداً خصوصاً عندما يهدر بالمحمدّاوي. وفي يوم من الأيام إقتحم الجواهري خلوة النواب مداعباً بمملحته الشهيرة التي كانت بعنوان " فاتنة ورسام" مهداة الى محمد المصباح الذي عُرف في الحال " مظفر النواب":
وقال " محمد المصباح" يوماً    لفاتنةٍ من الغيدِ الحِسانِ
من " الجيك" لست أدري      بهن المحصّنات من الزواني
هلمّي أرسمنك غداً.. فقالت      غداة غدٍ وفي المقهى الفلاني
فقال بمرسمي حيث استتمت      من الرسم المعاني والمباني
فقالت لا.. ومن أعطاك ذهناً    وعلّمك التفنن في البيان

وإلتقى النواب بالجواهري في طرابلس (ليبيا) بعد سنوات طويلة (في آواخر الثمانينيات)، كما إلتقاه في دمشق الشام، وظلّت علاقتهما حميمة وتمتاز بالمودة والاعجاب وفي كتابي "الجواهري جدل الشعر والحياة" قال الجواهري مقيّماً إبداع النواب: يعتبر أبرز الشعراء الشعبيين المجددين.
النواب الذي يعيش في منفاه ويحلم بالعودة الى وطنه لم تتركه الشائعات السوداء والمغرضة، فمنذ أربع سنوات تقريباً وبين حين وآخر نقرأ أو نسمع من يُعلمنا بوفاة الشاعر مظفر النواب وأخبار أخرى لا تقل سوءًا، وإذا كانت الأعمار بيد  الله كما يقال، فنقول ألف تحية للشاعر الكبير مظفر النواب وألف تحية للقصيدة النوابية التي عشنا معها خمسة عقود من الزمان. لقد عاش النواب واقفاً مثل نخلة عراقية باسقة وسيظل واقفاً باستمرار ولن تؤثر فيه أقاويل أو ترّهات، وكما يقول المثل الشجرة المثمرة هي التي ترمى بالحجر!!
تحية للنواب الذي أهدانا الحب والجمال والابداع وروح التمرد والتجديد.




317
المنبر الحر / مَنْ يعوّض مَنْ؟
« في: 18:18 11/05/2011  »
مَنْ يعوّض مَنْ؟
   
 
عبدالحسين شعبان
صادق البرلمان العراقي بأغلبية أعضائه في 30 إبريل/نيسان الماضي على اتفاقية دفع تعويضات بمبلغ 400 مليون دولار لمواطنين أمريكيين تعرّضوا لمعاملة قاسية من جانب القوات العراقية عشية وخلال حرب التحالف ضد العراق عام 1991 .

وكان نواب كتلة السيد مقتدى الصدر قد غادروا قاعة الاجتماع لدى عرض الاتفاقية على التصويت، وسبق لأنصاره أن هددوا باللجوء مجدداً إلى الخيار المسلح إذا لم تنسحب القوات الأمريكية من العراق (أواخر عام 2011)، مثلما ورد ذلك في الاتفاقية الأمنية الموقّعة بين بغداد وواشنطن في نوفمبر/ تشرين الثاني 2008 . وقد رحّبت واشنطن بمصادقة البرلمان واعتبرت سفارتها في بغداد أن هذه المصادقة هي خطوة مهمة في “علاقاتنا الثنائية وجهودنا لجعل الإرث الرهيب لنظام صدام حسين من الماضي” . أستطيع أن أتفهم إنسانياً وقانونياً موضوع المطالبة بالتعويضات، فهي حق لكل متضرر بفعل لا قانوني ولا شرعي قامت به دولة ضد دولة أخرى، سواء على المستوى العام، أو على المستوى الخاص كالتعذيب والترويع والمعاملة التي تحطّ بالكرامة واستخدام الدروع البشرية أو ما شابه ذلك .

لكن مثل هذا الإدراك يتحول إلى إحساس باللوعة واللامساواة، خصوصاً بإهمال حقوق شعب متضرر بكامله ولم يتم تعويضه، الأمر الذي سيعني افتئاتاً على القانون وتجاوزاً صارخاً للحقوق الإنسانية، لاسيما بعد هدم كيانية الدولة العراقية وتعريض ممتلكاتها للنهب والسلب، بما فيه متاحفها وآثارها وصروحها الثقافية التي لا تقدّر بثمن . كيف إذاً يمكن فصل الخيط الأبيض عن الخيط الأسود؟

يذهب القانون الدولي إلى إمكانية التحلل من الالتزامات الدولية، استناداً إلى قاعدة التغييرات الجوهرية في الظروف، وإبطال مفعول أو إيقاف العمل أو بإلغاء أي اتفاق، زالت مبررات استمراره، ولاسيما إذا كان هذا الإجراء منسجماً مع القواعد الآمرة في القانون الدولي Jus Cogens بشأن تنفيذ وتأدية الالتزامات بشرف . وإذا كانت قاعدة “تغيّر الأحكام بتغيّر الأزمان” يمكن اعتمادها في موضوع التحلل من الالتزامات التي أخذها النظام السابق على عاتقه، سواءً قبل غزو الكويت أو بعدها، فإن هذه القاعدة ينبغي تطبيقها بشكل سليم ومنسجم مع قواعد وأحكام القانون الدولي، كي لا يتهدد المجتمع الدولي، ويكون عرضةً للتقلّبات والنزاعات التي تعرّض السلم والأمن الدوليين ومبادئ العدالة والالتزامات الدولية للخطر .

ولعل الفقه الدولي لا يزال يخضع لنقاش وسجال كبيرين بين ما هو حقوقي وما هو سياسي بخصوص ما هو “فكري- قانوني” أو “عملي ممارساتي” طبقاً لقاعدة تغيّر الظروف، وهي قاعدة متحركة، وبين قاعدة ساكنة أخرى هي عدم تغيّر الظروف، بحيث لا تكون الأولى ذريعة للتهرّب من الالتزامات الدولية بما يتعارض مع ميثاق الأمم المتحدة والوفاء بالالتزامات الدولية Pacta Sunt Servanda، وفي الوقت نفسه لا تؤدي هذه القاعدة إلى تكبيل بلدان وشعوب اضطرّت بسبب حكّامها إلى توقيع اتفاقيات ومعاهدات والقبول بقرارات دولية مجحفة . ولكن كيف السبيل إلى التوازن المطلوب وبما ينسجم مع القانون الدولي؟

ذهبت اتفاقية فيينا حول قانون المعاهدات إلى بحث ذلك في إطار المادة 62 متحسّبة التغييرات الجوهرية في الظروف Fundamental changes of Circumstances حين نصّت على ما يلي:

* التغيير الأساسي في الظروف التي كانت سائدة وقت عقد المعاهدة، الذي لم يكن متوقعاً من قبل الأطراف، ولا يمكن الاحتجاج به كباعث على إنهاء المعاهدة أو الانسحاب منها إلاّ:

أ إذا كان وجود هذه الظروف أساساً جوهرياً لإرضاء الأطراف بالتزامات على نفسها . فلماذا يُراد أن يدفع العراق تعويضات إضافية وهو غير مسؤول عنها، بل إنه اليوم المتضرر الأكبر بسبب أوضاع الماضي وأوضاع الحاضر أيضاً .

ب  إذا كان لهذا التغيير أثرٌ يقلب تماماً مدى الالتزامات التي لم تنفذ بعد .

إن احتلال الولايات المتحدة وقوات التحالف العراق من دون مسوّغ قانوني وشرعي، أمرٌ يستوجب التوقف عنده، وهو تغيير جوهري أساسي، فما كان النظام سابقاً مُساءلاً عنه، أصبحت القوات المحتلة مساءلة عنه، بموجب القرار 1483 الصادر في 22 مايو/أيار 2003 الذي “شرعن” الاحتلال .

إذا كان قرار حكومة بغداد اليوم، دفع تعويضات لفتح صفحة جديدة في العلاقات مع الولايات المتحدة، ولاسيما في جانب قانوني ما زال يثير التباساً كبيراً، فإن سؤالاً قانونياً محيّراً يطرح نفسه: لماذا على العراق أن يدفع المال بما فيه من اعتبار معنوي لأخطاء لا علاقة له بها؟ وأن الذي يتحمل وزرها هو النظام السابق، إذا افترضنا قانونية وشرعية هذه التعويضات، أساساً، فمن يعوّض العراقيين عن هدر ثمانية مليارات و800 مليون دولار معظمها صُرفت من دون إيصالات قانونية في عهد بول بريمر الحاكم المدني الأمريكي للعراق؟

وكذلك تبديد نحو 20 مليار دولار في ظل الاحتلال للحكومتين الثانية والثالثة بعد حل مجلس الحكم الانتقالي، ثم ما ذنب العراق الذي أصبح من أكثر دول العالم في الفساد المالي والإداري والسياسي ما بعد الاحتلال وبسببه، حسب تقديرات المنظمة الدولية للشفافية؟ ناهيكم عن ضياع نحو 40 مليار دولار أخرى حسب تصريحات رئيس البرلمان العراقي أسامة النجيفي؟

إذا كان النظام السابق قد أخذ بعض الأمريكيين رهائن كدروع بشرية، وهي مسألة مدانة من وجهة نظر القانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف عام 1949 وملحقيها عام ،1977 ويستحق المتضررون التعويض المادي والمعنوي، فإن الولايات المتحدة أخذت الشعب العراقي كلّه رهينة وهي تحارب على أرض “الأعداء” كما تقول التقارير التي تم نشرها حتى بعد انتهاء مهمات القوات الأمريكية القتالية وسحب نحو 91 ألف جندي أمريكي تنفيذاً لوعود الرئيس أوباما ولأسباب داخلية أمريكية، فضلاً عن الأزمة المالية والاقتصادية الطاحنة .

إن إقدام الحكومة العراقية على دفع تعويضات هو تفريط قانوني في أموال وحقوق عراقية، ولعل من المناسب التذكير بأن الاتفاقية العراقية - الأمريكية التي وقّع عليها العراق أواخر عام ،2008 أقفلت باب المطالبة الرسمية بالتعويضات من جانب العراق، وهو أمر بحاجة إلى إعادة نظر بأبعاده الراهنة والمستقبلية، خصوصاً من زاويته القانونية، وقد جاءت اتفاقية التسوية لتكرّس إغلاق الأبواب بوجه المطالبات الرسمية بالتعويض، على الرغم من أن من حق الأفراد المطالبة بالتعويض المادي والمعنوي من القوات المحتلة، طالما أن ضرراً بليغاً لحق بهم انسجاماً مع الشرعة الدولية لحقوق الإنسان .

إن الضغوط التي مارستها الولايات المتحدة لإجبار العراق على التوقيع على اتفاقية عام 2008 والتي سينتهي مفعولها نهاية عام ،2011 لاسيما التلويح بالفراغ السياسي والأمني وعدم جاهزية القوات العراقية في مواجهة التحديات الخارجية والداخلية، وكذلك إمكانية الخروج من الفصل السابع، هي ذاتها الضغوط التي تمارسها واشنطن على بغداد الآن في سيناريو جديد لتوقيع اتفاقية جديدة لتنظيم بقاء بضعة آلاف من أفراد القوات المسلحة الأمريكية في العراق، مع وجود قواعد عسكرية أساسية يمكن استخدامها، ولاسيما عند الحاجة .

وإذا كانت اتفاقية التسوية المذكورة قد ألزمت العراق بالدفع الفوري لمبلغ التعويضات إلاّ أنها أغفلت استخدام واشنطن لنحو ملياري دولار في مصارفها منذ قرارات العقوبات الصادرة بحق العراق إثر غزوه الكويت في 2 أغسطس/آب ،1990 وبهذا المعنى ضمنت اتفاقية التسوية حقوق الجانب الأمريكي على حساب حقوق الشعب العراقي وحقوق مواطنيه المتضررين من الغزو والاحتلال . وهنا يحق لنا السؤال: مَنْ يعوّض مَنْ: بغداد تعوّض واشنطن أم العكس؟! وإذا كان من حق المتضررين الأمريكان الحصول على التعويض . . . فمن سيعوّض العراق؟ ومن سيعوّض العراقيين ويطالب بحقوقهم؟

باحث ومفكر عربي


318
أيهدم بيت الشعر في العراق!
الجواهري الكبير .. التحدي والتناقض والجدل!



عبد الحسين شعبان
تلقيت قبل أيام نداء من الصديق رواء الجصاني ابن أخت الشاعر الكبير الجواهري، والنداء موجّه الى المسؤولين العراقيين يطلب منهم التدخل لمنع هدم بيت الجواهري في بغداد، الذي هو جزء مهم من التراث الثقافي والوطني النفيس في العراق. وأصل الحكاية أن صاحب المنزل الذي سكنه الجواهري وضم أجمل ذكرياته وشهد نظم عديد من قصائده، وكان منتدى كبار المثقفين والوطنيين العراقيين، ينوي هدمه وتحويله إلى مشروع تجاري، الأمر الذي يتطلب من الجهات الرسمية والثقافية بشكل خاص التدخل للحيلولة دون استكمال هذا الإجراء، حفاظاً على الذاكرة العراقية، تلك التي حاول الجواهري أن يؤرخها شعراً على مدى قارب ثمانية عقود منذ تأسيس الدولة العراقية عام 1921 وحتى وفاته عام 1997.
استعدت هذا النداء والمناشدة التي وجهها مركز الجواهري في براغ، المدينة التي أحبّها الجواهري الكبير ومعها تواقيع نخبة من المثقفين العراقيين، ممن يضمّون أصواتهم الى عدم المساس بمنزل الجواهري، وقارنتها برسالة كانت قد وردتني من جامعة فورنش الروسية قبل عامين، حيث طلبت مني إرسال رسالة ونص عن الجواهري وشعره كي يتم قراءتها بالروسية والعربية، مع نصوص ورسائل لأدباء عراقيين، بينهم الشاعر سعدي يوسف والصحافي محمد عارف، وقامت حينها محطة تلفزيون روسيا اليوم بتغطية الفعالية والاحتفالية بافتتاح نصب تذكاري نصفي لشاعر العرب الأكبر الجواهري، وكان مركز الدراسات الروسية ـــ العراقية قد تلقّى هدية من رئيس جمهورية العراق جلال الطالباني لنصب تمثال للجواهري هو الأول من نوعه خارج العراق، وحضر الاحتفال عدد من الأدباء ومتذوقي الشعر، ومسؤولون وأكاديميون روس وعراقيون.
قدّر لي أن أكون قريباً من الجواهري، رغم أن الاقتراب منه مغامرة مليئة بالاحتمالات وربما يصعب التكهن بنتائجها، ليس فقط على المستوى الشعري والإبداع الأدبي، بصفته "عالَماً شعرياً" خاصاً ومتشابكاً، ولكن على المستوى الشخصي أيضاً، فالجواهري شخصية حسّاسة، بل بالغة الحساسية وله مزاج خاص، ولذلك فالاقتراب من شاعر مبدع ومأزوم وحده سيكون امتيازاً لكنه محفوف بالمخاطر، ولا سيما إذا استمرت الصحبة متواصلة نحو ثلاثة عقود من الزمان ازدادت عمقاً وشمولاً، وعلى المستويات الخاصة والعامة، الثقافية والاجتماعية في الآن، خصوصاً حين يسمح لك بدخول المناطق المحرّمة في غابته والإصغاء إليه وهو يتحدث عن معشوقاته أو يخبرك كيف كتب أشهر قصائده، وكيف دخل معاركه السحرية وحين اختصم وتحدّى، وتصارع وانقلب، وتواصل وتناقض، ثم كيف غضب وكيف صفح وما هي همومه وأحزانه وأفراحه، ثم تبدأ بعد ذلك بدراسته النقدية.
لعل المتتبع لحياته وشعره سيضطر إلى التحرّك في منطقة شائكة وعلى أرض مزدحمة بالشعر والهمّ العام. كنت أشعر بأنني أمام حالة شعر بكل ما تعنيه هذه الكلمة الواسعة بطقوسها وفضاءاتها وعبق شذاها، فالقصيدة لدى الجواهري هي التي تدلّك على مملكة الشعر أو صومعة الشاعر، حيث يمارس الخلق بجو أقرب إلى التبجيل والاحتفاء، وبمعاناة فائقة، فتراه غير عابئ باليومي والطارئ أحياناً، وفي أحيان أخرى تراه مستغرقاً لدرجة الانفعال بكل ما حوله، وفي أحيان أخرى منشغلاً بالحسّي والملموس، ومثلما يكون الآني جزءًا من المستقبلي متواصلاً معه أو منفصلاً عنه، يكون المستقبل والمستحيل جزءًا من الحاضر والراهن، لكنه في كل الأحوال لا يرغب إلاّ أن يراه ويتفحصه وكأنه يعيش فيه.
لم يكن الجواهري يريد أن تفلت لحظة من بين أصابعه. كان يريد أن يعيش كل لحظة، أي لم يرغب في أن يُبدّد ثانية فكان يريد الدنيوي والأخروي، الحياة والخلود، الحاضر والمستقبل، وإذا ما استعرت تعبيراً لمكسيم غوركي، فقد كان نصف عقل الجواهري، وربما إبداعه يعيش في المستقبل، للقادم الجميل، الذي كان يريده شفيفاً ومعافى وأزرق مثل لون البحر الذي يحبّه!
في حالة الجواهري لم نكن نحن أمام الشاعر، بل كنّا أمام غابة شعرية تحفل بكل الألوان والأصناف، قوامها نحو 20 ألف بيتٍ من الشعر، متوزعة على نحو ثمانية عقود من الإبداع، وكان كل ما فيه متغضّناً بأنفاس الشعر، حركته وأصابعه الممدودة وصوته، عندما يبدأ في مطلع القصيدة تشعر وكأن عناقيد من المعاني والمباني تتدلى من فوق رأسك، أو أن شلالاً بدأ ينهمر بكل ترانيمه، ثم تبدأ بعدها بالتأمّل لتسير مياه أنهاره وسواقيه وجداوله بعذوبة ورقّة لتصل نهري دجلة والفرات، رمزي بلاد ما بين النهرين "الميزوبوتاميا". ولعل هناك من أطلق على الجواهري باستحقاق "النهر الثالث" باعتباره رمزاً آخر للعراق.
الشعر لدى الجواهري أسهم في رسم أو إعادة تصوير حياتنا، بتفاصيلها وشخوصها وتاريخها ومعالمها، لا بنكهتها الواقعية وحسب، ولكن بإطارها المتخيّل والواهم أحياناً، مشتملاً على نكهة حبٍ ومذاق تحدٍّ وجوار تناقض، تلك التي شكلت سمة عنيفة للقصيدة الجواهرية.
كان يتراءى لي وأنا بصحبة الجواهري أنني لست أمام شاعر فريدٍ وحسب، أو حقبة كاملة، فقد كنت أحياناً أشردُ بخيالاتي لأتصوّر أنني أمام حزمة لقرون من الشعراء المبدعين أو حقبة شعرية تاريخية كاملة، متجسّدة في شاعر اختزن من التاريخ نحو ألف عام ما بعد المتنبي، لكأن جذوره ممتدة من الفترة الأموية ـــ العباسية، على حد تعبير الشاعر سعدي يوسف، التي شغلت القرن الـ20 كله في مغامرة ممتدة بهارمونية جمعت التناقض المحبب والأضداد المتجاورة بتناسق باهر وليس له نظير.
لم يكن بإمكان الجواهري ألا يستجيب لإغراء المغامرة والتحدي بما جمعه من متناقضات، بصعوده ونزوله، بقوته ونقاط ضعفه الإنسانية، بشبابه وشيخوخته، فلم يرغب الجواهري في الجلوس على مقاعد مطلية بالذهب، لأن خياره كان الشعر والمغامرة، فهذا الهاجس الأول والأخير له، ذهناً ومزاجاً وفناً، فقد كان يكفيه أنه جالس على قمة الشعر، ماسكاً بحلقته الذهبية الأخيرة، ناظراً بطريقته البانورامية ومن خلال مشغله الشعري لمشهد الجمال والخلق.
عرفت الجواهري عندما كنتُ طفلاً وكانت دواوينه تملأ مكتبة الأعمام والأخوال، وكنت كلما أذهب إلى مدرستي "السلام" الابتدائية أمرّ من أمام جامع الجواهري في "منطقة القباب الزرق" المدفون فيها جدّه الأقدم صاحب كتاب "جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام"، المتوفي عام 1850، وهذه المنطقة معروفة بمحلة العمارة في النجف في الفرات الأوسط، والنجف حاضنة شعرية وأدبية ومنارة علمية مضى على تأسيس جامعتها أكثر من ألف عام، وحين وصلها الإمام الطوسي عام 449 هـ كانت صرحاً شامخاً، أسهم هو في ترسيخه وتأطيره حتى توفي عام 460هـ، وظلّت تحمل من بعده مشعل التنوير رغم محافظتها الشكلية، لكنها ضمّت "الفكر المنفتح في المجتمع المنغلق" على حد تعبير الشاعر مصطفى جمال الدين.
قابلتُ الجواهري لأول مرة في مطلع عام 1959 في ساحة الكشافة ببغداد واجتمعت به بعد عودته من براغ، حيث قضى سبع سنوات عجاف هناك، لكن علاقتي به توطدت وتوثقت خلال السبعينيات في براغ، المدينة الأليفة ذات القباب الذهبية، كما تعززت وتعمّقت علاقتي به خلال الثمانينيات في دمشق، وكنت قد سألت الجواهري في إحدى المرّات: وماذا كان هناك في الغربة يا أبا فرات: أهو زمهرير المنفى أم فردوس الحرية؟ فأجاب بعد أن سحب نفساً عميقاً من سيكارته التي لم تكن تفارقه: الاثنان معاً .. أي والله ..!
وكنت قد أصدرت عنه كتاباً بالتعاون معه عام 1986 عن دار طلاس، الموسوم بـ "الجواهري في العيون من أشعاره"، وهو عبارة عن ذائقة لسبعة عقود من الزمان، وتضمن الكتاب نحو 700 صفحة مع مقدمة كتبها له وبيبلوغرافيا، ومن المفارقة أن أذكر أنني نشرت قصيدة كان قد كتبها لجلال الطالباني، لأول مرة في هذا الكتاب، جواباً على رسالته التي يستثيره فيها على أن "يُغنّي" بعد صمت غير قصير، فما كان من الجواهري الاّ أن يجيبه بعنوان مضاد قابلاً التحدي، وهو "ماذا أغني..؟" وهذه القصيدة أرسلها الجواهري في 10/12/1980 إلى صديقه الطالباني الذي ظل يحتفظ بصداقته منذ الخمسينيات ـــ كما أعرف ـــ وضمتني معهما أكثر من جلسة. ثم عدتُ ونشرت هذه القصيدة مرّة أخرى في كتابي عن الجواهري، الذي صدر في طبعته الأولى وهو ما زال على قيد الحياة، في عام 1996/1997، وكان بعنوان "الجواهري جدل الشعر والحياة"، أما طبعته الثانية المزيّدة والمنقّحة فقد صدرت في مطلع عام 2009 عن دار الآداب في بيروت، وصدرت الطبعة الثالثة عن دار الشؤون الثقافية في بغداد، عام 2010. ولديّ حوارات مطولة نشرت قسماً منها وأستعد لنشر القسم الآخر الأهم والأوسع.
سعى الجواهري إلى تجاوز المألوف والعادي من الأشياء إلى ما هو خارق أو مستحيل في السلوك والتمرّد والتدفّق الشعري والنفي والترحال بموهبة باهرة، حيث ظلّ مبحراً بسفينته ضد التيار، ولم يكن ذلك بمعزل عن تفجّر ذاتي ومعاناة مذهلة وأزمة شعر وشاعر، كانت القصيدة معه تأتي غيمة فضية قبل أن تنقدح عن شرارة البرق التي تخطف البصر، كما قالت الدكتورة نجاح العطار.
أنا العراق لساني قلبه ودمي
فراته وكياني منه أشطار
وهو القائل:
حييت سفحك عن بعد فحييني
يا دجلة الخير يا أم البساتين
ظلّ الجواهري خارج حدود التصنيفات التقليدية، لكونه شاعراً تجاوز مكانه وزمانه بنزعته الإنسانية وإبداعه المتميّز والعبقري، أفلا يجدر أن يتحوّل منزله إلى متحف ومكتبة عامة تضم دواوينه وما كتب عنه، يتمتع متذوقو الشعر بزيارتهما، أسوة بمجايليه من المبدعين في العالم ـــ كما تفعل الأمم المتحضّرة، فبيت الجواهري هو بيت لكل المثقفين، وهو إرث ثقافي ومعلم حضاري ينبغي الحفاظ عليه ورعايته، لا هدمه!!
صحيفة الاقتصادية السعودية العدد رقم 6416 الجمعة 6/5/2011

319
بعد 50 عاماً على اعلان تصفية الكولونيالية
اشكالية مبدأ حق تقرير المصير بين الديناميكية والسكونية!
الجزائر-13-14 كانون الأول (ديسمبر)2010
عبد الحسين شعبان
باحث ومفكر عربي
-1-
في قاعة قصر الأمم، إلتأم بالجزائر العاصمة شمل المؤتمر الدولي بمناسبة الاحتفال بالذكرى الخمسين لمنح الاستقلال للدول والشعوب المستعمَرة، وذلك بحضور زعامات تاريخية وشخصيات سياسية وفكرية وثقافية من أنحاء العالم كافة، لاسيما من أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية.
وكانت الجمعية العامة للأمم المتحدة قد أصدرت في 14 كانون الأول (ديسمبر) العام 1960 إعلاناً صار اسمه ملازماً لتصفية الاستعمار (الكولونيالية) ورديفاً لحق تقرير المصير. وقد اكتسب القرار رقم 1514 الذي صدر عن الدورة الخامسة عشر للجمعية العامة أهمية خاصة، لاسيما وأنه جاء تتويجاً لنضال شعوب آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، الأمر الذي أعطاه رمزية كبيرة إقترنت بتحرر العديد من الشعوب والبلدان ونيلها استقلالها.
-2-
القاعة التي انعقد فيها المؤتمر لها تأريخ عريق أيضاً، فهي التي شهدت تسليم الرئيس كنيث كواندا رئاسة القمة الأفريقية للرئيس الجزائري هواري بومدين في شهر أيلول (سبتمر) 1973، وهي القاعة ذاتها التي جمعت شاه إيران محمد رضا بهلوي ونائب الرئيس العراقي حينها صدام حسين خلال القمة الأولى للبلدان المصدّرة للنفط، حيث توّجت الوساطة الجزائرية، ولاسيما جهود الرئيس الحالي  عبد العزيز بوتفليقة (وزير الخارجية حينها) بالنجاح، وصوّرت الكاميرات آنذاك عناق "الأخوة الأعداء"  مع الاعتذار لكارامازوف، حيث تم التوّصل الى توقيع إتفاقية 6 آذار (مارس) العام 1975 بين العراق وإيران، والتي أدّت الى إنهاء الحركة المسلّحة الكردية حينها مقابل تنازلات قدّمها العراق الى إيران، لاسيما في شط العرب بقبول خط الثالويك، لكن تلك الاتفاقية بذاتها أصبحت بؤرة توتر تُضاف الى العُقد التاريخية، وهي ما تزال محطّ أخذ ورد، ونقاش وجدال ونزاعات وحروب ما يزيد على ثلاثة عقود ونيّف من الزمان، ولعل فصلها الأكثر مأسوية كان الحرب العراقية- الايرانية 1980-1988، التي تعتبر من تداعياتها عملية غزو الكويت العام 1990 وانفلات أمن الخليج والحرب على العراق واحتلاله العام 2003.
-3-
بدأ الرئيس كنيث كواندا عميد رؤوساء الدول الأفريقية خطابه بأغنية راقصة، صفّق لها الحاضرون طويلاً، لاسيما إيقاعها وحركاتها، وبعدها وجّه كلامه الى الرئيس الجزائري الأسبق أحمد بن بيلاّ الذي كان يجلس بمواجهة منصّة الخطابة، قائلاً: نحن ساهمنا بتحرير أفريقيا، وذلك بشيء من الحنين والكبرياء والرومانسية الثورية.
وبدت جلسات المؤتمر غير تقليدية، فبدأت من المجتمع المدني خلافاً لما جرت عليه العادة، حيث البدء من الجهات الرسمية أو شبه الرسمية، لاسيما بحضور من يمثل الجهة المضيّفة، خصوصاً إذا كان هناك من ينوب عن رئيس الجمهورية أو الملك أو الأمير، الاّ أن جلسات المؤتمر هذه المرة تصدّرها الاستماع الى خطاب غير رسمي للمجتمع المدني بمناسبة يوم القضاء على الكولونيالية، حيث تحدث بيار غالون،  وأعقبه دافيد أوتاوي ممثلاً عن وسائل الاعلام، ثم بدأ تاي بروك زرهون  الأمين العام المساعد للشؤون السياسية ممثلاً عن الأمين العام للأمم المتحدة، وأعقبه عمرو موسى  الأمين العام للجامعة العربية، تلاه جون بيينغ رئيس منظمة الوحدة الأفريقية ثم جاء دور نائبة رئيس جمهورية فيتنام سابقاً السيدة  نيفين ثي بينه ، وأعقبها تابو مبيكي الرئيس السابق لجمهورية جنوب أفريقيا، وكانت الكلمة الختامية لممثل رئيس الجمهورية الجزائرية عبد العزيز بلخادم، علماً بأن رئاسة المؤتمر تولاّها أولوسيجون أوبسانجو الرئيس السابق لنيجيريا.
-4-
إنقسم المؤتمر الى أربعة ورش عمل، الأولى بحثت في مساهمة الاعلان رقم 1514 لتحرير الشعوب، أما الثانية فكانت بعنوان: دور وسائل الاعلام والسينما في التعبير عن حق الشعوب في تقرير مصيرها، وكانت الثالثة قد خصصت لمساهمة المرأة، في حين تم تكريس الرابعة لدور الشباب في تقدّم الشعوب.
أدار ورشة العمل الأولى سليم أحمد سليم وزير خارجية تنزانيا الأسبق وأمين عام سابق لمنظمة الوحدة الأفريقية وعضو مجموعة العقلاء التي يترأسها أحمد بن بيلا ّ، والتي عقدت إجتماعاً على هامش المؤتمر، وناقشت هذه الورشة في أسس ومديات الاعلان العالمي 1514 وحصيلة التنفيذ، وتوقّفت عند مسؤولية وصلاحية الاعلان بعد مرور 50 عاماً على صدوره.
وتوجهت ورشة العمل الثانية التي أدارها خوان بابلو كارديناص (من شيلي) وبمشاركة أحمد بجاوي (من الجزائر) لمناقشة قضايا الاعلام والسينما ودورهما في تحرير الشعوب، وانقسمت الى ثلاث موضوعات فرعية، هي: الصحافة ووسائل الاعلام في خدمة النضال ضد الاستعمار، والسينما والابداع الفني والحقيقة الوثائقية في خدمة أهداف التحرر الوطني، وخصص الموضوع الثالث لدور وسائل الاعلام كحامل لاستعادة ذاكرة الشعوب والحفاظ عليها في كفاحها من أجل الاستقلال والحرية.
وكانت ورشة عمل المرأة بإدارة ماريا داكراسا أموريم وزيرة خارجية ساوتوموي وبرنسيب. وأدار ورشة عمل الشباب  موشوكولوا ليونيداس من تانزانيا، الأمين العام السابق لحركة الشباب الأفريقي، والذي سبق له وأن عاش ما يزيد عن عقدين من الزمان في الجزائر.
وخلال المؤتمر تم عرض فيلم " الخارجون على القانون" وزار المؤتمرون "متحف المجاهد"، وبعد مناقشات دامت يومين 13 و14 كانون الأول (ديسمبر) 2010 صدر إعلان الجزائر، الذي ذكّر بالتضحيات التي تحملّتها الشعوب المستعمَرة في سبيل حريتها وحقها في تقرير المصير والاستقلال، مع إشادة خاصة بدور النساء والشباب. كما نوّه إعلان الجزائر بالدور الذي لعبته الأمم المتحدة في تسريع مسار تحرير الشعوب المستعمَرة طبقاً للاعلان العالمي رقم 1514 (الدورة الخامسة عشر) في العام 1960.
وتوقّف المشاركون للاشادة بدور وسائل الاعلام والسينما في التوعية بجرائم الاستعمار وفي الدفاع عن الأهداف والمقاصد التي حددها الاعلان، مؤكدين على أن الاستعمار بجميع أشكاله ومظاهره، يتعارض مع أهداف ومقاصد ميثاق الأمم المتحدة ومع قواعد القانون الدولي. وفي الوقت الذي أعرب المشاركون عن فاعلية ووجاهة الاعلان العالمي، فقد أعلنوا عن تضامنهم مع الشعوب التي تناضل من أجل حقها في التحرر بموجب الاعلان، مشجعين الكتّاب والسينمائيين والصحفيين على مواصلة تكثيف نشاطاتهم في توعية وتعبئة الرأي العام العالمي حول عدالة طموحات الشعوب.
ومن الجدير بالذكر إن صدور الاعلان العالمي لتصفية الكولونيالية  العام 1960 كان مناسبة تم استلهامها لاحقاً بصدور قرارات من الأمم المتحدة حول السيادة الدائمة للدول على مواردها الطبيعية،  لاسيما القرار الصادر في 14 كانون الأول (ديسمبر) 1962 برقم 1803 (الدورة السابعة عشر) والقرار رقم 3281 في 12 كانون الأول (ديسمبر) 1974 (الدورة التاسعة والعشرون) بخصوص حقوق وواجبات الدول الاقتصادية وغيرها.
وكان مؤتمر الجزائر بمناسبة الذكرى الخمسين لتصفية الكولونيالية ومنح الشعوب المستعمَرة حقها في الاستقلال والحرية فرصة لتأكيد أهمية التعاون بين دول (جنوب- جنوب) بالاشارة الى الاندماج الاقليمي فيما بينها، للاسهام في الحفاظ على استقلال البلدان المستعمَرة سابقاً وتسهيل مشاركتها في الاقتصاد العالمي لاحقاً، ولعلها كانت دعوة لاقامة شراكات ستراتيجيته بين دول آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية.
-5-
إن احتفال الجزائر ومعها العديد من قادة حركات التحرر الوطني الذين رسموا صورة الاستقلال، والذين يرصدون ضبابية تلك الصورة اليوم، لاسيما بعد اختلال موازين القوى ونكوص الكثير من البلدان والحركات عن توجهاتها الاستقلالية، خصوصاً بعد انحلال الكتلة الاشتراكية، يعني فيما يعنيه الرغبة في المراجعة والنقد والاصرار على تعزيز الارادات الوطنية للبلدان التابعة والمستعمَرة سابقاً. ولعل ذلك يأتي باتساق مع قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 566 (الدورة الرابعة والستون) الصادر في 29 حزيران (يونيو) 2010 والذي يعطي الفرصة للمراجعة، لاسيما للوقوف عند التحوّلات الجذرية التي طرأت على الساحة الدولية، حيث تشارك الأقاليم المحتلة سابقاً، والتي أصبحت دولاً مستقلة وأعضاءً في الأمم المتحدة، في تحقيق أهدافها، تلك التي لا يمكن إقامة سلام عالمي من دون مشاركتها الفعّالة.
وعلى الرغم من صدور الاعلان العالمي منذ خمسة عقود من الزمان، فقد فشل المجتمع الدولي في التخلّص من هذه الظاهرة المشينة في عالمنا المعاصر، وما يزال الاستعمار يعيش بين ظهرانينا، ولعل المثال الصارخ حول الاستعمار الاستيطاني الاجلائي في فلسطين، الأمر الذي يتطلب شحذ جميع القوى للتخلّص منه ووضع حد له واستعادة الشعب العربي الفلسطيني لوطنه وإقامة دولته المستقلة طبقاً لحق تقرير المصير، الذي هو حق غير قابل للتنازل أو للتصرّف، لاسيما وهو قاعدة آمرة من قواعد القانون الدولي Jus cogens، كما أن حق تقرير المصير لا يسقط بالتقادم.
لقد كان استذكار صدور قرار الأمم المتحدة 1514 مناسبة لاستعادة دور الأمم المتحدة في الستينيات وما بعدها، وخصوصاً في ظل توازن القوى الدولي وصعود نجم حركات ودول التحرر الوطني، التي كان من أبرز قادتها جمال عبد الناصر (مصر) وجواهر لال نهرو وأنديرا غاندي لاحقاً (الهند) وجوزيف بروز تيتو (يوغسلافيا)، وبانضمام ماتسي تونغ وهوشي منه وكاسترو صعد دور حركة عدم الانحياز في العام 1961، لاسيما بعد مؤتمر باندونغ التاريخي الذي انعقد في العام 1955.
وقد كان لمقاومة الشعب الجزائري وجبهة التحرير الوطني التي قادت الثورة منذ العام 1954 ضد الاستعمار الفرنسي سبباً مهماً في إقرار الأمم المتحدة القرار 1514، حيث حصلت الجزائر على استقلالها وحقها في تقرير مصيرها بعد توقيع اتفاقية إيفيان مع فرنسا واعلان نتائج الاستفتاء العام 1962.
ولا يمكن أن يستقيم الحديث عن القرار 1514 وتصفية الكولونيالية، دون الاشارة الى دور الاتحاد السوفيتي السابق ووزير خارجيته أندريه غروميكو الذي كان في ظل قيادة نيكيتا خروشوف  قد ساهم مساهمة كبيرة في تعبئة الجهود في الأمم المتحدة وخارجها من أجل إنعتاق الشعوب وتحررها وإحراز استقلالها وتمكينها من ممارسة حقها في تقرير مصيرها واختيار نظامها الاجتماعي وحقها في التصرّف بثرواتها الطبيعية.
لقد أسهم صدور القرار 1514 في تحريك الضمير العالمي، مثلما شكّل منعطفاً تاريخياً في تطوير الاطار القانوني لحق الشعوب في تقرير مصيرها، وإنْ كان هناك إلتباساً وجدلاً بين مفهوم الشعب People ومفهوم الأمة Nation ومفهوم الدولة state وفيما إذا كانت الأقلية تشكّل شعباً، وهو الأمر الذي تم استدراكه بعد يوم واحد، فصدر قرار جديد من الجمعية العامة برقم 1514 في 15 كانون الأول (ديسمبر) 1960 الذي قدّم خيار الاتحاد الاختياري أو الارتباط بدولة مستقلة، للأقاليم غير المحكومة ذاتياً أو غير المستقلة، واستناداً الى القرار 1541 الذي اعتبر اعلان الاستقلال هو الطريقة الوحيدة لتحقيق حق تقرير المصير بصورة حتمية، الأمر الذي يجعل حق تقرير المصير يتجاوز الحالة الاستعمارية واستقلال البلدان التابعة والمستعمَرة، وهو ما جاءت تقنيناته  خصوصاً بصدور القرار 2625 في 24 تشرين الثاني (نوفمبر) العام 1970 تحت عنوان " إعلان مبادئ القانون الدولي المتعلقة بعلاقات الصداقة والتعاون بين الدول وفقاً لميثاق الأمم المتحدة" واعلان حقوق الأقليات العام 1992 واعلان حقوق شعوب البلدان الأصلية لعام 2007.
وإذا كانت الأمم المتحدة قد أنشأت تيمور الشرقية بقرار من مجلس الأمن، وأفتت محكمة العدل الدولية في لاهاي بأن انفصال كوسوفو لا ينتهك قواعد القانون الدولي، فإن الاستفتاء السوداني ليس بعيداً عن إشراف وترتيبات الامم المتحدة، الأمر الذي بحاجة الى وقفة جدية متعمقة لآفاق تطور حل المسألة القومية في بلداننا، بما فيها المسألة الكردية، لاسيما استناداً الى قراءة مبدأ حق تقرير المصير في ظل التطورات الدولية الراهنة.


320
دور المجتمع المدني بعد انتفاضات الشباب
   
 
عبدالحسين شعبان
يمكن القول إن فكرة المجتمع المدني ولدت معها مشكلتها، خصوصاً علاقتها المشتبكة، المتفاعلة، المؤتلفة والمختلفة مع الدولة وسياساتها . ولعل هذا التناقض بين الدولة والمجتمع المدني أوجد فضاءين يتم البحث فيهما والعمل على أساسهما للتفاعل والتواصل . أما الفضاء الأول فهو يتعلق بالجانب التصادمي، وهناك من يعتقد أن وظيفة المجتمع المدني لن تتحقق الاّ بالتصادم مع الدولة، عن طريق الاعتراض والاحتجاج والممانعة وممارسة شتى أنواع الضغوط، لكي تستجيب الدولة لمطالب المجتمع المدني، في حين أن الفضاء الثاني يعتقد أن التناقض بين المجتمع المدني والدولة لن يُحلّ عبر التصادم والتعارض، بل بالتصالح والتفاهم وصولاً للتكامل، عبر تحوّل المجتمع المدني إلى قوة اقتراح لا تستطيع الدولة أن تتجاوزه، كما أنه لا يمكن أن يقوم بوظيفته على أكمل وجه ويحقق أهدافه من دون استجابة الدولة لمطالبه .

الوظيفة التصادمية - الاحتجاجية الاعتراضية ومعها الوظيفة التصالحية الاقتراحية - التكاملية يمكن أن تشكّلا منظومة حركية ديناميكية تواصلية، لاسيما إذا استطاع المجتمع المدني اختيار اللحظة المناسبة لاستبدال تكتيك الاحتجاج بوصله بتكتيك التكامل، وذلك في إطار فلسفة خاصة بالمجتمع المدني واستراتيجياته التي ينبغي أن تكون واضحة، أما أساليب عمله ووسائل تحقيق أهدافه، فيمكن استبدالها تبعاً لكل حالة، إضافة إلى مواقف الحكومات ذاتها ومدى استجابتها لمطالب المجتمع المدني وحقوق مكوّناته المختلفة، ولكن في كل الأحوال والظروف فإن حل التناقض بين الدولة والمجتمع المدني سيكون عبر استخدام الضغوط السلمية، المدنية، ومن خلال التراكم والتطور التدريجي، وصولاً إلى استكمال الشرط التاريخي لعملية التغيير موضوعياً وذاتياً .

ولعل الحركات الشعبية الشبابية الاحتجاجية والانتفاضات السلمية، كانت قد وصلت إلى ذروتها بعد عقود من التراكم حين طفح الكيل أو فاض الكأس كما يُقال، الأمر الذي يتطلب الوقوف جدياً أمام مساهمة المجتمع المدني ودوره، إضافة إلى دور الفاعليات والأنشطة الفكرية والثقافية والسياسية، طيلة عقود من الزمان، فلكل عملية تغيير هناك أساسات ثقافية ساهمت من خلال التراكم والتطور التدريجي، مهما كان بطيئاً حتى الوصول إلى التغيير المنشود، وقد ساهمت كتابات فولتير، ولاسيما حول التسامح، ومونتسكيو وخصوصاً كتابه “روح الشرائع” وجان جاك روسو وكتابه “ العقد الاجتماعي” في تهيئة الأرضية المناسبة للثورة الفرنسية التي رفعت شعارات الإخاء والحرية والمساواة .

وقد أسهمت حركة المجتمع المدني مع حركات وتيارات أخرى في التمهيد لانتفاضات الشباب الذين قادوها ببراعة لم يسبق لها مثيل مستثمرين البذور التي وجدت تربة صالحة مع المستلزمات الأخرى لكي تورق شجرة الحياة والحرية والتغيير .

وإذا كان دور المجتمع المدني مهماً في عملية التغيير، لاسيما تحضير بعض مستلزماته فإن عليه دعم عملية التغيير والحفاظ على روحها من خلال بث التمسك الشديد باحترام القوانين والحقوق ورعايتها بعد التغيير، وذلك أمر في غاية الأهمية، خصوصاً أن الكثير من الثورات ولأسباب موضوعية، لاسيما لما قبلها، بدّدت وقتاً وجهداً وضيّعت إمكانات هائلة بسبب احترابات وأعمال عنف وانفلات أعقبتها، الأمر الذي يتطلب من المجتمع المدني ومثلما قام به من دور توعوي وتنويري، خصوصاً في نشر الوعي الحقوقي والقانوني وثقافة اللاعنف المدنية والسلمية، أن يواصل هذا الدور من دون الاستغراق في الحصول على بعض مكاسب التغيير، لأن ذلك سيحجّم وظيفته ويجعلها سياسية، في حين أنها مدنية حقوقية، مهنية، فهو لا يسعى للوصول إلى السلطة أو قهر الآخر وإلغائه، وإلاّ بماذا سيختلف عن دور الأحزاب والمنظمات السياسية الطامعة في كل عملها للوصول إلى السلطة وتحقيق برامجها؟

إن بقاء المجتمع المدني ورموزه وشخصياته بعيدين عن السلطة مهم من زاوية الوظيفة الاعتراضية التكاملية السلمية للمجتمع المدني، الذي يمكن أن يفتح باباً لدخول شركاء جدد في الحياة العامة من دون أن يكونوا منافسين للسلطات أو لمعارضاتها . وأعتقد أن الشباب الطامح إلى التغيير والحرية والعدالة، وقبل كل شيء إلى الكرامة سيكون متفهماً لمثل هذا الدور، حيث سيكون مُعيناً ومُساعداً وداعماً له في القيام بمهماته الكبرى وتحقيق طموحاته وصولاً لعملية التغيير ليس من خلال الهدم حسب، بل من خلال البناء وتلك هي الأساس في عملية التغيير، بل هي جوهر التغيير ومضمونه ومحتواه ورسالته الأساسية .

إن وجود مجتمع مدني قوي ومستقل ومهني، يضع مسافة بين السلطة ومعارضتها من دون أن يعني اتخاذه موقفاً حيادياً إزاء الحقوق والحريات، سيطمئن جميع الفرقاء، لاسيما السياسيين منهم، بأن المجتمع المدني ورموزه لا تشكل خطراً عليهم أو على السياسة بإقحام أنفسهم في اللحظات الأخيرة للحصول على بعض المكاسب أو المناصب . وبذلك يكون المجتمع المدني قد تمسك بوظيفته في الرصد والمراقبة والاحتجاج والاعتراض والاقتراح لبدائل عمّا هو قائم، وكلما نأى بنفسه عن الاصطفافات والانحيازات الآيديولوجية والسياسية وتمسّك بأطروحاته المهنية والحقوقية فإنه في نهاية المطاف سيكون مفهوماً لجهة دوره وموقفه المستقل والناقد والشريك والضامن في الآن ذاته لديمومة عملية التغيير، على الرغم من التباس مثل هذا الدور وصعوبته .

ولا شك في أن بعض الحكومات كانت تتصرف بذكاء أحياناً مع بعض قيادات المجتمع المدني ورموزه، فهي تصفق لها بحرارة في فنادق الدرجة الأولى حتى وإن كانت تختلف معها، لأنها شعرت بالاطمئنان من أن المجتمع المدني لا يريد إزاحتها أو إلغاء دورها والحلول محلها . وإذا ما تجاوزنا هذا المفهوم الذاتي، فهناك تصوّرات موضوعية يتعلق بعضها بالوصول إلى فهم مشترك بين الحكومات والمجتمع المدني، وإنْ كان لم يتبلور بعد، لاسيما في بلداننا، من أن المجتمع المدني هو موجّه في إطار ما هو قائم ولا يريد التدخل في السياسة أو إحداث تغييرات بالقوة، ولهذا تحاول بعض الحكومات تطويعه أو ترويضه أو تدجينه أو إغراء بعض رموزه، الأمر الذي يستوجب إظهار الجانب الآخر من خلال تأكيد حرصه وإصراره على الإصلاح والتغيير بما يؤدي إلى احترام الحقوق والحريات، خصوصاً من خلال فضاء الحوار والعلاقة مع الآخر .

ومع هذه النظرة هناك من يعتقد أن دور المجتمع المدني لا ينبغي أن يتجاوز دور الهيئات الاجتماعية والخيرية في المجالات التطوعية غير الربحية مثل الأعمال الخيرية والتربوية والمهنية والنقابية وغير ذلك من الأعمال الإنسانية في قطاعات مختلفة، ومثل هذا الفهم سائد في العديد من البلدان التي تتضايق أو حتى تُحرج من استخدام مصطلح المجتمع المدني، وتحاول استبداله بمصطلح “ المجتمع الأهلي” طالما لحقت بمفهوم المجتمع المدني بعض التهم والاساءات التي حاولت تشويه دوره، أو أن بعض العاملين فيه على قلتهم، لم يحافظوا على صورته المنشودة .

يمكنني القول إن هناك معادلة تسير في طريق عكسي، فكلّما كانت الدولة شديدة المركزية والشمولية، فإن مقابلها الموضوعي سيكون غياب المجتمع المدني، لأن منظماته لا يمكنها النشوء والنمو والتطور من دون أجواء الحرية، ولذلك فإن غيابها أو تغييبها أمرٌ مرادف لتمركز السلطات، والعكس صحيح جداً فكلما قام النظام السياسي على التعددية وفصل السلطات، فإن المجتمع المدني سيكون قوة مؤثرة وفاعلة وتلعب أدواراً نشيطة في الرقابة والشراكة، لأنها جزء من الدولة وصيرورتها وكيانيتها .

إن البلدان العربية التي أنجزت التغيير، خصوصاً في تونس ومصر والبلدان التي تنتظر التغيير، ستكون حاجتها ماسة لدور مستقل لمنظمات غير حكومية للمجتمع المدني، وغير ربحية أو إرثية، بل منظمات طوعية وتعددية وديمقراطية .

باحث ومفكر عربي


321
السمات العشر للانتفاضات العربية
دعـوة لـلتـفـكيـر والتـدبيـر


عبد الحسين شعبان

لعل ما حصل في تونس ومصر والجزائر وليبيا والمغرب واليمن وعُمان والأردن وسوريا والبحرين والعراق، وثمة إرهاصات أخرى في عدد من البلدان العربية بما فيها بلدان الخليج، إنما هو دعوة للتفكير فيما يعكسه المشترك العربي الانساني في أوضاع بلادنا العربية المتنوعة، المختلفة والموحدة في الآن ذاته. ومثل هذا المشترك بقدر تماثله أو تشابهه أو تقاربه، فإنه يحمل اختلافه وتباعده وتمايزه أيضاً، لكن الأداء في ممارسات حركة الانتفاض والاحتجاج الواسعة، سواء للسلطة أو معارضيها، ظلّت تحمل سمات مشتركة وهي السمات الغالبة والعامة.
السمة الأولى - أن مطالب الحركة الاحتجاجية تدرّجت واتّسعت، بل امتدّت على طول البلاد وعرضها، ولم تعد محصورة بأهداف فئوية أو ضيقة أو مناطق محددة، بل شملت مطالب عامة تبدأ من الاصلاح وتنتهي أحياناً بتغيير النظام، وهو ما حصل في تونس ومصر، الأمر الذي لا بدّ من أخذه بنظر الاعتبار في ما ستؤول اليه سياسات وإجراءات لم ترتقِ الى مستوى الأحداث وتداعياتها، فضلاً عن أنظمة، ظلّ بعضها منذ عهد الحرب الباردة مستمراً دون شعور بالحاجة الى التغيير، على الرغم من أن كل شيء حولنا يتغيّر على نحو جذري وسريع.
السمة الثانية- إنتقال العالم العربي الى دائرة الضوء دفعة واحدة، لدرجة أن قرى وبلدات ومدناً نائية ومنسيّة أصبحت اليوم معروفة عالمياً، فقد كان للثورة العلمية- التقنية وثورة المواصلات والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والطفرة الرقمية « الديجيتل» دوراً كبيراً في ذلك، ولم يعد بالإمكان خنق حركة أو دفن عشرات من الأشخاص أو قهر آلاف الناس دون خَبَرٍ أو صورة، فالصورة كما نقول في الاعلام هي خبر، مثلما نقول في البحث العلمي إن «الوثيقة خبر»، وقد تُغني عن عشرات التقارير والدراسات والمقالات، ومهما حاولت بعض الجهات الرسمية منع الاعلام من تغطية الأحداث تحت مبررات مختلفة، فإن الصورة بحد ذاتها ستكون خبراً مؤثراً، وهكذا تحوّل الكثير من المواطنين ممن يلتقطون هذه الصور الى مراسلين صحافيين، لأنهم كانوا مصدر بعض الأخبار، وهكذا أصبحت الحركة الاحتجاجية جزءًا من تيار عالمي وكوني، لا على صعيد رسمي حسب، بل في إطار المجتمع المدني العالمي أيضاً.
السمة الثالثة- ان الانتفاضة وحركة التغيير وإن جمعتها مشتركات عديدة الاّ أنها ليست استنساخاً، فهي في تونس غيرها في الجزائر وفي اليمن لا تشبه البحرين، وفي مصر مختلفة عن سوريا وفي المغرب تختلف عن الاردن، وفي شمال أفريقيا لها سمات متباينة عن الخليج العربي، أي أنه لا توجد صورة نمطية يمكن اقتباسها وتعميمها لتصلح للثورات جميعاً، كأن يكون هناك انقلاب عسكري أو قيادة ثورة لحزب أو جبهات وطنية أو غيرها، بل كانت حركة شاملة خطط لها الشباب وقادها وأدار حركتها باقتدار وموهبة.
وإذا كانت هذه الحركات جميعها جزء من قانون طبيعي للتطور التاريخي للمجتمعات، لا سيما بعد أن طفح الكيل وفاض الكأس، فإن ما عكسته تقارير التنمية البشرية، يشكل لوحة حقيقية لأسباب اندلاعها، خصوصاً: شحّ الحريات والنقص الفادح في المعارف واستمرار تفشي الأمية التي تجاوزت 70 مليون مواطن عربي بما يقارب 20% من سكان البلدان العربية، بينهم 13 مليونا من الشباب في سن 13-24 حسب توصيفات منظمة الأسكوا (اللجنة الاجتماعية ـ الاقتصادية لغربي آسيا)، والحديث هنا عن الأمية الأبجدية، وهو ما يشمل التعاطي مع علوم العصر وتقنياته ووسائله الحديثة، حيث لا يزال العالم العربي بقضّه وقضيضه لا تزيد استخداماته للانترنت عن 6,1% وهي نسبة متدنّية قياساً بالنسب العالمية.
يضاف الى ذلك الموقف من المرأة ومساواتها وحقوقها وتمكينها في العالم العربي الذي لا يزال متأخراً قياساً بالتطور العالمي، حيث يعاني نصف المجتمع من تهميش وإقصاء كبيرين، كما تعاني المجتمعات العربية من مواقف استعلائية من التنوّعات الثقافية الدينية والقومية والاثنية واللغوية والسلالية، لاسيما من طرف المجموعات المتسيّدة، وهو ما يستخدم مجازاً مفهوم الأغلبية والأقلية.
السمة الرابعة ـ إن الثورة ليست رسماً بيانياً أو خارطة هندسية أنيقة تعرف تضاريسها وحدودها سلفاً، فهي حركة تمرّد وانتفاضة على ما هو قائم، ولا توجد ثورة في التاريخ تركت تأثيراتها من دون أن تترك انقلاباً على النظام القديم مروراً بفترة انتقالية، قد تطول وقد تقصر، وقد تشهد معاناة جديدة باتجاه بناء نظام جديد، بغض النظر عن طبيعته، لكنه سيكون نقيضاً لما سبقه، ولعل جميع الثورات صاحبها ورافقها شيء من الخراب للقديم باتجاه مرتكزات جديدة ونظام قيمي آخر، بغض النظر عما ستتركه من بعض التأثيرات السلبية أحياناً، وبمراجعة وقراءة للثورات المعاصرة الكبرى سواء الثورة الفرنسية العام 1789 أو ثورة أوكتوبر الروسية، العام 1917 أو الإيرانية الإسلامية العام 1979، لم أجد ثورة «نظيفة» في التاريخ، بمعنى ما ينبغي وما لا ينبغي أن تقوم به، لاسيما القوى المشاركة في التغيير أو المتضررة منه.
ولهذا فإن هذه الثورات الراهنة لا يمكن الحكم عليها الاّ بعد انقضاء الفترة الانتقالية، خصوصاً إذا تمكنت من إرساء قاعدة الصراع السلمي ـ المدني، حيث يكون الخيار هو صندوق الاقتراع وتداول السلطة، الذي سيحدد شرعية الحاكم وعلاقته بالمحكوم.
السمة الخامسة- إن التغيرات التي حصلت في تونس أو في مصر ليست تونسية أو مصرية، وإن كانت قلباً وقالباً انعكاساً لرغبة شعبي تونس ومصر، لكنها بالقدر نفسه كانت عربية، وإن كانت جاذبيتها كونية، ولعل حركة التغيير مثل شجرة تتفرع منها أغصان أفريقية وآسيوية كثيرة، مع مراعاة الطقس والتربة والبذور ووقت قطف المحصول، وخصوصاً بيد الشباب العامل الحالم، وهذا بحد ذاته تأكيد لما هو مشترك وإنساني.
السمة السادسة- مثلما كان هناك مشتركات للشباب دفاعاً عن الحرية والكرامة والعدالة، فقد كان للحكومات مشتركات أيضاً، فقد اعترفت جميعها بضرورة الإصلاح وبأن مطالب الشباب عادلة ومشروعة، لكنها في الوقت نفسه ادّعت أن يد الخارج طويلة بحيث تمتد داخل حركات الاحتجاج، سواء بالتحريض أو بنقل الأسلحة أو بالتدخل أو بالعلاقة مع المعارضات. وإذا كان هناك شيء من الحقيقة في ذلك وهو ما تحاول القوى الخارجية استثماره دائماً، فلا يصح إنكار المطالب العادلة والمشروعة للشعوب وإنسابها الى القوى الأجنبية والمؤامرات الدولية. ولعل الحقيقة الأساسية تكمن في أن سبب التخلف وتعطيل التنمية وعدم السير في دروب الديمقراطية، هو الاستبداد والتسلّط والانفراد، الأمر الذي ضاعف من معاناة الناس، خصوصاً وقد اختبرت الشعوب بطريقتها اليومية، والحسّية، المسبّب في شقائها وآلامها، لاسيما باستمرار ارتباط البلاد بأوضاع الاستتباع الخارجية وإملاء الارادة والخضوع للأجندات الأجنبية .
السمة السابعة - بقدر ما كان الشباب واعياً ومتحفّزاً للانخراط دفاعاً عن مطالب وأهداف آمن بها، ومستعدًّا للتضحية من أجلها، فإن الحكومات هي الأخرى كأن لها أنصارها، من أعضاء الأحزاب الحاكمة ومن مؤيديها أو المستفيدين من وجودها، ومن أجهزتها الأمنية الضاربة، وحاولت بعض الحكومات إنزال أتباعها الى الشارع لمقابلة المتظاهرين، في مظاهرات موالاة، وإن كان بينهم بعض من أطلق عليهم لاحقاً أسماء «البلطجية»، فقد اعتاد هؤلاء على ارتداء ملابس مدنية لقمع المدنيين العزّل.
وهكذا جرى الحديث عن الإندساس والمندسين أو المدسوسين، من الخارج أو من قوى داخلية، بل أن غالبية حكومات المنطقة إتّهمت حركة الاحتجاج بالتخريب ومهاجمة المرافق والممتلكات العامة والعبث بها، وأن هناك ضحايا من شرطتها وجنودها أكثر من المحتجين، بل ان أكثر من مسؤول حكومي اعتبر عدد الضحايا العسكريين أكثر من المدنيين.
السمة الثامنة - ان الحكومات جميعها ودون استثناء تمسّكت بمواقعها وحاولت مقايضة الأمن بالحريات والكرامة، وبضده سيّحل الانفلات والخراب، ملوّحة الى تنظيمات إرهابية وأصولية، لم تكن تنظيمات القاعدة والتنظيمات الإسلامية المتشددة بعيدة عنها، وذلك في عزف على «العود المنفرد» وكأنها تريد التلويح بأنها ستكون البديل الأسوأ عنها.
السمة التاسعة- إن حركة الاحتجاج سحبت البساط من تحت الكثير من الأنظمة السياسية التي إهتزّت شرعيتها، الأمر الذي يحتاج الى صياغة عقد اجتماعي جديد بين الحاكم والمحكوم على حد تعبير المفكر اللبناني غسان سلامة، فالتغيير ليس مجرد هلوسات أو مجموعة مخربين مدعومين من الخارج أو كفّار بنعمة الأمن والاستقرار أو دعاة تغريب، بل حركة شعبية عارمة يتطلب قراءتها بتبصّر وبُعد نظر من جانب الأنظمة والقوى السياسية المختلفة، جاءت بعد تراكمات لعقود من السنين.
السمة العاشرة- إن التغيير لم يعد نزوة فكرية أو رغبة لنخبة من المثقفين أو المنشقين أو الليبراليين، بل أصبح مطلباً شعبياً عاماً، أجمعت قوى وتيارات فكرية وسياسية عليه بما فيها بعض أجنحة من الأنظمة الحاكمة ذاتها، حتى إن اختلفت وتباعدت مناهجها وأهدافها، فقد أدرك الجميع إن قطار التغيير قد بدأ ولا يمكن وقف مساره أو تغييره، لكنه قد يتعثر أو يتأخر أو ينحرف، الاّ أنه سيصل في نهاية المطاف، مهما كانت المعوّقات، فالاصلاح والديمقراطية والحريات ومكافة الفساد وتلبية الحقوق الانسانية، أصبحت حاجة ضرورية ماسة، واستحقاقاً ليس بوسع أي مجتمع أن يتنصل عنه، وهو «فرض عين وليس فرض كفاية»، وإذا كان الماضي قد احتضر فالجديد لم يولد بعد حسب تعبير المفكر الايطالي انطونيو غرامشي.

([) أكاديمي وكاتب عراقي

322
المنبر الحر / المواطنة بضدها
« في: 18:53 28/04/2011  »
المواطنة بضدها   

عبدالحسين شعبان
ظلّت قضية المواطنة والبحث عن المشترك الإنساني هاجساً للكثير من الحركات والتيارات الاجتماعية، وقد أعادت حركات الاحتجاج الشبابية والشعبية هذه المسألة إلى الواجهة، خصوصاً في ظل ظروف شحّ الحريات والبطالة وزيادة الشعور بضرورة تحقيق المساواة والكرامة الإنسانية .
وإذا كانت المواطنة تقوم على مبادئ وقيم الحرية والمساواة والعدالة والمشاركة، فإن هذه المفاهيم المفترضة كانت غائبة أو مغيّبة أو محدودة التأثير في البلدان النامية، حيث تزداد الفجوة بينها وبين الدول المتقدمة . وإذا كانت هناك أسباب موضوعية بحكم الهيمنة الاستعمارية الطويلة الأمد، فإن هناك أسباباً داخلية وذاتية أيضاً، لاسيما أن قسماً كبيراً منها يعيش في مرحلة ما قبل الدولة ويعاني من صراعات عرقية ودينية ولغوية وطائفية وعشائرية وغيرها .
وإذا كانت ثمة اختلافات في تجارب وتوجّهات بلدان “العالم الثالث”، إلاّ أنها تجتمع في عدد من السمات والمشتركات العامة التي تعاني منها .

السمة الأولى انعدام تكافؤ الفرص سواء على المستوى الداخلي أو على المستوى الدولي، فليس هناك تكافؤ فرص بين الأفراد، أو حتى بين الدول، في ظل علاقات دولية تمتاز بالهيمنة والتسيّد، فالقوى العظمى لها القدح المعلاّ سواء في العلاقات الدولية، أو على مستوى القرار في الأمم المتحدة بحكم وجود خمس دول دائمة العضوية في مجلس الأمن، تمتلك حق “الفيتو” فيه، وهي التي تقرر اتجاهاته السياسية الدولية .
إن هذا الوضع من شأنه أن يُحدث اختلالاً حاداً بين القوي والضعيف وبين الكبير والصغير، وبين من يملك ومن لا يملك وهكذا، ونجم عن انعدام تكافؤ الفرص تفاوت في الدخل والوظيفة والمستوى الاجتماعي على مستوى الحاضر والمستقبل، ناهيكم عن النظام التعليمي والصحي، وبكل ما له علاقة بالجوع والفقر والأمية، التي يمكن أن تشكّل بؤراً للنزاع والعنف في المجتمع .
ولهذا فإن تأمين الاحتياجات الإنسانية المادية والروحية للأفراد أو للشعوب، يمكنه توفير العيش الآمن بحيث تتاح الفرص بعدالة للجميع لتحقيق تطلعاتهم، الأمر الذي سينعكس إيجاباً على السلام والازدهار، لاسيما إذا توافرت فرص المساواة والعدل .
أما السمة الثانية التي تجمع شعوب البلدان النامية، فهي ضعف المواطنة والحكم الرشيد، وهذا يعني ضعف فرص الحرية باعتبارها قيمة عليا وضعف فرص المساواة، حيث لا تستقيم المواطنة دونها، وكما أن ضعف العدالة بما فيها الاجتماعية سيلحق ضرراً بليغاً بمسألة المواطنة، خصوصاً ما يتعلق بسدّ الاحتياجات الأساسية للناس، فلا يمكن الحديث عن المواطنة مع استمرار ظاهرة الفقر وسوء توزيع الثروة وتمتّع فئة قليلة بامتيازات كاملة وحرمان مجموع الشعب منها، أما المشاركة فهي تستند إلى الحق في تولّي المناصب العليا من دون تمييز لأسباب تتعلق باللون أو الدين أو اللغة أو الجنس أو المنشأ الاجتماعي أو لأي سبب آخر .
ويتطلّب ذلك سيادة القانون والمساواة أمامه، باعتباره الفيصل والحكم يخضع له الحكام والمحكومون، ولن يتم ذلك من دون مؤسسات وآليات للشفافية والمراقبة والمساءلة والمحاسبة ومكافحة الفساد، الأمر الذي يتطلب إعادة النظر بالتشريعات القائمة والقوانين النافذة، استناداً إلى المعايير الدولية على هذا الصعيد .
السمة الثالثة، غياب الخطط للتنمية الشاملة والمستدامة بمعناها الإنساني، الاجتماعي والاقتصادي والثقافي والحقوقي والقانوني، وبالطبع بالمعنى السياسي أيضاً . وهذا يتطلب استثمار الموارد باعتماد اقتصاد يعزز الإنتاجية ويقوم على تنوّع السوق، ويوفّر فرص عمل للجميع، مع مراعاة خصوصية البلدان التي دمّرت الحروب والنزاعات الأهلية اقتصادها.
السمة الرابعة، ضعف مستوى التعليم وشحّ المعارف، ولا يمكن الحديث عن التنمية ذات الطابع الإنساني بوجود نسبة عالية من الأمية في مناطق معينة من العالم وخصوصاً في العالم الثالث، ففي العالم العربي وحده يوجد نحو 70 مليون أمي، ناهيكم عن انخفاض مستوى التعليم، وإذا كان هذا الرقم المخيف يتعلق بالأمية الأبجدية فإن نسبة الأمية سترتفع كثيراً إذا ما احتسبنا عدم إمكانية التواصل مع العلوم والتكنولوجيا الحديثة . إن هذه النسبة لا تشمل كبار السن فقط، بل نسبة الأمية الأبجدية لمن هم في سنيّ التعليم تبلغ أكثر من 13%، وتضاف إلى ذلك الفجوة في تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات، لاسيما في الاستخدامات المحدودة للحاسوب، وفجوة في المهارات، فالشباب هم الفئة الأكثر تأثّراً بتحدّيات سوق العمل الجديدة المرتبطة بالاتجاهات الاقتصادية المتغيّرة، حيث تصل نسبة بطالة الشباب في الشرق الأوسط إلى نحو 25% .
السمة الخامسة، هجرة العقول والأدمغة، وهي سمة عامة للعالم الثالث، فالموهوبون والعلماء لا يمكنهم تحقيق ما يصبون إليه في بلدانهم، لأسباب تتعلق بشحّ فرص الحريات ولاسيما حرية التعبير وحرية البحث العلمي، وعدم توافر أجهزة ومعدّات كافية، ناهيكم عن استشراء ظاهرة البيروقراطية، وانتشار ظاهرة الفساد والرشا، وكذلك انعدام معايير التقييم والكفاءة، وخصوصاً في تزايد الحاجة إلى الولاء، وتدنّي مستوى الأجور وغيرها من الأسباب التي تشكّل بيئة طاردة للكفاءات العلمية، في حين أن بيئة الدول المتقدمة هي بيئة جاذبة للكفاءات، بما توفّره من حريات وظروف عمل مناسبة وأجهزة وأدوات ومردود مالي وأجواء نفسية واجتماعية مساعدة وتقييم إيجابي .
السمة السادسة، عدم الإقرار بالتنوّع الثقافي أو ضعفه، سواءً الديني أو القومي أو اللغوي أو غيره، بل يمكن القول إن الضعف يشمل “قبول الآخر”، ولعل الشائع الغالب حالياً والذي برز على نحو حاد هو صراع الهويات في البلدان النامية، لاسيما بين الهوية العامة والهويات الفرعية، الأمر الذي يحتاج إلى إدارة سليمة للاعتراف بالمكوّنات والأطياف المتنوّعة والتعامل معها على أساس قواعد المساواة الكاملة في المواطنة، والاحتفاء بالتنوّع الثقافي واحترام الخصوصيات، وضمان حق التعبير بما يقي هذه المجتمعات من الانزلاق إلى التناحر، حيث عانت طويلاً من الاستعمار والتدخل الخارجي والصراعات والنزاعات الأهلية وهضم الحقوق والحريات، ويوفر عليها فرصة اللحاق بالأمم المتقدمة، ولاسيما بإتباع تنمية بشرية مستدامة وتأمين كل ما يتعلق بحقوق الإنسان، بعيداً عن محاولات الإلغاء والتهميش .
السمة السابعة، أن المجتمعات النامية تعاني من استمرار ظاهرة العنف والإرهاب، واللجوء إلى السلاح لحلّ الخلافات السياسية، الأمر الذي يضع جدلية القوة والضعف في إطار تناحري، إقصائي، في حين أن البحث عن السلام وتعزيز المناعة الاجتماعية بالموارد والمشترك الإنساني هما اللذان ينبغي أن يكونا الأساس .
السمة الثامنة، تغييب دور المرأة وعدم تمكينها بما يتناسب مع دورها كإنسان على قدم المساواة في الحقوق والكرامة وفي تولّي الوظائف العليا دون تمييز . ولعل وجود نصف المجتمع خارج دائرة التأثير والعمل والتنمية، هو انتقاص لمبدأ المواطنة الكاملة والتامة .
السمة التاسعة، مشكلة اللاجئين والنازحين، وهؤلاء تتعاظم مشكلاتهم سواءً داخل البلدان النامية أو لدى البلدان الأوروبية والغربية، حيث تزداد ظاهرة الهجرة واللجوء، وهذه تسبب أيضاً مشكلات خاصة بها، مثل الاندماج والبحث عن الهوية وغيرها، وتؤدي أحياناً إلى صراعات جديدة داخل المجتمعات المستقبلة (بالكسر) .
وينبغي البحث عن إيجاد حلول جذرية تضمن حقوق اللاجئين والنازحين، لاسيما حل المشكلات الحقيقية المتعلقة بقضايا الفقر والتهميش والعنف، ناهيكم عن بعض الكوارث الطبيعية، وبالأساس في مساعدة المجتمعات النامية والفقيرة من جانب الدول المتقدمة والغنية، فذلك واجب عليها أيضاً في بناء حياة دولية سليمة ومستقرة وتليق بالإنسان وكرامته ووفقاً للاتفاقيات الدولية لحقوق اللاجئين .
السمة العاشرة، عدم احترام البيئة والتعامل معها باستخفاف ولامبالاة، بل وعدم شعور بالمسؤولية، الأمر الذي يتطلب سنّ قوانين للمحافظة عليها وحمايتها وإدارتها على نحو مستدام، والالتزام بالمعاهدات والقوانين الدولية على هذا الصعيد وكذلك العمل على تفعيلها .
السمة الحادية عشرة، اتّساع ظاهرة الفساد في العالم الثالث بسبب غياب منظمات الرقابة والشفافية، وكذلك ضعف المساءلة، وأحياناً تتماهى الدولة والسلطة، وتتغوّل الأخيرة، على الدولة، بل تندغم السلطة بالمال والإعلام والتجارة والاستيراد والتصدير والثقافة والسياحة والرياضة على نحو شاذ، وهو ما جعل كاتباً وروائياً عراقياً اسمه شمران الياسري يعلّق على ذلك في السبعينيات من القرن الماضي وبين الجد والهزل بقوله: "أهي دكتاتوريات حسب، أم طغم فاشية، ريفية أو بدوية"، وإذا ما دخل عنصر الدين أو المذهب وتم استغلالهما سلبياً، فالأمر ولا شك يضعنا أمام طغم فاشية دينية أيضاً .
لعله من دون تعاون شامل وتكامل وحلول محلية داخلية ودولية تتجاوز الحدود الإثنية والسياسية والاجتماعية والثقافية، لا يمكن مواجهة هذه المشاكل، وهو ما كان ميثاقاً جديداً قد تبنّاه منتدى غرب آسيا- شمال إفريقيا مؤخراً بوصفة وثيقة للتعاون ترتكز على الكرامة الإنسانية وصولاً إلى تأمين العيش المشترك للأجيال الحالية والقادمة .

* باحث ومفكر عربي




323
الجنادرية والتويجري والأسئلة


عبد الحسين شعبان
يمثل مهرجان الجنادرية ملتقى ثقافيا دوليا وعربيا، وقد اكتسب أهمية لثلاثة أسباب مهمة، لعل السبب الأول هو أنه اتسم بطابع الاستمرارية والديمومة، فهو ملتقى معمِّر ومتواصل ويتطور باستمرار، وقد كان الاحتفال بيوبيله الفضي العام الماضي (مرور ربع قرن على تأسيسه) محطة مهمة للتقييم والمراجعة، حيث شهد حشدا كبيرا من الأدباء والكتاب والفنانين وعلى مختلف جوانب الثقافة. والسبب الثاني هو إقبال نخبة مهمة من المثقفين من جيل الرواد على المشاركة فيه، مع نخبة جديدة من المثقفين، ولا سيما الشباب منهم؛ الأمر الذي خلق حوارا مستمرا بين المثقفين داخل المهرجان وفي أروقته وما بعده. أما السبب الثالث فهو ملتقى مفتوح دون أجندات محددة وإن كان لا يخلو من أجندة معينة، لكنها مرنة ومفتوحة وغير مفروضة؛ وذلك على خلاف بعض المهرجانات المؤدلجة. وإذا كان القائمون عليه أرادوا فتح نافذة ضوء على الثقافة العربية والعالمية، فإن الكثير من المثقفين كان المهرجان بالنسبة لهم نافذة ضوء هي الأخرى على الثقافة السعودية، ولا بدّ لحلقات الضوء تلك أن تتسع، خصوصا في ظل الثورة العلمية التقنية وثورة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والطفرة الرقمية "الديجيتل".
يمثل مهرجان الجنادرية اجتماعا سنويا للقاء المثقفين من بلدان عربية وإسلامية مختلفة، إضافة إلى أقطار أجنبية كثيرة، فهذا العام حضر المفكر الإيراني عطا مهاجراني وزير الثقافة الإيراني الأسبق، كما حضر ممثلون عن تجمعات يابانية، وألقيت محاضرات ومداخلات بخصوص السياسة الخارجية السعودية، وموضوع رؤية المثقفين والسياسيين والعسكريين، للإسلامفوبيا، والتحديات التي تواجه العالم اليوم، كما شهد المهرجان معارض مختلفة، وكان لافتا مشاركة المرأة وحضورها.
وقد تألق هذا العام الشاعر العراقي عبد الرزاق عبد الواحد الذي أحيا أمسيتين، واحدة في نادي الرياض الثقافي، والأخرى كانت أمسية خاصة في جلسة حميمية في منزل عبد المحسن التويجري النجل الأكبر للمفكر السعودي البارز ورجل الدين عبد العزيز التويجري. وكانت هذه الجلسة عفوية، وهي دعوة عشاء تحوّلت إلى جزء من المشهد الثقافي، وعلى حد تعبير المفكر حسن العلوي، هذا هو جو الجنادرية الرحب الذي كان يوفّره التويجري. وشارك في هذه الأمسية السيد محمد حسن الأمين بقراءة بعض قصائده أيضا.
كان التويجري الكبير حاضرا معنا على الرغم من غيابه، فإن ما تركه من أثر ظل ملازما لنا كلما انعقد مهرجان الجنادرية الثقافي. وعلى الرغم من وفاة الأميرة صيتة أخت خادم الحرمين الملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود قبل سويعات من افتتاح المهرجان، فإن ذلك لم يؤثر على الافتتاح، حين أناب عنه الأمير متعب لافتتاحه وهو رئيس الحرس الوطني، وألقى المفكر اللبناني طارق متري كلمة الضيوف، كما ألقى كلمة باسم المشاركين الأجانب في المهرجان أحد مسؤولي السفارة اليابانية. وقد استقبل خادم الحرمين الملك عبد الله الضيوف في اليوم الثاني، لشكرهم على المشاركة في المهرجان، وقال الملك مخاطبا ضيوفه "أشكركم إخواني وأرحب بكم في بلدكم الثاني المملكة العربية السعودية؛ لأنكم تستحقون الترحيب وتستحقون الحفاوة والشكر". وبدورهم قاموا هم بتقديم الشكر له على دعوته والتهنئة على سلامته، وألقت الناها ولد مكناس (موريتانيا) كلمة الحاضرين أمام الملك.
وإذا كان التويجري حاضرا، فإنما هو حاضر بأسئلته، ولعل ثقافة الأسئلة على حد تعبير الناقد السعودي الدكتور عبد الله الغدامي لا تزال غائبة في عالمنا العربي وفي فكرنا المعاصر، مع أنها من ضرورات الثقافة المعاصرة، وهو ما دفع شاعر ومثقف بارز مثل أدونيس ليقول: هذا زمن تتقدم فيه الأسئلة وينهزم الجواب.
ولعل التعبير عن أسئلة التويجري كنت قد توقفت عنده من خلال كتاب الشاعر العراقي يحيى السماوي الذي أصدر كتابا، افتتحه بالحديث عن أسئلة التويجري عبر كتابة أدب الرسائل، حيث قال "إن التويجري قد انتبه إلى هذا النقص في ثقافة الأسئلة في وقت مبكر انسجاما مع طبيعته التأملية، فاتّخذ من الأسئلة سمة لمنهجه الفكري"، وإذا أردت أن أضيف سمة إيجابية أخرى إلى كتاب أدب الرسائل لعبد العزيز التويجري وأسلوبه المتفرد، للكاتب يحيى السماوي، فإنه يمكنني القول إن هذا الكتاب الممتع والعميق في الآن ذاته، يشكّل وثيقة جديدة وإضافية من وثائق مهرجان الجنادرية، ولعل معظم الذين تبادل التويجري الرسائل وإياهم كانوا من زوار الجنادرية وضيوفها والمحتفى بهم، وقد ضمت القائمة أسماء لامعة، كما أن مصادر الكتاب هي في حد ذاتها تعكس رواد الجنادرية، فضلا عن تدوين سيرة موزعة للتويجري عبر كتب ومؤلفات عديدة، منها:
- رسائل خفت عليها من الضياع.
- رسائل إلى ولدي.. حتى لا يصيبنا الدوار.
- عند الصبح حمد القوم السرى.
- ركب أدلج في ليل طال صباحه.
- رسائل وما حكته في بيتي.
- ذكرى وطنية (مجموعة مقالات 1 و2).
- رسائل إلى ولدي.. منازل الأحلام.
- لسراة الليل هتف الصباح.
- حاطب ليل ضجر (1 و2)
- خاطرات أرّقني سراها.
- ذكريات وأحاسيس نامت على عضد الزمن.
- أجهدتني التساؤلات معك أيها التاريخ.
- في إثر المتنبي بين اليمامة والدهناء.
- أبا العلاء.. ضجر ركب من عناء الطريق.
إضافة إلى كتب عديدة، منها كتب الدكتور نجم عبد الكريم: هكذا تكلم التويجري.. وكتابي عبد اللطيف أرناؤوط "الشيخ التويجري.. مواقف من الحضارة والتراث" وكتابه أدب الحوار الفكري عند الشيخ التويجري، وحسن العلوي "عبد العزيز التويجري.. الروح الجامعة"، ولعله من أهم الكتب التي تم تأليفها عن التويجري وبقدر ما كان التويجري جامعا فقد كان كتاب حسن العلوي عنه جامعا ورجاء النقاش التويجري الأديب والمؤرخ والإنسان.
ولعل للكثير من الحاضرين في مجلس التويجري شرف الحوار مع التويجري، وفي مقدمتهم الراحلان: الروائي الطيب صالح والإعلامي والكاتب شفيق الحوت، وكان لجلساتهما وأسئلتهما وقع خاص لدى التويجري. كان كلاهما إضافة إلى التويجري لا يقينيات لهما، مثلما له، حيث يملأهما الشك الديكارتي في أطروحاتهما ومراجعاتهما، وكانا يفكران في الجواب، لكن جواب التويجري كان لهما هو أن يمطرهما بالمزيد من الأسئلة.
يتساءل يحيى السماوي وهو القريب من التويجري: ما الذي جعل المفكر المعروف لطفي الخولي يخاطب التويجري بالمعلم الكبير، ولم يصادف أن قدّم التويجري نفسه بأية صفة، وهو المعروف بالتواضع؟.. ولعل الطريقة التي اختارها في العلاقة مع المثقفين هي إثارة الأسئلة بأسلوبه الممتع والشائق، وهو ما دعا محمد حسنين هيكل إلى القول إنه جمع بين منهج البحث وبين فن الأدب فتقدم رؤيته لإنسان ومحارب ورجل دولة.
كل ذلك يمكنني أن أضيف على ما قالوه إن نقده بقدر ما كان عميقا، إلاّ أنه ممزوج بالحب أيضا، وهو ما لمسته وعرفته عنه خلال لقاءاتي وما قرأته من رسائله المنشورة وغير المنشورة، ولا سيما التي استمعت إليها في جلسة حميمية خاصة، وكم تمنيت أن ترى النور لتسد فراغا في أدب قلّ الاهتمام به بسبب العولمة، وأعني به أدب الرسائل، فقد تلمست من خلالها أسلوب رجل دولة، حصيفا وندّا صلبا في علاقته مع الآخر، ودبلوماسيا يمثل مصلحة بلاده والأمة بقدر مرونته وشفافيته، لا يخاف في الحق لومة لائم؛ ولذلك تراه صريحا ومصدر ثقة واعتزاز من الجميع.
وإذا كنت في فضاء التويجري فإن بعض مقترحات تلوح بصيغة أسئلة للمستقبل، فكيف يمكن تطوير الجنادرية وتحسين دائرة الاشتراك فيها بتأكيد التعددية والتنوّع وتواصل الأجيال والتنوّع الاجتماعي، ولا سيما حضور ومشاركة المرأة، إضافة إلى زيادة دور الشباب، باشتراك المبدعين والمثقفين الشباب الذين يمكن من خلال تلاقحهم وتواصلهم مع الآخرين من الأجيال الأخرى إنضاج ذواتهم وتجاربهم على صعيد الفعل الثقافي، ولا سيما من خلال التفاعل.
وإذا مثلت الجنادرية فضاء رحبا للمشاركة من شتى الألوان والقوميات والأجناس واللغات، فسيكون رفدا لها زيادة مشاركة أبناء القوميات الأخرى الذين يعيشون في البلدان العربية مثلما هو مشاركة أبناء الديانات الأخرى، ولا سيما مشاركة المثقفين المسيحيين، وهو الأمر الذي قد ينسحب على مسألة الاهتمام بثقافة المجتمع المدني، خصوصا وأن الثقافة بما تمثله من عقلانية ومدنية وسلمية وانفتاح وحرية، يمكن أن تسهم في تعزيز وتعميق مجتمعاتنا، وهي دليل تواصل وشفافية، مثلما هي تعبير عن الجمال والفن والعمران.
ولعل هذه الأسئلة تأتي من وحي مهرجانات الجنادرية ومن طيف التويجري الكبير وأسئلته الشفيفة.



324
مسؤولية الكلمة وثمن المهنة
روفائيل بطي.. إرهاص حداثي مبكّر!



الصحافي والسياسي روفائيل بطي

عبد الحسين شعبان
مع ارتفاع ضحايا الصحافة في العالم، لم يعد يكفي أن نطلق على الصحافة اسم "مهنة المتاعب"، فقد شهد العالم خلال العقد ونيف الماضي مقتل أكثر من 1300 صحافي، وفي العراق وحده كان عدد الصحافيين الذين قتلوا ما يناهز الـ 200 صحافي، ناهيكم عن اعتقال المئات من الصحافيين وتعرّضهم للإهانة والاحتجاز والمنع، على اتساع العالم كلّه.

لكننا عندما نريد أن نعلي من شأن الصحافة نمنحها ألقاباً تليق بها مثل "صاحبة الجلالة" و"السلطة الرابعة"، فضلاً عن "مهنة الحقيقة"، وإذا كانت الصحافة، أو لنكن أكثر دقة فنقول "الإعلام"، مؤثرة إلى حدود كبيرة، فإن العولمة والثورة العلمية ـــ التقنية وثورة المعلومات والاتصالات والطفرة الرقمية "الديجيتل" وتكنولوجيا الإعلام، أضفت عليها بُعداً كونياً عابراً للحدود والقارات والأوطان والجنسيات والقوميات والأديان، لا سيما في صناعة الرأي العام في زمن السلم والحرب، حتى قيل إن حرب الخليج الثانية عام 1991 حُسمت بواسطة الـ CNN قبل أن تخاض أرضياً أو جوياً، وبصورة فعلية، الأمر الذي ترك انعكاساته على صعيد الواقع.

كان للإعلام وتكنولوجياته الحديثة دور كبير ومؤثر في انتفاضتي الياسمين في تونس والنيل في مصر، لا سيما من حيث التحريض والتعبئة والتنظيم والإدارة، وهو الأمر الذي يجعلنا نتوقف عند دور الإعلام من خلال قراءة لفكر بعض الرواد، ومن بينهم أحد روّاد الصحافة في العراق ممن ارتدى القبعتين الحقوقية ـــ القانونية حسب المثل الفرنسي بحكم تخرّجه من كلية الحقوق، والإعلامية ـــ الصحافية بحكم ترؤسه لمؤسسة مرموقة نحو 30 عاماً تقريباً، ونعني به روفائيل بطي.

وإذا كان الإعلام يبدأ بالكلمة، فهذه الكلمة تبدأ في العقول، مثلما يصنع الخير والسلام والحب والجمال في العقول، وبضده أيضاً، ولعل مهمة الإعلامي هي أن يؤرخ ما يحدث من وقائع وأحداث، ولا شك أن البحث العلمي سيعتمد على ما يؤرخه الصحافي أو الإعلامي "لحظياً" أي لحظة وقوع الحدث، خصوصاً وقد دخلت الصورة بوصفها خبراً مؤثراً، لا سيما في الإعلام المرئي، حيث تؤثر في العقول والأدمغة وتوجّه الجمهور صوب الفكرة وتحشد لها طاقات وإمكانات منظورة وغير منظورة، ولعلنا في ظل هذه الثورة الهائلة نستذكر روفائيل بطي أحد أبرز الذين أرسوا تقاليد مهنية، وحاول الارتقاء بالكلمة إلى المكانة التي تستحقها، وحاول أن يوآخي بين الصحافة والأدب وبينها وبين القانون، متّخذاً منها منبراً للتربية، بما فيها السياسية، ممثلا إرهاصا حداثياً مبكراً.

يمكن القول إن أربعة روافد أساسية أسهمت في تكوين شخصية روفائيل بطي وثقافته، وهذه الروافد هي نشأته المسيحية بما فيها من تسامح، فقد تخرّج من مدرسة الآباء الدومينيكان 1914، وبيئته الثقافية العروبية الموصلية الأولى، حيث عمل مدرّساً في مدرسة "مار توما" للسريان الأرثوذكس، ثم الفضاء البغدادي الذي أضاف إليه الشيء الكثير من التنوّع والتعددية وقبول الآخر، سواءً دراسته في كلية الحقوق وتخرجه منها عام 1929 أو عمله في الصحافة، ولا شك أن علاقاته مع محيطه العربي أكسبته نكهة انفتاحية، فضلاً عن توسيع آفاقه، خصوصاً وقد أسهمت علاقاته عربياً لاحقاً في حضوره متجاوزاً حدود العراق، سواءً علاقته مع أمين الريحاني أو نشر كتابه عن الصحافة في القاهرة.

اجتمع في قلم بطي أربعة حقول أيضاً، ولعل الحقل الأول هو حقل التربية، حيث عمل مدرّساً واكتسب طريقة مؤثرة في خطابه، فيها شيء من علم النفس وعلم الاجتماع ووسائل التربية، والحقل الثاني هو حقل القانون، فقد تخرّج من كلية الحقوق، ولذلك امتازت لغته بالرصانة والدقة والمسؤولية.

والحقل الثالث حقل الصحافة، وحسب ألبير كامو: الصحافي وهو مؤرخ اللحظة، ولذلك كان يسعى لتدوين تاريخ اللحظة الصحافية، أو دعني أقول: تدوين اللحظة التاريخية صحافياً. عمل في الصحافة منذ يفاعته، حيث أصبح رئيساً لتحرير جريدة "العراق" التي كان صاحبها رزّوق غنّام، كما عمل رئيساً لتحرير مجلة "الحرية"، ولكن شهرته كصحفي بارز جاءت من جريدة البلاد التي تأسست عام 1929 بالتعاون مع جبران ملكون. أما الحقل الرابع فهو حقل الأدب، الذي امتزج مع الصحافة وذاب أحدهما بالآخر في تعانق لا انفكاك فيه، فقد كان يسيل من قلمه حبر الأديب وخيال الشاعر بقدر اللغة القانونية المسبوكة ومعها كان يضخّ ما يريد بأسلوب تربوي مؤثر وعميق.

تأثر روفائيل بطّي بجرجي زيدان وجبران خليل جبران، فضلاً عن علاقته بأمين الريحاني، الذي كتب عنه كتاباً منذ وقت مبكر في عام 1923.

كان روفائيل بطي مثل غيره يتطلّع لأن يلعب دوراً سياسياً، وكانت عينه على البرلمان، فأصبح عضواً فيه في عام 1935 نائباً عن البصرة، وفي عام 1939 نائباً عن بغداد. وعلى الرغم من أنه في شبابه كان مناوئاً للإنجليز وأقرب إلى التيار القومي العربي التقليدي، حيث سجن بعد حركة رشيد عالي الكيلاني والحرب العراقية ــــ البريطانية في عام 1941، إلا أنه تراجع لاحقاً عن ذلك، حيث ألّف كتاباً عن الملك فيصل، وتم استيزاره فيما بعد، ولعل موقفه هذا يمثّل انتقالا من المعارضة إلى التعاون مع السلطة، لكن صحيفته بالرغم من ابتعاده عن التيار القومي وموقفه المعارض لانقلاب بكر صدقي عام 1936، كانت أقرب إلى المهنية حسب مواصفات تلك الأيام، على الرغم من تأثّره بساطع الحصري فيلسوف الفكر القومي التقليدي في العراق، وأنستاس الكرملي الذي كان يمثل العروبة الثقافية والتنوّع.

هكذا ظلّت تتنازعه ثلاثة اتجاهات، الأول: انحداره العروبي وقناعاته بفكر ساطع الحصري وانضمامه إلى حزب الاستقلال ودعمه لحركة رشيد عالي الكيلاني. والاتجاه الثاني مجاملاته لليسار، حيث كان فهد الذي أصبح أمين عام الحزب الشيوعي يراسل جريدة البلاد وبعض المحسوبين على التيار اليساري ينشرون مقالاتهم في صحيفة البلاد بين الفترة والأخرى. أما الاتجاه الثالث فهو مصالحه التي اكتشفها مع رجالات العهد الملكي وليس مع المعارضة، الأمر الذي أخذه عليه بعض المعارضين حين احتسبوا مواقفه محاباة للسلطة، لا سيما عندما عُيّن وزيراً لشؤون الدعاية والصحافة في حكومة فاضل الجمالي في عام 1953، وسكوته عن قمع الصحافة، بل مشاركته في ذلك، وبسبب ذلك، وقبلها، تصدّعت علاقته بحزب الاستقلال بزعامة محمد مهدي كبة، حيث انتمى إليه، ثم اختلف معه سريعا واستقال.

وعلى الرغم من صداقته مع سعد صالح وزير الداخلية في عام 1946 فإن موقفه من حرية الصحافة يختلف عنه، ففي حين أطلق سعد صالح، الذي توفي في 17 شباط (فبراير) عام 1949، حرية الصحافة وأجاز خمسة أحزاب سياسية بينها حزبان ماركسيان هما حزب الشعب بقيادة عزيز شريف وحزب الاتحاد الوطني بقيادة عبد الفتاح إبراهيم، إضافة إلى حزب الاستقلال وهو حزب قومي عربي بقيادة محمد مهدي كبة، والحزب الوطني الديمقراطي بقيادة كامل الجادرجي، وحزب الأحرار الذي ترأسه توفيق السويدي، ثم انتقلت القيادة إلى سعد صالح، كما بيّض السجون بإطلاق سراح المعتقلين والسجناء في فترة لم تتجاوز 97 يوماً (هي فترة الوزارة)، فإن بطي اتجه اتجاهاً آخر بتقييد حرية الصحافة وتشديد الرقابة في ظرف اتسم بالتشدد والحدّة، خصوصاً بعد "انتفاضة تشرين" عام 1952.

ولكي لا نجانب الحقيقة، فلا بدّ من القول إن الأوضاع السياسية بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، هي غيرها في فترة الحرب الباردة بين المعسكرين، وقد اختلفت الظروف كثيراً. ففترة سعد صالح جاءت بعد خطاب الوصي الذي بشّر بالإصلاحات، لا سيما بعد انتهاء الحرب وبدء موجة من التحوّل الديمقراطي عالمياً في فضاء من الانفتاح، في حين أن فترة بطّي كانت الوزارة بقيادة الدكتور محمد فاضل الجمالي التي عملت على تحضير الأجواء بعد مشروع النقطة الرابعة الأمريكي لقبول حلف بغداد الذي تم عقده في عام 1955 خصوصاً بإصدار عدد من القوانين الغليظة وتقييد الحريات وقمع حرية الصحافة ومكافحة ما يسمى بالأفكار الهدّامة.

لكننا لا يمكن أن نبخس حق بطّي وهو أحد رواد الصحافة الكبار لموقف سياسي أو لقبوله منصباً حكومياً لفترة محدودة، حتى وإن كان خاطئاً، وبغض النظر عن التقييمات السلبية المشروعة، إلا أن جريدة "البلاد" كانت وجهاً مشرقاً للصحافة العراقية وإحدى المدارس المهنية المهمّة في الإعلام العراقي، وهي مدرسة معمّرة بلا أدنى شك، واحتلّ بطي مكاناً بين أسماء كبيرة في حينها في عالم الصحافة، ولولا موهبته لما كان يستطيع الاستمرار، بل حتى الدخول في الصحافة البغدادية وهو الشاب الموصلي المسيحي القادم لتوّه إلى بغداد.

وإضافة إلى مساهماته الصحافية المتميّزة فقد ألّف عدداً من الكتب منها: كتاب الصحافة في العراق الذي صدر في القاهرة عام 1955، وكتابه عن أمين الريحاني كما جرت الإشارة إليه، ولعل ذلك سبب فتور علاقته مع الجواهري الكبير، فالأخير كان عدوًّا للريحاني، وكتب مقالة عنه عند زيارته بغداد بعنوان "جاسوس في فندق تايكر بالاس". ومن كتبه الأخرى كتاب: الأدب العصري في العراق، واختار نماذج من الأدب المنظوم والأدب المنثور، وقد حاول بطي أن يكتب قصيدة النثر، وجرّب ذلك في كتابه الربيعيات، أي أن ميله كان حداثياً ويمكن اعتباره من مؤيدي مدرسة الشعر الحر وهي المدرسة الصاعدة التي مثلتها نازك الملائكة وبدر شاكر السياب وبلند الحيدري وعبد الوهاب البياتي، ومن بعدهم سعدي يوسف وغيرهم، وكان نثره بليغاً ويمتاز بلغة أنيقة، كما أسهم في ترجمة عدد من الروايات العالمية.

لقد جمع بطي بين لغة الصحافة حيث الخبر والمعلومة، ولغة السياسة حيث التأثير والاقتناع، ولغة الأدب حيث الخيال والجمال والفن، ولغة القانون حيث الدقة والرصانة، وكل ذلك بأسلوب متميز، ولعله يمكننا تسجيل موقف لبطّي، حيث كان من أنصار قضية تحرر المرأة، وداعياً للاختلاط بين الجنسين، على الرغم من الظروف الاجتماعية التقليدية التي يعيشها العراق آنذاك.

وإذا كان روفائيل بطي قد ولد في مدينة الموصل عام 1901، فقد توفي في بغداد عام 1956 واستمرت صحيفة البلاد من بعده برئاسة نجله فايق بطي إلى ما بعد ثورة 14 تموز (يوليو) 1958، ولكنها توقّفت بعد انقلاب عام 1963.


325
دستور مصر ووصفة السنهوري

عبد الحسين شعبان
باحث ومفكر عربي

أصدر المجلس الأعلى للقوات المسلحة المصرية إعلاناً دستورياً ضمّ 62 مادة، لتشكّل الإطار الدستوري، الذي ستعمل به مصر حتى صياغة دستور جديد، بعد إجراء الانتخابات التشريعية في أيلول (سبتمبر) المقبل والانتخابات الرئاسية بعدها بشهر أو شهرين. وحسب المستشار طارق البشري رئيس اللجنة التي صاغت الاعلان، وهي اللجنة ذاتها التي أعدّت المواد الستة التي جرى الاستفتاء عليها يوم 19 آذار (مارس) الماضي ووافق عليها 77 في المئة من المصريين، يكون دستور العام 1971 قد انتهى مفعوله وأصبح غير صالح للاستخدام.
الاستفتاء والاعلان الدستوري أثارا تداعيات كثيرة وجدلاً قانونياً وفقهياً لم ينقطع، وفي غمرة هذه الأجواء إستعيد دستور العام 1923 الذي حكم البلاد لغاية ثورة 23 تموز (يوليو)1952، كما تم استذكار دستور كان قد أعدّه الفقيه والمفكر القانوني العلاّمة عبد الرزاق السنهوري في العام 1954 بتكليف من حكومة الثورة، لكنه أهمل ووجد في وقت لاحق من يزيح النقاب عنه حين نشر الصحافي والكاتب صلاح عيسى رئيس تحرير جريدة القاهرة نصّه، كما عُثر عليه فوق صندوق القمامة، وبالعنوان ذاته.
لعل هذه المناسبة فرصة لاستحضار السنهوري وما تركه على صعيد الفكر القانوني ليس في مصر حسب، بل في العالم العربي كلّه، ومن أقصاه الى أقصاه، مثلما كانت الجاذبية المصرية هائلة وكبيرة على صعيد التغييرات التي شهدها العالم العربي، وظلّت تمور في أحشائه لسنوات طوال.
يعتبر السنهوري أحد عمالقة الفكر القانوني العالمي وأبرز رموزه العرب، لاسيما في القانون المدني وفقه الشريعة الاسلامية، خصوصاً في فقه المعاملات. إمتاز بثقافة موسوعية، لاسيما في العلوم القانونية، ولم يكن فقيهاً ومفكّراً قانونياً حسب، بل كان أقرب الى مكتبة عامرة حيث اجتمعت في شخصه المعرفة القانونية واللغوية، خصوصاً بالقوانين العصرية وبعلوم الشريعة الاسلامية، والخبرة القضائية، والتجربة الأكاديمية والإدارية.
ولا شك أن تنوّع عمله وتجاربه أكسبه هذه المكانة المتميزة، حيث يعتبر السنهوري الأب الروحي للقوانين المدنية العربية ولعدد من الدساتير العربية. من هناك اكتسب فكراً وحدوياً عروبياً، وكان قد اقترح قيام " اتحاد عربي"، بل بادر لوضع مشروعه العام 1944 من دمشق، قبل إنشاء جامعة الدول العربية (آذار/مارس 1945).
وعلى الرغم من اختصاصاته القانونية، فقد درس منذ وقت مبكّر كتب التراث العربي مثل: الأغاني والأمالي والعقد الفريد وأُعجب بشعر المتنبي، وكان شديد الاعجاب بالكواكبي أيضاً.
وبسبب ثقافته القانونية المتنوعة والمتعددة المشارب، إمتاز فكره القانوني بالديمقراطية والليبرالية، الأمر الذي أدّى الى اصطدامه مع الرئيس جمال عبد الناصر العام 1954 حين دعا الى حلّ مجلس قيادة الثورة وإعادة الجيش الى ثكناته، وإطلاق الحريات الديمقراطية، وبسبب ذلك تم عزله، بل  وعزلته واتّخذت القيادة المصرية إجراءً يقضي بحل مجلس الدولة الذي كان يرأسه.
كان السنهوري مؤمناً إيماناً شديداً باستقلال القضاء والإعلاء من شأنه ورفع مكانته وميّالاً الى فكرة العدالة الاجتماعية، وكان مخلصاً في دعم مشروع قانون الاصلاح الزراعي وتوزيع الارض على الفلاحين. وحاول التوفيق بين مبادئ الشريعة الاسلامية وبين الفكر القانوني (العلماني- الليبرالي)، وذلك في وسطية كان يعتقد أن بإمكانها تطمين طموح ومصالح الطرفين، لاسيما بصياغات تحترم الفكر القانوني من جهة وتسعى لجعله مقبولاً أو غير متعارض مع مبادئ الشريعة من جهة أخرى، على الرغم مما تثيره مثل هذه المصالحات من إشكالات ومشكلات، خصوصاً لدى فريق المفسّرين والمؤّلين، من الذين يذهبون بعيداً بتفسيراتهم للنصوص القانونية حين يحاولون تكييفها على نحو ضيق تجنّباً لبعض الحساسيات، لكن حقيقة المشكلات، بما فيها عملية التوليف برزت في وقت لاحق، ومثل هذه المحاولات وإنْ كانت قد بدأت في منتصف القرن الماضي، الاّ أن تأثيراتها ظهرت لاحقاً بصعود تيار اسلاموي " متشدد".
ولد السنهوري في 11 آب (أغسطس) العام 1895 في الاسكندرية وتوفي في 21 تموز (يوليو) العام 1971، وحاز على درجة الدكتوراه في القانون المدني من فرنسا العام 1926 وعمل مدّرساً للقانون المدني ثم عميداً لكلية الحقوق العام 1936. وكان عضواً في مجمّع اللغة العربية العام 1946. وشغل منصب وزير المعارف 4 مرات وأصبح رئيساً لمجلس الدولة من العام 1949 ولغاية العام 1954.
أيّد السنهوري ثورة يوليو المصرية العام 1952 وساهم في المفاوضات لخلع الملك فاروق مع الجنرالين محمد نجيب ومحمد أنور السادات. ولم تمنعه مواقفه المؤيدة لثورة يوليو وللاصلاح الزراعي من استشراف رؤية أخرى بشأن دور الجيش ومسألة قيام الديمقراطية وإلغاء مجلس قيادة الثورة، حيث كان موقفه متميّزاً.
برزت أفكار السنهوري الاصلاحية منذ أن وضع مواد البرنامج لرسالته للدكتوراه وهي بعنوان " القيود التعاقدية على حرية العمل في القضاء الانجليزي"، كما وضع رسالة أخرى للدكتوراه عن "فقه الخلافة". وبسبب مواقفه تلك فصل من الجامعة العام 1934. وقد ذهب الى العراق العام 1935 حيث ساهم في تطوير كلية الحقوق العراقية التي تأسست العام 1908 باسم " مدرسة الحقوق"، وأصدر مجلة للقضاء، ووضع مشروع القانون المدني، وعاد الى العراق مرّة أخرى العام 1943 لاستكمال مشروع القانون المدني، الذي سُنّ العام 1951 ولا زال نافذاً حتى الآن. وغادر بغداد الى دمشق ووضع مشروع القانون المدني لسوريا أيضاً.
وعلى الرغم من مواقفه المتحفّظة على دور العسكر وميله الى الشرعية الديمقراطية والدستورية بديلاً عن الشرعية الثورية فقد ساهم في إعداد دستور مصر بعد ثورة تموز (يوليو) 1952 (بعد إلغاء دستور العام 1923). وهو دستور العام 1954. ولكنه اعتزل الحياة العامة منذ ذلك العام حتى وفاته، وذلك بسبب المضايقات التي تعرّض لها، حيث ظلّ على قناعاته، ولم يساوم عليها.
خلال عزلته الاجبارية 1954-1970 أنجز عدداً من المؤلفات القانونية المهمة لكل من ليبيا والسودان والكويت والامارات العربية المتحدة. ولم يغادر مصر سوى مرة واحدة العام 1960 بدعوة من أمير الكويت حيث وضع دستوراً لها أهّلها لإحتلال موقعها كعضو في الأمم المتحدة.
ومن أهم أعماله الأخرى:
1-   القانون المدني المصري (ومذكرته الإيضاحية وشروحه).
2-   القانون المدني العراقي (ومذكرته الإيضاحية).
3-   القانون المدني السوري (ومذكرته الإيضاحية) وقانون البيّنات (وقواعد الإثبات الموضوعية والإجرائية)
4-   دستور دولة الكويت وقوانينها: التجاري والجنائي وقانون المرافعات والاجراءات الجنائية، وقانون الشركات، وقوانين عقود المقاولة، والوكالة.
5-   القانون المدني الليبي ومذكرته الايضاحية، العام 1953 (أي بعد الاستقلال).
6-   دستور جمهورية السودان.
7-   دستور دولة الإمارات العربية.
ويحق لنا اعتبار السنهوري المؤسس للفكر القانوني العربي، وكلما جرى حديث عن الدستور أو تعديلات دستورية، أول ما يقفز الى الذهن للمشتغلين في القانون الدستوري والقانون المدني وغيرهما من حقول القانون ما أنجزه السنهوري من منارات قانونية عالية يظل الباحث والمهتم بالقانون وبالنظام السياسي يتطلّع إليها. ولعل النقد الذي يمكن توجيه اليه دون المسّ بمقامه الرفيع، لأن الأمر جزء من سياق وتطور تاريخي، هو "ابتكاره" قانون الكفالة للاجانب المقيمين في دول الخليج، وهو قانون يتعارض مع المواثيق الدولية لحقوق الانسان (ويطلق عليه البعض قانون العبودية) وقد تخلّت عنه البحرين مؤخراً، وقد أثيرت مؤخراً نقاشات في العديد من دول الخليج بشأن إلغاء نظام الكفالة والكفيل أو تخفيف القيود التي تفرضها الى حدود بعيدة.
إن أي نقاش حول الاعلان الدستوري أو الدستور المنشود سواءً في مصر أو في أي بلد عربي آخر، لاسيما بعد التغييرات الأخيرة، لا بدّ له من استحضار واستلهام الخبرة القانونية العميقة للعلاّمة السنهوري.




326
السياسة بوصفها علماً

                                                                                                         عبد الحسين شعبان
لم يعد كافياً أن نقول أن السياسة تعني “علم إدارة الدولة” وهي “فن الممكن” كما درجنا للتعبير عن الواقعية السياسية والبرغماتية، وليس مقنعاً القول أن السياسة ومبادئها هي تعبير عن مثل وقيم، ولا بدّ أن تتحوّل إلى خطط وبرامج، وهذه الأخيرة كي تصبح ممكنة فلا بدّ من أقوال وأفعال، ومن ثم إلى تقويمات ومراجعات، في ضوء تطبيقات ومؤسسات ولكن ذلك كلّه لابدّ أن يقترن بفعل الخير وإلاّ ستكون السياسة وفعلها شراً.

وحسب ابن خلدون: السياسة عموماً هي صناعة الخير العام . . وهي أمانة وتفويض ولا مجرى لها إلاّ بين تضاريس المحاسبة والتوضيح، فليس لأحد الحق في امتلاك أركانها، باسم استخلاف إلهي أو ما شابه، وإلاّ فستبقى دواوين التاريخ مفتوحة على أخبار قوى التسلط والتحكّم المناقضة لشرائع النقل والعقل .

كلّما انحدر الكلام في السياسة، ازدادت الحاجة إلى الاهتمام بها كعلم، والأمر ليس بعيداً عن عاملي الأخلاق والخير، والسياسة مثلها مثل غيرها من العلوم لا تصبح علماً، أي إدارة وتدبيراً وتنظيماً إلاّ باقترانها بعنصر الخير، فالسياسة العدوانية والعنصرية والفاشية والإجرامية، ليست سياسة بسبب صفات الشرّ الغالبة عليها والعكس صحيح، فالشجاعة التي هي فضيلة من فضائل القلب، وسمة للإنسان القوي، لن تكون كذلك إذا استخدمت للشر . الشجاعة صفة للخير ولن تكون موضع إعجاب وتقدير إن لم تستخدم في فعل الخير وليس لفعل الشر . فالشرير ليس شجاعاً مهما تجشم من مخاطر وواجه من تحدّيات لبلوغ مآربه . الشجاعة هي فضيلة من فضائل الإنسان الذي يتمكن من الإمساك برباطة جأشه في الوقت المناسب حسب المهاتما غاندي، والشجاعة تقتضي مقاومة الشر لا الاقتداء بالشرير، وكذا الحال هي السياسة أيضاً .

ثلاثة كتب قرأتها عن السياسة بمتعة مؤخراً، مع رابط بينها وبين الأخلاق، موهبة وفناً ومُثلاً وقيماً وقبل ذلك علماً، الكتب لثلاثة من علماء السياسة: الأول للبروفسور جان ماري مولّر وهو فيلسوف فرنسي وكاتب في قضايا اللاعنف، بحيث بات مرجعاً لثقافة اللاعنف منذ عقود من الزمان، وهو من مؤسسي “حركة من أجل خيار لا عنفي” الفرنسية، ولديه ما يزيد على 25 كتاباً عن اللاعنف، وهو مناصر للقضايا العربية العادلة . وقد ترجم كتابه محمد علي عبد الجليل وراجعه ديمتري أفييرنيوس وهو بعنوان “قاموس اللاعنف”، وفيه جولة مهمة على فكرة وسياسة وثقافة اللاعنف . وقد قدّمت له الهيئة اللبنانية للحقوق المدنية باقتباس من المفكر العربي اللبناني والذي يُعدّ من روّاد اللاعنف في المنطقة الدكتور وليد صليبي، الذي أسس مع رفيقته الدكتورة أوغاريت يونان، مشروع اللاعنف وحقوق الناس في لبنان منذ عام 1983 وأكثر من جمعية ومنتدى، وهو اليوم ينشط في إطار مؤسسة أكاديمية رصينة اسمها “جامعة اللاعنف وحقوق الإنسان” مع نخبة متميّزة عربية ودولية .

والكتاب الثاني “حكاية السياسة”، للدكتور عبد الخالق عبد الله،  أحد أبرز أساتذة السياسة في العالم العربي. والدكتور عبد الله له مساهمات عديدة  في القضايا الخليجية والعربية والعالمية المعاصرة، كما أنه عضو مجلس دبي الثقافي والمنسق العام لمنتدى التنمية الخليجي، ورئيس تحرير أسبق للمجلة العربية للعلوم السياسية. يسرد الدكتور عبد الله حكاية السياسة بطريقة مشوّقة من البداية وحتى النهاية، أي منذ أن كانت بذرة حتى أصبحت شجرة وارفة، وعلى الرغم من شيوع استخداماتها فقد ظلّت السياسة غامضة ومبهمة، وتتطلب المزيد من الدرس والبحث والتمحيص، لاسيما في عصر العولمة، حيث لم تعد السياسة شأناً محلياً معزولاً، ولعل عولمة السياسة هي آخر مستجداتها .

أما عالم السياسة الثالث فهو الدكتور شيرزاد أحمد النجار وهو أستاذ علم السياسة، الذي درّس فلسفتها وعلاقتها بالقوانين الدستورية والدولية. وعنوان كتابه هو " دراسات في علم السياسة" وهو مجموعة أبحاث في استخدام نموذج المدخلات والمخرجات كأداة تحليلية في دراسة النظام السياسي ومشكلة الشرعية في الدولة الحديثة لدى الفيلسوف الألماني يورغن هابرماز، ودراسة نقدية حول الديمقراطية ومفهوم الدولة لدى هيغل (الدولة المُعقلنة) والنظرية النقية في القانون وديمقراطية الدولة القانونية وتنشئة المواطن والسلطة في المجتمعات البدائية .

من مدخل كتاب البروفسور جان ماري مولّر إلى آخر فقرة  فيه يكرّس السياسة للاعنف: عنف الذات وعنف الآخرين، ولعل سياسة اللاعنف المتواضعة هي التي حررت الشعب الهندي من أعتى استعمار في زمانه وهزمت بريطانيا العظمى، حيث تفوّق غاندي السياسي الأعزل على ثعلب السياسة، ونستون تشرشل المدجج بالسلاح والمعرفة والتكنولوجيا، الذي قال متهكّماً: “سنقاتل حتى آخر هندي” .

إن سياسة اللاعنف حسب مارتن لوثر كنغ كانت تعني “قوة المحبّة” التي انتصرت في نضال لا عنفي نموذجي، مما أدى إلى إلغاء منظومة القوانين العنصرية بعد قرون من الاستعبادمثلما كان للمقاومة المدنية في أوروبا  دور كبير ضد العدوان النازي، فيوم أقفل هتلر المدارس البولونية، نظم البولونيون تعليماً خاصاً سرياً، وكانت فكرة المقاومة المدنية هي وراء نقابة تضامن التي أطاحت بالنظام الشمولي في بولونيا، ولعل هذه " اللا" هي التي أطاحت بدكتاتور الفيليبين ماركوس، وهي التي ظهرت بصورة جلية في الانتفاضة على زين العابدين بن علي وحسني مبارك في تونس ومصر وانتقلت “عدواها” إلى أقطار شتى من ليبيا والجزائر إلى إيران وما بينهما .

إن وجود قاموس خاص لللاعنف وسياساته، يعني تفسير فلسفة اللاعنف وتحديد استدلالاتها لفهم المعاني وتفسير المباني ونزع الالتباسات عنها وتحديد فاعليتها وإيجابياتها، لاسيما في قضايا العدالة والعنصرية والأصولية والشمولية والإرهاب بما فيه إرهاب الدولة التي ينزع عنها شرعيتها وصدقيتها . هذا القاموس الرصين والمثير للإعجاب حقاً هو تكملة لكتابين سابقين ترجمهما الدكتور وليد صليبي الأول بعنوان “معنى اللاعنف” والثاني “استراتيجية العمل اللاعنفي” .

الدكتور عبد الخالق عبد الله، عالم السياسة الإماراتي سرد علينا حكاية السياسة قديماً وحديثاً، بتعريفاتها الفلسفية والواقعية والقانونية والسلوكية ومستقبلها، متوقفاً عندها كفن وموهبة مثلما هي علم ومعرفة، مناقشاً السياسة فكراً وسلوكاً عبر مفكرين مثل أفلاطون وميكافيلي وروسو وابن خلدون، واضعاً قضية الحرية في المقام الأول، منتقلاً بعد ذلك لمناقشة السياسة: حكومات ودولاً، محلياً وعالمياً، لاسيما في ظل العولمة . والبروفسور عبد الله قارب السياسة متابعاً بشكل عابر ثم فاحصاً وبعدها طالباً ومتخصصاً وباحثاً وأكاديمياً ومحاضراً ومحللاً وكاتباً ومؤلفاً . ولعل كتابه هو حصيلة هذه الرحلة المضنية، أي حصيلة علم وخبرة اعتنى فيها بالأفكار كما بالحروف، فالكتابة عنده فيض قراءة .

يقول عبد الله في مقدمته: “إن السياسة هي مدرسة لضبط الأخلاق والسلوك وغرس القيم الإيجابية ودمج الفرد في المجتمع والتعايش مع الآخرين وتقبّل الرأي المختلف والمخالف بتسامح وبناء المواطن الصالح المحب لوطنه والمدافع عن دولته والمنتمي لأمة . . .” .

أما عالم السياسة الكردي العراقي الدكتور شيرزاد أحمد النجار فإنه بعد إطلالته على النظام السياسي، يبحث في شرعية الدولة الحديثة، وذلك ضمن إطار الفلسفة السياسية للفيلسوف الألماني يورغن هابرماز، وحسب علمي فإنه من أكثر المختصين العراقيين إلماماً بفلسفة هابرماز وتطويراته، فقد نشر وترجم الكثير من الأبحاث عنه بما فيها فلسفته بخصوص التسامح . وتتصل فلسفة هابرماز بمدرسة فرانكفورت ونظريتها النقدية والاجتماعية، ويتوقف لدى سسيولوجية الدولة ومشكلة الشرعية فيها . أعتقد أن الدكتور النجار من خلال عرضه يقتفي أثراً متبعاً ابن خلدون الذي يقول: “صارت الدول لا باع لها إلاّ في تسخير الناس بغير حق، وتصريف الآدميين طوع الرغبات والشهوات . . . وغير ذلك من آيات الظلم الذاهب بأسباب الرجاء والانشراح المؤذن بخراب العمران، العائد بالوبال على دوائر السلطان”، ولعل ما كتبه ابن خلدون كان فأل تغيير لهذه المنطقة التي انتظرت طويلاً .

لا يتوقف البروفسور النجار وهو المهجوس بالديمقراطية وهضم الحقوق عند عدم الشرعية، بل يتابع النظرية النقدية ليصل إلى هابرماز ومدرسة فرانكفورت مرّة أخرى، ولعل أهم استنتاجاته في هذا المجال هو أن الديمقراطية مرتبطة بمبدأ الأغلبية، لكن هذه الأغلبية ليست دائماً على حق، بل يمكن أن تكون مضللة أو خاطئة، وفي هذه الحالة ستتحول إلى شرعية مزيفة أو إلى عجز في الشرعية، وقد تنتج الطغيان أو تجبر المواطنين على التوجه الخاطئ، الأمر الذي يحتاج إلى توسيع تطبيقات مبدأ الأغلبية بحيث يكون بعيداً عن التزوير أو التحريف . ولعل هذه مسألة جديرة بالاهتمام وهي جديدة في أبحاث العلوم السياسية، لاسيما في العراق أو دول المنطقة .

أعتقد أننا بحاجة إلى رد الاعتبار للسياسة بوصفها علماً، لاسيما بربطها بالأخلاق وبعنصر الخير، وإلاّ ستكون عملاً شريراً، سواء على المستوى الفردي أو العام وعندها لن تكون سياسة .




327
العراق من الاحتلال العسكري الى الاحتلال التعاهدي
المفكر والأكاديمي شعبان لـ "منبر التوحيد":
الشعب العربي خرج محطِّماً حواجز الخوف في أولى خطواته نحو الوجود والكرامة

صورة الوضع الراهن في العراق وفلسطين تقول: أميركا هُزمت في العراق فكل استراتيجيتها العسكرية والأمنية ومن ثم الإدارية والسياسية فشلت فشلاً شبه تام، ويمكن أن يلمس هذا كل من يقارن بين التصريحات الأميركية بعد الانتصار العسكري على النظام السابق والتصريحات الحالية، والأمر كذلك بالنسبة إلى الاستراتيجية الإسرائيلية التي طبقت منذ اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولى والثانية.
من هنا فإن المعادلة الجديدة التي دخلها العراق بعد تشكيل حكومته الأخيرة ستكون شديدة التعقيد والحساسية الأمر الذي يحتاج إلى دقة عالية في إدارة الصراع لإنجاز تحرير العراق من الاحتلال وتحقيق وحدته وسيادته في ظل مصالحة وطنية  حقيقية بعيدة عن كل تدخل أميركي أو دولي.
إن عملية إدارة الصراع ضد المحتل الأميركي لا يمكنها أن تكون فاعلة ومؤثرة وذات جدوى إذا اقتصرت على ذات العملية السياسية التي يتحكّم بخيوطها الاحتلال من خلال المعاهدة الأمنية والاتفاقيات بعيدة المدى، والاحتلال مازال متمسكاً بخيوط اللعبة من خلال إثارة التناقضات بين مختلف المكونات العراقية، وبالتالي فإن اعتماد المحاصصة كمبدأ من شأنه أن يرسخ المفاهيم البالية ويعيد إنتاج الأزمة من جديد ويسمح للتدخلات الخارجية باستمرار التفتيت الداخلي وبإعاقة عملية التنمية والبناء الداخلي من النواحي الاجتماعية والاقتصادية.
لقد سقطت كل الشعارات التي رفعها المحتل تحت ستار نشر الديمقراطية ومحاربة الإرهاب وترسيخ حقوق الإنسان أمام الوقائع على الأرض والتي تتحدّث عن ذاتها.
والتحدي الحقيقي اليوم، يتمثّل في تغيير الواقع وبشكل جذري وترتيب الأولويات ضمن أجندة تخدم مصالح الشعب العراقي.
الأزمة العراقية وأبعاد المشهد الحالي في ظل الحكومة المنتخبة وما ستؤول إليه الأحداث لاحقاً، والمشهد العربي الراهن كان محور لقاءنا مع الباحث الاستراتيجي والمفكر والأكاديمي الدكتور عبد الحسين شعبان في حوار هذا نصه:


في الوضع العربي

هل انزلقت الثورات الشبابية التي تحصل اليوم في العالم العربي الى الفوضى؟
أولاً، لا ثورة ولا أي عمل جاد وكبير دون الشباب، وعلى مرّ التاريخ لكل الذين صنعوا المستقبل هم الشباب.
ثانياً، الشبيبة تفاجئ الجميع اليوم بحضورها في المشهد القائم بكل قوتها، وعنفوانها، وجبروتها، وعلينا أخذ هذا الأمر بعين الاعتبار ودراسته واستخلاص دروس وعبر مهمة منه، لاسيما وأن مفهوم "الوطنية" لدى جيل الشباب الجديد يختلف عمّا يفهمه ويريده الحكام باعتباره "شرط خنوع" مثلما يختلف مفهوم "الخارج" لديهم عمّا يقصده الحكام الذين شاخوا وهم في السلطة، حيث حاولوا تصوير الاحتجاج بأنه "صناعة خارجية" ولخدمة الأهداف المشبوهة المعادية للأمة، في حين أن الجيل الجديد كان يربط الوطنية بالحقوق، ويرى فيهما تلازماً لا انفصام فيه.
لقد أنهت المعركة الحقيقية التي أرادها الشعب، المعارك الوهمية الصغرى، حول أفضليات هذه المجموعة أو تلك، رافعة أفضليات الجماهير المبادرة وجيل الشباب المتقدّم الذي قاد الشعب كله إلى الالتحام بكل فئاته، جاعلاً من انتفاضته، ولأول مرة في الوطن العربي، ثورة شعبية سداها ولحمتها الشباب الجميل الحالم بقدر واقعيته وبرغماتيته.
لقد أثبت جيل الشباب بأنه الأقدر على تحقيق خياراته كما يريد هو لا كما يُراد له، فقد أخطأ من ظنّ أن الشارع العربي قد أصابته الشيخوخة، فدخل في سبات عميق، وها هو يخرج من قمقمه ليخترق الميادين والساحات، محطماًً حواجز الخوف، ومنتصراً على جوعه وقهره في أولى خطواته نحو الوجود والكرامة.

لم يكن للانتفاضتين التونسية والمصرية وغيرها رمز قائد أو زعيم مخلّد أو ملهم مخلّص، فقد كانت تواجه الواقع المعقّد بشعارات واضحة ورمزية وواقعية في آن واحد. وعابرة للطوائف والطبقات الاجتماعية والمجموعات القبلية والعشائرية، واضحة في مطالبها، وحاسمة برفضها للمساومة وأنصاف الحلول، ومؤكدة إخلاصها ونزاهتها والتزامها بمطالب شعوبها.

هل ستقود الانتفاضات العربية القائمة الى شرذمة حقيقية أو تفتيت بعد سقوط البنيات الاقتصادية والسياسية القائمة؟
قد يؤدي بعضها الى التفتيت والتقسيم، ولكن ليست هي السبب، فالسبب هو أوضاع الاستبداد، وكبت الحريات، وعدم الاعتراف بالحقوق، والرضوخ الطويل الأمد للاستتباع الخارجي ... كل ذلك أدّى الى تراكم حتى وإن بدا بطيئاً، لكنه كان يفعل فعله للتغيير، هكذا بدت الثورات تنتقل بالعدوى وتلتقط الواحدة بعد الأخرى الشرارة، لتندلع مثل النار في الهشيم،وعلينا قراءة ذلك كقانون طبيعي للتغييرات النوعية، من خلال التراكم الطويل الأمد من جهة، ومن خلال تمكّن الشباب من التقاط اللحظة التاريخية  عبر التراكم المعرفي والثقافي الذي امتازوا به .
أضف الى ذلك الفساد المستشري والذي يضرب أطنابه في جميع مفاصل المجتمع، وحالات التفاوت  الطبقي ، والفقر المدقع الذي تعيشه الشعوب العربية بما فيه أغنى البلدان، مثلاً العراق وليبيا أغنى بلدين لأفقر شعبين، إذ ملايين من العراقيين أصبحوا دون خط الفقر والبطالة زادت على 50% حسب إحصاءات الأمم المتحدة.
قد يكون وراء أي عملية تغيير هناك نوع من الارتباك الذي سيحصل بانهيار المؤسسات القديمة وتحتاج المؤسسات الجديدة  الى زمن لولادتها وترسيخها، وفي هذه الفترة الانتقالية يحصل نوع من التصدع أحياناً والتفكك والتشرذم، وهذا أمر طبيعي حصل في جميع الثورات، ولا توجد ثورة في العالم لم يحصل فيها مثل هذا التصدع، وبهذا المعنى يمكنني القول أن الحدث التونسي والحدث المصري كانا صناعة محلية بكل امتياز، لكن تأثيراتهما عربية وإقليمية بلا أدنى شك، وقد تكون كونية، وهو ما يمكن قراءته لاحقاً، كما هي الثورة الفرنسية العام 1789 والثورة البلشفية العام 1917 والثورة الإيرانية العام 1979 وانتفاضات أوروبا الشرقية في أواخر الثمانينيات وغيرها، أي أن دلالاتهما يمكن أن تتجاوز إلى مناطق أخرى، وربما انتشرت عدواهما لتصل الى العالم كلّه.

هل اندلاع الثورات التغييرية على امتداد المساحة العربية مجرد مصادفة بعد المرحلة الأولى من تقسيم السودان؟
إن ما يميّز هذه الحركات الشعبية أنها ابتدأت من الداخل، من القاعدة لا من القمة، أي من الجمهور لا من قيادات أو زعامات تاريخية، أيديولوجية أو سياسية أو حزبية أو دينية، أو غيرها. وامتلكت أدوات تفاعل غير مسبوقة لدرجة يمكن القول أنها تجاوزت قدرات الدولة على قمعها، حيث كان السلاح الفعّال والنافذ هو الانترنت والتويتر والفايسبوك والهاتف الجوّال، إضافة إلى أجهزة الستلايت والتلفزيونات وغيرها، الأمر الذي ساعد الشباب في التواصل والتنسيق والتنظيم، ومكّنهم من التجمّع والتحرّك بسرعة وفاعلية منظمة غير قابلة للاختراق.
الخارج تفاجأ، والولايات المتحدة لم تكن تريد أن يحدث التغيير بالطريقة التي حصلت في مصر وحتى في تونس، وأذكر أيضاً أن عدداً من المسؤولين الإسرائيليين كانوا قد حذّروا من التغيير الذي حصل في تونس بأنه سيخل في معادلة الشرق الأوسط وفي الصراع العربي – الإسرائيلي، فما بالك عندما حدث التغيير في مصر سيكون التحذير مضخماً وكبيراً مهما سيجري في مصر حتى لو بقيت معاهدات كامب دايفيد المذلة والمجحفة واتفاقيات "السلام"، لكن مصر لن تكون هي مصر حسني مبارك نفسه، سوف لا تكون مصر حارساً أو شرطياً للقوات الإسرائيلية لخنق غزة على سبيل المثال، ستتغيّر المعادلة ولكن هذا التغيير سيتم تدريجياً وسيحتاج الى نوع من التراكم ونوع من الاستقطاب الداخلي الذي يمكن أن يكون مؤثراً، لأن أي ديمقراطية في العالم العربي أو أي شكل من أشكال التغيير نحو الديمقراطية سيكون ضد "إسرائيل"، وستعيد استرداد الحقوق وأعمال المقاومة، وستفض من مشاريع التسوية الاستسلامية، هذه معادلة لا بد من إدراكها.
لقد أضاعت سياسات الاستبداد والتنكر وهضم الحقوق نصف السودان، لكن الشعارات استمرت هي ذاتها على الرغم مما حصل وكأن شيئاً لم يكن، لو اعتمد السودان منذ استقلاله العام 1956 على مواطنة سليمة وحقوق متساوية ولم يفرض أشكالاً غليظة من القوانين لحكم الجنوب، لما وصلت الأوضاع الى ما هي عليه، ولعل الدرس السوداني هو عبرة لمن اعتبر.

الى أين تمضي تونس ومصر واليمن والبحرين واستطراداً الأردن والمغرب والجزائر وليبيا ومن سيأتي بعدهم في الأسابيع والأشهر والسنوات المقبلة؟
أظن أن التغيير هو شكل من أشكال القانون العام سيمضي على الجميع وسيتأخر في بعض البلدان ويتقدّم في أخرى، وينضج في أماكن ويطبخ على نار هادئة في أماكن أخرى، وقد يأتي بأشكال مختلفة. قد تبدأ بعض البلدان أو تبدي استعدادها للتغيير، ويا حبذا، دفعاً للصدامات ولأي احتدام وتصدّع في مؤسسات الدولة وغيرها وهذا يحتاج الى جرأة وشجاعة، لذلك أظن أن كل هذه البلدان العربية بلا استثناء، سيطالها التغيير وإن كان بأشكال مختلفة، ونتمنى أن يكون هذا التغيير سلمياً مدنياً حضارياً، كما نتمنى من الحكام أن يستجيبوا لتطلعات شعوبهم وأن يتعاملوا معها بطريقة حضارية أيضاً وأن يشاركوا هم أيضاً في عمليات التغيير بدلاً من احتدام الأمور ووصولها الى طريق مسدود، عند ذلك يصبح خط العودة أو التراجع صعباً أو مستحيلاً كما يحصل اليوم في ليبيا، فاستخدام العنف وسيلة لفض النزاع يدفع الأمور الى التمترس والى الفعل ورد الفعل، وقد يؤدي الى المزيد من التصدع، وقد يطول الأمر لأسابيع وربما لأشهر ولسنوات وقد يؤدي الى التقسيم، ولكن سفينة التغيير ستصل في نهاية المطاف.

في الوضع العراقي

كيف تقرأون الوضع السياسي في العراق بعد حوالي سنة من الانتخابات البرلمانية؟ هل يمرّ البلد بفترة ولادة الديمقراطية، أم أنها امتداد للوضع السابق بأشكال ومسميات مختلفة؟

إن المشكلة التي يواجهها العراق الآن، ناتجة عن العقل السياسي العراقي، ولا سيما المتصدرون للعملية السياسية في السنوات الأخيرة، وهذا الأمر ينطلق من فهم ناقص أو ربما قاصر أو غير متكامل أو مشوش للمزايا السياسية لكل فريق من الفرق المتصارعة في إطار العملية السياسية، وهو انعكاس لأزمة دستورية وفراغ سياسي من أسبابه قانون انتخابات غير متوازن ودستور مليء بالألغام واصطفافات ماتزال قلقة، وثقة تكاد تكون معدومة بين الأطراف السياسية.
وهنا أريد أن أقول أيضاً أن الديمقراطية لا تنسجم مع تديين المجتمع أو تطييفه أو تعشيره (من العشيرة) أو أثننته، هذه عناصر ما قبل الدولة، خاصة وأننا نتحدّث عن دولة عصرية تقوم على أساس المواطنة التي تقوم بحسب رؤيتي على أربع عناصر أساسية: هي الحريات والمساواة والمشاركة والعدالة في ظل استشراء عدد من التحديات التي يعاني منها المجتمع العراقي منذ 8 سنوات حتى اليوم والتي تمثّلت بالطائفية البغيضة التي جاءت بمجلس الحكم الانتقالي الذي أسسه بول برايمر الذي كرّس الطائفية في العراق وزاد من حدة التناحر الطائفي لدرجة أصبح هناك تطهير على الهوية، كما تمثّلت بالعنف والإرهاب بما فيه الإرهاب الدولي، ومنذ احتلال العراق العام 2003 وحتى الآن لم تستعد الدولة هيبتها ولم تصبح القوات المسلحة قادرة على حماية البلاد من التحديات الخارجية.
وبرأيي إن الوضع العراقي سيبقى مراوحاً يتقدم خطوة ويتراجع خطوتين، ولن يحدث هناك تغيير حتى مع تشكيل الحكومة العراقية لأنه سيكون فيها الكثير من المحاصصات وعدم الكفاءات وستخصع للاعتبارات الدولية والإقليمية النافذة والمتداخلة في كل جوانب العراق.

ما هي التحدّيات والصعوبات التي ستواجه الحكومة الحالية؟
التحديات التي تواجه العراق كبيرة ومعقّدة ومتداخلة. أولى التحديات التي تواجه المشاركون والمعارضون للعملية السياسية تتمثّل بالاحتلال. فمتى ستنسحب القوات الأميركية من العراق؟ هل طبقاً للاتفاقية العراقية - الأميركية غير المتكافئة؟ وهل سيتم تنفيذ وعود أوباما؟ وكيف سيتم ضبط الأمن، وهو مازال هشاً في ظل الاحتلال؟ فما بالك لو تقرر الانسحاب في نهاية عام 2011؟ إضافة إلى تحدي الطائفية، الذي لا يقل خطراً عن تحدي الاحتلال، حيث تأثيراتها عميقة جداً وستطول الجميع ما لم يتم معالجتها بالسرعة الممكنة، إضافة إلى تحديات أخرى هي على قدر كبير من الأهمية، كالأمن واستمرار ظاهرة الفساد الإداري والرشا والتزوير، وضعف الدولة وتفكك هياكلها وغياب المرجعية الموحدة.

ما هو الوضع الراهن للمسيحيين في العراق، وماذا يعني نزوحهم من جميع العراق الى كردستان؟ وهل ما يجري لهم هو مؤشر على نهايتهم في العراق ما عدا كردستان؟
لقد شهدت بلداننا العربية المشرقية خلال العقود الأخيرة تزايداً كبيراً في هجرة المسيحيين منها، لاسيما في فلسطين المحتلة، والعراق بعد الاحتلال والانفلات اللامحدود للعنف فيه الذي طاول البلاد والعباد، واتّسم بتفجير الكنائس وقتل المسيحيين على الهوية، وخطفهم مقابل دفع الجزية، إلى غير ذلك من مظاهر التشدد والتطرف والغلو، سواء باسم "الإسلام السياسي" وبعض الطائفيين أو غيرهم ممن تضيق صدورهم إزاء ظاهرة التنوع الثقافي والتعددية الدينية والآخر المختلف، بعيداً عن تعاليم الدين الإسلامي السمحاء والقيم التي جاء بها القرآن الكريم والسيرة المحمدية.
كما كان للظروف الاقتصادية والمعيشية العسيرة وبعض الممارسات التمييزية دور في اتساع رقعة الهجرة والنزوح، لاسيما إثر تعاظم الشعور بالاغتراب في ظل أوضاع سياسية قاهرة، وأوضاع اجتماعية متزمتة بعيدة عن أجواء الحرية والمساواة والعدالة، وفي ظل بعض مظاهر القمع والتضييق على العمل العام والنشاط السياسي والمهني والمدني.
وانخفض عدد المسيحيين في العراق منذ احتلاله العام 2003 إلى معدل النصف نتيجة استهدافهم في ظل الإرهاب والأوضاع الأمنية المنفلتة.
أما في فلسطين فقد تراجع عدد المسيحيين من 600 ألف نسمة إلى نحو 50 ألف نسمة.
عملت "إسرائيل"، ومنذ قيامها، على تهجير المسيحيين وفصلهم عن المسلمين، بهدف تفريغ فلسطين المحتلة منهم بزعم أن الصراع القائم ليس إلا صراعاً دينياً بين اليهود والمسلمين، في محاولة لطمس حقيقة الصراع الذي يتخذ طابعاً كيانياً حقوقياً وطنياً بين شعب احتلت أراضيه (مسلمون، مسيحيون، ودروز ومن كان فيها من اليهود) وبين مغتصب ومستعمر استيطاني إجلائي.
نحن نتفهم معنى اضطرار المسيحيين للهجرة من "إسرائيل" تحت ضغوط السياسة العنصرية الاستعلائية الإجلائية الإسرائيلية، لكن ما يحدث في البلاد العربية والمشرقية من تهجير للمسيحيين ما هو إلا رسالة سلبية للعالم أجمع تؤكد أن مجتمعاتنا تضيق بالتنوعات الثقافية والاختلافات الدينية، لاسيما لغير المسلمين، ولعل ذلك سيكلّف المسلمين أثماناً باهظةً قبل غيرهم، فهو خسارة للطاقات والكفاءات وتفريغ للبلاد من أهلها الأصليين الذين يشكلون جزءًا أساسياً ومهما من حضارتنا وتاريخ مجتمعاتنا وشعوبنا، ولا يمكن تصور بلدان عربية ومشرقية دون وجود مسيحي مؤثر في المشهد العام.
إذا كانت فلسطين المحتلة تشهد هجرة واسعة النطاق، والعراق بعد الاحتلال شهد إرهابا أعمى اضطر معه المسيحيون إلى الرحيل، فإن المسيحية العربية في سوريا شهدت تراجعاً من 16.5 % في العقود الثلاثة الأخيرة إلى نحو 10 %، وأن نحو 700 ألف مسيحي لبناني هاجروا بعد اتفاق الطائف لتعاظم الشعور بالاغتراب، وأن الكثير من شباب الأقباط في مصر همّهم الرئيس الهجرة، الأمر الذي يدعو إلى وقفة تأمل في أسس المواطنة، ولاسيما مبادئ المساواة والعدالة والحرية، تلك التي تشكل جوهر الفكرة الإنسانية في الهوية والانتماء.
إنه ناقوس خطر يُقرع وعلينا التفكّر في صوته وصداه، فلقد شكّل المسيحيون في الشرق الأوسط طوال أكثر من أربعة عشر قرناً من الحضور الإسلامي جزءًا مؤثراً في النسيج الاجتماعي والثقافي، لذلك فإن استهدافهم اليوم هو جزء من استهداف المنطقة ككل، بما فيها من مسلمين ومسيحيين ويهود وغيرهم من أتباع الديانات السماوية، من جانب القوى المتنفّذة والقوى الإرهابية والمتطرفة والمتعصبة، خصوصاً تلك التي تريد تصوير النزاع على أنه صراع ديني سماوي، وليس أرضياً حقوقياً، كما هو واقع الحال، إذ أن تفريغ المنطقة من أحد مكوناتها الأساسية، وأعني بذلك المسيحيين، سيجعل الصراع في نظر الكثيرين إسلامياً ــ يهودياً وهو ما تريده الصهيونية وتسعى إليه من محاولات.

كيف تنظرون الى الدور الإيراني في العراق؟

هناك وجهان للدور الإيراني في العراق: الأول يتعلق بموقف إيران من الاحتلال ومن الوجود العسكري الأميركي في المنطقة، ولعل أهم ما في إيران وأحسن شيء فيها، إنها طرحت المسألة على نحو واضح وصحيح منذ البداية، أنها لا تريد للاحتلال الأميركي أن يبقى في العراق، ولا تريد حدود مع الولايات المتحدة عبر العراق، لأنه إذا نجح مشروع الاحتلال في العراق، فإنه سيتمدد وستصبح إيران هدفاً، وسوريا هدفاً، وبلدان أخرى ستكون أهدافاً، فإيران ستفعل كل شيء لتكون بغداد خط الدفاع الأول، وهذا أمر طبيعي في العلوم العسكرية.
والثاني إن مصالح الدول والعلاقات الدولية تاريخياً، هي صراع واتفاق مصالح، ولذلك أدعو هنا، ودعوت منذ الاحتلال لاسيما بعد اتساع دور المقاومة الى صفقة إيرانية- أميركية حول العراق، أساسها انسحاب أميركا من العراق، مقابل تعهد إيران بعدم التدخل في شؤون العراق، وأعتقد وهذا مجرد اجتهاد أن الأمر سيكون لمصلحة العراقيين ولمصلحة حسن الجوار بين العراق وإيران، ولمصلحة مشروع إيران السياسي الاستراتيجي البعيد المدى، كما أنه سيكون لمصلحة مشروع وطني عراقي، إذ أن من مصلحة إيران أن تقيم صداقة مع العراقيين، ومن مصلحة العراقيين، بجميع تياراتهم، واتجاهاتهم، أن يكون لديهم عمق استراتيجي اسمه إيران، خصوصاً لموقفها المتميز من قضية القدس ومن القضية الفلسطينية تحديداً، ومن الصراع العربي ـ الإسرائيلي بشكل عام، فوجود إيران كصديق منتظر ومرغوب ومحتمل خير من عدو جاهز وخصم قائم وجار غادر، والعكس صحيح أيضاً بالنسبة لإيران.

باعتباركم أحد النخب الناشطة في قضايا حقوق الإنسان والقانون الدولي، كيف تقيّمون مسار التجربة الديمقراطية وحقوق الإنسان في العراق وفاعلية السلطة القضائية إزاء ما يجري، وما تشير إليه الوقائع والممارسات التطبيقية، وما المنظور المستقبلي لذلك؟ ومن هي السلطة التي ينبغي أن تراقب وتحاسب؟ وهل يتمتع القضاء العراقي بالاستقلال في الناحيتين النظرية والعملية؟
ما يطلق عليه التجربة الديمقراطية في العراق، بحاجة الى وقفة جدية، فالانتخابات لوحدها لا تعني الديمقراطية، وكذلك إطلاق حرية التعبير وإن شهدت بعض القيود، ورغم الإقرار بحق تشكيل الأحزاب والجمعيات، الاّ أنه لا وجود لقانون حتى الآن ينظم مثل هذا الحق، لاسيما الإعلان عن مصادر التمويل والعضوية والأهداف والوسائل وغير ذلك، الأمر الذي قاد الى فوضى دون مساءلات أو تحديد لمسؤوليات، وترك الباب مفتوحاً أحياناً لتداخلات خارجية وأجندات أجنبية.
إنني أتعامل مع الديمقراطية، كمفاهيم وحقوق وقوانين ومؤسسات وتطبيقات، تستند أولاً وقبل كل شيء على سيادة القانون، الذي له الكلمة الفصل، وكذلك مبدأ المساواة دون تمييز بسبب الجنس أو الدين أو اللغة أو اللون أو المنشأ الاجتماعي أو لأي سبب آخر، والديمقراطية ثانياً مؤسسات، وهذه ماتزال غائبة أو شكلية، والديمقراطية تعني الشفافية والمساءلة وكل تلك الأمور تتطلب وجود دولة لها هيبة تستطيع أن تفرض قانونها بالتساوي على الجميع ويكون من حقها وحدها احتكار السلاح وحق فرض العقاب على من لا يلتزم بالقانون.
الديمقراطية لا تستقيم مع الطائفية أو الإثنية أو العشائرية أو الجهوية والمناطقية، والديمقراطية جزء من منظومة شاملة تتعلق بالحداثة، وعندما أقول الحداثة، فأنا أعني المدنية والعقلانية والعلمانية مضافاً إليها الديمقراطية.
يمكنني القول إن ديمقراطية ناقصة ومبتورة هي أفضل من أية دكتاتورية، ولكن لا يمكن التشبث باسم الديمقراطية، لقبول الاحتلال أو تبريره أو تسويغ معاهدة مجحفة مثل المعاهدة العراقية- الأميركية. الديمقراطية لا تقبل بمنطق الاستتباع أو الهيمنة، وبدون الوطنية ستكون الديمقراطية مشوّهة، أما محاولة التشبث بالوطنية وجعلها نقيضاً للديمقراطية، فستقود الى الدكتاتورية والتسلط والحكم الفردي وقد عانى العراق لسنوات طويلة من ذلك.
ويعتبر الاحتلال بحد ذاته انتهاكاً سافراً وصارخاً لكامل منظومة حقوق الإنسان السياسية والمدنية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، لاسيما وقد اتسمت بأعمال إرهاب منفلتة من عقالها وعمليات عنف بدون حدود، وأعمال قتل واختطاف واعتقال وتهجير ونزوح، على نحو بشع.
أظن باستثناء الأمور السياسية فإن القضاء العراقي كان الى حدود معينة مهنياً ومقبولاً، رغم أن السلطة القضائية لم تكن مستقلة في السابق، لكنها اليوم وإن كانت مستقلة لكنها تتعرض الى الضغوط ومحاولات الاحتواء، ناهيكم عن المحاصصة أحياناً بعيداً عن المهنية والكفاءة. وأعتقد أن مجزرة القضاء بإقصاء نحو 250 قاضياً، ثم إعادة النظر ببعضهم، قد عرّضت النظام القضائي الى هزّة يحاول اليوم، وهو يسعى الى تجاوزها، وأن لدينا قضاة أكفاء ومحترمون في كل الأوقات.

هل أنجزت أميركا أهدافها في العراق والمنطقة؟ أم أن الانسحاب جاء لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الأنموذج الذي روّجت له في منطقة الشرق الأوسط الجديد؟
حقّقت أميركا بعض أهدافها في العراق مثل الإطاحة بالنظام السابق وحل الجيش العراقي، وتغذية النزعات الطائفية والمذهبية، وإذكاء نار الكراهية، لكنها فشلت في تطويع العراقيين أو إجبارهم على الانصياع والخضوع، وظلّت الأهداف الأساسية غير متحققة كلياً حتى الآن، ومنها استمرار ظاهرة الإرهاب، بل استفحالها، والسيطرة على النفط الذي مازال حتى الآن محط أسئلة كبرى، لاسيما موضوع التراخيص وحصة الشركات الأميركية، ورغم تفكيك مؤسسات الدولة العراقية وحل الجيش، لكن أمن "إسرائيل" يبقى مصدر إشكال، حيث لم يتحقق ما كانت تحلم به واشنطن من علاقات عراقية - إسرائيلية، ولا أظن أن أحداً مهما بلغ من استخفاف بالإرادة الشعبية يستطيع أن يقدم على ذلك، دون ردود فعل شرسة.
لقد قررت الولايات المتحدة الانسحاب من العراق لأسباب عديدة منها: الخسائر البشرية والمادية، حيث بلغ عدد القتلى ما يقارب ،4400 أما عدد الجرحى والمعوّقين فقد زاد عن 26 ألفاً، يضاف اليهم أعداد كبيرة من المتعاقدين والمرتزقة .
وقد كلّفت الحرب على العراق أكثر من 3 تريليونات دولار حتى نهاية العام ،2008 وثانياً ضغط الرأي العام الأميركي والأوروبي والعالمي الذي وقف ضد غزو العراق، وندد بعدم شرعية ولا إنسانية الغزو، وثالثاً الأزمة الاقتصادية والمالية الهائلة التي ضربت الولايات المتحدة والعالم أجمع في نهاية العام 2008 وماتزال مستمرة حتى الآن، وهو ما لا تقدر واشنطن أن تتحمله الى ما لا نهاية.
لكن واشنطن حسب تقديري ليس بمقدورها الانسحاب بالكامل وترك الساحة لإيران التي تعاظم نفوذها على نحو واسع، ولذلك ستحاول أن تبقي بين 30-50 ألف جندي، مع عدد من القواعد العسكرية، للطوارئ ولاحتمالات مواجهة التحديات إذا ما اضطرت الى ذلك. ومع أن الاتفاقية العراقية- الأميركية تنتهي في أواخر العام 2011 ولا مجال لتمديدها، لكنني أعتقد أن اتفاقية جديدة سيتم إبرامها بين واشنطن وبغداد بعد انتهاء الاتفاقية المذكورة يمكن أن تسمى معاهدة صداقة أوتعاون أو معاهدة سياسية – اقتصادية - ثقافية، لكن الهدف أن يتم تنظيم العلاقة على نحو مختلف كأن يتحوّل الاحتلال العسكري الى احتلال تعلهدي أو تعاقدي، لكي لا يحصل نوع من الفراغ الأمني والسياسي، وكذلك لتأكيد دور واشنطن والتزاماتها إزاء العراق.
إن واشنطن تريد أن تطمئن على مستقبلها من جهة، ومن جهة ثانية تسعى لقطع الطريق على الأوساط الأكثر قرباً من إيران، فليس من المنطقي وبعد كل خساراتها، أن تقدّم العراق على طبق من ذهب إلى ايران . ولهذا فقد سعت لقيام حكومة لا تكون فناءً خلفياً لإيران (حكومة نوري المالكي)، مثلما يمكن وضعها في مواجهة محدودة أو جزئية معها، وهو ما يرضي طهران أيضاً على حساب حكومة حليفة لواشنطن ومعادية لها (مثلاً حكومة بقيادة أياد علاوي)، حيث يمكنها أن تكون رأس حربة في صراع واشنطن- طهران في العراق، وهو ما تتحسّب له طهران بشدة، مثلما تدرك الولايات المتحدة أن سعيها لفرض حكومة من هذا النوع سيعني فشلها، وسيرتّب عليها مسؤوليات كبيرة، ولكن عليها أن تتحمّلها.

  كادر:    
عبد الحسين شعبان
أكاديمي ومفكر من الجيل الثاني للمجددين العراقيين، ولد في مدينة النجف الأشرف بالعراق يوم 21 آذار 1945. تعكس مؤلفاته وكتبه ومساهماته المتنوعة انشغالات خاصة بالفكر القانوني والديمقراطية والإصلاح والمجتمع المدني، واهتمامات فكرية لتطوير الفهم المتجدد لقضايا حقوق الإنسان ونشر ثقافته وخصوصا عبر وسائل الإعلام.
درس وتعلّم في مسقط رأسه ثم استكمل دراسته الجامعية في بغداد وتخرج من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية في جامعة بغداد، وواصل دراسته العليا في براغ، ونال درجتي الماجستير والدكتوراه (مرشح علوم) في القانون (دكتوراه فلسفة في العلوم القانونية) من أكاديمية العلوم التشيكوسلوفاكية.
مختص في القانون الدولي وخبير في ميدان حقوق الإنسان واستشاري في عدد من المنظمات والدوريات الثقافية والإعلامية، وعضو في عدد من المنظمات العربية والدولية.
صدر للباحث نحو 50 كتاباً في القانون والسياسة الدولية وفي الإسلام والقضايا الفكرية وفي الصراع العربي الصهيوني وفي الثقافة والأدب.
حاز عدداً من الجوائز والأوسمة منها:
*وسام أبرز مناضل لحقوق الإنسان في العالم العربي (القاهرة 2003)
*وسام الصداقة العربية الكردية (أربيل 2004(
*وسام اتحاد الحقوقيين العرب لدفاعه عن الحريات والحقوق على المستويين العربي والعالمي (عمان 2005(
*جائزة العنقاء الذهبية من دار القصة العراقية لدفاعه عن الثقافة وحقوق الإنسان (العمارة- العراق: 2006(
*وسام مهرجان الفيلم العربي في روتردام لدفاعه عن قيم التسامح (هولندا 2008(






328
المنبر الحر / الشباب والتنمية!
« في: 11:01 02/04/2011  »
الشباب والتنمية!


عبد الحسين شعبان
شهدت تونس ومصر وعديد من بلدان شمال إفريقيا وآسيا حركات احتجاجية شعبية، لعب فيها جيل الشباب الدور الأساسي والحاسم، لا في المواجهة والتنفيذ فحسب، بل في التفكير والتخطيط، فضلاً عن الإدارة والقيادة أيضاً، الأمر الذي يحتاج إلى دراسة هذه الظاهرة في ظل التطورات والمتغيّرات في المنطقة، بل على المستوى العالمي.
وإذا كان إرهاص التغيير، الذي بدا مدهشاً ومفاجئاً، يتفاعل منذ عقود من الزمان, فقد واجه عدداً من التحدّيات الخارجية والداخلية، التي أعاقت ظهوره أو عرقلت فرص التعبير عنه، حتى تراءى للبعض أن منطقتنا تعيش حالة من السبات أو الاستكانة، لدرجة الاستعصاء أو الاستثناء أحياناً، لكن الذي قلب هذه القناعة الزائفة إحراق البوعزيزي نفسه في مدينة سيدي بوزيد التونسية النائية، احتجاجاً على سياسات الإقصاء والتهميش والبطالة وشحّ الحريات، الأمر الذي أعاد العالم العربي ودول المنطقة إلى دائرة الضوء، حيث ذاع صيته وتعرّف العالم على مدن وقرى وبلدات لم يسمع بها أحد من قبل، وكان ذلك بفضل الشباب وحركة الاحتجاج.
لعل نجاح انتفاضة مصر السلمية، المدنية، بما تمثله من ثقل ثقافي ووزن سياسي وكثافة سكانية وتاريخ حافل، كان بمنزلة إعلان سريان مفعول الانتفاضة، الذي تخطّى حدود مصر إلى المنطقة، مهيئاً عوامل موضوعية مضافة إلى العوامل الذاتية. وإذا كان لكل بلد خصوصياته الثقافية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والتاريخية ـــ ولا ينبغي إسقاط حالة على أخرى أو استنساخها ـــ فإن التغيير أصبح ''فرض عين''، وليس ''فرض كفاية'' كما يقال، لكنه لن يكون واحداً أو صورة طبق الأصل لكل البلدان، ولا سيما في ظل الظروف المختلفة، لكنه بحكم قانون التطور الاجتماعي الذي تخضع له المنطقة جميعها، ناهيكم عن تأثيرات العولمة ودرجة التداخل والتفاعل والتواصل بينها، فضلاً عن المشتركات الكثيرة، سيكون حاضراً وإن اتّخذ أشكالاً متفاوتة ومختلفة، فقد يتأخر هنا ويتلكأ هناك وقد ينكفئ أو يتراجع، لكنه أثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن المنطقة تحتاج إلى شكل من أشكال التغيير، ولعل ذلك يتوقف على درجة استجابة الجمهور والسلطات معاً، وإمكانية التوصّل إلى صيغ مناسبة ودرجة تفاهم بين الدولة والمجتمع، بحيث تؤخذ في الاعتبار الحاجات الأساسية العادلة والمشروعة بما يستجيب للمتغيّرات الدولية.
وإذا كانت رياح التغيير التي اجتاحت أوروبا الشرقية وبعض دول أمريكا اللاتينية في النصف الثاني من ثمانينيات القرن الماضي ووصلت ذروتها بانهيار جدار برلين العام 1989، قد انكسرت عند سواحل البحر المتوسط، لأسباب تتعلق بمصالح القوى المتنفّدة، فإن الموجة الجديدة للتغيير تجاوزت بعض العقبات التي لم يكن بالإمكان اعتراض طريقها، خصوصاً وقد جاءت عارمة وطاغية، ولعب الشباب دورا أساسياً فيها، ولا سيما بتبديد النظرة المسبقة والانطباع السائد عنه باعتباره غير مكترث بالقضايا الكبرى والمصيرية، ومنشغل بنفسه لدرجة ''الأنانية'' و''الميوعة''، لكنه أثبت قدرته وحيويته وشجاعته اللامتناهية واستعداده للتضحية مؤمناً بقضية التغيير وبالحريات والعدالة، بعيداً عن الأيديولوجيات والتعصب والتطرف، كما أثبت ذلك من خلال إصراره على النزول إلى الشوارع حتى تتم تلبية مطالبه.
ويكتسب التغيير أهمية استثنائية عظمى في هذه المنطقة الاستراتيجية الحيوية، الغنية بالموارد الطبيعية الأساسية التي تشكل محور الصراع الاجتماعي والاقتصادي على المستوى الكوني، فهي موطن ثلاث ديانات كبرى: اليهودية والمسيحية والإسلام، وفيها المدن المقدسة لمعتنقي الأديان الثلاثة: بيت لحم والقدس ومكة المكرمة والمدينة المنورة، وهناك من يضيف إليها النجف، أي أن التنوّع الديني يحظى باهتمام وامتداد عالمي، يؤثر فيه ويتأثر به.
من جهة أخرى, فالمنطقة تعتبر موطن للنفط والغاز على المستوى العالمي، حيث يتجاوز مخزون العراق وإيران ودول الخليج، ما يزيد على 60 في المائة من احتياطي العالم. أضف إلى ذلك ما تتمتع به المنطقة من موقع استراتيجي، حيث تقع على مفترق ثلاث قارات: آسيا وإفريقيا وأوروبا، وهي موطن الحضارات القديمة عالمياً.
لهذه الأسباب سيكون تأثير التغيير في المنطقة لا محلياً ولا إقليمياً فحسب، بل عالمياً بحكم الترابط والتشابك في المصالح التي جعلت القوى العظمى تتدخل عسكرياً بسرعة فائقة وتحرّك جيوشها المرابطة في المنطقة وحولها وخارجها لتكون جاهزة, حيث يلعب حلف شمالي الأطلسي NATO القوة الضاربة، إلى دور الولايات المتحدة المعروف. يضاف إلى ذلك ما تفرضه هذه القوى من رقابات مالية تتحكم في اقتصادات وتنميات الأغلبية الساحقة من دول المنطقة، ناهيكم عن محاولات فرض الهيمنة السياسية، ولا سيما في موضوع التسوية العربية ـــ الإسرائيلية، التي لا تستجيب لمتطلبات الحد الأدنى من حقوق الشعب العربي الفلسطيني في تقرير مصيره بنفسه وبناء دولته الوطنية المستقلة.
إذا كان شكل الموجة الأولى للتغيير بعد الحرب العالمية الثانية، قد استكمل انضمام بعض بلدان أوروبا الغربية إلى نادي الديمقراطية العالمي، مثل اليونان العسكرية الديكتاتورية وحكم سالار الديكتاتوري في البرتغال وحكم فرانكو الذي دام 40 عاماً في إسبانيا، فإن الموجة الثانية والتي طالت أوروبا الشرقية وبعض دول أمريكا اللاتينية في ثمانينيات القرن العشرين ومطلع التسعينيات قد توّجت بتفكيك الاتحاد السوفييتي، أما الموجة الثالثة، وهي تشمل بلدان عالمثالثية بدت سلمية، مدنية، بحكم عدد من العوامل والسمات الجديدة.
لعل السمة الأولى هي الحاجة إلى الحريات، العامة والخاصة، إذ لم يعد مقبولاً في ظل العولمة وثورة الاتصالات والمواصلات وتكنولوجيا الإعلام والطفرة الرقمية ''الديجيتل''، أن تنفرد الحكومات بشعوبها لتذيقها العسف والكبت والحرمان مستخدمة العنف والآلة العسكرية وأعمال الإبادة التي يحاسب عليها القانون الدولي دون رقابة من المجتمع الدولي بحجّة السيادة وعدم التدخّل في الشؤون الداخلية. فقد بات التدخل لأغراض إنسانية يشكل قناعة لدى المجتمع الدولي، حتى وإن استخدم بطريقة فيها ازدواجية المعايير وانتقائية سياسية وتوظيف مصلحي.
أما السمة الثانية فهي اكتساب المعارف الجديدة, فمجتمع الشباب المتطلع إلى الحرية بدأ باستخدام المعارف والتكنولوجيا الحديثة، مدفوعاً بحيويته واندفاعه وديناميكيته بل وتمرّده لتقبل الجديد والانخراط فيه. وعلى الرغم من محدودية ذلك عربياً قياساً مع دول العالم المتقدم، إلا أنه وبفعل قانون العولمة أصبح بمقدور الشباب الحصول على المعرفة وتبادلها بسهولة عبر الإنترنت والفيسبوك والتويتر والساتلايت والهاتف النقال وغيرها.
أما السمة الثالثة فهي التناقض الحاصل بين متطلبات التنمية واستثمار جيل الشباب وطاقاته، التي تشكل ضرورة حيوية لتحقيق غايات المجتمع وأهدافه. وقد ذهبت ''أسكوا'' ـــ اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا ـــ إلى تأكيد ذلك حيال تطوير سياسة وطنية للشباب في المنطقة، حيث تمّ إدراج هذا الموضوع ضمن برامجها منذ أربعة عقود ونصف العقد من الزمان، دون أن يلقى الاهتمام الكافي من جانب الدول الأعضاء، وهو ما لمسته خلال حضوري اجتماع الخبراء السنوي لمناقشة قضايا التنمية والشباب.
أما السمة الرابعة فتتعلق بالتواصل الحاصل بين الشباب سواءً فيما بينهم أو على المستوى العالمي، ولا سيما أن العالم كلّه في ظل العولمة أصبح قرية صغيرة، الأمر الذي أدّى إلى عولمة الثقافة وعولمة الحقوق، ووفّر جسوراً للتواصل بين المجتمعات، عبر وسائل الاتصالات والمواصلات وتكنولوجيا الإعلام، وذلك بغضّ النظر عن الوجه الآخر المتوحش للعولمة، ووفر التواصل والحداثة أدوات للتحضير واللقاء والتظاهر وتحديد الأهداف والوسائل للمجابهة، وهو الأمر الذي فاق قدرات السلطات واستعداداتها، وأهم ما في ذلك الانتقال السريع باستبدال العلاقة بين المحكومين والحكام، ولم يكن ذلك بعيداً عن عنصر التواصل الداخلي العربي والعالمي، خصوصاً التضامن مع حركة الشباب.
جدير بالذكر أن الأمم المتحدة كانت قد أقرّت منذ العام 1965 إعلاناً عالمياً، حول تعزيز مُثل السلام والاحترام المتبادل والتفاهم بين الشعوب في أوساط الشباب، ثم اتّخذت في العام 1995 برنامج العمل العالمي للشباب، وفي العام 2007 أصبح هذا البرنامج ''أجندة عملية للشباب''، ولا سيما بعد تقرير الأمين العام للأمم المتحدة المقدّم إلى الجمعية العامة (الدورة الثانية والستون) خصوصاً بتحديد مدى زمني يمتد إلى 15 عاماً قادماً يتم قياس الغايات وتقويمها في ضوئه.
وأوصت الأمم المتحدة جميع الدول الأعضاء بتشجيع وتطوير سياسات تستهدف تنمية قطاعات الشباب، كما جاء ذلك في توصية لهيئات الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة واللجان الإقليمية والمنظمات الحكومية وغير الحكومية الدولية، ولا سيما المنظمات المعنية بالشباب. وأكدّت الأمم المتحدة على إدماج هذه السياسات في خطط التنمية الوطنية وتخصيص الأموال اللازمة لإنجازها، ولعل آخر قرار كان القرار رقم 64/130 الصادر في 3 شباط (فبراير) 2010 وقبله القرار رقم 62/126 الصادر في 5 شباط (فبراير) 2008.
ولو تعاملت الحكومات مع الشباب باعتبارهم فئة اجتماعية ديموغرافية تحتاج إلى سياسات قطاعية ذات أهداف وغايات محدّدة يتم تنفيذها ضمن خطط استراتيجية، لما وصلت الأوضاع إلى ما هي عليه، الأمر الذي يتطلب استهداف الشباب في إطار التخطيط لهذه الأولويات باعتبارهم موارد بشرية لها عوائد استثمارية على الصعيدين الاجتماعي والاقتصادي، وأن التكلفة الاجتماعية التي قد تنجم عن عدم الاستثمار في هذه الفئة غالباً ما تكون عالية، وهو ما ذهبت إليه ورقة بتول شكوري رئيسة قسم السكان والتنمية في ''أسكوا''.
وحسب الأمم المتحدة فإن النسبة العمرية للشباب تبلغ 15 ـــ 24 عاماً، أي أن نسبتهم تساوي نحو 21 في المائة من إجمالي السكان في المنطقة العربية (أي نحو 70 مليون نسمة)، وعلى الرغم من الإقصاء وانخفاض مستوى التعليم، بل وجود أمية أبجدية في صفوفهم تبلغ أكثر من 13 في المائة, وفجوة في تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات، وفي النوع الاجتماعي، خصوصاً في حقوق المرأة. وعلى الرغم من الاستخدامات المحدودة للحاسوب، وفجوة المهارات، فالشباب هم الفئة الأكثر تأثّراً بتحدّيات سوق العمل الجديدة المرتبطة بالاتجاهات الاقتصادية المتغيّرة، وتصل نسبة بطالة الشباب في الشرق الأوسط إلى 25 في المائة.
لعل الشباب يحتاج أولاً وقبل كل شيء إلى إشراكه للمساهمة في اتخاذ القرار, وهذا يتطلب تفهم ظروفه وطريقة عيشه وتلبية حقوقه والتعاطي مع آماله وتطلعاته، لكونه العنصر الحيوي والفاعل الذي لن تتحقق التنمية والتغيير من دونه, ابتداءً من الأسرة إلى المؤسسة المدرسية ومروراً بمؤسسات العمل ومنظمات المجتمع المدني، ناهيكم عن مشاركته في اتخاذ القرار في أعلى المستويات التي لها علاقة بقضايا التنمية, خصوصاً قضايا الشباب واستراتيجياته. وإبعاده عن ذلك سيعود بالضرر على الدولة والمجتمع على حد سواء.




329
المنبر الحر / النيل وحرب المياه
« في: 19:05 30/03/2011  »
النيل وحرب المياه   


عبد الحسين شعبان
إذا كانت المياه عصب الحياة ويستحيل العيش من دونها، فإنها في الوقت نفسه، وبسبب ندرة توفرها والحاجة إليها، أصبحت مصدراً للنزاعات والحروب، واستخدمت كأداة نفوذ وإملاء إرادات على مرّ التاريخ. لكن تطور العلوم والتكنولوجيا وتعاظم الحاجة إلى استخدام المياه، جعلها محوراً للصراع الاجتماعي والسياسي الذي ازداد تأثيره تدريجياً على مستوى العالم كلّه، بسبب زيادة استخدام المياه فضلاً عن عدم ترشيده والاستفادة منه على نحو عقلاني، وشحّ بعض المنابع وجفافها. سواءً في الدول التي تملك المصادر الكافية من المياه أو الدول التي تريد زيادة مواردها منها وتأمين استمرارها. 

وحسب العلاّمة البروفسور حيدر كمونة المختص بهندسة تخطيط المدن والعمارة، فإنه مع دخول العالم، القرن الحادي والعشرين بدأت تتضح معالم عجز عالمي كبير في الموارد المائية، حيث تقدّر كمية المياه الكلية في العالم نحو 1386 مليار متر مكعب، تؤلف المياه العذبة منها نحو 5 .2% فقط، موزعة توزيعاً متبايناً في أنحاء العالم، وتشكّل الدول العربية منها 058% فقط مصادر للمياه المتجددة .

ولعل هذا النقص في الموارد المائية المترافق بسوء نوعية المياه بسبب التلوّث والتأثيرات السلبية الأخرى، حيث طغت المياه المالحة، خلق عجزاً مائياً كبيراً، ومع ارتفاع حجم التعداد السكاني وشحّ الموارد وزيادة الاستخدام ازدادت الهوّة على نحو شاسع بين ما هو متوافر وما هو مطلوب.
إن الذي دفعني لمراجعة كتاب البروفسور كمونة الأستاذ في جامعة بغداد “الرؤى المستقبلية لتحقيق الأمن المائي العربي” الصادر عن المعهد العراقي لحوار الفكر، العام ،2010 هو ما نشرته مجلة جون آفريك الفرنسية في عددها الصادر في شهر مارس/ آذار 2011 عن احتمال توقيع “اتفاقية إطار” لدول حوض نهر النيل، وذلك بانضمام جمهورية بوروندي إلى اتفاقية تقاسم مياه النيل، التي لم توقّع عليها مصر والسودان في حين أن إثيوبيا ورواندا وتنزانيا وأوغندا وكينيا ومؤخراً بوروندي، وقّعت على الاتفاقية وتمنع مصر والسودان عن التوقيع. وبانضمام بوروندي إلى اتفاقية الإطار التي اعترضت عليها مصر والسودان المتضررتان الأساسيتان من الاتفاقية ستجرّد مصر من حقها في النقض (الفيتو) على مشروعات الدول المتشاطئة للنهر، ذلك الذي حصلت عليه العام 1929 بواسطة اتفاق وقعته عنها يومذاك بريطانيا بصفتها دولة الانتداب . وبموجب اتفاقية الإطار هذه يحق لبرلمانات الدول الستة الموقعة إنشاء “لجنة دول حوض النيل”، الأمر الذي يلغي أو يبطل مفعول اتفاقية العام 1959 التي ضمنت لمصر والسودان حق الانتفاع ب 90% من مياه نهر النيل، مع ضمان حق مصر في النقض (الفيتو) . هكذا يكون بإمكان الدول المتشاطئة بانضمام بوروندي اعتبار الاتفاقيات السابقة لاغية وكأنها شيء لم يكن، لأن إبرامها كان قد تم مع دولة مستعمِرة باسم دولة مستعمَرة (بريطانيا- مصر)، كما أن الزمن قد تجاوزها، لاسيما وأن احتياجات سكان البلدان المتشاطئة قد تضاعفت، ناهيكم عن التغييرات المناخية، وهو التبرير الذي تقوده إثيوبيا إزاء حماستها للتوقيع على اتفاقية الإطار .
ولعل الأخطر من ذلك هو ما تخطط له دول حوض النيل لإنشاء سد مائي يمكنه أن ينتج طاقة كهربائية بمعدل 60 إلى 80 ميغاوات لتزويد رواندا وتنزانيا وبوروندي بالطاقة.

وكانت إثيوبيا قد سبق وحصلت على تسهيلات من "إسرائيل" لبناء ثلاثة سدود على نهر النيل، مقابل تقديمها تسهيلات تساعد على هجرة اليهود الفلاشا إلى "إسرائيل". مع العلم أن الكيان الصهيوني يعرف جيداً ماذا يعني النيل “هبة السماء” لمصر، فهو يشكل عماد الحياة الاقتصادية والاجتماعية منذ الأزل، ولهذا فإن حرمان مصر من هذا المصدر الأساسي سيعني تعطيل قدراتها التنموية على جميع الصُعد.
 والجدير بالذكر أن "إسرائيل" استطاعت إثر النكوص العربي الذي حصل، لاسيما بعد التوقيع على اتفاقية كامب ديفيد والصلح المنفرد استعادة علاقاتها مع ثلاثين دولة إفريقية سبق وأن قُطعت على خلفية عدوانها على الدول العربية بعد العام 1967 .
وقد جرت خلال العقد الماضي كلّه مباحثات مستمرة بين الدول الست المتشاطئة، ظلت مصر  بعيدة عنها، لأن مجرد التفكير بإلغاء نسبة الـ 90% من المياه، يعني موت مصر عطشاً، وهو الأمر الذي حاولت القاهرة أن تعقد من أجله لقاءات في شهر يناير/ كانون الثاني ،2011 لكن تدهور الأوضاع في مصر وفي ما بعد الإطاحة بنظام حسني مبارك، قد حال دون ذلك، الأمر الذي يحتاج إلى وقفة جادة ومسؤولة لبحث مشكلة المياه وتوزيعها طبقاً لاتفاقيات دولية تشارك فيها جميع الأطراف، ووفقاً لقواعد القانون الدولي، مع الأخذ في الاعتبار الاتفاقيات السابقة .
ولعل واحدة من المشكلات الجديدة التي ستواجه دول حوض النيل، هي دولة جنوب السودان الجديدة المرتقبة. ويمكن القول إن الدول المتشاطئة، ما كان لها أن تتجرأ وتتصرف بالطريقة إيّاها، لولا الحرب المزمنة في جنوب السودان وضعف النظام المصري ونكوصه، ما أدى إلى التفريط بحقوق انتفاع سكان مصر والسودان من نسبة الـ90% المحددة طبقاً لاتفاقية العام 1959 من مياه نهر النيل .
وتعتبر مشكلة مياه نهر النيل من أعقد المشكلات التي ورّثها الحكم السابق في مصر إلى ثوار الانتفاضة والحكم الجديد، وهي مشكلة تتعلق بصميم المصالح الحيوية المصرية، بل بما يسمى الأمن القومي العربي، وهما مسألتان ضعفتا في سنوات حكم ما بعد الرئيس جمال عبد الناصر، سواء في ظل الرئيس أنور السادات أو حسني مبارك، خصوصاً عندماً ضعف الدور المصري في إفريقيا، بل وعلى المستوى الإقليمي والدولي .

ويمكن القول أن هناك تناسباً عكسياً بين مصادر المياه وبين ارتفاع معدلاّت النمو السكانية، فالتطور السكاني الديموغرافي الحاصل، يؤدي بالتالي إلى استخدام أكبر للمياه، وهذا بدوره يؤدي إلى شحّ بالمياه، مما سيهدد الملايين بالموت عطشاً في حال التلاعب بنسبة المياه المخصصة لمصر والسودان، الأمر الذي يؤدي إلى احتمال قيام نزاعات وربما حروب بسبب نقص المياه الذي يعني نقص مقوّمات استمرار الحياة الإنسانية .

إن التحدّيات الخارجية التي تواجه المياه الدولية المشتركة مع دول الجوار الجغرافي بالنسبة لحوض النيل، تعد من أخطر وأعقد المشكلات التي ستواجه مصر والسودان في السنوات الثلاثين المقبلة، فنهر النيل يشكل المصدر الرئيس للمياه في مصر، وهو ثاني أطول نهر في العالم حيث يبلغ طوله من منابعه في بحيرة تنجانيقا حتى البحر المتوسط حوالي 6700 كم .

وإذا كان ثمة تحديات خارجية، سياسية واقتصادية واجتماعية وعسكرية، تتعلق بالنيل وغيره من المياه العربية، فإن غياب إستراتيجية عربية أو على الأقل تعاون وتنسيق عربي للتصدي للسياسة التي لا تريد خيراً لشعوب البلدان العربية، ناهيكم عن عدم الاستخدام الرشيد للمياه وعدم تنقية مشروعات الري الحديثة، كالخزانات والسدود وغيرها، يلعب دوراً في تفاقم هذه المشكلة، التي تزداد مع وجود هذه المعوّقات الأساسية، فضلاً عن معوّقات تتعلق بالخبرة والكفاءة، ناهيكم عن المعوّقات البيئية والطبيعية والفنية والتمويلية وهو ما يعالجه البروفسور كمونة في كتابه المشار إليه، بعمق ومعرفة واستشراف مستقبلي .

باحث ومفكر عربي



330
حرية التعبير و"حرية" التشهير
   

 
عبدالحسين شعبان
لعل حرية التعبير كانت الأساس في ساحات وميادين وشوارع تونس ومصر واليمن وليبيا والجزائر والمغرب والعراق وغيرها، حيث تدفق الملايين من البشر الذين تظاهروا للتعبير عن طموحاتهم وآمالهم في الحرية والعدالة ومكافحة الفساد واحترام حقوق الإنسان . ومن أهم نصوص حرية التعبير هو المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان التي نصت على “أن لكل إنسان الحق في حرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء من دون مضايقة والحصول على الأخبار والأفكار وتلقّيها وإذاعتها بأية وسيلة كانت ومن دون تقيّد بالحدود الجغرافية”، وعلى أساس المادة 19 تشكلت منظمة دولية مهمة انشغلت بحرية التعبير هي منظمة (Article 19) .

وذهبت المادة 29 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لعام 1966 والذي دخل حيّز التنفيذ العام 1976 (وهي اتفاقية شارعة أي منشئة لقواعد قانونية جديدة أو مثبّتة لها) إلى تأكيد عدم جواز إخضاع حرية الرأي لأي قيد، بينما أخضعت ممارسة حرية التعبير لبعض القيود التي تقتضيها الضرورات العامة وهي أساساً “الاعتراف الواجب بحقوق الآخرين وحرياتهم واحترام سمعتهم وحماية الأمن الوطني والأمن العام أو الصحة العامة أو الأخلاق”، أي أن تجاوز حرية التعبير إلى التشهير، لا يعفي الكاتب من المساءلة القانونية، فإذا ذهبت إلى دمغ رأي بالاستبداد أو التواطؤ معه أو التشجيع والتستر عليه، فلا حساب في ذلك، لكنك إذا اتهمت شخصاً ما باستلام مبلغ معين لكتابة مقالة للدفاع عن الاستبداد أو لإخفاء حقيقة أو تزوير شهادة أو للتغطية على جريمة، فالقانون يمكنه ملاحقتك وإدانتك .

أسوق هذا المثل، لأن الكثير من الذين يستخدمون حرية التعبير يسيئون إليها أحياناً من دون إدراك أن القانون يلاحقهم، فيما إذا انتقلوا للتشهير، ولأن فسحة الحريات شحيحة في بلداننا، ولأن فرص التعبير قليلة، فما إن بدأ البعض يعبّر عمّا يجول بخاطره، حتى دخل مناطق التشهير المحرّمة بالإساءة إلى السمعة أو العائلة أو التعرّض للذمة المالية أو الحياة الشخصية أو غير ذلك، وأحياناً من دون رغبة منه، لاسيما إذا اعتمد الشائعة وما أكثرها أساساً يستند إليه، ولأن القانون لايزال لا يلاحق ما يكتب على الإنترنت أو ينظّمه، فإن الكثير من الجدل أخذ يرتفع في الفترة الأخيرة بخصوص الجرائم التي يمكن أن تشكل خطراً على المجتمع، تلك التي تمت ملاحقتها مؤخراً .

وبما أن بعض المواقع غير مهنية ولا تدقق في ما يكتب أو بمستواه أو وزنه أو مصادره أو لغته، فترى أحياناً سيلاً من الكتابات لا تربطه روابط بحرية التعبير أو العمل المهني والصحافي . وقد سألني أحد الأصدقاء عن كيفية معالجة مثل هذه الأمور، فقلت لاتزال هناك ثغرات قانونية كبيرة على هذا الصعيد لم تعالجها القوانين الدولية والمحلية، أما ثقافياً واجتماعياً، فلا بدّ من رفع الوعي والشعور بالمسؤولية، ومثل هذا واجب الهيئات الاعتبارية المدنية والمجتمعية، أولاً لأن ليس كل ما يكتب يُقرأ، ولعلّ البعض يفكر بدائرة محددة أو خصومة أو عداوة أو شغب أو إساءة أو غير ذلك، وسرعان ما ينسى صاحب العلاقة ذلك، وأحياناً هناك من يحاول الاستفزاز لكتّاب كبار أو لأسماء لامعة أو لرموز ثقافية وفكرية، وينتظر عسى أن يعلّق على ذلك أحد، وأحياناً يكتب هو التعليق الآخر، ردّاً على التعليق الأول، لكي يبدأ بمناقشة المعلّق والمعلق الوهميين أو الوجهين لعملة واحدة .

وقد كان محمد حسنين هيكل كلّما نشر كتاباً، هناك من ينبري لا بالردّ عليه، بل بشتمه واتهامه والتشكيك به وتوجيه أبشع الطعون إليه، وليس لأن هيكل غير قابل للنقد، فالكثير من أفكاره وآرائه ومعلوماته، تثير الجدل وهي بحاجة إلى نقاش ونقد، لكن مبدأ التشهير شيء وحرية التعبير شيء آخر . وقد عبّر أحدهم بعد أن يئس من رد هيكل، أنه على مدى أربعين عاماً لم يترك له شاردة أو واردة إلا وناقشه فيها، لكن هيكل لم ينبس ببنت شفة . لعل مهمة ووظيفة الكاتب هي الكتابة والنقد، أما وظيفة الشاتم فهي الشتم والتشهير، والأولى إيجابية بنّاءة، أما الثانية فهي تخريبية هدّامة، والأولى يجيزها القانون وتقرّها الشرعة الدولية لحقوق الإنسان، في حين أن الثانية يضع القانون واللوائح الدولية لحقوق الإنسان، ضوابط ومعايير للمساءلة عليها، ناهيكم عن وجود اعتبارات أخلاقية وإنسانية واجتماعية، تتعلق لا بالمشهر به فحسب، بل بالمشهر أيضاً .

لقد استخدمت الكثير من قيادات الأحزاب السرية قبل عصر العولمة والإنترنت والثورة التكنولوجية- العلمية وثورة الاتصالات والمواصلات والطفرة الرقمية “الديجيتال” بعض هذه الأساليب لإسقاط بعضها بعضاً، أو تشويه صورة هذا الفريق أو هذه المجموعة أو هذا الشخص، وأحياناً كانت ترمي أسماء خصومها برسائل قرب مراكز الأمن للوشاية بهم أو تشويه سمعتهم، ولم تكن المعارضات هي الأخرى بعيدة عن هذه الأساليب لا بحق أعدائها، بل للمخالفين لها بالرأي أحياناً . وأتذكّر أن شخصاً سمع رأياً عن أحد أعدائه الشخصيين في بلد أوروبي، فخاطب المتحدث: “كان عليكم رمي مظروف فيه بضع حبوب مخدرات أو “حشيشة” في حديقته والاتصال بالشرطة للإبلاغ عنه” . ولعل ذلك ينمّ عن أخلاقية متدنية، فالخصومة الشريفة تتطلب أساليب شريفة، وهذه ليست على المخالف أو الخصم، بل حتى على العدو أيضاً .

وهناك أكاذيب كثيرة استخدمتها السلطات الحاكمة ضد معارضاتها، مثلما استخدمها معارضون ضد خصومهم، وهؤلاء وأولئك نشروا كتباً وكراسات ووريقات للنيل من خصومهم، فالحكومة تريد تشويه سمعة المعارضة، والأخيرة تريد إلصاق كل شيء بعدوها . وأتذكّر أن أحد الأشخاص الذين أعرفهم جاءني في لندن ومعه وثائق تقول إن قائمة كانت قد صدرت بإعدام عدد من أعضاء الحزب الشيوعي، وكان اسمه بينهم (محكوم بالإعدام وهارب من وجه العدالة) وطلب مني تأييد ذلك، وبما أنني أعرفه فرفضت ونصحته بأن ذلك يسيء إلى الحزب وإليه شخصياً، وخلال عملي المهني والحقوقي صادفني عشرات بل مئات الأمثلة .

لعل مناسبة الحديث هذا هو صدور عدد جديد من مجلة “موارد” (2011) عن منظمة العفو الدولية - بيروت مكرس لحرية التعبير، لاسيما بعد نشر موقع “ويكيليكس” وثائق سرية، لم يكن جوليان أسانغ هو من فبركها، بل إنه نقلها كوثائق ومعلومات تقع مسؤولياتها على الجهات المسؤولة عنها، إلا ما يتعلق بالأضرار التي تصيب الأفراد الذين قد يتعرضون إلى العنف أو غير ذلك، فلا بدّ من أخذها في الاعتبار . وتضمن الملف إضافة إلى دراسات عن “ويكيليكس” وحرية التعبير، مقالة عن منع النقاب باعتباره انتهاكاً للقانون الدولي لحقوق الإنسان، وآليات حرية الرأي والتعبير حسب المقرر الخاص، والتحديات التي تواجهها في ضوء القانون الدولي والاتفاقيات الإقليمية لحماية حرية التعبير والإنترنت .

ولعل هذا الملف ذكّرني بكتاب كان قد صدر للمنظمة العربية لحقوق الإنسان، (لندن العام 1993) شاركت فيه نخبة متميّزة من المفكرين والحقوقيين والمثقفين العرب، الذين ناقشوا بعمق التمييز بين حرية التعبير و”حرية” التشهير، وعندما عدت إليه وجدت فيه مداخلات مهمة لأديب الجادر، ونوري عبدالرزاق، وصفية صفوت، وشبلي ملاّط، وعامر عبدالله، ومحمد سيد أحمد، وراشد الغنوشي، وصدقي كبلو، وعزيز العظمة، وزهير الجزائري، ونبيل ياسين، وغادة الكرمي، ومحمد الناكوع، والسنوسي محمد، ومحمود عثمان، وخلدون الشمعة، ومحمد مخلوف، وعبدالوهاب سنادة، وسعود الناصري، وشمران العجلي، وغالب العلوي، ومحمد فايق، وأحمد صدقي الدجاني، وكاتب السطور .

باحث ومفكر عربي



331
جدلية الضعف والقوة
المنابع اللغوية والإعلامية للعنف في حياة الإنسان المعاصر!

                                                                                                عبد الحسين شعبان
                                                                                              باحث أكاديمي ومفكر عربي

بفعل العولمة وثورة الاتصالات والمواصلات والطفرة الرقمية الديجيتيل وتكنولوجيا الإعلام برزت ظاهرة العنف على نحو واسع، عابرة للحدود والأوطان، متجاوزة الهويات والجنسيات، قافزة فوق الأديان والقوميات، تتساوى فيها المجتمعات المتقدمة والمجتمعات المتخلفة، والدول الصناعية مع الدول النامية، والشمال الغني مع الجنوب الفقير، وسواءً كان العنف فردياً أو جماعياً، أي ما يقوم به الأشخاص أو ما تقوم به المؤسسات أو الحكومات.
وارتبط استخدام العنف إلى حدود كبيرة بالحروب والنزاعات المسلحة الدولية والإقليمية والمحلية، أو ما أصطلح على تسميتها بالحروب الأهلية، وإذا كان العالم منذ نشأته وحتى اليوم لم يستطع أن يلغي الحروب والنزاعات المسلحة واستخدامات العنف المختلفة من وجوده، فقد حاول ساعياً إلى تلطيف شأن الحروب والتخفيف من أثارها وتنظيم إدارتها ووضع قواعد وأنظمة واتفاقيات دولية لتحسين شروط المقاتلين وإنشاء ضوابط قانونية ينبغي مراعاتها للتقليل من معاناة الضحايا، سواءً في الحروب البرية أو البحرية أو الجوية أو من خلال سير العمليات العسكرية أو ما بعدها بخصوص حال المدنيين وحقوقهم الإنسانية، و هو ما عرف بالقانون الدولي الإنساني، لا سيما اتفاقيات لاهاي لعام 1899 و1907 وفيما بعد الحرب العالمية الثانية، لاسيما صدور ميثاق الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو في 24 حزيران / يونيو 1945 واتفاقيات جنيف الأربعة لعام 1949 وملحقيها بروتوكولي جنيف لعام 1977، الأول الخاص بحماية ضحايا المنازعات الدولية المسلحة، والثاني الخاص بحماية ضحايا المنازعات المسلحة غير الدولية.
ولأن العنف لا يمكن القضاء عليه كليّاً كما يقول التاريخ البشري مثلما هو استخدام القوة، فإن جميع القواعد والقوانين الوطنية والدولية على هذا الصعيد سعت للحد من تأثيراته السلبية ووضع الضوابط التي من شأن مخالفتها تعرّض الأشخاص أو الدولة أو الجهة المعنية للمساءلة، وهو ما ذهبت إليه القوانين الجنائية التي حددت جزاءات جرّاء ممارسة العنف على نحو غير مشروع وبالضد من القواعد القانونية النافذة.
ولعل المنابع اللغوية والإعلامية للعنف في حياتنا المعاصرة تتطلب كمدخل لهذه المقالة التوقف عند تعريف العنف لغة واصطلاحاً، ثم البحث في خلفيات العنف نفسياً وسياسياً واقتصادياً واجتماعياً وقانونياً، للوصول إلى تناول أنواع العنف وتصنيفاته، لنناقش بعدها مسألة الوصول إلى الحق باللاعنف، أو تحقيق الهدف بالسلم والإصرار عليه في مواجهة العنف. 
تعريف العنف لغوياً: عنف – عنفاً وعنافة به وعليه: أي لم يرفق به.
والعنف: يعني الشدة والقسوة، وهو ضد الرفق ويُقال «أخذوا يخرجون عَنَفاً عَنَفاً» أي أولاً فأولاً. 
وعنّف فلاناً، أي لامه ووبخه بالتقريع، وعنّفه، أي أخذه بشدّة ولم يرفق به فهو عنيف، وأعنّف فلاناً، أي أخذه بشدة ولم يرفق به. واعتنف الرجل الأمر، أي أخذه بعنف وبشدة.
وأما العنف اصطلاحاً: فقد نجده يختلف باختلاف التخصصات، ومن الصعب علينا تحديد مصطلحاً موحداً للعنف بعيداً عن المعايير الأخلاقية والسياسية:
فلدى علماء النفس والاجتماع يختلف تعريف العنف عنه لدى علماء السياسة والقانون وعلم الإجرام والانثربولوجي، لذا فهو مقرون بالوضعية والظروف المحيطة به.
ويُعرف مصطلح العنف من الناحية النفسية بأنه: «السلوك المشوب بالقسوة والعدوان والقهر والإكراه، وهو عادة سلوك بعيد عن التحضر والتمدن، تستثمر فيه الدوافع والطاقات العدوانية استثماراً صريحاً بدنياً كالضرب والقتل والتكسير والتدمير للممتلكات واستخدام القوة لإكراه الخصم وقهره».
وتشير الموسوعة العلمية (Universals) إلى أن مفهوم العنف يعني كل فعل يمارس من طرف فرد أو جماعة ضد فرد أو أفراد آخرين عن طريق التعنيف قولاً أو فعلاً و هو فعل عنيف يجسد القوة المادية أو المعنوية.
بينما يؤكد قاموس راندوم هاوس (Hause dictionary Random)  أن مفهوم العنف يتضمن ثلاث مفاهيم فرعية هي: الشدة والإيذاء والقوة المادية.
وأما العنف السياسي فيعرفه تيد هندريش ( (Ted Honderichبأنه اللجوء إلى القوة لجوءًا كبيراً أو مدمراً ضد الأفراد أو الأشياء، لجوءًا إلى قوة يحظرها القانون، موجهاً لإحداث تغيير في السياسة وفي نظام الحكم أو في أشخاصه. في حين أن العنف الاقتصادي يعني الضغوط التي تمارسها الطبقات المالكة والحاكمة بشكل عام ضد المحرومين والكادحين وأصحاب الدخول المحدودة سواءً من خلال قوانين وأنظمة أو عبر الأسواق والأسعار والتحكم في الإنتاج والأجور، وهذا العنف يقع  على الأفراد والشركات والمؤسسات، لاسيما إذا كانت الجهات المتحكمة تمتلك قدرات اقتصادية ومالية وقانونية كبيرة بحيث تبسط سلطانها وأخلاقها على المجتمع وتتحكم بموارده وثرواته الاقتصادية.
في القرن التاسع عشر تمّ تحديد مصطلح العنف من الناحية السياسية، في إشارة إلى التطورات التي شهدتها أوروبا ودولها القومية الناشئة، بوصفه فعلاً أو ظاهرة ترمي إلى إحداث خلل في البنى التي تنظم مجتمعاً ما، مما ينجم عنه تهديد الحقوق والواجبات التي يتوفر عليها الأفراد طالما أنهم ينتمون إلى شرعية نظام تلك الدولة.
وفي التشريعات الجنائية يُعرّف العنف: كل مساس بسلامة جسم المجني عليه، من شأنه إلحاق الإيذاء به والتعدّي عليه،سواءً كان بدنياً أو نفسياً.
من الناحية القانونية يُعرّف مصطلح العنف بأنه: سلوك يصدره الفرد بهدف إلحاق الأذى أو الضرر بفرد آخر يحاول أن يتجنب هذا الإيذاء سواءً كان بدنياً أو لفظياً تم بصورة مباشرة أو غير مباشرة، مادياً أو معنوياً، أو أفصح عن نفسه في صورة الغضب أو العداوة التي توجه إلى المعتدى عليه وبالتالي يعاقب عليه القانون في كل دولة حسب نسبته وحجمه وأثره، وسواءً كان هذا العنف ضد الغير فرداً أو مؤسسة أو دولة متمثلة في أحد مرافقها وقطاعاتها.
ومن الممكن تعريف العنف بأنه: الإيذاء باليد أو باللسان، أو بالفعل أو بالكلام، وسواءً كان هذا العنف مادياً (فيزيائياً) أو معنوياً (نفسياً)، ولا فرق في ذلك بين أن يكون فعل العنف والإيذاء على المستوى الفردي أو المستوى الجماعي. وهو سلوك إيذائي، قوامه إنكار الآخر كقيمة متماثلة للأنا أو للنْحن، كقيمة تستحق الحياة والاحترام، ومن مرتكزه استبعاد الآخر ورفضه.
والعنف هو واقعة اجتماعية تاريخية، يقوم بها الفرد وحده أو الجماعة (الحكومة) باستخدام اليد أو اللسان بشكل عنيف تجاه فرد آخر، أو هو موجه من قبل جماعة متسلطة، إذ تقوم مجموعة بشرية، ذات خصائص مشتركة، باستخدام العنف والقوة، وسيلةً من وسائل تحقيق تطلعاتها الخاصة، وذلك بغياب الديمقراطية والعدالة والمساواة.
وهذا ينطبق على تعريف موسوعة الجريمة والعدالة للعنف بأنه كل صور السلوك؛ سواءً كانت فعلية أو تهديدية التي ينتج عنها - أو قد ينتج عنها - تدمير وتحطيم للممتلكات أو إلحاق الأذى أو الموت بالفرد أو الجماعة والمجتمع.
ويعرّفه (لوكا) في مؤلفه (آليات منطق العنف)، بأنه (مفهوم يدل على انفجار القوة التي تعتدي بطريقة مباشرة على الأشخاص وأمتعتهم، سواءً كانوا أفراداً أو جماعات، من أجل السيطرة عليهم عن طريق القتل أو التحطيم أو الإخضاع أو الهزيمة).
ويختلف تعريف العنف حسب وجهات النظر بما يخدم فكر وأهداف الجهة الصادرة عنها أو المتضررة إلا أن اللفظ قد أخذ تعريفات اصطلاحية مرتبطة بالتخصصات المختلفة ومعبرة عن انتماءات وأبعاد سياسية ونفسية وقانونية وتوجهات فكرية يغلب عليها الطابع المدني للدولة الحديثة، فلم يعد هناك مبررات لعنف مشروع وآخر غير مشروع، وعنف عادل، وعنف ظالم، لا سيما إذا اعتمدنا لغة القانون القائم على الحق في ردّ العنف.
إن استخدام العنف والقوة في العلاقات الاجتماعية، تحت أي مسوّغ كان هو أمر مرفوض ومذموم، ويُعد انتهاكاً صريحاً للنواميس الاجتماعية، التي حددت نمط التعاطي والتعامل في العلاقات الإنسانية؛ لأن العنف سلاح مدمّر إذْ أن تداعياته المتعددة وموجباته غير المبررة لا تتوقف عند ضحاياه فحسب، بل تشمل حتى القائمين عليه ممن يلتجؤن إلى ممارسته، وتخلق ردود فعل يمكن أن تسمم الحياة العامة.
والعنف مهما كان له رد فعل، فهو عنف مضاد باستثناء المقاومة باللاعنف، وبالتالي فإن العنف سيؤدي بالمجتمع للنزوع نحو الصراع والتقاتل وتتحول كل العلاقات إلى علاقات تناحرية وتصارعية، وهذا بدوره يدفع نحو التجييش والاستقطاب والتناحر.
 ويقسَّم العنف في الأدبيات المعاصرة إلى عدة أقسام أو أنواع، فالعنف كأسلوب في التفاهم يقوم على فرض الرأي بالقوة، والبطش، واستخدام الوسائل المادية لتصفية الخصم أو العدو، أو حجب حقه في التعبير والحوار..
ومن أنواع العنف:
العنف ضد المرأة، العنف ضد الطفل، العنف السياسي، العنف الأسري، العنف الجسدي، العنف النفسي، وهناك عنف الإنسان ضد الطبيعة؛ وعنف الإنسان ضد نفسه بواسطة  الطبيعة؛ عنف الطبيعة ضد نفسها وضد الناس؛ عنف الأغنياء ضد الأغنياء؛ وعنف الأغنياء ضد الفقراء (عنف المتخمين ضد المحرومين والمالكين ضد من لا يملكون) وهو أساس الصراع الاجتماعي، وعنف الفقراء ضد الأغنياء؛ وأحياناً هناك عنف الفقراء ضد بعضهم بعضاً؛ وعنف ليس له من غرض سوى العنف.
كما يقسّم العنف إلى أقسام مختلفة حسب الأسلوب المتبع ومنها :
العنف المعنوي: وهو الذي يحدث ضرراً غير مباشر، فيكون ضرراً سيكولوجياً متعلقاً بالشعور الذاتي (الأمن، الطمأنينة، الكرامة، الاعتبار، التوازن).
العنف اللفظي أو الشفوي: هو الذي يكون بالتهديد وباستخدام العنف دون استخدام العنف فعلياً وغالباً ما يسبق العنف البدني الحقيقي هذا التهديد ولكن لا يشترط تلازمهما في كل الأحوال ويتمثل في السب والتوبيخ.
العنف البدني: غالباً ما يكون ذا طبيعة بدائية مثل العضّ والبصق ويمكن أن يتضمن بطبيعة الحال جرائم القتل والضرب والمشاجرة والتعدي على الآخرين، كما يشمل أنواع التعذيب الجسدي المختلفة، ابتداءً من حجب الحرية إلى ممارسة التعذيب بالوسائل البدائية أو بوسائل التكنولوجيا الحديثة التي وصلت إلى الإيهام بالغرق.
العنف التلقائي: هو الذي يعبر فيه الفرد عن إحباط يعاني منه، ويكون مصحوباً بعلامات التوتر.
العنف المادي: هو ذلك الذي يحدث ضرراً مباشراً على متلقي هذا العنف فيصاب فيزيائياً في البدن.
العنف الجماعي: هو وسيلة للتأثر أو الانفعال أو هو شكل من أشكال التمرد، فالعنف الجماعي هو رد فعل ضد مطالب وطموحات لم يتم إشباعها، وهو الشغب الذي يحدث أثناء ظروف معينة، وهو العنف الذي يمكن أن تستخدمه الحكومة أو جماعات مسلحة ضد انتفاضة شعبية أو احتجاجات سلمية، أو جماعات قومية أو عرقية أو دينية. وفي إطار القانون الدولي والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان يطلق على العنف الجماعي مصطلح "العقوبات الجماعية" وهو ما يتم استخدامه بالانتهاكات السافرة والصارخة التي تصل إلى الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب وغيرها، وغيرها ، وهي جرائم لا تسقط بالتقادم ، مثلما هي جريمة التعذيب أيضاً بموجب الاتفاقية الدولية لمنع التعذيب لعام 1984 .
العنف الفردي: يُرتكب من خلال أفراد ذو حالات خاصة وفي ظل ظروف معينة غائية لتحقيق هدف أو مطلب أو حاجة أو في سبيل تحقيق تغيير في وضع ما أو بغية الإخضاع لشيء ما وينقسم الأفراد الذين يميلون إلى هذا السلوك لثلاث فئات هي:
فئة المتطرفين: وهم الذين يكون العنف لديهم منهجاً وسلوكاً لتحقيق أهدافهم.
فئة المتسلطين: وهم الأشخاص المعجبين بالسلطة الذين يسعون لتحقيق الهدف مهما كان السبيل ومن ضمنهم يكون الانتحاري الذي يشعر بالنشوة لإقباله على الموت دون تفكير.
فئة الأنانيين: وهم الذين لا يرون الآخر إلاّ من خلال اللذة في تخويفهم وترويعهم وهو ما يطلق عليهم عالم النفس الكبير سيجموند فرويد الساديين، الذين تتحدّ غريزتهم الجنسية مع الرغبة في التدمير موجهة ضد الآخر، وعكسهم المازوخيين الذين تتحدّ غريزتهم ورغباتهم في التدمير موجهة نحو الذات..
وتأتي صعوبة موضوع العنف من كونه لصيق بالحياة، ولما يرافقه من عوامل قد تأتي كمقدمات أو أن تليه كنتائج، فالعنف مرافق للكراهية والرغبة في الانتقام والتدمير، ومن المفارقات العجيبة أن العنف مرافق أيضاً لحالات الحب بل وملتصق بها وهو ينجم عن الغيرة "ومن الحب ما قتل"، وكما هو متواجد في كل حركات الاستغلال والاستبعاد والاستعمار، فهو متواجدٌ أيضاً في قلب حركات التحرر والانعتاق، التي قد تلجأ إلى العنف دون ضوابط قانونية لتبرر لنفسها بعض الأعمال العنفية غير المبررة أو المشروعة.
إن مسألة العنف، تثير ارتباكاً كبيراً في منظومة العلاقات الإنسانية أياً كان مستواها أو درجة حدتها. كما أنها حالة تُخرج الناس، سواء مسّهم العنف أو لم يمسّهم، عن المألوف بردود أفعال غير مألوفة أحياناً. إن العنف يحيط نفسه دائماً بكثير من الألغاز والمبهمات، مهما كان ادعاء العارفين بطبيعته. وهنا يُطرح السؤال المحيّر: لماذا لا تستطيع المجتمعات أو الفئات أو الأشخاص تجنب العنف أو تفادي الوقوع في حبائله وهي تعلم أن أضرار العنف كثيرة، وجراحه عميقة، وقد لا تضمد بسرعة؟
وإذا ما قبلنا بأن العنف ينغرس، عميقاً، في الطبيعة الإنسانية وفي ظل صراعات المصالح، يصبح السؤال عندها كيف يمكن أن نتخلص من العنف أو نحدّ من غلوائه؟ أو كيف يمكن أن نقنن من آثاره؟ كيف يمكن أن نصل من خلال الفهم والتحليل إلى الأسباب المؤدية لهذا النوع أو ذاك من العنف، علماً بأن الأساليب التي قد تُستعمل في معالجة ظاهرة العنف، هذا النوع أو ذاك من العنف، قد تكون صائبة، وقد تكون مبتسرة بهذا النصيب أو ذاك، وقد تكون غير صائبة تماماً. ولهذا يكون البحث على أنسب وأنجح السبل، في هدوء واتزان، هو سبيل النجاح والتبصر والتعقل والحكمة، لاسيما بالتوقف عند أسبابه الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والدينية والقومية، خصوصاً أوضاع الفقر والتخلف والأمية والتمييز والحضّ على استخدام العنف، أو في حالات الهيمنة والاستتباع  أو منع أو التقليل من حرية التعبير والحق في الاعتقاد والتنظيم والمشاركة، فضلاً عن غياب مبادئ المساواة.
والعنف لا يكون دائماً غير مشروع بل إن الذي يحدد مشروعيته من عدمها هو الدافع، فعلى سبيل المثال أن العنف الذي يُمارسه المُسْـتَعِمر يُخالف العنف الذي يقوم به المُسْـَتعْمَر، لأن عنف الأول يريد به السيطرة على المُسْـتَعْمَر ونهب خيراته وثرواته، أما عنف الثاني فهو كرد فعل على عنف الأول أي أنه بعد استنفاذ جميع شروط الدفاع عن النفس، لم يبق سوى الرد بالمثل، ويريد به الحفاظ على حياته ووجوده، ونستطيع أن نطلق على هذين النوعين، العنف السلبي الذي يتجه إلى تدمير حياة الآخر، والعنف الإيجابي الذي يتجه إلى الحفاظ على حياة الأنا الضعيفة، ومن ذلك رؤية «فرانز فانون» في عملية إزالة الاستعمار بأنها ليست عملية قومية من حيث الشكل فقط، بل هي عملية عنيفة من حيث الموضوع، فالاستعمار في نظره مرادف للعنف السياسي والعسكري والثقافي والنفساني، ومن ثم فلا يمكن أن يَـقضي عليه إلا عنف مماثل ومعاكس في جميع المجالات.
ويتولد العنف عن طريق جدل القوة والضعف، فالقوي يريد السيطرة على من هو دونه باستخدام الوسائل المتاحة قانونياً ومادياً واجتماعياً واقتصادياً وسياسياً "بصورة شرعية" أو غير شرعية، وذلك بهدف إرغامه على التسليم بتفوقه وسيادته، وهو ما كان الغرب يستخدمه ضد الشعوب المستعمرة للاستحواذ على خيراتها ومواردها.
وفي هذه الحالة فإن لغة الصراع الوحيدة هي العنف، فيلجأ الذي يملك القوة إلى استعمال هذه اللغة بغية حيازة المزيد من المكتسبات، وهذه الصورة من العنف تكون على مستوى الفرد أو الجماعة؛ كما في حالة العنف الذي تمارسه الولايات المتحدة بعد سقوط الاتحاد السوفييتي وانفرادها بالقوة وقيادة العالم ضد الدول الضعيفة كالعراق وأفغانستان حيث يمثل هذا صورة العنف الجماعي"العقوبات الجماعية سواءً بالحصار أو الحرب" وعلى مستوى الدولة مثلما هو عنف إسرائيل وإرهابها ضد الشعب العربي الفلسطيني والأمة العربية  منذ أكثر من  62 عاماً. أما على مستوى الفرد فيكون العنف ضد المرأة أو العنف الأسري سواء كان مادياً أو معنوياً وهذا العنف هو نتاج شعور الرجل بالقوة، والنظر إلى المرأة نظرة دونية واحتقار وضعف، الذي له  أسبابه الاجتماعية والاقتصادية والدينية أحياناً.
هناك موّلد آخر يؤدي إلى ظهور العنف واستشرائه بصورة رهيبة، ويتمثل في جدلية الأنا والأخر، أو الـ "نحن" والـ "هم" ذلك أن من يريد أن يسيطر و"يتسيد" يحاول "تنظيم عالم ينقسم انقساماً ثنائياً" كما يقول "فرانز فانون"، هذا الانقسام يؤدي إلى ظهور بيئة عنيفة يتجاذبها طرفا الصراع والغلبة للأقوى، لذلك كان سيجموند فرويد يرى بأن السلم العالمي لن يتحقق في ظل الفرقة والانقسام، والسبيل الوحيد هو الاتحاد حيث يقول "إنه لا يمكن كسر العنف إلاّ بالاتحاد لأن في الاتحاد قوة"، ومن الأهمية بمكان الإشارة هنا إلى أن العنف في بدايته قد يكون نتاج فكرة، وليس عبارة عن سلوك عنيف فقط تقوم به جماعة ضد جماعة أخرى، فالاستعمار الغربي لدول أفريقيا وأسيا وأمريكا كان تحت مسوّغ تحضير أو تمدين المجتمعات بإخراجها من دائرة البداوة والتخلف إلى المدنية والتطور.
وهناك دواعي أخرى لميلاد العنف وهو الإحباط النفسي، بمعنى عندما يكون هناك عائق بين الفرد ورغباته فإن ذلك الفرد يحاول أن يعبئ أكبر قدر من طاقاته، فإذا استمرت التعبئة دون أن يرافقها نجاح فإنها تميل إلى التعبير عن نفسها بسلوك تدميري، أي  أن العنف في بعض الأحيان يتجه إلى تدمير ما هو خارجي إذا كان يمتلك القدرة على ذلك كتدمير ممتلكات الغير مثلا، أما إذا كان عاجزاً عن إلحاق الضرر بالأخر فإن سلوكه التدميري سيتجه نحو الداخل أي ضد ذاته كالانتحار، وهي ما يدعوها "فرويد" بالقوى التدميرية أو العدوانية، وهذه القوى التدميرية كما يقول "إميل دوركايم" إن لم توجه نحو المحيط الخارجي فإنها ترتد نحو الداخل سواء على صعيد الفرد أو الجماعة.
إذن، العنف ظاهرة شائعة في عالمنا، وهو أمر ما يزال العالم يعاني منه على الرغم من إدانته أخلاقياً وتشريعياً، ولكنه واقع موجود، لا يمكن إنكاره أو تجاهله، فهو يمارس في كل لحظة من قبل فرد قوي أو مجموعة قوية ضد فرد ضعيف أو مجموعة ضعيفة، وهو لا يستتبع بالضرورة حالة العداوة، وأقله التعنيف الكلامي، وأكثره العنف الجسدي مقروناً بالإهانة، وأسبابه لا تكاد تنحصر في دائرة محددة، فهو موجود ومتوقع حدوثه من الآخرين، سواء الذين تربطنا بهم علاقات أسرية، أو وظيفية، أو حزبية، أو علاقات مواطنة، أو دينية أو عنصرية أو طائفية أو عشائرية أو الذين لا تربطنا بهم أية علاقة، كل ما في الأمر إننا لا نستطيع أن نحدد لحظة وقوع العنف فقط.
لا تبدأ مشكلتنا كبشر، في أننا لا نعتقد بالعنف، أو لا نتوقع حدوثه، ولكن مشكلتنا تبدأ لحظة التعامل مع العنف؛ علينا في البدء أن نكون واقعيين، وعلينا أن نعترف بان العنف جزء من علاقاتنا أو لنقل هو الجزء السيئ من علاقتنا، ولكن لا يجب أن تنحصر خياراتنا للمطالبة بحقوقنا المترتبة على استخدام العنف في أمرين فقط؛ إما الاعتداء أو الاستسلام. لأن كلا الخيارين - وهما أكثر الخيارات شيوعاً واعتماداً لدى أطراف العنف - لا يوفران – تكتيكياً - قيم التعايش السلمي، ولا يولدان – استراتيجياً - حياة آمنة ومستقرة للمجتمع. وهذا يعني أننا يجب أن لا نذعن كلياً إلى فكرة الانتقام أو فكرة الاستسلام، ولا يجب أن نقبل بهما على أساس أنهما نتاج علاقات إنسانية حتمية.
إن الاعتراف بوجود عنف بشري متزايد لا يعني إعطاء شرعية وجود أو تبرير السلوك العدواني، ولكن تجاهله وإنكاره أو تكفير أثاره وطمسها، لا يعني إننا تخلصنا من العنف، ولا يعني إننا لن نواجه العنف في دائرة علاقاتنا. ونرى أن بعض المدافعين عن اللاعنف ممن لا يقبلون بالعنف المضاد ولا يرتضون لغة الاستسلام أو "المسالمة" قالوا بخيار اللاعنف الروحي المتضمن إحداث تغيير في سلوك المعتدى عليه أو المعتدى عليهم، مما يؤثر إيجابياً على سلوك المعتدي ويدعون إلى احترام أو إلى محبة أعدائهم. وهذا النوع هو الأكثر قرباً من البعد المثالي في فهم اللاعنف، ويُجادل أنصار هذا الأسلوب بأنه من غير المنطقي أساساً أن يُستخدم العنف لتأسيس مجتمع مسالم، وهذا ملاحظ في موعظة الجبل التي ألقاها المسيح: "أحبوا أعداءكم"، أو محبة الخير لكل المخلوقات، أو اللاعنف تجاه أي كائن، في البوذية. إن لمحبة الأعداء أو احترامهم تبريره العملي البراغماتي، فالفصل بين الفعل وبين الفاعل يترك الباب مشرعاً أمام الفاعل ليغير سلوكه ويتراجع عن أفعاله أو قناعاته.
وقد أشرت في كتابي «فقه التسامح في الفكر العربي الإسلامي» إلى أن غاندي كان يؤمن باللاعنف وبواسطته استطاع هزيمة أكبر إمبراطورية في عصره (بريطانيا العظمى)، فهذا الرجل الأعزل نصف العاري، بنمط حياته البسيط، وبعلاقته الحميمة بشعبه، استطاع أن يثبت للعالم أن إحدى وسائل المقاومة هي اللاعنف والتسامح والقدرة على إنجاز مشروع التحرير واستعادة السيادة والحقوق، بالمقاومة السلمية. وكان غاندي يُردّد: لو كان هناك بديل أفضل من التسامح لاخترته ولكني والحالة هذه لا أجد أفضل منه!! ولم يكتفِ غاندي بالحديث عن اللاعنف، بل أظهر كيف أن المقاومة السلمية يمكنها أن تواجه وتتحدى من خلال سلاح المقاومة والإضراب عن الطعام والاحتجاج والاعتصام والتسامح!؟
وقد قال مارتن لوثر كينغ: "اللاعنف لا يعني تجنب العنف المادي مع الآخرين، بل أيضاً العنف الروحي الداخلي. إنك لا ترفض إطلاق الرصاص على شخص آخر فقط، بل ترفض أن تكرهه أيضاً". وقال عبد الغفار خان "سأقدم لكم سلاحاً فريداً لا تقدر الشرطة ولا الجيش علي الوقوف ضده. إنه سلاح النبي، لكن لا علم لكم به. هذا السلاح هو الصبر والاستقامة. ولا توجد قوة على وجه الأرض تستطيع الوقوف ضده".
ويرى أتباع النظرية الغاندية في نبذ العنف أن خيار التحاور لفهم الحقيقة يجب أن يسبق أي رد فعل تجاه العنف، فغاندي يعتبر أن الحقيقة متعددة الأوجه ولا يمكن لشخص واحد أن يفهمها بشكل متكامل. الجميع إذن يملكون أجزاء من الحقيقة حسب اعتقاده، وكلهم يحتاجون إلى الأجزاء التي يملكها الآخرون وبالتالي السعي نحو الحقيقة الأكبر. ولعل ذلك ما دعاه إلى الإكبار من شأن الحوار مع الأعداء والمخالفين في الرأي، من أجل فهم الدوافع. ومن أجل أن يستمع إليك الآخرون، يجب أن تتحلى بالقدرة على الإصغاء، وفي هذا المنهج اللاعنفي عند غاندي يكون البحث عن الساتيا (الحقيقة) أمراً مركزياً يبعد شبح العنف والعنف المضاد ويخلق التسامح والهدوء.ولا يعني نبذ العنف نبذ الحق والرضوخ للأمر الواقع، بل هو الاستمرار في السعي لإحقاق الحق دون الحاجة إلى اعتماد الأساليب العنفية التي لابد وأن تكون مسيجة بأطنان الليترات من الدماء المهدورة.
ولعل هذا يتطلب دراسة وتطوير الرؤى المعرفية للمجتمع والثقافة، لاسيما في العالم العربي وبالأخص مع ظاهرة العنف في أوساط الشباب، وذلك بتقديم ما هو إنساني على ما سواه من أفكار وأيدلوجيات وفلسفات وتفسيرات دينية، وكفالة أخلاقيات التضامن الاجتماعي في التعامل مع البشر والبيئة والعلم، حيث ما تزال مجتمعاتنا تضجّ بالصراعات الطائفية والإثنية والقبلية مثلما تعاني من البطالة والفقر وانتشار المخدرات.
وعندما نتحدث عن الفقر ونحن نقصد أيضاً فقرنا المعرفي في التعامل مع ظواهر العنف ومستجدات العلوم الاجتماعية والنفسية وأبعادهما الإنسانية في إطار الفهم العصري للمفاهيم مثل دولة القانون والمواطنة والانتماء والهوية وحقوق الإنسان والعددية الثقافية والتنوع الديني واللغوي والقومي والسلالي.
ويمكن للتربية التعليم أن يلعبا دوراً مهماً في رفع الوعي الحقوقي والحس الإنساني، الأمر الذي يحتاج إلى إعادة النظر بالمناهج وأساليب التدريس مثلما يحتاج أيضاً إلى تراكم معرفي وبنك للمعلومات لدراسة ظاهرة العنف بكل تفرعاتها وتأثيراتها على الصحة العامة والنفسية والتثقيف بأضرارها الحالية والمستقبلية.
ولمواجهة هذه الظاهرة فإن العرب بحاجة للانتقال من المعلومة إلى المعلوماتية ومن هذه الأخيرة إلى المعرفة سواءً لصانع القرار أو للجهات والمؤسسات التي تتعاطى مع ظواهر العنف لكي تصبح ثقافة الأمن الإنساني هي السائدة بدلاً من ثقافة الخوف.
لقد آن الأوان لتخطيط مدني طويل الأمد للتصدي لظاهرة العنف أساسه إلى كل ما تقدم رافعتان: الأولى تعزيز الوعي، والثانية تعميق الإحساس والفعل بعملية التضامن الاجتماعي بحيث يشعر أي فرد في المجتمع وإذا كبّرنا هذه الصورة أية دولة في المجتمع الدولي، أن العنف سيكون خطراً عليه وعليها، من أجل وذلك لقيام نظام أكثر إنسانية وعدلاً على المستوى الوطني والعالمي، الأمر الذي يتطلب تكافؤ للفرص وعدالة اجتماعية وترويج معرفي من خلال قنوات أكاديمية وتربوية وقانونية فضلاً عن دور إعلامي تسهم فيه تكنولوجيا الإعلام والاتصال والمواصلات لتقليص ظاهرة العنف ومخاطرها المتشعبة والعابرة للحدود والقارات في عصر العولمة.


332
" النموذج" العراقي وعدوى التغيير!

عبد الحسين شعبان
باحث ومفكر عربي


لا تزعم الولايات المتحدة اليوم أن إطاحتها النظام السابق في العراق، جلب معه الديمقراطية، فعلى أنقاضه حدثت "فوضى خلاّقة" قالت أنها تريدها لإعادة البناء، لاسيما بعد تفكيك ما هو قائم، ولكن الفوضى استمرت طيلة الأعوام الثمانية، على الرغم من التحسّن في الوضع الأمني، لكن الأمور لا تزال تسير ببطئ شديد وتعثر كبير، والعملية السياسية لم تخرج من عنق الزجاجة حتى الآن، بسبب سياسات المحاصصة والتقاسم المذهبي والإثني.
وإذا كان ذلك واقع الحال، لكن الحجج التي ساقتها واشنطن لتغيير النظام السابق،  لم تكن بعيدة عن ذلك فادّعت أن بغداد على علاقة بالإرهاب الدولي، ثم وجود أسلحة دمار شامل، بحيث يستطيع خلال 45 دقيقة من انتاج مادة الانتراكس، وهي كفيلة بقتل ملايين الناس، ثم روّجت لفكرة قيام نظام ديمقراطي على أنقاض النظام الدكتاتوري السابق، في إطار ما أسمته شرق أوسط كبير، وبعد حرب تموز (يوليو) الاسرائيلية ضد لبنان العام 2006 طرحت كونداليزا رايس مشروع " الشرق الأوسط الجديد" الذي ستتمخض عنه الحرب التي استمرت 33 يوماً، لكن كل ذلك لم يحصل، فالنظام السابق وإن كان دكتاتورياً، لكنه لم يملك أسلحة دمار شامل ولم يكن على علاقة بتنظيم القاعدة، كما لم تتحقق الديمقراطية الموعودة على أنقاضه، ولم ينعم الشرق الأوسط بالاستقرار والرفاه والحرية، سواءً كان كبيراً أو جديداً.
لم تكن قيادة الرئيس بوش تدرك حجم الخسائر والأضرار الكبيرة والفادحة التي أصابت الولايات المتحدة، تلك التي وصلت اليوم الى أكثر من 4400 قتيل وما يزيد عن 26 ألف جريح حسب الأرقام المعلنة من جانب وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون)، لكن الصدمة الكبيرة كانت قد واجهت واشنطن في أواخر العام 2008 يوم حفرت الأزمة الاقتصادية والمالية بعمق في قلب النظام الرأسمالي العالمي، ولاسيما في الولايات المتحدة، حيث كانت كلفة الحرب باهظة ووصلت في ذلك الحين نحو 3 تريليونات دولار، وأخذت تلك الأزمة تتعمق بسبب المستنقع العراقي، الأمر الذي دفعها للهروب الى الأمام بعد توقيع اتفاقية مع العراق نقلت فيه الاحتلال العسكري الى احتلال تعاقدي، وستضطر الى الانسحاب من العراق في نهاية 2011، مع أن احتمالات البقاء واردة، بقوة عسكرية مؤهلة وقواعد لا تزال مؤمّنة ومحميّة، ولكن ذلك يمكن أن يتم بتوقيع اتفاقية جديدة مع العراق وفي ضوء التطورات الجديدة.
صحيح أن العراق شرّع دستوراً دائماً فيه الكثير من المبادئ الديمقراطية  وأجرى انتخابات ثانية، لكن الدستور إحتوى على الكثير من الألغام التي يمكن أن تنسف الإيجابيات الواردة فيه، فضلاً عن القيود الكثيرة، بما في ذلك نحو 50 مادة تحتاج الى إصدار قانون، وينتظر الدستور تعديلاً لا يزال مسكوتاً عنه، أضف الى ذلك أن نظام المحاصصة عطّل الكثير من بنوده، كما أن استمرار أعمال العنف والإرهاب جعل حالة الطوارئ هي السائدة، خصوصاً  استمرار منع التجوّل، على الرغم من مرور ثماني سنوات على الاحتلال.
وقد تفاقم الفساد الى درجة مريعة واحتّل العراق الصدارة بين دول العالم في تقارير منظمة الشفافية الدولية، وارتفعت موجة العنف الطائفي والمذهبي والاثني الى درجة تشظّي المجتمع العراقي، لاسيما في ظل وجود الميليشيات المعلنة أو المستترة، ناهيكم عن جماعات الارهاب الخارجة عن القانون، بما فيها تنظيمات "القاعدة" الارهابية، واستمرت معضلة الخدمات، فالماء الصافي شحيح والكهرباء لا تزال غائبة في معظم الأوقات، والبطالة تضرب أطنابها، والحكومة معوّمة على الرغم من إجراء الانتخابات منذ آذار2010، وبعد ولادة عسيرة دامت نحو عام فلا تزال الوزارات الامنية فارغة، فأين الانجاز الديمقراطي الذي يمكن الحديث عنه إن لم يقترن بثقة الناس وخصوصاً تلبية حاجاتها الأساسية. ولعل صندوق الاقتراع وحده ليس مؤشراً أو دليلاً على الديموقراطية، إنْ لم يقترن بالمساواة والمساءلة وسيادة القانون والمواطنة السليمة والحريات والعدالة.
لقد حذّر رئيس الوزراء العراقي من التظاهر، لاسيما من المندسين وخصوصاً تنظيمات "القاعدة" والبعثيين، وذلك في محاولة لإجهاض التحرك الذي يطالب باستعادة الخدمات ومحاربة الفساد ومساءلة المفسدين وإيجاد فرص عمل للعاطلين وتقليل رواتب المسؤولين وتحسين مفردات الحصة التموينية وغيرها.
وإذا كان ذلك مفهوماً و"مبرراً" لأي حاكم يلتجئ اليه، وإنْ كان غير مبرّر، إذا كانت المطالب مشروعة وعادلة، فعليه أن يبذل ما في وسعه لتلبيتها والاستماع الى رأي المحتجين، لاسيما إذا اختاروا الطريق السلمي، وابتعدوا عن العنف وكانت مطالبهم تعبيراً عن حاجات ملموسة تمسّ صميم حياتهم، فالدستور على الرغم من نواقصه وعيوبه يكفل حق التظاهر السلمي، وأي تجمّع سواءً كان لزيارة المراقد أو لمناسبة عاشوراء أو غيرها يمكن أن يؤدي الى انضمام مندسّين، الأمر الذي لا يستوجب إلغاءها من جانب المعنيين سواءً الحكومة أو رجال الدين المتنفّذين وما يطلق عليهم اسم "المراجع العظام" والمقصود أربعة أساسيين هم آيات الله: السيد علي السيستاني، والسيد محمد سعيد الحكيم، واسحق فياض، وبشير نجفي.
ومرّة أخرى أقول إذا كان موقف رئيس الوزراء مفهوماً، فموقف المرجعية غير مفهوم أو لا يزال ملتبساً ويتراوح بين التأييد والتنديد، وبشكل عام ظلّ ضبابياً، من خلال تصريحات الناطقين باسم السيستاني، وأعني بهما الكربلائي والصافي، اللذين ظلاّ على مدى شهرين يحرّضان بشدّة للدفاع عن بعض المطالب الشعبية مثل عدم استحداث المزيد من المناصب الحكومية لمنع ترهّل الدولة وأجهزتها ويتحدثان عن سوء الخدمات وتفاوت الرواتب واستشراء الفساد والبطالة وعدم التلاعب بمفردات البطاقة التموينية، وهو أمر إيجابي، تبنّاه أيضاً المجلس الاسلامي الاعلى وجماعة السيد مقتدى الصدر وقوى دينية أخرى، لكنه عاد عشية تظاهرة 25 (فبراير) شباط  الى إصدار تحذير من الاندساس ووضع شروطاً تقترب من الامتناع عن المشاركة، وهو ما جاء متناغماً مع تصريحات رئيس الوزراء، وقبل ذلك دعا السيد مقتدى الصدر الى تأجيل الاحتجاجات لمدة 6 أشهر لإعطاء فرصة للحكومة.
وإذا كانت التظاهرات قد نجحت في لفت النظر على الرغم من العقبات التي وضعت في طريقها وإغلاق الطرق والجسور والاعتقالات، التي شملت بعض الصحافيين، وتوقيعهم على تعهدات تذكّر بتعهدات النظام السابق، وأكّدت استمرارها وتجددها، الأمر الذي اضطرّت معه المرجعية الى التأكيد على لسان من يمثلها أنها مع شرعية التظاهرات إذا ما حافظت على الإطار السلمي دون نسيان التعبير عن قلقها، وشكرت المتظاهرين كما شكرت الذين لم يتظاهروا، بمعنى من استجابوا اليها، ودعت حكومة المالكي الى تقديم الخدمات والاستماع الى المطالب، وقال من ينطق باسمها أن المرجعية طالما حذّرت الحكومة من خطورة هذا الاداء، ولقد صبر الناس طويلاً.
أستطيع أن أتفهم حراجة موقف المرجعية التي دفعتها الأحداث الى إبداء رأيها والنطق بعد اضطرار طويل الى الصمت في زمن النظام السابق، كما أقدّر حرصها على حماية  الأرواح والممتلكات، فهو أمر مشروع ومفهوم، خصوصاً إزاء محاولات الاندساس والعبث، ولكن مثل هذا الأمر قد يحدث أيضاً خلال الزيارات للمراقد وفي المناسبات الدينية، لكنها لم تتخذ الموقف ذاته، علماً أن القضية لا تتعلق هذه المرة بطقوس أو شعائر أو روحانيات، بل إن المسألة تتعلق بصميم حياة الناس واحتياجاتهم الانسانية، لاسيما الضرورية والاساسية.
وسبق للكربلائي ممثل السيستاني أن أجاب على سؤال بخصوص تلك المناسبات التي تكرّس لها الدولة كل طاقاتها، وتتعطل الدراسة أحياناً، وأحياناً أخرى تتعطل دوائر الدولة ومؤسساتها ويُستنفر الجهاز الأمني بالكامل وغير ذلك، قال و" ماذا لو تعطلت الدولة؟ "، فالأمر يستحق ذلك، ولكن ألا تستحق الخدمات والفساد والبطالة تسخير كل شيء في الدولة من أجلها، والضغط على الحكومة لتحقيقها، خصوصاً بعد مرور 8 سنوات على الاحتلال؟ ثم ألا يستحق ذلك دفع الناس للتظاهر حتى تستجيب الحكومة لمطالبهم أو تتنحّى إنْ لم تكن قادرة؟
أظن أن الغضب العراقي لا يزال يتفاعل وقد يتصاعد وقد ينفجر وقد تعمّ الفوضى إنْ لم يتم تلبية مطالب المتظاهرين، وهي مطالب مشروعة باعتراف الجميع، وقد شهد التاريخ العراقي احتجاجات كاسحة، ولم يصغ الشارع سوى لعقله وضميره ولحاجاته الانسانية والحياتية، فقد أطاحت الاحتجاجات معاهدة بورتسموث العام 1948 وأسقطت حكومات وقادت انتفاضات وثورات في العام 1952 و1956 و1958، وكادت انتفاضة العام 1991 تطيح النظام السابق لولا تعرّضها لمحاولات تحريف وتجويف ومساومة ومؤامرة لعبت فيها القوى الدولية والإقليمية دوراً سلبياً خصوصاً برفع بعض الشعارات والصور من جانب بعض الجماعات الدينية التي أدّت الى استفزاز الآخرين.
ولم تكن للمرجعية حينها الدور الذي تلعبه اليوم، فعسى أن نقرأ التاريخ جيداً، لا تاريخنا البعيد حسب، بل من تاريخنا القريب، خصوصاً وأن حركة الاحتجاج شملت العراق من أقصاه الى أقصاه، من السليمانية في كردستان والموصل في شمال العراق الى البصرة في جنوب العراق مروراً بمدن الفرات الأوسط، فضلاً عن الرمادي وصلاح الدين وبالأساس كانت الحركة الاحتجاجية قد انطلقت من بغداد بزخم شديد تريد الاصلاح دون شعارات غير آيديولوجية، بل شعارات واقعية وإنسانية ومطلبية وسلمية!!


333
سبع رسائل لاستهداف المسيحيين
   

عبد الحسين شعبان

تصاعد في الآونة الأخيرة استهداف المسيحيين في دول المشرق، لا سيما العربي، وذلك ارتباطاً مع انتشار موجة التشدّد والغلو، وخصوصاً قوى «الإسلام السياسي»، فضلاً عن نشوء تيار أصولي متطرّف ومتعصّب، سواءً اتّخذ اسم تنظيمات «القاعدة» أو أي مسمى آخر، وتزامن هذا الاستهداف مع احتلال العراق وما تركه من تأثيرات وردود أفعال.
لقد تعرّضت الكنائس والأديرة ودور العبادة وشخصيات مسيحية ومواطنون عاديون إلى تفجيرات وأعمال إرهابية وعنف، تركت ندوباً عميقة في نفوس المسيحيين وأعطت انطباعاً، لا سيما في الغرب، عن خطط وبرامج لاستهداف المسيحيين، فما هي هذه الرسائل التي تريدها تلك العمليات، ومن يقف وراءها، وكيف نقرأها؟
الرسالة الأولى: دفع المسيحيين للهجرة، الأمر الذي سيراه ويفهمه العالم أجمع، وخصوصاً المجتمعات الغربية، على أن المسلمين لا يريدون العيش مع المسيحيين في دول المشرق، والنتيجة المنطقية لذلك ستكون ترسيخ الاعتقاد السائد، بتعصّب وتطرّف المسلمين ورفضهم للآخر، بل واعتباره «عدوّاً» حتى وإن كان من سكّان البلاد الأصليين، و«مواطناً» حسب القوانين السائدة والنافذة، ولعل ذلك سيكون «مبرراً» جديداً لاتهام الإسلام بالعنف والإرهاب، حسبما يتم ترويجه منذ سنوات، لا سيما بعد أحداث 11 أيلول (سبتمبر) الإرهابية التي حصلت في الولايات المتحدة، والتي أدت إلى تنامي الاسلامفوبيا (أي الرهاب من الإسلام) في الغرب.
الرسالة الثانية؛ إن استهداف المسيحيين في دول المشرق، يعني فيما يعنيه تمزيق النسيج الاجتماعي لمجتمعات وشعوب، ظلّت متعايشة على الرغم من النواقص والثغرات والسلبيات، التي تتعلق بالحقوق وبمبدأ المساواة والمواطنة الكاملة، خصوصاً الشعور السائد لدى المسيحيين بالتمييز، لأسباب قانونية وثقافية واجتماعية وسياسية ودينية وغيرها. وإذا كان استهداف المسيحيين يعني سيادة الفكر المتطرف والممارسات المتعصبة، فإن ذلك سيساهم في زيادة الهجرة المسيحية التي تعني تفريغ مجتمعاتنا من المسيحيين، وهو بحدّ ذاته إعلان عن شحّ فرص الحرية، لا سيما حرية التعبير وحق الاعتقاد وحق المشاركة السياسية.
الرسالة الثالثة؛ إن عدم التعايش الإسلامي- المسيحي في الشرق، يعني عدم رغبة المسلمين في التعايش مع الغرب المسيحي، الأمر الذي سيضع المسلمين الذين يعيشون في الغرب في دائرة الشك والارتياب، ولا سيما أن هناك ما يزيد عن 15 مليون إنسان مسلم يعيش في أوروبا وعدد آخر في الولايات المتحدة وكندا ودول أميركا اللاتينية.
الرسالة الرابعة؛ إن استهداف المسيحيين في الشرق سيكون دليلاً آخر على أن المسلمين يعملون على استئصال الأديان الأخرى، وهو ما تردّده «إسرائيل» مدّعية بأن صراعها مع العرب والمسلمين، هو صراع ديني تناحري، إقصائي، لأن العرب والمسلمين يريدون القضاء على اليهود وهم لا يتقبّلون اليهودية، وهكذا يختفي الجانب العنصري الصهيوني المتعصّب من الصراع مع العرب والمسلمين، وهو ما يصّب في مصلحة «إسرائيل» التي تغتصب الأرض وتجلي السكان وتمارس العدوان منذ قيامها وحتى يومنا.
وإذا كان الصراع مع «إسرائيل» وطنياً وأرضياً، وعلى حقوق ثابتة للشعب العربي الفلسطيني وغير قابلة للتصرّف، وليس صراعاً دينياً أو سماوياً، فإن المسلمين ليسوا وحدهم من يقاوم الاحتلال، بل إن المسيحيين يشاركونهم على نفس القدر من الالتزام الوطني، وهو ما يؤكده تاريخ المقاومة الفلسطينية وقياداتها المؤسسة، وكذلك الحركة الوطنية في فلسطين ولبنان وسوريا والأردن ومصر والعراق وغيرها.
الرسالة الخامسة؛ إن استهداف المسيحيين يكمن في انحسار مساحة الديموقراطية وتدنّي مستوى الحريات العامة والشخصية، وهو الأمر الذي يشترك فيه المسلمون والمسيحيون وبقية المكوّنات الأخرى، لا سيما أن التطرف والغلو يستهدفان الجميع، الأمر الذي يعطي انطباعاً على المستوى العالمي بأن العرب والمسلمين ما زالوا في أسفل السلم بخصوص الديموقراطية والتنمية، وأن بيئة من هذا القبيل، لا شكّ أنها مشجعة على الإرهاب والعنف والاستبداد والإلغاء.
الرسالة السادسة؛ إن استهداف المسيحيين في الشرق ودفعهم للهجرة سيشكل استنزافاً لطاقات علمية وفكرية وفنية وأدبية يمتلكها المسيحيون، فضلاً عن كفاءات اقتصادية واجتماعية هائلة تشكل الموزاييك المجتمعي والتنوّع الثقافي، وفي ذلك خسارة كبرى لشعوب المنطقة وطاقاتها البشرية.
الرسالة السابعة؛ إن المنطقة بما فيها من تنوّع مسيحي وإسلامي ستخسر دعماً كبيراً كان المسيحيون في العالم يقدمونه للعالم العربي والإسلامي، لا سيما فيما يخص القضية الفلسطينية، فقد دافع مسيحيو الشرق، لا سيما الذين يعيشون في الفاتيكان عن عروبة فلسطين بقوة وجدارة، وقد رفض الفاتيكان في حينها قرار التقسيم رقم 181 الذي صدر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1947 وهو ما ورد على لسان رئيس أساقفة نيويورك سبلمان SPELMAN انطلاقاً من فكرة مفادها أن أرض فلسطين كلّها مقدسة بالنسبة للمسيحية، وذلك بعد إعلان إنهاء بريطانيا انتدابها على فلسطين وإحالة القضية إلى الأمم المتحدة، كما رفض تحويل فلسطين إلى دولة يهودية كما ورد في رسالة وزير خارجية الفاتيكان للإدارة الأميركية ، وكان رأيه أقرب إلى دولة واحدة بأغلبية عربية.
إن اهتمام الفاتيكان والكرسي الرسولي بمستقبل فلسطين لم يكن بمعزل عن اهتمامهما بمستقبل المسيحية الشرقية والعربية، وهذا الموقف وضع الفاتيكان في صراع مباشر مع الغرب في حينها، فعلى الرغم من إدراكه أن «التوافق الدولي» كان وراء قيام دولة «إسرائيل»، وخصوصاً اعتراف الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة بها، ولم يكن بإمكان الأمم المتحدة تخطّي هذا «التوافق»، إلاّ أنه قرر اعتماد مواقف كنائس الشرق المسيحي بدلاً من التسليم بالموقف الدولي.
وقد انعكس موقف الفاتيكان آنذاك على دول كاثوليكية كثيرة مثل إسبانيا والبرتغال وإيرلندا، وكذلك على بعض دول أميركا اللاتينية، ولم يكن للفاتيكان وكذلك لهذه الدول علاقات مع إسرائيل حينها. وقد تمّ ذلك بعد توقيع اتفاقيات كامب ديفيد والصلح المنفرد بين مصر وإسرائيل 1978-1979. وهو الأمر الذي انعكس سلباً وأدى إلى إعادة علاقات نحو ثلاثين دولة أفريقية مع إسرائيل، كانت مقطوعة ما بين عام 1967 و1973 وما بعدها، إضافة إلى الدول الاشتراكية السابقة، وذلك أواخر عام 1989.
إن استهداف المسيحيين وكنائس الشرق على الرغم من مواقفهم المبدئية يثير أكثر من علامة استفهام حول القوى الضالعة والمستفيدة من تلك العمليات، وخصوصاً أن المسيحيين ليسوا طرفاً في الصراع الدائر على السلطة، وليس لديهم دعم أو حمايةً داخلية أو خارجية، فلماذا حصل ويحصل كل ذلك لهم، لا سيما في العراق؟.
حاول مؤتمر السينودس الذي انعقد قبل أسابيع في الفاتيكان برئاسة البابا بنيديكتس السادس عشر إثارة التساؤل المشروع حول مصير مسيحي الشرق، الذين سبق لهم وحددوا مواقفهم ومستقبلهم ومصيرهم الواحد والمشترك مع إخوتهم المسلمين في الوطن الواحد، فلماذا يتمّ تقسيمهم وفصلهم عن جسد أمتهم؟ ثم كيف لهم ولكنائسهم المساهمة في دورهم التنموي المأمول منهم طالما الشعور العام السائد هو التمييز والاستهداف؟
من هنا أرى أن الأمر يجب أن لا يكتفي بإدانة ما يحصل، بل يتطلب اتّخاذ مبادرة وطنية على مستوى الحكومات والشعوب تشارك فيها جميع التيارات الفكرية والسياسية والاجتماعية والمؤسسات الدينية الإسلامية وغير الإسلامية، وكذلك منظمات المجتمع المدني، لدعم الوجود المسيحي في الشرق وملاحقة المرتكبين وتقديمهم للعدالة.
كما يتطلب الأمر جهداً تشريعياً عربياً لتنقية القوانين والأنظمة السائدة عن كل ما له علاقة بالتمييز لأي سبب كان، وكذلك تدقيق المناهج الدراسية في المراحل المختلفة عن كل ما يسيء إلى المسيحيين أو ينتقص منهم، ويمكن للإعلام أن يلعب دوراً إيجابياً على هذا الصعيد بالدعوة لفقه التسامح وثقافة السلام والمساواة والمشترك الإنساني، ولفضح وتعرية النزعات الاستعلائية والنظرة الدونية - التشكيكية المسبقة.
إن عملاً حاسماً وسريعاً يتطلب تكاتف الجميع لتقديم كل أنواع الدعم المؤقت والدائم للمسيحيين، وتأكيد حقهم في الحرية وأداء الشعائر والطقوس الدينية أسوة بالمسلمين وغيرهم من دون أي تعرّض لأي سبب كان، وذلك يتطلب احترام حقوق الإنسان وتأكيد حق المواطنة المتساوية واحترام العيش المشترك والخصوصية والهوية الفرعية في إطار الهوية الموحّدة التي تقوم على التنوّع والتعددية.
إن رسالة تضامن عملية من هذا القبيل، تعني سحب البساط من تحت أرجل الجهات التي تريد تغذية الاسلامفوبيا ضد العرب والمسلمين، بل أكثر من ذلك سحب البساط من تحت أرجل القوى المتطرفة والمتعصبة التي تريد صبّ الزيت على النار ضد الغرب، باعتباره شرّاً مطلقاً، وعدم التمييز بين غرب حضاري وثقافي ومستودع للعلوم والتكنولوجيا والآداب والفنون والعمران والجمال، وغرب سياسي، له آيديولوجيات ومصالح ويريد فرض الهيمنة والاستتباع، على العرب مسلمين ومسيحيين وغيرهم.
وإذا كنّا قد تأخرّنا في الردّ على أحداث 11 أيلول (سبتمبر) الارهابية الإجرامية، وتعثرنا في الإصلاح والتنمية والديموقراطية ومكافحة التطرّف والتعصّب والغلو وهي الموجة التي شملت أوروبا الشرقية وأميركا اللاتينية في أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات، فقد دفعنا الثمن باهظاً، لا سيما بانكسار رياح التغيير عن شواطئ البحر المتوسط، ولعل أي تأخّر اليوم في الرد على استهداف المسيحيين سيحملنا أعباءً لسنا قادرين عليها اليوم أو غداً، وأعتقد أن موجة التغيير التي تعمّ العالم العربي اليوم لا بدّ من استثمارها بالطرق الصحيحة، لتعزيز التآخي بين المسلمين والمسيحيين وسائر التكوينات القومية والإثنية وعلى أساس المواطنة الكاملة والمتساوية.





334
الموجة الثالثة للتغيير
   
 
عبدالحسين شعبان
بدأت الانتفاضات العربية مثل الريح الخفيفة المُنعشة التي تسبق المطر، هكذا جاءت انتفاضة الياسمين في تونس وبعدها انتفاضة النيل في مصر، وأعقبتهما انتفاضات وإرهاصات واحتجاجات في ليبيا والجزائر واليمن والعراق وغيرها، حتى بدت الموجة الثالثة للتغيير الديمقراطي في العالم وكأنها غيمة تبسط جناحيها على العالم العربي من أقصاه إلى أقصاه وعلى وجه السرعة والحضور .

وإذا كانت الموجة الأولى للتغيير الديمقراطي قد شملت غرب أوروبا، لاستكمال التحوّل الديمقراطي في البرتغال المحكومة من الدكتاتور سالار وإسبانيا المحكومة من الدكتاتور فرانكو لما يقارب 40 عاماً، واليونان التي حكمها العسكر، فإن موجة التغيير الديمقراطي الثانية شملت أوروبا الشرقية التي توّجت بانهيار جدار برلين العام 1989 والإطاحة بالأنظمة الشمولية في بولونيا التي شهدت تمرّدات واحتجاجات نقابة تضامن منذ مطلع الثمانينيات وهنغاريا وألمانيا وصولاً إلى تشيكوسلوفاكيا وبلغاريا التي مرّت تحوّلاتها بسلاسة وسلمية، لكن التغيير اكتسب بُعداً دراماتيكياً ودموياً في رومانيا ويوغسلافيا، التي انقسمت إلى خمس دويلات، كان آخرها كوسوفو التي انفصلت عن صربيا العام 2008 وانضمّت إلى الأمم المتحدة، وقررت محكمة العدل الدولية في لاهاي أن انفصالها (استقلالها) لا يتعارض مع القانون الدولي، والاتحاد السوفيتي في العام 1991 الذي شهد هو الآخر انقسامات وحروباً ونزاعات ما يزال بعضها مستمرّاً .

كان مؤملاً أن لا تقف عاصفة التغيير الثانية عند شواطئ البحر المتوسط الجنوبية وأن لا تنكسر رياح الديمقراطية عند المنطقة العربية، خصوصاً أن الثورة الإيرانية أطاحت بنظام سلطوي عاتٍ العام ،1979 لكنها أقامت محلّه نظاماً توتاليتارياً شمولياً، أما تركيا فعلى الرغم من الانقلابات العسكرية، لاسيما انقلاب كنعان ايفرين في العام 1980 وما بعدها من دور وحضور للعسكرية التركية، فإنها شهدت تحوّلاً مهماً بصعود حزب العدالة والتنمية وهو حزب إسلامي معتدل إلى السلطة السياسية عن طريق صندوق الاقتراع، وشرع بإجراء تحوّلات نحو الديمقراطية، وما زالت التجربة على الرغم من اختلاف التقويمات بشأنها تثير اهتماماً كبيراً، لاسيما ما حققته من نجاحات تنموية في المجالات المختلفة .

لعل الفضاء الذي حققته الموجة الثالثة للتغيير الديمقراطي تختلف عن الموجتين الأولى والثانية، وذلك لأن العالم العربي هو الأكثر تخلفاً، لاسيما في سلّم التطور الديمقراطي، فضلاً عن أن المصالح الدولية، وخصوصاً للقوى المتنفّذة والمتسيّدة، ظلّت تريد إبعاد العالم العربي عن التغيير في أواخر الثمانينيات من القرن الماضي، لكي لا يختل توازن القوى لحكومات صديقة لها، لاسيما فيما يتعلق بالصراع العربي  “الإسرائيلي”، ف”إسرائيل” إضافة إلى النفط، هما أعزّ ما في الاستراتيجية الأمريكية لا على النطاق الإقليمي حسب، بل على النطاق الدولي أيضاً، وخصوصاً بعد تفكك الاتحاد السوفيتي وانهيار المنظومة الاشتراكية .

وإذا كان النفط محور الصراع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، فإن موقع العالم العربي الاستراتيجي، هو الآخر مسألة لا تستغني عنها الولايات المتحدة، حيث يشكّل جسراً بين الشرق والغرب وبين آسيا وأفريقيا وبينهما وبين أوروبا، ولعل هذه المكانة هي التي تجعله يحظى بمثل هذا الاهتمام، فضلاً عن قيمة موارده الطبيعية، وكان الرئيس أيزنهاور قد وصف الشرق الأوسط في مذكراته بأنه “أقيم قطعة عقار في العالم” .

لقد سادت انطباعات لحد القناعة لدى النخب الفكرية والسياسية الحاكمة والمحكومة، في المنطقة وإلى حدود كبيرة في الغرب كذلك، أن الشعوب العربية بسبب القمع المعتّق غير قادرة على النهوض لمواكبة التطورات الكونية، فهي ما تزال تقف في مرحلة ما قبل الدولة في الكثير من بلدانها، وتعاني من انقسامات دينية وطائفية واثنية وعشائرية، ولم تدخل عالم الحداثة والتكنولوجيا والعلوم بعد، في ظل شحّ الحريات وضعف الطبقة الوسطى، خصوصاً، أن الحكام تماهوا مع الدولة، التي تغوّلت عليها السلطة، وهم والسلطة تماهوا في التغوّل على الدولة والمجتمع على حد سواء . فاحتكر الحاكم السلطة وتصرّف بتعسّف لا نظير له فامتلك الإعلام والمال وهيمن على التجارة والسياحة والرياضة والثقافة، وأصبح هناك تداخل بينه وبين الحقل العام، ولا فرق في ذلك بين أنظمة الحكم الوراثية الملكية أو الجمهوريات “ الملكية  الوراثية” أو “الثورية العسكرية” أو غيرها .

يمكنني القول إن الجامع في الانتفاضات العربية هو التماثل في التوجّهات السلمية والشعارات المدنية والحشود المليونية، التي فاجأت الجميع، لاسيما استخداماتها للكومبيوتر والانترنت والفيسبوك والتويتر والهاتف النقّال، فضلاً عن الشجاعة المنقطعة النظير التي أبداها الشباب لكسر حاجز الخوف الذي انتقل من المحكومين إلى الحكام، الذين أخذوا يخشون شعوبهم لأول مرة، فلم يعد الاعلان عن عدم التوريث كافياً، أو عدم التجديد لولاية أخرى وارداً، بل بات إجراء إصلاحات جذرية بما فيها فحص وتدقيق موضوع شرعية الحكام والنظام السياسي أساساً، وإذا كانت الشعارات المطلبية قد سادت، فإن فيها الكثير من الواقعية والبرغماتية، خصوصاً موضوع البطالة، وشحّ الحريات، وقضايا الفساد، وغيرها .

وإذا كان لكل حاكم خصمه أو عدوّه، لكنه لا يمكن التغاضي عن وجود قانون طبيعي يتم سريانه على الجميع وهو “قانون التحوّل الديمقراطي” الثالث الذي بدأ مفعوله يدخل حيّز التنفيذ في العالم العربي، وخصوصاً بعد الزلزال المصري، وسواءً سار قطار التغيير بانسيابية أو بوجود منعرجات وتوقفات، الاّ أنه في نهاية المطاف سيصل إلى محطته الأخيرة، إن آجلاً أو عاجلاً، طالما أن القانون كوني وشامل، وبلا حدود، كما شاهدنا ذلك في الموجتين الأولى والثانية . هكذا يمكن قراءة المفاجأة في ضوء قانون التغيير!

باحث ومفكر عربي


335
الانتفاضة العراقية: استعصاءٌ أم استثناء؟

بقلم عبد الحسين شعبان

عندما بدأت موجة التغيير التي اجتاحت البلدان العربية، منتقلة من عاصمة الى أخرى ومن مدينة الى ثانية، لم يكن العراق إستثناءً، فقد شهد الوضع العراقي، وبغضّ النظر عمّا سبّبه الاحتلال من تدمير للدولة العراقية ومرافقها ومؤسساتها، وخصوصاً بعد حل الجيش وانفلات الوضع الأمني، حراكاً وديناميكية غير معهودين، لاسيما بعد نظام شمولي دام ما يزيد عن ثلاثة عقود من الزمان، واتّخذت الحركة الاحتجاجية السلمية شعارات مطلبية وواقعية تتعلق بصلب الاحتياجات الحياتية والانسانية ودون ضجيج آيديولوجي مثلها مثل انتفاضات تونس ومصر واليمن وليبيا والجزائر والبحرين والاردن وعُمان وغيرها، وشهدت المحافظات والمدن العراقية من البصرة وحتى السليمانية والموصل، فضلاً عن الفرات الأوسط وبغداد والرمادي وغيرها تحركات واسعة.
وعلى الرغم من أن الشعب العراقي جرّب سلاح الانتفاضة في العام 1991، ردّاً على  مغامرة غزو الكويت وهزيمة الجيش العراقي، حين اندلعت حركة احتجاجية وغضب شعبي شمل 14 محافظة كادت تطيح النظام السابق بعد توقيع اتفاق مذل في خيمة صفوان، لكن مساومة دولية حصلت ومفاجأة من جانب "قوات التحالف"، أضف الى ذلك أن إيران وبعض القوى المتعاونة معها استثمرت الهبّة الشعبية الهائلة ورفعت بعض الشعارات الطائفية، التي استفزّت أوساطاً غير قليلة شعبياً، ناهيكم عن دور بعض دول الجوار الاقليمي الذي لم يكن متهيئاً للتغيير، الأمر الذي سهّل مهمّة قمع الانتفاضة.
ويبدو أن ما قرّره اجتماع باريس أواخر العام 1990 بخصوص ما سمّي بالنظام الدولي الجديد، وبعده اجتماع برلين في حزيران العام 1991 (بُعيد تحرير الكويت وتدمير العراق) من توجّهات بخصوص التعددية والانتخابات وسيادة القانون في ظل توجّه ديموقراطي على المستوى العالمي، لم يكن قد وضع موضع التطبيق، لا فيما يتعلق بالعراق حسب، بل بمشروع التغيير الديموقراطي في المنطقة ككل، وعند أول بادرة للتغيير تم اكتشاف هزاله وزيفه أيضاً.
ولعل التنظيرات للتغيير الديموقراطي، بعد ورطة واشنطن في كابول العام 2001 وبغداد العام 2003، اتّخذت شكل دعوة الى شرق أوسط كبير، وبعد حرب تموز الاسرائيلية ضد لبنان، طرحت كوندوليزا رايس مشروع "الشرق الأوسط الجديد"، لاسيما بعد تهيئة الأجواء من خلال تنظيرات "نهاية التاريخ" التي جاء بها فرانسيس فوكوياما وصدام الحضارات لصاحبها صموئيل هنتنغتون التي ارتفعت وتيرتها بعد اطاحة أنظمة أوروبا الشرقية، وصعود موجة الارهاب الدولي، التي تعكّزت عليها واشنطن بعد أحداث 11 أيلول الارهابية الاجرامية العام 2001 لشن حرب كونية.
وبقدر ما يتعلق بالتجربة العراقية، فقد تمكّنت الولايات المتحدة من الاطاحة بالنظام الديكتاتوري السابق، لكنها لم تستطع بناء نظام ديموقراطي على أنقاضه، فضلاً عن ذلك فإن أزمتها العالمية اقتصادياً ومالياً، وهي جزء من دورة النظام  الرأسمالي العالمي المستفحلة، قد تعمّقت بسبب الغرق في المستنقع العراقي، حيث كلفتها الحرب أكثر من 3 تريليونات دولار وأكثر من 4400 قتيل وأكثر 22 ألف جريح حسب الأرقام المعلنة من جانب وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون)، الأمر الذي دفعها للهروب الى الأمام بعد توقيع اتفاقية مع العراق نقلت فيه الاحتلال العسكري الى احتلال تعاقدي، وستضطر الى الانسحاب من العراق في نهاية 2011، مع أن احتمالات البقاء واردة، بقوة عسكرية مؤهلة وقواعد لا تزال مؤمّنة ومحميّة، ولكن ذلك يمكن أن يتم بتوقيع اتفاقية جديدة مع العراق وفي ضوء التطورات الجديدة.
لا يمكن للولايات المتحدة اليوم القول أنها بنت نظاماً ديموقراطيا في العراق، حتى وإن جرت انتخابات وأبرم دستور جديد، احتوى بعض المبادئ الديموقراطية الايجابية، لكن فيه الكثير من الألغام التي يمكن أن تنسف الإيجابيات الواردة فيه، فضلاً عن القيود الكثيرة، بما في ذلك نحو 50 مادة تحتاج الى إصدار قانون، وينتظر الدستور تعديلاً لا يزال مسكوتاً عنه.
وقد تفاقم الفساد الى درجة مريعة واحتّل العراق الصدارة بين دول العالم في تقارير منظمة الشفافية الدولية، وارتفعت موجة العنف الطائفي والمذهبي والاثني الى درجة تشظّي المجتمع العراقي، لاسيما في ظل وجود الميليشيات المعلنة أو المستترة، ناهيكم عن جماعات الارهاب الخارجة عن القانون، بما فيها تنظيمات "القاعدة" الارهابية، واستمرت معضلة الخدمات، فالماء الصافي شحيح والكهرباء لا تزال غائبة في معظم الأوقات، والبطالة تضرب أطنابها، والحكومة معوّقة على الرغم من إجراء الانتخابات منذ آذار2010، وبعد ولادة عسيرة دامت أكثر من عشرة أشهر لا تزال الوزارات الامنية فارغة، فأي انجازات ديموقراطية يمكن الحديث عنها؟ ولعل صندوق الاقتراع وحده ليس مؤشراً أو دليلاً على الديموقراطية، إنْ لم يقترن بالمساواة والمساءلة وسيادة القانون والمواطنة السليمة والحريات والعدالة.
لقد حذّر رئيس الوزراء العراقي من التظاهر، لاسيما من المندسين وخصوصاً تنظيمات "القاعدة" والبعثيين، وذلك في محاولة لإجهاض التحرك الذي يطالب باستعادة الخدمات ومحاربة الفساد ومساءلة المفسدين وإيجاد فرص عمل للعاطلين وتقليل رواتب المسؤولين وتحسين مفردات الحصة التموينية وغيرها. وإذا كان ذلك مفهوماً و"مبرراً" لأي حاكم يلتجئ اليه، وإنْ كان غير مبرّر، فالدستور على الرغم من نواقصه وعيوبه يكفل حق التظاهر السلمي، وأي تجمّع سواءً كان لزيارة المراقد أو لمناسبة عاشوراء أو غيرها يمكن أن يؤدي الى انضمام مندسّين، الأمر الذي لا يستوجب إلغاءها من جانب المعنيين سواءً الحكومة أو رجال الدين المتنفّذين وما يطلق عليهم اسم "المراجع العظام" والمقصود أربعة أساسيين هم آيات الله: السيد علي السيستاني، والسيد محمد سعيد الحكيم، واسحق فياض، وبشير نجفي.
ومرّة أخرى أقول إذا كان موقف رئيس الوزراء مفهوماً، فموقف المرجعية غير مفهوم أو لا يزال ملتبساً ويتراوح بين التأييد والتنديد، وبشكل عام ظلّ ضبابياً، من خلال تصريحات الناطقين باسم السيستاني، وأعني بهما الكربلائي والصافي، اللذين ظلاّ على مدى شهرين يحرّضان بشدّة للدفاع عن بعض المطالب الشعبية مثل عدم استحداث المزيد من المناصب الحكومية لمنع ترهّل الدولة وأجهزتها ويتحدثان عن سوء الخدمات وتفاوت الرواتب واستشراء الفساد والبطالة وعدم التلاعب بمفردات البطاقة التموينية، وهو أمر إيجابي، تبنّاه أيضاً المجلس الاسلامي الاعلى وجماعة السيد مقتدى الصدر وقوى دينية أخرى، لكنه عاد عشية تظاهرة 25 شباط  الى إصدار تحذير من الاندساس ووضع شروطاً تقترب من الامتناع عن المشاركة، وهو ما جاء متناغماً مع تصريحات رئيس الوزراء، وقبل ذلك دعا السيد مقتدى الصدر الى تأجيل الاحتجاجات لمدة 6 أشهر لإعطاء فرصة للحكومة.
وإذا كانت التظاهرات قد نجحت في لفت النظر على الرغم من العقبات التي وضعت في طريقها وإغلاق الطرق والجسور والاعتقالات، التي شملت بعض الصحافيين، وتوقيعهم على تعهدات تذكّر بتعهدات النظام السابق، وأكّدت استمرارها وتجددها، الأمر الذي اضطرّت معه المرجعية الى التأكيد على لسان من يمثلها أنها مع شرعية التظاهرات إذا ما حافظت على الإطار السلمي دون نسيان التعبير عن قلقها، وشكرت المتظاهرين كما شكرت الذين لم يتظاهروا، بمعنى من استجابوا اليها، ودعت حكومة المالكي الى تقديم الخدمات والاستماع الى المطالب، وقال من ينطق باسمها أن المرجعية طالما حذّرت الحكومة من خطورة هذا الاداء، ولقد صبر الناس طويلاً.
أستطيع أن أتفهم حراجة موقف المرجعية التي دفعتها الأحداث الى إبداء رأيها والنطق بعد اضطرار طويل الى الصمت في زمن النظام السابق، كما أقدّر حرصها على حماية  الأرواح والممتلكات، فهو أمر مشروع ومفهوم، خصوصاً إزاء محاولات الاندساس والعبث، ولكن مثل هذا الأمر قد يحدث أيضاً خلال الزيارات للمراقد وفي المناسبات الدينية، لكنها لم تتخذ الموقف ذاته، علماً أن القضية لا تتعلق هذه المرة بطقوس أو شعائر أو روحانيات، بل إن المسألة تتعلق بصميم حياة الناس واحتياجاتهم الانسانية، لاسيما الضرورية والاساسية.
وسبق للكربلائي ممثل السيستاني أن أجاب على سؤال بخصوص تلك المناسبات التي تكرّس لها الدولة كل طاقاتها، وتتعطل الدراسة أحياناً، وأحياناً أخرى تتعطل دوائر الدولة ومؤسساتها ويُستنفر الجهاز الأمني بالكامل وغير ذلك، قال و" إذا تعطلت الدولة "، فالأمر يستحق ذلك، ولكن ألا تستحق الخدمات والفساد والبطالة تسخير كل شيء في الدولة من أجلها، والضغط على الحكومة لتحقيقها، خصوصاً بعد مرور 8 سنوات على الاحتلال؟ ثم ألا يستحق ذلك دفع الناس للتظاهر حتى تستجيب الحكومة لمطالبهم أو تتنحّى إنْ لم تكن قادرة؟
الغضب العراقي ليس استثناءً كما أنه ليس استعصاءً، فقد شهد التاريخ العراقي احتجاجات كاسحة، ولم يصغ الشارع سوى لعقله وضميره ولحاجاته الانسانية والحياتية، فقد أطاحت الاحتجاجات معاهدة بورتسموث العام 1948 وأسقطت حكومات وقادت انتفاضات وثورات في العام 1952 و1956 و1958، وكادت انتفاضة العام 1991 تطيح النظام السابق لولا تعرّضها لمحاولات تحريف وتجويف ومساومة ومؤامرة ولم تكن للمرجعية حينها الدور الذي تلعبه اليوم، فعسى أن نقرأ التاريخ جيداً!؟

(باحث عراقي)


336
رسالة من منصور الكيخيا إلى المثقفين العرب
   

عبد الحسين شعبان

رسالة من منصور الكيخيا إلى المثقفين العرب
د. عبد الحسين شعبان
اختفى المعارض الليبي البارز منصور الكيخيا قسرياً من فندق السفير في القاهرة منذ مساء 10 كانون الأول (ديسمبر) العام 1993، وكان الكيخيا يُشارك في المؤتمر الثالث للمنظمة العربية لحقوق الإنسان بدعوة رسمية، حيث كان عضواً في مجلس أمناء المنظمة وأحد مؤسسيها. كرّس الكيخيا السنوات الأخيرة من حياته وقبيل اختفائه لمتابعة قضية الحريات وحقوق الإنسان، بعد استقالته من منصبه كممثل دائم لليبيا في الأمم المتحدة في نيويورك.
يومها حامت الشبهات حول تواطؤ مصري - ليبي، خصوصاً بين الأجهزة الأمنية، وكان الرئيس المصري السابق حسني مبارك والذي يعرف الكيخيا جيداً، وسبق له أن استقبله كرمز معارض في العام 1989، يوم كانت العلاقات المصرية - الليبية متوتّرة، قد قال عنه عقب اختفائه ردّاً على سؤال أحد الصحافيين: ومن يكون منصور الكيخيا؟.. أهو سوري؟ وفي الوقت ذاته، وبعد اختفاء الكيخيا بيومين فقط، أصدرت السلطات الليبية بياناً أعلنت فيه عن هدر دم المعارضة، وأطلقت عبارة «الكلاب الضالة» على المعارضين.
من وحي هذه المناسبة الحزينة، نشر كاتب هذه السطور مقالة بمناسبة الذكرى الأولى لاختفاء الكيخيا، وهي عبارة عن رسالة افتراضية من منصور الكيخيا إلى المثقفين العرب، وعلى الرغم من مضي أكثر من سبعة عشر عاماً على تلك الرسالة، فإن ما ورد فيها يصلح نشره بالنص استذكاراً وعِبرَةً، وفي الوقت نفسه فإن استعادة المقالة هي تحية للشعبين المصري والليبي ولشباب الانتفاضتين، فحين تمجّد الضحية بوضح النهار بنقاء، يتهاوى الجاني أو المتستر عليه مُضرَّجاً بما فعلته يداه في الخفاء.
لعل كلمة «ثقافة» هي الأكثر استفزازاً وإزعاجاً للحكام الطغاة على مرّ العهود. وغالباً ما حاول هؤلاء، وتحت ذرائع مختلفة، تطويع المثقف سواء بكسر شوكته أو ترويض وسيلته الإبداعية بتسويغ خطاب السلطة و«أدلجة» وجودها وتبرير أعمالها، أو باستخدام مقصّ الرقيب والمحاربة بالرزق مروراً بالنفي والسجن، بل والتغييب!
وسلطة الاستبداد دائماً، سواء باسم «القومية» أو «الطبقية» أو «الدين» أو تمثيل الشعب «كل الشعب» تريد اصطياد المثقف، إنْ لم يكن بالإقناع فلا بدّ من اقتناصه بالاقتلاع، بكأس ثاليوم أو بكاتم صوت أو بالاختطاف أو الاختفاء القسري.. أي مصادرة الحياة بعد مصادرة الرأي وحق التعبير وإضفاء الواحدية والإطلاقية والشمولية على فكر المجتمع، أكان ذلك عبر كتاب «كفاحي» أو «الكتاب الأحمر» أو «الكتاب الأخضر» أو عبر أي قالب ووصفة جاهزة. ولمّا كانت الثقافة بطبيعتها متنوّعة ومنفتحة ومتعدّدة المشارب والأذواق ومختلفة المنابع والمصادر، فقد ناصبها الحكّام المستبدّون، أيّاً كان لونهم وجنسهم وعقيدتهم، العداء، فشعور الذعر والهلع الدائم هو هاجسهم المستمرّ.
ولهذا تُستنفر قوى الجهل والظلام للخلاص من المثقفين متوهّمةً بأن فرض سيادة الصوت الواحد واللون الواحد، بالكرباج أو الجزمة أو بالوعد أو بالمال، لإسكات الضحية أو تطويعها أو تحويلها إلى مهرّج لا تعرف غير التسبيح بحمد «السلطة» وفي نمط الفن والكتابة والشعر، لا يمتّ إلى الإبداع بوشيجة، بل لتكريس مجد «القائد» وحكمته.
هذا ما أجبر غاليليو على تجرّع كأس السم، ومع ذلك ظلّت الأرض تدور! وكان غوبلز وزير الدعاية النازي يدرك قيمة الكلمة الحرة، لذلك ظلّ يمارس الكذب ثم الكذب لكي يقنع نفسه بتضليل الآخرين، وكان مدير مسارح الريخشتاغ هانز يوست يقول: «كلما سمعت كلمة ثقافة فإنني أتحسّس مسدسي»! ومع ذلك كان بريخت يردد: «ربما يصبح الحديث عن الشجر جناية، فكيف إذا كان السكوت عن جرائم كثيرة»... وعلى الرغم من محاولات «التدجين» و«الترويض» و«الاقتلاع» لم تُنكّس راية الثقافة في حين هوت النازية وأُلقيت أرضاً.
يوم سقط حسين مروة مضرّجاً بدمائه وقف مهدي عامل مودّعاً زميله أمام ضريح السيدة زينب في دمشق مخاطباً المثقفين بالقول: «إذا لم توحّدنا الثقافة بوجه الظلام والتخلّف وكاتم الصوت فماذا سيوحّدنا بعد؟» لم يدر بخلده أنه سيكون الضحية التالية، بعد مروّة بثلاثة أشهر. وسبقه خليل نعوس وسهيل طويلة ولم يكن الأخير بالطبع. وستظل أسماء مثل غسان كنفاني وكمال عدوان وكمال ناصر وماجد أبو شرار وناجي العلي وراغب حرب وفرج فودة والطاهر جعوط ويوسف فتح الله وخوجلي العثمان وعشرات غيرهم دليلاً على ذعر سلطات الاستبداد وقوى التطرّف من أصحاب الرأي ومن الثقافة والمثقفين، حتى وصل الأمر إلى أن تمتد سكين حاقدة إلى رقبة الأديب الكبير نجيب محفوظ.
كان أقطاب 8 شباط (فبراير) 1963 يتنزّهون في «قصر النهاية» السيئ الصيت، يبحثون عن ذلك الشيطان القابع في أعماق عدد من المعتقلين، عن تلك الكلمة اللعينة «الثقافة» التي يعرفون خطرها، ولذا فهم يناصبونها «العداء» وينزعون روحها وأرواح حامليها. فهؤلاء شعراء لا يجلبون سوى النكد والثورة، وأولئك كتّاب وصحافيون يعرفون كيف ينتقدون وكيف يحرّضون. أما الفنانون فإنهم لا بدّ أن يستخدموا السخرية وسيلة للمقاومة. لا بدّ إذن، من تصفية الحساب... هكذا قُتل عبد الرحيم شريف وعبد الجبار وهبي «أبو سعيد» ومحمد حسين أبو العيس وحسن عوينة وعدنان البراك وعشرات آخرون. وأُرغمت كوكبة لامعة من خيرة المثقفين على توقيع صكوك إذعان هي أكثر عاراً على الجلادين أنفسهم وشهادة براءة للضحية التي لا تزال تؤشر بإصبع الاتهام.
وعندما اعتلى أحمد حسن البكر السلطة العام 1968 استحكم صدام حسين في غرفة العمليات ولم تكن سوى «مكتب الثقافة والإعلام» و«مكتب العلاقات العامة»، أي سلطة الأيديولوجيا وسلطة القمع، فقد كان يدرك حقاً أهمية ترافق القمع الأيديولوجي المنظّم والتخريب النفسي والروحي وشراء الذمم، مع القمع البوليسي الفاشي، وإذلال الخصم وإكراهه للتخلي عن معتقده والإقرار بالفكر الوحيد الممكن الجدير «فكر السلطة». أما استخدام مبدأ الوعد والوعيد، العقاب والثواب، فتلك النظرية ظلّ الحكم مغرماً بها متخطياً نطاق العراق، إلى النطاق العربي والعالمي، فظهرت الصحف والمجلات بل المؤسسات ومراكز الأبحاث، وكلها كانت تُدار من جانب أشخاص ليسوا بعيدين عن أجهزة القمع الرسمية.
ويوم تسلّم الموقع الأول في الحزب والدولة، كما يحلو له أن يقول، ارتفع عدد ضحايا الثقافة... وهكذا اختفى الدكتور صفاء الحافظ والدكتور صباح الدرة، وبعدهما اختفى الإمام محمد باقر الصدر، وأخته بنت الهدى، ولحق بهم عايدة ياسين وأسعد الشبيبي ودارا توفيق وغيرهم عشرات، بينما ذاق الآلاف من المثقفين مرارة التعذيب والسجن والنفي.
بشر بلا قلوب أو قلوب بلا رحمة... دماء وسكاكين ودموع... الجلاد واحد وإن تعدّدت الوجوه وإن تنوّعت الضحايا واتّسعت قائمة المخطوفين والمختفين... هكذا ذُوّب جسد فرج الله الحلو ومات تحت التعذيب في زنازين مظلمة شهدي عطية الشافعي وصعد إلى المشنقة فهد وعبد الخالق محجوب، واختفى إلى يومنا هذا منذ ثلاثة عقود المهدي بن بركة وضاع أثر الإمام موسى الصدر، ولم تكشف التحقيقات عن مصير عزت المقريف وجاب الله مطر، وما زالت القوات الإسرائيلية «تصطاد» كلما رغبت في صيد ثمين من جنوب لبنان وكان آخر صيد لها هو مصطفى الديراني.
وإذا كان الدور قد وصل إلى منصور الكيخيا، فذلك لأن أصواتكم بل أصواتنا جميعاً لم تصل لتشق عنان الصمت وتمزّق الخنوع!
أتصوره، يخاطبنا من مكان اختفاء لا أحد يعرفه، بكل رقّة وحياء، قائلاً: «لا أدعوكم للدفاع عنّي، بل للدفاع عن حقوقكم في التعبير عن الرأي والمعتقد والتنظيم وحقكم في المشاركة السياسية بإدارة شؤون بلدكم».
أيها المثقفون العرب أدعوكم للدفاع عن حقوقكم الأساسية كبشر أولاً، لكم الحق في الحياة والعيش بسلام وحرية، وعن حقكم في ضمان مستقبل أطفالكم في التعليم والصحة والتمتع بمباهج الطفولة... عن حقكم في حياة خالية من الخوف والعسف والتعذيب.
أدعوكم لاستخدام سلاح الثقافة الماضي وشحذ الفكر للدفاع عن سلطتكم... إنها رمز قوتكم وعنصر ضعف السلطات الحاكمة، إن سلطتكم تتجسّد في معرفتكم، في ثقافتكم ، وإذا ما تخلّيتم عنها ستقعون صرعى إمّا بسهم جلاد، سيقطّع لحمكم وأوصالكم أو سكين شايلوك أو كيس نقوده... ومن يتخلّ عن وسيلته الإبداعية، عن سلطته، لكي يبرّر أو يزوّق أو يسوّق خطاب الطاغية يتخلّ عن ثقافته.
أدعوكم أيها الزملاء لتصونوا سلطتكم، لتكونوا جديرين باسم الثقافة، باسمكم كحالمين، كمشروع تغيير وتجديد، لكم تحياتي وقبلاتي وباقة ورد حمراء حتى نلتقي! (12/12/1994).
أظن أن رسالة الكيخيا قد وصلت إلى الشباب الحالم الجميل ليس في ليبيا فحسب، بل إلى تونس ومصر والجزائر والعراق واليمن والبحرين والأردن وبالطبع إلى فلسطين، ولعل بعض صداها تحوّل إلى شعارات للحرية والحقوق والعدل، في انتفاضات سلمية ضد الاستبداد والإرهاب والاحتلال والفقر والفساد، فعسى أن يدخل عالمنا العربي الذي وحدتّه انتفاضات الشباب، إلى فضاء الحداثة والمعرفة!!





337
منتدى الأربعاء في مؤسسة الإمام الحكيم
حول
"اشكالية الهوية والمواطنة في العراق"

بدعوة من مؤسسة الإمام الحكيم وفي إطار نشاطات " منتدى الأربعاء" عقد لقاء حواري تحت عنوان " إشكالية الهوية والمواطنة في العراق" تحدث فيه المفكر الأكاديمي العراقي عبد الحسين شعبان وحضر اللقاء حشد من الشخصيات والفعاليات الدينية والسياسية والثقافية اللبنانية والعراقية وقدّم اللقاء وأداره المحامي الأستاذ بلال الحسيني والذي أشار لإشكالية الهوية والمواطنة في عالمنا المعاصر في ظل احتدام الصراع بين الهويات الكبرى والصغرى والهويات القوية والضعيفة والهويات الأساسية والهويات الفرعية. ولكن هل يمكن الحديث عن هوية كاملة أو ثابتة أو أن الهوية تخضع للتغيير وفقاً للتطورات والمتغيرات؟ وكذلك هل يمكن الحديث عن مواطنة كاملة وبدون تمييز رغم الكثير من المشاكل تحت عناوين مختلفة. وأن التجربة العراقية الحالية تطرح الكثير من الأسئلة والإشكالات حول الهوية والمواطنة في ظل التنوع والتعدد الطائفي والمذهبي والعراقي، وهذا ما سيحرص غلى إثارته ضيفنا الكريم الدكتور عبد الحسين شعبان.
ثم تحدث الدكتور شعبان ومما قاله:
بداية أتقدم بالشكر الجزيل لمؤسسة الإمام الحكيم لدعوتها لي ولفتح الباب أمام نقاش وحوار حول قضية أساسية من صميم الشأن العراقي.
وتساءل في البدء: هل الهوية أرخبيل مفتوح أم بركة مغلقة؟ وهل الهوية جوهر قائم بذاته أم تتأثر بما حولها؟ وهل الهوية كاملة سرمدية ومعطى أبدي أم أنها متحركة؟ هل هناك هوية واحدة أم هويات متعددة؟ وإذا كانت الهوية متغيرة: هل التغيير يأتي دفعة واحدة؟ وهل تتفاعل الهويات فيما بينها وهذا ما أسماه أمين معلوف "الهويات القاتلة"؟.
الحديث عن الهوية حديث ذو شجون ولا سيما في دول العالم الثالث. وهناك اشتباك في الحديث عن الهوية والمواطنة والجنسية والوطن. وهناك تداخل بين الهوية والفكرة السياسية والعقائد والمناهج.
وأضاف "هل لدى كل شخص هوية واحدة أم لديه هويات متعددة؟ وأي هوية هي الهوية الغالبة؟ وربما بمحض الصدفة اجتمعت فيَّ أغلبيات كثيرة، فالأغلبة العراقية هي مسلمة (وأنا مسلم).
وأنا عربي وأغلبية العراقيين من العرب (80%)، وإذا أراد البعض أن يصنفني من ناحية مذهبية فيمكن تصنيفي في إطار الأغلبية المذهبية. ويستطيع المرء أن يتبنى هوية من هذه الهويات فيقول أنا مسلم وأنا عربي أو أنا يساري أو أنا شيعي. فعن أي الهويات يمكن الحديث سواء على المستوى الفردي والجماعي؟ ولمن تكون الغلبة في ظل هذا التعدد من الهويات؟ البعض يقول أن هويته إنسانية عابرة للطوئف والاثنيات، ويمكن أن يشكل الدين واللغة أساساً للهوية؟ مع العلم أن الدين والهوية متحركان في الواقع من خلال الفهم والتفسير.
وتابع " أن جدل الهويات ازداد بعد انهيار المعسكر الإشتراكي في أواخر الثمانينات، وبدأنا نشهد موجات دينية وقومية وإثنية، وبدأت تبرز أشكال من التميّز والخصوصية، سبب الإضطهاد والكبت والضغوط. والناس يسعون للتحرر والبحث عن الإستقلالية سواء باسم الدين أو اللغة أو القومية...
وبعد أن استعرض رؤيته حول الإشكاليات المتعلقة للهوية ودعوته للمساواة بين المواطنين أكد الدكتور شعبان" أن السبب الرئيسي للصراع بين الهويات هو العمل لإلغاء الخصوصية، وإن أي إنسان مضطهد يعمل لمواجهة الإضطهاد باثبات هويته الخاصة".
وأما عن الوضع العراقي فقال " أن العراق عانى من ثلاث مشكلات أساسية حول الهوية:
1.   المشكلة الكردية وعدم الإعتراف بالأكراد وحقوقهم.
2.   المشكلة الثانية تتعلق بالطائفية. ووجود قوانين تميّز بين المواطنين على ضوء شهادة الجنسية. ووجود درجتين من الجنسية (أ وب). وما ترك ذلك من مشاكل كبيرة عى صعيد تهجير مئات آلاف المواطنين لآسباب مختلفة.
3.   ضعف البنى والتراكيب الهيكلية والحكومية والدولتية منذ العام 1925 ووضع أول دستور عراقي وما طرأ بعد ذلك من تطورات أدت لزيادة التدخل الأجنبي في السياسة العراقية.
وهذه المشكلة أدت لبروز الصراع على الهويات في العراق والذي ازداد وكبر بعد الحرب العراقية – الإيرانية والتي أدت إلى تهجير حوالي نصف مليون عراقي تحت عناوين الهوية".
وتساءل الدكتور شعبان: هل هناك هويات متنوعة في بلد واحد؟ وهل هناك عناصر ثابتة وأساسية في تشكيل الواحدة في اللغة والدين؟ وأجاب: نحن نعيش في عصر جديد وأصبحت الهوية متعددة المستويات؟ والمجتمعات المتقدمة بدأت تقدم حلولاً لتنوع الهويات، وذلك بسبب احترام حقوق الجميع، وغياب البعد الاستئصالي والعنفي تجاه الآخرين، مع أننا نشهد بروز بعض المشكلات في بعض الدول مثل يوغوسلافيا وإيرلندا وكندا والإتحاد السوفياتي (سابقاً) وبلجيكا. وأن أية محاولة لفرض هوية على الآخر ستؤدي إلى تشديد الإنتماء الخاص للآخر، وعلينا أن نعمل للإعتراف بالآخر وهويته وانتمائه".
وعلينا العمل لمعالجة هذه المشكلات من أجل التوصل إلى حلول لمشكلة الهوية والمواطنة في العراق".
وبعد انتهاء مداخلة الدكتور شعبان دار حوار ونقاش بينه وبين الحضور حول العديد من القضايا والاشكاليات التي طرحها.
وقدم أمين عام المؤسسة سماحة السيد علي الحكيم مداخلة تساءل فيها عن أسباب الحملة على الإسلاميين أو على الدين بزعم أنهم يسعون إلى إقامة حكم إسلامي واتهام هؤلاء بالفاشية.
وأضاف: إن اتهام الإسلامي بالإستبداد غير صحيح، لأن الاستبداد يمكن أن يقوم به أي شخص سواء كان بعثيا أو فاشيستيا أو شيوعياً أو قومياً. وأن الاستبداد ناتج عن غياب الديمقراطية وعدم احترام العقد الإجتماعي. وأن تطبيق العقد الإجتماعي هو الذي يمنع حصول الإستبداد".
وأنا أتساءل ماذا يعني إسلامي؟ أنا مسلم صحيح، وإن "مصطلح الإسلامي" يهدف للقيام بنوع من التخويف من الإسلام والإنتماء له؟
وتساءل الدكتور عصام نعمان: هل أن الثورات والإنتفاضات التي تنطلق اليوم في الوطن العربي ستؤدي إلى تراجع الأجواء المذهبية؟ وما هي السبل من أجل إزالة الصراعات المذهبية سواء على مستوى الحكام أو على مستوى الشعوب؟
وجواباً على ذلك اقترح الدكتور عبد الحسين شعبان: وضع قانون في العراق يؤدي لتحريم الدعوة الطائفية لمنع استمرار الأجواء الطائفية ولمحاسبة من يقوم بهذا العمل الذي يعتبر جريمة بحق الوطن والمواطنين.
وقدّم المفتي الجعفري العلاّمة الشيخ عبد الكريم شمس الدين مداخلة أكد فيها على الإنتماء الإنساني في الرؤية الإسلامية، وأن هذا الإنتماء يدعو للتعاون بين الناس ونشر المحبة والتعامل على أساس متساوٍ وأن هذا هو الإطار الذي يمكن أن يساعد لمعالجة الإتجاهات التعصبية أو المذهبية في أي بلد أو وطن. وأن التركيز على التربية الإنسانية يساعد على منع الإحتدام والصراعات الأيديولوجية. وليس هناك مانع من وجود تعدد أيديولوجي وحصول التعايش الإنساني.
وتحدث الشيخ دانيل عبد الخالق ممثلاً شيخ عقل طائفة الموحدين الدروز حول أهمية العمل لتعزيز روح المواطنية في أي بلد عربي من أجل من التدخلات الأجنبية، واستغرب استمرار الحملة على رجال الدين وتحميلهم مسؤولية كل المشاكل والحروب والصراعات.
كما قدّم الشيخ مسلم الربيعي بعض الأسئلة والاشكالات حول الهوية والمواطنة، وأجاب المحاضر على جميع الأسئلة والمداخلات.
بيروت
10/3/2011

338
مركز دراسات الوحدة العربية
حلقة نقاشية
21/2/2011-بيروت



مصر الى أين ؟

تونس- مصر: أسئلة ما بعد الانتفاضة!


عبد الحسين شعبان*




ــــــــــــــــ
•   أكاديمي وباحث عراقي
-1-
إستذكرتُ، وأنا أتابع الأخبار العاصفة هذه الأيام في تونس ومصر وغيرهما، الكاتب والروائي العراقي الراحل شمران الياسري، المشهور باسم "أبو كَاطع" الذي كان  يردد أحياناً، وبين الجد والهزل، توصيفات يقول إن لا أساس لها في علوم السياسة، مثل "الفاشية الريفية" أو "الفاشية البدوية"، وذلك بعد عجزه عن إيجاد تفسيرات للظواهر الجديدة التي كان المجتمع العراقي يعيشها في سبعينيات القرن العشرين، ولاسيما بعد فورة النفط، خصوصاً تماهي الحكم مع البزنس مصحوباً بالعنف والتخلّف والبيروقراطية الطفيلية الكسولة، لا فرق في ذلك بين ما إذا كانت السطوة لدور القطاع العام أو لدورة الانفتاح الاقتصادي اللاحقة، ما دام ذلك يشكّل مراكز ثقل السلطة في العوائل الحاكمة التي تمسك بيدها الثروة أيضاً، وتتحكّم في شؤون التجارة، خصوصاً الاستيراد والتصدير، والسياحة والرياضة والثقافة، وقبل كل شيء، في الموارد الطبيعية.
ما تناقلته الأخبار عن امتلاك الرئيس التونسي زين العابدين بن علي ثروة تبلغ نحو 30 مليار دولار أمريكي، وامتلاك الرئيس المصري محمد حسني مبارك نحو 70 مليار دولار أمريكي أيضاً، وتحكّم عائلة بن علي وزوجته ليلى طرابلسي وعائلتها، إضافة إلى تحكّم أبناء الرئيس المصري، يحتاج إلى تفسيرات جديدة لتوصيف الجمهوريات التسلطية التي احتكرتها عوائل الحكّام وحاشيتهم لتحقيق هذه الثروة، لدرجة يصعب توصيفها إلاّ على طريقة "أبو كَاطع"، فنظاما بن علي ومبارك أخضعا الدولة وثرواتها، باسم الانفتاح والاقتصاد الحر لسلطة الأبناء والأقرباء والأنسباء، إلى حدّ أن السلطة أصبحت تعادل الدولة، وهذه الأخيرة هي:  "دولة العائلة الرأسمالية وحواشيها" التي أصبحت ثرواتها أكثر من ميزانية الدولة بقضّها وقضيضها، لاسيما وأن "النخب الحاكمة- النخب المالكة" ساقت البلاد والعباد أكثر من جيلين نحو جمهوريات وراثية- عائلية، كانت الهوّة فيها تزداد اتّساعاً بين شعوب تعاني من الحرمان وحكام يتقيأون تخمةً.
-2-
لقد طرحت الانتفاضتان التونسية والمصرية أسئلة جديدة هي بحاجة إلى دراستها والتوصّل إلى استنتاجات بخصوصها، لاسيما بشأن قوى الانتفاضتين المحرّكة وتركيبتها وأهدافها وأساليب عملها، فضلاً عن فن إدارتها وتفاعلاتها وتماهيها مع قاعدة اجتماعية عريضة وواسعة، وتدرّج مواجهتها والارتفاع بمطالبها. ولعلها تذكّر الباحث بعدد من الانتفاضات التي شهدها النصف الثاني من القرن العشرين، لاسيما طابعها الجماهيري الهائل، وأعني بذلك ما أفرزته الثورة الإيرانية العام 1978-1979 ضد نظام الشاه، حين قابلت الجماهير بصدور عارية موجات القمع والرصاص، لتسدّ المنافذ والأبواب بوجه الشاه، الذي اضطرّ إلى مغادرة البلاد، كما تذكّر بأحداث أوروبا الشرقية، التي كان ذروتها انهيار جدار برلين العام 1989، وشملت بولونيا منذ حركة التضامن العام 1980-1981 وهنغاريا وتشيكوسلوفاكيا وغيرها.
لم يقتصر التماثل في الشعارات المدنية والسلمية والحضارية، التي رفعتها الحشود الغاضبة على تونس ومصر، بل شمل عدداً من البلدان العربية، مثل الجزائر وليبيا والبحرين واليمن والأردن، ومن دول الجوار إيران التي جددت حركة الاحتجاج ضد نتائج الانتخابات العام 2009؛ الشعارات الأساسية التي بدأتها هذه الحركات كانت شعارات برغماتية في الغالب، واضحة وملموسة: " إرحل"، فضلاً عن المطالبة بمكافحة الفساد، والحق في المشاركة، والحريات واحترام حقوق الإنسان، لكن هذه المطالب الأولية التي تمّ قمعها تعاظمت حتى آلت إلى الدعوة للإطاحة بالأنظمة: " الشعب يريد إسقاط النظام".
لقد أبدى بعض الأوساط في الغرب وفي الوطن العربي تخوّفه وخشيته من أن تقع الانتفاضات الشعبية تحت هيمنة الإسلاميين، ولاسيما "حركة الاخوان"، لكن قراءة متأنّية لإداء الجيل الشاب لا تعطي مثل هذا الانطباع، وإنْ كان جيل الشباب جلّه من المسلمين، لكنه لا يستعين بالاسلام السياسي كأيديولوجيا حسبما يبدو. إنه جيل ما بعد الآيديولوجيات الراديكالية، الماركسية الرسمية والقومية التقليدية والاسلامية المتعصّبة، وهو ما يتبيّن من الشعارات التي رُفعت، والتي كانت خليطاً وطنياً وعربياً متجانساً وعفوياً.
كانت الانتفاضة تعددية، بمعنى قبولها التنوّع والاختلاف؛ ففيها الديني والعلماني، اليساري واليميني، الاسلامي والمسيحي، الرجل والمرأة. ولعل ثقافة الطبقة الوسطى الغالبة لعبت دورها على هذا الصعيد، لاسيما إعلاء شأن الكرامة والحرية، وهما قيمتان كونيتان عالميتان تلتقي عليهما الشعوب والحضارات والثقافات، وتمثلان المشترك الانساني لبني البشر، بغض النظر عن العرق أو الدين أو اللغة أو الجنس أو الاتجاه السياسي أو الأصل الاجتماعي.
إن ما يميّز هذه الحركات الشعبية أنها ابتدأت من القاعدة لا من القمة، أي من الجمهور لا من قيادات أو زعامات تاريخية، أيديولوجية أو سياسية أو حزبية أو دينية، أو غيرها. وامتلكت أدوات تفاعل غير مسبوقة لدرجة يمكن القول أنها تجاوزت قدرات الدولة على قمعها، حيث كان السلاح الفعّال والنافذ هو الانترنت والتويتر والفيسبوك والهاتف الجوّال، إضافة إلى أجهزة الستلايت والتلفزيونات وغيرها، الأمر الذي ساعد الشباب في التواصل والتنسيق والتنظيم، ومكّنهم من التجمّع والتحرّك بسرعة وفاعلية منظمة غير قابلة للاختراق.
ومثلما كانت انتفاضات إيران وأمريكا اللاتينية وأوربا الشرقية جماهيرية وشعبية عارمة، كانت سمة انتفاضتي تونس ومصر وغيرهما، جماهيرية سلمية مليونية تصاعدت في مسلسل أحداث متسارعة، لم ينفع معه القمع مثلما لم تنفع معه الديماغوجيا أو محاولات الاستفزاز أو البلطجة. وعلى الرغم من التنازلات التي قدمتها الأنظمة، بما فيها رمي بعض من عناصرها في العراء، والإقرار بعدم التوريث، أو التجديد لولايات أخرى، أو بذل الوعود بإجراء تعديلات دستورية أو إجرائية، فإن ذلك كله لم ينفع، بل ازداد النظم الحاكمة تفككاً وانهارت انهياراً سريعاً ومدوياً، خصوصاً أن الثورات الجديدة لم تعد ثورات خبز أو انتفاضات جياع (مصر 1977، وتونس 1984، والأردن في تسعينيات القرن الماضي)، بل ثورات مجتمعات امتازت بالتمدّن والتحضر (تونس- مصر) لفئة جديدة من المثقفين والمتعلمين الذين كانوا في مواجهة انغلاق فرص الحياة، والبطالة، وانسداد الآفاق، لاسيما في ظل شحّ الحريات والمعلومات، فضلاً عن الفساد والرشاوى. ولعلها تذكّر بوثبة كانون الثاني /يناير العراقية العام 1948 ضد معاهدة بورتسموث، وثورة تشرين الأول/اكتوبر السودانية ضد الجنرال عبود العام 1964.
-3-
لقد برز جيل جديد من الشباب أخذ على عاتقه مسؤولية قيادة الانتفاضات الميدانية بعيداً عن التنظير، مبتدعاً أساليب كفاحية جديدة، وغير مألوفة، سبّبت الذهول والحيرة والتردد للنخب الفكرية والسياسية القائمة في السلطة والمعارضة، لا سيما في الأيام الأولى. وقد انطلق الجيل الثوري الجديد من فضاء مجتمعي، بعيداً عن الآيديولوجيا وتفريعاتها الشمولية والدينية، مثلما كانت سمته وطنية عامة بدون فئوية أو تعصب أو تطرف أو غلو.
وبهذا المعنى يمكنني القول أن الحدث التونسي والحدث المصري كانا صناعة محلية بكل امتياز، لكن تأثيراتهما عربية وإقليمية بلا أدنى شك، وقد تكون كونية، وهو ما يمكن قراءته لاحقاً، كما هي الثورة الفرنسية العام 1789 والثورة البلشفية العام 1917 والثورة الإيرانية العام 1979 وانتفاضات أوروبا الشرقية في أواخر الثمانينيات وغيرها، أي أن دلالاتهما يمكن أن تتجاوز إلى مناطق أخرى ، وربما انتشرت عدواهما لتصل الى العالم كلّه.
لعل مفهوم "الوطنية" لدى جيل الشباب يختلف عمّا يفهمه ويريده الحكام باعتباره "شرط خنوع" مثلما يختلف مفهوم "الخارج" لدى الجيل الجديد من الشباب عن جيل الحكام العتاق الذين شاخوا وهم في السلطة، حيث حاولوا تصوير الاحتجاج بأنه "صناعة خارجية" ولخدمة الأهداف المشبوهة المعادية للأمة، في حين إن الجيل الجديد  كان يربط الوطنية بالحقوق، ويرى فيهما تلازماً لا انفصام فيه، فهما عنده يقومان على مساءلة رجل الدولة وحكامها باعتبارهم خدم الشعب وليس العكس.
لقد تبنّى الجيل الجديد النقيض، فلم يعد يهمّه التشدّق والسفسطات الأيديولوجية والتعويذات الدينية، وذلك بسبب سياسات الاستبداد الطويلة الأمد، واحتكارات العوائل الحاكمة لجميع مرافق السياسة والإدارة والاقتصاد والثقافة في الدولة، لذلك وجد نفسه في القيم المغايرة، التي تقوم على الحرية، والحق في الحصول على المعلومات، وحق المساءلة والشراكة والعدل.
وإذا كانت الحرب الباردة السابقة قد انتهت بانهيار الكتلة الاشتراكية، وتحوّل الصراع الأيديولوجي إلى شكل جديد، متخذاً من "الإسلام" عدوًّا ينبغي القضاء عليه، لاسيما من جانب القوى الغربية المتنفّذة، وخصوصاً الولايات المتحدة، سواءً اتخذ ذلك شكل مكافحة "الإرهاب الدولي" أو لم يتخذ، فإن المجتمع الدولي اكتسب، على الرغم من محاولات الهيمنة والتوظيف، بُعداً جديداً في ظل العولمة، لا بوجهها المتوحش حسب، بل بوجهها الإيجابي بما فيه عولمة الثقافة وعولمة حقوق الإنسان، وثقافة المساواة من خلال تكنولوجيا المعلومات والإعلام والاتصالات والطفرة المعلوماتية الرقمية "الديجيتل".
من معالم الانتفاضات الأخيرة أنها لم تكن ذكورية، بل ساهمت النساء فيها إلى حدود كبيرة، وكان لهنّ دور بارز في القيادة والإدارة والحضور والمشاركة، ولعل ذلك يمثل رسالة جديدة حداثية لبدء عهد جديد انتقلت فيه النساء من الصفوف الخلفية المساندة للثورة إلى واجهات الحدث، ليتصدّرن المنابر والقيادات، سافرات أو محجبات، مسلمات أو قبطيات، لا فرق بينهن؛ فقد وحدّهن حب الوطن وشارع بورقيبه وميدان التحرير، وكنّ جميعهن يرددن الشعارات ذاتها المطالبة برحيل النظام ومحاكمة الفساد.
وكشفت الانتفاضتان اختفاء صورة الثوري القديمة، فلم يعد يأتي بسترته المتّسخة وقميصه الرث، متنكّراً بأزياء أخرى شعبية أو فلاحية، أو واضعاً لفائف الرأس دليلاً على الثورية أو التديّن أو العمل السري. جاء الثوري الجديد بكل أناقته، ومعه جوقة البروفسورات وأساتذة الجامعات والإعلاميين والمحامين والأدباء والكتّاب والقضاة والشغيلة بكل فروعها، أي شغيلة اليد والفكر. جاء الثوري هذه المرّة ومعه أغاني "الراب" التي كان يستمع إليها قبل وصوله إلى "شارع الحبيب بورقيبة" أو "ميدان التحرير". لم يفكر قبل مجيئه بتلقّي التعليمات من الأوكار السرّية، أو من خريجي السجون، أو المقيمين في الجوامع والمساجد والكنائس أو من مقار الأحزاب التقليدية وبياناتها الروتينية النمطية. فهؤلاء كلهم هم من اتّبعوه هذه المرّة لأنه كان يعرف قضيته أكثر من غيره، ولديه القدرة للتضحية من أجلها، بدون وصاية أو أبوية أو ادّعاء احتكار المعرفة والحقيقة. لقد أثبتت قوة الشباب أنها العامل الأساسي في رسم الخارطة المستقبلية للعالم العربي والشرق الأوسط.
وإذا كانت الكتب الدينية أو القومية أو الكتاب الأحمر أو مقولات لينين وكاسترو وجيفارا محفّزاً للثوار سابقاً، فإن عود الجيل الجديد قد اشتد في غرف الانترنيت وعلى صفحات الفيسبوك ومقاهي المهمّشين وعلى الأرصفة، وأثبت جدارة لا حدود لها، على عكس الانطباع السائد الذي كان يتّهمه بالميوعة واللامبالاة وقلّة الشعور بالمسؤولية؛ فهو أبدى استعداداً للموت أكثر بكثير مما أبدته أجيال سابقة.
-4-
أظهرت الانتفاضات الشعبية ضمور دور الدعاة الحزبيين الأيديولوجيين، العقائديين، الذين بشّروا الناس بالجنة، أو بعالم يحقق الوحدة العربية أو تحرير فلسطين (الآن وليس غداً)، أو ينجز حلم الاشتراكية والعدالة الاجتماعية الأخّاذ، حيث ظلّ الصراع بين القوميين والشيوعيين، ومع الإسلاميين في ما بعد، لا على الحاضر، بل على المستقبل، وأحياناً ليس في مملكة الأرض، بل على قيم السماء. هكذا ظلّت الأمور تجريدية أحياناً، فالصراع على القيم والمثل التي كان لها أن تتحول إلى خطط وبرامج، وهذه الأخيرة إلى أعمال وأفعال، هو الفارق بين كلام الأمس وكلام اليوم. وهذا ما ينبغي فهمه والتعامل على أساسه، ولعله أكبر الأسئلة التي تواجه عملية التغيير!
لم تكن الرومانسية القديمة كافية لإشعال حماسة الشباب، بما فيها الوعود والآمال الكبيرة والشعارات البرّاقة، البعيدة المنال؛ لقد حلّت محلّها الواقعية السياسية، بلا شعارات كبرى ولا وعود أقرب إلى السراب. لقد انتظمت الملايين بشعارات مبسّطة: عاشت الحرية، تعديل الدستور، القضاء على الفساد واحترام حقوق الإنسان. هكذا سدّت الجماهير التي تذكّر بعصر المداخن باستعارة من ماركس، الساحات والشوارع، بل زلزلت الأرض تحت أقدام الحكام، في حين فقد المثقف الأيديولوجي صوته، وهو يبرّر خطاب الحاكم بالقمع السياسي أو بالقمع الفكري وبحرق البخور بالدعاية والتزويق بحجج ومزاعم شتى، أو المعارض الذي كان بعيداً أو غائباً أو مخادعاً، أو الأغلبية الصامتة المغلوبة على أمرها، كلهم كانوا بعيدين عن ساحة المشاركة الفاعلة.
لقد أنهت المعركة الحقيقية التي أرادها الشعب، المعارك الوهمية الصغرى، حول أفضليات هذه المجموعة أو تلك، رافعة أفضليات الجماهير المبادرة وجيل الشباب المتقدّم الذي قاد الشعب كله إلى الالتحام بكل فئاته، جاعلاً من انتفاضته، ولأول مرة في الوطن العربي، ثورة شعبية سداها ولحمتها الشباب الجميل الحالم بقدر واقعيته وبرغماتيته، ناقضاً مفاهيم ومسلّمات سادت، كمقولة أن الثورة لا يمكن لها أن تتحقق ما لم تتوفر لها قيادة ملهمة أو أن تكون تحت إشراف وتنظيم حزب قائد "طليعة"، أو أن التغيير لن يتحقق في ظل أنظمة استبدادية ودكتاتورية عاتية دون تدخل الجيش، أو أن قوى الداخل ليس بإمكانها انجاز التغيير دون التعويل على الخارج ومساعداته، وما سمّي تلطيفاً " العامل الدولي" الذي أوصل بلداً مثل العراق، بعد حصار دولي جائر دام ثلاثة عشر عاماً، الى الاحتلال البغيض.
لقد أثبت جيل الشباب بأنه الأقدر على تحقيق خياراته كما يريد هو لا كما يُراد له، فقد أخطأ من ظنّ أن الشارع العربي قد أصابته الشيخوخة، فدخل في سبات عميق، أو أن الحكومات الشمولية دجّنت الشعوب بعوامل الجوع والخوف فضمنت خضوعها اللامحدود بمكان أو زمان، وها هو يخرج من قمقمه ليخترق الميادين والساحات، محطماًً حواجز الخوف، ومنتصراً على جوعه وقهره في أولى خطواته نحو الوجود والكرامة.
لم يكن للانتفاضتين رمز قائد أو زعيم مخلّد أو ملهم مخلّص، يصبح لاحقاً "معبوداً" ومقدساً، وفوق حدود النقد. ولم يكن للانتفاضتين أيضاً نصوص مقدسة أو مقولات خالدة؛ فقد كانتا تواجهان الواقع المعقّد بشعارات واضحة ورمزية وواقعية في آن واحد. ومثلما كانتا ضد الصنمية، فإنهما كانتا ضد النصوصية، أي أنهما ضد المسلّمات واليقينيات والقدسيات والسلفيات المشوّهة والوعود الزائفة، وعابرتان للطوائف والطبقات الاجتماعية والمجموعات القبلية والعشائرية، واضحتان في مطالبهما، وحاسمتان برفضهما للمساومة وأنصاف الحلول، ومؤكدتان إخلاصهما ونزاهتهما والتزامهما بمطالب شعبيهما.
إن الانتفاضات بإسقاطها الدكتاتوريات وضعت سؤالاً محرجاً أمام أحزاب  المعارضة والأحزاب الكلاسيكية: أين دورها وما هو موقعها من الخارطة السياسية الجديدة؟!  تلك التي ظلّت تلوك خطابها ولغتها الخشبية عقوداً من الزمان، سواء أكانت شيوعية أم قومية أم إسلامية، حتى بدون مراجعة أو نقد على الرغم من كل المتغيّرات؟ هكذا قدّمت الجماهير الغاضبة الفعل الثوري الواقعي الحسّي، على حساب الأيديولوجيات والوعود والخطابات الاجتماعية والثقافية، التي سمعتها كثيراً.
حقاً لقد أفرزت الانتفاضات نمطاً جديداً من التفكير والممارسة متقدماً وشجاعاً، مثلما ساهمت في تعميق الوعي الثقافي الجديد المتفاعل مع الوعي العالمي. لقد بدأ الشباب بكل حيويته وطاقاته ومبادراته، وعلى الجميع اليوم الاستماع إليه والوقوف خلفه ليصل إلى طريق الديمقراطية، وليتمكن من حماية ثورته، قبل أن يتم الالتفاف عليها أو سرقة منجزاتها أو اللعب بمستقبلها.
إن انفجار الغضب العفوي الجماهيري في مواجهة "الفجور"، النيوليبرالي، المتمثل في أصحاب السلطة وأصحاب الثروة، هو "شرط انتقال الخوف من ضفة الناس إلى ضفة الحكام، وهو مفتاح التغيير وعلّة الأمل" على حد تعبير غسان سلامة!







339
مستقبل الحوار العربي- الصيني!


