عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


الرسائل - عبد الحسين شعبان

صفحات: [1] 2
1
كردستان ودكتاتورية الجغرافيا السياسية
عبد الحسين شعبان
باحث ومفكر عربي

   كان جلال الطالباني رئيس جمهورية العراق الأسبق (الذي رحل يوم الثلاثاء 3/10/2017) يردّد دائماً حكمة كردية تقول "ليس للأكراد من صديق سوى الجبال"، وبقدر ما تحمل هذه الحكمة من مرارة، ففيها جزء كبير من الحقيقة ودروس تاريخية ينبغي استيعابها، ذلك إن الجغرافيا السياسية حكمت الكرد إلى حدود كبيرة. وإذا أخذنا بتكوّن عدد من دول المنطقة خلال القرن المنصرم، سنعرف أن مساحة كردستان تزيد على 400 ألف كيلو متر مربع  ويقطنها ما يزيد على 35 مليون إنسان موزعة على أربع دول ترتبط معهم بوشائج كثيرة، بعضها في الأصول العرقية وبعضها في اللغة والدين،إضافة إلى التاريخ المشترك والعلاقات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية وغيرها.
   وكان القسم الأكبر من الكرد يعيشون في حدود الدولة العثمانية، وأصبحوا لاحقاً من مواطني ثلاث دول أنشئت بعد الحرب العالمية الأولى، هي : تركيا (العام 1923) بعد هزيمتها بالحرب ووفقاً لمعاهدة لوزان، والعراق الذي تأسس العام 1921 وسوريا التي تأسست في العام 1925. والقسم الرابع كان في إيران.
   ومع إن اتفاقية سايكس بيكو لعام 1916 قسّمت البلاد العربية، كما تم تقسيم  شمل الكرد أيضاً الذين كانوا ضحية صراع بين الامبراطورية الفارسية والدولة العثمانية، لعدّة قرون من الزمان، وكانت أرضهم جزءًا من مساومات تاريخية بينهما، اشتملت عليها معاهدات مثل أرضروم الأولى 1823 وأرضروم الثانية 1848 وبروتوكول طهران العام 1911 واتفاقية القسطنطينة العام 1913  وصولاً لمعاهدة سيفر ما بعد الحرب العالمية الأولى. وهكذا حكمت الجغرافيا السياسية كردستان، إضافة إلى المصالح الدولية.
   وقد ظلّت القضية الكردية غائبة عن الأروقة الدولية منذ إبطال مفعول معاهدة سيفر لعام 1920 التي اعترفت بجزء من حقوق الكرد، ولاسيّما بعد إبرام معاهدة لوزان، لغاية العام 1991 حتى صدور القرار 688، عن مجلس الأمن الدولي، والذي يتعلّق بكفالة احترام حقوق الإنسان والحقوق السياسية في المنطقة الكردية وبقية مناطق العراق، ووقف القمع باعتباره تهديداً للسلم والأمن الدوليين.
   وكان ذلك القرار، إضافة إلى قرارات دولية عديدة من نتائج مغامرة غزو الكويت العام 1991 التي فرضت العقوبات الدولية على العراق. وقد صدر القرار تحت تأثير الهجرة  الجماعية التي شملت مئات الآلاف من الكرد باتجاه الجبال "أصدقاؤهم الوحيدون" حسب الحكمة الكردية.
   وبعد ذلك اتخذت الدول الثلاث بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة قراراً باعتبار خط العرض 36 والذي يشمل محافظات كردستان الثلاث السليمانية وإربيل ودهوك ملاذاً آمناً، ومنعت القوات العراقية والطيران العراقي من التحليق فوقه.
   ومرّة أخرى دخلت الجغرافيا السياسية على الخط بفعل التنسيق التركي - السوري - الإيراني، الذي ظلّ يتربّص بالتجربة الكردية الوليدة بعد انتخابات العام 1992 والتي رافقها أخطاء عديدة، منها نظام المحاصصة، إضافة على القتال الذي اندلع بين طرفيها الرئيسين: الحزب الديمقراطي الكردستاني (حدك) والاتحاد الوطني الكردستاني (أوك) وهنا كان للجغرافيا السياسية دور في الصراع الدموي الكردي - الكردي، فقد استعان (حدك) بالجيش العراقي في العام 1996 لطرد غريمه أوك من إربيل، وكان أوك ينسق مع إيران ضد عدوّه التاريخي (حدك)، وقبل ذلك مع الحكومة العراقية ضد قوات الأنصار الشيوعية التي شهدت مجزرة في بشتاشان العام 1983.
   ولكن في أوقات الشدّة يبقى الأكراد وحدهم يواجهون مصيرهم، في حين تظل الجبال صديقهم الوفي عند الضيق، وتصبح ملاذهم وحاميهم من حملات الغزو، ولكنها في الوقت نفسه كانت تعرقل قيام وحدتهم وتحقيق طموحهم، سواء في الحصول على حقوقهم، أو لقيام دولة خاصة بهم. وهنا تتدخل الجغرافيا السياسية مرّة أخرى " لتقرير المصير" وقد حصل هذا في العام 1975، فإيران الشاهنشاهية والولايات المتحدة، سرعان ما تنكّرا لحقوق الكرد التي قالوا إنهم يدعمونها ضد حكومة بغداد، وتُركوا وحيدين بعد استفحال القتال بين قيادة القوات الكردية والحكومة العراقية في مارس (آذار) 1974 واستمر لمارس (آذار) العام 1975، حيث تم الاتفاق في الجزائر بتوقيع اتفاقية الشاه محمد رضا بهلوي وصدام حسين نائب الرئيس العراقي حينها، في 6 مارس (آذار) والتي أدّت إلى انهيار الحركة الكردية.
   لم تنفع وقتها وعود كيسنجر أو دعم الشاه وهو الأمر الذي ترك مرارة لدى الزعيم الكردي الكبير مصطفى البارزاني، ففي لحظة وجد المقاتلون البيشمركة أنفسهم أمام الجبل، الصديق الوحيد الصامد الذي حنى عليهم واحتضنهم وأخفاهم من الطيران والقصف الذي يتعقبهم، تلك هي دكتاتورية الجغرافيا السياسية التي لا مردّ لها والتي يعيش في كنفها الفرس والترك والعرب والكرد، وكنّا قد دعونا إلى حوار لمثقفي الأمم الأربعة.
   وهكذا يعيد التاريخ نفسه، وإذا كان في المرّة الأولى كمأساة ففي المرّة الثانية  يبدو كمهزلة، خصوصاً وقد بقي الأكراد عُزلاً بلا معين أو نصير أو داعم، وحتى من يدعم حقوقهم فإنه قد يثير التباساً وكراهية ضدهم في لحظة تاريخية مفصلية، مثلما تحاول "إسرائيل" إظهار تعاطفها مع حقوقهم، وهي التي تضطهد الشعب الفلسطيني  وتحرمه من أبسط حقوقه، وباستثناء قناعات فكرية ومبدئية بشأن "حق تقرير المصير"، كمبدأ قانوني وحقوقي لشعب عانى من الاضطهاد طويلاً، فإن ثمة لا أحد يقف معهم، خصوصاً في ظلّ سياسات وتطبيقات ستكون مثار خلاف شديد، إن لم يتم بالتوافق بشأنها وفي ظرف إقليمي ودولي لا بدّ من مراعاته.
    إن اختيار "اللحظة الثورية"، أي انسجام الظروف الموضوعية مع الظروف الذاتية أمرٌ في غاية الأهمية إزاء استراتيجية وتكتيك أية حركة أو جماعة سياسية أو تنظيم حزبي،  والأمر لا يتعلق بالاستفتاء فحسب، وهي خطوة حصلت وإنْ أثارت ردود فعل حادة، سواء  بشأن توقيت الاستفتاء وما يترتب عليه، ولاسيّما في المناطق التي تسمّى " متنازع عليها"  ثم بخصوص إعلان الدولة التي لا تزال تثير التباسات عديدة، ولكن ماذا بعد الاستفتاء؟ وكيف سيتم وضع نتائجه موضع التطبيق في ظل انقسام كردي وغياب الوحدة الوطنية، ورفض عراقي؟ وكانت الشيعية السياسية الحاكمة قد اتفقت مع السنّية السياسية المشاركة، مستنفرة دول الإقليم التي تهدد بالتدخل، سواء من جانب تركيا أو إيران، والأمر يتم بوسائل ناعمة أو خشنة، بالمقاطعة والحصار وإغلاق المنافذ الحدودية والتأليب الداخلي، فضلاً عن وسائل قد تكون غير منظورة.
   ليس هذا فحسب، بل إن أصدقاء الكرد " الجدد" وأعني بذلك قوى التحالف الدولي، ابتداء من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ، كلّها اعترضت على إجراء الاستفتاء أو تحفظت عليه  أو طلبت إلغائه أو تأجيله، بل إن قوى دولية عديدة ظلّت تدعو علناً وبأعلى الأصوات بما فيها الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية ودول عربية وخليجية ومرجعية السيستاني والأزهر الشريف، إلى وحدة الأراضي العراقية ، بل إن العديد منها اعتبر انفصال كردستان مقدمة لتقسيم المنطقة، وفق خرائط إثنية وعرقية ودينية وطائفية وجهوية لجهات لا تضمر وداً لشعوب المنطقة، الأمر الذي سيثير نزاعات جديدة، إذا ما بدأت فقد تستغرق عقوداً من الزمان، ويكفي أن لدينا صراعاً أساسياً أصبح مستديماً ونقصد به الصراع العربي - "الإسرائيلي"، فما بالك إذا اندلعت حروب طائفية وإثنية، فالأمر سيكون كارثياً بامتياز.
   كما إن المصالح النفطية للقوى الاحتكارية الدولية ومن ورائها القوى الكبرى لا تريد التفريط بحلفاء أساسيين مثل تركيا التي هي عضو أساسي في حلف شمال الأطلسي، ولديها علاقات دبلوماسية كاملة مع " إسرائيل". أمّا العراق فيمكن أن يذهب بعيداً بالاتجاه الإيراني، ولذلك فإن دعمه والحفاظ عليه موحداً سيكون لصالح استمرار الحفاظ على المصالح الدولية والإقليمية فيه، كما إن موضوع حقوق الكرد في سوريا سيكون مطروحاً على خط النقاشات والمفاوضات، في جنيف والأستانة، وفي أي حل دولي للأزمة السورية، لاسيّما وأن قوات التحالف تدعم  "قوات سوريا الديمقراطية" التي تشكل القوى القومية الكردية عمادها، وهو ما سيمهّد لتفاهم روسي - أمريكي على صيغة توافقية ترضي الطرفين، وتأخذ بنظر الاعتبار الموقف التركي.
   وبخصوص إيران، فإن الولايات المتحدة والغرب عموماً، يعملون على إحداث تغيير جذري داخلها، خصوصاً وإن هناك تحفظات خليجية وإقليمية على دورها، ولعلّ أي تغيير في إيران أو تركيا ستكون القضية الكردية مطروحة فيه على بساط البحث، وهكذا تبقى كردستان محكومة بالدكتاتورية الجيوسياسية، التي تحتاج إلى تغييرات عميقة باتجاه حلول ديمقراطية في المنطقة لإحداث نوع من أنواع القبول بكيانية كردية جديدة، وربما أكثر من واحدة وأكثر من شكل، وقد يكون سابقاً لأوانه اليوم وفي ظل اختلال توازن القوى، تصوّر قيام حالة كردية مستقلة ومنفردة في ظل غياب وحدة وطنية كردية .
   ولعلّ البدء بالحوار لتطويق ما هو حاصل، سواء بقبول حدود ما قبل 19 مارس (آذار) 2003 والتفاوض بشأن المناطق المتنازع عليها وقضايا الحدود والنفط والمواصلات وشكل العلاقة المستقبلي، سواء بالبقاء في العراق وفي إطار الدولة الفيدرالية الموحدة أو في إطار شكل جديد، ربما يكون كونفدرالياً بتعديلات ضرورية للدستور، وإن كان الشكل الحالي أقرب إليه، ولكن إذا كان العيش المشترك مستحيلاً فسيكون " الطلاق أبغض الحلال عند الله" وليتحمّل الطرفان  مسؤولية ذلك، خصوصاً إذا ما تجنّبنا خيار الحرب، وهو الخيار الأكثر كارثية وإيلاماً.
   وبالنسبة لكردستان، لا بدّ من قراءة اللوحة الجيوسياسية جيداً، حيث أنها محاطة بجيران أقل ما يقال عنهم أنهم غير مرحّبين بالكيان الجديد، إذا تقرّر إقامته عنوة ودون اتفاق مع الأطراف المعنية، لاسيّما في ظل موقف دولي غير مشجع أو ضبابي  على أقل تقدير، خصوصاً وإن الهدف الذي يشكل شبه إجماع إقليمي ودولي هو محاربة داعش وتجفيف منابع الإرهاب، وباستثناء الموقف الفرنسي  الذي دعا رئيس الوزراء حيدر العبادي لزيارة باريس في إطار وساطة أعلن عنها، على الرغم من أن الزيارة كانت مقرّرة قبل ذلك كما أشار ناطق رسمي حكومي، فإن الجبال وحدها ستبقى وفيّة إلى النهاية لصداقة الكرد المديدة على أرضهم وفي وطنهم.

2

أسئلة ما بعد استفتاء كردستان
عبد الحسين شعبان
باحث ومفكر عربي
بعد شدّ وجذب ورفض وتأييد، مرّ الاستفتاء الكردي بهدوء داخل إقليم كردستان وفي المناطق المتنازع عليها، على الرغم من بعض التحفظات والمناشدات على المستوى الدولي، أو ردود الفعل الحادة على المستوى الإقليمي، لاسيّما الإيراني والتركي،  أو الرفض الشديد وشبه الجماعي على المستوى الداخلي من جانب الحكومة الاتحادية والغالبية الساحقة من القوى السياسية على اختلاف توجهاتها وتياراتها.
ومع تلويح تركي بالخيار العسكري وقصف إيراني لمواقع قرى كردية قالت طهران أن فيها قواعد لإرهابيين، ومناورات للجيش العراقي، واتصالات بين طهران وأنقرة وبغداد وإجراءات معلنة ومستترة للعقوبات من جانب البرلمان العراقي وبعض القوى العراقية، فإن احتمالات اندلاع حرب داخلية عربية - كردية أو بمشاركة أطراف إقليمية ليس وارداً على الأقل في الوقت الحاضر، لكن ذلك لا يمنع من تصاعد التوتر في المناطق المتنازع عليها واحتمالات انفلاتات محدودة من هذا الطرف أو ذاك بما فيها أعمال عنف وإرهاب قد يستغلها داعش والمنظمات الإرهابية.
لقد أصرّ رئيس إقليم كردستان مسعود البارزاني على إجراء الاستفتاء في موعده المقرر في 25 سبتمبر (أيلول) ولم يلتفت إلى جميع المناشدات بالإلغاء أو التأجيل، خصوصاً بعد فشل محاولات الحصول على ضمانات من بغداد ومن المجتمع الدولي كما قال، لذلك مضى إلى الاستفتاء باعتباره الحل الأخير لتأكيد حق شعب الإقليم في إقامة كيانية خاصة به، تأخذ شكلاً قانونياً ينتظر بعد إعلانه اعتراف المجتمع الدولي به، لكن ذلك لن يكون سريعاً أو برسم التنفيذ، بل إنه يحتاج إلى حوار طويل لكي يتم التوصل إلى ما هو مقبول من الأطراف المختلفة.
وكانت بعض نتائج الاستفتاء الأولية قد قالت أن نسبة المشاركين بلغت أكثر من 70% وهي في إربيل أكثر من 80 %  وأكثر منها في دهوك في حين كانت في السليمانية نحو 55% ، وفي المناطق المتنازع عليها كانت المشاركة عموماً ضعيفة، لكن العملية مرّت بسلاسة ودون حدوث مفاجآت منتظرة أو غير محسوبة، علماً بأن المشمولين بالاستفتاء حسب المفوضية الخاصة بالاستفتاء بلغ عددهم 5 ملايين إنسان.
ومع بدايات التصويت بنعم أو لا وهو الاستمارة الانتخابية الوحيدة، أصدر البرلمان العراقي سلسلة من القرارات منها: فرض السيطرة المركزية على المنافذ الحدودية والمطارات وإلزام الشركات النفطية الأجنبية بالتعامل مع الحكومة العراقية (الاتحادية) فقط والبدء بإجراءات لملاحقة أموال قادة الإقليم في الخارج وقطع مرتبات الموظفين الأكراد الذين شاركوا في الاستفتاء، وتضمّنت إجراءات البرلمان : إغلاق المنافذ الحدودية مع كردستان في كل الاتجاهات واعتبار البضائع الداخلة منها مهرّبة، وإعادة حقول النفط إلى سيطرة الحكومة الاتحادية، خصوصاً حقول شمال كركوك، إضافة إلى إلزام الحكومة استعادة المناطق المتنازع عليها.
وإذا كان الكرد قد أعلنوا استعدادهم للحوار مع بغداد بعد الاستفتاء، لاسيّما عند فشل المفاوضات قبله، فإن ردّ الفعل من جانب بغداد، كان رفض الحوار، الأمر الذي سيعني تصعيد حدّة التوتر بين الطرفين، ولكن إلى أين سيفضي الموقف؟ وكيف يمكن حل أي قضية دون حوار وأخذ ورد، سواءً طال هذا الحوار أم قصر؟ وبغض النظر عن مطالب وحقوق ومشروعية كل طرف، فالحوار هو السبيل الأنسب والأنجع للتوصّل إلى حلول مرضية وبأقل الخسائر للأطراف المختلفة، لأن عكسه ستكون الحرب والصراع المسلح، وهذه مهما كانت نتائجها فإنها ستكون الأكثر إيلاماً وأذى وإبتعاداً عن تلبية الحقوق.
ولعلّ أول سؤال يتبادر إلى الذهن كيف يمكن للحكومة الاتحادية استعادة المنافذ الحدودية، التي يسيطر عليها الإقليم منذ أواخر العام 1991 حيث كانت الإدارة الحكومية قد انسحبت ، بالإضافة إلى قوات الأمن والشرطة وحرس الحدود، وتركت كردستان التي حظيت بدعم التحالف الدولي كمنطقة آمنة safe heaven. لتقيم سلطة الإقليم،ثم كيف يمكن للكرد تنفيذ نتائج الاستفتاء في إطار خطة طويلة الأمد؟ بتقديري إن الطرفين في نهاية المطاف سيضطران إلى الجلوس إلى طاولة الحوار، ولعلّ من الأفضل الركون إليه الآن وليس بعد حين.
هكذا سيكون عراق ما بعد الاستفتاء هو غيره عراق ما قبل الاستفتاء، وكذلك كردستان، وبما إن الأمر سياسي بامتياز فهو يحتاج إلى حل سياسي بامتياز أيضاً، أي إن المسألة المطروحة ليست أزمة سياسية للحكم كما نعرفها منذ تصدّع إطار الشرعية الدستورية في العراق، وخصوصاً بعد ثورة 14 تموز (يوليو) العام 1958، وما بعدها في إطار سلسلة الانقلابات العسكرية والدكتاتوريات الحاكمة وصولاً للاحتلال، بل له علاقة بمستقبل الدولة العراقية وكيانيتها، فإمّا أن تبقى دولة كما عرفناها منذ التأسيس 1921 أو أن لا تكون، بمعنى أن جزء منها قرر الإنفصال عنها وإعلان الاستقلال في إطار تمثيله للشعب الكردي لتقرير مصيره عبر استفتاء حصل على موافقة ساحقة بالتأييد لإقامة دولة مستقلة.
ولكن السؤال ما هي حدود هذه الدولة؟ هل هي حدود ما قبل 19 مارس/آذار العام 2003 أم أنها ستشمل كركوك وبعض المناطق المتنازع عليها كما يريد الكرد؟ أو إن موضوع كركوك بشكل خاص سيبقى مؤجلاً، وقد يتطلب ذلك شكلاً مشتركاً لإدارة مشتركة؟
وأياً كان الوقت الذي سيستغرقه قيام الدولة وأياً كان طريقة قيامها، سلماً أو حرباً، وأياً كان شكل نظامها ديمقراطياً أو دكتاتورياً، فهناك مشكلات لا بدّ من بحثها في إطار التغيير الجيوبوليتيكي الذي سيطال المنطقة في الحال وفي المستقبل، بعضها ربما على نحو عاجل والآخر تدرجي طويل الأمد، وربما بعضها يحتاج إلى تغييرات مجتمعية وسياسية لا تتعلّق بالعراق وحده ، بل بدول الإقليم والمحيط .
وسيتم الأمر في إطار تحالفات واصطفافات إقليمية جديدة والأمر رهن بالسياسة، ولا سياسة من دون الحوار، حتى وإن كان الحوار بالسلاح، باعتبار الحرب شكلاً من أشكال السياسة بوسائل حربية أو عسكرية حسب المفكر كلاوزفيتز، ولكن في نهاية المطاف، لا بدّ من حوار حتى لو كان طويلاً  واستغرق عقداً أو أكثر من الزمان، لكنه في الأخير لا بدّ من التوصّل إلى حلول لتحديد شكل العلاقة المستقبلية، فكيف ستكون؟
وماذا لو أعلنت هذه الدولة أنها ستتّحد بالعراق في إطار دولة كونفدرالية مثلاً؟ أي الإبقاء على الجيش موحداً والسياسة الخارجية وبعض الفاعليات الاقتصادية مثلا النفط، وفيما عدا ذلك سيكون الاستقلال كاملاً في جميع القضايا الأخرى، أو أن الاستقلال سيكون كاملاً وتاماً ونهائياً كدولة مستقلة.
وبالتالي هل ستكون دولة صديقة أم عدوّة؟ وهل تتحالف مع أعداء العراق العربي مثلاً أم أنها ستنتظم في إطار معاهدة صداقة وتعاون مع العراق وفقا لمصالح الشعبين الجارين وأهدافهما المشتركة والعلاقات المتبادلة والمتفاعلة والمتداخلة بينهما؟
وكانت علاقة الإقليم بالمركز من أواخر العام 1991 أقرب إلى كونفدرالية، سواء في أوقات المعارضة أو حين كان الكرد شركاء أساسيين وفاعلين في العملية السياسية، وحين صيغ الدستور العراقي الدائم العام 2005 بعد قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية لعام 2004 أخذ هذه الحقائق بنظر الاعتبار، سواء في وزن وصلاحيات الإقليم واستقلال القوات المسلحة الكردية (البيشمركة) وقضايا النفط والمناطق المتنازع عليها بموجب المادة 58 من قانون إدارة الدولة التي تم ترحيلها للمادة 140 من الدستور والتي لم تنفذ، وإنْ كانت هذه ألغاماً في الدستور الذي يقول الفرقاء إنهم متمسكون به، لكنه في واقع الحال يصدر إشارات منذرة بالانفجار بين فترة وأخرى وعند أول منعطف يصادفه.
وحين يلقي الكرد اللوم على عاتق بغداد بعدم تنفيذ الدستور، فإن بغداد تعتبر القضم التدريجي لهذه المناطق هو الذي يحول دون التطبيع وإجراء إحصاء سكاني ومن ثم القيام بالاستفتاء، وإن كان الأمر أبعد من ذلك. ويذهب الكرد إلى أن الدستور أعطاهم الحق في إجراء الاستفتاء باعتبار تطبيقه " ضمانة لوحدة العراق" وبما أنه لم يطبّق، بل إن ما يقارب من 50 مادة منه ظلّت معوّمة، لأن معظمها معلقاً بتشريع قانون خاص بها فمن حقهم اللجوء إلى الاستفتاء لحسم مصيرها، إلاّ أن بغداد ليست وحدها المسؤولة عن عدم تطبيق الدستور، بل إن الإقليم هو الآخر مسؤول فيما وصل إليه وضع البلاد الذي انتهى منذ ما يزيد على ثلاث سنوات للخضوع إلى حرب فرضها عليه داعش بعد احتلال الموصل العام 2014، ناهيك عن ما تعانيه البلاد من عنف وإرهاب وتمييز وفساد مالي وإداري ونظام محاصصة طائفي وإثني، بل إن بغداد تعتبر الشروع بإجراء الاستفتاء إنما هو خروج على الدستور الذي أقسم الجميع على حفظه لوحدة العراق. وهكذا يعلّق الجميع مشاكلهم وأخطاءهم على شمّاعة الدستور.
قد يكون من السابق لأوانه التكهن بما ستؤول إليه العلاقة بين بغداد وأربيل ولكن يمكن القول بثقة: إن الحركة الكردية فشلت في تحقيق أهدافها بالسلاح والعمل العسكري ، كما فشلت الحكومات المتعاقبة من القضاء على الحركة الكردية بالعمل المسلح والحرب التي شنّتها ضد الشعب الكردي وليس هناك من سبيل الآن سوى الجلوس إلى طاولة المفاوضات، فهي التي سيكون بإمكانها إيجاد الحلّ المناسب.
وهناك أسئلة معقدة بخصوص مشكلات محافظة كركوك ومناطق سهل نينوى وسنجار وما يتصل بالمناطق المتنازع عليها في محافظتي صلاح الدين وديالى والموصل، وهذه قد تشهد احتكاكات وأعمال عنف أو بعض الصدامات المسلحة المحدودة، لكنه من غير المحتمل أن يذهب أي طرف من الأطراف المتنازعة إلى شن الحرب لأنه لا غطاء سياسياً دولياً لها، لاسيّما من قوات التحالف الدولي التي تقوم بدور كبير في محاربة داعش وفي دعم العراق كدولة والإقليم كجزء منه يطمح في تحقيق الاستقلال.
كما إن شن الحرب من جانب بغداد على الإقليم أو حتى على المناطق المتنازع عليها لفك ارتباطها بالإقليم بالقوة، سيساعد على تسريع الاعتراف الدولي بالدولة الكردية، التي سيكون الاستفتاء مبرراً شرعياً وقانونياً لصالحها، خصوصاً وإن الحكومة العراقية لا تحظى بالتأييد الدولي في ظل حكم الأحزاب الإسلامية، بل إن البعض يعتبرها موالية لإيران التي يتعارض مشروعها مع العديد من دول المنطقة.
وإذا أخذنا تاريخياً بموضوع مظلومية الكرد، فإن شن أي حرب مهما كانت الأسباب، سيعيد إلى الأذهان حملات الأنفال  وقصف حلبجة بالسلاح الكيماوي وسيكون ذلك ليس في صالح بغداد أو التسوية السلمية لكلا الطرفين.
ومن المشكلات التي تحتاج إلى التفكير بحلول لها هو إدارة الموارد المائية، خصوصاً وأن نهر دجلة يمرّ من خلال إقليم كردستان ويمر الفرات بمحاذاته قريباً من المناطق الكردية   السورية، الأمر الذي سيكون محط اشتباك تركي وسوري (كردي) وعراقي وهي مشكلة قائمة منذ السبعينات، لاسيّما باستكمال بناء مشروع الكاب التركي لبناء منظومة سدود ضخمة وحجب  منسوب المياه باتجاه العراق العربي.
ثم كيف سيتم التعامل مع الأكراد العراقيين الذين يحملون الجنسية العراقية خارج الإقليم، والعرب الذين سيكونو داخل الإقليم ،سواء في مناطق كركوك سابقاً، أو بعض الذين استقروا بعد حملات داعش في كردستان. ولو كان الأمر يتم بالتفاهم لكان بالإمكان حمل هويتين أو جنسيتين مزدوجتين كما هي بين الجيك والسلوفاك.
وهناك مشكلات تتعلق بالمواصلات البرية وطرق النقل وما يترتب على ذلك من أعباء على الدولة والإقليم وكيف يمكن حلّها. والأهم من ذلك كيف سيكون إنتاج وتصدير النفط من حقول كركوك وبيد من؟ وكل ذلك يحتاج إلى حوار طويل الأمد، خصوصاً بعد الاستفتاء، سواء كان حواراً عاجلاً أم آجلاً، كما يحتاج إلى تنازلات متبادلة ومراعاة المصالح المشتركة.




3
فزّاعة الاستفتاء الكردي
هل حانت اللحظة " التاريخية" للدولة الكردية؟
عبد الحسين شعبان
باحث ومفكر عربي
   كلّما اقتربنا من يوم 25 سبتمبر (أيلول) الجاري يزداد الجدل احتداماً والنقاش صخباً بخصوص الاستفتاء الكردي وما بعده، فالرافضون والمعارضون أفرطوا في التبشيع والتشنيع، والمتحمّسون والمؤيدون أفرطوا في المدائح والمزايا. وبين هذا وذاك، هناك غموض والتباس وقلق وحيرة لدى الكثيرين، فالفريق الأول يعتبر الاستفتاء مقدّمة للانفصال، وله تداعيات خطيرة بخصوص مستقبل الدولة العراقية ووحدتها الجيوبوليتيكية، في حين أن الفريق الثاني يعتبر الاستفتاء حقاً للأكراد في تقرير مصيرهم، كما يجد في التوقيت فرصة مناسبة، بسبب صعود الورقة الكردية إقليمياً ودولياً، إضافة إلى الدور الذي قام به البيشمركة والكرد عموماً، سواء في العراق أو سوريا في مواجهة داعش.
   وبغضّ النظر عن ردود الفعل الدولية والإقليمية التي ترفض أو تتحفّظ أو تحذّر من احتمالات اندلاع صراعات إثنية وعرقية جديدة في المنطقة، فإن الكرد وبخاصة قيادة إقليم كردستان برئاسة مسعود البارزاني يصرّون على موضوع الاستفتاء لثلاثة أسباب رئيسية مبدئية وتكتيكية في الآن، فكيف يمكن فهمها؟ ووفقاً لأية اعتبارات يمكن التعاطي معها، سواء في الحاضر أو في المستقبل؟
   السبب الأول- إنهم يريدون تأكيد حقهم في تقرير المصير، وتحويله من صيغة نظرية عامة إلى صيغة عملية ملموسة، خصوصاً وإنهم يدركون أن نتائج الاستفتاء ستكون بـ" نعم"، بما فيه إقامة دولة مستقلة، على الرغم من تردّد الاتحاد الوطني الكردستاني (أوك)، لكي لا تذهب النتائج لصالح "غريمه" التاريخي الحزب الديمقراطي الكردستاني (حدك)، ورفض حركة كوارن "التغيير"، التي كان زعيمها ناوشيروان مصطفى من أشدّ المتحمّسين لإقامة ثلاثة كيانات في العراق، وهو ما عبّر عنه في مقابلة له مع جريدة اللوموند الفرنسية في العام 1987، ويكاد كون الوحيد من بين الكوادر الكردية المتقدّمة مَنْ اعتبر بيان 11 آذار (مارس) العام 1970، لا يلبّي الحد الأدنى من طموحات الشعب الكردي، كما أن الجماعة الإسلامية هي الأخرى أبدت تحفّظات عديدة على الاستفتاء بينها "التوقيت".
   وعلى الرغم من التردّد والتحفّظ بشأن التوقيت، فإنني أعتقد أنّ الكرد بشكل عام، تداعبهم فكرة قيام الدولة الكردية، إذْ إنهم الشعب الوحيد  من بين شعوب المنطقة الذي يكاد يكون بلا دولة، وإن أمتهم مجزأة، مثل الأمة العربية التي تطمح إلى تحقيق وحدتها. وإذا كان هذا هو الغالب الشائع، فإن السياسيين الكرد يناورون بتصعيد هذا الشعار أو تخفيضه حسب الظروف وحسب موازين القوى ، فتراهم يقدّمون خطوة ويؤخّرون أخرى ، إضافة إلى الصراعات الداخلية بينهم، ناهيك عن المنافسات الشخصية والحزبية.
   وقد شهدت الفترة بين 1994-1998 صراعاً كردياً - كردياً وقتالاً دموياً، وكان العامل الإقليمي فيه قوياً، ففي حين تعاون (أوك) مع إيران لإزاحة خصمه من الساحة، استعان (حدك) بالحكومة العراقية العام 1996، لوضع حد لسيطرة (أوك) على أربيل. وانقسمت كردستان إلى إدارتين، ولولا ضغط وتدخّل الولايات المتحدة الأمريكية، لما كان بالإمكان تسوية المشاكل العالقة بين الطرفين، والتي تطفو على السطح كلّما مرّت أزمة حتى وإن كانت عابرة، وحالياً لا يزال البرلمان الكردستاني معطّلاً وولاية رئاسة الإقليم منتهية، والوصول إلى حلول مرضية بعيد المنال، فكيف يمكن وضع نتائج الاستفتاء موضع التطبيق إذاً؟
   وإذا أصبح شعار "الحكم الذاتي" مقبولاً منذ أواسط الستينات، وخصوصاً بدعم من اليسار العراقي، الذي كان مؤثراً آنذاك، فإن بيان 11 آذار (مارس) لعام 1970 نصّ عليه في ظل حكم حزب البعث، وصدر "قانون الحكم الذاتي" في العام 1974 على الرغم من نواقصه وثغراته، لكنه أسّس لواقع جديد.
   ثم تطور شعار الحكم الذاتي في الثمانينات ليصبح "الحكم الذاتي الموسّع" واستقرّ عند شعار "الفيدرالية"، خصوصاً بعد إقرار صيغة "حق تقرير المصير" من جانب المعارضة في فيينا حزيران (يونيو) وصلاح الدين في تشرين الثاني (نوفمبر) 1992، وصدور قرار من البرلمان الكردستاني بـ"الاتحاد الفيدرالي" في 4 تشرين الأول (اكتوبر) من العام ذاته.
    واحتوى قانون إدارة الدولة العام 2004، وفيما بعد الدستور العراقي الدائم العام 2005، على صيغة الفيدرالية، التي جاءت أقرب إلى النظام الكونفدرالي بحكم الصلاحيات الواسعة الممنوحة للكرد، حيث كان الإقليم هو الكيانية القائمة حصراً. وهذا ما زرع ألغاماً كثيرة في طريق تطبيقه اصطدم بها الجميع، الذين اكتشفوا أنفسهم، كلّما تقدّموا خطوة يقتربون من القنبلة الموقوتة للانفجار.
   والسبب الثاني- إن هدف الدعوة للاستفتاء لا يُقصد منه قيام الدولة الآن، وهو ما عبّر عنه بعض القادة الكرد، وإنما هو في حقيقته ممارسة ضغط لمقايضة بغداد لتقديم تنازلات يمكن استثمارها في مرحلة لاحقة، لاسيّما حين نضوج الظروف الموضوعية. أما الهدف الآني من الاستفتاء فقد يكون دفع بغداد لتسديد مستحقات الإقليم التي تبلغ 17% من قيمة الميزانية العراقية التي أوقفتها الحكومة العراقية كما تقول، لعدم تسوية القضايا المتعلّقة بحقوق تصدير وإنتاج النفط التي تم الاتفاق عليها في كانون الثاني (يناير) العام 2014، وفي كانون الأول (ديسمبر) من نفس العام.
   وسواء تم التوصل إلى تسوية مرحلية أو لم يتم، فإن موضوع الدولة الكردية، سيبقى أحد التحدّيات الأساسية التي تواجه العراق، مثلما هو التحدّي الطائفي، وهذان التحدّيان لو استمرا فإنهما قد يذهبان بعيداً باتجاه تفتيت الدولة العراقية، تمهيداً لانقسامها حسب بعض السيناريوهات المطروحة والتي قد تستغرق وقتاً ليس بالقصير.
   السبب الثالث- قد يكون أحد أهداف الاستفتاء الحالي هو إبقاء الوضع الراهن Status que، في كركوك على ما هو عليه دون تغيير بما فيه موضوع تصدير النفط، أي عدم تحريك ساكن، فبعد أن رفع مجلس المحافظة علم كردستان (آذار/مارس 2017) لم يتغيّر شيء على الرغم من قرار القضاء ببطلانه، فضلاً عن ردود الفعل الإقليمية والدولية، علماً بأن مشكلة كركوك حسب تقديري لا حلّ لها في إطار ما هو مطروح من حلول متناقضة وحادة، فعودة القديم إلى قِدمه ليس ممكناً أو مقبولاً، والمغالبة والاستقواء وفرض الأمر الواقع صيغة غر مقبولة، ناهيك عن أنها قد تنذر بحرب أهلية، خصوصاً في ظل احتدام المشهد السياسي وتفشّي ظواهر العنف والإرهاب واستغلال القوى المتعصّبة والمتطرّفة، فضلاً عن التداخل الإقليمي الذي ينبغي أن يُحسب حسابه، سواء الإيراني وهو مؤثر وكبير أو التركي وهو غير قليل، ولاسيّما في موضوع حساس مثل كركوك.
   ولكن ما العمل وكيف السبيل إلى حل ممكن؟
    لقد ظلّت كركوك عقدة مستعصية وتم تأجيلها في اتفاقية 11 آذار (مارس) 1970 وبعد إعادة المفاوضات مع الحركة الكردية 1991، كان هناك اقتراح قد تردّد بإقامة "إدارة مشتركة"،  ولكن الاتفاق لم يتحقق، وبعد الاحتلال الأمريكي للعراق العام 2003 تم تعليق موضوع كركوك، ولم تستطع المادة 58 من قانون إدارة الدولة أو المادة 140 عن الدستور العراقي، إيجاد حلّ لها ، بل إن الأمر ازداد تعقيداً وتعسّراً، لاسيّما ما صاحب ذلك من أعمال عنف وإرهاب ومناطق نفوذ ومحاولات هيمنة.
   لقد حاول النظام السابق تغيير التركيب السكاني والديموغرافي لكركوك بتشجيع هجرة العرب إليها ومنحهم امتيازات على حساب الكرد والتركمان، بل إن قراراً صدر من "مجلس قيادة الثورة" في 6 أيلول /سبتمبر العام 2001، يقضي بإمكان تغيير الهوّية إلى العربية، ولم يمنح هذا الحق لغيرها، وهو الأمر الذي انقلب بعد الاحتلال إلى ضده، وسواء في الماضي أم في الحاضر، فإن أية محاولات لتغيير التركيب السكاني والواقع القومي بالقوة أو بالإغراءات لن تجدي نفعاً، لاسيّما إذا لم تتم على نحو عفوي وبطريقة تلقائية ودون إرغام أو إكراه وهو ما يحدث عادة عبر زمن طويل وتراكم تدريجي، فقد كانت كركوك بموجب إحصاء العام 1957 ذات أغلبية تركمانية، وفي السبعينات أصبحت بأغلبية عربية ، للأسباب التي سبق ذكرها، وبعد الاحتلال أصبحت بأغلبية كردية بعد "التدفق" الكردي عليها واحتدام الصراع حول مصيرها وما رافقه من أعمال عنف ومغالبة واستقطاب، ولا زالت كركوك "عقدة العقد"، خصوصاً وإن القادة الكرد جميعهم يتمسّكون بها كجزء من كردستان، وكما يسمّيها جلال الطالباني الرئيس العراقي السابق: "قدس الأقداس" .
   فهل ستبقى مشكلة كركوك معلّقة إلى ما لا نهاية، وبؤرة حرب مستديمة؟ أم ثمة إمكانات لوضع حلول واشتراع معالجات طويلة الأمد لتطبيع الحياة فيها وتعزيز التعايش بين سكانها؟  وبقدر ما كانت إحدى نقاط قوة العراق من حيث التعايش القومي والديني والمذهبي واللغوي، فإنها أحد أكبر نقاط ضعفه، ولعلّ ضعف المواطنة والشعور بها وشحّ الحرّيات، خصوصاً في ظل عدم المساواة وغياب الشراكة الحقيقية والمشاركة، كانت وراء هذه العقدة المعتّقة والمستديمة والتي يمكن أن تفجّر الوضع في العراق برمّته.
   ولذلك فإن أي حل يبدأ من إطفاء بؤرة التوتر ونزع الفتيل عنها، ثم البحث عن تفاهمات ترضي جميع الأطراف إذا قرّروا البقاء متعايشين، وهذا يتطلّب إرادة سياسية موحدة وتنازلات متقابلة وإدارة سليمة للأزمة يشترك فيها الفرقاء جميعهم دون استثناء، وعكس ذلك سيدفع الجميع الثمن باهظاً.
   وبعد ذلك لماذا يكون الاستفتاء فزّاعة طالما إن إمكانية تطبيق نتائجه غير متوفرة،  في الوقت الحاضر؟ أي أنها ليست برسم التنفيذ، والأمر لا يعود إلى رغبة فريق الموالاة أو الممانعة، ولكن بفعل توازن القوى، وخصوصاً الإقليمي والدولي.
   وحتى لو كانت  نتائج الاستفتاء بـ"نعم" وهي ستكون كذلك، لصالح قيام دولة كردية، فهل ستعلن قيادات الكرد الرغبة في عدم العيش المشترك مع الشعب العربي في العراق؟ وإذا افترضنا ذلك أيضاً، فهل ستقوم الدولة غداً؟ وهل ستكون سلوفاكيا أم  كوسوفو أم تيمور الشرقية أم جنوب السودان مثلاً ؟ وهذه أسئلة على جميع الأطراف التفكير بإجابات لها.
    وإذا كانت قناعتي الشخصية والاستشرافية بأن الدولة الكردية قادمة إن آجلاً أم عاجلاً، وربما هناك أكثر من دولة كردية ستقوم، ولكن قيامها قد لا يكون آنياً، أي برسم الاستفتاء. وبواقعية، يستغرق الأمر وقتاً طويلاً، وقد يحتاج إلى عقد أو حتى عقدين من الزمان أو أكثر، مثلما قد يتطلّب ذلك حدوث تغييرات جوهرية في إيران وتركيا وسوريا، جميعها أو بعضها، بحيث تنشأ الدولة في محيط إقليمي غير معادٍ أو رافض لقيامها، ومثل هذا الاحتمال ليس وارداً في الوقت الحاضر باستثناء سوريا، التي سيكون فيها وضع الكرد أقرب إلى الوضع العراقي فيما إذا حدثت تغييرات، لكنه سيكون مع تعقيدات أشد ومشكلات أعوص وتداخلات خارجية أوسع ومنافسات داخلية أشمل وسقف حقوق أدنى.
   فلماذا الخشية من الاستفتاء؟ وسواء أجري الاستفتاء أو لم يجرِ، فإن حق الكرد في تقرير المصير وقيام دولة مستقلة سيبقى قائماً، وهم يتمسّكون به، ولعلّه سيكون من الأفضل الآن وحتى قيام تلك الدولة، أن يكون الحل "سلمياً" و"رضائياً" إذا أصبح العيش المشترك مستحيلاً  "فالطلاق أبغض الحلال عند الله" كما يُقال، وحتى لو حصل فمن الأفضل بحكم ارتباطات العرب بأشقائهم الكرد، الإبقاء على علاقات الصداقة والتعاون والمشتركات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والعلمية والإنسانية جميعها، وألّا يُسمح بتسرّب قوى معادية للعرب والكرد أو لدول المنطقة  وتطلّعات شعوبها للتحرّر والسلم والتنمية والتقدّم، خصوصاً حين يكون التفاهم والمصالح المشتركة والمنافع المتبادلة هي الأساس في العلاقة بين بلدانها وشعوبها.
   وأعتقد أن ذلك ضمانة للعلاقة العربية - الكردية، سواء في الحاضر أو في المستقبل، وعلى جميع الأطراف العراقية، وخصوصاً عرب العراق وكرده إضافة إلى القوى الإقليمية، ألّا تحرق المراحل وتستعجل اندلاع الصراع، لأن نتائجه ستكون وخيمة وكارثية على الجميع. إنّ قيام الدولة الكردية يحتاج إلى بيئة حاضنة وتأييد واضح من المجتمع الدولي، وهذا غير متوفّر في المدى المنظور، وذلك يعني أنّ القرار بإقامة الدولة، بالاستفتاء أو بغيره، سيكون مؤجلاً عراقياً وإقليمياً ودولياً، وأعتقد أن القيادة الكردية تدرك - حتى وإن رفعت من سقف مطالبها وشعاراتها- أن حرارة الجو السياسي تزداد ارتفاعاً وحساسية وحراجة، خصوصاً وهي تسعى لاقتناص اللحظة التاريخية المناسبة لتحويل "الحلم الكردي" المشروع إلى واقع ممكن وملموس وحقيقي.

4
أثمة ملامح نظام دولي جديد؟
                     
عبد الحسين شعبان

لعلّ بعض التحليلات المتداولة تذهب إلى القول إننا أمام ملامح لنظام دولي جديد أخذ يتكوّن، بعد تخلخل مواقع القوى العظمى المهيمنة، وخصوصاً الولايات المتحدة التي تكرّست بعد انتهاء عهد الحرب الباردة والصراع الأيديولوجي، باعتبارها القوة الأولى الأساسية المتنفذة في العلاقات الدولية.
وإذا كان النظام الدولي الذي شهده القرن العشرين قد انتقل ما بعد الحرب العالمية الأولى إلى هيمنة بريطانيا وفرنسا كقوتين عظميين، فإن الحرب العالمية الثانية وما بعدها جعلت من الولايات المتحدة القوة العظمى الأولى في العالم، خصوصاً تحكّمها بمصادر القوة والتحالفات التي قادتها لاحقاً، عسكرياً وسياسياً، والتقدّم العلمي والتكنولوجي والثقافي والفني والأدبي الذي فاق الجميع بلا استثناء، فضلاً عن التقدم الهائل في ميدان الصناعة والزراعة والتجارة، بما فيها تجارة السلاح، حيث نصّبها القوة الأولى بلا منازع.
كان نظام ما قبل الحرب العالمية الأولى استمراراً لاتفاق ويستفاليا في القرن السابع عشر 1648 ومؤتمر فيينا العام 1815 بعد محاولات إجهاض الثورة الفرنسية وهزيمة نابليون، حيث كانت قواعد القانون الدولي التقليدي تجيز حق الغزو، والحق في شن الحرب الاستباقية أو الوقائية، إضافة إلى حق الحصول على مكاسب سياسية بما فيها الاستيلاء على الأراضي بالقوة تحت مبرر احتمال «خطر وشيك الوقوع» أو للحفاظ على المجال الحيوي، وكل ذلك يندرج في الاستقواء على الآخرين دفاعاً عن «المصالح القومية»، والتي خيضت حروب كثيرة تحت عنوانها ومبرراتها.
وكان الطور الجديد للنظام الدولي قد تكرّس بعد الحرب العالمية الأولى بتأسيس عصبة الأمم العام 1919 وجرت محاولات لتقييد استخدام القوة واللجوء إلى الحرب، وخصوصاً في ميثاق بريان كيلوك (ميثاق باريس) العام 1928 وقد انقسم العالم بفعل ثورة أكتوبر/تشرين الأول العام 1917، إلى معسكرين، حيث بدت بعض ملامح نظام جديد تظهر تلك التي تحققت بعد قيام الأمم المتحدة في العام 1945 خصوصاً بعدم الاعتراف بالدبلوماسية السرية، لاسيّما بعد فضح اتفاقيات سايكس - بيكو السرّية التي أبرمتها بريطانيا وفرنسا العام 1916، واتسمت العلاقات الدولية بنوع جديد من الصراع الأيديولوجي بين نظامين متناحرين.
لكن الحرب العالمية الثانية وما بعدها، والتي أدت إلى هزيمة ألمانيا واليابان والقضاء على النازية والفاشية، دفعت الأمور باتجاه صراع مديد عُرف بالحرب الباردة بعد تفكك الحلف المعادي لدول المحور منذ أن أطلق ونستون تشرشل صيحته الشهيرة بالقضاء على الشيوعية العام 1947، واستمرت هذه الحرب بوسائل خشنة وناعمة، عسكرية واقتصادية وثقافية، حتى تمكن المعسكر الرأسمالي من الإطاحة بالكتلة الاشتراكية من دون حرب بفعل سباق التسلح وبشكل خاص «حرب النجوم» العام 1983 والهجوم الأيديولوجي والدعائي، إضافة إلى الأوضاع الداخلية التي تتعلق بشح الحريات والاختناقات الاقتصادية.
وهكذا انتقلنا من نظام القطبية الثنائية والتوازنات التي كان يقوم عليها بسلبياتها وإيجابياتها إلى نظام تتحكم به قوة واحدة وتدور في فلكها قوى أخرى كالاتحاد الأوروبي وغيره من البلدان التي ظلّت تتعامل مع الحليف الأكبر من موقع أدنى.
ومن أبرز ملامح الهيمنة في هذا النظام هو الحرب على العراق العام 1991 ثم احتلاله في العام 2003 بعد غزو أفغانستان، وانبعاث الهوّيات الفرعية وتفتيت الدول الوطنية، واعتبار «الإسلام» الخطر الأساسي بعد انهيار الشيوعية، كما ذهب إلى ذلك صموئيل هنتنغتون بأطروحته حول «صدام الحضارات» وقبله «فرانسيس فوكوياما بأطروحته حول نهاية التاريخ، منطلقين من ظفر الليبرالية كنظام سياسي واجتماعي على المستوى العالمي.
لكن ملامح هذه المرحلة أخذت بالتصدّع خلال عقدين من الزمان بصعود الصين كقوة اقتصادية عظمى وعودة روسيا كقوة مؤثرة بعد غياب الاتحاد السوفييتي، إضافة إلى تحالفات جديدة خارج الهيمنة الأمريكية، كما هو دور دول البريكس، فإضافة إلى الصين وروسيا، هناك البرازيل وجنوب إفريقيا والهند، وهي قوى صاعدة، لاسيّما في المرحلة الانتقالية الحالية التي تشهد صراعاً بأنواع مختلفة، مع اتفاق مصالح، الأمر الذي يجعل من التكتلات الكبرى أساساً في مواجهة الدور الأمريكي المهيمن والآخذ بالتراجع على الرغم مما يملكه من مصادر قوة لا يزال يحتفظ بها.

وإذا كان القرن التاسع عشر، هو قرن القوميات فإن القرن العشرين هو قرن الأيديولوجيات، أما نهايته فقد كانت تؤشر إلى قرن جديد، وربما سيكون عنوانه قرن المصالح الاقتصادية، وهكذا فإن ما طرحه بريجنسكي، مستشار الأمن القومي الأسبق في كتابه «أمريكا والعصر التكنوتروني» من التعددية القطبية لا يأتي بعد القطبية الثنائية، ولكنه يعقب الهيمنة الأمريكية مع وجود مصالح مشتركة، منها مكافحة الإرهاب والتعصب والتطرّف الذي يهدّد العالم.
ومناسبة الحديث عن نظام دولي جديد، كانت ضمن حلقة نقاشية في بيروت لمركز دراسات الوحدة العربية، شارك فيها مفكرون وباحثون وممارسون سياسيون عرب من أقطار مختلفة.



5
بغداد تحتفي بـ " أبو كَاطع"
بغداد - وكالات / خاص
         إلتأم في نادي العلوية ببغداد احتفال ضخم حضره عدد كبير من الشخصيات الفكرية والثقافية والأدبية والفنية والإعلامية، وجمهور واسع من محبّي أبو كَاطع والعارفين بفضله، خصوصاً ما قدّمه من منجز إعلامي وروائي على مدى زاد عن ربع قرن من الزمان، لاسيّما رباعيته الشهيرة "الزناد، بلا بوش دنيا، غنم الشيوخ وفلوس حميد"، إضافة إلى حكاياته وإقصوصاته، التي كان ينشرها في صحيفة " طريق الشعب" في السبعينات وفي عدد من الصحف العراقية وفيما بعد العربية بعد اضطراره إلى مغادرة العراق والعيش في المنفى وقبل ذلك برنامجه الإذاعي في أواخر الخمسينات " احجيه بصراحة يبو كَاطع" من إذاعة بغداد .
         وكان الاحتفال بمناسبة الذكرى الـ 36 لرحيل أبو كَاطع " شمران الياسري" حيث وافته المنيّة في حادث سير أليم  حين كان متوجهاً من براغ إلى بودابست لزيارة نجله الأكبر "جبران".
         وكان نادي العلوية قد دعا الأديب والأكاديمي الدكتور عبد الحسين شعبان لتوقيع كتابه الموسوم "أبو كَاطع- على ضفاف السخرية الحزينة" وهو طبعة ثانية. وكان شعبان قد تبرّع بريع الطبعة الأولى إلى "أطفال العراق تحت الحصار"، وقد تبرّع بريع هذه الطبعة إلى "أطفال العوائل النازحة من الموصل ومناطق غرب العراق"، لاسيّما بعد هيمنة داعش عليها. وقد إلتأم الاحتفال في قاعة غصّت بالحضور يوم 10 أيلول (سبتمبر) 2017.
         وقد رحّب الاستاذ فلاح كمونة باسم اللجنة الثقافية للنادي بالحضور .
         وافتتح الاحتفالية الإعلامي عماد جاسم، وتحدّث فيها الباحث والأكاديمي د. شجاع العاني وتلاه الأديب والناقد فاضل ثامر ثم دعا السيد إحسان شمران الياسري (نجل أبو كَاطع) ليتحدث عن والده، واختتم الأمسية المفكر عبد الحسين شعبان ، الذي تحدّث عن سخرية أبو كَاطع الحزينة، واعتبر "حنظلة "ناجي العلي ، بمثابة "خلف الدوّاح"،  وإذا كان حنظلة فلسطين شاهداً لما حدث في فلسطين، فإن خلف الدوّاح العراقي (كَعود الفرحان)، هو الشاهد الآخر، لما حدث في العراق وفي كلا الحالين كما قال: وجوه ومؤخرات، حمامات وبنادق، مظلومون وظالمون، واعتبر شعبان أبو كَاطع "جارلز ديكنز" العراقي، وسخريته جادة، لأن لديه موقفاً حاداً من الحياة، وقد رسم صورة الريف العراقي بريشة فنان عليم وأصيل، وهو جزء من تاريخ الدولة العراقية.
         وإذا كانت الآيديولوجيا طاغية في مرحلته الأولى، فإنها خفّت في مرحلته الثانية، خصوصاً في رواية "قضية الحمزة الخلف" وعدد من الحكايات والقصص وكذلك أخذ يقلل من  استخدامه العامية أو اللهجة الشعبية، وإنْ كان يجد فيها الوسيلة الأكثر تعبيراً عما يريد أن يوصله إلى قارئه،لاسيّما حين يطعّمها بمملّحات مثيرة للضحك والدعابة وإن كانت سوداء أحياناً.
         وقد توافد جمع غفير للاقبال على شراء الكتاب وطلبوا من مؤلفه توقيعه، ثم قدّم  الدكتور فارس الدوري رئيس نادي العلوية درعاً للتميّز للدكتور شعبان، كما بادرت جريدة الزمان ممثلة برئيس تحريرها (طبعة العراق) الدكتور أحمد عبد المجيد  على تقديم باقة ورد وهديّة إليه، وكانت جريدة الزمان بمبادرة من مؤسسها الاستاذ سعد البزاز قد كرّمت الدكتور شعبان في وقت سابق ، وقدّمت له وسام "الإبداع" (العام 2009) وهو عادة ما يقدّم إلى كبار الشخصيات الفكرية والثقافية والفنية.
         وساهم عدد من الفضائيات والصحف في تغطية خبر احتفالية أبو كاطع. وكتب الصحافي زيد الحلي عموداً في صحيفة الزمان بعنوان" د. شعبان يغني الأحد لأبي كَاطع " كما كتب الشاعر منذر عبد الحر في جريدة الدستور عموداً بعنوان: الدكتور عبد الحسين شعبان يوقع كتابه الجديد في بغداد، وكتب قبل ذلك الإعلامي حسن عبد الحميد عموداً استباقياً يرحب فيه بالدكتور شعبان وبالثقافة اللّاعنفيّة التي يدعو إليها، في صحيفة الدستور. وقد جرى استذكار أبو كَاطع وعرضاً وتقريضاً لكتاب شعبان بأخبار صحفية ومقالات عديدة، وكان د.شعبان قد كتب في "مجلة أفق" التي تصدرها مؤسسة الفكر العربي مقالة بعنوان : "العراقيّ أبو گاطع… سيّد الدّعابة البارِعة والسُّخرية اللّاذِعة - القبح في مواجهة الجمال".
        أبو كَاطع الذي ظلّ ممنوعاً مثلما هو مؤلف الكتاب منذ الثمانينات ولغاية العام 2003، عاد مشرقاً إلى بغداد التي أحبّها وقد منحته مدينة السلام ما يستحق من الاحتفاء والتقدير، لاسيما " حب الناس" الذي لا يضاهيه شيء.
 

6
العراقيّ أبو گاطع… سيّد الدّعابة البارِعة والسُّخرية اللّاذِعة
القبح في مواجهة الجمال

 
 
د. عبد الحسين شعبان*
لا أخال أحداً من الذين أدركهم الوعي من جيل ما بعد ثورة 14 تمّوز (يوليو) العام 1958، وخصوصاً من المثقّفين أو القريبين منهم، لم يسمع باسم "أبو گاطع" أو يردِّد "لازِمة" اشتهرت باسمه، وهي عنوان برنامجه الشهير، "إحجيه بصراحة يبوگاطع" (إحكيها)…

فالرجل احتلّ مكانة استثنائيّة ليس في الأدب والصحافة العراقيّة فحسب، بل وعلى الصعيد الشعبيّ، وانشغلت أوساطٌ واسعة من مختلف التيّارات (المُوالاة والمُعارَضة وما بينهما) بما يكتبه وما ينشره في عموده الصحافيّ، ولاسيّما في مطبوعات الحزب الشيوعي في السبعينيّات: مثل مجلّة الثقافة الجديدة، التي كان مدير تحريرها، وجريدة الفكر الجديد (الأسبوعيّة)، وجريدة طريق الشعب(اليوميّة)، وقبل ذلك في أواخر الخمسينيّات ومطلع الستينيّات، كَتَب في عددٍ من الصّحف اليساريّة العراقيّة، لكنّ برنامجه الإذاعي (من إذاعة بغداد) كان الأكثر شهرة، بل إنّ شهرته جاءت من برنامجه.
وارتفع رصيده ليس كصحافي فحسب، بل إنّ دخوله عالَم الرواية، وصدور رباعيّته كان قد وضعه في مكانة مرموقة بين الروائيّين الكبار أمثال "غائب طعمة فرمان"، و"فؤاد التكرلي"، و"محمّد خضير"، و"عبد الرحمن مجيد الربيعي"، وآخرين؛ لكنّ ما تميّز عنهم، هو قدرته في توظيف مخزونه الريفيّ وضخّه في الرواية التي هي في الغالِب مدينيّة، بحيث أصبحت حياة الريف مألوفة لدى قارئ الرواية وهو ابن المدينة في الأغلب الأعمّ.
وكان "أبو جبران" (وهو نجله الأكبر) يطمح أن يصبح روائّياً، وحين دسَّ مخطوطته (الرباعيّة) بيد غائب طعمة فرمان، طالباً منه قراءتها قبل طباعتها، همس بأذنه (أريد أن أكون منكم)، أي من كتّاب الرواية، فالرواية وما تحفل به ظلّت هاجسه حتّى حين يكتب عموده الصحافي، فقد كان يبحث عن حبكة درامية، ومتن وقفل بمثابة خاتمة ليجعل القارىء يفكِّر في نهايات مفتوحة.
كان صدور رباعيّته: الزناد، بلا بوش دنيا، غنم الشيوخ، وفلوس حميّد، (العام 1973)، محطّة جديدة لا على مستوى الرواية العراقية فحسب، بل في تقديمٍ روائيٍّ ريفيٍّ يستطيع أن يؤثّر على المدينة ومثقّفيها، وليس كما كان العكس جارياً، فلم يعُد "أبو گاطع" في خطابه أو حكاياته وأقصوصاته، ولاسيّما رباعيّته، يقتصر على مُخاطَبة الفلّاحين والأوساط الشعبية، بل امتدّ ليشمل ما يكتبه عن المدينة بما تحتويه من تيّارات فكرية وثقافية واسعة، سواء من كان معه أم ضدّه، الأمر الذي أثار جدلاً واسعاً حول كتاباته لدرجة أنّها مُنعت فتمّت ملاحقته بتُهم أقلّها "الإعدام" على حدّ تعبيره الساخر، حيث اضطرّ إلى مغادرة العراق نحو المنفى (العام 1976)، مع ملابسات ما حصل له لاحقاً (في براغ)، وهناك قضى بحادث سير في 17 آب (أغسطس) العام 1981.
مرّ 36 عاماً على رحيل "أبو گاطع" "شمران يوسف الياسري"، (أبو جبران) الذي اشتهر بكنيَتِه، كما اشتهرت راويته الشخصيّة الأثيرة المعروفة باسم "خلف الدوّاح"، وهو اسم مستعار لشخص حقيقي، وليس وهميّاً. فاسمه هو "گعود الفرحان"، الذي كنت قد نشرت صورته لأوّل مرّة في كتابي "على ضفاف السخرية الحزينة"، وكان خلف الدوّاح مثل ظلّ "أبو گاطع"، مُلازماً له.
لقد أتقن "أبو گاطع" حرفته وأدرك مدى تأثيرها في كسب الجمهور وإثارة الجدل حول ما يكتب،مبتكراً طُرقاً مباشرة وغير مباشرة للنقد والتّحريض والتّفكير، والهدف هو الوصول إلى القارئ، سواء بتفخيخ حكاياته وأقصوصاته وجُمله أم باستدراجه لدائرة الإيهام. وفي كلّ الأحوال دفعه للتّساؤل والشك،لما تستثيره نصوصه، فتارةً يستفزّ المتلقّي من البداية، وأخرى يرخي له المقدّمة ليوحي له بنهاية مستريحة، لكنّه سرعان ما يُفاجئه قبل الخاتمة بالعودة إلى دائرة السؤال، تلك هي حبكته الدراميّة المتميّزة.
وعلى الرّغم من كونه مثقّفاً أعزل وفرداً "نفراً" -على حدّ تعبيره- وبإمكانات محدودة وشحيحة، إلّا أنّ أسئلته المُشاغِبة كانت تتميّز بإثارة شكوك وارتيابات تفوق تأثيراتها ما تفعله هيئات أو مؤسّسات أحياناً، في ظلّ أساليب الدّعاية والحرب النفسيّة والصراع الإيديولوجي الذي كان سائداً على نحو حادّ في زمانه.
ودليلي على ذلك أنّه  اضطرّ لطباعة روايته "الرّباعية"على نفقته الخاصّة، بعد أن امتنعت الجهات الرسمية من طبعها، بزعم عدم استيفائها الشروط الفنّية، لكنّه باع عشرات، وربّما مئات النسخ، حتّى قبل صدورها لدفع ثمنها إلى المطبعة، وقد حجز العديد من الأصدقاء نسخهم قبل أن تُطبَع، ولا أعتقد أنّ كاتباً استطاع أن يفعل ذلك قبله أو بعده. إنّها طريقة "أبو گاطعيّة" بامتياز، له براءة اختراعها.
كان تأثير ما يكتب كبيراً على السلطة ومعارضتها، بل حتّى داخل الحزب الشيوعي نفسه، حيث يجري صراعٌ "مكتوم" بين قيادة "مُسترخِية" وقاعدة "مُستعصيَة"، فقد كان أقرب إلى "بارومتر" يقيس فيه الناس درجة حرارة الجوّ السياسي. وقد نجح في توظيف علوم عديدة لاختيار الوسيلة الأنجع واختبارها، وذلك من خلال عِلم النفس وعِلم الاجتماع وأساليب التغلغل الناعم والحكاية الشعبية ليصل إلى مراده، متحدّياً الجميع أحياناً، بمَن فيهم نفسه، حتّى وإن اقتضى الأمر المُغامرة، باحثاً في كلّ ذلك عن المُغايرة والتميّز والجديد والحقيقة البيضاء.
ولهذا السبب استقطب جمهوراً واسعاً، ناهيك بالقيَم الجماليّة التي حاول إظهارها، كاشفاً لنا عن عمق ودراية ما يجري في المجتمع، خالِقاً أبطالاً هدفهم إسعادنا، على الرّغم ممّا كان يعانيه من ألم، وكما قال غائب طعمة فرمان عنه: "إنّه إنسان ثابت في أرضه، يعرف كلّ شبر منها، عاليها وسافلها، حلوها ومرّها، مذاق ثمارها وملوحة عرق الكدح فيها، يتغنّى بشفافيّة روح، بشجاعة قلب، وحكمة نظرية ومُكتسَبة بما يمثِّل الهيكل الإنساني لحياة ابن الريف".
والقراءة لا ينبغي أن تكون من باب التمجيد والمُجامَلة، بقدر ما تكون قراءة نقدية منهجية وموضوعية، بما له وما عليه، فضلاً عن إمكانية إفادة القارىء من الأجيال الحالية والقادمة، بالأجواء السياسية والفكرية والثقافية التي كانت سائدة في عهده والتحدّيات والكوابح التي اعترضت طريقه، ودَوره المتميّز على الرّغم من ظروفه الحياتية والمعيشية الصعبة، فلم يتمكّن من إكماله دراسته، وهو ما يطرح أسئلة على الجيل الحالي والأجيال المستقبلية: ترى من أين جاءت موهبته؟ وكيف تمكّن من صقلها؟ ثمّ كيف استطاع إنماء ملكاته وتطوير قدراته؟ بحيث احتلّ هذه المكانة الاستثنائية ملتحقاً بجيل الروّاد الذين سبقوه، ومنتقّلاً من عالَم الصحافة السريع والكثير الحركة إلى فضاء الرواية الذي يحتاج إلى التأمّل والدّقة.
لقد عرف العراق مع "أبو گاطع"  لوناً جديداً من ألوان الأدب الساخر الذي برز فيه صاحبه بنتاجه المتنوّع، سواء في حديثه الإذاعي الموجَّه إلى الفلّاحين أو أقصوصاته وحكاياته، حين نقل حديث المَجالس والمَضايف والديوانيّات، ليجعله مادّة للكتابة الصحافية، التي اتّسمت بها مقالاته، بحيث أثّرت فيها شخصيات الريف النائي والمعزول، بيوميات المدينة وأحاديثها وهمومها والجديد فيها، وانتهاء برواياته، وبخاصّة رباعيّته أو رواية "الحمزة الخلف".
لا أدري إلى أيّ حدٍّ – ونحن نستعيد "أبو گاطع" – يُمكن أن نستذكر الروائي الإنكليزي تشارلز ديكنز  صاحب رواية: "قصّة مدينتَين A Tale Of Two Cities"، فقد امتاز أسلوبه هو الآخر بالدعابة البارعة والسخرية اللّاذِعة، وصوَّر جانباً مهمّاً من حياة الفقراء وحظيَ بشعبيّة لم ينلها مجايلوه.
وإذا كانت السّخرية تميّز أسلوب "أبو گاطع"، فثمّة أحزانٌ كانت تغلّفها على نحو عميق. ربّما وجد "أبو گاطع" فيها بعض التخفيف من قسوة حياتنا ومراراتها وإخفاقاتنا المتكرّرة، فلجأ إلى إضفاء مسحة من التندّر والضحك عليها، حتّى وإنْ كان ضحكاً أقرب إلى البكاء، كما هي حالنا وأوضاعنا. لقد أمطرتنا حكاياته وأقصوصاته بعناقيد لذيذة من السخرية الحزينة، لفتح شهيّتنا على النقد من أجل حياة أكثر يُسراً وأكبر قدرة على الاحتمال والمواءمة.
لقد أدرك "أبو گاطع" أنّ الحزن معتّقٌ في العراق، وهو أصيل ومتجذّر، ويكاد يطبع كلّ شيء، فحتّى فرح العراقيّين وغناؤهم ومناسبتهم المختلفة، كلّها مغلَّفة بالحزن الجميل.
إنّ سخريةً مثل سخرية "أبو گاطع"، وهو يتناول أعقد القضايا وأخطرها، لا بدّ أن تكون سخرية جادّة ومسؤولة، بل هي موقف من الحياة والكون والتطوّر، وقد حاول شمران الياسري أن يُواجِه تعقيدات المجتمع وصراعاته ومشكلاته وهمومه بنَوعٍ من السخرية، لأنّ هذه الأخيرة في نهاية المطاف تُعبِّر عن موقف مقابل لكلّ تلك الإشكاليّات، وهو ما دعا كارل ماركس للقول: "إنّي أقف ممّا هو مضحك موقفاً جادّاً".
لقد كتب "أبو گاطع" تاريخ الريف العراقي، كجزء من تاريخ الدولة العراقية والمجتمع العراقي، فعالَج ذلك بسخرية ودعابة وتهكّم. كما حاول الكشف عن حياة مطويَّة تقريباً، فصوَّر الواقع بكاميرا بانوراميّة، مُلتقطاً صُوراً تكاد تكون فاضحة عن حقيقة حياة الريف، ولاسيّما وهو يدخل إلى أعمق أعماقه، لأنّه ليس طارئاً عليه أو غريباً عنه، بل هو من صلبه ومن مكوّناته.
وصدق الروائي الروسي مكسيم غوركي حين قال: "التاريخ لا يكتبه المؤرّخون، بل الفنّانون الذين يكتبون التاريخ الحقيقي للإنسان"، فقد كان "أبو گاطع – أبو جبران" هو مؤرِّخ الريف، حيث عكست رباعيّته حياة الفلاّحين والشيوخ والإقطاع والسراكيل والنساء والعشق والحبّ المحرَّم والظُّلم والقسوة، والعادات والتقاليد الاجتماعية وزيف بعض رجال الدّين وخداعهم. ولولا "أبو گاطع"، لضاع هذا الجزء المهمّ من تاريخ الدولة العراقية، وللدقّة لضاعت إحدى الرؤى التي يُمكنها مع رؤى أخرى تكوين صورة شاملة ومتعدّدة الألوان عن الريف العراقي.
ولأنّ ما كتبه "أبو گاطع" لا يزال راهنيّاً، بل يمثّل جزءاً من حياتنا اليوميّة، فإنّه لا يزال حاضراً بيننا، وأراه باستمرار في المعركة الدائرة في مجتمعاتنا ضدّ التعصّب والتطرّف والغلوّ والطائفية، وهي معركة الحداثة والحرّية وحقوق الإنسان والجمال والانفتاح واستعادة هَيبة الدولة الوطنية ووحدتها، في مواجهة استمرار التخلّف والقمع والإقصاء والقبح والانغلاق والفوضى والميليشيّات.
تلك هي معركة "أبو گاطع"، وهي معركة خارجية ضدّ الهَيمنة ومحاولات فرض الاستتباع والإرهاب بقدر ما هي معركة داخلية ضدّ قوى الظلام والاستبداد، إنّها معركة مع الآخر وفي الوقت نفسه هي معركة مع الذّات أيضاً، (النحن والأنا) لتطهيرها ممّا علق بها من أدران وترهّات وتشويهات. إنّها باختصار معركة الحقيقة والتقدّم، وبالطبع فهي معركة كلّ كاتب حرّ وصاحب فكر مُنفتِح.
"أبو گاطع" الذي رحل قبل أكثر من  ثلاثة عقود ونصف من الزمان، لا زال يعيش بيننا، نحدّثه ويحدّثنا، نستمع إلى قهقهاته وإلى أنّاته، ونتحسّس عمق جرحه وألمه من طرف ابتسامته الساخرة.