عبد الحسين شعبان
أكاديمي وباحث عراقي

-1-
بدعوة من المعهد الصيني للدراسات الدولية، إلتأم في بكين شمل المؤتمر الرابع للحوار العربي- الصيني، وعلى مدى يومين (23-24 أيلول /سبتمبر 2010) ساهم خبراء وأكاديميون صينييون وعرب في حوارات عميقة وشائقة للبحث في جوانب مختلفة من العلاقات العربية- الصينية. وقد أظهرت الحوارات مدى اهتمام كلّ من الطرفين بالتعرّف على ما لدى الآخر، لا في ما يتعلق بالمستجدّات والمتغيّرات في العلاقات الدولية وفي علاقة العرب بالصينيين فحسب، بل في ما يتعلق أيضاً بجوانب مهمة من الفلسفة والتاريخ والمشترك الانساني، لكلتا الأمتين العظيمتين والحضارتين المتناظرتين، الصينية والعربية، وقبلهما حضارة شعوبها السومرية والآشورية والبابلية في بلاد الرافدين، والحضارة المصرية القديمة لبلاد وادي النيل، وحضارة شعوب المغرب العربي في العصور القديمة والوسطى.
وكان المعادل الفكري والشريك الاكاديمي في ملتقيات الحوار العربي- الصيني هو منتدى الفكرالعربي ومؤسسه وراعيه الأمير الحسن بن طلال، حيث كان تأسيس المنتدى في العام 1981 محاولة لتجسير الفجوة بين المفكرين العرب وأصحاب القرار، ومن ثم بين المفكرين العرب أنفسهم وبينهم وبين المواطنين، وقد أشار الأمين العام للمنتدى الدكتور همام غُصيب الى أن فكرة المواطنة ومفهومها أصبحت في صدارة أعمال المنتدى من أجل تجديد الفكر والثقافة، لاسيما وأن المنتدى يستعدّ للاحتفال بعيد تأسيسه الثلاثين.
وكان نائب وزير الخارجية الصيني Song Tao قد افتتح أعمال المؤتمر، مرحّباً بالوفد العربي، وبالتبادل الفكري والعلمي والاكاديمي، وبالعلاقات الاستراتيجية، بما فيها حجم التبادل التجاري الذي يزيد عن 107 مليارات دولار، إضافة الى التبادل الإنساني، معتبراً المؤتمر فرصة سانحة لتبادل المفكرين والعلماء العرب والصينين جوانب مختلفة من العلاقات العربية- الصينية، ومعلناً مساندة الصين لقضية العرب العادلة فلسطين، ودعمها للأقطار العربية من أجل إيجاد سبل مناسبة للتنمية الإنسانية.
جدير بالذكر أن المؤتمر الأول للحوار العربي- الصيني كان قد أقيم في عمّان سنة 1986، تحت عنوان " العرب والصين: من التأييد عن بعد الى التعاون عن قرب – حوار المستقبل". أما المؤتمر الثاني، فقد أُنجز في بكين في العام 2002 تحت عنوان "آفاق العلاقات العربية- الصينية في القرن الحادي والعشرين"، وكان المؤتمر الثالث في عمّان أيضاً في العام 2004 بعنوان " العرب والصين: آفاق جديدة في الاقتصاد والسياسة". وجاء المؤتمر الرابع في بكين تتويجاً للمؤتمرات الثلاثة، وبجهد بحثي على مدى ما يزيد عن عقدين من الزمان.
-2-
وكان البحث الأول في أعمال المؤتمر الرابع للسفير Wu Sike (وو سيكه) المبعوث الصيني الخاص بالشرق الأوسط، فتحدث عن عقد دورة مهمة للمجلس الوزاري الصيني- العربي، ورسم استراتيجيات جديدة لتعميق التعاون، واعتبر عقد مؤتمر الحوار واحداً من معالم هذا التعاون، مشيراً الى وجود تعامل بالمثل واحترام للتنوّع الثقافي، وكذلك لخيارات التنمية، وأكّد السفير تأييده للقضية الفلسطينية، لبّ القضايا العربية، كما سمّاها، ودعمه لما يسمّى قرارات الشرعية الدولية، وتأييد المبادرة العربية في إقامة دولة فلسطينية.
وأعقبه السفير والباحث Liu Boalai (ليو باولاي)، الذي تحدث عن علاقة الصداقة والتعاون بين الصين والوطن العربي، وقال أنها تخطو خطوات ثابتة الى الأمام، مشيراً الى تعزيز التعاون والزيارات وإيجاد آليات لتسهيل التواصل وإقامة الفعاليات المشتركة.
ثم جاء دور الدكتور جواد العناني نائب رئيس الوزراء الاردني الأسبق للشؤون الاقتصادية، الذي أشار الى أن حجم التبادل التجاري بين العرب والصين بلغ 110 مليارات دولار، وأن طلب الصين على النفط من الشرق الأوسط يزداد، حيث يبلغ نحو 70% (من العرب وإيران) وأكّد العناني أن معادلة النفط مقابل السلع أمرٌ جيد، لكنه بحاجة الى إنشاء مجالات جديدة للاستثمار، لاسيما في إطار البُنى التحتية سواءً كان ثنائياً (السودان- الصين مثلاً) أو مع طرف ثالث (الاستثمار العربي -الصيني في مجالات عربية أخرى)، وشدّد على أهمية الاستفادة من مجلس التعاون العربي – الصيني، ثم أشار الى أهمية صيغة تعاون استثماري جديد في إطار طريق الحرير الجديد، ولمس أهمية تعزيز العلاقات – الثقافية.
واستبق العناني ردًّا على جواب صيني، كما تمت ملاحظته حول دور الصين المستقبلي، فطرح الاشكالية على الشكل التالي: لماذا تحجم الصين عن دور أكبر في العلاقات الدولية وتتشبث بدور متواضع بحجة أنها دولة نامية؟ لكنه لاحظ الضغط الامريكي على الصين لكي لا تفسح في المجال لخيالها، أو تترك العنان لطموحها لتتصوّر دوراً مثل دور الاتحاد السوفيتي السابق، وأشار الى حرب العملات، ومحاولة تطويق العملة الصينية،  اليوان الصيني، خصوصاً وأن الصين والعرب يملكان أكبر الفوائض، حيث تملك الصين نحو 2.4 تريليون دولار ويملك العرب نحو 3.5 تريليون دولار. وتوّقع بأن العملة الصينية ستصبح العملة الثالثة بعد اليورو والدولار.
وتحدثت السيدة Lee Rong (لي رون) المستشارة في المعهد ومديرة مكتب دراسات شؤون غربي آسيا وشمال أفريقيا عن أهمية التعاون بين الجنوب والجنوب، وتناولت خطط الانفتاح والاصلاح، مشيرة الى أن الصين هي من أهم الدول النامية في العالم، ودعت الى تعزيز التعاون في إطار الأمم المتحدة وقضايا دولية مهمة، وتعزيز التعاون حول القضايا الساخنة على أساس المساواة والمنفعة المتبادلة وأهمية اكتشاف مجالات جديدة للتعاون، لاسيما في موضوع تغييرات المناخ والاحتباسات الحرارية، والتكنولوجيا والتجارة والاستثمارات، وغيرها.
وكان وزير الثقافة والداخلية الاردني الأسبق سمير الحباشنة قد بدأ حديثه باطلالة على التاريخ، فأشار الى روح التسامح المشترك، وإلى أن هناك من صحابة رسول الله من وصل الى الصين وقوبل بترحاب، وسُمح له بحرية التعبير (التبشير بالدعوة المحمدية) بعد موافقة الأمبراطور. وأشار الى أن حضارتينا متسامحتان وتسعيان الى السلام، وأننا تعرّضنا في تاريخنا للاحتلال، ونعرف معنى وأهمية الاستقلال. كما أشار الى منظومة القيم الاخلاقية والمبدئية، وأكد أن الصين والعرب استوعبا معطيات المرحلة الجديدة الراهنة في ظل العولمة والانفتاح، لاسيما ما يعانيه العرب من هضم لحقوقهم، وخصوصاً التنكر لحق الشعب العربي الفلسطيني في تقرير المصير.
وتلا أ. حباشنة الباحث تشان شيادون، الذي إتفق مع الدكتور العناني حول فرص الاستثمار والبنية التحتية، لاسيما الموانئ والسكك الحديد والصناعة الهندسية، والتعاون لتحسين مستوى المعيشة من خلال التنمية والأمن الغذائي، وكذلك مع طرف ثالث، سواءً بالخبرات الزراعية أو رؤوس الأموال العربية ( مثلاً انشاء مشاريع في افريقيا أو مناطق أخرى بدلاً من مشاريع داخل الصحراء). ثم تناول بعض التحديات، مثل التفاوت الثقافي، وعدم الاستقرار، والدول المغلقة.
   ثم جاء دور Gu Zhenglong (جو زلون) من وكالة أنباء شينخوا، فأشار الى حوار الحضارات، والى أن طريق الحرير كان قبل أكثر من 2000 عام، وشدّد على ضرورة رفع الشراكة في القرن الحادي والعشرين من خلال شعار العولمة الاقتصادية، وتحسين طروف المعيشة، ومواجهة المصاعب والتحديات. وتناول مسألة الصين الواحدة بعد استعادة ودعم القضية الفلسطينية، ورفض ربط السياسة بالدين، وأشار الى أهمية التعليم والرياضة في العلاقات المشتركة.
وجاء دور الدكتور عبد الحسين شعبان، وكان بحثه الموسوم" الفلسفة التاوية وصنوها الفلسفة الصوفية: وحدة الوجود والحضور بالغياب" فتناول فيه العلاقات العربية – الصينية وكيف أن المثقفين والأكاديميين العرب والصينيين يجهلون الكثير عن حضارة كل منهما للآخر، وتوقّف عند الفلسفة الكونفوشيوسية التي بحثت علاقة الفرد بالمجتمع والدولة، لاسيما جوانبها الايجابية، والفلسفة البوذية التي ركّزت على علاقة الانسان بذاته وعلى خلق الكون والفلسفة التاوية التي عالجت علاقة الانسان بالوجود والحياة عن طريق الين واليان (اليانغ)، وهي ما يمكن تشبيهها بمقاربة العلاقة بين السالب والموجب. وأشار الى أن لاوتسه هو مؤسس الفلسفة التاوية، وتعود الفلسفة التاوية الى فترة ما بين القرنين الرابع والسادس قبل الميلاد. والتاوية تعني الصراط، ومقاربتها بالفلسفة الصوفية من خلال التخلّي والتحلّي والتجلّي، ومذهب الحلولية، متناولاً محيي الدين بن عربي ومحمد بن عبد الجبار النفرّي، متوقفاً عند صوفية وتاوية هادي العلوي من خلال بحثه في المثقف الكوني وأدب الحب. وأشار الى أهمية التواصل والتفاعل والتبادل الثقافي بتنشيط حركة الترجمة والزيارات والعلاقات، في ميدان الأدب والفن والسينما والمسرح والرياضة وشؤون الشباب والطلبة والنساء وغيرها من المجالات، التي ستكون الحاضنة لتعزيز العلاقات السياسية والاقتصادية والتجارية، لاسيما في ميدان الاستثمار .
-3-
وخلال النقاشات، أشار أكثر من متحدث عربي الى موضوع القضية الفلسطينية، فأشار السفير د. محمد نعمان جلال الى ضرورة التشديد على إقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس، وإدانة إقامة المستوطنات الاسرائيلية. وتناول السفير د يوسف الحسن مسألة ما نُقل من تحفظ الصين بخصوص الاشارة الى القدس. وتناول العناني حرب العملات، Currency War معتبراً أن العملة الصينية قد تكون الاولى خلال تحديات العقدين القادمين.
وتطرق السفير د. علي أومليل الى أهمية التعاون في مجال الطاقة والسوق والاستثمار، ملمحاً الى أهمية التكافؤ بين قوة الصين اقتصادياً ودورها في القضايا الدولية، لاسيما القضية الفلسطينية. وتناول السفير Wu sike موقف الصين الثابت من القضية الفلسطينية ومسألة القدس، مؤكداً أن وسائل الاعلام (المقصود تلفزيون الجزيرة) ارتبكت خطأ بهذا الخصوص وهو موقف غير مسؤول، ودعا الى انسحاب اسرائيل الى ما قبل حدود العام 1967. واشار تشان شادون الى العلاقات الصينية - السعودية والى مفاوضات مع الكويت والجزائر.
وأدار الجلسة الثانية الدكتور عبد الكريم الارياني، فتناول تاريخ العلاقات الصينية- اليمنية، حيث بدأت العلاقات بين اليمن والهند والصين في الألف الأولى قبل الميلاد، وأشار الى ميناء أبو علي على ساحل البحر العربي، وتطرّق الى حضارة الآشوريين والفراعنة، وطريق البخور والحرير للدولتين السبئية والحميرية، وقال إن أول جامع بني في الصين سنة 8 هـ ( في حياة الرسول 628 م) وقال إن أحمد بن ماجد (وهو ملاّح) نظم قصيدة شعرية يصف رحلته من ميناء عدن الى ميناء كانتون.
وتناول د. محمد عبد العزيز ربيع صورة أمريكا، لاسيما وهي تنتظر الانتخابات النصفية وانخفاض شعبية الرئيس أوباما، وركّز على ثوابت الاستراتيجيا الامريكية على الرغم من تبدّل الادارات، وخصوصاً في الموقف من اسرائيل. وحل دور An Huihou السفير الصيني الأسبق الذي ركّز على أربع قضايا هي : 1- فلسطين والاستيطان 2- وعدم حسم الوضع العراقي- 3- زيادة القوات الأمريكية في أفغانستان 4- الحوار بين أمريكا وإيران. وجرى حوار حول التطرف الديني والبيئة الآيديولوجية، وأحداث 11 أيلول (سبتمبر) 2001 الارهابية الاجرامية، وتراجع صدقية واشنطن، والوحل العراقي الذي وضعت نفسها فيه، والتوازن الذي انكسر لصالح  ايران، والعودة القوية لتركيا، ولاسيما بعد فوز حزب العدالة والتنمية، وبخاصة بعد الاعتداء العسكري الاسرائيلي على السفينة مرمرة ضمن قافلة الحرية التي كانت متوجهة الى شواطئ قكاع غزة. وقد شارك في الحوار كلّ من د. محمد جلال نعمان، ونائب رئيس المعهد ليشلوشيان ود. همام غصيب ود. عبدالله  بشارة ود. جواد العناني ود. عبد الحسين شعبان وسمير الحباشنة ود. علي أومليل و An Huihou و  L ia Baolai وين غان.
وفي اليوم الثاني، أدار الباحث Lee Shaoxion الجلسة الأولى، التي قدّم فيها مدير المعهد Qu Xing بحثه، فتحدث عن تعرّض الصين للعدوان والاحتلال، الأمر الذي يجعلها تتفهم الشعوب التي تناضل من أجل حقوقها. كما تطرق الى تحدّيات التنمية. وقال أن الصين هي قريبة من الدول النامية، وإن موضوع الحرب والسلم من صلب اهتماماتها، لكنها ضد الاستقطابات وضد الهيمنة، وتسعى الى دمقرطة العلاقات الدولية، مع الدعوة الى عدم التدخل حتى وإن بذرائع حقوق الإنسان. كما أكّد دعم تاريخياً للشعب العربي الفلسطيني، لاسيما منذ أن تعرّف شوان لاي على مطالب الشعب العربي العام 1955 في مؤتمر باندونغ.
وحاول السفير د. يوسف الحسن في بحثه أن يطرح عدداً من الاسئلة لمحاولة فهم الدور الصيني الجديد من حلال الأسئلة التالية: هل الصين مهتمة بالقيام بدور قيادي على المستوى العالمي (كقوة عظمى؟) وهل تسعى الى أن تكون قوة ناعمة اقتصادياً؟وهل هناك تغيّر في السياسة الصينية إزاء الشرق الأوسط، وخصوصاً العراق وفلسطين والسودان؟ بالإضافة الى السؤال الآخر، وهو: هل هناك نمط حداثي صيني بديلاً من الحداثة الغربية، وبالتالي هل هناك توازن بين الساحل والداخل في التنمية؟
-4-
ثم تحدث رئيس قسم الدراسات الاستراتيجية الدولية في المعهد دونغ مانيوان عن خصائص العلاقات العربية- الصينية، مشدداً على الاحترام المتبادل والتنوع الثقافي والخصوصيات.
وكانت ورقة الرئيس الأسبق لمجلس التعاون الخليجي السفير أ. عبدالله بشارة بعنوان "الصين في الأمم المتحدة" وذلك عشية استعادة مقعدها الدائم في مجلس الأمن. فقال أن الصين طرحت نظريتين أساسيتين منذ بدء ممارستها مسؤولياتها: الأولى هي أنها دولة نامية وجزء من مجموعة الـ 77 لعدم الانحياز، التي أصبح عدد أعضائها اليوم 143 دولة. والثانية هي أنها ليست من نادي النُّخب The elite club، وعلى الرغم من ذلك، فإن دبلوماسية البوارج لم تكن بعيدة عن السياسة العملية بحكم الواقع، وتجلّى الأمر في موضوع العلاقات الصينية-الفيتنامية في حينه.
أما السفير د. علي أومليل، فقد ركّز بحثه على المشتركات والمختلفات في حركة الإصلاح العربية- الصينية، من حيث الاضطرار والتشابه بمواجهة التحدي الخارجي، وذلك عبر صيانة وتحصين الهوية الحضارية الوطنية، بدون الحاجة الى الاقتباس من الخارج، والاستفادة من أسباب قوة الغرب العلمية والعسكرية، ومحاولة عدم القطيعة مع الماضي (التراث).
أما بالنسبة إلى الاختلافات، فإن وحدة الدولة- الأمة جزء من حضارة الصين، في حين أن الدولة – الأمة لدى العرب هي جزء من المواطنة، وأن الدين عامل مهم في أي إصلاح لدى العرب.
وناقش الأمين العام الدكتور همام غُصيب دور الصين كقوة ناعمة Soft Power. أما مدير المعهد، فتناول نبذ مخلفات الماضي في التمييز ضد المرأة، كما تناول واقع الماركسية التي تؤمن بالصراع الطبقي وفائض الانتاج والعدالة الاجتماعية، ودعا الى التكامل بين التراث والحداثة، وقال إن في التجربة الاشتراكية الصينية الاولى فيها عدالة اجتماعية، لكن بدون صناعة وانتاج. أما الآن، فإن الصين دولة صناعية نامية ومنتجة، لكن هناك فقراء بحاجة الى عدالة اجتماعية أكثر. ثم قال إن النموذج الصيني لا يمكن الإحتذاء به على الرغم من نجاحه. أما حرية التعبير، فإنها مكفولة ولكنها غير سائبة بل هي منظمة وفقاً للقانون.
وكان د. شعبان قد طرح أسئلة بخصوص الحداثة والثقافة والحريات والتعددية إضافة الى مخلّفات الثورة الثقافية وناقش بعض الأطروحات التي وردت على لسان بعض المتحدثين الصينيين بخصوص الوضع العراقي، مشيراً الى خصوصية القضية الكردية ومبدأ حق تقرير المصير، وذلك أمر مختلف عن الطائفية والانقسام المذهبي،.
وقال Guo Xiangang إن الصين ليست دولة عظمى على الرغم من أنها الثانية من حيث الانتاج العالمي، لكن مستوى المعيشة فيها يصل الى 105% من مستوى المعيشة العالمي، وهي تحتاج الى عوامل تقويم، ثم تطرق الى التراث والحداثة.
وتحدث د. العناني قائلاً إن الصين قوة اقتصادية تحتل المرتبة الثالثة عالمياً، بعد اليابان،  وقد تبلغ سنة 2020 وقد احتلت المرتبة الأولى، وهناك حاجة الى إحداث نهضة داخلية.
وأشار الى أن الأزمة العالمية لم تؤثر في الصين، وأن معدل النمو فيها زاد على  10% خلال العقدين الماضيين، وهي أقوى بعد الأزمة. وكان سمير الحباشنة قد أشار الى أن هناك مشكلات، مثل البيئة والتلوث والفقر والأقليات والتنوع، وهو ما أشار اليه أكثر من باحث صيني وعربي .
ودعا السفير بشارة الى آلية جديدة سريعة لاتخاذ القرار (التخلص من البيروقراطية)، ودبلوماسية تتخلى عن قفاز الحرير، وقوة عسكرية تحمي المصالح.
وقال An Huihou إن الصين لا تستطيع أن تؤدي دوراً قيادياً عالمياً، ولا نريد  تكرار دور الاتحاد السوفييتي، وهذا لا ينطبق مع حكمتنا وفلسفتنا ومصلحتنا، ولا نريد أن يعود الاستقطاب العالمي الثنائي.
اختتم المؤتمر بكلمة من الدكتور هُمام غُصيب الأمين العام للمنتدى، الذي أشاد بأهمية الحوار المعرفي- الثقافي- الاكاديمي، في جوانبه السياسية والاقتصادية والثقافية، وقال أننا سنسعى الى إصدار كتاب بالعربية ونأمل أن يتم إصدار نظيرة باللغة الصينية، وتمنى  أن يناقش المؤتمر الخامس 2012  قضية محددة بعد هذه الفرشة الواسعة من الحوارات.
أما مدير المعهد، فأكد التفاهم والصراحة والأسئلة الحيوية، وقال إن النخبة التي اجتمعت بكم نخبة متميزة، إذ ضمت قادة رأي وأكاديميين وعلماء وإعلاميين بارزين.

340
لغز اختفاء موسى الصدر ومنصور الكيخيا!

                                                                                                               عبد الحسين شعبان
في أول حديث صحفي وظهور علني للجنرال عبد المنعم الهوني الذي كان من أقطاب النظام الليبي، وبعد انهيار جدار الصمت، تجرّأ على القول أن موسى الصدر ومنصور الكيخيا أعدما بعد اختفائهما قسرياً (حسب لغة القانون واستخدامات الأمم المتحدة)، فما هو لغز الاختفاء القسري للصدر والكيخيا؟ (الاختطاف بلغة السياسة).
كما اختفى الصدر صاحب القامة الباسقة والوجه المضيء، كذلك اختفى الكيخيا ذو الوجه النحيل، الهادئ الملامح. اختفيا دون أن يترك الفاعلون أي أثر للجريمة التي لا تسقط بالتقادم، وليس هناك، سوى الشكوك والأسئلة الحارّة القديمة - الجديدة: ترى من اختطفهما؟ ومن المستفيد؟ وعلى من تقع الظنون؟ هل ما زالا أحياءً!؟ وأي سرّ وراء عمليات الاختطاف "البارعة" تلك؟ وهل يمكن أن تستبدل الدولة مهمتها في حفظ الأمن وحماية أرواح الناس وممتلكاتهم، إلى مهمة العصابات من خطف وقتل وإخفاء معالم الجريمة؟ ثم لماذا تخاف وممَّ تخشى إنْ كانت دولة؟
وكنت قد نشرت كتاباً عن "الاختفاء القسري في القانون الدولي" في العام 1998، وبقيت منذ اختفاء الكيخيا وعلى مدى الأعوام الثمانية عشر المنصرمة أكتب، وأذكّر به وبالمختفين قسرياً وفي المقدمة منهم السيد موسى الصدر وعدد من المختفين قسرياً في العراق، كان آخرها في شهر كانون الأول (ديسمبر) 2010 في إذاعة الـBBC، فهل ستكشف الانتفاضة الليبية اليوم المزيد من الأسرار وتخبرنا أبعد مما قاله الهوني؟
لم يدر بخلد رجل الدين موسى الصدر أو الدبلوماسي منصور الكيخيا أي قدر غاشم سيحلّ بهما أو أي مكروه سينتظرهما؟ لم يعرفا أنهما تعرّضا للخديعة إلى هذه الدرجة، على الرغم من أن مضيّفهما "خصم مدجج بالغرور والاستهتار" إلى حد الشتيمة! كانا منسجمين مع نفسيهما، لذلك لم يتوانيا عن قبول الحوار، وهو حوار فيه المسافة الواضحة بين المُعارض والأنظمة، والمُعارض والأجهزة، والمثقف والسلطة. قد يكونا ضحية حسن النيّة وقد يكون رهانهما على آخر قطرة إنسانية في نهر الشرّ الفائض.
إختفى الإمام موسى الصدر بعد زيارة رسمية له إلى طرابلس أراد منها  أن يدير حواراً فكرياً واعداً وبعقل منفتح مع العقيد معمّر القذافي، لكن الأخير لم يحتمل ذلك، فقرر تحويله إلى جثة نقلها عديل الهوني، المقدّم نجم الدين اليازجي الذي لقي المصير نفسه بعد فترة قصيرة. واختفى الكيخيا الذي اختار الحوار والمعارضة بديلاً عن التعاون مع القوى الخارجية، على الرغم من حذره وارتياباته، معتقداً وهذا ما تحدثنا به قبل أيام من اختفائه أن غطاء حقوق الإنسان يمكن أن يحمينا من أنظمة عاتية أو قد يخفف بعض شراستها ودمويتها، ولعله كان مقتنعاً بأن النظام الليبي قد لا يغامر بارتكاب حماقة تصفيته طالما هو رجل سلام وداعية لحقوق الإنسان، لاسيما وقد التقى أحمد بن بيلا في جنيف الذي نقل له وآخرين رسالة من القذافي نفسه، ولربما صاحب هذا الاعتقاد السيد موسى الصدر الذي ظن أنه سيكون ضيفاً رفيع المستوى على الحكومة الليبية.
ومنذ العام 1979 بقي اختفاء الصدر لغزاً محيّراً، مثلما هو مصير الكيخيا دون إجلاء منذ العام 1993، ففي قضية الصدر ظلّت السلطات الايطالية تصرّ على عدم وصول الصدر وزميليه إليها قادمين من طرابلس، وما أشير إليه من ختم جوازات سفرهم، ما كان إلاّ خدعة للتضليل، وقد اختفوا منذ ذلك التاريخ وبطريقة غامضة ملتوية. كما ظلّت حاجيات الكيخيا الشخصية في فندق السفير بالدقي الذي قيل أنه لم يغادره، وكان الكيخيا قد وصل القاهرة ليشارك في المؤتمر الثالث للمنظمة العربية لحقوق الإنسان الذي اختتم أعماله في 6 كانون الأول (ديسمبر) 1993 أي قبل اختفائه بأربعة أيام.
وكان الكيخيا قد استلم إشارات حول رغبة النظام الليبي بفتح حوار معه، والتقى إبراهيم البشاري ممثل ليبيا في جامعة الدول العربية، صحبة المدعو يوسف نجم الذي كان آخر من إلتقاه. وزاد الأمر إبهاماً والتباساً بعد انقطاع كل خبر عنه، بل الأكثر من ذلك حين قُتل البشاري لاحقاً في حادث سيارة "مريب" في ليبيا، وأُعلن عن وفاة يوسف نجم الذي ادّعت الأجهزة المصرية حينها أنها طلبت من سلطات المطار ونقاط الحدود إلقاء القبض عليه على الرغم من مغادرته القاهرة. لكن يوسف نجم عاد بعد بضعة أسابيع ومكث في القاهرة خمسة أيام، ثم غادرها إلى تونس ليعقد هناك مؤتمراً صحفياً يوضح فيه أنه عدم صحة الادعاءات التي تفيد بأنه "مطلوب" مؤكداً على دخوله وخروجه من مصر دون أن يتحرّش به أحد.
وإذا كنتُ قد تابعت الموضوع فأستطيع القول أن قضية الإمام موسى الصدر التي تجددت بقوة بعد اختفاء الكيخيا لم تغب عن جدول عمل المنظمة العربية لحقوق الإنسان طيلة الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي وما تلاهما. وعلى الرغم من أن مقرّ المنظمة الرسمي في القاهرة - التي تربطها علاقات وطيدة مع طرابلس لحظة اختفاء الكيخيا- فإن وجود المنظمة في حينها كان من باب الأمر الواقع De-facto ولم يؤذن لها قانونياً بالترخيص إلاّ بعد خمسة عشر عاماً على وجودها، حيث تمّ الاعتراف بشرعية وقانونية وجودها في العام 2000، بتوقيع مذكرة مع وزارة الخارجية المصرية.
 وتعرّضت المنظمة باختفاء الكيخيا أحد مؤسسيها لأزمة جديدة حقيقية، لاسيما وقد أصبح المدافعون عن حقوق الإنسان عاجزين عن حماية أنفسهم فكيف لهم أن يدافعوا عن الآخرين؟ ولعل نقاشاً علنياً حول علاقة السياسة بحقوق الإنسان، وبعض القناعات الآيديولوجية كان قد انطلق، وقد حصل ذلك على نحو صارخ إبّان اجتياح الكويت وحرب الخليج وعلى نحو أقل خلال قصف حلبجة بالسلاح الكيماوي، وبعدها خلال إعلان اتفاق غزة – أريحا (اتفاق أوسلو الفلسطيني- الاسرائيلي)، وما تبعه من اتفاقات. ولكن المنظمة على الرغم من تلاطم الأمواج من حولها، فقد حافظت على قوامها ومهنيتها بإقرارها مبدأ التعددية واحترام الرأي والرأي الآخر، وإنْ لم يكن ذلك بعيداً عن المجاملة أحياناً أو دون خسائر أو أضرار، لكن سفينتها في نهاية المطاف سارت في الطريق الصحيحة وأبحرت في شواطئ عميقة.
وقد واجهت حركة حقوق الإنسان وما تزال ثلاث تحديات رئيسة الأول- محاولة الحكومات تدجينها أو احتوائها أو تبهيت لونها. الثاني- تشكيل منظمات صنيعة شبه رسمية أو تابعة بهدف التشويش عليها. والثالث- السعي لدفعها نحو التسييس لكي تكون واجهة سياسية ضيّقة لهذه الجهة أو تلك أو لهذا الحزب أو ذاك من قوى المعارضة وجزءًا من الصراع السياسي والآيديولوجي بحيث يسهل إتهامها.
كان اختطاف الامام موسى الصدر ومنصور الكيخيا تحدّياً جديداً ليس لحركة حقوق الإنسان حسب، بل للضمير الإنساني، لاسيما وأن من يدافع عن حقوق الآخرين يصبح هو الضحية وعلى رأس قائمة المستهدفين لإسكات صوته، فالمرجعية سواءً كانت حقوقية أو ثقافية أو دينية متنوّرة، تتعرض هذه المرّة للملاحقة فإلى منَ يلتجئ من تهدر حقوقه؟!.. هكذا يصبح المدافعون ذاتهم عرضةً للتهديد والخطف والضياع وذلك مؤشر جديد للهجوم على حقوق الإنسان وعلى العاملين في هذا الميدان بحيث تصبح حياتهم مهدّدة أيضاً.
كان اختفاء موسى الصدر مناسبة جديدة مؤلمة لاستذكار إختفاء المهدي بن بركة في باريس العام 1965، وفي الفترة التي تلت اختفاءه، اختفى محمد باقر الصدر وأخته بنت الهدى ود. صفاء الحافظ ود. صباح الدرّة ودارا توفيق، وعايدة ياسين وأسعد الشبيبي في مطلع الثمانينيات وعشرات غيرهم. ولذلك كان اختفاء الكيخيا مناسبة حزينة أخرى للمأساة الإنسانية التي اتّسعت في الوطن العربي، الذي كان من أكثر دول العالم تميّزاً في موضوع الاختفاء القسري.
وإذا كانت الأمم المتحدة قد أصدرت إعلاناً للدفاع عن مدافعي حقوق الإنسان، بمناسبة مرور 50 عاماً على صدور الاعلان العالمي لحقوق الانسان العام 1998، ذلك لأن المدافعين أصبحوا هدفاً، بل أن استهدافهم أصبح ظاهرة ملفتة، حيث كانوا ضحية الاستبداد والوحدانية وادّعاء امتلاك الحقيقة وضحية "اختطاف" الرأي الآخر، فضلاً عن العسف والغرور.
وإذا كان الزمن لا يعيد نفسه والتاريخ لا يكرر حلقاته، وإذا حدث ذلك ففي المرّة الأولى كمأساة وفي المرة الثانية كمهزلة كما يقال، الاّ أن البحث عن الحقيقة وكشف المستور يظل هاجس العدالة المفقودة، حتى ينتصر الحوار والعقلانية والسلم على السيف والصبيانية والتطرف؟
إن القصيدة واللوحة والمقطوعة الموسيقية والكلمة الصادقة والرأي الجريء يمكن أن يُغيّبوا، لكن عالم الخطف والسرية ودهليز التعذيب وأوكار الجريمة والزيف مهما بقيت متوارية ومختبئة ومهما طال الزمن، فلا بدّ أن تنكشف وينكشف معها هزال وجُبن من يقفون خلفها، وحين بدأت الحركة الإحتجاجية للشباب الليبي لتتحوّل الى إنتفاضة عارمة، كان قد إرتسم في الأفق إجلاء مصير الضحايا وحلّ لغز اختفاء الصدر والكيخيا، وهو ما يُنتظر من طرابلس بالأساس ومن القاهرة أيضاً في قضية الكيخيا!!





341
المنبر الحر / ثقافة السلام
« في: 15:33 02/03/2011  »
ثقافة السلام

عبد الحسين شعبان
باحث ومفكر عربي
   بسبب معاناتنا الطويلة من الحروب والنزاعات الدولية والأهلية، ظلّت ثقافة السلام شحيحة ومحدودة بل شبه معدومة، ولعل أحد الأسباب مردّه التباس مفهوم السلام وتداخله مع مفهوم " الاستسلام" أحياناً. ولذلك استوجب من دعاة السلام والباحثين بصدق عن عملية بنائه على أسس صحيحة، تتسم بالعدل أولاً، وبالحق ثانياً، التصرف بحذر كي لا يعطوا تلك الإنطباعات الخاطئة، لاسيما فيما يتعلق بحق تقرير المصير للشعب العربي الفلسطيني. من هنا استقبلتُ الدعوة لتأسيس أكاديمية لبناء السلام بتدقيق وتمحيص.
المبادرة التي انطلقت من برشلونة (إسبانيا) والتي شارك فيها شخصيات أكاديمية وحقوقية عربية مرموقة برعاية مؤسسات دولية وإسبانية مثل منظمة Nova والمعهد الأورو متوسطي لحقوق الإنسان وحركة السلام الدائم وغيرها، أعادتني إلى أجواء الخمسينيات من القرن العشرين حيث انطلقت في عدد من البلدان العربية حركة ناشطة لأنصار السلام. ومن المفارقة أن اسم "سلام" انتشر في الأوساط اليسارية والديمقراطية على نحو كبير، في العراق كما انتشر إسم "جمال" بعد العدوان الثلاثي على مصر العام 1956. وكانت علاقة عاطفية خاصة قد ربطتني بقضية السلام منذ أن إخترته إسماً لي عند انخراطي في العمل الحزبي قبل أكثر نصف قرن، وظلّ ملازماً لي لبضع سنوات. وكان عمي ضياء شعبان من المشجّعين لحركة أنصار السلام التي نشطت في خمسينيات القرن الماضي في العراق.
ربّما يستغرب اليوم أبناء الأجيال الجديدة بشكل عام، كيف استقطبت قضية السلام العالمي، شخصيات كثيرة خارج التصنيفات القومية أو الدينية أو المذهبية أو العشائرية، وهي من سمات مرحلة ما قبل الدولة، التي تقهقرت بعد نصف قرن. لقد وضعت أعداد من المثقفين العراقيين تواقيعها على تأسيس وتأييد حركة السلام العالمية، ومثلها من بلدان عربية أخرى، وتكلّلت جهود اللجنة التحضيرية، التي ضمّت شخصيات بارزة، بالنجاح ، حيث انعقد المؤتمر الأول التأسيسي في 14 تموز (يوليو) 1954 في بغداد بحضور نحو 130 شخصية وبتمثيل من غالبية المحافظات العراقية.
وكان من أبرز المشاركين رجل الدين الشيخ عبد الكريم الماشطة والدكتور طلعت الشيباني الوزير لاحقاً بعد الثورة والمحامي توفيق منير الذي استشهد  تحت التعذيب العام 1963 والدكتور صفاء الحافظ المختفي قسرياً منذ العام 1980 والدكتورة نزيهة الدليمي أول امرأة يتم استيزارها في العالم العربي (1959) والمحامي عامر عبد الله القيادي الشيوعي المخضرم والوزير في سبعينيات القرن العشرين والمحامية نظيمة وهبي زوجة الشهيد أبو سعيد (عبد الجبار وهبي) والفنان المسرحي يوسف العاني وآخرين.
وقد أصبح عزيز شريف السكرتير العام لحركة أنصار السلام منذ تأسيسها، على الرغم من تواريه عن الأنظار بسبب محاولات إلقاء القبض عليه لنشاطه السياسي، وفيما بعد صدور مرسوم بإسقاط الجنسية عنه مع مجموعة من المعارضين السياسيين. وهنا نلحظ مفارقة مهمة هو أن المنتمي إلى حركة السلام آنذاك كانت تتم محاكمته وفقاً للمادة 89 (أ) من قانون العقوبات البغدادي، التي تصل إلى أقصى العقوبات، باعتباره ينتمي إلى حركة هدّامة، في حين أن النظر إليه إختلف بعد اتفاقيات  أوسلو التي كانت تفريطاً بالحقوق وأقرب الى الاستسلام، الأمر الذي بحاجة إلى الكثير من الجهد لفكّ مثل هذا الاشتباك، لاسيما على الصعيد العربي.
كانت الحرب العالمية الثانية قد وضعت أوزارها، وصحا العالم بعد دخوله صومعة الحرب ودوامتها التي استمرت نحو ستة أعوام، ليجد نفسه مرّة واحدة قد تحوّل إلى خراب وركام، لاسيما ما حلّ في أوروبا، حيث سقط أكثر من 50 مليون شهيد، فضلاً عن تدمير البنى التحتية والهياكل الارتكازية والمرافق الحيوية.
ولذلك كان على من يشتغل على كتابة ميثاق الأمم المتحدة، أن يضع بالاعتبار هدف صيانة السلم والأمن الدوليين، باعتباره هدفاً سامياً من أهداف المنظمة الدولية، وتعهد الموقعون على الميثاق: إنقاذ الأجيال القادمة من ويلات الحرب، وأن يأخذوا أنفسهم بالتسامح وأن يعيشوا معاً في سلام وحسن جوار وأن يضمّوا قواهم كي يحتفظوا بالسلم والأمن الدولي. وإذا أصبح هدف حماية السلام، علوّياً، فإن الصراع الأيديولوجي الدولي، قاد إلى نتائج أخرى، لاسيما بعد الصيحة التي أطلقها ونستون تشرشل العام 1947 والتي أشعلت فتيل الحرب الباردة، خصوصاً بعد انفضاض الحلف الدولي المعادي للنازية والفاشية، حيث أصبحت أوليات السياسة الغربية تقوم على ضرورة "اتحاد العالم الحر ضد الخطر الشيوعي".
وإذا كانت القوى الغربية تجد في الأحلاف والمعاهدات العسكرية تطويقاً للاتحاد السوفييتي وحماية لحلفائها وتوازناً سلمياً، فإن الكتلة الاشتراكية التي دعت إلى التعايش السلمي وجدت فيه خير وسيلة لتحقيق التنمية والقضاء على المجاعة والفقر وانعدام أبسط مستلزمات العيش التي وضعت الملايين بلا مأوى، على الرغم من اندفاع القوى الكبرى جميعها لدخول نادي التسلح الدولي من أوسع أبوابه في حمّى لم يُعرف لها مثيل.
في اجتماع تم تنظيمه في مدينة فراكلو البولونية، وهي مدينة مسحتها غارات الألمان النازيين مسحاً في الحرب العالمية الثانية، تألفت لجنة تحضيرية لعقد مؤتمر السلام العالمي، على أن يعقد في باريس في العام 1949، وظلّ هذا الاسم يتردد في ذاكرتنا الفتية في أواسط خمسينيات القرن العشرين، لكن اجتماعاً ثانياً انعقد في براغ أيضاً، وكان من المؤمل عقد اجتماع موحد في مدينة شيفليد البريطانية، لكن تعذّر وصول الوفود أدّى إلى عقد الاجتماع الموحد في وارشو في العام 1950، وهو المؤتمر الذي انبثق عنه مجلس السلم العالمي الذي أصبح مقرّه في هلسنكي لاحقاً.
في خمسينيات القرن العشرين صدر نداء ستوكهولم للسلام العالمي ووقعه في العراق عدد من الشخصيات البارزة وفي مقدمتها عزيز شريف والشاعر الجواهري ورجل الدين عبد الكريم الماشطة والمحامي توفيق منير والشاعر الكردي عبدالله كوران والشاعر محمد صالح بحر العلوم وغيرهم. ولعلّ هذا النداء كان أقرب إلى بيان تأسيس الحركة، التي جرى تحريمها لاحقاً في إطار ما سمّي مكافحة الأفكار الهدّامة، عشية إبرام معاهدة حلف بغداد العام 1955.
وفي تلك الفترة ولغاية ثورة 14 تموز (يوليو) 1958 شهدت الحركة السياسية والنقابية العراقية انتهاكات صارخة وسافرة، لكن الإطاحة بالنظام الملكي سهّل لحركة السلام ممارسة أنشطتها فعقدت مؤتمرها الثاني في نيسان (ابريل) 1959 وحضره الزعيم عبد الكريم قاسم، حين تم تشكيل المجلس الوطني للحركة التي أصبح سكرتيرها عزيز شريف، لكنها عادت مرّة أخرى إلى الانتكاس، لاسيما بعد انقلاب شباط (فبراير) العام 1963، واستمرّ الحال على هذا المنوال حتى انقلاب 17 تموز (يوليو) 1968 حيث أعيد تشكيل الحركة بائتلاف حزب البعث الحاكم والحزب الشيوعي، واستبقي عزيز شريف سكرتيراً عاماً لها حتى وفاته في موسكو أوائل التسعينيات من القرن الماضي.
وعندما انفضّت الجبهة الوطنية بين حزب البعث والحزب الشيوعي، انفرد الأول بالمجلس وحاول أن يطبعه بطابعه، ونمط عقليته السلطوية، في حين حاول الفريق الثاني في مطلع ثمانينيات القرن الماضي تشكيل لجنة وطنية للسلم والتضامن وأوكل أمر التنسيق فيها إلى كاتب السطور، وضمت من الأسماء القديمة: عامر عبدالله ود.نزيهة الدليمي ود. رحيم عجينة وبشرى برتو وكريم أحمد ود. مهدي الحافظ ونوري عبد الرزاق إضافة إلى شخصيات سياسية عربية وكردية بينهم الجواهري وعلي الشوك ومحمود صبري ومسعود البارزاني وهاشم علي محسن وفاضل الأنصاري وباقر ياسين ومحمد الحبوبي، وآخرين الاّ أن الهوى السياسي هو الآخر كان طافحاً واستمرّ على هذا المنوال، بل وتعدّاه إلى أهداف أخرى لاحقاً.
إستعدتُ ذلك وأنا ألبّي دعوة تأسيس أكاديمية بناء السلام، التي شعرت وجدانياً وموضوعياً بأهميتها، أولاً من حيث وزن الشخصيات الحقوقية البارزة التي تنادت لإعلان الأكاديمية كمؤسسة للمجتمع المدني وانتماءاتها الجغرافية والفكرية، فهي تنحدر من بلدان تعاني من الحروب والنزاعات الأهلية، مثلما هي فلسطين والعراق الواقعتان تحت الاحتلال، واليمن والسودان ولبنان التي تعاني من انقسامات حادة، وجميع هذه البلدان تعاني من مشكلات دينية وإثنية وطائفية. وثانياً أن مشكلة العنف وغياب ثقافة التسامح والسلام ظاهرة مقلقة ليس في هذه البلدان حسب، بل على المستوى العربي والإقليمي بشكل عام.
وحسناً فعلت الأكاديمية عندما أعلنت في بيانها التأسيسي المقتضب أن الهدف الإستراتيجي للمؤسسة هو العمل على نشر ثقافة السلام وتعزيز بنائه في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وتحقيق العدالة والإنصاف، اللذين يقومان على إنهاء الاحتلال واحترام حقوق الإنسان وحق الشعوب في تقرير مصيرها واحترام حقوق الأوطان في السيادة والاستقلال.
أعتقد أن وجود مؤسسات معنية بقضايا السلام يمكن أن يسدّ جزءًا من ثغرات كبيرة في سلّم احتياجات المنطقة، من خلال تكامل الأدوار بما يحقق الهدف الرئيس للمؤسسة في إحلال السلام وصون قيم الحرية والكرامة والمساواة.




342
كوابح المجتمع المدني

عبد الحسين شعبان
باحث ومفكر عربي


على الرغم من التطور الكبير الذي شهده العالم في دور المجتمع المدني، لاسيما في السنوات الثلاثين ونيّف الماضية، إلاّ أن هناك الكثير من الكوابح التي ما زالت تحدّ من فاعليته، خصوصاً في دول العالم الثالث ومنها بلداننا العربية.
وفي دراسة لمنظمة الاسكوا لتحديد وتقويم دور المجتمع المدني وبعد اجتماعات عديدة  لخبراء ساهم فيها كاتب السطور، جرى التأكيد أن المنطقة ليست متساوية في درجة تطور مجتمعاتها المدنية، ارتباطاً مع القيود المفروضة على الحريات الأساسية، بما فيها حرية التعبير والحق في تكوين الجمعيات،  وحق الاعتقاد وحق المشاركة، بما فيها تولي الوظائف العليا دون تمييز بسبب الدين أو اللغة أو العرق أو الجنس أو الاتجاه السياسي أو المنشأ الاجتماعي، فضلاً عن درجة قبول أو عدم قبول المجتمع لحق الاختلاف.
يمكن القول أن بعض دول منطقة الاسكوا أقرب إلى استيفاء الشروط العالمية لكيانية المجتمع المدني، بما فيها قبول التعددية السياسية والفكرية والسماح بحق تأسيس الأحزاب والنقابات والجمعيات وإجراء انتخابات دورية، وتأكيد مبادئ المواطنة والمساواة، في حين أن بعضها يخضع كل شيء للدولة وحزبها السياسي الذي تخضع له النقابات  والاتحادات المهنية ويحظر فعلياً الترخيص لمؤسسات المجتمع المدني غير الموالية للسلطات الحاكمة ويلاحق منتسبيها إنْ حاولوا إقامة تنظيمات دون الموافقة المسبقة، ويهيمن على الإعلام ويقنن حرية التعبير.
كما أن هناك دولاً محافظة، لا تسمح بتأسيس الأحزاب ولا تعترف بحق وحرية منظمات المجتمع المدني في العمل الشرعي والقانوني ولا تجري انتخابات وتقنن حرية التعبير وحق الاعتقاد وحق التنظيم وحق المشاركة. وأياً كانت البلدان مغلقة أو مقننة أو متساوقة بحدود مع التطور الدولي، فثمت تعارضاً بينها وبين المعايير الدولية، ازدادت أو تقلّصت تلك الكوابح.
لعل أبرز كوابح المجتمع المدني الناشئ يمكن إجمالها بأن غالبيته الساحقة ما تزال تجمعات نخبوية، وأن دائرة تحركها بعيدة عن فقراء المدن وكادحي الريف من الفئات المعدمة الواسعة، كما أن هناك تداخلاً بين العمل الحكومي السابق لبعض القيادات، وقيادات المجتمع المدني الحالية، أي أن الكثير من القيادات الرسمية أصبحت لاحقاً قيادات للمجتمع المدني، بما فيها قيادات حزبية ورسمية معروفة.
وهناك تداخلاً بين العمل الديني، السياسي، وبين العمل المدني، بحيث أن العمل المدني يتخذ طابعاً دينياً إسلامياً أو مسيحياً أو غيره، ويتم توظيفه لأهداف سياسية، الأمر الذي يضفي عليه مسحة آيديولوجية سواء كانت اشتراكية أو قومية أو دينية، ناهيكم عن عدم قبول الحق في الاختلاف. يضاف إلى ذلك أن المجتمع المدني، لاسيما المدافع والحقوقي، غير متكافئ لا من حيث القوة أو التمكين مع مجتمعات رجال الأعمال والمنظمات الدينية، ودورها المهيمن والبارز على الكثير من القطاعات الشعبية.
أن هذه الأوضاع تحتاج إلى إعادة نظر بدور وآفاق المجتمع المدني، لاسيما الفضاء الاجتماعي والثقافي والسياسي والاقتصادي والقانوني الذي يعمل فيه، خصوصاً من حيث التنوّع والتعددية، ومن حيث مشاكل الواقع وعقده، وآفاق الحل وسبل المواجهة والتصدّي.
وإلى تاريخه لم يستطع المجتمع المدني في المنطقة العربية  فرض إرادته أو رغباته أو تأثيراته على قرارات الدولة، مثلما هو الحال في المجتمعات الأوروبية والغربية عموماً، أو حتى في دول شرق آسيا وفي أمريكا اللاتينية، أي أن قدرة مؤسسات المجتمع المدني في التأثير على الدولة  ما تزال ضعيفة ومحدودة جداً، ولذلك فهو بعيد تماماً عن صناعة القرار، ناهيكم عن معرفة آلياته، وإذا استثنينا بعض المؤسسات المستقلة عن الدولة والفاعلة في بعض البلدان العربية مثلما هي مصر والمغرب ولبنان والبحرين والكويت، فإن غالبية المنظمات في الأقطار العربية غير قادرة أن تلعب هذا الدور لضعفها وخضوع غالبيتها أو بعض مؤسساتها للدولة أو لجهات سياسية أو دينية.
وما تزال منظمات المجتمع المدني تعاني من عدم وجود تنسيق وتعاون بين بعضها، بما فيها عدم وجود ميثاق شرف أخلاقي وقانوني ينطوي على مبادئ أساسية تقدّمها الأطراف الذي تتبنّى مثل هذا المشروع، لاسيما وأن هذه المبادئ والقيم أصبح لها صفة عالمية، تكاد تكون اجماعية، وخصوصاً فيما يتعلق بالشفافية والانفتاح الصريح عن المجتمع وعلى جميع الشركاء والأهداف والمنتفعين ومصادر التمويل، وكذلك آليات الرقابة والمتابعة والمساءلة.
ومن المشاكل التي تواجه مؤسسات المجتمع المدني وخاصة في العالم الثالث بما فيها البلدان العربية، هو الضعف المؤسسي للمجتمع المدني بسبب غياب التشريعات الناظمة والضرورية للعمل العلني الشرعي والقانوني، وعدم وجود إستراتيجيات واضحة، وبرامج عمل محددة، وخطط لتنفيذ أهدافها، يضاف إلى ذلك ضعف التمويل وغياب الدعم الحكومي، وضعف التنسيق بينها، وعدم تخصصية بعضها، الأمر الذي يُحدث نوعاً من الازدواجية والارتباك والتخبّط في مهماتها.
يضاف إلى ذلك أن هناك ضعفاً في صدقية الكثير من قيادات المجتمع المدني وضعف كفاءة بعض العاملين في هذا الإطار، وهو ما ينعكس على كفاءة المنظمات، وغياب الحوار بين مؤسساته والحكومات، ناهيكم عن القيود التي تحدّ من حريته في التعبير، وكذلك تأهيله وخبرته واختلاط بعض مهماته بالمهمات السياسية، وكذلك غياب ثقافة التطوّع والتشبيك وضعف العلاقة مع القطاع الخاص.
ولعل من أبرز التحديات والكوابح التي يواجهها المجتمع المدني من داخله هو غياب الديمقراطية الداخلية وغياب المساءلة والشفافية، وأحياناً تورّط بعضه بالفساد وعدم تداول المسؤولية، وهو الأمر الذي ينتقد عليه الحكومات، في حين أن الحكومات بدأت تعرف كيف تنتقد بعض مؤسسات المجتمع المدني.
إن أهم ما يحتاجه المجتمع المدني هو بناء القدرات بما فيها الإطار المؤسسي والإداري وبناء شراكة فعّالة على أساس الثقة والتعاون والتكامل والتكافؤ لجميع أطراف عملية التنمية، كبر دورها أم صغر؟ مثلما هي بحاجة إلى إرادة تقنع بها الحكومات، وإرادة من جانب الأخيرة لكي تقتنع بدوره ومساهمته، ناهيكم عن أداء سليم يقوم على أساس احترام القيم والمبادئ التي يدعو لها، خصوصاً في ظل نشر ثقافة المجتمع المدني والوعي الحقوقي بأهميته ودوره، بعيداً عن الإنخراط في الصراعات السياسية والآيديولوجية التي تعيشها مجتمعاتنا العربية، والتي تؤدي الى انحيازات مسبقة تضعف من صدقيته ونزاهته وحيدته.



343
عواصف التغيير الديمقراطي: أي خريطة طريق؟   

عبدالحسين شعبان
ما حصل في تونس ومصر وربما سيحصل في بلدان أخرى، يمكن إدراجه في إطار الموجة السادسة للديمقراطية، فقد مرّت الديمقراطية كفكرة وتطبيقات بمراحل مختلفة، وإذا جاز لنا أن نعتبر مرحلة التأسيس ابتدأت في أثينا القديمة ومدنها، التي عرفت الديمقراطية المباشرة، حيث كانت الإرهاص الأول لتعبير الناس وخياراتهم الحرة عن إرادتهم، فإن المرحلة الثانية جاءت مع الثورة الفرنسية العام 1789 التي نادت بمبادئ الحرية والإخاء والمساواة، خصوصاً وقد هيأت حاضنتها الثقافية في نشر الوعي والثقافة الديمقراطية، لاسيما بمساهمة مفكرين كبار من أمثال مونتسكيو وكتابه “روح الشرائع”، وفولتير وكتاباته عن التسامح، وجان جاك روسو وكتابه عن “العقد الاجتماعي” . وعلى الرغم من العنف الذي صاحب هذه المرحلة وما شهدته أوروبا لاحقاً من حروب ونزاعات، إلاّ أن إعلان حقوق المواطن الذي صدر في العام 1791 كان مدماكاً أساسياً في قضية حقوق الإنسان والفكرة الديمقراطية بشكل عام .

تعتبر المساهمة الفرنسية والإضافة الأمريكية المهمة، لاسيما بصدور الدستور الأمريكي 1776 الذي جاء تتويجاً لوحدة الشمال والجنوب بعد حروب دامت سنوات طويلة من مراحل تطور الديمقراطية، خصوصاً أنها ظهرت مع نشوء الدولة القومية في أوروبا .

وشهد القرن العشرون المرحلة الثالثة الواسعة للديمقراطية بحيث شكّل انعطافاً كبيراً نحو الحكم الديمقراطي، مهّد لذلك مرحلة انتقالية اتسمت بانتشار الأفكار الديمقراطية وحق تقرير المصير، أسهمت فيها الحركة الاشتراكية اليسارية من جهة ولاسيما لينين بعد ثورة أكتوبر العام 1917 والأفكار الليبرالية، خصوصاً ما عُرف بمبادئ الرئيس الأمريكي ويلسون من جهة أخرى، ووجدت بعض تطبيقاتها في نهاية الحرب العالمية الأولى، على الرغم من عدم تمكّن الرئيس ويلسون من إدراج حق تقرير المصير في عهد عصبة الأمم العام ،1919 الأمر الذي أصبح ممكناً بعد الحرب العالمية الثانية، سواءً ما تضمنه ميثاق الأمم المتحدة الصادر في 24 حزيران (يونيو) 1945 أو بعد ذلك في العديد من الوثائق الدولية، لدرجة أن إرهاصات الديمقراطية اتسعت وأخذت بُعداً كونياً، على الرغم من الكوابح والمعوّقات التي وقفت بوجهها أو اعترضت طريقها، لاسيما بصعود النازية في ألمانيا في العام ،1933 وسيادة الفكر الشمولي الفاشي والاشتراكي ومواجهة وازدراء الفكرة الديمقراطية وآلياتها .

احتوى ميثاق الأمم المتحدة مسحة ديمقراطية وبُعداً تنويرياً أسهم فيهما توازن القوى السائد آنذاك، لاسيما بعد الحرب العالمية الثانية، واكتسب عمقاً إيجابياً بصدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في العام 1948 والعهدين الدوليين، الأول العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والثاني العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الصادران عن الجمعية العامة للأمم المتحدة، العام 1966 والداخلان حيّز التنفيذ في مارس/ آذار 1976 .

وفي السبعينات من القرن الماضي يمكننا القول إن الموجة الرابعة للديمقراطية بدأت حين استكملت أوروبا الغربية أنظمتها الديمقراطية، لاسيما في البرتغال وإسبانيا واليونان، حيث انهارت الأنظمة العسكرية الدكتاتورية، التي كانت من مخلّفات الحرب العالمية الثانية، لتبدأ موجة جديدة للتحوّل الديمقراطي، خصوصاً في ظل سياسة الوفاق الدولي بين الشرق والغرب، الذي تكرّس في مؤتمر هلسنكي للأمن والتعاون الأوروبي في العام 1975 .

وإذا كانت الانقلابات العسكرية تتعارض مع الفكرة الديمقراطية، لكنها في حال أوروبا الغربية، وخاصة في البرتغال واليونان، كانت مقدّمة أولى للتحوّل الديمقراطي، خصوصاً بما وفرته من بيئة ثقافية ومن حرية التعبير وحق ممارسة العمل السياسي والمهني والنقابي، على نحو قانوني وشرعي، في ظل دساتير ديمقراطية تؤكد تداولية السلطة وإجراء انتخابات حرّة ونزيهة .

ولعل واحداً من أسباب التحول الديمقراطي تآكل النظم الشمولية ووصول التنمية إلى طريق مسدود، والموقف المتغيّر إزاء قضية حقوق الإنسان، وتطوّر وسائل الاتصال والمعلومات والثورة العلمية- التقنية .

أما الموجة الخامسة من الديمقراطية فقد شملت دول أوروبا الشرقية بالدرجة الأساسية التي بدأت فيها عملية التحوّل على المستوى العالمي منذ أواخر ثمانينات القرن العشرين، لكن هذه الموجة اتّسمت بتفتيت العديد من البلدان وانقسامها، حيث انقسم الاتحاد السوفييتي السابق إلى دول عدة، ونشبت حروب ونزاعات دولية وإقليمية وعالمية بين الكيانات القائمة، كما انقسمت يوغسلافيا إلى خمس دول انضمّت جميعها إلى الأمم المتحدة، وكان آخرها استقلال إقليم كوسوفو عن صربيا، واعتراف محكمة العدل الدولية بتاريخ 24 يوليو/ تموز 2010 بأن هذا الانفصال لا ينتهك مؤتمر القانون الدولي، وانقسمت تشيكوسلوفاكيا إلى بلدين هما تشيكيا وسلوفاكيا بعد فيدرالية دامت عقوداً من الزمان .

لكن موجة الديمقراطية الخامسة انكسرت عند شواطئ البحر المتوسط، فلم ينعم العالم العربي بالموجة الديمقراطية التي سادت في أوروبا الشرقية وأمريكا اللاتينية، بسبب المصالح والمساومات الدولية لحماية الأنظمة الصديقة للولايات المتحدة، لكن البيئة الدولية اليوم صالحة لإجراء التغييرات، لاسيما في ظل المناخ الجيو سياسي الفكري والحقوقي على المستوى الدولي، خصوصاً، بوصول النظم القديمة، ذات الطابع الشمولي والتسلطي إلى طريق مسدود، واستنفاد الرصيد المادي والمعنوي الذي يمكن أن تقدّمه لقضية التنمية، وكذلك لظهور حركات اجتماعية جديدة يلعب فيها الشباب الدور المتميّز والحاسم، خصوصاً في ظل بروز دور المجتمع المدني وانحسار دور الأحزاب الكلاسيكية والتقليدية وفشل المشاريع الجاهزة ذات التوجه الراديكالي الاشتراكي أو القومي والإسلامي .

وليس بعيداً عن ذلك تبدّد الآمال التي بناها بعضهم حول دور العامل الدولي والأمريكي تحديداً في دعم التحوّل الديمقراطي، هذا العامل الذي ظلّ يراهن على الأنظمة بسبب التزامات دولية، فضلاً عن مقتضيات الصراع العربي  “الإسرائيلي”، المنحاز إلى “إسرائيل” الأمر الذي أدّى إلى نوع من التيه السياسي سبّب حيرة لدى الكثير من المنشغلين بقضايا الفكر السياسي والاجتماعي والقانوني، لاسيما أن مشروع التحوّل الذي روّجت له الإدارة الأمريكية وأرادت فرضه كان نموذجاً مشوّهاً، سواءً في أفغانستان أو العراق أو غيره .

وإذا كانت الديمقراطية تعني باختصار سيادة الشعب عبر ممثليه وحق تقرير مصيره بإرادته الحرّة، فكيف يمكن للديمقراطية أن تشرق في ظل الاحتلال وبإشرافه، وإذا كان قد حصل ذات مرّة، فهي مسألة استثنائية أو خارج السياق، فالصراع في هذا الحال يتأسس على الشعب وقواه لا من أجل الفوز بالسلطة، بل بالضد من الاحتلال .

لذلك كانت واشنطن أول من رفض “ديمقراطية” فلسطين التي جاءت بحماس . أما “ديمقراطية” أفغانستان، فقد كانت للقبائل والفساد والرشا، و”ديمقراطية” العراق كرّست معها الطائفية والإثنية والانقسام المجتمعي والعنف المنفلت من عقاله، فضلاً عن التدخل الخارجي . ولعل ضعف الثقافة الديمقراطية لدى مجموع الأحزاب والقوى السياسية جعلها عرضة للتنازع الطائفي والمذهبي والإثني والعشائري .

الديمقراطية في الغرب سعت لتمثيل الشعب، في حين أن النخب في العالم العربي كانت توظّف الشعب لمصلحتها . ومن المفارقات الأخرى أن الهامش الديمقراطي أحيا الطائفية والإثنية والمذهبية والعشائرية، أي انتماءات ما قبل الدولة، مثلما أضعف فكرة المواطنة . وإذا كانت الديمقراطية جزءاً من منظومة الحداثة التي تعني العقلانية والمدنية والعلمانية، فإنها في الكثير من التجارب المشوّهة عادت إلى ثقافة الجهل مقابل ثقافة “الفيس بوك” وثقافة الأزياء الرجالية والنسائية مقابل ثقافة العلم والتكنولوجيا، وهكذا لم تعد الديمقراطية خشبة نجاة أو مخلّصاً من الفقر أو دليلاً على تمثيل شعبي حقيقي .

الموجة السادسة للديمقراطية كانت مفاجئة، وهذه المرّة ابتدأت من العالم العربي على عكس ما هو متصوّر، وإذا كان بعضهم قد وصل إلى قناعات وأخذ يروّج لما مفاده أن الحديث عن الجماهير أصبح “مجرد خرافة”، وأن عصرها قد انتهى ولا مجال لاستعادة الثورة الإيرانية أو ثورة بلدان أوروبا الشرقية، وأن دورها السياسي غير موجود، ولا ينبغي أن يكون، وكل ما تحتاجه تجارب التحوّل الديمقراطي هو كفالة آلية انتخابية فعّالة، لكن التجربة التونسية والتجربة المصرية كانتا نموذجين جديدين، على فرض إرادة الجماهير باللاعنف، أي الحصول على الحق عبر الاحتجاج السلمي، للكتل البشرية، من دون قيادة تقليدية، بل بحركات شعبية لعب فيها الانترنت والتويتر والفيس بوك والهاتف النقال والإعلام دوراً كبيراً، بل لا غنى عنه لا في نجاح التجربتين فحسب، بل على قدرتهما على فضّ النزاعات بين الحكم والشعب من جهة وبين النخب ذاتها من جهة أخرى، بطريقة مدنية حضارية سلمية راقية، الأمر الذي جعل “العدوى” تشمل عدداً من البلدان التي تنتظر التغيير الديمقراطي .

باحث ومفكر عربي


344
المفكر والكاتب العراقي الدكتور عبد الحسين شعبان لمجلة الحقائق:


•   أهلل لفوز إرادة الجماهير
•   أخشى من إُجهاض الإنتفاضة أو اختطافها أو إشغالها بصراعات ثانوية
•   أدعو إلى تأمين العدالة الإنتقالية وجبر الضرر وتعويض الضحايا والإبتعاد عن الثأر والكيدية والإنتقام
•   أميل الى التسامح دون نيسان الإرتكابات
•   الإنتفاضات تجاوزت القيادات التقليدية القومية واليسارية والدينية والشباب هم قادتها ووقودها
حاورته: الصحافية إيمان الجابري – مجلة حقائق(تونس)-خاص

قال المفكر والأكاديمي العراقي الدكتور عبد الحسين شعبان أن الانتفاضات الجماهيرية العربية كانت اقرب الى المفاجآت، نظراً للركود النسبي الذي دام سنوات غير قليلة بسبب سياسة القمع وكبت الحريات. وأضاف استاذ القانون الدولي ومدير المركز الاقليمي للقانون الدولي الانساني في حوار خاص مع مجلة الحقائق أن سدى الانتفاضات ولحمتها كان عنصر الشباب الذي يمتاز بالحيوية والشجاعة والإقدام، وعلى الرغم من تأييده اللامحدود للحركة الاحتجاجية، إلاّ أنه أعرب عن خشيته من اختطافها أو إشغالها بصراعات ثانوية.
وحذّر المفكر العربي الكبير شعبان انطلاقا من تجربته الخاصة من النزوع الى الانتقام والثأر والكيدية، ودعا الى التسامح وتأمين العدالة الانتقالية.
وفيما يلي نص الحوار:
* كيف تنظرون إلى ما يحدث في  الشارع  العربي اليوم وهو يشهد حالة من الحراك السياسي الملموس متمثلاً بالانتفاضات والاحتجاجات ومجابهة  الأنظمة الاستبدادية ؟
لا شك أن ما يحدث في الشارع العربي هو حالة صحية بعد فترة ركود نسبي دام لسنوات غير قليلة. ما حدث كان أقرب إلى المفاجآت، فالتحركات الجماهيرية العارمة أعادت إلى الذاكرة الجمعية فترات النهوض الشعبي العربي، لاسيما في مواجهة الاستعمار من أجل الاستقلال والحريات والانعتاق. وهناك من اعتقد أن الجماهير قد تمّ تخديرها أو ترويضها بما في ذلك تدجين بعض النخب الفكرية والثقافية وتوظيفها لحرق البخور للسلطان وتزويق خطابه الإيديولوجي أو الديني كجزء مكمّل وموازي للقمع البوليسي، وأعلن بعضهم انتهاء عصر الجماهير، وإذ بنا أمام هبّة شعبية عربية تكاد تكون شاملة، كانت شرارتها الأولى إحراق البوعزيزي نفسه في مدينة سيدي بو زيد احتجاجاً على البطالة وهدر الكرامة، وقد سرت تلك الشرارة مثل النار في الهشيم من سيدي بو زيد إلى القصرين إلى تونس وشملت جميع القطاعات الشعبية.
    وكان سدى الانتفاضة ولحمتها عنصر الشباب الذي يمتاز بالحيوية والشجاعة والإقدام، فنزل إلى الشوارع معتصماً لأيام متواصلة ودون انقطاع مما اضطّر نظام بن علي للرحيل يوم 14 كانون الثاني (يناير)، لاسيما بعد استنجاده بالجيش الذي لم ينجده، حتى أن أصدقاءه الفرنسيين والغربيين تخلّوا عنه في اللحظة الأخيرة.
ومن تونس انتقلت الشرارة إلى مصر وبين القاهرة والإسكندرية والسويس وغيرها اشتعلت الهبّة الجماهيرية يوم 25 كانون الثاني (يناير) وتصاعدت حتى بلغت يوم الثلاثاء الأول من شباط (فبراير) أكثر من مليون متظاهر في القاهرة وحدها إضافة إلى الإسكندرية ومدن أخرى، وشهد عدد من البلدان العربية حراكاً جماهيرياً واسعاً بسبب أزمات ونقمة سياسية واقتصادية تتعلق بالفساد وشحّ الحريات وتدنيّ الحالة المعاشية، كما هو الحال في الجزائر واليمن والاردن وليبيا وغيرها، إضافة الى إيران من دول الجوار.
ولعل أبرز ما تميّزت به هذه الحركة الشعبية التي فاجأت العالم أجمع هي أنها نظمت نفسها بنفسها متجاوزة القوى التقليدية الأيديولوجية القومية والدينية واليسارية، وكان الطابع العام والغالب للتحرك الشعبي عفوياً، كما كان للإعلام وتكنولوجيا الاتصالات دوراً مهماً، فلم تعدْ أية وسيلة قمعية قادرة على الوقوف في وجه التكنولوجيا الحديثة التي تمكّنت من تخطّي الزمان والمكان ونقل الصورة والصوت إلى أقاصي الدنيا في لحظات قليلة من وقوع الحدث، عن طريق الفايس بوك والتيوتر والانترنيت والهاتف النقّال، لتخرج صورة البوعزيزي بثوان من سيدي بوزيد إلى كل مدينة وقرية وشارع في تونس والعالم أجمع لتشتعل ثورة الغضب وتؤدي إلى رحيل الرئيس بن علي، وهو الأمر الذي تكرر على نحو تعبوي هائل في مصر، حيث لعب الإعلام دوراً مؤثراً في التهيئة والتنظيم وسرعة الانتشار.
والدلالة الأخرى تكمن أهميتها في أن التونسيين نجحوا في تحقيق ثورة سلمية بامتياز، بوسيلتها الناجعة وهي اللاعنف، وهذا إن دلّ على شيء إنما يدلّ على بلوغهم مرحلة من الوعي والثقافة والوطنية لحماية الوطن من الاحتراق وصون الدماء الوطنية. وقد آن الأوان للملمة الوضع وتضميد الجراح والتخلّص من مظاهر التخريب والعبث واليأس، والسير إلى الأمام، فنصف الانتصار قد تحقق ومهمة البناء والتنمية والديمقراطية والرفاه ستكون طويلة وهي النصف الأهم من المعركة.
أضف إلى ما سبق دلالة هامة ألا وهي الوحدة الوطنية التي تجمع كل التيارات والقوى بمختلف مشاربها وتوجهاتها الفلسفية والسياسية، تلك التي ساهمت في إنجاح المدّ الجماهيري، لاسيما بوحدة الهدف وعدم تجزئة المطالب، فقد التقت الأحزاب والقوى السياسية والمدنية حتى الآن على أهداف مشتركة، على الرغم من تباين وجهات نظرها وبذلك فوتت الفرصة على السلطة  لاستعداء بعضها ضد بعضها الآخر.
وقبل كل ذلك فقد كشفت أحداث تونس عن مدى استهتار "الأنظمة" بإنسانها المثقف، فالبوعزيزي وأمثاله الذين درسوا وحصلوا على الشهادات الجامعية، لم تتح لهم فرصة العمل في أي مكان، بينما القوى الحاكمة وأقاربها وذيولها يرتعون بالمناصب والمراكز ويكدّسون الأموال سواءً حصلوا على الشهادات أم لم يحصلوا عليها؟
* برأيكم  ماهي انعكاسات ثورة التغيير التونسية على الشارع العربي  وهل كانت المحرك والشرارة لتحولات في بنية الأنظمة العربية ؟
الانعكاس الإيجابي الأول هو انكسار حاجز الخوف وارتفاع ثقة الجماهير بنفسها وتزايد قناعتها بقدرتها على صنع تاريخها بيدها. والانعكاس الثاني هو استمرار الأمل بإزاحة الدكتاتوريات مهما طال أمدها حتى وإنْ ظهرت أنظمة منيعة مدججة بالمال والسلاح والمخبرين، وكأنها قلاع عالية يصعب اختراقها، بينما هي هشّة ومنخورة من الداخل، ومهما تمكّنت من تزييف الوعي ومصادرة الحريات فلن تتمكن من الاستمرار بذلك إلى النهاية.
وقد سبق الثورة التونسية، انتصار الثورة الإيرانية وبعدها في ثمانينيات القرن الماضي  انهار جدار برلين وانتصار الثورة المخملية في براغ وسقوط نظام تشاوتشيسكو في رومانيا وكان نظام بودابست وقبله نظام وارسو قد تكيّفا بفعل الحراك الشعبي الطويل، لاسيما بدور نقابة تضامن في بولونيا وأعقبتهما بلغاريا بالتدريج، لكن الانهيار المدوي كان في يوغسلافيا التي انقسمت إلى خمس دويلات وانحلال الاتحاد السوفييتي الذي تحول إلى عدد من الدول.
أما الانعكاس الإيجابي الثالث فهو الاعتماد على العامل الداخلي، فقد أثبتت تجارب الحكومات والمعارضات أن الاعتماد على العامل الخارجي، لن يكون دون شروط مجحفة بل ومذلة، والتجربة العراقية خير دليل على ذلك، حيث أدّى الأمر إلى تفكيك الدولة ومؤسساتها تحت سلطة الاحتلال منذ ثماني سنوات، وهي ما تزال إلى اليوم تئن تحت ضربات موجعة من اشتعال الطائفية والتشظي المجتمعي، ولم تتماثل الى الشفاء بعد، على الرغم من التحسّن النسبي في الوضع الأمني، لكن نار الإرهاب والعنف ما تزال تخترق الوضع بين الفينة والأخرى، ناهيكم عن استمرار نار الفساد الاداري والمالي والمحاصصات الطائفية والاثنية.

* بصفتكم مفكراً وناشطاً متميزاً في مجال حقوق الإنسان والمجتمع المدني، ألا تعتقد أن الحكومات العربية  يتوجب عليها الآن أن تعيد النظر بواقع سياساتها وعلاقتها مع المواطن ومصالحه الأساسية؟

أظنّ أن الحكومات العربية بسياساتها الراهنة، لاسيما بتغييب دور الجماهير قد وصلت إلى طريق مسدود، ولا يمكن لها الاستمرار إلى ما لا نهاية في هدر حقوق المواطنة والمساواة والتنكّر لمتطلبات الدولة العصرية، تلك التي تتطلب فصل السلطات وتحقيق استقلال القضاء والإقرار بالتعددية الفكرية والسياسية والقومية والدينية وتأكيد مبدأ تداولية السلطة سلمياً وإجراء انتخابات دورية وتحقيق حدٍ أدنى من العدالة الاجتماعية، الأمر الذي يحتاج إلى علاقة مختلفة بين الدولة والمواطن تقوم على أساس احترام حقوق الإنسان وعلى حق المشاركة في إدارة الشؤون العامة وعلى حق التعبير وحق الاعتقاد وحق التنظيم الحزبي والنقابي والمهني.
لا يمكن للدولة أن تستمر مهما كانت تسلطية: ثورية أو محافظة أو استبدادية أو شمولية، أو ثيوقراطية أو غير ذلك لأن طريق التنمية سوف يصل إلى طريق مسدود، ولعل تجارب البلدان الاشتراكية السابقة وبعض دول حركة التحرر الوطني، تؤكد ذلك فبعد تنمية محدودة ولنقل بعد "نمو اقتصادي" ولا أقول تنمية بمعناها الانساني الشامل، بدأت سلسلة من الاختناقات والأزمات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، خصوصاً في ظل شحّ الحريات وسباق التسلح، الأمر الذي أدّى إلى انهيار تلك التجارب ثورية واشتراكية كانت أو محافظة.

* ألا تعتقد أن الشراكة الحقيقية بين الأحزاب الحاكمة من جانب وأحزاب المعارضة من جانب آخر تتحمل مسؤولية البناء وضمان مصلحة الوطن ؟
للأسف الشديد استأثرت الأحزاب الحاكمة الثورية والمحافظة بالسلطة السياسية بزعم تمثيلها الكادحين تارة أو النطق باسم الأمة أو بحجة الصراع العربي- الإسرائيلي أو "الحزب القائد" تارة أخرى، وثالثة باسم الدين أو غير ذلك واحتكرت هذه الأحزاب، لاسيما بعد وصولها إلى السلطة العمل السياسي والنقابي والمهني والاجتماعي قانونياً وبمسميات مختلفة وبصورة مباشرة أو غير مباشرة، وحرّمت ذلك على أحزاب المعارضة التي اضطّر قسم منها إلى العمل السري ضمن أجواء اتسمت في غالبها بكبت الحريات ولاسيما حرية التعبير وحق التنظيم وحق الاعتقاد وحق المشاركة السياسية.
وهناك تجارب كثيرة في البلدان العربية التي تؤكد الدولة الفاشلة، لاسيما في تحقيق التنمية. ولعب التنظيم السياسي الشمولي عائقاً أمام تطوير التنمية المستدامة بمعناها الإنساني الشامل، السياسي والاجتماعي والاقتصادي والقضائي والقانوني وغير ذلك والأمثلة كثيرة، فهناك تجربة الاتحاد الاشتراكي العربي في مصر الناصرية والحزب الوطني الديمقراطي الحالي وتجربة المؤتمر الوطني السوداني وتجربة حزب البعث في العراق وسورية وتجربة اللجان الشعبية في ليبيا وتجربة جبهة التحرير في الجزائر وتجربة الجبهة القومية والحزب الاشتراكي فيما بعد في اليمن الجنوبية وتجربة التجمع الدستوري التونسي، وكلها وصلت إلى طريق مسدود وقد فشلت تلك الأحزاب فشلاً ذريعاً لأنها منعت أو روّضت الأحزاب المعارضة والنقابات والاتحادات ومؤسسات المجتمع المدني وتكدّس فيها الكثير من الفاشلين والانتهازيين.
ولعل تجارب الأصل أو الفرع، والمقصود هنا تجارب الدول الاشتراكية وبلدان حركة التحرر الوطني كلها اتخذت مسارات واحدة وإن اختلفت تسمياتها، وذلك بمحاولة اسقاط الفكرة على الواقع، وتطويع هذا الأخير وتقنينه ليتلاءم مع الفكرة وليس العكس.
إن الشراكة الحقيقية وتحمّل المسؤولية الجماعية تتطلب حريات عامة وخاصة وتأمين حقوق المواطنة والمساواة، ويتطلب ذلك عقداً اجتماعياً وسياسياً وثقافياً جديداً يمكن أن يتضمنه الدستور، لاسيما بوجود قضاء مستقل ورقابة وشفافية ومساءلة.
* لو عدنا إلى ثورة تونس التي وصفت بثورة الياسمين آو ثورة الحرية ، إلى أي مدى تنظر لدور الفئة المثقفة مقارنة بفئة الفقراء والمسحوقين وهل كان للمثقف دور مميز في ذلك أم أن الشعب هو من فعل التغيير ؟
ما حصل في تونس وفي مصر وفي غيرهما لم يحصل بفعل الفقر وحده، بل كان سببه الرئيس أيضاً هو هدر الحريات ومحق الكرامة، وقد لعبت الطبقة الوسطى وهي في غالبيتها من المتعلمين، لاسيما من خريجي الجامعات دوراً متميزاً على هذا الصعيد، وحتى الذين أرادوا اتهام تلك الانتفاضات الشعبية بأنها انتفاضة رعاع قام بها سكان العشوائيات وأطراف المدن المتريّفة وتخومها، لم ينجحوا في الترويج لوجهات نظرهم، فقد كانت تلك الانتفاضات تعبيراً حضارياً ومدنياً عن حركة احتجاج سلمي استندت إلى اللاعنف.
لقد حسم رحيل بن علي "مضطراً"، المعركة لصالح الشعب وجنّب تونس المزيد من المآسي والدماء، وهكذا فرضت الاحتجاجات السلمية حضورها وإرادتها في أرقى ممارسة للحق من خلال اللاعنف، وفي التعبير عن الرأي بالسلم، ومواجهة الرصاص بصدور عارية، وفي المحصلة انتصر هذا الخيار على الخيار العنفي الذي ظلّ النظام متمسكاً به حتى  لحظات احتضاره الأخيرة وهو ما ينتظر أن يكون سابقة في عدد من الانتفاضات الشعبية الأخرى، في مصر وفي غيرها، فهو السبيل الأمثل لفرض الإرادة الشعبية وإجبار الأنظمة على التسليم بمطالب الجماهير العادلة، خصوصاً إذا تحوّلت حركتهم إلى سيل عارم لا يمكن الوقوف بوجهه، وعلى مرّ التاريخ يضطر الحكام في نهاية المطاف إلى التراجع والانسحاب ويهزمون أمام الإرادة الشعبية العادلة.

* كيف يمكن محاكمة الرئيس التونسي المخلوع، لاسيما من خلال الانتهاكات التي حصلت في مجال حقوق الإنسان في تونس؟

ما أدعو إليه هو تأمين العدالة الانتقالية ويتطلب ذلك إدانة المرتكبين ومساءلتهم  وانزال العقاب الذي يستحقونه بهم، وإن كنت أميل الى التسامح وحصر دائرة المتهمين بالادارات العليا، لاسيما بالرئيس وحاشيته الأساسية، لكن ذلك لا يعني نسيان ما تم ارتكابه، بل لا بدّ أن يكون ذلك في الذاكرة الجمعية باستمرار لمنع تكراره ولكي يكون عبرة للأجيال القادمة، ولكن في إطار من التسامح وطلب الغفران، خصوصاً بعد اعتراف المرتكبين واعتذارهم من الشعب، ولعل تجربة جنوب أفريقيا والمغرب وهما تجربتان قريبتان مفيدتان على هذا الصعيد، لأنني أخشى من اندلاع العنف والكيدية والثأر والانتقام، وهذا سيعني تجديد دائرة الفعل ورد الفعل ودورة العنف والعنف المضاد وهكذا.
كما يتطلب الأمر جبر الضرر وتعويض الضحايا أو عوائلهم مادياً ومعنوياً وإصلاح النظام القانوني بأكمله وتشريع ما يفيد بذلك، خصوصاً بعد تأمين استقلال القضاء وإدانة المرتكبين، الذين أصدروا الأوامر أو مارسوا التعذيب أو برروه أو سكتوا عنه، وبالطبع فإن رئيس الدولة يتحمل المسؤوليات الأساسية لانتهاكات حقوق الانسان على مدى العقدين ونيّف الماضيين. وكما أشرت فإن هدف الإدانة هو إعادة تثقيف المجتمع بالجرائم المرتكبة للحيلولة دون الوقوع في شبكها لاحقاً.
 كما ينبغي توجيه اللوم الى الدول الغربية لاسيما فرنسا التي ظلت حتى اللحظة الأخيرة تريد حماية نظام بن علي، وعلى الرغم من ثمت مفارقة إتسمت بها سرعة الأحداث  ففرنسا والولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي وجدت في الإطاحة بالنظام التونسي فرصتها للتنصّل من التزامات سابقة لدعم نظام استبدادي وتقديمه كنظام متمدن يؤمّن أهم مستلزمات حقوق الإنسان مثل الغذاء والتعليم والصحة كما جاء في رد قاسي للرئيس الفرنسي جاك شيراك على احتجاجات لدعمه نظام بن علي العام 2003.
ووجدت واشنطن وباريس الفرصة سانحة للدعوة إلى قيم الديمقراطية والحرية واحترام إرادة الشعوب، وهو جوهر ما تضمنته رسالة الرئيس الأمريكي أوباما، لكنها في الوقت نفسه تخشى من مخاطر جدية على الوجود والمصالح الأمريكية والأوروبية الغربية في المنطقة، الأمر الذي سيعتمد على إمكاناتها في إطفاء الحرائق من جهة، وفي استتباب الأمن وعودة الحياة الطبيعية من جهة أخرى.
ومثل هذا الأمر ينطبق على مصر لدرجة كبيرة، بحكم ثقلها المادي والبشري، ودورها على صعيد المنطقة والعالم وهو ما يعكس تردد إدارة أوباما بشأن عملية التغيير، وخلال الأيام العشرة الماضية، كانت تقدّم خطوة وتؤخّر أخرى لكي تحسب مصالحها الدولية والإقليمية. ولكي يحقق التغيير مساره المنشود فلا بدّ من إنجاز مصالحة وطنية وأخذ الأمور بالتسامح وتأمين احترام حقوق الانسان ومنع أية عودة الى الماضي أو استغلاله لتأليب المجتمع وقواه بعضه على بعض.

* تهاوي بعض الأنظمة العربية ورحيل البعض الأخر هل سيغير من وضع الخارطة والعلاقة مع إسرائيل وأمنها القومي؟

لعل سقوط بعض الأنظمة أو ضعضعة بعضها الآخر سيغيّر من الخارطة السياسية في المنطقة، بل على المستوى العالمي، فإذا كان بلداً صغيراً مثل تونس قد لقي اهتماماً اسرائيلياً بفعل التغييرات التي قد توثر على النظام الدولي فما بالك ببلد مثل مصر مثلاً؟ وليس من قبيل الصدفة أن يصرّح نائب رئيس وزراء الكيان الصهيوني سيلفان شالوم التونسي الأصل بقوله: "أخشى ما أخشاه أننا نقف حالياً أمام مرحلة جديدة وبالغة الخطورة في العالم العربي، فإن سقوط النظام التونسي القائم، قد لا يؤثر حالياً بشكل كبير على الأمن القومي الإسرائيلي، لكن يمكن الافتراض أن هذا التطور سيشكل سابقة قد تتكرر في دول يؤثر استقرار نظامها علينا بشكل مباشر".
كما أكّد على أنه في حال تمّ استبدال الأنظمة في الدول التي تحيط بـ"إسرائيل" بأنظمة ديمقراطية فإن هذا يحمل في طياته خطراً كبيراً على الأمن القومي الإسرائيلي، على اعتبار أنه يفترض أن تعتمد الأنظمة الجديدة أجندة تشكل بحد ذاتها مسًّا بالمصالح القومية الإسرائيلية وتلك إحدى مفارقات الحدث التونسي.
لقد انشغلت الإدارة الأمريكية وبريطانيا وفرنسا وألمانيا والاتحاد الأوروبي عموماً، بل والعالم أجمع خلال الأيام الماضية بما يجري بمصر بعد تونس، وللأسف فإن أقل ردود الفعل هي ردود الفعل العربية، التي ظلّت حذرة ومواربة، في حين كان رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو قد لفت الانتباه الى قلق اسرائيل إزاء اختلال توازن القوى، وهو ما ركّزت عليه الصحافة الإسرائيلية، ذلك أن تغيير الأنظمة في الدول التي تحيط بـ"إسرائيل" قد يحمل في طياته خطراً كبيراً على الأمن القومي الإسرائيلي، كما تروّج الى ذلك اسرائيل نفسها، وموضوعياً فقد تعتمد الأنظمة الجديدة أجندات جديدة تشكل بحد ذاتها إعادة نظر بالسياسات القائمة، وتلك إحدى احتمالات الغضب المصري، بما فيها اتفاقيات كامب ديفيد والصلح المنفرد الموقعة في العام 1978-1979.
*  لعب الاعلام الالكتروني دورا مهما في تعبئة الشارع واختصار الوقت واشعال الغضب الشعبي  ، ماتعليقكم حول دور الاعلام والاتصال في هذه التحولات؟
لم يعد مبالغاً القول أن العالم أصبح قرية صغيرة بفعل ثورة الاتصالات والمواصلات وتكنولوجيا المعلومات والطفرة الرقمية (الديجيتل)، وإذا كان للعولمة وجه متوحش، فلها وجه إيجابي يكمن في عولمة الاعلام والثقافة وحقوق الانسان، وقد نجح الاعلام الالكتروني في تهيئة المسلتزمات لإشعال الغضب المحتبس في الصدور، ولا يمكن أن ننسى بأن الميديا لها دور كبير في إدارة الأزمات والحروب عبر استخدام مصطلحات وأطروحات يتم تكرارها على الشعوب حتى تصبح مألوفة لدى الجماهير وذلك بدراسة سيكولوجية وتأثير ضخ المعلومات عليها وعلى النخب الحاكمة وغير الحاكمة.
وقد لعب الاعلام الغربي دوراً كبيراً لتحوير وتقليب كلمة مقاومة الى "إرهاب" وظلّ حتى اليوم يرفض إقرار تعريف خاص للإرهاب الدولي يفرّق بينه وبين حق الشعوب العادل والمشروع في مقاومة الاحتلال.
وإذا كانت حرب الخليج الثانية بعد غزو القوات العراقية للكويت 1990-1991 قد قادتها محطة الـ CNN، فإن الحرب على أفغانستان في 2001 كانت تحت تأثير قناة الجزيرة الفضائية، التي كان لها السبق في ذلك، أما الحرب على العراق 2003 واحتلاله فلم يكن بعيداً عن الاعلام، كما كان للاعلام الدور الكبير في نقل ما حصل في نيويورك وواشنطن في أحداث 11 أيلول (سبتمبر) الإرهابية الإجرامية، وفي تهيئة الأذهان ضد الإسلام كخطر داهم بعد انهيار الأنظمة الشيوعية على المستوى الدولي.
كان الاعلام الالكتروني وسيلة مجدية ونافعة لإشعال الانتفاضات حيث استطاعت الشعوب العربية نقل ما لديها بومضة عين كالذي حصل في تونس، من أجل ذلك عمدت السلطات المصرية الى قطع الانترنت أوائل أيام الانتفاضة ظنًّا منها المقدرة على طمس الحقائق وعدم نشر أخبار يوم الغضب ثم أغلقت قناة الجزيرة الفضائية وهددت قنوات أخرى، لكن الجماهير ابتدعت أساليب أخرى، فالحقيقة في ظل العولمة مثل الشمس لا يمكن حجبها بغربال، بكل ما في ضوئها من صدمات للعين، مثلما لها من فوائد ومنافع.
* كيف تقيمون الوضع في مصر خلال هذه الفترة و ماذا تتوقعون سياسيا و امنيا في المرحلة القادمة ؟

أعتقد أن مصر، أمام خيارين قاسيين فإمّا الانفلات، خصوصاً بأعمال السلب والنهب ومداهمة البيوت والأملاك العامة والخاصة التي بدأت بعض ملامحها، وإمّا تسليم السلطة إلى الجيش الذي يمكن أن يسهم بدوره في المرحلة الانتقالية. وإذا كان الجيش التونسي قد تدخّل لحسم الأمر والضغط للاستجابة للمطالبة الشعبية، فإن الجيش المصري سعى أيضاً لتهدئة الخواطر، لاسيما بعد غياب الأجهزة الأمنية، وإذا كانت تونس قد أنجزت مهمتها الأولى، فإن ملامح تجربة متميزة ما تزال تتشكل في مصر بكل ثقلها، ولكن القلق يصاحبها، لاسيما باحتدام الصراع الداخلي وعدم تبلور قيادة للمعارضة لفرض رأيها، بما تمثله من توافق للمرحلة الانتقالية، ولذلك أخشى أن تُجهض الحركة الاحتجاجية أو تُختطف أو يتنازعها صراعات ثانوية تشغلها عن مهامها الأساسية.
صحيح أن بن علي هو غير حسني مبارك. الأول حسم أمره "مضطراً"، أما الثاني فقد أقال الوزارة وشكّل وزارة جديدة وعيّن عمر سليمان نائباً له وهو شخصية عسكرية تقول عنها المعارضة المصرية أنها محترمة، ولكنها ليست كافية لتحقيق الانفراج وحل عقدة الحكم، وإذا كان الحكم يُدار من ثلاث عسكريين، الرئيس مبارك ونائبه الجنرال عمر سليمان ورئيس الوزراء الجنرال أحمد شفيق، لكن الجماهير ظلّت تصرّ على رحيل النظام. هكذا فرضت الاحتجاجات السلمية حضورها وإرادتها في أرقى ممارسة للحق من خلال اللاعنف، وفي التعبير عن الرأي بالسلم، ومواجهة الرصاص بصدور عارية.
وإذا كان سلاح الجمهور هو الإحتجاج ورفع الصوت والمواجهة باللاعنف، فإن ذلك يلقى دعماً دولياً كبيراً وتضامناً عالمياً من جميع القوى المحبّة للسلام والمؤيدة لحقوق الشعوب وحرياتها الديمقراطية، وهذا يحتاج الى تعبئة الرأي العام العالمي وقوى وشبكات المجتمع المدني، التي لها ثقلها، لاسيما على المستوى الدولي.
وكعادة الأنظمة الفردية فقد اعتمد النظامان التونسي والمصري على الدعم الخارجي، إعتقاداً منهما أن تقديم التنازلات لصالح القوى الخارجية سيحميهما من ردّ الفعل الشعبي، دون الالتفات إلى مشاكل الشعب وهمومه وآلامه، التي تمّ التعامل معها باستخفاف ولامبالاة وعدم الشعور بالمسؤولية، الأمر الذي فاقم الأوضاع سوءًا، وهو ما أدّى إلى عزلة النظامين وساعد بالتالي على الإطاحة بالأول واستمرار التظاهرات ضد الثاني، بتلك الطريقة المدنية الحضارية السلمية المثيرة، التي تجري محاولات لتشويهها، خصوصاً عبر صدامات داخلية وأعمال عنف وبلطجة.
* كيف ترى الأفق المستقبلي للبلدان العربية بعد ظهور بوادر الوعي والانتفاضات والوقوف بوجه السلطات الجائرة وتجاوز مظلة الخوف والخضوع ؟
إذا تعمّق الوعي فسيكون شلالاً هادراً لا يمكن صدّه، وإذا اضمحل أو ضعف عامل الخوف، فيمكن للجماهير أن تصنع المعجزات، ولا يمكنني الاّ التهليل لفوز إرادتها وإصرارها الذي سيتحوّل بعد قناعتها الى قوة مادية يصعب اقتلاعها، لاسيما لشعورها بنبل القضية التي تسعى لها وجلالة شأن قدرها، حيث تبدي استعدادها للتضحيات وعدالة حقوقها التي تستميت من أجل نيلها، وذلك وحده ما يجعلها جديرة بمثل هذا الاستحقاق.



345
العولمة .. ربّ ضارة نافعة!


عبد الحسين شعبان
لم تترك العولمة مجالا إلاّ ودسّت أنفها فيه، لدرجة بات كل شيء ''معولما'' سواء اتفقنا وتكيّفنا معها أو عارضناها ورفضناها، لكننا لا يمكن أن نتملّص من نتائج التعاطي معها ومن استحقاقاتها. فقد دخلت حياتنا بكل مساحاتها ومساماتها، ومن أبسط الأشياء حتى أرقاها، خصوصا في ظل ثورة الاتصالات والمواصلات وتكنولوجيا الإعلام وتدفق المعلومات والطفرة الرقمية ''الديجيتل''.
واكتسبت التنمية في ظلّ العولمة بُعدا جديدا ومهما، لا على المستوى المحلي فحسب، بل على صعيد نظام العلاقات الدولية، السياسية منها والاقتصادية، أيضا، خصوصا ما رافق مفهومها من تطور وجدّة، فبعد أن كان المفهوم الدارج للتنمية حتى الثمانينيات يُقصد منه النمو الاقتصادي والتراكم الذي يمكن أن يحدثه في الميدان الاقتصادي وعلى مستوى رأس المال، فإن المفهوم الحديث شمل التنمية الشاملة بجميع جوانبها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والقانونية، خصوصا بُعدها الإنساني، تلك التي لا تنحصر بنمو رأس المال الاقتصادي فحسب، بل ترتبط برأسمال البشر وبالسياسات الاجتماعية التي تشمل عموم السكان أيضا. ولعل المفهوم الجديد للتنمية يتطلّب إعادة نظر في مجمل السياسات السائدة، ولا سيما في البلدان النامية، التي لا تزال أسيرة الاستتباع الخارجي وسياسة الهيمنة للدول الكبرى، الأمر الذي بحاجة إلى تعزيز دور الدولة وتنشيط دور قطاع عام شفاف ومسؤول مع تأكيد جدواه الفاعلة، مثلما يتطلب علاقات شراكة مع القطاع الخاص، ومساهمة أنشط مع جانب مؤسسات المجتمع المدني في العمل التنموي وفي تحديد السياسات، خصوصا للأولويات والأهداف والفئات التي تتوخّاها، ومثل هذا التطور بحاجة أيضا إلى إصلاح المؤسسات الدولية لكي تكون قادرة على تقديم العون بنزاهة من خلال معرفتها بسبل ومستلزمات التنمية بشكلها الشامل. بعد نحو عشر سنوات على صدور إعلان الأمم المتحدة حول ''الحق في التنمية'' في العام 1986 انعقد في كوبنهاجن (الدانمارك) القمة العالمية للتنمية الاجتماعية في آذار (مارس) 1995. وسجّلت القمة انعطافا في الفكر التنموي الدولي، خصوصا عندما أعلن 117 رئيس دولة وحكومة التزامهم بـ ''خلق تنمية اقتصادية وسياسية واجتماعية وثقافية وقانونية'' تتيح للمجموعات البشرية جميعها الاستفادة منها. كما جاء في إعلان القمة وبرنامج العمل التأكيد على تحقيق العدل والإنصاف والمشاركة.
وبغضّ النظر عن مساوئ العولمة فقد ازداد تأثير مؤسسات المجتمع المدني، وأخذت تلعب دورا منشودا، ولا سيما في عملية التنمية، ويمكن ملاحظة التأثير الإيجابي لمؤسسات المجتمع المدني عبر ثلاثة أطر، هي: الخدمات (التي تمنحها) والشراكة (التي تنشدها) والعمل التعبوي (الوطني والقومي الذي تقوم به لتحريك المواطنين)، لا يهم في ذلك إنْ كانت هذه المنظمات دفاعية أو حقوقية، مختصة في قضايا المرأة أو الفئات المهمشة أو معنّية بقضايا الفقر أو غيرها؛ ذلك أن أساس مؤسسات المجتمع المدني ينبع من الفكرة التي تقوم على المبادرة الذاتية للأفراد، بقناعاتهم واتّحادهم، وبالقدرة على التأثير في محيطهم السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي أو الثقافي أو القانوني، خصوصا عندما تكون هذه المؤسسات مستقلة عن القطاعين الحكومي والخاص، ومتميّزة عنها، الأمر الذي أخذ بعضهم يطلق عليها القطاع الثالث أو القطاع المستقل أو القطاع التطوعي أو غيره من التسميات.وإذا كان ما يميّز مؤسسات المجتمع المدني في الغرب أنها أصبحت قوة ضغط على الحكومات لاتخاذ القرارات، ولا سيما في بعض الميادين، حتى باتت الحكومات لا تتخذ أيا من القوانين أو القرارات دون الرجوع للمجتمع المدني، كما أن البرلمانات لا تشرّعها دون الرجوع إلى مؤسسات المجتمع المدني أيضا، والاستماع إلى آرائها وملاحظاتها في هذا الخصوص، فإن البلدان النامية لا تزال تطمح للاعتراف بها أولا ومن ثم سماع رأيها فيما يتعلق بالبرامج السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وغيرها ثانيا، ناهيكم عن تعزيز كياناتها المستقلة ثالثا.
تقوم فلسفة المجتمع المدني على استكمال دور الحكومات والجهات الرسمية في تقديم البرامج، والسعي لحل المشكلات القائمة، والقيام بمبادرات ذاتية وتقديم مقترحات والكشف عن الطاقات الكامنة لدى الأفراد لتوظيف خبرتهم النوعية وتنظيمها على نحو يتّسق مع خطط التنمية والاستفادة من القدرات الذاتية للأفراد لوضعها في خدمة المجتمع، وتقديم تصوّرات مستقبلية، وذلك من خلال العمل التطوعي للنهوض بالمجتمع إلى مستوى الطموحات والأهداف التي تنشدها الدولة والمجتمع.
إذاً يمكن القول ''ربّ ضارة نافعة''، فإذا كانت العولمة بوجهها المتوحش ظاهرة سلبية على التطور الدولي، فإن المظهر الإيجابي فيها يكمن في وجود المجتمع المدني كظاهرة موضوعية بغضّ النظر عن مساوئها، حيث برز دوره على نحو كبير واستثنائي، ولا سيما في أبعاده المختلفة، على الرغم من سلبية بعضها، إلاّ أن ثمة شيئا إيجابيا، وله تأثيرات ملموسة وجوهرية على المجتمع المدني، من جهة أخرى.لقد كان تأسيس المجتمع المدني العالمي إحدى هذه الظواهر الإيجابية، ولا سيما من خلال تعزيز سبل الاتصال والتواصل بين مؤسسات المجتمع المدني على المستوى العالمي، خصوصا في ظل الثورة المعلوماتية وآلياتها، التي تعد العمود الفقري للعولمة، وتتواصل مؤسسات المجتمع المدني من خلال تدفق المعارف والمعلومات وتأسيس شبكات دولية وإقليمية تعنى بقضايا: الفقر والمرأة والطفولة والبيئة وحقوق الإنسان، وقد لعبت هذه المنظمات دورا بارزا على الصعيد الاجتماعي والاقتصادي والثقافي والحقوقي والبيئي والصحي وغيرها.كما أسهمت هذه التطورات في عولمة قوانين الجمعيات والمنظمات الخاصة بالمجتمع المدني على المستوى العالمي، وذلك بتحديد مسطرة أو مدوّنة تأخذ المشتركات الأساسية والتطلعات والأهداف العامة، مع مراعاة الخصوصية الوطنية والثقافية للمجتمعات والشعوب المختلفة. وقد صاغ البنك الدولي بعض القواعد لتكون مرشدا للعمل، أو دليلا في سنّ التشريعات القانونية ومبادئ وقواعد التأسيس، والعلاقة بينها وبين الدولة والمجتمع، ولا سيما الفئات المستهدفة والتمويل وغيرها.
كما أسهمت التطورات في صياغة القيم الثقافية المشتركة والمبادئ الإنسانية التي تجسّدها على المستوى العالمي، وهي قيم مدنية تؤكد احترام التعددية والتنوّع والمساواة وحقوق الإنسان والديمقراطية، وما يرتبط بذلك من قبول الرأي الآخر فضلا عن قيم السلام والتسامح والحوار، ويمكن القول إن ثمة مشتركات ثقافية، مدنية، وإنسانية أصبحت قاسما موّحدا لمؤسسات المجتمع المدني، في دول الشمال ودول الجنوب، في البلدان الصناعية، الغنية، المتقدمة، وفي البلدان النامية، الفقيرة، والمتخلّفة، كما أن لغتها الحقوقية أصبحت متقاربة.
وإذا كانت العولمة قد فرضت هيمنة على الدول والشعوب المُستضعَفة ونوعا مكثفا من إملاء الإرادة من جانب القوى الكبرى، بحكم دورها السياسي والعسكري والاقتصادي، فإن المجتمع المدني في الدول النامية اندفع باتجاه الاستفادة من قوانين العولمة من خلال تعميم القيم العالمية حول عمليات الإصلاح والتطور والديمقراطية والدفاع عن الحريات والحقوق، التي تشكّل جوهر رسالة المجتمع المدني وأساس تحرّكه، وذلك بالاستفادة موضوعيا من الظروف والأوضاع التي خلّفتها العولمة، بغض النظر عن جوانبها السيئة.وأصبح للمجتمع المدني دور مهم في عملية التنمية لا يمكن تجاهله أو إغفاله؛ لأن مفهوم التنمية المستدامة ذات البعد الإنساني لا تقوم إلاّ بمشاركة المجتمع المدني ومساهمته في عملية التنمية على المستوى السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي والقانوني وغيرها. وبرز في ظل العولمة منظمات مناهضة للعولمة، أسهم فيها بفاعلية المجتمع المدني دفاعا عن العدالة الاجتماعية، ولا سيما في إطار مكافحة الفقر والتزام قضايا المهمشين من خلال تقديم مقترحات وبرامج على هذا الصعيد.
وبغضّ النظر عمّا تريده العولمة فإن المجتمع المدني أصبح قوة ضغط تعبّر عن الرأي العام المحلي مرتبطا بالرأي العام العالمي إزاء قضايا كثيرة ذات اهتمام مشترك، مثلما هي شراكته مع شبكات ومنظمات عالمية رديفة، لتشكيل قوة ضغط كبرى على الصعيد العالمي، برزت خلال رفض الحصار على العراق وبعد احتلاله وكذلك في الدفاع عن حقوق الشعب العربي الفلسطيني، ولا سيما حقه في تقرير مصيره، وضد العدوان الإسرائيلي المتكرر عليه وعلى البلدان العربية.
وإذا كانت ثمة مخاطر تهدد البلدان النامية في ظل العولمة، التي لا يمكن دفع شرورها بالكامل، فلا بدّ من سبل للتخفيف من تأثيراتها السلبية واللاإنسانية، سواء على الصعيد الوطني أو الدولي. ومثلما هناك مخاطر وتحدّيات، كذلك هنالك بعض الفرص التي أوجدتها، خصوصا فيما يتعلق بعولمة الثقافة وعولمة حقوق الإنسان، وهي فرص يمكن للمجتمع المدني أن يستغلها، إذا تسلّح بالوعي وبرؤية مهنية مستقلة غير خاضعة للتمويل الأجنبي والأجندات الخارجية، وبعيدة أيضا عن الصراعات الأيديولوجية.
إن مجتمعا مدنيا على أساس المواطنة والمساواة والتعاقدية والتطوعية ويسعى لتفعيل حق المشاركة، يمكن أن يسهم في عملية التنمية المستدامة بحيث يصبح قوة اقتراح وشراكة مع الدولة والقطاع الخاص، ولعل ذلك من مفارقات العولمة!!



346
خطاب القوة والتطرف معكوساً

عبدالحسين شعبان
 
لعل الخطاب السائد الذي نشأ في العقود الثلاثة الماضية، ولاسيما بعد أحداث 11 سبتمبر/ أيلول الإرهابية والإجرامية، كان يقوم على الصدام بين الغرب والإسلام، لاسيما بعد انهيار الكتلة الاشتراكية وانحلال الاتحاد السوفييتي وانتهاء الحرب الباردة السابقة، الأمر الذي حوّل الصراع الايديولوجي إلى شكل جديد، خصوصاً باعتبار “الإسلام” عدواً جديداً .

والغريب أن هذا الأمر لم يقتصر على الاستراتيجية الأمريكية التي أعلت من شأن استخدام القوة للقضاء على “العدو” وإجباره على “التسليم” لدخول عالم ما بعد التاريخ على حد تعبير فرانسيس فوكوياما في نظريته الشهيرة “نهاية التاريخ”، بل شمل أيضاً التيارات الإسلاموية المتطرفة أيضاً سواءً المعروفة باسم تنظيم القاعدة وزعيمها أسامة بن لادن أو تحت أي مسمّى آخر، وكان الاعتقاد السائد لدى الفريقين أن ثمة كتلتين متجابهتين تاريخياً وقيمياً وتوجّهاً، وأن صدامهما حتمي، وهو ما ذهب إليه صموئيل هنتنغتون في نظريته “صدام الحضارات” و”صراع الثقافات”، التي مثّل وجهها الآخر التيار البنلادني الإسلاموي على المستوى العالمي .

هكذا نشأت ثنائية عدائية تقوم على الاستئصال والإلغاء، فيها الكثير من عناصر المفارقة، ضفتها الأمريكية تريد فرض العصر الأمريكي والنموذج الأمريكي باعتباره يمثل الحداثة والمدنية، في حين أن ضفتها الأخرى إسلاموية لا تخفي رفضها لكل قيم الحداثة وسعيها لتدمير الغرب باعتباره كافراً وضد الإسلام . وقد أسهمت أحداث 11 سبتمبر/ أيلول عام 2001 في إذكاء موجة العداء، لاسيما في ظل إدارة الرئيس جورج دبليو بوش، الذي استخدم تلك الأحداث الإرهابية ذريعة، لتطبيق نظرياته الحربية الممزوجة بأوهام دينية متعصبة ومتطرفة، في مواجهة إرهاب وتطرف إسلاموي، أو بحجته في مكافحة الإرهاب الدولي، لفرض الهيمنة والتسيّد .

إن الزعم بأن الصراع متوارث وقيمي وأخلاقي وديني، إنما هو انتقائية توظيفية من الطرفين، فمقابل الرهاب من الإسلام “الإسلامفوبيا” أو العربفوبيا (كراهية العرب) وهما العنصران الأكثر بروزاً في نهج كراهية الأجانب في الغرب (الزينافوبيا)، انتشرت في المنطقة العربية والإسلامية، تيارات معادية للغرب، ولكل ما هو غربي (ويستفوبيا)، بما فيها للحضارة الغربية أحياناً، برصيدها العلمي والتكنولوجي الهائل وآدابها وفنونها وعمرانها وجمالها وتقدّمها .

وقد نبّهت أحداث 11 سبتمبر/ أيلول الإرهابية إلى عدد من القضايا الأساسية من أبرزها، أن ظاهرة الإرهاب ما تزال مستمرة، بل استفحلت على الرغم من وجود نحو 12 اتفاقية دولية، لكنه لم يتم تعريف ما المقصود بالإرهاب الدولي وكيف يمكن التفريق بينه وبين المقاومة؟ بل إن صدور ثلاثة قرارات دولية أبرزها القرار 1373 في 28 سبتمبر/ أيلول 2001 زاد المسألة التباساً وتشوشاً، لاسيما في ما يتعلق بالعدالة الدولية، خصوصاً عندما أعطى الحق لشن الحرب الاستباقية، أو ما يسمى بالقانون الدولي التقليدي “الحرب الوقائية” بحجة أن هناك إرهاباً وشيك الوقوع أو من المحتمل أن يحدث .

وأكّدت الأحداث الإرهابية على تحوّل الاستراتيجة الأمريكية إلى استخدام القوة على نحو لم يسبق له مثيل، بدأت باحتلال أفغانستان العام 2001 وعرّجت على احتلال العراق العام ،2003 وما تزال تهدد عدداً من البلدان، لاسيما إيران، خصوصاً باستمرار موضوع الملف النووي المعقّد، وسواءً عملت هذه الاستراتيجية تحت عنوان مكافحة الإرهاب الدولي أو لم تعمل، فقد سارت الولايات المتحدة شوطاً بعيداً في هذا الاتجاه، على الرغم من الأزمة المالية والاقتصادية العالمية الطاحنة، وانعكاساتها الكبيرة على واشنطن وانهيار بنوك كبرى وشركات تأمين عملاقة، الأمر الذي هزّ أساسات الاقتصاد الرأسمالي الأمريكي وانعكس على الدولار الذي شهد انخفاضاً في قيمته لم يكن له مثيل . وبالطبع لم تكن نظرية القوة الأمريكية منفصلة عمّا سبقها من مذاهب عسكرية وسياسية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، حيث ساد مبدأ ترومان، الذي كان يقوم على استخدام “القوة الضاربة” بإعطاء الحق للولايات المتحدة للتدخل العسكري، وقد جاء هذا المبدأ في العام 1947 مع بداية الحرب الباردة، لاسيما خلال الصرخة التي أطلقها ونستون تشرشل رئيس وزراء بريطانيا، بضرورة اتحاد العالم الحر لمواجهة الشيوعية (الحليف السابق ضد النازية والفاشية في الحرب العالمية الثانية) .

وفي الخمسينات، ولاسيما في العام 1957 ساد مبدأ ايزنهاور “نظرية إملاء الفراغ”، بعد مشروع مارشال في أوروبا ومشروع النقطة الرابعة في المنطقة وعقد أحلاف عسكرية أهمها حلف بغداد عام 1955 . وقد عبّر جون فوستر دلاس وزير الخارجية عام 1953 عندما وضع مسألة بناء الحزام الشمالي والسدود المنيعة في جنوب شرقي آسيا، كأساس لمبدأ أيزنهاور واستراتيجية الولايات المتحدة آنذاك .

وفي الستينات راجت مبادئ نيكسون القائمة على نظرية “الدركي بالوكالة” وذلك بمشاركة حلفاء الولايات المتحدة، لاسيما في جنوب شرقي آسيا، خصوصاً في حرب فيتنام وغيرها، حسب ترشيحات مستشار الأمن القومي زيغينو بريجينسكي .

وكانت “نظرية الحرب ونصف الحرب” تطبيقاً لمبدأ كارتر المعروف بالتدخل السريع والمباشر، من أجل تأمين المصالح الحيوية للولايات المتحدة، حسب كيسنجر .

وفي عهد ريغان تم تطوير نظرية التدخل السريع والحرب ونصف الحرب إلى نظرية “الحربين ونصف الحرب”، طبقاً “لمبدأ التوافق الاستراتيجي”، وكان لمشروع حرب النجوم الأثر الكبير في استنزاف الكتلة الاشتراكية تمهيداً للإطاحة بها .
وطرح الرئيس بوش (الأب) وبعده الرئيس كلينتون وفي ما بعد بوش الابن فكرة “الاستخدام الأوسع لنظرية القوة المسلحة”، ولعل هذه النظرية أصبحت هي النظرية الأكثر استخداماً بعد أحداث 11 سبتمبر/ أيلول الإرهابية الاجرامية .

وترافقت عقيدة بوش العسكرية  السياسية بعقيدة مليتن فريدمان الاقتصادية، التي تقوم على أساس استخدام القوة من خلال الصدمة والترويع ضد المجتمعات ككل، وإحداث نوع من الفوضى والاضطراب السياسي والأمني وتعميق الأزمات القائمة وافتعال أزمات جديدة فعلية أو وهمية .

لقد استخدم الرئيس بوش القوة تحت عنوان الحرب العالمية على الإرهاب، وكانت عملية “الحرية الدائمة” هي البروفة الأولى في أفغانستان للقضاء على حكومة طالبان، ثم عملية “الحرية للعراق” بحجة نزع أسلحة الدمار الشامل، وفي ما بعد عملية “النسر النبيل” التي تستهدف حماية أمن وسلامة القواعد العسكرية الأمريكية .

استندَ الرئيس بوش إلى نظرية التفكيك بعد الصدمة والترويع، وإشاعة الفوضى والهدم، لإعادة البناء، فبعد تفكيك البنى التحتية الاجتماعية وإذكاء نار التنازع بين الهويات وتقسيم المجتمع إلى بلوكات وتشجيع أمراء الطوائف، اتجه الأمر وبتشجيع من رامسفيلد إلى الخصخصة لأصول الدولة وبيعها للشركات، لاسيما بعد تطييف وتديين وأثننة وتعشير من (الطائفة والدين والاثنيات والعشيرة) المجتمع العراقي، عبر كيانيات مصغّرة .

وكان فوكوياما قد شدد على أن الصراع هو لإحراز النصر النهائي لليبرالية على المستوى الاقتصادي والسياسي وتحقيق المصالح ما بعد التاريخية، خصوصاً بوجود مشكلات النفط والارهاب واللاجئين، باعتبار ذلك من المشاكل الرئيسية التي تواجه العالم الجديد، وهو ما عززه هنتنغتون بتأكيده على ضرورة شحذ جميع الأسلحة لمواجهة العدو، لاسيما وأن الصراع حضاري والمعركة ثقافية بالدرجة الأساس .

ولعل الوجه الآخر لهذه النظرة الخاطئة التي تقوم على خطاب القوة والتطرف هو ما يقابلها إسلاموياً، الذي ينظر إلى الصراع القائم بكونه امتداداً لحروب الفرنجة ولا أقول الحروب الصليبية، وبالتالي فهو صراع حضاري ضد الحضارة المسيحية  اليهودية السائدة، من دون النظر إلى المشترك الانساني للحضارات والثقافات المختلفة والمصالح والمنافع المشتركة والمتبادلة .

باحث ومفكر عربي


347
المنبر الحر / منولوج جو بايدن!
« في: 15:31 11/02/2011  »
منولوج جو بايدن!

عبد الحسين شعبان
باحث ومفكر عربي
لم يعطِ جو بايدن نائب الرئيس الأمريكي جواباً واضحاً أو قاطعاً على سؤال طرحه على عدد من أعضاء الحزب الديمقراطي في الكونغرس حول احتلال العراق: هل كان الأمر يستحق 4439 قتيلاً في صفوف الجنود الأمريكيين وجرح 32 ألف شخص من بينهم 16 الفاً سيحتاجون للرعاية الدائمة؟ لم يكتفِ جو بايدن بتلك الأسئلة المثيرة والحارقة، بل أشار إلى أن  هذا السؤال الذي قد يطرحه بعض منكم، لا تظنّوا أنني لا أطرحه على نفسي أيضاً!
وإذا كان بايدن وهو صاحب مشروع تقسيم العراق بدم بارد وبكل أريحية، يعرب عن تشككه في مآل احتلال العراق، لاسيما من خلال إستدراكه بقراءة ارتجاعية للماضي بالقول: فيما إذا قدّر لنا العودة إلى الوراء ربما ما كنّا فعلنا ذلك! رامياً التقويم النهائي على ذمّة التاريخ "التاريخ وحده يحمل الجواب!"، ولعل في ذلك إجابة بليغة بعد نحو ثماني سنوات من الاحتلال، الذي قرعت له كل الطبول.
حديث بايدن جاء متزامناً مع مثول توني بلير رئيس وزراء بريطانيا الأسبق أمام لجنة من مجلس العموم البريطاني، لمساءلته عن عمليات التضليل والخداع الواسعة النطاق التي مارسها لإقناع الرأي العام بمبررات الغزو خارج نطاق ما يسمى بالشرعية الدولية، ودون تفويض من مجلس الأمن الذي امتَنَعَ عن إصدار قرار "يشرعن" الحرب على العراق، وكان الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش قد وضع مسألة الإطاحة بالنظام العراقي السابق كإحدى أولوياته بعد أحداث 11 أيلول (سبتمبر) الإرهابية، ثم بدأ بالبحث عن الذرائع والمسوّغات خصوصاً وأنه كان قد أصدر الحكم سلفاً.
وحتى الرئيس جورج دبليو بوش- ومعه فريق من الصقور من أمثال ديك تشيني نائب الرئيس ورامسفيلد وزير الدفاع وكونداليزا رايس مستشارة الأمن القومي ووزيرة الخارجية لاحقاً وبول وولفتيز وغيرهم - الذي كان من أنصار الحرب بلا حدود، وجد نفسه عشية انتهاء ولايته مضطراً للاعتراف بعد ورطته وخيبته، بأن معلوماته قبيل شن الحرب كانت مضللة، ولو لم تكن كذلك، لما أقدم على شن الحرب.
وبعد احتلال العراق فعلياً سعت واشنطن "لتقنين" احتلالها عبر إصدار قرار من مجلس الأمن يقضي باعتبار العراق "محتلاً" بحكم القانون الدولي واتفاقية جنيف لعام 1949 وملحقيها، وذلك بصدور القرار 1483 في 22 أيار (مايو) 2003، أي بعد أربعين يوماً فقط من احتلال العراق في 9 نيسان (ابريل)، ولعل ذلك جاء بعد تصريح مثير للرئيس بوش في الأول من أيار (مايو) من العام ذاته من على متن السفينة أبراهام لنكولن حين قال "إن المهمة أُنجزت".
لكن هل أُنجزت المهمة فعلاً؟ وهل تحقق النصر الموعود؟!.
مجلة التايم Time الأمريكية الواسعة الانتشار أجابت عن ذلك حين قالت: إن أي نصر لم يتحقق في العراق، وربما لن يكون هناك نصر في المستقبل، لاسيما بعد انسحاب القوات الأمريكية، مشيرة إلى أن محاولات واشنطن لبناء عراق أكثر ملاءمة للمصالح الغربية لن تكون أفضل من تلك المحاولات السابقة، مضيفة أنه حتى لو ساد ما يشبه الأجواء الديمقراطية في بلاد الرافدين، فلن يتذكّر العراقيون الغزو والاحتلال الأمريكي بفخر واعتزاز، بل سينظرون إلى ذلك (أي إلى التطورات اللاحقة) كونه إنجازاً خاصاً بهم، لافتة النظر إلى أن  ذلك هو "عين الصواب".
لعل سؤال جو بايدن (السناتور) الذي أيّد شنّ الحرب على العراق في مجلس الشيوخ الأمريكي العام 2002 وتبريراته الحالية لم تأتي من فراغ، خصوصاً بعد وصول الأمور إلى طريق مسدود. يومها اختلق الذرائع والحجج لتبرير شنّ الحرب على العراق وعدم طلب تفويض جديد من مجلس الأمن، بزعم أن قرار 1441 كافياً لمنح واشنطن التفويض المنشود.
والآن ورغم مرور نحو ثماني سنوات فهل أنجزت المهمة بالفعل؟ لم يقل الرئيس أوباما الذي تضمن برنامجه الانتخابي الانسحاب من العراق ذلك، بل قال: إن المهمة القتالية للقوات الأمريكية انتهت؟ ومرّة أخرى هل انتهت المهمة بالفعل؟ وماذا عن بقاء خمسين ألف جندي أمريكي على أهبة الاستعداد فضلاً عن المهمات التدريبية للجيش العراقي؟ أليس في الأمر ثمت التباس أو إبهام؟
ولعل ذلك جاء بعد تساؤل من جانب نائب الرئيس الأمريكي بايدن الذي أكّد الانسحاب من العراق في نهاية العام الجاري 2011، ولكن قد تكون هنالك حاجة لبقاء قوات أمريكية بصيغة اتفاقات سياسية جديدة، لاسيما وأن الاتفاقية العراقية – الأمريكية سينتهي مفعولها، وهو ما صرّح به وزير الخارجية العراقي هوشيار الزيباري، حول الحاجة لاستمرار بقاء القوات الأمريكية بصيغة تعاقد جديد.
 وعلى الرغم مما بُذل من جهد وما صُرف من مال فإن الجيش العراقي والقوى الأمنية ما تزال غير مؤهلة لمواجهة التحديات الخارجية، فضلاً عن التحديات الداخلية، فالأمن لم يستتب بالرغم من تحسّنه النسبي منذ العام 2008، فثمت اختراقات كبيرة تحصل بين الفينة والأخرى،  كالثغرات الكبيرة التي حصلت خلال وبُعيد الانتخابات النيابية 2010، أما الفساد فما يزال يضرب أطنابه في كل مفاصل الدولة، وقد جاء في تقرير برلماني أمريكي نُشر في مطلع كانون الأول (ديسمبر) 2010 أن الفساد في العراق ليس مزمناً فحسب، لكنه منهجي أيضاً. وهو ما ذهبت إليه منظمة الشفافية العالمية، التي اعتبرت العراق على مدى السنوات الماضية من أكثر بلدان العالم فساداً (إنه البلد الثالث في العالم من حيث موقعه في سلم البلدان التي تعاني من الفساد).
لقد انحصر سؤال جو بايدن نائب الرئيس الأمريكي حول ثمن الحرب، في الخسائر البشرية في الجانب الأمريكي فقط، فضلاً عن ثلاثة تريليونات دولار والحرب لم تنتهي، فلم يتحدث عن معاناة العراقيين وخسائرهم البشرية والمادية، فضلاً عن تدمير الدولة العراقية، وسرقة متاحفها ومكتباتها وصروحها وثرواتها الثقافية في ظل فوضى وانفلات لم يسبقه مثيل، ناهيكم عن استشراء العنف والإرهاب والطائفية التي ضربت كيانية الدولة العراقية، خصوصاً بعد نظام المحاصصة الذي أعلى من شأن أمراء الطوائف، بصيغة بول بريمر.
إن إهمال جو بايدن للسؤال عن مصير العراقيين، سبق أن أجابت عنه مادلين أولبرايت وزيرة خارجية واشنطن في عهد الرئيس بيل كلينتون، في أواسط تسعينيات القرن الماضي، ردًّا على سؤال الإعلامية ستانسلي والتي استضافتها في برنامج "ستون دقيقة"، حين سألتها  هل يستحق مقتل نحو نصف مليون من العراقيين معظمهم من النساء والأطفال، أن يكون ثمناً مناسباً للحصار؟ أجابت بالإيجاب (نعم إنه يستحق ذلك!!)، وهو ما يفسّر العقلية الأمريكية والغربية عموماً إزاء معاناة الآخرين، وهو ما حاول توني بلير أن يبرره بقوله: إن شنّ الحرب على العراق والإطاحة بنظام صدام حسين إنما هو ثمن مقبول وهو غير نادم عليه. أما مئات الآلاف من الضحايا وتدمير الدولة العراقية، فإنه غير معني بها!!.
هل انتهت المهمة فعلاً أم أن الولايات المتحدة تريد الخلاص من شرنقة هذه الحرب بسبب الأزمة المالية والاقتصادية الطاحنة التي ضربت العالم منذ أواخر العام 2008 وما تزال مستمرة حتى الآن، لاسيما وقد انهارت بسببها بنوك كبرى ومؤسسات تأمين عملاقة وتعرّض اقتصاد واشنطن وعملتها للانهيار أم هو ضغط الرأي العام الأمريكي كذلك، خصوصاً بعد خسارة الرئيس أوباما في الانتخابات النصفية للأغلبية الديمقراطية في الكونغرس وتدنّي شعبيته، وعجزه عن الإيفاء بالتزاماته التي طرحها في الحملة الانتخابية أو خطاب التنصيب، خصوصاً الانسحاب من العراق وإغلاق سجن غوانتانامو؟ ولعل الأرقام المخيفة المعلنة حسب التقديرات الأمريكية، وإن كان الواقع يضاعفها أو يزيد عليها، هي سبب آخر في اضطرار الولايات المتحدة إلى مثل هذه التصريحات الإعلانية.
لقد فشلت واشنطن في حربها ضد العراق ووقعت أسيرة المستنقع العراقي الموحل وهو ما يُذكّر بالوحل الفيتنامي، ولذلك فهي تريد الانسحاب من هذه الورطة التي أوقعت نفسها فيها، فقد شكّل لها احتلال العراق مأزقاً سياسياً وقانونياً وأخلاقياً، وصداعاً مستمراً، لاسيما بانهيار سمعتها.
إن منولوج جو بايدن، سواءً كان داخلياً أو خارجياً، وسواءً جاء على صيغة استفسار وإن كان أقرب الى الاستنكار، فإنه يمثّل إدانة غير مباشرة لإدارة الرئيس بوش ولكنه في الوقت نفسه إعلان صريح عن فشل السياسة الأمريكية، خصوصاً وقد تبخّرت شعارات التحرير، بل وطوي الحديث عن الديمقراطية، والرخاء، والشرق الأوسط الكبير، والشرق الأوسط الجديد، وأخذ الكلام ينصبّ في الاستقرار والحفاظ على ما هو قائم من عملية سياسية متعثرة.
ولكن من جهة أخرى يمكنني القول أن واشنطن أنجزت المهمة بالفعل، فإذا كان تدمير العراق وزرع الخيبة في صفوفه هو الثمن الذي يستحقه العدوان كمكافأة، فقد تركت البلاد في مرحلة تعويم السيادة بتداخلها إقليمياً ودولياً، تعصف بها المشاكل من كل حدب وصوب، منقسمة على ذاتها، فاقدة الحلم بنظام ديمقراطي ظل العراقيون يطمحون له لسنوات ثلاثين ونيّف من الاستبداد والقمع والحروب والحصار والمآسي التي لا حدّ لها.
انتهت المهمة فعلاً لأن بقاء القوات الأمريكية بحجمها وعدتها وعديدها أصبح عبئاً على واشنطن، فضلاً عن أنه لا يبدّل شيئاً في المعادلات العراقية والإقليمية، مما يدعو إلى إعادة انتشار وبرمجة ومزيد من الديماغوجيا، لكي نقول انتهت المهمة وإن لم تنتهي!!


348
خطاب ما بعد الكولونيالية: مراوغات الواقع

عبدالحسين شعبان

ما جاء به الاستفتاء السوداني طرح مجدداً مبدأ حق تقرير المصير على بساط البحث، لاسيما موضوع الاتحاد أو الانفصال، في خصوصية دول متعددة القوميات والأديان . وإذا كانت التجربة السودانية في الانفصال، حسب رغبة وإرادة شعبية لسكان الجنوب، وبتوافق دولي لم يكن بعيداً عن الأمم المتحدة، فقد سبقها انفصال إقليم كوسوفو في عام 2008 عن صربيا واعتراف العديد من دول العالم به، كدولة مستقلة، خصوصاً بعد قرار محكمة العدل الدولية الصادر في 24 يوليو/ تموز 2010 القاضي بأن الانفصال لا ينتهك قواعد القانون الدولي، وقبله استقلال إقليم تيمور الشرقية، الذي جاء بعد احتراب وعنف، بقرار من مجلس الأمن الدولي، الأمر الذي جعل موضوع الانفصال لدول قائمة وذات سيادة إشكالياً وراهنياً، بتجاوز المرحلة الكولونيالية ولاعتبارات التنوّع الثقافي، وهو ما تم استعادته خلال الذكرى الخمسين للقضاء على الكولونيالية في مؤتمر رفيع المستوى انعقد في الجزائر بمناسبة صدور القرار 1514 عام ،1960 وهو الوقت الذي راجت فيه خطابات ما بعد الكولونيالية، لاسيما بصدور كتاب فرانس فانون “معذبّو الأرض” الذي كتب مقدمته المفكر جان بول سارتر .

إن الحق في تكوين كيانية مستقلة سواء للإقليم أو للشعب، على أساس الوحدة الجغرافية أو على أساس الهوية ما يزال مصدر جدل فقهي في القانون الدولي، خصوصاً ما يشوب موضوع “الأقليات” من التباسات ومفارقات وتداخلات خارجية . وإذا كان المجتمع الدولي اليوم، لا يجد ضيراً، من قيام كيانات خاصة، بل ويشجّع عليها وهو ما تمت الإشارة إليه على حساب مبادئ السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية وطبقاً لمبدأ حق تقرير المصير، فإن الأمر يحتاج إلى دراسة متأنّية لإمكانية تطبيق هذا الحق، من الناحية القانونية، مع الأخذ بنظر الاعتبار الأوضاع والظروف السياسية الداخلية والإقليمية والدولية، وانطلاقاً من رغبات شعبية قومية أو دينية أو لغوية أو غيرها، خصوصاً بعد انتهاء عهد الحرب الباردة، وتفكك المنظومة الاشتراكية السابقة وتحوّل الاتحاد السوفييتي إلى دول عديدة مثلما هي روسيا وأوكرانيا ومولدافيا وأذربيجان وأرمينيا وجورجيا وغيرها وكذلك أصبح الاتحاد اليوغسلافي بين ليلة وضحاها خمسة كيانات سياسية، وانفصلت جمهورية تشيكوسلوفاكيا في عام 1993 إلى دولتين هما: جمهورية التشيك وجمهورية سلوفاكيا بعد فيدرالية دامت عقوداً من الزمان، وغيرها من النماذج .

لقد كان هناك ثلاث رافعات أساسية تاريخياً لإعلاء حق تقرير المصير هي:
الرافعة الأولى، الحركة اليسارية الاشتراكية وتيارها الأساسي الماركسي الذي تجسّد في مؤتمر الأممية الثانية المنعقد في لندن عام 1896 الذي اتّخذ قراراً بشأن حق تقرير المصير حين أعلن “تأييده لحق جميع الأمم التام في حرية تقرير مصيرها”، كما أعرب عن تعاطفه مع: “كل بلد يقاسي حالياً من نير الاستبداد العسكري والقومي أو غيرهما” .

وقد تجلّى ذلك لاحقاً بموقف لينين بعد ثورة أكتوبر الاشتراكية في عام 1917 خصوصاً بإصدار مرسوم السلام ومرسوم حقوق شعوب روسيا، وفي بعض المواقف العملية من استقلال فنلندا وبولونيا ولتوانيا وأوكرانيا، على الرغم من بعض التطبيقات المشوّهة لاحقاً .

الرافعة الثانية، مبادئ الرئيس الأمريكي ويلسون الأربعة عشرة، والتي أكّدت مبدأ حق تقرير المصير، على الرغم من فشله في إدراج هذا المبدأ في عهد عصبة الأمم عام 1919 بسبب مواقف الدول المنتصرة بالحرب، لاسيما بريطانيا وفرنسا، ولكن الأمر تطور خلال فترة ما بين الحربين العالميتين الأولى والثانية حتى صدر تصريح الأطلسي عام 1941 بين الرئيس الأمريكي روزفلت ورئيس وزراء بريطانيا تشرشل، والذي تضمن مبدأ حق تقرير المصير تمهيداً لقيام الأمم المتحدة .

الرافعة الثالثة، ميثاق الأمم المتحدة الصادر في عام 1945 حيث تضمنت المادة الأولى والمادة الخامسة والخمسون منه إقرار مبدأ حق تقرير المصير كقاعدة أساسية من قواعد القانون الدولي، وهو الأمر الذي هيّأ لتطورات لاحقة أبرزها القرار 1514 عام 1960 وقرارات الجمعية العامة، لاسيما قرارها حول الحق في التصرف بالموارد الطبيعية عام ،1962 والقرار المعروف باسم “التعايش السلمي” رقم 2625 عام 1970 وقرار “حقوق الأقليات” عام 1992 والقرار حول “الشعوب الأصلية” عام 2007 ثم القرار 566 الصادر في 29 يونيو/ حزيران ،2010 حول مشاركة الأقاليم المستعمَرة سابقاً في تحقيق أهدافها .

من جهة أخرى كانت هناك ثلاثة أوهام حول حق تقرير المصير ما تزال بحاجة إلى إعمال الرأي والحوار بشأنها من جانب النخب الفكرية والسياسية والحقوقية .

الوهم الأول- هو أن الأنظمة الاشتراكية حلّت المسألة القومية، واتّضح بعد تجربة دامت أكثر من سبعة عقود من الزمان، أن هذه المسألة ازدادت تعقيداً وتشابكاً وضبابية بسبب تطبيقات مشوّهة وقراءات مغلوطة وإرادوية، ليست بعيدة من أنظمة شمولية لم تكن تخلو من نزعة الهيمنة والاستعلاء للقومية الأكبر، الأمر الذي قاد إلى انعزالية وضيق أفق لدى القوميات الأصغر، خصوصاً الشعور بالاضطهاد والتمييز وهو ما شجّع على الانفصال .
الوهم الثاني- إن البلدان النامية والمتخلّفة هي التي تعاني من مشكلة قومية داخلية، في حين أن البلدان الصناعية المتقدمة والديمقراطية تجاوزت المسألة القومية بتحقيق المواطنة المتساوية واحترام حقوق الإنسان . واتّضح أن البلدان المتقدّمة والديمقراطية تعاني هي الأخرى من مشكلة قومية، بما فيها أنظمة فيدرالية، كما هي بلجيكا مثلاً التي قد تلجأ إلى الحل الانفصالي على الرغم من نظامها الديمقراطي العريق وفيدراليتها المتميّزة، خصوصاً احتدام الصراع بين الفرنكوفونيين والفلامانك . وكذلك إسبانيا حيث توجد المشكلة الباسكية، التي قامت على أساس التمايز والخصوصية اللغوية والثقافية، الأمر الذي دفع المجموعة المتمرّدة إلى تأسيس منظمة إيتا، الدعوة إلى حق تقرير المصير واختيار أسلوب الكفاح المسلح . ولم يكن ذلك بعيداً عن مشكلة ايرلندا في بريطانيا واختيار الأساليب العنفية، الذي كان طرفاه البروتستانت والكاثوليك، ويمكن ذكر مشكلة رابطة الشمال الإيطالية والمشكلة الكورسيكية في فرنسا، وبالطبع هناك المشكلة القومية في كندا، لاسيما إقليم كيبك . وهكذا فالمسألة القومية لا تقتصر على البلدان المتخلّفة أو النامية .

الوهم الثالث- هو أن الدول القومية هي نتاج الثورة الصناعية وقد انقضى عهدها، وإذا بنا أمام انبعاث قومي جديد، بل إن عصراً جديداً من “الكيانية القومية” أخذ يبسط جناحيه على العالم منذ انتهاء عهد الحرب الباردة، تتساوى فيه دول الشمال الغني ودول الجنوب الفقير، حيث تتطلع شعوب كثيرة إلى ممارسة هذا الحق على نحو ينسجم مع مبادئ حق تقرير المصير، خصوصاً الشعب الكردي، لا في العراق فحسب، بل في الأقطار التي يعيش فيها، لاسيما تركيا التي يوجد فيها نحو ستة عشر مليون كردي وإيران التي يتجاوز عدد الأكراد فيها عشرة ملايين وسوريا التي يتجاوز فيها عدد الأكراد المليون ونصف المليون كردي أو يزيد على ذلك كما تقول بعض التقديرات .

وإذا كان هذا الصراع يتصاعد أحياناً وينخفض في أحيان أخرى، فإن أية احتدامات دولية وإقليمية، تؤثر فيه، وقد لمست صعود نبرة حق تقرير المصير ذات الطابع الاستقلالي، في متابعة أوضاع الاستفتاء السوداني في إقليم كردستان العراق خلال محاضرة ألقيتها في رابطة كاوا الثقافية في أربيل، مثلما كانت ردود الفعل العربية (القومية) شديدة من جانب القوى التي ترفض مبدأ الانفصال تحت أية ذريعة أو حجّة، من دون الاكتراث بمصير التنوّع الثقافي الإثني واللغوي والديني ورغبات السكان التي هي الأساس . ولعل مقابل الوحدة بأي ثمن، هو تأييد الاستقلال أو الانفصال بأي ثمن، وهذا وذاك قد ينجم عنه المزيد من المشكلات المجتمعية والدولية .

ومع أن هناك تبايناً بين مؤيدي الاستقلال، فهناك اختلاف بين دعاة الوحدة أيضاً، لكن دائرة النظر إلى الوحدة أو الاستقلال بدأت تتخذ منحى إنسانياً وحقوقياً وديمقراطياً وسلمياً، أكثر من قبل، خصوصاً بفشل جميع الحلول العسكرية ومحاولات الصهر، لاسيما بارتفاع وتيرة النبرة القومية والمطالبة بالاستقلال بناءً على رغبات السكان المعبّر عنها باستفتاءات حرّة ونزيهة، وهو ما حصل في جنوب السودان مثلاً، على الرغم من أن الموقف ما زال مشوشاً بسبب النظرة التشكيكية المسبقة لأي مطالبة بحق تقرير المصير، انطلاقاً من الاستعلاء والتعصب القومي، يقابلها النظرة الانعزالية وضيق الأفق كردود فعل .
وإذا كان المجتمع الدولي يراقب ويتدخل في ما يحصل في العالم، ولاسيما في البلدان النامية من تجاوز وانتهاك للتنوّع والتعددية الثقافية، فإن عدالة القضية وحدها لا تكفي لتأمين هذا الحق القانوني، إنْ لم تتوفر إرادة سياسية وبيئة محلية وإقليمية ودولية مناسبة وقراءة صحيحة للحظة التاريخية، لأن الخطأ في أي منها سيقود إلى نتائج عكسية، قد تعود بالضرر على الشعوب المضطهَدة وعلى التعددية الثقافية والتنوّع القومي والديني واللغوي وغيره، مثلما يعود بالضرر على الكيان الأول (الأصلي) بالمزيد من التصدّع والاقتتال والاحتراب وتبديد الثروات .
وإذا كانت الرغبة في العيش المشترك أو الرغبة في الانفصال متوفّرة لدى طرف من أطراف “الشراكة الوطنية”، فليكن ذلك سلمياً وودياً ووفق اتفاقات ومصالح مشتركة ومنافع متبادلة وعلاقات تاريخية، لاسيما بين المكوّنات والشعوب والأمم، المختلفة والمؤتلفة، المتّصلة والمنفصلة، الموحّدة والمتعدّدة .

وطالما أن الاعتراف مبدئياً بوجود كيانات ثقافية متنوّعة قومياً ودينياً، فلا بدّ من الإقرار بمبدأ المساواة ومراعاة التمايز والخصوصية وحق تقرير المصير، سواء بالاتحاد أو الاستقلال، وعلى قاعدة المشترك الإنساني التي هي الأساس، في مواجهة مراوغات الواقع .

فالإنسان مقياس كل شيء حسب الفيلسوف الإغريقي بروتوغوراس .

باحث ومفكر عربي



349
ما بعد الانتخابات العراقية: استحقاقات وتحديات المستقبل !

عبد الحسين شعبان
باحث ومفكر عربي

(1)
ما زال المشهد السياسي العراقي ملتبساً ومشوشاً وحاداً، وهو يثير قلقاً متعاظماً، خصوصاً حال التعويم السياسي الناجم من عدم الاتفاق على تشكيل حكومة وتسمية رئيس وزراء بسبب الاختلاف حول الكتلة الأكبر وتفسيراتها، فهناك من اعتبرها، القائمة التي حصلت على 91 مقعداً، وهي القائمة العراقية برئاسة الدكتور إياد علاوي، وهناك من فسّرها بالكتلة الأكبر في البرلمان، والتي قد تنجم عن اتحاد قائمتين أو أكثر، بهدف الحصول على الموقع الأول ككتلة أكبر.
وقد مال قرار المحكمة الاتحادية العليا إلى التفسير الثاني حول الكتلة الأكبر، واعتبره الأقرب إلى روح النص الدستوري، لا سيما عدم وجود مذكرات تفسيرية للأعمال التحضيرية عند إعداد الدستور، لكن ذلك لم ينهِ الإشكالية السياسية، بل زادها تعقيداً حيث أخذ كل طرف يتشبث بمواقفه محاولاً تفنيد حجج الطرف الآخر.
وبغض النظر عن بعض الاعتراضات والتفسيرات، فقد كانت زيارة نائب الرئيس الأمريكي جو بايدن إلى بغداد، مهمة لجهة إعلان رغبة واشنطن في تعاون بين كتلة دولة القانون برئاسة نوري المالكي وكتلة العراقية برئاسة إياد علاوي، وهو لو تحقق سيحسم موضوع (الكتلة الأكبر) التي كان من حقها دستورياً تشكيل الوزارة قبل 14 يوليو/ تموز، ولكن انعقدت جلسة البرلمان وانفضّت حتى وإن قيل أنها ما تزال مفتوحة دون التوصل الى حل للمعضلة التي باتت مستعصية، وبخاصة من سيحتل منصب رئاسة الوزارة ليتم الاتفاق على تسمية رئيس الجمهورية ورئيس البرلمان ورئيس مجلس القضاء الاعلى، ولكن العقبة الأساسية تبقى في الاتفاق على منصب رئيس الوزراء، الذي يزداد حوله الأخذ والرد والتلويح بالتهديد وانفلات نسبي للوضع الأمني بكثرة الاختراقات والتفجيرات.
وعلى الرغم الاعلان مؤخراً عن احياء الاتفاق السابق بين كتلة الائتلاف الوطني برئاسة السيد عمار الحكيم وكتلة دولة القانون ورفع الأولى الفيتو ضد رئيس الوزراء المالكي المنتهية ولايته ليتولّى دورة ثانية، وتردد أن مصلحة إيرانية وأخرى أمريكية قد التقت، ولكل أسبابه في تجديد ولاية ثانية لرئيس الوزراء المالكي، الاّ أن المشكلات الأخرى حول الحصص والنسب والوزارات ما تزال مصدر خلاف لا يقلّ شأناً عن منصب رئاسة الوزراء إذا افترضنا ترجيح تسمية المالكي، لاسيما بعد زيارة جو بايدن الأخيرة التي أعلن عنها وهي الزيارة الثالثة في فترة أقل من عام، فقد زار العراق بُعيد اعلان قوائم الاجتثاث قبيل الانتخابات وبعد الانتخابات بهدف إيجاد تسوية لتسمية رئيس الوزراء، وأعلن عن الزيارة الثالثة لوضع اللمسات الأخيرة لسيناريو الاعلان عن الاتفاق.
وكانت ترددت سيناريوهات عديدة، قيل إن بايدن أسهم فيها في زيارته الثانية، منها تقسيم فترة السنوات الأربع بين القائمتين أو الاتفاق على مرشح تسوية مع مشاركة مؤثرة للقائمتين تأخذ في الاعتبار المناصب السيادية، أو أن يكون أحدهم رئيساً للوزراء، والآخر رئيساً للجمهورية مع توسيع صلاحياته بتعديل الدستور لاحقاً. الاّ أن ترجيح خيار المالكي حسبما يبدو قد يحسم الأمر وبخاصة بعد زيارته الثالثة.
 وعلى الرغم من أن جلال الطالباني لا يزال يتشبث بموقع رئيس الجمهورية ممثلاً لكتلة التحالف الكردستاني، إلاّ أن أي اتفاق بين كتلتي العراقية ودولة القانون سيكون استحقاقاً انتخابياً، مع ضرورة مراعاته الكتل الأخرى، ومن المحتمل أن توكل إلى التحالف الكردستاني رئاسة البرلمان، كما يمكن أن توكل إلى قوائم أخرى رئاسة القضاء. وقد تتغير التقسيمات في ربع الساعة الأخيرة وقد يبقى الطالباني في موقعه.
ولعل تصريحات رئيس اقليم كردستان مسعود البارزاني بشأن عدم وجود خطوط حمراء لدى قائمة التحالف الكردستاني على رئيس الوزراء المنتهية ولايته نوري المالكي وأن تحالفه ستراتيجي أو كما عبّر عنه الى الأبد، وقبله كانت هناك تصريحات مماثلة لجلال الطالباني، سيرجّح كفة المالكي رغم أن الأمور قد تتغيّر والاصطفافات قد تتبدل، لكن الرأي الاقليمي ولاسيما الايراني إضافة الى الرأي الأمريكي سيبقيان مؤثران على نحو حاسم في الاختيار.
ويشهد ماراثون القوائم والكتل انقسامات وإعادة اصطفافات وفضّ تحالفات وكل ذلك يتم سريعاً، لا سيما بوجود عدد من الاشتراطات التي يضعها كل فريق على الآخر بشأن رئاسة الوزراء، الأمر الذي يعقّد لوحة الاتفاقات والاختلافات. وإذا لم يتم التوصل إلى اتفاق حول رئاسة الوزارة فإن الكرة ستعود إلى المربّع الأول، لا سيما إذا انفضّ تحالف دولة القانون مع الائتلاف الوطني بقيادة السيد عمار الحكيم، وهو التحالف الذي يضم تيار الاصلاح برئاسة الدكتور ابراهيم الجعفري، وجماعة مقتدى الصدر، والمجلس الإسلامي الأعلى وفيلق بدر برئاسة هادي العامري وبعض الشخصيات المستقلة، وستصبح العراقية هي القائمة الأكبر، لكنها قد تفشل في تشكيل الوزارة، إلاّ إذا تصدّعت الكتل الأخرى وانضمّ فريق منها إلى العراقية، وقد يحصل العكس بحيث تتصدع العراقية، وينضم فريق منها إلى دولة القانون أو يبدي استعداده للتوافق مع الكتلة التي ستشكل الوزارة في حال الاتفاق على تشكيلها. وقد أصبح هذا السيناريو أضعف بسبب اعلانات عن تحالفات جديدة بين دولة القانون والائتلاف الوطني والتحالف الكردستاني.

(2)
إن الوضع القائم انعكاس لأزمة دستورية وفراغ سياسي، الأمر الذي قد يؤدي إلى تفقيس بيض الإرهاب ويعيد العملية السياسية القهقري، لا سيما زيادة حدّة الاستقطاب الطائفي والإثني، ولهذا حضر جو بايدن بثقله لأكثر من مرة والتقى بالكتل الرئيسية وتحدث من موقعه عن رغبة في التوصل إلى اتفاق على تشكيل الحكومة، كما أجرى اتصالات هاتفية لاحقاً مع علاوي ومع المالكي لحثهما على الاسراع في الانفاق.
ولو افترضنا أن الوزارة سيتم تأليفها بعد عيد الفطر كواحد من الاحتمالات، إذ أن بقاء الحال كما هو عليه يعني دخول الحالة العراقية في تعويم سياسي لا يعرف أحد نتائجه في ظل الانشقاقات الحاصلة، الأمر الذي لوّح باحتمال طلب تدخل الأمم المتحدة والمجتمع الدولي للتوصل الى اتفاق بشأن الحكومة القادمة، وهو ما جاء على لسان نائب رئيس الجمهورية طارق الهاشمي من كتلة العراقية، فإن ثمت استحقاقات ستواجهها، خصوصاً استعادة هيبة الدولة، وإعادة بناء القوات المسلحة بحيث تكون قادرة على حماية البلاد من التحديات الخارجية، ناهيكم عن مساهمتها في تحسين الخدمات الضرورية، لا سيما الماء والكهرباء والتعليم والصحة، تلك التي ظلّ العراق يعاني منها طيلة السنوات السبع ونيّف الماضية.
وقد اندلعت تظاهرات الاحتجاج الصاخبة مؤخراً بشأن أزمة الكهرباء في البصرة وامتدّت إلى الكثير من المدن العراقية، وما زال الأمن هشّاً ويتعرض لاختراقات خطيرة بين فترة وأخرى، رغم تحسنه النسبي منذ العام ،2008 وما زالت الميليشيات قائمة وتثير إشكالات بين الفينة والفينة، والتقاسم الوظيفي، المذهبي والإثني ما زال سائداً، والفساد المالي والإداري مستشرٍ، وموضوع الانسحاب الامريكي ما زال يثير الكثير من التداعيات، الأمر الذي تتحفز له جميع القوى، خصوصاً وأنه بدأ في شهر آب (أغسطس) 2010، بسحب نحو 91 الف جندي وتسليم عدد من القواعد العسكرية للحكومة العراقية مع بقاء خمس قواعد أساسية وبحدود 50 ألف جندي بمعدّات كاملة وجاهزية عالية وطائرات ومستلزمات تدخل سريع وزيارة عدد أفراد الشركات الأمنية، وذلك للتدخل السريع، إضافة الى ما هو معلن من تأهيل وتدريب القوات العراقية.
(3)
إن أية حكومة قادمة ستواجهها هذه التحدّيات على نحو جماعي وفردي، الأمر الذي يستدعي وقفة جدية للمراجعة واتخاذ التدابير الضرورية للمعالجة، فالانتخابات وحدها لا تعني الديمقراطية، وكذلك إطلاق حرية التعبير، وإن شهدت هذه الأخيرة بعض القيود، كما أن تشكيل الأحزاب والجمعيات، ما زال بلا قانون ينظم هذا الحق، لا سيما ما يتعلق بموضوع الإعلان عن مصادر التمويل والعضوية والأهداف والوسائل وغير ذلك.
ولا يمكن الحديث عن الديمقراطية مع وجود التقسيمات الطائفية والإثنية، فضلاً عن العشائرية والجهوية والمناطقية، فالديمقراطية هي جزء من منظومة شاملة تتعلق بالحداثة، ونعني بها: المدنية والعقلانية والعلمانية الأساس في دولة المواطنة والمساواة والديمقراطية.
وإذا كان مؤكداً أن الدكتاتورية قد احتضرت، فإن الديمقراطية لم تولد بعد، ولعل مرحلة الانتقال ستكون طويلة ومتعرّجة، ولا بدّ من الإشارة إلى أن أية ديمقراطية ناقصة أو مبتورة أو توّجه نحوها، هو أفضل من أية دكتاتورية، ولكن لا يمكن التشبث باسم الديمقراطية، لقبول الاحتلال أو تبريره أو تسويغ الاتفاقية العراقية -الأمريكية المجحفة، حيث تنقسم القوى السياسية حالياً حول تقييمها، فالبعض يحذّر من انسحاب الولايات المتحدة وترك العراق قبل أن يتمكن من الوقوف على قدميه لمواجهة التحديات الخارجية. ولعل قول طارق عزيز بعدم ترك الولايات المتحدة العراق بيد الذئاب ورحيلها عن العراق، يمكن تفسيره بتخوّف بعض الفئات من احتمال تعاظم النفوذ الايراني، الأمر الذي يضع مسألة الانسحاب الامريكي وإن لم يكن كاملاً أمام مسؤوليات وتبعات تتعلق بتأمين أوضاع طبيعية في العراق.
ولعل ملف حقوق الإنسان سيواجه الحكومة القادمة وسيكون ضاغطاً عليها، فقد كان العراق من أكثر بلدان العالم انتهاكاً لها، وكما وصفه المقرر الخاص فان ديرشتويل في مطلع التسعينات: أن أوضاعه استثنائية وبحاجة إلى جهود استثنائية. حيث عانى من القمع المعتّق، والحكم الفردي الاستبدادي، ومن حروب لا مبرر لها على الإطلاق، ومن حصار دولي جائر استمر 13 عاماً، كل ذلك عرّض منظومة حقوق الإنسان إلى الهدر والتجاوز والانتهاك.
ولعل حالة الاستثناء لا تزال مستمرة ومتصاعدة، وإن اتخذت شكلاً آخر، حيث يعتبر الاحتلال في حدّ ذاته انتهاكاً سافراً وصارخاً لكامل منظومة حقوق الإنسان السياسية والمدنية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، لا سيما وقد شهد العراق خلال السنوات السبع والنيّف أعمالاً إرهابية منفلتة من عقالها وعمليات عنف من دون حدود، وقتل واختطاف واعتقال وتهجير ونزوح، على نحو بشعٍ، وكان العام 2006 هو الأكثر دموية، لا سيما عمليات القتل على الهوية والتطهير الطائفي، حيث ارتفع منسوبه إلى حدود كبيرة، لا سيما بعد تفجير مرقدي الإمامين علي الهادي، وحسن العسكري.
أما بخصوص السلطة القضائية، فقد نصّ الدستور على استقلالها ومهنيتها، وهذا يعني عدم تسييسها، لكن جميع الكتل السياسية تحاول دفع القضاء للتسييس لصالحها وتعتبره مسيساً ضدها، فيما لو اتخذ قرارات لا تتفق مع مصالحها وغاياتها، وأظن أن ما رافق تجربة الانتخابات وما بعدها خير دليل على تداخل السياسي بالقضائي، الأمر الذي بحاجة إلى فك اشتباك ضروري، باحترام جميع الأطراف ما يذهب اليه القضاء.
وسيكون الدستور الاستحقاق الأكبر الذي يحتاج إلى إعادة نظر ومعالجة جذرية، رغم أن الكل يتشبث به، لكنه في الواقع الفعلي موضوع على الرف، بشأن العديد من القضايا، والتعديلات التي كان يفترض إنجازها بعد أربعة أشهر من انعقاد أول جلسة له في العام، 2005 علماً أن هناك أكثر من 50 مادة دستورية بحاجة إلى سن قانون لتصبح نافذة، فضلاً عن الألغام والعقد الكثيرة التي احتواها والتي قد تنفجر في أية لحظة، خصوصاً تفسيراتها وصياغاتها الملتبسة والعائمة والمشوّشة وفي مقدمتها المادة 140 وتفسيراتها وتأويلاتها. وفي الكثير من الأحيان تهمل الاستحقاقات الانتخابية والدستورية لحساب ما يسمى الاستحقاقات التوافقية، التي لا تعني سوى تعطيل العملية السياسية في الواقع العملي.

(4)
أما قرار الانسحاب الأمريكي من العراق فإنه من أكبر وأخطر التحديات، ولا أظن أن الحكومة العراقية أو أطرافاً مهمة فيها كانت ستطلب من واشنطن الإسراع فيه، لولا أن واشنطن هي ذاتها شعرت بالتورط والخيبة إزاء فشل مشروعها الامبراطوري، وبخاصة في ظل حجم الضحايا والخسائر البشرية والمادية، حيث بلغ عدد القتلى ما يقارب 4400 وعدد الجرحى والمعوّقين ما يزيد عن 20 ألفاً، يضاف اليهم أعداد كبيرة من المتعاقدين والمرتزقة. وقد كلفت الحرب على العراق أكثر من 3 تريليونات دولار حتى نهاية العام 2008، كما أن ضغط الرأي العام الامريكي والعالمي، لاسيما القوى المناوئة للحرب، ازداد على ادارة أوباما التي شعرت أنها ليست مسؤولة عن الاحتلال، خصوصاً بعد تعاظم حجم الضحايا والخسائر المادية، يضاف الى ذلك الأزمة المالية والاقتصادية العالمية وانعكاساتها على الولايات المتحدة وانهيار مصارف كبرى وشركات تأمين عملاقة، الأمر الذي استوجب إعادة النظر بوجود قوات محتلة في العراق، مع ازدياد الحاجة الى ارسال عدد منها الى افغانستان الذي بدا ساحة ساخنة جداً.
شخصياً لا أعتقد أن الولايات المتحدة ستترك الساحة خالية لإيران التي تعاظم نفوذها على نحو واسع، ولذلك ستحاول أن تبقي بحدود 50 ألف جندي، مع عدد من القواعد العسكرية، للطوارئ، ولاحتمالات مواجهة التحديات إذا ما اضطرت إلى ذلك. ومع أن الاتفاقية العراقية الأمريكية ستنتهي في أواخر العام،2011 لكن الاعتقاد السائد أن اتفاقية جديدة سيتم إبرامها، لكي لا يحصل نوع من الفراغ الأمني والسياسي.
ولعل تصريح الجنرال الأمريكي ريموند أوديرنو قائد القوات الأمريكية في العراق بشأن نشر قوات دولية للفصل بين الأطراف المتنازعة، لا سيما إذا تعذّر دمج قوات البشمركة بالجيش العراقي، يعني أن القوات المسلحة العراقية غير قادرة حتى الآن على حماية حدودها الخارجية، فضلاً عن حل منازعات القوى الداخلية.
إن واشنطن تريد أن تطمئن على مستقبلها من جهة، ومن جهة ثانية تسعى لقطع الطريق على الأوساط الأكثر قرباً من إيران، لأنها تدرك حجم الاستحقاقات التي ستكون برسم الحكومة العراقية الجديدة.
ولهذا فهي تسعى لقيام حكومة لا تكون فناءً خلفياً لإيران، مثلما يمكن وضعها في مواجهة محدودة أو جزئية معها، وهو ما يرضي طهران أيضاً على حساب حكومة حليفة لواشنطن ومعادية لها، حيث يمكنها أن تكون رأس حربة في صراع واشنطن-طهران في العراق، وهو ما ترفضه طهران بشدة.
(5)

ولكن ربّ من يسأل وماذا عن الفصل السابع الذي ما يزال العراق يئن تحت وطأته؟ هل يمكنه الخروج من تحت عباءة الأمم المتحدة؟ مرّت عشرون عاماً على غزو القوات العراقية للكويت، وتحوّلت الأزمة الخليجية الثانية بعد الحرب العراقية- الايرانية 1980-1988 الى حرب مفتوحة، سواءً بوسائل عنفية تارة، مثلما كانت تستخدم فيها وسائل سلمية تارة أخرى، لكنها قد تكون أكثر مكراً ودهاءً، وفي الوقت نفسه أكثر إيلاماً وطولاً.
وإذا كانت الأزمة الخليجية الأولى التي تجسّدت في حرب بين دولتين جارتين، فإن الأزمة الثانية بدأت هكذا، لكنها تحوّلت الى حرب كونية ما تزال مشرعة الأبواب، رغم الكثير من التغيّرات التي شهدتها المنطقة، ولم يشفع معها سقوط النظام العراقي السابق، بل لعل الأزمة ازدادت تعقيداً، فمن عملية تحرير الكويت 1991، بدأت حرب طاحنة ضد العراق أدّت الى تدمير بنيته التحتية وهياكله الارتكازية ومنشآته الحيوية ومرافقه الاقتصادية المهمة. وفُرض على العراق نظام عقوبات دولي ما زال مستمراً منذ 20 عاماً، كما فُرض على العراق حصار دولي استمر 13 عاماً، ما زالت تداعياته وآثاره قائمة الى الآن، وتوّجت عمليات القضم التدريجي بالغزو والاحتلال.
وإذا كان النظام السابق قد أطيح به، فإن العقوبات التي فُرضت عليه أو بحجته ما تزال مستمرة على العراق ككل منذ قرار مجلس الأمن، المرقم 661 الصادر في 3 آب (أغسطس) 1990 وحتى الآن، أي بعد يوم واحد من غزو الكويت، لكن نظام العقوبات استمر رغم تغيّر الظروف وتبدّل الأحوال.
والسؤال الذي نكاد نواجهه يومياً: هل يستطيع العراق التحلل من نظام العقوبات الدولية المفروضة عليه بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة؟ ونصطدم دائماً بقراءات متباينة غالباً ما تكون سياسية تنطلق من رغبات أو ارادات تريد تغيير الواقع أو استمراره، تبعاً لمواقع القوى المختلفة، وقلّة من الأجابات تلك التي تربط ما بين ما هو قانوني وبين ما هو سياسي واقعي أو ممكن في إطار توازن القوى السياسي دولياً، لاسيما ببعده الانساني.
بعض السياسيين وجد في التوقيع على الاتفاقية الامريكية- العراقية "فرصة" للخروج من شرنقة الفصل السابع توهّماً أو تبريراً، أما البعض الآخر فيربط العقوبات بالتعويضات، وهناك من يريد ربط الأزمة الراهنة وسبل الخروج منها بحال الفراغ السياسي وتشكيل حكومة تستطيع أن تطالب بالتحلل من الفصل السابع.
وللعلم فإن العراق منذ غزو الكويت يخضع لنظام خاص للعقوبات، قبل وبعد الاحتلال، وهو نظام مقنن بنحو 73 قراراً دولياً صدرت عن مجلس الأمن، كلها تنصّ على الفصل السابع، باستثناء قرار يتيم هو القرار 688 الصادر في 5 نيسان (ابريل) 1991 الخاص بكفالة احترام حقوق الانسان والحقوق السياسية لجميع المواطنين، ووقف القمع الذي يتعرض له سكان المنطقة الكردية وبقية مناطق العراق، في حين كان القرار 687 قد صدر قبله بيومين، وتضمن فرض عقوبات، زادها تعويضات وشروط بشأن الاسلحة التدميرية وتعهدات من جانب العراق، في حين أن قرار حماية حقوق الانسان لاعتبارات انسانية، ظلّ دون آليات ودون تنفيذ، الأمر الذي يشير بأصابع الاتهام الى الولايات المتحدة والمجتمع الدولي حول ازدواجية المعايير وانتقائية المواقف. وظل القرار تائهاً في سوق المساومات الدولية، لأنه القرار الوحيد الذي لم يصدر ضمن الفصل السابع.

(6)
   إن خطوط تلك القرارات تتشابك بطريقة كومتراجيدية أو كوميدية سوداء أقرب الى السريالية بالاعتبارات الانسانية، فالعقوبات الغليظة لم تنته لاسيما بعد الاطاحة بالنظام السابق وتبدّل الأحوال، لاسيما بتبدّل الأزمان، الأمر الذي كان يتطلب اخراج العراق من الفصل السابع، فما يزال العراق بعد عقدين من الزمان يرزح تحت نير الفصل السابع، ويدفع تعويضات من وارداته النفطية بنسبة 5% حيث تذهب الواردات الى صندوق خاص سمّي بصندوق تنمية العراق بعد الاحتلال. وقد دفع العراق حتى الآن أكثر من 10 عشر مليارات دولار وما تزال ديونه أكثر من ذلك بكثير وكذلك الارباح التي عليها.
البعض ممن تشبثوا بالقول أن العراق استعاد سيادته في حزيران (يونيو) 2004 عادوا واكتشفوا ان السيادة العراقية منتقصة، بل معوّمة والكرامة الوطنية مجروحة منذ العام 1991، ولن تتحرر ما لم يتم التخلّص من تبعات الفصل السابع ببنوده الـ 13، ولاسيما في المواد من 39 ولغاية 42 من الميثاق، إضافة الى انهاء الاحتلال بانسحاب القوات الأمريكية والأجنبية من البلاد بالكامل.
ولعل قرار من هذا القبيل، أي إبطال إخضاع العراق للفصل السابع بالعقوبات ومن ثم استعادة سيادته واستقلاله، لا بدّ أن يحظى بدعم واشنطن والقوى المتنفذة في مجلس الأمن، خصوصاً بما له علاقة بالفصل السابع وتبعاته. ومثل هذا الأمر بتقديري لن يتم بسهولة رغم كل الرطانة السياسية التي نسمعها، لأن واشنطن لم تحقق أهدافها من الحرب على العراق حتى الآن، والمسألة تحتاج الى وضع العراق لسنوات قادمة قد تكون طويلة تحت الوصاية الفعلية، والتحكم بالنفط واسعاره وضمان استثماره وحماية خطوط نقله، مع ضمان أمن اسرائيل، وبخاصة إطار مخطط التسوية المطروحة.

(7)
ولعل الحديث عن الأزمة الراهنة أعاد الى الأذهان مجدداً وبقوة مسألة التدويل، فالبعض اعتبره يلحق ضرراً بالمسألة العراقية، متشبثاً بأن الأطراف الداخلية هي التي تقرر الحلول المطروحة بعيداً عن التدخل الخارجي، وهذا الرأي أميل الى دولة القانون التي تعتقد أن فرصتها أكثر حظاً في توّلي منصب رئيس الوزراء مع علمها بأن ذلك غير ممكن دون موافقة دولية واقليمية. اما الفريق الثاني فيعتبر أن التدويل وتدخل الأمم المتحدة هو الضمانة لتحقيق الاستحقاق الدستوري، ولعل هذا الاتجاه هو أقرب الى القائمة العراقية، خصوصاً وأن المقصود بالتدخل الدولي سيكون بالضرورة غير بعيد عن النفوذ الامريكي.
أما الفريق الثالث فيعتبر مطالبة الأمم المتحدة بالتدخل ليس تدويلاً، لأن الوضع العراقي مدّول منذ اجتياح الكويت، وأن توافقاً أولياً كان بمساعدة أممية وأمريكية أساساً في تشكيل مجلس الحكم الانتقالي بعد العام 2003، ولذلك فإن المساعدة الخارجية مهمة، سواءً بالتوصل الى اتفاق سياسي أو بضمان حماية الوضع وعدم السماح بتدهوره أو مواجهة التحديات الخارجية، وذلك انطلاقاً من واقعية سياسية راهنة.
وخارج نطاق هذه التصورات الراهنة فإن الكثير من الألتباس والابهام يلفّ المسألة العراقية، لاسيما في جوانبها القانونية الدولية، وتقع القوى المتصدّرة للعملية السياسية في فهم مخطوء أحياناً إذا اعتبرنا الأمر بحسن نية أو تبريرات لدور العامل الدولي في محاولة لتدوير مصالحها، لاسيما مع استمرار نظام العقوبات، وكذلك بوجود القوات الأجنبية بموافقة أو دونها، دون اعتماد معايير دولية قانونية في تقييم الأوضاع العراقية.

(8)
ان عودة الى قراءة الفصل السابع تعني فيما تعنيه التوقف على حقيقة ما المقصود به، سواءً انطبق على الواقع العراقي الحالي أو لم ينطبق؟ وهنا تدخل السياسة كعامل مؤثر على القرار القانوني. لقد تناول الفصل السابع بمواده الـ 13 الاحكام والقضايا والتدابير الواجب اتباعها في الحالات التي تؤثر على تهديد السلم والأمن الدوليين أو الاخلال بهما، لاسيما بوقوع عدوان من دولة ما على دولة أو دول أخرى.
وهنا تكمن المفارقة الحقيقية، فالعراق حالياً لا يشكل عنصر تهديد أو عامل عدوان أو خطر على السلم والأمن الدوليين، كما اتّضح عدم وجود أسلحة دمار شامل حسبما أقرّت فرق التفتيش الدولية، وكذلك تقارير الخبراء الامريكان ومع ذلك فالعقوبات باقية، والحجة هي الالتزامات التي أخذها العراق على عاتقه فضلاً عن مبدأ التعويضات، على الرغم من أن هذه ليس لها علاقة بمضمون الفصل السابع.
وإذا أخذنا بمبدأ التدخل الانساني أو لاغراض انسانية، لاسيما إزاء الأخطار التي يمكن أن يشكلها العراق على جيرانه، باستمرار الفوضى الأمنية وأعمال الأرهاب، فالأمر يتطلب حماية العراق والعراقيين أولاً، لاسيما السكان المدنيين الأبرياء، لا العكس حيث يتم ترويعهم، والأكثر من ذلك استمرار اخضاعهم للفصل السابع الذي ينتقص من سيادتهم، لكن هذه الحالة حسب الولايات المتحدة والجهات العراقية النافذة ليس لها تداعيات تنعكس على حال السلم  والأمن الدوليين، فضلاً عن ذلك، فالجهات المتسيّدة تقول ان الوضع في تحسّن ولذلك فقد تم الانسحاب الامريكي حسب الاتفاقية، وأجريت انتخابات قبل ذلك، أما بقاء الفصل السابع فهو يتعلق بالديون والتعويضات، التي لا تريد الكويت وغيرها التنازل عنها والتي تقدر بـ 41 مليار دولار (11 مليار ديون و30 تعويضات) علماً بأن العراق ورث من النظام السابق ما يقارب 130 مليار دولار ديوناً، لكنه استطاع إطفاءها أو إلغاء غالبيتها الساحقة بعد العام 2003.
ولأن العراق ما يزال في قبضة الأمم المتحدة بموجب الفصل السابع، فيمكن لهذه الأخيرة أن تقرر القيام بتدخل مباشر أو غير مباشر، عسكري أو سياسي، إذا تم التوافق في إطار قرار دولي جديد، وفيما إذا انحازت الولايات المتحدة لهذا الخيار، عندها يمكن التذرّع بأن بقاء الوضع الحالي معوّماً يشكل قلقاً وربما تهديداً على السلم والأمن الدوليين، ولذلك يستوجب من مجلس الأمن اتخاذ التدابير اللازمة للحيلولة دون انفلات الوضع بما يؤثر على دول الجوار وعلى السلام والأمن الاقليمي والدولي.
لكن سؤالاً ملحاً وقانونياً يظهر الى الواجهة وهو أن المواد الخاصة بالفصل السابع تتحدث عن نزاع دولي مسلح يهدد السلم والأمن الدوليين وهو ما ذهبت اليه المادة 39 حين تقول" يقرر مجلس الأمن ما إذا كان قد وقع تهديد للسلم أو اخلال به أو عمل من أعمال العدوان، ما يجب اتخاذه من التدابير طبقاً لأحكام المادتين 41 و42 لحفظ السلم والأمن الدولي أو اعادته الى نصابه". ولم تقل هذه المادة شيئاً بخصوص النزاع الداخلي.
وأوكلت المادة 40 لمجلس الأمن اتخاذ التدابير قبل أن يتفاقم الوضع. أما المادة 41 فقد أعطت المجلس اتخاذ التدابير التي لا تتطلب استخدام القوات الملسحة لتنفيذ قراراته، مثل وقف الصلات الاقتصادية والمواصلات والعلاقات الدبلوماسية وغيرها. وذهبت المادة 42 باعطاء الحق لمجلس الأمن استخدام القوة جوياً وبحرياً وبرياً لحفظ السلم والأمن الدوليين أو اعادتهما الى نصابهما.
ولعل هذه المواد لا تنطبق على الحالة العراقية الراهنة، الأمر الذي يغدو المشهد فيه سريالياً، فالعراق يخضع للفصل السابع الذي لا ينطبق عليه قانونياً باستثناء التعويضات والديون، وهذه الاخيرة يمكن معالجتها خارج الفصل السابع وعلى قاعدة قانونية تقول "تبدل الأحوال بتبدل الأزمان" و"التغييرات الجوهرية في الظروف"، تلك التي تجيز للعراق التذرع بأن هذه الديون والتعويضات هو غير مسؤول عنها بسبب تبدّل ظروف وأحكام الالتزام بها بعد زوال الحكم السابق، وهو ما حصل بالنسبة لمعاهدة بريست لستوفيسك في روسيا التي وقعتها الحكومة البلشفية، ولكن بعد هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الأولى قامت بإلغائها بسبب تبدل الظروف ولأنها معاهدة غير متكافئة، وكذلك إلغاء الاتفاقيات العراقية- الامريكية ، والعراقية- البريطانية بعد ثورة 14 تموز (يوليو) العام 1958، وهي اتفاقيات غير متكافئة ومجحفة وقّعها الحكم الملكي السابق في العام 1954، وقام العراق الجمهوري بإلغائها للأسباب ذاتها .



350
مقدمة
قراءة تأويلية عن حضارة وادي الرافدين لكتاب متميّز

بقلم: عبد الحسين شعبان*
بلغة رشيقة وجملة أنيقة ومعنى عميق يقدّم الدكتور عبد الوهاب حميد رشيد مؤلفه الجديد الموسوم" حضارة وادي الرافدين- ميزوبوتاميا، الحياة الدينية والحياة الاجتماعية والافكار الفلسفية"، والمؤلِّف كما أعرف باحث اقتصادي متخصص، وله دراسات وأبحاث ومؤلفات قيّمة في مجال العلاقات الاقتصادية العربية والتكامل الاقتصادي العربي والتجارة الخارجية والأمن الغذائي العربي والصناعة التحويلية وغيرها، مثلما له اهتمامات متنوّعة، بالعلوم الاجتماعية والتاريخية والفلسفية وفي قضايا الاصلاح والديمقراطية. وهو كاتب جزل العطاء رفد المكتبة العربية بالعديد من المؤلفات والكتب والترجمات.
أستطيع القول أن كتاب الدكتور رشيد هو كتاب سسيو ثقافي تاريخي، فهو لم يترك شاردة أو واردة في حضارات مجتمع وادي الرافدين، الاّ وطرحها وناقش فيها، وغاص في بحثها وفي التنقيب عنها بمعول "جيولوجي" متمرّس يعرف صنعته جيداً، وقد استهدف الباحث المساهمة في رفع درجة الوعي الثقافي وتنميته من خلال منظور نقدي موضوعي، إزاء الذات، وفي إطار مراجعة شاملة لا تشمل الماضي وقراءاته وتأويلاته حسب، بقدر ما تشمل الحاضر أيضاً، لاسيما الفكر السائد، وكيف يتعاطى مع التراث وكيف ينظر الى التاريخ؟ تاريخنا وتاريخ الآخر!!
 كأنني أقرأ ما يريده المؤلف من وراء السطور، فالعراق الذي تصدّر نشرات الأخبار على مدى يزيد عن ثلاثة عقود من الزمان، وما يزال حتى الآن، ظلّ ينزف ويعاني ويتبدد لدرجة الذوبان أحياناً، وحتى لو كانت المسألة تتعلق بواقع مؤقت، ظرفي، طارئ، لكن العراق المستمر منذ نحو 7 آلاف عام، وهو الذي يقدّمه الدكتور عبد الوهاب حميد رشيد: العراق الدائم ، الستراتيجي، المتكامل، عراق الحضارة الكونية الاولى، ظل بعيداً وملتبساً بإغراض أو دونه أحياناً، حيث تختلف زاوية النظر الى التاريخ ودلالاته، ولعل القراءة التأويلية لهذا الجهد المضني، الذي قام به المؤلف في سفره الجميل، إنما تستهدف الاستعارة والاستذكار والتبصّر وأخذ العبر والدروس.
لقد عاش الانسان ما قبل حضارة وادي الرافدين في الكهوف القصية لمنطقة كردستان شمال العراق، قبل أكثر من 120 ألف سنة حسب الاكتشافات التاريخية المدنية، وانتقل الى المناطق المكشوفة لانتاج القوت بعد أن كانت وظيفته جمعه ، وبعد أن عرف الزراعة والاستيطان عندما بدأت في جنوب العراق قبل 6000-5000 قبل الميلاد، ووصلت أوروبا بعد 3500 سنة.
العراق أو " بلاد الشمس" Sun Land"   وهو اسمه السومري، أو كما يطلق عليه "بلاد ما بين النهرين" أو بلاد الرافدين " ميزوبوتوميا" " بحر دجلة والفرات" كما كنّاه مؤسس بحور الشعر العربي وأوزانه الخليل بن أحمد الفراهيدي. هو عراق أول حضارة بشرية أنجبها الانسان: الحضارة السومرية والآشورية والبابلية ومركز الاشعاع الفكري في الحضارة العربية – الاسلامية، يوم كانت بغداد منارة المجد وقبلة العلم والفكر والثقافة، وهي التي صانت تراث الفكر اليوناني من الضياع وواصلت آفاق الدنيا بخير ما أنجبته البشرية.
    لا عجب أن يحتضن العراق أول مؤسسة تمثيلية (برلمان) قبل ما يزيد عن أربعة آلاف عام، فهو الذي بنى أول مجتمع سياسي منظم (دولة المدنية السومرية) وأقام أول نظام ملكي، مؤسساً لتقاليد ملكية وعلاقة الحاكم بالمحكوم، استناداً الى نظرية الحق الالهي، وذلك قبل نظرية توماس هوبز الانكليزي بأكثر من 4500 سنة.
   إذا أردنا الحديث عن "الدولة الوطنية الموحدة" فنموذجها سرجون الأكدي وحمورابي البابلي اللذان حاولا بناء دولة المدينة أو المدن المتقاربة، وسنّا أول القوانين، مثلما كُتبت في العراق أولى الملاحم البطولية كما هي ملحمة كلكامش. والعراق هو بلد الأبجدية الأول، الذي فكّ رموز الحرف وعرف نظام الكتابة، حيث أصبح الانسان بفضله ولأول مرّة في التاريخ قادراً على حفظ ذاكرة أجيال وتاريخ أمم ومعتقدات شعب وتراث وثقافة وأدب الانسان.
وفي العراق ولد أول مجمّع سكني في العالم، مثلما تم وضع أسس علوم الرياضيات والفلك والطب والكيمياء، تلك التي ظلّت تطعم أوروبا على مدى قرون، وفي العراق وضعت أسس الأنظمة الدينية، الذي تشكّلت منها الديانات الثلاث اليهودية والمسيحية والاسلام، وقبل ذلك كان الكتاب المقدس يمثل "ملحمة الخليقة البابلية"، ويعتبر السومريون هم أصل العراقيين وهم أجداد ابراهيم الخليل الأب الأكبر لليهود والمسيحيين والعرب. فالعراقيون الأوائل اكتشفوا الزراعة وصنعوا آلات الحياكة والخياطة وابتكروا انتاج الفخار والعجلة والمراكب الشراعية واستخدموا معدن النحاس والقصدير، مثلما أبدعوا في الفنون والعمران .
على مدى 17 فصلاً يقدّم المؤلِّف صورة العراق التاريخية هذه، ابتداءً من بيئته الطبيعية وعصور ما قبل التاريخ وعصور التاريخ والكتابة والتدوين ونشوء أولى المجتمعات السياسية المنظمة (عصر فجر السلالات) والامبراطوريات السومرية والآشورية والبابلية، ويعرض نظمها القانونية المتطوّرة وعلومها ومعارفها وحياتها اليومية والعائلية ومعتقداتها الدينية وافكارها الفلسفية ومناهجها التحليلية.
ومع كل ذلك فثمت مفارقة سبق أن أوردتها في كتابي " عاصفة على بلاد الشمس" الصادر عن دار الكنوز الأدبية في العام 1994 بالقول: " من يستطيع اليوم أن يتخيّل أن بلداً بمثل هذه الصفات العصية وبمثل هذا العمق البعيد الغور في التاريخ والمعرفة والتمدّن، سيقترن إسمه في عالم اليوم بأبعد ما يمكن من مسافة عن جذوره، حيث يبلغ الاستبداد والقسوة حداً لا نظير لهما..." ولعله قدر غاشم أن يخيّم على العراق اليوم عنف لا حدود له وانقسام وتشتت مذهبي وطائفي وإثني، لاسيما بعد وقوعه تحت الاحتلال.
أهي مفارقة أخرى حين تجتمع في العراق كل هذه المزايا التي لا تجتمع في بلد؟ دولة شاسعة نسبياً، وخيرات مادية وفيرة بما فيها الموارد الطبيعية، لاسيما النفط والغاز، وأنهار وزراعة، وبشر مبدعون، هم أساس الحضارات على مرّ التاريخ، وفي الوقت نفسه احتراب وطغيان ومحاولات إذلال واجتياح وعدوان، أهي نقمة السماء أم تناقض الاشياء!!؟
وقد انفتح جرح الدولة العراقية الحديثة التي تأسست في العام 1921 منذ أن تدفق النفط في أرض العراق، وأصبح شلالاً للدم هادراً، وقد شهد العراق في العقود الثلاثة ونيّف الماضية ثلاث حروب كبرى وحصار دولي جائر دام نحو 13 عاماً واحتلال دخل عامه الثامن، وما زال العراق يئن ويعاني وإن تبدّلت الوجوه والأقنعة والمبررات، سواءً كان في مسرح اللامعقول أو حفل تنكري أو مهرجان للفرح الزائف أو كان ذلك شكل من أشكال الكوميديا السوداء!.
قيمة الكتاب أنه يحاول تقديم قراءة غير تقليدية للحضارة التي بناها الاجداد وأخذت تشرق بنورها منذ حوالي 3000 سنة قبل الميلاد، وهي ما تزال تعيش معنا بهذا القدر أو ذاك، في الأفكار والفلسفات والمعتقدات والعادات والتقاليد والممارسات.
   يتابع المؤلِّف من خلال معطيات ومقارنات ومقاربات بين الماضي والحاضر، فيتوصل الى أن السومريين الذين أسسوا هذه الحضارات يستمرون في رسم بعض ملاحم الأفكار والمعتقدات والانجازات،  في المراحل التالية لحضارة وادي الرافدين.
وإذا كانت حضارة وادي الرافدين الأولى في تنظيم المجتمع السياسي، لاسيما الحقوق والواجبات في مجالات العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وبخاصة تنظيم العلاقات بين النخب الحاكمة وعموم الناس، فإن ذلك تبلور في قوانين أصيلة، متجسّدة في حضارة تقوم على الكتابة والعلم والقانون والنظام، وبذلك تعتبر حضارة وادي الرافدين المعلّم الأول للحضارة البشرية المعاصرة.
لقد نظّمت قوانين حضارة وادي الرافدين إضافة الى شؤون الحكم، قضايا الزراعة والأحوال الشخصية والزواج والعقود وتسجيلها، ولعل "مبدأ القوة القاهرة" و"مبدأ عدم جواز التعسف في استخدام الحق الفردي"، و"مبدأ القصد الجرمي"، هي من المبادئ القانونية التي ما تزال معمولاً بها حتى الآن، والتي وصلتنا من حضارة وادي الرافدين الاولى.
واتّبعت قوانين حضارة وادي الرافدين تقاليد كتابية متشابهة، في المقدمة والخاتمة وغلبت على القوانين السومرية " مبدأ الإصلاح والتعويض" في معاقبة المذنبين، بدلاً من "الانتقام والقصاص"، المستند الى قاعدة " العين بالعين والسن بالسن" وهو ما أخذت به شريعة حمورابي لاحقاً، إضافة الى أساليب التعذيب بما فيها بتر أجزاء من الجسم، وهو المبدأ الذي نقلته الشريعة العبرانية ثم أخذت به الشريعة الاسلامية .
لقد أنجبت حضارة وادي الرافدين بدءًا من العهد السومري ووصولاً الى شريعة حمورابي البابلية، وقبلها أولى المحاولات الاصلاحية في التاريخ البشري وأقصد بذلك إصلاحات أوروكاجينا وهي أورونيمجينا (2400 ق.م.) فكراً قانونياً متقدماً، لاسيما اصلاح نظام الضرائب، كما أرست هذه القواعد مبادئ " الحرية في حدود القانون" و"ان الوظيفة مهما علت لا تعفي صاحبها من المسؤولية"، خصوصاً بعد اندلاع تمرّد، على حكام لكش (تلو – منطقة الفرات) حيث مهّد ذلك للقيام بالاصلاحات المعروفة بـ أوروكاجينا/ أورونيمجينا، التي تكاد ترتقي الى مستوى القانون لولا خلّوها من المقدمة والخاتمة المعروفة، التي كانت من تقاليد القوانين السومرية.
   ويعتبر قانون أورونمو 2113-2096 ق.م أقدم قانون مدّون في تاريخ وادي الرافدين وفي تاريخ البشرية جمعاء. أما قانون حمورابي فهو أحدث وأكمل وأنضج قانون مكتشف في وادي الرافدين، ويمثل الانجازات القانونية الرائعة في الحضارة البشرية، وهو سابق على قانون الامبراطور الروماني جستنيان بنحو ألفي عام.
   لقد صدر قانون حمورابي في العام 1770 ق.م، وهو أول قانون موحّد تطبقه سلطة مدنية، وتعتبر شريعة حمورابي قطعة فريدة بطولها وعرضها ورشاقتها ودقة أسلوبها والضوء الساطع الذي يكفي على مجتمع تلك القبة المتطورة جداً على حد تعبير المؤلف. وإذا كان القانون الحديث هو مجموعة من القواعد التي تصدرها سلطة عليا تشريعية (ملك أو برلمان) وتطبقه سلطة تنفيذية (حكومة) بفرض العقاب في حال الاخلال بقواعد القانون أو الامتناع عن تنفيذها، فإن سلطة قضائية هي التي تصدر مثل هذا الحكم، ولعل هذه الرؤية تقترب من قوانين حمورابي.
   وإذا كان مثل هذا القانون المتطور قد وجد، فحسبي القول أن هناك مجتمعاً متطوراً قد نشأ، وقد عرض المؤلف على نحو عميق الحياة الاجتماعية للطبقات والفئات والشرائح الاجتماعية لمجتمع وادي الرافدين الذي يقوم على طبقتين أساسيتين هما: الأحرار والعبيد، إضافة الى نظام أسري حيث كانت الأسرة الوحدة المحمورية الأساسية للنظام الاجتماعي لمجتمع وادي الرافدين، وهو نظام أبوي حاله حال النظام السياسي، وتميّزت الأسرة في العهد السومري بقوة روابطها وفقاً للمبدأ القائل " الصداقة تدوم يوماً والقرابة تدوم الى الأبد".
ولعلّ العائلة العراقية الحالية تتشابه مع العائلة البابلية القديمة، فالأب هو رب الأسرة وبيده جميع السلطات والصلاحيات الخاصة بادارة وإعالة أسرته، شأن شأن الملك في إدارة مملكته، واحترامه واجب مقدس. واشتهرت العائلة بكثرة إنجاب الأطفال ويعتبر ذلك فضيلة وواجباً دينياً مقدساً، كما أن محاولات تنظيم الانجاب ما تزال تصطدم بالكثير من المعوّقات في الوقت الحاضر، سواءً على المستوى العراقي أو العربي، استناداً الى هذه الاعتبارات، إضافة الى اعتبارات عشائرية واجتماعية أخرى.
يقول جورج رو في كتابه " العراق القديم " ترجمة وتعليق د. حسين علوان حسين، الصادر في بغداد، عن دار الشؤون الثقافية، العام 1986 " بالنسبة لنا نحن أبناء القرن العشرين يجدر بنا أن نعترف بديننا لسكان وادي الرافدين القدماء. وفي الوقت الذي نقدم فيه على كبح جماح الذرة ونعدُّ أنفسنا لاكتشاف النجوم فإن من العدل أن نتذكّر بأننا ندين للبابليين بالمبادئ الأساسية لرياضياتنا وفلكنا بضمنها نظامنا في الأرقام ذات القيمة المرتبية والنظام الستيني الذي ما نزال نقسّم بواسطته دائراتنا وساعاتنا".
ويذكر الباحث السويدي زيتر هولم: ليست حضارات وادي الرافدين السومرية والبابلية أقدم الحضارات في التاريخ حسب، بل إننا نجد أنفسنا في هذه الحضارات ، أساطيرنا وملاحمنا وحتى ديننا، نعم إن الكثير ممما تعلمناه ناظرين اليه كإرث للإغريق واليهود يعود الى هذه الحضارات (المقصودة حضارات وادي الرافدين) والأمر له علاقة أيضاً بمجال الكيمياء والمعادن وبحقل الجغرافيا حيث تركت حضارة وادي الرافدين أول خارطة للعالم ( 600 ق.ب) إضافة الى مجال الفنون والعمارة وغيرها.
وتشكل الكتابة الصورية (من الصور) والكتابة المسمارية مسألة مهمة وأساسية في الثقافة والتاريخ والفكر العالمي، خصوصاً مع بداية ظهور المدارس الرسمية خارج المعابد، حيث احتلّ الكاتب منزلة اجتماعية رفيعة في حضارة وادي الرافدين ، ويذكر نص سومري "الكتابة هي أم الخطباء وأبو التلاميذ " والكاتب الجيد هو من أتقن مهنته جيداً.
ولعل من أبرز خصائص حضارة وادي الرافدين هو الارث الأدبي والملحمي اللذان يتسمان بالأصالة والتنوّع، وهما مع حضارة وادي النيل يشكلان أساس الملاحم والقصص الأسطورية القديمة، خصوصاً تلك التي تتناول الحياة والموت والخلود والخير والشر وقضايا الحب والقصص الروحية والعاطفية وأساطير خلق الكون والانسان وغيرها، وهو ما يغطيه المؤلِّف على نحو ممتع وشيّق وجميل.
   إن مؤلَّف الدكتور عبد الوهاب رشيد ليس كتاب واحد، بل هو كتبٌ في كتاب، ولعل ثقافته الموسوعية هي التي كانت وراء هذه الغزارة في المعلومات والدأب في التنقيب في المصادر والمراجع المهمة العربية والأجنبية، التي زادها عمقاً الهوامش والشروحات والمقارنات والتدقيقات التي جاءت لتؤلف وحدة موضوع متجاورة فصولاً أو فروعاً ومتممة ومكمّلة ومضيفة .
إن الكتاب بعد أن يسلط الضوء على تاريخ حضارة وادي الرافدين وفلسفتها وقوانينها وحياتها الاجتماعية، يطرح اسئلة تتعلق بكيفية قراءة التراث والنظر الى الماضي وتأثيره على الفكر الإنساني بما فيه حياتنا الراهنة، وهو لا يسعى لتقديم إجابات نهائية أو كاملة شأنه شأن أي عمل فكري لكنه يسعى الى نقد ما هو سائد باجتهاد ودون محاكاة استشراقية، وفي الوقت نفسه دون ادّعاء بالفخر أو الأفضلية المنحازة سلفاً، لكنه يقدّم ذلك ممزوجاً باعتزاز كبير بمشاركة فاعلة لحضارة وادي الرافدين الاولى، في الحضارة الانسانية، والتي لا يمكن الحديث عن الحضارة الكونية، دون دراستها والتعرّف عليها.
الكتاب إضاءة جديدة لتاريخ حضارة وادي الرافدين ببعدها الثقافي والأدبي- الملحمي والسسيولوجي والتاريخي والقانوني والعلمي- المعرفي، وهو مساهمة جادة وعلمية لباحث متمرّس وكاتب ومترجم، استطاع أن يطوّع وسيلته الابداعية بحثاً عن الحقيقة والدفاع عنها، وقناعتي أن هذا الكتاب يشكّل إضافة متميّزة الى المكتبة العربية ورفداً معرفياً متميّزاً لكاتب متميّز .
عبد الحسين شعبان
أكاديمي ومفكر عراقي له مؤلفات عديدة.
     9/9/2010

مقدمة لكتاب الدكتور عبد الوهاب رشيد، ط/2، ستوكهولم ، 2010


351
الغضب المصري بعد الانتفاضة التونسية   
   


عبد الحسين شعبان

الانتفاضة التونسية التي أجبرت الرئيس زين العابدين بن علي على الرحيل لم تتوقف عند حدود تونس فقد امتدّت إلى خارجها، وكان صوت الشعب التونسي يجد صداه في عدد من البلدان، لعل أبرز ذلك ما شهدته مصر من تحركات شعبية عارمة، بدأت شرارتها الأولى في 25 يناير/كانون الثاني 2011.
ومثلما جاءت الانتفاضة التونسية عفوية ودون تخطيط، فقد جاءت الانتفاضة المصرية كذلك، احتجاجًا على البطالة والفساد وشحّ الحريات. هكذا أصبحت الشرارة التي انطلقت من سيدي بوزيد والقصرين وتونس والقاهرة والإسكندرية والسويس، حريقًا هائلاً التهمت نيرانه مراكز شرطة ومؤسسات أمنية في رمشة عين، وكأن الحدث يعيد نفسه، وسط تأييد شعبي منقطع النظير، متجاوزًا حاجز الخوف، الذي ظلّ مهيمنًا سنوات طويلة.
وسارعت القوى السياسية والنقابية ومؤسسات المجتمع المدني في مصر مثلما ما هو في تونس بمشتركاتها المعروفة وعلى اختلاف توجهاتها، لتعلن بصورة جماعية إصرارها على التغيير، وإنْ كانت قد انتصرت في تونس وسط ذهول كبير، فما تزال تواصل الزحف والتظاهر لتحقيق هدفها الأول في مصر.
وكان غياب قيادة سياسية ميدانية في البلدين، واستمرار حالة الفوضى والعنف، قد وضعَا تونس وبعدها مصر أمام خيارين قاسيين فإمّا الانفلات، خصوصًا بأعمال السلب والنهب ومداهمة البيوت والأملاك العامة والخاصة، وإمّا تسليم السلطة إلى الجيش. وإذا كان الجيش التونسي قد تدخّل لحسم الأمر والضغط للاستجابة للمطالبة الشعبية، فإن الجيش المصري سعى أيضا لتهدئة الخواطر، لاسيما بعد غياب الأجهزة الأمنية، وإذا كانت تونس قد أنجزت مهمتها الأولى، فإن ملامح تجربة متميزة لا تزال تتشكل في مصر بكل ثقلها.
صحيح أن بن علي غير حسني مبارك. الأول حسم أمره "مضطرًا"، أما الثاني فقد أقال الوزارة وشكّل وزارة جديدة وعيّن عمر سليمان نائبا له وهو شخصية عسكرية تقول عنها المعارضة المصرية إنها محترمة، ولكنها ليست كافية لتحقيق الانفراج وحل عقدة الحكم. وقد أصبح الحكم يُدار من ثلاثة عسكريين، الرئيس مبارك والجنرال عمر سليمان ورئيس الوزراء الجنرال شفيق، لكن الجماهير ظلّت تصرّ على رحيل النظام. هكذا فرضت الاحتجاجات السلمية حضورها وإرادتها في أرقى ممارسة للحق من غير عنف، وفي التعبير عن الرأي بالسلم، ومواجهة الرصاص بصدور عارية، وفي المحصلة انتصر هذا الخيار على الخيار العنفي الذي ظلّ النظامان في تونس ومصر متمسكين به حتى اللحظات الأخيرة.
وكعادة الأنظمة الفردية فقد اعتمد النظامان التونسي والمصري على الدعم الخارجي، اعتقادا منهما أن تقديم التنازلات لصالح القوى الخارجية سيحميهما من ردّ الفعل الشعبي، دون الالتفات إلى مشاكل الشعب وهمومه وآلامه، التي تمّ الاستهتار بها على نحو من عدم المبالاة والشعور بالمسؤولية، الأمر الذي فاقم الأوضاع سوءًا، وهو ما أدّى إلى عزلة النظامين وساعد بالتالي على الإطاحة بالأول واستمرار المظاهرات ضد الثاني، بتلك الطريقة المدنية الحضارية السلمية المثيرة.
فهم بن علي الدرس أخيرًا لينجو بنفسه وكانت آخر إطلالاته على الشعب التونسي المنتفض هي استجداء التسامح والعفو، لأن هناك من "غرر" به قاصدًا بطانته السيئة، وفي محاولة للمناورة اختار تكتيك التراجع المنظّم، ليتبنّى بعض مطالب الشعب وليؤكد على "صدقية" حديثه، فوعد بالانفراجات وتأمين الحريات مؤكدًا أن لا رئاسة مدى الحياة، وكان يحسب أن الجيش والقوى الغربية، لاسيما فرنسا ستعمل على حمايته، ولكن حديثه لم يهدئ من روع الشعب، ولم يزرع في قلوب الجماهير الطمأنينة، كما أن الجيش كان في طريقه إلى الانحياز إلى جانب الشعب ضد السلطة.
وفهم النظام المصري الدرس وإنْ كان متأخرًا، فدعا الرئيس مبارك إلى المزيد من الديمقراطية وتحقيق الإصلاحات والاستجابة للمطالب الشعبية، لاسيما الملحّة والعاجلة منها والتي تتعلق بالأوضاع الاقتصادية القاسية، والغريب أنه في تلك اللحظات العصيبة، أوعز إلى نائبه سليمان الاتصال بالمعارضة والاستماع إلى رأيها، ولم يكن ذلك بمعزل عن إرادة خارجية تم التعبير عنها من جانب الولايات المتحدة والعديد من الدول الغربية.
"
تولّى السلطة محمد الغنوشي بموجب "تفويض" أثار جدلاً دستوريًّا، لاسيما أن بن علي لم يعد له من أمل في العودة إلى بلاده رئيسًا، نظرًا لما صادفه من تخلّي أصدقائه. وتولّى الجنرال شفيق رئاسة الوزارة بتكليف من مبارك نفسه، الذي لا يزال حتى لحظة كتابة هذه المقالة ممسكًا بزمام الأمور حتى وإنْ أخذ يفلت من بين أصابعه، لكنه ظلّ يراهن على قطاعات أخرى، فضلاً عن الدعم الخارجي، خصوصًا أن التوازن الدولي قد يختل في المنطقة بغياب الرئيس مبارك ونظامه وهو ما يمكن أن يسبب تصدعًا في العلاقات المصرية الإسرائيلية، وقد يؤدي إلى نقض المعاهدة الموقعة بين البلدين (كامب ديفد) منذ عام 1978-1979 وإلى إعادة النظر في الموضوع الفلسطيني، حيث إن إسرائيل في ظل هذا الوضع نشرت الآلاف من الجنود الإسرائيليين في الجهة المحاذية لغزة خوفًا من الدعم المصري الجديد للقطاع.
وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قد لفت الانتباه إلى قلق إسرائيل إزاء اختلال توازن القوى، وهو ما ركّزت عليه الصحافة الإسرائيلية، ذلك أن تغيير الأنظمة في الدول التي تحيط بـ"إسرائيل" قد يحمل في طياته خطرًا كبيرًا على الأمن القومي الإسرائيلي، كما تروّج له إسرائيل نفسها، وموضوعيًّا فقد تعتمد الأنظمة الجديدة أجندات جديدة تشكل بحد ذاتها إعادة نظر في السياسات القائمة، وتلك إحدى احتمالات الغضب المصري.
لعل المصير "المأساوي" الذي واجهه زين العابدين بن علي، لاسيما دراما تنقّل طائرته الرئاسية بين مطارات العالم تبحث لها عن أرض تحطّ فيها وسط رفض أغلب الدول الغربية وتنكّرها له بدءًا من فرنسا وانتهاءً بإيطاليا، له دلالة بالغة الرمزية ليس بالعودة إلى الماضي فحسب، بل في النظر إلى المستقبل، فقد يتكرر مثل هذا السيناريو مع زعماء آخرين في المنطقة ما لم يستوعبوا الدرس جيدا. وإذا كان الرئيس مبارك أكثر عنادا فإن تطور الأمور قد يؤدي إلى صدام يدخل فيه الجيش كأحد اللاعبين الأساسيين، سواءً لحساب نفسه أو لحساب أحد الأطراف، مؤثرًا في المعادلة السياسية.
لعل الحدثين التونسي والمصري يطرحان دلالة مهمة وهي أن مصادرة إرادة الشعب لها حدود، لاسيما عندما يطفح الكيل، فيصبح التغيير أمرًا لا مفرّ منه. وكلا الحدثين اعتمد على القوى الذاتية، فالحلول من خارج الحدود لا تشكل ضمانات للحكام أو للمعارضات، بل ستؤدي إلى إضعاف الهوية الوطنية والوحدة الوطنية، كما أن أول دروس الديمقراطية لا تبدأ بالفوضى، سواء كانت خلاّقة أو غير خلاّقة، ولن يتحقق مشروع الشرق الأوسط الكبير أو الجديد طبقا لوصفات خارجية لا تستجيب لطموحات شعوب المنطقة وحقوقها، وفي المقدمة منها حق الشعب العربي الفلسطيني في تقرير المصير وإقامة دولة مستقلة قابلة للحياة، وحق اللاجئين في العودة.
ومن دلالات الانتفاضتين التونسية والمصرية، الدور الكبير الذي لعبه الإعلام وتكنولوجيا الاتصالات، فلم تعدْ أية وسيلة قمعية قادرة على الوقوف في وجه التكنولوجيا الحديثة التي تمكّنت من تخطي الزمان والمكان ونقل الصورة والصوت والحرف إلى أقاصي الدنيا في لحظات قليلة من الحدث، عن طريق الفيسبوك والتويتر والإنترنت والهاتف النقّال، لتخرج صورة البوعزيزي في ثوان من سيدي بوزيد إلى كل مدينة وقرية وشارع في تونس والعالم أجمع لتشعل الانتفاضة وتؤدي إلى رحيل الرئيس بن علي، مثلما انتقلت صورة المظاهرات من مدن مصر وشوارعها وحاراتها إلى العالم أجمع، ولم ينفع إغلاق قناة الجزيرة أو حتى قطع الإنترنت والهاتف النقال، في وقف الموج الهادر من البشر الذين يطالبون بالتغيير.
"
نجح التونسيون والمصريون في تحقيق ثورة سلمية بامتياز، بوسيلتها الناجعة وهي اللاعنف، وهذا يدلّ على بلوغ التونسيين والمصريين درجة عالية من الوعي والثقافة والوطنية لحماية الوطن من الاحتراق وصون الدماء الوطنية. وقد آن الأوان للملمة الوضع وتضميد الجراح والتخلّص من مظاهر التخريب والعبث واليأس، والسير إلى الأمام، فنصف الانتصار قد تحقق ومهمة البناء والتنمية والديمقراطية والرفاه ستكون طويلة وهي النصف الأهم من المعركة.
وكانت الوحدة الوطنية لجميع التيارات والقوى بمختلف مشاربها وتوجهاتها الفلسفية والسياسية، قد ساهمت في تعضيد المدّ الجماهيري الذي قاده الشباب الغاضب، لاسيما بوحدة الهدف وعدم تجزئة المطالب، فقد التقت الأحزاب والقوى السياسية والمدنية على أهداف مشتركة، على الرغم من تباين وجهات نظرها، وبذلك فوتت الفرصة على السلطة في البلدين لاستعداء بعضها على بعض.
وكشفت أحداث تونس ومصر أن الشباب كانوا سدى الانتفاضة ولحمتها، لاسيما من المتعلمين وأبناء الطبقة الوسطى، ومن أصحاب الشهادات الجامعية، أي أن الخبز لم يكن وحده هو المحرّك الأساسي، بل كانت الكرامة والشعور بالإجحاف والغبن والبطالة وانعدام الحريات أساسًا لا غنى عنه لنزول الجماهير الهائجة إلى الشارع، ولا يمكن إلا فرض إرادتها، مهما طال الانتظار.      




352
ماذا بعد استهداف مسيحيي العراق؟

عبد الحسين شعبان
باحث ومفكر عربي
كيف يمكن حماية المسيحيين في دول الشرق والعالم العربي بشكل خاص؟ هل بإصدار قوانين وتشريعات، أو توفير حماية للكنائس والأديرة ودور العبادة، أو تأمين حراسات في الأماكن العامة والأحياء السكنية، لاسيما في المناطق التي توجد فيها كثافة سكّانية مسيحية؟ هذه الأسئلة وغيرها تواجه الباحث، بل تؤرقه أحياناً في السبيل الأضمن لحماية المسيحيين، لاسيما بعد استهدافهم، وخصوصاً في العراق، والى حدود معينة في مصر، ناهيكم عن احتدامات في لبنان، خصوصاً في فترة الحرب الأهلية وما أعقبها من هجرة بلغت نحو 700 ألف مسيحي، ولعل تصويت سكان جنوب السودان في الاستفتاء الذي جرى في 9 كانون الثاني (يناير) 2011 لصالح الانفصال بنسبة 99% بمن فيهم من مسيحيين الاّ لشعورهم بالتمييز. كما اتّخذت عملية تهجير المسيحيين في فلسطين من جانب اسرائيل بُعداً وطنياً، لاسيما وهي تسعى لإفراغها من مسيحييها، لكي تزعم أن الصراع ديني بين اليهود والمسلمين، وليس صراعاً وطنياً بين محتل استعمار استيطاني وبين شعب مهضوم الحقوق ومُستلب.
أمّا في العراق وهو ما سنحاول التركيز عليه فقد بدأت أولى محاولات الهجرة المسيحية في أواخر الخمسينيات وبداية الستينيات، وتعاظمت في فترة الحرب العراقية- الايرانية في الثمانينيات، وكانت ظاهرة ملفتة في فترة الحصار الدولي 1990-2003، ثم اتخذت "إجلاءً " جماعياً بسبب حوادث العنف والارهاب وتفجير الكنائس بعد الاحتلال، وهنا يتداخل السبب الموضوعي بالسبب الذاتي والعامل الخارجي بالعامل الداخلي، والظرف السياسي بالظرف الاقتصادي.
إن واحداً من أسباب الهجرة المسيحية من البلدان العربية هو أعمال العنف والتفجير، فضلاً عن الخوف من طغيان "الأغلبية العددية" وهضم الحقوق وعدم الاعتراف بمبادئ المساواة، ناهيكم عن تردّي الأوضاع السياسية والاقتصادية، مقابل "الجاذبية الغربية" حيث الحقوق والحريات، فضلاً عن الائتلاف مع محيط ديني غير معادي.
وإذا كان ثمت نقص قانوني وتشريعي، وهناك تجاوزات وضغوط، فضلاً عن تنامي  تيار "إسلاموي" إستئصالي، فإن ضعف كيانية الدولة وانعدام هيبتها وتعدّد مراكز النفوذ فيها، وعجزها عن تلبية وظيفتها الأساسية التي تتلخص في حفظ أرواح وممتلكات المواطنين وضبط النظام والأمن العام، هو سبب مهم آخر من الأسباب في اضطرار المسيحيين  للهجرة، ولعل مثل هذا الغياب لدور الدولة سهّل مهمة القوى الارهابية والتكفيرية، ناهيكم عن القوى الإجرامية، لكي تبسط نفوذها كلّما غابت الدولة عن ذلك.
يضاف الى ذلك الانقسامات داخل الأجهزة الأمنية والعسكرية التي كانت وما تزال عرضة للمحاصصة، فإذا كان وزير الدفاع سنيًّا فوزير الداخلية شيعياً ووزير الأمن الوطني ضمن لعبة المحاصصة، وكذلك مدير المخابرات مرشح من هذا الطرف أو ذاك، وكذا الحال مستشار الأمن القومي، لاسيما بعد انتهاء العقد الموقع مع بريمر الحاكم المدني الأمريكي في العراق، الذي ظلّت عقوده سارية على الرغم من تبدّل حكومات عديدة.
وما زال الجهاز القضائي يعاني من الضعف وأحياناً من الضغوط التي تمارس عليه، على الرغم من كفاءة العديد من القضاة ومحاولات مجلس القضاء الأعلى أن يلعب دوره على هذا الصعيد، لكن الظرف السياسي والأمني يبقى متحكّماً الى حدود كبيرة. وفي بعض الأحيان يعتقل المنفّذون حسبما تذيع أجهزة الاعلام الرسمية، لكن التحقيق يأخذ مجرى آخر أو لا نعد نسمع به وأحياناً يهرب المرتكبون وتضيع آثار الجريمة، كما حصل لمقتل المطران الكلداني رحّو. وتتسرب أخبار يشكّ بها أقرب المقربين عن أحكام لا أحد يعرف كيف ومتى صدرت وأين تم التنفيذ؟!، ناهيكم عن تواطؤ أو تستّر مع هذا الطرف أو ذاك.
وقد أعلنت الحكومة العراقية أنها ألقت القبض على منفذي جريمة الهجوم على كنيسة سيّدة النجاة في بغداد التي راح ضحيتها 15 مدنياً و4 رجال شرطة وعشرات الجرحى في 31/10/2010 فهل سيتم اكتشاف معالم الخطط الاجرامية الارهابية؟
ما زال الفكر التكفيري، يجدُ تربةً صالحة في العراق، خصوصاً في ظل أوضاع الفقر والأميّة والتخلّف، فضلاً عن هضم الحقوق على المستوى الداخلي والدولي. وقد أنتج هذا الفكر تنظيمات سياسية، مثلما امتلك أذرعاً عسكرية طويلة ولديه امكانات مالية كبيرة، وظلت محاولات التصدّي له أمنية في الغالب دون معالجة أسبابها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.
وإضافة الى الفكر التكفيري- الالغائي، لاسيما بأبعاده العالمية العابرة للحدود والقوميات والأوطان، فإن الأجندة الكونية جعلت القاعدة جيشاً عالمياً فكرياً على أقل تقدير، مع وجود لا مركزية تنظيمية في الادارة والتخطيط والتنفيذ، فهنا اليوم في بغداد وغداً في الموصل وثالثة في كركوك ورابعة في الاسكندرية وخامسة في ألمانيا أو أمريكا أو بريطانيا أو فرنسا وهكذا.
إن وجود هذا التيار التكفيري كان عامل ضغط على تيارات اسلامية متطرفة ومتعصبة أخرى، وذلك في منافسة محمومة أو مزاودة بالشعارات أحياناً ، لاسيما في العلاقة مع الآخر، فهي حتى وإنْ لم تكن منخرطة في الارهاب الدولي، فإن البيئة المتشددة الإقصائية، تساعد على اندفاع بعض عناصرها نحو تدمير الآخر، والآخر في دولنا هو المسيحي، لأنه أقلية، وهو الأضعف والمغاير، والاّ كيف يمكن تصوّر أن نحو50 تفجيراً تم تنفيذها ضد كنائس وأماكن وجود مسيحيين؟ وضد الأيزيديين والصابئة وغيرهم من الأديان الأخرى في العراق، للأسباب ذاتها.
إن الفكر الالغائي يدّعي احتكار الحقيقة وهو يرتاب من كل آخر، وبالنسبة له " كل غريب مريب"، والغريب ليس الأجنبي حسب، بل هو من غير دينه أو قوميته أو حتى مذهبه، ناهيكم عمّا ترسّخ في التقاليد البدائية والموروث السلبي والذاكرة الجمعية إزاء الآخر، بمن فيهم من أهل الكتاب أو غيرهم، وهو ما ينبغي الاعتراف به، بل مواجهته.
لقد كان حلّ الجيش العراقي وحلّ الأجهزة الأمنية وفتح الحدود، عاملاً مساعداً في انتقال الارهابيين، وتداخلت مهمات إنهاء الاحتلال، مع الحملات التكفيرية والارهابية بحجة مقاومة الاحتلال، حيث تشابكت بعض الأجندات، مستفيدة من انقسام البلاد الى خنادق في ظل التمترسات الطائفية، التي استفاد منها أمراء الطوائف، إضافة الى صراعات إثنية بخصوص كركوك، الأمر الذي فتح الباب على مصراعيه لاستهداف الفئات الضعيفة، خصوصاً وأن كل طرف يتهم الطرف الآخر، حيث يعتبر المسيحيون الحلقة الأضعف، فهم دون حماية من أحد: لا من سلطة الدولة ولا من الميليشيات ولا من دول الجوار وليس لديهم قوى ومجمّعات كبرى، فضلاً عن توزّع بعض انتماءاتهم حيث تتجاذبهم الكثير من مراكز النفوذ تلك التي تضطرهم للهجرة، في ظل غياب سند داخلي أو خارجي وحليف يأخذ مصالحهم بنظر الاعتبار، وليس هدفه الاستحواذ عليهم أو توظيفهم لأغراضه السياسية.
وقد لعب الشحن الاعلامي، لاسيما لعدد من القنوات والمحطّات والصحف والمواقع الالكترونية، باسم "الاسلام السياسي"، والتبشير لفكر آحادي إلغائي دوراً سلبياً كبيراً في انتشار مفاهيم من شأنها النظر الى التنوّع وكأنه "انشقاق" أو "تمزيق" للوحدة الوطنية، أما الرضوخ وقبول الهيمنة لما هو سائد، فهو مدعاة للوطنية، ولعل النظر الى " الاقليات" واستخدام هذا المصطلح ليس سوى قبول "حكم الأغلبية" دون الأخذ باعتبارات التمايزات والتنوّع والتعددية والخصوصية ومبادئ المساواة في الدولة العصرية.
وحتى رد الفعل العالمي إزاء قضايا العنف والارهاب في العراق واستهداف المسيحيين  فقد كان بارداً، وعلى الرغم من استنكار البابا بنيديكتوس السادس عشر وطلبه تقديم الحماية لهم، الاّ أن الكثير من الأصوات ارتفعت تندّد بما أسمته "التدخلات الخارجية"، وهو ما حصل للمسيحيين في العراق مثلما حصل أيضاً لأقباط مصر ومسيحييها، وخصوصاً بعد تفجيرات الاسكندرية، والأمر ذاته بالنسبة للبلدان الأخرى، التي استقبلت الجرحى ومنحت بعضهم اللجوء السياسي، فقد اندفع بعض المتصدّرين للقول: أنها مؤامرة كبرى حين تقبل بعض الدول العظمى " لجوء" المسيحيين، في ظل حملة محمومة من مزاودات بالوطنية والتمسك بالارض وتحدّي المصاعب والنوائب والتشكيك بكل مساعدة انسانية.
وإذا كانت بعض الدول العظمى تستقبل أعداداً من المسيحيين للعلاج أو للإقامة أو اللجوء فإن ذلك واحدٌ من واجباتها، حتى وإن كانت لأهداف خاصة، فلعل فيه بعض التخدير بعد وخز الضمير، ويبقى بالنسبة لهذه البلدان مصالحها، فالنفط واسرائيل أهم من أية ارتباطات بالمسيحيين أو غيرهم. وهذه ليست دعوة لتشجيع المسيحيين على الرحيل والهجرة، بقدر تفّهم الأوضاع الانسانية والأمنية لكل شخص أو لكل حالة، طالما لم تتوفر بيئة سليمة لحمايتهم وصون حقوقهم الانسانية.
وإذا كان من حماية للمسيحيين في الشرق، فلعل الأمر يحتاج إلى عمل طويل ومضني وإلى ممارسة ضغوط من أجل قيام أنظمة ديمقراطية تأخذ بمبادئ المساواة والمواطنة الكاملة واحترام  حقوق الانسان والتنوّع الثقافي والخصوصية الدينية والقومية والتعددية للمكونات المختلفة.



353
سبع رسائل لاستهداف المسيحيين!

عبد الحسين شعبان
باحث ومفكر عربي
تصاعد في الآونة الأخيرة استهداف المسيحيين في دول المشرق لاسيما العربي، وذلك ارتباطاً مع انتشار موجة التشدد والغلو، وخصوصاً قوى "الإسلام السياسي"، فضلاً عن نشوء تيار أصولي متطرّف ومتعصّب، سواءً اتّخذ اسم تنظيمات القاعدة أو أي مسمى آخر، وتزامن هذا الاستهداف مع احتلال العراق وما تركه من تأثيرات وردود أفعال.
لقد تعرضت الكنائس والأديرة ودور العبادة وشخصيات مسيحية ومواطنون عاديون إلى تفجيرات وأعمال إرهابية وعنف، تركت ندوباً عميقة في نفوس المسيحيين وأعطت انطباعاً، لاسيما في الغرب، عن خطط وبرامج لاستهداف المسيحيين، فما هي هذه الرسائل التي تريدها تلك العمليات!؟ وكيف نقرأها؟.

الرسالة الأولى؛ هدفها دفع المسيحيين للهجرة، الأمر الذي سيراه ويفهمه العالم أجمع، وخصوصاً المجتمعات الغربية، على أن المسلمين لا يريدون  العيش مع المسيحيين في دول المشرق، والنتيجة المنطقية لذلك ستكون ترسيخ الاعتقاد السائد، بتعصّب وتطرّف المسلمين ورفضهم للآخر، بل واعتباره "عدوّاً" حتى وإن كان من سكان البلاد الأصليين و"مواطناً" حسب القوانين السائدة والنافذة، ولعل ذلك سيكون "مبرراً" جديداً لاتهام الإسلام بالعنف والإرهاب، حسبما يتم ترويجه منذ سنوات، لاسيما بعد أحداث 11 أيلول (سبتمبر) الإرهابية التي حصلت في الولايات المتحدة، والتي أدت إلى تنامي مفهوم الاسلامفوبيا (أي الرهاب من الإسلام) في الغرب.

الرسالة الثانية؛ إن استهداف المسيحيين في دول المشرق، يعني فيما يعنيه تمزيق النسيج الاجتماعي لمجتمعات وشعوب، ظلّت متعايشة على الرغم من النواقص والثغرات والسلبيات، التي تتعلق بالحقوق وبمبدأ المساواة والمواطنة الكاملة، خصوصاً الشعور السائد لدى المسيحيين بالتمييز لأسباب قانونية وثقافية واجتماعية وسياسية ودينية وغيرها. وإذا كان  استهداف المسيحيين  يعني سيادة الفكر المتطرف والممارسات المتعصبة، فإن ذلك سيساهم في زيادة الهجرة المسيحية التي تعني تفريغ مجتمعاتنا من المسيحيين، وهو بحدّ ذاته إعلان عن شحّ فرص الحرية، لاسيما حرية التعبير وحق الاعتقاد وحق المشاركة السياسية.

الرسالة الثالثة؛ إن عدم التعايش الإسلامي- المسيحي في الشرق، يعني عدم رغبة المسلمين في التعايش مع الغرب المسيحي، الأمر الذي سيضع المسلمين المتواجدين في الغرب في دائرة الشك والارتياب، ولاسيما وأن هناك ما يزيد عن 15 مليون إنسان مسلم يعيش في أوروبا وعدد آخر في الولايات المتحدة وكندا ودول أمريكا اللاتينية.

الرسالة الرابعة؛ إن استهداف المسيحيين في الشرق سيكون دليلاً آخراً على أن المسلمين يعملون على استئصال الأديان الأخرى، وهو ما تردّده "إسرائيل" مدّعية بأن صراعها مع العرب والمسلمين، هو صراع ديني تناحري، إقصائي، لأن العرب والمسلمين يريدون القضاء على اليهود وهم لا يتقبّلون اليهودية، وهكذا يختفي الجانب العنصري الصهيوني المتعصّب من الصراع مع العرب والمسلمين، وهو ما يصّب في مصلحة "إسرائيل" التي تغتصب الأرض وتجلي السكان وتمارس العدوان منذ قيامها وحتى يومنا. وإذا كان الصراع مع "إسرائيل" وطنياً وأرضياً، وعلى حقوق ثابتة للشعب العربي الفلسطيني وغير قابلة للتصرّف، وليس صراعاً دينياً أو سماوياً، فإن المسلمين ليسوا وحدهم من يقاوم الاحتلال، بل إن المسيحيين يشاركونهم على نفس القدر من الالتزام الوطني، وهو ما يؤكده تاريخ المقاومة الفلسطينية وقياداتها المؤسسة، وكذلك الحركة الوطنية في فلسطين ولبنان وسورية والأردن ومصر والعراق وغيرها.
الرسالة الخامسة؛ إن استهداف المسيحيين يكمن في انحسار مساحة الديمقراطية وتدنّي مستوى الحريات العامة والشخصية، وهو الأمر الذي يشترك فيه المسلمون والمسيحيون وبقية المكوّنات الأخرى، لاسيما وأن التطرف والغلو يستهدفان الجميع، الأمر الذي يعطي انطباعاً على المستوى العالمي بأن العرب والمسلمين ما زالوا في أسفل السلم بخصوص الديمقراطية والتنمية، وأن بيئة من هذا القبيل، لا شكّ أنها مشجعة على الإرهاب والعنف والاستبداد والإلغاء.

الرسالة السادسة؛ إن استهداف المسيحيين في الشرق ودفعهم للهجرة سيشكل استنزافاً لطاقات علمية وفكرية وفنية وأدبية يمتلكها المسيحيون، فضلاً عن كفاءات اقتصادية واجتماعية هائلة تشكل الموزاييك المجتمعي والتنوّع الثقافي، وفي ذلك خسارة كبرى لشعوب المنطقة وطاقاتها البشرية.

الرسالة السابعة؛ إن المنطقة بما فيها من تنوّع مسيحي وإسلامي ستخسر دعماً كبيراً كان المسيحيون في العالم يقدمونه للعالم العربي والإسلامي، لاسيما فيما يخص القضية الفلسطينية، فقد دافع مسيحيو الشرق، لاسيما المتواجدون في الفاتيكان عن عروبة فلسطين بقوة وجدارة، ورفض الفاتيكان قرار التقسيم وهو ما ورد على لسان رئيس أساقفة نيويورك سبلمان انطلاقاً من فكرة مفادها أن أرض فلسطين كلّها مقدسة بالنسبة للمسيحية، وذلك بعد إعلان إنهاء بريطانيا انتدابها على فلسطين وإحالة القضية إلى الأمم المتحدة، كما رفض تحويل فلسطين إلى دولة يهودية كما ورد في رسالة وزير خارجية الفاتيكان للإدارة الأمريكية ، وكان رأيه أقرب إلى دولة واحدة بأغلبية عربية.

إن اهتمام الفاتيكان والكرسي الرسولي بمستقبل فلسطين لم يكن بمعزل عن اهتمامهما بمستقبل المسيحية الشرقية والعربية، وهذا الموقف وضع الفاتيكان في صراع مباشر مع الغرب في حينها، فعلى الرغم من إدراكه أن "التوافق الدولي" كان وراء قيام دولة "إسرائيل"، وخصوصاً اعتراف الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة بها، ولم يكن بإمكان الأمم المتحدة تخطّي هذا "التوافق"، إلاّ أنه  قرر اعتماد مواقف كنائس الشرق المسيحي بدلاً من التسليم بالموقف الدولي.
وقد انعكس موقف الفاتيكان آنذاك على دول كاثوليكية كثيرة مثل إسبانيا والبرتغال وإيرلندا، وكذلك على بعض دول أمريكا اللاتينية، ولم يكن للفاتيكان وكذلك لهذه الدول علاقات مع إسرائيل حينها. وقد تمّ ذلك بعد توقيع اتفاقيات كامب ديفيد والصلح المنفرد بين مصر وإسرائيل 1978-1979. وهو الأمر الذي انعكس سلباً وأدى إلى إعادة علاقات نحو ثلاثين دولة أفريقية مع إسرائيل، كانت مقطوعة ما بين العام 1967 و1973 وما بعدها، إضافة إلى الدول الاشتراكية السابقة، وذلك أواخر العام 1989.

إن استهداف المسيحيين وكنائس الشرق على الرغم من مواقفهم المبدئية يثير أكثر من علامة استفهام حول القوى الضالعة والمستفيدة من تلك العمليات، خصوصاً وأن المسيحيين  ليسوا طرفاً في الصراع الدائر على السلطة، وليس لديهم دعماً أو حمايةً داخلية أو خارجية، فلماذا حصل ويحصل كل ذلك لهم؟.
حاول مؤتمر السينودس الذي أقيم مؤخراً في الفاتيكان برئاسة البابا بنيديكتس السادس عشر إثارة التساؤل المشروع حول مصير مسيحي الشرق، الذين سبق لهم وحددوا مواقفهم ومستقبلهم ومصيرهم الواحد والمشترك مع إخوتهم المسلمين في الوطن الواحد، فلماذا يتمّ تقسيمهم وفصلهم عن جسد أمتهم؟ ثم كيف لهم ولكنائسهم المساهمة في دورهم التنموي المأمول منهم  طالما الشعور العام السائد هو التمييز والاستهداف؟
من هنا أرى أن الأمر يجب أن لا يكتفي بإدانة ما يحصل، بل يتطلب اتّخاذ مبادرة وطنية على مستوى الحكومات والشعوب تشارك فيها جميع التيارات الفكرية والسياسية والاجتماعية والمؤسسات الدينية الإسلامية وغير الإسلامية، وكذلك منظمات المجتمع المدني، لدعم الوجود المسيحي في الشرق وملاحقة المرتكبين وتقديمهم للعدالة.

كما يتطلب الأمر جهداً تشريعياً عربياً لتنقية القوانين والأنظمة السائدة عن كل ما له علاقة بالتمييز لأي سبب كان، وكذلك تدقيق المناهج الدراسية في المراحل المختلفة عن كل ما يسيء إلى المسيحيين أو ينتقص منهم، ويمكن للإعلام أن يلعب دوراً إيجابياً على هذا الصعيد بالدعوة لفقه التسامح وثقافة السلام والمساواة والمشترك الإنساني، ولفضح وتعرية النزعات الاستعلائية والنظرة الدونية- التشكيكية المسبقة.
إن عملاً حاسماً وسريعاً يتطلب تكاتف الجميع لتقديم كل أنواع الدعم المؤقت والدائم للمسيحيين، وتأكيد حقهم في الحرية وأداء الشعائر والطقوس الدينية أسوة بالمسلمين وغيرهم دون أي تعرّض لأي سبب كان، وذلك يتطلب احترام حقوق الإنسان وتأكيد حق المواطنة المتساوية واحترام العيش المشترك والخصوصية والهوية الفرعية في إطار الهوية الموحّدة التي تقوم على التنوّع والتعددية.

إن رسالة تضامن عملية من هذا القبيل، تعني سحب البساط من تحت أرجل الجهات التي تريد تغذية الاسلامفوبيا ضد العرب والمسلمين، بل أكثر من ذلك سحب البساط من تحت أرجل القوى المتطرفة والمتعصبة التي تريد صبّ الزيت على النار ضد الغرب، باعتباره شرّ مطلق، وعدم التمييز بين غرب حضاري وثقافي ومستودع للعلوم والتكنولوجيا والآداب والفنون والعمران والجمال، وغرب سياسي، له آيديولوجيات ومصالح ويريد فرض الهيمنة والاستتباع، على العرب مسلمين ومسيحيين وغيرهم.

وإذا كنّا قد تأخرّنا في الردّ على أحداث 11 أيلول (سبتمبر) الارهابية الإجرامية، وتعثرنا في الإصلاح والتنمية والديمقراطية ومكافحة التطرّف والتعصّب والغلو، فقد دفعنا الثمن باهظاً، ولعل أي تأخّر اليوم في الرد على استهداف المسيحيين سيحملنا أعباءً لسنا قادرين عليها اليوم أو غداً.


354
صورة تونس النمطية: مقايضة السياسة بالاقتصاد!

عبد الحسين شعبان
باحث ومفكر عربي
البدايات الفعلية لانتفاضة الياسمين التونسية كانت صبيحة يوم السابع عشر من كانون الأول /ديسمبر العام 2010  عندما أقدم الشاب التونسي الجامعي محمد البوعزيزي الذي اضطرته البطالة للعمل على بيع الخضراوات في عربة متنقّلة، على إحراق نفسه في مدينة «سيدي بوزيد» احتجاجاً على قطع رزقه من قبل مسؤول في السلطة أبلغه بعدم قانونية عمله لعدم حصوله على الترخيص المطلوب، ومن ثم قام بالاعتداء عليه بالإهانة والضرب أمام الجماهير المحتشدة الشاهدة على الحدث. وعندما حاول الشاب التقدّم بشكوى وجد أن الأبواب موصدة أمامه، وفي لحظة يأس وتأثّر أضرم النار في جسده (وتوفي لاحقاً). هذه الشرارة أشعلت انتفاضة شعبية عارمة وحرّكت احتجاجات هائلة، شملت عدّة مناطق، ووصلت تونس  العاصمة بداية كانون الثاني/ يناير العام 2011.
حتى ذلك الحين لم يكن المشهد يوحي بأن أمراً جللاً سيحدث للرئيس زين العابدين بن علي ونظامه، الذي بدا قوياً مدججاً بالسلاح والمال والمُخبرين، وبدعم دولي كبير، حتى أن الرئيس الفرنسي ساركوزي وهو يستمع الى الأخبار ويتأمل الموقف إعْتقدَ أن ثمت عارضاً قد يكون طارئاً يمكن السيطرة عليه، فعرض على الرئيس التونسي إمكانية تأمين حماية فرنسية له، باعتباره حليفاً لتونس، لكن الأخير تلمّس وعورة الطريق وخطورة الموقف فاضطر الى التنازل ومن ثم الفرار.
وتحت ضغط شعبي واعلامي فرنسي غيّر ساركوزي موقفه، لاسيما حين جدّ الجدّ فلم ترخّص السلطات الفرنسية الحليفة بدخول بن علي الأجواء الفرنسية، واضطرت طائرته بعد البحث عن بديل مالطي وإيطالي أن تحطّ في جدّة بعد اتصالات أجراها مع المملكة العربية السعودية، التي وافقت على استقباله بشروط محددة، ولاعتبارات انسانية كما تم تبرير ذلك. أما الولايات المتحدة التي كانت تعتبر نظام بن علي مستقراً، على الرغم من تحفظاتها حول ممارساته بشأن حقوق الإنسان، شدّدت من لهجتها، وهو ما عبّر عنه الرئيس أوباما في رسالته التي نشرت بُعيد اندلاع الانتفاضة، والتي دعا فيها الى إحترام إرادة الشعب التونسي.
وكان قد سبق ذلك ما كشفته وثائق ويكيليكس خلال الربع الأول من شهر كانون الأول / ديسمبر العام 2010  عن البرقية التي أبرقها السفير الأميركي المعتمد لدى تونس روبرت غوديك في تموز/ يوليو من العام 2009 إلى وزارة الخارجية الأمريكية حيث وصف من خلالها الفساد والبذخ قائلاً: «إن المشكلة واضحة، في تشدد النظام التونسي، المكروه شعبياً على نحو عميق، لاسيما زوجة الرئيس زين العابدين بن علي وعائلتها التي تحكم منذ 22 عاماً، وأن النظام فقد التواصل مع الشعب، وهو يعتمد على أجهزة الشرطة من أجل السيطرة وتركيز السلطة».
ومع بداية يوم 13 كانون الثاني / يناير 2011 أدرك الرئيس التونسي آنذاك زين العابدين بن علي حراجة موقفه وخطورته وعليه حسم أمره، لاسيما بعد أن حاصرت الانتفاضة الشعبية مقرّاته وقصوره، وعلى الرغم من مواجهتها بالأسلحة والذخيرة الحيّة، وقتل ما يقارب السبعين مواطناً أعزلاً، الاّ أن الجماهير ظلّت مصرّة على رحيله، ومع أنه حاول المناورة بإعلانه: إطلاق الحرية الكاملة للإعلام وعدم إغلاق مواقع الإنترنت وأنه لا رئاسة لتونس مدى الحياة، وتفعيل الديمقراطية والتعددية. معتبراً التغيير استجابة لمطالب الجماهير، لكنه أدرك إن الوقت قد فات وهو المعروف بحسه الأمني وخبرته الطويلة في هذا  الميدان، وأن الموجة هذه المرة أكبر من أن تتحطم على صخرة حكمه المتسلط، وأن زمام الأمور قد أفلت من يده،  ولذلك بحث في صفقة سياسية ليغادر البلاد سريعاً، مانحاً تفويضاً إلى رئيس وزرائه محمد الغنوشي معلناً من خلال التلفزيون التونسي حالة الطوارئ، على أمل أن يتم ترتيب البيت التونسي فيما بعد، لكن الأمور سارت باتجاه آخر غير ما تشتهيه سفن بن علي.

لعل هذه المفارقات تحتاج إلى وقفة تأمل وتحليل للصورة النمطية التي راجت عن تونس وبمبادرة وسائل اعلام عربية وغربية، وهي التي لم تكن تتورع من القول: أنها دولة مزدهرة مدنية وعلمانية وفيها قانون أحوال شخصية متطوّر، حتى أن فرنسا الشريك التجاري الأول لتونس لغاية مغادرة بن علي تونس بساعات قليلة والمتخوفة من مدّ إسلامي، أصدرت بياناً رئاسياً رحّبت فيه بالإجراءات التي أعلن عنها بن علي وحثته على مزيد من الانفتاح، وقد بدا البيان الفرنسي وكأنه يعكس قناعة بأن بن علي سيجتاز هذا الامتحان الصعب بنجاح، وأنه مرشح للبقاء لمزيد من الوقت.
وسرعان ما تبدّل هذا الموقف الذي طالما قدم الحماية والدعم على الساحة الدولية لشريكه التونسي، ليقرر إقفال أجوائه وحدوده أمام طائرته ورفض طلبه باللجوء إليها. وهذا ما لا يتوافق مع ما أبدته فرنسا من موقف سابق وعلى لسان رئيس جمهوريتها آنذاك أثناء زيارته إلى تونس سنة 2003، حين فاجأ الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك التونسيين بتصريح غريب، حيث قال: إن توفير الغذاء والتعليم والصحة هو من أهم حقوق الإنسان، وكان ذلك ردًّا قاسياً على احتجاج مناضلي حقوق الإنسان الذين أنكروا عليه دعمه المطلق لنظام بن علي، وقد كان ذلك التصريح إعلاناً صريحاً عن عمق العلاقة التي تربط فرنسا بنظام بن علي، وعدم استعداد باريس للتفريط بها، مهما قيل عن خرقه لحقوق الإنسان وتضييقه على الحريات الديمقراطية، فقد كان بن علي في نظر الفرنسيين آنذاك ناجحاً على صعيد أمرين أساسيين:
الأول: أنه أسّس لنموذج اقتصادي ليبرالي مدني، حدّ فيه من تدخل الدولة وفتح الباب أمام الاستثمارات الأجنبية، في إطار اتفاق شراكة مع الاتحاد الأوروبي، وهذا النموذج الاقتصادي في نظر الفرنسيين هو الذي يساهم في بناء مجتمع منفتح تلعب فيه المرأة دوراً متقدماً، وتحتل فيه القيم الغربية وفي مقدمتها الحريات الفردية بمعناها غير السياسي مزيداً من المساحات، لتشكّل هوية جديدة تجعل المجتمع التونسي أقرب إلى مجتمعات شمال المتوسط ومبتعداً أكثر عن شبهات الأسلمة والأصولية المخيفة، بل يقف سدًّا منيعاً بوجهها.
والثاني: هو التحكّم الأمني الباهر الذي جعل تونس بعيدة عن مظاهر انتشار تيار الإسلام السياسي الذي يمثل الخطر الأكبر في نظر الغرب، في ظل ازدياد الشعور بالاسلامفوبيا.
ومن هنا إنبرت معظم الدول الأوربية إلى مساندة فرنسا في موقفها من النظام التونسي وذلك في سبيل حماية مصالحها، كما بدت مطمئنة إلى صمود بن علي وبقائه في السلطة، لذلك بادرت إلى القول بأن استعمال الرصاص الحي ضد المتظاهرين العزل، ليس أكثر من مجرد استعمال غير متكافئ للقوة، ولم يصل ذلك إلى حد الإدانة أو الرفض.
وقبل ذلك كان بن علي يراهن على أن التنمية الاقتصادية المتسارعة التي ستحدثها سياسة الشراكة والانفتاح الكبير ستعمل على تحسين شروط الحياة للسكان وتعظيم الأمل في المستقبل وتعزيز شرعية النظام، وبالتالي ستتم مقايضة السياسة بالاقتصاد، حيث سيكون البحث عن البقاء أهم من البحث عن الهوية والحقوق، إلاّ أنه لم يفرّق بين النمو والتنمية المستدامة بمعناها الشامل السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي والقانوني والتربوي وغيره مثله مثل الكثير من الأنظمة.
وإذا كان المقصود بالتنمية حتى عهد قريب هو النمو الاقتصادي، فإن هذا المفهوم استبدل بالتركيز على التنمية البشرية وبتعميق فكرة التنمية الإنسانية المستدامة فيما بعد، أي الانتقال من الرأسمال البشري إلى الرأسمال الاجتماعي وصولاً إلى التنمية الإنسانية ببعدها الشامل، أي الترابط بين جميع مستويات النشاط السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والقانوني والتربوي والبيئي وغيرها، بالاستناد إلى نهج متكامل يعتمد على مبدأ المشاركة والتخطيط الطويل الأمد في حقول التعليم والتربية والثقافة والإسكان والصحة والبيئة وغيرها، وبتوخي قدر من العدالة والمساءلة والشرعية والتمثيل وتعزيز قيم الحرية واحترام حقوق الانسان.
وفي حين ظلّ النمو الاقتصادي حكراً على مجموعة صغيرة من حواشي وذيول النظام والمتعاونين معه من الذين ازدادوا ثراءً وتخمة، بينما عموم السكان يعانون من الفقر والحاجة والدخل المحدود، وإذا كان الإنسان هو أثمن رأسمال وغاية كل دين أو فلسفة أو أيديولوجية، وحسب الفيلسوف الإغريقي بروتوغوراس: الإنسان مقياس كل شيء، فإنه بهذا المعنى يجب أن يكون المستهدف الأساسي لأية سياسة أو قانون أو خطة اجتماعية أو تنموية إنسانية، الأمر الذي عاظم التفاوت الاجتماعي وساعد على عزلة النظام، فضلاً عن انعدام الحريات، وهو ما لم يكن يدركه نظام بن علي.
وإذا أردنا أن نحسب للرئيس السابق زين العابدين بن علي إيجابية واحدة فهي تخلّيه عن مقاليد الحكم حتى وإن كان اضطراراً ومغادرة البلاد دون الحاجة الى إزهاق المزيد من الأرواح، في مشهد لم يسبق له مثيل في العالم العربي، حين تشبّث طغاة بأسنانهم حتى آخر لحظة بالسلطة، الأمر الذي دفع ثمنه الشعب غالياً.
ولعل انتصار الحق بأساليب سلمية ولا عنفية على الرصاص والعسف، هو أهم الدروس لشعوبنا وللغرب وللعالم أجمع، وهو دليل عافية وصحة على سلامة ومدنية الشعب التونسي، الذي مزّق الصورة النمطية الزائفة التي قايضت السياسة بالاقتصاد، متجاوزة على الواقع، الأمر الذي تجلّى على حقيقته، بانتفاضة حطّمت صورة بن علي ونظامه لتضع مكانها صورة تونس وانتفاضتها الياسمينية الجميلة.



355
مفارقات انتفاضة الياسمين ودلالاتها!!
عبد الحسين شعبان
باحث ومفكر عربي
ما حدث في تونس من غليان شعبي جاء رد فعل ضد الظلم الذي ساد عقوداً من الزمان، وجعل التونسيين على الرغم من مظاهر النمو والتمدّن، يعيشون ظروفاً اقتصادية قاسية، لاسيما باستفحال مشاكل البطالة خصوصاً بين الشباب، ناهيكم عن قهر معتّق وغياب الحريات. ولعل الحدث التونسي، يذكّرنا كيف انفجر الشارع الإيراني في العام 1979 ضد نظام الشاه، مع اختلاف الظروف والأهداف والتوجّهات.
جاءت الانتفاضة التونسية عفوية ودون تخطيط، احتجاجاً على البطالة والفساد وسرعان ما تحوّلت إلى حركة عارمة، تجاوزت جميع التقديرات، لاسيما في آفاقها وفي تحديد مداها. وأصبحت الشرارة التي انطلقت كرد فعل على إحراق البوعزيزي نفسه حريقاً هائلاً التهمت نيرانه سلطة الرئيس بن علي برمشة عين، وسط تأييد شعبي منقطع النظير، فانكسر حاجز الخوف، وهيمنت المفاجأة على الجميع.
وسارعت القوى السياسية والنقابية ومؤسسات المجتمع المدني وإن اختلفت توجهاتها، لتعلن بصورة جماعية إصرارها على رحيل الرئيس زين العابدين بن علي.
إن غياب قيادة سياسية ميدانية، واستمرار حالة الفوضى والعنف، وضع البلاد أمام خيارين قاسيين فإمّا الانفلات وإمّا تسليم السلطة إلى الجيش. وإذا كان الجيش التونسي قد تدخّل لحسم الأمر، وعقد صفقة لإخراج الرئيس بن علي، فهذا لأنه قرأ المشهد جيداً، إذْ لا يمكن تهدئة الخواطر دون إحداث التغيير المنشود، على الرغم من أن الوضع لم يستقر بعد والاستنفار ما زال قائماً والاستقطاب شديداً.
لقد حسم رحيل بن علي "مضطراً"، المعركة لصالح الشعب وجنّب تونس المزيد من المآسي والدماء، وهكذا فرضت الاحتجاجات السلمية حضورها وإرادتها في أرقى ممارسة للحق من خلال اللاعنف، وفي التعبير عن الرأي بالسلم، ومواجهة الرصاص بصدور عارية، وفي المحصلة انتصر هذا الخيار على الخيار العنفي الذي ظلّ النظام متمسكاً به حتى  لحظات احتضاره الاخيرة.
وكعادة الأنظمة الاستبدادية الفردية فقد اعتمد بن علي في حكمه على الدعم الخارجي أيضاً، إعتقاداً منه أن خضوعه لصالح القوى الخارجية سيحميه، دون الالتفات إلى مشاكل الشعب وهمومه وآلامه، التي تمّ الاستهتار بها على نحو من اللامبالاة وعدم الشعور بالمسؤولية، الأمر الذي فاقم الأوضاع سوءًا، وهو ما أدّى إلى عزلة النظام وساعد بالتالي على إسقاطه بتلك الطريقة المدنية الحضارية السلمية المثيرة.
لقد هرب بن علي لينجو بنفسه وكانت آخر إطلالاته على الشعب التونسي المنتفض هو إستجداء التسامح والعفو، لأن هناك من "غرر" به قاصداً بطانته السيئة، وفي محاولة للمناورة اختار تكتيك التراجع المنظّم، ليتبنّى بعض مطالب الشعب وليؤكد على "صدقية" حديثه، فوعد بالانفراجات وتأمين الحريات مؤكداً أن لا رئاسة مدى الحياة، وكان يحسب أن الجيش والقوى الغربية، لاسيما فرنسا ستعمل على حمايته، ولكن حديثه لم يهدئ من روع الشعب، ولم يزرع في قلوب الجماهير الطمأنينة، كما وأن الجيش كان في طريقه إلى الانحياز إلى جانب الشعب ضد السلطة.
وهكذا تكرّر السيناريو الإيراني في تونس فقبيل هروب الشاه، تسلّم السلطة الجنرال بختيار، مثلما أعقب هروب بن علي تسليم السلطة إلى فريق من حزب التجمع الدستوري، الذي حكم البلاد نحو ستة عقود من الزمان.   
تولّى السلطة محمد الغنوشي بموجب "تفويض" أثار جدلاً دستورياً، لاسيما وأن بن علي لم يعد له من أمل في العودة إلى بلاده كرئيس، نظراً لما صادفه من تخلّي أصدقائه عنه، وكما حدث مع الشاه أيضاً عندما طار هارباً من طهران، فلم تستقبله واشنطن ولا باريس، بل حطّ في القاهرة، وهكذا أعاد التاريخ نفسه مع بن علي، فواشنطن حليفته دعت إلى احترام إرادة الشعب التونسي، لاسيما بعد حسم الأمر، ومعها باريس التي تعتبر الشريك التجاري الأساسي للنظام التونسي، بل وعرّابه، استدارت 180 درجة ورفض الرئيس ساركوزي استقبال بن علي، فحطّ في جدّة ضمن صفقة تشبه صفقة الشاه، وضمن شروط محددة طالبته بها الرياض ووافق عليها دون نقاش.
لعل هذا المصير المأساوي الذي واجهه زين العابدين بن علي، لاسيما دراما تنقّل طائرته الرئاسية بين مطارات العالم تبحث لها عن أرض تحطّ فيها وسط رفض أغلب الدول الغربية وتنكّرها له بدءًا من فرنسا ومروراً بالجار المالطي وانتهاءً بإيطاليا، له دلالة بالغة الرمزية ليس بالعودة إلى الماضي فحسب، بل في النظر إلى المستقبل، فقد يتكرر مثل هذا السيناريو مع زعماء آخرين في المنطقة ما لم يستوعبوا الدرس جيداً.
وثمت مفارقة أخرى ففرنسا والولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي وجدت في الإطاحة بالنظام التونسي فرصتها للتنصّل من التزامات سابقة لدعم نظام استبدادي وتقديمه كنظام متمدن يؤمّن أهم مستلزمات حقوق الإنسان مثل الغذاء والتعليم والصحة كما جاء في رد قاسي للرئيس الفرنسي جاك شيراك على احتجاجات لدعمه نظام بن علي العام 2003، كما وجدت واشنطن وباريس الفرصة سانحة للدعوة إلى قيم الديمقراطية والحرية واحترام إرادة الشعوب، وهو جوهر ما تضمنته رسالة الرئيس الأمريكي أوباما ، لكنها في الوقت نفسه تخشى من مخاطر جدية على الوجود والمصالح الأمريكية والأوروبية الغربية في المنطقة، الأمر الذي سيعتمد على إمكاناتها في إطفاء الحرائق من جهة، وفي استتباب الأمن وعودة الحياة الطبيعية من جهة أخرى.
وليس من قبيل الصدفة أن يصرّح نائب رئيس وزراء الكيان الصهيوني سيلفان شالوم التونسي الأصل بقوله: "أخشى ما أخشاه أننا نقف حالياً أمام مرحلة جديدة وبالغة الخطورة في العالم العربي، فإن سقوط النظام التونسي القائم، قد لا يؤثر حالياً بشكل كبير على الأمن القومي الإسرائيلي، لكن يمكن الافتراض أن هذا التطور سيشكل سابقة قد تتكرر في دول يؤثر استقرار نظامها علينا بشكل مباشر".
كما أكّد على أنه في حال تمّ استبدال الأنظمة في الدول التي تحيط بـ"إسرائيل" بأنظمة ديمقراطية فإن هذا يحمل في طياته خطراً كبيراً على الأمن القومي الإسرائيلي، على اعتبار أنه يفترض أن تعتمد الأنظمة الجديدة أجندة تشكل بحد ذاتها مسَّا بالمصالح القومية الإسرائيلية وتلك إحدى مفارقات الحدث التونسي.
لعل الحدث التونسي يطرح دلالة مهمة أخرى هي أن الحلول من خارج الحدود لا تشكل ضمانات للحكام أو للمعارضات، بل ستؤدي إلى إضعاف الهوية الوطنية والوحدة الوطنية، كما أن أول دروس الديمقراطية لا تبدأ بالفوضى، سواءً كانت خلاّقة أو غير خلاّقة، ولن يتحقق مشروع الشرق الأوسط الكبير أو الجديد طبقاً لوصفات خارجية لا تستجيب لطموحات وشعوب المنطقة وحقوقها، ولاسيما وأن في المقدمة منها حق الشعب العربي الفلسطيني في تقرير المصير وإقامة دولة مستقلة قابلة للحياة، وحق اللاجئين في العودة.
ومن دلالات الانتفاضة التونسية، الدور الكبير الذي لعبه الإعلام وتكنولوجيا الاتصالات، فلم تعدْ أية وسيلة قمعية قادرة على الوقوف في وجه التكنولوجيا الحديثة التي تمكّنت من تخطي الزمان والمكان ونقل الصورة والصوت إلى أقاصي الدنيا في لحظات قليلة من الحدث، عن طريق الفايس بوك والانترنيت والهاتف النقّال، لتخرج صورة البوعزيزي بثوان من سيدي بوزيد إلى كل مدينة وقرية وشارع في تونس والعالم أجمع لتشعل ثورة الغضب وتؤدي إلى رحيل الرئيس بن علي.
والدلالة الأخرى تكمن أهميتها في أن التونسيين نجحوا في تحقيق ثورة سلمية بامتياز، بوسيلتها الناجعة وهي اللاعنف، وهذا إن دلّ على شيء إنما يدلّ على بلوغ التونسيين مرحلة من الوعي والثقافة والوطنية لحماية الوطن من الاحتراق وصون الدماء الوطنية. وقد آن الأوان للملمة الوضع وتضميد الجراح والتخلّص من مظاهر التخريب والعبث واليأس، والسير إلى الأمام، فنصف الانتصار قد تحقق ومهمة البناء والتنمية والديمقراطية والرفاه ستكون طويلة وهي النصف الأهم من المعركة.
أضف إلى ما سبق دلالة هامة ألا وهي الوحدة الوطنية لجميع التيارات والقوى بمختلف مشاربها وتوجهاتها الفلسفية والسياسية، تلك التي ساهمت في إنجاح المدّ الجماهيري، لاسيما بوحدة الهدف وعدم تجزئة المطالب، فقد التقت الأحزاب والقوى السياسية والمدنية حتى الآن على أهداف مشتركة، على الرغم من تباين وجهات نظرها وبذلك فوتت الفرصة على السلطة  لإستعداء بعضها ضد بعضها الآخر.
وقبل كل ذلك فقد كشفت أحداث تونس عن مدى استهتار "الأنظمة" بإنسانها المثقف، فالبوعزيزي وأمثاله الذين درسوا وحصلوا على الشهادات الجامعية، لم تتاح لهم فرصة العمل في أي مكان، بينما القوى الحاكمة وأقاربها وذيولها يرتعون بالمناصب والمراكز ويكدّسون الأموال سواءً حصلوا على الشهادات أم لم يحصلوا عليها؟

356
حقوق الانسان في الوطن العربي:
المنظمة العربية لحقوق الانسان في تقريرها السنوي: رصد وتدقيق ومراجعة

عبد الحسين شعبان
أكاديمي وحقوقي عربي من العراق

إعتادت المنظمة العربية لحقوق الانسان إصدار تقريرها السنوي في صيف كل عام منذ أواسط الثمانينيات، وقد صدر تقرير العام 2009-2010 بالعنوان المألوف ذاته وهو " حقوق الانسان في الوطن العربي"، ومن إعداد الباحث والخبير في ميدان حقوق الانسان وأمين عام المنظمة الحالي محسن عوض وبمشاركة نخبة من الباحثين الشباب، بينهم علاء شلبي وآخرين، ولعل تقارير المنظمة إغتنت على مدى ربع القرن الماضي بخبرات مهنية واتسمت بلغة حقوقية، بحيث أصبحت مرجعاً مهماً لرصد حالة حقوق الانسان في الوطن العربي، وزاداً لا يمكن الاستغناء عنه للباحثين والدارسين في هذا المجال، وهو أحد انجازات الحركة العربية لحقوق الانسان.
ولعل ما زاد التقرير أهمية هو أنه يصدر من مركز مرموق ومحكّم ومعتمد أكاديمياً، وهو مركز دراسات الوحدة العربية، الذي كان سبّاقاً في تنظيم ندوات وحلقات دراسية- أكاديمية ، حول قضايا الديمقراطية والتنمية والحداثة والمجتمع المدني وحقوق الانسان، وقد رفد المكتبة العربية بنحو ألف مؤلف وكتاب مرجعي طيلة العقود الثلاثة ونيّف الماضية، وهو الأمر الذي يضفي على التقرير صدقية ومكانة علمية.
تضمن التقرير ثلاث أقسام، حيث كان القسم الأول كمقدمة تحليلية لأوضاع حقوق الانسان، أما القسم الثاني فتناول حالة حقوق الانسان في 21 بلداً عربياً، وشمل القسم الثالث التحدّيات التنموية والبيئية وأثرها في إعمال الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وإضافة الى التقديم (التمهيد) الذي كتبه الأمين العام، فقد شمل التقرير ملحقين مهمين: الأول خاص بمواقف البلدان العربية من توقيع وتصديق المواثيق الدولية لحقوق الانسان. أما الثاني فقد عكس مواقف البلدان العربية من توقيع اتفاقيات منظمة العمل الدولية الرئيسة والتصديق عليها، وهو إضافة جديدة ومهمة لتوثيق مواقف الدول العربية. واحتوى التقرير المنشور على فهرسة جديدة من إعداد مركز دراسات الوحدة العربية، الأمر الذي يضفي عليه قيمة بحثية وأكاديمية أيضاً.
وبدأ تقديم الأمين العام بعرض سريع للخيارات والمسارات الخاصة بأوضاع البلدان العربية فيما يتعلق بالتطورات السياسية والقانونية والتحدّيات الخارجية والداخلية، إضافة الى قضايا الاصلاح والديمقراطية والتحديات التنموية والبيئية، ولعل أهم استنتاجاته الأساسية هي أن الانجازات التي تحققت بين تقريرين كانت  قليلة، الأمر الذي دعاه الى مطالبة الحكومات بسماع صوت الرأي العام وإعادة النظر بتقييم دورها وتعزيز ثقتها بنفسها.
المفارقة المهمة التي يبدأ التقرير بذكرها تتعلق بمسارعة البلدان العربية  للانضمام الى الاتفاقيات الدولية والاقليمية الخاصة بمكافحة الارهاب وغسيل الأموال على مدار العقد الأخير، في حين إتّسمت حركتها بالبطء في الانضمام الى المواثيق الدولية لحقوق الانسان، بل أنها شهدت عزوفاً أحياناً عن الانضمام الى الاتفاقيات الأساسية، المطروحة منذ سنوات طويلة، وحتى لو انضّمت فإن خطواتها تمتاز بالحذر المشفوع عادة بالعديد من التحفّظات، الأمر الذي يؤدي الى التملل من الالتزامات التي تعرضها هذه الاتفاقيات أو تؤدي الى إفراغها من محتواها.
وباستثناء مثالين فإن البلدان العربية أدارت ظهرها أو لم تتعامل بجدية مع الاتفاقيات الدولية الأساسية. المثالان الايجابيان هما الاول- الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل التي انضمت اليها جميع الدول العربية باستثناء الصومال. ومن الجدير بالذكر التنويه الى أن الولايات المتحدة هي الاخرى ما تزال ترفض الانضمام الى هذه الاتفاقية المهمة على الرغم من تشدّقها بالدفاع عن حقوق الانسان، لاسيما على صعيد علاقاتها الخارجية، والثاني هو الاتفاقية الدولية للقضاء على أشكال التمييز العنصري.
وحتى الآن ما تزال 4 بلدان عربية (هي دولة الامارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية وعُمان وقطر) تعزف على الانضمام الى العهدين الدوليين الخاصين بالحقوق السياسية والمدنية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ويستمر 16 بلداً عربياً بعيداً عن الانضمام الى البروتوكول الاختياري الاول الملحق بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية و19 بلداً من الانضمام الى البروتوكول الاختياري الثاني الملحق بالعهد الدولي ذاته، وأعرضت جميع البلدان العربية من الانضمام الى البروتوكول الاختياري الملحق بالعهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. والأمر يبدو أكثر وضوحا إزاء الاتفاقية الدولية لحماية العمال المهاجرين وأسرهم، حيث تمتنع 14 دولة عربية من الانضمام اليها.
وبخصوص الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، فإن الصومال لم تنضم اليها، وكذلك ما تزال السودان تمتنع عن الانضمام اليها وتستمر تحفظات الكثير من البلدان العربية الموقعة عليها في التحلل من التزاماتها والتي تتعلق بجوهر الاتفاقية ومبادئ المساواة. وما تزال 7 بلدان عربية تتحفظ على الاتفاقية الدولية لمناهضة التعذيب، وعلى الرغم من أن الانضمام العربي الى الاتفاقية (الثامنة) الخاصة بحقوق الاشخاص ذوي الاعاقات كان إيجابياً الاّ أن الكثير من القوانين والتشريعات بحاجة الى إصدار، وقد أبرمت هذه الاتفاقية العام 2006 ودخلت حيز التنفيذ العام 2008، حيث انضم اليها 13 بلداً وصادق على البروتوكول الاختياري الملحق بها 6 بلدان عربية.
لكن المفارقة الأعظم تتبدى عند الحديث عن الميثاق العربي لحقوق الانسان الذي أقرّ في العام 1994 بعد أن ظل ينام ويستيقظ منذ العام 1971 حين شكلت  لجنة لإعداده. ولم يحظَ بتصديق أي بلد عربي بما فيها البلدان التي ساهم مندوبوها بإعداده، وعلى الرغم من تجميده فعلياً طيلة 10 سنوات الاّ أن ضغوطاً من المجتمع المدني العربي والدولي، فضلاً عن محاولات بعض الحكومات للتساوق مع التطور الدولي، ساهمت في إعادة النظر باستحقاقه وساهمت لجنة خبراء باعداده الى أن أقرّ العام 2004 في مؤتمر قمة تونس، ثم دخل حيز التنفيذ في 15 آذار (مارس) 2008، لكن الميثاق ما يزال معوّماً من الناحية الفعلية بسبب عقبات بيروقراطية واعتراضات وتحفظات غير جوهرية، في الوقت الذي كانت العديد من الدول المتحفّظة قد وقعت على مواثيق دولية أكثر تحديداً ووضوحاً للحقوق.
وإذا كانت هذه خلاصات أساسية للتقرير، فتقارير البلدان تناولت بالتفاصيل الملامح الاساسية لحالة حقوق الانسان في البلدان العربية، لاسيما من خلال المراجعة الدورية الشاملة، وبخاصة في مجلس حقوق الانسان وشملت 3 دول أساسية بالتوصيات هي مصر وقطر والعراق، فيما يتعلق بالتشريعات الوطنية، إضافة الى الحقوق المدنية والسياسية بما فيها حق الحياة والحق بالحرية والأمان الشخصي والحق في المحاكمة العادلة ومعاملة السجناء وغيرهم من المحتجزين، إضافة الى الحريات العامة مثل حرية التعبير والرأي وحق التنظيم الحزبي والنقابي وتأسيس الجمعيات والحق في التجمع السلمي والحق في المشاركة.
وناقش التقرير مناطق الاحتلالات والنزاعات المسلحة فتوقف عند القضية الفلسطينية وتداعيات العدوان الاسرائيلي الشامل على غزة أواخر العام 2008 ومطلع العام 2009 وحصارها المستمر منذ 3 سنوات ومحاولات اسرائيل تهويد القدس وسعيها للتطهير العرقي في الضفة الغربية وغيرها.
وبخصوص العراق فقد أشار التقرير انه رغم الاتفاقية الامنية العراقية- الامريكية فإن ذلك لم يمنع القوات الامريكية من شنّ عمليات عسكرية منفردة على الساحة العراقية وسقوط العديد من المدنيين، وفي كل الأحوال ظلّت القرارات المحورية رهناً بالقوات المحتلة. وأشار التقرير الى ملف المعتقلين، وهو الملف الأكثر دسامة، لاسيما بعد بدء انسحاب القوات الامريكية من العراق في 31 آب (أغسطس) وهو انسحاب المرحلة الأولى، الذي من المفترض أن يكتمل حتى نهاية العام 2011 حسب ما جاء بالاتفاقية، ووفقاً لوعود الرئيس أوباما، الاّ أن هذا الملف أخذ يثير قلقاً دولياً كبيراً، خصوصاً بوجود نحو 30 الف معتقلاً وهو ما دعا منظمة العفو الدولية الى إصدار تقرير جديد (مطلع ايلول/ سبتمبر 2010) خصصته لقضايا المعتقلين والمعاملة القاسية التي يتعرضون لها، على الرغم من نفي الحكومة العراقية والقوات الامريكية، ما يتعرّض له المعتقلون، وهي ملاحظة تشترك فيها مع الحكومات السابقة، مثلما هي القاسم المشترك للحكومات العربية عموماً التي تنفي في العادة تعرّض المعتقلين للتعذيب، فضلاً عن تشكيكها بتقارير المنظمات الدولية، ومنها تقارير المنظمة العربية لحقوق الانسان، لكنها في الوقت نفسه تمتنع عن كشف سجلها الخاص بحقوق الانسان.
وتوقف التقرير عند بعض العلامات الفارقة في التطور السياسي في السودان والصومال واليمن، وبخصوص السودان تناول الانتخابات البرلمانية التي هي الأولى بعد انتخابات العام 1986 والتداعيات والانتهاكات التي رافقتها، كما ناقش موضوع الاستفتاء بخصوص الجنوب، على الوحدة أو الانفصال والوساطات بشأن دارفور وموضوع المحكمة الجنائية الدولية واتهام الرئيس السوداني.
أما حول الصومال فقد تابع التقرير المسار العنف الدموي منذ العام 1989 بشكله القبلي، لاسيما بعد تقويض الدستور والقانون والاخلال بوحدة الصومال، وكذلك بعد الحرب الدولية على الارهاب منذ العام 2001 التي عمقت التدخل الاجنبي، ثم ظاهرة القرصنة التي نشطت منذ العام 2006، والتي أضافت بعداً دولياً جديداً للنزاع الداخلي والدولي، لاسيما ما له علاقة بالملاحة الدولية، الأمر الذي استدعى مجلس الأمن لإصدار قرار في نيسان (ابريل) 2010 حول سبل مكافحة القرصنة.
وحول اليمن تابع التقرير انزلاق الاوضاع في اليمن الى مستوى خطير، خصوصاً الصدامات العسكرية بين الحكومة من جهة والمتمردين الحوثيين من جهة أخرى، ومنذ آب (أغسطس) 2009 شهدت البلاد ما أطلق عليه الحرب السادسة وهي جولة من المعارك المستمرة منذ سنوات، وقد أخذت هذه الجولة تداخلاً حدودياً اقليمياً سعودياً. كما نشط الحراك الجنوبي في محافظات الجنوب، بسبب أوضاع التهميش والتجاهل منذ أحداث صيف 1994 المأسوية، علماً بأن مطالب الحراك الجنوبي حقوقية وتتعلق بمبادئ المساواة والمواطنة. ولعل هذا الأمر تداخل مع نشاطات تنظيمات القاعدة وأعمال الارهاب وغيرها، الأمر الذي استغلته الاوساط الرسمية اليمنية.
-2-
إن أوضاع البلدان المعروضة في تقارير قطرية، إضافة الى الخلاصة التحليلية كمقدمة تعكس تأثيراتها على حال حقوق الانسان سواءً العدوان والاحتلال والتداخل الخارجي من جهة، ومن جهة ثانية النزاعات والاحترابات الأهلية وسيادة أشكال مختلفة من العنف والارهاب، فضلاً عن التجاوز الحكومي على حقوق الانسان، الأمر الذي أثّر على التحديات التنموية والبيئية، لاسيما على الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وهذه تتجلى باستمرار من خلال تداعيات الأزمةالاقتصادية والمالية الكونية وانعكاساتها على البلدان العربية، وقد تجلّت بأزمة دبي وتعززت بالمخاوف من تفاقم النزاعات حول مصادر المياه، لاسيما بعد أزمة المفاوضات بين دول المنبع والمصب في حول نهر النيل، وارتفاع حجم الفجوة الغذائية في الوطن العربي ولم تظهر ارادة سياسية لترجمة قرارات قمة الكويت الاقتصادية العربية، وظل الاحتلال عائقاً أمام توفير فرص التنمية في العراق وفلسطين، ولم يستطع العراق الخروج من شرنقة الفصل السابع وما زال تحت الوصاية الاقتصادية والتعويضات، ويستمر الحصار على غزة وفشلت جهود إعادة الاعمار بسبب الحصار الاسرائيلي وبقيت الأرض الفلسطينية نهباً لمشاريع الاستيطان والمصادرة.
ولعل هذه العوامل ساهمت في عدم إعمال الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي شهدت تراجعاً كبيراً، فمن جهة تحت وطأة اقتصاد منفتح لدرجة الانفلات، فضلاً عن خلل في البنية السياسية والاجتماعية، إضافة الى مظاهر الفساد المالي والاداري والسياسي، لاسيما بالممارسات السلبية والانتهاكات المستمرة من جانب الحكومات!.
وأشار التقرير الى المواقع المتدنّية لمؤشرات الشفافية العالمية في البلدان العربية، حيث تستأثر ثلاث بلدان منها هي الأكثر فساداً في العالم، واستمر الميل العام نحو تضييق منافذ محاربة الفساد بدلاً من إتاحة الشفافية، لا من حيث التشريع ولا من حيث الاجراءات العملية، وحتى النموذج الاردني وهو المثال الوحيد، فقد ظلت القيود على حرية تناول المعلومات كثيرة، وتتسم نظم النزاهة في مصر والاردن ولبنان وفلسطين بالضعف العام وفيها ثغر كبيرة.
أما العراق فيعدّ واحداً من البلدان العربية القليلة المؤهلة التي كانت يمكنها بمواردها الطبيعية والبشرية الانتقال من مصاف البلدان النامية الى مصاف البلدان المتقدمة، لكن الحصار والاحتلال، وكان يفترض القول والحروب والمغامرات العسكرية والسياسات الخاطئة قادتها الى المربع الأول، وتعاني شرائح واسعة من السكان من انخفاض مستوى المعيشة، بل تعيش دون خط الفقر، مع تراجع مصادر المياه النظيفة وتعاني الخدمات الصحية والتعليمية من نقص حاد، حيث انخفض معدل عمر الفرد من 65 الى 58 عام (قبل ثلاث عقود) وزادت وفيات الأطفال وظهرت أمراض جديدة وقديمة في العراق.
لقد أضاء تقرير المنظمة فجوة الغذاء في الوطن العربي في إطار تداعيات أزمة الغذاء الكونية منذ العام 2008، وأبدى أسفه من استفحال ظاهرة الاعتماد على الخارج لاستيراد الغذاء. وبخصوص البيئة فقد أكد التقرير أن على البلدان العربية أن  لا تتوان في تنظيم جهودها للحفاظ على بيئة نظيفة، على الرغم من فشل مؤتمر قمة كوبنهاغن حول معالجة مسألة الاحتباس الحراري بسبب مواقف الدول الكبرى ومصالحها الانانية الضيقة.
وعرض تقارير كل من الأردن ودولة الامارات والبحرين وتونس والجزائر وجيبوتي والمملكة العربية السعودية والسودان وسوريا والصومال والعراق وسلطنة عمان وفلسطين وقطر والكويت ولبنان وليبيا ومصر والمغرب وموريتانيا واليمن، ولم يذكر شيئاً عن جزر القمر، الأمر الذي يتطلب أن يسجل التقرير هذا البلد العربي ضمن دائرة تحرّكه، لاسيما وهو جزء من جامعة الدول العربية، وحّبذا لو تمكنّت المنظمة من إرسال وفد الى جزر القمر لدراسة أحوالها من زاوية حقوق الانسان وتقديم دراسة مكثفة عنها لاغناء القارئ العربي، ويمكن أن يساهم مركز دراسات الوحدة العربية بإنجاز هذا المقترح، الذي يمكنه أن يساعد في تعزيز وتعميق علاقة جزر القمر بالوطن العربي.
وإذا كان لي أن أتناول أوضاع حقوق الانسان في الوطن العربي وتقرير المنظمة للعام 2009-2010 فبودي أن أشير الى أن الحديث عن قضايا حقوق الانسان وبخاصة في الوطن العربي، هو حديث ذو شجون، فحتى وقت قريب لم يكن هناك حركة عربية معنية بالدفاع عن حقوق الانسان من زاوية مهنية وحقوقية، رغم التطور العالمي في هذا الميدان والذي توّج بصدور الاعلان العالمي لحقوق الانسان العام 1948 والعهدين الدوليين بخصوص الحقوق المدنية والسياسية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية عن الامم المتحدة العام 1966 ودخولهما حيّز التنفيذ في العام 1976 وصدور ما يقارب 100 اتفاقية دولية تشمل قضايا حقوق الانسان المختلفة، لعلّ أهمها الاتفاقية الدولية لمناهضة التعذيب والاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري والاتفاقية الدولية حول المعاقبة على جرائم الفصل العنصري والاتفاقية الدولية حول القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة والاتفاقية الدولية بشأن الحقوق السياسية للمرأة واتفاقية حقوق الطفل والاتفاقية الدولية والبروتوكول الملحق بها بخصوص وضع اللاجئين وغيرها.
واذا كان التنظيم الدولي بشأن حقوق الانسان قد بدأ بتاسيس منظمات وهيئات برزت في بدايات القرن العشرين، حيث تأسست الفيدرالية الدولية FIDH التي تضم الآن نحو 155 منظمة حقوقية من أكثر من 115 بلداً في العام 1922، وتأسست أكبر وأهم منظمة دولية حقوقية وهي منظمة العفو الدولية العام 1961 Amnesty International Organization ثم تبعتها منظمات أخرى مثل منظمة مراقبة حقوق الانسان Human Rights Watch  ومنظمة المادة 19 Article ninteen، فإن هذا التنظيم تأخّر كثيراً في وطننا العربي، سواءً على الصعيد الحكومي أو على الصعيد الشعبي أو اللاحكومي، ولم تهتم القوى والفاعليّات السياسية والحزبية بقضايا حقوق الانسان ومؤسسات المجتمع المدني، الاّ من زاويتها السياسية الضيّقة أحياناً، فالحكومات ظلّت تتجاهل الحديث عن انتهاكات حقوق الانسان، وحتى جامعة الدول العربية،التي تأسست في 22 آذار (مارس) عام 1945 قبل قيام الامم المتحدة بأشهر، لم تدرج في جدول أعمالها موضوع حقوق الانسان الاّ في سنوات متأخّرة، وظل ميثاقها يفتقر الى أية إشارة لحقوق الانسان، وكما أشرنا فقد استغرقت فكرة اعداد ميثاق عربي لحقوق الانسان 23 عاماً.
وقد  أحيل الميثاق كما أشرنا بعد مطالبات عديدة الى لجنة خبراء وأقرته جامعة الدول العربية في العام 2004 بعد تعديلات وتحسينات كثيرة، شارك فيها بعض الخبراء العرب، ويعتبر هذا الميثاق خطوة مهمة ومتقدمة في اطار حركة حقوق الانسان، لكنها لا ترتقي الى السقف الدولي والمعايير الدولية، والمهم الآن هو دفع البلدان العربية للتوقيع والمصادقة على الميثاق الذي دخل حيّز التنفيذ.
-3-
وكان ميلاد المنظمة العربية لحقوق الانسان، عام 1983 قد شهد أول تحرّك شعبي (غير حكومي) إتخّذ منحى عربياً وليس قطرياً، لكنه من جهة أخرى استنفر أوساطاً غير قليلة حكومية وغير حكومية، لاسيما من الجماعات المحافظة والمتشددة، الدينية وغيرها، التي سارعت لتطويقه ومحاصرته، مما حدى بنخبة المثقفين التي بادرت لتأسيس المشروع وفي المقدمة منهم المرحوم فتحي رضوان وأديب الجادر وعبد الرحمن اليوسفي والدكتور منذر عينبتاوي ومحمد فائق والدكتور خير الدين حسيب والمرحوم الدكتور أحمد صدقي الدجاني ومنصور الكيخيا، وآخرين الى عقد الاجتماع الاول في ليماسول (قبرص) بعد أن رفضت البلدان العربية جميعها الترخيص بعقده.
وقد عقدت المنظمة 7 دورات (مؤتمرات ) للجمعية العمومية في الخرطوم (1987) وفي تونس (1990) وفي القاهرة (1993) وفي الرباط في حزيران (يونيو) (1997) وفي القاهرة (مؤتمرات خلال العشرية الاولى من الألفية الثالثة). وقد ظلت عقبات جدّية تواجه الاعتراف القانوني (De Jure) الكامل بها، في حين كان  الاعتراف الواقعي (De Facto) حاصلاً، الى أن  تم التوقيع على اتفاقية مقر مع وزارة الخارجية المصرية العام 2000، وبذلك أصبح التعامل مع المنظمة يتم على نحو قانوني باعتبارها منظمة اقليمية دولية.

لقد ساهمت المنظمة في تشجيع قيام منظمات قطرية وفي نشر الوعي الحقوقي الذي يساهم التقرير السنوي وحالة الرصد في تعميمه، لكن الكثير من المفاهيم ما زالت تسبح في مياه حركة حقوق الانسان العربية وتحلّق في فضاءاتها، بين ما هو مهني وحقوقي من جهة وبين ما هو سياسي ومصلحي من جهة أخرى، وتضاريس حقوق الانسان على الخارطة الواقعية ما زالت وعرة وغير سالكة نظرياً أو من خلال الممارسة، وهي تستوجب التدقيق في منطلقاتها وأهدافها وهو بحاجة الى إعمال الفكر وإمعان النظر في زواياها المختلفة، فالغذاء وفرص العمل والخدمات الصحية والتعليم والضمانات الاجتماعية لدى المواطنين هي الشغل الشاغل في حين تركّز النخبة على قضايا مثل حرية التعبير وإغلاق صحيفة أو تغييب مفكّر أو سجناء رأي أو إعلان حالة الطوارئ أو إستمرار الاحكام العرفية، ولذلك فالنظر الى حقوق الانسان والوعي بأهميتها والاحساس بها يختلف من رجل الشارع العادي الى أحد أفراد النخبة، وهو يختلف من وجهة نظر الحكومة الى وجهة نظر المعارضات السياسية، وهي تختلف من قيادة هذا الحزب الى قاعدته، الأمر الذي بحاجة الى توازن في التعامل معه واعطائه القدر الكافي من التناسب، وهو ما حاول التقرير الأخير للمنظمة الوقوف عنده على نحو صحيح، خصوصاً فيما يتعلق بالحقوق الجماعية، لاسيما ما يخص حق تقرير المصير، إضافة الى الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
لقد تطورت حركة حقوق الانسان ولم يعدّ الدعاة بضع عشرات كما كانوا حتى وقت قريب، فقد شهدت أعوام نهاية الثمانينيات وما تبعها انعطافاً مهماً، وينشط اليوم عشرات الآلاف في العديد من البلدان العربية وخارجها للدفاع عن قضايا حقوق الانسان بعيداً عن الحكومات من جهة، وبعيداً عن المعارضات السياسية من جهة أخرى، وان كانوا يشتركون مع الاخيرة بالدعوة الى احترام حقوق الانسان واطلاق الحريات ومنع التعذيب وغير ذلك، الاّ انهم يختلفون عنها في الاساليب والأهداف، فمنظمات حقوق الانسان لا تستهدف الوصول الى السلطة ولا تشجّع على القيام بأعمال عنفية وليس لديها ميليشيات مسلحة أو تنظيمات سرية. انها تسعى كلّما كان ذلك ممكناً ومتاحاً ولو بحدّه الادنى لرصد الانتهاكات وإعداد التقارير ومناشدة الحكومات ونشر الوعي الحقوقي وقيم الحوار والتسامح والتعايش وسماع الرأي الآخر واحترام حقوق الاقليّات وغيرها.
وعلى الرغم من ان الحركة العربية لحقوق الانسان حاولت ان تميّز نفسها الاّ ان الحكومات والكثير من الجهات والجماعات السياسية والدينية المتنفذة تعتبر أن مجرّد الحديث عن حقوق الانسان، انما هو " إبتداع غربي " و"إختراع مشبوه" لتحقيق مآرب سياسية، وللاسف الشديد ينسى هؤلاء أو يتناسون ان مفاهيم حقوق الانسان التي تعمقت على مرّ العصور هي نتاج تطوّر الفكر البشري، الذي لا يقتصر على قارّة أو أمة أو شعب أو جماعة، بل هي مزيج التفاعل الحضاري للمفاهيم الانسانية عبر التاريخ، وقد بشّر الاسلام ببعض المفاهيم الخاصة بحقوق الانسان التي كانت مفاهيم متقدمة في حين كانت اوروبا تغرق في الظلام وعهد الاقطاع.
-4-
ان بعض الحكومات تتظاهر على النطاق الدولي بالالتزام بالمعايير الدولية لحقوق الانسان وتوّقع وتصدق على الاتفاقيات والمعاهدات الدولية وذلك بهدف صرف الانظار فعلياً عن حقوق الانسان على المستوى الداخلي ولغرض الاستهلاك المحلي وتجميل الصورة، خصوصاً وان التوقيع على الاتفاقيات الدولية لا يلزمها بمواءمة تشريعاتها الوطنية مع العهود والمواثيق الدولية، أو أنها تمهل نفسها أطول فترة لتسويف هذه القضية والالتفاف عليها. وقد تجسّد هذا الامر على نحو اكثر إلحاحاً في التسعينيات وما بعدها وفي ظل النظام الدولي الجديد، واتساع المطالبة باحترام حقوق الانسان واضطرار بعض البلدان الى مسايرة الموجة العالمية بهذا الخصوص.
وتواجه الحركة العربية لحقوق الانسان ثلاث تحديات رئيسية: التحدي الاول محاولة بعض الحكومات تدجينها أو إحتوائها أو تبهيت لونها وذلك عبر تطويعها أو التأثير على بعض قياداتها، وبالمقابل، وفي الوقت نفسه، فإن بعض مصادر التمويل الدولية، تحاول هي الاخرى جرّ بعض المنظمات الى أجندتها، بعيداً عن الأجندة الوطنية والقومية، بما يؤثر على استقلاليتها وقد نجح هذا التوجه الى حدود غير قليلة، لدرجة أن منظمات عديدة غيّرت من أجندتها، وهو أمر بحاجة الى وقفة للدراسة والتقييم.
والتحدي الثاني هو السعي الى دفعها نحو التسييس لكي تكون واجهة سياسية ضيّقة لهذه الجهة أو تلك أو لهذا الحزب أو التيار أو ذاك أو هذه الجماعة الدينية أو المذهبية أو تلك، كما إن بعض المعارضات تحاول توظيفها بالإتجاه الذي يخدم أهدافها السياسية، ولعلها لا تدرك خطورة هذا النهج حتى وإنْ شكّل كسباً سياسياً آنياً لها الاّ انه يجعلها تفقد صدقيّتها، ويعطّل دورها لكي تكون مرجعية ذات حيدة ونزاهة، يمكن التعامل معها تدريجياً باعتبارها مرجعيّات حقوقية لا علاقة لها بالمعارضات والتيّارات السياسية والدينية، وان هدفها هو الدفاع عن قضايا حقوق الانسان ضدّ أي انتهاكات تحصل سواءً من جانب الحكومات أو من جانب بعض الحركات المسلّحة، التي تعتمد على العنف كأساس في تعاملها لتحقيق أهدافها السياسية وفي ظلّ غياب الحريات وانعدام فرص الحوار وسماع الرأي الآخر.
اما التحدي الثالث الذي يواجه حركة حقوق الانسان فهو تشكيل الحكومات أو بعض الحركات السياسية والدينية لهياكل منظمات بإسم حقوق الانسان تكون تابعة لها، ولعل مثل هذه التشكيلات سيكون هدفها التشويش على حركة حقوق الانسان الحقيقية وخلط الاوراق، وفي هذا المضمار تبرز بعض المحاولات لإغراء بعض العاملين في ميدان حقوق الانسان، وممن يحتلون بعض المواقع لكي يبرّروا أو يخففوا النهج المناوئ لحقوق الانسان الذي تقوم به الحكومات أو الجماعات السياسية، التي تحاول التأثير على حركة حقوق الانسان.
والأمر يختلف عن اجراءات تشكيل بعض الحكومات وزارات لحقوق الانسان أو مجالس وطنية أو هيئات قومية، وذلك في اطار اعتراف من جانب الحكومات وفي ظل التطور الدولي، بضرورة احترام حقوق الانسان، وضبط حركتها وبالتالي يمكن لهذه المجالس والوزارات والهيئات اعتماد برامج للتربية ورصد الانتهاكات وتقديم مقترحات ومعالجات، فيما يتعلق بالحقوق والحريات ومشاريع القوانين، بحيث تتحول حركة حقوق الانسان الى قوة اقتراح وليس قوة احتجاج حسب، وتكون شريكاً للحكومات فيما يتعلق برصد التجاوزات والانتهاكات وتنبيه الجهات الرسمية عليها والسعي للدفاع عن الفئات والجماعات والافراد (المتضررون)، وكذلك لنشر ثقافة حقوق الانسان.
وبقدر حفاظ الحركة العربية لحقوق الانسان على هويتها المستقلة وعلى وضع مسافة مناسبة بينها وبين الجهات المتصارعة وعدم خضوعها للضغوط من أيّ كان: حكومات أو جهات سياسية أو دينية تستطيع أن تقدّم خدمة لقضايا حقوق الانسان.
يمكن لحركة حقوق الانسان أن تضطلع وتنشط في ادارة حوار فكري معرفي بين التيارات المختلفة تحت راية حقوق الانسان. وأعتقد ان جميع الاطراف يمكن ان تلتقي وتتحاور عند نقطة حقوق الانسان، إذْ لا أحد يستطيع اليوم أن يدّعي معارضته لجوهر الفكرة ومضامينها، فبواسطتها أصبح يُقاس تقدم أية دولة أو أمة أو شعب أو جماعة سياسية.
ورغم وجود خلافات حول محتوى وجوهر حقوق الانسان من حيث عالميتها ومحليتها، خصوصيتها القومية والثقافية وشموليتها، بمعنى المعايير التي يمكن اعتمادها، الاّ أن الحوار سيكون مفيداً بهذا الميدان أيضاً. وأعتقد أن الحوار هو السبيل الوحيد لانضاج مواقف تحمي جميع التيارات بإقرار تعايشها وبالاقرار بالتعددية وتنوع الاتجاهات وبحق الجميع بالعمل والدعوة لأفكاره، وفي حق الجميع بالانتقال السلمي الى مواقع الحكم ومغادرة هذه المواقع بصورة سلميّة بحيث يكون صندوق الاقتراع هو الفصل في شرعية اي حكم. وهنا لا بد لحركة حقوق الانسان من التنّزه عن الانخراط في الصراع الآيديولوجي او السياسي أو الانحياز الى هذا الفريق او ذاك.
وإذا كانت المنظمة قد نجحت في اصدار تقرير سنوي مرموق ومعتمد، اعتبر مرجعاً دولياً مهماً لقضايا حقوق الانسان في الوطن العربي منذ عقدين ونيّف من الزمان، وتمّكنت من الاحتفاظ بطابعها المستقل وعدم "اضطرارها" كما يحصل مع بعض الجهات الحقوقية الاخرى، اللجوء الى الممولين الدوليين، والاستجابة لشروطهم وضغوطهم أحياناً، وحققت المنظمة " توازناً" نسبياًً بين الحكومات والمعارضات، بحيث نأت بنفسها عن الصراع السياسي والآيديولوجي، وتجاوزت بعض المحن والمطبّات: منها عند قصف حلبجة بالسلاح الكيماوي، وبعد ذلك غزو القوات العراقية للكويت 1990 وما رافقها، ومن ثم اتفاقيات أوسلو عام 1993 وما ترّتب عليها، ومن ثم اختفاء وزير خارجية ليبيا الأسبق منصور الكيخيا في القاهرة 1993(عضو مجلس أمناء المنظمة)، فإنها بحاجة الى أن تتحول الى مرجعية فكرية وحقوقية، الأمر الذي ينبغي التمييز بين النشاط الحقوقي وبين الفكر الحقوقي، وأظن أن الحركة العربية لحقوق الانسان بقدر حاجتها الى النشاط الأول فهي بحاجة ماسة الى الجهد الفكري، يمكن أن يقوم به متخصصون ومعنيون بصناعة الأفكار وتوليدها، ويمكن أن تساهم فيه المنظمة، كوعاء مناسب.
والمنظمة بحاجة الى دراسة الظواهر الجديدة والتطورات العالمية، لتقديم إجابات للاسئلة الشائكة والمعقدة، خصوصاً في ظل ضعف الثقافة الديمقراطية والنقص الفادح والشديد في الوعي الحقوقي، وهذه كلها تستوجب البحث في أساليب عمل جديدة  وغير تقليدية وبخاصة في الحصول على تمويل مناسب ومستقر ودون أية شروط. كما أنها بحاجة الى مبادرات حيوية وجمع شمل أوسع قدر من الحقوقيين والمثقفين. وإذا كان إداء المنظمة عموماً ذات طابع احتجاجي، فإن الأمر ينبغي ان يتحوّل الى قوة إقتراح وقوة اشتراك، بعد أكثر من ربع قرن من الزمان على وجودها .
ولا بدّ من إيلاء اهتمام أكبر بقضايا الاقليات القومية والدينية (التنوّع الثقافي) وقضايا المرأة والفئات المهمشة أو ذوي الاحتجاجات الخاصة وحقوق الطفولة وقضايا الهجرة واللاجئين والتمييز العنصري والقضايا التي تشكل جوهر حركة الحداثة والتجديد على المستوى العالمي، إضافة الى قضايا السلام والتنمية والبيئة والإستفادة من الثورة العلمية التقنية، وهذا يستوجب عقد شراكات مع منظمات عالمية،فالمنظمة بحاجة الى تعزيز مواقعها في المنظمات الدولية وعلى النطاق العالمي، وإلى إعادة تأكيد حضورها باعتبارها المظلّة العربية لحركة حقوق الانسان.
ان وجود منظمة عربية جامعة لحقوق الانسان في الوطن العربي أمرٌ في غاية الاهمية وهو بحدّ ذاته حدث كبير على الرغم من الملاحظات الآنفة وبعض نقاط الضعف، التي سبق أن تناولناها في مناسبات سابقة، لأنه يمثّل شكلاً جديداً من أشكال العمل العربي المشترك على مستوى المجتمع المدني، خصوصاً وقد ضعفت المنظمات والاتحادات القومية، وأصبح بعضها من مخلّفات الماضي أو من بقايا عهد الحرب الباردة، على الرغم من استمرار وجوده الشكلي، لاسيما بارتفاع الموجة القطرية والانعزالية على نحو شديد، حد التقوقع!
تحية للمنظمة وتقديراً لتقريرها الرصين واعتزازاً بالمركز الذي عاد يمدّها برعايته وبنفحاته الاكاديمية، وهي أحوج ما تكون اليه في أزمتها الراهنة، ولفتة نظر جديدة للحكومات وللجماعات والجهات السياسية، بغض النظر عن انتماءاتها بتأكيد رسالة المنظمة ذات الطابع الانساني التي واجهت تحديات كبيرة في بداياتها وكادت رياح كثيرة أن تعصف بها أو تخلخل كيانها قبل أن يشتدّ عودها، بإدراك أهمية وجود منظمة مهنية وحقوقية مستقلة،  ليست ضد أحد، أو مع أحد، بل هي مع حقوق الانسان، أينما وكيفما وحيثما انتهكت أو ديست أو جرى التجاوز عليها أو عدم احترامها!





357
الأمن الغذائي .. الحق في الطعام!

عبد الحسين شعبان
هناك حكمة صحية قديمة تقول: قلْ لي ماذا تأكل أقول لك من أنت؟ فالأكل جزء من الثقافة لأي فرد، مثلما هو جزء من ثقافة أي شعب أو أي مجتمع بشري. وثقافة الأكل تشكّل جزءًا مهماً من الثقافة العامة، فالمأكل والمشرب والملبس والعادات والتقاليد والأفكار والفلسفات والجمال والدين تشكل منظومة متناسقة ومتجانسة من مكوّنات أي فرد أو أية أمة أو اجتماع إنساني.
الثقافة الغذائية هي انعكاس بهذا القدر أو ذاك للقدرات المادية والاقتصادية، فالمجتمعات الفقيرة والمُعدمة، سيكون غذاؤها بسيطاً، وقد لا يكفي من حيث سعراته الحرارية واحتوائه على المواد الضرورية والفيتامينات والخضراوات والفواكه واللحوم والألبان ومشتقاتها، بما يؤهلها للنمو السليم والصحة والسعادة. والمجتمعات الفقيرة تعاني اعتلالات صحية وأمراضا بعضها مزمن بما فيها أوبئة تحلّ بها بين الفينة والأخرى، فضلاً عن أمية ونقص في التعليم، ناهيكم عن ضعف الموارد وانعدام فرص العمل، في ظروف تخلف عامّة.
الحق في الغذاء والحق في الصحة هو من حقوق الإنسان الأساسية التي جاء على ذكرها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وفي العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية حين نصت المادة الحادية عشرة على: حق كل فرد في مستوى معيشي مناسب لنفسه ولعائلته، بما في ذلك الغذاء المناسب والملبس والمسكن، وكذلك تحسين أحواله المعيشية بصفة مستمرة، وحق كل فرد في أن يكون متحرراً من الجوع. كما أكّدت على التعاون الدولي واتخاذ الإجراءات اللازمة لتحسين وسائل الإنتاج وحفظ وتوزيع الأغذية والانتفاع الكلي من المعرفة الفنية والعملية وبنشر المعرفة بمبادئ التغذية وتنمية النظم الزراعية أو إصلاحها، من أجل تأمين توزيع عادل للمؤن الغذائية في العالم تبعاً للحاجة. كما أقرّ العهد الدولي في المادة الثانية عشرة حق كل فرد في التمتع بأعلى مستوى ممكن من الصحة البدنية والعقلية ارتباطاً مع الحق في الغذاء. ذلك أن الحصول على غذاء كاف ومؤمن في جميع الأوقات هو من مسؤولية الدول والمجتمعات أيضاً، وهو ما يمكن أن نطلق عليه الأمن الغذائي، على مستوى كل بلد أو على المستوى العالمي، ولا سيما أن عدد الجياع أخذ يتعاظم في العالم، ووصل إلى مستويات غير مسبوقة، حيث يبلغ الذين هم دون خط الفقر نحو مليار و200 مليون إنسان، وهم الذين لا تزيد دخولهم على دولار واحد في اليوم، وضعف هذا العدد، بل يزيد عليه من هو في خط الفقر، الأمر الذي يجعل نحو ثلثي سكان المعمورة في حالة من انعدام الأمن الغذائي.
إن هذا الوضع والتطورات المتسارعة التي شهدتها أسواق الغذاء العالمية، التي أدّت إلى ارتفاع حاد لأسعار المواد الغذائية، ناهيكم عن تراجع المخزونات الغذائية، والنقص المستمر في رقعة الأراضي الزراعية وانخفاض منتوجها وإنتاجيتها، فضلاً عن القيود المفروضة على حركة التجارة في المواد الغذائية الأساسية واستغلال بعض المحاصيل الزراعية في إنتاج الوقود الحيوي، جعل مشكلة الغذاء من أعظم المشكلات العالمية، وقد انعكست هذه المشكلة على المشكلات الأخرى السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والقانونية، بل الكيانية، على مستوى الفرد والدولة والمجتمع.
إن إشكالية الأمن الغذائي تتداخل وتتشابك مع الحق في التنمية، ولا سيما إذا استهدفت مكافحة الفقر والجوع، وهو ما نوّهت به بوضوح قمة روما والإعلان الصادر عنها، عام 1996، وهو ما ذهب إليه إعلان الرياض لتعزيز التعاون العربي لمواجهة أزمة الغذاء العالمية في عام 2008. وقد كان إعلان القمة العالمية بشأن الأمن الغذائي عام 2009 قد عزز التوجّه الدولي بشأن دراسة اتفاقية الغذاء العالمية ومشكلة الأمن الغذائي، وهو ما حاولت قمة الكويت العربية الاقتصادية ـــ مطلع عام 2009 ـــ أن تتبنّاه، وهو ما ترشّح من القرارات الصادرة عن منظمة المؤتمر الإسلامي حول الأمن الغذائي والتنمية الزراعية.
إن بعض الهيئات المتخصصة التابعة للأمم المتحدة مثل "فاو" (منظمة الأغذية والزراعة) ومنظمة الصحة العالمية وغيرهما، سعتا إلى التعاون والعمل المشترك الدولي والتنسيق على المستوى العالمي لمواجهة موضوع الأمن الغذائي ومشكلة الغذاء والصحة، وذلك لإدراكهما وإدراك الأمم المتحدة أن عدم حل مشكلة الأمن الغذائي على المستوى العالمي، يمكن أن يفاقم الوضع الاقتصادي والسياسي والاجتماعي، بل يهدد بكارثة حقيقية على المستوى الكوني.
ولعل مناسبة الحديث عن الأمن الغذائي هو مشروع إعلان أبو ظبي بشأن الأمن الغذائي الذي انعقد في إطار مجلس التعاون الخليجي في 23 تشرين الثاني (نوفمبر) 2010 بحضور وزراء دول المجلس ـــ المعنيين بقضايا الزراعة والتغذية ـــ وذلك لمواجهة التحدّيات المتعاظمة للأمن الغذائي، وتأكيد الالتزامات المشتركة لتوفير سلامة الغذاء والأمن الغذائي باعتبارهما ضرورة وقاعدة أساسية للحفاظ على صحة ورفاهية البشر ـــ مواطنين ومقيمين ـــ كما جاء في الإعلان. وأكّد الإعلان أهمية رسم سياسات وبرامج واتخاذ تدابير حديثة وفاعلة لتحسين سلامة الأغذية وجودتها، وتأمين صحة الحيوان والنبات لمواكبة النمو المطّرد في حركة التبادل التجاري، وذلك تساوقاً مع الجهود الدولية المبذولة على هذا الصعيد.
إن إجراءات من هذا القبيل تتطلب اتّباع سياسة تعاون على المستوى العربي والإقليمي والدولي، كما تفترض وجود تشريعات وضوابط قانونية والتزامات تقوم على أسس علمية ومعايير دولية، كي تتم زيادة الإنتاج الزراعي وتحسين نوعيته واستخدام تقنيات حديثة ومراعاة الاعتبارات البيئية واستخدام الموارد الطبيعية وصونها على نحو سليم.
كما يحتاج ذلك إلى تعاون بين القطاع العام والقطاع الخاص لتنمية القطاع الزراعي والصناعات الغذائية وتسويق المنتجات الزراعية من خلال توفير المناخ الاستثماري المشجع، وكذلك تشجيع قيام بنوك وطنية ومشتركة للبذور للاستفادة من الأصناف المتوافرة والجيّدة في تحقيق النهضة الزراعية، وإلى توزيع عمل خاص بدول المنطقة.
ولعل هذا سيكون ناقصاً دون نظم رقابة فاعلة على المستويات الداخلية: والعربي والإقليمي والدولي، وذلك في إطار عملية متكاملة ومتجانسة للرقابة والتفتيش الغذائي طبقاً للمعايير الدولية، وطبقا لاتفاقيات منظمة التجارة العالمية والمنظمات المتخصصة. وهذا يحتاج إلى تعزيز البنية التحتية التي تحترم الأمن الغذائي وتعزز السلامة الغذائية، بما فيها المختبرات والأجهزة اللازمة والحجر الزراعي والبيطري، فيما يتعلق بنظم الإنذار للأعلاف وسلامة الغذاء، طبقاً للمعايير الدولية لتبادل المعلومات والبيانات اللازمة عبر شبكة للسلطات الرقابية بالتعاون مع الأجهزة الأخرى.
وكي تنسجم هذه الرؤية للأمن الغذائي، لا بدّ من الاهتمام بتعزيز الدراسات والبحوث العلمية الخاصة بالزراعة والأغذية والصحة العامة والوقاية بشكل خاص، مع مراعاة قضايا المناخ والمتغيّرات على القطاع الزراعي، ولا سيما المياه ومصادرها بهدف وضع استراتيجيات وخطط وبرامج تثقيفية للتصدي لظاهرة الاستهلاك غير المستدام للمواد الغذائية.
ويمكن للمجتمع المدني أن يلعب دوراً متميّزاً على هذا الصعيد، حيث يشكل قوة اقتراح، فضلاً عن دوره في نشر الثقافة الغذائية والتوعية بأهمية الصحة والوسائل الحديثة للحفاظ عليها، وهذا يتطلب الاعتراف بدوره شريكاً للحكومات في اتخاذ القرار ومكملاً لجهودها على هذا الصعيد.
كما يتطلب ذلك التعاون مع المنظمات الأهلية والدولية ذات الصلة بالأمن الغذائي وتعزيز قدرات الأمم المتحدة في حماية وحفظ السلم والأمن الدوليين وتحقيق العدالة، خصوصاً أن الحروب فضلاً عن لا إنسانيتها، فإنها ستسهم في مزيد من معاناة السكان وإزهاق أرواحهم، فإنها ستعاظم من مشكلة الغذاء وتدفع أعداداً واسعة إلى الجوع والفقر والبطالة، لذلك فإن تأمين الأمن الغذائي هو حق أساس من حقوق الإنسان، استوجب على المجتمع الدولي، ولا سيما الأمم المتحدة تقديم المعونة اللازمة والضرورية والمساعدة في وضع الحلول والمعالجات، فضلاً عن دعم الحكومات والمجتمعات المحلية، ولا سيما من جانب بلدان الشمال الغنية إلى دول الجنوب الفقيرة.
وبفقدان الأمن الغذائي أو الانتقاص منه، فإن تأثيراته السياسية والاجتماعية ستكون وخيمة بما يتركه من بصمات قاسية على سلوك الأفراد والمجتمعات، ويسهم في تغذية العنف باعتباره أحد مسبباته الأساسية، كما يدفع أوساطاً مختلفة للانخراط في دائرة الإرهاب، طالما أنها لا تشعر بطمأنينة إزاء إمكانية تحقيق العدالة، حيث تشكل الجوع وانعدام الأمن الغذائي والتخلف عاملاً مهماً وأساسياً في اندفاعاتها لممارسة العنف والإرهاب.


358
بغداد قندهار: أيّ مقايضة؟

دعا “المرجع” الديني  الشيعي بشير نجفي وزير التعليم العالي علي الأديب إلى وضع حد “لثقافة الاختلاط والميوعة” في الجامعات والمعاهد العراقية . جاء ذلك عقب زيارة الوزير لرجل الدين في النجف بعد استيزاره بأيام . لم يكتفِ المرجع بذلك، بل أشار إلى وجود “أجندات خارجية تُريد النيل من طلبة الجامعات . . . لإبعادهم عن أجواء طلب العلم والتقدم” . الوزير أكّد للمرجع أن وزارته ستكون جادة لأخذ وصايا المرجعية النيّرة في الاعتبار .

لقد أخذت مثل هذه الدعوات  تروج وتتكرر في الفترة الأخيرة، فقبل أسابيع قليلة من هذه التصريحات التي استفزّت العديد من الأوساط الثقافية والأكاديمية ومؤسسات المجتمع المدني ودعاة الدولة المدنية، أقدم مجلس محافظة بغداد على شن “حملة” ضد النوادي الترفيهية والثقافية، ووصل به الأمر إلى إغلاق نادي اتحاد الأدباء والكتّاب، وذلك لمنع تناول المشروبات الروحية، الأمر الذي جرى ربطه بمحاربة الرذيلة .
لعل دعوة فصل الجنسين في الجامعات العراقية لا تنفصل عن الدعوات للتضييق على الحريات العامة والشخصية، وفي الأولى والثانية، حيث تلجأ السلطات إلى الهروب من مشكلات المواطنين، مثل قضايا الكهرباء والماء الصافي والفساد الاداري والمالي والرشى والعنف والإرهاب والبطالة وكواتم الصوت والمحاصصة التي عطّلت الدولة، فقد مضى نحو عشرة أشهر على الانتخابات أو ما يزيد عليها من دون أن تستكمل تأليف الوزارة، تلك الوزارة المتضخمة والمؤلفة مما يزيد على “أربعين” وزيراً والتي خفّضت مستوى مشاركة المرأة على نحو لافت، في حين تبنّى الدستور حصة “كوتة” هي ربع عدد المراكز القيادية للمرأة، وهو تمييز إيجابي يحتاج إليه المجتمع في ظروف العراق الراهنة .

لا أدري كيف استشعر رجل الدين المعني أو غيره أن حضور المرأة في الدراسة والعمل مجلبة للفساد وربّما للشر؟ فلم يسبق له أن درس في الجامعات ولم يحضر في مواقع عمل حيث تقوم المرأة بدورها المعروف على مدى تأسيس الدولة العراقية، الذي أخذ يتّسع ويزداد، لاسيما بعد ثورة 14 تموز (يوليو) العام 1958 حيث تحققت بعض المكتسبات لمصلحة النساء ولمصلحة مبادئ المساواة .

قد يتوهّم بعضهم أن الجو خلا له في ظل احتقان وشحن طائفيين وقانون انتخابات يفرز مثل هذه النتائج ودستور معطّل واستقواء بالخارج، في ظل توازن قوى مختل داخلياً، فأخذ يُظهر ما في جعبته من أفكار لا تختلف عن عقلية طالبان، وينسى هؤلاء أن بغداد ليست قندهار، فلها تاريخ مدني عريق  حتى في ظل انحسار دور المرأة بسبب الإرهاب والعنف وسيادة نمط من التفكير والسلوك الذي يحطّ من قدر المرأة ويتعامل معها باعتبارها “عورة”، وهو سلوك ذكوري متسيّد ينحاز إليه المجتمع .

ثم من يعطي الحق لرجل الدين للتدخل بشؤون الدولة، خصوصاً في ظل دعوة للعودة بالمجتمعات إلى القرون الوسطى، حيث كان الاختلاط وحرية التعبير والحريات العامة والخاصة، أموراً محرّمة أو شحيحة؟ ولعل المرجع الديني أو غيره لا يدرك، أن قضايا الحريات مكفولة في الدستور على ما عليه من ملاحظات وثغرات، فضلاً عن كفالته لحقوق الانسان، وهي قيم بشرية وقواعد ذات صفة كونية .

لقد كان اختلاط الجنسين في التعليم العالي والجامعات والمعاهد العراقية منذ سنوات طويلة، ولم تكن الرذيلة هي السائدة، كما أن فصلهما عن بعضهما بعضاً لا علاقة له بالفضيلة والقيم الإسلامية، وقد وجدت الضوابط الأخلاقية في جميع المجتمعات سواءً كانت موحدة أو وثنية، كما هي بلدان الهند والصين واليابان وجنوب شرقي آسيا، والأمر غير محصور بالدين الإسلامي فحسب، ناهيكم عن هدف أي دين هو خدمة الناس وسعادتهم ورفاههم، وليس فرض هذا النمط أو ذاك على علاقاتهم وطرق عيشهم، والناس أحوج ما يكونون إلى الخدمات والصحة والتعليم وحل مشكلات العمل والفقر واحترام حقوق الإنسان، والاّ فما الفرق بين قندهار وبغداد، وبين السلفية الأصولية الإلغائية والإسلام السياسي المذهبي، طالما أن القاسم المشترك هو الفكر التسلّطي الإلغائي القامع للحريات والحقوق، المنصوص عليها في الدستور وفي اللوائح الدولية لحقوق الإنسان؟

وإذا كانت مبررات الفساد الأخلاقي والانحلال والرذيلة سبباً في منع الاختلاط، فإن مثل هذه الأمور موجودة بالاختلاط ومن دونه، لكن هذه الدعوات تؤدي إلى سيادة ذهنية التطرف والتعصب والانغلاق والتحريم ولا يمكن بأي شكل من الأشكال الهروب من الاستحقاقات التي يريدها المواطن من الدولة وإلهائه بأمور أخرى، بدلاً من العمل على استعادة البنية التحتية وتحسين ظروف عيشه وزيادة رواتب أصحاب الدخل المحدود وتوفير ضمانات اجتماعية لجميع المواطنين، وإعادة النظر في المرتبات العالية للوزراء وأعضاء البرلمان وغيرهم . على رجل الدين أن يبتعد عن السياسة، وألا يتدخل في الشؤون العلمية لاسيما التعليم العالي، وعلى المرجعية أن تنأى بنفسها عن الدخول بمثل هذه الأمور، وعلى رجل السياسة ألا يستغل رجل الدين لتمرير ما يريد وما يسعى له، فيتلفّح بعباءة الدين، بحجة تنفيذ توجيهات ونصائح المرجعية، التي قد لا تكون عالمة بتعقيدات وإشكاليات ليست من اختصاصاتها وليست لها معرفة بها .

لقد كانت الجامعات التي درسنا ودرّسنا فيها صروحاً محترمة على طول الخط لتلقّي العلم ودروس الوطنية والقيم الانسانية، ومنتدى للحوار والجدل وتطوير المواهب واكتساب المعارف، يشهد عليها تاريخها، على الرغم من محاولات التحزيب والتخريب، لاسيما في سنوات الحروب والحصار والاحتلال، الأمر الذي يتطلب من الدولة والمؤسسات الدينية والاجتماعية والثقافية دعمها ورعايتها من دون التدخل بأمورها الخاصة .

إن اعتبار كلام المرجع الديني لهذه الفئة أو المجموعة أو حتى الطائفة (وإنْ لم يستطعْ أحد أن يتحدث باسمها) “وصايا” أو توجيهات، إنما يعكس مدى تراجع الدولة ومدى تشبث بعض السياسيين بالحصول على دعم من قوى يضعونها فوق الدولة . فقد تكون كل تصورات رجل الدين المعني عن التعليم العالي قد جاءت عن طريق مسموعات أو تقوّلات أو بضع ملاحظات لا علاقة لها بالجوهر، الأمر الذي يطرح أسئلة ساخنة: ما الذي سيحدث لو أن وزير التعليم العالي، من كتلة أو فئة أخرى، فهل سيطمح للحصول على مباركة رجل الدين المعني والاستماع إلى توجيهاته؟ وماذا لو تم تغيير أو استبدال الوزير بوزير آخر من كتلة أخرى بعد سنوات من سياسة أقل ما يقال عنها أنها فئوية وقصيرة النظر وخارج مسيرة التعليم العالي التي عرفها العراق؟

إن موقع رجال الدين من الفريقين الشيعة والسنة، بل بشكل عام مسلمين ومسيحيين وغيرهم، هو المساجد والجوامع والكنائس ودور العبادة والعلم، وليس التدخل في الشأن السياسي وإصدار توجيهات أو فتاوى بشأن القضايا الاجتماعية والثقافية والاكاديمية والتربوية وغيرها، لأن ذلك سيفقده المكانة التي ينبغي أن يتمتع بها باعتباره ليس طرفاً أو داعماً لطرف أو لتوجه معيّن، مثلما ينبغي أن تحرص الحكومة، لاسيما وزارة التعليم العالي على استقلالية الجامعات وحريتها وتدافع عن أية محاولة لابتلاع الدولة أو تطويعها تحت أية مبررات أو مزاعم .



359
ساحل العاج دولة برئيسين
   


عبدالحسين شعبان
بعد الجدل السياسي واحتمالات المواجهة العسكرية وتدخّل الأمم المتحدة، احتدم النقاش القانوني حول من الذي يحكم ساحل العاج، الذي انتهى بها الأمر بعد الانتخابات الرئاسية إلى وجود رئيسين، أحدهما فاز في الانتخابات هو الحسن وتارا، والآخر الذي انهزم في الانتخابات هو لوران غباغبو، لكن بعض قيادات الجيش اصطفّت خلفه، ولا يزال متشبثاً بالسلطة وبصلاحيات الرئيس، وعلى الرغم من مناشدات الأمم المتحدة وتحذيراتها، بما فيها موقف الولايات المتحدة المؤيد للرئيس الجديد الفائز، إلا أنه لم يصغ إلى أي منها، وهو ما ينذر بعواقب وخيمة ومواجهات عنيفة قد تحدث، مستعيدة دورة العنف في ساحل العاج، ومذكّرة العالم كله بالمآسي التي حصلت في عامي 2007 و2008 .

إن عدم تخلّي الرئيس السابق غباغبو عن السلطة لمنافسه الفائز وتارا يهدد بإشعال حرب أهلية في ساحل العاج التي يتواجد فيها نحو 100 ألف لبناني، يمسكون بمفاصل الاقتصاد، الأمر الذي يعني أن حياتهم ومصالحهم ومستقبلهم قد يتهددها الخطر، لاسيما أن هناك من يريد أن يحتسبهم على الفريق المخلوع، بحكم مواصلة اتباعهم القوانين والتعليمات السائدة بحكم الأمر الواقع وليس انحيازاً أو عزوفاً، فاللبنانيون بشكل خاص والجالية العربية بشكل عام ليس من مصلحتها التدخل بالشؤون الداخلية والسياسية، وهي حسب المؤشرات المتوافرة تقف على الحياد كما أكّد مدير عام المغتربين في وزارة الخارجية اللبنانية هيثم جمعة، مشيراً إلى أن التشويش يضرّ بالمصلحة اللبنانية، ومثلما يمثل المغتربون جزءًا أساسياً من الاقتصاد العاجي، فإنهم رافد أساس للاقتصاد اللبناني أيضاً، وهم يقفون على مسافة واحدة من الفرقاء، ولعل ما سيصيبهم هو ما سيصيب الشعب العاجي .

وإذا كانت الهند درّة التاج البريطاني في آسيا، فإن ساحل العاج في إفريقيا تعتبر درة “التاج” الفرنسي، وما زالت لغتها فرنسية وثقافتها وتعليمها وهوى أغلبية سياسييها فرنسي أيضاً . ولعل غباغبو كان أكثر وضوحاً عندما حاول أن يعزز موقفه بقوله إن الوضع الراهن يستهدف الدور الفرنسي، وهو ما يعطي إشارة إلى الصراع الفرنسي  الأمريكي المعلن والمستتر في القارة السوداء .

لكن دخول واشنطن بقوة إلى حلبة الصراع الداخلي هو مؤشر جديد على حيوية مصالحها في هذه المنطقة المهمة، ولهذا فإن فرنسا تدرك جيداً أهمية تلك المصالح ونفوذ واشنطن التي عليها مراعاته وعدم الاصطدام به، لكنها تسعى في الوقت ذاته إلى تأمين مصالحها بالتعاون مع الولايات المتحدة وليس بالضد منها، وهو ما يتّضح من مواقف متقاربة أمريكية وفرنسية في الأحداث الأخيرة .

لقد عانت ساحل العاج من تطورات دراماتيكية خلال السنوات العشر الماضية، ففي مطلع الألفية الثالثة حدث انقلاب عسكري وأعقبته حرب أهلية . وعلى الرغم من استعادة البلاد جزءًا من عافيتها إلاّ أن الأمن لم يستتب بالكامل، الأمر الذي ألحق ضرراً بإنتاجها الأساسي للكاكاو حيث تعتبر المنتج الرئيس له على المستوى العالمي . وكان بعضهم يتطلع إلى استعادة العاجيين لوحدتهم ووضع حد لأعمال العنف والانقسام ما بعد الانتخابات، لكن الأمور سارت عكس ما تشتهي سفن المتفائلين .

الوضع القانوني الجديد الذي سبّبه تشبث غباغبو بالسلطة وعدم تسليمه بالخسارة ألقى المسؤولية عليه، لكنه لا يزال فعلياً يمارس سلطاته على الأرض، ولديه أغلبية قيادات الجيش ومرافق الدولة، الأمر الذي ينشأ عنه مفارقة خطرة تتجلى بعدم شرعية النظام السياسي من جهة، ومن جهة أخرى هيمنته الفعلية على مرافق الدولة ومؤسساتها الحيوية .

ولعل هذا الأمر استنكره العالم كله تقريباً والأمم المتحدة التي تميل إلى اعتبار الحسن وتارا هو الرئيس الشرعي للبلاد، ومثل هذا الوضع الملتبس والمعقد سينجم عنه: إما سحب الاعتراف بالرئيس المخلوع ووقف التعامل معه، وقد تبدأ الأمم المتحدة بفرض حصار دولي ضده بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، أو الاضطرار إلى التدخل عسكرياً إذا استوجب الأمر، لخلعه من السلطة وتسليمها إلى الرئيس المنتخب، وهو ما يسمى “بالتدخل الإنساني”، الذي اتّسع نطاقه بعد انتهاء الحرب الباردة .

وإنْ كان التدخل العسكري واستخدام القوة، يثير جدلاً قانونياً وفقهياً، خصوصاً لجهة الشعب المتضرر، سواءً من الحصار أو من العمل العسكري، كما أن استمرار مصادرة حقوقه وإرادته هي الأخرى تلحق ضرراً به وبمستقبله، الأمر الذي يحتاج إلى قدر كبير من الحزم، مثلما يحتاج إلى قدر من المرونة مع مراعاة الجوانب الإنسانية، كي لا يكون الشعب هو المتضرر وتزداد معاناته وتتضاعف مأساته، سواءً من لا شرعية النظام أو ما ستتركه العقوبات الدولية من تأثيرات لاحقة في ساحل العاج على المستوى الداخلي الاجتماعي والاقتصادي والسياسي أو على المستوى الدولي .

لقد حكم غباغبو نحو عشر سنوات، لكنه خسر هذه الانتخابات (مطلع شهر ديسمبر/ كانون الأول) 2010 في الإعادة بفارق 8% وفقاً للجنة العليا للانتخابات، لكنه رفض الإقرار بالهزيمة، وعمد عبر المحكمة الدستورية التي يترأسها قاضٍ من أنصاره إلى تجريد الحسن وتارا من الأصوات اللازمة كي تتحول النتيجة لصالحه . واستمر في التجاوز على الشرعية، بإعلان فوزه وأدّاء اليمين الدستورية باعتباره رئيساً للبلاد حائزاً على تأييد بعض قيادات الجيش العليا الموالية له، وتلك إحدى اشكاليات الانتخابات في البلدان النامية، وخصوصاً مع عدم وجود تقاليد ديمقراطية وثقافة حقوقية، فضلاً عن التشبث الأعمى بالسلطة .

أما الرئيس الحسن وتارا وهو أحد أبرز زعماء الشمال فقد حظي بتأييد المجتمع الدولي، باعتباره الفائز في الانتخابات والرئيس الشرعي للبلاد، لكنه ظل دون سلطة فعلية، الأمر الذي أحدث مفارقة كبرى وفراغاً سياسياً ودستورياً، بين الواقع وبين الشرعية، وبين الهيمنة الفعلية للرئيس السابق وبين إرادة المجتمع الدولي .

ونجم عن هذا الوضع “أقلية مسيحية” تسيطر على الجنوب و”أغلبية مسلمة” تشكّل أكثرية في الشمال، وهو التقسيم الذي قد يتحوّل إلى أمر واقع في ما لو تمسك غبابو إلى نهاية الشوط بالسلطة وتجاهل نتائج الانتخابات، وعندها إذا استقر الأمر على هذا الشكل سيصبح الأمر الواقع واقعاً وسيتم الانقسام فعلياً، الاّ إذا تدخل المجتمع الدولي ووضع حداً للتلاعب بالانتخابات العاجية ونتائجها .

ولعل هذا الوضع دفع أحد الزعماء المؤيدين للحسن وتارا إلى التهديد بالزحف على العاصمة لخلع الرئيس السابق، الأمر الذي يعني أن خيار القوة والعنف والحرب الأهلية، سيكون أحد الحلول المرجّحة إنْ لم يتم تدارك الأمر بالوسائل السياسية وبالضغوط الدولية . ومما يزيد الطين بلّة أن الهوة تتسع بين الرئيسين المخلوع والفائز، وذلك أن الأول يعتبر أن 60% من الشعب العاجي قدِمَ من دول الجوار في نزعة استعلائية وعنصرية، في حين أن الرئيس الفائز يحاول التشبث بخيار عدم التهميش أو الاقصاء لجميع السكان .

الجديد في الأزمة العاجية الراهنة هو أن الحليفين اللدودين فرنسا والولايات المتحدة مالا إلى تأييد الحسن وتارا أكثر من غباغبو الذي هو أقرب إليهما من وتارا . وإذا ما عرفنا أن مهنة أغلب المسلمين الأساسية هي زراعة الكاكاو وهو المنتوج الرئيس الذي جعل من ساحل العاج من أغنى الدول المستقلة حديثاً في غرب إفريقيا، وأن الغرب بشكل عام ولاسيما واشنطن وباريس ما زال يعاني من الأزمة المالية والاقتصادية العميقة منذ أواخر العام 2008 وحتى الآن، فنستطيع أن ندرك سبب اتفاق واشنطن وباريس، بل وانحيازهما لصالح الحسن وتارا، كما أن اندلاع الحرب الأهلية في حال عدم التوصل إلى حل مناسب سيؤدي إلى تهديد مصالحهما وشركاتهما المستفيدة من زراعة الكاكاو، ولهذا وعدت واشنطن بعد تحذيرات شديدة، أنها يمكن أن تستقبل غباغبو ما إذا قرر اللجوء إليها حلاّ للمشكلة .

وتدرك واشنطن وباريس أن هناك تمييزاً شديداً واقعاً على المسلمين، سبّب لهم ردود فعل حادة، لاسيما من جانب الأقلية الجنوبية ونخبها المترفّهة، الأمر الذي لا يمكن تجاهله أو التلاعب بشعور الشماليين إلى ما لا نهاية . وقد تعتقد واشنطن أن اندلاع هذه الأزمة سيكون فرصة جديدة لها لتوطيد نفوذها في القارة السوداء، وهو الأمر الذي تدركه فرنسا أيضاً، ولذلك تبدي حرصاً على تحقيق الاستقرار وتسليم إدارة البلاد إلى رئيس منتخب يمثل الأغلبية .

وبممارسة واشنطن ضغوطها لدفع غباغبو للتنازل عن السلطة، تسعى إلى إعادة ترتيب أمور ساحل العاج لتحقيق نوع من التوافق عبر تشكيل حكومة موحدة وصياغة دستور جديد والحصول على تأييد دول الجوار، وهو الخيار الأرجح لاسيما بعد تنصيب الرئيس المنتخب، وضمان مصالحها المستقبلية ونفوذها الفعلي .

ولعل مثل هذا الأمر ينسجم مع الدور الجديد للأمم المتحدة التي أخذت تميل إلى فرض خيار شرعية الانتخابات بمراقبتها أو بالاشراف عليها أحياناً، لكن مثل هذا الخيار يجب أن يتسم ببعد إنساني، بحيث لا يلحق المزيد من المعاناة بالسكان المدنيين والأبرياء، لاسيما إذا أعاد الشرعية وأطفأ نار الحرب الأهلية، واتسم بقدر من النزاهة وعدم الانتقائية .

باحث ومفكر عربي


360
حرب باردة في خليج ساخن

عبد الحسين شعبان
باحث ومفكر عربي
تحتل منطقة الخليج مكانة جيوسياسية- إستراتيجية رفيعة، وقد ازدادت أهميتها خلال العقود الخمسة الماضية، لاسيما بعد استكمال استقلالها في السبعينيات من القرن الماضي، لما تمتلكه من طاقات وإمكانات كبيرة، الأمر الذي عرّضها إلى تحديات خطيرة نظراً لتصارع القوى الدولية وتقاطع مصالحها، سواءً خلال الحرب العالمية الباردة أو بعد انتهائها.
وقد كانت المنطقة خلال السنوات الثلاثين ونيّف الماضية مسرحاً للكثير من الأحداث الدولية والإقليمية التي أثّرت على قضايا السلم والأمن الدوليين، حيث شهدت اندلاع الحرب العراقية- الإيرانية، التي دامت ثماني سنوات بالكمال والتمام 1980-8198، وأعقبها إقدام النظام السابق في العراق على غزو الكويت في 2 آب (أغسطس) العام 1990 وما تلاها من حرب قوات التحالف لتحرير الكويت في العام 1991، ومن ثم فرض حصار دولي على العراق دام ثلاثة عشر عاماً، ثم الحرب على العراق واحتلاله في العام 2003، التي فتحت الباب على مصراعيه للإرهاب الدولي الذي انفلت من عقاله على نحو لم يسبق له مثيل، فضلاً عن سيادة موجة تكفيرية ضربت المنطقة كلها، مع استقطابات طائفية ومذهبية، ليست بعيدة عن تداخلات إقليمية ودولية.
كما شهدت منطقة الخليج أزمة دولية حادة ما تزال مستمرة، ونعني بها الملف النووي الإيراني، الذي ترتاب منه القوى الدولية المتنفذة، ولاسيما الولايات المتحدة، خصوصاً محاولة توظيفه للأغراض العسكرية، في حين تتشبث إيران بكونه حقاً من حقوقها، مؤكدة أن بناء مفاعلات نووية هو للأغراض السلمية، في حين تُبدي العديد من دول الخليج مخاوفاً شديدة بشأن تفاقم الأزمة الأمريكية – الإيرانية، بخصوص الملف النووي، ناهيكم عن إحتمال تحوّلها الى ساحة للصدام، دون أن تخفي قلقها من التمدّد الإيراني وعلاقة إيران مع بعض القوى الراديكالية في المنطقة سواءً حزب الله اللبناني أو حماس الفلسطينية أو القوى الإسلامية الشيعية في العراق، أو بعض دول الخليج، لاسيما في البحرين والكويت وحركة الحوثيين في اليمن أو بعض المناطق الشرقية من المملكة العربية السعودية، الأمر الذي يؤثر في طبيعة العلاقة مع إيران وآفاقها ومستقبلها.
ويمكن القول أن ثمت مخاوف قديمة وتاريخية وأبعد من حدود الملف النووي، لكن بعض المخاوف الجديدة تعززت من خلال الأطروحات ذات الطبيعة الأيديولوجية للجمهورية الإسلامية الإيرانية، بعد الثورة، العام 1979، والدعوات التي رافقتها للتصدير والانتشار.
ولعّل الحديث عن أمن الخليج لا يستقيم دون التوقف طويلاً عند الصراع العربي- الإسرائيلي، منذ قيام "إسرائيل" في العام 1948 وحتى اليوم، لاسيما عدوانها المتكرر على الشعوب العربية، الأمر الذي ساهم في تعطيل التنمية وتعليق الإصلاح والتحوّل الديمقراطي، لاسيما في أواخر الثمانينيات حين انهارت الكثير من الأنظمة الشمولية وهبّت رياح التغيير على المنطقة، لكن أمواجها انكسرت عند شواطئ البحر المتوسط، بسبب مصالح القوى الدولية الكبرى، وخصوصاً المناصرة لإسرائيل. وقد ساهم الصراع العربي- الإسرائيلي في إهدار عائدات النفط، واستنزاف دول المنطقة باللجوء الى التسلّح، بمبررات التحدي الخارجي، وسواءً كان الأمر حقيقياً أو شمّاعة يتمّ تعليق الأمور عليها، لكن ذلك كان عاملاً كابحاً للتطور والتنمية وكتب الحريات وهدر حقوق الإنسان.
وبالطبع فإن ذلك إنعكس وينعكس على ساحة النفط الذي كان وما يزال أحد أهم  عناصر الصراع في المنطقة، وخصوصاً في السبعينيات عندما استخدمه العرب كأحد الأسلحة الاقتصادية في " المعركة"، ولاسيما بعد حرب تشرين (اكتوبر) العام 1973.
لقد شغل أمن الخليج خلال الأسابيع القليلة الماضية عدداً من الفعاليات السياسية والأكاديمية الرفيعة المستوى، ففي فترة متزامنة، انعقدت قمة مجلس التعاون الخليجي (الذي يضم ست دول وهي: المملكة العربية السعودية والكويت والبحرين وقطر والإمارات وعُمان) والذي تأسس في العام 1981، أي بُعيد الحرب العراقية- الإيرانية، وناقش موضوع أمن الخليج باستفاضة كبيرة مبدياً مخاوف شديدة إزاء تطورات الأحداث، لاسيما بخصوص الملف النووي الإيراني، والعلاقات الإيرانية- الأمريكية التي قد تتطور إلى شكل من أشكال المجابهة العسكرية، بعد الحصار الاقتصادي والضغط السياسي الدولي.
كما إلتأم اجتماع جنيف بين ممثلين عن الدول الخمس الدائمة العضوية وألمانيا مع ممثلي الجمهورية الإسلامية الإيرانية لبحث تطورات موضوع الملف النووي الإيراني، بما له العلاقة بأمن الخليج ومسألة العقوبات.
واختتم قبل فترة قصيرة " منتدى حوار المنامة" الذي انعقد في العاصمة البحرينية والذي تناول موضوع أمن الخليج والملف النووي الإيراني، وقد استمع العالم كلّه إلى تحذيرات وزيرة خارجية الولايات المتحدة هيلاري كلينتون التي لم تكن تخفي خطط واشنطن إزاء طهران.
وانعقد أواخر شهر تشرين الأول (اكتوبر) مؤتمراً أكاديمياً في نيودلهي بحضور نخبة أكاديمية ودبلوماسية متميّزة وكان بعنوان" الهند ودول مجلس التعاون الخليجي- إيران والعراق: مستجدات الأمن وآفاقه".
كما شغل ما نشر في موقع ويكيليكس الالكتروني، لاسيما المراسلات السرية بخصوص إيران والملف النووي وأمن الخليج، حيّزاً كبيراً من التعليقات وردود الفعل المختلفة، ولعّل ذلك هو أول الغيث، ارتباطاً مع غيره من الأحداث المهمة.
إن مناسبة الحديث هذا هو انعقاد مؤتمر " حوار باريس" حول أمن الخليج، الذي أكّد أنه جزء من الجدل والنقاش الفكري والدبلوماسي والعسكري والسياسي والمدني بأبعاده المختلفة، خصوصاً وأنه تلمّس خطورة ذلك بحكم موقعه الدولي وبحكم سياقاته الأكاديمية والعملية وتجربته الغنية، التي تمتد إلى عقدين من الزمان، وهو ما لفت اليه الانتباه الدكتور صالح بكر الطيار رئيس مركز الدراسات العربي- الاوروبي، وما نوّه إليه في جلسة الافتتاح هيرفي دي شاريت وزير خارجية فرنسا الأسبق ورئيس المعهد اليورومتوسطي، وهما يخاطبان النخبة الفكرية والسياسية والاكاديمية العربية والغربية.
يمكن القول إن الخليج يعيش منذ سنوات حروباً مختلفة، أكثرها عمقاً واستمرارية واستنزافاً، هي الحرب الباردة، بين قوى دولية وإقليمية، وبين القوى الإقليمية ذاتها، وبين مكوّنات قائمة سياسية واجتماعية داخلية واقليمية، وأخرى يُراد لها أن تقوم، دون أن يعني ذلك تجاوزاً على هوّيات وجدل وصراع واصطفافات طائفية ومذهبية وسياسية ودينية، وتقاطع مصالح واتفاقها أحياناً، في إطار سسيوثقافي سياسي وعسكري، حاضر ومستقبلي.
وإذا كانت الحروب العسكرية معروفة، فإن قضايا الإرهاب الدولي ما تزال تتفاعل وتتداخل، لاسيما تفريخ تنظيمات القاعدة وانتقالها من بلد إلى آخر، بدءًا من أفغانستان ومروراً بالباكستان وانتشارها من وإلى العراق، وصولاً إلى دول المنطقة، بل وإلى العالم أجمع. ليس هذا فحسب، بل أن ظاهرة القرصنة تفاقمت في السنوات الأربعة الماضية أيضاً، ولاسيما في القرن الإفريقي التي تهدد حرية الملاحة في الممرات النفطية، خصوصاً في بحر العرب وصولاً إلى باب المندب، مع استمرار الوضع المضطرب في الصومال دون إغفال ما يجري في جنوب السودان، والذي قد يشهد احتراباً بعد إجراء الاستفتاء بشأن الوحدة أو الانفصال في 9 كانون الثاني (يناير) 2011. وليس بعيداً عن ذلك الحرب المستمرة بين القاعدة والسلطات اليمنية، فضلاً عن حركة الحوثيين، وهو ما يزيد صورة الإرهاب الدولي إلتباساً وغموضاً منذ أن استفحلت في التسعينيات.
لكن الحروب العسكرية المعروفة رافقتها على نحو أشد وأعمق تأثيراً وربما ستكون مخاطرها أكثر عمقاً هي الحرب الباردة في الخليج، وهو ما يمكن أن نطلق عليه اسم " قوس الأزمات" الذي يطوّق دول مجلس التعاون الخليجي، ويؤثر مباشرة على إيران والعراق، وعلى الأمن والسلم الإقليميين، حيث لا يمكن استبعاد تركيا عنهما مثلما لا يمكن استبعاد الباكستان وأفغانستان وصولاً إلى الهند والصين. ولعل هذا التأثير يمتد ليشمل طرق النفط شريان الحياة، لاسيما لأوروبا والولايات المتحدة، وهذا يعني أن العالم كلّه سيكون مهدداً بسبب احتدامات الوضع في الخليج.
يعاني الخليج منذ سنوات طائفة من اختلالات وتحديات في الأمن الاقليمي، وإنْ لم تتوفر بيئة صالحة لتسويتها وتعظيم ما هو مشترك، فإن سلم وأمن المنطقة سيكون مهدداً بأخطار جسيمة، وسيكون مستقبلها محفوفاً بالمخاطر. لعل صورة الخليج خلال العقد المنصرم وربما ستبقى ملامحها الأساسية قائمة خلال العقد القادم تتحدد بـ:غياب التوازن الإستراتيجي بعد احتلال العراق، واستمرار الوجود العسكري الأمريكي في الخليج، اتّسع بعد عملية غزو الكويت العام 1990 وما بعدها. ولعل استمرار الاحتدام بشأن المفاعل النووي الإيراني والمخاوف الخليجية، سيدفع دول مجلس التعاون الخليجي الى الاعتماد أكثر على الحماية الغربية على ما فيها من إشكاليات.
ومنذ مطلع الألفية الثالثة كانت منطقة الخليج أكثر المناطق تسلّحاً في العالم وأكثرها حماسة في شراء ما تنتجه مصانع الأسلحة، تلك التي صرفت فيها أموالاً هائلة كان يمكن تخصيصها لقضايا التنمية، بدلاً من سباق التسلّح المحموم.
كما تعاني منطقة الخليج من استشراء ظاهرة الإرهاب الدولي العابرة للحدود، سواءً من قبل تنظيمات القاعدة أو من بعض قوى "الإسلام السياسي" التي أخذت تقلق حكومات دول الخليج، لاسيما استمراره كظاهرة خطيرة، واستمرار النزاعات الحدودية، وإن كان بدرجات متفاوتة في الحدّة، إضافة الى مشكلة الجزر الثلاث أبو موسى والطنبين (طنب الصغرى وطنب الكبرى) منذ العام 1971 والتي ما تزال إيران تتمسك بها رغم المناشدات الإماراتية والعربية والدولية .
وتعاني منطقة الخليج من استمرار مشاكل المياه بخصوص شط العرب، واتفاقية 6 آذار (مارس) 1975، إضافة الى نهر كارون وغيرها بين العراق وإيران، مثلما هو استمرار مشاكل الحدود، وتداخل بعض آبار النفط التي تثير مشاكل حول أحقية امتلاكها، كما حصل مؤخراً في بئر فكّة جنوب العراق.
ولعل من يضغط على منطقة الخليج أيضاً هو استمرار تنكّر " إسرائيل لحقوق الشعب العربي الفلسطيني، لاسيما حقه في تقرير المصير وبناء الدولة الوطنية المستقلة وحق عودة اللاجئين، الأمر الذي ينعكس سلباً على منطقة الشرق الأوسط وأمن الخليج معاً، فضلاً عن قضايا التنمية ككل في المنطقة.
ومع استمرار هذه التحديات وتوتّر الأوضاع، لاسيما بخصوص الملف النووي تتصاعد وتيرة الحرب الباردة لدرجة تبدو الحرب الوشيكة الوقوع أو المحتملة قائمة، أو تكاد تقترب، بالوسائل العسكرية بضربة ضد إيران من جانب واشنطن أو تل أبيب أو بالوسائل الاقتصادية والسياسية، لاسيما استمرار الحصار الاقتصادي الدولي، الأمر الذي يجعل الخليج الساخن يعيش حرباً باردة مستمرة وقد تتحول بطرفة عين الى حرب ساخنة.

361
الاستفتاء السوداني:  بين الديناميكية والسكونية !


                                                                                                              عبد الحسين شعبان
يثير موضوع الاستفتاء السوداني بخصوص حق تقرير المصير للجنوب مواقف متعارضة كل منها يستند الى القانون الدولي، سواء المواقف المؤيدة أو المواقف المعارضة، فماذا يقول القانون الدولي بخصوص مبدأ حق تقرير المصير وبشأن الحالة السودانية تحديداً؟
شغل حق تقرير المصير الفقه القانوني الدولي مثلما انشغل به المجتمع الدولي لعقود من الزمان قبل تأسيس الأمم المتحدة وبعده. ولعل أبرز حدثين تناولا حق تقرير المصير قبل نهاية الحرب العالمية الأولى هما ما جاءت به ثورة اكتوبر الاشتراكية (1917) في روسيا وما تضمنه اعلان الرئيس الاميركي ويلسون في مبادئه الأربعة عشر (1918). لكن المجتمع الدولي لم يفلح حينها في إقراره كمبدأ من مبادئ القانون الدولي في عهد عصبة الأمم (1919). لكن المناقشات التمهيدية لاعلان الأمم المتحدة ولاسيما ميثاق الأطلسي وما بعده جعلته أحد مبادئ القانون الدولي المعترف بها وقاعدة قانونية رفيعة المستوى كما ذهبت الى ذلك محكمة العدل الدولية لاحقاً.
إستندت محكمة العدل الدولية على حق تقرير المصير في الكثير من قراراتها وذلك لاعتباره قاعدة قانونية آمرة وملزمة Jus Cogens. وقد ورد مبدأ حق تقرير المصير مرتين في ميثاق الأمم المتحدة. الأولى في ما نصّت عليه المادة الأولى (الفقرة الثانية) المتعلقة بأهداف الأمم المتحدة حيث جاء فيها: "إنماء العلاقات الودية بين الأمم على أساس المساواة في الحقوق، وحقها في تقرير مصيرها"، والثانية في ما نصّت عليه المادة الخامسة والخمسون حين أكّدت "الرغبة في تهيئة دواعي الاستقرار والرفاهية الضروريتين لقيام علاقات سليمة وودية بين الأمم، مؤسسة على احترام المبدأ الذي يقضي بالتسوية في الحقوق بين الشعوب، وبأن يكون لكل منها، حق تقرير مصيرها".
ولعل المناقشات الأهم حول حق تقرير المصير، كانت بعد تأسيس الأمم المتحدة، وبشكل خاص منذ العام 1950 خلال مناقشة مصير الشعوب والأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي والمشمولة بنظام الوصاية.
وقد مهّد ذلك لاحقاً الى تقنين مبدأ حق تقرير المصير الذي جاء واضحاً في الإعلان العالمي لتصفية الكولونيالية (الاستعمار) رقم 1514 (الدورة الخامسة عشرة) في 14 كانون الأول العام 1960 والذي نصّ على: حق جميع الشعوب في تقرير مصيرها. واعتبر الإعلان جميع الأعمال العسكرية أو الإجراءات القمعية ضد الشعوب غير المستقلة، غير شرعية وينبغي أن تتوقف، كيما تمارس هذه الشعوب حقها وحريتها في الاستقلال الكامل وفي السلام.
وإذا كان الإعلان العالمي لحقوق الإنسان The Universal Declaration of Human Rights  الذي تبنّته الأمم المتحدة في 10 كانون الأول  1948، قد غفل أو تغافل عن أية إشارة إلى حق تقرير المصير، بسبب الصراع الايديولوجي الدولي آنذاك، فقد جرى تدارك المسألة لاحقاً سواء في اعلان تصفية الكولونيالية العام 1960 أو في العهدين الدوليين لحقوق الانسان أو بإعلان حقوق الأقليات الصادر عن الجمعية العمومية للأمم المتحدة الصادر في 18 كانون الأول العام 1992 أو إعلان الأمم المتحدة بشأن حقوق الشعوب الأصلية الصادر في 13 أيلول العام 2007.
ومن الجدير بالذكر أن النص الصريح بشأن حق تقرير المصير وارد في العهدين الدوليين، وهما اتفاقيتان دوليتان شارعتان، أي منشئتان لقواعد قانونية دولية جديدة أو مثبّتة لها يعتبران مُلزمين منذ تاريخ نفاذهما تجاه جميع الدول الموقعة عليهما، ناهيكم عمّا يتضمناه من قوة معنوية وأدبية، أخلاقية وسياسية، فضلاً عن حجيتهما القانونية بالنسبة للشعوب المطالبة بهذا الحق، على الرغم من عدم شموله الأقليات بتقرير المصير، الأمر الذي قاد إلى تساؤلات حول مدى تطبيق النص الوارد في المادة 27 من الميثاق، ارتباطاً بالمادة الأولى التي تحدثت عن حق تقرير المصير.
ولعل ثمة اختلافات فقهية بخصوص النص ومدى شموليته، ناهيكم عمّا ذهبت إليه الأعمال التحضيرية والتي تفضي قراءتها وتدقيقها إلى اعتبار النص حقاً شاملاً، لاسيما تجاوز الحالة الاستعمارية الواردة في القرار 1514 الصادر في 14 كانون الاول 1960 إلى ما بعدها، أي استمرار وظيفة حق تقرير المصير حتى بعد الحقبة الاستعمارية، إذا  خلا العالم من الاستعمار، وإذا كان ما ورد يفيد المستعمرات، إلاّ أن الشعوب يمكنها الاستفادة منه أيضاً، حتى بعد أفول نجم الاستعمار!
ويرى بعض فقهاء القانون أن تطبيق حق تقرير المصير يقتصر على الشعوب الخاضعة والمستعمَرة فقط، أما بعضهم الآخر فيرى أنه حق شامل لجميع الشعوب بتخطّي مرحلة الاستعمار، أي عكس الفريق الأول الذي يقصره على الاستعمار، ولا يريد أن يمتد ليشمل الدول المستقلة ذات السيادة أو على قسم من الشعب أو الأمة، التي هي جوهر فكرة الوحدة الوطنية الإقليمية للدولة، وهو الرأي الذي تقول به الهند، في حين أن هولندا قالت بشمولية النص وهو ما تبنّته الأمم المتحدة لاحقاً في العام 1984 (لجنة حقوق الإنسان)، ومع ذلك فهناك أكثر من قراءة للنص تبعاً للمصالح السياسية ولتوازن القوى، لاسيما لجهة النفوذ الدولي، وخصوصاً بعد انتهاء عهد الحرب الباردة والقطبية الثنائية في العلاقات الدولية.
وإذا كان ثمة تبريرات نظرية وقانونية لمثل هذه الإشكالية، فإنها تعود إلى الفروق بين ما نعنيه بالشعب والأقلية، وهل هناك إمكانية إفادة الأقلية من مبدأ حق تقرير المصير بتأسيس كيان سياسي أم لا؟ ومع أن النص جاء عاماً بخصوص العهدين الدوليين لعدم الرغبة في تناول موضوع "الأقليات"، إلاّ أن المطالبة بالحق، وهو حق سياسي ودستوري، يمكن الاستدلال عليه من منطوق المادة الأولى، في حين أن المادة 27 تناولت حقوقاً ثقافية عامة، بينما يرتبط حق تقرير المصير بقضية كيان سياسي واقتصادي واجتماعي، وهو ما تريده بعض الأقليات في دولة متعددة القومية حين يصبح العيش المشترك مستحيلاً، لاسيما مع غياب تمثيل حقيقي للتنوّع الثقافي، الذي أجده أكثر تعبيراً عن الهوية. فالتنوّع والتعددية، تتضمنان مبدأ المساواة بين مكوّنات مختلفة ومتمايزة، لكنها متساوية، لا فرق بين غالبية وأقلية، على الرغم من استخدام الأمم المتحدة مصطلح "الأقليات".
بعد هذه الاستعادة التاريخية لتاريخانية القرار 1514 بخصوص تصفية الكولونيالية، فإضافة إلى أهميته القانونية والسياسية، فقد أصبح منطلقاً أساسياً لقرارات وإعلانات أممية لاحقة، فبعد يوم واحد فقط، أي في يوم 15 كانون الأول 1960 صدر القرار رقم 1541 الذي تمّ بموجبه تحديد لائحة محددة من المبادئ لمعرفة إلزامية تقديم المعلومات طبقاً للمادة 73 من الميثاق التي تتناول تبعات إدارة الأقاليم التي لم تنل شعوبها قسطاً كاملاً من الحكم الذاتي، لاسيما الالتزام بالعمل على تنمية رفاهية أهل هذه الأقاليم الى أقصى حد مستطاع في نطاق السلم والأمن الدوليين اللذين رسمهما الميثاق. وكان القرار 1541 قد تحدث بالصراحة ذاتها ضد الاستعمار محدداً اثني عشر مبدأً تعرّف الأقاليم الواقعة تحت الاستعمار وتطورها في اتجاه الحكم الذاتي لبلوغ الاستقلال.
وعلى الرغم من احترام مبدأ حق تقرير المصير ومنح الاستقلال في القرار 1514 والقرار الذي تلاه، الاّ أن الاتجاه العام كان يميل إلى استبعاد "الأقليات" من التمتع بهذا الحق، في نظرة تقييدية، لأنه ينطبق على الشعب، وليس على الأقليات التي قد لا تكوّن شعباً. أي أن حق الاستقلال وتكوين دولة مستقلة حسب القانون الدولي أعطي للشعب وليس للأقلية، بل لكامل الشعب في الاقليم Territory والشعب هو الذي يمارس هذا الحق.
وظلّ هذا الأمر محطّ جدل كبير في الأمم المتحدة وخارجها لمدة عشر سنوات تقريباً حتى صدر القرار رقم 2625 في 24 تشرين الثاني1970 تحت عنوان "إعلان مبادئ القانون الدولي المتعلق بعلاقات الصداقة والتعاون بين الدول وفقاً لميثاق الأمم المتحدة" والذي عُرف بإعلان التعايش السلمي متضمناً سبعة مبادئ أساسية، تشكل جوهر مبادئ القانون الدولي.
لقد تطوّر مبدأ حق تقرير المصير لتتعدى ساحته مسألة إنهاء الاستعمار واستقلال الدولة التابعة والمستعمَرة، فأخذ يشمل الجانب الداخلي من تقرير المصير، الذي تطمح إليه الشعوب لجهة حقوقها وحرياتها وعلاقاتها بالسلطة. وأشرف مجلس الأمن على عدد من الانتخابات والاستفتاءات الشعبية التي مارست فيها الشعوب حقها في تقرير المصير، وهكذا تمتد فكرة حق تقرير المصير من الإقليم الى الهوية، التي يمكن التعبير عنها بكيان سياسي خاص، وهو الأمر المطروح أمام الاستفتاء السوداني حول حق تقرير المصير للجنوب.
أما محكمة العدل الدولية فقد اتخذت عدداً من القرارات بشأن حق تقرير المصير لعل آخرها القرار المؤرخ في 24 تموز 2010 بخصوص كوسوفو يوم أعطت رأياً استشارياً مفاده : أن الاستقلال (الانفصال من طرف واحد) لا ينتهك القانون الدولي، وذلك بناءً على طلب من الجمعية العمومية للأمم المتحدة، وهو الأمر الذي قد يصبح واقعاً بعد الاستفتاء في جنوب السودان.
إن قرار محكمة لاهاي سيكون سابقة قانونية وقضائية يمكن الاستناد إليها دولياً لإعلان الاستقلال من طرف واحد في دولة متعددة القومية في ما إذا كانت الظروف الموضوعية والذاتية تستجيب لذلك، حيث تصبح الوحدة دون رضا جزء من السكان، أي شعب، أو مكوّن ثقافي، مفروضة وقد تحتاج الى فك ارتباط! الأمر الذي يحتاج إلى وقفة جدية، ونحن نستعيد ذكرى القرار 1514  ودلالاته الفكرية والسياسية والقانونية وانعكاساته على صعيد الدول المتعددة القومية خصوصاً لبلدان المنطقة، حيث تبرز القضية الكردية منذ عقود من الزمان، لاسيما بعد وصول الوحدة الاقليمية الى تعثرات واختلافات وتباعدات، بسبب سياسات الاقصاء والتهميش والتنكّر للحقوق المشروعة. ولعل ذلك قد يمهد لحلول "دولية" تدخل الامم المتحدة طرفاً فيها، لاسيما بعد تجربة الفيديرالية الكردية في العراق، وهو الأمر الذي يحتاج الى دراسة متعمقة لآفاق تطور حل المسألة القومية في بلداننا على أساس حق تقرير المصير، سواء بالاتحاد الطوعي- الاختياري، أو باحتمالات الاستقلال وتكوين كيانات مستقلة ومنفصلة عن الدول الأصلية ولا شك في أن التجربة السودانية ستكون بالصميم من ذلك!

(أكاديمي وكاتب عراقي)   



362
بعد 50 عاماً مصير "حق" تقرير المصير   

عبدالحسين شعبان
في قاعة قصر الأمم، التأم بالجزائر العاصمة شمل المؤتمر الدولي لمناسبة الاحتفال بالذكرى الخمسين لمنح الاستقلال للدول والشعوب المستعمَرة، وذلك بحضور زعامات تاريخية وشخصيات سياسية وفكرية وثقافية من أنحاء العالم كافة، لاسيما من إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية .

وكانت الجمعية العامة للأمم المتحدة قد أصدرت في 14 ديسمبر/ كانون الأول العام 1960 إعلاناً صار اسمه ملازماً لتصفية الاستعمار (الكولونيالية) ورديفاً لحق تقرير المصير . واكتسب القرار رقم 1514 الذي صدر عن الدورة الخامسة عشرة للجمعية العامة أهمية خاصة، لاسيما أنه جاء تتويجاً لنضال شعوب آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، الأمر الذي أعطاه رمزية كبيرة اقترنت بتحرر العديد من الشعوب والبلدان ونيلها استقلالها .

بدأ الرئيس كنيث كواندا عميد رؤساء الدول الإفريقية خطابه بأغنية راقصة، صفّق لها الحاضرون طويلاً، لاسيما إيقاعها وحركاتها، وبعدها وجّه كلامه الى الرئيس الجزائري الأسبق أحمد بن بيلاّ الذي كان يجلس بمواجهة منصّة الخطابة، قائلاً: “نحن أسهمنا بتحرير إفريقيا”، وذلك بشيء من الحنين والكبرياء والرومانسية الثورية .

بدت جلسات المؤتمر غير تقليدية، فبدأت من المجتمع المدني خلافاً لما جرت عليه العادة، حيث البدء من الجهات الرسمية أو شبه الرسمية، لاسيما بحضور من يمثل الجهة المضيّفة، خصوصاً إذا كان هناك من ينوب عن رئيس الجمهورية أو الملك أو الأمير، الاّ أن جلسات المؤتمر هذه المرة تصدّرها الاستماع الى خطاب غير رسمي للمجتمع المدني لمناسبة يوم القضاء على الكولونيالية، حيث تحدث بيار غالون، وأعقبه دافيد أوتاوي ممثلاً عن وسائل الاعلام، ثم بدأ تاي بروك زرهون الأمين العام المساعد للشؤون السياسية ممثلاً عن الأمين العام للأمم المتحدة، وأعقبه عمرو موسى الأمين العام للجامعة العربية، تلاه جون بيينغ رئيس منظمة الوحدة الإفريقية ثم جاء دور نائبة رئيس جمهورية فيتنام سابقاً نيفين ثي بينه، وأعقبها تابو مبيكي الرئيس السابق لجمهورية جنوب إفريقيا، وكانت الكلمة الختامية لممثل رئيس الجمهورية الجزائرية عبدالعزيز بلخادم، علماً بأن رئاسة المؤتمر تولاّها أولوسيجون أوبسانجو الرئيس السابق لنيجيريا .

وبعد مناقشات دامت يومين 13 و14 ديسمبر/ كانون الأول 2010 صدر إعلان الجزائر، الذي ذكّر بالتضحيات التي تحملتها الشعوب المستعمَرة في سبيل حريتها وحقها في تقرير المصير والاستقلال، مع إشادة خاصة بدور النساء والشباب . كما نوّه إعلان الجزائر بالدور الذي لعبته الأمم المتحدة في تسريع مسار تحرير الشعوب المستعمَرة طبقاً للإعلان العالمي رقم 1514 (الدورة الخامسة عشرة) في العام 1960 .

وتوقّف المشاركون للإشادة بدور وسائل الإعلام والسينما في التوعية بجرائم الاستعمار وفي الدفاع عن الأهداف والمقاصد التي حددها الإعلان، مؤكدين أن الاستعمار بجميع أشكاله ومظاهره، يتعارض مع أهداف ومقاصد ميثاق الأمم المتحدة ومع قواعد القانون الدولي . وفي الوقت الذي أعرب المشاركون عن فاعلية ووجاهة الإعلان العالمي، فقد أعلنوا عن تضامنهم مع الشعوب التي تناضل من أجل حقها في التحرر بموجب الإعلان، مشجعين الكتّاب والسينمائيين والصحفيين على مواصلة تكثيف نشاطاتهم في توعية وتعبئة الرأي العام العالمي حول عدالة طموحات الشعوب .

ومن الجدير بالذكر أن صدور الإعلان العالمي لتصفية الكولونيالية العام 1960 كان مناسبة تم استلهامها لاحقاً بصدور قرارات من الأمم المتحدة حول السيادة الدائمة للدول على مواردها الطبيعية، لاسيما القرار الصادر في 14 ديسمبر/ كانون الأول 1962 برقم 1803 (الدورة السابعة عشرة) والقرار رقم 3281 في 12 ديسمبر/ كانون الأول 1974 (الدورة التاسعة والعشرون) بخصوص حقوق وواجبات الدول الاقتصادية وغيرها .

وكان مؤتمر الجزائر بمناسبة الذكرى الخمسين لتصفية الكولونيالية ومنح الشعوب المستعمَرة حقها في الاستقلال والحرية فرصة لتأكيد أهمية التعاون بين دول (جنوب- جنوب)، بالإشارة الى الاندماج الإقليمي في ما بينها، للإسهام في الحفاظ على استقلال البلدان المستعمَرة سابقاً وتسهيل مشاركتها في الاقتصاد العالمي لاحقاً، ولعلها كانت دعوة لإقامة شراكات استراتيجيته بين دول آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية .

وعلى الرغم من صدور الإعلان العالمي منذ خمسة عقود من الزمان، فقد فشل المجتمع الدولي في التخلّص من هذه الظاهرة المشينة في عالمنا المعاصر، ولا يزال الاستعمار يعيش بين ظهرانينا، ولعل المثال الصارخ هو الاستعمار الاستيطاني الإجلائي في فلسطين، الأمر الذي يتطلب شحذ جميع القوى للتخلّص منه ووضع حد له واستعادة الشعب العربي الفلسطيني لوطنه وإقامة دولته المستقلة طبقاً لحق تقرير المصير، الذي هو حق غير قابل للتنازل أو للتصرّف، لاسيما هو قاعدة آمرة من قواعد القانون الدولي Jus cogens، كما أن حق تقرير المصير لا يسقط بالتقادم .

لقد كان استذكار صدور قرار الأمم المتحدة 1514 مناسبة لاستعادة دور الأمم المتحدة في الستينيات وما بعدها، خصوصاً في ظل توازن القوى الدولي وصعود نجم حركات ودول التحرر الوطني، التي كان من أبرز قادتها جمال عبد الناصر (مصر) وجواهر لال نهرو وأنديرا غاندي لاحقاً (الهند) وجوزيف بروز تيتو (يوغسلافيا)، وبانضمام ماوتسي تونغ وهوشي منه وكاسترو صعد دور حركة عدم الانحياز في العام ،1961 لاسيما بعد مؤتمر باندونغ التاريخي الذي انعقد في العام 1955 .

وكان لمقاومة الشعب الجزائري وجبهة التحرير الوطني التي قادت الثورة منذ العام 1954 ضد الاستعمار الفرنسي سبباً مهماً في إقرار الأمم المتحدة القرار ،1514 حيث حصلت الجزائر على استقلالها وحقها في تقرير مصيرها بعد توقيع اتفاقية إيفيان مع فرنسا وإعلان نتائج الاستفتاء العام 1962 .

ولا يمكن أن يستقيم الحديث عن القرار 1514 وتصفية الكولونيالية، من دون الإشارة الى دور الاتحاد السوفييتي السابق ووزير خارجيته أندريه غروميكو الذي كان في ظل قيادة نيكيتا خروشوف قد أسهم إسهاماً كبيراً في تعبئة الجهود في الأمم المتحدة وخارجها من أجل انعتاق الشعوب وتحررها وإحراز استقلالها وتمكينها من ممارسة حقها في تقرير مصيرها واختيار نظامها الاجتماعي وحقها في التصرّف بثرواتها الطبيعية .

لقد أسهم صدور القرار 1514 في تحريك الضمير العالمي، مثلما شكّل منعطفاً تاريخياً في تطوير الإطار القانوني لحق الشعوب في تقرير مصيرها، وإنْ كان هناك التباس وجدل بين مفهوم الشعب People ومفهوم الأمة Nation ومفهوم الدولة state وفيما إذا كانت الأقلية تشكّل شعباً، وهو الأمر الذي تم استدراكه بعد يوم واحد، فصدر قرار جديد من الجمعية العامة برقم 1541 في 15 ديسمبر/ كانون الأول 1960 الذي قدّم خيار الاتحاد الاختياري أو الارتباط بدولة مستقلة، للأقاليم غير المحكومة ذاتياً أو غير المستقلة، واستناداً الى القرار 1514 الذي اعتبر إعلان الاستقلال الطريقة الوحيدة لتحقيق حق تقرير المصير بصورة حتمية، الأمر الذي يجعل حق تقرير المصير يتجاوز الحالة الاستعمارية واستقلال البلدان التابعة والمستعمَرة، وهو ما جاءت تقنياته خصوصاً بصدور القرار 2625 في 24 نوفمبر/ تشرين الثاني العام 1970 تحت عنوان “إعلان مبادئ القانون الدولي المتعلقة بعلاقات الصداقة والتعاون بين الدول وفقاً لميثاق الأمم المتحدة” وإعلان حقوق الأقليات العام 1992 وإعلان حقوق شعوب البلدان الأصلية العام 2007 .

 ثم جاءت تطبيقاته لاحقاً بانهيار نظام القطبية الثنائية وتدخل “المجتمع الدولي” في ما يعدّ تجاوزاً أو انتهاكاً لقواعد القانون الدولي، وذلك تحت باب “التدخل الإنساني” أو وصول العيش المشترك الى طريق مسدود في الدول متعددة القوميات، وقد أفتت محكمة العدل الدولية بعد انفصال كوسوفو عن صربيا في 24 يوليو/ تموز 2010 بأن ذلك لا ينتهك قواعد القانون الدولي، الأمر الذي يشكل سابقة جديدة وخطيرة على صعيد وحدة البلدان وحرمة حدودها، بالارتباط مع ديناميكية مبدأ حق تقرير المصير .

باحث ومفكر عربي

363
العمل العربي المشترك: أي دور للمجتمع المدني؟

عبد الحسين شعبان
يشكّل المجتمع المدني في البلدان المتقدمة قطاعاً مؤثراً في عملية التنمية، بمعناها الإنساني الشامل سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً وقانونياً، ويعتبر القوة الثالثة، التي لا يمكن استكمال عملية التنمية المستدامة من دونها، وهو بما يمثّله من حيوية وديناميكية يمكن أن يسهم مع القطاع الخاص في دعم القطاع الحكومي (العام) لتيسير وتطوير العملية التنموية، لا سيما إذا استطاع أن يتحوّل إلى شريك، وفي الوقت نفسه إلى قوة اقتراح للأنظمة والقوانين واللوائح المختلفة، فضلاً عن دوره في نشر الوعي الحقوقي والثقافة الديمقراطية، بالتفاعل مع دوره الرصدي والرقابي.
وإذا كانت جامعة الدول العربية التي تأسست في 21 آذار (مارس) 1945 كمنظمة إقليمية دولية، لم تأتِ على ذكر دور المجتمع المدني في ميثاقها، فلأن وجوده حينذاك لم يكن مؤثراً مثلما هو عليه الآن، وخصوصاً بعد تأسيس منظمة الأمم المتحدة في 24 حزيران (يونيو) من العام ذاته، الأمر الذي ساعد في بلورة رؤية جنينية وأولية اتسعت وتعمقت في السنوات الأخيرة الماضية، ولا سيما في العقدين الأخيرين وبعد انتهاء عهد الحرب الباردة وتحوّل الصراع الأيديولوجي العالمي من شكل إلى شكل آخر، بانهيار أنظمة أوروبا الشرقية ذات الصفة الشمولية.
لكن جامعة الدول العربية لم تقف خارج التطور العالمي فيما يتعلق بدور المجتمع المدني، حيث أسهمت الرؤية التحديثية والتجديدية التي شهدتها، لا سيما في العقد الماضي (أي العشرية الأولى من الألفية الثالثة) إلى الاعتراف بدوره ودعوته للمشاركة في صياغة وبلورة وجهات نظره إزاء عمليات التنمية المستدامة في إطار العمل العربي المشترك، ولا سيما بعد إنشاء مفوضية المجتمع المدني، التي تنظّم علاقة منظمات المجتمع المدني بجامعة الدول العربية، حيث تكثّفت دعوة مؤسسات المجتمع المدني العربي، لا سيما المنظمات ذات الصفة الإقليمية القومية مثل اتحاد العمال العربي واتحاد الكتّاب العرب واتحاد الحقوقيين العرب واتحاد الصحفيين العرب واتحاد المحامين العرب وغيرها.
ولعل ذلك يتفق مع ما تطمح إليه منظمات المجتمع المدني وما ينسجم مع دورها أيضاً، خصوصاً وهي تسعى لكي تكون شريكاً حيوياً في اتخاذ القرار وفي العمل على تنفيذه بما تمتلكه من خبرات وطاقات في القطاع غير الحكومي، وبما تمثّله من جسور للتواصل بين القطاع الخاص والقطاع العام، حيث لا تستقيم التنمية من دون المشاركة الحيوية والفاعلة للقطاعات الثلاثة: الحكومي والخاص والمجتمع المدني.
إن قوة الدولة الحديثة هي بسيادة القانون، وكلّما كان القانون هو الفصل في الحكم وفي الشرعية، فإن المجتمع المدني سيكون قوياً ومؤثراً وفاعلاً، وعلى العكس من ذلك فإن غياب أو ضعف مبدأ سيادة القانون، سيؤدي إلى إضعاف المجتمع المدني، وبالتالي إلى إضعاف الدولة وستكون الخسارة كبيرة لعملية التنمية، حتى وإنْ بدت الدولة مهيمنة أو متسلّطة، لكنها ستكون على حساب المجتمع المدني أحد أجنحة الدولة التي لا يمكن التحليق طويلاً من دونه.
من جهة أخرى، فإن المجتمع المدني الطوعي، السلمي، المستقل، أو حتى ما يسمى ''بالمجتمع الأهلي'' أي الإرثي، العشائري، العائلي، مهما بدا قوياً إلاّ أنه سيكون على حساب الدولة إنْ لم يكن مكمّلاً وشريكاً لها، لأن ضعفها سيسهم في تقليص فرص تطبيق سيادة القانون، وبالتالي في وضع عقبات كبيرة وجدّية أمام تطور الدولة والعملية التنموية، بحلقاتها المختلفة.
واستناداً إلى ذلك يمكن القول: إذا كان المجتمع المدني قوياً والدولة ضعيفة فإن الدولة ستتفكك وسيتقلّص معها مبدأ سيادة القانون، أما إذا كانت الدولة قوية وأضعفت من دور المجتمع المدني بالهيمنة والتسلّط، فإن ذلك سيعطل أو يضعف عملية التنمية، خصوصاً بتعطيل أحد عناصرها المهمّة.
الدولة ستكون قوية بالمجتمع المدني وهما سيكونان قويّين بمبدأ سيادة القانون، الأساس الذي يمكن الاحتكام إليه، ولكي تكون مؤسسات المجتمع المدني قوية وفعّالة، فلا بدّ أن تكون مستقلة، وأن لا تكون مسيسة أو جزءا من الصراع الأيديولوجي، كما ينبغي أن تكون منظمات مفتوحة أو غير محصورة بفئة أو طائفة أو دين، وتتركز وظيفتها الأساسية في الدفاع عن مصالح منتسبيها وحقوقهم دون تمييز وأن تكون هذه المنظمات ديمقراطية في التعامل الداخلي مع جمهرة الأعضاء ومع القوى الأخرى، حيث تجري فيها انتخابات دورية وبشكل شفاف، ومن المهم أن تؤسِس وتهيئ نفسها لتكون قوة شراكة واقتراح وليس قوة اعتراض واحتجاج فحسب، على الرغم من أهمية الحقلين المشار إليهما، وأحياناً يكمّل أحدهما الآخر، ولا ينبغي إهمال أي من القوتين.
إن وجود منظمات حيوية ومهنية وحقوقية يمكن أن يسهم في عملية التنمية من خلال: إعداد الدراسات والبحوث في مجال تطوير وإصلاح الأنظمة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والقانونية، لا سيما المستندة إلى مبادئ الدولة العصرية الحديثة وبما ينسجم مع التطور التاريخي لمجتمعاتنا ودولنا العربية، وهذا يتطلب نشر الثقافة الاقتصادية والاجتماعية والحقوقية المهنية وتعزيز الوعي القانوني والديمقراطي الذي يهيئ لعملية الإصلاح والتنمية، وذلك من خلال توفير أجواء سلمية وطبيعية ومدنية، تساعد في تفتح مؤسسات المجتمع المدني وتكون قادرة على المساهمة في مسار العملية التنموية.
ولعل الإعلام وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات الحديثة يمكنها أن تسهم في العمل العربي المشترك بين الدولة والمجتمع المدني والقطاع الخاص على نطاق كل دولة وعلى المستوى العربي أيضاً بما يعزز عملية الإصلاح والتحديث والتنمية.
ولا بدّ لمنظمات المجتمع المدني أن تحافظ على استقلاليتها وعدم تسييسها وربطها بجماعات سياسية حكومية أو معارضة سياسية دينية أو أيديولوجية أو غيرها، لأن ذلك سيؤدي إلى إلحاق الضرر البالغ بسمعتها وبالأهداف التي تسعى إلى تحقيقها.
ولعل ذلك يتطلب التمسك بمبدأ التداول السلمي للمواقع القيادية لجميع مؤسسات المجتمع المدني بشكل ديمقراطي وسلس وإبعادها عن الصراع السياسي والاجتماعي، والتأثيرات الطائفية والمذهبية المتعصبة والمتطرفة.
ولكي تقوم هذه المنظمات بدورها المنشود فلا بدّ من دعوة الحكومات العربية إلى العمل على تسهيل مشاركتها وتفعيل حضورها في الترويج لقيم الديمقراطية، والعدالة وحقوق الإنسان والتسامح، ومكافحة الفساد، وتعزيز الشفافية والمساءلة.
وأخيراً فإن نشر ثقافة الحوار وقبول الرأي الآخر واحترام حق الاختلاف، والتشجيع على اللاعنف والتطور السلمي والتراكم التدريجي الطويل الأمد، يوفّر البيئة المناسبة لازدهار ثقافة المجتمع المدني ويعزز الثقة بينها وبين القطاعات المختلفة.
ولكي تستطيع المنظمات والاتحادات المهنية تأدية مهماتها لدعم العمل العربي المشترك، فلا بدّ لها من اعتماد آليات مرنة ومناسبة، من خلال: إقامة المؤتمرات والندوات الهادفة إلى تطوير وتعزيز العمل العربي المشترك، والمشاركة في مبادرات تقوم بها جامعة الدول العربية والدول الأعضاء بالتعاون مع المؤسسات غير الحكومية والمنظمات والاتحادات، وإعداد دراسات وأبحاث وتنظيم فاعليات وأنشطة وبرامج تدريبية مشتركة لتكييف واستخلاص المضامين الإيجابية في الثقافة العربية ـــ الإسلامية، وخصوصاً فيما يتعلق بفلسفات الحق والحرية وتعزيز دور العمل العربي المشترك بالتنسيق بين المنظمات والاتحادات المهنية التي تتمتع بصفة مراقب في المجلس الاقتصادي والاجتماعي، والجهات المانحة عربياً ودولياً والاستفادة من التطور الدولي في هذا المجال، ويمكن لجامعة الدول العربية إقامة علاقات وطيدة مع منظمة الأمم المتحدة، ولا سيما المجلس الاقتصادي والاجتماعي فيما يتعلق بدور ومستقبل المجتمع المدني وخصوصاً العربي، وذلك بهدف تمكينه وتأهيله لكي يلعب الدور المنشود وخصوصاً فيما يتعلق بتمكين المرأة والأشخاص ذوي الإعاقة وقضايا التقدم الاجتماعي والقضاء على الأمية ومكافحة الفقر وغيرها، وبما يساعد في دعم التنمية المستدامة.
إن عقد اجتماع سنوي للمنظمات والاتحادات الحاصلة على صفة مراقب بالمجلس الاقتصادي والاجتماعي، في إطار الجامعة العربية، لتبادل الخبرات والتجارب من شأنه أن يعزز التعاون بين هذه المنظمات، من خلال المشتركات العربية، لا سيما فيما يخص بالمجتمع المدني وأهدافه والقوانين التي تنظم علاقته بالدولة، وذلك في ضوء التطور العالمي، وخصوصاً الاعتراف به قانونياً والسماح له بممارسة عمله الشرعي في إطار القوانين النافذة.
وقد يكون من المناسب اشتراك المنظمات والاتحادات في اجتماعات المجالس الوزارية المتخصصة واللجان الدائمة، للجامعة العربية ولكل ما له علاقة بالعمل العربي المشترك كل في مجال تخصصه. وكذلك دعوة المجتمع المدني العربي لحضور مؤتمرات القمة العربية بصفة دائمة، كإطار موازي لتقديم المقترحات والملاحظات بشأن تعزيز التنمية والمشاركة فيها بما يعزز العمل العربي المشترك. ولعل مناسبة الحديث هذا كان ورقة عمل غنيّة قدّمها اتحاد الحقوقيين العرب لإصلاح وتطوير النظام العربي قانونياً واجتماعياً واقتصادياً وثقافياً!!


364
استفتاء أم استثناء؟
   


عبدالحسين شعبان
القاعدة في القانون الدولي المعاصر وفي العلاقات الدولية المعاصرة هي عدم الاعتراف بشرعية الاحتلال أو بالنتائج التي يتمخض عنها الاستيلاء على الأراضي وضمّها بالقوة، لاسيما عن طريق العدوان، وهو الأساس الذي قامت عليه الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو العام ،1945 وما درجت عليه قراراتها، لاسيما الصادرة عن الجمعية العامة، أو حتى ما يطلق عليه “الشرعية الدولية”، والمقصود بها في الغالب قرارات مجلس الأمن، وهذه هي الأخرى اتّخذت مواقف في غالبيتها الساحقة لا تتعارض مع مبادئ القانون الدولي، لاسيما عدم الاعتراف بشرعية الاحتلال ورفض ضم الأراضي المستولى عليها بالقوة، وإن كانت أحياناً وبسبب اختلال توازن القوى وتغليب المصالح الأنانية الضيقة تجانب الحقيقة أو تزوغ من استحقاقاتها أحياناً، الأمر الذي يُظهر تناقضاً في بعض الأحيان، بين ما يسمّى بالشرعية الدولية، التي هي اتفاق مرهون بتوازن القوى الدولية في لحظة معينة على قرار يعبّر عن التوافق بين القوى الكبرى المتنفذة والمتسيّدة في العلاقات الدولية، وبين قواعد القانون الدولي المعاصر، حيث تتجلى أحياناً المفارقات والمساومات، لاسيما إزاء الشعوب المُستَضعَفة .

إن هذه المقدمة النظرية تبدو بديهية لا على مستوى الفقهاء فحسب، بل على النطاق الدولي والدبلوماسي، باستثناء “إسرائيل” التي لها قانونها الدولي “الخاص” أو حيث يصبح القانون “الإسرائيلي” فوق القوانين . ففي سابقة خطيرة، بل هي الاولى من نوعها في تاريخ العلاقات الدولية المعاصرة، أصدر الكنيست (البرلمان الإسرائيلي) قانوناً جديداً يوم 22/11/2010 يقضي بإجراء استفتاء عام على أية اتفاقية تتضمن الانسحاب “الإسرائيلي” من الأراضي العربية التي ضمّتها اليها سابقاً .

وحسب القانون “الإسرائيلي” الذي حصل على أغلبية 65 صوتاً ومعارضة 33 صوتاً فإن عدم موافقة الكنيست على اتفاقية الانسحاب بأغلبية الثلثين (أي 80 نائباً أو أكثر) يقضي بطرح المسألة على الاستفتاء العام . ويأتي صدور هذا القانون بعد قرار اتّخذه الكنيست “الإسرائيلي” بشأن “المواطنة النقية” أي الإقرار “بيهودية الدولة” وأداء قسم الولاء لها، في محاولة لتفريغ ما تبقى من عرب فلسطين، سكان البلاد الأصليين من وطنهم وترحيلهم أو سلب ما تبقّى لهم من حقوق على أرضهم .

ولا يحتاج الباحث إلى عناء كبير لدحض محاولات تكييف القانون “الإسرائيلي” الأخير بشأن الاستفتاء، لكن استعراض بعض الحقائق والوثائق الدولية، كفيل برد حجج “إسرائيل” والقوى المتنفذة التي تشجّعها أو تتغاضى عن سلوكها، بحيث يتحوّل ما هو أساسي إلى ثانوي وتصبح المناقشات العقيمة بشأن تجميد الاستيطان من عدمه هي الأساس، في حين أن القضية تتعلق بحق تقرير المصير والانسحاب الكامل .

إن قواعد القانون الدولي الانساني، لاسيما اتفاقيات جنيف لعام 1949 وملحقيها لعام 1977 لا تعطي أية شرعية للمحتل باجراء تغييرات ديموغرافية أو قانونية أو اقتطاع أجزاء أو ضمّها من الإقليم المحتل، بل تفرض عليه ضرورة احترام المكوّنات القائمة والعمل على توفير مستلزمات إدارة السكان المحليين لها، ولعل أيّ إجراء من هذا  القبيل يعتبر باطلاً ولاغياً ولا شرعياً . وقد صدر عن مجلس الأمن العديد من القرارات التي تؤكد عدم شرعية الاحتلال “الإسرائيلي”، واعتبار الأراضي التي ضمّتها “إسرائيل” “أراضي محتلة” بما فيها القدس، وقضت تلك القرارات ببطلان اعلان “إسرائيل” ضم القدس أو اعتبارها عاصمة لها، حيث تعتبر القدس منذ قرار الجمعية العامة رقم 181 الصادر في 29/11/1947 “مدينة مدّولة”، الأمر الذي يضع المركز القانوني للجزء الغربي منها محل تساؤل قانوني عندما أقدمت إسرائيل على ضمه في العام 1949 .

كما ان القرار 194 بشأن حق العودة الصادر في 11/12/1948 نصّ على “تدويل القدس” وأنشأ لجنة تحقيق لوضع نظام دائم للتدويل، ودعا قرار صادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة بعد عدوان 5 يونيو/حزيران العام 1967 إلى إلغاء التدابير المتّخذة لتغيير وضع مدينة القدس (قرار ج . ع في 4 يوليو/تموز 1967) .

ولعل قرار مجلس الأمن رقم 242 الصادر في 22/11/1967 كان قد دعا إلى انسحاب القوات “الإسرائيلية” من الأراضي المحتلة، وإيجاد تسوية عادلة للاجئين الفلسطينيين، أي انه لم يعترف بشرعية الاحتلال أو الاستيلاء على الأراضي وضمّها بالقوة، بما فيها القدس، وكذلك القرار 338 الصادر في 22/10/1973 والذي صدر اثر حرب اكتوبر تنفيذاً للقرار 242  قضى بانهاء الاحتلال “الإسرائيلي” للضفة الغربية بما فيها القدس وقطاع غزة .

وعندما أقدمت “إسرائيل” على ضمّ القدس الشرقية والجولان السورية اليها  أصدر مجلس الأمن قرارين يقضيان ببطلان ضمّ الأراضي بالقوة والمطالبة بالانسحاب، وكان القرار الأول قد صدر بشأن القدس في ،1980 أما القرار الثاني فقد صدر بخصوص الجولان السورية العام 1981 .

سقتُ أرقام وتواريخ القرارات الدولية والنصوص القانونية، التي تدين “إسرائيل” وتمنع عليها وعلى اداراتها فرض قوانين جديدة أو تغيير قوانين الاقليم المحتل، بهدف تبيان أن  القانون الإسرائيلي الأخير يعتبر باطلاً من أساسه، سواءً حصل الاستفتاء أو لم يحصل، وسواءً وافق المحتل أو لم يوافق، لاسيما إذا تعلّق الأمر بالانسحاب، لأن المناطق التي ضمّت إلى “إسرائيل” واعتبرت ضمن السيادة “الإسرائيلية”، هي مناطق واقعة تحت الاحتلال، والاحتلال في القانون الدولي هو: عمل مادي وليس تصرفاً قانونياً فحسب، ويعتبر حسب قرارات الأمم المتحدة والشرعية الدولية جريمة تستحق العقاب، لاسيما بموجب قرار الجمعية العامة 1514 (الدورة الخامسة عشر للجمعية العامة للأمم المتحدة) الصادر في 14 ديسمبر/كانون الأول 1960 .

وبما انه تصادف الذكرى الخمسين لصدور هذا القرار التاريخي، الذي يعتبر محطّة مهمة في تصفية الكولونيالية وعدم الاعتراف بشرعية ضمّ الأراضي بالقوة أو الاستيلاء عليها تحت أي سبب كان، فإن استعادة هذا القرار له دلالة مهمة حين يقرر “منح الاستقلال للبلدان والشعوب التابعة والمستعمرة” وقد حصلت الكثير من الشعوب على حريتها واستقلالها، لاسيما في آسيا وإفريقيا تنفيذاً لهذا القرار التاريخي المستند إلى مبدأ حق تقرير المصير .

الاحتلال كما ذكرنا عمل مادي باطل بطلاناً تاماً، إذ لا يجوز الاتفاق على مخالفة قواعد القانون الدولي الإنساني تحت أي مبرر، أي معالجة الانتهاك المادي بانتهاك قانوني، خصوصاً أن الاحتلال يخالف قاعدة آمرة مهمة في القانون الدولي Jus Cogens التي  تقول بتحريم الاستيلاء على الأراضي بالقوة، ولا يمكن لقانون القوة أن يفرض استفتاءً لمحتلين على أراضٍ محتلة ليس من حقهم الوجود فيها، فما بالك بحق التصرف بمستقبلها بالضد من حق تقرير المصير .

إذا كانت قواعد القانون الدولي السبعة الأساسية لا تجيز الحق في الحرب أو العدوان أو الاستيلاء على الأراضي، فإن التطويرات اللاحقة لقواعده أكّدت احترام سلامة الأراضي لجميع الدول الأعضاء واحترام الاستقلال السياسي، مثلما هو احترام الحدود ووحدة الأراضي، وهذان المبدآن أصبحا من الحقوق الآمرة، مثلما هي حقوق الانسان باعتبارها من الحقوق ذات العلوية في القانون الدولي، وحصل ذلك اثر اتفاق هلسنكي للأمن والتعاون وبحضور 33 دولة أوروربية، إضافة إلى الولايات المتحدة وكندا في العام 1975 في ظل توازن القوى الدولي آنذاك، وحتى إن جاءت هذه المبادئ في إطار ميثاق الأمم المتحدة الاّ أنها اعتبرت مبادئ مستقلة في هلسنكي، أي أسست لقواعد قانونية شارعة ومنشئة سواءً كانت جديدة أو مثبتة لها .

الاحتلال مؤقت وليس دائماً وليس بإمكانه نقل السيادة إلى القوات المحتلّة أو التصرف بها حسب اتفاقيات جنيف لعام ،1949 وبهذا المعنى فإن أي إجراء لإدامة أمد الاحتلال يعتبر جريمة إضافية تستحق الملاحقة للقائمين عليها كمجرمي حرب وهي جرائم لا تسقط بالتقادم . وقد جاء في تعريف ماهية العدوان في القرار رقم 3314 في العام 1974 (م  1): العدوان هو احتلال كل أو جزء من أراضي دولة، مثلما نصت المادة (5) من نظام روما للمحكمة الجنائية الدولية: العدوان جريمة من الجرائم التي تقع ضمن الاختصاص الموضوعي للمحكمة .

إن مبدأ السيادة يقضي بعدم إملاء أي قرار محلي أو دولي على اقليم الدولة المحتلة بالضد من ارادتها الحرة وبالضد من ارادة سكانها، وأوجب القانون الدولي احترام القوات المحتلة القوانين المدنية والجنائية والادارية التي كانت سائدة قبل الاحتلال .

وبهذا المعنى أن الاستفتاء هو مخالفة صريحة لمبدأ حق تقرير المصير المنصوص عليه في المادتين الأولى والخامسة والخمسين من ميثاق الأمم المتحدة، وإن “إسرائيل” بتصرفها تريد جعله قاعدة على الرغم من كونه استثناءً غير مقبول، لذا فالجهد ينبغي أن ينصّب فلسطينياً وعربياً وإسلامياً وإنسانياً، بما فيها لمؤسسات المجتمع المدني على رفض الاحتلال والتمسك بحق تقرير المصير والانسحاب الكامل وإقامة الدولة الفلسطينية، وعدا ذلك سيكون مناقشة في تفاصيل الاستثناءات “الإسرائيلية” التي تجري بالضد من القانون الدولي المعاصر وقواعد العلاقات الدولية .

باحث ومفكر عربي


365
المنبر الحر / الحداثة وما بعدها !
« في: 09:24 28/12/2010  »
الحداثة وما بعدها !
عبد الحسين شعبان
باحث ومفكر عربي

ما زال مصطلح " ما بعد الحداثة" حتى الآن يثير الكثير من الغموض والابهام وربما الالتباس فيما نعني به، فهل هو آيديولوجي أو نظرية اجتماعية او اتجاه أدبي نقدي؟ أم هو مشروع تحرر فكري وعملي نشأ من رحم مشروع الحداثة على حد تعبير هابر ماس ، والذي يمكن اعادة أصوله الى فلسفة نيتشه التشاؤمية.
ومثلما انشغل مفهوم الحداثة بالحركة الجمالية التي تجلّت في القرن العشرين أو قبله بقليل وظلّ فضفاضاً ولزجاً، فإن ما بعد الحداثة هو الآخر يحمل ذات الاتساع والشمول، وقد تجلّت أفكار الحداثة بشكل خاص في الفنون البصرية والموسيقى والادب والدراما، التي تجاوزت المعايير الفكتورية للفن من حيث استهلاكه وقصديته، الاّ أن الحركة امتدت لتشمل حقولاً واسعة، من الشعر الى الرواية، وهكذا طبعت أعمال وولف وجويس وإليوت وبروست وريكله وغيرهم حداثة القرن العشرين. ويمكن ادراج الفنون والآداب والسينما والموسيقى وعلم الاجتماع وعلم الاتصال والتكنولوجيا والهندسة المعمارية والأزياء وغيرها في إطار ما بعد الحداثة، رغم أن البعض ينظر اليه باعتباره مفهوماً عائماً وغير محدد.
هناك من يعتبر تيار ما بعد الحداثة هو بداية لعهد جديد حيث انتهت السرديات الكبرى لجميع المذاهب والفلسفات الكبرى التي سعت لتفسير العالم على نحو شمولي، وهذه المذاهب كبّلت الفكر وساهمت في حجره في إطار ضيق، الأمر الذي ساهم في انتهاك حقوق الانسان، خصوصاً بادعاء احتكار الحقيقة. وهكذا فإن التنوّع والتعددية والاختلاف والتفكيك واللاتحديد من سمات عهد ما بعد الحداثة، الذي يسعى لتجاوز التصورات العقلية بما فيه الذات العاقلة التي أرسى دعائمها ديكارت وصولاً الى كانت حيث تمتاز أفكار ما بعد الحداثة بنقد الاساس العقلاني والذاتي للحداثة ذاتها.
ويعتبر المفكر آلان تورين أن فكر ما بعد الحداثة يشكل قطيعة مع أفكار الحداثة، حيث المجتمعات الصناعية المتضخمة التي لا تكفّ عن التسارع والاستهلاك الثقافي، فإذا كانت الحداثة قد استدعت سلطات مطلقة، فإن هذه السلطات تفككت في عهد ما بعد الحداثة، بحيث شكلت قطيعة أخرى مع النزعة التاريخية عن طريق احلال التعددية الثقافية محل الوحدة، وهو ما أعطى سوق الفن أهمية جديدة، بحيث انتصرت المؤسسات الانتاجية والاستهلاك على الايروس          والأمة.
وحسب قراءاتي المتواضعة للحداثة وما بعدها، فأستطيع القول لا يوجد تعريف جامع مانع لما نعنيه بالمفهوم، كما ان تحديده يفقده الكثير من معانيه المفتوحة ويدخله في إطار نسقي، لاسيما متى دخل "حيّز التنفيذ" كما يقال في القانون، ثم متى بالضبط كانت استخداماته قد بدأت متقطعة أو متصلة، خصوصاً وهو يتداخل ويتراكب ويتخالق مع مفهوم الحداثة ذاتها، التي ما تزال الكثير من الشعوب والأمم عند عتباتها الاولى أو ربما لم تلجها بعد، رغم أن أشكال التعبير عنها قد تبلورت في مطلع القرن الماضي، لدى شعوب وأمم أخرى وسادت عالمياً، الأمر الذي يجعل المفهوم ضبابياً، خصوصاً لجهة ارتباطه بالحداثة ذاتها التي ما تزال سارية المفعول، حيث يتقاطع الاقتصاد بالجنس والنظام الرقمي (الديجيتل) بالثقافة والفلسفة بالسياسة، والفن بالتجارة، والدين بالسلطة.
لقد استند مفهوم ما بعد الحداثة في ظل العولمة، خصوصاً في الطور المتقدم الجديد من الثورة العلمية التقنية وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات والثورة الفضائية وثورة الجينيوم، الى قاعدة جوهرية تقوم على التعددية، باعتبارها دستوراً ناظماً للمجتمعات بالمعنى والنموذج ولا ينفصل عن الديمقراطية، والتنوّع وجدل الهويات، خصوصاً بانهيار الانظمة الشمولية في أوروبا الشرقية.
وهكذا فإن ما أفرزه عهد ما بعد الحداثة رغم انه في بداياته، إنما يعكس تعديلات علمية ومخططات حياتية ونماذج سلوك جديدة، وهذه تشكل الوجه المغاير للأنظمة التوتاليتارية، لانها ضد جميع أوجه التسلط والاستبداد القديمة والجديدة.
وإذا أردنا العودة الأولى لاستخدامات ما بعد الحداثة، فقد بدأت في منتصف القرن الماضي وهو ما تحدث به لوتس غيلد ستزير، لكن الرسام الانكليزي جون واتكنز جابمين وبعض رفاقه استخدموه منذ العام 1870، ثم استخدم على يد بانفتز في كتابه أزمة الحضارة  الغربية في العام 1917، مشيراً الى أن الأزمة هي أزمة الانسان، واستخدم مجدداً سمرفيلد، موجزاً لموسوعة أرنولد توينبي بإشارة الى المرحلة الراهنة التي تمرّ بها الحضارة الغربية (1947)، وذلك بتجاوز مفهوم الدولة القومية الى التكامل والاندماج العالمي.
ولهذا فإن صعوبة تحديد المفهوم زمانياً ومكانياً وتاريخياً ستظل سمة بارزة له، الاّ إذا أخذنا الانعكاسية ووعي الذات في تحديده من خلال رأسمالية السوق وبخاصة المتعددة الجنسيات في ظل تعددية عصرانية واجتماعية وتشكيلات علمية ومخططات حياتية ونماذج تعتمد على التنوّع وتقف بالضد من السيطرة والتسلط، وهو الأمر الذي يبرز من خلال تطور العالم عبر وسائل الاعلام والاتصال وظهور وانبعاث الثقافات المحلية وصعود فكرة الهوية وإضفاء التعددية الثقافية على مجتمعات واحدية، سواءً بقبول فكرة التنوّع أو بانفصال حركات وكيانات وتوزّعها على دول ومجتمعات، وذلك عبر تطور كوني قاد الى مجتمع صناعي متضخم والقطيعة من النزعة الثورية وحلول التنوّع الثقافي ومن ثم ظهور سوق الفن .
إن خطاب ما بعد الحداثة يحاول إيجاد قيم جديدة وبديلة عن مبادئ العقلانية والتنوير، لاسيما ببروز التعددية والاختلاف وتنامي الهويات القومية والفردانية وبحرية الاعتقاد والملبس والمأكل وأشكال الممارسات اليومية بالضد من وحدة الهوية، الأمر الذي يطرح أسئلة ساخنة وحادة حول المفهوم ومصيره شكلانياً وموضوعياً ومع أن وسائل الاتصال الالكتروني والانترنت وغيرها قد جعلت العالم كله قرية واحدة، لكن مجتمع ما بعد الحداثة لم يزل هلامياً  رغم وسائل التعبير الهائلة عنه، خصوصاً فيما يتعلق بالقيم الانسانية والعقلانية وصراع الحضارات وصدام الهويات، ولعل ما كانت تتعرض له فكرة الحداثة من نقد ايجابي وسلبي هي نفسها التي تتعرض لها فكرة ما بعد الحداثة.




366
رمزية القرار 1514 و«متحفية» الكولونيالية!

عبد الحسين شعبان
باحث ومفكر عربي
تمرّ هذه الأيام الذكرى الخمسون لصدور إعلان الأمم المتحدة الخاص بتصفية الاستعمار Decolonization ففي 14 كانون الأول (ديسمبر) العام 1960 صدر القرار رقم  1514 من الجمعية العامة للأمم المتحدة بعنوان «إعلان منح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمَرة»، وارتبط هذا الإعلان بحصول العديد من شعوب أفريقيا وآسيا على استقلالها وحقها في تقرير مصيرها، وبالطبع لم يكن ذلك بمعزل عن نضالها وتضحياتها، التي أسهمت  في دفع المجتمع الدولي إلى الإقرار بحقوقها وفي إصدار مثل هذا الإعلان، ناهيكم عن حصولها على استقلالها تنفيذاً لما جاء في حيثيات القرار 1514 وتحقيقاً لتوازن القوى الجديد الذي شهده العالم آنذاك، لاسيما بعد مؤتمر باندونغ العام 1955، إضافة لتبلور كتلة عدم الانحياز في العام 1961 والتي عُرفت لاحقاً بمجموعة الـ 77 والتي أصبحت تضم اليوم 143 دولة.
لعل جيلنا اليوم يستذكر برمزية خاصة القرار 1514، فذكراه ترتبط بنهوض الشعوب وتطلعاتها نحو الحرية وقيام أنظمة وطنية وثورات تحررية وزعامات كبرى مثل جواهر لال نهرو وجمال عبد الناصر وجوزيف بروز تيتو وهوشي منه وماوتسي تونغ وآخرين، الذين شكّلوا علامات بارزة في حركة التحرر آنذاك، وخصوصاً منذ أوائل الخمسينيات وحتى أواخر السبعينيات من القرن الماضي.
دخل حق تقرير المصير الأدب القانوني على نحو رسمي بعد الحرب العالمية الأولى 1914، وذلك عبر رافعتين أساسيتين، الأولى في ما تبنّته ثورة أكتوبر الروسية، من إعطاء شعوب روسيا حقوقها بعد الإطاحة بالقيصرية  العام 1917، وما شمل مرسوم السلام الذي صدر غداة الثورة، والثانية هي إعلان الرئيس الأمريكي ويلسون المتضمن أربع عشرة نقطة، مؤكداً على حق تقرير المصير، الذي حاول بجهود مضنية إدراجه في عهد عصبة الأمم العام 1919، لكن جهوده لم تتكلل بالنجاح بسبب التيار السائد آنذاك، والذي اعتبر فكرة حق تقرير المصير بمثابة تجاوز على الدولة الوطنية ووحدة أراضيها.
وإذا كانت صفحة الاستعمار (الكولونيالية) التقليدية قد طويت في العام 1990 إلاّ أن ثمت استعمار استيطاني، إجلائي استمرّ حتى بعد انتهائه على المستوى العالمي في جنوب أفريقيا العام 1993، ونعني به الاستعمار الاستيطاني الصهيوني إزاء شعب فلسطين الذي ظلّ محروماً من حقوقه العادلة والمشروعة، ولاسيما حقه في تقرير مصيره الذي أكّد عليه القرار 1514، يوم أشار على نحو واضح «أن لجميع الشعوب الحق في تقرير المصير» وعلى حقها «في أن تحدد بحرية مركزها السياسي، وأن تسعى بحرية إلى تحقيق نموّها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي» وجاء فيه «ومن أجل ذلك طالبت الجمعية العمومية في هذا الإعلان جميع الدول بوقف فوري لمختلف الإجراءات القمعية والأعمال العسكرية الموجهة ضد الشعوب تمكيناً من إيصالها إلى استقلالها الناجز سلمياً و إلى احترام وحدتها الإقليمية».
وتزامن صدور القرار 1514 مع صدور قرار آخر أعقبه بيوم واحد برقم 1541 (15 كانون الأول/ديسمبر 1960) تمّ بموجبه وضع 12 مبدأ للتعريف بالأقاليم الواقعة تحت الاستعمار وتطورها باتجاه الحكم الذاتي وضرورة مساعدتها لبلوغ هذه الغاية وصولاً إلى الاستقلال، لكن ما تميّز به القرار 1514 هو اعتبار الاستقلال الطريقة الوحيدة لتحقيق تقرير المصير للأقاليم غير المحكومة ذاتياً، في حين أن القرار 1541 قدّم خياري الاتحاد أو الارتباط بدولة مستقلة، لكنه في الوقت نفسه أكّد أن الاستقلال هو النتيجة الطبيعية التي تحصل عليه الأقاليم غير المحكومة ذاتياً أو غير المستقلة.
ولعل ما عزّز القرار 1514 بشأن تصفية الكولونيالية والقرار الذي تلاه واستكمله 1541 هو صدور قرار من الجمعية العامة بعد عشر سنوات اتخذ من مبدأ حق تقرير المصير أساساً لتطوير أحكام تتعلق بالقانون الدولي. وقد صدر قرار الجمعية العامة تحت رقم 2625 في 24 تشرين الثاني (نوفمبر) 1970 وتحت عنوان «إعلان حول مبادئ القانون الدولي المتعلقة بعلاقات الصداقة والتعاون بين الدول وفقاً لميثاق الأمم المتحدة».
إن القراءة المتمعّنة لهذا القرار تتيح النظر إلى ما يتجاوز فكرة حق الشعوب في تقرير مصيرها الواردة في القرار 1514، الذي استبعد حق الأقليات، في حين أن القرار 2625 يربط فكرة حق تقرير المصير بالأقليات أيضاً، مع أنه يصبّ في أساس مبادئ القانون الدولي المعترف بها، والتي تشمل سبعة مبادئ جاء الميثاق على ذكرها، لكنها وجدت تطويراً وتأكيداً لها في هذا الإعلان الذي يعُتبر على قدر من الأهمية، لأنه صدر ضمن توازن قوى دولي بين الكتلتين (الاشتراكية والرأسمالية) وفي ظروف الحرب الباردة والصراع الإيديولوجي، واضعاً ترابطاً بين المبادئ القانونية الدولية، محاولاً إعطاء فكرة حق تقرير المصير معنى أوسع ومحتوى أشمل.
إن أهم ما في هذا الإعلان ربطه بين فكرة حق تقرير المصير والحكومة التمثيلية وعليها ستتوقف الوحدة الإقليمية والسياسية للدولة المستقلة، ويعني هذا النص أن أية حكومة غير تمثيلية ستتيح للشعوب حق المطالبة بتقرير مصيرها، دون التعكّز على فكرة قدسية «الوحدة الإقليمية والسياسية» إلاّ إذا ارتبطت بالحكومة التمثيلية و«الحقوق المتساوية وتقرير المصير للشعوب» دون تمييز بسبب العرق أو الدين أو العقيدة أو لأي سبب آخر.
فالوحدة ستكون محتملة بوجود حكومة تمثيلية، بمعنى أن الجزء الذي لا تمثله الحكومة لن يكون مُلزَماً باحترام الوحدة الاقليمية للدولة، وهكذا سيصبح الانفصال Secession أمراً متوقعاً، وأعتقد أن محكمة العدل الدولية بقرارها المؤرخ في 24 تموز (يوليو) 2010 بخصوص كوسوفو ذهبت بهذا الاتجاه، يوم أعطت رأياً استشارياً مفاده: أن الاستقلال (الانفصال من طرف واحد) لا ينتهك القانون الدولي، وذلك بناءً على طلب من الجمعية العامة للأمم المتحدة، وهو الأمر الذي قد يصبح واقعاً بعد الاستفتاء في جنوب السودان في 9 كانون الثاني 2011 القادم. ولعل قرار محكمة لاهاي سيكون سابقة قانونية وقضائية يمكن الاستناد إليها دولياً لإعلان الاستقلال من طرف واحد فيما إذا كانت الظروف الموضوعية والذاتية تستجيب لذلك، حيث تصبح الوحدة دون رضا جزء من السكان، شعب، أو مكوّن ثقافي، مفروضة وقد تحتاج إلى  فك ارتباط، لاسيما إذا اقترنت بنزاعات عسكرية!
لكن مثل هذا الرأي الذي يذهب إليه عدد من فقهاء القانون الدولي يعارضه آخرون حيث يعتبرون أن الإعلان ينطبق على الشعوب التي تعيش في ظل أنظمة عنصرية، ولا علاقة له بموضوع تطبيقات حق تقرير المصير على المستوى الداخلي، أي أن حذراً مصحوباً بشيء من القلق على مصير الوحدة الإقليمية احتواه القرار، لاسيما فيما يتعلق بالجانب الداخلي، حيث أكد «أن وجود دولة مستقلة ذات سيادة وتملك حكومة تمثيلية تعمل بفاعلية تجاه جميع الشعوب المتميزة distinct الموجودة داخل أراضيها، يفترض أنه يرضي مبدأ الحقوق المتساوية وحق تقرير المصير لهذه الشعوب».
وهكذا فإن حق تقرير المصير يتم تقييده بمبدأ الوحدة الإقليمية وحرمة الحدود والسيادة، على الرغم من التطور الذي حصل في هذا الميدان الحيوي من القانون الدولي، فإن بعض التطبيقات التي جاءت عقب حروب ونزاعات حربية دفعت الأمور باتجاه ترجيح كفّة الاستقلال أو الانفصال، على حساب وحدة لا تُرضي المكوّنات المختلفة جميعها، ففي حين يتمسك الاتجاه السائد بفكرة السيادة الإقليمية ووحدة الأراضي، يميل الاتجاه الآخر، إلى الحق في تقرير المصير، خصوصاً عندما يتعذّر العيش المشترك، أو عندما يصبح مستحيلاً حسب تقديرات «أقلية» ما أو مكوّن بعينه أو شعب له خصوصية في دولة متعددة القوميات.
وإذا كانت كوسوفو قد أعلنت انفصالها (استقلالها) من طرف واحد في 17 شباط (فبراير) العام 2008 واعترف بها حتى الآن 69 دولة على الرغم من معارضة كل من صربيا وروسيا لاعتبارات قومية ودينية وجيو سياسية، فإن تيمور الشرقية أنشئت بقرار من مجلس الأمن، الأمر الذي يحتاج إلى وقفة جدية، ونحن نستعيد ذكرى القرار 1514  ودلالاته الفكرية والسياسية والقانونية وانعكاساته على صعيد الدول المتعددة القوميات، وهو ما حاولت إضاءته في مؤتمر الجزائر الأكاديمي الرفيع المستوى، الذي نظمه وزارة الخارجية الجزائرية بحضور مفكرين وقانونيين ودبلوماسيين وأكاديميين بارزين.
واعتقد ان موضوعاً بهذا الوزن يحتاج الى نقاشات أوسع وحوارات أشمل، لأنه سيواجه العديد من بلدان العالم المتعددة القوميات ومنها العراق، لاسيما مطالب الشعب الكردي في العراق بوضع حق تقرير المصير موضع التطبيق، سواءً بالاتحاد الاختياري، الطوعي، أو بالحق في تشكيل كيان سياسي مستقل دولة، فضلاً عما يمكن أن يواجه المجتمع الدولي وبشكل خاص دول الجوار العراقي من ردود فعل متأثرة ومؤثرة بالواقع القائم، ناهيكم عن افتراض اللجوء الى الحلول القانونية والقضائية بما فيها الى فتوى من محكمة العدل الدولية!!


367
ما وراء تسريبات "ويكيليكس"؟   

 
عبدالحسين شعبان
هل أصبح موقع “ويكيليكس” إمبراطورية مترامية الأطراف، بعد أن شغلت تسريباته العالم كلّه؟ فعلى الرغم من اعتقال صاحبه في لندن مؤخراً بطلب من الحكومة السويدية ومن ثم إطلاقه بكفالة، فإنه لا يزال يهدد وكأنه يمتلك أسلحة دمار شامل، ويبدو أنه مازال في جعبته الكثير، وعلى الرغم مما رشح عنه حتى الآن مع أهميته الفائقة، إلاّ أنه حسبما يبدو يمتلك الكثير من المعلومات والأسرار الأكثر أهمية، حتى وإن كانت تلك محط جدل وتساؤل، لاسيما الوثائق التي تخصّ الاتصالات السرية الحكومية والاستخبارية الأمريكية، ومنها ما يتعلق بالصراع في الشرق الأوسط ومواقف القادة “الإسرائيليين” .

اللافت للنظر هو تزامن نشر وثائق “ويكيليكس” مع إقدام “إسرائيل” على تنحية رئيس جهاز الموساد مئير داغان الذي قضى ثماني سنوات في منصبه، وتعيين تامير باردو محلّه، وهو رئيس جهاز الموساد الحادي عشر منذ قيام “إسرائيل” في العام 1948 وحتى الآن .

إن ما قام به جوليان أسانج صاحب موقع “ويكيليكس” من تسريبات، كان مفاجأة دولية من العيار الثقيل، هزّت النظريات الدبلوماسية والأمنية على المستوى العالمي، فقد كانت أبعد من حدود الفضيحة الأمنية أو الاستخبارية وأخطر من حدود الدبلوماسية التي تخفي وراءها ابتسامات كاذبة ووعوداً وتقارير منمقة ومعلومات سياسية أو عسكرية، وأعقد من حدود الدولة التي تتعامل مع المعطيات والقوانين والقواعد الدولية . فقد أظهر هذا الحدث الكوني أن كل شيء لم يعد بمنأى عن الكشف، سواءً كان عملاً قبيحاً حسب توصيف العمليات الأمنية القذرة أو دبلوماسية خادعة هدفها تضليل الآخر، أو عرض خدمات شخصية لمسؤولين، أو إيصال رسالة حكومية أو خاصة، فكل شيء أصبح معرضاً لأن يكون غداً تحت ضوء الشمس، بعد تسريبات موقع “ويكيليكس”، التي أزاحت الستار عن صندوق المعلومات السري الأسود وخزانات الأسرار الغامضة .

لعل لجوء “إسرائيل” السريع إلى تغيير رئيس جهاز الموساد لم يكن عملاً روتينياً، فحسب، ذلك أن الفضيحة الويكليكسية أضاءت بعض الجوانب من خطط، “إسرائيل” بما فيها محاولات ملاحقة قادة بارزين في المقاومة أو اغتيال أو تشويه سمعة شخصيات عربية مناهضة للصهيونية و”إسرائيل”، الأمر الذي سيكون معرّضاً للكشف، لاسيّما أنه يعني في ما يعنيه غلق ملف مئير داغان الغليظ القلب، الذي يلاحق ضحاياه بدم بارد غير مكترث لما ستؤول إليه الأمور، وفتح ملف من هو أقدر على القيام بالمهمة، ولكن من دون ترك أثر أو بصمة، تثير شبهة حول القاتل، وهو ما كان موضع تجاذب بين إيهود باراك وزير الدفاع “الإسرائيلي” زعيم حزب العمل ونتنياهو رئيس الحكومة وزعيم حزب الليكود .

وقد يكون السبب الرئيس في اختيار تامير باردو (57 عاماً والمنخرط في الجهاز منذ ثلاثين عاماً) ليحلّ محل مئير داغان هو كشف عملية اغتيال القيادي في حركة حماس محمود المبحوح، في دبي حيث ترك افتضاح الأمر وملاحقة المرتكبين وملابسات الجريمة تداعيات خطرة على العمل الاستخباري والدبلوماسي “الإسرائيلي”، على المستوى الإقليمي والعربي تحديداً، فضلاً عن المستوى العالمي، ناهيكم عن المواقف الدولية التي عبّرت عن خيبة أمل أخلاقية وسياسية مريرة لممارسات “إسرائيل”، وقد أدّت هذه العملية إلى توتير العلاقات الدبلوماسية بين “إسرائيل” وبعض البلدان الأوروبية، معرضة النجاحات السابقة للدبلوماسية “الإسرائيلية” إلى الاهتزاز، وعدم الثقة .

لقد استخدم رئيس جهاز الموساد “الإسرائيلي” مئير داغان عدداً من جوازات السفر الأوروبية، التي حملت أسماء أشخاص عاديين يهود يعيشون في “إسرائيل” أو في الخارج، ولو لم تنفضح العملية ببراعة جهاز المخابرات الإماراتي واللواء ضاحي خلفان تميم، قائد شرطة دبي، لكانت الملاحقات القانونية والأمنية، قد عرّضت هؤلاء الأشخاص اليهود للملاحقة من دون ذنب، وهو تصرّف لا أخلاقي لم تراع فيه “إسرائيل” أمن مواطنيها أو اليهود الذين استخدمت جوازات سفرهم .

وإذا كانت خلفية إزاحة داغان هي فشله في عملية المبحوح، فلعلّ السبب الثاني هو عدم حصوله على معلومات دقيقة لما تحتويه قافلة الحرية، التي أرسلت من جانب ناشطين أتراك لدعم صمود قطاع غزة . ويمكن القول إن اكتشاف بعض شبكات التجسس “الإسرائيلية” في لبنان، كان سبباً ثالثاً لتنحيته، لكن ذلك كلّه لا يرتقي إلى تسريبات “ويكيليكس”، التي جاءت متساوقة مع إقصاء رئيس جهاز الموساد “الإسرائيلي” .

وإذا كانت تسريبات “ويكيليكس” قد استفزت الكثير من الزعماء في العالم، لاسيما وزيرة خارجية الولايات المتحدة هيلاري كلينتون، التي كشفت التسريبات أنها كانت تحضّ الموظفين والدبلوماسيين الأمريكيين للحصول على معلومات تخص البلدان التي يعملون فيها، بمن فيهم بعض موظفي الأمم المتحدة، لكن أغلبيتهم الساحقة لم يكذّبوا تماماً ما جاء فيها، ملمحين إلى احتمال انعكاس تأثيراتها السلبية في حياة بعض الموظفين والدبلوماسيين، الأمر الذي استرعى انتباه هؤلاء، باستعداد واشنطن إجراء تنقلات تشمل عدداً من الأسماء الواردة في تسريبات “ويكيليكس” .

ولعل أخطر اتهام تمّ توجيهه إلى جوليان أسانج هو احتمال استفادة بعض الإرهابيين من اختراقات شبكة المعلومات واحتمال استغلالها لمصلحة عملياتهم الإرهابية، وهو الاتهام الذي تدرسه بريطانيا لمواجهة صاحب الموقع والتحقيق معه، خارج نطاق الاستهدافات الشخصية، في ما يتعلق بالاغتصاب أو التحرش الجنسي أو غير ذلك، والتي جاءت في أعقاب الضجة التي خلفتها تسريبات موقعه .

لكن الأكيد أن تسريبات “ويكيليكس” كانت مهمة لجهة المواطن العربي، الذي كان يدرك بسليقته أن مشكلة المنطقة هي استمرار وجود “إسرائيل” وعدوانها المتكرر على الأمة العربية، لاسيما استمرار اغتصابها حق الشعب العربي الفلسطيني في تقرير المصير وحق عودة اللاجئين وحق قيام دولة وطنية فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس . وقد لا يكون المواطن العربي بحاجة إلى وثائق أو نشر معلومات عن ارتكابات “إسرائيل”، لأنه يدرك بحكم ما وقع عليه من ظلم وأسى طيلة ستة عقود ونيف من الزمان، أن سبب تعطيل التنمية وتعليق الديمقراطية واستمرار العسكرة وكبت الحريات هو عدوان “إسرائيل” أو أنها كانت “عنواناً” لحجب حقوقه العادلة والمشروعة، خصوصاً وهي تشكل تحدّياً خارجياً مؤرقاً ينعكس على تحدياته الداخلية المختلفة والتي تزداد شدّة، كلما كان التحدي الخارجي قوياً .

لقد صبّت وثائق “ويكيليكس” في الاعتقاد الشعبي الراسخ حول ترابط غياب الديمقراطية ودور “إسرائيل”، إلاّ أن أسئلة تتجاوز تلك التسريبات ظلّت حائرة، وهي تتعلق بكيفية تسريب هذه المعلومات، لاسيما هذا العدد الكبير من الرسائل السرية الأمريكية، التي تشكل علامة استفهام، خصوصاً إذا كانت الولايات المتحدة، وهي القوة العظمى، غير قادرة على حماية أمنها المعلوماتي، فكيف السبيل إلى معلومات الغير؟ ومثل هذا الأمر يثير أحياناً التباسات وشكوكاً، خصوصاً أن “نظرية المؤامرة” جاهزة وتؤثر في عقول الكثير من الناس، وهي وإنْ كانت موجودة ومستخدمة على نطاق واسع، لكننا لا يمكن إخضاع كل شيء أو تفسير كل قضية طبقاً لها .

وإذا كانت تلك التسريبات فضيحة كونية، فإن الولايات المتحدة و”إسرائيل” اللتين طالما تبجحتا بأنهما الحصنان المنيعان وأسرارهما بعيدة عن النظر، فكيف ونحن إزاء هذا السيل العارم من المعلومات؟ ولعله من الآن وحتى إشعار آخر لم يعد باستطاعة أي زعيم أمريكي أو مسؤول أن يضمن سرّية المعلومات التي بحوزته، كما لم يعد بإمكان أي مسؤول حكومي أو دبلوماسي التحدث مع أي مسؤول أمريكي أو دولي صراحة من دون أن يفكّر باحتمال نشر كلامه، أو أن “ويكيليكس” أو مواقع أخرى تشبهه ستكون له بالمرصاد، كما أنه ليس بإمكان مسؤول أو دبلوماسي أو حتى عميل أو متعاون مع أجهزة أمريكية أو غيرها أن يكون في مأمن إزاء تسريبات قادمة قد تؤثر في موقعه .

لعل في ذلك مفارقة لم تحدث منذ بداية تاريخ البشرية وحتى اليوم، فالأجهزة الاستخبارية والأمنية بما فيها الدبلوماسية ظلّت حريصة على عدم انكشاف مصادر معلوماتها أو فضح أمر المتعاونين معها، وأحياناً تقوم بمبادلتهم أو حتى نقلهم من دولة إلى أخرى، حماية لهم وحرصاً على حياتهم ودفعاً لمساءلتهم، لاسيما إذا وقعوا بيد الغير أو تعرضوا للاستجواب والتهديد أو المغريات .

وإذا كان لا يمكن الإجابة بنعم أو لا على الكثير من الأسئلة التي طرحتها تسريبات “ويكيليكس”، ولكنها من دون أدنى شك بانتظار تفاعلات جديدة وما ستتركه من تأثيرات، وقد كان أول الغيث تنحية رئيس الموساد “الإسرائيلي”، استدراكاً لما قد يحدث، أما قضية جوليان أسانج فستبقى مثيرة، وهي أقرب إلى حبكة درامية ستطول قراءتها لسنين .

باحث ومفكر عربي


368
المواطنة.. من دولة الحماية إلى دولة الرعاية
      

عبد الحسين شعبان


لم تترسخ بعدُ في الدولة العربية الحديثة فكرة المواطنة على الصعيدين النظري والعملي، فهي تحتاج إلى جهد كبير على صعيد الدولة والحكم (السلطة والمعارضة) إضافة إلى مؤسسات المجتمع المدني على حد سواء، نظرا لغياب ثقافة المواطنة وضعف الهياكل والتراكيب والمؤسسات الناظمة للاجتماع السياسي الحكومي وغير الحكومي، بما فيها فكرة الدولة المدنية وسياقاتها!
وإذا كان بالإمكان اعتبار فكرة الدولة أعظم منجز بشري، لا سيما في إطار المنتظم الاجتماعي لحماية أرواح وممتلكات المواطنين وحفظ النظام والأمن العام، فإن فكرة المواطنة ارتبطت بالدولة الحديثة أو أخذت أبعادها الفكرية والحقوقية منها، ناهيكم عن أساسها السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي الراهن.

"
اعتمدت فكرة المواطنة في القرن الثامن عشر بالدرجة الأساس على بناء الدولة، لا سيما بأفقها الليبرالي الذي بشّر بإعلاء قيمة الفرد والحرية والسوق في إطار سيادة القانون، وشهد القرن التاسع عشر تطوراً في فكرة المواطنة بتعزيز الحقوق السياسية بعد إقرار الحد الأدنى من الحقوق المدنية، وبشكل خاص عند تطور مفهوم الديمقراطية الناشئ وقبول مبدأ الاقتراع العام.
أما في القرن العشرين فقد توسّعت فكرة المواطنة لتشمل مبادئ حقوق الإنسان الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، بعد التطور الذي حصل بإقرار الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948، خصوصا بتأكيد الحقوق المدنية والسياسية، ولهذا حظيت فكرة المواطنة باهتمام أكبر، لا سيما بانتقالها من فكرة تأسيس دولة الحماية إلى تعزيز دولة الرعاية.
لقد خطت بعض البلدان خطواتٍ مهمة في طريق تأمين الحقوق والحريات المدنية والسياسية، وسارت شوطا بعيداً في تعزيز الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لتأكيد حيوية وديناميكية فكرة المواطنة بمزاوجة الحقوق والحريات بالعدالة، ولا سيما بمعناها الاجتماعي، خصوصا وأن المواطنة لا تستقيم مع الفقر، وهو الأمر الذي نطلق عليه "المواطنة العضوية"، أي المواطنة التي تقوم أولا على قاعدة المساواة في الحقوق والواجبات وأمام القانون ودون تمييز بسبب الدين أو اللون أو اللغة أو الجنس أو العرق أو المنشأ الاجتماعي أو لأي سبب آخر.
ثانيا، قاعدة الحرية كقيمة عليا لا يمكن تحقيق الحقوق الإنسانية الأخرى من دونها، فهي المدخل والبوابة الضرورية للحقوق الديمقراطية السياسية، بما فيها حق التعبير وحق تأسيس الجمعيات والأحزاب وحق الاعتقاد وحق المشاركة السياسية في إدارة الشؤون العامة وتولّي المناصب العليا، وإجراء انتخابات دورية، وحق التملّك والتنقّل وعدم التعرض إلى التعذيب.. إلخ.
ثالثا، قاعدة الهوية الوطنية العامة التي يمكن أن تتعايش فيها هويات فرعية في فضاء من المساواة والحرية واحترام الهويات الأخرى في إطار الهوية العامة الجامعة، أي الإقرار بالتنوّع في إطار الوحدة، وليس التنافر والاحتراب، فقد ظلّ الاتجاه السائد في الثقافة المهيمنة يميل إلى عدم احترام الخصوصيات أو التقليل من شأنها ومن حقوق المكوّنات الأخرى، سواءً كانت قومية أو دينية أو لغوية أو غير ذلك.
رابعا، القاعدة التي تستند إلى فكرة المشاركة التي لا يمكن أن تتحقق من دونها عملية التنمية المستدامة: أي التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والقانونية فضلاً عن السياسية المستندة إلى قاعدة الحريات والحقوق المدنية والسياسية، التي تغتني بالمعرفة وتنمية القدرات، لا سيما التعليمية وتأمين حقوق المرأة واحترام التنوّع الثقافي والإقرار بالتعددية وتقليص الفوارق الطبقية وتحقيق العدالة الاجتماعية.
المواطنة تقوم وتستند إلى قاعدة المواطن/الفرد الذي ينبغي مراعاة فردانيته من جهة، ومن جهة أخرى حريته، الأساس في مساواته مع الآخر تساوقا في البحث عن العدالة. وتتعزز مبادئ المساواة والحرية في إطار المُنتظم الاجتماعي الوطني والائتلاف والانسجام من جهة، وتغتنيان بالتنوع والتعددية من جهة أخرى، وذلك من خلال الوحدة والاشتراك الإنساني والحقوق والواجبات، وليس عبر الانقسام أو التشظي أو التمييز.
وإذا كانت فكرة المواطنة تتعزّز من خلال الدولة، فإنها تغتني وتتعمق بوجود مجتمع مدني حيوي وناشط، بحيث يكون قوة رصد من جهة للانتهاكات المتعلّقة بالحرية والمساواة والحقوق، ومن جهة أخرى قوة اقتراح وليس احتجاج فقط، بحيث يصبح شريكا فعالاً للدولة في توسيع وتعزيز دائرة المواطنة العضوية وتأمين شروط استمرارها، لا سيما إذا تحولّت الدولة من حامية إلى راعية، مرتقية لتعزيز السلم المجتمعي والأمن الإنساني، خاصة بوجود مؤسسات ترعى المواطنة كإطار والمواطن كإنسان في ظل الحق والعدل.
"

"
مثلما هي فكرة الدولة حديثة جداً في المنطقة العربية، فإن فكرة المواطنة تعتبر أكثر حداثة منها وجاءت انبثاقاً عنها، على الرغم من وجود تجارب "دولتية" أو ما يشابهها في العهد الراشدي الأول وما بعده أو عند تأسيس الدولة الأموية بدواوينها ومراتبيتها التي توسّعت وتطوّرت في ظل الدولة العباسية وفيما بعد الدولة العثمانية، خصوصاً في الفترة الأخيرة من تاريخها حيث تأثّرت بمفهوم الدولة المعاصرة في أوروبا وبالأفكار الدستورية والقانونية الحديثة، لا سيما فكرة المواطنة التي اغْتنت في القرن العشرين باعتبارها "حقا" من الحقوق الأساسية للإنسان.
وإذا كان مفهوم المواطنة جنينيا في الدولة العربية الإسلامية، لا سيما فيما يتعلّق بتحديد مسألة الهوية، ناهيكم عن الحقوق الإنسانية، فإن هذا الحق، تساوقا مع التطور الفقهي والدستوري على المستوى الدولي، اكتسب بعداً جديدا في الدولة العصرية ومنها الدولة العربية، على الرغم من النواقص والثغرات التي لا تزال تعاني منها قياسا للتطور الدولي.
وقد تكرّس مبدأ الحق في المواطنة في أواسط القرن العشرين، خصوصا بصدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948 والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لعام 1966 والعديد من الوثائق الدولية، التي أكدت أن: لكل فرد في أي مكان من العالم الحق في أن تكون له صلة قانونية بدولة من الدول.
ويُستخدم في القانون الدولي مصطلح "المواطنة"، خصوصا في التعبير عنه باكتساب الجنسية التي تعتبر عنصراً حيويا وأساسيا من عناصر المواطنة، حين يتم الحديث عن منح الأشخاص الحق في حماية دولة ما إلى جانب حقوق سياسيةٍ ومدنية، التي تشكّل ركنا أساسياً في هوية الفرد/الإنسان. ويمكن تعريف المواطنة الحيوية أو العضوية بأنها "الحق في الحصول والتمتع بالحقوق بصورةٍ عادلة".
وإذا كان الحق في المواطنة قد ضمنه القانون الدولي، الذي حظر حرمان أي شخصٍ من مواطنته أو جنسيته التي أكّدتها المادة 15 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والتي نصت على أن: لكل إنسان الحق في الحصول على جنسية ولا يجوز حرمان إنسان بصورةٍ تعسفية من جنسيته ولا من حقه في تغييرها، فإن ذلك لم يمنع من بقاء ملايين البشر في جميع أنحاء العالم بدون جنسية، الأمر الذي ينتقص من مبدأ الحق في المواطنة، بغض النظر عن أن حالات انعدام الجنسية قد تنشأ من التعارض في القوانين ونقل تبعية الإقليم أو حالات الزواج أو وجود تمييز أو عدم تسجيل المواليد أو إسقاط الجنسية.
ولعل المثل الأكثر سفوراً في العالم العربي هو تهجير الفلسطينيين منذ العام 1948 وإسقاط حقهم في وطنهم، وبالتالي جعلهم عرضةً لحالات انعدام الجنسية. وسيساهم المشروع الجديد للجنسية في "إسرائيل" في حالات اللاجنسية وحرمان الكثيرين من حقهم في الحصول على جنسية، ناهيكم عن الانتقاص من حقوق المواطنة، وذلك بجعل هوية الدولة أساسا للتمييز وعدم الاعتراف بالحقوق، خصوصاً مطالبة سكانها بمن فيهم أهل البلاد الأصليون، أي فلسطينيي الداخل (عرب الـ48)، بأداء قسم الولاء للدولة اليهودية "النقية" (الديمقراطية).
ولا شك أن اتّساع وانتشار حالات اللاجئين وأوضاعهم هي التي دفعت الأمم المتحدة إلى إنشاء مكتب للمفوضية السامية للاجئين كإحدى وكالات الأمم المتحدة المسؤولة عنهم وللحد من ظاهرة انعدام الجنسية، التي لا تزال مستفحلة في العديد من بلدان العالم الثالث، ومنها البلدان العربية، الأمر الذي لا يمكن معه الحديث عن دولة رعاية، فما بالك بدولة الحماية المنشودة!
لقد أدركت العديد من الحكومات أنه لم يعد بإمكانها اليوم التملّص من حالات المساءلة بموجب القانون الدولي بإلغاء أو سحب أو حجب حق المواطنة عن الأفراد والجماعات الذين يمكنهم إثبات وجود علاقة حقيقية وفعالة بينهم وبين بلدهم، سواء عن طريق رابطة الدم "البنوّة" للآباء على الرغم من أن العديد من البلدان العربية ما زالت تحجب هذا الحق عن الانتساب إلى جنسية الأم، في حين أن القانون الدولي لحقوق الإنسان يعطي مثل هذا الحق، أو "طريق الأرض" أي الولادة في الإقليم أو الحصول على جنسيته ومواطنته، أو اكتساب الجنسية نظرا للإقامة الطويلة والمستمرة والتقدم بطلب إلى السلطات المسؤولة عن ذلك.
وإذا كان انشغال النخب العربية بفكرة "الأمة الإسلامية" أو "الجامعة الإسلامية" برز في القرن التاسع عشر وربما في بدايات القرن العشرين، فإن الانبعاث القومي العربي بدأ يتعزز لاحقا حيث بدأت النخبة الثقافية والتنويرية الإسلامية والعلمانية الاهتمام بالفكرة الحديثة عن الدولة التي تعتبر المواطنة أحد مظاهرها الأساسية، فالشعب والحكومة والأرض والسيادة هي أركان الدولة وعناصر وجودها، التي تستقيم وتتعزز في ظل احترام الحقوق والحريات وتكريس مبدأ المساواة الكاملة والمواطنة التامة في إطار سيادة القانون.
"

"
وبالإمكان القول إن الموقف الذي حكم الدولة العربية الحديثة ومجتمعها الأبوي التقليدي كان قاصرا واستعلائيا في نظرته إلى المواطنة و"الأقلية" أو ما نطلق عليه التنوّع الثقافي. وهذه النظرة أعاقت ترسيخ سلطة الدولة، فـ"الأقلية" -قومية كانت أو دينية حسب وجهة النظر هذه- قد تكون "متآمرة" أو "انفصالية" أو أن تاريخها غير "مشرّف" أو ملتبس أو قد تكون "مسؤولة عن كوارث الأمة" مثلما يحلو للبعض أن يعلّق نكباتنا على شماعتها، وإنْ كان للتداخل الخارجي شأن في تشجيع بعض النزعات الافتراقية، لكن الأساس في ذلك هو السياسات الداخلية السلبية وهضم الحقوق والانتقاص من مبادئ المساواة والمواطنة الكاملة.
وهكذا تجد بعض الأفكار السائدة، التي تأخذ الأمور بالجملة وعلى نحو سطحي، توجه الاتهامات إلى مكوّنات ثقافية ودينية دون الحديث عن جوهر المشكلة، لا سيما الحقوق والمساواة والحرية وتكافؤ الفرص والمواطنة العضوية القائمة على قاعدة العدل. وقد أضعفت هذه النظرة من التوجّه نحو المجتمع المدني ابتداءً بالانتقاص من مفهوم المواطنة إلى الضغوط الاجتماعية المسنودة بالمؤسسة التقليدية العشائرية والدينية في الكثير من الأحيان.
وظلّ المجتمع العربي يعاني من الموروث السلبي بما فيه الديني الذي جرت محاولات لتوظيفه سياسيا بالضد من تعاليم الإسلام السمحاء، سواءً استهدف المسيحيين أو غيرهم، وكذلك استمرار النظرة الدونية إلى المرأة، وعدم الإقرار بالتعددية السياسية والفكرية والاجتماعية والقومية والدينية، الأمر الذي ينتقص من مبدأ المواطنة!!
   


369
ما أشبه اليوم بالبارحة: محنة المثقف العراقي!
عبد الحسين شعبان
باحث ومفكر عربي
في خبر عاجل داهمت قوات حكومية عراقية مقر اتحاد الأدباء والكتاب العراقيين وأغلقت النادي الترفيهي الذي يرتاده أعضاء الاتحاد، والذي ظلّ مستمراً منذ أن كان الشاعر الكبير الجواهري رئيساً للاتحاد بعد ثورة 14 تموز (يوليو) العام 1958، وعندما اتخذ النظام السابق قراراً بحظر تناول المشروبات الروحية في النوادي الاجتماعية، استثنى اتحاد الأدباء من ذلك لحساسية الموقف وحراجة التبرير، لكن الإجراء الأخير وضع المثقفين العراقيين أمام تحدّيات جديدة لا علاقة لها بالترفيه أو النوادي الاجتماعية، بقدر ما له علاقة بتديين السياسة والتجاوز على الحريات المدنية والعامة، والعلاقة بين المثقف والسلطة، تلك المعادلة الحساسة والملتبسة على طول الخط.
لم تكتفِ "الغزوة" المسائية لمقر اتحاد الأدباء والكتّاب العراقيين، بالمداهمة والتجاوز على حرمة الاتحاد وحسب، بل لجأت الى إرغام رئيس الاتحاد الشاعر الفريد سمعان على توقيع محضر يقضي بإغلاق النادي وعدم العودة الى فتحه، مثلما اقتضت تعليمات مجلس محافظة بغداد.
وإذا كانت الإجراءات التقييدية التي تم اتخاذها سابقاً، مغلفة بنزعة دينية، فهذه المرّة أضيف اليها طلاءٌ أخلاقي، وكأن الأدباء والكتّاب الذين يمارسون حقاً لهم ولسائر العراقيين مكفولاً دستورياً، تحميه اللوائح الدولية لحقوق الانسان، لا يدركون مصلحتهم ولا يعرفون حدودهم وبالتالي لا بدّ من "فتوى" حتى ولو كانت صادرة عن من لا يملك " حق" الإفتاء تزعم أنها الأحرص على مصالحهم والأعرف بأمورهم والأجدر بما ينبغي أو لا ينبغي عليهم القيام به. لقد احتجّ الأدباء والكتّاب وتجمعوا بتظاهرة ساندهم فيها الكثير من مؤسسات المجتمع المدني لأنهم يدركون أن تلك الإجراءات، إنما هي استلابٌ بإسم الدين وامتهان للكرامة بإسم الأخلاق، وهدر للحريات بإسم مكافحة الرذيلة، وهو أمرٌ يثير مفارقات كثيرة. ولعلّه لا ينبغي اختزال القضية الى مسألة جزئية لها علاقة بالنادي الترفيهي، بقدر ما تتعلق بالحريات العامة والخاصة، وسطوة بعض "المتنفذّين" باسم الدين أو بغيره لإخضاع العراقيين والمثقفين أساساً لفلسفة مجموعة تدّعي النطق بإسم المجتمع، كل المجتمع، دون تمايز أو اختلاف أو اجتهاد.
والأمر لا يتعلق بمسألة قانونية أيضاً، بل هو أبعد من ذلك بكثير، لاسيما الاعتداء الواقع على الأدباء والكتّاب وعلى الحريات بشكل عام. وقد يكون ذلك جواباً أو ردّاً على "تحرش" الأدباء والكتّاب ومنظمات المجتمع المدني بموضوع السلطة وقياداتها، لاسيما اختيار وزير الثقافة، الذي ينبغي استبعاده عن دائرة الحصص والتقاسم المذهبي والطائفي والإثني. وعلى الرغم من رمزية المسألة التي لا تقدّم علاجاً شافياً باتجاه إصلاح الأوضاع، وإنهاء مخلّفات الاحتلال، فإن الأمر له علاقة بحساسية المثقف ودوره، لاسيما بعد كبت وعنت مزمنين، بل معتّقتين، زاده التجاهل المتعمّد له ما بعد الاحتلال، تشريعياً وقانونياً، إضافة الى استصغار دوره، والتقليل من شأنه عملياً!
إن مشاكل مثل انقطاع التيار الكهربائي أو عدم توفّر الماء الصافي الصالح للشرب في الكثير من مناطق العراق وتدنّي مستوى الخدمات الصحية والتعليمية وانتشار القمامة والحواجز واستشراء الفساد المالي والاداري ونهب وتبديد المال العام واستمرار تعويم ماكينة الدولة بسبب عدم التوصل إلى تشكيلة حكومية توافقّية، كلّها ليست شاغلاً لمجلس محافظة بغداد ومن يقف خلفه الذين ما زالوا يعدون الشعب بالجنة الموعودة، ولكنها ليست على الأرض، بل عليهم الصبر، فالجنة الأخرى ستكون بانتظارهم، وما عليهم إلاّ الانصياع لاستحقاقات الحاضر، وإن كانت من بقايا الماضي، حتى وإن تغيّرت التسميات.
حصل هذا ويحصل على الرغم من التشدّق والكلام الصاخب حول العراق الجديد والديمقراطية والرفاه، ففي بعض المحافظات تم فرض الحجاب على طالبات لم يبلغن السبع سنوات من أعمارهن، وفي محافظة بابل أُصدرت الفتاوى لمنع الموسيقا والغناء وإلغاء مهرجان ثقافي، أما في البصرة فقد قرر " بعضهم" منع عروض سيرك فرنسي، وفي بغداد رفض مسؤول كبير في وزارة التربية شراء آلة بيانو لطلبة قسم الموسيقا بحجة أنها تساهم في نشر الموبقات، ورفض مسؤول آخر دخول معهد الفنون الجميلة ما لم تُزال التماثيل من أروقته لأنها تذكّره بتماثيل الجاهلية.
وإذا كانت بعض مثل تلك التصرفات فردية أو محدودة، الاّ أن صدور قرار من مجلس محافظة بغداد، لم يكن تصرفاً أو سلوكاً فردياً أو اجتهاداً شخصياً، بل هو إجراء مخطط ومؤدلج عن سابق إصرار، وهو ما يذكّر بقرار مجلس قيادة الثورة رقم 82 لسنة 1994 وغيره من القرارات التي صدرت في فترة متزامنة بشأن غلق النوادي الترفيهية، متذرعة بظروف الحصار الدولي الجائر.
لعل هذا القرار وتطبيقاته يعيد الى الأذهان قانون الحملة الإيمانية التي أطلقها النظام السابق، والتي صادرت الحريات المدنية، بحجة مكافحة  قوى الكفر والرذيلة وإعلاء راية الاسلام، وقد أطلق الرئيس السابق على نفسه لقب " عبدالله المؤمن" في استعادة تقليدية للرئيس المؤمن السادات. وإذا كانت ظروف الحصار الدولي على العراق آنذاك بدأت تضغط على عقول الناس ومعدهم الخاوية، فإن الظروف الحالية مختلفة تماماً، الأمر الذي يجعل استعادة الماضي إكراهياً نوعاً من الاستلاب والحنين لأوضاع التسلط بالمقلوب.
ولكن ما علاقة الإيمان اليوم في ظلّ حكومات التقاسم المذهبي والاثني بمحاولة إعادة عجلة الزمن الى الوراء وفرض نوع من الوصاية والتضييق على الحقوق المدنية والشخصية، سواءً بإصدار فتاوى أو التباكي على الدين وملاحقة المسيحيين وقتلهم إنْ لم يدفعوا الجزية، كما حدث للعديد من حالات الخطف التي شملت اليزيديين والصابئة أيضاً، ولا نريد الحديث عن التطهير الطائفي الذي شهدته مناطق كثيرة من العراق، بهدف فرض لون واحد أو نموذج واحد وإلغاء وإقصاء الآخر بمبررات مختلفة، لم تكن تنظيمات القاعدة الارهابية بعيدة عنها.
لم يكتفِ القائمون على تنفيذ تعاليم السماء بالقتل والتفجير، وإنْ كانت بطبعات مختلفة، بل لجأوا الى التحريم والتجريم، وهذه المرّة للمحاربة بالرزق، لاسيما للمسيحيين الذين يصرّون على البقاء في العراق والذين تسمح لهم تعاليم دينهم بيع المشروبات الروحية، حيث تمت ملاحقتهم بمثل تلك التوجّهات المتطرفة والمتعصبة وتقييد حقوقهم المدنية. لقد نسي مجلس محافظة بغداد مهماته الأساسية، التي تتلخّص في العمل على خدمة الناس وتأمين مستلزمات حياتهم المادية والمعنوية، لاسيما توفير الخدمات الضرورية وضبط النظام والأمن العام بالتعاون مع الأجهزة الرسمية المختلفة ، فالناس حسب الدستور النافذ والقوانين السائدة متساوون ولهم حقوق وحريات مثلما عليهم واجبات والتزامات، وهذه المجالس ليست مجالس عسكرية أوامرية للطوارئ والأحكام العرفية، بل هي مجالس عليها أولاً وقبل كل شيء احترام حق الاعتقاد والتعبير وحق المشاركة دون وصاية أو تسيّد أو ادعاء أفضليات تحت أي سبب كان. كما أن  الهدف من إنشائها ليس ملاحقة الناس في معتقداتهم وحرياتهم الشخصية وحقوقهم المدنية.
إن هذه الخطوة الاستفزازية بحق الحريات المدنية بشكل عام وحريات الأدباء والكتّاب بشكل خاص مؤشر خطير على حجم التجاوز الذي تجرأت على القوى المتعصبة والمتطرفة، ولعل الغريب في الأمر أن قرار مجلس المحافظة استند الى قرارات مجلس قيادة الثورة لعام 1994، الصادرة في ظل النظام السابق الذي اتهم بالاستبداد والدكتاتورية وهو اتهام في محلّه، لكن النظام البديل عنه ما زال متمسكاً بأسوأ قوانينه وأنظمته وممارساته، بل زاد عليها أحياناً، خصوصاً في ظل انفلات الارهاب وسوء الأوضاع الأمنية. من يدري فقد يلجأ مجلس محافظة بغداد غداً الى قطع اليد (قرار مجلس الثورة رقم 59/1994) وقطع الاذن (القرار رقم 115/1994) والوشم (القرار رقم 117/1994) تساوقاً مع قرارات سابقة لمجلس قيادة الثورة، أو إحياء القرار رقم 666 الخاص بالتهجير الصادر  في 7 أيار (مايو) لعام 1980 أو غيرها؟!
وإذا كان أدباء العراق وكتّابه كغيرهم من المواطنين ولا يتميزون عنهم بشيء سوى برهافة حسّهم وخصوصية وضعهم، وهو الأمر الذي يحتاج إلى رعاية كي يمارسوا دورهم الإبداعي والنقدي فإن مساواتهم مع النوادي الرخيصة أمرٌ يثير الاستغراب والاستنكار، ولا بدّ من تدخل قيادات الكتل والجماعات السياسية، لوقف مثل هذه الإجراءات إضافة الى تقديم الاعتذار لهم ولسائر المواطنين الذين شعروا بالاهانة جرّاء سوء التصرّف وهيمنة سوداء لا علاقة لها بالمدنية والتحضّر مثلما لا علاقة لها بالمقامات والمراجع الدينية التي عليها أن تتبرأ منها، وهي تعرف قبل غيرها أن المجتمع العراقي متنوّع وملوّن، ولا يمكن اختزال موزائيكه القومي والاثني والديني واللغوي لفلسفة أحادية، كما لا يمكن صبّه بقالب واحد تحت أية حجة أو ذريعة، الأمر الذي بحاجة الى إعادة النظر بالدستور، لاسيما بالصلاحيات الممنوحة لمجالس المحافظات والأقاليم، خصوصاً إذا تعارضت مع حقوق الانسان والحريات العامة والخاصة.
ولا بد للقضاء أن يقول كلمته إزاء هذه الإجراءات المخالفة لروح ونص الدستور وللحريات المدنية والحقوق الشخصية، التي لا يمكن التجاوز عليها، وعلى مؤسسات المجتمع المدني أن تحشد إمكاناتها لتعبئة الرأي العام ضد هذه الفوضى " القانونية" من جهة وضد الإجراءات الزجرية من جهة ثانية.
وأخيراً يجب على الحكومة اتخاذ قرار سريع وحاسم يقضي بإلغاء مثل هذه القرارات  التعسفية، الى أن يقوم البرلمان بسنّ قانون يضمن الحريات المدنية ويحاسب من يتجاوز عليها تحت أي حجة أو مبرر طبقاً لقواعد الدستور المعمول به، والتعديلات المنتظرة!.

370
بُعيد تسريبات «ويكيليكس» وعشية الذكرى الثانية للعدوان على غزة
العرب وديناميكية القانون الدولي

عبد الحسين شعبان
باحث ومفكر عربي

سنتان مرّتا على عملية الرصاص المسكوب أو " المنصهر" والثأر المبرر وهي التسمية التي أطلقتها اسرائيل على حربها المفتوحة وعدوانها المكشوف على غزّة، أواخر العام 2008 وأوائل العام 2009، والتي دامت 22 يوماً، وخلال تلك الفترة سارت مياه كثيرة تحت الجسور كما يُقال، فاسرائيل لم تكتفِ بالعدوان، بل أرادت متابعته بطرق مختلفة، باستمرار القصف على السكان المدنيين، لاسيما في ظل الحصار المفروض على غزّة منذ أكثر من ثلاث سنوات، إضافة الى ملاحقة الناشطين الفلسطينيين مثلما حصل في قصة محمود المبحوح في دولة الامارات العربية، حيث قام جهاز الموساد الاسرائيلي وبإشراف تام من رئيسه مئير دوغان باغتياله.
وعلى الرغم من الفضيحة الاسرائيلية وسخط الرأي العام العالمي وملاحقة السلطات الإماراتية  للقتلة، فإن اسرائيل لم تكترث، بل تمادت في سلوكها المخالف لقواعد القانون الدولي حيث أقدمت على جريمة أخرى وقتلت تسعة أتراك من سفينة مرمرة التي كانت ضمن قافلة الحرية، التي توجهت للتضامن مع أهالي غزة ضد الحصار والعدوان الاسرائيلي، كما أدارت الظهر عن تقرير غولدستون الأممي الذي دمغ اسرائيل بارتكاب جرائم ترتقي الى عداد جرائم حرب.
وقد كشف موقع ويكيليكس الذي قام بتظهير عشرات الآلاف من الوثائق التي تخص الاتصالات السرية الحكومية الاستخباراتية الامريكية، ومنها ما يتعلق بالصراع العربي- الاسرائيلي ومواقف القادة الاسرائيليين الأمر الذي استلزم مع قيام اسرائيل باجراء سريع وعاجل يقضي بتنحية رئيس جهاز الموساد الاسرائيلي مئير دوغان الذي قضى 8 سنوات في موقعه وتعيين تامير ردو محلّه وهو رئيس جهاز الموساد الحادي عشر منذ قيام دولة اسرائيل. ولكن ما هو السبيل لتوجيه الاتهامات الى مرتكبي الجرائم في غزة، وهل يمكن تجريمَهم طبقاً للقانون الدولي الانساني؟
لعل هناك أكثر من خيار قانوني دولي يمكن اعتماده لملاحقة المتهمين بارتكاب جرائم ضد الانسانية وجرائم الابادة الجماعية وجرائم الحرب وجريمة العدوان وتهديد السلم والأمن الدوليين، ولكن هذه الخيارات تعترضها عقبات سياسية بالدرجة الأساسية وعقبات قانونية أيضاً، ولعلّ ذلك يتمثّل بمواقف الولايات المتحدة والقوى المتنفذة في نظام العلاقات الدولية التي حالت على مدى 62 عاماً من ملاحقة اسرائيل وتجريمها قضائياً بموجب أحكام القانون الدولي.
ومثل هذه المواقف استفحلت بتفرّد الولايات المتحدة الامريكية وهيمنتها على الامم المتحدة، خصوصاً عند انتهاء عهد الحرب الباردة وتحوّل الصراع الآيديولوجي من شكل الى آخر، لاسيما بعد انهيار النظام الاشتراكي العالمي وتفكك الاتحاد السوفيتي، الأمر الذي مهّد لاعتبار "الاسلام" هو العدو الاول والخطر الأكبر بعد ظفر الليبرالية الجديدة من الهيمنة على العالم.
اما الخيارات المتاحة هي:
1-   الخيار الاول: هو الطلب من الامم المتحدة إنشاء محكمة خاصة مؤقتة على غرار محكمة يوغسلافيا ورواند وسيراليون وكمبوديا والمحكمة الدولية لملاحقة قتلة الرئيس رفيق الحريري، التي هي محكمة خاصة لها طابع دولي. ولكن العقبة الأساسية التي قد تحول دون تحقيق ذلك هي: استخدام واشنطن حق الفيتو، وانحيازها لصالح اسرائيل، الأمر الذي يعرقل اتخاذ مثل هذا القرار، وهو ما ينبغي أخذه بالحسبان عند التفكير باتخاذ خطوة جدية ناجحة.
2-   الخيار الثاني  إحالة الأمر الى الجمعية العامة للامم المتحدة بانشاء محكمة خاصة من قبلها طبقاً لمبدأ " الاتحاد من أجل السلام" الصادر بقرار الجمعية العامة للامم المتحدة رقم 377 في العام  1950 (بشأن كوريا). ورغم النزاع الفقهي بشأن  القرار المذكور، الاّ انه يعدّ إحدى السوابق التي يمكن اعتمادها  والبناء عليها، الأمر الذي يحتاج الى المزيد من الأنشطة لحشد وتعبئة الكثير من الطاقات للحصول على قرار يمكن بموجبه مقاضاة مرتكبي الجرائم.
ولكن هذا الخيار قد لا ينجح بالحصول على أغلبية في الامم المتحدة، وإنْ نجح فقد تمتنع الأمم المتحدة من تمويل المحكمة، لاسيما وأن الولايات المتحدة متحكّمة بالتمويل، ومن المحتمل وهذا ما هو متوقع أن تمتنع من تقديم التمويل اللازم للامم المتحدة بهذا الخصوص، الأمر الذي قد تنهار معه امكانية تحقيق هذا الخيار.
3-   الخيار الثالث العمل على إحالة اسرائيل الى المحكمة الجنائية الدولية، وهي محكمة دائمة، لاسيما بعد أن صدقت عليها أكثر من 100 دولة وهذا يتطلّب من الدول العربية الانضمام اليها والتصديق على ميثاقها بعد التوقيع عليه. ولعل نظام محكمة روما فيه بعض العقبات أيضاً، على الرغم من أن مبادئه يمكن أخذها بنظر الاعتبار عند التحرك باتجاه رفع دعوى ضد المرتكبين الصهاينة. وقد اقتصر اختصاص المحكمة على ثلاث جرائم هي: جرائم الحرب والجرائم ضد الانسانية وجرائم ابادة الجنس البشري، حسبما حددته المادة الخامسة من النظام الاساسي لمحكمة روما. أما المسؤولية المُعاقب عليها فهي المسؤولية الفردية.

وقد حددت اتفاقية روما أنه لا يجوز محاكمة هيئات أو دول، واقتصرت على محاكمة أفراد مسؤولين حتى وإنْ كانوا رؤساء دول أو رؤساء حكومات (رؤساء وزراء) والمسؤولين الآخرين، بمن فيهم القيادات العسكرية العليا، الأمر الذي يحتاج أن يتقدم أحد الأعضاء المصدقين على الاتفاقية بطلب لرئيس المحكمة الجنائية يحدد من خلاله أسماء المتهمين، وحيث يمكن محاكمة رئيس الوزراء الاسرائيلي السابق أيهود أولمرت ووزيرة الخارجية السابقة تسيبي ليفني ووزير الدفاع ايهود باراك، إضافة الى شيمون بيريز وعدد من القيادات العسكرية العليا، ولعلّ من حق أحد " رعايا" الدولة المصدقة على الاتفاقية أن ترفع دعوى قضائية ضد المرتكبين كما يمكن الطلب إحالة المتهمين الى القضاء الدولي طبقاً لاتفاقية منع ابادة الجنس البشري التي يتم التوقيع عليها العام 1948.
وفي هذه الحالة يمكن محاكمة المتهمين في أي من الدول المُعتدى عليها، ومع ان فلسطين ليست دولة في الوقت الحاضر، وهو الأمر الذي "تتذرع" به اسرائيل "قانونياً " كما يذهب الى ذلك الفقه القانوني الاسرائيلي، وتزعم اسرائيل أنها انسحبت من غزة منذ العام 2006، الاّ ان حق محاكمة المسؤولين الاسرائيليين بأسمائهم هو حق أصيل لا ينتقص منه غياب دولة فلسطين على الرغم من وجود عقبة تتعلق بعدم امكانية تطبيق مقاضاة اسرائيل في الوقت الحاضر بسبب اختلال توازن القوى.
4-   الخيار الرابع هو الاختصاص العالمي، وسيكون من حق أية دولة طبقاً لاتفاقية جنيف الرابعة العام 1949، محاكمة المتهمين بارتكاب الجرائم ضد الانسانية، بصرف النظر عن مكان وقوع هذه الجرائم، طبقاً لقوانين الدولة ذاتها. وقد قامت اسرائيل بُعيد العدوان، لاسيما بارتفاع موجة التنديد بها وطلب مقاضاتها بتكليف محامين دفعت لهم أكثر من 3 ملايين دولار لمعرفة القوانين التي تنطبق على مسؤولين يمكن اتهامهم بارتكاب جرائم حرب أو جرائم ضد الانسانية، كما قامت من خلال ضغط امريكي لتعديل القانون البلجيكي. وهي تشنّ حالياً حملة ضد إسبانيا وتسعى لتغيير قوانينها، خصوصاً بعد قبولها دعاوى ضدبن أليعازر وستة من المتهمين الاسرائيليين. وكانت وزيرة الخارجية الاسرائيلية تسيبي ليفني قد صرّحت بأنها تجري اتصالات مع إسبانيا بهدف تعديل قوانينها للحؤول دون استخدامها من جانب بعض منظمات المجتمع المدني في ملاحقة عدد من المسؤولين الاسرائيليين. ولكنها لوحقت هي الأخرى من القضاء البريطاني بعد زيارتها الى لندن، واضطرت الى الهروب بتواطؤ مع الأجهزة الأمنية.
 وعلى الرغم من أن هذه الامكانية ما تزال متوفرة حتى الآن حيث ان هناك عدداً من الدول تسمح قوانينها ونظامها القانوني بمحاكمة المتهمين بارتكاب جرائم حرب ومنها: كندا واسبانيا وألمانيا وهولندا وفرنسا وبريطانيا، الاّ أن الأمر  لم يجرِ استثماره من جانب العرب على نحو مؤثر، فالحكومات لم تدخل هذا الباب بعد، أما المجتمع المدني فإمكاناته شحيحة وأهالي الضحايا بأوضاع صعبة ولا تسمح لهم اختيار هذا الطريق لتكاليفه الباهظة. ويتطلب الأمر أيضاً تعديل قوانين الجزاء والعقوبات العربية، لكي تقبل دعاوى ضد مسؤولين اسرائيليين متهمين بارتكاب جرائم، خصوصاً إذا مرّوا عبر أراضيها، إذ يتعين في هذه الحالة وجود تشريعات قانونية تسمح بتجريم ومحاكمة المتهمين بارتكاب الجرائم،وهذا هو الاساس الذي استندت اليه المحاكم البلجيكية في قبول النظر في الدعاوى التي أقيمت ضد شارون باعتباره المتهم الاساسي في جرائم صبرا وشاتيلا 17-18 أيلول/سبتمبر 1982.
ان اللجوء الى هذا الخيار ممكن، على الرغم من العقبات التي تواجههم، لاسيما من خلال الضغوط السياسية والتعقيدات القانونية، التي قد تجعل الجناة يفلتون من يد العدالة.

5-   الخيار الخامس  اللجوء الى محكمة العدل الدولية وعلى الرغم من أن اختصاص المحكمة هو الفصل في النزاعات الدولية(من الدول) التي تُعرض عليها وتفسير المعاهدات والاتفاقيات الدولية والنصوص القانونية وكذلك إصدار فتاوى استشارية، وبهذا المعنى فإن اختصاص المحكمة يتعلق بإصدار أحكام مدنية وليست جزائية على المتهمين، وهي " محكمة حقوقية " تقضي بالمسؤولية المدنية والتعويض، وهناك سابقة البوسنة حيث أقامت دعوى لطلب التعويض من صربيا للمجازر المرتكبة، وطلبت من محكمة العدل الدولية العام  1993 وقف المجازر وطلب التعويض. ولعل صدور أحكام بالتعويض المدني سيسهم لاحقاً بملاحقة المرتكبين عبر محكمة جنائية، لاتخاذ عقوبات ضدهم وتجريمهم طبقاً للقانون الدولي الانساني.

ان استخدام سلاح القانون الدولي، يعني توثيق الجرائم بشكل دقيق ومنظم ووضع ملف قانوني لكل جريمة سواءًا داخل اسرائيل أو أمام القضاء الدولي. وتعتبر اسرائيل الدولة الوحيدة في العالم التي وضعت تشريعاً يحمي مرتكبي التعذيب بصورة قانونية ويحمي مسؤوليها من القتل خارج القضاء ( وقد فشلت المحاكم الاسرائيلية في مواجهة الاغتيالات ومحاسبة الجناة).
ولعل أصابع الاتهام يمكن توجيهها الى مرتكبي جريمة الاحتلال، لاسيما الاستيطان الذي يعتبر جريمة دولية قائمة، وهو الأمر الذي تغضّ الولايات المتحدة واوروبا الطرف عنه، وحتى على المستوى العربي لا يوجد تحرّك مسؤول لرفع دعاوى ضد جريمة الاستيطان، وكان توقيع البروتوكول الامني الامريكي – الاسرائيلي مكافأة لإسرائيل الذي قضى بمراقبة المعابر والانفاق بحراً وبراً وجواً لمنع " تهريب الأسلحة "، وفي حقيقة الأمر يعني هذا البروتوكول منع أية مقاومة للاحتلال، وهو يشمل جميع دول المنطقة دون استثناء. وهو يلقي اللوم على الضيحة بل يعاقبها ويمنعها من حقها في المقاومة والانعتاق وتقرير المصير، بدلاً من ملاحقة المتهم بارتكاب الجرائم. 
لقد وضعت تسريبات ويكيليكس العرب أمام تحديات جديدة، لاسيما بامكانية استخدام الوسائل المتاحة في القانون الدولي، الذي يتمتع اليوم بحيوية كبيرة لا يمكن نكرانها، لكنه ينبغي أن تستند الى إرادة سياسية وحشد طاقات جديدة ومعرفة دبلوماسية وقانونية دولية وتحالفات عالمية.



371
المواطنة في الإسلام .. إرهاصات الدولة الحديثة وكوابح الواقع

عبد الحسين شعبان
باحث ومفكر عربي


إذا كان التفريق بين حقوق المواطن وحقوق الاجنبي في موضوع الجنسية والمواطنة أمراً يتعلق بالقوانين والأنظمة النافذة في العالمين العربي والاسلامي، بل وفي العالم أجمع في إطار مفهوم الدولة العصرية الحديثة، فإن وقفة سريعة عند تطور مفهوم المواطنة في الاسلام ضرورية لفهم تطور هذا المفهوم مقاربة مع الدولة العصرية، فالدولة في عهد النبي محمد (ص) بلورت، وبخاصة عبر القرآن الكريم قواعد جنينية سياسية ودينية وقضائية لتنظيم المجتمع، وساهمت السنّة المحمدية، أي أحاديث الرسول (ص) في الاجابة على الكثير من الأسئلة التي كان يطرحها المجتمع الاسلامي.
وتطوّر الأمر في عهد الخلافة الراشدية، وبخاصة في عهد الخليفة أبو بكر(رض) التي دامت نحو سنتين، وترسّخت في عهد الخليفة عمر بن الخطاب (رض)، سواءً ما يتعلق بقضية العطاء في الغنائم وامتيازات المواطنة، وخصوصاً المحاربين، حيث اعتمد الخليفة الأول مبدأ المساواة دون اعتبار للقِدَم الى الدخول في الاسلام أو القرابة من النبي (ص) أو البلاء في الحرب من أجل الاسلام، الأمر الذي خلق إحساساً بالمساواة، شجّع العديد من العرب على الالتحاق بالجيش الاسلامي.
أما أمور القضاء فقد جرى تقاسمها بين الخليفة عمر بن الخطاب (رض)  باعتباره أمير المؤمنين، وبين قضاة متخصصين يقوم هو بتسميتهم، واستحدث منصب مسؤول بيت المال، وسنّ الفاروق عمر (رض) في عهده عدّة "قوانين" منها مراتبية إعطيات وإيجاد ديوان للجند، مشدّداً على مبدأ القِدَم في الاسلام والبلاء في خدمته، والانتماء العربي، كمقاربة لمفهوم المواطنة أو لمفهوم الجنسية في الدولة المعاصرة، لاسيما بين الوطني والأجنبي.
واتخذ الخليفة الثالث عثمان بن عفان (رض) التصنيف الذي اتّبعه عمر بن الخطاب (رض) دليلا للانتماء والمواطنة، بل زاد في تضييقه، خصوصاً بشأن دور قريش التي نالت حصّة الأسد في إعادة التعيينات السياسية والعسكرية وهو النهج الذي حاول الإمام علي (رض) التوقّف عنده، الاّ أن اندلاع الحرب الاهلية بينه وبين معاوية قد أثّر في عناصر الاستقطاب والولاء، وقد شعر بعض الموالين بالغبن الشديد بالرغم مما قدموه للاسلام، فقد جرى " التمييز" بحقهم، في حين دعا الاسلام ويدعو الى المساواة وفقاً لقول الرسول (ص) " لا فرق بين عربي وأعجمي الاّ بالتقوى" و "الناس سواسيه كأسنان المشط"، وذلك على الرغم من " اسلامهم واسهامهم في دفع الديّات والمشاركة في القتال وفي الامور العامة فقد اغلقت دونهم الوظائف في القرن الاول للاسلام، التي تعني الولاية كالامارة والقيادة والقضاء، وأن تولّي بعضهم القضاء، فقد ندر من تولّى مناصب إدارية وعسكرية هامة".
الاسلام دين عالمي يسعى لبسط نفوذه على العالم أجمع، لاسيما بنزعته الانسانية، لكن واقع العلاقات الدولية، جعله يقسّم العالم الى قسمين: الاول دار الاسلام والثاني دار الحرب، فالدار الاولى تعني الاقاليم التي يبسط المسلمون عليها ولايتهم، وتضمّ الى جانب المسلمين أشخاصاً من غير المسلمين، وهم الذميون والمستأمنون. الذميون هم أهل الكتاب، فضلوا الاحتفاظ بديانتهم الاصلية مقابل دفع الجزية، ولذلك فهم مواطنون يتمتعون بالحماية والعيش بأمان، ولكن بشروط في كنف الدولة الاسلامية.
أمّا المستأمنون، فهم القادمون من دار الحرب الى دار الاسلام أي أنهم "أجانب" دخلوا الى دار الاسلام باذن من الدولة الاسلامية، سواءً كان لغرض التجارة أو غيرها. أي أن هناك فرقاً بين الذمّي والمستأمن، فالذمّي من مواطني الدولة الاسلامية، احتفظ بدينه مقابل الجزية والأمان، أمّا المستأمن فهو الذي جاء من دار الحرب لظرف خاص أو طارئ او مؤقت، والمستأمنون ليسوا مواطنين أو من رعايا الدولة الاسلامية.
أمّا دار الحرب فهي التي لا تمتد اليها الولاية الاسلامية، ولا تُطبق فيها الشريعة الاسلامية، بل لها نظامها الخاص وقد انعقدت بين دار الاسلام ودار الحرب معاهدات سلام أو هدنات وأطلق عليها (متعاهدة) أو تكون في حالة حرب مع الدولة الاسلامية.
وإذا كانت هذه المقاربة لمفهوم وتطور الجنسية كوجهة نظر معاصرة لفكرة المواطنة أو الرعوية أو غيرها، فإن المفهوم الحديث للجنسية في العالم العربي، لم يظهر الاّ في سنوات متأخرة بفعل الاحتكاك مع أوروبا وبقصد التمييز بين مواطني الدولة الاسلامية وغيرهم من الاجانب.
وإذا كان مصطلح " المواطنة" و" المواطن" citizen ( أي الفرد المشارك في الشؤون المدنية والسياسية بحرية) غريباً تماماً في الاسلام على حد تعبير برنارد لويس فلم تعرفه اللغات العربية والفارسية والتركية، حيث يرجع ذلك الى غياب فكرة المشاركة للمواطنة، وفكرة المشارك للمواطن، فإن الباحث السوداني عبد الوهاب الافندي يعتبر وجود المسلم رديفاً لكلمة المواطن الحديث وهو المصطلح الاسلامي الذي يعني انتماء الفرد في بدايات المجتمع الاسلامي والتمتع بعضوية كاملة وفورية في المجتمع السياسي بالمعنى الايجابي للمواطنة النشطة على كونه مسلماً.
وكان الاسلام الأول، وخصوصاً في عهد النبي (ص) يولي اهتماماً كبيراً لرأي المسلمين، الذين كانوا يعبّرون في لقاءاتهم اليومية لخمس مرات (أوقات الصلاة) في مقر الحكومة أو البرلمان "في الجامع" (بمشاركة نسوية ملحوظة) عن تبادل الرأي والاستماع الى رأي المسلمين والرد على تساؤلاتهم.
وكان بمقدور أي فرد إثارة أية قضية يرغب فيها، لكن توسّع وانتشار الدولة الاسلامية وامتداد سلطانها الى أقاليم بعيدة وخاصة العراق ومصر، اضطر هؤلاء الى تصريف أمورهم بأيديهم بعيداً عن الرأي اليومي والحوار المستمر بين مركز الدولة وقيادتها العليا وبين المواطن، وتدريجياً بدأت البيروقراطية والمؤامرات السياسية تبعد المواطن (المسلم) عن المشاركة في تصريف أمور الدولة.
وظلّت فكرة التمييز بين حقوق " المسلم" و" الغريب" أو " المقيم" من غير المسلمين مستمرة حتى العصر الحديث، حيث تداخلت "ايجابيا" لصالح الاخير بفعل ضغوط غربية للحصول على ما يسمى بنظام الامتيازات Capitulation من الدولة العثمانية للاجانب وخاصة للمسيحيين، الذين كان الغرب يعلن الرغبة في توفير "حماية" خاصة لهم و"رعاية" مصالحهم الدينية والسياسية، وهو ما أعطى إنطباعاً أحياناً بأن غير المسلمين الذين حظوا بدعم الغرب تجاوزوا حدود المواطنة قياساً بالمسلمين، الى الحصول على امتيازات تحت حماية القوى الاجنبية.
ولعل مثل هذا السلوك الغربي المريب لا علاقة له بوطنية أو ولاء المسيحيين أو غيرهم من التكوينات القومية أو الدينية لأوطانهم، التي زعم الغرب الدفاع عنها، لمصالحه الخاصة أولاً ولستراتيجيات بعيدة المدى ثانياً، وهو ما تتكشف أبعاده لاحقاً بمحاولة إفراغ المنطقة من المسيحيين بإدعاء عدم قبول البلدان العربية والاسلامية التنوّع الثقافي والتعددية الدينية والقومية، وبقدر مسؤوليته عن ذلك، فإن النخب السياسية والفكرية الحاكمة وغير الحاكمة أحياناً تتحمل مسؤولية مضاعفة بسبب سياسات العزل والتهميش وهضم الحقوق.
وأجد الاشارة ضرورية الى ما يتعرض له مسيحيو الشرق من ضغوط داخلية وخارجية تستهدف دفعهم أو تشجيعهم على الهجرة، ولعل ذلك ليس بعيداً عن مواقف بعض قوى الاسلام السياسي المتطرفة والمتعصبة، والتي تلتقي مع بعض التيارات الأجنبية، التي تريد تفريغ بلداننا العربية من مكوّن أساس، كان حتى مطلع القرن الماضي يؤلف نحو 20% من سكان المنطقة العربية الاسلامية في حين لا تزيد  نسبته حالياً عن 5% وهي في تناقص مستمر بسبب هضم الحقوق وسياسات التمييز وعدم المساواة، ولم يقتصر الأمر على فلسطين ونهج "اسرائيل" منذ قيامها على إجلاء سكانها، لاسيما المسيحيين لكي تبرر أن الصراع بين اليهود والاسلام وليس صراعاً بين شعب مؤلف من مسلمين ومسيحيين ودروز ويهود كانوا يعيشون فيه، احتلت أراضيه، ومستمعر استيطاني اجلائي، وهو صراع حقوقي دنيوي وإنساني وليس صراعاً دينياً، سماوياً ، إلغائياً.
وإذا ثمت تطورات قد حدثت على نحو بطيء باتجاه إقرار حق المواطنة الكاملة لدى بعض المفكرين الاسلاميين، على الرغم من أن المسألة لا ترتقي الى الحق الدولي المنصوص عليه في لوائح حقوق الانسان، لكن هذا التطور الفقهي أمر مهم وجدير بالرصد، ويمكن على هذا الصعيد الاشارة الى المفكرين الاسلاميين مثل فهمي هويدي وطارق البشري وسليم العوّا وأحمد كمال أبو المجد وراشد الغنوشي ومحمد مهدي شمس الدين ومحمد حسين فضل الله وغيرهم.
وعلى الرغم من محاولات التجديد فإن الاتجاه الاسلامي السائد ما زال ينتقص من مبدأ المواطنة الكاملة، التي يقصرها على الانتساب الديني والاقامة، فالمسلمون غير المقيمين في الدولة الاسلامية وغير المسلمين المقيمين فيها لا يحق لهم التمتع بحقوق المواطنة الكاملة، وربما يصبحون مواطنين في حالة قبولهم بشرعية الدولة الاسلامية، لكنهم لا يصبحون مواطنين بالكامل ولا يحق لهم تسلّم مناصب رئيسة في الدولة مثل رئاسة الدولة ورئاسة القضاء ورئاسة البرلمان وقيادة الجيش وغيرها.
وإذا كانت تجربة الثورة الاسلامية الايرانية العام 1979 قد جاءت بمحاولة إيجاد طريق ثالث، وأنشأت مؤسسات تساوقاً مع الموجة  "الديمقراطية": برلمان وانتخابات رئاسة، الاّ أنها ما تزال تجربة هشّة، ومبتورة، خصوصاً عدم الاعتراف بالتعددية وحق التعبير والتنظيم والاعتقاد. وقد كشفت الانتخابات الأخيرة، التي جرت في العام 2009 الصراع الحاد بين التيار الاصلاحي الذي قاده السيد محمد خاتمي، في البداية وموسوي وكروبي لاحقاً، على الرغم من أنهم من الموالين لفكرة الجمهورية الاسلامية، وبين التيار المحافظ الذي يحاول كبح جماح أي تحرك أو تغيير...الخ، وما زال الدستور الايراني ينصّ على شرط التحدّر الفارسي ويستثني المسلمين غير الفرس من الترشّح لرئاسة الجمهورية، ناهيكم عن الشروط الخاصة بولاية الفقيه أو  مجلس صيانة الدستور أو تشخيص مصلحة النظام أو غير ذلك، وهو ما ينتقص من مبدأ المواطنة والمساواة، ناهيكم عن بعض مظاهر التمييز الطائفي.
اما التجربة الاسلامية الثانية فهي التجربة السودانية التي جاءت الى الحكم عام 1989 وقد سارت نحو تقليص التعددية السياسية والفكرية والدينية واللغوية عملياً، لكن الدستور الجديد نظر للمشاركة من زاوية أخرى، منذ العام 1998 في محاولة انفتاحية باتجاه اقرار مبدأ المواطنة، بغض النظر عن الدين، لكنه ظل محافظاً من حيث الجوهر على الخصائص العامة لتوجهات الحكم الشمولي من الناحية العملية، وهو على غرار دستور إيران يحتوي على بعض الشروط التي تقرّ بصيغة المساواة النظرية دون أن ترتقي اليها فعلياً أو تقاربها، وهو الأمر الذي لم يجد حلولاً لمشكلة الجنوب السوداني التي تفاقمت منذ استقلال السودان في العام 1956 وحتى الآن، وقد فشلت جميع الاتفاقيات التي وقعتها الحركة الجنوبية مع الحكومات السودانية المتعاقبة، كما فشلت الخيارات العسكرية في القضاء على التمرد الجنوبي، مثلما لم تتمكن الحركة الجنوبية من نيل حقوقها بالعمل المسلح. ولعل الاستفتاء حول وحدة أو انفصال الجنوب الذي تقرر اعتماد نتائجه من الطرفين والذي سيجري يوم 9 كانون الثاني (يناير) 2011، سيحدد مآل السودان ووحدته.
ويمكن القول: إن المحاولات الاسلامية المعاصرة في إعادة تعريف المواطنة ما زالت لم تبلغ حتى الآن المدى المنشود في اللحاق بركب الدولة الحديثة وقد يعود الأمر الى أدلجتها من جهة، ومن جهة ثانية، فهي ما تزال ضعيفة ومحدودة، حيث يلزم مبدأ المشاركة منح المواطنين غير المسلمين الحقوق نفسها، وهذا يعني عدم أخذ الانتساب الديني كمعيار أساس، بل اعتماد مبادئ المواطنة كتطور حضاري وفي إطار سيادة القانون.


372
من مالك بن نبي إلى المهاتما غاندي
   


عبدالحسين شعبان
في آخر زيارة لي إلى الجزائر استعدتُ قراءاتي الأولى للمفكر الجزائري مالك بن نبي، الخلدوني النزعة، لاسيما فيما يتعلق بدورة الحضارات وتعاقبها، و”الكانتي” الاتجاه، خصوصاً لجمعه بين كل من الواجب والحق، و”الجون ديوي” التوجّه، لاسيما بفكره التربوي الحديث، و”الماكس فيبري” التحليل وخاصة نهجه السوسيولوجي .

لفت انتباهي إلى مالك بن نبي أحد الأصدقاء الجزائريين الذين كانوا يدرسون معنا في أوائل السبعينيات في براغ، ولذلك سعيت للحصول على بعض كتبه في مطلع الثمانينيات بعد أول زيارة لي إلى الجزائر، وأتذكّر أول كتاب قرأته له كان عن الثقافة والنهضة، وكان بعنوان “شروط النهضة”، وتوقفت حائراً أمام مصطلح بدا لي غريباً، لكن ابن نبي حاول تأصيله نظرياً وعملياً، بما له من علاقة بالتجربة الجزائرية، وهو ما أطلق عليه “القابلية للاستعمار”، أي أن هناك أوضاعاً نفسية تجعل بعض الشعوب مهيأة “لاستقبال” الاستعمار، خصوصاً في ظروف التخلّف، الأمر الذي يحتاج إلى استراتيجية شاملة ضد التخلّف من جهة، وضد ثقافة قبول الاستعمار من جهة ثانية، ولن تتحقق تلك الاستراتيجية إلا من خلال تأمين شروط النهضة التي أولاها الكثير من انشغالاته، ما دفعه للبحث في التراث لتنقيته وتخليصه من الترهات التي علقت به، لاسيما في فترات السبات والانحطاط، وإضاءة الجوانب الإيجابية منه، استناداً إلى حركة ديناميكية لتوعية المجتمع والفرد في آن .

استعدت كتابه “مشكلة الثقافة” وراجعته في خضم بحث أعددته عن “التربية والمواطنة” الذي كان عنواناً لندوة مهمة عقدت بدعوة من “منتدى الفكر العربي” ومشاركة كل من وزارة التعليم العالي الجزائرية والاسسكو (المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة) وجامعة البتراء الأردنية، خصوصاً أن مفهوم الثقافة يشمل حياة الناس وسلوكهم وتقاليدهم وطريقة عيشهم، أي واقعهم الاجتماعي، إضافة إلى طريقة تفكيرهم وفلسفاتهم وأديانهم وانتماءاتهم .

جعل ابن نبي الإنسان والوطن والزمن ثلاثية روح الحضارة المهمة، في الأخلاق والجمال والعمران بما فيه من صناعة، وبذلك كانت دعوته لإقامة الجسور وتعزيز الثقة بين الحضارات المختلفة، لا بروح العداوة، بل بروح البناء والمشترك الإنساني، تجاوزاً لحدود الأديان والأمم والقوميات، في البحث عن أسس التعاون والتواصل الحضاري والإنساني .

نشط المفكر مالك بن نبي، القسطنطيني المولد في العام 1905 والديني المنشأ والحداثي التوجّه والتحرري النزوع، في البحث عن شروط النهضة لبلاد العرب، لاسيما قبل وبعد تحرر الجزائر من الاستعمار الفرنسي، وسعى لإنشاء كومنولث إسلامي، كما كان داعية للفكرة الإفريقية- الآسيوية، وإذا كان قد انتقد الظاهرة الاستعمارية الغربية، لكنه لم يتحوّل في نقده إلى عدو للغرب أو ضد كل ما هو غربي، مثلما درجت على ذلك التيارات الإسلاموية والجماعات المتعصبة والمتطرفة، خصوصاً منذ ثلاثة عقود من الزمان أو ما يزيد، بل حمل نظرة متسامحة ومنفتحة عن العالم .

لعلّ السبب وراء استذكاري لمالك بن نبي وتفتيش مكتبتي، عسى أن أجد ما يعيدني إلى الجو الثقافي الذي تشبث به، كان مشاركتي في أعمال مؤتمر عُقد في نيودلهي تحت عنوان “الهند ودول مجلس التعاون الخليجي - إيران والعراق، مستجدات الأمن وآفاقه”، نظّمه المجلس الهندي للشؤون الدولية بالتعاون مع رابطة الأكاديميين الآسيويين، وبمشاركة نخبة متميّزة من المفكرين والدبلوماسيين والباحثين المختصين . ولكني وأنا في الهند وخارج نطاق عنوان المؤتمر المهم والنقاشات الحيوية، لا يمكن إلاّ أن تستفزني ذاكرتي وما كنت قد قرأته وكتبته، لاسيما في كتابي “فقه التسامح” بخصوص رجل الهند العظيم، المهاتما غاندي، رائد فلسفة التسامح واللاعنف، القائل: “لو وجدت أفضل من التسامح لاخترته، لكنني لم أجد أفضل منه” . وإذا كان التربوي الاجتماعي المفكر مالك بن نبي يمثّل عقلاً ناقداً وبنّاءً، فإن غاندي كان صاحب فلسفة تركت تأثيراتها في العالم خلال القرن الماضي كلّه، وأنجبت دولة اتحادية تتعايش فيها قوميات وإثنيات وأديان وطوائف ولغات مختلفة على نحو مذهل، فإضافة إلى الهندوس هناك المسلمون والسيخ والبوذيون والمسيحيون، وهم يتمتعون بحقوق متساوية في بلد تعددي يعترف بالتنوّع الثقافي وبلغات تزيد على 23 لغة أساسية وأكثر من ألف لهجة محلية، والهند بلد شاسع مترامي الأطراف والطقوس والمناخات لسكان يزيدون على مليار و20 مليون نسمة، يتوزعون على 25 إقليماً اتحادياً (فيدرالياً) .

قضى غاندي حياته مدافعاً عن الحرية واستقلال الهند، وتمكن من قيادة حركة جماهيرية مدنية- سلمية واسعة، تحت لواء اللاعنف محقّقاً انتصاراً تاريخياً على بريطانيا العظمى في العام ،1947 ورغم الانتصار الكبير وبذر بذور التسامح واللاعنف هندياً، فإن غاندي نفسه ذهب ضحية العنف من جانب بعض المتطرفين والمتعصبين وأعداء التسامح، وذلك حين أقدم فاتورام غودسي على اقتراف جريمة اغتياله في 03 يناير/كانون الثاني ،1948 وبرّر القاتل دفاعه في المحكمة أن غاندي سمح للبريطانيين بقتل الهنود بسبب إيمانه بسياسة اللاعنف، وذلك ردّاً على سؤال القاضي لماذا قتل غاندي؟

وإذا كان مالك بن نبي قد درس في باريس وتخرّج فيها وتعرّف إلى المستشرق الفرنسي الشهير ماسينيون الذي كتب عن ثورة الزنج، فإن غاندي تخرّج في جامعة اكسفورد (كلية الحقوق) في بريطانيا، داعياً في فلسفته اللاعنفية إلى التشبث بالعقلانية والواقعية وعدم الإنجرار وراء ردود الفعل غير العقلانية، مؤمناً بحتمية انتصار الحقيقة في نهاية المطاف . وبالفعل فقد كان سلاح الإضراب ورفض دفع ضريبة الملح التي فرضتها بريطانيا والتشجيع على التمسّك بالوطنية الهندية أدوات للانتصار على بريطانيا التي اضطرّت إلى التسليم باستقلال الهند .

وكما اعتقد ابن نبي أن رفض التخلّف والقضاء عليه، ومواجهة الاستعمار كفيل بانبعاث حضاري جديد مستفيداً من الحضارة الغربية ذاتها، فإن غاندي آمن بأن القضاء على الفقر والجهل والأمية، كفيل بنشر قيم اللاعنف ومقاربة العدالة، بالوسائل السلمية المدنية الحضارية . ولأن ابن نبي وغاندي كانا صاحبي فلسفة عميقة استقياها من دراستهما الحداثية، لاسيما في الغرب إضافة إلى قراءتهما لتاريخ شعوبهما، فالأول حاول تطبيقها عبر التربية على الحق بتأكيد الواجب، والثاني من خلال نشر التعليم والقضاء على الأمية، ولذلك فإن ما تركاه لنا من تراث أصبح ملكاً للبشرية جمعاء وإن تفاوت تأثير كل منهما .

ولعل توجهاتهما التربوية تنسجم مع أطروحات “جون ديوي” الفيلسوف التربوي الأمريكي الكبير الذي دعا منذ أوائل القرن العشرين (العام 1915) إلى فلسفة تربوية حديثة تقوم على ثلاثة أركان هي: الوعي الذاتي للإنسان والمجتمع (مستلزمات العنصر البشري)، وإتقان المناهج والأداء (الأساليب والطرائق)، والتنظيم والادارة (الأساس الذي لا غنى عنه لنجاح أي مشروع) .

وعلى الرغم من تفاؤل ابن نبي، لاسيما في مرحلة صعود حركة التحرر الوطني وأثناء عيشه في القاهرة، ثم عمله مديراً للتعليم العالي في الستينيات بعد تحرر الجزائر العام 1962 من ربقة الاستعمار، ومن ثم تعيينه مستشاراً للمؤتمر الإسلامي في القاهرة، إلاّ أن قضية تأسيس مشروع نهضوي ثقافي كانت شغله الشاغل الذي انصرف له كلياً، لكن غاندي الذي حقق حلمه الأول بالاستقلال وارتفع علم بلاده على يد رئيس وزرائه جواهر لال نهرو في 15 أغسطس/آب 1947 معلناً انتهاء الحكم البريطاني، لم يتمكن من رؤية حلمه الكبير يتحقق، في بناء مجتمع التسامح واللاعنف، بالوسائل السلمية- الديمقراطية، إلا أن رايات هذا الحلم ترفرف اليوم خفاقة على مدى اتساع الأراضي الهندية والتي تضم “راجات” حيث يرقد غاندي في مثواه الأخير والتي أصبحت مزاراً يؤمّه الناس من جميع أنحاء العالم .

لعل معلومة مثيرة كانت مبرراً آخر لهذه المقالة، وهي أن مالك بن نبي التقى غاندي في باريس في العام ،1932 حيث كان يعيش فيها، وكان غاندي قد زارها في إطار حركته اللاعنفية التي كان يبشر بها من بريطانيا إلى جنوب إفريقيا إلى العالم كله، والتي وجدت لها تربة صالحة ولا تزال في الهند حيث التنوّع والتعددية والثقافات واللغات والأديان المختلفة .

* باحث ومفكر عربي





373
سُليمى مولوي الخطيب:
إمرأة حالمة ومسكونة بالقلق الانساني الباهر!
عبد الحسين شعبان
كاتب ومفكر عراقي
   أكتب هذه السطور ليس لأن ابنتها هي الصديقة العزيزة هدى الخطيب شلق، بل لأنني عرفتها عن قرب وزرتها والتقيتُ بها واستمعتُ اليها وقرأتُ لها ما كانت تحتفظ به من خواطر ونصوص أدبية وحكايات وقصص.
كان إحساسي من أول لقاء أنها حالمة بامتياز، فهي تمضي مع الشعر، تسافر معه وتحلم بلا حدود. وبقدر واقعيتها، تراها تبحث عن الحلم لها ولمن حولها وتجد الأعذار لذلك، وحصل ذلك عندما قرأت كتابي عن الشاعر الكبير الجواهري " جدل الشعر والحياة" حيث شعرت أنها عاشت معه، وفي أجوائه، وكانت تستعيد الكثير من المقاطع والنصوص، وتحفظ القصائد والأبيات، وغالباً ما ردّدت على مسامعي قصيدة الجواهري عن لبنان التي نظمها في العام 1961 ومنها توّجه الى براغ، حيث عاش تجربتي المنفى والحرية على حد تعبيره لسبع سنوات عجاف كما سمّاها.
وبنغمة محببة كانت تردد بعض الأبيات:
   لبنان يا خمري وطيبي      هلاّ لممتِ حطامَ كوبي
   هلاّ أعدتِ لي الهوى      نشوانَ يرفلُ في الذنوبِ
الى أن تصل الى البيت الآتي:
   نزقُ الشبابِ عبدتهُ       وبرأت من حلم المشيبِ
   كأنها تريد أن تعكس صورتها في مرايا الأيام، مؤشرة الى مكمن البهجة والحبور والوهج، مثلما تتلمس موقع الألم وتعرف مصدر الحزن وتتحسس البقع السوداء في حياتنا، فهي امرأة مسكونة بالقلق الانساني الباهر، مثلما كانت مأخوذة بسلطة الحلم، حيث ترفض الواقع والرتابة، لتعوّض ذلك بحدس القلب وتتصرف ببراعة رائية.
في إحدى المرّات قلت لها بعد ان سألتني عن العراق ورددت البيت الذي ظل ملازماً لها من قصيدة الجواهري حين يقول:
حييتُ سفحكِ عن بعدٍ فحييني       يا دجلةَ الخير يا أم البساتينِ
قلت لها: إن اينشتاين يقول إذا لم يوافق الواقع النظرية، فعلينا تغيير الواقع، قالت وإنْ لم نستطع، قلت لها علينا أن نعيش في الخيال!! أي في الحلم، فالانسان بلا أحلام يتحوّل الى جذع شجرة يابس، والحلم وحده هو الذي يعطينا هذه القدرة العجيبة على التواصل، على الرغم من العذابات والآلام والفداحات.
يقول الصوفي الكبير محمد بن عبد الجبار النفري:
إني أحدثك لترى
فإن رأيت فلا حديث!
ولإنها امرأةٌ رأتْ، فقد عرفتْ كيف تعيشُ وكيف تحلمُ وكيف تتركُ أثراً طيباً.
بيروت 15/11/2010

•   كلمة بمناسبة سنوية السيّدة سُليمى مولوي الخطيب- طرابلس- لبنان – 27/11/2010

374
العدوان الإسرائيلي على غزة
في ضوء قواعد القانون الدولي الإنساني
المحاكمة: الممكن والمستحيل


الدكتور عبد الحسين شعبان *

ــــــــــــــ
* مفكر وباحث عراقي في القضايا الإستراتيجية العربية والدولية، خبير في ميدان حقوق الإنسان، والقانون الدولي  له مؤلفات عديدة منها: النزاع العراقي- الإيراني، عاصفة على بلاد الشمس، بانوراما حرب الخليج، الصراع الايديولوجي في العلاقات الدولية، القضايا الجديدة في الصراع العربي- الإسرائيلي، الإسلام والإرهاب الدولي، الإسلام وحقوق الإنسان، جامعة الدول العربية والمجتمع المدني، الاختفاء القسري في القانون الدولي، السيادة ومبدأ التدخل الإنساني،  الإنسان هو الأصل، فقه التسامح في الفكر العربي- الإسلامي، جذور التيار الديمقراطي في العراق، المجتمع المدني: الوجه الآخر للسياسة، المعاهدة العراقية- الأمريكية: من الاحتلال العسكري إلى الاحتلال التعاقدي، وتحطيم المرايا: في الماركسية والاختلاف.



عوضاً عن المقدمة!
مع عملية «الرصاص المسكوب» أو «المنصهر» و«الثأر المبرر»(1) مهما كانت التسمية التي أطلقتها إسرائيل على حربها المفتوحة، تدفق الدم على جنبات الإسفلت في قطاع غزة، وتوشحت بالموت مدينة فلسطينية جديدة كما المدن الأخرى، وتدحرجت رؤوس الأطفال في الطرقات والملاعب والمدارس، وقفز السؤال مجدداً، خارج إطار الصراعات السياسية الفلسطينية والخلافات العربية والمشاريع والشعارات... هل هناك أمل هذه المرة في مقاضاة المرتكبين، لاسيما وأن حجم التضامن العالمي ارتفعت وتائره إلى حدود كبيرة، والعالم كلّه شاهد ما ارتكب من جرائم بحق المدنيين الفلسطينيين؟
ولكن ما السبيل إلى ذلك وكيف يمكن جلب المتهمين إلى قفص الاتهام امتثالاً لمعايير وقيم العدالة وحكم القانون الدولي؟ وهل اقترب الحلم من الواقع أم ثمة عقبات جدية تحول دون ذلك؟ ثم كيف يمكن تذليل بعض الصعوبات العملية والاعتراضات الدولية لمقاربة العدالة؟ وبالتالي كيف يمكن بحث جدلية علاقة السياسي بالقانوني؟
لعل ذلك كان استعادةً لم تغادرني، لاسيما منذ أكثر من ربع قرن حين تكدّست في ذاكرتي ما ارتكبه الصهاينة في لبنان خلال الاجتياح الإسرائيلي العام 1982، خصوصاً ما حصل في صبرا وشاتيلا، حيث تم الانتقام من الفلسطينيين في مجزرة رهيبة راح ضحيتها نحو ألف مدني في ليلة قاسية ومرعبة 17-18 ايلول (سبتمبر) 1982، قتلوا بدم بارد، وهو ما ذكّرنا بمجازر دير ياسين وكفرقاسم ومدرسة بحر البقر ومعمل أبو زعبل والمجازر في الضفة الغربية وقطاع غزة والجولان، إضافة إلى قصف المفاعل النووي العراقي وقصف مقرّات منظمة التحرير الفلسطينية في تونس وغيرها(2).
واشتغل العقل بعد المحنة عسى أن نرتقي بمساءلة حقيقية لما حدث لا على المستوى السياسي حسب، بل على المستوى القانوني، الأمر الذي تطلّب جمع وتنسيق وتصنيف الجرائم المرتكبة، تمهيداً لتقديم المتهمين بالارتكاب إلى القضاء الدولي لإدانتهم كجناة يستحقون العقاب. ولم يكن الأمر مجرد رغبة فردية، لكن المبادرة اتخذت هذا الطابع، الذي كان وما يزال يحتاج إلى جهد جماعي وطاقات متنوّعة ومبدعة حقوقية ودبلوماسية وقانونية وإعلامية حكومية وغير حكومية، فضلاً عن إرادة سياسية ضرورية.
   وظلّت عقبات كثيرة تعترض العقل القانوني، سواءًا على الصعيد السياسي أو الواقعي، لاسيما توازن القوى على المستوى الدولي ودرجة الاستعداد الكافية لخوض مغامرة من هذا العيار، يضاف إلى ذلك عدم حساب دور المجتمع المدني في الحشد والتعبئة، وبالتالي في تكوين رأي عام مساند للفكرة، فحتى الآن لم تُدرس مسألة ملاحقة شارون عندما كان ينوي زيارة بروكسل، والحلقة المفقودة التي حاول بعض شخصيات المجتمع العربي استثمارها، طالما هناك تقاعساً أو نكوصاً رسمياً أو حسابات خاصة، وأعني بذلك تقديم المرتكبين إلى القضاء الدولي، خصوصاً وأن مبدأ العقوبة فردية، ولكن ذلك ضمناً سيعني تحميل إسرائيل " أدبياً " المسؤولية الجنائية والمسؤولية المدنية عن كل ما حصل وما يحصل في الأراضي الفلسطينية والعربية المحتلة، لاسيما بحق السكان المدنيين الأبرياء والعزّل.
وإذا كان البحث العلمي يستوجب عرض الحقائق والمعطيات الواقعية في الظرف الملموس، لكنه في الوقت نفسه وإن عاكسته الظروف والتوازنات السياسية، فإنه سيستشرف آفاق المستقبل، وإذا اعتبر البعض أن محاكمة إسرائيل أو المرتكبين باسمها حلم بعيد المنال، فإن محاكمة مجرمي الحرب النازيين والقيادات العسكرية التي تسبّبت في الحروب والويلات في الحرب العالمية الثانية كانت هي  الأخرى، حلماً أيضاً لم يتحقق إلاّ بعد هزيمة المعسكر النازي- الفاشي! (ألمانيا- ايطاليا- اليابان).
إن مشروع " المحاكمة " هو عمل تحضيري لسيناريو قادم سيكون ضرورياً لرؤية المستقبل بكل تضاريسه وتشابكه، وإذا كان الحديث عن الشجر حسب الشاعر والمسرحي الالماني بريخت يعتبر "جناية"، لأنه ينبغي السكوت عن جرائم كثيرة، لهذا السبب يحق للباحث العلمي أن يحلم أيضاً، وكان الروائي الروسي مكسيم غوركي قد وصف أحد كبار القادة الثوريين في العالم، بأن نصف عقله يعيش في المستقبل، أي أن نصف تفكيره كان حالماً يفكّر بالمستقبل، ولا يمكن لأي باحث الاّ أن يفكر بالمستقبل، والمستقبل يعني فيما يعنيه الحلم بالتغيير، والحلم هو جزء من اليوتوبيا كما نقول في الفلسفة، ولعل في كل فلسفة حلماً والاّ ستصبح يباباً...، إذاً دعونا نحلم، ولعلنا في ذلك نبحث عن الحقيقة، وعن المثل والحب والمساواة والحرية، وكان اينشتاين قد قال : المُثل التي أنارت طريقي ومنحتني المرّة بعد المرة الشجاعة لمواجهة الحياة، هي الحب والجمال والحقيقة.
قبل ربع قرن كنت حالماً أيضاً، ولعلي ما زلت ازداد توغلاً في أحلامي، فالحلم وحده هو الذي يمنحنا هذه القدرة العجيبة على التواصل، على الرغم من كل ما حصل ويحصل لنا، على المستوى العام والخاص، لكن قدرتنا على الحلم تعطينا نوعاً من الإصرار على المواصلة وثقة واطمئناناً لمواجهة التحديات ولرؤية أحلامنا وهي تتجدد على أرض الواقع، رغم أن كل ما حولنا مدعاة للتشاؤم، لكن التشاؤم لا يعني اليأس، إنه يعني الاعتراف بأن التغيير ضرورة لا مفرّ منها!!
كان حلمي يتجسد في تقديم سيناريو لمحكمة القدس الدولية العليا(3)، الصورة التي كنت أراها تكبرُ كلّما توغلت إسرائيل في مشروعها العدواني- الاستيطاني الاستئصالي الإلغائي، الإحلالي. ولم تشفع الاتفاقات الفلسطينية - الإسرائيلية التي عُرفت بـ "مدريد – أوسلو" ( 1991-1993) بتخفيض سقف الحلم، بل زادته اتقاداً ويقيناً وأملاً، فكلما اقترفت إسرائيل المزيد من الارتكابات والجرائم، كان الحلم يقترب من الواقع ويسير حثيثاً باتجاهه.
ان العدوان على غزة العام 2008-2009 وقبله العدوان على لبنان العام العام 2006، يجعل أمر ملاحقة الجناة قضائياً مشروعاً قائماً بل راهنياً وحتى البلدان العربية التي وقّعت على اتفاقيات سلام مع اسرائيل، لا ينبغي أن تصاب بالخدر بل عليها أن تتحلى بالمزيد من اليقظة لمواجهة الاحتمالات والتحديات المختلفة، لاسيما ما تبيّته اسرائيل ازاءها وما تحضّره من عدوان عليها أو على فلسطين والامة العربية، خصوصاً وأن اسرائيل بؤرة للتوتر ومشروع حرب دائمة في المنطقة، الأمر الذي يتطلب تهيئة المستلزمات الضرورية للشروع بملاحقة المتهمين الإسرائيليين، ولا بدّ من الإعداد الجيد للشروع به وجعله ممكناً، من خلال دراسة الواقع السياسي والقانوني الدولي، ومن خلال بعض المستلزمات والمعطيات المتوفرة، على أمل تطويرها، الأمر الذي يتطلب معرفة دقيقة وآليات مناسبة وكفاءات قانونية ضرورية وخطة محكمة تأخذ بنظر الاعتبار الممكنات في الظرف الملموس من خلال الوثائق القانونية الدولية، لا أن نسقط الرغبات على الواقع بإرادوية مفترضة!(4)

القانون الدولي الإنساني وتصنيف الجرائم
يمكن تصنيف الجرائم الخطيرة والجسيمة حسب اتفاقيات جنيف الأربع العام 1949 والبروتوكولين الملحقين بها العام 1977 إلى 22 جريمة:
13 جريمة ورد ذكرها في المادتين 50 و53 من الاتفاقية الأولى والمادتين 44 و51 من الاتفاقية الثانية والمادة 130 من الاتفاقية الثالثة والمادة 147 من الاتفاقية الرابعة.
و9 جرائم وردت في البروتوكولين الملحقين، حيث تضمن البروتوكول الأول المادتين 51 و85 اعتبارها " انتهاكات جسيمة".
وقد اعتبرت هذه الجرائم الخطيرة والجسيمة بمثابة "جرائم حرب" التي هي جرائم ضد قوانين وعادات الحرب وتدخل فيها:
1-   الجرائم ضد السلام.
2-   جرائم الحرب.
3-   الجرائم ضد الإنسانية.
4-   التآمر لارتكاب إحدى هذه الجرائم(5).

وأوجبت اتفاقيات جنيف الأربع وملاحقها، على الدول الموّقعة أن تعدل تشريعاتها لمعاقبة مرتكبي هذه الأفعال.
ويمكن تعداد هذه الجرائم وفقاً للتصنيف المذكور (6)
1-   القتل العمد.
2-   التعذيب.
3-   التجارب البيولوجية التي تُجري على الأسرى.
4-   إحداث الآم كبرى مقصودة.
5-   إيذاء خطير ضد سلامة الجسد والصحة.
6-   المعاملة غير الإنسانية (الحاطّة بالكرامة).
7-   تخريب المنشآت والممتلكات والاستيلاء عليها لأسباب لا تبررها الضرورات العسكرية.
8-   إكراه الأشخاص على الخدمة في القوات المسلحة لدولة تعتبر عدواً لبلادهم.
9-   حرمان شخص محمي من حقه في محاكمة قانونية عادلة وفقاً للمعاهدات الدولية.
10-    ترحيل أشخاص بصورة غير مشروعة.
11-   الاعتقال غير المشروع (التعسفي).
12-   أخذ الرهائن.
13-   سوء استعمال علم الصليب الأحمر وإشاراته أو الأعلام المماثلة.
14-   جعل السكان المدنيين هدفاً للهجوم.
15-   الهجوم العشوائي ضد السكان المدنيين والأعيان المدنية.
16-   الهجوم ضد المرافق والمنشآت الهندسية التي تحتوي على مواد خطرة.
17-   الهجوم ضد مناطق منزوعة السلاح أو مجردة من وسائل الدفاع.
18-   الهجوم ضد أشخاص عاجزين عن القتال.
19-    نقل السكان المدنيين لدولة الاحتلال إلى الأراضي المحتلة، أو نقل سكان الأراضي المحتلة إلى مناطق أخرى (حالات الاستيطان والترحيل نموذجاً).
20-   التأخير في إعادة أسرى الحرب أو المدنيين إلى بلدانهم.
21-    ممارسة التمييز العنصري (الأبرتايد).
22-   الهجوم على الآثار التاريخية وأماكن العبادة والصروح الثقافية وكل ما له علاقة بالتراث الثقافي والروحي للشعوب.

حيثيات العدوان والجرائم الدولية!
خلال حرب الـ 22 يوماً ضد غزة  التي بدأت في 27 كانون الأول (ديسمبر) 2008 قامت إسرائيل بشن 2500 غارة عسكرية ضد المدنيين وإلقاء ما يزيد عن ألف طن من المتفجرات عن طريق البحر فقط، واستهدفت المدنيين بشكل عشوائي كما تعمّدت استهداف الملاجئ والمستشفيات والمدارس والجامعات والمساجد والمنشآت المدنية وتدمير البنية التحتية واستخدام الأسلحة المحرّمة دولياً، تلك التي عُرفت باسم "القنابل الفسفورية".
ولعل التصريحات الإسرائيلية الصريحة والضمنية الصادرة عن المسؤولين المتعلقة بنيّة إسرائيل في القضاء على "حماس" واستئصالها كهدف رئيسي للعدوان، ليست سوى الشروع عملياً بحرب إبادة وهي تعني: ارتكاب أي  فعل بنيّة إهلاك جماعة قومية أو اثنية أو عرقية أو دينية إهلاكاً كلياً أو جزئياً.
وقد أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة قراراً بتاريخ 9/9/1946 بشأن إبادة الجنس البشري، اعتبرت بموجبه كل عمل من شأنه أن يؤدي إلى الإبادة جريمة دولية موجهة ضد الإنسانية، وهو ما أخذ به نظام محكمة نورمبرغ وأحكامها، كما وافقت الجمعية العامة على اتفاقية لتحريم إبادة الجنس البشري، تلك التي يمكن أن تحدث بصور مختلفة، كالتآمر الذي يرمي إلى القضاء على جماعات وطنية، بسبب خصائص جنسية أو دينية أو لغوية أو ما شابه ذلك، وهو ما اعتمدته المحكمة الجنائية الدولية التي تأسست في روما العام 1998 ودخلت حيّز التنفيذ العام 2002 أيضاً.
إن القانون الدولي المعاصر والقانون الدولي الإنساني يعتبر تلك الأعمال جرائم خطيرة سواءًا ارتكبت في زمن الحرب أو زمن السلم، وقد نصّت المادة الأولى من اتفاقية تحريم إبادة الجنس البشري العام 1954 على تعهد الدول بالامتناع عن القيام بها  ومعاقبة مرتكبيها.
ولعل القتل الجماعي الذي تعرّض له السكان المدنيون في غزة يُعدّ جريمة دولية، وهو ما اعتادت إسرائيل على ممارسته بمبررات ردود الفعل إزاء أعمال المقاومة، وتحت بند  الدفاع عن النفس، وهو ما بررته في عملية الرصاص المنصهر أو المسكوب، والثأر المبرر عندما اجتاحت قطاع غزة بآلة عسكرية ضخمة بعد حصار شامل لبضعة أشهر، وقبلها تطويق وحصار جزئي دام أكثر من عامين ونصف.
والإبادة الجماعية وفقاً للاتفاقيات الدولية ابتداءً من الاتفاقية الدولية بخصوص منع التمييز بسبب الدين أو الجنس أو اتفاقية منع إبادة الجنس البشري في العام 1954 أو اتفاقية المحكمة الجنائية الدولية ونظام روما العام 1998، تعني: الأعمال التي تُرتكب على أساس إبادة جماعة سلالية أو عرقية أو دينية، إبادة تامة أو جزئية، كالقتل وإلحاق الأضرار الجسدية أو النفسية وإحداث خلل عقلي أو الإخصاء أو اغتصاب الأطفال ونقلهم إلى جماعات سلالية أو عرقية أخرى. ولعّل التصريحات الإسرائيلية التي سبقت وهيأت لعملية اجتياح غزة استهدفت القضاء على السكان الفلسطينيين كجماعة تاريخية وسلالية بحجة اجتثاث "حماس".
أما جرائم الحرب بموجب القانون الدولي الإنساني وهي النوع الثاني من الجرائم حسب تصنيف المحكمة الجنائية الدولية، فقد ارتكبت إسرائيل على نحو صارخ مختلف أصناف الجرائم الحربية، ولعل أكثر من سبعة آلاف ضحية بينهم 1232 شهيداً تؤكد ذلك وجلّهم من المدنيين. وقبل ذلك قامت بفرض الحصار ضد سكان غزة ومنعت عنهم الدواء والغذاء، وهو الأمر الذي استمر خلال فترة الحرب.
يعرّف القانون الدولي الجنائي، جرائم الحرب: بأنها الأفعال المخالفة لقوانين الحرب وأعرافها، التي يرتكبها الجنود أو الأفراد غير المحاربين التابعين لدولة العدو، كما جاء في مشروع الأمم المتحدة الخاص بتقنين الجرائم التي تقع ضد سلم وأمن البشرية، وتناولت المادة الثانية عشرة الفقرة12، جرائم الحرب بالتأكيد على "أن الأفعال المرتكبة إخلالاً بقوانين الحرب وأعرافها، تكون جرائم خاضعة لهذا التقنين." (7)
ويمكن فيما يلي إدراج بعض الجرائم التي ارتكبها الصهاينة والتي تعتبر منافية لقوانين الحرب وأعرافها بشكل سافر، والتي تستحق العقاب.
1-   استخدام الأسلحة المحرمة دولياً، لا سيما القنابل الفسفورية.
2-   الاعتداءات التي ترتكب بطريقة الغدر، حيث تتعارض تلك الأفعال مع اتفاقيات لاهاي وجنيف وملحقيها، التي حرّمت مثل تلك الأفعال. كما تحرّم الاتفاقيات الدولية، القتال أثناء وقف اطلاق النار وخلال فترات الهدنة، وهو ما لم تلتزم به إسرائيل في كل حروبها ضد البلدان العربية، ومنها حربها ضد غزة حيث واصلت عدوانها على الرغم من قرار مجلس الأمن رقم 1860 العام 2009 القاضي بوقف القتال، وقرارها المنفرد بوقف إطلاق النار، الذي استمرت بخرقه بالرغم من إعلانها، الأمر الذي يعتبر من باب الغدر الذي يعاقب عليه القانون الدولي الإنساني.
3-   الاعتداءات الموجهة ضد المدنيين والمقاتلين الذين أصبحوا في حالة عجز تمنعهم من مواصلة القتال، وقد ارتكبت إسرائيل أعمالاً بربرية منافية لقواعد وقوانين الحرب بهذا الشأن منها:
أ‌-   مهاجمة المدنيين لاسيما الشيوخ والنساء والأطفال وقصف المنازل والمدارس والجوامع والكنائس ورياض الأطفال ومقرّات المنظمات الدولية والإنسانية.
ب‌-   مهاجمة الأماكن غير المدافع عنها.
ج- ضرب الأماكن، التي تتمتع بحماية خاصة كالمستشفيات والمرافق الأثرية والمتاحف والأماكن المقدسة والمراكز الإعلامية وغيرها.
   4-    قتل الرهائن، حيث تنص معظم القوانين العسكرية لمختلف الدول على تحريم قتل الرهائن، كما نصت اتفاقية الصليب الأحمر لسنة 1929 على تحريم كل فعل من أفعال القصاص ضد أسرى الحرب، واعتبرت محكمة نورمبرغ، قتل الرهائن جريمة من جرائم الحرب، وعلى سبيل المثال لا الحصر فقد قامت إسرائيل بجريمة قتل 250 رهينة في مذبحة دير ياسين و49 رهينة في مذبحة كفر قاسم ومئات من الأسرى المصريين في سيناء العام 1956 وفي العام 1967 ونحو 1000 إنسان في مجازر صبرا وشاتيلا، ويعتبر قطاع غزة بكامله وجميع الأراضي الفلسطينية والعربية المحتلة "رهينة" وسكانها بمثابة "رهائن"، حيث تستوجب القوانين الدولية، لاسيما قوانين الحرب والاحتلال حمايتهم والحفاظ على حياتهم وممتلكاتهم، طبقاً لاتفاقيات جنيف العام 1949 وقواعد القانون الدولي الإنساني.
5-    سوء معاملة أسرى الحرب، حيث تحرّم الاتفاقيات الدولية، وخاصة اتفاقية لاهاي العام 1907 واتفاقية جنيف العام 1906 والعام 1949 وكذلك البروتوكولين الملحقان بها العام 1977، المعاملة القاسية لأسرى الحرب. وتؤكد تلك الاتفاقيات على تحريم أي اعتداء يقع على شخصهم وشرفهم وأموالهم. كما تحرّم قتلهم وتعذيبهم أو حجزهم في أماكن غير صحية أو تشغيلهم في أعمال شاقة. ولعل هناك أمثلة كثيرة على هذا الصعيد، أهمها اختطاف رئيس البرلمان الفلسطيني الدكتور عزيز الدويك وعدد كبير من النواب والوزراء في حكومة غزة.
إن الشهادات التي قدمها المواطنون العرب الفلسطينيون واللبنانيون، أصبحت معروفة للرأي العام العالمي، لما فعله الاحتلال الإسرائيلي بحق السكان المدنيين أو الذين جرى اقتيادهم كأسرى وما تركه التعامل المخالف لقواعد القانون الدولي الإنساني من نتائج وآثار لا إنسانية عليهم.
6- سوء معاملة الجرحى والمرضى، فقد تضمنت الاتفاقيات الدولية وخاصة اتفاقيات جنيف لعام 1949، موضوع تقديم حماية خاصة للجرحى والمرضى والمنكوبين بسبب الحرب، ولكن إسرائيل خلافاً لكل تلك الاتفاقيات، كانت تعامل الجرحى والمرضى بشكل مزرٍ، وفي أحيان كثيرة تقوم بتصفيتهم والتخلص منهم أو عدم تقديم الدواء اللازم لهم وجعلهم عرضة للهلاك، وهو ما كان صارخاً في عدوانها على غزة، لاسيما إغلاقها للمعابر وإقفالها للحدود مما سبب منع ورود الإسعافات والأدوية اللازمة ما يعني موتاً بطيئاً وجماعياً لأهالي غزة المحاصرين، وما ترافق مع ذلك من قصف للمستشفيات والمراكز الصحية.
أما الجرائم ضد الإنسانية فهي الصنف الثالث من الجرائم حسب نظام روما، إذ لا يمكن قبول مزاعم إسرائيل بشأن مسألة الدفاع عن النفس حسب المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، تلك التي لا تنطبق عليها بتاتاً.
تعتبر جرائم الاغتيال والاسترقاق والإبادة والترحيل لأسباب سياسية أو عنصرية أو دينية أو ما شابهها، جرائم موجهة ضد الإنسانية. وقد اعتبرت هذه الجرائم دولية أيضاً.
أما عمليات العقاب الجماعي Collective punishment لأسباب عنصرية وعرقية فهي سياسة مميزة على امتداد الدولة العبرية سواءً بحق المواطنين العرب الفلسطينيين أو سكان الأراضي العربية المحتلة. وهو ما ظهر جلياً في العدوان على غزة والعمل على معاقبة السكان المدنيين على نحو جماعي بحجة صواريخ حماس والمقاومة ضدها.
العقاب الجماعي يعني إنزال عقوبة على مجموعة من السكان الأبرياء بالرغم من علم السلطات الحاكمة أو المحتلة، ببراءة هؤلاء السكان، ولكن انتقاماً لحادث ما ضد السلطة الحاكمة أو المحتلة، قام به فرد أو بضعة أفراد سواءً لمقاومة تلك السلطة أو التصدي لقوات الاحتلال!
أما الإرهاب الجماعي    Collective Terror فإن السلطات الإسرائيلية تمارسه على أوسع نطاق. فتقوم بأعمال تهديد جماعية وحملات تفتيش عشوائية لإرهاب المواطنين وإخراج الناس من منازلهم وسوقهم إلى الساحات العامة وتعريضهم لقسوة الطبيعة وممارسة عمليات انتقام جماعية بحقهم كالتجويع، خصوصاً بفرض الحصار وقد حدث ذلك أيضاً أثناء الاحتلال الإسرائيلي للبنان ومحاصرة مدينة بيروت وقطع التيار الكهربائي والمياه عنها وكذلك محاصرة المخيمات وتحويلها إلى ما يشبه معسكرات الاعتقال، وهو ما حصل في غزة التي ارتدت ثوب الظلام وعانت من انقطاع التيار الكهربائي وشحة الغذاء والدواء والمياه.
إن القانون الدولي الذي يحرّم أعمال الاغتيال والاسترقاق والإبادة والترحيل لأسباب عنصرية أو دينية أو سياسية، إنما يستهدف حماية شخص الإنسان وصيانة القيمة والمُثل العليا والمبادئ الإنسانية العامة، وهو ما ذهب إليه الإعلان العالمي لحقوق الإنسان العام 1948، واتفاقيات جنيف الأربع العام 1949 وملحقيها العام 1977 وما أكدّه ميثاق هيئة الأمم المتحدة.
أما الصنف الرابع من الجرائم فهو يتعلق بجريمة العدوان ذاتها وخرق قواعد القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة وتهديد السلم والأمن الدوليين.(8)

إسرائيل والدفاع عن النفس !!
أشرنا إلى ما تناولته المادة السادسة من نظام محكمة نورمبرغ بشأن تعريف الجرائم الموجهة ضد السلم والأمن الدوليين. ولا بد هنا من التصدي لمزاعم وادعاءات "إسرائيل"  بشأن "الدفاع عن النفس" مثلما تبرر الدعاية الصهيونية الديماغوجية، فحجة الدفاع عن النفس التي تتعكز عليها الصهيونية وفقاً لميثاق الأمم المتحدة (المادة 51) مردودة من الأساس، لأنها لا يمكن أن تنطبق على دولة قامت أساساً على العدوان والاغتصاب وتشريد شعباً كاملاً بنزعه بالقوة من أراضيه مخالفة حتى تعهداتها باحترام ميثاق الأمم المتحدة، التي كانت وراء تأسيسها لاسيما بصدور القرار رقم 181 العام 1947 الخاص بالتقسيم، والذي قامت إسرائيل بخرقه والتجاوز عليه، وكذلك القرار رقم 194 العام 1948 الخاص بحق العودة، ناهيكم عن قرارات مجلس الأمن رقم 242 العام 1967 والقرار رقم 338 العام 1973 بخصوص الانسحاب من الأراضي العربية المحتلة. فأي قانون دولي ذلك الذي يبيح (تحت هذه الحجة الواهية) القيام بأعمال بربرية وممارسة جرائم وحشية؟
وتذهب المادة الثانية، الفقرة الأولى، من مشروع قانون الجرائم ضد سلامة وأمن البشرية لتحرّم مثل تلك الأعمال وتعدّها بشكل صريح من قبيل الحروب العدوانية. وتقاضي اتفاقيات جنيف مجرمي الحرب ومشعلي نيرانها، باعتبارهم متسببين في إثارتها.
إن القانون الدولي المعاصر، منذ ميثاق بريان كيلوك (ميثاق باريس العام 1928) أدان الحروب العدوانية، باعتبارها تشكّل جريمة بحق السلم والأمن الدوليين، وعليه فإن الجرائم التي سبّبها الجناة الإسرائيليون، الذين يتقلدون مناصب سياسية رفيعة (عسكرية ومدنية) أو مراكز هامة في الحياة المالية والصناعية أو الاقتصادية، يعدّون مجرمين بحق السلم والأمن الدوليين، وعلى هذا يُعتبر من مجرمي الحرب الكبار رؤوساء الدولة العبرية ورؤوساء الوزراء المتعاقبين وجميع الوزراء وكبار قادة الجيش، الذين رسموا خطط الغزو والاحتلال والاجتياح وقاموا بإشعال الحروب وممارسة العدوان.
إن "إسرائيل" ما تزال تتشبث بقواعد القانون الدولي التقليدي الذي كان يجيز الحق في الحرب، حيث كانت الحرب "عملاً مشروعاً دائماً، ينطلق من حق الدولة أن تأتيه، كلما كانت مصلحتها تقتضي ذلك" وإسرائيل ظلت تتمسك به على اعتبار الحرب وسيلة لتحقيق مكاسب إقليمية وأساساً لتعديل النظام القانوني الدولي ولفض النازعات الدولية وهو ما يناقض صراحة التطور الذي حصل في القانون الدولي، حيث فتح مبدأ تحريم الحرب العدوانية (منذ ميثاق بريان كيلوك) المجال أمام استقرار مبدأ جديد في العلاقات الدولية، يقوم على أساس حظر استخدام القوة في العلاقات الدولية.
ولم تعد الحرب وسيلة صالحة تتوسل بها الدولة لتنفيذ سياستها القومية، وتحقيق أغراضها وأن لها ما يبررها. ولا يقيّد اللجوء إليها أي اعتبار خارج مصالحها الخاصة. لكن القانون الدولي تطور كثيراً فبدلاً من اعتبار الحرب حقاً مشروعاً أصبحت الحرب محرّمة وتشكل جريمة دولية. فلم يعد القانون الدولي "أداة لتسود به أوروبا على شعوب آسيا وأفريقيا " كما لم يعد يقتصر على تنظيم العلاقات بين "الدول المتحضرة" أو بلدان "العالم المسيحي" كما كان قبل الحرب العالمية الأولى(9).
وقد شهد التطور اللاحق للقانون الدولي المعاصر، وخصوصاً في ميثاق الأمم المتحدة وقرارات الجمعية العامة أهمية مبدأ تحريم الحرب العدوانية، وحظر استخدام القوة في العلاقات الدولية، وجرى التأكيد على عدم الاعتراف بالنتائج التي يتمخّض عنها، الاستخدام غير الشرعي للقوة، وخاصة بالنسبة لاحتلال أراضي الغير، كما تمّ تحميل المسؤوليات الجنائية للأفراد والحكام المسؤولين عن الجرائم التي يقترفونها بحق السلم والأمن الدوليين وبحق الإنسانية.
إن ميثاق الأمم المتحدة والمعاهدات والاتفاقيات الدولية المعاصرة، لا يمكنها تبرير عدوان إسرائيل أو تدعيم وجهة نظر الفقهاء والمنظرّين الحقوقيين الإسرائيليين، الذين حاولوا أن يجدوا غطاءًا قانونياً لإسرائيل بحجة الدفاع عن النفس.
فبموجب القانون الدولي المعاصر يمكن استخدام القوة بشكل شرعي وفقاً للحالات التالية:
1-   حالة الدفاع عن النفس والاجراءات الوقائية، وهو ما حاولت إسرائيل أن تضلل به الرأي العام العالمي، باستمرار تحت هذه الحجة. فماذا يقول ميثاق الأمم المتحدة بشأن الدفاع عن النفس والإجراءات الوقائية؟ وهل يمكن لإسرائيل أن تستند في دعاواها إلى تلك القواعد كيما تبرر عدوانها؟
إن الإجراءات الوقائية لا يمكن استخدامها إلاّ من جانب مجلس الأمن الدولي، حيث تؤكد المادة التاسعة والثلاثون: إن مجلس الأمن هو الذي يحدد وجود أي تهديد للسلام وأي خرق له أو أي عمل عدواني وبالتالي فهو يوصي أو يقرر اتخاذ تدابير من شأنها صيانة السلام وإعادته عند خرقه وفقاً للمادتين 41 و42. وقد حاولت الولايات المتحدة بغزوها لأفغانستان 2002 واحتلالها للعراق 2003 تبرير ذلك بحجة الدفاع عن النفس إزاء انتهاك وشيك الوقوع، الأمر الذي سوّغ لها ما أسمته بالحرب الاستباقية والوقائية، التي لا سند لها في القانون الدولي.
أما بصدد الدفاع عن النفس، فإن المادة 51 من الميثاق تنص على أنه ليس في هذا الميثاق ما يضعف أو ينتقص الحق الطبيعي للدول فرادى أو جماعات في الدفاع عن نفسها، إذا اعتدت قوة مسلحة على أحد أعضاء الأمم المتحدة أو تعرّضت لعدوان مسلح، وذلك إلى أن يتخذ مجلس الأمن التدابير الضرورية للمحافظة على السلم والأمن الدوليين.
وتضيف المادة المذكورة، أن الإجراءات المتخذة في إطار الدفاع عن النفس تبلّغ فوراً إلى مجلس الأمن على أن لا تؤثر على سلطة المجلس وواجبه في التحرك في كل وقت وبموجب أحكام الميثاق وبالطريقة التي يرتئيها مناسبة.
وهكذا يتضح أن المادة التي تتذرع إسرائيل بها لا تنطبق على الأعمال العدوانية التي قامت بها منذ تأسيسها، فهي لم تكن عرضة للعدوان في يوم من الأيام لكي تدافع عن نفسها، كما أن أعمالها لم تكن رداً على عدوان أو هجوم مسلح، فضلاً عن أنها لم تبلّغ مجلس الأمن، ولا في أي مرة بالاجراءات التي تنوي اتخاذها، بل كانت تقوم بأعمالها "الغادرة" بصورة مباغتة، وبهذه الطريقة دمّرت المفاعل النووي العراقي وضربت مقر م.ت.ف في تونس وتنزل طائراتها حمولاتها على رؤوس السكان العرب في غزة.

2-   بتخويل من الجهاز الخاص للأمم المتحدة مثلما يعرض الفصلان السابع والثامن من الميثاق، أو استخدام القوة ضد دول المحور (المادة 107 من الميثاق) وهذه الحالة هي الأخرى لا تنطبق على عدوان إسرائيل المتكرر على الشعوب العربية ولا تدعم  وجهة نظرها أو تبرر غدرها.
3-   النضال من أجل التحرر الوطني وحق تقرير المصير، حسبما تقرره مبادئ الميثاق وتعريف العدوان والإعلان عن تصفية الاستعمار وغيرها من قرارات الجمعية العامة والوثائق الدولية الأخرى. ولا يمكن بأي حال من الأحوال تبرير وتكييف العدوان الإسرائيلي، بموجب هذا البند، فليست معركة إسرائيل من أجل التحرر الوطني أو حق تقرير المصير، بل من أجل التوسع والالحاق والضم والاغتصاب، وكجزء من الإستراتيجية الامبريالية- الصهيونية في المنطقة(10).
يمكن القول أن الجرائم الإسرائيلية مكتملة مادياً ومعنوياً بالأدلة والأسانيد والقرائن والشهود والصوت والصورة، وأركان الجريمة محددة وواضحة، الأمر الذي يتطلب تحريك اجراءات رفع دعاوى ضد المسؤولين الإسرائيليين، وهو ما يدعو الدول الأعضاء في نظام روما وبدعم عربي لرفع دعوى ضد القيادات الإسرائيلية المسؤولة.
أما أهم شهود الواقع والإثبات فهو الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون الذي صرّح بعد زيارته الميدانية إلى غزة في 20 كانون الثاني (يناير) 2009 بأن الجيش الإسرائيلي قد أفرط في استخدام القوة والقنابل الفسفورية.
ولعل شهادة أطباء وخبراء منظمة الأنروا الدولية مهمة جداً، فقد كان هؤلاء الأطباء والعاملون في الاونروا على قناعة تامة بأن إسرائيل استعملت فعلاً قنابل الدمار الشامل ضد السكان المدنيين العزّل، وهو من المحرّمات في قوانين الحرب والقانون الدولي الإنساني. ويمكن إضافة ما صرحت به منظمة "أطباء  بلا حدود"  ومنظمة العفو الدولية وهما منظمتان دوليتان محايدتان حول ارتكاب إسرائيل أعمالاً منافية للقانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف، لاسيما بحق السكان المدنيين واستخدامها للقنابل الفسفورية المحرّمة دولياً.

وثائق التجريم
أما أهم الوثائق الدولية(11) التي يمكن بموجبها إحالة إسرائيل إلى القضاء الدولي فهي:
1-   ميثاق بريان كيلوك (ميثاق باريس) العام 1928 الذي أدان الحرب العدوانية.
2-   ميثاق الأمم المتحدة المبرم في سان فرانسيسكو  العام 1945.
3-   اتفاقية لندن العام 1945 لمحاكمة مجرمي الحرب.
4-   نظام محكمة نورمبرغ العسكرية العام 1946 .
5-   أحكام محكمتي نورمبرغ وطوكيو.
6-   اتفاقية الأمم المتحدة لتحريم الاضطهاد بسبب الدين أو الجنس.
7-   الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عام 1948.
8-   العهدان الدوليان: الأول الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والثاني الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الصادران العام 1966، واللذان دخلا حيز التنفيذ العام 1976.(وهما اتفاقيتان دوليتان شارعتان أي منشئتان لقواعد قانونية جديدة ومثبتتان لها).
9-   اتفاقيات جنيف الأربع العام 1949 والبروتوكولان الملحقان بها العام 1977 (الأول الخاص بحماية ضحايا المنازعات الدولية المسلحة والثاني الخاص بحماية ضحايا المنازعات المسلحة غير الدولية).
10-   اتفاقية الأمم المتحدة بشأن إبادة الجنس البشري العام 1954.
11-    مشروع التقنين الخاص بالجرائم المتعلقة بالسلم والأمن الدوليين (إعداد اللجنة القانونية التابعة للأمم المتحدة).
12-   اتفاقيات لاهاي العام 1899 والعام 1907.
13-   إعلان الأمم المتحدة حول علاقات الصداقة والتعاون في ضوء ميثاق الأمم المتحدة الصادر في 24/10/1970 (المعروف بإعلان التعايش السلمي وقواعد القانون الدولي).
14-   قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الخاص، بتعريف العدوان في القانون الدولي العام 1974.
15-   قرارات الأمم المتحدة بخصوص مدينة القدس (قرار مجلس الأمن العام 1980 برفض ضم القدس من جانب الكنيست الإسرائيلي).
16-   الاعلان العالمي لتصفية الاستعمار ومنح الشعوب المُستعمَرة والتابعة استقلالها وحقها في تقرير مصيرها الصادر العام 1960.
17-   مقررات مؤتمر هلسنكي العام 1975 للامن والتعاون الاوروبي والتي أدخلت مبادئ أساسية جديدة في العلاقات الدولية باعتبارها مبادئ مستقلة وهي:
 1- احترام حرمة الحدود وعدم جواز خرقها.
2-   احترام وحدة الأراضي والاستقلال السياسي للدول.
3-   احترام حقوق الإنسان وحرياته الأساسية.
18-   قرار مجلس الأمن رقم 242 العام 1967.
19-   قرار مجلس الامن رقم 338 العام 1973 .
20-   قرار الامم المتحدة بشأن ضم اسرائيل مرتفعات الجولان السورية العام 1981.
21-   القرارات الدولية لمكافحة الإرهاب وهي : 1368 و 1378 و1390 والتي صدرت على التوالي بعد أحداث 11 أيلول (سبتمبر) الإرهابية الإجرامية، في 12 و28 أيلول (سبتمبر) 2001 و 16 كانون الثاني (يناير) 2002.
22-   قرار مؤتمر ديربن المنعقد في أواخر آب (اغسطس) ، أوائل أيلول (سبتمبر) العام 2001، الذي دمغ الصهيونية وممارسات إسرائيل بالعنصرية.
 
وفي ضوء هذه الوثائق يمكن تكييف التهم التي ارتكبتها إسرائيل في غزة وتجريمها باقتفاء أثر أحد الخيارات القانونية التي تم عرضها، واستناداً إلى تصنيف الجرائم حيث يمكن إسناد التهم التالية لإسرائيل وقادتها من الذين رسموا خطط الغزو والتآمر ونفّذوا أعمال العدوان وأصدروا الأوامر للقيام بالمجازر الوحشية.
وهذه التهم هي:
1-   الجرائم الموجهة ضد السلم والأمن الدوليين ( جريمة العدوان).
2-   جرائم الحرب.
3-   الجرائم الموجهة ضد الإنسانية .
4-    جرائم إبادة الجنس البشري.

وقد عرفت المادة السادسة من نظام محكمة نورمبرغ العسكرية الجرائم ضد السلم العالمي بأنها(12):
1-   تدبير أو تحضير أو إثارة أو متابعة حرب عدوانية.
2-   تدبير أو تحضير أو إثارة حرب خرقاً للمعاهدات والالتزامات الدولية.
3-   الاشتراك في خطة مدبرة أو تآمر لارتكاب أحد الاشكال السابقة.

ولعّل هذه الأعمال جميعها تنطبق على ممارسات إسرائيل في السابق والحاضر، لاسيما في غزة، الأمر الذي يقتضي جهداً جماعياً لملاحقتها، وهو ما حدا بالباحث إلى تصور قيام (محكمة القدس الدولية العليا)، وإذا كان ذلك حلماً فدعونا نحلم مرة أخرى في البحث عن الحقيقة بل نغامر من أجلها.

خيارات الملاحقة القانونية والآليات المتاحة!!

بعد هذا العرض ما هو السبيل لتوجيه الاتهامات إلى مرتكبي الجرائم في غزة، وهل يمكن تجريمَهم طبقاً للقانون الدولي الانساني؟
لعل هناك أكثر من خيار قانوني دولي يمكن اعتماده لملاحقة المتهمين بارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم الإبادة الجماعية وجرائم الحرب وجريمة العدوان وتهديد السلم والأمن الدوليين، ولكن هذه الخيارات تعترضها عقبات سياسية بالدرجة الاساسية وعقبات قانونية أيضاً، ولعل ذلك يتمثل بمواقف الولايات المتحدة والقوى المتنفذة في نظام العلاقات الدولية التي حالت على مدى 60 عاماً من ملاحقة إسرائيل وتجريمها قضائياً بموجب أحكام القانون الدولي.
ومثل هذه المواقف استفحلت بتفرد الولايات المتحدة الامريكية وهيمنتها على الأمم المتحدة، خصوصاً عند انتهاء عهد الحرب الباردة وتحوّل الصراع الأيديولوجي من شكل إلى آخر، لاسيما بعد انهيار النظام الاشتراكي العالمي وتفكك الاتحاد السوفييتي، الأمر الذي مهّد لاعتبار الإسلام  العدو الأول والخطر الأكبر بعد ظفر الليبرالية الجديدة بالهيمنة على العالم.
اما الخيارات المتاحة هي:
1-   الخيار الأول: الطلب من الأمم المتحدة إنشاء محكمة خاصة مؤقتة على غرار محكمة يوغسلافيا ورواندا وسيراليون وكمبوديا والمحكمة الدولية لملاحقة قتلة الرئيس رفيق الحريري، التي هي محكمة خاصة لها طابع دولي. ولكن العقبة الأساسية التي قد تحول دون تحقيق ذلك هي: استخدام واشنطن حق الفيتو، وانحيازها لصالح إسرائيل، الأمر الذي يعرقل اتخاذ مثل هذا القرار، وهو ما ينبغي أخذه بالحسبان عند التفكير باتخاذ خطوة جدية ناجحة.
2-   الخيار الثاني:  إحالة الأمر إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة بانشاء محكمة خاصة من قبلها طبقاً لمبدأ "الاتحاد من أجل السلام" الصادر بقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 377 في العام  1950 (بشأن كوريا). وعلى الرغم من النزاع الفقهي بشأن  القرار المذكور، إلاّ أنه يعدّ إحدى السوابق التي يمكن اعتمادها  والبناء عليها، الأمر الذي يحتاج إلى المزيد من الأنشطة لحشد وتعبئة الكثير من الطاقات للحصول على قرار يمكن بموجبه مقاضاة مرتكبي الجرائم.
ولكن هذا الخيار قد لا ينجح بالحصول على أغلبية في الأمم المتحدة، وإن نجح فقد تمتنع الأمم المتحدة من تمويل المحكمة، لاسيما وأن الولايات المتحدة متحكمة بالتمويل، ومن المحتمل وهذا ما  هو متوقع أن تمتنع من تقديم التمويل اللازم للأمم المتحدة بهذا الخصوص، الأمر الذي قد تنهار معه إمكانية تحقيق هذا الخيار.
3-   الخيار الثالث: العمل على إحالة إسرائيل إلى المحكمة الجنائية الدولية، وهي محكمة دائمة، لاسيما بعد أن صدّقت عليها أكثر من 100 دولة وهذا يتطلّب من الدول العربية الانضمام إليها والتصديق على ميثاقها بعد التوقيع عليه. ولعل نظام محكمة روما فيه بعض العقبات أيضاً.
ويمكن عرض أهم المبادئ الخمسة التي قامت عليها المحكمة الجنائية الدولية لكي يتم أخذها بنظر الاعتبار عند التحرك باتجاه رفع دعوى ضد المرتكبين الصهاينة.
المبدأ الاول :   إنها نظام قضائي دولي نشأ بإرادة الدول الأطراف الموقعة     والمُنشئة للمحكمة.
المبدأ الثاني :   إن اختصاص المحكمة سيكون اختصاصاً مستقبلياً فقط، وليس في وارد أعماله بأثر رجعي .
المبدأ الثالث :   إن اختصاص المحكمة "الدولي" سيكون مكملاً للاختصاص القضائي "الوطني"، أي أن الأولوية للاختصاص الوطني، ولكن المحكمة بإمكانها ممارسة اختصاصاتها في حالتين، الأولى عند انهيار النظام القضائي والثانية عند رفضه او فشله من القيام بالتزاماته القانونية بالتحقيق ومحاكمة الأشخاص المتهمين بارتكاب جرائم.
المبدأ الرابع  :   اقتصر اختصاص المحكمة على ثلاث جرائم هي: جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وجرائم إبادة الجنس البشري، حسبما حددته المادة الخامسة من النظام الأساسي لمحكمة روما.
المبدأ الخامس:   المسؤولية المُعاقب عليها هي المسؤولية الفردية (13).

وقد حددت اتفاقية روما أنه لا يجوز محاكمة هيئات أو دول، واقتصرت على محاكمة أفراد مسؤولين حتى وإن كانوا رؤساء دول أو رؤساء حكومات (رؤساء وزراء) والمسؤولين الآخرين، بمن فيهم القيادات العسكرية العليا، الأمر الذي يحتاج أن يتقدم أحد الأعضاء المصدقين على الاتفاقية بطلب لرئيس المحكمة الجنائية يحدد من خلاله أسماء المتهمين، وحيث يمكن محاكمة رئيس الوزراء الإسرائيلي الحالي أيهود أولمرت ووزيرة الخارجية تسيبي ليفني ووزير الدفاع ايهود باراك، إضافة إلى شيمون بيريز وعدد من القيادات العسكرية العليا ولعل من حق أحد " رعايا" الدولة المصدقة على الاتفاقية أن ترفع دعوى قضائية ضد المرتكبين كما يمكن طلب إحالة المتهمين إلى القضاء الدولي طبقاً لاتفاقية منع إبادة الجنس البشري التي يتم التوقيع عليها العام 1948.
وفي هذه الحالة يمكن محاكمة المتهمين في أي من الدول المعتدى عليها، ومع أن فلسطين ليست دولة في الوقت الحاضر، وهو الأمر الذي "تتذرع" به إسرائيل "قانونياً " كما يذهب إلى ذلك العقل القانوني الإسرائيلي، وإنها انسحبت من غزة منذ العام 2006، إلاّ أن من حقها أن تحاكم المسؤولين الإسرائيليين بأسمائهم على الرغم من أن تطبيق ذلك أمرٌ غير ممكن في الوقت الحاضر بسبب اختلال توازن القوى.
ولئن ظل اختصاص المحكمة يشوبه الكثير من النقص تبعاً للصراع السياسي بين الدول، فقد انقسمت هذه إلى فريقين رئيسين، الأول أراد للمحكمة صلاحيات واسعة ودرجة عالية من الاستقلالية. والثاني أراد تقليص صلاحياتها بحيث تكون خاضعة للدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن ومبدأ أسبقية الدول على الأفراد، إلاّ أنها على الرغم من كل شيء كانت ثمرة التطور في ميدان حقوق الإنسان.
إن اتخاذ البلدان العربية والإسلامية مواقف موضوعية إزاء الانضمام والتصديق على المحكمة ضرورة تُمليها مسؤولية عدم التغيّب عن مرجعية دولية بهذه الأهمية التاريخية والمستقبلية، وإذا كنّا نردد كثيراً موضوع مقاضاة مرتكبي الجرائم، فإن واحداً من الآليات التي يمكن اعتمادها هو نظام محكمة روما، الأمر الذي يتطلب الانضمام إليه والتصديق عليه، وبالتالي رفع الشكاوى وتحريك الدعاوى ضد المرتكبين. وهذا الخيار أيضاً معقد وتكتنفه الكثير من الصعوبات والعراقيل القانونية والعملية، لاسيما أن اللجوء إلى المحكمة أمر لا يسمح به الآّ إذا قام مجلس الأمن بإحالة هذه الجرائم إلى المحكمة الجنائية الدولية، وهو أمر غير ممكن حالياً ضمن الفيتو الأمريكي.
4-   الخيار الرابع هو الاختصاص العالمي، وسيكون من حق أية دولة طبقاً لاتفاقية جنيف الرابعة العام 1949، محاكمة المتهمين بارتكاب الجرائم ضد الإنسانية، بصرف النظر عن مكان وقوع هذه الجرائم، طبقاً لقوانين الدولة ذاتها. وقد قامت إسرائيل مؤخراً بتكليف محامين دفعت لهم أكثر من 3 ملايين دولار لمعرفة القوانين التي تنطبق على مسؤولين يمكن اتهامهم بارتكاب جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية، كما قامت من خلال ضغط أمريكي لتعديل القانون البلجيكي. وهي تشن حالياً حملة ضد إسبانيا وتسعى لتغيير قوانينها خصوصاً بعد قبولها دعاوى ضد مسؤولين إسرائيليين. وكانت وزيرة الخارجية الإسرائيلية تسيبي ليفني قد صرّحت بأنها تجري اتصالات مع إسبانيا بهدف تعديل قوانينها للحؤول دون استخدامها من جانب بعض منظمات المجتمع المدني في ملاحقة عدد من المسؤولين الإسرائيليين.
 وعلى الرغم من أن هذه الإمكانية ما تزال متوفرة حتى الآن حيث أن هناك عدداً من الدول يسمح نظامها القانوني بمحاكمة المتهمين بارتكاب جرائم حرب ومنها: كندا واسبانيا وألمانيا وهولندا وفرنسا وبريطانيا، الاّ أن الأمر  لم يجرِ استثماره من جانب العرب على نحو مؤثر، فالحكومات لم تدخل هذا الباب بعد، أما المجتمع المدني فإمكاناته شحيحة وأهالي الضحايا بأوضاع صعبة ولا تسمح لهم اختيار هذا الطريق لتكاليفه الباهظة. ويتطلب الأمر أيضاً تعديل قوانين الجزاء والعقوبات العربية، لكي تقبل دعاوى ضد مسؤولين إسرائيليين متهمين بارتكاب جرائم، خصوصاً إذا مرّوا عبر أراضيها، إذ يتعين في هذه الحالة وجود تشريعات قانونية تسمح بتجريم ومحاكمة المتهمين بارتكاب الجرائم، وهذا هو الأساس الذي استندت إليه المحاكم البلجيكية في قبول النظر في الدعاوى التي أقيمت ضد شارون باعتباره المتهم الأساسي في جرائم صبرا وشاتيلا 17-18 أيلول/سبتمبر 1982، علماً بأن إسرائيل هي أول من لجأ إلى استخدام هذا " الحق" بالرغم من أنها قامت بمخالفة صريحة وسافرة لقواعد القانون الدولي، عند اختطاف ايخمان من الارجنتين العام 1960 وقامت بنقله إلى مطار بن غوريون، وأعلنت عن بدء محاكمته ثم قامت باعدامه (بعد صدور الحكم ضده)، وهي ما تزال تطارد أعداداً من المتهمين بارتكاب جرائم الإبادة بحق اليهود.
لعل الاختصاص الجنائي الدولي يتيح نظرياً على الأقل لنحو 47 بلداً (معظم دول مجلس أوروبا) التقدم أمام المحاكم الوطنية ورفع دعاوى تطلب جلب المتهمين إلى العدالة لمقاضاتهم، حتى وإن كان الجناة  يتمتعون بجنسية بلد آخر، حيث يمكن رفع دعاوى قضائية أمام المحاكم الوطنية لملاحقة المتهمين، وابلاغ المدعي العام في المحكمة الجنائية الدولية بهذه الجرائم، حيث تقع هذه المسألة ضمن سلطاته واختصاصه، لاسيما بعد إخطار مجلس الأمن بذلك.
يكفي أن تحمل الضحية جنسية البلد الذي يرفع الدعوى أمام قضاء بلده، ليحق له مقاضاة المتورطين في جرائم يقدّمها ضد مجهول أو ضد شخص بذاته من المسؤولين الإسرائيليين، حتى وإن كان يتمتع بحصانة، لأن هذه الأخيرة لا تعفيه عن المساءلة بارتكاب الجرائم.
وبالرغم من عدم تفعيل هذه الآليات وعدم الرجوع إليها لدرجة كافية حتى الآن، الاّ ان الكثير من المسؤولين الإسرائيليين أصبحوا يخشون السفر إلى أوروبا، تحاشياً لاحتمال إلقاء القبض عليهم، لاسيما إذا كان هناك من سيرفع أو رفع شكوى ضدهم بموجب الاختصاص الجنائي الدولي.
ان اللجوء إلى هذا الخيار ممكن رغم أنه غير مضمون، لاسيما من خلال الضغوط السياسية والتعقيدات القانونية، التي قد تجعل الجناة يفلتون من يد العدالة.

5-   الخيار الخامس  اللجوء إلى محكمة العدل الدولية وعلى الرغم من أن اختصاص المحكمة هو الفصل في النزاعات الدولية (من الدول) التي تُعرض عليها وتفسير المعاهدات والاتفاقيات الدولية والنصوص القانونية وكذلك إصدار فتاوى استشارية، وبهذا المعنى فإن اختصاص المحكمة يتعلق بإصدار أحكام مدنية وليست جزائية على المتهمين، وهي "محكمة حقوقية" تقضي بالمسؤولية المدنية والتعويض، وهناك سابقة البوسنة حيث أقامت دعوى لطلب التعويض من صربيا للمجازر المرتكبة، وطلبت من محكمة العدل الدولية العام  1993 وقف المجازر وطلب التعوي

375
لحظة الهند .. البحث عن الشراكة والتعاون.. لا تريد أن تكون قوة عظمى


 
عبد الحسين شعبان
استوحيت عنوان هذه المقالة من البروفيسور الصديق عبد الخالق عبد الله، عندما اختار عنواناً مثيراً لبحثه المهم ''لحظة الخليج في التاريخ العربي المعاصر''، ولعل هدفه كان في الدرجة الأساسية هو لفت النظر لما يجري في الخليج من تطور وتراكم ودور منشود. إن مناسبة اختيار عنوان ''لحظة الهند'' هو مؤتمر في غاية الأهمية والحيوية نظّمه ''المجلس الهندي للشؤون الدولية'' ICWA و''جمعية الأكاديميين الآسيويين'' AAS في نيودلهي، وشارك فيه نخبة متميّزة من المفكرين والدبلوماسيين والباحثين المتخصصين من بلدان مختلفة. وانعقد المؤتمر تحت عنوان ''الهند ودول مجلس التعاون الخليجي- إيران والعراق، مستجدات الأمن وآفاقه''India and GCC countries: Iran and Iraq-Emerging security perspectives.
الجدير بالذكر أن المجلس الهندي للشؤون الدولية يعتبر من أعرق وأقدم المنظمات الرسمية المساعدة لأصحاب القرار فيما يتعلق بالعلاقات الدولية. وكان قد أسسه رواد حركة الاستقلال في الهند عام 1943 برعاية من زعيم الهند الكبير المهاتما غاندي ومشاركة البانديت جواهر لال نهرو أول رئيس لوزراء الهند بعد استقلالها عام 1947 وأحد أبرز زعماء حركة الحياد الإيجابي وعدم الانحياز التي بدأت بعد مؤتمر باندونج عام 1955 واستكملت انطلاقتها في عام 1961.
وكان تنظيم هذا المؤتمر يستهدف بحث العلاقات بين الهند ودول مجلس التعاون الخليجي الستة وهي: الكويت والسعودية والإمارات، والبحرين، وعُمان، وقطر، إضافة إلى إيران والعراق، وذلك في المجالات المختلفة، انطلاقاً من الأمن باعتباره مهمة عاجلة لا يمكن الحديث عن الرفاه والتنمية والسلام دونها. وإذا كان التركيز على الدول الثماني، فذلك لأنها تشكل مجموعة فرعية من منطقة غرب آسيا، تؤثر وتتأثر بما يجري فيها بحكم جغرافية المنطقة وترابط منظوماتها الأمنية ومنظوراتها للعلاقات فيما بينها اختلافاً أو ائتلافاً طبقاً للمنتظم الإقليمي والدولي.
وناقش المؤتمر كلّ ما له علاقة بدور الهند بشكل خاص وآسيا بشكل عام، لا سيما الأمور المتعلقة بشؤون الأمن والسلام والصراع الدولي والإقليمي والنزاعات في منطقة الخليج، وقضايا الطاقة وخصوصاً النفط، والغذاء واللاجئين، كما أولى اهتماماً كبيراً بظاهرة الإرهاب الدولي وامتداداته وسبل مجابهته. وإذا كانت الأغلبية الساحقة من المشاركين تستبعد دوراً هندياً عسكرياً، لكنها شدّدت على دور إيجابي سلمي للهند كقوة ناعمة ومؤثرة اقتصادياً وتجارياً وعلمياً وثقافياً، وهو ما عبّر عنه أيضاً نائب رئيسة جمهورية الهند حامد أنصاري عندما تحدّث في الجلسة الافتتاحية قائلاً: إن الحفاظ على الاستقرار يتطلب رؤية أوسع وأشمل من الأمن حسبما صرّح به الأمين العام السابق للأمم المتحدة كوفي أنان عام 2001 الذي طرح سؤالاً يتعلق بالمقصود بالأمن والسلام، وأجاب عنه بأنه لا يعني مجرد إنهاء الحرب أو إبعاد شبحها، كما أن السلام لا يعني إنهاء العمليات العسكرية، بل يشمل التنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية وحماية البيئة وإرساء الديمقراطية ونزع السلاح واحترام حقوق الإنسان واعتماد مبدأ سيادة القانون.
وتواجه علاقات دول الإقليم وخصوصاً العلاقات العربية - الإيرانية، ملفات معقدة ومتشابكة سلباً وإيجاباً ارتباطاً بالصراع الدولي، لا سيما بعد الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، وما أعقبه من إشكاليات ومشكلات متداخلة ومتفاعلة، مثل احتلال أفغانستان في عام 2001 واحتلال العراق في العام 2003 والصراع العربي - الإسرائيلي والدور الإيراني في لبنان، وتأثيرات الكثير من القضايا على الاصطفاف الطائفي في المنطقة، وصولاً إلى الملف النووي الإيراني، الذي أخذ يثير تداعيات ومخاوف عربية وخليجية مشروعة وغير مشروعة، خصوصاً وأنه يرتبط بمحاولات تمدّد إيراني من جهة، ومن جهة أخرى، فرض حصار دولي، وأمريكي تحديداً، ضد إيران والتأليب عليها والتهديد بضربات عسكرية ضدها أمريكياً تارة وإسرائيليا في أكثر الأحيان، تحت مسمّيات شتى منها: ''الحرب الوقائية'' أو ''الحرب الاستباقية'' التي بررتها بعض قرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن تحديداً، لا سيما القرار 1373 الصادر في 28 أيلول (سبتمبر) 2001، وبعد أحداث 11 أيلول (سبتمبر) الإرهابية الإجرامية التي حصلت في الولايات المتحدة.
وإذا كان موضوع بناء الثقة وتأسيس فهم مشترك لمشكلات المنطقة يساعد على استبعاد الحلول العسكرية، ويؤمّن قدراً من التعاون في مجالات الطاقة والغذاء والعمالة المهاجرة ومكافحة الإرهاب، ناهيكم عن تعزيز العلاقات الاقتصادية والتجارية والثقافية والاجتماعية والعلمية والتكنولوجية ذات الأبعاد الإنسانية القائمة على المصالح المشتركة والمنافع المتبادلة، فإن الهند وبعض دول آسيا بإمكانها أن تلعب دوراً جيوبوليتيكيا علمياً وتكنولوجياً وثقافياً وتشكّل حضوراً فاعلاً لا سيما بعد أنجزت الكثير من التقدم في المجالات المختلفة.
وإذا كان اختيار الرئيس الأمريكي باراك أوباما، الهند ومدينة بومباي تحديداً، أول محطة خارجية له لزيارة آسيا بعد هزيمة الديمقراطيين في الانتخابات النصفية، وبعد التراجع الكبير لشعبيته التي عكستها استطلاعات الرأي، فلعلّه أراد أن يوجّه رسالة واضحة من هناك إلى العالم أجمع، حول الدور الهندي الصاعد، الأمر الذي يعكس كيف تعاملت الولايات المتحدة مع الملف النووي الهندي، من موقع الإقرار والتعاون، باعتباره يمثّل مشروعاً سلمياً طموحاً لدولة صاعدة، وهي التسمية التي تُطلق على الهند مثلما تُطلق على البرازيل وكوريا وماليزيا وغيرها، وبالطبع على الصين، في حين أن الباكستان وهي دولة ترتبط مع الغرب بأكثر من وشيجة، أصبحت أكثر بعداً عن السياسات الأمريكية الراهنة، التي جعلت من مسألة القضاء على الإرهاب وتصفية جماعة القاعدة الإرهابية شرطاً أساسياً في استراتيجيتها الكونية.
هكذا جاءت لحظة الهند، فهي من جانبها تفكّر ''ببرود'' مثل الصين باعتبارها دولة نامية، ولا تريد أن تكون قوة عظمى، لأن ذلك سيضع عليها مسؤوليات والتزامات ستكون غير قادرة على الإيفاء بها، فضلاً عن أن ذلك سيرتّب عليها تبعات سياسية واقتصادية وعسكرية هائلة، وستكون في حقل مجابهة انقضى زمنها كما تعتقد، لذلك فهي تبحث عن بيئة حيوية لعلاقات دولية جديدة تستطيع أن تقوم فيها بدور كبير مع الصين في آسيا ومع دول الجوار وخصوصاً عبر المحيط.
لكن بعض المشاركين وفي إطار حنين إلى الماضي (نستولوجيا) يريد أن تعود الهند إلى عهد جواهر لال نهرو أو أنديرا غاندي، مثلما هو حنينه إلى زعماء كبار مثل عبد الناصر وتيتو وماوتسي تونج، إلاّ أن السياسة والدبلوماسية الهندية تتجنبان، بل تحاولان الابتعاد عن مجرد التفكير بالماضي، وإن شعرتا بالاعتزاز به، لكن المتغيّرات الدولية الكبيرة بدأت تفرض نفسها بقوة على نظام العلاقات الدولية، ولذلك فإن النبرة الهندية خفّت حدّة، فيما يتعلق بالصراع الأيديولوجي والنزاعات الدولية، وأصبح الميل إلى السلام والتوافق الدولي الخيار الحاسم، على الرغم من موقفها الذي ظلّ ثابتاً من الصراع العربي- الإسرائيلي، لا سيما من مبدأ حق تقرير المصير وإعادة اللاجئين وإقامة الدولة الفلسطينية، لكن ذلك لم يمنع من تعاون وعلاقات مع ''إسرائيل'' لم تكن مطروحة في الاستراتيجية الهندية الخمسينية والستينية والسبعينية.
الهند شريك في الحضارة التاريخية الكونية، وهي شريك حالي، بما تتمتع من ديناميكية على الرغم من ظاهرة الفقر المستفحلة، لكن وجود نظام اتحادي- ديمقراطي يجعلها أكثر استقراراً، خصوصاً الإقرار بالتعددية والاعتراف بلغات تزيد على 23 لغة وأكثر من ألف لهجة محلية وأديان وفئات متنوّعة لها حقوقها، حيث يتعايش الهندوس والمسلمون والسيخ والبوذيون والمسيحيون وغيرهم، ويزيد عدد السكان في الهند عن مليار و20 مليون نسمة، وتنقسم البلاد إلى نحو 25 إقليما (فيدرالية) وتشهد تسامحاً مثيراً لأمم وشعوب ولغات وأديان متباينة ومؤتلفة في الآن .
الهند جزء من الأمن الآسيوي والعالمي، ولكن كيف يمكن أن يؤثر الوضع الأمني سلباً أو إيجاباً على غرب آسيا، وخصوصاً الجزء الخاص بالخليج ودول مجلس التعاون الخليجي وإيران والعراق على مصالح الهند والهنود؟ ثم ماذا يجب على الهند أن تفعله لتؤمن وتدعم مصالحها؟ وأخيراً لماذا وكيف يمكن للهند أن تسهم في تعزيز الأمن والاستقرار والسلام في المنطقة المحيطة بها، وهي أسئلة ساخنة كان المؤتمر قد واجهها منذ التئام أعماله، عندما طرح نائب الرئيسة الهندية حامد أنصاري تصوراته بشأن ذلك، واتفقت واختلفت الرؤى حولها، لكن الحوار والبحث عن المشتركات الإنسانية، ظلّ الهدف الأكثر تجانساً وانسجاماً.
إن الأهمية الاستراتيجية الجغرافية والتاريخية والاقتصادية والثقافية لهذه المنطقة تضع دولة مثل الهند أمام تحديات تتعلق بتحديد أولوياتها، لما له من انعكاس على أوضاعها الداخلية ارتباطاً مع محيطها الخارجي، فالبصرة لا تبعد عن بومباي أكثر من 1526 ميلاً بحرياً، وبين بندر عباس ودبي تقع دائرة نصف قطرها ألف ميل بحري فقط، حيث التواصل الإنساني، الثقافي والاقتصادي بين دول الخليج الست وإيران والعراق يمتد إلى جذور عميقة في التاريخ، ولعل ميزان التعامل التجاري بين الهند والدول الثماني يعكس ذلك، حيث يتم استيراد 63 في المائة من احتياجات الهند من النفط الخام من الدول الثماني، كما بلغت نسبة التعامل التجاري ما يزيد على 49 مليار دولار خلال عامي 2009/2010، الأمر الذي يجعل الشراكة بين الهند والدول الثمانية قائمة وفعلية، وتحتاج إلى المزيد من الأمن والاستقرار والسلام لتنميتها وتعزيزها.
ويدخل في ذلك متابعة أوضاع ستة ملايين هندي مهاجر إلى دول المنطقة المذكورة، وهم قوة فعّالة ومساهمة في النشاط الاقتصادي والاستثماري، كما لا بدّ من احتساب موضوع مراقبة مياه بحر العرب في عمليات مكافحة القرصنة، الأمر الذي سيكون ضرورة لا غنى عنها لكل دول المنطقة وجود حكومات صديقة واتفاقات لتحقيق الأمن والسلام وتأمين انسيابية مصادر الطاقة وحرية الملاحة عن طريق مضيق هرمز وضمان حقوق العمالة الهندية المهاجرة، فضلاً عن مكافحة الإرهاب الدولي.
ولعل طموحاً بهذا القدر لا يمكن تحقيقه إلا بالعمل الجماعي للأمن المشترك والابتعاد عن التفرّد، لا سيما باتباع سياسات أنانية ضيقة أو محاولات إملاء الإرادة من الدول الإقليمية أو الدول الكبرى، التي ستكون فرصتها سانحة كلّما اهتزّت الثقة بين الدول النامية وخصوصاً باستمرار النزاعات الإقليمية، الأمر الذي يحتاج إلى بناء الثقة وضمان وحدة المصالح والمنافع المتبادلة واللجوء إلى الحوار الرسمي وغير الرسمي بين الحضارات والثقافات والأنظمة للتوصل إلى ما هو مشترك، خصوصاً إذا كان الحوار مؤسساً وتصونه هياكل مفتوحة، ويستهدف أيضاً معالجة الافتراقات القائمة من خلال الشراكة والتعاون، وأعتقد أن ذلك واحد من الأهداف الأساسية للمؤتمر الذي يعد أحد قنوات تبادل الرأي وجسّ نبض السياسات لرسم الاستراتيجيات من خلال دراسات وأبحاث لأكاديميين وعلماء ودبلوماسيين.



376
 

العدوان الاسرائيلي على غزة
في ضوء قواعد القانون الدولي الانساني
المحاكمة : الممكن والمستحيل


الدكتور عبد الحسين شعبان *


ــــــــــــــ
* مفكر وباحث عراقي في القضايا الستراتيجية العربية والدولية، خبير في ميدان حقوق الانسان، والقانون الدولي  له مؤلفات عديدة منها : النزاع العراقي- الايراني، عاصفة على بلاد الشمس، بانوراما حرب الخليج، الصراع الايديولوجي في العلاقات الدولية، القضايا الجديدة في الصراع العربي- الاسرائيلي، الاسلام والارهاب الدولي، الاسلام وحقوق الانسان، جامعة الدول العربية والمجتمع المدني، الاختفاء القسري في القانون الدولي، السيادة ومبدأ التدخل الانساني،  الانسان هو الاصل، فقه التسامح في الفكر العربي- الاسلامي، جذور التيار الديمقراطي في العراق، المجتمع المدني: الوجه الآخر للسياسة، المعاهدة العراقية- الامريكية : من الاحتلال العسكري الى الاحتلال التعاقدي، وتحطيم المرايا: في الماركسية والاختلاف.


عوضاً عن المقدمة!
مع عملية الرصاص المسكوب  أو "المنصهر" و" الثأر المبرر"(1) التي أطلقتها اسرائيل على حربها المفتوحة، تدفق الدم على جنبات الأسفل في قطاع غزة، وتوشحت بالموت مدينة فلسطينية جديدة مثلما حدث لمدن أخرى، وتدحرجت رؤوس الأطفال في الطرقات والملاعب والمدارس، وقفز السؤال مجدداً، خارج إطار الصراعات السياسية الفلسطينية والخلافات العربية والمشاريع والشعارات... هل هناك أمل هذه المرة في مقاضاة المرتكبين، لاسيما وأن حجم التضامن العالمي ارتفعت وتائره الى حدود كبيرة، والعالم كلّه شاهد ما ارتكب من جرائم بحق المدنيين الفلسطينيين؟
ولكن ما السبيل الى ذلك وكيف يمكن جلب المتهمين الى قفص الاتهام امتثالاً لمعايير وقيم العدالة وحكم القانون الدولي؟ وهل اقترب الحلم من الواقع أم ثمة عقبات جدية تحول دون ذلك؟ ثم كيف يمكن تذليل بعض الصعوبات العملية والاعتراضات الدولية لمقاربة العدالة؟ وبالتالي كيف يمكن بحث جدلية السياسي بالقانوني؟
لعل ذلك كان استعادةً لم تغادرني، لاسيما منذ أكثر من ربع قرن حين تكدّست في ذاكرتي ما ارتكبه الصهاينة في لبنان خلال الاجتياح الاسرائيلي العام 1982، خصوصاً ما حصل في صبرا وشاتيلا، حيث تم الانتقام من الفلسطينيين في مجزرة رهيبة راح ضحيتها نحو ألف مدني في ليلة قاسية ومرعبة 17-18 ايلول (سبتمبر) 1982، قتلوا بدم بارد، وهو ما ذكّرنا بمجازر دير ياسين وكفرقاسم ومدرسة بحر البقر ومعمل أبو زعبل والمجازر في الضفة الغربية وقطاع غزة والجولان، إضافة الى قصف المفاعل النووي العراقي وقصف مقرّات منظمة التحرير الفلسطينية في تونس وغيرها(2).
واشتغل العقل بعد المحنة عسى أن نرتقي بمساءلة حقيقية لما حدث لا على المستوى السياسي حسب، بل على المستوى القانوني، الأمر الذي تطلّب جمع وتنسيق وتصنيف الجرائم المرتكبة، تمهيداً لتقديم المهتمين بالارتكاب الى القضاء الدولي لادانتهم كجناة يستحقون العقاب. ولم يكن الأمر مجرد رغبة فردية، لكن المبادرة اتخذت هذا الطابع، الذي كان وما يزال يحتاج الى جهد جماعي وطاقات متنوّعة ومبدعة حقوقية ودبلوماسية وقانونية واعلامية حكومية وغير حكومية، فضلاً عن ارادة سياسية ضرورية.
   وظلّت عقبات كثيرة تعترض العقل القانوني، سواءًا على الصعيد السياسي أو الواقعي، لاسيما توازن القوى على المستوى الدولي ودرجة الاستعداد الكافية لخوض مغامرة من هذا العيار، يضاف الى ذلك عدم حساب دور المجتمع المدني في الحشد والتعبئة، وبالتالي في تكوين رأي عام مساند للفكرة، فحتى الآن لم تُدرس مسألة ملاحقة شارون عندما كان ينوي زيارة بروكسل، والحلقة المفقودة التي حاول بعض شخصيات المجتمع العربي استثمارها، طالما هناك تقاعساً أو نكوصاً رسمياً أو حسابات خاصة، وأعني بذلك تقديم المرتكبين الى القضاء الدولي، خصوصاً وأن مبدأ العقوبة فردية، ولكن ذلك ضمناً سيعني تحميل اسرائيل " أدبياً " المسؤولية الجنائية والمسؤولية المدنية عن كل ما حصل وما يحصل في الاراضي الفلسطينية والعربية المحتلة، لاسيما بحق السكان المدنيين الابرياء والعزّل.
وإذا كان البحث العلمي يستوجب عرض الحقائق والمعطيات الواقعية في الظرف الملموس، لكنه في الوقت نفسه وإن عاكسته الظروف والتوازنات السياسية، فإنه سيستشرف آفاق المسقبل، وإذا اعتبر البعض أن محاكمة اسرائيل أو المرتكبين باسمها حلم بعيد المنال، فإن محاكمة مجرمي الحرب النازيين والقيادات العسكرية التي تسبّبت في الحروب والويلات في الحرب العالمية الثانية كانت هي  الأخرى، حلماً أيضاً لم يتحقق الاّ بعد هزيمة المعسكر النازي- الفاشي! (المانيا- ايطاليا- اليابان).
ان مشروع " المحاكمة " هو عمل تحضيري لسيناريو قادم سيكون ضرورياً لرؤية المستقبل بكل تضاريسه وتشابكه، وإذا كان الحديث عن الشجر حسب الشاعر والمسرحي الالماني بريخت يعتبر " جناية"، لأنه ينبغي السكوت عن جرائم كثيرة، لهذا السبب يحق للباحث العلمي أن يحلم أيضاً، وكان الروائي الروسي مكسيم غوركي قد وصف أحد كبار القادة الثوريين في العالم، بأن نصف عقله يعيش في المستقبل، أي أن نصف تفكيره كان حالماً يفكّر بالمستقبل، ولا يمكن لأي باحث الاّ أن يفكر بالمستقبل، والمستقبل يعني فيما يعنيه الحلم بالتغيير، والحلم هو جزء من اليوتوبيا كما نقول في الفلسفة، ولعل في كل فلسفة حلماً والاّ ستصبح يباباً...، إذاً دعونا نحلم، ولعلنا في ذلك نبحث عن الحقيقة، وعن المثل والحب والمساواة والحرية، وكان اينشتاين قد قال : المُثل التي أنارت طريقي ومنحتني المرّة بعد المرة الشجاعة لمواجهة الحياة، هي الحب والجمال والحقيقة.
قبل ربع قرن كنت حالماً أيضاً، ولعلي ما زلت ازداد توغلاً في أحلامي، فالحلم وحده هو الذي يمنحنا هذه القدرة العجيبة على التواصل، رغم كل ما حصل ويحصل لنا، على المستوى العام والخاص، لكن قدرتنا على الحلم تعطينا نوعاً من الأصرار على المواصلة وثقة واطمئناناً لمواجهة التحديات ولرؤية أحلامنا وهي تتجدد على أرض الواقع، رغم أن كل ما حولنا مدعاة للتشاؤم، لكن التشاؤم لا يعني اليأس، انه يعني الاعتراف بأن التغيير ضرورة لا مفرّ منها!!
كان حلمي يتجسد في تقديم سيناريو لمحكمة القدس الدولية العليا(3)، الصورة التي كنت أراها تكبرُ كلّما توغلت اسرائيل في مشروعها العدواني- الاستيطاني الاستئصالي الالغائي، الاحلالي. ولم تشفع الاتفاقات الفلسطينية -الاسرائيلية التي عُرفت بـ "مدريد – أوسلو" ( 1991-1993) بتخفيض سقف الحلم، بل زادته اتقاداً ويقيناً وأملاً، فكلما اقترفت اسرائيل المزيد من الارتكابات والجرائم، كان الحلم يقترب من الواقع ويسير حثيثاً باتجاهه.
ان العدوان على غزة العام 2008-2009 وقبله العدوان على لبنان العام العام 2006، يجعل أمر ملاحقة الجناة قضائياً مشروعاً قائماً بل راهنياً وحتى البلدان العربية التي وقّعت على اتفاقيات سلام مع اسرائيل، لا ينبغي أن تصاب بالخدر بل عليها أن تتحلى بالمزيد من اليقظة لمواجهة الاحتمالات والتحديات المختلفة، لاسيما ما تبيّته اسرائيل ازاءها وما تحضّره من عدوان عليها أو على فلسطين والامة العربية، خصوصاً وأن اسرائيل بؤرة للتوتر ومشروع حرب دائمة في المنطقة، الأمر الذي يتطلب تهيئة المستلزمات الضرورية للشروع بملاحقة المتهمين الاسرائيليين، ولا بدّ من الاعداد الجيد للشروع به وجعله ممكناً، من خلال دراسة الواقع السياسي والقانوني الدولي، ومن خلال بعض المستلزمات والمعطيات المتوفرة، على أمل تطويرها، الأمر الذي يتطلب معرفة دقيقة وآليات مناسبة وكفاءات قانونية ضرورية وخطة محكمة تأخذ بنظر الاعتبار الممكنات في الظرف الملموس من خلال الوثائق القانونية الدولية، لا أن نسقط الرغبات على الواقع بإرادوية مفترضة!(4)

القانون الدولي الانساني وتصنيف الجرائم
يمكن تصنيف الجرائم الخطيرة والجسيمة حسب اتفاقيات جنيف الاربعة العام 1949 والبروتوكولين الملحقين بها العام 1977 الى 22 جريمة:
13 جريمة ورد ذكرها في المادتين 50 و53 من الاتفاقية الأولى والمادتين 44 و51 من الاتفاقية الثانية والمادة 130 من الاتفاقية الثالثة والمادة 147 من الاتفاقية الرابعة.
و9 جرائم وردت في البروتوكولين الملحقين، حيث تضمن البروتوكول الاول المادتين 51 و85 اعتبارها " انتهاكات جسيمة".
وقد اعتبرت هذه الجرائم الخطيرة والجسيمة بمثابة " جرائم حرب" التي هي جرائم ضد قوانين وعادات الحرب وتدخل فيها:
1-   الجرائم ضد السلام.
2-   جرائم الحرب.
3-   الجرائم ضد الانسانية.
4-   التآمر لارتكاب احدى هذه الجرائم(5).

وأوجبت اتفاقيات جنيف الاربعة وملاحقها، على الدول الموّقعة أن تعدل تشريعاتها لمعاقبة مرتكبي هذه الافعال.
ويمكن تعداد هذه الجرائم وفقا للتصنيف المذكور (6)
1-   القتل العمد.
2-   التعذيب.
3-   التجارب البيولوجية التي تُجري على الأسرى.
4-   إحداث الآم كبرى مقصودة.
5-   إيذاء خطير ضد سلامة الجسد والصحة.
6-   المعاملة غير الانسانية (الحاطّة بالكرامة).
7-   تخريب المنشآت والممتلكات والاستيلاء عليها لأسباب لا تبررها الضرورات العسكرية.
8-   إكراه الأشخاص على الخدمة في القوات المسلحة لدولة تعتبر عدواً لبلادهم.
9-   حرمان شخص محمي من حقه في محاكمة قانونية عادلة وفقاً للمعاهدات الدولية.
10-   ترحيل أشخاص بصورة غير مشروعة.
11-   الاعتقال غير المشروع (التعسفي).
12-   أخذ الرهائن.
13-   سوء استعمال علم الصليب الأحمر وإشاراته أو الاعلام المماثلة.
14-   جعل السكان المدنيين هدفاً للهجوم.
15-   الهجوم العشوائي ضد السكان المدنيين والأعيان المدنية.
16-   الهجوم ضد المرافق والمنشآت الهندسية التي تحتوي على مواد خطرة.
17-   الهجوم ضد مناطق منزوعة السلاح أو مجردة من وسائل الدفاع.
18-   الهجوم ضد أشخاص عاجزين عن القتال.
19-   نقل السكان المدنيين لدولة الاحتلال الى الاراضي المحتلة، أو نقل سكان الاراضي المحتلة الى مناطق أخرى (حالات الاستيطان والترحيل نموذجا).
20-   التأخير في إعادة أسرى الحرب أو المدنيين الى بلدانهم.
21-   ممارسة التمييز العنصري (الابرتايد).
22-   الهجوم على الاثار التاريخية وأماكن العبادة والصروح الثقافية وكل ما له علاقة بالتراث الثقافي والروحي للشعوب.

حيثيات العدوان والجرائم الدولية!
خلال حرب الـ 22 يوماً ضد غزة  التي بدأت في 27 كانون الاول (ديسمبر) 2008 قامت اسرائيل بشن 2500 غارة عسكرية ضد المدنيين وإلقاء ما يزيد عن ألف طن من المتفجرات عن طريق البحر فقط، واستهدفت المدنيين بشكل عشوائي كما تعمّدت استهداف الملاجئ والمستشفيات والمدارس والجامعات والمساجد والمنشآت المدنية وتدمير البنية التحتية واستخدام الاسلحة المحرّمة دولياً، تلك التي عُرفت باسم " القنابل الفسفورية".
ولعل التصريحات الاسرائيلية الصريحة والضمنية الصادرة عن المسؤولين المتعلقة بنيّة اسرائيل في القضاء على "حماس" واستئصالها كهدف رئيسي للعدوان، ليست سوى الشروع عملياً بحرب إبادة وهي تعني: ارتكاب أي  فعل بنيّة إهلاك جماعة قومية أو اثنية أو عرقية أو دينية اهلاكاً كلياً أو جزئياً.
وقد أصدرت الجمعية العامة للأمم  المتحدة قراراً بتاريخ 9/9/1946 بشأن إبادة الجنس البشري، اعتبرت بموجبه كل عمل من شأنه أن يؤدي الى الابادة جريمة دولية موجهة ضد الانسانية، وهو ما اخذ به نظام محكمة نورمبرغ وأحكامها، كما وافقت الجمعية العامة على اتفاقية لتحريم ابادة الجنس البشري، تلك التي يمكن أن تحدث بصور مختلفة، كالتآمر الذي يرمي الى القضاء على جماعات وطنية، بسبب خصائص جنسية أو دينية أو لغوية أو ما شابه ذلك، وهو ما اعتمدته المحكمة الجنائية الدولية  التي تأسست في روما العام 1998 ودخلت حيّز التنفيذ العام 2002 أيضاً.
ان القانون الدولي المعاصر والقانون الدولي الانساني يعتبر تلك الأعمال جرائم خطيرة سواءًا ارتكبت في زمن الحرب او زمن السلم، وقد نصّت المادة الأولى من اتفاقية تحريم ابادة الجنس البشري العام 1954 على تعهد الدول بالامتناع عن القيام بها  ومعاقبة مرتكبيها.
ولعل القتل الجماعي الذي تعرّض له السكان المدنيون في غزة يعدّ جريمة دولية، وهو ما اعتادت اسرائيل على ممارسته بمبررات ردود الفعل إزاء أعمال المقاومة، وتحت باب الدفاع عن النفس، وهو ما بررته في عملية الرصاص المنصهر أو المسكوب، والثأر المبرر عندما اجتاحت قطاع غزة بآلة عسكرية ضخمة بعد حصار شامل لبضعة أشهر، وقبلها تطويق وحصار جزئي دام أكثر من عامين ونصف.
والابادة الجماعية وفقاً للاتفاقيات الدولية ابتداءًا من الاتفاقية الدولية بخصوص منع التمييز بسبب الدين أو الجنس أو اتفاقية منع ابادة الجنس البشري في العام 1954 أو اتفاقية المحكمة الجنائية الدولية ونظام روما العام 1998، تعني: الأعمال التي تُرتكب على أساس إبادة جماعة سلالية أو عرقية أو دينية، إبادة تامة أو جزئية، كالقتل وإلحاق الأضرار الجسدية أو النفسية وإحداث خلل عقلي أو الاخصاء أو اغتصاب الاطفال ونقلهم الى جماعات سلالية أو عرقية أخرى. ولعل التصريحات الاسرائيلية التي سبقت وهيأت لعملية اجتياح غزة استهدفت القضاء على السكان الفلسطينيين كجماعة تاريخية وسلالية بحجة اجتثاث " حماس".
أما جرائم الحرب بموجب القانون الدولي الانساني وهي النوع الثاني من الجرائم  حسب تصنيف المحكمة الجنائية الدولية، فقد ارتكبت اسرائيل على نحو صارخ مختلف أصناف الجرائم الحربية، ولعل أكثر من سبعة آلاف ضحية بينهم 1232 شهيداً تؤكد ذلك وجلّهم من المدنيين. وقبل ذلك قامت بفرض الحصار ضد سكان غزة ومنعت عنهم الدواء والغذاء، وهو الأمر الذي استمر خلال فترة الحرب.
يعرّف القانون الدولي الجنائي، جرائم الحرب: بأنها الأفعال المخالفة لقوانين الحرب وأعرافها، التي يرتكبها الجنود أو الأفراد غير المحاربين التابعين لدولة العدو، كما جاء في مشروع الامم المتحدة الخاص بتقنين الجرائم التي تقع ضد سلم وأمن البشرية، وتناولت المادة الثانية عشرة الفقرة12، جرائم الحرب بالتأكيد على " أن الأفعال المرتكبة إخلالاً بقوانين الحرب وأعرافها، تكون جرائم خاضعة لهذا التقنين." (7)
ويمكن فيما يلي إدراج بعض الجرائم التي ارتكبها الصهاينة والتي تعتبر منافية لقوانين الحرب وأعرافها بشكل سافر، والتي تستحق العقاب.
1-   استخدام الأسلحة المحرمة دولياً، لا سيما القنابل الفسفورية.
2-   الاعتداءات التي ترتكب بطريقة الغدر، حيث تتعارض تلك الأفعال مع اتفاقيات لاهاي وجنيف وملحقيها، اللتان حرمتا مثل تلك الأفعال. كما تحرّم الاتفاقيات الدولية، القتال أثناء وقف اطلاق النار وخلال فترات الهدنة، وهو ما لم تلتزم به اسرائيل في كل حروبها ضد البلدان العربية، ومنها حربها ضد غزة حيث واصلت عدوانها رغم قرار مجلس الأمن رقم 1860 العام 2009 القاضي بوقف القتال، وقرارها المنفرد بوقف اطلاق النار، الذي استمرت هي بخرقه رغم اعلانها، الأمر الذي يعتبر من باب الغدر الذي يعاقب عليه القانون الدولي الانساني.
3-   الاعتداءات الموجهة ضد المدنيين والمقاتلين الذين أصبحوا في حالة عجز تمنعهم من مواصلة القتال، وقد ارتكبت اسرائيل أعمالاً بربرية منافية لقواعد وقوانين الحرب بهذا الشأن منها:
أ‌-   مهاجمة المدنيين لاسيما الشيوخ والنساء والأطفال وقصف المنازل والمدارس والجوامع والكنائس ورياض الأطفال ومقرّات المنظمات الدولية والانسانية.
ب‌-   مهاجمة الأماكن غير المدافع عنها.
ج- ضرب الأماكن، التي تتمتع بحماية خاصة كالمستشفيات والمرافق الأثرية والمتاحف والأماكن المقدسة والمراكز الاعلامية وغيرها.
   4-    قتل الرهائن، حيث تنص معظم القوانين العسكرية لمختلف الدول على تحريم قتل الرهائن، كما نصت اتفاقية الصليب الأحمر لسنة 1929 على تحريم كل فعل من أفعال القصاص ضد أسرى الحرب، واعتبرت محكمة نورمبرغ، قتل الرهائن جريمة من جرائم الحرب، وعلى سبيل المثال لا الحصر فقد قامت اسرائيل بجريمة قتل 250 رهينة في مذبحة دير ياسين و49 رهينة في مذبحة كفر قاسم ومئات من الأسرى المصريين في سيناء العام 1956 وفي العام 1967 ونحو 1000 انسان في مجازر صبرا وشاتيلا، ويعتبر قطاع غزة بكامله وجميع الاراضي الفلسطينية والعربية المحتلة "رهينة" وسكانها بمثابة " رهائن"، حيث تستوجب القوانين الدولية، لاسيما قوانين الحرب والاحتلال حمايتهم والحفاظ على حياتهم وممتلكاتهم، طبقاً لاتفاقيات جنيف العام 1949 وقواعد القانون الدولي الانساني.
   5-    سوء معاملة أسرى الحرب، حيث تحرّم الاتفاقيات الدولية، وبخاصة اتفاقية لاهاي العام 1907 واتفاقية جنيف العام 1906 والعام 1949 وكذلك البروتوكولين الملحقان بها العام 1977، المعاملة القاسية لأسرى الحرب . وتؤكد تلك الاتفاقيات على تحريم أي اعتداء يقع على شخصهم وشرفهم وأموالهم. كما تحرّم قتلهم وتعذيبهم أو حجزهم في أماكن غير صحية أو تشغيلهم في أعمال شاقة. ولعل هناك أمثلة كثيرة على هذا الصعيد، أهمها اختطاف رئيس البرلمان الفلسطيني الدكتور عزيز الدويك وعدد كبير من النواب والوزراء في حكومة غزة.
ان الشهادات التي قدمها المواطنون العرب الفلسطينيون واللبنانيون، أصبحت معروفة للرأي العام العالمي، لما فعله الاحتلال الاسرائيلي بحق السكان المدنيين أو الذين جرى اقتيادهم كأسرى وما تركه التعامل المخالف لقواعد القانون الدولي الانساني من نتائج وآثار لاانسانية عليهم.
6- سوء معاملة الجرحى والمرضى، فقد تضمنت الاتفاقيات الدولية وبخاصة اتفاقيات جنيف لعام 1949، موضوع تقديم حماية خاصة للجرحى والمرضى والمنكوبين بسبب الحرب، ولكن اسرائيل خلافاً لكل تلك الاتفاقيات، كانت تعامل الجرحى والمرضى بشكل مزرٍ، وفي أحيان كثيرة تقوم بتصفيتهم والتخلص منهم أو عدم تقديم الدواء اللازم لهم وجعلهم عرضة للهلاك، وهو ما كان صارخاً في عدوانها على غزة، خصوصاً وهي تعرف ماذا يعني اغلاق المعابر واقفال الحدود، الذي يعني موتاً بطيئاً وجماعياً، خصوصاً بقصف المستشفيات والمراكز الصحية.
أما الجرائم ضد الانسانية فهي الصنف الثالث من الجرائم حسب نظام روما، إذ لا يمكن قبول مزاعم اسرائيل بشأن مسألة الدفاع عن النفس حسب المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، تلك التي لا تنطبق عليها بتاتاً.
تعتبر جرائم الاغتيال والاسترقاق والابادة والترحيل لأسباب سياسية أو عنصرية أو دينية أو ما شابهها، جرائم موجهة ضد الانسانية. وقد اعتبرت هذه الجرائم دولية أيضاً.
أما عمليات العقاب الجماعي Collective punishment لأسباب عنصرية وعرقية فهي سياسة مميزة على امتداد الدولة العبرية سواءًا بحق المواطنين العرب الفلسطينيين أو سكان الاراضي العربية المحتلة. وهو ما ظهر على نحو جلي في العدوان على غزة والعمل على معاقبة السكان المدنيين على نحو جماعي بحجة صواريخ حماس والمقاومة ضدها.
العقاب الجماعي يعني إنزال عقوبة على مجموعة من السكان الأبرياء بالرغم من علم السلطات الحاكمة أو المحتلة، ببراءة هؤلاء السكان، ولكن انتقاماً لحادث ما ضد السلطة الحاكمة أو المحتلة، قام به فرد أو بضعة أفراد سواءًا لمقاومة تلك السلطة أو التصدي لقوات الاحتلال!
أما الارهاب الجماعي    Collective Terror فإن السلطات الاسرائيلية تمارسه على أوسع نطاق . فتقوم بأعمال تهديد جماعية وحملات تفتيش عشوائية لارهاب المواطنين واخراج الناس من منازلهم وسوقهم الى الساحات العامة وتعريضهم لقسوة الطبيعة وممارسة عمليات انتقام جماعية بحقهم كالتجويع، خصوصاً بفرض الحصار وقد حدث ذلك أيضاً في أثناء الاحتلال الاسرائيلي للبنان ومحاصرة مدينة بيروت وقطع التيار الكهربائي والمياه عنها وكذلك محاصرة المخيمات وتحويلها الى ما يشبه معسكرات الاعتقال، وهو ما حصل في غزة التي ارتدت ثوب الظلام وعانت من انقطاع التيار الكهربائي وشحة الغذاء والدواء والمياه.
ان القانون الدولي الذي يحرم اعمال الاغتيال والاسترقاق والابادة والترحيل لأسباب عنصرية أو دينية أو سياسية، فإنما يستهدف حماية شخص الانسان وصيانة القيمة والمُثل العليا والمبادئ الانسانية العامة، وهو ما ذهب اليه الاعلان العالمي لحقوق الانسان العام 1948، واتفاقيات جنيف الاربعة العام 1949 وملحقيها العام 1977 وما أكدّه ميثاق هيئة الامم المتحدة.
أما الصنف الرابع من الجرائم فهو يتعلق بجريمة العدوان ذاتها وخرق قواعد القانون الدولي وميثاق الامم المتحدة وتهديد السلم والأمن الدوليين.(8)

اسرائيل والدفاع عن النفس !!
أشرنا الى ما تناولته المادة السادسة من نظام محكمة نورمبرغ بشأن تعريف الجرائم الموجهة ضد السلم والأمن الدوليين. ولا بد هنا من التصدي لمزاعم وادعاءات " اسرائيل"  بشأن " الدفاع عن النفس" مثلما تبرر الدعاية الصهيونية الديماغوجية، فحجة الدفاع عن النفس التي تتعكز عليها الصهيونية وفقاً لميثاق الأمم المتحدة (المادة 51) مردودة من الاساس، لأنها لا يمكن أن تنطبق على دولة قامت أساساً على العدوان والاغتصاب مشردة شعباً بالقوة من أراضيه ومخالفة حتى تعهداتها باحترام ميثاق الامم المتحدة، التي كانت وراء تأسيسها لاسيما بصدور القرار رقم 181 العام 1947 الخاص بالتقسيم، والذي قامت اسرائيل بخرقه والتجاوز عليه، وكذلك القرار رقم 194 العام 1948 الخاص بحق العودة، ناهيكم عن قرارات مجلس الأمن رقم 242 العام 1967 والقرار رقم 338 العام 1973 بخصوص الانسحاب من الاراضي العربية المحتلة. فأي قانون دولي ذلك الذي يبيح (تحت هذه الحجة الواهية) القيام بأعمال بربرية وممارسة جرائم وحشية؟
وتذهب المادة الثانية، الفقرة الأولى، من مشروع قانون الجرائم ضد سلامة وأمن البشرية لتحرّم مثل تلك الأعمال وتعدّها بشكل صريح من قبيل الحروب العدوانية. وتقاضي اتفاقيات جنيف مجرمي الحرب ومشعلي نيرانها، باعتبارهم متسببين في إثارتها.
ان القانون الدولي المعاصر، منذ ميثاق بريان كيلوك (ميثاق باريس العام 1928) أدان الحروب العدوانية، باعتبارها تشكّل جريمة بحق السلم والأمن الدوليين، وعليه فإن الجرائم التي سبّبها الجناة الاسرائيليون، الذين يتقلدون مناصب سياسية رفيعة (عسكرية ومدنية) أو مراكز هامة في الحياة المالية والصناعية أو الاقتصادية، يعدّون مجرمين بحق السلم والأمن الدوليين، وعلى هذا يُعتبر من مجرمي الحرب الكبار رؤوساء الدولة العبرية ورؤوساء الوزراء المتعاقبين وجميع الوزراء وكبار قادة الجيش، الذين رسموا خطط الغزو والاحتلال والاجتياح وقاموا بإشعال الحروب وممارسة العدوان.
ان " اسرائيل" ما تزال تتشبث بقواعد القانون الدولي التقليدي الذي كان يجيز الحق في الحرب، حيث كانت الحرب " عملاً مشروعاً دائماً، ينطلق من حق الدولة أن تأتيه، كلما كانت مصلحتها تقتضي ذلك" واسرائيل ظلت تتمسك باعتبار الحرب وسيلة لتحقيق مكاسب اقليمية وأساساً لتعديل النظام القانوني الدولي ولفض المنازعات الدولية وهو ما يناقض صراحة التطور الذي حصل في القانون الدولي، حيث فتح مبدأ تحريم الحرب العدوانية ( منذ ميثاق بريان كيلوك) المجال امام استقرار مبدأ جديد في العلاقات الدولية، يقوم على أساس حظر استخدام القوة في العلاقات الدولية.
ولم تعد الحرب وسيلة صالحة تتوسل بها الدولة لتنفيذ سياستها القومية، وتحقيق أغراضها وأن لها ما يبررها. ولا يقيّد اللجوء اليها أي اعتبار خارج مصالحها الخاصة. لكن القانون الدولي تطور كثيراً فبدلاً من اعتبار الحرب حقاً مشروعاً أصبحت الحرب محرّمة وتشكل جريمة دولية. فلم يعد القانون الدولي "أداة لتسود به أوروبا على شعوب آسيا وأفريقيا " كما لم يعد يقتصر على تنظيم العلاقات بين " الدول المتحضرة" أو بلدان " العالم المسيحي" كما كان قبل الحرب العالمية الاولى(9).
وقد شهد التطور اللاحق للقانون الدولي المعاصر، وخصوصاً في ميثاق الامم المتحدة وقرارات الجمعية العامة أهمية مبدأ تحريم الحرب العدوانية، وحظر استخدام القوة في العلاقات الدولية، وجرى التأكيد على عدم الاعتراف بالنتائج التي يتمخّض عنها، الاستخدام غير الشرعي للقوة، وبخاصة بالنسبة لاحتلال أراضي الغير، كما تم تحميل المسؤوليات الجنائية للأفراد والحكام المسؤولين عن الجرائم التي يقترفونها بحق السلم والأمن الدوليين وبحق الانسانية.
ان ميثاق الأمم المتحدة والمعاهدات والاتفاقيات الدولية المعاصرة، لا يمكنها تبرير عدوان اسرائيل أو تدعيم وجهة نظر الفقهاء والمنظرّين الحقوقيين الاسرائيليين، الذين حاولوا أن يجدوا غطاءًا قانونياً لاسرائيل بحجة الدفاع عن النفس.
فبموجب القانون الدولي المعاصر يمكن استخدام القوة بشكل شرعي وفقاً للحالات التالية:
1-   حالة الدفاع عن النفس والاجراءات الوقائية، وهو ما حاولت اسرائيل أن تضلل الرأي العام العالمي، باستمرار تحت هذه الحجة. فماذا يقول ميثاق الامم المتحدة بشأن الدفاع عن النفس والاجراءات الوقائية؟ وهل يمكن لاسرائيل أن تستند في دعاواها الى تلك القواعد كيما تبرر عدوانها؟
ان الاجراءات الوقائية لا يمكن استخدامها الاّ من جانب مجلس الامن الدولي، حيث تؤكد المادة التاسعة والثلاثون : ان مجلس الأمن هو الذي يحدد وجود أي تهديد للسلام وأي خرق له أو أي عمل عدواني وبالتالي فهو يوصي أو يقرر اتخاذ تدابير من شأنها صيانة السلام واعادته عند خرقه وفقاً للمادتين 41 و42. وقد حاولت الولايات المتحدة بغزوها لأفغانستان 2002 واحتلالها للعراق 2003 تبرير ذلك بحجة الدفاع عن النفس إزاء انتهاك وشيك الوقوع، الأمر الذي سوّغ لها ما أسمته بالحرب الاستباقية والوقائية، التي لا سند لها في القانون الدولي.
أما بصدد الدفاع عن النفس، فإن المادة 51 من الميثاق تنص على أنه ليس في هذا الميثاق ما يضعف أو ينتقص الحق الطبيعي للدول فرادى أو جماعات في الدفاع عن نفسها، إذا اعتدت قوة مسلحة على أحد أعضاء الأمم المتحدة أو تعرّضت لعدوان مسلح، وذلك لحين أن يتخذ مجلس الأمن التدابير الضرورية للمحافظة على السلم والأمن الدوليين.
وتضيف المادة المذكورة، أن الاجراءات المتخذة في إطار الدفاع عن النفس تبلّغ فوراً الى مجلس الأمن على أن لا تؤثر على سلطة المجلس وواجبه في التحرك في كل وقت وبموجب احكام الميثاق وبالطريقة التي يرتئيها مناسبة.
وهكذا يتضح ان المادة التي تتذرع اسرائيل بها لا تنطبق على الأعمال العدوانية التي قامت بها منذ تأسيسها، فهي لم تكن عرضة للعدوان في يوم من الايام لكي تدافع عن نفسها، كما أن أعمالها لم تكن رداً على عدوان أو هجوم مسلح، فضلاً عن أنها لم تبلّغ مجلس الأمن، ولا في أي مرة بالاجراءات التي تنوي اتخاذها، بل كانت تقوم بأعمالها " الغادرة" بصورة مباغتة، وبهذه الطريقة دمّرت المفاعل النووي العراقي وضربت مقر م.ت.ف في تونس وتنزل طائراتها حمولاتها على رؤوس السكان العرب في غزة.

2-   بتخويل من الجهاز الخاص للأمم المتحدة مثلما يعرض الفصلان السابع والثامن من الميثاق، أو استخدام القوة ضد دول المحور (المادة 107 من الميثاق) وهذه الحالة هي الأخرى لا تنطبق على عدوان اسرائيل المتكرر على الشعوب العربية ولا تدعم  وجهة نظرها أو تبرر غدرها.
3-   النضال من أجل التحرر الوطني وحق تقرير المصير، حسبما تقرره مبادئ الميثاق وتعريف العدوان والاعلان عن تصفية الاستعمار وغيرها من قرارات الجمعية العامة والوثائق الدولية الأخرى. ولا يمكن بأي حال من الأحوال تبرير وتكييف العدوان الاسرائيلي، بموجب هذا البند، فليست معركة اسرائيل من أجل التحرر الوطني أو حق تقرير المصير، بل من أجل التوسع والالحاق والضم والاغتصاب، وكجزء من الستراتيجية الامبريايلة- الصهيونية في المنطقة(10).
يمكن القول أن الجرائم الاسرائيلية مكتملة مادياً ومعنوياً بالأدلة والاسانيد والقرائن والشهود والصوت والصورة، وأركان الجريمة محددة وواضحة، الأمر الذي يتطلب تحريك اجراءات رفع دعاوى ضد المسؤولين الاسرائيليين، وهو ما يدعو الدول الاعضاء في نظام روما وبدعم عربي لرفع دعوى ضد القيادات الاسرائيلية المسؤولة.
أما أهم شهود الواقع والاثبات هو الأمين العام للامم المتحدة بان كي مون الذي صرّح بعد زيارته الميدانية الى غزة في 20 كانون الثاني (يناير) 2009 بأن الجيش الاسرائيلي قد أفرط في استخدام القوة والقنابل الفسفورية.
ولعل شهادة أطباء وخبراء منظمة الأنروا الدولية مهمة جداً، فقد كان هؤلاء الأطباء والعاملون في الاونروا على قناعة تامة بأن اسرائيل استعملت فعلاً قنابل الدمار الشامل ضد السكان المدنيين العزّل، وهو من المحرّمات في قوانين الحرب والقانون الدولي الانساني. ويمكن إضافة ما صرحت به منظمة " أطباء  بلا حدود"  ومنظمة العفو الدولية وهما منظمتان دوليتان محايدتان حول ارتكاب اسرائيل أعمالاً منافية للقانون الدولي الانساني واتفاقيات جنيف، لاسيما بحق السكان المدنيين واستخدامها للقنابل الفسفورية المحرّمة دولياً.

وثائق التجريم
أما أهم الوثائق الدولية(11) التي يمكن بموجبها إحالة اسرائيل الى القضاء الدولي فهي:
1-   ميثاق بريان كيلوك (ميثاق باريس) العام 1928 الذي أدان الحرب العدوانية.
2-   ميثاق الامم المتحدة المبرم في سان فرانسيسكو  العام 1945.
3-   اتفاقية لندن العام 1945 لمحاكمة مجرمي الحرب.
4-   نظام محكمة نورمبرغ العسكرية العام 1946 .
5-   أحكام محكمتي نورمبرغ وطوكيو.
6-   اتفاقية الامم المتحدة لتحريم الاضطهاد بسبب الدين أو الجنس.
7-   الاعلان العالمي لحقوق الانسان الصادر عام 1948.
8-   العهدان الدوليان: الاول الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والثاني الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الصادران العام 1966، واللذان دخلا حيز التنفيذ العام 1976.(وهما اتفاقيتان دوليتان شارعتان أي منشئتان لقواعد قانونية جديدة ومثبتتان لها).
9-   اتفاقيات جنيف الاربعة العام 1949 والبروتوكولان الملحقان بها العام 1977 (الاول الخاص بحماية ضحايا المنازعات الدولية المسلحة والثاني الخاص بحماية ضحايا المنازعات المسلحة غير الدولية).
10-   اتفاقية الامم المتحدة بشأن إبادة الجنس البشري العام 1954.
11-   مشروع التقنين الخاص بالجرائم المتعلقة بالسلم والأمن الدوليين (اعداد اللجنة القانونية التابعة للامم المتحدة).
12-   اتفاقيات لاهاي العام 1899 والعام 1907.
13-   اعلان الامم المتحدة حول علاقات الصداقة والتعاون في ضوء ميثاق الامم المتحدة الصادر في 24/10/1970 (المعروف باعلان التعايش السلمي وقواعد القانون الدولي).
14-   قرار الجمعية العامة للامم المتحدة الخاص، بتعريف العدوان في القانون الدولي العام 1974.
15-   قرارات الامم المتحدة بخصوص مدينة القدس (قرار مجلس الامن العام 1980 برفض ضم القدس من جانب الكنيست الاسرائيلي).
16-   الاعلان العالمي لتصفية الاستعمار ومنح الشعوب المُستعمَرة والتابعة استقلالها وحقها في تقرير مصيرها الصادر العام 1960.
17-   مقررات مؤتمر هلسنكي العام 1975 للامن والتعاون الاوروبي والتي أدخلت مبادئ أساسية جديدة في العلاقات الدولية باعتبارها مبادئ مستقلة وهي :
 1- احترام حرمة الحدود وعدم جواز خرقها.
2-   احترام وحدة الاراضي والاستقلال السياسي للدول .
3-   احترام حقوق الانسان وحرياته الاساسية.
18-   قرار مجلس الأمن رقم 242 العام 1967.
19-   قرار مجلس الامن رقم 338 العام 1973 .
20-   قرار الامم المتحدة بشأن ضم اسرائيل مرتفعات الجولان السورية العام 1981.
21-   القرارات الدولية لمكافحة الارهاب وهي : 1368 و 1378 و1390 والتي صدرت على التوالي بعد أحداث 11 أيلول (سبتمبر) الارهابية الاجرامية، في 12 و28 أيلول (سبتمبر) 2001 و 16 كانون الثاني (يناير) 2002.
22-   قرار مؤتمر ديربن المنعقد في أواخر آب (اغسطس) ، أوائل أيلول (سبتمبر) العام 2001، الذي دمغ الصهيونية وممارسات اسرائيل بالعنصرية.
 
وفي ضوء هذه الوثائق يمكن تكييف التهم التي ارتكبتها اسرائيل في غزة وتجريمها باقتفاء أثر أحد الخيارات القانونية التي تم عرضها، واستناداً الى تصنيف الجرائم حيث يمكن اسناد التهم التالية لاسرائيل وقادتها من الذين رسموا خطط الغزو والتآمر ونفّذوا أعمال العدوان وأصدروا الاوامر للقيام بالمجازر الوحشية.
وهذه التهم هي:
1-   الجرائم الموجهة ضد السلم والأمن الدوليين ( جريمة العدوان ).
2-   جرائم الحرب.
3-   الجرائم الموجهة ضد الانسانية .
4-    جرائم ابادة الجنس البشري.

وقد عرفت المادة السادسة من نظام محكمة نورمبرغ العسكرية الجرائم ضد السلم العالمي بأنها(12):
1-   تدبير أو تحضير أو اثارة أو متابعة حرب عدوانية.
2-   تدبير أو تحضير أو إثارة حرب خرقاً للمعاهدات والالتزامات الدولية.
3-   الاشتراك في خطة مدبرة أو تآمر لارتكاب أحد الاشكال السابقة.

ولعل هذه الاعمال جميعها تنطبق على ممارسات اسرائيل في السابق والحاضر، لاسيما في غزة، الامر الذي يقتضي جهداً جماعياً لملاحقتها، وهو ما حدا بالباحث الى تصور قيام (محكمة القدس الدولية العليا)، وإذا كان ذلك حلماً فدعونا نحلم مرة أخرى في البحث عن الحقيقة بل نغامر من أجلها.

خيارات الملاحقة القانونية والآليات المتاحة!!

بعد هذا العرض ما هو السبيل لتوجيه الاتهامات الى مرتكبي الجرائم في غزة، وهل يمكن تجريمَهم طبقاً للقانون الدولي الانساني؟
لعل هناك أكثر من خيار قانوني دولي يمكن اعتماده لملاحقة المتهمين بارتكاب جرائم ضد الانسانية وجرائم الابادة الجماعية وجرائم الحرب وجريمة العدوان وتهديد السلم والأمن الدوليين، ولكن هذه الخيارات تعترضها عقبات سياسية بالدرجة الاساسية وعقبات قانونية أيضاً، ولعل ذلك يتمثل بمواقف الولايات المتحدة والقوى المتنفذة في نظام العلاقات الدولية التي حالت على مدى 60 عاماً من ملاحقة اسرائيل وتجريمها قضائياً بموجب أحكام القانون الدولي.
ومثل هذه المواقف استفحلت بتفرد الولايات المتحدة الامريكية وهيمنتها على الامم المتحدة، خصوصاً عند انتهاء عهد الحرب الباردة وتحوّل الصراع الآيديولوجي من شكل الى آخر، لاسيما بعد انهيار النظام الاشتراكي العالمي وانحلال الاتحاد السوفيتي، الأمر الذي مهّد لاعتبار الاسلام هو العدو الاول والخطر الأكبر بعد ظفر الليبرالية الجديدة من الهيمنة على العالم.
اما الخيارات المتاحة هي:
1-   الخيار الاول: هو الطلب من الامم المتحدة انشاء محكمة خاصة مؤقتة على غرار محكمة يوغسلافيا ورواند وسيراليون وكمبوديا والمحكمة الدولية لملاحقة قتلة الرئيس رفيق الحريري، التي هي محكمة خاصة لها طابع دولي. ولكن العقبة الأساسية التي قد تحول دون تحقيق ذلك هي: استخدام واشنطن حق الفيتو، وانحيازها لصالح اسرائيل، الأمر الذي يعرقل اتخاذ مثل هذا القرار، وهو ما ينبغي أخذه بالحسبان عند التفكير باتخاذ خطوة جدية ناجحة.
2-   الخيار الثاني  إحالة الأمر الى الجمعية العامة للامم المتحدة بانشاء محكمة خاصة من قبلها طبقاً لمبدأ " الاتحاد من أجل السلام" الصادر بقرار الجمعية العامة للامم المتحدة رقم 377 في العام  1950 (بشأن كوريا). ورغم النزاع الفقهي بشأن  القرار المذكور، الاّ انه يعدّ إحدى السوابق التي يمكن اعتمادها  والبناء عليها، الأمر الذي يحتاج الى المزيد من الأنشطة لحشد وتعبئة الكثير من الطاقات للحصول على قرار يمكن بموجبه مقاضاة مرتكبي الجرائم.
ولكن هذا الخيار قد لا ينجح بالحصول على أغلبية في الامم المتحدة، وإن نجح فقد تمتنع الأمم المتحدة من تمويل المحكمة، لاسيما وأن الولايات المتحدة متحكمة بالتمويل، ومن المحتمل وهذا ما  هو متوقع أن تمتنع من تقديم التمويل اللازم للامم المتحدة بهذا الخصوص، الأمر الذي قد تنهار معه امكانية تحقيق هذا الخيار.
3-   الخيار الثالث العمل على إحالة اسرائيل الى المحكمة الجنائية الدولية، وهي محكمة دائمة، لاسيما بعد أن صدقت عليها أكثر من 100 دولة وهذا يتطلّب من الدول العربية الانضمام اليها والتصديق على ميثاقها بعد التوقيع عليه. ولعل نظام محكمة روما فيه بعض العقبات أيضاً.
ويمكن عرض أهم المبادئ الخمسة التي قامت عليها المحكمة الجنائية الدولية لكي يتم أخذها بنظر الاعتبار عند التحرك باتجاه رفع دعوى ضد المرتكبين الصهاينة.
المبدأ الاول :   انها نظام قضائي دولي نشأ بارادة الدول الاطراف الموقعة     والمُنشئة للمحكمة.
المبدأ الثاني :   إن اختصاص المحكمة سيكون اختصاصا مستقبليا فقط، وليس في وارد إعماله بأثر رجعي .
المبدأ الثالث :   ان اختصاص المحكمة " الدولي" سيكون مكملاً للاختصاص القضائي " الوطني"، أي ان الاولوية للاختصاص الوطني، ولكن المحكمة بامكانها ممارسة اختصاصاتها في حالتين، الاولى عند انهيار النظام القضائي والثانية عند رفضه او فشله من القيام بالتزاماته القانونية بالتحقيق ومحاكمة الاشخاص المتهمين بارتكاب جرائم.
المبدأ الرابع  :   اقتصر اختصاص المحكمة على ثلاث جرائم هي: جرائم الحرب والجرائم ضد الانسانية وجرائم ابادة الجنس البشري، حسبما حددته المادة الخامسة من النظام الاساسي لمحكمة روما.
المبدأ الخامس:   المسؤولية المُعاقب عليها هي المسؤولية الفردية (13).

وقد حددت اتفاقية روما أنه لا يجوز محاكمة هيئات أو دول، واقتصرت على محاكمة أفراد مسؤولين حتى وإن كانوا رؤساء دول أو رؤساء حكومات (رؤساء وزراء) والمسؤولين الآخرين، بمن فيهم القيادات العسكرية العليا، الأمر الذي يحتاج أن يتقدم أحد الأعضاء المصدقين على الاتفاقية بطلب لرئيس المحكمة الجنائية يحدد من خلاله أسماء المتهمين، وحيث يمكن محاكمة رئيس الوزراء الاسرائيلي الحالي أيهود أولمرت ووزيرة الخارجية تسيبي ليفني ووزير الدفاع ايهود باراك، إضافة الى شيمون بيريز وعدد من القيادات العسكرية العليا ولعل من حق أحد " رعايا" الدولة المصدقة على الاتفاقية أن ترفع دعوى قضائية ضد المرتكبين كما يمكن الطلب إحالة المتهمين الى القضاء الدولي طبقاً لاتفاقية منع ابادة الجنس البشري التي يتم التوقيع عليها العام 1948.
وفي هذه الحالة يمكن محاكمة المتهمين في أي من الدول المعتدى عليها، ومع ان فلسطين ليست دولة في الوقت الحاضر، وهو الأمر الذي "تتذرع" به اسرائيل "قانونياً " كما يذهب الى ذلك العقل القانوني الاسرائيلي، وانها انسحبت من غزة منذ العام 2006، الاّ ان من حقها ان تحاكم المسؤولين الاسرائيليين بأسمائهم رغم أن تطبيق ذلك أمرٌ غير ممكن في الوقت الحاضر بسبب اختلال توازن القوى.
ولئن ظل اختصاص المحكمة يشوبه الكثير من النقص تبعا للصراع السياسي بين الدول، فقد انقسمت هذه الى فريقين رئيسين، الاول أراد للمحكمة صلاحيات واسعة ودرجة عالية من الاستقلالية. والثاني أراد تقليص صلاحياتها بحيث تكون خاضعة للدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الامن ومبدأ أسبقية الدول على الافراد، الاّ أنها رغم كل شيء كانت ثمرة التطور في ميدان حقوق الانسان.
ان اتخاذ البلدان العربية والاسلامية مواقف موضوعية ازاء والانضمام والتصديق الى المحكمة ضرورة تُمليها عدم التغيّب عن مرجعية دولية مهمة بهذه الاهمية التاريخية والمستقبلية، وإذا كنّا نردد كثيراً موضوع مقاضاة مرتكبي الجرائم، فإن واحداً من الآليات التي يمكن اعتمادها هو نظام محكمة روما، الأمر الذي يتطلب الانضمام اليه والتصديق عليه، وبالتالي رفع الشكاوى وتحريك الدعاوى ضد المرتكبين. وهذا الخيار أيضاً معقد وتكتنفه الكثير من الصعوبات والعراقيل القانونية والعملية، لاسيما أن اللجوء الى المحكمة أمر لا يسمح به الآّ إذا قام مجلس الأمن بإحالة هذه الجرائم الى المحكمة الجنائية الدولية، وهو أمر غير ممكن حالياً ضمن الفيتو الامريكي.
4-   الخيار الرابع هو الاختصاص العالمي، وسيكون من حق أية دولة طبقاً لاتفاقية جنيف الرابعة العام 1949، محاكمة المتهمين بارتكاب الجرائم ضد الانسانية، بصرف النظر عن مكان وقوع هذه الجرائم، طبقاً لقوانين الدولة ذاتها. وقد قامت اسرائيل مؤخراً بتكليف محامين دفعت لهم أكثر من 3 ملايين دولار لمعرفة القوانين التي تنطبق على مسؤولين يمكن اتهامهم بارتكاب جرائم حرب أو جرائم ضد الانسانية، كما قامت من خلال ضغط امريكي لتعديل القانون البلجيكي. وهي تشن حالياً حملة ضد اسبانيا وتسعى لتغيير قوانينها خصوصاً بعد قبولها دعاوى ضد مسؤولين اسرائيليين. وكانت وزيرة الخارجية الاسرائيلية تسيبي ليفني قد صرّحت بأنها تجري اتصالات مع اسبانيا بهدف تعديل قوانينها للحؤول دون استخدامها من جانب بعض منظمات المجتمع المدني في ملاحقة عدد من المسؤولين الاسرائيليين.
 ورغم أن هذه الامكانية ما تزال متوفرة حتى الآن حيث ان هناك عدداً من الدول تسمح قوانينها ونظامها القانوني بمحاكمة المتهمين بارتكاب جرائم حرب ومنها: كندا واسبانيا وألمانيا وهولندا وفرنسا وبريطانيا، الاّ أن الأمر  لم يجرِ استثماره من جانب العرب على نحو مؤثر، فالحكومات لم تدخل هذا الباب بعد، أما المجتمع المدني فإمكاناته شحيحة وأهالي الضحايا بأوضاع صعبة ولا تسمح لهم اختيار هذا الطريق لتكاليفه الباهظة. ويتطلب الأمر أيضاً تعديل قوانين الجزاء والعقوبات العربية، لكي تقبل دعاوى ضد مسؤولين اسرائيليين متهمين بارتكاب جرائم، خصوصاً إذا مرّوا عبر أراضيها، إذ يتعين في هذه الحالة وجود تشريعات قانونية تسمح بتجريم ومحاكمة المتهمين بارتكاب الجرائم،وهذا هو الاساس الذي استندت اليه المحاكم البلجيكية في قبول النظر في الدعاوى التي أقيمت ضد شارون باعتباره المتهم الاساسي في جرائم صبرا وشاتيلا 17-18 أيلول/سبتمبر 1982، علماً بأن اسرائيل هي أول من لجأ الى استخدام هذا " الحق" رغم أنها قامت بمخالفة صريحة وسافرة لقواعد القانون الدولي، عند اختطاف ايخمان من الارجنتين العام 1960 وقامت بنقله الى مطار بن غوريون، وأعلنت عن بدء محاكمته ثم قامت باعدامه (بعد صدور الحكم ضده)، وهي ما تزال تطارد أعداداً من المتهمين بارتكاب جرائم الابادة بحق اليهود.
لعل الاختصاص الجنائي الدولي يتيح نظرياً على الأقل لنحو 47 بلداً (معظم دول مجلس أوروبا) التقدم أمام المحاكم الوطنية ورفع دعاوى تطلب جلب المتهمين الى العدالة لمقاضاتهم، حتى وإن كان الجناة  يتمتعون عن جنسية بلد آخر، حيث يمكن رفع دعاوى قضائية أمام المحاكم الوطنية لملاحقة المتهمين، وابلاغ المدعي العام في المحكمة الجنائية الدولية بهذه الجرائم، حيث تقع هذه المسألة ضمن سلطاته واختصاصه، لاسيما بعد إخطار مجلس الأمن بذلك.
يكفي أن يحمل الضحية جنسية البلد الذي يرفع الدعوى أمام قضاء بلده، ليحق له مقاضاة المتورطين في جرائم يقدّمها ضد مجهول أو ضد شخص بذاته من المسؤولين الاسرائيليين، حتى وان كان يتمتع بحصانة، لأن هذه الأخيرة لا تعفيه عن المساءلة بارتكاب الجرائم.
ورغم عدم تفعيل هذه الآليات وعدم الرجوع اليها لدرجة كافية حتى الآن، الاّ ان الكثير من المسؤولين الاسرائيليين أصبحوا يخشون السفر الى اوروبا، تحاشياً لاحتمال إلقاء القبض عليهم، لاسيما إذا كان هناك من سيرفع أو رفع شكوى ضدهم بموجب الاختصاص الجنائي الدولي.
ان اللجوء الى هذا الخيار ممكن رغم أنه غير مضمون، لاسيما من خلال الضغوط السياسية والتعقيدات القانونية، التي قد تجعل الجناة يفلتون من يد العدالة.

5-   الخيار الخامس  اللجوء الى محكمة العدل الدولية ورغم أن اختصاص المحكمة هو الفصل في النزاعات الدولية(من الدول) التي تُعرض عليها وتفسير المعاهدات والاتفاقيات الدولية والنصوص القانونية وكذلك إصدار فتاوى استشارية، وبهذا المعنى فإن اختصاص المحكمة يتعلق بإصدار أحكام مدنية وليست جزائية على المتهمين، وهي " محكمة حقوقية " تقضي بالمسؤولية المدنية والتعويض، وهناك سابقة البوسنة حيث أقامت دعوى لطلب التعويض من صربيا للمجازر المرتكبة، وطلبت من محكمة العدل الدولية العام  1993 وقف المجازر وطلب التعويض. ولعل صدور أحكام بالتعويض المدني سيسهم لاحقاً بملاحقة المرتكبين عبر محكمة جنائية، لاتخاذ عقوبات ضدهم وتجريمهم طبقاً للقانون الدولي الا

377
خارطة طريق جديدة
الاستفتاء السوداني والفيدرالية الكردية * :
ديناميكية حق تقرير المصير بين الوصل والفصل

عبد الحسين شعبان
أكاديمي ومفكر عراقي

يثير موضوع الاستفتاء حول مصير جنوب السودان الذي سيجري في 9 كانون الثاني (يناير) 2011 تعارضات واختلافات شديدة، لا بين أهل الشمال وأهل الجنوب والنخب السياسية والفكرية والثقافية السودانية فحسب، بل بين من يريد التغيير بأي ثمن بزعم أن الانفصال أصبح أمراً واقعاً، سياسياً واجتماعياً واقتصادياً وثقافياً ونفسياً، لدرجة إن ما ينقصه هو مجرد الإعلان عن قيام كيان جديد والعمل لاستكمال مهماته الواقعية، وبين من يؤيد إبقاء الحال على ما هو عليه، على الرغم من أن المعاناة التي يعانيها قسم من السكان أصبحت لا تُحتمل حسب تقديرات هذا الفريق، لاسيما أن الحلول المطروحة حتى الآن وصلت إلى طريق مسدود، وخاصة الحل العسكري الذي جرّبته الحكومات المتعاقبة دون أن تتمكن من القضاء على الحركة الجنوبية أو تخفيض سقف مطالبها، كما لم تتمكن الحركة الجنوبية تحقيق أهدافها بالوسائل العسكرية، لكن التعايش أصبح قاسياً ومُكلفاً في ظل شكوك وارتيابات وتناقض مصالح وتعارض امتيازات!.
وكنتُ قد طرحت سؤالاً واضحاً على الرئيس السوداني عمر حسن البشير: وماذا بعد فشل الحلول العسكرية والاتفاقيات على توزيع الصلاحيات والثروة والسلطة؟ وذلك في لقاء خاص ضمّ نخبة من المثقفين العرب 2001 في الخرطوم نقله التلفزيون السوداني وتلفزيون المستقلة في بث مباشر وحوار مفتوح دام ثلاث ساعات، فكان رأيه إذا وصلنا إلى طريق مسدود، فلن يكون غير الاستفتاء، حتى لو تقرر به الانفصال!!، فلم تعد الدعوات حول الفيدرالية والوحدة الوطنية مُجزية بعد تجارب عديدة مريرة، وبعد استقطابات واصطفافات، ليست بمعزل عن تداخل قوى خارجية، على الرغم من أن جوهر المشكلة ومآلها يبقى سودانياً بامتياز.
وعشية استقلال السودان بدأت مطالب الجنوب بالتبلور، لاسيما من خلال العمل المسلّح، حيث بدأت المرحلة الأولى في آب (أغسطس) 1955 وتوقفت في آذار (مارس) 1972، حين أقرّت اتفاقية أديس أبابا " الحكم الذاتي" للجنوبيين، لكن هذه الاتفاقية كفّت من أن تكون عاملاً مساعداً للحل، خصوصاً بعد اندلاع التمرد الثاني في أيار (مايو) 1983 والذي استمرّ لغاية كانون الثاني (يناير) 2005 حيث تم التوقيع على اتفاقية نيفاشا بين العقيد جون غارانغ والرئيس عمر البشير، لكن هذه الاتفاقية ظلّت قلقة وغير مطبّقة في ظل عدم ثقة بين الخرطوم وجوبا، وزادها التدخل الدولي حدّة، وخصوصاً بتصاعد أعمال القمع والانتهاكات السافرة لحقوق الانسان التي راح ضحيتها عشرات الآلاف في دارفور والتي تركت تأثيراتها على مئات الآلاف من السودانيين، لاسيما من سكان الإقليم وسكان الجنوب بشكل عام.
وكنت قد كتبتُ في صحيفة الخليج الاماراتية بتاريخ 25/8/2010 مقالة بعنوان "كوسوفو وقرار محكمة لاهاي: أي دلالة مستقبلية؟" وعدتُ لمناقشة هذا الأمر حول بلجيكا في ذات الصحيفة بتاريخ 22/9/2010 تحت عنوان "هل بات انقسام بلجيكا وشيكاً؟"  بالمقارنة والمقاربة لديناميكية حق تقرير المصير بما فيها الانفصال الذي شاع بعد انتهاء عهد الحرب الباردة ونظام القطبية الثنائية، بانهيار النظام الاشتراكي العالمي، وخصوصاً غياب حلقته المركزية الاتحاد السوفييتي، ملمّحاً تارة ومفصحاً أخرى عن حالات كثيرة، وخاصة حول وضع جنوب السودان ووضع الأكراد في العراق وبقية أجزاء كردستان، فلم تعد الأنظمة الشمولية وحدها معرّضة للانقسام كما كنّا نعتقد لأسباب إثنية وقومية ودينية، بل أن أنظمة ديمقراطية عريقة، وفوق ذلك فيدرالية قد تتعرض، للانقسام أيضاً، لكن الفرق بيننا وبينها أنها تتوصل الى الحلول بطريقة سلمية وحضارية (مدنية ولا عنفية)، لاسيما باستبعاد الحرب والنزاعات المسلحة، في حين أن نار العداوة والبغضاء تستمر معنا دون أن تقينا "شرور" الانفصال أو تمكّننا من التمتع "ببركات" الوحدة،  ونكون قد استنفذنا قوانا بصراعات مسلحة لا طائل منها.
وإذا كانت البيئة الدولية في فترة الحرب الباردة غير مشجّعة على الانقسام، فإنها قد أصبحت على العكس من ذلك، لاسيما بتحوّل الصراع الأيديولوجي من شكل إلى آخر جديد، حيث شهد العالم قيام دول جديدة وإنقسام كيانات، سواءً على نحو حضاري وسلمي، كما حدث في الانقسام المخملي بين التشيك والسلوفاك في الأول من كانون الثاني (يناير) 1993 بعد فيدرالية دامت عقود من الزمان، أو جرّاء حروب ونزاعات وأعمال عنف ودماء غزيرة وانتهاكات سافرة لحقوق الانسان ولقواعد القانون الدولي الانساني، لاسيما لاتفاقيات جنيف لعام 1949 وملحقيها لعام 1977، كما حدث في يوغسلافيا وبعض جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابقة.
أحسب أن الرأي العام العربي منقسم على نحو حاد لدرجة التأثيم والتجريم إزاء موضوع جنوب السودان بين مقدِّس ومدنِّس وبين مؤيّد ومندّد، بحيث غدت المشكلة مستعصية لا يمكن حلّها، وبات التدخل الخارجي، باسم الأمم المتحدة أو المحكمة الجنائية الدولية أو التدخل الانساني تحت يافطة دارفور، تحصيل حاصل طالما وصلت أوضاع السودان الى ما هو عليه الآن، ولأن جميع الاتفاقيات التي تم التوقيع عليها بين الشمال والجنوب أصبحت من مخلّفات الماضي، باستثناء الاستفتاء حول الوحدة والانفصال، فلم يعد من مناص سوى قبول نتائجه، طالما تقرر من الطرفين ولا يمكن التنصّل عنه، وإلاّ سيعني أننا نعود الى المربع الأول، ولن يعني ذلك سوى اندلاع حرب لا قدر للشماليين أو الجنوبيين على تحمّل نتائجها الكارثية، وذلك سيعني خسارة مضاعفة، وتبديد طاقات وثروات، والأهم من ذلك الخسارة البشرية الفادحة، حيث ما زال السودانيون يعانون من تبعات التخلف والتصحّر والفقر وسوء توزيع الثروة، ناهيكم عن شحّ الحقوق والحريات، وخصوصاً تعطّل التنمية واستشراء البطالة وسوء الخدمات الصحية والتعليمية، خصوصاً  لسكان الجنوب.
لقد حصلت السودان على استقلالها  في العام 1956، وكان ممكناً صياغة عقد اجتماعي سياسي دستوري بين سكان الشمال والجنوب عبر نخبهما، باحترام الخصوصيات والتنوّع الثقافي والسلالي واللغوي والديني، بتوفير مستلزمات المشترك الانساني، وخصوصاً حقوق المواطنة الكاملة والمتساوية على قاعدة الحرية والمشاركة والعدالة والهوية الجامعة العامة، مع الاحتفاظ بالهويات الفرعية، التي يمكن أن تكون عامل رفد للهوية الوطنية المتعددة والمتنوّعة والموحدة في الآن ذاته، أما وقد وصلنا الى حالة العجز، فلا يمكن ندب الحظ  أو لوم الآخرين، لاسيما القوى الاستعمارية والجهات الخارجية، التي تريد إضعاف الوحدة السودانية، وهو الأمر الذي لا يمكن إنكاره، لكن المشكلة أعمق من ذلك بكثير، حيث استفحلت لدرجة طاغية وأصبح الخراب شاملاً والحلّ في الوحدة المأمولة بعيد المنال، بل ومفقوداً، كما أن عوامل الجذب الطوعية الاختيارية أصبحت بعيدة أو طريقها غير سالكة، وعلى أية حال فإن نتائج الاستفتاء ستظهر الحقيقة كما يريدها أهل الشمال والجنوب دون قناع أو ماكياج.
لعل الجديد في الموضوع السوداني هو السابقة القانونية الدولية التي يمكن التأسيس عليها، وأعني بذلك قرار محكمة العدل الدولية في لاهاي التابعة للأمم المتحدة حين قررت في 24 تموز (يوليو) 2010 بأن انفصال كوسوفو لا يتعارض مع قواعد القانون الدولي، الأمر الذي أعطى انفصال كوسوفو عن صربيا "شرعية قانونية دولية"، وقد ارتفع عدد الدول التي اعترفت بها الى 69 دولة على الرغم من معارضة صربيا وروسيا لأسباب قومية ودينية وسياسية. وأظن أن هذه السابقة سيتم البناء عليها، خصوصاً وأن الكثير من الاصطفافات والاستقطابات القومية والدينية ستكون متحفّزة للسير في هديها.
أعتقد أن الانقسام والاصطفاف بشأن الوضع السوداني قائم وسيتعمّق وقد يمتدّ الى أقطار ودول مختلفة، خصوصاً بين التيار الداعي الى "الوحدة بأي ثمن"، والتيار الداعي الى "الانفصال بأي ثمن"، لاسيما إذا وهنت امكانات العيش المشترك، الأمرالذي يتطلب وضع حلول ومعالجات جديدة، فما السبيل لحل المشكلة الجنوبية، وخصوصاً إذا كان بقاء الجنوب في كنف الدولة القائمة غير ممكن؟
فإمّا الحرب التي ستكون نتائجها فجائعية أكثر بكثير من الستينيات والسبعينيات والتي دامت أكثر من 5 عقود من الزمان، أو القبول بالأمر الواقع  والذي أصبح واقعاً منذ سنوات، أي القبول بالطلاق ولو على مضض باعتباره أهون الشرّين، إذا كان الخيار الثاني هو الحرب والاقتتال والنزاع المسلح، خصوصاً وأن الاتحاد الاختياري الطوعي، تحوّل الى هيمنة واستعلاء ولم يفضِ الى احترام الحقوق وتأمين المواطنة المتساوية والكاملة حسبما يبدو.
وإذا كان استفتاء الجنوب السوداني سيؤدي الى الانفصال في أغلب الظن فإن مثل هذه النتائج ستكون حافزاً مشجعاً لشعوب ظلّت تطمح الى إقتناص اللحظة التاريخية للتمكّن من حقها في تقرير مصيرها، وهو ما سترنو اليه الانظار في "كردستان" العراق، ولدى أكراد إيران وأكراد تركيا وأكراد سوريا، وإنْ كان الأمر بدرجات متفاوتة، وسنكون في هذه الحال أمام ديناميكية انفصالية، خصوصاً وأن هذه البلدان لم تتمكن من حل المشكلة القومية تاريخياً، والتي أدّت الى تفاقمها وسبّبت في أزمة الكيانات القائمة، وسيكون الخيار قاسياً أيضاً، فإمّا وحدة قسرية على حساب الحقوق والخصوصيات والهويات الفرعية، أو الانفصال وتكوين كيانات أو دول مستقلة في إطار حق تقرير المصير، كحق قانوني ودستوري تقرّه قواعد القانون الدولي ومواثيق حقوق الانسان وشرعته الدولية، فضلاً عن ميثاق الأمم المتحدة، لكن مثل هذا الأمر ليس عائماً أو مطلقاً، فهو مرهون بظروف النضال المشترك ومصلحة شعوب المنطقة، فضلاً عن مستقبلها، لاسيما تنميتها واستقلالها وتقدمها!
وفي مقاربة موضوع جنوب السودان بالمسألة الكردية، فيمكن القول: أن الدولة العراقية عانت منذ تأسيسها في 23 آب (أغسطس) العام 1921 وقبلها من مشكلة كردية لم تجد طريقها للحل، لاسيما بعد إبطال معاهدة سيفر لعام 1920، التي أقرّت بجزء من حقوق الأكراد بعد انحلال الدولة العثمانية وانتهاء الحرب العالمية الأولى، بإبرام معاهدة لوزان العام 1923، حيث طوي الملف الدولي للقضية الكردية من بساط البحث بمساومة دولية، ولكن ثورات الشعب الكردي وتمرداته لم تتوقف فبعد ثورة الشيخ محمود الحفيد في السليمانية العام 1919، كانت هناك الانتفاضات الكردية، وخصوصاً في الاربعينيات، بقيادة الملاّ مصطفى البارزاني الزعيم الأكثر نفوذاً للكرد على مرّ تاريخهم الحديث، والذي ساهم في جمهورية مهاباد في العام 1946-1947، واضطر للهروب الى الاتحاد السوفيتي وعاش هناك نحو 12 عاماً، وعاد الى العراق في العام 1958 بعد نجاح ثورة 14 تموز (يوليو) واستقبل استقبالاً شعبياً حافلاً، وكان قد قابل الرئيس جمال عبد الناصر في القاهرة قبل عودته الى العراق وفي طريقه الى بغداد، في إشارة معبّرة عن العلاقات العربية- الكردية.
وحين اندلعت الثورة الكردية في 11 أيلول (سبتمبر) 1961 بقيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني كان البارزاني على رأسها، وحصلت هدنة مع الحكم البعثي الأول إثر سقوط الزعيم عبد الكريم قاسم في العام 1963 بعد انقلاب 8 شباط (فبراير)، لكن هذه الهدنة كانت قلقة وسرعان ما انهارت، وقرر الانقلابيون الاجهاز على الثورة الكردية للقضاء عليها، في "نزهة عسكرية" على حد تعبير صالح مهدي عماش في حينها، لكن حركة 8 شباط (فبراير) سرعان ما أطيح بها في 18 تشرين الثاني (نوفمبر) من العام ذاته، وجرت مفاوضات جديدة بين الحركة الكردية والحكم العارفي الأول والثاني، حيث تكللت باتفاقية 29 حزيران (يونيو) 1966 التي وقّعها الدكتور عبد الرحمن البزاز رئيس الوزراء العراقي آنذاك، إضافة الى قيادة الحركة الكردية.
ولم تستطع تلك الاتفاقية وبيان (اتفاقية) 11 آذار (مارس) العام 1970 التي أعقبتها على الرغم من إيجابياتها الكثيرة، وخصوصاً الاعتراف بالشعب الكردي وحقه في الحكم الذاتي من التوصل الى حل سلمي ديمقراطي عادل للقضية الكردية، خاصة في ظل ضعف الثقة أو انعدامها وممارسات سلبية وأعمال قمع واضطهاد وتجاوز على الحقوق والحريات، وكذلك في ظل تداخلات أقليمية ودولية، ليس بمعزل عن نفوذ إيراني وأمريكي واسرائيلي في ظل صراع دولي حاد، كان الكرد أكثر ضحاياه.
وقد كان لاتفاقية الجزائر الموقعة في 6 آذار (مارس) 1975 بين شاه ايران وصدام حسين أثره الكبير في انهيار الحركة الكردية بعد قطع المساعدات عنها وبعد مساومات دولية كان الكرد أكثر من دفع ثمنها باهظاً، وقد سعت الحركة الكردية عشية الحرب العراقية- الايرانية لإحياء نشاطها وكفاحها عبر لملمة صفوفها، وخاصة الحزب الديمقراطي الكردستاني وانبثاق حزب جديد باسم " الاتحاد الوطني الكردستاني" بزعامة جلال الطالباني في أواسط السبعينيات. وكانت المنطقة الكردية ساحة عمليات حربية خلال سنوات الحرب التي دامت ثمان سنوات 1980-1988.
وبعد غزو القوات العراقية للكويت في 2 آب (اغسطس) العام 1990، عادت القضية الكردية الى الأروقة الدولية وذلك بصدور القرار 688 الخاص بكفالة احترام حقوق الانسان والحقوق السياسية لجميع المواطنين ووقف القمع الذي تعرّضت له المنطقة الكردية وبقية مناطق العراق. وكان صدور القرار 688 في 5 نيسان (ابريل) 1991 إيذاناً بإقرار الأمم المتحدة مبدأً جديداً في العلاقات الدولية وهو الذي عُرف بمبدأ " التدخل الانساني"، والذي أثار جدلاً فقهياً دستورياً ودولياً بدأ ولم ينقطع حتى الآن، لاسيما علاقته بمبدأ السيادة ومبدأ عدم التدخل بالشؤون الداخلية، خصوصاً تطبيقاته ذات الطبيعة الانتقائية ولسياسات الازدواجية ذات الوجهين أو أكثر من ذلك، خاصة اقترانه بالتدخل العسكري وشنّ الحرب، الأمر الذي أثار حفيظة الكثير من البلدان والشعوب ضده، بما فيها ردود معكوسة بالضد من مسألة التوظيف السياسي من جانب القوى المتنفذة في العلاقات الدولية، وأحياناً بنظرة هي الأخرى لا تخلو من انتقائية سياسية وازدواجية في المعايير، وعلى أي حال فقد كان لصدور القرار أثره في إقرار مبدأ التدخل الانساني، تحت باب الأمر الواقع في العام 1991، حيث تم على أساسه فرض خط العرض 36 " الملاذ الآمن Safe haven" وفيما بعد الحظر الجوي No Fly Zone (لجنوب العراق).
لعل تحالفات الحركة الجنوبية السودانية فيه الكثير من عناصر الشبه بالحركة الكردية العراقية، فكلاهما تحالف سابقاً مع السوفييت، ثم اضطرتهما الظروف الى تغيير تحالفاتهما، لاسيما بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، الى التحالف مع الأمريكان، وكلاهما ضغطت عليه العوامل الإقليمية والقوى والدول المتنفذة فاضطر الى تقديم تنازلات، لاسيما عندما كانت تضعف مواقفه فيستعين بالجوار الاقليمي، المعادي للحاكم  المحلي ويستقوي عليه أحياناً بالدعم الخارجي، خصوصاً عندما تضيق فرص الحلّ الداخلي.
وإذا كان سقوط دكتاتورية صدام حسين في العام 2003 ووقوع العراق تحت الاحتلال قاد الى مساهمة فاعلة للحركة الكردية، فإن الجنوبيين السودانيين بعد اتفاقية نيفاشا في السودان العام 2005 تمكنوا من لعب دور أكبر في سلطة الخرطوم، حتى غدت الفيدرالية أو الحكم الذاتي أقرب الى " دولة مستقلة" في جنوب السودان مثلما هي في شمال العراق كردستان، وهو الأمر الذي جعل الخرائط الجديدة تصعد من تحت الطاولة الى فوقها، خصوصاً وقد كان مشروع جو بايدن لتحويل العراق الى فيدراليات ثلاث هي أقرب الى الكونفدرالية، وذلك قبل أن يصبح نائباً للرئيس أوباما، وكان قد طرح مشروعه في أيلول (سبتمبر) 2007، لكن اخفاق المشروع الامريكي في العراق ووجود ممانعات وكوابح إيرانية وسورية وتركية فضلاً عن سعودية وأردنية ومصرية جعل الخرائط الجديدة مؤجلة، وكانت الدول الثلاث الأولى تجتمع منذ أوائل التسعينيات على نحو دائم ومبرمج للوقوف ضد مشروع دولة كردية محتملة، وخوفاً من إنتقال عدوى الانفصالية اليهم.
وإذا كانت جمهورية مهاباد قد سقطت جرّاء مقايضة سوفيتية بين ستالين، الذي اعترف ببسط النفوذ الايراني على أراضي إيران بصورتها الحالية بما فيها كردستان مقابل الاعتراف الغربي بخرائطه الجديدة في أوروبا الشرقية والوسطى، فإن مثل هذا العامل قد يُستعاض عنه اليوم بعامل اقليمي لا ينبغي تقليل أهميته أو الاستخفاف به مهما بدى العامل الدولي مؤثراً، إذ لا بدّ أن يؤخذ العامل الاقليمي المتحرّك بنظر الاعتبار، وهو عامل مستفزٌ ومستنفرٌ لكل ديناميكية خاصة بحق تقرير المصير ويعتبر ذلك انفصالية لا يمكن السكوت عنها، خصوصاً في ظل وحدة مواقف الدول الثلاث.
إن واشنطن بعد ما حصل في كابول العام 2001 وبغداد العام 2003 وحتى اليوم تشعر بصعوبة في قراءة الخرائط الجديدة، من أوروبا الى آسيا، بعد يوغسلافيا وأسيا الوسطى واليمن وكشمير والتاميل في سريلانكا والقاعدة في الباكستان وعلى امتداد المنطقة، وغيرها على الرغم من أن الوضع السوداني أصبح مبرمجاً على شكل آخر، ففي المنطقة استقلت إريتريا في 24 أيار (مايو) 1993، وأن بيئة أوغندا وكينيا وإثيوبيا وإرتريا حتى حربها مع أديس أبابا العام 1998 كانت حاضنة للتمرد الجنوبي ضد حكومة الخرطوم، لاسيما بدعم سيلفا كيير بعد مقتل جون غارانغ في حادث غامض إثر سقوط طائرته في تموز (يوليو) 2005.
ان الاستفتاء السوداني أقرب الى خارطة طريق جديدة كما نوّهت الى ذلك هيلاري كلينتون وزيرة خارجية واشنطن، ولذلك تؤيد الولايات المتحدة بناء خط عازل بين الشمال والجنوب وهو أقرب الى حدود دولة وما يستتبع ذلك من مشكلات، وخصوصاً موضوع النفط الذي يقع نحو 80% من احتياطياته في جنوب السودان، لاسيما بعد الرعاية الدولية القانونية لاستقلال كوسوفو  عن صربيا في شباط (فبراير) 2009، وهو الأمر الذي نظرت اليه واشنطن بتردد بعد ورود تصريحات لممثل الأمين العام للأمم المتحدة إد ميلكارت في العراق، بشأن ما سمّي بالمناطق المتنازع عليها وبناء حدود عازلة.
إذا كانت الوحدة بحاجة الى نصوص دستورية واتفاقيات سياسية سواءً بين الشماليين والجنوبيين في السودان أو الكرد والحكومات العراقية المتعاقبة، فإن الانفصال بحاجة الى إتفاقيات وإلتزامات، خصوصاً إذا تعذّر العيش في وحدة قسرية أو لشعور فريق بالغبن والاجحاف وهضم الحقوق، والفارق بين انفصال وآخر، فقد يكون الانفصال سلمياً ومدنياً ولا عنفياً، وقد يبدأ بالصراع والاقتتال والاحتراب وينتهي سلمياً كأمر اضطراري، وهي النتيجة التي لا بدّ من الوصول اليها فيما إذا أراد الطرفان تنظيم انفصالهما أو وحدتهما، والاّ فإن الحرب لن تضع أوزارها وقد جرّب الفريقان مثل هذه الاختيارات، لكنهما فشلا في تحقيق ما يريدانه.
وعلى الرغم من النصوص الوحدوية الكثيرة، فإنها في الممارسة العملية ظلّت حبراً على ورق في غالب الاحيان أو جمّدت، خصوصاً في ظل انعدام الثقة وارتفاع وتيرة القمع وتفاقم التداخلات الاقليمية والدولية، الأمر الذي يعني أن أية اتفاقيات جديدة، سواءً بالوحدة أو بالانفصال، لا بدّ أن تكون دقيقة وتأخذ المصالح المشتركة بنظر الاعتبار، لاسيما وضع حدِّ للنزاعات وتعزيز المشترك الانساني بين الطرفين، حتى وإن حصل الافتراق.
وإذا أشرنا الى بعض النصوص الدستورية الايجابية التي وجدت طريقها الدستور السوداني واتفاقيات أديس أبابا ونيفاشا، فإن هذه النصوص كانت متميّزة في الحالة الكردية العراقية، حين نصّ دستور العام 1958 على "شراكة العرب والأكراد" وفيما بعد دستور العام 1970 الذي اعترف بأن الشعب العراقي مؤلف من قوميتين رئيستين هما العرب والأكراد، والذي أعقب اتفاقية 11 آذار حول الحكم الذاتي الذي سنّ على أساسها قانون بالاسم ذاته 1974، لكن تجدد القتال وشنّ الحرب على الكرد وعمليات الابادة التي تعرّضوا لها تركت ذكريات مأسوية ومؤلمة، بما فيها قصف حلبجة بالسلاح الكيماوي وعملية الأنفال التي راح ضحيتها عشرات الآلاف من المواطنين الأكراد، إضافة الى عمليات تهجير وإجلاء سكاني وتدمير قرى وقصبات بأكملها، فضلاً عن محاولات لتغيير التركيب السكاني والواقع القومي في بعض المناطق، ولعل انعكاسات ذلك وردود الفعل بشأنه ما زالت قائمة في بعض مناطق الاحتكاك مثل كركوك والموصل وديالى وبعض أجزاء محافظة صلاح الدين وغيرها.
وبعد وقوع العراق  تحت الاحتلال في 9 نيسان (ابريل) 2003، طرحت القوى الكردية مجدداً موضوع الاتحاد الفيدرالي الذي سبق لبرلمان كردستان أن تبنّاه في العام 1992 من طرف واحد، وجرى تثبيت ذلك لاحقاً في قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية (الدستور المؤقت) في العام 2004، مثلما تبنّى الدستور العراقي (الدائم) النافذ في العام  2005 مبدأ الاتحاد الفيدرالي، لكن هذه النصوص لم تنهِ استمرار الاحتدام وعدم الثقة وظلّت الكثير من المشاكل عالقة، وهو ما أطلق عليه " المناطق المتنازع عليها".
وقد أصبحت المادة 58 من قانون إدارة الدولة التي تم ترحيلها الى الدستور الدائم وأخذت تُعرف بالمادة 140 شغلاً شاغلاً للجان تعويضية وإحصائية وفرق عمل ومجالات تنافس واستقطابات كردية وعربية وتركمانية، خصوصاً في ظل ضعف هيبة الدولة وعدم استكمال قيام المؤسسات الاتحادية (الفيدرالية)، الأمر سيعاظم من نزعات التباعد والتنافر بدلاً من التقارب والتعايش، بغض النظر عن الملاحظات السلبية والألغام التي احتواها الدستور أو بعض المواد الايجابية بشأن المواطنة والحريات واحترام حقوق الانسان، وهي مواد نظرية، تقابلها مواد أخرى تعطّلها.
إن الاستفتاء السوداني مثل حال تيمور الشرقية وكوسوفو سيكون عنصر تشجيع معلن وغير معلن للدول المتعددة القوميات والتكوينات الثقافية، إذا سمحت به الظروف، خصوصاً التفكير بطور أرقى قد يصل الى كيان مستقل (دولة) فيما إذا أصبح العيش المشترك مستحيلاً، عبر الطموح المشروع في إطار حق تقرير المصير وإقامة كيان خاص، أو الاندفاع في تعظيم العامل الذاتي على حساب العامل الموضوعي، أو الرغبة في فضّ النزاع والقلق المستمر من خلال حسم الأمور بما يؤدي الى قيام كيان مستقل.
ان الدرس السوداني الجنوبي وغيره يؤكد على نحو لا لبس فيه أو غموض أن نظاماً يلبّي الحقوق ويقرّ بمبادئ المواطنة المتساوية والكاملة، ويحترم الهويات الفرعية سيكون أساساً سليماً للوحدة الجاذبة الطوعية، الاختيارية، طبقاً لمبدأ حق تقريرالمصير، وعلى العكس من ذلك، فإن أية وحدة لن تدوم ما دام الفريق المُضطَهد تاريخياً، يعتقد بانعدام المساواة وبالحيف والغبن، فضلاً عن الرغبة في التمكّن من التعبير عن حقوق أصيلة لا تتعارض مع القوانين الدولية وتقرّ بها المبادئ الدستورية العامة للدولة العصرية والشرعة الدولية لحقوق الانسان، عندها سيكون الأمر الواقع واقعاً.
ان السبيل القويم للحفاظ على وحدة وطنية سليمة يتطلب الإقرار بالحقوق الانسانية والتعددية والتنوّع الثقافي، وبالمساواة والمواطنة الكاملة، القائمة على العدل وأولاً وقبل كل شيء احترام إرادة البشر وحقهم في تقرير مصيرهم بحرية ودون إكراه.
ـــــــــــــــــ
•   الأصل في هذه المادة مقالة نشرها الباحث في صحيفة الخليج الاماراتية الاربعاء 27/10/2010 تحت عنوان: الاستفتاء السوداني والمقاربة الكردية: ديناميكية إنفصالية أم إقرار بالأمر الواقع؟! كما نشر الباحث مقالة في صحيفة النهار اللبنانية يوم 21/10/2010 تحت عنوان " المقال والمآل في ما كتبه جهاد الزين ومناقشتا صلاح بدر الدين وخليل زهر- قراءة غير أيديولوجية للزلزال السوداني ". وهي بالأساس مناقشة لمقال جهاد الزين  " النخب العربية وزلزال انفصال السودان" ("النهار" 28 /9 /2010) والتي ناقشها الكاتبان صلاح بدر الدين ("الأكراد وزلزال جنوب السودان"صحيفة النهار في 2 /10 /2010) وخليل زهر ("التصدي للتفكك بسلاح التنمية الاقتصادية" صحيفة النهار في 16 /10 /2010).


378
الطائفية وتشكيلات ما قبل الدولة
   

 
عبدالحسين شعبان
ما السبيل للخروج من الشرنقة التي لفّت المشهد السياسي العراقي طيلة السنوات الماضية، لاسيّما وقد أنذرت بانهيار العملية السياسية بعد تعطّل تشكيل الحكومة لأكثر من ثمانية أشهر؟، فعلى الرغم من إطفاء بعض النيران، فإن الكثير منها ما يزال تحت الرماد، خصوصاً ما يتعلق بموضوع التقاسم الوظيفي أو ما سمي “الشراكة” كتعبير ملطّف عن المحاصصة، لاسيّما إذا اتسمت ببعد طائفي، فصيغة بول بريمر ما زالت قائمة حتى الآن، ولعلها قد تصبح عرفاً مستمراً إذا ما دلّ عليه تواتر الاستعمال وعنصر التكرار وموافقة الأطراف المعنيّة، ولعل التجربة اللبنانية خير دليل على ذلك . ولم تخرج المعادلة في العراق حتى الآن عن رئيس وزراء شيعي له الصلاحيات الكبرى، ورئيس جمهورية كردي، ومع أن منصبه بروتوكولي، فإن التشبث به يصبح مسألة نفسية، أما رئيس البرلمان فإنه من حصّة السنّة الذين يقبلون به على مضض .