 


7
مسلمو ميانمار بين نارين
عبد الحسين شعبان

منذ 25 أغسطس /آب المنصرم (2017) ومسلمو ميانمار يتعرضون إلى حملة جديدة من العنف والتطهير والإجلاء، فبعد ساعات من إطلاق قوات ميانمار (بورما سابقاً) النار على مئات من الفارين من المعارك في ولاية أراكان، اعتقلت السلطات البنغالية نحو 70 لاجئاً من مسلمي الروهينجا، وعمدت إلى إعادتهم بالقوة إلى ميانمار، وقال أحد المسؤولين الإداريين إن بنغلادش تستضيف حالياً عدداً كبيراً من مسلمي الروهينجا (يقدر عددهم بنحو 400 ألف)، ولن تستقبل المزيد منهم. وكانت سلطات الحدود قد رفضت السماح لعدة آلاف، لاسيّما من النساء والأطفال اللاجئين، من العبور إلى أراضيها.
وكان اللاجئون قد روَوا قصصاً مروعة عما جرى لهم في ولاية أراكان، وكل ذلك كان يتم بعلم السلطات الحكومية التي لم تحرّك ساكناً، كما أنها لم تفرّق بين المدنيين والعسكريين، أو بين الأهالي العزّل ومن يحمل السلاح للدفاع عن نفسه، بل إن الجيش الميانماري قام برد فعل قاس جداً ضد تحرّك عسكري لمسلّحي الروهينجا وعلى نحو عشوائي.
وكانت بعثة من الأمم المتحدة برئاسة أمين عامها الأسبق كوفي أنان، قد أصدرت تقريراً تضمن عدداً من التوصيات، منها حث الحكومة على عدم إضاعة فرصة التنمية ودعت إلى وقف العنف الذي اندلع بين البوذيين والمسلمين، ومجابهة التعصّب والتطرّف والإرهاب كظواهر مستفحلة ومنذرة بأسوأ العواقب، كما خاطبتها بضرورة الاعتراف بالحقوق الإنسانية للمسلمين ومعاملتهم على قدر المساواة ووفقاً لمبادئ المواطنة.
وكانت الأمم المتحدة قد أكدت في وقت سابق أن 87 ألفاً من المسلمين قد فرّوا خلال عمليات تطهير نفذتها قوات ميانمار في أكتوبر/ تشرين الأول العام 2016، حيث أحرقت القوات الحكومية قرى بكاملها وجرّفت مزارع وهجّرت سكانها، الذين اضطرّوا إلى الفرار، لكن الكثير منهم لم يستطيعوا الوصول إلى بنغلادش. وقد استخدمت القوات الحكومية هذه المرّة قاذفات صواريخ، الأمر الذي أوقع خلال أيام قليلة أعداداً كبيرة من الضحايا.
وتواجه الحكومة الميانمارية تهماً عدّة، منها ارتكاب جرائم حرب من قتل وتشريد وحرق للقرى ومحاصرة السكان ومنعهم من أبسط حقوقهم الإنسانية، بل إن بعض الجرائم ترتقي إلى مصاف الجرائم ضد الإنسانية، لاسيّما استخدام مروحيات وآليات لإبادة المدنيين وقذفهم بالصواريخ، مثلما هناك اتهامات بقيام السلطات الميانمارية أو غضّها الطرف عن عمليات إبادة جماعية تعرّض لها المسلمون في ميانمار، وهو ما يحاسب عليه القانون الدولي.
لعل هذا الصراع الذي اتخذ طابعاً عنصرياً ودينياً لا يتعلق بانتهاكات فردية بحق أشخاص، بل إنه يشمل أكثر من مليون إنسان من مسلمي الروهينجا، الأمر الذي يعني، أن جرائم جماعية ترتكب وعلى نحو مبرمج ومنهجي وروتيني، وهو ما يقتضي من المجتمع الدولي التحرّك السريع لوقف هذه المجزرة المستمرة منذ أعوام، والتي قد يؤدي استمرارها إلى اندلاع موجة جديدة وخطرة من أعمال العنف والتعصّب والتطرّف والإرهاب، قد تمتد إلى العديد من البلدان المجاورة. وقد أعرب الفاتيكان والبابا شخصياً عن تضامنه مع المجموعة الثقافية المسلمة في ميانمار.
ويعود سبب المشكلة إلى أن السلطات الحاكمة لا تتعامل مع مسلمي الروهينجا المختلفين ثقافياً عن المجموعة الأكبر سكانياً من البوذيين، على قدر من المساواة واحترام الحقوق والحريات، أي بصفتهم مواطنين ولهم نفس الحقوق وعليهم ذات الواجبات، وإنما تعتبرهم وافدين أو مهاجرين غير مرغوب بهم، سواء باختلاف ثقافتهم ودينهم مع الثقافة والدين البوذي السائدين. وانطلاقاً من هذه النظرة العنصرية - الاستعلائية أيضاً، يستمر وضع المسلمين في ميانمار في التدهور، لا سيما عدم الاعتراف بالتعددية الثقافية والدينية وإنكار التنوّع الديني والسلالي واللغوي.
والغريب أن المجزرة التي تعرّض لها المسلمون تزامنت مع تقرير الأمين العام الأسبق كوفي أنان (23 أغسطس/ آب/ 2017) الذي سلّمه إلى الحكومة بشأن بعثة تقصي الحقائق في أعمال العنف ضد مسلمي الروهينجا. وفي حين تندلع مجزرة جديدة لا يزال الموقف الدولي يدور في إطار الإدانات أو المناشدات بتقديم المساعدات، على الرغم من الأوضاع الإنسانية القاسية، خصوصاً أنه خلال أسبوع واحد تم تهجير نحو 50 ألف مسلم.
وإذا كان على مجلس الأمن الدولي اتخاذ قرار حازم لوقف المجزرة والدعوة لمنح المسلمين حقوق المواطنة كاملة، بما فيها المساواة التامة والمشاركة والشراكة في وطنهم على أساس عادل وحقهم في تأدية طقوسهم وشعائرهم الدينية، فإن من واجبه أيضاً اتخاذ قرارات بموجب الفصل السابع الخاص بالعقوبات في حالة تمادي سلطات ميانمار بعدم الانصياع للقانون الدولي وصوت العقل والحكمة.
ومن واجب البلدان العربية والإسلامية وهي تزيد على 57 بلداً، ومنظمة التعاون الإسلامي تقديم الدعم والمساندة بجميع أشكالها، لكي يستطيع مسلمو الروهينجا الصمود أمام محاولة اقتلاعهم ورميهم خارج الحدود في ظروف قاسية، فذلك واجب إنساني هو «فرض عين وليس فرض كفاية»، كما يُقال.
drhussainshaban21@gmail.com



8
لمناسبة ذكرى رحيله
في حضرة "أبو گاطع" ورحاب الكلمة الحرّة
عبد الحسين شعبان
 أكاديمي وأديب عربي   

غادرنا شمران الياسري في 17 آب (أغسطس) العام 1981 في حادث سير لئيم، حين كان متوجهاً من براغ إلى بودابست لزيارة نجله الأكبر "جبران"، لكن ذكراه لم تغادرنا، وما هذا الاستذكار مثل استذكارات سنوية ومناسبات مختلفة أقمناها في المنافي البعيدة في براغ ولندن ولوند ودمشق وبرلين وكوبنهاغن وبيروت وغيرها، إلّا وقفة مراجعة تأملية لمنجز الرجل وإبداعه الروائي والإعلامي والنضالي، إذ ما زال الكثير من محبيّ شمران الياسري والعارفين بفضله يستعيدون ذكراه رغم مرور أكثر من ثلاثة عقود ونصف من الزمان خصوصاً وقد اكتسبت هذه الاستعادة نكهة خاصة حين أصبح الاحتفاء بأبو كَاطع في بغداد ممكناً. وصدق الشرف الرضي حين قال:
             ما أخطأتك النائبات/ إذا أصابت من تحبّ
   فقد كان "أبو گاطع" يحلم في بغداد التي أحبّها  حتى في مغتربه أو منفاه، لكن عينيه لم تتكحّلا بمرآها الجميل، فقد كان ذلك الذئب اللئيم حسب تعبير الجواهري الكبير يتربّص به، وكأنه ينتظره بعدما أفلت منه مرّات عديدة.
   وأبو گاطع هاشمي النسب وهو ابن السيد يوسف ، وسليل أسرة " آل ياسر" العربية المعروفة، وقد ولد في قرية محيرجة " الموفقية" في قضاء الحي بالكوت. وكان أحد رموز الأسرة من أبرز رجالات ثورة العشرين ضد الاحتلال البريطاني للعراق(1914-1918) وما بعده، وأعني به السيد نور الياسري.
I
   انشغل شمران يوسف الياسري والذي سيُعرف لاحقاً باسم برنامجه الإذاعي الشهير " أبو گاطع"، بهموم رسم الحرف وحياكة الكلمة وصياغة الفكرة، منذ أن بدأ مشواره الأول في العمل العام حيث انخرط في أواسط الخمسينات وبعد محاولات عديدة، باليسار العراقي، الذي كان آنذاك يمثّل أحلام وطموحات الثقافة والمثقفين بشكل خاص، وعموم الفقراء والكادحين، بشكل عام، لاسيّما في بحثه الحثيث عن قيم الحرّية والمساواة والعدل، التي ستصبح هاجساً لـ "أبو گاطع" يُغني إبداعه ويغذّي أفكاره نحو التغيير الذي كان يتطلّع إليه، خصوصاً وقد تلمّس معاناة فقراء الريف واستغلال الإقطاعيين لهم.
   وإذا كان برنامجه الإذاعي بعد ثورة 14 تموز (يوليو) العام 1958 قد ذاع صيته واشتهر لدرجة كبيرة، حيث أصبح الكثير من الناس يردّدون عنوان برنامجه " احجيه بصراحة يبو گاطع " فإنّه أصبح بمثابة مثل شعبي، حتى أنهم لا يعرفون مصدره، إلّا أنّه بفعل شيوعه أصبح أقرب إلى لازمة شعبية، دخلت العقل الجمعي.
   وكان عموده في صحيفة "طريق الشعب" في السبعينات أقرب إلى بارومتر يقيس فيه الناس درجة حرارة الجو السياسي، ليس من جانب المعارضة أو الممانعة، بل حتى من جانب الموالاة وأصحاب السلطة أيضاً، ولهذا كان الجميع يقرأ الجريدة بالمقلوب، أي من الصفحة الأخيرة، حيث عمود " أبو گاطع"،سواء اتفقوا معه أم اختلفوا، لأنهم كانوا يجدون فيه ما يفصح عن حقيقة الأوضاع السياسية.
   وكان عموده فرصة لاستنشاق هواء حر ونقي، مشفوعاً بالنقد اللاذع الممزوج بالسخرية، حتى وإنْ كانت سوداء، تلك التي يملّحها بمطارحاته مع "خلف الدواح" والمقصود " كَعود الفرحان" والذي ظنّ الكثير أنه شخصية وهمية، وكان ذلك الاعتقاد سائداً حتى لدى نخبة من رفاقه وأصدقائه حتى  نُشرت صورته في كتابي لأول مرّة قبل 20 عاماً، وكانت مفاجأة للجميع، حيث ظهر وكان يضع الشيماغ والعقال على رأسه وبملامح ذكاء حاد وذهن ثاقب.
II
   كنتُ كلّما مرّ الزمن أشعر بمسؤولية أكبر إزاء أبو كاطع كمبدع، بل وإزاء الصداقة التي ربطتنا، ناهيك عن مسؤولية توازيها، وهي التعريف به وبمكانته في تاريخ الثقافة العراقية، وكنتُ قد أدركت إن جيلاً بدأ يتكوّن في المنافي البعيدة والباردة وفي العراق أيضاً، وهو لا يعرف أبو گاطع، وتلمّستُ ذلك فعلياً حين كان توجّه إليّ أسئلة بعضها حائر بشأن "أبو گاطع"، وأعتقد أن هذا النقص في التعريف به وبفنه وروايته وأقصوصاته وإبداعه بشكل عام بما فيه عموده الصحفي الذي له طعم خاص،لا يزال قائماً على الرغم من تغيّر الظروف، ولذلك وجدت من الواجب إطلاع القارئ العراقي بشكل خاص والعربي بشكل عام على فن "أبو گاطع" وإبداعه ونضاله لمواجهة النسيان والجحود والتنكّر.
   وحين أقدّم للقارئ روائياً وصحافياً متميّزاً بسخريته المحبّبة وأسلوبه النقدي اللاذع ومحاكاته للجمهور، فإنني أقصد التعريف بالواقع العراقي ثقافة وأدباً وفكراً ضمن سلسلة لعدد من الشخصيات المتميّزة، وقد شملت الدراسة قبله الشاعر الكبير الجواهري في كتابين (1986 و1997) (الأول بعنوان الجواهري في العيون من أشعاره، والثاني الجواهري: جدل الشعر والحياة) وأعقبته بدراسة عن حسين جميل " جذور التيار الديمقراطي في العراق" 2007 ثم كتاب عن سعد صالح (جريو) الموسوم " الوسطية والفرصة الضائعة" (2009) وكتاب عن عامر عبدالله " النار ومرارة الأمل -فصل ساخن من فصول الحركة الشيوعية" 2013.
   وتشمل هذه السلسلة شخصيات مثل بدر شاكر السياب وغائب طعمة فرمان وهادي العلوي والسيد محمد حسين فضل الله والسيد باقر الصدر، وخالد علي الصالح وأديب الجادر وعبداللطيف الراوي ووميض نظمي وخير الدين حسيب وفهد (يوسف سلمان يوسف)وشاكر السماوي والملّا مصطفى البارزاني وروفائيل بطي وعلي الوردي وفرحان باقر وناهدة الرمّاح وأحمد الصافي النجفي وعبد الأمير الحصيري ومظفر النواب وكامل الجادرجي وسهيل قاشا وآرا خاجادور وغيرهم، إضافة إلى شخصيات أخرى من العديد من البلدان العربية.
   والهدف هو وضع بعض الشخصيات الوازنة في دائرة الضوء والإفساح في المجال لقراءتها جمالياً من خلال رؤى وخلفيات متنوّعة ومتعدّدة فنياً، فضلاً عن معرفة تفاصيل حياتها ومصادر ثقافتها، ناهيك عن آرائها وأفكارها بما فيها من هواجس ومخاوف وأحلام ونقاط ضعف إنسانية.
III
   ثمة أسئلة تواجه الباحث في أدب وفن أبو گاطع: تُرى من أين جاءت موهبته وكيف تم صقلها؟ وهو الذي لم يترك تاريخه الشخصي سانحة للدراسة، وخصوصاً في سنوات الخمسينات والستينات، حين انخرط في العمل السياسي واضطرّ للاختفاء في الريف. ثم كيف استطاع إنماء ملكاته وتطوير قدراته بحيث احتلّ هذه المكانة المتميّزة ملتحقاً بجيل الروّاد الذين سبقوه، ومنتقلاً من عالم الصحافة السريع والكثير الحركة، إلى فضاء الرواية  الذي يحتاج إلى التأمل والدقة والخيال؟ وهي أسئلة بحاجة إلى المزيد من الدراسات النقدية، التخصّصية لإملاء هذا الفراغ.
   لقد عرف العراق لوناً جديداً من ألوان الأدب الساخر مع "أبو گاطع"، الذي برز فيه بنتاجه المتنوّع، سواء حديثه الإذاعي الموجّه إلى الفلاحين أو أقصوصاته وحكاياته، حين نقل حديث المجالس والمضايف والديوانيّات، ليجعله مادة للكتابة الصحافية، التي اتّسمت بها مقالاته، بحيث أثّرت فيها شخصيات الريف النائي والمعزول، بيوميات المدينة وأحاديثها وهمومها والجديد فيها، وانتهاء برواياته وخاصة رباعيته أو رواية "قضية الحمزة الخلف".وهي جزء أول من رباعية لم تكتمل بسبب رحيله.
   وإذا كانت السّخرية تميّز أسلوب "أبو گاطع"، فثمّة أحزان كانت تغلّفها على نحو عميق. ربّما وجد "أبوگاطع" فيها بعض التخفيف عن قسوة حياتنا ومراراتها وإخفاقاتنا المتكرّرة، فلجأ إلى إضفاء مسحة من التندّر والضحك عليها، حتّى وإنْ كان ضحك أقرب إلى البكاء، كما هي حالنا وأوضاعنا. لقد أمطرتنا حكاياته وأقصوصاته بعناقيد لذيذة من السخرية الحزينة، لفتح شهيّتنا للنقد من أجل حياة أكثر يُسراً وأكبر قدرة على الاحتمال والمواءمة.
   وكما يقول المتنبي:
وَماذا بمِصْرَ مِنَ المُضْحِكاتِ      وَلَكِـنّهُ ضَحِـكٌ كــالبُـكَاء
   وهو ما دعا الشاعر نزار قبّاني في إحدى زياراته للعراق للقول:
مرحباً يا عراق، جئت أغنيك      وبعض من الغــناء بكاء
   لأنّه كان يدرك أن الحزن معتّق في العراق، وهو أصيل ومتجذّر، ويكاد يطبع كل شيء، فحتى فرح العراقيين وغنائهم ومناسبتهم المختلفة، كلّها مغلفة بالحزن الجميل ومُدافة بالحزن الجليل. 
   إنّ سخرية مثل سخرية "أبو گاطع"، وهو يتناول أعقد القضايا وأخطرها، لا بدّ أن تكون سخرية جادة ومسؤولة، بل هي موقف من الحياة والكون والتطوّر، وقد حاول شمران الياسري أن يواجه تعقيدات المجتمع وصراعاته ومشاكله وهمومه بنوع من السخرية، لأنّ هذه الأخيرة في نهاية المطاف تعبّر عن موقف مقابل لكل تلك الإشكاليات، وهو ما دعا كارل ماركس للقول: "إني أقف ممّا هو مضحك موقفاً جادّاً".
IV
   
   لقد كتب "أبو گاطع" تاريخ الريف العراقي، كجزء من تاريخ الدولة العراقية والمجتمع العراقي، فعالج ذلك بسخرية ودعابة وتهكّم، لدرجة أنّ روائي المدينة غائب طعمة فرمان يقول عن شخصياته "لقد وجدت نفسي أمام وضع دقيق لجوانب حيّة وشخصيات سمعت بحّة صوتها في أذني، كنت أمام ما نسمّيه موسوعة الريف، ولكنّ كاتبها أديب جعل كل شيء يدبّ حيّاً".
   وحاول "أبو گاطع" الكشف عن حياة مطوّية تقريباً، فقام بتصوير الواقع بكاميرا بانورامية، ملتقطاً صوراً تكاد تكون فاضحة عن حقيقة حياة الريف، لاسيّما وهو يدخل إلى أعمق أعماقه، لأنّه ليس طارئاً عليه أو غريباً عنه، بل هو من صلبه ومن مكوّناته، فقد كان يعرف تمام المعرفة البيئة التي يتحدّث عنها بجميع تفاصيلها وتعقيداتها وتناقضاتها، وهو لا يأتيها زائراً أو مشاهداً، بل راصداً لها وفاعلاً فيها، لذلك جاءت صوره حسيّة تلامس حياة الريف بكل إيجابياته وسلبياته.
   وأعتقد أن الروائي الروسي مكسيم غوركي كان على حق حين قال: "التاريخ لا يكتبه المؤرخون، بل الفنّانون الذين يكتبون التاريخ الحقيقي للإنسان"، فقد كان "أبوگاطع – أبو جبران" هو مؤرّخ الريف، حيث عكست رباعيته " الزناد، بلا بوش دنيا، غنم الشيوخ، فلوس حميّد" حياة الفلاّحين والشيوخ والإقطاع والسراكيل والنساء والعشق والحب المحّرم والظلم والقسوة، والعادات والتقاليد الاجتماعية وزيف بعض رجال الدين وخداعهم. ولولا "أبو گاطع"، لضاع هذا الجزء المهم من تاريخ الدولة العراقية، وللدقة لضاعت إحدى الرؤى لها، والتي يمكن مع رؤى أخرى تكوين صورة شاملة ومتعدّدة الألوان للريف العراقي.
   ولأنّ ما كتبه "أبو گاطع" لا يزال راهنياً، بل يمثّل جزءًا من حياتنا اليومية، فإنه لا يزال حاضراً بيننا، وأراه باستمرار في المعركة الدائرة في مجتمعاتنا ضدّ التعصّب والتطرّف والغلوّ والطائفية، وهي معركة الحداثة والحرّية وحقوق الإنسان والجمال والانفتاح واستعادة هيبة الدولة الوطنية ووحدتها، في مواجهة استمرار التخلّف والقمع والإقصاء والقبح والانغلاق والفوضى والميليشيات.
   تلك هي معركة "أبوگاطع"، وهي معركة خارجية ضد الهيمنة ومحاولات فرض الاستتباع والإرهاب بقدر ما هي معركة داخلية ضد قوى الظلام والاستبداد. إنّها معركة مع الآخر وفي الوقت نفسه هي معركة مع الذات أيضاً، (النحن والأنا) لتطهيرها مما علق بها من أدران وترهات وتشويهات. إنّها باختصار معركة الحقيقة والتقدّم، وبالطبع فهي معركة كل كاتب حرّ وصاحب فكر منفتح.
   إنّ استعادة الذكرى ليس تقليداً أو طقساً روتينياً بقدر ما هي مسؤولية ومساهمة في إحيائها وتخليد حياة "أبوگاطع" وفنّه، وهي دعوة للنّقاد في تناول أعماله الإبداعية، سواء الروائية أو حكاياته وأقصوصاته وبعض مقالاته الصحافية، والكتابة عنها وعن أسلوبه وسخريته وتهكّمه الممزوجين بالحزن، من خلال مقاربتها بدراسات مقارنة عربية وأجنبية، كما لا بدّ لنا من تشجيع طلبة كلية الآداب والإعلام والدراسات الإنسانية والثقافية عموماً، كتابة أطروحات أكاديمية عنه في الجامعات والمعاهد العراقية والعربية.
   وإذْ نعيد استذكار الراحل "أبوگاطع" سنوياً، فإننا سبق أن دعونا الجهات الرسمية وغير الرسمية، لا سيّما الثقافية والإعلامية، بما فيها اتحاد الأدباء والكتّاب العراقيين ونقابة الصحفيين العراقيين، إلى إطلاق اسم "أبوگاطع" على مؤسسة أو ساحة عامة أو حديقة أو قاعة، وتخصيص جائزة باسمه تقدّم للمبدعين من الشابات والشبّان، وإقامة تمثال في مكان عام أو في مدخل إحدى المؤسستين، يليق به وبفنّه وإبداعه وبالأدب والإعلام العراقي وبتاريخه النضالي، الذي قدّم له حياته.
   "أبو گاطع" الذي رحل قبل ثلاث عقود ونصف من الزمان، لا زال يعيش بيننا، نحدّثه ويحدّثنا، نستمع إلى قهقهاته وإلى أنّاته، ونتحسّس عمق جرحه وألمه من طرف ابتسامته الساخرة.

9
مهدي السعيد وسرّديته السسوثقافية
مقدمة لكتاب (الجذور) "سيرة ذاتية"
بقلم : عبد الحسين شعبان
إني أحدثك لترى     
فإن رأيت             
فلا حديث           
النفري             
          قلم السياسي مغمّساً بحبر الذاكرة
         حين كتب مهدي السعيد "سيرته الذاتية" التي بدأت من أزقة الكرخ القديمة كما يروي وصولاً إلى براغ ولندن ودمشق، لم يكن يدر في خلده، إنه سيدوّن بعفوية شيّقة جوانب مهمّة من تاريخ محلّة الدوريين بشكل خاص، والمحلّة البغدادية بشكل عام، بكل تناقضاتها الإيجابية والسلبية وعناصر القوة والضعف فيها. وذهب أكثر من ذلك في مشواره السردي حين رسم بريشته لوحة بانورامية للمشهد السسيوثقافي لمدن عاش فيها، مستعرضاً في الوقت نفسه علاقات واسعة وعميقة مع رفاق وأصدقاء جمعته معهم حياة كاملة بكل عنفوانها وبكل ما لها وما عليها، بحلوها ومرّها، بما فيها من معاناة وقلق وهموم وآمال وأحلام وانكسارات.
          وبعدسة فنان حاول مهدي السعيد أن يصوّر لنا عدداً من اللاعبين على خشبة المسرح وحركاتهم وسكناتهم بعيني مراقب دقيق، وفي أحيان كثيرة كان يقترب من المشاركة أو يكون جزءًا منها، لكنه لا ينسى المراقبة التي سرعان ما يعود إليها وكأنه لا يريد أن يفقد متعة المشاهدة، وحسب صموئيل بيكت "المتعة بالفِرجة"، خصوصاً وإن مسرحنا السياسي ازدحم في العقود الثلاثة الماضية بألوان شتى من اللاعبين، من هواة السيرك إلى محترفي الجمنازتيك مروراً بالسحرة والمشعوذين وقرّاء الكف وفتّاحي الفال وصولاً إلى أصحاب التعاويذ والحروز المتنّوعة، حتى إنك لا تستطيع أن تميّز أحياناً بين الشيء وضدّه، فقد اختلطت الوجوه والصور والمواقف.
           وحسبنا أن نردّد قول شاعرنا الجميل مظفّر النواب : "قتلتنا الردّه إن الواحد منّا يحمل في الداخل ضدّه"، خصوصاً حين إفتُقِدَتْ الصدقية التي كانت الرأسمال الإنساني الحقيقي سواء على الصعيد السياسي أو ببعديها الإجتماعي والثقافي، يوم كانت الأخطاء ذاتها صميمية، فالمرء يجتهد، وقد يخطأ وقد يصيب. وحسب قول الإمام الشافعي : "قولي صواب يحتمل الخطأ، وقول مخالفي خطأ يحتمل الصواب" والبشر وفقاً لفولتير "خطّاؤون"، ولا أحد يملك الحقيقة المطلقة فحيثما يميل تميل معه، لذلك اقتضى أن نأخذ بعضنا البعض بالتسامح.
         وحين تنهار المنظومة القيمية الإنسانية والأخلاقية أو تتصدّع أركانها، سواء بفعل عوامل خارجية أو داخلية، فإن صورة المجتمع تتشّوش بفعل الفوضى والعنف والزيف، خصوصاً حين تتداخل القضايا والمصالح. ولو تابعنا البرامج والسياسات والعلاقات الإجتماعية بغض النظر عن المواقع والمواقف، فسنرى الكثير من عناصر الشبه بينها، حتى إن المرء لا يستطيع أن يميّز أحياناً بين ذات الشمال وذات اليمين، لاسيّما حين أخذ بعضهم يستعير لسان الآخر وخطابه، حتى وإن كان متخماً بعكسه وأشبعنا بضدّه على مدى سنوات طوال. هكذا تضبّبت الصورة واختلط المشهد وتداخلت المواقع والأطروحات.
          كان مهدي السعيد وهو ابن البيئة الشعبية البغدادية الكرخية يقارب المشهد السياسي برؤية سسيوثقافية، ولم يرغب أن تفلت حادثة كبرى أو صغرى إلّا وحاول أن يمرّ عليها ولو سريعاً، كما توقّف عند بعضها وتعمّق في أخرى، لكن حبكته الدرامية ظلّت تنتقل معه وتتداخل مصادرها بين الإجتماعي والثقافي، وإنْ ظلّ السياسي والحزبي لاحقاً متميّزين في رؤيته على نحو بارز وشديد.
         ولكنه بالتدرّج أخذ يتّجه نحو أفق أوسع رحابة، منتقّلاً من العمل الحزبي "الضيّق" إلى العمل السياسي بمعناه "الواسع"، ومن هذا الأخير إلى العمل الإعلامي، خصوصاً باتساع معارفه وعلاقاته العربية بعد أن عمل في السفارة اليمنية في براغ وفيما بعد حين انتقاله إلى لندن، حيث توسّعت دائرة اهتماماته وعلاقاته العراقية، إضافة إلى الوسط الإعلامي العربي. وقد وفّر له ذلك فرصة إجراء مراجعات تاريخية، لاسيّما في سنوات ما بعد الإحتلال، لينتقل إلى التأمل وإعادة قراءة بعض الأحداث ونقدها بروح منفتحة وغير حزبوية.         
      جيل الستينات : جيل الأسئلة
       منذ أن علقَ مهدي السعيد بالسياسة، فتعلّق بأهدابها وركض وراء أحلامها الوردية حتى وإنْ كلفته منافي ومعاناة، لكنه واصل سيره في دروبها الفسيحة والوعرة في الآن، منتقلاً من  محطة إلى أخرى ومن مدينة إلى ثانية، حاملاً معه ذكريات متنوعة مختزناً أسراراً عديدة.   
       وكنت قد تعرّفت عليه وعلى أشقائه في العام 1960 وذلك من خلال صديقي العزيز جواد العادلي عن طريق صاحب المكوى "اسماعيل" الذي يرد ذكره في المذكرات، وهو من أقارب العادلي وكانت عائلته صديقة لعائلتنا وسكنوا بجوارنا لفترة من الزمن، وكان شقيق جواد العادلي "حمودي العادلي" وهو عضو في الحزب الشيوعي معتقلاً معنا، وقد تمّ تقديمه للمجلس العرفي العسكري، وحكم عليه لثلاث سنوات قضاها في سجن نقرة السلمان الصحراوي. وبعد إطلاق سراحنا وتسوية أمور فصلنا من المدرسة وقبولي في الجامعة، إلتقيت بهادي ومهدي وفيما بعد سعدي السعيد عدّة مرّات، حتى تعمّقت علاقاتنا خلال أحداث انشقاق الحزب الشيوعي في العام 1967 واستمرت خلال العقود المنصرمة.                                                                                                                                                                                                                                                         
       ولذلك حين طلب مني مهدي السعيد كتابة مقدمة لسيرته الذاتية، ركنت مشاعر الصداقة جانباً لكي أقرأ ما أعرفه ولا أعرفه عن صديق جمعتني به صداقة زادت على خمسة عقود ونصف من الزمان. ولا أذيع سراً إذا قلت إنني بقدر ما أعرف مهدي السعيد فقد استمتعت بما كتبه وبما لفت الإنتباه إليه وبما حاول إضاءته، فقد عاش الأحداث  بكل جوانحه منذ أواخرالخمسينات ومطالع الستينات من خلال معاينة ومعايشة ومشاركة، خصوصاً حين بدأ وعيه الأول يتشّكل مع السنوات الأولى من ثورة 14 تموز (يوليو) العام 1958  ليتوقف عند محطتة الراهنة، وهو بعد نحو نصف قرن من التعب والكدّ والإنشغال، يراجع بروح إيجابية مسيرته التي لا تخلو من مرارة وخيبة، بل إنه يراجع مسيرة جيلنا أيضاً، خصوصاً لماعاناه.
             وحين أتحدّث عن جيلنا فهو جيل الستينات الذي أفلح الشاعر والروائي فاضل العزّاوي في كتابه "جيل الستينات - الروح الحيّة" في تسليط الضوء على معاناته الفائقة وإرهاصاته الباهرة، سواء على الصعيد السياسي والثقافي أو على الصعيد الإجتماعي لا سيّما التطلّع إلى الحداثة والإنفتاح على المدارس المختلفة في الأدب والفن والعمارة بكل صنوفها وألوانها، خصوصاً بعد هزّة العام 1963 الإرتدادية، التي أحدثت صدمة كبرى في الحركة الفكرية والثقافية والسياسية في العراق. وكان هذا الجيل قد اجترح عذابات لا حدود لها على صعيد الفكر والهوّية والعلاقة بالآخر والتنوّع والتعدّدية، وبالطبع في قضايا الحريات العامة والخاصة، ولاسيّما حرّية التعبير والإعتقاد والتنظيم والحق في المشاركة.
           ويختلف جيل الستينات الذي عاش فترة انتقال حادّة وأوضاع تغيير على صعيد عالمي، عن جيل الأربعينات والخمسينات، حيث سادت اليقينيات الآيديولوجية والتقسيمات الإستاتيكية "شبه الثابتة" في تقويم طبيعة الصراع، ناهيك عن الإنخراط فيه، كما إنه يتميّز عن جيل السبعينات والثمانينات الذي بدأ معه صراع من نوع آخر وكان المشهد قد اكتمل، فجيل الستينات هو جيل الأسئلة الكبرى، حيث لم تعد تكفيه الإجابات الجاهزة، واليقينيات السرمدية والحتميات التاريخية، فقد أخذت الأسئلة تتكدّس، وكان الجواب لا يجد سبيلاً للإقناع، وهكذا كانت الإرهاصات تكبر وتغتني بالمعارف والعلوم والتكنولوجيا، الأمر الذي احتاج إلى نوع جديد من الجدل على مستوى الداخل الجوّاني، إضافة إلى الخارج الفوقاني.
         لم يتحدث مهدي السعيد عن جيل الستينات بشكل عام، بل اختار "حلقة" محدّدة منه طابعها العام متمرّد وبأشكال متنوّعة وامتازت بنوع من التضامن والتواصل والمودّة، على الرغم من العواصف والمتغيّرات والصراعات (الداخلية والخارجية) التي كانت سائدة فضلاً عن اختلاف المواقع والمواقف والمآلات لاحقاً، وهو ما قد أعود إليه في وقت آخر.
        ويذكر مهدي السعيد بالأسماء عدداً من أفراد تلك "الحلقة" اليسارية التي عملت بثقة وظلّت متماسكة في كل الظروف أصابت أم أخطأت.
        بصمة مملّحة
       جاءت سيرة مهدي السعيد مزيجاً من ذكريات ومذكرات واستعارات ومراجعات وتجارب وخبر منها ماهو ناجح ومنها ماهو فاشل، وبقدر ما حاولت تقديم عرض جاد لتجربة ذاتية وسياسية بامتياز، فإنها في الوقت نفسه حفلت بطرائف وحكايات ومصادفات ممتعة حاول الكاتب تمليح نصّه لكي لا يأتي ثقيلاً، وقد وضعها بأسلوب مبسّط ويكاد يكون عفوياً، ولعلّها تعكس جوانب من شخصيته المرحة رغم جديّتها.
        السيرة الذاتية لمهدي السعيد تضمّنت بوحاً في جزء غير قليل منها وكشفاً لواقع سسيوثقافي، حاول أن يعطيه بصمته الخاصة، خصوصأً باستعراض لا يخلو من دهشة الكاتب ذاته الذي اختزن هذا الكمّ الهائل من الصور والمشاهد والأحداث والمفارقات في ذاكرته، وقد يكون مفيداً قراءة هذه المذكرات كحلقة متصلة ومتكاملة، بل ومتراصة على الرغم من المراحل التي وضعها.
        محلّة الدوريين
        تحدّث مهدي السعيد عن طفولته وعائلته،  وفي الوقت نفسه فإنه غاص في الكلام عن محلّة الدوريين، منبع صباه ومسقط رأسه، حيث تناول دراسته وصداقاته، حتى وصل إلى تشكّل وعيه، ثم انخراطه بالعمل السياسي، وفي أواسط الستينات نشط في إطار الحزب الشيوعي ثم أصبح عضواً فيه، وعمل في اتحاد الطلبة وانتخب في المؤتمر الرابع المنعقد في "جديدة الشط" في منطقة "الراشدية" في  28  كانون الأول (ديسمبر) 1968 عضواً في لجنته التنفيذية، وكان شقيقه سعدي السعيد عضواً في سكرتارية اتحاد الطلبة منذ أواخر العام 1967، حيث تمّ تجديد انتخابه في الكونفرنس الرابع الذي التأم في جزيرة "أم الخنازير" ببغداد في 10 تشرين الأول / أكتوبر 1969. وحسب معرفتي المتواضعة فقد لعب كل من مهدي وسعدي السعيد دوراً مهماً في مواجهة حركة الإنشقاق الكبرى التي قادها عزيز الحاج في (17 أيلول /سبتمبر/ 1967) ولاسيّما في نطاق طلبة الثانويات، واستطاعا أن يشكّلا ركائز مهمة وأساسية.
         وتقرّر أن يمنح الحزب زمالة دراسية لمهدي السعيد الذي كان قد تخرّج من الثانوية ولم يجد فرصة للدراسة في بغداد، وحاول الدراسة في دمشق، لكنه عاد بسبب التكاليف الباهظة، وهكذا غادر هو ومحمد الأسدي إلى براغ في العام 1969 الذي مُنح هو الآخر زمالة دراسية، وحينها انتخب في قيادة الإتحاد في المؤتمر الرابع أيضاً، وواصل مهدي السعيد نشاطه في براغ فأصبح عضواً في لجنة التنسيق الطلابية (لقيادة تنظيمات الخارج) في أواسط السبعينات، ثم عضواً في لجنة تشيكوسلوفاكيا للحزب، وعاد إلى العراق ليخدم العلم، واضطّر إلى الهجرة مرّة أخرى بسبب تردّي الأوضاع السياسية، وانهيار صرح الجبهة الوطنية بين البعثيين والشيوعيين، لاسيّما اشتداد حملة المطاردة ضد الحزب الشيوعي وأعضائه ومؤيديه.
         وفي عودته الثانية إلى براغ أكمل الدكتوراه وعمل لمدة 10 سنوات مترجماً في السفارة اليمنية، ثم اضطّر إلى اللجوء للعاصمة البريطانية "لندن" بعد انهيار النظام في تشيكوسلوفاكيا واندماج اليمن الجنوبية بالشمالية وتحقق الوحدة اليمنية، وكان وقتها يحمل جواز سفر يمني جنوبي، ولم يكن مؤكداً تجديد عقد العمل معه، لذلك اختار اللجوء.
        وفي لندن واصل عمله السياسي، وهذه المرّة من خلال المعارضة العراقية التي عمل في إعلامها وحضر عدداً من مؤتمراتها، كما كتب في صحف وإذاعات عربية كجريدة "الحياة" وإذاعة "كل العرب"، واتّسعت دائرة علاقاته، وأخذ ينظر إلى الماضي برؤية نقدية أكثر من قبل، حيث قرّر أن يستقل في نشاطه السياسي والثقافي.
        ولأنه اتخذ موقفاً خلال اجتماعات واشنطن للمعارضة العراقية كما يقول، حيث كانت توضع اللمسات ماقبل الأخيرة لغزو العراق، فقد استبعد من المشاركة لاحقاً في التشكيلات الحكومية والإعلامية، ويعدّد بمرارة إن جميع من كانوا معه حصلوا على مناصب عليا، وهو الوحيد الذي تمّ استثناؤه كما يذكر، ولكنه غير نادم على ذلك، فقد تكشّفت أمامه الكثير من الحقائق ما بعد الإحتلال، ولم يكن يرتضي قبول الكثير منها، وهو سعيد بما اتخذه من موقف يسرده في هذه المذكرات، من خلال نقد ذاتي وهو ماعبّر عنه أمامي أكثر من مرّة.

         الطفولة - الينبوع - المستقبل
         ويتناول في محطات الطفولة الأولى، انتقال والده ووالدته من الناصرية حيث ينحدر من عشيرة آل إزيرج العربية، ليستقرّا في بغداد وفي محلة الدوريين، وكيف التحق والده الفلاح البسيط كما يقول بخدمة العلم العام 1948 حيث أرسل إلى فلسطين، وكانت العائلة  قد استبشرت قبل ذلك بولادة الصبي الذي أسماه "مهدي" تيمّناً بالمهدي المنتظر "صاحب الزمان"، وهو ثالث أخوته بعد كاظم وهادي، ويأتي رابعهم سعدي الذي سيرافق مهدي في مسيرة الشقاء والشيوعية والمنافي، وكان سعدي قد غيّر اسمه إلى "عادل" بعد اعتقالات وملاحقات، وبذلك تمكّن رسمياً من الحصول على جواز سفر، لمغادرة العراق للدراسة أولاً، ثم عاد إلى العراق، وحين اشتدت حملة ملاحقة الشيوعيين اضطر للسفر إلى بيروت ومنها إلى دمشق، حيث عمل في وكالة الأنباء الفلسطينية "وفا" وفيما بعد هاجر إلى باريس للإستقرار.
         يتحدّث مهدي السعيد عن محلّة الدوريين الينبوع المتدفق بالجديد، ولا سيّما سوقها الشهير المعروف "سوق عيسى" وكيف كان الناس بعد ثورة 14 تموز(يوليو) 1958، متعايشين ومتضامنين، لكن ما حدث من شرخ سياسي أدى لإنقسامهم إلى قسمين، وكانت السياسة قد لعبت بالرؤوس كما يقال، فالقسم الأول وقع تحت تأثير الحزب الشيوعي، في حين وقع القسم الثاني تحت نفوذ القوميين، وخصوصاً من حزب الإستقلال ومن ثم حزب البعث، وكان مثل هذا التصنيف امتداداً لنفوذ الأحزاب قبل الثورة، لكنه اتّخذ طابعاً عدائياً وتناحرياً بعدها، حيث اشتّدت الخصومات والعداوات والبغضاء.
         ولم يكتفِ مهدي السعيد "أبو ثبات" كما كنّا نكنّيه أو الرفيق "صائب" أو "أبو أسيل" لاحقاً بتصوير الأجواء السياسية المحتدمة، بل سرد علينا حكايات وقصصاً ممتعة وفي الوقت نفسه لها دلالات ينبغي أن تقرأ في سياقها التاريخي عن الوضع الإجتماعي والإقتصادي والثقافي والتعليمي والصحي لسكان محلّة الدوريين.
         ولم ينس أن يتعرّض للإنتماءات العرقية والتنوّع والتعدّدية التي عرفتها، فهناك العوائل المسيحية و الصابئية  (المندائية)، وهناك عرب من غرب العراق من أصول سنّية، مثلما هناك العرب الشيعة، وهؤلاء غالبيتهم من وسط وجنوب العراق إضافة إلى وجود مجموعة من العوائل الكردية، وهو بذلك حاول أن ينقل لنا حالة التعايش والتسامح والتضامن التي كانت الكثير من مناطق ومحلّات بغداد تعيشها بطريقة عفوية وتلقائية ودون أية حساسيات، مثلما كانت محافظات أخرى تعيش ذلك مثل الموصل والبصرة وكركوك وديالى والحلة وغيرها، وهي مناطق توتر وعنف وتطهير عرقي وطائفي، إضافة إلى محافظات إقليم كردستان مثل إربيل والسليمانية ودهوك.
        الشقاوات
         ينتقل السعيد بعد ذلك ليحدثنا عن صنف إجتماعي آخر، ألا وهو "الشقاوات" وهم صنف يمتاز بقيم ومفاهيم خاصة عن النخوة والشهامة والدفاع عن المظلوم، وفي الوقت نفسه يلتجأ إلى أخذ "الأتاوات" أحياناً واستخدام العنف ومحاولات الإستقواء على الآخرين لفرض الهيمنة عليهم. ويشير إلى أنّ مُثل الشجاعة والتصدي للغرباء والدفاع عن أبناء المحلّة كانت تستهوي الشباب تشبّهاً أحياناً ببعض الشقاوات، ويقول أنه "وفي إحدى مراحل النمو كدتُ أفقد بوصلة التطور الإيجابي وأتحوّل إلى صنف الشباب الذي يمارس الشقاوة"، ولكن تربيته العائلية والمحيط الإجتماعي هو الذي جعله يختار طريق التعليم والسياسة لاحقاً، وإلّا كما يقول كنت : "مقتولاً أو قابعاً في السجون".
          والشقاوات التي يتحدث عنهم مهدي السعيد وإنْ كانوا يحترمون المثقفين والأدباء، فهم انقسموا أيضاً بانقسام الشارع السياسي، فمال قسم منهم إلى القوميين والبعثيين، بل أصبح بعضهم من الجهاز الصدامي المعروف باسم "جهاز حنين" الذي أشرف عليه صدام حسين نفسه، ومن أبرز أعضائه كان "جبار كردي" و "ستار كردي"، وكان آخر عمل قاما به هو إطلاق النار على تظاهرة احتفالية شيوعية بمناسبة ثورة أكتوبر (1968) في ساحة السباع ببغداد، حيث استشهد فيها 3 أشخاص وجرح 12 شخصاً، أما القسم الثاني فمال إلى الشيوعيين ومن أبرزهم "خليل أبو الهوب" الذي قُتل في العام 1959 في مقهى بشارع النصر ببغداد، ومساعده فاضل طويرني الذي لجأ إلى ألمانيا الديمقراطية، وفيما بعد إلى براغ وعاد إلى بغداد في أواسط السبعينات.
          وتعتبر ظاهرة الشقاوات قديمة وتعود إلى العهد العثماني، ومن أبرز الشقاوات "أحمد قرداش"، واشتهر عدد من الشقاوات في مطلع القرن العشرين مثل "إبن عبد كه" الذي ذاع صيته و"موسى أبو طبرة" و"جواد الأجلّك"، وقد تناول سِيَرِهمْ عالم الإجتماع المبدع علي الوردي، وخلال اندلاع ثورة العشرين، انضم إليها بعض الشقاوات وأبلوا فيها بلاءً حسناً مثل "عبدالمجيد كنّه" وهو عمّ الوزير خليل كنّه، وقد ساهم في مقاومة الإنكليز، إضافة إلى تكليفه بمهمات أخرى.
         وحسب حسن العلوي فإن نوري السعيد هو الآخر كان قد اعتمد على الشقاوات في الإنتخابات وفي إيذاء الشيوعيين المناهضين للنظام الملكي، وكانت مكافأة لهم السماح بالإستيلاء على أحد الكراجات والإستحواذ على مردودها. وإذا كان النظام البعثي قد استفاد من الشقاوات فإنه قام بتصفيتهم لاحقاً، ولم يسمح بنمو ظاهرة العنف خارج نطاق الدولة التي تعزّز توجهها الشمولي الكلّاني منذ اليوم الأول.
           طرائف ومفارقات
           يستذكر السعيد بشغف مرور سيارة الملك فيصل الثاني والأمير عبدالإله  خلال ذهابهما أسبوعياً وفي يوم الجمعة إلى المقبرة الملكية، وكيف كان يصطف الجميع على جانبي الطريق ليقوم الملك الشاب بالتلويح لهم. جدير بالذكر إن الملك فيصل الثاني والأمير عبدالإله قتلا يوم 14 تموز /يوليو/ العام 1958 وتمّ التمثيل بجثة الأخير وسحله في الشوارع  فيما بعد، وكانت جثته قد تمّ تعليقها لتتدلّى من سطح أحد فنادق الكرخ، حيث اجتمع الناس ليشاهدوها وترتفع حماستهم لرميها بالأحذية. وكان مهدي السعيد قد شاهد هذا الحادث، مثلما شاهده كاتب السطور وسبق أن كتب عنه لما تركه من تأثير سلبي عليه.
         ويستحضرمهدي السعيد حادثة طريفة، وهي كيف إن الجاموس القادم من "جسر الخرّ" والعائد إلى معدان محلّة الذهب، الواقعة على مشارف شارع الشيخ معروف، كان قد عطّل الموكب الملكي، وأحدث نوعاً من الارتباك والخوف، خصوصاً في ظلّ الأوضاع السياسية غير المستقرّة، ولم تفلح سيارات المرافقين وهي تهدر "بالهورنات" (الزمّورات) العالية لانفراج الموقف، حيث كان الجاموس على ما يبدو "يتبختر" بتمهّل وهو يمرّ من أمام سيارة الملك الشاب.
              وفي موقف آخر عطّل "مهدي خبالو" مرور سيارة الملك فيصل الثاني، حين حاول قطع خط سير الموكب الملكي دون أن يلتفت لأحد، وكان قد واصل عبوره للشارع ببطيء شديد مع ابتسامة عريضة، واضّطرت حينها سيارة الملك إلى التّوقف ريثما اجتاز "مهدي خبالو" الشارع باتجاه الرصيف، ولم يكن مثل هذا المشهد يمرّ دون ارتباك واستنفار من جانب الشرطة تحسّباً لما قد يحدث.
           ثم يعود ليخبرنا من هو "مهدي خبالو"؟ فيقول إنه : معلم وصاحب معشر ومزاج طيب وعلاقات اجتماعية حسنة، ولكن بعض تصرّفاته الغريبة جعلت بعض أصدقائه يتمازحون معه فيلقبونه باسم "مهدي خبالو"، علماً بأن توجّهه السياسي كان قريباً من القوميين العرب، وهو صديق لكاظم شقيق مهدي السعيد الذي كان طالباً متفوقاً في الإعدادية المركزية التي كان لها شأن كبير في الخمسينات، خصوصاً وكانت تحظى باهتمام المسؤولين وكان من منتسبيها أبناء الطبقات العليا والمتوسطة، إضافة إلى المتفوقين في الدراسة، ولعبت دوراً سياسياً معارضاً للنظام الملكي، خصوصاً في انتفاضة العام 1956 انتصاراً للشقيقة مصر وضد العدوان الثلاثي الأنكلو - فرنسي الإسرائيلي.
          ويتحدّث عن بعض المحلات الشعبية القريبة من محلّة الدوريين مثل محلّة الذهب التي كانت تضمّ بعض بيوت الدعارة، ولا ينسى أن يروي لنا تفاصيل المجزرة التي تعرضّ لها المومسات في إحدى الصباحات حين فاق الناس ليشاهدوا كيف تمّ ذبحهن، وقد قام هو بفضوله ودهشته الطفولية بمشاهدة سبع جثث مقطوعة الرؤوس ملقاة على الأرض وبقع الدماء تحيط بها من كل جانب، حيث هرع مع أطفال المحلّة بعد ذيوع الخبر.
         وفي غمرة ذلك يحدثنا السعيد عن الفرق الرياضية الشعبية وكيف لمع نجم اللاعب الشهير "ناصر جيكو" في الخمسينات ومحمد راضي في الستينات وغيرهم.
         وفي المذكرات يتناول مظهراً آخر يلتجأ إليه بعض العاطلين عن العمل، والهدف الحصول على ربح سريع ودون بذل جهد، ألّا وهو لعبة "السي ورق" المشهورة التي يستدرج إليها السذّج والمغفلين.
         وبعد ذلك يصوّر لنا ساحة المتحف التي تعجّ بالمسافرين والمارّة، وهناك ألعاب السحرة والقردة ومربي الأفاعي والعقارب، والحلاقين الذين يفترشون الرصيف، وكانت أخته الكبرى شريفة تصطحبه معها باستمرار لحلاقة شعر رأسه في الساحة وعلى الطريقة الشعبية.
         ويستذكر مهدي السعيد بعض المشاهد التي ستبقى عالقة في ذاكرته، منها : منطقة اسمها "جولة أم عليوي"، وهي كما يقول كانت مسرحاً لطفولته، وفيها عدداً من بيوت الأغنياء بينهم "أمين خاكي" أحد أبرز القادة العسكريين، وهو عراقي من أصول تركية، وهكذا كانت تتجاور الأصول الاجتماعية في المحلّات البغدادية. وتضمّ المحلّة أيضاً الكتاتيب ومن أشهر الملّايات "الملّه قادرية" التي تعلّم على يدها مبادىء القراءة وحفظ بعض صور من القرآن قبل ذهابه إلى المدرسة.
         وبالقرب من المنطقة كانت دار الإذاعة في الصالحية حيث كان مهدي السعيد طفلاً يقتنص النظر إلى بعض المطربين مثل حضيري أبو عزيز وداخل حسن وناصر حكيم وعبد الصاحب شرّاد، وبعد العام 1958 يقول كنّا نرى مصطفى جواد وشمران الياسري (أبو كاطع) وغيرهما يترددون على دار الإذاعة. أما عزيز علي المطرب المعروف فقد كان يتحاشى الجلوس في المقهى كما يقول.
         شيوعيو محلّة الدوريين
         ويمضي مهدي السعيد في سرديته ليتناول عمل الحزب الشيوعي في محلّة الدوريين والمحلات المجاورة، وكيف كان عبدالأمير عباس "أبو شلّال" يستخدم "الدراجة الهوائية" في حركته وتنقلاته. وكان قد أصبح في وقت لاحق عضواً مرشحاً للجنة المركزية، وحين انفرط عقد الجبهة بقي أبو شلّال في العراق وعاش في ظروف بالغة القسوة.
         وقد حدثني سعد البزّاز حين انتقل إلى لندن وأصدر بعد حين "جريدة الزمان"، أن كتاباً جاءه من رئاسة الجمهورية يطلب منه الاتصال بعدد من الشخصيات والطلب منها الإدلاء بتصريح ضد "العدوان الثلاثيني" العام 1991، أي بعد غزو القوات العراقية للكويت العام 1990 وانسحابها إثر حرب قوات التحالف ضدّ العراق، التي بدأت 17 كانون الثاني (يناير) العام 1991 وانتهت في 26 شباط (فبراير) من العام ذاته.
         وحسبما نقل لي البزّاز فقد أرسل أحد الصحفيين ومعه مصوّر (وكان البزّاز حينها رئيساً لتحرير صحيفة الجمهورية) واستدلّ الصحافي والمصوّر على البيت، لأن عنوانه كان قد جاء من ديوان الرئاسة، ووصلوا إليه وفوجئوا برجل مهاب وكبير السن ويبدو على مظهره أنه خارج دائرة السياسيين المعروفين، وحين طلبوا منه الإدلاء بتصريح، اعتذر معلّلاً ذلك بأنه لا يفقه بمثل هذه الأمور، وعليهم أخذ آراء الخبراء والمختصين وأساتذة الجامعة في حين إنه صاحب دكان صغير يبيع فيه بعض احتياجات العمل اليومي المنزلي. فواجهوه بأنه سياسي وقيادي في الحزب الشيوعي، فقال لهم "كان زمان" وإنه نسي كل شيء.
        وهكذا تملّص أبو شلّال الذي لفّ رأسه باليشماغ من الظهور أمام الشاشة أو عدسة المصوّر كي لا يفسّر الأمر بأنه تنازل أو ما شابه ذلك مع إنه قال لهم أثناء الحديث إن الناس جميعاً ضدّ العدوان الثلاثيني. وهنا بدأت حيرة البزّاز، فماذا سيكتب للرئاسة ؟ هل سيقول إنه رفض. أو امتنع أو اعتذر ؟ والتفسيرات والتأويلات ستكون غير مقبولة وستجلب معها مشكلات للرجل، وببراعته كتب ما معناه : إن الرجل بلغ من العمر عتيّا، وهو منشغل بقوته اليومي، فضلاً عن ذلك، فهو بسيط ولا يمكنه التعبير، كما أن وضعه الصحي بائساً. وبذلك كان أبو شلّال  بمنأى عن استجواب أو إعادة استذكار أو تبعات أخرى.
           كما يحدثنا مهدي السعيد عن فتح محل لكيّ الملابس، ويبدو إن المحل كان محطة حزبية استخدمها حسن عوينه القيادي في الحزب الشيوعي وعضو لجنة الارتباط، وقد قتل تحت التعذيب بعد انقلاب 8 شباط (فبراير) العام 1963 في قصر النهاية، وأذيع خبر استشهاده مع سلام عادل ومحمد حسين أبو العيس يوم 7 آذار (فبراير) 1963. ويقول مهدي السعيد إنه تعرّف على حسن عوينه بعد نشر صوره في وقت لاحق.
         ويذكر أيضاً أن الطبيب الشيوعي فاروق برتو افتتح عيادة له، وهو شقيق بشرى برتو وهي قيادية أيضاً في الحزب الشيوعي، وزوجة  رحيم عجينة القيادي في الحزب أيضاً، حيث كان قد خصّص أحد أيام الأسبوع مجاناً لعلاج المراجعين، ولاسيّما من الفقراء وضعيفي الحال، ويقول جرت محاولات لدهم عيادته من جانب شرطة التحقيقات الجنائية لأن صيته كان قد ذاع وعرف الناس إنه ينتمي إلى الحزب الشيوعي، ولذلك انبروا للدفاع عنه تلقائياً.
         ومن الشخصيات التي يتناولها أيضاً عطشان ضيول (الإيزرجاوي) الذي كان مسؤولاً في الخط العسكري للحزب الشيوعي، وقد سكن مع والدته بعد انتقاله من الناصرية في محلّة الدوريين، وإنه أصبح بعد ثورة 14 تموز (يوليو) مساعداً لآمر المقاومة الشعبية طه البامرني، وكان من دعاة الإستيلاء على السلطة أيام حكم عبد الكريم قاسم، ويقول أن ثابت حبيب العاني وعامر عبدالله وآخرين كانوا ضدّ هذا التوجه، وقد فتح هذا الموضوع مع العاني في لندن مستذكراً الإيزرجاوي، كما سأل عنه آرا خاجادور في براغ.
         ويروي السعيد نقلاً عن آرا خاجادور إن اللجنة المركزية حينها أبعدت سلام عادل إلى موسكو الذي كان يميل إلى استلام السلطة وإزاحة عبدالكريم قاسم، ويقول إن ذلك كان جزء من الصراع حول السلطة بين تيارين : الأول ممثلاً بمجموعة الأربعة : زكي خيري، عامر عبدالله، بهاء الدين نوري ومحمد حسين أبو العيس وإن كان الأخير أقرب إلى سلام عادل، لكنه احتسب على الجماعة المتكتلة حتى وإن لم يتفق معها فكرياً (وقد استشهد تحت التعذيب بعد انقلاب 8 شباط/فبراير/ 1963)  و كان هؤلاء ضد توجّه سلام عادل وجمال الحيدري وعطشان ضيول، والأخيرأبعد إلى موسكو ومنعه ال KGB من الإتصال بالآخرين، ويروي قصته الدرامية حيث توفي في ألمانيا.
      ثورة 14 تموز
           يتحدث مهدي السعيد عن يوم ثورة 14 تموز وشعوره عند هدم تمثال الجنرال مود الذي قال حين احتل بغداد "جئنا محرّرين لا فاتحين"، ويذكر كيف هرب نوري السعيد ولجأ إلى بيت الإستربادي في الكاظمية، وكيف دخل هو ووالدته إلى بيت نوري السعيد. ثم يتناول كيف أسّس الشيوعيون التنظيمات سريعاً مثل الشبيبة الديمقراطية والمقاومة الشعبية.
          ويستعيد مهدي السعيد أيام تموز والمهرجانات، وكيف صافح عبدالكريم قاسم وكذلك الملّا مصطفى البارزاني، ولكنه يتناول بمرارة الإنقسام الشعبي، ولاسيّما بين الشيوعيين والقوميين، خصوصاً بعد حركة الشواف ومحاولة اغتيال عبد الكريم قاسم في منطقة "رأس القرية" بشارع الرشيد، وكان من بين من شاركوا بها صدام حسين، وينشّط ذاكرته بحديثه مع د.تحسين معلّه، خصوصاً عن قضايا التعذيب في قصر النهاية.
        ومن مظاهر اشتداد حالة الإحتقان الشعبي اغتيال الشيوعيين أحد الأشخاص وسحله في مدينة الكاظمية، وقد اتهم بها منذر أبو العيس الذي صدر الحكم بإعدامه، وقد تمّ تنفيذه بعد انقلاب 8 شباط (فبراير) العام 1963. ويشير إلى أن محلّة الدوريين كانت تعجّ بالخلافات. ويتوقف عند انقلاب البعثيين الأول الذي أطاح بحكم الزعيم عبد الكريم قاسم وطارد الشيوعيين واعتقل الآلاف منهم وكيف جرت محاولة لإعتقال أخيه كاظم.
       
        أول مهمة حزبية
        وعن أول مهمة حزبية له كانت عشية حركة حسن سريع في 3 تموز (يوليو) العام 1963، وهو نائب عريف حاول قيادة انتفاضة مسلحة ضد حكم البعث الأول، لكنها فشلت واعتقل المشاركون فيها وحوكموا وأعدموا.
        أما المهمة التي كلّف بها فهي كتابة بيانات بخط اليد على ورق الكاربون، وكان المسؤول عن المجموعة حسبما يقول "محمد كريم" الذي أعدم في حركة حسن سريع، لينتقل بعدها إلى عمل حزبي منظّم، وخصوصاً بعد انشقاق القيادة المركزية ويستعيد العلاقات في تلك الفترة، ويستذكر عدد من المسؤولين بينهم كاظم حبيب، وكيف ساهم عدد من الرفاق في إعادة التنظيم منهم: حسن أسد الشمري وصلاح زنكنة وحميد برتو ولؤي أبو التمّن وسعد الطائي وطه صفوك وكاتب السطور وآخرين، ويقول إنه تم تشكيل فرقة حزبية صدامية ويروي حادثة مقتل سامي مهدي الهاشمي في كلية الإقتصاد والعلوم السياسية. وكنت قد رويت في أكثر من مناسبة موضوع تصدّع علاقتي بالحزب بسبب هذه الحادثة وحوادث أخرى حدثت في كردستان لتعذيب شيوعيين على يد رفاقهم.
         ويستعرض السعيد خلال هذه الفترة عدداً من الأحداث العامة والخاصة منها اعتقال شقيقه سعدي (المرة الأولى حين كان لا يزال في بغداد، ثم يذكر اعتقاله لمرّة ثانية حين غادر هو بغداد) وسفره بعد حصوله على زمالة دراسية، ليصل إلى محطته الجديدة "براغ".
         يقول عن براغ أنها مدينة الأحلام، لكن أحلامه كادت أن تطير لأن زمالته مُنحت إلى شخص آخر، وكان عليه الإنتظار لبضعة أشهر، وحصل الأمر كذلك مع رفيقه محمد الأسدي ريثما يتم قبولها بعد بضعة أشهر، ويتحدث عن معاناته خلال تلك الفترة وعلاقاته مع الطلبة مثل حسون الربيعي وعلاء صبيح وسلمان الحسن وفؤاد زلزلة، وعن مقهى سلافيا والعلاقة مع الملحقية الثقافية، ولاسيّما مع عبد الستار الدوري (الملحق الثقافي)، ويستذكر حادثة حصلت لعلي صالح السعدي الذي حضر حفلاً بمناسبة الذكرى الثانية لبيان 11 آذار (مارس) لعام 1970 وكان بصحبة السفير محسن دزئي، وكان من الحاضرين عبد الستار الدوري ومهدي الحافظ وموسى أسد وكاتب السطور الذي كان رئيساً لجمعية الطلبة العراقيين وآخرين، وكان السعدي قد أطرب للمقامات البغدادية التي أدّاها علاء صبيح، وحاول مصافحته، ولكن الأخير امتنع عن ذلك وحين سأله لماذا؟ أجابه بأن يديك ملطّختان بالدماء وقد احتدّم الموقف، وحاول دزئي ورفاقنا احتواءه.
           وبعد قبوله وانتقاله إلى مدينة أخرى لدراسة اللغة، ثم دراسته في كلية الزراعة، سلّط ضوءًا على حياة الطلبة والأجواء الاجتماعية السائدة وهي ذكرتني برواية "الجليد" لصنع الله إبراهيم التي كتبها عن فترة دراسته في موسكو (1973) وهي فترة مقاربة لما عاشه مهدي السعيد في براغ، وفي الرواية وأحداثها ثمة بحث عن الذات وعن المرأة وعن الجمال.
         بين براغ وبراغ   
         ثم يتناول السعيد بعد ذلك المقطع الفاصل بين المرحلتين، أي بين براغ وبراغ، حين غادرها أول مرّة عائداً إلى العراق أدى خدمته العسكرية الإلزامية في أجواء من القلق والخوف الذي رافقه، وكيف تمكن من التخلص من استحقاقات خطرة، قد تؤدي بحياته، فكما هو معلوم كان العمل السياسي محرّماً في الجيش، كما إن الانتساب إلى حزب آخر غير حزب البعث قد يؤدي بصاحبه إلى الإعدام، وهي مشاعر عاشها الكاتب نفسه الذي التحق في فترة مقاربة لفترة السعيد لأداء الخدمة الإلزامية وكاد حبل المشنقة أن يلتف حول رقبته.
         وفي غمرة ذلك لا ينسى أن يذكر بعض الطرائف، منها إنه حين كان خفراً كان من مسؤولياته "سجن المعسكر" وكيف طلب منه السجناء تنظيف السجن، وقد وافق على ذلك لأنه كان قذراً للغاية والرائحة الكريهة تنبعث منه، وكان قد نُصح بأن يكون يقظاً كي لا يهرب أحد السجناء واسمه "صدام" وكان متهماً بقتل أحد أبناء منطقته، وطلبوا منه مشاهدة التلفزيون وتعهدوا أمامه بعدم الهرب وفعلاً تم ذلك، وحين عادوا جميعهم افتقد إلى وجود صدام بينهم، وهكذا  يقول "سيطر عليّ الخوف، ووقفت صامتاً أضع يدي على خدي وعيناي تتجهان إلى السماء"، ولكن بعد قليل ظهر صدام وكأنه جاء من وراء غمامة سوداء ودخل السجن، وفي اليوم التالي هرب الجندي "صدام" بعد أن استلم الخفارة أحد جنود الصف المكروهين كما يقول.
         لقد عكست مذكرات مهدي السعيد، في بعض محطاتها حياة مسكوت عنها بما فيها من خفايا وعقد ومشاكل اقتصادية واجتماعية وثقافية في الإطار السياسي الذي عمل فيه أو في الدولة الاشتراكية التي عاش فيها نحو عقدين من الزمان، وهي تكشف جذور الانهيار اللاحق، دون إنكار الإيجابيات بالطبع مثل كفالة الدولة لحق التعليم وتكاليفه وتوفير مستلزماته من السكن والمنحة، إضافة إلى التأمين الصحي وغير ذلك، لكن هناك شعور بالإجحاف والغبن لدى فئات واسعة، ناهيك عن شحّ الحرّيات وانتهاك حقوق الإنسان، فضلاً عن غياب التعدّدية وعدم الإقرار بالتنوع وحرّية التعبير. وقد كان لسيادة العقلية الستالينية البيروقراطية  الأوامرية  سبباً آخر في تراجع الأحزاب الشيوعية والماركسية، بل وجميع الأحزاب الشمولية بما فيها أحزاب الفرع في المشرق العربي، سواء من كان منها في السلطة أو من كان خارجها حتى وإن كان من ضحاياها.
         وفي براغ يتحدث عن لقائه الأول بالجواهري ثم علاقته به، وخصوصاً عبر ابن شقيّقه رواء الجصاني الذي ربطته به علاقة وثيقة ومع عائلته أيضاً، ويذكر تحت عنوان لحظات مع المبدعين عن لقائه مع عبد الرزاق عبد الواحد ويوسف الصائغ وعز الدين المناصرة وسميح القاسم الذي رافقه برحلة إلى برلين لحضور مهرجان للطلبة العراقيين وعن قيادته لخلية المثقفين التي ضمّت : مفيد الجزائري وحسين العامل وجيان (يحيى بابان) وقادر ديلان وغريب الكروي (أبو وجدان) وصبري كريم (أبو شيرين) وحمزة رجبو.
       ويتناول بعض صداقاته في براغ لا سيّما مع موفق فتوحي وحميد برتو وفيصل اسماعيل وسميرة البياتي وحميد الدوري والعلاقة بين البعثيين والشيوعيين التي انتقلت من التحالف إلى العداء.
         وعن حياته في لندن يقول كانت أولى العوائل العراقية الأولى التي تعرّف عليها هي عائلة يعقوب قوجمان "أبوسلام" الشيوعي العراقي العريق، وهو صديق رفيقة عادل مصري والد "سرود" الذي عمل معه في لجنة التنسيق الطلابية ويتحدث عن عمله في إذاعة كل العرب مع نجم عبد الكريم وعلاقته الوطيدة مع نبيل ياسين الذي كان قد عيّن رئيساً لتحرير جريدة "المؤتمر"، وكيف بدأ يتعرف على المعارضة العراقية بشخصياتها المختلفة.
        وهكذا بدأت دائرته تتّسع وأفقه يمتد، الأمر الذي عرّضه لإنتقادات حزبية، وفضل هو محيطه السياسي وعمله مع المعارضة على الانتماء الضيق.
وينقل كيف اضطر إلى الإستقالة من عمله في إعلام المؤتمر الوطني العراقي قبل ذلك بعد أن جمد الحزب الشيوعي عضويته فيه (العام 1994) ويقول : "أصيب الكثير من الشيوعيين العراقيين العاملين في المؤتمر بالإحباط، لأن المشكلة لا تتعلّق بتمويل المؤتمر، فالشيوعيون حين انضموا إليه كانوا يعرفون جيداً الجهات المموّلة له مسبقاً، فلماذا إذن وافقوا على الإنخراط فيه؟"
        وبقي بلا عمل ويقول : "انطويت على نفسي لبعض الوقت، ولكني فكرّت من جديد بالعودة إلى عملي السابق... كحل وسطي ينقذني من حالة البطالة" واتصل بعامر عبد الله الذي أبلغه أنه ارتكب خطأ كبيراً، لأن الحزب لازال بعلاقات قوية مع قيادة المؤتمر، وقام عامر عبد الله الاتصال بأحمد الجلبي رئيس المؤتمر الذي أوعز إلى محمد عبد الجبار بإعادتي إلى العمل.
       ويحدثنا عن الكثير من المفارقات حول عمله في إعلام الوفاق (إياد علاوي) وإصداره "مجلة المسلّة الثقافية" بمشاركة عربية وبدعم من نبيل ياسين ولقاءاته مع ابراهيم الجعفري والقيادات الكردية،
        ويستعرض علاقاته مع المعارضة العراقية بحضوره مؤتمر لندن ومؤتمر واشنطن، حيث التقى بجلال  الطالباني  ومسعود البارزاني  وإبراهيم أحمد. وينقل عن لقاء مع وزارة الخارجية الأمريكية، وضمّ الوفد : حميد الكفائي وعبد الحليم الرهيمي ومهدي السعيد وإسماعيل  زاير وأحمد  الركابي  و شميم رسّام وربيع وعدد آخر بينهم أكراد، وكان من جانب وزارة الخارجية عدداً من المسؤولين بينهم سحر وهي سيّدة فلسطينية بالأصل وهي مسؤولة عن الملف العراقي.
        وكان هناك سؤال طُلب من الجميع الإجابة عنه وهو : ماذا سنفعل بالبعثيين ؟ وكان الجواب جماعياً "اجتثاثهم من الحياة السياسية وإبعادهم عن أية مهمة" و "معاقبة القياديين بأقصى درجات العقوبة بما فيها التصفيات الجسدية" ويعلّق مهدي السعيد بالقول : من جانبي وجدت هذا الموقف غير معقول... ونحن لسنا قصّابين للبشر، ولا نبحث عن الانتقام، و البعثيون في كل الأحوال "مواطنون عراقيون" وعلينا التعامل معهم بروح التسامح، أما من قام بالارتكاب فمن حق القضاء أن يأخذ مجراه (وقد دققت هذا الموقف معه وأكّد لي ذلك بالنص المنشور).
       ويبدو إن موقف شميم رسّام كان قريباً من هذا الموقف، وقد قاطعها أحد الأكراد كما يقول، واعترض على وجودها لأنها محسوبة على النظام البعثي وسبق أن رافقت طارق عزيز وعملت مترجمة للوفد العراقي فأجهشت بالبكاء، ويواصل مهدي السعيد حديثه وأنقل هذه الفقرة لدلالتها بقوله :" إن سيامند البنّا أخبرني بعدم رضا الأمريكان عن أطروحاتي، فتفاجئت لأنني سمعت منهم تقييمات إيجابية مباشرة عديدة لتحليلاتي".
         ويذكر إن لهذه الحادثة تداعياتها ويتساءل : هل كان هناك ثمّة تدخّل خارجي لا أعرف مصدره إلى الآن ؟ ويترك هذا السؤال بلا جواب، إذْ بعد الاحتلال كما يذكر حصل جميع المشاركين على مراكز مهمة وبعضهم أسندت إليهم رئاسة صحف أو إدارة إذاعة أو رؤساء للجان انتخابية أو مهمات استشارية ثقافية، وهناك من أصبح ناطقاً باسم الحكومة أو مديراً لإحدى الفضائيات وإنه الوحيد الذي على ما يبدو (أغضب الأمريكان) فاستبعدوه ؟
        وحسبما يقول كان نوري البدران (الذي أصبح وزيراً للداخلية بعد الاحتلال) قد سأله قبل الغزو الأمريكي بعدّة أسابيع  أي وظيفة تريد، فأجابه : الاشتغال بالسلك الدبلوماسي، وحبذا لو كان في براغ، أو جامعة الدول العربية أو عمادة إحدى الكليات العراقية، فأبلغه البدران يجب إطلاع إياد علاوي على الموضوع. وطلبوا منه الذهاب إلى عمان تحضيراً للدخول إلى العراق.
        وفعلاً أرسلوا له تذكرة السفر. ثم أخبره أننا سندخل بملابس عسكرية مع الأمريكان، ويذكر مهدي السعيد إنه حين سمع ذلك توقف قليلاً ويعلّق مهدي بحرارة بقوله : ولكنني لم أتحمل مثل ذلك.. وقد استحضر كل تاريخه السياسي "فأجبته بأني لا أدخل مع الأمريكان بملابس عسكرية، وإنما أدخل لوحدي كمدني". وهنا قال له البدران أنت لا تريد أن تأتي معنا، فكرّر عليه قوله، وفي اليوم التالي : أعاد التذكرة إلى السكرتيرة إيمان وتفاجأت بذلك، ولكن طبعاً لم أتفاجأ، كما يقول.
       دمشق والأسرة الجديدة
       ظلّ مهدي السعيد مضرباً عن الزواج حتى استقطبته دمشق، بل احتضنته، فتذكّر أيام دراسته الأولى لبضعة أشهر، ولكن هذه المرّة لم يكن من بد إلّا وعقد زواج مع رفيقة أرادها أن تكون مواصلة لحبه القديم لدمشق. كان سعيداً للغاية بهذه العلاقة وأنجب طفلتين، لكن زوجته تعرّضت إلى متاعب غير قليلة بسبب الأحداث التي حصلت في السنوات الأخيرة، فلم يستطع سحبها إلى لندن ولم يتمكن هو من الإقامة في دمشق، وهكذا ظلّ معلقاً بين دمشق ولندن.
       وكما يقول الموسيقار شوبان : "القلب في وارشو والعقل في باريس" فقد كان قلب مهدي السعيد في الشام وعقله في لندن. لم يعرف ما كان يخبئه له الزمن، فقد أصيبت زوجته بالسرطان ولم ترخّص لها السلطات البريطانية الالتحاق به في لندن إلّا في العام 2016، ولكن بعد وصولها ببضعة أسابيع دخلت المستشفى ولم تخرج منها، وتلك كارثة أخرى حلّت بمهدي السعيد.
       
       كتاب لذاكرة مفتوحة
       في الختام، أقول إنني قرأت مذكرات مهدي السعيد وسيرته الذاتية، كأنها كتاب مفتوح أمامي. ويستطيع كل إنسان أن يقرأها بطريقته، إذْ لا أقفال فيها أو ألغاز، فقد كتبها بلغة سلسة وبانتقالات سريعة وعناوين فرعية جاذبة.
            يمكنني القول أن مذكراته جاءت على شكل أمواج، فتارة صاعدة وأخرى نازلة، لكنها في كل الأوقات متحرّكة وغير ساكنة، وقد حاول فيها أن يواخي الحبر مع الذاكرة واللون مع الفرشاة والعدسة مع العين، لذلك جاءت حارّة وطازجة وامتازت بروح إيجابية بشكل عام، حملت إشارات فرحة وإن تخلّلها حزن دفين أيضاً.
       إنها مذكرات تستحقّ القراءة والنقد والتقريظ لما زخرت به من أحداث وتجارب ودروس تتطلّب التفكير ليس بأوضاع الحاضر فحسب، بل بالمستقبل أيضاً، خصوصاً أن التاريخ حلقات متّصلة لا يمكن فصل الماضي عن الحاضر والمستقبل.
     



10
"أصيلة" وفضاء الإصلاح والتجديد
عبد الحسين شعبان
باحث ومفكر عربي
   يصعب الحديث عن الإصلاح والتجديد في العالم العربي دون تناول المجال الديني، وهذا الأخير يشمل الفكر والوسائل والأدوات والقوانين والأنظمة والتربية والثقافة والوضع الاقتصادي والاجتماعي، بل كل ما له علاقة بالتنمية البشرية المستدامة، التي هي منظومة متكاملة ومتداخلة بحيث لا يمكن إهمال أو تأجيل جزء منه، لأنه سيؤثر على الأجزاء الأخرى، لترابطها وتفاعلها ، وإنْ كانت درجة تطور أقسامها متفاوتة.
   والإصلاح بطبيعته يحتاج إلى تطوّر وتراكم كمّي وقد يكون طويل الأمد ليصل إلى التجديد بمعنى حدوث تغيير نوعي حسب المنهج الجدلي، إذا ما توافرت العوامل الذاتية والموضوعية ، والشروط الداخلية والخارجية لتحقيقه.
   ولأن موضوع المجال الديني حسّاس ومتميّز جدّاً، فإن المقاربة ستكون حسّاسة ومتميّزة أيضاً، لاسيّما إذا انصرف الأمر إلى الإصلاح والتجديد الذي يتعلق بالعقائد والمورثات والعادات والتقاليد وما استقرّ عليه المجتمع وترسّخ في وعيه لدرجة التقديس أحياناً.
   وكانت "جماعة أصيلة" التي يرأسها محمد بنعيسى مدركة جداً لمثل هذا التشابك بما فيه من مُدخلات ومُخرجات وإمكانات وعقبات، حين خصصت الندوة الأساسية لمهرجان "أصيلة 32" لبحث ومناقشة "الفكر العربي المعاصر والمسألة الدينية"، بالمرور على أنماط التديّن الجديدة وخلفياتها الثقافية والاجتماعية، مثلما توقفت عند الخطاب الفكري الإسلامي الراهن باتجاهاته وتوجّهاته، إضافة إلى بعض المقاربات التأويلية والعملية الجديدة لتمظهراته، وخصوصاً بالإطلالة على مسألة "العيش المشترك" والتي استغرقت حواراً مفتوحاً يخصّ الدين والدولة والمجتمع وما له علاقة بالحقوق الأساسية مثل: الحق في الحياة والحرّية والمساواة والعدل والشراكة والمشاركة، وهي اللبنات الأساسية والتي لا غنى عنها  للمواطنة المتكافئة.
   ويحتاج الإصلاح مثلما هو التجديد، في المجال الديني إلى رؤية وإرادة وشجاعة وأدوات وحوامل اجتماعية تستطيع تحمّل المسؤولية، ولاسيّما حين تتوفّر بيئة مناسبة وظرف موضوعي مساعد. أي أنه باختصار لا بدّ من توفّر شروط معينة ذاتية وموضوعية مناسبة لتحقيقه. وقد يتوفر الشرط الموضوعي لكن الشرط الذاتي يكون غائباً أو غير مهيأ، والعكس صحيح أيضاً حين يتوفّر الشرط الذاتي ولم ينضج الظرف الموضوعي.
   فمن الناحية الذاتية قد لا تتوفر قناعات للاصلاح والتجديد، أو أن هناك خشية منه لأنه يتعارض مع المصالح والامتيازات، إضافة إلى الخوف من " العامة" أحياناً، لأنه سيعارض ما ترسّخ لديها من مفهومات ومعتقدات استقرت مع مرور الزمان، بحيث أصبحت "تابوات" وهي أقرب إلى "مقدسات" ولهذا فإن أي مساس بها قد يثير ردود أفعال لا تحمد عقباها، إضافة إلى أنه قد يلقى مقاومة من جانب القوى التقليدية باعتباره يخالف المألوف لدرجة يمكن تفسيقه باعتباره بدعة، "وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار" ، وبهذا المنطق يدافع أصحاب الفكر التقليدي عن القديم حتى وإن كان بالياً.
   وقد حاولت حركة النهضة من الأفغاني ومحمد عبده والطهطاوي والكواكبي والتونسي والنائيني وصولاً إلى طه حسين، إصلاح المجال الديني وإسباغ سمة العصر عليه، لكنها اصطدمت بعقبات وتحدّيات كثيرة رسمية ودينية واجتماعية. ولا شكّ أن مثل صدمة الاستعمار قبل قيام الدولة الوطنية وصدمة ضياع فلسطين (النكبة 1948 والنكسة 1967) اللتان مرّ بهما الفكر العربي المعاصر، تركتا أثراً سلبياً على تطوّره بما فيه الجزء المؤثر فيه، ونعني به المجال الديني، ويمكننا أن نضيف إلى ذلك صدمة "الحرب العراقية - الإيرانية" وصولاً لاحتلال العراق، ثم صدمة "الإرهاب الدولي" الذي طبع مرحلة ما بعد العام 2001 ولحد الآن، سواء كان على شكل داعش أو قبلها القاعدة، وهي مرحلة شملت أيضاً صدمة تعثر وارتداد موجة الربيع العربي.
   والسؤال الآن كيف يمكن إصلاح المجال الديني أو تجديده؟ومن يقوم بذلك؟ هل المؤسسة الدينية قادرة على اقتحام هذا الميدان؟ وهل هي راغبة؟ ثم هل لديها المؤهلات لوحدها؟  أم أنها تحتاج إلى رافعة من خارجها؟ وبعد ذلك ثمة عقبات موضوعية داخلية وخارجية تجعلنا نتساءل:كيف يمكن مواجهة قروناً من السكونية والنمطية والرتابة لأن الناس حسب عمانوئيل كانط.." يعيشون حياتهم برتابة عادية وليس لهم أدنى حاجة إلى الفكر".
   وكانت ثمة محاولات وإرهاصات طفولية سبق أن جرّبتها قوى باسم اليسار والحداثة برفض الدين أو التقليل من شأنه، لكنها اصطدمت  بجدار سميك وقاسي لدرجة أنه تم تكفيرها وتأثيمها وتجريمها. ولذلك لا بدّ من التفريق بين الدين والتديّن وبين قيم الدين وسلوك رجال الدين، والأمر بحاجة مرّة أخرى إلى التراكم والتطوّر بما له من علاقة عضوية بين بـ الثيولوجيا والانتربولوجيا والسوسيولوجيا، أي بين الدين والإنسان والمجتمع،  تلك الثلاثية التي ينبغي أن تحكمها منظومة من الضوابط القانونية.
   والأمر الذي يحتاج إلى تعامل مرن وحذر في الوقت نفسه، بدءًا من التراث ووصولاً إلى ما هو راهن لتفكيكه وتنقيته من التعصّب والتطرّف، وهذان هما الجذران الحقيقيان للإرهاب، بضخّ البديل، لاسيّما قيم التسامح واللّاعنف والإقرار بالتنوّع والتعدّدية والاعتراف بالآخر وقبول الحق في الاختلاف، لاسيّما، بتوفير الحدّ الأدنى من العيش الكريم المشترك الذي يمثّل فضاءً رحباً للإصلاح والتجديد.



11
مهدي السعيد وسرّديته السسوثقافية
مقدمة لكتاب (الجذور) "سيرة ذاتية"
بقلم : عبد الحسين شعبان
ح/4


وهكذا بدأت دائرته تتّسع وأفقه يمتد، الأمر الذي عرّضه لإنتقادات حزبية، وفضل هو محيطه السياسي وعمله مع المعارضة على الانتماء الضيق.
وينقل كيف اضطر إلى الإستقالة من عمله في إعلام المؤتمر الوطني العراقي قبل ذلك بعد أن جمد الحزب الشيوعي عضويته فيه (العام 1994) ويقول : "أصيب الكثير من الشيوعيين العراقيين العاملين في المؤتمر بالإحباط، لأن المشكلة لا تتعلّق بتمويل المؤتمر، فالشيوعيون حين انضموا إليه كانوا يعرفون جيداً الجهات المموّلة له مسبقاً، فلماذا إذن وافقوا على الإنخراط فيه؟"
وبقي بلا عمل ويقول : "انطويت على نفسي لبعض الوقت، ولكني فكرّت من جديد بالعودة إلى عملي السابق... كحل وسطي ينقذني من حالة البطالة" واتصل بعامر عبد الله الذي أبلغه أنه ارتكب خطأ كبيراً، لأن الحزب لازال بعلاقات قوية مع قيادة المؤتمر، وقام عامر عبد الله الاتصال بأحمد الجلبي رئيس المؤتمر الذي أوعز إلى محمد عبد الجبار بإعادتي إلى العمل.
ويحدثنا عن الكثير من المفارقات حول عمله في إعلام الوفاق (إياد علاوي) وإصداره "مجلة المسلّة الثقافية" بمشاركة عربية وبدعم من نبيل ياسين ولقاءاته مع ابراهيم الجعفري والقيادات الكردية،
ويستعرض علاقاته مع المعارضة العراقية بحضوره مؤتمر لندن ومؤتمر واشنطن، حيث التقى بجلال  الطالباني  ومسعود البارزاني  وإبراهيم أحمد. وينقل عن لقاء مع وزارة الخارجية الأمريكية، وضمّ الوفد : حميد الكفائي وعبد الحليم الرهيمي ومهدي السعيد وإسماعيل  زاير وأحمد  الركابي  و شميم رسّام وربيع وعدد آخر بينهم أكراد، وكان من جانب وزارة الخارجية عدداً من المسؤولين بينهم سحر وهي سيّدة فلسطينية بالأصل وهي مسؤولة عن الملف العراقي.
وكان هناك سؤال طُلب من الجميع الإجابة عنه وهو : ماذا سنفعل بالبعثيين ؟ وكان الجواب جماعياً "اجتثاثهم من الحياة السياسية وإبعادهم عن أية مهمة" و "معاقبة القياديين بأقصى درجات العقوبة بما فيها التصفيات الجسدية" ويعلّق مهدي السعيد بالقول : من جانبي وجدت هذا الموقف غير معقول... ونحن لسنا قصّابين للبشر، ولا نبحث عن الانتقام، و البعثيون في كل الأحوال "مواطنون عراقيون" وعلينا التعامل معهم بروح التسامح، أما من قام بالارتكاب فمن حق القضاء أن يأخذ مجراه (وقد دققت هذا الموقف معه وأكّد لي ذلك بالنص المنشور).
ويبدو إن موقف شميم رسّام كان قريباً من هذا الموقف، وقد قاطعها أحد الأكراد كما يقول، واعترض على وجودها لأنها محسوبة على النظام البعثي وسبق أن رافقت طارق عزيز وعملت مترجمة للوفد العراقي فأجهشت بالبكاء، ويواصل مهدي السعيد حديثه وأنقل هذه الفقرة لدلالتها بقوله :" إن سيامند البنّا أخبرني بعدم رضا الأمريكان عن أطروحاتي، فتفاجئت لأنني سمعت منهم تقييمات إيجابية مباشرة عديدة لتحليلاتي".
ويذكر إن لهذه الحادثة تداعياتها ويتساءل : هل كان هناك ثمّة تدخّل خارجي لا أعرف مصدره إلى الآن ؟ ويترك هذا السؤال بلا جواب، إذْ بعد الاحتلال كما يذكر حصل جميع المشاركين على مراكز مهمة وبعضهم أسندت إليهم رئاسة صحف أو إدارة إذاعة أو رؤساء للجان انتخابية أو مهمات استشارية ثقافية، وهناك من أصبح ناطقاً باسم الحكومة أو مديراً لإحدى الفضائيات وإنه الوحيد الذي على ما يبدو (أغضب الأمريكان) فاستبعدوه ؟
وحسبما يقول كان نوري البدران (الذي أصبح وزيراً للداخلية بعد الاحتلال) قد سأله قبل الغزو الأمريكي بعدّة أسابيع  أي وظيفة تريد، فأجابه : الاشتغال بالسلك الدبلوماسي، وحبذا لو كان في براغ، أو جامعة الدول العربية أو عمادة إحدى الكليات العراقية، فأبلغه البدران يجب إطلاع إياد علاوي على الموضوع. وطلبوا منه الذهاب إلى عمان تحضيراً للدخول إلى العراق.
وفعلاً أرسلوا له تذكرة السفر. ثم أخبره أننا سندخل بملابس عسكرية مع الأمريكان، ويذكر مهدي السعيد إنه حين سمع ذلك توقف قليلاً ويعلّق مهدي بحرارة بقوله : ولكنني لم أتحمل مثل ذلك.. وقد استحضر كل تاريخه السياسي "فأجبته بأني لا أدخل مع الأمريكان بملابس عسكرية، وإنما أدخل لوحدي كمدني". وهنا قال له البدران أنت لا تريد أن تأتي معنا، فكرّر عليه قوله، وفي اليوم التالي : أعاد التذكرة إلى السكرتيرة إيمان وتفاجأت بذلك، ولكن طبعاً لم أتفاجأ، كما يقول.
دمشق والأسرة الجديدة
ظلّ مهدي السعيد مضرباً عن الزواج حتى استقطبته دمشق، بل احتضنته، فتذكّر أيام دراسته الأولى لبضعة أشهر، ولكن هذه المرّة لم يكن من بد إلّا وعقد زواج مع رفيقة أرادها أن تكون مواصلة لحبه القديم لدمشق. كان سعيداً للغاية بهذه العلاقة وأنجب طفلتين، لكن زوجته تعرّضت إلى متاعب غير قليلة بسبب الأحداث التي حصلت في السنوات الأخيرة، فلم يستطع سحبها إلى لندن ولم يتمكن هو من الإقامة في دمشق، وهكذا ظلّ معلقاً بين دمشق ولندن.
وكما يقول الموسيقار شوبان : "القلب في وارشو والعقل في باريس" فقد كان قلب مهدي السعيد في الشام وعقله في لندن. لم يعرف ما كان يخبئه له الزمن، فقد أصيبت زوجته بالسرطان ولم ترخّص لها السلطات البريطانية الالتحاق به في لندن إلّا في العام 2016، ولكن بعد وصولها ببضعة أسابيع دخلت المستشفى ولم تخرج منها، وتلك كارثة أخرى حلّت بمهدي السعيد.
       
كتاب لذاكرة مفتوحة
في الختام، أقول إنني قرأت مذكرات مهدي السعيد وسيرته الذاتية، كأنها كتاب مفتوح أمامي. ويستطيع كل إنسان أن يقرأها بطريقته، إذْ لا أقفال فيها أو ألغاز، فقد كتبها بلغة سلسة وبانتقالات سريعة وعناوين فرعية جاذبة.
يمكنني القول أن مذكراته جاءت على شكل أمواج، فتارة صاعدة وأخرى نازلة، لكنها في كل الأوقات متحرّكة وغير ساكنة، وقد حاول فيها أن يواخي الحبر مع الذاكرة واللون مع الفرشاة والعدسة مع العين، لذلك جاءت حارّة وطازجة وامتازت بروح إيجابية بشكل عام، حملت إشارات فرحة وإن تخلّلها حزن دفين أيضاً.
إنها مذكرات تستحقّ القراءة والنقد والتقريظ لما زخرت به من أحداث وتجارب ودروس تتطلّب التفكير ليس بأوضاع الحاضر فحسب، بل بالمستقبل أيضاً، خصوصاً أن التاريخ حلقات متّصلة لا يمكن فصل الماضي عن الحاضر والمستقبل.


12
مهدي السعيد وسرّديته السسوثقافية
مقدمة لكتاب (الجذور) "سيرة ذاتية"
بقلم : عبد الحسين شعبان
الحلقة 3
ويقول مهدي السعيد إنه تعرّف على حسن عوينه بعد نشر صوره في وقت لاحق.
         ويذكر أيضاً أن الطبيب الشيوعي فاروق برتو افتتح عيادة له، وهو شقيق بشرى برتو وهي قيادية أيضاً في الحزب الشيوعي، وزوجة  رحيم عجينة القيادي في الحزب أيضاً، حيث كان قد خصّص أحد أيام الأسبوع مجاناً لعلاج المراجعين، ولاسيّما من الفقراء وضعيفي الحال، ويقول جرت محاولات لدهم عيادته من جانب شرطة التحقيقات الجنائية لأن صيته كان قد ذاع وعرف الناس إنه ينتمي إلى الحزب الشيوعي، ولذلك انبروا للدفاع عنه تلقائياً.
         ومن الشخصيات التي يتناولها أيضاً عطشان ضيول (الإيزرجاوي) الذي كان مسؤولاً في الخط العسكري للحزب الشيوعي، وقد سكن مع والدته بعد انتقاله من الناصرية في محلّة الدوريين، وإنه أصبح بعد ثورة 14 تموز (يوليو) مساعداً لآمر المقاومة الشعبية طه البامرني، وكان من دعاة الإستيلاء على السلطة أيام حكم عبد الكريم قاسم، ويقول أن ثابت حبيب العاني وعامر عبدالله وآخرين كانوا ضدّ هذا التوجه، وقد فتح هذا الموضوع مع العاني في لندن مستذكراً الإيزرجاوي، كما سأل عنه آرا خاجادور في براغ.
         ويروي السعيد نقلاً عن آرا خاجادور إن اللجنة المركزية حينها أبعدت سلام عادل إلى موسكو الذي كان يميل إلى استلام السلطة وإزاحة عبدالكريم قاسم، ويقول إن ذلك كان جزء من الصراع حول السلطة بين تيارين : الأول ممثلاً بمجموعة الأربعة : زكي خيري، عامر عبدالله، بهاء الدين نوري ومحمد حسين أبو العيس وإن كان الأخير أقرب إلى سلام عادل، لكنه احتسب على الجماعة المتكتلة حتى وإن لم يتفق معها فكرياً (وقد استشهد تحت التعذيب بعد انقلاب 8 شباط/فبراير/ 1963)  و كان هؤلاء ضد توجّه سلام عادل وجمال الحيدري وعطشان ضيول، والأخيرأبعد إلى موسكو ومنعه ال KGB من الإتصال بالآخرين، ويروي قصته الدرامية حيث توفي في ألمانيا.
      ثورة 14 تموز
           يتحدث مهدي السعيد عن يوم ثورة 14 تموز وشعوره عند هدم تمثال الجنرال مود الذي قال حين احتل بغداد "جئنا محرّرين لا فاتحين"، ويذكر كيف هرب نوري السعيد ولجأ إلى بيت الإستربادي في الكاظمية، وكيف دخل هو ووالدته إلى بيت نوري السعيد. ثم يتناول كيف أسّس الشيوعيون التنظيمات سريعاً مثل الشبيبة الديمقراطية والمقاومة الشعبية.
          ويستعيد مهدي السعيد أيام تموز والمهرجانات، وكيف صافح عبدالكريم قاسم وكذلك الملّا مصطفى البارزاني، ولكنه يتناول بمرارة الإنقسام الشعبي، ولاسيّما بين الشيوعيين والقوميين، خصوصاً بعد حركة الشواف ومحاولة اغتيال عبد الكريم قاسم في منطقة "رأس القرية" بشارع الرشيد، وكان من بين من شاركوا بها صدام حسين، وينشّط ذاكرته بحديثه مع د.تحسين معلّه، خصوصاً عن قضايا التعذيب في قصر النهاية.
        ومن مظاهر اشتداد حالة الإحتقان الشعبي اغتيال الشيوعيين أحد الأشخاص وسحله في مدينة الكاظمية، وقد اتهم بها منذر أبو العيس الذي صدر الحكم بإعدامه، وقد تمّ تنفيذه بعد انقلاب 8 شباط (فبراير) العام 1963. ويشير إلى أن محلّة الدوريين كانت تعجّ بالخلافات. ويتوقف عند انقلاب البعثيين الأول الذي أطاح بحكم الزعيم عبد الكريم قاسم وطارد الشيوعيين واعتقل الآلاف منهم وكيف جرت محاولة لإعتقال أخيه كاظم.
       
        أول مهمة حزبية
        وعن أول مهمة حزبية له كانت عشية حركة حسن سريع في 3 تموز (يوليو) العام 1963، وهو نائب عريف حاول قيادة انتفاضة مسلحة ضد حكم البعث الأول، لكنها فشلت واعتقل المشاركون فيها وحوكموا وأعدموا.
        أما المهمة التي كلّف بها فهي كتابة بيانات بخط اليد على ورق الكاربون، وكان المسؤول عن المجموعة حسبما يقول "محمد كريم" الذي أعدم في حركة حسن سريع، لينتقل بعدها إلى عمل حزبي منظّم، وخصوصاً بعد انشقاق القيادة المركزية ويستعيد العلاقات في تلك الفترة، ويستذكر عدد من المسؤولين بينهم كاظم حبيب، وكيف ساهم عدد من الرفاق في إعادة التنظيم منهم: حسن أسد الشمري وصلاح زنكنة وحميد برتو ولؤي أبو التمّن وسعد الطائي وطه صفوك وكاتب السطور وآخرين، ويقول إنه تم تشكيل فرقة حزبية صدامية ويروي حادثة مقتل سامي مهدي الهاشمي في كلية الإقتصاد والعلوم السياسية. وكنت قد رويت في أكثر من مناسبة موضوع تصدّع علاقتي بالحزب بسبب هذه الحادثة وحوادث أخرى حدثت في كردستان لتعذيب شيوعيين على يد رفاقهم.
         ويستعرض السعيد خلال هذه الفترة عدداً من الأحداث العامة والخاصة منها اعتقال شقيقه سعدي (المرة الأولى حين كان لا يزال في بغداد، ثم يذكر اعتقاله لمرّة ثانية حين غادر هو بغداد) وسفره بعد حصوله على زمالة دراسية، ليصل إلى محطته الجديدة "براغ".
         يقول عن براغ أنها مدينة الأحلام، لكن أحلامه كادت أن تطير لأن زمالته مُنحت إلى شخص آخر، وكان عليه الإنتظار لبضعة أشهر، وحصل الأمر كذلك مع رفيقه محمد الأسدي ريثما يتم قبولها بعد بضعة أشهر، ويتحدث عن معاناته خلال تلك الفترة وعلاقاته مع الطلبة مثل حسون الربيعي وعلاء صبيح وسلمان الحسن وفؤاد زلزلة، وعن مقهى سلافيا والعلاقة مع الملحقية الثقافية، ولاسيّما مع عبد الستار الدوري (الملحق الثقافي)، ويستذكر حادثة حصلت لعلي صالح السعدي الذي حضر حفلاً بمناسبة الذكرى الثانية لبيان 11 آذار (مارس) لعام 1970 وكان بصحبة السفير محسن دزئي، وكان من الحاضرين عبد الستار الدوري ومهدي الحافظ وموسى أسد وكاتب السطور الذي كان رئيساً لجمعية الطلبة العراقيين وآخرين، وكان السعدي قد أطرب للمقامات البغدادية التي أدّاها علاء صبيح، وحاول مصافحته، ولكن الأخير امتنع عن ذلك وحين سأله لماذا؟ أجابه بأن يديك ملطّختان بالدماء وقد احتدّم الموقف، وحاول دزئي ورفاقنا احتواءه.
           وبعد قبوله وانتقاله إلى مدينة أخرى لدراسة اللغة، ثم دراسته في كلية الزراعة، سلّط ضوءًا على حياة الطلبة والأجواء الاجتماعية السائدة وهي ذكرتني برواية "الجليد" لصنع الله إبراهيم التي كتبها عن فترة دراسته في موسكو (1973) وهي فترة مقاربة لما عاشه مهدي السعيد في براغ، وفي الرواية وأحداثها ثمة بحث عن الذات وعن المرأة وعن الجمال.
         بين براغ وبراغ   
         ثم يتناول السعيد بعد ذلك المقطع الفاصل بين المرحلتين، أي بين براغ وبراغ، حين غادرها أول مرّة عائداً إلى العراق أدى خدمته العسكرية الإلزامية في أجواء من القلق والخوف الذي رافقه، وكيف تمكن من التخلص من استحقاقات خطرة، قد تؤدي بحياته، فكما هو معلوم كان العمل السياسي محرّماً في الجيش، كما إن الانتساب إلى حزب آخر غير حزب البعث قد يؤدي بصاحبه إلى الإعدام، وهي مشاعر عاشها الكاتب نفسه الذي التحق في فترة مقاربة لفترة السعيد لأداء الخدمة الإلزامية وكاد حبل المشنقة أن يلتف حول رقبته.
         وفي غمرة ذلك لا ينسى أن يذكر بعض الطرائف، منها إنه حين كان خفراً كان من مسؤولياته "سجن المعسكر" وكيف طلب منه السجناء تنظيف السجن، وقد وافق على ذلك لأنه كان قذراً للغاية والرائحة الكريهة تنبعث منه، وكان قد نُصح بأن يكون يقظاً كي لا يهرب أحد السجناء واسمه "صدام" وكان متهماً بقتل أحد أبناء منطقته، وطلبوا منه مشاهدة التلفزيون وتعهدوا أمامه بعدم الهرب وفعلاً تم ذلك، وحين عادوا جميعهم افتقد إلى وجود صدام بينهم، وهكذا  يقول "سيطر عليّ الخوف، ووقفت صامتاً أضع يدي على خدي وعيناي تتجهان إلى السماء"، ولكن بعد قليل ظهر صدام وكأنه جاء من وراء غمامة سوداء ودخل السجن، وفي اليوم التالي هرب الجندي "صدام" بعد أن استلم الخفارة أحد جنود الصف المكروهين كما يقول.
         لقد عكست مذكرات مهدي السعيد، في بعض محطاتها حياة مسكوت عنها بما فيها من خفايا وعقد ومشاكل اقتصادية واجتماعية وثقافية في الإطار السياسي الذي عمل فيه أو في الدولة الاشتراكية التي عاش فيها نحو عقدين من الزمان، وهي تكشف جذور الانهيار اللاحق، دون إنكار الإيجابيات بالطبع مثل كفالة الدولة لحق التعليم وتكاليفه وتوفير مستلزماته من السكن والمنحة، إضافة إلى التأمين الصحي وغير ذلك، لكن هناك شعور بالإجحاف والغبن لدى فئات واسعة، ناهيك عن شحّ الحرّيات وانتهاك حقوق الإنسان، فضلاً عن غياب التعدّدية وعدم الإقرار بالتنوع وحرّية التعبير. وقد كان لسيادة العقلية الستالينية البيروقراطية  الأوامرية  سبباً آخر في تراجع الأحزاب الشيوعية والماركسية، بل وجميع الأحزاب الشمولية بما فيها أحزاب الفرع في المشرق العربي، سواء من كان منها في السلطة أو من كان خارجها حتى وإن كان من ضحاياها.
         وفي براغ يتحدث عن لقائه الأول بالجواهري ثم علاقته به، وخصوصاً عبر ابن شقيّقه رواء الجصاني الذي ربطته به علاقة وثيقة ومع عائلته أيضاً، ويذكر تحت عنوان لحظات مع المبدعين عن لقائه مع عبد الرزاق عبد الواحد ويوسف الصائغ وعز الدين المناصرة وسميح القاسم الذي رافقه برحلة إلى برلين لحضور مهرجان للطلبة العراقيين وعن قيادته لخلية المثقفين التي ضمّت : مفيد الجزائري وحسين العامل وجيان (يحيى بابان) وقادر ديلان وغريب الكروي (أبو وجدان) وصبري كريم (أبو شيرين) وحمزة رجبو.
       ويتناول بعض صداقاته في براغ لا سيّما مع موفق فتوحي وحميد برتو وفيصل اسماعيل وسميرة البياتي وحميد الدوري والعلاقة بين البعثيين والشيوعيين التي انتقلت من التحالف إلى العداء.
         وعن حياته في لندن يقول كانت أولى العوائل العراقية الأولى التي تعرّف عليها هي عائلة يعقوب قوجمان "أبوسلام" الشيوعي العراقي العريق، وهو صديق رفيقة عادل مصري والد "سرود" الذي عمل معه في لجنة التنسيق الطلابية ويتحدث عن عمله في إذاعة كل العرب مع نجم عبد الكريم وعلاقته الوطيدة مع نبيل ياسين الذي كان قد عيّن رئيساً لتحرير جريدة "المؤتمر"، وكيف بدأ يتعرف على المعارضة العراقية بشخصياتها المختلفة.
نشرت في صحيفة الزمان العراقية ، 8/8/2017


13
أبو كَاطع - على ضفاف السخرية الحزينة
كتاب جديد لعبد الحسين شعبان

بيروت، بغداد - (المحرر الثقافي) خاص
   صدر عن دار الفارابي في بيروت كتاب جديد للكاتب عبد الحسين شعبان وهو بعنوان " أبو كَاطع - على ضفاف السخرية الحزينة" وهو طبعة ثانية بعد أن نفذت الطبعة الأولى التي صدرت في لندن (1998) عن دار الكتاب العربي.
   وكان المؤلف قد تبرّع بريع كتابه إلى أطفال العراق الذين كانوا يعانون من الحصار حينها، كما يتبرع الآن بريع هذه الطبعة إلى الأطفال النازحين من الموصل وغيرها من مناطق غرب العراق.
   وقد أهدى المؤلف الكتاب إلى الشاعر مظفر النواب "وضاعت زهرة الصبّار" أما صورة الغلاف فهي بريشة الفنان عمران القيسي، وتصدّرت الصفحات الأولى من الكتاب قصيدة للشاعر هاشم شفيق بعنوان "بورتريه شمران الياسري - أبو كَاطع " وقصيدة للشاعر الفلسطيني راسم المدهون بعنوان " غيبة بين حيفا وبيروت" مهداة إلى " أبو كَاطع".
   أما صفحة الغلاف الأخيرة فقد جاءت بقلم الكاتب والروائي جمعة اللامي وجاء فيها :
«القمَمُ، هي التي تَضربُها الصاعقة»
                                               (أسخيلوس)                                             
                                                                     
"كتاب الباحث والأديب عبد الحسين شعبان، رسالة في ثقافة الصداقة والصديق، بعلوّ هامة أطرافها، وصدق أنفسهم، ونبالة أرواحهم. وهو وثيقة لا تسترجع الماضي القريب فقط، لكنّه أيضاً، وعلى نحو مؤكّد، رسالة إلى المستقبل، لأنّ المشروع الكبير الذي ارتبط به "أبو كاطع" ، إنّما هو المستقبل.
حسناً فعل شعبان، حين وضع متلقّي رسالته هذه ، أمام بانوراما لإنسان متصالح مع نفسه وتاريخه، وأمين على مُثُله ( بصرف النظر عن الاتّفاق أو الاختلاف معه ) وهو كاتب يعرف حقوقه وواجباته، كان رأى في الكتابة الأدبية والثقافية عموماً، مهمّة إنسانية نبيلة، تقترن بالفضيلة وتتبادل مع قيمها المنافع الروحية العليا.
كان للصداقات العظيمة بين المناضلين قوّة المثل وجدارة الحياة  و صوابية الاختيار. وفي هذا الفضاء ، حيث المواجهة والصراع، مع النفس وفي داخل البيت الواحد وفي النفي المزدوج أيضاً، في الوطن وخارجه، كانت الصداقة ترفع رقبتها عالية جدّاً ليراها الإنسان العراقي الكفيف، شامخة وهو في بصرى الشام.
إنّ من يعرف عن قرب الرفقة الكريمة المبنيّة على تشييد تلك الآمال السامية، سيزداد معرفة  بشمران و شعبان حيث الجوامع بينهما كثيرة : الإنسان، المثقف، الكاتب، المناضل، المختلف، والمنفي، مثلما سيعرف أنّ الشخصيات التي خلقها "أبو كَاطع" في أعماله الروائية  وفي كتاباته الصحفية ، غنيّة بمُثل الصداقة التي كانت طابعاً مميّزاً في التكوين الإنساني له المنسجم  مع خياره الأخلاقي ، حتى في رحيله الشجاع."
   احتوى الكتاب على إهداء وأربعة فصول  وهي من أصل الطبعة الأولى ، وإضمامتين  الأولى ضمّت مقالتين جديدتين للكاتب، إحداهما بعنوان "فن الضحك والسخرية في أدب أبو كَاطع" وثانيتهما بعنوان "وأبو كَاطع - السخرية والأسئلة الملغومة" ، واحتوت الإضمامة الثانية على نصوص ووثائق شملت بعض أقصوصات وحكايات لأبو كَاطع بعضها كان قد نشر لأول مرّة في الطبعة الأولى، إضافة بعض الكتابات عن أبو كَاطع.
   كما ضمّت الطبعة الجديدة مقدمة طويلة بعنوان " أبو كَاطع - بعد 35 عاماً على رحيله" وهي موجهة بالأساس للقارئ  العراقي، الذي حُرم من الاطلاع على الطبعة الأولى بسبب كون الكاتب والمكتوب عنه ممنوعين، باستثناء نسخ محدودة ومستنسخة خلال فترة التسعينات عثر الكاتب على واحدة منها في شارع المتنبي بعد العام 2003.
كتاب أبو كَاطع  صرخة بوجه النسيان والجحود والزيف واللامبالاة، وجاء في مقدمة الكاتب الجديدة
 " وإنني إذّ أضع الطبعة الثانية بيد القرّاء، فإنّها تأتي في ظروف مختلفة، فلم يعد هناك حظرٌ على " أبو كَاطع" أو على الكاتب، وبلا أدنى شك فسيكون القارئ العراقي أول المستهدَفين، خصوصاً وأنّ الطبعة الأولى قد نفدت، علماً بأن نصيب القارئ العراقي في داخل العراق منها كان محدوداً جداً، بل لا يكاد يُذكر، بسبب الأوضاع السياسية وظروف الحصار الدولي الجائر.
ولأنّ ما كتبه "أبوگاطع" لا يزال راهنياً، بل يمثّل جزءًا من حياتنا اليومية، فإنه لا يزال حاضراً بيننا، وأراه باستمرار في المعركة الدائرة في مجتمعاتنا ضدّ التعصّب والتطرّف والغلوّ والطائفية، وهي معركة الحداثة والحرّية وحقوق الإنسان والجمال والانفتاح واستعادة هيبة الدولة الوطنية ووحدتها، في مواجهة استمرار التخلّف والقمع والإقصاء والقبح والانغلاق والفوضى والميليشيات.
تلك هي معركة "أبو گاطع"، وهي معركة خارجية ضد الهيمنة ومحاولات فرض الاستتباع والإرهاب بقدر ما هي معركة داخلية ضد قوى الظلام والاستبداد، إنّها معركة مع الآخر وفي الوقت نفسه هي معركة مع الذات أيضاً، (النحن والأنا) لتطهيرها مما علق بها من أدران وترهات وتشويهات. إنّها باختصار معركة الحقيقة والتقدّم، وبالطبع فهي معركة كل كاتب حرّ وصاحب فكر منفتح."
الكتاب يتألّف من 286 صفحة من القطع المتوسط - دار الفارابي ، بيروت ، تموز (يوليو) 2017
 


14
ترامب وتوازن القوى في أمريكا
د. عبد الحسين شعبان
بعد تسرّب خبر اللقاء الخاص بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس
الروسي فلاديمير بوتين، والذي قيل إنه لقاء «سرّي»، «وذلك على هامش قمة
العشرين المنعقدة في هامبورج 7-8 يوليو/ تموز 2017، ضجّ الكثير من وسائل الإعلام «مجدّداً» عن إمكانية عزل الرئيس الأمريكي ترامب ومحاكمته على خلفية العلاقة الخاصة مع روسيا، واختراق موسكو للانتخابات الرئاسية، لكن تدهور العلاقات السريع، وإقدام الكونجرس على اتخاذ عقوبات جديدة ضد روسيا، ردّت عليها موسكو بعقوبات مماثلة، بطرد مئات من الدبلوماسيين وتقييد بعض المواقع، دفع الأمور إلى التأزم ليس بصدد العلاقات الأمريكية الروسية فحسب؛ بل في انعكاسه على الداخل الأمريكي؛ حيث تزداد زخماً حملة إقصاء الرئيس ومحاكمته أو إجباره على تقديم الاستقالة».
وكان ترامب والحزب الجمهوري قد تلقيّا هزيمة كبيرة بفشلهما في إلغاء «برنامج الرعاية الصحية الشامل» والمعروف باسم «أوباما كير»، إضافة إلى حال الفوضى والتخبط والتناقض الذي ساد الإدارة الأمريكية منذ تولي ترامب، وهو الأمر الذي دفع بكبير موظفي البيت الأبيض راينس بريباس للاستقالة من منصبه.
الحملة ضد ترامب، بدأت بعد إعلان فوزه مباشرة بردود أفعال اعتراضية، لكنها اتخذت اليوم طابعاً منظماً، ويشارك فيها: قادة الحزب الديمقراطي وعدد من الصحف والمنابر الإعلامية المعروفة، إضافة إلى بعض قادة الحزب الجمهوري.
والسؤال المهم هو: هل بالإمكان دستورياً عزل الرئيس الأمريكي وكيف وَوِفق أي المبرّرات؟ ولعلّ العزل أو المحاكمة أو الإقالة تتطلب اتباع آليات دستورية متعدّدة ومعقّدة وهي إجراءات يعتورها الكثير من العقبات ويقف بوجهها العديد من العراقيل. ومنها أن الجمهور الذي صوّت لترامب لا يزال متماسكاً وهذا يعترض على تقديم رئيس البلاد للمحاكمة، وقد زادت نسبة المعترضين على اتخاذ الإجراءات ضد الرئيس على 53% حسب مجلة نيوزويك الأسبوعية
(24 يوليو/تموز2017). كما أن الحزب الجمهوري ما يزال مسيطراً على مجلس الشيوخ ومن المستبعد موافقته على إقصاء الرئيس، وهي سابقة سياسية قد تهدّد مستقبله.
وحسب الدستور الأمريكي وهو من أعرق الدساتير الديمقراطية في العالم؛ حيث أبرم بين أعوام 1776و1788؛ فإنه يجوز تقديم الرئيس ومسؤولين آخرين للمحاكمة بشرط توفّر مبرّرات مقنعة منها ارتكاب «الخيانة العظمى» أو«تلقّي رشا» أو«سوء الإدارة» أو«سوء السلوك». وعند التحقق من ذلك ينعقد مجلس النواب للتصويت على سريان مفعول الجريمة، ويتم التصويت بالأغلبية البسيطة (نصف + واحد) وحين يتقرّر ذلك يخضع الرئيس للمحاكمة وفقاً للائحة الاتهام، ولكنه يستمر بمنصبه لحين رفع توصية من مجلس النواب إلى مجلس الشيوخ الذي ينبغي أن يصوّت بعزله ويحتاج قرار إقصاء الرئيس إلى «ثلثي أعضاء مجلس الشيوخ»، وحينئذ تنقل صلاحيات الرئيس إلى نائبه.
أما أهم الاتهامات الموجّهة إلى ترامب فتتلخص ب:التقصير. ومثل هذه التهمة وُوجه بها رئيسان في كل تاريخ الولايات المتحدة الذي يقارب 240 عاماً، وهما: اندرو جونسون (الرئيس السابع عشر 1865 - 1869 الذي تولّى الرئاسة مع نهاية الحرب الأهلية، وبعد اغتيال ابراهام لينكولن (الرئيس السادس عشر) والذي كان نائبه؛ حيث دخل في صراع مع مجلس النواب الذي سحب الثقة منه وتمت تبرئته من قبل مجلس الشيوخ بفارق صوت واحد. وبيل كلينتون الذي قام مجلس النواب باتهامه بالتزوير وإعاقة العدالة بعد فضيحة مونيكا ليونسكي 1998، إلّا أن مجلس الشيوخ برّأه من هذه التهمة العام 1999 وأكمل فترة ولايته.
حتى الآن ليس هناك ما يدلّ على ارتكاب ترامب الخيانة العظمى أو تلقّي الرشا، أو سوء الإدارة أو السلوك، على الرغم من أن خصومه حاولوا تعظيم أخطائه وتصرفاته الغريبة، علماً بأن الدستور الأمريكي يمنحه صلاحيات واسعة، منها إقالة من يشاء وتعيين بدائل عنهم، كما إن الحصول على أغلبية الثلثين في مجلس الشيوخ، أي 67 من مجموع 100 تبدو عسيرة. واستناداً إلى التجربتين السابقتين؛ فإنه من المستبعد نجاح المساعي لتقديم لائحة اتهام بحق الرئيس ترامب ضمن الظروف السائدة.
ولكن ماذا بشأن الاستقالة؟ وهي حالة مقاربة لخيار الرئيس ريتشارد نيكسون (الرئيس السابع والثلاثون) العام 1974،الذي فضّل الاستقالة على المثول أمام الكونجرس كمتهم، علماً بأنه ثبت عليه ارتكاب جريمة إعاقة العدالة خلال التحقيقات بفضيحة ووترجيت، مما دفع بقادة الحزب الجمهوري للضغط عليه لتقديم الاستقالة لإنقاذ حزبهم، لا سيّما في الانتخابات المقبلة، ومع ذلك فقد كانت هزيمتهم شديدة في الانتخابات تلك.
فهل يمكن قبول الرئيس ترامب الانحناء أمام العاصفة أم أنه سيمضي بالشوط إلى نهايته غير مكترث بما حوله وغير عابئ بما يُقال بشأنه؟ لأنه رئيس غير تقليدي وفاز بطريقة غير تقليدية وإن توازن القوى حتى الآن يميل لصالحه.
drhussainshaban21@gmail.com



15
مهدي السعيد وسرّديته السسوثقافية
مقدمة لكتاب (الجذور) "سيرة ذاتية"
بقلم : عبد الحسين شعبان
الحلقة 3
ويقول مهدي السعيد إنه تعرّف على حسن عوينه بعد نشر صوره في وقت لاحق.
         ويذكر أيضاً أن الطبيب الشيوعي فاروق برتو افتتح عيادة له، وهو شقيق بشرى برتو وهي قيادية أيضاً في الحزب الشيوعي، وزوجة  رحيم عجينة القيادي في الحزب أيضاً، حيث كان قد خصّص أحد أيام الأسبوع مجاناً لعلاج المراجعين، ولاسيّما من الفقراء وضعيفي الحال، ويقول جرت محاولات لدهم عيادته من جانب شرطة التحقيقات الجنائية لأن صيته كان قد ذاع وعرف الناس إنه ينتمي إلى الحزب الشيوعي، ولذلك انبروا للدفاع عنه تلقائياً.
         ومن الشخصيات التي يتناولها أيضاً عطشان ضيول (الإيزرجاوي) الذي كان مسؤولاً في الخط العسكري للحزب الشيوعي، وقد سكن مع والدته بعد انتقاله من الناصرية في محلّة الدوريين، وإنه أصبح بعد ثورة 14 تموز (يوليو) مساعداً لآمر المقاومة الشعبية طه البامرني، وكان من دعاة الإستيلاء على السلطة أيام حكم عبد الكريم قاسم، ويقول أن ثابت حبيب العاني وعامر عبدالله وآخرين كانوا ضدّ هذا التوجه، وقد فتح هذا الموضوع مع العاني في لندن مستذكراً الإيزرجاوي، كما سأل عنه آرا خاجادور في براغ.
         ويروي السعيد نقلاً عن آرا خاجادور إن اللجنة المركزية حينها أبعدت سلام عادل إلى موسكو الذي كان يميل إلى استلام السلطة وإزاحة عبدالكريم قاسم، ويقول إن ذلك كان جزء من الصراع حول السلطة بين تيارين : الأول ممثلاً بمجموعة الأربعة : زكي خيري، عامر عبدالله، بهاء الدين نوري ومحمد حسين أبو العيس وإن كان الأخير أقرب إلى سلام عادل، لكنه احتسب على الجماعة المتكتلة حتى وإن لم يتفق معها فكرياً (وقد استشهد تحت التعذيب بعد انقلاب 8 شباط/فبراير/ 1963)  و كان هؤلاء ضد توجّه سلام عادل وجمال الحيدري وعطشان ضيول، والأخيرأبعد إلى موسكو ومنعه ال KGB من الإتصال بالآخرين، ويروي قصته الدرامية حيث توفي في ألمانيا.
      ثورة 14 تموز
           يتحدث مهدي السعيد عن يوم ثورة 14 تموز وشعوره عند هدم تمثال الجنرال مود الذي قال حين احتل بغداد "جئنا محرّرين لا فاتحين"، ويذكر كيف هرب نوري السعيد ولجأ إلى بيت الإستربادي في الكاظمية، وكيف دخل هو ووالدته إلى بيت نوري السعيد. ثم يتناول كيف أسّس الشيوعيون التنظيمات سريعاً مثل الشبيبة الديمقراطية والمقاومة الشعبية.
          ويستعيد مهدي السعيد أيام تموز والمهرجانات، وكيف صافح عبدالكريم قاسم وكذلك الملّا مصطفى البارزاني، ولكنه يتناول بمرارة الإنقسام الشعبي، ولاسيّما بين الشيوعيين والقوميين، خصوصاً بعد حركة الشواف ومحاولة اغتيال عبد الكريم قاسم في منطقة "رأس القرية" بشارع الرشيد، وكان من بين من شاركوا بها صدام حسين، وينشّط ذاكرته بحديثه مع د.تحسين معلّه، خصوصاً عن قضايا التعذيب في قصر النهاية.
        ومن مظاهر اشتداد حالة الإحتقان الشعبي اغتيال الشيوعيين أحد الأشخاص وسحله في مدينة الكاظمية، وقد اتهم بها منذر أبو العيس الذي صدر الحكم بإعدامه، وقد تمّ تنفيذه بعد انقلاب 8 شباط (فبراير) العام 1963. ويشير إلى أن محلّة الدوريين كانت تعجّ بالخلافات. ويتوقف عند انقلاب البعثيين الأول الذي أطاح بحكم الزعيم عبد الكريم قاسم وطارد الشيوعيين واعتقل الآلاف منهم وكيف جرت محاولة لإعتقال أخيه كاظم.
       
        أول مهمة حزبية
        وعن أول مهمة حزبية له كانت عشية حركة حسن سريع في 3 تموز (يوليو) العام 1963، وهو نائب عريف حاول قيادة انتفاضة مسلحة ضد حكم البعث الأول، لكنها فشلت واعتقل المشاركون فيها وحوكموا وأعدموا.
        أما المهمة التي كلّف بها فهي كتابة بيانات بخط اليد على ورق الكاربون، وكان المسؤول عن المجموعة حسبما يقول "محمد كريم" الذي أعدم في حركة حسن سريع، لينتقل بعدها إلى عمل حزبي منظّم، وخصوصاً بعد انشقاق القيادة المركزية ويستعيد العلاقات في تلك الفترة، ويستذكر عدد من المسؤولين بينهم كاظم حبيب، وكيف ساهم عدد من الرفاق في إعادة التنظيم منهم: حسن أسد الشمري وصلاح زنكنة وحميد برتو ولؤي أبو التمّن وسعد الطائي وطه صفوك وكاتب السطور وآخرين، ويقول إنه تم تشكيل فرقة حزبية صدامية ويروي حادثة مقتل سامي مهدي الهاشمي في كلية الإقتصاد والعلوم السياسية. وكنت قد رويت في أكثر من مناسبة موضوع تصدّع علاقتي بالحزب بسبب هذه الحادثة وحوادث أخرى حدثت في كردستان لتعذيب شيوعيين على يد رفاقهم.
         ويستعرض السعيد خلال هذه الفترة عدداً من الأحداث العامة والخاصة منها اعتقال شقيقه سعدي (المرة الأولى حين كان لا يزال في بغداد، ثم يذكر اعتقاله لمرّة ثانية حين غادر هو بغداد) وسفره بعد حصوله على زمالة دراسية، ليصل إلى محطته الجديدة "براغ".
         يقول عن براغ أنها مدينة الأحلام، لكن أحلامه كادت أن تطير لأن زمالته مُنحت إلى شخص آخر، وكان عليه الإنتظار لبضعة أشهر، وحصل الأمر كذلك مع رفيقه محمد الأسدي ريثما يتم قبولها بعد بضعة أشهر، ويتحدث عن معاناته خلال تلك الفترة وعلاقاته مع الطلبة مثل حسون الربيعي وعلاء صبيح وسلمان الحسن وفؤاد زلزلة، وعن مقهى سلافيا والعلاقة مع الملحقية الثقافية، ولاسيّما مع عبد الستار الدوري (الملحق الثقافي)، ويستذكر حادثة حصلت لعلي صالح السعدي الذي حضر حفلاً بمناسبة الذكرى الثانية لبيان 11 آذار (مارس) لعام 1970 وكان بصحبة السفير محسن دزئي، وكان من الحاضرين عبد الستار الدوري ومهدي الحافظ وموسى أسد وكاتب السطور الذي كان رئيساً لجمعية الطلبة العراقيين وآخرين، وكان السعدي قد أطرب للمقامات البغدادية التي أدّاها علاء صبيح، وحاول مصافحته، ولكن الأخير امتنع عن ذلك وحين سأله لماذا؟ أجابه بأن يديك ملطّختان بالدماء وقد احتدّم الموقف، وحاول دزئي ورفاقنا احتواءه.
           وبعد قبوله وانتقاله إلى مدينة أخرى لدراسة اللغة، ثم دراسته في كلية الزراعة، سلّط ضوءًا على حياة الطلبة والأجواء الاجتماعية السائدة وهي ذكرتني برواية "الجليد" لصنع الله إبراهيم التي كتبها عن فترة دراسته في موسكو (1973) وهي فترة مقاربة لما عاشه مهدي السعيد في براغ، وفي الرواية وأحداثها ثمة بحث عن الذات وعن المرأة وعن الجمال.
         بين براغ وبراغ   
         ثم يتناول السعيد بعد ذلك المقطع الفاصل بين المرحلتين، أي بين براغ وبراغ، حين غادرها أول مرّة عائداً إلى العراق أدى خدمته العسكرية الإلزامية في أجواء من القلق والخوف الذي رافقه، وكيف تمكن من التخلص من استحقاقات خطرة، قد تؤدي بحياته، فكما هو معلوم كان العمل السياسي محرّماً في الجيش، كما إن الانتساب إلى حزب آخر غير حزب البعث قد يؤدي بصاحبه إلى الإعدام، وهي مشاعر عاشها الكاتب نفسه الذي التحق في فترة مقاربة لفترة السعيد لأداء الخدمة الإلزامية وكاد حبل المشنقة أن يلتف حول رقبته.
         وفي غمرة ذلك لا ينسى أن يذكر بعض الطرائف، منها إنه حين كان خفراً كان من مسؤولياته "سجن المعسكر" وكيف طلب منه السجناء تنظيف السجن، وقد وافق على ذلك لأنه كان قذراً للغاية والرائحة الكريهة تنبعث منه، وكان قد نُصح بأن يكون يقظاً كي لا يهرب أحد السجناء واسمه "صدام" وكان متهماً بقتل أحد أبناء منطقته، وطلبوا منه مشاهدة التلفزيون وتعهدوا أمامه بعدم الهرب وفعلاً تم ذلك، وحين عادوا جميعهم افتقد إلى وجود صدام بينهم، وهكذا  يقول "سيطر عليّ الخوف، ووقفت صامتاً أضع يدي على خدي وعيناي تتجهان إلى السماء"، ولكن بعد قليل ظهر صدام وكأنه جاء من وراء غمامة سوداء ودخل السجن، وفي اليوم التالي هرب الجندي "صدام" بعد أن استلم الخفارة أحد جنود الصف المكروهين كما يقول.
         لقد عكست مذكرات مهدي السعيد، في بعض محطاتها حياة مسكوت عنها بما فيها من خفايا وعقد ومشاكل اقتصادية واجتماعية وثقافية في الإطار السياسي الذي عمل فيه أو في الدولة الاشتراكية التي عاش فيها نحو عقدين من الزمان، وهي تكشف جذور الانهيار اللاحق، دون إنكار الإيجابيات بالطبع مثل كفالة الدولة لحق التعليم وتكاليفه وتوفير مستلزماته من السكن والمنحة، إضافة إلى التأمين الصحي وغير ذلك، لكن هناك شعور بالإجحاف والغبن لدى فئات واسعة، ناهيك عن شحّ الحرّيات وانتهاك حقوق الإنسان، فضلاً عن غياب التعدّدية وعدم الإقرار بالتنوع وحرّية التعبير. وقد كان لسيادة العقلية الستالينية البيروقراطية  الأوامرية  سبباً آخر في تراجع الأحزاب الشيوعية والماركسية، بل وجميع الأحزاب الشمولية بما فيها أحزاب الفرع في المشرق العربي، سواء من كان منها في السلطة أو من كان خارجها حتى وإن كان من ضحاياها.
         وفي براغ يتحدث عن لقائه الأول بالجواهري ثم علاقته به، وخصوصاً عبر ابن شقيّقه رواء الجصاني الذي ربطته به علاقة وثيقة ومع عائلته أيضاً، ويذكر تحت عنوان لحظات مع المبدعين عن لقائه مع عبد الرزاق عبد الواحد ويوسف الصائغ وعز الدين المناصرة وسميح القاسم الذي رافقه برحلة إلى برلين لحضور مهرجان للطلبة العراقيين وعن قيادته لخلية المثقفين التي ضمّت : مفيد الجزائري وحسين العامل وجيان (يحيى بابان) وقادر ديلان وغريب الكروي (أبو وجدان) وصبري كريم (أبو شيرين) وحمزة رجبو.
       ويتناول بعض صداقاته في براغ لا سيّما مع موفق فتوحي وحميد برتو وفيصل اسماعيل وسميرة البياتي وحميد الدوري والعلاقة بين البعثيين والشيوعيين التي انتقلت من التحالف إلى العداء.
         وعن حياته في لندن يقول كانت أولى العوائل العراقية الأولى التي تعرّف عليها هي عائلة يعقوب قوجمان "أبوسلام" الشيوعي العراقي العريق، وهو صديق رفيقة عادل مصري والد "سرود" الذي عمل معه في لجنة التنسيق الطلابية ويتحدث عن عمله في إذاعة كل العرب مع نجم عبد الكريم وعلاقته الوطيدة مع نبيل ياسين الذي كان قد عيّن رئيساً لتحرير جريدة "المؤتمر"، وكيف بدأ يتعرف على المعارضة العراقية بشخصياتها المختلفة.



16
مهدي السعيد وسرّديته السسوثقافية
مقدمة لكتاب (الجذور) "سيرة ذاتية"
بقلم : عبد الحسين شعبان
الحلقة - 2
    يتحدّث مهدي السعيد عن محلّة الدوريين الينبوع المتدفق بالجديد، ولا سيّما سوقها الشهير المعروف "سوق عيسى" وكيف كان الناس بعد ثورة 14 تموز(يوليو) 1958، متعايشين ومتضامنين، لكن ما حدث من شرخ سياسي أدى لإنقسامهم إلى قسمين، وكانت السياسة قد لعبت بالرؤوس كما يقال، فالقسم الأول وقع تحت تأثير الحزب الشيوعي، في حين وقع القسم الثاني تحت نفوذ القوميين، وخصوصاً من حزب الإستقلال ومن ثم حزب البعث، وكان مثل هذا التصنيف امتداداً لنفوذ الأحزاب قبل الثورة، لكنه اتّخذ طابعاً عدائياً وتناحرياً بعدها، حيث اشتّدت الخصومات والعداوات والبغضاء.
         ولم يكتفِ مهدي السعيد "أبو ثبات" كما كنّا نكنّيه أو الرفيق "صائب" أو "أبو أسيل" لاحقاً بتصوير الأجواء السياسية المحتدمة، بل سرد علينا حكايات وقصصاً ممتعة وفي الوقت نفسه لها دلالات ينبغي أن تقرأ في سياقها التاريخي عن الوضع الإجتماعي والإقتصادي والثقافي والتعليمي والصحي لسكان محلّة الدوريين.
         ولم ينس أن يتعرّض للإنتماءات العرقية والتنوّع والتعدّدية التي عرفتها، فهناك العوائل المسيحية و الصابئية  (المندائية)، وهناك عرب من غرب العراق من أصول سنّية، مثلما هناك العرب الشيعة، وهؤلاء غالبيتهم من وسط وجنوب العراق إضافة إلى وجود مجموعة من العوائل الكردية، وهو بذلك حاول أن ينقل لنا حالة التعايش والتسامح والتضامن التي كانت الكثير من مناطق ومحلّات بغداد تعيشها بطريقة عفوية وتلقائية ودون أية حساسيات، مثلما كانت محافظات أخرى تعيش ذلك مثل الموصل والبصرة وكركوك وديالى والحلة وغيرها، وهي مناطق توتر وعنف وتطهير عرقي وطائفي، إضافة إلى محافظات إقليم كردستان مثل إربيل والسليمانية ودهوك.
        الشقاوات
         ينتقل السعيد بعد ذلك ليحدثنا عن صنف إجتماعي آخر، ألا وهو "الشقاوات" وهم صنف يمتاز بقيم ومفاهيم خاصة عن النخوة والشهامة والدفاع عن المظلوم، وفي الوقت نفسه يلتجأ إلى أخذ "الأتاوات" أحياناً واستخدام العنف ومحاولات الإستقواء على الآخرين لفرض الهيمنة عليهم. ويشير إلى أنّ مُثل الشجاعة والتصدي للغرباء والدفاع عن أبناء المحلّة كانت تستهوي الشباب تشبّهاً أحياناً ببعض الشقاوات، ويقول أنه "وفي إحدى مراحل النمو كدتُ أفقد بوصلة التطور الإيجابي وأتحوّل إلى صنف الشباب الذي يمارس الشقاوة"، ولكن تربيته العائلية والمحيط الإجتماعي هو الذي جعله يختار طريق التعليم والسياسة لاحقاً، وإلّا كما يقول كنت : "مقتولاً أو قابعاً في السجون".
          والشقاوات التي يتحدث عنهم مهدي السعيد وإنْ كانوا يحترمون المثقفين والأدباء، فهم انقسموا أيضاً بانقسام الشارع السياسي، فمال قسم منهم إلى القوميين والبعثيين، بل أصبح بعضهم من الجهاز الصدامي المعروف باسم "جهاز حنين" الذي أشرف عليه صدام حسين نفسه، ومن أبرز أعضائه كان "جبار كردي" و "ستار كردي"، وكان آخر عمل قاما به هو إطلاق النار على تظاهرة احتفالية شيوعية بمناسبة ثورة أكتوبر (1968) في ساحة السباع ببغداد، حيث استشهد فيها 3 أشخاص وجرح 12 شخصاً، أما القسم الثاني فمال إلى الشيوعيين ومن أبرزهم "خليل أبو الهوب" الذي قُتل في العام 1959 في مقهى بشارع النصر ببغداد، ومساعده فاضل طويرني الذي لجأ إلى ألمانيا الديمقراطية، وفيما بعد إلى براغ وعاد إلى بغداد في أواسط السبعينات.
          وتعتبر ظاهرة الشقاوات قديمة وتعود إلى العهد العثماني، ومن أبرز الشقاوات "أحمد قرداش"، واشتهر عدد من الشقاوات في مطلع القرن العشرين مثل "إبن عبد كه" الذي ذاع صيته و"موسى أبو طبرة" و"جواد الأجلّك"، وقد تناول سِيَرِهمْ عالم الإجتماع المبدع علي الوردي، وخلال اندلاع ثورة العشرين، انضم إليها بعض الشقاوات وأبلوا فيها بلاءً حسناً مثل "عبدالمجيد كنّه" وهو عمّ الوزير خليل كنّه، وقد ساهم في مقاومة الإنكليز، إضافة إلى تكليفه بمهمات أخرى.
         وحسب حسن العلوي فإن نوري السعيد هو الآخر كان قد اعتمد على الشقاوات في الإنتخابات وفي إيذاء الشيوعيين المناهضين للنظام الملكي، وكانت مكافأة لهم السماح بالإستيلاء على أحد الكراجات والإستحواذ على مردودها. وإذا كان النظام البعثي قد استفاد من الشقاوات فإنه قام بتصفيتهم لاحقاً، ولم يسمح بنمو ظاهرة العنف خارج نطاق الدولة التي تعزّز توجهها الشمولي الكلّاني منذ اليوم الأول.
           طرائف ومفارقات
           يستذكر السعيد بشغف مرور سيارة الملك فيصل الثاني والأمير عبدالإله  خلال ذهابهما أسبوعياً وفي يوم الجمعة إلى المقبرة الملكية، وكيف كان يصطف الجميع على جانبي الطريق ليقوم الملك الشاب بالتلويح لهم. جدير بالذكر إن الملك فيصل الثاني والأمير عبدالإله قتلا يوم 14 تموز /يوليو/ العام 1958 وتمّ التمثيل بجثة الأخير وسحله في الشوارع  فيما بعد، وكانت جثته قد تمّ تعليقها لتتدلّى من سطح أحد فنادق الكرخ، حيث اجتمع الناس ليشاهدوها وترتفع حماستهم لرميها بالأحذية. وكان مهدي السعيد قد شاهد هذا الحادث، مثلما شاهده كاتب السطور وسبق أن كتب عنه لما تركه من تأثير سلبي عليه.
         ويستحضرمهدي السعيد حادثة طريفة، وهي كيف إن الجاموس القادم من "جسر الخرّ" والعائد إلى معدان محلّة الذهب، الواقعة على مشارف شارع الشيخ معروف، كان قد عطّل الموكب الملكي، وأحدث نوعاً من الارتباك والخوف، خصوصاً في ظلّ الأوضاع السياسية غير المستقرّة، ولم تفلح سيارات المرافقين وهي تهدر "بالهورنات" (الزمّورات) العالية لانفراج الموقف، حيث كان الجاموس على ما يبدو "يتبختر" بتمهّل وهو يمرّ من أمام سيارة الملك الشاب.
              وفي موقف آخر عطّل "مهدي خبالو" مرور سيارة الملك فيصل الثاني، حين حاول قطع خط سير الموكب الملكي دون أن يلتفت لأحد، وكان قد واصل عبوره للشارع ببطيء شديد مع ابتسامة عريضة، واضّطرت حينها سيارة الملك إلى التّوقف ريثما اجتاز "مهدي خبالو" الشارع باتجاه الرصيف، ولم يكن مثل هذا المشهد يمرّ دون ارتباك واستنفار من جانب الشرطة تحسّباً لما قد يحدث.
           ثم يعود ليخبرنا من هو "مهدي خبالو"؟ فيقول إنه : معلم وصاحب معشر ومزاج طيب وعلاقات اجتماعية حسنة، ولكن بعض تصرّفاته الغريبة جعلت بعض أصدقائه يتمازحون معه فيلقبونه باسم "مهدي خبالو"، علماً بأن توجّهه السياسي كان قريباً من القوميين العرب، وهو صديق لكاظم شقيق مهدي السعيد الذي كان طالباً متفوقاً في الإعدادية المركزية التي كان لها شأن كبير في الخمسينات، خصوصاً وكانت تحظى باهتمام المسؤولين وكان من منتسبيها أبناء الطبقات العليا والمتوسطة، إضافة إلى المتفوقين في الدراسة، ولعبت دوراً سياسياً معارضاً للنظام الملكي، خصوصاً في انتفاضة العام 1956 انتصاراً للشقيقة مصر وضد العدوان الثلاثي الأنكلو - فرنسي الإسرائيلي.
          ويتحدّث عن بعض المحلات الشعبية القريبة من محلّة الدوريين مثل محلّة الذهب التي كانت تضمّ بعض بيوت الدعارة، ولا ينسى أن يروي لنا تفاصيل المجزرة التي تعرضّ لها المومسات في إحدى الصباحات حين فاق الناس ليشاهدوا كيف تمّ ذبحهن، وقد قام هو بفضوله ودهشته الطفولية بمشاهدة سبع جثث مقطوعة الرؤوس ملقاة على الأرض وبقع الدماء تحيط بها من كل جانب، حيث هرع مع أطفال المحلّة بعد ذيوع الخبر.
         وفي غمرة ذلك يحدثنا السعيد عن الفرق الرياضية الشعبية وكيف لمع نجم اللاعب الشهير "ناصر جيكو" في الخمسينات ومحمد راضي في الستينات وغيرهم.
         وفي المذكرات يتناول مظهراً آخر يلتجأ إليه بعض العاطلين عن العمل، والهدف الحصول على ربح سريع ودون بذل جهد، ألّا وهو لعبة "السي ورق" المشهورة التي يستدرج إليها السذّج والمغفلين.
         وبعد ذلك يصوّر لنا ساحة المتحف التي تعجّ بالمسافرين والمارّة، وهناك ألعاب السحرة والقردة ومربي الأفاعي والعقارب، والحلاقين الذين يفترشون الرصيف، وكانت أخته الكبرى شريفة تصطحبه معها باستمرار لحلاقة شعر رأسه في الساحة وعلى الطريقة الشعبية.
         ويستذكر مهدي السعيد بعض المشاهد التي ستبقى عالقة في ذاكرته، منها : منطقة اسمها "جولة أم عليوي"، وهي كما يقول كانت مسرحاً لطفولته، وفيها عدداً من بيوت الأغنياء بينهم "أمين خاكي" أحد أبرز القادة العسكريين، وهو عراقي من أصول تركية، وهكذا كانت تتجاور الأصول الاجتماعية في المحلّات البغدادية. وتضمّ المحلّة أيضاً الكتاتيب ومن أشهر الملّايات "الملّه قادرية" التي تعلّم على يدها مبادىء القراءة وحفظ بعض صور من القرآن قبل ذهابه إلى المدرسة.
         وبالقرب من المنطقة كانت دار الإذاعة في الصالحية حيث كان مهدي السعيد طفلاً يقتنص النظر إلى بعض المطربين مثل حضيري أبو عزيز وداخل حسن وناصر حكيم وعبد الصاحب شرّاد، وبعد العام 1958 يقول كنّا نرى مصطفى جواد وشمران الياسري (أبو كاطع) وغيرهما يترددون على دار الإذاعة. أما عزيز علي المطرب المعروف فقد كان يتحاشى الجلوس في المقهى كما يقول.
         شيوعيو محلّة الدوريين
         ويمضي مهدي السعيد في سرديته ليتناول عمل الحزب الشيوعي في محلّة الدوريين والمحلات المجاورة، وكيف كان عبدالأمير عباس "أبو شلّال" يستخدم "الدراجة الهوائية" في حركته وتنقلاته. وكان قد أصبح في وقت لاحق عضواً مرشحاً للجنة المركزية، وحين انفرط عقد الجبهة بقي أبو شلّال في العراق وعاش في ظروف بالغة القسوة.
         وقد حدثني سعد البزّاز حين انتقل إلى لندن وأصدر بعد حين "جريدة الزمان"، أن كتاباً جاءه من رئاسة الجمهورية يطلب منه الاتصال بعدد من الشخصيات والطلب منها الإدلاء بتصريح ضد "العدوان الثلاثيني" العام 1991، أي بعد غزو القوات العراقية للكويت العام 1990 وانسحابها إثر حرب قوات التحالف ضدّ العراق، التي بدأت 17 كانون الثاني (يناير) العام 1991 وانتهت في 26 شباط (فبراير) من العام ذاته.
         وحسبما نقل لي البزّاز فقد أرسل أحد الصحفيين ومعه مصوّر (وكان البزّاز حينها رئيساً لتحرير صحيفة الجمهورية) واستدلّ الصحافي والمصوّر على البيت، لأن عنوانه كان قد جاء من ديوان الرئاسة، ووصلوا إليه وفوجئوا برجل مهاب وكبير السن ويبدو على مظهره أنه خارج دائرة السياسيين المعروفين، وحين طلبوا منه الإدلاء بتصريح، اعتذر معلّلاً ذلك بأنه لا يفقه بمثل هذه الأمور، وعليهم أخذ آراء الخبراء والمختصين وأساتذة الجامعة في حين إنه صاحب دكان صغير يبيع فيه بعض احتياجات العمل اليومي المنزلي. فواجهوه بأنه سياسي وقيادي في الحزب الشيوعي، فقال لهم "كان زمان" وإنه نسي كل شيء.
        وهكذا تملّص أبو شلّال الذي لفّ رأسه باليشماغ من الظهور أمام الشاشة أو عدسة المصوّر كي لا يفسّر الأمر بأنه تنازل أو ما شابه ذلك مع إنه قال لهم أثناء الحديث إن الناس جميعاً ضدّ العدوان الثلاثيني. وهنا بدأت حيرة البزّاز، فماذا سيكتب للرئاسة ؟ هل سيقول إنه رفض. أو امتنع أو اعتذر ؟ والتفسيرات والتأويلات ستكون غير مقبولة وستجلب معها مشكلات للرجل، وببراعته كتب ما معناه : إن الرجل بلغ من العمر عتيّا، وهو منشغل بقوته اليومي، فضلاً عن ذلك، فهو بسيط ولا يمكنه التعبير، كما أن وضعه الصحي بائساً. وبذلك كان أبو شلّال  بمنأى عن استجواب أو إعادة استذكار أو تبعات أخرى.
           كما يحدثنا مهدي السعيد عن فتح محل لكيّ الملابس، ويبدو إن المحل كان محطة حزبية استخدمها حسن عوينه القيادي في الحزب الشيوعي وعضو لجنة الارتباط، وقد قتل تحت التعذيب بعد انقلاب 8 شباط (فبراير) العام 1963 في قصر النهاية، وأذيع خبر استشهاده مع سلام عادل ومحمد حسين أبو العيس يوم 7 آذار (فبراير) 1963.



17
مهدي السعيد وسرّديته السسيوثقافية
مقدمة لكتاب (الجذور) "سيرة ذاتية"
بقلم : عبد الحسين شعبان
الحلقة - 1-
إني أحدثك لترى     
فإن رأيت             
فلا حديث           
النفري             
          قلم السياسي مغمّساً بحبر الذاكرة
         حين كتب مهدي السعيد "سيرته الذاتية" التي بدأت من أزقة الكرخ القديمة كما يروي وصولاً إلى براغ ولندن ودمشق، لم يكن يدر في خلده، إنه سيدوّن بعفوية شيّقة جوانب مهمّة من تاريخ محلّة الدوريين بشكل خاص، والمحلّة البغدادية بشكل عام، بكل تناقضاتها الإيجابية والسلبية وعناصر القوة والضعف فيها. وذهب أكثر من ذلك في مشواره السردي حين رسم بريشته لوحة بانورامية للمشهد السسيوثقافي لمدن عاش فيها، مستعرضاً في الوقت نفسه علاقات واسعة وعميقة مع رفاق وأصدقاء جمعته معهم حياة كاملة بكل عنفوانها وبكل ما لها وما عليها، بحلوها ومرّها، بما فيها من معاناة وقلق وهموم وآمال وأحلام وانكسارات.
          وبعدسة فنان حاول مهدي السعيد أن يصوّر لنا عدداً من اللاعبين على خشبة المسرح وحركاتهم وسكناتهم بعيني مراقب دقيق، وفي أحيان كثيرة كان يقترب من المشاركة أو يكون جزءًا منها، لكنه لا ينسى المراقبة التي سرعان ما يعود إليها وكأنه لا يريد أن يفقد متعة المشاهدة، وحسب صموئيل بيكت "المتعة بالفِرجة"، خصوصاً وإن مسرحنا السياسي ازدحم في العقود الثلاثة الماضية بألوان شتى من اللاعبين، من هواة السيرك إلى محترفي الجمنازتيك مروراً بالسحرة والمشعوذين وقرّاء الكف وفتّاحي الفال وصولاً إلى أصحاب التعاويذ والحروز المتنّوعة، حتى إنك لا تستطيع أن تميّز أحياناً بين الشيء وضدّه، فقد اختلطت الوجوه والصور والمواقف.
           وحسبنا أن نردّد قول شاعرنا الجميل مظفّر النواب : "قتلتنا الردّه إن الواحد منّا يحمل في الداخل ضدّه"، خصوصاً حين إفتُقِدَتْ الصدقية التي كانت الرأسمال الإنساني الحقيقي سواء على الصعيد السياسي أو ببعديها الإجتماعي والثقافي، يوم كانت الأخطاء ذاتها صميمية، فالمرء يجتهد، وقد يخطأ وقد يصيب. وحسب قول الإمام الشافعي : "قولي صواب يحتمل الخطأ، وقول مخالفي خطأ يحتمل الصواب" والبشر وفقاً لفولتير "خطّاؤون"، ولا أحد يملك الحقيقة المطلقة فحيثما يميل تميل معه، لذلك اقتضى أن نأخذ بعضنا البعض بالتسامح.
         وحين تنهار المنظومة القيمية الإنسانية والأخلاقية أو تتصدّع أركانها، سواء بفعل عوامل خارجية أو داخلية، فإن صورة المجتمع تتشّوش بفعل الفوضى والعنف والزيف، خصوصاً حين تتداخل القضايا والمصالح. ولو تابعنا البرامج والسياسات والعلاقات الإجتماعية بغض النظر عن المواقع والمواقف، فسنرى الكثير من عناصر الشبه بينها، حتى إن المرء لا يستطيع أن يميّز أحياناً بين ذات الشمال وذات اليمين، لاسيّما حين أخذ بعضهم يستعير لسان الآخر وخطابه، حتى وإن كان متخماً بعكسه وأشبعنا بضدّه على مدى سنوات طوال. هكذا تضبّبت الصورة واختلط المشهد وتداخلت المواقع والأطروحات.
          كان مهدي السعيد وهو ابن البيئة الشعبية البغدادية الكرخية يقارب المشهد السياسي برؤية سسيوثقافية، ولم يرغب أن تفلت حادثة كبرى أو صغرى إلّا وحاول أن يمرّ عليها ولو سريعاً، كما توقّف عند بعضها وتعمّق في أخرى، لكن حبكته الدرامية ظلّت تنتقل معه وتتداخل مصادرها بين الإجتماعي والثقافي، وإنْ ظلّ السياسي والحزبي لاحقاً متميّزين في رؤيته على نحو بارز وشديد.
         ولكنه بالتدرّج أخذ يتّجه نحو أفق أوسع رحابة، منتقّلاً من العمل الحزبي "الضيّق" إلى العمل السياسي بمعناه "الواسع"، ومن هذا الأخير إلى العمل الإعلامي، خصوصاً باتساع معارفه وعلاقاته العربية بعد أن عمل في السفارة اليمنية في براغ وفيما بعد حين انتقاله إلى لندن، حيث توسّعت دائرة اهتماماته وعلاقاته العراقية، إضافة إلى الوسط الإعلامي العربي. وقد وفّر له ذلك فرصة إجراء مراجعات تاريخية، لاسيّما في سنوات ما بعد الإحتلال، لينتقل إلى التأمل وإعادة قراءة بعض الأحداث ونقدها بروح منفتحة وغير حزبوية.         
      جيل الستينات : جيل الأسئلة
       منذ أن علقَ مهدي السعيد بالسياسة، فتعلّق بأهدابها وركض وراء أحلامها الوردية حتى وإنْ كلفته منافي ومعاناة، لكنه واصل سيره في دروبها الفسيحة والوعرة في الآن، منتقلاً من  محطة إلى أخرى ومن مدينة إلى ثانية، حاملاً معه ذكريات متنوعة مختزناً أسراراً عديدة.   
       وكنت قد تعرّفت عليه وعلى أشقائه في العام 1960 وذلك من خلال صديقي العزيز جواد العادلي عن طريق صاحب المكوى "اسماعيل" الذي يرد ذكره في المذكرات، وهو من أقارب العادلي وكانت عائلته صديقة لعائلتنا وسكنوا بجوارنا لفترة من الزمن، وكان شقيق جواد العادلي "حمودي العادلي" وهو عضو في الحزب الشيوعي معتقلاً معنا، وقد تمّ تقديمه للمجلس العرفي العسكري، وحكم عليه لثلاث سنوات قضاها في سجن نقرة السلمان الصحراوي. وبعد إطلاق سراحنا وتسوية أمور فصلنا من المدرسة وقبولي في الجامعة، إلتقيت بهادي ومهدي وفيما بعد سعدي السعيد عدّة مرّات، حتى تعمّقت علاقاتنا خلال أحداث انشقاق الحزب الشيوعي في العام 1967 واستمرت خلال العقود المنصرمة.                                                                                                                                                                                                                                                         
       ولذلك حين طلب مني مهدي السعيد كتابة مقدمة لسيرته الذاتية، ركنت مشاعر الصداقة جانباً لكي أقرأ ما أعرفه ولا أعرفه عن صديق جمعتني به صداقة زادت على خمسة عقود ونصف من الزمان. ولا أذيع سراً إذا قلت إنني بقدر ما أعرف مهدي السعيد فقد استمتعت بما كتبه وبما لفت الإنتباه إليه وبما حاول إضاءته، فقد عاش الأحداث  بكل جوانحه منذ أواخرالخمسينات ومطالع الستينات من خلال معاينة ومعايشة ومشاركة، خصوصاً حين بدأ وعيه الأول يتشّكل مع السنوات الأولى من ثورة 14 تموز (يوليو) العام 1958  ليتوقف عند محطتة الراهنة، وهو بعد نحو نصف قرن من التعب والكدّ والإنشغال، يراجع بروح إيجابية مسيرته التي لا تخلو من مرارة وخيبة، بل إنه يراجع مسيرة جيلنا أيضاً، خصوصاً لماعاناه.
             وحين أتحدّث عن جيلنا فهو جيل الستينات الذي أفلح الشاعر والروائي فاضل العزّاوي في كتابه "جيل الستينات - الروح الحيّة" في تسليط الضوء على معاناته الفائقة وإرهاصاته الباهرة، سواء على الصعيد السياسي والثقافي أو على الصعيد الإجتماعي لا سيّما التطلّع إلى الحداثة والإنفتاح على المدارس المختلفة في الأدب والفن والعمارة بكل صنوفها وألوانها، خصوصاً بعد هزّة العام 1963 الإرتدادية، التي أحدثت صدمة كبرى في الحركة الفكرية والثقافية والسياسية في العراق. وكان هذا الجيل قد اجترح عذابات لا حدود لها على صعيد الفكر والهوّية والعلاقة بالآخر والتنوّع والتعدّدية، وبالطبع في قضايا الحريات العامة والخاصة، ولاسيّما حرّية التعبير والإعتقاد والتنظيم والحق في المشاركة.
           ويختلف جيل الستينات الذي عاش فترة انتقال حادّة وأوضاع تغيير على صعيد عالمي، عن جيل الأربعينات والخمسينات، حيث سادت اليقينيات الآيديولوجية والتقسيمات الإستاتيكية "شبه الثابتة" في تقويم طبيعة الصراع، ناهيك عن الإنخراط فيه، كما إنه يتميّز عن جيل السبعينات والثمانينات الذي بدأ معه صراع من نوع آخر وكان المشهد قد اكتمل، فجيل الستينات هو جيل الأسئلة الكبرى، حيث لم تعد تكفيه الإجابات الجاهزة، واليقينيات السرمدية والحتميات التاريخية، فقد أخذت الأسئلة تتكدّس، وكان الجواب لا يجد سبيلاً للإقناع، وهكذا كانت الإرهاصات تكبر وتغتني بالمعارف والعلوم والتكنولوجيا، الأمر الذي احتاج إلى نوع جديد من الجدل على مستوى الداخل الجوّاني، إضافة إلى الخارج الفوقاني.
         لم يتحدث مهدي السعيد عن جيل الستينات بشكل عام، بل اختار "حلقة" محدّدة منه طابعها العام متمرّد وبأشكال متنوّعة وامتازت بنوع من التضامن والتواصل والمودّة، على الرغم من العواصف والمتغيّرات والصراعات (الداخلية والخارجية) التي كانت سائدة فضلاً عن اختلاف المواقع والمواقف والمآلات لاحقاً، وهو ما قد أعود إليه في وقت آخر.
        ويذكر مهدي السعيد بالأسماء عدداً من أفراد تلك "الحلقة" اليسارية التي عملت بثقة وظلّت متماسكة في كل الظروف أصابت أم أخطأت.
        بصمة مملّحة
       جاءت سيرة مهدي السعيد مزيجاً من ذكريات ومذكرات واستعارات ومراجعات وتجارب وخبر منها ماهو ناجح ومنها ماهو فاشل، وبقدر ما حاولت تقديم عرض جاد لتجربة ذاتية وسياسية بامتياز، فإنها في الوقت نفسه حفلت بطرائف وحكايات ومصادفات ممتعة حاول الكاتب تمليح نصّه لكي لا يأتي ثقيلاً، وقد وضعها بأسلوب مبسّط ويكاد يكون عفوياً، ولعلّها تعكس جوانب من شخصيته المرحة رغم جديّتها.
        السيرة الذاتية لمهدي السعيد تضمّنت بوحاً في جزء غير قليل منها وكشفاً لواقع سسيوثقافي، حاول أن يعطيه بصمته الخاصة، خصوصأً باستعراض لا يخلو من دهشة الكاتب ذاته الذي اختزن هذا الكمّ الهائل من الصور والمشاهد والأحداث والمفارقات في ذاكرته، وقد يكون مفيداً قراءة هذه المذكرات كحلقة متصلة ومتكاملة، بل ومتراصة على الرغم من المراحل التي وضعها.


18
ما بين الصهيونية والساميّة
عبد الحسين شعبان
باحث ومفكر عربي

في غمرة إجراءاتها التعسفية لمنع المسلمين من الصلاة في المسجد الأقصى وشنّ حملة إرهابية ضد عرب فلسطين وفي محيط مدينة القدس ذاتها، لم تتوانَ " إسرائيل" من صرف الانتباه عن محاولاتها المستمرة لتهويد مدينة القدس بعد أن ضمّتها رسمياً بقرار من الكنيست إليها العام 1980 خلافاً لقواعد القانون الدولي وقرارات مجلس الأمن التي اعتبرت قرار ضم القدس باطلاً ولاغياً ويتعارض مع ميثاق الأمم المتحدة. والأكثر من ذلك فإنها تحاول الظهور بمظهر "الضحية" بزعم إن أي انتقاد أو احتجاج على تصرفاتها " اللاشرعية" واللّا قانونية، إنما هو معاداة للصهيونية ، وكل عداء يعني في وجهه الآخر، عداء للسامية.
جدير بالذكر إن الأمم المتحدة وجمعيتها العامة كانت قد أصدرت قراراً في 10 نوفمبر (تشرين الثاني) العام 1975 برقم 3379 يقضي باعتبار الصهيونية شكلاً من أشكال العنصرية والتمييز العنصري. وفي حينها شنّت " إسرائيل" حملة ضد الأمم المتحدة وأمينها العام الأسبق كورت فالدهايم، متهمة إيّاها بمعاداة السامية، مثلما حاولت تشويه سمعته بكونه كان ضمن تشكيلات النازية في شبابه. واستماتت لإلغاء القرار. وكان ممثلها في الأمم المتحدة إسحاق هيرتزوغ الذي أصبح لاحقاً رئيساً "لإسرائيل" (العام 1986) قد صرّح أنه لن تمرّ فترة رئاسته إلاّ ويكون القرار قد أُعدم. وبدأ حملة دولية تطالب بإلغاء القرار، خصوصاً حين وقّع نحو 800 شخصية دولية سياسية وفنية وثقافية وأدبية تدعو الأمم المتحدة بالتراجع عن قرارها.
وصادف أن تغيّر ميزان القوى الدولي والعربي لصالح الصهيونية، بعد انهيار الكتلة الاشتراكية، ولاسيّما الاتحاد السوفييتي وتدهور التضامن العربي إلى درجة مريعة بفعل مغامرة غزو الكويت العام 1990، ومن ثم شنّ الحرب على العراق وفرض نظام عقوبات شديد عليه، حتّى تمكّنت " إسرائيل" من التأثير على الموقف الدولي بكسب عدد من الدول في التصويت لصالح إلغاء القرار، فألغي بالفعل في ديسمبر/ كانون الأول العام 1991.
وتحاول " إسرائيل" اليوم صرف النظر عن انتهاكاتها السافرة لحقوق المسلمين وأتباع الديانات المختلفة ، برمي كل من يقف ضد إجراءاتها تلك بمعاداة السامية. وللأسف فإن أوساطاً أوروبية تساند حملتها تلك وقد عبّر الرئيس الفرنسي إيمانوئيل ماكرون وخلال استقباله رئيس الوزراء " الإسرائيلي" بنيامين نتنياهو(16 يوليو/تموز/2017) عمّا يفيد بأن مناهضة الصهيونية ليست سوى إعادة اختراع جديد لمعاداة السامية. علماً بأن معاداة السامية تهمة تعاقب عليها القوانين الأوروبية، وتعتبر أقرب إلى ممارسة العنصرية.
وتحاول القوى المناصرة لـ "إسرائيل" اليوم تقديم الصهيونية باعتبارها "حركة تحرّر" "لتمثيل الشعب اليهودي" والتعبير عن "حقوقه" في بناء وطنه، ولذلك فإن كل مناهض للصهيونية وأيديولوجية "إسرائيل"، إنّما هو مناهض لحركة تحرر ولحقوق شعب، وبالتالي فهو معاد للسامية وضد حقوق اليهود.
واستناداً إلى مثل هذا التوجه، فإن أي انتقاد لممارسات " إسرائيل" يمكن أن يدمغ بمعاداة السامية. ووفقاً لمثل هذا الاجتهاد المريب فقد تعرّض بعض الناشطين في عدد من البلدان الأوروبية إلى اتهامات مثلما أُخضعوا إلى تحقيق بسبب جملة قيلت هنا أو تعليق قيل هناك، إزاء الصهيونية " العقيدة السياسية لإسرائيل"، كما يتلقى العديد من وسائل الإعلام الأوروبية رسائل وكتابات تندّد بأي انتقاد لـ " إسرائيل"  وأحياناً تتّهمها بالعداء للسامية على نشر مواد خبرية أو برامج تلفزيونية أو إذاعية لما يحدث في فلسطين من جانب الاحتلال "الإسرائيلي". والحملة تشمل أحياناً تنظيم تظاهرات واعتصامات أمام مداخل الوسائل الإعلامية لممارسة ضغوط على بعض الإعلاميين تصل أحياناً إلى التهديدات.وإذا ما عرفنا أن ثمة تواطؤ من جانب بعض الحكومات الأوروبية فإن بعض وسائل الإعلام تتردّد من نشر أو بث ما يؤدي إلى تعريضها للمساءلة أو الاتهام أو الضغوط.
إن الحملة التي انطلقت من فرنسا بلاد الحرّيات والحقوق، إنّما تستهدف ربط معادى الصهيونية بالسامية ، وذلك لإبعاد الصورة المأساوية التي يعيشها الشعب العربي الفلسطيني المحروم من حقوقه في تقرير المصير وإعادة اللاجئين وإقامة الدولة وعاصمتها القدس الشريف، حيث تستمر الانتهاكات لأبسط الحقوق وآخرها " حق العبادة" وممارسة " الشعائر الدينية "، إضافة إلى قتل الأطفال والنساء وهدم البيوت وتهجير السكان الأصليين، وتلك لا يجمعها جامع مع أي اعتبار إنساني أو تحرّري أو أخلاقي أو قانوني دولي، بل هي تمثّل جوهر العقيدة الصهيونية، الرجعية والاستعلائية، ولا علاقة بالأمر بمعاداة السامية.