ومع استحداث منصب جديد، هو المجلس الوطني للسياسات الاستراتيجية وتخصيصه لإحدى قيادات القوائم الفائزة، فهو ليس سوى ترضية ولا أساس له في الدستور، ومهماته لا تزال غامضة وعائمة، ولا يمكن أن يكون فوق المؤسسات الدستورية القائمة، وعلى الرغم  من وجود سلطة ثالثة هي السلطة القضائية، فيبدو أن لا أحد يهتم بها، حتّى وإنْ نادى البعض بمنع تسييسها، لكنها ظلّت  أبعد عن دائرة الصراع المباشر، وهي تعكس النظرة القاصرة إلى دور القضاء، ولعلّ إلفات النظر إلى ذلك لا يستهدف التقاسم الوظيفي في هذه السلطة الثالثة المهمة، بقدر ما يهدف إلى إبعاد هذا الحقل عن حمّى المحاصصة والسعي لتعزيز استقلاله ونزاهته، ليقوم بدوره المحايد .

إذاً ما يزال المشهد السياسي يعاني الاصطفاف والاستقطاب الطائفي والمذهبي، على الرغم من انخفاض منسوب الطائفية مجتمعياً، لكن تأثيراتها الخطيرة ما تزال قائمة، خصوصاً كلما لاح توزيع المناصب والاستحقاقات الوزارية والوظائف الحكومية العليا .

وإذا اقتصر حديثنا على التاريخ المعاصر للدولة العراقية الحديثة التي تأسست في 23 أغسطس/آب ،1921 فالمشكلة تتعلق بما ورثته من انقسامات من الدولة العثمانية، حيث كان العراق مسرحاً لحروب ونزاعات مسلحة، بين الإمبراطورية الفارسية، ولاسيّما أيام الصفويين، وبين دولة الخلافة العثمانية، وهو الأمر الذي انعكس على الساحة العراقية احتراباً واقتتالاً واستقطاباً، وخصوصاً على الفرق والمذاهب بمساعدة الطرف الفارسي الصفوي حيناً، وبدعم من الطرف العثماني  التركي حيناً آخر . وكان كل منهما عندما تستقيم له الأمور ينكّل بالآخر ويمارس العنف ضده ويتجاوز على مقدساته وطقوسه .

وعندما فشل المحتلون البريطانيون في حكم العراق مباشرة، وأعلن مجلس عصبة الأمم الانتداب على العراق سعوا إلى زرع بذرة الطائفية قانونياً، في مواجهة الوحدة الوطنية العراقية، لا سيّما بعد اندلاع ثورة العشرين في يونيو/حزيران ،1920 حيث شهد العراق التحاماً وطنياً ودينياً وعشائرياً متجاوزاً المشروع الطائفي، بالإجماع على حق العراق في الاستقلال وفي حكم نفسه بنفسه وتقرير مصيره، وإجلاء القوات البريطانية عن أراضيه، ما دفع البريطانيين إلى التفكير في استخدام سلاح “فرق تسد” فلجأوا إلى سنّ قانون طائفي للجنسية، هو القانون رقم 42 لعام ،1924 وكان ذلك قبل صدور دستور العراق “القانون الأساسي” الذي صدر في عام 1925 .

وقد ميّز هذا القانون بين العراقيين في اكتساب الجنسية، واعتمدت شهادة الجنسية درجتين لمنح الجنسية وهي (أ) لمن كان من رعايا الدولة العثمانية فيصبح عراقياً بالتأسيس، حتى إن لم يكن عربياً، أي سواء أكان تركياً أو ألبانياً أو كرجياً أو غيره، و(ب) إذا كان من تبعية أخرى مثل “الإيرانية” فهو يكتسب الجنسية العراقية حتى إن كان عربياً أصيلاً، فهو لا يُعتبر عراقياً، بل يكتسب الجنسية العراقية من الفئة (ب) على الرغم من كونه مولوداً في العراق، وكذلك أبوه وجده أحياناً، حتى لو كان قبل ولادة الدولة العراقية .

لقد جاءت نتائج هذا التمييز لاحقاً ببعض الممارسات في العهد الملكي، لاسيّما إزاء بعض الوظائف العامة والعليا، وإن كان على نحو محدود وغير ملحوظ، لكن تأثيراته السلبية جاءت لاحقاً بصدور القانون رقم 43 لسنة ،1963 الذي استند إلى القانون الأول ووضع شروطاً مشددة للحصول على الجنسية، وترافق ذلك مع حملات تهجير أولى في عام ،1963 وعمليات تهجير أكبر في عامي 1965  ،1966 ثم حملة واسعة شملت نحو سبعين ألفاً في 1969  ،1971 وتواصلت الحملة الكبيرة في عام 1975 لتشمل أعداداً كبيرة من الأكراد الفيلية بعد وصول اتفاقية 11 مارس/ آذار للحكم الذاتي عام ،1970 بين الحكومة العراقية والحركة الكردية إلى طريق مسدود، ولكن حملة التطهير الجماعي ونزع الجنسية كانت في ذروتها عام ،1980 أو عشية الحرب العراقية  الإيرانية، حيث صدر القرار رقم 666 بتاريخ 7 مايو/أيار ،1980 عن مجلس قيادة الثورة القاضي بإسقاط الجنسية عن الذين يعتبرون من “أصول إيرانية” أو بسبب عدم موالاتهم للحزب والثورة، وقد تمّ إلغاء هذا القرار في عام 2003 .

تركت تلك الإجراءات التعسفية، بما فيها نزع ملكية المهجرّين، ردود فعل طائفية تمّ توظيفها من جانب إيران سواء في الحرب أم في السلم، كما تمّ استثمارها سياسياً من جانب الأحزاب والقوى الشيعية، وانعكست تلك الإجراءات على الحساسيات الطائفية مجتمعياً، إضافة إلى مرافق الدولة، وهو الأمر الذي جرى استغلاله على أحسن وجه ما بعد الاحتلال، وخصوصاً بتشجيع من بول بريمر، مثلما يذكر في كتابه “عام قضيته في العراق”، وكانت معاهد ومراكز أبحاث ودراسات غربية تعمل على تكريس مفهوم الانقسام الطائفي في العراق منذ نحو ثلاثة عقود من الزمان .

الواقع الجديد الذي نشأ في العقود الثلاثة الماضية، لاسيّما بعد الاحتلال جعل العراق في مواجهة أشكال مختلفة من الطائفية السياسية، تارة باسم البحث عن الهوية، وأخرى بحجة رفع المظلومية والحيف، وثالثة باسم الأغلبية، ورابعة بقراءة “خاصة” للتاريخ، وخامسة بالسعي لإحياء الماضي، وهكذا دخل أمراء الطوائف في صراع محموم، لم ينفع معه وجود دستور يقرّ مبادئ المواطنة واحترام الحقوق والحريات، وإن احتوى على ألغام لا مجال لذكرها في هذا المقال يمكن أن تنفجر في أية لحظة .

وإذا كانت الهويات الفرعية تغتني وتتطور بالتفاعل والتواصل الإنساني مع الهويات الأخرى، سواء الهوية الوطنية العامة أو الهويّات الفرعية الأخرى، فإن الأساس في التعايش المشترك الإنساني هو المواطنة التي تتطلب مواطنين أحراراً، بحيث تكون مواطنتهم عابرة للطوائف والإثنيات والأديان والعشائر والجهويات، وفي إطار وحدة كيانية متعددة وموحدة في الآن، وهو الأمر الذي ظلّ غائباَ .

لا نتصوّر وجود حل سحري سريع للمشكلة الطائفية، سواء بإسقاط الرغبات، أو التبشير بالتمنيات، فالأمر يحتاج إلى عناء وبناء دستوري وقانوني ومجتمعي، ولاسيّما رفع درجة الوعي والثقافة الحقوقية، فضلاً عن علاقات متساوية ومتكافئة، تؤسس لمواطنة حرة .

ولعلّ الخطوة الأولى والأساسية تبدأ بإصدار قانون (سنّ تشريع) لتحريم الطائفية وتعزيز المواطنة، لاسيّما بتأكيد اعتبار الطائفية خطراً على المجتمع والدولة في آن، وهي جريمة كبرى تستحق أقسى العقوبات إذا ما اقترنت بالعنف واستخدام القوة . وسيكون وجود مثل هذا القانون مدخلاً لمنع استخدام المنابر الحكومية وغير الحكومية، السياسية والدينية والإعلامية والبرلمانية والاجتماعية والتعليمية والثقافية والرياضية لإثارة نعرات الكراهية والاستعلاء بتضخيم الذات، أو باستصغار شأن الآخرين والتمييز ضدهم أو تهميشهم أو إقصائهم .

إن وجود قانون يحرّم الطائفية ويعزز المواطنة سيكون ضداً نوعياً لا غنى عنه لمواجهة نزعات التمذهب والتمييز والتسيّد وادعاء الأفضليات والتشبث بتقسيمات ما قبل الدولة .

باحث ومفكر عربي

379
تحديات التنمية.. التربية والمواطنة
      

عبد الحسين شعبان

التربية على المواطنة هي جزء من فلسفة تربوية سيسيو ثقافية حقوقية عقلانية مدنية عابرة للأديان والطوائف والتكوينات القومية والإثنية واللغوية والسلالية وغيرها، وهي تسعى إلى تنمية وعي المواطن بنظام حقوقه وواجباته وترسيخ سلوكه وتطوير مستوى مشاركته في حياة الجماعة التي ينتمي إليها، وذلك بتغليب الانتماء إلى الوطن على أي انتماء سياسي أو ديني أو إثني أو طائفي آخر.
لأن المواطنة تتنافى وتقديم الولاءات الفئوية أو الجهوية أو الدينية أو غيرها لأي سلطة جزئية في الدولة على الولاء الوطني لسلطة الدولة ذاتها، على أن تكون سلطة الدولة محصورة في نطاق توفير الخير العام المشترك للمواطنين واحترام حقوقهم وحرياتهم على أساس المساواة.
وتتطلب تربية المواطنة، وهي مسألة حديثة في عالمنا العربي، حداثة فكرة المواطنة، وحداثة فكرة الدولة، وجوب تحقيق التوازن ما بين حقوق المواطن من جهة وواجباته من جهة أخرى، مع الأخذ بعين الاعتبار أهمية التطوير المستمر لمحتوى هذه الحقوق والواجبات المتبادلة بين المواطن والدولة لتواكب المتطلبات المستحدثة نتيجة المتغيرات المجتمعية، خصوصاً وأن الحقوق متراكبة ومتوالدة ومتخالقة ولا يمكن أن تتوقف حاجات النجاح وحقوقه وحرياته عند حدود معينة، لأنها متطورة ومتفاعلة مع محيطها.
يعتبر موضوع التربية على المواطنة موضوعاً جديداً في الفكر العربي المعاصر، خصوصاً وأن حركة المواطنة في العالم العربي تعاني من الشح أو الضعف، وإنْ وجدت فلا تزال في حالة جنينية أو هي أقرب إلى الإرهاص منه إلى تأسيس ''كيانية حقوقية'' ذات أهداف محددة وواضحة في إطار آليات معلومة، بحيث تتحول المفاهيم إلى حقوق، وهذه الأخيرة إلى تشريعات وقوانين مُمأسسة، مع ضرورة وجود قضاء عادل ومستقل يحميها من التجاوز والانتهاك، وفي ظل تطبيقات وممارسات بحاجة إلى نقد وتطوير مستمرين، لاسيما من قبل مؤسسات المجتمع المدني إذا كان لها دور فعال ومتميز.
وإذا كانت التربية ترتبط بالمواطنة ارتباطاً صميمياً، فإن هذه الأخيرة ترتبط مع التنمية ارتباطاً عضوياً وجدلياً، الأمر الذي يجعلها جزءًا لا يتجزأ من عملية التنمية المستدامة.
وبهدف بحث علاقة التربية بالمواطنة في إطار عملية التنمية الشاملة بمعناها السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي، والأهم من كل ذلك بمعناها الإنساني، فيمكن التوقف عند عدد من القضايا ذات الصلة بالموضوع.
وللتربية على المواطنة دلالات كثيرة نذكر منها:
القضية الأولى علاقة المواطنة بالدولة، ذلك أننا في عالمنا العربي ما نزال نتلمس خطواتنا الأولى إزاء المفهوم السليم للمواطنة وحقوقها مقارنة بالوضع العالمي، لذا تزداد الحاجة إلى إثارة حوار وجدل حول الفكرة وأبعادها وغاياتها وسياقاتها، وحشد قوى وطاقات حكومية وغير حكومية، سياسية وفكرية وثقافية ودينية واجتماعية، إضافة إلى مؤسسات المجتمع المدني لمقاربة هذا المفهوم الذي ارتبط بفكرة الدولة العصرية الحديثة، وبالتقدم الذي حصل في هذا الميدان، ولا سيما في الدول الغربية المتقدمة، التي شهدت تصالحاً بين الدولة والمواطن، سواءً في نظرة الدولة إلى المواطن أو في نظرة الأخير إلى الدولة.
فمسؤولية الدولة في الغرب لم تعد محصورة في مهمات الحماية فحسب، بل أضيفت إليها مسؤولية الرعاية وبالتالي أصبحت الدولة ''دولة رعاية'' واجبها ووظيفتها الأساسية خدمة المواطن وتحسين ظروفه المعيشية وتوفير مستلزمات حريته ورفاهيته، وفي المقابل فإن نظرة المواطن للدولة أصبحت هي الأخرى أكثر إيجابية، من حيث احترامه للقوانين والأنظمة وعلاقته بالمرافق العامة وحفاظه على البيئة وواجباته في الالتزام بدفع الضرائب وتسديد ما يترتب عليه من التزامات مادية تجاه دولته.

"
أما في بلداننا العربية، فما زالت نظرة السلطات إلى المواطن في الغالب نظرة تشكيكية ارتيابية، إنْ لم تكن عدائية، وفي المقابل فإن نظرة الفرد للدولة استمرت سلبية، متربّصة، تعارضية، حتى إزاء الخدمات والمرافق العامة، خصوصاً في ظل التمييز وعدم المساواة وعدم تكافؤ الفرص وعدم احترام الحق في المشاركة وضعف الحريات.
القضية الثانية: راهنية فكرة المواطنة، حيث تؤكد بعض المؤشرات انشغال بعض المهتمين على صعيد الفكر وبعض الحقوقيين والناشطين بفكرة حركة المواطنة، باعتبارها فكرة راهنية ومطروحة على صعيد البحث من جهة، وعلى صعيد الواقع العملي من جهة أخرى، لاسيما في الأسئلة الشائكة والتطبيقات المختلفة في مفارق عديدة وخيارات بين مرحلتين:
المرحلة الأولى:- ونموذجها الأنظمة الشمولية التي انتهت أو كادت أن تنتهي أو تتلاشى على الصعيد العالمي، خصوصاً فيما يتعلق باحتكار الحقيقة والدين والسلطة والمال والإعلام، لكنها لا تزال قوية ومؤثرة في مجتمعاتنا العربية بأنظمتها المختلفة، وبحسب تقارير التنمية البشرية، فالمنطقة العربية تعاني نقصاً كبيراً في الحريات وشحا في المعرفة ونظرة قاصرة في الموقف من حقوق الأقليات وحقوق المرأة وغيرها.
أما المرحلة الثانية:- فنحن ما زلنا عند أبوابها وكثيراً ما تحدثنا عنها وبصوت عال أحياناً، لكننا ما زلنا مترددين في ولوجها، خصوصاً وأن حركة الإصلاح والديمقراطية في العالم العربي ما تزال تتقدم خطوة وتتأخر خطوتين، بسبب كثرة الكوابح السياسية أو الدينية أو الاجتماعية أو الاقتصادية أو الثقافية التي تعترض طريقها، فضلاً عن ما تواجهه من تحديات مختلفة خارجية وداخلية، مثل الاحتلال والحصار والعدوان، إضافة إلى بعض المفاهيم السلبية للموروث الاجتماعي، والتوظيف الخاطئ للتعاليم الدينية على نحو متعصّب ومتزمّت ومغالٍ، ناهيكم عن الفقر والجهل والمرض والتوزيع غير العادل للثروة.
القضية الثالثة: الكوابح الداخلية والخارجية، فما تزال فكرة المواطنة في عالمنا العربي تعترضها عدة تجاذبات داخلية وخارجية، خصوصاً ارتباطها على نحو وثيق بمسألة الهوية ومستقبلها؛ لذلك فإنه من الهام اعتماد ثقافة الحوار والجدل لأنهما وبقدر إجلائهما بعض التشوّش والغموض إزاء مستقبل بلداننا، فهما يساعدان على نشر ثقافة المواطنة ويعمقان الوعي الحقوقي بأهميتها وضرورتها وفداحة نكرانها أو الانتقاص منها أو تعطيلها أو تعليقها تحت أية حجة أو ذريعة، عن طريق طرح أسئلة ساخنة حول سبل التربية على المواطنة، بما يثير هذا الموضوع من اختلاف وصراع.
القضية الرابعة: ترتبط بالموقف من سياسات الإقصاء والتهميش، خصوصاً بما له علاقة بالالتباس النظري والعملي بخصوص فكرة المواطنة، ولا سيما في مواقف الجماعات والتيارات الفكرية والسياسية والقومية المختلفة، الأمر الذي يجعل تكوين تصوّر مشترك حولها وحول الطرق التربوية القويمة والأساليب التعليمية الصحيحة لتعميق فكرة المواطنة، ولا سيما في إطار المبادئ الدستورية للدولة العصرية التي تستند إلى سيادة القانون ومبدأ المساواة، وهذه مسألة ملّحة وضرورة حيوية، لا يمكن اليوم إحراز التقدم والتنمية المنشودين دونها، وهو الأمر الذي يغتني بمساحة الحرية والمشاركة والعدالة، باعتبارها متلازمات ضرورية للمواطنة.
القضية الخامسة: وهذه ترتبط بإشكالات المواطنة والهوية، ولا سيما التحدّيات التي تواجهها، والتي بدأت تحفر في أساسات الدولة والهوية، مما يستدعي استحضار حوار فكري ومعرفي حولها، طالما أنها تدخل في صلب المشكلات التي تواجه المصير العربي، ومعها يصبح جدل الهويات أساساً للتعايش والتكامل والتطور السلمي للمكوّنات المختلفة، بدلاً من أن يكون مادة للتناحر والانغلاق والتعصب، وهذه المسألة تتطلب الإقرار بالتنوع والتعددية والمشترك الإنساني كشرط لا غنى عنه للهوية الجامعة، مع تأكيد الحق في الاحتفاظ بالهويات الفرعية الجزئية، الدينية أو القومية أو الثقافية أو غيرها!
القضية السادسة: وتتعلق بالعلاقة الجدلية بين فكرة المواطنة وحقوق الإنسان، خصوصاً مبدأ المساواة في الحقوق، وبالأخص حق المشاركة في إدارة الشأن العام وتقلّد الوظائف العليا والمهام السيادية دون تمييز بسبب الدين أو القومية أو لأي سبب مذهبي أو اجتماعي أو لغوي أو بسبب الجنس أو اللون أو غير ذلك.
ويأتي حق المشاركة هذه، في إطار الحقوق الأساسية ونعني بها حق حرية التعبير وحق الاعتقاد وحق التنظيم، ولعل هذه الإشكالية هي التي تشكل جوهر فكرة المواطنة، خصوصاً إذا ما اقترنت بالعدل؛ إذ أن غيابه سيؤدي إلى الانتقاص من حقوق المواطنة، كما لا يمكن أن تستقيم المواطنة الكاملة مع الفقر والأمية والتخلف وعدم التمتع بمنجزات الثقافة والعلم والتكنولوجيا وغيرها.
من هنا لا يعتبر تجنّياً القول بأن الفكر العربي لا يزال يعاني نقصاً فادحاً فيما يتعلق بثقافة المواطنة، خصوصاً والأسباب العديدة ما تزال قائمة ومنها استمرار النظرة الخاطئة أو القاصرة إلى مبدأ المساواة، إضافة إلى الموقف السلبي من حقوق ''الأقليات'' -على الرغم من أنني أفضّل استخدام مصطلح " التنوّع الثقافي" والتعددية الدينية والقومية والسلالية واللغوية والفكرية والاجتماعية وغيرها، فهي عندي أكثر تعبيراً من التسمية التي اعتمدتها الأمم المتحدة في إعلانها العام 1992 الخاص بحقوق الأقليات- لاعتقادي أن الأديان والقوميات واللغات، يفترض أن يكون لها القدر نفسه من الحقوق استناداً إلى مبادئ المساواة، وكذا الحال يشمل حقوق المرأة التي لا تزال الثقافة السائدة في بلداننا العربية تنتقص منها، عبر منظومة القوانين الخاصة بالمرأة والنافذة بما فيها قوانين الأحوال الشخصية.
وما تزال الكثير من التيارات والاتجاهات السائدة في السلطة والمجتمع تتمسك بالنظرة التسلطية لعلاقة الدولة بالمواطن، الفرد، الإنسان، الذي هو شخص وكيان له أهلية قانونية، ففي الكثير من الأحيان يُنظر إلى حقوق المواطنة، إما باعتبارها هبة أو منّة أو مكرمة من الحاكم، يكون الأفراد عنده رعايا لا مواطنين متساوين في الحقوق والواجبات. ومثل هذه المسألة ترتبط بأفكار ماضوية لعلاقة الحاكم بالمحكوم.
القضية السابعة: ارتباط فكرة المواطنة ارتباطاً عضوياً بالمفهوم الحديث للتنمية، ولعل أحد أهم الأركان الأساسية للتنمية يقوم على نشر التعليم وثقافة المساواة وعدم التمييز والقضاء على الفقر وغيرها من الحقوق؛ ولذلك تصبح التربية جزءًا لا غنى للمواطنة عنها من جهة وعنصراً حيوياً للتنمية من جهة أخرى، الأمر الذي يحتاج إلى تبني وانتهاج مفاهيم تربوية جديدة وأساليب حديثة.
إن الحوار والجدل حول فكرة التربية على المواطنة لا ينبغي أن يقتصر على محافل فكرية محدودة؛ بل ينبغي أن ينتقل إلى المنابر المتنوعة، ولا سيما المنابر التعليمية والتثقيفية والتي تشمل المدارس والمعاهد والجامعات ومراكز الأبحاث، ولا بد من إقامة منتديات فكرية وثقافية، إضافة إلى ضرورة تفعيل العلاقة التشاركية بين مؤسسات المجتمع المدني والبرلمانات والحكومات، وإشراك أوساط من النخب والمختصين، ناهيكم عن قطاعات شعبية، خصوصاً من النساء ومن التكوينات الثقافية، وبمساهمة حيوية من جانب الإعلام الذي يمكن أن يلعب دوراً كبيراً في زيادة الاهتمام بفكرة المواطنة، لا سيما عبر الفضائيات المختلفة إثر انتشار ثورة الاتصالات والمعلومات على امتداد المعمورة.
ومن ثم إيجاد الوسائل والأدوات التي تساعد على تنمية قدرات الأفراد والمجتمع عبر التربية وقيمها الجديدة وتعزيز أركانها وصولاً إلى ما نطلق عليه مفهوم المواطنة العضوية الذي يقوم على خمسة أركان أساسية، هي: المساواة، الحرية، المشاركة، العدالة، الهوية، في إطار تفاعل ديناميكي لا انفكاك بين عناصره ومكوناته أو انتقاص أحدها.
وبالقدر الذي تهتم فيه التربية بثقافة المواطنة، فإنها تتوخى أيضاً المساهمة في الوقاية من الآثار الضارة والخطيرة لسياسات الانتهاك والتجاوز على الحقوق، وذلك باستخدام وسائل التربية الكفيلة بالتصدي لها، وتنمية الشعور العام لدى المواطنين، بقيم المواطنة والمساواة والحرية من خلال العملية التربوية كمدخل لتنمية المجتمع، ابتداءً من الأسرة ومروراً بالتعليم الابتدائي والأنشطة المدرسية وصولاً إلى الجامعة، على أن يترافق هذا الجهد بالتوعية الإعلامية اللازمة لما للإعلام من تأثير مباشر على الذهنية الفردية والجمعية.
ولعل من الجدير بالذكر الإشارة إلى أن موضوع " التربية والمواطنة" كان عنوان ندوة مهمة في الجزائر بدعوة من منتدى الفكر العربي ووزارة التعليم العالي وجامعة البتراء في عمان ومنظمة الإيسسكو (المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة) ساهم فيها خبراء ومختصون وذلك في إطار الحاجة المتعاظمة لمناقشة علاقة التربية بالمواطنة وكذلك علاقة المواطنة بالتنمية، وهو جدل بحاجة إلى تبادل رأي وتعميق بما ينسجم مع مبادئ الدولة العصرية وبما يعمّق الاتجاهات الإيجابية في تراثنا الذي هو جزء من التراث الإنساني.
   


380
حرب العملات!
سعي أمريكي محموم لفرض الهيمنة في العلاقات الدولية

عبد الحسين شعبان
هل هناك حرب عملات قائمة بالفعل، سواءً كانت صامتة أو ناطقة؟ أم ثمة مواجهة اقتصادية - سياسية دولية، ولا سيما بين الدول الكبرى، خصوصا الولايات المتحدة ومنافسيها من القوى الصاعدة؟ أو ليست الحرب خدعة كما يُقال؟ فهل هناك مؤامرة مبيّتة تُحاك بشأن العملات ومن يقف خلفها ومن يريد أن يفجّرها، وأخيرا كيف السبيل إلى حلّها؟
لعل تلك الهواجس لم تكن من صنع أحد مخرجي أفلام الفنتازيا أو الرعب في هوليود، وإنْ كان لمنتجي تلك الأفلام دورهم في تعميم رؤية معينة، باتجاه حدث ما وفي إطار حرب أيديولوجية ودعائية على المستوى الكوني، لكن ذلك هو بالضبط ما ورد في مشروع اقتراح مقدّم إلى الكونجرس الأمريكي، وهو الذي تضمّن فكرة جوهرية تتلخص في ''الإصلاح النقدي من أجل تجارة حرّة''، لكنّه حذر من ''مؤامرة تُحاك حول العملات''، الأمر الذي يعني تجارة الولايات المتحدة الخارجية، خصوصا في ظل تدهور سعر الدولار.
إن مشروع القانون الأمريكي المطلوب من الرئيس باراك أوباما التوقيع عليه يتضمن عقوبات تجارية ومالية وجمركية ضد بعض الدول التي لا تريد رفع قيمة عملاتها والتي تمتلك احتياطات كبيرة جدا من الدولار الأمريكي، ولا سيما الصين، التي تمتلك ما يزيد على 2.4 تريليون دولار حتى مطلع عام 2009 واقتربت اليوم من ثلاثة تريليونات دولار.إن الأزمة الاقتصادية والمالية العالمية التي تركت تأثيراتها العميقة على المجتمع الأمريكي، خصوصا بانهيار بنوك عملاقة وشركات تأمين جبارة، يعود قسم منها إلى سياسات واشنطن الخاطئة على المستوى الاستراتيجي الكوني، ولا سيما بعد احتلال أفغانستان عام 2001 والعراق 2003، والتي أدت إلى صرف أكثر من ثلاثة تريليونات دولار على العراق وحده، وانعكست على العلاقات التجارية والاقتصادية الأمريكية، لدرجة يمكن القول إن صراعا خفيا ومعلنا على المستوى الاقتصادي نشب بين الصين والولايات المتحدة، خصوصا أن وجود نحو 10 في المائة من العاطلين عن العمل كان عامل ضغط على الاقتصاد الأمريكي، الأمر الذي سعت واشنطن إلى توجيه الأنظار إلى الخارج لإحداث التوازن المطلوب، وذلك بتطبيق قوانين الحماية التجارية، ولا سيما ضد الصين، التي لم ترفع سعر عملتها؛ ما يجعل السلع والبضائع الصينية أرخص بكثير من السلع والبضائع الأمريكية.
تشتري الولايات المتحدة من الصين هذه السلع وتسدد ثمنها بالدولار، ثم تعود الصين فتشتري سندات الخزانة الأمريكية بالدولار، وهكذا يتراكم الاحتياطي الصيني المؤلف من العملة الأمريكية، وتدريجيا أصبح الفرق كبيرا بين العملات لدرجة أخذت التجارة الأمريكية والعالمية، تتعرض للتهديد، حسبما يبرر ذلك الأمريكان. كما تخسر الولايات المتحدة كميات هائلة من الدولارات لتسديد ديونها، وهذا يؤدي إلى انخفاض قيمة العملة الأمريكية وانخفاض مردودها من التجارة الخارجية، خصوصا إذا كانت هناك سلع رخيصة مثلما لدى الصين، التي لم يكن بإمكان واشنطن منافستها على هذا الصعيد لانخفاض أسعار سلعها.
هل بالإمكان وقف حرب العملات، خصوصا وقد تضرر الدولار الأمريكي بشكل ملموس إزاء اليورو قبل بضعة أشهر، وكذلك في مقابل الين الياباني، وأدى هذا إلى اضطراب الاقتصاد العالمي، بل وهدد ملايين البشر، إذ إن أي تخفيض لقيمة أية عملة بهدف زيادة الصادرات سيؤدي أوتوماتيكيا إلى انخفاض القيمة. وقد واجه العالم مثل هذه الأزمة في عام 1944، حيث سادت عشية انهيار الحرب العالمية الثانية حرب عملات، لكن مشاركة 44 دولة أدى إلى توقيع عقد ''بريتون وودز'' في أمريكا، وهو الاتفاق الذي قضى بجعل الدولار أساسا لتحديد قيمة العملات الأخرى، علما أن قيمة الدولار آنذاك كانت مرتبطة بالذهب الذي كان سعر الأونصة يقدّر بـ 35 دولارا، لكن هذا الاتفاق انتهى مفعوله في عام 1971 لعدم تمكّن واشنطن من الإيفاء بالتزاماتها بشرف، خصوصا بسبب نفقات حرب الفيتنام الباهظة، وهو الأمر الذي يستعيده التاريخ بخصوص الحرب على العراق.
وإذا كان الدولار باعتباره العملة الأقوى هو الذي ساد في التحكّم في أسعار صرف العملات وتبادلها، حيث كانت الولايات المتحدة باعتبارها البلد الأكبر والأغنى اقتصاديا في العالم ، إلا أن الأمر مختلف الآن، ولا سيما بصعود الصين وتراكم العملات الأمريكية لديها.
إن الصين كدولة صاعدة، على الرغم من أنها تعتبر نفسها دولة نامية، وهو ما لمسته بإصرار من جانب النخب الفكرية والسياسية الصينية خلال زيارتي للصين للمشاركة في الحوار العربي - الصيني، فإنها لا تريد أن تنافس أحدا سياسيا، وتعتقد أنها يمكن أن تشكّل اليوم قوة ناعمة هائلة على المستوى الاقتصادي، خصوصا أنها تكاد تكون الدولة الأولى في العالم التي استفادت من الأزمة الاقتصادية والمالية الكونية؛ لذلك تعتبر الهجوم الأمريكي على عملتها، هو أقرب إلى الهجوم على سيادتها الوطنية، إذ لا يمكن وليس من المعقول تغطية العجز والفشل الاقتصادي الأمريكي بالتوجّه للتأثير على سعر اليوان الصيني، الذي لم يرتفع خلال العقود الثلاثة الماضية على نحو يُذكر، وقدّر ارتفاعه بـ 2 في المائة فقط، وهي نسبة قليلة جدا مقارنة بالعملات العالمية، وذلك مقابل خسارة الدولار نحو 30 في المائة من قيمته أمام اليورو الأوروبي، فإن المسألة أعقد بكثير، خصوصا إذا ما أخذنا في الاعتبار أن حرب العملات هي انعكاس لسياسات فاشلة وأزمات حادة للنظام الرأسمالي العالمي واستراتيجياته العدوانية، ولا سيما للولايات المتحدة، على الرغم من تقدمها وازدهارها؛ كونها المستودع الكبير لخير ما أنجبته البشرية من علوم وتكنولوجيا واتصالات وثورة رقمية وعمران وأدب وفن، وغير ذلك.
لقد أصبح العالم على شفا حرب حقيقية بسبب أسعار الصرف، وليس بسبب النفط فقط، وتشمل المسألة إضافة إلى الصين، القيود المفروضة على البرازيل وتايلاند وكوريا الجنوبية، خصوصا في ظل التأثيرات المتعاظمة للعولمة والمشاعر المعادية للأجانب. ولكن إذا كانت واشنطن تتهم الصين، فعليها اتهام صندوق النقد الدولي، ولا سيما برفض أوروبا إصلاح أنظمة الحكم الاقتصادية في العلاقات الدولية، وهو الوجه الثاني لسياسات واشنطن الكونية.
إن لوبي الصادرات الصيني يتمترس دفاعا عن الإبقاء على سعر الصرف العالمي عند مستواه نسبة إلى الدولار، وذلك على الرغم من محاولات صندوق النقد الدولي، الذي ليس لديه سلطان على الصين أو أي بلد آخر لديه فوائض في الحساب الجاري، خصوصا أن حساسية مشروعة تولّدت لدى بلدان آسيا الصاعدة (النمور الآسيوية) ضد صندوق النقد الدولي، ولا سيما خلال أزمة عام 1997/1998، وتتجه هذه البلدان صوب الصين بدلا من صندوق النقد الدولي، بل إنها تحذو حذوها، حين تحاول تكوين فائض في الحساب الجاري، وهذا يعني العمل على عدم رفع قيمة عملاتها كما تفعل الصين تماماً.
وتتحمل واشنطن المسؤولية الأساسية لثلاثة أسباب، هي: أولا أن غالبية الأسواق الناشئة تشعر بالضغط التي تمارسه عليها لرفع قيمة عملاتها. والسبب الثاني أن العجز في الحساب الجاري الأمريكي تضخّم إلى حدود كبيرة خلال العقد الماضي، بارتفاع معدّلات الاستهلاك، وأدى هذا إلى الإسهام في تراكم الفوائض لدى الصين وغيرها. أما السبب الثالث أن صافي تدفق رأس المال يتحرك باتجاه الولايات المتحدة وأسواقها، قادما من البلدان ذات الأسواق الناشئة، وهذا يعني انكشاف الوجه الآخر، أي وجود فوائض في الحساب الجاري لدى هذه البلدان، مع عجز الحساب الجاري الأمريكي.
إن ساحة المواجهة أخذت تتسع وقد تتحول إلى حرب حقيقية للعملات، خصوصا بعد العجز الأمريكي وانتكاس السياسة الاستراتيجية لواشنطن، وفي الوقت نفسه في ظل الأزمة الطاحنة المالية والاقتصادية التي تعيشها. لذلك يمكن تفهّم مدى حساسية واشنطن وحراجة موقفها في الضغط على الصين لرفع سعر صرف عملتها، الذي يستهدف التخفيف من وطأة وعبء الضغوط التي تعاني منها الولايات المتحدة، لكنه ليس بعيدا عن سعي محموم لفرض الهيمنة وإملاء الإرادة في العلاقات الدولية.



381
بوش وفنتازيا "نقاط حاسمة"


عبدالحسين شعبان
قال لي أحد الأصدقاء عندما نشرت قبل أكثر من عام ونصف العام مقالة بعنوان “الإيهام بالغرق: أهي رومانسية جديدة؟” كيف لك يا رجل أن تتحدث عن الرومانسية الجميلة للماضي بكل ما له وما عليه حتى ولو من باب “السخرية” والمعنى المجازي؟ فما زلنا نحلم بها وإنْ كان من باب الحنين “النوستالجيا” ونحمل بعض بقاياها . قلت له لقد قصدت الشيء بضدّه، “والضد يُظهر حسنه الضد”، ثم تحدّثت عن المضمون، الذي تناولت فيه التعذيب المحرّم دولياً، لدرجة أنه أصبح آفة ليس في البلدان النامية والمتخلفة فحسب، بل هو ظاهرة مستفحلة ومستشرية فيها على نحو مريع .

وقد أثارت بعض التقارير الدولية المعتمدة، ولاسيما بعد أحداث 11 سبتمبر/ أيلول الإرهابية الإجرامية، إلى امتداده إلى عدد من البلدان المتقدمة بما فيها الديمقراطيات الغربية التي تعكّزت على الحملة الدولية لمكافحة الإرهاب، باتخاذ إجراءات متشددة أدّت إلى احتجاجات واسعة لمنظمات المجتمع المدني التي اعتبرتها تجاوزاً على الحريات . وكانت بعض المنظمات الدولية ذات الصدقية والنزاهة، بما فيها منظمة العفو الدولية والمنظمة العربية لحقوق الإنسان وغيرها، قد أشارت بإصبع الاتهام منذ وقت مبكر إلى ممارسة التعذيب من جانب القوات الأمريكية في العراق، وكانت فضيحة سجن أبو غريب إحدى الفضائح الدولية التي اهتزّ لها الضمير الإنساني . وتكرر الحديث عن “السجن الأسود” في أفغانستان، وسجن غوانتانامو، والسجون السرية الطائرة في أوروبا، والسجون السرية العائمة، في عرض البحر .

وأخيراً جاء موقع “ويكيليكس” ليكشف بنحو 400 ألف وثيقة عن قيام قوات الاحتلال الأمريكي وبعض القوات الرسمية العراقية بانتهاكات سافرة وصارخة لحقوق الإنسان، الأمر الذي أثار موجة عارمة جديدة من الغضب . ثم صدر كتاب الرئيس جورج بوش “نقاط حاسمة” الذي فجّر قنبلة جديدة بشأن موضوع التعذيب، معيداً إلى الأذهان ما تردد من أوامر بالترخيص لممارسة التعذيب، تحت مبررات مختلفة . وإذا كان كتاب الحاكم المدني الأمريكي في العراق بول بريمر “عام قضيتُه في العراق” الصادر عام 2006 قد أثار جدلاً واسعاً، ليس على الصعيد العراقي فحسب، بل إزاء استراتيجية واشنطن في الشرق الأوسط والعالم، فإن كتاب الرئيس بوش هو حدث بامتياز بكل المعايير، وسيبقى هذا الحدث ضاغطاً علينا لحين من الزمان، قراءة واستعادة ومقاربة ومقارنة وتدقيقاً ونقداً، ذلك أن كتاب “نقاط حاسمة” لا يتحدث عن الماضي (فترة ولايتين للرئيس بوش دامت ثماني سنوات) بقدر ما له علاقة بالمستقبل، وخصوصاً استراتيجية واشنطن من جهة، وموضوع التعذيب الذي نحن بصدده من جهة أخرى . ويبرّر بوش استخدام التعذيب وفقاً لتقنية “الإيهام بالغرق” Drawing Simulation Technology  قائلاً: إنه تم استخدامها على 3 محتجزين فقط، وقد ساعدت في إحباط مؤامرات إرهابية لمهاجمة مطار هيثرو وحي كناري وارف في لندن، وبعثات دبلوماسية أمريكية، وعدد من الأهداف في الولايات المتحدة . كما يدافع عن استخدام التعذيب في غوانتانامو، وهو ما نفته الجهات الرسمية والإعلامية البريطانية ردّاً على نشر كتاب بوش .

وإذا كان جورج دبليو بوش يدافع عن فعله السياسي، لاسيما قراره بغزو العراق بعد أفغانستان، فإن اعترافه الصريح والواضح بأنه شنّ الحرب على العراق من جرّاء معلومات مضللة، وحصل ما حصل فيها من تدمير للدولة العراقية، وحلّ مؤسساتها لاسيّما الجيش والقوات المسلحة وقوى الأمن وغيرها، فضلاً عن اعترافه باستخدام أسلوب الإيهام بالغرق، إنما يرتب عليه مسؤوليات جساماً قانونية وسياسية وأخلاقية، لا يمكنه التنصّل منها .

وإذا عرفنا أن خلفه الرئيس باراك أوباما أمر بمنع استخدام التعذيب على طريقة الإيهام بالغرق، ووعد بإغلاق سجن غوانتانامو على الرغم من استمراره حتى الآن، فإن على الولايات المتحدة التحقيق مع الرئيس السابق جورج بوش وتقديمه إلى العدالة، خصوصاً اعترافه بشنّ الحرب وما آلت إليه من خسائر بشرية ومادية ومعنوية، ومن ثم اعترافه بارتكاب جريمة التعذيب، وهي جريمة لا تسقط بالتقادم حسب الاتفاقية الدولية لمناهضة التعذيب الصادرة في العام ،1984 والاعتراف، في القانون، هو سيّد الأدلة .

وعلى الرغم من تبرير بوش بأن مستشاره القانوني أبلغه بأن أسلوب الإيهام بالغرق “لا يندرج تحت طائلة اتفاقية مناهضة التعذيب”، فإن القانون بشكل عام لا يحمي المغفّل، ناهيكم من أن القانون الدولي الإنساني يستوجب تقديم أي متورط بممارسة التعذيب إلى العدالة، أياً كان موقعه، وحتى لو كان رئيساً سابقاً للولايات المتحدة، خصوصاً إذا ثبتت صحة اعترافه، الأمر الذي يتطلب التوثّق منه والتحقيق فيه لغرض تقديمه إلى القضاء الأمريكي، وفي حال عدم قيام الأخير بواجبه لأي سبب كان، فإن على القضاء الوطني ذي الولاية القضائية الدولية لأية دولة أن يمارس دوره لإجراء مثل هذا التحقيق في ظل غياب المحقق الأمريكي، أو عدم القيام بتأدية التزاماته الدولية، ناهيكم من إمكانية تحريك دعاوى ضده في إطار نظام محكمة روما لعام 1998 (المحكمة الجنائية الدولية)  التي دخلت حيّز التنفيذ عام 2002 .

إن ممارسة التعذيب محرّم دولياً في زمن الحرب وزمن السلم، ويتطلّب من الدول أن تثبّت ذلك في قوانينها طبقاً لاتفاقيات جنيف لعام 1949 وملحقيها لعام ،1977 وأن تنشر ثقافة القانون الدولي الإنساني التي تحرّم التعذيب وتحاسب من يمارسه، ضمن القواعد الإرشادية واللوائح الإنسانية التي عادة ما يتم تقديمها للقوات المسلحة، كدليل ومرشد للحروب والعلاقة مع الأسرى والمعتقلين والمحتجزين وغيرهم . وإذا كان الرئيس بوش قد اعترف بأن الإجراء كان قاسياً، إلاّ أنه برّر فعلته بأن خبراء الطب أكدوا لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية ال CIA  أنه لا يسبب ضرراً دائماً، لكن ذلك ليس مبرراً لإعفائه من المسؤولية .

وكانت إدارة الرئيس أوباما بعد توليه سدّة الرئاسة قد صرحت بأنها ستتعامل بشكل قانوني مع نتائج التحقيقات الخاصة بالمسؤولين في إدارة الرئيس بوش الذين كانوا وراء سياسات الاستجواب التي اعتمدتها وكالة المخابرات المركزية الأمريكية والجيش الأمريكي (البنتاغون) مع المعتقلين في العراق، وفي سجن غوانتانامو وأفغانستان وسجون أخرى . وجاء اعتراف الرئيس بوش صادماً، ليطلق موجة جديدة من المطالبات بملاحقة المتهمين بارتكاب جرائم ضد حقوق الإنسان التي ألحقت ضرراً بليغاً بسمعة الولايات المتحدة .

إن الجرائم المرتكبة هي جرائم دولية يحاسب عليها القانون الدولي، حتى وإن تم إعطاء الضوء الأخضر بإذن من الرئيس نفسه لانتزاع اعترافات من المتهمين . طبقاً لاتفاقيات جنيف الأربع لعام ،1949 وخصوصاً الاتفاقية الرابعة بشأن السكان المدنيين، فضلاً عن اتفاقية مناهضة التعذيب، فإن المسؤولية لا تقع على عاتق الذين قاموا بالتنفيذ فحسب، بل على من أصدر الأوامر من كبار المسؤولين، وبذلك تقع المسؤولية على الرئيس بوش وعلى وزير الدفاع السابق دونالد رامسفيلد ونائب الرئيس ديك تشيني وغيرهم من كبار المسؤولين .

إن جريمة التعذيب تتجسد في التعذيب المادي والمعنوي مثل التجويع والاعتقال التعسفي والمعاملة غير الإنسانية أو الحاطة بالكرامة، سواءً مباشرة أو للآخرين بهدف الحصول على معلومات أو التستر على مصائر المعتقلين أو الأسرى أو الحبس الانفرادي أو الاستخدام المفرط في القوة، وهي كلّها جرائم ضد الإنسانية، إضافة إلى أنها جرائم إبادة وجرائم حرب . أليس ذلك نوعاً من الفنتازيا على طريقة الرئيس جورج دبليو بوش؟

باحث ومفكر عربي


382
الوطن والمواطنة: أية علاقة؟
   

 
عبدالحسين شعبان
 يعود جذر كلمة المواطنة إلى الوطن، وهذا الأخير يكاد يكون متماهياً وأحياناً ملتبساً مع مفهوم الدولة، على الرغم من أن هذه الأخيرة هي الاطار التنفيذي والمؤسساتي للوطن، وبالطبع فهي تختلف عن نظام الحكم أو الحكومة بمعنى السلطة، وإذا كانت نشأة الدول معروفة ولها طابع الاستمرارية، فالسلطة متغيّرة، ويمكن استبدالها بوسائل مختلفة، ففي الأنظمة الديمقراطية تعتمد على مبادئ سيادة القانون والمساواة وفصل السلطات والانتخابات وتداولية السلطة سلمياً وغيرها من مبادئ الشرعية، وفي الأنظمة غير الديمقراطية تعتمد العنف والقوة، لاسيما العسكرية سبيلاً لتحقيق التغيير .

الوطن هو “المتّحَد” الجغرافي الذي تعيش فيه مجموعات بشرية، قومية ودينية وسلالية ولغوية متنوعة ومختلفة أحياناً، أي (شعباً) يسكن في أرض (الإقليم) ولديه سلطة أي (حكومة) ويتمتع بالسيادة أي بحقه في تقرير مصيره دون تسلّط وهذا المفهوم أقرب إلى فكرة الدولة العصرية .

والوطن ليس علاقة عابرة أو ظرفية أو مؤقتة، بل هو مجموعة العلاقات الإنسانية والوجدانية والثقافية والمادية المتنوعة في إطار هوية معينة عمودياً وأفقياً، ومن الطبيعي أن يوجد الإنسان في وطن أو يكون منتمياً إلى وطن، ولكن لا يولد المرء مواطناً بالفطرة، بل يكتسب هذه الصفة داخل مجتمعه، لاسيما من خلال مشاركته واعتماداً على مبادئ الحرية والمساواة والعدالة والمشاركة، تلك التي تجسّد مفهوم المواطنة الكاملة في الدولة العصرية الحديثة .

والمواطنة بهذا المعنى هي مجموع القيم الإنسانية والمعايير الحقوقية والقانونية المدنية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية، التي تمكّن الفرد من الانخراط في مجتمعه والتفاعل معه إيجاباً والمشاركة في إدارة شؤونه، وهو ما يجعل المواطن “الفرد” متفاعلاً مع محيطه، وهو الذي نعنيه بالمواطنة العضوية .

وإذا كان لكل مواطن أن يحمل جنسية، فإن مفهوم الجنسية بوصفها رابطة قانونية وسياسية وأداة للتمييز بين الوطني والأجنبي لم يكتسب معناه الدلالي، إلا في وقت قريب، ويرجعه البعض إلى بداية القرن التاسع عشر أو قبل ذلك بقليل، وقد تعاظم الاهتمام بتوفير الحماية الفعّالة للأفراد باعتبارهم مواطنين لهم حقوق وعليهم واجبات .

وإذا كانت الرابطة بين الفرد والجماعة سابقاً تقوم على اعتبارات دينية أو تاريخية (انحدار من أصول معينة) أو الإقامة في رقعة جغرافية بصورة استقرار دائم، فإن العلاقة اتّخذت شكلاً آخر في الدولة الحديثة، لاسيما في إطار فكرة المواطنة، بالحقوق والواجبات، التي تترتب عليها .

ففي العهود القديمة كانت الأسرة هي التي تمثّل الخليّة أو الوحدة التي يجتمع في نطاقها الأفراد، وعن طريق تجمّع الأسر تنشأ العشيرة أو القبيلة التي تَجمع بين الأصول العائلية فضلاً عن الديانة، خصوصاً بالاستقرار في رقعة جغرافية .

أما مفهوم الأجنبي سابقاً فهو يختلف عن مفهوم الأجنبي حالياً، ففي تلك العهود كان مفهوم الأجنبي هو كل من لا يرتبط مع أفراد القبيلة أو العشيرة بالعوامل المذكورة، مما كان يمكن اعتباره عدواً يستحق القتل أو خصماً يستوجب إبعاده، وظلّت العوامل والأسس العرقية سائدة حتى بعد اجتماع العشائر أو القبائل في مدينة واحدة يحكمها شخص أو مجموعة أشخاص، كما هو شأن أثينا وسبارطة .

في كتاب “ القوانين” يُخضِع أفلاطون القانون لصالح المجتمع أكثر مما يخضعه للأخلاق السامية المجرّدة . أما أرسطو ففي كتابه “ السياسة” فيؤكد على ضرورة أن تكون القوانين رشيدة وتلائم “مجتمع الدولة” .

لقد كان المواطنون في بعض المدن اليونانية يتمتعون بحقوق المساواة أمام القانون Isnomia واحترام متعادل للجميع Isotimia وحقوق متساوية في التغيير Isogoria، وتلكم هي الحقوق الأساسية التي أصبحت معروفة في عالمنا المعاصر .

لكن ذلك لم يمنع التمييز بين السادة (النبلاء) وهم المواطنون والعبيد، وفئة ثالثة هي المحاربون أو الجند . وقد اعتقد اليونانيون بتفوّقهم على سائر الشعوب، لذلك كانت الحروب والفتوحات هي أساس العلاقة مع الغير، الآخر، الأجنبي . وقد حاول الرواقيون الذين اهتمّوا بالكون والأخوة العالمية أن يربطوا هذه “الحقوق” بالعقل للكائن البشري، في محاولة لتقليص وتضييق التمييز .

أما في العهد الروماني فقد كان التمييز بين ثلاث طوائف: 1- المواطنون، وهم الرومان من سكان عاصمة الامبراطورية . 2- الرومان خارج مدينة روما، ويطلق عليهم اللاتينيون، وإن كان لهم حق التمتع بالحقوق المدنية والسياسية، إلا أن الأمر يتوقف على تجنيسهم . 3- البرابرة أو طائفة الأجانب، وهم سكّان المناطق المحتلة الذين يخضعون للامبراطورية الرومانية، فهؤلاء يتبعون لقانون خاص بهم يسمّى قانون الشعوب Jus Gentium وهو يعتبر استمراراً لفكرة القانون الطبيعي اليونانية التي اقتبسها شيشرون من الفلسفة الرواقية، بالتأكيد على مبدأ العدالة وإعطاء كل ذي حق حقه، وفي الواقع فلم يكن رعايا الشعوب يتمتعون بأية حماية قانونية تُذكر .

أمّا في القرون الوسطى وتفتّت المجتمع اليوناني  الروماني فقد لعبت الكنيسة بإمكاناتها وتنظيمها دوراً كبيراً في تنظيم المجتمع، حيث قال القديس أوغسطين الذي عاش في القرن الخامس، وأنتج أعمالاً متميّزة إن “العدالة الحقة” لا توجد في دولة ملحدة، مميزاً بين Concordia وJusticia أي بين “العدالة والحق” .

وخلال فترة هيمنة الاقطاع ازداد ارتباط الفرد بالأرض بحيث أصبح الشخص تابعاً للاقطاعية التي يحكمها أمير أو سيد اقطاعي يملك الارض ومن عليها . ففي هذه الحالة اختفى التمييز الذي كان سائداً بين المواطن واللامواطن (الغريب) أو الوطني والأجنبي، حيث كانت سلطة الاقطاعي تنسحب على سكان المقاطعة بكاملها، وكان حكمُ كلّ أجنبي أن يغادرها خلال فترة محددة بموجب أمر من الاقطاعي، لكن الأمر اتّخذ منحى آخر بصعود الأنظمة الملكية التي ألغت النظام الاقطاعي وأصبح الأشخاص يرتبطون بالملك الذي يعتبر حاميهم والمدافع عنهم، في حين كانوا يدفعون له الضرائب ويؤدون الفروض العامة، مرتبطين بشخصه على نحو دائم وأبدي لا انفصام فيه .

واتّسم عصر النهضة خصوصاً خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر باتّساع ساحة الفكر السياسي والقانوني لمفكرين كبار مثل جان بودان في فرنسا وهوغو وغروشيوس في هولندا وهوبز ولوك في إنجلترا وغيرهم . وقد اهتم بودان بفكرة السيادة في حين أعار غروشيوس اهتمامه للقانون الدولي ولفكرة الدولة والقانون، مؤكداً أن القانون الوضعي يخضع للقانون الطبيعي، أما هوبز فقد أكّد على تلازم الحرية والضرورة وعلى الحاكم أن يسد احتياجات الرعية .

أما جان جاك روسو الذي هيأت أفكاره للثورة الفرنسية وبخاصة كتابه “العقد الاجتماعي” ومونتسكيو وكتابه “روح القوانين” فقد اتّخذ اتجاهاً آخر، فحسب روسو في نظرية العقد الاجتماعي، أن للأفراد حقوقاً قبل أن يكونوا في مجتمع منظم، وأن بعض هذه الحقوق غير قابلة للتصرف وعلى الدولة مراعاتها ليس بسبب شروط العقد فحسب، بل بسبب طبيعة الإنسان .

أما مونتيسكيو فقد دعا إلى فصل السلطات باعتباره حجر الزاوية في توفير الحرية، مؤكداً على الرقابة على السلطات، في حين أكّد روسو على مفهوم سيادة الشعب، وإذا كان الناس يولدون غير متساوين، فإنه بموجب العقد الاجتماعي يصبحون متساوين . وقد ذهب الفيلسوف الألماني كانت إلى تأكيد مفهوم الحرية الأخلاقية للإنسان ودور العقل، مشيراً إلى إلزام الفرد ببعض التقييدات على حريته تأميناً لحرية الغير .

ولعل الحديث عن علاقة الوطن بالمواطنة وما له من ارتباط بالتربية كان محط أخذ ورد وحوار وجدل في ندوة فكرية نظمها منتدى الفكر العربي في الجزائر بمشاركة من وزارة التعليم العالي والبحث العلمي الجزائرية وجامعة البتراء الأردنية ومنظمة “الاسيسكو” المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة في المغرب، الأمر الذي يحتاج إلى نقاشات أوسع ومديات أبعد ومشاركة أكبر بحيث يصبح الشغل الشاغل للمواطن أينما كان، دفاعاً عن حقوقه وحرياته في وطن يكون هو سيد فيه، والى توسيع هامش الاصلاح والمراجعة السياسية والقانونية وتنقية الأجواء الثقافية والدينية بما يوفر بيئة مناسبة للتغيير المنشود .

باحث ومفكر عربي


383
طاولة واحدة للتوافق الموعود
   
 
عبدالحسين شعبان
عادت الأحياء العراقية مجدداً لترتدي ثوبها الأحمر القاني المنسوج من أشلاء أطفال العراق، ونساء العراق، وشيوخ العراق، وشباب العراق، لا فرق بين عراقي وآخر، الكل مستهدف من دون استثناء، والكل باسم الرب يُقتل، وباسم المذهب يُقتل، وباسم الطائفة يُقتل، وباسم الانتماء يُقتل، فقد فتح الاحتلال الأمريكي بوابة القتل في العراق ولن يتمكن من إغلاقها على ما يبدو، على الرغم من مرور سبع سنوات ونصف السنة، حيث سال الدم غزيراً، فبالأمس في المسجد، وما قبله في الجامع، واليوم في الكنيسة، مثلما في السوق والشارع والملعب والجامعة والمدرسة حيث تناثرت الكتل الآدمية لتعلن ضجر الأرض من القتل الذي يُمارس بكل وحشية في العراق في ظل استمرار الفوضى العارمة والاحتراب السياسي والمذهبي والإثني .

وبعد، ألا يحق لنا أن نتساءل وماذا بعد؟ وإلى متى؟ ومن يقف وراء ذلك؟ ألا يوجد من يسهم في حقن الدم العراقي العزيز كما يزعم الجميع؟ كيف لعاقل أن يتصور ارتفاع صوت كاتم الصوت والمدفع والمفخخة على صوت الحكمة والسلام والمحبة؟

في ظل هذه الأوضاع المأساوية والفجائعية المتردية التي يشهدها العراق، أعلن الملك عبدالله بن عبدالعزيز عن مبادرته إلى الشعب العراقي وقياداته وجميع كتله وفعالياته السياسية، مبدياً استعداد المملكة العربية السعودية لاستضافة لقاء يضم الجماعات العراقية كافة في الرياض تحت مظلة جامعة الدول العربية، والهدف من ذلك تحقيق مصالح العراق وشعبه وإخراجه من محنته ومن حالة الفراغ السياسي التي يعيشها، ولوضع العراقيين أمام مسؤولياتهم التاريخية والإنسانية والوطنية، ومساعدة الأطراف العراقية على التوصل إلى حلول توافقية بشأن تشكيل الحكومة، وإنهاء حالة التجاذب والمد والجزر التي تشهدها الساحة العراقية التي تموج بالصراعات والعنف والتمترس خلف الطائفية تارة والحزبية تارة أخرى التي ستؤدي في حال استمرارها إلى المزيد من العنف والفوضى .

وعلى الرغم من مرور ثمانية أشهر على انتهاء الانتخابات لم تتوصل الأطراف العراقية بعد إلى حل يرضي جميع الأطراف ويؤدي إلى تشكيل الحكومة المقبلة، لاسيما أن اختراقات أمنية شديدة الخطورة قد حصلت عشية الانتخابات وبعدها، وقد تعاظمت تلك الاختراقات في الأسابيع الأخيرة الماضية، فقد شهد العراق في الأيام الأخيرة سلسلة من أعمال الإرهاب التفجيرية المتزامنة التي عمت معظم أرجاء العاصمة النازفة بغداد، مخلفة مئات الضحايا من القتلى والجرحى، وكان أن سبق ذلك هجوم استهدف كنيسة سيدة النجاة في بغداد وأدى إلى مقتل زهاء 53 شخصاً أغلبيتهم الساحقة من المسيحيين، وانطلاقاً من هذا الوضع المأساوي، فقد بادر الملك عبدالله بن عبدالعزيز إلى تقديم مبادرة هدفها حفظ الدماء العراقية ورأب الصدع، خصوصاً أن الأطراف العراقية لم تتوصل بمفردها إلى تسوية مناسبة على الرغم من استمرار الحوار بعد مبادرة مسعود البرزاني رئيس إقليم كردستان .

تنطوي هذه المبادرة على درجة كبيرة من الأهمية كونها تجاوزت الاصطفافات الطائفية والمذهبية والإثنية والجهوية والمناطقية والحزبية الضيقة التي يعيشها العراق اليوم، كما تكتسب أهميتها لأنها تأتي من طرف خادم الحرمين الشريفين وما يمثله من ثقل سياسي واقتصادي عربي وإقليمي وإسلامي، فقد سبق أن قدم مبادرات ناضجة تشكل أبعاداً جديدة في السياسة الإقليمية والدولية، لاسيما أن المملكة العربية السعودية قد ساهمت في تسوية بعض النزاعات الإقليمية وفي إطفاء بعض الاحترابات العربية العربية، فضلاً عن مبادرتها التي أصبحت “عربية” بشأن الصراع العربي  “الإسرائيلي” بعد أن تبنتها قمة بيروت العام 2002 .

وتأكيداً لحرص المملكة على الوصول إلى حل يرضي جميع الأطراف العراقية ويوقف حمام الدم المنهمر في العراق، فقد أكد وزير الخارجية السعودية الأمير سعود الفيصل على تواؤم مبادرة الملك عبدالله مع مبادرة مسعود البرزاني رئيس إقليم كردستان العراق (وهي مبادرة حظيت بموافقة جميع الإطراف العراقية)، موضحاً موقف المملكة الرسمي المؤيد لأي جهد يبذل مهما كان مصدره يستطيع إيصال العراقيين إلى بر الأمان والاستقرار والسلام، فالتدهور الأمني والسياسي الخطير الذي يشهده العراق من جراء الأعمال الدموية المتصاعدة إنما يدفع ثمنه الضحايا الأبرياء من المدنيين الذين لا ذنب لهم، وهو قد يمتد إلى دول المنطقة .

إن هذا الوضع المتدهور في العراق إنما يدعو للتساؤل وبكل شفافية، كيف يمكن للمواطن العراقي أن يثق في أوضاعه الأمنية، خصوصاً أن الاختراقات مستمرة، بشكل كبير وفاضح، لاسيما وبعدما أثبتت هذه الأجهزة ضعفها وهشاشتها من خلال عجزها في وضع حدٍ لأعمال الإرهاب والقتل والتفجير، كما أثبتت عدم جدارتها في حماية أرواح الناس وممتلكاتهم، لا بل أكثر من هذا فهي غير قادرة حتى على حماية نفسها، فما بالكم بالمواطن .

ولعل الأطراف العراقية تدرك إن لم يكن جميعها فأغلبيتها الساحقة وتحت وطأة القتل والدمار، حاجتها الماسة إلى من يساندها ويعينها على إخراج البلاد من هذه الدوامة القاتلة واستعادة العراق لعافيته، والدولة هيبتها في إطار الوحدة الوطنية العابرة للطوائفيات والإثنيات وأسباب التعصب، وتجاوز الإقصاء والتهميش .

إن شعور العراقيين بمرارة الفاجعة وعجزهم عن التخلص من الوضع الدموي القاتل المحيط بهم من كل اتجاه جعلهم يتشبثون بأية مبادرة تسعى إلى إنهاء معاناتهم الإنسانية، لاسيما بعد نشر وثائق “ويكيليكس” السرية الصادمة بمحتوياتها وما انطوت عليه من معلومات عن جرائم بشعة بحق المواطن العراقي ترتقي إلى مستوى جرائم ضد الإنسانية وجرائم الإبادة وجرائم الحرب التي يحاسب عليها القانون الدولي الإنساني، واتفاقيات جنيف لعام 1949 وملحقاها بروتوكولا جنيف لعام 1977 .

ويزداد الوضع الأمني في العراق سوءاً بعد تحسن نسبي شهده العامان 2008 و،2009 الأمر الذي انعكس على العملية السياسية التي تزداد تدهوراً، فإن لم تملأه الحكمة والعقلانية والحوار الحضاري المدني، فإن قوى التطرف والتعصب والغلو ستنتعش وسينفلت العنف من عقاله .

وفي هذا الإطار السياسي يمكن النظر، بل وتفهم الحرص على طاولة المفاوضات من بغداد إلى الرياض باعتبارها طاولة واحدة سواء كانت المبادرة داخلية أو كانت خارجية، فالمهم أن يعم الأمن والسلام، وتنتهي حالة الفوضى والإرهاب والانقسام المذهبي والإثني التي ستنعكس سلباً ليس على العراق وحده فحسب، بل على دول المنطقة جميعها خصوصاً دول الجوار العربي والإقليمي .

وما بين القبول والرفض تبقى المبادرات الخارجية والداخلية تتأرجح مع ردود الفعل، ويبقى العراقيون يترقبون لحظة الفرج التي طال انتظارها، فعسى أن تتغلب الحكمة والعقل وإرادة السلام على العنف والتعصب والإرهاب، وعلى العكس من ذلك فإن القوى الإرهابية سواء أكانت تنظيمات القاعدة أو ما يسمى دولة العراق الإسلامية أو غيرها، ستجد البيئة المناسبة لتفقيس بيضها، لاسيما إذا لم تتمكن القوى العراقية من الاستفادة من مبادرات الحوار للخروج من عنق الزجاجة والسير بخطى حثيثة ومسؤولة باتجاه إقامة دولة مدنية تحترم الحقوق والحريات وتضع حداً للعنف والإرهاب .

ويبقى العراق الجريح يئن ويتطلع إلى غد تشرق فيه شمس الاستقرار والأمان والسلام، في ظل حكومة توقف شلالات الدم المتدفقة وتضع مستلزمات السلام الاجتماعي .

فهل بات السلام من المحرمات على العراق والعراقيين؟ وهل من المعقول أن يُحرّم السلام على دار السلام؟ أم إن الأمل ما زال معقوداً على الجهود الخيّرة؟ الشعب العراقي برسم الانتظار والترقب والأمل .

باحث ومفكر عربي


384
التربية على المواطنة
   

 
عبدالحسين شعبان

يعتبر موضوع التربية على المواطنة جزءًا لا يتجزأ من موضوع التنمية المستدامة، إذ لا يمكن إنجاز تنمية شاملة ومستقلّة بمعناها السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي، من دون تربية متوازنة وعقلانية ومدنية، تقوم على أساس المساواة والكرامة الإنسانية، وفي أجواء من الحرية وسيادة القانون، وذلك بتأكيد “الحق في التعليم”، لا باعتباره حقاً فردياً فحسب، بل هو جماعي، لا يمكن لأي مجتمع تحقيق التقدم والتنمية، من دون تعميم التعليم والقضاء على الأمية ونشر المعرفة والثقافة الحقوقية .

وبهذا المعنى فالتربية على المواطنة عمل يستهدف الدفاع عن حق الإنسان في الوجود أولاً والعيش بسلام ومن دون خوف، وحقه في الحرية وحقه في العدالة وحقه في المشاركة، من خلال حقه في التعلّم، بما يؤكد ويعزز هذه الحقوق .

لعل مناسبة الحديث عن هذا الموضوع كانت عنوان مؤتمر مهم انعقد في الجزائر بدعوة من “منتدى الفكر العربي” وبمشاركة وزارة التعليم العالي والبحث العلمي في الجزائر وجامعة البترا في الأردن والمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة التي مقرها في الرباط .

وبقدر ما تهتم التربية بالمواطنة في نشر الوعي القانوني والحقوقي وثقافة المساواة، فإنها تتوخى أيضاً المساهمة في الوقاية من الآثار الضارة والخطيرة لسياسات الانتهاك والتجاوز على الحقوق، وذلك من خلال استخدام وسائل التربية الكفيلة بالتصدي لها، وتنمية الشعور العام لدى المواطنين، بقيم المواطنة والمساواة والحرية من خلال العملية التربوية كمدخل لتنمية المجتمع، وذلك ابتداءً من الأسرة ومروراً بالتعليم الابتدائي والأنشطة المدرسية وصولاً إلى الجامعة، مثلما يمكن للإعلام أن يلعب دوراً أساسياً في التنمية المجتمعية .

والتربية على المواطنة تستوجب اعتماد أساليب تربوية حديثة ومرنة في التعامل مع الأطفال والمراهقين والشباب وتربيتهم على ثقافة المساواة وقيم المواطنة واحترام حقوق الغير وقبول حق الاختلاف، وذلك من خلال عملية بناء وتراكم وتطور تدريجي طويل الأمد، يأخذ في الاعتبار درجة وعي وتطور المجتمع، وبما يساعد في خلق أجواء مناسبة للتغيير .

وإذا كان التعليم ولبنته الأولى المدرسة يحتل موقعاً مهماً وأساسياً في عملية التربية على المواطنة، فهو بحاجة إلى استراتيجية عمل للدولة ككل، لأن ثقافة المواطنة لا يمكن أن تترسخ إلاّ في إطار القوانين والأنظمة النافذة، لاسيما بعد  تنقيتها عن كل ما يقف حجر عثرة أمام المبادئ الأساسية التي تتألف منها المواطنة، بمعناها العضوي والحيوي، ولعل هذا يتطلب مراجعة الدساتير وجميع القوانين والأنظمة والتعليمات، حيث يستوجب نشر ثقافة المواطنة في أوساط البرلمانيين والجهات التشريعية المختلفة وكذلك نشر ثقافة المواطنة من خلال الإعلام، خصوصاً ثقافة المساواة والحرية والعدالة وعدم التمييز، وكذلك نشر ثقافة  المواطنة في إطار المجتمع المدني، الذي يمكن أن يكون مكمّلاً وراصداً وشريكاً للدولة، خصوصاً إذا تحوّل إلى قوة اقتراح للأنظمة والقوانين واللوائح، لاسيما إذا قدّم هو قوة المثل، ولكي تكون العملية متكاملة ومترابطة، لا بدّ من نشر الوعي الحقوقي والقانوني من خلال التربية والتعليم، وذلك كجزء من التنمية المنشودة .

لا يقصد من مفهوم التربية على المواطنة ضخّ معارف ومعلومات إلى المعنيين فحسب، بقدر ما تستهدف تأسيس قيم ترتبط بها، أي أنها ليست “تربية معرفية فقط” بل “تربية قيمة” بالدرجة الأولى، ذلك أن الاهتمام بالجانب المعرفي لا يقصد منه المعرفة فحسب، بقدر التوّجه من خلاله إلى بلورة وصياغة وتثبيت قناعات لتغيير سلوك وقيم الأفراد، وإذا كان الإنسان يولد ولديه توق طبيعي إلى الحرية، لكنه قد لا يدرك الالتزامات والقوانين والضوابط الاجتماعية والسياسية، التي تحدّ منها، أو تسمح بها، تلك التي تجعل من الحرية أمراً ممكناً أو غير ممكن، وهو ما يُمكن اكتسابه وتعلّمه والتربية عليه كقيمٍ ومثل ومبادئ .

من جهة أخرى لا يكفي حشد رؤوس المتلقّين بالمعلومات عن الحرية والمساواة والعدل وعدم التمييز وغير ذلك من الحقوق، لكن المهم أن يمارسوا بصفتهم “كبشر” تلك الحقوق، وقبل ذلك أن يؤمنوا بها وجدانياً، كما أن من الجدير أن يعترفوا بتلك الحقوق التي يطالبون بها لأنفسهم، حقوقاً للآخرين على قدر المساواة مع حقوقهم، باعتبارها مبادئ وقيم عليا . وإذا كانت قيم السلام توجد في العقول، فإن الحرب تصنع في العقول أيضاً، وهو ما ينبغي وضع حد له، مثلما ذهب إلى ذلك دستور اليونسكو .

إن التربية بهذا المعنى ليست لحشد قدر واسع من المعارف والمعلومات للتعلّم فحسب، بل هي تستهدف بالدرجة الإنسانية تربية على قيم الحياة والعيش المشترك والعلاقة مع الآخر، وإذا ما زُرعت هذه الحقوق منذ الصغر فإنها ستزدهر وتصبح جزءًا من ثقافة المجتمع، التي لا يمكن التجاوز عليها، خصوصاً أن الناس سيمارسونها كسلوك يومي حريصين على تأكيده في كل منعطف أو تغيير، وسيكون من العسير انتهاكه أو التجاوز عنه، لأنه سيصبح قوة مادية يصعب اقتلاعها وهي جزء من درجة تطور المجتمع، الذي سيدافع عنها بقوة كما يحصل في البلدان المتقدمة والديمقراطية .

يمكن القول أن التربية على المواطنة ترتبط بثلاثة مستويات هي المستوى التعليمي “البيداغوجي” والمستوى التربوي ثم المستوى الثقافي والمجتمعي . إن المستوى الأول يتعلق بالبرامج والمناهج الدراسية، فإنْ لم تترسخ ثقافة المواطنة عبر أساليب تدريسية، منهجية، تعليمية بحيث تصبح مادة حاضرة في علاقة الطالب بالأستاذ، والتلميذ بالمربّي، وفي علاقتهما مع بعضهما في المنهج الدراسي، من خلال الكتب والنشاطات الصفية واللاصفية وتجسيد قيم الكرامة والمساواة والحرية وعدم التمييز والحق في الاختلاف، بما فيها حق الاعتقاد والحق في المشاركة وغيرها من مبادئ حقوق الإنسان، فإن زاوية النظر إلى حقوق المواطنة ستكون مختلفة وملتبسة وفِئوية .

ولا يمكن الاكتفاء بالمناهج فحسب، بل الأمر بحاجة إلى دروس تطبيقية وورشات عمل وندوات ووسائل إيضاح حسب المراحل العمرية لحقوق الإنسان بمراحلها المختلفة، إضافة لأسلوب حياة يومي في علاقة الطالب بالأستاذ والطالب بالإدارة . فالمواطنة عنصر مشترك يدخل في جميع الدوائر التي تهتم بالعلاقات الإنسانية، بما يؤدي إلى تكوين شخصية سليمة ومنفتحة من خلال سلوك متوازن يستند إلى قيم ومواقف يمكن للتربية أن تغذّيها لدى الإنسان وتعزز ما هو إيجابي وتحدّ مما هو سلبي ويتعارض مع مبادئ المواطنة .

إن القيم التي يمكن أن تبثّها ثقافة المواطنة تقوم على التسامح والسلام وحق الاختلاف وحق الاعتقاد وحق التعبير وحق التنظيم والحق في المشاركة، على العكس من نزعات الاستئثار والعنف والاستبداد وإلغاء الآخر أو تهميشه وغير ذلك .

وبهذا المعنى فإن مشروع التربية على المواطنة، ليس مشروعاً تعليمياً، أو تربوياً خالصاً، كما أنه ليس مشروعاً حقوقياً صرفاً، إنه مشروع سسيوتربوي، ثقافي يتعلق بالعقل والتنوير والقيم والحقوق، تلك التي لا يمكن أن تكون إلاّ بدمج المجالات والحقول المختلفة، الفردية والاجتماعية والثقافية والقانونية والسياسية والتاريخية وغيرها . وأعتقد أن منتدى الفكر العربي الذي تأسس لتجسير الفجوة بين المثقف وصاحب القرار، وبين المثقفين أنفسهم، وبينهم وبين المواطنين، حسناً فعل حين اختار لمؤتمره قبل عامين عنوان “المواطنة” كإطار جامع بدأ بالاشتغال عليه، ثم كرس مؤتمره لهذا العام عن التربية والمواطنة لكونه موضوعاً راهنياً وتعبيراً عن فلسفة تربوية سسيو ثقافية حقوقية عقلانية مدنية عابرة للأديان والطوائف والتكوينات القومية والاثنية واللغوية والسلالية التي يؤمن بها .

باحث ومفكر عربي


385
«ويكيليكس» .. حقائق خلف القناع

عبد الحسين شعبان
من كان وراء توقيت نشر "ويكليكس" التقارير السرية والتي ترتب عليها تعميق استمرار الفوضى غير الخلاقة المنتشرة في جميع أنحاء العراق منذ عام 2003 وحتى اليوم؟
ومن الجهة التي تعمل على تكريس استمرار الفراغ السياسي وتعطيل تشكيل الحكومة؟
ومن يقف وراء إبقاء المواطن العراقي ضحية الإرهاب أو المصير المجهول ما بين الموت خوفاً و جوعاً و قتلاً؟
ومن له مصلحة في وصول العراقيين إلى هذا الدرك السحيق من الانقسام والتشظي والمعاناة؟
وإذا كانت الولايات المتحدة تستنكر ما أقدم عليه موقع ويكيليكس من نشره للوثائق السرية وتطالبه بتسليم جميع الوثائق حفاظاً على أمنها القومي، وإذا كانت الحكومة العراقية التي سارعت إلى تشكيل لجنة وزارية برئاسة وزير العدل العراقي لرصد ومتابعة الوثائق التي تمّ نشرها على موقع ويكيليكس قد شككت بصحة ما ورد في الوثائق المنشورة، متهمة بعض الجهات بالوقوف وراء ذلك لإعاقة تشكيل الحكومة الجديدة برئاسة المالكي، وإيران ألقت بكرتها في ملعب الآخرين، فمن الجهة المستفيدة من هذا التوقيت الذي سيجعل الدولة العراقية المجروحة السيادة معوّمة أكثر مما هي عليه؟
مما لا شك فيه أن تقارير ويكيليكس والتي كُتبت بأيدي عدد من الجنود الأمريكيين، فيما لو تبين صحة ما ورد فيها فستعتبر أدلة إدانة لجيش الاحتلال ولمن شارك في الجرائم التي ارتكبت بحق العراقيين، وحتى يتم التأكد من صحة هذه الوثائق علينا معالجة الأمور بشيء من الروية والحكمة والشجاعة وبكثير من القانون.
كشفت هذه الأزمة الكثير من النوايا والخطط السياسية والمذهبية بعيداً عن كل المعايير الوطنية، ففي الوقت الذي يعانيه العراق من عدة أزمات، أبرزها الأزمة السياسية التي يمر بها جراء عدم تشكيل الحكومة نتيجة الخلافات السياسية بين مختلف القوى الفائزة في الانتخابات البرلمانية، جاءت وثائق ويكيليكس لتزيد من رقعة الخلاف بين تلك القوى والأحزاب. فبحسب التصريحات والبيانات العراقية المختلفة فإن هذه الوثائق أثارت خلافاً بين ائتلاف العراقية بزعامة الدكتور إياد علاوي وائتلاف دولة القانون بزعامة رئيس الوزراء المنتهية ولايته نوري المالكي، ففي الوقت الذي أدان فيه ائتلاف العراقية الجرائم التي تحدثت عنها تقارير ويكيليكس مطالباً بإجراء تحقيق دولي عادل ومحايد بمضمون الوثائق التي نشرت، أعلن ائتلاف المالكي رفضه لهذه الوثائق، معتبراً أن الأمر لا يتعدى الضجة الإعلامية المفتعلة الغرض منها عرقلة العملية السياسية العراقية، وتشويه صورة المالكي.
وكان موقع ويكيليكس Wikileaks قد كشف حجم الانتهاكات السافرة والصارخة لحقوق الإنسان التي تعرض لها العراق إثر غزوه واحتلاله من قبل القوات الأمريكية في التاسع من نيسان (أبريل) عام 2003، لا سيما في الفترة الواقعة ما بين مطلع عام 2004 إلى نهاية العام الماضي 2009، وذلك من خلال تسريب وثائق سرية عسكرية في عملية وصفت بأنها الأكبر في التاريخ المعاصر، وقد بلغ عدد هذه الوثائق قرابة 400 ألف وثيقة حول ممارسات الجيش الأمريكي وحلفائه خلال الحرب على العراق، تضم بين دفتيها معلومات موثقة ومعززة بأسماء القتلى والمفقودين والجرحى، كما شملت على أسماء المعذبين والمختفيين قسرياً، وضمت هذه الوثائق معلومات تحمّل الجهات الأمريكية والجهات الحكومية الرسمية العراقية إضافة للشركات الأمنية بما فيها شركة بلاك ووتر، مسؤولية ما جرى ويجري في العراق من مآس، مؤكدين أن ثلثي عدد الضحايا هم من المدنيين، على الرغم من المزاعم الأمريكية التي تفيد بانتهاء المهمات القتالية والعمليات الحربية وسحب القوات ذات الطبيعة القتالية في آب (أغسطس) الماضي حسب إفادة الرئيس الأمريكي باراك أوباما.
ولعل لغة الوثائق والأرقام والتي تضمنها موقع ويكيليكس ألقت بظلال كثيفة وجديدة من الشك والريبة حول المزاعم الأمريكية التي روّجت قبيل احتلال العراق، والتي تدّعي العمل على توفير نظام ديمقراطي بديل يؤمن الاستقرار والرفاه للعراق والعراقيين بعد سنوات من القهر والمعاناة للحكم الشمولي الاستبدادي السابق، وإذا بنا وبعد احتلال دام أكثر من سبع سنوات، ما زلنا في المربّع الأول، من حالة انعدام الأمن على الرغم من تحسنّه النسبي في السنتين الأخيرتين، لكنه ما لبث أن عاد وتدهور عشية وبُعيد الانتخابات، ليؤكد استمرار تردي الوضع الأمني وصعوبة استمرار العيش مع التناقص الكبير في توفر الخدمات الأساسية والضرورية للعيش، كالحاجة الملحة لمياه الشرب الصالحة والكهرباء والتعليم والنظام العلمي ونظام الصرف وغير ذلك، فضلاً عن استشراء الطائفية السياسية والانقسام المذهبي الوظيفي، وتفشي الرشا والفساد المالي والإداري، وضعف هيكلية الدولة وهشاشة بنيتها.
إن أهمية هذه الوثائق التي تمّ الكشف عنها من قبل "مؤسسة" جوليان أسانج والموقع الذي سيغدو الأكثر شهرة في العالم وأعني بـ Wikileaks يتأتى من كونها في الدرجة الأولى قد جاءت من جهة أمريكية، وثانياً لأنها كشفت وثائق سرية كُتبت في حينها ولم يكن هدفها منحازاً لهذا لفريق أو ذاك، بل حاولت توثيق الأحداث بيومياتها وتفاصيلها الدقيقة، ومن هنا تأتي القيمة الفعلية للمعلومات التي نقلها الموقع على نحو موثق بما احتوت من حيثيات.
وإذا كانت المعلومات التي قدمها موقع ويكيليكس غير مفاجئة لعديد من المتابعين والناشطين في ميدان حقوق الإنسان، لا سيما وقد اطلعوا على التقارير التي نشرت على مدى السنوات السبع ونيّف الماضية من جانب منظمة العدل الدولية ومنظمة مراقبة حقوق الإنسان والفيدرالية الدولية والمنظمة العربية لحقوق الإنسان ومنظمات عراقية مختلفة، إلا أن حجم الضحايا من المدنيين والآخذ في الاتساع، يدفعنا إلى التوقف عند هذه الوثائق التي تشير إلى أن بعض الفئات كانت هدفاً سهلاً، كالعلماء والأكاديميين الذي سقط منهم أكثر من 400 ضحية للعنف والإرهاب، والإعلاميين الذين بلغ عدد ضحاياهم 291 إعلاميا، وكذلك الأطباء والمهندسون والمعلمون وغيرهم. وكان لتصفية العسكريين، وخصوصاً الذين شاركوا في الحرب العراقية - الإيرانية نصيب، كما تم استهداف التنوّع الثقافي العراقي، الذي كان على الدوام جزءا من المكوّن العراقي الموحد، القومي والديني، وعلى الأخص بعض الطوائف المسيحية والإيزيدية والصابئة، واستهدفت العمليات الإرهابية المبرمجة العرب والتركمان والكرد على حد سواء في محاولة لزرع الفرقة والشقاق والريبة بين جميع مكونات النسيج الاجتماعي العراقي. وبموجب المعلومات المنشورة في موقع Wikileaks، فقد ضمّت السجون مختلف الفئات والتي تعرضت لحالات منهجية وروتينية صارخة من التعذيب، الأمر الذي يترتب جرائه مسؤوليات قانونية ضد مرتكبيه.
كما تحدثت المعلومات المنشورة عن جرائم ترتقي إلى جرائم الحرب والإبادة وجرائم ضد الإنسانية، إضافة إلى التعذيب والاختفاء القسري والاغتصاب وغيرها من الأمور المنتهكة لحقوق الإنسان في كل المعايير، وهي جرائم لا تسقط بالتقادم. وبما أن العراق ومنذ عام 2003 يقع تحت الاحتلال فإن المسؤولية الأساسية إزاء الانتهاكات والخروقات الجسيمة للشرعة الدولية لحقوق الإنسان، والتجاوزات العديدة على القانون الدولي الإنساني، ولا سيما اتفاقيات جنيف عام 1949 وملحقيها عام 1977 (بروتوكولي جنيف حول حماية ضحايا المنازعات الدولية المسلحة وحماية ضحايا المنازعات المسلحة غير الدولية)، كلها تقع على عاتق قوات الاحتلال، حتى وإن وجهت الاتهامات المختلفة ضد الإرهابيين أو المحسوبين على النظام السابق، لأن ذلك لا ينفي ولا يلغي المسؤولية الرسمية والقانونية لقوات الاحتلال بموجب بنود قوانين الاحتلال (حقوق وواجبات المحتل) لا سيما باتخاذه إجراءات تغيير سكاني أو ديموغرافي أو إجراء تعديلات قانونية من شأنها إلحاق الضرر بوحدة المجتمع وتقاليده المتبعة، وهو الأمر الذي تمّ تجاوزه وتمّ تكريس الطائفية عبر مجلس الحكم الانتقالي وفتح حدود البلاد بعد حلّ الجيش العراقي وتفكيك الأجهزة الأمنية، مما سهّل انفلات الوضع الأمني وتعاظم سيف الإرهاب المسلط على رقاب العراقيين.
وفي الوقت ذاته، لا يمكن التغاضي عن مسؤولية الحكومة العراقية في ذلك كما قوات الاحتلال وإلا فلماذا هي حكومة تتصدر سدة الحكم إن عجزت عن حماية أرواح وممتلكات المواطنين وضبط النظام العام وحفظ الأمن والسلام المجتمعي؟
وإذا كانت مسؤولية الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الإبادة وجرائم الحرب تقع في الدرجة الأساسية على قوات الاحتلال، إلا أن ورود أسماء أعضاء في الحكومة العراقية بمن فيهم رئيس الوزراء، مسألة خطيرة تحتاج إلى درجة عالية من التدقيق والتوثيق ضمن الإطار القانوني والحقوقي ومن موقع المسؤولية والحيدة والنزاهة، كما تتطلب تدخلاً دولياً، خصوصاً وأن العراق ما زال يخضع للفصل السابع الخاص بالعقوبات، وقد ينجم عن ذلك اتخاذ إجراءات من شأنها إعادة النظر بما هو قائم خصوصاً بعد تعثر تشكيل الحكومة لأكثر من سبعة أشهر ونصف.
وعلى الرغم من أن الاتهام موّجه بالأساس ضد الولايات المتحدة، إلا أنه قد ينطوي على أثر سلبي في الساحة السياسية العراقية، لا سيما بعد أن لاحت في الأفق تباشير تؤكد إمكانية تشكيل حكومة من طرف المالكي الذي حصل على توافق واقعي سياسي من كل من واشنطن وطهران وبعض الحكومات العربية، لتأتي المعلومات المنشورة من قبل "ويكيليكس" متهمة المالكي الأمر الذي سيعقد مشكلة تشكيل الوزارة، وسيدفع الأمور نحو التعويم وسيُعاظم عوامل التباعد والتنافر القائمة، فضلاً عن كونها فضيحة سياسية وأخلاقية تطيح بالكثير من السياسيين، فيما لو ثبتت صحة الاتهامات الموجهة.
ومقارنة بما يمكن أن يكون لو كان هذا الأمر قد حدث في أي من البلدان الديمقراطية، فإن مجرد ورود مثل تلك الاتهامات كفيل بإجراء تحقيقات مباشرة قد تؤدي إلى الإطاحة بالحكومة، وقد تدفع السياسيين في الحد الأدنى إلى اعتزال الحياة السياسية والانزواء بعيداً، بل إن أقل من ذلك لو تمّ التوثق منه سيدفع السياسيين لتقديم استقالتهم.
فإذا قلنا بأن ما قام به موقع ويكيليكس كان أشبه بناقوس خطر يدق منبهاً ومحذراً ليس حكومة المالكي فحسب، بل وجميع الحكومات العراقية المتتالية السابقة واللاحقة، لذا لا ينبغي لأحد أن يفرح أو يشمت لاعتقاده أن خصومه ستتم مساءلتهم، لأن المسؤولية جماعية ومشتركة وقد تمتد يد المساءلة للجميع.
إن ما ينبغي التركيز عليه هو تحديد المسؤوليات إزاء الانتهاكات خارجياً وداخلياً وجعل القضاء والقانون الكفيل والحكم لتعويض الضحايا وجبر الضرر، وذلك في طريق إصلاح النظام القانوني والقضائي لوضع حد لانتهاكات حقوق الإنسان أينما وردت. كما أن الشفافية والعلانية في المساءلة والمحاسبة ورفع دعاوى ضد المرتكبين لا ينبغي أن يكون القصد منها الانتقام وبث روح الكراهية، بقدر ما يقصد منها إنهاء هذه الظواهر المشينة وجعل القانون هو الحَكَم الفاصل، وليتذكّر الجميع أن لا أحد فوق القانون ولا أحد يستطيع الإفلات من يد العدالة إن آجلاً أم عاجلاً ومهما طال الزمن، ولعل السلطة الحقيقية التي يتدافع حولها وبشأنها الطاقم السياسي، لن تدوم بالانتهاكات والقسوة، فالمعيار الأساسي الذي يجب أن يكون هو احترام حقوق الإنسان والإقرار بالتعددية والتنوّع الثقافي والتداولية السلمية للسلطة والحريات العامة ولا سيما حرية التعبير.
وبعيداً عن أية مصلحة سياسية، أو أية مزايدة إعلامية، وفي سبيل تحقيق العدالة وإعادة الاعتبار للقيم الوطنية، المطلوب بعد التحقق من صحة ما ورد، إحالة كل المتورطين دون استثناء إلى القضاء والاحتكام إلى القانون الدولي الإنساني، وإجراء تحقيق عادل ومحاسبة كل الذين ارتكبوا جرائم بحق أبناء الشعب العراقي كائن من كانوا، وأنى كانوا، قبل أو بعد 2003.
وريثما يتم كشف القناع وإجلاء الحقائق المستترة يجب الوقوف بوجه كل من يحاول جرّ الشارع العراقي إلى المربع السياسي الطائفي في التعامل مع هذا الأمر، مع الحرص الشديد على عدم إلباس القضية أي لبوس طائفي، فالجرائم المرتكبة بحسب "ويكيليكس" لم تقتصر على طائفة بعينها بل شملت جميع مكونات الشعب العراقي.



386
تسريبات ويكيليكس.. الوجه الآخر للمأساة العراقية

عبد الحسين شعبان

كشف موقع ويكيليكس (Wikileaks) حجم الانتهاكات السافرة والصارخة لحقوق الإنسان التي تعرض لها العراق إثر غزوه واحتلاله من قبل القوات الأميركية في التاسع من أبريل/نيسان 2003، لا سيما في الفترة الواقعة ما بين مطلع العام 2004 ونهاية العام الفائت 2009، وذلك من خلال تسريب وثائق سرية عسكرية في عملية وصفت بأنها الأكبر في التاريخ المعاصر.
وقد بلغ عدد هذه الوثائق قرابة أربعمائة ألف وثيقة حول ممارسات الجيش الأميركي خلال الحرب على العراق، تضم بين دفتيها معلومات موثقة ومعززة بأسماء القتلى والمفقودين والجرحى، كما اشتملت على أسماء المعذبين والمختفين قسريا.

وضمت هذه الوثائق معلومات تحمّل الجهات الأميركية والجهات الحكومية الرسمية العراقية إضافة للشركات الأمنية بما فيها شركة بلاك ووتر، مسؤولية ما جرى ويجري في العراق من مآس، مؤكدة أن ثلثي عدد الضحايا هم من المدنيين، على الرغم من المزاعم الأميركية التي تفيد بانتهاء المهمات القتالية والعمليات الحربية منذ مايو/أيار 2003 وسحب القوات ذات الطبيعة القتالية في أغسطس/آب الماضي حسب إفادة الرئيس الأميركي باراك أوباما.


ولعل لغة الوثائق والأرقام والتي تضمنها موقع ويكيليكس ألقت بظلال كثيفة وجديدة من الشك والريبة على المزاعم الأميركية التي روّجت قبيل احتلال العراق، والتي تدعي العمل على توفير نظام ديمقراطي بديل يؤمن الاستقرار والرفاه للعراق والعراقيين بعد سنوات من القهر والمعاناة للحكم الشمولي الاستبدادي السابق، وإذا بنا وبعد احتلال دام أكثر من سبع سنوات ما زلنا في المربّع الأول من حالة انعدام الأمن على الرغم من تحسنّه النسبي في السنتين الأخيرتين.
لكنه ما لبث أن عاد وتدهور قبيل وبُعيد الانتخابات، ليؤكد استمرار تردي الوضع الأمني وصعوبة استمرار العيش مع التناقص الكبير في توفر الخدمات الأساسية والضرورية للعيش، كالحاجة الملحة لمياه الشرب الصالحة والكهرباء والتعليم والنظام الصحي ونظام الصرف وغير ذلك، فضلاً عن استشراء الطائفية السياسية والانقسام المذهبي الوظيفي، وتفشي الرشى والفساد المالي والإداري، وضعف هيكلية الدولة وهشاشة بنيتها.
إن أهمية هذه الوثائق التي تم الكشف عنها من قبل "مؤسسة" جوليان أسانغ والموقع الذي سيغدو الأكثر شهرة في العالم وأعني ويكيليكس، تتأتى من كونها في الدرجة الأولى قد جاءت من جهة أميركية، وثانيا لأنها كشفت وثائق سرية كُتبت في حينها ولم يكن هدفها منحازا لهذا الفريق أو ذاك، بل حاولت توثيق الأحداث بيومياتها وتفاصيلها الدقيقة، ومن هنا تأتي القيمة الفعلية للمعلومات التي نقلها الموقع على نحو موثق بما احتوت من حيثيات.
وإذا كانت المعلومات التي قدمها موقع ويكيليكس غير مفاجئة للعديد من المتابعين والناشطين في ميدان حقوق الإنسان، لا سيما وقد اطلعوا على التقارير التي نشرت وعلى مدى السبع سنوات ونيّف الماضية من جانب منظمة العدل الدولية ومنظمة مراقبة حقوق الإنسان والفدرالية الدولية والمنظمة العربية لحقوق الإنسان ومنظمات عراقية مختلفة، إلا أن حجم الضحايا من المدنيين الآخذ بالاتساع يدفعنا إلى التوقف عند هذه الوثائق التي تشير إلى أن بعض الفئات كان هدفا سهلا، كالعلماء والأكاديميين الذين سقط منهم أكثر من أربعمائة ضحية للعنف والإرهاب، والإعلاميين الذين بلغ عدد ضحاياهم 291 إعلاميا، وكذلك الأطباء والمهندسين والمعلمين وغيرهم.
وكان لتصفية العسكريين وخصوصا الذين شاركوا في الحرب العراقية الإيرانية نصيب، كما تم استهداف التنوّع الثقافي العراقي، الذي كان على الدوام جزءا من المكوّن العراقي الموحد، القومي والديني، وعلى الأخص بعض الطوائف المسيحية واليزيدية والصابئة, واستهدفت العمليات الإرهابية المبرمجة العرب والتركمان والكرد على حد سواء في محاولة لزرع الفرقة والشقاق والريبة بين جميع مكونات النسيج الاجتماعي العراقي.
وبموجب المعلومات المنشورة في موقع ويكيليكس فقد ضمّت السجون مختلف الفئات التي تعرضت لحالات منهجية وروتينية صارخة من التعذيب، الأمر الذي يترتب عليه مسؤوليات قانونية ضد مرتكبيه.
كما تحدثت المعلومات المنشورة عن جرائم ترتقي إلى جرائم الحرب والإبادة وجرائم ضد الإنسانية، إضافة إلى التعذيب والاختفاء القسري والاغتصاب وغيرها من الأمور المنتهكة لحقوق الإنسان في كل المعايير، وهي جرائم لا تسقط بالتقادم.


وبما أن العراق ومنذ العام 2003 يقع تحت الاحتلال فإن المسؤولية الأساسية إزاء الانتهاكات والخروقات الجسيمة للشرعة الدولية لحقوق الإنسان، والتجاوزات العديدة للقانون الدولي الإنساني، ولا سيما اتفاقيات جنيف لعام 1949 وملحقيها لعام 1977 (بروتوكولي جنيف حول حماية ضحايا المنازعات الدولية المسلحة وحماية ضحايا المنازعات المسلحة غير الدولية)، كلها تقع على عاتق قوات الاحتلال، حتى وإن وجهت الاتهامات المختلفة إلى الإرهابيين أو المحسوبين على النظام السابق، لأن ذلك لا ينفي ولا يلغي المسؤولية الرسمية والقانونية لقوات الاحتلال بموجب قواعد القانون الدولي الانساني التي تنظم قوانين الاحتلال (حقوق وواجبات المحتل) لا سيما بتحريم اتخاذه إجراءات تغيير سكاني أو ديمغرافي أو إجراء تعديلات قانونية من شأنها إلحاق الضرر بوحدة المجتمع وتقاليده المتبعة، وهو الأمر الذي تم التجاوز عليه، خصوصاً بتكريس الطائفية عبر مجلس الحكم الانتقالي وفتح حدود البلاد بعد حلّ الجيش العراقي وتفكيك الأجهزة الأمنية، مما سهّل انفلات الوضع الأمني وتعاظم سيف الإرهاب المسلط على رقاب العراقيين.
وفي الوقت ذاته، لا يمكن التغاضي عن مسؤولية الحكومة العراقية في ذلك كما تتحمل قوات الاحتلال، وإلاّ فلماذا هي حكومة تتصدر سدة الحكم إن عجزت عن حماية أرواح وممتلكات المواطنين وضبط النظام العام وحفظ الأمن والسلام المجتمعي؟
فإذا كانت مسؤولية الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الإبادة وجرائم الحرب تقع بالدرجة الأساسية على قوات الاحتلال، فإن ورود أسماء أعضاء في الحكومة العراقية بمن فيهم رئيس الوزراء مسألة خطيرة تحتاج إلى درجة عالية من التدقيق والتوثيق ضمن الإطار القانوني والحقوقي ومن موقع المسؤولية والنزاهة، كما تتطلب تدخلاً دولياً، خصوصاً وأن العراق ما زال يخضع للفصل السابع لميثاق الأمم المتحدة الخاص بالعقوبات، وقد ينجم عن ذلك اتخاذ إجراءات من شأنها إعادة النظر بما هو قائم خصوصا بعد تعثر تشكيل الحكومة لأكثر من سبعة أشهر ونصف.
وعلى الرغم من أن الاتهام موّجه بالأساس إلى الولايات المتحدة، فإنه قد ينطوي على أثر سلبي في الساحة السياسية العراقية، لا سيما بعد أن لاحت في الأفق تباشير تؤكد إمكانية تشكيل حكومة من طرف المالكي الذي حصل على توافق واقعي سياسي من كل من واشنطن وطهران وبعض الحكومات العربية، لتأتي المعلومات المنشورة من قبل ويكيليكس متهمة المالكي، الأمر الذي يعقّد مشكلة تشكيل الوزارة ويدفع الأمور نحو التعويم ويُعاظم عوامل التباعد والتنافر القائمة، فضلاً عن كونها فضيحة سياسية وأخلاقية تطيح بالكثير من السياسيين فيما إذا ثبتت صحة الاتهامات الموجهة.
ومقارنة بما يمكن أن يكون لو كان هذا الأمر قد حدث في أي من البلدان الديمقراطية، فإن مجرد ورود مثل تلك الاتهامات كفيلة بإجراء تحقيقات مباشرة قد تؤدي إلى الإطاحة بالحكومة، وقد تدفع السياسيين في الحد الأدنى إلى اعتزال الحياة السياسية والانزواء بعيدا، بل إن أقل من ذلك لو تم التوثق منه سيدفع السياسيين لتقديم استقالتهم.


فإذا كانت الولايات المتحدة تستنكر ما أقدم عليه موقع ويكيليكس من نشره للوثائق السرية وتطالبه بتسليم جميع الوثائق المحفوظة لديه، وإذا كانت الحكومة العراقية التي سارعت إلى تشكيل لجنة وزارية برئاسة وزير العدل العراقي لرصد ومتابعة الوثائق التي تم نشرها على موقع ويكيليكس، قد شككت في صحة ما ورد في الوثائق المنشورة، متهمة بعض الجهات بالوقوف وراء ذلك لإعاقة تشكيل الحكومة الجديدة برئاسة المالكي، وألقت إيران بكرتها في ملعب الآخرين، فمن هو والحال هذه المستفيد من هذا التوقيت الذي سيجعل الدولة العراقية المجروحة السيادة معوّمة أكثر مما هي عليه؟ ومن المستفيد من استمرار الفوضى غير الخلاقة في العراق منذ العام 2003 وحتى اليوم؟ وما ذلك إلاّ واحد من أوجه المأساة العراقية المستمرة.
إن موقع ويكيليكس دقّ ناقوس الخطر لا لحكومة المالكي فحسب، بل للحكومات التي سبقتها وللحكومات التي تليها، ولهذا لا ينبغي لأحد أن يفرح أو يشمت لاعتقاده أن خصومه ستتم مساءلتهم، لأن المسؤولية جماعية ومشتركة وقد تمتد يد المساءلة للجميع.
إن ما ينبغي التركيز عليه هو تحديد المسؤوليات إزاء الانتهاكات خارجياً وداخلياً، وجعل القضاء هو الكفيل والحكم لتعويض الضحايا وجبر الضرر وذلك في طريق إصلاح النظام القانوني والقضائي لوضع حد لانتهاكات حقوق الإنسان أينما وقعت.
كما أن الشفافية والعلانية في المساءلة والمحاسبة ورفع دعاوى ضد المرتكبين لا ينبغي أن يكون القصد منها الانتقام وبث روح الكراهية، بقدر ما يقصد منها إنهاء هذه الظواهر المشينة وجعل القانون هو الحَكَم الفاصل، وليتذكّر الجميع أن لا أحد فوق القانون ولا أحد يستطيع الإفلات من يد العدالة إن آجلاً أم عاجلاً ومهما طال الزمن، ولعل السلطة الحقيقية التي يتدافع حولها وبشأنها الطاقم السياسي الحاكم وحواشيه لن تدوم بالانتهاكات والقسوة، فالمعيار الأساسي الذي يجب أن يكون هو احترام حقوق الإنسان والإقرار بالتعددية والتنوّع الثقافي والتداول السلمي للسلطة والحريات العامة، ولا سيما حرية التعبير وذلك هو أحد دلالات تسريبات ويكيليكس.


الجزيرة نت الجمعة 29/10/2010

387
التربية على المواطنة موضوع الفكر العربي المعاصر

عبد الحسين شعبان


يعتبر موضوع التربية على المواطنة موضوعاً جديداً في الفكر العربي المعاصر، خصوصاً وأن حركة المواطنة في العالم العربي تعاني من الشح أو الضعف، وإنْ وجدت فلا تزال في حالة جنينية أو هي أقرب إلى الإرهاص منه إلى تأسيس ''كيانية حقوقية'' ذات أهداف محددة وواضحة في إطار آليات معلومة، بحيث تتحول المفاهيم إلى حقوق، وهذه الأخيرة إلى تشريعات وقوانين في إطار مؤسسات وبرلمانات، مثلما يتطلب الأمر وجود قضاء عادل ومستقل يحميها من التجاوز والانتهاك، في ظل تطبيقات وممارسات في حاجة إلى نقد وتطوير مستمرين، لاسيما في ظل دور متميز للمجتمع المدني!!
إن فكرة التربية على المواطنة، هي جزء من فلسفة تربوية سسيو ثقافية حقوقية عقلانية مدنية عابرة للأديان والطوائف والتكوينات القومية والإثنية واللغوية والسلالية وغيرها، وهي مسألة حديثة في عالمنا العربي، حداثة فكرة المواطنة، وحداثة فكرة الدولة.
ولذلك فإن التربية على المواطنة لها دلالات كثيرة:
فالدلالة الأولى: أن عالمنا العربي ما زال في أول السلّم على الصعيد العالمي إزاء المفهوم السليم للمواطنة وحقوقها، حيث تزداد الحاجة إلى إثارة حوار وجدل حول الفكرة وأبعادها وغاياتها وسياقاتها، وحشد قوى وطاقات حكومية وغير حكومية، سياسية وفكرية وثقافية ودينية واجتماعية، إضافة إلى مؤسسات المجتمع المدني لمقاربة المفهوم الذي ارتبط بفكرة الدولة العصرية الحديثة، وبالتقدم الذي حصل في هذا الميدان، ولا سيما في الدول الغربية المتقدمة، والتي تشهد تصالحاً بين الدولة والمواطن، سواءً في نظرة الدولة إلى المواطن أو في نظرة الأخير إلى الدولة؛ فمسؤولية الدولة لم تعد الحماية فحسب، بل أصبحت الدولة ''دولة رعاية'' واجبها ووظيفتها الأساسية خدمة المواطن وتحسين ظروف عيشه وتوفير مستلزمات حريته ورفاهيته، وفي المقابل فإن نظرة المواطن للدولة أصبحت إيجابية هي الأخرى، من حيث احترامه للقوانين والأنظمة وعلاقته بالمرافق العامة وحفاظه على البيئة وواجبه في دفع الضرائب وغير ذلك.
أما في البلدان العربية، فإن نظرة السلطات إلى المواطن ظلّت تشكيكية ارتيابية في الغالب، إنْ لم تكن عدائية، وفي المقابل فإن نظرة الفرد للدولة استمرت سلبية، متربّصة، تعارضية، حتى إزاء الخدمات والمرافق العامة، خصوصاً في ظل التمييز وعدم المساواة وعدم تكافؤ الفرص وعدم احترام الحق في المشاركة وضعف الحريات.
الدلالة الثانية: تكمن في انشغال بعض المهتمين على صعيد الفكر وحقوقيين وناشطين بفكرة حركة المواطنة، باعتبارها فكرة راهنية ومطروحة على صعيد البحث من جهة، وعلى صعيد الواقع العملي من جهة أخرى، لاسيما الأسئلة الشائكة التي تواجهها والتطبيقات المختلفة التي تقف أمامها في مفترق طرق عديدة وخيارات بين مرحلتين:
المرحلة الأولى:- ونموذجها الأنظمة الشمولية التي انتهت أو كادت أن تنتهي أو تتلاشى على الصعيد العالمي، خصوصاً التشبث باحتكار الحقيقة والدين والسلطة والمال والإعلام، لكنها لا تزال قوية ومؤثرة في مجتمعاتنا العربية بأنظمتها المختلفة، وبحسب تقارير التنمية البشرية، فالمنطقة العربية تعاني نقصاً كبيراً في الحريات وشحّ في المعرفة ونظرة قاصرة في الموقف من حقوق الأقليات وحقوق المرأة وغيرها.
أما المرحلة الثانية:- فنحن ما زلنا عند أبوابها وكثيراً ما تحدثنا عنها وبصوت عال أحياناً، لكننا ما زلنا مترددين من الدخول في صومعتها، خصوصاً وأن حركة الإصلاح والديموقراطية في العالم العربي لا تزال تتقدم خطوة وتتأخر خطوتين، بسبب كثرة الكوابح السياسية أو الدينية أو الاجتماعية أو الاقتصادية أو الثقافية التي تعترض طريقها، فضلاً عن ما تواجهه من تحديات مختلفة خارجية وداخلية، مثل الاحتلال والحصار والعدوان، إضافة إلى بعض المفاهيم السلبية للموروث الاجتماعي، والتوظيف الخاطئ  للتعاليم الدينية على نحو متعصّب ومتزمّت ومغالٍ، ناهيكم عن الفقر والجهل والمرض والتوزيع غير العادل للثروة.
ولا تزال فكرة المواطنة في عالمنا العربي تتعرض إلى تجاذبات داخلية وخارجية، خصوصاً ارتباطها على نحو وثيق بمسألة الهوية ومستقبلها؛ لذلك فإن الحوار والجدل بقدر إجلائهما بعض التشوش والغموض إزاء مستقبل بلداننا، فهما يساعدان في الوقت نفسه على نشر ثقافة المواطنة ويعمقان الوعي الحقوقي بأهميتها وضرورتها وفداحة نكرانها أو الانتقاص منها أو تعطيلها أو تعليقها تحت أية حجة أو ذريعة، وهو بالقدر نفسه يطرح أسئلة ساخنة حول سبل التربية على المواطنة، بما يثير من اختلاف وصراع.
الدلالة الثالثة: تتعلق بالالتباس النظري والعملي  بخصوص فكرة المواطنة، ولا سيما مواقف الجماعات والتيارات الفكرية والسياسية والقومية المختلفة، الأمر الذي يضع تكوين تصوّر مشترك حولها من جهة وحول الطرق التربوية القويمة والأساليب التعليمية الصحيحة لتعميق فكرة المواطنة، ولا سيما في إطار المبادئ الدستورية للدولة العصرية التي تستند إلى سيادة القانون ومبدأ المساواة، مسألة ملّحة وضرورة حيوية، لا يمكن اليوم إحراز التقدم والتنمية المنشودتين دونها، وهو الأمر الذي يغتني بمساحة الحرية والمشاركة والعدالة، باعتبارها متلازمات ضرورية للمواطنة.
الدلالة الرابعة: ترتبط بإشكالات المواطنة والهوية، ولا سيما التحدّيات التي تواجهها، فقد بدأت تحفر في أساسات الدولة والهوية، مما يستدعي  إدارة حوار فكري ومعرفي حولها، طالما أنها تدخل في صلب المشكلات التي تواجه المصير العربي، ومعها يصبح جدل الهويات أساساً للتعايش والتكامل والتطور السلمي للمكوّنات المختلفة، بدلاً من أن يكون مادة للتناحر والانغلاق والتعصب، وهذه المسألة تتطلب الإقرار بالتنوع والتعددية والمشترك الإنساني كشرط لا غنى عنه للهوية الجامعة، مع تأكيد الحق في الاحتفاظ بالهويات الفرعية الجزئية، الدينية أو القومية أو الثقافية أو غيرها!
الدلالة الخامسة: تتعلق بالعلاقة الجدلية بين فكرة المواطنة وحقوق الإنسان، خصوصاً مبدأ المساواة في الحقوق، وبالأخص حق المشاركة في إدارة الشؤون العامة وتقلّد الوظائف العليا والمهام السيادية دون تمييز بسبب الدين أو القومية أو لأي سبب مذهبي أو اجتماعي أو لغوي أو بسبب الجنس أو اللون أو غير ذلك. ويأتي حق المشاركة، في إطار الحقوق الأساسية ونعني بها حق التعبير وحق الاعتقاد وحق التنظيم، ولعل هذه الإشكالية هي التي تشكل جوهر فكرة المواطنة، خصوصاً إذا ما اقترنت بالعدل؛ إذ إن غيابه سيؤدي إلى الانتقاص من حقوق المواطنة، ولا تستقيم مواطنة كاملة مع الفقر ومع الأمية والتخلف وعدم التمتع بمنجزات الثقافة والعلم والتكنولوجيا وغيرها.
ليس تجنّيا إذا قلنا إن الفكر العربي لا يزال يعاني نقصاً فادحاً فيما يتعلق بثقافة المواطنة، وتستمر النظرة الخاطئة أو القاصرة إلى مبدأ المساواة قائمة، إضافة إلى الموقف السلبي من حقوق ''الأقليات'' على الرغم من أنني أفضّل استخدام مصطلح التنوّع الثقافي والتعددية الدينية والقومية والسلالية واللغوية والفكرية والاجتماعية وغيرها، فهي عندي أكثر تعبيراً عن ما قصدته الأمم المتحدة في إعلانها العام 1992 الخاص بحقوق الأقليات، وأجد في تعبير ''إحراجاً'' أو ''انتقاصاً" من حقوق أديان أو قوميات، يفترض أن يكون لها القدر نفسه من الحقوق استناداً إلى مبادئ المساواة، وكذا الحال يشمل حقوق المرأة التي لا تزال الثقافة السائدة، إضافة إلى منظومة القوانين النافذة بما فيها قوانين الأحوال الشخصية في الغالبية الساحقة من البلدان العربية تنتقص منها.
ولا يزال الكثير من التيارات والاتجاهات السائدة في السلطة والمجتمع تتمسك بالنظرة التسلطية لعلاقة الدولة بالمواطن، الفرد، الإنسان، الذي هو شخص وكيان له أهلية قانونية، ففي الكثير من الأحيان يُنظر إلى حقوق المواطنة، إما باعتبارها هبة أو منّة أو مكرمة من الحاكم، يكون الأفراد عنده هم رعايا لا مواطنين متساوين في الحقوق والواجبات. ومثل هذه المسألة ترتبط بأفكار ماضوية لعلاقة الحاكم بالمحكوم.
الدلالة السادسة: ارتباط فكرة المواطنة ارتباطاً عضوياً بالمفهوم الحديث للتنمية، ولعل أحد الأركان الأساسية للتنمية يقوم على نشر التعليم وثقافة المساواة وعدم التمييز والقضاء على الفقر وغيرها من الحقوق؛ ولذلك تصبح التربية جزءًا لا غنى للمواطنة عنها من جهة وهي عنصر حيوي للتنمية من جهة أخرى، الأمر الذي يحتاج إلى مفاهيم تربوية جديدة وأساليب حديثة، ولا سيما في ظل قيم المواطنة.
إن الحوار والجدل حول فكرة التربية على المواطنة لا ينبغي أن يقتصر على محافل فكرية محدودة؛ ولهذا ينبغي أن ينتقل إلى منابر متنوعة، ولا سيما الجامعات ومراكز الأبحاث وإقامة منتديات فكرية وثقافية وإشراك أوساط من النخب والمختصين، إضافة إلى مؤسسات المجتمع المدني والبرلمانات والحكومات في الآن ذاته، ناهيكم عن قطاعات شعبية، خصوصاً من النساء ومن التكوينات الثقافية، وبمساهمة حيوية من جانب الإعلام الذي يمكن أن يلعب دوراً كبيراً في زيادة الاهتمام بفكرة المواطنة،  لا سيما عبر الفضائيات في ظل ثورة الاتصالات والمعلومات، ومن ثم كيف يمكن تنمية قدرات الأفراد والمجتمع عبر التربية وقيمها الجديدة وتعزيز أركانها وصولاً إلى ما نطلق عليه مفهوم المواطنة العضوية الذي يقوم على خمسة أركان أساسية، هي: المساواة، الحرية، المشاركة، العدالة والهوية، في إطار تفاعل ديناميكي لا انفكاك بين عناصره ومكوناته أو انتقاص من أحدها.
لعل مناسبة الحديث عن هذا الموضوع كان عنوان مؤتمر مهم انعقد في الجزائر بدعوة من منتدى الفكر العربي وبمشاركة وزارة التعليم العالي والبحث العلمي في الجزائر وجامعة البترا في الأردن والمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة التي مقرها في الرباط.
وبقدر ما تهتم التربية بالمواطنة من خلال نشر الوعي القانوني والحقوقي وثقافة المساواة، فإنها تتوخى أيضاً المساهمة في الوقاية من الآثار الضارة والخطيرة لسياسات الانتهاك والتجاوز على الحقوق، وذلك باستخدام وسائل التربية الكفيلة بالتصدي لها، وتنمية الشعور العام لدى المواطنين، بقيم المواطنة والمساواة والحرية من خلال العملية التربوية كمدخل لتنمية المجتمع، وذلك ابتداءً من الأسرة ومروراً بالتعليم الابتدائي والأنشطة المدرسية وصولاً إلى الجامعة، مثلما يمكن للإعلام أن يلعب دوراً أساسياً في التنمية المجتمعية.
 


388
الاستفتاء السوداني والمقاربة الكردية
   

عبدالحسين شعبان
يثير موضوع الاستفتاء حول مصير جنوب السودان 9 كانون الثاني (يناير) 2011 تعارضات واختلافات شديدة، لا بين أهل الشمال وأهل الجنوب والنخب السياسية والفكرية السودانية حسب، بل بين من يؤيد إبقاء الحال على ما هو عليه وبين من يريد التغيير بأي ثمن، على الرغم من أن الحلول المطروحة حتى الآن وصلت إلى طريق مسدود، وبخاصة الحل العسكري الذي جرّبته الحكومات المتعاقبة من دون أن تتمكن من القضاء على الحركة الجنوبية أو تخفيض سقف مطالبها، مثلما لم تتمكن الحركة الجنوبية تحقيق أهدافها بالوسائل العسكرية.

وكنت قد طرحت هذا السؤال بصيغته الواضحة على الرئيس السوداني عمر حسن البشير في حوار مع نخبة من المثقفين العرب العام 2001 في الخرطوم نقله التلفزيون السوداني وتلفزيون “المستقلة” في حوار مفتوح دام ثلاث ساعات، فكان رأيه أنه إذا وصلنا إلى طريق مسدود، فلن يكون غير الاستفتاء، حتى لو تقرر به الانفصال، ولم تعد الدعوات حول الفيدرالية والوحدة الوطنية مجزية بعد تجارب عديدة مريرة، وبعد استقطابات واصطفافات داخلية وخارجية، ليست بمعزل عن تداخل قوى خارجية، على الرغم من أن جوهر المشكلة ومآلها يبقى سودانياً .

وكنت قد كتبت في صحيفة “الخليج” الإماراتية بتاريخ 25/8/2010 مقالة بعنوان “كوسوفو وقرار محكمة لاهاي: أي دلالة مستقبلية؟” وعدت لمناقشة هذا الأمر حول بلجيكا في ذات الصحيفة بتاريخ 22/9/2010 تحت عنوان “هل بات انقسام بلجيكا وشيكاً؟” بالمقارنة والمقاربة ملمّحاً تارة ومفصحاً أخرى عن حالات كثيرة، فلم تعد الأنظمة الشمولية وحدها معرّضة للانقسام كما كنّا نعتقد لأسباب إثنية وقومية ودينية، بل إن أنظمة ديمقراطية عريقة، وفوق ذلك فيدرالية تتعرض للانقسام أيضاً، لكن الفرق بيننا وبينها أنها تتوصل إلى الحلول بطريقة سلمية وحضارية، لاسيما باستبعاد الحرب والنزاعات المسلحة، في حين أن نار العداوة والبغضاء تستمر معنا من دون أن تقينا شرور الانفصال، أو تمكننا من التمتع ببركات الوحدة .

وإذا كانت البيئة الدولية في فترة الحرب الباردة غير مشجعة على الانقسام، فإنها قد أصبحت على العكس من ذلك، لاسيما بعد انتهاء عهد الحرب الباردة وتحوّل الصراع الآيديولوجي من شكل إلى آخر جديد، حيث انقسمت دولاً وكيانات، وشهد العالم قيام دول جديدة، سواء على نحو حضاري، كما حدث في الانقسام المخملي بين التشيك والسلوفاك بعد فيدرالية دامت عقوداً من الزمان، أو من جرّاء حروب ونزاعات وأعمال عنف ودماء غزيرة، كما حدث في يوغسلافيا وبعض جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابقة .

أحسب أن الرأي العام العربي منقسم على نحو حاد لدرجة التأثيم والتجريم إزاء موضوع جنوب السودان، الذي غدا مشكلة حقيقية لا يمكن حلّها، وبات التدخل الخارجي، باسم الأمم المتحدة أو المحكمة الجنائية الدولية أو التدخل الإنساني باسم دارفور، تحصيل حاصل طالما وصلت أوضاع السودان الى ما هو عليه الآن، ولأن جميع الاتفاقيات التي جرى التوقيع عليها بين الشمال والجنوب أصبحت من مخلفات الماضي، باستثناء الاستفتاء حول الوحدة والانفصال، فلم يعد من مناص سوى قبول نتائج الاستفتاء، طالما تقرر من الطرفين ولا يمكن التنصّل عنه، وإن حصل ذلك فسيعني اندلاع حرب لا قدر للطرفين على تحمّل نتائجها، ولا مفرّ من ضغوط دولية هائلة ستمارسها قوى متنفذة للوصول إلى ما ستعجز الحرب عن حلّه، وذلك سيعني خسارة مضاعفة، بالحرب وبالإقرار بنتائج لا مهرب منها، وقد تكون أكثر كارثية .

الولادة الجديدة أو إعادة صياغة مشروع الدولة السودانية التي حصلت على استقلالها في العام 1956 كان ممكناً لو توفّرت مستلزمات المشترك الإنساني، وبخاصة حقوق المواطنة الكاملة والمتساوية على قاعدة الحرية والمشاركة والعدالة والهوية الجامعة العامة، مع الاحتفاظ بالهويات الفرعية، التي يمكن أن تكون عامل رفد للهوية الوطنية المتعددة والمتنوّعة والموحدة في الآن ذاته، أما وقد وصلنا إلى حالة العجز، فلا يمكن ندب الحظ أو الحديث عن مؤامرات خارجية وأطماع استعمارية وإن كان ذلك موجوداً، خصوصاً أن المشكلة مستفحلة والخراب شامل والحل في الوحدة المأمولة بعيد المنال، كما أن عوامل الجذب الطوعية الاختيارية أصبحت بعيدة أو غير سالكة، وعلى أية حال فإن نتائج الاستفتاء ستظهر الحقيقة عارية ودون قناع أو ادّعاء .

لعل الجديد في الموضوع السوداني هو السابقة القانونية الدولية التي يمكن التأسيس عليها، وأعني بذلك قرار محكمة العدل الدولية في لاهاي التابعة للأمم المتحدة في 24 تموز (يوليو) ،2010 القاضي بأن انفصال كوسوفو لا يتعارض مع قواعد القانون الدولي، الأمر الذي أعطى انفصال كوسوفو عن صربيا “شرعية قانونية دولية”، وقد ارتفع عدد الدول التي اعترفت بها إلى 69 دولة رغم معارضة صربيا وروسيا لأسباب قومية ودينية وسياسية .

إن الانقسام والاصطفاف بشأن الوضع السوداني قائم وسيتعمق، ولكنه سيمتد إلى أقطار مختلفة وإلى دعاة الوحدة بأي ثمن، مثلما الى دعاة الانفصال بأي ثمن، ولكن ماذا لو أصبح العيش المشترك مستحيلاً؟ فما السبيل لحل المشكلة الجنوبية، وخصوصاً إذا كان بقاء الجنوب في كنف الدولة القائمة غير ممكن، فإمّا الحرب وحدّ السيف أو الرضوخ والقبول، طالما يصبح الأمر الواقع واقعاً منذ سنوات، إنه مثل الطلاق “أبغض الحلال عند الله” كما وصف لينين “الانفصال” في إطار حق تقرير المصير، خصوصاً أن الاتحاد الاختياري الطوعي، تحوّل إلى هيمنة واستعلاء ولم يفضِ الى احترام الحقوق وتأمين المواطنة المتساوية والكاملة حسبما يبدو .

وإذا كان استفتاء الجنوب السوداني سيؤدي إلى الانفصال في أغلب الظن فإن مثل هذه النتائج ستكون حافزاً مشجعاً لشعوب ظلّت تطمح الى اقتناص اللحظة التاريخية للتمكّن من حقها في تقرير مصيرها، وهو ما سترنو إليه الأنظار في شمال العراق “كردستان” وهو أمرٌ طبيعي، ولدى أكراد إيران وأكراد تركيا وأكراد سوريا، وإنْ كان الأمر بدرجات متفاوتة، وسنكون في هذه الحال أمام ديناميكية انفصالية، خصوصاً أن هذه البلدان لم تتمكن من حل المشكلة القومية تاريخياً، والتي أدّت إلى تفاقمها وسببت في أزمة الكيانات القائمة .

ظلّت المشكلة الكردية في العراق على سبيل المثال من دون حل، عشية تأسيس الدولة العراقية، لاسيما منذ أن تم الالتفاف على معاهدة سيفر العام ،1920 خصوصاً بإبرام معاهدة لوزان 1923 حيث طويت القضية الكردية، حتى عادت إلى الأروقة الدولية بعد غزو القوات العراقية للكويت في العام 1990 وذاك بصدور القرار 688 الخاص بكفالة احترام حقوق الإنسان والحقوق السياسية لجميع المواطنين ووقف القمع الذي تعرضت له المنطقة الكردية وبقية مناطق العراق، تحت باب التدخل الإنساني والأمر الواقع ،1991 حيث فرض خط العرض 36 “الملاذ الآمن Safe haven” وفيما بعد الحظر الجوي No Fly Zone (لجنوب العراق) .

وبعد أن وصلت نصوص دستورية واتفاقيات سياسية بين الكرد والحكومة العراقية إلى طريق مسدود، من دستور العام 1958 الذي أقرّ “شراكة العرب والأكراد” إلى دستور العام 1970 الذي اعترف بأن الشعب العراقي مؤلف من قوميتين رئيستين هما العرب والأكراد والذي أعقب اتفاقية 11 آذار حول الحكم الذاتي الذي سن على أساسها قانوناً بالاسم ذاته ،1974 لكن الحرب وعمليات الإبادة تركت ذكريات مأسوية ومؤلمة، بما فيها قصف حلبجة بالسلاح الكيماوي وعملية الأنفال التي راح ضحيتها عشرات الآلاف من المواطنين الأكراد، ولم يكن ذلك بمعزل عن تداخلات خارجية وصولاً لوقوع العراق تحت الاحتلال في العام 2003.

وإذا كان الدستور العراقي النافذ 2005 قد أقرّ مبدأ الاتحاد الفيدرالي، وكان برلمان كردستان قبله قد اتّخذ مثل هذا القرار من طرف واحد العام ،1992 فإن استمرار حال الاحتدام وعدم الثقة وبقاء الكثير من المشاكل عالقة، في ظل ضعف هيبة الدولة وعدم استكمال قيام المؤسسات الاتحادية (الفيدرالية)، سيعاظم من نزعات التباعد بدلاً من التقارب، ولعل ذلك سيكون عنصر تشجيع، إذا سمحت به الظروف وإذا أصبح العيش المشترك مستحيلاً، عبر تضخيم الذات أو محاولة فرض حلول من طرف واحد، أو الشعور بضرورة الاستقلال كيانياً بما يحقق الطموح المشروع في إطار حق تقرير المصير .

إن الدرسين السوداني الجنوبي والعراقي الكردي وغيرهما يؤكدان على نحو لا لبس فيه أو غموض، أن نظاماً يلبّي الحقوق ويقرّ بمبادئ المواطنة المتساوية والكاملة، ويحترم الهويات الفرعية سيكون أساساً سليماً للوحدة الجاذبة الطوعية، الاختيارية، طبقاً لمبدأ حق تقريرالمصير، وعلى العكس من ذلك، فإن أية وحدة لن تدوم ما دام الفريق المُضطَهد تاريخياً، يعتقد بانعدام المساواة وبالحيف والغبن، فضلاً عن الرغبة في التمكّن من التعبير عن حقوق أصيلة لا تتعارض مع القوانين الدولية، عندها سيكون الأمر الواقع واقعاً .

إن السبيل القويم للحفاظ على وحدة وطنية سليمة يتطلب الإقرار بالحقوق الإنسانية والتعددية والتنوّع الثقافي، وبالمساواة والمواطنة الكاملة، القائمة على العدل وأولاً وقبل كل شيء احترام إرادة البشر وحقهم في تقرير مصيرهم بحرية ودون إكراه .

أكاديمي وباحث عراقي

389
ماذا بعد تفريغ المنطقة من المسيحيين ؟!

بقلم عبد الحسين شعبان
بدعوة من البابا بينيديكتوس السادس عشر انعقد في الفاتيكان ما بين العاشر والرابع والعشرين من شهر تشرين الأول 2020 مؤتمراً للأساقفة كان عنوانه الأساسي نزوح (هجرة) المسيحيين من الشرق الأوسط، ولعل هذا العنوان يوحي بالكثير من الإشكاليات والتداعيات وبالأخص في إطار العلاقات التاريخية المسيحية – الإسلامية، لاسيما بعد تنامي معدلات الهجرة المسيحية وانخفاض أعداد المسيحيين في الدول العربية المشرقية، والتي قد تبدو للوهلة الأولى وكأن صراعاً خفياً "مسيحياً - إسلامياً" قد دار وما زال يدور في منطقتنا، وربما يتوافق ذلك مع الدعوات التي راجت في سنوات ما بعد انتهاء الحرب الباردة وتحول الصراع الإيديولوجي بين الرأسمالية والاشتراكية، إلى شكل آخر يتخذ من الإسلام عدواً أو خصماً عنيداً للحضارة الغربية (المسيحية الطابع)، حسب تخطيطات بعض الاتجاهات المتعصبة والمتطرفة في الغرب.
كان لأحداث 11 أيلول 2001 الارهابية - الاجرامية التي شهدتها الولايات المتحدة أثرها الكبير في إذكاء نار العداوة والكراهية لا للارهابيين والمرتكبين فحسب، وإنما شملت ايضا الإسلام كدين وأتباع وجغرافيا وحضارة وهوية، لاسيما من يمت منهم إلى العرب والعروبة بصلة. كما راجت نظريات تدعو إلى نهاية التاريخ ونزع الإيديولوجيا (العقيدة) تبناها كل من فرنسيس فوكوياما وصموئيل هنتنغتون الذي عد الصراع حتمياً بين الحضارات والثقافات، وهو ما حاول بيان المثقفين الستين الأميركيين أن يبرره بلهجة هي أقرب إلى البلاغ العسكري منها إلى النداء الثقافي، بالرغم مما تضمنه من دعوة إلى الحوار، وهو الأمر الإيجابي الذي قد يلتقي معه مثقفون عرب مسيحيون ومسلمون وغيرهم من مواطني دول المنطقة.
لقد شهدت بلداننا العربية المشرقية خلال العقود الأخيرة تزايداً كبيراً في هجرة المسيحيين منها، لاسيما في فلسطين المحتلة، والعراق بعد الاحتلال والانفلات اللا محدود للعنف فيه الذي طاول البلاد والعباد واتسم بتفجير الكنائس وقتل المسيحيين على الهوية وخطفهم مقابل دفع الجزية، إلى غير ذلك من مظاهر التشدد والتطرف والغلو، سواء باسم "الإسلام السياسي" وبعض الطائفيين أو غيرهم ممن تضيق صدورهم إزاء ظاهرة التنوع الثقافي والتعددية الدينية والآخر المختلف، بعيداً عن تعاليم الدين الإسلامي السمحة والقيم التي جاء بها القرآن الكريم والسيرة المحمدية.
كما كان للظروف الاقتصادية والمعيشية العسيرة وبعض الممارسات التمييزية دور في اتساع رقعة الهجرة والنزوح، لاسيما إثر تعاظم الشعور بالاغتراب في ظل أوضاع سياسية قاهرة وأوضاع اجتماعية متزمتة بعيدة عن أجواء الحرية والمساواة والعدالة، وفي ظل بعض مظاهر القمع والتضييق على العمل العام والنشاط السياسي والمهني والمدني.
والجدير بالذكر، أن هجرة المسيحيين لم تقتصر على طائفة دون غيرها بل شملت مجمل طوائفهم المختلفة من كاثوليك وأرثوذكس وبروتستانت وغيرهم، مما حدا بمؤتمر الأساقفة المنعقد في الفاتيكان الى التوقف عند التحديات التي تواجه المسيحية المشرقية بشكل عام لاسيما بعد أن اتخذت هذه الهجرة طابع الظاهرة المستشرية، فقد انخفض تعداد المسيحيين انخفاضاً كبيراً، فبعدما كانوا قبل قرن من الزمان يشكلون نحو عشرين في المئة من سكان المنطقة بات عددهم اليوم لا يزيد عن خمسة في المئة ومازالت النسبة مرشحة للتناقص السريع، إذا استمرت ظاهرة الهجرة هذه، وبالتالي فإن هذا الأمر سيؤدي إلى إفراغ الشرق الأوسط من المسيحيين - على حد تعبير سمير خليل سمير ــ وهو قس يسوعي مصري مقيم في بيروت، ساهم في التحضير والإعداد لمؤتمر الأساقفة المذكور.
قد يرى بعضهم أن مثل هذا الافتراض غير واقعي، لكن ومن خلال مراجعة الجداول الإحصائية نرى أن نسبة المسيحيين في تركيا مثلاً كانت في أوائل القرن الماضي عشرين في المائة (في ظل الخلافة العثمانية – الإسلامية) لتصل هذه النسبة حالياً إلى 0.2 في المائة. وانخفض عدد المسيحيين في العراق منذ احتلاله العام 2003 إلى معدل النصف نتيجة استهدافهم في ظل الإرهاب والأوضاع الأمنية المنفلتة.
أما في فلسطين فقد تراجع عدد المسيحيين من ستمئة ألف نسمة إلى نحو خمسين ألف نسمة (يوجد سبعة وأربعون ألفاً منهم في الضفة الغربية وثلاثة آلاف في قطاع غزة، وهم يشكلون اليوم زهاء 1.25 في المئة من سكان الأراضي المحتلة بعد العام 1967، والبالغ إجمالي عددهم نحو أربعة ملايين نسمة) كما انحسر عدد المسيحيين في القدس بسبب الضغوط الصهيونية التي عملت على تهجيرهم وإجلائهم ونزع الجنسية عنهم، فبعد أن كانوا نحو خمسة وأربعين ألفاً في مطلع الأربعينات من القرن الماضي لم يبق منهم اليوم سوى أقل من خمسة آلاف.
عملت إسرائيل، ومنذ قيامها، على تهجير المسيحيين وفصلهم عن المسلمين، بهدف تفريغ فلسطين المحتلة منهم بزعم أن الصراع القائم ليس إلا صراعاً دينياً بين اليهود والمسلمين، في محاولة لطمس حقيقة الصراع الذي يتخذ طابعاً كيانياً حقوقياً وطنياً بين شعب احتلت أراضيه (مسلمون، مسيحيون، ودروز ومن كان فيها من اليهود) وبين مغتصب ومستعمر استيطاني إجلائي، وبزعم إسرائيلي بسماوية الصراع، وإنْ كان يتعلق بأرض الله الموعودة لشعب الله المختار، وبالتالي فطابعه الصهيوني هو طابع إلغائي، إقصائي، تناحري لا مجال فيه لحل سلمي، ولا يمكن حله إلا بالقضاء على الطرف الآخر من خلال تهجيره وإجلائه، لإحلال المستوطنين الجدد محله.
ومن هنا ليس مستغرباً بعد اثنين وستين عاماً على قيام دولة إسرائيل في 15 أيار 1948 إثر صدور قرار التقسيم عن الأمم المتحدة أن تطرح مشروع قانون عنصري للجنسية، يستهدف المواطنين العرب من المسلمين والمسيحيين على السواء، وخصوصاً اشتراط أداء قسم الولاء لدولة "إسرائيل اليهودية الديموقراطية" (النقية)، مما يعني عملياً استثناء حوالي عشرين في المئة من الفلسطينيين أهل البلاد الأصليين من قانون الجنسية في إجراء تمييزي استعلائي غير مسبوق.
وقد حاولت إسرائيل التستر على فظائعها المرتكبة في المنطقة لاسيما خلال اندلاع الحرب العراقية - الإيرانية والتي عملت على تغذيتها بادعائها أن بؤرة الصراع في الشرق الأوسط لم تكن الصهيونية ودولة إسرائيل بدليل أن الحرب العراقية – الإيرانية والتي استمرت ثماني سنوات بالكمال والتمام، كانت حرباً طائفية إسلامية – إسلامية بين عراق "سنّي" و إيران "شيعية" ولم تكن إسرائيل طرفاً فيها، ومن ثم وعلى إثر الغزو الذي قامت به القوات العراقية للكويت العام 1990 قالت إسرائيل إن الحرب عربية – عربية، لاسيما بعد مشاركة القوات العربية قوات التحالف في عملية تحرير الكويت وشن الحرب على العراق في ما بعد، وكانت إسرائيل أكثر الدول غبطة عند فرض مجلس الأمن الدولي الحصار على العراق، والأكثر انتشاء عند إقدام بول بريمر على حل الجيش العراقي وتفكيك ماكينة الدولة وإضعاف الوحدة العراقية، وتمهيد السبيل للطائفية السياسية.
ومن تداعيات الوضع العراقي إثر الحرب العراقية – الإيرانية والحصار الدولي وفرض العقوبات عليه ازدياد معدلات هجرة المسيحيين، ولكن سنوات الاحتلال كانت الأكثر قسوة والأكثر هجرة حيث أدّت إلى تهجير نصف المسيحيين تقريباً ونزوح أعداد أخرى من البصرة وبغداد والموصل وكركوك وغيرها إلى شمال العراق (كردستان) طلباً للأمان ريثما يتم انتقالهم إلى المنافي البعيدة، كما اكتظت دول الجوار (سوريا والأردن ولبنان) بعشرات الآلاف من المسيحيين العراقيين الذين اضطروا لمغادرة الوطن حفاظاً على أرواحهم، في انتظار أدوارهم للهجرة، لاسيما بعد استهدافهم من قبل الجماعات الإرهابية المتطرفة في ظل الانقسام والتشظي الحاصل في البلاد، علماً بأنهم ليسوا طرفاً في الصراع السياسي الهادف للوصول الى السلطة ومراكز النفوذ والقرار. ولكن استهدافهم جاء في إطار خطة الاستهداف العام وفي سبيل تفريغ العراق من مسيحييه الذين قدموا للعراق وللأمة العربية على مدى تاريخهم خدمات جليلة، على جميع الصُعد الفكرية والسياسية والاقتصادية والثقافية والأدبية والفنية والتاريخية والقانونية والعلمية.
لقد جعل الإرهاب من المسيحيين هدفاً سهلاً، وضحايا جاهزين لفرض نمط سياسي وديني واجتماعي معيّن، في إطار صراع أصولي ـــ طائفي ومذهبي وإثني، فغالباً ما كان يُشكك في أصولهم وولائهم وانتماءاتهم الوطنية، وينسى هؤلاء المشككون أن مسيحيي الشرق هم أهل الشرق، والمسيحية موجودة في منطقتنا قبل الإسلام، وأن السيد المسيح شرقي بتراثه وليس غربياً، فالمسيحيون ليسوا طارئين أو مهاجرين جاءوا ليستقروا في هذه البلاد. إنهم ليسوا رعايا، بل هم مواطنون لهم الحقوق وعليهم الواجبات ذاتها التي على الآخرين. وإذا افترضنا حقوقاً للمواطنة، فينبغي أن تقوم على أساس المساواة وعدم التمييز بسبب الدين أو العرق أو اللغة أو المنشأ الاجتماعي أو غير ذلك.
نحن نتفهم معنى اضطرار المسيحيين للهجرة من إسرائيل تحت ضغوط السياسة العنصرية الاستعلائية الإجلائية الإسرائيلية، لكن ما يحدث في البلاد العربية والمشرقية من تهجير للمسيحيين ما هو إلا رسالة سلبية للعالم أجمع تؤكد أن مجتمعاتنا تضيق بالتنوعات الثقافية والاختلافات الدينية، لاسيما لغير المسلمين، ولعل ذلك سيكلف المسلمين أثماناً باهظةً قبل غيرهم، فهو خسارة للطاقات والكفاءات وتفريغ للبلاد من أهلها الأصليين الذين يشكلون جزءًا أساسياً ومهما من حضارتنا وتاريخ مجتمعاتنا وشعوبنا، ولا يمكن تصور بلدان عربية ومشرقية دون وجود مسيحي مؤثر في المشهد العام.
إذا كانت فلسطين المحتلة تشهد هجرة واسعة النطاق، والعراق بعد الاحتلال شهد إرهابا أعمى اضطر معه المسيحيون إلى الرحيل، فإن المسيحية العربية في سوريا شهدت تراجعاً من 16.5 في المئة في العقود الثلاثة الأخيرة إلى نحو 10 في المئة، وأن نحو سبعمئة ألف مسيحي لبناني هاجروا بعد اتفاق الطائف لتعاظم الشعور بالاغتراب، وأن الكثير من شباب الأقباط في مصر همّهم الرئيس الهجرة، الأمر الذي يدعو إلى وقفة تأمل في أسس المواطنة، ولاسيما مبادئ المساواة والعدالة والحرية، تلك التي تشكل جوهر الفكرة الإنسانية في الهوية والانتماء.
وبالقدر الذي تُحمى فيه الهويات الفرعية وتُصان حقوقها، فإن ذلك سيمثل دعماً وقوة للهوية الوطنية الجامعة، الوعاء الحاضن لكل الهويات الفرعية بكل تشكيلاتها، في إطار مواطنة موحدة تقدم الحقوق الإنسانية على أي اعتبار آخر، ولعل ذلك ما حاول البابا بينيديكتوس السادس عشر التنبيه إليه، في إطار التنديد بالإرهاب الديني في افتتاح أعمال السينودس حول الشرق الأوسط، الذي عقد في الفاتيكان في شهر تشرين الأول 2010 وخرج بتوصيات للكنائس في الشرق الأوسط تدعوها للانفتاح على الكنائس والديانات الأخرى وتبسيط طقوسها القديمة والتوسع في استخدام اللغة العربية عند تأدية شعائرها، وذلك في إطار خطة إصلاحية بدأها الفاتيكان نفسه منذ ستينات القرن الماضي.
إنه ناقوس خطر يقرع وعلينا التفكّر في صوته وصداه، فلقد شكّل المسيحيون في الشرق الأوسط طوال أكثر من أربعة عشر قرناً من الحضور الإسلامي جزءًا مؤثراً في النسيج الاجتماعي والثقافي، لذلك فإن استهدافهم اليوم هو جزء من استهداف المنطقة ككل، بما فيها من مسلمين ومسيحيين ويهود وغيرهم من أتباع الديانات السماوية، من جانب القوى المتنفّذة والقوى الإرهابية والمتطرفة والمتعصبة، خصوصاً تلك التي تريد تصوير النزاع على أنه صراع ديني سماوي، وليس أرضياً حقوقياً، كما هو واقع الحال، إذ إن تفريغ المنطقة من أحد مكوناتها الأساسية، وأعني بذلك المسيحيين، سيجعل الصراع في نظر الكثيرين إسلامياً ــ يهودياً وهو ما تريده الصهيونية وتسعى إليه من محاولات.
شخصياً لا أنظر الى المسيحيين كأقلية، وأشعر بقدر من الانزعاج عند استخدام مصطلح "الأقلية" على المكوّن الثقافي المسيحي أو غيره قومياً كان أم دينياً، على الرغم من أن الأمم المتحدة جاءت على ذكر حقوق الأقليات في إعلان صدر عنها في العام 1992، لكنني أميل الى استخدام مصطلح "التنوّع الثقافي"، سواء كان غالبية أم أقلية، لأن لها خصوصية، وتميّزاً وتاريخاً وعادات وطقوساً مختلفة. وقد يكون مناسباً استخدام مصطلح الاقلية والأكثرية في المعادلات السياسية وفي نتائج الانتخابات النيابية أو غيرها، أمّا بخصوص القوميات والاثنيات والأديان، فأجد أن استخدام مصطلح التنوّع والتعددية أقرب عندي من غيره للتعبير عن الحالة لأنه دليل على المساواة.
لذلك فإني أرى أن مهمة الحفاظ على الوجود المسيحي وصون حقوق المسيحيين في دولنا العربية والإسلامية باعتماد مبادئ الدولة العصرية التي تقوم على المساواة وعدم التمييز واحترام الحقوق الإنسانية هي في الدرجة الأولى مسؤولية إسلامية وعربية وطنية قبل أن تكون مسؤولية مسيحية ودولية، خصوصاً أن الإسلام يعترف بالمسيحية كرسالة سماوية ويؤمن بالإنجيل ككتاب مقدس، في إطار المشترك الإنساني – الإيماني الذي يجمع الديانتين.


390
المقال والمآل فيما كتبه جهاد الزين  ومناقشتا صلاح بدر الدين وخليل زهر
قراءة غير أيديولوجية للزلزال السوداني

عبد الحسين شعبان
أكاديمي وباحث عراقي

بقلم أنيق ولغة رشيقة والأهم من ذلك بفكر منفتح يبث جهاد الزين أفكاره وآراءه على صفحة قضايا في النهار، ولطالما يغرينا في الاشتباك معه ودّياً، فعلى مدى السنوات العشر المنصرمة كنت قد قرأت ما جاد به قلم الزين من أطروحات إشكالية لا تتعلق بالوضع اللبناني حسب، بل بالدور التركي والنفوذ الايراني والمأزق الفلسطيني وقضايا التنوّع الثقافي والفيدراليات ورسائل السيستاني وغيرها.
وأتذكّر مرة كتبت بدعوة كريمة منه في مناقشة الفيدرالية العراقية، خصوصاً وهو يعرف موقفي من القضية الكردية ومن مبدأ حق تقرير المصير منذ عقود من الزمان، مثلما كتبت مرّات عديدة تقاطعت فيها مع صحيفة النهار التي كان لها دور السبق في فتح حوار بخصوصها، لاسيما في صفحة قضايا.
أسوق هذه المقدمة الطويلة لأدخل في صلب الموضوع الذي يتعلق بمقالة جهاد الزين حول " النخب العربية وزلزال انفصال السودان" (النهار 28/9/2010) التي ناقشها الكاتبان صلاح بدر الدين "الأكراد وزلزال جنوب السودان" (النهار 2/10/2010) وخليل زهر "التصدي للتفكك بسلاح التنمية الاقتصادية" ( النهار 16/10/2010)، وأظن أن الموضوع بحاجة الى حوار وجدل واسعين لا في الاعلام حسب، بل في الجامعات ومراكز الابحاث والمنتديات الفكرية والثقافية، باشراك النخب المختلفة الحاكمة وغير الحاكمة، بما فيها البرلمانات ومؤسسات المجتمع المدني وغيرها، لأن الموضوع لا يتعلق بأوضاع الحاضر حسب، بل بأوضاع المستقبل.
وإذا كانت البيئة الدولية قد أصبحت مشجّعة على مثل هذا الجدل بعد أن أصبح الأمر الواقع واقعاً، فبعد إنتهاء عهد الحرب الباردة وتحوّل الصراع الآيديولوجي من شكل الى آخر جديد، انقسمت دولاً وكيانات، وشهد العالم قيام دول جديدة، سواءً على نحو حضاري، كما حدث في الانقسام المخملي بين التشيك والسلوفاك بعد فيدرالية دامت عقود من الزمان أو جرّاء حروب ونزاعات وأعمال عنف ودماء غزيرة، كما حدث في يوغسلافيا والبعض من جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابقة.
وكنت قد كتبت في صحيفة الخليج الاماراتية بتاريخ 25/8/2010 مقالة بعنوان "كوسوفو وقرار محكمة لاهاي: أي دلالة مستقبلية"؟ وعدت لمناقشة هذا الأمر حول بلجيكا في ذات الصحيفة بتاريخ 22/9/2010 تحت عنوان " هل بات انقسام بلجيكا وشيكاً؟" فلم تعد الأنظمة الشمولية وحدها معرّضة للانقسام كما نعتقد لأسباب إثنية وقومية ودينية، بل أن أنظمة ديمقراطية عريقة وفوق ذلك فيدرالية تتعرض، للانقسام أيضاً.
أحسب أن الرأي العام العربي منقسم على نحو حاد إزاء موضوع جنوب السودان، الذي غدا مشكلة حقيقية لا يمكن حلّها، فقد فشلت الحكومات العسكرية وغير العسكرية السودانية من إيجاد حلول لها، خصوصاً وأن الخيار العسكري لم يعد ممكناً، كما فشلت الحركة الجنوبية من تحقيق أهدافها عبر الخيار العسكري، وبات التدخل الخارجي، باسم الأمم المتحدة أو المحكمة الجنائية الدولية أو التدخل الانساني باسم دارفور، تحصيل حاصل طالما وصلت أوضاع السودان الى ما هو عليه الآن، ولأن جميع الاتفاقيات التي تم التوقيع عليها بين الشمال والجنوب وصلت الى طريق مسدود، كما إن الاتفاق باجراء استفتاء حول الوحدة والانفصال أصبح أمراً واقعاً، وستنظم عملية الاستفتاء في 9 كانون الثاني (يناير) القادم 2011، إذْ لم يعد من مناص سوى قبول نتائج الاستفتاء، طالما تقرر من الطرفين ولا يمكن العودة عنه، وإذا تم التنصل منه فإن ذلك سيعني اندلاع حرب لا قدر للطرفين على تحمّل نتائجها ولا مفرّ من ضغوط دولية هائلة ستمارسها قوى متنفذة للوصول الى ما ستعجز الحرب من حلّه، وذلك سيعني خسارة مضاعفة، بالحرب وبالاقرار بنتائج لا مهرب منها، وقد تكون أكثر كارثية.
الولادة الجديدة أو إعادة صياغة مشروع الدولة السودانية التي حصلت على استقلالها  في العام 1956 كان ممكناً لو توفّرت مستلزمات المشترك الانساني، وبخاصة حقوق المواطنة الكاملة والمتساوية على قاعدة الحرية والمشاركة والعدالة والهوية الجامعة العامة، مع الاحتفاظ بالهويات الفرعية، التي يمكن أن تكون عامل رفد للهوية الوطنية المتعددة والمتنوّعة والموحدة في الآن ذاته، أما وقد وصلنا الى حالة العجز، فلا يمكن ندب الحظ أو الحديث عن مؤامرات خارجية وأطماع استعمارية، خصوصاً وأن المشكلة مستفحلة والخراب شامل والحل في الوحدة المأمولة بعيد المنال، خصوصاً وأن عوامل الجذب الطوعية الاختيارية أصبحت بعيدة أو غير سالكة، وعلى أية حال فإن نتائج الاستفتاء ستظهر الحقيقة عارية ودون قناع أو إدّعاء.
الجديد في الموضوع السوداني أن محكمة العدل الدولية في لاهاي التابعة للأمم المتحدة قررت في 24 تموز (يوليو) 2010 أن انفصال كوسوفو لا يتعارض مع قواعد القانون الدولي وذلك في سابقة دولية جديدة، الأمر الذي أعطى انفصال كوسوفو عن صربيا "شرعية قانونية دولية"، وهي شرعية لا تتعارض مع القانون الدولي، وهو ما حصل في تيمور الشرقية، على الرغم من أن " الشرعية الدولية" بخصوص فلسطين وقرار التقسيم العام 1947 كانت مخالفة صريحة لقواعد القانون الدولي واستمرت هذه المخالفة بقضم الاراضي والعدوان والاحتلال الاسرائيلي.
الشرعية الدولية تعني اتفاق القوى المتنفّذة في العلاقات الدولية في لحظة معينة على مواقف معينة، وقد تنسجم هذه المواقف وقد تتعارض مع القواعد العامة للقانون الدولي المعاصر التي جاء بها ميثاق الأمم المتحدة والتي تعززت في العام 1970 باعلان الأمم المتحدة حول العلاقات الدولية بين الدول، والذي سمّي تصريح "التعايش السلمي"، أو عندما طوّرها مؤتمر الأمن والتعاون الاوروبي المنعقد في هلسنكي في العام 1975 في وثيقته الختامية التي تبنّت ثلاثة مبادئ جديدة آمرة في القانون الدولي Jus Cogens وهي مبدأ احترام حرمة الحدود وعدم خرقها ومبدأ الاستقلال السياسي ومبدأ حقوق الانسان، كقواعد مستقلة، بضمّها الى مبدأ المساواة في السيادة وتأدية الالتزامات بحسن نية وحل المنازعات الدولية بالطرق السلمية وعدم استخدام القوة أو التهديد بها في العلاقات الدولية وعدم التدخل بالشؤون الداخلية وغيرها.
أحسب أن الانقسام والاصطفاف بشأن الوضع السوداني قائم وسيتعمق، ولكن ماذا لو أصبح العيش المشترك مستحيلا؟ فما السبيل لحل المشكلة الجنوبية، وخصوصاً إذا كان بقاء الجنوب في كنف الدولة القائمة غير ممكن، فإمّا الحرب وحدّ السيف أو الرضوخ والقبول، طالما يصبح الأمر الواقع واقعاً منذ سنوات، إنه مثل الطلاق " أبغض الحلال عند الله" كما حسب وصف لينين "الانفصال" في إطار حق تقرير المصير، خصوصاً وأن الاتحاد الاختياري الطوعي لم يفضِ الى احترام الحقوق وتأمين المواطنة المتساوية والكاملة حسبما يبدو.
وأعتقد أن عملاً من هذا القبيل سترنو اليه الانظار في شمال العراق "كردستان" وهو أمر طبيعي، ولدى أكراد إيران وأكراد تركيا وأكراد سوريا، وإنْ كان الأمر بدرجات متفاوتة، وسنكون في هذه الحال أمام ديناميكية انفصالية، بعد أزمة الكيانات القائمة، فالمشكلة الكردية في العراق ظلّت بدون حل، منذ أن تم الالتفاف على معاهدة سيفر العام 1920، خصوصاً بإبرام معاهدة لوزان 1923 حيث طويت القضية الكردية، حتى عادت الى الأروقة الدولية في العام 1991 بصدور القرار 688 الخاص بكفالة احترام حقوق الانسان والحقوق السياسية لجميع المواطنين ووقف القمع الذي تعرضت له المنطقة الكردية وبقية مناطق العراق، تحت باب التدخل الانساني والأمر الواقع، حيث تم فرض خط العرض 36 " الملاذ الآمن Safe haven" وفيما بعد الحظر الجوي No Fly Zone (لجنوب العراق).
وبعد أن وصلت نصوص دستورية واتفاقيات سياسية بين الكرد والحكومة العراقية الى طريق مسدود، من دستور العام 1958 الذي أقرّ "شراكة العرب والأكراد" الى دستور العام 1970 الذي اعترف بأن الشعب العراقي مؤلف من قوميتين رئيستين هما العرب والأكراد والذي أعقب اتفاقية 11 آذار حول الحكم الذاتي الذي سن على أساسها قانون بالاسم ذاته 1974، لكن الحرب وعمليات الابادة تركت ذكريات مأسوية ومؤلمة، بما فيها قصف حلبجة بالسلاح الكيماوي وعملية الأنفال التي راح ضحيتها عشرات الآلاف من المواطنين الأكراد، ولم يكن ذلك بمعزل عن تداخلات خارجية وصولاً لوقوع العراق تحت الاحتلال في العام 2003.
وإذا كان الدستور العراقي النافذ 2005 قد أقرّ مبدأ الاتحاد الفيدرالي، وكان قبله برلمان كردستان قد اتّخذ مثل هذا القرار من طرف واحد العام 1992، فإن استمرار حال الاحتدام وعدم الثقة وبقاء الكثير من المشاكل عالقة، في ظل ضعف هيبة الدولة وعدم استكمال قيام المؤسسات الاتحادية (الفيدرالية)، سيعاظم من نزعات التباعد بدلاً من التقارب،  ولعل ذلك سيكون عنصر تشجيع، إذا سمحت به الظروف وإذا أصبح العيش المشترك مستحيلاً، عبر تضخيم الذات أو محاولة فرض حلول من طرف واحد، أو الشعور بضرورة الاستقلال كيانياً بما يحقق الطموح المشروع في إطار حق تقرير المصير.
وهنا ما ينبّه اليه جهاد الزين حول الانفصال تحت الطاولة، بما يضرّ بسمعة الثقافة الفيدرالية، الأمر الذي بحاجة الى التذكير أن نظاماً فيدرالياً قائماً على قناعة القوى الفاعلة في المشهد السياسي ومن خلال إبراز وتعزيز الهوية الثقافية الفرعية وليس طمسها، مع الحفاظ على التفاعل والتعاشق مع الهوية العامة، سيكون أساساً سليماً للوحدة الجاذبة الطوعية، الاختيارية، طبقاً لمبدأ حق تقريرالمصير، وعلى العكس من ذلك، فإن أية وحدة لن تدوم ما دام الفريق المضطهد تاريخياً يعتقد بانعدام المساواة وبالحيف والغبن، فضلاً عن الرغبة في التمكّن من التعبير عن حقوق أصيلة لا تتعارض مع القوانين الدولية، عندها سيكون الأمر الواقع واقعاً.
ليس بالقراءة الآيديولوجية أو التشبث بالوحدة مهما كان الثمن ولو على حساب البشر، أو نبذ الانفصال حماية كيانيات الدول، بل بالحريات والاعتراف بالحقوق الانسانية والتعددية والتنوّع الثقافي، وبالمساواة والمواطنة الكاملة، القائمة على العدل، وهذا هو أحد أهم دروس  الزلزال السوداني.






391
في دورتها الـ 65 .. الجمعية العامة للأمم المتحدة
ازدواجية المعايير وانتقائية المقاييس وسياسة الهيمنة!


 
عبد الحسين شعبان
عندما وقّع مؤسسو الأمم المتحدة في 26 حزيران (يونيو) عام 1945 في سان فرانسسكو على ميثاق الأمم المتحدة عقب اختتام مؤتمر الأمم المتحدة الخاص بنظام الهيئة الدولية، الذي أصبح نافذاً ابتداءً من 24 تشرين الأول (أكتوبر) 1945 تعهّدوا في الديباجة على إنقاذ الأجيال المقبلة من ويلات الحروب وتأكيد الإيمان بالحقوق الأساسية للإنسان وبكرامة الفرد وقدره، وبما للرجال والنساء والأمم كبيرها وصغيرها من حقوق متساوية، من خلال تحقيق العدالة واحترام الالتزامات الناشئة عن المعاهدات وغيرها من مصادر القانون الدولي، وذلك برفع الرقي الاجتماعي ومستوى الحياة في جو أفسح من الحرية.
وفي سبيل تلك الغايات اعتزموا أن يأخذوا أنفسهم بالتسامح وأن يعيشوا في سلام وحسن جوار وتعهدوا بحفظ السلم والأمن الدوليين وعدم استخدام القوة المسلحة في غير المصلحة المشتركة (العالمية) واستخدام الأمم المتحدة في تنمية الشؤون الاقتصادية والاجتماعية للشعوب جميعها، وقد انعكست تلك المبادئ في مقاصد الأمم المتحدة في المادة الأولى، ولا سيما حفظ السلم والأمن الدوليين وإنماء العلاقات الودية بين الأمم وحقها في تقرير مصيرها وتحقيق التعاون الدولي وجعل الأمم المتحدة مرجعاً للتنسيق الدولي، كما تجلّت في مبادئ الأمم المتحدة السبعة التي أكدت على المساواة في السيادة وحسن النية في تأدية الالتزامات الدولية واللجوء إلى الوسائل السلمية لحل النزاعات وعدم التهديد بالقوة أو استخدامها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأية دولة وبتعهد الأعضاء بتقديم العون إلى الأمم المتحدة في أي إجراء تتخذه بموجب الميثاق، حيث يؤدي إلى التزام الجميع بمن فيهم غير الأعضاء بمهمة حفظ السلم والأمن الدوليين، وتعهد الأعضاء بالامتناع عن التدخل في الشؤون التي تكون من صميم السلطان الداخلي لدولة ما.
وقد جرت محاولات عديدة لتقييم دور الأمم المتحدة، ولا سيما بمراجعة وتعزيز تلك المبادئ، وخاصة بعد التطورات الدولية العديدة خصوصاً في عام 1970، وبعد مرور ربع قرن على تأسيسها وذلك بالإقرار بإعلان دولي حول العلاقات الودية في العلاقات الدولية، الذي سمّي ''إعلان مبادئ التعايش السلمي''، وفيما بعد بدخول موضوع حقوق الإنسان باعتباره قاعدة سامية وعلوية، خصوصاً بعد مؤتمر هلسنكي للتعاون والأمن الأوروبي عام 1975، ولا سيما أن مناقشات عديدة في الفقه الدولي اتجهت إلى اعتبار موضوع التدخل لأغراض إنسانية أو ما سمّي بالتدخل الإنساني موضوعاً راهناً يحتاج إلى معالجات دولية، وهو الأمر الذي لم يكن ممكناً في ظل نظام القطبية الثنائية وظروف الحرب الباردة والصراع الأيديولوجي بين المعسكرين. ولكن بعد تفكك الكتلة الاشتراكية، واتساع رصيد الفكرة الإنسانية والحقوقية أصبح الأمر ''فرض عين وليس فرض كفاية'' كما يقال، ولا سيما بعد أن أضحى أمراً واجباً في ظل الهدر السافر والصارخ لحقوق الإنسان ودون مراعاة لهذه القاعدة الدولية المهمة، التي اعتمدها المجتمع الدولي.
ولكن للأسف فإن مثل هذا التدخل اتّخذ بُعداً ازدواجياً في المعايير وطبقاً لاعتبارات انتقائية وسياسة ذات وجهين، استخدمتها الدول المتنفّذة ضد البلدان التي اعتبرتها ''مارقة'' أو ''بؤرة للشر''، وهكذا قادت حروباً ضدها واحتلت بلدين بالتجاوز على مبادئ الميثاق، وفي حالة العراق خارج ما سمّي ''الشرعية الدولية'' ودون تفويض من الأمم المتحدة، بل بمعارضات محسومة.
لقد حاول كوفي عنان وقبله بطرس غالي الأمينان العامان للأمم المتحدة التوقف عند بعض المظاهر الإشكالية، وبالنسبة لغالي استشكلته وهو القانوني الضليع مسألة، العدوان الإسرائيلي،ولا سيما بعد عملية ''عناقيد الغضب'' وقصف مقرات تابعة للأمم المتحدة على نحو متعمّد، والذي يعتبر جريمة دولية كبيرة، كما استشكلت على كوفي عنان بعض الجوانب اللاإنسانية التي شملتها سياسات الحصار اللاإنساني المفروضة على الشعب العراقي، على الرغم من أنه كان في التوجه العام مع السياسات المعلنة، ولا سيما تجاوز العراق على سيادة دولة أخرى جارة وإقدامه على احتلال الكويت، لكن الولايات المتحدة واصلت ضغوطها على المنظمة الدولية، لكي تستمر سياسة فرض الحصار الدولي الشامل على العراق، ومع أن كوفي عنان لم يعارض تلك السياسة، لكن بعض مواقفه المتحفظة وإن كانت على حياء لقيت نقداً شديداً ولم تغفر له واشنطن ذلك، ولا سيما موضوع الترخيص للولايات المتحدة بالحرب، وذلك بعد صدور القرار 1441 من مجلس الأمن الدولي، الذي أعطى مهلة نهائية للعراق، على الرغم من أن واشنطن لم تنتظر قراراً من مجلس الأمن يفوّضها ومعها قوى التحالف الدولي بشن الحرب على العراق، بل قررت ونفّذت قرارها في 21 آذار (مارس) 2003 أي بعد مرور بضعة أشهر على احتلال أفغانستان، وبعد نحو عام ونصف على أحداث 11 أيلول (سبتمبر) 2001 الإرهابية الإجرامية، التي اتخذت مبرّراً وذريعة لشن الحرب على البلدين.
في الذكرى الـ 55 لتأسيس الأمم المتحدة، أي قبل 20 عاما وقبل الحرب على أفغانستان والعراق، كان كوفي عنان متفائلاً، وأصرّ على أنه لم يكن مُتخماً بالوعود الفارغة، مشيراً إلى أن التحدي القائم حالياً والمطروح أمام الزعماء 150 الذين حضروا اجتماع الجمعية العامة، هو عودتهم إلى أوطانهم وترجمة مقررات الإعلان الذي صدر عن الاجتماع بمناسبة الألفية الثالثة إلى أفعال، وخصوصاً في مجال حلّ مشكلات البشرية وإرسال كل طفل إلى المدرسة وانتشال الملايين من العوز بحلول عام 2015، وأظن أنه لم يكن متفائلاً فحسب، بل غارقاً في التفاؤل الساذج، فالعالم ولا سيما بعد الأزمة الاقتصادية والمالية الكونية خلال العامين المنصرمين، أصبح بعيداً كل البعد عن تلك الآمال الواعدة والأحلام الوردية، حيث ازداد عدد الفقراء في العالم وبلغ من هم دون خط الفقر أكثر من مليار و200 مليون إنسان، حيث يصل معدل دخلهم اليومي إلى دولار واحد فقط أو ما يزيد عليه بقليل، وحتى في الولايات المتحدة ذات الغنى والرفاه يوجد أكثر من 41 مليون إنسان، هم دون خط الفقر، وفي الصين يبلغون 150 مليوناً على الرغم من التقدم الهائل الذي أحرزته الصين، ولا سيما بعد خططها الإصلاحية - الانفتاحية منذ عام 1979، فما بالك في عديد من بلدان إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، حيث تزداد الصورة قتامة وبؤساً وتشاؤماً.
انعكست الأزمة العالمية على عديد من البلدان الصناعية المتقدمة، مثلما انعكست على البلدان النامية، ودفعت أعداداً كبيرة إلى البطالة، الأمر الذي يحتاج إلى وقفة جدية من جانب المنظمة الدولية لدراسته، ولا سيما إلزام البلدان الصناعية والشمال الغني بمساعدة شعوب البلدان النامية والجنوب الفقير، لا من أجل تطبيق مبادئ العدالة فحسب، بل لكبح جماح الإرهاب الذي يجد بيئة خصبة، حيث الفقر والتفاوت الاجتماعي الكبير والبطالة والتخلف والأمية والجهل وسوء الأوضاع الصحية والغذائية.
وإذا كان إعلان الألفية الثالثة قد استغرق إعداده بضعة أشهر من التفاوض، فإن حدثاً مثل 11 أيلول (سبتمبر) كان قد بدّد كثيرا من الآمال ودفع الأمور إلى الصدام، ولا سيما بشيوع نظريات مثل نهاية التاريخ وصدام الحضارات، التي كان الفكر السياسي الأمريكي السائد من أكثر المروجين لها وبخاصة ما طرحه فرانسيس فوكوياما وكذلك صموئيل هنتنجتون.
وأصبح بعد شن الحروب واستمرار إسرائيل بعدوانها المتكرر لا معنى لتأكيد ما ورد في إعلان الألفية الثالثة من مسؤولية الدول منفصلة ومجتمعة حيال مبادئ الكرامة والمساواة والعدالة البشرية على المستوى الوطني والعالمي، وما الضغوط التي مورست لحمل محمود عباس (أبو مازن) رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية على قبول التفاوض المباشر، سوى محاولة لامتصاص النقمة والغضب العالمي بعد عدوان إسرائيل على لبنان عام 2006 وعدوانها على غزة أواخر عام 2008 وأوائل عام 2009 وحصارها الذي ما زال مستمراً منذ أكثر من ثلاث سنوات، وهو ليس أكثر من مسرحية ثقيلة ترافقت مع اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الـ 65.
جدير بالذكر أن مبادئ الإعلان جاءت متقدمة، لكن الوقائع والممارسات، ولا سيما في ظل سياسات الهيمنة وإملاء الإرادة كانت مخيبة للآمال ولم تنسجم مع التفاؤل الكبير الذي أراد الأمين العام السابق إضفاءه على سلوك المنظمة الدولية وهو في آخر عهده.
لقد تضمن الإعلان القيم والمبادئ الأساسية للأمم المتحدة وميثاقها كأساسين لا يمكن الاستغناء عنهما، حيث تعهدت الدول على تجنيب الشعوب ويلات الحروب الداخلية والخارجية وحماية السلم والأمن ونزع السلاح وإقرار حاجة البلدان النامية إلى التنمية والقضاء على الفقر وحماية البيئة وإيلاء جهد أكبر لمساعدة الضعفاء وتلبية الحاجات الأساسية لإفريقيا وتعزيز الأمم المتحدة وإصلاح أجهزتها، وخاصة مجلس الأمن والجمعية العامة والمجلس الاقتصادي والاجتماعي ومحكمة العدل الدولية، ولكن كل ذلك لم يتقدم خطوات ملموسة.
وبودي هنا أن أتوقف عند موضوع حقوق الإنسان والديمقراطية والحكم الصالح الذي أولته القمة اهتماماً خاصاً عشية الألفية الثالثة. فقد أكدت على أن الأمم المتحدة لن تألو جهداً في ترويج الديمقراطية وتعزيز سيادة القانون إلى جانب احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية المعترف عليها عالمياً بما فيها ''الحق في التنمية'' الصادر في عام 1986.
وقررت القمة العالمية حينها:
1- احترام وتأييد تام للإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر في العاشر من كانون الأول (ديسمبر) 1948.
2- السعي لتأمين حماية حقوق الإنسان المدنية والسياسية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية (المنصوص عليها في العهدين الدوليين لعام 1966).
3- تعزيز قدرات الدول الأعضاء جميعاً في تطبيق مبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان، بما فيها إعلان حقوق الأقليات الصادر في عام 1992.
4- مكافحة جميع أنواع العنف ضد النساء وتطبيق معاهدة إلغاء جميع أشكال التمييز ضد المرأة الصادرة في عام 1979.
5- اتخاذ الإجراءات لضمان احترام حقوق الإنسان للمهاجرين والعمال وعوائلهم ووضع حد للأعمال العنصرية المتنامية وكره الأجانب في مجتمعات عديدة، وتشجيع التعايش والتسامح في هذه المجتمعات.
6- العمل بشكل جماعي لضمان مشاركة حقيقية أكثر شمولاً لجميع المواطنين.
7- ضمان حرية وسائل الإعلام في أداء دورها الأساسي وضمان الحق في تلقي المعلومات وإذاعتها ونشرها (المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان- ضد الرقابة).
وإذا كانت تلك الآمال التي طرحها كوفي عنان قد تبددت، ولم تجد صداها في عهد بان كي مون الأمين العام الحالي، فإن ذلك يعود في الدرجة الأساسية إلى سياسة الهيمنة التي اتبعتها واشنطن وتفرّدها بالقرار الدولي، ولا سيما في عهد الرئيس بوش، وعلى الرغم من محاولة الرئيس أوباما إضفاء شيء إيجابي على علاقات الولايات المتحدة دولياً، ولا سيما بالشرق الأوسط والعالم العربي والمسلمين عموماً، إلا أن المسألة لم تحرز أي تقدم فعلي على الأرض وظلّت الأوضاع دون تطور ملحوظ، بل خابت بعض التقديرات التي راهنت على سياسات جديدة تختلف عن سابقاتها، الأمر الذي دفع الأمور إلى المزيد من التوتر وخلق بيئة دولية منقسمة وأدى إلى تعطيل دور الأمم المتحدة، ليس في المجال السياسي وحل المنازعات الدولية وحماية السلم والأمن الدوليين وحسب، بل في القضايا ذات الصبغة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، خصوصاً قضايا العمالة المهاجرة والبيئة واللاجئين والصحة والتعليم والفضاء ونزع السلاح وغيرها.



392
هل الصين دولة نامية؟
   
 
عبدالحسين شعبان
علينا أن نعترف سلفاً بأن صين العام 1949 التي انتصرت فيها ثورة ماوتسي تونغ الزعيم الكبير الذي بدأ مسيرة الألف ميل بخطوة واحدة، هي غيرها صين الثورة الثقافية التي استمرت نحو عشر سنوات، وبخاصة سنوات ما بين 1965-،1975 وهي تختلف إلى درجة كبيرة عن صين ما بعد العام 1978-،1979 التي شهدت حركة إصلاح واسعة وانفتاحاً كبيراً ترافقه نهضة ملموسة، ما أدى إلى وفرة في الإنتاج وتحقيق تنمية هائلة على جميع الصعد، لاسيما في إطار تحديث نمط الإدارة والإنتاج، من خلال إدخال التكنولوجيا والعلوم الحديثة إليها، وهذا ما جعلها تنتمي إلى العصر بكل ما فيه من عولمة وحداثة وتناقض .

وبحسب لغة الأرقام، فإن الصين تُعد ثاني دولة اقتصادية في العالم، حيث بلغت نسبة النمو الاقتصادي فيها خلال السنوات العشر الأخيرة نحو 10% وهذه النسبة تكاد تكون أعلى نسبة سجلت في العالم، كما استطاعت أن تحقق فائضاً احتياطياً بلغ (4 .2 تريليون دولار) ولم تتأثر بالأزمة الاقتصادية والمالية الكبرى التي شهدها العالم خلال السنتين الأخيرتين، بل ويؤكد بعض الخبراء أنها ازدادت قوة .

ومن المتوقع أن تحتل الصين في غضون العشر سنوات المقبلة (2020) المرتبة الأولى في جدول الاقتصاد العالمي . وهي دولة دائمة العضوية في مجلس الأمن منذ أن استعادت مواقعها في العام ،1973 ولهذه الأسباب مجتمعة، هناك من يعتقد أن الصين كثيرة التواضع عندما تدعي أنها دولة نامية، معلنة عدم رغبتها في أن تكون تكراراً لدور الاتحاد السوفييتي السابق، متعللة بعدم أهليتها لقيادة الدول النامية، كما أنها لا تؤيد عودة نظام القطبية الثنائية، والأهم من ذلك أنها على غير استعداد للدخول في أية منافسة مع الولايات المتحدة .

لكن من جهة أخرى، فالصين تحتل المرتبة المئة وخمس في جدول تحديد مستويات المعيشة، على الرغم من كونها الدولة الاقتصادية الثانية في العالم، فما يزال نحو من 150 مليون صيني يعانون الفقر، وتعترضها مشكلات عديدة تتعلق بالتحديث والإدارة والأداء بحاجة إلى إعادة نظر، لاسيما في ظل البيروقراطية الشديدة، كما تعاني من التلوث ومشكلات بيئية أخرى وبعض مشكلات الأقليات، على الرغم ممّا يتوافر لها من عناصر القوة العسكرية والاقتصادية والبشرية، حيث يبلغ عدد سكانها نحو مليار ومئتي مليون نسمة يشتركون في العيش على مساحة شاسعة تتميز بتنوع جغرافيتها ومناخها ومواردها .

ماذا تحتاج الصين لكي تصبح دولة عظمى (إذا كانت ترغب بذلك)؟

لعلها تحتاج أولاً وقبل كل شيء، إلى إرادة سياسية تعمل على استثمار قوتها الاقتصادية الهائلة، لكي تنال بها حظوة دولية ومواقع سياسية متقدمة، كما تحتاج إلى التخلّي عن قفازات الحرير التي تحاول الظهور بها في محاولة لمدّ نفوذها الاقتصادي وطمأنة الأوساط الدولية، بعدم رغبتها في لعب أي دور سياسي أو عسكري كدور الاتحاد السوفييتي السابق .

كما أنها بحاجة إلى تشكيل تحالفات مميزة مع دول آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، ولا سيما في إطار إعادة بناء علاقات جديدة وعلى أسس جديدة مع حركات التحرر الوطني، فالصين، بالرغم من ملاحظة الانفتاح والإصلاح وبعض مظاهر الخصخصة فيها، فإنّ دستورها الأخير (الرابع) الذي صدر في العام 1982 وأجريت عليه تعديلات مهمة في العام 1988 والعام ،1993 ما زال يؤكد أن الصين ملتزمة أولى مراحل التطور الاشتراكي والمنهج الماركسي، مع إقرارها لسياسة الإصلاح والانفتاح . وقد استطاعت الصين التوفيق بين مهمات الدولة المركزية ونشاط القطاع الخاص، وهي ما تزال بحاجة إلى إنشاء تحالفات تأخذ بنظر الاعتبار المصالح من جهة والمبادئ من جهة ثانية، كما تحتاج إلى نهضة داخلية تحقق التوازن والعدالة بين مناطق الساحل ومناطق الداخل، وهذا يقتضي وضع مخططات طويلة الأمد بغرض إحداث تنمية إنسانية مستدامة تقضي على الفقر، وتأخذ بنظر الاعتبار توزيع الثروة، وتعالج مشكلات البيئة والتلوث والأقليات والحريات .

وتشكل الحداثة بمعانيها العقلانية والمدنية والعلمانية والديمقراطية أكبر وأهم التحديات التي تواجه الصين، على صعيد تحديث الإدارة ونظام الحكم وتنظيم العلاقة بين المواطن والدولة، وهي هواجس ترافق عملية الانتقال والتغيير التي دعت إلى أجزاء مهمة منها القيادات الصينية بعد مرحلة الانفتاح والإصلاح التي حققت نجاحات كبيرة .

إن مصدر هذه التساؤلات، لاسيما رؤيتها العربية، كان مثار حوار صيني  عربي التأم في بكين 20-24 سبتمبر/ أيلول الماضي، أسهم فيه نخبة من المفكرين والأكاديميين العرب والصينيين، حيث شهد هذا اللقاء اختلافاً وتبايناً في وجهات النظر حول دور الصين ومستقبلها . وقد حرص الأكاديميون والعلماء العرب على اعتبار الصين قوة عظمى، أو هكذا تمنّوا أن يروها، فهي دولة مؤهلة لتلعب دوراً كبيراً على المستوى الدولي، لاسيما في القضايا الحساسة ومنها القضية الفلسطينية التي يدعمها الصينيون، بما فيها حق تقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس، بحسب ما ورد على لسان نائب وزير الخارجية الصيني سونغ تاو الذي افتتح هذا اللقاء، وكما وردت ولأكثر من مرة في البحث المقدم من قبل وو سيكه المبعوث الصيني الخاص بالشرق الأوسط، وكذلك الأمر في مداخلة مدير المعهد الصيني للدراسات الدولية تشو شينغ .

وقد أشار السفير عبد الله بشارة رئيس مجلس التعاون الخليجي الأسبق وأحد المشاركين في هذا اللقاء، إلى ضرورة مبادرة الصين لتولي مسؤولياتها بتحديد دورها على المستوى الدولي، مشترطاً إيجاد الآليات المناسبة لاتخاذ القرار، وإلى توافر دبلوماسية فاعلة تتخلى عن القفازات الحريرية، مع إيجاد قوة عسكرية تعمل على حماية المصالح الاقتصادية . أما السفير الدكتور يوسف الحسن فقد وجه تساؤلاً مشروعاً للمجتمعين قال فيه: لا بد في البداية من معرفة ما إذا كانت الصين مهتمة بلعب مثل هذا الدور القيادي في العالم أم لا؟ وكانت مشاركة الدكتور جواد العناني تتمثل في طرحه لما يراه من دور مستقبلي للصين والضغوط الأمريكية، لاسيما في نطاق حرب العملات حيث من المؤكد ومن خلال رصد مجريات التطورات النقدية العالمية، أن اليوان الصيني (وحدة النقد الصيني) سيسجل تقدماً أكيداً ليكون في المرتبة الثالثة من حيث الأهمية والتداول بعد اليورو الدولار .

وجاء رد نائب رئيس المعهد الصيني للدراسات الدولية جو شيان جانغ على تساؤلات الأكاديميين والمفكرين العرب ليؤكد: “إن الصين ليست دولة عظمى ولن تكون كذلك حتى تحقق النمو الاقتصادي العالي، فما زال مستوى المعيشة فيها متدنياً قياساً إلى الدول الكبرى المتقدمة، وللنموذج الصيني خصوصية تحتاج إلى عامل الزمن لتقويمها، وبالتالي فالصين لن تتولّى قيادة العالم مثل أمريكا” . وإذا كانت الصين كما يراها العديد من المثقفين والأكاديميين العرب قد دخلت مجالات الطاقة والاستثمار والعلوم والسوق الدولية على نحو واسع، فإنها ما تزال بحاجة إلى ترجمة ذلك على مستوى السياسة الخارجية، لكي تكون لاعباً أساسياً مثل الولايات المتحدة أو الاتحاد الأوروبي، وليس المقصود الدخول إلى الساحة الدولية بجلباب إيديولوجي، كما كان الأمر في فترة الصراع، لاسيما في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، فقد انتهت الحرب الباردة في أواخر الثمانينيات، وعلى الصين أن تدخل بدبلوماسيتها الناعمة وقوتها الاقتصادية الهائلة، لكي تؤثر بالسياسة الدولية، وهي تملك مؤهلات كبيرة على هذا الصعيد، أضف إلى ذلك ما يتطلبه الأمر من توسيع حقول التعاون الثقافي مع الأمم والشعوب الأخرى لما تشكله من حاضنة للعلاقات الاقتصادية والتجارية خصوصاً في ميادين الأدب والفن والمسرح والسينما والرواية والشعر والرياضة والسياحة وغيرها، من خلال تشجيع حركة الترجمة من اللغة الصينية إلى اللغات الأخرى وبالعكس، وهو ما تناوله السفير الدكتور علي أومليل وسمير الحباشنة وزير الثقافة الاردني الأسبق، وكاتب هذه السطور الذي تناول الفلسفة التاوية الصينية ومقاربتها بالفلسفة الصوفية .

لا يمكن للصين أن تستعيد دور الاتحاد السوفييتي ولا أظن أن أحداً يطالبها بذلك، فتلك المرحلة قد ولّت وأصبحت من مخلفات الماضي ولا يمكن استحضارها، لاسيما أن أحد أهم أسباب تفكك الكتلة الاشتراكية، كان مرده إلى سباق التسلح الذي لم يكن بمقدور السوفييت الاستمرار فيه، ما عكس نتائجه السلبية على حياة المواطنين بدرجة مريعة .

ولكن من جهة أخرى لا تستطيع الصين أيضاً أن تتخلى عن دورها بحجة أنها دولة نامية، فقوتها الاقتصادية والمالية تفرض عليها التزامات غير قليلة، بدءًا من حماية الأسواق والاستقرار، وحماية السلام والأمن الدوليين، ونزع السلاح والتخلص من الهيمنة، ودمقرطة العلاقات الدولية، وذلك بهدف توفير الأرضية المناسبة لتصدير التكنولوجيا واستيراد النفط وبخاصة من الشرق الأوسط، حيث تبلغ استيراداتها (من العرب وإيران) نحو 70% في ظل أوضاع مستقرة ومصالح مشتركة وعلاقات ودية بين الأمم والشعوب والبلدان .

وهكذا يمكن أن تكون الصين دولة نامية ومتقدمة في الآن ذاته، بانتماءاتها وخصوصياتها وعلاقاتها الدولية والإنسانية .

باحث ومفكر عربي

393
انسحاب أم إعادة انتشار؟
الاستحقاق الانتخابي والأزمة الدستورية في العراق



 
هل كرست الديمقراطية الأمن والسلام؟!

عبد الحسين شعبان
لعل قرار الانسحاب الامريكي من العراق الذي بدأت مرحلته الاولى، يعتبر من أكبر وأخطر التحديات التي تواجه العملية السياسية في العراق ما بعد الاحتلال والاطاحة بالدكتاتورية وبداية مرحلة جديدة من مراحل التطور السياسي والاجتماعي في العراق. فقد تم سحب نحو 91 ألف جندي أمريكي من العراق استناداً الى الاتفاقية العراقية- الأمريكية التي تم التوقيع عليها بين الرئيس الامريكي السابق جورج دبليو بوش وبين دولة رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي في أواخر العام 2008.
وكان الرئيس الأمريكي الحالي باراك أوباما قد وعد ضمن برنامجه الانتخابي بسحب القوات الأمريكية من العراق استحقاقاً والتزاماً بالاتفاقيات الموقعة بين البلدين، وهو الأمر الذي سعى لوضعه موضع التطبيق عشية وصوله الى سدّة الحكم في البيت الأبيض، على الرغم من بعض الاشكاليات التي واجهها، سواءً من جانب وزارة الدفاع (البنتاغون) أو بعض العسكريين الميدانيين، وتجاذباتهم مع وزارة الخارجية والمخابرات المركزية الامريكية الـ CIA، لكنه أصرّ في نهاية المطاف على الانسحاب، خصوصاً وأنه لم يكن مسؤولاً عن الاحتلال، كما أن فوز الديمقراطيين وهزيمة الجمهوريين، كان من أسبابها الأساسية هو الورطة التي أوقع الرئيس السابق بوش الولايات المتحدة بها، حيث خسرت الكثير من سمعتها وصدقيتها، فضلاً عن الخيبة التي واجهتها واشنطن إزاء فشل مشروعها الامبراطوري وسياساتها لا في الشرق الأوسط حسب، بل على المستوى الكوني.
وإذا ما عرفنا حجم الخسائر البشرية والمادية التي أخذ الحديث يكثر عنها، لاسيما بعد الفشل السياسي، وعلى الرغم من النجاح العسكري باحتلال العراق، يمكننا أن ندرك التحديات المتعاظمة التي أخذت تواجه واشنطن، فقد بلغ عدد القتلى الامريكان ما يقارب 4400، أما عدد الجرحى والمعوّقين والمرضى النفسيين، فقد زاد عن 31 ألف، وهذه هي الأرقام الرسمية فقط، وبالامكان إضافة أعداد كبيرة أخرى من المرتزقة والمتعاقدين وعناصر الشركات الأمنية وغيرها.
كما أن الحرب على العراق كلفت الولايات المتحدة أكثر من 3 تريليونات دولار حتى نهاية العام 2008، وهي أرقام فلكية بكل المعايير، الأمر الذي زاد من ضغط الرأي العام الامريكي على الادارة الامريكية للإيفاء بإلتزاماتها والبدء بالانسحاب.
يضاف الى ذلك تفاقم الأزمة الاقتصادية والمالية العالمية وانعكاساتها على الولايات المتحدة وانهيار مصارف كبرى وشركات تأمين عملاقة، بحيث بات إعادة النظر بالستراتيجية العسكرية الامريكية بخصوص العراق أمر لا غنى عنه، بل ضرورة لا مفرّ عنها، خصوصاً بتحسّن الأمن نسبياً وإجراء انتخابات تشريعية ثانية، وعلى الرغم من حصول اختراقات غير قليلة وانتهاكات كثيرة، لكن المسألة لا تتعلق بسير العملية الانتخابية بقدر تعلقها بقضايا أكثر تعقيداً مثلما هو القانون الانتخابي ذاته، وكذلك الاشكاليات الموجودة في الدستور، والتي اعتبرت بمثابة ألغام خطيرة يمكن أن تنفجر في أي لحظة، كما يمكنها أن تنسف العملية السياسية وما حولها، وما الأزمة الدستورية وحال التعويم الذي وصل اليه الوضع العراقي الاّ انعكاساً لهذه الاشكاليات والعقد، رغم نجاح العملية الانتخابية.
ولكن لحد الآن ثمت مخاوف أبداها العديد من السياسيين والمتابعين للشأن العراقي، من داخل العملية السياسية ومن خارجها، مفادها تساؤل مهم ومشروع: هل أن الولايات المتحدة ستترك الساحة خالية الى إيران التي تعاظم نفوذها على نحو واسع، أم أن الأمر بمثابة إعادة انتشار وليس انسحابا كاملاً؟ فحتى الآن سيبقى في العراق نحو 50 ألف جندي مع عدد من القواعد العسكرية أهمها 5 قواعد أساسية بما فيها بضعة آلاف من الموظفين يصل عددهم حسب بعض التقديرات الى ما يزيد عن 4 آلاف موظف، حيث تعتبر السفارة الأمريكية في بغداد من أكبر سفاراتها في العالم.
كما أن انتهاء المهمات القتالية للقوات الأمريكية، وتفرّغ أقسام من القوات المتبقية للتدريب والتأهيل للقوات العراقية، لا يعني أنها قوات غير مقاتلة، حيث ستضطر الى مواجهة التحديات والمخاطر التي تعتقد أنها تحتاج الى معالجات عسكرية وتدخّل مباشر، ولعل ما حصل في الفلوجة بُعيد أيام قليلة من الانسحاب الامريكي خير دليل على ذلك، حيث قامت القوات الامريكية والقوات العراقية بعملية دهم واسعة وقتلت 7 مواطنين بزعم أنهم يمثلون بؤرة لتنظيمات القاعدة الارهابية، الأمر الذي أثار استياءً كبيراً حتى لدى أوساط من داخل العملية السياسية، لكنه كان إفصاحاً جديداً بأن القوات الامريكية باقية وأن مهمة مكافحة الارهاب على المستوى الدولي لم تنتهِ بعد، وهي أحوج ما تكون اليها الدول من أصدقاء الولايات المتحدة وبضمهم العراق حسب التصنيفات السائدة.
وهكذا سيستمر الأمر حتى نهاية العام 2011 حيث ستنتهي الاتفاقية العراقية- الامريكية، لكن الاعتقاد السائد هو أن اتفاقية جديدة سيتم ابرامها لتنظيم العلاقات بين البلدين، ولكي لا يحصل نوع من الفراغ الأمني والسياسي.
وأظن أن الولايات المتحدة ستعمل على إدامة وجودها العسكري في العراق وكذلك نفوذها السياسي والاقتصادي والثقافي، ولم نعرف حتى الآن أن الولايات المتحدة حيث تتوزع قواعدها العسكرية البالغة 136 قاعدة خارج الولايات المتحدة، كانت قد غادرت بلداً من البلدان دخلته عسكرياً، دون أن تترك قاعدة فيه، الاّ إذا خرجت مهزومة كما هي في الفيتنام ، وأعتقد أن عقدة الفيتنام ظلّت مؤرقة للولايات المتحدة وكانت نصب أعينها في حربها واحتلالها العراق وما بعد ذلك.
لهذه الأسباب فهي تعيد ترتيب أوراق ستراتيجيتها، لكي تبقى خارج المدن وفي قواعد عسكرية بعيدة، وتتدخل عند الحاجة الضرورية والقصوى أحياناً، لاسيما إذا استتبّ الوضع الأمني وسارت العملية السياسية دون انقلابات أو انكسارات كبيرة، مع تراجعات وتقدم بطيء لكنه مستمر، ولعل هذا ما تريده واشنطن في الوقت الحاضر بعد أن خفضت من سقف أهدافها إزاء العراق، وطوت صفحة الديمقراطية أو أجلت فتحها بعد أن وجدت الكثير من الألغام تواجهها، مع أن إجراء انتخابات دورية واستمرار الحق في التعبير والتظاهر والتنظيم والإقرار بالتعددية والتنوّع أصبح من سمات الوضع الجديد، على الرغم من بعض القيود والعقبات، لاسيما وجود الميليشيات، مع أن حكومة المالكي قلّصت من نفوذها الى حدود كبيرة.
وكذلك استمرار حالة التشظي الطائفي والمذهبي والاثني، على الرغم من أن الكثير من القوى بدأت تغسل يدها منها، وكذلك استمرار الارهاب والعنف والفساد المالي والاداري الذي بحاجة الى اجراءات حازمة للتصدي له، ولن يكون ذلك ممكناً دون وجود حكومة شراكة تمثل الفئات المختلفة، والتي هي بحاجة الى توسيع الدائرة من خارج العملية السياسية، خصوصاً وأن إعلان الانسحاب الامريكي من العراق، بدأ يهيئ ظروفاً جديدة مختلفة عن فترة الاحتلال المباشر أو الهيمنة المباشرة في ظل الحكومات السابقة.
لقد جاء نائب الرئيس الامريكي جو بايدن الى العراق في زيارة ثالثة ليحثّ الأطراف العراقية على الاتفاق والتوافق، خصوصاً وأن المشهد السياسي العراقي بعد 7 أشهر من اجراء الانتخابات في 7 آذار (مارس) 2010 بدا مشوشاً وملتبساً، والقلق أخذ يتعاظم في ظل حال التعويم السياسي الناجم عن عدم الاتفاق على تشكيل حكومة وتسمية رئيس وزراء بسبب الاختلاف حول الكتلة الأكبر وتفسيراتها، فهناك من اعتبرها القائمة التي حصلت على 91 مقعداً وهي القائمة العراقية برئاسة الدكتور إياد علاوي، وهناك من فسّرها بالكتلة الأكبر في البرلمان، والتي قد تنجم من اتحاد قائمتين أو أكثر، بهدف الحصول على الموقع الأول ككتلة أكبر وهو ما حصل بعد اتفاق كتلة دولة القانون برئاسة المالكي وكتلة الائتلاف الوطني برئاسة السيد عمار الحكيم، حيث أصبحت الكتلة تضم 89 (دولة القانون) + 70 كتلة الائتلاف والمجموع هو 159 مقعداً.
وقد مال قرار المحكمة الاتحادية العليا الى التفسير الثاني حول الكتلة الأكبر أو اعتبره الأقرب الى روح النص الدستوري، لاسيما عدم وجود مذكرات تفسيرية للأعمال التحضيرية عند إعداد الدستور، لكن ذلك لم ينهِ الاشكالية السياسية، بل زادها تعقيداً، حيث أخذ كل طرف يتشبث بمواقفه محاولاً تفنيد حجم الطرف الآخر.
وبغض النظر عن بعض الاعتراضات والتفسيرات، فقد كانت زيارة نائب الرئيس الأمريكي جو بايدن إلى بغداد، مهمة لجهة إعلان رغبة واشنطن في تعاون بين كتلة دولة القانون برئاسة نوري المالكي وكتلة العراقية برئاسة إياد علاوي، وهو لو تحقق سيحسم موضوع (الكتلة الأكبر) التي كان من حقها دستورياً تشكيل الوزارة قبل 14 يوليو/ تموز، ولكن انعقدت جلسة البرلمان وانفضّت حتى وإن قيل أنها ما تزال مفتوحة دون التوصل الى حل للمعضلة التي باتت مستعصية، وبخاصة من سيحتل منصب رئاسة الوزارة ليتم الاتفاق على تسمية رئيس الجمهورية ورئيس البرلمان ورئيس مجلس القضاء الاعلى، ولكن العقبة الأساسية تبقى في الاتفاق على منصب رئيس الوزراء، الذي يزداد حوله الأخذ والرد والتلويح بالتهديد وانفلات نسبي للوضع الأمني بكثرة الاختراقات والتفجيرات.
وقد تردد أن مصلحة إيرانية وأخرى أمريكية قد إلتقتا، ولكل أسبابه في تجديد ولاية ثانية لرئيس الوزراء المالكي، الاّ أن المشكلات الأخرى حول الحصص والنسب والوزارات ما تزال مصدر خلاف لا يقلّ شأناً عن منصب رئاسة الوزراء إذا افترضنا ترجيح تسمية المالكي، لاسيما بعد زيارة جو بايدن الأخيرة التي أعلن عنها وهي الزيارة الثالثة في فترة أقل من عام، فقد زار العراق بُعيد اعلان قوائم الاجتثاث قبيل الانتخابات وبعد الانتخابات بهدف إيجاد تسوية لتسمية رئيس الوزراء، وأعلن عن الزيارة الثالثة لوضع اللمسات الأخيرة لسيناريو الاعلان عن الاتفاق.
إن الوضع القائم انعكاس لأزمة دستورية وفراغ سياسي، الأمر الذي قد يؤدي إلى تفقيس بيض الإرهاب ويعيد العملية السياسية القهقري، لا سيما زيادة حدّة الاستقطاب الطائفي والإثني، ولهذا حضر جو بايدن بثقله لأكثر من مرة والتقى بالكتل الرئيسية وتحدث من موقعه عن رغبة في التوصل إلى اتفاق على تشكيل الحكومة.
ولو افترضنا أن الوزارة سيتم تأليفها خلال الشهرين القادمين كواحد من الاحتمالات، إذ أن بقاء الحال كما هو عليه يعني دخول الحالة العراقية في تعويم سياسي لا يعرف أحد نتائجه في ظل الانشقاقات الحاصلة، الأمر الذي لوّح باحتمال طلب تدخل الأمم المتحدة والمجتمع الدولي للتوصل الى اتفاق بشأن الحكومة القادمة، وهو ما جاء على لسان نائب رئيس الجمهورية طارق الهاشمي من كتلة العراقية، فإن ثمت استحقاقات ستواجهها، خصوصاً استعادة هيبة الدولة، وإعادة بناء القوات المسلحة بحيث تكون قادرة على حماية البلاد من التحديات الخارجية، ناهيكم عن مساهمتها في تحسين الخدمات الضرورية، لا سيما الماء والكهرباء والتعليم والصحة، تلك التي ظلّ العراق يعاني منها طيلة السنوات السبع ونيّف الماضية.
وإذا كان مؤكداً أن النظام الشمولي الاستبدادي قد احتضر، فإن الديمقراطية لم تولد بعد، ولعل مرحلة الانتقال والتحوّل الديمقراطي ستكون طويلة ومتعرّجة، ولكن يمكن القول: أن أية ديمقراطية ناقصة أو مبتورة أو توّجه نحوها، هو أفضل من أية توتاليتارية أو تسلطية أو استبداد.
إن واشنطن تريد أن تطمئن على "مستقبلها" من جهة، ومن جهة ثانية تسعى لقطع الطريق على الأوساط الأكثر قرباً من إيران، لأنها تدرك حجم الاستحقاقات التي ستكون برسم الحكومة العراقية الجديدة. ولهذا فهي تسعى لقيام حكومة لا تكون فناءً خلفياً لإيران، مثلما يمكن وضعها في مواجهة محدودة أو جزئية معها، وهو ما يرضي طهران أيضاً على حساب حكومة حليفة لواشنطن ومعادية لها، حيث يمكنها أن تكون رأس حربة في صراع واشنطن-طهران في العراق، وهو ما ترفضه طهران بشدة.

صحيفة الاقتصادية السعودية الجمعة العدد 6199،  1/10/2010

394
المثقف والهاجس المفقود   

 
عبدالحسين شعبان
دوّنت حضارة بابل التي سُجّلت على الألواح الطينية “ملحمة كلكامش” التي تُجسِّد بحث الإنسان عن الخلود . فبعد مسيرة طويلة ومضنية اقتفاءً لأثر “أوتانابشيم” يقول كلكامش بطل الطوفان في حوار على لسان “سيدوري” إحدى حوريات الماء، التي التقاها بعد نجاته مهتّزاً لموت صديقه “أنكيدو” مردداً: وجدت حياتي..أينبغي، إذاً، أن أموت أنا أيضاً كما مات أنكيدو؟

ظلّ المثقف يبحث منذ أقدم العصور عن معنى الحياة والوجود وعن الفناء والخلود، وكانت الحرية الهاجس الإنساني ملازمة له، بل لصيقة به مثل ظلّه التي بسبب فقدانها أو شحّها، تستمر معاناته، حتى لتغدو مأساة حقيقية، وقد ازدادت هذه المسألة حساسية، لاسيما بعد الانهيارات الدراماتيكية التي عصفت بالنظام الدولي الثنائي القطبية، الذي نشأ في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وسيادة قطبية أحادية، بعد سقوط النظام الاشتراكي العالمي، وانتهاء مرحلة “الحرب الباردة” وتحوّل الصراع الإيديولوجي الدولي، وبالأخص بعد أحداث 11 سبتمبر/ أيلول 2001 الإرهابية والإجرامية، ليأخذ شكلاً جديداً بادعاء أن التهديد الإسلامي، لا بل إن “الإسلام” بالذات يشكّل الخطر الأكبر على العالم، لكونه المصدر الأساس للإرهاب، وذلك بالترافق مع ما سميَّ بالحرب الدولية على الإرهاب واحتلال أفغانستان والعراق .

إنّ هذه التطورات مجتمعة، بالإضافة إلى فشل المشاريع الماركسية اليسارية، والقومية السابقة، ووصول المشروع الإسلامي إلى طريق مسدود، أثّرت سلباً في المثقف، خصوصاً في البلدان النامية، ما زاد في تشاؤمه وانطفاء الكثير من أنوار روحه الداخلية، فهو إضافة إلى همومه العامة التي هي هموم المجتمع، ظلّت الحرية ولاسيما حق التعبير هاجسه المفقود، فتراه إمّا التحق تابعاً للسلطات ينمّق لها أطباق الأيديولوجيا على طريقة صاحبنا هلال الصابي، الذي كتب إلى عضد الدولة البويهي، كتاباً عن “بني بويه” فلمّا سأله أحدهم أحقاً فعلت ذلك؟ أجابه: نعم، إنها “أباطيل ننمقها وأكاذيب نلفقها” . أو على طريقة أبو حيان التوحيدي، الذي كتب، وناقش، وحاور، وجادل، وساجل، طيلة سبعة عقود قضاها في أتون المعركة الفكرية والثقافية في عصره، فلما بلغ شأوه، وهو على مشارف التسعين، أطعم كل ما كتبه إلى النيران قائلاً، إنه أحرقها لقلّة جدواها، وضّناً بها على من لا يعرف قدرها بعد موته .

أو كغاليلو، الذي تجرّع كأس السم على أيدي كهّان القرون الوسطى “المظلمة” ومحاكم التفتيش باسم الدين، لكن الأرض ظلّت تدور . وفي حالات أخرى فضلّ المثقف الانكفاء، أو الهروب إلى الأمام، فخسر نفسه أو خسرنا إبداعه لحين أو لكل الوقت .

لعب المثقفون العرب في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين دوراً متميّزاً مقتحمين ميادين مهمة شتى، فمن جمال الدين الأفغاني الذي دعا إلى الجامعة الإسلامية، إلى محمد عبده الذي اهتمّ بتطوير الفكر الديني، وصولاً إلى الكواكبي الذي شدّد على تغيير نظم الحكم وتحدّث عن طبائع الاستبداد . أما شبلي شميّل ومن بعده سلامة موسى فقد دعوا إلى تحقيق العدالة الاجتماعية، في إطار اشتراكي، وبلور علي عبد الرازق فكرة الأصول القائمة على الشرعية لنظام الحكم الإسلامي، وصولاً إلى حداثة طه حسين .

وترافق مع ذلك أمثلة تحديثية عديدة في العالم الإسلامي، كحركة المشروطة عام 1906 في إيران والحركة الدستورية عام 1908 و”الأتاتوركية” في ما بعد في تركيا، اللتين مالتا إلى تحديث نظم الحكم وفقاً لقواعد دستور يضمن ذلك .

وعلى الرغم من التطور الذي شهده العالم، فإن الحريات بشكل عام، وبخاصة حرية التعبير والتفكير واستقلالية البحث العلمي ظلت مفقودة أو شحيحة في الكثير من الأحيان في عالمنا العربي، لاسيما بسبب احتدام الأوضاع السياسية في مرحلة ما بعد الاستقلال، حيث كان يُنظر اليها كمنطقة محرمّة، ممنوع الاقتراب منها أو تجاوزها، وإنْ سُمح لبعض الهوامش والفرص المحدودة، فقد صادفت حقولاً مفخخة تمّ زرعها بالعديد من الألغام .

ويزخر عالمنا العربي والإسلامي بنماذج عديدة لتحريم الفكر وتجريم التفكير، ومنع حرية التعبير والرأي، والتنكر للتعددية والتنوّع الثقافي وحق الاختلاف والتعايش مع الآخر، بل وسادت تحت يافطات مختلفة فكرة الرأي الواحد الإطلاقي الشمولي، الذي يدّعي امتلاك الحقيقة، ويوجب طاعة المحكومين للحكام، حتى وإنْ كانت سلطة الحكّام لا تستمد أساسها من العدل والشرعية والقانون .

إن ادعاء امتلاك الحقيقة يعني حجب حق الآخر في التعبير والتفكير، وحسب أدونيس، فإن ذلك يعني “اعتقال العقل”، عقل “الذات” الآخر، الذي تصبح صورته هي: صورة العدو، الخصم، المشبوه أو العميل بلغة السياسة والايديولوجيا، والكافر والملحد أو الزنديق والمارق، بلغة بعض رجال الدين المتطرفين .

ولعل ذلك هو الوجه الآخر للاستبداد، فمن لا يحترم الآخر، كيف يمكنه احترام الذات (نفسه)، “فليس للطغيان صورة واحدة بل صور متعددة” كما يضيف أدونيس .

شهدت معادلة الثقافي بالسياسي اختلالات كثيرة، سواءً في ظل سيادة الأفكار النازية في ألمانيا والفاشية في إيطاليا، أو من خلال هيمنة الستالينية ورائدها في الثقافة “جدانوف” في الاتحاد السوفييتي السابق، أو خلال فترة المكارثية في الولايات المتحدة حيث تعرّض الكثير من المثقفين إلى إرهاب منفلت من عقاله، أو في ظل حملة التكفير الإسلاموية بحجة الارتداد والمروق التي سادت في السنوات الثلاثين الماضية، وما رافقها من صراعات عسكرية ودينية وطائفية وصعود لقوى التطرف والتعصب، من دون نسيان دور “إسرائيل” منذ 6 عقود ونيّف من الزمان، فضلاً عن الممارسات الدكتاتورية واللاديمقراطية للعديد من الأنظمة، إزاء المثقفين .

وهناك نماذج كثيرة من معاناة المثقفين على المستوى العالمي، من أمثال: لوكاش (المجري)، وغرامشي وتولياتي (الإيطاليان) وغارودي وآرغون (الفرنسيان) وبريخت (الألماني) وغوركي (الروسي) وعشرات الأمثلة . وفي عالمنا العربي، دفع أعلام كبار ضريبة التباس وتداخل المعادلة الثقافية السياسية، والأمثلة كثيرة مثل: الجواهري، وأدونيس، ومحمود درويش، وسعدي يوسف، وبلند الحيدري، وأميل حبيبي، وعبد الوهاب البياتي، ونجيب محفوظ، ومحمد حسنين هيكل، ومحمد باقر الصدر، ونصر حامد أبو زيد، وأحلام مستغانمي، والسياب، ومعين بسيسو، ومحمد حسين فضل الله، وعزيز السيد جاسم، وهادي العلوي، وعبد الرحمن منيف، وإدوارد سعيد، والطاهر وطار، والمهدي بن بركة، وحسين مرّوة، ومهدي عامل، وشفيق الكمالي، وشمران الياسري (ابو كاطع)، ومحمد محمود طه، وحيدر حيدر، وصادق جلال العظم، وعشرات غيرهم .

إنَّ السلطة أياً كانت أنظمتها ملكية أم جمهورية، حزبية أم غير حزبية، عسكرية أم مدنية، يمكن أن تصبح مُلكاً عضوضاً كما قالت العرب، اذا ترافقت مع محاولات فرض الرأي بالقوة وغياب الرقابة وضعف المساءلة وتعطيل مبدأ سيادة القانون، أمّا إذا صاحبتها وسائل تكنولوجية حديثة وأساليب مبتكرة للتضليل مترافقة بالدعاية السوداء وإغراءات مادية، فإنها ستغدو أشد قسوة ووحشية وبعداً عن الإنسانية، وبالأخص حين تستهدف انتزاع عقيدة أو التبرؤ منها بالتعذيب والإكراه أو بالديماغوجيا والتزييف، بأساليب غليظة أو ناعمة .

وعلى الرغم من كل المعاناة التي يعاني منها المثقف فإني مع قسطنطين زريق أقول: “إنّ حفظ المثقف لكرامته وكرامة ثقافته يقوم على مبلغ إخلاصه لهذه الثقافة” .

باحث ومفكر عربي

395
بلجيكا في مواجهة الانقسام
   


 
 
عبدالحسين شعبان

الكثير من فقهاء القانون الدولي المعاصر نظروا إلى التجربة الفيدرالية البلجيكية بنوع من الاعجاب وبخاصة في التسعينات، لاسيما للدول ذات التكوينات القومية أو الدينية أو اللغوية المتعددة، وكانت الفيدرالية البلجيكية، بما فيها فيدرالية بروكسل ذاتها محط دراسة وتجاذب ووجهات نظر مختلفة .

لكن نتائج الانتخابات البرلمانية الأخيرة التي جرت في 13 يونيو/ حزيران الماضي حملت معها بوادر انفصال، بحيث يتم فيه عبور حدود الفيدرالية إلى مطالبات بالكونفيدرالية، وقد يصل لاحقاً إلى الانقسام، لدرجة أن أحد قادة حزب المسيحيين الديمقراطيين وهو رئيس وزراء سابق وصف الاحتمالات الوشيكة الوقوع أو المحتملة أو حتى المؤجلة بقوله: إن ما يحدث هو عبارة عن “زلزال مرعب”، إنه خلخلة حقيقية، خصوصاً وهو يتحدث من منطقة الفلانور (الشمال البلجيكي) .

الانتخابات دفعت إلى الواجهة التحالف الفلامنكي الجديد ذا التوجّه اليميني، الذي يعادي التوجهات الاشتراكية لعدد من المسؤولين البلجيك، بل ويتهمهم بما وصلت اليه البلاد من أزمات وفساد وتدهور في الوضع الاقتصادي، خصوصاً في ظل الأزمة العالمية والاقتصادية والمالية الكونية، التي ابتدأت في أواخر العام 2008 وما تزال تداعياتها قائمة إلى الآن ومستمرة .

الجماعة الفلامنكية تدعو اليوم إلى قيام كونفيدرالية بدلاً من الفيدرالية القائمة، وذلك تمهيداً للانفصال التام عن الجنوب في مرحلة لاحقة، وهو الأمر الذي سيصبح واقعاً، حتى إذا كان محذوراً أو محظوراً في السابق، وقد اتّخذت محكمة العدل الدولية مؤخراً قراراً في 24 يوليو/ تموز 2010 بشأن كوسوفو، اعتبرت فيه قرار الانفصال لا يتعارض مع القانون الدولي، في إطار فتوى استشارية، الأمر الذي سيشجع جماعات قومية ودينية، إذا توفرت لها فرصة “تاريخية” للانفصال، فإنها ستتخذ قرارها المصيري تعبيراً وانسجاماً مع قرار حق تقرير المصير، خصوصاً إذا كانت الفرصة سانحة والظروف مواتية والأسباب وجيهة، ولعل القرار حول كوسوفو سيكون سابقة مهمة على هذا الصعيد، الأمر الذي بحاجة إلى دراسة وتفكّر، خصوصاً بشأن العلاقات بين المكوّنات المختلفة في الدول ذات التنوّع الثقافي بما يلبّي الحقوق ويستجيب لإغراء الوحدة، وإلا فإن الانفصال سيكون تحصيل حاصل، لاسيما إذا أصبح العيش المشترك مستحيلاً . إن جذور الأزمة البلجيكية تعود إلى بضع سنوات مضت، لكنها تعمّقت مع صعود التحالف الفلامنكي الجديد وتمكّنه من فرض سيطرته على الفلاندر، لاسيما في الانتخابات الأخيرة، حيث يعيش الفلامنك في الشمال في حين يعيش الفرانكفونيون في الجنوب، وفي الوقت الذي يرغب الفرانكفونيون في الشمال التواصل مع سكان الجنوب، فإنهم يرغبون في الوقت نفسه حماية لغتهم وتراثهم وتاريخهم الخاص، الذي يتعرّض إلى ضغوط الفلامنك وخاصة الساكنين في ضواحي بروكسل العاصمة، والمدعومين من الفلاندر .

ويأخذ هؤلاء مسايرة الفرانكفونيين من جانب الحكومة الفيدرالية وبخاصة في الحقوق الاقتصادية، حيث يتم تحويل أكثر من 10 مليارات يورو من الخزينة العامة سنوياً لتنمية الجنوب، ومع ذلك فالبطالة ما تزال متفشية فيه، حيث تتجاوز 2_% وترتفع أحياناً إلى أكثر من ذلك، وقد تصل إلى ضعف هذا الرقم في المستقبل .

أما في الشمال فإن البطالة أقل بكثير حيث تبلغ نحو 5%، ولعل هذه القضايا عمّقت الخلاف بين الشمال والجنوب، وهذا يذكّر بالخلاف الذي اندلع بين التشيك والسلوفاك (الشمال والجنوب إلى حد ما) والذي قاد إلى الانقسام في 1/1/1993 وقد أطلق عليه اسم “الانفصال المخملي”، لاسيما وقد حدث سلمياً وبعد مفاوضات ولقاءات واستفتاءات لحساب ما لكل طرف على الطرف الآخر .

إن الخلاف الحاصل أغرق بلجيكا في أزمة سياسية طاحنة، وهي ما تزال منذ أشهر تسبح في لجّتها دون التوصّل إلى اتفاق أو الخروج منها في ظل مناخ سياسي متوتر وأجواء ملبّدة بالغيوم وفي ظل حكومة انتهت ولايتها (بعد تقديم استقالتها) .

وعلى الرغم من تكليف الملك ألبرت الثاني القوى الفائزة في الانتخابات (الحزب الاشتراكي وزعيم اليودي روبو) تشكيل حكومة فيدرالية جديدة، فإن هذا الأخير فشل طيلة الفترة الماضية في التوصل إلى اتفاق مع الكتل السبع في الشمال والجنوب، وكأن تجربة عراقية لأوضاع معوّمة ما تزال ماثلة حتى الآن، لكن خلاف التجربة البلجيكية عن التجربة العراقية هو أن الملك سارع لتكليف اثنين من الوسطاء للقيام بالمهمة ولإجراء اتصالات: الأول رئيس مجلس النواب (الاشتراكي) والثاني رئيس مجلس الشيوخ (عضو الحزب الفلامنكي الاستقلالي)، لكنها في الحالة العراقية فلا وجود لسلطة عليا يمكنها تكليف الفرق المتنازعة للاتفاق على القيام بالمهمة، كما أن من يفشل لا يفعل مثلما فعل زعيم الحزب الاشتراكي الذي فشل في مهمته فقدّم استقالته للملك، على الرغم من محاولته تقديم مشروع للاصلاح المالي والمؤسساتي وقضايا المديونية وغيرها . ولعل السبب الأساسي في هذه الأزمة الخانقة هو المواقف الداعية إلى الكونفدرالية التي قد تؤدي للوصول إلى طريق مسدود أو هكذا يُراد له، حيث ما تزال الأزمة مستمرة، وأغلب الظن ألا يستطيع الوسيطان النجاح بمهمتهما التي فشل فيها من سبقهما .

الفرانكفونيون يؤلفون نحو 4 ملايين، في حين أن الفلامنكيين يؤلفون نحو 6 ملايين، وهؤلاء هدفهم المعلن والنهائي هو الاستقلال، ولذلك فإن التعويم السياسي الحالي هو انعكاس لرؤية مختلفة ومتعاكسة بشأن وحدة بلجيكا، واستطاع الفرانكفونيون كسر المحرّم أو المحظور (التابو) الذي ظلّ خطاً أحمر لا يمكن عبوره، إلى أن أصبح الأمر الواقع واقعاً، بإقرارهم أنّه لا يمكنهم تقديم التنازلات من دون ثمن .

ولكن هل يُعلن نهاية وجود الكيان البلجيكي القائم؟ لعل هذا أمرٌ قد يتم بالطلاق البائن بين الفريقين، ولكن أغلب الظن سيكون ودياً وليس عنفياً، فقد وصلت شعوب أوروبا، لاسيما الغربية إلى مرحلة تحترم فيها حقوق ومصالح الجماعات الثقافية القومية والدينية المختلفة وتسعى حتى مع الافتراق للتوفيق بينها، وهو ما حصل في تجربة التشيك والسلوفاك، في حين كانت التجربة اليوغسلافية مأساوية ودموية بامتياز، وتركت مرارات وعذابات لا حدود لها على الجماعات المتنازعة بغض النظر عن حقوق الأطراف وتجاوز البعض عليها ومحاولة هضمها .

وإذا كان سيناريو الافتراق قائماً ومحتملاً وربما مقبولاً اليوم بالنسبة لبلجيكا، فإن تداعيات سيناريو الانفصال قد تصل بوصول الأزمة الحكومية الطويلة الأمد إلى طريق مسدود، بحيث يصبح تشكيل حكومة فيدرالية أمراً مستحيلاً، عند ذلك سينفد صبر الفريقين وبشكل خاص الفلامنكيون، ويجدون في المحظور السابق، مشروعاً في الوقت الحاضر، فيقدمون على إعلان الانفصال، وأمامهم قرار محكمة العدل الدولية بشأن كوسوفو، دافعين بالأسباب على الضفة الأخرى . هكذا قد يبدو التقسيم أمراً واقعاً ويغدو المحظور السابق مقبولاً، في نهاية المطاف، وقد نشهد بدلاً من بلجيكا الموحدة الفيدرالية دولتين في الوقت القريب .

 

باحث ومفكر عربي

396
بعد التعويض العراقي لأمريكيين من يعوّض العراقيين؟


عبد الحسين شعبان

 إنسانياً وقانونياً أستطيع أن أتفهّم حجم المطالبات التي ظلّت تضغط على الحكومة العراقية لطلب التعويض، ولا سيما أن التعويض كمبدأ من حق كل من تضرر بفعل لا قانوني ولا شرعي قامت به دولة ضد دولة أخرى، سواءً على المستوى العام كالعدوان وارتكاب جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية أو جرائم إبادة، أو على المستوى الخاص كالتعذيب والترويع والمعاملة الحاطّة بالكرامة واستخدام دروع بشرية أو ما شابه ذلك.
وأدرك أيضاً حقيقة تداعيات وتأثيرات إقدام القوات العراقية على غزو الكويت وضمّها قسراً وتبديد كيانية دولة الكويت والعبث بمواردها وممتلكاتها وأرشيفها، والأكثر من ذلك مصادرة حق شعبها في تقرير مصيره، باستخدام القوة المسلحة ضده خلافاً لقواعد القانون الدولي المعاصر، ولميثاق الأمم المتحدة وميثاق جامعة الدول العربية، وغيرها من الاتفاقيات والمعاهدات الدولية، التي تفترض سياسة حسن الجوار واحترام السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، ولعل الجانب الإنساني هو الأكثر مأساوية من كل ذلك.
لكن مثل هذا الإدراك يتحوّل إلى إحساس وشعور عكسي، إذا امتدّت العقوبات لتشمل الشعب الذي كان المتضرر الأساسي في كل الأحوال والظروف، والأنكى من ذلك، فإن الحكام الذين قيل إن نظام العقوبات يستهدفهم أطيح بهم وأقيم على أعقابهم نظام جديد، يتبجح البعض بأنه ''صديق'' للولايات المتحدة التي ترتبط معه بمعاهدات واتفاقيات .. فلماذا تستمر العقوبات بحق الشعب العراقي والسبب الذي كان وراء الضرر الحاصل بفعل غزو القوات العراقية للكويت قد زال؟! علماً بأن العراقيين كانوا ضحايا العهد السابق وهم في الوقت ذاته ضحايا الاحتلال.
وإذا كان الكثير من الديون العراقية ومطالبات التعويض قد أطفئت، لكن بعضها، وبخاصة ما هو حكومي والآخر ما هو فردي لا يزال مستمراً. فكيف يمكن النظر إلى هذه القضية في إطار القانون الدولي؟ ثم كيف يمكن فصل الخيط الأبيض من الخيط الأسود ومعاناة العراقيين لا تزال مستمرة ومتفاقمة؟ وإذا كانت هناك التزامات سياسية واقتصادية على النظام السابق، فهل من المعقول أن يُطلب من ضحاياه العراقيين تنفيذها؟
يذهب القانون الدولي إلى إمكانية التحلل من الالتزامات الدولية، استناداً إلى قاعدة التغييرات الجوهرية في الظروف، وإبطال مفعول أو إيقاف العمل به أو إلغاء أي اتفاق، زالت مبررات استمراره، ولا سيما إذا كان هذا الإجراء منسجماً مع القواعد الآمرة في القانون الدولي Jus Cogens بشأن تنفيذ وتأدية الالتزامات بشرف.
وإذا كانت قاعدة ''تغيّر الأحكام بتغيّر الأزمان'' يمكن اعتمادها في موضوع التحلل من الالتزامات التي أخذها النظام السابق على عاتقه، سواءً قبل غزو الكويت أو بعدها، من خلال ديون من دول أو عبر التزامات بقرارات دولية صادرة عن مجلس الأمن التي بلغت بين عام 1990 وعام 2003 نحو 60 قراراً كلها كانت ضمن الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة الخاص بالعقوبات، (باستثناء القرار 688 الخاص بكفالة احترام حقوق الإنسان) وهي قرارات مجحفة من وجهة نظر القانون الدولي، فإن هذه القاعدة ينبغي تطبيقها بشكل سليم ومنسجم مع قواعد وأحكام القانون الدولي، كي لا يتهدد المجتمع الدولي، ويكون عرضة للتقلّبات والنزاعات التي تعرّض السلم والأمن الدوليين ومبادئ العدالة والالتزامات الدولية للخطر.
ولعل الفقه الدولي ما زال يخضع لنقاش وسجال كبيرين بين ما هو حقوقي وما هو سياسي بخصوص ما هو فكري ــ قانوني أو عملي ـــ ممارساتي طبقاً لقاعدة تغيّر الظروف، وهي قاعدة متحركة، وبين قاعدة ساكنة هي عدم تغيّر الظروف، بحيث لا تكون الأولى ذريعة للتهرب من الالتزامات الدولية بما يؤدي إلى انتشار جو من الفوضى وعدم الثقة، وتقود إلى الإخلال بمبدأ حسن النيّة وتتعارض مع ميثاق الأمم المتحدة (المادة الأولى ـــ الفقرة الثالثة) بشأن تحقيق التعاون الدولي في سبيل حل المشكلات الدولية ذات الصبغة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والإنسانية والوفاء بالالتزامات الدولية (م2 - فقرة 2) Pacta Sunt Servanda، وفي الوقت نفسه لا تؤدي هذه القاعدة إلى تكبيل بلدان وشعوب اضطرّت بسبب حكّامها إلى توقيع اتفاقيات ومعاهدات والقبول بقرارات دولية مجحفة، وكيف السبيل إلى التوازن المطلوب وبما ينسجم مع القانون الدولي؟
متى إذاً يمكن التحلل من الالتزامات الدولية؟ الجواب عندما تحصل فعلاً تغييرات عميقة وجذرية في الظروف Fundamental changes of Circumstances.، وذهبت اتفاقية فيينا حول قانون المعاهدات لبحث ذلك في إطار المادة 62 متحسّبة التغييرات الجوهرية في الظروف حين نصّت على ما يلي:
1ـ التغيير الأساسي في الظروف التي كانت سائدة وقت عقد المعاهدة، الذي لم يكن متوقعاً من قبل الأطراف، ولا يمكن الاحتجاج به كباعث على إنهاء المعاهدة أو الانسحاب منها إلاّ: أـ إذا كان وجود هذه الظروف أساساً جوهرياً لإرضاء الأطراف بالارتباط بالمعاهدة (الاتفاق) ب ـ إذا كان لهذا التغيير أثرٌ يقلب تماماً مدى الالتزامات التي لم تنفذ بعد.
إن الإطاحة بالنظام العراقي المتهم بخرق القانون الدولي الذي تعهد بالتزامات على نفسه كعقوبات سبق لمجلس الأمن أن قام بإصدار العديد من القرارات ضده، تعتبر مبرراً كافياً للتحلل من الآثار القانونية والعملية التي سبّبها، والتي دفع الشعب العراقي ثمنها باهظاً، فلماذا يُراد أن يدفع تعويضات إضافية عنها وهو غير مسؤول عنها، وهو اليوم المتضرر الأكبر بسبب أوضاع الماضي وأوضاع الحاضر أيضاً؟
كما أن خرق الولايات المتحدة وقوات التحالف سيادة العراق واحتلاله والإطاحة بالحكومة العراقية دون مسوّغ قانوني وشرعي، أمرٌ يستوجب التوقف عنده، وهو تغيير جوهري أساسي، فما كان النظام سابقاً مُساءلا عنه، أصبحت القوات المحتلة مساءلةٌ عنه، خصوصاً أن احتلالها لم يكن ينسجم مع قواعد القانون الدولي أو يحظى ''بالشرعية الدولية'' كما يقال حيث لم ترخّص الأمم المتحدة أو تفوّض أحدا بشن الحرب على العراق، ناهيكم عن الأضرار التي تعرّض لها العراق، وارتكاب جرائم حرب ضده وضد الإنسانية، بما فيها أعمال الإبادة الجماعية، ولعل حل المؤسسة العسكرية والأمنية كان وراء تفشي ظاهرة الإرهاب وانتشار الميليشيات واندلاع العنف، ودخول أعداد من الإرهابيين بمن فيهم بعض عناصر تنظيمات القاعدة إلى العراق، الأمر الذي بحاجة إلى مساءلة وتعويض، لا أن يستمر العراقيون في دفع التعويضات رغم زوال الأسباب الموجبة، خصوصاً بتغيير قاعدة جوهرية، والإطاحة بالنظام السابق.
إذا كان قرار حكومة بغداد دفع تعويضات لفتح صفحة جديدة في العلاقات مع الولايات المتحدة، ولا سيما في جانب قانوني ما زال يثير التباساً كبيراً، فإن الأمر سيعاظم المشكلة وسيسيل لعاب الكثيرين. وتساءل كثير من العراقيين وغير العراقيين، ولا سيما من القانونيين والضحايا معاً: لماذا على العراق أن يدفع المال بما فيه من اعتبار معنوي لأخطاء لا علاقة له بها؟ وأن الذي يتحمل وزرها هو النظام السابق، إذا افترضنا قانونية وشرعية هذه التعويضات، أساساً، فمن يعوّض العراقيين عن هدر ثمانية مليارات و800 مليون دولار معظمها صُرفت دون إيصالات قانونية في عهد بول بريمر الحاكم المدني الأمريكي للعراق؟ وكذلك صرف 20 مليار دولار في ظل الاحتلال للحكومتين الثانية والثالثة بعد حل مجلس الحكم الانتقالي، ثم ما ذنب العراق الذي أصبح من أكثر دول العالم في الفساد المالي والإداري والسياسي ما بعد الاحتلال وبسببه، حسب تقديرات المنظمة الدولية للشفافية؟
ولعل أرواح مئات الآلاف من العراقيين أزهقت بسبب الاحتلال وما بعده وتشرّد نحو مليونين في الخارج ويقابلهم مليونان آخران (نازحون في الداخل)، وكذلك أصبح الأطفال الأيتام نحو خمسة ملايين، بمن فيهم عشرات الآلاف من أبناء الشوارع وما يزيد على مليون أرملة، والاعتلال النفسي والاجتماعي والأخلاقي والتربوي والصحي بلغ مديات كبيرة بسبب شح الماء الصافي وانقطاع الكهرباء وضعف الخدمات الصحية والتعليمية. ولعل آخر إحصائية رسمية معتمدة من منظمة اليونسكو تقول إن أكثر من 20 في المائة من سكان العراق يعانون الأمية، في حين أن منظمات وهيئات مدنية تقدّر النسبة بـ 40 في المائة.
إذا كان النظام السابق قد أخذ بعض الأمريكيين رهائن كدروع بشرية، وهي مرفوضة من وجهة نظر القانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف عام 1949 وملحقيها عام 1977، فإن الولايات المتحدة أخذت الشعب العراقي كلّه رهينة وهي تحارب على أرض ''الأعداء'' كما تقول التقارير التي تم نشرها حتى بعد انتهاء مهمات القوات الأمريكية القتالية وسحب نحو 91 ألف جندي أمريكي تنفيذاً لوعود الرئيس أوباما ولأسباب داخلية أمريكية، فضلاً عن الأزمة المالية والاقتصادية الطاحنة، ولعل ما حصل في الفلوجة أواسط أيلول (سبتمبر) الجاري خير دليل على ذلك.
ثم لماذا تمتنع الحكومة الأمريكية والحكومة العراقية من النظر في دعاوى ضد الانتهاكات التي تعرّض لها المواطنون العراقيون وجميع من يعيش في العراق منذ عام 2003 حتى الآن؟ فالآلاف منهم احتجزوا وعذّبوا دون وجه حق حتى لم توجه إلى بعضهم تُهماً محددة، وتم إطلاق سراحهم لاحقاً، والكثير من الضحايا أزهقت أرواحهم أو أصبحوا معوّقين أو مرضى نفسياً بسبب أعمال الغزو والمداهمات العشوائية سواءً للقوات الأمريكية أو الشركات الأمنية كما هي بلاك ووتر وغيرها.
إن الزعم بأن تسوية قضية التعويضات ستخرج العراق من الفصل السابع كما نشرت صحيفة ''كرستيان ساينس مونيتر''، إنما هو زعم لا أساس له من الصحة، فرفع العقوبات في حاجة إلى إرادة دولية وقرار من مجلس الأمن، الذي لن يصدر دون موافقة الولايات المتحدة بالدرجة الأساسية، وهناك خطوات كثيرة للتحلل من نحو 73 قراراً دولياً لفّت العراق بشرنقتها، إضافة إلى الديون والتعويضات، ولعل ذلك سيكون جزءًا من تسويات تشمل المنطقة ككل إذا افترضنا بقاء ما هو قائم حالياً.
ثم إن الحكومة العراقية التي وافقت على هذه التعويضات حكومة تصريف أعمال، وقد انتهى دورها، ولا بدّ للحكومة القادمة أن تدرس الأمر وتعرضه على مجلس النواب لاتخاذ قرار بشأنه، خصوصاً بوضع المعطيات الآنفة في الاعتبار حفاظاً على حقوق العراق وأمواله ومستقبله.
وإذا كان الفراغ السياسي هو واحد من أسباب إقدام الحكومة العراقية على هذه الخطوة، على أمل الفوز بحظوة لدى الولايات المتحدة صاحبة القرار الأساس في الشأن العراقي بالتوافق المباشر أو غير المباشر مع إيران، فإن الأمر سيكون بمثابة صفقة غير مدروسة وهي تفريط قانوني في أموال عراقية، ولعل من المناسب التذكير أن الاتفاقيات العراقية ـــ الأمريكية التي وقّّع عليها العراق في أواخر عام 2008 بين الرئيس بوش ورئيس الوزراء نوري المالكي، أقفلت باب المطالبة الرسمية بالتعويضات من جانب العراق، جرّاء الغزو والاحتلال ونهب وتبديد الثروة العراقية بما فيها الممتلكات الثقافية، فضلاً عن تحطيم بنية الدولة وهياكلها الارتكازية ومرافقها الحيوية ومنشآتها الاقتصادية وغيرها، وهو أمر في حاجة إلى إعادة نظر بأبعاده المستقبلية، خصوصاً من زاويته القانونية.
وإذا كانت الحكومة العراقية قد أسقطت هذا الجانب من حسابها فإن من حق الأفراد المطالبة بالتعويض المادي والمعنوي من القوات المحتلة، طالما أن ضرراً بليغاً لحق بهم جرّاء التجاوز على قواعد القانون الدولي وخلافاً لمعاهدة فينا واتفاقيات جنيف لعام 1949 وملحقيها لعام 1977 وقواعد القانون الدولي الإنساني والشرعة الدولية لحقوق الإنسان.
لقد دفع العراق وشعبه بسبب الغزو الأمريكي أثماناً لا حدود لها، وهو في حاجة إلى تعويض وإعادة إعمار لتمكينه من التخلص من الإرهاب والعنف والميليشيات والانقسام الطائفي واستعادة وحدة البلاد وتعايش سكانها وتكويناتها الثقافية والدينية والقومية والاجتماعية، ولعل خطوة من هذا القبيل في حاجة إلى إرادة سياسية وطنية موحدة، لا تزال مفقودة، لتطالب باسم العراقيين عن حقهم في التعويض المادي والمعنوي.


397
الصراع المعلن.. الأغنياء يزدادون غنى والفقراء يزدادون فقراً
المفارقات الكبيرة بين الرأسمالية المتوحشة والرأسمالية ذات الوجه الإنساني!


عبد الحسين شعبان
منذ أن اندلعت الأزمة العالمية الاقتصادية والمالية في خريف العام 2008 والعالم يزداد تخبطاً في تفسير أسبابها ونتائجها، ليس على أساس أوضاع الحاضر حسب، بل تأثيراتها وتداعياتها على أوضاع المستقبل، خصوصاً وقد دفعت أعداداً كبيرة من البشر الى البطالة بسبب تقليص وضيق سوق العمل وميادينه.
وعلى الرغم من أن أطياف ماركس حسب كتاب جاك ديردا قد عادت الى المخيّلة، بل وجدت طريقها الى البحث، لا في خطط التنظير حسب، بل على طاولات التشريح ومناضد رؤوساء كبار المؤسسات المالية والاقتصادية، لاسيما مدراء البنوك وشركات التأمين الكبرى، فإن الهدف الأساس كان إيجاد حلول ومعالجات سريعة تمنع من الانهيار الاقتصادي الشامل والتدهور لعموم النظام الرأسمالي، وهو ما تحسّبت له قيادات الدول الرأسمالية الكبرى.
 وإذا كان كتاب رأس المال الذي كتبه ماركس في ستينيات القرن التاسع عشر قد اعتبر متحفياً لعصر مضى، الاّ أنه أصبح الأكثر حضوراً في الوقت الحالي لتشخيص أسباب الظاهرة ومعرفة أبعاد الأزمة والبحث في نتائجها الخطيرة. وظلّت الماركسية الأكثر قدرة في اكتشاف قوانين الرأسمالية، بل يمكن أن نطلق عليها أنها علم الرأسمالية بامتياز في حين أن علم الاشتراكية ظل علم المستقبل الغامض، ولعل فشل التجارب الاشتراكية أدّى الى تصدّع الكثير من القناعات، بل وانهيارها لدرجة الكفر بالجدلية المادية والتاريخية. لكن ما حدث من انهيار اقتصادي ومالي لمصارف ومؤسسات مالية كبرى وشركات تأمين عملاقة، جعل المراجعة واجبة وضرورية  حتى لبعض من تخلّوا عن الاشتراكية أو طلّقوها، فهم يريدون التحالف مع المنتصر، لاسيما بعد أن شعروا بظفر الرأسمالية على المستوى العالمي وانهيار الاشتراكية المدوّي، وهي صورة أواخر الثمانينيات التي ظلّت مهيمنة.
   وبعد بضعة أشهر من تفاقم الأزمة الاقتصادية والمالية صدر كتاب مهم لثلاث اقتصاديين بعنوان Good Capitalism, Bad Capitalism and the Economics of Growth and Prosperity  " الرأسمالية الحميدة والرأسمالية الخبيثة واقتصاديات النمو والرخاء" وهو من تأليف روبرت أي ليتان وويليام جيه باومول وكارل جيه سكرام، والكتاب هو من اصدارات جامعة ييل الامريكية، وبقدر دفاعه عن الرأسمالية ومستقبلها، لكنه في الوقت نفسه يكشف عن جوانب ضعفها وهشاشتها، على الرغم من محاولات تلميع صورتها المستقبلية .
   لقد ساد الاعتقاد لحد الرسوخ واليقينية أن الرأسمالية انتصرت بعد تهاوي الأنظمة الاشتراكية إثر انهيار جدار برلين العام 1989 وبعد سلسلة تراجعات وانتكاسات أصابت النظام الاشتراكي أو الاشتراكية المطبّقة، وبشكل خاص منذ أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات، ونظّر لتلك الأطروحات مفكرون مثل فرانسيس فوكوياما الذي قال بفكرة نهاية التاريخ وصموئيل هنتنغتون الذي نظّر لفكرة صدام الحضارات وصراع الثقافات، وكرّست بعض تلك الأطروحات وطورتها عدوانياً ما حصل في 11 أيلول (سبتمبر) العام 2001 من أعمال ارهابية وإجرامية في الولايات المتحدة، الأمر الذي دفع الى الاعتقاد بحتمية الصراع، لاسيما بعد انهيار الشيوعية الدولية على مستوى المجابهة المباشرة وانتهاء عهد الحرب الباردة واختراع الاسلام عدواً أساسياً لا يمكن التفاهم معه، لأنه دين يحض على الارهاب والعنف، مثلما روّجت وسائل الدعاية الآيديولوجية المتنفذة.
   هكذا ساد الاعتقاد ان الرأسمالية هي الفصل الأخير من الصراع الدولي، وبدأ الحديث عن فرضيات اقتصاد السوق وفشل القطاع العام والدعوة الى تشجيع وتعزيز الملكية الفردية لوسائل الانتاج وعلى المستوى العام، خصوصاً وأن دول العالم البالغة 192 دولة لم يعد فيها ما يمنع من ترويج واعلاء شأن الملكية الفردية ودور الفرد، باستثناء كوبا وكوريا الشمالية، ومع ذلك فإن المرء يواجه صعوبة في تفهّم مسألة نجاح الرأسمالية، لاسيما بعد ازمتها الخانقة والتي ما تزال مستمرة، وقد تدوم الى عامين آخرين حسب أكثر التقديرات تفاؤلاً، علماً بأن هذه الأزمة هي الأكثر عمقاً وشمولاً وتأثيراً من أزمة العام 1929-1933 التي نجمت عن الكساد والانكماش الاقتصادي ومن أزمة السبعينيات التي ترافقت مع ارتفاع أسعار النفط.
   يركز كتاب الاقتصاديين الثلاثة على أربعة أنماط من الرأسمالية، الاولى- هي رأسمالية النخبة، الاوليغارشية، التي تتركز بيدها الموارد والسلطة وهي رأسمالية خبيثة حسب الوصف الذي يقدّمه الكتاب، ولعل أبرز الأمثلة لذلك هو رأسمالية روسيا الجديدة وبعض دول أفريقيا وأمريكا اللاتينية، كما يدرج  المؤلفون بعض دول النفط في منطقة الشرق الأوسط.
   وهذ الرأسمالية لا يهمها تعزيز التنمية بمعناها الشامل، الانساني السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي والحقوقي والقانوني، بقدر ما يهمّها تعظيم امكانات القابضين على الموارد والسلطة، وتحويل الارباح الى مصارف أجنبية وجني الارباح السريعة، الأمر الذي يعاظم من حدّة التوتر الاجتماعي والطبقي حيث يزداد أصحاب الثروة والسلطة غنىً، ويحرم الغالبية الساحقة منها ويزدادون فقراً وبؤساً.
أما النوع الثاني من الرأسمالية فهي رأسمالية الدولة، ولكن تختلف عن رأسمالية الدولة "الشيوعية" التي طبقها لينين بعد ثورة اكتوبر الاشتراكية في روسيا، لأن هذه الأخيرة تمتلك وسائل الانتاج، في حين أن رأسمالية الدولة تعتمد على القطاع الخاص الذي يكون هو المتحكّم بالوسائل الاساسية للانتاج، وتقوم الدولة بتوجيه الموارد الى القطاعات التي يمكن أن تتصوّر أو تفترض نجاحها مثل ملكية الدولة للبنوك، ومثال رأسمالية الدولة الصين الشعبية الاشتراكية حيث تسيطر على الجزء الأكبر من الموارد الاقتصادية، أما في الهند فإن الدولة تسيطر على 75 % من النظام المصرفي. يعتقد البعض أن مثل هذه الرأسمالية يمكنها النجاح في إحداث النمو الاقتصادي وإنْ كان النمو يختلف عن التنيمة الشاملة، ومثال ذلك هو بعض دول جنوب شرقي آسيا، التي استخدمت التكنولوجيا لخدمة الصناعة، واستخدمت العمالة المتعلّمة الرخيصة الكلفة، في الوقت نفسه مع التوسع في قطاع التجارة.
وقد يؤدي هذا النمو الى التوسع السريع، لكنه من المحتمل أن يتعثر، وإذا كان  نموذج سنغافورة  هو الأقرب الى الذهن، فلأنها هي الاكثر تقدّماً في مجال الصناعة. ولكن من نقاط ضعف الرأسمالية الموجهة هي أن البيروقراطية تعتبر كابحاً للتطور، وقد عانت دول جنوب شرقي آسيا من الأزمة المالية والاقتصادية، رغم محاولات منح استثمارات كبيرة من صناعات عجزت طاقاتها عن استيعاب تلك الاستثمارات، فتعرضت الى الاختناق الذي كاد أن يصرعها، ولم تنفع معها الرأسمالية الموجهة.
   النمط الثالث من الرأسمالية هو رأسمالية الشركات الكبرى، أو ما يمكن أن نطلق عليه الرأسمالية الادارية، حيث يهيمن قطبان أساسيان، الأول: الشركات الكبرى مثل شركات السيارات والحديد والصلب وغيرها.  أما الثاني فهو الذي تسيطر عليه حكومات أو تجمعات كبرى.
   هذان النمطان يقودان الى: وفرة ناتجة عن ضخامة حجم الانتاج، ثم وفرة في الموارد المالية والبشرية، لتطوير وتعزيز النمو الاقتصادي، الناجم أيضاً عن وفرة الرأسمال الذي يمكن ضخّه في الاقتصاد، وهو ما يؤدي الى الابتكار والتجربة.
   إن غرب أوروبا والولايات المتحدة واليايان، لاسيما بعد الحرب العالمية الثانية كانت مثالاً لنموذج رأسمالية الشركات الكبرى، وقد وصف المفكر الاقتصادي الكبير صاحب نظرية النمو الاقتصادي جون كنيث غالبرايت ( الاستاذ في جامعة هارفارد) هذه الشركات العملاقة، بأنها دول صناعية جديدة.
أما النموذج الرابع، فالمقصود به هو الرأسمالية الريادية (المبتكِرة)، الذي يضم شركات صغيرة مستقلة، لكنها مخترِعة وغير تقليدية وتقوم بتغيير الكثير من أنماط سلوك ما اعتاد الناس عليه، عبر الابتكارات التي يكون لها حصة الاسد من النمو الاقتصادي الطويل الامد.
إن ترويج هذه الرأسمالية واستنادها الى موضوع الاختراعات الحديثة يقوم على إمكانية، استغلالها تجارياً، ولعل ذلك سيؤدي الى تغييرات جذرية، وهو ما أحدثته المبتكرات والاختراعات، في حياتنا خلال القرنين ونيّف الماضيين مثل المحرك البخاري والكهرباء والسيارة والطائرة ومكيّف الهواء والكمبيوتر والبرمجيات وشبكة الانترنت والثورة الرقمية (الديجيتل) وغيرها من انجازات الثورة العلمية التقنية، وقد اعتمدت هذه الاختراعات والمبتكرات على مبادرين ورياديين لكن ذلك يحتاج الى ربطها باقتصاديات أكبر، حيث تقوم شركات على الابتكار وأخرى على تحسين نوعية المنتج وتسويقه وانتاج السلع والخدمات الناتجة عنه من الافكار الجديدة وعلى مستوى كبير من الارباح.
إن جزءًا من أسباب الأزمة يعود الى هذه الريادية المدمِّرة في القطاع المالي وبخاصة التمويل الباهظ الثمن، ويلاحظ أن الأزمة بدأت بقطاع العقارات ثم امتدّت الى بقية القطاعات الاقتصادية، حيث كانت موجتها الأكثر حدة وسرعة في القطاع المصرفي والتأميني، الأمر الذي احتاج الى موازنة جديدة وإعادة تقييم الاولويات بما يتناسب مع قدرة السوق وحاجته على استيعاب المبتكرات، ولذلك اضطرت دول الاتحاد الاوروبي والولايات المتحدة واليابان وغيرها الى دعوة " الدولة" للتدخل وإنقاذ الشركات والمصارف الكبرى، وكان ذلك ضرورياً لمنع الاقتصاد من الانهيار.
ولعل التنمية بمفهومها الشامل والانساني التي ينتظر منها إحداث الرفاه والرخاء المادي والمعنوي على المستوى الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والقانوني والحقوقي، لا بدّ أن تركّز على دور الفرد ككيان مستقل وعلى دور المجتمع ككل وبخاصة المجتمع المدني والنقابات والاتحادات المهنية، إضافة الى دور القطاع الخاص، بما فيه الشركات كوحدات مستقلة.
وإذا كانت الرأسمالية الريادية "الحميدة" كما يطلق عليها المنظرون الاقتصاديون الغربيون، هي الأكثر تأثيراً في دفع عجلة التنمية، لاسيما بتوفير فرص الابتكار وخلق أسواق جديدة، فإن الأمر بحاجة الى وقفة جديدة لمراجعة قوانين تطور الرأسمالية، بما فيها قانون القيمة الزائدة وقانون التطور الاجتماعي المتفاوت، لمعرفة أن الأزمة مرتبطة وصميمية بطبيعة الرأسمالية، ولا يمكن الفكاك منها، على الرغم من قدرة الرأسمالية على تجاوزها وتجديد نفسها، لكنها ستكون مؤثرة وعميقة كلّما ازداد التفاوت الاجتماعي عمقاً، وكلما تعاظم الغنى والفقر، لدرجة لا يمكن المواءمة بينها أو ايجاد تسوية مؤقتة لحل الصراع بينهما، وهنا سوف لا يكون الفرق واضحاً بين رأسمالية متوحشة أو رأسمالية ذات وجه انساني، فالأمر سيّان طالما ظل الاستغلال بحق الانسان داء عضال !!.


398
الحريات الأكاديمية   


 
 
عبدالحسين شعبان
لا يمكن الحديث عن الحرية الفكرية في الإطار الجامعي والأكاديمي بمعزل عن النظام التعليمي والتربوي، وبمعنى أوسع لا بدّ من تناول استراتيجياته ومنطلقاته . وقبل نحو أربعة أعوام شاركت في ندوة مهمة في عمان عن الحريات الأكاديمية نظّمها مركز “عمان لدراسات حقوق الإنسان”، وانبثقت عنها منظمة نقابية للدفاع عن الحريات الأكاديمية، ارتباطاً مع عملية التنمية بمعناها الاجتماعي الشامل .

لقد نما التعليم الجامعي بشكل كبير وبجميع مستوياته في الوطن العربي، سواء خلال المؤسسات الجامعية ومراكز الأبحاث والدراسات العلمية أو عدد الطلبة أو الأساتذة الجامعيين . ومع هذا النمو برزت مشكلات نوعية، لعلّ أهمها موضوع الحرية الفكرية في إطارها الجامعي والأكاديمي، ولم يرافق التطور الكمّي في التعليم الجامعي تطوّر نوعي، لا في أقطار اليُسر (الغنية بالنفط) ولا في أقطار العُسر، بل إن بعض أقطار اليُسر بددت الثروات الهائلة على حروب ومغامرات وصراعات داخلية واستخدامات غير رشيدة ولاعقلانية وغيرها .

وخلال السنوات العشرين الماضية ازداد عدد الجامعات العربية ومراكز الأبحاث الأكاديمية، زيادة ملحوظة بالنسبة إلى الجامعات الرسمية أو الأهلية أو الجامعات الأجنبية، كما ارتفع عدد الطلبة بشكل كبير جداً، وكذلك عدد الأساتذة، وبخاصة من  حملة شهادة الدكتوراه، رغم التسرّب الذي حصل في السنوات الأخيرة، بزيادة هجرة العقول والأدمغة المفكرة .

وعلى الرغم من التطور الذي حصل في السنوات الأخيرة واتساع رقعة الحريات، فإن بعض المحاولات الجديدة  القديمة لاحتواء وتأطير أساتذة الجامعات والباحثين الأساسيين في مراكز الأبحاث والدراسات ظلّت مستمرة، لاسيما ضمن الاتجاه السياسي أو العقائدي أو الديني أو المذهبي السائد والمتنفذ، تحت واجهات وذرائع مختلفة، علماً أن تلك المحاولات قوبلت بعزوف شديد من جانب الأساتذة والباحثين .

وولّد الانغمار في المهمات الوظيفية والابتعاد عن الأضواء لدى الأكاديميين والعلماء شعوراً باليأس والانكفاء على الذات والانفصام عن المجتمع أحياناً، خصوصاً في ظل أنظمة عتيقة، وإدارات بيروقراطية، ومناهج لا تستجيب لروح العصر، وغياب أو ضمور للحرية الفكرية، وضعف المبادرة، وعدم تشجيع حرية البحث العلمي والأكاديمي .

لقد ظل الباحث الأكاديمي والأستاذ الجامعي يعاني القيود المفروضة عليه للالتزام بالمناهج “المقررة” التي غالباً ما تكون ذات اتجاه محدد “ضيق”، ومن الرقابة المختلفة التي جعلته يعيش في بعض البلدان تحت هاجس الرعب . وظلت حرية البحث العلمي محدودة، إضافة إلى الأنظمة الجامعية الإدارية، كالتعيين والدوام والإجازات والمرض والترقيات والتفرغ، وهذه كلها معوّقات أمام الباحث، وعامل كبح يحدّ من إبداعه، فضلاً عن ضعف الحوافز في الكثير من الأحيان، وتقديم الولاء كشرط أساس لتولّي المسؤوليات والترقيات، وذلك على حساب الكفاءة والإخلاص للوطن .

وانتشرت العديد من الاعتبارات الجديدة القديمة، التي سبق للكثير من البلدان العربية أن سلكت طريقاً يساعد على تخطّيها أو يخفف من تأثيراتها السلبية بعد أن عانت منها في حقبة سابقة، كالتطرف الديني والطائفية والشوفينية والعشائرية والجهوية وغيرها، وقد لعبت الاعتبارات الحزبية والسياسية الضيقة، دوراً كبيراً في التأثير بحرية الجامعات والبحث العلمي، وفي الاستفادة من الطاقات والكفاءات العليا لحسابات بعيدة كل البعد عن التقييمات العلمية والأكاديمية . وجرى تفريغ الجامعات ومراكز الأبحاث تدريجياً من الأغلبية الساحقة من أصحاب الكفاءات والمواهب، إذا كانت لا تتفق مع الاتجاه السائد، ما أدى إلى تدهور خطير للحرية الفكرية وهبوط المستوى الدراسي .

وبسبب غياب الحرية الفكرية وفقدان حرية التعبير، فإن هجرة كبيرة شهدتها البلدان العربية والبلدان النامية عموماً للعقول والأدمغة المفِكرة Brain Drain، إضافة إلى تأثير ذلك في الطموح الشخصي للأستاذ والباحث (موضوعياً وذاتياً)، وإغراءات أخرى دفعت بأصحاب الكفاءات إلى ترك أوطانهم، حيث يتسرّب سنوياً العديد من العلماء والنابغين والباحثين وأساتذة الجامعات بحثاً عن الحرية الفكرية والأمان، وتحسين أوضاعهم من الناحية الإبداعية والشخصية، من خلال الفرص التي تتاح لهم خارج بلدانهم، وفي نزيف خطير وهدر كبير للكفاءات والموارد .

إن علاقة الباحث بالسلطة هي علاقة ملتبسة في الأغلب، خصوصاً ما يتعلق بحريته في البحث والتعبير واستقلاله، فضلاً عن القيود المفروضة عليه التي أصبحت أكثر تعقيداً وارتياباً، وعدائية . ومؤخراً استشكل الأمر مع جماعات التطرف، فأصبح هناك شكل من العداء بينها وبين الجامعات ومراكز الأبحاث والدراسات الأكاديمية والفكرية، لعدم قبولها الرأي الآخر .

وتعرّض الكثير من أساتذة الجامعات والبحث العلمي والعلماء إلى الاغتيال، مثلما حصل في العراق بعد الاحتلال، حيث تمت تصفية ما يقارب 400 أستاذ جامعي وعالم وباحث . وفي الجزائر في فترة التسعينيات، سقط أكثر من 100 مثقف ومبدع بينهم أساتذة جامعات، لا لذنب سوى أن بعضهم لا يُقرّ للجماعات المتطرفة أعمالها الإرهابية .

لقد صدمتني بعض الوقائع المخيفة عن حالنا العربي، حين اطلعت على  تقارير التنمية الثقافية العربية بخصوص شحّ المعارف، وبمقارنات خاطفة مع الولايات المتحدة و”إسرائيل”، فإن ما يقرؤه العربي سنوياً لا يتجاوز النصف صفحة، في حين يقرأ المواطن الأمريكي 10 كتب سنوياً، ويقرأ “الإسرائيلي” 6 كتب .

وإذا ما عرفنا أنه يوجد في العالم العربي ما يزيد على 71 مليون أميّ، أي ما يوازي نحو ربع سكان العالم العربي، أدركنا أية حقائق صادمة تلك، لاسيما وأنه في الوقت نفسه يعاني شحّ المعرفة والعلوم والحريات، ومواقف سلبية إزاء نصف المجتمع وأعني به الموقف من النساء والتنوّع الثقافي، خصوصاً في بعض المجتمعات المتعددة التي شكّلت مصدر نزاعات تاريخية منذرة بعواقب وخيمة، ولا يختلف الأمر من دول المشرق إلى دول المغرب، ومن حوض النيل إلى دول الخليج .

الحرية الأكاديمية هي الهواء الذي يتنفس منه الأستاذ والباحث العلمي والطالب، لتحقيق الذات وإضفاء نوع من “الأنسنة” على البحث والإنتاج العلمي والإبداع الأدبي، وصولاً إلى التنمية المنشودة .


باحث ومفكر عربي



399
ما يريده بايدن من العراق   


 
 
عبدالحسين شعبان
حلّ نائب الرئيس الأمريكي جو بايدن ضيفاً مفاجئاً على بغداد للمرة الثالثة . فزيارته الأولى كانت بُعيد اعلان قوائم الاجتثاث عشية الانتخابات، وزيارته الثانية كانت بعد الانتخابات غير الحاسمة، والاختلاف حول القائمة الفائزة أو الكتلة الأكبر، لاسيما من سيكون رئيساً للوزراء، أما زيارته الثالثة، فتأتي مترافقة مع سيناريو المرحلة الأولى من الانسحاب الأمريكي من العراق، فضلاً عن وضع اللمسات الأخيرة لتشكيل حكومة عراقية، قال في زيارته الثانية يريدها ان تمثل جميع التيارات والأطياف العراقية، وشدد في زيارته الأخيرة 30/8/2010 على أن شراكة واشنطن مع بغداد هي شراكة استراتيجية طويلة الأمد، وأن واشنطن ملتزمة بذلك حتى بعد انسحابها من العراق .

وصل بايدن والجو السياسي العراقي مكفهرّاً وملبّداً بالغيوم، والمخاوف تتعاظم من احتمال تصدّع العملية السياسية، وانفلات أعمال العنف والارهاب،لاسيما الاختراقات الأمنية التي شهدها العراق طيلة الأشهر العشرة ونيّف الماضية، وقد بدأ المشهد السياسي العراقي أكثر التباساً وتشويشاً واحتداماً خصوصاً باستمرار حال التعويم السياسي الناجم من عدم الاتفاق على تشكيل حكومة وتسمية رئيس وزراء والمنافسات المحمومة والقلق المتعاظم من الفراغ السياسي والأمني، لاسيما الذي ترافق مع الانسحاب الأولي للقوات الأمريكية المقاتلة من العراق .

وعشية زيارة بايدن الثالثة تردّد أن مصلحة إيرانية وأخرى أمريكية التقتا، ولكل أسبابه في تجديد ولاية ثانية لرئيس الوزراء المالكي، إلا أن المشكلات الأخرى حول الحصص والنسب والوزارات ما تزال مصدر خلاف لا يقلّ شأناً عن منصب رئاسة الوزراء إذا افترضنا ترجيح تسمية المالكي .

وكانت سيناريوهات عديدة قد تردّدت، قيل إن بايدن أسهم فيها في زيارته الثانية، منها تقسيم فترة السنوات الأربع بين القائمتين أو الاتفاق على مرشح تسوية مع مشاركة مؤثرة للقائمتين تأخذ في الاعتبار المناصب السيادية، أو أن يكون أحدهما رئيساً للوزراء، والآخر رئيساً للجمهورية مع توسيع صلاحياته بتعديل الدستور لاحقاً، الاّ أن ترجيح خيار المالكي حسبما يبدو قد يحسم الأمر وبخاصة بعد احياء اتفاق كتلة الائتلاف الوطني برئاسة السيد عمار الحكيم مع كتلة دولة القانون .

وكانت تصريحات صدرت عن رئيس اقليم كردستان مسعود البارزاني بشأن عدم وجود خطوط حمر لدى قائمة التحالف الكردستاني على رئيس الوزراء المنتهية ولايته نوري المالكي وأن تحالفه استراتيجي، أو كما عبّر عنه إلى الأبد، وقبله كانت هناك تصريحات مماثلة لرئيس الجمهورية جلال الطالباني، الأمر الذي سيرجّح كفة المالكي، رغم أن الأمور قد تتغيّر والاصطفافات قد تتبدل، لكن الرأي الاقليمي، ولاسيما الايراني إضافة إلى الرأي الأمريكي، سيبقيان مؤثرين على نحو حاسم في الاختيار .

إن الوضع القائم هو انعكاس لأزمة دستورية وفراغ سياسي من أسبابه قانون انتخابات غير متوازن ودستور مليء بالألغام واصطفافات ما تزال قلقة، وثقة تكاد تكون معدومة بين الأطراف السياسية، ناهيكم عن منافسات سياسية مشروعة وغير مشروعة، الأمر الذي شجع على تفقيس بيض الإرهاب في محاولة لإعادة العملية السياسية القهقري، لا سيما زيادة حدّة الاستقطاب الطائفي والإثني، ولهذا حضر جو بايدن بثقله للمرة الثالثة والتقى بالكتل الرئيسية، وتحدث من موقعه عن رغبة في التوصل إلى اتفاق على تشكيل الحكومة والتعاون بين الأطراف الفائزة .

ولو افترضنا أن الحكومة سيتم تأليفها بعد عيد الفطر بشهر واحد مثلاً كواحد من الاحتمالات، إذ إن بقاء الحال كما هو عليه يعني دخول الحالة العراقية في تعويم سياسي لا يعرف أحد نتائجه في ظل الانشقاقات الحاصلة، الأمر الذي لوّح باحتمال طلب تدخل الأمم المتحدة والمجتمع الدولي للتوصل إلى اتفاق بشأن الحكومة القادمة، وهو ما جاء على لسان نائب رئيس الجمهورية طارق الهاشمي القيادي البارز في كتلة العراقية، خصوصاً في ظل ضعف هيبة الدولة، وبخاصة قواتها المسلحة، ناهيكم عن التردّي في الخدمات الضرورية، لا سيما الماء والكهرباء والتعليم والصحة، تلك التي ظلّ العراق يعاني منها طيلة السنوات السبع ونيّف الماضية .

وما زال الأمن هشّاً ويتعرض لاختراقات خطرة بين فترة وأخرى، رغم تحسنه النسبي منذ العام، 2008 وما زالت الميليشيات قائمة وتثير إشكالات بين الفينة والفينة، والتقاسم الوظيفي، المذهبي والإثني ما زال سائداً، والفساد المالي والإداري مستشرٍ، وموضوع الانسحاب الأمريكي ما زال يثير الكثير من التداعيات، الأمر الذي تتحفز له جميع القوى، خصوصاً أنه بدأ في أواخر شهر آب (أغسطس) ،2010 بسحب نحو 91 الف جندي وتسليم عدد كبير من القواعد العسكرية للحكومة العراقية مع بقاء خمس قواعد أساسية وبحدود 50 ألف جندي بمعدّات كاملة وجاهزية عالية وطائرات ومستلزمات تدخل سريع وزيارة عدد أفراد الشركات الأمنية، وذلك للتدخل السريع، إضافة إلى ما هو معلن من تأهيل وتدريب القوات العراقية .

لعل قرار الانسحاب الأمريكي من العراق يعتبر من أكبر وأخطر التحديات، التي تواجه المرحلة الراهنة، ولا أظن أن القوى المشاركة في العملية السياسية كانت ستطلب من واشنطن الإسراع فيه، لولا أن واشنطن هي ذاتها شعرت بالتورط والخيبة إزاء فشل مشروعها الامبراطوري فبادرت إلى اعلان الانسحاب، وبخاصة ارتفاع حجم الضحايا والخسائر البشرية والمادية، حيث بلغ عدد القتلى ما يقارب ،4400 أما عدد الجرحى والمعوّقين فقد زاد عن 20 ألفاً، يضاف اليهم أعداد كبيرة من المتعاقدين والمرتزقة .

وقد كلّفت الحرب على العراق أكثر من 3 تريليونات دولار حتى نهاية العام ،2008 كما أن ضغط الرأي العام الأمريكي والعالمي، لاسيما القوى المناوئة للحرب، ازداد على ادارة أوباما التي شعرت أنها ليست مسؤولة عن الاحتلال، خصوصاً بعد الفشل المرير، يضاف إلى ذلك الأزمة المالية والاقتصادية العالمية وانعكاساتها على الولايات المتحدة وانهيار مصارف كبرى وشركات تأمين عملاقة، الأمر الذي استوجب إعادة النظر بوجود قوات محتلة في العراق، مع ازدياد الحاجة إلى ارسال عدد منها إلى افغانستان الذي بدا ساحة ساخنة جداً .

ولكن لا ينبغي الاعتقاد بأن الولايات المتحدة ستترك الساحة خالية لإيران التي تعاظم نفوذها على نحو واسع، ولذلك ستحاول من خلال وجودها العسكري ونفوذها السياسي ودورها الاقتصادي، وخصوصاً في ظل وجود الاتفاقية العراقية -الأمريكية التي ستنتهي في أواخر العام ،2011 أن تلعب دوراً أساسياً في العراق يحدّ من النفوذ الايراني ويؤمن لها مصالحها وبخاصة النفطية، مثلما يحفظ لها “أمن” حليفتها في المنطقة “إسرائيل”، والاعتقاد السائد أن اتفاقية جديدة سيتم إبرامها بين واشنطن وبغداد بعد انتهاء الاتفاقية المذكورة، لكي لا يحصل نوع من الفراغ الأمني والسياسي، وكذلك لتأكيد دور واشنطن والتزاماتها إزاء العراق .

إن واشنطن تريد أن تطمئن على مستقبلها من جهة، ومن جهة ثانية تسعى لقطع الطريق على الأوساط الأكثر قرباً من إيران، فليس من المنطقي وبعد كل خساراتها، أن تقدّم العراق على طبق من ذهب إلى ايران . ولهذا فهي تسعى لقيام حكومة لا تكون فناءً خلفياً لإيران، مثلما يمكن وضعها في مواجهة محدودة أو جزئية معها، وهو ما يرضي طهران أيضاً على حساب حكومة حليفة لواشنطن ومعادية لها، حيث يمكنها أن تكون رأس حربة في صراع واشنطن-طهران في العراق، وهو ما تتحسّب له طهران بشدة، مثلما تدرك الولايات المتحدة أن سعيها لفرض حكومة من هذا النوع سيعني فشلها، ولهذا فهي تتوافق مع طهران في إطار توازن القوى والواقعية السياسية لحكومة منتصف الطريق . ولعل ذلك ما يريده بايدن من العراق حالياً .

باحث ومفكر عربي



400
التنمية الموعودة والشراكة المنشودة!
لا تنمية حقيقية دون شراكة وتكامل بين الدولة والمجتمع المدني

عبد الحسين شعبان
دخل مفهوم الشراكة واصطلاحاتها، ولا سيما بين القطاعين العام والخاص والمجتمع المدني الأدب السياسي والاقتصادي والحقوقي في إطار إرهاصات التغيير الدولي والإقليمي التي شهدتها سنوات الثمانينيات، والتي اتسعت في أواخرها بانهيار الأنظمة الشمولية وسقوط جدار برلين، الأمر الذي أخذ يتردد كثيراً في وثائق الأمم المتحدة والمنظمات الدولية الحكومية وغير الحكومية، بما فيها جامعة الدول العربية، وقد أقرّت بعض البلدان العربية في السنوات الأخيرة مسألة الشراكة مع المجتمع المدني، وإنْ بتحفظ أحياناً، وقد ركّز البنك الدولي على مسألة الشراكة بين القطاعين العام والخاص والمجتمع المدني واعتبرها مسألة أساسية لتطبيق سياسات الإصلاح الاقتصادي بهدف تحقيق التنمية البشرية.
وقد شهد العالم مبادرات كثيرة للأمم المتحدة طبقاً لمبدأ الشراكة، منها مؤتمر ريو دو جانيرو عام 1992، والمؤتمر الدولي الثاني لحقوق الإنسان المنعقد في فيينا عام 1993، والمؤتمر الدولي للسكان والتنمية عام 1994، والقمة العالمية للتنمية في كوبنهاجن عام 1995، ومؤتمر بكين العالمي للمرأة عام 1995، وقمة الألفية الثالثة للتنمية عام 2000، ومؤتمر ديربن العالمي حول العنصرية عام 2001، ومؤتمر القمة العالمي للتنمية المستدامة المنعقد في جوهانسبرج عام 2002 وغيرها. وتشكّل هذه المؤتمرات الدولية إطارا مرجعيا فيما يتعلق بالتنمية المستدامة والقضاء على الفقر وتحقيق المساواة بين البشر ومنع التمييز، كما ارتبط مفهوم الشراكة بالتنمية وبالسياسات التنموية دوليا وإقليميا.
وقد انتقل مفهوم الشراكة من النطاق الاقتصادي والإداري وعلاقات السوق إلى النطاق الذي يبحث في شراكة المجتمع المدني مع الحكومات، خصوصاً وقد أصبح وجود منظمات مدنية شريكة للحكومات وقوة اقتراحية وتكاملية على النطاق الدولي، مسألة لا غنى عنها لعملية التنمية السياسية والاقتصادية والاجتماعية، والثقافية والحقوقية، الأمر الذي حدثت معه تطورات على صعيد القوانين الناظمة والعلاقات القانونية لهذه الشراكة وآفاقها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، ولا سيما بأبعادها الإنسانية.
وإذا كان مفهوم الشراكة حديثاً بين الحكومات والقطاع الخاص والمجتمع المدني، ولا سيما في البلدان النامية ومنها البلدان العربية، فإن الأنظمة الديمقراطية اعتبرته مسألة ضرورية لإحداث التغيير والتحوّل الاجتماعي، بتعاضد الجهود وتكامل المهمات بين القطاعات الثلاثة، خصوصاً في ظل مصالحة بينها تقوم على أساس التكامل والتفاعل، وليس الصدام والصراع.
الشراكة تعني الاتفاق بخصوص تحقيق أهداف مشتركة أو محددة ويفترض أن تتضمن شكلاً من أشكال الاعتراف بالآخر وبدوره كطرف شريك كلياً أو جزئياً طالما يمكنه أن يسهم في عملية التنمية. ولعل فكرة الشراكة هي مقاربة تنموية لعلاقة حكومية مع المجتمع المدني، لاستكمال وملاقحة قدرات وإمكانات الطرفين لتحقيق بعض الأهداف، حيث يتم ضمّ المزايا النسبية لكل طرف إلى الطرف الآخر في إطار تشاركي. وكانت قمة كوبنهاجن منعطفاً في الفكر التنموي، ولا سيما بعد اعتبار الحق في التنمية أحد الحقوق الأساسية الفردية والجماعية، التي لا تستقيم مسألة حقوق الإنسان من دونها لضمّها إلى حزمة الحقوق التي لا يمكن تجزئتها أو إهمال عناصر منها.
ومنذ صدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948 احتدم النقاش والجدال حول أية طريق للتنمية ينبغي اختياره، وتعمّق الصراع في الفترة الساخنة من الحرب الباردة بين الرأسمالية والاشتراكية، ولا سيما بصدور العهدين الدوليين عام 1966، اللذين يمثلان مع الإعلان العالمي ما نطلق عليه "الشرعة الدولية لحقوق الإنسان"، حيث كان المعسكر الغربي يميل إلى الحقوق الفردية والسياسية والمدنية، ويهمل إلى حدود غير قليلة الحقوق الجماعية (وبخاصة حقوق الشعوب) والاقتصادية والاجتماعية والثقافية في حين أن المعسكر الشرقي كان يدعو للحقوق الجماعية، ويتشبث بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ويعطيها الأولوية على حساب الحقوق الأخرى الفردية والسياسية والمدنية التي يعتمدها الغرب.
ولكن بعد صدور إعلان الحق في التنمية في عام 1986 وتكريس ذلك دولياً وانعقاد مؤتمر قمة كوبنهاجن عام 1995 التزم 117 رئيس دولة "بخلق تنمية اقتصادية وسياسية واجتماعية وثقافية وقانونية، تتيح لكل المجموعات البشرية بلوغ النمو الاقتصادي، وهو الأمر الذي لا يتحقق بصورة سليمة دون شراكة المجتمع المدني وهو ما أخذت الأمم المتحدة تؤكده، وتدعو الدول والبلدان لاعتماده بدعوة منظمات المجتمع المدني لحضور اجتماعات موازية.
وإذا كانت منظمات المجتمع المدني هي جمعيات ومؤسسات غير حكومية متنوّعة الاهتمامات ومتعدّدة الاختصاصات، فهي طوعية وحرّة وسلمية ومستقلة، كما أنها غير وراثية، ولا تهدف إلى الربح، ولعلّ من أهم أهدافها هو تحقيق التنمية بجميع جوانبها في المجتمع، الأمر الذي يمكن اعتبارها شريكاً ومكملاً للحكومات في رسم وتنفيذ السياسات العامة، وفي اتخاذ القرار من جهة، ومن جهة أخرى، رصد ومراقبة الانتهاكات والتجاوزات وقضايا الفساد التي تشكل معوّقاً من معوّقات التنمية، ولعل طموح المجتمع المدني يزداد اتساعاً حين يسعى لكي يكون قوة اقتراح واشتراك وتفاعل، وليس قوة احتجاج أو اعتراض أو تنافر فحسب. وإذا كانت ثمة معوّقات تحول دون وصول المجتمع المدني فيما يطمح إليه، فإن حداثة التجربة، ولا سيما في عالمنا العربي وتدنّي مستوى القدرات وضعف التكوين وغلاظة بعض التشريعات وشحّ الحريات، خصوصاً حرية التعبير وحق التنظيم السياسي والنقابي والاجتماعي وحق الاعتقاد، كلها عوامل تعرقل في تحقيق شراكة المجتمع المدني مع الحكومات، وبالتالي تعطّل التنمية الموعودة. ولعل مثل هذه القضايا تتشابك مع المعوّقات التي تحول دون تحقيق التنمية المستدامة، ومنها عقبات خارجية مثل الاحتلال والحصار والعدوان ومحاولات فرض الاستتباع، مثلما هناك عقبات داخلية مثل الموروث والعادات والتقاليد واستخدام وتوظيف الدين وتعاليمه السمحة على نحو خاطئ وضار وباسم الإسلام أحياناً، وهو ما نطلق عليه مصطلح الإسلاملوجيا.
كما أن تفشي الفقر ونقص الثقافة والمعرفة بما فيها استشراء الأمية يشكّل عقبة كأداء أمام التنمية، ناهيكم عن وجود عدد من الأنظمة الانغلاقية والاستبدادية، التي تنظر بارتياب إلى المجتمع المدني ومبادراته، وترفض مبدأ الشراكة أو تتنكّر له في الواقع العملي.
وإذا كانت تلك العوامل عقبة أمام التنمية الموعودة، فإن ضعف المواطنة وتصارع الهوّيات، بين هوية كبرى أحياناً وهويات فرعية لا يتم الاعتراف بها، سواء كانت قومية أو دينية أو لغوية أو سلالية، وعدم توافر عنصر المساواة كأساس للدولة العصرية، يحول دون الوصول إلى شاطئ التنمية المنشود، مضافاً إليه استمرار ظاهرة التمزق المجتمعي مذهبياً وطائفياً وعشائرياً وجهوياً، بما يؤدي إلى عرقلة عمليات التنمية، بوضع الكوابح أمام مشاركة المجتمع المدني للحكومات باتخاذ القرار، كما أن عدم تلبية "حقوق الأقليات" وعدم تمكين المرأة ومساواتها مع الرجل وعدم الإقرار بالتعددية والتنوّع الثقافي عوامل أخرى تؤدي إلى عدم تحقيق التنمية الموعودة. من هنا تأتي دراسة عديد من المنظمات الدولية بما فيها الأمم المتحدة وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي واليونسكو والإسكوا، لدور المجتمع المدني ومدى إمكاناته بالمساهمة في التنمية، حيث تصبح التنمية الغائبة قائمة، والمستحيلة ممكنة والمفقودة موعودة، ولا شك أن ذلك يتطلب أيضاً ومن خلال الضغط موافقة الحكومات وقبولها بهذا الدور، وكذلك الجماعات السياسية والتنظيمات القائمة في المجتمع دينية أو سياسية. وعلى المجتمع المدني أن يكون هو الآخر جاهزاً، ويسعى لمعالجة مشكلاته وثغراته من خلال جاهزية فكرية وأجندات وطنية تلبّي احتياجات الجمهور، ومن خلال عمل ديمقراطي طويل الأمد ومتراكم وسلمي، فالمجتمع المدني لا يسعى للوصول إلى السلطة، وليس لديه ميليشيات، ولا ينبغي أن يقتصر على طائفة أو طبقة أو دين، كما أن الانتماء إليه طوعي، وعليه ألا ينخرط في الصراع الأيديولوجي والعقائدي الدائر في مجتمعاتنا، ويعمل وفقاً للقوانين والأنظمة السائدة، ولا يلجأ إلى العمل السري، وإذا كانت الحركات والأحزاب السياسية تريد التغيير عبر الوصول إلى السلطة، فإن المجتمع المدني يريد تغيير المعادلات السياسية لتكون أكثر توازناً وعدلاً. إن ذلك ما يجعله شريكاً حقيقياً في التنمية، وهو ما تنبّهت له الأمم المتحدة ومنظماتها التي أخذت تدعوه إلى القمم العالمية كشريك، وهو ما فعلته جامعة الدول العربية في مؤتمر قمة الكويت (الاقتصادية)، والذي يحتاج إلى اعتماده دورياً في جميع القمم العربية بصورة دائمة.
ولعل التحضير لمؤتمر قمة عربية ثقافية من جانب جامعة الدول العربية وبالتعاون مع مؤسسة الفكر العربي، وكذلك مع الإسكوا (المنظمة العربية للثقافة والتربية والعلوم) الذي التأم اجتماعه التحضيري في بيروت أخيرا، يعني فيما يعنيه دعوة جديدة لمؤسسات المجتمع المدني لكي تكون شريكاً فعّالاً في عملية التنمية، وهي دعوة للإسهام من جانب المثقفين ببرامج عمل ومقترحات ملموسة والضغط بكل السبل الممكنة لإعلاء شأن الثقافة والمثقفين لكي يأخذوا دورهم في المشاركة في التنمية والإسهام في صنع القرار. إذا كان وصف العلاقة بين الدولة والمجتمع المدني في عالمنا العربي، بأنها متوترة وضدّية، أي تعارضية وغير تصالحية في ظل شحّ الحريات والتحريم من جانب الأولى، والاحتجاج والاعتراض من جانب الثانية، فإنها ينبغي أن تتحول إلى قوة شراكة لاقتراح مشاريع قوانين ولوائح، لكي يكون المجتمع المدني متكاملاً مع الدولة، وعلى الدولة القبول بدوره، بل وحقه في المشاركة في عملية التنمية ودراسة اقتراحاته ومدى مساهماته في التخطيط والتنفيذ.
ولعل في مثل هذا التوجه يمكن بناء استراتيجيات وطنية ورسم سياسات عامة تُسهم في عملية التنمية وتأخذ في نظر الاعتبار مشاركة المجتمع المدني، الأمر الذي يتطلب توفير مستلزمات بنائها على أسس مستقلة وسليمة من خلال تهيئة بيئات ومناخات لتطورها على المستوى التشريعي والقانوني وعلى المستوى التربوي والتعليمي، وكذلك على المستوى القضائي وعلى المستوى الإعلامي.
واستخلاصاً مما تقدّم يمكن القول بأن لا تنمية حقيقية دون شراكة وتكامل مع المجتمع المدني، خصوصاً إذا قصدنا التنمية بمعناها الشامل، البشري، والإنساني، والسياسي والاقتصادي والاجتماعي والقانوني والثقافي، وتلك خبرة الأمم والدول والشعوب التي سبقتنا في مضمار التنمية الحقيقية.


401
المنبر الحر / اعتقال العقل
« في: 19:01 06/09/2010  »
اعتقال العقل   

عبدالحسين شعبان
نصّت معظم دساتير البلدان العربية والإسلامية وقوانينها النافذة على حرية التعبير، باعتبارها من الحقوق الأساسية للإنسان، بإضافة حق الاعتقاد وحق التنظيم الحزبي والنقابي والمهني والحق في المشاركة السياسية، وهو ما تضمنته الشرعة الدولية لحقوق الإنسان، لا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر في 10 ديسمبر/ كانون الأول عام ،1948 والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الصادر في عام 1966 عن الجمعية العامة للأمم المتحدة، والذي دخل حيّز التنفيذ في عام 1976 .

لكن هذا الحق غالباً ما يتم تقييده بقانون، ليسلب روحه أو ليخفض سقفه في الممارسة إلى ما تريده السلطات، حيث بامكانها إنزال العقاب بالمخالفين . وقد صعدت الظاهرة الدينية إلى الواجهة في العقود الثلاثة الماضية، وهو ما نطلق عليه “الإسلام السياسي”، وأخذت بعض القوى الدينية تعد نفسها “سلطة” تصدر فتاوى وتحاسب على من يخالفها، متهمة إياهم بالردّة والمروق، وصولاً إلى إعطاء نفسها الحق في استخدام العنف والإرهاب، بادعائها امتلاك الحقيقة والأفضليات، والنطق باسم الدين أو تمثيل الله، ولعل ما سهّل لها مهماتها هو ممالأة بعض السلطات الحاكمة لها، إمّا لكسب ودّها أو لتجنب الصدام معها .

وإذا كان بعض قوى الإسلام السياسي نفسه ضحية لحرية التعبير في ظل أنظمة استبدادية أو لا ديمقراطية، فإنه في الوقت ذاته هو الوجه الآخر للاستبداد واللاديمقراطية وعدم الاعتراف بحرية التعبير، لا سيما عندما يقترب من السلطة أو يكون جزءاً منها، باستخدام سلاح الفتوى أحياناً لأغراض سياسية، ومن دون علم ومعرفة من جهة، ومن جهة ثانية للتأثير في جمهور الغوغاء، في لحظة ضعف الوعي وشحّ الحريات وسوء الوضع المعيشي، وهو الأمر الذي قد يتحوّل إلى لغم ينفجر في أية لحظة، منذراً بفتنة مذهبية أو طائفية أو دينية .

وأظن أن منطقتنا العربية في مشرقها ومغربها شهدت أحداثاً عنفية وإرهابية جسيمة تحت عناوين مختلفة، لكن ما يجمعها هو “الإسلام السياسي” وتحريم وتجريم الآخرين، والزعم ب “إقامة الحد” دون اعتبار لوجود قانون وسلطة قضائية، وذلك بالتعكز على نصوص يتم تأويلها وتفسيرها إغراضياً، وتبرير تطبيق مبادئ الشريعة الإسلامية إزاء مخالفيها، الأمر الذي يشيع نوعاً من الإرهاب الاجتماعي، قد يكون أحياناً أقسى من إرهاب السلطات، بل ويعطيها مبرراً بمثل هذا السلوك اللاقانوني واللاشرعي، على إجراءاتها اللاقانونية واللاشرعية، المتعلقة بحرية التعبير وحجب الرأي الآخر .

ولعل الإيغال في عمليات التضييق على الحريات وممارسة الإرهاب وتشديد الرقابة وتقليص فرص حرية التعبير التي تقوم بها بعض السلطات، تجد مبرراتها “غير المبررة” بالطبع بالتضييق على الحريات بشكل عام وحرية التعبير بشكل خاص، بحجة مواجهة جماعات التطرف والتعصب والغلوّ والمنظمات الإرهابية، وهو ما جرى بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول الإرهابية وما تعمّق بعد احتلال أفغانستان والعراق، وشيوع ظاهرة الإرهاب، لاسيما ببروز تنظيم القاعدة .

وباعتقادي، أن الفكر لا يقابل بالعنف أو الاغتيال أو إخفاء الصوت الآخر، كما لا يُحسم بالقضاء . الفكر يُردُّ بالفكر، وسماحة الحوار تتسع لصراع الأفكار . أما جعجعة السلاح فلا تنتج طحيناً، بل تجعله خليطاً برائحة البارود . والحوار يجب أن يتجه أولاً وقبل كل شيء بإقرار حق الغير “الآخر” في التعبير وفي التعايش وفي المنافسة السلمية، ثم لاستخلاص ما هو ضروري لإدامة السلام الاهلي واحترام حقوق الجميع .

وبتقديري أن مكان حرية الفكر والبحث العلمي والأكاديمي، هو قاعات الجامعات وأروقة الكليات والمعاهد وحلقات الدرس والبحث والمنابر الفكرية والثقافية، وفي إطارها يتم النقاش والجدل، فهي المكان الطبيعي والرحب لتبادل الأفكار واستمزاج الآراء وقرع الحجة بالحجة، والدليل بالدليل، والشك بالشك، والبرهان بالبرهان .

وفي الجامعات ومراكز الأبحاث والدراسات تبدأ الأسئلة والشكوك ويثور الانتقاد ويتم البحث والاجتهاد، في محاولة الوصول إلى أجوبة مقنعة وبراهين .

أما محاكمة الفكر أو محاصرته اجتماعياً لدعاوى سياسية أو اعتبارات طائفية أو مذهبية أو دينية لا علاقة لها بالدين أحياناً، فتعني إصدار حكم بالموت المدني من دون محاكمة، وهي مناقضة لروح وجوهر الإسلام الذي يقرّ بمبدأ التسامح، ولعل عدم التسامح يعني منع الاجتهاد وتحريم وتكفير أي رأي حرّ وجديد، بحجة المروق والخروج على الدين .

وتزداد اللوحة قتامة في ظل الدين الواحد حين يتم التمترس الطائفي والمذهبي، وحين يُنظر إلى الآخر بوصفه خصماً أو عدواً، بل أشد عداوة من العدو الحقيقي أحياناً، وتجري محاولات لإلغاء الفِرَق والمذاهب والاجتهادات وتعميم نظرة أحادية الجانب، وفقاً للأفكار الشمولية التي لا تعترف بالغير .

ولا أظن أن مجتمعاً من دون اختلافات أو اجتهادات متعارضة مختلفة أو انقسام في الرأي أو معارضة، موجود أو أنه وِجدَ في الكون منذ الخليقة، بل أستطيع القول إن مجتمعاً بلا اختلاف أو تمايز أو خصوصيات، هو من صنع الخيال، ولا وجود له على أرض الواقع، بل إنه مجتمع ميت إنْ وجد، فالتماثل ضربٌ من المحال .

التعددية والتنوّع وحق الاختلاف والاجتهاد، هي بعض عناصر يقظة الوعي ومن أركان تنشيطه بما يساعد على التطور والتجدد ولا تستقيم هوية “الأنا” من دون هوية “الآخر” .

وجاء في القران الكريم “ . . . واختلاف ألسنتكم وألوانكم لآيات للعالمين” (سورة الروم: آية 22)، والاختلاف لا يلغي الائتلاف بالطبع “ولو شاء ربّك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً أفانت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين” (سورة يونس: الآية 99)، وجاء في (سورة البقرة: الآية 256): “لا إكراه في الدين قد تبّين الرشد من الغيّ . . .” وجاء في (سورة الكهف: الآية 29): “وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر . . .” .

وسمح الإسلام بحرية الخطأ إذا لم يكن مقصوداً، خصوصاً إذا استهدف الاجتهاد الفكري واستنباط الحلول والأحكام حين أكد الفقه الإسلامي أن “المجتهد إن أصاب فله حسنتان، وإن أخطأ فله حسنة الاجتهاد” بمعنى أن الخطأ مع الاجتهاد يتحول إلى حسنة، لأنه محاولة لاستخدام العقل، وكانت بعض الفرق الإسلامية كالمعتزلة والصوفية وغيرها قد أكدت دور العقل بموازاة النقل، خصوصاً بكل ما له علاقة بشؤون الحياة .

وذهب الإمام الشافعي إلى القول “رأيي على صواب ولكنه يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ، ولكنه يحتمل الصواب” . وهو ردٌ بليغ على أفكار التعصب والانغلاق والعنف، وعقلية التأثيم والتحريم والتجريم وفرض الرأي، التي قادت من الناحية السياسية إلى احتكار الحكم وتبرير مصادرة حقوق الآخرين، تارة باسم القومية أو بحجة الصراع العربي  “الإسرائيلي”، وأخرى باسم الطبقة العاملة ومصالح الكادحين، وثالثة باسم الدين، لإسكات أي صوت ولتسويغ فكرة الاستئثار وادّعاء امتلاك الحقيقة .

لعل ذلك حسب أدونيس لا يعني سوى “اعتقال العقل”، أي عقل الذات الآخر، الذي ستصبح صورته، هي صورة الخصم والعدو والمشبوه والعميل بلغة السياسة والأيديولوجيا، والزنديق والكافر والمارق والملحد بلغة الدين .

 باحث ومفكر عربي




402

اليوم العربي للتسامح
بيان صحفي
يصادف اليوم الثاني من أيلول/ سبتمبر اليوم العربي للتسامح، الذي كانت قد أعلنته الشبكة العربية للتسامح كيوم لتعزيز ثقافة التسامح، وترسيخ مبادئ الديمقراطية، وبخاصة حرية الرأي والتعبير والاعتقاد، والوقوف في وجه ثقافة التعصب وإقصاء الآخر التي أصبحت سائدة في معظم بلدان العالم العربي.

يأتي هذا اليوم في ظل أوضاع عربية غاية في الصعوبة والتعقيد من احتلالات خارجية، وصراعات داخلية تأخذ أشكالا ومسميات عديدة لكنها في المحصلة تدفع باتجاه إلغاء الحق في تقرير المصير، وتطييف المنطقة العربية وتفتيتها إلى دويلات قائمة على أساس طائفي أو عرقي، مما يشكل تهديدا جديا ليس فقط لقيم التسامح وثقافة قبول الآخر بل أيضا لوحدة النسيج الاجتماعي للشعوب العربية بعضها مع بعض، بل وحتى لمواطني الدولة الواحدة.

إن الشبكة العربية للتسامح وهي تسعى لأن يتم اعتماد تاريخ الثاني من أيلول/ سبتمبر من كل عام كيوم عربي للتسامح من قبل الجامعة العربية، فإنها تدعو لأن يخصص هذا التاريخ من قبل مؤسسات المجتمع المدني لفعاليات تؤكد على ضرورة مناهضة جميع أشكال ومظاهر العنف والتعصب داخل المجتمعات العربية، وإشاعة ثقافة السلم المجتمعي والتسامح والحوار والتقاليد الديمقراطية الحقيقية، والتأكيد على مبدأ الحق في الاختلاف، وتوسيع هوامش الحريات العامة وفي مقدمتها حرية الرأي والتعبير والاعتقاد.

إن الشبكة العربية للتسامح تؤمن بأن التغيير باتجاه مجتمع عربي حر ومتطور ومتجانس ومتآلف وعصري يحترم الحرية والتعددية وحقوق الأفراد هو هدف نبيل يمكن تحقيقه بالعمل الجاد والمتواصل لكافة القوى المؤمنة بالتحرر والديمقراطية والعدالة الاجتماعية في البلدان العربية.


403
المنبر الحر / جرائم بلا عقاب
« في: 21:41 17/08/2010  »
جرائم بلا عقاب
   

 

عبدالحسين شعبان
إذا كانت “إسرائيل” قد ارتكبت في تاريخها الذي يربو على 62 عاماً جرائم كثيرة، وانتهكت بصورة سافرة قواعد القانون الدولي بشن الحرب واحتلال الأراضي وضمّها وارتكاب مجازر ضد الانسانية وأعمال إبادة جماعية، إضافة الى جرائم الحرب، فإن حربها ضد غزة أواخر العام 2008  اوائل العام 2009 والتي دامت 22 يوماً بعد حصار لا إنساني لثلاثة أعوام، كانت الأكثر جدلاً ونقاشاً، لاسيما بشأن مسألة الإفلات من العقاب، خصوصاً لحجم الانتهاكات الصارخة من جهة، وارتفاع حساسية المجتمع الدولي من جهة أخرى، والذي تجلّى بصدور تقرير عن لجنة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق، والذي عُرف باسم تقرير غولدستون، حيث اتهم “إسرائيل” بارتكاب جرائم ترتقي الى جرائم حرب، وبالتالي فإن هذا التقرير كان إضافة جديدة الى مسؤوليات المجتمع الدولي بشأن ملاحقة المرتكبين “الإسرائيليين” للجرائم وعدم جعلهم يفلتون من العقاب .

لقد أقرّ ميثاق الأمم المتحدة مبادئ العدالة وأكدّ احترام الالتزامات الناجمة عن المعاهدات والاتفاقيات الدولية، باعتبارها أحد أهم مصادر القانون الدولي المعاصر، الاّ أن رقعة الانتهاكات للقانون الدولي لا تزال مستمرة، وأن حجم الارتكابات مثير للقلق، وهو ما يضع علامات استفهام كبيرة وجدّية أمام المجتمع الدولي بشأن نظام العدالة السائد، ويضع أمامه تحديات بخصوص استخفاف “إسرائيل” وتنكّرها للقواعد والقرارات الدولية، لاسيما تلك التي تصدرها الأمم المتحدة .

وكانت ردة الفعل الحقوقية على عملية الرصاص المسكوب أو المنصهر هو قيام منظمات محلية ودولية لجمع معلومات وتقديم تقارير وتوصيات وتحديد مهمات لملاحقة المرتكبين من خلال لجان تقصي حقائق، ولعل أبرز المنظمات كانت منظمة عدالة وجمعية حقوق الإنسان في “إسرائيل” ومنظمة الحق الفلسطينية  والمركز الفلسطيني لحقوق الإنسان . وقامت هذه المنظمات بالتعاون مع الفيدرالية الدولية في توثيق الجرائم والانتهاكات في عمل مهني  حقوقي - إنساني .

ولعل مسألة الجريمة والعقاب وملاحقة “إسرائيل” والمتهمين بارتكاب جرائم، لا تتوقف عند حدود، فما أن تنتهي قصة، حتى تبدأ أخرى . وقد كشفت عملية اغتيال محمود المبحوح حجم الإرهاب الدولي، الحكومي، الرسمي الذي تقوم به “دولة” عضو في الأمم المتحدة، وكانت “الدولة” الوحيدة التي اشترطت عليها المنظمة الدولية تأمين احترام حقوق الإنسان، لاسيما لعرب فلسطين والإقرار بحق اللاجئين بالعودة بالقرار 194 الصادر عام ،1948 لكن هذه الجريمة أعادت مطالبة المجتمع الدولي وهيئات حقوقية ودولية ملاحقة المرتكبين “الإسرائيليين” وتوجيه لائحة اتهام ضدهم .

لقد أصحبت مسألة إفلات “إسرائيل” من العقاب مثار جدل فقهي دولي، قانوني وسياسي، لاسيما أن العديد من المنظمات الدولية، خصوصاً الحقوقية أخذت تضغط على المجتمع الدولي للتمسك بمبدأ عدم إفلات المرتكبين من أيدي العدالة، خصوصاً إذا ما عرفنا أن حماية السلم والأمن الدوليين هو أحد أبرز الأهداف السامية للأمم المتحدة والتي لا يمكن تحقيقها دون بلوغ احترام حقوق الإنسان وتأمين مبادئ العدالة، خصوصاً ضمان حق الحياة والعيش بسلام ودون خوف، فالعدالة ضمان للسلام على المستويين الوطني والدولي .

وأظهرت الحرب المفتوحة على غزة مدى استهانة “إسرائيل” باتفاقيات جنيف لعام 1949 وبقواعد القانون الدولي، وهو ما يؤكده حجم الدمار الذي حلّ بالبشر والعمران والمرافق الاقتصادية والحيوية والبيئية، وارتفاع نسبة الوفيات بين المدنيين التي تجاوزت حسب بعض التقارير أكثر من 80 % من الضحايا البالغ عددهم أكثر من 1400 قتيل، وأكثر من 5 آلاف جريح وهدم وتدمير كلي أو جزئي لنحو 20 ألف منزل .

إن بحث مسألة الجريمة والعقاب لا يتعلق بجانبها النظري فحسب، بل بالجوانب العملية، حين يتم بسطها على طاولة الدراسة والتحقيق والفعل، بما له علاقة بالضحايا وجبر الضرر والتعويض، ناهيكم عن معاقبة المسؤولين وإصلاح نظام العدالة، ف “إسرائيل” على مدى أكثر من ستة عقود من الزمان كانت تعفي نفسها من أية مسؤولية سياسية أو جنائية أو مدنية أو أخلاقية، تجاه خرقها للقوانين الدولية والانسانية .

وهكذا فقد أقدمت على اغتيال محمود المبحوح بدم بارد متجاوزة   سيادات عدد من البلدان، منتهكة بكل استخفاف قواعد القانون الدولي، غير عابئة بردود الفعل الدولية، خصوصاً استخدام جوازات سفر دبلوماسية لعدد من البلدان الأوروبية، وقد كشفت التحقيقات أن طاقماً زاد على 26 عنصراً أسهم في هذه الجريمة . لقد أصرّت دولة الإمارات العربية المتحدة على ملاحقة المرتكبين وكشف خيوط الجريمة، ووضعت بذلك المجتمع الدولي والأمم المتحدة أمام مسؤولياتهما، وكذلك كشفت حجم التواطؤ الدولي، سواءً بتسهيل المهمات أو السكوت أو عدم اتخاذ إجراءات جدية إزاء تزوير جوازات سفر عدد من البلدان الأوروبية حيث قام الموساد بتزويد المرتكبين بجوازات سفر دبلوماسية لتنفيذ مهمتهم .

لقد أولت بعض المنظمات الحقوقية الدولية والإقليمية مسألة العدالة الدولية أولوية في نشاطها، الأمر الذي جعل تقاريرها محوراً جديداً للنقاش الداخلي والدولي بشأن الانتهاكات وسبل ملاحقة المرتكبين، خصوصاً وقد قدّمت بعض المنظمات الفلسطينية، لاسيما المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان معلومات الى المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، وكذلك الى القضاء الإسباني لملاحقة المرتكبين “الإسرائيليين” بمن فيهم بن أليعازار وستة آخرين من رفاقه، وقام القضاء الإسباني بتوجيه مذكرة اعتقال بحقهم .

وللأسف فقد أدى الضغط “الإسرائيلي” الى تبنّي البرلمان الإسباني قراراً يحدّ من التشريع الإسباني المتعلق بالولاية الدولية، لكن ذلك لا يمنع من تكرار مثل هذه المحاولات في إسبانيا، وفي غيرها من البلدان التي يأخذ نظامها القضائي بالولاية الدولية، حيث لا يزال الطريق سالكاً، حيث تسمح قوانين نحو 47 دولة باتباع هذا الطريق رغم الضغوط “الإسرائيلية” والأمريكية، وذلك بغض النظر عن مكان وزمان وقوع الجريمة وجنسية المرتكبين أو الضحايا، طالما هي جرائم دولية يحاسب عليها القانون الدولي .

وبخصوص ملاحقة المرتكبين في إطار القضاء “الإسرائيلي”، كما تقتضي قواعد القانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف لعام 1949 وملحقيها لعام 1977 ونظام محكمة روما الأساسي لعام 1998 والذي دخل حيّز التنفيذ العام ،2002 فإنه من النادر أن تتكلل الشكاوى المُقامة في المحاكم “الإسرائيلية” على قلتها أية إدانة تُذكر، إذ لا يُعقل أن يصدر المتهم قراراً بإدانة نفسه وتجريمها، خصوصاً وهو من استخدم الأسلحة المحرمة دولياً ومن قام بالإرهاب والعدوان والاحتلال، ويستمر في بناء جدار الفصل العنصري ويحرم الشعب الفلسطيني من تقرير مصيره بنفسه وبناء دولته الوطنية المستقلة .

إذا كانت “إسرائيل” تستخف بالمجتمع الدولي، لأنها في كل مرة تفلت من يد العدالة، الاّ أن ما قامت به دولة الإمارات من ملاحقة وإصرار لكشف جريمة، يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته، لاسيما أن “إسرائيل” عادت وارتكبت جريمة جديدة عندما هاجمت قافلة الحرية السلمية، وقتلت 9 من ركابها المدنيين الذين جاءوا بمهمة إنسانية ينقلون مواد غذائية ودوائية ضرورية إلى سكان قطاع غزة المحاصر .

ولعل موقف تركيا الحازم إزاء جريمة “إسرائيل” بقتل مواطنيها ومن دعم سكان غزة المحاصرين، قد دخل كعنصر جديد في مقاضاة “إسرائيل”، بحيث لا ينبغي على هذه الجرائم أن تمرّ بلا عقاب، لا على المستوى الجماعي ولا على المستوى الفردي، إذ بإمكان الضحايا أو عوائلهم التقدم الى المحاكم الوطنية في الدول التي تأخذ بالولاية القضائية العالمية، بغض النظر عن جنسية المرتكبين ومكان وقوع الجريمة، لإقامة دعاوى لمحاكمة الجناة فضلاً عن طلب التعويض المادي والمعنوي .

باحث ومفكر عربي


404
دلالات قمة نتنياهو أوباما نووياً   

 

عبدالحسين شعبان
ظلّ الجدل والنقاش الاستراتيجي “الإسرائيلي” متواصلاً، في ما يخص الردع النووي رغم تباين توجهاته، وهيمنة استراتيجية الغموض عليه، إلاّ أن هناك من يدعو إلى التحوّل نحو استراتيجية ردعية واضحة، يتمّ من خلالها تحديد خطوط حمر على الخريطة لا يُسمح بتجاوزها، لاسيما في حال تمّ الانتقال من نظام الدفاع التقليدي إلى نظام الدفاع النووي أو تفعيل الترسانة النووية .

ومثل هذه الخطوة تتطلب إظهار القدرات النووية الردعية وتحديد الشروط المسبقة لاستعمال السلاح النووي، كما تتطلب العمل على توفير نظام ردع فعّال ضد الأطراف المعادية، بحيث يسهم إزالة الغموض في إزالة الخطر على نحو حاسم .

أما الاتجاه الثاني، فيتمسك باستمرارية الغموض النووي، لاعتقاد أصحاب هذا الرأي بأن إزالة الغموض ستؤدي إلى انكشاف “إسرائيل” أمام أعدائها، وخصوصاً في سباق التسلح التقليدي الذي لا تضمن التفوق فيه، بسبب أوضاعها الاقتصادية والجغرافية والديموغرافية، في مواجهة بلدان عربية شاسعة وممتدة ومتنوعة .

وكان بيغن من أوائل المروّجين لهذه النظرية، بهدف منع أي طرف عربي من امتلاك القدرة النووية، حتى إن استدعى الأمر عملاً عسكرياً مضاداً، كما حدث في تموز /يوليو 1981 من قصف مدّمر للمفاعل النووي العراقي . ولعل ذلك ما يهدد باحتمال إقدام “إسرائيل” على قصف المفاعلات النووية الإيرانية، بغض النظر عن التداعيات الإقليمية والدولية التي ستنتج عن هذا الخيار .

وحسب شمعون بيريز فإن امتلاك “إسرائيل” للقدرات النووية هو ما دفع العرب والفلسطينيين للإذعان والذهاب إلى طاولة المفاوضات للتوقيع على اتفاقيات كامب ديفيد، وأوسلو، وإبرام معاهدات الصلح المنفردة والسير في مسالك التطبيع .

وهناك اتجاه آخر في الوسط “الإسرائيلي” محدود جداً، يدعو إلى التخلي عن السلاح النووي، بسبب مخاوفه من هذا الانتشار في منطقة الشرق الأوسط، لاسيما أنه يرى أن الجغرافيا والديموغرافيا العربية ستكون قادرة على تعطيل أي ردع “إسرائيلي”، في ميزان الرعب العربي- “الإسرائيلي”، وبالتالي فإن “إسرائيل” ستكون عرضة للخطر، وستعود سيناريوهات الحروب التقليدية للظهور مما يسبب الإنهاك “الإسرائيلي” على جميع الصعد .

وحسب المنطق “الإسرائيلي”، فإن الاعتقاد السائد منذ إنشاء مفاعل ديمونة في صحراء النقب العام 1955 وحتى يومنا هذا، بأن امتلاك “إسرائيل” للقدرات النووية هو المدخل المناسب لإجراء أية تسوية، علماً بأن “إسرائيل” ترفض الانضمام إلى الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وتعمد إلى المبالغة في إضفاء هالة من الغموض حول برنامجها النووي، رغم أن امتلاكها للترسانة النووية واضح ومكشوف للعالم أجمع .

وكانت قمة أوباما - نتنياهو التي عقدت مؤخراً في واشنطن قد أعادت مجدداً طرح مسألة السلاح النووي “الإسرائيلي”، لاسيما بعد ما تردد في الكواليس عن تباعد في المواقف الأمريكية - “الإسرائيلية”، إثر إدلاء البعض في وزارة الخارجية الأمريكية بتصريحات تدعو “إسرائيل” إلى الانضمام إلى معاهدة حظر الانتشار النووي، في سبيل إقامة شرق أوسط خال من كل أسلحة الدمار الشامل، وقد سبق أن تبنّت وزارة الخارجية الأمريكية بموجب وثيقة صادرة عن مؤتمر مراجعة معاهدة حظر الانتشار النووي الذي عقد في أيار/مايو الماضي، الدعوة إلى تنظيم مؤتمر دولي في العام 2012 بمشاركة جميع دول المنطقة، من أجل السعي لإقامة منطقة منزوعة السلاح النووي .

وقد دعت هذه الوثيقة “إسرائيل” إلى ضرورة الانضمام إلى المعاهدة ووضع جميع منشآتها النووية تحت نظام الضمانات الشاملة للوكالة الدولية للطاقة الذرية . وعلى الرغم من أن الدعوة لانعقاد هذا المؤتمر لا تحمل صفة الإلزام، كما أن الإشارة إلى “إسرائيل” لا تشكّل إلزاماً عليها، إلا أن مجرد دعوتها إلى هذا المؤتمر وذكرها بالاسم سبب استياءً “إسرائيلياً”، اعتبره نتنياهو والحكومة “الإسرائيلية” تراجعاً أمريكياً عن مواقف واشنطن التقليدية تجاه “إسرائيل”، مما أوجد نوعاً من الاحتكاك “الإسرائيلي” - الأمريكي . لكن هذا القلق “الإسرائيلي” سرعان ما تمّ تبديده خلال القمة الثنائية (التاريخية حسب بعض التوصيفات) بعد حصول “إسرائيل” على موافقة واشنطن بمنحها المواد الضرورية واللازمة لتشغيل مفاعلاتها النووية للأغراض المدنية، وهو ما حلّ عقدة الحصول على بعض المواد التي كانت تعاني في سبيل الحصول عليها مؤخراً، بسبب عدم انضمامها إلى نظام الضمانات الدولية التي توفرها الوكالة الدولية .

لقد لفت انتباه المراقبين، أنه إذا كانت العلاقات الأمريكية - “الإسرائيلية” قد شهدت توتراً عقب وصول أوباما إلى البيت الأبيض، وخصوصاً بعد التصريحات الرسمية التي صدرت عن إدارته بخصوص السعي لإقامة دولتين ودعوة “إسرائيل” للانضمام إلى معاهدة حظر انتشار السلاح النووي، إلا أنهم رأوا أن القمة الثنائية التي عُقدت بين نتنياهو وأوباما مؤخراً، أتت نتائجها لتصب في صلب الموقف “الإسرائيلي” من الترسانة النووية، وتبني خطة نتنياهو بشأن المفاوضات المباشرة .

إن دعم تل أبيب نووياً من قبل واشنطن يعني تفعيل التفاهم الأمريكي- “الإسرائيلي” لتنظيم العلاقات بين البلدين انطلاقاً من اتفاق العام ،1969 الذي تمّ التوصل إليه بين الرئيس الأمريكي نيكسون ورئيسة الوزراء “الإسرائيلي” غولدا مائير بعد فشل عدة محاولات أمريكية للضغط على “إسرائيل” للانضمام إلى معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية .

أما مضمون التفاهم الجديد فهو يقضي باستمرارية الغموض النووي “الإسرائيلي”، على ألا تكون هنالك تجارب نووية جديدة، مع مراعاة عدم الضغط على “إسرائيل” للانضمام إلى معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية، وهي كلها شروط “إسرائيلية” بامتياز، الأمر الذي عُدّ تراجعاً أمريكياً أقرب إلى الترضية، ونجاحاً “إسرائيلياً”، أقرب إلى رد الاعتبار .

لقد عزّزت قمة نتنياهو - أوباما الاستراتيجية “الإسرائيلية” بشأن الردع النووي، لكونها وسيلة ضغط “إسرائيلية” على السلطة الفلسطينية وقيادة حماس والدول العربية لقبول المدخل “الإسرائيلي” للتسوية وفرض هيمنتها على المنطقة، وهذا هو جوهر التفاهم الأمريكي  “الإسرائيلي” خلال العقود الأربعة الماضية ونيّف، أي منذ عدوان حزيران/يونيو العام 1967 والذي تعزز باتفاق نيكسون-غولدا مائير بالأمس، وتمّ تجديد تأكيده في قمة أوباما نتنياهو اليوم .

باحث ومفكر عربي


405

ثلاث سلطات تلاحق المثقف
      

عبد الحسين شعبان






يعتبر مصطلح "المثقف" مستحدثاً في اللغة العربية من أصل كلمة "Intellectual" حيث كانت العرب لوقت قريب تستخدم مصطلح "الأديب" أو تطلق لفظة "الكاتب" على ما تقصده بالمثقف اليوم أو ما يقع في دائرته.
ارتكزت السلطة المعرفية تاريخياً على ثلاثة أطراف هي أولاً: الحاكم الذي بيده الملك ويريد من الثقافة والمثقف حماية سلطته وبسط سلطانه والانصياع لقراراته، وثانياً العالِم الذي يمثل سلطة الفقيه الديني أو رجل الدين (الوسيط، والمؤدلج لما يريده الحاكم وحلقة الوصل مع الرعية) باستثناءات المثقف أو العالِم "المنشق" الذي يمثل "سلطة" الاعتراض والممانعة، وثالثا العامّي حيث يمثل "العامة" وهم المتلقون وجمهور "الرعية" أو "المواطنون" أو "الشعب" بالمفهوم الحديث.
أما اليوم فقد اختلف الأمر كلياً فلم تعد سلطة "الكاتب" (المثقف) "الجديد" مثل سلطة الكاتب "القديم" تستمد قوتها من الدين (وإنْ كان له قوامه الخاص)، لكنه أخذ تدريجياً يؤثر في الرأي العام ويساهم في تنمية العقل والوجدان وفي تجسيد الأخلاق ونشر الأفكار، مع أن هذه المكانة تصطدم في أحيان كثيرة بدور السياسي والديني وموقعه في سلطة القرار وبخاصة في البلدان النامية، ومنها بلداننا العربية والإسلامية.
وقديماً قالت العرب إن المتأدب هو "من يعرف شيئاً عن كل شيء، ويعرف كل شيء عن شيء". والأدب بمعناه الواسع الثقافة وهو "الأخذ من كل علم بطرف".
إن المعنى الاجتماعي اليوم لكلمة "المثقف" يتسع ليشمل كل من اشتغل بالثقافة إبداعاً ونشاطاً بما يتضمن العاملين في حقل العلوم الطبيعية والدين والفن والفلسفة والكتابة والصحافة والتأليف وغيرها.
ويواجه مثقف اليوم وبخاصة في مجتمعاتنا العربية والإسلامية، ثلاث سلطات:
الأولى هي السلطة الرسمية الحاكمة، التي تحاول أن تطوّعه وتدجّنه بالإقناع أو بالاقتلاع.. بمحاربته بلقمة الخبز أو بمقص الرقيب أو بالعزل أو الاتهام أو السجن أو النفي أو بكاتم الصوت الذي يلاحقه، أي "بالقمع الفكري والأيدولوجي أو بالقمع البوليسي". وقد استعارت بعض المعارضات وربما بالعدوى "أخلاق" الجلاد أحياناً، فسارت في طريق العزل والتهميش والإقصاء إزاء الرأي الآخر.
أما الثانية فهي السلطة التقليدية أو ما نطلق عليه الثيوقراطية الدينية، وهي وإن لعبت أدواراً إيجابية في تخريج النخب، فإنها وقفت في بعض الأحيان ضد عمليات التطوير والتحديث تحت عناوين مختلفة، فتراها تتدخل أحياناً في حرق الكتب وإباحة دم المثقف وتحريم الأفكار، لدرجة أن الحداثة والشعر الحر يصبحان "بدعة وضلالا"، فما بالك بالمسرح والموسيقى والنحت والرقص وغيرها.
وإذا كانت فترة أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين قد شهدت ولادة مصلحين وتنويريين كبار أمثال جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ورفاعة الطهطاوي وعبد الرحمن الكواكبي وشبلي شميّل وسلامة موسى وفرح أنطوان وعلي عبد الرازق وصولاً إلى طه حسين، وخاصة بارتفاع رصيد الدعوات النهضوية، فإن انكفاء وتراجعاً شهدته الدول الوطنية -خاصة في مرحلة ما بعد الاستقلال- ساهم فيه إضافة إلى احتدام الصراع السياسي وشحّ الحريات، اندفاع المؤسسة الدينية أو بعض أطرافها، إما للانضواء تحت مؤسسة الدولة والعمل تحت راية الحاكم، أو للاندفاع بمعارضتها والعمل تحت راية "الإسلام السياسي"، لاسيما عبر تنظيمات دينية بمبررات اتهامها بعدم الالتزام بتعاليم الشريعة الإسلامية والخروج على الدين، وهو ما يسوّغ لها أعمال الإرهاب والعنف.
ويصبح كتاب مثل "ألف ليلة وليلة" أو "رباعيات الخيام" أو "أولاد حارتنا" لنجيب محفوظ أقرب إلى الزندقة، ويتم اغتيال الشيخ الجليل حسين مروة والمفكر المبدع مهدي عامل والباحث فرج فوده ويلاحق نصر حامد أبو زيد ويقاضى بتفريق زوجته -بما يسمّى بالحِسبة- باسم الدين، وظلّ يعيش في المنفى حتى رحيله، وتثار فتنة في القاهرة ضد حيدر حيدر وروايته "وليمة لأعشاب البحر" رغم مرور 17 عاماً على صدورها، وكذلك أثيرت حملة دعائية ضد الفنان اللبناني مارسيل خليفة بحجة تجاوزه على "المقدسات".
كل ذلك يجري باسم الدين في حين أن غاية كل دين هي الإنسان الحر، وذلك بعيداً عن أصابع المفسرين والمؤولين الذين يدّعون أنهم وكلاء الله، ويتم تدمير العقل ونعمة التفكير وهو موهبة ربانية ميز بها "الباري" الإنسان عن سائر المخلوقات، بل الثقافة كقيمة عليا تزيد من إنسانية الإنسان، فالإنسان جوهر كل دين وهدفه الذي يتجلى بالرحمة والغفران والتسامح والصفح والتآزر والحوار ".. وجادلهم بالتي هي أحسن.." (سورة النحل: 125).

إن مثل تلك الإجراءات والتنظيرات والمواقف المتشنجة التي تتعكز على الدين، لا يجمعها جامع مع الدين الإسلامي أو المسيحي أو أي دين آخر. ولا يمكن أن يجتمع الدين بما فيه من مُثل وقيم إنسانية، بالتصفية الجسدية بسبب الاختلاف في الرأي والتحريم للأفكار والآراء.
وفي الوقت الذي ينبري بعض رجال الدين المتطرفين والمتعصبين والغلاة برفع أصبع الاتهام إزاء أي رأي حر أو عمل إبداعي يفسرونه على طريقتهم "الظلامية"، تراهم يسكتون حين يُنتهك تراث العرب والمسلمين وتداس كراماتهم كل يوم وكل ساعة على مرأى ومسمع من السلطة التقليدية، سواءً بالاحتلال أو بالتبعية أو السجون أو الحصار أو الجوع أو الأمية أو التخلف أو تبديد ونهب المال العام، أو كل ذلك، ولا يتم تحريك ساكن "ضد سلطان جائر"!
وهل تكفي بعض أصوات الاحتجاج الخافتة إزاء استمرار الانتهاكات الصارخة والسافرة ضد الشعب العربي الفلسطيني أو العدوان الإسرائيلي ضد لبنان عام 2006 أو حصار غزة الذي يستمر منذ أكثر من أربع سنوات والحرب المفتوحة ضدها أواخر العام 2008 ومطلع العام 2009، وكذلك ما تقوم به القوات المحتلة في العراق من أعمال وحشية منذ العام 2003، في حين تستثار "الغيرة" ويشمّر البعض عن ساعده إزاء نص إبداعي قابل للتفسير والتأويل وفق قراءات متعددة ومختلفة، أو اتخاذ موقف من النقاب في فرنسا أو الاستفتاء على الترخيص لبناء جامع أو تشييد منارة في سويسرا، الأمر الذي يعكس إزدواجية وعدم توازن بين قضايا أساسية وذات أولوية تتعلق بالوجود وبالإنسان وقضايا أخرى رغم أهميتها.
إن الذين يدّعون اليوم أنهم يسيرون على هدي السلف يتخذون مواقف متطرفة، بل مفرطة في الغلو والتعصب ولا يجمعها جامع مع الإسلام، بل ومع أطروحات السلف الذين كانوا أكثر انفتاحاً وتسامحاً وقبولاً لحرية الرأي والتعبير، لاسيما في العهود الإسلامية الأولى!!
أما السلطة الثالثة فهي قوة العادات والتقاليد وسكونية المجتمع، وتدخل فيها اندفاعات الغوغاء كعنصر ضاغط تستخدمه السلطات أحياناً -إضافة إلى الثيوقراطية الدينية- ضد حرية التعبير وحرية التفكير، وغالباً ما يستجيب المجتمع لما اعتاد عليه وما دلّ عليه تواتر الاستعمال من موروث وعادات وتقاليد. أما تأمّل الفكر وأجواؤه الرحبة والسير في دروبه المتعددة ومنعرجاته الكثيرة، فتراها بعيدة عن "العقل السائد" الذي يصبح كل جديد صادماً له، فضلاً عن المعوّقات والعراقيل التي يساهم التخلف في تعميمها كقاعدة، ويصبح التغيير والتجديد استثناءً.
إن العادات والتقاليد الموروثة التي عفا عليها الزمن، تشكل أحياناً عائقاً أمام تقدم المجتمع، خصوصاً إذا تم توظيفها سياسياً أو دينياً أو اجتماعياً بحيث تصبح حجر عثرة أمام التغيير، بل سلطة كابحة لكل جديد ومعرقلاً بوجه كل تقدم، ولا يختلف في ذلك إن كان "الموروث" دينياً أو طائفياً أو عشائرياً أو اجتماعياً أو غير ذلك، حيث يكون الجامع والمشترك له هو الوقوف ضد التقدم والتغيير.
إن الثقافة بمفهومها الواسع تشمل أنواع وأشكال المعرفة والمعتقدات والفنون والآداب والأخلاق والقيم والعادات والتقاليد ونمط العيش والسلوك، في حين يقصرها البعض على مفهوم ضيق يشمل الإنتاج الفكري والإبداعي بشكل عام.
وبقدر ارتباط الثقافة بالحياة تعبّر وتعكس درجة التقدم المادي، الاقتصادي والاجتماعي والتقني والعلمي، إضافة إلى اللغة والدين والفلسفة والفنون والآداب والمأكل والمشرب والأزياء والعمران.
وفي ثقافتنا فإن مكوناتها تستند إلى اللغة والدين والتراث بكل ما تحمله من مركبات، وتشكل قاعدة للهوية الثقافية بانفتاحها وتعدديتها وتفاعلها مع الغير وتأثرها وتأثيرها به، لا بانغلاقها وجمودها وعزلتها.
   


406
الثقافة رؤية والسياسة تكتيك
ثقافة المثقــف: سلطة إثارة الأسئلة وإيقاظ دورة الوعي

عبد الحسين شعبان


ما الانسان دون حرية يا ماريانا؟
قولي لي، كيف أستطيع أن أحبّك اذا لم أكن حرّاً !؟
كيف أهبك قلبي اذا لم يكن مُلكي؟
                                           الشاعر الاسباني لوركا

لعل مدخل قصيدة لوركا يختصر هاجس الحاجة إلى الحرية، بمعناها الإنساني الواسع، الذي لا تستقيم حياة البشر دونه، ولأن ''المثقف'' كثير الهموم وكبير التطلعات وشديد الحساسية، فإن إحساسه بضرورة الحرية والفراغ الذي يتركه غيابها أو تقليص مساحتها، يلقي عليه أعباءً جديدة وضغوطاً ثقيلة تختلف عمّا يتعرض له غيره، وبالتالي فللحرية أو غيابها أثرها وانعكاساتها على فعله الثقافي ونشاطه الإبداعي.
أثار كتاب إدوارد سعيد ''صور المثقف'' جدلاً كبيراً بدأ في حياته ولم ينقطع بعد رحيله، لا سيما حول معنى ودور ووظيفة ''المثقف'' والثقافة بشكل عام، والمثقف العربي والثقافة العربية بشكل خاص، لا سيما في ظل التطورات العاصفة التي شهدها العقدان الماضيان ونيف، في ظل ''العولمة'' وثورة المعلومات والاتصالات والتقدم العلمي والتكنولوجي الهائل والثورة الرقمية (الديجيتل).
ويعد مصطلح ''المثقف'' مستحدثا في اللغة العربية من أصل كلمة Intellectual، حيث كانت العرب لوقت قريب تستخدم مصطلح ''الأديب'' أو تطلق لفظة ''الكاتب'' على ما تقصده بالمثقف اليوم أو ما يقع في دائرته.
ارتكزت السلطة المعرفية تاريخيا على ثلاثة أطراف هي أولاً: الحاكم الذي بيده المُلك الذي يريد من الثقافة والمثقف حماية سلطته وبسط سلطانه والانصياع إلى قراراته، والعالِم ثانياً الذي يمثل سلطة الفقيه الديني أو رجل الدين (الوسيط، والمؤدلج لما يريده الحاكم وحلقة الوصل مع الرعية) باستثناءات المثقف أو العالِم ''المنشق'' الذي يمثّل ''سلطة'' الاعتراض والممانعة، والعاميّ ثالثاً حيث يمثّل ''العامة'' وهم المتلقون جمهور ''الرعية'' أو ''المواطنين'' أو'' الشعب'' بالمفهوم الحديث.
أما اليوم فقد اختلف الأمر كلّيا فلم تعد سلطة ''الكاتب'' (المثقف) ''الجديد'' الكاتب ''القديم'' تستمد قوتها من الدين (وإنْ كان له قوامه الخاص)، لكنه أخذ تدريجيا يؤثر في الرأي العام ويسهم في تنمية العقل والوجدان وفي تجسيد الأخلاق ونشر الأفكار، مع أن هذه المكانة تصطدم في أحيان كثيرة بدور السياسي والديني وموقعه في سلطة القرار، وخاصة في البلدان النامية، ومنها بلداننا العربية والإسلامية.
وإذا كان للسلطة السياسية أدواتها ووسائلها لبسط نفوذها وفرض هيبتها، فالمعرفة على تعبير المفكر والفيلسوف البريطاني بيكون هي سلطة، أي أن سلطة المثقف هي معرفته ووسيلته الإبداعية لنشر ثقافته وبسط سلطانه، وكما يقال المعرفة: قوة أو سلطةKnowledge is power، إلا أن سلطة المعرفة تختلف عن السلطة السياسية والعسكرية من حيث التأثير والسلطان والجبروت، إذ إن الثانية تمتلك أدوات القمع، وبإمكانها أيضاً استخدام أدوات المعرفة والثقافة لفرض سلطتها القمعية.
وقد استخدمت الكثير من الأنظمة على نحو مترابط القمع السياسي البوليسي مرافقا للقمع الإيديولوجي الثقافي، وهو ما يتطلب من المثقف أن يحافظ على وسيلته الإبداعية وينأى بنفسه عن الاستخدام التوظيفي لثقافته من جانب السلطات، لإضفاء مشروعية على القمع السياسي، والمثقف الذي لا يخدم ولا يحترم معرفته وثقافته، فإنه بالتالي لا يحترم سلطته، أو يقبل بالتنازل عنها بالارتضاء بدور ''التابع'' و''الخاضع'' وقد يتحوّل إلى ''شاهد زور''!
فمن هو المثقف يا تُرى وما حدود سلطته؟!
يمكن القول باختصار أن المثقف الحالي حسب ميشيل فوكو يجسد ضمير الإنسان، الذي يوقظ فيه الوعي، ويبشر المجتمع بالحقيقة، وهو ما أطلق عليه اصطلاح ''المثقف الشمولي'' حامل رسالة التغيير.
أما جان بول سارتر الذي مثّل نموذج ''المثقف الشمولي'' بمواصفات فوكو، فقد دعا إلى الالتزام من جانب المثقف، وأصبح مفهوم ''المثقف الملتزم'' منذ الخمسينيات شائعاً، حسب تعبيرات سارتر والأدب الاشتراكي بشكل عام، خصوصاً ما سمي ''بالمدرسة الواقعية الاشتراكية''.
وكان كارل ماركس 1818- 1883 قد اعتبر المثقف ناقداً اجتماعياً، يعبّر عن ضمير المجتمع في البحث عن الحقيقة وحددّ وظيفته التي اعتبرها ''نقدا صارما لكل ما هو موجود، صرامة تحول دون تراجع النقد، لا أمام النتائج التي يقود إليها، ولا أمام الصراع مع السلطة أياً كانت''.
ودعا أنطونيو غرامشي 1891 – 1937 إلى ''المثقف العضوي'' الذي يتماهى مع الطبقة (العاملة) ويصبح عقلها المفكر وقلبها النابض، إلا أنه تحوّل في الواقع الفعلي إلى نوع من الاستلاب للأغلبية، وشكل من أشكال البيروقراطية ونمط صارخ من الاستبداد، خصوصاً في ظل أنظمة شمولية توتاليتارية وهيمنة أقليّة أو''أقلوية''. وقد أخذت تلك التجارب أنظمة ''العالم الثالث'' وما أطلقنا عليه ''أنظمة التحرر الوطني'' ومنها في بعض بلداننا العربية، لتضيف عليها نوعاً جديداً من القسوة والوحشية مصحوباً بالتخلف.
قضى غرامشي أكثر من 20 عاما من عمره القصير في السجون، ومن هناك كتب أهم رسائله ودراساته، وخرج منها بآراء واستنتاجات اعتبرت من جانب مدرسته الفكرية التقليدية خروجاً عن النصوص ''المقدسة''، بل مروقا، حيث دعا إلى ''وحدة المثقفين في كل مجتمع من مجتمعات العالم''، خصوصا أنه قسّمهم إلى قسمين: الأول – المثقفون التقليديون. أما القسم الثاني فهم المثقفون العضويون الذين يقع عليهم العبء والمسؤولية الكاملة في تحقيق أهداف المجتمع. وهو ما يمكن أن نطلق عليه اسم النخبة أو الصفوة Elite.
ويعتبر البعض ومنهم الناقد طراد الكبيسي أن نظرية غرامشي حول النخبة تقترب من نظرية ميكافيلي في كتابه ''الأمير''، والمثقف العضوي هو ''الأمير الحديث''، الذي يمكن أن يصنع القيم الأخلاقية والاجتماعية والاقتصادية الجديدة عن طريق الممارسة، لا بالافتراضات النظرية.
لقد حدد غرامشي بذلك وظيفة المثقف العضوي، الذي اعتبره ألتوسير حامل المعرفة بوصفها عملية تمثيل نظري للموضوعات الخارجية، أي أن المثقف هو منتج الوعي. وركّز ماركوز على أن مهمة الفكر هي الرفض، أي كسر حدة الواقع والسيطرة عليه. ودعا هادي العلوي إلى ''المثقف الكوني'' المترفع من الخساسات الثلاث ويقصد بها: السلطة والمال والجنس، مقدّماً نقداً للمثقفين باقتفاء أثر لينين حول هشاشتهم وسرعة عطبهم وتقلباتهم.
أذكر نموذجين من المثقفين، الأول حسب توصيف غرامشي: ''كل إنسان في النهاية يمارس خارج مهنته فاعلية ثقافية ما، فهو فيلسوف، فنان، صاحب رأي، إنه يشارك في تقديم تصوّر عن العالم، له سلوك أخلاقي واع.. إنه إذن يسهم في دعم تصوّر ما عن العالم أو تعديله، أي أنه يسهم في ميلاد أنماط جديدة للتفكير''.
أما النموذج الثاني، فهو الذي أخذ به سارتر، الذي لا يميل إلى إضفاء صفة المثقف على العالِم''.. لن يُسمّى بالمثقف، العلماء الذين يشتغلون على تشطير الذرة لتحسين أسلحة الحرب الذرية، فهؤلاء علماء.. ولكن إذا اجتمع العلماء أنفسهم ووقعوا بيانا يحذر الرأي العام من استعمال القنبلة الذرية، إذ ذاك يتحولون إلى مثقفين...''.
وحسب المفكر الإنثروبولوجي البريطاني تايلور (أواخر القرن الـ 19) فإن المثقف هو ''ذلك الكلّ المعقّد، الذي يتضمن المعرفة والقصيدة والأخلاق والقانون والتقاليد، وكل ما يكتسبه الإنسان باعتباره عضوا في مجتمع إنساني''.
لقد تحدث ابن خلدون عن العمران بطوريه الحضري والبدوي، أي الحياة الاجتماعية بمختلف ألوانها وأشكالها، بما تعني الحضارة وما تعكس من ثقافة. وهو ما دعا إليه المفكر العربي المعاصر قسطنطين زريق حين اعتبرها ''نمطا من الحياة يتميز بخطوط وألوان من التقدم والرقي''، والمثقف مثلما ذهب إليه زريق في حاجة إلى معرفة وعقلانية والتصاق بقضايا المجتمع.
وقديما قالت العرب: إنّ المتأدّب هو ''من يعرف شيئا عن كل شيء، ويعرف كل شيء عن شيء''. والأدب بمعناه الواسع الثقافة وهو ''الأخذ من كل علم بطرفٍ''. وباستعارة عنوان كتاب الدكتور أحمد صدقي الدجاني هو ''عمران لا طغيان''.
إن المعنى الاجتماعي اليوم لكلمة ''المثقف'' يتسع ليشمل، كل من اشتغل بالثقافة إبداعا ونشاطا بما يتضمن العاملين في حقل العلوم الطبيعية والدين والفن والفلسفة والكتابة والصحافة والتأليف وغيرها.
ويواجه مثقف اليوم وبخاصة في مجتمعاتنا العربية والإسلامية ثلاث سلطات:
السلطة الأولى هي السلطة الرسمية الحاكمة، التي تحاول أن تطوعه وتدجنه بالإقناع أو بالاقتلاع.. بمحاربته بلقمة الخبز أو بمقص الرقيب أو بالعزل أو الاتهام أو السجن أو النفي أو بكاتم الصوت الذي يلاحقه، أي بـ ''القمع الفكري والأيديولوجي أو بالقمع البوليسي''. وقد استعارت بعض المعارضات وربما بالعدوى ''أخلاق'' الجلاد أحيانا، فسارت في طريق العزل والتهميش والإقصاء، إزاء الرأي الآخر.
أما السلطة الثانية فهي السلطة التقليدية أو ما نطلق عليه الثيوقراطية الدينية، وهي وإنْ لعبت أدوارا إيجابية في تخريج النخب، إلا أنها وقفت في بعض الأحيان ضد عمليات التطوير والتحديث تحت عناوين مختلفة، فتراها تتدخل أحيانا في حرق الكتب وإباحة دم المثقف وتحريم الأفكار، لدرجة أن الحداثة والشعر الحر يصبحان ''بدعة وضلالا''، فما بالك بالمسرح والموسيقى والنحت والرقص وغيرها.
وإذا كانت فترة أواخر القرن الـ 19 ومطلع القرن الـ 20 قد شهدت ولادة مصلحين وتنويريين كبار أمثال جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ورفاعة الطهطاوي وعبد الرحمن الكواكبي وشبلي شميّل وسلامة موسى وفرح أنطوان، وعلي عبد الرازق وصولاً إلى طه حسين، وخاصة بارتفاع رصيد الدعوات النهضوية، إلا أن انكفاءً وتراجعا شهدته الدول الوطنية، وخاصة في مرحلة ما بعد الاستقلال، أسهم فيه إضافة إلى احتدام الصراع السياسي وشحّ الحريات، اندفاع المؤسسة الدينية أو بعض أطرافها، إما للانضواء تحت مؤسسة الدولة والعمل تحت راية الحاكم، أو الاندفاع بمعارضتها والعمل تحت راية ''الإسلام السياسي''، لا سيما عبر تنظيمات دينية بمبررات اتهامها، بعدم الالتزام بتعاليم الشريعة الإسلامية والخروج على الدين، وهو ما يسوغ لها أعمال الإرهاب والعنف.
ويصبح كتاب مثل ''ألف ليلة وليلة'' أو ''رباعيات الخيام'' أو ''أولاد حارتنا'' لنجيب محفوظ أقرب إلى الزندقة، ويتم اغتيال الشيخ الجليل حسين مروة والمفكر المبدع مهدي عامل والباحث فرج فودة ويلاحق نصر حامد أبو زيد ويقاضي بتفريق زوجته (بما يسمّى بالحِسبة) باسم الدين، وظل يعيش في المنفى حتى رحيله، وتثار فتنة في القاهرة ضد حيدر حيدر وروايته ''وليمة لأعشاب البحر'' رغم مرور 17 عاما على صدورها، وكذلك أثيرت حملة دعائية ضد الفنان اللبناني مارسيل خليفة بحجة تجاوزه على ''المقدسات''.
كل ذلك يجري باسم الدين في حين أن غاية كل دين هي الإنسان الحر، وذلك بعيدا عن أصابع المفسّرين والمؤولّين الذين يدّعون أنهم وكلاء الله، ويتم تدمير العقل ونعمة التفكير وهو موهبة ربانية، ميزّ بها ''الباري'' الإنسان عن سائر المخلوقات، بل الثقافة كقيمة عليا تزيد من إنسانية الإنسان، فالإنسان هو جوهر كل دين وهدفه الذي يتجلى بالرحمة والغفران والتسامح والصفح والتآزر والحوار''.. وجادلهم بالتي هي أحسن...''. سورة النحل – آية 125.
إن مثل تلك الإجراءات والتنظيرات والمواقف المتشنجة التي تتعكز على الدين، لا يجمعها جامع مع الدين الإسلامي أو المسيحي أو أي دين آخر. ولا يمكن أن يجتمع الدين بما فيه من مُثل وقيم إنسانية، بالتصفية الجسدية بسبب الاختلاف في الرأي والتحريم للأفكار والآراء.
وفي الوقت الذي ينبري بعض رجال الدين المتطرفين والمتعصبين والغلاة برفع أصبع الاتهام إزاء أي رأي حر أو عمل إبداعي يفسرونه على طريقتهم ''الظلامية''، تراهم يسكتون حين يُنتهك تراث العرب والمسلمين وتُداس كراماتهم كل يوم وكل ساعة، على مرأى ومسمع من السلطة التقليدية، سواءً بالاحتلال أو بالتبعية أو السجون أو الحصار أو الجوع أو الأمية أو التخلف أو تبديد ونهب المال العام، أو كل ذلك، ولا يتم تحريك ساكن ''ضد سلطان جائر''!
وهل تكفي بعض أصوات الاحتجاج الخافتة إزاء استمرار الانتهاكات الصارخة والسافرة ضد الشعب العربي الفلسطيني أو العدوان الإسرائيلي ضد لبنان عام 2006 أو حصار غزة الذي يستمر منذ أكثر من ثلاث سنوات والحرب المفتوحة ضدها في أواخر عام 2008 ومطلع عام 2009، وكذلك ما تقوم به القوات المحتلة في العراق من أعمال وحشية منذ عام 2003، في حين تستثار ''الغيرة'' ويشمّر البعض عن ساعده إزاء نص إبداعي قابل للتفسير والتأويل وفق قراءات متعددة ومختلفة، أو اتخاذ موقف من النقاب في فرنسا أو الاستفتاء على الترخيص لبناء جامع أو تشييد منارة في سويسرا، الأمر الذي يعكس ازدواجية وعدم توازن بين قضايا أساسية وذات أولوية تتعلق بالوجود وبالإنسان وقضايا أخرى على رغم أهميتها.
إن الذين يدعّون اليوم أنهم يسيرون على هدى السلف، يتخذون مواقف متطرفة، بل مفرطة في الغلو والتعصب ولا يجمعها جامع مع الإسلام، بل ومع أطروحات السلف، الذي كان أكثر انفتاحا وتسامحا وقبولا لحرية الرأي والتعبير، لا سيما في العهود الإسلامية الأولى!!
أما السلطة الثالثة فهي قوة العادات والتقاليد وسكونية المجتمع، وتدخل فيها اندفاعات الغوغاء كعنصر ضاغط تستخدمه السلطات أحيانا، إضافة إلى الثيوقراطية الدينية، ضد حرية التعبير وحرية التفكير، وغالباً ما يستجيب المجتمع لما اعتاد عليه وما دلّ عليه تواتر الاستعمال من موروث وعادات وتقاليد، أما تأمل الفكر وأجواؤه الرحبة والسير في دروبه المتعددة ومنعرجاته الكثيرة، فتراها بعيدة عن ''العقل السائد'' الذي يصبح كل جديد صادما له، فضلا عن المعوّقات والعراقيل التي يسهم التخلف في تعميمها كقاعدة، ويصبح التغيير والتجديد استثناءً.
إن العادات والتقاليد الموروثة، والتي عفا عليها الزمن، تشكل أحيانا عائقا أمام تقدم المجتمع، خصوصا إذا تم توظيفها سياسيا أو دينيا أو اجتماعيا، حيث تصبح حجر عثرة أمام التغيير، بل سلطة كابحة لكل جديد ومعرقلا بوجه كل تقدم، ولا يختلف في ذلك إن كان ''الموروث'' دينياً أو طائفياً أو عشائرياً أو اجتماعياً أو غير ذلك، حيث يكون الجامع والمشترك له هو الوقوف ضد التقدم والتغيير.
إن الثقافة بمفهومها الواسع تشمل أنواع وأشكال المعرفة والمعتقدات والفنون والآداب والأخلاق والقيم والعادات والتقاليد ونمط العيش والسلوك. في حين يقصرها البعض على مفهوم ضيق يشمل الإنتاج الفكري والإبداعي بشكل عام. وبقدر ارتباط الثقافة بالحياة فهي تعبّر وتعكس درجة التقدم المادي، الاقتصادي والاجتماعي والتقني والعلمي إضافة إلى اللغة والدين والفلسفة والفنون والآداب والمأكل والمشرب والأزياء والعمران. وفي ثقافتنا فإن مكوّناتها تستند إلى اللغة والدين والتراث، بكل ما تحمله من مركبات، وتشكل قاعدة للهوية الثقافية، بانفتاحها وتعدديتها وتفاعلها مع الغير وتأثرها وتأثيرها به، لا بانغلاقها وجمودها وعزلتها.


407
سلطة المعرفة وتفتيش الضمائر
   


عبدالحسين شعبان
أخيراً غادرنا بصمت المفكر المصري نصر حامد أبوزيد، الذي أثار عاصفة من السجال والجدال طيلة عقدين من الزمان . اختفى مثل شهاب وهو الذي شغل الصحف وأروقة الجامعات وباحات الجوامع وقاعات المحاكم، بالأخذ والرد، والتأييد والتنديد، والمقدّس والمدنس، لما كان قد اجتهد فيه من قراءة تأويلية للنص الديني .

تم تكفير نصر أبوزيد وأصدرت إحدى المحاكم المصرية قراراً قضائياً تحت باب ما يسمى بالحسبة، لتفريقه عن زوجته السيدة ابتهال يونس، وأتذكر أن الموقف النقدي من حرية التعبير وحرية البحث العلمي منذ أواخر الثمانينات، وبشكل خاص في التسعينات كان أحد هموم ومشاغل الحركة العربية لحقوق الإنسان، وقد أثار قرار المحكمة المصرية بخصوص أبوزيد الذي هو أقرب إلى قرارات محاكم التفتيش في القرون الوسطى، نقاشاً وحواراً بدأ ولم ينقطع برحيله .

ورغم التحرك العربي ضد القرار، فقد اضطر نصر حامد أبوزيد، وفي ظل موجة تكفيره أو اتهامه بالمروق والارتداد، إلى الرحيل ووجد في إحدى جامعات هولندا (لايدن) مكاناً أميناً يعبّر فيه عن آرائه وأفكاره التي ضاقت بها القاهرة والعالم العربي، ومع كل ذلك فقد ظل يتطلع إليه، حتى إنه وهو يعاني من أثر فايروس أصابه في إندونيسيا التي كان يزورها بمهمة أكاديمية، فلم يفكر سوى بمصر، التي عاد إليها محمولاً على نقّالة مستشفى ليقضي آخر أيامه في القاهرة، وليرحل بعدها عن دنيانا . ورغم غيابه “اليوم”، إلاّ أنه كان أكثر حضوراً، وربما سيبقى لسنوات وعقود يعيش معنا وبعدنا، وسيُذكَر كلما جرى الحديث عن حرية التعبير وحرية البحث العلمي، وحركة التنوير .

أتذكر أننا اشتركنا معاً في محاضرة عن المفكر والباحث التراثي هادي العلوي بعد رحيله الذي كان يقدّره كثيراً، مثلما يقدّر أبوزيد، العلوي، وكان معنا الدكتور كاظم حبيب، والناقد ياسين النصيّر الذي أدار الأمسية الاستعادية النقدية عن هادي العلوي .

يمكنني القول إن مشروع نصر حامد أبوزيد هو جزء من مشروع التجديد الفكري للخطاب الديني، وأهم ما فيه أنه، رفض أن ينضوي تحت لواء السلطات القائمة أو يهادنها، سواء كانت سلطة الغوغاء التي تحركها أوساط سياسية أو دينية أو تقليدية معينة ولأغراض دينية أو غير دينية، أو سلطة المؤسسة الجامعية التقليدية، التي استعاضت عن العقل والحوار والجدل، بمسلمات ومقولات واجترار أقرب إلى التقديس .

حاول أبوزيد نقد “الثابت” و”الجامد” و”المتوارث” لاسيما من رثّ المفاهيم، مثلما سعى إلى تحريك الساكن والمستقر، في إطار الإنارة العقلية، خصوصاً أن مجتمعاتنا عانت من التآكل والركود، لدرجة أن الصدأ والتكلس أصابا الكثير من مفاصل الحياة الفكرية والثقافية . هكذا حاول حمل لواء التنوير من خلال محاضراته الأولى في الجامعة، إلى أن تبلور مشروعه الفكري باعتباره ينتمي إلى المدرسة العقلية في الثقافة العربية  الإسلامية، ولا شك في أن هذه المدرسة أسهمت مساهمة جدّية في ازدهار الحضارة العربية  الإسلامية، خصوصاً في عدم الأخذ بالتفسير الأحادي للنص القرآني، ولعل ابن رشد كان أحد أبرز رواد الاتجاهات العقلانية في ثقافتنا .

ومن الإضافات المهمة لأبي زيد أنه كان من دعاة فصل الدين عن السياسة، معتبراً أن العلمانية التي تقول بفصل الدين عن الدولة، ليست إلحاداً، لكنها عملية إجرائية ضرورية لفصل الدين عن السياسة، وهذا لا يعني فصل الدين عن المجتمع أو الحياة، فالدين على مساس وثيق بالمجتمع وحياة الناس ولا يمكن فصله عنهما، كما دعا أبوزيد إلى تحرير المرأة مُعلياً من شأن الكرامة الإنسانية، التي يُفترض أن تقوم عليها الدولة العصرية التي تستند إلى مبادئ سيادة القانون والمواطنة والمساواة والعدل .

لا تزال مسألة التأويل لم تكتسب شرعيتها في فكرنا العربي المعاصر، باعتبارها فعلاً منطقياً، لأنها تذهب إلى المقاصد والدلالات وتدخل في إثبات العقائد والضلالات، الأمر الذي قد يجعلها تبتعد عن الشريعة، في تجاوز المعنى الظاهري من الأشياء، ويعتبر أبوزيد أن الصيغة الشمولية للنص وتعددية آفاق قارئيه، هي التي تجعل التأويل المجازي ضرورياً، وهو ما حاول بحثه في كتابه “الخطاب والتأويل”، لاسيما علاقة المثقف بالسلطة، وهذا الكتاب هو امتداد لكتاب “مفهوم النص” والذي كان السبب في تكفيره، ولعل ذلك يذكّر بكتاب علي عبدالرازق “أصول الحكم في الإسلام” الذي صدر العام 1928 وجرى تكفيره والهجوم عليه إلى أن تراجع عنه أو عن بعض أحكامه لاحقاً .

كان نصر حامد أبوزيد ميّالاً إلى حداثة خاصة في قراءته للنص من خلال توظيفه في عملية تأويل شملت حتى النصوص “المقدسة”، عبر تحليل تاريخيتها، الأمر الذي خاصمه فيه المتعصّبون والمحافظون، واعتبروه خارجاً على الإسلام، في حين أنه حاول أن يقدّم قراءات مختلفة لما هو سائد، لاسيما أن قراءته هي الأخرى اجتهادية وتحتمل النقد والجدل مثل أية قراءة أخرى .

وبشجاعة واجه أبوزيد المحكمة حين رفض النطق بالشهادتين أمامها، معتبراً أنه ليس من حقها تفتيش الضمائر، وكان يرى أن إيمانه وكرامته لا يسمحان له بتقديم شهادة مبتذلة أمام جهة ليس من حقها مساءلته، وأن السؤال الوحيد والشرعي الذي يمكن أن يجيب عنه هو أمام الله، وليس أمام أحد آخر سواه .

لعل محاكمة أبوزيد واضطراره لاحقاً للذهاب إلى المنفى إحدى فضائح عصرنا العربي الرديء، فأين هي الحرية الشخصية؟ وأين هي حرية البحث والحريات الأكاديمية؟ حين تصدر محكمة قراراً بتطليق زوجة مفكر، لأنه اجتهد وفكّر واستخدم عقله، لتقديم تأويل عند قراءة نص معين، ولعل عمله اللاحق، ولاسيما في جامعة لايدن دفعه إلى تقديم قراءة مستنيرة للإسلام وللنصوص الإسلامية في وسط أكاديمي منفتح ساعياً لتأصيل العلاقة التاريخية بين العرب وأوروبا عبر العقل وعبر تجديد الفكر، بعيداً من روح الكسب أو الارتزاق أو استخدام الدين وسيلة لتمجيد الحاكم أو الحديث عن فضائل الغرب أو الطعن ببلاده ومجتمعه، وفي ذلك أحد الدروس العلمية والوطنية لمن يريد الاستفادة منها .

ظل أبوزيد حتى آخر أيام حياته متمسكاً بوسيلته الإبداعية، لا يريد أن يبارحها ماسكاً بسلاح القلم، سابحاً في بحور المعرفة من أجل تعميق وتجديد مدرسة العقل، تلك التي كان ابن رشد، أحد روادها الكبار في تاريخنا العربي  الإسلامي، محاولاً إضاءة بعض الجوانب المعتمة في حياتنا الفكرية والثقافية، الراكدة والمستكينة، لاسيما اتجاهاتها المحافظة، التقليدية، خصوصاً أن التعثر والانقطاع والانصياع للسائد والمهيمن، سواء كان سلطة أو ثيوقراطية دينية أو غوغاء اجتماعية، كان سمة غالبة، للوقوف بوجه التجديد والعقلانية والتنوير، لكن سلطة أبوزيد وهو ما اتضح، لاسيما بعد وفاته، كانت فعّالة ومؤثرة، وستبقى كذلك حتى بعد غيابه، ونعني بها سلطة المعرفة حسب وصف فرانسيس بيكون “المعرفة سلطة” وهو لم يرغب في أن يتخلّى أو يتنازل عن سلطته وبالتالي عن حقه في قراءة حرّة واجتهاد مفتوح .

 

باحث ومفكر عربي


408
نصر حامد أبو زيد ومحنة التفكير والتكفير!

عبدالحسين شعبان
 
2010-07-26
تحدّيان أساسيان واجههما نصر حامد أبو زيد في العقد ونصف العقد الأخير من القرن الماضي، التحدي الأول: كيف يمكنه الصمود أمام غلاة التكفير، الذين اتهمومه بالمروق والإلحاد والخروج على الدين والمساس بالمقدسات، أما التحدي الثاني فهو يتعلق بقراءته للإسلام وتعاليمه، فكيف يمكن له أن يقدّمه بعيداً عن التعصب والتطرف والغلو، بل بما ينسجم مع روح العصر من خلال تأويل النص الديني.
ولعل مواجهة التحدي الأول جعلته يدخل معركتين في آن واحد، المعركة الأولى ضد التخلف والتأثيم والتحريم والتجريم، أما المعركة الثانية فهي من أجل التنوير من خلال تحرير النص الديني من قراءات وتفسيرات مسبقة بعيداً عن إضفاء نوع من القداسة والسكونية عليه بما يؤدي إلى سلب روحه وإهمال لُبّه!
وكان التحدي الأول قد واجهه أبو زيد من داخل المؤسسة الجامعية والوسط الأكاديمي، يوم أراد الحصول على ترقية جامعية ضمن تقاليد العمل الجامعي، فكتب بحثاً كان السبب وراء تفجير الضجّة التي بدأت في حياته ويبدو أنها لا تنتهي بعد رحيله، لاسيَّما تهمة الإلحاد. وكان وراء إثارة تلك الزوبعة تقرير كتبه رئيس لجنة الترقيات الدكتور عبدالصبور شاهين ضد بحث نصر حامد أبو زيد، الذي أصبح كتاباً فيما بعد. وكان شاهين ضمن اجتهاده وقراءته «الإسلامية» قد اتهم أبو زيد بالردّة، مشيراً إلى أن الأخير شديد العداوة لنصوص القرآن والسنّة النبوية والدعوة المحمدية، وأنه حاول النيل منها بإنكار المصدر الإلهي للقرآن الكريم وكذلك النيل من بعض الصحابة، وهو بذلك يروّج للعلمانية ويبرر لسلمان رشدي وروايته الشهيرة «آيات شيطانية»!
ووفقاً لما تقدّم وبسبب ملابسات قانونية تتعلق بحرية التعبير وحرية البحث العلمي، فإن الثغرة التي تم الدخول إليها لمقاضاة أبو زيد كانت «محكمة الأحوال الشخصية» التي قامت بإصدار حكم يقضي بتفريقه عن زوجته الدكتورة ابتهال يونس أستاذة الأدب الفرنسي في جامعة القاهرة، استناداً إلى نصوص فقهية للإمام أبي حنيفة النعمان، ووفقاً لما يسمى بالحسبة، على أساس أنه لا يجوز للمرأة المسلمة الزواج من غير المسلم، أو البقاء على ذمته بعد ارتداده. وقد رفض أبو زيد الحكم كما رفض الإدلاء بالشهادتين معتبراً ذلك بمثابة تفتيش للضمائر، وأعلن تمسكه بزوجته مثلما تمسكت السيدة يونس بزوجها «أبو زيد».
وبما أن حياتهما أصبحت في خطر، لاسيَّما بمواجهته الغوغاء الاجتماعية والتحريض المعلن والمستتر ضد أبو زيد من المؤسسة الدينية أو من بعض أطرافها، لاسيَّما بعض رجال الدين، إضافة إلى اشتباكه مع المؤسسة الأكاديمية-الجامعية، وفيما بعد مع القضاء، فقد اضطر إلى اختيار المنفى، وصادف أن عرضت عليه جامعة لايدن في هولندا أن يكون أستاذاً زائراً في قسم الدراسات الإسلامية، ويقوم بالإشراف على طلبة قسم الدكتوراه في العلوم الإسلامية، وهو ما حصل فعلاً، واستطاع مفكر التنوير أن ينجو من ملاحقة فكر التكفير.
لكن أبو زيد الذي خرج من بلاده «هارباً» لم ينتقل إلى الضفة الأخرى ولم يرغب أن يعطي لفكر التكفير الحجة للمزيد من الاتهامات، بل دافع عن فهمه الحضاري للإسلام في المحافل الأكاديمية والعلمية في هولندا وأوروبا بل وفي العالم أجمع، لاسيَّما بعد أن أصبح أحد رموز التنوير والتفكير الحر، وأحد ضحايا حرية التعبير. وقد طوّر دراساته وأبحاثه وقراءاته التأويلية للنص الديني في إطار الانفتاح والجدل والبحث عن الحقيقة. ورغم إدراكه وتفهمه وقناعته للخصوصية الإسلامية، لكنه رفض توظيفها بما يؤدي إلى الانغلاق أو التحجر، ورفض اختصار هوية الإنسان ببعد واحد، كالدين مثلاً، فالهوية تأخذ أبعاداً متعددة وتتقدم بعضها في أوضاع معينة على البعض الآخر. فالهوية أحياناً تبدو مثل الطبقات الجيولوجية، فما أن تزيل طبقة حتى تظهر أخرى، وكلما انخفض بعدُ ارتفع آخر، كما أن تقدّم أي بعد لأسباب خاصة وظروف معينة، فإن ذلك لا يلغي الأبعاد أو العناصر الأخرى التي قد تتقدم في ظرف آخر! وهكذا فالهوية لا يمكن إلغاؤها أو إنشاؤها أو إحياؤها بقرار دون توفر الظروف الموضوعية والذاتية للتعبير عنها، وكان أبو زيد مع هوية منفتحة متعددة، لاسيَّما من خلال ردّه على أصحاب الخطاب الديني السائد والمهيمن، ويقصدون بها الانغلاق وعدم التفاعل مع الآخر بحجة النقاوة والتميّز والخوف من تأثيرات الغير، الأمر الذي يُسهم في إفقار الهوية ويساعد في عزلها عن التطور الإنساني.
إن مشكلة التكفير تكمن في إدعاء بعض الجماعات السياسية احتكار الحقيقة والأفضليات وحق النطق باسم الدين وباسم «الإسلام» ، بل تنصيب نفسها أحياناً ودون تخويل من أحد تمثيل «الله» وبالتالي تجيز لنفسها وخارج نطاق القوانين السائدة ملاحقة من تفترض فيهم مخالفة وجهات نظرها، بل وإنزال العقاب بهم، ولعل مثل هذه القراءات المخطوءة هي التي قادت بعض جماعات الإسلام السياسي إلى ممارسة الإرهاب واستخدام العنف وسيلة لحل النزاعات السياسية، بل وخلقت حالة من الفوضى النظرية والعملية.
لا يكفي المرء أن يكون منتمياً إلى جماعة إسلامية أو حزب أو تيار إسلامي، للادعاء بأنه الحكم في تطبيق الشريعة، وهو في الوقت ذاته الخصم أيضاً، لاسيَّما تعارضه مع تيار التفكير والتنوير والاجتهاد والنقد، سواءً كان لفرد أو جماعة، وفي حالة أبو زيد فإن التفكير والنقد والاجتهاد هي من حقوق الباحث التي تكفلها القوانين والأنظمة، لاسيَّما المتعلقة بحرية البحث العلمي، وأظن أن تاريخنا العربي - الإسلامي حافل بالكثير من الاجتهادات والقراءات التأويلية والجدلية للنصوص الدينية، ولعلها هي التي كانت السبب وراء ظهور مذاهب وتيارات فكرية ومدارس فقهية أسهمت في النهضة الحضارية التي كان الإسلام عمودها الفقري، لاسيَّما بتوفّر حرية البحث والنقد والاجتهادات المختلفة.
لقد أسهم التيار الإسلامي المتشدد والمتعصب بما يملك من وسائل دعائية وإعلامية ديماغوجية التأثير على الكثير من السياسات العامة وعلى تراجع الحريات الأكاديمية بشكل خاص والحريات بشكل عام، وحاولت بعض الحكومات مجاراته وتجنّب الصدام معه، خصوصاً أن صعوده كتيار بارز ارتبط بتراجع ونكوص التيار اليساري، الماركسي والقومي، وقد استغل هو بالذات ضعف الوعي والجانب العاطفي في مسألة الدين والحاجة الروحية إليه إضافة إلى الأوضاع المزرية التي تعيشها الكثير من المجتمعات الإسلامية، لاسيَّما باستشراء الفقر وتفشي الأمية والبطالة وانعدام الظروف الصحية الطبيعية، فعمد إلى إعلاء سقف مطالبه بفرض أنماط جديدة من الحجاب وإملاء برامج دينية معينة واستخدام أجهزة الدولة أحياناً للقيام ببعض الأنشطة السياسية «باسم الإسلام» بحيث أدى إلى ضعف تدريجي للطابع المدني للدولة، ناهيكم عن تصدّر الواجهات والمظاهر والأزياء والشعارات الإسلامية.
وبدلاً من توسيع دائرة الحريات والابتعاد عن تديين الدولة ومؤسساتها، فإن السلطات الحاكمة اتجهت إلى منافسة التيارات الإسلامية أحياناً، خصوصاً في بعض الطقوس والشعارات والمناسبات الدينية، كي لا تعطي الانطباع أنها تفعل ذلك نزولاً عند رغبة التيار الإسلامي، بل إنها هي من يحمل راية الإسلام بما يعطيها المزيد من الشرعية، ولعل ذلك سبباً كافياً لمحنة نصر حامد أبو زيد، التي انتقلت من الجامعة إلى القضاء ومنهما إلى الغوغاء، ولاحقته تهم الارتداد والإلحاد والمروق في دولة علمانية يكفل دستورها على أقل تقدير الحريات، دون أن تحرّك ساكناً، في حين كانت مصر ورغم جميع مظاهر النكوص، منارة للفكر والنقد والاجتهاد، امتازت نخبها الفكرية والثقافية والدينية بالحيوية.
ظل أبو زيد وهو في منفاه يفكّر ويتأمل ويكتب بعقلانية وحرّية مستنداً إلى تأويل واجتهاد للنصوص الدينية، وذلك عبر شرح وتفسير امتاز بالجرأة، منتصراً للدولة المدنية ولحرية التعبير على حساب الدولة الثيوقراطية الدينية المعلنة أو المستترة، ورغم عودته لفترة قصيرة إلى مصر وإلقائه محاضرة في مكتبة الإسكندرية، لكن حضوره كان مؤقتاً في حين كان يرنو إلى حضور دائم، وحتى بعد إصابته بفيروس وهو في مهمة أكاديمية في إندونيسيا، لم تكن مصر بعيدة عن تفكيره، وعاد إليها محمولاً على نقّالة مستشفى.
أخيراً رحل أبو زيد لكن أفكاره لن ترحل لأنها مدعاة للتفكير والتسامح والعقلانية في مواجهة التكفير والتعصب والتطرف!

*كاتب ومفكر عربي


       


409
عن النقد والمراجعة الفكرية
   


عبدالحسين شعبان
ما زال فقه النقد والمراجعة الفكرية محدوداً الى درجة كبيرة، ولم يكتسب التأويل مشروعيته في إطار الخطاب العربي السائد، ولذلك يحجم الكثير من المفكرين من “التحرش” بالسائد أو نقده، لأن ذلك وفقاً للجهات المهيمنة: سلطة أو ثيوقراطية دينية أو غوغاء اجتماعية، ستتهمهم بالكفر والارتداد والمروق، ولعل ذلك حصل للعديد من المثقفين في عالمنا العربي، حين يُراد تفتيش الضمائر، ونستذكر هنا ما تعرّض له المفكر الراحل نصر حامد أبوزيد، الذي غادرنا قبل أيام، بإصدار قرار قضائي ضده يقضي بتفريقه عن زوجته، استناداً الى ما يسمى “الحسبة”، لخروجه على الدين، لاسيما قراءاته التأويلية للنصوص الدينية .

وإذا كان الفكر الديني عموماً يعلي من شأن النصوص ويتعامل معها بهالة أقرب الى التقديس، فإن الفكر القومي والفكر الاشتراكي الماركسي هما الآخران لم يسلما من مثل تلك “المقدسات”، لا سيما للنصوص القومية وبخاصة لميشيل عفلق مؤسس حزب البعث أو للنصوص الماركسية الاشتراكية، فكل فريق يتعامل مع نصوصه بوصفها “مقدساً” وما عداها “مدنّس” .

ولعل أي قراءة تأويلية لتلك النصوص، لا سيما تاريخانيتها وسياقها وظروف كتابتها والواقع الذي عبّرت عنه، ستعني لدى المتعصبين والمتزمتين والجامدين، ارتداداً وانحرافاً ومروقاً، وهو ما تجده لدى الكثير من كتب المذكرات من التيار القومي، لا سيما البعثي العفلقي، حيث يبقى عفلق وسلوكه السياسي ونصوصه خارج دائرة النقد، وهي موقف أقرب الى التديّن والإيمانية المطلقة منه إلى الفكر والعمل السياسي، وكذا الحال بالنسبة لماركس بشكل خاص والقادة الماركسيين بشكل عام، حيث يعتقد بعض المتمركسين الطقوسيين والشعارتيين والمدرسيين، أن نصوصه ونصوص القادة “مقدسات” ولا يمكن أن تُمس أو يشار إليها بالنقد .

ومع أن منهجه ظلّ صحيحاً، لا سيما اكتشافه المهم والمتعلق بقانون التطور البشري التاريخي إضافة الى قانون فائض القيمة، وهما اكتشافان أقرب إلى اكتشاف داروين لقانون تطور الطبيعة العضوية حسب انجلز، لكنه لم يكن كلّي الجبروت بحيث إن كل ما  قاله يصلح لكل زمان ومكان، خصوصاً أن عمره البيولوجي لم يكن يسمح له بدراسة أو التعمق في كل المعارف والعلوم، وإن كانت له مساهمات مهمة في الاقتصاد والفلسفة وعلم الاجتماع والسياسة والرياضيات وغيرها .

وظلّت ماركسية ماركس بعيدة عن قراءة تاريخ الشرق ودوره في التطور البشري، وكذلك لم تدرك أهمية ولزومية الدين في حياة المجتمعات الشرقية، لا سيما العربية والإسلامية، فضلاً عن عدم تقديره لدور علم النفس، خصوصاً أن النظريات الأساسية له، وبخاصة لمدرسة فرويد، لم يتم اكتشافها، وظلّت الماركسية السائدة، ولا سيما في الدول الاشتراكية، ترفض الاعتراف بذلك، بل تعتبره بدعة برجوازية، وحُرمت الجامعات الاشتراكية حتى أوائل الستينات من دراسة علم النفس أو الاعتراف به كعلم قائم بذاته يؤثر في علم الاجتماع السياسي .

ولم تكن مساهمات وقراءات ماركس “الماركسية” ذات شأن بخصوص دور الميثولوجيا والسرديات وعلم الجمال والنقد الادبي وغيرها، فضلاً عن رؤيته الطوباوية إزاء موضوع الدولة ومستقبلها، وهو الذي كان بشّر بذبولها، لكن ذلك لا يعني أن الماركسية أصبحت متحفية أو لا لزوم لها .

وقد أعادت الأزمة الاقتصادية والمالية الكبرى، التي شهدها العالم في أواخر 2008 ومطلع العام 2009 والتي لا تزال مستمرة، وبخاصة في قطاعات البنوك وشركات التأمين وبعض المؤسسات المالية الكبرى، طيف ماركس، باقتباس جاك دريدا الذي تحدث عن “أطياف ماركس” . وكانت قمة الدول الثماني الكبرى المجتمعة في تورنتو (كندا) أواخر شهر يونيو/ حزيران الماضي، ومعها قمة دول العشرين، وهما تسعيان إلى إيجاد حلول ومعالجات للأزمة، كأنها تقرأ في كتاب رأس المال لماركس .

وإذا كانت الماركسية تعني علم الرأسمالية، أي أنها كانت الأجدر والأفضل والأعمق في دراستها وتحليلها، لا سيما الاستنتاجات بشأن مستقبلها، وهي حتى الآن ما تزال صحيحة بخطوطها العريضة، مع الأخذ بنظر الاعتبار التطور العلمي والتكنولوجي الهائل الذي مثل ثورة حقيقية، وبخاصة في صناعة الإعلام والاتصالات والمواصلات والثورة الرقمية “الديجيتل”، فإن الماركسية هي الأخرى تحتاج الى وقفة مراجعة جدية لنقدها، سواءً نقد ماركس وبعض أطروحاته وتعليماته، أو نقد الماركسية ما بعد ماركس، من دون أن يعني ذلك اجترار الحديث حول الحتميات التاريخية، فالرأسمالية كما دلّ عليها تاريخياً لديها من الآليات لاستعادة حيويتها وتجديد نفسها، وهو ما أشار إليه مؤسسا الماركسية، ماركس وانجلز، منذ وقت مبكر .

لقد ظلّت الماركسية بعيدة عن النقد، وكانت محاولات التطوير والقراءات الجديدة لمدرسة فرانكفورت والأوروشيوعية لاحقاً محدودة التأثير، بحكم هيمنة التيار التقليدي الماركسي الذي يرجع كل شيء إلى ماركس بصنمية وقداسة، كان ماركس أول من عارضها ووقف ضدها .

أيجوز لنا اليوم الحديث عن الماركسية من دون ماركس؟ وهو الأمر الذي يعني أن ماركس كان مرحلة أولى ومهمة في الماركسية، وليس نهايتها والماركسية بهذا الفهم، لا سيما بلا ماركس، هي بلا نهايات أو بلا ضفاف بحسب روجيه غارودي، إنها منهج وضعي نقدي مفتوح وديالكتيكي، بمعنى أنها ليست أحكاماً جاهزة وسرمدية وخالدة .

لم يستطع ماركس ولا الماركسية الجدلية بعده، الحديث عن المجتمع الاشتراكي الاّ بصيغة “التنبؤات”، الأمر الذي كان في حاجة إلى فحص وتدقيق ضروريين، لأن ذلك يدخل في علم المستقبل، وبقدر تمكنّ الماركسية من تحليل الرأسمالية ونقدها على نحو رائع، لكن الموضوع لم يكن ممكناً بالقدر نفسه إزاء الاشتراكية المتخيّلة، لأن المستقبل لم يكن ولا يزال وسيظل غائباً، أما الرأسمالية فهي قائمة ومعلومة، ولها قوانينها ومؤسساتها ووسائل إنتاجها وقوى وعلاقات إنتاج، وقد أخذ ماركس ومنهجه “الماركسي” أي الجدلي على عاتقهما كشف عيوبها ومثالبها، والتبشير بنظام بديل عنها يضع الإنسان وحاجاته المادية والروحية في صلب حركته وهدفه، لإلغاء الاستغلال وتحقيق العدالة والمساواة .

وماركس هو الذي ردّد “لا علم كاملاً إلاّ في مملكة النحل”، ولعل كل شيء مهما بدا كاملاً فإن فيه شيئاً من النقص، وفي نقصه سرّ تقدمه، أي بنقده وقراءته تأويلياً . ويذكرني هذا الكلام بالفيلسوف العربي الصوفي، النفّري الذي كان يقول “كل علم مستقر يعني جهلاً مستمراً”، فالأشياء لا تحسب إلا بنسبيتها، ولعل ذلك كان استعادة لقراءة نقدية للتيارات الفكرية المختلفة، بمناسبة حلقة دراسية نظّمها مركز الجاحظ في تونس، الذي يرأسه المفكر التونسي صلاح الدين الجورشي، لكتابي “تحطيم المرايا- في الماركسية والاختلاف” الذي حاولتُ فيه أن أعيد قراءة ماركس خارج النص المقدس، وعبر كشف حساب لماركسية كانت قد وصلت إلى العالم العربي، وبعض تعاليمها كان غير صالح للاستعمال، فضلاً عما أضفي عليها من نزعات ريفية ولمسات بدوية، ناهيكم عن أن الماركسيين الرسميين، وهم يجانبون فقه النقد، ويختفون وراء النصوص المقدسة، أهملوا المنهج وهو لبّ الماركسية وسداها ولحمتها، وتمسكوا بقشورها وترهاتها أحياناً .

باحث ومفكر عربي

410
هل لا تزال الماركسية ضرورية؟
عبدالحسين شعبان
2010-07-19
ثلاث مفاجآت لفتت انتباهي في الأسابيع القليلة الماضية. المفاجأة الأولى هي صدور كتاب عن مركز «الأهرام» بالقاهرة عن «مأزق الحركة الشيوعية المصرية» وهو من تأليف طلعت رميح وقدّم له د. وحيد عبدالمجيد، وأهمية الكتاب تأتي من تجربة كاتبه الذي عمل في صفوف الحركة الشيوعية ثم قام بنقدها من داخلها ولكن هذه المرّة من منظار إسلامي، ولكن مقدّم الكتاب يجد أن الإنسانية ستظل بحاجة إلى الماركسية، ليس فقط باعتبارها منهجاً علمياً، ولكن لأن هذا المنهج هو دليل عمل ومرشد إلى مستقبل أفضل.
المفاجأة الثانية هي أن الاهتمام بالماركسية لم يعد محصوراً على الماركسيين أو «المتمركسين» بألوانهم المختلفة، فقد دفعت الأزمة الرأسمالية العالمية، بشقيها الاقتصادي والمالي جامعات ومراكز أبحاث ومختصين إلى دراسة الظاهرة الجديدة بالاستفادة من المنهج الجدلي- الماركسي. وقد كان اجتماع قمة الدول الثمانية (الكبار) وبعدها اجتماع قمة الدول العشرين المنعقد في تورنتو (كندا) في الأسبوع الأخير من شهر يونيو الماضي، قد توقف عند بعض الإجراءات لمعالجة تأثيرات الأزمة الاقتصادية والمالية الخطيرة، سواءً بتعزيز دور الدولة، ومساعدة بعض المصارف والشركات، والطلب منها التريّث إزاء مسألة الإقراض وزيادة الرقابة والشفافية وغيرها، لكن الأزمة حتى الآن ما تزال مستفحلة ومتفاقمة!
العودة إلى الماركسية لا تعني العودة إلى ماركس رغم أن طيفه حسب جاك دريدا يظلّ مخيماً، لكنها تعني العودة إلى منهجه لاستخدامه في تحليل الظواهر الجديدة، وبخاصة في ظل علوم القرن الحادي والعشرين وليس علوم القرن التاسع عشر، التي استفاد ماركس منها ووظّفها على نحو متميز، فالماركسية بقراءاتها التأويلية في عهد العولمة والحداثة أو ما بعدها، هي غيرها عمّا قبلها، وماركسية القرن التاسع عشر تختلف عن الماركسية المطبقة في الأنظمة الاشتراكية في القرن العشرين، وهذه اختلفت عنها قبل وبعد انهيار جدار برلين العام 1989، الأمر الذي لا بدّ من أخذه بنظر الاعتبار.
ويمكن القول إن ماركسية ماركس كانت بداية «للتمركس» وليس نهاية له، فالماركسية باعتبارها علم الرأسمالية، ظلّت منهجاً مفتوحاً لاسيَّما قراءته الجدلية لقانون تطور التاريخ الإنساني، فضلاً عن اكتشاف قانون فائض القيمة، باعتباره ملازماً للاستغلال، خصوصاً في ظل الرأسمالية، مهما تغيّر شكلها أو تبدّل اسمها، لأن جوهرها في نهاية المطاف، ظلّ واحداً، وهو أمر موضوعي ملازم لها.
الماركسية الوضعية النقدية هي إطار مفتوح ومتخالق لما بعد ماركس وطبقاً للمنهج الجدلي، فهي لم تكن ترى ماركس كلياً في عمله النقدي، بقدر ما كان نقدياً في علمه الكلي، أما مرحلة ما بعد ماركس، أي الماركسية دون ماركس، فنموذجها الأول الذي سقط هو الاشتراكية المطبقة، أما الماركسية المستقبلية، التي تأخذ منهج ماركس الجدلي بقراءات تأويلية للحداثة وما بعدها في عصر العولمة، فهي ما تزال حيوية في تحليلها وتفسيرها ونقدها للنظام الرأسمالي.
أما بخصوص علم المستقبل فهناك جزء مهم من الماركسية لا يزال تخيّلياً أو افتراضياً، وبحاجة إلى فحص وتدقيق ومراجعة مستمرة من خلال قوانين وأدوات وأساليب وتطبيقات، تتعلق بالانتقال إلى مرحلة إنسانية جديدة، ولكنها قد تطول وتأخذ أشكالاً مختلفة.
المفاجأة الثالثة: إن بعض الإسلاميين بدؤوا يهتمون بماركس، وقد لمست ذلك من خلال مداخلات عميقة ومنفتحة لعدد منهم خلال حلقة دراسية لمناقشة كتابي «تحطيم المرايا- في الماركسية والاختلاف» الذي تضمن قراءات ارتجاعية في ضوء النقد الذاتي لتجارب تاريخية، وذلك في منتدى الجاحظ في تونس الذي يرأسه المفكر الإسلامي صلاح الدين الجورشي.
وكان أحد المتدخلين قد سألني إذا كانت الاشتراكية قد تهاوت في عقر دارها فما معنى الحديث عن راهنيتها وحيويتها، وماركس نفسه كان قد قال إنه ليس ماركسياً؟
يحلو للبعض تفسير كل نقد لماركس أو بعض جوانب من الماركسية كأنه ارتداد عن الماركسية أو براء منها أو التخلي عن منهجها، لاسيَّما وقد استدار كثيرون بعد انهيار التجربة الاشتراكية العالمية نحو الضفة الأخرى بعيداً عن محتوى ومضمون الماركسية تحت زعم الأمر الواقع وبحجة التغيير والتجديد، والبعض الآخر تمسك بقشور الماركسية وتطبيقاتها المشوّهة، واعتبر أي حديث عن المراجعة والتطوير سيعني تدنيسها، وأن أي نقد لماركس أو للماركسية السائدة في تطبيقاتها، سيخدم العدو الطبقي ويصّب الماء في طاحونته، حتى وإن حمل نوايا طيبة.
إن قراءة النص الماركسي تأويلياً والاستفادة من المنهج والبحث عن تعاليم تصلح لعهدنا، بعد أن كانت تعاليم ماركس تصلح لعهده، سيعني قراءة جديدة وحيوية وراهنية للماركسية دون ماركس، الذي لم يكن سوى حلقة من حلقاتها، لاسيَّما وهي ليست كاملة أو تمامية، وإنما مفتوحة في إطار الوضعية النقدية.
ولعل قصة قول ماركس إنني لست ماركسياً، تعود إلى مطلع الثمانينيات من القرن التاسع عشر وقبل وفاته بفترة قصيرة (1883) حين برز خلاف بينه وبين اثنين من مؤسسي الحركة الاشتراكية العالمية في فرنسا وهما جول غيد وبول لافارغ (زوج إحدى بنات ماركس) وبخاصة حول برنامج الحزب الجديد، لاسيَّما في قسمه الاقتصادي، وكان غول غيد يعتقد أن الثورة العمّالية مسألة مطروحة في وقت قريب وحتى مرئي، في حين أن ماركس كان قد قرأ المشهد بصورة مختلفة، خصوصاً بعد فشل كمونة باريس 1871، وهو ما دفعه لاتهامهما «بالجملة الثورية» ومحاولة حرق المراحل والاستخفاف بالنضالات العمالية التي ينبغي تعزيزها للحصول على بعض المكتسبات حتى في ظل النظام الرأسمالي.
وكان انجلز هو الذي نقل عن ماركس عبارته الشهيرة التي قال فيها تعليقاً على برنامج غيد ولافارغ وتطبيقاته: إذا كانت هذه هي الماركسية، فمن المؤكد أنني، أنا، لست ماركسياً. وكانت تلك المداخلة الساخرة لمؤسس الماركسية والمدرسة الاشتراكية تنبع من كونها تنطلق من عنوانين أساسيين:
العنوان الأول: إن تراث ماركس ونصوصه ليست كاملة أو منتهية، كما أنها لا تقدّم وصفة جاهزة قابلة للتطبيق لكل زمان ومكان، وإن التراث الفكري قابل للنقد، ونصوصه ليست معصومة أو مقدسة، قائمة على الإيمانية والتسليم العقدي، بقدر ما هناك قوانين عامة واستنتاجات خاصة بعد دراسة الواقع، الذي بطبيعته نقيض القراءة الجاهزة والمصنوعة التي تقدم الإرادة الذاتية والرغبة الخاصة عليه.
وبقدر ما كانت الماركسية في عهد ماركس تعي أهمية التراكم لإنجازات مباشرة وحتى محدودة، فإنها تدرك أن علم التنبؤ بكيفية إنجاز مهمة التحوّل وآلياته العملية أمر صعب، رغم ما تؤشر إليه القوانين العامة والاستخلاصات التي يمكن الوصول إليها عبر ذلك.
وهكذا كانت كتب واستنتاجات ماركس وانجلز مساهمات غنيّة للفكر الإنساني والتراث التقدمي والثوري العالمي، وهذا هو العنوان الثاني.
لعل الماركسية هي مجموعة قوانين وأفكار مفتوحة في إطار الوضعية النقدية، قابلة للإضافة والحذف والتطوير والإغناء، من خلال جهد معرفي تحليلي متواصل للواقع، خصوصاً إذا ما أخذت الاكتشافات الحديثة بنظر الاعتبار، وإذا كانت القوانين العامة صحيحة، فذلك لأن النظام السائد ما زال رأسمالياً بامتياز ومهيمناً ومستغلاً للعالم أجمع، ولذلك تبقى الإنسانية بحاجة إلى الماركسية وهو عنوان عرض كتاب «مأزق الحركة الشيوعية المصرية» كما جاء في صحيفة الشرق الأوسط!

*باحث ومفكر عربي




411
سلطة العقل.. السيد فضل الله حضور عند الرحيل!
عبدالحسين شعبان
2010-07-12
ودّعت بيروت في موكب تشييعي كبير ومتميز العلامة السيد محمد حسين فضل الله، ومثلما غادر النجف التي أحبها، ترك هذه المرة بيروت التي عشقها دون عودة أو لقاء، والنجف التي هي مسقط رأسه وسكنت قلبه، مثل بيروت صِنوها وشقيقتها وتوأمها الروحي، كما أخبرني في إحدى المرات قائلا: لا أستطيع أن أفكر إلا بالانتماء إلى كليهما!»
لم أكن أتصور وأنا أتابع الحشود الكبيرة والجماعات المتوافدة والجهات الرسمية وغير الرسمية التي سارعت لتشارك في التشييع طواعية، إلا أن سلطة ما هي التي دفعتها لمثل هذه المشاركة، ورغم علمي بأن لا سلطة لفضل الله تقف وراءه وتدعمه سوى سلطة العقل، برجاحته وسعة صدره ودفء لسانه وتسامحه وقلبه النابض بالحب، عندها أدركت قوة تلك السلطة وهيبتها ونفوذها حتى لو كنت وحيدا وأعزل.
نعم لم يكن للسيد فضل الله سلطة سياسية، ولم يكن قريبا من أية سلطة سياسية، لكن تشْييعه المهيب الذي شهدته بيروت والعزاء الحار الذي أسهم فيه العالَمان العربي والإسلامي وإقامة العشرات من الفواتح على روحه، لفت الانتباه إلى سلطته المعنوية الكبيرة، وهي التي تذكرنا بما قاله الفيلسوف البريطاني فرانسيس بيكون منذ قرون: «إن للمعرفة سلطة"، ولعل هذه السلطة هي سلطة العقل الأساس في تنمية الفكر والثقافة.
كان فضل الله يدرك بحسه وكبريائه أن من يمتلك سلطة العقل لا ينبغي عليه التفريط بها لحساب سلطات عابرة سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية أو عسكرية أو غيرها، ولعل جميع هذه السلطات تحتاج إلى المعرفة وإلى العقل، وحتى لو لم يكن هناك إجماع على آرائه وأفكاره، فإن الإجماع على رجاحة عقله وعمق معرفته كان محط تسليم من الجميع بغض النظر عن آرائهم ووجهات نظرهم بالسيد فضل الله.
لقد عكس التشييع والفاتحة وتوافد المسؤولين حجم سلطة العقل التي امتلكها فضل الله رغم أنه كان «محاصرا»، فهو لا يأخذ بولاية الفقيه التي لا يجد أساسا لها في التاريخ الإسلامي. وهو إن كان مع المقاومة، لكنه كان مستقلا ووضع مسافة بينه وبين السياسة والحزبية، وهو إن كان متدينا لكن خطه كان مصدر إعجاب الكثير من غير المتدينين، وإن كان شيعيا، لكنه كان إسلاميا موحِّدا، رفض شتم الصحابة، واعتبر ذلك عملا لا يجمعه جامع مع الإسلام، والخلافة والإمامة أمور تاريخية لا ينبغي النزاع حولها، ولذلك هاجمه بعض المتعصبين والمتشددين، بل اعتبروه يسيء إلى المذهب وإلى الدين.
كان فضل الله داعية للحوار والتسامح والتقريب بين المذاهب والأديان، وكان يشعر أن ما يوحد المسلمين مع غيرهم عنوانان أساسيان هما الإيمان والإنسان، وأكد في أكثر من مناسبة أن ما يلتقي عليه المسلمون السنة والشيعة في الجوانب الفقهية يصل إلى مستوى %80، وطالبهم أن يستوحوا المرحلة التي عاش فيها الخلفاء الراشدون، بعيدا عن اتهام كل فريق للآخر بالضلال والكفر. وكنت قد سألته عن قصة من جاء إلى العلامة الراحل محسن الأمين وطلب منه أن يبدل مذهبه من المذهب السني إلى المذهب الشيعي فقال بتندّر: فما كان من الأمين إلا أن قال له قل: "لا إله إلا الله محمد رسول الله»، وهو ما ظل يردده على مسامع زائريه.
لعله كان أقرب إلى فكرة الإمام علي بخصوص المسلم والإنسان، عندما خاطب مالك بن الأشتر النخعي وهو عامله في مصر موصياً إياه بالبشر قائلا: لا تكن عليهم (أي على الناس) سبعا ضاريا لتأكلهم، فالناس صنفان: أما أخ لك في الدين (أي مسلم مثلك) أو نظير لك في الخَلق (أي بشر مثلك) أيضا. وذلك تيمنا بما ورد في القرآن الكريم على لسان الرسول محمد صلى الله عليه وسلم: «قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمنّ على من يشاء من عباده وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون» (سورة إبراهيم:11). وكذلك ما ورد في سورة الكهف على لسان النبي محمد أيضا حيث يأمره الله بمخاطبة الناس: «قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إليّ أنما إلهكم إله واحد» (صورة الكهف:110).
حاول فضل الله ترسيخ الفهم المتحرر للإسلام والدفاع عن هويته التنويرية لحضارته ضد الذين يحاولون «تحويلنا إلى حطام إيديولوجي» وضد «الذين يتقنون تعذيب النصوص». كان يريد لسلطة العقل أن تسود ضد «وثنية الجسد» الذي هو وعاء الروح وضد مفهوم «الزنزانة المقدسة»، ويرى أن الحياة ينبغي أن تعاش لا أن يتم اغتيالها.
تميّز بالجرأة في طرح آرائه وأطروحاته الفقهية بانفتاح كبير على التطور العلمي وعلى تفسير الإسلام بما ينسجم مع روح العصر. ولذلك أفتى باعتماد الفلك والأرصاد لإثبات شهر رمضان وانتهائه، وتحديد الأعياد وغيرها، وأفتى بتحريم القتل باسم «جرائم الشرف»، وقال إن ختان النساء ليس من السنن الإسلامية، وأفتى للمرأة برد الاعتداء عليها دفاعا عن النفس إذا حاول زوجها أو أخوها ضربها، وحظر ضرب الرؤوس بالسيوف خلال أيام عاشوراء، لاسيما يوم العاشر من محرم يوم مقتل الحسين في معركة الطف بكربلاء عام 61هـ، واعتبر ذلك محرما لسببين الأول لأنه إيذاء للنفس (التطبير) والثاني لأنه تشويه للدين وسمعة المسلمين، وقد اقتفى بذلك أثر العلامة السيد محسن الأمين الذي توفي عام 1952 والسيد آية الله أبوالحسن الذي توفي عام 1946.
طرح فضل الله نفسه مرجعية شيعية مستقلة، الأمر الذي شهد توترا في علاقته مع إيران وحزب الله، واعتبره البعض ممالئاً لقوى معادية، علما بأن علماء النجف لم يكونوا مع مبدأ ولاية الفقيه تاريخيا، وهو مبدأ حديث واجتهاد مختلف عليه.
واعتبر فضل الله الشيعة العرب المسلمين غير تابعين لإيران لا بالمعنى السياسي ولا بالمعنى الديني، ويمكن القول ولا بالمعني التاريخي، معتبرا الشيعة مخلصين لأوطانهم ولمجتمعاتهم، مثلما كان محمد مهدي شمس الدين يدعو إلى اندماجهم في أوطانهم ومجتمعاتهم، وهو ما لخصه في كراسة عشية وفاته بعنوان «الوصايا».
ولم يقل فضل الله بشروط الذكورة في المرجعية، الأمر الذي يعني حق النساء في تبوّؤ المرجعية، بما فيها الرئاسة أو القضاء أو الإمامة، معتمدا على مبدأ قاعدة المساواة بين المرأة والرجل في الحقوق والكرامة، مستشهدا بالآية القرآنية «ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف».
مثّل فضل الله سلطة العقل ساعيا إلى أن تكون سلطة الحق، خصوصا أنه مثل الاعتدال والتسامح مقدما الإسلام بثوب عصري ولون حضاري وطابع إنساني!!
إذا كان فضل الله قد رحل عن دنيانا، فإن ما تركه لنا من ثروة عقلية ومعرفية سيبقى معنا وبعدنا مئات السنين.

* باحث ومفكر عربي
 


       


412
الاغتيال السياسي .... مقاربة سسيو ثقافية حقوقية


عبد الحسين شعبان

باحث ومفكر عربي
تمثل قضية الاغتيال السياسي ومصادرة حق الحياة ظاهرة خطيرة في الوطن العربي، وللأسف الشديد إنها أخذت بالتوسع والانتشار، في الوقت الذي يتطور فيه الوعي العالمي باحترام حقوق الانسان وحرياته الاساسية. ولم تعد هذه الظاهرة تقتصر على الحكومات التي عمّقت وطوّرت من أساليبها ووسائلها العنفية، بل إمتدّت لتشتمل قوى خارج السلطات، حيث اعتمدت قوى التطرف والتعصب والغلو على وسائل مماثلة لحل النزاع بينها وبين السلطات ولمعارضة اجراءاتها وممارساتها الارهابية بأعمال إرهابية. وقد جرى اغتيال بعض الشخصيات الثقافية والفكرية والسياسية اللامعة بفعل سيادة ظاهرة تغييب الرأي الآخر وإن اقتضى الأمر إلغاء حق الحياة الذي هو حق أساس للانسان لا يمكن الحديث عن أية حقوق أخرى في ظل اهماله.
وقد نصّت المادة الثالثة من الاعلان العالمي لحقوق الانسان الصادر في 10 كانون الاول (ديسمبر) 1948 على ما يلي: " لكل فرد الحق في الحياة والحرية وسلامة شخصه". وقد جاء حق الحياة والحرية والسلامة الشخصية في مادة واحدة وبصورة لا تخلو من التلازم، وأوضحت المواد التي تلتها تأكيداً لحق الحرية والسلامة الشخصية بعض الحقوق التكميلية كعدم جواز الرق (المادة 4) وعلى تحريم التعذيب والمعاملات القاسية الحاطّة بالكرامة (م-5) وحق الاعتراف بالشخصية القانونية (م-6) والمساواة أمام القانون (م-7) وحق اللجوء الى المحاكمة للانصاف من الاعتداء على الحقوق الاساسية (م-8) وعدم جواز القبض على الانسان أو حجزه أو نفيه تعسفاً (م-9).
ونصّت المادة السادسة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1966  والذي دخل حيّز التنفيذ العام 1976 على ان " حق الحياة حق ملازم لكل انسان وعلى القانون أن يحمي هذا الحق ولا يجوز حرمان أحد من حياته تعسفاً ".
ان هذه الحقوق إضافة الى حقوق أخرى، ملازمة لحق الحياة ومكمّلة له في أي مجتمع متمدن، إذْ لا يمكن الحديث عن تلك الحقوق بدون حماية حق الحياة، الأساس الذي تصب فيه وتتمحور حوله بقية الحقوق.
هذه المقدّمة كانت تمهيداً لمحاضرة ألقيتها في لندن في الكوفة كاليري بمناسبة اغتيال الشيخ طالب السهيل التميمي في بيروت. ولا أهدف من وراء هذا التقديم الحديث عن ظاهرة الاغتيال والقهر السياسي في التاريخ العربي فذلك أمر عويص، لكنني أود أن أشير الى أن الظاهرة، قد تطورت كثيراً بتطور وسائل العلم والتكنولوجيا، علماً بأن الهدف ظل واحداً وإن اختلفت الوسائل، ألا وهو إلغاء حق الخصم في التعبير، والاجهاز على الرأي الآخر حتى وإن تطلب الأمر التصفية الجسدية،  أو إذلاله للتخلي عن أفكاره وآرائه ومعتقداته.
وأياً كانت الذرائع المستخدمة سواءً سياسية أو فكرية، واياً كانت المبررات سواءً كانت " طبقية" أم قومية" أم " دينية" أم " مذهبية"، وأيا كانت الوسائل المتبعة: رصاصة أو سكيناً أو كاتم صوت أو كأس ثاليوم أو حادث سيارة أو تفجيراً أو مفخخةً أو عبوة ناسفةً، فإنها من زاوية علم النفس الاجتماعي تلتقي عند عدد من النقاط هي باختصار:
الأولى – انها تستهدف تغييب الخصم والغاء دوره ومصادرة حقه.
الثانية- انها تعتمد على الغدر وإخفاء معالم الجريمة في الغالب.
الثالثة- انها تتسم بسرّية كاملة وقد يقوم بها بعض المحترفين.
الرابعة- انها تستخدم كل الأساليب لتحقيق أهدافها من أكثرها فظاظة وبربرية الى أكثرها مكراً ونعومة، بحيث يمكن إخفاء أي أثر يستدل عليه من الضحية.
الخامسة- الحرص على اخفاء هوية المرتكبين وقد يمشي المجرم في جنازة الضحية وقد يدفع الذهن للانصراف الى أطراف أخرى بهدف التمويه ودق الأسافين وتوريط جهات أخرى.
السادسة- أنها تتجاوز على القانونية والشرعية سواءً كانت حكومات هي المسؤولة عن تطبيق القانون والشرعية وهكذا يُفترض أو كانت من قوى التطرف التي عانت من الانتهاكات والتجاوزات والارهاب، فأقدمت هي الأخرى على إصدار أحكامها بعيداً عن المحاكم والشرعية والقانون، منصّبةً نفسها كجهاز تنفيذي وقضائي في الآن ذاته، بل كجهاز تشريعي " مخوّل"، محللة استخدام كل الوسائل للقضاء على الخصم.
ومهما كانت المبررات والأسباب التي استخدمت لتبرير الاغتيال وظواهر العنف والعنف المضاد والقهر، فإن هذه الظواهر تنتشر في ظل غياب الديموقراطية وعدم الاعتراف بالتنوع وانكار التعددية الفكرية والسياسية والدينية، وانعدام حالة الحوار بين السلطة والمعارضة وبين الجماعات والتيارات العقائدية والسياسية.
لعل اللجوء الى تصفية الخصم انما يعكس حالة الضعف والخوف من جانب الجهات التي تلجأ الى وسائل العنف والاغتيال والقهر لحل خلافاتها السياسية والفكرية، فالحكومات أو القوى التي تثق بنفسها وتشعر انها تحظى بتأييد الرأي العام ومؤسساته، ناهيكم عن الشفافية والرقابة والمساءلة ووجود قضاء مستقل، لا تلجأ الى مثل هذه الاساليب لأنها ستغامر بواقعها ومستقبلها، لاسيما إذا كانت تحكم بصورة شرعية أو وصلت الى الحكم عن طريق الانتخاب واختيار الشعب، ولذلك فهي لا تفكر في اللجوء الى وسائل العنف أو الاغتيال لالغاء حق الخصم في التعبير الذي قد يصل الى الغاء حياته.
ولا بدّ من الاشارة الى أن الاغتيال السياسي ومصادرة حق الحياة هما أسوأ درجات انتهاك حقوق الانسان، وهما دليل ضعف وليس وسيلة قوة، ولذلك فإن الجهات التي تلجأ اليهما أحياناً، تحاول التنصّل منهما رسمياً أو تنفي مسؤوليتها عن أعمال ترتكب باسمها، بل تحاول خلط الأوراق لضياع هوية المرتكب.
كما لا بدّ من الاشارة الى أن القوى التي تلجأ الى الاغتيال ومصادرة حق الحياة في الغالب، تزعم أن لديها أفضليات وتقوم بممارسة تلك الأعمال استناداً الى  الايمانية المطلقة أو اليقينية الثابتة، وهي جزء من الفكر الشمولي، الاطلاقي الوحيد الجانب، وهي لا تؤمن بالتعددية وبحق الآخرين، بل تعطي نفسها الحق أحياناً في تأثيم وتحريم وتجريم الآخرين، أو مصادرة حقوقهم تارة باسم " الشعب" وأخرى باسم الأمة أو القومية أو مصالح الكادحين وثالثة باسم الدين.
ولا يربط القوى والجماعات التي تعتمد على الاغتيال والعنف رابط مع العقلانية والمدنية والديمقراطية أو الموضوعية، فالانحياز المسبق والتفكير المعلب المصنوع خصيصاً من نسيج التصورات الناجزة هو الذي يفعل فعله ويحكم علاقة هذه القوى والجماعات بالآخرين وبالموقف منهم، خصوصاً وأنها تستخدم أساليب القهر السياسي وسيلة لحل الخلافات مع الآخرين. أما الآخر بالنسبة لها فهو المريب الغريب، الخارج على ما تؤمن به وتسعى لتحقيقه، ولهذا فهي تبرر ما تقوم به ضده وما تفعله بخصوصه.
ولم يكتفِ من يزعم أن الحقيقة بجانبه باستخدام الاغتيال وسيلة لتغييب الآخر، بل يلجأ أحياناً الى اعتماد محترفين للقيام بمهمات الاغتيال ويلجأ الى استئجار مرتزقة وقد شاعت فضيحة بلاك ووتر في العراق وما قامت به من أعمال قتل في وضح النهار أحياناً إضافة الى عملياتها السرية وذلك بعد احتلال العراق، وأحياناً يقوم هؤلاء بإجبار الضحايا على القيام بارتكاب جرائم للنجاة بأنفسهم، مقابل اغتيال خصوم تختارهم هي.
كما تعتمد بعض الجهات الارهابية أحياناً على بعض الديبلوماسيين والبعثات الديبلوماسية التي تتمتع بالحصانة الديبلوماسية بموجب اتفاقية فيينا لعام 1961 حول " العلاقات الديبلوماسية " وفي الكثير من الأحيان ساهم بعض الموظفين الدبلوماسيين في تهريب الأسلحة والمعدّات ووسائل القتل بالحقائب الديبلوماسية، مستفيدين من المزايا التي تمنحها اتفاقية فيينا.
هكذا تتحول الديبلوماسية التي هي جناح من أجنحة الدولة تطير بها لإظهار حسن علاقتها مع الآخر ولحماية مصالحها الوطنية ورعاياها خارج البلاد ولتعزيز وتطوير علاقاتها الدولية، الى جهاز من أجهزة القمع يجمع بعض المحترفين من القتلة بحيث تساوي الديبلوماسية " عين المقر" على حد تعبير حسن العلوي في كتابه" دولة المنظمة السرية" وهي لا تعني سوى عين استخبارية مصحوبة في لغة فكر- الاستبداد- بالعنف والارهاب.
وحين نكون أمام حالة انعدام المعايير واختلاط الرغبة في تطويع الآخر بتبرير حق تصفيته وادعاء امتلاك الحقيقة والرغبة في الحفاظ على المواقع بمصادرة حق الآخرين بما فيهم حياتهم، فإنها الخطوة الأولى لمصادرة القانونية والشرعية، بل والانسانية في الانسان، وهي مقدمة لإلغاء حياته ووجوده حتى وإن كان بريئاً أو مظلوماً، سواءً كان الهدف خلق الرعب في صفوف الآخرين أو "مواجهة" الله قرباناً لزرع العدل على الأرض، كما سمعنا الكثير من المسوّغات، لاسيما من قبل الاسلامويين في إيران أو غيرها من القوى المتطرفة.
أغلب الظن أن الذين يمارسون الارهاب والعنف ويصدرون أوامر الاغتيال يريدون أن يصوروا الأمر لنا على هذه الشاكلة: هكذا يموت الانسان بدون مرتكب، بالمصادفة يشرب كأس الثاليوم وعن طريق رصاصة طائشة تستقر في رأسه يفارق الحياة وبقدر غاشم تصطدم سيارته أو تسقط طائرته أو يلقى على قارعة الطريق أو عن طريق حزام ناسف وانتحاري غير معروف الهوية، وتلقي السلطات القبض على الضحية ويهرب الجناة.
هكذا يريدون أن نصدّق بأن الأشياء تحدث بدون مرتكب سوى الصدفة المجنونة، وفي الواقع ليس ذلك سوى إهانة للعقول وتمادياً في الزيف واستخفافاً بالمنطق.
والاغتيال لم يعد فردياً، فقد وسّعت الحملات الجماعية من مفهومه وتحول الى نوع من العقوبة الجماعية، حروب إبادة لجماعات عرقية أو دينية أو مذهبية وأحياناً لشعوب بكاملها، فلم تكتفِ اسرائيل والصهيونية العالمية بإلغاء وجود شعب فلسطين وحقه في الحياة وتقرير المصير، بل اقتطعت أجزاء عربية عزيزة في جنوب لبنان والجولان السورية وغيرها، وامتدت يد الارهاب الصهيوني لتحاول اقتلاع بعض رموز ثقافة المقاومة ولتجهز على مثقفين بارزين أمثال غسان كنفاني، الذي طارت أشلاؤه في بيروت بانفجار سيارته وكمال عدوان وكمال ناصر وأبو يوسف النجار، الذين اغتيلوا في وضح النهار بقرصنة اسرائيلية في بيروت، وماجد أبو شرار في روما وخليل الوزير (أبو جهاد) الذي اغتيل في تونس وباسل الكبيسي في باريس وناجي العلي في لندن ومحمود المبحوح في دولة الامارات العربية وآخرين.
وكان رد الفعل الامريكي بشكل خاص والغربي بشكل عام إزاء أحداث 11 أيلول (سبتمبر) الارهابية الاجرامية، التي حصلت في الولايات المتحدة، عنيفاً، وهو لم يكتفِ بالضغط على الجاليات العربية والمسلمة، والتضييق على بعض الحقوق المدنية، الأمر الذي استفزّ منظمات حقوق الانسان في العالم أجمع، بل ذهب بعيداً حين برّر احتلال أفغانستان وغزو واحتلال العراق بحجة مكافحة "الارهاب الدولي" في حين أن العالم العربي والاسلامي كان من أكثر ضحايا الارهاب الدولي على مدى عقود، وهو ما لم تأخذه واشنطن بنظر الاعتبار قبل أن تمتد يد الارهاب اليها والى الغرب عموماً.
كما لم تكن حكومات عربية أكثر رحمة مع الفلسطينيين من غيرهم، كما أن بعضهم لم يكن أقل عنفاً من " الغرباء"، لاسيما في الصراعات العربية- الفلسطينية والفلسطينية – الفلسطينية. وكان الرصاص المشبوه الهوية قد تكفلته الصراعات الداخلية، وحلّ محل الحوار والعقلانية وحق الاختلاف وحرية التعبير... رصاص ملتبس ومتسلل وإن تعددت المصادر والجهات، ولعل صراع حماس مع فتح (غزة والضفة) الذي ما يزال مستمراً منذ ثلاث سنوات ونيف خير دليل على ما نقول في حين تمارس الآلة العسكرية الاسرائيلية قضماً تدريجياً للقدس والأراضي الفلسطينية، خصوصاً بناء جدار الفصل العنصري، كما يستمر الحصار اللاانساني ضد قطاع غزة والعدوان المتكرر والمفتوح، لاسيما بعد الحرب التي قادتها اسرائيل ضد سكان غزة أواخر العام 2008 ومطلع العام 2009 والتي دامت 22 يوماً، إضافة الى مهاجمة قافلة الحرية وقتل 9 أتراك وجرح أعداد أخرى (2010).
وشملت أعمال الاغتيال والارهاب في الجزائر، أعداداً كبيرة من المواطنين وخصوصاً من المثقفين حيث اغتيل إضافة الى الكاتب الجزائري المعروف الطاهر جعوط ونحو 33 صحافياً وفناناً إضافة الى عدد غير قليل من النساء اللواتي جرى اغتصاب العديد منهن ثم اغتيالهن، مع عشرات الآلاف من الضحايا.
وفي مصر امتدت قوى التطرف لتنال من الكاتب والمبدع الكبير نجيب محفوظ الذي حاولت سكين حاقدة أن تمتد الى رقبته وتصادر حقه في التعبير، خصوصاً بعد محاولات ظلامية لتفكيره عن رواية "أولاد حارتنا" التي كان مضى على إصدارها أكثر من ثلاثة عقود، كما حدث مع الكاتب فرج فودة الذي اغتيل غدراً في القاهرة، وبتصاعد موجات التطرف تضاعف الحكومة من أعمالها العنفية والارهابية، لتضيف ذرائع جديدة على كبت الحريات وتقليص دائرة المشاركة.
وفي لبنان يوم سقط الشيخ حسين مرّوة مضرجاً بدمائه وقف مهدي عامل مودعاً زميله أمام ضريح السيدة زينب في دمشق مخاطباً المثقفين بالقول إذا لم توحدنا الثقافة بوجه الظلام والتخلف فماذا سيوحدنا بعد... أهو كاتم الصوت أم ماذا؟ ولم يدر بخلده أنه سيكون الضحية القادمة بعد مرّوة بثلاثة أشهر سبقه الصحافيان خليل نعوس وسهيل طويلة وشملت عمليات الاغتيال والقهر عشرات الأسماء اللامعة والتي تشكل منارة مشرقة في الثقافة اللبنانية والعربية.
وفي ليبيا ظلّت قضية منصور الكيخيا غامضة وتتراوح بين اختفائه في مصر العام 1993 مع اشارات أعقبت ذلك ، صدرت من طرابلس الغرب تدعو الى هدر الدم وتصفية الخصوم وما زال مصيره مجهولاً حتى الآن وكذلك مصير السيد موسى الصدر العام 1979، وفي السودان اغتيل الفنان الخوجلي عثمان بحجج واهية، كما أعدم الكاتب والمفكر الاسلامي محمد محمود طه لاعتبارات تتعلق بحرية الفكر وحق التعبير.
والقائمة تطول عربياً ولا يتسع المجال لذكر كل التفاصيل، لكنني سأتناول بشيء من التركيز الاغتيال كوسيلة من وسائل تعميم الارهاب في العراق، حيث يكاد يكون النموذج الأصرخ ليس على صعيد العالم العربي وحسب، وإنما على الصعيد العالمي.
ومثلما حصلت ارتكابات جماعية في جنوب العراق وبخاصة في مناطق الأهوار وفي شمال الوطن كردستان، خصوصاً خلال الانتفاضة في 1991، وقبلها في حلبجة عام 1988، وعمليات الأنفال السيئة الصيت التي هي أقرب الى عمليات الاغيتال الجماعي، فإن الاغتيال السياسي مورس ضد جميع القوى والتيارات والاتجاهات السياسية والفكرية على الصعيد الداخلي والخارجي، وشملت قائمة الذين تم تصفيتهم رجال الدين وزعماء وقادة منظمات اجتماعية وأكاديميين وسياسيين، رجالاً ونساءً،  وكانت الممثليات الدبلوماسية العراقية في الكثير من الأحيان أداة لملاحقة المعارضين في الخارج.
وقد كشفت حادثة اغتيال الشيخ طالب السهيل (رئيس عشيرة بني تميم العربية) على أيدي عضوين من السفارة العراقية في لبنان مدى تورط البعض في أعمال الاغتيال والعنف السياسي، خصوصاً وقد ألقي القبض على المرتكبين، اللذان التجأا الى السفارة العراقية، واعترفا بأنهما قدما الى لبنان خصيصاً بهدف قتل الشيخ طالب السهيل. ونشأت أزمة ديبلوماسية بين لبنان والعراق العام 1994 نجم عنها قطع العلاقات الديبلوماسية واغلاق السفارة العراقية في بيروت في حينها.
هذه الحادثة تجعلنا نفكّر بأي زمن نعيش فيه حيث يتم اختلاط الاشياء وتداخلها وتنوّع وتبادل الأدوار والمواقف بقصد خلط الأوراق وإخفاء الحقيقة. وقد كانت اسرائيل منذ تأسيسها الأكثر استخداماً للدبلوماسية كحاضنة ذات حصانة للاغتيالات السياسية وهناك عشرات ومئات الأمثلة منذ اختطاف ايخمان من الأرجنتين ونقله سراً الى اسرائيل ومحاكمته واعدامه العام 1960.
هكذا يصبح الشرطي ديبلوماسيا والديبلوماسي الذي يفترض فيه احترام قواعد القانون الدولي والبروتوكول الديبلوماسي، يتحول الى قاتل محترف، والدولة التي يفترض فيها أن ترعى حقوق رعاياها تتحول الى صياد للخصم ولانتهاك الشرائع والأعراف والحجة هي تصفية الآخر.
ولعل ما حصل بعد الاحتلال الامريكي للعراق فاق كل التصوّرات، ابتداءً من اغتيال دميليو ممثل الامين العام للأمم المتحدة في العراق وبعدها السيد محمد باقر الحكيم، وكرّت المسبحة لتشمل علماء دين سنّة وشيعة ومسيحيين ويزيديين وصابئة  وخطباء جوامع ورجال علم وأكاديمين واعلاميين، من شتى التكوينات العراقية العربية والكردية والتركمانية والكلدانية والآشورية وغيرها، لاسيما حين أصبح العنف ظاهرة مميزة في العراق، بل على الصعيد العالمي.
إن فضائح سجن أبو غريب وسجن الجادرية وسجن مطار المثنى كانت مثالاً صارخاً تجاوز جميع القوانين والشرائع السماوية والوضعية ، بما استخدم فيها من أعمال تهدف الى القهر السياسي، إضافة الى القتل على الهوية والتطهير العرقي والمذهبي وغيرها، خصوصاً التي سادت على نحو منفلت من عقاله بعد تفجير مرقدي الامامين الحسن العسكري وعلي الهادي في سامراء في شباط (فبراير) العام 2006 وما بعده، وأدّت الى هجرة مئات الآلاف من العراقيين ونزوحهم الى مناطق داخل البلاد، أو اضطرارهم للتوّجه الى المنفى.
وأمام ظاهرة الاغتيال والقهر السياسي عربياً، وبخاصة في العقدين الماضيين نتساءل هل نحن حقاً أمام حكومات تمتثل للشرعية والارادة العامة للناس وتسوسهم باختيارهم وتمثيلهم ومشاركتهم وهو ما يفعله الميليشياويين والارهابيين والمتطرفين لا فرق إن كانوا باسم الدين أو الطائفة أو الطبقة أو مصلحة الأمة أو المصلحة الوطنية العليا؟
وأمام بعض أعمال الاغتيال من جانب قوى التطرف والتعصب والارهاب نتساءل أيضاً هل يمكن كسب الجمهور وتحقيق البرنامج السياسي بقوة السلاح، وقد جرّبت قوى وأنظمة ذلك تحت واجهات مختلفة لكنها لم تصل الى ما تصبو اليه؟ ألم يحن الوقت لمراجعة سسيوثقافية حقوقية لظاهرة العنف والاغتيال والقهر السياسي وانعكاساتها على المجتمع والفرد، استناداً الى العقدين الأخيرين، خصوصاً وأن الدولة، حكومات وجماعات سياسية ودينية، بل والشعوب العربية والاسلامية بكاملها كانت ضحيتها؟
ولا شك أن الاغتيال السياسي يمثل قمة الفشل السياسي للذين يقومون به سواءً كانت قوى سياسية أو جماعات مذهبية أو قيادات دينية أو اعمال اجرامية فردية، لأنه دليل توتر وفشل وعدم قدرة على خوض الصراع السلمي.
لعل هذه أسئلة قاسية بحاجة الى وقفة جدية سسيو- ثقافية حقوقية لقراءة تفاصيل مشهدها، مثلما هي بحاجة الى حوار مفتوح وشفاف وتحت ضوء الشمس بين النخب الفكرية والسياسية والدينية، كما هي بحاجة الى تراكم وتطور تدريجي طويل الأمد، والأمر يتوقف أيضاً على توفير بيئة تشريعية مناسبة، مثلما يحتاج الى بيئة تربوية وتعليمية ومناهج دراسية مشجعة، ويمكن للاعلام والمجتمع المدني أن يلعبا دوراً كبيراً في نشر ثقافة التسامح والحوار والمشترك الانساني .

صحيفة الاقتصادية السعودية، العدد 6115، الجمعة 9 تموز (يوليو) 2010



413
منتدى الجاحظ (التونسي) يناقش كتاب " تحطيم المرايا"!

تونس- خاص- المحرر الثقافي

استضاف منتدى الجاحظ في العاصمة تونس، المفكر العربي الدكتور عبد الحسين شعبان لمناقشة كتابه" تحطيم المرايا- في الماركسية والاختلاف" وذلك في إطار حلقة دراسية للمراجعات الفكرية بعنوان " من تجارب النقد الذاتي".
وقد أدار الحلقة الفكرية الدراسية المفكر التونسي صلاح الدين الجورشي رئيس منتدى الجاحظ، وبعد أن رحّب بالدكتور شعبان واشاد بمساهماته الفكرية والحقوقية، توقف عند كتابه الذي أثار نقاشاً واسعاً على المستوى العربي الفكري والثقافي والاعلامي، ثم أعطى الكلام لنائب رئيس المنتدى عبد الرزاق العيّاري، الذي قدّم عرضاً مكثّفاً للكتاب وأهم محطاته وفصوله، لاسيما فسحة الجدل التي أثارها والجرأة التي تميّز بها، مشيراً الى أنه كتاب مهم ومتميز ولكاتب مهم ومتميّز أيضاً.
وجاء دور الدكتور شعبان ليتحدث عن ظروف إصدار الكتاب وأهم أطروحاته واستنتاجاته، ودور محاوره الناقد خضير ميري، مشيراً الى أن الكتاب نوقش في بيروت والقاهرة وبغداد والعمارة وستنظم حلقة دراسية له في كردستان، وكان من المؤمل إلتئام ندوة عنه في مراكش والرباط، ولكن تم تأجيلها الى الخريف القادم، وستشهد دمشق وعمان ندوتين عن الكتاب الذي حاول فيه الكاتب " إعادة الماركسية" الى النقاش على أوسع نطاق في العالم العربي، مؤكداً رغم مراجعاته الفكرية وانتقاداته النظرية، فضلاً عن التطبيقات الاشتراكية المشوّهة، راهنية وحيوية المنهج الماركسي، مشدداً على ضرورة إعادة قراءة ماركس دون قدسية أو إيمانية عقيدية مطلقة.
وجاء دور الناقدين المعقبين، وهما ماركسيان عريقان أحدهما سوري وهو الدكتور عبدالله تركماني والآخر تونسي وهو الاستاذ محمد الكيلاني، اللذان قدّما قراءة نقدية للكتاب ولمؤلفه، بما يعزز الكثير من الاستنتاجات التي جاء عليها الكتاب، خصوصاً وأن قراءتهما كانت من موقع النقد الذاتي لتجارب مشتركة وممارسات متشابهة، الأمر الذي دعاهما الى تنشيط الحوار والجدل، بشأن راهنية الماركسية دون صنمية أو تقديس.
ثم افتتح باب النقاش والحوار والأسئلة، تحدث فيه 14 متداخلاً ومتحدثاً ومناقشاً، وحاول د.شعبان الاجابة على اسئلتهم واستفساراتهم، واختتم رئيس المنتدى صلاح الدين الجورشي الحلقة الفكرية الدراسية التي استمرت ثلاثة ساعات وربع الساعة، مشيداً بحيوية النقاش واعداً بحلقات جديدة من تجارب النقد الذاتي.






414


ظلال غورباتشوف في صورة أوباما الأفغانية

عبدالحسين شعبان
2010-07-05
منذ ثلاثة عقود ونيّف من الزمان وأفغانستان تلعب دوراً عالمياً كبيراً لا باعتبارها بلداً محتلاً وحسب، بل في تحديد وتعديل وإعادة النظر في الاستراتيجيات العالمية، فبعد عشر سنوات من الاحتلال السوفييتي، جاءت اللحظة الفارقة حين قرر غورباتشوف في فبراير عام 1989 وفي إطار ما سمّي بسياسة الوفاق سحب آخر جندي سوفييتي منها، يومها حمل شيفرنادزا رسالة إلى إسلام آباد ومنها إلى حليفتها واشنطن، وكان يأمل إقناع بناظير بوتو بتقاسم السلطة، وإلاّ فإن العنف سينفجر إلى حدود لا يمكن توقعها، خصوصاً وأن الرئيس الأفغاني محمد نجيب الله لا يقوى على الاستمرار في السلطة.
وكان الانسحاب السوفييتي المفاجئ وعدم التفاهم على تسوية سياسية، بسبب التعنت الباكستاني- الغربي وعدم اتفاق القوى الأفغانية أيضاً، قد أدى إلى اندلاع الحرب الأهلية وتدمير كابل وصعود نجم طالبان، حيث تمّ توفير ملاذ آمن لتنظيمات القاعدة التي ارتفع رصيدها منذ ذلك الوقت، خصوصاً ارتباطها مع اسمَيْ أسامة بن لادن والظواهري، اللذين أصبح لهما كاريزما خاصة على صعيد التنظيم السري والعمل السياسي والعسكري.
اليوم بعد مرور ما يزيد على عقدين من تلك اللحظة التاريخية المؤثرة وتداعياتها الاشتراكية والعالمية، عادت طالبان إلى الواجهة وأدركت الولايات المتحدة إلى حدود غير قليلة، مثلما أدرك الاتحاد السوفييتي السابق من قبل، أنه لا يمكن تحطيم تنظيمات «المجاهدين» والقضاء على الحركة الرافضة للوجود العسكري السوفييتي أو الأميركي، سواءً جاء بمبررات طلب من حكومة أفغانستان «الثورية» في حينها أو بناء على قرار لقوات التحالف بعد أحداث 11 سبتمبر الإرهابية الإجرامية في الولايات المتحدة في عام 2001.
ها هي طالبان تشكّل أكثر من مفاجأة، فهي ليست منظمة مطاردة أو «منبوذة»، بل تبسط نفوذها على مناطق واسعة في غرب البلاد وشمالها وطولها وعرضها ولديها ملاذات آمنة في باكستان، وترتفع يوماً بعد آخر خسائر القوات المحتلة لاسيَّما خلال عام 2009، فما الذي سيفعله الرئيس أوباما.. هل سيكرر ما فعله غورباتشوف؟ أي الهروب إلى الأمام والانسحاب دون تسوية سياسية، خصوصاً وقد حدد 18 شهراً للانسحاب، حيث ظلت الولايات المتحدة منذ إسقاط نظام طالبان في عام 2002 بلا نصر عسكري كبير ومنظور، وحرب الاستنزاف تزداد ثقلاً، بل إن البلاد تعيش في حرب مفتوحة منذ أكثر من ثلاثة عقود من الزمان دون أمل في وضع حد لها حتى الآن.
لقد اخترقت طالبان بعض قطاعات الجيش والشرطة الأفغانية، فكيف ستقوم الولايات المتحدة بتسليمها إلى الحكومة الأفغانية بقيادة الرئيس حامد كرزاي بحلول شهر يوليو من العام القادم 2011؟ ولعل تَوّسع نفوذ طالبان وانحسار نفوذ الحكومة والقوات المحتلة بما فيها قوات حلف الناتو، هو الذي دفع الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون إلى إبلاغ مجلس الأمن بأن أفغانستان تمرّ في لحظة فارقة، خصوصاً أن الوضع قد يصبح غير قابل للتعديل.
ربما فكّر الرئيس أوباما وقبل الوصول إلى لحظة اللا عودة في استمالة بعض مقاتلي وقيادات طالبان ميدانياً، لاسيَّما بعد تحقيق بعض النجاحات وذلك بجلب قوات جديدة إلى أفغانستان، أي أن يتم التفاوض مع حركة طالبان بعد إضعافها قدر الإمكان، ويحتفظ قائد القوات الأميركية وقوات الناتو الجنرال ستانلي ماكريستال (الذي تنحى من موقعه قبل أيام) بميزانية خاصة لتحقيق هذا الهدف، وتقدر الأموال التي تمّ وضعها تحت تصرفه بمليار ونصف المليار دولار لتوزيعها على بعض قيادات طالبان وجعلها مثل الحوافز على التعاون، لاسيَّما مع من يبدي استعداده لإلقاء السلاح.
صحيح أن السطوة العسكرية لا تزال بيد القوات الأميركية وقوات الناتو، لاسيَّما في المراكز الرئيسة والتجمعات السكانية، لكن ذلك لا يعني عدم وجود نفوذ مؤثّر لطالبان، التي لديها حكومات ظل في 33 مقاطعة من 34 وتحتفظ بعلاقات خاصة مع قوى عشائرية وجهوية متنوعة.
وبقدر عدم تمكن طالبان من حسم المعركة لصالحها، فإنه في الوقت نفسه ليس من السهولة بمكان إحراز نصر سريع للقوات العسكرية الأميركية أو إعلان هزيمة تنظيمات القاعدة كلياً أو إنهاء حركة طالبان.
ولعل هذا الوضع يثير تباينات واختلافات في داخل الإدارة الأميركية التي تبدو منقسمة حتى الآن، بشأن ترجيح أحد الخيارات المطروحة، فالحوار مع زعامات طالبان لا يوفر قناعات مشتركة وموحدة بالنسبة لوزارة الخارجية ووزارة الدفاع ووكالة الاستخبارات المركزية CIA وإدارة أوباما في البيت الأبيض، إذ أن كلاً من هذه المراكز لديه رؤية خاصة حول موضوع الحوار مع طالبان.
ورغم أن الموقف لدى طالبان ليس موحداً هو الآخر، لكن بعض الإشارات المرنة وردت على لسان الملا عمر زعيم طالبان، وبخاصة خلال أحد الاحتفالات الدينية في شهر نوفمبر 2009، وفي الوقت الذي شدد فيه على استمرار الجهاد ضد العدو، فقد أكد أيضاً أن نظام الحكم بقيادة طالبان في المستقبل سوف يحقق السلام ولن يتدخل بالشؤون الداخلية للدول المجاورة وذلك في تلميح صريح إلى عدم عودة تنظيمات القاعدة إلى أفغانستان، وبعد إعلان الرئيس الأميركي باراك أوباما الانسحاب من أفغانستان بنحو أسبوع ردّت حركة طالبان على استعدادها لتوفير ضمانات قانونية إذا انسحبت القوات الأجنبية من أفغانستان، وهو ما فسرّه المراقبون تغييراً في لهجة طالبان، التي لم تذكر الجهاد أو تطبيق الشريعة الإسلامية، وقد يكون ذلك من نتائج المفاوضات السرية التي قيل إنها تمت تحت رعاية المملكة العربية السعودية، وبطلب من رئيس حكومة أفغانستان كرازاي، وبمشاركة أعضاء سابقين من حركة طالبان.
لكن مثل هذا التطور وإن لم يكتمل أو تتضح معالمه، فإنه كان وراء سبب جديد في فتور العلاقة بين واشنطن وإسلام آباد، التي توترت في الفترة الأخيرة، لاسيَّما مطالبة الأولى بالتصدي لزعامات طالبان الباكستانية، وهو الأمر المزدوج والذي يبدو متناقضاً، إلاّ من وجهة النظر الباكستانية، التي لا تريد فتح معركة مع طالبان الباكستانية من جهة، خصوصاً وهي مثقلة بمشاكل داخلية لا حصر لها، ومن جهة ثانية فإنها قد تنظر إليها باعتبارها حليفة للمستقبل، ولاسيَّما أن طالبان الأفغانية قد عززت مواقعها، الأمر الذي قد يجعلها قريبة من الوصول إلى السلطة في المستقبل، وذلك في إطار التخادم الآني والمستقبلي وتبادل المصالح.
إن باكستان وهي تتخذ مثل هذه المواقف تدرك حقيقة النفوذ الفعلي لحركة طالبان في أفغانستان، كما تدرك أيضاً مأزق القوات المحتلة، التي قد تضطر إلى الانسحاب سريعاً تاركة الجيوبوليتيك الأفغاني- الباكستاني هو الذي يحدد طبيعة ومستقبل العلاقة، لذلك لا تريد أن تتورط في عمل غير مدروس أو مغامرة قد تدفع ثمنها باهظاً في وقت لاحق، وقد لا يكون بعيداً رغم ضغوطات بعض العسكريين الباكستانيين.
وبقدر حساسية بعض العسكريين الباكستانيين، فإن حساسية بعض قيادات طالبان كبيرة جداً، خصوصاً وقد عانت لمدة طويلة من تلاعب الاستخبارات الباكستانية، لاسيَّما التدخل في شؤونها الخاصة أو ادعاء المعرفة التفصيلية بأوضاعها، وحتى تمثيلها في بعض المباحثات مع القوى الكبرى، ولذلك فإن بعض قيادات طالبان تفكر بتسوية على أساس الاعتراف بدورها خارج الهيمنة الباكستانية، لاسيَّما من القبائل غير الباشتونية في الشمال، الذين يعادون  طالبان وباكستان في آن واحد.
وقد يكون لباكستان سبب جيوبوليتيكي آخر هو الحذر إزاء التطويق الهندي، الأمر الذي يتطلب تعاوناً فعّالاً لدرء أية احتمالات سلبية، كما حدث في عام 2001، وهذا يتطلب إعادة قراءة مستمرة لإستراتيجية واشنطن واحتمالات تبدلاتها السريعة، بما فيها الملف الإيراني وانعكاساته أفغانياً.
حتى الآن وما لم تعلن واشنطن سياسة واضحة إزاء مستقبل أفغانستان، فقد تبقى طالبان تحت الأرض لمدة 18 شهراً أخرى، حتى تحين اللحظة الفارقة التي تنتظرها بالانسحاب الأميركي فتتحرك للقضاء على حكومة كابل كما حدث بعد الانسحاب السوفييتي، وهكذا فإن ظلال غورباتشوف قد تبدو في صورة أوباما الأفغانية.

*مفكر وباحث عربي


   


415
المنبر الحر / الثقافة والتغيير
« في: 18:33 08/07/2010  »
الثقافة والتغيير
   


عبدالحسين شعبان
ظلت الثقافة في عالمنا العربي أقرب إلى الترف الفكري منها إلى الحاجة الضرورية الماسة، سواءً للسلطات الحاكمة أو للمشاريع السياسية المضادة لها، والتي يمكن أن تكون حاملاً لمشروع التغيير والحداثة والتنمية واللحاق بالعالم المتقدّم، لاسيما في ظل العولمة وانفجار الثورة العلمية التقنية، خصوصاً في حقول الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والإعلام والثورة الرقمية “الديجيتيل” .

ولعل من أسباب تعثر المشروع الثقافي التغييري هو أن المجتمعات العربية لا تزال تعاني من الأمية، في حين أنها من أكثر المجتمعات في العالم غنى، لكنها الأكثر فقراً في العلوم والتكنولوجيا، خصوصاً بوجود أكثر من 70 مليون أمي، ناهيكم عن الافتقار إلى مقومات حرية التعبير ونقص وشحّ المعارف ونكوص دور المرأة والموقف من التنوّع الثقافي والحريات بشكل عام، يضاف إلى ذلك تفشي عوامل التعصب والتطرف، وبخاصة في ظل الانقسامات الطائفية والمذهبية والإثنية والعشائرية التي تعاني منها بعض البلدان العربية، ولعل ذلك ما خلصت إليه تقارير التنمية البشرية في السنوات الأخيرة الماضية .

وإذا كان الحديث عن التغيير هاجساً مزمناً للنخب الفكرية والثقافية، فإن من نافلة القول تأكيد حقيقة أساسية تم اختبارها لعدد غير قليل من التجارب العالمية والإقليمية والعربية، تلك التي تؤكد بالملموس وبما لا يدع مجالاً للشك أنه لا يمكن إنجاز أية عملية تحوّل سياسي واقتصادي واجتماعي من دون رافعات ثقافية، فالبعد الثقافي الذي لعب دوراً مهماً في عملية الإصلاح والتنوير في القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين انتكس لاحقاً ولم يستطع أن يكون حاضناً للتطور اللاحق، لاسيما بنكوص الدولة العربية الحديثة عن تحقيق التنمية المنشودة، بمعناها الاجتماعي والاقتصادي، وما يطلق عليه التنمية المستدامة، ويعود سبب هذا التراجع في جزء أساسي منه إلى إهمال دور العامل الثقافي، لاسيما في ما يتعلق بمبادئ المساواة والمواطنة والاعتراف بالآخر، في حين أنه في المرحلة السابقة أنضج ظروفاً مؤاتية وأثار جدلاً واسعاً لمفهوم الهوية والانبعاث الثقافي، خصوصاً أفكار جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ورفاعة الطهطاوي وعبد الرحمن الكواكبي وفي ما بعد سلامة موسى وأحمد أمين وعلي عبد الرازق وطه حسين وغيرهم، حيث ساهم بفاعلية في التحرر الوطني ونيل الاستقلال السياسي ومواجهة المشاريع الاستعمارية .

ولعل أزمة المشروع الحداثي العربي لا تكمن في عملية الإخفاق في نصف القرن الماضي على الصعيد السياسي والاجتماعي والتنموي فحسب، بل في منظومة التوجّه الثقافية التي حكمت العالم العربي، وطبعت سمات الوضع العربي منذ ذلك الوقت وإلى الآن، والأمر على حد سواء تقريباً في بلدان اليُسر وبلدان العُسر .

وإذا كان غياب مشروع ثقافي عربي حقيقي متعدد وموحد، ونقصد بذلك مشروعاً عقلانياً ومدنياً وعلمانياً وديمقراطياً، فإن النتيجة قادت إلى ارتداد وتراجع وعدم قدرة على إنجاز مشروع تحول سياسي واقتصادي وتنموي حقيقي أيضاً، فمشروع التغيير والتحول السيا  اجتماعي يتطلب مشروعاً رديفاً حاملاً له ورافعاً لمسألة التغيير، وهذا لن يتحقق في ظل محدودية وشحّ الثقافة وقصور وسائلها، لاسيما حصرها بالنخب بشكل عام، في حين يتطلب الأمر تعميمها لتصبح جماهيرية وشعبية ومتوفرة للجميع .

وإذا كانت أسباب داخلية لذلك تتعلق بأنظمة الحكم وممارساتها، لاسيما الموقف من الحقوق والحريات الأساسية، فثمة أسباب خارجية أيضاً، لا يمكن إهمالها أو تخفيف دورها، ونعني بذلك محاولات الهيمنة وفرض الاستتباع وممارسة العدوان والاحتلال والحروب والحصار، التي عانت منها البلدان العربية، بما فيها مرحلة ما بعد الاستقلالات، لاسيما في ظل استمرار الصراع العربي “الإسرائيلي” منذ أكثر من ستة عقود من الزمان .

وحتى الثورات الوطنية والانقلابات السياسية والعسكرية، لم تهيئ البيئة الثقافية للأفكار والمبادئ التي دعت إليها، وكانت في الغالب تمردات وحركات فوقية، لم تستطع توفير مستلزمات التغيير الذي دعت له ثقافياً . وسارت عملية التحوّل والتغيير السياسي والاقتصادي والتنموي بتجريبية وفوقية وأوامرية وقسرية، من دون أن تكون هناك تربة خصبة لتطورها وتراكمها وازدهارها، بل إن بعض البلدان العربية التي شهدت عمليات تراكم جنينية وأولية لتجارب سياسية واقتصادية ذات توجهات ديمقراطية، انقطع فيها خط التطور التدريجي بسبب الانقلابات العسكرية، ثم عادت وارتدّت عنها لعدم وجود مؤسسات حامية وراعية، الأمر الذي ترك إحباطات كبيرة على الصعيد الشعبي، مثلما حصل في مصر وسوريا والعراق وغيرها .

لقد هيأت الثورة الفرنسية التي انتصرت في العام 1789 أساسها الثقافي والفكري في حركة واسعة وناشطة للتغيير، قادها فلاسفة ومفكرون من أمثال مونتسكيو وروسو وفولتير وغيرهم، وعندما حانت ساعة التغيير كانت البيئة الثقافية ناضجة لاستقبال أفكار الحرية والإخاء والمساواة، الشعارات الأساسية التي رفعتها الثورة، في حين أن التجربة العربية المعاصرة لم تستطع توفير الحد الأدنى للانتقال بالمجتمع والسلطة معاً من حال إلى حال، لذلك عانت الأفكار الجديدة من عزلة وتشكّك، لاسيما بغياب الحامل السوسيو ثقافي، خصوصاً باستخدام أساليب إكراهية لفرضها في ظل أوضاع التخلف والأمية وشحّ المعارف وضعف المستوى الثقافي .

إن الوعي بأهمية العامل الثقافي في عملية التغيير يضع مسألة التغيير وسيلة أساسية لإزالة التغليف الأيديولوجي حسب اصطلاح ماركس في نقد “الإيديولوجيا الألمانية” وهو نقد لا يقتصر على الدولة حسب، بل يمتد إلى المجتمع أيضاً، لاسيما للنخب السياسية والفكرية والدينية . ووفقاً لألتوسير، فإن النقد لكشف الوعي الزائف أو المغلوط، وذلك بحديثه عن الأيديولوجيا وأجهزة الدولة .

ومن دون ردّ الاعتبار للعامل الثقافي باعتباره حاملاً لمشروع التغيير، لا يمكن الحديث عن تراكم تدريجي وتطور سلمي مجتمعي وإصلاح لمشروع الدولة الحديثة ومؤسساتها، بما فيه لمشروع التغيير السياسي والتحول الاقتصا  اجتماعي .

ولعل واحداً من أسباب الإخفاق أو القصور في بلورة مشروع ثقافي حامل لمسألة التغيير، يعود إلى عدم الاعتراف بالتنوّع الثقافي والتعددية الفكرية والقومية والدينية في الكثير من المجتمعات العربية، وقد كان سبب مثل هذا الإنكار فادحاً، لاسيما بعد نشوء الدول الوطنية الحديثة، الأمر الذي طرح ولا يزال أسئلة وتساؤلات مهمة لا تتعلق بالمشروع الثقافي فحسب، بل بمسألة التغيير والتنمية، وبالسلام المجتمعي، فضلاً عن وحدة وتماسك الكيانات الاجتماعية وأفقها ومستقبلها، بما فيها الدولة ومؤسساتها، ويتوقف الفضاء اللاحق سلباً وإيجاباً على سؤال الثقافة والتنوع الثقافي .

يعتبر البعض الثقافة ملحقاً للسياسة، لاسيما من السياسيين في الحكم وخارجه ويسعون لتوظيفها واستغلالها حين يريدون، حيث يعلو خطاب الوحدة والرأي الواحد والزعيم الواحد على خطاب التعددية والتنوع والخصوصية الثقافية، وينسى هؤلاء أو يتجاهلون أن الثقافة بطبيعتها متعددة وهي مثل الطبيعة مختلفة أيضاً، من حيث مصادرها وأصولها ومشاربها وتفاعلاتها وهوياتها، ولا يوجد مجتمع مهما كان متجانساً وموحداً من دون التنوّع والتعددية والاختلاف، فتلك إضافة إلى كونها من طبيعة الأشياء، فهي حقوق طبيعية لا يمكن التنازل عنها تحت أية مبررات أو مسوغات، فما بالك بالتنوّع الثقافي والديني والقومي والسلالي واللغوي والاجتماعي وغيرها .

الثقافة تمثل حاضنة أساسية للتغيير ولا يمكن إنجاز مشروع تغيير حقيقي، ناجح ومتواصل، من دون بيئة ثقافية صالحة، ومن دون اعتراف بالآخر واحترام خصوصياته، ولعله في ظل مثل هذه ا لبيئة يمكن إحداث تنمية حقيقية ومستدامة وشاملة .
 
مفكر وباحث عربي

416
النيل والأمن المائي   

عبدالحسين شعبان
أعلن عن اتفاق مبدئي بخصوص مياه النيل وقعته دول المنبع الخمس، وفي مقدمتها إثيوبيا، لكن مصر والسودان اللتين تتمتعان بالنسبة الأكبر من المياه حسب الاتفاقيات الدولية، غابتا عنه، وكانت اتفاقية تقاسم مياه نهر النيل قد تم التوقيع عليها في العام ،1929 ثم أعيد النظر فيها ليتم توقيع اتفاقية جديدة بعد ثلاثين عاماً وعُرفت باتفاقية العام ،1959 باعتبارها الناظمة لعلاقات البلدان الإفريقية المستفيدة من نهر النيل . ولذلك، فإن توقيع اتفاق بغياب مصر والسودان ومن دون موافقتهما، سيعني إلحاق ضرر يتعلق بمنسوب المياه المخصصة للبلدين، فضلاً عن أمنهما المائي الذي هو جزء من الأمن الوطني لكل من البلدين وللأمن المائي العربي ولدول المنطقة ككل . وإذا كانت العلاقات المصرية  السودانية عنصراً ايجابياً في توقيع الاتفاقيات الآنفة الذكر، فإن تردّيها في العقدين الأخيرين ساهم في إضعاف مطالبتهما بحقوقهما، ولعل توقيع مصر على اتفاقية الصلح المنفرد واتفاقيات كامب ديفيد (1978  1979) وتطبيع العلاقات مع “إسرائيل” أسهم في إعادة النظر باستراتيجيتها على المدى الإفريقي والإسلامي، الأمر الذي غيّر من بعض أولوياتها، وهو ما استغلته بعض دول حوض نهر النيل بتشجيع من “إسرائيل” التي عادت إلى إفريقيا بقوة كبيرة بعد أن انحسرت علاقاتها في أواخر الستينات ومطلع السبعينات .

ولا شك في أن توقيع مثل هذا الاتفاق من دون مصر والسودان، إنما هو تحدٍ لهما، لم يكن ممكناً من دون توفّر بعض المستلزمات لعدد من بلدان المنبع، لاسيما مساعدات “إسرائيل” لبناء ثلاثة سدود كبرى في إثيوبيا بمساعدة إيطاليا، وكذلك تقديم مساعدات عسكرية وتكنولوجية لعدد من البلدان، حيث استعادت “إسرائيل” دورها في إفريقيا بعد أن كانت تعاني من عزلة بقطع 30 دولة إفريقية علاقاتها معها بعد عدوان العام ،1967 وبعد حرب العام ،1973 بسبب سياساتها العدوانية ضد البلدان العربية من جهة، ومن جهة ثانية بسبب تعاونها مع نظام جنوب إفريقيا العنصري .

لكن اختلال موازين القوى وتصدّع الوضع العربي، لاسيما بعد غزو الكويت العام ،1990 ومن ثم انقسام الصف العربي والحرب على العراق وفرض الحصار عليه ،1991 وما بعدها، هو الذي هيأ الظروف المناسبة لبعض دول المنبع للإقدام على هذه الخطوة، يضاف إلى ذلك انهيار الكتلة الاشتراكية وتحلل الاتحاد السوفييتي، الأمر الذي أضعف العرب إلى حدود كبيرة، ناهيكم عن اتباع سياسات فلسطينية وعربية جديدة تحت باب “الواقعية السياسية” و”التسوية السلمية”، تلك التي تجسّدت في اتفاق أوسلو 1993 الذي وصل إلى طريق مسدود منذ العام ،1999 ومانعت “إسرائيل” من التوصل إلى صيغة الحل النهائي باعلان الدولة الفلسطينية، بل إنها شنّت حرباً ضد لبنان العام 2006 وحرباً ضد غزة العام 2008 -2009 بعد حصار ما زال مستمراً منذ نحو ثلاثة أعوام .

ولعل ذلك ساهم في تشجيع بعض دول المنبع لمواجهة الأمن المائي العربي لمصر والسودان، والتوجه لإبرام اتفاق سيلحق الضرر بالأمن المائي لكلا البلدين، بل يلحق الضرر بالأمن المائي العربي ككل، وبالمصالح الوطنية للبلدين وثرواتهما .

لقد ترافقت تلك التحديات مع محاولات معلنة في دفع مياه نهر النيل نحو صحراء النقب وبقية الأراضي الفلسطينية المحتلة من “إسرائيل”، وقد سبق لشمعون بيريز ان أشار إلى ذلك في كتابه “الشرق الأوسط الجديد” في التسعينات، وهو الأمر الذي يصبح الحديث عنه اليوم أكثر جدية وراهنية .

ان استبعاد أربع دول من الاتفاق المائي الجديد يعتبر مخالفاً للاتفاقيات الدولية ولقواعد القانون الدولي، لاسيما الخاصة بالأنهار الدولية، فضلاً عن تعارضه مع مبادئ التعاون بين الدول ومع الاتفاقيات السابقة لدول حوض النيل، ومع ميثاق الأمم المتحدة، ولعله سيكون نقطة احتكاك قد تؤثر في العلاقات العربية  الإفريقية، لا سيما مصر والسودان مع بقية دول المنبع .

وبالطبع لم يكن موقعو الاتفاق يجرؤون على استبعاد مصر والسودان لولا  الضوء الأمريكي الأخضر، والسياسات العربية الرسمية، التي كان رد فعلها ضعيفاً بما فيها جامعة الدول العربية، الأمر الذي يتطلب تحركاً عربياً وإسلامياً فعّالاً والضغط على إدارة الرئيس الأمريكي أوباما، ناهيكم عن تنشيط العلاقات المصرية  السودانية ومع الدول الافريقية، لا بخصوص الأمن المائي والغذائي فحسب، بل في ما يتعلق بمستقبل علاقات العرب مع إفريقيا، ناهيكم عن انعكاساته الجيوسياسية والاقتصادية والاجتماعية على عموم المنطقة، فالمواجهة بخصوص النيل أو غيره من المياه العربية ستكون مواجهة مع “إسرائيل”، ومعركة المياه بكل تفرعاتها وتشابكاتها هي جزء من الصراع العربي  “الإسرائيلي” . وإذا قيل عشية الحرب العالمية الأولى: من يمتلك النفط يهيمن على العالم، لأنه سيكون بيده وقود الطائرات والسيارات والغواصات، فإنه في الألفية الثالثة يصحّ القول إن من بيده الماء سيستطيع أن يكسب المعركة، لأنه عنصر مهم للتنمية ولتوليد الطاقة والزراعة والري وبالاساس لاستمرار الحياة الانسانية .

إن معركة المياه العربية تكاد تطوّق العالم العربي كله، فتركيا بنت نحو 22 سداً بما فيها سد الغاب الكبير، منذ أربعة عقود من الزمان على حوضي دجلة والفرات، وقد تنشأ مشاكل جديدة لحوض نهر الفرات بين سوريا والعراق، بسبب المنسوب الشحيح الذي ترخّص به تركيا للبلدين، إضافة إلى ما يتعلق بنهر كارون والكرخة ومستقبل شط العرب مع إيران، يضاف إلى ذلك شفط “إسرائيل” لمياه الاردن والمياه الجوفية ونهر الليطاني ومياه الجولان وبحيرة طبرية وغير ذلك، الأمر الذي يتطلب تعاوناً وتنسيقاً بين البلدان العربية التي تواجه مخاطر مائية، فضلاً عن أن مصيرها واحد .

لقد آن الأوان للتفكير الجدّي لمواجهة هذه المخاطر المحدقة، فالنيل هو حياة مصر والسودان، ورغم انخفاض منسوبه في كلا البلدين، واحتمالات ازدياد حالات العطش وشح المياه، الاّ أن هذا الاتفاق سيكون عاملاً سلبياً في انحسار نسب كبيرة من المياه التي تصل إليهما، ولعل ذلك سيعني تدهوراً في سلّة الغذاء من المزروعات واللحوم، فضلاً عن الطاقة الكهربائية والتنمية وغيرها، فلا أمن لمصر أو للسودان من دون النيل .

باحث ومفكر عربي




417
الانتخابات ومستقبل العراق!


الدكتور عبد الحسين شعبان *





ــــــــــــــ
•   مفكر وباحث عراقي في القضايا الإستراتيجية العربية والدولية، خبير في ميدان حقوق الإنسان، والقانون الدولي  له مؤلفات عديدة ، في قضايا الفكر والقانون والنزاعات الدولية والصراع العربي- الإسرائيلي، والإسلام المعاصر والثقافة والأدب.
•   مدير المركز الوثائقي للقانون الدولي الإنساني، والمدير العام لمركز الدراسات العربي- الأوروبي .


تمهيد
شهد العراق خلال العام الذي سبق إجراء الانتخابات طائفة من التغييرات والتفاعلات المتعلقة بخارطته السياسية وتحالفات قواه وأحزابه وعلاقاته الإقليمية والدولية، ولا شك أن وصول الرئيس أوباما إلى سدة الرئاسة في الولايات المتحدة (باعتباره الرئيس رقم 44) لم يكن بمعزل عن برنامجه الانتخابي ووعوده بالانسحاب من العراق طبقاً لاتفاقية أمنية أصرّ الرئيس السابق جورج دبليو بوش على إبرامها مع الحكومة العراقية عشية مغادرته البيت الأبيض.
   لم تكن الهزيمة النكراء للجمهوريين أمام الديمقراطيين بعيدة عن العقدة العراقية الشائكة التي أرّقت فترة حكم الرئيس بوش، لاسيما ولايته الثانية وبخاصة منذ غزو واحتلال العراق في العام 2003. فقد ورّث بوش، أوباما تركة ثقيلة ليس من السهل التخلص منها وبخاصة من بعض ذيولها في المدى المنظور.
وإذا أردنا استعراض أهم التفاعلات السياسية الداخلية والخارجية، فسوف نبتدئ من الاتفاقية الأمنية، مروراً باللوحة السياسية العراقية،عبوراً بقضايا الخلاف الرئيسية مثل الديمقراطية التوافقية، والإصلاح، وصلاحيات الأقاليم (الفيدرالية)، والنفط وعقود إقليم كردستان، ومشكلة كركوك، ونتائج انتخابات المحافظات، وصولاً إلى الانتخابات البرلمانية وقضية الاجتثاث والعزل السياسي التي هي عناوين أساسية للتضاريس العراقية الوعرة والبيئة القاسية التي تعيش فيها.
ولكي تكتمل الصورة فلا بد من بحث الواقع الإقليمي، لاسيما العربي من التطور السياسي في العراق، ماذا يريد العرب من العراق وماذا يريد العراق من العرب؟ وكذلك لا بد من وقفة أولية لمراجعة العلاقات الأمريكية - العراقية خلال العام الأول من حكم أوباما والسنة الأخيرة من ولاية المالكي والاحتمالات التي قد تترتب على الانتخابات القادمة.
ولا شك أن هناك تحديات كبرى ما زال العراق يواجهها، ولعل من أخطرها هو استمرار الاحتلال التعاقدي طبقاً للاتفاقية الأمنية بدلاً من الاحتلال العسكري الذي يفترض نهاية أولية له في أواخر العام 2011.
أما التحدي الثاني فهو الخطر الطائفي والمذهبي الذي لا يقلّ  تأثيراً عن الاحتلال. ويعتبر استمرار ضعف تراكيب وهيكليات الدولة ومؤسساتها واستمرار ظاهرة العنف، هو التحدي الثالث، ورغم تحسن الوضع الأمني، إلا أن التفجيرات والمفخخات والعبوات الناسفة ضربت البلاد طولاً وعرضاً خلال الأشهر الأخيرة من العام 2009 وما بعدها، وبخاصة قُبيل وبُعيد إجراء الانتخابات في 7 آذار (مارس) العام 2010.
أما التحدي الرابع فهو استمرار ظاهرة الفساد والرشى وعمليات التزوير في مؤسسات الدولة، وحتى الآن ما تزال منظمة الشفافية العالمية تصنّف العراق باعتباره البلد الثالث في أسفل السلّم الدولي، لاستشراء الفساد المالي والإداري ونهب وتبديد المال العام.
إن التفاعلات والتطورات والاحتمالات السياسية التي شهدها العام 2009 هي مقدمة لمخاض سياسي عراقي جديد، لاسيما بعد ظهور نتائج الانتخابات،  التي أفرزت أربعة قوائم رئيسية، أولها القائمة العراقية برئاسة د. إياد علاوي، وقائمة دولة القانون برئاسة نوري المالكي، وقائمة الائتلاف الوطني برئاسة السيد عمّار الحكيم، وضمّت إضافة إلى تنظيم المجلس الإسلامي الأعلى، جماعة السيد مقتدى الصدر بثقل كبير، وقائمة التحالف الكردستاني، التي ضمّت الحزبين الكرديين، في حين توزعت المعارضة الكردية إلى مجموعتين هما التغيير بقيادة ناو شيروان مصطفى، وقائمة الإصلاح وهي تمثل جزءًا مهماً من التيار الإسلامي الكردي. ورغم الاستمرار في سياسة العزل بقرارات من هيئة المساءلة والعدالة إلا أن المسألة أخذت بُعداً قضائياً؟ بعد قرارات المفوضية العليا للانتخابات، الأمر الذي انتقده البعض واعتبره البعض الآخر انصياعاً لضغوط من الحكومة.
ومهما كانت النواقص والثغرات والمشاكل فإن اللوحة السياسية العراقية ازدادت استقطاباً وإن كانت التحالفات التي استندت إليها هي تحالفات انتخابية، وما تزال ضعيفة وهشة، وقد تنهار عند توزيع المناصب الأساسية، خصوصاً بعد حسم من سيشكل الوزارة، وهي العقدة المستعصية، وفيما بعد عند تقاسم المناصب السيادية وغيرها كما يُقال.
صحيح أن التضاريس السياسية العراقية مختلفة عن جغرافية أفغانستان بما فيها طبيعة القوى المتصارعة هناك، لكن الاحتدامات والتهديدات قد تكون أكثر خطورة على العملية السياسية إن لم يتم وضع شكل جديد من أشكال التوافق والذي قد يطال الدستور ذاته، لاسيما وقد احتوى على بعض الألغام التي قد تنفجر في أية لحظة، رغم وجود أرقام ما تزال صعبة، كاتساع نطاق المقاومة السلمية وحالات الممانعة والاحتجاج، وبقاء المقاومة المسلحة كأحد خيارات التصدي للاحتلال رغم انخفاض تأثيراتها الحالية وغياب برنامج ديمقراطي موحد يؤطر تياراتها ويعلن عن توجهاتها المستقبلية.


1- الديمقراطية التوافقية والديمقراطية "التواقفية"!!

أخذ رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي يطرح بين فترة وأخرى فكرة جديدة، وما يبدأ الحوار والجدل فيها، حتى ينتقل إلى فكرة ثانية، رغم عدم استكمال الأحزاب والتكتلات السياسية النقاش بشأنها بعد - سواءً من محازبيه أو المتحالفين أو المشاركين معه أو من منافسيه وخصومه أو أعدائه من داخل أو خارج العملية السياسية-.
ولعل في ذلك براعة سياسية يبديها المالكي على مجايليه من السياسيين، لاسيما الذين في السلطة، فلم يكن يبزّه فيها سوى جلال الطالباني رئيس الجمهورية، لكن اختلاف مواقع القوة والتأثير، جعل الكفة تميل لصالح المالكي، في حين أن الطالباني هو الأكثر برغماتية ودهاءً في السياسة، بل أنه أحد أبرز المخضرمين من الجيل الثاني للسياسيين العراقيين، خبرة وتجربة.
في أول عهده طرح المالكي فكرة المصالحة الوطنية وظلّت تنام وتستيقظ، ثم طرح خطة أمن بغداد الأولى والثانية والثالثة، ثم بدأ الحديث عن فرض دولة القانون، لكن هذه المراحل وإن بقيت ظلالها حتى الآن، أصبحت باهتة، رغم أن المشاريع التي كان يطرحها كان له من يشاركه فيها من القوى المؤتلفة- المختلفة في العملية السياسية، أي أنها كانت أقرب إلى القبول وربما الإجماع من لدن المشاركين في العملية السياسية، لكن المرحلة التي تلتها شهدت تعارضات واحتدامات كثيرة بين المالكي وشركائه بالدرجة الأساسية، ناهيكم عن الاختلافات بين المالكي وبعض أطراف العملية السياسية، حيث تمّ التناقض بينه وبين المعارضين للعملية السياسية.
ثم توّغل المالكي بعد إحرازه نجاحات في الميدان الأمني ومناورته بشأن الاتفاقية العراقية- الأمريكية، حين أبدى ممانعة لا تتعلق بالجوهر، والتقدم الذي حققه في انتخابات مجالس المحافظات، بطرح ثلاث قضايا في فترة زمنية قصيرة. وهي قضايا جديدة وجديرة بالمناقشة والتوقف عندها فيما إذا أصرّ على المضي فيها من الناحيتين السياسية والدستورية، الأولى تتعلق بضرورة تعديل الدستور، لاسيما ما يتعلق بصلاحيات الأقاليم ودور الحكومة الاتحادية المركزية، والثانية دعوته إلى النظام الرئاسي، والثالثة تتعلق بإلغاء ما سمّي بالديمقراطية التوافقية، وهو ما ثارت حوله الدوائر، إذ شعرت بعض الفرق والتكتلات السياسية أن مواقعها يمكن أن تتصدّع، فانتقدت تصريحات رئيس الوزراء، الذي قد يكون شعر بالقوة وربما بالغرور، لاسيما بعد بعض النجاحات التي حققها، بما فيها تصديه للميليشيات، ودعوته لدولة القانون ومحاولة تقديم أطروحة أقل تشبثاً بالطائفية قياساً لمجايليه من الحاكمين، لاسيما من كتلة الائتلاف الوطني العراقي (الشيعي)، لكن إصرار المالكي على تقديم نفسه الزعيم بلا منازع وتشبثه في مواقعه ومحاولة تهميش الآخرين، جعل طيفاً سياسياً وطائفياً واسعاً يتحالف ضده، وقاد هذا التحالف د. إياد علاوي المقرّب من الولايات المتحدة ومحل ثقتها، حيث أشعر حلفاءه أنه بتحالفهم معه سيكونون مقبولين من جانب واشنطن، التي لا تريد استمرار السلطة بأيادي قريبة من إيران، وربما بعضهم يمتثل لإرادتها لأسباب كثيرة.
ولعل أكثر المنتقدين لتوجهات المالكي عشية الانتخابات كان رئيس الجمهورية جلال الطالباني (كتلة التحالف الكردستاني) ونائبه طارق الهاشمي من كتلة التوافق سابقاً والذي استقال من قيادة الحزب الإسلامي لاحقاً وتحالف مع د. علاوي. وبغض النظر عمّا طرح المالكي من آراء فإن التعديلات المطلوبة على الدستور والتي تم الاتفاق عليها عشية إجراء الاستفتاء عليه لم تُنجز بعد، ويبدو أنها سوف لن تنجز على المدى المنظور، رغم أنه كان من المفترض إنجازها عقب مباشرة مجلس النواب أعماله بأربعة أشهر من انتخابه، وعلى الرغم من مرور أربعة سنوات، فالاحتدامات ازدادت والعقبات تعاظمت.
وهناك إشكالات موضوعية وأخرى ذاتية تقف عقبة أمام التعديلات، ولعل اللجنة الخاصة بتعديل الدستور التي تم تشكيلها لم تستطع انجاز مهمتها رغم انتهاء فترة صلاحيات مجلس النواب، فضلاً عن ذلك، فهناك حوالي 50 مادة من الدستور تتطلب إصدار قانون خاص لكي يصبح الدستور نافذاً.
   وإذا أضفنا إلى هذه المشكلات مسألة صلاحيات الأقاليم كما طرحها رئيس الوزراء المنتهية ولايته المالكي ودعوته لتعزيز سلطات الحكومة الاتحادية (المركزية)، فإننا سنكون أمام لغم كبير يكاد يهدد العملية السياسية برمتها، بإضافة الاشتباك بين إقليم كردستان والسلطة الاتحادية (المركزية) حول موضوع النفط، فضلاً عن مشكلة كركوك المتفاقمة، حيث تعتبر بعض القوى المدعومة من المالكي أن المادة 140 من الدستور، التي تم تأسيسها على المادة 58 من قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية، قد استنفذت ولا يمكن السماح بأي شكل من الأشكال بضم كركوك إلى إقليم كردستان، بل والتشكيك بمهمة الأمم المتحدة، رغم أنها حاولت تأجيل المسألة باقتراح 4 حلول توافقية تدرّجية، لكنها لم ترضِ الأكراد مثلما لم يقبل بها العرب والتركمان. ويمتد الأمر إلى دور وصلاحيات البيشمركة وخاصة في بعض المناطق التي شهدت احتكاكات وسميت متنازع عليها. وإذا افترضنا أن علاوي قد يشكل الوزارة، فيما إذا لم تنجح مساعي تحالف جديد بين المالكي والحكيم، فإنه هو الآخر سيواجه مشكلة كركوك، خصوصاً وأن معظم قيادات قائمته ضد ضم كركوك إلى إقليم كردستان.
ولعل هذه اللوحة هي التي دفعت المالكي لأن يطرح حزمة جديدة من بالونات جسّ النبض بعد الرغبة في تعديل الدستور، بما يتعلق بالنظام الرئاسي وكذلك بإلغاء الديمقراطية التوافقية، لكن ضعف رصيده بعد الانتخابات سيجعل هذه المسألة مؤجلة، أو أن يطويها عالم النسيان، خصوصاً وان الكتل الفائزة جميعها لم تحصل على الأغلبية المطلوبة، الأمر الذي يدعوها للحديث عن صيغة التوافق، بما يضمن المشاركة وللأسف الشديد فإن شبح المحاصصة ما زال مخيّماً، خصوصاً بامتداداته الطائفية والاثنية.
   وإذا كانت المحاصصة على حد تعبير بعض أقطاب العملية السياسية قد فشلت فشلاً ذريعاً لدرجة أن الكثيرين منهم غسل أيديه منها، إلا أن البعض الآخر ما زال يتشبث بها لأنه في حالة إلغائها سيتم تهديد مواقعه وامتيازاته التي حصل عليها وربما دون جدارة واستحقاق.
وإذا افترضنا أن الاحتلال سينتهي وفقاً للاتفاقية العراقية – الأمريكية بانسحاب كلي أو جزئي، خصوصاً وأن الجيش الوطني لم يتم تأهيله بعد، فضلاً عن أن الولايات المتحدة لم تحصل على النتائج التي أرادتها وغامرت من أجلها بغزو العراق، فإن هذا سيطرح بإلحاح وجدّية، الخارطة السياسية العراقية على بساط البحث، وهو ما أراد المالكي أن يسبق الزمن بطرحه، والتلويح به للآخرين من موقع القوة وباستخدام عنصر المفاجأة من جهة أخرى، لكن الأمور سارت بما لا تشتهي سفنه!.
إن موضوع النظام الرئاسي وما سمّي بالديمقراطية التوافقية، سيكون مطروحاً على نحو جديد إنْ آجلاً أم عاجلاً، وبخاصة إذا ما تحررت الإرادة السياسية العراقية، حتى وإن تضمن تخطّياً لبعض المعايير الطائفية والاثنية (التي ما تزال جهات الحكم في العراق تتمسك بها)، حين ينتخب العراق رئيساً بصورة مباشرة على أساس انتخابات عابرة للطوائف والاثنيات، مع برلمان يتمتع بصلاحيات واسعة تمثل نوعاً من التوازن، وهذا سيعني أن الديمقراطية التوافقية قد انتهى مفعولها، خصوصاً بعد أن أخضعت كل شيء للتوافق (من الوزير إلى الخفير)، الأمر الذي أوقف العمل فعلياً بمعايير الديمقراطية ونتائج الانتخابات، مستبدلاً إياها بصفقات للتقاسم الوظيفي المذهبي والاثني في غرف مغلقة أحياناً، وبتوافقات خارج الإرادة الشعبية التي رفضت المحاصصة، حتى وإن كانت صناديق الاقتراع لا تأتي بالنتائج التي تريدها.
وهنا لا بد من العودة إلى خيار حقيقي للديمقراطية، لاسيما بانتهاء الصيغة التي جاء بها الاحتلال وحواشيه وما تضمنته من اتفاقيات وقواعد، واعتماد الهوية الوطنية العراقية الجامعة، مع احترام حقوق وخصوصيات الهويات الفرعية، أساساً للتداول السلمي للسلطة، وعلى الأغلبية مراعاة مصالح وحقوق تمثيل الأقلية والمكوّنات المتنوّعة، مثلما على هذه الأخيرة احترام ومراعاة حقوق الأغلبية، وفقاً للتوازن الاجتماعي والسياسي والقومي والديني، وبخاصة باعتماد معايير الكفاءة والنزاهة والوطنية، خارج نطاق المحاصصة وانعكاساتها السلبية الخطيرة على النسيج المجتمعي.
2- الانتخابات البرلمانية: حسابات الحقل والبيدر!
لا شك أن هناك تحسناً ملحوظاً في الوضع الأمني في العراق خلال العام 2009، بدأ منذ النصف الثاني من العام 2008، لاسيما قبيل وبُعيد إجراء الانتخابات المحلية للمحافظات والأقضية والنواحي، رغم أن القلق ما زال  يخيم على الكثير من الفاعليات والأنشطة، وخاصة إثر حدوث التفجيرات الكبرى التي وقعت في خريف العام 2009 وما بعدها، الأمر الذي يجعل من عناصر عدم الثبات والاستقرار مستمرة. ومع ذلك فقد توّجه نحو 12 مليون ناخب للمشاركة في الانتخابات بنسبة بلغت نحو 62% وهي نسبة كبيرة، وبغض النظر عن التجاوزات والخروقات والانتهاكات والنواقص والثغرات، وحتى بعض التلاعبات، فإن الانتخابات سارت بإقرار المراقبين الدوليين بشكل "مقبول"، ومع أن جميع القوائم شككت بها واعترضت على النتائج، الأمر الذي يعني أن الحكومة وخصومها والمتنافسين جميعاً، كانوا على درجة عالية من المنافسة وهم ظلّوا ينتظرون النتائج بفارغ الصبر، لاسيما في ظل الاستقطابات السياسية والطائفية، وهذا بحد ذاته واحد من دلائل سير الانتخابات الصحيح رغم الكثير من الاعتراضات.
لقد ساهم التحسّن النسبي في الوضع الأمني في تعزيز هيبة الدولة نسبياً، تلك التي انهارت بعد الاحتلال، خصوصاً عند حل المؤسسات العسكرية والأمنية بما فيها الجيش وقوى الأمن والشرطة وشرطة النجدة وشرطة المرور وحرس الحدود وغيرها.
وقد كانت نتائج الانتخابات المحلية أحد المؤشرات الأولية في هذا التوجه لدرجة أن انحساراً ملموساً شمل قوى كانت مهيمنة إلى حدود كبيرة على مجالس المحافظات وعلى البرلمان وعلى الشارع، حيث تقلّص نفوذها لصالح القوى الأقل تشدداً، خصوصاً إذا كانت من موقع الدولة، ويمكن القول أن انعطافاً "إيجابياً" محدوداً حصل لصالح القوى الأقل تطرفاً والتي عملت على استبعاد الشعارت الطائفية من خطابها المعلن على أقل تقدير، وإذا كانت النتائج لا تعكس الصورة الحقيقية للمجتمع العراقي بعد سنوات من الاحتلال إلا أنها تعتبر تغييراً محدوداً في بعض التوجهات، من داخل مواقع السلطة وليس خارجها بالدرجة الأساسية. ومثل هذه النتائج كانت أكثر وضوحاً في الانتخابات البرلمانية، حيث تنبهت قوى كثيرة إلى ضرورة تحالفها لتتمكن من مواجهة كتلة المالكي وكتلة الحكيم، وهذا ما حصل عند إعلان تحالف القائمة العراقية، التي ضمّت قوى واسعة، لاسيما من الوسط السني وغير المتدين، وحققت نجاحات مهمة في محافظات الأنبار وديالى وصلاح الدين والموصل وبغداد وغيرها.
ما تزال اصطفافات القوى في الخارطة السياسية العراقية متقلبة، فالائتلاف الوطني العراقي "الشيعي" الذي يضم حزب الدعوة الإسلامي والمجلس الإسلامي الأعلى وجماعة السيد مقتدى الصدر "جيش المهدي" وحزب الفضيلة وجماعات إسلامية أخرى، قسم منها يمثل أجزاء من حزب الدعوة، تعرّض إلى التصدع وخاضت القوائم المتنافسة معركة حامية الوطيس، وهو الأمر الذي استعدّ له الفرقاء عند خوض الانتخابات البرلمانية، لدرجة أن الأخوة الأعداء تحالفوا ضد المالكي وهم "المجلس الإسلامي الأعلى" وجماعة مقتدى الصدر، وانضم إليهم الدكتور إبراهيم الجعفري رئيس الوزراء العراقي السابق ومجموعته باسم الإصلاح.
أما جبهة التوافق الوطني "السنّية" فهي الأخرى تعرضت إلى التشتت، وكان الحزب الإسلامي الذي امتلك حصة الأسد في التقسيمات الحكومية قد تصرف بمعزل عن الجبهة الوطنية للحوار (د.صالح المطلك) وجماعة أهل العراق (د.عدنان الدليمي) وكتلة خلف العليّان وقد انعكس هذا الخلاف على شغور منصب رئيس مجلس النواب واستبدال الدكتور محمود الهاشمي بالدكتور إياد السامرائي، حيث انسحبت بعض الكتل من جبهة التوافق، وكان آخر من انسحب منها ومن الحزب الإسلامي نائب رئيس الوزراء طارق الهاشمي. وقد كانت المنافسة حامية بين التجمعات والقوى المؤتلفة والمختلفة في جبهة التوافق وبين جماعة الصحوات في مناطق غرب وشمال العراق غير الكردي وديالى وصلاح الدين.
كان تشكيل مجالس الصحوات ومشاركتها في العملية السياسية ودمج أقسام منها في القوات المسلحة (20%) خطوة مهمة لمنافسة جماعة جبهة التوافق، مثلما كان تشكيل مجالس الإسناد من جانب الحكومة، وبخاصة حزب الدعوة خطوة أخرى في تعزيز توجّه الحكومة، لاسيما الاتجاه الذي يقوده رئيس الوزراء نوري المالكي الذي طرح شعار "دولة القانون"، الأمر الذي رجّح نفوذه ، فضلاً عن بعض الإجراءات والخطوات التي اتخذها، لدرجة غلّبت كفته على كفة حلفائه الإسلاميين، لاسيما المجلس الإسلامي الأعلى بقيادة السيد عبد العزيز الحكيم وخلفه نجله السيّد عمار الحكيم رغم الانتقادات التي تعرّض لها من جانب بعض القوى القريبة منه، وكذلك من القوى الكردية، وبقدر ما كانت هذه تسعى لإضعافه فقد أكسبته مصادر قوة لم تكن في حساباته أو حسابات الآخرين، لكن المالكي رغم مصادر قوته إلا أنه استفزّ كثيراً من القوى والشخصيات ضده، واستعدى الكثيرين عليه، خصوصاً إثر انفراده بالسلطة وحصرها بيد المقرّبين منه.
لقد طرح المالكي مسألة استعادة قوة ومركزية الدولة، خصوصاً بمواجهته  لجماعة السيد مقتدى الصدر في البصرة ومدينة الثورة (الصدر) في بغداد ومواصلة ملاحقة تنظيمات القاعدة والجماعات المسلحة في الموصل وديالى التي تشكل عُقداً عراقية تكاد تكون مزمنة، لاسيما وأن ثلاث مكونات تتفاعل وتتداخل وتتعايش وتتصارع فيها، وهي : العرب والكرد والتركمان، فضلاً عن تعدد الأديان وتشعّب الطوائف فيها.
كما أن إصراره وتشجيعه المعلن والخفي لوزير النفط حسين الشهرستاني بشأن عدم الاعتراف أو إعادة النظر بعقود النفط التي أبرمتها حكومة إقليم كردستان، جعلته في نظر البعض يتخذ مواقف رجل دولة، وإن كان الأمر يثير إشكالات فيما يتعلق بصلاحيات وسلطات الأقاليم على حساب السلطة الاتحادية (الفيدرالية) طبقاً لما جاء في الدستور الذي هو مصدر الخلل والارتباك إزاء الكثير من القضايا العُقدية سواءًا المادة 140 المتعلقة بكركوك أو عقود النفط أو صلاحيات الأقاليم وتنازع القوانين أو غيرها، تلك الأمور التي تثير تعارضات وتفسيرات واجتهادات ومصالح متضاربة. وإذا كان البعض يحسب ذلك نقاط قوة له، فالبعض الآخر يخالفه بسبب مواقفه تلك، لاسيما بأضعاف صلاحيات وسلطات الآخرين، وبخاصة سلطات إقليم كردستان.
أما جماعة "الوفاق الوطني" التي يرأسها رئيس الوزراء الأسبق الدكتور أياد علاوي والمقربة من الولايات المتحدة فقد ضعفت مواقعها، لاسيما بانسحاب البعض منها أو إعلانه مواقف مستقلة عنها وعن القائمة العراقية، حتى أن حزباً عريقاً مثل الحزب الشيوعي الذي هو طرف في القائمة العراقية، لم يستطع الحصول على مقعد واحد من المقاعد الـ440 المتنافس عليها في انتخابات مجالس المحافظات، ورغم أنه خاض انتخابات العام 2010 منفرداً باسم قائمة "اتحاد الشعب" لكنه لم يحصل على مقعد واحد. وقد جرت اتفاقات جديدة لتشكيل الحركة الوطنية العراقية، بالتحالف بين د. إياد علاوي ود.صالح المطلك، وهما ركنان أساسيان للقائمة العراقية، إضافة إلى كتلة طارق الهاشمي وكتلة أسامة النجفي وكتلة رافع العيساوي وكتلة ظافر العاني وآخرين. وهي تجمعات استطاعت إحراز نصر كبير في الانتخابات البرلمانية بحصولها على 91 مقعداً من مجموع 325 مقعد، رغم اجتثاث أعداد منها وشن حملة واسعة ضدها باعتبارها تريد إعادة البعثيين إلى مواقع الدولة. وبقدر ما ألحق ذلك ضرراً بسمعتها فإنه خدمها في الوقت نفسه وحفزّ أوساطاً كثيرة للتصويت لها، خصوصاً الجماعات التي وقفت ضد التوجهات الطائفية.
وبقيت الكتلة الكردية "التحالف الكردستاني" الأكثر تماسكاً حتى الآن من بقية الجبهات والكتل البرلمانية والسياسية، ولديها أجنّدة أكثر وضوحاً من الكتل والجماعات الأخرى، رغم ما حصل من تصدّع في حزب رئيس الجمهورية جلال الطالباني "الاتحاد الوطني الكردستاني" وبروز أصوات معارضة داخل كردستان مندّدة بالتجاوزات والانتهاكات والفساد ودخولها في معركة انتخابات المحافظات، باسم قائمة التغيير برئاسة ناو شيروان مصطفى الذي حصل على 22% من المقاعد. كما حصل في الانتخابات البرلمانية الأخيرة على 10 مقاعد، وحصل حليفه الإصلاح على 7 مقاعد وهذه كلها على حساب الحزبين وبشكل خاص على حساب حزب الاتحاد والوطني، الذي يطمح جلال  الطالباني أن يبقى رئيساً للجمهورية ممثلاً عن التحالف الكردستاني، وهو أمر ما زال يثير الكثير من التداعيات وردود الأفعال.
وإذا كانت "الكتلة الكردية" تعرف ما تريد، وإنْ كانت بعض طموحاتها تصطدم بمواقف الآخرين لاعتبارات قسم منها يتعلق بالتمدد في بعض مطالبها والذي سيؤدي إلى تعزيز سلطات الأقاليم على حساب سلطات الدولة الاتحادية، فإن انقسامها سيضعف من قوتها، خصوصاً إذا جرت تحالفات جديدة بين كتلة التغيير وبعض الكتل الكبيرة الفائزة، وكانت الكتلة الكردية تتشبث بما أعطاها الدستور من "حقوق"، هذا من جهة ، ومن جهة أخرى فإن بعض المواقف أخذت تتجمع ضدها، لاعتبارات تتعلق بالموقف من القضية الكردية ومن الفيدرالية من جهة وبالدور الذي اضطلعت به ما بعد الاحتلال من جهة أخرى، إضافة إلى الاحتكاكات بخصوص موضوع كركوك.
الاصطفافات السياسية الحالية حكمتها بعض المؤشرات المهمة، ومن أبرزها نتائج الانتخابات التشريعية (البرلمانية) في 7 آذار (مارس) 2010، فجميع الكتل تعمل على إعادة حساباتها ولملمة صفوفها وإجراء تحالفات جديدة، وليس هناك من تأثير كبير للبرامج السياسية والخدمية للقوائم المتنافسة، وإنما كانت الاصطفافات السياسية المسبقة هي التي تحكم المواقف سلفاً، رغم أن تغييرات قد تطرأ على هذه المسألة.
وحتى الكتل التي أحرزت نجاحات ملحوظة في الانتخابات المحلية والبرلمانية، فإنها تبدو أكثر حذراً وقلقاً من ضياع هذه المكاسب، لذلك تسعى لإعادة تحالفاتها القديمة، بما فيها توزيع المواقع داخل الكتل الفائزة، الأمر الذي يمكن قراءته على نحو يضع الانتخابات البرلمانية نصب العين، فهي الأهم والأكبر، لاسيما للسنوات الأربعة القادمة.
ومن المؤشرات المهمة الأخرى هو التغيير في الإستراتيجية الأمريكية ما بعد عهد الرئيس الأمريكي بوش، ففي ظل ولاية الرئيس الأمريكي الجديد أوباما وفوز الديمقراطيين وتراجع الجمهوريين، يجري الحديث ليس وعوداً هذه المرة، بل واقعاً عن انسحاب أمريكي سيبدأ في آب (أغسطس) 2010 وهو ما أكدته زيارة الرئيس أوباما إلى بغداد (نيسان /ابريل) 2009. وإذا كان الانسحاب مقرراً، فالاختلاف كيف سيتم ومتى وهل سيترك العراق دون تأهيل قواته لتستطيع حمايته من التهديدات الخارجية والداخلية؟
ولعل هناك خلافات بين البنتاغون الذي وإنْ كان يقر بالانسحاب، إلآّ انه يريده منظماً ويريد وجوداً أمريكياً ليتم إكمال المهمة دون فشل أو خسائر أو فوضى، وبين الـCIA ووزارة الخارجية، اللتان تدركان حجم الخسائر من الناحية السياسية والمستقبلية، لكن الكل، لاسيما بعد قرار الرئيس أوباما يقرّ بالانسحاب، والانسحاب ليس لفشل المشروع الأمريكي في العراق فحسب، بل للتبعات المالية الهائلة التي كلفها وللخسائر في الأرواح، ولاسيما بعد انسداد الآفاق، وهذه المسألة ناجمة من الأزمة المالية والاقتصادية الخانقة التي تلفّ الولايات المتحدة والعالم منذ الأشهر الستة الماضية، والتي قد تستمر لسنتين حسب بعض التقديرات الاقتصادية، ولعل هذه هي أولوية الأولويات بالنسبة لواشنطن، فلم يعد العراق أو أفغانستان أولوية ضمن الإستراتيجية الأمريكية الجديدة.
وتريد الولايات المتحدة إكمال مهمتها بالإبقاء على قواعد عسكرية تساعد القوات العراقية في التدريب والتأهيل كما تقول، ومن جهة ثانية ضمان تدفق النفط واتفاقياته طبقاً للشروط الأمريكية (رغم أنها لم تحصل حتى الآن على عقود بالتراخيص التي فازت بها شركات غير أمريكية)، وإبقاء العراق خارج دائرة الصراع العربي- الإسرائيلي، وتلك إحدى القواعد الأساسية في الإستراتيجيات الأمريكية خلال العقود الستة ونيّف الماضية، فرغم التغييرات والتطورات التي تحدث، إلا أن تلك الأهداف تكاد تكون "ثابتة " ومدّورة في خطط جميع الرؤساء الأمريكيين جمهوريين كانوا أم ديمقراطيين!
لقد بدأت بوادر السياسة الأمريكية بالتغيير حتى إزاء المصطلحات، فالحملة الدولية لمكافحة الإرهاب، أصبحت مواجهة "الطوارئ ما وراء البحار" والحديث أصبح عن أولويات السياسة الداخلية، لاسيما أزمة البنوك وشركات التأمين والرهن العقاري وقضايا التعليم والصحة والضمان الاجتماعي، وهذه في مقدمة خطابات الإدارة الجديدة، وتراجعت إلى حدود معينة مفردات الحرب على الإرهاب ونشر الديمقراطية والإصلاح وغيرها.
لقد أكد أوباما خلال زيارته المفاجئة إلى العراق (مطلع نيسان/ابريل 2009) أن الإستراتيجية الجديدة لا تريد البقاء في العراق، وتحمّل تبعات وأوزار ما حصل منذ غزوها العام 2003 وإلى أجل غير معلوم، وهو أمر لا طاقة لواشنطن عليه حالياً، خصوصاً وأن البقاء مكلفٌ ومستنزف، وربما يجعل هزيمتها غير المعلنة شاملة، لاسيما انعكاساتها على سياسات واشنطن في الشرق الأوسط وربما على المستوى العالمي، بما فيها تأثيراتها على السياسة الداخلية، وقد أدرك أوباما أن استمرار وجود الولايات المتحدة في العراق، سيكون في الوقت الخطأ والمكان الخطأ وفي الخيار الخطأ.
الفرق بين بوش وأوباما، أن الأول هو المسؤول عن تبعات احتلال العراق وكان يصرّ على أن النصر قاب قوسين أو أدنى، وكان جدوله الزمني هو تراكم النجاحات حتى وإن كانت على الورق، أما بالنسبة لأوباما فإنه يريد التسريع في إنهاء الوجود العسكري الأمريكي في العراق، مع الإبقاء على الحضور السياسي والنفوذ الاستخباري، مستفيداً من الأمر الواقع ووجود اتفاقية أمريكية- عراقية.
ولعل هذا يعتمد بدرجة كبيرة على مدى قدرة الولايات المتحدة على سحب قواتها بصورة منضبطة ودون حدوث فوضى أو فراغ أمني أو عسكري، ناهيكم عن إقرار دولي، لاسيما من دول الجوار وخصوصاً إيران على عدم التدخل بالشؤون الداخلية العراقية.
فهناك معادلة جديدة قد تنشأ باتفاق أمريكي، وهي تسير طردياً من خلال حكومة مركزية ومصالحة سياسية، وهما لم تتحققان حتى الآن وإن الكثير من العقبات تعترضهما، مع تقليل نفوذ الحركة الدينية وتقوية مواقع الدولة، لكن الأمر كله مرهون حالياً بقراءة نتائج الانتخابات البرلمانية والعمل على تكليف من سيتم الاتفاق عليه لرئاسة الوزراء، وقد لا يكون بعيداً عن ضغوط واتفاقات دولية، أمريكية، وإقليمية، خصوصاً بعد الزيارات المتعددة لرؤوساء القوائم والكتل إلى إيران والمملكة العربية السعودية وغيرها. يضاف إلى ذلك استعداد القوات المسلحة العراقية على ضبط الأمن والنظام العام والحراك السياسي والاجتماعي للقوى داخل وخارج العملية السياسية! ولعل بعض المؤشرات والقراءات لنتائج للانتخابات تذهب إلى أن الجميع سيكونون أقلية ولا وجود لأغلبية برلمانية، الأمر الذي يقتضي توافقات جديدة واستعانة بالولايات المتحدة.

3- هل تملك الانتخابات البرلمانية الحل السحري!

لا أظنّ أن أحداً يجادل في أهمية إجراء انتخابات وتداولية سلمية للسلطة، لكونها حق من حقوق الإنسان في المشاركة وإدارة الشؤون العامة وركناً مهماً للديمقراطية، لكنها لوحدها ودون توفر مستلزمات أخرى ضرورية مثل الأمن وسيادة القانون والمساواة والمواطنة واستقلال القضاء وغيرها، لا يمكن أن تفضي إلى نتائج سليمة وإيجابية.
المشاركون والمعارضون للعملية السياسية كلٌ يدعي أنه يمتلك الحل السحري للعراق. الفريق الأول، لاسيما القوى المتنفّذة، كان يراهن على الانتخابات التي جرت يوم 7 آذار (مارس) 2010، وأن بمقدوره لو فاز، التصدي للتحديات الكبرى التي تواجه البلاد، ويعتبر هذا الفريق خيار الانتخابات ضرورة، لاسيما بغياب أو تغييب إمكانية حلول أخرى.
أما الفريق الثاني المعارضون لخيار الانتخابات، فهم يعتبرون ألاَّ جدوى أو طائل من الانتخابات، لأنها ستكرّس القوى الطائفية - الاثنية وهي باطلة ولاغية وغير شرعية، لأنها تجري في ظل الاحتلال ودستوره وقوانينه، وبالتالي فإن رهانه الأساسي يرتكز على فشل العملية السياسية، سواءً تشبث بالمقاومة أو لم يتشبث، وإن كانت هذه الأخيرة بحاجة إلى وقفة جدية لتقويم مسارها وبرامجها وتحالفاتها وقواها وأسباب تراجعها.
وأيّا كانت مواقف الفرق المتعارضة فإن نتائج الانتخابات وسواءً قاطعها من يرغب أو شارك فيها من يريد، فإنما اختلفت إلى حدود غير قليلة عن فلك استقطابات العام 2005، زيادة أو نقصاناً لهذا الفريق أو ذاك باستبدال وتغيير المواقع أو الإبقاء عليها، ورغم الديناميكية التي خلقتها الانتخابات، لكن المجتمع العراقي رغم حراكه وحيويته، إلا أنه لم ينتج حتى الآن طبقة سياسية مدنية جديدة قادرة على مواجهة التحدي الطائفي والاثني، وإذا كان بعض الاستقطاب واضحاً، فالبعض الآخر جاء مغلّفاً، ويمكن القول لأغراض محددة، وهو ما قد ينفجر بأية لحظة.
فهل يستطيع الفائزون، الذين كان بيدهم القدح المعلاّ طيلة الأعوام السبعة ونيّف الماضية من انتشال العراق من الوضع المأساوي الذي يغرق فيه، بالانتخابات أو بغيرها؟ وهل بإمكان من قاطع الانتخابات إنقاذ البلاد من شرور الاحتلال والمحاصصة الطائفية- الاثنية وحالة التشظي وهشاشة الأمن واستمرار ظاهرة الميليشيات وضعف هياكل الدولة وشحة الخدمات، لاسيما الماء الصافي والكهرباء واستشراء البطالة وتفشي الفساد الإداري والمالي والرشى؟ وبقدر بشاعة الاحتلال وسواد صورة الحاضر وضبابية المستقبل، فليس بمقدور أحد إعادة عجلة التاريخ إلى الوراء مهما جرى التغنّي بالماضي.
لعل التحديات التي تواجه العراق كبيرة ومعقّدة ومتداخلة، وفيها الدولي، المتمثل بالاحتلال، والإقليمي الذي لا يقلّ إيذاءً للعراق وشعبه ووحدته ومستقبله، لاسيما دور إيران، وفيها الداخلي الذي يزداد تشظياً وتفتتاً وانقساماً. فالانتخابات في ظل أوضاع غير اعتيادية، سواءً استبعدت هذه المجموعة أو لم تستبعد، زوّرت أم لم تزوّر، فازت بها هذه الفئة أم تلك أو هذه الجماعة أو غيرها، لن تستطيع مواجهة التحديات الكبرى التي تعصف بالكيان العراقي بعد حلّ الدولة ومؤسساتها، لاسيما العسكرية والأمنية،

العابرة للطوائف والاثنيات، والموحِّدة، بغض النظر عن محاولات "أدلجة" قياداتها وتسييسها في ظل الحكم السابق، إنْ لم تعيد وتسترجع وتعزز هيبة الدولة ومؤسساتها طبقاً لحكم القانون.
وإذا كانت القضايا الكبرى مهمة مثل الاحتلال والطائفية والأمن والاختراق الإقليمي، لكن التفاصيل الخاصة بحياة الناس لا تقل أهمية فالمواطن، لكي يختار ويكون اختياره صحيحاً، لا بدّ من توفير بعض المستلزمات الأولية له، إذْ هو بحاجة إلى ماء وكهرباء وتعليم وصحة وعمل. وعلى من يتصدّر المشهد السياسي أن يضع ذلك بنظر الاعتبار سواءً شارك في الانتخابات أو قاطعها فاز أو لم يفز، الأمر الذي بحاجة إلى حوار شامل دون إقصاء أو إلغاء أو تهميش!!
لقد شهد الحكم الملكي في العراق انتخابات دورية وإن كانت صورية أو شكلية يجري تزويرها وحسم نتائجها سلفاً في ظل معاهدات غير متكافئة ومذلّة مع بريطانيا ولاحقاً مع الولايات المتحدة ووجود قواعد عسكرية ثابتة وامتيازات سياسية وأمنية واقتصادية، ولاحقا في إطار حلف بغداد الاستعماري، وكانت المعارضة الوطنية مرّة تشارك ومرّة تحتجب وتقاطع، وحصل أن فازت ببعض المقاعد، مع أن نتائج الانتخابات تم إلغاؤها وحُلّ البرلمان، لكن المختلف في الأمر، هو وجود الدولة وهيبتها وأمنها ووحدة جيشها  وأجهزتها الأمنية أولاً وقبل كل شيء، وهو ما يزال غائباً أو ضعيفاً حتى الآن، وهذا ما يقرّه المشاركون والمعارضون للعملية السياسية، لاسيما في ظل تقاطع أجهزة الدولة وهشاشة تكويناتها الأمنية والاتهامات بين أطرافها.
لاشك أن الانتخابات مظهر من مظاهر الدولة العصرية، لاسيما الديمقراطية، لكنها تحتاج إلى توفير فضاء من الأمن والحرية وسيادة القانون، بحيث تكون نتائجها أمانة بيد النائب ورقابة من الناخب، خصوصاً بخيار القائمة المفتوحة، الأمر الذي يحتاج إلى المزيد من الحوار، الذي ما زال قاصراً حتى الآن في ظل توافق قلق على قانون للانتخابات لاسيما بوجود قنبلة كركوك الموقوتة، ناهيكم عن عدم إقرار قانون للترخيص للأحزاب لممارسة حقها في العمل الشرعي القانوني، وبعد ذلك كله ؛ هل سيتمكن الفائزون بالانتخابات الإمساك بالحل السحري؟
 
4- العرب والعراق: إشكاليات متبادلة!!

منذ سبع سنوات ونيّف وما زلنا في الحلقة المفرغة بين مسؤولية العرب ومسؤولية العراقيين، وتحت ضغط أسئلة يطرحها البعض على البعض الآخر. العراقيون بأصنافهم وألوانهم عاتبون على العرب كلٍ من مواقعه، يلومونهم أحياناً ويحمّلون بعضهم مسؤولية ما وقع لهم أحياناً أخرى، وقد يذهب البعض الآخر إلى حد الاتهام ولاسيما للأنظمة والمؤسسات الرسمية، بما فيها جامعة الدول العربية.
أما العرب بألوانهم واتجاهاتهم فهم يلومون العراق وحكامه، في السابق والحاضر، ويحمّلونهم مسؤولية تدهور التضامن العربي وتصدّع الموقف العربي، لاسيما بسبب غزو القوات العراقية للكويت في 2 آب (أغسطس) العام 1990 وما تلا ذلك من مسلسل للتراجع وتوقيع اتفاقيات مدريد- أوسلو 1993 وما بعدها، وإنْ كان البعض يبرّر ذلك، فإن البعض الآخر له نظرة أخرى تبرّر على أقل تقدير موقفه من الوضع الجديد في العراق.
وإذا كان بعض العرب يلومون حكام بغداد في السابق ويأخذون عليهم تعنّتهم وعدم مرونتهم بما فيها التعاطي مع المستجدات الدولية، فإنهم منذ تغيير النظام السابق ووقوع العراق تحت الاحتلال يلومون الحكام الحاليين، وإن كانت النظرة قد تخففت بقبول الأمر الواقع، إلا أن الكثير من مظاهر الشك والريبة ما تزال مستمرة ولم يتم تبديدها بعد، بما فيها التردد في فتح الممثليات والسفارات العربية في بغداد، في حين أن بلداناً بعيدة أو إقليمية لا تمتلك مثل الوشائج العربية مع العراق، لديها سفارات وتمثيلاً واسعاً أحياناً رغم أن الظروف الأمنية تشمل الجميع وإن كان بدرجات متفاوتة.
   ويمكن للباحث والدارس في العلاقات العراقية – العربية، أن يطرح عدداً من الأسئلة، فهل هناك رؤية واحدة أو حتى مشتركة إزاء نظرة العرب إلى العراق، أو إزاء نظرة العراقيين إلى العرب، سواءً على الصعيد الحكومي أو اللاحكومي، أم أن هناك أكثر من رؤية وأكثر من موقف، الأمر الذي ينبغي أخذه بنظر الاعتبار.
وإذا كانت هناك أكثر من رؤية رسمية وغير رسمية عربية، وفي كل رؤية تصورات وتوجهات متباينة، ناهيكم عن تنوع المصالح والمنافع المختلفة، فإن هناك في الوقت نفسه أكثر من رؤية عراقية إزاء العرب، سواءً كانت رسمية أو شعبية، وأحياناً رؤية متعارضة حتى في إطار التيار الواحد والجماعة الواحدة باختلاف مبرراتها ومنهجها.
الرؤى العربية تحمل الكثير من التناقضات بين ثناياها في الأسس والمنطلقات والتفاصيل، مثلما تحمل الرؤى العراقية، الكثير من التناقضات والاختلافات، فعلى الصعيد العراقي يمكن تقسيمها إلى ثلاث: الأولى تريد من العرب لاسيما الحكومات الاعتراف بما هو قائم والتعاطي معه والإقرار به باعتباره الشرعية القائمة طبقاً لدستور وانتخابات وتأسيس لعراق جديد، وتطالب الحكومات العربية التعاون مع الوضع القائم بمبررات أن العراق استعاد السيادة، ومثل هذه الرؤية تنسجم مع الرؤية الدولية، لاسيما للقوات المحتلة (المتعددة الجنسيات) حسب القرار 1546 الصادر في 8 حزيران (يونيو)2004. ولعل هذا ما تريده السياسة الإستراتيجية الغربية، ولاسيما الولايات المتحدة منذ العام 2003 إلى يومنا هذا.
أما الرؤية الثانية، فإنها ترفض الاعتراف بالأمر الواقع وتشكك وتدين كل ما حصل وتريد إعادة القديم إلى قدمه، باعتباره الشرعية الوحيدة التي تعترف بها، ولعله حول هذه الرؤية تلتقي جماعات مختلفة بعضها يمثل النظام السابق، وبعضها تضرر من الإطاحة به، وبغض النظر عن مناهضة الاحتلال فهناك ضعفاً في بلورة برنامج وطني ديمقراطي نقيضاً للانقسام الطائفي الراهن ومن زاوية غير طائفية.
أما الرؤية الثالثة فإنها تقوم على اعتبار القديم في عداد الماضي، وإن هذا الأخير قد احتضر، أما الجديد فإنه لم يولد بعد، أي أن الشرعية التي تريدها هي شرعية مستقبلية، وتطلب من العرب مساعدة العراق والعراقيين للوصول إليها، بعد اجتياز هذه المرحلة الانتقالية.
وكل طرف من هذه الأطراف يلوم العرب ويحمّلهم، لأهداف مختلفة إنْ لم يكن مسؤولية ما حصل، فإنه على أقل تقدير يحمّلهم عدم مساعدة العراق والعراقيين في تجاوز المحنة والتخفيف عن المأساة، ولعل هذا الموضوع كان مدار بحث على مدى 10 ساعات في ندوة فكرية سياسية في عمان بدعوة من مركز العراق للدراسات الإستراتيجية، شارك فيها عدد من الباحثين والمفكرين والمثقفين والبرلمانيين العراقيين، وعدد آخر من العرب، وقدمت فيها أبحاثاً مهمة وجرى فيها نقاشاً حيوياً وجدّياً، وربما فتح هذا النقاش الشهية لحوارات أعمق وأشمل في المستقبل.
وقد تلمّس القائمون على إدارة المركز ذلك، لاسيما الحاجة إلى حوار معرفي- ثقافي بين النخب العربية، بخصوص العلاقات العراقية- العربية، والعلاقات العراقية- العراقية أيضاً، خصوصاً بين الفرق والجماعات السياسية من جهة، وبين لفيف من الأكاديميين والباحثين من جهة أخرى، وصولاً إلى مصالحة وطنية حقيقية كما عبّر عنها بعض الحاضرين، دون عزل أو استثناء، بما فيها أطراف معارضة ومقاومة أو ممتنعة عن المشاركة.
وإذا كان الموضوع السياسي طاغياً وإن شمل بعض الأماني، إلا أن بعض الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، قد تم تناولها وبروح التعاون والمشترك الإنساني وقد أخذت هذه قدرها من النقاش، وإن كانت تستحق اهتماماً أكبر، فالفضاء الثقافي والمجال الاقتصادي والتفاعل الاجتماعي يمكن أن يلعب دوراً في تفهم المشاكل وفي تذليل المصاعب، وبالتالي في إيجاد السبل الكفيلة لنظرة متوازنة بين العراقيين والعرب على الصعيد الرسمي والشعبي، حتى وإن شملت بعض الاختلافات أو التصورات من زاوية التعددية والتنوع والخصوصية.
وبالطبع لا يمكن إهمال الجانب الإنساني، وبخاصة قضايا اللاجئين والمهاجرين وقوانين البلدان المضيفة، ولاسيما دول الجوار من البحث الجاد والمسؤولية فيما يتعلق بتقديم التسهيلات للمواطنين العراقيين الذين اضطرتهم ظروفهم إلى الهجرة، وبخاصة من أصحاب العقول والأدمغة المفكرة والذين يشكلون ثروة حقيقية للعراق وللبلدان العربية وللإنسانية جمعاء.
ولعل هناك عدداً من التحديات والمعوّقات تواجه العراقيين والعرب، لا بدّ من أخذها بعين الاعتبار عند بحث الإشكالات والمشكلات القديمة والجديدة، ابتداءً من الدور والمسؤولية، وانتهاءً بسبل الخروج من المأزق والتخفيف من المأساة، إذ أن إعادة النظر وانتهاج سياسات جديدة على المستوى الرسمي أو الشعبي تتطلب أولاً وقبل كل شيء التخلص من الاحتلال وتبعاته، وبالطبع فإن ذلك يستوجب استعادة السيادة الكاملة وغير المنقوصة وإعادة هيبة الدولة العراقية، الأمر الذي يضع مسؤولية استتباب الأمن وحماية أرواح وممتلكات المواطنين وفرض النظام العام على عاتقها دون غيرها.
   وهذا يقتضي وضع حد لظاهرة استشراء الإرهاب والعنف واستفحال دور الميلشيات، وإنْ تم تقليص نفوذها والتخفيف من موجة الإرهاب والعنف مؤخراً، إلا أن الأمر يتطلب استقراراً وضماناً لعدم عودتهما. ولكي يتم إعادة الإعمار وتحقيق التنمية واستعادة الخدمات في إطار تعاون عربي واستثمار جهود العرب  لدعم هذا التوجه فإن الأمر يقتضي أيضا الحصول على تعهدات دولية  وإقليمية  بضمان سيادة العراق واستقلاله، بل ومساعدته في إعادة لحمته الوطنية وحمايته من أي تهديد خارجي، وهذا يتطلب مساعدة العراق في التخلص من مظاهر الفساد والرشوة وتحقيق مواطنة سليمة واعتماد مبدأ المساواة واحترام حقوق الأقليات القومية والدينية والتنوع الثقافي والديني والقومي وكبح جماح الطائفية، لأن انفلاتها سيضر بالعرب وليس بالعراقيين وحدهم.
ولعل الطائفية بهذا المعنى يمكن أن تسري مثل النار في الهشيم فيما إذا استفحلت واستعصي حلها، ولهذا فإن مساعدة العرب للعراقيين لإطفاء نارها، سيعني مساعدتهم لأنفسهم وهي مساعدة مزدوجة ومركبة. وهو ما جعل اقتراح تشريع قانون يحرّم الطائفية ويعزز المواطنة في العراق، يلقى اهتماماً كبيراً وخاصاً من الحاضرين عراقيين وعرب.
وقد سعدت شخصياً بكلام عدد من الباحثين العرب من غير العراق وبعدد من الباحثين العراقيين بمن فيهم من يمثلون تيارات مختلفة، لاسيما الأعضاء في مجلس النواب بما فيهم الأكراد، بخصوص ضرورة تعزيز العلاقات العراقية- العربية رغم كل المعوّقات، لكنني شعرت أن الكثير من نقاط الضعف والإبهام والالتباس، ما تزال تشوب نظرة كلا الفريقين، لاسيما  بعض التعميمات التي وجدتها قاصرة أو الاصطفافات المسبقة.
ولاحظت أن بعض العراقيين تنقصهم معلومات عن كيفية التعاطي مع الوضع العربي والنظام الإقليمي الرسمي، لاسيما فيما يتعلق بدور إيران الحالي والمستقبلي، وبالأخص فيما بعد انسحاب القوات المحتلة نهاية العام 2011 أو حتى في آب (أغسطس) 2010 كما أعلن الرئيس الأمريكي باراك اوباما، كما أن هناك نوعاً من الحيرة إزاء المستقبل، فضلاًً عن بعض الشعارات التي تتوزع بين الفريق الحاكم ومعارضيه بما فيها المقاومة، يضاف إلى ذلك سبل اتخاذ القرار والتفريق بين السلطات وحواشيها وذيولها وبين مؤسسات المجتمع المدني العربي.
 كما أن الكثير من العرب تعوزهم معرفة عميقة ودقيقة بالوضع العراقي، لذلك فقد كرر بعضهم مقولات من قبيل أن  العراق ينقسم بين شيعة وسنة وأكراد، وهي الصيغة التي روّج لها الكثير من مراكز الأبحاث والدراسات الغربية منذ الحرب العراقية- الإيرانية 1980-1988 وما بعدها، والتي كرّسها بول بريمر الحاكم المدني الأمريكي للعراق في مجلس الحكم الانتقالي، وشملت تلك المحاصصات من الوزير إلى الخفير كما يقال.
كما تضمنت نظرة بعض العراقيين تصورات مسبقة إزاء مواقف بعض الحكام أو القوى العربية، وبسهولة ن

418
المنبر الحر / 5 رافعات للتسامح
« في: 18:38 28/06/2010  »
5 رافعات للتسامح
عبدالحسين شعبان
2010-06-28
إذا كان التسامح قيمة حضارية وواقعية على المستوى الكوني، فهناك خمس رافعات أساسية لتجسيده، لكي يستطيع العالم الخروج من غلواء التعصب والتطرف والإقصاء والتهميش والعنف والإرهاب. ولن يتحقق ذلك بدون توفير تربة خصبة لبذر بذوره، وتعميق الوعي الحقوقي والأخلاقي والقانوني والاجتماعي بأهميته، من خلال الإقرار بالتنوّع والتعددية وقبول حق الاختلاف والمغايرة والتعايش واحترام الآخر، سواءً كان ذلك على المستوى الفردي أو الجماعي أو على مستوى الحكومات والدول. ولعل الرافعات الخمس التي نتحدث عنها هي أكثر ما نفتقده في عالمنا العربي والإسلامي.
الرافعة الأولى هي البيئة التشريعية والقانونية، إذ إن عدم وجود قوانين وأنظمة راعية لمبادئ التسامح، وكذلك رادعة لمن يخالفها، سواءً إزاء الأديان أو القوميات أو الثقافات، سيؤدي إلى تفقيس بيوض اللاتسامح، الأمر الذي يقود إلى احتدامات وصراعات وأعمال عنف وإرهاب، بهدف إلغاء وإقصاء وتهميش الآخر.
الرافعة الثانية هي البيئة التعليمية والتربوية، ولا شك أن غياب منظومة التسامح في المناهج والأساليب التربوية والتعليمية، خصوصاً إزاء النظرة القاصرة إلى الآخر والمشفوعة بتبرير الممارسات التمييزية الاستعلائية، تخلق ردود فعل حادة وتقود إلى تشجيع عوامل الاحتراب والشعور بالاستلاب، لاسيَّما من جانب التكوينات المستضعفة والمهضومة الحقوق.
الرافعة الثالثة هي البيئة القضائية، لاسيَّما إذا كان القضاء مهنياً ومستقلاً، خصوصاً في ظل سيادة القانون وتطبيق مبادئ العدالة، حيث سيلعب دوراً إيجابياً في الإقرار بحق الاختلاف والمساواة ونصرة المظلوم وإحقاق الحق.
الرافعة الرابعة هي البيئة الإعلامية وهي سلاح ذو حدين، فبالإمكان أن يكون الإعلام عاملاً مساعداً ومهماً في نشر قيم ومبادئ التسامح أو في الترويج بعكسه لنقيضها، أي لنشر ما يغذّي الكراهية والأحقاد وتبرير العنف أو الإرهاب.
الرافعة الخامسة هي بيئة المجتمع المدني، التي يمكن أن تلعب دوراً إيجابياً في نشر ثقافة التسامح، باعتبارها راصداً ورقيباً للممارسات الحكومية إزاء خرق وانتهاك مبادئ التسامح وقيمه، ناهيكم عن إمكانية تحويل منظمات المجتمع المدني إلى قوة اقتراح وليس قوة احتجاج فحسب، لاسيَّما إذا استطاعت تقديم مشاريع قوانين ولوائح وأنظمة لترسيخ وتعزيز قيم ومبادئ التسامح وتنقية مناهج التربية والتعليم والخطاب الإعلامي والديني والسياسي، من مظاهر اللاتسامح السائدة، وبخاصة التي تبرر التمييز وعدم المساواة.
وقد أثارت قضية الانقسامات الدينية والعرقية والمذهبية واللغوية في العالم العربي نقاشات واسعة، كان للباحث فرصة لمتابعتها في مؤتمر الشبكة العربية للتسامح في الدار البيضاء، وفي الملتقى الفكري السنوي لدار الخليج في الشارقة، وفي ندوة العروبة والمستقبل في دمشق، وفي ردود الأفعال والنقاشات التي تبعتها، الأمر الذي هو بحاجة إلى المزيد من النقاش والحوار بشأنه، وعلى قاعدة التسامح، وحسناً فعلت الشبكة العربية للتسامح حين اتخذت قراراً بتخصيص ندوة مستقلة لبحث موضوع التنوّع الثقافي في مجتمعات متعددة، وهي الندوة التي ستلتئم في المغرب وأيضاً بالتعاون مع منتدى «مواطنة»، لاسيَّما علاقتها بالهوية العامة وبالهويات الفرعية.
عندما أعلنت منظمة اليونسكو في 16 نوفمبر 1995 اليوم العالمي للتسامح (الدورة 28)، فإنها استندت على نشر وثيقة مبادئ التسامح على 14 إعلاناً وعهداً دولياً واتفاقية دولية، وفي مقدمتها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الصادر في عام 1966 والذي دخل حيّز التنفيذ عام 1976، وكذلك اتفاقيات منع التمييز، لاسيَّما في ميدان التربية والتعليم، إضافة إلى أهداف العقد الثالث لمكافحة العنصرية والتمييز العنصري، الذي كان مؤتمر ديربن ضد العنصرية عام 2001 عنواناً بارزاً من عناوينه بإدانة الممارسات الإسرائيلية العدوانية، باعتبارها ممارسات عنصرية، والعقد العالمي لنشر ثقافة حقوق الإنسان، والعقد العالمي لنصرة سكان البلاد الأصليين على المستوى العالمي.
ولعل تلك المرجعيات تشكل سقفاً أعلى فيما يتعلق بقيم ومبادئ التسامح على المستوى العالمي، يفترض أن تنظم وتضمن العلاقة على أساسه، بين الفرد والدولة وبين الأفراد فيما بينهم وبينهم وبين الجماعات، وقد أكد إعلان مبادئ التسامح الصادر عن اليونسكو، ضرورة إدراج تلك المبادئ في الدساتير والتشريعات، والعمل على التقيّد بها أفراداً وجماعات ودولاً، الأمر الذي يقود إلى حماية مبادئ وقيم التسامح على المستوى النظري والعملي.
ويشكّل العنف والإرهاب وكراهية الأجانب والنزعات الاستعلائية العنصرية، العدوانية، ومعاداة السامية، والتهميش والإقصاء والتمييز ضد الهويات الفرعية، الوطنية والدينية والإثنية واللغوية والسلالية واللاجئين والعمال المهاجرين، والفئات الضعيفة في المجتمع، والتجاوز على حرية التعبير، بيئة مضادة للتسامح، لأنها ستهدد السلم والديمقراطية وتشكّل عقبة أمام التنمية، وهو ما ذهب إليه إعلان مبادئ التسامح، سواءً كان ذلك على الصعيد الوطني أو العالمي.
ولا شك أن الاحتلال والعدوان واستخدام القوة وفرض الهيمنة على الشعوب، تعتبر من مظاهر عدم التسامح، خصوصاً بانتهاك المنظومة الكاملة لحقوق الإنسان وحرياته الأساسية، على المستوى العام أو الفردي.
وبعد كل ذلك، فالتسامح -حسبما ورد في الإعلان الصادر عن اليونسكو- يعني: الاحترام والقبول والتقدير للتنوّع الثري لثقافات عالمنا ولأشكال التعبير وللصفات الإنسانية، وهو يتعزز بالمعرفة والاتصال وحرية الفكر والضمير والمعتقد، وإنه يمثّل الوئام في سياق الاختلاف. والتسامح، لم يعد واجباً أخلاقياً فحسب، بل أصبح واجباً سياسياً وقانونياً، لإرساء وتعزيز قيم السلام ونبذ الحروب، لاسيَّما في البلدان المتقدمة.
ومن الجهة الأخرى وبعيداً عن بعض التفسيرات والتأويلات الضيقة، فالتسامح لا يعني المساومة أو التساهل إزاء انتهاك الحقوق والحريات، كما تذهب إلى ذلك بعض الأفكار الدارجة والسطحية، بقدر ما هو اتخاذ موقف إيجابي للإقرار بحقوق الآخرين للتمتع بجميع حقوق الإنسان وحرياته الأساسية، ولا يمكن تحت أي مبرر، بما فيها مبررات التسامح، المساس بقيم التسامح سواءً على مستوى الأفراد أو الجماعات أو الحكومات.
وبهذا المعنى، فإن قيم التسامح لا تستقيم بدون قيم المساواة والعدالة وعدم التمييز والحق في المشاركة وقبول الآخر، ولعل ذلك ما لفت إليه مفوض جامعة الدول العربية للمجتمع المدني فاروق العمد، عندما أشار إلى دعمهم لفعاليات وأنشطة التسامح.
لعلها ستكون مناسبة مهمة عند الحديث عن التنوّع الثقافي والتعددية الفكرية والسياسية والقومية والدينية واللغوية والسلالية، لاسيَّما لدول متعددة التكوينات، للبحث في الرافعات الخمس: التشريعات والتربية والتعليم والقضاء والإعلام والمجتمع المدني، ووضع خطة عمل طموحة على مدى السنوات الخمس لتغطية هذه الحقول، باتجاه خلق وعي عربي جديد قابل لازدهار قيم ومبادئ التسامح، وفي المقدمة لدى النخب، وعلى صعيد الدولة والمجتمع، وذلك لكي يصبح التسامح اختياراً حضارياً يقوم على أساس الاعتدال والعقلانية والحداثة والنسبية والعلمانية والتعددية والتنوّع، في إطار قيمة مرجعية من جهة وهويات مركّبة ومتفاعلة واستدراكات مغايرة لا متماثلة، من خلال المعرفة والمأسسة والمقدرة.

*باحث ومفكر عربي


           


419
هل تستقيم المواطنة مع الفقر؟!
عبدالحسين شعبان
2010-06-14
كيف يمكن لنا الحديث عن مواطنة متساوية في ظل التفاوت الكبير بين من يملكون ولا يملكون، وبين الجياع والمتخمين، ولعل المواطنة التي ترتب حقوقاً وواجبات، لا بدّ من توفّرها، لكي تكون العلاقة سالكة بين المواطن وانتمائه وهويته، وبانعدامها فستكون مواطنته مبتورة أو ناقصة أو حتى ملتبسة، وكيف لمواطن ليس لديه أي مستلزمات أولية للحياة والعيش والكرامة واحترام حقوقه، أن يكون سوّياً، إن لم تخلق لديه ردّات فعل، ربما بعضها عنيفاً وقاسياً في ظل غياب الأركان الأساسية لمواطنته، وهو ما نطلق عليه «المواطنة العضوية».
إذا أردنا ملامسة فكرة مواطنة عضوية، فإننا نعني مواطنة تقوم على الحريات العامة والخاصة، لاسيَّما حرية التعبير وحق الاعتقاد وحق التنظيم الحزبي والنقابي، وحق المشاركة، وعلى مبادئ المساواة أمام القانون والقضاء وبين البشر، رجالاً ونساءً، وبدون أي تمييز لأي سبب كان، وعلى مبادئ العدالة بمعناها الاجتماعي والاقتصادي بما فيها حق العمل وحق التعليم والحق في السكن والحق في العلاج، وكذلك بمعناها القانوني والقضائي والسياسي، وعلى مبادئ المشاركة والحق في توّلي الوظائف العليا دون تمييز بسبب الجنس أو الدين أو العرق أو اللون أو اللغة أو المنشأ الاجتماعي أو لأي سبب كان.
وبهذا المعنى فإن المواطنة دون حماية ورعاية من الدولة (وهي رابطة قانونية بين الفرد والدولة) ستكون بائسة ومشوّهة، لاسيَّما إذا ساد الفقر والتفاوت الشاسع في دخل الأفراد وفي توزيع الثروة. ولعلنا لا نستطيع أن نتحدث عن حقوق الإنسان مع استمرار الفقر وانعكاساته وتأثيراته الخطيرة نفسياً واجتماعياً واقتصادياً وسياسياً.
ولعل مناسبة الحديث هذا هو تقرير كان قد أطلقه فريق عمل بحثي تحت عنوان «من أجل قانون في خدمة الجميع» من خلال احتفالية نظمها منتدى الفكر العربي وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في عمّان، وقال فيه سمو الأمير الحسن بن طلال: إن مشروع التمكين القانوني هو حرب شاملة ضد الفقر والإقصاء والتهميش.
وإذا كان الإنسان هو أثمن رأسمال وغاية كل دين أو فلسفة أو أيديولوجية، وحسب الفيلسوف الإغريقي بروتوغوراس: الإنسان مقياس كل شيء، فإنه بهذا المعنى المستهدف الأساسي لأية سياسة أو قانون أو خطة اجتماعية أو تنموية إنسانية.
والفقر يؤثر على عقول وأجساد ونفسيات البشر، مادياً وروحياً ووجدانياً، وهو استلاب لمنظومة حقوق الإنسان، إذ لا يمكن مع الفقر والفاقة الحصول على تعليم مناسب وطبابة مناسبة، على المستوى الفردي أو الجماعي، كما لا يمكن الحديث عن التنمية مع وجود واستمرار الفقر، ولا يمكن قهر الطبيعة مع الفقر والقضاء على الأوبئة والتصحّر والأمراض المستعصية، وكذلك لا يمكن استثمار الموارد البشرية والطبيعية لمواجهة الكوارث باستمرار الفقر.
يعيش في عالمنا أكثر من مليار و200 مليون إنسان تحت خط الفقر، ولا تزيد نسبة رواتبهم عن دولار واحد في اليوم، ولا يستطيع هؤلاء التعساء سد قوتهم اليومي وتلبية حاجاتهم الأساسية، فكيف والحالة هذه الحديث عن تنمية شاملة ومستدامة، فضلاً عن سلام واستقرار؟ كيف يمكن استبعاد ملايين الناس من المشاركة والتعليم وتلقي العلاج والحصول على عمل مناسب، فضلاً عن قضاء أوقات الفراغ والتمتع بالحقوق الثقافية وبحق الضمان الاجتماعي وحق الحصول على الراحة، في ظل بقاء الفقر مهيمناً بكابوسه على المجتمع ومهدداً بالانفجار.
إن إطلاق مبادرة لجنة التمكين القانوني ضد الفقر مناسبة مهمة للبحث في جداول عمل ومنهجيات وآليات لتنفيذ خطط سريعة ومناسبة للحد من هذه الظاهرة اللاإنسانية، وصولاً إلى الحق في العمل وحق التطبيب وحق التعليم والحصول على المعارف وبالتالي الحق في العدل، سواءً في دول اليُسر أو دول العُسر، لا فرق، طالما بقي التفاوت مثل القنبلة الموقوتة القابلة للانفجار في أية لحظة.
وهنا لا بد من بيئة تشريعية مناسبة وتشريعات عادلة، كما هو بحاجة إلى بيئة تعليمية مناسبة ورفع التمييز وتقديم فرص التعليم المجاني ومساعدة الفقراء وابتكار وسائل جديدة للوصول إلى ذلك، ولعل تجربة ماليزيا أحد النماذج المهمة، على هذا الصعيد.
كما لا بد من وجود بيئة إعلامية مهنية للترويج لمكافحة الفقر، وكذلك بيئة مشجعة من طرف المجتمع المدني، تعمل بحرية ومهنية وتكون قوة اقتراح لإصدار قوانين وأنظمة وتعليمات، ومراقبة تنفيذها وتدقيق المناهج التربوية والتعليمية، ومخاطبة الإعلام بما يساعد في تهيئة أجواء فكرية واجتماعية وسياسية مقبولة ضد الفقر.
إن التصدي لظاهرة الفقر يعني التصدي لظاهرة العزل أو الإقصاء أو التهميش أو تحت أي من مسمياته، وسيكون ذلك خطوة مهمة لاحترام حقوق الإنسان وتعزيز خطط الإصلاح الاقتصادي والمالي والإداري، بشفافية عالية وصولاً للحكم الصالح، فالكفاح ضد الفقر ومن أجل التمكين القانوني، سيلقى صداه في السعي لتحقيق الديمقراطية، خصوصاً في أجواء الحريات وتداول السلطة سلمياً بانتخابات دورية وفي ظل سيادة القانون وحق التعبير وتدفق المعلومات والمساءلة والشفافية.
ولعل تقليص ظاهرة الفقر سيؤثر اجتماعياً على تقليص حالات الجريمة المنظمة وأعمال الإرهاب واستخدام المخدرات وحالات الانتحار وغيرها، كما أن أية إصلاحات بخصوص الحد من ظاهرة الفقر، ستؤثر على المرأة إيجاباً، فهي المتضرر الأكبر من استمرار هذه الظاهرة، وكذلك الأطفال الذين تصيبهم هذه الظاهرة بالعمق، فيضطرون إلى النزول إلى سوق العمل بوقت مبكر دون السن القانونية أو التسرّب من الدراسة أو الأمية أساساً، ناهيكم عن تهيئة بيئة خصبة للإرهاب، الأمر الذي بحاجة إلى تضافر جهود محلية ودولية، لاسيَّما للمنظمات والهيئات الدولية، فإضافة إلى الأمم المتحدة والوكالات التابعة لها، لا بدّ من مساهمة البنك الدولي ومنظمة العمل الدولية ومنظمة الأغذية والزراعة ومفوضية شؤون اللاجئين واتحادات العمل والعمال والنقابات والاتحادات المهنية.
ويصبح الحديث عن مبادرة التمكين القانوني ضرورياً، بل لا غنى عنها، خصوصاً إذا ما عرفنا أن نحو 4 مليارات إنسان محرومون اليوم من فرصة تحسين ظروفهم المعيشية والخروج من غلواء الفقر (دون خطه أو فوقه)، وذلك لأنهم يفتقرون إلى الحقوق وإلى أوجه الحماية المناسبة التي يوفّرها القانون.
إن العديد من القوانين والمؤسسات والسياسات الحاكمة على الصعيد الداخلي أو على الصعيد الخارجي (بحكم عوامل الهيمنة الدولية الاحتكارية الرأسمالية) هي التي تحول دون حصول قسم كبير من المجتمع على فرصة المشاركة، ولعل قواعد اللعبة بين الحاكم والمحكوم والعلاقات الدولية غير عادلة، الأمر الذي سيكون مرفوضاً أخلاقياً، لأنه يشكل عائقاً جدياً أمام التنمية، وقد يؤدي إلى تقويض الاستقرار والأمن ويشجع على الإرهاب والعنف وسياسات التطرف والتعصب، في كل بلد نامٍ وعلى الصعيد العالمي أيضاً.
لا بدّ إذاً من «قانون في خدمة الجميع»، وهو ما تركز عليه «لجنة التمكين القانوني» المؤلفة من 25 شخصية دولية على مستوى رفيع، حيث سيكون جزءاً من عملية تغيير منهجية تخدم الفقراء من خلال القانون والخدمات القانونية لحمايتهم والدفاع عن حقوقهم والارتقاء بأدائهم الاقتصادي بصفتهم مواطنين لا «أُجراء» لهم حقوق أولاً مثلما لهم واجبات، ولعل أهم هذه الحقوق هو حق الحياة وعدم الخوف والعيش بسلام وحق التعبير والحق في محاكمة عادلة والحق في عدم التعرّض للتعذيب، والحق في حياة كريمة، تضمن حماية وفي الوقت نفسه رعاية ذات أبعاد إنسانية.



420
الثقافة والتربية.. لا حقوق دون رقابة
عبدالحسين شعبان
2010-06-21
أتاح تأسيس مجلس حقوق الإنسان HRC في عام 2006 الفرصة للقيام بمراجعة دورية شاملة لسجلّ الدول ومدى التزامها بمعايير حقوق الإنسان. وفي هذه الحال ستكون حكومات الدول مضطرة لكشف سجلها، والعمل على تكييف قوانينها بما يتناسب مع مضامين المعاهدات والاتفاقيات الدولية التي وقعت عليها، وكذلك قد يترتب على هذا تشريع قوانين جديدة متوافقة معها، والأهم من ذلك الإشراف والتدقيق على الممارسات المتبعة ومعرفة مدى مطابقتها مع الالتزامات الدولية أو انتهاكها.
وقد فتحت هذه الخطوة الجديدة في تطور المساءلة الدولية للحقوق الإنسانية الباب واسعاً، لنشر ثقافة حقوق الإنسان والتربية عليها، وبالأخص, ترافق ذلك مع سعي مجلس حقوق الإنسان ولجنته الاستشارية لإعلان مشروع بشأن «التربية والتدريب على حقوق الإنسان» وهو القرار الذي اتخذه المجلس في سبتمبر 2007 وتنخرط فيه اليونسكو على نحو فعَّال.
وإذا كانت الدول تتحمل المسؤولية الأساسية في وضع معايير حقوق الإنسان وضمان تفعيلها، فإن دور منظمات المجتمع المدني والمؤسسات غير الحكومية، لاسيَّما هيئات حقوق الإنسان، لا يمكن الاستغناء عنه في تعزيز وتفعيل وحماية حقوق الإنسان ورصد الانتهاكات والتجاوزات، خصوصاً وهي تلعب دور الحارس على ضمان الالتزام بها وعلى تنمية الفهم الخاص بحقوق الإنسان، دون نسيان دور الإعلام والمجتمع الأكاديمي, وكذلك دور القطاع الخاص وأصحاب الأعمال، لإنجاز الأهداف المنصوص عليها في دستور منظمة اليونسكو أو في الشرعية الدولية لحقوق الإنسان، أو فيما ورد من نصوص تخص حقوق الإنسان في ميثاق الأمم المتحدة.
وإذا كنا بصدد الذكرى 65 لتأسيس الأمم المتحدة في مؤتمر سان فرانسيسكو يونيو 1945، فلا بد من استذكار أن الدول المؤسسة قد أكدت على إيمانها بحقوق الإنسان الأساسية وحرياته على أساس المساواة بين النساء والرجال، كما عبرت عن تصميمها على بناء عالم يحترم ويحافظ على حقوق الإنسان وحرياته الأساسية دون تمييز على أساس الجنس أو العرق أو الدين أو اللغة أو المنشأ الاجتماعي.
ورغم أن الإشارة إلى حقوق الإنسان قد وردت سبع مرات في ميثاق الأمم المتحدة فإنها لم تندرج كمبدأ مستقل من مبادئ القانون الدولي المعاصر وكقاعدة آمرة (Jus Cogens) من قواعده بسبب الصراع بين الشرق والغرب، وسعي كل منهما لتقديم مفهومه الخاص عن حقوق الإنسان (لاحقاً).
لكن مبدأ حقوق الإنسان أصبح بعد توقيع العهدين الدوليين، الأول الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والثاني الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، في عام 1966, أصبح ملزماً، لاسيَّما بعد دخول العهدين الدوليين حيز التنفيذ في عام 1976.
والأكثر من ذلك أقر مؤتمر هلسنكي للأمن والتعاون الأوروبي عام 1975 والذي حضرته 33 دولة أوروبية، إضافة إلى الولايات المتحدة وكندا وثيقة ختامية، تعتبر بمثابة اتفاقية شارعة، أي منشئة لقواعد قانونية جديدة أو مثبتة لها، مؤكدة على مبدأ حقوق الإنسان, وكذلك مبدأ احترام حرمة الحدود وعدم خرقها, ومبدأ وحدة أراضي البلدان واستقلالها، باعتبارها مبادئ ملزمة ومستقلة من مبادئ القانون الدولي، بعد أن كان قد ورد ذكرها في ميثاق الأمم المتحدة، لكنه لأول مرة يتم الاعتراف بها والتعامل معها، لاسيَّما مبادئ حقوق الإنسان، باعتبارها ذات علوية، رغم التفسير المتناقض بين الشرق والغرب.
وإذا كان الأخير قد ركز على الحقوق الفردية والحقوق المدنية والسياسية لاسيَّما حق التعبير وحق المشاركة وحق التنظيم الحزبي والنقابي وحق الاعتقاد، فإن الشرق ركز على الحقوق الجماعية كحق تقرير المصير, وعلى الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وخاصة حق العمل والتعليم, والحق في الرعاية الصحية والضمان الاجتماعي وحق الاستمتاع بمنجزات الثقافة والأدب والفن, لكن المسألة لم تتطور على الصعيد العملي، إلا بعد انتهاء الحرب الباردة وانحلال نظام القطبية الثنائية وتحول الصراع الأيديولوجي من شكل إلى شكل آخر جديد، الأمر الذي طرح موضوع حقوق الإنسان على بساط البحث، خصوصاً مع انهيار أنظمة أوروبا الشرقية ذات الطابع الشمولي وسقوط جدار برلين عام 1989.
وقد اكتسبت مبادئ حقوق الإنسان رمزية كبرى وارتقت لتصبح ذات مكانة سامية، لاسيَّما هي الخيط الواصل بين المبادئ العامة للقانون الدولي وبقية القواعد ذات العلاقة بالتنمية المستدامة، التي ينبغي أن تراعيها. ولم يعد مقبولاً أن ينفرد أي حاكم بحكم شعبه دون مساءلة قانونية تحت حجة مبدأ عدم التدخل بالشؤون الداخلية الذي ورد في ميثاق الأمم المتحدة (الفقرة السابعة من المادة الثانية).
لقد أدى هذا التطور لانبثاق مبدأ فرعي ما زال قيد الجدل الفقهي القانوني والسياسي، وهو مبدأ التدخل لأغراض إنسانية، أو مبدأ التدخل الإنساني، رغم مما اقترن به من تطبيقات سيئة ومعايير ازدواجية حيث تم توظيفه سياسياً ولأغراض خاصة, لاسيَّما الحربية منها، ولا يكمن العيب في المبدأ أساساً, فهو مثل الكثير من المبادئ الإنسانية النبيلة، لكن القوى المتنفذة والمتسيّدة في العلاقات الدولية، غالباً ما تستثمر موازين القوى وتسخرها لمصالحها، ولتحقيق أهدافها ومطامعها، المخالفة لإرادة الشعوب والمتعارضة مع مبادئ حقوق الإنسان، وهو ما حصل إبان غزو العراق واحتلاله، فضلاً عن استمرار التجاوز في حقوق الشعب العربي الفلسطيني لاسيَّما حقه في تقرير المصير، وكما كشفت الحرب على لبنان والحرب على غزة مدى استخفاف إسرائيل بحقوق الإنسان وبقواعد القانون الدولي الإنساني، وهو ما لفت الأنظار إليه خلال هجومها الأخير على أسطول الحرية الذي جاء لدعم أهالي غزة المحاصرين.
لقد أصبحت نصوص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر في 10 ديسمبر 1948، مصدر إلهام للعديد من الدول، لاسيَّما عند وضع دساتيرها أو تشريع قوانينها الوطنية، وبغض النظر عن طبيعته الأدبية وعدم إلزاميته، إلا أنه كان الشجرة الوارفة التي تفرَّعت عنها عشرات المعاهدات والاتفاقيات والبرتوكولات الدولية، بما فيها العهدان الدوليان الملزمان باعتبارهما اتفاقيتين دوليتين، والاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري، والاتفاقية الدولية للقضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة، والاتفاقية الدولية لحقوق الطفل، والاتفاقية الدولية لمناهضة التعذيب، والاتفاقية الدولية لحماية حقوق العمال المهاجرين وأفراد أسرهم، والاتفاقية الدولية بشأن حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، والاتفاقية الدولية بشأن حماية كافة الأشخاص من الاختفاء القسري.
ولعل هذه الاتفاقيات وغيرها قد وضعت معايير جديدة، ووسعت من نطاق حقوق الإنسان، وأسهمت في إيجاد آليات للرقابة على الدول للتأكد من مدى التزامها، بما فيه تقديم تقارير دورية عن الإجراءات التي تتخذها لتطبيق نصوص هذه الاتفاقيات.
لقد اعترف العالم في القمة الكونية مطلع الألفية الثالثة في نيويورك عام 2000 أن حقوق الإنسان أساس لا يمكن الاستغناء عنه لعالم يعمه السلام والرخاء والعدل، الأمر الذي يرتب مسؤوليات جماعية للحفاظ عليها, على أساس المشترك الإنساني, وفي إطار "عولمة" ذات وجه إنساني (أي بالضد من وجهها المتوحش)، وهذا ما أتاح لمجلس حقوق الإنسان HRC إبداء اهتمام كبير لتعزيز التربية على حقوق الإنسان، ولتهيئة البيئة المناسبة لنشر وتعميق ثقافة حقوق الإنسان، سواء من خلال مبدأ المراجعة الدورية الشاملة لسجل الدول والتزاماتها بمعايير حقوق الإنسان كخطوة مهمة لتنشيط الجهود، أم من خلال برامج التأهيل والتدريب وأنماط السلوك والعمل.
فالرقابة عنصر مهم لتعزيز وترسيخ الثقافة والوعي الحقوقي، وهذه تحتاج إلى وسائل تربوية مهمة لكي تصبح قضية حقوق الإنسان قضية المجتمع ككل، مثلما هي قضية كل إنسان.

كاتب ومفكر عربي
           


421
الأزمة الكونية وحلم التنمية


عبدالحسين شعبان
قبل عام (يونيو/ حزيران 2009) عقدت الجمعية العامة للأمم المتحدة مؤتمراً رفيع المستوى لمناقشة تداعيات الأزمتين العالميتين، المالية والاقتصادية وانعكاساتهما على التنمية العالمية، لاسيما تأثيراتهما في الفئات الضعيفة والمهمشة والفقراء بشكل عام، وصدر عن المؤتمر وثيقة ختامية دعت من خلالها الجمعية العامة إلى تولي مهمة متابعة التوصيات عبر فريق متخصص، وخلال فترة غير محددة، للتخفيف من حدّة الأزمتين، وإعادة النظر بهيكلية النظام المالي والديون الخارجية والتجارة الدولية .

ولمواجهة التحديات والمعوقات التي تحول دون تفعيل احترام حقوق الإنسان، وإيجاد حلول جذرية للمشاكل الاقتصادية والمالية القائمة، فإن ذلك يتطلب تراكم الجهود لتعميق الوعي الجماعي ومن لدن جميع الأطراف، خصوصاً بتأمين مستلزمات فاعلة للتربية على حقوق الإنسان وإيجاد بيئة مساعدة تشريعية وإعلامية وتربوية، فضلاً عن مجتمع مدني حر ومستقل ومهني، لتفعيل حقوق الإنسان وضمان عدم انتهاكها .

ولا يستطيع الإنسان الدفاع عن حقوقه والنضال من أجل تحقيقها إنْ لم يكن واعياً بضرورتها ومؤمناً بها؛ عندها ستصبح هذه الحقوق قوة مادية متجذرة من الصعب اقتلاعها أو زحزحتها، ولكن عليه أولاً التعرّف إلى مضمونها معرفة كافية تؤهله للدفاع عنها بكل السبل الممكنة والمشروعة . ومن هنا تكون التربية على مبادئ حقوق الإنسان عاملاً أساسياً في تعزيز الأهمية المتساوية لجميع الحقوق الإنسانية المدنية والسياسية من جهة، والاقتصادية والاجتماعية والثقافية من جهة أخرى، وذلك بهدف الحفاظ على الكرامة الإنسانية وتحقيق الرفاه على المستوى الشخصي لكل إنسان، وعلى المستوى العالمي فيما يتعلق بالتنمية .

ولعل التربية على حقوق الإنسان لا تقتصر على التدريب والتأهيل ونشر المعلومات وهي أمور مهمة ولا غنى عنها، لكنها تستهدف بناء ثقافة كونية لحقوق الإنسان لتشمل المعرفة والمهارات وأنماط السلوك التي تقوم عليها مبادئ العدالة الدولية وسيادة حكم القانون ومبادئ المساواة وعدم التمييز .

وإذا كان التقدم ملحوظاً في ميدان حقوق الإنسان بفضل جهود المجتمع الدولي ونشطاء حقوق الإنسان في كل مكان، لاسيما في العقود الثلاثة الأخيرة، لدرجة أن مسألة حقوق الإنسان أصبحت جزءاً لا يتجزأ من الأجندة السياسية الدولية وعلى المستوى الوطني يقاس بهما درجة تقدم أية أمة أو شعب أو نظام سياسي أو مجموعة بشرية، بمدى الاقتراب أو الابتعاد عنها، إلاّ أن الانتهاكات ما زالت تحصل على نطاق واسع في مختلف مناطق العالم وأحياناً تتنصل الحكومات عن عقاب المرتكبين، أو أن الجناة يفلتون من العقاب بوسائل مختلفة .

ورغم الحديث الإيجابي عن بعض الإنجازات والمكتسبات فإن عدم الرضا ما زال قائماً على الصعيد الكوني إزاء تفعيل معايير حقوق الإنسان، سواءً على صعيد النهج الداخلي، أو على صعيد السياسة الدولية، التي غالباً ما تُستخدم فيها معايير ازدواجية ويتم التعامل في إطارها على أساس انتقائي ووفقاً للمصالح الضيقة والأنانية، لاسيما للقوى الكبرى المتنفّذة والمتسيّدة في العلاقات الدولية، الأمر الذي يترك تأثيراته السلبية في مجمل منظومة حقوق الإنسان نظرياً وعملياً ويضاعف من التبرم والضيق والاحتجاج والصراع الاجتماعي .

ورغم مرور ما يقارب 62 عاماً على صدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في 10 ديسمبر/ كانون الأول ،1948 فإن الملايين من الأطفال ما زالوا محرومين من حقوقهم الأساسية بما فيها حقهم في التعليم وحقهم في السكن، اللذين ما زالا يمثلان حلماً بعيد المنال لملايين من البشر . كما لا تزال الحقوق الصحية وحق الحصول على الغذاء غير مكفولين بحدهما الأدنى لأكثر من ثلث سكان العالم . أما الحق في الحصول على مياه نظيفة ومرافق صحية ملائمة وبيئة مناسبة غير ملوثة، فما زال مفتقداً لمئات الملايين من البشر .

ورغم مرور 65 عاماً على صدور ميثاق الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو (1945) وإقراره بالمساواة وعدم التمييز، فإن الواقع الذي يعيشه العالم يتسم في أكثر الأحيان بمظاهر صارخة للتمييز وبالنقص الفادح في مبدأ المساواة ولاسيما على أساس النوع (الجنس)، واتساع رقعة الفقر لتمتد إلى حقول كثيرة، حيث تفقس بيضة الإرهاب والجريمة المنظمة والفساد وتلوث البيئة، إضافة إلى النقص الفادح في حرية التعبير، لاسيما في الدول النامية ذات الأنظمة الشمولية والمستبدة والمحافظة، والحق في تأسيس الجمعيات والنقابات والأحزاب، والحق في الاعتقاد، فضلاً عن الحق في المشاركة، وهذه جميعها هي تحديات كبرى تواجه المحاولات المتعددة للنهوض بحالة حقوق الإنسان على المستوى الكوني أو على المستوى المحلي .

لقد قادت الأزمتان العالميتان الحاليتان على الصعيدين المالي والاقتصادي إلى قتامة صورة الوضع الدولي، لاسيما في ما يتعلق بارتفاع أرقام العاطلين عن العمل إلى حدود مخيفة، وازدياد عدد الفقراء أو من هم دون خط الفقر، الذين لا تزيد أجورهم اليومية على دولار واحد، حيث يؤلف هؤلاء أكثر من مليار ومائتي مليون نسمة، إضافة إلى مئات الملايين الذين هم في دائرة الفقر .

كما أدت الأزمتان العالميتان إلى ارتفاع منسوب الكراهية ضد المهاجرين، ولاسيما العرب والمسلمون في أوروبا وأمريكا بشكل خاص، وانعكاس ذلك على العمال منهم مما تسبب في تعاظم أزمة الغذاء، وانخفاض مستوى الاستثمار الأجنبي والمساعدات الممنوحة للبلدان النامية .

ولعل هذه الأزمات منفردة ومجتمعة تعترض سبيل تحقيق أهداف الألفية الثالثة التي أعلنها كوفي أنان الأمين العام السابق للأمم المتحدة في سبتمبر/ أيلول العام ،2000 وتضعف فاعلية المبادئ الأساسية المطلوبة لإعمال الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ناهيكم عن المعوقات التي تعترض تفعيل الحقوق المدنية والسياسية .

لقد ارتفعت البطالة 30 مليوناً في العام الماضي (2009) ويُقدّر أن تصل إلى 50 مليوناً إذا ما استمر الوضع في التدهور حسب تقديرات منظمة العمل الدولية ILO، ومثل هذه الأرقام والتداعيات المفزعة للأزمة المالية والاقتصادية العالمية تثير القلق إزاء التمتع باحترام حقوق الإنسان، لاسيما للفئات الفقيرة والمهمشة، وبخاصة في البلدان النامية، الأمر الذي يتطلب إدراك السلطات المحلية مسؤولياتها الوطنية لحماية حقوق الإنسان وبالأخص الحقوق الأساسية، مثلما يضاعف مسؤولية المجتمع الدولي، وبخاصة الدول الغنية، لوقف زحف الفقر والتخلف والأمية وخاصة في دول الجنوب ولتقديم المساعدات للتخلص من غلواء سياسات التمييز والهيمنة والاستتباع واللاديمقراطية لأن ذلك لو استمر، سينعكس على العالم كله .

وقد أدرك مجلس حقوق الإنسان HRC خطر ذلك ونوّه إلى وضع أجندة حقوق الإنسان في المقام الأول وذلك بالقرار الذي اتخذه في 23 فبراير/ شباط 2009 وتحت عنوان “تداعيات الأزمتين العالميتين المالية والاقتصادية على الإدراك العالمي لحقوق الإنسان”

ولعل ذلك يضع بعض الأولويات على الصعيد الكوني على بساط البحث، منها، وضع حد لظاهرة التمييز وكفالة حقوق الفئات الضعيفة والمهمشة والأقل حظاً وخاصة النساء والأطفال واللاجئين والعمال والمهاجرين وأفراد أسرهم والسكان الأصليين، وبشكل عام الفقراء الذين تزداد معاناتهم .

كاتب ومفكر عربي




422
المنبر الحر / بوذا البيت الأبيض
« في: 08:45 27/06/2010  »

بوذا البيت الأبيض
   
 
 
عبدالحسين شعبان

لفترة امتدت إلى ستة عقود من الزمان كان اسمها وشكلها وصوتها معروفاً في البيت الأبيض كصحافية معتمدة، بل هي عميدة المراسلين . غطت أخبار عشرة من رؤساء الولايات المتحدة الأمريكية، وهم على التوالي: إيزنهاور، كينيدي، جونسون، نيكسون، كارتر، ريغان، جورج دبليو بوش (الأب)، كلينتون، جورج بوش (الابن) وأوباما . في البيت الأبيض كانوا يطلقون عليها اسم “بوذا” لميلها للسلام والتسامح واللاعنف .

بعد مسيرة مهنية طويلة وحافلة، قررت توديع البيت الأبيض والذهاب إلى التقاعد بعد أن بلغت التسعين من عمرها، وكعادتها في التميّز أبت التخلي عن موقعها من دون خبر صحافي وحبكة درامية معجونة بكلمة حق، هي أقرب إلى صرخة لتتوج من خلالها حياتها المفعمة بالأجد من الأنباء . لذلك قررت هيلين توماس وهو الاسم الذي طالما تردد في البيت الأبيض لعقود من الزمان أن تقول كلمتها وتمشي، ومن على أعلى منبر أطلت مخاطبة العالم بقولها: ليذهب “الإسرائيليون” إلى بلادهم في بولونيا وألمانيا والولايات المتحدة لاسيما بعد أن أصبح الحل مستعصياً والعدل غائباً والسلام مفقوداً .

هكذا فجرّت الصحافية الأقدم هيلين توماس في البيت الأبيض قنبلتها الإعلامية وهي تغادر المهنة التي أحبتها إلى حد العشق .

هيلين توماس كانت دائماً تردد: أنا صحافية قبل أن أكون امرأة، وفي يقينها أن الصحافة أفضل مهنة في العالم، لأنها تدفع المرء إلى مواصلة تحصيل العلم والثقافة والتعلم على الدوام، وعلى الأخص إذا أراد أن يكون حارساً أميناً على الحقيقة .

طوال فترة عملها اتبعت هيلين توماس ببراعة منقطعة النظير مقولة الروائي الكبير البير كامو: أن الصحافي هو مؤرخ اللحظة، لذلك لم تشأ أن تترك موقعها الصحافي من دون أن تؤرخ لحظتها هي بالذات هذه المرة، ومن دون تأكيد سلطة الصحافة المعنوية والأدبية، باعتبارها “السلطة الرابعة” أو “صاحبة الجلالة”، لاسيما من خلال تقديمها للمعرفة وبحثها عن الحقيقة، والمعرفة حسب فرانسيس بيكون هي “سلطة” أو “قوة” أو “هيبة” لذلك أرادت توماس أن تؤكد أن تزاوج السلطة مع الحقيقة سيكون له الأثر الأكبر، وهذا ما يتساوق مع ما تفكر به وتدعو إليه من مبادئ مهنية وإنسانية .

أرادت هيلين توماس أن تقلب المعادلة في لحظتها المهنية الأخيرة، فبدلاً من أن توجّه هي الأسئلة وتنتظر الجواب، سعت هذه المرة إلى تقديم الجواب بانتظار الأسئلة، وجاءتها الأسئلة، والانتقادات، والتعليقات، وحتى الإساءات من كل مكان إلا من عالمنا العربي، فلم يتذكرها إلا قلة قليلة، حيث تم نشر خبر تقاعدها وما قالته في البيت الأبيض مثل أي خبر عادي، لم يثر أي اهتمامات استثنائية .

هيلين توماس طالما كانت تمطر المسؤولين بالأسئلة سواء كانوا في الحكم أو خارجه، وغالباً ما أحرجتهم بأسئلتها الإشكالية التي تستدعي قولة حق وصدق، فالصحافي يشكك في الكثير من الأحيان ويتبنى ما يقوله الشارع أحياناً أخرى، كاشفاً الستر عن مكونات وخبايا تفكير الحاكم أو المسؤول بشأن القرارات المهمة والقضايا المصيرية كالحرب والسلام، والسياسة والدين، والمرأة والعنف، والقانون والحق، والنظرية والممارسة . اختارت هذه المرة عمداً وعن سبق إصرار أن تدلي بتصريحاتها المدوية قبل ذهابها إلى التقاعد، وهي التي عرفت بجرأتها ومهنيتها، فقد سبق لها أن انتقدت انحياز الإعلام الأمريكي إلى جانب “إسرائيل” خصوصاً عندما وصل الأمر إلى إطلاق وصف (القتلة والإرهابيين) على المقاومة الفلسطينية، كما سبق لها أن أدلت بتصريحها الناري العلني في واشنطن وهي التي خَبِرت الرؤساء الأمريكيين قائلة: إن الرئيس بوش (الابن) هو أسوأ الرؤساء الأمريكيين على الإطلاق، لأنه أدخل العالم في دوامة من الحروب المستديمة، مكرراً أهوال الماضي، وفي عهده خسرت الولايات المتحدة معظم أصدقائها في العالم .

وفي حرب تموز/ يوليو 2006 التي شنتها “إسرائيل” على لبنان انتقدت توماس التأييد الأمريكي ل”إسرائيل”، ولعل ذلك ما دفع المتحدث باسم البيت الأبيض طوني سنو إلى اتهامها ب”الانحياز” وتبني وجهة نظر “حزب الله” لكنها بلغة الإعلامي المحترف ردت بالقول: إنني أنقل واقع العدوان “الإسرائيلي” .

لقد عبرت هيلين توماس في كلامها بخصوص هضم حقوق الشعب العربي الفلسطيني واغتصاب الأرض الفلسطينية عما يفكر ويعمل من أجله كثيرون لا في العالم العربي وحسب بل في العالم أجمع بما فيه البعض في الولايات المتحدة والغرب عموماً، رغم الحصار الذي يفرضه اللوبي الصهيوني والإرهاب الفكري الذي يمارسه إزاء أي رأي حر ينتقد ممارسات “إسرائيل” العنصرية، لدرجة تصل أحياناً إلى إنكار وجود فلسطين واعتبارها صورة متخيلة، في محاولة للتغطية على الاحتلال “الإسرائيلي” الذي هو سبب المشكلات الأساسية والحروب في الشرق الأوسط منذ عقود من الزمان، بل أنه واحد من أهم الأسباب الأساسية لكراهية الولايات المتحدة في العالم العربي والإسلامي منذ أكثر من ستة عقود من الزمان، وما موقف الولايات المتحدة من الهجوم الغادر والقرصنة الدولية التي مارستها الدولة الصهيونية، ضد قافلة الحرية حيث أغرقتها بالدم وقادتها بالقوة إلى أحد موانئها وأجبرتها على إفراغ حمولتها (بعض المواد الأساسية للعيش، إضافة إلى الغذاء والدواء) التي كانت تنقلها إلى سكان قطاع غزة المحاصرين منذ ثلاث سنوات إلا تأكيداً على الانحياز الكامل للولايات المتحدة لصالح “إسرائيل” .

كانت ابنة التسعين على امتداد عقود من الزمان تبادر بطرح الأسئلة على الرؤساء العشرة وتفتتح المؤتمرات الصحافية وتختتم ذلك بالشكر للسيد الرئيس، لكن الرئيس بوش الابن حرمها من هذا الامتياز “تعسفاً”، ورغم ذلك فلم يستطع إسكات صوتها أو تخفيض نبرة قلمها، فقد كانت في عهده تؤكد: أن على السياسة الأمريكية أن تتطور لتكون أكثر دراية وعدالة ومعرفة بالحقائق .

تقاعدت هيلين توماس بعد عمل مضن وممتع عاصرت من خلاله كبار المسؤولين في العالم وهي واثقة بأن الصوت الشجاع يمكنه أن يحدث ارتباكاً وضعضعة بما هو سائد إلى حد الركود أحياناً، ويفتح حزمة ضوء ولو بسيطة رغم العتمة، ففلسطين تحتاج إلى كلمة الحق والعدل والسلام، حتى وإن اقتضى الأمر رحيل من قدموا إليها من دون إذن . هذا ما قالته في البيت الأبيض، رغم أن ذلك يثير تحفظات منظمات حقوق الإنسان فما ذنب الأجيال الأخرى وخصوصاً إذا لم تكن لها علاقة بسياسات العدوان والاحتلال وانتهاك حقوق الإنسان، الأمر الذي يحتاج إلى بحث عن حلول عادلة وسلمية، لاسيما بتأكيد حق العودة وتقرير المصير وإقامة الدولة الوطنية الفلسطينية وعاصمتها القدس الشريف .

مفكر وكاتب عربي


423
قرصنة وقانون: أليست كوميديا سوداء؟   


عبدالحسين شعبان
“إسرائيل” التي لا تأبه بالقانون الدولي ولا تحترم المواثيق والعهود الدولية بما فيها ميثاق الأمم المتحدة وتتصرف بمعزل عن ذلك كله، إلاّ أنها تزعم أو تحاول تكييف عدوانها وجرائمها، بتخريجات قانونية أو تسعى إلى إيجاد “سند” لها في القانون الدولي .

ما فعلته “إسرائيل” هو أنها شنت هجوماً على قافلة الحرية وقتلت 9 نشطاء جاءوا ينتصرون لقضية حقوق الإنسان، ويعلنون أن الحصار “الإسرائيلي” المفروض على غزّة لا إنساني ومخالف للشرعة الدولية لحقوق الإنسان . ادّعت “إسرائيل” أولاً أنها تريد تفتيش السفن القادمة إلى غزة .

وثانياً أن غزة بقيادة حماس خارجة على القانون الدولي، بتصنيفها منظمة إرهابية، وأن القانون الدولي يعطيها الشرعية لشن حرب على الإرهاب الدولي، بموجب قرارات دولية، سواء كان في المياه الدولية أو الإقليمية .

وثالثاً أن النشطاء هم من امتنع عن إنزال حمولتهم لفحصها ومن ثم إرسالها إلى غزة .

ورابعاً أن النشطاء هم من قاموا بالهجوم على الجنود “الإسرائيليين”، وأن الطائرات التي أنزلت عدداً من “الكوماندوس”، إضافة إلى قوات البحرية “الإسرائيلية”، إنما تدافع عن النفس، وهي تحمي أمن “إسرائيل” . . . إلخ .

أما العرب فآخر ما يفكرون به هو القانون الدولي، رغم أنه يشكل سنداً لهم، خصوصاً أن حقوقهم مغتصبة وأرضهم سليبة ويتعرضون لعدوان مستمر وحصار ظالم، وأن الوسائل المتاحة بأيديهم لا تستخدم على نحو صحيح، بما فيها الساحة الدبلوماسية والقانونية، التي يمكن أن تكون ظهيراً للوسائل الاقتصادية والسياسية والعسكرية والإعلامية .

وإذا كان فقدان أو ضعف الإرادة السياسية سبباً في ذلك، وتراجع التضامن العربي بحدّه الأدنى وعدم وجود التنسيق بين البلدان العربية، سبباً آخر، إضافة إلى أن خياراتهم محدودة، ولعل أغلبها يتعلق بالحفاظ على ما هو قائم، من دون النظر والتفكير، بما يمكن أن يقود إليه سوء الأوضاع، فضلاً عن القضم “الإسرائيلي” المستمر للأراضي الفلسطينية وتهديد سلم وأمن المنطقة بعدوان مستمر ومشاريع حرب مستمرة .

وإذا كان ثمة إيجابية وحيدة من مجزرة قافلة الحرية، التي شملت مواطنين من جنسيات مختلفة فإنها دفعت أوساطاً واسعة من الرأي العام العالمي لإدانة “إسرائيل”، إضافة إلى بروز دور تركي متميز وفاعل، الأمر الذي قد يضع معادلات جديدة، إذا ما أحسن استخدامها، ستحشد طاقات جديدة، وبخاصة في المجال الدبلوماسي والقانوني لصالح العرب .

“إسرائيل” تعرف أنها قامت بجريمة قرصنة دولية وتعريفها “الإتيان بعمل من أعمال الإكراه أو الاستعداد للقيام به، في أعالي البحار أو البحار المفتوحة” . ولعل تعريف جريمة القرصنة ينطوي على توفر عدد من الأركان التي تنطبق جميعها على “إسرائيل” .

1- عمل إكراهي، بوسائل مادية أو معنوية، ويتساوى في ذلك الإتيان بالعمل أو القصد من نيّة الفاعل، وهو ما ينطبق على قيام القوات المسلحة “الإسرائيلية” باقتحام القافلة، وقيادتها بالضد من وجهتها، وقتل عدد من أفراد طاقمها وركابها .

2- المكان، وهو أعالي البحار، أي منطقة بحرية لا تخضع لسلطات محددة أو سيادة دولة بعينها، وهو ما حصل عند مهاجمة القافلة .

3- السفينة، أي محل وقوع الجريمة، خصوصاً أنها وقعت على حمولة بشرية مدنية، إضافة إلى سلع وبضائع تحملها السفينة .

4- العلم، أي أن تحمل السفينة علم دولة أو دول أخرى غير المرتكب، لكي يتحقق ركن القرصنة الدولية، فالسفن لا تحمل العلم “الإسرائيلي”، بل تحمل أعلاماً لدول أخرى .

5- عدم شرعية فعل الإكراه، أي لا وجود لسبب مشروع وقانوني للهجوم، لاسيما أن القافلة سلمية ومدنية، ولا تحمل أية مواد حربية أو عسكرية .  وطبقاً لذلك، فإن القافلة تتمتع بالشرعية القانونية الدولية وتتساوق مع القانون الدولي الإنساني وميثاق الأمم المتحدة، خصوصاً أنها جاءت لنصرة الإنسان في غزة المحاصرة، وحملت معها بعض مقوّمات الحياة الضرورية التي تمتنع “إسرائيل” عن وصولها إليها، مثل الغذاء والدواء وبعض المواد الضرورية .

وعليه فإن هجوم “إسرائيل” على قافلة الحرية، يعني هجوماً على أبسط حقوق الإنسان، لأن غزة محاصرة على نحو غير شرعي، حيث ينص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (المادة الثانية): على أن لكل إنسان حق التمتع بكافة الحقوق والحريات من دون تمييز من حيث الجنس أو اللون أو اللغة أو الدين أو الرأي السياسي أو الأصل الاجتماعي أو الثروة، أو أي وضع آخر ومن دون تفرقة بين الرجال والنساء .

وبما أن “إسرائيل” هدرت هذه الحقوق، سيكون لزاماً على المجتمع الدولي والمؤسسات الدولية ودعاة حقوق الإنسان بشكل خاص، العمل على تأمين مستلزمات الحياة الضرورية لسكان قطاع غزة، وهو ما تذهب اليه اتفاقية جنيف الرابعة لعام ،1949 التي تحظر استخدام مثل تلك التدابير التي من شأنها أن تؤدي إلى حصار شعب من الشعوب، وهو ما أكدته المادة ،55 حيث أوجبت على الدولة المحتلة تزويد السكان بالمؤن الغذائية والإمدادات الطبية بأقصى ما تسمح به من الوسائل، في حين “إسرائيل” تمارس عكس ذلك بالضبط بفرضها الحصار الشامل . إن أركان جريمة القرصنة تنطبق تماماً على الأفعال الإكراهية “الإسرائيلية” في أعالي البحار وبالضد من أسطول الحرية .

أما قتل “ النشطاء” فهو جريمة أخرى منفصلة ومستقلة عن جرائم القرصنة، وإذا كان المدافعون عن سفينتهم هم ضحايا وجاءوا لنصرة ضحايا ودفاعاً عنهم، فلا دفاع ضد الدفاع، وهناك معتد وهناك مدافع، أي هناك منتهِك وهناك مُنتهَك، ولا يتحقق شرط الدفاع عن النفس طبقاً للمادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة بخصوص ما قامت به “إسرائيل”، بل إن المسألة معكوسة تماماً .

“إسرائيل” هي المحاصرة (بالكسر) وهي المهاجِمة وهي القاتلة . وهكذا يترتب عليها دولة وأفراداً ومسؤوليات مختلفة ومتنوعة، لارتكاب عدّة جرائم قتل كاملة الأركان المادية والمعنوية، لاسيما ضد السكان المدنيين، وتترتب عليها بالتالي عقوبات، لاسيما ضد من اتخذ القرار ومن أصدر الأوامر ومن قام بالتنفيذ، بمن فيهم كبار المسؤولين المدنيين والعسكريين، الذين لا بدّ من جمع الأدلة والأسانيد ضدهم والتقدم بشكاوى أمام القضاء الدولي (المحكمة الجنائية الدولية) أو الوطني لبعض الدول التي يسمح قانونها بإقامة مثل هذه الدعاوى، بغض النظر عن مكان وقوع الجريمة وجنسية المرتكب أو الضحية، طالما تحمل سمات جرائم دولية وضد الإنسانية وجرائم الإبادة الجماعية وجرائم الحرب، إضافة إلى جريمة العدوان .

ويكون من واجب مجلس الأمن إنشاء محاكمة خاصة إذا اقتضى الأمر، بعد تحقيق نزيه وعادل، وإحالة المرتكبين إلى القضاء الدولي، كما حصل في يوغسلافيا ورواندا وغيرهما، خصوصاً أن جرائمها هذه هددت السلم والأمن الدوليين، كما أن على المدعي العام للمحكمة الجنائية الطلب من مجلس الأمن إحالة المتهمين إلى التحقيق ومن ثم إلى القضاء .

كما ترتب هذه الجرائم مسؤوليات مدنية في ضوء الإدانة الجنائية فردياً وجماعياً، وبشكل تضامني، عن تعويض الأضرار المادية والأدبية التي لحقت بكل متضرر .

أليس جمع النقيضين في سرير واحد “القرصنة والقانون” كوميديا سوداء؟

باحث ومفكر عربي

424
قرصنة وقانون: أليست كوميديا سوداء؟   


عبدالحسين شعبان
“إسرائيل” التي لا تأبه بالقانون الدولي ولا تحترم المواثيق والعهود الدولية بما فيها ميثاق الأمم المتحدة وتتصرف بمعزل عن ذلك كله، إلاّ أنها تزعم أو تحاول تكييف عدوانها وجرائمها، بتخريجات قانونية أو تسعى إلى إيجاد “سند” لها في القانون الدولي .

ما فعلته “إسرائيل” هو أنها شنت هجوماً على قافلة الحرية وقتلت 9 نشطاء جاءوا ينتصرون لقضية حقوق الإنسان، ويعلنون أن الحصار “الإسرائيلي” المفروض على غزّة لا إنساني ومخالف للشرعة الدولية لحقوق الإنسان . ادّعت “إسرائيل” أولاً أنها تريد تفتيش السفن القادمة إلى غزة .

وثانياً أن غزة بقيادة حماس خارجة على القانون الدولي، بتصنيفها منظمة إرهابية، وأن القانون الدولي يعطيها الشرعية لشن حرب على الإرهاب الدولي، بموجب قرارات دولية، سواء كان في المياه الدولية أو الإقليمية .

وثالثاً أن النشطاء هم من امتنع عن إنزال حمولتهم لفحصها ومن ثم إرسالها إلى غزة .

ورابعاً أن النشطاء هم من قاموا بالهجوم على الجنود “الإسرائيليين”، وأن الطائرات التي أنزلت عدداً من “الكوماندوس”، إضافة إلى قوات البحرية “الإسرائيلية”، إنما تدافع عن النفس، وهي تحمي أمن “إسرائيل” . . . إلخ .

أما العرب فآخر ما يفكرون به هو القانون الدولي، رغم أنه يشكل سنداً لهم، خصوصاً أن حقوقهم مغتصبة وأرضهم سليبة ويتعرضون لعدوان مستمر وحصار ظالم، وأن الوسائل المتاحة بأيديهم لا تستخدم على نحو صحيح، بما فيها الساحة الدبلوماسية والقانونية، التي يمكن أن تكون ظهيراً للوسائل الاقتصادية والسياسية والعسكرية والإعلامية .

وإذا كان فقدان أو ضعف الإرادة السياسية سبباً في ذلك، وتراجع التضامن العربي بحدّه الأدنى وعدم وجود التنسيق بين البلدان العربية، سبباً آخر، إضافة إلى أن خياراتهم محدودة، ولعل أغلبها يتعلق بالحفاظ على ما هو قائم، من دون النظر والتفكير، بما يمكن أن يقود إليه سوء الأوضاع، فضلاً عن القضم “الإسرائيلي” المستمر للأراضي الفلسطينية وتهديد سلم وأمن المنطقة بعدوان مستمر ومشاريع حرب مستمرة .

وإذا كان ثمة إيجابية وحيدة من مجزرة قافلة الحرية، التي شملت مواطنين من جنسيات مختلفة فإنها دفعت أوساطاً واسعة من الرأي العام العالمي لإدانة “إسرائيل”، إضافة إلى بروز دور تركي متميز وفاعل، الأمر الذي قد يضع معادلات جديدة، إذا ما أحسن استخدامها، ستحشد طاقات جديدة، وبخاصة في المجال الدبلوماسي والقانوني لصالح العرب .

“إسرائيل” تعرف أنها قامت بجريمة قرصنة دولية وتعريفها “الإتيان بعمل من أعمال الإكراه أو الاستعداد للقيام به، في أعالي البحار أو البحار المفتوحة” . ولعل تعريف جريمة القرصنة ينطوي على توفر عدد من الأركان التي تنطبق جميعها على “إسرائيل” .

1- عمل إكراهي، بوسائل مادية أو معنوية، ويتساوى في ذلك الإتيان بالعمل أو القصد من نيّة الفاعل، وهو ما ينطبق على قيام القوات المسلحة “الإسرائيلية” باقتحام القافلة، وقيادتها بالضد من وجهتها، وقتل عدد من أفراد طاقمها وركابها .

2- المكان، وهو أعالي البحار، أي منطقة بحرية لا تخضع لسلطات محددة أو سيادة دولة بعينها، وهو ما حصل عند مهاجمة القافلة .

3- السفينة، أي محل وقوع الجريمة، خصوصاً أنها وقعت على حمولة بشرية مدنية، إضافة إلى سلع وبضائع تحملها السفينة .

4- العلم، أي أن تحمل السفينة علم دولة أو دول أخرى غير المرتكب، لكي يتحقق ركن القرصنة الدولية، فالسفن لا تحمل العلم “الإسرائيلي”، بل تحمل أعلاماً لدول أخرى .

5- عدم شرعية فعل الإكراه، أي لا وجود لسبب مشروع وقانوني للهجوم، لاسيما أن القافلة سلمية ومدنية، ولا تحمل أية مواد حربية أو عسكرية .  وطبقاً لذلك، فإن القافلة تتمتع بالشرعية القانونية الدولية وتتساوق مع القانون الدولي الإنساني وميثاق الأمم المتحدة، خصوصاً أنها جاءت لنصرة الإنسان في غزة المحاصرة، وحملت معها بعض مقوّمات الحياة الضرورية التي تمتنع “إسرائيل” عن وصولها إليها، مثل الغذاء والدواء وبعض المواد الضرورية .

وعليه فإن هجوم “إسرائيل” على قافلة الحرية، يعني هجوماً على أبسط حقوق الإنسان، لأن غزة محاصرة على نحو غير شرعي، حيث ينص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (المادة الثانية): على أن لكل إنسان حق التمتع بكافة الحقوق والحريات من دون تمييز من حيث الجنس أو اللون أو اللغة أو الدين أو الرأي السياسي أو الأصل الاجتماعي أو الثروة، أو أي وضع آخر ومن دون تفرقة بين الرجال والنساء .

وبما أن “إسرائيل” هدرت هذه الحقوق، سيكون لزاماً على المجتمع الدولي والمؤسسات الدولية ودعاة حقوق الإنسان بشكل خاص، العمل على تأمين مستلزمات الحياة الضرورية لسكان قطاع غزة، وهو ما تذهب اليه اتفاقية جنيف الرابعة لعام ،1949 التي تحظر استخدام مثل تلك التدابير التي من شأنها أن تؤدي إلى حصار شعب من الشعوب، وهو ما أكدته المادة ،55 حيث أوجبت على الدولة المحتلة تزويد السكان بالمؤن الغذائية والإمدادات الطبية بأقصى ما تسمح به من الوسائل، في حين “إسرائيل” تمارس عكس ذلك بالضبط بفرضها الحصار الشامل . إن أركان جريمة القرصنة تنطبق تماماً على الأفعال الإكراهية “الإسرائيلية” في أعالي البحار وبالضد من أسطول الحرية .

أما قتل “ النشطاء” فهو جريمة أخرى منفصلة ومستقلة عن جرائم القرصنة، وإذا كان المدافعون عن سفينتهم هم ضحايا وجاءوا لنصرة ضحايا ودفاعاً عنهم، فلا دفاع ضد الدفاع، وهناك معتد وهناك مدافع، أي هناك منتهِك وهناك مُنتهَك، ولا يتحقق شرط الدفاع عن النفس طبقاً للمادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة بخصوص ما قامت به “إسرائيل”، بل إن المسألة معكوسة تماماً .

“إسرائيل” هي المحاصرة (بالكسر) وهي المهاجِمة وهي القاتلة . وهكذا يترتب عليها دولة وأفراداً ومسؤوليات مختلفة ومتنوعة، لارتكاب عدّة جرائم قتل كاملة الأركان المادية والمعنوية، لاسيما ضد السكان المدنيين، وتترتب عليها بالتالي عقوبات، لاسيما ضد من اتخذ القرار ومن أصدر الأوامر ومن قام بالتنفيذ، بمن فيهم كبار المسؤولين المدنيين والعسكريين، الذين لا بدّ من جمع الأدلة والأسانيد ضدهم والتقدم بشكاوى أمام القضاء الدولي (المحكمة الجنائية الدولية) أو الوطني لبعض الدول التي يسمح قانونها بإقامة مثل هذه الدعاوى، بغض النظر عن مكان وقوع الجريمة وجنسية المرتكب أو الضحية، طالما تحمل سمات جرائم دولية وضد الإنسانية وجرائم الإبادة الجماعية وجرائم الحرب، إضافة إلى جريمة العدوان .

ويكون من واجب مجلس الأمن إنشاء محاكمة خاصة إذا اقتضى الأمر، بعد تحقيق نزيه وعادل، وإحالة المرتكبين إلى القضاء الدولي، كما حصل في يوغسلافيا ورواندا وغيرهما، خصوصاً أن جرائمها هذه هددت السلم والأمن الدوليين، كما أن على المدعي العام للمحكمة الجنائية الطلب من مجلس الأمن إحالة المتهمين إلى التحقيق ومن ثم إلى القضاء .

كما ترتب هذه الجرائم مسؤوليات مدنية في ضوء الإدانة الجنائية فردياً وجماعياً، وبشكل تضامني، عن تعويض الأضرار المادية والأدبية التي لحقت بكل متضرر .

أليس جمع النقيضين في سرير واحد “القرصنة والقانون” كوميديا سوداء؟

باحث ومفكر عربي


425
   
مسيحيو العراق: الجزية أو المجهول!   
   

عبدالحسين شعبان     
 
قبل أيام تعرضت سيارة كبيرة (باص) تنقل طلاباً مسيحيين إلى هجوم أدى إلى سقوط مواطن وطالبة وجرح نحو 188 آخرين، الأمر الذي أعاد مسلسل قتل وملاحقة وخطف وتهجير المسيحيين من العراق إلى الواجهة، وقد ظلّت هذه المسألة غامضة وملتبسة على نحو شديد بعد احتلال العراق وحتى الآن، ويفسّرها البعض كجزء من أعمال العنف والإرهاب التي تشمل العراق كلّه، والبعض الآخر يعتبرها أعمالاً فردية ومتفرقة، دون النظر إليها كظاهرة منظمة ومنهجية، تتم على نحو شديد الدقة. وبكل الأحوال، فإن هذا الملف الخاص بحقوق الإنسان والانتهاكات ضد المسيحيين لم يفتح على نحو صحيح منذ سنوات، باستثناءات محدودة.
لا شك أن ما يقلقني حد الفزع هو ارتفاع أعداد الضحايا، لكن ما يخيفني وما يضاعف من حيرتي وتشتتي، هو تمزيق النسيج المجتمعي العراقي وغياب التسامح والتعايش والاعتراف بالآخر، الذي كان سمة مميزة للمجتمع العراقي، بل إن الأخطر من ذلك هو صعود نزعات الاحتراب والكراهية والحقد والثأر، تلك التي تصعب معالجتها أو الابتعاد عنها في ظل احتدام الأوضاع، لاسيَّما باستمرار استهداف المكوّنات العراقية، وبخاصة المسيحيون الذين كانوا باستمرار وعلى مدى تاريخهم القديم والحديث مصدر إثراء وخصوبة للمجتمع العراقي، خصوصاً في ظل التنوّع والتعددية والخصوصية الدينية والثقافية تلك، إذ لا يمكن الحديث عن مشاريع طموحة مثل: الديمقراطية والمواطنة والتنمية دون تأمين الحد الأدنى من مستلزمات الحياة، وأعني بذلك حفظ وضبط النظام والأمن العام وحماية أرواح وممتلكات المواطنين، وإلاّ سيصبح أي حديث عن المُثُل والأهداف العليا -ناهيكم عن الحريات والعدالة والمشاركة والمساواة- ليس أكثر من رطانة أقرب إلى لغو فارغ لا معنى له.
لا أدري ولا يمكنني أن أتصوّر كيف يكون المجتمع العراقي بلا مسيحيين وآشوريين وكلدان وأرمن، وبلا صابئة أو أيزيديين أو شبك أو أكراد فيليين أو تركمان أو غيرهم، ولعل هؤلاء كانوا الأكثر استهدافاً على مدى السنوات الماضية، رغم أن التطهير المذهبي والطائفي والإثني شمل المجموعات السكانية الكبرى الأوسع عدداً ونفوذاً وتأثيراً، لكن ما واجه هؤلاء المستضعفين كان مخيفاً بكل معاني الكلمة، لأنه يتعلق بوجودهم.
كان المسيحيون ينتشرون بالأساس في العاصمة بغداد، حيث تتجاور الكنيسة مع المسجد والجامع والكنيست اليهودي قبل تسفير اليهود عام 1950 وما بعده، وتشكّلُ تلك اللوحة، فسيفساء جميلة وتناسقاً باهراً للتنوع والتعددية الدينية، فضلاً عن تعددية اللغة والقومية للعرب والكرد والتركمان والآشوريين وغيرهم. كما ينتشر المسيحيون في البصرة وسهل نينوى، إضافة إلى أربيل ودهوك والسليمانية.
وخلال سنوات الستينيات والسبعينيات، حصلت هجرة واسعة في صفوف المسيحيين بسبب صعود بعض نبرات التمييز، واتسعت خلال الحرب العراقية- الإيرانية، وفيما بعد خلال سنوات الحصار الدولي، وإذا كانت الهجرات لعوائل أو لأفراد أو لمجموعات، فإنها بدأت بعد الاحتلال لكتل سكانية وبشرية هائلة، لاسيَّما بعد أن أصبح العيش عسيراً، وبعد استهدافات مباشرة وتفجيرات لكنائس وأماكن عبادة وقتل لرجال دين، رغم أنهم ليسوا طرفاً في الصراع المباشر الذي اتخذ شكلاً طائفياً وإثنياً، كما عانى المسيحيون من التهميش سياسياً واجتماعياً واقتصادياً تحت ذرائع مختلفة، ولعل ذلك بسبب «الهوية الدينية» أو الانتماء الديني سواء بإعلان مباشر أو من دونه! وقد فشلت الأجهزة الأمنية في حمايتهم من المتطرفين والإرهابيين، وتعرضوا لعمليات قتل وخطف وطرد وترحيل.
وحسب بعض المعلومات المتوفرة، فإن عدد المسيحيين قارب المليون (رغم عدم وجود إحصاءات دقيقة) خلال فترة التسعينيات، واضطرت مجاميع واسعة منهم إلى الهجرة، وترك مساكنهم ومدنهم بعد الاحتلال. ويمكن القول إن نحو نصف المسيحيين من سكان مدينة البصرة تركوها خلال فترة المد الطائفي وسيادة التعصب المذهبي الذي استحوذ على المدينة، وهذا ما حصل في أحياء الأندلس ومناطق الباشا وجنينة والعشار والطويسة والجزائر وغيرها، وهو الأمر الذي نزفت بغداد بسببه أيضاً، وخسر العراق كفاءات وطاقات مسيحية هائلة في حي الدورة والسيدية وبغداد الجديدة والغدير والبتاوين والمشتل والكرادة وكمب سارة وشارع فلسطين والمنصور والزعفرانية وغيرها!
وخلال فترة المدّ الطائفي الشديد الغلو، وبالترافق مع تنظيمات القاعدة الإرهابية، سمع الناس عبر مكبرات الصوت ومن بعض المساجد والجوامع طلبات غريبة بترك المسيحية والتحوّل إلى الإسلام أو دفع الجزية بصفتهم «كفاراً»، وطلبوا من النساء ارتداء الحجاب، وتسلّمت عوائل مسيحية تهديدات كثيرة، بل إن بعض الرسائل حددت مبلغ الجزية الشهري، واشترطت التخلي عن بعض المهن، مثل بيع الخمور وأشرطة الفيديو والحلاقة وغيرها.
وخلال تلك الفترة العصيبة، نشط الإرهابيون والمتطرفون وأفراد من الميليشيات غير النظامية للطلب من المسيحيين ترك بيوتهم أو أن مصيرهم سيكون الموت، وبالفعل تم تنفيذ بعض العمليات ضدهم، وتعرضت بعض الكنائس إلى التفجير والتدمير، واختطف عدد من رجال الدين كما حصل للقس رعد وشان والقس باسل بلدو والقس سعد سيروب والقس دومكص البازي والقس سامي عبدالأحد والقس هاني عبدالأحد والقس نوزت بطرس. كما اغتيل في بغداد القس عادل عبودي (من الكنيسة السريانية)، والمطران بولس فرج رحو رئيس أساقفة أبرشية الموصل، والقس رغيد عزيز متّى كني من الكنيسة الكاثوليكية مع ثلاثة من الشمامسة، والقس بولس إسكندر بهنام من كنيسة السريان الأرثوذكس، وعدد من الكفاءات العسكرية والطبية والثقافية والأكاديمية في بغداد وبعقوبة والبصرة والموصل وكركوك.
ولهذه الأسباب، اضطر الآلاف من المسيحيين إلى الهرب ومغادرة بيوتهم متوجهين إلى سهل نينوى (الموصل) ومحافظتي أربيل ودهوك، ومن هناك المغادرة إلى الخارج، حيث توجد أعداد كبيرة منهم في سوريا والأردن ولبنان وتركيا، ينتظرون دورهم للرحيل إلى المنافي البعيدة! أما من لم يسعفه الحظ فيعيش في قلق وخوف دائمين وفي ظروف بالغة القسوة، حيث يضطر العديد من العوائل إلى عدم إرسال أبنائهم وبناتهم إلى المدارس بسبب حالات الفزع والرعب، ولو توفّر المال الكافي لدى هؤلاء لغادروا العراق أيضاً.
لقد كانت المسيحية الشرقية عنصر إضافة إيجابية للثقافة العربية- الإسلامية، وكان المسيحيون العراقيون جزءا حيوياً من النسيج الوطني العراقي، وأسهموا في كل فعاليات العراق الفنية والأدبية والثقافية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية، بحيث لا يمكن تصوّر العراق دون وجود المسيحيين منذ القدم وحتى تأسيس الدولة العراقية وإلى اليوم، ثم أليس عيباً علينا جميعاً لو غادر المسيحيون وطنهم العراق متوجهين إلى المنفى، بحجة أن من يطاردونهم يطالبونهم بدفع الجزية، وهي «أطروحة» مضى عليها أكثر من 1400 عام؟ ألم تكن قصور بني العباس تحفل بالكفاءات المسيحية؟!
وجدير بأية حكومة قادمة سواء فائزة بالقائمة (أي حصلت على أغلبية المقاعد) أو بالكتلة النيابية (الكتلة الأكبر في البرلمان حسب تفسير المحكمة الاتحادية)، أن تتوافق لوضع حد لظاهرة العنف والإرهاب وحماية الثروة البشرية من هذا النزيف للعقول والكفاءات والطبقة الوسطى، بدلاً من تعطيل كل شيء، للفوز بهذا المنصب أو ذاك!
 

426
العروبة والهوية والثقافية   

 

عبدالحسين شعبان
هل الهوية جوهر قائم بذاته، لا يتغيّر أو يتحوّل؟ أم هي علاقة تجمعها مواصفات بحيث تكوّن معناها وشكلها؟ وهل العروبة هوية ثابتة ومحددة؟ ثم هل الهوية بركة مغلقة ومياه راكدة أم أرخبيل مفتوح وشواطئ متصلة؟

وإذا كانت الهوية غير كاملة، فهي بهذا المعنى متحوّلة ومتغيّرة وغير ثابتة،أي أنها ليست مُعطى سرمدياً، ساكناً ونهائياً وغير قابل للتغيير، لكن ذلك لا يعني انكار وجود بعض ثوابت الهوية مثل اللغة والدين، مع أن هذه تخضع أيضاً لنوع من التغيير من خلال فهمها وتفسيرها وتأويلها وقدرتها على قبول الجديد .

إن بعض عناصر الهوية تتغيّر، مثل العادات والفنون، حذفاً أو إضافة، لاسيما علاقاتها مع الثقافات والهويات الأخرى، تأصيلاً واستعارة، علماً بأن هذه التغييرات لا تأتي دفعة واحدة، بل تتم عملية التحوّل بصورة تدريجية، تراكمية، طويلة الأمد، الأمر الذي ينطبق على تفاعل وتداخل الهويات، لاسيما عناصر التأثير والتأثر، الواحدة بالأخرى .

لعل ذلك كان مثار جدل فكري وثقافي في ندوتين مهمتين، الأولى في مركز الخليج للدراسات في ندوته السنوية العاشرة وبمناسبة مرور 40 عاماً على صدور جريدة الخليج الغرّاء (الشارقة)، أما الثانية فتناولت موضوع “العروبة والمستقبل” حيث التأمت في دمشق، وشارك في المؤتمرين كوكبة من الباحثين والمفكرين والمثقفين، إضافة الى مداخلات ونقاشات حيوية تعكس الطيف الفكري والسياسي المتنوّع في عالمنا العربي، ولعل موضوع الهوية والتنوّع الثقافي والانقسام الاثني والطائفي والمذهبي، كان القاسم المشترك لكلا المؤتمرين كما أن مقاربة الموضوع كانت متداخلة .

وإذا كان ثمة تكوينات مختلفة دينية أو اثنية أو قومية أو لغوية أو سلالية، فإن اختلاف الهويات لا يكون أمراً مفتعلاً حتى داخل الوطن الواحد، ناهيكم عن اختلاف الهويات الخاصة للفرد عن غيره وعن الجماعة البشرية . ولعل هناك علاقة بين الشكل والمعنى الذي تتكون منها الهويات الفرعية  الخاصة وبين الهويات الجماعية العامة ذات المشتركات التي تتلاقى عندها الهويات الفرعية للجماعات والأفراد، حيث تكون الهوية العامة أشبه بإطار قابل للتنوّع والتعددية، جامعاً لخصوصيات في نسق عام موحد، ولكنه متعدد، وليس أحادياً، فمن جهة يمثل هوية جامعة، ومن جهة أخرى يؤلف هويات متعددة ذات طبيعة خاصة بتكوينات متميزة أما دينياً أو لغوياً أو اثنياً أو قومياً أو غير ذلك .

ولعل الحديث عن هويات فرعية، أو خصوصيات قومية أو دينية، لأقليات أو تكوينات، يستفز أحياناً بعض الاتجاهات الشمولية والمتعصبة دينياً أو قومياً أو أيديولوجياً فهي لا ترى في مجتمعاتنا سوى هوية واحدة إسلامية أو إسلاموية حسب تفسيراتها وقومية أو قوموية حسب أصولها العرقية ونمط تفكيرها واصطفافات طبقية كادحيّة حسب أيديولوجياتها الماركسية أو الماركسيوية، أما الحديث عن حقوق وواجبات ومواطنة كاملة ومساواة تامة وحق الجميع في المشاركة وتولّي المناصب العليا دون تمييز بما فيها حقوق المرأة وحقوق متساوية للأديان والقوميات، فتصبح في الواقع العملي “مؤامرة” ضد الأمة والدين، تقف خلفها “جهات” امبريالية  استكبارية تضمر الشرور للمجتمعات العربية  الإسلامية .

وإذا كان جزء من هذا المنطق “كلام حق يُراد به باطل” فإنه من غير المبرر هضم الحقوق وعدم الاعتراف بالتنوّع الثقافي وازدراء الآخر . إن بعض الممارسات المتعصبة أو غير المتسامحة، لاسيما بحق الجماعات القومية أو الدينية دفعتها إلى الانغلاق وضيق الأفق القومي، وبخاصة إذا كانت قد تعرّضت للاضطهاد الطويل الأمد وشعرت بالتهديد لهويتها، وهو الأمر الذي كان إحدى نقاط ضعف الدولة القطرية العربية تاريخياً، خصوصاً في مرحلة ما بعد الاستقلال .

يمكنني القول إن الموقف من “الأقليات” القومية والدينية ما زال قاصراً في الكثير من الأحيان وحتى الاعتراف ببعض الحقوق يأتي كمنّة أو مكرمة أو هبة أو حسنة، حيث تسود مفاهيم مغلوطة عنها، بل إن الكثير من السائد الثقافي يعتبرها، خصماً أو “عدواً” محتملاً، أو قنبلة قد تنفجر في أية لحظة أو حتى طابوراً خامساً أو أن ولاءها هش وقلق وغير مضمون، وسرعان ما يتحول إلى الخارج، دون أن نعي أن هضم حقوقها، تارة باسم مصلحة الإسلام وأخرى مصلحة العروبة والوحدة وأحياناً بزعم الدفاع عن مصلحة الكادحين، والدولة العلمانية والمدنية وغير ذلك، هو السبب الأساس في مشكلة الهويات الفرعية وليس نقص ولائها أو خروجها على الهوية الوطنية العامة التي تصبح لا معنى لها بسبب معاناتها .

ولنتأمل الحرب الأهلية اللبنانية، فبعد دماء غزيرة وخراب استمر 15 عاماً، غسل الجميع أيديهم وتعانقوا وكأن شيئاً لم يكن وظلّت الهويات الصغرى طاغية، والهوية الجامعة هشّة، قلقة، مقصاة . وبعد الاحتلال الأمريكي للعراق، اندلع العنف والإرهاب على نحو لم يسبق له مثيل ليحصد أرواح عشرات ومئات الآلاف من العراقيين من جميع الأديان والطوائف والقوميات والاتجاهات، تحت شعارات طائفية واثنية، وادّعاء الأفضليات أحياناً، وهو ما كانت له بعض الأسباب في التاريخ، لاسيما المعاصر، وبخاصة الاتجاهات التمييزية السائدة، رغم أن المحاصصة والتقاسم المذهبي والاثني كانا يشكلان أساساً قام عليه مجلس الحكم الانتقالي وما بعده، وهو المجلس الذي أسسه بول بريمر الحاكم المدني الأمريكي في العراق، وظل جميع  الفرقاء والفاعلين السياسيين من جميع الاتجاهات، يعلنون أن لا علاقة لهم بالطائفية والمذهبية، بل هم يستنكرونها ويعلنون البراءة منها، لكنهم عند اقتسام المقاعد والوظائف والغنائم يتشبثون بها، ويحاولون الظهور بمظهر المعبّر، وربما الوحيد، عنها، دون تخويل من أحد .

إن هذه المقدمات هي التي دفعت الباحث لاقتراح مشروع لتحريم الطائفية وتعزيز المواطنة في العراق، وهو إذ يعرضه على جميع الفرقاء (وعلى المستوى العربي لما لهذه المسألة من انعكاسات عربية وإقليمية)، يأمل أن يثير نقاشاً وحواراً واسعين لدى الجميع .

إن الحق في الهوية الثقافية للشعوب يعطي الأشخاص والجماعات الحق في التمتع بثقافاتهم الخاصة وبالثقافات الأخرى المحلية والعالمية، ذلك أن إقرار الحق في الثقافة يعني: حق كل ثقافة لكل أمة أو شعب أو جماعة في الوجود والتطور والتقدم في إطار ديناميتها وخصائصها الداخلية واستقلالها، ودون إهمال العوامل المشتركة ذات البعد الإنساني وقيم التعايش والتفاعل بين الأمم والشعوب والجماعات، وذلك ما اعتمدته الأمم المتحدة في “اعلان حقوق الأقليات” في العام ،1992 رغم ميلي لاستخدام مصطلح التنوّع الثقافي بدلاً من مصطلح “الأقليات” وأجده أكثر دقة في التعبير والمضمون .

إن الإقرار بالتنوّع الثقافي والديني والاثني هو إقرار بواقع أليم، فقد كان ثمن التنكّر باهظاً وساهم في تفكيك الوحدة الوطنية وهدّد الأمن الوطني واستخدمته القوى الخارجية وسيلة للتدخل وفي هدر الأموال وفي الحروب والنزاعات الأهلية، بدلاً من توظيفه بالاتجاه الصحيح باعتباره مصدر غنى وتفاعلاً حضارياً وتواصلاً إنسانياً، وقبل كل شيء باعتباره حقاً إنسانياً، ولعل ذلك ما ينسجم مع فكرة العروبة الثقافية باعتبارها رابطة حضارية اجتماعية إنسانية، مثل الروابط الأخرى ذات الانتماءات القومية أو الدينية أو غيرها .

باحث ومفكر عربي




427
الجميع يبرئون أنفسهم من تهمة الطائفية أو يحاولون إلصاقها بالآخرين
الطائفة والطائفية: المواطنة والهوية!!

 
عبد الحسين شعبان
لا أحد يجاهر أو يعترف بأنه '' طائفي''، فالجميع يبرئون أنفسهم من تهمة الطائفية، أو يحاولون إلصاقها بالآخرين، أو نسبها إلى سلوك وتصرف فردي أحياناً، أو إيجاد ذرائع ومبررات تاريخية ''بادعاء المظلومية'' أو ''الحق في التسيّد''، أو ادعاء امتلاك ناصية الدين والحفاظ على نقائه إزاء محاولات الغير للنيل منه أو من تعاليمه، الأمر الذي يخوّلهم ادعاء تمثيل الطائفة أو النطق باسمها، مع تأكيدات بملء الفم بنبذ الطائفية أو رميها على الطرف الآخر أو استنكارها، لكن دعاوى تحريم الطائفية وإن اقترن بعضها برغبات صادقة، إلا أنها تعود وتصطدم بوقائع مريرة وقيود ثقيلة، تكاد تشدّ حتى أصحاب الدعوات المخلصة إلى الخلف، إن لم تتهمهم، أحياناً بالمروق والخروج على التكوينات والاصطفافات المتوارثة.
ولعل بعض العلمانيين والحداثيين، انساقوا وراء مبررات أو تسويغات تقضي بانخراطهم في إطار الحشد الضخم للكتل البشرية الهائلة ما قبل الدولة أحيانا، التي تذكّر بعصر المداخن في أوروبا، التي تحرّكها زعامات مستفيدة من بعض الاستفزازات أحياناً، بإثارة نزعاتها البدائية إزاء الغير أو الرغبة في الهيمنة، وذلك تحت شعار الواقعية السياسية والاجتماعية، وأحياناً بدعوى التميّز والهوية، التي غالباً ما تكون على حساب الهوية الوطنية الجامعة، التي بإمكانها احترام الخصوصيات والهويات الفرعية.
ومثل هذا الأمر تفشّى في العراق وبشكل خاص ما بعد الاحتلال, حيث كرّس مجلس الحكم الانتقالي, الذي شكّله الحاكم المدني الأمريكي بول بريمر, صيغة المحاصصة الطائفية والإثنية، وربما إلى حدود معينة هو ما كان سائداً في لبنان، لا سيما في دستوره بعد الاستقلال عام 1943، الذي أوحى بذلك، حيث تكرّس الأمر بعد الحرب الأهلية, خاصة بعد اتفاق الطائف عام 1990، واتخذ بُعداً آخر في السودان، خصوصاً الوضع الخاص في الجنوب, وهي بلدان شهدت انتخابات وصراعات أخيرا ولا تزال على مفترق طرق مهددة بوحدتها الوطنية، وإن لم يقتصر الأمر على هذه البلدان الثلاثة حسب، بل إن اتجاهاً نحو التشظي الطائفي والمذهبي والإثني والتمترس الديني، أصبح جزءًا من خصوصيات المرحلة، وتجلّى ذلك بما تعرّض له المسيحيون في العراق وكذلك اليزيديون والصابئة والفتنة الطائفية، لا سيما بعد عام 2006 التي اتخذت بُعداً تطهيرياً وإقصائياً وإجلائياً خطيراً.
وأيضاً صراع 7 أيار (مايو) 2009 بين حزب الله وحركة أمل من جهة وتيار المستقبل من جهة أخرى، انعكاساً للاصطفافات بين جماعة 8 آذار و14 آذار, وذلك على خلفية طائفية وسياسية ازدادت اشتعالاً بعد العدوان الإسرائيلي على لبنان في تموز (يوليو) عام 2006. وكذلك اتخذ الأمر بُعداً دولياً بعد انتهاكات دارفور في السودان وقرار القاضي أوكامبو بملاحقة الرئيس السوداني، وما يرتبط ذلك بمسألة الاستفتاء حول الاستقلال لسكان الجنوب. وإذا كان الانخراط جزءا من تبرير الواقعية وعدم العزلة، فهناك من استطاب بعض الامتيازات التي حصل عليها باسم الطائفة أو بزعم تمثيلها، أو التنظير لكيانيتها تحت أسماء مختلفة، سواءً كانت أقاليم أو فيدراليات أو كانتونات لا فرق في ذلك، فأمراء الطوائف باستطاعتهم إيجاد كثير من الذرائع والمبررات لإدامة هيمنتهم.
 
وبودي أن أشير إلى أن الطائفية تختلف اختلافاً جذرياً عن الطائفة، ذلك أن الأخيرة هي تكوين تاريخي وامتداد اجتماعي وإرث طقوسي تواصل عبر اجتهادات فقهية ومواقف نظرية وعملية، اختلط فيها ما هو صحيح ومنفتح، بما هو خاطئ وانعزالي أحياناً، لكنها تكوين أصيل وموجود وتطور طبيعي، وليس أمراً ملفقاً أو مصنوعاً، في حين أن الطائفية، هي توجّه سياسي يسعى إلى الحصول على امتيازات أو مكافآت باسم الطائفة أو ادعاء تمثيلها أو إثبات تمايزات عن الطوائف الأخرى، حتى إن كان بعضها فقهياً أو شكلياً، وأحياناً مفتعلاً وأغراضياً بهدف الحصول على المكاسب.
وإنْ أدّى مثل هذا السلوك إلى التباعد والافتراق والاحتراب، ناهيكم عن زرع الأوهام حول ''الآخر''، بصورة العدو أو الخصم، وبالتالي خلق حالة من الكراهية والعداء، في رغبة للإقصاء والإلغاء، بعد التهميش والعزل، مروراً بالتحريم والتأثيم، وإنْ تطلب الأمر التجريم أيضاً، فتراه لا يتورع عن التوّغل حيث تتحقق المصالح الذاتية الأنانية الضيقة، وإن تعارضت مع مصلحة الوطن والأمة.
والغريب في القضية أن بعض هؤلاء المنخرطين في البغضاء الطائفية أو إشعال نار الحقد والكراهية لا علاقة لهم بالدين، فهم غير متدينين فكيف يتعصّبون للطائفة، إنْ كانوا غير متدينين أو حتى غير مؤمنين أصلاً، وهو ما أطلق عليهم عالم الاجتماع العراقي الكبير علي الوردي إنهم ''طائفيون بلا دين''، وبذلك تكون الطائفية عامل تفتيت وانقسام للمجتمع وواحداً من أمراضه الاجتماعية الخطيرة، إذا ما استشرت.
عانت بلادنا العربية هذه الظاهرة الطائفية الانقسامية، بسبب ضعف الثقافة الإسلامية من جهة وشيوع كثير من الأوهام والترهات إزاء الطوائف الأخرى، ولا سيما بالتعصب والتطرف والغلو، ويعود ذلك أيضاً إلى الموروث التاريخي، والقراءة المغلوطة للتراث الإسلامي بفرقه وفقهه وجماعاته المجتهدة، بل أن هناك حقول ألغام تاريخية يمكن أن تنفجر في أي لحظة إذا ما تم الاقتراب منها، فبعض مفاصل التاريخ بما فيها تاريخ الخلفاء الراشدين الأربعة وما بعدهم، يظل مسألة احتكاك مستمرة يريد البعض تغذية نيرانها باستمرار.
وينسى هؤلاء أن الخليفة الثاني عمر بن الخطاب (الفاروق) كان يردد: لولا علي لهلك عمر، لاسيما استشاراته في كثير من القضايا القضائية وما يتعلق بالحُكم والسياسة ودلالاتهما وأبعادهما في ظرف ملموس. ولعل تأييد الإمام علي الخليفة عمر لم يكن بمعزل عن شعوره بالقربى الفكرية، ولا سيما في الموقف من العدالة وتجلياتها على صعيد الدولة الإسلامية الناشئة والمجتمع الجديد، ووفقاً لكتاب الله '' القرآن الكريم'' وسنّة رسوله. كما أن ضعف الثقافة المدنية الحقوقية، ولا سيما ثقافة الاختلاف وحق الرأي والرأي الآخر، وعدم قبول التعددية والتنوّع، أسهم في تكريس الطائفية السياسية.
لقد نشأت المذاهب الفقهية الإسلامية متقاربة، وانتقلت بعض الأحكام من هذا المذهب إلى ذاك، تبعاً للظروف من جهة، ومن جهة أخرى للتأثيرات التي ربما تقع عليها، فقد كان الفقيه والعالم الكبير أبو حنيفة النعمان تلميذاً نجيباً للفقيه الضليع الإمام جعفر الصادق، وهما قطبان لمذهبين أساسيين في العالم الإسلامي، المذهب الحنفي (السني) والمذهب الجعفري (الشيعي الإثني عشري) حيث يشكل الأول أغلبية ساحقة، في حين يشكل الثاني أقلية متميزة، لا سيما في بعض البلدان التي يكون فيها أكثرية، أما المذهبان الشافعي والمالكي فلهما حضور في شمال إفريقيا وبلدان أخرى، في حين أن المذهب الحنبلي هو خامس هذه المذاهب الأساسية.
وإذا كان الاصطفاف عقلياً واجتهادياً، فإن العلاقة التي ينبغي أن تسود بين المذاهب والطوائف ينبغي أن تكون هي الأخرى عقلية وسلمية وعلى أساس المشترك الإنساني والوطني والعروبي والإسلامي، وليس وفقاً لمصالح سياسية أنانية ضيقة، تريد دفع الأمور باتجاه الافتراق الذي لا عودة فيه ولا إمكانية لإعادة لحمته، ولعل بعض أمراء الطوائف سيكونون هم المستفيدين من هذا الانقسام والتناحر، طالما يؤمن لهم زعاماتهم وامتيازاتهم، وحتى تفاهماتهم مع أمراء الطوائف في الأطراف الأخرى.
بين الطائفية والمواطنة فرق كبير وشاسع، والمواطنة ليست طائفية حتى وإن انتمى المواطن إلى طائفة، إلا أن الأساس الذي يربطه بالمواطن الآخر هو الوطن والمواطنة والحقوق المتساوية، المتكافئة، والمشترك الإنساني في إطار سيادة القانون، وإذا ما أقرّ الجميع ذلك وفق دستور ينظم علاقة المواطن بالدولة، فالأمر يقتضي أن تكون هي المرجعية وليس غيرها، وهو ما يتطلب التصدي لمرتكبي الطائفية، طبقاً لقانون يحظرها ويعاقب من يدعو أو يروّج أو يتستر عليها، أو يتهاون في مكافحتها أو يخفي معلومات عنها وذلك بهدف تعزيز المواطنة وتعميق أواصر اللحمة الوطنية والوحدة الكيانية للمجتمع والدولة. وإذا ما اقترنت الطائفية والتمذهب بأفعال وأنشطة من شأنها أن تؤدي إلى انقسام في المجتمع ونشر الفوضى والاضطراب، واستخدام العنف والقوة والتمرد، وقد تقود إلى حرب أهلية، فإن ذلك يرتقي إلى مصاف جرائم أمن الدولة الكبرى، بما فيها جرائم الإرهاب، وربما تصل إلى جرائم الخيانة العظمى إذا ما ترافقت مع تحريضات لجهات خارجية وفقاً لأجندات أجنبية، خصوصاً في ظل استفزاز المشاعر الخاصة، ودفعها باتجاه عدواني ضد الآخر، الأمر الذي قد يصل إلى ما لا يُحمد عقباه!!
وإذا كان الانتساب إلى الطائفة أمرا طبيعيا، مثل الانتساب إلى الدين, وهي فرع منه، أو الانتساب إلى الوطن، أو الأمة، لا سيما أن الإنسان غير مخيّر فيها، فقد يولد الإنسان مسلماً أو مسيحياً، أو عربياً أو غير عربي، ومن منطقة معينة ومن طائفة معينة حسب الآباء والأجداد، في لبنان أو المغرب أو الصومال أو السعودية أو العراق، ولم يسأله أحد عن رغبته وقد لا يجوز له تغيير ذلك لو أراد بحكم قيود وضوابط ربما تؤدي إلى هلاكه، لا سيما في ظل النزعات المتطرفة والمتعصبة السائدة، لكن التمترس وراء طائفته ومذهبه ضد الآخر، وبهدف الحصول على امتيازات، فهذا شيء آخر، خصوصاً إذا كان على حساب المواطنة والمساواة، بما يؤدي إلى التمييز لأسباب طائفية، الأمر يلحق ضرراً بحقوق الطائفة ذاتها وأفرادها مثلما يلحق ضررا بحقوق الطوائف الأخرى، وبالوطن والأمة ككل، جماعات وأفراداً وبقضية حقوق الإنسان ككل. ولتعزيز قيم المساواة والمواطنة وتطويق الطائفية سياسياً واجتماعياً بعد تحريمها قانونياً، ينبغي حظر العمل والنشاط السياسي، وتحت أي واجهات حزبية أو اجتماعية أو مهنية أو نقابية أو ما شابه ذلك، إذا كانت تسعى إلى نشر الطائفية أو المذهبية (التمييز الطائفي أو المذهبي)، بصورة علنية أو مستترة، خصوصاً بحصر الانتساب إلى ذلك الحزب أو المنظمة أو الجمعية أو تلك، بفئة معينة، بادعاء تمثيلها أو النطق باسمها أو التعبير عنها. كما لا بدّ من منع استغلال المناسبات الدينية للترويج للطائفية أو المذهبية، بغية إثارة النعرات والعنعنات بين الطوائف وإضعاف مبادئ الوحدة الوطنية والهوية الجامعة المانعة، التي أساسها الوطن والإنسان، ويقتضي ذلك أيضاً منع استخدام الطقوس والشعائر والرموز الدينية بما يسيء إلى الطوائف الأخرى، خصوصاً من خلال الإعلام المكتوب والمسموع والمرئي والإلكتروني، الأمر الذي يتطلب على نحو مُلح إبعاد الجيش والمؤسسات الأمنية ومرافق الدولة العامة عن أي انحيازات أو تخندقات طائفية بشكل خاص وسياسية بشكل عام. وإذا أردنا وضع اليد على الجرح فلا بدّ من حظر استخدام الفتاوى الدينية لأغراض سياسية، لا سيما انخراط رجال الدين فيها، خصوصاً إذا كانت تتعلق بالشأن العام السياسي، وهذا الأمر ينطبق أيضا على الجامعات والمراكز المهنية والاجتماعية والدينية والأندية الرياضية والأدبية والثقافية، التي ينبغي أن تكون بعيدة عن أي اصطفافات طائفية أو مذهبية. وإذا كان الهدف من إجراء انتخابات هو اختيار المحكومين للحاكم وحقهم في استبداله، فإن معيار الاختيار ينبغي أن يكون الكفاءة والإخلاص والمصلحة العامة، وليس الانتماء الطائفي أو المصالح الفئوية الضيقة، لأن ذلك سيؤدي إلى تعطيل التنمية ويضع الكوابح أمام تطور الدولة والمجتمع، ويبدد طاقات وكفاءات بسبب التمييز المذهبي والولاء الطائفي، وهو ما ينبغي أن يؤخذ في الاعتبار في قوانين الانتخابات والتمثيل البرلماني وغيره، بما يعزز روح المواطنة والهوية الجامعة. إن بناء دولة مدنية دستورية عصرية واحترام حقوق المواطنة كاملة، يقتضي وضع حد للطائفية السياسية تمهيداً لتحريمها ومعاقبة القائمين عليها أو الداعين لها أو المتسترين عليها، وهي الطريق الأمثل للوحدة الوطنية والهوية الجامعة - المانعة وحسب زياد الرحباني '' يا زمان الطائفية.. خليّ إيدك على الهوية''!


428
المنبر الحر / حكاية تعذيب!
« في: 17:59 01/06/2010  »
حكاية تعذيب!

عبدالحسين شعبان
2010-05-31
تلقيت باهتمام كبير دعوة الصديق إبراهيم الحريري (الصحافي في جريدة طريق الشعب الشيوعية) إلى اجتماع عاجل ضد التعذيب في العراق، يضم مثقفين وأكاديميين وناشطين وممثلين عن الرأي العام، وهي القضية التي تجد هوى في نفسي وعملت عليها لسنوات طويلة، وشعرت وأنا أستعيد علاقتي «المعتقة» مع الحريري وحواراتنا المستمرة بعد قصته القصيرة «يارا» التي نشرها في أواسط الثمانينيات، وكأنه يوجه كلامه إليّ أو أنني من بين الذين يقصدهم، وأقدّر مثله أن الكلام عن التعذيب سيستفز البعض، وقد يعترض عليه آخرون على حد تعبيره، لكنني سأكون مثله أيضا، وكما فعلت طيلة حياتي، ومثلما يعرف الحريري واختبرته لسنوات طويلة، وبعيدا عن الوعد والوعيد، والإغراء والإقصاء، سأكون «نذلا، متواطئا، خائنا لضميري، لكل مبادئي، ولكل ما تعلمته وكرست حياتي من أجله، لو سكتّ».
لعل ذلك بداية الحكاية، فالحريري يعلم وغيره من الضحايا أيام النظام السابق، كم كتبت وكم حاضرت وكم دافعت في المحافل الدولية والعربية عن الضحايا بغض النظر عن انتماءاتهم وتوجهاتهم وقومياتهم وأديانهم وطوائفهم ولغاتهم وأجناسهم وانحدارهم الاجتماعي، فالضحية بالنسبة لي هو الضحية، بغض النظر عن الاختلاف بكل أنواعه، ولا يمكن تحت أي مسوّغ أو أي حجة تبرير التعذيب، سواء كان عملا فرديا متفرقا أو منظما ومنهجيا، وهو ما ينبغي كشفه بعيدا عن السياسة والسياسيين وأغراضهم الخاصة، القريبة أو البعيدة!
وأتذكر أنني عندما اقترحت على القيادة الكردية في عام 2000 إنشاء وزارة لحقوق الإنسان في كردستان، وقلت في جملة ما قلته إن حساسية الضحايا ينبغي أن تكون أكبر إزاء الانتهاكات، لاسيما إزاء التعذيب، وعندما طلبت مني القيادة الكردية مساعدتها لإخراج الفكرة إلى حيز التنفيذ، قمت بإعداد هيكلية الوزارة وأقسامها ومديرياتها ووضعت أهدافها ووسائل تحقيقها، فضلا عن نشر ثقافة حقوق الإنسان، وكنت قد أوليت اهتماما كبيرا لموضوع التعذيب، وهو ما ألمحت له في الكثير من المحاضرات التي ألقيتها على طلبة الدراسات العليا في جامعة صلاح الدين أو في غيرها، إضافة إلى مؤسسات المجتمع المدني، وعلى امتداد الوطن العربي والعالم.
وإذ أستذكر هذه المسألة الحساسة، فإن عددا من الذين يتصدرون الواجهات اليوم، كانوا قد تعرضوا للتعذيب أيضا، الأمر الذي ينبغي أن تكون حساسيته لديهم شديدة وموقفهم منه حاسما وجريئا، والمساءلات بخصوصه صارمة ولا تقبل التهاون، إلا إذا أرادوا أن يقلدوا الجلادين، وهكذا ينقلب الضحية إلى جلاد باستعارة أخلاقه، لاسيما محاولات إذلال الخصم وإجباره على التخلي عن معتقداته.
وأنا أكتب هذه المادة أستعيد حواراً كان قد جرى بين القائد الشيوعي الجزائري بشير الحاج علي وأحد الشباب الذين كانوا معه في «حفلة» التعذيب، وهو ما يرويه في كتابه «العسف» الذي قرأته قبل أربعة عقود من الزمان، فالشاب بحماسته وردود فعله وبين جلسة وأخرى، وبعد صحوته من المغطس أو استفاقته من غيبوبة يقول: إذا وصلنا إلى السلطة سأقوم بتعذيب الجلادين بالطريقة نفسها التي يعذبوننا بها، وهنا يبادر بشير الحاج علي بالقول: ستكون مهمتنا المشرفة هي القضاء على التعذيب وليس ممارسته ضد خصومنا، ولا بد من إنهاء هذه الظاهرة المشينة، ولعل في ذلك استعادة إنسانية الإنسان وكرامته، فكرامة الإنسان وحريته هي أغلى ما في الوجود الإنساني.
كنت أتجاذب أطراف الحديث مع الصديق البروفيسور الجزائري عروس الزبير، وأنا أروي له هذه الواقعة وما يشابهها حين كنا في الأنصار، وإذا بصديق يقول ملطفاً المسألة: لا نريد أن «نعذبهم»، بل نجلبهم ليحلوا مكاننا في ذلك الجبل الشهير الشديد الوعورة الذي اسمه قنديل وفي بشتاشان المهجورة وغيرها، وفي ذلك الوادي القريب من نوكان، حيث تتناثر بعض القرى النائية على السفوح. وكم كانت مثل تلك الأطروحات تثير نقاشا شديدا، فما كان من الصديق الزبير إلا أن ينقل لي حكاية عن إحدى النساء الناشطات وهي أستاذة في طب العمل وعضوة في اللجنة الوطنية لمناهضة التعذيب العام 1988، التي كان هو عضوا فيها، حين قالت بعد اعتقال مجموعات من الإسلاميين عام 1989: دعهم يفعلوا بهم مثلما يفعل الرجال بالنساء، وذلك في موجة حقد كيدية انتقاما وثأرا واستئصالا، فما كان من الزبير إلا أن قدم استقالته، لأن من يدافع عن التعذيب مهما كانت المبررات لا يستحق أن يكون عضواً في لجنة مناهضة التعذيب.
استذكرت عدداً من السجون المعروفة في تازمامات في المغرب والجفر في الأردن والمزة في سورية وأبوزعبل في مصر وسجن نقرة السلمان وسجن بعقوبة وسجن الحلة والموقف العام وقصر النهاية ومديرية الأمن العامة وأبوغريب في العراق، ناهيكم عن السجون السرية في الجادرية ومطار المثنى وغيرها، كيف كانت تحطم معنويات مفكرين وأكاديميين ومثقفين ومناضلين، وتنتزع عقائدهم وكراماتهم، كما أستذكر اليوم سجون غوانتنامو والسجون السرية الطائرة والسجون السرية العائمة لاسيما بعد أحداث 11 سبتمبر الإرهابية الإجرامية، ولذلك لا بد أن تكون اتفاقية مناهضة التعذيب التي صدرت عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في ديسمبر 1984 حاضرة دائما، خصوصا وهي تتحدث عن التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو غير الإنسانية أو المهينة.
وحتى مطلع العام 2010 صادقت على الاتفاقية 146 دولة، وقد دخلت حيز النفاذ يوم 26 يونيو 1987. وتدعو هذه الاتفاقية الدول الأطراف إلى اتخاذ تدابير تشريعية وإدارية وقضائية فعالة لحظر التعذيب وجعله جريمة معاقب عليها، ولعل جريمة التعذيب لا تسقط بالتقادم، أما التعريف القانوني للتعذيب فهو «أي عمل يسبب ألما أو عذابا شديدا جسديا أم عقليا، يلحق عمدا بشخص ما قصد الحصول منه أو من طرف ثالث على اعترافات أو معلومات أو معاقبة الشخص لعمل دفع لارتكابه، أو اتهم بارتكابه، أو ارتكبه طرف ثالث، بالإضافة إلى إكراهه أو تهديده هو أو شخص ثالث، أو لأي سبب مبني على التمييز من أي نوع» (المادة الأولى من الاتفاقية).
ولا يمكن تبرير التعذيب بظروف استثنائية أو حالة الحرب أو التهديد بها أو عدم استقرار الأوضاع السياسية أو حالات الطوارئ أو الإرهاب أو غيرها، وقد ذهبت اتفاقية مناهضة التعذيب إلى تأسيس «لجنة دولية» تتكون من 10 خبراء، وتتمتع بصلاحيات واختصاصات دراسة التقارير المقدمة إليها من الدول والأفراد بشأن التعذيب.
وحتى 31 مايو 2009، أعلنت 67 دولة إقرارها بقبول اختصاص اللجنة وصلاحيتها لذلك. وتتمتع اللجنة بالسلطة للقيام بأعمال تقصٍ سري بالتعاون مع الدولة المعنية في الحالات التي يدعى فيها وجود تعذيب منهجي، وتنقل نتائج التقصي إلى الدولة الطرف المعنية.
وفي عام 2002، تم تبني بروتوكول اختياري ملحق باتفاقية مناهضة التعذيب، ودخل حيز النفاذ في 22 يونيو 2006، ويؤسس هذا البروتوكول آليات للرقابة الدولية من أجل التطبيق الفعال للاتفاقية، ويقرر إيجاد جهاز دولي من الخبراء يمكنهم القيام بزيارات إلى أماكن التوقيف والاعتقال ومراقبة تطبيق الدول الأطراف للاتفاقية، كما يوفر تأسيس آلية وطنية بواسطة الدولة.
أما آن الأوان ليشمر بعض المثقفين عن سواعدهم لوضع حكاية التعذيب في المكان الذي تستحقه، لا في الذاكرة فحسب، بل كقضية راهنة مستمرة بما ينسجم مع القواعد والمعايير الدولية، فضلا عن انسجامه مع الشرائع الوضعية والسماوية التي تحرم التعذيب، حيث لا تسقط جريمته مهما تقادم الزمن!
إنها مجرد فكرة أو خاطرة هبطت علي بعد قراءة مقالة إبراهيم الحريري النازفة ودعوته الحارقة: كفى صمتا والسكوت يعني التواطؤ!



429
ضوء على تدريس حقوق الانسان في العراق*
                                                                                             عبد الحسين شعبان

تسنّى لي للعام الدراسي 1999-2000 أن ألقي محاضرات على طلبة الدراسات العليا في جامعة صلاح الدين (أربيل- العراق) بعنوان " مدخل الى القانون الدولي الانساني وحقوق الانسان"، وقد طبعت "الملازم" التي قدمتها للطلبة في كتاب، بالعنوان ذاته، ثم عدتُ وطورتها لأطبعها في كتاب بعنوان " الإنسان هو الأصل" الذي صدر عن مركز القاهرة لدراسات حقوق الانسان، في العام 2001.
يومذاك لم تكن قضية حقوق الانسان قد أخذت طريقها الى الجامعات الأساسية في العراق، لاسيما العاصمة بغداد، بسبب النظام التوتاليتاري الشديد الصرامة، خصوصاً في ظل القيود الكبيرة المفروضة على حرية التعبير والحريات الاكاديمية بشكل خاص والحريات العامة بشكل عام. وإذا كان ثمت حديث عن حقوق الانسان، فإنه بلا أدنى شك لا يتعلق بالأوضاع الداخلية لأن عقوبات غليظة تنتظر من يغامر بمثل هذا الحديث تصريحاً أو حتى تلميحاً. وكل ما كان يتعلق بحقوق الانسان فإنه يخص الخارج، التي يحركّها الاعداء والخصوم.
أما في كردستان فرغم خروجها على السلطة المركزية منذ أواخر العام 1991، فلم تكن جامعاتها قد اكتسبت هذه الخبرة بعد في ظل أوضاع قلقة ومخاوف كثيرة وبيئة غير مهيأة، لاسيما في ظل اندلاع القتال الكردي – الكردي (1994-1998)، لكن بعض الارهاصات الاولى قد بدأت، وبعض اللبنات المهمة قد تم بناؤها، وبخاصة عند تأسيس وزارة باسم حقوق الانسان في أربيل العام 2000 التي كان لي الشرف في اقتراح المشروع على القيادة الكردية التي طلبت
ـــــــــــــــــــ
* بحث ألقاه الكاتب في حلقة دراسية أقامتها جامعة السيدة اللويزة في بيروت ، يوم 21 أيار (مايو) 2010.
مني كتابة أهدافها ووضع تراكيب لهيكلياتها ومديرياتها ووسائل تحقيقها، وغير ذلك من الجوانب الحقوقية والقانونية والفكرية والادارية، الأمر الذي ساهم في الارتقاء بوضعية حقوق الانسان بوضعها في منزلة رفيعة، كاعتراف رسمي على أقل تقدير، حتى وإن استمرت الانتهاكات.
بعد سقوط النظام السابق، ورغم وجود الاحتلال، فإن التوجه للحديث عن حقوق الانسان أصبح ملازماً للحديث عن التغيير والعراق الجديد، سواءً بما ينطبق عليه أو لا ينطبق، لكن موجة حقوق الانسان كانت قد وصلت الى العراق، وأخذ رصيدها بالارتفاع ورنينها يملأ الأسماع، لدرجة أن الكثير من الذين كانوا بعيدين كل البعد عنها أصبحوا ينظرون اليها بشيء من الاعجاب، حقاً أو باطلاً، مجاراة لموجة أو لتوجّه أو ايماناً أو أمراً واقعاً، خصوصاً وأن فكرة حقوق الانسان أصبحت عنواناً لعدد من الفاعليات والأنشطة، شملت حتى رؤوساء العشائر وأنشطة دينية ومذهبية.
بدأت أول محاضرة لي بعد احتفال تكريمي بمناسبة عودتي الى العراق في الجامعة المستنصرية في بغداد عن حقوق الانسان، وكان عنوان محاضرتي هو "ثقافة حقوق الانسان" وذلك لعدة أسباب، السبب الأول أن موضوع حقوق الانسان هو موضوع راهني، وأصبح مطروحاً على بساط البحث، لاسيما وأن هناك تجاذبات كثيرة حوله، داخلياً وخارجياً، ناهيكم عن أن زاوية النظر بشأنه تتراوح حدتها بالايمان المطلق أو الاتهام بالتخوين أو التحريم باعتبارها بدعة وضلالاً!.
والسبب الثاني هناك التباساً نظرياً وعملياً بشأنه، وبخاصة في مواقف الجماعات والتيارات الفكرية والسياسية والقومية المختلفة، لكن بعض هذه الجماعات بدأ بتشكيل جمعيات ومنظمات أو فروع لحقوق الانسان.
والسبب الثالث إن اشكالية المواطنة بدأت تحفر في أساسات الهوية والدولة، الأمر الذي يجعل من الواجب إدارة حوار فكري ومعرفي حولها، طالما وأنه يدخل في صلب الاشكاليات والمشكلات التي تواجه العراق بفرقه وجماعاته، بفسيفسائه وموزائيكه الاثني والديني واللغوي والسلالي وغير ذلك، ناهيكم عن علاقة ذلك بالجنسية العراقية وازدواجيتها.
والسبب الرابع علاقة حقوق الانسان بمبدأ المساواة والحقوق الاساسية وبالأخص حق التعبير وحق الاعتقاد وحق تأسيس الأحزاب والمنظمات السياسية والمهنية، وحق المشاركة، وإدارة الشؤون العامة دون تمييز، وهو ما يضع تحديات جديدة أمام التطور اللاحق للعراق.
وكان عنوان محاضرتي الثانية هي عن الدستور: الحريات والحقوق، لاسيما بإلقاء نظرة حول الدساتير العراقية السابقة منذ العام 1925(القانون الاساسي) والدساتير المؤقتة: دستور ثورة 14 تموز 1958 ودستور العام 1963 ودستور العام 1964 ودستور العام 1968 ودستور العام 1970 وهو الدستور المؤقت الذي استمر نحو 33 عاماً مثلما استمر الدستور الاول (القانون الاساسي 1925) الفترة ذاتها وكنت أقصد من ذلك هو تهيئة أجواء مناسبة للحوار ولعرض قضية حقوق الانسان باعتبارها مسألة ذات سمة علوية وتشكل قاعدة آمرة من قواعد القانون الدولي Jus Cogens وعلى أية حكومة جديدة تتشكل وأي دستور جديد أن يأخذ بها وكنت قد تلمست مدى النقص وشحّ المعرفة في هذا الميدان.
وخلال لقاءاتي المتكررة ركّزت على البيئة التشريعية، لاسيما القواعد الدستورية والقانونية، إضافة الى دور القضاء، لاسيما إذا كان مستقلاً ونزيهاً ومهنياً والبيئة التربوية ( التعليم بمراحله المختلفة) والبيئة الاعلامية وبيئة المجتمع المدني، لاسيما المنظمات والجمعيات والاتحادات والنقابات ومدى تأثيرها على الفاعلين السياسيين، خصوصاً في ظل بوادر عنف وتفجيرات وتداخلات مع الارهاب الدولي ومحاولات لاملاء الارادة وفرض الوصاية باسم الدين أو الطائفة أو العشيرة أو غيرها.
وأود هنا أن اشير الى أن أي تحول ديمقراطي ودستوري، لا بدّ أن يتمثل في بيئة مناسبة لنشر الثقافة الديمقراطية، بحيث تؤثر الاخيرة على سلوك وعلاقات الأفراد والهيئات، لاسيما بعضهم ببعض وعلاقاتهم بالسلطة الحاكمة من جهة أخرى، والديمقراطية ليست فقط نظام حكم، وإنما هي أيضاً نمط من العلاقات الانسانية ونهج في ممارسة السلطة. ولعل ذلك كان مقاربة قدمها الصديق الدكتور عصام سليمان رئيس المجلس الدستوري اللبناني عن تدريس حقوق الانسان والثقافة الديمقراطية.
وهنا أود أن أشير الى أن الديمقراطية لا يمكن أن تختزل باجراء انتخابات دورية حسب، وإن كانت الانتخابات أحد مظاهرها، لكن لا بدّ أن تستند الى سيادة القانون وفصل السلطات ومبادئ المساواة وعدم التمييز وتداولية السلطة سلمياً وحقوق وحريات عامة وخاصة،  فضلاً عن الشفافية والمساءلة وغيرها.
وبقدر تجذّر الديمقراطية نظام قيمي يحدد ويحكم تصرفات الأفراد، وبالأخص خياراتهم السياسية ومواقفهم مع من يحكمون، يكون هذا النظام قد استطاع ترسيخ الثقافة الديمقراطية وإعطائها بُعداً حياتياً وسلوكياً وحضارياً.
إن مشكلة وإشكالية الديمقراطية لا تكمن في طبيعة النظام السياسي حسب وواقع مؤسسات الدولة ونهج ممارسة السلطة، بل في أنماط العلاقات المجتمعية والسياسية، التي ما تزال تتحكم بها العصبيات، مثلما هي الطائفية والمذهبية والاثنية والعشائرية والجهوية وغيرها، لاسيما التي تحول دون الاندماج المجتمعي ودون التحول الديمقراطي، حيث تشكل تلك التحديات كوابحاً له إذ أن أي تحول ديمقراطي يتطلب ذوبان الفرد مع إطار الجماعة مع احتفاظه بفردانيته.
بودي أن اشير الى أن الديمقراطية كمفاهيم وحقوق وقوانين ومؤسسات وتطبيقات بحاجة الى ضوابط لمنع تغوّل السلطة السياسية ضد الفرد والمجتمع وضمانات ضد العسف السياسي. ولعل الشرط الاول لتحقيق التحول الديمقراطي هو وعي المواطن لذاته ومشاركته في الحياة السياسية في إطار خياره الحر ومراقبته من يمارس السلطة وفقاً للمساءلة والمحاسبة، اللتان هما الاساسان للحكم الصالح، الامر الذي يتطلب " التحرر من العصبيات  التي تحول دون عقلنة العلاقات المجتمعية ..." والمقصود هنا المجتمع والدولة.
أما كيف يمكن التحرر من العصبيات؟ فتلك عملية معقدة تتطلب" نشر ثقافة الديمقراطية وحقوق الانسان" أي إحلال الديمقراطية وقيمها مثل: الحق في الحرية والحق في المساواة والحق في العدالة والحق في المشاركة، محل العلاقات العصبية الموروثة، ولعل في ذلك تعبير حقيقي عن مواطنة عضوية وفاعلة وهذا يتم من خلال وعي الذات وتطور الفرد كمواطن له حقوق وعليه واجبات بغض النظر عن إنتمائه الديني أو القومي أو العرقي أو العائلي أو أي انتماء آخر، ويمكن الإضافة هنا أو اللغوي أو الجنسي، لاسيما في ظل توفّر بيئة مناسبة وتربة صالحة.
إن تنشئة المواطنين وتعزيز مداركهم ووعيهم لحقوقهم ومعرفتهم بالوسائل اللازمة للاعتراف بهذه الحقوق، التي تتحول إذا ما اقتنعوا بها وأبدوا استعدادهم للدفاع عنها الى قوة مادية، خصوصاً إذا اغتنت بالمعرفة سيوفر الشروط التي تمكنّه من التمتع بها، ولعل تدريس حقوق الانسان يأتي هنا وسيلة أساسية من الوسائل التي يتطلبها نشر ثقافة الديمقراطية وحقوق الانسان.
يمكن القول أن المعرفة هي أساس الثقافة، ولعل المعرفة هي " قوة" حسب الفيلسوف البريطاني فرانسيس بيكون وقصد بذلك " سلطة " فسلطة المعرفة وقوة الثقافة تتجلّيان بمدى التقدم لفرض تأثيرهما في إطار ضمانات دستورية وقانونية وذات بعد دولي، ومدى فاعليتهما وانعكساتهما على الحقوق والحريات، والممارسة تشكّل هنا عنصراً أساسياً في تعميق الثقافة ونشرها من خلال المشاركة وإدماج أنشطة المجتمع المدني والاحزاب والقوى السياسية وفقاً لمبادئ وقواعد الديمقراطية وفي إطار آليات، مثلما هو معمول به في الانظمة الديمقراطية.
إن الممارسة الصحيحة تؤدي الى تطوير ثقافة الديمقراطية وترسّخ قيمها في المجتمع، خصوصاً إذا ما تحولت الى سلوك يومي مجتمعي في الحكم وخارجه، ومن خلال الدور الذي يلعبه المواطن عبر اختياره الحر في انتخابات دورية ومن خلال المراقبة والمساءلة والمحاسبة، وفي ظل حكم القانون.
إن كل يندرج أيضاً في إطار العلاقة الجدلية بين تدريس مادة حقوق الانسان وبين المجتمع المدني والحركة السياسية وفي داخلها من علاقات تنظيمية وادارية وتراتبية؟
منذ أكثر من 50 عاماً درّست بعض كليات الحقوق والعلوم السياسية مادة حقوق الانسان من خلال مادة الحريات العامة أو بصورة أدق وردت إشارات عنها، ثم تطوّر الأمر من خلال تخصيص مواد تعنى بحقوق الانسان ومنظوماته، وإذا كان لي إجراء بعض المقارنات فإن لبنان كبلد متقدم بهذا المجال، وقد يعود الى تكوين لبنان المجتمعي وموقعه الجغرافي الشرق متوسطي وطبيعته الجبلية، حيث كان ممراً عبر التاريخ لشعوب عديدة ومكاناً احتمت فيه الكثير من الجماعات هرباً من الاضطهاد السياسي أو الديني أو غير ذلك، فضلاً عن أجواء حرية التعبير التي كانت واحداً من معالم لبنان المعاصر..
ولعل التكوين المتنوّع للشعب اللبناني وخصوصيات الطوائف كان قد انعكس على دستوره وحقوقه منذ اعلان دولة لبنان الكبير عام 1920 وكذلك عبر الدستور اللبناني لعام 1926، الذي إعترف بمبدأ المساواة بين المواطنين وبالحقوق السياسية والمدنية والحقوق الشخصية وحرية الاعتقاد واحترام جميع الاديان وضمان حرية إقامة الشعائر الدينية. ونص الدستور على حرية التعليم وحرية التعبير وحرية تأليف الجمعيات والحق في الملكية وحق تولي الوظائف العامة دون تمييز.
ويمكن القول ان الدستور اللبناني خطى خطوات كبيرة في مجال الاعتراف بحقوق الانسان والحريات العامة، وذلك بعد العام 1990، أي بعد إتفاق الطائف، الذي تم بموجبه تعديل الدستور، ولعل هذا الدستور لا يمكن تحقيقه وتطويره باتجاه تجاوز الحالة الطائفية والمذهبية وترسيخ الوحدة الوطنية على أساس حقوق الانسان والمواطنة، الاّ من خلال العملية الديمقراطية، ولعل ذلك يستوجب تحديد الآليات المطلوبة في الظرف اللبناني الملموس، خصوصاً بانشطار الحركة السياسية بين موالاة ومعارضة.
وإذا كانت بعض الاشارات الى حقوق الانسان في الجامعات العراقية تأتي عبر مادة الحريات العامة في البرامج الجامعية أو في القانون الدستوري منذ نهاية الاربعينات إقتفاء بأثر بعض الجامعات الغربية، فإنها ظلت محدودة، أما التطور المهم فقد حصل في مناهج وبرامج حقوق الانسان وفي القانون الدولي الانساني بعد العام 2003، لاسيما وأن قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية لعام 2004 وبعده الدستور العراقي الدائم (النافذ) لعام 2005 أوردا فقرات خاصة تتعلق بمبدأ المساواة والمواطنة واحترام حقوق الانسان، وهي مواد وفقرات إيجابية وذلك مقارنة مع الدساتير السابقة جميعها.
ورغم وجود بعض الكوابح أمام هذه النصوص، لاسيما ما يوازيها بربط عدم تعارض التشريعات والقوانين مع مبادئ الاسلام، الأمر الذي قد يؤدي الى تعطيلها، أو افراغها من محتواها، خصوصاً إذا ما أدركنا أن هناك تأويلات وتفسيرات مختلفة لهذه النصوص، وهو موضوع معقد لا يمكن الاقتراب منه دون حساسية، لاسيما في ظل طغيان موجة التكفير والتحريم والتأثيم، ناهيكم عن وجود ألغام خطيرة أخرى في الدستور قد تنفجر في أية لحظة، ولعل المجال لا يسمح هنا للحديث عنها.
ومن المفارقات الطريفة أن تعتمد مادة حقوق الانسان في برامج الجامعات العراقية بعد الاحتلال، ولكنها مفارقة تستحق التوقف عندها رغم الانتهاكات السافرة والصارخة، وقد حصل خلال السنوات السبع ونيف الماضية عشرات من الطلبة في الدراسات العليا على مادة اساسية أو إضافية أو درسوا الماجستير أو الدكتوراه في أحد اختصاصات حقوق الانسان، وأخذ الحديث يكثر عن مراحل التعليم ما قبل الجامعي: الابتدائي والمتوسط والثانوي من خلال مادة التربية الوطنية.
إن النقص ما زال فادحاً في عدد المختصين والمدرسين والعاملين في ميدان  ثقافة حقوق الانسان، ولعل غالبيتهم ممن كانوا يدرّسون الثقافة القومية (أي فكر حزب البعث السابق) ثم تحولوا الى تدريس مادة حقوق الانسان، وقبل ذلك كان بعضهم يدرّس مادة المجتمع العربي، وهي مواد ثانوية لا توجد فيها كفاءات معينة، وغالباً ما يتم إنجاح الطلبة فيها دون عناء يذكر أو بجهد يُبذل.
وإذا كان دور مؤسسات المجتمع المدني جديداً، حيث كانت السلطة تبتلع المجتمع المدني وتحوّله الى واجهة لها، فإن هذا الدور قد تحول الى شكل جديد، لاسيما بعد سقوط النظام السابق. وإذا كان القديم انتهى ولكن الجديد لم يولد بعد، حسب غرامشي، فإن الحاجة تزداد الى بناء منظمات مهنية ومستقلة وفاعلة، بحيث تستطيع أن تلعب دورها في نشر ثقافة حقوق الانسان على صعيد الحقوق والواجبات، في التشريعات الدستورية والقوانين والأنظمة وفي جميع المرافق خصوصاً في نطاق التربية والتعليم، لاسيما لجهة مراجعة وتدقيق المناهج وتكييفها للانسجام مع المعايير الدولية لحقوق الانسان.
وللأسف الشديد ساهم الاحتلال وبول بريمر بالذات الحاكم المدني الامريكي للعراق في إفساد الكثير من المنظمات والمؤسسات الحقوقية، ناهيكم عن الحركة السياسية وتشجيع الارتزاق والاحتيال، وقد وزع خلال حكمه الذي دام نحو عام، 780 مليون دولار لمؤسسات المجتمع المدني، ولا نعلم أين ذهبت ولمن ذهبت وكيف صرفت هذه الأموال بدون أية مساءلة أو محاسبة!؟.
ورغم وجود الاحتلال  فإن مناخ "الحريات" رغم تعقيداته كان عاملاً مساعداً لتدريس مادة حقوق الانسان، لاسيما وأن الحديث عن التعددية الحزبية والتكوينات الايديولوجية والدينية أصبح واقعاً، وانتهت الاحادية الحزبية والسياسية، رغم أن الصراع اندلع واستمر، متخذاً طابعاً طائفياً واثنياً، الامر الذي يحتاج الى ظروف وأوضاع سلمية لتعزيز الحوار والجدل حول قضايا الحقوق والحريات وبخاصة حول مضمون ومحتوى حقوق الانسان .
أما في ميدان البحث العلمي لقضايا حقوق الانسان، فما زال رغم دعم الامم المتحدة وجهات دولية، شحيحاً وقاصراً وناقصاً، بل مشوّهاً في بعض الأحيان، وحتى من تتوسم فيهم القيام بهذا الواجب تراهم يفتقدون الى التأهيل النظري والخبرة العملية، وإذا كان هناك عدّة مئات من الجمعيات والمنظمات وعشرات الآلاف من الناشطين في ميدان حقوق الانسان، فإن الباحثين لا يتجاوزون بضعة عشرات ومن هم في كفاءة متوسطة قليلون جداً. وقد تلمست ذلك خلال عدد من المحاضرات التي ألقيتها في أربيل وبغداد وبيروت وعمان على عدد من أساتذة الجامعات العراقية في برامج تعاون دولية.
وأخيراً لا بد من دراسة أثر تدريس مادة حقوق الانسان على الحركة السياسية وذلك من خلال انتشار ثقافة حقوق الانسان وانعكاسها على أنماط العلاقات المجتمعية وعلى مؤسسات الحكم نفسها في النظرية والممارسة وهذا يحتاج الى تراكم وتدرّج طويل الأمد وإعادة النظر في المناهج والسياسات ولن يتم دون تأهيل وتدريب وخبرات لاسيما لجيل الشباب. وهنا يمكن وضع بعض التوصيات لما يعزز نشر ثقافة حقوق الانسان على مستوى العراق ككل وبخاصة لدى النخب الحاكمة وغير الحاكمة، الأمر الذي يتطلب اجراء عدد من الاصلاحات منها:
1-   التوسع في تدريس حقوق الانسان وتعميمها واعادة النظر في بعض البرامج واعتماد اساليب تربوية متطورة واعداد المدرّسين، لاسيما في جميع الجامعات والمعاهد العليا.
2-   اعتماد قانون للاحزاب السياسية يقوم على اساس انتخابات داخلية وعلى أساس مراقبة التطور الداخلي للحزب السياسي، فحتى الآن لا يوجد قانون لممارسة حق العمل السياسي والحزبي، ولا توجد ضوابط حول العضوية والتمويل والآليات الداخلية.
3-   تعديل الدستور وسد النواقص والثغرات الاساسية فيه، أو سن دستور جديد بعد أن وصلت العملية السياسية الى طريق مسدود، وذلك لمنع احتمالات الحرب الأهلية التي يلوّح البعض بها، وقطع الطريق على التطهير الطائفي والاثني، واعتماد قاعدة حقوق الانسان ذات السمة  العلوية معياراً اساسياً للتقييم، بحيث تكون عابرة للطوائف والاثنيات  والمذاهب والأديان.
4-   اعتماد قانون انتخابات جديد يضمن تكافؤ الفرص ومعالجة العيوب والمثالب التي تضمنها القانون القديم والتي تعطل العملية السياسية بعد كل انتخابات وتزيد من احتدام الوضع السياسي.
5-   اعتماد قانون جديد للجمعيات والنقابات بما يعزز طابع الحياة الديمقراطية ويجعل انشاء المنظمات حقاً من حقوق الانسان بمجرد الاخبار عنه.
وتبقى هذه التوصيات رغم اهميتها بحاجة الى آليات لتحقيقها، ولكن أولاًً وقبل كل شيء فهي بحاجة الى توافق وطني وتعايش سلمي بين المكونات المختلفة وظرف اقليمي ودولي يساعد في تحسين الاجواء للسير قدماً الى الامام لتحقيقها.
ولعل تلك التوصيات تتواءم مع التطور الدولي ومع المعايير الحضارية للدولة الدستورية العصرية، خصوصاً بتأكيد جوهرية هذه الحقوق للفرد والمجتمع وشمولها للحقوق المدنية والسياسية باعتبارها تمثل الجيل الاول لحقوق الانسان والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تمثل الجيل الثاني لحقوق الانسان، أما الجيل الثالث فيتعلق بالحق في التنمية والحق في السلام والحق في بيئة نظيفة والحق في الاستفادة من منجزات الثورة العلمية -التقنية.
وتصبح الديمقراطية والتنوّع الثقافي والانتخابات الحرة الدورية والتعددية جزءاً من الجيل الرابع لحقوق الانسان، ولا شك أن ذلك يتفاعل ويتداخل ما بين الحقوق الجماعية والفردية، والحقوق الخاصة والعامة في إطار منظومة الحقوق غير القابلة للتجزئة أو الانتقاص.
وبتقديري إن تدريس مادة حقوق الانسان في العراق أو في عدد من البلدان العربية الاخرى استناداً الى تلك التوصيات، يمكن أن تشكل مدخلاً مهماً للاصلاح المنشود عبر التطور الداخلي السلمي التراكمي الطويل الامد، وعلى أساس التطامن والتضامن الاجتماعي وتطوير العلاقات السياسية في الحكم وفي معارضاته على أساس الديمقراطية واحترام حقوق الانسان.