19
ماذا ما بعد الموصل:
خيار محسوم أم حساب ملغوم؟!
عبد الحسين شعبان
باحث ومفكر عربي

أعلن حيدر العبادي رئيس الوزراء العراقي عن نهاية ما أسماه "دولة داعش" في العراق بعد مرور نحو 8 أشهر على إطلاق معركة " قادمون يا نينوى" . وجاء هذا الإعلان بعد تفجير الإرهابيين " جامع النوري الكبير" وهو صرحٌ تاريخي بُني قبل 850 عاماً. وكان أبو بكر البغدادي زعيم التنظيم  قد أعلن في خطابه الذي ألقاه فيه " قيام الدولة" قبل ثلاث سنوات (29 يونيو/ حزيران العام 2014)، ليس هذا فحسب، بل إن داعش قام بتفجير منارة الحدباء التاريخية التي توصف ببرج بيزا العراقي نسبة إلى برج بيزا الإيطالي المائل . وهذا يعني حسب تفسير الخبراء العسكريين أنه قرّر الانسحاب بعد أن مُني بهزائم شديدة، لم يستطع معها البقاء في الموصل " عاصمته".
I
تتباين الإجابات على سؤال ما بعد الموصل، وتختلف التقديرات بدرجات حادة أحياناً، وهي تتفاوت بين الرغبة والقدرة، وبين المشروع والممنوع، وبين الممكن والمحال، فهناك أسباب أدّت إلى تمدّد داعش وانتشار الداعشية وهذه ما تزال موجودة، وهي تحتاج إلى خطوات جذرية وإجراءات فعّالة لمعالجتها، إذا ما أريد إلحاق الهزيمة بالإرهاب.
فهل حسمت معركة الموصل مصير التنظيم الإرهابي "داعش" أم أن المسافة بين تحرير الموصل وهزيمة الداعشية ما تزال شاسعة، لاسيّما وداعش ما يزال في الحويجة وتلعفر وحديثة والقائم وعلى امتداد الشريط الحدودي العراقي- السوري: ثم ماذا عن داعش في سورية، لاسيّما في الرقة  "المحاصرة" وفي منبج وضواحي الباب وضواحي تدمر والبوكمال والميادين والبادية السورية وصولاً إلى دير الزور؟.
لقد  كانت هزيمة داعش العسكرية كبيرة جداً وربما مفصلية، سواء في محافظتي صلاح الدين والأنبار وتحديداً في مدينة الرمادي  وكذلك في محافظة ديالى التي انحسر فيها التنظيم في الأشهر الأخيرة وبعد ذلك في الموصل، إلّا أن ذلك  لا يعني نهاية له ، خصوصاً وإن الأسباب التي أدّت إلى نشوء الداعشية ما تزال تجد تربة خصبة تتغذّى منها، الأمر الذي يحتاج إلى اقتلاعها من جذورها ونشر القيم النقيضة لها.
وإذا كانت الداعشية فكرة تعصّبية متطرّفة وإرهابية، تقوم على إلغاء الآخر كلياً بزعم امتلاك الحقيقة وادعاء الأفضليات، فإن أفكار التسامح والتعايش والسلام واللّاعنف هي ما يمكن مواجهته بها، وذلك للحيلولة  دون تمكّنه من غسل أدمغة الشباب اليائس والمحبط ، خصوصاً بالقضاء على البطالة والفقر والجهل والأميّة والتخلّف وتحقيق المواطنة السليمة القائمة على إشاعة الحرّيات والمساواة والعدالة، ولاسيّما الاجتماعية، والشراكة والمشاركة وعدم التمييز لأي سبب كان.
وقد دلّت الكثير من التجارب مع المنظمات الإرهابية، لاسيّما تلك التي تتذرّع بالدين وتستخدمه سلاحاً لتغطية أهدافها السياسية، إنها على الرغم من تعرّضها لهزائم، فإنها  تمتلك قدرات لا يمكن الاستهانة بها أو الاستخفاف بإمكاناتها اللوجستية والتعبوية. يكفي أن نشير إلى أنه حين لحقت الهزيمة بتنظيم القاعدة الإرهابي، وهو "التنظيم الأم" في أفغانستان وصولاً إلى اغتيال أسامة بن لادن الشخصية الكارزمية القيادية للتنظيم في 2 (مايو)  أيار 2011، فإنه استمرّ وأنتج وفرّخ تنظيمات أخرى، لعلّ أهمها هو "تنظيم داعش" و"جبهة النصرة " (جبهة فتح الشام - لاحقاً) وغيره من التنظيمات الإرهابية.
وقبل ذلك حين قُتل أبو مصعب الزرقاوي في 7(يونيو) حزيران 2006 في العراق، إلاّ أن التنظيم لم ينتهِ. وقد نقلت وكالات الأنباء خلال الأيام الأخيرة لمعركة الموصل مقتل أبو بكر البغدادي (لكنه لم يتأكد حتى الآن) ، إلّا أن التنظيم على الرغم من خسارته الفادحة وهزيمته الموصلية، فإنه لا يزال يشغل مساحة ليست بقليلة من أرض العراق وسوريا، ناهيك عن وجوده في النيجر ونيجيريا (بوكو حرام) والمغرب العربي (ليبيا وتونس والمغرب والجزائر وموريتانيا)، فضلاً عن قيامه بعمليات إرهابية في العديد من البلدان الغربية وغيرها.
وإذا كانت خسارة داعش للموصل مختلفة نوعاً ما، وذلك لأنها هي العاصمة بعد احتلال داعش للموصل في 10 يونيو (حزيران) 2014، فهذا يعني أنه خسر معها أهم مصادره المالية، تلك التي كان يحصل منها على مبالغ طائلة لاسيّما من الآتاوات ، إضافة إلى بيع النفط بعد وضع يده على بعض الآبار لتغطية عملياته واجتياحاته ورواتب العاملين معه، مقاتلين وغيرهم.
لم ينشأ الإرهاب من فراغ، بل جاء نتيجة للتطرّف وهذا الأخير يقوم على التعصّب، وهو متغلغلٌ أحياناً في العقول ومعشش في الرؤوس بسبب أوضاع اجتماعية واقتصادية وثقافية، خصوصاً في ظلّ الانغلاق ورفض الآخر والميل إلى التفرّد والتماثل وعدم الإقرار بالتعدّدية والتنوّع وحق الاختلاف، وحسب داعش: كل آخر، هو غريب وأي غريب مريب، وبالتالي: أما عليه الخضوع ودفع الجزية إنْ لم يكن مسلماً أو الرحيل وإلاّ فإن الموت ينتظره، وهو ما حصل مع المسيحيين والإيزيديين في العراق ، هذا إذا كان رجلاً، أما إذا كانت امرأة، فالسبي هو ما  تناله، وهذا ما حدث للإيزيديات بشكل خاص، حيث تم بيعهن في سوق النخاسة. وكانت عمليات داعش أقرب إلى حرب إبادة جماعية وجرائم ضد الإنسانية وتطهير عرقي يجرّمه القانون الدولي.
 لقد ابتكر الإرهاب الداعشي عمليات نوعية في السابق، وليس مستبعداً بعد هزيمته الموصلية أن يبتدع أساليب جديدة،  فمن ابتكار مهاجمة مبنى التجارة العالمي في نيويورك بواسطة الطائرات، العام 2001، إلى حوادث دهس وقتل بواسطة سيارات، كما حدث مؤخراً في عدد من المدن والبلدان مثل  نيس (فرنسا)  وبروكسل ( بلجيكا) ولندن (بريطانيا) وغيرها، وهذه لا تكلّف كثيراً، لكن المال يبقى عموداً فقرياً له وعنصراً مهماً في رفده، مثلما يرفده استمرار البطالة والفقر والتمييز والتهميش والطائفية وهدر حقوق الإنسان.
وإذا ما اجتمع المال و"العقيدة" والأوضاع العامة والخاصة، للإرهابيين فإن عملهم المتوحّش، سوف لا تكون له حدود ، خصوصاً بتوفّر أرضية مناسبة لنمو بذور الإرهاب وتفقيس بيضه، الأمر الذي يحتاج إلى تجفيف المنابع وقطع خط الإمدادات والتواصل، وردم الهوّة التي تشجع على استمراره وانتعاشه، وهذا يتطلّب مواجهة الفكر بالفكر أيضاً، فالوسائل العسكرية والأمنية، وإنْ كانت ضرورية أحياناً - وآخر العلاج الكي كما يقال -  لكنها لوحدها لا تكفي للقضاء عليه.
II
إذا كان العراق في نهاية السبعينات  قد أوشك على التخلّص من الأمية باعتراف منظمة اليونسكو، فإنه بسبب الحروب والحصار والاحتلال والطائفية والإرهاب والفساد، عاد القهقري حيث انتكست التنمية، ووجد الإرهاب مرتعاً خصباً له في ظل تخلّف المناهج الدراسية وعدم مواكبتها للتطور، ناهيك عن اعتمادها على أفكار ماضوية واحتوائها على الكثير من الآراء التي تقوم على الكراهية ولا تقبل التنوّع وترفض التعددية، الأمر الذي يشكل أرضية صالحة لنمو الإرهاب.
لقد  مرّ العراق  بأطوار خمسة للتنمية، أولها حين تأسست الدولة في العام 1921، لاسيّما بعد انطلاق حقل بابا كركر النفطي في كركوك العام 1927، ثم تأسيس مجلس الإعمار العراقي العام 1950  ولغاية ثورة 14 (تموز) العام 1958، وهي مرحلة شهدت نجاحات تنموية إيجابية وإن كانت محدودة.
أما المرحلة الثانية فكانت بعد الثورة، حيث توسّعت الخدمات التعليمية والصحية وشملت قطاعات سكانية واسعة وشعبية، إضافة إلى تعزيز شبكة الطرق والجسور والهياكل الإرتكازية والبنى التحتية .
أما المرحلة الثالثة فكانت بعد تأميم النفط العام 1972 والطفرة النفطية عقب حرب اكتوبر (تشرين الأول) العام 1973، حيث ارتفعت أسعار النفط بشكل كبير، وشهدت هذه المرحلة توسّعاً كبيراً في ميدان التنمية وتراكم الموارد، لاسيّما في القطاعات المختلفة وارتفاع مستوى المعيشة والرفاه الاقتصادي.
أما في المرحلة الرابعة فقد رزح العراق تحت وطأة انكماش لعملية التنمية بسبب الحرب العراقية - الإيرانية العام 1980-1988، وفيما بعد غزو الكويت 1990، وحرب قوات التحالف ضد العراق 1991، والحصار الدولي الذي فُرِضَ عليه حتى احتلاله العام 2003،حيث تعرّضت التنمية إلى انهيار شامل، خصوصاً مع تفكّك بنية الدولة وحل الجيش العراقي واستشراء الطائفية والإرهاب والفساد، ولعلّ المرحلتين الأخيرتين مهدتا لنشر بذور الإرهاب، سواء بإسقاطه خارجياً أو بانتعاشه داخلياً.
وإذا ما أضفنا إلى هذه العوامل عدم عدالة العلاقات الدولية والشعور بالغبن والإجحاف الذي تعاني منه شعوب الأمة العربية ولاسيّما  الشعب الفلسطيني، الذي تعرّض للظلم والاحتلال والعدوان لما يقارب من سبعة عقود من الزمان، فإننا نستطيع أن ندرك أن بيئة حاضنة لنشوء الإرهاب لا تزال موجودة، بل إنها شكّلت مرتعاً له حيث أخذت تتكوّن على نطاق واسع لاسيّما بعد الاحتلال، وهذه وجدت ذرائع عديدة لممارسة الإرهاب باسم الدين أو المذهب، وذلك كغطاء شرعي لتبرير جرائمها، بالضد من الدين ذاته وتعاليمه السمحاء ورسالته الإنسانية.
III
إذا كانت معركة الموصل قد ألحقت خسارة فادحة بداعش وبمستقبل الداعشية في العراق، فإن انعكاساتها ستعود أيضاً على العالم العربي، لكن المعركة مع داعش والإرهاب الدولي سوف لا تنتهي سريعاً، حسبما صرّح به الجنرال الأمريكي ستيفن تاونسند بقوله "إن الحرب بعيدة كل البعد عن نهاياتها. وكانت بعض المخاوف قد عبّرت عن نفسها باحتمال وجود "خلايا نائمة" قد تقوم بتنفيذ بعض العمليات الهجومية الانتحارية، إضافة إلى قلق من احتمال اندلاع صراعات طائفية وإثنية على مراكز النفوذ، وقال يان كوبيش ممثل الأمم المتحدة في العراق :" إن سحق داعش في الموصل لا يعني نهاية الحرب على الإرهاب وأمام العراق المزيد من العمل للتعافي الكامل وإرساء السلام الدائم".
يمكن القول إنه من السابق لأوانه اعتبار هزيمة داعش في  الموصل هزيمة للداعشية،  فالمعركة قد تطول لفترة غير قصيرة ، لأن التنظيم الذي عُرف بالمكر والخداع واستخدام تاكتيكات متنوّعة وبارعة ومفاجئة، قد يستخدم خططاً جديدة وبديلة، تعويضاً عن قيام الدولة والركون إلى بناء مؤسساتها، بالعودة إلى ضرب المواقع لمنعها من الاستقرار وإعادة البناء، وسيستغل الخلافات حول مصير المناطق المحرّرة وعائديتها، خصوصاً وهناك مناطق متنازع عليها في الموصل وبشكل خاص في كركوك، إضافة إلى ديالى، فضلاً عن الخلافات بين ما يسمّى بالسنّية السياسية، حول مناطق النفوذ، وبدا الأمر واضحاً من انعقاد مؤتمرين للسنّة بدلا ً من واحد واختلافات حول التمثيل، إضافة إلى خلافات حادة بين الشيعية السياسية، حول مصير الحشد الشعبي وقياداته ومحاولة توظيف النصر العسكري لصالح هذه الجماعة الشيعية أو تلك، فضلاً عن اختلافات وصراعات كردية- كردية، ساهم في اندلاعها الموقف من الاستفتاء الذي دعا له رئيس الإقليم مسعود البارزاني في 25 سبتمبر (أيلول) القادم.
الأمر لا يخص العراق وحده، فسوريا والتسويات التي ستجري فيها، لاسيّما بعد لقاء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على هامش قمة العشرين، إضافة إلى مخرجات  الأستانة "5"، وارتباط ذلك بتركيا وإيران،والأطراف الإقليمية الأخرى، كلّها ستكون مطروحة في إطار مواجهة المجتمع الدولي لداعش وللإرهاب الدولي.
IV
ولعلّ من الاستخلاصات المبكرة لذلك، القول بأنه ليس من المعقول والمنطقي أن تستمر الصيغة السياسية في العراق ذاتها، تلك التي تأسست بعد الاحتلال وفقاً لنظام المحاصصة الطائفي- والإثني، وقادت إلى اختناقات وردود فعل وتوترات وأعمال عنف وإرهاب وفساد، بسبب الشعور بالتهميش والتمييز وعدم المساواة. وقد يحتاج الأمر إلى إعادة النظر بالدستور ذاته المليء بالألغام، ولكن ذلك يحتاج إلى وحدة وطنية حقيقية وثقة وتوافق وطني ورغبة في التغيير الحقيقي.
 كما لم يعد معقولاً أو منطقياً ما بعد الموصل أيضاً، ممارسة سياسات ترقيعية وتسويات ظرفية على أساس "ترضيات" بعقد المؤتمرات الصاخبة والخطابات الرنّانة وترديد الأناشيد  الحماسية حول الوحدة الوطنية المزعومة في غياب المصالحة الوطنية والمجتمعية وتفاقم المشاكل بين بغداد وإربيل، بل وصولها إلى استعصاءات أحياناً في أجواء عدم الثقة والتهديد بانشطارات قد تكون خطرة على صعيد المنطقة كلها.
ولم يعد مناسباً أو ممكناً غضّ الطرف من جانب الدول الإقليمية والمجتمع الدولي الذي كانت  سياستهما تقوم على اللّامبالاة أو حتى التشجيع غير المعلن أو المبطّن ببقاء الحال طالما بقيت ظواهر العنف والإرهاب خارج حدودهما، دون أن تدركا أن المنطقة متّصلة ومتواصلة مع دول الإقليم والعالم، وإن الإرهاب يمكن أن ينتقل إليهما وهو ما حصل فعلاً، فلم يعد درءه ممكناً، حيث لم ينجُ منه أي مجتمع أو دولة، سواء أكانت إيران أم تركيا أم غيرها مهما ادعت الحصانة والوقاية.
إن الخروج  من دوامّة داعش ما بعد الموصل وتحرير جميع الأراضي العراقية يتطلّب مصارحة ومكاشفة بالأسباب التي أدت إلى ظهور داعش وقيام الداعشية، لأن ما يواجه  العراق والمنطقة ما بعد تحرير الموصل، قد لا يقلّ أهمية إنْ لم يزدْ خطورة عمّا سبقها، خصوصاً لإعادة بناء ما خربته الحرب وإعادة النازحين واللاجئين إلى مناطقهم وتعويضهم والشروع بوضع خطط تنموية مستدامة وإنسانية وشاملة في جميع المجالات إستناداً إلى مبادئ المواطنة الأساس في الدولة العصرية الدستورية، وعلى أساس حوار مجتمعي ومصالحة حقيقية بعيداً عن المغالبة ووصولاً إلى عقد اجتماعي جديد يقوم على احترام حقوق الجميع.
وقد دلّت الكثير من التجارب الدولية إن التصدي للإرهاب لن يتم بمثله أي بالضد النوعي، ولكن بوسائل مختلفة، فالغايات الشريفة تتطلّب وسائل شريفة، والوسيلة العادلة هي من صلب الغاية العادلة، وإذا كان الظالم يستخدم وسائل ظالمة، فعكسه ينبغي للعادل أن يستخدم وسائل عادلة، وهذه كثيرة ومتنوّعة، وذلك لأن الجريمة لا تحارب بالجريمة، فجريمتان لا تنتجان عدالة.



20
فلسطين ومعركة الثقافة
                     
د. عبد الحسين شعبان

في مدينة كراكوف التاريخية (بولونيا) اتّخذت منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم (اليونيسكو)، ومقرّها في باريس، قراراً تاريخياً بتسجيل مدينة الخليل (الفلسطينية)، والتي لا تزال تحت الاحتلال «الإسرائيلي» على لائحة التراث الإنساني العالمي الذي يجب الحفاظ عليه وحمايته، وذلك يوم 7 يوليو (تموز) 2017.
واتخذ القرار في أعقاب تصويت سرّي أثار جدلاً واسعاً ونقاشاً متواصلاً على المستوى الدولي، ولاسيّما ردود الفعل «الإسرائيلية» الحادّة، وذلك لما للقرار من رمزية تتخطّى الجانب التاريخي على أهميته، وتذهب إلى أبعد من ذلك، لاسيّما التشكيك بمجمل الرواية «الإسرائيلية» بخصوص «أرض الميعاد». ولا شكّ أن الصراع هو قديم وجديد في الآن، بل إنه يتجدّد في كل لحظة، وهو لا يتعلّق بالآثار التاريخية فحسب، بل بمجمل الحقوق الوطنية الفلسطينية، وخصوصاً «حق تقرير المصير».
وصوّت لصالح القرار 12 دولة عضو في لجنة التراث العالمي، مقابل 3 دول صوّتت ضده، وامتنعت 6 دول عن التصويت. ويشمل ملف التسجيل: البلدة القديمة لمدينة الخليل والحرم الإبراهيمي العتيق. وقد وضع القرار الحرم الإبراهيمي الذي يطلق عليه اليهود «كهف البطاركة» على قائمة المواقع «المهدّدة». ويعتبر من المقدسات الدينية، حيث دفن فيه الأنبياء إبراهيم وإسحاق ويعقوب. وكانت مدينة الخليل، لعقود سابقة، مسرحاً للصراعات بين المستوطنين اليهود الذين يعيشون في جيوب استيطانية، بينما يحيط بهم سكان المدينة الفلسطينيون البالغ عددهم نحو 200 ألف نسمة.
ويأتي هذا القرار امتداداً لطائفة من القرارات التي تمّ اتخاذها في وقت سابق، منها قراران مهمّان تم اتخاذهما في العام المنصرم، أحدهما اتخذته «اليونسكو» في 18 أكتوبر (تشرين الأول) 2016 يقضي باعتبار الأماكن المقدسة في القدس من تراث العرب والمسلمين.
وثانيها: قرار اتخذه مجلس الأمن الدولي في 23 ديسمبر (كانون الأول) 2016 بخصوص وقف الاستيطان «الإسرائيلي» في الأراضي العربية المحتلة، علماً بأن الاستيطان وإجلاء السكان بالإكراه يعتبر «جريمة دولية».
وكانت (الأسكوا) «لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا» في وقت لاحق قد أصدرت تقريراً يدين «الأبرتايد»، إزاء الشعب العربي الفلسطيني، وذلك في 15 مارس ( آذار) 2017.
ولعلّ من دلالات قرار اليونيسكو الأخير بخصوص الخليل اعترافه بأنها «مدينة محتلّة»، وبالطبع فلا يحق لسلطة الاحتلال تغيير معالمها أو تركيبتها السكانية أو نظام علاقاتها، طبقاً لاتفاقيات جنيف لعام 1949 وملحقيها: الأول الخاص بحماية ضحايا النزاعات المسلحة الدولية، والثاني الخاص بحماية ضحايا المنازعات المسلحة غير الدولية، الصادرين عن المؤتمر الدبلوماسي في جنيف (1973-1977). كما أنه يعيد تأكيد حقوق عرب فلسطين في أرضهم وتراثهم وفي حقهم الدولي غير القابل للتصرّف، ونعني به «حق تقرير المصير».
والقرار من زاوية أخرى يعدّ نصراً لكلّ القوى التحررّية وهزيمة للصهيونية وحماتها، ولذلك فإن السفير «الإسرائيلي» كارمل شاما هاكوهين لدى منظمة «اليونسكو» شنّ حملة قاسية ضد المنظمة ذاتها واعتبرها منحازة للفلسطينيين وأن قراراتها مسيّسة، والسبب أنها انتصرت للعدالة وللتاريخ والحقيقة، حين أكدت «فلسطينية» مدينة الخليل وتراثها الثقافي.
وكانت حكومة بنيامين نتنياهو قد فشلت في محاولاتها لمنع صدور القرار، وحاولت تقديم دلائل باطلة، مضمونها أن تراث مدينة الخليل، يهودي بالأصل، وأن المدينة ترتبط باليهود منذ آلاف السنين، وهي مكان ميلاد مملكة داوود، وتعتبر من أقدم المواقع الأثرية اليهودية.
القرار الأممي الذي اتخذته اليونيسكو يعكس درجة التفّهم الدولي لشرعية وعدالة القضية الفلسطينية، حيث أخذ العالم ينظر إليها بعين العطف والتضامن، وباقة القرارات الدولية التي تم اتخاذها مؤخراً تعد تطوراً مهماً وتراكماً إيجابياً أخذت وتيرته تزداد وزخمه يتعاظم منذ أن قررت الجمعية العامة للأمم المتحدة في 14 أكتوبر (تشرين الأول) 1974 الاعتراف ب «منظمة التحرير الفلسطينية» كممثل شرعي ووحيد للشعب العربي الفلسطيني. ومثل هذا التطوّر الكمّي التدرّجي، لا بدّ أن يتحوّل إلى تغيير نوعي بالتراكم، يمكن للفلسطينيين والعرب توظيفه بالاتجاه الصحيح.
وبقدر ما تعكس قرارات المجتمع الدولي تطوراً إيجابياً للقضية الفلسطينية، فإنها بالقدر نفسه تعكس انحسار وتراجع المشروع «الإسرائيلي» وانكشاف مدى اللّاعدالة واللّاشرعية التي قام عليها، إضافة إلى استمرار الاحتلال والاستيطان والعدوان خلافاً لجميع قرارات الأمم المتحدة. ولعلّ كل نجاح فلسطيني دولي يعني فشلاً «إسرائيلياً»، وتلك فرضية ينبغي اعتمادها باستمرار كمؤشر في الصعود الفلسطيني والهبوط «الإسرائيلي».
النجاح الفلسطيني الجديد هو انتصار للدبلوماسية الثقافية، التي ينبغي إيلاء اهتمام أكبر بها، ليس على المستوى الفلسطيني فحسب، بل على المستوى العربي، وهناك الكثير من الشواهد والأدلة، على أننا نحتاج إلى مزيد من العمل والمثابرة والمعرفة والدبلوماسية، لاقتحام هذا الميدان المهم الذي تركنا جزءًا كبيراً منه ل «إسرائيل» في العقود السبعة الماضية، وآن الأوان لكي نُحسن التعامل معه لتحقيق اختراقات جديدة للمنظمات الدولية الحكومية وغير الحكومية، وذلك بإضافة أبعاد جديدة إلى حقوقنا العادلة والمشروعة.
drhussainshaban21@gmail.com



21
عطشان ضيول الأيزرجاوي
 الشيوعية والجيش والثورة: أحلام وكوابيس*

د. مهدي السعيد
كاتب وصحافي - لندن

كان عطشان ضيول الأيزرجاوي أحد الشيوعيين العسكريين الذين امتازوا بالجرأة والشجاعة والإقدام، لذلك كان محبوباً من قبل الضباط والجنود، حيث عمل في قيادة الخط العسكري للحزب الشيوعي بُعيد ثورة 14 تموز عام 1958.
ينحدر عطشان من عشيرة آل ازيرج في الناصرية، وقد انتقل مع عائلته إلى بغداد في الفترة التي انتقلت والدتي ووالدي من الناصرية إلى بغداد أيضاً. ولأن والدته كانت قريبة لوالدتي، فقد سكنتا في محلة واحدة هي "محلة الدوريين"، وكان عطشان منذ صباه قد انخرط في العمل السياسي، وإزداد نشاطاً حين دخل الكلية العسكرية وتخرّج منها ضابطاً.
ولكنه في السنة الثانية بعد تخرّجه منها أُلقي القبض عليه وأودع السجن، حيث خضع أثناء ذلك إلى عمليات تعذيب قاسية وشديدة على يد شرطة بهجت العطية مدير التحقيقات الجنائية، وقد تحدّث عن ذلك التعذيب خلال إدائه للشهادة أمام " محكمة الشعب" ورئيسها العقيد فاضل عباس المهداوي.  وقال إن من بين وسائل التعذيب التي مورست ضده كانت إرغامه على الجلوس فوق المدفأة النفطية الساخنة،إضافة إلى اجباره الجلوس على القناني الزجاجية المكسورة والفارغة. وكان هذا التعذيب استثنائياً وقد تم ممارسته في العراق لأول مرّة ضد السجناء والمعتقلين الشيوعيين.
كانت وزارة الداخلية والتحقيقات الجنائية تعتبران عطشان ضيول الايزرجاوي فريسة كبيرة لأنه ربما يكون عضواً في قيادة الحزب الشيوعي آنذاك، ووقع بأيديهم صدفة وأنه قد يكون مشرفاً على قطاع الجيش، كما علمت لاحقاً بأنه قد التقى وهو لازال صبياً أو شاباً بالرفيق فهد في الناصرية.
كان عطشان مربوع القامة وذا شارب كث، ووجه عريض وخشن وكنتُ قبل أن أراه أسمع والدتي تتحدّث عنه كثيراً وتذهب خصيصاً لزيارة والدته في رأس الشارع المؤدي إلى سوق عيسى وعلاوي الحلة. وكان يأتي إلى البيت متخفياً، ولكنه حينما يدخل البيت ويخرج لا يتهيّب من السير الاعتيادي في الشارع. وكان الشرطي السرّي يتصوره مسلحاً ولا يقدم على التعرّض إليه، ولكن بعد فترة، كما أتذكر،ازداد عدد الشرطة السرّية التي تراقب بيته ليل نهار، إلّا أنه مع كل ذلك كان يأتي إلى البيت بين الحين والآخر ولكن بصورة مفاجئة. وأتذكّر جيداً أنه كان يضع جريدة تحت إبطه الأيمن ويمشي في الشارع في غاية الشجاعة دون خوف أو وجل ليبدو وكأنه يحمل مسدساً متحدّياً الشرطة الواقفة قرب الباب، وفي بعض الأحيان يمرّ قرب باب بيتنا ويتوقّف برهة من الزمن كي يلقي بالتحية على والدتي، ثم يأخذ بمداعبة الصغار ويمسح رؤوسهم بلطف شديد وأنا منهم. وكانت حركات ساقيه غير متوازنة نتيجة تمزّق عضلات إحداها بسبب التعذيب الذي تعرّض له.
انقطع عطشان كلياً عن زيارته لبيتهم بعد أن كثرت مراقبته من قبل الشرطة السرية التي كما سمعنا قررت اعتقاله مرة أخرى. لكن الحيرة بدأت تشغل رجال الشرطة بعد أن علموا بأن زوجته "أم نضال" تبدو حاملاً. وهذا يعني أنه كان يأتي إلى البيت تحت جنح الظلام ويخرج منه باكراً دون أن يعرف أحد من هؤلاء الشرطة بمواعيد رجوعه إلى البيت لذلك أخذوا يراقبون البيت طوال الليل كي يمسكوا به. ولكنه انقطع كلياً عن المجيء إلى البيت، واستمرّ الحال حتى قيام ثورة 14 تموز، حيث عاد إلى الجيش وأصبح آمراً مساعداً لقائد المقاومة الشعبية العقيد طه البامرني.
كان عطشان أحد أقوى أعضاء اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي، ومسؤولاً عن الخط العسكري. وقد سمعت من الضابط الطيار الشيوعي السابق عبد النبي جميل بأن معظم الضباط وحتى ضباط الصف ما بعد ثورة 14 تموز كانوا لا ينفذون أي أمر يأتيهم إلاّ أوامر عطشان الذي أخذ يتجول بين المعسكرات المختلفة للقاء الضباط والجنود وترتيب أمورهم، وكانوا يدينون له بالولاء بشكل كبير وكان بإمكانه أن يزيل عبد الكريم قاسم ويستلم السلطة.
كان سلام عادل الأمين العام للحزب الشيوعي يعتمد عليه كثيراً، وكان محسوباً على توجهه الثوري، وحين اصطدم الزعيم عبد الكريم قاسم بالشيوعيين،"انشقت" قيادة الحزب الشيوعي، فكان سلام عادل وجمال الحيدري وعطشان ضيول مع فكرة إزاحة الزعيم من السلطة وإبعاده عن الحكم، ولكن دون الانتقام منه، بل تكريمه والاعتناء به ولكن أخذ السلطة منه، في حين كان ثابت حبيب العاني وعامر عبد الله وآخرون ضد هذه الفكرة، فنشب صراع خفي بين تيارين، إذْ كان سلام عادل ذا خبرة تنظيمية وسياسية كبيرة، لكنه لم يكن حازماً، وإرتأى أن يأخذ قراراً بذلك بعد إشراك آخرين أساسيين في هذا الأمر.
أخبرني "آرا خاجاودور" خلال إحدى جلساته معي في براغ بأن عطشان كان الوحيد على حق. فحين اجتمعنا بمنطقة السكك لبحث الأمر تصدى ثابت حبيب العاني بقوة لرأي عطشان مؤيداً من قبل عامر عبد الله الذي كان يتودّد لعبد الكريم قاسم كثيراً.
أما سلام عادل فقال يجب أن نؤجل الأمر بعض الوقت إلى أن أذهب في سفرة خاصة سريعة إلى موسكو لأخذ رأي القيادة السوفياتية. وكان هذا الموقف قد أجهض رأي عطشان في الحال وبدا الرأي الآخر هو السائد.
قال لي "آرا خاجادور" إن اللجنة المركزية آنذاك أبعدت سلام عادل إلى موسكو وقد تحوّل العديد من أعضائها ضده، بما في ذلك زوجته "أم ايمان"، إلّا عطشان ضيول وأنا وقليل من الرفاق بقينا متواصلين معه.
سألتُ ثابت حبيب العاني في لندن عن حقيقة هذا الأمر وقلتُ له: هل هذا صحيح يا أبا حسان؟ حاول أن يتذكر الموقف جيداً ولأنه يبدو قد سبق له أن دخل في صراعات عديدة مع عطشان حينما كان الثاني مسؤولاً عن الجيش فإنه استمر حتى تلك اللحظة يمقته، فبدلاً من الإجابة على سؤالي هذا بدأ يكيل الشتائم لعطشان ويصفه بـ"المتهور"، ولكنه توقّف في اللحظة التي قلتُ له: لماذا تغضب بهذا الشكل فلعلمك أن عطشان هذا هو من أقربائي.
اعتذر أبو حسان وحولّ الحديث إلى موضوع آخر.وحينما عدتُ إلى البيت، اتصل أبو حسان بي هاتفياً وقال: أرجو أن لا تكون قد غضبت مني فقد هاجمتُ "عطشان". قلتُ: لا لم أغضب أبداً لأنه أقرب إليك وإن كان من أحد أقاربي، ودخلنا في حديث آخر يختلف قطعاً عن قضية عطشان.
أسفر هذا الاختلاف عن تغييرات عميقة في سياسة القيادة الحزبية حيث انتصر خط "الإبقاء على عبد الكريم قاسم" بعد أن عاد سلام عادل من موسكو. وتبع ذلك ارسال أو "نفي" عطشان إلى الاتحاد السوفيتي بحجة كونه يحتاج إلى الدراسة في المدرسة الحزبية هناك. وذهب إلى الاتحاد السوفيتي غير أن أخباره انقطعت منذ ذلك الحين، بل وانقطعت عن أهله ومعارفه، والذي اتضح لاحقاً أنه وضع بيد السوفييت الذين منعوا عليه الاتصال بقيادة الحزب أو مغادرة البلاد إلى أي جهة أخرى.
وكان جهاز الـ"كي جي بي" KGB يتابعه بدقة، وقد عرف أنه بذلك قد أزيح كلياً عن المشهد السياسي في العراق.
وحين وقع انقلاب شباط 1963 كان لا يزال في موسكو وقد علم بالضربة الماحقة التي تعرّض لها الشيوعيون في العراق، وقرر الهرب من مكان إحتجازه السياسي في الاتحاد السوفيتي، وتمكن كما يبدو من الحصول على جواز سفر مزور بواسطة الحزب الشيوعي الأردني. وقد أشيع خبر هروبه من المكان المحتجز به، ولكن لا أحد يعلم إلى أين اتجه. فقد قرّر التوجه إلى ألمانيا الشرقية– سابقاً - حيث يوجد لديه هناك العديد من الأصدقاء أحدهم فوزي الذي كان قد التجأ إليها بعد أن حدثت له مشكلة في منطقة "الجعيفر" بمنطقة الكرخ عام 1962.
كان فوزي شيوعياً، وقد تعرّف على عطشان عبر أحد اللاجئين العراقيين بألمانيا. وكان هذا اللاجئ محسوباً على خط الكفاح المسلح بعد إقامته في ألمانيا. واهتم به الاثنان وأخذا يقدمان له المساعدات، حيث حاول في ذلك الوقت إعادة بناء الحزب الشيوعي، فأصدر نشرة حزبية ضد قيادة اللجنة المركزية. وفي تلك الفترة ذاع صيته أكثر من السابق، واعتبر الشخص الأول الذي فكر في إطلاق "حركة الكفاح المسلح"، هذا ما كتبه كاظم السماوي صاحب جريدة "الإنسانية" أيام الزعيم عبد الكريم قاسم في أكثر من مقالة في مطلع السبعينات في المجلات الفلسطينية كـ"الهدف" و"الحرية".
كان السماوي معجباً بـ"عطشان" إلى حد كبير، بحيث يعتبره أهم شخصية سياسية انطلقت من قلب الجيش العراقي، وعملت في صفوف الحزب الشيوعي بطاقة سياسية مذهلة. والشيء نفسه كتب عنه أحد أكبر الكتّاب السوريين والمقصود حيدر حيدر في روايته التي دارت أحداثها حول الشأن العراقي، وتحديداً تجربة الحزب الشيوعي العراقي وحركة الكفاح المسلح. ولكن الكاتب وقع في خطأ غير مقصود،إذْ أشار في روايته الموسومة "وليمة لأعشاب البحر" بأن عطشان ضيول هو الذي أسس حركة الكفاح المسلح في جنوب العراق وهو الذي قاد المقاتلين فيما بعد.
هكذا كلام لم يكن صحيحاً لأنّ عطشان في فترة اندلاع حركة الكفاح المسلح في أهوار العراق في النصف الثاني من ستينات القرن الماضي لم يكن موجوداً في العراق وإنما في الاتحاد السوفيتي ومن ثم في ألمانيا ويبدو أن الكاتب اعتمد على روايات بعض العراقيين الذين كانوا معجبين بشجاعة وبطولة عطشان.
إن حركة الكفاح المسلح في أهوار العراق التي اندلعت بُعيد انقلاب شباط عام 1963 كانت محدودة وضعيفة للغاية، ولم تتطوّر إلّا في الفترة التي ترافقت مع انشقاق عزيز الحاج وبعد ذلك. ولكن البدايات كانت عبارة عن جيوب للمقاتلين الذين سبق لهم أن هربوا من المدن أو المحافظات إلى الأهوار حماية لأنفسهم من أزلام الانقلاب والحرس القومي.
غير أن التحوّل الكبير لحركة الكفاح المسلح ربما بدأ بعد إعلان أمين الخيون عن تجميع عدد محدود من المقاتلين وانضمام وجوه جديدة وفعالة في هذه الحركة، كالمهندس خالد أحمد زكي، الذي كان يعيش في بريطانيا، وكذلك مظفر النواب بعد هروبه من سجن الحلّة مع مجموعة من المناضلين عام 1967.
كان خالد أحمد زكي الداينمو الحقيقي لحركة الكفاح المسلح، وكان متأثراً بتجربة المكافح والمقاتل العالمي جيفارا.وفضّل هذا المناضل الكفاح المسلح على حياة الرغد وتحوّل إلى مناضل بمنتهى الشجاعة والإباء واستشهد وهو واقف
بقي عطشان متخفياً لدى أحد أصدقائه قرب مدينة "نورنبرغ"، لكنه بعد فترة بدأ يشعر بشيء من المخاطر المجهولة الهوّية، فقرر الانتقال إلى برلين. وفي برلين استقرت حالته بعض الشيء ولكن طبيعته التي تعود عليها لم تتركه منكفئاً، فقد بدأ يفكر جدياً في إعادة بناء التنظيم، إذْ كان خبيراً بالعمل السري لأن معظم حياته قضاها متخفياً، لكنه في هذه المرة أراد أن يبدأ من الصفر، فكانت أولى نشاطاته في برلين هي إصدار نشرة حزبية تبشر ببناء حزب شيوعي جديد. واستطاع عطشان في ألمانيا أن يجمع عدداً لا بأس به من الشيوعيين القدماء الذين وجدوا أخيراً القائد المطلوب. واستمر بعض الوقت في العمل على تأسيس خلايا جديدة إمتد نشاطها إلى الخارج، إضافة إلى إعادة بعض المنقطعين عن الحزب.
بعد فترة من العمل السري المحكم جاء الشخص المعني بالصلة الحزبية، كما هي العادة ولم يجده في البيت فاستغرب كثيراً لأنه كان على موعد معه، وحين انتظر قليلاً أمام شقته بدا يساوره الشك من حدوث شيء ما، فقرر العودة إلى بيته والاتصال به لاحقاً، لكنه بدل أن ينزل إلى الطابق الأرضي مشياً على الأقدام قرر استخدام المصعد الكهربائي الذي يخترق الجزء المفتوح من البناية. وحين أطل من على كابينة المصعد إلى الأسفل لاحظ وجود جثة إنسان مطروحة على الأرض، نزل إليها في الحال وتفاجأ بأنها جثة مسؤوله الحزبي "عطشان"، فصرخ بأعلى صوته "لقد قتلوك"، وأخذ يبكي بصوت عالٍ مما دفع بسكان البناية إلى التوجه نحوه واتصلوا بالشرطة فوراً والتي حضرت إلى المكان ونقلت الجثة في إحدى سياراتها.
وبعد إجراء المسح الميداني على الجثة والمكان سألوا عنه الأصدقاء فعرفوا هوّيته من خلال جواز سفره الأردني. ثم اتصلوا بالسفارة الأردنية. حيث تطلب الأمر قضايا عديدة حتى يتم نقله إلى بلده، إذْ لم يكن لأحد أن يعرف بوجوده في ألمانيا إلّا ثلاثة لأنه كان متخفياً. ولم تكن مصلحة للمخابرات الألمانية بقتله ولا حتى البعثيين العراقيين لأنهم لم يكونوا في السلطة آنذاك. وتوجهت الاتهامات نحو معارفه أي نحو "كي جي بي" أو الحزب الشيوعي العراقي الرسمي.
وعلى الرغم من أن الخلافات الداخلية أكثر حدّة وضراوة من الخلافات مع العدو، الأمر الذي يرجّح احتمالات الانتقام، سواء بتصرف فردي أو لمجموعة قليلة من الأفراد، لكنني  أسقط الاحتمال الثاني لأن منهج الشيوعيين العراقيين طوال تاريخهم لا يحبّذ الاغتيالات السياسية للأشخاص، وإلّا لكانوا اغتالوا أول من خرج عليهم وتواطأ مع العدو وهو "مالك سيف". وأعتقد أن الحزب الشيوعي بريء من قتل عطشان ضيول، لأنني متأكد بأن قيادة الحزب سابقاً ولاحقاً لا تتخذ من هذه الأساليب لتصفية الخصوم أو الشيوعيين المنشقين عليها.
لقد كانت طريقة قتله تدل على احتراف كبير للأشخاص الذين ارتكبوا هذه الجريمة. فقد تبيّن انهم رموه من الطوابق العليا إلى الأرض ولم يستخدموا الرصاص لكي لا يقال إن القاتل هو عنصر عسكري مدرّب.


















ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* فقرة من كتاب يصدر قريباً للدكتور مهدي السعيد بعنوان " الجذور" وهو عبارة عن مذكرات للكاتب مع عنوان فرعي " من أزقة الكرخ العتيقة إلى براغ ولندن ودمشق - سيرة مناضل".

22
نظرة أخرى لمسألة الإتجار بالبشر
عبد الحسين شعبان
 
تحت عنوان “لا طلب.. لا عرض” أعدّت المخرجة المسرحية سمر عسّاف، وبمبادرة من ” مركز الفنون والآداب Mellon Grant في الجامعة الأمريكية في بيروت بالشراكة مع منظمة ” كفى عنف واستغلال”، مسرحية قدمتها وسط جمهور جلّه من النساء والشباب على مسرح المدينة في شارع الحمرا. المسرحية، التي أعقبها نقاش مفتوح مع غادة جبور مسؤولة قسم الإتجار بالنساء في منظمة “كفى”، تناولت موضوع ” الدعارة” والأفكار المغلوطة عنه، واستندت في ذلك إلى مقابلات مسجّلة مع نساء سوريّات ناجيات من شبكة تجارية مختصّة بالإتجار بالبشر ولاسيّما من النساء،  حيث قامت المخرجة عسّاف ذاتها بتسجيل هذه المقابلات بتاريخ 10 ابريل (نيسان) و12 مايو (أيار) 2016 بالتعاون مع غادة جبور.
كما قامت ساندي عيسى وهي مختصة بالصحافة الاستقصائية بتصوير مقابلات مع نساء سوريات ناجيات، إضافة إلى مقابلات مع المقدّم مصطفى بدران الذي اتخذ قرار مداهمة ” بيت الدعارة”، حيث تم احتجاز عدداً من النساء بلغ 75 امرأة. وتابعت المسرحية القرار الإتهامي الصادر بحق الأشخاص المتهمين بالاتجار بالبشر، كما استندت إلى ما يقوله الرجال ” مشترو الجنس″ حول دوافع ممارساتهم وتصوراتهم لعملية الشراء ” الرخيصة” وللمتعة المشتراة، تلك التي وثّقتها بدراسة خاصة. ما يلفت النظر هو الأسلوب المؤثر الذي ناقشت فيه المسرحية بعض الآراء الخاطئة بشأن تجارة الجنس، تلك التي يقترب بعضها من المسلّمات، خصوصاً لجهة شيوعها عن عالم الإتجار بالبشر ولاسيّما بالنساء،وحاولت إخضاع ذلك إلى  منظومة فلسفية فكرية، شكّلت خلفية للمسرحية بجميع مفرداتها، والتي وضعت هدفاً لها هو ” مكافحة الاستغلال الجنسي للنساء والاتجار بهن” والهدف الأعمق والأوسع هو “رفع الوعي” إلى خطورة هذه المسألة التي ترتبط فيها قضايا أخرى مثل تجارة المخدرات وغسل الأموال وتجارة السلاح والإرهاب الدولي. وكانت منظمة “كفى” قد أطلقت حملة في العام 2014 بعنوان ” الهوى ما بينشرى”.
ومن الأخطاء التي تكاد تكون راسخة في هذا الميدان هي تلك التي تزعم ” إن الدعارة أو تجارة الجنس هي أقدم مهنة في التاريخ” ولكن المهنة تتطلّب تأمين الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية والأمن الذاتي، ومثل هذا الأمر مفقود في عملية بيع وشراء الهوى، حيث تتعرّض نسبة كبيرة من النساء إلى أشكال العنف المادي والمعنوي، فضلاً عن العنف الجنسي على يد مشتري الجنس والوسطاء وغيرهم. وتشير إحصائية إلى أن نسبة الوفيات من النساء اللواتي يتعاطين هذه المهنة هي أكثر من 40 بالمئة لدى غيرهن، لذلك إن قدِمْ هذه المهنة لا يبرّر القبول بها كظاهرة حتمية للمجتمعات، وإلاّ فإننا سنقبل بالجريمة بوصفها موجودة منذ القدم.
إن هذه المهنة هي ليست مهنة اختيارية للنساء، وإنما هي اضطرارية ومفروضة وأحياناً بسبب غياب الخيارات الأخرى، والغالبية الساحقة من النساء دخلنها وهنّ دون السن القانوني بسبب الفقر والحاجة وظروف اجتماعية واقتصادية وشخصية قاسية، الأمر الذي يتنافى مع مبدأ الخيار الحر. ويتم الترويج أحياناً إلى إن مثل هذه الممارسة الجنسية، هي من قبيل الحرّية وهي حق للمرأة للتصرّف بجسدها، لكن الظروف التي تجبر المرأة على ممارستها، ولاسيّما الحاجة إلى المال تجعلها خاضعة للرجل الذي يعبّر عن ذكوريته وتسيّده في شراء الجنس. وأشارت دراسة لمنظمة كفى إن 80 بالمئة من مشتري الخدمات الجنسية، هم من الذين يشاهدون أفلاماً جنسية ويحاولون تمثيلها مع النساء من خلال شراء الجنس. وتبرّر بعض الأطروحات الخاطئة إن الرجل بحاجة إلى تعدّدية الممارسة الجنسية لأنه لا يستطيع السيطرة على شهواته، الأمر يدفعه لتبرير شراء الجنس، وتلك مسألة تشكّك بها الدراسات الاجتماعية والنفسية، مثلما تقول وجهة نظر أخرى خاطئة لو لم تعرض المرأة جسدها للبيع، فسوف لا يجد الرجل الخدمات الجنسية لشرائها، مثلما هناك وجهة نظر أخرى تقول إن تحريم تجارة الجنس يجعلها سرّية أو غير مرئية، الأمر الذي يحمل فكرة خاطئة تدعو إلى ترخيص بيعه، بمبرر إنه سيبقى تحت الرقابة ومقنن شرعياً.
وحسب القانون الدولي فإن الإتجار بالأشخاص بهدف الاستغلال الجنسي محرّم، خصوصاً استغلال الضحايا وأوضاعها الصعبة، الأمر الذي يجعل من ذلك جريمة يحاسب عليها القانون، لاسيما استغلال الموقع الضعيف للنساء وخداعهن أو تهديدهن أو ابتزازهن، لاستقطابهن أو إبقائهن في دائرة بيع الخدمات الجنسية. لقد وظّفت المسرحية تقنية آليكي بلايت ” التوصيل المسجل” واعتمدت على مونتاجات لمقابلات من الحياة اليومية، وجاء عرضها على هامش ” إعادة الإعمار ما بعد الحرب: سوريا والعراق واليمن وفلسطين”. إن مسألة الاتجار بالبشر ومنها تجارة الجسد مسألة قانونية وحقوقية وأخلاقية ودينية، إضافة إلى كونها مسألة إنسانية أساساً، ولا بدّ من حملة توعوية وتربوية بين النساء والرجال، لوضع حد لآثارها الضارة، ناهيك عن إنزال أقسى العقوبات بمرتكبيها.
{ باحث ومفكر عربي


23
ما بعد الموصل.. «داعش» و«الداعشية»
                     
د. عبد الحسين شعبان

من السابق لأوانه القول إن هزيمة «داعش» في الموصل هي نهاية له، على الرغم من الجانب الرمزي في سياق مواجهة التنظيم الإرهابي. والأمر له علاقة بأسباب داخلية وأخرى خارجية، وله أبعاد فكرية ودينية وطائفية وسياسية واقتصادية واجتماعية وقانونية وتاريخية وتربوية ونفسية، أي أنه يتعلق بمجمل الأوضاع التي أدت إلى نشوء التنظيمات الإرهابية، ابتداء من تنظيم القاعدة ووصولاً إلى تنظيم «داعش». وبقدر ما هناك بيئة عراقية ساعدت على نشوئه، فهناك فضاء إقليمي ساهم في انتشار فيروسه، وتأمين حركته وانتقاله، مستفيداً من أوضاع دولية وإقليمية.

وإذا كان دخول الجيش العراقي جامع النوري الكبير الذي أعلن منه أبو بكر البغدادي دولته في يونيو/ حزيران العام 2014، قد طوى صفحة من صفحات التنظيم، فإن صفحات أخرى، ربما أهم بحاجة إلى أن تطوى تماماً، ليُصار إلى إغلاق هذا الملف كليّاً والتخلّص من تبعاته وآثاره، وقد يحتاج الأمر إلى وقت وجهد لا يمكن الاستهانة بهما لتحقيق هذا الهدف. والأمر لا يتعلق بالعراق فحسب، بل في سوريا أيضاً حيث تتزامن المعارك لتحرير الرقة من قبضة «داعش»، وفي بقية المناطق والبلدان التي عمل فيها «داعش» ولا يزال، مثلما هناك بلدان أخرى لديه فيها خلايا نائمة حتى وإن لم تظهر إلى العلن أو أنه لم يقرّر تنفيذ عمليات إرهابية مباشرة فيها، لكنها تعتبر ممرّاً وعيناً ومموّلاً له.

لم ينشأ «داعش» من فراغ، بل هو حصيلة ثقافة سائدة بأشكال مختلفة سيطرت على عقول شباب يائس جرت عملية غسل دماغ لهم بشكل منهجي طوال عقود من الزمان، ووجدت ضالتها في الأوضاع المعيشية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية، حيث الفقر والجهل والأمية وشحّ الحرّيات والتمييز، إضافة إلى الإذلال الذي تعرّضت ولا تزال له شعوب بكاملها جراء اختلال نظام العلاقات الدولية، وكل ذلك أوجد مناخات لانتعاش الإرهاب وتفقيس بيضه، لاسيّما بفشل الدولة الوطنية ما بعد الاستقلال في العديد من دول المنطقة وعدم قدرتها على إنجاز مهمات التحرر الوطني وتحقيق التنمية المنشودة بمختلف جوانبها، يضاف إليها دور العنصر الخارجي والتدخّلات الأجنبية والحروب والاحتلال والعدوان المستمر.

ولعبت المدرسة بشكل عام والمناهج التربوية بشكل خاص، إضافة إلى بعض المؤسسات الدينية وبعض رجال الدين بخطابهم الماضوي الإلغائي إزاء الآخر، دوراً سلبياً في نشر أجواء التشدّد والتعصّب المنتجة للتطرّف، وهذا الأخير حين يتحوّل من الفكر إلى الممارسة، ينتج عنفاً وإرهاباً، كجزء من عقيدة استعلائية تدّعي امتلاك الحقيقة والأفضلية بالتعكّز على الدين وزعم القرب إلى الله، الأمر الذي ساعد في سيادة الخطاب الآحادي والتفسير «الإسلاموي»، باعتباره مقدساً وغير خاضع للنقاش والجدل، علماً بأنه مجرد اجتهاد فقهي قابل للخطأ والصواب.

هكذا نمت «الداعشية» في إطار المنظومة الثقافية السائدة، خصوصاً بضعف المواطنة أو الشعور بها وغياب أو شحّ مبادئ الشراكة والمشاركة والمساواة والعدالة الاجتماعية التي هي أركان أساسية للمواطنة، فما بالك حين تمارس سياسات تمييزية وانتهاكات لحقوق الإنسان.
والآن كيف يمكن أن تسهم عملية تحرير الموصل في دحر «داعش» والأهم من ذلك في القضاء على «الداعشية» كفكر إرهابي، إقصائي، استئصالي متطرّف وضد قوانين الطبيعة والمدنية والعصر؟ ف «الداعشية» لا تزال تمتلك تأثيراً آيديولوجياً على قطاعات يائسة من الشباب لشعورها بالتمييز والقنوط وانعدام الأمل. وحتى من الناحية العسكرية والسياسية ف «داعش» ما زال يهيمن على مناطق أخرى مثل قضاء تلعفر القريب من الموصل وصحراء نينوى والأنبار، إضافة إلى قضاء الحويجة وقضاء الشرقاط والشريط العمراني الواصل بين قضاءي حديثة والقائم على الحدود العراقية - السورية، وذلك بالطبع يحتاج إلى جهد مركّب ومتنوّع بما فيه حملة دعائية وفكرية ضده بمنظومة قيمية نقيضة له.

صحيح أن هزيمة «داعش» العسكرية في الموصل ستنعكس إيجاباً على المعارك التي ستدور في هذه المناطق على الرغم من استحقاقات كل واحدة منها، الأمر الذي يتطلّب جهداً عسكرياً واستخبارياً وأمنياً مكثّفاً دقيقاً وهادفاً للحفاظ على أرواح وممتلكات المدنيين، إضافة إلى جهد ثقافي وتربوي وديني واقتصادي واجتماعي لمواجهة الفكر «الداعشي» و«الداعشية» عموماً، خصوصاً بتفكيك خطابها وعناصر فكرها وفقاً لمنهج متسامح وإنساني وعصري.
إن القضاء على «الداعشية» يحتاج إلى مشروع بديل، بحيث يتكرّس الانتصار الفكري استراتيجياً بمختلف الجبهات والميادين ليستطيع أن يحلّ محلّ «داعش» و«الداعشية»، والمدخل إلى ذلك في العراق هو سرعة إعادة بناء ما خرّبته الحرب وإعادة النازحين إلى مناطقهم وتعويضهم، والشروع في تنمية البلاد وفق خطط مدروسة ومتدرّجة، وحل مشكلة المناطق المتنازع عليها بتطبيق المادة 140 من الدستور، وبالطبع، فالأمر يحتاج إلى توفّر إرادة سياسية موحدة وتحقيق مصالحة وطنية حقيقية، وإعلاء شأن المواطنة كقيمة عليا خارج نطاق نظام المحاصصة الطائفية - الإثنية ووضع حد لظاهرة الفساد، الوجه الآخر للإرهاب، فذلكم هو السبيل للقضاء على «الداعشية».



24
العنف والإرهاب وما بينهما
د. عبد الحسين شعبان

غالباً ما يُطرح بُعيد كل عمل إرهابي السؤال عن العلاقة بين العنف والإرهاب، وهل كل عمل عنفي هو عمل إرهابي؟ وأين يمكن إدراج حقّ الدفاع عن النفس؟ وكيف السبيل للتحرر من شباك العنف وبالتالي الإفلات من شرنقة الإرهاب؟
ولأنّ الإرهاب يضرب في كلّ مكان، وهو في الأغلب الأعمّ يكون عشوائياً، فإنّ هدفه تهديد المجتمع وإرعاب الناس وإضعاف الثقة بالدولة وإعلاء شأن الجماعة الإرهابية، فذلك لأنّه لا ينشغل بالضحية، بل يرتكب عمله بقصد إلغائي، تدميري، في محاولة لفرض نمط «مختلف»، وسلوك «غريب» وحياة «غير مألوفة» لما هو سائد، وذلك بواسطة القوة والعنف، كما هو إرهاب تنظيم «داعش» مثلاً.
ثمة فوارق أحياناً بين العنف والإرهاب، وإن كان كلاهما يشكّلان جريمة بالتجاوز على القانون، لكن معظم الجرائم التي تقوم بها القوى الإرهابية تتم ضدّ مجهول وفي قطاعات شعبية، لا علاقة لها بالصراع وبما يحدث، في حين أن العنف يستهدف الضحايا بالتحديد، أي أنه يختارهم اختياراً، لغرض محدّد.
الإرهاب والعنف جريمتان تستهدفان ضحايا، لكن الجريمة الأولى هدفها يختلف عن الجريمة الثانية، فجريمة العنف تندرج تحت لواء القانون الجنائي ضدّ أفراد أو جهات محدّدة، في حين أن جرائم الإرهاب تُحتسب على الجرائم ضد الإنسانية، وهي جرائم جماعية وجرائم إبادة وتحكمها قواعد القانون الإنساني الدولي، إضافة إلى القوانين الوطنية.
وهنا لا ينبغي أن نهمل الجانب الفكري للإرهاب فهو يمثّل فكراً ناجماً عن تطرّف وهذا الأخير يقوم على التعصّب. وإذا كانت المجابهة مع الإرهاب عسكريّة فإنها لن تؤدّي إلى القضاء عليه لوحدها، بل ينبغي أن تتعدّاه إلى تفكيك الظاهرة ومتابعة حلقاتها وكشف أهدافها ووسائلها، ومحاربتها بفكر مضاد وبوسائل مختلفة، ف«الوسيلة جزء من الغاية»، بل إنهما مترابطان، ولا غاية شريفة بدون وسيلة شريفة، وعلى حدّ تعبير المهاتما غاندي، «الوسيلة والغاية مثل البذرة من الشجرة».
وإذا كان الفكر الإرهابي أحاديّاً وإقصائيّاً ومعادياً للآخر، فإنّ الفكر النقيض الذي تحتاجه مجتمعاتنا ينبغي أن يقوم على الاعتراف بالآخر، والإقرار بالتعددية والتنوّع، وهذا يتطلّب نبذ التمييز بجميع أشكاله، سواء كان دينياً أو إثنياً أو بسبب اللون أو الجنس أو اللغة أو الأصل الاجتماعي أو لأي سببٍ كان، أي الاعتراف بمبادىء المساواة.
الإرهابي لا يؤمن بالحوار ويحاول أن يبسط سلطانه على محيطه بالقوة، وبدلاً من الإقناع يلتجئ إلى التفجير والمفخخات خارج أي اعتبار إنساني، طالما تتلبسه فكرة «امتلاك الحق» والسعي للوصول إلى هدفه بكل الوسائل، المشروعة وغير المشروعة أحياناً، وقد تكون هذه الأخيرة بنظره مشروعة، طالما يحاول «أدلجة» سلوكه وإعطاء نفسه مبرّرات قمع الآخر أو تصفيته، سواء كان ذلك بزعم الدخول إلى الجنّة أو إبادة الخصم الكافر أو القضاء على المروق والإلحاد، أو غير ذلك من محاولات إخضاع الآخر.
وإذا تمكّن التطرّف من التوغّل في العقول، والتغلغل فيها، فإنّه سيتمكّن ممّن يُصاب بلوثته، خصوصاً من تعرّض لعمليّة غسل دماغ لدرجة تعمي بصيرته وتشلّ مشاعره الإنسانية، ليقوم بفعلته، سواء بتفجير نفسه أو تفجير عدوّه أو خصمه، أو السعي لإذلاله والقضاء عليه.
ولكن ما السبيل لقطع دابر الإرهاب؟ هل بالعنف أو بالقوة والوسائل العسكريّة ؟ التجارب أكّدت إن المعالجة الأمنية غير كافية لوحدها، لأن الإرهاب يتناسل ويتوالد إذا ما استمرّت الظروف المؤاتية لتناميه، إذ لا يمكن القضاء على الإرهاب إلاّ بنشر الفكر المعاكس والمضاد، وبالمزيد من احترام الحقوق والحرّيات واعتماد مبادئ المواطنة المتساوية وتحقيق القدر الكافي من العدالة وتحسين ظروف العيش الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والقانونية.
لقد سمّم الإرهاب القائم على التطرّف والتكفير علاقات المجتمعات مع بعضها بعضاً، وأضرّ بعلاقات فئاتها وأديانها ومذاهبها وحتى أفرادها، مثلما أشبع المجتمعات الدولية بهواء ثقيل ورائحة كريهة، ولكن الخطر الأكبر هو السيطرة على عقول الشباب أفراداً وجماعات والعبث بها، خصوصاً بزراعة الكراهية وتبرير العدوان وإيجاد الذرائع لإقصاء الآخر واستسهال عمليات القتل والتفجير.
وإذا كانت يد الإرهاب طويلة وضاربة، فليس ذلك بفعل الإمكانات المادية والاقتصادية فحسب، فمثلها بعشرات ومئات الأضعاف يوجد في العالم، لكن التطرّف والتكفير قوي بقدرته على اختراق عقول الشباب العاطل، الممسوس بكرامته والشاعر بشحّ فرص العيش الكريم وانعدام العدالة وعدم المساواة وحالات الإحباط واليأس التي يصاب بها.
drhussainshaban21@gmail.com


25
عن المصالحة الوطنية وإدارة الأزمات
                     
عبد الحسين شعبان

راجت في العقود الأخيرة، خصوصاً بعد تجربة الانتقال السياسي في أوروبا الشرقية وجنوب إفريقيا، وبعض دول أمريكا اللاتينية، فكرة المصالحة الوطنية، ووَجدت هذه الأخيرة في «العدالة الانتقالية» وسيلة لتحقيقها. وفي المنطقة العربية ارتفع الجدل، واتسع النقاش حولها، بين موالاة ومعارضة، بعد موجة ما أطلق عليه ب«الربيع العربي»، تأييداً، أو تنديداً، فهناك من يرفعها إلى درجة التقديس، في حين أن هناك من ينزلها إلى درجة التدنيس، ولكل تفسيراته، ومبرراته. وبين هذا وذاك، فالمصالحة الوطنية، كما أكدت العديد من التجارب الكونية مسألة ضرورية للانتقال الديمقراطي.
لكن المصالحة الوطنية تحتاج إلى شروط ومستلزمات لإنجاحها، مثلما تستوجب وجود جهة معتمدة لإدارة النزاع، وهذه الجهة يمكن أن تفرزها التطورات ذاتها، لا سيما بتبادل المواقع بين معارضات سابقة، وحكومات معزولة، وما بينهما، حيث تبرز مشكلات عدة، واتهامات وملاحقات، تحتاج إلى الفصل فيها من جانب القضاء، أو عبر عملية سياسية انتقالية جديدة، وهو ما يندرج في إطار العدالة الانتقالية، التي تكون المصالحة الوطنية ختامها. كيف السبيل للوصول إلى المصالحة الوطنية المنشودة، خصوصاً بعد اندلاع العنف، وانفجار الصراع المسلح؟ بالتأكيد سيكون ذلك صعباً، بل عسيراً أحياناً، ولكنه ليس مستحيلاً، فقد توصل الرئيس الكولومبي خوان مانويل سانتوس، إلى إنهاء النزاع المسلح مع المعارضة، الذي دام 52 عاماً بفعل توفر إرادة سياسية، ووصول الطرفين إلى قناعة أنه لا يمكن لأحدهما القضاء على الآخر، الأمر الذي يحتاج إلى تقديم تنازلات متبادلة وصولاً للمصالحة الوطنية.
ويتطلب ذلك أحياناً جهوداً كبيرة قد تتخطى القدرات الوطنية، لتتشابك مع قدرات إقليمية ودولية، وهي من دون أدنى شك تحتاج إلى اتخاذ تدابير وإجراءات استثنائية، لأن العنف ومحاولات الاستئصال تقود إلى شق المجتمعات بين موالين وأتباعهم، ومعارضين وأنصارهم، وستترك بلا أدنى شك، تداعيات اجتماعية خطرة، لا سيما إذا طال أمدها، لأنها ستؤدي إلى تمزيق النسيج الاجتماعي، والروابط التقليدية.
والمسار الذي تتخذه إدارة الأزمات يبدأ بمحاولة الاحتواء containment، ثم يأخذ منحى تحويل الأزمة transformation، وأخيراً البحث عن الحلول الممكنة، أي اتخاذ قرار resolution بعد بحث ونقاش واتفاق، وقد يستغرق ذلك فترات زمنية طويلة وخطوات تدريجية، وصولاً لإنهاء النزاع، وتحقيق المصالحة الوطنية، أي تحويل النزاع العنفي العسكري إلى نزاع مدني إيجابي وبناء، تتم فيه معالجة مسببات النزاع الرئيسية، وصولاً إلى حله. ويحتاج ذلك إلى فتح حوارات واسعة، والبحث عن المشتركات المشروعة للأطراف المتنازعة، والسعي للتغلب على بعض المعضلات، لا سيما التوصل إلى توافق وطني يقدم الأولويات الوطنية على المصالح الخاصة، بأخذ أهداف الفرقاء المتنازعين في الاعتبار.
وتعتمد إدارة الأزمات على مسارات متعددة عبر تفعيل الدبلوماسية الرسمية والشعبية، والاستعانة بالتعليم والبحث العلمي وقطاعات المال والأعمال والإعلام والاتصالات، إضافة إلى دور بعض رجال الدين والشخصيات الاجتماعية والثقافية، كما يمكن للمجتمع المدني أن يلعب دوراً إيجابياً على هذا الصعيد، لكن ثمة عقبات تعترض الوصول إلى المصالحة الوطنية المنشودة، من أهمها تسييسها، أي جعلها وسيلة لإملاء الإرادة بفرض تنازلات من طرف على حساب طرف آخر. مثلما تتشبث بعض الأطراف المستفيدة من استمرار الصراع بمواقفها وإصرارها على محاكمة عهد كامل، أو اجتثاث جميع من كان بارزاً فيه، الأمر الذي سيكون عقبة أمام التوصل إلى مصالحة وطنية شاملة.
إن حالة عدم الاستقرار السياسي، والانفلات الأمني، وضعف المؤسسات العسكرية، وجهات إنفاذ القانون، تحول دون إنجاح المصالحة الوطنية، لا سيما إذا كان السلاح منتشراً، والثقة بين الفرقاء المتنازعين غائبة.
أما الخطوة الأولى لنجاح عملية المصالحة فإنها تتطلب اعترافاً رسمياً بما حصل من انتهاكات لحقوق الإنسان، ومساءلة المتهمين بارتكابها، لا سيما إذا كانت انتهاكات جسيمة، وممنهجة، والهدف ليس الانتقام والثأر بقدر ما يُراد التوصل إلى إحقاق الحق وتحقيق العدالة، مع أخذ مبادئ التسامح في الاعتبار.
وحسب تعبير لزعيم عراقي راحل، ينبغي اعتماد مبدأ «الرحمة فوق القانون»، وهو ينطبق أكثر على الظروف الاستثنائية، وهي التي نطلق عليها تعبير «العدالة الانتقالية»، أي أنها عدالة مؤقتة وانتقالية، محكومة بظروف استثنائية، وبانتقال البلاد من طور إلى طور آخر، ومن نظام إلى آخر، باستخدام أدوات قضائية وسياسية واجتماعية وثقافية واقتصادية وغيرها، كما ينبغي أن تبقى الذاكرة الوطنية حية، حين يتم جبر الضرر وتعويض الضحايا والمتضررين، مادياً ومعنوياً، وإصلاح النظام القانوني والقضائي والأمني، لكي لا يتكرر ما حصل.
drhussainshaban21@gmail.com


26
 آراء ومناقشات
في تجديد الفكر الديني: مساهمة في الحوار الدائر حول الإسلام والحداثة(*)
عبد الحسين شعبان
أكاديمي ومفكر عراقي.