430
صوت وصدى عبد الحسين شعبان

شبكة الوليد للإعلام – خاص :
     في كتابه الجديد «الصوت والصدى» يتنقل المفكر والباحث العراقي الدكتور عبد الحسين شعبان بين محطات عديدة، منها المكانية حيث عاش في هذه المدينة، ومضى يشب في تلك، وفي مكان آخر قضى ردحاً من الزمن طالباً أو سياسياً مطارداً أو منفياً، والترحال بين الأزمنة لا يختلف عنه في الأمكنة، وبين هذا وذاك يتعاشق السياسي والثقافي في مزاوجة لا فصل بينهما. وفي هذين العالمين، يفتش شعبان عن نقاط معتمة فيسلط الضوء عليها وفق رؤية خاصة، فإذا ما وقف أمام زاوية يحتدم فيها الصراع السياسي والفكري، لا يتردد في إعلان انحيازه التام للوطن والأرض والناس.
في صفحات «الصوت والصدى» الأربعمائة، يتعرف القارئ على مراحل عديدة من حياة الدكتور عبد الحسين شعبان، وفي تقديمه المتميز للكتاب يقول الدكتور كاظم الموسوي: «لقد ارتضى الصديق شعبان تدريجياً بصفة المفكر أو الكاتب، ولعله فضلها على غيرها من الصفات والألقاب السياسية وغير السياسية، والمناصب الإدارية وغيرها، لأنه اعتقد بيقينية أن تلك المناصب والمواقع ستكون طارئة ومؤقتة، أما صفة الفكر والكتابة والنقد لدى المثقف، فستكون هي الثابتة واللصيقة به مثل اسمه». ودون أدنى شك فإن رصد الأستاذ الموسوي لهذه المسألة يشير إلى مدى القراءة العلمية المتقدمة عند الدكتور شعبان، إذ أن ردع مغريات السلطة بتقديرنا لا يأتي إلا لمن أخذ على عاتقه العيش مع الآخر متحملاً معه مسؤولية الأحداث والوقائع كافاً الذات عن تطلعاته الأنوية، وهذا صراع نادراً ما تحسم نتائجه لصالح الغيرية، وإن حصل فهو نادراً ما يتواصل وسط موجات الإغراءات السلطوية اليومية.
    يقول الموسوي: «منذ نحو أربعة عقود تدفق شلال الكتابة لدى شعبان دون أن يتوقف، كتب وأبحاث ودراسات ومقالات ومحاضرات وندوات... كل ذلك في سعي حثيث للتعبير عن جوهر الموقف العضوي حسب انطونيو غرامشي، متماهياً مع الأهداف الإنسانية التي آمن بها، وقدم الغالي والنفيس في سبيلها، ولم يكن بمعزل عن نقد ذاتي ومراجعة، كان هو الأجدر في مبادرة تشخيصها وصياغتها بجرأة، إذ لم يتردد كما تقول المقابلات من جردة حساب مع النفس، ومساءلتها بروح رياضية عالية وبثقة كبيرة، لا سيما ثمة صميمية وصدق، حتى في تلك الهفوات والنواقص، التي قد تكون عابرة، لكنه لا يهملها أو يتغافل عنها»!
لعل انخراطه المبكر في عالم السياسة، وهو لم يزل يافعاً يوم حملة المتظاهرون في انتفاضة العام 1956، هاتفاً بسقوط حكومة نوري السعيد ومطالباً بالخروج من حلف بغداد والانتصار للشقيقة مصر، وحين اشتعلت ثورة تموز (يوليو) العام 1958م كان الفتى عبد الحسين شعبان في خضمها رغم يفاعته فكره يتقدم عمره، وتدرج في مسالك النضال فكان أحد أعضاء الحزب الشيوعي، منذ مطلع الستينات، فمعتقلاً، فمفصولاً من الدراسة، ثم مطارداً ومختفياً عن الأنظار، كل ذلك ولم يكن قد بلغ الثامنة عشرة من عمره، وما أن انتقل إلى الجامعة بعد إعادته إلى الدراسة حتى استلم القيادة الطلابية.
شبّ شعبان عن الطوق وتحرر فكره من كل التبعيات وبدأت قناعاته السابقة تتصدع تدريجياً، لم يكن ذلك الذي يتكلس في مكانه فهو متحرك في كل لحظاته، وهذا ما أدى به إلى نكران السائد والمألوف حتى من المبادئ التي اعتنقها هو ووجد أنه لا يستطيع ائتلاف الماركسية الساذجة والمسطحة التي قال عنها: «أنها ماركسية ذات مسحة بدوية ونكهة ريفية».
وازداد الأمر عمقاً كلما توغل في دراسة الفلسفة والانشغال بالفكر والقراءة النقدية، خصوصاً تمثلاته لوظيفة المثقف ذات البعد النقدي، والتي لم يكن المثقف مثقفاً دونها، ومن موقعه الفكري بدأت تضغط عليه إرهاصات جديدة تتعلق بالفكر والمفكر والممارسة، لا سيما بالدراسة والبحث، خصوصاً عندما اعتبر الماركسية كنظرية وضعية نقدية، من أبرز مدارس علم الاجتماع والفلسفة والاقتصاد، دون مغالاة باعتبارها الوحيدة والمطلقة.
عبد الحسين شعبان المناضل السياسي والمفاوض المعتمد في الميدان الطلابي والنقابي على السواء تعرض كغيره من المناضلين إلى المطاردة والملاحقة والاختفاء عن الأعين، واستعمل أكثر من وثيقة وهوية، سلك الدروب الوعرة بكل اتجهاتها، تارة للشمال وأخرى للجنوب، عرفته السجون وعانقته المنافي، من العراق إلى الكويت إلى سورية إلى براغ إلى بيروت إلى بغداد ومن ثم إلى المنفى الفردوس والزمهرير كما يردد نقلاً عن الشاعرين مظفر النواب والجواهري الكبير.
   يقول عنه الموسوي في مقدمة الكتاب: «المفكر عبد الحسين شعبان يتميز بنبرته الخاصة ولغة نثرية تخفي وراءها إرهاصات شاعر يحتفظ لنفسه ويسرب أحياناً مقطوعات من نصوص أو قصائد يرفض أن يسميها شعراً».
من النادر أن تجد مثقفاً وباحثاً سياسياً، يرضى بكل ما قاله الدكتور شعبان وتحدث به عبر مراحل زمانية ومكانية وانتقالات في العمل السياسي وتفاعلات مع أحداث ووقائع كثيرة، ويجمع ذلك دون أن تغيير أو تبديل، رغم تطور الأحداث التي تصل في بعض الأحيان إلى التناقض الشديد.
يبدأ في المقابلات التي تحدثت عن بداية الوعي والنشأة والعائلة وإرهاصات الحب الأول، المراجعة والنقد الذاتي، والمنفي والهوية، ومع الماركسية والحلم وصداقة النفس.
ويتحدث عن موقفه الواضح عن حقبة الحرب العراقية الإيرانية ( 1980-1988).
هناك محطات عديدة في حياة شعبان تحرك فيها القطار تحت عنوان (المعارضة العراقية)، وفي حواراته يعطي الدكتور شعبان تصوراً دقيقاً وشاملاً عن هذه المرحلة بغالبية عناوينها وتفرعاتها.
وبعد أن يفرد مساحة واسعة للفكر والثقافة، يخصص مساحة أخرى للاحتلال وتداعياته، ويتوقف عند عنوان ما زال يهدد حاضر ومستقبل العراق هو الحروب الطائفية، والجدير بالذكر أن الباحث عبد الحسين شعبان أعد مؤخراً مشروع قانون يأمل أن تتبناه كل القوى الوطنية والسياسية ليس في بغداد وحسب بل في كل العالم العربي والإسلامي وهو مشروع قانون تحريم الطائفية.
والدكتور شعبان من المفكرين والباحثين العراقيين المعروفين بعطائهم الفكري الثر ومواقفهم الوطنية، وتجلى ذلك في أكثر من مرحلة وحقبة، وما موقفه الرافض للاحتلال الأمريكي للعراق إلا تتويجاً لتلك المواقف التي يسجلها تاريخ العراق في أصعب وأخطر مراحله.








431
المنبر الحر / العروبة والمواطنة
« في: 21:19 26/05/2010  »
العروبة والمواطنة
      

عبد الحسين شعبان







إذا كان موضوع الهوية -وخاصة العلاقة مع الآخر- يوضّح جوهر العروبة الإنساني وتجددها الحضاري، وموقفها التقدمي أو نقيضه، فإن ذلك يقودنا إلى الحديث عن جانب آخر يتعلق بعلاقة العروبة بالمواطنة، خصوصاً في إطارها القانوني، لاسيما في ظل الدولة المنشودة.
هناك أربع دلالات أساسية يمكن التوقف عندها:
الدلالة الأولى أنه موضوع راهني أصبح مطروحاً على بساط البحث، لاسيما أن هناك تجاذبات كثيرة حوله داخلياً وخارجياً.
والدلالة الثانية أن هناك التباسا نظريا وعمليا بشأنه، خاصة في مواقف الجماعات والتيارات الفكرية والسياسية والقومية المختلفة.
والدلالة الثالثة أن إشكالية المواطنة بدأت تحفر في أساسات الدولة والهوية، وبالتالي لا يمكن إبعادها عن التأثيرات العميقة للعروبة، الأمر الذي يجعل من الواجب إدارة حوار فكري ومعرفي حولها، طالما أنه يدخل في صلب الإشكاليات والمشكلات التي تواجه المصير العربي.
والدلالة الرابعة علاقتها بحقوق الإنسان، خصوصاً بمبدأ المساواة والحقوق الأساسية وبالأخص حق المشاركة، وإدارة الشؤون العامة دون تمييز، وهو ما يضع تحديات جديدة لمسألة العروبة.

ومثل هذه الإشكالية هي التي تؤلف جوهر فكرة المواطنة في الدولة العصرية، خصوصاً إذا ما قرناها بالعدل وهو ما نطلق عليه "المواطنة العضوية"، حيث ما نزال نعاني من نقص فادح فيما يتعلق بثقافة المواطنة، وتستمر النظرة الخاطئة أو القاصرة إلى مبدأ المساواة قائمة، إضافة إلى الموقف السلبي من التنوّع الثقافي الديني والاثني واللغوي، فضلاً عن حقوق المرأة، وهو الأمر الذي يحتاج إلى معالجات ودراسات، وبيئة تشريعية وتربوية مناسبة، إضافة إلى ما يمكن أن يلعبه الإعلام ومنظمات المجتمع المدني من دور إيجابي في نشر ثقافة المواطنة، لاسيما إذا تمكنت من إيجاد رصيد لها لدى القوى والأحزاب والجماعات السياسية والدينية بذلك.
إن مناسبة الحديث عن العروبة هو مؤتمر فكري مهم دعت إليه الأديبة السورية الدكتورة نجاح العطار في دمشق بعنوان "العروبة والمستقبل". وقد أثار هذا المؤتمر تداعيات وردود فعل متنوّعة، الأمر الذي يقتضي نقل هذا الحوار والجدل إلى الجامعات ومراكز الأبحاث والدراسات والمنتديات الفكرية والثقافية، إضافة إلى مؤسسات المجتمع المدني والبرلمانات والحكومات في الآن ذاته، ناهيكم عن قطاعات شعبية، وخصوصاً من النساء ومن الأنشطة الثقافية المتنوعة والمتعددة. وبمساهمة حيوية من جانب الإعلام، لاسيما الفضائيات في ظل ثورة الاتصالات والمعلومات، وبفضل الإنترنت والحاسوب، يمكن أن يلعب دوراً كبيراً في زيادة الاهتمام بفكرة المواطنة ويعزز أركانها وصولاً إلى "المواطنة العضوية".
وإذا كان الحديث عن فكرة المواطنة الأوروبية قبل نحو ستة عقود من الزمان يعتبر ضرباً من الخيال، لاسيما بعد حربين عالميتين مدمرتين، سبقتهما حروب وعداوات وكراهية وكيد، ذهب ضحيتها عشرات الملايين من البشر في أوروبا، فإن الحديث اليوم عن مواطنة أوروبية واتحاد أوروبي وبرلمان أوروبي وهوية أوروبية ومحكمة أوروبية لحقوق الإنسان وعدالة أوروبية واقتصاد أوروبي وعملة أوروبية وثقافة أوروبية أمر ممكن بل واقعي، رغم التنوع والاختلاف والتمايز، لكن في إطار وحدة المصالح المشتركة والمنافع المتبادلة وفي إطار المشترك الإنساني.
فهل سيصبح الحديث عن مواطنة عربية أو مواطنة مغاربية أو خليجية ممكناً، وبأي اتجاه يمكن إدراجه في إطار مواطنة فاعلة، خصوصاً في ظل هوية تمثل العروبة في إطار دولة عصرية؟
يمكننا التوقف عند تجربتين عربيتين جنينيتين: الأولى خليجية (مجلس التعاون الخليجي) والثانية مغاربية (الاتحاد المغاربي).
لكن ما زال الطريق طويلاً أمامهما، إذ لا يمكن التكهن حتى الآن بما ستؤول إليه هاتان التجربتان، فالنواتان يمكن أن تكونا أساساً مشتركاً لمواطنة موسعة تنطلق من المواطنة المحلية إلى المواطنة العربية، في ظل الاتحادات والتجمعات والكتل السياسية والاقتصادية الكبيرة على النطاق العالمي، بما يؤدي إلى تفعيل المواطنة "القطرية" وتعميقها من خلال مواطنة عربية أوسع وأشمل وأكثر فائدة وجدوى على المستوى الرسمي أو الشعبي، خصوصاً أن استهدافات حالية تقصد إضعاف النزعات الوطنية، بل تشطير وتفتيت المواطنة المحلية، الأمر الذي يجعل توسيع دائرة المواطنة يوفّر منافع أكبر ومصالح أكثر، بحيث يكون لكل مواطن من أي بلد عربي وبغض النظر عن النظام السياسي، حرية التنقل والإقامة والعمل، ولكن ذلك بحاجة إلى إرادة سياسية وتفاهم بين الدول العربية على أسس التعاون الطويل الأمد.

ولعل في ذلك طموحا جد متواضع -رغم عظمة شأنه في الوقت الحاضر- إذا ما ذهبنا إلى الحق في التصويت والترشح للانتخابات المحلية والبلدية بعد حق الإقامة الدائم، حتى وإن لم يحمل جنسية الدولة العربية المقيم فيها، وأن يكون الاتحاد البرلماني العربي (البرلمان الموحد) منتخباً من جانب المواطن العربي -بغض النظر عن جنسيته- لاختيار الهيئة التشريعية العربية، تمهيداً للمواطنة العربية.
ويكون من حق كل عربي أو من يحمل جنسية أي بلد عربي، حتى لو كان من "الأقليات" القومية أو الدينية، التمتع بالحقوق التي يمكن الاتفاق عليها على غرار معاهدة ماستريخت لعام 1992 للاتحاد الأوروبي، وإن كان الأمر يحتاج إلى تدرّج وتراكم وصولاً إلى ذلك.
إن المشهد السائد على الصعيد الفكري والعملي ما زال يعكس أشكالاً من المواطنة المفقودة أو المنقوصة أو المكبّلة، في حين أن العالم يسير باتجاه مواطنة عضوية واسعة وموعودة، لاسيما باتساع دائرة الحريات والمشاركة والمساواة والعدل.
لم تترسخ بعدُ في الدولة العربية الحديثة، فكرةُ المواطنة على الصعيدين النظري والعملي، فهي تحتاج إلى جهدٍ كبيرٍ على صعيد الدولة والحكم (السلطة والمعارضة) إضافة إلى مؤسسات المجتمع المدني على حدٍ سواء، نظراً لغياب ثقافة المواطنة وضعف الهياكل والتراكيب والمؤسسات الناظمة للاجتماع السياسي الحكومي وغير الحكومي، بما فيه فكرة الدولة المدنية وسياقاتها!
وفي القرن العشرين توسعت فكرة المواطنة لتشمل مبادئ حقوق الإنسان الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، بعد التطور الذي حصل بإقرار الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948، خصوصاً بتطور الحقوق المدنية والسياسية. ولهذا حظيت فكرة المواطنة باهتمام أكبر، لاسيما بانتقالها من فكرة تأسيس دولة الحماية إلى تعزيز دولة الرعاية.
وقد خطت بعض البلدان خطواتٍ مهمةً في طريق تأمين الحقوق والحريات المدنية والسياسية، وقطعت شوطاً بعيداً في تعزيز الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لتأكيد حيوية وديناميكية فكرة المواطنة بمزاوجة الحقوق والحريات بالعدالة، أي المواطنة التي تقوم على قاعدة المساواة أولاً في الحقوق والواجبات، وأمام القانون ودون تمييز بسبب الدين أو اللون أو اللغة أو الجنس أو العرق أو المنشأ الاجتماعي أو لأي سبب آخر.
وثانياً، قاعدة الحرية كقيمة عليا لا يمكن تحقيق الحقوق الإنسانية الأخرى بدونها، فهي المدخل والبوابة الضرورية للحقوق الديمقراطية السياسية، بما فيها حق التعبير وحق تأسيس الجمعيات والأحزاب وحق الاعتقاد وحق المشاركة السياسية في إدارة الشؤون العامة وتولي المناصب العليا، وإجراء انتخابات دورية، إلى حق التملك والتنقل وعدم التعرض إلى التعذيب.. إلخ.
والثالثة قاعدة الهوية الوطنية العامة التي يمكن أن تتعايش فيها هويات خاصة وفرعية في إطار من المساواة والحرية واحترام حقوق الأغلبية من جهة، وتأمين حقوق "الأقلية" من جهة أخرى، أي التنوع في إطار الوحدة، وليس التنافر والاحتراب، فقد ظلّ الاتجاه السائد في الثقافة المهيمنة يميل إلى عدم الاعتراف بالخصوصيات أو التقليل من شأنها ومن حقوقها، سواءً كانت قومية أو دينية أو لغوية أو سلالية أو غير ذلك.
أما القاعدة الرابعة فهي تستند إلى فكرة العدالة التي يمكن أن تتحقق من خلال التنمية، وهو ما أطلق عليه التنمية المستدامة: الاقتصادية والاجتماعية والثقافية المستندة إلى قاعدة الحريات والحقوق المدنية والسياسية، التي تغتني بالمعرفة وتنمية القدرات لاسيما التعليمية، وتأمين حقوق المرأة و"الأقليات" وتقليص الفوارق الطبقية وتحقيق العدالة الاجتماعية.
القاعدة الخامسة هي قاعدة المشاركة والحق في تولي الوظائف العامة دون تمييز.

مثل هذا الأمر يطرح فكرة العلاقة الجدلية بين العروبة والمواطنة وحقوق الإنسان، وبالتالي بين العروبة والهوية وبين العروبة والدولة. وبقدر تحقيق هذه المقاربة، تكون فكرة العروبة المعبّر عنها بالهوية وفكرة المواطنة ببعدها الإنساني وأساسها الحقوقي القانوني، قد اقتربت من المشترك الإنساني، مع مراعاة الخصوصيات الدينية والإثنية واللغوية، أي بتفاعل وتداخل الحضارات والثقافات، لاسيما باحتفاظها بكينونتها الخاصة في إطار علاقتها العضوية بالأبعاد الكونية الإنسانية.
المواطنة تقوم وتستند إلى قاعدة المواطن-الفرد الذي ينبغي مراعاة فردانيته من جهة، ومن جهة أخرى حريته الأساسية في مساواته مع الآخر تساوقاً في البحث عن العدالة، وتتعزز مبادئ المساواة والحرية في إطار المنتظم الاجتماعي الوطني والائتلاف والانسجام من جهة، وتغتنيان بالتنوع والتعددية من جهة أخرى، وذلك من خلال الوحدة والاشتراك الإنساني والحقوق والواجبات وليس الانقسام أو التشظي أو التمييز.
وإذا كانت فكرة المواطنة تتعزز من خلال الدولة، فإنها تغتني وتتعمق بوجود مجتمع مدني حيوي وناشط، بحيث يكون قوة رصد من جهة للانتهاكات المتعلقة بالحرية والمساواة والحقوق، ومن جهة أخرى قوة اقتراح لا احتجاج فحسب، بحيث يصبح شريكاً فعالاً للدولة في توسيع وتعزيز دائرة المواطنة العضوية وتأمين شروط استمرارها، لاسيما إذا تحولت الدولة من حامية إلى راعية، مرتقية لتعزيز السلم المجتمعي والأمن الإنساني، لاسيما بوجود مؤسسات ترعى المواطنة كإطار والمواطن كإنسان في ظل الحق والعدل.
أخيراً، لا يمكن الحديث عن عروبة متطورة دون التعبير وجدانياً عن هوية مقترنة بمواطنة، وهذه الأخيرة في دولة عصرية تحترم الحقوق والحريات، مثلما تقرّ بالتنوع الثقافي والتعددية القومية والدينية في دول متعددة الهويات في إطار الهوية العامة.
   







432
المفكر عامر عبد الله في ذكراه العاشرة:
الجوهر وجدلية الأمل والقنوط!*
عبد الحسين شعبان

سبقته شهرته، وقبل أن يتعرّف عليه الكثيرون كانوا قد سمعوا عنه أو قرأوا له أو جاءوا على ذكره في إحدى المناسبات، فهو الحاضر دائماً الذي لا يملأ المكان حسب، بل يفيض عليه، نظراً لما يتركه حضوره من إشكاليات وجدل واختلاف وعدائية «مستترة» أحياناً.
ولعليّ لم أجد شخصاً اختلف حول رفاقه قبل خصومه مثلما هو عامر عبد الله الشيوعي العراقي المخضرم، الذي ملأ الأسماع مثلما شغل أوساطاً واسعة من الشيوعيين وأعدائهم، وهو المثقف الماركسي البارز الذي تعود أصوله إلى مدينة عانة غرب العراق، وكان قد ولد في العام 1924 لأسرة متدينة ومُعدمة، وهو ما يرويه بتندّر شديد وألم كبير.
سمعت عن عامر عبد الله كزعيم شيوعي قبيل ثورة 14 تموز (يوليو) العام 1958 وذلك في بدايات تفتح وعيي الأول وكان لاسمه رنين خاص بعد الثورة، وقد وصل إلى العراق من سورية، التي كان قد عاش فيها بضعة أشهر قبيل الثورة، منتقلاً بين سورية ومصر حيث ساهم في محاولة توحيد الحزب الشيوعي المصري مع «حدتو» (الحركة الديمقراطية التحررية الوطنية)، ملتقياً بقيادات شيوعية بارزة مثل خالد بكداش، ونقولا شاوي، وفرج الله الحلو، وانطوان ثابت، وحسين مروّة، وجورج حنا، ورضوان الشهال، ويوسف خطار الحلو، وعبد الخالق محجوب زعيم الحزب الشيوعي السوداني وآخرين، مثلما كانت زيارته المثيرة إلى موسكو والصين، حيث التقى مع نيكيتا خروشوف زعيم الحزب الشيوعي السوفييتي وماو تسي تونغ وشوان لاي زعيما الحزب الشيوعي الصيني وهوشي منه زعيم الحزب الشيوعي الفيتنامي وتولياتي زعيم الحزب الشيوعي الايطالي وموريس توريز زعيم الحزب الشيوعي الفرنسي وأولبريخت زعيم الحزب الشيوعي الألماني وغيرهم.
وكنتُ قد سألتُ عامر عبد الله خلال مطارحاتي معه في الثمانينات إضافة إلى مقابلات لم تنشر بعد، عمّا إذا كان اختيار الأسلوب الكفاحي العنفي قد تمخّض  عن مؤتمر أو كونفرنس(conference)، علماً بأن الكونفرنس الثاني الذي عقد العام 1956 كان قد اتخذ قراراً بالخيار السلمي، فأجاب؛ كانت الأمور أقلّ تعقيداً والثقة عالية وظروف العمل السري لا تسمح كثيراً بعقد مؤتمر أو اجتماع موسع لأخذ رأي القيادات والكوادر، بل إنني كنت قد كتبت رأياً بهذا الخصوص وعرضته على سلام عادل، فأبدى تأييداً وحماسةً له واقترح أن يتم تعميمه، ليصبح هذا الرأي بمثابة رأي الحزب وتوجيهاً للرفاق، وقد سعينا إلى تثقيف كادر الحزب الأساس وملاكاته المهمة بضرورة الاستعداد لكل طارئ جديد، وكانت انتفاضة العام 1956 التي شارك الحزب بقيادتها بروفة جديدة لقياس استعداداتنا، لاسيما الجماهيرية للنزول إلى الشوارع وقطع الطريق على القوى الرجعية فيما إذا تحرك الجيش، وهو ما حصل يوم 14 تموز (يوليو) العام 1958، حيث كانت الكتل البشرية الهائلة، هي صمام الأمان لانتصار الثورة، وكان الحزب قد أصدر تعميماً داخلياً لكوادره للاستعداد للطوارئ يوم 12 تموز (يوليو) أي قبل يومين من اندلاع الثورة.
كان رشيد مطلك صاحب مطعم شريف وحداد، صلة الوصل بين عامر عبد الله (والحزب الشيوعي) والزعيم عبد الكريم قاسم (الذي يقول عبد الله انه تعرّف عليه العام 1949) لضمان دعم الحزب للثورة، وكان قاسم قد طلب من الحزب دعماً وتأييداً من السوفييت والصينيين، وهو ما حاول عامر عبد الله عرضه تلميحاً وبشكل محاذر مع السوفييت والصينيين خلال جولاته.
***
لم يسلم عامر عبد الله من الحسد والغيرة التي شنّها ضده رفاقه أولاً، بل نسجوا حوله حكايات لها أول وليس لها آخر، رغم أن بعضهم كان يتملّق له، لاسيما عندما أصبح وزيراً في العام 1972، ورغم أن مواقفه بحاجة إلى نقد وتقييم موضوعي، بما لها وما عليها، إلاّ أن قصصاً كثيرة بعضها من صنع الخيال رافقت مسيرته كشائعة زواجه من البلغارية وحفل الاستقبال الذي أقامه بهذه المناسبة في بغداد، تلك التي كانت «فاكهة الشتاء» في بعض المجالس، حيث يتم تغذيتها يوماً بيوم بل ساعة بساعة كي لا تنطفئ وهكذا سرت تلك الإشاعة مثل النار في الهشيم.
كان عامر عبد الله أممياً وشديد الإيمان بالاتحاد السوفيتي ودوره، لكن إيمانه بدأ يتزعزع، خصوصاً بعد فقد بوصلة التحليل إثر الخطوات المتسارعة التي أعقبت البريسترويكا وصعود نجم غورباشوف. كما لم يجد تفسيرات لبعض مواقفهم إزاءه بعد أن تعرّض للتنكيل الحزبي إذ كان معولاً على دعمهم أو تدخلهم، رغم أنه كتب الكثير من «المذكرات» والرسائل إليهم، وحاول اللقاء مع يفغيني بريماكوف في موسكو، لكن صورة الوحدانية الحزبية والقيادة الرسمية ظلّت تمثل جوهر العلاقة بين الحزبين، الأمر الذي جعله يشعر بالخيبة والإحباط، مما أدى إلى انعكاس ذلك على علاقته المتأرجحة مع المعارضة الحزبية، التي عمل على تجميعها بحماسة منقطعة النظير، مثلما عمل على تشتيتها بذات الاندفاع، بعد أن فقد القدرة على التواصل معها بسبب القنوط الذي أصابه.
***
كان لشخص عامر عبد الله وحده هيبة كبيرة لاسم الشيوعيين العراقيين ولثقتهم بأنفسهم، ولم ألتقِ شيوعياً واثقاً من نفسه ومعتدًّا بها وحساساً إزاء كبريائه مثل عامر عبد الله. وأتذكر أنني عندما عرّفته على القيادي البعثي باقر ياسين علّق هذا الأخير بذكائه، «لهذا السبب إذن يكرهون عامر عبد الله». وقال لي بعد ذلك: «لقد شعرت أن عامر عبد الله منحني ثقته منذ اللقاء الأول، والسبب أنه واثق من نفسه، وهو جدير بأحقاد خصومه وأعدائه حتى لو كانوا من طرفنا»، وهو ما كنت قد توصلت إليه.
عند وصولي إلى الشام في صيف العام 1980 وصل عامر عبد الله إليها، وكان قادماً من براغ، وكنت قد نُسبّت إلى العمل في مجال العلاقات حيث كنت مسؤولاً عن علاقات الحزب في دمشق، توثقت علاقاتي مع عامر عبد الله، وكنّا نلتقي بشكل مستمر في منزله وكثيراً ما كنت أتناول وجبة الغداء عنده، بكرم سخي تشاطره فيه زوجته بدور محمد زكي الددة.
كنت وعامر عبد الله نذهب سوية أحياناً لزيارة الجواهري، كما كنا نلتقي عدداً من الرفاق والأصدقاء بما فيهم الأصدقاء الفلسطينيين المشتركين، مثل عاطف أبو بكر وتيسير قبعة وبسام أبو شريف ونايف حواتمه، وعبد المحسن أبو ميزر وبعض الأصدقاء اللبنانيين مثل كريم مروة، وسعد الله مزرعاني وكذلك بعض الشخصيات السورية مثل يوسف فيصل، وعطية الجودة، وفؤاد بلاط، ود.نبيه رشيدات وآخرين، إضافة إلى الأصدقاء العراقيين مثل د. عبد اللطيف الراوي وماجد عبد الرضا وباقر إبراهيم وفوزي الراوي، وفاضل الأنصاري، وقيس السامرائي وغيرهم.
***
أتذكّر أنني التقيت عامر عبد الله في كردستان (منطقة ناوزنك- نوكان) حين جاء لحضور اجتماع اللجنة المركزية، وقبل أن يبادر بسؤالي عن صحتي وأحوالي، قال لي كيف تكتب في هذه البيئة الضيقة، ومن أين تأتيك الأفكار؟ ومن أين تأتي بالمصادر والمراجع؟ وختم ذلك أنها بيئة تساعد على التآكل والاحتراب الداخلي، والأفضل أن تعود بأسرع وقت. قلت له أنت تعرف موقفي، لاسيما بعد أن بدأت القوات العراقية بالانسحاب من الأراضي الإيرانية، وآن الأوان لتصحيح المسار، قال لكن الجماعة سائرون باتجاه آخر. وقبل أحداث بشتاشان كتبت له رسالة قلت فيها تصوّر أن خط انسحابنا هو جبل قنديل ولم أكن أتصوّر بأننا سنضطر لاحقاً لعبور هذا الجبل الوعر بارتفاع 7800 قدم والمكسو بالثلج طيلة أيام السنة (باستثناء تموز وآب/ يوليو وأغسطس) وذلك حين شنّت قوات الاتحاد الوطني الكردستاني هجوماً ضد قواعد الشيوعيين الأنصار.
***
سافرنا إلى عدن بوفد برئاسة عامر عبد الله وعضوية د. نزيهة الدليمي وكاتب السطور، ساهم عدنان عباس بالكثير من الجهود لتنظيم لقاءات الوفد، ومن خلال ذلك التقينا مع علي ناصر محمد الرئيس اليمني الجنوبي آنذاك ورغم حدوث مشكلة مع الوفد الرسمي، إلا أننا حاولنا معالجتها بالحكمة .
كان عامر عبد الله كثير الألم لموقف راميش شاندرا رئيس مجلس السلم العالمي (من الهند) الذي ما أن عرف بوجود الوفد العراقي الرسمي حتى غادر بحجة أنه سيعود بعد 5 دقائق تاركاً الاجتماع. لكنه خرج من فندق عدن دون عودة ولم نرَهْ إلاّ في اليوم الثاني في قاعة المؤتمر.
***
وبعد مرور بضعة سنوات ما بين دمشق وبراغ (1972-1989)، التقيت عامر عبد الله في براغ  وقضيت معه ما يقارب العام، كنّا نلتقي يومياً تقريباً وينضم إلينا في بعض الأحيان آرا خاجادور، ود. حميد برتو، وباقر إبراهيم، ود. عصام الزند، وحسين سلطان، وأحمد كريم، وعدنان عباس، ود. موفق فتوحي، وصادق الصائغ، ومحمود البياتي، وآخرين إضافة إلى سميح عبد الفتاح السفير الفلسطيني الذي نظّم لقاءً لعزيز محمد وعامر عبد الله مع مكرم الطالباني، الذي جاء بمهمة من بغداد. كانت أيام براغ مؤلمة لعامر عبد الله فقد كان محبطاً فهو على الرغم من أنه كان يحمل وسام يوليوس فوجيك، إلا أن التشيك لم يعتنوا به، مما حزّ في نفسه.
اضطر عامر عبد الله العودة إلى الشام معكر المزاج محبطاً ومن ثم توجه إلى لندن بمزاج أكثر إحباطاً بل وقنوطاً، خصوصاً وقد تزامن ذلك مع انهيار الاتحاد السوفييتي وتراجع دور الحركة الشيوعية، وقد ألف كتاباً وضع فيه خلاصة تجربته لكنه لم يحقق النجاح الذي أراده، في حين كنت أرى أن هذا الكتاب من أهم الكتب التي تحدثت عن مقوضات النظام الاشتراكي لكنه لم يلقَ الاهتمام المطلوب، ولم يُقرأ قراءة نقدية موضوعية وقوبل بإهمال الشيوعية الرسمية له.
***
كان عامر عبد الله بغض النظر عن مواقفه «اللندنية» والمتعلقة بتسفيه فكرة السيادة، وتبرير التدخل الخارجي والحصار الدولي، تميّز على أقرانه بنزعته العروبية، وبمواقفه من القضية الفلسطينية، حيث خاض صراعاً مريراً  داخل الحركة الشيوعية العالمية ليعمل على تثبيت مبدأ حق تقرير المصير للشعب العربي الفلسطيني وذلك في الاجتماع التحضيري للحركة الشيوعية والعمّالية المنعقد في بودابست العام 1968 وفيما بعد في الاجتماع العام المنعقد في موسكو العام 1969، وقد أشرت إلى دور عامر عبد الله في بحث لي في مجلة الهدف الفلسطينية العام 1985.
***
   ختاماً يمكنني القول بان أهم ما ميّز عامر عبد الله هو فكره المنفتح واستعداده لتقبّل الجديد، وديناميكيته وحيويته وتعامله كسياسي متجاوزاً للإطار الحزبي، ومن المؤكد أن علاقاته الواسعة وثقة الآخرين به، قد جعلته كثير التأثير في الوسط السياسي إضافة إلى شجاعته وجرأته واعتداده بنفسه، فهو يتصرّف بندّية عالية مع الجميع ويشعر الآخرين أنهم أنداد له أيضاً.
يمتاز عامر عبد الله بكرم وسخاء لا حدود لهما وبعفة النفس، عاش في المنافي ضمن ظروف مادية  قاسية هي أقرب إلى التقشف، لكنه كان يضع كل ما عنده مرّة واحدة ودون حساب حين يولم أو يستضيف صديقاً، كان منزله مفتوحاً يستقبل الأصدقاء على قلّتهم بفرح غامر وارتياح كبير، ونكتة لاذعة لا تكاد تفارقه، كما  كان يذكر أصدقائه الذين يتذكرونه أو يحاولون تقديم المساعدة له ويثني عليهم.
   كان عامر عبد الله مواجهاً لا موارباً، فهو غير معني بالنتائج أحياناً، وإذا اقتضى الأمر مكاشفة ومصارحة فهو أهل لها، رغم أنه في السنوات الأخيرة وبسبب المرض وظروفه الاجتماعية الخاصة ووحدته، أخذ يشعر بالضعف، وهو على أية حال ضعف إنساني، وسبحان من يخلو منه، وكان يتألم لجحود بعض الأصدقاء، لاسيما مواقف الغدر والتنكر والإساءة التي اتخذوها بحقه.
***
علينا جميعاً تقع مهمة جمع تراث عامر عبد الله، علينا جميعاً إخراج عامر عبد الله من دائرة النسيان لإعادته إلى دائرة الضوء، فعامر عبد الله المفكر الماركسي، كان مجتهداً، وصميمياً، وشجاعاً أخطأ أم أصاب!
***

* كلمة أرسلت إلى حفل تكريم المفكر الكبير عامر عبد الله بمناسبة الذكرى العاشرة لرحيله الذي سيقام في لندن 15/5/2010

 

433
التسامح: مثل الريح الخفيفة التي تسبق المطر!



عبدالحسين شعبان

2010-05-17
ينصرف الذهن في الكثير من الأحيان -ونحن نناقش مفهوم التسامح- إلى موضوع الدين، رغم أن التسامح الديني، لاسيما في أوروبا، في القرن السابع عشر وما بعده شكّل أساساً متيناً لفكرة التسامح بدءا من لوك ووصولاً إلى فولتير، لكن التسامح أوسع من ذلك بكثير، خصوصاً إذا ما ربطناه بالهوية، وهو أمر لا يمكن القفز فوقه أو تجاوزه.
وحسناً فعلت «الشبكة العربية للتسامح» في ملتقاها الفكري الثاني بمدينة الدار البيضاء بالمغرب، حين عقدته تحت عنوان «التسامح والهوية» لتضفي عليه هذه القيمة المعنوية-الاعتبارية من جهة، والضرورية-الواقعية من جهة ثانية، إذ لا يمكن بحث موضوع التسامح بعيداً عن الهوية وعن التنوّع والتعددية وحق الاختلاف، ولكن في إطار المشترك الإنساني.
وقد جاء ذلك على لسان المنسِّق العام للشبكة الدكتور اياد البرغوثي وهو يكرّم البروفسور المفكر المغربي محمد مفتاح، لمساهماته الإبداعية البحثية والأكاديمية لنشر ثقافة التسامح، لاسيما في تفعيل موضوع حوار واشتراك الهويات واتصالها وتداخلها في إطار إنساني، وهو ما كان مثار نقاش وجدل في إطار الاختلاف بين اتجاهات متنوّعة، كلٌّ منهما نظر للتسامح من زاويته، الأمر الذي طرح موضوع الموقف من اللامتسامحين، فهل يجوز -بحجة اللاتسامح- تجاوز مبادئ التسامح والتعامل بعنف مع اللامتسامحين خروجاً عليها، وهو الذي دفع المفكر كارل بوبر -ومنذ وقت مبكر- إلى التفكير بمآل التسامح في ظل أطروحات اللاتسامح السائدة.
وإذا كان من ضرورة لفك الاشتباك مع فكرة عدم التنازل عن الحقوق وتنزيه مبادئ التسامح عن الفكرة الدارجة عن الصلح مع العدو، لاسيما في الوضع العربي، وبخاصة استمرار احتلال الأراضي العربية والتنكر لحق تقرير المصير، فإن الموضوع كما طُرح بحاجة إلى وقفة مراجعة جدية ونقاشات معرفية معمّقة.
في كتابه «موسيقى الحوت الأزرق» يناقش أدونيس فكرة الهوية ويستهل حديثه بالعبارة القرآنية التي تضيء بقِدَمِها نفسه، حداثتنا نفسها على حد تعبيره، وأعني بها التعارف، «وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا» أي الحركة بين الانفصال والاتصال في آن، من خلال «رؤية الذات، خارج الأهواء» -خاصة الأيديولوجية، ويمكن أن نضيف الدينية والقومية وغيرها- بمعايشة الآخر داخل حركته العقلية ذاتها، في لغته وإبداعاته وحياته اليومية وهي التي تتجسد بالبعد الإنساني.
وبعد أن يستعرض أدونيس أركيولوجية الغياب المعرفي العربي على خارطة المعرفة الإنسانية، وهو ما أشارت إليه على نحو صارخ تقارير التنمية البشرية في العقد الأخير، لاسيما شحّ المعارف ونقص الحريات واستمرار الموقف السلبي من حقوق الإنسان وبخاصة حقوق المرأة والأقليات وغيرها، يطرح سؤالاً حول سبل الخروج من هذا الغياب، ويسأل أيضاً: ولِمَ هذا الغياب؟ لاسيما بتمثّل ذلك نقدياً ومعرفياً، من خلال معرفة الآخر، بمعرفة ذاتنا معرفة حقيقية، ولعل الخطوة الأولى التي ظل يركّز عليها في كتابه الممتع والعميق، هو كيف يمكن أن يصغي بعضنا إلى بعض؟، أي أن الحوار هو الخيط الذي ظلّ يشدّه باعتباره سبيلاً للخروج من الغياب وصولاً إلى معرفة الآخر. ولعل مثل هذه الرؤية تندرج في إطار الهوية من جهة والمشترك الإنساني من جهة أخرى، تلك التي يمكن أن تتجسد في مبادئ التسامح.
ولعل هذه الرؤية تستند إلى إحلال الفكر النقدي التساؤلي، محل الفكر التبشيري-الدعائي، حيث يصبح الوصول إلى الحقيقة التي هي على طول الخط تاريخية ونسبية، وصولاً يشارك فيها الجميع -رغم تبايناتهم إلى درجة التناقض أحياناً- وهذا يعمّق الخروج إلى فضاء الإنسان بوصفه أولاً إنساناً، ويدفع الذات إلى ابتكار أشكال جديدة لفهم الآخر أي بالحوار ثانياً، وثالثاً يكشف لنا أن الهوية ليست معطى جاهزاً ونهائياً، وإنما هي تحمل عناصر بعضها متحرّكة ومتحوّلة على الصعيد الفردي والعام، وهو ما يجب إكماله واستكماله دائماً في إطار منفتح بقبول التفاعل مع الآخر، ولعل الحوار هو السؤال الأكثر إلحاحاً بشأن هذا التأثر والتأثير والتلاقح والتعاشق، باعتباره قيمة أساسية من القيم السماوية، لاسيما للمتدينين التي دعت إلى الحوار والسلم والتواصي والتآزر والتراحم والتقوى والتسامح، بقدر كونها قيمة وضعية على المستوى الإنساني، لا غنى عنها سواءً بمعناها الاجتماعي أو السياسي أو القانوني أو الثقافي أو الأخلاقي.
هل الهوية جوهر قائم بذاته، لا يتغيّر أو يتحوّل؟ أم هي علاقة تجمعها مواصفات بحيث تكوّن معناها وشكلها؟ وبالتالي لا بدّ من تنميتها وتعزيزها وتفعيلها في إطار المشترك الإنساني، الأمر الذي يتخطّى بعض المفاهيم السائدة، ذات المسلّمات السرمدية السكونية لدرجة التقوقع، وينطلق إلى خارج الأنساق والاصطفافات الحتمية، من خلال قراءات مفتوحة تأخذ التطور بعين الاعتبار كعناصر تفعيل وتعزيز وتحوّل في الهويات الخاصة والعامة.
بهذا المعنى لا يكون اختلاف الهويات أمراً مفتعلاً حتى داخل الوطن الواحد، إذا كان ثمة تكوينات مختلفة دينية أو إثنية أو لغوية أو سلالية، ناهيكم عن اختلاف الهويات الخاصة للفرد عن غيره وعن الجماعة البشرية، ولعل هناك علاقة بين الشكل والمعنى التي تتكون منها الهويات الفرعية–الجزئية الخاصة وبين الهويات الجماعية العامة ذات المشتركات التي تتلاقى عندها الهويات الفرعية للجماعات والأفراد، حيث تكون الهوية العامة أشبه بإطار قابل للتنوّع والتعددية، جامعاً لخصوصيات في نسق عام موحد، ولكنه متعدد وليس آحاديا، فمن جهة يمثل هوية جامعة، ومن جهة أخرى يؤلف هويات متعددة ذات طبيعة خاصة بتكوينات متميزة إما دينياً أو لغوياً أو إثنياً أو غير ذلك، فالشكل ليس مسألة تقنية، حسب أدونيس، وإنما هو مسألة رؤية.
ولعل الحديث عن هويات فرعية، أو خصوصيات قومية أو دينية، لأقليات أو تكوينات، يستفز أحياناً بعض الاتجاهات المتعصبة دينياً أو قومياً، فهي لا ترى في مجتمعاتنا سوى هوية واحدة إسلامية أو إسلاموية حسب تفسيراتها وقومية أو قوموية حسب أصولها العرقية ونمط تفكيرها واصطفافات طبقية كادحيّة حسب أيديولوجياتها الماركسية أو الماركسيوية، أما الحديث عن حقوق وواجبات ومواطنة كاملة ومساواة تامة وحق الجميع في المشاركة وتولي المناصب العليا دون تمييز بما فيها حقوق المرأة وحقوق متساوية للأديان والقوميات، فهي تصبح في الواقع العملي ليس أكثر من مؤامرة ضد الأمة والدين، تقف خلفها جهات إمبريالية-استكبارية تضمر الشرور للمجتمعات العربية–الإسلامية، وبهذا المعنى لم تسلم حقوق بعض المبدعين في التميّز والاستقلالية والتفكير الحر، واعتبرت بمثابة انشقاق وخروج على الجماعة، أما في معارضة تفكيرها، فالأمر قد يستحق العقاب والتحريم والتجريم.
إن مثل هذه الممارسات المتعصبة أو غير المتسامحة، لاسيما بحق الجماعات القومية أو الدينية دفعتها إلى الانغلاق وضيق الأفق القومي، وبخاصة إذا كانت قد تعرّضت للاضطهاد الطويل الأمد وشعرت بالتهديد لهويتها، وهو الأمر الذي كان أحد نقاط ضعف الدولة القطرية العربية تاريخياً، خصوصاً في مرحلة ما بعد الاستقلال.
لنقارب المسألة من زاوية أخرى، بالقول إن الأفكار الشمولية التي غالباً ما تدّعي امتلاك الحقيقة والأفضليات لا تقبل الحوار ولا تعترف بالآخر ولا تقرّ بمبادئ التسامح، وهي تستبطن الاصطفافات الجاهزة حيث تذوب كيانية الفرد وخصوصيته في إطار الجماعة مثلما تصهر حقوق الجماعات القومية أو الدينية أو اللغوية الأخرى، في إطار الثقافة السائدة في المجتمع، عرقاً أو ديناً أو لغة، والحجة كما يتم التبرير في كل مرة، «الرأي الواحد الموحد المركزي»، الذي ينبغي أن يخضع له الجميع وفق تراتبية نمطية مفروضة عمودياً، فالحقيقة معها وما عداها ليست سوى بطلان وشرور وهو ما يعبّر عنه في إطار الدول الشمولية.
إن الإقرار بالتنوّع الثقافي والديني والإثني هو إقرار بواقع أليم، فقد كان ثمن التنكّر باهظاً، وأسهم في تفكيك الوحدة الوطنية، وهدّد الأمن الوطني، واستخدمته القوى الخارجية وسيلة للتدخل، وكان سبباً في هدر وتبديد الأموال وفي الحروب والنزاعات الأهلية وفي الفساد، بدلاً من توظيفه بالاتجاه الصحيح باعتباره مصدر غنى وتفاعل حضاري وتواصل إنساني، وقبل كل شيء باعتباره حقاً إنسانياً، ولعل ذلك من أهم ما دعت إليه «الشبكة العربية للتسامح»
منذ تأسيسها، حين وضعت نشر ثقافة التسامح هدفاً
أسمى لنفسها، وكأنها تستقرب ريحاً خفيفة بانتظار مطر واعد!


       

434
الإعلام وحق الحصول على المعرفة
   



عبدالحسين شعبان
يعتبر الحق في المعرفة وحرية الوصول إلى المعلومات ونشرها وإذاعتها بكل الوسائل الممكنة أهم مرتكزات الدولة العصرية، لا سيما الديمقراطية، ولعل هذه الحقيقة أصبحت اليوم وفي ظل العولمة وثورة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، والثورة الرقمية (الديجيتل)، مسألة لا غنى عنها للتقدم والرفاه الاجتماعيين، إذْ لا يمكن بأي حال من الأحوال تجاوزها أو القفز فوقها، ذلك أن معيار احترام الحقوق والحريات الأساسية، وبخاصة حرية التعبير، الذي يمكن بموجبه الدفاع عن بقية الحريات والحقوق بما فيها الحق في الحياة والعيش بسلام ومن دون خوف، تشكل محور منظومة حقوق الإنسان غير القابلة للتجزئة أو للانتقاص منها، سواءً على الصعيد المدني والسياسي أو الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، وعلى المستوى الفردي والجماعي، للأفراد والشعوب .

وإذا كان اليوم العالمي لحرية الصحافة (3 مايو/ أيار) قد مرّ مرور الكرام في عالمنا العربي، فإن السبب يعود إلى هموم كبيرة وانشغالات كثيرة، تتعلق بتحديات خارجية وداخلية مثل الاحتلال والنزاعات والإرهاب والعنف والفقر والأمية والتخلف وشح الحريات وضعف المواطنة وجدل الهويات، مع وجود الكثير من القيود القانونية وغير القانونية التي لا تزال مفروضة على الصحافة “صاحبة الجلالة” كما يُقال، وعلى الصحافي الذي يصفه ألبير كامو بمؤرخ اللحظة، في حين أن مئات الصحافيين قتلوا وتعرضوا للملاحقة في عالمنا العربي، الأمر الذي يضع أعباء جديدة على مهنة المتاعب والمخاطر .

وإذا كان الإقرار بدور وأهمية الصحافة قد ازداد منذ ما يزيد على قرن من الزمان، لدرجة اعتبرت السلطة الرابعة، بإضافتها إلى السلطات الثلاث: التنفيذية (الحكومة) والتشريعية (البرلمان ومجالس الشيوخ) والقضائية (المحاكم)، فإن مثل هذا الدور أصبح حقيقة كبرى من حقائق عصرنا، حيث يشكل الإعلام وتكنولوجياته وما يرتبط بهما إحدى أكبر الثورات الهائلة، بحضورها الفاعل والمؤثر، لا سيما في صناعة الرأي العام والتأثير فيه، خصوصاً في الانفجار الكوني الذي أحدثته الثورة العلمية - التقنية في القرن العشرين، المبتدئة بعصر الحداثة وما بعدها، وبخاصة في إطار العلمانية والعقلانية والليبرالية والنسبية والتعددية، التي بشّرت بها .

تشكّل المعلومات حجر الزاوية في العمل الإعلامي، ولا يمكن تصوّر وجود إعلام مؤثر وقادر على كسب صدقية أمام الرأي العام من دون توفّر حريات، وبخاصة حرية التعبير، وبذلك يمكن للإعلام نقل ونشر وإذاعة المعلومات بحرية، إذ سيكون عسيراً على الإعلامي، القيام بمهامه من دون حق الوصول إلى المعلومات ومن دون تعاون الأجهزة الرسمية (الحكومية) بتسهيل مهمة الإعلامي للوصول اليها، والاطلاع على برامج الحكومات وخططها ومشاريعها، بحيث يكون تدفق وانسيابية المعلومات إلى المواطن أمراً يسيراً من دون قيود أو إجراءات تؤدي إلى حجب أو حرمان الإعلامي من القيام بدوره المهني بحثاً عن الحقيقة التي يسعى لوضعها بيد المواطن .

وإذا كانت حرية وصول المعلومات والحق في المعرفة أمراً مفروغاً منه في الدول المتقدمة، لا سيما الديمقراطية، فإن بلداننا العربية لا تزال بعيدة عن ذلك، رغم وجود حراك قانوني وسياسي، وفي إطار بعض مؤسسات المجتمع المدني، لكنه ما زال في بداياته، التي هي أقرب إلى الإرهاص، خصوصاً بشأن إصدار قوانين تعطي للإعلامي حق الوصول إلى المعلومات، طبقاً للمعايير والاتفاقيات الدولية، حيث لا تزال هناك الكثير من الكوابح التي تحول دون ذلك، فمن جهة هناك الاحتلال في فلسطين والعراق، وهناك بعض البلدان ذات الأنظمة الشمولية التي لا تزال الثقافة السرية سائدة ومطبقة فيها، فكل شيء خاضع للدولة بحكم النظام الشمولي، الأحادي، الذي يدّعي وحده امتلاك الحقيقة لا يشاركه أحد في السلطة والمال والإعلام والحقيقة، وانعدام أو ضعف الشفافية، بحيث تصبح كل معلومة من أسرار الدولة وربما الخطيرة، ابتداءً من الميزانية ووصولاً إلى تنظيم الخدمة المدنية، ناهيكم عن العقوبات الصارمة، بحيث يعتبر تداول أية معلومات عامة تعرّض صاحبها لأقسى العقوبات، الأمر الذي يعزز الفساد ويمنع قيام نظام للمساءلة والشفافية وصولاً للحكم الرشيد، لاسيما في إطار المحاسبة وتحديد المسؤولية . أما في الأنظمة المحافظة فإن غياب تشريعات تعطي الحق لشخص طبيعي أو اعتباري الحصول على المعلومات، أمرٌ خطير يصل أحياناً إلى إصدار أحكام غليظة فيما إذا تمت مناقشة قضايا التسلح والأمور العسكرية وأسرار الدولة الأمنية الكبرى .

وتذهب بعض الدول الأمنية العالية المركزية إلى حجب كل شيء عن الإعلامي، لمنع المواطن، بالتالي من الحصول على المعلومات، بحجة الأمن الوطني والتهديد الخارجي، ومصلحة الشعب وسيادة الامة وغير ذلك .

ويضاف إلى هذه وتلك وجود قوانين للطوارئ في بعض البلدان العربية وقوانين الأحكام العرفية، ناهيكم عن نقص دستوري في دساتير بعض البلدان التي تلزم الصمت إزاء حماية الحق في الحصول على المعلومات ونشرها وإذاعتها . كما أن بعض قوانين المطبوعات والنشر المعمول بها لا تتحدث عن نصوص صريحة وواضحة للحصول على المعلومات، وهو أمرٌ يكاد يكون الأكثر تخلفاً في موضوع الحريات الإعلامية على المستوى العالمي .

إن اللحاق بركب الدولة المتقدمة، يقتضي أولاً وقبل كل شيء حماية الإعلاميين وعدم تعريضهم للحبس بسبب نشرهم معلومات تتعلق بسير عمل الإدارة وانتقادات للمسؤولين، والأكثر من ذلك عدم تعريضهم للأذى والحطّ من الكرامة أو الاعتداء عليهم بوضع قوانين صارمة تحول ذلك، وكذلك الحفاظ على حياتهم وعلى مصادر معلوماتهم وأسرارهم، وأيضاً تنظيم المهنة بما تستحق من تقدير، خصوصاً أن وظيفة الإعلام سواءً كان مرئياً أو مسموعاً أو مقروءاً، من أخطر وأهم المهن والوظائف، لا سيما إذا اقترنت بالدفاع عن حقوق الانسان والحريات الأساسية .

لعلنا في يوم الصحافة العالمي نجري جردة حساب لما تحقق وما لم يتحقق على المستوى القطري وعلى المستوى العربي، انطلاقاً من قاعدة حرية التعبير والحق في الحصول على المعلومات ونقلها وإذاعتها، طبقاً للاعتبارات الإنسانية، الحضارية، المتمدنة وذلك خدمة للحقيقة والإنسان، فهما الهدفان الساميان لأية فعالية اجتماعية أو ثقافية أو سياسية أو دينية .

باحث ومفكر عربي


435
الجامعة الاسلامية في روتردام
المنتدى العربي في هولندا
17-20/12/2009
روتردام







قيم التسامح
في الفكر العربي الاسلامي المعاصر *


الدكتور
عبد الحسين شعبان


ــــــــــــ
•   مفكر وباحث عراقي، له أكثر من 50 كتاب ومؤلف في قضايا الفكر والقانون والسياسة الدولية والصراع العربي- الاسرائيلي، والاسلام، والمجتمع المدني وحقوق الانسان .
•   محاضرة القيت في روتردام بدعوة من الجامعة الاسلامية في روتردام والمنتدى العربي في هولندا بتاريخ 18/12/2009


مقدمة

في أواسط التسعينات من القرن الماضي، بادرت المنظمة العربية لحقوق الانسان في لندن، التي كنت أتشرف برئاستها، الى تنظيم ملتقى فكري بعنوان "التسامح والنخب العربية" حضره نحو 50 باحثاً ومثقفاً وحقوقياً من بلدان عربية مختلفة، ومن تيارات فكرية وسياسية متنوعة. وقد انعقد الملتقى بمناسبة تسمية يوم 16 تشرين الثاني (نوفمبر) من كل عام "يوماً للتسامح العالمي"، بصدور قرار من الدورة الـ 28 للمؤتمر العام لليونسكو (1995).
وقد طرح البروفسور خليل الهندي في الجلسة الاولى سؤالاً في غاية الأهمية: هل يوجد تسامح لننظّم له ملتقانا الفكري الخامس أم أن غيابه يدعونا لتنظيم فعاليات للتذكير بجوهر مبادئ التسامح بمناسبة إقرار اليونسكو الاحتفال السنوي باليوم العالمي للتسامح؟ ولعل هذا السؤال المزدوج والمركّب ظلّ يتردد بأشكال مختلفة على ألسنة أكثر الباحثين والمتداخلين نفياً أو إيجاباً، إقراراً بواقع أليم أو أملاً وهدفاً في واقع جديد يتّسم بالتسامح.
لكن خاتمة الملتقى لم تكن تشبه بداياته، فقد استمرت أعمال الملتقى ثمان ساعات متصلة من الحوار والجدل، وصدرت لاحقاً في كتاب بعنوان: ثقافة حقوق الانسان، عن " البرنامج العربي لنشطاء حقوق الانسان" في القاهرة عام 2000، من إعداد وتقديم الباحث، حيث عبّر أغلب المتداخلين عن تأييدهم ودعمهم لنشر ثقافة التسامح على المستوى العربي، بينهم أديب الجادر وراشد الغنوشي ورغيد الصلح ومحمد بحر العلوم وأبونا بولص ملحم  وخليل الهندي ومحمد الهاشمي الحامدي وعبد السلام نور الدين وليث كبه وصلاح نيازي وبهجت الراهب ومصطفى عبد العال وآدم بقادي وعلي زيدان وعبد الحسن الأمين وعبد الرحمن النعيمي وكاتب السطور وآخرين، ودعوا الى: تأكيد قيم التسامح مع بعضنا البعض أولاًً، دون تخوين أو تكفير أو تأثيم أو تحريم أو تجريم أو غير ذلك من عوامل الاقصاء والإلغاء والاستئصال وعدم الاعتراف بالاختلاف والتنوع والتعددية.
وثانياً تأكيد قيم التسامح مع الآخر، فلا ينبغي النظر اليه باعتباره خصماً متربصاً أو عدواً مارقاً لمجرد الاختلاف، وثالثاً لا بدّ من تنزيه مبادئ التسامح من الفكرة الساذجة حول تعارضها مع مبادئ العدالة وتصويرها وكأنها دعوة للاستسلام، أو نسيان ما تم ارتكابه من جرائم لاسيما في فلسطين والعراق ولبنان وغيرها، ورابعاً إن تأكيد قيم التسامح لا تعني غضّ الطرف عن الارتكابات والانتهاكات لحقوق الانسان، بممارسة التعذيب او الاغتصاب او القتل الجماعي أو غيرها، ولعل تلك الجرائم لا تسقط حتى بالتقادم.

•   في مفهوم التسامح

التسامح يعني اتخاذ موقف ايجابي، فيه اقرار بحق الآخرين في التمتع بحقوق الانسان وحرياته الاساسية. وحسب اعلان مبادئ التسامح الذي صدر عن اليونسكو " إن التسامح يعني الاحترام والقبول والتقدير للتنوّع الثري لثقافات عالمنا ولأشكال التعبير وللصفات الانسانية لدينا، ويتعزز هذا التسامح بالمعرفة والانفتاح والاتصال وحرية الفكر والضمير والمعتقد..." وهكذا فالتسامح تأسيساً على ذلك: يعني الوئام في سياق الاختلاف  وهو ليس واجباً أخلاقياً حسب، وانما هو واجب سياسي وقانوني، الأمر الذي يعني قبول وتأكيد فكرة التعددية وحكم القانون والديمقراطية ونبذ الدوغماتية والتعصب.
   ان التسامح يعني أن المرء حر في التمسك بمعتقداته وأنه يقبل أن يتمسك الآخرون بمعتقداتهم، وكما أن الاختلاف من طبيعة الاشياء، فلا بدّ من الإقرار باختلاف البشر بطبعهم ومظهرهم وأوضاعهم ولغاتهم وسلوكهم وقيمهم، وهذا يقود الى الإقرار بحقهم بالعيش بسلام ودون عنف أو تمييز لأي سبب كان: دينياً أو قومياً أو لغوياً أو اجتماعياً أو جنسياً أو ثقافياً أو سياسياً...الخ.
وإذا لم يرد ذكر التسامح لفظاً في القرآن الكريم، الاّ أن ما يفيد عليه أو ما يقاربه أو يدّل على معناه قد جاء، حين تمت الدعوة الى: التقوى والتشاور والتآزر والتواصي والتراحم والتعارف والعفو والصفح والمغفرة وعدم الاكراه، وكلّها من صفات " التسامح" مؤكدة حق الاختلاف بين البشر و" الاختلاف آيات بيّنات"، ويشير ابن منظور في لسان العرب الى التسامح والتساهل باعتبارهما مترادفين، ويقول الفيرزوأبادي في القاموس المحيط: المساهلة كالمسامحة، وتسامحوا وتساهلوا، وتساهل أي: تسامح، وساهله أي ياسره، ولعل من استخدم مصطلح التسامح لأول مرّة بمعنى " التساهل" هو فرح انطوان في العام 1902.
ومنذ اعلان اليونسكو قبل عقد ونصف من الزمان تقريباً فقد انعقد الكثير من الفاعليات والأنشطة بشأن نشر ثقافة التسامح وصدرت كتب ومطبوعات وتأسست منظمات وشبكات لهذا الغرض، بينها الشبكة العربية للتسامح التي شكّلت دعوة مهنية وحقوقية لمبادئ التسامح، رغم اننا على الصعيد الفكري أو العملي ما تزال تفصلنا هوّة سحيقة عن قيم التسامح الانساني التي تكرست في مجتمعات سبقتنا على هذا الصعيد، الأمر الذي يحتاج الى مراجعات ونقد ذاتي، لاسيما من جانب النخب الفكرية والسياسية الحاكمة وغير الحاكمة، لمقاربة فكرة التسامح والتعاطي معها ايجابياً، على الصعيد الاخلاقي والاجتماعي، لاسيما بعد اقراره قانونياً ودستورياً. 
وقد لفت انتباهي صدور تقرير نصف سنوي عن حالة التسامح في مناطق السلطة الفلسطينية من مركز رام الله لدراسات حقوق الانسان، ولعله حسب معلوماتي هو التقرير الاول في العالم العربي، حيث رصد الفترة من 1/1/2008 ولغاية 30/6/2008، واشتمل على مقدمة وجزءين، وكان الجزء الأول قد تضمن تعريف المصطلح ومحدداته والتسامح الديني والسياسي والاجتماعي والاقتصادي، كما توقّف عند حرية المعتقد والحق في الاختلاف، ولعل هذا المبحث الأخير يعتبر جديداً في تناول من يتصدّون لفكرة التسامح التي تعتبر منظومة سامية لحقوق الانسان.
اما الجزء الثاني من التقرير: فقد تناول حالة التسامح في مناطق السلطة الفلسطينية تطبيقياً، لاسميا بعد الانقسام الحاصل في الصف الفلسطيني بين (حماس وفتح) والذي تمخّض عن سلطتين ولكن مع استمرار بقاء الاحتلال، في حين ان الهدف هو دولة فلسطينية تستند الى مبادئ التسامح. وتناول هذا المبحث محاولات توظيف الدين ومظاهر التعصب ونفي الآخر والصراع على السلطة القضائية ومحاولات التمييز وظيفياً، كما تناول في مبحث خاص التسامح الاجتماعي، فتوقّف عند مسألة المرأة والقتل العائلي والخلافات الشخصية والاعتداء على الممتلكات.
ومن مزايا التقرير أنه خصص مبحثاً خاصاً لحرية الاعتقاد والحق في التعبير، كما ختم هذا الجزء بخاتمة وخلاصات: بالشروع بالعمل الجاد للقضاء على مظاهر العنف واللاتسامح على المستويين الرسمي والشعبي، وتأكيد الحق في الاختلاف واحترام تطبيقه والدفاع عنه، الأمر الذي يستوجب توسيع هوامش الحريات العامة وفي مقدمتها حرية المعتقد، وهي اشارة متميزة عندما توضع في مقدمة الحريات التي يراد تأمينها والحق في الرأي والتعبير والتنظيم النقابي والتجمع السلمي والتعددية السياسية، ويتطلب الأمر تنشئة اجتماعية ونظام تعليمي يستجيب لذلك وتربية وتثقيف على الصعيد الحزبي والسياسي والديني، وتوظيف خطاب ديني ينبذ التحريض ضد المُختَلِف، ويرفض التطرف والتشدد، كما توجهت التوصيات الى الجهات الاعلامية ومؤسسات المجتمع المدني ودعتها لأن تلعب دورها في نشر ثقافة التسامح.
* غاندي وروح التسامح واللاعنف !
وإذا كنّا نتحدث عن حال التسامح في فكرنا العربي – الاسلامي المعاصر، فحريٌ بنا أن نستذكر المهاتما غاندي الذي عبّر عن فكرة التسامح في رسالة من السجن بالقول: لا أحب التسامح، ولكني لا أجد أفضل منه للتعبير عمّا أقصده، وهو الفكرة التي آمن بها نيلسون مانديلا بعد سجنه لمدة 27 عاماً، وهو ما عبّر عنه المطران جورج خضر في تقديمه لكتابنا حول " فقه التسامح في الفكر العربي-الاسلامي" بالقول: لست هنا مبرئاً ساحة الغرب وأعرف كل البؤس الذي أحلّه ليس فقط في الاسلام ولكن في الكنيسة الشرقية أيضاً... ولكن أن تردّ "العدوانية" بهجوم معاكس (أي بعدوانية معاكسة) فذلك يضعف مواقعك، ولعل ذلك كما نعتقد ليس هو الحل الأمثل!
نحن الآن أمام الذكرى الثايية والستين على إغتيال الزعيم الهندي المهاتما غاندي في 30 كانون الثاني (يناير)، ففي العام 1948 حين هاجمه متطرف هندوسي يُدعى فاتورام غودسي وأرداه قتيلاً، واضعاً حداً لحياة زعيم اقترب من " التقديس"  لدى الشعب الهندي بمختلف توجهاته وقومياته وأديانه وطوائفه وطبقاته الاجتماعية، فاتحاً صفحة جديدة من العنف أودت بحياة زعامات هندية مثل أنديرا غاندي ابنة جواهر لال نهرو 1984 وراجيف غاندي 1981 وآخرين. ولعل ذلك من مفارقات التاريخ، فالعام 1948 هو عام صدور الاعلان العالمي لحقوق الانسان وهو العام ذاته الذي تأسست فيه دولة اسرائيل.
لعل القاتل لم يفكّر في الاجابة عن سؤال طالما ظل يقلق غاندي ويسعى لاختبار صدقيته، وهو مستغرق في نضاله لتحرير بلاده، فهل هناك جدوى من العنف؟ وهل يمكن الوصول الى الهدف باللاعنف والتسامح؟ وقد فضّل غاندي الخيار الثاني رغم العذابات والحرمان، لكنه لم يكن يتوقع أن الغدر سيأتيه هذه المرّة على يد هندوسي بعد أن تمكّن من احراز النصر لشعبه.
كان غاندي يؤمن باللاعنف وبواسطته استطاع هزيمة أكبر امبراطورية في عصره (بريطانيا العظمى)، فهذا الرجل الأعزل نصف العاري، بنمط حياته البسيط، وبعلاقته الحميمة بشعبه، استطاع أن يثبت للعالم أن احدى وسائل المقاومة هي اللاعنف والتسامح والقدرة على إنجاز مشروع التحرير واستعادة السيادة والحقوق، بالمقاومة السلمية. وكان غاندي يُردّد: لو كان هناك بديل أفضل من التسامح لاخترته ولكني والحالة هذه لا أجد افضل منه!!
   اقترنت فكرة التسامح باسم فولتير التي بحث فيها وروّج لها ودافع عنها، إذ يعتبر الأب الروحي لها، وكان يبّشر بضرورة تحمل الانسان للانسان الآخر، فكلّنا بشر ضعفاء ومعرضون للخطأ، وعلينا أن نأخذ بعضنا البعض بالتسامح!!
   لقد ترك غاندي تأثيراته الكبيرة على ما سمّي بحركة اللاعنف أو المقاومة السلمية، الأمر الذي دفع دُعاة المساواة والحقوق المدنية للسود في الولايات المتحدة الى استلهام أساليب النضال التي أبدع فيها غاندي، وكان مارتن لوثر كينغ من أبرز الزعماء السود الذين تأثروا به.
   لم يكتفِ غاندي بالحديث عن اللا عنف، بل أظهر كيف أن المقاومة السلمية يمكنها أن تواجه وتتحدى من خلال سلاح المقاومة والإضراب عن الطعام والاحتجاج والاعتصام والتسامح!؟
   ولعل شخصية مثل نيلسون مانديلا الزعيم الجنوب أفريقي (ورئيس المؤتمر الوطني)، الذي مكث في السجن 27 عاما وقاد مقاومة سلمية ضد نظام التمييز العنصري " الابارتايد"، كان قد أمسك بمفتاح التسامح بعد مفتاح المقاومة السلمية، فاتحاً صفحة جديدة في نضال شعب جنوب أفريقيا مقدماً نموذجاً مهماً: للعدالة الانتقالية من خلال كشف الحقيقة وتحديد المسؤولية وجبر الضرر وتعويض الضحايا وإصلاح النظام القانوني والمؤسسي، والأهم من كل ذلك نشر فكرة التسامح وعدم اللجوء الى الثأر أو الانتقام أو العنف.
لقد ادرك غاندي أن  منهجه القائم على اللاعنف حظي بقبول واسع، وكان يردد أن ذلك خيار شعبي " فإذا انطلق شعبي فيجب أن ألحق بركبه لأنني زعيمه".
   وكان إعلان اليونسكو قد جاء بعد حين ليؤكد أنه " بدون التسامح لا يمكن أن يكون هناك سلام، وبدون سلام لا يمكن أن يكون هناك تنمية وديمقراطية".
   وإذا كان التسامح اصطلاحاً يعود الى تطور الفلسفة الغربية في القرنين السابع والثامن عشر، وبخاصة ما سمي بفلسفة التنوير، وذلك بعد بروز وتطور النزعة الانسانية المعتمدة على العقل في مواجهة اللاهوت والغيبيات، فإن هذا المصطلح راج في السنوات الأخيرة، حيث خصصت اليونسكو يوم 15 تشرين الثاني (نوفمبر) من كل عام يوماً للتسامح على المستوى العالمي، منذ العام 1995، كما تمت الاشارة اليه.
   في عالمنا العربي ما زال التسامح غير مقبول لدى أوساط واسعة، وربما نظرت اليه بعض الاتجاهات الإقصائية والإلغائية الاسلاموية باعتباره " نبتاً شيطانياً" أو " فكراً مستورداً"، لاسيما بعد خلطه بالنزعات التغريبية الاستتباعية التي تستهدف فرض الهيمنة وإملاء الارادة.
وفي الوقت الذي يهرب أصحاب وجهات النظر هذه الى التاريخ باعتباره ملاذاً، يتناسون أن الاسلام الأول وبخاصة الراشدي إتّسم بقدر كبير من التسامح والاعتراف بحق الاختلاف، لكنهم يحاولون الزوغان عن ذلك رغم محاولة تمجيد الماضي بهدف الهروب من الحاضر، الذي يزخر بالتأثيم والتحريم والتجريم ضد الآخر، الخارجي، الأجنبي، العدو، الخصم، بادعاء الأفضليات وإنسابها الى النفس ونفي الإيجابيات عن سواه، لذلك احتاج مفهوم التسامح الى " تبيئة" وتأصيل تاريخي بهدف جعله راهنياً وقائماً ومستمراً، بالعودة الى حلف الفضول ودستور المدينة  وصلح الحديبية والعهدة العمرية ووثيقة فتح القسطنطينية، إضافة الى القرآن والسنّة النبوية كدليل ومرشد لفقه التسامح.

•   اعلان اليونسكو حول التسامح

إذا كانت قضية التسامح حديثة في مجتمعاتنا العربية وهي ما تفتقر له وما تحتاج اليه، فإنها ما تزال محدودة على الصعيد العالمي، وإن كانت بعض المجتمعات قد وصلت اليها بعد معاناة طويلة.
ولعل اعلان منظمة اليونسكو بشأن التسامح كان قد حثّ المجتمع الدولي على الاحتفال بيوم التسامح ودعا الى لاعتماد أساليب منهجية وعقلانية لتعليم التسامح، وذلك بعد تشخيص أسباب عدم التسامح أو اللاتسامح، الثقافية والاجتماعية والدينية والسياسية وغيرها، أي أنه دعا الى فحص وتدقيق الجذور الرئيسية للتمييز والعنف والاستبداد في المجتمعات، لاسيما مع الآخر المُختلف، دون تأثيم أو تحريم أو تجريم، ذلك أن المجتمع البشري بحاجة الى نشر وتأصيل قيم التسامح كمنظور انساني وأخلاقي، لا يمكن تقدّم المجتمع الدولي والانساني من دونه، إذ لا يمكنه الخروج من غلواء التطرف والتعصب واللاتسامح، الاّ بتعميم فكرة قبول الآخر، حتى وإن تناقض مع رأي " الجماعة!!! وحسب اعلان اليونسكو فالتسامح يعني: الاحترام والقبول والتقدير للتنوّع الثري لثقافات عالمنا ولأشكال التعبير وللصفات الانسانية لدينا، وهو يتعزز بالمعرفة والانفتاح والاتصال مع الآخر وحرية الفكر والضمير والمعتقد.
لقد أصبح التسامح حاجة ماسّة ولم يعدْ ترفاً فكرياَ، فنقيضه هو اللاتسامح والتعصب والاستئثار ورفض الآخر. والتسامح يعني اتخاذ موقف ايجابي فيه اقرار بحق الآخر في التمتع بحقوق الانسان وحرياته الاساسية. وبهذا المعنى فهو مسؤولية قيمية وواقعية للاقرار بالحقوق والتعددية والديمقراطية وحكم القانون، وهو أمر ينطوي على نبذ الدوغمائية والاستبدادية، خصوصاً بالاقرار بحق الانسان التمسك بمعتقداته، وهو اقرار ناجم بأن البشر مختلفون في طباعهم ومظاهرهم وأوضاعهم وسلوكهم وقيمهم وقومياتهم ودياناتهم ولغاتهم وأصولهم، لهم الحق والمساواة في العيش بسلام، ولعل الخطوة الأولى لتعميم مبدأ التسامح حسب اعلان اليونسكو هي " تعليم الناس الحقوق والحريات التي يتشاركون فيها"، وذلك كي تحترم هذه الحقوق والحريات، فضلاً عن تعزيز عزمهم على حماية حقوق وحريات الآخرين.

•   كوابح التسامح !

   إذا ما استعرضنا العوامل الكابحة لنشر قيم التسامح، فعلى الصعيد الفكري ستعني حجب وتحريم حق التفكير والاعتقاد والتعبير لدى الآخر، بفرض قيود وضوابط تمنع أو تحول دون ممارسة هذه الحقوق، وأحياناً تنزل أحكاماً وعقوبات بالذين يتجرأون على التفكير خارج ما هو سائد أو مألوف سواءًا عبر قوانين مقيّدة أو ممارسات قمعية تحت مبررات شتى.
   اما على الصعيد السياسي فان اللاتسامح يعني احتكار الحكم والسعي للحفاظ عليه وتبرير مصادرة الرأي الآخر، تحت مبررات مختلفة تارة قومية او بحجة الصراع العربي- الاسرائيلي وأخرى طبقية بحجة الدفاع عن مصالح الكادحين، وثالثة دينية بحجة الحفاظ على الدين واعلاء كلمته، وفي كل الأحوال فإن الأمر لا يعني سوى إسكات الصوت الآخر أو تسويغ فكرة الاستئثار وإدعاء الحقيقة.
   وعلى الصعيد الديني فان عدم التسامح يعني التمييز بحجة الافضلية ومنع الاجتهاد وتحريم وتكفير أي رأي حر، بحجة المروق في ظل تبريرات ديماغوجية وضبابية، تمنع الحق في اعطاء تفسيرات مختلفة، خصوصاً ضد ما هو سائد، وأحياناً تزداد اللوحة قتامة في ظل الدين الواحد عبر التمترس الطائفي أو المذهبي في محاولة لالغاء الفرق والمذاهب والاجتهادات الفقهية الاخرى، بل فرض الهيمنة عليها بالقوة.
واجتماعياً فإن عدم التسامح يعني فرض نمط حياة معينة بغض النظر عن التطورات العاصفة التي شهدها العالم ، لأنماط متنوعة ، مختلفة ، متداخلة ، متفاعلة ، وأحياناً يتم التخندق بسلوك وممارسات عفا عنها الزمن وأصبحت من تراث الماضي .
وثقافياً، فإن اللاتسامح يعني التمسك بالقيم والمفاهيم القديمة والتقليدية ومحاربة أي رغبة في التجديد، أو أي شكل أو نمط للتغير، حتى إن الشعر الحديث يصبح "بدعة وضلالاً "  بل ضد التراث والتاريخ  وربما مؤامرة كبرى تستحق رجم ومعاقبة  القائمين عليه، وتنسحب مثل هذه النظرة على الكثير من الآداب والفنون وبخاصة  الموسيقى والرقص  والغناء  والمسـرح  والنحت  وغيرها،  ناهيك عن الحـب ! 
وإزاء الانغلاق وعدم التسامح الذي يسود عالمنا العربي والإسلامي،               ورغم  بعض الإرهاصات الجديدة، نرى العالم يسعى لتوسيع التسامح  حقـوقياً   بعد  أن جرى  تعميمه  أخـلاقياً ،  بحيث تشتمل الدعوة للدفاع عن أولئك اللامتسامحين أو الذين ينشرون  ويروجون  لإيديولوجيات اللاتسامح  التوتاليتارية. ورغم أن هذه الفكرة تثير نوعاً من النقد وربما الفزع في الغرب حالياً،  خصوصاً  بعد  احداث  11  أيلول (سبتمبر ) 2001  الارهابية  في الولايات المتحدة  لأن هناك من يعتبرها  خطراً على فكرة التسامح  ذاتها ، بل وتدميرها للحرية، لكن كارل بوبر،  يجيب بأن علينا عدم الانخداع بذلك الشعور الغريزي  بأننا  على صواب دائماً.

•   التسامح والآيديولوجيا!

تطور مفهوم التسامح من الفرد الى المجتمع ومنه الى الدولة، ثم الى المجموعة الدولية، ولم يعد المفهوم اصطلاحياً أو لغوياً يرتبط بالتكرّم والسخاء والجود والعفو والصفح والغفران والتساهل وغيرها، بل وصل الى الاعتراف بالحق واحترام الحق، مثلما له علاقة بالعمران والتنمية.
ان نشر مبادئ التسامح وسيادة روح الحق في الاختلاف، تتطلب إعادة التفكير في الموروث الثقافي وأخذ التراث في سياقه التاريخي وإعادة بناء العلاقة بين الثقافة والدولة وبين المجتمع والسلطة وبين الحكومة والمعارضة، التي هي مسؤولية جماعية وفردية في آن، فلا يوجد مجتمع بمعزل عن اغراء الاقصاء أو اللاتسامح، الاّ إذا أثبت هذا المجتمع قوة عزيمة ويقظة دائمة.
التسامح ليس لصيقاً بتراث أو مجتمع، إنه يمتد عبر العصور فلا "هو غربي ولا هو شرقي". ورغم أن الاديان جميعها تعلن تمسكها بالتسامح، فإن الحروب والإبادات استمرت عبر التاريخ وتمت في الكثير من الاحيان بإسمها وتحت لوائها.
   يمكن القول ان كل المجتمعات البشرية تحمل قدراً من اللاتسامح سلبياً أو إيجابياً، لكن الفرق بين مجتمع وآخر هو في مدى اعتبار التسامح قيمة اخلاقية وقانونية ينبغي اقرارها والالتزام بها حتى وان كان البعض لا يحبّها.
    اما الفرق الثاني بين المجتمعات المفتوحة التي توافق على التسامح وبين المجتمعات المغلقة التي ما تزال تتمسك باللاتسامح وبتهميش أو إلغاء الآخر، فإن بعض المجتمعات تستطيع إدارة التنوّع والتعددية الثقافية والدينية واللغوية والسلالية والاجتماعية وغيرها، في حين تخفق أو تعجز فيها مجتمعات أخرى، ويوجد في العالم اليوم أكثر من عشرة الاف تعددية، الامر الذي يستوجب ان تكون الدولة هي الحاضن الاكبر للتسامح، وهو يتطلب اعادة صياغة العلاقة بين الأنا والآخر على أساس المواطنة والمساواة الكاملة، ومن خلال التربية والاستفادة من المخزون القيمي للأديان وللفطرة الانسانية، وهو ما ينبغي أن ينعكس على الصعيد الدولي أيضاً.
بقي أن نقول، ان التسامح ليس ايديولوجيا مثل الايديولوجيات الأخرى الاشتراكية أو القومية أو الدينية، بل هو جزء من منظومة ثقافية، وعلينا ان نتعاطى معه على هذا الاساس الذي يسهم في تنمية المجتمع من خلال سنّ منظومة قانونية لا تعترف بالتمييز أو التعصب أو التطرف أو العنف، وهو ما تبنته الشبكة العربية للتسامح عندما وضعت شرطاً لمنح الجائزة على أن " يكون من الداعين لفكرة المساواة وحق بين البشر في العيش بسلام ودون خوف على المستوى الفردي والجماعي، دون تعصب أو انغلاق أو اقصاء أو إلغاء".

•   التسامح وصورة الاسلام النمطية!
شاعت في الغرب منذ سنوات، لاسيما بعد أحداث 11 أيلول (سبتمبر) الارهابية ما سمّي "بالاسلامفوبيا"  أي الرهاب من الاسلام، مثلما انتشرت في الفترة الاخيرة ما يمكن اصطلاحه بـ"العربفوبيا"  أي كراهية العرب والعداء لهم، ولعل ذلك ليس بمعزل عمّا يمكن نحته من " الزينوفوبيا" Xenophobia أي الرهاب من الأجانب، بمعنى كراهيتهم وعدائهم، وقد اتسعت هذه المسألة على نطاق كبير بصعود وانتشار بعض التيارات والاتجاهات العنصرية والفاشية في أوروبا. وقد تلمسنا حجم الهجوم الشديد على مؤتمر جنيف (ديربن-2)حول العنصرية وانسحاب الولايات المتحدة واسرائيل وعدد من دول الاتحاد الاوروبي منه، وتأييد مواقفها من لدى جهات وجماعات ودول غربية كثيرة، لمجرد استنكار ما ذهب اليه مؤتمر ديربن الاول العام 2001 من دمغ الممارسات الاسرائيلية بالعنصرية.
   ولعل حدثاً مثل مؤتمر ديربن يمكن استحضاره دليلاً على أن هناك اكثر من جهة هي التي تقف مسؤولة أمام تشويه صورة الاسلام في أعين العالم، فإضافة الى سيل الدعاية الصهيونية، التي سعت الى تصوير الصراع العربي- الاسرائيلي، باعتباره صراعاً بين أديان، أي بين الاسلام واليهودية، وبين قوى متخلفة عربية لا تؤمن بحق الوجود والديمقراطية، و"دولة" يهودية تسير في طريق الممارسة الديمقراطية، في حين ان الصراع بين حقوق مغتصبة وأرض محتلة وشعب مشرد في غالبيته الساحقة، وبين مغتصب اجلائي استيطاني، رغم أنه يتعكز على حقوق " سماوية " بأرض الميعاد المقدسة لشعب الله المختار، في حين ان الصراع دنيوي لتحرير الارض والوطن، وليس حول تعاليم الدين الاسلامي وشريعته وبين اليهودية وتلمودها.
أما في الغرب بشكل عام فتندفع بعض الاطروحات الرسمية وغير الرسمية لتساوي بين الاسلام وبين بعض الاتجاهات المتطرفة والمتعصبة الاسلاموية، والتي تستخدم تعاليم الدين أحياناً على نحو مشوّه ضد الدين ذاته، وهو ما نطلق عليه اسم "الاسلاملوجيا" أي توظيف التعاليم الاسلامية بالضد منها رغم أنها ترفع راية الاسلام. ولعل العرب والمسلمين دفعوا ثمن هذه الاتجاهات قبل غيرهم، رغم ان هذه الاتجاهات حتى وقت قريب وقبل حدوث ارهاب 11 سبتمبر (ايلول) لقيت تشجيعاً علنياً ومستتراً من بعض القوى والجماعات والدول الغربية مباشرة أو بصورة غير مباشرة.
   وأستطيع القول أن الكثير من النخب الفكرية والسياسية والثقافية الحاكمة وغير الحاكمة في الغرب، لم تتفهم حتى الآن وربما بصعوبة، طبيعة العلاقة مع العرب، طالما يتم تصوير الصراع العربي- الاسرائيلي على نحو مشوّه، لاسيما من خلال ممارسات خاطئة وضارة يقوم بها بعض المتطرفين بهدف اثبات افضليات الاسلام على المسيحية وعلى اليهودية، وجعل مسألة النصوص الواردة في القرآن الكريم مبرراً لمواصلة هذا الصراع بطريقة لا تخلو من عبثية، بحيث يمتد من أقصى المعمورة وحتى أقصاها، وكأن لا علاقة للمصالح الدولية بذلك، بما فيها مصالح المسلمين أنفسهم، والسياسة منذ بدء الخليقة وحتى تنتهي ستبقى تحكمها الصراعات واتفاقات المصالح، باقترابها أو ابتعادها عن المبادئ.
لا شك ان هناك نظرة ارتيابية مسبقة لدى الغرب والشرق بما فيه الاسلامي إزاء الآخر، والغرب ليس وحده المسؤول عن ذلك، فثمة مساهمات نحن مسؤولين عنها، لاسيما وقد انتشرت لدينا تيارات "أصولية" متعصبة ومتطرفة ومعادية للغرب، وهو ما نطلق عليه اصطلاحاً "الغربفوبيا " أي كراهية الغرب، والعداء لكل ما هو غربي بما فيها للحضارة الغربية وانجازاتها العلمية والتكنولوجية والفنية والجمالية والعمرانية الهائلة، بكل ما لها وما عليها.
الغرب ليس كلّه غرباً، فإلى جانب الغرب الامبريالي- العنصري في الماضي والحاضر، هناك الغرب التقدمي المؤيد لحقوق الانسان وحقوق الشعوب في تقرير المصير، وهو ما حاول مفكر بريطاني مرموق مثل الفريد هاليداي أن يضع اصبعه عليه في كتابه الموسوم " ساعتان هزتا العالم" وقبله كتابه " الاسلام والغرب". وكان عرفان نظام الدين قد تناول العلاقة بين العرب والاسلام في الغرب بوجهيها وذلك في كتابه " العرب والغرب" مثلما، أطلّ اعلامياً على ذلك في كتاب " الاسلام والاعلام " مؤشراً الى التقصير لدى الجانبين، خصوصاً في فهم العلاقة المتميزة والمتناقضة والمتداخلة، إضافة الى التعقيدات والاوهام والتشويهات التي صاحبتها ورافقتها وهو ما أسماه الدكتور غازي القصيبي الأساطير الاربعة التي حكمت نظرة الغرب الى الاسلام ما بعد أحداث 11 أيلول (سبتمبر).
ما زالت بعض تفسيراتنا قاصرة لفهم ما نطلق عليه " الصراع التاريخي" الذي يستمر بين الغرب المسيحي والشرق المسلم، وهو ما ندعوه الحروب الصليبية والمقصود "حروب الفرنجة" التي حدثت في القرن الحادي عشر الميلادي، ومن ثم الصراع مع الدولة العثمانية، وذلك لتأكيد حتمية الصراع باعتباره صراعاً تناحرياً غير قابل للحل أو التوافق، رغم أن الصراع يمكن أن يؤدي الى اتفاق مصالح حسب منطوق السياسة الدولية تاريخياً.
ان الابقاء على صورة العدو حاضرة في الأذهان، رغم اختلاف المواقف، حملت معها خرافات وأوهام كل طرف إزاء الآخر، فالاسلام حسب بعض الاطروحات الغربية يشجع على الارهاب ويحض على العنف، ويستند بعض هذه التصورات على عدد من غلاة الاسلامويين، الرافضين لكل تقدم أو حضارة باعتبار الغرب كلّه " شرٌّ مطلق"، وهكذا تستكمل صورة العدو، وإن لم يوجد بالفعل، فقد تم صناعته مثلما حصل بعد انهيار الشيوعية الدولية، فوجدت بعض التيارات في الغرب، اختراع الاسلام عدواً بديلاً، وحسب أحد المعلقين البريطانيين جورج مونبيت Georges Monbiot ، فلو لم يكن بن لادن موجوداً، لكان على امريكا أن تخترعه، فقد اخترعته الـ CIA العام 1979 واليوم تبحث عنه الـ FBI، وهكذا تم استبدال مصطلح المجاهدين الافغان أيام الغزو السوفيتي الى أبالسة وشياطين بسبب مواجهتهم للسياسة الامريكية لاحقاً.
ان صورة العدو الذي يتم صناعته في الغرب ليست بعيدة عن الخرافات والاختلاقات بمجابهة مزعومة مع الاسلام، وهي الصورة التي يقابلها لدى الاسلامويين والتيارات المتشددة، بوضع الغرب في صورة العدو المستمر والمواجهة الحتمية الابدية، ويميل هاليداي الى اعتبار نموذج صموئيل هنتنغتون بشأن الصدام الحتمي للحضارات هي الأكثر رواجاً لدى الفريقين، ولذلك لقي كتابه "صدام الحضارات" اهتماماً منقطع النظير مثل كتاب فرانسيس فوكوياما " نهاية التاريخ".
ولعلي طرحت باستمرار سؤالاً على نفسي: هل يستطيع المواطن الغربي أو الاوروبي أن يدرك وأن يتفهم أن من يضحّي بنفسه في فلسطين، ليس من أجل تطبيق الشريعة الاسلامية، وليس من أجل فرض ارتداء الحجاب للنساء أو إقامة الحد أو لفرض دفع الجزية أو التعامل مع أهل الذمة أو حتى إقامة الحكم الاسلامي، بل إنه يفعل ذلك من أجل تحرير وطنه وأرضه المحتلة والمغتصبة، سواءً كان متديناً أو غير متدين، مسلماً أم مسيحياً أم غير ذلك!
وأدركت في حوارات مختلفة مع الكثير من النخب الفكرية والسياسية والثقافية، الحاكمة وغير الحاكمة في الغرب، أنه ليس من السهولة عليها فهم طبيعة الصراع، طالما جرى تصويره على نحو مشوّه ودون دلالة تُذكر، لاسيما من خلال ممارسات وتطبيقات خاطئة وضارة يقوم بها بعض المتطرفين بهدف اثبات افضليات الاسلام على اليهودية، وجعل مسألة النصوص الواردة في القرآن الكريم حول نكث العهود مبرراً باعتبار الصراع الديني بين اليهودية والاسلام استئصالياً، وبالتالي فهو صراع دائم لا نهاية له.
ووفقاً لهذا المنطق الخاطئ فإن هذا الصراع يمتد من أقصى المعمورة الى أقصاها، وهو غير محصور في بقعة معينة من العالم محتلة بقوة السلاح باستعمار اجلائي، استيطاني، وارهاب دائم ومستمر بكونه يشتبك مع مصالح دولية  ويعبّر عنها في جزء متقدم من ستراتيجيتها الكونية في الشرق الأوسط، حتى وان تعكّز على " حق ديني" أو مزاعم آيديولوجية روّجت لها الصهيونية العالمية منذ مؤتمرها الاول في مدينة بال " بازل"  السويسرية العام 1897 وبعد صدور كتاب تيودور هيرتزل " دولة اليهود" بعام واحد.
ان ما يقوم به الفلسطينون مدعومين من المسلمين وأحياناً تحت راية الاسلام لإضفاء نوع من القدسية على هدفهم النبيل، انما ينسجم مع قواعد القانون الدولي، الذي يجيز للشعوب التابعة والمستعمرة استخدام جميع الوسائل بما فيها القوة المسلحة، لاسترداد وطنها واستعادة سيادتها، وذلك لا علاقة له بالرؤية المشوّهة لاعطاء الصراع طابعاً دينياً.
وإذا كان الاسلام يذهب الى تأييد مثل هذه التوجهات بما فيها استرخاص الغالي والنفيس وصولاً الى الهدف، بالسلم او بالجهاد، فإن دعوته هذه أرضية وحقوقية وقانونية وضعية، حتى وإن يتم فيها توظيف التعاليم السماوية كأداة فلسفية وروحية، لهدف أرضي وانساني وهو تحرير الاراضي المغتصبة وحق تقرير المصير، في حين ان دعاوى الصهيونية سماوية تتعلق بأرض الميعاد وتحقيق الوعد الالهي لشعب الله المختار.
على النخب الفكرية والسياسية والثقافية العربية والمسلمة التمييز دائما بين مفهوم الحضارة التي ننسبها الى الغرب وهي نتاج انساني وبشري، وبين مفهوم الغرب السياسي، فالاولى هي منظومة من الفلسفات والافكار لما وصلت اليه البشرية كنتاج لتطورها السياسي والثقافي والجمالي والعمراني والفني والتكنولوجي والادبي، في حين ان الغرب السياسي يعني النظم والآيديولوجيات الحاكمة في أوروبا والولايات المتحدة، القائمة على المصالح بالدرجة الاساسية، وقد تكون أحياناً في تعارض مع مقتضيات السلوك الحضاري أو مثله وقيمه الانسانية العليا، خصوصاً مع شعوب وأمم أخرى.
لكن هذه النظم المتمثلة باوروبا وامريكا في الوقت نفسه تعتبر مستودعاً للتقدم العالمي لعصرنا بجميع ايجابياته وسلبياته، وبالتالي لا يمكن تبسيط الموقف من الغرب باعتباره كله " شرٌّ مطلق"، وهي النظرة التي تتذرع بها اسرائيل لحماية نفسها من " آلة التدمير" العربية والاسلامية، بتأكيد انتمائها الى الغرب الحديث، ولاثبات تعارضها مع أهداف العرب والمسلمين، ولعل هذا ما حاولت ترويجه خلال انعقاد مؤتمر جنيف (ديربن-2) حول العنصرية والتمييز العنصري وكراهية الأجانب نيسان (ابريل) 2009، وهو ما استطاعت أن تحشد له طاقات وامكانات دولية هائلة في الولايات المتحدة والغرب، مستفيدة من بعض الاطروحات الخاطئة والضارة التي ما تزال تهيمن على بعض التوجهات الاسلاموية، فضلاً عن تقاعس العرب والمسلمين منذ مؤتمر ديربن العام 2001، وذلك بعد أن حصلوا على نصر سهل لم يستطيعوا الحفاظ عليه أو توظيفه لمصلحتهم، لاسيما بعد أحداث 11 أيلول (سبتمبر) الارهابية، وهو ما حشدت اليه اسرائيل جميع الطاقات منذ ثمانية أعوام، حتى تحقق لها ما أرادت، رغم مقاطعتها مؤتمر جنيف، وهو ما سبق أن استخدمته بشكل بارع يوم تمكّنت من إلغاء القرار 3379 الصادر عن الجمعية العامة للامم المتحدة في 10 تشرين الثاني (نوفمبر) 1975 بخصوص مساواة الصهيونية بالعنصرية.
لقد عبأت اسرائيل آلة اعلامية وسياسية كبيرة، بما فيها حضور عشرات من منظمات المجتمع المدني بتكليف واسهام مباشر منها أو بطريق غير مباشر عبر التنسيق والتحالف وضخ المعلومات وتهويل صورة مؤتمر ديربن الذي دمغ الصهيونية بالعنصرية، وكذلك بالاستفادة من بعض الأطروحات المتطرفة أو الشعارات ذات النبرة العالية، مستغلة إياها باعتبارها مهددة بالاستئصال، في حين  أنها هي التي تحتل الاراضي العربية وتمارس سياسة عنصرية ضد سكان البلاد الاصليين وترفض القرارات الدولية وحق العودة، وتضم القدس والجولان خلافاً للشرعية الدولية، وفي الوقت نفسه تلصق كل أعمال العنف والارهاب بالاسلام في صورة نمطية، ليست بعيدة عن الصهيونية ذاتها.
ولعل صدور رأي استشاري من محكمة العدل الدولية بخصوص عدم شرعية بناء جدار الفصل العنصري، ومن ثم صدور تقرير غولدستون الذي اتهم اسرائيل بارتكاب جرائم في غزة تقترب من جرائم الحرب، وقبل ذلك صدور تقرير بوستروم بشأن اتهام اسرائيل بالاتجار بالاعضاء البشرية للفلسطينيين، كلّه يضع اسرائيل أمام مساءلات دولية، خصوصاً وأن سياساتها طيلة ما يزيد عن 60 عام، كانت عدوانية وعنصرية بامتياز وبالضد من قيم التسامح.

•   وقفة للمراجعة الفكرية
أيكفي تكرارنا القول ان تعاليم الاسلام وبخاصة الواردة في القران الكريم والسنّة النبوّية تحضّ على التسامح، وان الكثير من تطبيقات الخلفاء الراشدين في الاسلام الاول كانت تمثل قيم التسامح؟ أم ان هناك فروقاً كثيرة وجوهرية بين بعض النصوص النظرية وبين التاريخ الاسلامي، الذي هو مثل كل تاريخ البشرية، حفل بالكثير من مظاهر اللاتسامح والعنف والاقصاء وتهميش الآخر، لدرجة تأثيمه وتجريمه أحياناً، سواءً على الصعيد النظري او على الصعيد العملي والتطبيقي من خلال الممارسات والاعمال؟
   جدير بالذكر الاشارة الى ان فترة الاسلام الاول، شهدت اعترافاً بالآخر والدعوة الى المساواة والتواصي والتآزر والرحمة، لكن ثلاثة من " الخلفاء الراشدين" : عمر وعثمان وعلي (رضي الله عنهم) لقوا حتفهم مقتولين، ولم تفلح مبادئ التسامح التي دعا اليها الاسلام من أن تحول دون ذلك، فالتسامح بحاجة الى بيئة حاضنة وتراكم وتربية، ليتحوّل الى قوة مادية يصعب إقتلاعها، خصوصاً اذا ما انتقل من طور الاخلاق الى الحق ومن ثم ليؤسس عبر قوانين وتشريعات ومؤسسات!
   لكن هذه القراءة الانتقادية للتاريخ الاسلامي، لا ينبغي ان تصب في الموجة الجديدة- القديمة من الاتجاه المعادي للاسلام، التي تحاول التصيّد بالماء العكر، لأخذه بجريرة بعض الاعمال الارهابية، أو أن تشمل جميع المسلمين، الذين يتم دمغهم بالارهاب بالجملة، وهو ما يتردد على لسان مسؤولين ومفكرين واعلاميين ورجال دين ومستشرقين في الغرب، بل هناك بعض الاساءات شملت حتى رسولهم النبي محمد (ص)، لعل آخرها كان ما أطلقه البابا بنديكتوس السادس عشر، في محاضرة بجامعة ريغينسبورغ، من توصيفات على لسان الامبراطور اليوناني مانويل الثاني في القرن الرابع عشر، "باتهام الاسلام بالعنف".
   ولعل مثل هذه الاتهامات والتعميمات لا يجمعها جامع مع المشترك الانساني والديني، ناهيكم عن الوقائع التاريخية، خصوصاً وانها تصدر من اعلى مرجع في الكنيسة. كل ذلك يحدث ولم تكن قد إنتهت تداعيات نشر صحيفة دانماركية صوراً مسيئة للنبي محمد (ص)، بما سببته من تصدع العلاقات المسيحية- الاسلامية، ليس على صعيد الحاضر حسب، بل على صعيد المستقبل، يضاف اليه الآن نتائج الاستفتاء الشعبي في سويسرا ضد بناء المنائر الاسلامية.
   كما أن ما ورد على لسان الرئيس الامريكي السابق جورج دبليو بوش(آب/ اغسطس2006) وخلال العدوان الاسرائيلي على لبنان حول " الفاشية الاسلامية" وقبلها الاشارة الى "الحرب الصليبية" فيما يتعلق بحملة مكافحة الارهاب الدولي، انما يصّب في هذا الاتجاه العدائي، خصوصاً وانه قسّم العالم الى قسمين " اما معنا.. أو مع الارهاب" اي مع " معسكر الخير والنور" او "معسكر الشر والظلام"، وهو الوجه الآخر لما ذهب اليه اسامة بن لادن حين قسّم العالم الى فسطاطين، ولعل هذا الأمر يحتاج الى إعادة النظر بالأفكار والآراء المسبقة بخصوص الاسلام، وهو ما يضع مسؤوليات على ادارة أوباما، طالما أنه أخذ على عاتقه مبادرة مخاطبة المسلمين على نحو مختلف، بما يعزز الحوار والتفاهم بدلاً من الصراع والصدام بين الحضارات والثقافات والأديان.


•   نحن ومفارقات التسامح

   اذا كان "الغرب" قد وصل الى التسامح في مجتمعاته، بعد معاناة طويلة ومعارك طائفية طاحنة وحروب عالمية حصدت ارواح عشرات الملايين من البشر، فان مثل هذا الامر لم يأخذ مداه على المستوى الدولي وبخاصة محاولات فرض الهيمنة والاستتباع، وبعد انهيار الكتلة الاشتراكية في اواخر الثمانينات، حيث يراد للعالم التسليم بظفر الليبرالية الجديدة، نموذجاً وحيداً للنظام الدولي على المستوى السياسي والاقتصادي، وخلال نحو عقدين من الزمان خيضت حروب وأعمال ابادة وفرضت حصارات وشنت عدوانات وُقلبت انظمة واقيمت كيانات، كلّها بعيدة عن روح التسامح، بالاعتماد على نظرية القوة وليس قوة القانون وروح ميثاق الامم المتحدة، وذلك بسبب نهج التفرد والاستئثار والمصالح الأنانية الضيقة!
   ومن جهة اخرى فإن التسامح كمفهوم في العالمين العربي والاسلامي ما زال قليل القبول لدى اوساط واسعة، وربما نظرت اليه بعض الاتجاهات الاقصائية والالغائية على انه " نبت شيطاني" او " فكر مستورد" خصوصاً مع خلط المفاهيم  تعسفاً احياناً، بالنزعات التغريبية وتصويرها باعتبارها استتباع واستخداء للآخر، الخارجي، الاجنبي، المختلف، الخصم والعدو! والامر ينسحب على نحو أشد ربما على النطاق الداخلي وفي داخل كل بلد عربي أو جماعة سياسية ودينية ومذهبية واثنية!
   ويهرب اصحاب هذا الاتجاه الى التاريخ، ملاذهم، بالادعاء: ان الاسلام الاول، الراشدي إتسم بالتسامح والاعتراف بحق الاختلاف،وهو وإن كان صحيحاً، لكنهم لا يناقشون الحاضر او يحاولون الزوغان عن كل ما من شأنه الاعتراف بمبادئ التسامح وحق الاختلاف في زمننا الحالي، فهو من وجهة نظرهم مرفوض ومستغرب، في محاولة تمجيدية للماضي وادعاء الافضليات، لذلك احتاج هذا المفهوم الى تبيئة وتأصيل تاريخي بهدف جعله راهناً ومستمراً وقائماً.
   وبقراءة الوضع الراهن فهناك اربعة مواقف أو اتجاهات من مسألة التسامح:
   الاتجاه الاول-الذي نطلق عليه "الرافض" فهو يرفض كل حديث عن التسامح على النطاق الديني او الفكري او السياسي او الثقافي او الاجتماعي، الداخلي او الخارجي (الدولي) بحجة امتلاكه للحقيقة والافضليات، اما المختلف والآخر فإنه لا يمثّل سوى النقيض، وعلى المستوى العالمي فإنه يمثل الكفر والاستكبار.
   الاتجاه الثاني- هو الاصلاحي وهو تعبير عن تيار اصلاحي (توافقي) يتقبّل بعض افكار التسامح بانتقائية بهدف مواكبة التطور الدولي، لكنه يظل مشدوداً للفكر التقليدي السائد، وان كان يسعى للتواصل مع الآخر بحذر شديد، وربما بريبة أيضاً.
الاتجاه الثالث- الذي نسميه الاتجاه التغريبي، فهو يؤيد فكرة التسامح ويحاول تعميمها على كل شيء، وهو يدعو الى قطع الصلة بالتراث والتاريخ واعتبار التسامح قيممة حداثية لا علاقة لها بالاسلام، بل يضع في اعتباره كون التسامح نقيضاً للاسلام الذي يحضّ على "العنف" و"الارهاب" حسب فهم خاطئ لبعض الاتجاهات الاسلاموية أو الاسلامية وموقفها من الحداثة، دون تمييز بين الاسلام وبين بعض الاتجاهات السياسية.
الاتجاه الرابع- الذي نعتبره قيمياً وهو تعبير عن التيار المؤيد للتسامح، والذي يعتبره قيمة عليا، لاسيما بربطه بحقوق الانسان، دون التعامل معه على نحو مبتذل فيما يتعلق بالصراع العربي- الاسرائيلي والتنكر لحقوق الشعب العربي الفلسطيني، فالتسامح لا يعني التهاون إزاء حقوق الانسان أو قيم العدالة أو تبريرها تحت أية حجة أو ذريعة.
وإذا كانت فكرة التسامح مؤاتية ولها تفاعلات مع الفكرة الليبرالية والعقلانية والمدنية والعلمانية، الاّ ان جذورها تمتد الى الحضارات والثقافات المختلفة، ويزخر التراث الانساني باستلهامات من قيم التسامح، لكنه كمنظومة متكاملة كان من نتاج حقبة التنوير لاسيما في القرن الثامن عشر.

•   الهروب الى الماضي !
    ان القراءة الارتجاعية للنص الاسلامي وللتعاليم والمفاهيم الاسلامية دون عُقد الحاضر وحساسياته، ودون اخضاعها لحسابات مؤقتة وربما طارئة، فإنها تؤكد ان الاسلام " المفاهيمي" ومن خلال عدد من فقهائه، طريق رحب يمكن ان يسلكه الانسان في حياته حيث سيجده، مفعم بالحيوية والنشاط والانفتاح والعطاء، وصولاً الى التسامح، خصوصاً إذا كان الأمر بعيداً عن أصابع المفسرين والمؤولين من المتشددين واللامتسامحين من الاسلامويين، الذين حاولوا تطويع احكام الاسلام بطريقة مؤدلجة تماشياً مع القيم السائدة والافكار المتعصبة والمغلقة وخدمة لمن بيدهم الامر.
   وساهمت بعض هذه التنظيرات في كبح جماح العقل وتحويل تعاليم الاسلام الى مجرد " تعاويذ" و"أدعية" ووصفات جاهزة ومعلبة، اقرب الى التحنيط والجمود والصنمية خصوصاً ازاء الآخر، وعبر يقينيات لا تقبل الجدل او الحوار.
   كان الى جانب الاسلام والايمان نقيضهما أحياناً في دولة الاسلام المدنية، ولكن ثقة الاسلام بنفسه جعلت التعايش ممكناً مع النقيض. حسبي هنا ان اشير الى احتواء كتاب  " التوحيد الكافي" على اقوى الاستدلالات، التي إستند اليها منكروا التوحيد دون ان يؤثر ذلك في عرض الرأي الآخر المناقض، المخالف، المعارض، حتى وان احتوى على ما يتعارض مع جوهر الايمان.
   الاسلام بتعاليمه لا يجد غضاضة في الجدل والنقاش ونقد الرأي المخالف انطلاقاً من قاعدتين :
1-   مبدا التسامح ازاء سماع الراي الآخر.
2-   الايمان بالعقل باعتباره الاساس في المحاججة وليس النظرة المسبقة.
   ليس ثمت تناقض بين العقل والايمان، وهو جوهر النقد الذي تناوله البابا في محاضرته التي اثارت ردود فعل شديدة، لكن التاريخ الاسلامي شهد فترات سبات للعقل وتغلّب عليه العنف وساد السيف قبل الرأي، ولكننا لا بدّ من التمييز بين الاسلام كمفاهيم ومبادئ ومعتقدات وتعاليم وبين التاريخ والممارسات والتطبيقات والتجاوز على المبادئ.
   بخصوص التسامح والاختلاف فهناك نموذجين احدهما: معياري والثاني واقعي، فهناك من يقرّ بالاختلاف وبالتالي بالتسامح في المسائل الفرعية، وهناك من يذهب أبعد من ذلك حين يقرّه في المسائل العقدية والاصول " فكل مجتهد مصيب في اجتهاده، وان لم يصب في حكمه" وذهب الامام الشافعي للقول:" رأيي صواب ولكنه يحتمل الخطأ ورأي غيري خطا ولكنه يحتمل الصواب".
   وقديماً قيل قد يصيب الناظر وجهاً من وجوه الحقيقية، وهو ما ذهب اليه ابن رشد، ولهذا فإن تباين الاجتهادات واختلاف التفسيرات، انما يدل على تباين الطرق الموصلة الى الحقيقة، فطريق الحق ليس واحداً، بل كثير ومتعدد، وهو الامر الغائب عن واقعنا الحاضر الشديد الالتباس والبعيد عن قيم التسامح.
   هناك بعض الاسلاميين المتعصبين أو الاسلامويين، يعتبرون أي حديث عن التسامح يقود الى " التساهل ازاء العقيدة والى الاباحية" وبعبارة اخرى: نشر الليبرالية بكل ابعادها على حساب الدين. وهو ما يذهب اليه مصباح يزدي احد منظري التيار اليميني المحافظ في ايران، الذي يعتبر التسامح يعني فيما يعنيه: التسيّب وانعدام الغيرة واسلوباً

436
العراق ومعركة المياه

عبدالحسين شعبان
2010-05-10
يعاني العراق من كارثة مائية خطيرة تتعلق بشحّ المياه واتخاذ إجراءات من دول الجوار، أسهمت في تفاقم أوضاعه وزادت من عملية التصحّر وأدت إلى موت الكثير من المزارع والبساتين، لاسيَّما قيام إيران بتغيير مجرى الأنهر الحدودية، وتغيير مجرى نهر كارون الذي يصب في شط العرب، وإنشاء 12 سداً وخزانات كبرى، وتغيير مجرى نهر الكرخه الذي يغذّي شط العرب وهور الحويزة.
وكانت تركيا منذ نحو أربعة عقود من الزمان قد بنت نحو 22 سداً بما فيها سد الغاب الكبير Gap، الأمر الذي أثّر على منسوب المياه التي تصل إلى العراق من حوضي نهري دجلة والفرات، وإلى حدود غير قليلة تضررت سوريا، وقد نشبت في السبعينيات معركة ضارية شكلها مائي وأساسها سياسي بين العراق وسوريا، ثم تمت بعض التسويات، ودخلت كل من سوريا والعراق مفاوضات مع تركيا طيلة العقود الماضية.
ولعل مشكلة المياه الإقليمية تفاقمت واتخذت أبعاداً خطيرة بعد اندلاع الحرب العراقية- الإيرانية التي دامت ثماني سنوات (1980-1988) وفي ظروف الحصار الدولي الجائر الذي دام 13 عاماً، وعند انهيار الدولة وحل مؤسساتها.
وكنت قد تابعت هذا الملف قبل ثلاثة عقود من الزمان، وقد نشرتُ كتاباً عن النزاع العراقي- الإيراني وعدداً من الدراسات، تعرضت فيها لمشكلة شط العرب والمياه الإقليمية، وأشرت فيها إلى أثر العوامل الطبيعية على وقوع النهر لاحقاً في الأراضي الإيرانية، لاسيَّما إذا تم اتباع خط الثالويك Thalweg، وتسنّى لي متابعة شحّ المياه على المستوى العربي والدور الخارجي لتفاقم المشكلة، وبعد توقف الحرب وبُعيد غزو الكويت، كتبت مقالة في جريدة الحياة (1991) حول معركة المياه العربية، وبضمنها مسألة شط العرب، حيث تمت العودة إلى اتفاقية الجزائر الموقعة في 6 مارس لعام 1975 بين شاه إيران والرئيس السابق صدام حسين (عندما كان نائباً)، وعالجت ذلك لاحقاً في كتابي «عاصفة على بلاد الشمس» الصادر عام 1994، بتخصيص فقرة خاصة عن ذلك باعتبارها المعركة القادمة. ولم يكن بمقدوري تصوّر أن الأمر سيصل إلى ما نحن عليه، خصوصاً لما تعانيه بلاد الرافدين الآن، من عطش وشح في المياه.
وإذا كان ارتفاع بعض الأصوات ضد معاهدة 6 مارس عام 1975 بين بغداد وطهران لاعتبارات سياسية، فإن الأمر يتجاوز ذلك لأسباب تتعلق بمصالح العراق وأمنه الاستراتيجي، لاسيَّما أن النظام السابق قدّم تنازلات كبيرة لنظام شاه إيران، وبخاصة باعتبار خط الثالويك هو الحد الفاصل للحدود العراقية الإيرانية، وهو خط وهمي يمتد من وسط مجرى النهر عند أعمق نقطة فيه وحتى البحر، علماً بأن شط العرب ليس نهراً دولياً، وإن كان هناك جزء منه كحد فاصل للحدود، بل هو نهر وطني عراقي، وأن الضفة الشرقية اليُسرى له كانت هي الحدود الفاصلة بين البلدين، رغم أن المعاهدات التي تم التوقيع عليها سواءً في عهد الدولة العثمانية أو عند تأسيس المملكة العراقية وبخاصة معاهدة عام 1937 قدّمت بعض التنازلات لإيران.
وكانت آراء بعض الخبراء والمختصين قد تحدثت مبكراً عن احتمال ذهاب شط العرب -بسبب الطمي والغرين والعوامل الطوبوغرافية- إلى داخل إيران وانحساره عن العراق، وحسب بعض التقديرات فإن الأمر سيحصل خلال قرن من الزمان أو أكثر قليلاً، الأمر الذي تعتبر معه اتفاقية الجزائر تفريطاً بحقوق عراقية في المياه واليابسة، وبغض النظر عن بعض التبريرات السياسية، بما فيها السكوت عن المطالبة بالجزر العربية الثلاث التابعة لدولة الإمارات العربية (طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى) فضلاً عن التصدّي لحركات المعارضة، بما فيها ثوار ظفار والمعارضة الإيرانية لنظام الشاه بحجة ملاحقة المتمردين، وكذلك للمعارضة العراقية السابقة، وبخاصة البيشمركة الأكراد، فإن الاتفاقية كانت لصالح إيران باستثناء وقف دعم الكرد العراقيين، الذي كان الهدف الأول للحكومة العراقية.
وإذا كان المحذور قد حصل، لاسيَّما بإشعال الحرب العراقية- الإيرانية، فإن من وصل السلطة من المعارضة لم يحرّك ساكناً، وهكذا تمت العودة الى اتفاقية الجزائر بعد حرب ضروس وظلّت هي التي تحكم العلاقات بين البلدين، وهي اتفاقية مجحفة ومذلّة وغير متكافئة، وقّعها نظامان أطيح بهما، لكن التأثيرات السلبية الخطيرة لها لا تزال تفعل فعلها، بل إن أحد رؤساء مجلس الحكم الانتقالي طالب بتعويض إيران مبلغ 100 مليار دولار بتحميل العراق مسؤولية الحرب، علماً بأن النظام الذي بدأ الحرب كان قد انتهى، حتى وإن كان يتحمل مسؤولية في شنّها، في حين أن إيران واصلت هذه الحرب، رغم إبداء العراق استعداده للجلوس إلى طاولة المفاوضات، ثم انسحابه منذ عام 1982 إثر معركة المحمرة (خورمشهر)، إلى أن وافقت إيران على القرار 598 الصادر في عام 1987، وتوقفت الحرب في 8/8/1988.
اليوم وبعد مرور 30 عاماً على اندلاع الحرب تزداد كارثة المياه في العراق، وهو ما نبّه إليه مركز علوم البحار ومحافظة البصرة وعدد من النواب، وذلك بسبب جفاف الكثير من الأنهار والروافد الصغيرة، إضافة إلى قطع وتحويل مياه بعض الأنهر والروافد، التي تصبُّ في مياه دجلة والفرات، وترافق ذلك مع حبس حصة العراق المائية في تركيا بسبب السدود الكبيرة، وتسبب ذلك في شحّ المياه في العراق، وبسبب عدم الاستقرار السياسي وضعف الحكومات المتعاقبة بعد احتلال العراق في عام 2003، وقبلها لأسباب الحصار الدولي وانشغال الحكومة بمشاكلها الداخلية، فقد تسلل العطش والتصحّر إلى محافظات كثيرة بما فيها البصرة «أم المياه» كما يقال، حيث أسهم بانجراف التربة البحرية وتهديد إغلاق القنوات الملاحية في البحر وإغلاق بعضها في المواني العراقية، مثلما هي قناة خور عبدالله بعد قرار مجلس الأمن 833 بشأن ترسيم الحدود العراقية- الكويتية.
إن هذا الوضع يتطلب بحث المسألة مع دول الجوار، لاسيَّما إيران وموضوع شط العرب وخور عبدالله والكويت ومياه حوضي دجلة والفرات والسدود التركية مع تركيا، إضافة إلى التفاهم مع سوريا على عمل مشترك وتنسيق المواقف إزاء حقوقهما لدى الجانب التركي وفي كمية المياه التي تأتي عن طريق سوريا في نهر الفرات.
إن ما يحصل اليوم هو بمثابة ناقوس خطر فيما يتعلق بالمياه الإقليمية والمواني العراقية والمنافذ البحرية، وينعكس ذلك سلباً على البيئة البحرية والموارد المائية، إضافة إلى تأثيراتها الاستراتيجية على مرور السفن والناقلات العراقية، حيث يخسر العراق سنوياً الكثير من أراضيه، بسبب النشاط الترسبي وعمليات التعرية، وهذه الأراضي تضاف إلى إيران.
إن شط العرب هو المنفذ الملاحي العراقي الوحيد إلى الخليج العربي، ويتألف من التقاء نهري دجلة والفرات عند كرمة على جنوب العراق، ويبلغ طوله 204 كم، ونصفه في العراق (بكلتا ضفتيه)، أما عرضه فيتراوح بين 400 متر أمام مدينة العشار ليصل إلى 1500 متر عند مصبه في الخليج.
ومع جميع التنازلات التي قدمتها الدولة العثمانية لبلاد فارس، فإن معاهدة إرضروم الأولى 1823 ومعاهدة إرضروم الثانية 1847، اعترفتا بأن الحدود تسير مع الضفة الشرقية اليسرى لشط العرب، أي أن الشط بقي بكامله داخل الأراضي العراقية باستثناء جزء منه اعتبر الخط الفاصل للحدود، وهو ما أكده بروتوكول طهران لعام 1911 وبروتوكول القسطنطينية لعام 1913، وبهذا المعنى فإن النهر كلّه ظلّ عراقياً، باستثناء موافقة الدولة العثمانية على بناء مرسىً أمام ميناء المحمرة (لمسافة نحو 7.5 كم)، وهو ما أقرّته اتفاقية عام 1937 وكذلك باعتراف وضع خاص مقابل مدينة عبادان طوله نحو 7 كم، مع تأكيد سيادة العراق وبقاء النهر مفتوحاً للسفن التجارية والأخرى ومراعاة خصوصية الوضع الإيراني.
وإزاء سوء العلاقات أقدمت إيران على إلغاء معاهدة عام 1937 من طرف واحد عام 1969، في حين ألغى العراق اتفاقية 6 مارس عام 1975 من طرف واحد أيضاً، تمهيداً لشن الحرب (17 سبتمبر 1980) وقامت الحرب بعدها بخمسة أيام.. وإذا كانت العلاقات بين الدول وتنظيم حياة المجتمعات تقوم على أساس الاتفاقيات والمعاهدات المبرمة بين الأطراف، وأنه يجب عليها احترام التزاماتها طبقاً لنظرية «العقد شريعة المتعاقدين»، حسبما تنص عليه معاهدة فيينا لعام 1969 (قانون المعاهدات)، الأمر الذي يقتضي الدخول في مفاوضات لاستعادة حقوق العراق، لاسيَّما المائية وإلاّ فإن الكارثة زاحفة لا محالة، ولن ينفع تشكيل كتلة دولة القانون أو القائمة العراقية للوزارة، إن لم تستند المفاوضات على إرادة شعبية وسيادة قانون واستقرار وحكومة قوية!

       

437
حقيقة السجون السرية في العراق
   

عبدالحسين شعبان
تابع العالم أجمع بقلق وسخط شديدين ما نقلته وكالات الأنباء، بخصوص واقعة اكتشاف السجن السري الجديد في مطار المثنى في بغداد، فضلاً عما نقلته شاشات التلفاز ووكالات الأنباء والصحف، وخصوصاً الشهادات التي أدلى بها بعض النزلاء السابقين في هذه السجون السرية، التي كشفت عن معاناة فائقة ومأساة حقيقية لعشرات الآلاف من السجناء والمعتقلين .

ورغم تضارب التصريحات بين رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي المنتهية ولايته ووزير الدفاع عبدالقادر العبيدي ووزيرة حقوق الانسان وجدان ميخائيل، حول نفي أو تأكيد وجود مثل هذه السجون، إلآّ أن الغموض والإبهام حول طبيعة هذه السجون جاء على لسان جميع المسؤولين بتأكيدهم أنها وإنْ كانت سجوناً غير سرية، إلاّ أنها سجون غير معروفة لأهالي المعتقلين ولا حتى لمحامي المحتجزين، الأمر الذي يجعلها في التكييف القانوني سجوناً سرّية بكل معنى الكلمة .

لقد عانى العراق طويلاً من انتهاكات حقوق الانسان وعرف ظاهرة السجون السرية والخاصة، إضافة الى ظاهرة التعذيب المزمنة، وهو ما كانت تمارسه جميع الحكومات من دون استثناء، لا سيما في عهد النظام السابق، حيث شهدت السجون والمعتقلات، السرّية والعلنية، مآسي حقيقية، بما فيها من تم إبعادهم من المهجرين العراقيين، وضاعت أخبار عشرات السياسيين في ظروف غامضة، بمن فيهم بعض أتباع الحزب الحاكم كما تفشت ظاهرة الاختفاء القسري على نحو صارخ، لكن ما حصل بعد احتلال العراق فاق جميع ما حصل من انتهاكات سافرة لمنظومة حقوق الإنسان السياسية والمدنية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية في ظل جميع الحكومات العراقية المتعاقبة، وبفترة زمنية قياسية، حيث تكدّس في السجون على مدى السنوات السبع الماضية عشرات الآلاف من العراقيين، من دون محاكمات أو تهم محددة في الغالب، وكانت الاعتقالات العشوائية، لشباب وفتيان بعضهم لم يبلغ سن الرشد في مناطق وأحياء كاملة تقريباً، جراء عمل إرهابي أو عمليات عسكرية، عنفية، تستهدف قوات حكومية أو قوات محتلة او ميليشيات مقرّبة من هذه المجموعة أو تلك من المجاميع المتنفذة، لا سيما التي في الحكم أو محسوبة عليه، وظلّت ظاهرة الاختفاء القسري مستشرية إضافة إلى ما شهده العراق من أعمال تطهير طائفي ومذهبي وعرقي، وهجرة الملايين من مناطقهم ونزوحهم إلى مناطق أخرى أو اختيارهم المنفى .

وكانت السجون السرية والسجون الطائرة والسجون العائمة قد أصبحت منذ أحداث 11سبتمبر/أيلول الإرهابية الإجرامية، التي حصلت في الولايات المتحدة ظاهرة شائعة، لا سيما سجن غوانتانامو الذي يقبع فيه حتى الآن مئات من المعتقلين، وفاحت رائحته الكريهة، الأمر الذي دعا الرئيس أوباما لإعلان إغلاقه كجزء من حملته الانتخابية، وأمرَ بذلك بُعيد وصوله إلى البيت الأبيض، لكن لم يلغ الآن، ولم يُنقل نزلاؤه، رغم سوء أوضاعهم باعتراف الجميع، بما فيه هيئات أمريكية، حقوقية، وأعضاء في الكونغرس .

كما شهدت أوروبا، لا سيما رومانيا وبولونيا وجود سجون سرّية على أراضيها رغم احتجاجات الرأي العام الأوروبي، وكانت طائرات أمريكية وغيرها تقوم بمهمة النقل والاحتفاظ بهم، وظلّت تطوف بالمعتقلين خافية ذلك عن الرأي العام ومنظمات حقوق الإنسان، مثلما شهدت البحار وبعض البواخر الكبرى معتقلات عائمة في وسط البحر من دون الإعلان عنهم أو تقديمهم الى القضاء، وكانت الذريعة انهم متهمون بالإرهاب وهم من الخطورة بمكان، ما يتطلب إسدال ستار كثيف حول وجودهم .

ولا شك أن الحكومات العراقية المتعاقبة، وبخاصة بعد الاحتلال لجأت إلى السجون السرية التي أصبحت هي الأخرى ظاهرة مقلقة، بحجة أن نزلاء هذه السجون من العناصر الإرهابية الخطرة، الأمر الذي يتنافى مع المواثيق والأعراف الدولية، بما فيها اللوائح السجنية . ولعل اكتشاف سجن مطار المثنى الذي يضم أكثر من 430 معتقلاً، وفي ظروف قاسية، أعاد مسألة المعتقلات السرية إلى الواجهة .

والمفارقة أن وسائل الإعلام الأمريكية كانت في كل مرّة هي التي تقوم بنشر وتصوير وإذاعة مثل هذه الأخبار كما في واقعة سجن أبو غريب، وفي واقعة سجن الجادرية العام 2005 وواقعة سجن رقم 4 في العام ،2006 وفي واقعة سجن المثنى مؤخراً، ولكن للأسف كانت تذهب جميع مطالبات انزال العقوبات الصارمة بالمرتكبين أدراج الرياح، بما فيها المطالبات الدولية بإغلاق سجن غوانتانامو والسجون السرية الأخرى، سواءً كانت طائرة أو عائمة .

وبالعودة للوضع العراقي فإن لجان التحقيق التي كانت الحكومات العراقية تقوم بتشكيلها في كلّ مرّة كانت تصل في غالب الأحيان إلى طريق مسدود، وإنْ توصلت إلى اتهام بعض المرتكبين وصدور مذكرات اعتقال بحقهم، إلاّ أنها لم تنفّذ باستمرار، الأمر الذي يحمّل السلطات الحكومية المسؤولية الأساسية .

ولعل من أولى مهمات المفوضية السامية لحقوق الإنسان والمنظمات الدولية الأخرى هو القيام بإرسال لجان تقصّي حقائق وزيارة السجون والالتقاء بعوائل الضحايا وبالضحايا أنفسهم، وسماع شهادات لخبراء ومختصين وناشطين، لا سيما من نقابة المحامين العراقية والهيئات المعنية بالدفاع عن حقوق الإنسان وغيرها، علماً بأن الكثير من الضحايا موجود حالياً خارج العراق أيضاً .

وبخصوص المسؤوليات الأخرى فإن القوات المحتلة لا يمكن أن تعفي نفسها من المسؤولية، بحكم احتلالها للعراق بموجب اتفاقيات جنيف لعام 1949 وملحقيها لعام ،1977 الأمر الذي يتطلب مساءلات قانونية ناهيكم ما تفرضه الاتفاقية العراقية - الأمريكية من التزامات، بغض النظر عن تعارض هذه الأخيرة مع قواعد القانون الدولي، باعتبارها اتفاقية غير متكافئة بين طرفين أحدهما قوي والآخر ضعيف، ولا بدّ من تقديم المرتكبين الى القضاء لينالوا جزاءهم العادل، خصوصاً وأن جرائم التعذيب والحطّ من الكرامة لا تسقط بالتقادم، ولا يمكن للقوات المحتلة أن تعفي نفسها من هذه المسؤولية بحكم التزاماتها الدولية طبقاً لقواعد القانون الدولي الإنساني .

لعل الرأي العام العربي والدولي بجميع مكوّناته وبمنظمات حقوق الإنسان والهيئات الحقوقية والنقابية جميعها مطالبة برفع صوت الاحتجاج وتوجيه رسائل إلى الحكومة العراقية تطالبها بوضع حد لهذه الظواهر المشينة وكشف بقايا السجون السرية ومحاسبة المسؤولين عنها بمن فيهم من أصدر الأوامر أو تستّر عليها أو مارس التعذيب، وذلك بهدف كشف الحقيقة وإنفاذ العدالة وإنزال أقصى العقوبات بالمرتكبين والمتواطئين، والأهم في كل ذلك هو جلاء حقيقة السجون السرية وحقيقة المأساة العراقية المستمرة .

باحث ومفكر عربي

438
المنبر الحر / حلم وردي مرعب!
« في: 17:15 03/05/2010  »
حلم وردي مرعب!

عبدالحسين شعبان

2010-05-03
منذ ثلاثة وعشرين عاماً وأنا أتطلع إلى هذه اللحظة، وربما ذلك الحلم, أن أستيقظ صباحاً لأجد نفسي في بغداد، ولكن دون دكتاتورية ودون وجوه وقسمات قاسية لغلاظ القلوب والقساة بلا رحمة.
هكذا كنت أحلم باستمرار، وكنت كلما يراودني ذلك الحلم ويحتل كل عقلي وكياني، أشد الرحال متسللاً إلى كردستان، وفي كل مرة كنت أختار طريقاً، لعل وصولي يكون أقرب إلى أرض الوطن... هناك حيث ذكرياتي وأيام صباي وفتوتي وأحلامي الملقاة على قارعة الطريق. كنت أتساءل: لماذا غادرت نجفك الأشرف، وبغدادك الحبيبة؟ ألكي تشيخ وتهرم في المنافي الباردة؟! وقد تعود أو لا تعود إلى الوطن، في جنازة «مرخّصة» أو «تابوت» غير مسموح له بالعبور؟!.
ألم تصرخ ذات يوم كفانا رحيلاً، فقد بتُّ أكره تمر بلادي المغلّف بـ «السيلفون» والمكتوب عليه للتصدير, أتراك تترك كل أطايب الدنيا حين تتذوق رطباً من عسق البرحي الذهبي؟ أنسيت حين كنتَ تمدّد قدميك في ساقية متفرعة من نهر دجلة أو في التاجي, أو عند شط الكوفة التابع للفرات، وتحلم، بل تستغرق في الحلم، وتسبح حتى ينقضي النهار، وتأكل من تلك التكيّة اللذيذة التي تحتمي تحتها من القيظ، قرب قصر الملك, وكأن الحلم كان مرتبطاً دائماً بعلاقتك بالماء، سواء كان نهرا أم بحراً. هكذا تحلم وأنت بعيد عن بغداد!.
نعم يا صديقي
لكن الضرورة، الحرية، هناك وراء ذلك الإصرار، وهذا العناد وربما المكابرة, وليس هناك أي شيء أغلى ثمناً من الحرية والكرامة.
تراك تردد مع نفسك بمناسبة وبدونها: عندما أكون في بغداد أفكر في المنفى، لعلّي أنفذ بجلدي, وأفلت من يد ذلك الذئب المفترس, الذي ظل يترصدني، وعندما تكون في المنفى تظل بغداد هي هاجسك الأول وربما الأخير، وبين الأول والأخير هواجس إنسانية وحساسيات فكرية وثقافية، وهموم ومشاغل سياسية وأخلاقية كثيرة.
كم مرة فعلتها؟ كم مرة افترشت الجبال غطاءً ووسادة؟ وكم مرة اخترقت المسافات والصحاري؟ ودخلت وخرجت من الوطن، متوجساً، مرتاباً، خائفاً، على ظهر دابة، أو سيارات قديمة أو «تراكتور» أو مشياً على الأقدام... بوثائق يتم تصنيعها عند الحاجة أو حتى من دونها.
اللعنة. هذه المرة تدخل بغداد وأنت حر طليق، ولكنك حزين وكئيب وكأنك تحضر مأتماً، حتى صور التلفاز المرعبة كانت ملوَّنة ومتحركة، قياساً بالكابوس. ألست تقول إنك تريد بغداد بلا طغاة, إنهم رحلوا، ولم يتركوا في قلب ملايين الناس أية حسرة أو لوعة لهذا السقوط المدوي، فلماذا لا يفارقك الحزن والكآبة والشعور بالذل أيها العراقي المتوّجس؟.
عند مشارف بغداد، بدأت أستعيد ملامحها، وصورها، وحاراتها، وأزقتها، ونساءها، وقبابها، وجوامعها، وجامعاتها، وحاناتها، وكنت أبكي دماً, أبكي بصمت... اللعنة مرة أخرى، أهذه هي بغداد التي تركناها؟ كيف دهمتها البادية واحتلها الريف وتصحرت إلى هذا الحد؟ لماذا كل هذا الخراب؟ فكلُّ شيء كان يشي بأن هناك انحطاطا وتخلفا ووحشية، وانعدام ذوق، لا علاقة له بالحروب والحصار، إنما الخراب كان أعمّ وأشمل... فهو خراب للعقول والنفوس والعمران والحضارة والثقافة والقيّم... زاده الاحتلال تشوهاً، يوم فقس بيض الهمجية والتخلف والقمع والجوع والمهانة، والفوضى لتغيّر وجه المدينة الفارهة الجميلة الأليفة.
عند المشارف مرة أخرى, ضعت بين الحلم والذاكرة، فداهمني انبلاج الفجر الجميل وكأنه لا يريد لعينيّ أن تكتحل برؤية بغداد -وأنا في هذا الجو الكابوسي المتوتر- إلا وهو يعيد إليَّ هواجسي القديمة-الجديدة... إنه الجندي الأميركي من على سطح الدبابة, موجهاً سلاحه وكأنه في ساحة معركة، يبدو أنها حامية الوطيس، إذن كيف يقولون إن المعركة قد انتهت وإنهم انتصروا؟.
قلت: هذه هي بغداد, نكون فيها ونحن نتطلع إلى الخلاص يوماً بعد آخر، ما إن يرحل طاغية أو غاز إلا ويحل آخر, وعندما نكون خارجها نعيش معها بكل جوارحنا, نحلم بالعودة إليها, هذه الحبيبة الملتاعة، المستنجدة، الضاحكة, الباكية, المكسورة. وكأنني أستذكر الجواهري الكبير وما قاله في بغداد:
لا درّ درّك في ربوع دياري  قرب المزار لها كبعد مزاري
والنجف والسلام ماذا تبقى منهما؟ لقد مسحوا ذاكرتنا، حوّلوا صروحاً حضارية وتاريخية وذات دلالة دينية وعمرانية إلى شوارع. كذلك اختفت مدرسة الخليلي وحسينية الشترلية وبيوت آل شعبان وعكَد السلام العتيد، مسقط رأسي. شعرت أن جزءا من ذاكرتي الطفولية تحول إلى حجر و «كونكريت» وإسفلت، وكذلك الدرّعية منبع ثورة العشرين ورجالاتها من شيوخ آل كلل: الحاج عطية وصحبه، وكذلك منطقة الطارات الجميلة، ذات الكهوف والوديان، وكوخ المناضل حسين سلطان والزواريب والنهيرات، وبحر النجف، كل ذلك تحوّل إلى يَباب قاحل.
ومقبرة الغري الشهيرة، ماذا حل بها؟ لقد فتحوا شوارع داخلها ومسحوا قبور الآباء والأجداد، لكي لا تتحول إلى مركز يختفي فيه من يعارض السلطة، كما حصل في عام 1991, هكذا مسحوا الذاكرة بتغيير الخرائط، ومسحوا القبور لكي يقلعوا الجذور، وما بين القبور والجذور الشيء الكثير، حضارة وعمران وجمال وتاريخ وتحديات، ندخرها ليوم نريد فيه العراق حرا، مستقلاً، سعيداً وسيداً!.
قضيت نهاراً كاملاً أفتش عن قبر والدي، الذي ابتلعه الإسفلت, عندما رفضوا دفنه في المقبرة الخاصة بالعائلة وفي الصحن الشريف بجوار الإمام علي، مثلما هي طقوس ومقامات أفراد العائلة الأوائل وعائلات أخرى، خصوصاً من سدنة الروضة الحيدرية، وكنت أتمنى أن يدفن
والدي بجوار جدي, الشيخ جابر شعبان, عند مدخل الحضرة وبالقرب من باب الذهب، أو في مقبرة العائلة في الصحن بجوار جدي الحاج حمود شعبان, وأعمامي الدكتور عبد الأمير, وضياء شعبان, والعشرات من وجهاء العائلة.
لقد اضطرت العائلة إلى دفنه في مقبرة السلام, ولكن أحداث عام 1991, واختفاء بضعة مئات من المنتفضين في المقابر وقتالهم لعدة أيام، دفع الحكام إلى إصدار قرار بشق شوارع داخل مقبرة الغري، لكي تتحرك السيارات بسهولة، وبالتالي لم يعد بإمكان أحد الاختفاء فيها.
هكذا يتحول الموتى إلى وسيلة للقضاء على الأحياء، فحتى الموتى يمكن استغلالهم، وللسياسة قوانينها اللاقانونية، ولعلي بعد إلقاء محاضرتي في فندق النجف السياحي الكبير أستعيد ما تبقى في مخزون ذاكرتي، لكن ما داهمني كان أقرب إلى الكابوس، عندما رأيت جنوداً أميركيين يأكلون الكباب، فشعرت بألم قرحتي المزمنة يصعد إلى أنفي، فعدت من حيث أتيت.
لعل ذلك كان شهادة حضور, هي أقرب إلى شهادة غياب عن أول زيارة إلى بغداد بعد الاحتلال.


   

439
ثقافة التغيير وتغيير الثقافة

عبدالحسين شعبان


2010-04-26
منذ ما يزيد على عقدين ونيّف من الزمان، بدأت الكثير من الحركات السياسية تعلن عن مزاوجة أو تلقيح برامجها بفكرة الديمقراطية وحقوق الإنسان والتطور التدريجي والتراكم الطويل الأمد، وهو أمر إيجابي إذا ما أخذنا بنظر الاعتبار أن التطورات الانقلابية الثورية قد عادت القهقرى، وتراجعت على نحو ارتدادي، لدرجة أن عملية التغيير ذاتها تأخرت وانقلبت إلى الضد منها.
وإذا كانت الديمقراطية قد أصبحت مسألة مركزية لكنها لم تهبط هكذا مرّة واحدة، بل هي بحاجة إلى ثقافة وتراكم، ولا بدّ أن تكون ضمن سياق المراجعة الشاملة والنقد الذاتي لمجمل الأطروحات السابقة، وليس الانتقال من ضفة إلى أخرى؛ إذْ لم يعد بالإمكان تجاوزها أو الاستخفاف بها وتبرير حجرها بمزاعم مختلفة، لكن إعلان الانفصال عن الماضي وثقافته الخاصة الانقلابية واستبعاد «العنف الثوري» وما له علاقة بعموم ثقافة الحرب الباردة والصراعات الأيديولوجية والاستقطاب الدولي، يتطلب ترسيخ ثقافة جديدة، ما تزال رغم ادعاء تبنيّها بعيدة المنال حتى الآن.
لقد كانت هزيمة الاشتراكية «المطبقة» في الاتحاد السوفييتي وتوابعها بما فيها بعض أنظمة وحركات التحرر الوطني سبباً في هجران الكثير من الماركسيين والقوميين والإسلاميين (ودعاة الفكر الشمولي حتى البارحة) وانقلابهم فجأة إلى ليبراليين جدد، يبشرون بقيم السوق وبفضائل الرأسمالية، ويزدرون الاشتراكية المرذولة. لكن السعي للمصالحة بين الديمقراطية وحقوق الإنسان من جهة وبين الفكر السائد الثوري من جهة أخرى لم يكن الأول من نوعه، فقد جرت في الخمسينيات مثل هذه المحاولات التوفيقية بين الاشتراكية والإسلام، ولاحظنا كمًّا هائلاً من المنشورات والأطروحات لإعلان الزواج أو التعشيق وحسن العلاقة، أو الارتباط بين فكرة الاشتراكية وبين الفكرة الإسلامية أو الفكرة القومية بزعم عدم وجود تعارض أو اختلاف بين جوهر الإسلام والعدالة الاجتماعية، القائمة على الاشتراكية وبين الفكرة القومية والاشتراكية أو العدالة الاجتماعية حسب الأطروحات التي كانت سائدة.
إن التخلي عن نظرية «الثورة المسلحة» والانتقال إلى فكرة التداول السلمي للسلطة وإقرار التعددية وحق الاختلاف ودور المجتمع المدني، خصوصاً في ظل انهيار الأنظمة الشمولية في أوروبا الشرقية وتفكك المنظومة الاشتراكية، وكذلك في ظل انفتاح السوق وتكنولوجيا الإعلام وثورة الاتصالات والمعلومات، استوجب إعادة النظر في الكثير من القضايا، فهل فشل المشروع التغييري الثوري العنفي والإرادي، الأمر الذي يعني قطيعة ابستمولوجية مع فكرة الثورة المسلحة؟ أم أن وصول الرهان الثوري إلى طريق مسدود قد أدى إلى استبدال أو تغيير الوسائل دون تغيير المضامين؟
ولكن من جهة أخرى هل سيكون الرهان الجديد القائم على الديمقراطية وحقوق الإنسان والتطور التدريجي وسيلة جديدة لتحقيق الحلم الثوري، أم أن الانهيار والإحباط دفع بعض الأوساط الثورية لتغيير رحيلها واستبدال مناهجها؟ أي هل ستكون الديمقراطية بدلا عن الاشتراكية أو الوحدة أو الثورة الإسلامية، أطروحة خلاص أيديولوجي وخشبة نجاة عقائدية يتم التشبث بها، مثلما كان في الماضي يتم التمسك بأهداب فكرة الثورة المسلّحة؟ وينطبق الأمر بالنسبة للحركات الإسلامية والقومية والماركسية على حد سواء، ولعل هذا سيعني العودة إلى فكرة كانت مستساغة إلى حدود كبيرة، أساسها: أن التحول المطلوب ينجز من القمة وليس من القاعدة، وفي ذلك ليس سوى أسلوب جديد لفكر عتيق، لاسيَّما إذا أهمل الثقافة.
وإذا كانت أميركا اللاتينية قد حوّلت البندقية من الكتف الأيمن إلى الأيسر، لاسيَّما بالانتقال بالثورة من الكفاح المسلح إلى «لاهوت التحرير» والإقرار بدور الكنيسة في عملية التغيير، ومن ثم رفع شعار «الثورة في صندوق الاقتراع» وما أفرزه من تحوّلات في عدد من البلدان الأميركية الجنوبية، وعودة جديدة لحضور اليسار، فإن واقع الحال العربي قد سار من نكوص إلى نكوص، ومن تراجع إلى تهميش وتبديد لدور القوى اليسارية، الأمر الذي يعني أن القراءة للواقع ما زالت مغلوطة، وأن التشبث بالمنقذ الأيديولوجي ما زال مستمراً وإنْ تغيّر عنوانه.
لعل أزمة المشروع الحداثي العربي، لا تكمن في عملية الإخفاق في نصف القرن الماضي على الصعيد السياسي أو على صعيد التنمية فحسب، بل في منظومة التوجّه الثقافي. ولعلي هنا أتوقف عند فكرة أو سؤال: هل يمكن إنجاز مشروع اجتماعي تغييري حداثي من دون مشروع ثقافي حقيقي؟ وهو في جانب سياسي منه ينتسب إلى فكرة لينين بالقول «لا حركة ثورية من دون نظرية ثورية»، فالبعد الثقافي في عملية التحوّل لم يكن بالمستوى الذي يتطلبه اللحاق بالمشروع السياسي أو الاقتصادي. وظلت الثقافة في حالة الهيمنة والتخلف والعزل ترفاً فكرياً في الغالب في مجتمعات تعاني الأمية والعوز وانعدام أبسط متطلبات الحياة، ناهيكم عن الافتقار إلى مقوّمات حرية التعبير، يُضاف إليها عدوان واحتلال وحروب وحصار.
لقد هيأت الثورة الفرنسية عام 1789 أساسها الثقافي في حركة واسعة وناشطة للتغيير من مونتسكيو وروسو إلى فولتير وغيرهم، وعندما انتصرت كانت البيئة الثقافية مهيأة لقبول مُثل الحرية والإخاء والمساواة، الشعارات الأساسية التي رفعتها، في حين أن التجربة العربية المعاصرة لم تستطع توفير مستلزمات التغيير الثقافي، ليتم استكمال وتطوير المنجز السياسي والسير بالتوجهات التنموية إلى حيث تهدف.
إن انهيار تجربة الموديل «النموذج» الأصل سواءً كان اشتراكياً أو قومياً أو إسلامياً، قاد العديد من النخب العربية من الموزاييك الفكري الثلاثي إلى البحث عن الأسباب الحقيقية لإخفاق المشاريع الثورية الراديكالية، بإيلاء دور أكبر للعامل الثقافي، خصوصاً باستعادة الفكر الإصلاحي لمحمد عبده، والتجديد الثقافي لطه حسين، ومحاولات نقد الفكر العربي لمفكرين من أصول يسارية قومية أو اشتراكية مثل: ياسين الحافظ وعبدالله العروي وإلياس مرقص، وتقديم قراءات جديدة ذات أبعاد ماركسية مثلما حاول إسماعيل صبري عبدالله وسمير أمين وغيرهما.
مثلما هي محاولة قراءة التاريخ العربي الإسلامي لحسين مروة ومهدي عامل وهادي العلوي قراءة انتقادية بإيلاء دور أكبر للجانب الديني (الإسلام) في ثقافة المجتمع والأمة الذي ترسخ عبر أكثر من 1400 عام، وبعيداً عن بعض المحاولات السلفية والأصولية، بل قراءة بروح العصر ووفقاً لمنطق التطور التاريخي الدولي رغم محاولات التكييف التي لم تخلُ من إرادة وتعسف أحياناً، مع الأخذ بعين الاعتبار محاولات مفكرين إسلاميين مثل: محمد باقر الصدر ومحمد حسين فضل الله ومحمد مهدي شمس الدين ومحمود طه والغزالي وفهمي هويدي ومحمد سليم العوّا وطارق البشري وحسن حنفي وغيرهم.
لكن انهيار الكتلة الاشتراكية دفع أوساطاً غير قليلة من اليسار الراديكالي المتشدد إلى الكفر بالاشتراكية والثورة وقيمهما بدلاً من مراجعة أسباب الإخفاق وتطوير وتجديد النظرية، وعندما أرادوا الالتحاق بالمشروع الليبرالي الجديد الذي لا يجمعه جامع مع الفكر الليبرالي، كانوا مثل الأيتام على مائدة اللئام، والأمر يشمل بعض القوميين والإسلاميين أيضاً.
إن الوعي بأهمية العامل الثقافي في عملية التغيير، يضع مسألة نقد السلطة ونقد المجتمع بما فيها النخب السياسية والفكرية من التيارات المختلفة، وسيلة لإزالة التغليف الأيديولوجي حسب اصطلاح ماركس في نقد «الأيديولوجيا الألمانية» أو وفقاً لألتوسير بحديثه عن الأيديولوجيا وأجهزة الدولة بصفتها وعياً زائفاً أو مغلوطاً، وذلك بإعطاء «المشروع الثقافي» لعملية التغيير الاعتبار الذي يستحقه كتراكم للتطور التدريجي السلمي للمجتمع والدولة والنخب الفكرية والسياسية والدينية.



440
الثقافة والشرعية: الوعي الموروث
   


عبدالحسين شعبان
مثّلت فكرة الثورة حقبة مهمة من الوعي المعاصر، فقد كان الاعتقاد السائد أن بإمكان “الثورة” اختصار طريق التغيير والإمساك بالسلطة السياسية التي بإمكانها إنجاز التحوّل السريع والجذري، بإقصاء “العدو” والتحكّم بمسار الدولة لتحقيق مآل الثورة .

لقد حكمت هذه الفكرة نصف القرن الماضي كله تقريباً على المستوى العربي فشكلت أساساً متيناً وصلباً من أساسات الوعي العربي لشرائح وتيارات سياسية مهمة . ونسج القوميون العرب فكرهم “الانقلابي” حسب ميشيل عفلق واستناداً إلى ساطع الحصري بنقض الدولة القطرية، المستندة إلى التجزئة، في حين نقض الإسلاميون وبخاصة “الاخوان” والجماعات الإسلامية التي تلتها، العقيدة السياسية للدولة مثلما فعل حسن البنا وسيد قطب .

وتوجّه اشتراكيون عروبيون إلى نقض الدولة القطرية ذات التبعية الاستعمارية بالسعي لتلقيح الوحدة بالاشتراكية أو بالعدالة الاجتماعية، مثلما فعل قسطنطين زريق وياسين الحافظ وغيرهما بإعلان الثورة المزدوجة .

أما “الماركسيون” العرب وشيوعيو العالم الثالث عموماً فقد كانوا ورثة الثورة البلشفية التي وجدوا فيها الحل السحري لجميع المشكلات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية للمجتمع القطري كل على حدة، فكل شيء قابل للتغيير بالثورة، وبعنفها تلغي الطبقات المخلوعة، والعنف الثوري حسب ماركس هو قاطرة التاريخ، وحسب ريجيس دوبريه هو “مضخّة التاريخ”، وازدهرت هذه الفكرة خلال الموجة الجيفارية الرومانسية في الستينات .

وتأثر بهذا المنطق الثوري الكثير من القوميين العرب، سواء، الحركة الناصرية أو البعثية أو فروع المقاومة الفلسطينية وبخاصة الجبهة الشعبية بقيادة جورج حبش والجبهة الديمقراطية بقيادة نايف حواتمة وغيرهما وكذلك “ثوار اليمن” (الجنوبي) . وكانت تجربة ثورة ردفان قد سارت بقفزات وتطورات دراماتيكية بقياداتها “الثورية” والحالمة والانقلابية مثل سالمين وعبد الفتاح إسماعيل وعلي ناصر محمد وغيرهم، وبالإمكان إضافة البنبلية (بن بلا) والبومدينية (بومدين) الجزائرية أيضاً، من دون نسيان الحركة القذافية الجماهيرية الثورية و”كتابها الأخضر”، مع وقفة خاصة للتجربتين في العراق وسوريا، لاسيما وهما الأطول عمراً بين التجارب “الثورية” الانقلابية العربية، ويمكن إضافة التجربة الإسلاموية السودانية إلى ذلك .

الجامع الأساسي والمشترك لجميع هذه التجارب والتيارات الفكرية القوموية والإسلاموية والماركسيوية هو ازدراء فكرة التطور التدريجي والإصلاحي باعتباره فكراً يمينياً لا يرتقي إلى صعيد التغيير الجذري الذي تنشده هذه القوى، وصولاً للحداثة في فهمها الملتبس حسب تفسيرات القوى المختلفة . وأقامت جميع القوى شرعيتها على فكرة الثورة بإدعاء امتلاك الحقيقة والتعبير عن وجدان الشارع العربي ضد نظم التبعية والاقطاع والملكية الممالئة للاستعمار والامبريالية .

المرتكز الذي استندت إليه التيارات الثوروية  الارادوية هو “الشرعية الثورية” الذي برّر أحياناً التجاوز على الشرعية الدستورية، بل ازدرى مضمونها أو حوّلها إلى شكلانية بتطويعها لخدمة المنطق الثوروي، وذلك بتأكيد أن طريق الخلاص الأساسي والانتقال إلى المجتمع المنشود يمرّ عبر السلطة السياسية التي بإمكانها وحدها وبقدرة خارقة تحقيق عملية التغيير وتثوير المجتمع، وذلك بالاستناد إلى أداة سياسية، أي حزب أو تنظيم ثوري ليقوم بالمهمة الجليلة .

وقد استعارت الحركات القومية والإسلامية شكل وهيكلية الإدارة ودورها من الفكرة الماركسية عن دور الحزب الطليعي الذي طوره لينين في كتابه “ما العمل” العام ،1903 حين تحدث عن “حزب من طراز جديد ذي ضبط حديدي شبه عسكري”، بدحض الفكرة التي نادى بها مارتوف والتي وصفها لينين “بالمائعة” وفي ما بعد الاتجاه التروتسكي الذي وصفه ب “المغامر” وبخاصة في العهد الستاليني .

وظلت أطروحتا “الحزب الفولاذي” و”العنف الثوري” اللتين اصطفّ حولهما الماركسيون والشيوعيون “الثوريون” إضافة إلى اليساريين القوميين والإسلاميين الراديكاليين بتمييز أنفسهم عن الاتجاهات “اليمينية” في الحركة الثورية، الأرجوزة التي تتردد على الأفواه بادعاء الأفضليات وامتلاك الحقيقة والتعالي على الآخرين .

وحسب وجهات النظر تلك يستحيل تحقيق فكرة التحوّل المنشود بالوصول إلى السلطة السياسية من دون العنف الثوري، تلك المسألة التي اعتبرها لينين جوهر كل ثورة وواجب كل حزب ثوري، سواء كانت ثورة شعبية أو كفاحاً مسلحاً، أو انتفاضة مسلحة أو انقلاباً عسكرياً . وهكذا لم يكن التيار الشيوعي وحده لينينياً، بل كان التيار القومي والإسلامي لينينياً أيضاً من حيث مفهوم الحزب والعنف الثوري .

هذه هي المرحلة الأولى من الثورة “السياسية”، إذا شئنا ترميزها، أما الخطوة التالية فتبدأ من لحظة الوثوب إلى السلطة بإيلاء الاهتمام المطلوب بالاقتصاد باعتباره “التعبير المكثف للسياسة”، وتقوم هذه المرحلة على فكرة السيطرة على وسائل الإنتاج وتجريد “العدو الطبقي” من مصادر نفوذه السياسية والاقتصادية، أي بالهيمنة والتحكّم بمسار الدولة من أصغر القضايا حتى أعقدها .

وكان وصول هذه الفكرة إلى طريق مسدود بل عسير، قد اضطر العديد من الماركسيين والقوميين والإسلاميين إلى إكثار الحديث، عن “التنمية المستقلة”، لاسيما في الفترة الأخيرة في عهد العولمة لتخطي عتبة التخلف، ولمواجهة الاستكبار العالمي حسب الإسلاميين، وذلك تعويضاً عن فكرة التأميم الشامل لوسائل الإنتاج التي طبعت الغالبية الساحقة من التجارب الثورية، رغم أن الأوضاع سارت باتجاه معاكس .

ويذهب المفكر المغربي عبدالإله بلقزيز في كتابه “في البدء كانت الثقافة” إلى القول إن القوميين نظروا إلى الثورة الاقتصادية كضرورة لوجود كيان قومي عربي في إطار المعركة ضد الاستعمار، في حين أرادها الماركسيون مرحلة انتقالية صوب الاشتراكية، ولذلك أطلقوا على البلدان التي أحرزت الاستقلال السياسي “بلدان التحرر الوطني” وأنظمة التطور اللارأسمالي أو “بلدان التوجّه الاشتراكي” .

وفي تجربة الأصل والفرع، فإن المشروع التنموي  الاقتصادي الثوري، قام على فكرة التأميمات الشاملة أو الغالبة، وتعزيز دور الدولة وتحديد سقف الملكية الزراعية وتأكيد دور التنظيم السياسي “الطليعة” واستخدام الإعلام “وسيلة أساسية لنشر الايديولوجيا”، ولتصفية ايديولوجية الخصم الطبقي البرجوازي أو غير الوحدوي أو الكافر . . . إلخ، لكن فكرة التحوّل الثوري السياسي والاقتصادي حسب الأطروحات القومية والماركسية وفي ما بعد الإسلامية، رغم عدم اكتمال المشروع الإسلامي المعاصر، وصلت هي الأخرى إلى طريق مسدود، باستثناء سباحة باتجاه آخر ضد التيار، مثلما هي فكرة الحكومة الإسلامية والاقتصاد الإسلامي والبنك اللاربوي باستعارة كتابات الإمام الخميني وخصوصاً كتابه “الحكومة الإسلامية” ومحمد باقر الصدر وكتابه “فلسفتنا” وكتابات حديثة مثل فهمي هويدي وراشد الغنوشي وحسن حنفي ومحمد سليم العوا وطارق البشري وغيرهم .

وكشفت التجربة السوفييتية الماركسية وملاحقها ومصر الناصرية وتقليداتها وإيران الإسلامية وشبيهاتها الفارق الشاسع والهوة العميقة بين إرادة التغيير الثوري والواقع الثقافي القاسي بتضاريسه ومنعطفاته .

باحث ومفكر عربي


441
الجواهري وسعد صالح: صديقان وثالثهما الشعر!

          كان يمكن أن أستبدل كلمة «صديقان» الواردة في عنوان المقالة هذه، لأضع بدلها «كتابان.. وثالثهما الشعر»، إشارة إلى كتابي عن «الجواهري - جدل الشعر والحياة» وكتابي عن «سعد صالح - الضوء والظل - الوسطية والفرصة الضائعة».
          وقبل أن أتناول أركان الصداقة بين الجواهري وسعد صالح، أود أن أشير إلى أن الجواهري في حواراته المطوّلة معي، المنشور قسم منها في كتابي، والقسم غير المنشور والذي أعدّه للطبع، إضافة إلى مذكراته بجزئيها المنشورة في حياته، يأتي على ذكر سعد صالح في عدد من المرات ليقول بتأس: «لقد رحل وهو في عنفوان عطائه، وتفتق مواهبه وكفاءاته، لا أدري إذا كان قد رأى بعض الحقائق مثلنا! لكنني دائماً أتساءل مع نفسي، من أين أتت هذه النزعة الوسطية في مجتمع متناقض ومحتدم ومتعصب وحاد الاستقطاب».
          ويرى الجواهري ومثله كثيرون «أن ساحة السياسة والإدارة حين كسبت سعد صالح، فإن ساحة الثقافة والأدب خسرته شاعراً مبدعاً، ومثقفاً بارزاً، وتعكس لغته الجميلة ومقالاته وخطبه ونثره نموذجاً متقدماً في حينه".
          يقول الدبلوماسي والمؤرخ العراقي نجدت فتحي صفوت، في تقييمه لسعد صالح: «إن بغداد شهدت - «أي فترة الأربعينيات» - مولد شيء جديد هو الأدب السياسي، وكان سعد صالح الأديب الموهوب، والكاتب الملهم، قد عاد بعد استقالته «استقالة وزارة توفيق السويدي التي كان فيها وزيراً للداخلية» إلى جريدة الأحرار معارضاً يكتب افتتاحياتها بعقل السياسي الناضج، وقلم الشاعر الناقد، الذي أخذ البلاغة من جميع جوانبها، فكانت مقالاته حديث النوادي الأدبية قبل المجالس السياسية". ويضيف صفوت: أن سعد صالح اتصف في جميع مراحل حياته بالنزاهة والاستقامة، وكان خطيباً برلمانياً جريئاً ومعارضاً حرّ الرأي، صُلب العقيدة، ثابت المبدأ، لم يتوان عن دعوته إلى الإصلاح، وكان إضافة إلى خبرته الإدارية وحنكته السياسية، أديباً ضليعاً وشاعراً مطبوعاً، خصب القريحة، ولو لم تستأثر الإدارة والسياسة بمعظم وقته لكان له في عالم الأدب شأن كبير.
          ويعتبر المؤرخ اللبناني حسن الأمين «الحياة 18 / 2 / 1992»: أن الأربعينيات هي التي أطلقت بدر شاكر السياب، ونازك الملائكة، وعاتكة الخزرجي ولميعة عباس عمارة وبلند الحيدري رواد الشعر الحر، إلا أنه لم يول تأريخ تلك الفترة أية عناية، وكان الأبرز في ذلك، كسياسي بدأ نجمه يسطع شعبياً ونيابياً، باعتباره رجل مبادئ وقيم وذا كفاءة قيادية وفكرية، مضافاً إلى ذلك أنه شاعر مجيد، وكاتب متفوق، وخطيب، إنه سعد صالح.
أركان الصداقة
          صداقة الجواهري وسعد صالح أركانها عشرة:
          الركن الأول: ولادتهما ونشأتهما في عمر متقارب في النجف، المنبع الأول، حيث التمرّد الأول، والمشاكسة والتطلع للتجديد والتغيير ورفض الواقع السياسي والاجتماعي.
          الركن الثاني: دراستهما في الحوزة العلمية، لاسيما في منهجها التمهيدي المعروف باسم «المقدمات»، وبخاصة في دراسة الفقه والعلوم الدينية واللغة والعروض.
          الركن الثالث: شجاعتهما، فقد عرف سعد صالح ثائراً وكان له دور مهم في ثورة العشرين، لاسيما بنقل الرسائل بين معقل الثورة وقيادتها في النجف والفرات الأوسط وبين بغداد، واتصاله بمحمد جعفر أبو التمن ومحمد الصدر، كما كان الجواهري يومها قد عرف طريقه إلى المشاركة في الثورة، وكتابة أولى قصائده تمجيداً لها، ومثلما عُرف سعد صالح خطيباً، غير هيّاب، كان الجواهري يعتلي المنابر ليقرّع الحكام وينزل الحمم على رءوسهم، يتحدّاهم، غير عابئ بما ترتبه هذه المواجهة، وكان سعد صالح يندد بالظلم والفساد وسوء الحكم من خلال قبّة البرلمان، الأمر الذي قال عنه كامل الجادرجي زعيم التيار الوطني الليبرالي «لم أشعر قط بأني قد اتقت مع أي سياسي من حزب آخر، اتفاقي وسعد صالح في أيامه الأخيرة».
          الركن الرابع: انغمارهما في الأدب، كونهما شاعرين مجيدين، الجواهري اعتلى منصة الشعر وجلس على مقاعده الذهبية تاركاً ما سواه فناً ومزاجاً وفضاءً، وسعد صالح ظل الشعر رفيقه وصديقه، بالرغم من انغماره في عمله الوظيفي، ولعل رثاءه لنفسه كان آخر لقاء بينه وبين الشعر في قصيدة الأشباح، فكأنه أراد أن يودّع الحياة بالشعر وكان كلاهما غير هيّاب بالموت، الشبح الذي ظل يترصدهما، فالجواهري منذ الثلاثينيات اعتبر الموت كالذئب الذي يريد أن يفترسه وظل يطارده من مكان إلى آخر، في حين تمكن الموت سريعاً من سعد صالح، لكن كليهما واجها حياتهما مثلما واجها حتفهما بشجاعة، والجواهري ساوى بين الحياة والموت حين قال:
          وأركب الهول في ريعان مأمنةٍ
                                        حبّ الحياة بحبّ الموت يُغريني

          إذاً هو لم يحاول الزوغان من ذلك الذئب وكانت تتساوى عنده الحياة والموت، لاسيما لأنه يريد العيش في عز، وكما يقول الشاعر:
          لا تسقني كأس الحياة بذلةٍ
                                        بل فاسقني بالعزّ كأس الحنظل

          أما سعد صالح فيخاطب الموت فيقول:
          وأنا وأنت مهاجمٌ ومدافعُ
                                        أنا ما اندحرتُ ولا فررتَ أمامي
          أتخافُ من طعم الردى فتعافه
                                        لا تخشَ فهو ألذّ كل طعام
          الركن الخامس
: بالرغم من أن الجواهري وسعد صالح عاشا في بيئة منغلقة، فإنهما كانا تقدميّين في نظرتهما للحياة ويتطلعان للتجديد والتغيير، بل يطربان لكل تطور، وهكذا كانا يميّزان في نظرتهما الإيجابية إلى المرأة ودورها وحقوقها، فضلاً عن مواقفهما من القضايا الاجتماعية، لاسيما تأسيس مدرسة البنات في النجف العام 1929، وكانا ثورة على العادات والتقاليد السياسية والمتخلفة.
          الركن السادس: اصطدما مع المؤسسة الدينية التقليدية ونبذا الطائفية والتزمّت، وبالرغم من حب النجفيين والعراقيين عموماً لهما، فإنهما لقيا توجساً من المؤسسة الدينية الثيوقراطية، لاسيما مطالبتهما بالتحرر وتوعية المرأة ومساواتها، وفي الوقت الذي كان فيه الجواهري راديكالياً، كان سعد صالح أميل إلى الوسطية والاعتدال مع تمسكه الشديد بحقوق المرأة، وكان قد بدأ مع أهل بيته في الدعوة إلى السفور، كما تذكر ذلك كريمتاه الأستاذتان سلمى ونوار، وهو ما يؤكده، نجله المحامي لؤي سعد صالح.
          الركن السابع: ميلهما إلى العدالة الاجتماعية، وإذا كان الجواهري أقرب إلى اليسار وغنّاه ومجّده بقصائده، فإن سعد صالح ساهم في تدعيمه عملياً بإجازة أحزاب يسارية، لاسيما حزب الشعب برئاسة عزيز شريف وحزب الاتحاد الوطني برئاسة عبدالفتاح إبراهيم، إضافة إلى أحزاب وطنية وقومية مثل الحزب الوطني الديمقراطي برئاسة الجادرجي وحزب الاستقلال برئاسة محمد مهدي كبة، أما حزب الأحرار فقد أصبح سعد صالح رئيسه بعد استقالة الوزارة العام 1946، وهو الحزب الذي خرج من معطف الحكومة ليرتدي زي المعارضة الوطنية. ورغم أنه لم يجز حزب التحرر الوطني واجهة الحزب الشيوعي، الاّ انه منح ترخيصاً (واقعياً) لعصبة مكافحة الصهيونية التي كانت تحت قيادة الشيوعيين.
          الركن الثامن: التحدّي كان جامعاً لهما، وحتى عندما كان سعد صالح في الوزارة أو نائباً أو محافظاً، فقد كان يطرب لقصيدة الجواهري ذات الرنين العالمي والتحدي الكبير، ومَن يدري ما كان يخفيه عن أنظار السلطة، فقد يكون مشجعاً له، لاسيما وهو يحرّك في نفس سعد صالح إيقاع المواجهة والتحدي، الذي كان يستجيب له، وهو الأمر الذي قيّمه الجواهري على نحو عال.
          الركن التاسع: هو انغمارهما في العمل الصحافي، فقد كانت المقالات التي يكتبها سعد صالح في افتتاحيات حزب الأحرار أو لجريدة الزمان أو لغيرهما مؤثرة، وهي حديث المجالس الأدبية والثقافية، كما جرت الإشارة إلى اقتباس من المؤرخ حسن الأمين، ونجدت فتحي صفوت الدبلوماسي والكاتب، وهو ما يوثّقه أيضاً المؤرخ والباحث مير بصري وغيرهم، كما كانت مقالات الجواهري ودور جريدة الرأي العام مؤثرة جداً في الحياة السياسية والثقافية العراقية.
          الركن العاشر: حبّهما للذائذ الحياة ومتعها وللسفر وللاطلاع، وباختصار، فإن «الجواهري وسعد صالح» وإنْ سعيا للخلود، لكنهما لم يكونا يريدان أن تفلت لحظة من بين أيديهما، وأرادا أن يغرفا من الحياة ما استطاعا ولكن بإباء وكبرياء.
تناقضات الأصدقاء
          أما تناقضهما فيعود إلى أن سعد صالح سلك طريق الوظيفة في حين اعتلى الجواهري سلّم الشعر، ربما يعود الأمر أيضاً إلى أن سعد صالح تخرّج في كلية الحقوق، وكانت الوظائف آنذاك تساعد على إحداث التغيير، في حين اتجه الجواهري للجمهور، فقرّع الحكام وتنابز معهم، واختار الشعر طريقاً للحياة وربما للتغيير، لاسيما بعد تجربته المريرة مع ساطع الحصري عندما تم تعيينه، ثم فصله من وظيفته التعليمية، وكذلك شعوره وهو في البلاط الملكي 1927-1930 بالضيق ورغبته في الإمساك بجناح الحرية، لاسيما أنه كان قد اتجه لنشر قصائد غزل مكشوف، كانت سبباً في إحراج الملك فيصل الأول، ولعل قصيدة «جربيني» التي ذاع صيتها كان قد نشرها العام 1929.
          كان الجواهري راديكالياً جذرياً، وقد رافق عبدالفتاح إبراهيم في تأسيس حزب الاتحاد الوطني العام 1946، والحزب الجمهوري عام 1960، ومنظمة أنصار السلام في بداية الخمسينيات، وحركة الدفاع عن الشعب العراقي بعد انقلاب 8 شباط ( فبراير) 1963، أي أنه كان أقرب إلى الوسط اليساري بالرغم من أنه وضع مسافة بينه وبين اليسار، وكانت كلمته كالسيف، وموقفه يثير مواقف الآلاف، وهو ما عبّر عنه فهد زعيم الشيوعيين بالقول: هاتوا انتفاضة يغرّد لها الجواهري.
          أما سعد صالح فقد انضم مع توفيق السويدي إلى حزب الأحرار الذي قيل إن نوري السعيد شجع على تأسيسه، وأصبح السويدي رئيساً له وسعد صالح نائباً للرئيس، وبعد استقالة أو إقالة السويدي أصبح سعد صالح رئيساً للحزب، الذي أعطاه نكهة وطنية مستقلة، فاستدار به من موقع السلطة إلى موقع المعارضة، لكنه ظلّ متوازناً ومعتدلاً في أطروحاته بالرغم من نقده الشديد للسلطة، لاسيما لقمع الحريات، ولم يتردد من النقد الشديد لنوري السعيد وأتباعه.
          هناك ثلاثة أصدقاء يتفقون ويختلفون، وإذا كانت جوانب الاتفاق والاختلاف بين شخصين كالجواهري وسعد صالح قد تحدّثنا عنها، فالصديق الثالث كان المشترك بينهما، وكان ولاؤهما له بحكم شيطانه الذي يحلق فوق الرءوس وملكوته الذي يسلب الألباب، إنه الشعر الجامع، والصديق الصدوق لمبدعين كبيرين، حيث كان الشعر صديقهما الثالث الذي استطاع أن يجمع بينهما، في حين أنهما افترقا في المسار والمصير، على أن أحدهما لم يتخلّ عن الآخر ولا عن الموقف المشرّف تجاه الآخر في كل المواقف والظروف. وسبق وأن أثرت ما ذكره لي الشاعر الجواهري في حوار نشرته في كتابي"جدل الشعر والحياة" عن صداقته مع سعد صالح.
          كان اعتماد الجواهري على سعد صالح كبيراً، إذ إنه يذكر أن الجو السياسي كان مملوءاً بالنفاق والتزلف والخضوع لأصحاب المراتب العليا، وهي أجواء لم يألفها سعد صالح، بل كان يستاء منها، وعندما ألف قصيدته «طرطرا» للاستهزاء والتهكّم من الساسة الملفّقين، استثمر وجود صديقه سعد صالح كما يقول لنشر القصيدة، التي أصبحت لها شهرة كبيرة.
          ولو عدنا إلى القصيدة على ما فيها من استهزاء، فقد استثمرها الوصي على العرش لتهديد بعض السياسيين، لاسيما وهو لم يحرّك ساكناً واستغل القضية للمناورة ضد خصومه، وذلك لتوافقها مع ما تحمله من ازدراء واستخفاف ببعضهم، فكان يهددهم بها بالقول: «أتسكتون أم ترغبون في طرطرا»؟ بتهديدهم بكشف أوراقهم.
          وكان الجواهري هو الآخر حريصاً على الحفاظ على صاحبه، ويذكر الجواهري أنه عندما ألقى قصيدة « القسم» في ذكرى أربعين جعفر أبو التمن بحضور كبار المسؤولين في الحكومة فيما بعد، أثارت تلك القصيدة ضجة كبرى على الشاعر، خصوصاً وأن رئيس الوزراء نوري السعيد اعتبرها موجهة، ضده، لاسيما بعد أن اضطر المسؤولون الى ترك الاحتفال، فما كان من «صديقي سعد صالح إلا أن عرض علي أن أذهب معه إلى بيته للاستراحة أو القيلولة إدراكاً منه للعواقب المحتملة جراء غضب الحكام ونقمتهم بسبب القصيدة»، ويقول: وبالفعل ذهبت معه فافترش لي فراشاً نظيفاً في صالون الزوار، لكني لم أتمكن من النوم فانتفضت مرتدياً ملابسي وغادرت بيته إلى بيتي الواقع في محلة الجعيفر في الكرخ أيضاً، فقلق علي الرجل وهاتفني مستفسراً ومطمئناً، فقلت له: يا أبا لؤي أنا مغامر طيلة حياتي وأتوقع كل شيء، وإذا اختفيت عندك اليوم أو عند غيرك غداً فماذا سيكون بعد غد؟
          يقول الجواهري في رثاء أبو التمن:
          قسماً بيومك والفرات الجاري
                                        والثورة الحمراء والثوار

          إلى أن يقول مندداً بـ«الدولة» العراقية
          خمسٌ وعشرون انقضت وكأنها
                                        بشخوصها خبرٌ من الأخبار

          ضقنا بها ضيق السجين بقيده
                                        من فرط ما حملت من الأوزار

          ولعل الاثنين الجواهري وسعد صالح وصلا إلى حد اليأس من إمكان التغيير في العراق، وإذا كان سعد صالح قد اختتم حياته وودّع أحباءه بقصيدة الأشباح التي يؤكد من خلالها على النظرة التشاؤمية إلى المستقبل، فإن محمد مهدي الجواهري وصل إلى المستوى نفسه من اليأس في تلك الأيام حتى أنه قال فيها:
          ولم يبق معنى للمناصب عندنا
                                        سوى أنها ملك القريب المصاهر
          وكانت طباع للعشائر ترتجى
                                        فقد لوّثت حتى طباع العشائر

    أما سعد صالح فقد قال:
أبوارق الآمال والآلام       لعلك تكشفين ظلامي
         وأكاد اليوم، حين أذكر هذا الترابط بين الطرفين أشعر وكأنها الصداقة الصحيحة والحقيقية التي تبدأ بالاحترام بين الفريقين، فإنْ فصلت بينهما دروب السياسة، فإن وحدة المشاعر بقيت القوة الجامعة لهما حتى اليوم بالرغم من الممات، ولعل نبع الشعر كان ملاذاً لكل منهما ينهل منه ما يريد!
عبد الحسين شعبان
 






442
ندوة عن "العراق بعد لبنان: تجربة الحكم التوافقي" في مركز عصام فارس
شعبان: التوافقية في العراق وصلت إلى طريقٍ مسدود
عبد الجبار: الفيدرالية ليست تجزئة للبلدان بل للسلطة

نظَّم مركز عصام فارس للشؤون اللبنانية ندوة عن "العراق بعد لبنان: تجربة الحكم التوافقي" بمشاركة الخبيرين العراقيين في الشؤون الإستراتيجية الدكتور عبد الحسين شعبان والدكتور فالح عبد الجبار رئيس معهد العراق للدراسات الإستراتيجية، في حضور النائبة في البرلمان العراقي السيدة ليلى الخفاجي ووفد من مؤسسة الإمام الحكيم في لبنان برئاسة السيد علي الحكيم وعددٍ من الناشطين العراقيين والمهتمين اللبنانيين.
 بداية كانت كلمة لمساعد مدير المركز ميشال أبو نجم أشار فيها إلى أن تداعيات نتائج الإنتخابات الأخيرة في العراق أظهرت إشكاليات مماثلة لتلك التي برزت في لبنان بعد انتخابات 2009، وأبرزها الخلاف حول مبادئ تشكيل الحكومة والجدل حول مفهوم الأكثرية والأقلية، وعدم قدرة أي فريق على تشكيل حكومة أكثرية كلاسيكية بسبب تمركز المذاهب والإثنيات والتفافها حول نفسها وتالياً عدم توفر خيارات سياسية متعددة، وذلك في إطار تجربة الفدرالية بين المجموعات.
 
شعبان
الدكتور عبد الحسين شعبان اعتبر أنَّ التوافقية في العراق وصلت إلى طريقٍ مسدود لأن التوافقية مرحلة انتقالية ولا يمكن أن تستمر إلى ما لا نهاية، إذ إنها ستتحول إلى محاصصة وتكون سبباً من أسباب البلاء في العراق إذا لم يتم الوصول إلى المواطنة واحترام جميع مكونات الشعب العراقي. ورأى أن القواعد التي بُني عليها الدستور العراقي الفيدرالي خاطئة، لأنَّ في الدساتير الفيدرالية يخضع القانون الإقليمي للقانون الإتحادي في حين أنَّ الأمر معكوس في العراق. وأضاف أن في الفيدراليات يكون التمثيل الديبلوماسي موحداً، أما في السفارات العراقية فهناك وحدة "لمتابعة الشؤون الثقافية والإنمائية"، ما يعتبر سفارةً داخل السفارة.
وانتقد أيضاً الدستور العراقي معتبراً أنه كتب على عجل وبتأثير خارجي تحت إدارة رئيس مجلس الحكم السابق بول بريمر مشيراً إلى ان المسودة الاولى كتبها أستاذ القانون في جامعة هارفرد نوح فيلدمان الذي وصفه بالصهيوني.
وأكد شعبان أن هناك اختلافاً كبيراً بين الوضعين اللبناني والعراقي لأن العراق ما يزال تحت الإحتلال على الرغم من وجود اتفاقيةً امنية. وأشار إلى أن لا يمكن الحديث عن السنة او الشيعة في شكل مطلق، لأن هناك تنوعاً سياسياً واحزاباً داخل كل من السنة والشيعة، لافتاً إلى أن الوضع الكردي يختلف لأن الأكراد يشكلون قومية لطالما امتهنت حقوقها من قبل السلطات العراقية. ورأى إنَّ الإيجابية الأبرز في الوضع العراقي هي في تكريس مبدأ الإنتخابات على الرغم من وجود الإحتلال وثغرات وتجاوزات وانتهاكات.
وشدد شعبان على أن هناك ملفات عالقة وألغاماً سياسية قد تنفجر في أي لحظة، مشيراً إلى ان الخطر الأول هو استمرار الإحتلال الأميركي لأن واشنطن لن تنسحب في شكلٍ كامل من العراق وستبقي على حوالي خمسين ألف جندي وقواعد عسكرية حتى بعد العام 2011 الموعد المقرر لاستكمال انسحاب الجيش الأميركي. وقال إنَّ الخطر الثاني هو الطائفية لأنَّ المشروع الطائفي ما زال قائماً، معتبراً أنَّ نتائج الإنتخابات التشريعية والعدوانية في التصريحات تعبير عن الإحتقان الطائفي الذي قد ينفجر في أيّ لحظة. وأضاف أن الخطر الثالث يتعلق بالميليشيات المنخرطة في المؤسسات الأمنية مما ينعكس سلباً على الوضع السياسي ويساهم في تفجير الوضع، وذلك على الرغم من أن حكومة نوري المالكي ساهمت في تحسين الوضع الأمني.
ولفت شعبان إلى ضعف المواطنة وهذا ما أدى إليه نظام صدام حسين الشمولي الذي ضرب المؤسسات المجتمعية واستكمل ذلك مع تخريب الدولة تحت الإحتلال الأميركي وحل الجيش مما جعل المجتمع من دون مرجعية، وتم اللجوء تالياً إلى المرجعيات الدينية والعشائرية. وأشار إلى مشكلة استشراء الفساد في ظلِّ سعي أمراء الطوائف إلى الحصول على أكبر قدرٍ ممكن من الإمتيازات، مؤكداً أن نهب المال العام وابتلاع المؤسسات بات ظاهرةً خطيرة.
وعدد شعبان ثلاثة معضلات عانت منها الدولة العراقية منذ تأسيسها هي المشكلة الكردية وسياسات التمييز الطائفي وضعف التركيبة الدولتية. وقال إن مشكلة الأكراد أدت إلى توترات كثيرة وثورات وتفاعلت مع الأوضاع الدولية والإقليمية لتصل إلى الحال الراهنة. وذكَّر بأن قوانين الجنسية العراقية التي كانت معتمدة استند إليها نظام صدام حسين لتهجير مئات الآلاف من المواطنين، كما حصل في العام 1980 حين تم تسفير نحو نصف مليون عراقي إلى إيران.
 
عبد الجبار
الدكتور فالح عبد الجبار أكد من جهته أنَّ الفيدرالية ليست تجزئة للبلدان بل للسلطة لافتاً إلى أن شدة المركزية تؤدي إلى نقيضها وإلى أنَّ الكثير من الدول المتعددة اعتمدت النظام الفيدرالي.
ورأى أن محاولة تصوير قائمة "العراقية" التي ترأسها رئيس الحكومة السابق إياد علاوي على انها تمثل السنة فحسب فاشلة لأن هناك ناخبين شيعة منحوا أصواتهم لها، معتبراً أن المناطق السنية صوتت بكثافة لعلاوي لأنه علماني. وأضاف أن التصويت الكثيف لرئيس قائمة "ائتلاف دولة القانون" نوري المالكي عائد لطرحه بناء دولة القانون والوطنية العراقية وميله إلى المركزية.
وقال عبد الجبار إن النظام الإنتخابي الحالي المستند إلى المحافظة كدائرة انتخابية في ظل وجود غالبياتٍ طائفية من لون واحد في معظم المحافظات دفع إلى أن يكون الصراع في داخل الطوائف والقوميات وإلى أن يصبحَ التنافس قائماً على برامج سياسية، لافتاً إلى أن الإسلام السياسي بدأ يفقد بريقه في العراق. ورأى أن الوظيفة الطائفية للنظام السياسي في العراق انتهت، وأن على الرغم من أن البرلمان ستكون فيه غالبية شيعية لكن هذه الغالبية تضم أطيافاً سياسية متنوعة كالليبراليين والمعتدلين والإسلاميين، مؤكداً أن الجانب السلبي في الطائفية يكمن في أنها تقمع التنوع في داخل الطائفة في حين أنَّ الجانب الإيجابي يتمثل في كون الطائفية جرس إنذار للأخطاء في المجتمع، مشدداً على استحالة قمع التنوع في المجتمعات بسبب عوامل عدة اقتصادية واجتماعية وثقافية... وأضاف أن تفكك النظام السياسي في العراق أدى إلى إمساك الطوائف بالسلطة واقتسامها منبهاً من أن نجاح إحياء أي كتلة طائفية في الحكم سيؤدي إلى الإنفجار مجدداً.
وعرض عبد الجبار لبعض أسباب وصول العراق إلى الوضع الحالي من التفكك فأشار إلى أن العمل السياسي انتقل من الإستناد إلى الإيديولوجيا (الماركسية، القومية، الليبرالية...) التي سادت في الخمسينات والستينات من القرن الماضي إلى سياسات الهوية Identity Politics التي تصل فيها المجتمعات إلى تفتت داخلي. وأضاف أن في العراق كما في الإتحاد السوفياتي سابقاً بدأ حزب البعث يضعف ويتفكك كأداة هندسة اجتماعية مما أدى إلى استبداله بالعشائرية والمؤسسات الدينية وإلى تفكيك الطبقات الوسطى التي لجأت هي الأخرى كما الدولة إلى العشائر والتدين. ولفت إلى أن الإجتياح الاميركي للعراق حصل بعدما كان المجتمع منهاراً بالكامل تحت وطأة الحصار الذي فُرض على العراق على إثر حرب "عاصفة الصحراء" في العام 1991، فتفككت الدولة وتشظى المجتمع في ظل غياب الاحزاب والنقابات فتصاعد نفوذ المؤسسات الدينية والقبائل والعشائر.
وقال عبد الجبار إن الثقافة السياسية تبدلت عموماً في العراق والمنطقة العربية إذ انحسر الخطاب الحداثي والعقلاني وتراجع دور القوى اليسارية والعلمانية ومن أسباب ذلك صعود الإسلام السياسي والهويات الدينية خاصةً بعد انتصار الثورة الإيرانية.
وأبدى اعتراضه على مبدأ استعمال العنف لمقاومة الإحتلال وتحقيق التغيير مشدداً على أهمية العمل اللاعنفي ودور الفكر والعلم في تحفيز الإرادة الشعبية لمقاومة المحتل والتغيير السياسي.
 

443
الوصل والفصل بين العالمية والخصوصية

عبدالحسين شعبان
منذ ما يزيد عن ثلاثة عقود من الزمان وقضية حقوق الإنسان تشغل حيّزاً مهماً من المناقشات الدائرة على الصعيدين السياسي والفكري، سواء في إطارها القانوني أو الاجتماعي، باعتبارها إحدى ركائز التقدم البشري، والتي يقاس تقدّم أيّة أمّة أو شعب أو جماعة بمقدار احترامها للإنسان وحقوقه وحرياته الأساسية .

ولم تعد قضية حقوق الإنسان تقتصر على علاقة الأفراد والجماعات بالدولة ومؤسساتها، بل امتدّت إلى العلاقات الدولية والمنظمات العالمية والإقليمية، خصوصاً وأن مبادئ حقوق الإنسان أصبحت مع مرور الأيام قاعدة آمرة وملزمة من قواعد القانون الدولي المعاصر، كما يقال في اللاتينية Jus Cogens، وأخذت تكتسب بالتدريج دوراً أكبر، خصوصاً بتعاظم دور الفرد باعتباره أحد أشخاص القانون الدولي بعد الدول والمنظمات الدولية .

لقد اهتمّت جميع الأديان بالإنسان، وكان خاتمتها الدين الإسلامي، من خلال خطابها الإلهي المقدس الذي يمثل القيم الإنسانية، لكن القضية وجدت طريقها إلى النظم والقوانين الوضعية التي هي انعكاس للعقل البشري ولتفسيرات وتأويلات الإنسان في مراحل تطوره المختلفة، وبخاصة إزاء مواقفه من الصراع الاجتماعي، لاسيما عبر الآليات التي تطورت مع مرور الأيام .

وبقدر الاهتمام بقضية حقوق الإنسان والتعاطف معها على صعيد الإسلام فكرياً ونظرياً، إلاّ أنها كانت القضية الأكثر إثارة للجدل والنقاش، بل والاختلاف والتناقض، لا على صعيد التطبيق وحسب، بل في المنطلقات والتبريرات وبعض الأسس أيضاً، خصوصاً في جوانبها التفسيرية والتأويلية، لاسيما استخدامها وتوظيفها لأغراض بعيدة عن جوهرها، وبما يخدم الجهات السائدة والمتنفّذة .

وإذا كان هناك إجماع، أو ما يشبه الإجماع، على مسألة حقوق الإنسان بحيث لم يعد بمقدور أحد معاداتها صراحة وعلناً، أو إدارة الظهر عنها كلياً - حتى من الزاوية الشكلية أو النظرية - إلاّ قلة متخلفة تريد أن تعلن عن نفسها باعتبارها خارج نطاق الزمن، فإن التعارض والتناقض في مفهوم حقوق الإنسان يصل أحياناً إلى مديات بعيدة، أي عبر قراءات مختلفة من جانب القوى الدولية المهيمنة من جهة، ومن جانب الحكومات المتسلّطة من جهة أخرى، فضلاً عن قراءات خاصة للجماعات المتعصبة والمتطرفة وللقوى الشمولية “التوتاليتارية” .

لقد كانت قضية حقوق الإنسان جزءاً أساسياً من الصراع الايديولوجي والإعلامي والثقافي إبان فترة الحرب الباردة بين المعسكرين الشيوعي والرأسمالي، من حيث زاوية النظر والتناول ودائرة الاهتمام والمصالح للقوى المتصارعة، لكنها أخذت بُعداً جديداً بانهيار الأنظمة الشمولية في أوروبا الشرقية وتفكك الاتحاد السوفييتي، خصوصاً لدى بعض مفكري الغرب، ونظرتهم السلبية إلى الإسلام السياسي .

وفي بؤرة الصراع الايديولوجي والدعائي ظهرت عشرات بل مئات من الكتب والأبحاث والدراسات التي تشكّل صناعة فكرية ضد الإسلام في إطار الموجة الثانية من الحرب الباردة، التي اتخذت الإسلام عدواً مُعلناً . وقسم من هذه المؤلفات والتأسيسات احتوى على مغالطات باتت مفضوحة وتأويلات لا تخلو من فجاجة لبعض الأحكام الإسلامية وتضمر نوعاً جديداً من الكراهية والعداء .

ولعل ما احتواه كتاب صموئيل هنتنغتون الموسوم “صدام الحضارات” وقبله كتاب “نهاية التاريخ” لفرانسيس فوكوياما وما أعقبهما من أطروحات ومسوّغات ما بعد أحداث 11 أيلول (سبتمبر)، بما فيها بيان المثقفين الستين الامريكان، خير دليل على المنهج المتشدد إزاء العدو الجديد، ونعني به “الإسلام” .

بالمقابل فإن قضية حقوق الإنسان - سواءً بجانبها الفكري (الفلسفي) أو القانوني (الحقوقي) أو اعتباراتها العملية (الممارساتية) - شكّلت منطقة جدل وتشابك في الساحة السياسية والثقافية العربية والإسلامية، فالقراءة الإسلامية أو الإسلاموية المنطلقة من عمومية النص الديني تسمح باستخلاص معان متعددة ومختلفة أحياناً، وتصل إلى درجة التناقض والتعارض، في بعض الأحيان لاسيما آراء وفتاوى بعض المفسرين والمؤولين، ليس على الصعيد الديني وحسب، بل على الصعيد العلماني أيضاً .

فالديمقراطية بقراءة منحازة تصبح مرادفة للشورى، و”أهل الحل والعقد” هو المفهوم المرادف للبرلمانات، وفي قراءة أخرى تصبح الشورى بعيدة كل البعد عن الديمقراطية، بل تعارضها في المنطلقات وفي الأساليب ناهيكم عن المنهج . أما القراءة الثالثة فتعطي للشورى والديمقراطية منطقة للاتفاق وأخرى للاختلاف، وكذا الحال بالنسبة لمبدأ سيادة الشعب أو الأمة الذي يقف مقابله “حاكمية الله”، أي نفي اعتبار الإنسان مصدراً للتشريع بوضع النص الإلهي مقابل حكم الاغلبية الذي توفره الأنظمة الديمقراطية، كوسيلة لاختيار الحكام من جانب المحكومين .

وهكذا يصبح الفقه الإسلامي، الذي هو العلم بالأحكام الشرعية العملية والمكتسبة من أدلتها التفصيلية متساوقاً أو متعارضاً مع ما توصلت اليه الدولة العصرية، من خلال القراءات التأويلية المختلفة، لتأكيد الانسجام أو التعارض بين الإسلام وحقوق الإنسان . أما النظرة التقليدية التي تعتبر الشريعة محور حياة المسلم وأساسها العقيدة والوحي لا العقل، فتؤكد تفوقها على جميع القوانين الوضعية التي تعتمد العقل كمحور للحقوق والتفكير استناداً إلى تفسير النص المقدس (القرآن الكريم والسنة النبوية) .

ومقابل القراءة المتشددة والمتعصبة فإن بعض التفسيرات والتأويلات يقدّم قراءة متسامحة ومنفتحة للنص الإسلامي، مع واقع تطور الفقه القانوني الدولي لقضية حقوق الإنسان العالمية . فالإسلام دين وحداني، حيث يؤكد على وحدة الله والجنس البشري . إن الله مطلق ولا يتغير، بينما البشر يتغيرون ويغيّرون مواقفهم وآراءهم ونظراتهم إلى الكون والطبيعة والتطور .

ورسالة الإسلام عالمية، بمعنى أنها لا تخاطب المسلمين وحدهم، بل تخاطب “بني البشر”، حتى إن كلمة “المسلم” فيها تعبير عالمي، فهي لا تدلّ على قومية أو عرق أو جنس أو لون أو منحدر اجتماعي أو طبقي أو اتجاه سياسي أو فكري . والناظم في الإسلام هو القرآن والسنة النبوية اللذين يخضع لهما الحاكم والمحكوم على حد سواء، وذلك من سمات “الدولة القانونية” في المفاهيم الدستورية المعاصرة، وهو الذي يؤكد مبدأ الوصل بين العالمية والخصوصية، لاسيما إذا كان المشترك الإنساني يشكّل الأساس في زاوية النظر، عندها يصبح الفصل بالضد من التطور التاريخي للمجتمع البشري المؤلف من حضارة كبرى يتم في إطارها التنوّع والتعددية، ويفترض أن تقوم على مبدأ المساواة والاحترام المتبادل للخصوصيات القومية والدينية واللغوية والتاريخية وغيرها .

 

باحث ومفكر عربي


444
أرمينيا وسيمفونية المبارز!


عبدالحسين شعبان

2010-04-19
يُطلق على أرمينيا وعاصمتها يريفان بلد الورد والشمس، فالزهور تنشر عطرها في كل مكان، والشمس لا تغيب عنها مدة 340 يوماً من السنة. وهذا البلد الذي كان ضمن السلطة السوفييتية منذ مطلع العشرينيات تمكّن من إحراز الاستقلال في العام 1991، والانضمام إلى الأمم المتحدة العام 1992.
ورغم مآسي الأرمن والمجازر التي تعرّضوا لها تاريخياً، فبلدهم يجسّد الفرح والجمال ويُعرف بـ«المتحف في الهواء الطلق" لكثرة التماثيل التي تنتشر في الشوارع والساحات العامة والمنتزهات والحدائق التي تطوّقه وتتغلغل فيه، كما ترسم صخور يرفان صورة المدينة الوردية، لاسيَّما في مركزها الرئيسي. ويقرّ الأرمن ويعترفون بفضل الكاتب المعروف والمخلّد خاجادور أبوفيان في اكتشاف اللغة الأرمينية الجديدة، وذلك في القرن التاسع عشر.
كأن العالم كلّه قد تواطأ على إسدال الستار على المجازر التاريخية التي تعرّض لها الأرمن طيلة نحو قرن من الزمان، ولعل مؤتمر ديربن عام 2001 حول العنصرية، كان قد استعاد مسألة اعتذار المستعمرين عما تسبّبوه من آلام وأذى للشعوب المستعمَرة، ناهيكم عن أعمال الإبادة والقمع والاضطهاد، الأمر الذي شجع الأرمن وجهات دولية -لأغراض مختلفة- على مطالبة تركيا بالاعتذار.
ورغم أن الأرمن في إطار الدولة العثمانية كانوا يعيشون مثل غيرهم من الشعوب والأمم والأديان -لاسيَّما الأقليات- إلاّ أن ما حصل لهم منذ العام 1895 على يد السلطان عبدالحميد ولاحقاً على يد طلعت باشا وأنور باشا وصولاً إلى المجزرة الكبرى في العام 1915، واستمراراً حتى العام 1922، يعتبر الأسوأ في تاريخ أرمينيا.
وإذا كان الحديث عن التاريخ ضرورياً فالهدف هو الاستفادة من عبره ودروسه وتقييمه، ولعل هذا الأمر لا يستهدف أية إساءة لتركيا، لاسيَّما مواقفها الإيجابية، خصوصاً التي تتخذها اليوم في ظل قيادة حزب العدالة والتنمية، فهذا الأمر شيء والبحث في التاريخ شيء آخر، وفي تاريخ كل أمة ثمة نواقص وثغرات وعيوب لا بدّ من الإقرار بها والاعتذار عنها.
كانت أولى المجازر ضد الأرمن هي المجزرة التي راح ضحيتها عشرات الآلاف منهم في العام 1895، وفي العام 1909 كانت مجزرة أضنة هي الأبشع، حيث سقط فيها الآلاف أيضاً، أما مجزرة العام 1915 فقد كانت الأسوأ على الإطلاق، حيث قتل فيها على نحو جماعي مئات الألوف من الأرمن بعد أن تم تجنيد الرجال للحرب العام 1914 بدون سلاح، وللقيام بأعمال خدمية، ثم بُوشِر بقتل المتميّزين من العلماء والأطباء والكتّاب والمثقفين وأصحاب الاختصاصات، والأكثر من ذلك كان كل شيء قد تم بصمتٍ ودون احتجاجات تُذكر.
وخلال الحرب وما بعدها حصلت مذابح كثيرة، منها معركة الجزء الشرقي التي حصلت في 26/5/1918 وراح ضحيتها الآلاف أيضاً، واستمرت المجزرة حتى العام 1922، ولكن بتواطؤ أكبر هذه المرة، حين انضمت أرمينيا إلى الاتحاد السوفييتي الذي كان يرغب في تسوية علاقته مع تركيا، فتم التنازل لها عن جبال آرارات الشهيرة وأصبح نهر أراكس عند أقدام سلسلة الجبال هو الحد الفاصل لأرمينيا وتركيا، كما تقول الرواية الأرمينية. ولا تزال الحدود بين تركيا وأرمينيا مغلقة، إذ لا يمكن الوصول إلى تركيا من أرمينيا إلاّ عبر جورجيا التي تربطها بأرمينيا علاقات متميّزة، ولا تزال علاقة أرمينيا بروسيا جيدة جداً، مثلما أن علاقتها طيبة مع إيران.
ظل الأرمن يعانون بصمت ويكبتون مشاعرهم، ولعل مشكلة الجيل الثالث أنه ما زال يبحث في بطون التاريخ والكتب عن أقارب أو أجداد لهم، وعن كل خيط يربطهم بالماضي، إذ إن السياسة والمصالح الدولية لعبت دورها، فلم يرخّص لهم باستعمال كلمة الجينوسايد (الإبادة الجماعية) إلاّ في أواسط الستينيات، رغم مجازر الأناضول وفان وارضروم وساسون وديار بكر وغيرها، إلى أن تم بناء مجمع رمزي للضحايا في العام 1965، علماً بأن الأرمن أسهموا بتفانٍ وإخلاص في "بناء الاشتراكية"، وعندما اندلعت الحرب العالمية الثانية أرسلوا نحو نصف مليون جندي دفاعاً عن "الاتحاد السوفييتي" السابق.
سألت مرافقتي الجميلة (أرمينه): هل لديكم نوستالجيا (حنين) إلى الماضي، رغم أنها لا تتذكر شيئاً عنه لأن عمرها 31 عاماً، فأجابت أن الكبار وحدهم هم من يعيشون على الذكرى لأن حياتهم كانت سهلة وظروفهم الاجتماعية بسيطة وبعض المستلزمات مؤمنة، والغالبية أقرب إلى الكسل منها إلى الإبداع والمنافسة الفردية المشروعة، فضلاً عن شحّ الحريات والنظام الشمولي. مرافقتي قالت بعد سؤالي عن الجمال الأرميني إن الأرمينيين بسبب الاختلاط والتزاوج اكتسبوا بعض الملامح الجديدة، فبعد أن كان الشكل الغالب للنساء قبل عقود من الزمان هو: الشعر الأجعد والقوام الأشقر والأنف الكبير والعنينان الزرقاوان، أصبح اليوم أقرب إلى خليط جميل ومتجانس من تعاشق ملامح وأمم وحضارات وثقافات متنوعة، ولعل ذلك ما أعطى هذه الملاحة للوجوه المشرقة.
لا أدري لماذا تذكّرت شخصيتين عراقيتين أثيرتين، الأولى هي الجواهري الشاعر الكبير الذي كان يتغزّل بالكونياك الأرميني (آرارات.. وأصل الكلمة أشوري)، وأتذكر أنه في كل مرة يتذوقه كان يقارن ذلك بالكونياك الفرنسي (غورفازية ونابليون وريمي مارتين)، مشيراً إلى أن هذا الكونياك هو 7 نجوم، وكان يدعو عامر عبدالله ويدعوني لتناول كأس صغيرة قبل الظهيرة لفتح الشهية كما يقول، وبالمناسبة فهذا الكونياك كان يفضّله رئيس الوزراء البريطاني الشهير ونستون تشرشل على غيره، وكان ستالين الزعيم الروسي قد أهداه عدّة صناديق منه. وبالمناسبة فمعمل آرارات تم بناؤه العام 1877 وهو أرميني– فرنسي. وكان مؤسسه نيرسين تايربان.
أما الشخصية الثانية فهو آرا خاجادور أحد أبرز القيادات العمالية النقابية الشيوعية في العراق، وظل بُعده الوطني متميّزاً رغم حنينه للماضي واعتزازه بقوميته الأرمينية، لكن أمميته جعلته يغضّ النظر عن ارتكابات السلطة السوفييتية، ناهيكم عن اعتقاده أن قضية الأرمن لا يمكن حلّها إلاّ بتحقيق الاشتراكية، وما زال القائد الشيوعي العراقي حيّاً ويعيش في براغ ويرفض الاحتلال الأميركي لبلده.
ثمة أسماء أرمينية كانت مؤثرة عالمياً وذات شهرة كبيرة، لعل أبرزها وأهمها على الإطلاق هو الموسيقار آرام خاجودوريان، الذي ينتصب تمثاله أمام دار الأوبرا، ولا أدري لمَ قفزت إلى ذاكرتي سيمفونيته الشهيرة رقصة المبارز sword، وقد يعود الأمر إلى مشاهدتي لتمثال أمّ أرمينيا (وهي تحمل سيفاً كبيراً دلالة على أنها أمّ مقاتلة)، حيث نُصب هذا التمثال في المكان الذي كان ينتصب فيه تمثال ستالين الذي أزيح العام 1956 بعد المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفيتي، حيث ألقى نيكيتا خروشوف تقريره الشهير. أما الاسم الثاني فهو انستاس ميكويان نائب رئيس مجلس السوفييت الأعلى، وأتذكر زيارته إلى العراق العام 1959، وأخوه هو آرام ميكويان مصمم طائرة الميغ الشهيرة مع اليهودي غوريان.
أرمينيا التي استقلت عن الاتحاد السوفيتي السابق لم تسلم من المشاكل حتى الآن، ولم تتخط عتبة الماضي بسهولة، ولا يزال الكثير من التحديات تواجهها، ففي الفندق الذي أقمت فيه وكانت الاجتماعات الأساسية للفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان تنعقد فيه، واجهتنا تظاهرة تندد بأعمال القمع واغتيال عدة نشطاء في مارس 2009، وقد بادرنا بالمشاركة فيها، الأمر الذي أغضب بلدية مدينة يريفان التي ألغت حفل العشاء المقام على شرف المؤتمر. وبالمناسبة فالفيدرالية الدولية تعقد مؤتمرها الـ37، وهي منظمة حقوقية تأسست العام 1922 في باريس وتضم في عضويتها 155 منظمة من 115 بلداً.
قبيل إعلان استقلال أرمينيا عانت من حروب وتعرض الأرمن إلى عقاب جماعي قرب باكو (أذربيجان)، ودامت الحرب أربع سنوات حتى تم وقف إطلاق النار العام 1992 بين أرمينيا وأذربيجان وناغورنو كاراباخ (الذي يتمتع باستقلال واقعي De facto ويبلغ عدد نفوسه 170 ألف نسمة).
الدولة الجديدة التي كانت جزءا من الصراع العثماني- الفارسي أصبحت جزءا من الدولة السوفييتية، وهناك أجزاء منها في تركيا، واجهت كوارث طبيعية غير قليلة، فبعد أن اشتهرت بالصناعات الكيماوية تعرضت لزلزال ضخم راح ضحيته 25 ألف أرميني، وذلك في 7/12/1988، مثلما عانت من حروب، وتعاني حالياً من بطالة ومن قلّة الأجور والموارد، إذ إن الحد الأدنى لا يتجاوز 200 دولار في الشهر، الأمر الذي يجعل التنمية تحت مخالب كثيرة منها الفساد المالي والإداري والتهديدات الخارجية والشعور بالقلق إزاء المستقبل. ولكن أما آن الأوان للاعتراف والاعتذار للأرمن عما تعرضوا له تاريخياً!


    

445
كاظم حبيب: النقد الشجاع والاختلاف الجميل*

                                                                                         عبد الحسين شعبان

لم أكن أتصور أن الصديق كاظم حبيب (أبو سامر) قد بلغ الخامسة والسبعين  من عمره الى أن وصلتني رسالة من لجنة التكريم تطلب مني المساهمة في الكتابة عنه، ولعل تلك المبادرة نبهتني الى أننا نكبر دون أن نشعر بذلك، الى أن يأتينا من يحسسنا بتلك الحقيقة. وهذه المرّة كان الشعور بتقدم السن أمراً مفرحاً وليس محزناً، فالمحتفى به ما زال " شاباً" بمعايير العمل والنشاط والتفكير، وما زال مُنتجاً، بل انه في سنواته الأخيرة ازداد حيوية، لدرجة أنه أصبح يكتب كل يوم تقريباً.
وقد يعود ذلك الى شعوره بأن فرصته في العطاء ما تزال خصبة، ولأن الجيل الجديد يحتاج الى خبرته وتجربته، وما رسى عنده وما تركه يفلت من بين أصابعه لا بدّ أن يضعه في متناول الجميع. ولعلي وأنا أتابع نشاط د.كاظم حبيب، استذكرت نشاطه الاول يوم أشرف على تنظيمات الطلبة في أواخر الستينات من القرن الماضي، حيث كان في الظهيرة الساخنة من صيف بغداد يجوب شوارع وأزقة بغداد وهو الاستاذ الجامعي آنذاك، وكانت مساهماته الأولى، لاسيما كتابه مع الدكتور مكرم الطالباني بخصوص قانون الاصلاح الزراعي لعام 1969 هي الأبرز.


ــــــــــــــــــ
* كلمة أرسلت الى الحفل التكريمي الذي يقيمه أصدقاء ومحبو الاقتصادي  والكاتب البروفسور كاظم حبيب الذي سينظم في برلين يوم 17/4/2010 .

كاظم حبيب مثل غيره من القياديين الشيوعيين كان مندفعاً بإخلاص لتأسيس الجبهة الوطنية مع حزب البعث العام 1973، وكان شديد الحماسة لها، ولذلك أصيب بإحباط وخيبة أمل شديدة، عندما انهارت الجبهة فاندفع بالاتجاه الآخر، ولعله كان أحد ضحاياها الأوائل يوم اعتقل وعذّب في العام 1978، واضطر الى مغادرة العراق متوجهاً الى الجزائر للتدريس في جامعاتها، ومنها الى كردستان للمشاركة في الكفاح المسلح وحركة الأنصار، التي راهن عليها كثيراً .
ويبدو لي أن الوسط الشيوعي والماركسي واليساري بشكل عام، لاسيما المعتدل منه كان اول ضحايا النظام الحاكم في بغداد، مثلما كان الوسط البعثي، الميّال الى التعاون الوطني أكثر ضحايا حزب البعث نفسه، فقد ساهم صعود نجم صدام حسين في ضرب الاتجاهات المعتدلة في الحزبين، الأمر الذي سهّل مهمة بعض المغامرين في وضع الامور باتجاه القطيعة، وبخاصة حين تورط النظام بشن الحرب على إيران في العام 1980 وفيما بعد إثر غزو الكويت العام 1990، مُنزلاً بالبلاد كارثة وطنية كبيرة، وبخاصة عند تصفية جميع الهوامش  وإغلاق جميع النوافذ التي قد يصل منها أو يتسرب صوت آخر غير الصوت المهيمن، حيث سارت البلاد باتجاه تعسفي شمولي لا نظير له، وتمركز حكم أقلي ضيق، أُخضع فيه حتى حزب البعث نفسه لأجهزة المخابرات، التي تسلّطت على الدولة والمجتمع وجميع مرافق الحياة، وتحوّل حكم الحزب الى حكم الطغمة ومن هذه الى حكم جهوي، عائلي، حيث تربع شخص واحد فوق الجميع، وأمسك بيده جميع المسؤوليات والصلاحيات، حتى وقعت البلاد تحت الاحتلال.
كان كاظم حبيب، لاسيما بعد اندلاع الصراع داخل الحزب الشيوعي في أواسط الثمانينات مندفعاً ومتحمساً ضد الاتجاه الآخر، الذي ساهم بحملات شديدة ضده، بما فيها المقاطعة الاجتماعية واتخاذ إجراءات زجرية وتهديدية ضده، الأمر الذي جعله مهيئاً ليصبح أميناً عاماً للحزب بحكم ما أبداه من اندفاع وشدّة في التصدي للتوجه السائد، وقد فوتح بذلك في ظل توازن القوى الجديد، لكنه فضّل البقاء على عضويته من الاحتفاظ ببطاقة القيادة، خصوصاً وقد شعر بإحباط شديد، لاسيما وأن الصراع داخل القيادة كان قد اتخذ مسارات جديدة ومتباعدة.
وبشجاعة امتاز بها قام كاظم حبيب بنقد نفسه وتجربته، لاسيما بعض مواقفه إزاء بعض رفاقه وأصدقائه، وهي شجاعة وجدت الكثيرين يفتقدون اليها، ومارس ذلك علناً سواءً مع أصدقاء أو أمام محافل وتجمعات في ندوات أو غيرها، وأتذكر ما قاله في حفل تأبين وتقييم أعمال الراحل هادي العلوي في امستردام، الذي ساهمنا به د. حبيب ونصر حامد أبو زيد وكاتب السطور وكان نقده لنفسه مصدر ارتياح لدى أوساط غير قليلة، وسبق لي أن أشدت بهذا الموقف أكثر من مرّة، لاسيما في مطارحات نشرتها مع بعض القياديين الآخرين.
لا يهم إن أخطأ الانسان، فكلنا بشر وكلنا نخطئ، ولكن المهم أن يتنبّه الانسان الى أخطائه ويقوم بتصحيحها، مقدماً نقداً ذاتياً هو الأجدى والأجدر به، خصوصاً إذا كانت أخطاءه غير صميمية، لاسيما إذا توفّرت لديه معلومات جديدة أو معطيات مختلفة، فيمكن للمرء أن يعيد النظر بمواقفه، بل ويخالفها أحياناً ويخطئها، متخذاً موقف المثقف الماركسي، الناقد لنفسه.
إذا كان نقد الماضي مسألة ضرورية، فلعل التفكير في المستقبل هو المسألة الأكثر أهمية، بما فيه من استشراف وآفاق. لا يكفي أن نقول أن فلاناً لم يغيّر آراءه، لا بمعنى الثبات في المنهج أو الصلابة في الرأي، لأن ذلك سيكون ثناءً باطلاً حسب فيكتور هوغو، لأن ذلك يعني أن حياته كانت خالية من التجارب اليومية والتفكير والتعمّق الفكري، لاسيما بتوالي الأحداث.
لعله سيكون مثل الثناء على الماء الراكد أو على شجرة ميتة، لأن الذين لا يغيّرون آراءهم لا يفعلون شيئاً.. إنهم يتحولون الى أصنام لا يتأثرون بالحياة المتحركة، فكل ما حولنا يتغيّر فيكف لنا السكون، والحياة فيها الكثير من المنعرجات والتضاريس، وهي لا تسير بخط مستقيم أو تقبل الجمود والتحجر، انها متواصلة ومتراكبة ومتخالقة.
إذا كنت أخاطب حفلكم الكريم في ألمانيا ومعكم العزيز د. كاظم حبيب، فلنستذكر فريدريك نيتشه الذي كان يقول على المرء أن يغيّر أفكاره مثلما تنزع الحية جلدها. وعلينا حسب شيخ الماركسيين فردريك انجلز، إعادة النظر بستراتيجيتنا عند كل اكتشاف لسلاح حربي، فما بالك والحياة متغيرة ومتفاعلة ومتطورة. السكون والثبات دليل عجز وتقهقر وتراجع .
ورغم كل الادعاءات بالانفتاح وقبول الرأي الآخر والاعتراف بالتعددية، نحن بحاجة الى حوار حقيقي، والحالات التي يفرزها الحوار تتمثل في حالة الامتلاء وحالة التحقق وحالة الدلالة، ومن خلال المعنى الامتلائي، التحققي نصل الى الدلالة، مقابلة أو مقارنة أو مقاربة. الحوار يمثل حالة حضور وهو نقيض الفراغ، وهو استحقاق مترتب من خلال الحوار مع النفس والحوار مع الآخر والحوار بين الفرد والمجموعة وبينه وبين المجتمع، وتكمن وظيفة الحوار في البحث عن الحقيقة، وأحياناً يكون الحوار تعبيراً عن وجهات نظر متعددة الأصوات، داخل الفرد وداخل كل جماعة وفي كل مجتمع.
أظن أن المحتفى به هو من هذا النوع، الذي أخذ يقبل الحوار والنقد رغم أن الثقافة السائدة لا تقبل النقد الذاتي في الكثير من الأحيان، بل إن التبرير والمكابرة وادعاء امتلاك الحقيقة هي العناصر السائدة في غالب الأحوال، وأعتقد أن كاظم حبيب قد يكون تمكّن من تجاوز ذلك أو بعضاً منه، لأنه جمع بين نهجه الاكاديمي وثقافته الحزبية القديمة بما فيها من إيجابيات والتزامه العقائدي، وفي الفترة الأخيرة بين انفتاحه وعلاقاته الجديدة، وكل ذلك وفّر له، لاسيما بعد انتهاء عمله المسلكي – الحزبي والروتيني فسحة من الحرية، للمراجعة والنقد، والشجاعة الادبية التي قد تحرج آخرين.
*   *   *
تعرفت على الدكتور كاظم حبيب منذ أكثر من أربعة عقود من الزمان، واقتربنا من بعضنا في بعض الفترات، لكنني لم أعمل معه في إطار الحزب، وإنْ كنّا قد سافرنا سويّة لزيارة البوليساريو في العام 1981 والتقينا في كردستان والشام وتعددت لقاءاتنا في ألمانيا والقاهرة ولندن وغيرها، وأستطيع القول أن كاظم حبيب رغم اختلافي معه في السابق والحاضر، في التوجهات والمواقف السياسية والكثير من الجوانب الفكرية، الاّ أنه يمتاز بخلق رفيع وكرم مميز وشجاعة واضحة، وتلكم لعمري صفات انسانية تمثل المشترك القِيَمي لبني البشر، وأضيف الى ذلك انه كان مخلصاً ومنسجماً مع نفسه، حتى وإن اختار طريقاً وقام بمعارضته بنفس الدرجة الى تحمّس له فيها.
قد لا يكون أمر هذه المطالعة مناسباً لاحتفالية يستحقها الدكتور كاظم حبيب، الذي قدّم الكثير وحاول أن يجتهد وكتب وناظر وحاضر وجادل وانقلب واختلف، الاّ أنني أعرف أن صدر أبا سامر أوسع وارحب، لاسيما في السنوات الأخيرة، حيث قدّم هو مثل هذه المقاربات، ولكي يكون الحديث جديًّا أكثر ويتسم بالنزاهة والموضوعية، فربما تلك المواصفات التي أذكرها لا تنطبق عليه وحده، فجيلنا القلق المضطرب عاش الكثير من المتناقضات وهو ما ينطبق على الكثيرين، ولا أستثني نفسي من ذلك بهذا الشكل أو ذاك، زيادة أو نقصاناً، لكنني من موقع الصديق والناقد أقول أن الاختلاف لا يفسد في الود قضية، لاسيما إذا كان الاخلاص هو ديدن المختلفين.
العمر المديد لأبا سامر الورد، وتمنياتي له بالمزيد من العطاء والحيوية والصحة، ولأحلامنا المشتركة فضاء أكثر رحابة، وعلاقات ذات بُعد انساني، وإذا كان كل ما يحيط بنا مدعاة للتشاؤم فلعل الأمل وحده هو الذي يلهمنا هذه القدرة العجيبة على المواصلة. التشاؤم لا يعني اليأس، لكن ادراك ما نحن فيه أمرٌ لا غنى عنه لنقد تجاربنا وممارستنا ليس إزاء الماضي حسب، بل إزاء الحاضر بكل مأساته وانسداد آفاقه، ذلك أن نقد أفكارنا، لاسيما تلك التي طوّح بها الزمن وتجاوزتها الحياة، مسألة حيوية للوضعية النقدية الجدلية للتجديد والتغيير على صعيد الحاضر والمستقبل .
المهم هو الصدق مع النفس والتمسك بالحوار وصولاً للحقيقة.
ولنحترم اختلافنا الجميل،
وكاظم حبيب أحد الصادقين في محاولة نقد أنفسهم، سواءً أخطأ أم أصاب.
العمر المديد للشاب كاظم حبيب 
وتحية لاحتفالكم ومبادرتكم القيمة.




446
كوبا: رؤية ما بعد الخمسين (24) ملكوت السماء وملكوت الأرض
                                                                                       عبدالحسين شعبان
2010-04-12
شغل ماراثون الصراع الفكري بين الماركسيين والمتدينين القرن التاسع عشر والقرن العشرين كله، لاسيَّما بعد أن قادت الحركات الماركسية أنظمة اشتراكية، وخاصة بعد ثورة أكتوبر الروسية عام 1917 وما بعد الحرب العالمية الثانية في عدد من دول أوروبا الشرقية، ثم في الصين وبعض دول آسيا وإفريقيا وأميركا اللاتينية، خصوصاً أن موقفها من الدين والإيمان الديني كان سلبياً، مثلما كانت مواقف رجال الدين مسيحيين ومسلمين ويهود وغيرهم كل منها كان معادياً للآخر. لكن ثمة إرهاصات قليلة وخافتة ظلّت تبحث في جوهر الموقف الماركسي من نقد الدين، لاسيَّما أن ماركس لم يقدم أطروحة متكاملة على هذا الصعيد، بقدر استفادته من فيورباخ، الذي نادراً ما تتناوله الأدبيات الماركسية.
وباستثناء كتاب ماركس عن المسألة اليهودية، فإنه لم ينصرف إلى دراسة الدين أو تقديم أطروحات ومساهمات تُذكر بخصوصه، اللهم إلا إذا اعتبرنا تأثيرات فيورباخ عليه. وإذا كان هذا يتعلق بالجانب النظري (الفكري) فإن الجوانب العملية شهدت صراعات حادة وخصومات شديدة مع التيار الديني. وتوقفت في كتابي تحطيم المرايا لأسلط الضوء على الفهم الخاطئ والملتبس للعبارة الشهيرة «الدين أفيون الشعوب» سواء من جانب بعض الماركسيين الذين فسّروها ضد الدين أو من جانب أعدائهم الذين استثمروها باعتبارها الموقف الماركسي وعلى لسان ماركس من الدين، وهو ما لم يقصده ماركس على الإطلاق.
ولعل ما ساد في وقت متأخر حول إمكانية التحالف بين الماركسيين والمتدينين لم يتم في إطار مراجعة شاملة من الفريقين، بقدر ما كان يحمل في ثناياه إقرارا بواقع أليم، هو أن كلا منهما لم يستطع إلغاء الآخر، رغم محاولات التهميش والإقصاء والاستئصال، فضلا عن ذلك فإن كلا منهما لم يستطع أن يحقق ما كان يطمح إليه، لاسيَّما الانفراد بالساحة، ومع ذلك فإن ما حصل حتى الآن لم يكن أكثر من آمال أو أمنيات لم تجد طريقها إلى الواقع إلا في ظروف محدودة وعلى نحو محدود، الأمر الذي يطرح المسألة على بساط البحث مجدداً.
وإذا كان كاسترو قد بحث هذه العلاقة بين الماركسية والدين، لاسيَّما في السبعينيات وبشكل خاص في الثمانينيات، فثمة فراغات فكرية وعملية، لا تزال بحاجة إلى جهد مثابر وعمل طويل الأمد للوصول من الطرفين إلى الهدف المنشود، إذ إن المسألة لا تتعلق بالماركسيين فحسب، بل بالمتدينين أيضاً, الذين لا ينبغي عليهم الصراع على «الآمال والأحلام» الماورائية الغيبية بقدر ما عليهم دراسة الواقع والبحث عما يعانيه الإنسان من بؤس وظلم واستغلال، انطلاقاً من مقاربة نظرية فكرية ومصالح سياسية واجتماعية واقتصادية راهنة تخص البشر الذين يعيشون على الأرض, وليس في مملكة السماء، لهذا اقتضى أن يحتفظ كل فريق بما لديه من آمال وأمنيات تبشيرية بالخلاص على طريقته دون إرغام أو إكراه الطرف الآخر على الإيمان بها.
فالماركسيون يقولون إن المجتمع الشيوعي سيكون الأكثر سعادة, حيث لا وجود للطبقات والاستغلال، وسينعم البشر «كل حسب طاقته وحسب حاجته»، أما المتدينون فيقولون إن مملكة الأرض زائلة، والباقية هي مملكة السماء، حيث العالم الآخر الأكثر عدلاً وسلاماً وسعادة، والأرض مجرد دار فناء، في حين أن السماء هي دار استقرار.
ولهذا فإن ترك أو تأجيل مسألة الاختلاف على ملكوت العالم الآخر الآتي سيضع مشكلات الأرض أمام استحقاقاتها، أما ملكوت المستقبل فهو ما زال برحم الغيب، ولن يوصل الصراع حوله أياً من المتدينين أو الماركسيين إلى أي نتيجة تذكر.
المهم البحث في إشكاليات ومشكلات عالم اليوم، حيث النضال المشترك والمصالح المشتركة للفقراء والكادحين، الذي هو الحقل الفعلي والمساحة الحقيقية الممكنة للعمل والتعاون وحتى للصراع، أي ترك مشكلات عالم السماء والبحث في مشكلات عالم الأرض، التي تواجههم يومياً، لأن التمسك بالصراع حول عالم الغيب لن يقرّب بين المظلومين بقدر ما يشتت نضالهم.
لقد اصطدم الحزب الشيوعي الكوبي الذي توحّد مع حركة 26 يوليو مع الكنيسة والابرشيات بعد الثورة وتوّلد انطباع لدى الطرفين بأن صراعهما حتمي واستئصالي، ولذلك حُرما من رؤية رحبة بعيداً عن اللاهوت، إزاء قضايا الحاضر والمستقبل وسعادة ورفاه البشر.
وإذا كان قد حدث تطور مهم في رؤية الكنيسة في أميركا اللاتينية، لاسيَّما لدى المجمع المسكوني في الفترة بين 1962-1965 والتي قادتها إلى أن تلعب لاحقاً دوراً مهماً في لاهوت التحرير، فإن النقاش الذي دار بين كاسترو ومحاوره بيتو عام 1985 عكس رؤية ماركسية جديدة إزاء الموقف من الدين دون مجاملة أو مداهنة أو تنازل، ولكن في إطار قراءة وضعية نقدية للواقع دون تصغير من حجم الآخرين أو تضخيم بالذات. وكان بيتو قد قضى مع كاسترو 23 ساعة عمل كرّسها لرؤيته حول الدين.
إذا كانت هناك جوانب متطورة في هذه الرؤية الجديدة، فإن الكثير من الأحزاب الشيوعية والتيارات الماركسية لا تزال بعيدة عن هذه المراجعة الضرورية، إما تشبثاً بالماضي وإما تجنباً لفتح هذه السيرة وإما مداهنة لتيار إسلامي صاعد في الكثير من البلدان العربية والإسلامية وفي بلدان آسيا وإفريقيا من جانب المتدينين.
لم يكن كاسترو وحده هو الذي درس في المدارس اليسوعية، فقد كان شقيقه راؤول رئيس الدولة حالياً هو الآخر قد درس على أيدي رهبان مسيحيين ويسوعيين في مدينة سانتياغو دي كوبا، وقد حضر -حسبما يقول- من القداسات ما يكفيه لبقية العمر، لكنه لم يبق على إيمانه بالكنيسة، لكنه يعترف أنه حافظ على مبادئ المسيح، وهو لا ينكر هذه المبادئ ولا يجحد حقها. يقول راؤول كاسترو: إن مبادئ المسيح تمنحني أملاً في الخلاص والثورة، إنها تطرد الأغنياء من الجنة خالي الوفاض وتهب الخبز للفقراء، وهو ما ذكّرني بالباحث العراقي هادي العلوي الذي تحدث عن الفلسفة التاوية مشبهاً لاوتسة بالمسيح وأبي ذر الغفاري وماركس، وحسب رأيه فإن المسيح يعتقد أنه لا مكان للأغنياء في الجنة «إنه لأسهل أن يدخل جمل في ثقب إبرة من أن يدخل غني ملكوت السماوات»، التي لا يمكنها أن تستوعبهم.
هل تتعارض الحياة الروحانية مع الحياة الدنيوية المادية؟ وهل هناك ضرورة لاعتزال العالم، واعتزال الحياة اليومية، تحت حجة التأمل والانصراف للاتصال بالخالق، في صومعة خاصة بدير أو أبرشية أو مسجد أو جامع أو خلوة مع النفس ومع الله. لعل هناك نوعاً من القداسة، فبركات الروحانية التي تظهر كمرايا إيمانية لاتباع طريق الحق والعدل، سواءً كانت تجلياً أم انصرافاً لاهوتياً، هي ذاتها التي لا تفصل عن قضايا ومشكلات الحاضر.
وإذا أردنا الحديث عن اللاهوت الخاص بالأناجيل، فهناك لاهوت متى ولاهوت مرقص ولاهوت لوقا ولاهوت يوحنا، ويعني اللاهوت فيما يعنيه انعكاسا للإيمان في نطاق واقع معين. وإن الذي ميّز لاهوت التحرير في أميركا اللاتينية هو الوجود الجمعي لملايين من الجياع بعيداً عن الشخصانية، وهذا اللاهوت اكتشف أهمية وضرورة اللجوء إلى العلوم الاجتماعية، بما فيها الاستفادة من الماركسية، إذ إن الخوف من الماركسية كما يقول بيتو كان أقرب إلى الخوف من الرياضيات، لأنك تشك أنها ربما تأثرت بفيثاغورس، ولا يمكن لأحد في عالمنا المعاصر أن يتحدث عن التناقضات الاجتماعية دون أن يعزو بعض التقدير للمفاهيم التي بلورها وصاغها ماركس.
كان البابا يوحنا بولس الثاني قد استعار من ماركس عندما تحدث عن التوترات الطبقية والظلم الاجتماعي في رسالته البابوية عن العمل المتفاني الإنساني، والبابا هو نفسه الذي حاول محمد علي أغجا الذي ادعى أنه المسيح اغتياله في تركيا 1981 (كتابنا: قرطاجة يجب أن تدمّر، دار صبرا، نيقوسيا- دمشق، 1985)، واتهمت بلغاريا حينها بتنظيم عملية اغتياله في حملة دعائية وأيديولوجية شعواء، ولكن بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وتحلل المنظومة الاشتراكية، اتضح بطلان تلك الحملة وتم إسدال الستار على القصة بكاملها وقد أنهى أغجا مدة محكوميته في ظرف غامض ليطلق سراحه بعد سجنه 20 عاما.

           


447
فضاء الثقافة القانونية وحكم القانون
عبد الحسين شعبان
باحث ومفكر عربي

ان الحديث عن قيام دولة المؤسسات لا يستقيم بدون الحديث عن حكم القانون، ولعل هذا الأخير يعتبر مدخلاً أساسياً ولا غنى عنه لاستكمال مسيرة الاصلاح والتحديث والتنمية، وما تزال مجتمعات البلدان النامية ومنها بلداننا العربية تعاني من ضعف الثقافة القانونية والحقوقية فيما يتعلق بحكم القانون، وغالباً ما تتم مقاربة الشأن العام بعيداً عن ذلك، الأمر الذي يطبع الممارسات الحكومية وسلوكيات الحكام بالطابع الفردي والتسلطي على حساب أولوية المؤسسات التي يحكمها القانون.
وحتى جامعاتنا ومراكز الابحاث والدراسات المنتشرة في العالم العربي لم تولِ الجهد الكافي للارتقاء بفكرة حكم القانون بما تستحقه من اهتمام رغم كثرة الحديث عن التحولات الديمقراطية وقضايا الاصلاح والتقدم والتنمية والمشاركة وتداولية السلطة والانتخابات واستقلال القضاء، ولعل كل تلك المفاهيم تظل ناقصة بدون مقاربات جدّية ومسؤولة للتمسك بحكم القانون، باعتباره القاعدة التي يمكن الانطلاق منها الى فضاءات المعرفة القانونية والحقوقية والديمقراطية.
إن معظم الدراسات والأبحاث المتداولة في العالم العربي أو التي يتم الاستناد اليها، ظلّت تدور في الإطار النظري أو التنظيري، دون أن تأخذ بنظر الاعتبار، الواقع الذي نعيشه وتعقيداته، ومتغيّراته، ولهذا السبب فإن بعض المقاربات بقيت معزولة أو محدودة التأثير.
وقد تعود المسألة الى حداثة نشؤ الدولة العربية وحداثة مؤسساتها، ناهيكم عن ضعف هياكلها الادارية وتراكيبها الدستورية، التي حالت حتى الآن دون قيام حكم القانون، لاسيما بوجود كوابح اعترضت طريق انطلاقتها، سواءً كانت هذه الكوابح اجتماعية أو اقتصادية أو سياسية أو ثقافية، أو ما يتعلق بالموروث الديني الذي يتم توظيفه سلبياً في الكثير من الأحيان، فضلاً عن التهديدات الأمنية التي تعرضت سواءً في مرحلة الاستعمار أو ما بعد مرحلة الاستقلالات، في الخمسينات والستينات وبخاصة منذ قيام اسرائيل العام 1948، الأمر الذي بحاجة الى ترسيخ البناء القانوني وتعزيز الهياكل القانونية وتحديث القوانين، وتأكيد استقلال القضاء ونزاهته وتأكيد مبادئ المحاكمات العادلة، لاسيما اعتماد العدالة الجنائية في إطار منظومة حقوق الانسان.
ومثل هذا الأمر يحتاج الى جهاز اداري كفوء ونزيه، ومشاركة واسعة من المجتمع المدني والقطاع الاهلي وقطاع الأعمال، في رسم السياسات الحكومية والمشاركة في اتخاذ القرارات المتعلقة بعملية التنمية، كما يتطلب قيام مجالس تمثيلية ذات صلاحيات تشريعية ورقابية.
وقد جاءت مبادرة تأسيس المركز العربي لتطوير حكم القانون والنزاهة منذ مطلع الألفية الثالثة والذي دخل خطته الستراتيجية الثانية (2010-2014) كمحاولة لسد بعض النقص الفادح في هذا المجال ولنشر وتعزيز الثقافة الحقوقية والقانونية فيما يتعلق بحكم القانون، من زاوية توضيح معالم وأبعاد المفهوم، ثم دراسة تجارب الرصد والقياس للاداء وفقاً لعدد من المعايير، اختار المركز أن يبتدئ بها في مرحلته الاولى وشملت قطاعات أساسية وهي البرلمان والقضاء والاعلام، وقد اختيرت عيّنة من البلدان العربية بغية استكشاف الطريق والتأسيس لآليات معتمدة علمياً ومستندة الى الخبرة والكفاءة، ليتم بعدها توسيع نطاق الدراسة لتشمل نختلف البلدان العربية.
   يعتبر حكم القانون حجر الزاوية في الدولة العصرية، لأنه الخيط الرابط للعلاقة بين مؤسسات الدولة من جهة وبين نظام الحكم فيها من جهة أخرى، ويتجسّد هذا المفهوم بخضوع المحكومين والحكام لحكم القانون، ولعل ذلك واحداً من التحديات التي تواجه بلداننا، لاسيما تحقيق مبادئ العدالة والمساواة والمشاركة واحترام وحماية حقوق الانسان، وصولاً لتحقيق التنمية المستدامة بمعناها الانساني الشامل، سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً وحقوقياً.
ان تعزيز حكم القانون يعني تعزيز حكم المؤسسات، وحكم الجماعة حيث لا يكون الحاكم سوى ممثلاً عنها لإدارة الشؤون العامة، ويمكن استبداله وتغييره بشكل سلمي وفقاً لانتخابات دورية على أساس تداول السلطة. وبهذا المعنى فحكم القانون يقود الى الحكم الصالح، والعلاقة بينهما طردية، فكلما تعزز حكم القانون تعزز الحكم الصالح والعكس صحيح أيضاً، ومثل هذا التواؤم سيقود الى تعزيز العملية التنموية. وكلما كان القانون حامياً لحقوق الانسان والمعايير الدولية التي أقرّها المجتمع الدولي، فإنه سيضفي مسحة من الانسجام مع القواعد الدولية، إضافة الى أنه سيعزز من قوتها المادية والمعنوية، لاسيما إذا اقتنع المجتمع بها وتبنّاها.
لا توجد حتى الأن وثيقة دولية أو ميثاق أو بروتوكول يحدد ما الذي نعنيه بحكم القانون ويوضح أبعاده، وإذا جادل البعض بوجود الشرعة الدولية لحقوق الانسان، التي تقوم على الاعلان العالمي لحقوق الانسان الصادر عام 1948 والعهدين الدوليين الأول الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والثاني الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، الصادران عن الجمعية العامة العام 1966، واللذان دخلا حيّز التنفيذ العام 1976، وهناك من يضيف اليهما بروتوكولين دوليين ملحقين، الاّ أن مشروع مدونة دولية لحكم القانون لم يتبلور حتى الآن، حيث تبقى الحاجة ماسة وملحّة اليها كوثيقة مستقلة.
وهنا لا بد من تأكيد بعض المبادئ فأولاً لا بدّ من وجود قانون وهذه مسألة بديهية، لنتحدث عن حكمه، وهذا القانون لا بدّ أن يكون منشوراً ومعلوماً ومستقراً، وثانياً السعي لتنفيذ هذا القانون بشكل فعّال وسليم، وثالثاً توفير امكانات لتحديثه وتطويره في ضوء المساحات المستجدة والمتغيرات الضرورية، ورابعاً يفترض أيضاً أن يكون القانون عادلاً ومنسجماً مع الاتفاقيات والقوانين الدولية والشرعية الدولية لحقوق الانسان، وهو طموح للانسجام بين القوانين الوطنية والقوانين الدولية، ولعل مثل ذلك يتطلب وجود قضاء مستقل ونزيه وحيادي وفعّال ويضمن تطبيق القانون لتحقيق العدل والحق.
إن واجب النهوض بالثقافة القانونية العربية يتطلب وجود هيئات أو مجالس تشريعية منتخبة ورفع مستوى الاداء والجودة والخدمات القانونية والقضائية، وتأصيل مفهوم الشراكة الديمقراطية، وترسيخ أسس الادارة الصالحة القائمة على الشفافية والمساءلة وتكافؤ الفرص في القطاع العام ومؤسسات المجتمع المدني، وخطة واسعة لمحاربة الفساد المالي والاداري باعتباره آفة خطيرة تعرقل جهود الاصلاح وتهدر المال العام وتقوّض انجازات التنمية.




448
كوبا: رؤية ما بعد الخمسين (23) الاشتراكية والإيمان الديني

عبدالحسين شعبان

2010-04-05
سأل الكاردينال سيلفا هرناندز الزعيم الكوبي فيدل كاسترو عمّا إذا كان الكتاب المقدس الذي قدّمه إليه هدية قد أغاظه، فأجاب كاسترو: "ولماذا؟ هذا كتاب عظيم، قرأته ودرسته في الصبا، وسأستعيد العديد من المسائل التي تثير اهتمامي" لعل هذا ما ينقله محاور كاسترو فراي بيتو عن علاقة كاسترو بالدين ورؤيته للإيمان الديني والموقف من الاشتراكية، خصوصاً وهو يستعرض أحاديثه إلى الرهبان في تشيلي (نوفمبر 1971)، التي كان قد قرأها وهو سجين سياسي في ساو باولو (البرازيل) عندما كان يقضي حكماً بالسجن لمدة 4 سنوات تتعلق بالأمن الوطني.
كان كاسترو قد زار الكاردينال هرناندز زيارة بروتوكولية في سانتياغو؛ حيث كانت كلماته تتردد عن أن "في الثورة هناك عوامل معنوية تغدو حاسمة" وأن الحاجة الموضوعية لشعوبنا لأن تحرر نفسها، وهذه الحاجة تخص المسيحيين والشيوعيين، الذين عليهم أن يتحدّوا من أجل هذا الهدف، ولفت كاسترو النظر وهو يتحدث إلى رجال الدين التشيليين إلى أنه درس في مدرسة كاثوليكية ومع اليسوعيين، الذين وصفهم بأنهم أناس جادون منضبطون، صارمون، أذكياء، ذوو عزيمة قوية، وأردف: لقد قلت هذا دائماً وأقول لكم فيما بيننا إن هناك تشابهاً عظيماً بين غايات المسيحيين وبين تلك التي يسعى إليها الشيوعيون، أي: أن من بين تعاليم المسيحية: التواضع والزهد والإيثار وأن تحب جارك، وبين ما يمكن أن ندعوه فحوى وحياة ونشاط الثوري (انظر: كاسترو والدين، حوارات مع فراي بيتو، مصدر سابق، ص 13-14).
وحول علاقة الدين بالسياسة يقول كاسترو: إن السياسة في عصرنا دخلت في مجال يقترب من الدين، فيما يتعلق بالإنسان واحتياجاته المادية، ونستطيع أن نقارب الوصايا العشر: لا تقتل، لا تسرق، لا تكون أنانياً، لا تستغل الآخرين... إلخ، هناك توافق إذاً بين المسيحية والشيوعية أكثر من 10 آلاف مرة مما بين المسيحية والرأسمالية، ولعله بذلك قصد الجوانب الأخلاقية والروحية والمُثل الإنسانية، خصوصاً إذا استثنينا الموقف من الملكية الخاصة ودورها.
لا ينفي كاسترو أن الإيمان الديني لم يُغرس فيه أبداً، لكنه كان يحترم المقدسات الدينية، ويعتقد أن الدين مُحرّف على أيدي الطبقات الرأسمالية المستغلة؛ حيث وظّفته لصالحها وجعلته في خدمتها، فهناك دين ملاك الأراضي والأثرياء، وهناك دين الفقراء والمستلبين.
لعل الشيء المتقدم الذي كان كاسترو قد طرحه ومنذ وقت مبكر هو الذي يتعلق بالتحالف الاستراتيجي وليس التكتيكي بين المسيحيين والشيوعيين "نحن مع أن نكون حلفاء استراتيجيين، ما يعني أن نكون حلفاء دائمين". وكان كاسترو يردد ألا حاجة لوجود أي تناقض بين الثورة الاجتماعية ومعتقدات الناس الدينية، وحرصت الثورة الكوبية على ألا تقدم نفسها كمعادية للدين.
وبخصوص المسيح كان كاسترو يعتقد أن المسيح ثوري عظيم وأن عقيدته هي لصالح الفقراء وضد الظلم والتعسف وإذلال الإنسان، ولعل ذلك هو المشترك الإنساني الذي يجمع بين تعاليم الدين وبين تعاليم الاشتراكية.
هل ينقسم الناس إلى متدينين وغير متدينين، أي إلى مسلمين ومسيحيين وغيرهم، وإلى شيوعيين واشتراكيين، أم ثمة قسمة أكثر عدلاً، حين يمكن تقسيمهم إلى ثوريين وغير ثوريين حسبما استخداماتنا السابقة، وإلى من هم مع الاستغلال والقهر ومن هم ضده، بغض النظر عن إيمانهم أو عدم إيمانهم؟
بودي هنا أن أقول إن الكثير من الحركات الشيوعية والماركسية ارتكبت أخطاء جسيمة عندما بشّرت على نحو ساذج بإلحادية مدرسية نزقة، ما جعلهم "غرباء" إلى حدود معينة في مجتمعاتهم رغم تضحياتهم الكبيرة، لاسيَّما عن جمهور الفقراء الذين يدّعون أنهم يمثلونهم. وهذا هو ما استذكرته في كتابي "تحطيم المرايا.. في الماركسية والاختلاف، حوار: خضير ميري، الدار العربية للعلوم، بيروت 2009" حين استعرضت كتاب المفكر الإيراني الإسلامي علي شريعتي "العودة إلى الذات" والمتعلق بموقف اليسار الماركسي من الدين.
ورغم أن شريعتي يشيد بدور الماركسيين وما قدمه الفكر الماركسي ويعتبره شيئاً مهماً، لاسيَّما لجهة الكفاح ضد الاستغلال والاستعمار والظلم، فإنه يعتبر أن مدخله كان خاطئاً، خصوصاً موقفه من الدين، ولعلي هنا أتفق معه حول بعض التصرفات الطفولية والمراهقة التي حُسبت على الماركسيين والشيوعيين، وكان ينبغي أن يكون مدخلهم هو العدالة وليس الله، فالعدالة هي المشترك الذي يمكن أن يلتقي عنده المتدينون وغير المتدينين، المسلمون والماركسيون وغيرهم، خصوصاً إذا اتسمت بالدعوة إلى الحرية، التي هي القيمة العليا للبشر، وأقتبس هنا ثلاث صور كاريكاتيرية طريفة من شريعتي.
الصورة الأولى: يرسم فيها مثقفاً يسارياً يخاطب جمهرة الفلاحين ويحرضهم ضد السلطات الحاكمة، ثم يقنعهم بالهجوم عليها وأخذ زمام المبادرة لتحرير أنفسهم.
الصورة الثانية: يصوّر فيها جمهرة الفلاحين وهم يسيرون خلف المثقف اليساري لمواجهة السلطة عبر الاستيلاء على رمزها "مركز الشرطة".
الصورة الثالثة: يرسم فيها المثقف اليساري مختبئاً وراء أفراد الشرطة، في حين تطارده جمهرة الفلاحين وتريد قتله؛ لأنه شكّك بوجود الخالق.
ولعل هذه الصورة النمطية تكاد تتكرر على المستوى العالمي، ولكن تأثيراتها أكثر ضرراً وعمقاً في مجتمعاتنا العربية والإسلامية؛ إذ إن مجرد التشكيك أو الاستخفاف بوجود الخالق حوّل ما بناه المثقف اليساري برمشة عين إلى الضد منه؛ لأنه تناول قضية مستقرة في أذهان العامة، وتمثل جزءاً من وجدانهم، فانقلب مصدر سخطهم من عدوهم "السلطة الظالمة"، إلى نصير لهم ومدافع عن حقوقهم؛ لأنه شكك بعقائدهم.
لقد واجهت الماركسيين مثل هذه الإشكالات في حياتهم اليومية، ولم يتصرفوا إزاءها بنوع من الحصافة والحصانة الفكرية ومن المعرفة بخصائص وعقائد المجتمع وتاريخ بلدانهم سواء أكانت مسلمة أم مسيحية، ذلك أن المساس بالعقائد المتوارثة سيلحق ضرراً كبيراً بقضية النضال المشترك الذي ستكون مادته هي جمهور الناس البسطاء، المُعدمين، المؤمنين على طريقتهم الخاصة وعلى ما توارثوه من معتقدات وأساطير وحتى أوهام أحياناً، لكن ذلك ينبغي مراعاته على نحو دقيق؛ إذ إن مجرد الاقتراب منه أو الشعور بأن ثمة خدشا له وهو مستقر في الأذهان وغير قابل للنقاش، سيجعل المعنيين بالتغيير في دائرة الرفض، وسيحسب من يحاول ذلك إلى دائرة الإساءة إلى المقدسات، وهو ما يمكن اعتباره استراتيجياً وتكتيكيا أمراً خاطئاً، ولعل هذا هو ما توصّل إليه فيدل كاسترو عند حديثه في إطار النقد الذاتي عن التحالف الاستراتيجي، الدائم بين الماركسيين والمسيحيين.
وبالطبع لا يمكن بلوغ مثل هذا التحالف من الكتب والتفسيرات والتأويلات وحدها، على أهميتها وقيمتها التي لا يمكن الاستغناء عنها، فالأمر يحتاج إلى أرضية يلتقي عندها من هو معني بالتغيير والتحرير ومكافحة الاستغلال، ومن خلال عمل شاق وطويل وتراكم وتطور تدريجي وترويض للنفس.
الشيء الممتع والمثير للدهشة حقاً هو حوار كاسترو مع المتدينين، ولعلك وأنت تتوغل في التعرف والقراءة والنقد، تكتشف أنك أمام شخصية متميزة ومفتوحة وصريحة وتستطيع أن توجّه إليها أي أسئلة دون حرج، بما فيها ألا توافقه في الرأي.
لقد تأثر كاسترو مثلما تأثرنا جميعاً، دون إغراق، لاسيَّما من انحدروا من عوائل دينية أو درسوا في مدارس دينية أو عاشوا في بيئة دينية، ببعض المثل والقيم الدينية الإنسانية، رغم عدم إيمان بعضنا دينياً، إلا أنه، وهذه تجربتي الشخصية أيضاًً، لم نكن محصنين إزاء ما ورثناه من تعاليم، وهذه أضافت إلينا بُعداً أخلاقياً ورمزياً؛ لأننا كنّا نعتبرها قيماً إنسانية اجتماعية وفي الوقت نفسه قيماً ثورية، نتعاطى معها بسليقية وانسيابية.
وسبق أن كتبت قبل عقد ونيف من الزمان عن السيد محمد باقر الصدر (الذي اختفى قسرياً هو وأخته بنت الهدى، عام 1980): "حلق في سماوات بعيدة وسبح في بحور عميقة"، عن العلاقة بين الماركسيين والإسلاميين، مفرّقاً ما بين الأيديولوجي المختلف، وبين السياسي والاجتماعي النضالي اليومي الذي يمكن أن يكون مؤتلفاً، بحثاً عن الحرية والعدالة، التي يُفترض أن تشكل المشترك الإنساني الذي يساعد في تكوين تصورات مشتركة إزاء أوضاع الظلم والقهر والاستغلال.
وفي هذا المجال كنت قد قرأت نقدياً فتوى السيد محسن الحكيم "الشيوعية كفر وإلحاد" وكذلك موقف السيد محمد باقر الحكيم (المجلس الإسلامي الأعلى) في اجتماع للمعارضة العراقية في دمشق، 1996، وإصراره على استبعاد الحزب الشيوعي، وهو ما نشرته في صحيفة الحياة اللندنية في حينها، وذلك بتغليب طبق الأيديولوجيا على مقبّلات السياسة، خصوصاً أن هناك بعض المشتركات كان الطرفان يعيشانها، لاسيَّما ضغط وكبت النظام السابق، خصوصاً في السجون والمنافي؛ حيث كان الواقع والعقل يقتضيان تقديم السياسة على الأيديولوجيا، ولكن دون تنازل أو تهادن أو استرخاء أو مجاملة، بما فيها للخلاف الفلسفي والفكري.
 


       

449

العراق- مسيرة الدم وطريق الحرية
كتاب للراحل خالد عيسى طه
بيروت – خاص (المحرر الثقافي)
قبل ان يغادرنا الراحل خالد عيسى طه المستشار القانوني والوجه الاجتماعي المعروف، الذي عاش سنواته العشرين ونيف الأخيرة في المنفى، دفع الى المطبعة كتاباً لخّص فيه آراءه بشأن الأوضاع في العراق، لاسيما موقفه من الاحتلال وقضايا الديمقراطية والطائفية وحقوق الانسان، وصبّ فيه عصارة تجربته الغنية والمتنوّعة التي جاوزت نحو ستة عقود من الزمان في الميدان السياسي والقانوني والحقوقي، وقبل كل شيء موقفه الانساني من قضايا الحريات والتنمية والتطور وبشكل خاص مواقفه من حقوق المرأة والأقليات.
الكتاب صدر من الدار العربية للعلوم في بيروت، واحتوى على 375 صفحة من القطع الكبير. وكتب مقدمته الدكتور عبد الحسين شعبان ، وجاء في صفحة الغلاف الاخيرة.


450
كوبا: رؤية ما بعد الخمسين (22) كاسترو والدين

عبدالحسين شعبان

2010-03-29
منذ اللقاء التاريخي بين ماركس وانجلز وصدور البيان الشيوعي في عام 1848 وجهت الماركسية الجدل الفلسفي والاجتماعي التاريخي إلى بؤس الإنسان وأسبابه لا فيما يتعلق بالتفسير فحسب، بل انصبَّ الاهتمام على التغيير، وقد اصطدمت بالكثير من الدعاوى التي حاولت البرجوازية التعكّز عليها ومنها التستر بالدين وارتداء جلبابه أحياناً، ليس دفاعاً عن مملكة السماء، بل للدفاع عن مملكة الأرض «المقدسة»، ونعني بذلك نظام الملكية الذي لا يمكن المساس به، وليس لمثل الدين قدرة «أسطورية» على المواجهة مع الماركسية، خصوصاً إذا ما تعلق الأمر بالملكية، وخصوصاً إذا جرى التعرض لما استقرت عليه المجتمعات، لاسيَّما المساس بالقواعد والأنظمة والقوانين السائدة التي تحمي مصالحها، وكان «اتهام» الماركسية، بالإلحاد والوقوف ضد الإيمان الديني، واحداً من الأسلحة الماضية التي استخدمت ضدها.
أنقل هنا حديثاً لأحد أساقفة المسيحية، وهو الرئيس السابق لأساقفة كانتربري عن علاقة رأس المال بالدين، ولعل مثل هذا الفهم قريب من التفكير الماركسي حين يقول: «إن الرأسماليين يعبدون المال ستة أيام في الأسبوع ويذهبون إلى الكنيسة في اليوم السابع»، ولعلنا من خلال تجاربنا نعرف، كم من الذين لا علاقة لهم بالدين في سلوكهم وتعاملهم، ينتظرون موسم الحج للذهاب إلى مكة، ليغسلوا ذنوبهم كما برر أحد المعارف من رجال الدين، ولا يهمّ إن عادوا إلى عاداتهم، ولعلهم ليسوا بعيدين عنها حتى عندما يكونون في أوج تأديتهم للفروض الدينية، وفي الأماكن المقدسة أحياناً، وفي مقدمتها بيت الله الحرام.
إن مملكة المستغلّين هي الأرض، وليأخذ المؤمنون مملكة «السماء»، لهم وحدهم، ولذلك فقد سعى المستغلون لمنع أية تحالفات بين المؤمنين سواء كانوا متدينين أو غير متدينين وبين الماركسيين الذين تجمعهم أهدافٌ مشتركة ومُثلٌ وقيم ومبادئ مثل الحرية والعدالة والمساواة واحترام حقوق الإنسان، بغض النظر عن الدين واللون والجنس واللغة والقومية والانحدار الاجتماعي، ذلك أن المؤمنين والماركسيين، والمتدينين والعلمانيين، يكتشفون في المُثل المشتركة والجامع الإنساني جوهر الحياة البشرية، فالمسيح والنبي محمد والنبي موسى في لحظة من لحظات النقاء التاريخي قدّموا ملكوت السعادة للفقراء والمظلومين مثلما يحاول الماركسيون تقديمه, وإن كان كل من زاويته، إلا أن الأمر له علاقة بالصيرورة الإنسانية فهو ليس بعيداً عن حلم البشرية للقضاء على الاستغلال وتحقيق حلم الإنسان في الحرية والعدالة والرفاه.
وإذا أردنا تطبيق ذلك على أوضاعنا الراهنة فإن ما قدمه لاهوت التحرير في أميركا اللاتينية ونضال بعض القوى الدينية، الإسلامية المعادية للإمبريالية والصهيونية في منطقتنا، التقى إلى حدود كبيرة مع نضال التيار الماركسي، ولعل حواراً مفتوحاً وعلنياً واسعاً لا بد أن ينفتح بين المؤمنين وغير المؤمنين، بين المسلمين والمسيحيين وغيرهم وبين الماركسيين والعلمانيين من جهة أخرى، لاسيَّما في قضايا التحرر ومكافحة الاستغلال ومناهضة الاستبداد، ناهيكم عن العدل والمساواة والسلام.
إن مصدر الشقاء الإنساني هو الاستغلال، ولكي يتم استئصال شأفته لا يمكن انتظار ما تمطره السماء، بل إن العمل والكفاح سيكونان كفيلين بإشاعة الحب والعدل والمساواة، تلك التي بشّر بها الرسل والأنبياء والمصلحون الدينيون والاجتماعيون، وهو ما تبشّر به الماركسية التي تدعو إلى حياة إنسانية تليق بالإنسان.
إن الشوق إلى العدل هو الرسالة المباركة الأساسية لكل من يريد أن يتعمد بالمناعة ضد فيروس الاستغلال والظلم، سواء كان متديناً أو ماركسياً، حالما بمستقبل جديد للبشرية.
في العام 1988 نُشر كتاب في بيروت وعدن بعنوان مثير هو «فيديل كاسترو والدين»، ومثل هذه العناوين لاسيَّما لقادة ماركسيين مثيرة إلى حدود كبيرة، خصوصاً وهي تتحدث عن تابوهات ظل الكثير من الماركسيين، لاسيَّما في عالمنا العربي والإسلامي يتجنبونها، وخاصة بعد مرحلة الطفولة الثورية التي مرت بها الماركسية في بلداننا، حيث تعاملت بخفة ونزق وسذاجة كبيرة في قضايا تخص معتقدات الناس، وبسببها تعرضت إلى نكسات كبيرة، والأمر له علاقة بموضوع الفهم الخاطئ للموقف من الدين وتعاليمه. وهو ما اعترف به فيديل كاسترو في حواراته مع فراي بيتو عندما قال في معرض تقييمه لسنوات الثورة المبكرة: «لقد شُددنا بإحكام إلى أكاذيب وأُرغمنا على العيش معها، لذلك يبدو العالم مرتبكاً عندما نسمع الحقيقة».
إن حوار كاسترو مع راهب دومينيكاني من البرازيل هو فراي بيتو يزيل الكثير من الغشاوة الكثيفة التي غلّفت مواقف الماركسيين والشيوعيين من الدين، وهو يبحث في المشترك الذي يجمع الماركسيين والمسيحيين، وذلك بأسلوب أخاذ على نحو مدهش، الأمر الذي لم يتم التوقف عنده في بلداننا منذ أن قاربنا الموقف من الدين سلبياً، ثم ابتعدنا وكأنه تابو يمنع الدخول في مناقشته أو الحوار حوله.
الحوار الطريف والعميق تم بين رجل دين كاثوليكي يمارس شعائره وطقوسه بإيمانية، مع قائد شيوعي يؤمن بالماركسية، وهو ما ذكّرني بحواري مع المطران جورج خضر (مطران البترون وجبل لبنان) الذي قدّم لكتابي «فقه التسامح في الفكر العربي- الإسلامي: الدولة والثقافة»، دار النهار، بيروت، 2005، وكنت قد عبّرت عنه في الندوة الفكرية التي نظمها المجلس الثقافي للبنان الجنوبي بإدارة الأديب حبيب صادق، والتي شارك فيها إضافة إلى المطران خضر، الناقد السوري محمد جمال باروت.
قلت عندما قرأ المطران مخطوطة الكتاب، لاسيَّما الفقرة الخاصة بالمسيحية، توقف قليلاً ليقول: كنت أشعر كأن مسيحياً يقف خلف شعبان ليكتب ما كتب، وهو ما دعاه بعدها إلى نقده بكتابة مقدمة له، وقد سرّني ذلك كثيراً، ثم بادر إلى سؤالي ولماذا تفضل أن أكتبها أنا دون سواي، أجبته لأنك مسيحي وأرثوذكسي لبناني، وأنا من عائلة عراقية عربية مسلمة، وأنت من جبل لبنان وأنا من النجف، وأنت رجل دين ومطران البترون وجبل لبنان وأنا من عائلة دينية، لها مكانتها في حضرة الإمام علي، وأنت متديّن وأنا علماني، وذلك وحده يكفي لكي نتحدث من موقعين متوازيين عن التسامح، وقال لي ولهذه الأسباب إنه متحمس لكتابة المقدمة، التي وصلتني بعد 4 أيام من تسلّمه المخطوطة، وكانت قطعة أدبية- فلسفية رصينة وجامعة وإنسانية.
بعدها سردت عليه تلك الحكاية التي كنّا نتناقلها منذ سنوات طويلة ومفادها أن رجل دين مسلماً أدار حواراً مع ماركسي ودام الحوار أكثر من ستة أشهر، تأثر الثاني بالإسلام وأبدى إعجابه به، لكن الأول كان قد تأثر بالماركسية وأبدى إعجابه بها، وهو ما تم الاتفاق عليه بينهما لمواصلة العمل المشترك والحوار المستمر وكل من موقعه. وأنا أقرأ حوارات كاسترو مع بيتو تملكني الشعور ذاته لأن كلاّ منهما بنى حججه عن المنابع الأصيلة للمسيحية أو الماركسية، دون أن يتخلى أي منهما عن أفكاره، لاسيَّما الفهم الأكثر عمقاً للأخلاق والسياسة والاستغلال، ثم الحاجة للعمل المشترك لمصلحة الفقراء.
لقد راهن الكثيرون على الاختلاف العقائدي بين المسلمين والماركسيين وبين الماركسيين والمسيحيين وغيرهم، وهو اختلاف لا يمكن ولا ينبغي إنكاره أو تجاوزه، أو محاولة التوفيق بينه على المستوى الفكري مثلما درجت بعض الدراسات لإيجاد مصالحة بين الإسلام والاشتراكية في الخمسينيات والستينيات، وبين الإسلام والديمقراطية وحقوق الإنسان في الثمانينيات والتسعينيات وما بعدها، لكن تلك المحاولات لم يكن حظها في النجاح وفيراً، فلكلٍ حقله ونطاقه الفكري، دون إهمال المشترك في قضايا النضال السياسي والاجتماعي والحقوقي، ولعل هذا المشترك هو إزاء الحياة الراهنة والممارسة الضرورية، التي تحتاج إلى حيّز مهم من المهارة الفائقة للتلاقي، خصوصاً إذا وضع الطرفان مصلحة الناس وحقوقهم بنظر الاعتبار.
عندما اطلعت خلال مشاهدتي الكوبية على استعادة الكنيسة لدورها سألت عن موقف كاسترو والحزب الشيوعي من الدين، وهو الذي دلّني على الانطباعات الإيجابية الأولى لكاسترو يوم كان يافعاً، ثم اطلعت على أحاديثه ما بعد فترة انقطاع عن الدين، لاسيَّما في العام 1971 في لقاء مع رجال الدين الكاثوليكيين في تشيلي ولقائه العام 1977، بالقساوسة الجامايكيين، وتذكرت ما كان يردده بعد انتصار الثورة وأيامها الأولى من أن «من يخون الفقراء يخون المسيح»، خصوصاً فترة التنافر الشديدة مع الكنيسة.
تلقى كاسترو تعليمه الأولي والثانوي في أفضل المدارس الكاثوليكية في كوبا، لاسيَّما رسالتها الأخلاقية، التي شكلت بُعداً استراتيجيا ناظماً لممارسته الثورية. وقد قال آرماندو هارت عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي الكوبي ووزير الثقافة الأسبق، إنه وُجد «ينبوعان من أهم الينابيع التاريخية للفكر والعاطفة الإنسانيين: المسيحية والماركسية، اللتان صوّر أعداؤهما أنهما خطان متوازيان لا يلتقيان أبداً»، ويمكنني القول إن الدين في أميركا اللاتينية كما في بعض التجارب العربية، لاسيَّما في موضوع النضال التحرري ضد الصهيونية والإمبريالية، وجد دروباً جديدة مدهشة، الأمر الذي يستحق وقفة جدّية للتفكير والبحث والعمل والنقد الذاتي أيضاً، لاسيَّما للأخطاء والثغرات التي مورست خلال العقود الماضية من الزمان.


        
   

451
المنبر الحر / الشراكة والتنمية
« في: 21:18 31/03/2010  »
الشراكة والتنمية


عبدالحسين شعبان
يعتبر البنك الدولي مسألة الشراكة بين القطاع العام والقطاع الخاص والمجتمع المدني مسألة أساسية لتطبيق سياسات الإصلاح الاقتصادي بهدف تحقيق التنمية البشرية . ولعل مفهوم الشراكة واصطلاحاتها كانت قد دخلت الأدب السياسي والاقتصادي والحقوقي في إطار إرهاصات التغيير الدولي والإقليمي التي شهدتها سنوات الثمانينات، والتي اتسعت في أواخرها بانهيار الأنظمة الشمولية وسقوط جدار برلين، الأمر الذي أخذ يتردد كثيراً في وثائق الأمم المتحدة والمنظمات الدولية الحكومية وغير الحكومية، بما فيها جامعة الدول العربية، وقد أقرّت بعض البلدان العربية في السنوات الأخيرة مسألة الشراكة مع المجتمع المدني، وإنْ بتحفظ أحياناً .

وقد شهد العالم مبادرات كثيرة للأمم المتحدة طبقاً لمبدأ الشراكة، منها مؤتمر ريوديجانيرو العام ،1992 والمؤتمر الدولي الثاني لحقوق الإنسان المنعقد في فيينا العام ،1993 والمؤتمر الدولي للسكان والتنمية العام ،1994 وقمة العالم للتنمية الاجتماعية ومؤتمر بكين العالمي للمرأة العام ،1995 وقمة الألفية الثالثة للتنمية العام ،2000 ومؤتمر ديربان العالمي حول العنصرية العام 2001 وغيرها، وارتبط مفهوم الشراكة بالتنمية وبالسياسات التنموية دولياً وإقليمياً .

وقد انتقل مفهوم الشراكة من النطاق الاقتصادي والإداري وعلاقات السوق إلى النطاق الذي يبحث في شراكة المجتمع المدني مع الحكومات، خصوصاً وقد أصبح وجود منظمات مدنية شريكة للحكومات وقوة اقتراحية وتكاملية على النطاق الدولي، مسألة لا غنى عنها لعملية التنمية السياسية والاقتصادية والاجتماعية، الأمر الذي حدثت معه تطورات على صعيد القوانين الناظمة والعلاقات القانونية لهذه الشراكة وآفاقها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية .

وإذا كان مفهوم الشراكة جديداً بين الحكومات ومؤسسات المجتمع المدني، لاسيما في البلدان النامية ومنها البلدان العربية، فإن الأنظمة الديمقراطية اعتبرته مسألة ضرورية لإحداث التغيير والتحوّل الاجتماعي، بتعاضد الجهود وتكامل المهمات بين الدولة والمجتمع المدني، خصوصاً في ظل مصالحة بينهما تقوم على أساس التكامل والتفاعل، وليس الصدام والصراع .

الشراكة تعني الاتفاق بخصوص تحقيق أهداف مشتركة أو محدودة، ويفترض أن تتضمن شكلاً من أشكال الاعتراف بالآخر وبدوره كطرف شريك كلياً أو جزئياً طالما يمكنه أن يساهم في عملية التنمية .

يمكن القول إن مفهوم الشراكة، هو مقاربة تنموية لعلاقة حكومية مع المجتمع المدني، لاستكمال وملاحقة قدرات وامكانات الطرفين، لتحقيق أهداف محددة، بحيث يتم ضمّ المزايا النسبية لكل طرف إلى الطرف الآخر في إطار تشاركي، ويتحمل كل فريق المهمات التي يستطيع القيام بها في إطار من التوافق، سواءً في تحديد الأهداف أو الوسائل أو عملية البرمجة والتخطيط أو في التنفيذ والمراقبة والمتابعة .

لعل موضوع الحديث عن الشراكة وعلاقته بالتنمية، كان محور نقاش مثير في مؤتمر حول الطفولة ودور المجتمع المدني وعلاقة ذلك بالتنمية، وكان المجلس العربي للطفولة والتنمية وبرنامج الخليج العربي للتنمية وجامعة الدول العربية وشركاء آخرون قد هيأوا لتنظيم هذا المؤتمر المهم، والذي ترافق معه ورشة عمل وحوارات بين الاعلاميين ونشطاء المجتمع المدني أدارها المشرف العام على المجلس العربي للطفولة والتنمية، الخبير الإنمائي د .حسن البيلاوي .

وكانت مسألة الفقر قد استحوذت على الكثير من المناقشات، لاسيما أن لها تأثيرات عالمية وانعكاسات عربية وإقليمية، حيث تبلغ نسبة الفقراء أو ما دون حدّ الفقر أكثر من مليار و200 مليون إنسان، بدخل لا يزيد على دولار واحد في اليوم، الأمر الذي ينعكس على مستوى التعليم والصحة والخدمات والتنمية بشكل عام، لاسيما على الطفولة والمرأة والأقليات والمهمشين واللاجئين وأصحاب الإعاقة وذوي الاحتياجات الخاصة .

وما زالت علاقة الدولة بالمجتمع المدني في عالمنا العربي متوترة وغير تصالحية، وهي علاقة ضدية تعارضية، بحيث تمظهرت بقوة احتجاج واعتراض من جانب المجتمع المدني، لاسيما في ظل شحّ الحريات، وقوة قمع وتحريم من جانب الدولة، الأمر الذي يحتاج إلى أن تتحول إلى قوة شريكة واقتراح وتكامل من جانب المجتمع المدني . أما من جانب الدولة فينبغي القبول بدور المجتمع المدني والإقرار بحقه في المشاركة والتنمية، ودراسة اقتراحاته ومدى مساهمته في التخطيط والتنفيذ .

ولعل مثل هذا التوجّه يمكنه بناء استراتيجيات وسياسات وطنية تسهم في عملية التنمية وتأخذ في الاعتبار دور المجتمع المدني الحر المستقل والسلمي الطامح إلى التغيير في إطار عملية تنمية وتراكم ومراقبة، للحد من ظاهرة الفقر، ومثل هذا الدور لا بدّ لمؤسسات المجتمع المدني أن تضطلع به كشريك، لاسيما الدور التنموي في ما يتعلق بالطفولة بشكل خاص .

ويتطلب هذا من الحكومات التشجيع على تأسيس منظمات للمجتمع المدني مستقلة ومعنية بالتنمية وتوفير مناخات وبيئات مناسبة لتطورها، تشريعية وتربوية وإعلامية وقضائية، الأمر الذي يتطلب إعادة النظر بالتشريعات المقيِّدة للحريات وللحق في تأسيس الجمعيات، كما يتطلب الأمر من الحكومات إشراك المجتمع المدني والتعامل معه كشريك وليس كديكور أو تابع، بهدف الحصول على تزكية مجانية من منظمات مدنية، وإن كانت شكلية أو تابعة للدولة أو حتى مؤسسة من قبلها أحياناً، ولعل ذلك لن يخدم عملية التنمية، كما لا يخدم قواعد الشراكة المنشودة .

وقبل هذا وذاك، لا بدّ من توفّر قاعدة بيانات متخصصة بالمنظمات والمؤسسات المعنية بالتنمية، وهذا ما أشار إليه الباحث اليمني الخبير في الأسرة والطفولة بجامعة الدول العربية، محمد عبده الزغير، ويمكن القول إنه لا تنمية من دون شراكة من جانب المجتمع المدني، خصوصاً التنمية بمعناها الشامل، البشري الإنساني، السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي والحقوقي .

 

باحث ومفكر عربي


452
كوبا.. رؤية ما بعد الخمسين (21) «الشبح» والأسطورة: هل اختلط شبح جيفارا بشبح ماركس؟
عبدالحسين شعبان
2010-03-22
ظلّت حكومة بوليفيا تطارد جيفارا لعدة أشهر، منذ أن شاع خبر التحاقه على رأس مجموعة ثورية لتحضير الثورة في الأدغال، ليزحف بها من الريف إلى المدينة، يومها جنّدت المخابرات المركزية الأميركية جميع إمكاناتها وبالتعاون مع حكومات أميركا اللاتينية -لاسيَّما حكومة بوليفيا- لتعقّب تحركاته ومعرفة مكانه، وسعت لاختراق التنظيمات التي كان يقودها، كما عملت لتوسيع رقعة الخلاف الذي دبّ بينه وبين الحزب الشيوعي البوليفي الذي يعمل ضمن المحور الرسمي للحركة الشيوعية بقيادة موسكو، وذلك بنشر نقاط الخلاف والمبالغة فيها، إضافة إلى معلومات مضللة.
لقد تلاقحت أوضاع البؤس التي كانت تعيشها أميركا اللاتينية مع النفحة الرومانسية الواعدة التي أطلقتها الثورة الكوبية والحركة الجيفارية، لدرجة أصبحت كل خطوة مهما كانت بسيطة تقلق الدكتاتوريات والقوى المستغلة والمحافظة، لاسيَّما حين يستقبلها الشباب المتطلع إلى الحرية والعدالة بحيوية مفعمة بالاحترام، الأمر الذي كان ينذر بفتح جبهات شبابية جديدة وتجنيد فتيات وفتيان من كل القوميات والأديان للنضال ضدها، هكذا تصوّرت القوى الاستغلالية والإمبريالية أن الشبح حاضر وموجود، أينما وحيثما اتجهت أو توجهت فستجده أمامها.
وإذا كان شبح ماركس الذي أرعب أوروبا العجوز في القرن الثامن عشر، حيث كان بلحيته وقلمه وخلفه كادحون ومستلبون، يبشّر بغدٍ أكثر إشراقاً وسعادة للإنسانية، لاسيَّما بالخلاص من حكم الاستغلال، فإن ما كان يقلق الرأسمالية والإمبريالية في إطار الموجة الجديدة للاشتراكية في أميركا اللاتينية، هو ما كان يدعو إليه جيفارا، ولكن ببندقيته وقبعته العسكرية وسيجاره المميز.
ومثلما استحكم حكام أوروبا حينها، لاسيَّما بعد صدور البيان الشيوعي العام 1848، وفيما بعد عند حدوث كومونة باريس العام 1870، وسقوط إحدى أهم قلاع الرأسمالية حينها، فقد استحكمت «أميركا اللاتينية» وحكوماتها الرجعية والدكتاتورية، وبقيادة مباشرة من الولايات المتحدة، لتطارد الشبح الجديد -الذي حاول أن ينقل الثورة إلى إفريقيا ويدعو إلى لقاء ممثلي القارات الثلاث: آسيا وإفريقيا وأميركا اللاتينية- لملاحقته، مخصصةً مجموعةً عسكريةً متخصصةً زادت على 1500 جندي.
ولعل الأهم من السعي لقتله، كانت محاولة القضاء على أسطورته التي ظلّت تتناقلها الألسن والدفاتر والصحف والمعامل والساحات والحقول وقلوب الشابات والشبان في كل مكان، بغض النظر عن نجاحه أو فشله في تحقيق حلمه الثوري، وبغض النظر عن صواب أو خطأ منهجه، لكن ما هو مؤكد أنه كان شجاعاً وحالماً، وساعياً لتحقيق العدالة على النطاق العالمي، وهو ما ينبغي أن يخضع لسياقه التاريخي.
لقد حاولت الدعاية الإمبريالية في حينها أن تنقل كلمة على لسانه ساعة احتضاره، بقوله: «أنا تشي غيفارا، لقد فشلت»، وبذلك ضجّت الوكالات بتكرارها ونقلها وكأنها هي النهاية المحتّمة لكل من يناضل من أجل الحرية والعدالة بطريقة لا تريدها القوى المتنفذة.
وإذا كان النجاح والفشل نسبيّين، فإن جيفارا فشل في الوصول إلى تحقيق هدفه، وهو أمرٌ مؤكد، فليس كل من يختار طريقاً صحيحاً فإنه بالضرورة سيصل إلى هدفه وسينجح في مهمته، ولا بدّ من توفّر عوامل سياسية ولوجستية وجيوبولتيكية وتوازن قوى، لكن ما هو مؤكد أنه نجح بصدقيته في طريقة التعبير، كما نجح في جرّ مئات الآلاف إلى النضال ضد الاستغلال وضد الإمبريالية والاستبداد، وهو نجاح باهر ومنقطع النظير، لأنه جسّد رمزية رومانسية ثورية حالمة وصادقة، حتى وإن اختلف الثوريون حول جدوى الأسلوب الذي اختاره وتوقيته وأفق عملية التغيير التي سعى إليها، ولعلهم أكثر اتفاقاً حول طهرية وصدقية ونجاعة سجاياه الشخصية والنضالية وإنسانية الأهداف التي دفع حياته ثمناً لها. وكان خطاب كاسترو بعد أيام من مصرع جيفارا جواباً على الغدر ومنطق الخديعة، وإعلاناً جديداً بمواصلة النضال، بتأكيده أن «النضال سيستمر بعد موت تشي، والحركة الثورية لن تتوقف».
وقبل فترة قصيرة نشر فيلكس رودريجيس -العميل السابق لجهاز المخابرات المركزية الأميركية CIA- عبر الإنترنت صوراً لأول مرة عن إعدام جيفارا، وهذه الصور تمثل حياة الثوري الأرجنتيني قبل إطلاق الرصاص عليه في «لا هيغويرا» في غابة «فالدي غراندي» في بوليفيا في 9 أكتوبر العام 1967. وتُظهر الصور كيف تم أسر جيفارا وإلقاؤه على الأرض، ووجهه المتورم الكثير الكدمات، ودمه المسفوح بجواره، وعينيه شبه المغلقتين، والجديد أيضاً هو ما قاله رودريجيس عن بتر كفيه بعد قتله، لأجل التعرّف على بصمات أصابعه، ثم القيام بحرقه.
وإذا كان الذئب المفترس يحوم حول جيفارا ويلاحقه كظلّه، فإن شيئاً آخر شاطره حياته أيضاً، وهو مرضه، حيث كان مصاباً بالربو وتأتيه نوبات موجعة، وكان يئن زفيراً ويتمزق صدره لقلة الأكسجين، لكن شعلة الحرية الحمراء المتوهجة ظلّت ما يرنو إليه، وهي ما يريده وما يسعى له، مرفقة بالعدالة، وظلّ وفيّاً لها حتى آخر لحظة في حياته القصيرة.
لم يكن الموت يخيف جيفارا، وكان يتشهى موته، فقد قال مرّة لرفيق له العام 1957، وهما يقاتلان جنباً إلى جنب في الأدغال، وكانت القوات الحكومية التابعة لباتيستا تمطرهما بالرصاص: «أتدري كيف أتمنى أن أموت؟ ثم يجيبه: مثلما مات بطل قصة جاك لندن.. لقد تجمّد حتى الموت في أراضي ألاسكا البيضاء المقفرة، فاستند بهدوء إلى شجرة، واستعد لمواجهة الموت بصمت وكبرياء». كان جيفارا يتمنى عندما يأتيه الموت، أن يستريح عند جذع شجرة، ليهدأ زفيره الداخلي، ثم يموت بصمت، لكنه لن ينسى أن تكون بندقيته معه، لكي يفرغ ما تبقى فيها من رصاص في العدو الذي يهاجمه خلف الأشجار.
قال جيفارا لكاسترو في الرسالة الأخيرة التي وجهها له العام 1965 قبل اختفائه: «ذات يوم، سألنا عن الشخص الذي ينبغي إنذاره أو إبلاغه عند موت أحدنا، وفوجئنا جميعاً لهذه الإمكانية الحقيقية، ثم أدركنا أن الثائر الحقيقي: إما أن ينتصر أو يموت. وكثيرون سقطوا في طريق النصر الطويل.. بمعنى إن لم يتحقق النصر فسيكون الموت حليفنا المنطقي».
ولعل أكثر ما تردد على لسان جيفارا عن الموت -وهو ما نشر عنه وزيّن واجهات ومكاتب المقاومة والحركات الثورية الفلسطينية والعربية- قوله: «لا يهمني متى وأين سأموت، ولكن يهمني أن يبقى الثوار منتصبين، يملؤون الأرض ضجيجاً، كي لا ينام العالم بكل ثقله فوق أجساد البائسين والفقراء والمظلومين».
ولعل هذا ما أراده جيفارا، فقد أفرغ ما في جعبته في المعركة، ونفد عتاده، وحينها استقبل الموت كزائر تصالح معه بعد طول مطاردة وعناء، وبقدر ما كان موته مصدر حزن وأسى بالغين للثوريين واليساريين من كل الأشكال، ورغم اختلافاتهم مع توجهاته، فقد كان ابتهاجاً منقطع النظير للقوى الاستكبارية العالمية الرأسمالية والاستبدادية على المستوى الدولي والمحلي أيضاً، التي اعتقدت أن القضاء على الرمز يمكن أن يقطع الطريق على نشوء وتبلور حركة ثورية فاعلة.
وإذا كانت حياة جيفارا قد شهدت صخباً وضجيجاً، فإن موته هو الآخر كان الأكثر إثارة وغموضاً، وإذا كانت حياته قد توقفت، فإن إشعاع الفكر الجيفاري لم يتوقف، وهو اليوم الأكثر دراسة ومراجعة ونقداً وارتباطاً بالفكر الماركسي ذاته، خصوصاً في ظل الأزمة المالية والاقتصادية العالمية منذ أواخر العام 2008 والتي قد تدوم -حسب بعض التقديرات- إلى مطلع العام 2012، وإن رمزيته كباحث عن العدالة على المستوى الأممي ازدادت تأثيراً، لدرجة أن قوى اليسار في أميركا اللاتينية -وهي اليوم تنهض عبر شعار «الثورة في صندوق الاقتراع»- لم تنس دور جيفارا الذي حفر الثورة بيديه في الستينيات، وكان جسراً نحو لاهوت التحرير في الثمانينيات، ثم انخرطت الملايين لتدلي بأصواتها للمثل والقيم التي دعا إليها في التسعينيات والعقد الأول من الألفية الثالثة، حين أحرز اليسار انتصارات كبرى في أميركا اللاتينية، من كوبا كاسترو إلى هوغو شافيز في فنزويلا، مروراً بعدد من أقطار أميركا اللاتينية.


           

453
الموساد والجريمة والعقاب   



عبدالحسين شعبان
في 19 يناير/ كانون الثاني قتل محمود المبحوح القيادي في منظمة حماس الفلسطينية في غرفته بدبي، وسارعت شرطة دبي إلى تحقيقات سريعة ودقيقة لجمع خيوط الجريمة التي حامت منذ اللحظة الأولى حول ضلوع جهاز الموساد “الإسرائيلي”. وتوصلت الشرطة الإماراتية بعد 16 يوماً من التحقيق والتدقيق إلى توجيه اتهام صريح ومباشر إلى الموساد، الذي جنّد 27 متهماً (حتى الآن) كانوا ضالعين بالتنفيذ بعد أن زوّدهم بجوازات سفر أوروبية وغربية.

لعل طريقة الكشف عن الأدلة وعرضها على الجمهور عبر شاشات التلفزيون، ناهيكم عن السخاء الإعلامي الذي اتسمت به والذي أعقب الجريمة بعد الإعلان عنها، لاسيما بعد تحليل نحو 648 ساعة كاملة من الأشرطة المصوّرة لجميع المتهمين، دلّت على حرفية هذه العملية البارعة الفريدة من نوعها، الأمر الذي يثير سؤالاً كبيراً حول جهاز الموساد “الإسرائيلي”، الذي ظلّت الدعاية تصوّره وكأنه “أسطورة” خارقة لا يمكن تجاوزها، وإذا به يستخدم أساليب ووسائل تعود إلى الستينات والسبعينات وليس إلى مرحلة العولمة وثورة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والثورة الرقمية، وكأنه يعيش خارج الزمن، إذْ لم يعد أسلوب التخفي والتنكر الذي قام به فريق الاغتيال مجدياً، بل إنه اتسم بالبدائية والسذاجة، مثل استخدام الباروكة أو ارتداء ملابس التنس أو ادعاء ممارسة الرياضة، تلك التي تثير ارتياباً أحياناً أكثر من كونها تسهم في إخفاء الهوية، لاسيما الجلوس طويلاً في الملعب قبل ممارسة لعبة التنس، فضلاً عن أن الصور كشفت أن من يقوم بتلك الممارسة لا يجيد مسك مضرب التنس.

وفي تطور جديد طلب الفريق ضاحي خلفان تميم من المدعي العام توجيه مذكرة اعتقال بحق رئيس الوزراء “الإسرائيلي” بنيامين نتنياهو ورئيس الموساد مئير داغان، باعتبارهما مسؤولين عن ارتكاب الجريمة بحكم موقعيهما، وهما من أصدرا الأوامر باغتيال المبحوح، وحسب ما نُشر فإن لقاءً كان قد جمع المسؤولين “الإسرائيليين” مع المرتكبين قبيل تنفيذ العملية الإجرامية بأيام، تلك العملية التي يمكن تصنيفها كجزء من الإرهاب الدولي، الذي تمارسه  الحكومة “الإسرائيلية”، ناهيكم عن انتهاك صارخ وسافر للقانون الدولي المعاصر ضد سيادة دولة مستقلة وعضو في الأمم المتحدة، فضلاً عن استخدام جوازات سفر دبلوماسية لدول أوروبية وغربية، الأمر الذي يستوجب كشف خفايا هذه القضية، سواءً كانت عبر تواطؤ أو “ تخادم” أو “تزوير” أو “استغلال” مواقع نفوذ شخصية أو السكوت عنها، لكنها بكل المعايير تجاوز على القواعد والأعراف الدبلوماسية، لاسيما اتفاقيتي فيينا حول العلاقات القنصلية والعلاقات الدبلوماسية لعامي 1961 و1963.

لقد أقرّ ميثاق الأمم المتحدة مبادئ العدالة وأكد احترام الالتزامات الناجمة عن المعاهدات والاتفاقيات الدولية، باعتبارها أحد أهم مصادر القانون الدولي المعاصر، ومع ذلك فإن رقعة الانتهاكات للقانون الدولي لا تزال مستمرة وإن حجم الارتكابات مثير للقلق، وهو ما يضع علامات استفهام كبيرة وجدّية أمام المجتمع الدولي بشأن نظام العدالة السائد.

إن مسألة الجريمة والعقاب لا تتعلق بقصة المبحوح فحسب، رغم أنها كشفت حجم الإرهاب الدولي، الحكومي، “الرسمي” الذي تقوم به “ دولة” عضو في الأمم المتحدة، وكانت “ الدولة” الوحيدة التي اشترطت عليها المنظمة الدولية تأمين احترام حقوق الإنسان، لاسيما لعرب فلسطين والإقرار بحق اللاجئين بالعودة بالقرار 194 الصادر عام ،1948 لكن هذه الجريمة أعادت مطالبة المجتمع الدولي وهيئات حقوقية ودولية بملاحقة المرتكبين “الإسرائيليين” وتوجيه لائحة اتهام ضدهم.

إن بحث مسألة الجريمة والعقاب لا يتعلق بجانبها النظري فحسب، بل بالجوانب العملية، وبخاصة بتحديد المسؤولية عن الارتكابات، بما له علاقة بالضحايا وجبر الضرر والتعويض، ناهيكم عن معاقبة المسؤولين وإصلاح نظام العدالة، ف”إسرائيل” على مدى أكثر من ستة عقود من الزمان كانت تعفي نفسها من أية مسؤولية سياسية أو جنائية أو مدنية أو أخلاقية، تجاه خرقها للقوانين الدولية والإنسانية، ولعل ذلك ما ذهب إليه تقرير غولدستون باسم لجنة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق، لاتهامه “إسرائيل” بارتكاب جرائم ترتقي إلى جرائم الحرب، التي يحاسب عليها القانون الدولي.

إن الإقدام على اغتيال المبحوح بدم بارد يعني أن “إسرائيل” لا تزال غير مكترثة بالقانون الدولي، فهي في الوقت الذي تمارس إرهاباً دولياً على أراضي دولة الإمارات وضد قيادي فلسطيني، فإنها تتجاوز سيادات عدد من البلدان، منتهكة بكل استخفاف قواعد القانون الدولي، غير عابئة بردود الفعل الدولية، خصوصاً استخدام جوازات سفر دبلوماسية لعدد من البلدان الأوروبية والغربية. ولذلك فإن إصرار دولة الإمارات العربية المتحدة على ملاحقة المرتكبين وكشف خيوط الجريمة يعني وضع المجتمع الدولي والأمم المتحدة أمام مسؤولياتهما، لاسيما الاستحقاق القانوني بعدم إفلات المرتكبين من العقاب، وكذلك الكشف عن حجم التواطؤ الدولي، سواء بتسهيل المهمات أو السكوت عن الجريمة أو عدم اتخاذ إجراءات جدية إزاء استخدام جوازات سفر دبلوماسية لعدد من البلدان، حيث قام الموساد بتزويد المرتكبين بها لتنفيذ مهمتهم.

وهنا يمكن اللجوء إلى القضاء الوطني لعدد من الدول لملاحقة المتهمين بارتكاب جريمة اغتيال المبحوح، خصوصاً أن نحو 47 دولة غربية تسمح قوانينها باتباع هذا الطريق رغم الضغوط “الإسرائيلية” والأمريكية، لاسيما أن الولاية القضائية لا تنحصر عند مكان أو زمان وقوع الجريمة، بل تقضي بملاحقة المرتكبين، بغض النظر عن جنسياتهم، طالما ارتكبوا جرائم بحق الإنسانية أو جرائم الإبادة الجماعية، أو جرائم الحرب، وتلك التي يقع في تصنيفها جرائم الإرهاب والتعذيب والاختفاء القسري وغيرها، وهي جرائم لا تسقط بالتقادم.

كما يمكن اللجوء إلى المحكمة الجنائية الدولية التي تم تأسيسها في روما العام 1998 ودخلت حيز التنفيذ العام ،2002 لملاحقة المتهمين باتباع الإجراءات القانونية التي يحددها ميثاقها.

وإذا ما استمرت الملاحقات على الوتيرة ذاتها وصولاً إلى نهاية الشوط، فهل ستبقى أسطورة “الموساد”؟

 

باحث ومفكر عربي



454
كوبا: رؤية ما بعد الخمسين (20) القبعات الخضر والصيد الثمين!
عبدالحسين شعبان

2010-03-15
أخيراً تمكّن ذلك "الذئب" اللعين الذي ظل يترصّد جيفارا في حلّه وترحاله من الإمساك به، ثم افترسه على نحو شرس وفي ظرف ملتبس وغامض، حيث تعددت الروايات حول مقتله.
وكانت السلطات البوليفية قد ألقت القبض على المفكر الفرنسي "الماركسي" ريجيس دوبريه (أبريل 1967) وسجنته وعذبته، وحاولت أن تنتزع اعترافات منه حول مكان اختباء جيفارا، حيث اتهمته بالتعاون مع جيفارا في حرب العصابات "الأنصار" التي قادها في بوليفيا على رأس عصبة ماركسية اختارت طريق الكفاح المسلح والعنف الثوري، معتقدة بأن إنزال الضربات بالعدو ومباغتته بالهجوم بفرق مسلحة، لا سيما في الريف والأطراف يمكن أن يحقق الانتصار عليه، ويمهّد الطريق للوصول إلى العاصمة.
وبعد عمليات تعقّب معقدة وطويلة واكتشاف بعض الخيوط والحلقات الموصلة إلى مكان وجود جيفارا، وفي محاولة دعائية في إطار الحرب النفسية، "بشّر" الرئيس البوليفي الجنرال رونيه بارينتوس "العالم" بأن عملية اصطياد جيفارا باتت وشيكة، وأنه واثق هذه المرة من إلقاء القبض عليه حياً أو ميتاً، بعد أن كانت الإشاعات الرسمية قد "قتلته" عدّة مرات وأعلنت عن موته، لكنها هي نفسها عادت وكررت خبر ملاحقته ومحاصرته واحتمال إلقاء القبض عليه أو قتله.
ولعل واحداً من أسباب ثقة الرئيس بارينتوس يعود إلى تخلّي بعض أنصار جيفارا عنه ومحاولتهم كشف مكان وجوده، لا سيما بعد أن خصصت السلطات البوليفية مبلغ 5.000 (خمسة آلاف دولار) هدية لمن يبلّغ عنه، وثانيهما وهو الأهم اعتماد السلطات البوليفية على قوات متخصصة في حرب العصابات، والسعي للتصدي للأنصار بوسائل مستحدثة وقديرة.
وكانت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) قد أنشأت في بنما مدرسة حربية العام 1949، وتألف طاقمها القيادي من مجموعة من الخبراء العسكريين برئاسة الجنرال بورتر، وهي مدرسة لتأهيل وتدريب عالية الكفاءة، لتخريج ضباط متخصصين بفنون الحرب في أميركا اللاتينية، الشاسعة والبالغة الصعوبة، وقد أضيف إلى اختصاصات المدرسة الحربية وعلى المنهج التدريبي والتأهيلي قسم جديد يتعلق بتدريب الجنود على أصول ووسائل حروب الغوار (العصابات) Gurrelia war لمواجهة الثوار في أميركا اللاتينية، لا سيما بعد انتصار الثورة الكوبية العام 1959 والخوف من امتدادها إلى دول القارة التي كانت أشبه بمرجلٍ يغلي، خصوصاً بصعود نمط التفكير الجيفاري، والدعوة إلى تأسيس البؤر الثورية في الريف، للانتقال بالثورة من الأطراف إلى القلب، بالزحف على المدن، لا سيما العواصم ومراكز التمدن.
لقد كانت مدرسة بنما نموذجاً للتعاون ما بين القوى المهيمنة على أميركا اللاتينية بقيادة الولايات المتحدة، والحكّام الدكتاتوريين لمواجهة المدّ الثوري، الذي تحرّك في مطلع الستينيات، وتضمن البرنامج التدريبي 40 أسبوعا من التدريب المتنوّع في ظروف وعرة وقاسية وتشبه إلى حدود غير قليلة، أوضاع حروب العصابات وتحمّل المصاعب والظروف الديموغرافية والطبيعية القاسية. وأوكل إلى خريجي مدرسة بنما الذين تدربوا على أيدي ذوي "القبعات الخضر" مطاردة جيفارا ونصب الكمائن له للإيقاع به تمهيدا لتصفيته، حيث تصاعد نشاطهم في مطلع العام 1967.
كان الرئيس البوليفي بارينتوس قد صرّح للصحافيين بأنهم توصلوا إلى محاصرة ريمون إحدى القيادات "المتمردة"، ولم يكن يعرف أنه أحد الأسماء المستعارة التي كان يستخدمها جيفارا في تحركاته بين الفصائل الأنصارية، وأكّد أنه سيلقي القبض على "تشي"، وتأتي بقية القصة حيث كان قد اعتقل اثنان من أنصار جيفارا واعترفا أثناء التحقيق معهما وتعذيبهما بأنهما يعرفان مكانه، وأن مرض الربو اشتد عليه، ثم قاما بإرشاد القوات البوليفية المتعاونة مع خريجي مدرسة بنما بطريق الوصول إليه، فدارت معركة طاحنة يوم 8 أكتوبر 1967 في منطقة "لاهيغويرا" بالقرب من "فالدي غراندي" وقتل 6 من الأنصار إضافة إلى جيفارا نفسه الذي جرح وظل يعاني حتى لفظ أنفاسه الأخيرة يوم 9/10 بعد أن اخترقت جسده 9 رصاصات ثم أحرق جثمانه.
وبغض النظر عن رواية أسره حياً أو جرحه وغيابه عن الوعي أو قتله بإطلاق الرصاص عليه في المعركة، ثم مفارقته الحياة، فإن روايات كثيرة وغامضة ظلّت تكتنف غيابه، بما فيها رواية تقول عن أسره وتعذيبه بعد إلقاء القبض عليه، لكن أخطر تلك الروايات وأكثرها ألماً بالنسبة للثوريين وأصحاب المبادئ والقيم الذين يكرّسون حياتهم من أجلها هو خيانة الأوساط المقرّبة إليه، وبخاصة من رفاقه أو من المتعاونين مع قوات الأنصار، أو من يدافع عنهم وأعني بذلك، بعض الفقراء أو الكادحين، ممن يتم الضغط عليهم.
ولعل ثمة حكايات كثيرة عن الاختراقات الأمنية يعرفها من عاش وعمل مع القوات الأنصارية، مثلما تعرفها القوى الفلسطينية المسلحة. وحسبي هنا أن أشير إلى الرواية التي تقول إن السلطات البوليفية ورطت أحد الأنصار القدامى بجائزة مالية للأدلاء بمعلوماته عن جيفارا، تلك التي ضعف أمامها فسهّلت كشف مكانه ومن ثم تصفيته.
ولعل أجواءً سلبية كانت قد نشأت حتى داخل الأوساط الماركسية، لا سيما الرسمية، التي وقفت ضد "استراتيجيته" في الكفاح المسلح، بغض النظر عن صوابها أو عدم صوابها، فتسريب المعلومات عن الخصم أو المنافس، مهما كانت الحجج والادعاءات لا يخدم بالنتيجة إلا العدو المشترك، ومع كل ما قيل لا يوجد ما يؤكد أو ينفي، الدور الذي لعبته مثل تلك "الثرثرات" في الوصول إلى جيفارا واغتياله، لكن ظروف المنافسة وادعاء الأفضليات تدفع أحياناً إلى التصرف على نحو لا مسؤول في الكثير من الحركات الثورية والسرية بشكل خاص.
هكذا باعه بعض رفاقه إلى العدو لينتقم منه ويقتله بتلك السادية الوحشية وهو الذي ظل يسخر من الموت، لذلك ظل الكثيرون يعتقدون بأنه جيفارا لم يمت وأن الإعلان عن مصرعه، ليس سوى خدعة إمبريالية، وبقي أفراد عائلته والده وشقيقه يبحثان عنه ويتوقعان أن الثوري الشجاع والمشرد الأبدي سوف يتواصل معهم في أية لحظة ليقول لهم: إنه انتقل إلى بقعة أخرى من العالم ليواصل نضاله من أجل إسعاد البشر والدفاع عن حقوقهم.
لقد قتلوا جيفارا عدة مرّات وأعلنوا ذلك للعالم، الأمر الذي لم يصدقه الكثيرون يوم إعلان مصرعه الحقيقي، وهو الذي كان في كل مرة ينفض عنه غبار الموت ويُبعد قدر المستطاع أنياب الذئب الذي حاول أن يغرسها في لحمه، ويظهر بابتسامته وسخريته، أكثر قدرة على الصمود والمواصلة لحلمه الثوري الأزرق حتى وإن كان طيفاً، فالأخبار السيئة، لا يمكن التكتّم عليها!
بعد أسبوع على إعلان مصرع جيفارا قطع فيديل كاسترو الشك باليقين يوم أعلن في 15 أكتوبر 1967 بحزن شديد في خطاب دام ساعتين إنهم متأكدون من مقتله، وذلك بعد دراسة جميع الوثائق المتعلقة بمقتله، لا سيما الصور وفقرات من يومياته التي نشرت، والظروف التي رافقت اللحظات الأخيرة من مصرعه، وقال كاسترو بنبرة حزينة "تأكدنا للأسف أن تشي مات فعلاً".



   


455
المعرفة من أجل الحق
   

عبدالحسين شعبان
يستعيد هذا العنوان ما كان طرحه الفيلسوف البريطاني فرانسيس بيكون قبل قرون من الزمان حين وصف المعرفة بأنها “قوة” أو “سلطة”. وبهذا المعنى، فالمعرفة تمتلك نفوذاً معنوياً ومادياً، وفي الوقت نفسه، فهي حق وواجب أيضاً، حين تتحدد المسؤولية على الدولة والمجتمع بوحداته المختلفة، ابتداءً من العائلة والمدرسة والمحيط، ووصولاً إلى الرهان على المستقبل، وخصوصاً إذا ما تم غرس المعرفة في الطفولة، فيمكن لها أن تزدهر وتتفتح في الكِبَر، لأن الطفولة لا تعني الحاضر فحسب، بقدر ما لها من ارتباط وثيق بالمستقبل، الأمر الذي يقع أيضاً في صلب مهمات الدولة، إضافة إلى النخب الفكرية والسياسية.

يمكن القول إن مسألة البيانات وقاعدة المعلومات مهمة لأي بحث أكاديمي، ولا يصحّ من دونها تعميق المعرفة وتطوير البحث، فالوثيقة في البحث العلمي هي خبر لأنها تُغني عن الكثير من التفاصيل والشروح أحياناً، مثلما نقول في الإعلام الصورة خبر، والإعلامي أو الصحافي حسب ألبير كامو هو مؤرخ اللحظة، والصحافة.. ويمكننا القول إن الإعلام، في ظل الثورة العلمية - التقنية وثورة الاتصالات والثورة الرقمية، هو صاحب الجلالة، وهو بموازاة السلطات الثلاث، خصوصاً وهو يملك صفتين أساسيتين، هما سلطة الكلمة وسلطة الحق، لاسيما إذا ما أُحسن استخدامه، وإذا ما استطاع التأثير في المجتمع، وأصبح جزءاً مهماً من الرأي العام، فإنه سيكون ذا تأثير كبير في عملية التنمية والإصلاح الديمقراطي، وبخاصة إذا توفرت له بيئة حاضنة، تتيح تعزيز وتعميق الثقافة والوعي.

إن الوعي بالحقوق وتبنيها يتحوّل بالتدريج إلى قوة مادية يصعب اقتلاعها، إذا جاءت بالتراكم وعبر قناعات لقطاعات ونخب المجتمع والدولة، الأمر الذي يطرح مسألة دور المجتمع المدني، باعتباره قوة اقتراح وشراكة وليس قوة احتجاج واعتراض فحسب، خصوصاً إذا كان ما يقوم به مهنياً ومستقلاً، نائياً بنفسه عن الانخراط بالصراع الإيديولوجي الدائر في المجتمع، وإذا ما اتّبع طريقاً سلمياً للمطالبة بتحقيق أهدافه، بصورة تتّسم بالعلانية والشفافية والقانونية، فسيكون له تأثير كبير في مجرى التحوّل الاجتماعي.

ولعل الشراكة تتطلب حرية التعبير، وتأكيد حق الاعتقاد، وحق التنظيم الحزبي والنقابي، وحق تولّي جميع الوظائف بما فيها العليا من دون تمييز بسبب الدين أو الجنس أو اللغة أو اللون أو العرق أو المنشأ الاجتماعي أو غيرها.

لا شك في أن هناك تحدّيات تقف في مواجهة المعرفة، داخلية وخارجية، سياسية واجتماعية واقتصادية وقانونية، وهي تعرقل الوصول إلى الحق، بل تضع كوابح وعقبات في طريقه، ولعل من أهمها عدم توفّر بيئة تشريعية مناسبة تنسجم مع المعايير والاتفاقيات الدولية.

وما زالت المنظومة القضائية وأطرافها (القضاة وأجهزة التحقيق) وسلك التنفيذ: جهاز الشرطة والأمن والسجون، وغيرها قاصرة، ناهيكم عن النقص الفادح في ميدان التربية والتعليم، لاسيما تعارض أو عدم انسجام المناهج التربوية مع المعايير الدولية، الأمر الذي يحول دون بناء مواطنة متوازنة وحرّة وواثقة بنفسها.. وإذا ما أخذنا في الاعتبار استمرار تفشي ظاهرة الأمية، حيث يوجد أكثر من 71 مليون أميّ في الوطن العربي، وهي نسبة تعتبر من أكبر النسب العالمية، فإن المسألة ستكون في غاية الخطورة، خصوصاً في ظل عدم التوزيع العادل للثروة. وإذا ما عرفنا الموارد الهائلة التي تمتلكها هذه المنطقة، فإن مثل هذا التفاوت الذي يؤدي إلى هضم حقوق فئات واسعة من السكان تعاني من شظف العيش أو الفقر وما دونه أحياناً، سيترك انعكاساته السلبية، بزيادة حدة توتر المجتمعات التي تعاني منه وارتفاع منسوب العنف وسياسات الإقصاء والتهميش.
والأمر ينسحب أيضاً على الإعلام والثقافة، خصوصاً بضعف الوعي والنقص الفادح في ثقافة المواطنة والمساواة واحترام حقوق الأقليات وحقوق المرأة وحقوق الطفل، لاسيما الحق في التعبير والنظرة غير المتوازنة، بل والتمييزية، بين الذكور والإناث، ناهيكم عن الموقف من الأقليات القومية والدينية والمعاقين والمهاجرين والمهجرين والمهمشين والأيتام وغير ذلك.
لعل الحق في التعليم والحق في الصحة والحق في السكن وفي ضمان مستقبل للطفولة يشكل أساساً للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، إضافة إلى الحقوق المدنية والسياسية، وهذه جميعها حقوق غير قابلة للتجزئة ولا يمكن التعامل معها بانتقائية، كما لا يمكن تأجيل بعضها أو استبعاد بعضها الآخر، بحجة الأولويات، لأن غياب أي جزء سيؤثر في الأجزاء الأخرى، فمسألة الحقوق مثل السبيكة الذهبية، لا يمكن اقتطاع جزء منها وإلاّ ستكون ناقصة أو مبتورة أو مشوّهة.
وتلعب العادات والتقاليد الاجتماعية البالية واستخدام الموروث واستغلال الدين بالضد من تعاليمه السمحاء، لاسيما بالتطرف والتعصب والغلو، دوراً معرقلاً لاحترام الحقوق، الأمر الذي يحتاج إلى المزيد من المعرفة والثقافة لمواجهة مثل هذا النقص، وهو ما يتطلب نشر الوعي الحقوقي لدى خطباء المساجد والجوامع وقيادات الأحزاب والمنظمات الاجتماعية والمهنية، وبخاصة تأكيد وحدانية القانون وسيادته وخضوع الجميع له، حكاماً ومحكومين، ولعل ذلك سيكون عاملاً مساعداً في نشر الثقافة الحقوقية والمعرفية في المجتمع بخصوص احترام جميع الحقوق، وباتجاه تجسير الفجوة بين الحكومات والمجتمع المدني من جهة، وبين مجتمع الكبار ومجتمع الصغار من جهة أخرى، فضلاً عن تجسير الفجوة بين النظرية والتطبيق، لا من خلال التطابق بينهما، بل لجعل الأولى تسير بخط متواز مع الواقع المتغيّر، وهذا يحتاج إلى الرصد والمراجعة، مثلما يتطلب تجسير الفجوة بين ما هو قانوني وما هو عملي وواقعي.
ستكون المعرفة قوة حقيقية إذا ما اتّسمت بالحق وصولاً إلى العدالة المنشودة. وحسناً فعل المجلس العربي للطفولة والتنمية وبرنامج الخليج العربي للتنمية وجامعة الدول العربية وشركاؤهم عندما وضعوا عنواناً لمنتداهم الثالث للطفولة المنعقد في القاهرة “المعرفة من أجل الحق”، ولعل هذا العنوان البليغ يختصر الكثير من الدلالات، لاسيما وأنه جمع في دفتيه: المعرفة والحق اللذين لا يمكن لأي مجتمع أن يحقق التقدم من دون الطيران بهذين الجناحين، خصوصاً بمساهمة جدية من المجتمع المدني المكمّل والشريك مع الدولة في فضاء من الحرية، ليس بعيداً عن فضاء الوعي والثقافة.
باحث ومفكر عربي


456
كوبا: رؤية ما بعد الخمسين (19) نزيف بصمت!
عبدالحسين شعبان
2010-03-08
تأسست أول جمعية للصداقة الفلسطينية-الكوبية العام 1981 في بيروت، وكان رئيسها محمد أبوميزر (أبوحاتم)، وبعد العام 1988 تم «ترشيد» الجمعية وهيكلتها مجددا من قبل الرئيس الراحل ياسر عرفات، حيث تم تعيين صلاح صلاح رئيسا لها بعد أن كان أمينا للسر، وما زال حتى الآن رئيسها، في حين أصبح عثمان أبوغربية أمينا للسر. وكان لقاء مهم قد عُقد بين الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات (أبوعمار) وفيديل كاسترو، وآخر بين الدكتور جورج حبش وكاسترو، وكانت اللقاءات حميمية، لدرجة أنه في أحدها أخذهم الزعيم الكوبي إلى حقل رماية (وضمّت ذلك صورة كاسترو- حبش- صلاح صلاح).
وكان واحد من اللقاءات العربية-الفلسطينية قد تم في إطار مؤتمر الشعب العربي برئاسة عمر الحامدي، حيث زار هافانا في الثمانينيات، وكان من بين أعضاء الوفد صلاح صلاح وأحمد السويسي وإنعام رعد، وفي زيارة أخرى للجبهة الشعبية كان رئيس الوفد أبوعلي مصطفى.
ويُعتبر صلاح صلاح أحد الشخصيات الفلسطينية الأكثر قرباً من الأجواء الكوبية، حيث درس هناك واستمرت علاقته طيلة العقود الثلاثة الماضية، وحرص على تمثيل فلسطين بغض النظر عن موقعه القيادي السابق في الجبهة الشعبية، ومن خلاله تعرّفه على أميركا اللاتينية ارتبط بصداقات واسعة وفضاء شاسع مع المجتمع المدني وبخاصة خلال العقد الماضي.
يقول صلاح صلاح إنه التقى بكاسترو ثلاث مرات، في الأولى عندما كانوا في بيت الضيافة وجاءهم من يخبرهم بلقاء أحد المسؤولين، فوجدوا كاسترو أمامهم، وكان الحديث غير بروتوكولي. وفي الثانية في مؤتمر الحزب (أواسط الثمانينيات)، والثالثة في المهرجان العالمي للصداقة مع كوبا في التسعينيات حيث ألقى في الجلسة الختامية كلمة فلسطين، وهناك التقى كاسترو حيث دعاه إلى قصر الضيافة والتقاه أكثر من مرة.
ولعل واحدا من أسباب صمود كوبا واجتراحها الحرمانات والعذابات هو شخص كاسترو، الذي كان يتحسس نبض الناس ويعيش همومهم ويخاطبهم بلغتهم، ويتعامل ببساطة وشعبية معهم، فضلا عن مصارحتهم بحجم المصاعب والتبعات، الأمر الذي كان فيه تخفيف للكثير من معاناتهم، رغم أن الحصار الأميركي وصل إلى حدود لا تطاق. وقد كان كاسترو رغم مكانته الريادية ودوره الفكري والسياسي وقدراته التنظيمية الكبيرة في الثورة والدولة- حريصا على إظهار رمزية جيفارا وكفاحه، وظل على هذا الوفاء طيلة العقود الماضية، دون أن تتضخم لديه «الأنا» فيشطب أقرب المقربين له، حتى وإن كان هو الأول بامتياز.
كان كاسترو أقرب إلى رومانسية وراديكالية حبش منه إلى الوسطية والبراغماتية التي يتسم بها بعض قيادات الحركة الثورية الفلسطينية والعربية، وعندما اندلعت المشكلات الفلسطينية-الفلسطينية والموقف من التسوية، جاء وزير المواصلات الكوبي (من أصل لبناني) وبقي نحو شهر في بيروت في محاولة لحل الخلاف داخل فتح (1983). وكان نايف حواتمة هو الآخر قد التقى كاسترو كما ذكر ممدوح نوفل، وقد أقامت الجبهة الديمقراطية علاقات وطيدة مع كوبا بما فيها تبادل الزيارات، حيث فتحت كوبا ذراعيها لاستقبال أعداد من كوادر الجبهة الديمقراطية للتدريب والدراسة، وقد تقلّص العدد لاسيما بعد تفاقم الأزمة الاقتصادية الكوبية في مطلع التسعينيات.
وكان كاسترو يردد دائما: صحيح أننا وحدنا، لكننا دائما في القمة، وكانت فلسطين في قلب كاسترو ورأسه، وتعتبر كوبا الدولة الأكثر قربا إلى فلسطين التي كانت تصوت باستمرار في صالحها في الأمم المتحدة، رغم أنه في أوائل الألفية الثالثة بدأت بعض العلاقات الاقتصادية تتشكل مع إسرائيل وأعيد افتتاح الكنيس اليهودي، لاسيما إثر أطروحات كاسترو ومراجعاته عن الشيوعية والدين، وهي أطروحات بحثت في المشترك الإنساني والأخلاقي بين الكنيسة والشيوعية، وكانت تلك الأطروحات عبارة عن مقابلة مطولة مع رجل الدين المسيحي فراي بيتو، ونشرت لاحقا في كتاب ترجمه حامد جامع وصدر عن «الحقيقة برس» ومجلة «قضايا العصر» في بيروت وعدن العام 1988، واحتوى الكتاب على حوارات مثيرة تستحق أن تُقرأ، وأن يتم التوقف عندها فيما يتعلق بالموقف الماركسي من الدين وتجربة كاسترو الشخصية.
وقد قامت إسرائيل بشكل غير مباشر -وأحيانا بشكل مباشر- بفاعليات وأنشطة عبر شركات ومؤسسات، في محاولة للتغلغل لاستعادة العلاقة مع كوبا، ويروي عماد الجدع (نقلا عن صلاح صلاح) أن أحد الفلسطينيين في أميركا اللاتينية حاول تقديم عطاءات حول استثمار الحمضيات، واتفق مع الكوبيين على المشروع، لكنه اعتذر لاحقا حين وضعه الأميركيون أمام خيارين، إما إلغاء الشراكة والصفقة، أو أن مصالحه ستكون في خطر، الأمر الذي دفعه لاتخاذ قراره بالتخلي عن عطائه، وهنا تقدمت على جناح السرعة شركة أخرى لأخذ المشروع، واتضح أنها لم تكن بعيدة عن الأيادي الصهيونية.
وبغض النظر عن صحة الرواية أو عدم صحتها فإن هذا هو ما فعلته إسرائيل مع إفريقيا، فبعد أن تم قطع علاقات 30 دولة إفريقية فيما بين العام 1967 والعام 1973، إذا بإسرائيل تعود بنفوذها الاقتصادي وعلاقاتها التجارية «ومساعداتها» كقوة نافذة يُحسب لها حسابها، ابتداء من السدود التي قامت ببنائها في إثيوبيا، ومرورا باتفاقيات وامتيازات عسكرية، ووصولا إلى تعاون سياسي وأمني متعدد الجوانب، وهو ما عملت عليه لتعزيز علاقاتها مع دول أميركا اللاتينية.
ولا يفوتني هنا وأنا أتناول العلاقات الفلسطينية-الكوبية كجزء من العلاقات العربية-الكوبية أن أذكر أن علاقة كاسترو بصدام حسين كانت قوية جدا، وهو ما أثار عليه حفيظة اليسار العراقي، لاسيما التهاون إزاء القمع والملاحقات التي كان الشيوعيون واليساريون وغيرهم يتعرضون لها، وهو الموقف ذاته من الدول الاشتراكية الأخرى التي غالبا ما كانت تقدم مصالح الدولة على «المصالح الأممية»، وتلك إشكالية ظلت دون حل، بل إن حلها كان مستعصيا بحكم نهج الهيمنة وتفضيل ما هو قطري وحكومي على حساب ما هو أممي وإنساني، وتلك معاناة مشتركة لا تتعلق بالتيار الماركسي وحده، بل بالتيار القومي العربي والتيار الإسلامي اللذين وصلا إلى السلطة، وكيف تعاملت هذه التيارات أو القوى مع رفاقهم بتقديم مبدأ الدولة والمصلحة على مبدأ التضامن والمبادئ.
وبالنسبة لكوبا وكاسترو كانت الحساسية أشد؛ بحكم الجانب العاطفي والنظرة الرومانسية التي كان يتعامل بها اليسار العربي والعراقي مع كوبا، قياسا بالدول الاشتراكية البيروقراطية التي كان لليسار معها تجارب مريرة، دون التقليل من حجم مساعداتها ومواقفها الإيجابية، لكن علاقة كاسترو بصدام بدأت بالتصدع، لاسيما عندما خاطبه برسالتين طالبا منه الانسحاب من الكويت، رغم أن كوبا استمرت في موقفها ضد الحصار الاقتصادي على العراق وضد إعلان الحرب الإمبريالية عليه، كما وقفت ضد احتلاله العام 2003 وصوتت في الأمم المتحدة ضد القرارات الجائرة والمجحفة بحقه. ولعل هذه المسألة تستحق وقفة جدية في التقويم والمراجعة، وباختصار يمكننا القول إنه غالباً ما يجري التبرير من جانب الدول والحكومات «الاشتراكية» بأن تعزيز علاقاتها مع دول التحرر الوطني سيعزز من مكانتها ومن مكانة الاشتراكية موضوعيا، الأمر الذي يمكن النظر إليه بعيون مستقبلية في إطار الصراع الكوبي ضد الرأسمالية والإمبريالية.
وكانت تململات أو همهمات بعض الأحزاب الشيوعية -التي غالبا ما تقال على استحياء أو تقدَّم كاستفسارات- تذهب أدراج الرياح، ويفضل المسؤولون عدم التعرّض لها في الإعلام، أو النقد العلني لبعض المواقف التي تتخذها الدول الاشتراكية كمداهنات للدكتاتوريات «الثورية» الحاكمة، طالما كانت علاقاتها معها جيدة، وفي الكثير من الأحيان كان للقياديين من الأحزاب الشيوعية امتيازات لا يريدون تخفيض سقفها، ناهيكم من أن أي مواقف متعاكسة مع «المركز الأممي» أو مواقف الدول الاشتراكية قد تطيح بهم وتشجع بعض المتنافسين والمغامرين على المواقع الأولى، حيث تبدي هذه العناصر استعدادها لتقديم الولاء الأعمى «للأممية الحاكمة»، الأمر الذي يمكن معه إزاحة خصومهم، فضلا عن أن جزءًا من هيبتهم ونفوذهم اكتسبوه من علاقاتهم الأممية.
في التسعينيات ظلت كوبا تنزف بصمت، وأدار الكثيرون ممن حلموا بجزيرة الحرية وتغنوا بها ظهورهم للتجربة بكل ما لها وما عليها، باستثناءات قليلة، ولعل واحدا منها هو الاستثناء الفلسطيني، فقد ساعد أبوعمار في دعم كوبا إبان أزمتها الخانقة، ويذكر صلاح صلاح أن عملية وقف تصدير النفط إلى كوبا كانت أقرب إلى عملية خنق، لاسيما بعد انهيار الكتلة الاشتراكية وتفتيت الاتحاد السوفيتي، حيث هيمن الظلام على كل شيء، وكاد كل شيء أن يتوقف ويتعثر ويتعطل، يومها استعانت القيادة الكوبية بأصدقائها الفلسطينيين، فجاء وكيل وزارة خارجية كوبا إلى لبنان وطلب مساعدة أبوعمار، وجرت اتصالات لتأمين ذلك، وذهب وفد كوبي إلى تونس، وكان أبوعمار حينها يتعامل مع شركات نفطية، فأمّن له عدداً من البواخر التي نقلت النفط على جناح السرعة إلى كوبا، وهي مسألة لا ينساها الكوبيون!
ومع أن الأزمة التسعينية قد تم احتواؤها، إلا أن آثارها لا تزال باقية حتى الآن، ولعل هافانا لا تزال من أكثر المدن ظلاما، حتى أنني تخيلت -بسبب الاقتصاد في الطاقة الكهربائية والحرص على عدم تبديدها- أن ثمة خللا مركزيا قد حصل في التوزيع الكهربائي لأحياء وبلدات تعاني من انقطاعه لأوقات طويلة، وهو أحد أعصاب الحياة الضرورية، حتى وإن تم تخصيصه للقطاعات الأكثر حاجة مثل المستشفيات والمراكز الطبية والتغذوية والمعامل والجامعات وغيرها، وهذا ما انعكس على وجوه الناس وما أثر في سلوكهم، لدرجة أن الشعب الكوبي الطيب كثير المرح والرقص والغناء، بدا كأنه منكمش، وهو ما تركته عليه سنوات الحصار الأميركي الجائر.
 


457
أين سترسو سفينة الانتخابات العراقية؟!
عبد الحسين شعبان
باحث ومفكر عربي
لعل الانتخابات العراقية تثير أكثر من مفارقة، فهي الثانية بعد انتخابات العام 2005 وما زالت سفينتها تتأرجح وسط أمواج البحر العاتية، فهل ستصل في نهاية المطاف الى المرفأ الذي سيؤمن لها إعادة الابحار أم أن العواصف الهوجاء  ستتقاذفها في منتصف الطريق؟
المفارقة الأولى بدأت بالمعركة العنيفة حول قانون الانتخابات حين تأخر تشريعه في البرلمان ودار الجدل والسجال حول مسألتين أساسيتين: أيهما أصلح القائمة المغلقة أو القائمة المفتوحة؟ وإن أعطت الأخيرة خيارات أكثر للناخب في إطار القائمة الاّ انها حرمته من حق الاختيار لشخصيات أخرى في قوائم أخرى، أو في إطار الترشيح الفردي، وهذا النظام المعمول به في بعض البلدان، مثل بلجيكا واسرائيل حسبما أعرف، يحتاج الى درجة عالية من الوعي ومن الاصطفاف السياسي وفقاً لبرامج محددة، لا أراها واضحة في الحالة العراقية، لأن البرلمان سيعيد انتخاب المجاميع السياسية ذاتها، وهي ستة كتل أساسية: جماعة المجلس الاسلامي وحزب الدعوة وجماعة مقتدى الصدر والحزبين الكرديين يضاف اليهما كتلة ناوشيروان مصطفى والحركة الاسلامية الكردستانية وجماعة إياد علاوي، ويمكن إضافة جماعة جواد البولاني وزير الداخلية الحالي.
وبعد نقض نائب رئيس الجمهورية طارق الهاشمي قانون الانتخابات، أعيد الى مجلس النواب، الذي تم تعديله بالتجاوز على حصص بعض المحافظات، الأمر الذي أثار رد فعله الشديد وتهديده بنقضه ثانية، فضلاً عن حفيظة تلك المحافظات، والمهاجرين واللاجئين في المنافي. ولعل تلك المفارقة الاولى كانت مثار صراع عنيف ومخاض قاسي، ورافقها أخطاء وحساسيات وتفسيرات مختلفة، لاسيما في مسألة المقاعد التعويضية التي ستستحوذ عليها القوائم الكبيرة، الأمر الذي بحاجة الى مناقشة مفتوحة لقانون جديد للانتخابات لاحقاً.
المفارقة الثانية هي أن الانتخابات بدأت بمعركة قاسية سبقت معركة الانتخابات، وهي معركة ما سمي بالاجتثاث، باستبعاد عدّة مئات من المرشحين بينهم من شارك في العملية السياسية منذ سنوات، بل كان جزءًا من البرلمان المنتخب والذي انتهت  ولايته التي دامت أربع سنوات.
أما المفارقة الثالثة فهي المحاولات التي سعى اليها الاميركان لثني الحكومة العراقية عن مسألة الاجتثاث، لكي تكون الانتخابات أكثر شفافية وتمثيلاً وأكثر قبولاً لدى الرأي العام العالمي، وهو ما صرّح به نائب الرئيس الامريكي جوزيف بايدن الذي وصل الى بغداد عشية اتخاذ قرار حاسم بشأن الاجتثاث، وما ذهبت اليه الامم المتحدة أيضاً، لكن الأمور سارت باتجاه آخر رغم التحذيرات والضغوط وربما التهديدات برفع اليد عن الوضع العراقي، والتسريع بالانسحاب، الذي قد ينجم عنه فراغ غير قليل، خصوصاً في ظل عدم استكمال تأهيل الجيش العراقي، وهو ما يؤيده وزير الدفاع العراقي الذي قال أنه بحاجة الى عشر سنوات أخرى، أي أنه في العام 2020 ستكون القوات المسلحة العراقية قادرة على حماية العراق من التهديدات الخارجية، خصوصاً باستكمال تسليحه، وهو ما تذهب اليه بعض المصادر العسكرية الغربية أيضاً، حين تقول أن الجيش العراقي سيكون جاهزاً في العام 2018، ليضطلع بمهماته في مواجهة التحديات الخارجية والداخلية.
المفارقة الرابعة هي "انتصار" إرادة حكومة المالكي على المحتل الأمريكي ورضوخ هذا الأخير للرأي السائد لدى الحكومة في موضوع الاجتثاث المدعوم ايرانياً، رغم أنه لا يمكن التكهن فيما إذا خسر الفريق، الذي تراهن عليه الولايات المتحدة، وهو أكثر من واحد، فماذا سيكون موقفها إزاء الفريق الفائز، ثم كيف سيتصرف هذا الأخير معها وبخاصة علاقته مع إيران؟ وهي مسألة شديدة الحساسية لواشنطن.
ان نجاح المالكي والمتشددين ضد البعثيين عشية الانتخابات في معركة الاجتثاث أعطتهم رصيداً جديداً وربما ساهمت في نوع من الدعاية لهم، خصوصاً "تعظيم" المخاوف بشأن مسألة عودتهم واحتمالات القيام بانقلاب عسكري وغيرها من المحاولات التي سعت للتلويح بالخطر القادم من "الآخر" في سعي لتحفيز بعض الناخبين لكي ينخرطوا في التصويت لهم، للحيلولة دون عودة الماضي، أو هكذا عزفت وسائل الدعاية للجماعات " الشيعية" في الحكم. وإذا كانت مسألة الاجتثاث وسيلة دعائية أغراضها انتخابية، وهي ستضعف المُستبعدين والقائمة العراقية التي تمثلهم في بعض المناطق، فإنها في الوقت نفسه ستكون دعاية لصالحها في مناطق أخرى.
اللافت في الأمر أن السفير الامريكي سلّم بمسألة تجاوز المُستبعدين، وقد يعود ذلك الى تسليم القائمة العراقية ذاتها، بما فيها المستبعدين أنفسهم الذين دعوا أنصارهم للمشاركة في الانتخابات بقوة، لكي يتم الحيلولة دون مقاطعة سياسية وشعبية، وهي لم تعد واردة، رغم أن المشاركة ستكون غير كبيرة، وهو واحد من الاحتمالات الراجحة، لاسيما في ظل الموجة الارهابية التي ضربت البلاد طولاً وعرضاً بما فيها استهداف المسيحيين في الموصل وغيرها، في الاسابيع الاخيرة، وكانت " دولة العراق الاسلامية" قد هددت القيام بعمليات دموية ضد المراكز الاقتراعية وبعض المرافق والمنشآت الرسمية وبخاصة الوزارات.
المفارقة الخامسة التي تشهدها الانتخابات الحالية، أن الكل يتهم الكل بمحاولة شراء الأصوات والذمم، وإن الجميع حصل على دعم خارجي وتمويل أجنبي، وأن الكل يغمز الكل بأن "هذا" تقف خلفه جهة إقليمية و"ذاك" جهة دولية، بل ان البعض يقول صراحة أن أجهزة الدولة تسخّر للدعاية الانتخابية وإن المال العام يوظّف بطريقة حزبية، حتى أن رجل دين اتهم وزير التعليم علناً بأنه يقف وراء انحيازات حزبية بتهديده المعلمين للحضور الى احتفالات ينظمها بيوم المعلم، وإذا بالأمر عبارة عن تحشّدات انتخابية.
المفارقة السادسة ذات الخصوصية العراقية وربما اللبنانية الى حد ما، هي أن الإنتخابات عالمياً تشهد مرحلة الاحتدام وما بعدها يمكن للفريق الفائز تشكيل الحكومة حيث تنتقل الأقلية الى المعارضة، لكن معضلة التوافق أو ما أطلق عليه الديمقراطية التوافقية تحوّلت الى ديمقراطية تواقفية بحيث تم تعطيل أجهزة الدولة والبرلمان والى حدود معينة جرى التأثير على القضاء (اتهامات متبادلة من الفرق المتخاصمة) عبر نظام المحاصصة والتقاسم الوظيفي المذهبي والاثني، حيث طالت في انتخابات العام 2005 فترة تشكيل الحكومة بضعة أشهر بحجة الاتيان بحكومة وحدة وطنية، وإذا بها بعد فترة تتعرض للتصدع والتراشق والتكتلات وتغيب وحدتها السياسية، ناهيكم عن عدم تمكنها من تحقيق الوحدة الوطنية والمصالحة السياسية، وما زال الوضع الأمني يعاني من هشاشة واختراقات رغم تحسنه على نحو ملحوظ خلال عامي 2008 و2009.
المفارقة السابعة ان الانتخابات ستكون مجسّاً جديداً للأمريكيين للانسحاب من العراق حسب ما تذهب اليه الاتفاقية العراقية- الامريكية، حيث ستبدأ المرحلة الاولى في آب (أغسطس) العام الجاري، وستنتهي في نهاية العام 2011، لكن بقاء بعض الاشكالات، بل ارتفاع منسوبها بعد الانتخابات، سيكون لغماً كبيراً يواجه الوضع السياسي، وهذا ما ستحدده نتائج الانتخابات، فهناك لغم كركوك وهو ما يعكسه الاحتدام السياسي في محافظة كركوك وكذلك لغم الموصل الى حدود غير قليلة،  وتوضحه البرامج الانتخابية المتضادة ، المتناحرة، والتي ليست بعيدة عن التداخل الاقليمي، إن الأمر خطير جداً ما لم يصغِ الجميع الى صوت العقل والحكمة ويجنحوا الى السلم.
والأمر ينطبق على الدستور وتعديلاته المنشودة وكذلك صلاحيات الدولة الاتحادية على حساب صلاحيات الاقليم، ففي حين يعتبر الكرد هذه الصلاحيات خطاً أحمر، لكن المالكي كان قد ألمح بصوت خافت احياناً أو بصوت عال في أحيان أخرى، بأنه لا بدّ من إعادة النظر بصلاحيات الإقليم لحساب السلطة الاتحادية، والمسألة ستشمل النفط والعقود النفطية للاقليم وغيرها من القضايا العقدية.
لعل المفارقة الثامنة هي أنه من المحتمل أن لا يحصل أي فريق على الأغلبية المنشودة، الأمر الذي سيفتح الباب واسعاً للمناورات السياسية والحزبية بين "الأقليات" ، لأن الجميع قد يكونون أقلية في البرلمان القادم، وإن كان حجم الاقليات يكبر أو يصغر، لكن الجميع سيكون بحاجة الى المظلّة الامريكية، خصوصاً في ظل وجود اتفاقية أمنية لم تستنفذ أغراضها من جانب  الفريقين حتى الآن.



458
كوبا.. رؤية ما بعد الخمسين (18) كاسترو- أبوعمار- حبش: رومانسية لا غنى عنها
   

عبدالحسين شعبان
2010-03-01
ظل جيل الستينيات وإلى حدود معينة جيل السبعينيات يربط بين رمزية النضال الفلسطيني والكوبي، لاسيَّما الالتقاء في الكثير من الشعارات والأهداف وأساليب الكفاح الثوري التي سادت آنذاك، خصوصاً ما مثّله جيفارا من أحلام وشجاعة جاءت به من أميركا اللاتينية إلى مصر والجزائر، ثم الاختفاء الغامض في الكونغو وبعده انتقاله لقيادة الكفاح المسلح في بوليفيا، وفيما بعد مصرعه الذي حمل الكثير من المعاني والأسرار.
كل ذلك حصل في إطار رومانسية ثورية كانت تميل إليها حركات تحرر فلسطينية وعربية ومناضلون حالمون وجدوا في النموذج الجيفاري مثالاً يتطلعون إليه في ملامسة واقع شديد البؤس، متجسداً في الاحتلال من جهة، ومن الجهة الأخرى في أنظمة حكم لا تستجيب لمطالب شعوبها. ورغم ما أثارته الموجة الجيفارية من جدل واختلاف وتباين في الرؤية وبين ما كانت الحركة التحررية العربية تعيشه، لاسيَّما تياراتها الأساسية آنذاك، اليسارية الماركسية بما فيها الجديدة، واليسارية القومية، فإنها تركت الكثير من البصمات على الجو السياسي والفكري السائد آنذاك.
وأستطيع القول -رغم وجود نموذج فيتنامي ناجح وتجارب لحركات الأنصار الشيوعية، لاسيَّما في الحرب العالمية الثانية وبخاصة في أوروبا- أن الموديل الجيفاري كان الأكثر جاذبية وتأثيراً، لدرجة أن بعض خصومه الفكريين كانوا قد تأثروا به أيضاً، وعلى أقل تقدير كانوا ينظرون إليه بإعجاب كبير.
وقد زخر الأدب السياسي الفلسطيني المقاوم والأدب العربي خلال فترة أواخر الستينيات والسبعينيات بمصطلحات واقتباسات لم تكن بعيدة عن اللغة السياسية والأدبية التي كان يستخدمها جيفارا وكاسترو، فجرى الحديث عن «البؤر الثورية» و «الكفاح المسلح» و «الزحف من الريف إلى المدينة» و «تسريع دور العامل الذاتي في تثوير العامل الموضوعي» و «استخدام العنف الثوري» و تأسيس نُويّات لحركات الأنصار وإشعال المقاومة ودور القوى التحررية في القارات الثلاث كضلع ثالث للدول الاشتراكية والطبقة العاملة في البلدان الرأسمالية، لاسيَّما أن الثقل الثوري انتقل إليه.
وهكذا ساد نوع من الرومانسية الثورية والحلم الغامض الجميل، لدرجة حاول بعض الشباب تمثيل شخصية جيفارا فارتدوا قبعته وأطلقوا ذقونهم واتجهوا إلى الأرياف ومعهم كثير من الأحلام وبضعة كتب، على أمل حشد الفلاحين للثورة على الحكام الدكتاتوريين والأنظمة التقليدية، بل إن بعض الحركات الثورية كانت قد تبنّت هذا النهج حتى وإن كان في ظروف مختلفة، الأمر الذي أدّى في بعض الأحيان إلى حرق المراحل وتبديد إمكانات وطاقات كان يمكن ادّخارها، ولو كانت قد تُركت للتطور الطبيعي، التدريجي، التراكمي لأحدثت نوعاً من التغيير حتى وإن كان طويل الأمد. وهنا أستذكر كيف انخرط بعض الشباب في ما سمّي بالكفاح المسلح في العراق، وهو ما دعت إليه القيادة المركزية للحزب الشيوعي- جناح عزيز الحاج بعد الانقسام في الحزب (سبتمبر عام 1967) وقيل إن الفلاحين لم يستوعبوا ذلك، فجرى الإخبار عنهم، أو إن بعضهم قتل من جانبهم، وبين هؤلاء صديقاي أزهر الجعفري وسامر مهدي، فضلاً عن بعض الشخصيات المعروفة مثل خالد أحمد زكي الذي قتل في معركة غير متكافئة.
وكانت المقاومة الفلسطينية الصاعدة، لاسيَّما بعد عام 1967 قد تمثلت هذا النموذج واتخذت منه شكلاً ومضموناً مصدراً أساسياً في نشاطها وأساليب عملها، وكان شعور عام قد ساد بأن كوبا هي الأكثر قرباً من الدول الاشتراكية إلى العالم العربي وأنها أكثر حرارة وصدقاً في التعامل مع قضاياه، لاسيَّما ما مثّلته شخصية كاسترو وجيفارا من رمزية كبيرة، دفعت الكثير من الشباب إلى التمثل بهما.
وقد كانت السبعينيات المحطة الأساسية التي توطدت فيها، بل واستقرت العلاقات الفلسطينية- الكوبية وربما العربية- الكوبية، لاسيَّما زيارات ياسر عرفات وجورج حبش ونايف حواتمة وعامر عبدالله وجورج حاوي وآخرين إلى هافانا، كما تعززت العلاقات الكوبية- العربية على صعيد العلاقات الدولية، لاسيَّما مع العراق واليمن الجنوبية والجزائر وسوريا وليبيا، وقبل ذلك مصر وغيرها.
ويتذكر المقاومون الفلسطينيون باعتزاز كبير موقف السفير الكوبي في بيروت، خسنتو، الذي كان خلال فترة الاجتياح الإسرائيلي للبنان وصولاً إلى العاصمة بيروت عام 1982، يداوم يومياً بمقرات قيادات المقاومة الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية، وهذا الموقف الذي اتّخذه لم يكن بعيداً عن المواقف التي اتخذتها القيادة الكوبية ممثلة بكاسترو وجيفارا يوم اعترفت، بل وتميّزت بمواقفها المؤيدة للحقوق الوطنية الفلسطينية وفي المقدمة منها حق تقرير المصير، لاسيَّما أن إسرائيل حسب تقييمات القيادة الكوبية كانت حتى قبل عام 1967 بؤرة للتوتر وتهديداً للسلام والأمن في المنطقة ومصدراً للحروب والنزاعات المستمرة.
لقد كانت حساسية الكوبيين شديدة إزاء ما حصل للفلسطينيين، وكلما تعرفوا أكثر على الأوضاع العربية، كلما ازدادت قناعتهم بأن ما حصل لفلسطين لم يكن بمعزل عن قوى الاستغلال والرأسمالية العالمية. وكان لجيفارا دور كبير في تكوين مثل هذا التصوّر، خصوصاً من خلال اطّلاعه على ما كان يناقش ويصدر عن منظمة التضامن الأفروآسيوي، ومن خلال علاقته بأحمد بن بيلا وجمال عبدالناصر والمهدي بن بركه وزياراته للجزائر والقاهرة، ولعل ذلك قد أسهم في بلورة الفكر الجيفاري تأثراً بالمحيط العربي، الذي علينا الاعتزاز به، لأنه جزء من المشترك اليساري الإنساني برفد متبادل على الصعيد الفكري.
اطّلع الكوبيون على المذابح التي ارتكبت بحق الفلسطينيين منذ قيام إسرائيل، حيث نفّذت مجازر شنيعة في دير ياسين عام 1948، وكفر قاسم عام 1956، وأدركوا أن إسرائيل بممارساتها تلك كانت جزءًا من المعسكر الإمبريالي، وقاعدة متقدمة له لوقف تقدم حركة التحرر الوطنية العربية ومناهضة تطلعات الشعوب العربية في التحرر والانعتاق والتنمية والتقدم، لاسيَّما مشاركتها في العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 بالتعاون مع بريطانيا وفرنسا، يوم قام الرئيس عبدالناصر بتأميم قناة السويس.
وقد تمت بعض اللقاءات بين الفلسطينيين والكوبيين، في إطار اتحادات الطلبة، حين كان يرأس اتحاد طلبة فلسطين تيسير قبعة القيادي في الجبهة الشعبية، وكان الاتحاد عضواً في اتحاد الطلاب العالمي، واتسعت علاقاته لاحقاً في أواخر الستينيات والسبعينيات.
وتعزّزت العلاقة في إطار منظمة التحرير الفلسطينية عام 1964 حيث التقى جيفارا بعض القيادات الفلسطينية خلال زياراته للقاهرة، وربما كان قد التقى خليل الوزير (أبوجهاد) في الجزائر خلال التحضيرات لمؤتمرات التضامن الأفروآسيوي تمهيداً لمؤتمر القارات الثلاث.
يقول صلاح صلاح، القيادي في الجبهة الشعبية الذي أجريت معه مقابلة بعد عودتي من هافانا باعتباره رئيساً لجمعية الصداقة الفلسطينية- الكوبية، إن كوبا اعترفت بمنظمة التحرير الفلسطينية وفتحت لها سفارة في هافانا منذ وقت مبكر، لكن العلاقة تعززت في السبعينيات. وأكثر التقديرات أن مؤتمر القارات الثلاث الذي كان يحضّر له أحمد بن بيلا والمهدي بن بركة وجيفارا، كان المحطة الأولى المهمة للعلاقة، لاسيَّما بعد انعقاده عام 1966 رغم غياب القادة الثلاث عنه لأسباب تتعلق بذهاب جيفارا إلى الكونغو لقيادة الثورة فيها وإزاحة أحمد بن بيلا عن السلطة إثر الانقلاب ضده، واختفاء المهدي بن بركه قسرياً في باريس.
وكانت منظمة «فتح» أول من فتح مكتباً لها في هافانا. ويتذكّر صلاح صلاح أن وفداً فلسطينياً كبيراً كان قد زار كوبا برئاسة تيسير قبعة عام 1978، لاسيَّما بعد أن برزت بعض التمايزات بين ما أطلق عليه قوى اليسار واليمين في إطار منظمة التحرير الفلسطينية، حيث فتح الكوبيون خطّاً جديداً لهم مع الفلسطينيين واعترفوا بتنظيمين هما: الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بقيادة جورج حبش، والجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين بقيادة نايف حواتمة، وذلك بعد توثيق علاقة الجبهتين بالاتحاد السوفيتي. وكان صلاح صلاح قد شارك في دورة حزبية لمدة عام (1979 -1980) وبدأت دورات أخرى أمنية وسياسية وأكاديمية للفلسطينيين عبر تقديم منح لهم عن طريق «م.ت.ف» ثم بدأت بعض الفصائل تحصل على دعم سياسي وعسكري ومهني مباشر أيضاً.


      

459
البحث العلمي ووليمة التفكير
   


عبدالحسين شعبان
كان المؤتمر الذي نظمته مؤسسة المستقبل (الدولية) في البحر الميت مؤخراً مناسبة مهمة لتبادل الرأي بخصوص البحث الاكاديمي في إطار المجتمع المدني العربي، ولا شك في أن هذا الأمر فتح الباب أمام اشكاليات كثيرة، حيث تناولت الأبحاث بالدراسة والنقد الأدبيات وواقع ومستقبل المجتمع المدني العربي من شمال افريقيا وحتى الخليج العربي .

وكانت الخبيرة نبيلة حمزة رئيسة “مؤسسة المستقبل” هي المبادِرة لطرح الاشكالية في كلمتها الافتتاحية بالاشارة إلى سؤال مهم وكبير يتعلق بكيف لنا أن نطوّر بحوث ودراسات المجتمع المدني في المنطقة؟ وما هي المواضيع التي يتعيّن علينا الوقوف عندها وكذلك المنهجيات التي حريّ بنا اتّباعها، علاوة على الشراكات التي لا بدّ من بنائها في المستقبل لتحفيز دور المجتمع المدني؟ ومثل هذه الاسئلة لا بدّ من استكمالها بالتوقف عند البرامج الممنوحة، ولاسيما من خلال التجربة العملية:

* الأولى- حقل المشاريع المدعومة في مجال تعزيز المواطنة وحقوق الانسان وارساء حكم القانون وتمكين المرأة .

* الثانية- حقل بناء القدرات لتطوير أداء قياديين واداريين .

* الثالثة- تقديم ونشر أبحاث ودراسات تطبيقية تتعلق بالمسار الديمقراطي .

ولعل الظاهرة التي كشفت عنها بعض الأبحاث والدراسات تتلخص في غياب استراتيجيات وضعف الثقافة الحقوقية، ولاسيما تداخل المهني بالسياسي، والحقوقي بالأيديولوجي، والمدني بالديني والعشائري أحياناً، ناهيكم عن عدم الجاهزية الفكرية، للتعاطي والتفاعل مع المتغيرات والتطورات الدولية من موقع نقدي مستقل .

واللافت أن بعض اشكاليات ومشكلات المؤسسات الرسمية والحكومات بدأت تنتقل إلى المجتمع المدني، وأن بعض “الأمراض” أخذت تنتشر عدواها في صفوفه أحياناً بسرعة كبيرة، رغم حداثة عهده .

إن الجهر ببعض العيوب والمثالب والأخطاء لا يستهدف التشكيك بمؤسسات المجتمع المدني أو التجريح بها، بقدر ما يستهدف التصويب والتصحيح والنقد، والتفكير بصوت عال وجماعي في الأزمة التي تستفحل، بهدف سدّ النواقص والثغرات كي لا تنفذ منها القوى المعادية لحركة المجتمع المدني، ناهيكم عن أن القراءة الانتقادية للواقع ومحاسبة الذات من خلال الشفافية والنقد الذاتي يستهدفان تعزيز وتطوير دور مؤسساته، فضلاً عن كونه مشاركة في الجدل الدائر والنقاش العلني، الذي لا يمكن اغماض العين عنه أو اغفاله، ورمي كل الأخطاء والخطايا على الحكومات والجهات التي لا تريد خيراً بالمجتمع المدني وحدها .

الاشكالية الأولى تتعلق بالدور التنويري لمؤسسات المجتمع المدني، ولاسيما بنشر ثقافة التسامح والسلام ونبذ العنف والاقصاء والعزل والدفاع عن حقوق المرأة والأقليات والفئات الضعيفة وغيرها، وهذه المسألة لا تزال محدودة وضعيفة جداً، ولاسيما أن الأمر يتطلب كفاءات وقدرات و”إخلاص” بعض قياداته .

الاشكالية الثانية، كيف يمكن لمؤسسات المجتمع المدني المساهمة في نشر الثقافة الحقوقية الديمقراطية، ولاسيما في ظل صعود التيارات المتشددة والمتعصبة والمتطرفة، خصوصاً أنها من دون عدّة فكرية وعملية كافية، ناهيكم عن اختلال موازين القوى في معظم الأحيان، إن لم يكن دائماً؟

الاشكالية الثالثة- تتعلق بضعف وغياب المبادرة، ولاسيما في الجوانب الفكرية أو العملية، خصوصاً أن الأمر يتطلب منها دراسات للظواهر الجديدة، في ما يتعلق بالعولمة والحداثة والتدخل لأغراض انسانية، وبما يعزز دورها الحقوقي والانساني بعيداً عن الانخراط في تطويع وترويض الخصوم المحليين أو الدوليين .

ان أغلب مؤسسات المجتمع المدني وبخاصة منظمات حقوق الانسان تنصرف للبحث والنشاط في الحقوق السياسية والمدنية وتهمل إلى حدود كبيرة الحقوق الاقتصادية الاجتماعية والثقافية، ولعل اغلبها يبحث في الانتهاكات واساليب وآليات الاحتجاج، في حين تغفل الجانب الاقتراحي، وقلّة منها تهتم بالدراسات والابحاث التنموية أو مشاريع القوانين واللوائح أو غيرها .

ظلّ موضوع الخصوصية والعالمية هاجساً للكثير من أبحاث ودراسات المجتمع المدني ونشاطات مؤسساته، فالبعض يريد بحجة الخصوصية التملص من المعايير الدولية، والبعض الآخر بحجة المعايير الدولية يريد قطع الصلة بالتراث وبأية خصوصية، طالما يعتبر فكرة المجتمع المدني تنتمي إلى الحداثة والليبرالية والعقلانية والعلمانية، الأمر الذي لا يعني رفض رافدنا المعرفي والثقافي للتطور الدولي على هذا الصعيد، وبالتالي مراعاة الخصوصية في إطار العالمية والكونية والانسانية التي تشكل القاسم المشترك للجميع .

إن واحداً من جوانب الرفض أو الارتياب الرسمية أو المجتمعية لفكرة المجتمع المدني تتعلق بالتعصب والانغلاق ورفض الآخر بحجة الاختراق الثقافي ونشر الرذيلة وكأن مجتمعاتنا ترفل بالفضيلة، إذ لا يمكن اعتبار كل ما هو قادم من الغرب هو اختراع مشبوه، فليس الغرب “كلّه شرٌّ” مطلق ونزعات للهيمنة وفلسفات وآيديولوجيات عنصرية واستعلائية، فهناك بالمقابل مستودع لخير ما أنجبته البشرية من ثقافة وعلوم وتكنولوجيا وآداب وفنون وعمران وقواعد قانونية عصرية تقوم على أساس المساواة بغض النظر عن الدين أو الجنس أو العرق أو اللغة أو المنشأ الاجتماعي، ناهيكم عن التعاطف مع حقوقنا العادلة والمشروعة .

ولعل أهم استنتاج مشترك عام يتم التوصل اليه بعد نحو 30 عاماً من الممارسة، هو أن المجتمع المدني العربي لا يمتلك عصا سحرية للتغيير المنشود، خصوصاً أن بعض العاملين فيه توهموا ذلك، وأن هناك من راهن عليهم أحياناً في الغرب، لكنه في الوقت نفسه ليس بعيداً عن مشاركة فاعلة في أي تغيير حقيقي، وهو الدور الذي يمكن التطلع اليه، كما حصل في أوروبا الشرقية والى حدود معينة في أمريكا اللاتينية .

ولكي تكون مؤسسات المجتمع المدني مؤثرة وقادرة على المشاركة ينبغي أن تكون مستقلة وسلمية ولا تنخرط في الصراع العقائدي، مثلما يُفترض فيها أن تكون غير وراثية وغير ربحية، وبعيدة عن الاعتبارات العشائرية والمذهبية والدينية، لتتمكن من دعم أي مشروع للتغيير السلمي الديمقراطي، ولاسيما إذا تهيأت مستلزماته عبر بيئة تشريعية وتعليمية واعلامية وثقافية وحقوقية مناسبة .

باحث ومفكر عربي


460
كوبا: رؤية ما بعد الخمسين (17) همنغواي والجواهري: الشيخان والبحر!


                                                                                        عبدالحسين شعبان
2010-02-22
الجواهري المأسور بالبحر والنهر وخلدهما بقصائد خالدة «يا دجلة الخير..» و «سجى البحر» الأولى كتبها في براغ والثانية في أثينا وقصائد أخرى، وكان من أمنيات حياته أن تكون له شقة على البحر، والتي يستذكر فيها أيامه الخوالي، عندما كان بيته على نهر دجلة، ويتذكّر شط الكوفة في الفرات، يندهش، بل لا يصدق الأمر عندما يعرف أن همنغواي، وهو يعيش بكل هذه العيشة الأُبهة يفارق الحياة منتحراً، (يوليو 1899- يوليو 1961) أي أنه غادر الحياة في نفس الشهر الذي ولد فيه، ولعل تلك مفارقة أخرى ما بين الجواهري وهمنغواي، فقد ولد الجواهري في 27 يوليو عام 1900 حسب أكثر التقديرات رجاحة بشأن ولادته، وتوفي في اليوم نفسه من العام 1997، أي أنهما كليهما ولدا وتوفيا في شهر يوليو.
وإذا كان ثمة ما يجمع بين الجواهري وهمنغواي، فثمة ما يفرّق، وإذا كان كلاهما يعشقان النساء، إلا أن همنغواي كان ما إن يتعرّف على امرأة حتى لا تنقضي بضعة أيام على تعارفهما ليطلب الزواج منها! يقول هو عن نفسه: تلك هي طبيعتي مع النساء، لا أعرف من أين جاءت إليّ..؟ عندما أحبُّ أحب أن أتزوّج فوراً، فلا مكان لأوقات الغزل وساعات الانتظار، ومع أن الجواهري تزوّج مرتين، فبعد وفاة أم فرات في العام 1938، تزوج شقيقتها أم نجاح «أمّونة» التي رافقته حتى العام 1992، حيث توفيت في لندن، إلا أنه يقول عن نفسه إنه لم يعرف طعم الحب، أو يتذوق طعم المرأة الحقيقي وهو على مشارف الخمسين، وذلك يوم أحب أنيتا الكورسيكية من بنات السين في باريس العام 1949، ونظم فيها خمس قصائد، كما يقول في حواراته المنشورة في كتاب «الجواهري- جدل الشعر والحياة»، وفيما بعد علاقته مع بارنيا وماروشكا التشيكية.
كان همنغواي يصطاد السمك ولكنه يحب تناوله في مطعم لاتراسا الشهير، حيث تنزل شرفته إلى البحر مباشرة في خليج صغير يرتبط بعمق البحر، في ضاحية على مشارف هافانا حيث الموقع الاستراتيجي، وبالقرب من المطعم اليوم ينتصب تمثاله على الساحل، بمحاذاة البحر، ومثلما في حانته الشهيرة وفي مزرعته فقد كان همنغواي يطبع المكان بطابعه، فقد اتسمت حانة بودغيتا دل ميديو بالبساطة والشعبية، ورغم ذلك فقد أصبحت محجّاً يتسابق إلى زيارتها آلاف المشاهير ممن يزورون هافانا، حيث يبادر القائمون عليها بوضع صورهم وأسمائهم، على جدرانها المزدحمة بالأسماء والتواريخ لزيارات من كل أصقاع الدنيا، فقد كان «الشقي» همنغواي يعشق النساء والخمور والملذّات بجميع أنواعها، ويستهويه السفر بلا حدود، وهناك شيئاً من فوضاه الأثيرة.
ورغم أنه عاش في الوقت الضائع كما يقال، فقد أصيب بـ237 جرحاً وأجريت له 12 عملية، ومكث في المستشفى في ميلانو نحو 6 أشهر، وقد حدث ذلك يوم كان في الجبهة الإيطالية عندما عمل مراسلاً حربياً في الحرب العالمية الأولى، الأمر الذي دفعه لاحقاً إلى التشبث بالحياة وخوض غمارها والاستمرار في مغامراته التي بدأها منذ صباه، فقد تشبث بالحياة بكل ما فيها من عنفوان، وهو ما ترك حيرةً واستفهاماً كبيرين حول موته.
لقد وصف همنغواي الموت الذي تعرّض له في الحرب العالمية الأولى عندما قال: لقد متُّ في تلك اللحظة، أحسست روحي تخرج من جسدي. افهموا هذا الإحساس كما تريدون. شعرت بأن روحي تنسلّ من جسدي كما ينتزع منديل حريري من جيب سترة، لكن هذا الشعور تبدد فجأة وعاد إليّ شيء أنعش جسدي من جديد، وعرفت أنني لم أمت وقد استوحى همنغواي من هذه الحادثة فيما بعد قصته الشهيرة «وداعاً للسلاح»، وكان قد وصف الحرب باعتبارها أخطر قضية في حياة الإنسان وأصعب مشكلة للعقل البشري.. إنها الشيء الرهيب في حياة البشر، ولا نستطيع تناولها إلا إذا قدّرنا خطورتها في صدق وحرارة.
كان أول ما نشره همنغواي وهو ينتقل من الصحافة التي أحبّها، لأنها تعنى بالواقع، إلى الرواية التي تعنى بالمتخيّل هو قصة: لا تزال الشمس تشرق العام 1926، وهي تصوير حزين للحياة القلقة المتشردة، لاسيما بعد الحرب العالمية الأولى، وبخاصة للأميركان في أوروبا، وبمجرد صدور الكتاب أصبح همنغواي مشهوراً، حيث هيمن على نفوس القراء، لاسيما من الشباب، شعور بأن ثمت من يُحسن التعبير عن مشاعرهم.
التحق همنغواي بالجمهوريين في الحرب الأهلية الإسبانية، فترك كل شيء، وكان همّه الأساسي هو القضاء على الفاشية، وكما يقول، فإنه لم يكتفِ بالقتال، بل اشترى سيارة إسعاف وأهداها إلى الثوار. وكان حصيلة مغامرته الإسبانية «قصة موت بعد الظهر»!
وقد التقى همنغواي في إسبانيا بالكاتب الفرنسي المعروف أندريه مالرو وارتبط معه بصداقة مديدة، وقررا الاشتراك في مشروع أدبي هو الكتابة عن الثورة واقتسما المراحل، حيث ألف مارلو كتاب الأمل في العام 1938 في حين أصدر همنغواي روايته الشهيرة «لمن تقرع الأجراس» عام 1940. وقد تحوّلت روايات وقصص همنغواي إلى أفلام مثيرة غزت الشاشة وتركت انطباعات إيجابية على قدرته في تصوير حياة الحرب وتفاصيلها وآلامها. وهو ما قدّر لي أن أشاهده في أواخر الخمسينيات وبدايات الستينيات.
في عام 1946 تزوّج للمرة الثالثة وقرر الرحيل إلى كوبا للعيش فيها نهائياً، حيث سكن في فيلا شهيرة تبعد نحو 20 كيلومترا عن هافانا واسمها كما ذكرنا «لافيهيا» وهي عبارة عن مزرعة فيها أعداد من الحيوانات الأليفة. ونشر في العام 1950 روايته «عبر النهر وتحت الشجر»، ثم روايته الرائعة «الشيخ والبحر» العام 1952 التي في إثرها نال جائزة نوبل العام 1954، وقد اعتبر الناقد روجيه غروينر أن همنغواي كتب تلك الرواية «الشيخ والبحر» متأثراً بالكاتب ملفيل وروايته «موبي ديك» Moby Dick وذلك كما ورد في كتاب لصدقي إسماعيل بعنوان «نبلاء الإنسانية» الصادر عن دار رياض نجيب الريس، بيروت، 2008.
وإذا كانت حياة همنغواي قد عرفت كل هذه المنعرجات والمغامرات والتحديات، فإن عزاءه كان التأمل والعزلة والتفكير، وهو يتقدم في مرحلة الكهولة، إلى أن أنهى حياته بضربة واحدة من قدر غامض، لعله كان مثل غموض بعض شخصياته وربما شخصيته الغامضة هو بالذات أيضاً.
يشير الكاتب صباح المندلاوي على لسان الجواهري إلى تفاصيل غالباً ما كان الجواهري يرددها بشأن رفض بعض الناشرين نشر كتب بعض المبدعين، وإذا بهم يتنافسون عليهم بعد أن يذيع صيتهم، وكيف أنه تم رفض بعض مخطوطات همنغواي، الذي عاش الفاقة والعوز والجوع حتى وصل الأمر في إحدى المرات أن يجمع له بعض العاملين في تلك البارات مبلغاً من المال لغرض مساعدته وانتشاله، وذلك قبل حصوله على جائزة نوبل العام 1954، حيث انفتحت أمامه أبواب الدنيا، وهو ما ذكّرني بالشاعر المبدع عبدالأمير الحصيري، الذي عاش حياة متشردة، نؤاسية، متصعلكة، وكان في كل مقهى أو بار هناك من يقوم «بواجبه» بدفع متطلباته، فارقه الوحيد مع همنغواي، أنه مات منتحراً ولكن على طريقته، معوزاً ووحيداً ومحروماً من كل شيء بما في ذلك النساء، إلا أنه مُتخماً بالخمرة صديقته الوحيدة وملاذه الأخير، في حين انتحر همنغواي وهو يرفل بكل أنواع الامتيازات والترف.
لقد مزج همنغواي تجربته الأدبية بتجربته الحياتية لدرجة التماهي أحياناً، حيث كانت حياته حافلة بالأحداث والمغامرات والخفايا وإن لم يجد إلى ذلك سبيلاً فكان يخترعها أحياناً ويبدع في تخيّلها، وقد قال عن نفسه: لم أفهم حياتي بعد، لأنني أخشى الالتفات إلى الوراء.
صدق هادي العلوي عندما أطلق على صباح المندلاوي «صباح النجيب» وهو ما كنت أشاطره الرأي فيه منذ أن اقترن المندلاوي بكريمة الجواهري خيال، حتى أصبح عين الجواهري التي يقرأ بها، فالتزمه وحرص على تلبية جميع متطلباته، لاسيما خلال فترة مرضه، وكان يجول معه في روائع وأمهات الكتب، وما يحبب وما يرغب أبا فرات، وهو ما يكشف عنه في كتابه، الذي أحسن صنعاً بإصداره. الشيخان همنغواي والجواهري، استلهما من البحر الشيء الكثير، ففيه عالم الأسرار والغموض واللانهايات والمتعة في الاكتشاف الأبدي.


           

461
الخليج وصورة المجتمع المدني
   


عبدالحسين شعبان
يميل الاعتقاد السائد إلى أن دول الخليج العربي، أو ما يمكن أن نطلق عليه دول مجلس التعاون الخليجي الذي تأسس في العام ،1980 لا تمتلك تجربة كافية بخصوص المجتمع المدني، فإما أنها حديثة التكوين أو لا تزال ضعيفة ولم يشتدّ عودها، أو أنها لا تكترث كثيراً بهذا الحقل، أو أن هناك عقبات أمام الترخيص لتأسيس أو إنشاء مؤسسات خاصة بالمجتمع المدني، لكن بعض الدراسات ذهبت إلى القول إن هناك أكثر من 10 آلاف جمعية ومؤسسة خاصة بالمجتمع المدني، وإن عدد المنتسبين المنضمّين اليها يزيد على مليون شخص، في مجلس عدد سكانه حسب بعض الإحصاءات يقارب من 48 مليوناً .

لكن الباحث والمتخصص في المجتمع المدني، سيلاحظ أن المؤسسات التي نطلق عليها مؤسسات المجتمع المدني هي في الغالب مؤسسات خيرية أو يغلب عليها التوجّه الخيري - الإنساني والطابع الدعووي الإسلامي، في إطار حقوق الزكاة أو ما نسميه “التكافل الاجتماعي” لمساعدة من يحتاج اليه، لاسيما من ذوي الإعاقة أو الفئات الفقيرة أو الضعيفة .

وإذا كانت ثمة تطورات قد حدثت في دول مجلس التعاون الخليجي في ما يتعلق بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وبخاصة الحق في التعليم والصحة والعمل والضمان والبيئة والتمتع بأوقات الراحة والاستفادة من منجزات الثورة العلمية- التقنية وفي إشباع بعض الحاجات الروحية والثقافية، فإن الأمر يحتاج إلى تعزيز جوانب أخرى تشكل منطلقاً لتعميق هذه الحقوق من جهة، ومن جهة أخرى لضمان استمرارها وتأصيلها، لاسيما الحقوق المدنية والسياسية، التي تنطلق في منظومة شاملة أساسها المساواة الكاملة والمواطنة التامة، خصوصاً في الموقف من تأهيل وإعداد المرأة وإدماجها في العمل العام، بما فيه حقوقها السياسية، كالحق في الانتخاب والترشيح وتولّي المناصب العليا من دون تمييز، ولا شك في أن هذه الحقوق لا بدّ أن ترتكز على أربعة أطر أساسية:

الإطار الأول: يتعلق بحرية التعبير بالقول والكلام والكتابة والنشر وتبادل المعلومات، وحق التظاهر والإضراب، وغيرها، تلك التي تكفلها الشرائع الدولية لحقوق الإنسان، والتي لا تزال بحاجة إلى تأطير وتقنين في العديد من بلدان الخليج .

والإطار الثاني: يتعلق بحق الاعتقاد، بما يفيد ذلك من حيثيات كما ورد في الشرعة الدولية لحقوق الإنسان، أي حق الإنسان في تبنّي وتغيير آرائه بحرية ومن دون إكراه، وهذا الأمر بحاجة إلى تطور تدريجي، تراكمي، طويل الأمد وإلى بيئة اجتماعية حاضنة، وقبول من النخب الفكرية والسياسية الحاكمة وغير الحاكمة، وإلى أجواء تتسم بالتسامح والاعتراف بالآخر وحق الاختلاف .

الإطار الثالث: يتعلق بحق التنظيم، وهذا يعني الحق في تأسيس الأحزاب والنقابات والاتحادات والجمعيات، السياسية والمهنية والاجتماعية والثقافية وغيرها، على نحو اختياري وبما تكفله المواثيق الدولية، وكانت بعض الخطوات الإيجابية قد بدأت في بعض دول الخليج العربي، وبخاصة في مطلع الألفية الثالثة، باستثناء الكويت التي كانت سبّاقة إلى ذلك منذ استقلالها العام 1961 .

وإذا توقفنا عند هذه المسألة بقراءة دساتير وقوانين دول مجلس التعاون الخليجي، فإننا سنرى أنها لا تزال في أول السلم قياساً للمعايير الدولية، حيث قطع المجتمع الدولي أشواطاً بعيدة، في حين أن الكثير من دول مجلس التعاون الخليجي ما زال متردداً . ومع أن هناك خطوات أولى مهمة لكنها لا تزال محدودة ويحتاج الأمر إلى توفّر إرادة سياسية حازمة لولوج هذا الطريق، لاسيما أن هناك عقبات مجتمعية قد تحول دون ذلك .

الإطار الرابع: هو الحق في المشاركة، ذلك لأن تداول مفهوم الشراكة والتحول الكوني باتجاه الإصلاح والاعتراف بدور المجتمع المدني، جعل الدولة الخليجية الريعية أمام سؤال كبير لا يتعلق الأمر بالاقتصاد ودور القطاع الخاص والاعتماد على اقتصاد السوق حسب، بل في ما يتعلق بدور المجتمع المدني، خصوصاً أن دولاً خليجية كانت قد وقعت على عدد من الاتفاقيات الدولية الخاصة باحترام حقوق الإنسان، مثل العهدين الدوليين، الأول الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والثاني الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية واتفاقيات المرأة والطفل وغيرها (رغم بعض التحفظات)، الأمر الذي يتطلب تكييف قوانينها وأنظمتها، فضلاً عن دساتيرها لتتماشى مع الاتفاقيات الدولية .

وإذا كان الخطاب الرسمي الخليجي يؤكد على قيمة المشاركة ودور المجتمع المدني فثمة كوابح منظورة وأخرى غير منظورة بحكم طبيعة المجتمعات الخليجية المحافظة التي تحول أحياناً دون مشاركة فعّالة، ناهيكم عن المركزية في شكل الدولة، يضاف اليها التماهي بين الحالكم والسلطة أحياناً .

لعل مناسبة الحديث هذا هو مؤتمر مهم حول البحث الأكاديمي في ميدان المجتمع المدني نظمته مؤسسة المستقبل “الدولية” في البحر الميت بحضور عشرات من الباحثين والناشطين العرب والأجانب، فضلاً عن خبراء دوليين، وكانت ورقة الخليج قد قدّمها الباحث البحريني المعروف عبد النبي العكري، وقدّم عرضاً معمقاً لستة بلدان خليجية ودور مؤسسات المجتمع المدني، لاسيما كشفاً مهماً ببيلوغرافيا الدراسات والابحاث، لكن باحثاً خليجياً آخر استاذاً في علم الاجتماع هو الدكتور باقر النجار كان قد كتب مشككاً في وجود المجتمع المدني، وإن وجد فهو غير قادر على فرض إرادته أو رغباته أو تأثيراته في قرارات الدولة، كما هي في حالة أوروبا الغربية والشرقية أو بعض أقطار آسيا وأمريكا اللاتينية، بمعنى آخر حسبما يقول “من الصعب أن نجد مجتمعاً مدنياً في المنطقة العربية مستقلاً عن الدولة وقادراً على التأثير فيها”، لكنه يقبل بفكرة منظمات غير حكومية أو أهلية مستقلة عن الدولة .

إن أي تطور للمجتمع المدني، بما فيه دول الخليج العربي، يحتاج إلى بيئة تشريعية مناسبة وقوانين تنسجم مع التطور الدولي ونظام تعليمي وتربوي مناسب وإعلام عقلاني لنشر الوعي القانوني والمهني ومجتمع مدني يكون شريكاً ورقيباً وراصداً، بجاهزية فكرية ومهنية وأداء ديمقراطي مستقل بعيداً عن الواجهات الدينية أو الطائفية أو السياسية أو العقائدية لهذا الطرف أو ذاك .

 

 

باحث ومفكر عربي



462
كوبا: رؤية ما بعد الخمسين!! -16 -أرنستو همنغواي: حانة بودغيتا دل ميديو!
                                                                                    عبدالحسين شعبان
2010-02-15
أعادني الصديق صباح المندلاوي في مؤلفه الجديد عن الشاعر الكبير الجواهري «الليالي والكتب» الصادر في بغداد عام 2009، إلى نظرة الجواهري إلى الكثير من زملائه المبدعين بينهم بيكاسو وبابلونيرودا وهمنغواي ولوركا وماركيز وغيرهم، وهو ما كنت قد أشرت إليه في كتابي «الجواهري-جدل الشعر والحياة» الصادر في بيروت عن دار الآداب، ط2، 2009، ولعل بعض الحوارات التي نشرتها مع الجواهري تتضمن وقفات مهمة لبعض علاقاته بالمبدعين عربا أو أجانب. وهو ما يذكره الجواهري أيضا في مذكراته «ذكرياتي» في جزأين، دمشق، دار الرافدين، 1988في علاقته مع الفنان الإسباني-الفرنسي بيكاسو الذي رافقه في «المقصورة» ذاتها خلال رحلته بالقطار عائدا من وارشو إلى باريس بعد حضوره مؤتمر السلام العالمي العام 1949 الذي شارك فيه نخبة من كبار المثقفين والمفكرين، يقول الجواهري: «استلقيت أنا في الطابق الأسفل من المقصورة (المقصود بالمقصورة غرفة تحتوي على سريرين، سرير علوي وآخر سفلي) وقد أخذ بيكاسو الطابق الأعلى أي «السرير العلوي»، ثم علمت أنه يود المنام في السرير السفلي، وهو ما حدثتني به السكرتيرة؛ لأنه قصير القامة وأنا طويل القامة وبإمكاني الصعود إلى الأعلى، وقد يتعذر عليه القيام بذلك، في حين كنت أقوم بها بسهولة، وضحكنا لهذا الالتباس والمفارقة من خلال الكلمات القليلة التي تحدثنا بها بالإنجليزية البسيطة، وطلب مني بيكاسو أن نأخذ صورة تذكارية فقلت له: هذا شرف لي.
ويسرد الجواهري الكثير من إعجابه بإبداع الفنان الكبير بيكاسو، ويقارن ما يتمتع به المبدع في فرنسا والغرب بشكل عام، وبلادنا العربية، لاسيما العراق بشكل خاص، ولعل ذلك إحدى المفارقات المريرة التي غالبا ما يتوقف عندها الجواهري، وهو ما يمكن قراءته من خلال تقييمه لأرنستو همنغواي، وحيرته بخصوص مقتله الغامض.
ويعلق الجواهري على كتاب مذكرات الشاعر التشيلي بابلو نيرودا «أشهد أنني قد عشت» الذي تضمن سردا غنيا وجميلا لحياة مفعمة بالحيوية، تلك التي أحبها الجواهري بكل ما فيها من جنون وعبقرية، وكان قد قال مع نفسه ذات يوم: وهل لي أن أكتب مذكرات بعدها، وهو ما أوردته في حواراتي المنشورة معه.
في حانة بودغيتا دل ميديو وأنا أحتسي كأس الموهيبا اللذيذ، استعدت حواري مع الجواهري (الموهيبا هو نوع من الروم Rum، مضافا إليه الثلج والليمون والنعناع) عن كوبا وهمنغواي الذي كانت شخصيته محيرة للجواهري، لاسيما وهو الذي اكتسب شهرة كبيرة ومالا عظيما (ويذكر الجواهري أنه كان يطلب من الناشرين 750 ألف دولار للاتفاق على طبع رواياته) وعاش مرفها في جزيرة حالمة وبأوضاع متميزة (بعد حرمان)، وهو الأميركي الذي كان صديقا لفيديل كاسترو، رغم العداوة التي تصاعدت بين الولايات المتحدة وكوبا بعد انتصار الثورة في مطلع العام 1959.
لقد ظلت ظروف مقتل همنغواي غامضة وملتبسة، وهي التي جعلت الجواهري يتساءل: «كيف يستطيع من هو في هذه البحبوحة أن يقدم على الانتحار؟ فقد قيل إنه توفي على نحو غامض بانطلاقة رصاصة من بندقيته أردته قتيلا في ظروف غامضة في 2 يوليو 1961، وهو الذي ولد لأب طبيب في أواخر العام 1899 في مدينة صغيرة اسمها أوك بارك Oak Park، غير بعيدة عن شيكاغو، ونشأ في أسرة محافظة، لكنه أبدى ميلا إلى التمرد منذ نعومة أظافره، ورغم أنه كان تلميذا نابهاً فإنه كان كثير الفرار من المدرسة، ومنذ وقت مبكر دخل عالم الصحافة والكتابة، ولم يكمل دراسته، لاسيما عندما دخلت الولايات المتحدة الحرب العالمية الأولى، حيث توجه همنغواي إلى ساحات القتال.
لعل الكتاب الممتع والذي يحظى بامتياز آخر أن صاحبه الفنان صباح المندلاوي هو صهر الجواهري، زوج ابنته الدكتورة خيال، وكان قد عاش معه ورافقه في السنوات الأخيرة من حياته، وتمثل انضمامته التي نحن بصددها صبرا وجهدا غير عادي، لتدوين ما يصدر عن الجواهري من ملاحظات وتعليقات، لاسيما بخصوص كتب ومبدعين في فترة لم يسلط عليها الضوء بما فيه الكفاية، حيث كان المؤلف أقرب إلى حامل كاميرا لتصوير حياة الجواهري، وما كان يختلج في ذهنه من آراء وأفكار يعبر عنها بطريقته الخاصة، وهو يدلف بأيامه الأخيرة نحو تلك الحقيقة المطلقة، التي ظل يزوغ عنها ويراوغها ويتحايل عليها، حيث كان بينه وبين الموت -ذلك الذئب اللعين الذي ظل يترصده منذ عقود من الزمان وبأنيابه دم الأخوة والأحبة والصحاب- صراع مرير وهدنات طويلة، وكر وفر وإصابات لم يسلم منها الجواهري، لاسيما عندما رحلت رفيقة عمره أمونة «أم نجاح» وهو القائل: «يظل المرء مهما أدركته يد الأيام طوع يد المصيب».
فقد كان مصابه بوفاة الحبيبة نائبة كبيرة ألمت به وتركت فيه جرحا لم يندمل، ولكن الجواهري العنيد لم يستسلم بسهولة، إلى أن اقتنع أن الصراع العبثي لا بد أن يتوقف، فعقد صداقة مع الموت، بحيث يكفان كل منهما عن مطاردة الآخر، ليرحل بعدها الجواهري بهدوء كامل وهو الذي عاش في وسط العاصفة.
ذاكرة الجواهري كما يحدثنا المندلاوي، تروي قصة ذلك الصحافي الهاوي، الذي تقدم للعمل في إحدى الصحف فاشترط عليه رئيس التحرير أن يجري لقاء مع الكاتب الشهير همنغواي ليكون شرطا لاستمراره في العمل، وبعد سلسلة اتصالات وتنقلات، يحط الصحافي في كوبا حيث يقيم همنغواي، ويخبره برغبته في اللقاء وشروط وحيثيات عمله، ويلتقي همنغواي والصحافي في حانة بودغيتا دل ميديو، وبعد احتساء كاسين من الموهيبا يشعر همنغواي بالتعاطف مع الصحافي ويقترح عليه العمل معه كسكرتير بظروف أفضل. يستبد الفرح والسرور -فضلا عن المفاجأة- بالصحافي هوتشز، ويبدأ على الفور عمله سكرتيرا لهمنغواي، بدلا من إجراء مقابلة معه، وبعد رفقة ومعايشة لسنوات يطالعنا هوتشز بكتاب قيم ومثير عن تفاصيل شيقة ومثيرة لحياة همنغواي بعنوان «بابا همنغواي».
وخلال زيارتي لهافانا بحثت عن أثر همنغواي وسبب اختياره كوبا ومكوثه فيها، فزرت فيلته لافيهيا «مزرعة همنغواي» في منطقة سان فرانسيسكو دي باولا، وهي ضاحية قريبة من العاصمة. المزرعة مدهشة إلى حد كبير، وفيها أنواع الزهور والأشجار التي جلبها من جميع أنحاء العالم، وهو ما كان يشغل الجواهري كثيرا، لاسيما «المركب الصغير» الذي كان يصطاد فيه السمك في عرض البحر، وكانت تلك إحدى هواياته، وما زال هذا المركب الأنيق موجودا في مزرعته، وتحتوي المزرعة على صالات وغرفة ضيوف وغرفة طعام ومناظير وأنواع من البنادق وصفارات، إضافة إلى سينما صغيرة وأفلام وصور ولوحات وخمور وكؤوس متنوعة.
ذكرتني الفيلا بالمنزل الجميل على الساحل الذي يبعد نحو 100 كيلومتر عن سنتياغو في تشيلي لبابلو نيرودا، الذي كان يحتوي هو الآخر على أنواع الخمور والقناني والكؤوس، إضافة إلى إسطبل للخيول، وفيه حصان بكل متطلباته، مصنوع بمهارة ودقة كعمل نحتي وفني جميل، مع أن نيرودا لا يجيد ركوب الخيل، مثلما لا يجيد السباحة، رغم أن منزله مطل على البحر مباشرة، ولعل أجمل ما فيه هو غرفة الحبيبة ماتيلدا التي تجلس فوق البحر وكأنه أراد أن يستمع إلى موسيقاه المختلطة بأمواج البحر، وذلك حين يداعب النوم عيونه، وللبحر وهمنغواي والجواهري قصة أخرى.



463
كوبا: رؤية ما بعد الخمسين -15- حروب سبعة آخرها الحرية والحداثة!

                                                                                          عبدالحسين شعبان
2010-02-08
شهد التاريخ الكوبي خلال القرن ونصف القرن الماضي عدداً من الحروب والنزاعات التي ما زال المجتمع الكوبي يستذكرها، في الحانة والمقهى وعلى الجدار وفي الساحات والمتاحف واللقاءات والمحاضرات، حيث تتردد أسماء الأبطال على كل لسان، ويمتاز الكوبي بشكل عام بوطنية عالية، وبالقدر الذي يتسامح فيه مع نقد النظام وأحياناً كشف بعض عيوبه ومثالبه، إلا أنه لا يقبل أن يكون جزءًا من الخطة الأميركية للإطاحة به رغم معارضته له.
وإذا كانت الظروف القاسية وبعض الإجراءات التعسفية التي لجأت إليها السلطات الكوبية قد أجبرت أعداداً كبيرة وبمئات الآلاف إلى مغادرة كوبا، لا سيَّما بفعل استمرار الحصار الأميركي إلا أن القسم الأكبر والساحق منهم لم ينخرطوا للعمل مع واشنطن ضد بلادهم، ولعل تجربة خليج الخنازير وأزمة الصواريخ وإحباط محاولات التسلل والغزو جعلت الكثير من الأوساط تعيد النظر لكي لا يتم استخدامها أو توظيفها تحت باب "التمرد" أو "المعارضة" بأجندات خارجية.
وهناك داخل الولايات المتحدة بما فيهم من المهاجرين من أخذ يتعاطف مع كوبا، رغم أن أعدادهم قليلة، وإن كانت غالبيتهم ضد النظام القائم. وتكشف مسألة اعتقال ومن ثم الحكم على 5 من الكوبيين في المحاكم الأميركية، والذين مضى على وجودهم في السجن أكثر من 11، عاماً أن بعضهم لم يعرف حتى كوبا وعاش في الولايات المتحدة، لكن قلبه كان في كوبا حيث تعرّض زعيمها كاسترو لنحو 683 محاولة اغتيال، وسأعود للتوقف عند هذه المسألة في مكان آخر، لأسلّط الضوء على محاولات الاختراق والاختراق المضاد، من زاوية قانونية وسياسية، ولعل أبرز الحروب وأهمها هي:
الحرب الأولى- المتمثلة بمقاومة الاستعمار الإسباني منذ العام 1868 والتي استمرت حتى العام 1878، وقد أبدى فيها الكوبيون بسالة منقطعة النظير، وخسر فيها الغزاة الكثير من الأرواح والمعدّات دون أن يتمكنوا من فرض "سيادتهم" الكاملة على كوبا، التي ظلّت عصيّة عليهم. أما الحرب الثانية فقد ابتدأت العام 1881 واستمرت لبضع سنوات، وهي استكمال وتوسيع للحرب الأولى. وكانت الحرب الثالثة منذ مطلع العقد الأخير من القرن الـ19، والتي قتل فيها الزعيم الوطني خوسيه مارتيه بعد أن جاء من هايتي، أما الحرب الرابعة فهي حرب أهلية داخلية، بين نظام كان صنيعة لواشنطن وبين حركة ثورية استطاعت استقطاب جمهور واسع لاحقاً، فكانت النخبة وسيطاً بين الشعب المستضام والوعي المفترض، الذي حاولت توظيفه لصالح الصراع.
أما الحرب الخامسة التي لا تزال مستمرة فهي حرب السلطة الثورية ضد الثورة المضادة المدعومة أميركياً، وإنْ استطاعت الثورة التقدم بتحقيق إنجازات اجتماعية وتنموية مهمة، لكن حقل الحريات واحترام حقوق الإنسان، بحاجة إلى إعادة نظر، لا سيَّما موضوع الإقرار بالتعددية وحرية التعبير وحق الاجتماع والاعتقاد والتنظيم والمشاركة، فقد أدى التضييق على هذه الحقوق إلى استثمار الثورة المضادة، لهذه الثغرات والمثالب، وهو أمر لو استمر دون مراجعة ومعالجة إيجابية، فإنه سيؤدي إلى تفتيت القاعدة الداخلية الأساسية للثورة، ولا يمكن لأية ثورة أن تستمر دون حريات الناس وحقوقهم وقناعاتهم، فهم المستفيدون من أية ثورة، مهما تحققت بعض المكتسبات الاجتماعية، فيما يتعلق بالعمل والصحة والتعليم والضمان، ولعل تجربة البلدان الاشتراكية وبعض أنظمة العالم الثالث دليل على ذلك.
أما الحرب السادسة فهي الحرب ضد الحصار الأميركي الجائر، المفروض على كوبا منذ 50 عاماً، أي منذ العام 1960 في عهد الرئيس كيندي الذي فرض حظراً على السلاح، ثم أصبح شاملاً لجميع مرافق الحياة، ابتداءً من قلم الرصاص وحتى آخر متطلبات الحداثة، بما فيها من انتقال الأشخاص والأموال والسفر والزيارات والاتصال الثقافي والعلمي وغيرها. ورغم أن تخفيفاً نسبياً قد بدأ في عهد الرئيس أوباما بشأن الاتصالات وتحويل الأموال والزيارات، مع لغة امتازت بالمرونة، فإن السياسة العامة لا تزال تندرج في إطار لغة الحرب والتهديد واحتمالات الغزو والتدخل بالشؤون الداخلية، وإن اختلفت منطقة التدخل ففي خطة أيزنهاور كانت ميناء ترينداد Trinndad التي زرتها وأنا في طريق عودتي من سانتا كلارا، ثم أصبحت في عهد كيندي ميناء بيك PIG وتطور الأمر إلى أزمة خليج الخنازير، ومن ثم إلى أزمة الصواريخ الشهيرة، وكان خيار واشنطن حتى نهاية عهد الحرب الباردة يقوم على الحصار والاحتواء عبر الصراع الأيديولوجي والضغط العسكري والسياسي والعقوبات الاقتصادية وتشجيع قوى الثورة المضادة.
أما بعد العام 1991 وتفكك الاتحاد السوفييتي، فقد أخذت الولايات المتحدة من تصعيد نبرتها والتهديد بالغزو مرّة أخرى، لا سيَّما خلال عهد الرئيس بوش واستخدام عصا الحصار لتركيع كوبا التي ظلّت تعاني وتنزف بصمت، وما كان يُحسب لها مثل القضاء على الأمية ونشر التعليم والرعاية الصحية والضمان الاجتماعي والقضاء على البطالة، أصبح غير كاف، لا سيَّما في خضم المعركة الجديدة القائمة وتحديات التنمية وتزايد حاجات الإنسان في ظل العولمة والحداثة، وانعكاس ذلك على مسألة احترام حقوق الإنسان والإقرار بالتعددية وتوسيع دائرة الحريات.
المعركة الجديدة القائمة والتي سيتوقف عليها مصير ومستقبل كوبا ونظامها السياسي هي المعركة السابعة ونعني بها معركة كوبا مع الحداثة واستخدام العلم والتكنولوجيا، فقد ظلّت كوبا إلى حدود غير قليلة وبسبب الحصار وعدم وجود إمكانات كافية، معزولة وتعاني من شح الموارد، الأمر الذي عطل التنمية وأضعف فرص الالتحاق بركب الحداثة والاستفادة من منجزاتها، إضافة إلى ضيق فسحة الحريات، حيث تعمّق الاحتقان الاجتماعي والهيمنة السلطوية، ولعل هذا يتطلب فحص وتدقيق الشعارات القديمة، لا سيَّما بعد مرور 50 عاماً على الثورة، وإلا فإن الثورة ستهلك بفعل عوامل داخلية لا محال، ناهيكم عن العنصر الخارجي الذي يحاول تفتيت أطرافها ليتمكن من اختراق قلبها والنفاذ إلى صميمها!
بعد العام 1991 غادر الروس على نحو شبه مفاجئ قاعدة لوردس بالقرب من هافانا، حتى دون اتفاق مع الجانب الكوبي، وربما دون كلمات وداع رسمية، الأمر الذي أضعف من إمكانات كوبا الاقتصادية والسياسية في مواجهة الحصار والتصدي لتحديات الولايات المتحدة، فقد خسرت كوبا حليفاً قوياً وكبيراً رغم جميع التحفّظات ومحاولات فرض الهيمنة، حيث كان يمدّها بنحو مليون دولار يومياً ولمدة ثلاث عقود من الزمان تقريباً. ولم يكن ذلك الخلل وحده هو السبب في الأزمة الراهنة، فقد أشرنا إلى شح الحريات، إضافة إلى الموقف السلبي من الدين الذي اتخذته الثورة، وأصبح سياسة رسمية، بحيث كان قلّة من المتدينين من يدخلون الحزب ويحتلون مناصب عليا، وكان هذا التمييز سبباً في تهييج الكنيسة ضد الثورة واتخاذها مواقف مناوئة لها، وقد جرت محاولات أخيرة للانفتاح واحترام الطقوس والتقاليد الدينية، لكن الكثير من قوى الثورة المضادة، اختبأت تحت بعض العناوين الجديدة.
وكان من الأخطاء التي وقعت بها الثورة اللجوء إلى الصناعات الثقيلة وبناء مصانع للصناعات الكبيرة، الأمر الذي أدّى إلى تبديد طاقات اقتصادية وإنتاج سلع وبضائع لم تجد لها تصريفاً ولا حاجة للاستهلاك المحلي.
وتستغل بعض قوى الثورة المضادة اليوم، لا سيَّما بعض رجال الأعمال الانفتاح النسبي الذي حصل بعد فترة انغلاق طويلة لإمرار دعوات لإعادة العلاقات مع إسرائيل وأخذت بعض الجماعات تتستر للقيام بأعمال معادية تحت تلك الحجة، حيث نشطت الدعاية الصهيونية المتسترة وراء شعارات أخرى.
إن الماركسيين وإن اختلفت مدارسهم وتوجهاتهم يتطلعون بقلق إلى التجربة الكوبية، وكيف يمكنها حسم معركة الحداثة والحرية، اللتين من دونهما لا يمكن تحقيق التنمية المنشودة، وبذلك فهم ينظرون إلى الشجرة من منظار آخر، ويأملون أن تنضج تفاحتها لكي يقطفها الشعب الكوبي، لا أن تسقط في سلّة واشنطن التي تنتظرها منذ 50 عاماً، وذلك أحد تحديات الاشتراكية الراهنة، خصوصاً إذا استطاعت أن تنحى باتجاه صورتها الإنسانية المنتظرة!

464
جدلية القانون والنزاهة   

 

 

عبدالحسين شعبان
عنصران أساسيان يشكّلان القاسم المشترك للدولة العصرية المتقدمة، وهما حكم القانون والنزاهة، فالأول يعني وجود مؤسسات تتقدم على الأفراد لكي تحكم السلوك والممارسة الفعلية، لاسيما عند التعاطي بالشؤون العامة . ولعل حكم القانون هو المدخل الصحيح والذي لا غنى عنه عند الحديث عن دولة مواطنة وحقوق انسانية ومساواة تامة بين بشر لا يميّزّ بينهم الدين أو اللغة أو الجنس أو القومية أو المنحدر الاجتماعي أو غيره .

كما أن توفّر حكم القانون ووجود مؤسسات، ضمانة للمراقبة والرصد والمساءلة فيما يتعلق بالعمل العام على أساس الشفافية والنزاهة وهو العنصر الثاني، الذي تقوم عليه الدولة الحديثة بالتوجه الديمقراطي، فإذا كان الضلع القانوني مرتكزاً أساسياً لها فإن الضلع الثاني هو النزاهة، الأمر الذي تتقلص فيه إلى حدود كبيرة عمليات التجاوز أو النهب أو التصرف بالمال العام، فلم يعد بإمكان الحاكم أن يتصرف بمفرده وبمعزل عن مؤسسات منتخبة تعود إلى الدولة التي يحكمها قانون يخضع له الجميع حكاماً ومحكومين، وهو ما يحدّ إلى درجة كبيرة من الفساد المالي والاداري، خصوصاً وأن تداولية الحكم سلمياً والمساءلة ووجود المؤسسات التي يحكمها القانون تشكل ضمانة مهمة .

ولعل هشاشة حكم القانون وضعفه وشكلانية المؤسسات وشيوع ظواهر اللانزاهة ناهيكم عن غياب أو ضعف المساءلة، تكاد تشكل ظاهرة عربية وعالمثالثية، ولهذا فإن وجود مركز عربي متخصص على درجة عالية من المهنية والكفاءة أمر مهم جداً، وقد يكون أحد النقاط المضيئة في ظل عتمة شرسة، خصوصاً في ما يتعلق بنشر الثقافة القانونية والحقوقية الخاصة بحكم القانون والنزاهة وتطوير آداء العالم العربي دولة ومؤسسات ومجتمع مدني وقطاع الأعمال، لاسيما وأن الانتاج الفكري العربي بما فيه البحثي والجامعي ما زال محدوداً على هذا الصعيد، ناهيكم عن أن مصادره في الغالب غير عربية، يضاف إلى ذلك، أن مقارباته لا تزال نظرية ولا وجود لأبحاث ميدانية تطبيقية .

من هنا كان الوسط الأكاديمي والحقوقي مهتماً عند انشاء “المركز العربي لتطوير حكم القانون والنزاهة” في مطلع الألفية الثالثة، كجهد متميز ومساعد في تحقيق التنمية والتقدم . ولعل أهم ما يمكن التوقف عنده هو تجارب الرصد والقياس لأداء المؤسسات من خلال ثلاثة حقول عمل عليها بنشاط وحيوية هي: البرلمان، والقضاء، والاعلام، وهي مجسّات أساسية لرصد حالة حكم القانون . وإذا كانت المقاربة قد اقتصرت على عدد محدود من البلدان، فإن الأمر يتطلب تغطية البلدان العربية جميعها، من خلال آليات متينة ومركّزة علمياً والاستفادة من الخبرة التاريخية، لكي يتم توسيع رقعة الرصد والقياس في جميع المجالات التي تعنى بحكم القانون .

وقد تسنى لي حضور اجتماع مجلس أمناء “حكماء” المركز الذي أعيد تشكيله مؤخراً ليضم شخصيات عربية وعالمية عاملة ومعنيّة في هذا الميدان، تمثل كوكبة لامعة في الفكر والقانون والقضاء والاعلام وقطاعات مهنية من القطاع الخاص والمجتمع المدني، فضلاً عن الخبرة الممارساتية، ولعل وجود الرئيس أحمد عبيدات رئيساً للمجلس وبمشاركة الرئيس سليم الحص وإشراف مؤسس المركز د . وسيم حرب، وأمينه العام د . ساسين عساف، سيعطيه بُعداً حيوياً، خصوصاً إذا ما استكمل دراساته وأبحاثه لقياس حكم القانون والنزاهة، وإذا ما أدخلنا الجانب التربوي والأنظمة التعليمية كحقل مهم، مع تدقيق الجوانب التشريعية والقانونية، لاسيما للدساتير والأنظمة القانونية، فإن ذلك سيكون مرجعية عربية مهمة، يمكنها أن تشكل قوة اقتراح ومختبراً عملياً لتطوير حكم القانون والنزاهة .

يمكن القول أن مفهوم حكم القانون، يشكّل حجر الزاوية في الدولة الحديثة، لأنه الرافعة التي تستند اليها مؤسسات الدولة، ويندرج تحته خضوع الجميع، بمن فيهم الحكّام لحكم القانون ومرجعيته .

ويُعدّ حكم القانون ركناً أساسياً من أركان الحكم الصالح، ومن خلال التفاعل بين حكم القانون والحكم الصالح تتعمّق عملية التنمية، لاسيما وأن القانون يقوم بدور الحامي لحقوق الانسان عبر مؤسسات، واستناداً إلى ذلك فإن حكم القانون يتطلب وجوده أولاً ونشره وتعميمه ثانياً، ثم تنفيذه بشكل سليم ثالثاً، وفيما بعد تطويره ومواءمته للمعايير الدولية، رابعاً .

ولا بد هنا من توفّر نظام قضائي سليم لتطبيق حكم القانون، يكون حيادياً وقائماً على أساس المساواة بين حقوق المتقاضين، ذلك أن وجود القضاء المستقل، يعتبر ركنا مهما من أركان حكم القانون، ولكي يكون القضاء مستقلاً لا بدّ أن يكون نزيهاً ومحايداً فضلاً عن كونه كفئاً وفاعلاً .

ولكي يستكمل حكم القانون جوانبه الأساسية في الدولة العصرية الديمقراطية، لا بد من وجود برلمان منتخب على أساس حر ونزيه، بحيث يمكنه سنّ تشريعات والقيام بدور الرقابة .

كما أن الثقافة القانونية ما تزال شحيحة ومؤسسات المجتمع المدني وقطاعات الأعمال ما تزال ضعيفة، بل ان بعض البلدان العربية لا ترخّص لها، أو تضع عقبات قانونية أمام انطلاقتها .

ولا تزال حركة تحديث القانون بطيئة وغير مواكبة لروح العصر، وما زال الفصل بين السلطات محدوداً وشحيحاً، الأمر الذي يؤثر في استقلال السلطات القضائية ونزاهة القضاء، لاسيما عبر تدخّلات السلطة التنفيذية فيه، وما تزال حالة حقوق الانسان متعسّرة، حيث يعتبر العالم العربي في أدنى درجات السُلّم العالمي بخصوص احترام حقوق الانسان وهو ما تعكسه تقارير الامم المتحدة والمنظمات الدولية والعربية المعتمدة، ناهيكم عن أن الكثير من البلدان العربية لا تزال بينها وبين الانضمام للاتفاقيات الدولية هوّة سحيقة، وحتى لو انتظمت فإنها تضع هذه الاتفاقيات في الادراج أو تتحفظ على بعض بنودها، الأمر الذي يؤدي إلى تعطيلها .

وتبقى المشاركة السياسية والحق في تولّي الوظائف العامة العليا من دون تمييز محدودة، خصوصاً عبر الانتخابات التي في الكثير من المجتمعات العربية تستبعد دور المرأة، كما أن دور البرلمانات والمجالس التشريعية محدود، وغالباً ما يجري اخضاعه لمتطلبات السلطة التنفيذية .

حسناً فعل المركز العربي لتطوير حكم القانون والنزاهة عندما وضع في سُلّم أولوياته، بناء وتعزيز البنية التحتية لحكم القانون من خلال انشاء وتطوير المؤسسات وتعميم مفاهيم الحكم الصالح وحشد الطاقات والجهود لمشاريع التنمية وفق رؤية استراتيجية، ومنهجيات ووسائل وآليات لتحقيق ذلك، من خلال نشر التشريعات وحث البلدان العربية على توفير المعلومات القانونية وتدريب المعنيين ورصد وتدقيق القوانين، التي تخالف مبادئ حكم القانون، ورصد مؤسستي القضاء والتشريع وإيلاء المشاركة اهتماماً كبيراً، لاسيما في صناعة المعرفة وبناء القدرات والعمل على تطوير المشاريع الخاصة بمكافحة الفساد .

باحث ومفكر عربي


465

ماراثون الانتخابات العراقية.. من العزل إلى العزل!
      

عبد الحسين شعبان






رغم صدور قرار قضائي بتأجيل البت في قضية المستبعدين تحت قانون اجتثاث البعث في العراق إلى ما بعد الانتخابات، فإن النقاش والجدل الذي احتدم قبل صدور القرار بخصوص هيئة المساءلة والعدالة ومدى شرعية وقانونية قراراتها، ما زال يتفاعل ويزداد تعقيدا.
ومع أن هيئة من سبعة قضاة حظيت بموافقة البرلمان هي التي أصدرت هذا القرار، الذي كانت له ثلاثة أبعاد أساسية، الأولى تقنية لأنه لم يكن بإمكانها التدقيق بملفات أكثر من 500 حالة من المشمولين بالاجتثاث، والثانية قانونية لأن الهيئة المؤسسة باسم المساءلة والعدالة وإن كانت دستورية، لكن البرلمان رفض المصادقة على أعضائها، والثالثة سياسية حين راعى القرار متطلبات مناشدة جوزيف بايدن بضرورة أن تكون الانتخابات شفافة وأن تحظى بثقة العالم، وهو ما ذهبت إليه الأمم المتحدة أيضا.
"
إذا كان قرار البت في قضية المستبعدين تحت قانون اجتثاث البعث في العراق قد نزع فتيل الأزمة مؤقتا, فإن الجمر لا يزال يكمن تحت الرماد، ويمكن للأزمة أن تنفجر, وهو ما جرى التحذير منه أميركيا
"
كما أن القرار لم يبت في شرعية أو عدم شرعية قرارات هيئة المساءلة والعدالة، وإنما حاول إجرائيا أن يرحّل المسألة إلى ما بعد الانتخابات، لعدم إمكانية اتخاذ قرار تنفيذي في ظرف قصير وقياسي زمنيا، وإذا كان القرار قد نزع فتيل الأزمة مؤقتا وأجّل الصدام، خصوصاً إذا ما امتثل له الجميع، المعارضون والمؤيدون، لكن الجمر لا يزال يكمن تحت الرماد، ويمكن للأزمة أن تنفجر وقد تؤثر على المشهد السياسي الراهن، وهو ما جرى التحذير منه أميركيا.
ولو افترضنا فوز المستبعدين في الانتخابات فإنهم قد يُستبعدون ما بعدها، وهو ما حصل في انتخابات العام 2005 وبهذا المعنى فإن سيف العزل يبقى قائما طالما ظل قانون الاجتثاث مستمرا، وطالما لا توجد جهة حتى الآن تبتّ في مدى قانونية هيئة المساءلة والعدالة (بأشخاصها الحاليين) ومن ثم شرعية قراراتها، وقد يكون ذلك ممكناً بعد انتخاب برلمان جديد، يمكنه أن يصادق على من يتم تسميتهم، أو حتى يعيد النظر بالموضوع كاملا.
ولعل هذه الفوضى القانونية والسياسية تدفعنا إلى إعادة قراءة تاريخ العزل السياسي في العراق، الذي نحن إزاء فصل جديد وصاخب من فصوله، وقد تبادلت الأطراف المختلفة القاصية والمقصية اتهامات متبادلة بارتكابات وعلاقات خارجية وفساد وإثراء على حساب المال العام والتعاون مع الأجهزة الأمنية في السابق والحاضر.
وإذا عدنا إلى جذر المشكلة حاليا فسنرى أنها ارتبطت بقرار اجتثاث البعث، فمن الناحية السياسية كانت عملية الاجتثاث أقرب في الذاكرة إلى عملية تحريم حزب الدعوة الإسلامي، وإصدار أحكام ضد أعضائه بالإعدام بأثر رجعي، بالقرار الذي اتّخذه مجلس قيادة الثورة في 31 مارس/آذار 1980 والذي تبعه القرار 666 الصادر في 7 مايو/أيار من العام ذاته القاضي بإسقاط الجنسية، والذي تم بموجبه تهجير نحو نصف مليون مواطن عراقي بحجة التبعية الإيرانية وهم في غالبيتهم الساحقة عراقيون أبا عن جد، وكان هذا الاجراء تمهيدا للحرب العراقية الإيرانية.
كما ذكّر قرار الاجتثاث بقرار تصفية الحزب الشيوعي الذي حدد نهاية العام 1980 مهلة للقضاء عليه، وقبل ذلك بقوانين مكافحة الأفكار الهدامة في العهد الملكي، لا سيما إبان حلف بغداد عام 1955، واستخدام سلاح البراءة لإجبار السياسيين على ترك العمل السياسي، تلك التي استخدمها الجميع ضد الجميع لاحقا، لا سيما عند القرب من السلطة، وكان الشيوعيون من أول ضحاياها حيث استخدمها ضدهم جميع الحكومات السابقة، رغم أنهم استخدموها ضد القوميين والبعثيين عام 1959، وكان البعثيون والقوميون قد استخدموها ضد الشيوعيين بعد العام 1963، خصوصا بعد صدور بيان رقم 13 القاضي بإبادة الشيوعيين.
ورغم الانفراج السياسي النسبي الذي أعقب العام 1968 فإن الأوضاع عادت للتوتر وبالأخص في أواسط السبعينيات حيث استخدم العزل السياسي ضد الكرد والشيوعيين والإسلاميين، واليوم نعود إلى المربع الأول حين تستخدمها القوى المتنفذة في العملية السياسية، لا سيما الإسلامية ضد البعثيين وخصوم العملية السياسية أو المنافسين لها، وكأن السياسيون ما زالوا يعيشون في الماضي.
"
كانت قوانين الاجتثاث أقرب إلى عقوبات جماعية ذات طبيعة انتقامية لاعتبارات سياسية وعقائدية حيث جرى تحريم وتجريم العقيدة السياسية وأخذ البريء بجريرة الجاني أو المرتكب
"
لقد كان قانون الاجتثاث أقرب إلى عقوبات جماعية ذات طبيعة انتقامية لاعتبارات سياسية وعقائدية حيث جرى تحريم وتجريم العقيدة السياسية، وأخذ البريء بجريرة الجاني أو المرتكب، حارماً إيّاه من حق العمل السياسي، الذي هو حق من حقوق الإنسان، وهذا هو الوجه الآخر للتحريم القانوني، في حين يمكن ملاحقة المرتكبين وتقديمهم إلى القضاء.
أما التداعيات الإدارية والفنية، فإنها تركت تأثيراتها السلبية الخطيرة على جميع مرافق الدولة، خصوصا إذا ما عرفنا أن حزب البعث الحاكم سابقا، كان يحتكر المناصب العليا والمواقع الإدارية الرفيعة المستوى والمسؤوليات الأساسية في الإدارة المدنية والسياسية في الدولة، مما يعني إحداث فراغات خطيرة في الجهاز التنفيذي والإداري والفني للدولة العراقية بمجملها، ولعل هذا الأمر هو الأسوأ، إذا ما ترافق مع حل المؤسسة العسكرية والأمنية وبعض الأجهزة الأخرى الحساسة، وهو القرار الثاني الذي اتخذه بريمر باسم سلطة الائتلاف المؤقتة.
حسب المعطيات المتداولة كان حزب البعث يضم عشية احتلال بغداد نحو مليون ومائتي ألف عضو، وهؤلاء يتحدّرون من جميع مكوّنات الشعب العراقي، وإنْ كان قسم كبير منهم قد انضم إلى الحزب لأسباب مصلحية ونفعية وحفاظا على لقمة عيشهم، وقد تدرّج البعض من هؤلاء ليحتلّ مواقع في الدولة ومؤسساتها على المستويات السياسية والقانونية والإدارية والفنية، ولذلك فإن القانون حتى وإن لم يشمل هؤلاء جميعا إلا أنه وجّه الاتهام إليهم دون استثناء من خلال العقيدة السياسية التي كانوا ينتمون إليها قناعة أو اضطرارا، مما ترك تداعياته الاجتماعية والإنسانية على عشرات بل مئات الألوف من العراقيين من المنتمين لأسباب مختلفة إلى حزب البعث.
صحيح أن البعض بادر إلى ترك حزب البعث على نحو مجاني أحيانا، حيث استبدل ولاءه من الحزب والأجهزة الأمنية إلى التعاون مع الاحتلال والقوى التي تمثله مباشرة أو بصورة غير مباشرة، إما للنجاة أو تبرّما بالماضي أو رغبةً في ركوب الموجة الجديدة والحصول على امتيازات.
وهكذا أغرقت بعض الكتل الحديثة التكوين بعناصر انتهازية وهشّة، مثلما أغرق الحزب الحاكم نفسه في السابق بمثل هذه العناصر تحت الشعار الشهير الذي أطلقه الرئيس السابق صدام حسين في أواخر السبعينيات "الكل بعثيون وإن لم ينتموا"، وهو مصادرة للعقول ولحق التفكير والاختيار والاعتقاد، بمعنى أن العراقيين سواءً كانوا أعضاء في حزب البعث، أي منتمين بإرادتهم الطوعية أو لم ينتموا، فهم كذلك أعضاء بنظره حتى وإن لم يتقدموا بطلبات انتساب، طالما كان مجلس قيادة الثورة منذ العام 1974 قد كرّس حزب البعث قانونيا ورسميا، باعتباره حزبا قائدا ووثائق مؤتمره الثامن مرجعية للدولة، أي جعلها بمصاف الدستور أو حتى أعلى منه.
وهكذا شهدت البلاد حملة تبعيث قسرية في أواخر السبعينيات، واضطر نحو ربع مليون مواطن عراقي إلى التوقيع على المادة 200 من قانون العقوبات البغدادي والتي تقضي بالتعهد بعدم العمل مع أي تنظيم سياسي باستثناء حزب البعث وإلا سيتعرّض المخالفون لعقوبة الإعدام.
إن الطلب حاليا تقديم البراءة من حزب البعث يذكّر بالمادة 200 التي استخدمها النظام السابق ضد معارضيه، والتي تجد أساسا لها حاليا في الدستور العراقي النافذ، خصوصاً في المادة (7) التي حرمت على البعثيين العمل السياسي تحت اسم حزب البعث أو أي اسم آخر يمتُ بصلة إليه، وهو ما حاول المتشددون العزف عليه.
وإذا كانت ثمة محاولة لنزع الفتيل ترافقت مع القرار القضائي بالتأجيل فلا يمكن أن ننفي تأثير الجانب الأميركي، حيث كان لمجيء جوزيف بايدن نائب الرئيس الأميركي إلى العراق بعد اندلاع مشكلة استبعاد صالح المطلك وعدد من الشخصيات السياسية من الترشّح للانتخابات، دور غير قليل في حلحلة المسألة بإيجاد تسويات مؤقتة حتى وإن اتخذت شكلا قانونيا بترحيلها إلى ما بعد الانتخابات، لا سيما وأن البلاد لا تزال تعيش في إطار فوضى قانونية وقرارات ملتبسة.
لكن المشكلة القانونية ستبقى قائمة طالما بقي قرار اجتثاث البعث وطالما استمر قانون المساءلة والعدالة، بعد حل هيئة اجتثاث البعث، إذ لا يمكن تحقيق مصالحة حقيقية كما يضعها السياسيون وقادة الكتل في برامجهم في ظل سيف العزل والإقصاء والاتهام المسبق، وهو اتهام متبادل في السابق والحاضر بالارتكاب والتخوين والفساد.
ولعل ذلك يقتضي التوقف عند المادة (7) من الدستور التي جعلت المسألة أكثر تعقيدا، وهو الأمر الذي دعا بترايوس القائد العسكري الأميركي إلى اتهام هيئة المساءلة والعدالة بالانحياز إلى إيران والعمل وفقا لتعليمات فيلق القدس الإيراني، الأمر الذي ردّ عليه علي اللامي (من هيئة المساءلة والعدالة) بالقول لو كان بترايوس في العراق لوجهّنا إليه تهمة الانضمام أو التستر على حزب البعث ولحاولنا اجتثاثه.
"
ماذا سيحصل لو تم الإصرار على إجراء الانتخابات في ظل عملية سياسية ناقصة أصلا أو مطعون فيها، مع إصرار أوباما على الانسحاب في شهر أغسطس/آب القادم؟
"
وإذا كان رد رئيس الوزراء نوري المالكي على ضرورة عدم تدخل السفير الأميركي كريستوفر هيل في شؤون خارج وظيفته الدبلوماسية، فإن رد الفعل الذي أعقب صدور القرار القضائي بتأجيل البت لما بعد الانتخابات، يعكس حالة التوتر الذي يشهدها الوضع السياسي الحالي.
ولكن ماذا سيحصل لو تم الإصرار على إجراء الانتخابات في ظل عملية سياسية ناقصة أصلا أو مطعون فيها، وفيما بعد إبعاد فريق من المشاركين عنها، بمن فيهم من هو قريب من واشنطن، مع إصرار الرئيس الأميركي أوباما على بدء الانسحاب في شهر أغسطس/آب القادم؟
لعل ذلك سيعني التوسع في الدور الإيراني الذي سيدفع الكثيرين من المشاركين الحاليين إلى الانحسار أو مقاطعة العملية السياسية القلقة والهشة أو حتى الانسحاب منها لاحقا، وإذا ما أضفنا إلى ذلك احتمال تصاعد الخلاف الكردي العربي حول صلاحيات الأقاليم وسلطات الفدرالية، فإن الأمر سيأخذ جوانب أخرى للتصدّع السياسي      







466
الجامعة الاسلامية في روتردام
المنتدى العربي في هولندا
17-20/12/2009
روتردام







قيم التسامح
في الفكر العربي الاسلامي المعاصر



الدكتور
عبد الحسين شعبان



ــــــــــــ
•   مفكر وباحث عراقي، له أكثر من 50 كتاب ومؤلف في قضايا الفكر والقانون والسياسة الدولية والصراع العربي- الاسرائيلي، والاسلام، والمجتمع المدني وحقوق الانسان .

مقدمة


في أواسط التسعينات من القرن الماضي، بادرت المنظمة العربية لحقوق الانسان في لندن، التي كنت أتشرف برئاستها، الى تنظيم ملتقى فكري بعنوان "التسامح والنخب العربية" حضره نحو 50 باحثاً ومثقفاً وحقوقياً من بلدان عربية مختلفة، ومن تيارات فكرية وسياسية متنوعة. وقد انعقد الملتقى بمناسبة تسمية يوم 16 تشرين الثاني (نوفمبر) من كل عام "يوماً للتسامح العالمي"، بصدور قرار من الدورة الـ 28 للمؤتمر العام لليونسكو (1995).
وقد بادر البروفسور خليل الهندي في الجلسة الاولى لطرح سؤال في غاية الأهمية: هل يوجد تسامح لننظّم له ملتقانا الفكري الخامس أم أن غيابه يدعونا لتنظيم فعاليات للتذكير بجوهر مبادئ التسامح بمناسبة إقرار اليونسكو الاحتفال السنوي باليوم العالمي للتسامح؟ ولعل هذا السؤال المزدوج والمركّب ظلّ يتردد بأشكال مختلفة على ألسنة أكثر الباحثين والمتداخلين نفياً أو إيجاباً، إقراراً بواقع أليم أو أملاً وهدفاً في واقع جديد يتّسم بالتسامح.
لكن خاتمة الملتقى لم تكن تشبه بداياته، فقد استمرت أعمال الملتقى ثمان ساعات متصلة من الحوار والجدل، وصدرت لاحقاً في كتاب بعنوان: ثقافة حقوق الانسان، عن " البرنامج العربي لنشطاء حقوق الانسان" في القاهرة عام 2000، من إعداد وتقديم الباحث، حيث عبّر أغلب المتداخلين عن تأييدهم ودعمهم لنشر ثقافة التسامح على المستوى العربي، بينهم أديب الجادر وراشد الغنوشي ورغيد الصلح ومحمد بحر العلوم وأبونا بولص ملحم  وخليل الهندي ومحمد الهاشمي الحامدي وعبد السلام نور الدين وليث كبه وصلاح نيازي وبهجت الراهب ومصطفى عبد العال وآدم بقادي وعلي زيدان وعبد الحسن الأمين وعبد الرحمن النعيمي وكاتب السطور وآخرين، ودعوا الى: تأكيد قيم التسامح مع بعضنا البعض أولاًً، دون تخوين أو تكفير أو تأثيم أو تحريم أو تجريم أو غير ذلك من عوامل الاقصاء والإلغاء والاستئصال وعدم الاعتراف بالاختلاف والتنوع والتعددية.
وثانياً تأكيد قيم التسامح مع الآخر، فلا ينبغي النظر اليه باعتباره خصماً متربصاً أو عدواً مارقاً لمجرد الاختلاف، وثالثاً لا بدّ من تنزيه مبادئ التسامح من الفكرة الساذجة حول تعارضها مع مبادئ العدالة وتصويرها وكأنها دعوة للاستسلام، أو نسيان ما تم ارتكابه من جرائم لاسيما في فلسطين والعراق ولبنان وغيرها، ورابعاً إن تأكيد قيم التسامح لا تعني غض الطرف عن الارتكابات والانتهاكات لحقوق الانسان، بممارسة التعذيب او الاغتصاب او القتل الجماعي أو غيرها، ولعل تلك الجرائم لا تسقط حتى بالتقادم.

•   في مفهوم التسامح

التسامح يعني اتخاذ موقف ايجابي، فيه اقرار بحق الآخرين في التمتع بحقوق الانسان وحرياته الاساسية. وحسب اعلان مبادئ التسامح الذي صدر عن اليونسكو " إن التسامح يعني الاحترام والقبول والتقدير للتنوّع الثري لثقافات عالمنا ولأشكال التعبير وللصفات الانسانية لدينا، ويتعزز هذا التسامح بالمعرفة والانفتاح والاتصال وحرية الفكر والضمير والمعتقد..." وهكذا فالتسامح تأسيساً على ذلك: يعني الوئام في سياق الاختلاف  وهو ليس واجباً أخلاقياً حسب، وانما هو واجب سياسي وقانوني، الأمر الذي يعني قبول وتأكيد فكرة التعددية وحكم القانون والديمقراطية ونبذ الدوغماتية والتعصب.
   ان التسامح يعني أن المرء حر في التمسك بمعتقداته وأنه يقبل أن يتمسك الآخرون بمعتقداتهم، وكما أن الاختلاف من طبيعة الاشياء، فلا بدّ من الإقرار باختلاف البشر بطبعهم ومظهرهم وأوضاعهم ولغاتهم وسلوكهم وقيمهم، وهذا يقود الى الإقرار بحقهم بالعيش بسلام ودون عنف أو تمييز لأي سبب كان: دينياً أو قومياً أو لغوياً أو اجتماعياً أو جنسياً أو ثقافياً أو سياسياً...الخ.
وإذا لم يرد ذكر التسامح لفظاً في القرآن الكريم، الاّ أن ما يفيد عليه أو ما يقاربه أو يدّل على معناه قد جاء، حين تمت الدعوة الى: التقوى والتشاور والتآزر والتواصي والتراحم والتعارف والعفو والصفح والمغفرة وعدم الاكراه، وكلّها من صفات " التسامح" مؤكدة حق الاختلاف بين البشر و" الاختلاف آيات بيّنات"، ويشير ابن منظور في لسان العرب الى التسامح والتساهل باعتبارهما مترادفين، ويقول الفيرزوأبادي في القاموس المحيط: المساهلة كالمسامحة، وتسامحوا وتساهلوا، وتساهل أي: تسامح، وساهله أي ياسره، ولعل من استخدم مصطلح التسامح لأول مرّة بمعنى " التساهل" هو فرح انطوان في العام 1902.
ومنذ اعلان اليونسكو قبل عقد ونصف من الزمان تقريباً فقد انعقد الكثير من الفاعليات والأنشطة بشأن نشر ثقافة التسامح وصدرت كتب ومطبوعات وتأسست منظمات وشبكات لهذا الغرض، بينها الشبكة العربية للتسامح التي شكّلت دعوة مهنية وحقوقية لمبادئ التسامح، رغم اننا على الصعيد الفكري أو العملي ما تزال تفصلنا هوّة سحيقة عن قيم التسامح الانساني التي تكرست في مجتمعات سبقتنا على هذا الصعيد، الأمر الذي يحتاج الى مراجعات ونقد ذاتي، لاسيما من جانب النخب الفكرية والسياسية الحاكمة وغير الحاكمة، لمقاربة فكرة التسامح والتعاطي معها ايجابياً، على الصعيد الاخلاقي والاجتماعي، لاسيما بعد اقراره قانونياً ودستورياً.  
وقد لفت انتباهي صدور تقرير نصف سنوي عن حالة التسامح في مناطق السلطة الفلسطينية من مركز رام الله لدراسات حقوق الانسان، ولعله حسب معلوماتي هو التقرير الاول في العالم العربي، حيث رصد الفترة من 1/1/2008 ولغاية 30/6/2008، واشتمل على مقدمة وجزءين، وكان الجزء الأول قد تضمن تعريف المصطلح ومحدداته والتسامح الديني والسياسي والاجتماعي والاقتصادي، كما توقّف عند حرية المعتقد والحق في الاختلاف، ولعل هذا المبحث الأخير يعتبر جديداً في تناول من يتصدّون لفكرة التسامح التي تعتبر منظومة سامية لحقوق الانسان.
اما الجزء الثاني من التقرير: فقد تناول حالة التسامح في مناطق السلطة الفلسطينية تطبيقياً، لاسميا بعد الانقسام الحاصل في الصف الفلسطيني بين (حماس وفتح) والذي تمخّض عن سلطتين ولكن مع استمرار بقاء الاحتلال، في حين ان الهدف هو دولة فلسطينية تستند الى مبادئ التسامح. وتناول هذا المبحث محاولات توظيف الدين ومظاهر التعصب ونفي الآخر والصراع على السلطة القضائية ومحاولات التمييز وظيفياً، كما تناول في مبحث خاص التسامح الاجتماعي، فتوقّف عند مسألة المرأة والقتل العائلي والخلافات الشخصية والاعتداء على الممتلكات.
ومن مزايا التقرير أنه خصص مبحثاً خاصاً لحرية الاعتقاد والحق في التعبير، كما ختم هذا الجزء بخاتمة وخلاصات: بالشروع بالعمل الجاد للقضاء على مظاهر العنف واللاتسامح على المستويين الرسمي والشعبي، وتأكيد الحق في الاختلاف واحترام تطبيقه والدفاع عنه، الأمر الذي يستوجب توسيع هوامش الحريات العامة وفي مقدمتها حرية المعتقد، وهي اشارة متميزة عندما توضع في مقدمة الحريات التي يراد تأمينها والحق في الرأي والتعبير والتنظيم النقابي والتجمع السلمي والتعددية السياسية، ويتطلب الأمر تنشئة اجتماعية ونظام تعليمي يستجيب لذلك وتربية وتثقيف على الصعيد الحزبي والسياسي والديني، وتوظيف خطاب ديني ينبذ التحريض ضد المُختَلِف، ويرفض التطرف والتشدد، كما توجهت التوصيات الى الجهات الاعلامية ومؤسسات المجتمع المدني ودعتها لأن تلعب دورها في نشر ثقافة التسامح.
* غاندي وروح التسامح واللاعنف !
وإذا كنّا نتحدث عن حال التسامح في فكرنا العربي – الاسلامي المعاصر، فحريٌ بنا أن نستذكر المهاتما غاندي الذي عبّر عن فكرة التسامح في رسالة من السجن بالقول: لا أحب التسامح، ولكني لا أجد أفضل منه للتعبير عمّا أقصده، وهو الفكرة التي آمن بها نيلسون مانديلا بعد سجنه لمدة 27 عاماً، وهو ما عبّر عنه المطران جورج خضر في تقديمه لكتابنا حول " فقه التسامح في الفكر العربي-الاسلامي" بالقول: لست هنا مبرئاً ساحة الغرب وأعرف كل البؤس الذي أحلّه ليس فقط في الاسلام ولكن في الكنيسة الشرقية أيضاً... ولكن أن تردّ "العدوانية" بهجوم معاكس (أي بعدوانية معاكسة) فذلك يضعف مواقعك، ولعل ذلك كما نعتقد ليس هو الحل الأمثل!
بعد أسابيع ستحلّ الذكرى الحادية والستين على إغتيال الزعيم الهندي المهاتما غاندي في 30 كانون الثاني (يناير)، ففي العام 1948 هاجمه متطرف هندوسي وأرداه قتيلاً، واضعاً حداً لحياة زعيم اقترب من " التقديس"  لدى الشعب الهندي بمختلف توجهاته وقومياته وأديانه وطوائفه وطبقاته الاجتماعية، فاتحاً صفحة جديدة من العنف أودت بحياة زعامات هندية مثل أنديرا غاندي ابنة جواهر لال نهرو وراجيف غاندي وآخرين. ولعل ذلك من مفارقات التاريخ، فالعام 1948 هو عام صدور الاعلان العالمي لحقوق الانسان وهو العام ذاته الذي تأسست فيه دولة اسرائيل.
لعل القاتل لم يفكّر في الاجابة عن سؤال طالما ظل يقلق غاندي ويسعى لاختبار صدقيته، وهو مستغرق في نضاله لتحرير بلاده، فهل هناك جدوى من العنف؟ وهل يمكن الوصول الى الهدف باللاعنف والتسامح؟ وقد فضّل غاندي الخيار الثاني رغم العذابات والحرمان، لكنه لم يكن يتوقع أن الغدر سيأتيه هذه المرّة على يد هندوسي بعد أن تمكّن من احراز النصر لشعبه.
كان غاندي يؤمن باللاعنف وبواسطته استطاع هزيمة أكبر امبراطورية في عصره (بريطانيا العظمى)، فهذا الرجل الأعزل نصف العاري، بنمط حياته البسيط، وبعلاقته الحميمة بشعبه، استطاع أن يثبت للعالم أن احدى وسائل المقاومة هي اللاعنف والتسامح والقدرة على إنجاز مشروع التحرير واستعادة السيادة والحقوق، بالمقاومة السلمية. وكان غاندي يُردّد: لو كان هناك بديل أفضل من التسامح لاخترته ولكني والحالة هذه لا أجد افضل منه!!
   اقترنت فكرة التسامح باسم فولتير التي بحث فيها وروّج لها ودافع عنها، إذ يعتبر الأب الروحي لها، وكان يبّشر بضرورة تحمل الانسان للانسان الآخر، فكلّنا بشر ضعفاء ومعرضون للخطأ، وعلينا أن نأخذ بعضنا البعض بالتسامح!!
   لقد ترك غاندي تأثيراته الكبيرة على ما سمّي بحركة اللاعنف أو المقاومة السلمية، الأمر الذي دفع دُعاة المساواة والحقوق المدنية للسود في الولايات المتحدة الى استلهام أساليب النضال التي أبدع فيها غاندي، وكان مارتن لوثر كينغ من أبرز الزعماء السود الذين تأثروا به.
   لم يكتفِ غاندي بالحديث عن اللا عنف، بل أظهر كيف أن المقاومة السلمية يمكنها أن تواجه وتتحدى من خلال سلاح المقاومة والإضراب عن الطعام والاحتجاج والاعتصام والتسامح!؟
   ولعل شخصية مثل نيلسون مانديلا الزعيم الجنوب أفريقي (ورئيس المؤتمر الوطني)، الذي مكث في السجن 27 عاما وقاد مقاومة سلمية ضد نظام التمييز العنصري " الابارتايد"، كان قد أمسك بمفتاح التسامح بعد مفتاح المقاومة السلمية، فاتحاً صفحة جديدة في نضال شعب جنوب أفريقيا مقدماً نموذجاً مهماً: للعدالة الانتقالية من خلال كشف الحقيقة وتحديد المسؤولية وجبر الضرر وتعويض الضحايا وإصلاح النظام القانوني والمؤسسي، والأهم من كل ذلك نشر فكرة التسامح وعدم اللجوء الى الثأر أو الانتقام أو العنف.
لقد ادرك غاندي أن  منهجه القائم على اللاعنف حظي بقبول واسع، وكان يردد أن ذلك خيار شعبي " فإذا انطلق شعبي فيجب أن ألحق بركبه لأنني زعيمه".
   وكان إعلان اليونسكو قد جاء بعد حين ليؤكد أنه " بدون التسامح لا يمكن أن يكون هناك سلام، وبدون سلام لا يمكن أن يكون هناك تنمية وديمقراطية".
   وإذا كان التسامح اصطلاحاً يعود الى تطور الفلسفة الغربية في القرنين السابع والثامن عشر، وبخاصة ما سمي بفلسفة التنوير، وذلك بعد بروز وتطور النزعة الانسانية المعتمدة على العقل في مواجهة اللاهوت والغيبيات، فإن هذا المصطلح راج في السنوات الأخيرة، حيث خصصت اليونسكو يوم 15 تشرين الثاني (نوفمبر) من كل عام يوماً للتسامح على المستوى العالمي، منذ العام 1995، كما تمت الاشارة اليه.
   في عالمنا العربي ما زال التسامح غير مقبول لدى أوساط واسعة، وربما نظرت اليه بعض الاتجاهات الإقصائية والإلغائية الاسلاموية باعتباره " نبتاً شيطانياً" أو " فكراً مستورداً"، لاسيما بعد خلطه بالنزعات التغريبية الاستتباعية التي تستهدف فرض الهيمنة وإملاء الارادة.
وفي الوقت الذي يهرب أصحاب وجهات النظر هذه الى التاريخ باعتباره ملاذاً، يتناسون أن الاسلام الأول وبخاصة الراشدي إتّسم بقدر كبير من التسامح والاعتراف بحق الاختلاف، لكنهم يحاولون الزوغان عن ذلك رغم محاولة تمجيد الماضي بهدف الهروب من الحاضر، الذي يزخر بالتأثيم والتحريم والتجريم ضد الآخر، الخارجي، الأجنبي، العدو، الخصم، بادعاء الأفضليات وإنسابها الى النفس ونفي الإيجابيات عن سواه، لذلك احتاج مفهوم التسامح الى " تبيئة" وتأصيل تاريخي بهدف جعله راهنياً وقائماً ومستمراً، بالعودة الى حلف الفضول ودستور المدينة  وصلح الحديبية والعهدة العمرية ووثيقة فتح القسطنطينية، إضافة الى القرآن والسنّة النبوية كدليل ومرشد لفقه التسامح.

•   اعلان اليونسكو حول التسامح


إذا كانت قضية التسامح حديثة في مجتمعاتنا العربية وهي ما تفتقر له وما تحتاج اليه، فإنها ما تزال محدودة على الصعيد العالمي، وإن كانت بعض المجتمعات قد وصلت اليها بعد معاناة طويلة.
ولعل اعلان منظمة اليونسكو بشأن التسامح كان قد حثّ المجتمع الدولي على الاحتفال بيوم التسامح ودعا الى لاعتماد أساليب منهجية وعقلانية لتعليم التسامح، وذلك بعد تشخيص أسباب عدم التسامح أو اللاتسامح، الثقافية والاجتماعية والدينية والسياسية وغيرها، أي أنه دعا الى فحص وتدقيق الجذور الرئيسية للتمييز والعنف والاستبداد في المجتمعات، لاسيما مع الآخر المُختلف، دون تأثيم أو تحريم أو تجريم، ذلك أن المجتمع البشري بحاجة الى نشر وتأصيل قيم التسامح كمنظور انساني وأخلاقي، لا يمكن تقدّم المجتمع الدولي والانساني من دونه، إذ لا يمكنه الخروج من غلواء التطرف والتعصب واللاتسامح، الاّ بتعميم فكرة قبول الآخر، حتى وإن تناقض مع رأي " الجماعة!!! وحسب اعلان اليونسكو فالتسامح يعني: الاحترام والقبول والتقدير للتنوّع الثري لثقافات عالمنا ولأشكال التعبير وللصفات الانسانية لدينا، وهو يتعزز بالمعرفة والانفتاح والاتصال مع الآخر وحرية الفكر والضمير والمعتقد.
لقد أصبح التسامح حاجة ماسّة ولم يعدْ ترفاً فكرياَ، فنقيضه هو اللاتسامح والتعصب والاستئثار ورفض الآخر. والتسامح يعني اتخاذ موقف ايجابي فيه اقرار بحق الآخر في التمتع بحقوق الانسان وحرياته الاساسية. وبهذا المعنى فهو مسؤولية قيمية وواقعية للاقرار بالحقوق والتعددية والديمقراطية وحكم القانون، وهو أمر ينطوي على نبذ الدوغمائية والاستبدادية، خصوصاً بالاقرار بحق الانسان التمسك بمعتقداته، وهو اقرار ناجم بأن البشر مختلفون في طباعهم ومظاهرهم وأوضاعهم وسلوكهم وقيمهم وقومياتهم ودياناتهم ولغاتهم وأصولهم، لهم الحق والمساواة في العيش بسلام، ولعل الخطوة الأولى لتعميم مبدأ التسامح حسب اعلان اليونسكو هي " تعليم الناس الحقوق والحريات التي يتشاركون فيها"، وذلك كي تحترم هذه الحقوق والحريات، فضلاً عن تعزيز عزمهم على حماية حقوق وحريات الآخرين.

•   كوابح التسامح !

   إذا ما استعرضنا العوامل الكابحة لنشر قيم التسامح، فعلى الصعيد الفكري ستعني حجب وتحريم حق التفكير والاعتقاد والتعبير لدى الآخر، بفرض قيود وضوابط تمنع أو تحول دون ممارسة هذه الحقوق، وأحياناً تنزل أحكاماً وعقوبات بالذين يتجرأون على التفكير خارج ما هو سائد أو مألوف سواءًا عبر قوانين مقيّدة أو ممارسات قمعية تحت مبررات شتى.
   اما على الصعيد السياسي فان اللاتسامح يعني احتكار الحكم والسعي للحفاظ عليه وتبرير مصادرة الرأي الآخر، تحت مبررات مختلفة تارة قومية او بحجة الصراع العربي- الاسرائيلي وأخرى طبقية بحجة الدفاع عن مصالح الكادحين، وثالثة دينية بحجة الحفاظ على الدين واعلاء كلمته، وفي كل الأحوال فإن الأمر لا يعني سوى إسكات الصوت الآخر أو تسويغ فكرة الاستئثار وإدعاء الحقيقة.
   وعلى الصعيد الديني فان عدم التسامح يعني التمييز بحجة الافضلية ومنع الاجتهاد وتحريم وتكفير أي رأي حر، بحجة المروق في ظل تبريرات ديماغوجية وضبابية، تمنع الحق في اعطاء تفسيرات مختلفة، خصوصاً ضد ما هو سائد، وأحياناً تزداد اللوحة قتامة في ظل الدين الواحد عبر التمترس الطائفي أو المذهبي في محاولة لالغاء الفرق والمذاهب والاجتهادات الفقهية الاخرى، بل فرض الهيمنة عليها بالقوة.
واجتماعياً فإن عدم التسامح يعني فرض نمط حياة معينة بغض النظر عن التطورات العاصفة التي شهدها العالم ، لأنماط متنوعة ، مختلفة ، متداخلة ، متفاعلة ، وأحياناً يتم التخندق بسلوك وممارسات عفا عنها الزمن وأصبحت من تراث الماضي .
وثقافياً، فإن اللاتسامح يعني التمسك بالقيم والمفاهيم القديمة والتقليدية ومحاربة أي رغبة في التجديد، أو أي شكل أو نمط للتغير، حتى إن الشعر الحديث يصبح "بدعة وضلالاً "  بل ضد التراث والتاريخ  وربما مؤامرة كبرى تستحق رجم ومعاقبة  القائمين عليه، وتنسحب مثل هذه النظرة على الكثير من الآداب والفنون وبخاصة  الموسيقى والرقص  والغناء  والمسـرح  والنحت  وغيرها،  ناهيك عن الحـب !  
وإزاء الانغلاق وعدم التسامح الذي يسود عالمنا العربي والإسلامي،               ورغم  بعض الإرهاصات الجديدة، نرى العالم يسعى لتوسيع التسامح  حقـوقياً   بعد  أن جرى  تعميمه  أخـلاقياً ،  بحيث تشتمل الدعوة للدفاع عن أولئك اللامتسامحين أو الذين ينشرون  ويروجون  لإيديولوجيات اللاتسامح  التوتاليتارية. ورغم أن هذه الفكرة تثير نوعاً من النقد وربما الفزع في الغرب حالياً،  خصوصاً  بعد  احداث  11  أيلول (سبتمبر ) 2001  الارهابية  في الولايات المتحدة  لأن هناك من يعتبرها  خطراً على فكرة التسامح  ذاتها ، بل وتدميرها للحرية، لكن كارل بوبر،  يجيب بأن علينا عدم الانخداع بذلك الشعور الغريزي  بأننا  على صواب دائماً.

•   التسامح والآيديولوجيا!

وتطور مفهوم التسامح من الفرد الى المجتمع ومنه الى الدولة، ثم الى المجموعة الدولية، ولم يعد المفهوم اصطلاحياً أو لغوياً يرتبط بالتكرّم والسخاء والجود والعفو والصفح والغفران والتساهل وغيرها، بل وصل الى الاعتراف بالحق واحترام الحق، مثلما له علاقة بالعمران والتنمية.
ان نشر مبادئ التسامح وسيادة روح الحق في الاختلاف، تتطلب إعادة التفكير في الموروث الثقافي وأخذ التراث في سياقه التاريخي وإعادة بناء العلاقة بين الثقافة والدولة وبين المجتمع والسلطة وبين الحكومة والمعارضة، التي هي مسؤولية جماعية وفردية في آن، فلا يوجد مجتمع بمعزل عن اغراء الاقصاء أو اللاتسامح، الاّ إذا أثبت هذا المجتمع قوة عزيمة ويقظة دائمة.
التسامح واللاتسامح ليس لصيقاً بتراث أو مجتمع، إنه يمتد عبر العصور فلا "هو غربي ولا هو شرقي". ورغم أن الاديان جميعها تعلن تمسكها بالتسامح، فإن الحروب والإبادات استمرت عبر التاريخ وتمت في الكثير من الاحيان بإسمها وتحت لوائها.
   يمكن القول ان كل المجتمعات البشرية تحمل قدراً من اللاتسامح سلبياً أو إيجابياً، لكن الفرق بين مجتمع وآخر هو في مدى اعتبار التسامح قيمة اخلاقية وقانونية ينبغي اقرارها والالتزام بها حتى وان كان البعض لا يحبّها.
    اما الفرق الثاني بين المجتمعات المفتوحة التي توافق على التسامح وبين المجتمعات المغلقة التي ما تزال تتمسك باللاتسامح وبتهميش أو إلغاء الآخر، فإن بعض المجتمعات تستطيع إدارة التنوّع والتعددية الثقافية والدينية واللغوية والسلالية والاجتماعية وغيرها، في حين تخفق أو تعجز فيها مجتمعات أخرى، ويوجد في العالم اليوم أكثر من عشرة الاف تعددية، الامر الذي يستوجب ان تكون الدولة هي الحاضن الاكبر للتسامح، وهو يتطلب اعادة صياغة العلاقة بين الأنا والآخر على أساس المواطنة والمساواة الكاملة، ومن خلال التربية والاستفادة من المخزون القيمي للأديان وللفطرة الانسانية، وهو ما ينبغي أن ينعكس على الصعيد الدولي أيضاً.
بقي أن نقول، ان التسامح ليس ايديولوجيا مثل الايديولوجيات الأخرى الاشتراكية أو القومية أو الدينية، بل هو جزء من منظومة ثقافية، وعلينا ان نتعاطى معه على هذا الاساس الذي يسهم في تنمية المجتمع من خلال سنّ منظومة قانونية لا تعترف بالتمييز أو التعصب أو التطرف أو العنف، وهو ما تبنته الشبكة العربية للتسامح عندما وضعت شرطاً لمنح الجائزة على أن " يكون من الداعين لفكرة المساواة وحق بين البشر في العيش بسلام ودون خوف على المستوى الفردي والجماعي، دون تعصب أو انغلاق أو اقصاء أو إلغاء".

•   التسامح وصورة الاسلام النمطية!
شاعت في الغرب منذ سنوات، لاسيما بعد أحداث 11 أيلول (سبتمبر) الارهابية ما سمّي "بالاسلامفوبيا"  أي الرهاب من الاسلام، مثلما انتشرت في الفترة الاخيرة ما يمكن اصطلاحه بـ"العربفوبيا"  أي كراهية العرب والعداء لهم، ولعل ذلك ليس بمعزل عمّا يمكن نحته من " الزينوفوبيا" Xenophobia أي الرهاب من الأجانب، بمعنى كراهيتهم وعدائهم، وقد اتسعت هذه المسألة على نطاق كبير بصعود وانتشار بعض التيارات والاتجاهات العنصرية والفاشية في أوروبا. وقد تلمسنا حجم الهجوم الشديد على مؤتمر جنيف (ديربن-2)حول العنصرية وانسحاب الولايات المتحدة واسرائيل وعدد من دول الاتحاد الاوروبي منه، وتأييد مواقفها من لدى جهات وجماعات ودول غربية كثيرة، لمجرد استنكار ما ذهب اليه مؤتمر ديربن الاول العام 2001 من دمغ الممارسات الاسرائيلية بالعنصرية.
   ولعل حدثاً مثل مؤتمر ديربن يمكن استحضاره دليلاً على أن هناك اكثر من جهة هي التي تقف مسؤولة أمام تشويه صورة الاسلام في أعين العالم، فإضافة الى سيل الدعاية الصهيونية، التي سعت الى تصوير الصراع العربي- الاسرائيلي، باعتباره صراعاً بين أديان، أي بين الاسلام واليهودية، وبين قوى متخلفة عربية لا تؤمن بحق الوجود والديمقراطية، و"دولة" يهودية تسير في طريق الممارسة الديمقراطية، في حين ان الصراع بين حقوق مغتصبة وأرض محتلة وشعب مشرد في غالبيته الساحقة، وبين مغتصب اجلائي استيطاني، رغم أنه يتعكز على حقوق " سماوية " بأرض الميعاد المقدسة لشعب الله المختار، في حين ان الصراع دنيوي لتحرير الارض والوطن، وليس حول تعاليم الدين الاسلامي وشريعته وبين اليهودية وتلمودها.
أما في الغرب بشكل عام فتندفع بعض الاطروحات الرسمية وغير الرسمية لتساوي بين الاسلام وبين بعض الاتجاهات المتطرفة والمتعصبة الاسلاموية، والتي تستخدم تعاليم الدين أحياناً على نحو مشوّه ضد الدين ذاته، وهو ما نطلق عليه اسم "الاسلاملوجيا" أي توظيف التعاليم الاسلامية بالضد منها رغم أنها ترفع راية الاسلام. ولعل العرب والمسلمين دفعوا ثمن هذه الاتجاهات قبل غيرهم، رغم ان هذه الاتجاهات حتى وقت قريب وقبل حدوث ارهاب 11 سبتمبر (ايلول) لقيت تشجيعاً علنياً ومستتراً من بعض القوى والجماعات والدول الغربية مباشرة أو بصورة غير مباشرة.
   وأستطيع القول أن الكثير من النخب الفكرية والسياسية والثقافية الحاكمة وغير الحاكمة في الغرب، لم تتفهم حتى الآن وربما بصعوبة، طبيعة العلاقة مع العرب، طالما يتم تصوير الصراع العربي- الاسرائيلي على نحو مشوّه، لاسيما من خلال ممارسات خاطئة وضارة يقوم بها بعض المتطرفين بهدف اثبات افضليات الاسلام على المسيحية وعلى اليهودية، وجعل مسألة النصوص الواردة في القرآن الكريم مبرراً لمواصلة هذا الصراع بطريقة لا تخلو من عبثية، بحيث يمتد من أقصى المعمورة وحتى أقصاها، وكأن لا علاقة للمصالح الدولية بذلك، بما فيها مصالح المسلمين أنفسهم، والسياسة منذ بدء الخليقة وحتى تنتهي ستبقى تحكمها الصراعات واتفاقات المصالح، باقترابها أو ابتعادها عن المبادئ.
لا شك ان هناك نظرة ارتيابية مسبقة لدى الغرب والشرق بما فيه الاسلامي إزاء الآخر، والغرب ليس وحده المسؤول عن ذلك، فثمة مساهمات نحن مسؤولين عنها، لاسيما وقد انتشرت لدينا تيارات "أصولية" متعصبة ومتطرفة ومعادية للغرب، وهو ما نطلق عليه اصطلاحاً "الغربفوبيا " أي كراهية الغرب، والعداء لكل ما هو غربي بما فيها للحضارة الغربية وانجازاتها العلمية والتكنولوجية والفنية والجمالية والعمرانية الهائلة، بكل ما لها وما عليها.
الغرب ليس كله غرباً، فإلى جانب الغرب الامبريالي- العنصري في الماضي والحاضر، هناك الغرب التقدمي المؤيد لحقوق الانسان وحقوق الشعوب في تقرير المصير، وهو ما حاول مفكر بريطاني مرموق مثل الفريد هاليداي أن يضع اصبعه عليه في كتابه الموسوم " ساعتان هزتا العالم" وقبله كتابه " الاسلام والغرب". وكان عرفان نظام الدين قد تناول العلاقة بين العرب والاسلام في الغرب بوجهيها وذلك في كتابه " العرب والغرب" مثلما، أطلّ اعلامياً على ذلك في كتاب " الاسلام والاعلام " مؤشراً الى التقصير لدى الجانبين، خصوصاً في فهم العلاقة المتميزة والمتناقضة والمتداخلة، إضافة الى التعقيدات والاوهام والتشويهات التي صاحبتها ورافقتها وهو ما أسماه الدكتور غازي القصيبي الأساطير الاربعة التي حكمت نظرة الغرب الى الاسلام ما بعد أحداث 11 أيلول (سبتمبر).
ما زالت بعض تفسيراتنا قاصرة لفهم ما نطلق عليه " الصراع التاريخي" الذي يستمر بين الغرب المسيحي والشرق المسلم، وهو ما ندعوه الحروب الصليبية والمقصود "حروب الفرنجة" التي حدثت في القرن الحادي عشر الميلادي، ومن ثم الصراع مع الدولة العثمانية، وذلك لتأكيد حتمية الصراع باعتباره صراعاً تناحرياً غير قابل للحل أو التوافق، رغم أن الصراع يمكن أن يؤدي الى اتفاق مصالح حسب منطوق السياسة الدولية تاريخياً.
ان الابقاء على صورة العدو حاضرة في الأذهان، رغم اختلاف المواقف، حملت معها خرافات وأوهام كل طرف إزاء الآخر، فالاسلام حسب بعض الاطروحات الغربية يشجع على الارهاب ويحض على العنف، ويستند بعض هذه التصورات على عدد من غلاة الاسلامويين، الرافضين لكل تقدم أو حضارة باعتبار الغرب كلّه " شرٌّ مطلق"، وهكذا تستكمل صورة العدو، وإن لم يوجد بالفعل، فقد تم صناعته مثلما حصل بعد انهيار الشيوعية الدولية، فوجدت بعض التيارات في الغرب، اختراع الاسلام عدواً بديلاً، وحسب أحد المعلقين البريطانيين جورج مونبيت Georges Monbiot ، فلو لم يكن بن لادن موجوداً، لكان على امريكا أن تخترعه، فقد اخترعته الـ CIA العام 1979 واليوم تبحث عنه الـ FBI، وهكذا تم استبدال مصطلح المجاهدين الافغان أيام الغزو السوفيتي الى أبالسة وشياطين بسبب مواجهتهم للسياسة الامريكية لاحقاً.
ان صورة العدو الذي يتم صناعته في الغرب ليست بعيدة عن الخرافات والاختلاقات بمجابهة مزعومة مع الاسلام، وهي الصورة التي يقابلها لدى الاسلامويين والتيارات المتشددة، بوضع الغرب في صورة العدو المستمر والمواجهة الحتمية الابدية، ويميل هاليداي الى اعتبار نموذج صموئيل هنتنغتون بشأن الصدام الحتمي للحضارات هي الأكثر رواجاً لدى الفريقين، ولذلك لقي كتابه "صدام الحضارات" اهتماماً منقطع النظير مثل كتاب فرانسيس فوكوياما " نهاية التاريخ".
ولعلي طرحت باستمرار سؤالاً على نفسي: هل يستطيع المواطن الغربي أو الاوروبي أن يدرك وأن يتفهم أن من يضحّي بنفسه في فلسطين، ليس من أجل تطبيق الشريعة الاسلامية، وليس من أجل فرض ارتداء الحجاب للنساء أو إقامة الحد أو لفرض دفع الجزية أو التعامل مع أهل الذمة أو حتى إقامة الحكم الاسلامي، بل إنه يفعل ذلك من أجل تحرير وطنه وأرضه المحتلة والمغتصبة، سواءً كان متديناً أو غير متدين، مسلماً أم مسيحياً أم غير ذلك!
وأدركت في حوارات مختلفة مع الكثير من النخب الفكرية والسياسية والثقافية، الحاكمة وغير الحاكمة في الغرب، أنه ليس من السهولة عليها فهم طبيعة الصراع، طالما جرى تصويره على نحو مشوّه ودون دلالة تُذكر، لاسيما من خلال ممارسات وتطبيقات خاطئة وضارة يقوم بها بعض المتطرفين بهدف اثبات افضليات الاسلام على اليهودية، وجعل مسألة النصوص الواردة في القرآن الكريم حول نكث العهود مبرراً باعتبار الصراع الديني بين اليهودية والاسلام استئصالياً، وبالتالي فهو صراع دائم لا نهاية له.
ووفقاً لهذا المنطق الخاطئ فإن هذا الصراع يمتد من أقصى المعمورة الى أقصاها، وهو غير محصور في بقعة معينة من العالم محتلة بقوة السلاح باستعمار اجلائي، استيطاني، وارهاب دائم ومستمر بكونه يشتبك مع مصالح دولية  ويعبّر عنها في جزء متقدم من ستراتيجيتها الكونية في الشرق الأوسط، حتى وان تعكّز على " حق ديني" أو مزاعم آيديولوجية روّجت لها الصهيونية العالمية منذ مؤتمرها الاول في مدينة بال " بازل"  السويسرية العام 1897 وبعد صدور كتاب تيودور هيرتزل " دولة اليهود" بعام واحد.
ان ما يقوم به الفلسطينون مدعومين من المسلمين وأحياناً تحت راية الاسلام لإضفاء نوع من القدسية على هدفهم النبيل، انما ينسجم مع قواعد القانون الدولي، الذي يجيز للشعوب التابعة والمستعمرة استخدام جميع الوسائل بما فيها القوة المسلحة، لاسترداد وطنها واستعادة سيادتها، وذلك لا علاقة له بالرؤية المشوّهة لاعطاء الصراع طابعاً دينياً.
وإذا كان الاسلام يذهب الى تأييد مثل هذه التوجهات بما فيها استرخاص الغالي والنفيس وصولاً الى الهدف، بالسلم او بالجهاد، فإن دعوته هذه أرضية وحقوقية وقانونية وضعية، حتى وإن يتم فيها توظيف التعاليم السماوية كأداة فلسفية وروحية، لهدف أرضي وانساني وهو تحرير الاراضي المغتصبة وحق تقرير المصير، في حين ان دعاوى الصهيونية سماوية تتعلق بأرض الميعاد وتحقيق الوعد الالهي لشعب الله المختار.
على النخب الفكرية والسياسية والثقافية العربية والمسلمة التمييز دائما بين مفهوم الحضارة التي ننسبها الى الغرب وهي نتاج انساني وبشري، وبين مفهوم الغرب السياسي، فالاولى هي منظومة من الفلسفات والافكار لما وصلت اليه البشرية كنتاج لتطورها السياسي والثقافي والجمالي والعمراني والفني والتكنولوجي والادبي، في حين ان الغرب السياسي يعني النظم والآيديولوجيات الحاكمة في أوروبا والولايات المتحدة، القائمة على المصالح بالدرجة الاساسية، وقد تكون أحياناً في تعارض مع مقتضيات السلوك الحضاري أو مثله وقيمه الانسانية العليا، خصوصاً مع شعوب وأمم أخرى.
لكن هذه النظم المتمثلة باوروبا وامريكا في الوقت نفسه تعتبر مستودعاً للتقدم العالمي لعصرنا بجميع ايجابياته وسلبياته، وبالتالي لا يمكن تبسيط الموقف من الغرب باعتباره كله " شرٌّ مطلق"، وهي النظرة التي تتذرع بها اسرائيل لحماية نفسها من " آلة التدمير" العربية والاسلامية، بتأكيد انتمائها الى الغرب الحديث، ولاثبات تعارضها مع أهداف العرب والمسلمين، ولعل هذا ما حاولت ترويجه خلال انعقاد مؤتمر جنيف (ديربن-2) حول العنصرية والتمييز العنصري وكراهية الأجانب نيسان (ابريل) 2009، وهو ما استطاعت أن تحشد له طاقات وامكانات دولية هائلة في الولايات المتحدة والغرب، مستفيدة من بعض الاطروحات الخاطئة والضارة التي ما تزال تهيمن على بعض التوجهات الاسلاموية، فضلاً عن تقاعس العرب والمسلمين منذ مؤتمر ديربن العام 2001، وذلك بعد أن حصلوا على نصر سهل لم يستطيعوا الحفاظ عليه أو توظيفه لمصلحتهم، لاسيما بعد أحداث 11 أيلول (سبتمبر) الارهابية، وهو ما حشدت اليه اسرائيل جميع الطاقات منذ ثمانية أعوام، حتى تحقق لها ما أرادت، رغم مقاطعتها مؤتمر جنيف، وهو ما سبق أن استخدمته بشكل بارع يوم تمكّنت من إلغاء القرار 3379 الصادر عن الجمعية العامة للامم المتحدة في 10 تشرين الثاني (نوفمبر) 1975 بخصوص مساواة الصهيونية بالعنصرية.
لقد عبأت اسرائيل آلة اعلامية وسياسية كبيرة، بما فيها حضور عشرات من منظمات المجتمع المدني بتكليف واسهام مباشر منها أو بطريق غير مباشر عبر التنسيق والتحالف وضخ المعلومات وتهويل صورة مؤتمر ديربن الذي دمغ الصهيونية بالعنصرية، وكذلك بالاستفادة من بعض الأطروحات المتطرفة أو الشعارات ذات النبرة العالية، مستغلة إياها باعتبارها مهددة بالاستئصال، في حين  أنها هي التي تحتل الاراضي العربية وتمارس سياسة عنصرية ضد سكان البلاد الاصليين وترفض القرارات الدولية وحق العودة، وتضم القدس والجولان خلافاً للشرعية الدولية، وفي الوقت نفسه تلصق كل أعمال العنف والارهاب بالاسلام في صورة نمطية، ليست بعيدة عن الصهيونية ذاتها.
ولعل صدور رأي استشاري من محكمة العدل الدولية بخصوص عدم شرعية بناء جدار الفصل العنصري، ومن ثم صدور تقرير غولدستون الذي اتهم اسرائيل بارتكاب جرائم في غزة تقترب من جرائم الحرب، وقبل ذلك صدور تقرير بوستروم بشأن اتهام اسرائيل بالاتجار بالاعضاء البشرية للفلسطينيين، كلّه يضع اسرائيل أمام مساءلات دولية، لاسيما وقد كانت سياساتها طيلة ما يزيد عن 60 عام، عدوانية وعنصرية وبالضد من قيم التسامح.

•   وقفة للمراجعة الفكرية
أيكفي تكرارنا القول ان تعاليم الاسلام وبخاصة الواردة في القران الكريم والسنّة النبوّية تحضّ على التسامح، وان الكثير من تطبيقات الخلفاء الراشدين في الاسلام الاول كانت تمثل قيم التسامح؟ أم ان هناك فروقاً كثيرة وجوهرية بين بعض النصوص النظرية وبين التاريخ الاسلامي، الذي هو مثل كل تاريخ البشرية، حفل بالكثير من مظاهر اللاتسامح والعنف والاقصاء وتهميش الآخر، لدرجة تأثيمه وتجريمه أحياناً، سواءً على الصعيد النظري او على الصعيد العملي والتطبيقي من خلال الممارسات والاعمال؟
   جدير بالذكر الاشارة الى ان فترة الاسلام الاول، شهدت اعترافاً بالآخر والدعوة الى المساواة والتواصي والتآزر والرحمة، لكن ثلاثة من " الخلفاء الراشدين" : عمر وعثمان وعلي (رضي الله عنهم) لقوا حتفهم مقتولين، ولم تفلح مبادئ التسامح التي دعا اليها الاسلام من أن تحول دون ذلك، فالتسامح بحاجة الى بيئة حاضنة وتراكم وتربية، ليتحوّل الى قوة مادية يصعب إقتلاعها، خصوصاً اذا ما انتقل من طور الاخلاق الى الحق ومن ثم ليؤسس عبر قوانين وتشريعات ومؤسسات!
   لكن هذه القراءة الانتقادية للتاريخ الاسلامي، لا ينبغي ان تصب في الموجة الجديدة- القديمة من الاتجاه المعادي للاسلام، التي تحاول التصيّد بالماء العكر، لأخذه بجريرة بعض الاعمال الارهابية، أو أن تشمل جميع المسلمين، الذين يتم دمغهم بالارهاب بالجملة، وهو ما يتردد على لسان مسؤولين ومفكرين واعلاميين ورجال دين ومستشرقين في الغرب، بل هناك بعض الاساءات شملت حتى رسولهم النبي محمد (ص)، لعل آخرها كان ما أطلقه البابا بنديكتوس السادس عشر، في محاضرة بجامعة ريغينسبورغ، من توصيفات على لسان الامبراطور اليوناني مانويل الثاني في القرن الرابع عشر، "باتهام الاسلام بالعنف".
   ولعل مثل هذه الاتهامات والتعميمات لا يجمعها جامع مع المشترك الانساني والديني، ناهيكم عن الوقائع التاريخية، خصوصاً وانها تصدر من اعلى مرجع في الكنيسة. كل ذلك يحدث ولم تكن قد إنتهت تداعيات نشر صحيفة دانماركية صوراً مسيئة للنبي محمد (ص)، بما سببته من تصدع العلاقات المسيحية- الاسلامية، ليس على صعيد الحاضر حسب، بل على صعيد المستقبل، يضاف اليه الآن نتائج الاستفتاء الشعبي في سويسرا ضد بناء المنائر الاسلامية.
   كما أن ما ورد على لسان الرئيس الامريكي السابق جورج دبليو بوش(آب/ اغسطس2006) وخلال العدوان الاسرائيلي على لبنان حول " الفاشية الاسلامية" وقبلها الاشارة الى "الحرب الصليبية" فيما يتعلق بحملة مكافحة الارهاب الدولي، انما يصّب في هذا الاتجاه العدائي، خصوصاً وانه قسّم العالم الى قسمين " اما معنا.. أو مع الارهاب" اي مع " معسكر الخير والنور" او "معسكر الشر والظلام"، وهو الوجه الآخر لما ذهب اليه اسامة بن لادن حين قسّم العالم الى فسطاطين، ولعل هذا الأمر يحتاج الى إعادة النظر بالأفكار والآراء المسبقة بخصوص الاسلام، وهو ما يضع مسؤوليات على ادارة أوباما، طالما أنه أخذ على عاتقه مبادرة مخاطبة المسلمين على نحو مختلف، بما يعزز الحوار والتفاهم بدلاً من الصراع والصدام بين الحضارات والثقافات والأديان.

•   نحن مفارقات التسامح

   اذا كان "الغرب" قد وصل الى التسامح في مجتمعاته، بعد معاناة طويلة ومعارك طائفية طاحنة وحروب عالمية حصدت ارواح عشرات الملايين من البشر، فان مثل هذا الامر لم يأخذ مداه على المستوى الدولي وبخاصة محاولات فرض الهيمنة والاستتباع، وبعد انهيار الكتلة الاشتراكية في اواخر الثمانينات، حيث يراد للعالم التسليم بظفر الليبرالية الجديدة، نموذجاً وحيداً للنظام الدولي على المستوى السياسي والاقتصادي، وخلال نحو عقدين من الزمان خيضت حروب وأعمال ابادة وفرضت حصارات وشنت عدوانات وُقلبت انظمة واقيمت كيانات، كلّها بعيدة عن روح التسامح، بالاعتماد على نظرية القوة وليس قوة القانون وروح ميثاق الامم المتحدة، وذلك بسبب نهج التفرد والاستئثار والمصالح الأنانية الضيقة!
   ومن جهة اخرى فإن التسامح كمفهوم في العالمين العربي والاسلامي ما زال قليل القبول لدى اوساط واسعة، وربما نظرت اليه بعض الاتجاهات الاقصائية والالغائية على انه " نبت شيطاني" او " فكر مستورد" خصوصاً مع خلط المفاهيم  تعسفاً احياناً، بالنزعات التغريبية وتصويرها باعتبارها استتباع واستخداء للآخر، الخارجي، الاجنبي، المختلف، الخصم والعدو! والامر ينسحب على نحو أشد ربما على النطاق الداخلي وفي داخل كل بلد عربي أو جماعة سياسية ودينية ومذهبية واثنية!
   ويهرب اصحاب هذا الاتجاه الى التاريخ، ملاذهم، بالادعاء: ان الاسلام الاول، الراشدي إتسم بالتسامح والاعتراف بحق الاختلاف،وهو وإن كان صحيحاً، لكنهم لا يناقشون الحاضر او يحاولون الزوغان عن كل ما من شأنه الاعتراف بمبادئ التسامح وحق الاختلاف في زمننا الحالي، فهو من وجهة نظرهم مرفوض ومستغرب، في محاولة تمجيدية للماضي وادعاء الافضليات، لذلك احتاج هذا المفهوم الى تبيئة وتأصيل تاريخي بهدف جعله راهناً ومستمراً وقائماً.
   وبقراءة الوضع الراهن فهناك اربعة مواقف من مسألة التسامح:
   الاول- يرفض كل حديث عن التسامح على النطاق الديني او الفكري او السياسي او الثقافي او الاجتماعي، الداخلي او الخارجي (الدولي) بحجة امتلاكه للحقيقة والافضليات، اما المختلف والآخر فإنه لا يمثل سوى النقيض، وعلى المستوى العالمي فإنه يمثل الكفر والاستكبار.
   الثاني- تيار اصلاحي (توافقي) يتقبل بعض افكار التسامح بهدف مواكبة التطور الدولي، لكنه يظل مشدوداً للفكر التقليدي السائد، وان كان يسعى للتواصل مع الآخر بحذر شديد، وربما بريبة أيضاً.
الثالث- يؤيد فكرة التسامح ويحاول تعميمها على كل شيء، وهو يدعو الى قطع الصلة  بالتراث والتاريخ واعتبار التسامح قيممة حداثية لا علاقة لها بالاسلام، بل يضع في اعتباره كون التسامح نقيضاً للاسلام الذي يحضّ على "العنف" و"الارهاب" حسب فهم خاطئ لبعض الاتجاهات الاسلاموية أو الاسلامية وموقفها من الحداثة، دون تمييز بين الاسلام وبين بعض الاتجاهات السياسية.
الرابع- التيار المؤيد للتسامح، والذي يعتبره قيمة عليا، لاسيما بربطه بحقوق الانسان، دون التعامل معه على نحو مبتذل فيما يتعلق بالصراع العرابي- الاسرائيلي والتنكر لحقوق الشعب العربي الفلسطيني، فالتسامح لا يعني التهاون إزاء حقوق الانسان أو قيم العدالة أو تبريرها تحت أية حجة أو ذريعة.

•   الهروب الى الماضي !
    ان القراءة الارتجاعية للنص الاسلامي وللتعاليم والمفاهيم الاسلامية دون عُقد الحاضر وحساسياته، ودون اخضاعها لحسابات مؤقتة وربما طارئة، فإنها تؤكد ان الاسلام " المفاهيمي" ومن خلال عدد من فقهائه، طريق رحب يمكن ان يسلكه الانسان في حياته، طريق مفعم بالحيوية والنشاط والانفتاح والعطاء، بعيداً عن أصابع المفسرين والمؤولين المتشددين واللامتسامحين من الاسلامويين، الذين حاولوا تطويع احكامه بطريقة مؤدلجة تماشياً مع القيم السائدة والافكار المتعصبة والمغلقة وخدمة لمن بيدهم الامر.
   وساهمت بعض هذه التنظيرات في كبح جماح العقل وتحويل تعاليم الاسلام الى مجرد " تعاويذ" و"أدعية" ووصفات جاهزة ومعلبة، اقرب الى التحنيط والجمود والصنمية خصوصاً ازاء الآخر، وعبر يقينيات لا تقبل الجدل او الحوار.
   كان الى جانب الاسلام والايمان نقيضهما أحياناً في دولة الاسلام المدنية، ولكن ثقة الاسلام بنفسه جعلت التعايش ممكناً مع النقيض. حسبي هنا ان اشير الى احتواء كتاب  " التوحيد الكافي" على اقوى الاستدلالات، التي إستند اليها منكروا التوحيد دون ان يؤثر ذلك في عرض الرأي الآخر المناقض، المخالف، المعارض، حتى وان احتوى على ما يتعارض مع جوهر الايمان.
   الاسلام بتعاليمه لا يجد غضاضة في الجدل والنقاش ونقد الرأي المخالف انطلاقاً من قاعدتين :
1-   مبدا التسامح ازاء سماع الراي الآخر.
2-   الايمان بالعقل باعتباره الاساس في المحاججة وليس النظرة المسبقة.
   ليس ثمت تناقض بين العقل والايمان، وهو جوهر النقد الذي تناوله البابا في محاضرته التي اثارت ردود فعل شديدة، لكن التاريخ الاسلامي شهد فترات سبات للعقل وتغلّب عليه العنف وساد السيف قبل الرأي، ولكننا لا بدّ من التمييز بين الاسلام كمفاهيم ومبادئ ومعتقدات وتعاليم وبين التاريخ والممارسات والتطبيقات والتجاوز على المبادئ.
   بخصوص التسامح والاختلاف فهناك نموذجين احدهما: معياري والثاني واقعي، فهناك من يقرّ بالاختلاف وبالتالي بالتسامح في المسائل الفرعية، وهناك من يذهب أبعد من ذلك حين يقرّه في المسائل العقدية والاصول " فكل مجتهد مصيب في اجتهاده، وان لم يصب في حكمه" وذهب الامام الشافعي للقول:" رأيي صواب ولكنه يحتمل الخطأ ورأي غيري خطا ولكنه يحتمل الصواب".
   وقديماً قيل قد يصيب الناظر وجهاً من وجوه الحقيقية، وهو ما ذهب اليه ابن رشد، ولهذا فإن تباين الاجتهادات واختلاف التفسيرات، انما يدل على تباين الطرق الموصلة الى الحقيقة، فطريق الحق ليس واحداً، بل كثير ومتعدد، وهو الامر الغائب عن واقعنا الحاضر الشديد الالتباس والبعيد عن قيم التسامح.
   هناك بعض الاسلاميين المتعصبين أو الاسلامويين، يعتبرون أي حديث عن التسامح يقود الى " التساهل ازاء العقيدة والى الاباحية" وبعبارة اخرى: نشر الليبرالية بكل ابعادها على حساب الدين. وهو ما يذهب اليه مصباح يزدي احد منظري التيار اليميني المحافظ في ايران، الذي يعتبر التسامح يعني فيما يعنيه: التسيّب وانعدام الغيرة واسلوباً تخريبياً ضد الاسلام، يؤدي الى الانحراف والتحلل، في حين يميل تيار محمد خاتمي الرئيس الايراني السابق الى التسامح، ويدعو راشد الغنوشي الى هذا الاتجاه، ويعتبر فكر التشدد والتكفير وادعاء احتكار الاسلام وزعم النطق بإسمه، اكثر خطراً من الصهيونية والغرب والحكام المستبدين!
   اعتقد ان جزءًا من مشكلة الراهن والمستقبل، تكمن في المتراكم السلبي والموروث اللامتسامح، والذي تجري محاولات لاجتراره بهدف الحفاظ على سكونية المجتمع وانظمة الحكم السائدة، التي لا تقبل بالتنوع والاختلاف والتسامح والديمقراطية، ومثل هذا الامر يجد صداه داخل المجتمع عبر تيارات متطرفة ومتعصبة تحمل راية الاسلام او ما نطلق عليه " الاسلام السياسي".
   العرب والمسلمون ليسوا أبالسة او شياطين ا

467
ماراثون العزل السياسي في العراق
   



عبدالحسين شعبان
فصل جديد وصاخب من فصول العزل السياسي في العراق بدأ عشية الحملة الانتخابية لدورة جديدة للبرلمان العراقي، حيث فوجئ الرأي العام بصدور قرارات من هيئة المساءلة والعدالة تمنع أكثر من 500 من الناشطين السياسيين من الترشّح للانتخابات تحت باب “قانون اجتثاث البعث”. وقد تم تبليغ مفوضية الانتخابات بذلك، الأمر الذي تناوله الإعلام على نحو شديد وعاصف، ولاسيما في قضية الدكتور صالح المطلك رئيس كتلة مجلس الحوار الوطني والأمين العام للحركة الوطنية العراقية التي يرأسها الدكتور إياد علاوي، التي أنشئت قبل بضعة أسابيع في بغداد، لخوض الانتخابات البرلمانية. وقد تبادلت الاطراف المختلفة القاصية والمقصية اتهامات متبادلة بارتكابات وعلاقات خارجية وفساد وإثراء على حساب المال العام والتعاون مع الأجهزة الأمنية في السابق والحاضر.

وتطوّرت المسألة إلى سجالات سياسية واشكالات قانونية، خصوصاً أن العدد الأكبر من الذين تم استبعادهم مشاركون بالعملية السياسية وقسم منهم نواب في البرلمان منذ أربع سنوات أو أكثر. وقد أعاد الجدل بخصوص هذه القضية السؤال الكبير حول مدى قانونية قرارات “هيئة المساءلة والعدالة” التي أقرّها البرلمان في العام ،2008 لكنه لم يوافق على تسمية أعضائها، الأمر الذي سيعرض قراراتها للطعن بشرعيتها فضلاً عن قانونيتها أصلاً.

ومن جهة أخرى فهناك تساؤل بدأ يكبر من داخل العملية السياسية حول مدى قانونية “ قانون اجتثاث البعث” الذي شرّعه بريمر الحاكم المدني الأمريكي في العراق، وهو ما عبّر عنه في كتابه الذي صدر بعنوان “عام قضيته في العراق” العام 2006 عندما قال “.. سأكون شرطياً صالحاً عندما سأوقّع أمر اجتثاث البعث..”.

وقد أثار قرار اجتثاث البعث تداعيات سياسية وقانونية وإدارية وفنية واجتماعية وإنسانية، تركت تأثيراً بليغاً في الخارطة السياسية والمجتمعية العراقية، ستظهر نتائجها لاحقاً، خصوصاً على الاصطفافات والتحالفات السياسية والمسلحة. فمن الناحية السياسية كانت عملية الاجتثاث أقرب في الذاكرة إلى عملية تحريم حزب الدعوة الاسلامي، وإصدار أحكام ضد أعضائه بالإعدام بأثر رجعي، بالقرار الذي اتّخذه مجلس قيادة الثورة في 31 مارس/ آذار ،1980 وكان تمهيداً للحرب العراقية  الايرانية، كما ذكّرت بقرار تصفية الحزب الشيوعي الذي حدد نهاية العام 1980 مهلة للقضاء عليه، وقبل ذلك بقرارات مكافحة الأفكار الهدامة في العهد الملكي، واستخدام سلاح البراءة لإجبار السياسيين على ترك العمل السياسي، تلك التي استخدمها الجميع ضد الجميع، ولاسيما عند القرب من السلطة، فالشيوعيون استخدموها ضد القوميين والبعثيين العام ،1959 والبعثيون والقوميون ضد الشيوعيين بعد العام 1963 وبعد العام 1968 وبالأخص في أواخر السبعينات استخدم العزل السياسي ضد الكرد والإسلاميين والشيوعيين، واليوم نعود إلى المربع الأول حين تستخدمها القوى المتنفذة في العملية السياسية، ولاسيما الإسلامية ضد البعثيين وخصوم العملية السياسية أو المنافسين.

لقد كان قانون الاجتثاث أقرب إلى عقوبات جماعية ذات طبيعة انتقامية لاعتبارات سياسية وعقائدية حيث جرى تحريم العقيدة السياسية وتجريمها، وأخذ البريء بجريرة الجاني أو المرتكب، حارماً إيّاه من حق العمل السياسي، الذي هو حق من حقوق الإنسان، وهذا هو الوجه الآخر للتحريم القانوني.

أما التداعيات الإدارية والفنية، فإنها تركت تأثيراتها السلبية الخطيرة على جميع مرافق الدولة، خصوصاً إذا ما عرفنا أن حزب البعث الحاكم سابقاً، كان يحتكر المناصب العليا والمواقع الادارية الرفيعة المستوى والمسؤوليات الأساسية في الإدارة المدنية والسياسية في الدولة، ما يعني إحداث فراغات خطيرة في الجهاز التنفيذي والإداري والفني للدولة العراقية بمجملها، ولعل هذا الأمر هو الأسوأ، إذا ما ترافق مع حل المؤسسة العسكرية والأمنية وبعض الأجهزة الأخرى الحساسة، وهو القرار الثاني الذي اتخذه بريمر باسم سلطة الائتلاف المؤقتة.

حسب المعطيات المتداولة كان حزب البعث يضم عشية احتلال بغداد نحو مليونٍ ومائتي ألف عضو، وهؤلاء يتحدّرون من جميع مكوّنات الشعب العراقي، وإنْ كان قسم كبير منهم قد انضمّ إلى الحزب لأسباب مصلحية ونفعية وحفاظاً على لقمة عيشهم، وقد تدرّج البعض من هؤلاء ليحتلّ مواقع في الدولة ومؤسساتها على المستويات السياسية والقانونية والإدارية والفنية، ولذلك فإن القانون حتى إن لم يشمل هؤلاء جميعهم، إلا أنه وجّه الاتهام إليهم من دون استثناء من خلال العقيدة السياسية التي كانوا ينتمون اليها قناعة أو اضطراراً، ما ترك تداعياته الاجتماعية والإنسانية على عشرات بل مئات الألوف من العراقيين من المنتمين لأسباب مختلفة إلى حزب البعث.

ان طلب تقديم البراءة من حزب البعث حالياً يذكّر بالمادة 200 التي استخدمها النظام السابق ضد معارضيه، والتي تجد أساساً لها حالياً في الدستور العراقي النافذ، خصوصاً في المادة 7 التي حرّمت على البعثيين العمل السياسي تحت اسم حزب البعث أو أي اسم آخر يمتُ بصلة اليه، وهو ما حاول المتشددون العزف عليه.

ان استمرار هذه المسألة سيهدد العملية السياسية برمتها، ولاسيما إن سيف العزل طال أعداداً كبيرة من العاملين في الوسط السياسي من جميع الفرق، وخصوصاً من غير المحسوبين على الجماعات الدينية الحاكمة. وإذا ما تم الاصرار على إجراء الانتخابات في ظل عملية سياسية ناقصة أصلاً أو مطعون فيها، وفيما بعد ابعاد فريق من المشاركين عنها، بمن فيهم من هو قريب من واشنطن، مع اصرار الرئيس أوباما

على الانسحاب في شهر أغسطس/ آب المقبل، سيعني التوسع في الدور الإيراني الذي سيدفع الكثيرين من المشاركين الحاليين إلى الانحسار أومقاطعة العملية السياسية القلقة والهشة، وإذا ما أضفنا إلى ذلك احتمال تصاعد الخلاف الكردي  العربي حول صلاحيات الاقاليم وسلطات الفيدرالية، فإن الأمر سيأخذ جوانب أخرى للتصدّع السياسي.

إن سياسة العزل مهما كانت مبرراتها ستؤدي إلى تضييق هوامش العملية السياسية وقد تجعلها تصل إلى طريق مسدود، إن لم تكن هذه الانتخابات المستعصية إحدى المؤشرات القوية على ذلك.

باحث ومفكر عربي

صحيفة الخليج الاماراتية الأربعاء ,03/02/2010

468
كوبا: رؤية ما بعد الخمسين (14) ثورة ومغامرات وكبرياء
عبدالحسين شعبان
2010-02-01
في 10 مارس 1952 دعمت المخابرات المركزية الأميركية انقلاباً حصل في هافانا، حين قاد الجنرال باتيستا هجوماً للإطاحة ببعض هوامش الحريات التي كانت متوافرة، حيث ألغيت العديد من الأنظمة والقوانين التي تؤمّن حرية الصحافة وبعض الحقوق والحريات العامة والفردية، وحلّت بالبلاد دكتاتورية جديدة سافرة، الأمر الذي سبّب خيبة أمل كبيرة للكوبيين، لاسيَّما لجيل الشباب المتطلع إلى الحرية والحياة الكريمة والعدالة الاجتماعية.
وخلال أحاديثي مع العديد من الأوساط السياسية والأكاديمية والناس البسطاء في كوبا وخارجها، كان دائماً ما يُذكر باتيستا، وإلى جانبه، بل وندّه هناك من يذكر شاباً مفعماً بالحيوية كان قد تخرّج لتوّه في كلية الحقوق، ولم يبلغ عمره أكثر من 25 عاماً، فقد ولد كاسترو في عام 1927، وسيصبح هذا المحامي الشاب من أكثر ثوار العالم شهرة بعد قيادته لمجموعة من الشبّان، حيث كان كاسترو قد يئس من الأحزاب القائمة بما فيها "حزب الحقيقة" و "الحزب الشيوعي"، فأسس مع مجموعة من رفاقه سيبرز فيهم لاحقاً تشي جيفارا وراؤول كاسترو شقيقه، حركة أطلق عليها اسم "حركة 26 يوليو" كان هدفها الإطاحة بالنظام الدكتاتوري عبر اختيار طريق الكفاح المسلح وسيلة لذلك.
وبعد نحو عام من التدريب والتهيئة، اجتمع تحت قيادة كاسترو نحو 150 شاباً، انتقلوا من هافانا ليقوموا بهجومهم على ثكنة مونكادا في سنتياغو دي كوبا، مستهدفين الاستيلاء على السلاح واللجوء إلى الجبال للاحتماء بها ومن ثم الزحف على المدن، حسبما اقتضت خطة الكفاح المسلح.
وكان اللجوء إلى جبال السيرامايسترا، وهي أعلى سلسلة جبال في كوبا وتمتد بكتلة واحدة على طول البحر الكاريبي (نحو 150 كم وعرض 30 كم)، يستهدف الاختباء في جبال وعرة وغير مأهولة ومغطّاة بغابات يصعب اجتيازها، ولذلك فهي تؤمن ملجأً يمكن للثوار الاختباء فيه.
لكن فشل الهجوم دفع البلاد إلى المزيد من القمع والملاحقة، وتمكّن فيدل كاسترو من الهروب إلى خارج كوبا، وقد حُكم عليه وعلى 30 من رفاقه في جزيرة الصنوبر، إلى أن حان موعد الانتخابات العامة التي فرضها الرأي العام على حكومة باتيستا، والتي أُجريت عام 1955، حيث صوّت المجلس الجديد بالعفو عن فيدل كاسترو ورفاقه، وعند خروجهم من السجن غادروا البلاد والتجؤوا إلى المكسيك، وهناك تعرّف على جيفارا.
وخلال عام كامل استجمع كاسترو خطته ورجاله، ليعودوا بسرية تامة إلى الجزيرة وكان عددهم 82 شخصاً، ولم ينجُ منهم سوى 21 عند وصولهم إلى الشواطئ الكوبية. وخلال تلك الفترة سعت واشنطن لوضع هيمنتها بالكامل على أميركا اللاتينية، فقادت تحركاً لصالحها في غواتيمالا عام 1954، وقمعت فيه الحركة الوطنية الغواتيمالية المتطلعة إلى الديمقراطية. في تلك الظروف وتحت تلك المخاوف وتقاطع الأجندات، انطلقت الثورة الكوبية لتشق سكون أميركا اللاتينية آنذاك، الأمر الذي لم تحسب له واشنطن الحساب الكافي، لاسيَّما أن الثورة جاءت من حديقتها الخلفية، وإذا بها تصبح مصدر إزعاج تواجهه كل يوم وتنشغل به على نحو كبير، وبخاصة إشعاعاتها على أميركا اللاتينية!
لم يكن الانقلاب العسكري "السلمي" الذي قاده باتيستا هو الحدث الأول الذي حدث للجزيرة، فتاريخ كوبا شاهد على التدخل والحروب الإسبانية، والأميركية لاحقاً، حيث شهدت موجات إمبريالية للتدخل حتى بعد إحراز استقلالها من الاستعمار الإسباني الناقص، فوقعت مثل التفاحة الناضجة في حضن الولايات المتحدة، وتشهد على ذلك تدخلات واشنطن بتوقيع اتفاقية بلات عام 1901 التي أرادت حصد نتائج حروب التحرر الوطنية الكوبية فسعت لكي تقع التفاحة في سلّتها بعد أن تخلّصت من إسبانيا، ومن ثم تدخل السفير الأميركي سومتر 1933 للهيمنة وإملاء الإرادة، وصولاً إلى حكم باتيستا الذي أطاحت به الثورة في مطلع عام 1959.
في ليلة مكسيكية باردة، جمعته بكاسترو كما يروي جيفارا في مذكراته ، ودار بينهما نقاش حول السياسة الدولية وشؤون وشجون أميركا اللاتينية طوال الليل حتى ساعات الصباح الباكر، أعلن بعدها جيفارا انضمامه إلى العصبة الثورية التي كان قد بدأ كاسترو بتأسيسها، وقام معه برحلته الأثيرة من المكسيك، وفي المركب غرانما، وصولاً إلى الشواطئ الكوبية، ومن ثم بدء عمليات الكفاح المسلح في جبال السيرامايسترا وصولاً إلى هافانا. حدث ذلك بعد سقوط نظام جاكوب أربنز في غواتيمالا على إثر عدوان واشنطن، بإشراف جون فوستر دالاس محامي شركة الفواكه المتحدة، الذي يحمل عدداً من أسهمها كأكبر مؤسسة إمبريالية في غواتيمالا.
يومها جاء كاسترو إلى أرض المكسيك المحايدة ليجهّز حملته المضادة بالعودة إلى هافانا على أسنّة الحراب، وقد تعرّض الثوار إلى هجوم مباغت. وكانت مجموعتان من الشرطة المكسيكية تبحثان عن فيديل كاسترو بإيعاز من باتيستا، وسقط أعضاء المنظمة في أيديهم لدى مهاجمتهم المزرعة بالقرب من ضاحية المدينة، وكما يقول جيفارا في مذكراته" تشي جيفارا- يروي مراحل الثورة الكوبية، إعداد سعيد الجزائري، دار الجيل، بيروت، 2004"، وجدنا أنفسنا جميعاً في السجن... وقضى بعضنا 57 يوماً فيه وكان خطر تسليمنا لحكومتنا معلّقاً فوق رؤوسنا، وبسبب اكتشاف جاسوس بين صفوف الثوار، كما يروي جيفارا، فقد كان ينبغي عليهم القيام بنشاط محموم لإعداد المركب، الذي سيتم تخليده كرمزية كبيرة، وتحت اسم "غرانما" وينطلق يوم 25 نوفمبر 1956 حاملاً على ظهره 82 ثائراً وبضعة بنادق وأعتدة وألبسة عسكرية. وفي الساعة الثانية صباحاً كانت كلمات كاسترو تتردد "سنتحرر أو نستشهد" وظلّ صداها مخيّماً على أجواء الثورة حتى تحقق النصر، بل إن بعض الحركات الثورية كانت تختتم بياناتها بشعارات: الموت أو النصر.
لعل ساعة الانطلاق نحو الشواطئ الكوبية لبدء الكفاح المسلح كانت مثيرة ومدعاة للقلق والتأمل، فقد أطفأوا أنوار مركب غرانما، وتركوا على عجالة مرفأ توكسبان، لكن دوار البحر سرعان ما داهمهم، ويصف جيفارا وضعهم بالمحزن المثير للقرف بالقول: رجال وجوههم كالحة من الخوف والقلق ويمسكون بطونهم بأيديهم من الغثيان.. ثيابهم ملوثة بالقيء... وبعد مسيرة مضنية وإلقاء جزء من حمولة المركب لتخفيف الوزن يصلون إلى الشواطئ الكوبية بطريق استدارة كبيرة استمرت لبضعة أيام حيث وصلوا إلى البر الكوبي..
يقول جيفارا: كنّا جيشاً من الظلال والأشباح التي تتقدم كأنها مدفوعة بقوة بدنية غامضة، حيث تعرّضنا للجوع ودوار البحر لمدة 7 أيام، ثم لمدة ثلاثة أيام مريعة على الأرض، في بعض المستنقعات، لاسيَّما بعد هجوم قوات باتيستا عليهم وحصدها أرواح العشرات منهم لدرجة أن من تبقّى على قيد الحياة، كادت قواه أن تخور، وأن بعضهم كان جريحاً، لدرجة أن جيفارا الذي أصيب بجراح أيضاً، فكّر بالموت بأن يترك نفسه عند جذع شجرة ويستعد لإنهاء حياته بكل كبرياء، مثل بطل جاك لندن الذي عرف أنه محكوم عليه بالموت متجمداً وسط ثلوج آلاسكا، فاختار طريقاً آخر أقصر منه.
بعد فترة وجيزة تجمّع من تبقى من فلول الثوار المنتشرة دون هدى ما وكانت نقطة الالتقاء هي معرفتهم بأن كاسترو ما زال على قيد الحياة، ووصلوا إليه بواسطة بعض القرويين، وكان أن خططوا لمعركة سريعة لتحسين المعنويات، وتحقق لهم ما أرادوا حين كسبوا معركة لابلاتا التي انتصروا فيها في 17 يناير 1957 أي بعد 6 أسابيع من وصولهم إلى الشواطئ الكوبية، حيث هاجموا الثكنة الصغيرة التي تقع على مصب نهر لابلاتا في سيرامايسترا، تلك المعركة التي انتشرت أخبارها مثل النار في الهشيم، الأمر الذي عاظم من معنويات الثوار وزاد من ثقتهم بأنفسهم وعزز من قدراتهم. ولعل تلك المعارك التي استمرت منذ أواخر عام 1956 وأوائل عام 1957 وحتى الأول من يناير 1959 (يوم كان الإعلان عن انتصار الثورة) إنما تعيد إلى الذاكرة الحروب والتحديات التي تعرّضت لها كوبا قبل الثورة وما بعدها.

469
الانتخابات والعزل السياسي في العراق   
   

                                                                                   عبد الحسين شعبان


في خضم الحملة الانتخابية لدورة جديدة للبرلمان العراقي، فوجئ الرأي العام بصدور قرارات من هيئة المساءلة والعدالة تمنع نحو خمسمائة من الناشطين السياسيين من الترشّح للانتخابات تحت باب "قانون اجتثاث البعث".
وقد تم تبليغ مفوضية الانتخابات بذلك، الأمر الذي تناوله الإعلام على نحو شديد الصخب، ولاسيما في قضية الدكتور صالح المطلك رئيس كتلة مجلس الحوار الوطني والأمين العام للحركة الوطنية العراقية التي يترأسها الدكتور إياد علاوي، التي أنشئت قبل أسابيع في بغداد، لخوض الانتخابات البرلمانية.
"
أعاد الجدل بخصوص قضية الانتخابات السؤال الكبير عن مدى قانونية قرارات هيئة المساءلة والعدالة من جهة ومدى قانونية قانون اجتثاث البعث الذي شرّعه بريمر -الحاكم المدني الأميركي في العراق- من جهة أخرى
"
وتطوّرت المسألة إلى سجالات سياسية وإشكالات قانونية، خصوصاً وأن العدد الأكبر من الذين تم استبعادهم مشاركون بالعملية السياسية وقسم منهم نواب في البرلمان منذ أربع سنوات أو أكثر.
وقد أعاد الجدل بخصوص هذه القضية السؤال الكبير عن مدى قانونية قرارات هيئة المساءلة والعدالة من جهة ومدى قانونية قانون اجتثاث البعث الذي شرّعه بريمر -الحاكم المدني الأميركي في العراق- من جهة أخرى، وهو ما عبّر عنه في كتابه الذي صدر بعنوان "عام قضيته في العراق" العام 2006 عندما قال " .. سأكون شرطياً صالحاً عندما سأوقّّع أمر اجتثاث البعث...".
ولعل هذا القانون كان الأمر رقم (1) الصادر عن سلطة الائتلاف المؤقتة وتم توقيعه في الصباح الباكر من يوم الجمعة الموافق 16 مايو/أيار 2003 بحضور عدد من المسؤولين الأميركيين بينهم ريان وسكوت وميغهان ومارتيز.
وقد أثار قرار الاجتثاث تداعيات سياسية وقانونية وإدارية وفنية واجتماعية وإنسانية، تركت تأثيراً بليغاً على الخارطة السياسية والمجتمعية العراقية، ستظهر نتائجها لاحقاً، خصوصاً على الاصطفافات والتحالفات السياسية والمسلحة.
فمن الناحية السياسية كانت عملية الاجتثاث أقرب في الذاكرة إلى عملية تحريم حزب الدعوة الإسلامية، وإصدار أحكام ضد أعضائه بالإعدام بأثر رجعي، بالقرار الذي اتخذه مجلس قيادة الثورة في 31 مارس/آذار1980، وكان تمهيداً للحرب العراقية الإيرانية، التي شهدت تهجير نحو نصف مليون مواطن عراقي بحجة التبعية الإيرانية، بعقوبات جماعية، ليس لها أي مبرر مشروع على الإطلاق، مثلما هو قرار الاجتثاث الذي هو أقرب إلى العقوبة الجماعية ذات الطبيعة الانتقامية لاعتبارات عقائدية وسياسية.
إذ إنه بدلاً من إحالة المتهمين بارتكابات محددة إلى القضاء، جرى تحريم وتجريم العقيدة السياسية، وهو الذي تضمنه قانون الاجتثاث، الذي أخذ البريء بجريرة الجاني أو المرتكب، حارماً إيّاه من حق العمل السياسي، الذي هو حق من حقوق الإنسان، وهذا هو الوجه الآخر للتحريم القانوني.
أما التداعيات الإدارية والفنية، فإنها تركت تأثيراتها السلبية الخطيرة على جميع مرافق الدولة، خصوصاً إذا ما عرفنا أن حزب البعث الحاكم سابقاً، كان يحتكر المناصب العليا والمواقع الإدارية الرفيعة المستوى والمسؤوليات الأساسية في الإدارة المدنية والسياسية في الدولة، مما يعني إحداث فراغات خطيرة في الجهاز التنفيذي والإداري والفني للدولة العراقية بمجملها، ولعل هذا الأمر هو الأسوأ، إذا ما ترافق مع حل المؤسسة العسكرية والأمنية وبعض الأجهزة الأخرى الحساسة، وهو القرار الثاني الذي اتخذه بريمر باسم سلطة الائتلاف المؤقتة.
"
رغم " الطابع السياسي" للوظيفة العامة كما كان سائداً وكما هو حالياً، فإن أجهزة الدولة كانت تحفل بعشرات الآلاف من الكفاءات العلمية المرموقة والمشهود لها، وكان الكثير منها بعيداً عن السياسة أو العمل السياسي في الغالب
"
ورغم "الطابع السياسي" للوظيفة العامة وبخاصة للمواقع العليا كما كان سائداً وكما هو حالياً، فإن أجهزة الدولة كانت تحفل بعشرات الآلاف من الكفاءات العلمية المرموقة والمشهود لها، وكان الكثير منها بعيداً عن السياسة أو العمل السياسي في الغالب، حتى وإنْ أحتُسِبت ضمن التصنيف السياسي على "الموالين" لسياسة الحزب الحاكم، وإنْ كان الأمر شكلياً كما سيتم ذكره.
حسب المعطيات المتداولة كان حزب البعث يضم عشية احتلال بغداد نحو مليون ومائتي ألف عضو، وهؤلاء يتحدّرون من جميع مكوّنات الشعب العراقي، وإنْ كان قسم كبير منهم قد انضم إلى الحزب لأسباب مصلحية ونفعية وحفاظاً على لقمة عيشهم، وقد تدرّج البعض من هؤلاء ليحتل مواقع في الدولة ومؤسساتها على المستويات السياسية والقانونية والإدارية والفنية.
ولذلك فإن القانون حتى وإن لم يشمل هؤلاء جميعاً إلا أنه وجّه الاتهام إليهم دون استثناء من خلال العقيدة السياسية التي كانوا ينتمون إليها قناعة أو اضطراراً، مما ترك تداعياته الاجتماعية والإنسانية على عشرات بل مئات الألوف من العراقيين من المنتمين لأسباب مختلفة إلى حزب البعث.
ورغم التفسيرات والمراجعات التي قيلت بشأن قانون الاجتثاث بأنه يشمل أعضاء القيادة القطرية وأعضاء الفروع والشُعب والفرق بما يقارب أو يزيد قليلاً عن ثلاثين ألف عضو، فإن الأمر كان أعقد من ذلك وإذا ما انضم إليهم عناصر من القوات المسلحة والقوى الأمنية وبعض الأجهزة التنفيذية، فإنه سيشمل عشرات بل مئات ألوف أخرى.
لكن الأهم أن القانون دفع أوساطاً كانت متململة أو غير راضية على انضمامها "القسري" أو شبه القسري إلى حزب البعث، بل استعدادها للتخلي عنه، إلى الاقتراب من بعضها البعض لشعورها بأنها جميعاً مستهدفة، أو يراد لها تقديم تنازلات من شأنها أن تلحق الأذى بسمعتها وبمستقبلها.
صحيح أن البعض بادر إلى ذلك على نحو مجاني أحياناً، حيث استبدل ولاءه من الحزب والأجهزة الأمنية، إلى التعاون مع الاحتلال والقوى التي تمثله مباشرة أو بصورة غير مباشرة، إما للنجاة أو تبرّماً بالماضي أو رغبةً في ركوب الموجة الجديدة والحصول على امتيازات، خصوصاً وأن بعض القوى الناشئة، والتي جاءت مع الاحتلال ليس لديها جماهير أو كوادر أو أتباع، فاستعانت بالجماعات البعثية التي جرى اجتثاثها، وبذلك أُغرِقت هذه الكتل الحديثة التكوين وفي ظل الانفلات وغياب الضوابط والمعايير، بعناصر انتهازية وهشّة، مثلما أغرق الحزب الحاكم نفسه في السابق بمثل هذه العناصر تحت الشعار الشهير الذي أطلقه الرئيس السابق في أواخر السبعينيات "الكل بعثيون وإن لم ينتموا".
بمعنى أن العراقيين سواءً كانوا أعضاء في حزب البعث، أي منتمين بإرادتهم الطوعية أو لم ينتموا، فهم كذلك أعضاء بنظره حتى وإن لم يتقدموا بطلبات انتساب، طالما كان مجلس قيادة الثورة منذ العام 1974 قد كرّس حزب البعث قانونياً ورسمياً، باعتباره حزباً قائداً ووثائق مؤتمره الثامن مرجعية للدولة، أي جعلها بمصاف الدستور.
من الناحية العملية فإن هيئة اجتثاث البعث قد تم حلّها وأسست هيئة المساءلة والعدالة على أساس قانون صدر بهذا الاسم. وإذا كان البرلمان قد صادق على مشروع القانون، إلا أنه لم يوافق على تأسيس الهيئة بالشخصيات المُعلنة، الأمر الذي يثير إشكالات قانونية وسياسية حول قراراتها، طالما لم يوافق البرلمان على عضويتها، لكنها ظلت تعمل دون وجود غطاء قانوني لها ودون أن يطلب أحد حلّها أو إبطال قراراتها إلى أن وصل الأمر إلى منع صالح المطلك و15 كياناً سياسياً ومئات الشخصيات من الترشح، حيث جرى التنبّه إلى قراراتها غير القانونية، ولعل هذه واحدة من حالات الفوضى السياسية والقانونية السائدة في العراق وفي جميع المجالات.
"
لعل مجيء بايدن نائب الرئيس الأميركي إلى العراق بعد اندلاع مشكلة استبعاد صالح المطلك وعدد من الشخصيات السياسية من الترشح للانتخابات، يمكن أن يحلحل المسألة ويجد تسويات حتى وإن كانت غير قانونية
"
ولعل الأمر كله بحاجة إلى وقفة جدية قانونية وسياسية حول مدى صلاحية هيئة بهذا المعنى، وبقانون المساءلة والمصالحة ككل، فإذا كان هناك مرتكبون وتوجد شكاوى ضدهم، فيمكن إحالتهم إلى القضاء، ولاسيما أن حزب البعث محظور دستورياً بغض النظر عن وجاهة مثل هذا القرار أو عدم وجاهته فيما يتعلق بتحريم العقيدة السياسية.
لعل مجيء جوزيف بايدن نائب الرئيس الأميركي إلى العراق بعد اندلاع مشكلة استبعاد صالح المطلك وعدد من الشخصيات السياسية من الترشح للانتخابات، يمكن أن يحلحل المسألة ويجد تسويات حتى وإن كانت غير قانونية، في إطار فوضى قانونية وقرارات ملتبسة وهيئة لم يصادق عليها البرلمان، لكن المشكلة القانونية ستبقى قائمة ما لم يتم إلغاء قرار اجتثاث البعث الذي أصدره بريمر وإلغاء قانون المساءلة والمصالحة وحل الهيئة غير المصادق عليها، التي اقترحتها الحكومة الحالية بعد حل هيئة اجتثاث البعث التي كان يترأسها الدكتور أحمد الجلبي ونائبه رئيس الوزراء الحالي نوري المالكي.
إذ لا يمكن تحقيق مصالحة حقيقية في ظل سيف العزل والإقصاء والاتهام المسبق، وهو اتهام متبادل في السابق والحاضر بالارتكاب، وأعتقد أن الأمر بحاجة إلى أجواء سياسية سليمة وسلمية وأوضاع أمنية مناسبة وظروف اقتصادية وخدمية طبيعية، ولا سيما بحل أزمة المياه والكهرباء والبطالة، فذلك وحده الذي سيضع مسألة التعايش والاعتراف بالآخر وفق عقد سياسي واجتماعي جديد وفي إطار حكم القانون واستقلال القضاء.      


470


كوبا: رؤية ما بعد الخمسين!! 13 - جيفارا بين رامبو ودون كيشوت!
عبدالحسين شعبان
2010-01-25
يسرد جيفارا على نحو تصويري تجربته في أول مواجهة مع العالم الخارجي من خلال دراجته النارية وهي تلتهم آلاف الكيلومترات في مغامرة عاصفة، ولعله وهو يقوم بتلك الرحلة يحمل روح دون كيشوت الحالمة وكأنها استيقظت فيه!!
التجوال، أي الانتقال من مكان إلى آخر، ظلّ رفيقاً أساسياً لجيفارا نمت معه بذرة التمرد الأولى، فضلاً عن كونه متعة وممارسة إنسانية له، لاكتشاف ثقافات وتمازج حضارات وتفاعل صداقات وتكامل علاقات إنسانية قومية وإثنية ودينية وسلالية بحيث تشكل تناسقاً ومشتركاً علوياً، عابراً للمكوّنات الفرعية، لحساب المشترك الإنساني، لعل روح رامبو الشاعر الفرنسي كانت قد تلبسته هي الأخرى، وهو القائل: "يذهب بعيداً بعيداً جداً، عبر الطبيعة"، حيث كان رامبو ضجراً وغير قادر على الاستمرار في مكان واحد (من قصيدة لرامبو وهو في سن السادسة عشرة). فقد كان الفتى جيفارا مثل رامبو يحبّ التجوال منذ صباه". الحياة دائماً في المكان نفسه أمرٌ بائس جداً".
كان جيفارا يكتشف مثل رامبو أزهاراً جديدة ونجوماً جديدة ولغات جديدة وربما بشراً آخرين، كل ذلك من أجل "حريته المشتهاة". لقد غادر رامبو الفرنسي شارلفيل الفرنسية، إلى لوكانو (السويسرية) ومنها إلى جنوى الإيطالية ووصل إلى الإسكندرية المصرية ومنها إلى جزيرة قبرص وبعد ذلك إلى جدة السعودية فالحديدة اليمنية، واستقرّ به المقام في عدن جنوب اليمن، التي ناسب جوّها الحار مزاجه. وجيفارا الأرجنتيني اخترق كل أميركا الجنوبية على ظهر دراجة نارية وصولاً إلى شمالها حتى الولايات المتحدة، ومن أميركا اللاتينية إلى أدغال إفريقيا بعد أن زار 15 بلدا وعقد صداقات جزائرية، مصرية، مغربية، كونغولية، وإفريقية وآسيوية ومنها عاد إلى بوليفيا، لا من أجل الهمّ الإنساني الخاص فحسب، بل لحمل مشعل الثورة، متماهياً مع الهم الإنساني العام.
النثر الجميل المفعم بالحياة الذي يسرد فيه جيفارا يوميات رحلته الدونكيشوتية يجعلنا نتوقف أمام مهارته وأسلوبه الأدبي الرقيق، لاسيما إذا كان ممزوجاً بروح مخلصة لتجربة فريدة، حيث يلقي ضوءا على مشاعره وأحاسيسه خلال تلك الرحلة، ولعل جيفارا يبحث عن نفسه في تلك اليوميات عندما ينقل عن الفيلسوف الإغريقي بروتوغوراس قوله "الإنسان مقياس كل شيء"، فالشخص الآخر يتكلم ويروي على لسانه وبلغته الخاصة، ما رأته عيناه، حتى وإن بدت بطريقة المراقبة، فيصف الطريق بلمسة رسام ماهر بالقول:
"تتلوى الطريق بين سفوح الجبال التي تسير بداية سلسلة جبال الإنديز، ثم تهبط منحدرة حتى تصل بلدة بائسة غير جذّابة محاطة بنقيض حاد من الجبال العظيمة الكثيفة المشجرة".
لم يتورّع جيفارا أن ينقل إلينا بشيء من المتعة والسخرية وحسّ الغرابة، واقع حاله مع صديقه غرانادو، يوم يقومان بمحاولة سرقة النبيذ، مزاوجة سلوكه حين يكون ثملاً وبين سخرية القدر في كشف اللص، وبشيء من الدونكيشوتية والشارلشابلنية حسب تشينتيو فيتير، يعرض المطاردة بين الراقصين وكأنه في فيلم يعود للحقبة الثلاثينية للأفلام الصامتة من القرن الماضي.
مغامرات الشاب المملوءة بالفرح والسخرية تنتقل إلى هذه "الجبارة" (الدراجة النارية) كما كان يطلق عليها، للسير أحياناً والعطب في أحيان أخرى والتوقف لإصلاحها في مرات كثيرة، ومفاجأة العلاقة بالناس البسطاء و "الشغيلة" والفلاحين المعدمين، عبر الحدود واجتياز دول، وتنوّع تضاريس وجغرافيات ومناخات، وامتزاج ثقافات وحضارات.
ولعل الغرابة والجسارة والفضول، كانت من أولويات عنصر المغامرة لدى جيفارا وصديقه غراندو، وهو ما كان يقرّبهما من دون كيشوت، الوحيد المحاط بالعزلة والحماقة، رغم أن قلبه مملوء بحب الكادحين والفقراء والأطفال الجياع. وينقل علاقته بمرضى الجذام ومستعمرتهم، لاسيما عندما قاموا بتوديعه وصديقه وداعاً غنائياً، حيث انطلق المرضى الذين ساعدوهما، على صوت لحن شعبي، فانساقت الحمولة البشرية بعيداً عند الشاطئ، وأضفت أضواء قناديلهم الخافتة على الناس، سمة الأشباح.
لقد شعر جيفارا وصديقه غراندو أنهما لا يحسنان لمرضى الجذام فحسب، بل يشاطرونهم محنتهم، ليس بالمعاملة والمعالجة فحسب، بل حين لعبا معهم كرة القدم، وتحدثا إليهم بروح أخوية إنسانية، مفعمة بالتفاني والمشاركة في البؤس الإنساني، والإحساس بألم العزلة والحيرة والمصير البائس.
ولعل مجلة التايم كانت قد أصابت كبد الحقيقة حين وصفت جيفارا المولود في 18 يونيو (يونيو) 1928 ولعائلة من الطبقة الوسطى بـ "أيقونة القرن العشرين". وتكشف رسائله لوالدته أحاسيسه الإنسانية وهواجسه وهمومه وتطلعاته، بما فيها نوبات الربو التي كانت تصيبه والقلق الذي يداهمه وأحياناً خوفه من المجهول، وحرصه على بقاء حلمه مستمراً وإرادته صلبة، كأن مقولة المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي حول "المثقف العضوي" كانت أمامه باستمرار، لاسيما عندما يتحدث عن تشاؤم الواقع، فكل ما حوله كان مدعاة للتشاؤم والقنوط، لاسيما محق الإنسان واستغلاله أبشع استغلال من جانب قلة احتكارية متسلطة على شعوب مستلبة ومهضومة، لكنه رغم كل ذلك لم يكن يائساً، وبقدر تشاؤمه، فقد كان يمتاز بتفاؤل الإرادة، الأمر الذي يضعه في صلب مواصفات المثقف العضوي، الذي أراد أن يتماهى مع قضية العدالة والإنسانية، والتطلع إلى غدٍ جديد يتساوى فيه البشر ويتكافؤون في الحصول على الرفاه، كلٌّ حسب طاقته، ولكلٍّ حسب حاجته!!
وعلى طول اليوميات وعرضها وعلى امتداد  امريكا اللاتينية كلها، هناك من يتحدث عن الخيالات الهائجة وغبار الطريق واللحم المشوي والارتجال والنساء الجميلات ورسائله إلى أمه وطريق البجعات السبع، وأخوة الكائنات البشرية.. وكأنها مفردات حياة يومية متخيّلة، لكنها واقعية أيضاً!! وتلك كانت أقرب إلى قصائد رامبو في مرحلته العدنية ومغامرته الكونية!



7897 العدد - صحيفة العرب القطرية ، الإثنين 25 يناير 2010 م - الموافق 10 صفر 1431 هـ




471
الحلقة الرابعة  والحلقة الخامسة من كتاب سعد صالح


للاطلاع على التقارير كاملا انقر على الروابط التالية


الحلقة الرابعة
http://www.ankawa.com/upload/634/07.pdf


الحلقة الخامسة
http://www.ankawa.com/upload/634/08.pdf



472
كوبا: رؤية ما بعد الخمسين!! - 12 - يوميات المغامر النبيل
                                                                                         عبدالحسين شعبان
2010-01-18
أينما ذهبت في كوبا فهناك من يحدّثك عن الشخصية الأثيرة التي كلما ابتعد موسم رحيلها ازدادت قرباً، فقد كان لها سحر خاص ظلّ يفيض على كل من يتطلع إلى حياة جديدة، لاسيَّما من الشباب الحالم، الذين ما فتئوا يستعيدون ذكرى المغامر النبيل، وكأنها طيف، طالما تمنّوا أن يكون قريباً من اليقظة، فقد طبع حياتهم كلها بأحلام غامضة، وردية، هكذا يحدثني أحد الشباب في حانة أرنست همنغواي في هافانا "حانة بودغيتا دل ميديو" فقد حدس شكل ملامحنا الشرق أوسطية وربما سحنتنا العربية، فأراد أن يتعرّف علينا أو يثرثر معنا، وسرعان ما انضمت إلينا فاتنة حسناء، لكن حاجز اللغة حال بيننا وبينها. يقول الشاب الكوبي بإنجليزية طليقة: رغم أن تشي جيفارا غادرنا سريعاً، لكن صورته وصوته وابتسامته لا تزال تعيش معنا.
لقد أعادني هذا الحديث إلى ما سبق أن قرأته عن مغامراته التي حاول تدوينها لاحقاً في رحلته الشهيرة لعبور القارة الأميركية الجنوبية. وبفضول معرفي ورغبة في اجتراح المغامرة كنّا نحاول أن نجد طريقنا الخاص، بإعلان تمردنا ورفضنا النمطية والرتابة والمألوف بما فيها شكوكنا أحياناً بماركسية معلّبة أو وصفة جاهزة، في حين اعتبرنا جيفارا ناقداً لحدود الجمود والتحجر، طامحاً في تجاوز السائد، حتى وإن كان ذلك جزءا مما كنّا نعتقد فيه.

كيف نصنّف "يوميات دراجة نارية" وهو عنوان كتاب عن رحلة جيفارا في أميركا اللاتينية، هل ندخله في أدب الرحلات والرحّالة، وهو ما حاول المشروع الجغرافي العربي الذي يشرف على إصدار سلسلته الشاعر نوري الجراح، الإجابة عليه في تقديمه الذي كتبه محمد أحمد السويدي عن "ارتياد الآفاق" فضمّه إلى مجموعة المؤلفات التي وضعها الرحالة والجغرافيون العرب والمسلمون، وإن كانت رحلة جيفارا من طراز خاص ولغايات أخرى.
إن يوميات جيفارا في تجربته الأميركية اللاتينية والتي قطع فيها مع صديقه ألبرتو غرانادو على دراجة نارية نحو 4500 كيلومتر، لم تكن مغامرة فحسب، مدروسة أو غير مدروسة، بل كانت تطلع شاب إلى المعرفة واستعداده لاجتياز الصعاب، لإثبات التميّز، وبقدر ما في المسألة من جدّية، كان فيها الكثير من عناصر السخرية، إزاء الواقع، وإزاء ما صادفه من تحدّيات، وإزاء نفسه في الكثير من الأحيان، لكن تلك الرحلة كانت بروفة أولية ضرورية لمغامرة أكثر خطورة ومسؤولية لتشمل العالم كله هذه المرّة، مبشراً بالثورة والحرية والتمرد على ما هو سائد، طامحاً في عالم جديد أكثر عدلاً.
بواسطة الدراجة النارية جاب جيفارا مجتمع أميركا اللاتينية، وهو الطبيب الذي وجد المرض والتخلف والأمية منتشرة من جنوب القارة وصولاً إلى شمالها، وفي الشمال كانت أقلية صغيرة متنفذة تتمتع بالخيرات والموارد، ناهبة شعوب أميركا اللاتينية، واضعة كل ما تنتجه سواعد الملايين في خدمتها.
كان الطبيب الأرجنتيني الشاب ينتقل من على ظهر دراجته النارية مع صديقه من الأرجنتين إلى شيلي، ومنها إلى بوليفيا وبعدها يصل إلى بيرو ومنها ينتقل إلى بوليفيا ثم إلى فنزويلا، ولو اطّلعنا على خارطة الرحلة، لاسيَّما عبر دراجة نارية ليست على ما يرام، لاكتشفنا أية إرادة أسطورية نفّذت ذلك، وأية مفاجآت وتحديات واجهته، وكيف تعامل في ظروف بالغة القسوة والحساسية أحياناً، بكل ثقة بالنفس وبالسخرية، والخروج على المألوف.
هكذا التهمت الدراجة آلاف الكيلومترات في أميركا اللاتينية وصولاً إلى "سرّة العالم"- عاصمة الانكا، وكأنه يحمل شعلة لصهر روحه ومزجها بآلام القارة المستلبة، والمتطلعة إلى الانعتاق. لعل ذلك كان مقدمة لطريق الحرية والفداء الذي اختاره جيفارا دون تردد أو رجوع، حيث كان عمره لا يزيد على 24 عاماً عندما كتب "علمت أنه حين تشق الروح الهادية العظيمة الإنسانية إلى شقين متصارعين، سأكون إلى جانب الشعب، أعلم هذا، أراه مطبوعاً في سماء الليل، أرى نفسي قرباناً في الثورة الحقيقية، المعادل العظيم لإرادة الأفراد..". ولعل كتابة مثل هذا النص، وفي وقت مبكر من حياته، تكشف عن عمق مشاعره الإنسانية، وعن سحر كلمته الأنيقة.
يوميات جيفارا بدت أقرب إلى مغامرة تلقائية لروح مجبولة على المغامرة، وماذا ستكون الحياة من دونها؟ ولعل المغامرة من أجل الحقيقة هي أجمل المغامرات وأحلاها.
لعلنا في شبابنا كنّا قد تمثلنا تلك الرحلة المثيرة، فوق الجبال والبحيرات، في السهول والوديان، وفي عبور الحدود، والجميل في تلك المغامرة أن صاحبها حاول أن يكون أميناً في تدوينها، بل غير تقليدي أيضاً.
كان الشاب الأرجنتيني الأممي فيما بعد، اليافع، البالغ الحساسية، وهو يروي لنا يومياته ومغامراته، يظهر بقدر عقلانيته، جنونه أيضاً، وبقدر جديته، سخريته أيضاً، وهو ينقل لنا فقر وجوع واستغلال الأراضي الشاسعة التي يمرّ بها، وينتقل منها من بلد إلى آخر، وقد حاول بتلك الروح المرحة مقاومة التحديات وتجاوز الصعاب، وبقدر صلابته كان رقيقاً، وكان يميّز دائماً بين الجمال والفجاجة، وبين الحب والعطش إلى المعرفة والرغبة في التغيير، يقابلها الكراهية والتخلف والاستكانة.
لقد كانت ابنته أليدا جيفارا مارش محقّة عندما كتبت عن رحلته تلك قائلة "لم أعرف الشخص الذي كتبها، كنت آنذاك صغيرة وتماهيت مباشرة مع ذلك الرجل الذي سرد مغامراته بطريقة تلقائية كهذه.. عندما تنتهون من الكتاب ستودوّن العودة إليه للاستمتاع ببعض القطع ثانية، إما لجمال ما تصفه أو لكثافة المشاعر التي تتضمنها"، ولقد فعلت ذلك مرات ومرات، كنت أريد مقارنتها ببعض تجاربنا تارة، وأخرى لاختبار طول صبره، وثالثة لمعرفة حكمته أو جنونه، ورابعة لتقييم سجاياه الشخصية الشجاعة، لاسيَّما في المحن وتحدّي الصعاب.
يقول جيفارا الذي سيتحوّل إلى بطل كبير من أبطال القرن العشرين إن يوميات رحلة دراجة نارية "ليست قصة بطولة خارقة"، ولكنه لا يمكن إلاّ أن نفكّر بتلك البطولة باعتبارها مقدمة لتكوينه الثوري وشعوره الداخلي وهو يدوّنها، وهو ما يعبّر عنه بوضوح بالقول: الشخص الذي أعاد تبويبها وصقلها، أنا، لم يعد له وجود على الأقل، لست ذلك الشخص الذي كان. كل هذا التجوال هنا وهناك في "أميركتنا" لتكتب بحروف كبيرة"، غيّرني أكثر مما حسبت"، فقد كان ولوج عالم التمرد والتغيير، قد مرّ عبر جولته الأولى داخل قارة أميركا اللاتينية، برحلته المثيرة تلك.


7890 العدد - صحيفة االعرب القطرية  الإثنين 18 يناير 2010 م - الموافق 3 صفر 1431 هـ


473
هل تفلت ليفني من يد العدالة؟
   


عبدالحسين شعبان
لم تكن قد هدأت الضجة التي أثيرت حول تقرير غولدستون الذي أدان جرائم “إسرائيل” في قطاع غزة إبان حربها المفتوحة عليها والتي دامت 22 يوماً، وقبله الضجة التي أثارها تقرير الصحافي السويدي بوستروم بشأن متاجرة “إسرائيل” بالأعضاء البشرية لشباب فلسطينيين تُسرق أعضاؤهم بعد اغتيالهم، حتى بدأت ضجة كبرى تكاد تكون هي الأعظم خلال العقد الماضي كلّه تقريباً وذلك بصدور مذكرة قضائية من المحاكم البريطانية تقضي باعتقال تسيبي ليفني وزيرة الخارجية “الإسرائيلية” السابقة على خلفية مشاركتها في ارتكاب جرائم حرب في عملية “الرصاص المسكوب” التي استهدفت قطاع غزة بعد تجويعه لأكثر من عامين .

المذكرة البريطانية هي المذكرة الثالثة من نوعها أوروبياً، حيث كانت المذكرة الأولى قد أصدرها القضاء البلجيكي بملاحقة آرييل شارون رئيس الوزراء “الإسرائيلي” الأسبق وعدد من المسؤولين على خلفية مجازر صبرا وشاتيلا إثر اجتياح لبنان ومحاصرة العاصمة بيروت العام ،1982 وكان القضاء البلجيكي قد أصدر مذكرة بعد إعلان شارون عن زيارة بروكسل، الأمر الذي اضطرّه إلى إلغاء الزيارة في العام ،2001 وجاء هذا التحرك من جانب بعض مؤسسات المجتمع المدني وبعض الناشطين والناجين من المجزرة وفي مقدمتهم سعاد سرور، حيث وافق القضاء البلجيكي على النظر في الدعوى الخاصة بشارون .

والمذكرة الثانية عندما باشر القضاء الإسباني بالتحقيق في شكاوى مرفوعة ضد وزير الدفاع “الإسرائيلي” الأسبق بن اليعازر وستة من كبار المسؤولين العسكريين والسياسيين وذلك في 29 كانون الثاني (يناير) 2009 أي بُعيد الحرب على غزة بأيام بتهمة ارتكاب جرائم حرب من خلال قصف عشوائي على غزة في تموز(يوليو) 2002 .

المذكرة الثالثة ونعني بها ملاحقة تسيبي ليفني تكتسب أهمية خاصة لأنها تأتي على خلفية انكشاف جرائم الإبادة “الإسرائيلية” أمام الرأي العام على نحو لم يسبق له مثيل، خصوصاً إدانة منظمات دولية مرموقة لها، أقل ما يقال عنها إنها ليست موالية للعرب أو للفلسطينيين بقدر حياديتها ومهنيتها، إلاّ أنها في نهاية المطاف أصدرت تقارير تدين “إسرائيل” برغم الضغوط التي تعرّضت وتتعرض لها من داخلها ومن خارجها .

وكان العالم كلّه يشاهد من خلال شاشات التلفاز حجم الجرائم المرتكبة بحق المدنيين، في غزة، أواخر العام 2008 وأوائل العام ،2009 وقبله خلال الحرب على لبنان التي دامت 33 يوماً العام ،2006 وهو الذي دفع القضاء البريطاني للقيام بإجراءات الملاحقة، بعد تلقّيه شكوى لملاحقة تسيبي ليفني .

وقد تفاوتت الروايات بشأن ملاحقة تسيبي ليفني، فالرواية “الإسرائيلية” تقول أن ليفني ألغت زيارتها المقررة إلى لندن حيث كان من المؤمل أن تلقي كلمة أمام مؤتمر الصندوق القومي اليهودي، لكن رواية أخرى أقرب إلى الجانب العربي مع شهود عيان قالوا إنها شوهدت في قاعة المؤتمر وعندما علم القاضي البريطاني بوجودها، أصدر مذكرة اعتقال بحقها، لكنها فرّت من وجه العدالة بجواز سفر مزوّر وبتنسيق خاص بين المخابرات البريطانية و”الإسرائيلية” .

وبغض النظر عن ملابسات الحضور أو الاختفاء فإن قرار المحكمة البريطانية سيظل قائماً في حال عادت ليفني إلى بريطانيا حيث تقضي الإجراءات باعتقالها تمهيداً للتحقيق معها ومحاكمتها، الأمر الذي يعني فيما يعنيه أنها لن تعود إلى بريطانيا مرة أخرى، ولعل ذلك واحدة من فوائد الشروع بملاحقة المتهمين بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، خصوصاً تحريك الملفات بشأنهم عبر المحاكم الوطنية ذات الولاية القضائية العالمية، كما هي في بريطانيا وإسبانيا وبلجيكا وهولندا وكندا وسويسرا وفرنسا ونحو 47 دولة .

ومنذ أن جرى مثل هذا التحرك من جانب هيئات عربية ودولية لملاحقة المرتكبين فإن الحكومة “الإسرائيلية” درست بعناية المخاطر التي قد تلحق بها جراء ملاحقة المرتكبين وسبل التملص منها، بل إنها حددت بعض الخطوات بشأن السماح لمسؤولين سياسيين وعسكريين “إسرائيليين” متورطين بجرائم حرب للتنقل بجوازات سفر مزورة، وقد يصحّ هذا الأمر على ليفني التي كشفت سيرتها صحيفة التايمز البريطانية التي قالت إنها كانت تعمل مع الموساد، لاسيما فترة ما بين 1980 و،1984 حيث انخرطت في صفوفه عن طريق صديقة طفولتها ميرا غال التي عملت فيه لمدة 20 عاماً ثم أصبحت مديرة لمكتب ليفني .

وقد عملت ليفني في أخطر المواقع الخارجية حيث كانت تنشط بعض القيادات الفلسطينية والعربية في باريس التي شهدت في العام 1980 مقتل عالم الذرة مصري الجنسية يحيى المشد الذي كان يعمل في البرنامج النووي العراقي ووجد مقتولاً في غرفته، فحامت الشكوك حول الموساد المستفيد من تلك الجريمة، وعندما أدلت إحدى فتيات الليل بشهادتها بأنها سمعت أصواتاً في الغرفة المجاورة، وجدت مقتولة هي الأخرى بعد شهر في ظروف مريبة .

بعد نحو عام من هذه الجريمة تم قصف المفاعل النووي العراقي في 7 حزيران (يونيو) 1981 خلال انشغال العراق بالحرب غير المبررة مع إيران، وقد كشف تقرير فرنسي أن ليفني كانت ضمن الوحدة الخاصة المشرفة على العمليات في باريس في الفترة المذكورة التي شهدت مقتل عالم عراقي آخر .

وبغض النظر عن هذه المعلومات فإن صدور مذكرة قضائية باعتقال ليفني كان قد أثار ردود فعل “إسرائيلية” جدّية حيث ندد رئيس الوزراء “الإسرائيلي” بنيامين نتنياهو بتلك الخطوة التي اعتبرها شديدة الخطورة بحق زعيمة المعارضة وحزب كاديما ووزيرة خارجية “إسرائيل” سابقاً وقال: إن “إسرائيل” لن توافق على استدعاء ليفني أو باراك وزير الدفاع “الإسرائيلي” أو أولمرت رئيس الوزراء السابق إلى المحاكم البريطانية، لأنهم كانوا يدافعون عن دولة “إسرائيل” ببسالة ضد عدوٍ مجرم وقاس ومجرمي حرب .

وهكذا شنّت “إسرائيل” هجوماً على الضحايا مبررة الأعمال الإجرامية التي اتهمت بها ليفني، كما تضمّنت تصريحات قادتها إشارات مبطّنة إلى الحكومة البريطانية، لاسيما ممارسة ضغوط عليها لتغيير الوضع القانوني الذي يسمح بملاحقة مرتكبي الحرب، كما حصل الأمر للقضاء البلجيكي عندما شرع بملاحقة شارون، لكن هذا التصرف يعكس القلق الذي وصل إلى حد الهلع للمسؤولين “الإسرائيليين”، فقد كانت “إسرائيل” قد كلفت أحد أشهر مكاتب المحاماة ودفعت له مبلغاً أكثر من ثلاثة ملايين دولار لإيجاد “سبل ودفوع قانونية” تحول دون ملاحقة المرتكبين “الإسرائيليين” .

إن الاتهام بارتكاب مثل هذه الجرائم وبالتالي السعي لملاحقة المتهمين فضلاً عن التقارير الدولية وفي مقدمتها تقرير غولدستون يضع لأول مرّة بصورة جدية مشروعية “إسرائيل” أمام الرأي العام الدولي، لاسيما في جانبها القانوني، وهو الأمر الذي تستشاط غضبا منه مثلما فعلت بخصوص القرار 3379 الخاص بمساواة الصهيونية بالعنصرية الصادر في 10 نوفمبر/تشرين الثاني ،1975 حيث طوت الليل بالنهار حتى تمكنت من الإطاحة به في العام 1991 عندما تغيّرت موازين القوى لصالحها .

فهل ستفلت ليفني ورفاقها من يد العدالة إذا كانت “إسرائيل” ككيان معرضة للمساءلة ليس بسبب اغتصابها أرض فلسطين فحسب، بل أيضاً بسبب استمرارها في ارتكاب جرائم عدوان وجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وجرائم إبادة جماعية؟

باحث ومفكر عربي
صحيفة الخليج الاماراتية الاربعاء 13/1/2010

474
المنبر السياسي / بيئة التسامح
« في: 22:37 11/01/2010  »
بيئة التسامح   


عبدالحسين شعبان
هل نحن إزاء بيئة صحية لنشر وتعميم قيم التسامح، أم ثمة عوائق وعقبات تعترض ثقافة التسامح، لاسيما وأن هناك فهماً مختلفاً أحياناً بخصوص ما يعنيه البعض بالتسامح؟

التسامح يعني اتخاذ موقف إيجابي، فيه إقرار بحق الآخرين في التمتع بحقوق الإنسان وحرياته الأساسية . وحسب إعلان مبادئ التسامح الذي صدر عن اليونسكو فإن “التسامح يعني الاحترام والقبول والتقدير للتنوّع الثري لثقافات عالمنا ولأشكال التعبير وللصفات الإنسانية لدينا، ويتعزز هذا التسامح بالمعرفة والانفتاح والاتصال وحرية الفكر والضمير والمعتقد . .” . وهكذا فالتسامح تأسيساً على ذلك: يعني الوئام في سياق الاختلاف وهو ليس واجباً أخلاقياً حسب، وإنما هو واجب سياسي وقانوني، الأمر الذي يعني قبول وتأكيد فكرة التعددية وحكم القانون والديمقراطية ونبذ الدوغماتية والتعصب .

إن التسامح يعني أن المرء حر في التمسك بمعتقداته، وأنه يقبل أن يتمسك الآخرون بمعتقداتهم، وكما أن الاختلاف من طبيعة الأشياء، فلا بدّ من الإقرار باختلاف البشر بطبعهم ومظهرهم وأوضاعهم ولغاتهم وسلوكهم وقيمهم، وهذا يقود إلى الإقرار بحقهم في العيش بسلام ومن دون عنف أو تمييز لأي سبب كان: دينياً أو قومياً أو لغوياً أو اجتماعياً أو جنسياً أو ثقافياً أو سياسياً . . الخ .

وإذا لم يرد ذكر التسامح لفظاً في القرآن الكريم، إلا أن ما يفيد به أو ما يقاربه أو يدّل على معناه قد جاء حين تمت الدعوة إلى: التقوى والتشاور والتآزر والتواصي والتراحم والتعارف والعفو والصفح والمغفرة وعدم الإكراه، وكلّها من صفات “التسامح”، مؤكدة حق الاختلاف بين البشر و”الاختلاف آيات بيّنات”، ويشير ابن منظور في لسان العرب إلى التسامح والتساهل باعتبارهما مترادفين، ويقول الفيرزوأبادي في القاموس المحيط: المساهلة كالمسامحة، وتسامحوا وتساهلوا، وتساهل أي: تسامح، وساهله أي ياسره، ولعل من استخدم مصطلح التسامح لأول مرّة بمعنى “التساهل” هو فرح انطوان في العام 1902 .

ومنذ إعلان اليونسكو قبل عقد ونصف العقد من الزمان تقريباً فقد انعقد الكثير من الفاعليات والأنشطة بشأن نشر ثقافة التسامح، وصدرت كتب ومطبوعات وتأسست منظمات وشبكات لهذا الغرض، بينها الشبكة العربية للتسامح التي شكّلت دعوة مهنية وحقوقية لمبادئ التسامح، رغم أننا على الصعيد الفكري أو العملي لا تزال تفصلنا هوّة سحيقة عن قيم التسامح الإنساني التي تكرست في مجتمعات سبقتنا على هذا الصعيد، الأمر الذي يحتاج إلى مراجعات ونقد ذاتي، لاسيما من جانب النخب الفكرية والسياسية الحاكمة وغير الحاكمة، لمقاربة فكرة التسامح والتعاطي معها إيجابياً، على الصعيدين الأخلاقي والاجتماعي، لاسيما بعد إقراره قانونياً ودستورياً .

وإذا كنّا نتحدث عن حال التسامح في الفكر العربي الإسلامي المعاصر، فتجدر الإشارة إلى أن المسيحية كانت قد سبقت الإسلام بقرون للتبشير بقيم التسامح، وفي التاريخ الحديث شكّلت خلفية لحركة التنوير، وقد وظّفها فولتير على نحو سليم بإبراز نزعتها الإنسانية المتميّزة، حيث اقترنت فكرة التسامح باسمه ويعتبر هو “الأب الروحي” لها، وكان يبّشر بضرورة تحمّل الإنسان للإنسان الآخر، فكلّنا بشر ضعفاء ومعرضون للخطأ، وعلينا أن نأخذ بعضنا بعضاً بالتسامح .

وهنا حريٌ بنا أن نستذكر المهاتما غاندي الذي عبّر عن فكرة التسامح في رسالة من السجن بالقول: لا أحب التسامح، ولكني لا أجد أفضل منه للتعبير عمّا أقصده . وهي الفكرة التي آمن بها نيلسون مانديلا بعد سجنه لمدة 27 عاماً، وهو ما عبّر عنه المطران جورج خضر في تقديمه لكتابنا حول “فقه التسامح في الفكر العربي  الإسلامي” بالقول: لست هنا مبرئاً ساحة الغرب وأعرف كل البؤس الذي أحلّه ليس فقط بالاسلام ولكن في الكنيسة الشرقية أيضاً . . ولكن أن تردّ “العدوانية” بهجوم معاكس (أي بعدوانية معاكسة) فذلك يضعف مواقعك، ولعل ذلك كما نعتقد ليس هو الحل الأمثل .

بعد أسابيع ستحلّ الذكرى الحادية والستين على اغتيال الزعيم الهندي المهاتما غاندي في 30 يناير/ كانون الثاني، ففي العام 1948 هاجمه متطرف هندوسي وأرداه قتيلاً، واضعاً حداً لحياة زعيم اقترب من “التقديس” لدى الشعب الهندي بمختلف توجهاته وقومياته وأديانه وطوائفه وطبقاته الاجتماعية، فاتحاً صفحة جديدة من العنف أودت بحياة زعامات هندية مثل أنديرا غاندي ابنة جواهر لال نهرو وراجيف غاندي وآخرين . ولعل ذلك من مفارقات التاريخ، فالعام 1948 هو عام صدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وهو العام ذاته الذي تأسست فيه دولة “إسرائيل” .

لعل القاتل لم يفكّر في الإجابة عن سؤال طالما ظل يقلق غاندي ويسعى لاختبار صدقيته، وهو مستغرق في نضاله لتحرير بلاده، فهل هناك جدوى من العنف؟ وهل يمكن الوصول إلى الهدف باللاعنف والتسامح؟ وقد فضّل غاندي الخيار الثاني رغم العذابات والحرمان، لكنه لم يكن يتوقع أن الغدر سيأتيه هذه المرّة على يد هندوسي بعد أن تمكّن من إحراز النصر لشعبه .

كان غاندي يؤمن باللاعنف وبواسطته استطاع هزيمة أكبر امبراطورية في عصره (بريطانيا العظمى)، فهذا الرجل الأعزل نصف العاري، بنمط حياته البسيط، وبعلاقته الحميمة بشعبه، استطاع أن يثبت للعالم أن إحدى وسائل المقاومة هي اللاعنف والتسامح والقدرة على إنجاز مشروع التحرير واستعادة السيادة والحقوق، بالمقاومة السلمية . وكان غاندي يُردّد: لو كان هناك بديل أفضل من التسامح لاخترته ولكني والحالة هذه لا أجد أفضل منه .

لقد ترك غاندي تأثيراته الكبيرة في ما سمّي بحركة اللاعنف أو المقاومة السلمية، الأمر الذي دفع دُعاة المساواة والحقوق المدنية للسود في الولايات المتحدة إلى استلهام أساليب النضال التي أبدع فيها غاندي، وكان مارتن لوثر كينغ من أبرز الزعماء السود الذين تأثروا به .

لم يكتفِ غاندي بالحديث عن اللا عنف، بل أظهر كيف أن المقاومة السلمية يمكنها أن تواجه وتتحدى من خلال سلاح المقاومة والإضراب عن الطعام والاحتجاج والاعتصام والتسامح .

ولعل شخصية مثل نيلسون مانديلا الزعيم الجنوب إفريقي (ورئيس المؤتمر الوطني)، الذي مكث في السجن 27 عاماً وقاد مقاومة سلمية ضد نظام التمييز العنصري “الأبارتايد”، كان قد أمسك بمفتاح التسامح بعد مفتاح المقاومة السلمية، فاتحاً صفحة جديدة في نضال شعب جنوب إفريقيا مقدماً نموذجاً مهماً: للعدالة الانتقالية من خلال كشف الحقيقة وتحديد المسؤولية وجبر الضرر وتعويض الضحايا وإصلاح النظام القانوني والمؤسسي، والأهم من كل ذلك نشر فكرة التسامح وعدم اللجوء إلى الثأر أو الانتقام أو العنف .

لقد أدرك غاندي أن منهجه القائم على اللاعنف حظي بقبول واسع، وكان يردد أن ذلك خيار شعبي “فإذا انطلق شعبي فيجب أن ألحق بركبه لأنني زعيمه” .

وكان إعلان اليونسكو قد جاء بعد حين ليؤكد أنه “من دون التسامح لا يمكن أن يكون هناك سلام، ومن دون سلام لا يمكن أن تكون هناك تنمية وديمقراطية” .

وإذا كان التسامح اصطلاحاً يعود إلى تطور الفلسفة الغربية في القرنين السابع عشر والثامن عشر، خصوصاً ما سمي بفلسفة التنوير، وذلك بعد بروز وتطور النزعة الإنسانية المعتمدة على العقل في مواجهة اللاهوت والغيبيات، فإن هذا المصطلح راج في السنوات الأخيرة، حيث خصصت اليونسكو يوم 16 نوفمبر/ تشرين الثاني من كل عام يوماً للتسامح على المستوى العالمي، منذ العام ،1995 كما تمت الإشارة اليه .

في عالمنا العربي، ما زال التسامح غير مقبول لدى أوساط واسعة، وربما نظرت إليه بعض الاتجاهات الإقصائية والإلغائية الإسلاموية باعتباره “نبتاً شيطانياً” أو “فكراً مستورداً”، لاسيما بعد خلطه بالنزعات التغريبية الاستتباعية التي تستهدف فرض الهيمنة وإملاء الإرادة .

وفي الوقت الذي يهرب أصحاب وجهات النظر هذه إلى التاريخ باعتباره ملاذاً، يتناسون أن الإسلام الأول، خصوصاً الراشدي اتّسم بقدر كبير من التسامح والاعتراف بحق الاختلاف، لكنهم يحاولون الزوغان عن ذلك رغم محاولة تمجيد الماضي بهدف الهروب من الحاضر، الذي يزخر بالتأثيم والتحريم والتجريم ضد الآخر، الخارجي، الأجنبي، العدو، الخصم، بادعاء الأفضليات وإنسابها إلى النفس ونفي الإيجابيات عن سواه، لذلك احتاج مفهوم التسامح إلى “تبيئة” وتأصيل تاريخيين بهدف جعله راهنياً وقائماً ومستمراً، بالعودة إلى حلف الفضول ودستور المدينة وصلح الحديبية والعهدة العمرية ووثيقة فتح القسطنطينية، إضافة إلى القرآن والسنّة النبوية، كدليل ومرشد لفقه التسامح، بما فيه تأشير جوانب اللاتسامح في تاريخنا، خصوصاً التي اتسمت بالتطرف والتعصب والغلو والعنف والإقصاء والاستئصال .

باحث ومفكر عربي


صحيفة الخليج الاماراتية الاربعاء 6/1/2010.

475
كوبا: رؤية ما بعد الخمسين!! - 11 - شعاع الثورة ومتطلبات الدولة!
عبدالحسين شعبان
2010-01-11
كان آخر ظهور علني رسمي لجيفارا هو حضور مؤتمر التضامن الأفروآسيوي (1965)، وذلك بعد عودته من الجزائر والقاهرة في 14 مارس 1965، وبعد اجتماع سري مغلق لم يعرف ما جرى فيه حتى الآن، اختفى جيفارا مثل شعاع، ولعل غضب الاتحاد السوفيتي إثر خطاب الجزائر قد يكون وراء ضغوطه على كاسترو، ولم يكن جيفارا يريد أن يحرج صديقه مثلما كان حريصا على الثورة الكوبية، وبغض النظر عن بعض الملابسات، فقد تقرر أن يخوض هو في المهمة العسكرية-الأممية خارج حدود كوبا، وبدعم من كاسترو وهو ما أراد، وأن تستمر الدولة وإداراتها وعلاقاتها الدولية طبقا لتوازن القوى السائد آنذاك، لاسيما للعلاقة الكوبية-السوفيتية. وسواء حصل الاتفاق بشكل مباشر أو غير مباشر، بقناعة تامة أو بنصف قناعة، أو تحت الأمر الواقع، فإن ذلك ما حصل.
وهكذا انتقل جيفارا يجوب أرض الله الواسعة ليبشر بالثورة ويحرض على المستعمرين ويعد الشعوب المنكوبة بغد أفضل، وكانت مهمته الأولى في إفريقيا من الكونغو تحديدا حيث بدأت العملية العسكرية، وبعد فشله غادر إلى بوليفيا، وحاول أن يلعب الدينامو المحرك للتحريض والتحضير وإنضاج العامل الذاتي لاندلاع الثورة، لكن ثمت ظرف موضوعي لم يتوفر وعامل ذاتي لم يتم تهيئته، الأمر الذي دفع جيفارا مثل غيره ثمنه باهظا، ناهيكم من أن محاولة نقل أو استنساخ تجربة قد لا يصح لتجربة أخرى، وهو ما كان ينبغي أخذ مواصفاته بنظر الاعتبار.
رغم بطولة وشجاعة جيفارا، فإنه أخطأ يوم اعتقد أنه بالإرادة يمكن فتح أكثر من جبهة، وزرع أكثر من حرب ثورية أمام الولايات المتحدة، وهو الذي دعا إلى خلق أكثر من فيتنام، واحدة.. اثنتان أخرى. لقد فشل جيفارا في هذه المهمة وكانت تقديراته غير موضوعية؛ لأن مهمة بهذا الحجم هي أكبر من طاقته، بل وطاقة الحركة الثورية حينها برمتها.
أما بالنسبة للشرق الأوسط، فقد دعا جيفارا إلى «خلق اثنين وثلاث وعدة فيتنام» وكان يشعر أن الشرق الأوسط في حالة غليان كامل ومن المستحيل التكهن بمسارات الحرب الباردة (قبل العام 1967) مع إسرائيل المدعومة من الإمبرياليين، ولعل هذه المنطقة أحد أكبر البراكين التي تهدد العالم كما قال، وكان على حق، فبعد بضعة أسابيع على تصريحاته تلك التي أدلى بها في 16 أبريل 1967، هاجمت إسرائيل البلدان العربية واحتلت كامل أراضي فلسطين التاريخية وأراض مصرية وسورية، ودخل العرب والعالم في فصل جديد من الصراع العربي-الإسرائيلي، ومن النضال التحرري، خصوصا أن الممارسات الإسرائيلية طيلة عقدين من الزمان كشفت عن الطابع العنصري الإجلائي الإحلالي للعقيدة الصهيونية التي قامت عليها إسرائيل، ولعل هذا ما كان يتميز جيفارا بإدراكه عن القيادات الثورية الأممية الأخرى، وما عبر عنه حول مآل الصراع، ناهيكم من المخاطر التي تهدد السلم والأمن الدوليين باستمرار، لاسيما التنكر لحقوق الشعب العربي الفلسطيني في تقرير المصير.
حظي جيفارا بتمجيد عربي يوم رحيله، ونظمت في العالم العربي كله احتفالات تأبينية وتكريمية، وانتشرت صوره وكتاباته في كل مكان، في العديد من الجامعات والمنتديات، العلنية والسرية، وأتذكر أننا في العراق كنا قد نظمنا احتفالا كبيرا في جامعة بغداد، حيث كنت في الصف المنتهي، والتأم الاجتماع المهيب في كلية التربية، بخطب وأناشيد وأشعار، وفي جو حماسي زاده عريف الحفل اشتعالا، وكان حينها د.عبدالحسين رمضان (أبونهار). وكان صوت الشيخ إمام لاحقا وقصيدة أحمد فؤاد نجم تملأ الحناجر حيث كانت احتفالاتنا اللاحقة تنشد: جيفارا مات.. جيفارا مات.. جيفارا مات.. آخر خبر في الراديوهات وفي الكنايس والجوامع وفي الحواري وفي الشوارع وعالقهاوي وعالبارات... جيفارا مات... مات المناضل المثالي.. مات البطل /الكلمة للنار وللحديد/ والعدل أخرس أو جبان/ صرخة جيفارا.. يا عبيد، في أي موطن أو مكان/ما فيش بديل.. ما فيش مناص.. ياتجهزوا جيش الخلاص /يا تقولوا على العالم خلاص!!
وإذا كان جيفارا قد أخطأ في قراءة وتقدير العامل الذاتي والعامل الموضوعي واختيار اللحظة الثورية، لاسيما توازن القوى والجهات المؤثرة في خارطة الصراع على المستوى الدولي، والظروف الخاصة بنضال بعض الشعوب، لكنه نجح في وضع ما آمن به موضع التطبيق، والأكثر من ذلك حين وضع حياته وقودا لما اعتقد به بصدقية عالية وشجاعة نادرة، وهو القائل: «ليست هناك حدود في هذه المعركة حتى الاستشهاد».
ونجح جيفارا في جعل كوبا الرمز الأول لاستيقاظ أميركا التي بدأت دولها الواحدة بعد الأخرى تتمرد بطرقها الخاصة على هيمنة واشنطن من موجات الكفاح المسلح في الستينيات والسبعينيات، إلى لاهوت التحرر في الثمانينيات إلى مصالحات واتفاقات، وصندوق اقتراع تفقس فيه الثورة في أواخر التسعينيات والعشرية الأولى من الألفية الثالثة.
كما نجح جيفارا في جعل كوبا بوابتنا إلى أميركا اللاتينية، لكن ثمت معوقات موضوعية وذاتية وقفت أمام تطوير التقنية وبناء الإنسان الجديد، وإذا كان لينين قد قال إن الشيوعية تعني السلطة السوفيتية زائد كهربة البلاد السوفيتية، وسعى لتحقيق ذلك، فإن جيفارا شغل نفسه بالتنمية والتقنية اللتين أسهمت الولايات المتحدة في وضع العراقيل أمامهما، لاسيما باستمرار فرض حصارها الجائر على كوبا منذ أكثر من 50 عاما.



7883 العدد -  صحيفة العرب القطرية - الإثنين 11 يناير 2010 م - الموافق 25 محرم 1431 هـ


476
 
كوبا.. رؤية ما بعد الخمسين (10) التغريد خارج السرب: رومانسيان حتى الموت!
   

  
عبدالحسين شعبان    

2010-01-04
بلوَر جيفارا أفكاره الثورية تلك التي تجسدت في مداخلاته وأحاديثه المثيرة و "الشهيرة" خارج التفكير الرسمي للاشتراكية النمطية الوظيفية البيروقراطية السائدة، لا سيما في ثلاثة مواقع على الأقل: الأول يتعلق بمداخلته تحت عنوان "أميركا من على الشرفة الإفريقية والآسيوية"، والثاني "الاشتراكية والإنسان وكوبا" والثالث "خطاب الجزائر".
ولم يكن بإمكان جيفارا أن يحتل هذه المساحة من الرمزية النضالية الكبيرة في العالم الثالث، بل وفي العالم أجمع لو حصر نفسه في أميركا اللاتينية، ولأنه كان أمميا بامتياز فقد كرس جهداً استثنائياً لتجميع الطاقات النضالية للقارات الثلاث في إفريقيا وآسيا، إضافة إلى أميركا اللاتينية، ولهذا السبب قطع آلاف الأميال لينقل الثورة -كما أعتقد- إلى أحراش الكونغو وليحوّل إفريقيا إلى أرض متزلزلة تحت أقدام المستعمرين، ويحفّز نضال آسيا عندما يكون حلقة الوصل من هافانا إلى الجزائر إلى العمق الآسيوي، كل ذلك جرى في هارمونية رومانسية عالية، لا تعرف الحدود، سعياً وراء أسطورة خلاص لعالم أفضل وغد أكثر إشراقاً ونبلاً.
ولعل الفضاء العربي كان له عوناً في بلورة تلك الأفكار التي ما كان جيفارا يكون بدونها، وهو ما ينبغي أن نعتزّ به أيّما اعتزاز ونعيد قراءته، بما فيها انتقاداتنا السابقة للتوّجه الجيفاري، حتى وإن كان بعضها على صواب، ولكن القراءة الارتجاعية للتاريخ وللأفكار، وبشكل خاص ما أفرزته الممارسة، وما أثبتته الحياة، تعطي نكهة خاصة، لا سيما إذا كانت المراجعة جريئة والنقد شجاعاً والهدف مخلصاً والقصد صميمياً.
وإذا كان جيفارا قد تمثل روح سيمون بوليفار، فإن كاسترو تمثل روح الزعيم الوطني الكبير خوسيه مارتيه، الذي كان شاعراً وكاتباً وخطيباً وصحافياً معروفاً، أسس الحزب الثوري الكوبي عام 1892 لمقاومة الاستعمار الإسباني وأعلن الاستقلال العام 1895 وأبدى بطولة نادرة، وقتل خلال المعارك دفاعاً عن كوبا من قبل المستعمرين والغزاة الإسبان.
لقد وجد جيفارا في المعارض المغربي المهدي بن بركة خير صديق له في حلمه الثوري مثلما وجد بن بركة في جيفارا نموذجاً للرومانسي الحالم المستعد للموت في أية لحظة وعلى أية أرض، إن بحثهما عن الحرية ومعنى الوجود الإنساني دفعهما للتقارب والتماهي أحياناً، في إطار الثورة التي ظلّت فناراً هادياً لهما. أراد بن بركة حل معادلة الداخل- الخارج، والعامل الذاتي بتلقيحه بالعامل الموضوعي، والبعد الوطني- العروبي- الإفريقي، بالبعد الكوني- الأممي، لا سيما الأميركي اللاتيني، ولعل في ذلك كان جديراً فهو متمرسٌ في النضال وكان أستاذاً للرياضيات من بين تلامذته الملك الحسن الثاني، واضطر للهروب إلى الجزائر وتنقّل بين عدد من العواصم والبلدان حاملاً قضية التحرر والتضامن الإنساني بين يديه من الجزائر إلى القاهرة إلى جنيف إلى روما إلى هافانا إلى إفريقيا، مثلما وجد في منظمة التضامن الآفروآسيوي التي تأسست العام 1957 منبراً يستطيع من خلاله يرفع صوت المغرب وإفريقيا وجميع قوى التحرر.
وكان جيفارا الوجه الآخر لبن بركة، فقد أراد الخروج من دائرة نضال أميركا اللاتينية إلى جبهة القوى التحررية على النطاق العالمي، لا سيما بالاستفادة من التحالف مع الدول الاشتراكية، ومع المناضلين ضد الرأسمالية في الغرب.
ومثل بن بركة أراد جيفارا منظمة التضامن الأفروآسيوي منصة ينطق من عليها باسم أميركا اللاتينية، حيث اعتبرت كوبا منذ مؤتمر القاهرة العام 1961 عضواً مراقباً فيها، خصوصاً في إطار مناقشات للجنة الاستعمار الجديد التي كان يترأسها المهدي بن بركة.
خلال التحضير لمؤتمر هافانا للقارات الثلاث: حصل الانقلاب على بن بلّه وأطيح به في 19 يونيو 1965، وبعدها أطيح بالزعيم الإندونيسي سوكارنو في ظل مذبحة لليسار والشيوعيين، ثم شهدت اختفاء جيفارا في مهمة ثورية في الكونغو، وأخيراً اختفاء المهدي بن بركة قسرياً في باريس في شهر أكتوبر، ولم يظهر له أثر حتى الآن ولم يتم إجلاء مصيره.
وكان بن بركة قد زار هافانا للتحضير للمؤتمر قبل شهر واحد من تاريخ اختفائه، أي في يوم 29 سبتمبر 1965 ورغم أن المؤتمر انعقد لاحقاً في هافانا في شهر ديسمبر العام 1966، أي أنه تأجّل نحو عام وحضرته وفود يسارية من العالم العربي، لا سيما من سوريا ومنظمة التحرير الفلسطينية (م.ت.ف)، إلا أن رموزه الأساسية كانت قد غابت، وهو ما ترك فراغاً كبيراً.
لقد وجد المهدي بن بركة في صداقة جيفارا تكاملاً نضالياً، فهو الآخر كان يسعى للتضامن منذ أن اضطر للهروب من المغرب إلى الجزائر، وحكم عليه لاحقاً غيابياً بالإعدام، وهو المناضل الذي قاوم الاستعمار الفرنسي وأنشأ حزب الاستقلال وترأس مجلسه الاستشاري حتى العام 1959. وقاد المهدي بن بركة تحركاً واسعاً في الخارج، وكان أهم وأكبر عمل يقوم به هو التحضير لمؤتمر القارات الثلاث، الذي تربصت به الولايات المتحدة وحلفاؤها.
مثلما كان المناضلون يسعون للتضامن، فإن الأجهزة الأمنية المعادية في الدول الكبرى ودول إفريقيا وآسيا كانت متضامنة مع بعضها، بل داعمة ومساندة ومشاركة لها وإنها -كما هي العادة- الأكثر انسجاماً مع نفسها، ويشهد على ذلك اجتماعات وزراء الداخلية في العالم العربي، ولم يكن أحد يتخيّل حينها، أن يختفي المهدي بن بركة بكل ثقله وجبروته وزعامته من مقهى ليب في قلب باريس، ويضيع له كل أثر منذ ذلك الحين وحتى الآن، رغم وجود روايات عديدة، وهو ما أصاب جيفارا بصدمة كبيرة.
أطلق على المهدي بن بركة "سفير الثورة المتجوّل"، لما لعبه من دور من خلال أسفاره ولقاءاته تحضيراً لمؤتمرات ومشاركة في حوارات، وأصبح سفيراً عالمياً، لم يعد مغربياً أو عربياً أو إفريقياً أو آسيوياً أو أميركياً لاتينياً، إنه مثل جيفارا خرج من محليته ليصبح كونياً، أمميا، إنسانياً، حالماً لتحرير العالم وإلغاء الظلم والاستغلال.
ولعل اختفاءه كان له تأثير رمزي ومعنوي سلبي على الحركة التحررية العالمية، التي فقدت بخسارته، رجلاً مجرّباً وإنساناً شجاعاً، ومناضلاً عابراً للقُطريات والقوميات والهويات المحلية، ليتحدث بلسان العالم الحر الرافض للعبودية والاستغلال، وقد يكون تفسير ذلك منطقياً بأن من أراد إخفاءه أو تغييب صوته، كان يدرك أية ضربة يمكن توجيهها ضد حركة التحرر الوطني الصاعدة آنذاك، حتى وإن اقتضى ذلك ارتكاب جريمة في وضح النهار وفي فرنسا، بل وفي قلب باريس بالذات، بلد الحريات والحقوق، فالمرتكب لم يكن يتورّع عما يمكن أن تجلب فعلته تلك من ردود فعل عالمية، لا سيما وهي جريمة ضد الإنسانية وضد شخصية عالمية مرموقة.
كان انعقاد مؤتمر القارات الثلاث بناء على اقتراح من المهدي بن بركة وبالتنسيق مع صديقه جيفارا، لا سيما بعد الإعلان عن فصل كوبا من منظمة الدول الأميركية في فبراير عام 1962، وهو ما أعلنه بن بركة قبيل اختطافه بأن المؤتمر القادم سينعقد في هافانا، وكان هذا يعني بحساب تلك الأيام شيئاً كبيراً وتضامناً عالمياً وتحدّياً جريئاً، وجاء ذلك على لسانه مع المؤتمر الرابع للمنظمة الأفروآسيوية المنعقد في أكرا في مايو 1965 وبدعم من الصين والاتحاد السوفييتي في حينها.
باحث ومفكر عربي      
      
صحيفة العرب القطرية  العدد 7876- الاثنين 4 يناير 2010 م - الموافق 18 محرم 1431 هـ   

477
المنبر السياسي / كوابح التسامح
« في: 19:23 30/12/2009  »
كوابح التسامح
عبدالحسين شعبان

أقرّت اليونسكو قبل نحو عقد ونصف من الزمان يوماً عالمياً للتسامح، ودعت إلى نشر قيمه وتعميمها، لا سيما من خلال التربية والتعليم ووسائل الثقافة والإعلام وصولاً إلى المشترك الإنساني الذي يجمع بين البشر ويوحدّهم في إطار المساواة، رغم اختلاف منابع ثقافاتهم وتنوّع مشارب حضاراتهم، وقد أدركتْ أن نقيض التسامح هو اللاتسامح، الأمر الذي سيؤدي استفحاله إلى التعصب والتطرف، ولهذا السبب فقد اتجهت إلى وضع إعلان لمبادئ التسامح لتأكيد التقارب والتعايش بين الأمم والشعوب والأفراد، بهدف وضع حد للظواهر التي قادت إلى العدوان والحروب والمنازعات والتناحر والعنف.

وبهذه المناسبة نظّم المنتدى العربي في روتردام وبالتعاون مع جامعة روتردام الإسلامية وبحضور عربي وهولندي وأوروبي كثيف ومتميز، ندوة فكرية - أكاديمية عن قيم التسامح، وقد أعيد طرح سؤال ظل يشغل عدداً من المثقفين والباحثين لسنوات طويلة وهو: هل يوجد تسامح لكي ننظم ندوة متخصصة لبحثه سواء في النظرة إلى الغرب أو نظرته إلى الاسلام؟ أو أن غيابه أو ضعفه يدعونا لتنظيم فاعليات فكرية وثقافية للتذكير بجوهر ومبادئ التسامح، لا سيما لمناسبة إقرار اليونسكو يوم 16 نوفمبر/تشرين الثاني من كل عام يوماً عالمياً للتسامح منذ العام 1996. وأتذكر أن البروفيسور خليل الهندي كان قد طرح سؤالاً في ندوة نظمتها المنظمة العربية لحقوق الإنسان في لندن عام 1996: هل يوجد تسامح في ما بيننا لنعقد ملتقى فكرياً حول البحث عن الحاجة إلى التسامح مع الآخر؟

ولعل هذا السؤال المزدوج والمركّب ظلّ يتردد بأشكال مختلفة على ألسنة الكثير من المفكرين والكتاب والاعلاميين نفياً أو إيجاباً، إقراراً بواقع أليم أو أملاً وهدفاً في واقع جديد يتّسم بالتسامح.

ويمكن للباحث عن الحقيقة أن يلحظ أن الحصيلة المهمة الأولى كانت تنصب أولاً على تأكيد القيم إيماناً أو كأمر واقع سواءً اتّسم بالتسامح الايجابي أو التسامح السلبي، بفعل وجود تشريعات وأنظمة ودرجة تطور اجتماعي، لا يمكن معها الدعوة الى اللاتسامح.

ثم البحث في الكوابح التي تقف حجرا عثرة أمام نشر وتعميم قيم التسامح. وهذه القيم تقتضي الابتعاد عن لغة التخوين والتكفير والتأثيم والتحريم والتجريم والتخلّي عن لغة الاقصاء والاستئصال وعدم الاعتراف بحق الاختلاف أو التنكّر للتعددية والتنوع، ولعل هذا التوجه يفترض تأكيد هذه القيم مع بعضنا بعضا أولاً وقبل كل شيء، ومن ثم بيننا وبين الآخر.

أما الوجه الثاني فيقوم على التخلّص من النظرة المسبقة إزاء الآخر باعتباره خصماً متربصاً أو عدواً مارقاً، لمجرد الاختلاف، ويقتضي الإيمان بقيم التسامح تنزيهها عن الفكرة الساذجة حول تعارضها مع مبادئ العدالة وتصويرها وكأنها دعوة للاستسلام أو لنسيان الارتكابات للجرائم وللانتهاكات، سواء في فلسطين أو العراق أو لبنان، وهو الأمر الذي ينبغي تأكيده باعتبار قيم التسامح لا تعني غض الطرف عن التجاوزات والممارسات المعادية لحقوق الإنسان، سواءً ممارسة التعذيب أم الاغتصاب أم القتل الجماعي أو جرائم الحرب أم غيرها، لا سيما وأن تلك الجرائم لا تسقط بالتقادم حسب القانون الدولي الإنساني.

وبهذا المعنى فإن قيم التسامح تعني إقرار حق الآخرين في التمتع بحقوق الانسان وحرياته الاساسية، وعلى المستوى الفردي حق الإنسان في التمسك بمعتقداته والدفاع عنها في إطار الوئام والمشترك الإنساني، أي حقه في الاختلاف.

وهكذا فإن قيم التسامح تطورت من منظومة أخلاقية وواجب أدبي، لتصبح قاعدة قانونية وسياسية واجبة الأداء.

وإذا كان عالمنا العربي والإسلامي لا يزال يعاني من عدم التسامح أو ضعف قيمه فإن البحث في هذا الاطار، لا سيما عقد ندوات ومؤتمرات وورش عمل إنما يستهدف في هذا الوقت العصيب توجيه رسالة أو نداء إلى المجتمع الدولي يؤكد حاجتنا كعرب ومسلمين إليه داخل مجتمعاتنا وفي العلاقة مع الآخر، لا سيما في إطار ابداء الاستعداد للتعايش والتفاهم والسلام ببعده الإنساني، وهو ما عبّر عنه الباحث والكاتب التونسي د. خالد شوكات في ندوة جامعة روتردام التي تم تنظيمها بالتعاون مع المنتدى العربي في روتردام الذي يترأسه، وهو ما دعا البروفيسور التركي اقندوز رئيس الجامعة، للقول أن نداء التسامح ليس موجّهاً إلى المسلمين فحسب، بل إنه موجه إلى بني البشر ككل مسلمين وغيرهم. وإذا كانت الندوة ضمّت كفاءات وخبرات عربية وهولندية، فإن السؤال ظل يتردد: إذا كنا حقيقة بحاجة إلى “التسامح” فلنبدأ بأنفسنا أولاً، ثم كيف السبيل للتمثل بقيمه واعتمادها مرشداً لتوجهاتنا؟

وإذا كنّا نتحدث عن أنشطة وفاعليات خاصة بالتسامح، فلا بدّ من الإشارة الى تأسيس الشبكة العربية للتسامح التي منحت جائزتها الاولى الى الدكتور سليم الحص وإلى رمزية ودلالة اختيارها، ولا بدّ أيضاً من التوقف عند دعوة غاندي إلى روح التسامح واللاعنف، حيث يقول في رسالته من السجن: لا أحبّ التسامح ولكني لا أجد وسيلة أفضل منه للتعبير عما أقصده، رغم أنه ذهب ضحية اللاتسامح العام ،1948 يوم قام أحد اللامتسامحين باغتياله، مع أنه حقق نصراً كبيراً لشعبه وكان بحق زعيماً تاريخياً له، ولعل بهذه المناسبة يمكن استحضار كيف أن  ثلاثة من الخلفاء الراشدين قد قضوا نحبهم اغتيالاً وهم عمر وعثمان وعلي في فترة مشرقة من التاريخ العربي- الإسلامي، وذلك لضعف بيئة التسامح التي تحتاج إلى تراكم طويل الأمد.

إن الكوابح التي تواجه التسامح قسم منها يعود إلى أسباب فكرية تتعلق بحجب وتحريم حق التفكير والاعتقاد والتعبير، والأخرى سياسية تتجسد باحتكار الحكم والسعي للحفاظ عليه وتبرير مصادرة الرأي الآخر واستئصاله، وثالثة دينية وذلك بالتمييز بحجة ادعائه الأفضليات ومنع الاجتهاد وتحريم وتكفير أي رأي حر، ورابعة اجتماعية بالسعي لفرض نمط معين من الحياة، في التفكير وفي المأكل والملبس والمشرب، وخامسة ثقافية لمنع التغيير والتجديد لدرجة يصبح الشعر الحديث بدعة وضلالاً ويتم تصويره وكأنه ضد التاريخ والتراث وربما مؤامرة كبرى، وتنسحب هذه التقييمات على الموسيقا والرقص والغناء والمسرح والنحت على نحو أشد.

يمكن القول إن هناك خمسة اتجاهات تتصدى لمبادئ وقيم التسامح في عالمنا العربي والإسلامي وهي:

الاتجاه الأول الذي لا يعترف بالتسامح وهو ما نطلق عليه التيار الانكاري، فالتسامح حسب هذا التوجه، “نبت شيطاني” و”فكر مستورد” يستهدف تشويه الإسلام، أو حرفه، لذلك اقتضى مواجهته حفاظاً على نقاء الإسلام.

أما الاتجاه الثاني فهو التيار الذي يدّعي الأفضليات، بانساب كل شيء إلى الإسلام، وأغلاق باب العقل، لا سيما من خلال قراءة جامدة، حيث التشبث ببعض الشكليات، وعدم الرغبة في التعاطي مع روح العصر وسمته الديناميكية، وهكذا تكون “بضاعتنا قد ردّت إلينينا”. ولعل هذا التيار ينفي التفاعل والتخالق مع الآخر، وهو بقصد أو من دون قصد يدعو إلى عزل الإسلام عن الكيانات والحضارات والشعوب الأخرى لكي لا يؤثر ولا يتأثر بغيره من الإضافات إلى الفكر الإنساني، الأمر الذي لا تؤيده مبادئ الإسلام الحنيف التي تدعو إلى التواصي والتآزر والتعارف واحترام الحقوق والكرامة الإنسانية، وهي قيم تصب في صميم فكرة التسامح، التي لا تعني المسلمين وحدهم، بل تهم البشر ككل.

أما التيار الثالث فهو التيار التوفيقي الذي يحاول أن يوفّق بين الإسلام وغيره من التوجهات الفكرية، ومهما كانت النوايا والدوافع طيبة، إلاّ أنها لم تفلح في السابق حين جرت محاولات لتعشيق الإسلام مع الاشتراكية أو الديمقراطية وحقوق الإنسان، فلكل حقله ومجاله، في حين أن التيار الرابع هو تيار تغريبي حين يدعو إلى قطع الصلة بالتراث والتاريخ، لا سيما الإسلامي إذا ما أردنا الدخول إلى عالم الحداثة، حيث يؤلف التسامح جزءًا من قيمها العصرية، الحداثية.

ويتأسس التيار الخامس على نحو حر مستفيداً من التراث والتاريخ ملحقاً ذلك بعالم الحداثة، الذي يقوم على العقلانية والعلمانية والإنسانية والديمقراطية، متكئاً على تاريخنا وتراثنا بما فيه من قيم التسامح ابتداء من حلف الفضول إلى دستور المدينة إلى صلح الحديبة إلى العهدة العمرية إلى قواعد فتح القطسنطينية، زائداً ما ورد في الكتاب الكريم والسنّة النبوية في تأكيد قيم التسامح وما يدّل عليها، حتى وإن لم ينصّ عليها كمصطلح في القرآن، لكن الاشارة كانت قد وردت في ما يخصّ التآزر والتعارف والتقوى والتراحم والرحمة والعفو وعدم الاكراه، وغيرها. وهي قيم كانت المسيحية قد سبقت الإسلام إليها والتي تشكل أساساً في حركة التنوير والحداثة لاحقاً، لا سيما ما بشّر به فولتير.

لعل قيم التسامح التي اتبعها الإسلام الأول الراشدي تتطلب إعادة النظر بقراءة ارتجاعية لتاريخنا وتأصيل لحاضرنا، لتأكيد وتعزيز قيم التسامح بعيداً عن التاريخ المعكوس أو المغلق أو الساكن، وإنما ربطه بما هو حاضر وما يتسم به من حداثة ومعاصرة بحيث تكون البيئة صالحة لتفقيس بيوض التسامح اجتماعياً وتربوياً وتعليمياً وثقافياً ومن خلال تشريعات وعبر الإعلام ومؤسسات المجتمع المدني التي يمكن أن تؤدي دورها المنشود على هذا الصعيد.

لقد أصبح التسامح حاجة ماسة، ولم يعد ترفاً فكرياً فنقيضه هو اللاتسامح والتعصب والاستئثار ورفض الآخر، إنه مسؤولية قيمية وواقعية للإقرار بالحقوق والتعددية وحكم القانون والديمقراطية، وهو أمر ينطوي على نبذ الدوغمائية والاستبدادية وادعاء احتكار الحقيقة، سواءً على المستوى الداخلي أو المستوى الدولي، فنزعات الهيمنة واملاء الإرادة والاكراه والحروب والحصارات والاحتلال، كلّها تتعارض مع قيم التسامح.

 باحث ومفكر عربي   

صحيفة الخليج الاماراتية الاربعاء 30/12/2009

478

كوبا: رؤية ما بعد الخمسين (9) جيفارا والمهدي بن بركة.. غياب غامض!
      
   
عبدالحسين شعبان    


2009-12-29
«لحيةٌ، شعرٌ طويل، بدلة عسكرية خضراء، وبعض الجبال من دون موقع محدد في بلد لا يعرف أحد عدد سكانه، ولا أحد يعلم بأنه جزيرة».. بهذه الكلمات اختزل جيفارا «الثورة الكوبية» وهو يتحدث في القاهرة في أول زيارة لها في عام 1959، وقد أعيد نشر مداخلته تلك التي ذاع صيتها تحت عنوان «أميركا من على الشرفة الإفريقية والآسيوية» في سبتمبر 1959. ولعل جيفارا كان رساماً ماهراً في التعبير عن تطلّع جيل الستينيات وأحلامه بما اتّسمت من عنفوان ورومانسية وآمال.
كانت مهمة جيفارا التعريف بالثورة الكوبية كسفير «مطلق الصلاحيات» بعد نجاح الثورة مباشرة، لكنه شعر أن أميركا اللاتينية قارة تكاد تكون مجهولة بالنسبة للعرب والأفارقة والآسيويين على حد سواء، فما بالك بكوبا الجزيرة البعيدة، ولذلك قدّر ثقل مهمته، فضلاً عن أنه هو الآخر شعر بأن الكثير من العالم العربي والإسلامي وشعوب آسيا وإفريقيا كانت مجهولة بالنسبة إليه، وهو ما عبّر عنه في مداخلته تلك حين قال «ونحن نجهل جزءاً كبيراً من العالم».
ولعل جيفارا أراد بهذا التقديم التمهيد لجسر التواصل بحثاً عن المشترك الإنساني للقارات الثلاث، وهو ما كان شاغل صديقه المهدي بن بركة، الزعيم المغربي الذي اختفى قسرياً في باريس في خريف عام 1965، وهو يحضّر لمؤتمر القارات الثلاث مثل صديقه جيفارا، وينتقل من عاصمة إلى أخرى ليبشر بالثورة ويعمل لتحقيق تضامن عالمي من أجلها.
لقد كان هاجس المهدي بن بركة وجيفارا إضافة إلى الزعيم الجزائري أحمد بن بلّه ومصر عبدالناصر وعدد من قادة دول عدم الانحياز، تنسيق الجهود لتحرير إرادة المُستغَلين ومواجهة أسباب الاستغلال وتحدي مسبّبيه، لاسيَّما الاستعمار والرأسمالية الاحتكارية العالمية التي نهبت خيرات وموارد شعوب القارات الثلاث: أميركا اللاتينية وإفريقيا وآسيا، وهذا السبب بحد ذاته يمكن أن يكون عامل اشتراك بين القوى التحررية من أجل الانعتاق والاستقلال واستعادة الثروات المسروقة، وتحقيق التنمية والعدالة الاجتماعية.
ورغم أن علاقات أميركا اللاتينية مع العرب تمتد إلى زمن بعيد، منذ وصول المستعمرين الإسبان في القرن الخامس عشر، وفيما بعد المستعمرين البرتغاليين، الذين أسهموا في فتح حلقة اتصال مع الحضارة العربية-الإسلامية، فإن العلاقات ظلّت شحيحة ومحدودة. كانت كوبا الجزيرة الوادعة الجميلة شبه مجهولة قبل الثورة، لكنها أصبحت بوابة أميركا اللاتينية بعدها، وكان لجهود جيفارا وعمله الحثيث، لاسيَّما صداقاته مع المهدي بن بركة وأحمد بن بلّه وعبدالناصر، دور في ذلك حيث تم بناء جسور بين القارات الثلاث عبر المشترك في الأهداف والمصالح والسعي لتقريب المواقف والتوجّهات.
ولعل من المناسب الإشارة هنا إلى أن كوبا هي أول أرض في أميركا اكتشفها كريستوفر كولومبس، وعُدّت مستعمرة إسبانية منذ ذلك التاريخ، ولم تتمكن من التحرر من الاستعمار الإسباني إلا بحرب طويلة ودامية دامت نحو 30 عاماً، من عام 1868 إلى عام 1898، وعندما كانت وحدات المقاومة الكوبية تهاجم الجيش الإسباني عام 1868 كانت كوبا تعيش ازدواجية اجتماعية وسياسية، فمن جهة كان الإسبان يستغلون الكوبيين، ومن جهة أخرى كانت توجد أعداد كبيرة من العبيد في كوبا، ولكن المقاومة استطاعت توحيد الصفوف، فانضم الزنوج إليها، وهم بذلك تحرروا من العبودية من جهة، وحرروا بإسهاماتهم مع الكوبيين الآخرين كوبا من الاستعمار الإسباني.
وقد تدخلت الولايات المتحدة عشية حصاد نتائج التحرير، مستغلة انفجار الباخرة العسكرية الأميركية «مني» في كوبا، ونزل الأميركيون في سانتياغو الكوبية واستولوا على الجزيرة، الأمر الذي جعل استقلال كوبا مشوباً بالشبهة، واستخدمت واشنطن كوبا فناءً خلفياً، لاسيَّما لكبار المحتكرين الذين استغلّوها كمنتجع رخيص وعملوا على نهب ثرواتها.
واستمرّ الأمر على هذه الصورة حتى انتصرت الثورة في مطلع عام 1959 بعد بداية انطلاقتها بالهجوم على ثكنة مونكادا في 26 يوليو 1953، هذا الهجوم الذي مُني بالفشل وتحوّل إلى نكبة على حد تعبير جيفارا، حيث سجن الأحياء، لكنهم عادوا بقيادة كاسترو إلى النضال الثوري بعد حصولهم على العفو، بحرب عصابات مثّلت طليعة كما قيل إزاء خدر الشعب التي سعى المقاومون لتحريكه، وقد مثلت الطليعة «الضمير الثوري» وكانت وسيطاً لخلق الظروف الذاتية الضرورية للانتصار. وهذه الفكرة هي التي شكّلت جوهر حركة الكفاح المسلح التي راحت في الستينيات. وإذا كان سيمون بوليفار قد مثّل بطولة أميركا اللاتينية وساعد في نجاح نضال العديد من دولها في الحصول على الاستقلال من إسبانيا، ودعا إلى اتحاد فيدرالي بين دولها الناطقة بالإسبانية، فإن جيفارا مثّل تطلع الشباب وحيويته، وكأنه في نضاله كان أقرب إلى مغامرته لقيادة دراجته النارية مع صديقه ألبيرتو غرانادو التي قطع فيها أميركا من جنوبها وحتى شمالها، مثلما قطع جيفارا رحلته الشيّقة ومغامرته النضالية الممتعة من جبال السيرامايسترا وحتى بلغ كماله في موته المبجّل في كيبرادا ديل ورو في بوليفيا يوم وقع أسيراً ثم شهيداً في الوادي الضيق شديد الانحدار يوم 8 أكتوبر 1967، ذلك الوادي الذي ذكّرني بمنطقة نوكان (ناوزنك) في كردستان العراق، تلك المنطقة الحدودية النائية، التي لا يعيش فيها إلا «الخنازير» (تعبير كان القصد منه الصبر والجلد وقوة الاحتمال، لاسيَّما وعورة المنطقة ومناخها القاسي، حيث تصل درجات الحرارة في الشتاء إلى نحو 20 درجة تحت الصفر) على حد تعبير بعض الفلاحين أو المتعهدين الذين يزورون المنطقة كل بضعة أسابيع، حيث كان الوادي عميقاً وانحدار النهر شديداً والمياه سريعة، وفي إحدى المرات جرفت معها خيام الشيوعيين الأنصار وبعض المباني الطينية، التي كانوا يضطرون للعيش فيها، فضلاً عن اضطرارهم إلى تركها عندما تقدّمت القوات الإيرانية باتجاههم.
وحسب بعض المعلومات فإن الكثير من المهاجرين العرب، لاسيَّما من المسيحيين في سوريا ولبنان وفلسطين، أخذوا يتوافدون على أميركا الجنوبية، منذ عام 1875 ويقدر عددهم اليوم بنحو 18 مليون نسمة من أصول عربية يعيشون في أميركا اللاتينية.
وإذا كان الاهتمام بما كتبه جيفارا كبيراً، فإن الكثير من الكوبيين اليوم يعرفون، بالقدر نفسه من الهيبة والاعتزاز، أن جيفارا بلور أفكاره الرئيسية في العالم العربي ومع أصدقاء عرب، ولعل هذا ما نجهله نحن، وربما لم نعطه حقه بما فيه الكفاية، وهو يحتاج إلى عمل متواصل، أرشيفي ووثائقي، وحوارات ومقابلات مع من التقاهم وتحدث إليهم وكانوا قريبين منه، ولعل الصحافي الكبير محمد حسنين هيكل يمكنه أن يكشف جانباً من هذه العلاقة مع عبدالناصر وربما مع بن بله (الذي كتب شهادته بشكل مقتضب ولكنه مهم جداً) والمهدي بن بركة، بحكم لقاءاته غير القليلة مع جيفارا وصلته بعبدالناصر، وذاكرته الخصبة، وما تراكم لديه من معلومات ووثائق.
لقد لعبت ظروف جيفارا، لاسيَّما مكانياً وزمانياً وعلاقته مع عبدالناصر وبن بلّه والمهدي بن بركة دوراً كبيراً في صياغة منظومة أفكاره أو في التأثير على تلك الصياغة، بحيث اقترب إلى حدود غير قليلة من توجهات الزعماء الثلاثة رغم ماركسيته، مثلما هم اقتربوا منه وتأثروا به وصار الجميع يكمّل بعضه البعض!
لعب المهدي بن بركة مثل صديقه جيفارا دوراً في بلورة خطة قبول كوبا وعضوية دول أميركا اللاتينية في المؤتمر الذي كان مزمعاً عقده في هافانا، والذي انعقد بعد رحيله، وكان قد صاغ مع جيفارا برنامج «التحرير الكامل» بدعم من الدول الاشتراكية، لاسيَّما الصين والاتحاد السوفييتي في حينها وهو البرنامج الذي تضمن عدة أهداف منها:
- مساعدة الحركات الوطنية التحررية وبخاصة منظمة التحرير الفلسطينية (م.ت.ف) وكانت كوبا قد أقامت علاقات معها ومع منظمة فتح التي تأسست في 1/1/1965.
- تعزيز وتعميق النضال السلمي والمسلح في القارات الثلاث.
- دعم ومساندة الثورة الكوبية.
- العمل على إلغاء القواعد العسكرية الأجنبية للدول الإمبريالية.
- تشجيع سياسة نزع السلاح، لاسيَّما تحريم الأسلحة النووية.
- النضال ضد العنصرية والتمييز العنصري.
وإذا كان ثمة تغييرات كبيرة قد حصلت على الصعيد العالمي، فإن برنامج المهدي بن بركة-جيفارا ما زال حتى هذه اللحظة يحظى من حيث الجوهر باهتمام غير قليل، لاسيَّما ما تضمنه من أهداف بعيدة أو قريبة، لكن غيابهما الغامض أضفى عليه نوعاً من الروتينية، وهو ما كانا بحيويتهما يتجاوزانها لأفق أكثر رحابة وشفافية.

479
بمناسبة أعياد الميلاد ورأس السنة

نتمنى لكم

صحة موفورة وسعادة دائمة

وتقدما مستمراً في الحياة والعمل

وعلى المستوى الشخصي والعام

اصافحكم مع التقدير

د.عبد الحسين شعبان

 

 

Wish you

 Merry Christmas

 and

Happy New Year

 

 

Dr. Hussain Shaban

 

480
جدل هادئ للفيدرالية الساخنة في العراق


عبدالحسين شعبان

تأسست الدولة العراقية في 23 أغسطس/آب ،1921 بتنصيب فيصل الأول ملكاً على العراق، لاسيما بعد فشل ثورة العشرين في تحقيق أهدافها في الاستقلال وحق تقرير المصير، وبدلاً من الحكم البريطاني المباشر بعد احتلال العراق 1914- ،1918 فقد اتجهت النيّة لفرض صيغة الانتداب، وإعلان تأسيس المملكة العراقية وتشريع دستور لها “النظام الأساسي” في العام ،1925 وهو الذي حدد طبيعة الدولة العراقية الجديدة التي انفكّت من الدولة العثمانية، بمكوناتها المختلفة .

لكن الاستفتاء على إقامة المملكة العراقية لم يشمل جميع أرجاء العراق، حيث كان الشيخ محمود الحفيد قد نصّب نفسه ملكاً على كردستان من السليمانية، لشعور بالإجحاف إزاء حقوق الكرد، التي جاء الإقرار بجزء منها في معاهدة سيفر العام ،1920 لكن هذه الحقوق تمت المساومة عليها في معاهدة لوزان العام ،1923 وهكذا لم تؤخذ وجهة نظر الكرد إزاء الكيان العراقي، الذي هم جزء منه .

ومنذ العام 1921 حتى العام 2003 كانت الدولة العراقية دولة بسيطة مركزية في إطار التصنيف القانوني لطبيعة الدول، ونظامها السياسي يمتاز بالمركزية البيروقراطية الشديدة الصرامة، إلى أن حصل حراك سياسي واجتماعي جديد، كان قد بدأت ارهاصاته أيام المعارضة العراقية حول طبيعة الدولة، حيث برز ميل إلى تبنّي فكرة دولة اتحادية “فيدرالية” . وكانت المعارضة العراقية في مؤتمر فيينا (يونيو/حزيران) 1992 قد وافقت على مبدأ حق تقرير المصير للشعب الكردي بتقييده بعبارة “دون الانفصال” التي كتبها الرئيس الحالي جلال الطالباني بخط يده وبقلمه، وبعد إقرار البرلمان الكردستاني النظام الفيدرالي (من طرف واحد) كصيغة مقترحة للدولة العراقية في 4 اكتوبر/تشرين الأول ،1992 إثر إجراء الانتخابات لأول مرّة في كردستان (مايو/أيار 1992) وافقت المعارضة العراقية في مؤتمر صلاح الدين نوفمبر/تشرين الثاني 1992 على فكرة النظام الفيدرالي، وإن تحفّظ عليها الإسلاميون بوضع مرادفات لها (نظام الولايات) بما يدّل على الفيدرالية .

انتقل النقاش والجدل بعد الاحتلال ليشمل قوى وتيارات سياسية أخرى من داخل العملية السياسية ومن خارجها حول طبيعة الدولة، ففي قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية (2004) تم اقرار نص على كونها “دولة فيدرالية - برلمانية” وهو ما أكدّه دستور جمهورية العراق، الذي تم الاستفتاء عليه في 15 اكتوبر/تشرين الأول 2005 وأجري الاستفتاء على أساسه في 15 ديسمبر/كانون الأول من العام ذاته .

وبغض النظر عن الملاحظات والاعتراضات والتحفظات حول الدستور لكن موضوع الفيدرالية الذي أقرّ دستورياً ما زال يثير الكثير من النقاشات التي تتعلق بالخلفيات الفكرية والأيديولوجيات لبعض القوى، ومواقفها واصطفافاتها تاريخياً، ناهيكم عن تخوّفات بعضها بشأن مستقبل العلاقة العربية - الكردية، لاسيما وقد نشأت بعض الهواجس بشأن موضوع الانفصال أو التقسيم وهو ما راج بعد الاحتلال بشكل خاص، الأمر الذي تقابله مخاوف العودة إلى المربع الأول، لاسيما الدولة المركزية، وهضم حقوق الكرد والأقليات الأخرى، واحتمال اندلاع العنف .

وبين هذا وذاك تبرز قضايا فكرية خلافية، وأسئلة حارة حول الدولة المركزية والدولة الاتحادية، وأي منهما يمكنه تأمين وحدة العراق، ثم أية وحدة مطلوبة؟ هل هي وحدة قسرية إكراهية أم طوعية اتفاقية؟ فالوحدة الأولى ستلغي حقوق الآخرين، رغم أنها قد تحافظ على كيانية موحدة شكلاً، لكنها مقسّمة فعلاً، في حين أن الوحدة الثانية هي التي تؤمن الاعتراف بالمساواة وبالحقوق وبالتالي يمكن أن تضمن قيام واستمرار وحدة صلبة طوعية على أساس مواطنة متساوية تكون بديلاً عن وحدة قسرية . ولعل هذه الأمور لا تزال بحاجة إلى نقاش هادئ رغم سخونتها .

وبالمقابل فإن الحل الفيدرالي لم يكن سالكاً رغم ان الكرد مارسوا “حقهم” كتحصيل حاصلde facto  حتى قبل الاقرار به دستورياً بعد الاحتلال، وهو ما  أثار مخاوف قوى وكيانات كبرى أو صغرى، أساسية أو فرعية، الأمر الذي له علاقة بثلاث قضايا أساسية: الأولى قصر عمر التجربة والصراع بين أطرافها وزاوية النظر اليها، الثانية بروز بعض النزعات المبالغة في كياناتها الخاصة لدى جميع الاطراف، وبخاصة في المناطق التي سمّيت متنازع عليها، لاسيما كركوك الثالثة الالتباسات والتفسيرات المختلفة الواردة في الدستور، وهناك نقطة رابعة هي ما ورد في الدستور من صلاحيات، يحسبها البعض تتعارض مع المبادئ الدستورية العامة، في حين يعتبرها البعض الآخر “خصوصية عراقية” للتجربة الفيدرالية الجديدة، لا بدّ من الإقرار بها، لاسيما أنها تكوّنت عبر مسيرة الحكم الذاتي وهيئاته منذ العام 1974 حتى وإن كانت شكلية أو ناقصة أو مبتسرة، الاّ أن وجود كيانية خاصة يعني أن ثمة شكلاً من “الاستقلالية الذاتية” في التشريع والتنفيذ فضلاً عن بعض الصلاحيات الأخرى .

ولما كانت صيغة الحكم الذاتي السابقة قد وصلت إلى طريق مسدود، فإن صيغة الفيدرالية أريد بها تعويض وضمان للعلاقة العربية - الكردية في العراق . ويوم جاءت ساعة التنفيذ لما اتفقت عليه المعارضة، حصل نوع من الشدّ والجذب، لكن الأطراف المختلفة وافقت كلٌ لأغراضه على الصيغة الواردة في الدستور المثيرة للإشكال والاختلاف والتعارض، ولعلها ستبقى لغماً قابلاً للانفجار إن لم يتم نزعه بطريقة ماهرة .

إن دراسة التجربة الإيجابية لفيدراليات ناجحة في نحو 25 بلداً ونحو 40% من سكان البشرية، يمكن أن يسهم في تعزيز الثقافة الحقوقية الديمقراطية القائمة على التعايش والتوازن في الحقوق والاعتراف المتبادل في ظل مبادئ الدولة العصرية المستندة إلى المساواة والمواطنة، كما يبرز الجانب الإيجابي في العلاقة بين المكوّنات المختلفة .

ولعل هذا ما حاول الدكتور شيرزاد النجار الخبير في القانون الدستوري وأستاذ العلوم السياسية في جامعة صلاح الدين إظهاره من خلال التمهيد الذي كتبه مقدمة لترجمة دستور ولاية بافاريا، بعرض طبيعة النظام السياسي لجمهورية ألمانيا الاتحادية (الفيدرالية) مشيراً إلى أن في ألمانيا “نظام فيدرالي وبرلماني وديمقراطي” (المادة -20 من القانون الأساسي - الدستور - لعام 1949) ولا يمكن تعديل المبادئ التي تأسست عليها لأنها مبادئ جامدة أو خالدة المادة ،79 وهذا القانون هو الذي يحدد صلاحيات الاتحاد وتوزيع السلطات والمهمات بين الاتحاد والولايات، لاسيما عند تحديد اختصاص السلطات الاتحادية في ما يتعلق بالقوات المسلحة والعلاقات الدولية وقضايا العملة والموارد الطبيعية والخطط الاقتصادية الكبرى، وما عدى ذلك من اختصاص سلطات الأقاليم، وهذا بحاجة إلى استكمال هيكلياته وتأسيس مجلس الاتحاد وتحديد ممثلي الإقليم فيه أو الأقاليم في حالة تكوّنها .

باحث ومفكر عربي   

صحيفة الخليج الاماراتية ، الاربعاء 23/12/2009

481

النجف... والفرصة الواعدة!!


•    سسيولوجية النجف وتاريخها

النجف، هي المدينة التي تقع في طرف الصحراء، بالقرب من نهر الفرات المارّ بالكوفة، وتسمّى في أحيان كثيرة بالنجف الأشرف، تأكيداً على قدسيتها وعلى تقدير الناس لها.

ومن أسمائها الأكثر شهرة هي " الغري" و" وادي السلام" و" المشهد" و"النجف السعيد" وتكنّى بـ" خدّ العذراء"، وقد ارتبطت هذه الاسماء كلها بكون النجف ملتقى الأطراف المحيطة بها من حضر وبدو، وقبائل ووافدين، ومِللٍ ونحِلٍ، فهي بذلك " المشهد"، ولكونها أرضاً عاليه معلومة تصدّ الماء الذي ينجّفها، أي يحيطها، أيام السيول ولذا كانت "النجف"(1)، كما أنها تضم أكبر مقبرة في العالم، سواءً من أبناء العراق، أو ممن يُنقلون ليدفنوا فيها من بلادهم، ليكونوا على مقربة من الحرم العلوي لحضرة الامام علي بن ابي طالب، أي " الروضة الحيدرية" وهؤلاء في العادة من الشيعة الإمامية من مختلف ارجاء العالم الاسلامي، ومن هنا جاءت تسميتها  بمقبرة " وادي السلام" أو مقبرة الغري.(2)
وقد ورد اسم النجف في كتاب " تاج العروس" باعتبارها مسنّاة بظاهر الكوفة، تمنع ماء السيل أن يعلو منازلها، ويصفها ياقوت الحموي في "معجم البلدان" بأنها أعدل أرض الله هواءً، وأصحّها مزاجاً وماءً، كما ورد في " تاريخ الطبري" أن النعمان بن المنذر ملك الحيرة أعجبه ما رأى فيها من البساتين والنخيل والأنهار فبنى فيها قصر الخورنق أيام العصر الجاهلي، ويذكر الشيخ جعفر محبوبة في كتابه " ماضي النجف وحاضرها"، أن النعمان خرج الى ظهر الحيرة وكان معشاباً فمرّ بشقائق أعجبته، إضافة الى نبت الشيح والقيصوم والخزامى والزعفران والأقحوان، فقال من نزع شيئاً من هذا، أي من الشقائق
فانزعوا كتفه، وهكذا سميّت "شقائق النعمان". والنعمان بن المنذر هو بن امرؤالقيس أشهر ملوك الحيرة وتوفي قبل هجرة الرسول بنحو 15 عاماً. (3) ، وحسب المسعودي في مروج الذهب ظلّت النجف منتجعاً للملوك والأمراء وقد كان "النجف" سعيداً باقبال الناس على المدينة من كل حدب وصوب، امّا للزيارة أو للتعلّم في جامعتها لاحقاً.(4)
والواقع ان النجف كمدينة، هي الحد الفاصل أساساً للصحراء أو البادية الشاسعة الممتدة الى المملكة العربية السعودية، وبين الداخل العراقي بما يضمه من حضارات تمتد الى نحو سبعة آلاف عام في التاريخ، وقد ظلت ميداناً لتصارع قيم البداوة والحضارة حتى وقت قريب باستعارة تعبير العلاّمة الاجتماعي "علي الوردي(5) " باستلهام الفكرة  الخلدونية(6) ، وتعتبر النجف رابع المدن الاسلامية المقدسة بعد مكة المكرمة، والمدينة المنورة، والقدس الشريف، فبالإضافة الى احتضانها الروضة الحيدرية، فهي دار هجرة الأنبياء ومواطئ الاولياء، وبها نزل النبي ابراهيم الخليل، ودفن فيها النبي هود والنبي صالح عليهم السلام جميعاً.
ولعل هذا المدخل يعطينا اطلالة أولية لفهم بعض جوانب الشخصية النجفية المدينية العراقية، الأمر الذي يبدو ضرورياً لمعرفة دور النجف الديني والسياسي والاجتماعي، فضلاً عن تأثيراتها في بناء الشخصية العراقية العربية، لاسيما في العهد الاسلامي، وهي شخصية مركّبة ومتراكبة بفعل الحضارات التي ولّدتها والتاريخ الذي عاشته والمعارف التي تحصّلت عليها.
لقد ابتدأت ملامح الشخصية النجفية التركيبية مع بناء مدينة الكوفة وهي الأساس، فعندما بُنيت الكوفة في بداية العصر الاسلامي تم بناؤها كقاعدة عسكرية تنطلق منها الجيوش الاسلامية المقاتلة للقيام بالفتوحات الاسلامية في آسيا، ولذا جمعت في داخلها مجموعات كبرى، من قبائل متفرقة، وعشائر مختلفة، كانت تأتي اليها لكونها محطة انطلاق القوات المقاتلة، وعندما أُنشئت النجف الى جانبها تحوّلت الى شكل مشابه لها، فنشأ فيها تجمع هائل لأهل الفكر من مختلف المشارب والمناهج.
مثّلت الكوفة في تلك الايام مدرسة خاصة في النحو والصرف واللغة والفكر، مقابل مدرسة البصرة، وكانت النجف متداخلة مع الكوفة ولصيقة بها، وهي الملتقى للآراء والأفكار المتفاعلة، وبما ان الكوفة كانت عاصمة الخليفة الراشد الرابع الامام علي بن ابي طالب خلال خلافته، فقد تجمّع فيها مؤيدوه، وعدد كبير من المفكرين والصحابة والتابعين، الأمر الذي أسهم في طبع النجف بطابع الفكر الاجتهادي، الذي ينشأ عادة عن التفاعل ما بين أصحاب الآراء والأفكار.
ولأن مدرسة الكوفة أبقت باب الاجتهاد الفقهي واللغوي مفتوحاً، بعكس مدرسة البصرة التي كانت أكثر محافظة، وحرصت بحكم ضغط موروثها وخصوصيتها على التمسك بما توارثت عليه، بل النظر بحذر الى مسألة التجديد، في حين شهدت الكوفة حركة تفاعل بين مختلف القبائل والعشائر والأفكار الفقهية واللغوية والعلمية، فقد ظلّت مفتوحة وتستطيع استيعاب واستقطاب الجديد والوافد وصهره في إطار بوتقها العربية، خصوصاً وأنها كانت لغة الدراسة التي لا يمكن التقدم دون الالمام بها واتقانها، الأمر الذي أوجد فيها وضعاً متميّزاً ومناخاً واسعاً وأفقاً رحباً كرسته بالاجتهاد وبدور العلماء في النجف، ولا ننسى هنا ان "السلفية" نشأت في البصرة ومنها خرجت الى الحجاز، بينما نشأ في الكوفة والنجف كبار المجتهدين في الفكر الاسلامي والشعر والأدب، انطلقوا من الموروث الى رحاب التجديد على الصعيد الفكري واستشرافاً مستقبلياً لتطوره.
وقد ظلت قراءة القرآن السائدة في العالم الاسلامي اليوم، وبخاصة في آسيا، هي القراءة الكوفية أي قراءة حفص بن عاصم الكوفي، وقد سادت هذه القراءة  في بلاد الشام أيضاً مقارنة بقراءة عبدالله بن عمر الشامي، وقراءة ابو عمر بن العلاء البصري، وسادت على كل القراءات حتى أصبحت القراءة المعتمدة، لأن الكوفة كما ذكرنا هي المحطة التي يلتقي فيها الجميع ويحملون منها فيما يحملوه القراءة الكوفية التي تُعتمد الآن في المصاحف التي تطبع وتوزّع في العالم كله.
بالمقابل نجد ان القراءة التي انتشرت في افريقيا، كانت قراءة أهل المدينة، وهي قراءة نافع بروايتي ورش وقالون، وظلّت هي الاساس في الدول الاسلامية الافريقية.(7)
لا بد من الاشارة هنا الى ان الشخصية العراقية المركّبة بما فيها الشخصية النجفية المتميزة، هي شخصية عروبية تعتز بعروبتها، وفي الوقت نفسه تحافظ على علاقة ايجابية بالمرجعيات الدينية الروحية، والمرجعية في النجف وفي الأوساط الشيعية بشكل عام تعددية، أي لا يوجد فيها مرجع واحد، مهما علت منزلته وانما هناك أعداداً من المراجع معترف بها ولديها مقلّدون، كما أن المرجعية أممية، أي انها غير محصورة بالعنصر العربي أو العراقي، وذلك انطلاقا من الاسلام نفسه الذي ساوى بين بني البشر " ولا فرق بين عربي وأعجمي الاّ بالتقوى "، فمن كان الأعلم والأكثر نفوذاً وتأثيراً وزهداً يمكن أن يتولّى المرجعية، ومبرر ذلك أيضاً "الولاء لآل بيت رسول الله" رغم ما تثيره أحياناً الأصول العرقية واللغوية من منافسات منظورة وغير منظورة، لاسيما التسابق بين مرجعية النجف ومحاولات قم الاستحواذ عليها.
وهكذا فإن الشخصية النجفية رغم تمسكها بعروبتها وتأثرها بالمناخ الاسلامي بشكل عام، فضلاً عن التأثيرات العشائرية وأجواء المدينة المنغلقة اجتماعياً، الاّ أنها شخصية منفتحة في داخلها لا ترفض الغريب، لكونه غريباً، بل تسعى لإقامة العلاقات مع الجديد الوافد اليها، طالما كان يرتبط معها بالعقيدة ويسعى لاحترامها في إطار مصالح مشتركة، فإذا تعارضت وجهته بالضد منها وحاول استغلال علاقته دون مراعاة المصالح المتبادلة، يبدأ الصراع وتغيب الحدود في هذا الصراع، إذ أنه في الصراع هناك الصديق أو العدو، الابيض أو الأسود، ولا رمادية بينهما، وهو ما يجعل جوانب حادة وصارمة أحياناً في تركيبة الشخصية النجفية.
لعل ذلك سمة مشتركة للعراقي والعربي من أصل بدوي، فالقبائل العربية العراقية لا تزال مرتبطة بعروبتها ويتداخل فيها البدوي بالحضري رغم انها انتقلت، لاسيما بعد العام 1958 الى مجتمعات مدنية، ففي العراق ورغم أن أهم أماكن سكن القبائل صارت في المدن، الاّ أن بعضها لا يزال محافظاً على روابطه وعلاقاته وقيمه وزعاماته القبلية، والانسان في العراق ينتسب الى قبيلته، فيما تنتسب العائلات والعشائر الصغيرة الى مدنها وأماكن سكناها أو مهنها، وفي بغداد نجدها أحياناً تنتسب الى المهن كالعطار والنجار والقصاب والصفار أو الى المواقع فعلى جانبي نهر دجلة  كالرصافي والكرخي، فيما تكوّنت بعض العائلات التي لم تحمل اسماء مدنها أو قبائلها في بعض المدن الحديثة والمراكز الاقتصادية الهامة وبعض المراكز الدينية.
اما في النجف فالسكان هم من كل القبائل العراقية، وبعضهم ينتسب الى المدينة أو مواقعها لأنه لا يوجد تجمع قبلي واحد أو ذو لون واحد، فالشخصية المركبة ما زالت تضم وتحتوي العقلية القبلية وبعضها يمتد الى الريف، إضافة  الى الثقافة العربية، والفكر الديني والعلاقات الاقتصادية الجديدة التي نمت، والمصالح وأسلوب التفكير والتعامل الحديث والمديني، وكل هذه التركيبة اختلطت ببعضها وتركت تأثيراتها في مناحي الفكر والعقيدة والاجتهاد والسياسة والاجتماع والأدب والثقافة.
وقد استطاع النجفيون تاريخياً استيعاب كل من أسلم أو اعتنق الاسلام وتحدث بالعربية فصار واحداً منهم، فكان من الطبيعي ان تذوب الفوارق بين الناس، وأن لا يتحسّسوا الا من المعادي لهم في الهوية، ولم يكن تحسّسهم أو تعصّبهم ناشئاً عن المخالفة لهم في العقيدة أو الهوية العربية، بل لأن هذه المنطقة عانت من اختراقات وغزوات، فعاشت فترات طويلة تحت ضغط الحكم الاموي والعباسي وصولاً الى الحكم العثماني، ودخلت النجف في صراعات دفعت بسببها أثماناً باهظة جداً، لاسيما لمحاولة دفاعها عن هويتها وعقيدتها التي كانت تشكّل طابع تلك الصراعات آنذاك، فيما بقيت الشخصية العربية العراقية في مناطق أخرى أقل تعرضاً للانتهاك، وأكثر بساطة ووضوحاً، وليس فيها هذا التعقيد لأنها كانت أقرب الى السلطة أو كانت السلطة وبعض حواشيها من طاقمها سواءً كانت ظالمة أو عادلة.
وتأكيداً على ما أسلفنا فإننا نجد تاريخياً مركزين متشابهين لحاضرتين مهمتين للفكر الاسلامي، كانت أولهما في النجف الأشرف والثانية هي الأزهر الشريف الذي يعتبر الآن مركز تدريس وتعليم الفكر الديني للمذاهب الأربعة في العالم كله، وقد بُني في عهد الدولة الفاطمية ونُسب بالاسم الى فاطمة الزهراء بنت رسول الله، في حين اختصّت النجف بالفكر الشيعي.
والجدير ذكره هنا، أن الشخصية العربية بشقيها النجفي وغير النجفي في تلك المرحلة التاريخية لم تكن في موضع العداء المخالف في العقيدة، إذ أن ذلك نشأ فيما بعد أثناء الصراع على السلطة ودور تلك السلطة، حيث يُذكر مثلاً ان الإمام مالك بن أنس صاحب المذهب المالكي فيما بعد، جاء اليه الامام زين العابدين علي بن الحسين وكان عجوزاً، فقال له " لو أعلمتني لجئت اليك ولو حبواً "، ثم كشف عن صدره عند وداعه وقبّله وقال له :" عساني أن ألقى الله فيكون آخر ما ودعت به الدنيا لحماً من لحم رسول الله...".
وابو حنيفة النعمان صاحب المذهب الحنفي فيما بعد، أفتى وفي زمن الأمويين باعطاء الزكاة الى الإمام زيد بن علي بن الحسين، مع علمه بأن ذلك المال سيذهب لمناهضة بني أمية، ثم وقف في وجه العباسيين الذين اعترضوا عليه لكثرة حبه لآل البيت، فسجن وخرج من السجن ليموت.
والامام الشافعي يكفيه انه قال في وجه العباسيين والروانديين وجماعاتهم المعترضين على حبه لآل البيت:
" إن كان حب آل البيت رفض        فليشهد الثقلان اني رافضي
 وقال :
يا آل بيت رسول الله حبّكم        فضل من الله في القرآن أنزله
يكفيكم من عظيم الفخر انكّمُ        من لم يصلِّ عليكم لا صلاة له
فجيء به من اليمن الى بغداد بالحديد والسلاسل ماشياً، ثم نفي الى مصر لكي لا يساكن مقر الخلافة في بغداد.
اما الامام أحمد بن حنبل فامتحنه العباسيون بحديث ليعرفوا توجهه، فارسلوا اليه رجلاً قال له: روي عن جعفر بن محمد عن محمد بن علي عن ابيه عن جده رسول الله، فقال كفّ، ولم يرد ان يسمع حتى الحديث وقال: هذا اسناد لو قرئ على مجنون لأفاق، وقد حفظها له العباسيون، فسجن في أيام المأمون والمعتصم والواثق ولم يخرج من السجن الاّ في عهد المتوكل، وعاش بعد ذلك أشهراً ومات.(8)
إذاً، في هذه الأجواء العربية نشأت المذاهب الاسلامية،ولم تتحكم بها العداوات الاّ نتاج الفكر السياسي للسلطة، التي كانت تقوم بين فترة وفترة لانتاج الخلاف العقيدي، لأن أصل العقيدة واحد ولا خلاف فيه. ولعل من استغلّ هذه الخلافات وروّج لها، انما استهدف أشياءً أخرى، وقد كان الخليفة الراشد الثاني عمر بن الخطاب يردد " لولا علي لهلك عمر"، ولا كانت له مكانة كبيرة في عهده بما فيه الفصل في الاحكام.
من هنا نفهم لماذا تركت النجف تأثيراتها الثقافية والفكرية على رجال من أمثال سعد صالح جريو الذي لم يُنقل عنه يوماً وقوفه الى جانب فريق دون آخر في العراق، انطلاقاً من مذهب أو قومية، أو طائفة أو منطقة وهو ما سنبيّنه لاحقاً.
يذكر الشاعر الدكتور مصطفى جمال الدين(9) في كتابه " الديوان" ان في النجف الأشرف خصائص يندر وجودها في مدن العراق قاطبة وهي(10) :
أولا- أنها مدينة الوافدين زواراً ومجاورين وطلاب علم، وأن كثيراً ممن يسمّون اليوم بالأسر النجفية هم من أبناء تلك الأسر المهاجرة اليها لطلب العلم أو لمجاورة مرقد الامام علي، وكانت لشغفها بهذه المدينة وطول اقامتها بها قد نسيت أصولها في المدن العراقية أو البلاد العربية أو الأقطار الاسلامية، وانقطعت العلائق شيئا فشيئاً بينها وبين البلاد التي تحدّرت منها، وتشابكت بأواصر القربى والمصاهرة مع بعضها البعض، وبعضها قد مرّ عليه أكثر من اربعمائة سنة على الإقامة في النجف، حتى أن اجيالها المتأخرة قد لا تعرف  شيئاً عن بلدها الأصلي أو لغاتها لأنها انصهرت بلغة العرب.
ثانيا- ان الطابع العربي القريب من البداوة، هو الذي يطبع المدينة بطابعه فالعشائرية والنخوة ورعاية الجار والكرم والضيافة كلها من صفات أهل النجف، ولعل السر في ذلك كونها تقع بين الريف العراقي المنتشر على ضفاف الفرات، وبين البادية الممتدة من العراق الى الحجاز، ولذا فإن انصهار مختلف الأعراق فيها أمرٌ طبيعي بسبب التلاقي والاختلاط والامتزاج.
ثالثا- انها " السوق المشتركة" بين عشائر الريف وعشائر البادية تصل اليها منتجات تلك المناطق وتُصدّر منها الى مناطق العراق الأخرى، وبعض المصدّّرين لهم في النجف بيوت يأوون اليها في أيام المواسم، وكذلك بعض المستوردين مما حوّلها الى مدينة عشائرية الروح، بدوية المجتمع، ولعلنا نضيف تجارية الطابع، متسامحة مع الغريب، ولديها الاستعداد للتعايش والتواصل مع الآخر، لاسيما في أجوائها الثقافية والأدبية.
رابعاً- انها " المدينة الجامعية للدراسات الاسلامية"، وتمتد جامعتها الى مدى يقرب من عشرة قرون، وقد احتفظت باللغة العربية وآدابها، وفشلت كل محاولات التتريك التي تعرّضت لها أيام المماليك والعثمانيين، كما لم تتأثر باللغات الشرقية وبخاصة اللغة الفارسية التي كانت لغة الكثير من بين الوافدين اليها، ولكنها لم تترك أي اثر على سلامة لغتها العربية، لأن الدراسة الدينية فيها واستنباط الاحكام الشرعية من أدلتها تعتمد بصورة أساسية، على مصادر عربية وهي نصوص عربية أصلية، إذ لا يحقّ لأحد، حسب الإمام الشافعي، أن يفتي في دين الله الا رجلاً عارفاً بكتاب الله وبصيراً باللغة والشعر وما يحتاج اليه للسُنّة والقرآن، ولأن الدراسة الدينية تبدأ فيها بالمقدمات وأهمها النحو والصرف والبلاغة، فضلاً عن التبحّر في علومها وثقافتها، فان اللغة العربية السليمة تبقى ركناً أساسياً من أركان الدراسة في الحوزة العلمية، إذ لا يمكن للدارس أن يصل الى المستوى الفقهي دون أن يكون ضليعاً باللغة العربية وآدابها وفلسفتها اللغوية، فهي لا تتطلب البلاغة والفصاحة حسب، بل فهماً واستيعاباً للمجازات والكنايات والصور البيانية (11).
خامساً- ان " الشعر متنفس المجتمع المتحفظ" (المحافظ) في النجف، ولعل ذلك هو الذي يفسّر لنا كثرة الشعراء في مدينة صغيرة كالنجف، فكونها تضم مائتي شاعر في فترة قصيرة ظاهرة ملفتة للنظر، سواءً في ذلك شعراء الفصحى أو العامية. حيث كان في عهد السيد محمد مهدي بحر العلوم أكثر من 200 شاعر في مدينة لا يزيد عدد نفوسها على 30 الف نسمة، وهو ما أحصاه الشيخ محمد رضا الشبيبي، وما ورد في موسوعة الغري الشعرية.
وبالمناسبة فإن عهد بحر العلوم 1155-1212 هـ سمّي بعهد النهضة العلمية، لكثرة من نبغ فيه، فضلاً عن كثرة الدارسين، وقد اتخذ بحر العلوم سلسلة من الخطوات يمكن تقييمها بشكل ايجابي، لاسيما بعد قراءة تاريخ المرجعية وما لحق بها وما تعرّضت له من اشكالات أحياناً، وكان بحكم شخصيته الصارمة والمحببة، مهاباً وجذّاباً.
واتّسمت محاولته التجديدية بشيء من حسن الادارة والتنظيم، فوزّع مسؤوليات الحوزة وأعباء المرجعية على عدد من رفاقه ولم يحصرها كلّها بيده مثلما فعل الآخرون، وهكذا سمّى الشيخ جعفر كاشف الغطاء للعلاقات والصلة بالناس والاعتناء بمصالحهم (توفي 1228 هـ) بما فيه اعطاء الفتوى والرجوع اليه في المسائل الشائكة (كمقلّدين) ورغم ان بحر العلوم المرجع الأعلم، الاّ أنه

ــــــــــــــــــــ
(1)أنظر: شعبان، عبد الحسين، الدولة العراقية والمؤسسة الدينية في النجف، مجلة النور(لندن)، العدد 87، آب (أغسطس)، 1998. انظر كذلك:  مصطفى جمال الدين، الديوان، دار المؤرخ العربي، بيروت، ط1، 1995ص 48 وما بعدها.
(2)المصدر السابق .
 (3) قارن: المسعودي- مروج الذهب، ج1، القاهرة، 1346 هـ، ص 297، نقلا عن : انظر محبوبة، جعفر - ماضي النجف وحاضرها، 3 أجزاء، دار الأضواء، ط8، بيروت، 1986، ص4
(4) كانت قصور العباسيين مشرفة على النجف يتنزهون بها أيام الربيع، لاسيما قصر " أبي الخصيب" الذي كان موقعه قريباً من قصر السدير بظاهر الكوفة، وبينه وبين السدير ديارات (أديرة) الأساقف، وهو أحد المنتزهات التي تشرف على النجف. وأبو الخصيب هو مزروق بن ورقاء مولى المنصور وأحد حجّابه، ويقال أنه بني هذا القصر بأمر المنصور، وقيل بناه لنفسه وكان المنصور يزوره فيه، إضافة الى القصر الأبيض وموقعه قرب الحيرة ويُنسب الى الرشيد وكتب على جداره حضر عبدالله بن عبدالله ولأمر كتمت نفسي وغيّبت بين الأسماء اسمي (العام 305 هـ)، إضافة الى قصر الخورنق انظر: معجم البلدان، نقلاً عن محبوبة، جعفر، مصدر سابق، ص 5 وما بعده.
(5) ولد العلآمة الدكتور علي حسين عبد الجليل الوردي في مدينة الكاظمية ببغداد عام 1913 ونشأ ابناً وحيداً لوالديه عقب تسعة أخوة توفوا بعد وقت قصير من ولادتهم. بدأ تعليمه في الكُتَّاب كما كان سائداً آنذاك، وعمل في صغره عطاراً في مهنة والده، لكنه سرعان ما عاد الى الدراسة في المدارس الحكومية عام 1931 فأتم الدراسة الثانوية وحلّ بالمرتبة الثالثة على العراق، فأرسل لبعثة دراسية للجامعة الاميركية في بيروت وحصل على البكالوريوس، وأرسل بعدها في بعثة أخرى الى جامعة تكساس حيث نال الماجستير  عام 1948 فالدكتوراه عام 1950 من الجامعة ذاتها. درّس مادة علم الاجتماع في كلية الآداب في جامعة بغداد من عام 1950. ولغاية العام 1972.توفي في شهر تموز (يوليو)عام 1995 . في عمان  من أهم مؤلفاته : لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث – ثمانية أجزاء (1969-1980) ، شخصية الفرد العراقي (1951)، خوارق اللاشعور (1952)، وعاظ السلاطين (1954)، مهزلة العقل البشري (1955)، أسطورة الأدب الرفيع (1957)، الأحلام بين العلم والعقيدة (1959)، منطق ابن خلدون (1962)، طبيعة المجتمع العراقي(1965). وقد حدثني الدكتور ناهض شعبان الذي كان طبيبه الخاص في السنوات العشر الاخيرة من حياته أن عقله ظلّ متوقداً وذهنه نشطاً حتى آخر أيام حياته رغم تدهور صحته وعدم قدرته على الكتابة. انظر: مظلوم، محمد، كتاب في جريدة، صحيفة النهار اللبنانية ، 1 تموز(يوليو) 2009. قارن كذلك: حديث خاص مع الدكتور ناهض شعبان، بغداد، حزيران(يونيو)2003.
(6) انظر: الوردي، علي(الدكتور)- لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث، ستة أجزاء، مطبعة الأديب، بغداد، 1978
(7) ملاحظة  لفت انتباهي اليها الصحافي خالد اللحام خلال حوار دار بيني وبينه حول النجف ودورها، باسترجاع قراءة عدد من المراجع والمصادر التي تمثل النهضة الأدبية والثقافية والعلمية لمدرسة النجف، بيروت، 24 أيار (مايو) 2009.
(8)حديث حواري (استعادات في الفكر الاسلامي) مع الصحافي خالد اللحام، مصدر سابق.
(9) ولد في قضاء سوق الشيوخ " قرية المؤمنين بلواء " محافظة "  ذي قار (الناصرية) أو كما كانت تسمى المنتفك، وذلك عام 1927، انتقل الى النجف للدراسة الدينية أواخر العام 1938، والتحق بجامع الهندي للدراسة، حيث كان قد ترك دراسته وهو في الصف الرابع الابتدائي، واستمر في النجف طيلة حياته رغم انتقاله الى بغداد، لكنه ظل يتردد عليها ويعتبرها موازية ربما لمسقط رأسه، أو منبته الحقيقي. تخرج من كلية الفقه العام 1962 وأكمل دراسة الماجستير في الشريعة الاسلامية العام 1972 والدكتوراه في اللغة العربية العام 1979 ودرّس في كلية الفقه وكلية الآداب وكلية أصول الدين، وترأس جمعية الرابطة الأدبية في النجف العام 1975، واضطر لمغادرة العراق العام 1980، من مؤلفاته، الايقاع في الشعر العربي، وديوان عيناك واللحن القديم، والديوان  الذي هو أقرب الى ملامح السيرة والتجربة الشعرية. توفي ودفن في دمشق.
(10) انظر: جمال الدين، مصطفى- الديوان، مصدر سابق،  ص 13-20 وما بعدها.
(11) انظر: جمال الدين، مصطفى- الديوان ، المصدر السابق،  ص 15.   

482
 
كوبا: رؤية ما بعد الخمسين (8)
 جيفارا وعبدالناصر: قلق وهواجس!

      
   عبدالحسين شعبان    


2009-12-21

انتظر الرئيس عبدالناصر عودة جيفارا من الجزائر، وعاد إليها فعلاً قبل سفره إلى كوبا، وكان عبدالناصر قد اطلع على خطابه المشحون بالهّم والمسؤولية والقلق الذي حمله على كاهله، إزاء مستقبل "الحركة الثورية" وآفاق نضالها.
إذاً من الجزائر فجّر جيفارا القنبلة يوم ألقى خطابه الشهير، والذي سيعرف في الأدب السياسي "بخطاب الجزائر" الذي كان عبارة عن رؤية مكثفة لتوجهاته الاشتراكية ونقده للبيروقراطية السوفييتية، التي احتجّت على ذلك الخطاب رسمياً لدى كوبا، وجرى حديث في السر والعلن عن ضغوط موسكو على كاسترو، لاسيما وأن كوبا كانت بحاجة إلى المساعدات السوفييتية.
كان خطاب الجزائر في 24 فبراير 1965 محطة فاصلة عبّر فيها جيفارا عن ما كان يلوّح به من انتقادات ووجهات نظر إزاء التحديات والمصاعب النضالية، ليس في جانبها الموضوعي من طرف "العدو الطبقي" حسب، بل بجانبها الذاتي، خصوصاً مواقف البلدان الاشتراكية والاتحاد السوفييتي تحديداً، الأمر الذي جعله في تناقض بينه وبين الواقع من جهة، وبين الرغبات والإرادات من جهة أخرى، وبين الدول الاشتراكية ومصالحها من جهة والدول النامية وحركات التحرر الوطني في أميركا اللاتينية وإفريقيا وآسيا من جهة أخرى.
ولعل التناقض الأكبر كان بينه وبين نفسه، فرغم آماله الكبيرة لكن ثمة تشاؤم كان قد بدأ يتسلل إليه، لم يطرده إلا بشحذ العزيمة والإرادة بديلاً عن الواقع، وهو ما عبّر عنه في حديثه مع عبدالناصر، الذي وإن كان يكّن له محبة أخوية لأفكاره النبيلة ولشخصه الكريم الآتي من قارة أخرى (لنصرة الثورة في إفريقيا) لكنه كان يأمل "اعتدال" مطالبه الثورية، وعندما كان جيفارا قد حصل على موافقة أحمد بن بلّه على دعم ثوار الكونغو، الذي سيتولى هو تقديم المساندة الكوبية لهم، كان وقتها يتقلب في فراشه لليلة كاملة: هل يطلب ذلك من عبدالناصر أيضاً وماذا سيكون رد فعله؟
بعد خطاب الجزائر الشهير، توجّه جيفارا إلى القاهرة يوم 2 مارس 1965 ومكث فيها 8 أيام، ودار بين الزعيمين المصري القومي العربي وبين الكوبي الأممي حديث حول سبل تحرير إفريقيا، وعندما علم عبدالناصر بمشروع جيفارا بالانخراط في العملية العسكرية في الكونغو، أبدى قلقه ومخاوفه، ووجه الخطاب مباشرة إلى صديقه، قائلاً له بكل وضوح: "أنت تدهشني جداً.. هل تريد أن تصبح طرزاناً جديداً؟ رجلٌ أبيض بين الزنوج من أجل قيادتهم وحمايتهم.. هذا مستحيل!! لن تنجح أبداً.. سيسهل كشفك لأنك أبيض، وإذا أتيت مع الكثير من البيض.. فستعطي الإمبرياليين الفرصة للقول بأنه لا يوجد فرق بينكم وبين المرتزقة".
وأردف عبدالناصر بالقول ببعد نظرٍ ودراية بظروف الصراع الدولي وشؤون السياسة والدبلوماسية، فضلاً عن كونه عسكرياً ميدانياً يعرف خطورة اتخاذ قرار من هذا القبيل: "إذا ذهبت إلى الكونغو مع كتيبتين كوبيتين، وإذا أرسلت معك كتيبة مصرية فسيتهموننا بالتدخل في الشؤون الداخلية في الكونغو، وهذا يضر أكثر مما ينفع"!
في منزل عبدالناصر في المنشية، تابع الصديقان حوارهما في ليلة أخرى أفضى جيفارا بهمومه ومشاغله الفكرية والسياسية، ومتاعبه العملية، وشرح أسباب انتقاده لمعاملة الدول الاشتراكية "الأنانية"، كما وصفها، وأفاض ما في قلبه من حنق، كان قد عبّر عنه في خطاب الجزائر.
في تلك الليلة جرى الحوار بين عبدالناصر وجيفارا حول الموت، الذي كان يتردد على لسان جيفارا باستمرار، فقال عبدالناصر وهو الأخ الأكبر: لماذا تتكلم دائماً عن الموت؟ أنت رجل شاب، إذا اضطررنا أن نموت سنموت من أجل الثورة، ولكن الأفضل أن نحيا من أجلها، لكن جيفارا برومانسيته وحسّه لما هو ذاهب إليه، كان قد وضع الموت نصب عينيه، وعندما اضطر أن يضرب مثلاً حول بيرون الزعيم الأرجنتيني فأشار إلى جبنه وهروبه، لأنه لم يقوَ على مواجهة الموت، وشدد جيفارا قوله وهو ما أوفى بعهده: اللحظة الحاسمة في حياة الإنسان هي عندما يتخذ قراراً بمواجهة الموت، فإذا قرر ذلك فهو البطل سواءً توّجت معركته بالنجاح أو بالفشل! لقد كان يدرك خطورة قراره، وربما لم يتأكد من نجاحه في معركته، لكن ما كان متأكداً منه هو صدقية خياره وشجاعته في مواجهة الموت لحظة يتطلب ذلك منه، وهنا مقياس اختبار لقيمه ومبادئه، لاسيما حين يبدي استعداده للتضحية بحياته من أجلهما.
وبقدر حبّه للحياة وتمسكه بأهدابها، فقد كان يسترخص الموت من أجل حياة حرة كريمة، ولعلي بهذه القراءة الارتجاعية أستعيد هذا التناقض والتحدي الذي يمثل جوهر سلوك جيفارا من خلال هذا البيت الكثير الانطباق عليه وهو ما كان الجواهري الكبير يردده باستمرار:
وأركبُ الهولَ في ريعان مأمنةٍ
حبّ الحياةِ بحب الموت يُغريني
زار جيفارا سد أسوان العظيم وأعجب به أشدّ الإعجاب، وكان بصحبة عبدالناصر، وزار معه أيضاً افتتاح أحد المصانع، فلقي ترحيبا هائلاً من عمالها وأهل القرية، وقد تأثر جيفارا كثيراً لما أسماه "بالخميرة الثورية"، وقد علق عليها عبدالناصر، ببساطة: الحصول عليها يتطلب هذا، مشيراً إلى المعمل. ودار حوار بينهما حول انتصار الثورة التي تتحقق بجهود الثوار، لكن البناء يتم بمساعدة التكنوقراط البيروقراطيين الذين هم أحياناً ضد الثورة كما يُقال.
ولعل حواره مع ناصر كان وراء كتابة مقالة بعنوان "الاشتراكية والإنسان وكوبا" التي تعتبر أساساً في الفكر الجيفاري، الذي ألهم شباناً وشابات من جميع القارات، فقد أراد أن يضع بعض النقاط على الحروف، لاسيما فيما يتعلق بالحصول على التقنية وبناء الإنسان الجديد.
يقول جيفارا في خاطرة حول الموت: لون حريتنا وخبزنا اليومي أحمر كالدم وهما منتفخان بالتضحيات، تضحياتنا واعية، نحن نبني ثمن الحرية.. تسلّموا تحيتنا الطقسية كمصافحة أو كسلام ملائكي: النصر أو الموت.
لخّص جيفارا في الزيارة الأولى التجربة المصرية بقوله: أول خطوة قامت بها الحكومة المصرية لتنظيم الهيكل الاقتصادي هي الإصلاح الزراعي الذي تناول ألفاً و768 من كبار الملاكين مع توزيع الأراضي المسترجعة على الفلاحين والتي تشكل %10 من الأراضي. أصبحت التعاونية أساس الاقتصاد الزراعي وهي مؤلفة من صغار الملاكين لهكتار أو اثنين ويعملون في الأرض جماعياً ولكن يستفيدون منها قروياً. وكان جريئاً عندما ندد في 28 سبتمبر 1962 بتجربة المعامل المؤممة وهو وزير للصناعة، لأنها فشلت والآلات مهملة ويعلوها الصدأ.
آخر زيارة لمصر هي عندما جاءها متخفياً بهوية روسية، وأمضى نهاراً واحداً في القاهرة، وذلك في 5 أبريل 1965 قبل سفره إلى دار السلام لبدء العملية العسكرية في الكونغو، التي يتحدث عنها بمرارة. لعله تذكّر ما دار بينه وبين عبدالناصر وإذا استعدنا الأمر الآن، فكلاهما كانا على صواب، وربما في الوقت نفسه على خطأ، فعبدالناصر تحدث من موقع الدولة، المسؤول، الذي يحسب تبعات انخراطه في عمل مسلح لمجموعات ثورية وردود فعل الولايات المتحدة والقوى الإمبريالية الكبرى، ولكن كان بالإمكان التنسيق معه وتسهيل مهمته بشكل غير رسمي وهو غالباً ما كان يحدث.
أما جيفارا فقد أراد للثورة أن تبقى حلماً وردياً، حتى وإن كان بعيد المنال، فأسقط إرادته على الواقع، لكي يستعجل في إنضاج العامل الذاتي، حتى إن تطلّب الأمر أن يأتي من أميركا اللاتينية ليقود كتائب ثورية في الأدغال، دون حساب للمخاطر والتحديات التي قد تطال حياته، وهو ما كان يتطلب وربما ما يزال حتى الآن وقفة مراجعة جدّية جريئة، بخصوص دور العامل الذاتي سلباً أو إيجاباً، وكذلك تقدير دور العامل الموضوعي داخلياً ودولياً، دون استخفاف أو مبالغة بالذات بالآخر "العدو" ومراعاة مسألة التراكم الكمي والوضع الاجتماعي والعادات والتقاليد، التي تحول دون تحقيق الحلم الثوري!
كان جيفارا يستعد لتنظيم مؤتمر القارات الثلاث حيث كان من المزمع عقد اجتماعات تمهيدية في 24 أغسطس 1965 بتنسيق مع المهدي بن بركة تضم ممثلين عن: آسيا، وإفريقيا وأميركا اللاتينية، لكن الذي حدث كان مفاجئاً بكل المقاييس: حصل الانقلاب ضد أحمد بن بلّه في 19 يونيو 1965 وقبل انعقاد المؤتمر اختطف المهدي بن بركة في باريس في خريف العام ذاته، واختفى جيفارا عن الظهور قبيل ذلك!       
    

483
الدكتور شعبان يوقع كتاب سعد صالح في بيروت


المحرر الثقافي- خاص/بيروت
الكاتب والمفكر العراقي عبد الحسين شعبان وقّع كتابه "سعد صالح : الضوء والظل- الوسطية والفرصة الضائعة" في معرض الكتاب في بيروت (بييل) وسط حشد من المثقفين والاصدقاء وذلك يوم 14/12/2009.
كما شارك في الحضور أبناء وأحفاد سعد صالح وتلى توقيع الكتاب عشاءً في مطعم مهنا في منطقة جل الديب حيث سبقه امسية ثقافية توالى على الحديث نجله المحامي لؤي سعد صالح وكريمته الدكتورة ضحى سعد صالح والاستاذ الدكتور حيدر كمونة ورئيس غرفة تجارة بغداد الاستاذ فلاح كمونة، كما ألقى المحامي الاديب جليل شعبان قصيدة بالمناسبة بعنوان "لبنان وسعد صالح" واختتمت الأمسية الاستاذة نوار سعد صالح بكلمة شكر للحضور وللمؤلف.

484
 
المجتمع المدني بين القانونين الوطني والدولي


عبدالحسين شعبان

ماذا ترّتب اتفاقية فيّينا بشأن التوافق بين القانونين الدولي والداخلي؟ تعرّف المادة الثانية الفقرة (1) أ من اتفاقية فيّينا، المعاهدة الدولية بأنها “اتفاق دولي معقود بين دولتين أو أكثر بصورة خطية وخاضعة للقانون الدولي . . .” وبهذا المعنى فلا يجوز لطرف الاستناد إلى أحكام دستوره أو قانونه الداخلي كمبرر لعدم الوفاء بالتزام دولي تعهد به بموجب المعاهدة، وذلك استناداً إلى مبدأ فقهي عام يقول: إن العقد شريعة المتعاقدين .

إن وجهة النظر هذه تطرح مسألة العلاقة بين القانون الدولي والقانون الداخلي، وهي مسألة غالباً مايتكرر طرحها بالارتباط مع (المادة 46) من اتفاقية فيّينا، التي تؤكد “لايجوز للدولة أن تستظهر بأن التعبير عن موافقتها على الالتزام بمعاهدة ما، تم على وجه سينطوي كمبرر لإبطال موافقتها تلك، ما لم يكن هذا الخرق بيّناً ومتصلاً بقاعدة ذات أهمية أساسية من قواعد القانون الداخلي” .

ويلاحظ هنا أن اتفاقية فيّينا اشترطت الخرق البيّن أولاً، وثانياً وهذا يُفهم من مضمون النص، التصرف بحسن نيّة، فبعض الدول يعتبر التنفيذ التلقائي (المشروط بالنشر في الجريدة الرسمية كافياً لتأكيد الالتزام بأحكام المعاهدة الدولية)، والبعض الآخر يؤكد أن ذاتية التنفيذ ليست تلقائية، بل تتطلب إصدار تشريع تنفيذي خاص، والبعض الآخر يؤكد أسبقية القانون الداخلي (الوطني) مع إدماج أحكام المعاهدة به لتأخذ بُعداً دولياً، وهناك بعض الدول، التي تعتبر المعاهدة جزءاً من القانون الداخلي طالما تم التصديق عليها .

وإذا كان موضوع قانون المعاهدات يشكّل سقفاً للعلاقة بين التشريع الوطني والدولي، لا بد من مراعاته كإطارٍ عام، فإن الحق في تكوين الجمعيات Associations، الذي تنصّ عليه مواثيق حقوق الانسان، يشكّل نقطة احتكاك أو اشتباك تحاول فيها بعض الحكومات التحلل من التزاماتها المنصوص عليها في العديد من الاتفاقيات والمعاهدات التي وقّعتها، ناهيكم عما تنصّ عليها دساتير بعضها، إذ لا يمكن اعتبار أي نظام يتمتع بالديمقراطية من دون كفالة هذا الحق، إضافة إلى الحقوق الأخرى ولو بحدودها الدنيا .

إن حق تكوين جمعيات لها أهدافها ومبادئها وبرامجها وتوجهاتها وأسماؤها خارج اطار السلطات الحاكمة ومن دون تدخل منها، يعتبر الأساس في إنشاء وتعزيز مؤسسات المجتمع المدني، وبما يوفّر لها شخصية اعتبارية بإمكانها رفع الدعاوى أمام القضاء وتلقّي الاشتراكات والمساعدات والتبرعات، وقد نص الاعلان العالمي لحقوق الانسان، الصادر في 10/12/1948 في المادة (20) على:

1- لكل شخص الحق في حرية الاشتراك في الجمعيات والاجتماعات السلمية .

2- لايجوز إرغام أحد على الانتماء إلى جمعية ما .

أما العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الصادر في 16/12/1966 والنافذ ابتداء من 3/6/1976 فقد نص في المادة (21) على مايلي: “يكون الحق في التجمع السلمي معترفاً به، ولايجوز أن يوضع من القيود على ممارسة هذا الحق، إلاّ تلك التي تُفرض طبقاً للقانون وتشكّل تدابير ضرورية في مجتمع ديمقراطي” . ونصّت المادة (22) على أن: “لكل فرد الحق في حرية تكوين الجمعيات مع آخرين، بما في ذلك حق إنشاء النقابات والانضمام اليها من أجل حماية مصالحه” .

خلاصة القول: إن هذه الحقوق وماتُرتّب من التزامات على الحكومات والدول، لا يمكن ردّها استناداً إلى مبدأ السيادة التقليدي أو مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية، فمع انهيار جدار برلين وتداعي أركان نظام القطبية الثنائية الدولي، بدأ نمط جديد من العلاقات الدولية، وإنْ كان لم يكتمل بعد، ومتناقضاً أحياناً وغير متكافىء أو يكيل بمكيالين ويتعامل بطريقة انتقائية في الكثير من الأحيان، إلاّ أنه رغم كل شيء حدد بعض الملامح الجديدة للعولمة بما عليها من تحفظّات ومساوىء، وهو كثير جداً، وبما لها من مزايا وإن كانت قليلة ومحدودة خصوصاً للقضايا العربية والعراقية، لكنها تبقى مشروطة بحسن الاستخدام والاستفادة السليمة والعادلة من الظروف الجديدة التي خلقتها، إذ لا يمكن إعلان رفضها أو إعلان عدم الدخول في صومعتها حسب، لاتقاء شرورها وآثارها، بمثابة طوق نجاة، خصوصاً أنها أخذت تدخل في جميع مناحي الحياة، في ظل ثورة الاتصالات والمعلومات والعلم والتكنولوجيا .

وإذا كان النظام الدولي “الجديد” قد تكرّس نظرياً في مؤتمر باريس الذي انعقد في نوفمبر/ تشرين الثاني ،1990 أي بعد اجتياح القوات العراقية للكويت وقبل حرب الخليج الثانية، فإن اتفاقية برلين الموقّعة في يونيو/ حزيران ،1991 قد أكدت بعض المبادىء الجديدة، منها تجاوز مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية، الذي نصّ عليه ميثاق الأمم المتحدة (المادة الثانية الفقرة السابعة)، حيث دعت اتفاقية برلين إلى اعتماد “مبدأ التدخل الانساني” مؤكدة “أحقية الدول الأعضاء للتدخل لوضع حد لانتهاكات حقوق الإنسان والقوانين الدولية” .

وذهبت الاتفاقية أكثر من ذلك، حين دعت إلى وضع “خطة للطوارىء” وضرورتها لمنع حدوث الصدام المسلّح متجاوزةً مبدأ السيادة التقليدي . وهكذا لم تعُدْ قضية حقوق الإنسان وحرياته، المنصوص عليها في المواثيق والاتفاقيات الدولية، قضية داخلية تحجِمُ الدول والحكومات والمنظمات الدولية عن التدخل فيها، فقد أصبحت ضمن التطور الدولي الراهن جزءًا لا يتجزأ من المبادىء الآمرة، الملزمة، وضمن الاتفاقيات الشارعة (الاشتراعية)، أي المنشئة لقواعد جديدة في القانون الدولي المعاصر، وهو ماذهب إليه مؤتمر فيّينا حول حقوق الانسان الذي انعقد في يونيو/ حزيران 1993 .

باحث ومفكر عربي   

485
مركز باحث للدراسات


بيروت –لبنان
10/12/2009

محاكمة اسرائيل بين القانون والسياسة


الدكتور عبد الحسين شعبان *

ــــــــــــــ
مفكر وباحث عراقي في القضايا الستراتيجية العربية والدولية، خبير في ميدان حقوق الانسان، والقانون الدولي  له مؤلفات عديدة .
مدير المركز الوثائقي للقانون الدولي الانساني .