(*) في الأصل ورقة قدمت إلى: ندوة «الإسلام السياسي بين المعارضة الاحتجاجية وتحمّل مسؤولية الحكم»، منتدى الجاحظ - تونس، بتاريخ 24 أيلول/سبتمبر 2016.
(**) البريد الإلكتروني:   drhussainshaban21@gmail.com.
تمـهيـــد
تندرج مسألة «الإسلام والحداثة» في إطار تجديد الفكر الديني من خلال أسئلة شائكة ومعقّدة تتعلّق بالرابط الذي يمكن الإسلام أن يطلّ فيه على عالم الحداثة. فرغم التطوّر الهائل الذي حصل في العالم على مستوى العلم والتكنولوجيا والاتصالات والمواصلات والإعلام والمعلومات، بما فيه الطفرة الرقمية (الديجيتل)، فإن الإسلام، وبالأحرى الفكر الإسلامي، لا يزال يراوح عند بوابة الحداثة، بل حتى دونها، ويخشى كثيرون الدخول فيها أو اجتياز عتبتها؛ فهناك ما يشدّهم إلى الخلف، ويحجب عنهم النظر إلى المستقبل بزعم الأصولية والسلف الصالح وغير ذلك من التبريرات.
الحداثة (Modernity)، تعني نقض القديم والتقليدي، وإطلاق الحرّية للعقل والتفكير في حركة نهوض وتطوير وإبداع هدفها تغيير أنماط التفكير والعمل والسلوك، وهدفها تبديل النظرة الجامدة للأشياء والكون والحياة، والتقليل من سلطات المقدس، ولكنها في الوقت نفسه تشترط التغيير والتجديد وتخطي الأساليب القديمة؛ فالماضي أصبح ماضياً، ولا يمكن استعادته أو العيش فيه، مثلما سيصبح الحاضر ماضياً وقديماً، وتلك سنّة الحياة، إذْ إن التغيير هو السمة المطلقة في الحياة، وما عداه فهو نسبي.
الأمر الذي يحتاج إلى تحديث (Modernization) هو الفكر الديني، وهذا له مدلول تاريخي ودينامية لتحوّلات بنيوية، مثلما حدثت في أوروبا منذ القرن السادس عشر حتى تبلور في الثورة الصناعية والثورة العلمية - التقنية التي رافقتها والتي قادت إلى الثورة الفرنسية عام 1789 وثورات أوروبا في القرن التاسع عشر.
والفكر الحداثي (Modernism) يعني التخلص ممّا يحول دون تقدّم الفكر وتطوّره، ولا سيّما حبسه في إطار من التقليد والمحاكاة للماضي، وحسب ألان تورين، فالحداثة تحتاج إلى عقلانية (Rationalism) وإلى انفجار معرفي، بحيث يصبح التركيز على العقل والعلم، فهل يصل الإسلام والفكر الإسلامي إلى ذلك؟ أم أن ثمّة معوّقات تقف حجر عثرة أمامه؟ وهل سيتمكّن الفكر الإسلامي من اجتياز بوابة الحداثة، الأمر الذي سيعني دخول عالمها، وبالتالي هل يستطيع تكييف التعاليم الإسلامية بحيث تستجيب لروح العصر بتقديم قراءات جديدة تنسجم مع التطوّر الكوني‏ .
أولاً: الديني والعلماني
إذا كانت أسئلة الجدل بين الدين والعقل قد صيغت في الماضي البعيد والقريب على أنحاء مختلفة ومتباينة لمفهوم الدين نفسه، فإن سؤال الدين من داخل الدين سيطرح إشكالاته النقدية هذه المرّة في ضوء البحوث المنهجية المهمومة بالانتقال من مهمة تجديد الخطاب الديني، إلى مهمات تجديد الفكر الديني ذاته، لأنه لن يكون في الإمكان تجديد الخطاب من دون تجديد الفكر، ولا سيّما بجعله يستجيب للتطورات والمتغيّرات ويتساوق مع روح العصر.
كما أن سؤال الدين من خارج الدين يشتبك مع سؤال الدين من داخله، لأن كليهما ينشغلان بالهمّ الفكري والإنساني والروحي، سواءٌ كانت تفسيراته مثالية أو مادية، بأسبقية الوعي أو بألحقيته، باعتباره انعكاساً للوجود المادي‏ .
السؤالان: الدين من داخله والدين من خارجه، يتداخلان من خلال علاقة السياسي بالديني، وكيف يمكن التواؤم بين الديني كمنظومة وبين السياسي، كمتحرك قابل للائتلاف، والاختلاف، وعلى أي قاعدة يمكن البناء، وما هي عوامل التلاقي وعوامل التعارض، وهل يمكن تحديد حقل كل منهما ليتم بالتالي احترام حقوقه وواجبات الدين والسياسة كحقلين منفصلين.
وإذا كان الأمر قد اقتصر في الكثير من الأحيان على تفسير العقائد الدينية، التي يتعلّق بعضها بالظواهر الغيبية وتعطّش البشر الروحي للشعور بالطمأنينة الداخلية، ولا سيّما في ظل عجز الإنسان عن تفسير وحلّ الكثير من الأسئلة التي تواجهه، فبعضها الآخر يتعلق بجانبها الاجتماعي والاقتصادي والثقافي، بالقدر الذي يمكن أن تكون جزءاً من الصراع الدائر بين الإنسان والإنسان وبين الإنسان والطبيعة، كسياق لصيرورة وجودية لامتناهية، وبالقرب أو البعد من المُثُل والقيم التي تروّجها الأديان والفلسفات والأفكار، وخصوصاً التي تريد تأمين سعادة الإنسان ورفاهه، سواءٌ في الدنيا أو الآخرة، ولنا في تفسير هيغل للدين مثـلاً، فقد كان بالنسبة إليه يعني الرغبة في السمو الإنساني نحو الأعلى والأكمل ومن خلاله يتجسّد «الإله»، وهو ما قام فيورباخ بنقده، ومنه استمدّ ماركس رؤيته في شأن الدين‏ .
وضمن هاتين الرؤيتين؛ التاريخانية والغيبية للدين، أو المثالية والمادية، ابتدأ النقاش المثير للجدل في زمن الحداثة وما بعدها ليزداد الإشكال المتعلق بالوعي الديني، إلى أن أصبح الكلام على مقدرة الدين على مواجهة العصر وتحدّياته ينحصر في مجموعة من الدراسات والأطروحات والأفكار والمقترحات النظرية، لكيفية طرح التجديد ضمن التباس العلاقة بين النقل والعقل وبين الشريعة والزمن، أي بين الثابت والمتحرّك، أو بين القطعي الدلالة والظنّي الدلالة، أو فلنقل بين القابل للانفتاح على الفكر والعصر، وبين المغلق على النص والزمن!
من هنا كان لا بدّ من فتح ملفات التجديد والاجتهاد والحداثة لمقاربة الهواجس المشتركـة بين الديني والعلماني في زمن الحداثة‏ ، على أن يتم انتهاج أسلوب الحوار الموضوعي الهادف إلى إتمام التكامل بين الدين والدنيا، لأن المسألة لا تتعلق بقيم السماء فحسب، بل إن الإشكالية تكمن في الأرض، ويدور الصراع حول القيم والمفاهيم التي يجسّدها الدين والفكر فعـلاً لا قولاً، وارتباطاً بمفاهيم الحرية والعدالة وسعادة ورفاهة البشر.
لقد وضع هيغل مفهوماً واضحاً للحداثة واستخدمه في سياقات تاريخية للدلالة على حقبة زمنية محدّدة، معتبراً أن الحداثة بدأت مع عصر التنوير، وقال إن الحرية مكوّن عظيم الأهمية للحداثة، وأنها بمنزلة «الروح». ومرّت فكرة الحداثة بتطورات عديدة من ديكارت، صاحب «الحداثة الفلسفية» (أنا أفكر إذاً أنا موجود) إلى ماكس فيبر الذي ربطها بتطور العقلانية والبيروقراطية في الرأسمالية، تلك التي مهّدت لمنجزات كبرى في إطار الثورة العلمية - التقنية.
وعلى الرغم من تلقينا النصَّ الديني بكل الاحترام والتقدير، إلا أن المسافة الزمنية بين زمن النص الأول وبين زماننا الحالي، تدفعنا إلى البحث والتساؤل عمّا إذا كان الموجود بين أيدينا حالياً من معطيات وشواهد، أو الذي وصلنا، هو نفسه من «وحي» اللحظة الأولى، أو فلنقل هل العلاقة اليوم بين وعينا الفكري وتطبيق حَرفية (نصيّة) النص تؤدي إلى ذات النتيجة المطلوبة في زمن الوحي الأول والمتلقي الأول؟!
ويمكن أن نسأل بعبارة أخرى: هل المكوّنات الدلالية للنص واحدة وثابتة في كل المسافات الزمنية بموجب وحدة النص نفسه ووحدة مصدره المقدس؟ وهل ما يطرأ على الزمن من تغييرات ومستجدات أساسية وجوهرية، تفرض التقيّد بحرفية النص أو تسمح بالتغييرات؟ وإلى أي مدى يمكن التحرك لربط النص والعصر وأسلوب التلقي؟
لقد وصلنا النص الديني عبر طرق النقل البشرية من خلال الفعاليات الاجتماعية والمدارس الفقهية، وكان للعقل والوعي البشري التأثير الأول والأساس في عملية النقل والتدوين والتصنيف والانتقاء والعرض. وفي حالات كثيرة، ومن خلال مناقشة النص بالنص ذاته، نجد أن بعض العلماء قد لجأوا إلى التشدّد في التزام الحَرفية (النصّية) تغطية لهشاشة مقدرتهم المعرفية أو لضعف في مقدرتهم العقلية التي من المفروض أن تعمل على استنباط ما يتناسب مع العصر ومتغيّراته وتيسّر كل ما له علاقة بالدين بحيث يصبح مقبولاً ومنسجماً مع متطلبات عصره.
ولو أخذنا في الحسبان أنَّ قسماً غير قليل من مكوّنات الماضي قد فُقدت، إمّا لعدم تدوينها المباشر أو لاختلال في دقة النقل، كأن يُنقل جزء من الحدث لا كامله، فإن ذلك يشكّل مشكلة الوقوع في نصف الحقيقة، أو بمعنى يمكن القول: إن ما نُقل هو انطباع أو تصوّر أو تفاعل الناقل مع الحدث وعنه لا الحدث نفسه، مع احتمال أن يكون الحدث المنقول منتقصاً من مجمل معطياته وملابساته؛ ودرجة الاحتمال هنا عالية.
هذا إضافة إلى تعارض المعطيات نفسها وتناقضها، ما يعني أنَّ الحدث الماضي ذهب ولم يعد في الإمكان تمثله أو تصوّره بالكامل، كما كان لغياب أكثر أجزائه المكوّنة له ولحصول التشويش في الجزء المنقول منه، يجعله غير دقيق أو لا يفي بمتطلّبات إجلاء الحقيقة كاملة.
أضف إلى ذلك تعرّض النص الديني الشفاهي نفسه لتحوُّل نوعي في طبيعته زمن صدوره، ولا سيَّما بانتقاله من الشفاهة إلى التدوين، وهذا التحوّل لم يعد تحوّلاً شكلياً، بل ينال من نظام الاتصال وحال العلاقة لا بين المتكلم والمستمع فحسب، بل بين نص ومتلقٍّ، ما يعني أن المتلقي الأول قد انتهى إلى الأبد ولا يمكن استرجاعه، وأن مُبَلِّغ النص لم يعد حاضراً مع نصه، بل أصبح النص هو المعبّر الحصري له.
وهكذا حلّت الكتابة المدوّنة بدلاً من صوت المتكلم، الذي بلَّغ الوحي، وفقد الكلام قوة التأثير الموجودة في الخطاب الشفهي ومجمل التأثيرات المرافقة (نبرات، إيماءات، حركات جسدية معبرة...)، التي لا يمكن النص المكتوب أن ينقلها، وبالتالي فإن كل مكوّنات أو ملابسات حدث التبليغ والتلقي الأول ستكون غائبة‏ .
والتجديد لا يعني تغيير النصوص، بل يعني تغيير الفهم لتلك النصوص بما يتناسب مع الحال المعاصر. وللأسف فإن بعض علماء العصر اعتادوا ألّا ينظروا إلى النصوص الدينية إلا من خلال الفقه القديم والتراث، ولا سيّما الموروث منه كونه يمثّل القدرة على فتح مغاليق الفهم الصحيح للحاضر، وأن أي خروج عن نص الفقيه هو خروج عن الملّة. بينما المطلوب هو التدبّر والبحث عمّا يتوافق ويتناسب مع واقع اليوم، الذي أصبح مختلفاً، اختلافاً جذرياً عن واقع الأمس البعيد في زمان الفقه القديم.
إن الاجتهاد، مَلَكَة فطرية مكتسبة، تحصل للفقيه، ويُمْكِنُه - من خلالها - أن يختار من النصوص والاجتهادات ما يتلاءم مع الظروف المستحدثة، وما يتناسب مع واقع الحياة المتجدّد وما يمكن استنباطه من الأحكام والقواعد.
ثانياً: عن فكرة الإسلام دين دولة
إذا ما أخذنا مقولة أن الإسلام دين يصلح لكل زمان ومكان‏  بحسب نصّيتها وحرفيتها، بما فيها من أحكام وقواعد خضعت لزمانها وكانت تعبيراً عنه، فإن هذا يعني أن الإسلام ليس بحاجة إلى التحديث والتجديد والتناغم مع التطور العلمي والتكنولوجي والعولمة والحداثة وما بعدها؟ لعل استنتاجاً مثل هذا سيقود إلى التحجّر والصنمية والجمود، من خلال نص لا يمكن تكييفه لمتطلبات الزمن، أو إعادة قراءته بما امتلك الإنسان من تطور عقلي واكتشافات علمية!
وهكذا فإن مثل هذا الحكم سيعني إقفال باب التطوير والتجديد للفقه الإسلامي ووضع حاجز لا يمكن اختراقه بين الماضي والحاضر، في حين أن أي فكرة أو فلسفة أو دين ستكون صالحة بقدر ما يمكن تكييفها وتحديثها وعصرنتها، بما يتمشى مع تطور العصر والزمن.
وإذا ما أقرّينا بأن قواعد الدين الإجمالية هي كلّية وشاملة أي عامة ومجرّدة، فعلينا أن نبحث في الجزئيات والتفاصيل، لأن أمرها متروك للاجتهاد ومفتوح على الزمن فهي غير محصورة الحدوث في واقع واحد، وهذا ما يدعو إلى استنباط الأحدث من الاجتهاد الدائم المستمر.
وإذا كانت البشرية قد تقدّمت في شتى الميادين وخطت خطوات جادة في ميدان العلم والمعرفة والثقافة، وأضافت كمّاً هائلاً من المعلومات يزداد ارتفاعاً، بحكم المعطيات الجديدة، فإن الفقه الذي لا يواكب الزمن بما يجب عليه، سيبقى عاجزاً عن تلبية حاجات الإنسان المتطورة التي لا تتوقف، والسبب الأول هو أنه لا يتسع ليشمل المجالات المتغيّرة والمتحرّكة، أو أنه اتّسع إلى حدٍ ضئيلٍ جداً، تاركاً الكثير من المسائل المعلقة من دون جواب، أو حتى تركها متقوقعة على ذاتها في إطار الزمن الماضي. ولعل ذلك لا يلبّي الكثير من الحاجات المعاشة والمستجدات المستمرة، وهكذا ستكون آلاف الموضوعات الفردية والمجتمعية، غير خاضعة للبحث والتمحيص في بوتقة الفقه، لأنه بصراحة لا يمكنه النقاش حولها، لافتقاده الأدوات اللازمة والضرورية لذلك‏ .
وما من شك في أن الإحساس بالزمن وخوض غمار الواقع وتحدياته على مستوى الأفكار والعلوم من موقع الإيمان بفريضة النقد الذاتي والمراجعة الفكرية، بهدف المواءمة لروح العصر الاجتماعية، سيضع العقل السكوني أمام تحدّيين أساسيين: الأول يتعلق بتحديد الهدف من أي اجتهاد أو تجديد، الأمر الذي يستلزم أن تكون له الأولوية في البحث والاستنباط، وبما أن النص القرآني هو نص مفتوح على الزمان والمكان، فإنه يحرّك العقل باستمرار نحو قراءة الواقع بحثاً عن حياة إنسانية أفضل، ولعل الأفضل دوماً هو ما استجدّ من الحداثة والعصرية.
أمّا التحدي الثاني، فهو اختيار الوسائل المناسبة للتجديد في إطار رحب من الاجتهاد والحرية، من دون وصاية مسبقة أو تابوهات ومحرّمات، باستثناء ما يتعلّق بثوابت الدين وقيمة الإنسانية كما يقال.
إن الإسلام، بحسب المفهوم القرآني، وإن استمدّ قوانينه وتشريعاته من الوحي وبيّناته المثبتة في الكتاب، إلا أن مقوماته الموضوعية تتصل بالشرط الإنساني، أي بآليات التطبيق الفعلي الذي يغدو مع الزمن جزءاً من التاريخ؛ وإلى أن يتخلص العقل الديني من موروثات التفسير الحرفي (النصّي) المغلق للكتاب، فإن الحداثة ستظل غير قادرة على الانتقال من حافة الزمن إلى حيث يجب، أي عمقه وجوهره، وهكذا تبقى أسيرة قوالب وصيغ جاهزة وجامدة لمناهج التفكير، وتدريجاً تنقطع عن الحياة، كلما انقطعت وشائج الصلة بينها وبين العالم المتغير وعلومه وتقنياته السريعة والملهمة.
هناك حواجز فقهية ومعرفية اصطنعها بعض المجتهدين تحتاج اليوم إلى إعادة النظر في مبانيها ومسوّغاتها وصلاحياتها، فهي وضعت في زمان غير زماننا. وكَيلا تستمر فتاوى المعاملات على الأقل في استهلاك القديم واجتراره ضمن أطر تجاوزتها الأيام فلا بدّ من ضرورة البحث عن أدوات جديدة متطوّرة في أصول جديدة تساعد على تطوير نظام الاستدلال بوسائل عصرية، لأنّ إهمالها يخالف منطق العقل والتاريخ ويحول دون تحقيق غاية الدين من هداية الإنسان التي هي أقوم. وإذا أردنا العودة إلى الإمام علي في هذا الشأن فقد جاء على ذكر ذلك بقوله: «لا تعلّموا أولادكم عاداتكم لأنهم خلقوا لزمان غير زمانكم»‏ ، ولعل في ذلك إدراك عميق ومبكّر لأهمية تساوق الدين مع واقع التطور والحياة المتغيّرة.
كما يجب التشديد على ضرورة تبادل الآراء والاطلاع على ما استجدّ من تطورات ومتغيّرات، وخصوصاً أننا نعيش في عصر العولمة وثورة الاتصالات والمواصلات والمعلومات، ولا سيّما ما يتعلق بالطفرة الرقمية (الديجيتل)، وبكل ما له علاقة بالثورة العلمية - التقنية السيبرنيطيقية.
ولعلّ التطورات التي حصلت خلال العقود الخمسة ونيّف الماضية، تكاد تزيد بعشرات ومئات المرّات عن التطورات العالمية على مدى خمسة قرون أو ما يزيد، بل لكل ما أنجبته البشرية في تاريخها، وهو الذي يدفع ويساعد على الاجتهاد استناداً إلى قول الرسول (ﷺ): «إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر»، أي هناك حرية للخطأ، والخطأ مع الاجتهاد، حق مسموح ويمكن أن يعطي صاحبه أجراً، لطالما حاول وسعى للاجتهاد وأخطأ فيه.
هكذا يصبح مبدأ اختلاف الآراء والأفكار، أحد العوامل الأساسية في الوصول حيث يريد الفكر من التلاقح والتفاعل، سواءٌ على المستويات النظرية أو العلمية وفي الحقول العملية والاجتماعية كافة، وعلى الرغم من أهمية الاجتهاد الشخصي ودور الفرد في التاريخ. فإن الأعمال الكبرى تحتاج إلى عمل جماعي وطاقات منتجة تصبّ بعضها مع بعض لإحداث التغيير المنشود، وحسب رأي الإمام الشافعي «رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب»، أي إعطاء فسحة للعقل وللتفكير والاجتهاد.
لا تكمن المأساة في استنادها إلى النص، بل في منهجية انحباس قراءة النص ودلالاته قراءة أحادية، وضمن ظواهر التأثيم والتحريم والتجريم، وأحياناً دون معرفة كافية، ولا سيّما بعلوم العصر، الأمر الذي يؤدي إلى الفوضى ويبعث على التشاؤم والقنوط، بل والعزلة، وخصوصاً إذا كانت الأحكام تتعارض مع المعطيات العلمية، لما أنجزه العقل البشري، وهذا الأخير «نعمة ربانية» لا بدّ من استثمارها على أحسن وجه، إذْ إن أي محاولة لاغتيال العقل أو اعتقاله ستلغي إمكان الحوار بين المقاربات المختلفة لنشاط الفكر الإنساني، بل ستعمل على تعميق الاختلاف المصطنع بين العلم والدين، اللذين سيبدوان في تناقض لا يمكن الجمع بينهما.
ثالثاً: فكر اللغة ولغة الفكر
يجب أن ينطلق التجديد الديني من وقفة صحيحة على قنوات الإنتاج المعرفي والثقافي لتفسير النصوص مع الأخذ في الحسبان، أن لكل عصر من عصور «الفكر الديني» أساليبه في استخدام «النص الإلهي» تحت شعار «حاكمية» هذا النص على الواقع، وتتم قراءته أحياناً بطريقة متعسّفة أو إرادوية تبعاً لخلفيات المرجع القارئ. كما أن دور القراءة لا ينبغي أن يكون استعادة ما نقله السلف، بقدر ربط ذلك بالواقع من خلال نقده بما يستجيب لجوهر الدين وقيمه الإنسانية، ولا سيّما في محاربة الاستغلال والظلم والدعوة للحق والعدل والكرامة الإنسانية.
ولأن الفكر الديني عند بعض المتكلمين باسم الدين يقوم على «فكر اللغة» وليس على «لغة الفكر»، فقد وقع أحياناً بالماضوية والجمود، ولأنه يستند عند بعضهم إلى مرجعية «التفسير التاريخي للنص»، فقد اتُّهم بتصدير المشكلات التاريخية على واقع لا يتحمّل شيئاً من مسؤولية تلك المشكلات إلّا بمقدار إهماله في أن يجد لها حـلاً ليتسنى له تجديد وعيه بالدين على قاعدة: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُون﴾‏ .
وإذا كان التقديس يشمل الشروحات والتفاسير الأحادية، فإن ذلك يُعدّ من عوامل جمود الفكر الديني، ولتجديده يجب أن يواجه تحدّيات الاختبار بدءاً من إشكال المنهج ومن إشكال تجديد شخصية الفقيه المفتوح على تجديد أصول الفقه الإسلامي ومبانيه، ليتمكن بالتالي الإطلاع على علوم العصر بحيث يكون قادراً على الإجابة عن الأسئلة الشائكة والمعقدة لواقعنا المعاصر.
وأياً تكن درجة التشابه بين مشكلاتنا ومشكلات السلف الصالح، فإن المنهج الصحيح في حلّها هو أن نضيء فهمنا نحن للنص الأول حتى ولو كان متعارضاً أو متناقضاً مع فهم من سبقنا من الفقهاء؛ فثمة فارق جوهري بين أن نبحث عن حلول لمشكلاتنا الراهنة في كتب السلف الصالح الذي أثرى فكره وعصره بتجربته العلمية في قراءة النص، وبين أن نصبّ عقولنا وفاعليتنا الفكرية على المشكلات التي تعترضنا لنجد لها الحل من واقعنا وزماننا مراعين ألّا تجيء نتائجنا الفكرية متعارضة مع تطورات الحياة ومتغيّراتها، وليس في هذا النموذج من معنى تجديد الفكر الإسلامي ما يجافي دعوة القرآن الكريم إلى الانحياز إلى الأحسن والأكمل والأجمل من الأفكار والأقوال والأعمال.
وأقول إنّي أرى أن الدعوة إلى التجديد تتكامل مع الدعوة إلى العلم والتعلّم، وما هي إلّا بحث عن الأجمل والأكمل والأحسن، ولا أعتقد بأن أحداً ما يمكنه الوصول إلى أعماق مفهوم القرآن بعيداً من التدبّر والتفكّر من أجل تجديد الوعي بالنصوص المدوّنة، وقد تم تأكيد الدعوة إلى إعمال العقل واحتكام الإنسان إليه في تدبّر أمور دينه ودنياه.
ومن الجدير بالذكر أن هناك بعض الكوابح من داخل وخارج الفكر الإسلامي تعوق إرادة التجديد، منها:
1 - عدم القناعة بالتجديد والاستكانة لما هو قائم من فكر تقليدي متوارث ومستنسخ، وذلك لا يعني سوى النقل لما هو متعارف عليه ومتداول، فالجديد قد يكون غريباً، وكل غريب مريب.
2 - انخفاض درجة الوعي بأهمية التجديد وعدم الشعور بالحاجة إليه، ناهيك بعدم القدرة على تحمّل مشاق البحث والتدقيق واستنباط الأحكام بما يستجيب للزمن الراهن.
3 - الخشية من الانفتاح على الآخر، بحجة الحفاظ على العقيدة ونقاوتها ومنع اختلاطها بعقائد أخرى، وكذلك الخوف من «العامة» الذين استمروا على الفكر السائد واعتادوا تقليد ما قبلهم، وبالتالي قد يمكنهم الإعراض عن المجددين أو اتهامهم بالبدع وما شابه ذلك.
4 - تعارض التجديد مع المصالح والامتيازات التي يحصل عليها بعض رجال الدين باسم الدين. وهذه المصالح والامتيازات قائمة ومستمرة، بل ومزدهرة، حتى وإن اتخذت لبوساً طائفياً أو مذهبياً‏ .
ولعل مثل هذا الأمر يؤدي إلى التقوقع والانغلاق والنظر إلى الآخر بوصفه «عدواً»، الأمر الذي قد يؤدي إلى حجب روح التجديد بحجة الثقافة الغازية أو «الغزو الثقافي»، وهنا نستحضر الصورة النمطية منظوراً إليها عكسياً، فبقدر الإسلاموفوبيا‏  أو (الرهاب من الإسلام) وهي النظرة السائدة في الغرب للنظر إلى الإسلام، بوصفه ديناً يحض على الكراهية والعنف والإرهاب، هناك الويستوفوبيا (الغربوفوبيا)، أي النظر بعدائية إلى كل ما هو قادم من الغرب بوصفه شراً مطلقاً.
وإذا كان الغرب السياسي بفلسفاته وأنظمته يستهدف فرض الاستتباع على المسلمين والإسلام وكبح جماح تنمية شعوب العالم الثالث ومنعها من تمثّل هويّاتها الثقافية، فإن الغرب في الوقت نفسه مستودع للعلم والتكنولوجيا ولخير ما أنجبته البشرية من أدب وفن وجمال وعمران، بما فيه تأييد بعض حقوقنا العادلة والمشروعة، ولا سيما من جانب بعض الأوساط في الغرب الثقافي‏ .
لقد جرى تشويه صورة العرب والمسلمين على نحو صارخ، ولا سيّما بعد أحداث 11 أيلول/سبتمبر 2001 الإرهابية الإجرامية، بحجة أن بؤرة الإرهاب والعنف تكمن في الإسلام ذاته كدين. وتم اختزال تلك الصورة لتنطبق على أسامة بن لادن وأيمن الظواهري وأبو مصعب الزرقاوي وأبو بكر البغدادي وغيرهم ممن انخرط في تنظيمات القاعدة والدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)وجبهة النصرة وغيرها من التنظيمات الربيبة، أما الإسلام بصورته الاعتيادية، فهو أمْيَل إلى الاعتدال والتسامح؛ وللأسف، فقد اختلطت صورته والتبست قيمه عبر تنظيرات أيديولوجية بعضها مغرض مع سبق الإصرار، وبعضها ساذج وهو ما نطلق عليه «الإسلاملوجيا»‏  أي «الإسلام ضد الإسلام»، وهي محاولات لا تقلّ خواءً عن الافتراضات المسبقة، لكنها أشد خطراً من السابق، حيث تتم محاولة إلصاق كل ما هو عنفي وقاسٍ وإرهابي بالإسلام.
ومع تغيّر شكل ووجهة الصراع الأيديولوجي في أواخر الثمانينيات نشط فرانسيس فوكوياما لتقديم نظريته «نهاية التاريخ» عام 1989‏  متخذاً من الإسلام عدوّاً جديداً بعد انهيار الشيوعية، ثم جاء دور نظرية «صدام الحضارات وإعادة تشكيل النظام العالمي»‏  التي روّج لها صموئيل هنتنغتون منذ العام 1993، والتي تجسّدت في بيان المثقفين الأمريكان الستين بعد أحداث 11 أيلول/سبتمبر والذي كان أقرب إلى البيان الحربي منه إلى إعلان ثقافي، على الرغم من دعوته إلى الحوار، لكن الأجواء التي سادت كانت كلها تشجع على التهميش والاستئصال، وهو ما جرى التعبير عنه خلال الحرب العالمية ضد الإرهاب الدولي، التي وجدت ضالّتها في احتلال أفغانستان عام 2001 واحتلال العراق عام 2003، وما صاحب ذلك من أعمال إرهاب وعنف منفلتة من عقالها وفي تعارض مع القواعد القانونية والإنسانية الدولية.
وقد جرت عدة محاولات لأبلسة الإسلام وصيغت نظريات جعلت الصراع بين الأديان، وبوجه خاص مع المسلمين والإسلام، أمراً لا مفرّ منه، ولا سيّما بعد انهيار الكتلة الاشتراكية وانتهاء الحرب الباردة، فكان لا بدّ من البحث عن عدوّ، وإن لم يجدوه، فلا بدّ من تصنيعه، فما بالك حين يأتي بعض المتأسلمين ليقدّموا الذرائع لهم، وخصوصاً بما يقومون به من أعمال إرهابية هي ضد الإسلام والمسلمين أساساً قبل أن تكون ضد الآخرين.
ولولا الأزمة العالمية الاقتصادية والمالية التي عصفت بالولايات المتحدة وبالنظام الرأسمالي العالمي وانهيار بنوك عملاقة وشركات تأمين كبرى وانخفاض سعر الدولار بوجه خاص لكانت الحملة المعنونة «القضاء على محور الشر» قد أصابت بلداناً أخرى كانت على لائحة التنفيذ.
ولعل الوجه الآخر لهذه الحملة كانت «إسرائيل» بحربها التي دامت 33 يوماً ضد لبنان تحديداً، عام 2006 ومن ثم حروبها على غزة؛ الأولى - التي دامت 22 يوماً في أواخر العام 2008 وأوائل العام 2009 أطلق عليها اسم عمود السحاب. بعد حصار مفتوح وهو ما بشرت به كونداليزا رايس وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة حين وعدت بقيام شرق أوسط جديد ولم يكفها الحديث عن شرق أوسط كبير، ولكن صمود الشعب الفلسطيني والشعب اللبناني فوّت على واشنطن وحليفتها فرصة استكمال مخططاتها العدوانية. والثانية - عملية الرصاص المصبوب في العام 2012، أما الثالثة - فهي عملية الجرف الصامد في العام 2014.
وتستغل هذه التوجهات بعض أعمال العنف والتزمّت والتعصّب والغلوّ التي تتم باسم الإسلام وتريد إعادة الزمن إلى الوراء، أي إلى ما يزيد على 1400 سنة إلى الخلف، وتكفير وتأثيم وتجريم كل ما يعاكس نظرتها، وترفض أي تساوق مع التحديث والتجديد والمعاصرة، وهو ما ينبغي التوقف عنده ودراسته بعمق، لأن تلك الصورة النمطية المشوّهة التي لا تزال معلقة بذاكرة الغرب السياسي من غزوات الفرنجة الأولى، وحتى احتلال العراق، المفتوح على احتلال الهويّة والثقافة والدين والمستقبل، لا ينبغي لها أن تكون مبرّراً لحجب الفكر الديني في إطار ضيِّق والعيش مع الماضي والإبحار في التاريخ ونصوصه، من دون رؤية الحاضر واستشراف المستقبل، بعقل منفتح وفكر يقبل الآخر، ويتعامل معه على أساس المساواة والحقوق والعدالة، وهو ما يفترض أن يتم التمسك به لنا وله، ومن خلال التناظر والتباين وعلى أساس المشترك الإنساني، الذي يفترض التحرك من قاعدة واحدة أو من قواعد مختلفة، ولكن لأهداف واحدة أو موحّدة، مع احترام الخصوصيات والهويّات والتمايزات، ولكن في إطار عالم يستجيب للحداثة ومتطلباتها بحيث يتساوق الفكر الديني معها لخدمة الإنسان وسعادته ورفاهه.
نشرت في مجلة المستقبل العربي، بيروت، عدد 459 - أيار(مايو)2017



27



جدل المواطنية والانتماء الطائفي
مــقاربـــة للـحالــة العــــراقـيـــة



د. عبد الحسين شعبان*



 

مقدمــة
   انفصل العراق عن الدولة العثمانية خلال الحرب العالمية الأولى، بعد احتلاله من بريطانيا 1914-1918، وتأسّست المملكة العراقية من ثلاث ولايات هي: بغداد، والموصل، والبصرة، في 21 آب (أغسطس) 1921 بتنصيب الأمير فيصل ملكاً على العراق، وبعد حكم بريطاني مباشر رفضه العراقيون، وواجهوه بسلسلة من الانتفاضات والتمرّدات، أبرزها انتفاضتَي النجف العام 1918 والسليمانية العام 1919، التجأت بريطانيا إلى عصبة الأمم لمنحها "حق" الانتداب على العراق، وذلك في 25 نيسان (أبريل) العام 1920.
   لكن العراقيين المطالبون بالاستقلال واصلوا رفضهم واحتجاجهم، فاندلعت ثورة العشرين في 30 حزيران (يونيو) 1920، التي غطّت العراق من أقصاه إلى أقصاه واستمرّت بضعة شهور، إلاّ أنها لم تتمكّن من تحقيق أهدافها بسبب الوحشية التي استخدمتها بريطانيا في قمعها من جهة، وبالمكر ومحاولات الاستمالة بعض الأطراف من جهة ثانية، وهكذا نجحت في إجهاض الثورة، ومارست بعدها سياسة انتقامية إزاء زعمائها، لتتمكّن من ربط العراق بطائفة من المعاهدات المجحفة والمذلّة، وخصوصاً معاهدة العام 1922 ، ومعاهدة العام 1930 وقد استمرّت صيغة الانتداب لغاية العام 1932، وبعدها حصل العراق على استقلاله، وانضم إلى عصبة الأمم، وإن ظلّ هناك الكثير من القيود التي تثلم سيادته الوطنية.
ثلاث عُقد مزمنة:
   منذ أن تشكّلت الدولة العراقية سنة 1921 وإلى اليوم عانت من ثلاث إشكاليات جوهرية، كادت أن تكون عُقداً مزمنة، وهذه العُقد ذات الطبيعة الموضوعية والمنهاجية تتعلق بطبيعة النظام السياسي وفلسفة الحكم والمواطنة والهويّة والحداثة، وهي من نتائج اتفاقية سايكس بيكو التي مضى عليها أكثر مئة عام ، وتراوحت هذه القضايا في حدّتها، واختلفت في تأثيراتها تبعاً للظروف والتداخلات الخارجية والعوامل الداخلية، فقد كانت محدودة في فترة العهد الملكي، بل كادت أن تختفي في فترة العهد الجمهوري الأول، لكنها عادت وبالتدرّج أصبحت بؤرة شديدة السلبية والخطورة، في أواسط الستينات والسبعينات، ولا سيّما خلال فترة الحرب العراقية - الإيرانية 1980 - 1988 وفيما بعد خلال فترة الحصار الدولي المفروض على العراق 1990 - 2003 تمهيداً للاحتلال.
   القضية الأولى: عدم الاعتراف بحقوق الأكراد، وكانت اتفاقية لوزان  لعام 1923 قد التفّت على معاهدة سيفر  لعام 1920 التي اعترفت جزئياً بحقوق الكرد، الأمر الذي دفعهم لعدم المشاركة في الاستفتاء الأول عند تأسيس الدولة العراقية، ولا سيّما بعد ثورة الشيخ محمود الحفيد في السليمانية العام 1919.
وكانت الإشارة إلى المسألة الكردية قد وردت في قرار لمجلس وزراء الحكومة العراقية المؤقتة، التي نادت بالأمير فيصل الأول ملكاً على العراق، حين جرى التأكيد على مشاركة الأكراد في انتخابات المجلس التأسيسي وفقاً لما نصت عليه معاهدة سيفر. ويُذكر أن معاهدة سيفر بين دول الحلفاء والحكومة التركية بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية، نصّت على حق الأكراد بالتمتع بشكل من أشكال الحكم الذاتي يمكن أن يتحّول إلى نوع من الاستقلال مع السماح لأكراد كردستان الجنوبية (أكراد العراق) بالانضمام إليهم إذا رغبوا بذلك.
ولم يكن الانتداب البريطاني الذي فرض على العراق في 25 نيسان (أبريل) 1920 ليتجاهل وجود الأكراد وحقوقهم، فقد نصّت المادة 16 على أن "لا شيء مما في هذا الانتداب يمنع المُنتدِب من تأسيس حكومة مستقلّة إدارياً في المقاطعات الكردية..."، وكانت الحكومة البريطانية قد أوعزت إلى المندوب السامي البريطاني بيرسي كوكس، الإسراع في وضع لائحة القانون الأساسي (الدستور الدائم الذي صدر في العام 1925)، استناداً إلى صك الانتداب والمعاهدة العراقية البريطانية .
وقد تراجعت القضية الكردية وحقوق الأكراد في المحافل الدولية منذ معاهدة لوزان التي أسدلت ستاراً كاد أن يكون كثيفاً عليها، استمرّ سبعة عقود من الزمان . ولذلك ظلّت القضية الكردية دون حلّ ومصدر قلقٍ وتوتر للعديد من دول المنطقة. وكانت على النطاق العراقي تزداد تعقيداً مع مرور الأيام، لا سيّما شعور الأكراد بالتمييز وعدم المساواة، الأمر الذي أدى إلى إضعاف الهويّة الموحّدة، وبالقدر الذي كانت القضية الكردية تكتسب أهمية متزايدة سواءً على صعيد الحكم أو الحركة الوطنية العربية والكردية، فإنها تركت تأثيرات إنسانية خطيرة على وضع الأكراد، ناهيكم عن تأثيراتها السلبية على دول المنطقة وعلى قضية التنمية والديمقراطية بشكل عام.
   القضية الثانية: تتعلّق بقوانين الجنسية؛ لا سيّما قانون الجنسية الأول رقم (42)  لعام 1924، الذي بذر بذرة الطائفية في العراق ، إضافة إلى حزمة من قوانين الجنسية التي عزّزت من الشعور بالتمييز، خصوصاً حين اقترنت بعمليات تهجير ونزع للجنسية بزعم التبعية غير العثمانية، تحت عنوان الأجانب، وكان المقصود بذلك من هم من أصول إيرانية، وقد شملت حملة التهجير في الثمانينات نحو نصف مليون مواطن عراقي بحجة "التبعية الإيرانية" وعدم الولاء السياسي، والتي اتّسمت بموجة عداء وكراهية عشية وخلال الحرب العراقية - الإيرانية، وقد كانت الثورة الإيرانية والمشروع السياسي الذي رافقها، لا سيّما ما عُرف بـ"تصدير الثورة" والتمدّد إلى الخارج عاملاً من عوامل زيادة الشحن الطائفي الذي استخدم لأغراض سياسية من الأطراف المختلفة .
   والقضية الثالثة: عدم اكتمال وتبلور هويّة عراقية جامعة على أساس المواطنة الفاعلة، والتي يمكن أن تتعايش تحت سقفها هويّات فرعية وذات خصوصية وتنوّع وتعدّدية، والسبب يعود إلى ضعف وهشاشة البُنى والتراكيب الدولتية "الحكومية" التي أقيمت تحت عناوين "الديمقراطية" أو غير ذلك، في العهد الملكي وفي العهود الجمهورية التي أعقبته، ومما ضاعف الأمر وأضفى عليه خطورة هو انحسار موجة الحداثة والثقافة المدنية والحقوقية، وإضعاف دور الطبقة الوسطى، وهيمنة الفكر والثقافة التقليديين بالتدرّج.
   وارتبط ذلك بتراجعات على مستوى الإقليم بشكل خاص ودول العالم الثالث بشكل عام، بصعود بعض التيارات الدينية وارتفاع رصيد الهويّات الفرعية، علماً بأن العديد من البلدان النامية شهدت موجة من الانقلابات العسكرية التي لعب فيها الجيش دوراً أساسياً، سواء بمشاركة حركات وأحزاب شمولية أو انفراد قيادات عسكرية تسلطية بالحكم، الأمر الذي ساهم في إضعاف التوجّهات الديمقراطية من جهة والهويّة الجامعة من جهة أخرى، خصوصاً بالترابط مع موجة الشحن الطائفي والاصطفافات المذهبية وصعود الهويّات الفرعية .
   وقد كان للمركزية الشديدة في السلطة والرأسية في العلاقات دوراً كبيراً في ذلك، خصوصاً بضعف ثقافة الحداثة وعدم تغلغلها في المفاصل الاجتماعية المختلفة، حيث بقت محصورة لدى بعض النخب وأحياناً في قشرتها الفوقية، في حين أن جذور الثقافة التقليدية والموروث الديني كانت عميقة الغور وتحفر في باطن المجتمع بينما ظلّت الثقافة الجديدة تنقر في السطح.
   إن فشل المشروع الحداثي بتياراته المختلفة ساهم في صعود المشروع الديني، سواء بطبعته التقليدية أو بطبعته الإرهابية، علماً بأن ما يجمعهما هو إقصاء الآخر وعدم الاعتراف بالتنوّع والتعدّدية ومحاولة إملاء الإرادة، وقد حاولت الجماعات الدينية توظيف الدين بطريقة آيديولوجية مغلقة ولا تقبل الآخر. وكانت التضحية بالحرّية والكينونة الفردية لحساب ما سمي الجماعة أو التضامن الاجتماعي امتداداً للماضي الفلاحي القروي والبدوي على حساب الحداثة ومستلزماتها سبباً آخر في التراجع .
   هكذا نشأت الدولة العراقية ضعيفة، ولم تستكمل بناء هويّتها الموحّدة والمتينة، خصوصاً بالقضايا العُقدية التي واجهتها، وبالتدخّلات الإقليمية والدولية، وبعدم الاستقرار الذي عاشته، حيث كانت دولة قلقة، وأقرب إلى الطوارئ أحياناً، فشهدت سلسلة انقلابات عسكرية، وتمرّدات، وثورات، حتى أُطيح بالنظام الملكي سنة 1958، لكن العهد الجمهوري كان أكثر اضطراباً وعنفاً واستبداداً، وضاقت بالتدريج قاعدة الدولة الاجتماعية، حتى جاء الاحتلال الأمريكي إلى العراق على أنقاض الاحتلال البريطاني الأول وأنظمة جمهورية متصارعة وحروب وحصار وتناحرات داخلية، فعمّق من هذه الوجهة وذلك بقرار الحاكم المدني الأمريكي بول بريمر عند تشكيل مجلس الحكم الانتقالي وفقاً لنظام المحاصصة الطائفية - الإثنية، وقد كان ذلك يعني تعزيز الانتماءات الضيقة الطائفية والإثنية، ولا سيّما بعد إضعاف مرجعية الدولة .
من دولة بسيطة إلى دولة مركّبة
   استمرّت الدولة العراقية منذ 1921 وحتى 2003، دولة بسيطة، أي دولة مركزية هرمية الصلاحيات، ولكن مع مرور الأيام أخذت السلطة تتمركز شيئاً فشيئاً وبالتدرّج، بيد واحدة شديدة الصرامة، لكن تلك المركزية بدأت بالتحلّل وإن كانت ببطء شديد، بل إن عوامل التفكّك ازدادت من داخلها، لا سيّما في المراحل الأخيرة من فرض الحصار الدولي على العراق 1990-2003 ، لكن انهيارها المدوي كان بفعل العامل الخارجي، حيث لعب الاحتلال دوراً حاسماً في انحلالها، فبدأ بحلّ الجيش العراقي وقوى الأمن الداخلي، الأمر الذي ساهم في إحلال الفوضى التي عمّت البلاد، وحملت معها فيروس الطائفية التي هبّت رياحها مترافقة مع مظاهر التسلّح، حيث بدأت تتشكّل ميليشيات، بعضها كان قد نشأ في الخارج خلال الحرب العراقية - الإيرانية، إضافة إلى هدر المال العام والفساد المالي والإداري الذي ترافق مع حكومات الاحتلال وما بعده .
   ويمكن القول إنه منذ أواخر العام 1991، وبفعل انفصال المنطقة الكردية تحوّلت الدولة العراقية إلى دولة مركّبة دون قرار منها، ولكن بحكم الأمر الواقع، لا سيّما عندما أعلن برلمان إقليم كردستان المنتخب لأول مرّة 1992، الاتحاد الفيدرالي من طرف واحد ، أي أن الدولة أصبحت دولة اتحادية حتى دون إرادتها، وهو الأمر الذي أدى إلى اختلاف في المسارات بين الإقليم "غير المعترف به" من جهة، وبين الحكومة التي خضعت لعقوبات دولية وضغوط وتحدّيات بحكم انتهاكاتها لحقوق الإنسان، إضافة إلى تدخلات خارجية، وهو ما واجه "دولة" ما بعد الاحتلال، التي أقرّت ضمن مسارها الجديد "النظام الفيدرالي" أساساً، حيث ورد النص عليه في "قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية" ، وفي نص الدستور الدائم .
الدولة في طور "مختلف": المواطنة والطائفية
   ثمة خلاصات واستنتاجات أولية يمكن وضعها بعد عرض مسار الدولة العراقية ومسألتَي المواطنة والطائفية على مدى نحو قرن من الزمان، من خلال بعض العلامات الفارقة وهي:
   العلامة الأولى - انتقال العراق من الحكم الشمولي، المركزي، الشديد الصرامة، إلى حالة من الفوضى أقرب إلى اللاّدولة، تبلورت على نحو لاحق بصيغ دستورية وقانونية أساسها مركز ضعيف وإقليم قوي، الأمر الذي سيعني مع مرور الأيام تناقض وتعارض في صلاحيات الدولة "الاتحادية" وصلاحيات "الإقليم"، خصوصاً فيما يتعلّق بالتمثيل الخارجي ووضع البيشمركة وعلاقته بالجيش وباتفاقيات النفط واستخراجه وتصديره والتصرف بوارداته، وكل ما يتعلّق بالخلافات الجوهرية بين الدستور الاتحادي ودستور الإقليم. ولعلّ من مخرجات هذه الوضعية هي استمرار التآكل وربما الانحلال بعد محاولة إعادة بناء الدولة بتركيب جديد بعد تفكيكها، لكن مظاهر التآكل ظلت قوية واستمرّت تفعل فعلها، حتى غدا المشهد أقرب إلى التشظّي.
   وقد بدت صورة الدولة العراقية قوية وواعدة كما هو ظاهر في الماضي، ولكنها في الوقت نفسه كانت تخفي الكثير من عناصر الضعف في داخلها، وهي التي بدأت تقضم في كيانيتها بفعل شحّ الحرّيات ونقص جرعة المواطنة وانعدام أو ضعف المساواة والشراكة والمشاركة، لا سيّما إزاء المجاميع الثقافية، الإثنية والدينية، وقد ترافق ذلك مع انفراد بالسلطة ومغامرات داخلية وخارجية ونزاعات وحروب وحصار دولي أوصلت الدولة إلى ما هي عليه الآن.
   ويمكننا لغرض الدراسة والتشخيص تأشير ورصد بعض الظواهر السلبية التي عانت منها الدولة العراقية في السابق والحاضر، المتعلّقة بالمواطنة والطائفية من خلال ما يلي:
    أ - من الناحية النظرية يمكن القول: إن أية وحدة دون المواطنة والمساواة والحرّيات والعدالة الاجتماعية والمشاركة بحدّها الأدنى، ستتحوّل مع مرور الأيام إلى وحدة قسرية أو إكراهية، أو هكذا سيشعر جزء من المواطنين. (والأمر لا يتعلّق بالعراق فحسب، بل يمكن متابعته مع العديد من البلدان ذات الثقافات المتعدّدة)، خصوصاً للذين يشعرون من المجموعات الثقافية المختلفة أنهم ليسوا على قدم المساواة مع الآخرين، أو أنهم "مواطنون من الدرجة الثانية"، سواء كان ذلك بنصوص دستورية كما هي الدساتير العراقية وقوانين الجنسية، أو من الناحية الفعلية وفي التطبيقات والممارسات اليومية، فما بالك حين تفرض صيغة "أغلبية" طائفية على أخرى.
   ب - إن الوحدة السائدة إذا كانت مفروضة أو غير مرغوب فيها، ستكون مثل "السمنة" الزائدة، لأنها تخفي خلفها العديد من الأمراض، الكامنة أو التي لا تظهر أحياناً، وبالتالي فالسمنة ليست دليل صحة وعافية، بل هي دليل مرض واعتلال حتى وإن لم تظهر علائمه بصورة سريعة.
ج - انبعاث الهويّات الفرعية الذي وصل إلى ذروته، بل كاد أن ينفجر بُعيد الاحتلال الأمريكي للعراق والذي كانت مقدّماته أسبق من ذلك. ويعود مثل رد الفعل هذا إلى جانب موضوعي يتعلّق بالوضع الجديد الذي فرضه الاحتلال وإلى غياب السلطة المركزية الصارمة، فضلاً عن الشعور المزمن بالإقصاء والتهميش الطويل الأمد، وبعضه إلى جانب ذاتي يتعلّق بتبلور الهويّات الفرعية ذاتها بعد كبت وحرمان، لكن ما هو سلبي في هذه الظاهرة، هو المبالغة في ردود الفعل، لا سيّما التي اتّسمت بعداء وكراهية ونزعة انعزالية، ولا يخلو الأمر من تداخلات واختراقات خارجية.
ولم يقتصر الأمر في ذلك على العراق وحده، فقد كان انهيار الأنظمة الشمولية في أوروبا الشرقية في أواخر الثمانينات سبباً في اندلاع نزاعات وحروب أهلية يعود قسمها الأكبر إلى انبعاث الهويّات الخاصة والفرعية، وإلى عدم الإقرار بالتنوّع والتعدّدية ومبادىء المساواة، ناهيك عن ضعف أساسات المواطنة، وبقدر ما يكون الأمر مشروعاً، فإن إدارته إذا كانت سليمة سيتم وفقاً لها، تلبية الحقوق والحريّات والاعتراف على قدم المساواة بالآخر، كما حصل حين قرّرت تشيكوسلوفاكيا الانقسام إلى دولتين بصورة سلمية، وهو ما أطلق عليه "الانفصال المخملي" حيث تأسس كيانان أحدهما سمّي جمهورية الشيك "تشيكيا" والثاني جمهورية سلوفاكيا، والعكس صحيح فقد قاد الأداء السيىء إلى نزاعات وحروب أهلية، كما حصل في يوغسلافيا السابقة التي انشطرت إلى 6 دول، والاتحاد السوفييتي السابق الذي انقسم إلى 15 دولة.
د - إن عوامل التفكّك التي عانت منها الدولة العراقية، والتي برزت في فترة الحصار الدولي سارت بالتدرّج والتراكم لتصبح ظاهرة متميزة، خصوصاً حين ترافقت مع صعود الموجة الطائفية وحالة الفوضى وانفلات العنف وهضم الحقوق، وقد شكّلت تلك أرضية صالحة وتربة خصبة لتفقيس بيض الطائفية عبر الشحن الطائفي، وبالطبع جاء ذلك على حساب الهويّة والمشترك الجامع، بل استخدمت الفوارق والمختلفات للمزيد من التباعد تارة باسم "المظلومية" وأخرى باسم "الأغلبية" وثالثة الزعم بـ"احتكار الحقيقة" و"ادّعاء الأفضليات".
العلامة الثانية - انتقال العراق من الدكتاتورية الواحدية الإطلاقية وتخوين الآخر وإنكار وجود معارضة، إلى دولة المحاصصة الطائفية - الإثنية الغنائمية، ذات المراكز المتعدّدة، وهكذا نشأت دكتاتوريات مصغّرة على نطاق الطوائف والإثنيات، ومرجعيات أخرى غير مرجعية الدولة مثل المرجعيات المذهبية والإثنية والعشائرية والمناطقية وغيرها، فقد تحولت الدولة بفعل النظام الجديد إلى دولة زبائنية للحصول على المكاسب والامتيازات.
العلامة الثالثة - انتقال العراق من نظام الحزب الواحد إلى فوضى الأحزاب، وكلّها تعمل كأحزاب غير قانونية أو غير مرخّص لها، فحتى الآن لا يوجد قانون للأحزاب السياسية، ولم يتم التوصل إلى صيغة دستورية لذلك في البرلمان، علماً بأن العراق لم يعرف الحزبية الشرعية والقانونية إلاّ فترتين وجيزتين هما: الأولى في العام 1946 حين أجاز وزير الداخلية سعد صالح 5 أحزاب سياسية استمرت في العمل الشرعي والقانوني لبضعة أشهر حتى جرى حلّها. والثانية في العام 1960 حين أجاز وزير الداخلية أحمد محمد يحيى عدد من الأحزاب السياسية، استمرت في العمل لنحو سنتين، وعلى نحو محدود، ثم جرى تحريمها بعد انقلاب 8 شباط (فبراير) 1963.
العلامة الرابعة - انتقال العراق من بلد مستقل إلى تآكل الاستقلال الوطني: وضعف السيادة ما بعد الحرب العراقية - الإيرانية من خلال:
( أ ) الحصار الدولي ونظام العقوبات المفروضة عليه والتي تجلّت بعدد من القرارات التي صدرت عن مجلس الأمن طبقاً للفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، واستمرت أكثر من 12 عاماً، ولا زالت تبعاتها حتى الآن.
(ب) وقوع العراق تحت الاحتلال لاحقاً العام 2003، واضطراره إلى التوقيع على معاهدات مجحفة وغير متكافئة، منها اتفاقية الإطار الاستراتيجي مع الولايات المتحدة الأمريكية.
(ج) احتلال داعش للموصل ونحو ثلث الأراضي العراقي، وهكذا ظلّت سيادة العراق معوّمة ومجروحة منذ العام 1991 ولحد الآن.
العلامة الخامسة - انتقال العراق من وجود جيش وطني بغضّ النّظر عن القيادات الآيديولوجية والانتماءات الضيّقة على مستوى القيادات والمغامرات العسكرية، التي قام بها على صعيد الداخل والخارج إلى جيش يفتقد إلى عقيدة عسكرية متينة بسبب انضمام مليشيات تابعة لأحزاب وقوى معارضة وفقاً للتقاسم الوظيفي الإثني والمذهبي، فحتى وإن اعتبرت البيشمركة والحشد الشعبي جزء من القوات المسلّحة، إلا أنهما يحتفظان بقيادات تكاد تكون مستقلّة ولها مرجعيات خاصة بها، وخصوصاً بالنسبة للبيشمركة الكردية التي تتقاضى رواتبها من الحكومة العراقية، لكنها تأتمر بأوامر رئاسة إقليم كردستان في إطار فيدرالية رخوة، فلم يتشكّل بعد مجلس الأقاليم ولا وجود لإقليم سوى إقليم كردستان . أما الحشد الشعبي فهناك اتهامات متكررة بخصوص انتهاكاته، على الرغم من الدور الذي قام به في التصدي لداعش، الأمر الذي اضطرّ رئيس الوزراء باعتباره القائد العام للقوات المسلحّة إلى إلحاقه به، لكن الاتهامات التي حدثت في الفلوجة والرمادي، وتكرّرت في معارك الموصل.
العلامة السادسة - انتقال العراق من احتكار السلاح إلى انفلات السلاح واستخداماته وبوجود ميليشيات واتهامات متبادلة بينها. وهذا المظهر لوحده يعني أن هناك مراكز قوى، وهذه يمكن أن تحتكم للسلاح إذا اقتضى الأمر، لأنها لا يمكن أن تسلّم سلاحها للدولة أو تمتثل لإرادتها إذا ما تعارضت مع مصالحها. ومن يمتلك السلاح يوازي استخدامه، لذلك فإن ما ينتظر العراق من احتدامات وصراعات مسلّحة قد يكون خطيراً بحكم انتشار السلاح.
العلامة السابعة - انتقال العراق من الفساد الذي كان محدوداً وغير ظاهر، إلى فساد منفلت من عقاله، فمن بول بريمر إلى الآن بدّد الحكام الجدّد حوالي 1000 مليار دولار: أي تريليون دولار ضاعت هباءً منثوراً دون إنجازات تُذكر .
وبعد استخلاص بعض الاستنتاجات من قراءة المشهد السياسي العراقي، فما الذي سيتغيّر ما بعد داعش؟ وأية مستجدات متحملة؟
سيناريوهات محتملة
حسب الدراسات المستقبلية هناك ثلاث سيناريوهات يمكن بحثها ما بعد داعش، علماً بأن الباحث كان قد كتب قبل أكثر من عامين أن خشيته هي ما بعد داعش، لما للأمر من صلة بجدل الهويّات وصراعها من جهة، وبفكرة المواطنة التي يعتمد على تعزيزها أو احترامها بقاء الدولة العراقية، سواء بوضعها الحالي أو بتفتتها تمهيداً لتقسيمها أو تأمين عناصر جديدة يمكن بواسطتها إعادة لحمة الدولة العراقية وتعزيز وحدتها الوطنية واستعادة مكانتها، ويتطلب ذلك أولاً وقبل كل شيء توفّر إرادة سياسية وتوافق وطني ومصالحة سياسية حقيقية.
أما السيناريوهات المحتملة فهي:
1 - سيناريو التفتّت 
   ويمكن أن ينقسم سيناريو التفتت إلى ثلاثة أقسام محتملة وهي:
   أ - التفتّت الواقعي (Defacto fragmentation)، وذلك بتحوّل الدولة إلى "كانتونات" أو "فيدراليات" أو "دوقيات" أو "مناطقيات" لا يربطها رابط وثيق فيما بينها، سواءٌ كانت معلنة أو غير معلنة، معترف بها أو غير معترف بها رسمياً، داخلياً أو إقليمياً أو دولياً، لكنها قائمة بالفعل ويمثّل إقليم كردستان نموذجاً لها، من حيث السلطة والإدارة والموارد والخدمات، وهكذا تضمحل وتتقهقر الدولة تدريجياً.
   ب - التفتّت الرسمي Dejure Fragmentation) ( وهو الشكل الفعلي للانقسام أو الانشطار وقد يتحقق بالقوة وبعد احترابات ونزاعات مسلحة، أو بالاتفاق سلمياً، وقد يحصل على اعتراف دولي وإقليمي، وقد تأخذ الأقاليم المنقسمة أسماء أخرى غير الدولة القائمة أو تضيف شيئاً إلى اسمها السابق، وسيكون لهذه الدولة نشيدها الخاص وعلمها ورموزها، إضافة إلى مؤسساتها وتمثيلها الخارجي، ومن المحتمل أن يكون هذا التفتت الفعلي هو نتيجة أو مرحلة أخيرة للأمر الواقع، خصوصاً إذا ما استمرّت سلطات محلية بصلاحيات موسّعة ونفوذ سياسي وعسكري واقتصادي، ناهيك بامتيازات، حينها سيكون من الصعب تخلّي النخب الحاكمة الإقليمية عنها.
   ج - الانضمام والإلحاق (Joining and Annex)، وهو وسيلة أخرى للتفتت، يضاف إلى التفتت الواقعي والتفتت الرسمي (الفعلي)، إذْ من المحتمل أن تسعى بعض دول الجوار إلى ضمّ ما تبقى من الدولة أو شطرها عند الانقسام، سواء باستخدام القوة لفرض واقع جديد أو بدعوة من أطراف سياسية أو جماعات مسلحة وتحت عناوين التحالف والمصالح المشتركة "القومية" أو "المذهبية" أو غير ذلك، وأعتقد أن الجارين الكبيرين والمحتربين تاريخياً على الأرض العراقية (بلاد ما بين النهرين) وهما تركيا وإيران يمكن أن يكونا جاهزين لاحتواء التفتت العراقي، وخصوصاً بالتمدّد الجيوبوليتيكي.
   د - التقسيم بعد التشظي وهناك عدد من المشاريع على هذا الصعيد، لعلّ أبرزها مشروع جو بايدن نائب الرئيس الأمريكي، الذي سبق أن وافق عليه الكونغرس الأمريكي العام 2007 والذي يفترض تقسيم العراق إلى:
   ثلاث أقاليم، شيعية وسنّية وكردية، وفعلياً تقام نقاط تفتيش بينها، ويكون لكل إقليم هويته الخاصة وحدوده وموارده وسلطاته، وفعلياً سيتحوّل إلى دويلة.
   أما راهنياً فهناك أطروحات تدعو إلى إقامة الإقليم السني، أو أكثر من إقليم، خصوصاً وأن هناك دعوات لإقامة إقليم أو أكثر في الموصل، والأمر قد يشمل على إقليم للأنبار وآخر لصلاح الدين. وحتى كردستان فقد تكون مهيّأة لأكثر من إقليم بسبب النزاع السياسي، لا سيّما بين الحزب الديمقراطي الكردستاني من جهة وبين الاتحاد الوطني الكردستاني وكتلة كوران "التغيير" من جهة أخرى، وهكذا يمكن أن يكون إقليم خاص بإربيل يضم دهوك وآخر للسليمانية يضم حلبجة.
   وثمّة مشكلات بين الشيعية السياسية التي يمكن أن تقسم وسط وجنوب العراق إلى مناطق نفوذ وأقاليم في المناطق الشيعية والتي لن تتحقق بدون اندلاع صراعات بين مليشيات، شيعية – شيعية وهي كالآتي: مجموعة الصدر، لواء بدر، عصائب أهل الحق، كتائب حزب الله، النجباء، حزب الدعوة، المجلس الإسلامي الأعلى، وبقية الأحزاب والكتل الشيعية.
   والانقسام سوف لا يستثني المناطق السنّية التي يمكن أن تنقسم إلى عدد من مراكز القوى وصراعات عشائرية ومناطقية، وخصوصاً بين الحزب الإسلامي وقوى أخرى منافسة لها ولا تريده الانفراد بتمثيل السنة، إضافة إلى قوى معارضة للعملية السياسية.
   أما الاحترابات الأهلية، فقد تبدأ شيعية ـ سنية أو كردية - تركمانية أو كردية -عربية أو كردية - عربية + تركمانية، لكنها في نهاية المطاف قد تهدّد كيان العراق الموحّد، حتى وإنْ بقيت الوحدة شكلية، خصوصاً وأن سلطات الأقاليم إذا ما تكرّست وإذا ما شعرت أنها ليست بحاجة للامتثال لقرارات المركز، فإنها قد تتحوّل إلى دويلات متصارعة، لأنها لا تريد أن تخسر الامتيازات والمكاسب ومناطق النفوذ.
   ومن العوامل التي تسهم في زيادة التحدّي وعدم الاستجابة الفعّالة لحلول ممكنة هو الإخفاق في مواجهة الأزمات والمشكلات الحادة وعدم التمكّن من تلبية المطالب الشعبية، بالقضاء على الفساد ومحاسبة المفسدين، وكذلك عدم التمكّن من تحسين الخدمات واستمرار الإرهاب وأعمال التفجير والمفخّخات وتدهور الوضع الأمني، إضافة إلى استمرار التفاوت الشاسع بين الفئات الاجتماعية في الدخول والموارد، وعدم تحقيق المشاركة السياسية الحقيقية، ناهيك عن شحّ موارد الدولة ووصول نموذجها التنموي إلى طريق مسدود، واقتراضها من البنوك الدولية وغير ذلك.
ويمكن أن يقود سيناريو التفتيت، وخصوصاً فيما إذا تم القضاء على داعش، وبعد تحرير الموصل إلى تنازعات على السّلطة، وقد يقود إلى حروب أهلية مصغّرة، محلية، وذلك للاستحواذ على مقاليد السّلطة والنفوذ والمال، وخصوصاً في ظل غياب جهد وطني عام لإعادة بناء الدولة وترسيخ كيانياتها القائمة على المواطنة وسيادة القانون، وإرساء قواعد اللعبة الديمقراطية على نحو صحيح.
2 - سيناريو استمرار الحال
وهذا يعني بقاء الوضع على ما هو عليه من دون إحراز تقدّم يُذكر، وذلك سيعني فشل الخطط المعلنة للإصلاح، بسبب عوامل الكبح والمعارضة من جانب الجماعات المتضرّرة من الإصلاح، وخصوصاً أن هناك تحالفاً سرّياً بين مختلف الكتل والجماعات على عدم فتح ملفّات الفساد، وحين تجرأ وزير الدفاع خالد العبيدي على كشف محاولات ابتزازه، وصفّق له الشارع طويلاً، بغض النظر عن شبهات الفساد التي تحيط بوزارته، عاقبه مجلس النواب بسحب الثقة منه، فمن بعد ذلك سيغامر ويكشف ملفات الفساد أو التعرض للفاسدين؟
وإذا توقّف مشروع الإصلاح وهو متعثّر فعلاً، فإن ذلك سيكون سبباً في الخيبات والمرارات التي سيعيشها العراقيون، وأن استمرار مثل هذا الأمر لفترة غير قصيرة سيؤدي إلى تعميق فشل الدولة الفاشلة والرخوة، ويساهم في تفتيتها وتشظيها، خصوصاً وأن عوامل الهدم ستكون فعّالة في ظل شعور بالتمييز ومواطنة غير متساوية، وتقديم الهويّات الخاصة أو حتى اختراع هويّات على الهويّة العامة. فهل يمكن استمرار الدولة وهي غارقة حتى رأسها بالأزمات والمشاكل السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وخصوصاً بفشل إدارتها وفشل إدارة حلّ الأزمة؟

3 - سيناريو التوحيد
إذا كان هناك سيناريو التفتيت وسيناريو بقاء الحال دون تغيير، فالدراسات المستقبلية لا تهمل سيناريوهات أخرى أيضاً، فهل هناك سيناريو توحيد؟ هذا السؤال هو مقدمة لحوار حول دور النخب في شأن مستقبل البلاد، فحتى موجة الاحتجاج هذه، هناك من يحاول ركوبها والاستفادة منها وتوظيفها بما فيها قوى تعاونت مع الاحتلال ومخرجاته، وكانت جزءًا من أسباب الخراب التي تعانيها البلاد.
إن النخب الفكرية والثقافية والأكاديمية في مجتمعنا لا تزال ضعيفة ومُستلبة ومُلحقة لحساب النخب السياسية التي بيدها القدح المعلّى ولها سطوة عليها، بل إن لها القابلية على الاستتباع حسب توصيف المفكر الجزائري مالك بن نبي "القابلية على الاستعمار"، ولا سيّما أن النخب السياسية تملك المال والسلطة أو جزءًا منها والنفوذ وأحياناً تقود ميليشيات مدعومة من بعض دول الجوار أو القوى الدولية، لذلك فإن أي استعادة لدورها، يتطلّب استعادة الوعي أولاً واستعادة الإرادة. ويحتاج مثل هذا إلى التحدّي والاستجابة الخلاقة لمتطلبات التغيير ونتائجه.
كما أن إجراء إصلاحات واستجابة لمطالب المتظاهرين قد يفتح آفاقاً جديدة لنشوء كتل وجماعات سياسية تسهم في عملية التغيير. ويمكن القول إن القوى الدافعة للتوحيد والتغيير تمثل طيفاً واسعاً من القوى، ولكنها قد لا تكون منسجمة أو موحّدة مع أن الكثير من المشتركات تجمعها، ولا تزال القوى المهيمنة، ولا سيّما الدينية والطائفية والإثنية، تمنع وتعرقل أي لقاء بينها، بل تضع العصا في دولاب أي تحرّك باتجاه الحوار.
وسيكون على عاتق الطبقة الوسطى، وخصوصاً المثقفين والأكاديميين والمفكرين ومؤسسات المجتمع المدني، دور مهم على صعيد التوحيد والتغيير، ويحتاج الأمر إلى جهود فكرية وثقافية وسياسية لتشكيل قوة ضغط لإعادة النظر بالدستور واعتماد قواعد اللاّمركزية الإدارية على صعيد الأقاليم الفيدرالية أو المحافظات على نحو صحيح ومن دون صفقات سياسية بوصفها نظاماً لتوزيع الثروة والسلطة، كما لا بدّ من اعتماد آليات توحيد ديمقراطية الأسلوب واجتماعية المضمون.
يبقى هناك أسس للتوحيد ولقيام دولة عصرية دستورية لا يمكن تجاوزها، وأولها الحرية، وثانيها المساواة، وثالثها العدالة، ولا سيّما الاجتماعية ورابعها المشاركة، وكل هذه تصبّ في مبادئ المواطنة، التي تشكّل جوهر الهويّة الجامعة، مع احترام الهويّات الفرعية والخصوصية الثقافية . وسيبقى ما يهدّد الدولة في ظل عدم الشعور بالأمان إزاء مواطنة متساوية وهويّة موحّدة عامة تعترف بالهويّات الفرعية، تحدّيات عديــدة تكمن بالأساس في عدم التوصل إلى حل لها منذ نشوء الدولة العراقيـة المعاصرة.
ثلاث إشكاليات وثلاث رافعات
   ثلاث إشكاليات أساسية تغذّي فكرة التفتيت، إذا ما استحكمت وهي ذاتها يمكن اعتبارها ثلاث رافعات ضد التفتيت لو جرى وضع حلول ومعالجات لها، باستمرارها ستكون الدولة العراقية التي نعرفها "في خبر كان"، وإنْ تم تطويقها والتخلّص من آثارها السلبية، حتى وإن احتاجت إلى وقت ليس بالقصير، وهذه الإشكاليات والرافعات هي:
   أوّلها: الطائفية ونظام المحاصصة أحد مخرجاته، إذْ أن استمراره سيعني دفع الدولة نحو المزيد من التفتيت والانقسام والتمذهب والتطييف والإثننة، وعكسه إذا ما تم التخلص منها. وكان الباحث قد اقتراح مشروعاً لتحريم الطائفية وتعزيز المواطنة في العراق، ويعتبر ذلك بمثابة حجر الزاوية في استعادة مقوّمات الدولة العراقية وتعزيز الهويّة الوطنية الجامعة .
   وثانيها: الإرهاب والفساد وهما وجهان لعملة واحدة، فإن تم استعادة الدولة لمكانتها وهيبتها، فإنها يمكن أن تستعيد بالتالي وحدتها، والعكس صحيح أيضاً، ولا سيّما إذا استحكم أمراء الطوائف.
   وثالثها: الهويّة التي أجهز عليها الاحتلال الأمريكي للعراق العام 2003، وهي وإن كانت ضعيفة أو هشّة، لكنه يمكن تقويتها بتلبية المطالب وبالاتفاق والتوافق وحل المشاكل العالقة مع إقليم كردستان، وإعادة النظر بالدستور سواء بتغييره أو بتعديله بما يؤدي إلى تعزيز المواطنة وإبراز الجوامع والمشتركات وتقليص الفوارق والمختلفات فيما يتعلق بالهويّات الفرعية واحترام خصوصياتها.
   لقد تكرّست صيغة المحاصصة الطائفية - الإثنية منذ تأسيس مجلس الحكم الانتقالي الذي قسّم المجتمع العراقي إلى شيعة وسنّة وكرد، وخصّص نسباً لكل منهم، وباشر بتأسيس نظام الزبائنية الذي يقوم على الامتيازات والمكاسب، ففتح بذلك الباب على مصراعيه أمام الفساد بمختلف أنواعه وأشكاله، لدرجة أصبحت الغنائمية سمة تطبع التشكيلات الحكومية اللاّحقة وذيولها .
   وإذا كانت نظرية "الصدمة والترويع" وفي ما بعد "الفوضى الخلاقة" قد استهدفتا التفكيك وإعادة التركيب، إلاّ أنهما أفضيا إلى تفشّي ظواهر التعصّب والتطرّف والعنف والإرهاب وتمذهب الدولة التي لا تزال مستمرّة منذ 14 عاماً وتتّخذ أشكالاً مختلفة ولها رؤوساً عديدة.
   وإذا كان "داعش" والقوى الإرهابية قد تعرّضت خلال الأشهر الأخيرة إلى هزائم كبيرة في صلاح الدين والرمادي، وخلال عمليات تحرير الموصل التي ما تزال مستمرة، لكن تأثيرهما ما يزال قائماً والبيئة الحاضنة مستمرّة، خصوصاً باستمرار نظام المحاصصة الطائفي - الإثني المُنتج للفساد المالي والإداري والسياسي.
خـاتـمـــة
لقد اندفعت الكثير من المجاميع الإرهابية والتكفيرية وتشكيلاتها القديمة والجديدة، في ظل استنفار طائفي، باتجاه سفك دماء العراقيين من مختلف الانتماءات الدينية والإثنية، الأمر الذي أصاب التنوّع والتعددية الثقافية المجتمعية بالصميم ولحق الضرر الكبير بالنسيج الاجتماعي المتعايش، وخصوصاً لفئات المسيحيين والآشوريين والأرمن والكلدانيين والأيزيديين والصابئة المندائين والشبك والكاكائية وغيرهم، وإن كان الأمر يشمل الجميع دون استثناء، لكن هذه المجاميع الثقافية التي يُطلق عليها مجازاً بـ"الأقليات"  تعرّضت بكيانياتها إلى عنف شديد، واضطرّت أعداداً واسعة منها إلى الهجرة بعد ما لحق بها من انتهاكات سافرة بالأرواح والمقدسات والممتلكات وغيرها. وقد تعرّضت النساء الإيزيديات إلى عمليات السبي، وهو شكل من أشكال العبودية، حيث تم بيعهنّ بسوق النخاسة، الأمر الذي يندى له جبين الإنسانية.
لقد استُزرِع التعصّب بالتربة العراقية فأنتج تطرّفاً، وهذا الأخير قاد إلى الإرهاب المنفلت من عقاله، وجرى كل ذلك في إطار حواضن طائفية ومذهبية وإثنية غذّاها نظام المحاصصة الذي أشعل الصراعات المذهبية والإثنية وأيقظ الفتن النائمة التي اتخذت طابعاً استئصالياً أو تهميشياً بعد الاحتلال، ولكن ذلك لا يعني أنه أمرٌ مستورد بقدر ما كانت هناك ظروفاً اجتماعية وثقافية واقتصادية وسياسية ودينية وطائفية ونفسية ساعدت في انتشار فايروسه على نحو مريع، وذلك بالاستفادة من البيئة الصالحة لنموها وأساسها غياب المصالحة الوطنية والشعور بالتمييز والإقصاء. وهنا لا بدّ من إعادة مرجعية الدولة وجعلها فوق جميع المرجعيات الدينية والطائفية والإثنية والحزبية والسياسية والعشائرية وغيرها.



28
في التباس مفهوم الإرهاب الدولي
                     
عبد الحسين شعبان

أعادتنا الأحداث الإرهابية التي حصلت في لندن ومانشستر ببريطانيا والمنيا بمصر، والتي راح ضحيتها عدد كبير من الأبرياء، إلى سؤال كبير، ما هو الإرهاب الدولي؟ وهو السؤال الذي ظل عائماً طوال عقود من الزمان، وفشلت عصبة الأمم وبعدها هيئة الأمم المتحدة في إيجاد تعريف محدّد له ولمعناه ومبناه.
وفي الكثير من الأحيان يتم خلط الإرهاب بالمقاومة لأغراض سياسية، وهو ما تعتمده «إسرائيل»  في سياستها التوسعية الاستيطانية، حين تعتبر كل مقاومة لإرهابها الدولي، «إرهاباً»، علماً بأن المقاومة عمل مشروع من أجل «التحرر الوطني»، حسب القانون الدولي، مثلما هو حق الدفاع عن النفس طبقاً للمادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة.
وبسبب غياب تعريف واضح، وكما يُقال في القانون، «جامع مانع» للإرهاب الدولي، فهناك تعريفات متناقضة ومتعارضة تطلق على توصيف بعض الأعمال تبعاً للجهة التي خلفها أو المستفيدة منها، وهذه تتراوح بين التأييد والتنديد، وبين التقديس والتدنيس، فما هو الإرهاب الدولي؟

رصد الباحث ألكس شميد Alex Schmid في كتابه Political Terrorism وجود نحو 109 تعريفات لمصطلح الإرهاب، وهي تنطلق من خلفيات ومصالح سياسية مختلفة. ويذهب الباحث والمفكّر الأمريكي نعوم تشومسكيNoam Chomsky إلى تحديد مضمون الإرهاب، الذي يعني حسب وجهة نظره: كل محاولة لإخضاع أو قسر السكان المدنيين أو حكومة ما عن طريق الاغتيال والخطف أو أعمال العنف، بهدف تحقيق أهداف سياسية، سواء كان الإرهاب فردياً أو تقوم به مجموعات أو تمارسه دولة، وهو الإرهاب الأكثر خطورة. وعلى الرغم من وجود حزمة من القرارات الدولية بخصوص الإرهاب، لكنها ومنذ العام 1963 كانت قطاعية، أي أنها تشمل تشريعات تتناول بعض مجالات الإرهاب مثل الهجمات الإرهابية على متن الطائرات أو الاستيلاء عليها أو تهديد النقل الجوي أو مكافحة التفجيرات أو تمويل الإرهاب الدولي أو مكافحة الإرهاب النووي أو غيرها، إلا أن معظم الاتفاقيات التي صدرت عن الأمم المتحدة لم تعالج موضوع الإرهاب بصورة شاملة، بل عالجت ظواهر الإرهاب الفردي وإرهاب الجماعات، واستبعدت معالجة ظاهرة الإرهاب الدولي الذي تمارسه الدول وحكوماتها.
وحتى بعد صدور ثلاثة قرارات دولية من مجلس الأمن الدولي عقب أحداث 11 سبتمبر/ أيلول العام 2001 إلاّ أن التعريف ظل ضبابياً إن لم تكن المهمة أصبحت أكثر تعقيداً، وهذه القرارات هي:
1- القرار رقم 1368 الذي صدر بعد يوم واحد من أحداث 11 سبتمبر/ أيلول الذي أرخ لفاصل تاريخي بخصوص مكافحة الإرهاب الدولي.
2- القرار رقم 1373 الصادر في 28 سبتمبر/أيلول العام 2001، (أي بعد سبعة عشر يوماً من الحدث الإرهابي)، وهو أخطر قرار في تاريخ المنظمة الدولية، عندما أعطى الحق للدول (المتنفّذة بالطبع) بشنّ حرب استباقية أو وقائية بزعم وجود «خطر وشيك الوقوع» أو «محتمل»، ويعتبر هذا القرار عودة للقانون الدولي التقليدي الذي يجيز «الحق في الحرب» و«حق الفتح» «والحق في الحصول على مكاسب سياسية في الحرب»، وذلك تبعاً لمصالح الدولة القومية.
3- القرار رقم 1390 الصادر في 16 يناير/كانون الثاني 2002 والذي فرض على الدول التعاون لمكافحة الإرهاب الدولي، وإلاّ فإنها يمكن أن تتعرض إلى العقوبات الدولية.
كما أصدر مجلس الأمن 4 قرارات دولية أخرى بعد احتلال «داعش» للموصل، في 10 يونيو/حزيران 2014، وهي على التوالي:
1 - القرار رقم 2170 وصدر في 15 أغسطس/آب 2014، وذلك على خلفية سلّة القرارات التي أشرنا إليها.
2 - القرار رقم 2178 وصدر في 24 سبتمبر/أيلول 2014، ونصّ على «منع تدفق المقاتلين الأجانب إلى سوريا والعراق». ودعا الدول إلى «وضع ضوابط فعالة على الحدود، وتبادل المعلومات».
3 - القرار رقم 2185 وصدر في 20 نوفمبر/تشرين الثاني عام 2014، وأكد على دور الشرطة كجزء من عمليات الأمم المتحدة لحفظ السلم والأمن الخاص بالبعثات السياسية، وعلى التعاون المهني لمكافحة الإرهاب ومشاركة الجميع.
4 - القرار رقم 2195 الصادر بتاريخ 19 ديسمبر/كانون الأول 2014 حول التهديدات التي يتعرض لها السلم والأمن الدوليان.
وقد صدرت هذه القرارات جميعها بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة الخاص بتنفيذ العقوبات في الحال واستخدام جميع الوسائل المتاحة بما فيها القوة لوضعها موضع التطبيق.
ومع أنّ تعريف الإرهاب مسألة مهمّة لجهة التحديد القانوني، إلّا أنّ الدول العظمى المتنفّذة لا ترغب في الوصول إلى توافق دولي حول مضمونه ومعناه، لأنّه يتعارض مع مصالحها ومحاولاتها لبسط هيمنتها، كما يحدّ من استخداماتها لأشكال متنوّعة من القوّة، التي قد ترتقي إلى الإرهاب الدولي.
drhussainshaban21@gmail.com



29
•   الشعب يريد... تأملات فكرية في الربيع العربي، دار أطلس، بيروت، 2012.
•   الحبر الأسود والحبر الأحمر - من ماركس إلى الماركسية، مركز حمورابي، بيروت، 2013.
•   جدل الهويّة والمواطنة في مجتمع متعدّد الثقافات، المركز الدولي لعلوم الإنسان، بيبلوس 2016.
د- ثـقافــة وأدب
•    الجواهري في العيون من أشعاره (بالتعاون مع الشاعر الكبير الجواهري)، دار طلاس، دمشق، 1986 .
•    بعيداً عن أعين الرقيب: محطات بين الثقافة والسياسة، دار الكنوز الأدبية، بيروت، 1994 .
•    الجواهري - جدل الشعر والحياة، دار الكنوز الأدبية، بيروت، 1997. دار الآداب، ط2، بيروت، 2009. ط/3، دار الشؤون الثقافية، بغداد 2010.
•   أبو كاطع - على ضفاف السخرية الحزينة، دار الكتاب العربي، لندن، 1998 .
•   جذور التيار الديمقراطي في العراق - هل انقطع نسل الليبرالية العراقية؟ (قراءة في أفكار حسين جميل)، دار بيسان، بيروت، 2007.
•   سعد صالح - الوسطية والفرصة الضائعة: الضوء والظل، الدار العربية للعلوم، بيروت، 2010. ط/2 دار الشؤون الثقافية، بغداد، 2012.
•   عامر عبدالله، النار ومرارة الأمل - فصل ساخن من فصول الحركة الشيوعية، دار ميزوبوتيميا، بغداد، 2014.
•   أغصان الكرمة - المسيحيون العرب، مركز حمورابي، بغداد / بيروت، 2015.
•   عبد الرحمن النعيمي - الرائي والمرئي وما بينهما، دار الكنوز الأدبية، بيروت، 2016.
•   المثقف وفقه الأزمة - ما بعد الشيوعية الأولى، دار بيسان، بيروت، 2016.
هـ- تــرجــمات
•   مذكرات صهيوني، دار الصمود العربي، بيروت، 1986.
صدر عنه (كتاب تكريمي)
•   عبد الحسين شعبان - صورة قلمية - الحرف والحق والإنسان، دار المحروسة، القاهرة، جمع وإعداد البرنامج العربي لنشطاء حقوق الإنسان، القاهرة، 2004.
•   عبد الحسين شعبان - الصوت والصدى - حوارات ومقابلات في السياسة والثقافة، إعداد وتقديم كاظم الموسوي، الدار العربية للعلوم، بيروت، 2010.
•   عبد الحسين شعبان - المثقف في وعيه الشقي، حوار وتقديم توفيق التميمي، دار بيسان، بيروت، 2014.
و- إعداد وكتب مشتركة
•   حرية التعبير وحق المشاركة السياسية في الوطن العربي (إعداد وتقديم) دار الكنوز الأدبية، بيروت، 1994.
•    ثقافة حقوق الإنسان (تحرير وتقديم)، وقائع خمسة ملتقيات فكرية للمنظمة العربية لحقوق الإنسان في لندن إصدار البرنامج العربي لنشطاء حقوق الإنسان والمنظمة العربية لحقوق الإنسان - لندن، القاهرة، 2001.
•   العراق تحت الحصار (بمشاركة الدكتور عزيز الحاج، النائب جورج غالوي والدكتور وميض جمال عمر نظمي) مركز البحوث العربية، إعداد حنان رمضان خليل، القاهرة، 2001.
•   لمحات من تاريخ الحركة الطلابية في العراق، إصدار مطبعة طريق الشعب، بشتاشان، كردستان (العراق)، نيسان (ابريل)، 1983.
•   الوجود الامبريالي في الشرق الأوسط: مظاهره ومخاطره، منشورات الأمانة العامة لاتحاد الكتاب والصحفيين الفلسطينيين، دمشق، 1986.
•    الديمقراطية والأحزاب في البلدان العربية: المواقف والمخاوف المتبادلة، مشروع دراسات الديمقراطية في البلدان العربية، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1999.
•    سؤال التسامح (دراسة وحوار مع الباحث) ومشاركة عدد من أساتذة الجامعة ومدراء مراكز الأبحاث في الأردن، إعداد وتقديم الدكتور نظام عساف، مركز عمان لدراسات حقوق الإنسان، عمان، مطبعة الشعب (أربد)، 2003.
•   مداخل الانتقال إلى الديمقراطية في البلدان العربية، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، تشرين الأول (أكتوبر) 2003.
•   احتلال العراق: الأهداف - النتائج - المستقبل، مركز دراسات الوحد العربية، بيروت، أيار (مايو) 2004.
•   احتلال العراق وتداعياته عربياً وإقليمياً ودولياً - مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، آب (أغسطس)، 2004.
•   برنامج لمستقبل العراق بعد إنهاء الاحتلال، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، تشرين الأول (أكتوبر)، 2005.
•   حال الأمة العربية 2005، النظام العربي: تحدي البقاء والتغيير - مجموعة من الباحثين، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، نيسان (أبريل) 2006.
•   حال الأمة العربية 2007 (تقرير): أزمات الداخل وتحدّيات الخارج، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، آذار (مارس)، 2007.
•   القانون الدولي الإنساني - دراسات وآراء، مجموعة مؤلفين، اتحاد الحقوقيين العرب، عمان، 2009.
•   أمين الريحاني والتجدّد الحضاري، مجموعة مؤلفين، مركز دراسات الوحدة العربية بالتعاون مع جامعة سدني (استراليا) بيروت، آب (أغسطس)، 2012.
•   أمين الريحاني والتجدّد الحضاري، مجموعة مؤلفين، مركز دراسات الوحدة العربية بالتعاون مع جامعة سدني (أستراليا) بيروت، آب (أغسطس)، 2012.
•   الطائفية والتسامح والعدالة الانتقالية: من الفتنة إلى دولة القانون، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2013.
جوائز وأوسمة
حاز على عدد من الجوائز والأوسمة منها :
•   وسام أبرز مناضل لحقوق الإنسان في العالم العربي (القاهرة 2003).
•   وسام الصداقة العربية - الكردية (إربيل 2004) .
•   وسام اتحاد الحقوقيين العرب لدفاعه عن الحريات والحقوق على المستويين العربي والعالمي (عمان 2005).
•   جائزة العنقاء الذهبية من دار القصة العراقية لدفاعه عن الثقافة وحقوق الإنسان (العمارة - العراق: 2006).
•   وسام مهرجان الفيلم العربي في روتردام لدفاعه عن قيم التسامح (هولندا 2008).
•   وسام وشهادة تقديرية من اتحاد الحقوقيين العراقيين عرفاناً بدوره الفكري الرائد وإبداعه ووطنيته، بغداد، شباط (فبراير) 2009.
•   وسام ودرع الإبداع، من جريدة الزمان التي تمنح لكبار المبدعين، (بغداد، 2009).
•   وسام ملتقى الأديان والثقافات للتنمية والحوار، بيروت، 2015.
•   وسام وجائزة المعهد العربي للديمقراطية ومنتدى الجاحظ والجامعة الخضراء، (تونس 2016).

















ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* نشرت الحركة الثقافية في انطلياس (لبنان) بمناسبة المهرجان اللبناني للكتاب كرّاساً بعنوان: أعلام الثقافة في لبنان والعالم العربي، ننشر ما خصّ الدكتور شعبان المفكر والأكاديمي العراقي الذي تم تكريمه ، السنة 32، الحركة الثقافية - انطلياس، آذار 2017.


30
عبد الحسين شعبان
سيرة تمرّد ومغامرة قلم  *
)الحركة الثقافية في انطلياس)
- I -

أكاديمي ومفكّر من الجيل الثاني للمجدّدين العراقيين، يساري النّشأة والتوجّه، ومنذ أواخر الخمسينات ارتبط بالحركة الشيوعية وأصبح عضواً في الحزب الشيوعي في مطلع الستينات، لكنه لم يتقيّد بتعاليم المدرسة الماركسية التقليدية ولم يلتزم أطرها التنظيمية التي تمرّد عليها، وكانت له مساهمات متميّزة في نقد وتجديد التيار الاشتراكي واليساري. ويعدّ من المثقفين الماركسيين الإشكاليين الذين سلكوا طريق التجريب والجدل، متخلّياً عن اليقينية التبشيرية الإيمانية، مختاراً طريق العقل والأسئلة، لا سيّما محاولاته إعادة قراءة الماركسية من داخلها ومن منظور نقدي وضعي جديد.
وله مساهمات أخرى في التنوير والحداثة، خصوصاً الانشغال بقضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان والمجتمع المدني والأديان والقوانين الدستورية والدولية بما فيها قضايا النزاعات والحروب والتّسامح واللاّعنف. وقد أفرد حيّزاً من جهده لمعالجة قضايا الصراع العربي - الإسرائيلي.
   جمع بين العمل الفكري والممارسة العملية وبين العمل الأكاديمي والعمل النضالي، مثلما أعطى لنشاطه السياسي مسحة حقوقية، وذلك في إطار منظومة ثقافية أخضعها هو نفسه للمراجعة والنقد والنقد الذاتي، لا سيّما إذا كان الأمر يتعلّق باجتهادات لم تبرّرها الحياة أو أن حقائق جديدة ظهرت كان لا بدّ من أخذها بنظر الاعتبار.
   جمع السياسة بالثقافة فامتزجت مع بعضها البعض لدرجة لا يمكن فصلهما، وهو وإن ظلّ يقارب السياسة خارج الأطر الآيديولوجية والحزبية التقليدية السّائدة، لكنه كان يأتيها بوسائل ثقافية تمثّل رأياً ووجهة نظر رحبة بعيداً عن التبشيرية، لأن هدفه البحث عن الحقيقة والخدمة العامة وإعلاء شأن الحقوق، وفي حديث له عن تجربته بعنوان: "محطات بين الثقافة والسياسة" في الكوفة غاليري في لندن (شباط/ فبراير) 1994، وصدر بكرّاس بعنوان: "بعيداً عن أعين الرقيب" ردّد ما قاله الشاعر أكتوفيوباث من أنه "إذا خلا رأس السياسي من الشعر فإنه يتحوّل إلى طاغية"، فالثقافة حسبما يرى تضفي على السياسة نكهة مملّحة، وبدونها تصبح الأخيرة خشنة ويابسة. وبهذا المعنى حاول أن يفهم السياسة بتناقضاتها، علماً وممارسة، وخصوصاً بعد أن خاض غمار عالمها الفسيح، "المليء بالمبادىء والقيم والأخلاق، وفي الوقت نفسه بالأشباح والغدر والمصالح" كما يقول.
   ومع مرور الأيام نمت وكبرت في داخله عوامل الثقافة بإشراقها وغصونها وتفتّح أزهارها وانتشار نورها، وحسب ما يقول: "وجدت في وسيلتي الإبداعية في الكتابة، الأساس للتعبير عمّا في داخلي ولإعلان هويّتي، وبالتالي لتأكيد ارتباطي العميق بالحياة". وكان قد تحدّث في أمسيته اللندنية الوارد ذكرها عن روافده الروحية التي كوّنت شخصيته، واضعاً القرآن والشعر وماركس أساساً في ذلك.
   وغالباً ما يذكر ثلاثيته الأثيرة "الطفولة والروح والأمل"، فكأنها تعبير عن العلاقة بين الأديان والشعر والفكر في الإنسان فيقول عن بدايات تكوّن الوعي لديه: "في المنزل الذي وُلدت فيه في "عكَد السلام" في النجف، كان صوت القرآن الكريم مدوّياً وهادراً، حيث يفتتح والدي نهاره بقراءة القرآن وظلّ على عادته تلك طوال أيام حياته على ما أظن. وشكّل القرآن أحد الروافد الروحية الأساسية في تكويني وفي منظومة القيم التي تأثّرت بها لاحقاً خصوصاً: الخير والمروءة ومساعدة الفقير ونصرة المظلوم والدفاع عن الحق والانحياز إلى العدل والرحمة والتسامح وغيرها. وفي مرحلة نشأتي الأولى تلك، اطّلعت على "نهج البلاغة" للإمام علي، وهو ما دفعني لاحقاً للاطلاع على المذاهب الأربعة، وفيما بعد على الإنجيل، إضافة إلى البوذية وتعاليمها.
وإلى جانب ذلك كان جو البيت الذي ترعرع فيه يميل إلى الأفكار الجديدة، التقدمية، اليسارية، حيث كان "ماركس يعيش معهم" على حد وصفه، وكان المنزل أقرب إلى ورشة عمل يومية تحتشد فيه الأوراق والصحف والمجلاّت والكتب والمناشير السريّة، ويلتقي فيه شبّان من طبقات مختلفة، مثقفون ورجال دين وشيوخ ويساريون ويمينيون، ومتدينون وغير متدينين ومؤمنون وملحدون، لكن أجواء النجف بشكل عام والعائلة بشكل خاص كانت متعايشة ويتجاور فيها الأضداد، وهو ما أكسبه مرونة وسماحة وتواصلاً مع الآخر.
فالنجف رغم طابعها العروبي هي ملتقى الأعراق والأمم واللّغات، بحكم كونها المركز الديني للشيعة في العالم، وفيها الحوزة العلمية التي تستقبل المئات من الدارسين سنوياً، كما يوجد فيها مرقد الإمام علي، ويؤمّها الزوار من جميع أنحاء العالم، ولا سيّما الإسلامي، وفيها أكبر مقبرة في العالم (مقبرة وادي السلام "الغري") التي تستقبل الجنائز لتدفن بالقرب من مقام الإمام علي تبركاً بتربتها. يُضاف إلى ذلك أنها مدينة تجارية مفتوحة، فهي على طرف الصحراء بالقرب من نهر الفرات المارّ بالكوفة، يلتقي فيها الحضر والبدو، القبائل والوافدون، المِلَلْ والنِّحَلْ، ففيها الإيراني والتركي والأفغاني والباكستاني والهندي والتّبتي ومن آسيا الوسطى، والعديد من إلى أبناء بلاد الشام، وبشكل خاص من سوريا ولبنان، إضافة إلى دول الخليج المختلفة، وهؤلاء جميعهم ينصهرون في بوتقتها العروبية وتتلاقح الحضارات والثقافات في أجواء من الاحترام المتبادل والاعتراف بالحقوق والخصوصيات.
وفي تاريخها كانت النجف مركزاً للأديرة المسيحية في مملكة الحيرة مثلما كانت عاصمة الخلافة الإسلامية فيما بعد في عهد خلافة الإمام علي بن أبي طالب وتكنّى بـ"خدّ العذراء" و"المشهد" و"الغري" وغيرها من التسميات. وبقدر ما يمكن اعتبارها مدينة دينية إلاّ أن وجهها الآخر مدني وحضاري وثقافي، لا تكتمل هويّتها إلاّ بذلك، ويعود تاريخ "جامعتها" إلى نحو ألف عام، منذ أن جاءها الإمام الطوسي هارباً من بغداد العام 448-449 هجرية، وتوفي فيها العام 460هـ. وفي هذه الأجواء التي تتآخى فيها المدينة مع التمرّد عرف الفتى طريقه الأول للتمرّد فكرياً واجتماعياً وثقافياً، حيث تشكّلت أولى ملامح وإرهاصات الحداثة لديه في مدينة طابعها الظاهر المحافظة، لكنها كانت تغلي من الداخل لكل ما هو حديث وجديد.
وكان الشعر بشكل خاص والأدب بشكل عام ركناً أساسياً في تكوين عالم الفتى الروحي، حيث ظلّ الجواهري الكبير "أبو فرات" ملازماً له طيلة حياته وانعقدت بينهما لاحقاً صداقة مديدة قاربت الثلاثة عقود من الزمان، نتج عنها كُتباً ومقابلات وحكايات نشر قسماً منها، وما زال القسم الأكبر ينتظر النشر، وظل مؤلفه "الجواهري جدل الشعر والحياة" الصادر في العام 1997، بوصف عدد كبير من النقاد من أهم ما كتب عن الجواهري ومرجعاً لا غنى عنه في بحث سيرته وشعره. أما كتابه "الجواهري في العيون من أشعاره"، الذي كتبه بالتعاون معه (1986) فإنه يمثل ذائقة شعرية لنحو سبعة عقود ونصف من التجربة الشعرية الجواهرية، وقد احتوى على "جواهر الجواهري".
ومثلما حمل دواوين الجواهري معه أينما حلّ وحيثما رحل، فقد عاد لقراءة معمّقة للقرآن عام 1978 وعام 1982، وعاد لقراءة ثالثة مع التفاسير المختلفة في مطلع الألفية الثالثة، وكان ذلك مقدمة لأبحاثه ودراساته المعاصرة عن "الإسلام" و"المسيحية"، مثلما ظلّ مستغرقاً في إعادة قراءة الماركسية بمراجعة نقدية لماركسيتنا على مدى أكثر من 5 عقود من الزمان، كما قال، وظلّت كتب ماركس أو ثلاثيته أثيرة لديه "الثامن عشر من برومير، لويس بونابرت" و"النضال الطبقي في فرنسا" و"الحرب الأهلية في فرنسا" وغيرها.
   ولعلّ نزعة التمرّد ومغامرة التجديد وحبّه للشعر بشكل خاص والأدب بشكل عام دفعه للقراءة بإعجاب كبير وبعمق شديد لبدر شاكر السياب، وعبد الوهاب البياتي، ونازك الملائكة، وبلند الحيدري، ونزار قباني، وكاظم السماوي، ورشدي العامل، وسعدي يوسف، وأدونيس، ومحمود درويش، ويوسف الصايغ، وعبد الرزاق عبد الواحد، وسامي مهدي، وحميد سعيد، ومصطفى جمال الدين، ومظفر النواب، ولميعة عباس عمارة، وعاتكة الخزرجي.
- II -
   أما ينابيع المعرفة والثقافة التي نهل منها الفتى في بداياته، فإضافة إلى ما ذُكر فقد كانت من الكتب الأولى التي قرأها وأحبّها وأثّرت فيه هي كتابات المنفلوطي لا سيّما كتابيه:"النظرات والعبرات" وقرأ أيضاً كتابات جبران خليل جبران، خصوصاً "الأجنحة المتكسرة" وكتابَي سلامة موسى "أحاديث إلى الشباب" و"الشخصية الناجحة"، وقرأ روايات يوسف السباعي وإحسان عبد القدوس ومحمد عبد الحليم عبد الله، وأيضاً قرأ معظم ما كتب نجيب محفوظ، التي كانت قد صدرت في تلك الفترة، أو التي كانت قد وصلت إلى العراق، وكانت في مكتبة أعمامه وأخواله، وكذلك في مكتبة الدكتور ناهض شعبان، التي تُعتبر من أغنى المكتبات الشخصية التي عرفها.
وأثّرت فيه ثلاثية نجيب محفوظ الأثيرة "قصر الشوق والسكرية وبين القصرين" وفيما بعد "خان الخليلي" و"ثرثرة فوق النيل" و"السّمان والخريف" وصولاً إلى "حب تحت المطر" و"الحرافيش" وغيرها.
وفي هذه المرحلة التي تعتبر المرحلة الأولى لتبلور الوعي السياسي لديه، لا سيّما بعد ثورة 14 تموز (يوليو) 1958 قرأ لفهد (يوسف سلمان يوسف) "أمين عام الحزب الشيوعي الذي أعدم العام 1949" كتاب "حزب شيوعي لا اشتراكية ديمقراطية" وكراساً بعنوان "البطالة" وكتاب "الجبهة الوطنية" لحسين الشبيبي، كما كان يقرأ لعزيز الحاج وعامر عبد الله وزكي خيري ومحمد حسين أبو العيس وعبد الرحيم شريف مقالات وكراريس، واستوقفته بعض السجالات حول الوحدة العربية والقومية والإصلاح الزراعي ومسألة الدولة، إضافة إلى كتب مترجمة عن اللغة الصينية بينها كرّاس "الشيوعي الناجح" وكرّاس "الليبرالية والتسيّب" وكرّاس عن "التثقيف الذاتي".
كما قرأ لعالم الاجتماع علي الوردي الذي ظلّ ملازماً له، خصوصاً بتحليل طبيعة المجتمع العراقي والشخصية العراقية، وروايات لغائب طعمة فرمان وفؤاد التكرلي ولاحقاً لعبد الرحمن مجيد الربيعي وشمران الياسري "أبو كاطع" وآخرين، وفي هذه المرحلة ازداد تردّده على السينما والمسرح، وظل على هذه العادة حتى اليوم.
وفي معرض القراءات كانت قصص مثل "الأم" لمكسيم غوركي و"العقب الحديدية" لجاك لندن، وروايات آرنست همنغواي "الشمس تشرق أيضاً" و"وداعاً للسلاح" و"لمن تقرع الأجراس" و"الشيخ والبحر" ولإيميلي برونتي "مرتفعات وذرينج" ولمرغريت ميتشيل "ذهب مع الريح". أما تولستوي فقد قرأ له بشغف كبير سيرة حياته إضافة إلى "الحرب والسلام" و"آنا كارنينا"، وقد عاد لقراءته لما له من علاقة بأفكاره عن اللاّعنف وتأثيراته على غاندي ومارتن لوثر كينغ، كما قرأ لبلزاك "الزوجة الضائعة".
ثم استهوته روايات مثل: "العاصفة" و"سقوط باريس" لإيليا اهنربرغ و"الدون الهادىء" لشولوخوف، كما قرأ لديستوفسكي "الأبله" و"مذلّون ومهانون" و"الأخوة كارامازوف" و"الجريمة والعقاب" و"ذكريات من منزل الأموات" وقرأ لغوغول "المعطف" و"المفتش"، ولتشيخوف "الحوذي" و"الخال فانيا" و"بستان الكرز" ومن قراءاته أيضاً لـِ ألبير كامو "الغريب" و"الطاعون" كما قرأ لفكتور هوغو "كاتدرائية نوتردام" وقرأ أيضاً لسيمون دي بوفوار "الجنس الآخر" و"المثقفون" ولجان بول سارتر "الوجود والعدم" و"نقد العقل الجدلي" وقرأ أيضاً لكولن ولسون "اللاّمنتمي" و"ما بعد اللاّمنتمي" و"ضياع في سوهو" وغيرها، وشكّلت تلك القراءات ذخيرة معرفية لديه، لا سيّما بارتفاع منسوب الشك والأسئلة.
   كما قرأ للينين وبليخانوف وماركس وأنجلز ولوكاش وغرامشي وتولياتي وتروتسكي وأوسكار لانكة وغيرهم.
ولم يكن الأدب وحده هو المهيمن على الشاب، بل أخذت الموسيقى تتسلّل إليه وتتوغّل فيه، وخصوصاً سيمفونيات جايكوفسكي: "بحيرة البجع" و"كسّارة البندق" و"بستان الكرز" و"سبارتاكوس" و"روميو وجولييت" و"الجمال النائم"... وكان قد شاهد بعضها "أوبرا" في مسرح البولوشوي تياتر، ومسرح النارودني ديفادلو (المسرح الوطني في براغ)، وبحكم المتعة، لم يكن يفوّت فرصة مشاهدتها في لندن أيضاً على مسرح رويال ألبرت تياتر، كما أعجب كثيراً بـ"بتهوفن"، والسيمفونية التاسعة الناقصة (الأمل) والخامسة (القدر)، وكذلك (سوناتات القمر) لموزارت، ولـ"باخ" "رائعته الشهيرة"، مثلما أعجب بـ"سيمفونية شهرزاد" لريمسكي كورساكوف، و"سيمفونية العالم الجديد" للموسيقار التشيكي أنتونين دفورجاك في السبعينات.

- III -
   وُلد الفتى، في مدينة النجف الأشرف (العراق) في 21 آذار (مارس) 1945 لأسرة عربية كبيرة، يعود أصلها إلى اليمن (جبل النبي شُعيب)، وهي بطنٌ من حمْيَر القحطانية التي نزحت من اليمن إلى بلاد الشام بعد انهيار سد مأرب، ونزلت فرقة منها إلى العراق باتجاه منطقة الفرات الأوسط، وسمّوا بالشعبيين الذين هم عشيرة (آل شعبان) الموجودة حالياً في النجف والكوفة وكربلاء والبصرة وبغداد، أما الفرقة الثانية فقد توجّهت إلى أرض الجزيرة، وهي موجودة اليوم في الرمادي بمحافظة الأنبار، (قرية البوشعبان)، والفلوجة، وفي محافظة صلاح الدين في بيجي ومكحول ومحافظة الموصل، أما القسم الثاني فقد اختار التوجّه إلى مصر وتونس والمغرب، وسمّي هؤلاء بـ"الأشعوب".
   أما الذين بقوا في بلاد الشام (سوريا والأردن ولبنان) فقد عرفوا بـ"الشعبانيين"، و"آل شعبان"، وهؤلاء يرتبطون مع الأسرة في النجف وبغداد بوشائج متينة، في حين أصبح اسمهم في فلسطين (قطاع غزة) "أبو شعبان"، وكان لعشيرة آل شعبان رئاسة الخدمة في حضرة الإمام علي منذ قرون وبفرامين سلطانية معتمدة من الدولة العثمانية.
   درس وتعلّم في مسقط رأسه ثم استكمل دراسته في جامعة بغداد وتخرّج من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، وواصل دراسته العليا في براغ في جامعتين الأولى جامعة 17 نوفمبر والثانية جامعة تشارلس (كلية الحقوق)، حيث نال درجتي الماجستير، في العلاقات الدولية والقانون العام، ثم واصل مشواره العلمي في أكاديمية العلوم التشيكوسلوفاكية فحاز على درجة الدكتوراه (مرشح علوم) في القانون (دكتوراه فلسفة في العلوم القانونية) من "معهد الدولة والقانون"، واختصّ بالقانون الدولي.
   شخصيتان أثرتا في حياة الفتى السياسية، إضافة إلى أعمامه وأخواله، الأول اسمه محمد موسى، وهو يمثّل نموذج البطل الشعبي، الذي يقتحم الميدان وهو مدجّج بسلاحه، متحدّياً الشرطة وعارفاً كيف يزوغ عنها وفي الوقت المناسب، وقد استشهد في العام 1963، وكان قد عاش في بيت شعبان بصورة متقطّعة متخفياً عن الأنظار في العام 1955 - 1956 خلال أيام حلف بغداد واشتداد الإرهاب. أما الثاني فهو صاحب جليل الحكيم صديق عمره، حيث رافقه في مسيرته منذ بدايتها في العمل الطلابي وفي المعتقل وفي المنافي، وهو مثال نادر في الوفاء والإخلاص.
   خلال عمله السياسي والمهني والنقابي تعرّض للملاحقة والاعتقال والتعذيب، وفُصل من الدراسة حين كان في الصف المنتهي من الثانوية العامة في العام 1963 وأفلت من الاعتقال مرّة أخرى، كما تعرّض للملاحقة في العام 1970 حيث توارى عن الأنظار لبضعة أشهر، حينها كان يفاوض عن الحزب الشيوعي مع حزب البعث الحاكم في قطاعَين مهمَّين هما: الطلبة وجمعية العلوم السياسية التي اندمجت بجمعية الحقوقيين العراقيين لاحقاً، علماً بأنه كان قد مُنح عضوية شرف لنضاله في صفوف الحركة الطلابية من جانب الاتحاد الوطني لطلبة العراق (الرسمي)، لكن ذلك لم يمنع من ملاحقته.
   واعتُقل مرةً أخرى في العام 1979، وتعرّض خلالها للتعذيب، واستدعي للاستجواب لأكثر من 5 مرّات حيث كان يؤدي الخدمة العسكرية الإلزامية، وكاد أن يُعدم، بل إن حبل المشنقة كان قريباً من رقبته. واضطرّ لمغادرة العراق إلى المنفى في العام 1980. وكان قد أجبر على اختيار المنفى لأول مرّة في العام 1970، واستثمر وجوده في المنفى لنيل شهادة الدكتوراه، وعاد إلى العراق بعد انتهاء دراسته في العام 1977، ولكنه عاد للمنفى مجدداً بعد تدهور الحياة السياسية في العراق، وتصدع العلاقة بين حزب البعث والحزب الشيوعي.
   كانت وجهته الأولى الشام، حيث كُـلّف بمسؤولية العلاقات الوطنية والعربية في الحزب الشيوعي وكان نطاق عمله يمتد إلى بيروت، لكنه سرعان ما عاد للالتحاق بقوات الأنصار الشيوعية في كردستان، حيث عمل مستشاراً سياسياً لفصيل الإعلام، ومسؤولاً للمنظمة الحزبية للإعلام المركزي، وعضواً في هيئة تحرير جريدة "طريق الشعب" وعضواً في "هيئة تحرير إذاعة صوت الشعب العراقي"، كما عمل عضواً في "لجنة العمل الآيديولوجي المركزي"، ومحرراً رئيسياً لنشرة "مناضل الحزب"، وعضواً في اللجنة الإعلامية للجبهة الوطنية الديمقراطية "جود".
   تعرّض خلال وجوده في كردستان مثل العديد من الأنصار إلى مخاطر شتّى، خصوصاً وأن وجودهم كان في مناطق جبلية نائية على الحدود العراقية - الإيرانية في نوكان وناوزنك ومن ثم في بشتاشان، واقترب الموت منه عدّة مرّات، لا سيّما خلال هجوم قامت به قوات الاتحاد الوطني الكردستاني، بتواطؤات مع الحكومة، حيث استشهد نحو 60 شخصاً من رفاقه، في أحداث بشتاشان الشهيرة العام 1983، مما اضطرّه ومئات آخرين إلى عبور جبل قنديل مشياً على الأقدام لمدة زادت عن 32 ساعة، وهو جبل يبلغ ارتفاعه 7800 قدم، وتكسوه الثلوج طيلة أيام السنة باستثناء شهرَي تموز (يوليو) وآب (أغسطس)، وبسبب قرحة حادة مهدّدة بالانفجار غادر الموقع للعلاج في أرومية "الرضائية"، وكاد أن يكشف أمره، وبناء على ذلك وبمساعدة كردية توجّه إلى طهران مستخدماً وسائل مختلفة ومتنوّعة مكّنته من الوصول إلى دمشق التي غادرها للعلاج في موسكو، حيث مكث في المستشفى نحو 3 أشهر، وكان قبلها قد رقد في مستشفى يافا في دمشق لمدة أسبوعين، حيث عانى من أمراض عديدة ظهرت تأثيراتها لاحقاً.
   اختلف مع قيادة الحزب الشيوعي هو وعدد من رفاقه، وكان سبب الاختلاف السياسي المباشر هو موقفها الممالىء لإيران في الحرب العراقية - الإيرانية (1980 - 1988)، وكان موقفه الأول هو إدانة الحرب التي لا تخدم حسب وجهة نظره إلاّ الإمبريالية والصهيونية، ولذلك حمّل النظام السابق مسؤولية شنّها، وأصدر كتاباً بهذا المعنى بعنوان: "النزاع العراقي - الإيراني - ملاحظات وآراء في ضوء القانون الدولي" العام 1981، وحين انسحبت القوات العراقية من الأراضي الإيرانية بعد معركة المحمّرة (خرمشهر) 1982، اعتبر استمرار الحرب تحت أي ذريعة هي محاولة لإدامتها ولتدمير طاقات البلدين، الأمر الذي يستوجب إدانتها والدعوة إلى وقفها فوراً، وهو المسار الذي اتّخذه منذ بدايات الحرب.
   وبعد أن انتقلت الحرب إلى الأراضي العراقية 1983 كان من أوائل الذين حذّروا من المشروع الحربي والسياسي الإيراني، خصوصاً بالتلويح للبديل الإسلامي وفرض شروط مجحفة على العراق، واعتبر مواجهة هذا المشروع واجباً وطنياً دون أن يقلّل ذلك من دعوته لتغيير النظام والإطاحة بالدكتاتورية وإقامة نظام ديمقراطي بديلاً عنه، لكنه دعا إلى وقف الحرب فوراً والجلوس إلى طاولة مفاوضات والاتفاق على حلول سلمية وفقاً لقواعد القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، وعلى أساس سياسة حُسن الجوار وعدم التدخّل بالشؤون الداخلية والمصالح المشتركة والمنافع المتبادلة.
   وقد بلور موقفه ذلك بتحرّك عربي ودولي بالدعوة إلى وقف الحرب فوراً والشروع بمفاوضات سلمية للتوصل إلى حلول ومعالجات للمشاكل العالقة بين البلدين مع تأكيده على حقوق العراق في الماء واليابسة، وإدانته لاتفافية 6 آذار (مارس) لعام 1975 بين شاه إيران محمد رضا بهلوي وبين صدام حسين نائب الرئيس حينها والتي عرفت باسم "اتفاقية الجزائر" التي قدّمت فيها الحكومة العراقية تنازلات لإيران لم يكن لها من مبرّر على الإطلاق بما فيها ما سمي بخط الثالويك بخصوص شط العرب، وهو خط وهمي من أعمق نقطة في وسط النهر وحتى البحر، علماً بأنه نهر وطني عراقي لا تنطبق عليه شروط الأنهار الدولية، وقد عاد النظام نفسه للاعتراف بذلك، الأمر الذي دفعه هذه المرة لشن الحرب، تحت عنوان "استعادة الحقوق"، وحصل ذلك بعد الثورة الإيرانية بنحو عام ونيّف، أي في 22 أيلول (سبتمبر) العام 1980.
   أصدر بالتعاون مع عدد من رفاقه في بيروت، أواسط الثمانينات صحيفة باسم "المنبر" الشيوعية، وكان محرّرها الأساسي والمشرف على إصدارها، وضمّت نخبة مهمّة من مثقفين وأكاديميين حاولوا تقديم قراءات جديدة للماركسية بما ينسجم مع التطوّر وروح العصر ومصالح الأمة العربية، ولذلك كانت دعوته لمراجعة بعض مواقف الحزب الشيوعي جريئة ومتقدمة، مثل الموقف من القضية الفلسطينية، ولا سيّما من قرار التقسيم بما فيه نقده المبكّر لمواقف الاتحاد السوفييتي والحركة الشيوعية من عدد من القضايا العربية، والموقف من الوحدة العربية والموقف من الديمقراطية عموماً والديمقراطية الداخلية خصوصاً، والموقف من التحالفات وأساليب الكفاح وغير ذلك، الأمر الذي استغرق منه إعادة قراءة الماركسية من مصادرها وتدقيق ما صلح وما لم يصلح منها، باعتبار أن كارل ماركس هو وليد حقبته الزمنية التاريخية، وأن آراءه واستنتاجاته تعود لعهده، وقد لا تصلح لزماننا، وعلينا استنباط الأحكام والاستنتاجات التي تنسجم مع التطوّر الحاصل في العلوم والتكنولوجيا ووسائل الاتصال وغيرها، مع تأكيده على صلاح المنهج الديالكتيكي، وهو ما عبّر عنه في كتابه "تحطيم المرايا - في الماركسية والاختلاف" (2009).
   وبعد فترة صراع بين طرفين شيوعيين شعر أن الأمر استنفذ أغراضه وأن الحياة تجاوزت هذا النمط من التفكير، خصوصاً وأن الأدوات قديمة وليس بإمكانها إجراء تغيير حقيقي، لأن التغيير يحتاج إلى فكر جديد ووسائل جديدة وأداة حاملة للمشروع، وهذا لم يتوفّر.
   وبعد توقف الحرب العراقية - الإيرانية قدّم هو ومجموعة من رفاقه مشروعاً يتضمّن أساساً لمصالحة وطنية، عبر بلاتفورم سياسي تضمّن عدداً من النقاط أهمها: إعادة إعمار ما خربته الحرب، وإحداث تنمية شاملة وإعادة المهجرين العراقيين إلى وطنهم وتأمين عودة سليمة لهم ولجميع المعارضين وعدم ملاحقة أي منهم، وحل القضية الكردية سلمياً بتلبية المطالب المشروعة للشعب الكردي وإطلاق الحريّات والتمهيد لفتح حوار وطني لإجراء تغييرات دستورية، وانتهاج سياسة عربية من شأنها تعزيز موقع العراق، لكن الحكومة لم تستجب لتلك المطالب وظلّت سادرة في غيّها متعالية ومتنكّرة لأي استحقاق سياسي جديد يقوم على الإقرار بالتعدّدية والتنوّع وإجراء إصلاحات دستورية وقانونية من شأنها تطبيع الحياة السياسية وتوسيع دائرة الحريّات والحقوق.
   وفي إطار العمل مع المعارضة فقد كانت بداياته في الشام، حيث كان ممثلاً للحزب الشيوعي ولحركة المنبر الشيوعية فيما بعد، وتقرّر نقل إصدار صحيفة "المنبر" إلى أوروبا فصدر منها عدد واحد في "براغ" التي انتقل إليها، ثم أصدر عدداً آخر في لندن التي استقر فيها، وكان قد مكث في براغ عام وبضعة أشهر، وقرّر أن ينتقل إلى لندن بعد غزو القوات العراقية للكويت (1990).
   وفي لندن ومنذ أواخر العام 1990 كان أحد الشخصيات البارزة في المعارضة العراقية ممثلاً لحركة المنبر الشيوعية، وعندما تقرّر إيقاف إصدار الجريدة كان يمثّل شخصه باعتباره يسارياً مستقلاً، وشارك في العديد من المؤتمرات، وانتُخب عضواً في قيادة المعارضة المؤلفة من 17 شخصية في مؤتمر انعقد في فيينا (حزيران - يونيو) العام 1992، وبعد نحو 4 أشهر انعقد مؤتمر موسّع ثاني في كردستان العراق، وانتخب فيه أميناً للسرّ، لما عرف بالمؤتمر الوطني العراقي، في نوفمبر (تشرين الثاني) 1992.
   وعلى الرغم من أنه هو الذي أعد التقرير السياسي للمؤتمر والبيان الختامي، لكن هذه الوثائق التي كانت تندّد بالحصار وبنظام العقوبات الدولي وُضعت على الرف وتصرّفت الإدارة المتنفّذة بالمؤتمر بما كانت تمليها عليها أجندتها، وهو ما دفعه للاعتراض على هذا التوجّه سواء في اجتماعات قيادة المعارضة أو بالكتابة ضد الحصار وضد القرارات الدولية في تغريد خارج السرب - كما يُقال - واضطرّ بعد أشهر قليلة إلى تقديم مذكرة موسّعة في تموز (يوليو) العام 1993. وحين شعر أنَّ الصراع بلا جدوى، خصوصاً وهناك اصطفافات جديدة أخذت تتكوّن داخل المعارضة مثلما نشأت مصالح جديدة، فاضطرّ لتقديم استقالته بعد بضعة أشهر وكانت استقالة مدوّية، لأنها ندّدت بالتوجّه الممالىء للقوى الدولية وشخّصت عِلل المعارضة التي أسماها بالتعويلية على القوى الأجنبية والعزلة عن الشارع العراقي، لا سيّما في الموقف من الحصار الدولي، وذلك منذ وقت مبكر، الأمر الذي أحرج الكثير.
   ولم يتراجع عن هذا الموقف، رغم مناشدات شخصيات مرموقة في المعارضة، إضافة إلى مغريات قُدمت له، مثلما مورست عليه ضغوط وتعرّض إلى تهديدات بهدف إجباره على السكوت، لكنه واصل التعبير عن وجهات نظره وقناعاته لأنه كان يشعر بأن واجبه الوطني وقيمه اليسارية وتاريخه النضالي يفرض عليه أن يتّخذ مثل هذا الموقف مهما كانت النتائج، لأنه كان قد قرأ اللحظة التاريخية، وأدرك أن ما يُضمر للعراق هو التدمير، وهو ما حصل فعلاً بعد احتلاله في العام 2003 أي بعد أكثر من 10 سنوات من موقفه الذي أعلن فيه انسحابه من أنشطة المعارضة الرسمية وتوجّهات إداراتها المريبة تلك.
    وفي الوقت الذي اتخذ مثل هذا الموقف الذي يعتزّ به، كانت أجهزة النظام العراقي تلاحقه حيث تم كشف محاولة لاغتياله في إربيل في العام 1993 عبر إرسال عملاء لتسميمه، وكانت سلطات الإقليم قد ألقت القبض على عناصر مرسلة من بغداد، واعترفوا بذلك، وحسبما نقل له مسؤولون سياسيون وأمنيون رفيعو المستوى في الإقليم، فإن 5 أسماء من قادة المعارضة كانوا ضمن قائمة الاغتيال، وكان هو من بينهم.
   لكن كل تلك المواجهات لم تثنه من اتخاذ الموقف الصحيح بإعلان رفضه للحصار ولنظام العقوبات ولتعويل المعارضة على القوى الخارجية، ولا سيّما القوى الإمبريالية وأجهزتها الأمنية، وهو واحد من الدروس الأساسية في حياته، إذْ ليس العداء لنظام ما أو حكومة ما مبرّراً للتعاون مع قوى أجنبية وأجهزة أمنية لا تضمر إلاّ الشرّ لبلداننا وشعوبنا، حتى وإن غلّفت ذلك بالحديث عن الديمقراطية والحريّات وحقوق الإنسان.
   وبتواضع حاول أن يقدّم هذا الدرس للمعارضات العربية التي هي معارضات مشروعة، بل وضرورية ضد أنظمة حكم استبدادية شريطة أن لا ترتبط بالأجنبي أو تراهن على القوى الخارجية في إنجاز عملية التغيير، فهذه لها أجندتها التي تريد بواسطتها توظيف المعارضات لخدمة مصالحها، وهو ما دلّت عليه تجارب المعارضات العربية جميعها، فالوسيلة ينبغي أن تقترن بالغاية، ولا غاية شريفة بدون وسيلة شريفة، وهما مثل البذرة إلى الشجرة، حسب المهاتما غاندي، قائد المقاومة اللاّعنفية.
   وإذا كان للظالم قضية ظالمة، فإنه سيختار لها وسيلة ظالمة أيضاً، أما المظلوم فبقدر غايته العادلة والأخلاقية، فإن ذلك يتطلّب منه اختبار وسيلة عادلة وأخلاقية، وتلك يعجز عنها الظالم، وبهذا المعنى فالقضية العادلة تحتاج إلى وسيلة عادلة في الآن ذاته، فكيف يستقيم تعاون معارضات مع قوى خارجية ليست أقلّ شراً من الحاكم نفسه؟
   وقد بيّنت تجارب التدخّلات الخارجية كم كان الضرّر فادحاً، خصوصاً حين تمّ استخدام العنف والوسائل العسكرية لحلّ الخلاف بين الحاكم والمحكوم، وربّما ذلك ما يحاول به الحاكم والظالم والمتسلّط الخارجي استدراج المحكوم والمظلوم والضحية، فالعنف سوف يخدم الظالم والطاغية والغازي، سواء استخدموه هم أو استخدمه المظلوم، لأنه حسب غاندي "فخ ينصبه الظالم ويقع فيه المظلوم"، وهو تدمير للذات، وحتى في حالة الدفاع عن النفس، فالعنف أحياناً يلوّث القضايا النبيلة، سواء كانت باسم الدين أو القومية أو الاشتراكية ويشوّه غاياتها الإنسانية، وستكون نتائجه مؤلمة ومكلفة وطويلة وملتبسة.
   ولعلّ أخطر ما في استخدام العنف هو تبرير الغاية العادلة باستخدام وسائل لا تنسجم معها أو بالضد منها، أي تبريرها بوسائل لا أخلاقية، وليس هناك من مسوّغ لكي تكون القضية عادلة لتبرّر استخدام جميع الوسائل، حتى وإن كانت غير عادلة، وهو ما انزلقت إليه قوى آيديولوجية كثيرة عبر ممارسات عنفية، سواء كانت في السلطة أو خارجها، وسواء باسم الوحدة أو تحرير فلسطين أو الاشتراكية أو الإسلام، فذلك سيعني أدلجة للعنف بحيث يصبح نظرية واستراتيجية، تفترض ادّعاء الأفضلية وامتلاك الحقيقة، وبالتالي تبرير كل شيء بما فيه محق الإنسان.
   والآيديولوجية حسب جبران خليل جبران هي: "كالزجاج يرى الإنسان الحياة من خلالها، إلاّ أنها تفصله عن الحياة"، وهكذا يتحوّل الإنسان من منظومة القيم الإنسانية التي يحملها سواء كانت دينية أو اشتراكية أو قومية باستخدامه العنف، إلى شخص نقيض لتلك القيم، خصوصاً حين تتقدم القسوة ويحلّ الإجبار محل الإقناع والإكراه بدلاً من الحوار .
   وفي سيرة تمرّده وجد في بعض الممارسات السياسية تبريرات هي أقرب إلى الميكافيلية التي تقول "الغاية تبرر الوسيلة"، وما أن يصل الإنسان إلى هذه النتيجة، فتلك ستكون هزيمته الأولى، لأن الغاية موجودة في الوسيلة، وحسب الصديق جان ماري مولر فيلسوف اللاّعنف: "الغاية مجرّدة أما الوسائل فهي ملموسة، وفي حين تختصّ الغاية بالمستقبل، فإن الوسيلة تُعنى بالحاضر"، فهل نتخلّى عن الحاضر لحساب المستقبل؟ وهل يمكن تبرير التعاون مع القوى الخارجية لتدمير بلداننا، لكي نعيد بنائها وفقاً لمستقبل سعيد، ننعم فيه بالرفاه!!.
   وإذا كانت الغايات دائماً متشابهة لكن الوسائل دائماً مختلفة، وفي نهاية المطاف فإن الوسائل هي التي تحدّد المعايير الأساسية لتقويم الغايات التي نسعى لتحقيقها. وحسب صديقه د. وليد صليبي وهو أحد رواد اللاّعنف في العالم العربي "إن التلازم بين الغاية والوسائل ضروري ليس من أجل أخلاقية العمل، فحسب، بل من أجل فاعليته أيضاً"، إذْ أن فاعلية أية وسيلة تقاس بمدى تحقيقها للغاية النبيلة التي تسعى إليها، وبمدى إزالتها للظلم وليس إلغائها للظالم أو القضاء عليه.
   والوسيلة ينبغي أن تكون في خدمة الإنسان، ولا يمكن تحديدها إلاّ تبعاً لمتطلّباته التي لا بدّ أن تكون متطلبات أخلاقية وفعالة في الوقت نفسه. وباختصار إنها خيارات اللاّعنف تلك التي توصّل إليها شعبان، وازداد إيمانه بها واعتمدها في رحلة كفاحه الحقوقية وسيلة لحل الخلافات مع الآخر. وهو ما انكبّ عليه دراسة وتدريساً وممارسة خلال ربع القرن الماضي، فالعنف بما فيه الموجّه ضد الآخر هو عنف موجّه ضد الذات أيضاً.
- IV -
   حين انصرف إلى العمل الحقوقي والفكري وابتعد تدريجياً عن العمل السياسي أصبح واحداً من روّاده في العالم العربي في العقود الثلاثة الماضية، وكانت له بصمة واضحة فيه، قراءة وتنظيراً ونقداً وممارسة، مؤكداً على الدور التنويري الذي يمكن أن يقوم به، لا سيّما إذا كان مهنياً ومستقلاً وسلمياً بحيث يضع مسافة متساوية بين الحكومات من جهة وبين المعارضات السياسية من جهة ثانية، وبقدر ما ينتصر الحقوقي للضحية فإنه ليس بالضرورة يؤيّد أفكاره، وهو ليس ضد حاكم بعينه، بل إنه مع الحقوق والحريّات بشكل عام، ولذلك عليه أن ينأى بنفسه عن الصراع الآيديولوجي والفكري، الأمر الذي يتطلّب سد النقص الشديد والفادح في الوعي الحقوقي بشكل خاص والوعي بشكل عام.
   ولكي يكون المجتمع المدني قوياً وموثراً فلا بدّ له من اتخاذ مبادرات، لكي يتحوّل من "قوة احتجاج" إلى "قوة اقتراح"، ومن "قوة اعتراض" إلى "قوة اشتراك"، أي أن يكون شريكاً مع الحكومات في اتخاذ القرار وفي تنفيذه، لا سيّما فيما يتعلّق بالتنمية بمختلف جوانبها.
    وفي هذا المجال له مساهمات وازنة، لا سيّما في نشر الثقافة الحقوقية وفي التربية على حقوق الإنسان، وحاول أن يضخّ ذلك من خلال وسائل الإعلام أيضاً، كما شارك في مؤتمرات دولية هامة، منها مؤتمر فيينا الدولي حول حقوق الإنسان لعام 1993، والمؤتمر العالمي الذي انعقد في قصر شايو "باريس" عند ساحة التروكاديرو وبالقرب من برج إيفل (1998)، وذلك بمناسبة مرور 50 عاماً على صدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ومؤتمر ديربن ضد العنصرية عام 2001، ومؤتمرات إقليمية وعربية متنوّعة ومختلفة.
   وكان يلقي محاضرات سنوية لتأهيل كادرات مهنية خاصة في مجال حقوق الإنسان في المعهد العربي لحقوق الإنسان في تونس، حيث شغل عضوية لجنته العلمية وفي عدد من البلدان والجامعات والمراكز، وشغل خلال نشاطه الحقوقي مواقع عديدة منها أنه كان رئيساً للمنظمة العربية لحقوق الإنسان في بريطانيا وعضو مجلس أمنائها في (القاهرة)، وأسس في إربيل وبيروت ولندن "الشبكة العراقية لثقافة حقوق الإنسان"، وكان أميناً عاماً لمنظمة العدالة الدولية ولمنتدى حقوق الإنسان وللأكاديمية الدولية للسلام، ولكنه استقال من جميع هذه المواقع، وقرّر التفرغ للبحث العلمي، ولإغناء قضايا المجتمع المدني فكراً وتنظيراً.
   وخلال عمله اتخذ عدداً من المبادرات مهمّة على الصعيد الفكري والحقوقي والثقافي، منها أنه: نظّم أول حوار عربي - كردي في لندن العام 1992 بحضور 50 شخصية عربية وكردية. وكان أول من دعا لتنظيم حوار بين مثقفي الأمم الأربع (العرب والترك والفرس والكرد)، وتحقّق ذلك لأول مرّة في تونس تلبية لمبادرته من جانب المعهد العربي للديمقراطية 2016.
   وكان قد تحفّظ على قرار الأمم المتحدة بخصوص "الأقليات" العام 1992، على الرغم من تقديره الإيجابي له، لا سيّما اعترافه بحقوق "المجموعات الثقافية"، لكنه اعتبر أن استخدام القرار مصطلح "الأقليات" إنما يستبطن الهيمنة والتسيّد من جهة، مثلما يفترض الخضوع والاستتباع من جهة أخرى، الأمر الذي يعني الانتقاص من مبدأ المساواة والاعتراف المتكافىء، بغض النظر عن الأقلية والأكثرية، وظلّ متمسّكاً بمبدأ حق تقرير المصير ببعده الحقوقي والإنساني.
   كما سبق له أن اقترح مشروع قانون لتحريم الطائفية وتعزيز المواطنة في العراق العام 2007، وصاغ على أساسه لائحة تنسجم مع القوانين العراقية النافذة العام 2009. وكان أول من خاطب الأمين العام للأمم المتحدة كورت فالدهايم بخصوص مأساة المهجرين العراقيين عشية الحرب العراقية - الإيرانية وبُعيدها 1980، وطالب بإلغاء قرارات نزع الجنسية عن عشرات الآلاف من العوائل العراقية بموجب قرار مجلس قيادة الثورة السابق رقم 666 الصادر في 7 أيار (مايو) 1980.
   وكان قد دعا لتطبيق القرار 688 الصادر في 5 نيسان (أبريل) العام 1991 الخاص باحترام حقوق الإنسان في العراق ووقف القمع الذي يتعرّض له السكان المدنيون، حيث أطلق عليه "القرار اليتيم" و"التائه" و"المنسي"، وذلك بديلاً عن قرارات الحصار الدولي التي كانت تطحن عظام العراقيين، مثلما تهدر كراماتهم، وهو الموقف الذي تميّز به مع ثلّة من العراقيين الذين أدانو الحصار الدولي اللاّإنساني، باعتباره جريمة إبادة ضد الشعب العراقي وهو الموقف ذاته الذي اتخذه من احتلال بلده العراق العام 2003.
   وتأسّست بمبادرة منه وزميله الدكتور جورج جبور اللجنة العربية لدعم قرار الأمم المتحدة 3379، والتي تمّ استبدال اسمها إلى "اللجنة العربية لمناهضة الصهيونية والعنصرية"، وكان هو أمينها العام وزميله شغل رئاستها 1986.
   ونشط في حملة التضامن لإجلاء مصير المختفين قسرياً، وذلك بالتعاون مع العديد من المنظمات الدولية، وألّف كتاباً عن "منصور الكيخيا والاختفاء القسري"، (بالعربية والإنكليزية)، واعتبِرَ الكيخيا أحد رموز الاختفاء القسري، وهو الشخصية الليبية المعارضة التي اختفت قسرياً في القاهرة، حين كان يحضر والكيخيا مؤتمراً حقوقياً في كانون الأول (ديسمبر) 1993، علماً بأن الكيخيا كان وزيراً لخارجية ليبيا سابقاً، وممثلاً عنها في الأمم المتحدة، وقد نظم عنه عدّة فعاليات وندوات في بلدان مختلفة، ودعم فكرة إخراج فيلم عنه بعنوان "اسمي بشر"، للمخرج محمد مخلوف.
   وهو من الحقوقيين الذين دعوا لتنظيم "محكمة شعبية" أي محكمة ضمير يمكن أن تتحول لاحقاً إلى محكمة دولية، لمحاكمة مجرمي الحرب الصهاينة، وقد ألّف في ذلك كتاباً بعنوان: "سيناريو أولي لمحكمة القدس الدولية العليا" العام 1987. وأعقبه في العام 2010 بتقديم 5 سيناريوهات بشأن المحاكمة الدولية وأدرجها في كتاب بعنوان "لائحة اتهام - حلم العدالة الدولية في مقاضاة إسرائيل" وقد دعا جامعة الدول العربية التوجّه إلى محكمة العدل الدولية للحصول على رأي استشاري بخصوص القدس، ونظّم مؤتمراً لذلك، وهو التوجّه ذاته الذي دفعه لتبنّي فكرة الرأي الاستشاري بخصوص جدار الفصل العنصري الذي بنته إسرائيل لتقطيع أوصال الضفة الغربية والوطن الفلسطيني، وقد اتخذت محكمة العدل الدولية قراراً بعدم شرعيته، ودعت إلى تفكيكه في 9 تموز (يوليو) العام 2004.
   وهو من الشخصيات العربية التي آمنت بالتسامح ودعت إليه، وكان قد نظم مؤتمراً له في العام 1996، أي بعد صدور قرار اليونيسكو بإعلان مبادىء التسامح في العام 1995. وأصدر كتاباً بعنوان: "فقه التسامح في الفكر العربي - الإسلامي" وقدّم له المطران جورج خضر.
   وكان من المبادرين لإدانة ما تعرّض له المسيحيون في العراق وفي البلاد العربية وما يواجهونه من تحدّيات، وهم أهل البلاد الأصليون بهدف إجلائهم من ديارهم وقد خصّص لهم ثلاثة كتب كان الأول بعنوان: "المسيحيون والربيع العربي - في إشكاليات الديمقراطية والتنوع الثقافي في العالم العربي" العام 2012، و"المسيحيون ملح العرب" العام 2013، و"أغصان الكرمة - المسيحيون العرب" العام 2015، وشارك في عدد من الندوات الإقليمية والدولية للدفاع عن الوجود المسيحي، مثلما حاضر في عدد من البلدان والجامعات والمراكز دفاعاً عنهم وهو الموقف ذاته الذي اتّخذه من المجموعات الثقافية الأخرى، لا سيّما ما تعرّض له الإيزيديون على يد داعش والجماعات الإرهابية وكذلك "الصابئة المندائيون" وغيرهم.
المناصب التي شغلها
   في نشاطه الحقوقي والفكري والأكاديمي شغل عضوية العديد من المنظمات منها:
•   عضو اتحاد المحامين العرب (القاهرة).
•   عضو جمعية المحامين الدولية (لندن).
•   عضو مجلس أمناء منتدى الفكر العربي (عمان).
•   عضو اللجنة العلمية للمعهد العربي لحقوق الإنسان (تونس).
•   عضو اتحاد الكتّاب العرب (دمشق).
•   عضو اتحاد الأدباء والكتاب العراقيين (بغداد).
•   عضو اتحاد الحقوقيين العرب (المكتب الدائم). (بغداد - عمان) وممثله السابق في اليونسكو (باريس).
•   عضو اتحاد الحقوقيين العراقيين (بغداد).
•   عضو اتحاد الصحفيين العالمي (براغ).
•    ساهم في إعادة بناء اللجنة الوطنية للسلم والتضامن وكان منسقاً لأعمالها في مطلع الثمانينيات.
•   الأمين العام الأسبق للجنة العربية لمناهضة الصهيونية والعنصرية (دمشق).
•   الأمين العام لمركز الدراسات العربي - الأوروبي (باريس)
•    المدير العام السابق لقناة البغدادية الفضائية (القاهرة).
•   عضو سابق في مجلس أمناء المنظمة العربية لحقوق الإنسان (القاهرة) ورئيسها سابقاً في (لندن).
•   مؤسس الشبكة العراقية لثقافة حقوق الإنسان والتنمية (كردستان - بيروت - لندن - بغداد) وأول رئيس لها في مؤتمرها التأسيسي (بغداد - نقابة المحامين 5/11/2004).
•   الأمين العام المساعد للرابطة العربية للديمقراطية (صنعاء).
•   عضو المجلس الاستشاري لدار الخبرة (بغداد).
•   مستشار مركز حمورابي للبحوث والدراسات (بغداد).
•   عضو مجلس أمناء المركز العربي لتطوير حكم القانون والنزاهة (بيروت).
•   المدير العام للمركز الوثائقي للقانون الدولي الإنساني (عمان - بيروت).
•   عضو مجلس أمناء مركز دراسات الوحدة العربية (بيروت).
•   نائب رئيس جامعة اللاّعنف وحقوق الإنسان (أونور) - بيروت.

أبرز مؤلفاته
أ- في القانون والسياسة الدولية
•    النزاع العراقي - الإيراني، منشورات الطريق الجديد، بيروت، 1981.
•   المحاكمة - المشهد المحذوف من دراما الخليج، دار زيد، لندن، 1992.
•   عاصفة على بلاد الشمس، دار الكنوز الأدبية، بيروت، 1994.
•    بانوراما حرب الخليج، دار البراق، لندن - دمشق، 1995.
•   الاختفاء القسري في القانون الدولي - الكيخيا نموذجاً، شؤون ليبية، واشنطن - لندن، 1998.
•   السيادة ومبدأ التدخل الإنساني، جامعة صلاح الدين، إربيل (العراق)، 2000.
•   من هو العراقي؟ إشكالية الجنسية واللاّجنسية في القانونين العراقي والدولي، إصدار دار الكنوز الأدبية ومركز دراسات الشرق، بيروت، لبنان تموز (يوليو)، 2002.
•   الإنسان هو الأصل - مدخل إلى القانون الدولي الإنساني، مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، القاهرة، 2002.
•   جامعة الدول العربية والمجتمع المدني - الإصلاح والنبرة الخافتة، دار المحروسة، القاهرة، 2004.
•   إشكاليات الدستور العراقي المؤقت - الحقوق الفردية والهياكل السياسية، مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية (بالأهرام)، كراسات استراتيجية، العدد 140، القاهرة، حزيران (يونيو)، 2004.
•   العراق: الدستور والدولة، من الاحتلال إلى الاحتلال، دار المحروسة، القاهرة، 2004.
•   المجتمع المدني - الوجه الآخر للسياسة: نوافذ وألغام، دار ورد، عمان، 2008.
•   المعاهدة العراقية - الأمريكية: من الاحتلال العسكري الى الإحتلال التعاقدي، المركز العراقي للدراسات الاستراتيجية، عمان، 2008.
•   بغداد - واشنطن: أي مقايضة للاحتلال العسكري؟!- في حيثيات الاتفاقية العراقية- الأمريكية، إصدار مركز العراق للدراسات، بغداد، 2011.
•   المجتمع المدني- سيرة وسيرورة، دار أطلس، بيروت، 2012.
•   الانتخابات والتغيير- الثورة في صندوق الاقتراع، مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية، 2014.
ب- في الصراع العربي - الإسرائيلي
•    الصهيونية المعاصرة والقانون الدولي، ط 1، مركز الدراسات الفلسطينية، ط2، دار الجليل، دمشق 1985.
•   سيناريو محكمة القدس الدولية العليا، شرق بريس، نيقوسيا، 1987 .
•   القضايا الجديدة في الصراع العربي - الإسرائيلي، دار الكتبي، بيروت، 1987 .
•   الانتفاضة الفلسطينية وحقوق الإنسان، دار حطين، دمشق، 1991 .
•    المدينة المفتوحة - مقاربات حقوقية حول القدس والعنصرية، دار الأهالي، دمشق، 2001.
•   لائحة اتهام: حلم العدالة الدولية في مقاضاة إسرائيل، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2010.
ج- أديان وقضايا فكرية
•   الصراع الأيديولوجي في العلاقات الدولية، دار الحوار، اللاذقية، 1985 .
•   قرطاجة يجب أن تدّمر، فصول من الحرب الأيديولوجية، دار صبرا، نيقوسيا- دمشق،1985 .
•   أمريكا والإسلام، دار صبرا، نيقوسيا - دمشق، 1987.
•   الإسلام وحقوق الإنسان، مؤسسة حقوق الإنسان والحق الإنساني ،ط1، بيروت ،2001 (ط2، رابطة كاوا، إربيل، 2002)، طبعة ثانية جديدة، دار بيسان، بيروت، 2014.
•   الإسلام والإرهاب الدولي - ثلاثية الثلاثاء الدامي، الدين - القانون - السياسة، دار الحكمة، ط1، لندن، أيلول (سبتمبر) 2002، (ط2/ دار ورد، عمان، 2008).
•   فقه التسامح في الفكر العربي الإسلامي - الثقافة والدولة (مقدمة المطران جورج خضر) دار النهار، بيروت، 2005. (ط/2 دار آراس، إربيل، 2012).
•   تحطيم المرايا - في الماركسية والاختلاف، الدار العربية للعلوم (ناشرون) ومنشورات الاختلاف (الجزائر) - حوار وتقديم خضير ميري، بيروت، 2009.
•   جدل الهويّات في العراق - الدولة والمواطنة، الدار العربية للعلوم، بيروت، 2010.
•   المسيحيون والربيع العربي، دار آراس، إربيل، 2012.
•   المسيحيون ملح العرب، دار ضفاف، الشارقة، 2013.
•   كوبا الحلم - الحلم الغامض، دار الفارابي، بيروت، 2011.
•   الشعب يريد... تأملات فكرية في الربيع العربي، دار أ

31
المنبر الحر / الحب وسط المأساة!!
« في: 22:13 24/05/2017  »
الحب وسط المأساة!!
عبد الحسين شعبان
"هناك بعض الناس لا يعتبرون غيرهم بشراً، وينظرون إليهم على أنّهم أشياء، فيفعلون بهم أيّ شيء."هذا ما قالته المغنية الأميركية من أصول أرمنيّة "شير"، بعد أن شاهدت فيلم "الوعد- THE PROMISE " الذي يتناول قصّة إبادة الأرمن التي ابتدأت في 24 إبريل-نيسان- العام 1915 في غمرة أحداث الحرب العالميّة الأولى (1914-1919) والتي شهدت بدايات إنهيار الإمبراطورية العثمانيّة.
الفيلم يتحدّث عن طالب أرمني يُدعى مايكل بوغوصيان (أوسكار إيزاك-الأمريكي من أصل غواتيمالي) الذي كان يحلم بتطوير النظام الطبي في بلدته، حيث يتعايش فيها المسلمون والمسيحيون منذ مئات السنين، والتي تقع جنوب تركيا.
حين يبدأ بوغوصيان مشواره الدراسي في مدينة القسطنطينية (اسطنبول) ذات التنوّع والتعدديّة الثقافيّة والإثنيّة يلتقي بالفاتنة الأرمنيّة "أنّا" (الممثّلة الفرنسيّة شارلوت لو بون) فيقع في غرامها على الرغم من علاقتها مع الصحافي والمصوّر الأمريكي "كريس مايرز" (كريستيان بيل-الممثّل البريطاني) الذي يحتفظ بدفترٍ يكتب فيه يوميّات عن أعمال الإبادة الجماعيّة ويتمّ العثور عليه ويُعتقل، ولولا وصول خبر اعتقاله إلى السفارة الأمريكيّة لكان مصيره في خبر كان مثل غيره من مئات الألوف الذين ذهبوا ضحايا بدمٍ بارد، حيث تدخّلت السفارة الأمريكيّة لإنقاذه ومن ثم ترحيله .
الحدث الدرامي والمأساوي هو ما يميّز الفيلم الذي أضفى مخرجه الإرلندي تيري جورج لمساته الفنّية عليه، خصوصاً وأنه قد عمل سابقاً على موضوع الإبادة في فيلمه المرشح لجائزة الأوسكار "أوتيل رواندا" .وبلغت تكاليف إنتاج فيلم "الوعد" 100مليون دولار قام بالتبرّع بها رجل الأعمال الأرمني الراحل "كيرك كيركوريان" الذي نجت عائلته من المذبحة التي ارتكبت حينها.
الفيلم يعيدنا إلى الموقف من المجاميع الثقافية الأخرى، الإثنيّة والدينيّة والسلاليّة واللّغويّة، حيث تندلع أعمال إبادة وحشيّة اليوم بحق الشعب الفلسطيني الذي تستمر معاناته منذ نحو سبعة عقود من الزمان. ونستحضر معه المآسي التي حصلت للإيزيديين على يد داعش بعد احتلاله للموصل، خصوصاً قتل شبابهم وسبي نسائهم،وقبل ذلك ما حصل للصابئة المندائيين في العراق من أعمال استهداف وعنف حيث اضطرّ الآلاف منهم إلى الهجرة، مثلما تعرّض المسيحيون لا سيّما في العراق وسوريا إلى مأساة حقيقيّة بسبب أعمال التعصّب والعنف والإرهاب.
المأساة التي حصلت للشعب الأرمني لم يتمّ الاعتذار عنها، علماً بأنّ الرواية التاريخيّة التي حاول الفيلم أن يضيء عليها تقول أن نحو مليون ونصف المليون من أبنائه قتلوا غدراً. وإذا كان التاريخ مراوغاً حسب "هيغل" فحسبنا اليوم بالوقائع الدامغة التي تستوجب عمل كلّ ما من شأنه حماية البشر، ووضع حدّ للمآسي الإنسانية بغض النظر عن الدين أو العرق أو اللغة أو اللون أو الأصل الاجتماعي، فالبشر، كل البشر، لهم الحق في الحياة والعيش بسلام ودون خوف.
إنّ أبسط ما يمكن تقديمه للضحايا في الماضي والحاضر هو تحريك ضمير المجتمع الدولي للاعتراف بما حصل والاعتذار عنه وكشف الحقيقة كاملةً وتعويض الضحايا وجبر الضرر والعمل على إصلاح الأنظمة القانونية والقضائية لكي لا يتكرر ما حصل ولكي لا يفلت الجناة من العقاب. وذلك ما يندرج في إطار العدالة الانتقاليّة على المستوى الدولي والوطني.
وإذا كان فيلم "الوعد- THE PROMISE " يعكس مأساة الشعب الأرمني الحقيقية التاريخيّة فإنّ ما يجري على أرض الواقع يتطلّب عملاً جاداً ومسؤولاً وعلى جميع الجبهات، الفكريّة والثقافيّة والدينيّة والسياسيّة والاقتصاديّة والتربويّة والقانونيّة والدبلوماسيّة لاستئصال التعصّب والتطرّف والإرهاب وإشاعة ثقافة التسامح والسلام والتآخي نقيضاٍ للثقافة السائدة التي تقوم على الكراهية والعنف والانتقام.
ملاحظة أخيرة لا بدّ من الإشارة إليها بخصوص الفيلم وهي أنّه، على الرغم من محاولته تصوير بشاعة الجريمة إلا أنّه لا يخلو من تمرير دعاية موجّهة، مثل "مدنيّة وتحضّر" الأميركيّين والفرنسيّين والغرب عموماً ودفاعهم عن حقوق الإنسان، كما يُدَسّ فيه اسم "اليهود"، لدرجة أنّ أحد المسؤولين الأتراك يخاطب أحد موظّفي السفارة الأمريكيّة في أنقرة بقوله "أنت تدافع عن الأرمن لأنّك يهودي "، مُظهراً تعاطفاً زائفاً في حين أن العرب في حلب والموصل وبيروت وعمان والقاهرة وغيرها من المدن العربيّة  هم من استقبل الأرمن ووفّروا لهم الأمن والحماية، دون أن ننسى أنّ عدداً من العوائل التركية ساهم في إنقاذ عوائل وأفراد من جيرانهم ومعارفهم الأرمن بتأمين مخابئ لهم ، كما قاموا بتربية بعض الأطفال الذين فقدوا ذويهم خلال أعمال الإبادة.
ومثلما ترتفع اليوم المطالبات بالاعتذار للأرمن، فإنها تشمل إعتذار الفرنسيين عن احتلالهم للجزائر وما ارتكبوه من أعمال بربريّة واعتذار الأمريكان لسكان البلاد الأصليين على ما قاموا به من إبادة بحقّهم، واعتذار البريطانيين عن وعد بلفور الذي ألحق أفدح الأضرار بالشعب العربي الفلسطيني.
وبغضّ النظر عن كل شيء فإنّ الفيلم هو لائحة اتّهام، بل وثيقة إدانة لأنّه يُظهر المأساة الحقيقيّة لشعب تعرّض للإبادة.

.

32
ما بعد مؤتمر الأستانة:
قراءة في البعدين الإقليمي والدولي للأزمة السورية
عبد الحسين شعبان
أكاديمي ومفكّر عربي