عوضاً عن المقدمة!
مع عملية الرصاص المسكوب  أو "المنصهر" و" الثأر المبرر"(1) التي أطلقتها اسرائيل على حربها المفتوحة، تدفق الدم على جنبات الأسفلت في قطاع غزة، وتوشّحت بالموت مدينة فلسطينية جديدة مثلما حدث لمدن أخرى، وتدحرجت رؤوس الأطفال في الطرقات والملاعب والمدارس، وقفز السؤال مجدداً، خارج إطار الصراعات السياسية الفلسطينية والخلافات العربية والمشاريع والشعارات... هل هناك أمل هذه المرة في مقاضاة المرتكبين، لاسيما وأن حجم التضامن العالمي ارتفعت وتائره الى حدود كبيرة، والعالم كلّه شاهد ما ارتكب من جرائم بحق المدنيين الفلسطينيين؟ ولكن ما السبيل الى ذلك وكيف يمكن جلب المتهمين الى قفص الاتهام امتثالاً لمعايير وقيم العدالة وحكم القانون الدولي؟ ثم هل اقترب الحلم من الواقع أم ثمت عقبات جدية تحول دون ذلك؟ وكيف يمكن تذليل بعض الصعوبات العملية والموانع الدولية لمقاربة العدالة؟ وبالتالي كيف يمكن بحث جدلية السياسي بالقانوني؟
لعل ذلك كان استعادةً لم تغادرني، لاسيما منذ أكثر من ربع قرن من الزمان حين تكدّست في ذاكرتي ما ارتكبه الصهاينة في لبنان خلال الاجتياح الاسرائيلي العام 1982، خصوصاً ما حصل في صبرا وشاتيلا، حيث تم الانتقام من الفلسطينيين في مجزرة رهيبة راح ضحيتها نحو ألف مدني في ليلة قاسية ومرعبة 17-18 ايلول (سبتمبر) 1982، قتلوا بدم بارد، وهو ما ذكّرنا بمجازر دير ياسين وكفرقاسم ومدرسة بحر البقر ومعمل أبو زعبل والمجازر في الضفة الغربية وقطاع غزة والجولان وصبرا وشاتيلا، إضافة الى قصف المفاعل النووي العراقي وقصف مقرّات منظمة التحرير الفلسطينية في تونس وغيرها(2).
واشتغل العقل بعد المحنة عسى أن نرتقي بمساءلة حقيقية لما حدث لا على المستوى السياسي حسب، بل على المستوى القانوني، الأمر الذي تطلّب جمع وتنسيق وتصنيف الجرائم المرتكبة، تمهيداً لتقديم المهتمين بالارتكاب الى القضاء الدولي لادانتهم كجناة يستحقون العقاب. ولم يكن الأمر مجرد رغبة فردية، لكن المبادرة اتخذت هذا الطابع، الذي كان وما يزال يحتاج الى جهد جماعي وطاقات متنوّعة ومبدعة حقوقية ودبلوماسية وقانونية واعلامية، حكومية وغير حكومية، فضلاً عن ارادة سياسية ضرورية.
   وظلّت عقبات كثيرة تعترض العقل القانوني، سواءً على الصعيد السياسي أو الواقعي، لاسيما توازن القوى على المستوى الدولي ودرجة الاستعداد الكافية لخوض مغامرة من هذا العيار، يضاف الى ذلك عدم إيلاء مؤسسات المجتمع المدني ما تستحقه في الحشد والتعبئة، وبالتالي في تكوين رأي عام مساند للفكرة، فحتى الآن لم تُدرس مسألة ملاحقة شارون عندما كان ينوي زيارة بروكسل، والحلقة المفقودة التي حاول بعض شخصيات المجتمع العربي استثمارها، طالما هناك تقاعساً أو نكوصاً رسمياً أو حسابات خاصة تحول دون ملاحقة المرتكبين لتقديمهم الى القضاء الدولي، خصوصاً وأن مبدأ العقوبة فردية، ولكن ذلك ضمناً سيعني تحميل اسرائيل " أدبياً " المسؤولية الجنائية والمسؤولية المدنية عن كل ما حصل وما يحصل في الاراضي الفلسطينية والعربية المحتلة، لاسيما بحق السكان المدنيين الابرياء والعزّل.
وإذا كان البحث العلمي يستوجب عرض الحقائق والمعطيات الواقعية في الظرف الملموس، لكنه في الوقت نفسه وإن عاكسته الظروف والتوازنات السياسية، فإنه سيستشرف آفاق المسقبل، وإذا اعتبر البعض أن محاكمة اسرائيل أو المرتكبين باسمها حلماً بعيد المنال، فإن محاكمة مجرمي الحرب النازيين والقيادات العسكرية التي تسبّبت في الحروب والويلات في الحرب العالمية الثانية كانت هي  الأخرى، حلماً أيضاً لم يتحقق الاّ بعد هزيمة المعسكر النازي- الفاشي!
ان مشروع " المحاكمة " هو عمل تحضيري لسيناريو قادم سيكون ضرورياً لرؤية المستقبل بكل تضاريسه وتشابكه، وإذا كان الحديث عن الشجر حسب الشاعر والمسرحي الالماني بريخت يعتبر " جناية"، لأنه ينبغي السكوت عن جرائم كثيرة، لهذا السبب يحق للباحث العلمي أن يحلم أيضاً، وكان الروائي الروسي مكسيم غوركي قد وصف أحد كبار القادة الثوريين في العالم، بأن نصف عقله يعيش في المستقبل، أي أن نصف تفكيره كان يسكن في الحلم، ولا يمكن لأي باحث الاّ أن يفكر بالمستقبل، والمستقبل يعني فيما يعنيه الحلم بالتغيير، والحلم هو جزء من اليوتوبيا كما نقول في الفلسفة، ولعل في كل فلسفة حلماً والاّ ستصبح يباباً...، إذاً دعونا نحلم، ولعلنا في ذلك نبحث عن الحقيقة، وعن المثل والحب والمساواة والحرية، وكان اينشتاين قد قال : المُثل التي أنارت طريقي ومنحتني المرّة بعد المرة الشجاعة لمواجهة الحياة، هي الحب والجمال والحقيقة.
قبل ربع قرن كنت حالماً أيضاً، ولعلي ما زلت ازداد توغلاً في أحلامي، فالحلم وحده هو الذي يمنحنا هذه القدرة العجيبة على التواصل، رغم كلِّ ما حصل ويحصل لنا، على المستوى العام والخاص، لكن قدرتنا على الحلم تعطينا نوعاً من الأصرار على المواصلة وثقة واطمئناناً لمواجهة التحديات ولرؤية أحلامنا وهي تتجدد على أرض الواقع، رغم أن كل ما حولنا مدعاة للتشاؤم، لكن التشاؤم لا يعني اليأس، انه يعني الاعتراف بأن التغيير ضرورة لا مفرّ منها!!
كان حلمي يتجسد في تقديم سيناريو لمحكمة القدس الدولية العليا(3)، الصورة التي كنت أراها تكبرُ كلّما توغلت اسرائيل في مشروعها العدواني- الاستيطاني الاستئصالي، الالغائي، الاحلالي. ولم تشفع الاتفاقات الفلسطينية -الاسرائيلية التي عُرفت بـ "مدريد – أوسلو" ( 1991-1993) بتخفيض سقف الحلم، بل زادته اتقاداً ويقيناً وأملاً، فكلّما اقترفت اسرائيل المزيد من الارتكابات والجرائم، كان الحلم يقترب من الواقع ويسير حثيثاً باتجاهه.
ان العدوان على غزة العام 2008-2009 وقبله العدوان على لبنان العام العام 2006، يجعل أمر ملاحقة الجناة قضائياً مشروعاً قائماً بل راهنياً وحتى البلدان العربية التي وقّعت على اتفاقيات سلام مع اسرائيل، لا ينبغي أن تصاب بالخدر، بل عليها أن تتحلى بالمزيد من اليقظة لمواجهة الاحتمالات والتحديات المختلفة، لاسيما ما تبيّته اسرائيل ازاءها وما تحضّره من عدوان عليها، خصوصاً وأن اسرائيل بؤرة للتوتر ومشروع حرب دائمة في المنطقة، الأمر الذي يتطلب تهيئة المستلزمات الضرورية للشروع بملاحقة المتهمين الاسرائيليين، ولا بدّ من الاعداد الجيد للشروع به وجعله ممكناً، من خلال دراسة الواقع السياسي والقانوني الدولي، ومن خلال بعض المستلزمات والمعطيات المتوفرة، على أمل تطويرها، الأمر الذي يتطلب معرفة دقيقة وآليات مناسبة وكفاءات قانونية ضرورية وخطة محكمة تأخذ بنظر الاعتبار الممكنات في الظرف الملموس من خلال الوثائق القانونية الدولية، لا أن نسقط الرغبات على الواقع بإرادوية مفترضة!(4)

القانون الدولي الانساني وتصنيف الجرائم
يمكن تصنيف الجرائم الخطيرة والجسيمة حسب اتفاقيات جنيف الاربعة العام 1949 والبروتوكولين الملحقين بها العام 1977 الى 22 جريمة، منها:
13 جريمة ورد ذكرها في المادتين 50 و53 من الاتفاقية الأولى والمادتين 44 و51 من الاتفاقية الثانية والمادة 130 من الاتفاقية الثالثة والمادة 147 من الاتفاقية الرابعة.
و9 جرائم وردت في البروتوكولين الملحقين، حيث تضمن البروتوكول الاول المادتين 51 و85 اعتبارها " انتهاكات جسيمة".
وقد اعتبرت هذه الجرائم الخطيرة والجسيمة بمثابة " جرائم حرب" التي هي جرائم ضد قوانين وعادات الحرب وتدخل فيها:
الجرائم ضد السلام.
جرائم الحرب.
الجرائم ضد الانسانية.
التآمر لارتكاب احدى هذه الجرائم(5).

وأوجبت اتفاقيات جنيف الاربعة وملاحقها، على الدول الموّقعة أن تعدل تشريعاتها لمعاقبة مرتكبي هذه الافعال.
ويمكن تعداد هذه الجرائم وفقا للتصنيف المذكور (6)
القتل العمد.
التعذيب.
التجارب البيولوجية التي تُجري على الأسرى.
إحداث الآم كبرى مقصودة.
إيذاء خطير ضد سلامة الجسد والصحة.
المعاملة غير الانسانية (الحاطّة بالكرامة).
تخريب المنشآت والممتلكات والاستيلاء عليها لأسباب لا تبررها الضرورات العسكرية.
إكراه الأشخاص على الخدمة في القوات المسلحة لدولة تعتبر عدواً لبلادهم.
حرمان شخص محمي من حقه في محاكمة قانونية عادلة وفقاً للمعاهدات الدولية.
ترحيل أشخاص بصورة غير مشروعة.
الاعتقال غير المشروع (التعسفي).
أخذ الرهائن.
سوء استعمال علم الصليب الأحمر وإشاراته أو الاعلام المماثلة.
جعل السكان المدنيين هدفاً للهجوم.
الهجوم العشوائي ضد السكان المدنيين والأعيان المدنية.
الهجوم ضد المرافق والمنشآت الهندسية التي تحتوي على مواد خطرة.
الهجوم ضد مناطق منزوعة السلاح أو مجردة من وسائل الدفاع.
الهجوم ضد أشخاص عاجزين عن القتال.
نقل السكان المدنيين لدولة الاحتلال الى الاراضي المحتلة، أو نقل سكان الاراضي المحتلة الى مناطق أخرى (حالات الاستيطان والترحيل نموذجا).
التأخير في إعادة أسرى الحرب أو المدنيين الى بلدانهم.
ممارسة التمييز العنصري (الابرتايد).
الهجوم على الاثار التاريخية وأماكن العبادة والصروح الثقافية وكل ما له علاقة بالتراث الثقافي والروحي للشعوب.

حيثيات العدوان والجرائم الدولية!
خلال حرب الـ 22 يوماً ضد غزة  التي بدأت في 27 كانون الاول (ديسمبر) 2008 قامت اسرائيل بشن 2500 غارة عسكرية ضد المدنيين وإلقاء ما يزيد عن ألف طن من المتفجرات عن طريق البحر فقط، واستهدفت المدنيين بشكل عشوائي كما تعمّدت استهداف الملاجئ والمستشفيات والمدارس والجامعات والمساجد والمنشآت المدنية وتدمير البنية التحتية واستخدام الاسلحة المحرّمة دولياً، تلك التي عُرفت باسم " القنابل الفسفورية".
ولعل التصريحات الاسرائيلية الصريحة والضمنية الصادرة عن المسؤولين المتعلقة بنيّة اسرائيل في القضاء على "حماس" واستئصالها كهدف رئيسي للعدوان، ليست سوى الشروع عملياً بحرب إبادة وهي تعني: ارتكاب أي  فعل بنيّة إهلاك جماعة قومية أو اثنية أو عرقية أو دينية اهلاكاً كلياً أو جزئياً.
وقد أصدرت الجمعية العامة للأمم  المتحدة قراراً بتاريخ 9/9/1946 بشأن إبادة الجنس البشري، اعتبرت بموجبه كل عمل من شأنه أن يؤدي الى الابادة جريمة دولية موجهة ضد الانسانية، وهو ما اخذ به نظام محكمة نورمبرغ وأحكامها، كما وافقت الجمعية العامة على اتفاقية لتحريم ابادة الجنس البشري، تلك التي يمكن أن تحدث بصور مختلفة، كالتآمر الذي يرمي الى القضاء على جماعات وطنية، بسبب خصائص جنسية أو دينية أو لغوية أو ما شابه ذلك، وهو ما اعتمدته المحكمة الجنائية الدولية  التي تأسست في روما العام 1998 ودخلت حيّز التنفيذ العام 2002 أيضاً.
ان القانون الدولي المعاصر والقانون الدولي الانساني يعتبر تلك الأعمال جرائم خطيرة سواءً ارتُكبَتْ في زمن الحرب أو زمن السلم، وقد نصّت المادة الأولى من اتفاقية تحريم ابادة الجنس البشري العام 1954 على تعهد الدول بالامتناع عن القيام بها  ومعاقبة مرتكبيها.
ولعل القتل الجماعي الذي تعرّض له السكان المدنيون في غزة يعدّ جريمة دولية، وهو ما اعتادت اسرائيل على ممارسته بمبررات ردود الفعل إزاء أعمال المقاومة، وتحت باب الدفاع عن النفس، وهو ما بررته في عملية الرصاص المنصهر أو المسكوب، والثأر المبرر عندما اجتاحت قطاع غزة بآلة عسكرية ضخمة بعد حصار شامل لبضعة أشهر، وقبلها تطويق وحصار جزئي دام أكثر من عامين ونصف.
والابادة الجماعية وفقاً للاتفاقيات الدولية ابتداءً من الاتفاقية الدولية بخصوص منع التمييز بسبب الدين أو الجنس أو اتفاقية منع ابادة الجنس البشري في العام 1954 أو اتفاقية المحكمة الجنائية الدولية ونظام روما العام 1998، تعني: الأعمال التي تُرتكب على أساس إبادة جماعة سلالية أو عرقية أو دينية، إبادة تامة أو جزئية، كالقتل وإلحاق الأضرار الجسدية أو النفسية وإحداث خلل عقلي أو الاخصاء أو اغتصاب الاطفال ونقلهم الى جماعات سلالية أو عرقية أخرى. ولعل التصريحات الاسرائيلية التي سبقت وهيأت لعملية اجتياح غزة استهدفت القضاء على السكان الفلسطينيين كجماعة تاريخية وسلالية بحجة اجتثاث " حماس".
أما جرائم الحرب بموجب القانون الدولي الانساني وهي النوع الثاني من الجرائم  حسب تصنيف المحكمة الجنائية الدولية، فقد ارتكبت اسرائيل على نحو صارخ مختلف أصناف الجرائم الحربية، ولعل أكثر من سبعة آلاف ضحية بينهم 1232 شهيداً تؤكد ذلك وجلّهم من المدنيين. وقبل ذلك قامت بفرض الحصار ضد سكان غزة ومنعت عنهم الدواء والغذاء، وهو الأمر الذي استمر خلال فترة الحرب.
يعرّف القانون الدولي الجنائي، جرائم الحرب: بأنها الأفعال المخالفة لقوانين الحرب وأعرافها، التي يرتكبها الجنود أو الأفراد غير المحاربين التابعين لدولة العدو، كما جاء في مشروع الامم المتحدة الخاص بتقنين الجرائم التي تقع ضد سلم وأمن البشرية، وتناولت المادة الثانية عشرة الفقرة12، جرائم الحرب بالتأكيد على " أن الأفعال المرتكبة إخلالاً بقوانين الحرب وأعرافها، تكون جرائم خاضعة لهذا التقنين." (7)
ويمكن فيما يلي إدراج بعض الجرائم التي ارتكبها الصهاينة والتي تعتبر منافية لقوانين الحرب وأعرافها بشكل سافر، والتي تستحق العقاب.
استخدام الأسلحة المحرمة دولياً، لا سيما القنابل الفسفورية.
الاعتداءات التي ترتكب بطريقة الغدر، حيث تتعارض تلك الأفعال مع اتفاقيات لاهاي وجنيف وملحقيها، اللتان حرمتا مثل تلك الأفعال. كما تحرّم الاتفاقيات الدولية، القتال أثناء وقف اطلاق النار وخلال فترات الهدنة، وهو ما لم تلتزم به اسرائيل في كل حروبها ضد البلدان العربية، ومنها حربها ضد غزة حيث واصلت عدوانها رغم قرار مجلس الأمن رقم 1860 العام 2009 القاضي بوقف القتال، وقرارها المنفرد بوقف اطلاق النار، الذي استمرت هي بخرقه رغم اعلانها، الأمر الذي يعتبر من باب الغدر الذي يعاقب عليه القانون الدولي الانساني.
الاعتداءات الموجهة ضد المدنيين والمقاتلين الذين أصبحوا في حالة عجز تمنعهم من مواصلة القتال، وقد ارتكبت اسرائيل أعمالاً بربرية منافية لقواعد وقوانين الحرب بهذا الشأن منها:
مهاجمة المدنيين لاسيما الشيوخ والنساء والأطفال وقصف المنازل والمدارس والجوامع والكنائس ورياض الأطفال ومقرّات المنظمات الدولية والانسانية.
مهاجمة الأماكن غير المدافع عنها.
ج- ضرب الأماكن، التي تتمتع بحماية خاصة كالمستشفيات والمرافق الأثرية والمتاحف والأماكن المقدسة والمراكز الاعلامية وغيرها.
   4-    قتل الرهائن، حيث تنصُّ معظم القوانين العسكرية لمختلف الدول على تحريم قتل الرهائن، كما نصت اتفاقية الصليب الأحمر لسنة 1929 على تحريم كل فعل من أفعال القصاص ضد أسرى الحرب، واعتبرت محكمة نورمبرغ، قتل الرهائن جريمة من جرائم الحرب، وعلى سبيل المثال لا الحصر فقد قامت اسرائيل بجريمة قتل 250 رهينة في مذبحة دير ياسين و49 رهينة في مذبحة كفر قاسم ومئات من الأسرى المصريين في سيناء العام 1956 وفي العام 1967 ونحو 1000 انسان في مجازر صبرا وشاتيلا، ويعتبر قطاع غزة بكامله وجميع الاراضي الفلسطينية والعربية المحتلة "رهينة" وسكانها بمثابة " رهائن"، حيث تستوجب القوانين الدولية، لاسيما قوانين الحرب والاحتلال حمايتهم والحفاظ على حياتهم وممتلكاتهم، طبقاً لاتفاقيات جنيف العام 1949 وقواعد القانون الدولي الانساني.
   5-    سوء معاملة أسرى الحرب، حيث تحرّم الاتفاقيات الدولية، وبخاصة اتفاقية لاهاي العام 1907 واتفاقية جنيف العام 1906 والعام 1949 وكذلك البروتوكولين الملحقان بها العام 1977، المعاملة القاسية لأسرى الحرب . وتؤكد تلك الاتفاقيات على تحريم أي اعتداء يقع على شخصهم وشرفهم وأموالهم. كما تحرّم قتلهم وتعذيبهم أو حجزهم في أماكن غير صحية أو تشغيلهم في أعمال شاقة. ولعل هناك أمثلة كثيرة على هذا الصعيد، أهمها اختطاف رئيس البرلمان الفلسطيني الدكتور عزيز الدويك وعدد كبير من النواب والوزراء في حكومة غزة.
ان الشهادات التي قدمها المواطنون العرب الفلسطينيون واللبنانيون، أصبحت معروفة للرأي العام العالمي، لما فعله الاحتلال الاسرائيلي بحق السكان المدنيين أو الذين جرى اقتيادهم كأسرى وما تركه التعامل المخالف لقواعد القانون الدولي الانساني من نتائج وآثار لاانسانية عليهم.
6- سوء معاملة الجرحى والمرضى، فقد تضمنت الاتفاقيات الدولية وبخاصة اتفاقيات جنيف لعام 1949، موضوع تقديم حماية خاصة للجرحى والمرضى والمنكوبين بسبب الحرب، ولكن اسرائيل خلافاً لكل تلك الاتفاقيات، كانت تعامل الجرحى والمرضى بشكل مزرٍ، وفي أحيان كثيرة تقوم بتصفيتهم والتخلص منهم أو عدم تقديم الدواء اللازم لهم وجعلهم عرضة للهلاك، وهو ما كان صارخاً في عدوانها على غزة، خصوصاً وهي تعرف ماذا يعني اغلاق المعابر واقفال الحدود، الذي يعني موتاً بطيئاً وجماعياً، خصوصاً بقصف المستشفيات والمراكز الصحية.
أما الجرائم ضد الانسانية فهي الصنف الثالث من الجرائم حسب نظام روما، إذ لا يمكن قبول مزاعم اسرائيل بشأن مسألة الدفاع عن النفس حسب المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، تلك التي لا تنطبق عليها بتاتاً.
تعتبر جرائم الاغتيال والاسترقاق والابادة والترحيل لأسباب سياسية أو عنصرية أو دينية أو ما شابهها، جرائم موجهة ضد الانسانية. وقد اعتبرت هذه الجرائم دولية أيضاً.
أما عمليات العقاب الجماعي Collective punishment لأسباب عنصرية وعرقية فهي سياسة مميزة على امتداد الدولة العبرية سواءً بحق المواطنين العرب الفلسطينيين أو سكان الاراضي العربية المحتلة. وهو ما ظهر على نحو جلي في العدوان على غزة والعمل على معاقبة السكان المدنيين على نحو جماعي بحجة صواريخ حماس والمقاومة ضدها.
العقاب الجماعي يعني إنزال عقوبة على مجموعة من السكان الأبرياء بالرغم من علم السلطات الحاكمة أو المحتلة، ببراءة هؤلاء السكان، ولكن انتقاماً لحادث ما ضد السلطة الحاكمة أو المحتلة، قام به فرد أو بضعة أفراد سواءً لمقاومة تلك السلطة أو التصدي لقوات الاحتلال!
أما الارهاب الجماعي    Collective Terror فإن السلطات الاسرائيلية تمارسه على أوسع نطاق . فتقوم بأعمال تهديد جماعية وحملات تفتيش عشوائية لارهاب المواطنين واخراج الناس من منازلهم وسوقهم الى الساحات العامة وتعريضهم لقسوة الطبيعة وممارسة عمليات انتقام جماعية بحقهم كالتجويع، خصوصاً بفرض الحصار وقد حدث ذلك أيضاً في أثناء الاحتلال الاسرائيلي للبنان ومحاصرة مدينة بيروت وقطع التيار الكهربائي والمياه عنها وكذلك محاصرة المخيمات وتحويلها الى ما يشبه معسكرات الاعتقال، وهو ما حصل في غزة التي ارتدت ثوب الظلام وعانت من انقطاع التيار الكهربائي وشحة الغذاء والدواء والمياه.
ان القانون الدولي الذي يحرم اعمال الاغتيال والاسترقاق والابادة والترحيل لأسباب عنصرية أو دينية أو سياسية، فإنما يستهدف حماية شخص الانسان وصيانة القيمة والمُثل العليا والمبادئ الانسانية العامة، وهو ما ذهب اليه الاعلان العالمي لحقوق الانسان العام 1948، واتفاقيات جنيف الاربعة العام 1949 وملحقيها العام 1977 وما أكدّه ميثاق هيئة الامم المتحدة.
أما الصنف الرابع من الجرائم فهو يتعلق بجريمة العدوان ذاتها وخرق قواعد القانون الدولي وميثاق الامم المتحدة وتهديد السلم والأمن الدوليين.(8)


اسرائيل والدفاع عن النفس !!
أشرنا الى ما تناولته المادة السادسة من نظام محكمة نورمبرغ بشأن تعريف الجرائم الموجهة ضد السلم والأمن الدوليين. ولا بد هنا من التصدي لمزاعم وادعاءات " اسرائيل"  بشأن " الدفاع عن النفس" مثلما تبرر الدعاية الصهيونية الديماغوجية، فحجة الدفاع عن النفس التي تتعكز عليها الصهيونية وفقاً لميثاق الأمم المتحدة (المادة 51) مردودة من الاساس، لأنها لا يمكن أن تنطبق على دولة قامت أساساً على العدوان والاغتصاب مشردة شعباً بالقوة من أراضيه ومخالفة حتى تعهداتها باحترام ميثاق الامم المتحدة، التي كانت وراء تأسيسها لاسيما بصدور القرار رقم 181 العام 1947 الخاص بالتقسيم، والذي قامت اسرائيل بخرقه والتجاوز عليه، وكذلك القرار رقم 194 العام 1948 الخاص بحق العودة، ناهيكم عن قرارات مجلس الأمن رقم 242 العام 1967 والقرار رقم 338 العام 1973 بخصوص الانسحاب من الاراضي العربية المحتلة. فأي قانون دولي ذلك الذي يبيح (تحت هذه الحجة الواهية) القيام بأعمال بربرية وممارسة جرائم وحشية؟
وتذهب المادة الثانية، الفقرة الأولى، من مشروع قانون الجرائم ضد سلامة وأمن البشرية لتحرّم مثل تلك الأعمال وتعدّها بشكل صريح من قبيل الحروب العدوانية. وتقاضي اتفاقيات جنيف مجرمي الحرب ومشعلي نيرانها، باعتبارهم متسببين في إثارتها.
ان القانون الدولي المعاصر، منذ ميثاق بريان كيلوك (ميثاق باريس العام 1928) أدان الحروب العدوانية، باعتبارها تشكّل جريمة بحق السلم والأمن الدوليين، وعليه فإن الجرائم التي سبّبها الجناة الاسرائيليون، الذين يتقلدون مناصب سياسية رفيعة (عسكرية ومدنية) أو مراكز هامة في الحياة المالية والصناعية أو الاقتصادية، يعدّون مجرمين بحق السلم والأمن الدوليين، وعلى هذا يُعتبر من مجرمي الحرب الكبار رؤوساء الدولة العبرية ورؤوساء الوزراء المتعاقبين وجميع الوزراء وكبار قادة الجيش، الذين رسموا خطط الغزو والاحتلال والاجتياح وقاموا بإشعال الحروب وممارسة العدوان.
ان " اسرائيل" ما تزال تتشبث بقواعد القانون الدولي التقليدي الذي كان يجيز الحق في الحرب، حيث كانت الحرب " عملاً مشروعاً دائماً، ينطلق من حق الدولة أن تأتيه، كلما كانت مصلحتها تقتضي ذلك" واسرائيل ظلت تتمسك باعتبار الحرب وسيلة لتحقيق مكاسب اقليمية وأساساً لتعديل النظام القانوني الدولي ولفض المنازعات الدولية وهو ما يناقض صراحة التطور الذي حصل في القانون الدولي، حيث فتح مبدأ تحريم الحرب العدوانية ( منذ ميثاق بريان كيلوك) المجال امام استقرار مبدأ جديد في العلاقات الدولية، يقوم على أساس حظر استخدام القوة في العلاقات الدولية.
ولم تعد الحرب وسيلة صالحة تتوسل بها الدولة لتنفيذ سياستها القومية، وتحقيق أغراضها وأن لها ما يبررها. ولا يقيّد اللجوء اليها أي اعتبار خارج مصالحها الخاصة، لكن القانون الدولي تطور كثيراً فبدلاً من اعتبار الحرب حقاً مشروعاً أصبحت الحرب محرّمة وتشكل جريمة دولية، فلم يعد القانون الدولي "أداة لتسود به أوروبا على شعوب آسيا وأفريقيا " كما لم يعد يقتصر على تنظيم العلاقات بين " الدول المتحضرة" أو بلدان " العالم المسيحي" كما كان قبل الحرب العالمية الاولى(9).
وقد شهد التطور اللاحق للقانون الدولي المعاصر، وخصوصاً في ميثاق الامم المتحدة وقرارات الجمعية العامة أهمية مبدأ تحريم الحرب العدوانية، وحظر استخدام القوة في العلاقات الدولية، وجرى التأكيد على عدم الاعتراف بالنتائج التي يتمخّض عنها، الاستخدام غير الشرعي للقوة، وبخاصة بالنسبة لاحتلال أراضي الغير، كما تم تحميل المسؤوليات الجنائية للأفراد والحكام المسؤولين عن الجرائم التي يقترفونها بحق السلم والأمن الدوليين وبحق الانسانية.
ان ميثاق الأمم المتحدة والمعاهدات والاتفاقيات الدولية المعاصرة، لا يمكنها تبرير عدوان اسرائيل أو تدعيم وجهة نظر الفقهاء والمنظرّين الحقوقيين الاسرائيليين، الذين حاولوا أن يجدوا غطاءً قانونياً لاسرائيل بحجة الدفاع عن النفس.
فبموجب القانون الدولي المعاصر يمكن استخدام القوة بشكل شرعي وفقاً للحالات التالية:
حالة الدفاع عن النفس والاجراءات الوقائية، وهو ما حاولت اسرائيل أن تضلل الرأي العام العالمي، باستمرار تحت هذه الحجة. فماذا يقول ميثاق الامم المتحدة بشأن الدفاع عن النفس والاجراءات الوقائية؟ وهل يمكن لاسرائيل أن تستند في دعاواها الى تلك القواعد كيما تبرر عدوانها؟
ان الاجراءات الوقائية لا يمكن استخدامها الاّ من جانب مجلس الامن الدولي، حيث تؤكد المادة التاسعة والثلاثون : ان مجلس الأمن هو الذي يحدد وجود أي تهديد للسلام وأي خرق له أو أي عمل عدواني وبالتالي فهو يوصي أو يقرر اتخاذ تدابير من شأنها صيانة السلام واعادته عند خرقه وفقاً للمادتين 41 و42. وقد حاولت الولايات المتحدة بغزوها لأفغانستان 2002 واحتلالها للعراق 2003 تبرير ذلك بحجة الدفاع عن النفس إزاء انتهاك وشيك الوقوع، الأمر الذي سوّغ لها ما أسمته بالحرب الاستباقية والوقائية، التي لا سند لها في القانون الدولي.
أما بصدد الدفاع عن النفس، فإن المادة 51 من الميثاق تنص على أنه ليس في هذا الميثاق ما يضعف أو ينتقص الحق الطبيعي للدول فرادى أو جماعات في الدفاع عن نفسها، إذا اعتدت قوة مسلحة على أحد أعضاء الأمم المتحدة أو تعرّضت لعدوان مسلح، وذلك لحين أن يتخذ مجلس الأمن التدابير الضرورية للمحافظة على السلم والأمن الدوليين.
وتضيف المادة المذكورة، أن الاجراءات المتخذة في إطار الدفاع عن النفس تبلّغ فوراً الى مجلس الأمن على أن لا تؤثر على سلطة المجلس وواجبه في التحرك في كل وقت وبموجب احكام الميثاق وبالطريقة التي يرتئيها مناسبة.
وهكذا يتضح ان المادة التي تتذرع اسرائيل بها لا تنطبق على الأعمال العدوانية التي قامت بها منذ تأسيسها، فهي لم تكن عرضة للعدوان في يوم من الايام لكي تدافع عن نفسها، كما أن أعمالها لم تكن ردًّا على عدوان أو هجوم مسلح، فضلاً عن أنها لم تبلّغ مجلس الأمن، ولا في أي مرة بالاجراءات التي تنوي اتخاذها، بل كانت تقوم بأعمالها " الغادرة" بصورة مباغتة، وبهذه الطريقة دمّرت المفاعل النووي العراقي وضربت مقر م.ت.ف في تونس وتنزل طائراتها حمولاتها على رؤوس السكان العرب في غزة.

بتخويل من الجهاز الخاص للأمم المتحدة مثلما يعرض الفصلان السابع والثامن من الميثاق، أو استخدام القوة ضد دول المحور (المادة 107 من الميثاق) وهذه الحالة هي الأخرى لا تنطبق على عدوان اسرائيل المتكرر على الشعوب العربية ولا تدعم  وجهة نظرها أو تبرر غدرها.
النضال من أجل التحرر الوطني وحق تقرير المصير، حسبما تقرره مبادئ الميثاق وتعريف العدوان والاعلان عن تصفية الاستعمار وغيرها من قرارات الجمعية العامة والوثائق الدولية الأخرى. ولا يمكن بأي حال من الأحوال تبرير وتكييف العدوان الاسرائيلي، بموجب هذا البند، فليست معركة اسرائيل من أجل التحرر الوطني أو حق تقرير المصير، بل من أجل التوسع والالحاق والضم والاغتصاب، وكجزء من الستراتيجية الامبريايلة- الصهيونية في المنطقة(10).
يمكن القول أن الجرائم الاسرائيلية مكتملة مادياً ومعنوياً بالأدلة والاسانيد والقرائن والشهود والصوت والصورة، وأركان الجريمة محددة وواضحة، الأمر الذي يتطلب تحريك اجراءات رفع دعاوى ضد المسؤولين الاسرائيليين، وهو ما يدعو الدول الاعضاء في نظام روما وبدعم عربي لرفع دعوى ضد القيادات الاسرائيلية المسؤولة.
أما أهم شهود الواقع والاثبات هو الأمين العام للامم المتحدة بان كي مون الذي صرّح بعد زيارته الميدانية الى غزة في 20 كانون الثاني (يناير) 2009 بأن الجيش الاسرائيلي قد أفرط في استخدام القوة والقنابل الفسفورية.
ولعل شهادة أطباء وخبراء منظمة الأنروا الدولية مهمة جداً، فقد كان هؤلاء الأطباء والعاملون في الاونروا على قناعة تامة بأن اسرائيل استعملت فعلاً قنابل الدمار الشامل ضد السكان المدنيين العزّل، وهو من المحرّمات في قوانين الحرب والقانون الدولي الانساني. ويمكن إضافة ما صرحت به منظمة " أطباء  بلا حدود"  ومنظمة العفو الدولية وهما منظمتان دوليتان محايدتان حول ارتكاب اسرائيل أعمالاً منافية للقانون الدولي الانساني واتفاقيات جنيف، لاسيما بحق السكان المدنيين واستخدامها للقنابل الفسفورية المحرّمة دولياً.

وثائق التجريم
أما أهم الوثائق الدولية(11) التي يمكن بموجبها إحالة اسرائيل الى القضاء الدولي فهي:
ميثاق بريان كيلوك (ميثاق باريس) العام 1928 الذي أدان الحرب العدوانية.
ميثاق الامم المتحدة المبرم في سان فرانسيسكو  العام 1945.
اتفاقية لندن العام 1945 لمحاكمة مجرمي الحرب.
نظام محكمة نورمبرغ العسكرية العام 1946 .
أحكام محكمتي نورمبرغ وطوكيو.
اتفاقية الامم المتحدة لتحريم الاضطهاد بسبب الدين أو الجنس.
الاعلان العالمي لحقوق الانسان الصادر عام 1948.
العهدان الدوليان: الاول الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والثاني الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الصادران العام 1966، واللذان دخلا حيز التنفيذ العام 1976.(وهما اتفاقيتان دوليتان شارعتان أي منشئتان لقواعد قانونية جديدة ومثبتتان لها).
اتفاقيات جنيف الاربعة العام 1949 والبروتوكولان الملحقان بها العام 1977 (الاول الخاص بحماية ضحايا المنازعات الدولية المسلحة والثاني الخاص بحماية ضحايا المنازعات المسلحة غير الدولية).
اتفاقية الامم المتحدة بشأن إبادة الجنس البشري العام 1954.
مشروع التقنين الخاص بالجرائم المتعلقة بالسلم والأمن الدوليين (اعداد اللجنة القانونية التابعة للامم المتحدة).
اتفاقيات لاهاي العام 1899 والعام 1907.
اعلان الامم المتحدة حول علاقات الصداقة والتعاون في ضوء ميثاق الامم المتحدة الصادر في 24/10/1970 (المعروف باعلان التعايش السلمي وقواعد القانون الدولي).
قرار الجمعية العامة للامم المتحدة الخاص، بتعريف العدوان في القانون الدولي العام 1974.
قرارات الامم المتحدة بخصوص مدينة القدس (قرار مجلس الامن العام 1980 برفض ضم القدس من جانب الكنيست الاسرائيلي).
الاعلان العالمي لتصفية الاستعمار ومنح الشعوب المُستعمَرة والتابعة استقلالها وحقها في تقرير مصيرها الصادر العام 1960.
مقررات مؤتمر هلسنكي العام 1975 للامن والتعاون الاوروبي والتي أدخلت مبادئ أساسية جديدة في العلاقات الدولية باعتبارها مبادئ مستقلة وهي :
 1- احترام حرمة الحدود وعدم جواز خرقها.
2-   احترام وحدة الاراضي والاستقلال السياسي للدول .
3-   احترام حقوق الانسان وحرياته الاساسية.
قرار مجلس الأمن رقم 242 العام 1967.
قرار مجلس الامن رقم 338 العام 1973 .
قرار الامم المتحدة بشأن ضم اسرائيل مرتفعات الجولان السورية العام 1981.
القرارات الدولية لمكافحة الارهاب وهي : 1368 و 1378 و1390 والتي صدرت على التوالي بعد أحداث 11 أيلول (سبتمبر) الارهابية الاجرامية، في 12 و28 أيلول (سبتمبر) 2001 و 16 كانون الثاني (يناير) 2002.
قرار مؤتمر ديربن المنعقد في أواخر آب (اغسطس) ، أوائل أيلول (سبتمبر) العام 2001، الذي دمغ الصهيونية وممارسات اسرائيل بالعنصرية.
تقرير بوستروم حول الاتجار بالأعضاء البشرية.
تقرير غولدستون حول انتهاكات اسرائيل للقانون الدولي الانساني.
 
وفي ضوء هذه الوثائق يمكن تكييف التهم التي ارتكبتها اسرائيل في غزة وتجريمها باقتفاء أثر أحد الخيارات القانونية التي تم عرضها، واستناداً الى تصنيف الجرائم حيث يمكن اسناد التهم التالية لاسرائيل وقادتها من الذين رسموا خطط الغزو والتآمر ونفّذوا أعمال العدوان وأصدروا الاوامر للقيام بالمجازر الوحشية.
وهذه التهم هي:
الجرائم الموجهة ضد السلم والأمن الدوليين ( جريمة العدوان ).
جرائم الحرب.
الجرائم الموجهة ضد الانسانية .
 جرائم ابادة الجنس البشري.

وقد عرفت المادة السادسة من نظام محكمة نورمبرغ العسكرية الجرائم ضد السلم العالمي بأنها(12):
تدبير أو تحضير أو اثارة أو متابعة حرب عدوانية.
تدبير أو تحضير أو إثارة حرب خرقاً للمعاهدات والالتزامات الدولية.
الاشتراك في خطة مدبرة أو تآمر لارتكاب أحد الاشكال السابقة.

ولعل هذه الاعمال جميعها تنطبق على ممارسات اسرائيل في السابق والحاضر، لاسيما في غزة، الامر الذي يقتضي جهداً جماعياً لملاحقتها، وهو ما حدا بالباحث الى تصور قيام (محكمة القدس الدولية العليا)، وإذا كان ذلك حلماً فدعونا نحلم مرة أخرى في البحث عن الحقيقة بل نغامر من أجلها.

خيارات الملاحقة القانونية والآليات المتاحة!!

بعد هذا العرض ما هو السبيل لتوجيه الاتهامات الى مرتكبي الجرائم في غزة، وهل يمكن تجريمَهم طبقاً للقانون الدولي الانساني؟
لعل هناك أكثر من خيار قانوني دولي يمكن اعتماده لملاحقة المتهمين بارتكاب جرائم ضد الانسانية وجرائم الابادة الجماعية وجرائم الحرب وجريمة العدوان وتهديد السلم والأمن الدوليين، ولكن هذه الخيارات تعترضها عقبات سياسية بالدرجة الاساسية وعقبات قانونية أيضاً، ولعل ذلك يتمثل بمواقف الولايات المتحدة والقوى المتنفذة في نظام العلاقات الدولية التي حالت على مدى 60 عاماً من ملاحقة اسرائيل وتجريمها قضائياً بموجب أحكام القانون الدولي.
ومثل هذه المواقف استفحلت بتفرّد الولايات المتحدة الامريكية وهيمنتها على الامم المتحدة، خصوصاً عند انتهاء عهد الحرب الباردة وتحوّل الصراع الآيديولوجي من شكل الى آخر، لاسيما بعد انهيار النظام الاشتراكي العالمي وانحلال الاتحاد السوفيتي، الأمر الذي مهّد لاعتبار الاسلام هو العدو الاول والخطر الأكبر بعد ظفر الليبرالية الجديدة من الهيمنة على العالم.
اما الخيارات المتاحة هي:
الخيار الاول: هو الطلب من الامم المتحدة انشاء محكمة خاصة مؤقتة على غرار محكمة يوغسلافيا ورواند وسيراليون وكمبوديا والمحكمة الدولية لملاحقة قتلة الرئيس رفيق الحريري، التي هي محكمة خاصة لها طابع دولي. ولكن العقبة الأساسية التي قد تحول دون تحقيق ذلك هي: استخدام واشنطن حق الفيتو، وانحيازها لصالح اسرائيل، الأمر الذي يعرقل اتخاذ مثل هذا القرار، وهو ما ينبغي أخذه بالحسبان عند التفكير باتخاذ خطوة جدية ناجحة.
الخيار الثاني  إحالة الأمر الى الجمعية العامة للامم المتحدة بانشاء محكمة خاصة من قبلها طبقاً لمبدأ " الاتحاد من أجل السلام" الصادر بقرار الجمعية العامة للامم المتحدة رقم 377 في العام  1950 (بشأن كوريا). ورغم النزاع الفقهي بشأن  القرار المذكور، الاّ انه يعدّ إحدى السوابق التي يمكن اعتمادها  والبناء عليها، الأمر الذي يحتاج الى المزيد من الأنشطة لحشد وتعبئة الكثير من الطاقات للحصول على قرار يمكن بموجبه مقاضاة مرتكبي الجرائم.
ولكن هذا الخيار قد لا ينجح بالحصول على أغلبية في الامم المتحدة، وإن نجح فقد تمتنع الأمم المتحدة من تمويل المحكمة، لاسيما وأن الولايات المتحدة متحكّمة بالتمويل، ومن المحتمل وهذا ما  هو متوقع أن تمتنع من تقديم التمويل اللازم للامم المتحدة بهذا الخصوص، الأمر الذي قد تنهار معه امكانية تحقيق هذا الخيار.
الخيار الثالث العمل على إحالة اسرائيل الى المحكمة الجنائية الدولية، وهي محكمة دائمة، لاسيما بعد أن صدقت عليها أكثر من 100 دولة وهذا يتطلّب من الدول العربية الانضمام اليها والتصديق على ميثاقها بعد التوقيع عليه. ولعل نظام محكمة روما فيه بعض العقبات أيضاً.
ويمكن عرض أهم المبادئ الخمسة التي قامت عليها المحكمة الجنائية الدولية لكي يتم أخذها بنظر الاعتبار عند التحرك باتجاه رفع دعوى ضد المرتكبين الصهاينة.
المبدأ الاول :   انها نظام قضائي دولي نشأ بارادة الدول الاطراف الموقعة     والمُنشئة للمحكمة.
المبدأ الثاني :   إن اختصاص المحكمة سيكون اختصاصا مستقبليا فقط، وليس في وارد حيثياته إعماله بأثر رجعي .
المبدأ الثالث :   ان اختصاص المحكمة " الدولي" سيكون مكملاً للاختصاص القضائي " الوطني"، أي ان الاولوية للاختصاص الوطني، ولكن المحكمة بامكانها ممارسة اختصاصاتها في حالتين، الاولى عند انهيار النظام القضائي والثانية عند رفضه او فشله من القيام بالتزاماته القانونية بالتحقيق ومحاكمة الاشخاص المتهمين بارتكاب جرائم.
المبدأ الرابع  :   اقتصر اختصاص المحكمة على ثلاث جرائم هي: جرائم الحرب والجرائم ضد الانسانية وجرائم ابادة الجنس البشري، حسبما حددته المادة الخامسة من النظام الاساسي لمحكمة روما.
المبدأ الخامس:   المسؤولية المُعاقب عليها هي المسؤولية الفردية (13).

وقد حددت اتفاقية روما أنه لا يجوز محاكمة هيئات أو دول، واقتصرت على محاكمة أفراد مسؤولين حتى وإن كانوا رؤساء دول أو رؤساء حكومات (رؤساء وزراء) والمسؤولين الآخرين، بمن فيهم القيادات العسكرية العليا، الأمر الذي يحتاج أن يتقدم أحد الأعضاء المصدّقين على الاتفاقية بطلب لرئيس المحكمة الجنائية يحدد من خلاله أسماء المتهمين، وحيث يمكن محاكمة رئيس الوزراء الاسرائيلي السابق أيهود أولمرت ووزيرة خارجيته تسيبي ليفني ووزير دفاعه ايهود باراك، إضافة الى شيمون بيريز وعدد من القيادات العسكرية العليا، ولعل من حق أحد " رعايا" الدولة المصدقة على الاتفاقية أن ترفع دعوى قضائية ضد المرتكبين، كما يمكن طلب إحالة المتهمين الى القضاء الدولي طبقاً لاتفاقية منع ابادة الجنس البشري التي يتم التوقيع عليها العام 1948.
وفي هذه الحالة يمكن محاكمة المتهمين في أي من الدول المعتدى عليها، ومع ان فلسطين ليست دولة في الوقت الحاضر، وهو الأمر الذي "تتذرع" به اسرائيل "قانونياً"، كما يذهب الى ذلك المنطق القانوني الاسرائيلي، وانها، كما تدّعي انسحبت من غزة منذ العام 2006، وإن اتفاقيات جنيف لا تنطبق على مثل هذه الحالات، لأنها تُعنى بالنزاعات بين الدول، لكن مثل هذا الأمر مردودٌ، خصوصاً وأن الاراضي العربية التي استولت عليها اسرائيل تعتبر محتلة منذ العام 1967، وهو ما أكدته القرارات الدولية، التي طالبتها بالانسحاب، لاسيما القرار 242 لعام 1967 والقرار 338 لعام 1973، الأمر الذي تكون محاكمة المسؤولين الاسرائيليين بأسمائهم، من صلب قواعد العدالة والقضاء الدوليين، وهو ما تقف أمامه عواقب كثيرة في الوقت الحاضر بسبب اختلال توازن القوى.
ولئن ظل اختصاص المحكمة يشوبه الكثير من النقص تبعا للصراع السياسي بين الدول، فقد انقسمت هذه الى فريقين رئيسين، الاول أراد للمحكمة صلاحيات واسعة ودرجة عالية من الاستقلالية. والثاني أراد تقليص صلاحياتها بحيث تكون خاضعة للدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الامن ومبدأ أسبقية الدول على الافراد، الاّ أنها رغم كل شيء كانت ثمرة التطور في ميدان حقوق الانسان.
ان اتخاذ البلدان العربية والاسلامية مواقف موضوعية ازاء الانضمام والتصديق الى المحكمة ضرورة تُمليها عدم التغيّب عن مرجعية دولية مهمة بهذه الاهمية التاريخية والمستقبلية، وإذا كنّا نردّدُ كثيراً موضوع مقاضاة مرتكبي الجرائم، فإن واحداً من الآليات التي يمكن اعتمادها هو نظام محكمة روما، الأمر الذي يتطلب الانضمام اليه والتصديق عليه، وبالتالي رفع الشكاوى وتحريك الدعاوى ضد المرتكبين. وهذا الخيار معقدٌ أيضاً، وتكتنفه الكثير من الصعوبات والعراقيل القانونية والعملية، لاسيما أن اللجوء الى المحكمة أمر لا يسمح به الآّ إذا قام مجلس الأمن بإحالة هذه الجرائم الى المحكمة الجنائية الدولية، وهو غير ممكن حالياً ضمن الفيتو الامريكي، أو قناعة المدعي العام الذي يوجّه حاليا التهم الى الرئيس السوداني عمر البشير بخصوص الجرائم المرتكبة في دارفور، في حين يغضّ النظر عن جرائم اسرائيل.
الخيار الرابع هو الاختصاص العالمي، وسيكون من حق أية دولة طبقاً لاتفاقية جنيف الرابعة العام 1949، محاكمة المتهمين بارتكاب الجرائم ضد الانسانية، بصرف النظر عن مكان وقوع هذه الجرائم، طبقاً لقوانين الدولة ذاتها. وقد قامت اسرائيل مؤخراً بتكليف محامين دفعت لهم أكثر من 3 ملايين دولار لمعرفة القوانين التي تنطبق على مسؤولين يمكن اتهامهم بارتكاب جرائم حرب أو جرائم ضد الانسانية، كما قامت من خلال ضغط امريكي لتعديل القانون البلجيكي. وهي تشن حالياً حملة ضد اسبانيا وتسعى لتغيير قوانينها، خصوصاً بعد قبولها دعاوى ضد مسؤولين اسرائيليين. وكانت وزيرة الخارجية الاسرائيلية السابقة تسيبي ليفني قد صرّحت بأنها تجري اتصالات مع اسبانيا بهدف تعديل قوانينها للحؤول دون استخدامها من جانب بعض منظمات المجتمع المدني في ملاحقة عدد من المسؤولين الاسرائيليين، ولعل المفارقة حين يلاحقها القضاء البريطاني اليوم بشأن مسؤوليتها في الحرب ضد غزة.
ولعل هذا يفسّر ضيق صدر اسرائيل وتبرّمها، وهي التي لا تكترث بالقانون الدولي كثيراً، حيث شنّت هجوماً ضد تقرير غولدستون وكذلك ضد تقرير بوستروم، لأنهما يعرّضا "مشروعية" وجودها للتساؤل المشروع، خصوصاً وأن هذين التقريرين يوجهان اتهامات صريحة الى قيامها بارتكاب حرب تستحق إحالة المرتكبين الى القضاء الدولي. ومثل هذا الهجوم يذكّر بحملتها المحمومة ضد كورت فالدهايم الأمين العام للأمم المتحدة، بسبب اصدار الجمعية العامة قرارها رقم 3379 الخاص بمساواة الصهيونية بالعنصرية في 10 تشرين الثاني (نوفمبر) العام 1975، وقد تمكّنت من إلغائه في 16 كانون الاول (ديسمبر) العام 1991 في سابقة دولية خطيرة، ولعل سبب حملتها تلك لأن القرار يتعلق بالادانة لصميم العقيدة الصهيونية.
 ورغم أن هذه إمكانية اللجوء الى الاختصاص العالمي ما تزال متوفرة حتى الآن حيث ان هناك عدداً من الدول تسمح قوانينها ونظامها القانوني بمحاكمة المتهمين بارتكاب جرائم حرب ومنها: كندا واسبانيا وألمانيا وهولندا وفرنسا وبريطانيا، الاّ أن الأمر  لم يجرِ استثماره من جانب العرب على نحو مؤثر، فالحكومات لم تدخل هذا الباب بعد، أما المجتمع المدني فإمكاناته شحيحة وأهالي الضحايا بأوضاع صعبة ولا تسمح لهم اختيار هذا الطريق لتكاليفه الباهظة. ويتطلب الأمر أيضاً تعديل قوانين الجزاء والعقوبات العربية، لكي تقبل دعاوى ضد مسؤولين اسرائيليين متهمين بارتكاب جرائم، خصوصاً إذا مرّوا عبر أراضيها، إذ يتعين في هذه الحالة وجود تشريعات قانونية تسمح بتجريم ومحاكمة المتهمين بارتكاب الجرائم،وهذا هو الاساس الذي استندت اليه المحاكم البلجيكية في قبول النظر في الدعاوى التي أقيمت ضد شارون باعتباره المتهم الاساسي في جرائم صبرا وشاتيلا 17-18 أيلول/سبتمبر 1982، علماً بأن اسرائيل هي أول من لجأ الى استخدام هذا " الحق" رغم أنها قامت بمخالفة صريحة وسافرة لقواعد القانون الدولي، عند اختطاف ايخمان من الارجنتين العام 1960 وقامت بنقله الى مطار بن غوريون، وأعلنت عن بدء محاكمته ثم قامت باعدامه (بعد صدور الحكم ضده)، وهي ما تزال تطارد أعداداً من المتهمين بارتكاب جرائم الابادة بحق اليهود.
لعل الاختصاص الجنائي الدولي يتيح نظرياً على الأقل لنحو 47 بلداً (معظم دول مجلس أوروبا) التقدم أمام المحاكم الوطنية ورفع دعاوى تطلب جلب المتهمين الى العدالة لمقاضاتهم، حتى وإن كان الجناة  يتمتعون عن جنسية بلد آخر، حيث يمكن رفع دعاوى قضائية أمام المحاكم الوطنية لملاحقة المتهمين، وابلاغ المدعي العام في المحكمة الجنائية الدولية بهذه الجرائم، حيث تقع هذه المسألة ضمن سلطاته واختصاصه، لاسيما بعد إخطار مجلس الأمن بذلك.
يكفي أن يحمل الضحية جنسية البلد الذي يرفع الدعوى أمام قضاء بلده، ليحق له مقاضاة المتورطين في جرائم يقدّمها ضد مجهول أو ضد شخص بذاته من المسؤولين الاسرائيليين، حتى وان كان يتمتع بحصانة، لأن هذه الأخيرة لا تعفيه عن المساءلة بارتكاب الجرائم.
ورغم عدم تفعيل هذه الآليات وعدم الرجوع اليها لدرجة كافية حتى الآن، الاّ ان الكثير من المسؤولين الاسرائيليين أصبحوا يخشون السفر الى اوروبا، تحاشياً لاحتمال إلقاء القبض عليهم، لاسيما إذا كان هناك من سيرفع أو رفع شكوى ضدهم بموجب الاختصاص الجنائي الدولي.
ان اللجوء الى هذا الخيار ممكن رغم أنه غير مضمون، لاسيما من خلال الضغوط السياسية والتعقيدات القانونية، التي قد تجعل الجناة يفلتون من يد العدالة.

الخيار الخامس  ال

486

كوبا: رؤية ما بعد الخمسين (7).. جيفارا وعبدالناصر: أحلام الكبار!      
   عبدالحسين شعبان
      
2009-12-14
حاولت أن أستعيد ما اختزنته الذاكرة وأنا أقوم بجولة في هافانا، للبحث عن أثر جيفارا قبل ذهابي إلى سانتا كلارا، وهناك داهمتني ذكريات وأحاديث قديمة مضت عليها خمس سنوات وأربعة عقود من الزمان.
حين زرت القاهرة لأول مرة في فبراير 1965 كنت أبحث أيضاً عن أثر جيفارا في حواريها وأزقتها ولكن على نحو مختلف عما فعلته في هافانا. في القاهرة كنت أحاول أن أقتفي أثره، حيث كان جيلنا الستيني متطلعاً حالماً، شديد الحماسة، أما في هافانا فقد جئت ناقداً، مقلّباً التجربة وأخطاءنا، مراجعاً المتن والمنهج والممارسة، متفحصاً ما أفرزته الحياة من غث ومن سمين.
ولعل الشاعر عبدالوهاب البياتي الذي التقيته في مقهى لاباس في القاهرة في العام 1969 حيث كنّا نلتقي يومياً، كان أول من حدثني عما ترك الرجل من عمق تأثير في القاهرة. أصغينا إليه، الشاعر عبد السامرائي وأنا، وهو يتحدث بإعجاب عن "شاعريته" ورومانسيته الثورية التي قال إنها أقرب إلى الشعر. كانت نقاط الاختلاف والالتقاء تدور حول الكفاح المسلح ودور الطليعة والبؤر الثورية ودور الحزب والعلاقة مع السوفييت، كان بعض ما أورده عبدالوهاب البياتي صحيحاً، بل متقدماً علينا، وهو الذي كتب قصيدته الشهيرة بعد مغادرته موسكو العام 1964 "مدنٌ بلا فجرِ تنامْ/ ناديتُ باسمكَ في شوارعها فجاوبني الظلامْ/ وسألتُ عنك الريح وهي تئنُّ في قلب السكونْ/ ورأيتُ وجهكَ في المرايا والعيون/... وفي بطاقات البريد.. مدنٌ يغطّيها الجليد!".
كنت أشم رائحة جيفارا وأنا أتجوّل في الساحات والشوارع وأنتقل بين المكتبات والحانات والمعارض الهافانية وأستمع إلى موسيقى السالسا والسامبا. استعدت الزمن الجميل في القاهرة، يوم كنت أبحث عن مجلة الكاتب ومجلة الطليعة وأزور دار الأهرام العتيدة وجامعة القاهرة "الحية". أتصفح ما يقع تحت يدي آنذاك من أثر لجيفارا وعلاقته بعبدالناصر، ومواقفه من القضية الفلسطينية وقضايا التحرر الوطني، و "الحلم" المنشود.
كانت القاهرة أولى محطات جيفارا إلى إفريقيا، حيث كانت زيارته الأولى لها قد استمرت أسبوعين، من 15 يونيو إلى 30 من الشهر ذاته العام 1959، وذلك يوم عيّنه فيدل كاسترو زعيم الثورة المنتصرة في الأول من يناير 1959 "سفيراً مطلق الصلاحيات"، لشرح أهداف الثورة وخططها وتوجهاتها، ولعل اختيار القاهرة له أكثر من دلالة:
الأولى: أن زعيمها هو جمال عبدالناصر، بطل حرب السويس والصامد بوجه العدوان الإسرائيلي، الأنجلو-فرنسي والرافض لحلف بغداد ومشروع أيزنهاور، والمساندة لثورة العراق.
والثانية: أن توجهه الاجتماعي بتعميق ثورة 23 يوليو 1952 اتخذ مسارات جديدة أكثر راديكالية وثورية بعد تأميم قناة السويس وفشل العدوان، لاسيما الصداقة مع المعسكر الاشتراكي والاتحاد السوفييتي تحديداً.
والثالثة: أن مصر هي قلب العروبة وأكبر بلد عربي ولها إشعاع فكري وثقافي وسياسي على العالم العربي كلّه، لاسيما الدور الريادي الوحدوي لجمال عبدالناصر وارتفاع رصيده في مواجهة الإمبريالية، وهي مصدر إلهام لحركات التحرر العربية، التي أخذت تعبّر عن نفسها بالناصرية أو العروبية، وأنا هنا أتحدث عن جانبها الإيجابي، مع وجود نواقص وثغرات وجوانب سلبية للظاهرة، لاسيما الموقف من الديمقراطية والحريات وحقوق الإنسان.
والرابعة: أن مصر تشكّل قاعدة لتحالف دولي عُرف باسم عدم الانحياز لاحقاً، أو دول الحياد الإيجابي، لاسيما من خلال الزعامات الثلاث، جمال عبدالناصر، وجواهر لال نهرو، وجوزيف برونز تيتو، والذي اتخذ تسمية مجموعة الـ77 فيما بعد.
الخامسة: أن مصر هي مركز ملهم لإفريقيا ولحركاتها التحررية، فضلاً عن كونها جسر الوصل مع آسيا، وكانت القاهرة يومها تعجّ بالثوار الأفارقة والقيادات والزعامات المختلفة.
السادسة: أن مصر يمكن أن تشكل إقليماً قاعدياً لوحدة عربية أو اتحاد عربي أكبر من مصر وسوريا، لاسيما بعد انتصار الثورة العراقية في 14 يوليو 1958 التي شكلت ضربة كبيرة لمخططات الإمبريالية والغرب الاستعماري في المنطقة وبخاصة لحلف بغداد، لولا الصراعات التي لا مبرر لها والأخطاء والثغرات التي رافقت العلاقات حينها، مثلما وجهت الثورة الكوبية ضربة موجعة لواشنطن في فنائها الخلفي، لهذه الأسباب اختار جيفارا زيارة القاهرة وبدء تحالفه الثوري- الاستراتيجي منها.
السابعة: أن جيفارا أراد دراسة التجربة المصرية، لاسيما الصناعية منها والزراعية، وبخاصة الإصلاح الزراعي وتجربة سد أسوان وبهدف استفادة الكوبيين من خبرة مصر في هذه الميادين، ولعل شخصية القائدين المستقلين المتميزين (عبدالناصر وكاسترو) ووضعهما مسافة بين بلديهما والاتحاد السوفييتي، بحيث لا تتحول كوبا أو مصر إلى "تابعين" كما هي البلدان الاشتراكية، أعطاهما أهمية استثنائية في العلاقة، رغم عدائهما الشديد للولايات المتحدة، ولعل ذلك بحد ذاته كان عنصر جذب لتعزيز الصداقة المديدة بين عبدالناصر وجيفارا، لاسيما تقارب وجهات نظرهما بهذا الخصوص! وقد انجذب جيفارا إلى الثورة المصرية وتأثر بمواقف عبدالناصر منذ أن كان مع صديقه فيديل كاسترو في المكسيك وكذلك صديقه راؤول، يومها نَظَم بضعة أبيات أسماها نشيد النيل (العام 1956- إثر العدوان الثلاثي الإسرائيلي، الأنجلو-فرنسي).
لم يكن جيفارا يحب البروتوكول الدبلوماسي أو السجادة الحمراء التي يفرشها له مستقبلوه المصريون، وقد حاول عدة مرات تضليل مرافقيه، ليذهب إلى المناطق الشعبية ويلتقي بالناس البسطاء، ويأكل أسياخ اللحم المشوي من الكباب والشقف في أزقة القاهرة وحاراتها.
خلال حضوره مناورات عسكرية مصرية في البحر الأبيض المتوسط، سأل جيفارا الرئيس جمال عبدالناصر "كم عدد الأشخاص الذين اضطروا للهروب من البلاد بسبب الإصلاحات الزراعية؟" فأجابه عبدالناصر "إنهم قلة" فردّ عليه جيفارا وقد غلبه الشك: "هذا يعني أن الثورة لم تُحدث تغييراً مهماً في مجال الإصلاح الزراعي" وأردف جيفارا قائلاً: إنني أقيس عمق التغييرات الاجتماعية بعدد الأشخاص الذين تنالهم هذه الإصلاحات... أُعجب عبدالناصر بالشاب جيفارا الذي يصغره بنحو عشر سنوات، وبدأ يشرح له مسعى تدمير القاعدة الاجتماعية والسياسية التي ارتكز عليها الإقطاع.
خلال زيارته الأولى إلى مصر حصل عدوان على غزة التي كانت تحت الإدارة المصرية، فلم يتوان عن القيام بزيارتها يوم 18 يونيو 1959، ويتجوّل في المخيمات الفلسطينية، حيث استقبل بهتافات ترحيبية وتضامنية مع الثورة الكوبية، مشدداً على موقف كوبا من ثورة مصر وثورة الجزائر والتضامن الأممي الأميركي- اللاتيني- العربي الإفريقي.
وفي خطاب له في المؤتمر الأفرو-آسيوي، قال جيفارا بروح أممية "لقد بدأت إفريقيا وآسيا بالنظر إلى ما وراء البحار"، ولعل ذلك كان مرتكزاً لدراسة كان قد كتبها بعنوان "أميركا من على الشرفة الإفريقية والآسيوية" وقد نُشر هذا البحث الذي يمثل رؤية استراتيجية بما عُرف لاحقاً بالجيفارية في أواخر العام 1959.
يذكر الصحافي الكبير محمد حسنين هيكل، أن عبدالناصر كان معجباً بجيفارا وارتبط معه بعلاقة حميمة، وكان جيفارا من جهته شديد الإعجاب بقيادة عبدالناصر التي بإمكانها لا الانخراط في جبهة البلدان المتحررة من الاستعمار فحسب، بل أن تلعب دوراً مهماً فيها، لاسيما في إفريقيا وآسيا، وبالخصوص في العالم العربي. وقد حاول تفسير أسباب ثورة 23 يوليو 1952 بتشديده على أن الفقر والاستغلال هما سبب تحرّك الضباط الشباب للإطاحة بالنظام السياسي واستعادة الثروات المنهوبة وإجلاء القوات الأجنبية البريطانية وتأميم قناة السويس، الأمر الذي ردّت عليه بريطانيا وفرنسا ومن خلال العدوان الإسرائيلي بالهجوم على مصر، في معركة راح ضحيتها 3000 مدني في مدينة بورسعيد وحدها، ولكن بفضل التضامن العالمي ومقاومة الشعب المصري تم دحر العدوان.
يروي محمد حسنين هيكل، أن عبدالناصر شعر بأن جيفارا كان حزيناً ومهموماً فطلب منه أن يفضي إليه بمكنونات قلبه، فقال جيفارا إنه متجهٌ إلى الجزائر وبعد عودته سيصارحه ويفضي إليه بهمومه، كان ذلك لدى توقف جيفارا في القاهرة لمدة ثلاثة أيام في 19 يناير 1965 قبل ذهابه إلى الجزائر، وكان وقتها يدير مجموعة خلايا لقوى تحررية إفريقية من قاعدة في الجزائر ودار السلام (تنزانيا) إضافة إلى القاهرة، ولعل خطاب الجزائر 24 فبراير 1965 كان الإعلان الأول عن "قطيعة" جيفارا مع المواقع الرسمية، وهو ما سيبوح به لعبدالناصر.    

487
حدد‮ ‬6‮ ‬تحديات تواجه حكومة بغداد‮.. ‬الباحث العراقي‮ ‬شعبان لـــ‮ »الوطن«
الطائفية أكثر خطراً‮ ‬على المجتمع العراقي‮ ‬من الاحتلال
   
    
محمد الغسرة
   
قال المفكر والباحث العراقي‮ ‬الدكتور عبدالحسين شعبان إنه رغم تحسن الوضع الأمني‮ ‬نسبياً‮ ‬في‮ ‬العراق إلا أن هناك اختراقات أمنية مستمرة بينها الأربعاء الدامي‮ ‬والأحد الأسود،‮ ‬وأخيراً‮ ‬الثلاثاء البغيض مما‮ ‬يضع العديد من التحديات أمام الحكومة العراقية‮. ‬
وقال في‮ ‬مقابلة مع‮ ''‬الوطن‮'' ‬إن أهم تلك التحديات هو التدخل السافر من الاحتلال،‮ ‬والتحدي‮ ‬الثاني‮ ‬هو المحاصصة الطائفية وانقسام المجتمع،‮ ‬مشيراً‮ ‬إلى أن‮ ''‬الطائفية أكثر بلاءً‮ ‬على المجتمع من الاحتلال الذي‮ ‬سيزول وإن طال الأمد فيما ستنخر الطائفية الجسم العراقي‮ ‬أن لم‮ ‬يوضع حل لها‮''.‬ وأضاف‮ ''‬في‮ ‬العراق الكل‮ ‬يقول إنه ضد الطائفية ولكن بالممارسة الفعلية هو‮ ‬يمارس الطائفية بطريقة ما،‮ ‬وهذا ما أضر بالعمل السياسي‮ ‬وبالعملية السياسية برمتها‮. ‬الكل من النخب الحاكمة مستفيد من هذه الطائفية حيث‮ ‬يحصل على امتيازات باسم الطائفية رغم أن الكثير ممن انضموا تحت راية الطائفية هم لا دين لهم لأن الطائفية لا دين لها ولأن المسلم الحقيقي‮ ‬لا‮ ‬يمكن أن‮ ‬يكون طائفياً‮ ‬لذا فإن الطائفية ضد الدين‮''.
‬ وقال إن التحدي‮ ‬الثالث هو الإرهاب من قبل الجماعات المسلحة والإرهابيين الذين تكاثروا بالعراق وهم قسم ضد العملية السياسية وقسم آخر قريب من العملية السياسية وثالث ضدها،‮ ‬وهم تنظيم القاعدة والجماعات المسلحة القريبة من البعث والتي‮ ‬تمارس العنف كوسيلة وحيدة للعلاقة مع الآخر وهي‮ ‬أخطر الجماعات وأكثرها ضرراً‮ ‬على الواقع العراقي‮ ‬ومستقبله وعلى الجماعات المعارضة سلمياً‮ ‬أن تتكاتف لتطويق هذه الظاهرة ونبذها‮. ‬ التحدي‮ ‬الرابع هو الفساد والرشى الذي‮ ‬يعتبر من الظواهر التي‮ ‬تعززت وتعممت بعد الاحتلال بل شارك فيها الاحتلال أيضاً،‮ ‬وقد أصدرت مفوضية النزاهة بالعراق تقريراًً‮ ‬قبل ثلاث سنوات أشارت فيه إلى أن‮ ‬93‮ ‬مسؤولاً‮ ‬كبيراً‮ ‬بما في‮ ‬ذلك 15 من الوزراء شاركوا بالفساد بل متهمون فيه وهناك أكثر من ألف حالة صارخة كبرى على عمليات الفساد المنظم وعقبات وعراقيل لاجتثاثه‮.
وتابع شعبان‮ ''‬التحدي‮ ‬الخامس هو وجود المليشيات المسلحة التي‮ ‬تشكل خطراً‮ ‬على الوضع العراقي‮ ‬وهي‮ ‬متعددة من الصحوات ومجالس الانقاذ وجيش المهدي‮ ‬وغيرها،‮ ‬وهذا الوضع لا‮ ‬يصح مع الديمقراطية لأنها تعني‮ ‬سلطة القانون،‮ ‬واستخدام عشائر وجماعات مسلحة لفرض القانون‮ ‬ينافي‮ ‬الديمقراطية والدولة‮ (...) ‬الغريب أن العشائرية تعززت بعد مجيء الاحتلال بعد أن كانت تاريخاً‮ ‬وكانت العشائرية مطبقة قبل‮ ‬العام 1958 (ثورة 14 تموز /يوليو) ‮''.
 وقال‮ ''‬التحدي‮ ‬السادس هو عدم الاتفاق على الفدرالية والأقاليم،‮ ‬ومشكلة كركوك نموذجاً‮ ‬حيث إن العلاقة‮ ‬غر متوازنة بين السلطة الاتحادية وسلطة الأقاليم رغم أن النظام الفدرالي‮ ‬به الكثير من الامتيازات والإيجابيات بل إن‮ ‬25‮ ‬بلداً‮ ‬في‮ ‬العالم تعمل بالفدرالية ونحو‮ ‬40٪‮ ‬من سكان العالم في‮ ‬نظام فدرالي،‮ ‬ولكن الخطر أن هذا النظام في‮ ‬ظل ضعف الحكومة‮ ‬يهدم الدولة في‮ ‬أي‮ ‬وقت وبشكل كامل‮ (...) ‬من الممكن تحقيق نظام فدرالي‮ ‬في‮ ‬العراق ولكن الدستور الحالي‮ ‬لا‮ ‬يعطي‮ ‬هذا النجاح،‮ ‬نظراً‮ ‬لمستلزمات وشروط الفدرالية المتمثلة في‮ ‬توحيد الجيش والعلم والموارد والدبلوماسية للسلطة الاتحادية دون منازع،‮ ‬وعدا ذلك مما‮ ‬يتعلق بالتعليم والصحة والإدارة المحلية‮''.‬ وأوضح أنه‮ ''‬حسب الدستور العراقي‮ ‬إذا اختلف الطرفان في‮ ‬مسألة ما‮ ‬يجب تطبيق القانون الاقليمي‮ ‬وليس الاتحادي،‮ ‬وهو مغاير لقوانين العالم،‮ ‬ومسألة كركوك مادامت عراقية فليس مهماً‮ ‬أي‮ ‬من الأقاليم تتبع على أن لا‮ ‬ينتهك حق الساكنين فيها أو تهجيرهم،‮ ‬وهذا‮ ‬يستوجب تعديل العلاقة بين السلطة الاتحادية والفدرالية‮''‬،‮ ‬وأكد أن العراق القوي‮ ‬هو ساند للقوى العربية ونأمل عودته باكراً‮ ‬إلى مكانه الطبيعي‮ ‬للعب دوره الحقيقي‮.‬


صحيفة الوطن البحرينية الخميس 10/12/2009


488
دعا إلى تطوير التجربة بمزيد من إشراك الناس
شعبان: البحرين متقدّمة «عربياً» في حقوق الإنسان
الوقت:
قال الخبير في ميدان القانون الدولي وحقوق الإنسان، عبدالحسين شعبان، إن أوضاع حقوق الإنسان في البحرين تطوّرت بشكل كبير بعد مرحلة التصويت على ميثاق العمل الوطني، حتى أصبحت من بين أفضل الدول العربية في هذا المضمار.
وفي لقاء خاص مع «الوقت» أشاد شعبان بتجربة البحرين التي استندت إلى «الوعي السياسي لدى النخبة الحاكمة وقناعتها بضرورة مواكبة التطورات العالمية والاستجابة للإرادة الشعبية»، بحسب ما قال، إلاّ أنه دعا إلى مزيد من إشراك الناس بهدف تطوير التجربة.
وفي السياق ذاته، أشاد شعبان بتشكيل المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان، ودعا أن تمارس دورها في «مراجعة القوانين والأنظمة في البلاد وتكييفها أو اقتراح تعديلها وفق مبادئ حقوق الإنسان، وتشجيع الحكومة ودعوتها للانضمام للاتفاقيات الدولية».وإليكم نص الحوار:

•   بدايةً كيف تقيّم وضع حقوق الإنسان في الوطن العربي؟ كيف تسير؟ هل تتقدّم؟ وأين موقعنا من العالم؟

- مازال العالم العربي في أسفل السلّم إزاء موضوع احترام حقوق الإنسان وذلك رغم التطورات التي حقّقها في السنوات العشرين الماضية، وقد سبق لي أن أشرت إلى تميّز كل من المغرب والأردن والبحرين في السنوات الأخيرة، ولكن ثمّة تراجعات قد حصلت، ما أدّى إلى حصول نوع من الاحتدام أو الاحتكاك ما بين السلطات السياسية والمعارضات، ودفع أوساط من العاملين في حقوق الإنسان إلى الحديث عن أهم النواقص والثغرات.
إذاً هناك بالفعل تحديات موضوعية وذاتية تواجه ملف حقوق الإنسان في البلاد العربية، بعضها خارجية مثل استمرار الاحتلال لفلسطين والعراق، الحصارات التي فرضت على بعض البلدان، إضافة إلى ظاهرة الإرهاب وإملاء الإرادة من جانب القوى المتسيّدة في العالم.
أما على صعيد التحديات الداخلية، فتتمثل في وجود القوانين المقيّدة للحريّات، عدم الترخيص لحق العمل الشرعي والقانوني، تقييد حرية الصحافة، ضعف المشاركة السياسية ومشاركة المرأة بشكل أخص، إضافة إلى الأمراض الطائفية والعشائرية التي دفعت مجتمعاتنا العربية إلى مزيد من التشظّي والتفتيت والتباعد.
حقوق الانسان

* ذكرت أننا - كدول عربية - في أسفل السلّم بين دول العالم. ما أبرز الموضوعات التي تجعلنا في الأسفل؟

- التعذيب الذي يتفشّى في كثير من الدول العربية، والإعدامات التي تتم خارج إطار القضاء، محدودية حرية التعبير وفقدان الحريات العامّة، غياب حق حرية الاعتقاد، ضعف المشاركة السياسية وتجاوز حقوق المرأة، إضافة إلى كثير من القيود والموروث البالي الذي يعطّل ويعرقل حركة تقدّم حقوق الإنسان، وهو ما يعني الحاجة إلى مضاعفة الجهود بدءاً من المناهج التربوية لصالح حقوق الإنسان وليس انتهاءً بالإرادة السياسية.
إذاً، فهذه أبرز المؤشرات التي تُعتمد في تقييم حقوق الإنسان والتي تعاني من تراجع وضعف كبير في الوطن العربي.

* فيما يخص «التجربة البحرينية».. وقد ذكرت قبل قليل أنها من بين ثلاث دول عربية متمّيزة في هذا المجال رغم بعض التراجعات كما أشرت. كيف تقرأ هذه التجربة عموماً؟ وعلامَ استندت في وصفك لها بالمتميزة من بين الدول العربية؟

- دعني أقول إن هناك تطوراً كبيراً حصل على صعيد حقوق الإنسان في البحرين قياساً بمرحلة ما قبل العام ,1998 وجرى ذلك على نحوٍ تدريجي، وتقدّم أكثر في مرحلة ما بعد الاستفتاء على ميثاق العمل الوطني الذي حظي بأغلبية ساحقة.
وفي رأيي أن تطوّر أوضاع حقوق الإنسان استند في البحرين على ثلاثة عناصر:
- الأول: ويتمثل في الحراك الشعبي الذي ساهم كثيراً في وصول البلاد إلى ما وصلت به بعد التسعينات.
- الثاني: ويتمثّل في صدور قرارات ذات أبعاد سياسية وقانونية مهمّة أبّان التصويت على الميثاق، حيث سمحت تلك القرارات بعودة المبعدين، إلغاء محاكم أمن الدولة والاعتقال التسعفي، وقف الانتهاكات المتعلّقة بالتعذيب والمعاملة التي تحط من كرامة الإنسان والترخيص للجمعيات بمزاولة العمل السياسي.
- أما العنصر الثالث الذي استندت إليه التجربة، فهو الوعي السياسي لدى النخبة الحاكمة وقناعتها بضرورة مواكبة التطورات العالمية والاستجابة للإرادة الشعبية.
وبعد تصويت البحرينيين على ميثاق العمل الوطني في العام 2001 حصلت ردود فعل إيجابية، كما أن استجابة المعارضة والتلاحم الشعبي مهّد الطريق أمام مناخات سياسية واقتصادية إيجابية، وإلى تطوّر حقيقي وملموس في أوضاع حقوق الإنسان، حتى لو بدا في السنوات القليلة الماضية أن هناك نوعاً من الاحتدام بين أطراف من المعارضة والسلطة، إلاّ أن المشهد العام ظلّ إيجابيا،ً وخصوصاً إذا ما قارنّاه بأوضاع التسعينات.

اختيار شخصيات المؤسسة
•   شكّلت البحرين «المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان».. كيف تقرؤون هذا الحدث؟

- تشكيل المؤسسة كان شيئاً إيجابياً، وبقي أن تُحسن الدولة اختيار الشخصيات التي ستوضع في المكان المناسب، فيجب أن يكونوا من أصحاب الكفاءات، المدافعين عن حقوق الإنسان، الذين لم يتورّطوا في قضايا فساد إداري أو مالي أو في معاملة سيئة مع المواطنين، وأن يُشهد لهم بالنزاهة والموضوعية وتقديم خدمات اجتماعية وإنسانية.

وعلى المستوى العملي، فأعتقد أن هذه المؤسسة يجب أن تكون من أوّلى مهماتها مراجعة القوانين والأنظمة في البلاد وتكييفها أو اقتراح تعديلها وفق مبادئ حقوق الإنسان، وتشجيع الحكومة ودعوتها للانضمام للاتفاقيات الدولية، ثم مراقبة مدى تطبيق الحكومة لتلك الاتفاقيات، ومن جهة أخرى تشجيع مؤسسات المجتمع المدني بأن تمارس دورها في الرقابة وفي أن تكون شريكاً حقيقياً في تطبيق الاتفاقيات والمعايير الدولية، لا أن تكون مجرّد منظمات اعتراضية أو احتجاجية، فمؤسسات المجتمع المدني لابدّ أن تتحوّل إلى قوّة اقتراح، وأن تقدّم وتقترح القوانين للحكومة والجهات المعنية.
كما أن الإعلام لابدّ أن يلعب دوره في الترسيخ لمبادئ حقوق الإنسان، أي أن المؤسسة يجب أن تناط بها مهمّة تحفيز وتشجيع وسائل الإعلام المحليّة على أن تكون شريكاً حقيقياً وفاعلاً ومؤثراً في ترسيخ حقوق الإنسان.
وإضافة إلى ذلك، فإن هناك دوراً أساسياً جداً يتمثّل في تطوير المؤسسات التربوية والمناهج التعليمية بما يخدم هذه الأهداف.

* ما الشروط التي يجب توافرها في هذه المؤسسة لكي تكون متوافقة مع المتطلبات العالمية؟ أي بمعنى آخر، هل هناك معايير عالمية ينبغي توافرها في المؤسسة لكي نضمن إنتاجيتها وصدقيتها؟

- تحتاج المؤسسة إلى خبراء في القانون الدولي وحقوق الإنسان، ولمعرفة وإحاطة واسعة بالآليات الدولية وتهيئة وتدريب كوادر في هذا المجال.
وبلا شك ينبغي أخذ المعايير الدولية بعين الاعتبار، فهناك الإعلان العالمي لحقوق الانسان، وهناك العهدان الدوليان اللذان ينظّمان الحقوق السياسية والمدنية والحقوق الاجتماعية والاقتصادية والثقافية.
وفي السياق ذاته، يجب على المؤسسة أن تتحلّى بمعايير النزاهة والشفافية واعتماد الوسائل الديمقراطية في علاقاتها.
وفي الأساس، فإن اختيار العاملين في هذه المؤسسة كما أسلفنا ينبغي أن يراعي توافر عناصر الكفاءة والنزاهة والإخلاص، وأيضاً الابتعاد عن السياسة وهي نقطة في غاية الأهمية، فيجب عدم تسييس العمل الحقوقي وعدم الخوض في الصراع الأيديولوجي وبالنتيجة عدم الجمع بين العمل السياسي والحقوقي المهني، كما أن المؤسسة معنية بأن تضع مسافة كافية ما بين الفرقاء.

انجازات كبيرة

* ذكرت في تقييمك لتجربة البحرين أن المشهد العام إيجابي. هل من الممكن أن تذكر لنا أهم الإنجازات التي حققتها البحرين في مجال حقوق الإنسان؟

- هناك إنجازات كبيرة حققتها البحرين على الصعيد الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والثقافي، وخصوصاً على صعيد العمل والضمان الاجتماعي والصحة والتعليم، فالبحرين قياساً ببلدان المنطقة خطت خطوات إيجابية، وخطت خطوات سياسية ومدنية بحاجة أن تتعزّز وتتعمّق فيما يتعلّق بالانتخابات، السلام الاجتماعي، الترخيص للجمعيات، الحق في التعبير والحريات الإعلامية والصحافية.
كما أن البحرين مطالبة بتعزيز الحق في محاكمة عادلة وتعزيز دور القضاء بما يجعلها ترتقي مع المعايير الدولية.

* وماذا عن المعوّقات والتحدّيات؟

- حصلت بعض التراجعات وهي بحاجة إلى مزيد من الحوار وسماع رأي الجمهور فيما يتعلّق ببعض الأوضاع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، ولكن كما قلت إن المشهد العام مازال إيجابياً، ومازال يمكن البناء عليه والاستناد إليه، وأعتقد أن خبرة قياديي الدولة ومسؤوليها والخطوات الشجاعة التي اتخذوها في مطلع الألفية الجديدة سيشكّل مرجعية حقيقية للتطوّر والتقدّم والاقتراب من المعايير الدولية.

* هل من كلمة أخيرة؟

- أودّ القول إن معيار ومقياس تقدّم أي أمّة وأي شعب أو جماعة بشرية لا يتعلّق بعدد الحواسيب والتكنولوجيا والصناعات، ولكن مدى احترامها لحقوق الإنسان، فهذا هو معيار التقدّم الحقيقي الذي يستفيد من الموارد البشرية في خدمة الإنسان في جميع المجالات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية.
كما ألفت الانتباه إلى ضرورة حق الإنسان بالتمتّع بالراحة وبمنجزات الثقافة، وكما يقول الفيلسوف الإغريقي بروتوغوراس إن الإنسان مقياس كل شيء. إذاً، فأنا أقول إن كل شيء لمصلحة الإنسان ولأجل الإنسان ولمستقبل الإنسان.



صحيفة الوقت البحرينية العدد 1389 الخميس 22 ذي الحجة 1430 هـ - 10 ديسمبر 2009

489
سعــد صالـح الضوء والظل "الوسطية" والفرصة الضائعة

الدكتور عبدالحسين شعبان


ستقوم "الاهالي " وعلى شكل حلقات متتالية بنشر  كتاب الاديب والمفكر العراقي الدكتور عبد الحسين شعبان عن الشخصية الوطنية الكبيرة الاستاذ سعد صالح جريو ، ، الذي امتاز بالوسطية والاعتدال، وجمع بين الثقافة والسياسة، وكان شاعراً رقيقاً مثلما عمل وزيراً للداخلية، ورئيساً لحزب الاحرار الوسطي، الذي خرج من معطف الحكومة، ليرتدي بدلة المعارضة الوطنية.
ومثلما يسلط الباحث والاكاديمي شعبان، الضوء حول سجاياه الشخصية وبيئته النجفية ونجاحاته الادارية ومواقفه السياسية وخطبه البرلمانية، متوقفاً عن دراسته الاولى في الحوزة العلمية، ثم تخرّجه من دار المعلمين وكلية الحقوق، فإنه يشدد على اصراره على إجازة الاحزاب وإطلاق حرية الصحافة واغلاق السجون في الوزارة التي شارك فيها ولم تدم أكثر من 97 يوماً
ان كتاب الدكتور شعبان الذي يقدّمه عن سعد صالح، إضافة مهمة للمكتبة العراقية والعربية، وبشكل خاص لمكتبة التيار الديمقراطي، الوسطي، والليبرالي، الذي سبق لشعبان وهو كاتب متمرس ومفكر مجدد ينتمي الى المدرسة الحداثية والى جيلها الثاني، أن رفدها بأكثر من 50 كتاباً في مجالات الفكر والثقافة والقانون والسياسة الدولية والاسلام والنزاعات الاقليمية والدولية والمجتمع المدني وحقوق الانسان.

سعــد صالـح
الضوء والظل
"الوسطية" والفرصة الضائعة
الحلقة الأولى

تمهيد
لا يشكّل الفهم التاريخي لوحده للعمل الفكري والمسيرة الثقافية لأعلام بارزين، مرجعاً كافياً لاستيعاب التطور الفكري والثقافي والاجتماعي والاقتصادي والسياسي لحقبة تاريخية كاملة ولشخصيات مؤثرة فيها، سواءً في قراءته للأحداث وتراتبها وتعاقبها أو في أسسه ومنطلقاته الاساسية بحصر الظاهرة دون رؤية لجوانبها المتنوعة والمختلفة، وذلك لأن المنهج التاريخاني يبقى منهجاً انطباعياً قائما على قراءة التاريخ بخط واحد أو بحلقات متصلة، كسلسلة مستقيمة تعتمد على فهم ما هو سائد للأحداث والوقائع، الاّ إذا جرى ربطه بالأوضاع الاجتماعية السائدة بكل تنوّعها وأطيافها، وبدلالات تأثيراتها وانعكاساتها.
ومن هنا فإن بعض جوانب القصور والنقص قد تعتور هذه القراءة، وإنْ كانت في الوقت نفسه تتضمن جوانب صحيحة، لا يمكن الاستغناء عنها أحياناً، في إطار المنهج الوضعي النقدي الجدلي المطلوب في معرفة التاريخ والسيرة الفكرية والثقافية والظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية السائدة، وهذا الأمر يحتاج الى دراسة الظواهر الاجتماعية وسير تطور الأحداث التاريخية، لا وفقاً لتراتبيات متوازية وتسلسلات منطقية لمراحلها حسب، بل أيضاً في ضوء الانقطاعات التاريخية والمنعرجات المحتدمة والتحولات الجزئية والتكوينات الصغيرة، والاسهامات الفردية والمحاولات الشخصية، والبدايات الاجتهادية، والخطوات الشجاعة، رغم ان هذه لا تشكّل هي الاخرى قاعدة كافية يمكن الركون اليها، لكنها تُسهم في إظهار عمل التاريخ في المؤسسات والافراد، والعكس صحيح أيضاً، بابراز دور الافراد والمؤسسات على محدوديتها أحياناً في حركة التاريخ، ولكن تراكمها وتفاعلها مع الكل العام، هو الذي يعطيها هذا الدور المتميز.
هكذا يبدو التداخل بين الفردانية والمجتمعية أو "الفرد الجمعي"، في إطار الصراع السياسي والاجتماعي ودور الفرد في التاريخ من خلال المنهج الجدلي للوضعية النقدية لمسيرة مثقف ومفكر وإداري وسياسي من موقع السلطة ومن موقع المعارضة. وقد اجتمعت في الرجل عدد من الصفات، ولا يمكن للباحث ان يرجّح احداها على الاخرى، فجاء بامتياز هذا الجامع الكبير: رجل الدولة من الطراز الأول، موظفاً ادارياً يراكم الخبرة، متصرفاً (محافظاً) مبادراً، وسياسياً صاحب قرار، ووزيراً مجدّداً، وفي الوقت نفسه معارضاً لا يلين، بالنقد والكلمة والموقف، في الصحافة والبرلمان ولغة الاحتجاج أيضاً. ولعل شفيعه عندما يكون في موقف الناقد والمعارض لا ينسى موقعه كرجل دولة، وعندما يكون في موقف المسؤول والسلطة، لا يتخلّى عن موقعه كمعارض وناقد واصلاحي طامح للتغيير.
نحن إزاء رجل اسمه سعد صالح جمع في شخصه وسلوكه ودوره الادبي والثقافي، مجموعة من الشخصيات المؤتلفة والمختلفة، وتلك احدى سماته الاستثنائية، وهو ما يختلف به عن الكثير من مجايليه، فقد يكون أحدهم مثقفاً بامتياز، ولكن لا علاقة له بعلم الادارة او الاقتصاد، وقد يكون الآخر سياسياً محنّكاً ولامعاً، لكن ثقافته محدودة وعلمه قليل، وقد يكون دَرَسَ التراث والتاريخ والأدب، لكنه لم يطلّع على المدارس الفكرية والثقافية الحديثة، لكن سعد صالح جمع هذه الشمائل كلها في شخصه مع قوة شخصية واصرار ومنهج نقدي تقدمي، وهو ما حاول تطبيقه في سلوكه اليومي، ومن أصغر القضايا حتى أرقاها، ومن أبسطها حتى أعقدها، ومن أسهلها حتى أصعبها، حيث كان يملك خزيناً ابداعياً وطاقة حيوية نادرة ورؤية سياسية ثاقبة وموقفاً اجتماعياً متقدماً ولساناً ذرْباً، لم يكن يضاهيه خطيب في البرلمان، وفوق كل ذلك امتاز بتفوق اداري ووظيفي اعترف به أعداؤه أو خصومه قبل أصدقائه أو مريديه.
لقد عبّر سعد صالح من خلال عمله الوظيفي والاداري أو خطاباته ومواقفه في البرلمان أو في دوره الثقافي والفكري عمّا يؤمن به، وسعى لوضعه موضع التطبيق، في اشاعة الحريات وإجازة الاحزاب في الوزارة التي شارك فيها، والتي دامت نحو 100 يومٍ، أو في رئاسته لحزب الأحرار الوسطي، الذي خرج من معطف الحكومة والقوى المتنفذة فيها، ليصبح بعد رئاسة سعد صالح، جزءًا من التيار الليبرالي التحرري المستقل، لاسيما بعد ابتعاد أو إبعاد توفيق السويدي عن قيادته حيث كان يريده فناءً خلفياً لتأييد السياسة البريطانية.
 في ظل المنهج الجدلي، يمكن القول ان ساحة الثقافة والادب، خسرت سعد صالح، أديباً واعداً وشاعراً رقيقاً، وهو ما عبّر عنه الجواهري الكبير في حواراته مع الكاتب المنشورة في كتابنا " الجواهري – جدل الشعر والحياة"، حيث ورد ذكر سعد صالح أكثر من 3 مرات، كما وردت إشارات الى سعد صالح في مذكراته (جزءان)، فضلاً عن حديث خاص مع الكاتب لم ينشر حتى الآن!
امتازت لغة سعد صالح الادبية مثل قصيدته العمودية بالعذوبة والعمق، وصوره بالجمال والشفافية، وكان أميل الى الجديد ليس على صعيد الأدب حسب، بل على صعيد الفكر والممارسة، خصوصاً في القضايا الاجتماعية، حيث كان داعياً لحقوق المرأة ورافضاً تكبيلها بالقيود والعادات الاجتماعية العتيقة، مبتدئاً من أهل بيته في معركة السفور ضد الحجاب، كما سيأتي ذكره بشهادات لاحقاً من كريمتيه الاستاذتين سلمى ونوار ونجله المحامي لؤي سعد صالح
 ان التوقّف عند دراسة المرحلة التاريخية تقتضي دراسة فكر بعض أعلامها لأنه يشكّل معيناً في فهمها، وذلك بمعاينة الاتجاهات الفكرية التي تمتد حضوراً في أوساط الشبيبة المتطلعة الى المستقبل من جهة، وفي أوساط الناس وحركة التاريخ من جهة أخرى
لقد شهد العراق وعياً وطنياً وقومياً في أواخر القرن التاسع عشر واوائل القرن العشرين، خصوصاً بانبثاق حركة المشروطة في ايران العام 1906 وصراعها مع المستبدّة وانعكاس ذلك على السجالات والصراعات الفكرية والثقافية في العراق، لاسيما في المجتمع النجفي الذي انقسم بين مؤيد لحكومة مقيّدة بدستور "المشروطة" وبين حكومة "مطلقة" بحجة أو زعم " المستبد العادل"، وإضافة الى ذلك كان الصراع الدائر في الدولة العثمانية والدعوة للاصلاح والتغيير قائماً، لاسيما في ظل ارهاصات عربية استقلالية وتحررية، خصوصاً عشية وبُعيد صدور دستور العام 1908 وما تبعه من حركة كمال اتاتورك، وكان هو الآخر قد ترك تأثيراته الكبيرة على الحركة الفكرية والسياسية، في الدولة العثمانية وفي العراق بشكل عام والمجتمع النجفي بشكل خاص، لاسيما وأن بوادر انحلال الدولة العثمانية و"الجامعة" الاسلامية بدأت تزداد وتتسع فسحة أطرافها للانعتاق والاستقلال.
وقد اتّجه الفكر في ثلاث مدارس أساسية:
الأولى: مدرسة التجديد والتحديث، لاسيما بعد الاطلاع على كشوفات الثقافة الحديثة وما أفرزته، واتّسمت هذه المدرسة التنويرية بالدعوة الى الاصلاح، مع الاخذ بنظر الاعتبار حضارتنا العربية- الاسلامية، ولعل أبرز دعاتها هم: جمال الدين الافغاني ومحمد عبده ورفاعة الطهطاوي وعبد الرحمن الكواكبي ورشيد رضا مروراً بشبلي شميّل وفرح انطوان وصولاً الى سلامة موسى وعلي عبد الرازق، وكان سعد صالح أقرب الى هذه المدرسة.
والثانية: المدرسة التغريبية، وهي مدرسة دعت الى "التجديد"، لكنها كانت أقرب الى التغريب أو محاكاة كل ما هو غربي، خصوصاً بموقفها السلبي من التراث والتاريخ العربي، وهذه المدرسة اقتدت بالجملة والمفرد كما يقال وبالتفاصيل بكل ما هو غربي، في حين تمسكت الأولى بالتجديد مع الحفاظ على الهوية وتعزيزها بالفكر الاصلاحي، من خلال الحداثة والاصالة والمعاصرة والتراث.
اما المدرسة الثالثة: فهي المدرسة المحافظة، التي ظلّت بحجة الحفاظ على التقاليد والدين منكفئة على نفسها وترفض أي تغيير أو تقدم، لدرجة تعتبر ان كل ذلك خروجاً على التقاليد والقيم ومؤامرة على الدين، باعتبار كل جديد "بدعة وضلال" وكل بدعة وضلال "كفر وحرام".
وكان سعد صالح من المدرسة الاولى الحديثة الانفتاحية مع الحفاظ على الهوية، لاسيما في الموقف من الاستعمار  وخططه واهدافه وفي الموقف من فلسطين، فضلاً عن بناء دولة عصرية أساسها حكم القانون والمساواة والحرية والعدل.
وكانت المدرسة الثانية هي اقرب الى الحركة التركية التي نشأت عشية انحلال الدولة العثمانية، ونعني بها " جمعية الاتحاد والترقي"، لكن هذه المدرسة رغم تأثّر بعض العرب بها، الاّ انها اصطدمت مع الطموحات القومية العربية، التي كان سعد صالح أحد روادها الاوائل، خصوصاً وقد اشترك في ثورة العشرين ضد الانكليز، وساهم بحماسة ونشاط في عدد من الجمعيات السرية ضدهم منذ ثورة النجف العام 1918، وتعرّض للملاحقة والنفي وترك الدراسة، حيث اضطر الى مغادرة العراق الى الكويت، والمكوث فيها بضعة شهور، ثم عاد لاكمال دراسته حيث تخرج من دار المعلمين، وفيما بعد من كلية الحقوق في بغداد.
ورغم ان الوعي العروبي تمثّل آنذاك بعدد من الرواد، الاّ ان الوعي الديني كان ميالاً وظهيراً للوعي العروبي، وقد اتّسم هذا التوجه برابطة الدين للابقاء على السلطة العثمانية، بدلاً من الاستقلال، في حين ان وعياً قومياً عروبياً نشأ متأثراً الى حدود معينة بأوروبا، لكنه في الوقت نفسه كان جزءًا من شعور استقلالي غريزي وفطري بالانتماء والشعور بالهوية الجامعة.
وقد كان سعد صالح معتمراً القبعتين كما يُقال فقد درس في مطلع شبابه في الحوزة العلمية النجفية، ثم اطّلع على الثقافة الحديثة مزاوجاً ايّاها بثقافته الدينية والفقهية، لاسيما برافد حقوقي وقانوني، كما تلقّحت بذرته وسنديانته الأدبية والثقافية، بالسياسة وعلم الادارة، اللذان تميّز بهما في إطار مخزونه الأدبي والثقافي، مثلما هو مخزونه الديني والفقهي، حيث كان عامل رفد له في إطار تطلّعه العصري الحديث ورؤيته التقدمية للثقافة.
ان المراجعة الفكرية للاوضاع الاجتماعية والاقتصادية السائدة في مطلع القرن العشرين تستهدف استجلاء الدور الذي قام به عدد من العروبيين في تراكم الوعي الثقافي والنزعات الاستقلالية، وبالتالي التوصل الى دور سعد صالح وما قدّمه وما بذله فيما اوكل اليه من مهمات أو ما بادر هو شخصياً اليها، ولعل ذلك أحد الأهداف الاساسية لتأليف هذا الكتاب، ولتسليط الضوء حول شخصية ريادية متميّزة، وعلى دورها التنويري على الصُعد الفكرية والسياسية.
ينتسب سعد صالح جريو الى السادة آل جريء بن القاسم، حيث يستمر نسبه ليتصل بجدهم الأعلى عبيد الله الاعرج بن الحسن الأصغر بن الامام زين العابدين بن الامام الحسين بن علي، وهم علويون حسينيون، وقد نشأ في إطار الضمير النجفي الثائر، للأسرة والمجتمع والمدينة، حيث استلهم من عائلته دفاعه عن الهوية في الحروب التي خاضتها النجف ضد الهجمات عليها، وبرز يومها اسم " صكر جريو"، كما عاش ثورة النجف ضد العثمانيين العام 1915، وشهد وشارك في الثورة على الانكليز العام 1918 التي لمع فيها " علي جريو" ، كما ساهم هو مع عائلته في ثورة العشرين، إضافة الى نقله الرسائل من قيادة الثورة الى بغداد واعتباره إحدى حلقات الوصل، كما ساهمت عائلته في لعب دور الحارس لثغور النجف حيث كان السيد محمد الصدر قد قال له " كن خليتنا السرية"، أما جعفر أبو التمن فقال لسعد صالح: أنت عمادنا في الشباب، كما يذكر المؤرخ حميد المطبعي.
تخرّج سعد صالح جريو من المدرسة النجفية لا من سوح نضالها ومصهر رجالها حسب، بل من منابرها الثقافية وحلقاتها الأدبية ومحافلها الشعرية، وكان جيله يتمثل في عدد من الأدباء بينهم محمد سعيد الحبوبي وجواد الشبيبي وعلي الشرقي ومحمد رضا الشبيبي ومحمد باقر الشبيبي وأحمد الصافي النجفي ومحمد مهدي الجواهري ومحمد رضا الصافي وحسين كمال الدين ومحمد علي الدمشقي وعباس الخليلي وصالح الجعفري وآخرين.
قسّمت الكتاب الى ثمانية فصول، فبحثتُ في الفصل الأول: النجف والفرصة الواعدة بعرض البيئة الثقافية والفكرية والسياسية والدينية التي نشأ فيها سعد صالح، أما في الفصل الثاني فقد انتقلت وانا أتحدث عن سعد صالح من النجف الى العراق من خلال فرصة حالمة وذلك بدخوله المعترك الوطني والاجتماعي والاداري، سواءً بتسجيله ذاكرة المستقبل او من خلال ارهاصاته الاولى للاصلاح الذي ينشده.
وكان الفصل الثالث بعنوان: الفرصة الوطنية " أهلك وطنك" حيث تناول العراقية الحميمة والسجايا الانسانية الشخصية لسعد صالح. وكرّست الفصل الرابع لدوره الادبي وهو بعنوان " البلاغة- الفرصة الحائرة " تناولت فيه اسلوبه المتميز وفرادته ووسطيته في ظل عواصف التطرف والاحتدام، كما بحثت في مدى ثقته بالشعب من خلال الممارسة، وخصّصتُ الفصل الخامس لإبداع سعد صالح تناولت فيه اسلوبه الشعري وصوره الجمالية، وتوقفت لألقي ضوءًا حول قصيدته الشهيرة الاشباح.
ووسم الفصل السادس بعنوان: الفرصة الشخصية بفحصها سسيولوجياً وتاريخياً وهي قراءة في السيماء الشخصي لسعد صالح ارتباطاً بالمرحلة التاريخية، وخصصت الفصل السابع للحديث عن سعد صالح ومجايليه: الفرصة الصادقة ، وقد اشتمل على علاقة سعد صالح بالجادرجي والجواهري وصالح جبر وعبد الكريم الازري واحمد الصافي النجفي. وكان الفصل الأخير (الثامن) بعنوان: المواطنة والفرصة الضائعة وتوقفت عند بعض الاستعادات التاريخية ورأي سعد صالح بالمواطنة والهوية والخلفية الفكرية.
وقبل أن أختتم الكتاب بفهرست للأعلام وبفهرست للمدن والأمكنة، وضعت إضمامة للكتاب هي أقرب الى الملاحق، التي وجدتها مكملة للبحث ورأيت أنها مفيدة للقارئ، اشتملت على ملحق بقصيدة الاشباح وآخر بنص نثري عنوانه السفينة الذهبية وثالث برسالة شخصية الى ماجد الزئبق وعقيلته ورابع بخطابه حول المعاهدة التركية- العراقية وخامس بيان لحزب الأحرار عن معاهدة بورتسموث.
صحيفة الاهالي العراقية، العدد 321 ، 9/12/2009

490
الحرب الثقافية في العراق


عبدالحسين شعبان
كشف اتحاد الحقوقيين العرب في ندوة متخصصة بالتعاون مع منظمة الصليب الأحمر الدولية، حجم الدمار الذي أصاب الآثار والممتلكات الثقافية العراقية، وتوقف بعض المفكرين والحقوقيين والخبراء عند المسؤولية التي يرتّبها القانون الدولي، على السرقة والاتجار بالممتلكات الآثارية والثقافية، ناهيكم عن تدميرها وإتلافها، سواءً كان بقصد أو جرّاء العمليات الحربية، وهو ما تورّطت به القوات المحتلة خلافاً لقواعد القانون الدولي الانساني .

وإذا كانت اليونسكو قد أطلقت نداءً يقضي بوجوب إعادة المسروقات الأثرية، فإن ذلك يستوجب تحديد المسؤوليات والقيام بملاحقات قضائية لتلك الارتكابات والانتهاكات، وهو ما تقاعس عنه مجلس الأمن الدولي حتى الآن، حيث تُركت المواقع الآثارية عرضة للنهب، بما فيها المكتبات والمخطوطات والمتاحف، وبخاصة متحف بغداد الشهير، بما يحتوي من كنوز لا تقدّر بثمن .

ولكن ماذا استهدف المحتلّون من نهب المتاحف وإتلاف وسرقة الآثار وحرق وتدمير المكتبات والمخطوطات، وملاحقة وقتل الأكاديميين والعلماء العراقيين؟ هل هي مجرد رغبة همجية بالانتقام أم أن الحرب الثقافية هي جزء أساسي من الحرب المعلنة على العراق؟

لعل فكرة “الصدمة والترويع” كانت تستهدف الهوية والذاكرة والتراث الثقافي والتاريخي للعراق، حيث كشفت خطط الحرب أن “التطهير الثقافي” وهو عنوان كتاب صدر في القاهرة مؤخراً عن دار “الشروق”، جزء من خطة طويلة الأمد في إطار ما سمّي “الفوضى الخلاّقة”، فتدمير الممتلكات الثقافية لا تقلّ أهمية عن تدمير المنشآت الحيوية والاقتصادية والهياكل الارتكازية والبُنى التحتية، ناهيكم عن التدمير النفسي والمعنوي للعنصر البشري .

وهكذا تظهر الصورة التي نقلتها شاشات التلفاز عن عمليات نهب وحرق وتدمير مؤسسات الدولة العراقية عن فعل قصدي، وعن سابق إصرار وترصّد، فلم تكن مجرد ردود فعل عفوية أو من عمل رعاع حسب، بل هي جزء مدروس من عمليات مبرمجة طبقاً لتصريحات وزير الدفاع الامريكي دونالد رامسفيلد، الذي قال مبرراً تلك العمليات: “الحرية عادة ما تتسم بالفوضى”، ولم يرّف للقوات المحتلة جفن عندما فتحت أبواب المكتبات والمتاحف والجامعات وتركتها مشرّعةً أمام النهب “المتعمّد” مما يلقي عليها مسؤولية قانونية .

لقد ادّعت القوات المحتلة أنها جاءت للقضاء على نظام دكتاتوري استبدادي، لكنها ذهبت إلى حل الدولة ومؤسساتها وعرّضت ممتلكاتها الثقافية ومؤسساتها للسرقة والتدمير، تحت حجة التفكيك وإعادة البناء، ومحو ما تم كتابته على لوح “الدولة السابقة”، لكي تأتي الولادة جديدة “نظيفة” من الماضي، بكل ما فيه، فسعت الى عملية هدم وتدمير وسرقة للمكتبات والكتب والسجلات الحكومية وغيرها، إضافة الى عمليات نهب منظم طالت المتاحف والممتلكات الثقافية، وشمل الأمر لاحقاً العقول والأدمغة العراقية، والهدف هو كما صرّح جورج شولتز، إعادة العراق الى العصر الحجري .

لعل الثمن الفادح الذي دفعه العراق، ليس فقط بسبب الخسائر البشرية وتدمير بنيانه التحتي، بل كان هويته الثقافية وآثار حضاراته القديمة وتراثه العربي- الاسلامي ومخطوطاته وكتبه وجامعاته وعقوله .

وكانت قرارات بريمر ال 99 التي اتخذها منذ أن حطّ رحاله في العراق (مايو/أيار 2003 ولغاية أواخر يونيو/حزيران 2004) قد سارت ضمن خطة مبرمجة، حتى وإن اتسمت في بعض الأحيان بالارتجالية أو ردود الفعل وعدم الكفاءة، لكن ما كان واضحاً هو تجريد الهوية العراقية وتجويف محتواها وتحويلها الى مجرد هويات فرعية لا يجمعها جامع مع بعضها، بل هويات متنافرة ومتصارعة اثنياً ومذهبياً، وكذلك تهميش دور العراق العربي وشطب العراق من توازن القوى في المنطقة، لاسيما إزاء الصراع العربي- “الإسرائيلي” ناهيكم عن السيطرة على مصادره الطبيعية .

ولم تتورع القوات المحتلة من بناء قواعد عسكرية بالقرب من المواقع الآثارية مثل أور وبابل ونينوى، ولم يكن النهب الذي تم تصويره في الأيام الاولى قد توقف، لكن نهباً منظماً وغير عشوائي كان قد أخذ طريقه في خضم تلك الفوضى المطلوبة، الأمر الذي يعتبر جريمة حرب تضاف الى الجرائم المرتكبة بحق البشر .

ولم تكشف التحقيقات أية عمليات نهب حتى الآن على كثرة الادعاءات بالملاحقة والوعود بمقاضاة المرتكبين، فالجرائم المرتكبة لا تزال تسجّل ضد مجهول، رغم أن الكثير من الكبار والصغار مساهمون فيها، فإنهم من يعلن ذلك أحياناً، على نحو مقصود إما لذرّ الرماد في العيون أو لإبعاد الشبهة .

ولم تفلح جهود مفوضية النزاهة في شيء حتى الآن، فيما يتعلق بالفساد المالي والإداري، ناهيكم عن تزامن وتداخل ذلك مع وجود عصابات متخصصة، بحيث كانت تعرف ما تريد، وقامت بسرقات منظمة لقِطَع ومحفوظات ومخطوطات من المتحف العراقي ودار المخطوطات والمكتبة الوطنية، وتم نقل جزء من الأرشيف الوطني والأرشيف الخاص بالحزب الحاكم سابقاً إلى الولايات المتحدة خلافاً لقواعد القانون الدولي الإنساني .

إن الخسارة الحقيقية للعراق أيضاً هي في التدمير المنهجي للعقول والأدمغة وللذاكرة العراقية، فقد قُتل أكثر من 350 عالماً واستاذاً جامعياً وما يزيد على 300 صحافي وأعداد أخرى من المثقفين، الأمر الذي يتطلب جهداً إنسانياً وجماعياً دولياً من جانب المؤسسات والمنظمات الحقوقية لمقاضاة المسؤولين واستعادة الآثار المنهوبة، وهو ما يضع على عاتق الأمم المتحدة ومنظمة اليونسكو (للثقافة والتربية والعلوم) مسؤوليات إضافية، إذ إن عليهما اتخاذ إجراءات تحقيقية وعقابية لاستعادة جميع المسروقات بالتعاون مع القضاء الدولي، حيث إن القانون الدولي الإنساني، ولا سيما الاتفاقيات الدولية الخاصة بحماية الممتلكات الثقافية، والتي أعقبت اتفاقيات جنيف لعام 1949 وبالتحديد في العقود الخمسة الماضية، تحظر تصدير واستيراد الممتلكات .

وطبقاً لاتفاقية لاهاي لعام 1954 والتي دخلت حيّز التنفيذ منذ العام ،1956 إضافة إلى البروتوكول الأول الملحق بها وكذلك اتفاقية حماية التراث العالمي الثقافي والطبيعي لعام ،1972 والنظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية لعام ،1998 والبروتوكول الثاني الملحق باتفاقية لاهاي لعام ،1999 الذي تضمن تحديد مسؤوليات جنائية ومدنية، فإن قواعد قانونية جديدة منظمة أخذت طريقها لملاحقة مرتكبي الجرائم بحق الآثار والممتلكات الثقافية، وقد دخل هذا البروتوكول المهم حيّز التنفيذ العام ،2004 ونص البروتوكول الثاني وكذلك نظام محكمة روما على الاختصاص القضائي الدولي فيما يتعلق بذلك، وكانت محكمة يوغسلافيا الدولية قد وجهت الاتهام إلى تدمير الممتلكات الثقافية .

ومن الاتفاقيات الأخرى التي تحمي الآثار الثقافية اتفاقية حماية التراث الثقافي المطمور بالمياه لعام ،2001 وكذلك اتفاقية صون التراث الثقافي غير المادي لعام 2003 واتفاقية حماية وتعزيز وتنوّع أشكال التعبير الثقافي لعام 2005 .

ولعل قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1483 الصادر في 22 مايو/أيار العام 2003 والذي “شرعن” الاحتلال، واعتبر القوات الأمريكية محتلة طبقاً لقواعد القانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف لعام 1949 كان قد شدد على ضرورة احترام تراث العراق، الأمر الذي يضع مسؤوليات جنائية ومدنية على الدول والأفراد، وهو ما ذهب اليه بروتوكول لاهاي الثاني الذي أكد مبدأ التعويض، إضافة إلى المسؤولية الجنائية الفردية، التي تقضي وجوب مقاضاة المرتكبين، لا سيما تحميل القيادة العسكرية مسؤولية في ذلك .

إن على الدول التي تتعرض آثارها للسرقة أن تستعين بالدول الأخرى، وأن تشترك في الأعمال الدولية لوضع التدابير المناسبة لمراقبة الصادرات والواردات والتجارة الدولية في الممتلكات الثقافية، كما جاء في اتفاقية اليونسكو لعام ،1970 التي أكدت: أن نقل الممتلكات الثقافية وتصديرها من قبل دولة الاحتلال الأجنبي يعتبر عملاً غير مشروع، وعلى الدول الموقعة على هذه الاتفاقية قبول دعاوى لاسترداد المسروقات والمفقودات الثقافية وتسليمها إلى أصحابها الشرعيين . ورغم استعادة بعض المنهوبات، فإن الجهد الحكومي العراقي، فضلاً عن دور المنظمات غير الحكومية، ما زال قاصراً .

والجدير ذكره، أنه لا يمكن اغفال مسؤولية الحكومة العراقية أيضاً، بحكم الدستور العراقي النافذ إذ لا بدّ من التحرّي بجدية وفاعلية عن الآثار والقِطَع المسروقة والمدمّرة والجهات التي تقف وراء هذا التدمير وضرورة الكشف عنها وتقديمها إلى القضاء، ومطالبة الجهات المحتلة إخلاء هذه الأماكن وتعويض العراق عنها وذلك طبقاً لنص المادة 50 من الدستور، وكذلك كشف بعض المتواطئين معها .

إن حماية الممتلكات الثقافية والحضارية يتطلب أولاً وقبل كل شيء السعي لاستعادة المنهوبات وترميم وصيانة وحفظ وتوثيق ما هو موجود وتوفير المستلزمات المادية والمعنوية لذلك عراقياً وبمساعدة دولية .

وثانياً، إصدار تشريعات قانونية وإنزال أقسى العقوبات ضد السرقة والتخريب وذلك بهدف الحفاظ عليها، وتأسيس أجهزة أمنية وقضائية متخصصة لتنفيذ ذلك والحرص على سلامة المواقع ومنع الاعتداء عليها، وكذلك تحريم الاتجار بالممتلكات والآثار الثقافية، والمعاقبة عليها .

باحث ومفكر عربي
صحيفة الخليج الاماراتية الاربعاء 9/12/2009

491
كوبا: رؤية ما بعد الخمسين (6).. جيفارا وأحمد بن بيلا: العنفوان!
عبدالحسين شعبان
2009-12-07
ثلاث شخصيات عربية كبرى جمعتها صداقة مديدة مع جيفارا، أوّلها أحمد بن بيلا أول رئيس جزائري بعد الاستقلال، وثانيها الرئيس جمال عبدالناصر، وثالثها المهدي بن بركة الذي اختطف في باريس في ظروف غامضة.
تميّزت علاقات جيفارا بأحمد بن بيلا بالتفاعل والتأثر المتبادل، لاسيما وقد نظر هو إلى إفريقيا كفضاء جديد للثورة خصوصاً بعد إحراز الجزائر استقلالها بعد معاناة من الاستعمار الفرنسي دامت 132 عاماً، وكان هو قد عيّن في بدايات الثورة الكوبية "سفيراً بصلاحيات مطلقة" من قبل زعيم الثورة الكوبية فيدل كاسترو، حيث توجّه في 12 يونيو 1959 إلى زيارة العديد من البلدان للتعريف بكوبا وثورتها ونضال أميركا اللاتينية، في جولة طويلة زار فيها 15 دولة.
وخلال جولته أبرم اتفاقيات تعاون اقتصادية وعسكرية مع العديد من البلدان في آسيا وإفريقيا، لاسيما دول عدم الانحياز، وزار الجمهورية العربية المتحدة (القاهرة ودمشق)، كما اطلع على تجاربها فيما يتعلق بالإصلاح الزراعي والنظم الاقتصادية والاجتماعية ومشاكل التصنيع وسبل الانفكاك من هيمنة الاحتكارات وإحراز الاستقلال.
بعد الاستفتاء الذي حصل في الجزائر يوم 13 يوليو 1962 وتصويت الجزائريين على الاستقلال عن فرنسا بنسبة %93.7 جاءت النتيجة طبقاً لما أكدته اتفاقية "إيفيان" في 19 مارس من العام ذاته بين قيادة الثورة الجزائرية (جبهة التحرير الوطني الجزائرية) والحكومة الفرنسية، وقد تشكلت الحكومة الجزائرية برئاسة أحمد بن بيلا أول رئيس بعد الاستقلال.
وكان من أول البلدان التي زارها أحمد بن بيلا هي كوبا، وذلك بعد مشاركته في أعمال دورة الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، حيث توجّه بعدها إلى زيارة كوبا في 16 أكتوبر 1962، والتقى فيدل كاسترو وتشي جيفارا وراؤول كاسترو وقيادات الحزب والدولة.
ولعل للزيارة دلالاتها: الأولى أنها جاءت إثر احتدام حدّة التوتر بين واشنطن وهافانا بسبب أزمة الصواريخ الكوبية التي بناها الاتحاد السوفييتي في الجزيرة لمواجهة احتمالات هجوم تقوم به واشنطن للإطاحة بالنظام الكوبي، تلك التي تطورت إلى أزمة دولية عُرفت بأزمة الصواريخ بعد خليج الخنازير والتي كادت تهدد بحرب عالمية، لولا محاولات احتوائها من جانب الإدارة الأميركية والرئيس جون كيندي والقيادة السوفييتية ممثلة في نيكيتا خروشوف، حيث تمت المساومة على سحب الصواريخ، مقابل تعهد بعدم مهاجمة الجزيرة، في إطار تسوية سمحت بها ظروف تلك الأيام.
والدلالة الثانية أن الزيارة كانت بإصرار من جانب أحمد بن بيلا الذي يقول إن كيندي حذّره من زيارة هافانا مباشرة بعد حضوره اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة، ويضيف: "دعيت في صباح 15 أكتوبر (أي قبل يوم من زيارته إلى كوبا) إلى البيت الأبيض حيث أجريتُ حوارات ساخنة وصريحة مع الرئيس كيندي بشأن كوبا" ويواصل: "أجابني الرئيس على سؤال مباشر وجهته له: هل أنتم ذاهبون إلى مواجهة مع كوبا؟ ومن دون أن يترك مجالاً للشك في نياته الحقيقية أجاب: "لا إذا كانت الصواريخ السوفييتية غير موجودة.. نعم إذا كان الأمر عكس ذلك"، ولعل إجابة الرئيس كيندي تلك تحمل قدراً من التهديد ورسالة إلى القيادة الكوبية عبر أحد أصدقائها وهو أحمد بن بيلا، ويمضي أكثر من ذلك ليؤكد تهديداته حتى بالنسبة لبن بيلا حين يقول الرئيس الجزائري الأسبق: حاول كيندي أن يثنيني وبإصرار عن الذهاب من نيويورك إلى كوبا مباشرة، حتى إنه ذكر احتمال حصول اعتداء على الطائرة التابعة للقوات الجوية الكوبية التي سأستقلها، من قبل المعارضة الكوبية المتمركزة في ميامي.
ويجيبه بن بيلا بكل ما تحمل إجابته من بساطة وعفوية، لكن لها دلالاتها في الصدق والشجاعة حين يعلّق ردّاً على تهديداته المبطّنة: "إني فلاح لا ترهبني المعارضة الجزائرية ولا الكوبية" (من خطاب ألقاه بن بيلا حين أدلى بشهادته عن جيفارا بعد مرور 30 عاماً على استشهاده ونقلته جريدة لومانيتيه الفرنسية التي بصدرها الحزب الشيوعي الفرنسي في 9 أكتوبر 1997).

كان تاريخ زيارة بن بيلا إلى كوبا هو تاريخ صداقة مديدة مع جيفارا استمرت بضع سنوات قبل أن يقطعها الانقلاب العسكري الذي قاده الجنرال هواري بومدين في 19 يونيو عام 1965، ويذكر بن بيلا في شهادته أن يوم 9 أكتوبر 1967 مكتوب في ذاكرته بأحرف من نار، لا سيما وهو سجين متفرّد، عندما سمع من جهاز الراديو إعلان خبر رحيل "أخيه" جيفارا كما يقول.
وقد زار جيفارا الجزائر بمناسبة الذكرى الأولى للاستقلال ممثلاً لكوبا وذلك في 4 يوليو عام 1963، ومكث فيها نحو 3 أسابيع، واندمج جيفارا بالجو الجزائري طبيعياً وسياسياً، حيث المناخ الحار و"الناشف" الذي ذكّره -كما يشير- بطبيعة أرض الأرجنتين التي ترعرع فيها، كما أبدى إعجابه بقدرة الشعب الجزائري وبطولته في طرد المستعمرين الفرنسيين، لاسيما بعد اندلاع الثورة وفي حرب الأنصار والكفاح المسلح الذي دام 7 سنوات (من عام 1954 وحتى عام 1962)، وإضافة إلى علاقته مع بن بيلا، فقد استضاف في كوبا خلال عودته قائد القوات المسلحة الجزائرية هواري بومدين بمناسبة يوم 26 يوليو، وهو يوم انطلاقة الحركة المسلحة التي قادها فيدل كاسترو.
وزار جيفارا الجزائر مرّة أخرى بعد زيارة نيويورك في 9 ديسمبر 1964، حيث ألقى خطاباً باسم كوبا في الجمعية العامة للأمم المتحدة، وكان جيفارا قد التقى خلال وجوده في نيويورك الزعيم الأسود مالكولم إكس ووجه عَبره رسالة تضامن إلى "إخوته وأخواته" من الأصول الإفريقية، لاسيما أن إفريقيا حسب تقييماته تعتبر مرتكزاً جديداً للثورة التي شغلته.
ودامت زيارة جيفارا إلى الجزائر نحو 3 أشهر، حيث وصلها يوم 18 ديسمبر 1964 وكانت هذه الزيارة الثالثة، واتفق مع بن بيلا على دعم ومساندة حركات التحرر الوطني، معتبراً الجزائر العاصمة البيضاء المنوّرة للثورة غرفةَ قيادة، وهي في الوقت نفسه القاعدة السرّية للعديد من قيادات وكوادر حركات التحرر في أميركا اللاتينية وإفريقيا، وقد سهّلت معرفة كل من جيفارا وبن بيلا الفرنسية والإسبانية، صداقتهما الحميمة وتفاعلهما المستمر والمتواصل. وقد اقترح جيفارا على بن بيلا أن تصبح الجزائر محطة لتزويد الحركات الثورية الأميركية اللاتينية بالأسلحة، دفعاً لعيون واشنطن التي هي قريبة من كوبا، وكان رد بن بيلا الموافقة الفورية والإيجابية، بل والأكثر من ذلك تحضير التجهيزات اللازمة لذلك، وحدد مركز القيادة الذي وضع تحت تصرف جيفارا فيللا كبيرة في مرتفعات العاصمة تدعى فيللا "موزيني"، ولهذه الفيللا رمزية خاصة، إذ كانت مخصصة للتعذيب ومركزاً للفرنسيين أيام الاحتلال، وإذا بها تتحول إلى مركز للحركات التحررية لدول العالم الثالث، وللتغطية على نشاطها في أميركا اللاتينية، أُنشئت عدة شركات للاستيراد والتصدير بهدف التمويه وذرّ الرماد في العيون!
واعتقد جيفارا أن إفريقيا هي الحلقة الضعيفة للإمبريالية وهي غنية بالمواد الأولية، ولذلك يتوجب كسر هذه الحلقة من السلسلة، وتحضيراً لفكرته قام بزيارة 7 بلدان إفريقية نالت استقلالها في حينها، واحتسبت ضد المعسكر الإمبريالي، ولعل جيفارا هو من دعا إلى تأسيس اتحاد الجمهوريات الاشتراكية الإفريقية، وكان قد قال: "وجدت شعوباً بكاملها تحت الضغط مثل الماء الذي يوشك على الغليان"، وقد سمّي خلال زيارته إلى جمهورية مالي في 17 يناير 1965 بـ "ماو أميركا اللاتينية" (نسبة إلى ماو تسي تونغ).
وخلال زيارته الرابعة إلى الجزائر في 24 فبراير 1965 ألقى خطابه الشهير في ندوة اقتصادية لمنظمة التضامن الأفروآسيوي، والذي عُرف لاحقاً "بخطاب الجزائر"، وهو وثيقة أو لائحة مرافعة ضد بعض مواقف الاتحاد السوفيتي، علماً بأن كوبا لم تكن سوى مراقبٍ في المؤتمر وسوف نعود لمناقشة هذه الوثيقة التي تشكل محتوى الفكرة الجيفارية بعد 6 سنوات على انتصار الثورة الكوبية، وجوهر الخلاف الذي اتسع بينه وبين التيار الاشتراكي الرسمي السائد.
ومن الجزائر توجه إلى القاهرة ومكث فيها 8 أيام في 2 مارس 1965 بعد سلسلة من التأملات والاعتراضات والمراجعات، ويبدو أن هذا التحول كان أقرب إلى القطيعة بينه وبين المناصب الرسمية، فعاد إلى ميدان المعركة الحقيقي في الكونغو ومنها إلى كوبا حيث اجتمع بكاسترو، وبعدها قرر السفر إلى بوليفيا حيث اختفى هناك حتى أعلن عن جرحه وأسره ثم إعدامه.
وإذا كان عبدالناصر أو بن بيلا قد رحبا بحماسةِ جيفارا وانجذبا معه بصداقة مديدة، لكنهما كل من موقعه حاولا تبصيره بتعقيدات النضال في إفريقيا، وقد سهل بن بيلا جميع متطلباته، بما فيها كما يقول وضع معاونته الشخصية مريم مرزوق في خدمته، التي شعرت بصداقة قوية تجذبها إلى جيفارا، الذي داعبها مازحاً ذات يوم "أشعر بأن روحي مسلمة لأني متعدد الزوجات، واعتقد أن بالإمكان محبّة عدّة نساء في آن واحد"، حيث كان متزوجاً مرتين.
يقول بن بيلا: كنت أحاول لفت انتباهه إلى أن خياراته في العمل المسلح، ليست الطريقة الأجدى في مساعدة النضج الثوري الذي ينمو في القارة الإفريقية، فإذا كانت ثورة مسلّحة، فيمكن أن تحظى بدعم خارجي، إلا أنها لا بد أن تتهيأ الظروف الذاتية التي تعتمد عليها، لكنه كما يذهب بن بيلا ظلّ مصرًّا على خياره، وصادقاً في اختياره مضحياً بحياته من أجل ذلك.
ويلخّص بن بيلا علاقته بصديقه جيفارا بالقول: "من بين جميع السياسيين الذين التقيتهم في حياتي، ترك جيفارا عندي انطباعاً أكثر من الآخرين.. كان يحب الجزائر كثيراً وبقي فيها مدة أطول مما يعتقده الناس، من خمسة إلى ستة أشهر مع ذهاب وإياب.. كان ثورياً من النوع غير المألوف، إنسانياً.. كان يعرف أن يعيش وأن يتألم، كان رجلاً ساخراً حتى من نفسه، شجاع ومتيقظ..".
ويمضي بن بيلا بالقول: وذهب إلى كابيندا في أنغولا، ثم إلى الكونغو برازافيل (البرتغالية كما تسمّى)، ولم يكن مرتاحاً من علاقاته مع بعض الأحزاب الماركسية للدول التي زارها، ولعلّه كان ساخطاً على مفاهيمها وتطبيقاتها، الأمر الذي ترك عنده خيبة أمل ومرارة كبيرة، وهو الذي حاول التصدي لقتلة لومومبا وإذا به يحاصَر، فكرياً وسياسياً، ويداهمه المرض، ليضطر إلى الرحيل بعد فشل تجربة الكونغو كما يقول، ثم يرحل ليلتقي بكاسترو ويغادر بعدها راكضاً وراء حلمه، ليقتل في بوليفيا، وفي ذلك روايات كثيرة وجدتها في كوبا ولدى أوساط الثوريين القدامى والشباب مع تفسيرات متباينة، سأحاول المرور عليها.



7848 العدد -صحيفة العرب القطرية ، الإثنين 7 ديسمبر 2009 م - الموافق 20 ذو الحجة 1430 هـ


492
صراع أم جدل الهويات في العراق!؟




      الدكتور عبد الحسين شعبان*





•   باحث أكاديمي ومفكر عراقي له العديد من المؤلفات
•   مدير عام المركز الوثائقي للقانون الدولي الانساني

•   الهوية ومرجعية الدولة!

      في 9 نيسان (ابريل) 2009 مرّت ستة أعوام على احتلال العراق، فالحرب المحسومة النتائج سلفاً لم تستمر أكثر من 3 أسابيع، حيث بدأت بالقصف الأمريكي صباح يوم 20 آذار (مارس) 2003 وانتهت باحتلال بغداد، ولم تستهدف واشنطن النظام الاستبدادي الذي حكم العراق طيلة 35 عاما حسب، بل سعت بإصرار الى تحطيم وإسقاط الدولة العراقية، وذلك بحل مؤسساتها العسكرية والأمنية بعد تدمير بنيانها التحتي ومرافقها الحيوية ومنشآتها الإقتصادية، وامتدّت يد التخريب والسرقة لتصل الى المتاحف والمكتبات والجامعات ودور العلم وغيرها.
   وقد ترافق قرار حل الجيش، الذي أصدره بول بريمر الحاكم المدني الامريكي في العراق الذي أعقب الجنرال جي غارنر، مع قرار اجتثاث البعث الذي خلق ردود فعلٍ سلبية تركت نتائجها على مجمل العملية السياسية التي أريد لها أو تكون مظلّةً تستطيع الولايات المتحدة بواسطتها تسويق مشروعها السياسي(1).
ولعل هذه التداعيات تركت تأثيراتها الخطيرة على جميع مفاصل الدولة العراقية، فالجيش باعتباره مؤسسة عراقية فوق طائفية وفوق قومية، رغم تسييسه أو اخضاعه لتوّجه عقائدي حزبي أيام النظام السابق، لكنه ظلّ كياناً وطنياً موحداً يجسّد الهوية العراقية رغم ما أصابها من تصدّع، وقد اثار قانون اجتثاث البعث جدلاً واسعاً، لم ينقطع حتى الآن رغم دعوات المصالحة وابداء استعداد الحكومة للتعامل مع البعثيين كأفراد كما صرح رئيس الوزراء نوري المالكي وليس كياناً سياسياً أو عقائدياً، لأن الدستور الذي كان قد حرّم عليهم العمل السياسي، لا يسمح بذلك كما تبرر القوى المتنفذة.
وقد جرت محاولات لإعادة النظر في قانون الاجتثاث بمناقشته من جانب الحكومة وعرضه على البرلمان، عبر ما سمي بقانون المصالحة والمساءلة وكلاهما استهدفا العقيدة السياسية وتحريم الأفكار، في حين كان الأمر يقتضي توجيه الاتهام الى المرتكبين ومحاسبتهم بواسطة القضاء في إطار برنامج شامل للعدالة الانتقالية، انطلاقا من المساءلة وكشف الحقيقة وجبر الضرر وتعويض الضحايا واصلاح المؤسسات، بدلاً من إصدار أحكام سياسية بالجملة وبطريقة عشوائية، الأمر الذي أدى الى شموله مباشرة  لأكثر من 30.000 (ثلاثون ألف) من كوادر حزب البعث المتقدمة والوسطية، جلّهم من الكوادر العلمية والأكاديمية في الدولة ولدى الكثيرين منهم خبرات ومهارات، وأغلبيتهم  الساحقة من المدنيين. والأنكى من ذلك ان الدستور نفسه لاحقهم بتسميتهم بالصداميين، كما ان الاتفاقية الامريكية – العراقية، جعلت مسألة ملاحقتهم باعتبارهم من فلول النظام السابق، أحد أهدافها(كما ورد في المادة الرابعة).
   وبعد الاحتلال وبغياب مرجعية الدولة ومؤسساتها عاد العراقيون وربما اضطراراً إلى مرجعيات تقليدية، وإن كانت موجودة الاّ أنها ليست بديلاً ولا يمكنها أن تكون كذلك عن الدولة ذات البعد الشمولي والتراكم التاريخي، مثل المرجعية الدينية والمذهبية والعشائرية والمناطقية والجهوية والعائلية وغيرها، لدرجة أصبح التشظي في المرجعيات وغياب مرجعية مؤسسية موّحدة هو انعكاس لواقع حال مرير،  اذ اتخذت بعض القوى الطائفية والأطراف الإثنية مكانها في" التركيبة الجديدة" التي لم ترغب في مبارحتها أو الاستغناء عن امتيازاتها، رغم أن بعض الذين شاركوا في المحاصصة والتقسيم المذهبي والإثني، بدأوا يغسلون أيديهم منها، خصوصاً وان  حكم الاستبداد وفيما بعد الاحتلال كما يبررون لم يترك لهم خيارات اخرى، هكذا تشكلت ملامح صورة مضبّبة لدولة عراقية جديدة لم تولد بعد، رغم احتضار شكلها السابق ! وقد ظلّت الدولة رغم كل ما عليها إطاراً موحداً للعراقيين بكل مكوّناتها وهياكلها ودواوينيتها وبيروقراطيتها.

     مرّ العراق خلال الأعوام الستة الماضية من الاحتلال بأربع مراحل أساسية(2). وإذا كانت المرحلة الأولى من الإحتلال قد شهدت حكماً أمريكياً مباشراً بواسطة الحاكم العسكري الامريكي للعراق الجنرال جي غارنر لم يستمر سوى بضعة أسابيع (أي من 9 نيسان/ابريل) ولغاية استلام بول بريمر في 13 ايار (مايو) 2003، وكانت مرحلة فوضى وغياب للدولة وشهدت أعمال نهب وسلب منظمّين، فان المرحلة الثانية شهدت حكماً أمريكياً ولكن بمشاركة شكلية من جانب قوى عراقية، واتسمت المرحلة الثانية التي دامت نحو عام بتحديد صورة العراق النمطية التي جرى رسمها من جانب الدوائر السياسية والستراتجية الأمريكية والغربية عموماً منذ نحو عقدين من الزمان أو ما يزيد على ذلك. أما المرحلة الثالثة فهي المرحلة الأمريكية- الدولية، لاسيما بصدور القرار 1546 في 8 حزيران (يونيو) 2004 عن مجلس الأمن الدولي وتشكيل حكومة مؤقتة، في حين شهدت المرحلة الرابعة اجراء انتخابات وإعداد دستور دائم.
   ولمعرفة صورة ما يسمّى بالعراق الجديد، سيتم التركيز على هذه المرحلة التي كانت تفاصيلها وخفاياها وخباياها، ناهيكم عن ما جرى اعلانه، الاساس في الاستراتيجية الامريكية، التي قامت وفقاً لنظرية الفوضى الخلاّقة، وتطبيقاً لها في العراق: تفكيك الدولة ومؤسساتها واعادة بنائها طبقاً للتصورات الامريكية، وهو الامر الذي كان كارثة حقيقية لا على الصعيد العراقي حسب، بل على الصعيد الامريكي، حيث ألحق ضرراً بالغاً بسمعة الولايات المتحدة، التي هي مهزوزة بالاساس، فضلاً عن الخسائر البشرية والمادية الكبيرة، التي كانت وراء التعجيل باندلاع الازمة المالية والاقتصادية الامريكية والدولية، لاسيما اشكاليات الرهن العقاري وافلاس بنوك ومؤسسات مالية وانحلال شركات تأمين عملاقة!
خضع العراق خلال المرحلة الثانية الى قيادة حاكم مدني أمريكي ذاع صيته وتندّر العراقيون "بسجاياه" وأعني به بول بريمر الذي كان حاكماً بأمره(3)، كما أطلق عليه بعض السياسيين ممن كانوا قريبين من المشهد السياسي بمن فيهم بعض أعضاء مجلس الحكم الانتقالي الذي عيّنه هو ذاته، وشهدت هذه المرحلة فساداً مالياً وادارياً وخضوعاً وضعفاً من جانب الجهات العراقية التي تعاملت مع المحتل، حتى أصبح القول ان الحكومة الإنتقالية الأولى والثانية هي "حكومة لكنها لا تحكم" أمراً واقعاً ، وليس مبالغة أو اتهاماً، زاده حال الفوضى والإنفلات الأمني وأعمال إرهاب وجرائم منظّمة، ناهيكم عن اتساع أعمال مقاومة المحتل.
إن بول بريمر الذي جاء ليؤسس " صورة العراق المستقبلية " واعداً مثل الرئيس بوش بحلول نعيم الديمقراطية وربيع الحرية، حاول تكريس الاحتقان الطائفي والتوتر الإثني عبر تركيبة مجلس الحكم الانتقالي، وذلك بتوزيع غريب للمحاصصات والنسب على الفئات المختلفة، الأمر الذي أثار تداعيات وإشكالات قديمة - جديدة بخصوص الطائفية السياسية  وتبعاتها في الماضي والحاضر ، وانعكاسها على الهوية الوطنية الجامعة، خصوصاً التشبث بهويات مصغّرة.

الهوية والطائفية السياسية
    اذا كانت الطائفية السياسية المعاصرة قد وجدت ضالتها وبتشجيع من الاحتلال البريطاني  منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة في العام 1921، حيث حاولت السلطات الحاكمة التعكّز عليها أحياناً لبسط نفوذها وهيمنتها، من خلال قوانين الجنسية وبخاصة القانون رقم 42 العام 1924 الذي سُنَّ قبل تشريع الدستور العراقي الاول (القانون الاساسي) العام 1925 وقانون رقم 43  لسنة 1963 وما تبعه من قرارات تمييزية لمجلس قيادة الثورة منذ العام 1968 والى العام 2003، أدت فيما أدت اليه، الى تهجير نحو نصف مليون عراقي، خصوصاً خلال الحرب العراقية – الايرانية وما بعدها ، (طبقا للقرار 666 الصادر في 7 ايار /مايو 1980)(4)، فإن هذه الطائفية السياسية بعد الاحتلال أريد لها أن تتحول الى طوائفية مجتمعية، لعلها أشد خطراً من الطائفية السياسية ذاتها، أو هي الوجه السيء الآخر لها على اقل تقدير.
     وفي كلا الحالين ولدى كلا الفريقين، فقد أصبح الاحتقان الطائفي والتوتر الإثني وفيما بعد الاحتراب والتطهير سمة بارزةً لما نطلق عليه من كيان باسم الدولة العراقية ما بعد الاحتلال، وتعاظمت التمترسات المذهبية " الشيعية – السنية " خصوصاً بعد أحداث تفجير مرقدي الامامين الحسن العسكري وعلي الهادي في سامراء (22 شباط/فبراير2006) واحتدمت الخلافات والنزاعات الكردية– التركمانية-العربية بخصوص "كركوك"، ناهيكم عن بعض الاحتكاكات والتشنجات العربية–الكردية حول حدود الفيدرالية، كما تكرّست الاصطفافات المسيحية والكلدو- آشورية وغيرها، ناهيكم عن شرائح دينية وقومية أخرى، ويمكننا ان نستعير تعبير عالم الاجتماع العراقي الكبير الراحل علي الوردي، عندما وصف المتمترسين بالطائفيات والطوائفيات بوصف ظل صالحاً وربما الأكثر انطباقاً في الوقت الحاضر وأعني به " طائفيون بلا دين"، لأن المتديّن الحقيقي والمسلم الصادق ناهيكم عن أن المؤمن لا يمكنه ان يكون طائفياً، فالدين الاسلامي مثل كل دين ينبذ الطائفية والتمذهب، اما وجود المذاهب المختلفة، فإنما يدّل على تعددية واجتهاد وتنوّع وليس تمترساً واحتراباً وكراهية.
المرحلة الثانية من الحكم الأمريكي سعت لتقديم العراق وفقا للصورة الأمريكية، التي اشتملت عليها عشرات الدراسات والبحوث والمقالات في المراكز البحثية والاستراتجية الأكاديمية والسياسية، هذه الصورة قسّمت العراق الى طوائف وإثنيات وبخاصة منذ أكثر من عقدين من الزمان، بل إن الأمر يمتد الى أبعد من ذلك خلال الحرب العراقية - الإيرانية التي أريد "أسلمتها" باعتبارها حرباً إسلامية – إسلامية، وأُريد تطييفها باعتبارها حرباً سنية – شيعية، في حين كان هناك من يريد اعتبارها حرباً فارسية- عربية، لكن تلك الحرب العبثية كانت بعيدة عن ذلك، فهي بالاصل مغامرة وإصراراً من نظامين استهدفا كل منها إلغاء الآخر.

الهوية وصورة العراق " الجديد"
وبعد حرب قوات التحالف على العراق 17 كانون الثاني (يناير) 1991 التي انتهت بهزيمة القوات العراقية وانسحابها من الكويت واضطرار العراق للتوقيع على قرارات مجحفة ومذّلة خصوصاً القرار 687 الصادر عن مجلس المن الدولي في 3 نيسان (ابريل) 1991 حيث وصلت فيما بعد إلى نحو 60 قراراً (كلها صدرت بعد غزو الكويت) فرضت نظاماً قاسياً للعقوبات وحصاراً دولياً جائراً استمر 13 عاماً، رسمت فيه صورة العراق على أنه: مجموعة أثنيات وطوائف ومذاهب، بل أنه مجموعة أقليات لا يوجد فيها مكوّن غالب يطبع الهوية العراقية وذلك بالتعكّز على نظرة تجزيئية، تقسيمية، تفتيتية، عند تناول الهوية العراقية التي يتم اختزالها الى هويات طائفية واثنية، وليس هوية شمولية للمواطنة العراقية في دولة موحدة ذات تنوّع ثقافي وديني وقومي بهويات فرعية في إطار الهوية الكبرى.
 وهكذا أصبح الحديث عن الملاذ الامن Save Heaven  باعتباره يخص الكرد (خط العرض 36)، ثم جرى الحديث عن حماية "الشيعة" في الجنوبNo fly Zone،( خط العرض 32)، أما الحديث عن السنّة فكان يتسم بنوع من " الإتهام" سلفاً بإنسابهم  إلى الحكم السابق بكل شروره.
التشظي في رسم صورة العراق وتكويناته لا يشمل الشيعة والسنة والكرد، بل أخذ الحديث يكثر عن تكوينات وأقليات أخرى مثل التركمان والكلدو اشوريين وغيرهم إضافة الى أديان  صغيرة كاليزيدية والصابئة، ليس من باب حقوق المواطنة والمساواة وعدم التمييز، بل من باب التباعد والتناقض والتناحر.
وإذا كان الموزائيك العراقي مصدر اثراء وقوة واجتماع للعراق على مدى تاريخه السابق والمعاصر،  فان تلبية حقوق الجميع مسألة أساسية ولا يمكن تجاوزها وفقا لمعايير ومنظومات حقوق الإنسان، إلاّ أن الصورة "الغربية" ذات الحكم المسبق استهدفت شيئاً آخر أرادت له أن ينغرس في الواقع الحالي، حيث اللهاث وراء الإمتيازات والتدافع على المكاسب والإلغاء للآخر، بهدف الحصول على أكبر قدر من " الغنائم"، حتى وإن جاءت على طبق المحتل وعلى حساب الهوية الجامعة.
وحسب بعض الدوائر الغربية ومراكز الأبحاث والدراسات فإن المجتمع العراقي يتمَّ تقسيمه الى تقسيمات غريبة لاعتبارات خدمة الستراتيجية الامريكية وليس لحسابات تتعلق بمصالح المكوّنات العراقية، فالكرد الذين يحظون بتأييد لا لكونهم  يشكّلون قومية وهو جزء من أمة مجزّأة وعانت من اضطهاد طويل ومزمن، بل لأن بعض الاتجاهات والقيادات رمت بثقلها في الملعب الامريكي، والاّ كيف يمكن تفسير سكوت الولايات المتحدة، بل خديعتها للكرد وتنكرها لحقوقهم، لاسيما خلال تخليّها عنهم وعن مسؤولياتها الدولية في العام 1975 عندما تم توقيع اتفاقية الجزائر، وحتى خلال الحرب العراقية- الايرانية، عندما تعرّض الكرد لحملات منظّمة بما فيها قصف حلبجة بالسلاح الكيماوي العام 1988، لم تحرك الولايات المتحدة ساكناً.
الكرد مكوّن أساسي من مكونات الشعب العراقي والعراق، ولا يمكن استقرار وتقدّم العراق دون حل القضية الكردية حلاً سلمياً ديمقراطياً وانسانياً عادلاً بالاعتراف لهم بحق تقرير المصير واختيار الصيغة الملائمة لعلاقتهم بالشعب العربي شقيقهم الاكبر في العراق، سواءًا كانت صيغة الحكم الذاتي أو الفيدرالية أو اللامركزية أو غيرها، علماً أنهم يفضلون صيغة الدولة الفيدرالية (الاتحادية) ذات الصلاحيات لاقليم كردستان.
أما عرب العراق وهم الذين يؤلفون غالبية سكانه فإذا تم التطرق اليهم فيقسّمون الى مذاهب وطوائف، فهم سنة وشيعة وليسوا عرباً يجمعهم الشعور بالانتماء العروبي والوطني والقومي، وهنا نعيد استذكار أن الشيعة هم مثل السنة أغلبيتهم الساحقة من العرب وفيهم الكرد أيضاً وبخاصة "الفيلية" وبعض التركمان كذلك، مثلما غالبية السنة من العرب، كما أن غالبية الكرد والتركمان من السنّة أيضاً(5).

كيف يمكن تقسيم العراق!؟
يمكنني القول: إن العراق وفقاً لتقسيمات قومية وإثنية يتألف من العرب الذين يشكلون غالبية سكان العراق (أكثر من 80%)  وطبعوا هويته التاريخية والمعاصرة، وكرد وهم قومية ثانية اعترفت لهم الدساتير العراقية منذ العام 1958 بجزء من حقوقهم  بكونهم "شركاء في الوطن العراقي" (دستور عام 1958) وكون العراق يتألف من قوميتين رئيسيتين هما العربية والكردية (دستور عام 1970) وهم يطالبون حالياً بضمانات أكبر طبقا لصيغة الإتحاد الفيدرالي، بدلاً من صيغة الحكم الذاتي السابقة لعام 1974، كما يتألف من قوميات أخرى أصغر مثل التركمان والكلدو -اشوريين(6).
إذاً يتألف العراق ووفقاً للتقسيم القومي من العرب وهم القومية الكبرى والكرد وهم القومية الأساسية الثانية، والتركمان والكلدو أشوريين وغيرهم، وبدون ضمان الحقوق القومية للأكراد والحقوق الثقافية والادارية للتركمان والكلدو أشوريين وغيرهم، إضافة الى ضمان حقوق الإنسان في دولة تقوم على المساواة والمواطنة الكاملة، لا يمكن الحديث عن التآخي القومي والاثني في العراق، خصوصاً وان الحكومات السابقة تجاوزت على حقوق الأقليات ناهيكم عن تجاوزها على حقوق الإنسان، مما عزز بعض الإتجاهات الإنعزالية والتي زادتها تركيبات ما بعد الاحتلال بما فيها قانون الانتخابات والبرلمانات التي انبثقت عنه، حيث عكست الاستقطاب الطائفي والاثني الذي سبق لبول بريمر أن كرّسه في مجلس الحكم الانتقالي.
اما اذا اردنا تقسيم العراق على اساس ديني، فهو مؤلف من مسلمين (حوالي 95%) من السكان ويشكّل الاسلام الهوية الغالبة للمجتمع العراقي، كما يتألف من مسيحيين كجزء من النسيج العراقي لعبوا دورا مهما في تاريخه المعاصر، ويزيديين وصابئة وديانات صغيرة اخرى، ويعتبر الاسلام مكوّناً أساسياً منذ اكثر من 1400 سنة وشكّل مركزاً للحضارة العربية – الاسلامية.
إن ضمان حقوق الأقليات الدينية وطمأنتها سيساهم في لحمة المجتمع العراقي، بعكس ما يؤديه الاستعلاء والاستقواء على الآخرين بحجة الحيف والظلم السابقين وادعاء تمثيل الأغلبية في الحاضر، كما أن هضم الحقوق يكون سبباً في انهيار ودمار المجتمع العراقي وانحلال الهوية الوطنية.
هذه هي الصورة الحقيقية لعراق تاريخي موّحد وجامع وليس مفترض، بمعنى عراقات، وبلدات ومناطق وطوائف واثنيات، وإنْ كان الاعتراف بالتمايز والخصوصية مسألة مهمة، اذ ان تلبية الحقوق الخاصة هو رفد وتعزيز لحق المواطنة، الجامع للهوية العراقية، خصوصاً بإقرار مبدأ المساواة ، الذي لا غنى عنه للمواطنة الكاملة وغير المنقوصة طبقا لمواثيق حقوق الإنسان.

المواطنة والجنسية: الماضي والحاضر
ينفرد القانون العراقي عن غيره من القوانين في موضوع الجنسية حيث يشترط على المواطن العراقي لا إكتساب الجنسية العراقية حسب، بل شهادة الجنسية العراقية، وحسب معلوماتي فإن هذا الاجراء غريب ويكاد لا يوجد قانون في العالم المتحضر يتطلب الحصول على " شهادة الجنسية" بعد الجنسية! وقد كان مثل هذا الامر إيذاناً بتكريس الطائفية في العراق، ضمن صيغة (بيرسي كوكس- مس بيل) التي جرى تقنينها فيما بعد، ووفقا لسياسة بريطانيا " فرق تسد" وخصوصا بعد ثورة العشرين وبهدف التفريق بين المواطنين العراقيين ولأحداث صدع خاص بين المسلمين، وصولاً لصيغة بول بريمر- نيغروبونتي- زلماي خليل زاد.
وكان أول قانون للجنسية يصدر في العراق هو القانون رقم 42 العام 1924، بعد نفاذ معاهدة لوزان في 6 آب 1924 حيث تم بموجبه تحويل الجنسية العثمانية الى الجنسية العراقية (بالنسبة للمواطنين الذين يحملون العثمانية والمقيمين في العراق قبل الاستقلال)(7).
ونظم القانون المذكور حالات اكتساب الجنسية لغير العثماني حيث نص:" يعتبر عراقياً كل من ولد في العراق وبلغ سن الرشد ان كان والده مولوداً في العراق مقيماً به عادة حين ولادة ابنه على ان لا تطبق هذه الفقرة على من ولد قبل آب 1924)(8) وقد قسم القانون الذين يحملون الجنسية وجعلها أصلية وميزها بالفئة (أ) والتبعية وعرفت بالفئة (ب).
وفي العام 1963 تم سن قانون جديد للجنسية تحت رقم القانون (43) حيث أدخلت تقييدات جديدة للحصول على الجنسية العراقية وتم حصرها بموافقة وزير الداخلية بالنسبة للمولود في العراق ولأب مولود ومقيم فيه بصورة معتادة، وتم تطبيق هذه الفقرة على من لم يحصل على شهادة الجنسية العراقية قبل نفاذ القانون.
ان القانون المذكور أكدّ مبدأ الولادة المضاعفة (للولد والأب) طبقا لحق الاقليم ولحق البنوّة في حالة إقامة الوالد إقامة دائمة ومتصلة واشترط اكثر من ذلك تقديم طلب تحريري الى وزير الداخلية للحصول على موافقته(9) وقد تكرّس هذا الجانب (الشوفيني والطائفي)، وإن لم يعلن في قراري مجلس قيادة الثورة رقم 131 لسنة 1972 ورقم 803 في 12/7/1977، حيث أصبح اكتساب الجنسية العراقية للمولود في العراق (ولادة مضاعفة) متوّقفاً على تقدير وزير الداخلية وعلى مصلحة السلطة الحاكمة، ولم يشفع بذلك حتى أداء الخدمة العسكرية الالزامية كعامل مجزٍ لاكتساب الجنسية كما تقرره معظم القوانين.
وفي شباط (فبراير) 1980 أصدر مجلس قيادة الثورة القانون رقم 180 حول منح الجنسية العراقية للاجانب المتزوجين من عراقيين وبموجبه أعطي لوزير الداخلية الحق في منح الجنسية الى الرجال والنساء والاجانب المتزوجين عن عراقيين(10).
وكانت تلك الاجراءات قد ترافقت مع بدء الحرب الاعلامية بين العراق وإيران بعد الثورة الايرانية وضيق صدر السلطة العراقية لأي هامش للتيارات السياسية وبخاصة المعارضة، ولكن الأمر كان أبعد من مجرد عملية "جرد" جديدة للتيارات "المعادية"، بل قاد الى حملة لعملية تهجير واسعة شملت عشرات الآلاف باعتبارهم "طابوراً خامساً " وزاد الامر غلاظة وقسوة خلال الحرب العراقية- الايرانية 1980-1988 مع تصاعد نزعات الكراهية والبغضاء.
وقد أقدمت الحكومة العراقية بعد عملية التهجير التي تمت من دون قرارات قضائية، وبوضع اليد على ممتلكات المهجرين، وشكّلت فيما بعد هيئة عرفت بإسم "إدارة أموال المهجرين" لغرض التصرّف بها واستثمارها على نحو مسيء ويتعارض مع أبسط الاعتبارات الانسانية، في حين تؤكد المادة السابعة عشر من الاعلان العالمي لحقوق الانسان: ان حق الملكية الشخصية هو حق مقدس ومنعت مصادرة الاملاك بصورة تعسفية، بما يعني وجوب احترام هذا الحق وعدم التصرف به بصورة متعسفة.
ان نظام الجنسية هو نظام قانوني وليس علاقة عقدية تشترط توافق ارادة الطرفين والجنسية بهذا المعنى هي غير (التجنّس) الذي هو عمل ارادي، وبهذا فإن القانون العراقي بسبب من تمييزه وانحيازه وضع قيوداً حوّلت الجنسية التي هي حق للمواطنين الى حالة من حالات التجنّس بربطها تقديم طلب وموافقة وزير الداخلية وتأييد السلطات الحاكمة(11).
وإذا كان قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية وفيما بعد الدستور الدائم وضع بعض القواعد الجديدة فيما يتعلق بالجنسية حين نص في المادة (11) على أن كل من يحمل الجنسية العراقية يعدّ مواطناً عراقياً وتعطيه مواطنته كافة الحقوق والواجبات ومواطنته أساس علاقته بالوطن والدولة، الآّ ان هذه النصوص ظلّت عائمة وملتبسة، فهي لم تتضمن نصاً صريحاً بالغاء قانون شهادة الجنسية العراقية الذي يشترط بعد الحصول على الجنسية الحصول على شهادة الجنسية، وإنْ كان الأمر يفترض إلغاءًا  لقانون شهادة الجنسية ذاته الذي كان أساساً للتمييز وفقاً لقانون الجنسية رقم 42 لسنة 1924.
كما نص القانون على جواز حمل العراقي أكثر من جنسية، وإن كان الأمر تحصيل حاصل، خصوصاً وأن نحو مليوني عراقي يحملون جنسية أجنبية، الآّ أن النص على عموميته أثار إشكالات  كان لابدّ للمشرع من تحديدها فمثلاً ان بعض اليهود الذين غادروا العراق مضطرين بموجب القانون السيء الصيت عام 1950 حيث أسقطت عنهم الجنسية، وأصبح جزء منهم أو من أبنائهم أعضاء في جيش الدفاع الاسرائيلي أو في جهاز الموساد، مما يعتبر إعادة الجنسية اليهم يشكّل خطراً على أمن العراق والأمن القومي العربي، فالعراق فعلياً ما زال في حالة حرب مع اسرائيل قانوناً، وهو لم يوقع على اتفاقية رودس للهدنة للعام 1949، ولهذا كيف يمكن اعتبار الاسرائيلي من أصل عراقي وهو يحمل الجنسية الامريكية مثلاًَ، عراقياً يمكن قبول مواطنته العراقية في هذه الظروف الملتبسة، وكان على المشرّع وضع استثناءات لكي لا يحصل مثل هذا الغموض والإبهام والالتباس (12) .

التنوّع الثقافي والهويات الفرعية!

يمكن القول ان الاهتمام بالتنوع الثقافي وفيما بعد الاعتراف به لم يكن كافياً، خصوصاً من الناحية القومية أو الاثنية أو الدينية أو الطائفية أو السلالية أو اللغوية أو غيرها، بل أن هناك تجاهلاً للتعددية قاد أحياناً الى عدم الاعتراف أو التقليل من شأن الآخر، ولكن الإنكار أو التنكّر وعدم الاعتراف بالحقوق لم يؤدِ الى وحدة ونقاء المجتمعات العربية، بل ازدادت اشكالية وانقساماًَ وتناقضاً ! ولعل تلك واحدة من نواقص الدولة العراقية التي حفرت في أساساتها عميقاً وأضعفت من وحدتها الوطنية وساهمت القوى الخارجية في استثمارها بالضد من المصالح العليا للعراق وبخاصة في حال استمرار هضم الحقوق.
وغالباً ما تعاملت النخب الفكرية والثقافية والسياسية بمسألة التنوع الثقافي بالعموميات وقدّمت الشعارات المركزية الكبرى على حساب الواقع الذي يزخر بالتعددية والتنوع القومي والديني واللغوي، وأحياناً تجاهلت هذه النخب الواقع أو انتقصت منه بتقديمها الأهداف الكبرى على حساب التنوع والتعددية والاعتراف بالآخر، فالتنوع ليس جزئيات أو تفاصيل يمكن تجاوزها، بل هو ضرورات لا يمكن الاستغناء عنه، على أهمية الأهداف الكبرى.
إن وحدة قسرية أو فوقية أو أوامرية تسلطية ستكون ضارّة وخطيرة واستعلائيةً إزاء الأقليات الأخرى مهما كانت المبررات والذرائع، وللأسف لم تبلور النخب الفكرية والثقافية والسياسية موقفاً حقوقياً وإنسانياً " موحداً " بخصوص التنوّع الديني والثقافي والقومي وغيرها، ولذلك ظلّت فئات واسعة من المسيحيين والأكراد والتركمان ومن الأقليات غير العربية أو غير الاسلامية تعاني من الحيف بشأن عدم تمكّنها من تقلّد المناصب العليا في الدولة وخصوصاً رئاسة الدولة ورئاسة الجيش ورئاسة القضاء، وهو حق لها مثل غيرها اذا تحدثنا عن المواطنة والمساواة في الدولة العصرية.
وظلّت النظرة قاصرة الى الأقليات التي تعيش في العراق أو في المنطقة العربية منذ مئات وآلاف السنين وهي منطقتها أيضا، لدرجة أن الشك في الولاء كان سائداً، بل إن البعض يُرجعه الى اعتبارات تاريخية مثل "دور البرامكة" و"أبو مسلم الخراساني" و"حروب الفرنجة" وغير ذلك من عوامل الارتياب التاريخية، وقد تم  استحضار الصراع العربي -الفارسي التاريخي أو دور ما سمّي " بالشعوبية " لربطه بالحاضر خلال الحرب العراقية- الايرانية، بما يساعد على الكراهية والحقد، في حين أن هضم الحقوق وعدم تأمين مستلزمات المواطنة التامة، هو الذي يمكن أن يؤدي الى التباعد وليس ضعف الولاء أو التأثير الخارجي، ولعل التمييز ونظرة الشك والاستعلاء هي التي تدفع بالبعض الى اتخاذ بعض المواقف التي تميل الى ضيق الافق والانغلاق والانعزالية وأحياناً الاستقواء بالأجنبي.
إن الاعتراف بحقوق الأقليات وبالتنوّع القومي يمكن أن يكون مدخلاً واستحقاقاً حقوقياً وانسانياً لتأكيد الهوية الفرعية أو الصغرى باعتبارها استكمالاً وتعبيراً عن حقيقة الهوية العامة الكبرى، التي لا يمكنها إلغاء الهويات الصغرى أو الفرعية، ولعلنا نطرح السؤال مجدداً ما الفرق بين ثقافة عربية واحدة وثقافة عربية موّحدة جامعة تقرّ بالتنوع الناجم عن حقيقة المجتمعات المتعددة الثقافات والمشارب والمصادر، خصوصاً وأن الوطن العربي والعراق تحديداً مصدر استقطاب للحضارات والثقافات والأقوام والديانات المختلفة!؟

الهوية وحقوق الانسان
إن منظومة حقوق الانسان الثقافية للحقوق الجماعية والفردية تقرّ بحق الأمم كبيرها وصغيرها بالمساواة في الحقوق، واعتبار جميع الثقافات جزءًا من التراث الانساني المشترك للبشرية بما فيها من تنوّع واختلاف بتأكيد واجب الحفاظ على الثقافة ورعايتها وضمان حق كل شعب في تطوير ثقافته، إضافة الى حق كل فرد في المشاركة الحرة في حياة مجتمعه وحقه في التمتع بالفنون والآداب والمساهمة في التقدم العلمي وحقه في الحرية الفكرية الخ ...
وتقرّ الشرعة الدولية بالمساواة بين الثقافات ورفض التمييز بين الأمم والشعوب وعدم الاعتراف بفكرة التفوّق أو الهيمنة، وهو ما أكدته منظمة اليونسكو وما تبنّاه إعلان مكسيكو عام 1982 حول الحق في احترام الهوية الثقافية.
إن الحق في الهوية الثقافية للشعوب يعطي الاشخاص والجماعات الحق في التمتع بثقافاتهم الخاصة وبالثقافات الاخرى المحلية والعالمية، ذلك أن إقرار الحق في الثقافة يعني : حق كل ثقافة لكل أمة أو شعب أو جماعة في الوجود والتطور والتقدم في إطار ديناميتها وخصائصها الداخلية واستقلالها، ودون إهمال العوامل المشتركة ذات البعد الانساني وقيم التعايش والتفاعل بين الأمم والشعوب والجماعات.
وقد شهد القانون الدولي في العقود الثلاثة الماضية تطوراً ايجابياً في موضوع الأقليات، حيث تناولت العديد من المعاهدات والاتفاقيات الدولية موضوع عدم التمييز، كما حظيت " الحقوق الخاصة" باهتمام كبير، خصوصاً بعد إبرام " إعلان حقوق الأشخاص المنتمين الى أقليات قومية أو اثنية أو دينية أو لغوية " الذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الـ 27  برقم 135 في 18 كانون الاول (ديسمبر) 1992 والذي عُرف باسم " إعلان حقوق الاقليات " Minority Rights، حيث أنشئ على أساسه فريق معني بحقوق الأقليات عام 1995 اعتماداً على الحقوق الثقافية ( 13).
والمقصود بالحقوق الخاصة هو الحفاظ على الهوية والخصائص الذاتية والتقاليد واللغة في إطار المساواة وعدم التمييز وهو نص عليه العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الصادر عام 1966 عن الجمعية العامة للأمم المتحدة.
إن الإقرار بالتنوّع الثقافي والديني والإثني هو إقرار بواقع أليم، فقد كان ثمن التنكّر باهظاً وساهم في تفكيك الوحدة الوطنية وهدّد الأمن الوطني واستخدمته القوى الخارجية وسيلة للتدخل وفي هدر الأموال وفي الحروب والنزاعات الأهلية، بدلاً من توظيفه بالاتجاه الصحيح باعتباره مصدر غنى وتفاعل حضاري وتواصل انساني، وقبل كل شيء باعتباره حقاً إنسانياً !!

المرحلة الامريكية- الدولية

أما المرحلة الثالثة من مراحل الدولة العراقية بعد الاحتلال الامريكي للعراق فيمكن اعتبارها المرحلة الأمريكية – الدولية بمشاركة "عراقية"، وقد كان في مقدمتها سن قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية في 8 أذار (مارس) 2004 وإعلان نقل "السيادة" إلى العراقيين في 28 حزيران (يونيو) بعد صدور قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1546 في 8 حزيران (يونيو) 2004 الذي أكد على دور القوات المتعددة الجنسيات ولكن بقيادة أمريكية، وهيأت هذه المرحلة لإجراء الإنتخابات في 30 كانون الثاني (يناير) 2005.
وشهدت المرحلة الثالثة للإحتلال الأمريكي تصاعد وتيرة المقاومة من جهة، وأعمال عنف وإرهاب وتفخيخ للسيارات وقطع الرؤوس وجزّ الأعناق من جهة أخرى فضلاً عن التطهير العرقي والمذهبي، لدرجة أن الولايات المتحدة والقوات المتعددة الجنسيات عاشت ظروفاً عصيبة خصوصاً الخسائر الكبيرة التي تعرضت لها بشرياً ومادياً.(14) ورغم مرور ست سنوات فلم تستطع القوات المحتلة إحكام قبضتها على الوضع العراقي الذي ما زال معوّماً  رغم تحسن الوضع الأمني نسبياً منذ أواسط العام 2008 وتوقيع الاتفاقية العراقية- الامريكية ( أواخر العام 2008) والوعد الذي أطلقه الرئيس أوباما في حملته الانتخابية للانسحاب من العراق، وعاد وأكّده عند استلامه مقاليد البيت الأبيض في مطلع العام 2009، رغم أن التفكير بالانسحاب وإن لم يتبلوّر كلياً، الاّ أنه أصبح مطروحاً، سواءًا جاء بتوصيات بيكر- هاملتون أواخر العام 2006، مع اهمالها من جانب الرئيس بوش، أو بسبب المأزق الامريكي في العراق والخسائر البشرية والمادية، أو عند اندلاع وتفاقم الأزمة المالية والاقتصادية المستفحلة والتي ابتدأت بالرهن العقاري ، ثم بالبنوك الكبرى وشركات التأمين العملاقة، حتى وصلت الى جميع مفاصل الاقتصاد والحياة العامة.
أما المرحلة الرابعة  فقد بدأت بعد انتخابات أوائل العام 2005 ورغم فوز قائمة الائتلاف العراقي الموّحد " الشيعية" فلم تتوصل الأطراف الفائزة إلى تشكيل وزارة موحدة الاّ بعد جهد جهيد، حتى تمّ  إعلان رئاسة الجمهورية ورئاسة الوزارة ورئاسة الجمعية الوطنية، ووفقاً لجدول زمني وضعته الإدارة الامريكية فقد تقرر إعداد دستور دائم في 15 آب (أغسطس) وتم الاستفتاء عليه في 15 تشرين الاول (اكتوبر) واجريت الانتخابات على أساسه في 15 كانون الاول (ديسمبر)2005، رغم تحفظ جبهة التوافق "السنية" المكوّن الثالث في العملية السياسية والتي حصلت على 44 مقعداً في البرلمان من أصل 275 مقعداً، على الدستور الذي تقرر تعديله بعد الانتخابات، في حين حصلت القائمة الكردية على 53 مقعداً وشكّلت القائمة الثانية، أما قائمة الائتلاف "الشيعية" فحصلت على 138 مقعداً.
وإذا كانت انتخابات مجلس المحافظات قد أفرزت واقعاً جديداً، فلعله سيكون احدى التحديات التي تواجه العملية السياسية، لاسيما بعد التحسن النسبي في الوضع الأمني والانحسار النسبي للتشظي الطائفي، لكن مشكلات جدية ستواجه انتخابات نهاية العام 2009 البرلمانية، خصوصاً موضوع صلاحيات الأقاليم ومشكلة كركوك واتفاقيات النفط وغيرها، فضلاً عن تصدع بعض التحالفات والتكتلات السياسية.

الفيدراليات العراقية وجدل الهويات !
   أثار موضوع الفيدرالية أو قانون الأقاليم الذي أُقرّ في البرلمان، ولكن تمّ تأجيله الى 18 شهراً، إشكالات كثيرة على الصعيدين النظري والعملي فيما يخصّ وحدة العراق ومستقبله، ولعل هذا ترافق مع عدد من المشاريع التي تحدثت عن تقسيم العراق مباشرة أو بصورة مواربة، كان آخرها مشروع جوزيف بايدن الذي اقترح تقسيم العراق الى ثلاث فيدراليات (أقرب الى الكانتونات) وتوضع حدود بين الأقاليم الثلاثة ونقاط تفتيش وتنظم بطاقات هوية أقرب الى جوازات سفر وتحدد قوة بحدود 300 ثلاثمائة ألف جندي مدعوم من "قوات التحالف" وقدّرت تكاليف تنفيذ هذا المشروع بمليار دولار امريكي.(14)
وكان قانون الأقاليم، بالارتباط مع نفوذ أمراء الطوائف وانتشار الميليشيات واستفحال موجة العنف الطائفي واستشراء الفساد والرشوة وبخاصة التلاعب بالمال العام وسرقة النفط وتهريبه، قد خلق نوعاً من الالتباس والإبهام في ما تعنيه الفيدرالية والنظام الفيدرالي، وقبل ذلك كان الدستور العراقي قد أوجد مثل هذا الانطباع وذلك بتعويم السلطة الفيدرالية (الاتحادية) وقوانينها لصالح السلطة الإقليمية وقوانينها فيما إذا تعارضت قوانينهما حيث ستكون الغلبة لقوانين الاقاليم، ناهيكم عن تداعيات موضوع توزيع الثروة وعقود النفط المبرمة في منطقة كردستان دون إذن من السلطة الفيدرالية، وكذلك الصلاحيات الملتبسة للقوات المسلحة الاتحادية على الأقاليم بما فيها على قوات البيشمركة الحالية، لذلك اقتضى البحث في موضوع الفيدرالية وحدودها وسقفها مدخلاً لهذه الفقرة مما له علاقة بالهوية.
ابتداءًا أقول أن الفيدرالية كمصطلح جديد دخل الادب السياسي العربي منذ عقدين من الزمان تقريباً، فمنذ مطلع التسعينات ومع انهيار نظام القطبية الثنائية وإنتهاء عهد الحرب الباردة وتحوّل الصراع الآيديولوجي الى طور جديد، بدأ الحديث يكثر عن الفيدرالية خصوصاً في العراق والسودان ومناطق أخرى.(15)
الأمران الآن مطروحان للمناقشة و" التطبيق " بصيغ دستورية مقترحة أثارت وتثير جدلاً واسعاً، وأعني بذلك " الفيدرالية الكردية " و " فيدرالية جنوب السودان"، لكن ذلك حثّ أوساطا واسعة في العالم العربي على التفكير أو المطالبة بفيدراليات متنوعة سواءًا حملت أساساً واقعياً او رغبة في الحصول على مكاسب أو إمتيازات.
هذه الفقرة تبحث في الفيدراليات العراقية المطروحة، وليس " الفيدرالية الكردية" حسب: واقعيتها، ضرورتها، إمكانيات تحقيقها، آفاقها والتحديات والمخاطر التي تواجهها، وبالتالي إنعكاسات ذلك على الواقع العربي سواءًا تعزيز الوحدة الوطنية أو مواجهة التحديات الخارجية وإحتمالات التشظي والتشطير والتفتيت والتقسيم التي تواجهه!!! وبين هذا وذاك، لم تعد الدولة المركزية وإحتكار القرار السياسي والاداري ممكناً خصوصاً بإقصاء الآخر وهضم الحقوق، في ظل عالم يتجه نحو اللامركزية وتوسيع دائرة المشاركة واحترام الخصوصيات.
الدستور والمسألة المعقّدة!
من القضايا المركزية والعقدية، التي كانت مثار خلاف شديد وحاد في لجنة صياغة الدستور العراقي بين القوى والاطراف السياسية في الجمعية الوطنية أو خارجها من الفئات الممانعة أو المعارضة، هي قضية الفيدراليات أو ما أطلق عليها إسم "الاقاليم"، فقد ذهب الباب الخامس (المادة -113) لتحديد مكوّنات النظام الاتحادي (الفيدرالي) بالقول : إنه يتكون من " عاصمة وأقاليم ومحافظات لامركزية وإدارات محلية".
ورغم إقرار البرلمان العراقي أواخر العام 2006 قانون الأقاليم، الاّ أنه تمّ تأجيل تطبيقه لـ 18 شهراً بسبب إندلاع الخلافات بشأنه وتهديد بعض القوى الانسحاب من الحكومة، مما قد يؤثر على كامل العملية السياسية، ولذلك تقرر تأجيل تنفيذه على أمل أن يتم تعديل الدستور وإحداث نوع من التوافق الجديد، الذي قد يؤدي الى تعويم قانون الاقاليم كما تريد جبهة التوافق وقوى اخرى، في حين أن قائمة الائتلاف "الشيعية" تراهن على الزمن لإقناع أو إجبار الأطراف الممانعة على الإمتثال لقرار البرلمان المذكور، خصوصاً وانها تحظى بالأغلبية فيه.
ولأن (المادة – 114) أقرّت إقليم كردستان وسلطاته القائمة " إقليماً اتحادياً "، فإن النقاش والاختلاف ينصرف حاليا حول: حدود سلطات وصلاحيات الاقليم وإمتداداته وتطبيقات وتفسيرات النصوص الواردة في الدستور لجهة العلاقة التي تزداد إلتباساً بينه وبين السلطة الاتحادية (الفيدرالية)، خصوصا انعكاسات ذلك على فكرة إنشاء أقاليم في الجنوب والوسط، تحت مبررات "الروابط الخاصة" و" وحدة النسيج المذهبي" و" المظلومية التاريخية"، وكأن الامر لا علاقة له بتغوّل الدولة المركزية الشديدة الصرامة والشمولية وحصر الصلاحيات والمسؤوليات بيدها على حساب علاقتها بالاطراف والاقاليم، ليس في الجنوب والوسط ولإعتبارات طائفية ومذهبية حسب، بل في الغرب والشمال، ناهيكم عن المنطقة الكردية وعموم العراق، وهي المسألة التي تغيب عن الأطراف الداعية للفيدراليات الجنوبية أو لأن رغبتها في الحصول على مكاسب وامتيازات يجعلها تتشبث بكل الوسائل لتحقيق هذا الهدف الذي تعتبره ملاذاً لحماية الطائفة، رغم أن بغداد العاصمة تظلّ عصيّة على التقسيم أو التمذهب بحكم الاشتباك الكبير فيها قومياً ودينياً ومذهبياً واجتماعياً، رغم عمليات التطهير الطائفي والمذهبي التي طالتها والإجلاء السكاني لتغيير طابعها الديموغرافي.
واذا كانت الفيدرالية نظاماً ادارياً على درجة عالية من الرقي والتطور وينشأ استجابة لضرورات واحتياجات تاريخية ملحّة اقتصادية واجتماعية وسياسية لتنظيم وادارة المجتمع، وزيادة مشاركة الاقاليم في مسؤولية اتخاذ القرارات، سواء ما يتعلق بشؤونها الخاصة او تلك التي تعنى بعموم الدولة، فان حجج " رد المظالم" او " إحقاق الحق" او " الغاء التمييز" ليست كافية لقيام نظام فيدرالي ان لم يكن هذا الاخير استجابة لتطور تاريخي ثقافي وحاجة ماسة لهيكلة وادارة وتنظيم امور الدولة والمجتمع، فقضايا مثل " المظلومية" او " الغبن التاريخي" او "النسيج المذهبي" او "التمييز" يعالجها الدستور في باب الحقوق والحريات، وسواء" كان دستورا" فيدراليا" اتحاديا" أم لم يكن!(16)
ختاماً أقول: ان حل مشكلة التمييز ونبذ الطائفية السياسية والغاء الاضطهاد القومي، يساهم في تعزيز وتعميق الشعور الوطني والانتماء للعراق كوطن وليس طائفة أو مذهب أو قومية أو أثنية او عشيرة أو منطقة ، وان كان ذلك يحافظ على الخصوصية ولا يلغيها، بل يجعلها في تفاعل في اطار المواطنة العراقية المتعددة والمتنوعة والتي هي عنصر قوة وليس عنصر ضعف، فالمواطنة، بحاجة الى مواطنين أحرار والى مجتمع مدني بحده الادنى يتجاوز الولاءات الطائفية والمذهبية والاثنية والدينية والعشائرية والجهوية، ويستوعبها في علاقة المواطنة وقيمها من دون ان يعني ذلك ان حلا سحريا للمشكلات والصراعات المعروفة سينتهي أو يزول.  وبهذا المعنى عندما نتحدث عن شروط الديمقراطية فانما نتحدث عن شروط مواطنة في الدولة الحديثة وقانون موحد ودستور جامع، لا على أساس ديمقراطية الطوائف والاثنيات والحصص والنسب والتقسيمات البعيدة عن جوهر المواطنة بالمعنى المعاصر.
وإذا كان ثمة ضعف في الهوية العراقية بسبب هضم الحقوق وبخاصة للاقليات، ناهيكم عن غياب الحريات ودولة القانون ومبادئ المساواة والمواطنة الكاملة، فان الاحتلال ساهم في تحطيم الدولة وبالتالي في تمزيق الهوية العراقية الجامعة وخصوصاً عند حل الجيش العراقي، وإقرار المحاصصة المذهبية والطائفية والإثنية، مما أدى الى اندلاع احتراب داخلي غذّاه أمراء الطوائف والمستفيدون من تعميق الانقسام والتشظي في المجتمع العراقي.


















المصادر والهوامش
(1)   أنظر : بريمر، بول- عام قضيته في العراق  My Year in Iraq، دار الكتاب العربي، بيروت ، لبنان، 2006.
أنظر كذلك:  شعبان، عبد الحسين- اجتثاث البعث ... وشيء عن المصالحة والمساءلة والعزل السياسي، بحث نشر على حلقتين في  جريدة الزمان بتاريخ 5 و6/8/2007.
(2)   انظر : تقرير حال الامة ، 2006-2007، مجموعة مؤلفين : أزمات الداخل وتحديات الخارج (العراق: سياقات الوحدة والانقسام: النصر أم الهزيمة؟) ، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2007.
(3)   قارن: شعبان ، عبد الحسين- تقريضي لكتاب بول بريمر – مجلة المستقبل العربي- عام بريمر العراقي في الميزان ، تموز (يوليو) 2006.
(4)   يعتبر الحق في الجنسية حق أساسي ولا يمكن حرمان شخص من جنسيته تعسفاً أو انكار حقه في تغييرها حسبما نصّت عليه المادة 15 من الاعلان العالمي لحقوق الانسان الصادر عن الجمعية العامة للامم المتحدة العام 1948. وقد سعى المجتمع الدولي للتقليل من حالات انعدام الجنسية بتوقيع اتفاقية دولية في 30 آب (اغسطس) العام 1959 (اعتمدت العام 1960) convention on the Reduction of   Statelessness   ثم اعتمدت في العام 1961 من الجمعية العامة للامم المتحدة ودخلت حيّز التنفيذ في 13 كانون الاول (ديسمبر) 1975، ولعل أهم أحكامها تتلخص فيما يلي:
يتعين على الدول المتعاقدة أن تمنح جنسيتها لأي شخص ولد على أراضيها، اذ أن عدم منحه الجنسية يجعله بلا جنسية، وتمنح هذه الجنسية بموجب ما يأتي :
أ‌-   عند المولد بحكم القانون.
ب‌-   بناءًا على طلب يقدم الى جهة الاختصاص.
    كما أكدت الاتفاقية على عدم جواز الحرمان من الجنسية لأي فرد أو مجموعة أفراد لأسباب تتعلق بالجنس أو العرق أو الدين أو السياسة.
أنظر: شعبان، عبد الحسين- من هو العراقي، دار الكنوز الادبية، بيروت، 2002، ص 28-29 وما بعدها.
قارن كذلك: القرار 666 الصادر عن مجلس قيادة الثورة في 7 أيار (مايو) 1980 والذي تم بموجب نزع جنسية عشرات الآلاف من العراقيين بحجة التبعية الإيرانية، وتعاظمت حملة التهجير خلال الحرب العراقية- الايرانية 1980-1988.
(5)   قارن: شعبان، عبد الحسين- الخارطة السياسية العراقية، مجلة المستقبل العربي، العدد رقم 333 شهر تشرين الثاني(نوفمبر)2006.
(6)   انظر: الدستور العراقي المؤقت العام 1958 والدستور المؤقت العام 1970، وقانون ادارة الدولة للمرحلة الانتقالية الصادر في 8 آذار (مارس) العام 2004 والدستور العراقي الدائم الذي تم الاستفتاء عليه في 15 تشرين الاول (اكتوبر) العام 2005.
(7)   انظر: أبوحاتم، كراس خاص " ملاحظات عامة على تطبيق قانون الجنسية العراقي"، منشور سابقاً في مجلة الثقافة الجديدة العراقية، دار النشر بلا، مكان لنشر بلا.،  ص 7 وقد نص قانون الاحزاب السياسية الذي أصدره مجلس قيادة الثورة في العراق 1 ايلول (سبتمبر) 1991 على حق كل عراقي وعراقية تأسيس حزب سياسي والانتماء اليه (م-2) ويقدم طلب التأسيس الى وزير الداخلية ولا يكون ( الشخص) محكوماً بجريمة القتل او جريمة مخلة بالشرف وينبغي ان يرفق طلب التأسيس ببيان يتضمن فيه اسم ولقب ومهنة كل عضو مؤسس ونبذة ومختصرة عن حياته فضلاً عن " شهادة الجنسية العراقية" وتعلّق اللجنة الدولية للحقوقيين على ذلك بالقول: شهادة الجنسية هي إفادة تمنحها وزارة الداخلية ويشار فيها الى ان الشخص من التبعية العثمانية او التبعية الايرانية وذلك اسناداً الى دفاتر النفوس التي تعود الى الثلاثينات. (للدقة فان القانون رقم 42 لسنة 1924 تحدث عن التبعية العثمانية وغير العثمانية). أنظر: كتاب العراق وسيادة القانون، اللجنة الدولية للحقوقيين، جنيف، شباط (فبراير) 1994، ص 92.
(8)   قارن المادة (8) من القانون رقم 42 العام 1924.
(9)   انظر المادة السادسة من قانون الجنسية رقم 43 العام 1963.
(10)    انظر قرار مجلس قيادة الثورة رقم 180 لسنة 1980، في صحيفة الثورة (العراقية) العدد 3551 في 6 شباط (فبراير)1980، شعبان، عبد الحسين، عاصفة على بلاد الشمس، دار الكنوز الادبية، بيروت، 1995، ص 231.
(11)    انظر: نص قانون الجنسية العراقية 43 لسنة 1963، صحيفة الوقائع العراقية، العدد 818 في 19/6/1963.
(12)   أنظر: نص قانون اسقاط الجنسية العراقية عن اليهود، القانون رقم (1) لسنة 1950. قارن رسالة مير بصري ال

493
الاتحاد الأوروبي: هل من وقفة جديدة إزاء "إسرائيل"؟
   


عبدالحسين شعبان
رغم التطور الذي حصل في بعض مواقف الدول الأوروبية إزاء حقوق الشعب العربي الفلسطيني، لاسيما الشعور العام بخصوص تهديد “إسرائيل” للسلم والأمن في الشرق الأوسط، ومسؤوليتها الأساسية في تدهور الأوضاع ووصولها إلى طريق مسدود، خصوصاً باستمرار عدوانها المتكرر على البلدان العربية، الذي كان آخره حربها ضد لبنان العام 2006 وحصارها لغزة ومن ثم شن عدوان عليها دام 22 يوماً أواخر العام 2008 ومطلع العام ،2009 إلا أن البلدان الأوروبية ظلّت بشكل عام تدور في فلك السياسة الأمريكية المنحازة إلى “إسرائيل” وبخاصة في اللجنة الرباعية وفي مجلس الأمن الدولي والجمعية العامة للأمم المتحدة والمجلس الدولي لحقوق الإنسان.

وإذا كان الرأي العام الأوروبي يتعاطف مع حقوق الشعب العربي الفلسطيني ويلقي اللوم على “إسرائيل” ويحمّلها مسؤولية اندلاع الحروب والعنف في المنطقة (59% منه)، ويدعم تنفيذ برامج إنسانية في الضفة الغربية وقطاع غزة للتخفيف من المأساة الفلسطينية المستمرة، إلا أن مواقف الحكومات فرادى أو مجتمعة في “الاتحاد الأوروبي” ظلّت قاصرة وبعيدة عن الارتقاء إلى المعايير الإنسانية والأخلاقية التي يفترض بالعالم المتمدن الأخذ بها.

وقد خضع الموقف الأوروبي لضغوط اللوبيات الصهيونية، لاسيما الأمريكية بشكل خاص، ناهيكم عن ضغوط الولايات المتحدة بشكل عام، مبرراً مواقفه تارة بحجة التكفير عن ذنوب كارثة الهولوكوست بحق يهود أوروبا، لاسيما خلال الحرب العالمية الثانية، وبالأخص على يد هتلر والنازية الألمانية، وأخرى بحجة أن “إسرائيل” دولة صغيرة وديمقراطية، لكنها محاطة بالذئاب الكاسرة التي تريد القضاء عليها، ممثلة بدكتاتوريات عربية صارخة أو أنظمة محافظة تقليدية غير ديمقراطية، رغم أن “الحمل الوديع” المزعوم له حراشف نووية وأطراف عنصرية، لا يجمعها علاقة بالديمقراطية، فهي لا تمتلك دستوراً حتى الآن وليس لديها حدود، ولا تعترف بمبدأ المساواة وعدم التمييز بين “المواطنين”، ناهيكم عن قيامها بتهديد سلم وأمن المنطقة منذ تأسيسها قبل أكثر من 60 عاماً وحتى الآن. وثالثة بزعم مكافحة الإرهاب الدولي و”الأصولية الإسلامية” التي تجرّأ الرئيس الأمريكي السابق بوش وأطلق عليها مصطلح “الفاشية الإسلامية” خلال العدوان “الإسرائيلي” على لبنان العام 2006. وهو الذي عزفت عليه “إسرائيل”، لاسيما بارتكاباتها ضد قطاع غزة، بزعم سيطرة حركة حماس “الإسلامية” المتطرفة. ولعل هذه التبريرات والذرائع تفسّر مواقف الاتحاد الأوروبي رسمياً في اللجنة الرباعية التي تضم إضافة إليه، الأمم المتحدة والولايات المتحدة وروسيا، سواءً ما يتعلق بالموقف من الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية بخصوص عدم شرعية بناء الجدار وبطلانه وطلب تفكيكه وتعويض السكان المدنيين المتضررين أو في الموقف من تقرير غولدستون، الذي انتقل من المجلس الدولي لحقوق الإنسان الذي أقرّه بأغلبية كبيرة، إلى الجمعية العامة التي صادقت عليه ورفعته إلى مجلس الأمن الدولي، الأمر الذي سيضع الاتحاد الأوروبي، أمام تحديات جديدة تتعلق بمدى صدقيته كمؤسسة أولاً، ناهيكم عن صدقية بعض دوله، التي عارضت تقرير غولدستون، لاسيما فرنسا وبريطانيا (العضوان الدائمان في مجلس الأمن)، ولعله سيكون اختباراً جديداً على مدى إقران الأقوال بالأفعال، حيث لم تعد السياسة الانتقائية والمعايير المزدوجة والمنطقة الرمادية مقبولة، لاسيما في ميزان حقوق الإنسان، الذي يفترض فصل الخيط الأبيض عن الخيط الأسود.

ولعل مواقف فرنسا وبريطانيا ومعهما الولايات المتحدة، الدول الثلاث الدائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي ستلقي المزيد من ظلال الشك لو مارست “حقها” باستخدام “الفيتو” لمنع إمرار قرار يدين “إسرائيل” ويرتّب عليها مسؤوليات قانونية، تقتضي من مجلس الأمن اتخاذ التدابير الكفيلة لتطبيقها طبقاً لميثاق الأمم المتحدة ووفقاً للمواد 39 إلى 42 الخاصة بالعقوبات، كما أن مواقف روسيا والصين ليستا بعيدة عن مواقف القوى المتنفذة، الأمر الذي لا يستبعد امتناعهما عن التصويت في مجلس الأمن لمنع صدور قرار يدين “إسرائيل”.

وبهذا المعنى ستنجو “إسرائيل” من العقاب الذي كان يمكن لمجلس الأمن الدولي إصدار قرارات مسؤولة ضدها، طبقاً للفصل السابع، مثلما فعل مع العراق وليبيا والسودان وغيرها. ومع أن الجمعية العامة للأمم المتحدة بإمكانها أن توصي بفرض عقوبات ضد “إسرائيل” شبيهة بالعقوبات التي تم فرضها على نظام جنوب إفريقيا العنصري، إلا أنها رغم إصرار تقرير غولدستون، من غير المرجح أن تقوم بذلك لأسباب تتعلق بتوازن القوى الدولي من جهة، وبالضغوط التي تمارسها الولايات

المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي تمارسانها من جهة أخرى.

كما أن ليس بوسع المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية أوكامبو القيام بفتح تحقيق للجرائم المرتكبة في غزة، استناداً إلى المادة 12 من اتفاقية روما ونظامها الأساسي، أسوة بما فعل بشأن جرائم دارفور وتوجيه الاتهام إلى الرئيس السوداني عمر حسن البشير، إذ إن الأمر لا يخلو من الإغراض والتوظيف السياسي، وهو الذي يتطلب، بل ويحتاج إلى مقاربة أخرى، في ظل مهنية وشجاعة كبيرتين، خصوصاً في مواجهة الخضّم الهائل من احتجاجات الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والغرب عموماً، تلك التي تضغط لتبرئة “إسرائيل”، بل أحياناً تلقي باللوم على الفلسطينيين.

ويرى الاتحاد الأوروبي واللجنة الرباعية البديل عن ملاحقة “إسرائيل” “المُستَبعَدة” أصلاً هو اتباع خطة الطريق والسعي لتفعيلها، عبر دعوة “إسرائيل” لوقف الاستيطان، وأحياناً يُشار إلى ذلك مؤقتاً، لستة أشهر أو أكثر وإبداء حسن السلوك والبدء بالمفاوضات، مقابل وقف أعمال “الإرهاب” من جانب الفلسطينيين وقبول العودة إلى طاولة المفاوضات، خصوصاً باستبعاد حماس وغزة.

وإذا كان مجلس الأمن الدولي عاجزاً عن فرض عقوبات وإرغام “إسرائيل” على وقف بناء المستوطنات وملاحقة المرتكبين، فإن ذلك سيعني إبقاء الوضع كما هو عليه، وهذا ما تريده “إسرائيل”، أي استمرار بناء المستوطنات في الضفة الغربية واستكمال بناء الجدار العازل وقضم 13% من الأراضي الفلسطينية، واستمرار عملية قضم القدس وبقاء حصار غزة واحتمال تمدّد “إسرائيلي” في القطاع بحجة أو من دونها بين الحين والآخر، لاسيما في ظل الحصار اللاإنساني، وتحت باب الضرورات العسكرية والأمنية وملاحقة “الإرهابيين” كما تدعي دائماً.

إن فشل الاتحاد الأوروبي في تحميل “إسرائيل” مسؤولية الانتهاكات والتجاوزات على القانون الدولي وحقوق الإنسان، لاسيما بممارسة سياسة الكيل بمكيالين وحماية المعتدي ومنع إدانته، سيضعف إلى حدود كبيرة من صدقية أطروحاته بشأن حقوق الإنسان، فضلاً عن أنه على المدى البعيد سيشجع على سياسة التطرف والتعصب والعنف والإرهاب في المنطقة، وهو الأمر الذي لا يمكن للاتحاد الأوروبي والقوى الكبرى، لاسيما الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي أن تعفي نفسها منه، بحكم مسؤولياتها بموجب الميثاق في حفظ السلم والأمن الدوليين، ناهيكم عن انعكاساته السلبية على مجمل الوضع الدولي، فهل من وقفة جديدة للاتحاد الأوروبي إزاء “إسرائيل”؟

باحث ومفكر عربي
صحيفة الخليج الاماراتية آخر تحديث:الأربعاء ,02/12/2009

494
كوبا: رؤية ما بعد الخمسين (5).. جيفارا والمباراة المصرية- الجزائرية!
عبد الحسين شعبان  
2009-11-30
لا يستهدف هذا العنوان الإثارة الصحفية لكن ما فيه من مفارقة تعطيه أكثر من دلالة وراهنية، لاسيما وأن للحدث أساسا يمتد إلى أكثر من أربعة عقود ونيّف من الزمان، يوم صادف وجود جيفارا في الجزائر عند إجراء مباراة لكرة القدم بين الفريقين الجزائري والمصري.
في أحد تصريحاته لصحيفة فرنسية أعرب جيفارا عن ولعه بالجزائر بالقول: "هذا البلد ثوري، وحتى الفوضى فيه ثورية" ويبدو أن هذا الشغف كان متبادلاً بين جيفارا والشعب الجزائري، الذي أحبّ جيفارا وأخلص له وسمّى أحد أبرز شوارع العاصمة الجزائر باسمه، حيث تعتبر جادة جيفارا من الشوارع المهمة، والدليل على ذلك هو ما ينقله الدكتور جاد عبدالله حريكي في كتابه الموسوم "جيفارا والعرب" والصادر عن دار الفرات، العام 2007 (بمناسبة الذكرى الـ40 لرحيله) ونقلاً عن أحد الصحافيين: إن الجمهور الجزائري الذي كان يحضر مباراة بكرة القدم بينه وبين المنتخب المصري، وهي مباراة ذات أهمية كبرى، خصوصاً وقد التأمت بعد تأسيس جمهورية الجزائر الديمقراطية، المستقلة حديثاً، هذا الجمهور هتف لتشي جيفارا، حيث لم يكترث أكثر من 20 ألف جزائري لمتابعة تلك المباراة المشوّقة والمثيرة، لاسيما عندما حضر جيفارا الذي توجّهت إليه جميع الأنظار.
قلت مع نفسي وأنا أتابع ما حصل من ردود فعل واحتدامات حادة لجماهير غاضبة من الطرفين: هذا اليوم لا يشبه البارحة!! وبخاطرة سريعة وأنا أعدّ الحلقة الخامسة من انطباعات وقراءات التجربة الكوبية بعد 50 عاماً ومن خلال أميركا اللاتينية أين هو جيفارا اليوم، "ليُعقْلِن" على أقل تقدير برمزيته ووهجه الثوري، جماهير مستفزّةً ويائسة ومشحونة، وادعاءات مفرطة بالانحياز حد التعصب، واتهامات تصل إلى الإدانة، والأكثر من ذلك هناك من كان يصبّ الزيت على النار، ليبقى الفتيل مشتعلاً، لينسف جسر المودة والمحبة والتضامن بين شعبين شقيقين، كانت علاقاتهما هي الأسمى والأجمل والأنبل، منذ عقود من الزمان، يوم اجتمع عمالقة مثل عبد الناصر وأحمد بن بيلا وارنستو تشي جيفارا، ولم تكن الكرة أو غيرها تفرّق ثواراً من أميركا اللاتينية وإفريقيا، فما بالك بين شعبين عربيين شقيقين.
لم يجرِ في تاريخ العلاقات الجزائرية- المصرية أن تم استدعاء سفراء وإجراء اتصالات بين وزراء على أعلى المستويات وعلى هذه الدرجة من الحساسية، والسبب هو مباراة لكرة القدم، بل الأكثر من ذلك حين انطلقت دعوات للقطيعة، في ظل احتدام عاطفة بدائية وتجييش إعلامي وغياب للعقل والعقلانية وتفاقم أزمة دبلوماسية، شملت السودان أيضاً، وتدخلت فيها جامعة الدول العربية ووساطات كثيرة دون أن تجدي نفعاً، لاسيما بحدوث حالات شغب وعنف لا مبرر له على الإطلاق.
وبدت صورة "العروبة" باهتة في زمن أفل بريق الكثير من إشعاعها الذي كان يحمله رموز كبار ويتطلع إليه ثوريون كبار، وتمور جماهير واسعة مائزة ورائزة حين تهبّ لنصرة جماهير البلد الشقيق، والأكثر من ذلك فقد نكصت العروبة والأممية اللتان كانتا يوماً مساراً لطريق مشترك تم تخطيطه بين أحمد بن بيلا وجمال عبدالناصر وجيفارا.
لم ينصرف الجمهور الجزائري الذي حيّى جيفارا يوم لعبة كرة القدم قبل أربعة عقود ونيّف من الزمان عن التشجيع لمنتخبه، لكن الفارق كان كبيراً، لأنه كان ثمة ما يجمعه بالجمهور المصري المشجع أيضاً، وهو جامع مشترك ضم بين ظهرانيه أخلاق الرياضة والسياسة معاً وفي ملعب واحد، وكان الفائز بالطبع هو العروبة والحرية وعلاقة إفريقيا والعرب بأميركا اللاتينية، في حين أن الجميع خسروا مباراة العام 2009 في القاهرة أو الخرطوم لاحقاً، التي هيمن عليها العداء والكراهية ومحاولات الكيد ولغة الاتهام كلٌ على الآخر، ومن ضمنهم السودان البلد المضيف الذي أفرز أكثر من 15 ألف جندي ورجال أمن وشرطة وإداريين بعدد أكبر لحماية اللاعبين ولمنع أعمال العنف والشغب، ولم يكن له مصلحة بفوز هذا الفريق أو ذاك، سوى استضافة الأشقاء وتوفير أسباب الراحة والنجاح واللعب النظيف للجميع، بمن فيهم المشاهدون ومحبو لعبة كرة القدم، سواءً من أتى منهم من الخارج، من مصر والجزائر اللتين شجعتا وبأسعار متهاودة سفر المشجعين إلى الخرطوم، أو من أبناء السودان من محبي كرة القدم، ولعل عدد المشجعين من الخارج كان أكثر من 35 ألف مشجع.
الأحداث المأسوية المؤسفة تأكيد جديد على طغيان القُطرية والفئوية والنرجسية على حساب الوطنية والقومية والإنسانية، لدرجة أن الحكمة قد غابت من رؤوس العديد ممن كان يمكنهم إطفاء النار، وإخماد الفتنة بين شعبين شقيقين، حيث كانت الرياضة على الدوام تصلح ما تفسده السياسة، أما في حالة مصر والجزائر، فإن "الرياضة" أساءت إلى ما قدمته السياسة من مساعدات وتضحيات وعلاقات بين البلدين والشعبين، منذ إعلان مصر تبنيّها للثورة الجزائرية في العام 1954 عند اندلاعها، وحيث تحوّلت القاهرة إلى مركز جذب للثوار وعلاقاتهم، ولاسيما لجبهة التحرير الجزائرية وقياداتها، خصوصاً عند اختطاف الطائرة التي أقلّت خمسة من قيادات الثورة من جانب فرنسا.
جيفارا الذي شاهد جمهور المتفرجين في المباراة المصرية الجزائرية في الجزائر، كان حالماً وظل حلمه مستمراً، كان أمامه مثالان وتجربتان كبيرتان تعلّم منهما، ولعلهما أثّرتا في حياته وتوجهاته لاحقاً، مثلما أثّر هو الآخر فيهما. الأولى هي نموذج وتجربة الثورة المصرية، والثانية هي نموذج وتجربة الثورة الجزائرية، الأولى ضد الفساد والظلم والاستغلال، والثانية ضد الاستعمار والاستعلاء ومحاولات تدمير الهوية.
لقد شاهد جيفارا الهوية العربية الجامعة، بشقيها الجزائري والمصري من خلال لعبة كرة القدم، في حين ضعفت وخفتت ألوان هويتنا العربية بعد أربعة عقود ونيّف من الزمان، وبدلاً من مواجهة الاستعمار والرأسمالية الاحتكارية وذيولهما، لاسيما الصهيونية العالمية في عالمنا العربي وفي إفريقيا مثلما هو في أميركا اللاتينية وآسيا وشعوب البلدان النامية في كل مكان، فإذا بالاستعمار الجديد والنيوكولونيالية في عصر العولمة تسود وتهيمن، وتنقسم العائلة العربية إلى "عدوين" لدودين بسبب مباراة كرة القدم التي حملت معها أشد المشاعر سفلية وانحطاطاً، كأنها مقدمات حرب داحس والغبراء في زمن رديء.
هل نحن إزاء نستولوجيا الماضي، واستعادات الزمن الجميل؟ أم أن البحث عن مخلّص جديد واستلهام أسماء ذات وزن مثل عبدالناصر وبن بيلا وجيفارا، أمر نفتقده، خصوصاً النهج الذي ساروا عليه، لدرجة جعلنا نشعر بالفَقْدِ، لاسيما نهج التحدي!!
لعل ذلك كان هاجساً وربما هيمن على عقلنا الباطن ونحن نستعيد شكل العلاقات الثورية- الإنسانية في لحظة تصدّع وتشظٍ، مستذكرين الصداقة المديدة التي صهرت هؤلاء الثوار، من أرض المليون شهيد، إلى أرض الكنانة ومعارك السويس والتصدي للعدوان الإسرائيلي، الأنجلو-فرنسي ومشاريع القوى الامبريالية بقيادة الولايات المتحدة، إلى أرض الأرجنتين وابنها البار الثائر الكوبي الذي وضع الثورة على كتفه وجاب بها العالم، من الكونغو إلى بوليفيا بقاعدة ثورية في الجزائر وخطوط واتصالات في القاهرة، وأساسات قوية وقويمة في هافانا، وعلاقة وطيدة ونقدية بمعسكر اشتراكي أراد له جيفارا وجهاً إنسانياً جديداً ومشاركة في دفع ثمن الثورة وسلاحها واستحقاقاتها.لم يتابع جيفارا كرة القدم العربية فحسب، بل تابع شؤون الثورة مصعّداً من نبرته الانتقادية للحلفاء السوفييت، تلك التي قد لا تكون بمعزل عن مواقف وبعض هموم عبدالناصر وبن بيلا، مثلما هي هموم السوفييت إزاء بعض مواقف البلدان النامية، لاسيما تردد بعض قيادات حركات التحرر الوطني في السلطة، وربما قلقها إزاء المستقبل.
لقد تمكّن جيفارا من تطوير خطابه الثوري، وبعد مشاهدات لمدة 6 سنوات خلص إلى باقة من الأفكار التي شكلت أهم ملامح الجيفارية أودعها في ثلاث خطب مهمة، ومن المفارقة أن هذه الخطب الثلاث كان قد ألقاها كلها في العالم العربي (باللغتين الفرنسية والإسبانية) وتحديداً في الجزائر ومصر وهذه الخطابات هي "أميركا من على الشرفة الإفريقية والآسيوية" و "الاشتراكية والإنسان في كوبا" و "خطاب الجزائر" الذي أغضب السوفييت، ووضع حداً فاصلاً بينه وبين المسؤوليات الحكومية الإدارية، متفرّغاً بعدها للثورة التي أراد إشعال أكثر من فيتنام أمام واشنطن، وأكثر من موقد لها في العالم. ولعل خطاباته وعلاقاته تلك جعلت من جيفارا كما عرفناه، الأممي الرومانسي الذي ظهر واختفى مثل شعاع، لكن ذكراه في العالم أجمع وفي العالم العربي على نحو خاص، ظلّت تحمل نكهة مستساغة، وها نحن نتذكّره في الزمن العصيب في مباراة كرة القدم بين الفريقين الجزائري والمصري، كأن خياله ما زال يظهر بين الحين والحين!!


7841 العدد - صحيفة العرب القطرية - الإثنين 30 نوفمبر 2009 م - الموافق 13 ذو الحجة 1430 هـ

495
ستراتيجية أوباما: قراءة في الثابت والمتغيّر

   قبل أن نستعرض الستراتيجية الامركية الجديدة في عهد الرئيس أوباما، سنتوقف قليلاً عن تركة سلفه الرئيس بوش فإرثه الثقيل قد يستمر في تقييد الرئيس أوباما لفترة غير قليلة، إنْ لم يستطع التخلص منه ومن تأثيراته، باتباع سياسات منسّقة ومتناسقة وضمن خطة ستراتيجية واضحة، وسنتوقف بعد المراجعة الاستعراضية العامة عند محطات في سياسات الرئيس أوباما الداخلية، لننتقل بعدها الى السياسة الخارجية، خصوصاً شقها الأوروبي، ومن ثم نبحث في تأثير الأزمة الاقتصادية الدولية على استراتيجية أوباما، لنصل الى سياسته الشرق أوسطية والعراقية.

1- أوباما والارث الثقيل!؟

أصبح الرئيس الامريكي باراك أوباما سيّداً على البيت الأبيض بعد فوزه الساحق على منافسه الجمهوري جون ماكين، ولعله وهو الرئيس رقم 44 سيكون  أول رئيس أسود يحكم الولايات المتحدة، حيث ظلّ العالم كلّه يتطلع الى سياسة جديدة للحزب الديمقراطي، بعد دورتين متتاليتين (ثمان سنوات) حكم خلالهما الرئيس جورج دبليو بوش من الحزب الجمهوري.
وقد شهدت الولايات المتحدة أطول وأقسى حملة انتخابات في تاريخها، انتصر فيها أوباما من ذوي الأصول الأفريقية المتواضعة على ماكين ابن قائد الاسطول البحري الامريكي في المحيط الهادي.
إن صورة الولايات المتحدة قبل بداية حكم الرئيس بوش كانت تمثّل لوناًً قاتماً بالنسبة لكثير من الشعوب والبلدان، لكنها أصبحت بعد ثمان سنوات أكثر قتامة، لاسيما مشاهد الرعب التي اختفت وراءها، من أحداث 11 أيلول (سبتمبر) الارهابية العام 2001 وردود أفعالها الى غزو أفغانستان العام 2002، الى الحرب على العراق واحتلاله، العام 2003، ثم الحرب على لبنان العام 2006 وبعدها الحرب على غزة نهاية العام 2008 ومطلع العام 2009 بعد حصارها الذي زاد عن سنتين، يضاف الى ذلك أوضاع سجناء أبو غريب وغوانتانامو والسجون السرية الطائرة والعائمة، وقبل الأزمة المالية الطاحنة التي انفجرت عشية توّلي أوباما الرئاسة وتحوّلت الى أزمة اقتصادية شاملة انعكست على العالم كلّه، كان هناك اعاصير وكوارث طبيعية مثل اعصار كاترينا وغيرها، ولعل هذه تركة ثقيلة انتقلت الى أوباما، على الصعيد الداخلي وعلى الصعيد الخارجي.
قبل مجيء الرئيس بوش الى الحكم، كان العالم في حالة شبه سلام واستقرار نسبياً، واسعار النفط لم ترتفع عن 32 دولاراً، والجيش الأمريكي لم يكن لديه مهمات خارج بلاده، باستثناء القواعد العسكرية المعروفة، لاسيما بعد حرب الخليج الثانية العام 1991 والاقتصاد الامريكي في حالة نمو زاد عن 3%، وسعر الدولار كان "معقولاً" وديون واشنطن أقل من 6 تريليون دولار رغم العجز المستمر. وبعد أن ترك بوش البيت الأبيض، تحوّلت كل هذه التركة الثقيلة، وهذا الحمل القاسي الى ظهر أوباما، الأمر قد لا يكون بمقدوره تحملها ومواجهة التحديات بحكمة وبُعد نظر؟
   لقد ورث أوباما، حربين مفتوحتين في أفغانستان والعراق، وقوات مسلحة منهكة ومبعثرة على أكثر من جبهة، وحروباً على الارهاب بدأت بعد أحداث 11 أيلول(سبتمبر)، لكنها لم تنتهِ ويبدو أنها ستستمر حسب تقديرات واشنطن الاولية الى أكثر من 10 سنوات، وقد تطال بلداناً أخرى حتى وإن اختلفت اللهجة والتسمية، وإن خفّت حدة النبرة أو حتى خفتت! وهذه  المشكلات المتعاظمة أوقعت المواطن الأمريكي في ورطة كبيرة لدرجة مؤرقة، خصوصاً وهو مازال يتساءل كيف سيتم وضع حد لهذين الحربين؟ وهل سينفذ أوباما وعوده بشأن الانسحاب من العراق في أقرب وقت ممكن؟ وعلى الأقل تخفيف مشاعر السخط والعدائية إزاء الولايات المتحدة؟ وما هو السبيل لايجاد حلول ناجعة وسريعة للازمة الاقتصادية؟
كما ورث أوباما صعوداً في اسعار النفط وصلت الى نحو 150 دولاراً، رغم عودتها الى الانخفاض الى أقل من النصف قليلاً، وعجزاً بلغ أكثر من تريليون دولار وديناً زاد عن 10 تريليون دولار، ناهيكم عن تدني في النمو الاقتصادي، وأخيراً انفجار الأزمة المالية والاقتصادية، التي أدت الى انهيارات كبرى لشركات التأمين العملاقة مثل شركة ليمان براذرز وبنوك عالمية كبرى، لاسيما بعد أزمة الرهن العقاري وانخفاض سعر الدولار وارتفاع اسعار النفط.
وورث أوباماً ملفاً ساخناً جديداً، وهو العلاقة المتوترة مع روسيا، فبعد انتهاء الحرب الباردة وتقلّص النفوذ الروسي، وانحلال المنظومة السوفياتية، عادت روسيا بقوة الى منطقة القوقاز والبلقان وأوربا الشرقية، لاسيما بسبب سياسة واشنطن الاستفزازية، الأمر الذي دفعها الى معارضتها الشديدة، خصوصاً بعد نصْبِ واشنطن دروعاً صاروخية مضادة للصواريخ، وتوسيع دائرة حلف الناتو في دول الجوار الروسي، وبخاصة في جمهوريتي بولونيا والتشيك.
وإذا كان أوباما يتولى رئاسة الولايات المتحدة بعد مضي أكثر من عقدين على انتهاء الحرب الباردة وتحوّل الصراع الآيديولوجي من شكل الى شكل آخر، لاسيما بعد انهيار الشيوعية الدولية، وصعود الاسلام السياسي كعدو شرس ضد واشنطن وسياساتها، فكيف ستتعامل واشنطن مع هذا الملف الساخن، وقد شاع خلال الحملة الاعلامية والآيديولوجية في حينها بأن " التهديد" إنْ لم يكن موجوداً، فلا بدّ من "تلفيقه"، بالتنظير لصدام الحضارات، ولابقاء الاحتراس الدائم والتسلح المستمر والصراع المتواصل على المستوى العالمي، حتى وإن اتخذ صفة صراع الثقافات، بعد ذبول صراع الآيديولوجيات الذي طبع القرن العشرين كله، وصراع القوميات الذي طبع القرن التاسع عشر حسب الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك.
وقد حاولت واشنطن تطبيق ذلك على الملف التسليحي وهذا له علاقة بالمسألة الايرانية بالدرجة الاساسية، خصوصاً البرنامج النووي الذي يعتبر أحد مجالات الاحتكاك الامريكية- الايرانية، إضافة الى نفوذ طهران في المنطقة باعتبارها رأس حربة ضد السياسة الامريكية (العراق ولبنان وفلسطين)، رغم أن أوباما أبدى استعداده لسلوك سبيل مفاوضات أطلق عليها "حازمة"، وهو أمر لا بدّ من أخذه بنظر الاعتبار بعد ما حصل من تجاذبات في الانتخابات الايرانية الأخيرة.
وإذا كانت الحروب تُصنع في العقول، فإن السلام هو الآخر يصنع في العقول أيضاً، حسبما جاء في دستور اليونسكو، ومثل هذا الأمر سيواجه الرئيس أوباما على نحو راهن، لاسيما في الشرق الأوسط، وهو أمر سيكون إحدى المجسّات الاساسية لسياسته الستراتيجية إزاء المنطقة.
ان الرئيس أوباما واجه تركة الرئيس بوش واشكالياته جميعها وعليه الخوض في المشكلات العويصة الخاصة، لاسيما بشأن الشرق الأوسط، التي شكلت نقطة تجاذب شديدة منذ عهد الرئيس جيمي كارتر واتفاقيات كامب ديفيد والصلح المنفرد. وإذا كانت واشنطن تسعى الى دور نشيط في الشرق الأوسط وتحريك خارطة الطريق الفلسطينية – الاسرائيلية، خصوصاً تجاوز الصعوبات التي جابهت العديد من الرؤساء الامريكيين قبله، فإن الأمر يحتاج الى تأكيد إقامة دولة فلسطينية، تلك الأطروحة التي اعتمدت منذ عهد الرئيس بيل كلينتون، لكنها ظلّت باردة وباهتة، خصوصاً في ظل التصعيد العدواني الاسرائيلي ضد الشعب العربي الفلسطيني منذ العام 2000، لمواجهة الانتفاضة الفلسطينية السلمية التي اندلعت، بعد أن وصلت اتفاقات أوسلو الى طريق مسدود.
وزاد الامر تعقيداً حصار غزة وبعدها الحرب المفتوحة عليها والتي دامت 22 يوماً وقبلها حصار الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، ومن ثم بناء جدار الفصل العنصري الذي قالت محكمة العدل الدولية رأياً استشارياً في عدم شرعيته، الأمر الذي اقتضى ازالته وتعويض السكان المدنيين المتضررين، وهو ما كان ينبغي على واشنطن أن تضغط على حليفتها اسرائيل للعدول عنه والعودة الى خيار المفاوضات ضمن خارطة الطريق المقترحة، رغم عدم تلبية هذه الأخيرة للحد الأدنى من حقوق الشعب العربي الفلسطيني، لاسيما حق تقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس وعودة اللاجئين الفلسطينيين.
وإذا تردد الرئيس أوباما عن تعيين السيناتور الجمهوري تشاك هيغل وزيراً للخارجية وهو شخصية متوازنة نسبياً واختار هيلاري كلينتون بدلاً عنه، فإن واحداً من الأسباب تعود الى مواقف اسرائيل ورؤيتها إزاء الحل، وكان هيغل قد زار الارض المحتلة مع أوباما والتقى الرئيس الفلسطيني محمود عباس يضاف الى ذلك تعيين عدد من المستشارين معظمهم من اليهود وبعضهم من العناصر المعروفة بموالاتها لاسرائيل، بمن فيهم أمين عام البيت الأبيض رام بنيامين مانوئيل الذي سبق له ان ادى الخدمة العسكرية في جيش الدفاع الاسرائيلي عام 1997 كما تطوّع في الحرب على العراق 1991 في مكتب التجنيد التابع لاسرائيل، إضافة الى كبير المخططين الستراتيجيين لحملته الانتخابية وهو ديفيد أكسل رود، الأمر الذي قد لا يساعد في حلحلة الأمور باتجاه إيجاد حل ولو بمعيار  الحد الأدنى، ولعل الاستثناء في هذا الشأن هو تعيين مستشار لأوباما للشؤون الخارجية وهو دنيس روس منسق عمليات السلام في الشرق الأوسط.
حقاً إنها تركة ثقيلة وسيتوقف حملها بجدارة على ما سينتهجه أوباما من سياسة ومراجعة وإعادة نظر بأخطاء وخطايا السياسات السابقة خلال الثمان سنوات الماضية وما قبلها!!

2- المحطة الاوروبية – الدولية!
عادت القضايا الدولية مرّة أخرى الى الواجهة في ستراتيجية الولايات المتحدة التي احتلت لنحو ثمان سنوات المكانة الأولى، ولكن هذه المرّة جاءت في إطار إدارة جديدة ديمقراطية وليست جمهورية. فبعد أن تصدّرت جهود انقاذ الاقتصاد الامريكي الحيّز الأكبر، سواءً في برنامج الرئيس باراك أوباما الانتخابي أو خلال الأشهر الأخيرة منذ توليه مسؤولية البيت الأبيض، عادت السياسة الخارجية من جديد لتأخذ موقعها المتقدم.
ولكن كيف سيتعامل أوباما مع التركة الثقيلة للرئيس بوش بخصوص أوروبا، التي أطلق عليها سلفه اسم " العجوز" عشية غزو العراق العام 2003 وممانعة فرنسا وألمانيا وبلجيكا؟ لا شك أن العودة الى المسرح الدولي وتحديداً الخشبة الاوروبية مسألة ليست بالسهولة رغم ما حظيت به توجهات الرئيس الجديد أوروبياً وما استقطبه شعبياً، لكن الكثير من العقبات والتحديّات تعترض طريقها وتقف حجة عثرة أمامها.
ما الذي ينوي فعله الرئيس أوباما؟ هل يعتزم حسبما تشير مفردات بعض عناوينه الستراتيجية الى دفع الامور باتجاه مقاربة جديدة للحرب في افغانستان بعد اعلان الانسحاب من العراق، خصوصاً بعد إعادة الانتشار للقوات الامريكية وسحبها من المدن وابقائها في معسكرات خارجها ؟ وتبرز سياسة أوباما الاوروبية بخصوص تكثيف الجهود لوقف انتشار الاسلحة، لاسيما بعد اعادة بعض عناوين وتهديدات الحرب الباردة مع روسيا بشأن الصواريخ الامريكية في بولونيا والتشيك. ويضاف الى ذلك ضم الجهود الى بعضها لاتخاذ مواقف موحدة إزاء محاربة الركود الاقتصادي على الصعيد العالمي، وهو ما تنتظر أوروبا موقفاً بشأنه يخفف عنها العبء.
ومع أن هذه الرافعات تحظى بدعم أوروبي وربما دولي، لكن ثمة اعتراضات فيما يتعلق بإرسال المزيد من الجنود الى افغانستان، من جانب ألمانيا، في حين تعترض روسيا بشدّة على إقامة نظام درع صاروخي لحلف الناتو في جمهورية التشيك وجمهورية بولونيا.
ومع ان واشنطن أكدت أنها لا تريد أن تملي على العواصم الاوروبية، كيفية الانفاق لانعاش الاقتصاد العالمي، الاّ أن الأمر ظل ملتبساً، لاسيما باعتراضات فرنسا وألمانيا ودول أخرى، وهذا سيضع مسألة وحدة الموقف الامريكي- الاوروبي أمام امتحان جديد، فقد لا تستطيع واشنطن والإدارة الجديدة لأوباما أن تسحب أوروبا خلفها، لا كما أخفق الرئيس بوش في ذلك، تاركاً ندوباً وتصدّعات على العلاقات الاوروبية- الامريكية. وإذا كان ثمة ترحيب كبير بمجيء اوباما ورحيل بوش، الاّ ان القضايا العالقة والساخنة كثيرة وستثير نقاشاً وجدلاً حاداً في الأشهر القادمة، ما لم تتضح الرؤية والمسار للسياسة الخارجية الامريكية، لاسيما بالتوافق مع أوروبا وأخذ مصالحها بنظر الاعتبار، وبخاصة الاتحاد الاوروبي كمنظمة اقليمية فاعلة ومهمة.
ومن جانبه حاول أوباما الظهور بأن عهده يشكل قطيعة من سلفه محاولاً فتح صفحة جديدة وفي إطار دبلوماسية عالية ورفيعة المستوى، رغم أن اوروبا ظلّت متحفظة مع أنها استبشرت بفوزه وهزيمة الجمهوريين، حيث شعر الاوروبيون انه تم التقليل من شأنهم خلال ادارة الرئيس بوش، الذين كانوا ينظرون اليه كصاحب قرار حاسم في الوضع الدولي، الآّ أنه يتخذ قرارات انفرادية ويمضي بتطبيقها ويضعهم أمام الأمر الواقع، ولا يراعي مصالح أوروبا بنظر الاعتبار.
لقد كانت زيارة أوباما الى اوروبا بمثابة جس النبض إزاء الموروث وإزاء المستقبل، إذ أن مشاركاته في القمم الثلاث جعلته يقدم مقاربات جديدة بشأن انعاش الاقتصاد العالمي ومحاربة الارهاب والسعي للوصول الى تأمين السلام في بعض مناطق العالم، لاسيما غير المستقرة، وإنْ ستظل القضية الفلسطينية إحدى القضايا المستعصية والمعقدة، خصوصاً في ظل صعود إدارة اسرائيلية متطرفة بقيادة بنيامين نتنياهو!!
لقد كانت لندن أول محطة للرئيس الامريكي أوباما لحضور قمة الـ 20 زعيماً وبعدها شارك في قمة حلف شمال الاطلسي بمناسبة الذكرى الستين لتأسيسه حيث تم الاحتفال في ستراسبورغ، وقام بعبور الحدود الالمانية- الفرنسية، ولعل هذا الحدث مهماً، خصوصاً بعودة فرنسا الى أحضان الحلف بعد غياب استمر نحو أربعة عقود من الزمان. وبعدها زار جمهورية التشيك وتركيا، كما اجتمع بزعماء روسيا والصين، وكان جدول أعماله حافلاً وثقيلاً وعدّ أول اختبار دولي لادارته وستراتيجيته وعلاقاته الدولية.
فهل ستظل صورة امريكا كما طبعها الرئيس بوش أم ثمة اصلاحات وتعديلات تقضي تحسينها في ظل الادارة الجديدة؟ وهل ستكفي نجومية أوباما العابرة للقارات والمحيطات، في إيجاد حلول ومعالجات للأوضاع القائمة، خصوصاً إذا استطاع الحفاظ عليها؟ علماً بأن الكثير من القادة الاوروبيين يميلون الى مصاحبة أوباما، ولعلها وسيلة مفيدة لهم لكي يدعموا شعبيتهم، لكنه من جهة أخرى قد يكون الأمر عبئاً جديداً على واشنطن، بعد تركة ثقيلة قد تجعل كل ما يفكر به هو الخروج منها!؟ وليس الاستغراق في تحسينها، فقد يكون المطلوب هو  تبنّي ستراتيجية جديدة تكون الولايات المتحدة بواسطتها قادرة على أن تلعب دوراً اكثر ايجابية على المستوى العالمي، بحيث تستعيد جزءًا من هيبتها وصدقيتها اللتان بددهما الرئيس بوش.
إذاً هل نحن أمام أوهام في أن استبدال بوش بأوباما سيمحي الصورة السيئة أو يغيّرها الى هذه الدرجة، أم أنها أوقات عصيبة ومعقدة لا بدّ من عمل مضني لتجاوزها؟ ولعل ذلك سيتوقف على مدى وفاء أوباما بالتزاماته ووعوده سواءً التي أطلقها في حملته الانتخابية أو بعدها، وقد حاول أوباما حسب مساعديه الاتصال بالعديد من رؤوساء العالم بعد وصوله الى البيت الأبيض، بهدف تهيئة الظروف المناسبة للاعلان عن ستراتيجيته الجديدة.
وإذا كان اغلاق سجن غوانتانامو السيئ الصيت في كوبا خطوة ايجابية، فإن الخطوة الاساسية التي ستتوقف عليها ستراتيجية واشنطن وصدقية الادارة الامريكية تتعلق بالانسحاب الامريكي من العراق تنفيذاً لوعد أطلقه وعمل على وضع برنامج له بعد وصوله الى البيت الأبيض رغم بعض التعديلات وربما الضغوط، لاسيما من جهة العسكريين. من جهة أخرى إن اعلان الاستمرار في ملاحقة تنظيمات القاعدة والشروع بالتحرك باتجاه أفغانستان وباكستان يقتضي التركيز على نجاحات محددة وليس اطلاق حملة دون تحديد مدى زمني لها.
ان الستراتيجية الامريكية، لاسيما سياسة الادارة الجديدة الخارجية وتحركاتها الدولية، ترافقت إضافة الى الحضور الاوروبي، اتخاذ اجراءات على الصعيد الداخلي، لاسيما عمليات التحفيز الاقتصادي والاصلاح الاداري في مجالات الرهن العقاري والسكن والاستقرار المالي وغيرها، ولكن السبيل للخروج من المأزق يبقى صعب المنال إن لم تتخلص الادارة الجديدة من التركة الثقيلة، لاسيما على الصعيد الخارجي.

3- استحقاقات أوباما

استثمر أوباما ومن خلفه الديمقراطيين ثلاث قضايا أساسية لهجومهم ضد الجمهوريين، وهذه المسائل الاشكالية الثلاث تشكل المحتوى الرئيسي للاستراتيجية الامريكية على المستوى الكوني.
القضية الأولى السياسة الداخلية، لاسيما بعد اندلاع الأزمة المالية المعروفة باسم " الديون المسمومة" والتي انفجرت في خريف العام 2008 وشتاء العام 2009، وتحوّلت أزمة الرهن العقاري وانخفاض سعر الدولار وانهيار شركات تأمين كبرى وبنوك عالمية، الى أزمة اقتصادية ومالية طاحنة، ساهمت بامتياز في فوز الديمقراطيين، خصوصاًُ في ظل الهلع الذي اصاب الناخب الامريكي وضياع مدخّرات أصحاب دخول محدودة، ناهيكم عن الأفق الغائم للسياسات الاجتماعية والصحية والخدمية خلال السنوات الثمان الأخيرة.
وقد قدّم أوباما برنامجاً يختلف تماماً عن برنامج ماكين فيما يتعلق بالسياسة الداخلية، لاسيما فرض الضرائب على الأغنياء وأصحاب الثروات الكبيرة، ودعوته الى تدخل الدولة لحماية العملية الاقتصادية، ونزعته الاجتماعية لتحسين نظام الصحة والتعليم وتقليص البطالة. وركز أوباما في برنامجه الانتخابي على السياسة الداخلية، وهو ما أكسبه ثقة أكبر من الشعب الامريكي الذي عانى الكثير خلال ولاية الرئيس بوش، في حين أن منافسه ماكين ركّز على السياسة الخارجية دون أن يقدّم برنامجاً مختلفاً عن برنامج سلفه الجمهوري أو اعادة النظر به.
   أما القضية الثانية، فقد كانت تخص السياسة الخارجية، حيث ظلّت تؤرق الامريكان وأعني بها الحربين المفتوحتين في كل من أفغانستان العام 2002 والعراق العام 2003، وقد وقعت الولايات المتحدة بسبب هاتين الحربين في ورطة حقيقية وتعرّضت سمعتها الى الهبوط تدريجياً حتى وصلت الى الحضيض، الأمر الذي أخذه أوباما بنظر الاعتبار عند صياغة برنامجه حين دعا الى انسحاب سريع قدر الامكان من العراق، على ان تبدأ عملية الانسحاب في منتصف العام 2009، (حيث تم انسحاب القوات الامريكية من المدن العراقية الى معسكرات خارجها) وفي ذلك تأكيد جديد على إقرار العسكريين بفشل الحل العسكري، مع تركيز الحملة على أفغانستان بسبب تهديدات تنظيمات القاعدة ونشاطها المعروف، رغم الاعتراف بامكانية التفاوض مع قيادات طالبان المعتدلة.
ولعل هناك علاقة وثيقة بين الحرب على العراق وبين الملف العربي- الاسرائيلي الذي يستمر منذ ستة عقود من الزمان، فقد أهملت إدارة الرئيس بوش هذا الملف طيلة ثمان سنوات، في حين تم تفعيله في فترة حكم الرئيس كلينتون، خصوصاً الدعوة الى انشاء دولة فلسطينية الى جانب اسرائيل، لكن اسرائيل استثمرت فترة وجود بوش في الحكم، إضافة الى أحداث 11 أيلول (سبتمبر) الارهابية فتنكرت لخارطة الطريق وزادت من تعنّتها، بل قامت ببناء جدار الفصل العنصري رغم صدور قرار استشاري من محكمة العدل الدولية يدعو الى  تهديمه وعدم اكماله لعدم شرعيته، كما فرضت عقوبات جماعية ضد الفلسطينيين، لاسيما بحصار غزة ومارست أعمال الارهاب والعنف المنفلت من عقاله، والأكثر من ذلك يوم شنت هجوماً عدوانياً على لبنان (في 12 تموز /يوليو 2006) بتشجيع وتواطؤ من إدارة بوش الذي بشّرت بميلاد شرق اوسط جديد، كما جاء على لسان كونداليزا رايس وزيرة خارجية واشنطن، وفيما بعد قامت بعدوانها المفتوح على غزة والذي دام 22 يوماً.
أما القضية الثالثة فهي ذات بُعد دولي أيضاً فتتعلق بشقين: الشق الأول- هو الملف الروسي الذي عاد الى الحضور بشدة بما يذكّر بعهد الحرب الباردة، خصوصاً بالضد من سياسات واشنطن الاستفزازية على الجوار الروسي، في القوقاز والبلقان وأوروبا الشرقية، وبشكل خاص محاولة نصب دروع صاروخية في كل من جمهوريتي التشيك وبولونيا وتوسيع نطاق دائرة حلف الناتو، الأمر الذي أثار حفيظة روسيا فأصدرت عدة إشارات، كان أولها الرد المباشر في جورجيا، خصوصاً وأن الدب الروسي هو قطب مهم ولا يمكن الاستهانة به، وكادت أوكرانيا بعد جورجيا أن تكون قاب قوسين أو أدنى من خطتها " الدفاعية".
وإذا كانت روسيا حاسمة بشأن الاوضاع في امبراطوريتها القديمة، لكنها في الوقت نفسه تدرك مخاطر السير في سباق تسلّح وحرب باردة ليس بوسعها أو لا يمكنها المضي فيها، ولعلها تتطلع الى تعامل مختلف من جانب أوباما، الذي لا بدّ له أن ينظر بواقعية أكبر وتوازن أكثر الى ملف العلاقات.
أما الشق الثاني فهو الملف الايراني، والمقصود هنا بشكل خاص المفاعل النووي الايراني وتخصيب اليورانيوم، وهو ملف متوتر ومعقد بين البلدين منذ العام 1979 ولحد الآن. فإيران تشكل بنظامها الاسلامي ومعاداتها للسياسة الامريكية وموقفها المناوئ لاسرائيل إضافة الى تحالفها مع سوريا، عقبة كأداء أمام السياسة الامريكية، بغض النظر عن مشاريعها وأهدافها الخاصة ف يمنطقة الشرق الأوسط.
وإذا كان أوباما يسعى لفتح حوارات وتنشيط دبلوماسية حازمة كما قال، فلا بدّ من التفكير ببعد نظر إزاء الملف الدولي خصوصاً الروسي والايراني، دون مغامرات أو ردود فعل تلحق ضرراً بمصالح واشنطن، كما فعل سلفه بوش من قبل، وهو ما يشكل الاستحقاق في ستراتيجيته الدولية.

4- أولويات الرئيس أوباما!!

لم تعد قضية العراق تستحوذ على الاهتمام المطلوب أو أن لها الأولوية الاساسية، خصوصاً لدى واجهات وعناوين الصحف ووسائل الاعلام، ولعل الامر لا يعود الى ثانوية المسألة العراقية، بل بسبب انهيار مؤشر داوجونز وطغيان أعراض الأزمة المالية، والتي ضاعفها استمرار المأزق العراقي بوجود 150 الف جندي أمريكي في العراق وتكلفة أكثر من ثلاث تريليونات من الدولارات.
ولعل هذه المرة هي الأولى حين يفوز حزب معارض على حزب حاكم في ظل استمرار الحرب، سواءً منذ احتلال أفغانستان 2002 واحتلال العراق 2003 وقبلها الحرب على الارهاب 2001، كما أنها المرة الأولى حين ينتخب الشعب الامريكي رئيساً بعد جيلين من الحرب العالمية الثانية، وهو مولود بعدها.
تراجعت قضية العراق في نظر الرأي العام الامريكي والرئيس أوباما لأن الذي حلّ محلها شبح الأزمة المالية الخانقة وقضايا الرعاية الصحية، لدرجة أن الكثير من الأمريكيين في ظل تلك الدوامة لم " يلتفتوا" الى الجنود العائدين من العراق وأفغانستان، رغم حساسية موقف مثل ذاك، خصوصاً للعسكرية والوطنية الامريكية، ولسيل الدعاية الصاخب.
ويعود السبب الأول في هذا " النسيان"، إذا جاز القول، هو تحوّل انتباه الرأي العام والكثير من الامريكيين الى المشاكل الداخلية وليس الى مأزق العراق، أما السبب الثاني فيعود الى الأزمة الاقتصادية وانهيار الاسواق، والسبب الثالث هو ان الدعاية الامريكية ضجّت بشأن انخفاض موجة العنف في العراق، لاسيما إزاء الجنود الامريكيين، الذين وصلت نسبة قتلاهم الى 4320 قتيلاً واكثر من 26 الف جريح حسب الاحصاءات الرسمية، وهي احدى مفارقات الوضع العراقي.
وإذا كان هناك سبب رابع فإن المعركة الانتخابية ذاتها لم توضح الفرق الكبير في الموقف من العراق بين أوباما وماكين، وقد عكست ذلك استطلاعات الرأي العام التي كانت تؤكد أن حرب العراق لا تلقى تأييد الامريكيين بسبب الأزمة الاقتصادية وصعوبات الطاقة والرعاية الصحية ومشاكل وعقبات اجتماعية، وتلك كانت في صلب الاهتمامات التنافسية للمرشحين وتصدّرت أولوياتهم، بما فيها بعض القضايا المثيرة مثل حق الاجهاض وزواج المثليين وغيرها.
   وإذا اعتقد المرشح الجمهوري ماكين البالغ من العمر 72 عاماً والمشارك في حرب الفيتنام، ان الأمن القومي هو الورقة " الرابحة" فإن المرشح الديمقراطي الشاب كانت ورقته الفائزة بامتياز هي قضايا الاقتصاد والرعاية الصحية والخدمات ومسائل اجتماعية تهم المواطن الامريكي، وبخاصة جمهرة الفقراء أو من هم دون خط الفقر البالغ عددهم أكثر من 40 مليون نسمة، ولعل هذا الاصطفاف هو الذي حسم الأمر وحدد الأولويات على نحو واضح ودون لبس أو غموض.
لقد عكس التحول غير المتوقع في الأحداث السياسية كفة الرجحان الى أوباما وبرنامجه الاجتماعي والاقتصادي وليس للسياسة الخارجية حسب، بعد أن كانت الانتخابات النصفية في الكونغرس الامريكي عام 2006 ترفع شعار الانسحاب من  العراق عالياً، وهي المسألة التي لعبها الديمقراطيون على أحسن وجه آنذاك.
وقد ظن ماكين أن سياسة زيادة القوات قد نجحت لذلك تمسّك بها، في حين أنها أصبحت ورقة محروقة كما يقال، وأن النجاح كان يعني صرف الانظار الى مسائل أخرى، وهو ما سعى أوباما للعزف عليه بايقاع مؤثر، وهكذا تماهى الموقف بين الفريقين في مسألة الانسحاب التدريجي من العراق، في حين ظلاّ يختلفان في المدة الزمنية، مثلما يختلفان حول التاريخ والماضي.
وكان أوباما قد أعلن ان القوات الامريكية ستنسحب من العراق، بينما قال منافسه الجمهوري الذي انهزم شر هزيمة أن وعود الانسحاب تتسم بالتهور، لكنه رأى فرصة لخفض حجم القوات، وهذه الارضية المشتركة للانسحاب، رجحت كفة أوباما، خصوصاً بإيلاء اهتمام أكبر للقضايا الاقتصادية والاجتماعية.
ان الجنود الامريكان الذين ما زالوا حتى الآن يستقبلون في مطار دالاس بعبارات "بارك الرب أمريكا" و" شكراً للرب"، كانوا يقابلون عند عودتهم من فيتنام بالازدراء والاهانة، خصوصاً عندما أصبح الرأي العام ينظر الى استمرار حرب فيتنام بمثابة كارثة وطنية، الأمر الذي لم يتحقق في حرب العراق حتى الآن. فهل ستزيد الأزمة الاقتصادية من شعور النسيان أم ستساعد على إعادة النظر بالأولويات وتمهّد لتنفيذ باراك أوباما لوعوده بالانسحاب التدريجي، ذلك السؤال سيتحدد في ضوء تنفيذ الخطة الستراتيجية للرئيس أوباما، خصوصاً عند استحقاق الاتفاقية العراقية- الامريكية في نهاية العام 2011!؟
إن تكاليف غزو العراق وصلت الى 3 تريليون دولار وفقاً لتقديرات جوزيف ستيكليتز ولندا بيلمنس، فهل كانت هذه خطة محكمة لاستنزاف الولايات المتحدة؟ الجواب هذه المرّة جاء من أسامة بن لادن وهو جالس في كهفه الذي قال في تشرين الثاني (نوفمبر) 2004 وهو يفخز بنجاح ستراتيجيته في جعل أمريكا تنزف الى حد الافلاس، حين ردد ساخراً: أن كل دولار أنفقته القاعدة في حملتها كلّف الامريكان بالمقابل مليون دولار.
وإذا كان أوباما بذكائه وحضوره قد استطاع تحسس جزء مهم من نبض الشارع الامريكي عندما لامس قضاياهم الحياتية مباشرة ودعا الى تنظيم الأسواق وأن على الحكومة أن تلعب دوراً لا غنى عنه في مسار الاقتصاد، الأمر الذي جعل ماكين يهاجمه باعتباره " اشتراكي"، وهي تهمة نفعته بالقدر التي أضرّت ماكين.
فهل سيدرك أوباما أن السياسة الداخلية ليست بمعزل عن السياسة الخارجية، وهذه الأخيرة التي هي انعكاس للسياسة الداخلية ووجه آخر من وجوهها، ولا يمكن تحقيق نجاح في أحدهما والاخفاق في الأخرى، لأن الفشل سيمسح النجاح، وما عليه إذا أراد انجاز برنامجه الاجتماعي – الاقتصادي وامتصاص الأزمة المالية الطاحنة، الاّ إعادة النظر بسياسة واشنطن الخارجية، والاسراع بتنفيذ وعوده بالانسحاب من العراق مثلما أعلن ذلك، وقبل فوات الأوان. وكما يقال ليس المهم تحقيق الفوز، بل المحافظة عليه والسعي لمواصلته وتوسيع دائرته، فهل سيستطيع أوباما أن يفعل ذلك وكم سيحتاج من الوقت؟ ومن أين سيبدأ؟
هذه أسئلة واجهت الرئيس أوباما منذ أن وطأت قدماه عتبة البيت الأبيض، وستظلّ تلحّ عليه وتضغط بشدة إن لم يجد أجوبة مناسبة لها.

5- أوباما " شرق أوسطياً "!!

لاشك ان سياسة الرئيس بوش والجمهوريين خلال السنوات الثمان كانت هي الأسوأ، لاسيما بخصوص المسألة الفلسطينية والصراع العربي- الاسرائيلي، حيث أدخلت الولايات المتحدة في نفق مظلم زاد منه قتامة المشهد السياسي، خصوصاً بعد احتلال العراق.
ولهذا استبشر الكثير من العرب بالهزيمة التي مني بها الجمهوريون، وعبّروا عن ارتياحهم للفوز الساحق الذي حققه الديمقراطيون بفوز باراك أوباما، ويأتي نجاحه بعد فترة قاسية بالنسبة للعرب والفلسطينيين، حيث زادت من صورة الولايات المتحدة سلبية وتدهوراً في العالم العربي، فإضافة الى احتلال العراق العام 2003، فقد بررت واشنطن لاسرائيل عدوانها على لبنان العام 2006 معتبرة ذلك ولادة جديدة للشرق الأوسط، على حد تعبير وزيرة خارجية الولايات المتحدة كونداليزا رايس خلال العدوان، وحاولت واشنطن ثني مجلس الأمن الدولي من إصدار أي قرار يدعو الى وقف القتال، ناهيكم عن إدانة اسرائيل، متنصلة عن موقعها الدولي باعتبارها عضوا دائم العضوية في مجلس الأمن الدولي، إضافة الى كونها معنية بشكل خاص بالملف العربي – الاسرائيل.
وقد وصلت القضية الفلسطينية في فترة رئاسة بوش الى طريق مغلق بسبب التعنت الاسرائيلي والعنف والارهاب الذي مارسته اسرائيل خلال الفترة المنصرمة، خصوصاً بعد تعثر اتفاقيات أوسلو، ومسار خارطة الطريق الفلسطينية- الاسرائيلية، وبالأخص الآفاق المضببة التي واجهتها قبل نهاية العام 1999 وحتى الآن، بما فيها بعد ذلك بناء جدار الفصل العنصري وتقطيع أوصال الارض الفلسطينية ومحاصرة الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات وتطبيق عقوبات اقتصادية مشددة ضد قطاع غزة خلافاً للشرعية الدولية ولمبادئ حقوق الانسان وقواعد القانون الدولي الانساني.
لعل بعض العرب يتوقعون أن يقدّم الرئيس أوباما شيئاً جديداً مختلفاً عن ادارة بوش، وهو وإن كان ممكناً، الاّ أنه ينبغي أن نأخذ بنظر الاعتبار ثبات أهداف السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط مع تغيير الرؤساء، إضافة الى  تغلغل النفوذ الصهيوني واللوبي المساند لاسرائيل مالياً واقتصادياً واعلامياً وحكومياً، لكن الأمر يحتاج الى جهود ومثابرة ونضال على مختلف الجبهات وبجميع الأسلحة، وذلك ما ينبغي على العرب أن يأخذوه بالحسبان عند التصدي والمعالجة للقضية الفلسطينية وللصراع العربي – الاسرائيلي، سواءً  من خلال  تفعيل المبادرة العربية لعام 2002 أو ما بعدها، باتجاه حل يؤدي الى اقامة دولة فلسطينية على أساس حق تقرير المصير، وإن كان لا يلبّي كامل طموحات الشعب العربي الفلسطيني.
وإذا كانت الأزمة المالية التي لم يشهد لها العالم مثيلاً بعد الكساد العالمي والانكماش الاقتصادي للفترة 1929-1933، فإن الأولويات ستتجه بلا أدنى شك لمعالجة هذه الأزمة، بما فيها النفقات الباهظة للحربين المفتوحتين منذ عام 2002 و2003 وأعني بذلك الحرب في أفغانستان والحرب في العراق.
لكن الرئيس أوباما الذي كان قد أبدى اهتماماً خاصاً بالشرق الأوسط، عشية انتخابه بما في ذلك زيارة فلسطين ولقاء الرئيس محمود عباس، ليس بوسعه التقدم بتحركات واسعة ونشيطة على هذا الصعيد، إن لم يتبين هناك رغبة شديدة وقدرة على التأثير لفتح هذا الملف المعقد، والذي كان منذ عهد كلينتون قد توقف عند تأييد قيام دولة فلسطينية، لاسيما في أشهره الأخيرة، لكنه لم يمضِ قدماً، حيث بهتت الدعوة وبردت همّة الداعين اليها في ظل تصاعد الارهاب الاسرائيلي، فازدادت الصورة سوءًا وقتامة، خصوصاً بعد قمع الانتفاضة السلمية الفلسطينية منذ 28 أيلول (سبتمبر) 2000 وحتى الآن، وقد تدهور الأمر على نحو مريع بعد أحداث 11 أيلول (سبتمبر) الارهابية- الاجرامية التي حصلت في الولايات المتحدة والتي استغلتها اسرائيل أبشع استغلال، فشنّت حملات متتالية لقمع الفلسطينيين وملاحقتهم واتهامهم بالارهاب.
كيف للرئيس أوباما أن يبدأ سياسة نشطة في الشرق الأوسط، بعد أن راوحت الولايات المتحدة في مكانها طيلة السنوات الثمان، هل بتعيين رام بنيامين مانوئيل كبيراً لموظفي البيت الأبيض (الأمين العام )!؟ وهو من أصل يهودي (اسرائيلي)، وأدّى الخدمة في جيش الدفاع الاسرائيلي العام 1997، وتطوّع في مكتب تجنيد تابع للجيش الاسرائيلي في فترة سبقت حرب الخليج الاولى ضد العراق العام 1991، كما أشرنا.
جدير بالذكر ان بنيامين والد رام مانوئيل كان عضواً في منظمة الارغون السرية الصهيونية ، التي مارست أعمالاً ارهابية في فلسطين منذ العام 1931 ولغاية العام 1948، أي حتى قيام اسرائيل في 15 أيار(مايو) 1948، وقد هاجر هو وأسرته الى شيكاغو في الستينات، كان قد صرح بعد تعيين ولده مانوئيل بأن اختيار ابنه سيكون عاملاً مساعداً للتأثير على الرئيس أوباما ليكون صديقاً لاسرائيل، ولم يكن هو عكس ذلك، لكن والد مانوئيل يريده أكثر صداقة وحميمية مع اسرائيل، وهذا يعني فيما يعنيه ادارة الظهر عن العرب والفلسطينيين، والتخلي عن دور الرعاية أو الضامن لاتفاق خارطة الطريق، أو وضعها ومعها فكرة الدولة الفلسطينية في الأدراج، ولعل ذلك سعي ثابت من جانب اسرائيل مع جميع الرؤساء الامريكان جمهوريون كانوا أم ديمقراطيون!!؟ فهل ستفلح اسرائيل في ذلك أم أن الأمر سيكلّف واشنطن خسائر جديدة فادحة، وهي الخسائر التي كانت سبباً في تدهور شعبية الرئيس بوش وحزبه الجمهوري!؟
إذا أراد الرئيس أوباما أن يعيد جزءًا من " صدقية" الولايات المتحدة لاسيما في الشرق الأوسط، تلك التي نزلت الى الحضيض، فما عليه الاّ اتخاذ سياسة نشيطة ومتوازنة بحيث تضغط على حليفتها اسرائيل لتنفيذ مقررات ما يسمى بالشرعية الدولية رغم انتقامها من مبادئ القانون الدولي المعاصر أحياناً.
ولعل التخلص من هيمنة " الصقور" الذين مسكوا بمقاليد البيت الأبيض طيلة ثمان سنوات وسياسات التصعيد التي عرفتها واشنطن منذ أحداث 11 أيلول (سبتمبر)، والضغط على حكومة اسرائيل ولاسيما بعد وصول نتنياهو الى سدة الحكم للامتثال بخيار الدولتين، في حين أن اخذت تشدد على أطروحة تطالب بها العرب " الاعتراف باسرائيل دولة نقية لليهود" ، الأمر جعل الأفق غائم وزاد من احتمالات استمرار الحال على ما هو عليه، وهذا سيعني فيما يعنيه فشل في واحد من الملفات المهمة والساخنة التي ستلقي ظلالها على العرب والفلسطينيين!!

أوباما: شرق أوسط ممكن.. شرق أوسط مستحيل!

انطفأ الحديث الذي راج خلال السنوات الماضية، لاسيما في فترة الرئيس بوش بخصوص " الشرق الأوسط الكبير"، والذي استُبدِل أو طُوِّر الى فكرة "الشرق الاوسط الجديد" التي روَّجت اليها وزيرة خارجية الولايات المتحدة كونداليزا رايس خلال العدوان الاسرائيلي على لبنان في 12 تموز (يوليو) 2006 حين قالت : أنه مخاض حيث سيولد بعدها شرق أوسط جديد، لكن تلك " النبوءة: لم تتحقق، بل إن الذين دعوا اليها سرعان ما عادوا يتحدثون عن الاستقرار والأمن بعد مشاريع وطموحات كبرى بحلول ربيع الحرية وبزوغ شمس الديمقراطية، لا في العراق حسب، بل في عموم المنطقة، الأمر الذي سيضعُ هذه الاخفاقات والطموحات غير الواقعية أمام الرئيس أوباما.
ولعل الشرق الأوسط البوشي (الأب) والكلينتوني والبوشي (الابن)  لم يكن ممكناً، لاسيما في ظل اختلال موازين القوى بين العرب والاسرائيليين، حيث وصلت اتفاقيات أوسلو التي تم التوقيع عليها عام 1993 الى طريق مسدود بسبب النهج الاسرائيلي المتعنّت والممالئة الامريكية التي أدّت الى استخفاف تل أبيب بقرارات الشرعية الدولية والتنكر لحقوق الشعب العربي الفلسطيني. فهل سيتمكن الرئيس أوباما وضع خطة جديدة وانتهاج سياسة واقعية من شأنها أخذ تكوينات الشرق الأوسط بنظر الاعتبار، لا برسم سياسة أثبتت حتى الآن استحالتها لتغيير خارطة الشرق الأوسط طبقاً لهوى الادارة الامريكية ومشاريعها الامبراطورية الحالمة، بل بالنظر الى امكانية تطبيقها واقعياً على الارض، حتى وإن كانت بمرارة أيضاً!؟
سيكون التفكير بشرق أوسط ممكن أو واقعي هو أحد التحديات التي تواجه الرئيس أوباما، إذ أن ذلك سيكون محل اختبار لمدى نجاحه في تجاوز السياسات الخاطئة التي اتبعها سلفه الرئيس بوش، حيث أنها كانت الأسوأ في تاريخ المنطقة، وفقدت الولايات المتحدة صدقيتها لا أمام خصومها التقليديين حسب، بل حتى بالنسبة لأصدقائها المقربين، وضعُفت الى درجة كبيرة، الكثير من عوامل الوصل وجسور الثقة بينها وبين العرب.
وقد ساهمت أحداث 11 أيلول (سبتمبر) الارهابية الاجرامية في قتامة الصورة، خصوصاً بعد ردود الفعل الخاطئة والتي ألحقت ضرراً بسمعة الولايات المتحدة كدولة عظمى لها مسؤولياتها في إطار المُنتظم الدولي، لاسيما في مجلس الأمن التابع  للأمم المتحدة، كعضو دائم العضوية.
وإذا كانت فترة الثمان سنوات الماضية قاسية في الشرق الاوسط بشكل عام فإنها كانت الاقسى بالنسبة للعرب، خصوصاً في فلسطين والعراق ولبنان ويمكن أن نضيف عليها السودان والصومال وغيرها، حيث شهدت احتلالاً للعراق العام 2003 بعد احتلال أفغانستان العام 2002 وعدواناً اسرائيلياً بتشجيع أمريكي على لبنان العام 2006، وحصاراً ما زال مستمراً على غزة بعد العدوان عليها (أواخر العام 2008 ومطلع العام 2009)، ناهيكم عن تدهور في المسار السلمي ووصول اتفاقيات أوسلو الى طريق مسدود منذ العام 1999.
ولم تفلح كل محاولات اعادة الروح الى اتفاقيات أوسلو وتحريك المسار السلمي المتعثر، رغم اجتماعات واي ريفر وخارطة طريق جديدة، بل انها سارت باتجاهات أخرى، خصوصاً في ظل عاملين أساسيين: الاول- استمرار العنف والارهاب، لاسيما المتمثل بـ حصار غزة بعد حصار الرئيس عرفات حتى وفاته وبناء جدار الفصل العنصري والثاني – تخلّي الولايات المتحدة عن دور الراعي أو الضامن وانحيازها الكامل الى اسرائيل، الأمر الذي فاقم من تردي الاوضاع وتدهورها.
وإذا أضفنا موضوع احتلال العراق وما تبعه من انفلات أمني وعنف طائفي وتشظي مجتمعي واستشراء الميليشيات وتفشي الفساد والرشوة الى درجة مريعة، ناهيكم عن ورطة الجيش الامريكي ذاته في حرب لا نهاية لها، فإن التغيير سيتخذ طابعاً أكثر إلحاحاً بخصوص الستراتيجية العامة، وهو ما وعد به الرئيس أوباما في حملته الانتخابية، التي اتخذت من " التغيير" Change عنواناً، سواءً  على الصعيد الداخلي أو على الصعيد الخارجي.
هل سيكون ممكناً بالنسبة للرئيس أوباما تحويل منطقة الشرق الأوسط الغنية بالحضارة والثروة والتنوع الثقافي، الى منطقة سلام، بدلاً من الحرب والعدوان والحصار، وهدر حقوق الانسان؟ وكيف السبيل لدور للولايات المتحدة إذا ما قررت ذلك؟
ولعل هذا الأمر يضع عدداً من الاستحقاقات أمام الادارة الامريكية:
1-   اتخاذ سياسة معتدلة في الشرق الأوسط، لاسيما بين العرب والاسرائيليين، الأمر الذي يتطلب أولاً وقبل كل شيء كإجراء عاجل وانساني، انهاء حصار غزة وفتح جميع المعابر وتيسير حركة السكان المدنيين بإنسيابية على نحو يضمن حقوق الانسان الجماعية والفردية، وتهيئة المستلزمات لتمكين الشعب العربي الفلسطيني من تقرير مصيره بنفسه وإقامة دولته الوطنية المستقلة وعاصمتها القدس وعودة اللاجئين الفلسطينيين ووقف المستوطنات، طبقا للشرعية الدولية والقرارات الدولية 181 و194 و 242 و338. وهذا يعني مواصلة الجهود التي بذلها الرئيس كلينتون بشأن " الدولة الفلسطينية" ، لاسيما في آخر عهده، والتي بردت أو تكاد تكون تلاشت في عهد الرئيس بوش.
2-   تنفيذ الوعود التي اطلقها الرئيس أوباما بالانسحاب من العراق و"انهاء الاحتلال"، والشروع بتخفيض القوات الامريكية، ولعل هذا الأمر لا يتعلق بالعراقيين حسب، وإنما يتعلق أيضا بمأزق السياسة الامريكية  وأزمتها الاقتصادية الطاحنة، التي انعكست على العالم أجمع، خصوصاً تحمّل أعباء وتكاليف حربين مفتوحتين منذ العامين 2002 و2003 ومعها "الحرب على الارهاب الدولي" منذ العام 2001، وهي حروب حقيقية وبلا حدود، وهذا يتطلب من الرئيس أوباما مراجعة جدية وخطوات عاجلة وسريعة، بدلاً من الاستمرار في التوغّل بالمزيد من الأخطاء والخطايا.
وإذا كان الأمر يقتضي عدم حصول فراغ سياسي وأمني وعسكري، وهو مسألة مشروعة ومهمة فلا بدّ من نقل المسؤولية مؤقتا الى الأمم المتحدة بصورة تزامنية تبدأ مع الانسحاب، وهذا يحتاج الى تعهدات من المجتمع الدولي بحماية سيادة العراق لدى تعرّضها للانتهاك من أي طرف خارجي، وتعهد عربي وإقليمي بمساعدة العراق، على إعادة الاعمار، وذلك في إطار خطة ستراتيجية دولية، لمعافاة العراق الأمر الذي يمهد لإجراء انتخابات ديمقراطية باشراف دولي وفي إطار التعددية واحترام حقوق الانسان وفي ظل الخيار الديمقراطي، الذي ينبغي أن يكون حاسماً ولا عودة فيه.
ولعل هذه الخطوة تتطلب اسقاط جميع الديون عن العراق وتعويضه عما لحق به من غبن وأضرار طيلة السنوات الماضية والعمل على اخراجه من الفصل السابع الخاص بالعقوبات طبقاً لميثاق الامم المتحدة، بل والأكثر من ذلك تعويضه عن الخسارة البشرية، لاسيما في العقول والأدمغة ونهب الآثار والممتلكات التاريخية، وتتطلب العدالة الدولية مساءلة المتهمين بممارسة التعذيب وانتهاك حقوق الانسان والمُفسدين ومن قاموا بهدر المال العام في فترة الحاكم المدني بول بريمر أو ما بعده.
3-   اتخاذ علاقة متوازنة تقوم على أساس الحوار والمصالح المشتركة والمنافع المتبادلة مع سوريا، والسعي لإحداث نوع من الانفراج لتنقية الاجواء بدلا من توتيرها مع لبنان، والضغط على اسرائيل للامتناع عن العدوان مجدداً على لبنان واحترام سيادته وإعادة مزارع شبعا اليه، وإعادة الجولان الى سوريا في إطار تسوية سلمية شاملة، الأمر الذي يقتضي أيضاً فتح حوار مع إيران، طبقاً لخطة بيكر- هاملتون (أواخر العام 2006) واشراكها وسوريا في بحث حلول ايجابية في المنطقة.
اما موضوع الملف النووي الايراني الشائك والمعقد، فهو يحتاج الى الصبر والمزيد من الحوار والتفاهم والضغط الدولي السلمي لتقديم ضمانات حول الوجهة السلمية للمفاعلات النووية الايرانية، وطبقاً للمتطلبات والمعايير الدولية لمنظمة الطاقة وللمعاهدات والاتفاقية الدولية بهذا الخصوص، وعدم الاستخدام للأغراض الحربية، وسيكون الأمر ممكناً إذا ما توفرت فرصة السلام الحقيقي، خصوصاً بإقامة الدولة الفلسطينية  والانسحاب الامريكي من العراق، إذ أن مثل هذه الأجواء ستنعكس على ملف العلاقات الايرانية- الامريكية إيجاباً.
4-   دمقرطة المنطقة، ولعلها المسألة الملحّة الأخرى، بل هي الوجه الثاني للسلام والتقدم والتنمية، ذلك تشجيع خطط الاصلاح والتحديث والدمقرطة في المنطقة يقتضي فتح حوارات على المستوى الدولي لتنشيط ثقافة الديمقراطية واحترام حقوق الانسان، لدى الجميع، الأمر الذي يتطلب احترام المعايير الدولية، لاسيما قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الصادر في 4 كانون الاول (ديسمبر) العام 2000، القاضي بالتنوع الثقافي وعدم وجود موديل واحد للديمقراطية مع تاكيد احترام خاصيات الشعوب والأمم وتراثها الانساني، إضافة الى المشترك الانساني الدولي. ولعل هذا الأمر يتطلب اشراك المجتمع المدني ومؤسساته في القرار وتطويق الارهاب، خصوصا ببحث أسبابه وجذوره الاجتماعية والاقتصادية ومعالجة آثاره بهدف القضاء عليه واستئصال شأفته ووضع حد لهذه الظاهرة المشينة.
وبقدر نجاح أوباما في مواجهة هذه التحديات بشجاعة وجرأة سيكون قد حقق له وللولايات المتحدة ولمنطقة الشرق الأوسط، فرصة كبيرة للسلام الممكن وليس المستحيل وهذا بدوره سيسهم في تعزيز التنمية والديمقراطية والتخلص من إخطبوط الارهاب الدولي.!!


نشرت في مجلة الغدير العدد 48 خريف 2009

496
كوبا: رؤية ما بعد الخمسين (4)
عبدالحسين شعبان

«جيفارا والأممية البيروقراطية»

ثمة إشكالية فكرية وخلافات نظرية وتكتيكية كانت قد أخذت طريقها بين الحزب الشيوعي الكوبي المتأثر بالنهج السوفييتي، وبين الاتجاه الثوري لكاسترو وجيفارا ورفاقهما. وكانت الأطروحة الشيوعية الرسمية تشكك بإمكانية نجاح ثورة جبال السيرامايسترا واستخدام البؤر الثورية والتركيز على دور الطليعة والنخبة بدلاً من دور الجماهير وقناعاتها، لاسيما تجاوز دور الحزب والسعي لحرق المراحل لإنضاج الظروف الموضوعية وتسريع إنضاج الظروف الذاتية، ولهذا السبب ناصبت الحركة الشيوعية الرسمية العداء للاتجاه الكاستروي- الجيفاري، وهو ما كان سائداً ضمن الخط السوفييتي، خصوصاً بتفضيل أسلوب النضال السلمي والسياسي وإعراضها عن أسلوب الكفاح المسلح، بل تسفيهه.
وقد انعكس ذلك لاحقاً على تطور العلاقات الكوبية- السوفييتية وفي الموقف من تشي جيفارا أيضاً، الثوري الذي ظل حالماً، فيوم أنهى دراسته في كلية الطب العام 1953 قام بجولة بموتور سايكل في أنحاء القارة الأميركية ليتعرف على أوضاعها ويتحسس الظلم الذي تعاني منه. وفي العام 1954 التقى بصديقته (الليدا) Aleida التي تزوجها لاحقاً، وكان تشي جيفارا قد التقى بكاسترو بعد فشل المحاولة الثورية الأولى واعتقال عدد من القيادات الثورية بينهم كاسترو وجيفارا وراوؤل في المكسيك، وهناك اتفقا في عهدٍ لا انفصام فيه على مشروع الثورة، التي كان كاسترو منظّرها ومحاميها وكان تشي جيفارا أحد أبطالها وطبيبها.
في شهر ديسمبر عام 1956 غادرت ثلة من الثوار نحو الشواطئ الكوبية، وكان عددهم 82، وكانت المفاجأة يوم انتظرهم رجال باتيستا، ولم يبقَ منهم إلا 21 مناضلاً. بعد الثورة حظي تشي جيفارا بمكانة كبيرة وأصبح رمزاً لجيل الشباب الثوري، ليس في أميركا اللاتينية حسب، بل في العالم أجمع، لدرجة أن تقليعة شعره وقبعته العسكرية أصبحتا أحد موديلات العصر. لم يطق أن يكون وزيراً للصناعة ومسؤولاً في الحزب والدولة التي شهدت تحالفاً ثورياً جديداً بانضمام المجاميع الثورية بما فيها الحزب الشيوعي إلى جناح فيدل كاسترو وتتويجه زعيماً على البلاد دون منازع، وقد يكون ذلك أحد أخطاء الثورة التي أنهت عهد التعددية والمنافسة المشروعة ودفعت البلاد باتجاه الواحدية والمركزية والصرامة والحزب الواحد، وزاد من هذا التوجه السلطوي الشمولي، استمرار الحصار الأميركي الجائر، وما تركه من تأثيرات سلبية عميقة، نفسية واجتماعية على المجتمع الكوبي.
ورغم التصالح الكوبي- السوفييتي فإن موقف تشي جيفارا والثورة الكوبية ظل ملتبساً بالنسبة للحركة الشيوعية العالمية، قبل وبُعيد أزمة الصواريخ العام 1962، وعندما زار كاسترو الاتحاد السوفييتي في زيارة سرّية استغرقت مدة 35 يوماً، عاد وقلبه مملوء بالقيح للبيروقراطية والفوارق الطبقية بين القيادات والجماهير، وتبدد الحلم الثوري، خصوصاً في ظل تفاقم الصعوبات والأخطاء والتحديات.
أما عندما زار تشي جيفارا الاتحاد السوفييتي لأول مرة فقد استقبله أمين عام الحزب نيكيتا خروشوف بالأحضان، ولم يكن هو مرتاحاً من تلك الزيارة، وانتقد الأوضاع كثيراً وعبّر عن تبرمه، الأمر الذي لم يحبّذه السوفييت، الذين كانوا يرغبون في أن يقدّم إليهم زعماء الأحزاب الشيوعية الولاء والطاعة ويعلنون جهاراً نهاراً عن تأييد كامل سياساتهم وتوجهاتهم، حتى إزاء بلدانهم أحياناً.
في الزيارة الثانية لم يستقبله مسؤول سوفييتي كبير واكتفوا بموظف حزبي من وزارة الخارجية، لأن حبل الود بينه وبينهم قد انقطع، وذلك جزء من عدم الارتياح سواءً اتفق ذلك أو تعارض مع البروتوكول الدبلوماسي، فالمركز الأممي لم تكن تهمّه كثيراً مثل تلك الاعتبارات، لاسيما في ظل بيروقراطية الدولة وآلتها التي أكلت الثوريين، فتحولوا في الكثير من الأحيان إلى مجرد موظفين لا قلب لهم، في حين كان جيفارا يضع قلبه وعقله في مكان واحد.
وعندما قرر تشي جيفارا الذهاب إلى الكونغو لم يُطلع السوفييت على سرّ رحلته، الأمر الذي أغاظهم كثيراً، وحاولوا النيل منه لأنه حسب التبريرات السائدة كانت خطوته تهديداً لسياسة التعايش السلمي، وهو الموضوع الذي كانوا يحرصون عليه أشد الحرص، حتى قيل إنهم كانوا لا يتورّعون عن إعلان معارضتهم لسياسات حلفائهم «انسجاماً» مع ما سُمّي «سياسة الوفاق الدولي». أما في بوليفيا فقد كانت المسألة أكثر سوءا حين اتخذ الحزب الشيوعي البوليفي موقفاً أقرب إلى العداء، وأكثر من النقد والاختلاف الفكري من تشي جيفارا، وأشيع في حينها أن كشف مكان تشي جيفارا الذي بذلت فيه الـ CIA جهوداً مضنية لم يكن بمعزل عن تواطؤ مباشر أو غير مباشر مع الـ KGB عبر اختراقات ملتبسة ومعقدة، رغم أن هذه المسألة لم تظهر حولها دراسات كافية حتى الآن، لاسيما من جانب الأوساط المتنفذة آنذاك، وهو ما حاولت أن أناقش فيه مرافقي إدواردو البالغ من العمر 45 عاماً والمتحدث الممتاز باللغة الإنجليزية، الذي رافقني من منتجع فراديرو، إلى مدينة سانتا كلارا الشهيرة في محافظة فيلا كلارا، إلى مدينة ترنيراد التاريخية الجميلة، والتي كانت ضمن إحدى خطط الـ CIA لغزو كوبا في الستينيات.
في 8 نوفمبر 1967 أعلن عن مقتل تشي جيفارا ولم يعثر على رفاته إلا بعد مرور 30 عاماً أي في العام 1997 فنقل إلى مقبرة سانتا كلارا وإلى جانبه صديقته الألمانية تمارا بونكر المعروفة باسمها الحركي «تانيا» التي ربطته بها علاقة متميزة وأثيرة. إن صورة جيفارا الشهيرة التي التقطها المصور كوردا تجوب العالم اليوم، وهي تعود مثل طائر العنقاء تحط على الصدور والقمصان والمحفظات وعلب الموسيقى وتتصدر بروشورات العروض المسرحية والأفلام وقصائد الشعر والروايات والمنحوتات والدراسات والأبحاث. إن صورة جيفارا اليوم تزيّن البيوت والمكاتب والقاعات والساحات، والأهم من ذلك أنها تسكن في قلوب النساء والرجال، ولاسيما الشباب منهم من ألوان وأجناس وأمم وشعوب وقوميات ولغات وأديان شتى.
الصورة ليست للتسويق أو «الماركيتنغ» كما يتم التداول، بل تختزل كل الأشياء الآن، فهي لرمز صنع نفسه وصنعته الأحداث، لبطولة ورومانسية ومثالية نادرة، لذلك الحلم الغامض الذي ظل يلفّ كل عقل جيفارا، وكان يردد ما كان إنجلز يكتبه: «السعادة في النضال والتعاسة في الخنوع».
إن صورة جيفارا ليست مدفوعة الثمن، إنها ملك مشاع لكل من يرغب للتمثل به أو إحياء ذكراه.

• باحث ومفكر عربي

صحيفة العرب القطرية ، العدد 7834، الاثنين 23 نوفمبر 2009 م - الموافق 6 ذو الحجة 1430 هـ


497
في تجربة الفيدراليات ودلالاتها عراقياً!
المستقبل - السبت 21 تشرين الثاني 2009 - العدد 3490 - رأي و فكر - صفحة 17


عبد الحسين شعبان()
يكشف البروفسور شيرزاد النجار في مقدمته لترجمة دستور ولاية بفاريا (عن اللغة الألمانية) عن حيثيات علاقة السلطات الفيدرالية الاتحادية وسلطات وصلاحيات الاقاليم، تلك التي يجسّدها دستور ألمانيا الاتحادي الصادر في 23 ايار (مايو) 1949، وذلك بعد وقوع المانيا تحت الاحتلال إثر هزيمة النازية في الحرب العالمية الثانية.
ولعل البروفسور النجار بما عُرف عنه من علم ومعرفة وخبرة أراد أن يسلط الضوء على الفكرة الفيدرالية، لا باعتبارها فكرة مجردة أو نظام متخيّل، بل عندما تصبح واقعاً من خلال التطبيق، لاسيما بتحديد سلطات وصلاحيات الاقاليم في إطار دستور اتحادي من جهة، ودستور اقليمي من جهة ثانية.
وإذا كانت الفكرة الفيدرالية قد أصبحت محل نقاش ومدار حوار منذ عقدين من الزمان في العراق، اتفاقاً واختلافاً، لاسيما بعد اقرارها كمبدأ في المعارضة العراقية في مؤتمر صلاح الدين (تشرين الثاني/ نوفمبر 1992)، وإن كان الاسلاميون قد تحفظوا عليها بوضع مصطلح مرادف لها " الولايات"، كما هي في الدولة الاسلامية القديمة، فإنها في التطبيق العملي واجهت تجاذبات وافتراقات حادة باختلاف أجندات وخلفيات ايديولوجية، ومواقف تاريخية.
وبين تأييد خافت أو تنديد باهت أو رفض ثابت، بدأت مناقشة الفكرة الفيدرالية ما بعد الاحتلال، لاسيما باقرارها في قانون ادارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية العام 2004، أو في الدستور العراقي الدائم الذي تم الاستفتاء عليه في يوم 15 تشرين الاول (اكتوبر) 2005، وأجريت الانتخابات على أساسه يوم 15 كانون الاول من العام ذاته.
وإذا كان اقرار النظام الفيدرالي من طرف واحد في البرلمان الكردستاني يوم 4 تشرين الاول (اكتوبر) العام 1992، فإن الاطراف المشاركة في العملية السياسية، بغض النظر عن تأييدها أو لتحفظها وافقت في نهاية المطاف على الفيدرالية، وإن كان كل طرف فسّرها حسب ما يريد أو يشتهي، لاسيما في ظل الاستقطابات والاصطفافات السياسية، حيث نظر اليها البعض كصفقة سياسية أو تكتيك لمعارضة طرف في السلطة أو خارجها، او لكسب الحركة الكردية ضد خصومه، خصوصاً وان الفيدرالية الكردية أصبحت كأمر واقع وتحصيل حاصل.
ان اضاءة البروفسور النجار لها أكثر من دلالة، الاولى تتمثل في كون المانيا عادت وانقسمت بعد ان عاشت فترة الوحدة البسماركية في العام 1871، حيث " ائتلفت" مقاطعاتها الكبيرة والصغيرة في نظام شمولي، وان تميّز فيه جمهورية فاريمار التي مثلت تجربة ديمقراطية يتيمة، الاّ انها انتهت في العام 1932، اثر وصول آدولف هتلر والحزب النازي الى السلطة، وصعود نظام فاشستي شمولي، شديد المركزية والصرامة.
والثانية ان الانظمة الشمولية التي شهدها القرن العشرون، مثلما هو النظام النازي والنظام السوفيتي والانظمة الاشتراكية " التوتاليتارية " السابقة، لم تستطع الحفاظ على وحدتها، بل كانت من أسباب تفكيكها، حيث تحوّلت بفعل نزاعات وحروب الى دول وكيانات، كما هي ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية والاتحاد السوفيتي ويوغسلافيا، في حين انقسمت جمهورية تشيكوسلوفاكيا بطريقة مخملية الى جمهوريتي التشيك وسلوفاكيا العام 1993.
الثالثة إن بعض أنظمة العالم الثالث كثيرة الشبه بالأنظمة الشمولية في أوروبا الشرقية، من حيث المركزية الشديدة الصرامة، وهي الأخرى وصلت الى طريق مسدود، خصوصاً تلك التي تتميز بتعددية قومية وثقافية مهضومة الحقوق، مثلما هو العراق، الأمر الذي يحتاج الى معالجة من خلال نظام جديد، لا مركزي، يأخذ بنظر الاعتبار الحقوق القومية، لاسيما حقوق الكرد.
كأن البروفسور شيرزاد النجار أراد أن يلفت النظر الى أن جزءًا مهماً من مشكلات العراق الراهنة يعود الى الانظمة الشمولية السابقة، التي لا بدّ من ايجاد حلول ومعالجات لها عبر توزيع الصلاحيات والسلطات، وبما ان اقليم كردستان هو الوحيد القائم وهو الذي سبق ان اعلن عن رغبته في شكل نظام الحكم باختيار الدولة الاتحادية ، بدلا من الدولة المركزية البسيطة التي قادت الى شكل من الدكتاتورية والتسلط، فإن هذا الواقع ينبغي التعاطي معه على أساس دستوري وقانوني، ولعل الاطلاع على تجارب الفيدرالية، ومنها تجربة ألمانيا ودستور بافاريا قد يكون مفيداً للاستلهام وليس للتقليد، وهو ما قصده النجار.
أعتقد أن مشكلات كركوك اليوم وعقود النفط التي وقعها الاقليم وعلاقة الدستور الاتحادي بالدستور الاقليمي والاحتكاك والحساسيات حول ما سمّي بالمناطق المتنازع عليها، تشكل خلفية لما أراد الدكتور النجار تسليط الضوء عليه حين ترجم دستور بافاريا، لنظام فيدرالي ناجح ومستقر، خصوصاً بتحديد الصلاحيات والسلطات على نحو واضح ويتسم بالتفاهم والمشترك الانساني.
لقد كان الخيار الفيدرالي لألمانيا ما بعد العام 1949 المستند الى نظام ديمقراطي، لا مركزي وتوزيع الصلاحيات والسلطات الاتحادية مع الاقاليم، طريقاً قاد الى ازدهار المانيا ورفاهها، وقد يكون هذا واحداً من أهداف ترجمة دستور بافاريا. وقد ساعد تطور النظام الفيدرالي على استقطاب "الجزء الشرقي" الذي عُرف باسم ألمانيا الديمقراطية، بعد انهيار جدار برلين العام 1989، حيث تحققت الوحدة في إطار نظام فيدرالي ديمقراطي، لألمانيا الموحدة 1990، وهو النظام الذي ضم ستة عشر اقليماً أو ولاية، لها دساتيرها الاقليمية، مثلما هي تنضوي تحت لواء الدستور الاتحادي.
ان الفيدرالية بمعناها القانوني، هي نظام لا مركزي يتم فيه توزيع صلاحيات واختصاصات الدولة بين المركز " الاتحادي" والفروع " الاقليمية" وهي أقرب الى الاتحاد والوحدة منها الى الانقسام والتقسيم، أي أن الدولة الفيدرالية هي دولة واحدة ولها حكومة اتحادية واحدة وجيش واحد وعلاقات دولية واحدة وميزانية واحدة وعلم واحد وتمثل وطناً واحداً غير قابل للتجزئة، الاّ إذا فكرت الأطراف المتحدة فك الارتباط بين بعضها البعض، وذلك هو التفسير القانوني لفكرة الفيدرالية، لاسيما إذا توفرت الثقة بين الأطراف، الأمر الذي يُبعد الهواجس السياسية والقلق إزاء احتمالات الانفصال أو التقسيم، وإن كانت فكرة الانفصال واردة إذا تعذر العيش المشترك وفي إطار حق تقرير المصير، لكنها قد لا تكون بسبب النظام الفيدرالي، بل على العكس من ذلك أحياناً، فقد يكون سببه صيغة نظام الحكم المركزية الشديدة الصرامة، لاسيما الطابع الشمولي الاستبدادي، الذي لم يراع الحقوق للتكوينات المختلفة، وقد تجلّى مثل هذا الامر عملياً في انحلال الاتحاد السوفيتي وبعض دول أوروبا الشرقية.
أما الصفة الثانية للنظام الفيدرالي فهي اللامركزية واحترام الخصوصيات للهويات الفرعية، لاسيما لمجتمع متعدد الأعراق والقوميات والثقافات، أي احتفاظ الاقاليم والكيانات بشيء من استقلاليتها في الادارة والتشريع وبنوع من اللامركزية يتسع أو يتقلص حسب التطور التاريخي، وأظن أن دستور ولاية بافاريا قد حدد ذلك باعتبار بافاريا ولاية حرة مبيّناً لون علمها وشعارها وحقوق مواطنيها في إطار دستورها الخاص وصلاحيات سلطاتها وعدم تعارض ذلك مع الدستور الاتحادي. وقد ذهبت المادة 79 من الدستور الالماني الى تأكيد بعض القواعد الجامدة أو الخالدة، التي لا يجوز تعديلها حفاظاً على طبيعة النظام الفيدرالي.
اما الصفة الثالثة للنظام الفيدرالي فهي تستند الى مبدأ المشاركة والشراكة، أي اشراك الاقاليم والكيانات الفرعية في اتخاذ القرارات واشباعها بصلاحيات محلية لادارة شؤونها واحترام خصوصيتها، وذلك باعتباره حقاً لها. ولعل هذه هي القواسم المشتركة والقواعد القانونية العامة للنظام الفيدرالي سواءً اتسعت أو ضاقت.
وتكتسب دراسة الانظمة الفيدرالية اليوم أهمية بالغة بالنسبة للحوار الدائر حولها عراقياً، لتكوين رأي عام عراقي سياسي وثقافي بعيداً عن العصبيات أو التقاطعات، ولا بدّ هنا من البحث عن المشترك الانساني وفي إطار حقوق المواطنة والمساواة واحترام الهويات الفرعية.
وللأسف الشديد فإن النخب الفكرية والسياسية لم تدرس الأنظمة الفيدرالية دراسة كافية، بقدر ما اتخذت منها مواقف مسبقة، بالتأييد أو التنديد، أو نظرت اليها نظرة رمادية بما يستجيب لبعض مكاسبها الآنية، ولم تطرح مسألة الفيدرالية على الفاعليات والحساسيات الثقافية والمدنية عند مناقشتها بما في ذلك عند مناقشة مسودات الدساتير، وتم الاكتفاء أحياناً باللقاءات الخاصة والغرف الضيقة للجان وهيئات، واعتبرت المسألة من قبيل الصفقة أو المكاسب أو التنازلات التي يمكن أن يقدّمها هذا الفريق لذاك، في حين أن الأمر يتعلق يتحديد طبيعة الدولة وكيانيتها وعلاقة الهوية الجامعة الكبرى، بالهويات الفرعية وضمان حقوقها، مع الحفاظ على حقها في إقامة كيانية خاصة.
ولعل هذا هو ما أراده البروفسور النجار من ترجمته المهمة لدستور ولاية بافاريا، الذي هو إضافة الى المكتبة العربية والكردية في آن، وحسب البروفسور النجار فإن تقاسم المسؤوليات والواجبات ما بين الاتحاد والولايات يتم وفقاً لمبدأ المسؤولية الذاتية، وإذا كانت صلاحيات التشريع بشكل عام بيد الاتحاد، لكن الولايات تمارس الصلاحيات المتعلقة بالشرطة المحلية والادارة المحلية والسياسية والثقافية والتربوية والسياحية وغيرها، وتمارس الولايات الجزء الاكبر من مهمات الادارة والقضاء. وتتمثل الولايات في مجلس الولايات على صعيد الاتحاد، وتستمد هذه المؤسسة صلاحياتها واختصاصاتها من القانون الاتحادي وليس من القانون الاقليمي. وحسب الدستور المحلي لولاية بافاريا فهي حرّة وشعبية وقانونية ثقافية اجتماعية وحكومتها هي السلطة العليا لادارة وتنفيذ ما يتفق عليه برلمان الولاية ولديها محكمة دستورية خاصة، مثلما ذهبت الى ذلك المادة 43.
() كاتب وحقوقي عراقي


498
"إسرائيل" أي قانون دولي تريد؟
   


عبدالحسين شعبان
لم يعر العرب اهتماماً بالقانون الدولي منذ أن اندلع الصراع العربي  الصهيوني، ورغم أن الصراع هو صراع سياسي بالأساس، إلا أنه يجري في سياقات وأطر قانونية، ولعل وراء كل مسألة قانونية هناك مشكلة سياسية، وهو الأمر الذي شغل المحافل الدولية قبل وبعد صدور قرار التقسيم من الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 181 في العام 1947. ولعله منذ ذلك التاريخ والقانون الدولي يلعب دوراً مهماً في الصراع، وربما ازداد وتعاظم هذا الدور في الوقت الحاضر، لاسيما بعد عدوان “إسرائيل” على لبنان في العام 2006 وعدوانها على قطاع غزة أواخر العام 2008 ومطلع العام 2009 والذي دام 22 يوماً بعد حصار شامل استمر أكثر من سنتين.

ومع صدور تقرير غولدستون بشأن الاتهامات الموجهة إلى “إسرائيل” بارتكاب جرائم حرب، والجدل الذي رافقه والاستعادات لبعض المواقف القانونية بخصوص الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية 2004 بعدم شرعية بناء الجدار وطلب تفكيكه وتعويض السكان المدنيين المتضررين، إضافة إلى الطعون المتراكمة ببطلان قرار الكنيست بضم القدس 1980 وقراره بضم مرتفعات الجولان ،1981 فإن الجدل والنقاش القانونيين ازدادا بخصوص موقف “إسرائيل” تاريخياً من القانون الدولي وانتهاكاتها المستمرة والمتصاعدة لقواعده، الأمر الذي لم يستمر توظيفه على نحو سليم من جانب العرب منذ قيام “إسرائيل” العام ،1948 وشنها الحروب المتكررة وتهديدها للسلم والأمن الدوليين وحتى الآن.

ففي ما يزيد على 60 عاماً قامت “إسرائيل” بانتهاك أكثر المعايير والقواعد الاساسية الملزمة في القانون الدولي المسمّاة باللاتينية Jus Cogens دون أن تتعرض للعقاب، والأمر لا يتعلق بالضحايا والمتضررين فحسب، وبالعرب عموماً، بل إن مجلس الأمن الدولي والجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس حقوق الانسان وغيرها من الهيئات والمنظمات الدولية وجهت أصبع الاتهام إلى “إسرائيل”، وهو الأمر الذي كان كثير الشبه بنظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا المنبوذ من المجتمع الدولي والمعاقب من قبل مجلس الأمن الدولي، في حين ظلّت “إسرائيل” طليقة خارج المساءلة والملاحقة الدولية رغم سياساتها المناوئة لنظام العدالة الدولية.

لقد مارست “إسرائيل” سياسة تطهير عرقي منذ قيامها يوم أجبرت نحو 750 ألف فلسطيني على الهجرة من أراضيهم وديارهم في عملية تهجير قسرية. ولعل التطهير العرقي يعتبر إحدى أكبر الجرائم الدولية وهو جريمة ضد الإنسانية، وقد يشكّل جريمة إبادة جماعية.

وتجاهلت “إسرائيل” قرار الجمعية العامة رقم 194 الخاص بعودة اللاجئين الفلسطينيين الصادر في 11/12/،1948 وعندما تقرر قبولها عضواً في الأمم المتحدة 1949 تعهدت بانتهاج سياسة تقوم على احترام مبادئ ميثاق الأمم المتحدة، لاسيما حماية السلم والأمن الدوليين، وهو الأمر الذي قامت بخرقه على نحو صارخ طيلة ما يزيد على 60 عاماً في حروبها وعدوانها على الدول العربية وتنكّرها لحقوق الشعب العربي الفلسطيني، لاسيما حقه في العودة وتقرير المصير بما فيها إقامة الدولة المستقلة. ورفضت “إسرائيل” جميع القرارات الدولية ولم تمتثل لمقتضيات القرار 242 لعام 1967 والقرار 338 لعام 1973 بالانسحاب من الأراضي العربية المحتلة (باستثناء سيناء) مبررة أن تلك القرارات لا تنص على “كل” أو “جميع” الأراضي المحتلة، وهو الأمر الذي يسمح لها بالاحتفاظ ببعض الأراضي العربية، في حجة واهية خلافاً لاتفاقيات جنيف لعام 1949 وملحقيها لعام ،1977 لاسيما الاتفاقية الرابعة “الملزمة ل”إسرائيل” في تعاملها مع الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية، زاعمة أنها تحتل أراضي غير تابعة لدولة ذات سيادة، وهو الأمر الذي تتحدث عنه اتفاقية جنيف الرابعة.

وتحت الحجج والمزاعم القانونية ذاتها تبرر “إسرائيل” عدم انصياعها للرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية بخصوص الجدار ووقف بناء المستوطنات، الذي يعتبر انتهاكاً سافراً لروح اتفاقية جنيف الرابعة، لاسيما للمادة 49 منها. ولعل “إسرائيل” عندما تصرّ على فرض العقوبات الجماعية بحق السكان المدنيين وتقوم بتدمير ومصادرة الأراضي والمنازل وتجريف المزارع بادعاء وجود ضرورات عسكرية أو أمنية، فإنها في الوقت نفسه تتنصل من واجباتها كدولة محتلّة طبقا لقواعد القانون الدولي الإنساني، وعليها حماية السكان المدنيين وتوفير الأمن لهم وتلبية احتياجاتهم الصحية والتعليمية والتغذوية وغيرها.

وتستخدم “إسرائيل” القانون الدولي بطريقة ديماغوجية تضليلية حين توقع على بعض الاتفاقيات الدولية مثل اتفاقية إلغاء جميع أشكال التمييز، واتفاقية حقوق الطفل والاتفاقية الخاصة بمناهضة التعذيب، لكنها في الوقت نفسه تبرر عدم انطباقها على الأراضي العربية المحتلة، في حين تعتبر المعايير الواردة في هذه الاتفاقيات قواعد ملزمة واجبة الأداء، أي أنها Jus Cogens.

وبهذا الصدد يقول جون دوغار المبعوث الخاص لحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، لقد تقصّدت القيام بزيارة الجدار والحديث إلى المزارعين والسكان المتضررين من قيامه، وليس لدي شك بأن الهدف الأساسي من بنائه هو الاستيلاء على الأراضي الفلسطينية بحكم الأمر الواقع Status Que. وبهذا المعنى فهو يفضح ادعاء “إسرائيل” بكون الجدار “سياجاً أمنياً”، الأمر الذي بدأت لا تكترث به اليوم، حين تتحدث عن “إعادة ترسيم حدود “إسرائيل”” وهو أمر يتعارض مع قواعد القانوني الدولي، وهو ما أكدته منظمة مراقبة حقوق الإنسان، ومنظمة أطباء من أجل حقوق الإنسان ولجنة مارتين التي شكّلها الأمين العام للأمم المتحدة للتحقيق بشأن اعتداءات الجيش “الإسرائيلي” على منشآت الأمم المتحدة في غزة، إضافة إلى تقرير غولدستون.

إن “إسرائيل” التي استخفّت بقواعد القانون الدولي بتشجيع وتبرير من بعض القوى الدولية المتنفذة في العلاقات الدولية، ولاسيما الولايات المتحدة، لم تعد تتورع في السعي لتغيير ما استقر عليه العرف والقانون الدولي من قوانين واتفاقيات دولية بشأن “الحرب والقانون الدولي الإنساني” من أجل إطلاق يدها والسماح لها بارتكاب جرائمها تحت مبررات ومزاعم “قانونية” وتحت باب “الحرب على الإرهاب”، الأمر الذي يعني ضمناً إقرارها بارتكاب جرائم حرب في غزة.

ولعل “دولة” بهذا السجل الفاضح، لاسيما بانتهاك الشرعية الدولية لحقوق الإنسان وحق الشعب العربي الفلسطيني في تقرير المصير، ناهيكم عن الممارسات المدموغة دولياً بالعنصرية والتمييز، يجعلها خارج نطاق القانون الدولي، خصوصاً بما تجسّده من استعمار استيطاني إجلائي في وقت تغرب فيه شمس الاستعمار منذ صدور قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة في العام 1960 بشأن تصفية الاستعمار، الأمر الذي يمكن تصنيفه في سياقات العدالة الدولية بكونها “دولة” مارقة، وقياداتها العسكرية والسياسية  قامت بشن حروب وعدوان متكرر على البلدان العربية، ولعل ذلك يحتاج إلى تفعيل وتطبيق قواعد القانون الدولي ونظام العدالة الدولية عليها وملاحقة ومساءلة المرتكبين. وقد كان هذا المدخل موضوع ندوة فكرية مهمة نظمها مركز الزيتونة في بيروت بمشاركة نخبة من المفكرين والباحثين والحقوقيين العرب والأجانب، وقد وجدتُ في الالتفاتة إلى موضوع القانون الدولي، مناسبة مهمة لإعادة بحث قضايا الصراع العربي  الصهيوني، في إطار مقاربات قانونية كجزء من متطلبات المعركة المتعددة الجوانب، إذ لم تعد هناك أية مبررات لإهمال أو الاستخفاف بالعامل القانوني الدولي والمعركة القانونية الدبلوماسية التي تحتاج إلى تكريس وتراكم العلم والمعرفة والخبرة والعمل الطويل الأمد.

باحث ومفكر عربي
صحيفة الخليج الاماراتية الاربعاء 18/11/2009


499
كوبا: رؤية ما بعد الخمسين (3)
عبدالحسين شعبان
2009-11-16
جيفارا: رمزية الصورة وصورة الرمز

لعلها مفاجأة لمن يزور كوبا، حين لا يلحظ وجود صورة فيديل كاسترو قائد الكفاح المسلح وزعيم الثورة ضد نظام باتيستا وقائد البلاد لنحو 5 عقود من الزمان، مثلما شاعت صور كيم إيل سونغ في كوريا وماوتسي تونغ في الصين وستالين وبعده الزعماء السوفييت في الاتحاد السوفييتي السابق وتشاوتشسكو في رومانيا وجوزيف برونز تيتو في يوغسلافيا، وتقليدهم في دول العالم الثالث وما أطلقنا عليه بلدان «التحرر الوطني»، التي بالغت في نشر صور «القادة» المنزّهين، وخارج نطاق النقد، في كل مكان.
ربما تلك المفارقة الأولى المباشرة التي تدهش الزائر، لاسيما إذا كان قد عاش في ظل أنظمة «العالم الثالث» والأنظمة الثورية والاشتراكية، لدرجة تجعل المرء في حيرة من أمره، حين يستعيد كيف تنتشر صور وتماثيل قادة الأنظمة الشمولية اليسارية والقومية والإسلامية وغيرها، في حين تختفي تماماً صورة كاسترو من المكاتب والجدران والساحات والأماكن العامة، ويتحدث عنه الناس لا باعتباره معصوماً أو خارج النقد، بل باعتباره صديقاً لهم أحياناً، حتى وإن اختلفوا معه أو بشأنه، وبشأن نظام الحكم وتقييماتهم له، ونقول ذلك ليس من باب الدعاية الأيديولوجية السابقة لإثبات الأفضليات، كما كان سائداً، ولكننا نتعرض لذلك مقارنة، بقدر كونه واقعاً تتميّز به كوبا ونظامها السياسي، لكن ذلك لا يمنع من نقد بعض الجوانب التي تتعلق باحتكار العمل السياسي والنقابي وهيمنة الحزب الواحد والمركزية الصارمة وشح حرية التعبير وغيرها.
أما المفارقة الثانية فإن صورة أرنستو تشي جيفارا تكاد تصادفها في كل مكان، وقد تكون تعويضاً عن صورة القائد- الرمز، مثلما هي رمزية البطولة والشهادة، خصوصاً وأن صاحبها غادرنا، وهو بعيد عن جبروت وقوة أهل النفوذ والسلطة، الأمر الذي يجعل صورة جيفارا نموذجاً رمزياً لحالة رومانسية وليست سلطوية، فهذا الاشتراكي النبيل، يبدو مثل فارس أو أمير، مملوء بالأحلام الغامضة الخضراء.
كان ذلك الطبيب الأرجنتيني الوسيم، الشجاع، ومحبوب النساء، قد ضاق ذرعاً بالوزارة، فقرر الانتقال إلى حيث مواقع المواجهة، مقاوماً بلا هوادة آفة البيروقراطية التي خاف على نفسه من أن تأكله، مدافعاً بلا حدود عن موقعه الثوري، ضد آلة الدولة التي حاول «الزوغان» عنها خوفاً من التهامه.
لقد أراد جيفارا أن يبقى ثورياً «طازجاً» لكل الفصول، فبذل كل ما في وسعه لكي لا يتحوّل إلى موظف أو إداري بيروقراطي، وهو الثوري الحالم، ولذلك لبّى نداء قلبه وعقله، وعاد إلى موقعه الحقيقي حيث الثورة التي في داخله، وهي التي قادته إلى الكونغو العام 1965، ليناضل ضد ظلم المستعمرين وأعوانهم وكان يردد «حيثما ثمة ظلم فهناك وطني»، مؤمناً بأن الحرية والعدالة هما وطنه، الذي يستحق أن يدافع فيه عن الإنسان بغض النظر عن قوميته وجنسيته وجنسه وانتمائه السياسي والثقافي وانحداره الاجتماعي وغير ذلك.
ومن الكونغو في إفريقيا إلى بوليفيا في أميركا اللاتينية شدّ رحاله مرة أخرى، حيث لم يهدأ أو يقرّ له قرار منذ أن التقى كاسترو وشقيقه راؤول في المكسيك، وانتقلوا منها إلى الشواطئ الكوبية، ليتمكنوا لاحقا من الزحف على هافانا لإسقاط نظام الدكتاتور باتيستا، بعد رحلة مضنية ومثيرة وشجاعة عبر جبال السيرامايسترا. لقد رفض تشي جيفارا كل إغراءات السلطة وكان ظمؤه إلى الحرية يزداد ويتعمّق كل يوم مثلما كانت العدالة الاجتماعية هاجسه باستمرار.
يوم شاع نبأ اغتيال جيفارا في 8 أكتوبر 1967، علق المفكر الفرنسي الكبير جان بول سارتر قائلاً إن جيفارا كان «أكثر الرجال كمالاً في عصرنا» وهو الذي التقاه مع صديقته الأديبة سيمون دي بوفوار بعد انتصار الثورة العام 1959، بكل العفاف الثوري والنزاهة الأخلاقية والتجرد الإنساني والاستعداد للتضحية بلا حدود. وكنت قد سألت الجواهري شاعر العرب الأكبر في إحدى مطارحاتنا عن جيفارا فردد بيتاً من الشعر:
إن الحياة معاناةٌ وتضحيةٌ حبّ السلامة فيها أرذل السبلِ
وعلّقت عليه ألست أنت القائل:
وأركبُ الهولَ في ريعان مأمنةٍ حبّ الحياة بحب الموت يغريني؟


وهنا التمعت عينا الجواهري فرحاً وكأنه يتحدث عن نفسه، فقال إن الشجعان المضحّين هم أكثر حبّاً للحياة وتفانياً من أجلها واستعداداً للبذل والعطاء، لأنهم يريدون حياة كريمة وحرّة، وصدق من قال:
لا تسقني كأس الحياة بذلّةٍ      بل فاسقني بالعزّ كأس الحنظل

وإذا كان جيفارا شجاعاً، فلكونه إنساناً لديه إحساس عالٍ بالعدالة بكل ما تعني هذه الكلمة، وهنا لا أريد أن أضفي عليه صفة القداسة، مثلما يفعل البعض من محبيه ومريديه، في حين يدمغه خصومه وأعداؤه بممارسة العنف، بل والإرهاب، لكونه اختار طريق الكفاح المسلح، ومرّة أخرى لا بدّ من تسليط الضوء على خيارات جيفارا باعتباره نتاج مرحلة، كان فيها العنف الثوري والكفاح المسلح، أحد مستلزمات النضال الاشتراكي واليساري، لاسيما خلال فترة الستينيات وتفاقم الحرب الباردة والصراع الأيديولوجي بين المعسكرين: الاشتراكي والرأسمالي، فقد وضع ما يؤمن به موضع التطبيق، وعاش بكل جوارحه للمثل والقيم التي كان يدعو إليها.

قد يكون البعض بالغ حين جعل من جيفارا أسطورة من الأساطير، وهو ما ينسجم مع البحث الإنساني -لاسيما في البلدان النامية- عن مخلّص أو منقذ أو بطل خارق، الأمر الذي كان يتعارض مع سلوك ونهج جيفارا، حيث كان يعيش حياته بكل اعتيادية وإنسانية شفيفة، يحب ويعشق ويدخّن ويكتب، يخطئ ويصيب وهو هكذا ينظر إلى الآخرين من موقع النقد والنقد الذاتي، ولعل أهم ما يميّزه عن غيره أنه في كل ما قال وعمل كان صادقاً وأصيلاً وشجاعاً، الأمر الذي ينبغي أن يؤخذ في سياقه التاريخي، ضمن الفكر السائد آنذاك، لاسيما باشتعال الصراع على جميع الجبهات بين الرأسمالية والاشتراكية.

وإذا كان لجيفارا رمزية خاصة، فلعل جزءاً منها تكوّن بعد استشهاده المثير في بوليفيا وتعدد الروايات حول مقتله، ومن ثم تغييب جثمانه وأخيراً ما ارتبط بنقل رُفاته بعد 30 عاماً.
ليست صورة تشي جيفارا وحده، رغم أنها الأبرز تزيّن الأماكن العامة، والساحات والمكاتب الرسمية وغير الرسمية، فصور وتماثيل الشهداء والأبطال تملأ الفضاءات بكل أناقة وذوق، إنها رمزية الصورة وصورة الرمز، حيث تختلط في إطار من الحلم الوقّاد، بهارمونية إنسانية باهرة.
في مكان متميّز من هافانا انتصب تمثال البطل القومي الكوبي سان خوزيه الذي استشهد في نهاية القرن التاسع عشر مقاوماً الغزو الاجنبي، دفاعاً عن وطنه وهو الشخصية الكوبية الجامعة التي يمجّدها الكوبيون ويتحدثون عنها باعتزاز كبير. تمثال سان خوزيه وهو يحمل طفلاً، له رمزية أخرى، فكأنه يريد أن يقول لأطفال كوبا والعالم أجمع وجميع المضطهدين من مختلف الأجيال: إن عدوكم هو هذا، حيث يوجّه نظره صوب الولايات المتحدة التي تحاصر كوبا منذ خمسة عقود من الزمان.
لم يكن الاتحاد السوفييتي السابق رغم كل الاختلافات والمشاحنات الفكرية والعملية يتردد في تقديم المساعدات الأممية لكوبا، وبغض النظر عن بعض الضغوط ومحاولات إملاء الإرادة وإشكالية العلاقات، إلا أنها استطاعت حماية كوبا في فترة عصيبة من الحرب الباردة، ولم تتجرأ واشنطن على مهاجمتها، لاسيما بعد الوفاق الذي أعقب أزمة الصواريخ العام 1962 بين جون كينيدي ونيكيتا خروشوف، حين تم سحب الصواريخ السوفيتية، مقابل تعهد بعدم مهاجمة كوبا.
لكن واشنطن بعد انهيار الكتلة الاشتراكية وانقطاع المساعدات عن كوبا، أقدمت سفارتها في هافانا على رفع لوحات مضاءة أمام مبناها وبأعلى طابق تدعو الشعب الكوبي إلى التمرد والثورة ضد حكومة فيديل كاسترو والحزب الشيوعي، ورغم أن ذلك الإجراء غير دبلوماسي، إلا أن السلطات الكوبية واجهتها بالأسلوب نفسه حين رفعت راياتٍ وأعلاماً، حتى كادت المنطقة تحجب رؤية المارّة عن قراءة ما كتبته السفارة الأميركية، وسمي ذلك المكان «جبل الرايات» أو «تلة الأعلام»، وهو عبارة عن مرتفع عُرف باسم «منصّة مناهضة الإمبريالية» قبالة السفارة الأميركية، وبادر المواطنون لعقد محاكمات صورية لقادة الولايات المتحدة، حيث يحضر فيها أبناء الشهداء والضحايا الذين سقطوا جراء خطط الغزو والتآمر والحصار، إضافة إلى بقايا الهنود الحمر الذين يقدمون شهاداتهم بحق ما لحق بهم من غبن وحيف ويطالبون بالتعويض وجبر الضرر وإحقاق العدالة!
• باحث ومفكر عربي


7827 العدد - صحيفة العرب القطرية ، الاثنين 16 نوفمبر 2009 م - الموافق 28 ذو القعدة 1430 هـ


500
بغداد - واشنطن: للعلاقة تاريخ
بقلم عبد الحسين شعبان

بمبادرة من المركز الدولي للتجديد الحكومي CIGI ومؤسسة الخطوات البراغماتية للأمن العالمي Stimson، وباشراف وتهيئة من السفير مختار لماني ممثل جامعة الدول العربية في العراق الذي استقال من منصبه مطلع 2007 وألين ليبسون المستشارة الخاصة السابقة للبعثة الدائمة الاميركية في الامم المتحدة، إلتأمت ندوة مهمة في البرلمان الكندي بخصوص العلاقات العراقية - الاميركية والحوار حول المستقبل، وشاركت فيها نخبة من الاكاديميين والباحثين والممارسين العراقيين والأميركيين والكنديين. ولعل هدف الندوة هو تقديم قراءات ورؤى وتصورات حول مستقبل العلاقات بين بغداد وواشنطن.
وإذا كان هناك ثمة اختلافات في المنطلقات والاولويات والآفاق، فإن قراءة الحيثيات والمعطيات من زوايا نظر مختلفة، والجدل الذي دار بشأنها، شكّلت مجسّات وارهاصات لحاضر العلاقات ومستقبلها، سواءً قبل الانسحاب الاميركي من العراق أو بعده، لاسيما أن أهم ما ينصبّ الجدل حوله الآن، يتلخّص بالآليات والجداول الزمنية، إذا ما أخذنا في نظر الاعتبار ما هو معلن من الطرفين الرسميين، مع وجود تحدّيات، وربما معوّقات قد تحول دون تنفيذ ذلك، ناهيكم عن أجندات معلنة أو مستترة. وقد تسنّى لي كباحث مستقل المشاركة في الحوار وتقديم مطالعة بخصوص مستقبل العلاقات العراقية - الاميركية.
اعتقد أن قراءة ارتجاعية لتاريخ العلاقات العراقية - الاميركية تجعل من رؤية المستقبل أكثر وضوحاً، خصوصاً ما رافقها من منعرجات وتضاريس حادة، بحيث تجعل خريطة الحاضر ملتبسة، حتى بالنسبة الى نص القوى المحسوبة على واشنطن، لاسيما بعد احتلال العراق في العام 2003.
ان قراءتي التاريخية تشمل تقسيم العلاقات العراقية - الاميركية مراحل ست:
المرحلة الاولى اتسمت بصعود الحرب الباردة وتفاقم الصراع الإيديولوجي بين المعسكرين الاشتراكي والرأسمالي. وقد شهدت فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية تطوراً في العلاقات العراقية - الاميركية، لاسيما عند توقيع اتفاقية بين البلدين العام 1954، وتأسيس حلف بغداد العام 1955، وتعاظم الدور الاميركي في المنطقة، ترافقاً مع ما عُرف بمشروع "النقطة الرابعة"، وفي ما بعد بـ"مشروع أيزنهاور" العام 1957 لملء الفراغ. لكن هذه العلاقات سرعان ما تدهورت على نحو شديد اثر ثورة 14 تموز (يوليو) العام 1958، التي أطاحت بالنفوذ الغربي في العراق، وباستثناء فترة قصيرة تحسنت فيها العلاقات بعد اطاحة الزعيم عبد الكريم قاسم العام 1963، فإن العلاقات العراقية - الاميركية شهدت انحداراً سريعاً، خصوصاً بعد عدوان 5 حزيران 1967، وقد بادر العراق الى قطع علاقاته مع واشنطن متهماً ايّاها بالانحياز الكامل لاسرائيل.
المرحلة الثانية هي التي تبدأ من العام 1968 اثر مجيء حزب البعث الى السلطة وتنتهي في العام 1980. واتسمت العلاقات في هذه الفترة بنوع من التوتر والتعارض والعدائية، لاسيما عند تأميم النفط العام 1972، وبعد حرب اكتوبر العام 1973 واستخدام النفط كسلاح في المعركة. وخلال هذه الفترة احتسبت الولايات المتحدة العراق ونظام حكمه، على ملاك النفوذ السوفياتي، لاسيما بتوقيع المعاهدة العراقية - السوفياتية في نيسان 1972 وعقد الجبهة الوطنية مع الحزب الشيوعي العام 1973.
ولهذا السبب سعت الولايات المتحدة لاضعاف العراق وجيشه، وشجعت اندلاع القتال بين الحركة الكردية والحكومة العراقية، وقد عبّر الملا مصطفى البارزاني بمرارة عن انعدام ثقته بواشنطن بعد توقيع اتفاقية 6 آذار العام 1975 المعروفة باسم "اتفاقية الجزائر" بين شاه ايران وصدام حسين، وعلى اثر ذلك انهارت الحركة الكردية المسلحة، الأمر الذي كان مساومة على حسابها بررها هنري كيسينجر وزير خارجية الولايات المتحدة، بافتراق السياسة عن الاخلاق. ولعل ذلك كان أول إشارة لحساب تحسين العلاقات بين البلدين.
المرحلة الثالثة هي فترة الحرب العراقية - الايرانية (1980-1988) التي شهدت عودة غير مباشرة للعلاقات العراقية - الاميركية، حيث كانت واشنطن ترغب في اطاحة الثورة الايرانية التي قضت على شاه ايران العام 1979، ولعل ذلك كان عنصر تشجيع لبغداد أيضاً. وبالامكان وصف هذه الفترة بـ"شهر العسل الصامت" أو "الزواج غير المعلن"، فالعلاقات ظلّت مقطوعة رسمياً، لكن الكثير من الشركات الاميركية اعادت عملها في العراق، وكان دونالد رامسفيلد الذي أصبح وزيرا للدفاع في عهد الرئيس بوش وساهم بحماسة في غزو العراق، زار العراق والتقى الرئيس العراقي السابق صدام حسين، العام 1984.
وخلال فترة العدوان الاسرائيلي على لبنان واحتلال العاصمة بيروت، ادلى الرئيس السابق بتصريحات (في آب 1982 أثناء استقباله عضو الكونغرس الاميركي سولارز لم تنشر الاّ بعد مرور نحو 4 أشهر في جريدة الثورة العراقية كانون الاول 1982) ما يفيد استعداد العراق للاعتراف باسرائيل، وفد فسّرت المسألة في حينها تكتيكاً لكسب واشنطن، عندما كانت الحرب تتخذ مسار التراجع من الجانب العراقي بعد تشديد الهجمات الايرانية، وبخاصة بعد معركة المحمّرة (خورمشهر) 1982 واعلان العراق سحب قواته، ومحاولة ايران اختراق الاراضي العراقية وعبور الحدود الدولية.
وحسب الجنرال (وفيق السامرائي) مدير الاستخبارات العراقية الاسبق فقد كان ممثل عن "السي آي إي" يداوم في مقر الاستخبارات العسكرية لتقديم الخبرة والدعم للعراق في حربه ضد ايران، ولعل هذه اللعبة كان الاميركيون مارسوها على نحو مزدوج مع الايرانيين، حين كانوا يسلّمون صور الاقمار الاصطناعية لاستمرار الحرب.
المرحلة الرابعة بدأت بعد غزو القوات العراقية الكويت في 2 آب 1990 حيث عادت العلاقات العراقية - الاميركية الى التدهور حتى وصلت الى نقطة اللاعودة بعد مغامرة صدام حسين. واستمرت هذه المرحلة الى العام 2003، وشهد العراق خلالها حربان ضده، الأولى سمّيت "حرب تحرير الكويت" ابتدأت في 17/1/1991 واستمرت 42 يوماً وانتهت بانسحاب القوات العراقية من الكويت بعد هزيمتها في 28 شباط من العام ذاته، وكانت هذه الحرب في الوقت نفسه "حرب تدمير العراق" وبنيته التحتية ومرافقه الاقتصادية والحيوية.
أما الحرب الثانية فهي حرب قوات التحالف ضد العراق، والتي انتهت بوقوعه تحت الاحتلال في 9 نيسان 2003، وإذا أردنا إضافة "الحصار الدولي" المفروض بقرارات مجلس الامن التي زادت على 60 قراراً فإنه يمكننا الاشارة الى حرب ثالثة استمرت 13 عاماً، وعانى العراقيون خلالها من مجاعة حقيقية ومحق لانسانيتهم، فاقمت من مأساتهم، وتركت هذه الفترة تأثيراتها السلبية الخطيرة على حاضر العراق ومستقبلهم اجتماعيا ونفسياً وعلى بنيته المجتمعية.
وإذا كان العراقيون في قسمهم الاكبر والأغلب يتطلعون الى الخلاص من الديكتاتورية، فإن سقوط نظام صدام حسين أدى الى انهيار الدولة العراقية، لاسيما بحل مؤسسة الجيش، العابرة للاثنيات والطوائف، والتي عمل بول برايمر على تفكيكها فاضطر العراقيون للاحتماء بمرجعياتهم التقليدية، بعدما فقدوا مرجعية الدولة الحامية ومؤسستها العسكرية والأمنية.
المرحلة الخامسة كانت بعد الاحتلال وشهدت فترة قصيرة تولى فيها الحاكم العسكري الاميركي جي غارنر الحكم المباشر وانتهت بتسليم بول برايمر مقاليد السلطة المطلقة في 13 أيار 2003 وبقائه فيها لغاية أواخر حزيران 2004، رغم وجود ما سمّي مجلس الحكم الانتقالي.
ويمكن القول ان علاقات بغداد - واشنطن من عام 2003 وحتى العام 2008، هي الأشد سوءا بالنسبة الى العراقيين، لاسيما خلال فترة الرئيس بوش، حيث عانى العراق من نظام المحاصصة الطائفي والمذهبي والاني، وشهد عنفاً لم يكن معروفاً على الاطلاق، وارهاباً منفلتاً من عقاله، وميليشيات متنوعة وفساداً ورشوة، وقد ظل الوضع الامني رغم التحسين هشّاً وقلقاً.
أما المرحلة السادسة فهي مرحلة الرئيس باراك أوباما والتي لا تزال مستمرة. وقد سألني معهد كارنيغي بعد نجاح الرئيس أوباما في استطلاع لعدد من المثقفين العرب: ماذا يريد المثقف العربي من الرئيس الاميركي الجديد؟ وأظن أن إجابتي تتضمن رؤيتي المستقبلية للعلاقات العراقية - الاميركية، لاسيما بعد الاخطاء والخطايا الفادحة للرئيس بوش طيلة فترة حكمه، وبخاصة بعد احتلال العراق، وأجبت أنه يريد:
-1 انسحاب القوات الاميركية من العراق بأسرع وقت ممكن طبقاً لوعود الرئيس أوباما.
-2 اعادة بناء العراق لأن ذلك جزء من مسؤولية الولايات المتحدة، التي عليها تعويضه.
-3 مساعدة العراق للخروج من الفصل السابع طبقاً لأحكام ميثاق الامم المتحدة وقرارات مجلس الامن الدولي.
-4 مساعدة العراق في الحفاظ على وحدته واستعادة سيادته، وذلك لمواجهة محاولات التدخل الاقليمي بشؤونه.
-5 دعم وتشجيع الخطوات نحو الديموقراطية والاصلاح في العراق ولدى دول المنطقة في إطار التعايش السلمي المجتمعي للمكوّنات المختلفة، وتحقيق أمنها الانساني في إطار دولة مدنية حرة عصرية.
-6 مساعدة الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره بنفسه والضغط على اسرائيل لوقف العدوان وبشكل خاص على غزة، وإيجاد مخرج عملي لفكرة الدولة الفلسطينية القابلة للحياة.
أعتقد أن الحوار بين بغداد وواشنطن لا بدّ أن يتضمن هذه المحاور الاساسية، سواءً احتوتها الاتفاقية الأمنية أم لم تحتوها؟ وذلك بهدف استعادة الثقة بين العراقيين والاميركيين التي لا تزال مفقودة حتى الآن. وقد أدرك الرئيس أوباما الهوة السحيقة بين الولايات المتحدة والعالمين العربي والاسلامي، فدعا من على منبر جامعة القاهرة الى حوار وتعايش وتسامح بين الاديان والثقافات والحضارات.

كاتب عراقي
جريدة النهار اللبنانية العدد 23873 تاريخ 12/11/2009

صفحات: [1] 2