   ظلّت الأزمة السورية  متأرجحة بين العواصم الدولية والإقليمية، انعكاساً لما يجري على الأرض، وكان من مخرجات ما بعد حلب أن يحدث نوعاً من التقارب الإقليمي والدولي، لعقد مؤتمر تحضره الأطراف السورية يبحث في حيثيات الأزمة ابتداءً من ترسيخ الهدنة ومروراً بوقف إطلاق النار وصولاً للحل السياسي المنشود.
   لم يتصوّر أحد قبل انعقاد المؤتمر أن العاصمة الكازاخستانية المعروفة باسم "الأستانة"  والتي كان اسمها سابقاً "آلما أتا" ستكون محطّة لحوار بين السوريين أولاً وهم الذين رفضوا الجلوس إلى جانب بعضهم البعض على طاولة مفاوضات لتسوية سلميّة للنزاع المندلع منذ 15 آذار (مارس) العام 2011 والذي اتخذ طابعاً عسكرياً وعنفياً بعد بضعة أسابيع، واستمرّ منذ ذلك اليوم ولحد الآن، خصوصاً بتبادل اتهامات مستمر، فالمعارضة حاولت "أبلسة" الحكومة، وسعت لشلّ مؤسسات الدولة، ومن جهة ثانية نظرت الحكومة إلى المعارضة باعتبارها جزءًا من مؤامرة دولية تستهدف سوريا، وبين هذا وذاك استمرّ القتال وتعطّلت التنمية، وانحسرت سيطرة الدولة على العديد من المناطق التي خرجت عن سلطتها، وعمَّ الدمار بمختلف أشكاله في جميع أنحاء سوريا.
   ودفع الشعب السوري الثمن باهظاً، ليس فقط بآلة الإرهاب والعنف وانعدام الأمن والأمان والحياة الطبيعية فحسب، بل من خلال عمليات نزوح ولجوء شملت أكثر من 8 مليون سوري ، إضافة إلى تخريب مدن بكاملها، وتحطيم بُنيتها التحتية، وتعريض بيئتها وأراضيها للتصحّر، وتعثر الزراعة والصناعة كليّاً أو جزئياً، كما سادت الفوضى العديد من المناطق، وهيمنت الجماعات الإرهابية على نحو ثلث الأراضي السورية، وأصبحت الرّقة عاصمة لـ"داعش"، الذي فرض على المناطق التي تحت هيمنته نمط حياة أقرب إلى التوحّش، تعود إلى القرون الوسطى، وفي تعارض كامل مع روح العصر والمدنية والتحضّر.
موسكو وأنقرة وطهران
   جمعت محطّة الأستانة للحوار إضافة إلى السوريين (الحكومة والمعارضة المسلّحة) ثلاث جهات دولية، هم الروس والأتراك والإيرانيون، وهم قوى فاعلة في الملف السوري، وكان يمكن ضمّ السعودية وقطر، وبالطبع الولايات المتحدة إلى حوار الأستانة، لكي تكتمل أطراف الحوار الأساسية، لكن ذلك لم يحدث لأسباب تعود إلى حساسيات الجهات المشاركة وأدوارها في الصراع، فدول الخليج التي دعمت الجماعات المسلّحة وقوى المعارضة وموّلتها، لم يكن في أجندتها وارداً أن يتم الحوار، لذلك اعتبرت أن الأمر لا يعنيها، وشكّكت في أن يصل الحوار إلى نتيجة ملموسة، خصوصاً وأنها كانت قد رفعت أعلى الشعارات رنيناً، بانحيازها ضدّ الحكومة السورية، مراهنة على المعارضة والقوى المسلّحة، إضافة إلى ذلك أن الذين برزوا في هذا الحوار هم المعارضون المسلّحون على الأرض، وليس الجماعات السياسية "الخارجية"!.
   أما إيران فقد رفضت حضور السعودية، كما لم ترغب بحضور الأمريكان، في حين كان الروس يميلون إلى حضور السعودية وجميع الأطراف الدولية ذات التأثير في الملف السوري، بهدف استكمال النّصاب - كما يُقال - خصوصاً لجهة العلاقة بحضور الأمريكان الذين ظلّوا متردّدين في الحضور. وبغض النظر عن كون الأطراف الدولية الغائبة منحازة كلّياً إلى جانب المعارضة والجماعات المسلّحة، وأن غيابها بلا أدنى شك سيؤثر على الاتفاق الشامل للحلّ، لكن ثمة استدراكات، فواشنطن أعلنت أنها تقف ضدّ الإرهاب وتسعى للقضاء على "داعش"، ولم تعد تطرح مسألة رحيل الرئيس الأسد عن السلطة، الأمر شجّع بعض أطراف المعارضة السياسية على المشاركة في لقاء موسكو التكميلي بعد أن كانت تشكّك بجدوى مؤتمر الأستانة، ناهيك عن قوته الإلزامية، وقد كانت مبادرة موسكو استدراكية أيضاً بهدف سدّ النقص في مؤتمر الأستانة والتعويض عنه بلقاء المعارضة وزير خارجيتها سيـرغي لافروف في موسكو بعد مؤتمر الأستانة .
   لقد كان اختيار الأستانة مكاناً لانعقاد المؤتمر ما يبرّره، فهي مقرّبة جداً من موسكو، مثلما هي في الوقت نفسه مصدر ثقة بالنسبة لواشنطن، الأمر الذي أضفى على المؤتمر أهمية خاصة، لا سيّما وأن كازاخستان ترغب في لعب دور الوسيط، وقد ساهمت في التقارب بين موسكو وأنقرة، وهي إحدى الجمهوريات السوفييتية المنفصلة عن الاتحاد السوفييتي بعد انحلاله، وذلك حين قرّرت الاستقلال في كانون الأول (ديسمبر) في العام 1991، بعد أن كانت منذ العام 1917 "جمهورية سوفيتيية".
دبلوماسية ما بعد حلب و"المناطق الآمنة"
   لقد فتحت استعادة الحكومة السورية سيطرتها على حلب، وإخراج المسلّحين وهزيمة الإرهابيين، الباب أمام حركة دبلوماسية سريعة وكثيفة بشأن الحلّ السياسي، خصوصاً وأن الحل العسكري أو الأمني لم يكن بإمكانه إنهاء الصراع في سوريا، فلم تتمكّن الدولة حتى الآن من القضاء على المجموعات الإرهابية والمسلّحة، أو إنهاء المعارضة، فضلاً عن الدعم الإقليمي والدولي، والتسليح والتجهيز والتمويل.
   كما لم تتمكّن المجموعات الإرهابية والمسلّحة ومن ضمنها المعارضة، من الإطاحة بنظام الحكم، حتى وإن أضعفوا الدولة، لكن تماسك الجيش ووجود نواة صلبة ملتفّة حوله، حال دون الانهيار، وذلك بمساعدة إقليمية - دولية، منها الدعم اللوجستي الذي قدّمه حزب الله اللبناني، إضافة إلى الدعم الإيراني المتعدّد الوجوه عسكرياً وأمنياً وسياسياً واقتصادياً، يضاف إلى ذلك الدعم الروسي العسكري، وخصوصاً من خلال الضربات الجويّة التي كانت مؤثّرة جداً في إلحاق هزيمة بالقوى الإرهابية التكفيرية، الأمر الذي غيّر من موازين القوى بين الفرقاء المتنازعين في الأزمة السورية.
   لكن القوى الإرهابية والمسلّحة وبقية قوى المعارضة لم تفلظ أنفاسها، وإنْ انحسر دورها وتمزّقت وحدتها، إلاّ أنها ما تزال عنصر مشاغلة وتهديد وورقة بيد القوى الدولية التي تبحث عن موطىء قدم لها في سوريا، بعد أن فشلت في الإطاحة بالدولة، فعلى الأقل قد تجد فرصة في "مناطق آمنة" Safety Zone أو Safety Area واختراقات محدودة، لكي تبقى بؤرة توترات مستديمة ومستمرة ومصدر إزعاج مستقبلي .
   وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد اقترح بعد مؤتمر الأستانة، إقامة "مناطق آمنة" لإيواء النازحين واللاّجئين، وتقديم المساعدات الضرورية لهم، وأبدى وزير خارجية روسيا سيرغي لافروف استعداد موسكو مناقشة الفكرة شريطة التنسيق مع دمشق وموافقتها، وجاء ردّ الفعل السوري سريعاً على لسان وزير الخارجية وليد المعلم، الذي حذّر من تداعيات خطيرة قد يسفر عنها تحقيق هذه الفكرة دون التنسيق مع الحكومة السورية، لأنه سيؤدي إلى المساس بالسيادة الوطنية. وكانت دمشق قد رحّبت بنتائج مؤتمر الأستانة، واعتبرت وقف إطلاق النار خطوة تمهيدية للحوار السوري - السوري .
   ويعيد مفهوم المناطق الآمنة إلى الأذهان القرار الذي اتخذ بشأن الملاذ الآمن في شمال العراق، لا سيّما بعد صدور قرار مجلس الأمن رقم 688 في 5 نيسان (أبريل) 1991، الذي أدان القمع الذي يتعرّض له المدنيون العراقيون في أجزاء كثيرة من العراق، والذي شمل مؤخراً المناطق السكانية الكردية، وتُهدّد نتائجه السلم والأمن الدوليين في المنطقة ، وهو مسألة ترفضها الحكومة السورية بشدّة، لأنها تدرك أن وجود مثل هذه المناطق ودون الاتفاق معها يعني ثلم جزء من سيادتها، وهو الأمر الذي ارتبط بفرض الحصار على العراق، الذي استمر أكثر من 12 عاماً، وكان ذلك تمهيداً لغزوه.
   وعلى الرغم من الغموض والإبهام فيما يتعلّق بإقامة المناطق الآمنة في سوريا وجوارها، فإن الرئيس ترامب زادها غموضاً والتباساً خلال مهاتفته الملك سلمان بن عبد العزيز "ملك المملكة العربية السعودية"، لا سيّما حين عوّم المسألة وعمّمها بشموله دول الجوار الإقليمي. وإذا كان الأمر يتعلّق بالنازحين واللاجئين السوريين، فمن باب أولى التنسيق والتعاون مع دمشق التي تشترط موافقتها على أي منطقة آمنة لأغراض إنسانية. أما إذا كان الأمر يمتد إلى جوار سوريا (عمان وبيروت وأنقرة) حيث الكثافة الكبيرة للاجئين السوريين، فيقتضي موافقة حكومات هذه البلدان.
   وبالعودة إلى سوريا كيف سيتمّ اختيار المناطق الآمنة؟ ومن سيديرها؟ وكيف ستتكفّل الجهات الدولية تقديم المساعدة لها؟ وهل ستكون الدول الضامنة لمؤتمر الأستانة الدور الأساسي فيها؟ وكيف سيتم التنسيق مع الأمم المتحدة والهيئات الإنسانية الأخرى؟ هذه وغيرها أسئلة تحتاج إلى تفاهمات مسبقة، تتم مع دمشق، خصوصاً وأن هناك رؤى مختلفة ومتعارضة إزاء موضوع إدارة المناطق، فـ"وحدات الحماية الكردية" تعمل بالتعاون مع قوات التحالف الدولي "الأمريكي" باسم "قوات سوريا الديمقراطية" وهناك مناطق تابعة للجيش التركي في وسط منطقة جرابلس، حيث يوجد فيها الآن، مثلما هناك مناطق تحت سيطرة الجماعات الإرهابية، مثل "جبهة فتح الشام"، و"داعش" وغيرها، مثل إدلب والرّقة، فكيف سيتم التعامل معها؟
   لقد اضطرّت القوى المعارضة، إضافة إلى الجماعات المسلّحة - دون أن نُدخل في حسابنا الجماعات الإرهابية والتكفيرية، سواء "داعش" أو "جبهة فتح الشام" أو أخواتها - إلى القبول بالجلوس إلى طاولة المفاوضات، والأمر يتعلّق أولاً باختلال موازين القوى على الأرض، ولا سيّما بعد خروجها من حلب، بل إنها كانت في حالة تراجع وتقهقر مستمرين، وثانياً أصبح واضحاً وبعد نحو 6 سنوات أن القوى الدولية الإقليمية تهمّها مصالحها، وأنها غير معنية باستمرار الحرب الأهلية حتى لو تم تدمير كامل سوريا، فذلك إحدى أهدافها، وسيكون المستفيد الأول منها "إسرائيل" والصهيونية، وثالثاً أن الضغوط التي تعرّضت لها من جانب تركيا أجبرتها على قبول الحوار مع الحكومة السورية، سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وربما ساعد ذلك في دفع العملية السياسية.
   وقد يكون للداخل التركي انعكاساً إيجابياً على الأزمة السورية، "فربّ ضارّة نافعة" - كما يُقال - خصوصاً بعد تعرّض النظام التركي لهزّة عميقة إثر محاولة الانقلاب الفاشلة في تموز (يوليو) العام الماضي 2016 ، والتي لا تزال تداعياتها مستمرّة حتى الآن، وتواجه سياسة تركيا الإقليمية تحدّيات عديدة، إضافة إلى ردود فعل داخلية وخارجية، فالانقلاب ترك ندوباً وآثاراً على الدولة التركية، بل وصورة تركيا التي تم رسمها على نحو إيجابي في السنوات الخمسة عشر الماضية، باعتبارها تمثل نموذجاً "للإسلام المعتدل" و"الدولة المدنية" والحداثية، وهو الأمر الذي أصبحت الشكوك بشأنه تكبر، ليس في الغرب فحسب، بل في دول الإقليم، بسبب تدخلاتها من جهة، وفي الداخل التركي أيضاً حيث يتخذ الصراع طابعاً عنفياً.
   وكانت مفاوضات الأستانة (كانون الثاني/ يناير/ 2017)، قد شملت قضيتين أساسيتين تم الاتفاق عليهما وهما:
   - تثبيت الهدنة
   - وقف إطلاق النار في جميع أنحاء سوريا.
   أما المرحلـة الثانية من المفاوضات فستـبدأ في شباط (فبرايـر) 2017، حيث سيتم عقد جولة جديدة في إطار الأمم المتحدة للتوصل إلى حل سلمي، استمراراً لجنيف 1 و2 و3 .
   وإذا كانت نتائج مؤتمر الأستانة الأولية خطوة بالاتجاه الصحيح، فهل سيكون التوصل إلى خريطة طريق ممكناً بعدها، ولا سيّما بغياب واشنطن أم أن الدور الروسي، إضافة إلى الدور الإقليمي، ولا سيّما التركي والإيراني كفيل بذلك؟ وحتى لو لم تكن تركيا ممثلة للأطراف الغائبة، فإن مثل هذا الاتفاق سيكون عاملاً مهماً في الحملة المناهضة للإرهاب وكما قال الرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب: إن مكافحة الإرهاب هي من أولوياته، بالتناغم مع الدور الذي تلعبه واشنطن في العراق ضدّ "داعش"، حيث تقود قوات التحالف الدولي لتحرير الموصل، بالتعاون مع القوات العراقية.
مشاريع الدستور
   ثمّة أسئلة ضرورية لبحث حيثيات الأزمة السورية ومنها: هل يحظى مؤتمر الأستانة بالإجماع، بعد أن غابت عنه المعارضة السياسية؟ أم أنه "بروفة" أولية تبعها لقاء لافروف بالمعارضة السورية؟ ولعلّ مثل هذا اللقاء التكميلي مهم لجهة عقد مؤتمر جنيف القادم. وكانت روسيا قد دعت على لسان لافروف: التحلي بالصبر لدى تشجيع المعارضة السورية على المشاركة في مفاوضات السلام، وكان هو ووزير خارجية إيران محمد جواد ظريف قد دعيا إلى الاستفادة من تجربة الأستانة لتفعيل عملية السلام.
   وقد برّرت بعض القوى السياسية المعارضة غيابها عن لقاء لافروف بالصفة الشخصية للدعوة (قائمة الرياض - الهيئة العليا للمفاوضات)، وقال فريق آخر: "قائمة موسكو"، و"قائمة القاهرة" و"قائمة الداخل"، وممثّل عن الكرد وآخرين، أن المعارضة ستشكّل فِرقاً لصياغة الدستور السوري الجديد والمقترح، وذلك على هامش لقائهم بوزير الخارجية الروسي، ويأتي مثل هذا التوجّه بعد أن أعدت وزارة الخارجية الروسية مسوّدة مشروع لدستور جديد، أساسه توسيع صلاحيات البرلمان على حساب صلاحيات الرئيس ومنع تدخّل الجيش في المجال السياسي، وتأكيد سمو القانون الدولي في النظام القانوني السوري.
   وكان لافروف قد دعا المعارضة إلى المشاركة النشيطة في ترتيب عملية تفاوضية مستدامة من أجل تسوية الأزمة السورية في جنيف، بالتعاون مع المبعوث الأممي الخاص إلى سوريا ستيفان دي ميستورا، علماً بأن هناك مسوّدة كردية لمشروع دستور سوري أعدّها حزب الاتحاد الديمقراطي الكردستاني وسلّمها لوزير الخارجية الروسي، وذلك بتوسيع صلاحيات الأقاليم اللاّمركزية، علماً بأن المسودّة الروسية ترفع اسم "العربية" من الجمهورية العربية السورية، وترفع صفة دين الدولة "الإسلام"، وهو النص الذي تتضمنه جميع دساتير البلدان العربية تقريباً، وتسمح الصيغة المقترحة بإمكانية تغيير الحدود بواسطة الاستفتاء واعتبار اللغتين العربية والكردية متساويتين في مناطق الحكم الذاتي الثقافي الكردي.
   وبرّرت الناطقة باسم الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا اقتراح مشروع دستور على الأطراف السورية، بقولها: "إن موسكو لا تحاول فرض أفكار ما على أحد، إنما يكمن الهدف من مبادرتها في تحفيز النقاش بين السوريين" .
    والسؤال الآن: ماذا بعد الأستانة؟ وماذا بعد لقاء موسكو مع المعارضة السورية؟ هل سيكون بالإمكان توفير أرضية صالحة وخصبة لمؤتمر جنيف برعاية الأمم المتحدة؟ والجواب هو ما عبّر عنه الروس من رغبة يمكن الاستدلال عليها من استضافتهم المعارضة السورية، وكان الهدف واضحاً هو استكمال مؤتمر الأستانة تمهيداً لعقد مؤتمر جنيف.
ميزان القوى الجديد
   إن التطوّرات الجديدة والتبدّل في موازين القوى قد يسهم في تغيير أو تعديل توجهات بعض أجندات المعارضة، لا سيّما إذا حصل نوع من التفاهم الروسي - الأمريكي، بعد التوافق الروسي - التركي، على الرغم من وجود بعض المنغصّات الدولية الأخرى، وذلك غير دول الخليج وتردّد الولايات المتحدة، ونعني به تحفّظات فرنسا وألمانيا التي لم يحظ مؤتمر الأستانة برضاهما، كما كان دور الأمم المتحدة فيه محدوداً، ولعلّ من أسباب نقد بعض القوى للمؤتمر، أنه انعقد في رحاب مدينة محسوبة على موسكو التي لها دور مؤثّر في قراراتها.
   وإذا كان ثمّة أسباب داخلية دفعت تركيا إلى المشاركة الفاعلة في مؤتمر الأستانة، فإن هناك أسباباً أخرى منها مشاكل المهجرين واللاجئين السوريين وعدم إيفاء أوروبا بوعودها والتزاماتها، وهو ما كانت تركيا تريد به ابتزاز أوروبا، فضلاً عن محاولتها محاصرة حزب العمال الكردستاني PKK، الذي لا زال وجوده يؤرقها، فهي حتى الآن لا تعترف بحقوق الكرد القومية، وتتخذ موقفاً استعلائياً وشوفينياً من القضية الكردية ومن قضايا المجاميع الثقافية الأخرى، يضاف إلى ذلك أن حزب العمال الكردستاني لا يقتصر نفوذه السياسي والعسكري داخل تركيا، بل إنه يتمدّد داخل الأراضي السورية، ولا سيّما في عفرين والقامشلي، وكذلك داخل الأراضي العراقية في جبل قنديل.
   وقد تمكّن مؤخراً من فرض سيطرته على قضاء سنجار، الأمر الذي حاولت تركيا أن تضغط فيه على إقليم كردستان وعلى حكومة بغداد، بل أعطت تعهداً بانسحاب قواتها من العراق، بعد أن كانت تتمنّع عن مثل هذا الالتزام وتتذرّع بأن أولوياتها محاربة القوى الإرهابية التي تشنّ عليها حملات من داخل الأراضي العراقية، وبالمقابل فقد تعهّدت إربيل وبغداد بمواجهة حزب العمال الكردستاني وإبعاده عن سنجار، حتى وإنْ لم يتمكنا، لا سيّما وأن المعركة مع "داعش" لم تحسم، ولا يمكن الدخول في معركتين في آن واحد.
   وبغض النظر عن اختلاف التقييمات بخصوص مؤتمر الأستانة، فإنه نجح حتى الآن في تثبيت وقف إطلاق النار، وهذه خطوة لصالح الحكومة السورية التي سيكون بمقدورها إعادة الانتشار وإعادة السيطرة الإدارية على مناطق البلاد التي أفلتت من قبضتها خلال السنوات الخمس ونيّف الماضية من الحرب، وقد يقلّص من قدرة المعارضة والجماعات المسلحة التي أصبحت الممرّات أمامها مغلقة، ويمكن استهدافها فرادى، علماً بأن هدف الإيرانيين والروس هو الشروع بالتفاوض الطويل الأمد، خصوصاً بتقوية مواقع الجيش السوري.
   وإذا كان ثمة اختلافات في الرؤية بين الإيرانيين والروس، فإن إيران التي ساهمت منذ البداية في دعم الحكومة السورية، لا تريد تجيير ذلك لمصلحة الروس، كما أن الروس الذين كان لهم دور حاسم في ضرب مواقع الإرهاب والجماعات المسلّحة، ولا سيّما في معارك حلب، لا يريدون الخروج من المشهد دون وضع بصمتهم الواضحة عليه، ويعتبرون سوريا حليفة لهم بدءًا من الحكومة، مثلما هي بعض أطراف المعارضة التي يستميلونها، ولذلك يطمحون في إجراء تقارب بينهما لتتمكّن روسيا أن تلعب دور مستقبلي في سوريا وعند أي تغيير محتمل أيضاً.
   أما تركيا، فإن وضعها الخاص سيتوضّح لاحقاً، لا سيّما في جنيف، فيما إذا كانت قد قرّرت التخلّص من عبء علاقتها بالجماعات المسلحة والمعارضة، بل يمكن أن تذهب أبعد من ذلك، حيث يمكنها التطبيع مع الحكومة السورية بعد أن اختل ميزان القوى لصالح استمرار النظام برئاسة بشار الأسد.
   واللاّفت في مفاوضات الأستانة أن الذي مثل المعارضة المسلّحة، هم ممن لهم فعل على الأرض، وليسوا من معارضة الخارج، في حين أن اللقاءات السابقة ضمّت مجاميع سياسية معارضة، لكنها لا تملك رصيداً قوياً على الأرض، وخصوصاً في الجانب العسكري.
بيان الأستانة
   وكان البيان الختامي لمؤتمر الأستانة قد حدّد الوجهة العامة التي يمكن أن ترضي الحكومة والمعارضة، وذلك بتأكيده على :
1 - الالتزام بسيادة واستقلال ووحدة أراضي الجمهورية العربية السورية (أي إبعاد فكرة التقسيم التي يتم التلويح بها) من جانب القوى الخارجية وبعض الجماعات المسلحة والمعارضة أحياناً.
2 - إن سوريا دولة متعدّدة الأعراق والأديان وغير طائفية وديمقراطية (وهذه أطروحات جديدة كانت المعارضة تدعو إليها، ووافقت عليها الحكومة السورية).
3 - تأكيد محاربة "داعش" وجبهة "فتح الشام"، باعتبارهما تنظيمين إرهابيين وهو اشتراط للحكومة السورية مدعوماً من إيران وروسيا، وتفريقهما عن بقية المنظمات المسلّحة، أي إجراء فرز بين الجماعات والقوى المناهضة للحكومة السورية، وهو بقدر ما يأتي لصالح الحكومة السورية، فإنه يتطابق مع طموح الشعب السوري والقوى الإقليمية والدولية في التخلص من الإرهاب، فضلاً عن انسجامه مع طموح بعض المعارضات المسلّحة التي تريد تمييز نفسها عن الجماعات الإرهابية والتكفيرية.
4 - التأكيد على قرار مجلس الأمن 2336، الذي صدر في 31 كانون الأول (ديسمبر)  2016، حيث كان وزراء خارجية كل من تركيا وإيران وروسيا قد أصدروا بياناً مشتركاً في موسكو في 20/12/2016 أكّدوا فيه على "إطلاق محادثات بين حكومة الجمهورية العربية السورية ومجموعات المعارضة المسلّحة في الأستانة...".
5 - تأكيد الأطراف المشاركة على الحل السياسي، باعتباره الحل الوحيد من خلال عملية سياسية مبنية على تطبيق قرار مجلس الأمن 2254 بالكامل ، واستبعاد الحل العسكري على نحو صريح وواضح، وهو وإنْ كان إقرار بواقع أليم جاء بعد نحو 6 سنوات، لكنه يمثل روح القرارات الدولية والقوى الحليفة للحكومة السورية، لا سيّما بعد أن أحرزت نجاحات عسكرية على الأرض.
6 - تثبيت وتقوية نظام وقف إطلاق النار من خلال ترتيبات متفق عليها، وبدعم من قرار مجلس الأمن 2336 لعام 2016، بما يساهم في تقليص العنف والحد من الانتهاكات وبناء الثقة وتأمين وصول سريع وسلس ودون معوّقات للمساعدات الإنسانية تماشياً مع قرار مجلس الأمن 2165 لعام 2014 وتأمين الحماية وحريّة التنقّل للمدنيين في سوريا .
   وأعتقد أن ذلك لو حصل وتم الالتزام به سيفتح الباب أمام عودة الحياة الطبيعية وسيضغط على جميع الأطراف من أجل إنجاز تسوية من شأنها إعادة هيبة الدولة وإخضاع الجميع لسلطانها مع إجراء التغييرات المطلوبة للانتقال الديمقراطي.
   وإذا كان الوفدان السوريان قد تباحثا من خلال غرفتين منفصلتين وعبر وسيط، حيث كان دي ميستورا وممثلين من الوفد الروسي والتركي، فإن المباحثات القادمة ربما ستشهد حواراً تمهيدياً مباشراً أو شبه مباشر، ولكن أكثر قرباً وتواصلاً وقد تتبدّل بعض المواقع.
   وصدر البيان عن الدول الثلاث الضامنة ، الذي أكّد في إحدى فقراته على هدف محاربة الإرهاب (داعش والنصرة)، وهو أمر سيكون ملزماً لهذه الدول بالطبع.
مصارعة على الطريقة الرومانية
   أوجدت محطة الأستانة إطاراً جديداً للمفاوضات، وهي مختلفة عن مفاوضات جنيف، وإن كانت لا تتعارض معها، لكنها خطوة متقدمة عليها، وخصوصاً بتأكيد فشل الحل العسكري والتركيز على الحل السياسي، باعتباره الحل الوحيد لتسوية الأزمة، لا سيّما وأن جميع الأطراف أنهكتها الحرب التي استمرّت، وكأنها مصارعة على الطريقة الرومانية التي قد توصل أحد الطرفين المتصارعين إلى الموت، في حين أن الطرف الآخر قد يبلغ به الإعياء والإنهاك حد العجز الذي هو أقرب إلى النهاية، وقد كان لتغيير الموقف التركي أثر بالغ في تحقيق الهدنة بين الحكومة والمعارضة.
   وسيكون موضوع الدستور السوري واحداً من القضايا المعروضة للنقاش، فيما إذا نجحت الأطراف في إرساء دعائم وقف إطلاق النار والشروع بالاتفاق حول مستقبل العملية السياسية والتغيير المنشود طبقاً لقرارات مجلس الأمن الدولي. وإذا كان هدف التوصل إلى حلّ سياسي، قد أجمع عليه المتفاوضون، فإن ذلك لن يتحقّق دون خطوات عملية لوقف إطلاق النار، وهذا يمكن أن يتم إذا ما شعرت الأطراف جميعها أن مرحلة انتقالية بعيدة المدى تنتظر سوريا، وأنها يمكن أن تتبلور وفقاً لصيغة اتفاقية ورضائية مكفولة دولياً.
   لقد لعب الدعم الروسي دوراً كبيراً في تغيير موازين القوى لصالح الحكومة السورية، كما كان للتقارب التركي - الروسي مؤخراً، أثراً إيجابياً في تقريب وجهات النظر، سواء بالتحضير لمؤتمر الأستانة أو لإقناع المعارضة المسلّحة بالحضور والمشاركة، وقد عكس لقاء موسكو للدول الضامنة ذلك بالدعوة إلى ضرورة عقد مفاوضات سياسية بين الأطراف السورية - السورية، أي بعد نجاح وقف إطلاق النار وتحقق شروط الهدنة والالتزام بها، وبهذا المعنى فإن الأطراف الثلاثة استبعدت الحل العسكري كليّاً وهو تطوّر جديد في الأزمة السورية، خصوصاً إذا ما تم الالتزام به.
الأزمة استثنائية والحلّ الاستثنائي
   كان حضور الحكومة والمعارضين السوريين إلى الأستانة يعني فيما يعنيه الخروج من معطف جنيف الذي حاولت القوى الدولية إلباسه للسوريين (حكومة ومعارضة) برعاية الأمم المتحدة، وفي الوقت نفسه فإن هذا الخروج ليس إلى فراغ، بل إلى رعاية روسية أساسية وإن كانت ليست معارضة لاتفاقات جنيف، لكنها أكثر واقعية وقدرة على التنفيذ من خلال التوافق الدولي - الإقليمي (روسيا - تركيا).
   ربّما كانت القراءة الأولى لمؤتمر الأستانة باعتباره تحدّياً روسياً للمجتمع الدولي، لكن دخول تركيا وتأثيرها على المعارضة، أعطاه أهمية استثنائية، ولا يمكن إنجاح أي حلّ في سوريا إلاّ إذا كان استثنائياً، فالأزمة استثنائية وتتطلّب حلاًّ استثنائياً، وأعتقد أن وضع مسودة تنفيذ القرار 2254 الصادر في 18 كانون الأول (ديسمبر) 2015 عن مجلس الأمن الدولي ستكون الخطوة الأساسية لنجاح أي اتفاق لاحق، وقد نصّ هذا القرار على "أن الشعب السوري هو من يقرّر مستقبل البلاد"، ودعا إلى "تشكيل حكومة انتقالية، وإجراء انتخابات برعاية أممية، كما طالب بوقف الهجمات ضدّ المدنيين بشكل فوري، وقد تمّ التصويت عليه بالإجماع (15 دولة عضو في مجلس الأمن).
   الجديد في الأزمة السورية الراهنة هو الضمانة الروسية التي تمكّنت من حل بعض العُقد أمام مؤتمر جنيف في شباط (فبراير) 2017، يضاف إلى ذلك فصل المعارضة المسلّحة عن الجماعات الإرهابية مثل "داعش" و"حركة أحرار الشام الإسلامية" و"جيش الإسلام" و"الجيش الحرّ" وغيرها، وهذه خطوة مهمّة.
   ولكن تبقى هناك عقبات جدّية ما بعد الأستانة أهمها: تحديد المشاركين باسم المعارضة ويطمح الروس أن تشارك جميع القوى الفاعلة، خصوصاً وأن بعضها قد غاب عن الحضور، وتمثيل الأكراد الذين لديهم حضور في المناطق الشمالية ويديرونها ذاتياً، وكيف سيكون الأمر في المستقبل، أي العلاقة بين المركز والأقاليم أو الأطراف، خصوصاً وأن مطالب عديدة أخذت تتبلور في أوساطهم تدعو إلى الفيدرالية أو الحكم الذاتي أو اللاّمركزية، وكلّها تبدي اعتراضاً على فكرة الدولة المركزية البسيطة، التي عرفتها سوريا منذ استقلالها، وأخذت تروج بدلاً عنها فكرة الدولة اللامركزية والمركّبة، فهل نحن بصدد نظام لا مركزي؟ وأين حدود صلاحيات المركز والأقاليم؟ وهل هي إدارية أم قومية؟ وحسب المصطلح المستخدم "الثقافية"؟ ووفق أي الاعتبارات سيتم تحديدها؟ وعلى أي النسب السكانية سيتم تقريرها؟ وهذه أسئلة تحتاج إلى أبحاث مستفيضة وتراضٍ وتوافق استثنائي وتاريخي في الوقت نفسه، وقد تكون المفاوضات فيها مضنية.
   ولعلّ هذه الإشكالات الاستثنائية تحتاج إلى حلول استثنائية وتنازلات متبادلة من جميع الأطراف، كما أن الأطراف الكردية غير متفقة مع بعضها البعض، علماً بأن موسكو تريد مشاركة حزب الاتحاد الديمقراطي وشخصيات قريبة من النظام وأخرى محسوبة على محور القاهرة، في حين ترى أنقرة ضرورة مخاطبة الهيئة العليا للمفاوضات وهي ترفض دعوة الأكراد، الأمر الذي يحتاج إلى مرونة من جهة، مثلما يحتاج إلى وضوح وأفق لكي لا تُخلق بؤراً جديدة للتوتر والصراع أو تُبقي عليها، بحيث تنفجر في أي وقت.
   وإذا كان الموقف التركي قد تغيّر تماماً، وانتقل من حالة الرفض لأي مفاوضات لا تحدّد مصير الرئيس الأسد، إلى مفاوضات قد لا تتطرّق إلى ذلك مراعية مصالحها السياسية والاقتصادية وأوضاعها الداخلية، فإن للنجاحات التي أحرزها الجيش السوري وتراجع القوى المسلحة في مناطق عديدة، وخصوصاً في منطقة الباب وحلب دور كبير في ذلك، ناهيك عن فتور علاقات تركيا مع الناتو وضيق صدرها من الولايات المتحدة التي اتهمتها ولو لم تسمّيها بالاسم، بالتحريض على الانقلاب الفاشل ودعم فتح الله غولن، وقد يكون لتولي الرئيس دونالد ترامب أثر كبير في مجريات الأحداث في سوريا بغض النظر عن مواقفه الأخرى، والأمر قد يكون له صلة بالعلاقة الروسية - الأمريكية.
   ولعلّ أهم نتائج مؤتمر الأستانة على الصعيد الدولي والإقليمي هو إنشاء إطار ضامن وأوكل له مهمّة أساسية معلنة بوضع آليات لمراقبة وقف إطلاق النار، وذلك بعد أن تمكّن اللاّعب الروسي، الإمساك بالملف السوري، خصوصاً بعد قرار إدارة أوباما، التراجع إلى الخلف لانشغالها بملفات داخلية وإبداء تركيا استعدادها لجلب المعارضة المسلحة للأستانة مع تخلّيها عن فكرة تنحية الرئيس الأسد.
   هكذا أصبحت موسكو هي الضامنة، وليست طرفاً في الصراع كما كان المعارضون المسلحون يتهمونها، بل أدانوها بارتكاب مجازر عديدة في المناطق التي تحت سيطرتهم، وهذا يعني أنها أصبحت مقبولة كطرف حيادي يرعى مؤتمراً لتثبيت وقف إطلاق النار، ثم سيضمن مراقبة ذلك. وسيكون لها وفقاً لهذا التقدير دور مستقبلي قد يصبح كبيراً أكثر مما هو عليه للوصول إلى تسوية شاملة، فيما إذا سارت الأمور حسب ما هو معلن ومقرر.
خريطة الطريق الروسية
   وحسب ما ترشّح، فإن لدى الروس أربع حلقات أساسية لحل الأزمة السورية، وقد تلتقي معها كلياً أو جزئياً إيران وتركيا، وخصوصاً بعد نتائج مؤتمر الأستانة، ولحين تبلور رؤية أمريكية جديدة في عهد ترامب، فإن هذه الخطة ستأخذ مجراها إلى التطبيق ويعتمد نجاحها على دفع اللاّعب الأمريكي بوقت لاحق للتعاطي مع المشروع الروسي.
   الحلقة الأولى للخطة الروسية، تقوم على إرساء وقف إطلاق النار بشكل حقيقي في المناطق المتنازع عليها بين الحكومة السورية والجماعات المسلّحة.
   أما الحلقة الثانية، وقد بدأت خطواتها الأولى بشن حرب تشارك فيها الأطراف المختلفة للقضاء على جبهة فتح الشام "جبهة النصرة سابقاً" وكان من مؤشرات ذلك صراع الجماعات المسلحة مع جبهة فتح الشام في إدلب التي ترافقت مع العمليات الجوية التي ينفذها التحالف الدولي وموسكو من خلال استهداف مقرّاتها واجتماعات قيادييها، ليس هذا فحسب، بل إن هذه الحلقة قد تتوسّع لتشمل محاربة "داعش".
   وتقضي الحلقة الثالثة بإقرار دستور جديد لسوريا وقد تمّت الإشارة إلى مشاريع الدساتير المقترحة والمشاريع التي ستعكف على تقديمها قوى المعارضة، وكانت المسوّدة الروسية قد استندت على الدستور السوري الذي تم تعديله العام 2012، وهناك قلق لدى العديد من النخب السورية الحاكمة وغير الحاكمة في أن يكون هذا الدستور صيغة مماثلة أو مقاربة لدستور بول بريمر بخصوص العراق للمرحلة الانتقالية 2004 والذي تم صياغة الدستور الدائم على أساسه لعام 2005، وهو الذي كرّس نظام المحاصصة الطائفية - الإثنية، لكن الروس يؤكّدون أن ذلك يتم بوحي من الأرضية الدستورية السورية نفسها وبأيدٍ سورية، مع ملاحظات حول شكل نظام الحكم وصيغة اللاّمركزية المطروحة فيه .
   وتعتبر الحلقة الرابعة من أهم حلقات الخطة الروسية، وذلك برفع أي فيتو عن أي من المرشحين للرئاسة، ولكن كل ذلك مرهون بنجاح عملية إحلال السلام، وتعاون الأطراف الإقليمية مع موسكو، لا سيّما تركيا وإيران، وبالطبع فإن صيغة البيان الختامي فجّرت خلافات جديدة بين الجماعات المسلّحة والمعارضة، لا سيّما بشأن الدور الإيراني الضامن.
   في الختام يمكن القول إن مؤتمرات السلام التي انعقدت لحلّ الأزمة السورية في السنوات الثلاث الماضية، جميعها بما فيها مؤتمر الأستانة، ساهمت في كسر الحاجز النفسي وتطبيع العلاقات بين القوى المعارضة والحكومة السورية. وإذا كانت المؤتمرات الأولى ضمّت جماعات سياسية مثل "المجلس الوطني السوري - الدوحة" ثم "هيئة الائتلاف الوطني - اسطنبول"، ولاحقاً "الهيئة العليا للمفاوضات - الرياض"، فإن مؤتمر الأستانة مثّل جماعات مسلّحة على الأرض حملت تسميات من قبيل "جيش الإسلام" و"جيش إدلب الحر" و"الجبهة الجنوبية" و"صقور الشام".
تركيا: تسوية الأزمة بدون الأسد أمر غير واقعي
   وإذا كانت تركيا المتعهّد باسم الجماعات المعارضة المسلحة، فإن روسيا ظهرت وكأنها الأقرب لتمثيل الحكومة السورية كقطب أساسي، وإن حظرت إلى جانبها إيران، لكن تحفّظات بعض الأطراف المسلّحة جعلها في المرتبة الثانية، وإذا كان هناك من تبدّل نوعي، فهو يتعلّق بتهميش دور المملكة العربية السعودية وقطر، خصوصاً بعدم حضور المعارضات السياسية المدعومة من جانبيهما.
   ومن التطوّرات المهمّة التي تبلورت عشية وخلال وبُعيد مؤتمر الأستانة أن تركيا التي كانت تصرّ على رحيل الأسد، تخلّت عن هذه الفكرة، وقد عبّر نائب رئيس وزرائها محمد شيمشك في مؤتمر دافوس (سويسرا) ما يؤكّد ذلك حين قال: إن تسوية الأزمة السورية بدون الرئيس السوري بشار الأسد، تعدّ في الوقت الراهن أمراً غير واقعي، وذهب أكثر من ذلك حين أضاف "الأسد يتحمّل مسؤولية معاناة الشعب السوري، لكن يجب أن نكون براغماتيين، وأن ننطلق من الواقع، فالوضع تغيّر جذرياً، ولذلك لا يمكن لتركيا أن تواصل الإصرار على تسوية بدون الأسد، وأنه أمر غير واقعي" .
   صحيح أن مؤتمر الأستانة ركّز على الجوانب العسكرية، المتعلّقة بتثبيت الهدنة ووقف إطلاق النار، إلاّ أنه فتح الأفق واسعاً بعد انسداد دام لسنوات أمام تسوية سياسية، وهو ما حاول دي ميستورا الحديث عنه، ولا سيّما استئناف مؤتمر جنيف في شباط (فبراير) 2017، أي محاولة إضفاء بُعدٍ أممي على ما جرى في الأستانة، وتبقى الأزمة السورية، سورية بالدرجة الأساسية، وحلّها سورياً أيضاً، مهما كان دور القوى الإقليمية والدولية كبيراً، وهذا الحل الميداني يحتاج إلى خريطة طريق طويلة الأمد، وتفاهمات وشجاعة استثنائية في الوقت نفسه، لأن الهدف هو إعادة بناء سوريا وترميم ما خربته الحرب، وإجراء مصالحة وطنية حقيقية وتاريخية.
كولومبيا وتجارب العدالة الانتقالية
   وسيكون ذلك ممكناً حين يتم اعتماد قواعد العدالة الانتقالية، مع حساب الخصوصية السورية، تلك التي تقوم على كشف الحقيقة: ما الذي حصل؟ ولماذا حصل؟ وكيف حصل؟ لتحصين الأجيال القادمة، وذلك دون نسيان المساءلة عمّا حدث مع الأخذ بنظر الاعتبار الابتعاد عن الثأر والانتقام والكيدية، فمثل ذلك سيولّد ردود فعل وانقسامات تزيد من الشروخ الاجتماعية الحاصلة، وهنا لا بدّ من اعتماد مبادىء التسامح، والابتعاد عن كل ما من شأنه أن يثير الحساسيات والضغائن والفتن ويدخل البلاد في أتون تقسيمات طائفية وإثنية.
   والخطوة الأخرى التي يمكن اعتمادها تقوم على جبر الضرّر، خصوصاً المعنوي بإطلاق أسماء مكتبات وساحات عامة وشوارع وقاعات ومدارس وغيرها على ضحايا يخلّدهم الشعب السوري، وكذلك تعويض الضحايا وأسرهم وجميع المتضررين مادياً ومعنوياً، خارج أي اعتبار سياسي أو قومي أو ديني أو طائفي أو اجتماعي أو مناطقي أو أي اعتبار آخر، ودون أي تمييز، والعمل على إصلاح الأنظمة القانونية والقضائية والأمنية، التي تعزّز من احترام حقوق الإنسان وحرّياته باعتبارها ركيزة أساسية من الركائز الدستورية التي تقوم على المواطنة الفاعلة، لا سيّما بأجواء من الحريّة التي هي أسمى الحقوق والمساواة والعدالة، وخصوصاً العدالة الاجتماعية والشراكة والمشاركة.
   الأزمة السورية استثنائية والحل استثنائي أيضاً، وإذا كان الهدف هو تحقيق المصالحة الوطنية التاريخية وإعادة لحمة المجتمع السوري، فلا بد من إنهاء جميع تبعات الصراع المسلّح الاستئصالي، الإلغائي، التهميشي، وتحقيق العيش المشترك والتفاهم، وقطع دابر التدخلات الخارجية التي كان لها دور أساسي في إشعال الفتنة واستمرارها. وأول ما تحتاجه المصالحة هو بناء جسور الثقة لوقف التعقيبات القانونية، وإطفاء القضايا المتعلّقة لكل من يلقي السلاح ويستجيب لنداء الوطن والوحدة الوطنية والتحوّل الديمقراطي، وقد جرّبت شعوباً كثيرة مثل هذه الحلول ونجحت في تجاوز أزمتها، ولعلّ آخر الأمثلة كانت التجربة الكولومبية التي استحق عليها الرئيس الكولومبي خوان مانويل سانتوس جائزة نوبل العام (2016)، وذلك تقديراً لجهوده في تسوية النزاع المسلح في بلاده .
   وكان الرئيس الكولومبي قد اتفق مع الحركة اليسارية (المتطرّفة) التي تُدعى "فارك" بعد مفاوضات مضنية دامت 4 سنوات لوضع حدٍّ لصفحة الصراع المسلح الذي استمر 52 عاماً وأودى بحياة 220 ألف مواطن وساهم في تعطيل التنمية وهدر طاقات البلاد.
لقد كان الاستمرار بالنسبة للطرفين يمثل نوعاً من المكابرة والعبث، فوافقت الحركة على إنهاء الكفاح المسلّح، وإلقاء السلاح وتسليمه إلى الحكومة والتوصل إلى مصالحة مع الدولة وبشروطها، ووافقت الحكومة على التوصل إلى حلول سلمية ومدنية، باستبعاد المساءلة الفورية أو المباشرة، ذلك أن اشتراط تحقيق العدالة كشرط للسلام قد يفضي إلى استمرار الحرب الأهلية، خصوصاً في ظل نفوذ لا يزال يملكه المتمردون، الذين يبلغ عددهم أكثر من 15 ألف مسلح، فكان لا بدّ من اللجوء إلى الوسائل السلمية واللاّعنفية باعتبارها سلاحاً ماضياً للوصول إلى الأهداف المرجوة، حتى وإن ألحق بعض الخسائر بمسألة العدالة القانونية المنشودة.
الاتفاق الكولومبي كان أقرب إلى صفقة سياسية حين وضع السلام مقابل العدالة، مقدّماً الأول على الثانية، لأننا لو أخذنا بمعيار تطبيق مستلزمات العدالة القانونية والقضائية عند الاتفاق، فإن ذلك سيعني ملاحقة أعضاء حركة "فارك"، التي تصل جرائمها إلى جرائم حرب، وجرائم إبادة جماعية، وجرائم ضدّ الإنسانية، خصوصاً لجهة عدد الضحايا وتدمير المنشآت وإحراق المزارع وإتلاف البيئة وتهجير مئات الآلاف من السكان، وقد يكون بعضها من مسؤولية المحكمة الجنائية الدولية.
لعلّ التجربة الكولومبية اليوم هي إحدى تجارب العدالة الانتقالية الجديدة، خصوصاً بتقديم السلام على المساءلة، ومن أبرز عناصرها هي: تعهّد قادة الحركة المسلّحة بتسليم أسلحتهم، والامتناع عن زراعة المخدرات وإتلاف ما يوجد لديهم، والتوقف عن الاتجار بها أو بعمليات تهريبها أو القيام بأي خرق لحقوق الإنسان، كما تعهّدوا بتقديم تعويضات (من المال السّحت الذي حصلوا عليه) إلى المزارعين، وأولاً وقبل كل شيء إعلاء حكم القانون ومرجعية الدولة والعودة إلى المجتمع كأفراد مدنيين. وأعتقد شخصياً أن ذلك أمراً في غاية الأهمية.
أُطلقَ على الاتفاق بين الرئيس سانتوس وقادة الحركة المسلحة: العدالة التوافقية أو العدالة البنّاءة، وهي عدالة مؤقتة وانتقالية تشمل جوانب قانونية وأخرى سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية، وهذه تعني حسب حيثياتها: لا معاقبة الجاني وإعادة الحق لأصحابه، بل الاتفاق على تعهّد المرتكب بعدم تكرار ارتكاب جرائم جديدة وإعادة جزء من الحق لأهله، والاعتراف بحق الدولة في استعادة سلطتها، باعتبارها الجهة الوحيدة التي يحق لها احتكار السلاح واستخدامه.
وإذا كانت شروط العدالة الانتقالية  تقوم على كشف الحقيقة والمساءلة وجبر الضرّر وتعويض الضحايا وإصلاح الأنظمة القانونية والقضائية والأمنية، فإن التجربة الكولومبية، قفزت على النقطة الأولى، وتركت أمرها لتنفيذ الاتفاق، وإذا كان مثل هذا الإشكال يجنّب الشعب الكولومبي الويلات والمآسي التي عاشها لعقود من الزمان، فلا بدّ أن يكون مرحّباً به لعلاقته بالمستقبل وليس بالماضي، فالانتقام والثأر قد يدفع إلى ردود فعل متقابلة، وهكذا.
وكانت التجربة الأرجنتينية في أواخر السبعينات وما بعدها قد سلكت طريق التوافق بإطفاء الحرائق ووقف التعقيبات القانونية بحق المرتكبين، كما سلكت التجربة التشيلية في أواخر التسعينات ذات الطريق، وهما شقّا تجربة جديدة في العدالة الانتقالية، قائمة على فقه التواصل وليس فقه القطيعة، وهو ما سلكته تجربة الدول الاشتراكية السابقة منذ أواخر الثمانينات، خصوصاً بولونيا وهنغاريا وتشيكوسلوفاكيا، ويمكن هنا أن نستذكر تجربة جنوب إفريقيا للعدالة الانتقالية التي استبعدت الانتقام، لأن فتح مثل هذه الصفحة قد يؤدي إلى استشراء العنف الذي سيصاحبه ردود أفعال مضادّة، والعنف يولّد عنفاً، وهكذا، كما أن التجربة المغربية للعدالة الانتقالية وهي من داخل النظام واستمراراً له مفيدة جداً، ويمكن قراءتها بصورة هادئة، حتى وإن كانت الأجواء ساخنة، لأن فيها ما ينفع مثل التجارب الأخرى، وهي ليست للتقليد أو للاستنساخ، بل لاستلهام الدروس والعبر، خصوصاً من وجود بعض المشتركات العامة.
قد يصلح الدرس الكولومبي والأمريكي اللاتيني ودروس أوروبا الشرقية، وجنوب إفريقيا والمغرب لبلدان وشعوب أخرى، ويكون مفيداً إذا أخذنا بنظر الاعتبار الظروف الخاصة بكل بلد، علماً بأن مهمة تحقيق السلام، هي مهمة إنسانية مشتركة وعامة.
ولعلّ مؤتمر الأستانة ولقاء موسكو قد فتحا الطريق أمام مؤتمر جنيف الذي يحتاج إلى خريطة طريق تستكمل ما بدأته مؤتمرات جنيف السابقة، الأول في حزيران (يونيو) 2012، والثاني في كانون الثاني (يناير) 2014، والثالث الذي كان مقرراً بترتيب من محادثات فيينا للسلام ومجلس الأمن الدولي ومبعوث الأمم المتحدة ستيفان دي ميستورا، على أن تتوافق عليها القوى السورية أساساً، حكومة ومعارضة، ولا بد لها لكي توضع موضع التطبيق أن تحظى بتأييد ودعم إقليمي ودولي.



33
ما الذي تبقّى من المشروع الفلسطيني؟

عبد الحسين شعبان

حين يخصّص مركز الخليج للدّراسات (التّابع لدار الخليج)، مؤتمره السنوي السابع عشر المنعقد في الشارقة، لبحث موضوع "مستقبل المشروع الفلسطيني" وبمشاركة نخبة متميّزة من المفكّرين والباحثين العرب من فلسطين والمغرب والبحرين ومصر والعراق والإمارات وغيرها، فذلك له دلالات عديدة:   
أوّلها- إنّه يستعيد القضية الفلسطينية كمحور للقضايا العربية، خصوصاً وتشهد الساحة العربية اليوم ، بل ومنذ ثلاث عقود من الزمان،  تراجعات مختلفة، لا سيّما لشيوع ظواهر التعصّب والعنف والإرهاب والطائفيّة، تلك التي زادت من الانقسامات والتباعدات والاحترابات العربية الموجودة أساساً، في حين كانت القضية الفلسطينية جامعاً ومشتركاً ومرتكزاً للعمل العربي الموحّد، وإنْ كان بحدّه الأدنى الذي أُطلق عليه "التضامن العربي" الذي بدأ هو الآخر بالتقهقر، والذي طال اليوم الدولة العربية بوجودها ووحدتها باندلاع حروب أهلية ونزاعات مذهبية.
وثانيها-  محاولة  نابهة لردّ الاعتبار للقضية الفلسطينية في الوعي العربي الذي أخذ بالتصدّع، خصوصاً وأنّها تتزامن مع إعلان الأسرى الفلسطينيّين الإضراب عن الطعام في "السجون الإسرائيليّة" وسط حالة من اللّامبالاة على أقلّ تقدير على الرّغم ممّا ترتّبه من مسؤوليّات دولية يمكن استنفارها، لأنّها تتعلّق بالحقوق والقوانين والشرعيّات الدولية التي تنتهكها "اسرائيل" جهاراً نهاراً دون أيّ رادع أو مساءلة.
وثالثها- إنّ توقيت انعقاد المؤتمر يأتي بعد صدور قرارين دوليّين مهمّين : الأوّل عن منظمة اليونيسكو بتاريخ 18 أكتوبر (تشرين الأوّل) العام 2016 والخاص باعتبار الأماكن المقدّسة في القدس من تراث العرب والمسلمين. وكان هذا القرار قد استكمل بقرار لاحق صدر بعده بعدّة أيّام (26 أكتوبر- تشرين الأول) أدان الانتهاكات "الإسرائيليّة " في الأماكن المقدّسة، وهو القرار الذي وصفه "كرمل شامة هاكوهين" السفير "الإسرائيلي" لدى اليونيسكو  بقوله:  "إنّ هذا القرار هو الأكثر عبثيّة ومكانه الوحيد مزبلة التاريخ" .
أمّا القرار الثاني فكان قد صدرعن مجلس الأمن الدولي بتاريخ 23 ديسمبر ( كانون الأوّل) 2016 والخاص بمنع الاستيطان، إضافة إلى صدور تقرير من منظمة الإسكوا الذي أدان بدوره "الأبرتايد الإسرائيلي" وكان "أنطونيو غوتيرس" الأمين العام للأمم المتّحدة قد قرّر سحب التقرير، فما كان من ريما خلف المديرة التنفيذيّة للإسكوا إلّا أن قدّمت استقالتها.
       إنّ هذه القرارات والأجواء الإيجابية التي خلقتها تستوجب متابعة فلسطينية وعربية ودولية لما لها من جوانب معنوية على حركة التضامن التي
أخذ رصيدها يرتفع خصوصاً في إطار المجتمع المدني الذي خصّص له المؤتمر محوراً خاصّاً ، ويتعلّق الأمر بملاحقة متّهمين صهاينة بارتكاب جرائم أو صدور قرارات من مؤتمرات دولية تدين "اسرائيل" وتدعو لمقاطعتها أكاديميّاً وثقافيّاً واقتصاديّاً، لأنّها تمارس جريمة الأبرتايد . وقد أصبح لحركة التضامن صوت مؤثّر في أوروبا وأمريكا اللّاتينية  وكندا وأفريقيا وآسيا وتحتاج لتفعيل وتوسيع وإسناد.
ورابعها- إنّ القضية الفلسطينيّة لم تعد تهمُّ الفلسطينيّين وحدهم أو العرب فحسب على الرغم من وجود نزاعات إنعزالية وانكفائية لديهم ، فتارة بزعم "القرار الوطني الفلسطيني المستقل"، وأخرى برفع شعار "هذا البلد أوّلاً" وإنّ الفلسطينيّين هم أدرى بشؤونهم، لتبرير تقديم التنازلات.
      لكنّ المشروع الوطني الفلسطيني ليس مشروعاً وطنيّاً خالصاً ، بقدر ما هو مشروع عربي وأممي في الآن، إذْ لا يمكن تحقيق تقدّم وتنمية حقيقيّة ودائمة دون حلّ عادل للقضية الفلسطينيّة، وحتّى الإصلاحات الديمقراطية المنشودة لا يمكن  لها أن تتوطّد  وتترسّخ باستمرار حالة الحرب، كما أنّ قضايا مثل "السلام العالمي" و"حقّ الشعوب والأمم في تقرير مصيرها"، هي قضايا ذات أبعاد إنسانيّة ودوليّة تتعلّق بالتحرّر والحريّة والعدالة. وهي جزء لا يتجزّأ من قواعد القانون الدولي واتّفاقيّات جينيف لعام 1949 وملاحقها ونظام العدالة الدوليّة، لأنّ الفلسطينيّين والعرب والعالم أجمع يواجهون استعماراً استيطانيّاً إجلائيّاً عنصريّاً، وهو محرّم دوليّاً بموجب نظام محكمة روما لعام 1998 والذي دخل حيّز التنفيذ العام 2002، ويعتبر جريمة دوليّة تستحقّ العقاب ولا تسقط بالتقادم.
      وإذا كان جوهر المشروع الصهيوني يقوم على الاستيطان الذي تحوّل مع مرور الأيّام، وخصوصاً منذ قيام "إسرائيل" إلى مشروع تمييز عنصري ونظام أبرتايد بكلّ ما تعنيه الكلمة، فالمشروع الفلسطيني هو نقيضه، لأنّه : يتعلّق بجوهر المسألة الإنسانيّة وحقوق الإنسان.  كما عبّر عنه نيلسون مانديلا الزعيم الجنوب أفريقي، ورمز التسامح العالمي.
     ولهذه الأسباب فقد كان حاضراً على طاولة البحث والمناقشة في المؤتمر مطالبة بريطانيا الاعتذار عن وعد بلفور (2 نوفمبر - تشرين الثّاني -1917) وتعويض الشعب العربي الفلسطيني بتمكينه من استعادة حقوقه العادلة والمشروعة، مع استذكار اتّفاقيّة سايكس بيكو (1916)، باعتبارهما حدثان دوليّان أساسيّان كان لهما أثر كبير في الكارثة التي حلّت بالشعب الفلسطيني وامتدّت إلى الوطن العربي بتفكيكه وتفتيته.وهو ما يواجهه اليوم بعد أكثر من قرن من الزمان.


34
ماذا يعني تدويل قضية الأسرى الفلسطينيين ؟
عبد الحسين شعبان
أكاديمي ومفكر عربي

          بدأ أكثر من 1500 أسير فلسطيني بسجون الإحتلال "الإسرائيلي" إضراباً مفتوحاً عن الطعام مطالبين بتحسين ظروف حياتهم. وقد سارعت مصلحة السجون "الإسرائيلية" إلى إتخاذ اجراءات عقابية شديدة، من بينها عزل بعضهم في سجن انفرادي وتهديدهم بترحيلهم إلى سجن النقب الصحراوي.
         ويعتبر هذا الإضراب الأوسع بعد إضراب مايو (أيار) العام 2012 الذي شارك فيه نحو 2500 أسير فلسطيني. وتتمثل أهم مطالب الأسرى في تحسين اتصالهم بذويهم والسماح بالزيارات الدورية وتقريب مدتها وزيادة أوقاتها وتوفير الخدمات الطبية وإطلاق سراح المرضى وذوي الإعاقات وأصحاب الأمراض المستعصية ومراعاة احتياجات الأسيرات وإيصال الكتب للأسرى والسماح بالدراسة لمن يرغب وغيرها.
         ويعتبر يوم الأسير الفلسطيني 17 أبريل (نيسان) من كل عام هو يوم تضامني ومناسبة لتجديد التضامن على المستوى الدولي، لاسيّما التذكير بمأساة الشعب العربي الفلسطيني ومعاناته من الإحتلال. وكان المجلس الوطني الفلسطيني قد أقرّه في العام 1974 ليكون يوماً للوفاء ولشحذ الهمم ودعم الحق في الحرية وتكريم الأسرى على تضحياتهم.
        وعلى الرغم من مئات الآلاف من الأسرى الذي مرّوا بالسجون الإسرائيلية، إلاّ أنّ قضية الأسرى بحاجة إلى معالجات قانونية كجزء من معركة لم تأخذ حقها في هذه الجبهة المهمة، ولا سيّما في الإطار الدولي والدبلوماسي، ف"إسرائيل" التي اعتقلت خلال انتفاضة الأقصى العام 2000 (الإنتفاضة الثانية) نحو 40 ألف معتقل يستمر الآلاف منهم إلى الآن في السجون موزعين على 27 معتقلاً لا تتورع عن ارتكاب أقسى أنواع التعذيب والعقوبات بحقّهم. وتبرر ذلك بأنها تتعامل معهم باعتبارهم "مجرمين" و "مخرّبين" و "إرهابيين"، وبالتالي فهم يستحقون السجن والعقاب، خصوصاً وهم حسب مسوّغاتها "جناة" صدرت الأحكام القانونية بحقّهم، وهي ترفض اعتبارهم "أسرى حرب" كما ترفض تصنيفهم "أسرى سياسيين"، وهدفها هو منع تدويل قضيتهم وإضعاف دور التضامن معهم.
           وثمّة فوارق بين المركز القانوني للأسيرعلى المستوى الدولي عمن قام بارتكاب جريمة أو مارس عملاً إرهابياً أو أي فعل من شأنه أن يؤدي إلى خرق القانون ويستحق عليه العقاب، ومثل هذا الإختلاف في تحديد المركز القانوني للأسير له تبعات قانونية وسياسية وعملانية خطرة للغاية، تبعاً للقانون الإنساني الدولي.
           وعلى الدولة التي لديها أسرى حرب الإمتثال إلى إتفاقيات جنيف الصادرة في 12 أغسطس (آب) 1949 تتويجاً لتطور الفقه الدولي، والتي جاءت بعد اتفاقيات لاهاي لعام 1899 و 1907 وغيرها من الإتفاقيات والمعاهدات الدولية، وقد تناولت اتفاقيات جنيف الثالثة والرابعة، إضافة إلى البروتوكول الأول الملحق بها الخاص ب : "حماية ضحايا المنازعات المسلحة" الصادر عن المؤتمر الدبلوماسي في جنيف الممتد من العام 1974 ولغاية 1977، موضوع حقوق الأسرى، تلك التي تنتهكها "إسرائيل" جهاراً نهاراً.
           وإذا كانت "إسرائيل" لم تنضمّ حتى الآن إلى اتفاقيات جنيف، إلاّ أنها ملزمة بتطبيق أحكامها، التي هي قواعد آمرة وكما تسمّى باللاتينية  Jus Cogens   أي  قواعد ملزمة وواجبة الأداء، ولا يمكن التذرّع بعدم التوقيع على الإتفاقيات الخاصة بالأسرى للتحلل من الإلتزامات التي ترتبها، لا سيّما وهي تشكل محور القانون الإنساني الدولي.
        وتزعم "إسرائيل" إن المعتقلين هم من المدنيين وهو غير مقاتلين وبالتالي لا تنطبق عليه شروط "أسرى الحرب..."، خصوصاً تلك التي تم تحديدها بالخضوع إلى قيادة عسكرية وحمل السلاح بصورة علنية ووجود شارة مميّزة وارتداء ملابس عسكرية، ولكن هذا المنطق لا يصمد أمام المحاججة القانونية، فهؤلاء المختطفون والمعتقلون في غير سوح             القتال إنما يخضعون لإتفاقية جنيف الرابعة، باعتبارهم مدنيين ويرفضون احتلال وطنهم ويناضلون من أجل حريته واستقلاله طبقاً لمبدأ حق تقرير المصير ولقواعد القانون الدولي.
         يضاف إلى ذلك إن المعتقلين هم "أسرى" بموجب ما تمّ من اتفاقيات أوسلو العام 1993، حيث تمّ الإعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية كسلطة إدارية وسياسية (كيان مستقل) على جزء من أراضي فلسطين، وأصبح سكان هذا الجزء غير خاضعين لسلطات الإحتلال، فكيف يتمّ اعتقالهم من جانب السلطات "الإسرائيلية" في هذه المناطق التي تعتبر تحت سيادة السلطة الفلسطينية.
       إن تحديد المركز القانوني مهم جداً لجهة مطالبة المجتمع الدولي لتحمّل مسؤولياته، لاسيّما وإن سلطات الإحتلال قامت باعتقال الأسرى في مواجهات عسكرية أو مداهمات أمنية ليست بعيدة عن صفة الأعمال العسكرية التي تنطبق عليها اتفاقيات جنيف، كما إن تحديد المركز القانوني للأسير يمنع "إسرائيل" من نزع الصفة القانونية عن الأسرى الذين تحكمهم قواعد القانون الإنساني والدولي، وبشكل خاص اتفاقيات جنيف وملاحقها، وبالتالي ينبغي الإعتراف بحقوقهم، خصوصاً وهم يقومون ب "حق الدفاع الشرعي عن النفس" الذي تقرّه المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، كما يسعون للتخلص من الإحتلال وما يقومون به من أعمال مقاومة تعتبر مشروعة وتقرّها قواعد القانون الدولي المعاصر.
       وآن الآوان لإضاءة هذه القضية الملتبسة عن قصد من جانب "الإسرائيليين" على المستوى الدولي، لما لها من ارتباطات بالحقوق العادلة والمشروعة للشعب العربي الفلسطيني ككل وحقوقه غير القابلة  للتصرف.







35
المنبر الحر / العروبة والقومية
« في: 19:13 11/05/2017  »
العروبة والقومية
عبد الحسين شعبان

لسنوات غير قليلة استخدم كل ما نعنيه أو نقصده بالعروبة باعتباره "قومياً"، وهو أمرٌ بحاجة إلى توضيح وفكّ اشتباك، فالفكرة القومية كأيديولوجيا شيء، والفكرة العروبية كرابطة إنسانية – اجتماعية وجدانية شيء آخر. إن واقع تطور الفكرة العروبية وضع أمامنا طائفة من المتغيّرات الجديرة بالدراسة والنقد، لا سيّما وأنه لا يمكن الان الحديث عن "فكرة عروبية" أو "قومية عربية" من دون الحديث عن عملية انبعاث جديدة لتيار عروبي تقدمي، بجناحين أساسيين:
الأول: الإيمان بالديموقراطية السياسية دون لفٍ أو دوران،
والثاني: الإيمان بالعدالة الاجتماعية دون ذرائع أو مبررات.
ولا يمكن للتيار العروبي التقدمي أن يحلّق من دون هذين الجناحين، إذْ أن انكسار أحدهما يقود إمّا إلى الدكتاتورية والاستبداد أو إلى الاستتباع وقبول الهيمنة، وبالتالي فإن تعطّل أحد الجناحين سيضرّ بالعروبة وبفكرة الوحدة العربية.
إن فكرة الوحدة العربية مسألةٌ محوريةٌ ومفصليةٌ يشترك فيها على نحو وجداني أبناء العروبة من أقصى الخليج إلى أقصى المحيط وفقاً لشعور تلقائي وعفوي بالانتماء إلى المشترك العربي – الإنساني. ولا يمكن للأمة العربية أو حتى للفكرة الوحدوية العربية أن تتقدما من دون التنمية المستدامة المستقلة.
كما لا يمكن الحديث عن العروبة دون أخذ مفهوم الحداثة بعين الاعتبار، ولا يمكن أن نتحدّث عن دولة عربية منشودة دون الأخذ بفكرة الدولة الدستورية الديمقراطية المؤسساتية، ولن يتحقّق ذلك إلاّ في ظل سيادة القانون ودولة عصرية قائمة على المواطنة الكاملة وعلى مراعاة شروط المساواة والعدالة والمشاركة.
ومثل هذه الحداثة تؤسَسْ على أربعة أركان هي: المدنية والعلمانية والعقلانية والديمقراطية، التي تشكّل محتوى وجوهر أي تغيير اجتماعي، لا سيّما في إطار دولة دستورية عصرية حداثية.
وبالعودة إلى بدايات فكرة نشوء الدولة – الأمة/ الوطن – الأمة تاريخياً، نرى أن فكرة الدولة في أوروبا انطلقت من فكرة الأمة وقامت على أساسها ضمن حدود سياسية معينة، بينما، دولنا العربية الطامحة لتحقيق دولتها العربية الموحدة ما زالت أجزاءً مبعثرةً ومتفرقةً، متفرّعة عن أمةٍ ممزّقةٍ وموزّعةٍ إلى كيانات وكانتونات ودوقيات ما قبل الدولة يتحكّم فيها الإنتماء الديني والطائفي والمذهبي والإثني والعشائري وغيرها.
وإذا كانت الرابطة العروبية قد نشأت وتعمّقت في ظل الشعور بالاستلاب أيام الدولة العثمانية، فإن التعبير عنها سار باتجاهين متباعدين في الخمسينات والستينات من القرن الماضي، خصوصاً في خضم الصراع السياسي:
الأول؛ دعا إلى ضرورة العمل على قيام وحدة عربية فورية شاملة بغض النظر عن سياسات ورغبات الأنظمة، فيما سعى الثاني، إلى قيام اتحاد عربي على أساس التقارب السياسي والاجتماعي، لا سيّما بين الأنظمة، أو إيجاد دولة المركز (القاعدة)، الأساس التي يمكن أن تلتف حولها دول وأقاليم أخرى، لتشكّل دولة الوحدة السياسية والاجتماعية.
ولتحقيق ذلك ظهر فريقان طالب الأول منهما، بقيام وحدة اندماجية فورية دون الالتفات إلى تفاوت الظروف الاقتصادية والاجتماعية بين البلدان العربية، فيما دعا الثاني إلى تعزيز فكرة الدولة القطرية لتكون مركز الدولة الموحّدة المقبلة، ولكنه لاحقاً استمرأ فكرة الدولة القطرية، وأخذ يدافع عنها بأسنانه وأظافره بضراوة لا مثيل لها.
وصاحب ذلك، صراع آخر ظهر على أشدّه بين التيارين الاشتراكي الماركسي واليساري وبين الوحدوي "القومي" العروبي، لا سيّما حركة القوميين العرب، وحزب البعث العربي الاشتراكي، والحركة الناصرية، الذين كانوا ميّالين إلى إتمام الوحدة العربية الفورية،وفيما بعد يمكن أن تتحقق العدالة الاجتماعية المنشودة، بغض النظر عن طبيعة الأنظمة السائدة.
أما الحركة الشيوعية والماركسية فقد تبنّت شعار "الاتحاد الفيدرالي" بزعم تهيئة الظروف وتمهيد الطرق السياسية والاجتماعية والاقتصادية لإقامة شكل من أشكال الاتحاد الذي يمكن أن يتعزّز فيما بعد ليصل إلى الوحدة.
يمكنني القول إن كلا الأطروحتين تضمّن جزءًا من الحقيقة، لكنهما كانا على خطأ رئيس أيضاً. فخطأ الحركة الشيوعية كان في التقليل من أهمية شعار الوحدة الجاذب للجماهير، لأن هذه الوحدة بغضّ النظر عن طبيعة الأنظمة الاجتماعية والسياسية، هي وحدة شعوب، ووحدة الطبقة العاملة في هذه البلدان، وكان على الشيوعيين أن يتبنّوا شعار الوحدة، وأن يبذلوا كل الجهد في سبيل تحقيقه، لأنهم سيكونوا الأكثر مصلحة في إقامة الكيان العربي الكبير والموحّد.
ولكن بحكم تأثيرات أممية وخارجية، وربما بحكم نفوذ بعض "العناصر غير العربية" على قيادات الأحزاب الشيوعية في العالم العربي أو قلّة وعي القيادات الشيوعيّة العربية، فإن اختيارها دفعها للتقليل من أهمية الدعوة لشعار الوحدة وعدم استخدامه كشعار مركزي، علما بأن الحركة الشيوعية العربية تبنّت شعار الوحدة العربية منذ العام 1935، لكنها أهملته في حملة التثقيف الأساسية، مقدّمة القضايا والمطالب الاجتماعية والطبقية عليه.
أما خطأ القوميين العرب ولا سيما الناصريين والبعثيين وهم أكثر الدعاة تمسكاً بوجوب قيام الوحدة، فقد عملوا بعد وصولهم إلى سدّة السلطة بوعي منهم أو دونه على تعميق عوامل التباعد والتنافر بين الدول العربية مما أدى إلى المزيد من التشرذم والانقسام واتّساع هوة الخلاف بينهم، ما ساهم في ترسيخ فكرة قيام الكيانات القطرية باعتبارها "مملكة الخلود".


36
ما بعد مؤتمر الأستانة:
قراءة في البعدين الإقليمي والدولي للأزمة السورية
عبد الحسين شعبان
أكاديمي ومفكّر عربي

   ظلّت الأزمة السورية  متأرجحة بين العواصم الدولية والإقليمية، انعكاساً لما يجري على الأرض، وكان من مخرجات ما بعد حلب أن يحدث نوعاً من التقارب الإقليمي والدولي، لعقد مؤتمر تحضره الأطراف السورية يبحث في حيثيات الأزمة ابتداءً من ترسيخ الهدنة ومروراً بوقف إطلاق النار وصولاً للحل السياسي المنشود.
   لم يتصوّر أحد قبل انعقاد المؤتمر أن العاصمة الكازاخستانية المعروفة باسم "الأستانة"  والتي كان اسمها سابقاً "آلما أتا" ستكون محطّة لحوار بين السوريين أولاً وهم الذين رفضوا الجلوس إلى جانب بعضهم البعض على طاولة مفاوضات لتسوية سلميّة للنزاع المندلع منذ 15 آذار (مارس) العام 2011 والذي اتخذ طابعاً عسكرياً وعنفياً بعد بضعة أسابيع، واستمرّ منذ ذلك اليوم ولحد الآن، خصوصاً بتبادل اتهامات مستمر، فالمعارضة حاولت "أبلسة" الحكومة، وسعت لشلّ مؤسسات الدولة، ومن جهة ثانية نظرت الحكومة إلى المعارضة باعتبارها جزءًا من مؤامرة دولية تستهدف سوريا، وبين هذا وذاك استمرّ القتال وتعطّلت التنمية، وانحسرت سيطرة الدولة على العديد من المناطق التي خرجت عن سلطتها، وعمَّ الدمار بمختلف أشكاله في جميع أنحاء سوريا.
   ودفع الشعب السوري الثمن باهظاً، ليس فقط بآلة الإرهاب والعنف وانعدام الأمن والأمان والحياة الطبيعية فحسب، بل من خلال عمليات نزوح ولجوء شملت أكثر من 8 مليون سوري ، إضافة إلى تخريب مدن بكاملها، وتحطيم بُنيتها التحتية، وتعريض بيئتها وأراضيها للتصحّر، وتعثر الزراعة والصناعة كليّاً أو جزئياً، كما سادت الفوضى العديد من المناطق، وهيمنت الجماعات الإرهابية على نحو ثلث الأراضي السورية، وأصبحت الرّقة عاصمة لـ"داعش"، الذي فرض على المناطق التي تحت هيمنته نمط حياة أقرب إلى التوحّش، تعود إلى القرون الوسطى، وفي تعارض كامل مع روح العصر والمدنية والتحضّر.
موسكو وأنقرة وطهران
   جمعت محطّة الأستانة للحوار إضافة إلى السوريين (الحكومة والمعارضة المسلّحة) ثلاث جهات دولية، هم الروس والأتراك والإيرانيون، وهم قوى فاعلة في الملف السوري، وكان يمكن ضمّ السعودية وقطر، وبالطبع الولايات المتحدة إلى حوار الأستانة، لكي تكتمل أطراف الحوار الأساسية، لكن ذلك لم يحدث لأسباب تعود إلى حساسيات الجهات المشاركة وأدوارها في الصراع، فدول الخليج التي دعمت الجماعات المسلّحة وقوى المعارضة وموّلتها، لم يكن في أجندتها وارداً أن يتم الحوار، لذلك اعتبرت أن الأمر لا يعنيها، وشكّكت في أن يصل الحوار إلى نتيجة ملموسة، خصوصاً وأنها كانت قد رفعت أعلى الشعارات رنيناً، بانحيازها ضدّ الحكومة السورية، مراهنة على المعارضة والقوى المسلّحة، إضافة إلى ذلك أن الذين برزوا في هذا الحوار هم المعارضون المسلّحون على الأرض، وليس الجماعات السياسية "الخارجية"!.
   أما إيران فقد رفضت حضور السعودية، كما لم ترغب بحضور الأمريكان، في حين كان الروس يميلون إلى حضور السعودية وجميع الأطراف الدولية ذات التأثير في الملف السوري، بهدف استكمال النّصاب - كما يُقال - خصوصاً لجهة العلاقة بحضور الأمريكان الذين ظلّوا متردّدين في الحضور. وبغض النظر عن كون الأطراف الدولية الغائبة منحازة كلّياً إلى جانب المعارضة والجماعات المسلّحة، وأن غيابها بلا أدنى شك سيؤثر على الاتفاق الشامل للحلّ، لكن ثمة استدراكات، فواشنطن أعلنت أنها تقف ضدّ الإرهاب وتسعى للقضاء على "داعش"، ولم تعد تطرح مسألة رحيل الرئيس الأسد عن السلطة، الأمر شجّع بعض أطراف المعارضة السياسية على المشاركة في لقاء موسكو التكميلي بعد أن كانت تشكّك بجدوى مؤتمر الأستانة، ناهيك عن قوته الإلزامية، وقد كانت مبادرة موسكو استدراكية أيضاً بهدف سدّ النقص في مؤتمر الأستانة والتعويض عنه بلقاء المعارضة وزير خارجيتها سيـرغي لافروف في موسكو بعد مؤتمر الأستانة .
   لقد كان اختيار الأستانة مكاناً لانعقاد المؤتمر ما يبرّره، فهي مقرّبة جداً من موسكو، مثلما هي في الوقت نفسه مصدر ثقة بالنسبة لواشنطن، الأمر الذي أضفى على المؤتمر أهمية خاصة، لا سيّما وأن كازاخستان ترغب في لعب دور الوسيط، وقد ساهمت في التقارب بين موسكو وأنقرة، وهي إحدى الجمهوريات السوفييتية المنفصلة عن الاتحاد السوفييتي بعد انحلاله، وذلك حين قرّرت الاستقلال في كانون الأول (ديسمبر) في العام 1991، بعد أن كانت منذ العام 1917 "جمهورية سوفيتيية".
دبلوماسية ما بعد حلب و"المناطق الآمنة"
   لقد فتحت استعادة الحكومة السورية سيطرتها على حلب، وإخراج المسلّحين وهزيمة الإرهابيين، الباب أمام حركة دبلوماسية سريعة وكثيفة بشأن الحلّ السياسي، خصوصاً وأن الحل العسكري أو الأمني لم يكن بإمكانه إنهاء الصراع في سوريا، فلم تتمكّن الدولة حتى الآن من القضاء على المجموعات الإرهابية والمسلّحة، أو إنهاء المعارضة، فضلاً عن الدعم الإقليمي والدولي، والتسليح والتجهيز والتمويل.
   كما لم تتمكّن المجموعات الإرهابية والمسلّحة ومن ضمنها المعارضة، من الإطاحة بنظام الحكم، حتى وإن أضعفوا الدولة، لكن تماسك الجيش ووجود نواة صلبة ملتفّة حوله، حال دون الانهيار، وذلك بمساعدة إقليمية - دولية، منها الدعم اللوجستي الذي قدّمه حزب الله اللبناني، إضافة إلى الدعم الإيراني المتعدّد الوجوه عسكرياً وأمنياً وسياسياً واقتصادياً، يضاف إلى ذلك الدعم الروسي العسكري، وخصوصاً من خلال الضربات الجويّة التي كانت مؤثّرة جداً في إلحاق هزيمة بالقوى الإرهابية التكفيرية، الأمر الذي غيّر من موازين القوى بين الفرقاء المتنازعين في الأزمة السورية.
   لكن القوى الإرهابية والمسلّحة وبقية قوى المعارضة لم تفلظ أنفاسها، وإنْ انحسر دورها وتمزّقت وحدتها، إلاّ أنها ما تزال عنصر مشاغلة وتهديد وورقة بيد القوى الدولية التي تبحث عن موطىء قدم لها في سوريا، بعد أن فشلت في الإطاحة بالدولة، فعلى الأقل قد تجد فرصة في "مناطق آمنة" Safety Zone أو Safety Area واختراقات محدودة، لكي تبقى بؤرة توترات مستديمة ومستمرة ومصدر إزعاج مستقبلي .
   وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد اقترح بعد مؤتمر الأستانة، إقامة "مناطق آمنة" لإيواء النازحين واللاّجئين، وتقديم المساعدات الضرورية لهم، وأبدى وزير خارجية روسيا سيرغي لافروف استعداد موسكو مناقشة الفكرة شريطة التنسيق مع دمشق وموافقتها، وجاء ردّ الفعل السوري سريعاً على لسان وزير الخارجية وليد المعلم، الذي حذّر من تداعيات خطيرة قد يسفر عنها تحقيق هذه الفكرة دون التنسيق مع الحكومة السورية، لأنه سيؤدي إلى المساس بالسيادة الوطنية. وكانت دمشق قد رحّبت بنتائج مؤتمر الأستانة، واعتبرت وقف إطلاق النار خطوة تمهيدية للحوار السوري - السوري .
   ويعيد مفهوم المناطق الآمنة إلى الأذهان القرار الذي اتخذ بشأن الملاذ الآمن في شمال العراق، لا سيّما بعد صدور قرار مجلس الأمن رقم 688 في 5 نيسان (أبريل) 1991، الذي أدان القمع الذي يتعرّض له المدنيون العراقيون في أجزاء كثيرة من العراق، والذي شمل مؤخراً المناطق السكانية الكردية، وتُهدّد نتائجه السلم والأمن الدوليين في المنطقة ، وهو مسألة ترفضها الحكومة السورية بشدّة، لأنها تدرك أن وجود مثل هذه المناطق ودون الاتفاق معها يعني ثلم جزء من سيادتها، وهو الأمر الذي ارتبط بفرض الحصار على العراق، الذي استمر أكثر من 12 عاماً، وكان ذلك تمهيداً لغزوه.
   وعلى الرغم من الغموض والإبهام فيما يتعلّق بإقامة المناطق الآمنة في سوريا وجوارها، فإن الرئيس ترامب زادها غموضاً والتباساً خلال مهاتفته الملك سلمان بن عبد العزيز "ملك المملكة العربية السعودية"، لا سيّما حين عوّم المسألة وعمّمها بشموله دول الجوار الإقليمي. وإذا كان الأمر يتعلّق بالنازحين واللاجئين السوريين، فمن باب أولى التنسيق والتعاون مع دمشق التي تشترط موافقتها على أي منطقة آمنة لأغراض إنسانية. أما إذا كان الأمر يمتد إلى جوار سوريا (عمان وبيروت وأنقرة) حيث الكثافة الكبيرة للاجئين السوريين، فيقتضي موافقة حكومات هذه البلدان.
   وبالعودة إلى سوريا كيف سيتمّ اختيار المناطق الآمنة؟ ومن سيديرها؟ وكيف ستتكفّل الجهات الدولية تقديم المساعدة لها؟ وهل ستكون الدول الضامنة لمؤتمر الأستانة الدور الأساسي فيها؟ وكيف سيتم التنسيق مع الأمم المتحدة والهيئات الإنسانية الأخرى؟ هذه وغيرها أسئلة تحتاج إلى تفاهمات مسبقة، تتم مع دمشق، خصوصاً وأن هناك رؤى مختلفة ومتعارضة إزاء موضوع إدارة المناطق، فـ"وحدات الحماية الكردية" تعمل بالتعاون مع قوات التحالف الدولي "الأمريكي" باسم "قوات سوريا الديمقراطية" وهناك مناطق تابعة للجيش التركي في وسط منطقة جرابلس، حيث يوجد فيها الآن، مثلما هناك مناطق تحت سيطرة الجماعات الإرهابية، مثل "جبهة فتح الشام"، و"داعش" وغيرها، مثل إدلب والرّقة، فكيف سيتم التعامل معها؟
   لقد اضطرّت القوى المعارضة، إضافة إلى الجماعات المسلّحة - دون أن نُدخل في حسابنا الجماعات الإرهابية والتكفيرية، سواء "داعش" أو "جبهة فتح الشام" أو أخواتها - إلى القبول بالجلوس إلى طاولة المفاوضات، والأمر يتعلّق أولاً باختلال موازين القوى على الأرض، ولا سيّما بعد خروجها من حلب، بل إنها كانت في حالة تراجع وتقهقر مستمرين، وثانياً أصبح واضحاً وبعد نحو 6 سنوات أن القوى الدولية الإقليمية تهمّها مصالحها، وأنها غير معنية باستمرار الحرب الأهلية حتى لو تم تدمير كامل سوريا، فذلك إحدى أهدافها، وسيكون المستفيد الأول منها "إسرائيل" والصهيونية، وثالثاً أن الضغوط التي تعرّضت لها من جانب تركيا أجبرتها على قبول الحوار مع الحكومة السورية، سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وربما ساعد ذلك في دفع العملية السياسية.
   وقد يكون للداخل التركي انعكاساً إيجابياً على الأزمة السورية، "فربّ ضارّة نافعة" - كما يُقال - خصوصاً بعد تعرّض النظام التركي لهزّة عميقة إثر محاولة الانقلاب الفاشلة في تموز (يوليو) العام الماضي 2016 ، والتي لا تزال تداعياتها مستمرّة حتى الآن، وتواجه سياسة تركيا الإقليمية تحدّيات عديدة، إضافة إلى ردود فعل داخلية وخارجية، فالانقلاب ترك ندوباً وآثاراً على الدولة التركية، بل وصورة تركيا التي تم رسمها على نحو إيجابي في السنوات الخمسة عشر الماضية، باعتبارها تمثل نموذجاً "للإسلام المعتدل" و"الدولة المدنية" والحداثية، وهو الأمر الذي أصبحت الشكوك بشأنه تكبر، ليس في الغرب فحسب، بل في دول الإقليم، بسبب تدخلاتها من جهة، وفي الداخل التركي أيضاً حيث يتخذ الصراع طابعاً عنفياً.
   وكانت مفاوضات الأستانة (كانون الثاني/ يناير/ 2017)، قد شملت قضيتين أساسيتين تم الاتفاق عليهما وهما:
   - تثبيت الهدنة
   - وقف إطلاق النار في جميع أنحاء سوريا.
   أما المرحلـة الثانية من المفاوضات فستـبدأ في شباط (فبرايـر) 2017، حيث سيتم عقد جولة جديدة في إطار الأمم المتحدة للتوصل إلى حل سلمي، استمراراً لجنيف 1 و2 و3 .
   وإذا كانت نتائج مؤتمر الأستانة الأولية خطوة بالاتجاه الصحيح، فهل سيكون التوصل إلى خريطة طريق ممكناً بعدها، ولا سيّما بغياب واشنطن أم أن الدور الروسي، إضافة إلى الدور الإقليمي، ولا سيّما التركي والإيراني كفيل بذلك؟ وحتى لو لم تكن تركيا ممثلة للأطراف الغائبة، فإن مثل هذا الاتفاق سيكون عاملاً مهماً في الحملة المناهضة للإرهاب وكما قال الرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب: إن مكافحة الإرهاب هي من أولوياته، بالتناغم مع الدور الذي تلعبه واشنطن في العراق ضدّ "داعش"، حيث تقود قوات التحالف الدولي لتحرير الموصل، بالتعاون مع القوات العراقية.
مشاريع الدستور
   ثمّة أسئلة ضرورية لبحث حيثيات الأزمة السورية ومنها: هل يحظى مؤتمر الأستانة بالإجماع، بعد أن غابت عنه المعارضة السياسية؟ أم أنه "بروفة" أولية تبعها لقاء لافروف بالمعارضة السورية؟ ولعلّ مثل هذا اللقاء التكميلي مهم لجهة عقد مؤتمر جنيف القادم. وكانت روسيا قد دعت على لسان لافروف: التحلي بالصبر لدى تشجيع المعارضة السورية على المشاركة في مفاوضات السلام، وكان هو ووزير خارجية إيران محمد جواد ظريف قد دعيا إلى الاستفادة من تجربة الأستانة لتفعيل عملية السلام.
   وقد برّرت بعض القوى السياسية المعارضة غيابها عن لقاء لافروف بالصفة الشخصية للدعوة (قائمة الرياض - الهيئة العليا للمفاوضات)، وقال فريق آخر: "قائمة موسكو"، و"قائمة القاهرة" و"قائمة الداخل"، وممثّل عن الكرد وآخرين، أن المعارضة ستشكّل فِرقاً لصياغة الدستور السوري الجديد والمقترح، وذلك على هامش لقائهم بوزير الخارجية الروسي، ويأتي مثل هذا التوجّه بعد أن أعدت وزارة الخارجية الروسية مسوّدة مشروع لدستور جديد، أساسه توسيع صلاحيات البرلمان على حساب صلاحيات الرئيس ومنع تدخّل الجيش في المجال السياسي، وتأكيد سمو القانون الدولي في النظام القانوني السوري.
   وكان لافروف قد دعا المعارضة إلى المشاركة النشيطة في ترتيب عملية تفاوضية مستدامة من أجل تسوية الأزمة السورية في جنيف، بالتعاون مع المبعوث الأممي الخاص إلى سوريا ستيفان دي ميستورا، علماً بأن هناك مسوّدة كردية لمشروع دستور سوري أعدّها حزب الاتحاد الديمقراطي الكردستاني وسلّمها لوزير الخارجية الروسي، وذلك بتوسيع صلاحيات الأقاليم اللاّمركزية، علماً بأن المسودّة الروسية ترفع اسم "العربية" من الجمهورية العربية السورية، وترفع صفة دين الدولة "الإسلام"، وهو النص الذي تتضمنه جميع دساتير البلدان العربية تقريباً، وتسمح الصيغة المقترحة بإمكانية تغيير الحدود بواسطة الاستفتاء واعتبار اللغتين العربية والكردية متساويتين في مناطق الحكم الذاتي الثقافي الكردي.
   وبرّرت الناطقة باسم الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا اقتراح مشروع دستور على الأطراف السورية، بقولها: "إن موسكو لا تحاول فرض أفكار ما على أحد، إنما يكمن الهدف من مبادرتها في تحفيز النقاش بين السوريين" .
    والسؤال الآن: ماذا بعد الأستانة؟ وماذا بعد لقاء موسكو مع المعارضة السورية؟ هل سيكون بالإمكان توفير أرضية صالحة وخصبة لمؤتمر جنيف برعاية الأمم المتحدة؟ والجواب هو ما عبّر عنه الروس من رغبة يمكن الاستدلال عليها من استضافتهم المعارضة السورية، وكان الهدف واضحاً هو استكمال مؤتمر الأستانة تمهيداً لعقد مؤتمر جنيف.
ميزان القوى الجديد
   إن التطوّرات الجديدة والتبدّل في موازين القوى قد يسهم في تغيير أو تعديل توجهات بعض أجندات المعارضة، لا سيّما إذا حصل نوع من التفاهم الروسي - الأمريكي، بعد التوافق الروسي - التركي، على الرغم من وجود بعض المنغصّات الدولية الأخرى، وذلك غير دول الخليج وتردّد الولايات المتحدة، ونعني به تحفّظات فرنسا وألمانيا التي لم يحظ مؤتمر الأستانة برضاهما، كما كان دور الأمم المتحدة فيه محدوداً، ولعلّ من أسباب نقد بعض القوى للمؤتمر، أنه انعقد في رحاب مدينة محسوبة على موسكو التي لها دور مؤثّر في قراراتها.
   وإذا كان ثمّة أسباب داخلية دفعت تركيا إلى المشاركة الفاعلة في مؤتمر الأستانة، فإن هناك أسباباً أخرى منها مشاكل المهجرين واللاجئين السوريين وعدم إيفاء أوروبا بوعودها والتزاماتها، وهو ما كانت تركيا تريد به ابتزاز أوروبا، فضلاً عن محاولتها محاصرة حزب العمال الكردستاني PKK، الذي لا زال وجوده يؤرقها، فهي حتى الآن لا تعترف بحقوق الكرد القومية، وتتخذ موقفاً استعلائياً وشوفينياً من القضية الكردية ومن قضايا المجاميع الثقافية الأخرى، يضاف إلى ذلك أن حزب العمال الكردستاني لا يقتصر نفوذه السياسي والعسكري داخل تركيا، بل إنه يتمدّد داخل الأراضي السورية، ولا سيّما في عفرين والقامشلي، وكذلك داخل الأراضي العراقية في جبل قنديل.
   وقد تمكّن مؤخراً من فرض سيطرته على قضاء سنجار، الأمر الذي حاولت تركيا أن تضغط فيه على إقليم كردستان وعلى حكومة بغداد، بل أعطت تعهداً بانسحاب قواتها من العراق، بعد أن كانت تتمنّع عن مثل هذا الالتزام وتتذرّع بأن أولوياتها محاربة القوى الإرهابية التي تشنّ عليها حملات من داخل الأراضي العراقية، وبالمقابل فقد تعهّدت إربيل وبغداد بمواجهة حزب العمال الكردستاني وإبعاده عن سنجار، حتى وإنْ لم يتمكنا، لا سيّما وأن المعركة مع "داعش" لم تحسم، ولا يمكن الدخول في معركتين في آن واحد.
   وبغض النظر عن اختلاف التقييمات بخصوص مؤتمر الأستانة، فإنه نجح حتى الآن في تثبيت وقف إطلاق النار، وهذه خطوة لصالح الحكومة السورية التي سيكون بمقدورها إعادة الانتشار وإعادة السيطرة الإدارية على مناطق البلاد التي أفلتت من قبضتها خلال السنوات الخمس ونيّف الماضية من الحرب، وقد يقلّص من قدرة المعارضة والجماعات المسلحة التي أصبحت الممرّات أمامها مغلقة، ويمكن استهدافها فرادى، علماً بأن هدف الإيرانيين والروس هو الشروع بالتفاوض الطويل الأمد، خصوصاً بتقوية مواقع الجيش السوري.
   وإذا كان ثمة اختلافات في الرؤية بين الإيرانيين والروس، فإن إيران التي ساهمت منذ البداية في دعم الحكومة السورية، لا تريد تجيير ذلك لمصلحة الروس، كما أن الروس الذين كان لهم دور حاسم في ضرب مواقع الإرهاب والجماعات المسلّحة، ولا سيّما في معارك حلب، لا يريدون الخروج من المشهد دون وضع بصمتهم الواضحة عليه، ويعتبرون سوريا حليفة لهم بدءًا من الحكومة، مثلما هي بعض أطراف المعارضة التي يستميلونها، ولذلك يطمحون في إجراء تقارب بينهما لتتمكّن روسيا أن تلعب دور مستقبلي في سوريا وعند أي تغيير محتمل أيضاً.
   أما تركيا، فإن وضعها الخاص سيتوضّح لاحقاً، لا سيّما في جنيف، فيما إذا كانت قد قرّرت التخلّص من عبء علاقتها بالجماعات المسلحة والمعارضة، بل يمكن أن تذهب أبعد من ذلك، حيث يمكنها التطبيع مع الحكومة السورية بعد أن اختل ميزان القوى لصالح استمرار النظام برئاسة بشار الأسد.
   واللاّفت في مفاوضات الأستانة أن الذي مثل المعارضة المسلّحة، هم ممن لهم فعل على الأرض، وليسوا من معارضة الخارج، في حين أن اللقاءات السابقة ضمّت مجاميع سياسية معارضة، لكنها لا تملك رصيداً قوياً على الأرض، وخصوصاً في الجانب العسكري.
بيان الأستانة
   وكان البيان الختامي لمؤتمر الأستانة قد حدّد الوجهة العامة التي يمكن أن ترضي الحكومة والمعارضة، وذلك بتأكيده على :
1 - الالتزام بسيادة واستقلال ووحدة أراضي الجمهورية العربية السورية (أي إبعاد فكرة التقسيم التي يتم التلويح بها) من جانب القوى الخارجية وبعض الجماعات المسلحة والمعارضة أحياناً.
2 - إن سوريا دولة متعدّدة الأعراق والأديان وغير طائفية وديمقراطية (وهذه أطروحات جديدة كانت المعارضة تدعو إليها، ووافقت عليها الحكومة السورية).
3 - تأكيد محاربة "داعش" وجبهة "فتح الشام"، باعتبارهما تنظيمين إرهابيين وهو اشتراط للحكومة السورية مدعوماً من إيران وروسيا، وتفريقهما عن بقية المنظمات المسلّحة، أي إجراء فرز بين الجماعات والقوى المناهضة للحكومة السورية، وهو بقدر ما يأتي لصالح الحكومة السورية، فإنه يتطابق مع طموح الشعب السوري والقوى الإقليمية والدولية في التخلص من الإرهاب، فضلاً عن انسجامه مع طموح بعض المعارضات المسلّحة التي تريد تمييز نفسها عن الجماعات الإرهابية والتكفيرية.
4 - التأكيد على قرار مجلس الأمن 2336، الذي صدر في 31 كانون الأول (ديسمبر)  2016، حيث كان وزراء خارجية كل من تركيا وإيران وروسيا قد أصدروا بياناً مشتركاً في موسكو في 20/12/2016 أكّدوا فيه على "إطلاق محادثات بين حكومة الجمهورية العربية السورية ومجموعات المعارضة المسلّحة في الأستانة...".
5 - تأكيد الأطراف المشاركة على الحل السياسي، باعتباره الحل الوحيد من خلال عملية سياسية مبنية على تطبيق قرار مجلس الأمن 2254 بالكامل ، واستبعاد الحل العسكري على نحو صريح وواضح، وهو وإنْ كان إقرار بواقع أليم جاء بعد نحو 6 سنوات، لكنه يمثل روح القرارات الدولية والقوى الحليفة للحكومة السورية، لا سيّما بعد أن أحرزت نجاحات عسكرية على الأرض.
6 - تثبيت وتقوية نظام وقف إطلاق النار من خلال ترتيبات متفق عليها، وبدعم من قرار مجلس الأمن 2336 لعام 2016، بما يساهم في تقليص العنف والحد من الانتهاكات وبناء الثقة وتأمين وصول سريع وسلس ودون معوّقات للمساعدات الإنسانية تماشياً مع قرار مجلس الأمن 2165 لعام 2014 وتأمين الحماية وحريّة التنقّل للمدنيين في سوريا .
   وأعتقد أن ذلك لو حصل وتم الالتزام به سيفتح الباب أمام عودة الحياة الطبيعية وسيضغط على جميع الأطراف من أجل إنجاز تسوية من شأنها إعادة هيبة الدولة وإخضاع الجميع لسلطانها مع إجراء التغييرات المطلوبة للانتقال الديمقراطي.
   وإذا كان الوفدان السوريان قد تباحثا من خلال غرفتين منفصلتين وعبر وسيط، حيث كان دي ميستورا وممثلين من الوفد الروسي والتركي، فإن المباحثات القادمة ربما ستشهد حواراً تمهيدياً مباشراً أو شبه مباشر، ولكن أكثر قرباً وتواصلاً وقد تتبدّل بعض المواقع.
   وصدر البيان عن الدول الثلاث الضامنة ، الذي أكّد في إحدى فقراته على هدف محاربة الإرهاب (داعش والنصرة)، وهو أمر سيكون ملزماً لهذه الدول بالطبع.
مصارعة على الطريقة الرومانية
   أوجدت محطة الأستانة إطاراً جديداً للمفاوضات، وهي مختلفة عن مفاوضات جنيف، وإن كانت لا تتعارض معها، لكنها خطوة متقدمة عليها، وخصوصاً بتأكيد فشل الحل العسكري والتركيز على الحل السياسي، باعتباره الحل الوحيد لتسوية الأزمة، لا سيّما وأن جميع الأطراف أنهكتها الحرب التي استمرّت، وكأنها مصارعة على الطريقة الرومانية التي قد توصل أحد الطرفين المتصارعين إلى الموت، في حين أن الطرف الآخر قد يبلغ به الإعياء والإنهاك حد العجز الذي هو أقرب إلى النهاية، وقد كان لتغيير الموقف التركي أثر بالغ في تحقيق الهدنة بين الحكومة والمعارضة.
   وسيكون موضوع الدستور السوري واحداً من القضايا المعروضة للنقاش، فيما إذا نجحت الأطراف في إرساء دعائم وقف إطلاق النار والشروع بالاتفاق حول مستقبل العملية السياسية والتغيير المنشود طبقاً لقرارات مجلس الأمن الدولي. وإذا كان هدف التوصل إلى حلّ سياسي، قد أجمع عليه المتفاوضون، فإن ذلك لن يتحقّق دون خطوات عملية لوقف إطلاق النار، وهذا يمكن أن يتم إذا ما شعرت الأطراف جميعها أن مرحلة انتقالية بعيدة المدى تنتظر سوريا، وأنها يمكن أن تتبلور وفقاً لصيغة اتفاقية ورضائية مكفولة دولياً.
   لقد لعب الدعم الروسي دوراً كبيراً في تغيير موازين القوى لصالح الحكومة السورية، كما كان للتقارب التركي - الروسي مؤخراً، أثراً إيجابياً في تقريب وجهات النظر، سواء بالتحضير لمؤتمر الأستانة أو لإقناع المعارضة المسلّحة بالحضور والمشاركة، وقد عكس لقاء موسكو للدول الضامنة ذلك بالدعوة إلى ضرورة عقد مفاوضات سياسية بين الأطراف السورية - السورية، أي بعد نجاح وقف إطلاق النار وتحقق شروط الهدنة والالتزام بها، وبهذا المعنى فإن الأطراف الثلاثة استبعدت الحل العسكري كليّاً وهو تطوّر جديد في الأزمة السورية، خصوصاً إذا ما تم الالتزام به.
الأزمة استثنائية والحلّ الاستثنائي
   كان حضور الحكومة والمعارضين السوريين إلى الأستانة يعني فيما يعنيه الخروج من معطف جنيف الذي حاولت القوى الدولية إلباسه للسوريين (حكومة ومعارضة) برعاية الأمم المتحدة، وفي الوقت نفسه فإن هذا الخروج ليس إلى فراغ، بل إلى رعاية روسية أساسية وإن كانت ليست معارضة لاتفاقات جنيف، لكنها أكثر واقعية وقدرة على التنفيذ من خلال التوافق الدولي - الإقليمي (روسيا - تركيا).
   ربّما كانت القراءة الأولى لمؤتمر الأستانة باعتباره تحدّياً روسياً للمجتمع الدولي، لكن دخول تركيا وتأثيرها على المعارضة، أعطاه أهمية استثنائية، ولا يمكن إنجاح أي حلّ في سوريا إلاّ إذا كان استثنائياً، فالأزمة استثنائية وتتطلّب حلاًّ استثنائياً، وأعتقد أن وضع مسودة تنفيذ القرار 2254 الصادر في 18 كانون الأول (ديسمبر) 2015 عن مجلس الأمن الدولي ستكون الخطوة الأساسية لنجاح أي اتفاق لاحق، وقد نصّ هذا القرار على "أن الشعب السوري هو من يقرّر مستقبل البلاد"، ودعا إلى "تشكيل حكومة انتقالية، وإجراء انتخابات برعاية أممية، كما طالب بوقف الهجمات ضدّ المدنيين بشكل فوري، وقد تمّ التصويت عليه بالإجماع (15 دولة عضو في مجلس الأمن).
   الجديد في الأزمة السورية الراهنة هو الضمانة الروسية التي تمكّنت من حل بعض العُقد أمام مؤتمر جنيف في شباط (فبراير) 2017، يضاف إلى ذلك فصل المعارضة المسلّحة عن الجماعات الإرهابية مثل "داعش" و"حركة أحرار الشام الإسلامية" و"جيش الإسلام" و"الجيش الحرّ" وغيرها، وهذه خطوة مهمّة.
   ولكن تبقى هناك عقبات جدّية ما بعد الأستانة أهمها: تحديد المشاركين باسم المعارضة ويطمح الروس أن تشارك جميع القوى الفاعلة، خصوصاً وأن بعضها قد غاب عن الحضور، وتمثيل الأكراد الذين لديهم حضور في المناطق الشمالية ويديرونها ذاتياً، وكيف سيكون الأمر في المستقبل، أي العلاقة بين المركز والأقاليم أو الأطراف، خصوصاً وأن مطالب عديدة أخذت تتبلور في أوساطهم تدعو إلى الفيدرالية أو الحكم الذاتي أو اللاّمركزية، وكلّها تبدي اعتراضاً على فكرة الدولة المركزية البسيطة، التي عرفتها سوريا منذ استقلالها، وأخذت تروج بدلاً عنها فكرة الدولة اللامركزية والمركّبة، فهل نحن بصدد نظام لا مركزي؟ وأين حدود صلاحيات المركز والأقاليم؟ وهل هي إدارية أم قومية؟ وحسب المصطلح المستخدم "الثقافية"؟ ووفق أي الاعتبارات سيتم تحديدها؟ وعلى أي النسب السكانية سيتم تقريرها؟ وهذه أسئلة تحتاج إلى أبحاث مستفيضة وتراضٍ وتوافق استثنائي وتاريخي في الوقت نفسه، وقد تكون المفاوضات فيها مضنية.
   ولعلّ هذه الإشكالات الاستثنائية تحتاج إلى حلول استثنائية وتنازلات متبادلة من جميع الأطراف، كما أن الأطراف الكردية غير متفقة مع بعضها البعض، علماً بأن موسكو تريد مشاركة حزب الاتحاد الديمقراطي وشخصيات قريبة من النظام وأخرى محسوبة على محور القاهرة، في حين ترى أنقرة ضرورة مخاطبة الهيئة العليا للمفاوضات وهي ترفض دعوة الأكراد، الأمر الذي يحتاج إلى مرونة من جهة، مثلما يحتاج إلى وضوح وأفق لكي لا تُخلق بؤراً جديدة للتوتر والصراع أو تُبقي عليها، بحيث تنفجر في أي وقت.
   وإذا كان الموقف التركي قد تغيّر تماماً، وانتقل من حالة الرفض لأي مفاوضات لا تحدّد مصير الرئيس الأسد، إلى مفاوضات قد لا تتطرّق إلى ذلك مراعية مصالحها السياسية والاقتصادية وأوضاعها الداخلية، فإن للنجاحات التي أحرزها الجيش السوري وتراجع القوى المسلحة في مناطق عديدة، وخصوصاً في منطقة الباب وحلب دور كبير في ذلك، ناهيك عن فتور علاقات تركيا مع الناتو وضيق صدرها من الولايات المتحدة التي اتهمتها ولو لم تسمّيها بالاسم، بالتحريض على الانقلاب الفاشل ودعم فتح الله غولن، وقد يكون لتولي الرئيس دونالد ترامب أثر كبير في مجريات الأحداث في سوريا بغض النظر عن مواقفه الأخرى، والأمر قد يكون له صلة بالعلاقة الروسية - الأمريكية.
   ولعلّ أهم نتائج مؤتمر الأستانة على الصعيد الدولي والإقليمي هو إنشاء إطار ضامن وأوكل له مهمّة أساسية معلنة بوضع آليات لمراقبة وقف إطلاق النار، وذلك بعد أن تمكّن اللاّعب الروسي، الإمساك بالملف السوري، خصوصاً بعد قرار إدارة أوباما، التراجع إلى الخلف لانشغالها بملفات داخلية وإبداء تركيا استعدادها لجلب المعارضة المسلحة للأستانة مع تخلّيها عن فكرة تنحية الرئيس الأسد.
   هكذا أصبحت موسكو هي الضامنة، وليست طرفاً في الصراع كما كان المعارضون المسلحون يتهمونها، بل أدانوها بارتكاب مجازر عديدة في المناطق التي تحت سيطرتهم، وهذا يعني أنها أصبحت مقبولة كطرف حيادي يرعى مؤتمراً لتثبيت وقف إطلاق النار، ثم سيضمن مراقبة ذلك. وسيكون لها وفقاً لهذا التقدير دور مستقبلي قد يصبح كبيراً أكثر مما هو عليه للوصول إلى تسوية شاملة، فيما إذا سارت الأمور حسب ما هو معلن ومقرر.
خريطة الطريق الروسية
   وحسب ما ترشّح، فإن لدى الروس أربع حلقات أساسية لحل الأزمة السورية، وقد تلتقي معها كلياً أو جزئياً إيران وتركيا، وخصوصاً بعد نتائج مؤتمر الأستانة، ولحين تبلور رؤية أمريكية جديدة في عهد ترامب، فإن هذه الخطة ستأخذ مجراها إلى التطبيق ويعتمد نجاحها على دفع اللاّعب الأمريكي بوقت لاحق للتعاطي مع المشروع الروسي.
   الحلقة الأولى للخطة الروسية، تقوم على إرساء وقف إطلاق النار بشكل حقيقي في المناطق المتنازع عليها بين الحكومة السورية والجماعات المسلّحة.
   أما الحلقة الثانية، وقد بدأت خطواتها الأولى بشن حرب تشارك فيها الأطراف المختلفة للقضاء على جبهة فتح الشام "جبهة النصرة سابقاً" وكان من مؤشرات ذلك صراع الجماعات المسلحة مع جبهة فتح الشام في إدلب التي ترافقت مع العمليات الجوية التي ينفذها التحالف الدولي وموسكو من خلال استهداف مقرّاتها واجتماعات قيادييها، ليس هذا فحسب، بل إن هذه الحلقة قد تتوسّع لتشمل محاربة "داعش".
   وتقضي الحلقة الثالثة بإقرار دستور جديد لسوريا وقد تمّت الإشارة إلى مشاريع الدساتير المقترحة والمشاريع التي ستعكف على تقديمها قوى المعارضة، وكانت المسوّدة الروسية قد استندت على الدستور السوري الذي تم تعديله العام 2012، وهناك قلق لدى العديد من النخب السورية الحاكمة وغير الحاكمة في أن يكون هذا الدستور صيغة مماثلة أو مقاربة لدستور بول بريمر بخصوص العراق للمرحلة الانتقالية 2004 والذي تم صياغة الدستور الدائم على أساسه لعام 2005، وهو الذي كرّس نظام المحاصصة الطائفية - الإثنية، لكن الروس يؤكّدون أن ذلك يتم بوحي من الأرضية الدستورية السورية نفسها وبأيدٍ سورية، مع ملاحظات حول شكل نظام الحكم وصيغة اللاّمركزية المطروحة فيه .
   وتعتبر الحلقة الرابعة من أهم حلقات الخطة الروسية، وذلك برفع أي فيتو عن أي من المرشحين للرئاسة، ولكن كل ذلك مرهون بنجاح عملية إحلال السلام، وتعاون الأطراف الإقليمية مع موسكو، لا سيّما تركيا وإيران، وبالطبع فإن صيغة البيان الختامي فجّرت خلافات جديدة بين الجماعات المسلّحة والمعارضة، لا سيّما بشأن الدور الإيراني الضامن.
   في الختام يمكن القول إن مؤتمرات السلام التي انعقدت لحلّ الأزمة السورية في السنوات الثلاث الماضية، جميعها بما فيها مؤتمر الأستانة، ساهمت في كسر الحاجز النفسي وتطبيع العلاقات بين القوى المعارضة والحكومة السورية. وإذا كانت المؤتمرات الأولى ضمّت جماعات سياسية مثل "المجلس الوطني السوري - الدوحة" ثم "هيئة الائتلاف الوطني - اسطنبول"، ولاحقاً "الهيئة العليا للمفاوضات - الرياض"، فإن مؤتمر الأستانة مثّل جماعات مسلّحة على الأرض حملت تسميات من قبيل "جيش الإسلام" و"جيش إدلب الحر" و"الجبهة الجنوبية" و"صقور الشام".
تركيا: تسوية الأزمة بدون الأسد أمر غير واقعي
   وإذا كانت تركيا المتعهّد باسم الجماعات المعارضة المسلحة، فإن روسيا ظهرت وكأنها الأقرب لتمثيل الحكومة السورية كقطب أساسي، وإن حظرت إلى جانبها إيران، لكن تحفّظات بعض الأطراف المسلّحة جعلها في المرتبة الثانية، وإذا كان هناك من تبدّل نوعي، فهو يتعلّق بتهميش دور المملكة العربية السعودية وقطر، خصوصاً بعدم حضور المعارضات السياسية المدعومة من جانبيهما.
   ومن التطوّرات المهمّة التي تبلورت عشية وخلال وبُعيد مؤتمر الأستانة أن تركيا التي كانت تصرّ على رحيل الأسد، تخلّت عن هذه الفكرة، وقد عبّر نائب رئيس وزرائها محمد شيمشك في مؤتمر دافوس (سويسرا) ما يؤكّد ذلك حين قال: إن تسوية الأزمة السورية بدون الرئيس السوري بشار الأسد، تعدّ في الوقت الراهن أمراً غير واقعي، وذهب أكثر من ذلك حين أضاف "الأسد يتحمّل مسؤولية معاناة الشعب السوري، لكن يجب أن نكون براغماتيين، وأن ننطلق من الواقع، فالوضع تغيّر جذرياً، ولذلك لا يمكن لتركيا أن تواصل الإصرار على تسوية بدون الأسد، وأنه أمر غير واقعي" .
   صحيح أن مؤتمر الأستانة ركّز على الجوانب العسكرية، المتعلّقة بتثبيت الهدنة ووقف إطلاق النار، إلاّ أنه فتح الأفق واسعاً بعد انسداد دام لسنوات أمام تسوية سياسية، وهو ما حاول دي ميستورا الحديث عنه، ولا سيّما استئناف مؤتمر جنيف في شباط (فبراير) 2017، أي محاولة إضفاء بُعدٍ أممي على ما جرى في الأستانة، وتبقى الأزمة السورية، سورية بالدرجة الأساسية، وحلّها سورياً أيضاً، مهما كان دور القوى الإقليمية والدولية كبيراً، وهذا الحل الميداني يحتاج إلى خريطة طريق طويلة الأمد، وتفاهمات وشجاعة استثنائية في الوقت نفسه، لأن الهدف هو إعادة بناء سوريا وترميم ما خربته الحرب، وإجراء مصالحة وطنية حقيقية وتاريخية.
كولومبيا وتجارب العدالة الانتقالية
   وسيكون ذلك ممكناً حين يتم اعتماد قواعد العدالة الانتقالية، مع حساب الخصوصية السورية، تلك التي تقوم على كشف الحقيقة: ما الذي حصل؟ ولماذا حصل؟ وكيف حصل؟ لتحصين الأجيال القادمة، وذلك دون نسيان المساءلة عمّا حدث مع الأخذ بنظر الاعتبار الابتعاد عن الثأر والانتقام والكيدية، فمثل ذلك سيولّد ردود فعل وانقسامات تزيد من الشروخ الاجتماعية الحاصلة، وهنا لا بدّ من اعتماد مبادىء التسامح، والابتعاد عن كل ما من شأنه أن يثير الحساسيات والضغائن والفتن ويدخل البلاد في أتون تقسيمات طائفية وإثنية.
   والخطوة الأخرى التي يمكن اعتمادها تقوم على جبر الضرّر، خصوصاً المعنوي بإطلاق أسماء مكتبات وساحات عامة وشوارع وقاعات ومدارس وغيرها على ضحايا يخلّدهم الشعب السوري، وكذلك تعويض الضحايا وأسرهم وجميع المتضررين مادياً ومعنوياً، خارج أي اعتبار سياسي أو قومي أو ديني أو طائفي أو اجتماعي أو مناطقي أو أي اعتبار آخر، ودون أي تمييز، والعمل على إصلاح الأنظمة القانونية والقضائية والأمنية، التي تعزّز من احترام حقوق الإنسان وحرّياته باعتبارها ركيزة أساسية من الركائز الدستورية التي تقوم على المواطنة الفاعلة، لا سيّما بأجواء من الحريّة التي هي أسمى الحقوق والمساواة والعدالة، وخصوصاً العدالة الاجتماعية والشراكة والمشاركة.
   الأزمة السورية استثنائية والحل استثنائي أيضاً، وإذا كان الهدف هو تحقيق المصالحة الوطنية التاريخية وإعادة لحمة المجتمع السوري، فلا بد من إنهاء جميع تبعات الصراع المسلّح الاستئصالي، الإلغائي، التهميشي، وتحقيق العيش المشترك والتفاهم، وقطع دابر التدخلات الخارجية التي كان لها دور أساسي في إشعال الفتنة واستمرارها. وأول ما تحتاجه المصالحة هو بناء جسور الثقة لوقف التعقيبات القانونية، وإطفاء القضايا المتعلّقة لكل من يلقي السلاح ويستجيب لنداء الوطن والوحدة الوطنية والتحوّل الديمقراطي، وقد جرّبت شعوباً كثيرة مثل هذه الحلول ونجحت في تجاوز أزمتها، ولعلّ آخر الأمثلة كانت التجربة الكولومبية التي استحق عليها الرئيس الكولومبي خوان مانويل سانتوس جائزة نوبل العام (2016)، وذلك تقديراً لجهوده في تسوية النزاع المسلح في بلاده .
   وكان الرئيس الكولومبي قد اتفق مع الحركة اليسارية (المتطرّفة) التي تُدعى "فارك" بعد مفاوضات مضنية دامت 4 سنوات لوضع حدٍّ لصفحة الصراع المسلح الذي استمر 52 عاماً وأودى بحياة 220 ألف مواطن وساهم في تعطيل التنمية وهدر طاقات البلاد.
لقد كان الاستمرار بالنسبة للطرفين يمثل نوعاً من المكابرة والعبث، فوافقت الحركة على إنهاء الكفاح المسلّح، وإلقاء السلاح وتسليمه إلى الحكومة والتوصل إلى مصالحة مع الدولة وبشروطها، ووافقت الحكومة على التوصل إلى حلول سلمية ومدنية، باستبعاد المساءلة الفورية أو المباشرة، ذلك أن اشتراط تحقيق العدالة كشرط للسلام قد يفضي إلى استمرار الحرب الأهلية، خصوصاً في ظل نفوذ لا يزال يملكه المتمردون، الذين يبلغ عددهم أكثر من 15 ألف مسلح، فكان لا بدّ من اللجوء إلى الوسائل السلمية واللاّعنفية باعتبارها سلاحاً ماضياً للوصول إلى الأهداف المرجوة، حتى وإن ألحق بعض الخسائر بمسألة العدالة القانونية المنشودة.
الاتفاق الكولومبي كان أقرب إلى صفقة سياسية حين وضع السلام مقابل العدالة، مقدّماً الأول على الثانية، لأننا لو أخذنا بمعيار تطبيق مستلزمات العدالة القانونية والقضائية عند الاتفاق، فإن ذلك سيعني ملاحقة أعضاء حركة "فارك"، التي تصل جرائمها إلى جرائم حرب، وجرائم إبادة جماعية، وجرائم ضدّ الإنسانية، خصوصاً لجهة عدد الضحايا وتدمير المنشآت وإحراق المزارع وإتلاف البيئة وتهجير مئات الآلاف من السكان، وقد يكون بعضها من مسؤولية المحكمة الجنائية الدولية.
لعلّ التجربة الكولومبية اليوم هي إحدى تجارب العدالة الانتقالية الجديدة، خصوصاً بتقديم السلام على المساءلة، ومن أبرز عناصرها هي: تعهّد قادة الحركة المسلّحة بتسليم أسلحتهم، والامتناع عن زراعة المخدرات وإتلاف ما يوجد لديهم، والتوقف عن الاتجار بها أو بعمليات تهريبها أو القيام بأي خرق لحقوق الإنسان، كما تعهّدوا بتقديم تعويضات (من المال السّحت الذي حصلوا عليه) إلى المزارعين، وأولاً وقبل كل شيء إعلاء حكم القانون ومرجعية الدولة والعودة إلى المجتمع كأفراد مدنيين. وأعتقد شخصياً أن ذلك أمراً في غاية الأهمية.
أُطلقَ على الاتفاق بين الرئيس سانتوس وقادة الحركة المسلحة: العدالة التوافقية أو العدالة البنّاءة، وهي عدالة مؤقتة وانتقالية تشمل جوانب قانونية وأخرى سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية، وهذه تعني حسب حيثياتها: لا معاقبة الجاني وإعادة الحق لأصحابه، بل الاتفاق على تعهّد المرتكب بعدم تكرار ارتكاب جرائم جديدة وإعادة جزء من الحق لأهله، والاعتراف بحق الدولة في استعادة سلطتها، باعتبارها الجهة الوحيدة التي يحق لها احتكار السلاح واستخدامه.
وإذا كانت شروط العدالة الانتقالية  تقوم على كشف الحقيقة والمساءلة وجبر الضرّر وتعويض الضحايا وإصلاح الأنظمة القانونية والقضائية والأمنية، فإن التجربة الكولومبية، قفزت على النقطة الأولى، وتركت أمرها لتنفيذ الاتفاق، وإذا كان مثل هذا الإشكال يجنّب الشعب الكولومبي الويلات والمآسي التي عاشها لعقود من الزمان، فلا بدّ أن يكون مرحّباً به لعلاقته بالمستقبل وليس بالماضي، فالانتقام والثأر قد يدفع إلى ردود فعل متقابلة، وهكذا.
وكانت التجربة الأرجنتينية في أواخر السبعينات وما بعدها قد سلكت طريق التوافق بإطفاء الحرائق ووقف التعقيبات القانونية بحق المرتكبين، كما سلكت التجربة التشيلية في أواخر التسعينات ذات الطريق، وهما شقّا تجربة جديدة في العدالة الانتقالية، قائمة على فقه التواصل وليس فقه القطيعة، وهو ما سلكته تجربة الدول الاشتراكية السابقة منذ أواخر الثمانينات، خصوصاً بولونيا وهنغاريا وتشيكوسلوفاكيا، ويمكن هنا أن نستذكر تجربة جنوب إفريقيا للعدالة الانتقالية التي استبعدت الانتقام، لأن فتح مثل هذه الصفحة قد يؤدي إلى استشراء العنف الذي سيصاحبه ردود أفعال مضادّة، والعنف يولّد عنفاً، وهكذا، كما أن التجربة المغربية للعدالة الانتقالية وهي من داخل النظام واستمراراً له مفيدة جداً، ويمكن قراءتها بصورة هادئة، حتى وإن كانت الأجواء ساخنة، لأن فيها ما ينفع مثل التجارب الأخرى، وهي ليست للتقليد أو للاستنساخ، بل لاستلهام الدروس والعبر، خصوصاً من وجود بعض المشتركات العامة.
قد يصلح الدرس الكولومبي والأمريكي اللاتيني ودروس أوروبا الشرقية، وجنوب إفريقيا والمغرب لبلدان وشعوب أخرى، ويكون مفيداً إذا أخذنا بنظر الاعتبار الظروف الخاصة بكل بلد، علماً بأن مهمة تحقيق السلام، هي مهمة إنسانية مشتركة وعامة.
ولعلّ مؤتمر الأستانة ولقاء موسكو قد فتحا الطريق أمام مؤتمر جنيف الذي يحتاج إلى خريطة طريق تستكمل ما بدأته مؤتمرات جنيف السابقة، الأول في حزيران (يونيو) 2012، والثاني في كانون الثاني (يناير) 2014، والثالث الذي كان مقرراً بترتيب من محادثات فيينا للسلام ومجلس الأمن الدولي ومبعوث الأمم المتحدة ستيفان دي ميستورا، على أن تتوافق عليها القوى السورية أساساً، حكومة ومعارضة، ولا بد لها لكي توضع موضع التطبيق أن تحظى بتأييد ودعم إقليمي ودولي.



37
عبد الحسين شعبان في ثقافته الاستثنائية*
د. عمران القيسي
ناقد وأديب، فنان تشكيلي - العراق

   سوف أحاول جهدي ركن عواطف الصّداقـة التي تمتدّ ما يزيد عن الخمسين عاماً جانباً، وأتحدّث عن كائن عراقي مـفكّر اعتاد أن يقف دوماً على الطرف المضاد من المعادلة السائدة، سيّما وأنه يعيش كأي عراقي آخر، إشكالية العلاقة الوثنية بين النظام والمواطن، وبين السّلطة والمثقّف بشكل خاصّ.
   ليس بفعل انتمائه المـبكّر للحركة اليسارية في العراق، وليس بفعل موقفه النقدي مما يجري على مستوى العلاقة المغشوشة بين الدولة والفرد وبين السياسة والثقافة، صار عبد الحسين شعبان مراقباً "شرساً" لكل ما يجري أو يتكوّم من سلبيات في الحياة اليومية للفرد العراقي والثقافة العراقية، بل لأنه نتاج بيئةٍ مثقفة في مدينة تآخت مع التمرّد، حيث لا يخلو بيت فيها من مكتبة عامرة. فالنجف التي تنهض على رفوف من الكتب والمخطوطات، لم تكن أحادية الثقافة، بل دفعتها الضرورة لأن تكون متنوّعة، ومنها انطلقت حركات فكريّة متجدّدة، كما انطلقت حركات شعرية متنوّرة، وحركات سياسية بالغة الأثر والتأثير.
   فبعض القادة من اليساريين الشيوعيين الذين يتحدّرون من أصول نجفية، كان أهلهم من العوائل الدينية، سواء في الحوزة العلمية أو في حضرة الإمام علي مثلما هو مكرّمنا حيث احـتلّت عائلته رئاسة الخدمة في الروضة الحيدرية منذ قرون، أو مـمّن يقرأون في عاشوراء سيرة مقتل الحسين، وخير مثال لنا هو "الشهيد" حسين الشبيبي الذي أعدم مع يوسف سلمان يوسف (فهد) مؤسّس الحزب الشيوعي العراقي، أو "الشهيد" حسين أحمد الرضي (سلام عادل) أمين عام الحزب الشيوعي العراقي الذي قتل تحت التعذيب عام 1963.
   من هذه المدينة طلع محمد سعيد الحبوبي الشاعر والفقيه وعلي الشرقي الشاعر والوزير، والشاعر الجواهري والشاعر محمد صالح بحر العلوم والشاعر أحمد الصافي النجفي، والشاعر والحقوقي والوزير سعد صالح، كما خرّجت نخبة من رجال الدّين المتميّزين والمجدّدين بينهم من لبنان الشيخ محمد مهدي شمس الدين والسيد محمد حسين فضل الله، ولا ننسى هنا القراءات المتميّزة التي قدّمها السيّد محمد باقر الصدر للفكر الإسلامي ومحاولة تلقيحه برؤية عصرية.
    نعم من النجف طلع عبد الحسين شعبان الذي سرعان ما اندمج ورعيل جيل الستينات الشعري والأدبي والثقافي في بغداد، خصوصاً وكان يحمل معه إضافة إلى هموم الثقافة، قضايا النضال، فجمع بين الثقافة والسياسة وبين العلم والقلم. هو القادم من عمق الثقافة النقدية المعمّقة ومن بيوتات الأدب والعلم والمعرفة والجدل، حيث تلتقي الكثير من الروافد الروحية والثقافية والفكرية بعمق التاريخ.
   حقاً كانت النجف منبع الفكر وفي الوقت نفسه منبع التمرّد، فقد استلهمت قيم البطولة لتتحدّى الإنكليز في ثورتها العام 1918 وفيما بعد في قيادة الثورة العراقية الشاملة العام 1920، وبقدر ما هي مدينة دينية فإنها مدينة تتقبل الآخر وتتفاعل معه، وهو ما يُطـلِق عليه المحتفى بفكره "جوار الأضداد"، ففيها المتديّنون وغير المتديّنين، وفيها المؤمنون وغير المؤمنين وفيها اليساريون واليمينيون والتقدّميون والمحافظون، وتتعايش فيها سلالات ولغات وأقوام، وإنْ كانت العروبة واللغة العربية هي الفضاء الجامع، فتلك سمات المدن المثقفة، حيث تختلط السياحة الدينية والتجارة مع الثقافة في هارموني منفتح.
   لذلك لا أستطيع أن أتحدّث عن هذا (الحواري) إلاّ من زاوية فكرية، لأن العلاقة معه قامت على أساس فكري وثقافي ونضالي، قوامه وحدة الانتماء إلى اليسار العراقي المعاند وإلى قيم الحداثة والجمال والعدل.
   فإذا كانت صورة عبد الحسين شعبان قد فُهمت بالنسبة لنا نحن الذين جايلناه، من ضمن صورة الوضع الإنساني والشرط التأريخي الذي يعانيه كل مثقف عربي اليوم، فإن هذه الصورة "الشعبانية" هي الصدى لصورة المثقف العراقي الذي لـخّص شعبان نفسه بصفة "الجدلي الماركسي"، الباحث عن "الفهم والتخالق بين الأحداث والأفكار والوقائع". من هنا يجب أن نفهم خصوصية الثقافة عند شعبان وربما العديد من العراقيين، التي كانت زاداً فكرياً ومعرفياً في خضم صراعه من أجل التغيير، خصوصاً وقد خيّمت آنذاك نزعات أخرى في ظل انهيارات وهزائم.
   لقد طرح عبد الحسين شعبان عبر وعيه الثقافي معادلة هـامّة، قوامها الاجتهاد بكافة الثوابت الفكرية والسياسية والدينية والاجتماعية والفردية، فأسقط بذلك مقولة "لا اجتهاد في معرض النص". فالنص أي نص، ديني أو فلسفي أو سياسي أو قانوني، لا بدّ وأن يخضع للاجتهاد والتفسير والتأويل، فهو بذلك اقترب كثيراً من اثنين أوّلهما المتصوّف الحلاج بن محيي الدّين الذي قال:
"ألا أبلغ أحبائي بأني / ركبت البحر وانكسر السفينة
على دين الصليب يكون موتي / ولا البطحا أريدُ ولا المدينة"
   كما اقترب كثيراً من المعرّي القائل:
"في اللاّذقية ضجة ما بين أحمد والــــمسيحُ
هذا بناقوس يدّقُ وذا بمئذنة يــــــــــــصيحُ
كلٌ يعظِّم دينه يا ليت شعري ما الصحيحُ؟"
   تساؤلات شعبان تتوالد ولا ينسى حتى نفسه فيسائلها بكل أريحية ويتـوقّف عند أخطائه وأخطاء جيلنا ليعبّر عنها بصميميّة مثلما هي صميمية أيضاً، تتـعلّــق باجتهادات أو مواقف لم تثبت الحياة صحّتها أو تجاوزها الزمن.
   قرأ ماركس وأنجلز بمنظار نقدّي مفتوح على خليج من الأسئلة ومن دون مسلّمات إيمانية تبشيرية جاهزة، بل كان العقل النقدي التساؤلي وراء الكثير من أطروحاته، وبهذا المعنى يتحدّث عن الماركسية باعتبارها حضوراً وليس غياباً، حتى وإن تم إهمال الكثير من أحكام ماركس وتعليماته، بل ونقدها ماركسياً، ويقصد بذلك "جدلياً"، لا سيّما باستخدام منهج ماركس ذاته منتقداً تحنيط الماركسية التي أفقدتها روحها وسلبتها لبّها وجـمّدتها على نحو فقدت فيه حيويتها.
   ومن أبرز الإشكاليات التي شغلته هي تلك العلاقة المشوبة بالقصور، بين الماركسية والدين، وقد أوضح ذلك في كتابه الحواري (تحطيم المرايا - في الماركسية والاختلاف)، إذْ كتب مجيباً على السؤال: "بكل أسف لم تستوعب الحركة الشيوعية والتيارات الماركسية هذه الحقائق، فـظلّت تدور في إطار النظرة المتعالية والفوقية للتعامل مع العالم الروحي للإنسان، ومع الدين بشكل خاص، وقد تم إخضاع الكنيسة للدولة بعد ثورة أكتوبر الاشتراكية عام 1917 بزعم العلمانية وإكراه المؤمنين على السير في ركابها، وجرت عملية انتقاص وإساءة للأديان وصودرت أراضي وأملاك الكنائس والأديرة، وأكثر من ذلك اعتبر الإلحاد شرطاً لعضوية الحزب، وفيما بعد لعضوية الكومسمول (منظمة الشبيبة الشيوعية)".
   إنّ إشكالية الدين في مجتمعاتنا وحساسيتها دفعت شعبان لتقديم قراءات منفتحة بخصوص الدين الذي يعتبره ظاهرة اجتماعية لا ينبغي معارضتها أو تأييدها بقدر ما يـتطلّب الأمر دراستها وتوظيفها بما ينسجم ومصالح النضال ضد الاستغلال وبهدف تحقيق العدالة الاجتماعية، وقد تـوقّف عند قراءة ماركس وخصوصاً في "المسألة اليهودية" مشيراً إلى أنه لم يقدّم أطروحة كاملة حول المسألة الدينية أو السسيولوجيا الدينية. وقد استكمل شعبان بحثه حول الماركسية والدين بكتابه الموسوم "الحبر الأسود والحبر الأحمر - من ماركس إلى الماركسية".
   بالطبع ما كتبه عبد الحسين شعبان هنا عن المثال الروسي، عشنا ارتدادته السلبية في العراق بعد ثورة 14 تموز (يوليو) عام 1958، حيث حدث شرخ كبير بين الحركة الشيوعية العراقية والجماعات الدينية، وقد وصلت إلى حد إصدار الفتاوى بتحريم الانتماء إلى الحزب الشيوعي العراقي - مثل فتوى السيد محسن الحكيم التي صدرت في شهر شباط (فبراير) من عام 1960، وقد شجّع ذلك على حصول المذبحة الكبرى بحقّ الشيوعيين إثر انقلاب 8 شباط (فبراير) 1963، ومقتل الزعيم عبد الكريم قاسم وطاقمه الحاكم، إضافة إلى أبرز قيادات الحزب الشيوعي العراقي، وبالطبع فإن مراجعة شعبان شملت أيضاً نقده لمواقف "الشيوعية اليسارية الطفولية" إزاء الدين والتديّن والإيمان، تلك استغلّتها القوى الرجعية والمحافظة المعادية للماركسية.
   أدرك عبد الحسين شعبان بنظرته الموسوعية الثاقبة أن النكبة والانكسار هي في الفكر أكثر مما هي في حقل السياسة، لذلك ذهب إلى معالجة هذه المسألة وأخذت أسئلته تكبر منذ هزيمة 5 حزيران (يونيو) العام 1967 والتدخّل السوفييتي في تشيكوسلوفاكيا 21 آب (أغسطس) العام 1968، وحين واصل مشواره للدراسة في الدول الاشتراكية بدأت أسئلته ومراجعاته النقدية تغتني بتجارب عملية، والأكثر من ذلك فإن الأخطاء المتكرّرة التي عاشتها قيادات الحركة الشيوعية العربية بشكل عام والعراقية بشكل خاص، دفعته للتفكير في مجالات وحقول أخرى غير الحقول السياسية المباشرة لخدمة بلده وأمته.
   وكان قد اضطرّ إلى مغادرة العراق أكثر من مرّة، مثلما اعتقل أكثر من مرّة، واقترب الموت منه عدّة مرّات، ولعلّ واحدة منها كنت قريباً منها في ساحة السباع ببغداد العام 1968 حين سقط 3 شهداء وعدد من الجرحى في تظاهرة سلمية، وبعد ذلك غامر في العيش بالجبال الوعرة مع نخبة من رفاقه ليقود إعلاماً مضاداً للإعلام الرسمي في حركة أنصارية في المناطق النائية، خصوصاً المثلث العراقي - الإيراني - التركي، ثم في منطقة بشتاشان، وكان هؤلاء بين مطرقة وسندان 3 دول هي العراق وتركيا وإيران، ولم يكن لديهم سوى بضعة كتب وأحلام وإصرار على اختيار نمط حياة غير سائد وغير مألوف.
   وهناك أيضاً اقترب الذئب الذي ظلّ يتـرصّده إثر هجوم مسلّح تواطأت فيه قوى عديدة، فاضطرّ ومن معه إلى عبور جبل قنديل الشهير، فعاد إلى المنفى بعد تعرّضه لأمراض وإشكالات صحيّة عديدة ليتفرغ هذه المرّة للعمل الحقوقي والفكري، خصوصاً في ظل الخيبات المتكرّرة.
   كان شعبان يدرك أنّ دوراً استثنائياً ينتظره في عواصم الغرب، هناك حيث بدأ العمل في قضايا حقوق الإنسان والتربية على ثقافة المجتمع المدني، وكان قد توصّل إلى قناعة أن أوضاعنا العربية لا يمكن معالجتها بالانقلابات أو بالحركات المسلّحة والعنفية ولا بتبديل فوقي لنظام الحكم، كما أن المعارضات كانت وجهاً آخر للسلطة، وقد آمن أنه آن الأوان لبناء المجتمع المدني لوضع الأسس الحضارية للبناء الاجتماعي والاقتصادي والثقافي من خلال نشر ثقافة قبول الآخر والإقرار بالتعدّدية والتنوّع ونبذ كلّ ما له علاقة بالعنف، وليس غريباً عليه أن يؤسس مع ثـلّة متميّزة من اللبنانيات واللبنانيين وشخصيات عربية وعالمية "جامعة اللاّعنف" وأن يدعو إلى "التسامح" والمصالحات ونبذ الكراهية وحل المشاكل والإشكالات عبر الحوار السلمي والتفاهم والوسطية والاعتدال ليس على الصعيد النظري فحسب، بل في حياته الشخصية والعملية أيضاً.
   كان شعبان بفعل دراساته القانونية مطّلعاً على مساوىء قانون الجنسية العراقي، وهو القانون الذي ترك بصماته على الواقع الذي يميّز بين المواطنين العراقيين، الذين تم تصنيفهم بين الفئة (أ) والفئة (ب)، إضافة إلى هدر حقوق "الأقليّات" ولذلك كان من أكثر الحقوقيين العراقيّين صوتاً وتنويراً ودعوة لإصدار "قانون جديد للجنسية" على أساس المساواة في الحقوق وعدم التمييز، كما كان أول المدافعين عن المهجّرين العراقيّين على المستوى الدّولي، وهي الدعوة المتواصلة في دفاعه عن اللاجئين العراقيين في جميع المحافل الدولية. ولا توجد عاصمة أوروبية لم تشهد له مساعدة لهذا اللاّجىء أو ذاك أو لإطلاق سراح هذا المعتقل أو ذاك أو لهذا المختفي قسرياً أو ذاك.
   وحين وقع العراق تحت الاحتلال الأمريكي، وعمد هذا إلى تفكيك الدولة ولم يبق فيها العراق ما يمكن أن تنهض عليه أعمدة بناء جديدة، خصوصاً بعد حلّ الجيش العراقي وبعض أجهزة الدولة، فكلّما ازدادت المشكلات تعقيداً في العراق، ذهب الباحث والمفـكّر عبد الحسين شعبان أعمق في البحث والتحرّي، فكان أن شرّح وفـنّد مزاعم الاحتلال بالشرعية وحاجج بسلاح القانون ليثبت أن ما يسمى "تحريراً" إنما هو احتلال ممنهج بعد حصار دولي جائر، كما وقف بصلابة ضد نظام المحاصصة الطائفي الإثني الذي أسماه "نظام الغنائم والزبائنية" كاشفاً عن الألغام العديدة التي احتواها الدستور وذلك في كتابه العراق "الدستور والدولة من الاحتلال إلى الاحتلال".
   إنه (ديوجين) حامل المصباح الأزلي، لذلك نراه يكتب ويحاور ويجادل ويحاضر ويقدّم اللوائح ومشاريع القوانين، خصوصاً تلك التي تـتعلّق بإلغاء الطائفية وتحريمها، ويطرح بدائل عنها لتعزيز المواطنة، وهو الأمر الذي يتابعه على المستوى العربي.
   كتبتُ عنه يوماً بأنه "مفـكّر يمارس عملية إعادة تكوين الذاكرة بشكلها الصحيح"، وربّما وضعه هذا الأمر في موضع بالغ الخطورة، قد يكون موقفاً "إرهابياً" يرعبنا لأنه ينكأ جراحنا التي لم تندمل، فنقد التجربة وخصوصاً الشخصية، إنّما استهدف تجاوز ما تجاوزه الزمن وعدم تكرار الأخطاء، وإعادة النظر بالكثير من المسلّمات و"الكليشيهات"، في رؤيوية استشرافية جريئة.
   لم يكتفِ شعبان بنقد التّجربة الماركسية العربية، وبعض مفاصلها الأساسية، بل أيضاً ناقش بجرأة مواقف المرجعيات الدينية الشيعية من قضية الاحتلال الأمريكي للعراق بما فيها من جوانب المهادنة، أو من قضية ولاية الفقيه التي لم تستسيغها النجف ممثّلة بـ"السيد السيستاني"، لكن "الشيعية السياسية" حاولت تقديمها لمرجعية النجف على "طبق من ذهب" لأسباب سياسية مصلحيّة بين الطرفين.
   ومن موقعه المعرفي والاجتهادي دعا إلى التمسّك بمرجعية الدولة التي ينبغي أن تكون فوق جميع المرجعيات، وإنه إذ يفعل ذلك انطلاقاً من خلفيته القانونية بتأكيد "مبدأ حكم القانون"، لأنه يدرك أن تعدّد المرجعيات الدينية والمذهبية والطائفية والإثنية والعشائرية والحزبية، إنما يؤدّي إلى إضعاف الدولة والحطّ من هيبتها، فليس هناك من جهة جامعة وقادرة على حماية حقوق الإنسان "كمرجعية عليا" غير الدولة، وهو يرى بكلّ صراحة بأنّ ثقافة حقوق الإنسان لا تزال متدنية في عالمنا العربي إلى حدود مريعة، ومن هذا المنطلق بقدر دعوته للتغيير في العالم العربي إلاّ أنه ظلّ يدعو للتمسّك بالدولة الوطنية التي لا يمكن الحديث عن أي تغيير وديمقراطية دونها.
   عبد الحسين شعبان المُحتفى بمنجزه الفكري والثقافي والحقوقي والحائز على جائزة "أبرز مناضل لحقوق الإنسان في العالم العربي" (القاهرة 2003)، وأوسمة وجوائز ثقافية وفكرية كان آخرها من تونس العام 2016، هو من الجيل الثاني للروّاد الحداثيين المجدّدين "عراقيّون وعرب".
   وكنتُ دوماً أسائلُ نفسي: ألا يهدأ المحارب، المشاكس، المشاغب، المتمرّد حتّى على نفسه بعد هذه التّجربة المديدة؟  لكنّني أتفاجأ كلّما زرته في بيته فأراه منكّباً على طاولته يكتب، والأوراق والكتب متناثرة حوله، لذلك أسميته (كادح الكتابة) "الشغيل الأبدي" الذي يستمرّ عشقه المعـتّق للحروف كأنه وُلِــدَ ومعه حزمة أقلام وأوراق وكُتُب.   

*الكلمة التي ألقاها الدكتور عمران القيسي في حفل تكريم د. شعبان يوم 5/3/2017
في إطار المهرجان اللبناني للكتاب السنة السادسة والثلاثون 2017 (دورة منير أبو دبس)
الحركة الثقافية - انطلياس برعاية فخامة رئيس الجمهورية العماد ميشال عون



38
في المواطنة والحوار والإرهاب
عبد الحسين شعبان


       أعادت حوادث القتل والتّهجير التي جرت في شبه جزيرة سيناء والتي استهدفت الأقباط، ما حصل لمسيحيّي العراق، سواء نزوحهم من البصرة وبغداد وكركوك والموصل خصوصاً بعد احتلالها من قبل داعش العام 2014 ،إلى كردستان ومنها إلى المنافي البعيدة، الأمر الذي لا يزال مستمرّاً في سوريا كما جرى في لبنان خلال الحرب الأهلية، وينبغي أن نتذكر باستمرار ما حدث لمسيحيّي فلسطين الذين كان عددهم يزيد على 20 % من السكان قبل الاحتلال وبسبب التهجير المنظّم، وصل عددهم الآن إلى أقل من 1،5 % وكان في القدس وحدها ما يزيد  عن 50 ألف مسيحي، في الوقت الذي لا يصل عددهم اليوم إلى 5 آلاف.
      إنّ حوادث القتل ومحاولات الاستئصال والإلغاء وعدم الاعتراف بالآخر تطرح مسألتين أساسيّتين :
      أوّلها: غياب أو ضعفِ المواطنة، فحيثما تكون هذه هشّة يتمّ التّهميش والإلغاء وتجري محاولات للتّسيّد والهيمنة،حيث تستقوي جهات نافذة تفرض نفسها على مصادرة حقوق الآخرين، وكلّما ضعفت أو اهتزّت أركان المواطنة كان التعصّب والتطرّف جاهزين ولها بالمرصاد، وحيث يسودان فذلك يعني أنّ العنف والإرهاب سيجدان طريقهما إلى المجتمع.
     ثانيها: غيابالحوار الذييفترضالاعترافبالآخر على قدر من المساواة، وذلك يعني الإقرار بالتنوّع والتعدّدية، وغيابه سيفضي إلى نوع من الإلغاء أو التّهميش أو الانتقاص من الحقوق، وليست تلك سوى حقوق المواطنة. هكذا تظهر العلاقة العكسية بين الإرهاب والمواطنة، فسيادة الإرهاب ستكون بسبب ضعف المواطنة أو الانتقاص من أركانها، والعكس صحيح، فإنّ وجود مواطنة حيوية تقوم على الإقرار بالحريّات وممارستها، ولاسيّما حرية التعبير، والحق في التنظيم و الاعتقاد ، والحق في المشاركة والشّراكة،سيعني الإعلاء من القيم الإنسانية العليا، وهذه تغتني بمبادئ المساواة وعدم التمييز والعدالة وخصوصاً الإجتماعية، إذ إنّ المواطنة ستكون قاصرة وناقصة مع الفقر، والمواطنة تحتاج أيضاً إلى الاعتراف بالحق في المشاركة وتولّي الوظائف العليا دون تمييز.
        خلال الشّهرين المنصرمين قدّر لي أن أشارك بعدد من المؤتمرات والأنشطة الثّقافية والفكرية والحقوقية، وفي عدد من البلدان العربية، وكان العنوان الأساسي لها: ماالسّبيللمواجهةالتعصّبوالتطرّف؟ وما علاقتهما بالعنف والإرهاب؟ وأيّ تعارض بين الطائفية والمواطنة؟ وأخيراً هل نحتاج إلى خطاب جديد لمجابهة ثقافة الكراهية والإقصاء والتّهميش؟
         وبقدر ما لهذه الظواهر من اشتباك ثقافي واجتماعي وسياسي، فلها خلفيّات دينيّة وطائفيّة وثقافيّة وتربويّة، وتنعكس على سلوك الأفراد والمجموعات، لاسيّما التي تدّعي امتلاك الحقيقة، أو التيتعتبر لها أفضليّات على الآخرين، لهذه الأسباب أو لغيرها.
       وإذا كان الخطاب السّائد قاصراً، ويتّسم بالشّحن والتّحريض، أفلا تستلزم الحاجة إلى إعادة النظر به، بل مراجعة منطلقاته الفكرية والثّقافية؟ ثمّ كيف يمكنإصلاح الخطاب دون إصلاح الفكر؟ والمسألة لا تقتصر على الفكر الدّيني وحده بل على إصلاح الفكر الطاغي، وتعزيز مستلزمات مراجعة نقدية مفتوحة، يشارك فيها الجميع، قوى وتيّارات ومنظّمات مجتمع مدني ونقابات وإعلام، لأنّ الأمر يتعلّق بصميم توجّهات المجتمع وسلامة جميع أفراده. والمجتمعات المتصالحة مع نفسها تجد فيها نوعاً من "التّطامن" يساعد على تطويق ظواهر إلغاء الآخر أو إقصائه أو تهميشه أو محاولات التسيّد عليه.
        ولأنّ ظواهر التعصّب والتطرّف استفحلت في عالمنا العربي بشكل خاص، وباتت تهدّد وجود الدولة الوطنية، فقد استوجب الأمر إحياء لغة الحوار، الذي لم يعد اختياراً فحسب، بل أصبح ضرورة و اضطراراً، فبدونه ستكون التّربة خصبة للعنف والإحتراب، خصوصاً في ظلّ التمترسات المذهبية.
        والحوار ينبغي أن يستهدف أوّلاً وقبل كلّ شيء الاتّفاق والتّوافق حول سبل تعزيز المواطنة، التي ستبقى حجر الزاوية في مواجهة العنف والإرهاب اللّذين يتحوّلان إلى فعل، بعد أن يستحوذ التعصّب والتطرّف على عقول أفراد أو مجاميع فئويّة، وهو ما أضحى جزءًا من المشهد البارز في بغداد ودمشق وطرابلس وصنعاء، ووجد حواضن له أحياناً لـ "يفقّس فيها بيضه" في مصر وتونس، وصولاً إلى المغرب والجزائر وغيرها،خصوصاً بفعل عمليّة "غسل الأدمغة" لبعض الشّباب المقبل على عنف لاحدود له، بما فيه مع النّفس حين يُقدم على عمليّات إنتحاريّة تحت مزاعم ومبرّرات شتّى، بعضها ديني أو مذهبي، وآخر إجتماعي أو اقتصادي أو سياسي، وبقدر ما ينطبق على إرهابيّي المنطقة، فإنّه أيضاً يشمل إرهابيّي الغرب الذين يأتون ليفرغوا ما في جعبتهم من عنف في بلداننا.
        هل تنفع الوسيلة الأمنية لوحدها في التّصدّي للظاهرة الإرهابيّة؟
سؤال حائر ظلّ يتردّد في العديد من المؤتمرات الدوليّة والعربيّة الحقوقيّة، وهو وإن كانت الإجابة عنه معروفة سلفاً، لكنّ الرّكون إليه لوحده أو تقديمه على سواه من سبل الوقاية والحماية، جعل استمرار الإرهاب، يعيد طرحه بشدّة كبيرة، خصوصاً وإنّ الحاجة تتعاظم إلى تكامل الوسائل المتنوّعة للتّصدّي للظاهرة الإرهابيّة سياسيّاً، واجتماعيّاً، واقتصاديّاً، وثقافيّاً، وتربويّاً، ودينيّاً، إضافة إلى الوسائل الأمنيّة والعسكريّة، وهذه كما يقول "العرب" هي آخر "العلاج-الكي".
         وإذا كانت المواطنة نقيضاً للإرهاب، فهذه الأخيرة تحتاج إلى حوار بعقل مفتوح وقلب "حار" كما يقال، خاصة وإنّ بلداننا تقف عند مفترق طرق، فكلّما ارتفع شأن المواطنة تناقص خطر الإرهاب، والعكس صحيح أيضاً، حيث تظهر "العنعنات" الدينيّة والمزاعم الطائفيّة والدعوات الإنفصاليّة والإستتباع للخارج الإقليمي،ولكلّ ما له علاقة ببقايا ما قبل الدولة.



39
أبعد من حدود استقالة "ريماخلف"!
عبد الحسين شعبان

كان للإستقالة التي قدّمتها ريما خلف،المدير التّنفيذي للإسكوا "الّلجنة الإقتصاديّة والإجتماعيّة لغربي آسيا" من منصبها، رمزيّة خاصة، فهي موظّفة رفيعة المستوى وعملت من موقع المسؤولية في المنظّمة الدولية لسنوات طويلة، واطّلعت على الكثير من الخفايا والخبايا التي أضاءت عليها ونبّهت عنها في رسالتها. وفي نهاية المطاف اضطّرت للإجتماع العلني حين لم يعد السكوت ممكناً،بل يصبح تواطئاً، لأنّه سيؤدّي لمخالفة ضميرها، كما عبّرت عن ذلك.
وهي وإن تحلّت بمهنيّة عالية ودبلوماسيّة راقية، وحاكت خطابها الموجّه للأمين العام "انطونيوغوتيريز" بخيط من حرير،لكنّها فتحت معركة دبلوماسيّة وقانونيّة وحقوقيّة ذات أبعاد أخلاقيّة ثقافيّة وفكريّة وإنسانيّة، بدأت تظهر وتنتشر ممّا يدفع العرب والفلسطينيّين لضرورة مواصلتها بذات الإيقاع.                                                             
       وإذا كان موقف "ريما خلف" يتّسم بالشّجاعة والمبدئيّة،فإنّها استندت إلى قيم العدالة وحقوق الإنسان المنصوص عليها في ميثاق الأمم المتّحدة وقواعد القانون الدولي، ومثل هذا الموقف ،وخارج دائرة التّمجيد لخطوة جريئة ومن أعلى قمّة الهرم الدولي، يطرح العديد من الحقائق وينبّه إلى طائفة من الاعتبارات التي ينبغي أخذها على محمل الجد وهي :          1-لا يمكن للوظيفة الدوليّة، ومهما بلغت درجة الالتزام الوظيفي والمهني أن تكون بالضدّ من القيم الإنسانيّة، فالمهنيّة لاتعني الحياديّة الزّائفة أو الحرفيّة العقيمة التي لا تفرّق بين الحقّ والباطل، وبين العدل والظلم، فتلك ليست سوى جحود وتحجّر، ذلك أنّ الوظيفة الدوليّة ينبغي ألّا تلغي "إنسانيّة" الإنسان، ولعلّ من أولى مسؤوليّات الموظّف الدولي  وشروط عمله أن يكون منصفاً، ووجوده ينبغي أن يكون إيجابيّاً بإعلاء القيم الإنسانيّة وعدم السّماح بإجراءات أو قرارات تخالفها أو تمسّ جوهرها.                                                           

2 - إن ردود الفعل الدوليّة إزاء ممارسات "اسرائيل" أخذت تميل لمصالح حقوق الشّعب الفلسطيني، وتدريجيّاً بدأت تبتعد عن الانحياز المسبق لها، وليس أدلّ على ذلك قرار الأونيسكو باعتبار الأماكن المقدّسة في القدس من تراث العرب و المسلمين   (نوفمبر- تشرين الثاني2016) وكذلك قرار مجلس الأمن الدولي بشأن وقف الاستيطان "الاسرائيلي" في الأراضي الفلسطينيّة ( ديسمبر – كانون الأوّل 2016).           
3– هناك "مناطق فراغ"لم يتمّ الاشتغال على ملئها من العرب ومن الجانب الفلسطيني، وهي كثيرة، ولاسيّما في الإطار الدولي الحكومي، وغير الحكومي (منظّمات المجتمع المدني) وهذه تحتاج إلى معرفة عميقة واستراتيجيّات جديدة مرنة طويلة المدى، والأمر يتطلّب هندسة جديدة لعلاقاتنا الدوليّة، ووضع القضيّة الفلسطينيّة في المكان الذي تستحقّه، وتحديد "جبهة الأصدقاء" و "جبهة الأعداء"، إضافة إلى مسعى جديد لتحييد دول كانت منحازة "لإسرائيل" حتّى وقت قريب، لكنّها أخذت تشعر بالحرج إزاء انتهاكاتها وممارساتها المنافية للشرعة الدوليّة لحقوق الإنسان .           
وهنا يمكن التّركيز على ما هو أساسي بقدر ما هو ممكن مثل :                     
وضع فكرة حق تقرير المصير التي يقرّها المجتمع الدولي، موضع التطبيق من خلال الترويج لدولة فلسطينيّة قابلة للحياة، تكون ضمانة للمجتمع الدولي مع تأكيد حق العودة.
ويمكن هنا التأكيد على حلّ يلبّي الحد الأدنى من الحقوق ويأخذ بالاعتبار القرار 181 العام 1947 وهو القرار الذي تأسّست "اسرائيل" بموجبه، والقرار 194 العام 1948 الخاص بحقّ العودة، إضافة إلى قرارات مجلس الأمن الدولي 242 العام 1967 ، و338 العام 1973 (المتعلّقان بالإنسحاب الإسرائيلي) لأنّها قرارات مقبولة دوليّاً.     
      4– إظهار الممارسات "الإسرائيليّة" العنصريّة، تلك التي تناولها تقرير الإسكوا والخاصة  بتأسيس نظام الفصل العنصري " أبرتايد " والذي يهيمن على الشّعب الفلسطيني بأجمعه، سواء في الأراضي الفلسطينيّة أو ما يسمّى عرب الـ 48 أو ما بعد الإحتلال الإسرائيلي العام 1967 وفي المخيّمات وبلدان الجوار والشّتات، برفض حقّ العودة، وبناء مستوطنات في الأراضي الفلسطينيّة.                                         
وهنا يمكن إعلاء صوت التّضامن الدولي بما فيه إجراءات المقاطعة الثّقافية والأكاديمية والسّياسية والإقتصادية لـ "إسرائيل"، وكلّ ما له علاقة بسحب الإستثمارات وفرض العقوبات لإجبارها على الانصياع لقواعد القانون الدولي. ولعلّ مؤتمر ديربن ضدّ العنصريّة (جنوب أفريقيا – العام2001 ) كان نموذجاً حيويّاً على فاعليّة التّضامن الدولي حين دمغت ثلاثة آلاف منظّمة حقوقيّة ممارسات "إسرائيل" ووصمتها بالعنصريّة.                                                                                   
         5–إنّ سحب تقرير الإسكوا بخصوص الممارسات "الإسرائيليّة" ومسألة "الأبرتايد" يعكس أزمة الأمم المتّحدة المستفحلة، إضافة إلى خضوعها للقوى المتنفّذة وبيروقراطيّتها، فخلال شهرين فقط وصلت لـ "ريما خلف" تعليمات بسحب تقريرين أعدّتهما الإسكوا، لاعتبارات سياسيّة وليست اعتبارات مهنيّة تتعلّق بالجوهر أو المضمون، كما تقول. وهو الأمر الذي يحتاج إلى تحالفات واسعة وعريضة مع ملاحظة المتغيّرات على السّاحة الدوليّة وموازين القوى.                                                                               
إنّ استقالة "ريما خلف" هي أقرب إلى "لائحة اتّهام"وذلك حلم العدالة في مقاضاة "إسرائيل".

40
الذاكرة ولحظة الحقيقة
عبد الحسين شعبان
أكاديمي ومفكّر عربي
   تذكّرتُ وأنا أشارك في مؤتمر بمدينة مكناس في المغرب حول "الذاكرة والهويّة ومسارات الاعتراف" حديثاً لأحد الوجوه الإعلامية البارزة التي كافحت ضدّ سياسة التمييز العنصري في جنوب إفريقيا، وأعني به ماكس دوبريز Max du Preez الذي حوّل نشاطه لاحقاً لتدوين ذاكرة الضحايا، مسجّلاً شهادات متنوّعة قام بمهمّة بثّها تلفزيونياً.
   كان دوبريز قال مذكّراً العالم أجمع، ولا سيّما التجارب الناشئة والجديدة في مسار العدالة الانتقالية بأنها "لحظة عظيمة لا تموت، سوى مرّة واحدة، ولا يمكن تكرارها ومقارنتها بكتابات المؤرخين". وبخصوص تونس التي كان يزورها (خريف العام 2016) قال: "تونس لديها الآن لحظة لكتابة التاريخ، لحظة فريدة من نوعها لتقول: لا نستطيع فعل ذلك عن طريق مؤرخ واحد أو كاتب واحد، بل نستطيع كشعب تسجيل كل تاريخنا، ما حدث قبل الثورة وأثناءها، وهذا سوف يبقى. وإن أضاعت تونس هذه الفرصة فلن تأتي مرّة أخرى... ولهذا فعندما يتعلّق الأمر بالحقيقة وبالتاريخ... فنحن نكتب التاريخ الآن".
   هكذا استعدتُ الخيط الرابط بين عنوان المؤتمر وبين حديث دوبريز، وهو حديث عن لحظة الحقيقة التاريخية، التي لا ينبغي إهمالها أو دفعها إلى دائرة النسيان، بل ينبغي استحضارها لتكون في دائرة الضوء دائماً، سواء ما يتعلّق بموضوع العدالة الانتقالية أو بالمشترك الإنساني وبالتعايش المجتمعي والاعتراف بالحقوق، عندها يمكن أن تكون الذاكرة مشتركة على ما فيها من تناقض واختلاف، كما يمكن أن تصبح درساً للجميع للانتقال من طور تاريخي إلى آخر، ومن الإلغاء والتهميش إلى الاعتراف بالتنوّع والمغايرة.
   وبهذا المعنى فالعدالة الانتقالية بقدر ما هي فلسفة ومنهجية جديدة تفرضها الضرورات الانتقالية، فإنها بالقدر نفسه فلسفة تربوية وتاريخية لتحقيق العدالة، لأنها تكشف عن الذاكرة بما فيها من مآسٍ وويلات وظلم، ليس بهدف الانتقام أو الثأر أو العدوانية، بل لمعالجة إرث الماضي وانتهاكاته الجسيمة على مستوى الأفراد والجماعات والشعوب، خصوصاً حين يتم ذلك بصورة سلمية وبتوافق مجتمعي للانتقال الديمقراطي.
   وقد اهتدت العديد من التجارب الدولية وهي تبحث في أركان الذاكرة وتخوض في تفاصيل الهويّة إلى طريق العدالة الانتقالية، ولعلّ تجربة جنوب إفريقيا التي عانت من التمييز العنصري والاستعمار الاستيطاني لأكثر من قرنين من الزمان، تعتبر نموذجية على هذا الصعيد، وإنْ كان لكل تجربة إيجابياتها وسلبياتها، مثلما هي تجربة المغرب للعدالة الانتقالية التي دلّلت على إمكانية تحقيق المصالحة من خلال تحوّلات من داخل النظام نفسه، عبر مساءلة تراعي مبادىء التسامح، لا سيّما الاعتراف بما حصل وكشف الحقيقة وجبر الضرر وتعويض الضحايا والعمل على إصلاح النظام القانوني والقضائي والأمني.
   كما كشفت تجارب العدالة الانتقالية في بعض البلدان الاشتراكية السابقة في أواخر الثمانينات وبداية التسعينات عن إمكانية التحوّل الديمقراطي، باعتماد فقه التواصل واستبعاد فقه القطيعة، أي بتقليص دائرة المساءلة وإعلاء شأن التوافق المجتمعي، مثلما حدث في بولونيا وهنغاريا وتشيكوسلوفاكيا السابقة وغيرها.
   أما عن تجارب أمريكا اللاتينية فيمكن القول إن تجربة الأرجنتين في أواخر السبعينات كانت متميّزة، حيث تم إصدار عفو عام وإطفاء القضايا المتعلّقة بعد موجة عنف ضربت البلاد حين اعتمدت المساءلة للمرتكبين. وكانت تجربة تشيلي في التسعينات حيوية جداً، خصوصاً حين تم الاتفاق بين المعارضة ونظام بينوشيه على دستور جديد وانتخابات حرّة، على أن تبقى المؤسسة العسكرية والتي قامت بارتكابات شنيعة، خارج دائرة المساءلة.
   وتبرز اليوم تجربة كولومبيا باعتبارها من أشجع التجارب الدولية وأكثرها براغماتية، فبعد صراع مسلّح ودموي دام 52 عاماً وراح ضحيته نحو 220 ألف إنسان، وتعطّلت فيه التنمية وجُرّفت الأراضي الزراعية ودمّرت البيئة، تمكّن الرئيس خوان مانويل سانتوس في العام 2016 من التوصل إلى اتفاق لإنهاء الحركة المسلّحة، وذلك بتسليم أسلحتها للدولة مقابل عدم ملاحقة المرتكبين، وخصوصاً بتسليم جزء من الأموال التي كانوا يحصلون عليها من خلال زراعة وبيع المخدرات. وقد نال الرئيس الكولومبي جائزة نوبل على مبادرته الجريئة تلك.
وإذا كانت المظالم التاريخية والثقافية تثير ردود فعل حادّة، فإن بعضها سلبي حتى وإن تغلّف أحياناً بمطالب وشعارات صحيحة من حيث الجوهر القانوني للعدالة، لكنها قد تؤدي إلى استمرار الصراع ودفعه إلى مديات جديدة، الأمر الذي يحتاج معه إلى وقفة جديّة لمعرفة الحقيقة لماذا حدث وكيف حدث؟ والهدف ليس نكء الجراح، بل للتخلص من آثار الماضي، وملامسة جوهر وحقيقة الإشكالات التي تطرحها أسئلة الهويّة والذاكرة في علاقاتها المتشابكة بالارتباط مع سؤال الاعتراف، خصوصاً حين تبقى الذاكرة حيّة في الضمائر لكي لا يعاد تكرار ما حدث، وما نجم عنه من خسارات لطاقات وثروات وعقول.
ومثلما لا يمكن تجريد الإنسان من شعوره بالانتماء إلى الأرض وفي الوقت نفسه بالانتماء إلى لغة وهويّة تنعش وجوده وتؤنسن حياته، فإنه لا يمكن تجريف ذاكرته لأنها جزء من تاريخه وطريق يوصل الماضي بالحاضر نحو المستقبل.


41
الحقوقي بعين الصحافي
شبيب المالكي وشرعية الإنجاز
عبد الحسين شعبان
أكاديمي ومفكّر عربي

   لم يدع الصحافي والكاتب أحمد عبد المجيد اللّحظة تفلت من بين يديه إلاّ ويؤرّخها. هكذا فعل حين اقترب موعد الذكرى الأربعين لتأسيس "اتحاد الحقوقيين العرب"، أوَليس الصحافي مؤرخ اللحظة حسب تعبير ألبير كامو؟ لذلك بادر إلى تأليف كتاب ليقدّمه هديّة لشبيب المالكي بهذه المناسبة ومن خلاله للحقوقيين العرب، حيث كان بعضهم قد رافق مسيرة الاتحاد طيلة العقود الأربعة الماضية ومن بينهم رئيس الوزراء اليمني الأسبق محسن العيني والوزير المصري المخضرم مفيد شهاب، وكان الاتحاد قد تأسّس في العام 1975 في بغداد التي أصبحت مقرّاً له لغاية الاحتلال الأمريكي للعراق العام 2003، حيث دوهمت مقرّاته وتم الاستيلاء على البناية التي يملكها، وبصفة مؤقتة انتقل مقرّ الاتحاد إلى الشام، وفيما بعد إلى عمّان لحين تسوية المتعلّقات التي تخصه وانعقاد مؤتمره العام.
   الشهادة التي كتبها أحمد عبد المجيد هي ليست انطباعات شخصية عن أمينه العام شبيب المالكي، بل هي سيرة مرافقة لمنجزه الإداري والحقوقي، إضافة إلى منجز الاتحاد، حيث يبدأ معه منذ أن كان متصرّفاً (محافظاً) لكربلاء التي كانت تضم حينها النجف والكوفة، في حين كان أحمد عبد المجيد طالباً، ثم في بداية خطواته الأولى في الإعلام التي اجتازها بمثابرة وجهد وعناء وليس دون خسائر، ليصبح أحد الإعلاميين المتميّزين والبارزين.
- I -
   ينحدر شبيب المالكي من البصرة ثغر العراق الباسم (المدينة التي لا تزال منكوبة منذ الحرب العراقية - الإيرانية العام 1980 وإلى اليوم)، وكان قد جاء إلى الإدارة من خلفية سياسية وثقافية وبعد تجارب عديدة ومريرة، ليحتل منصباً إدارياً رفيعاً في محافظة ليس من السهل قيادها، خصوصاً وأن البيئة التي عمل فيها لم تكن صالحة، ناهيك عن ردود فعل سياسية بشأن الوضع الجديد (الانقلاب العسكري في 17/ تموز/ يوليو/ 1968)، فضلاً عن أن المدينة في جزء منها له طابع ديني شديد الحساسية، الأمر الذي يحتاج معه إلى مرونة وحكمة وبُعد نظر عند التعامل مع أهلها والقادمين إليها من الزوّار في مناسبات دينية مختلفة. ولعلّ الإصرار على النجاح وتحدّي الصعاب وتذليل العقبات هي التي كانت الشغل الشاغل للشاب البصري الأنيق كما يقول عبد المجيد.
   ولكي يبعد عبد المجيد عن نفسه الانحياز في سردية المنجز الثقافي والإعلامي والتنموي، فإنه يحيل المسألة إلى أن الكثير من أبناء جيله الذين يشاطرونه مثل هذه الانطباعات التي هي ليست ملفاً شخصياً كما يقول في مقدمة الكراس الذي ألّفه والذي هو بعنوان: "شبيب المالكي - رحلة الكفاح والنجاح: شهادة صحفية عمرها أربعة عقود ونيّف" (إصدار شركة الأنس للطباعة، بغداد، 2016)، وإنما هي إقرار واعتراف يعدّ ضرورة في زمن الجحود والتنكّر والنّسيان.
- II -
   بتواضع الإعلامي المجرّب يحاول أحمد عبد المجيد أن يقدّم الكتاب باستدراك ذكي بقوله: "وأعترف أن ما ورد في هذا الكتاب لم يكن ليصلح إلاّ للنشر في صحيفة، جريدة أو مجلة، لكني آثرت في نهاية المطاف أن أغامر فأصوغ المحتوى بين دفتي كتاب متواضع رأيت أن أفاجىء به المالكي (شبيب) وأصدقاءه وزملاء مهنته، تزامناً مع الذكرى الأربعين لتأسيس الاتحاد الذي انعقد خلاله وعلى هامشه اجتماع المكتب الدائم وذلك في بيروت للمدّة 7 - 8 تشرين الأول/أكتوبر: 2016".
   ولكن لماذا يخشى أحمد عبد المجيد المغامرة؟ ربما لكونه مهجوساً بالماضي وهو يخشى بعض التفسيرات المغرضة، وكان قد فاتحني عشية إطلاق مبادرته، فقلت له: إن هذه المفاجأة ستكون سارة، ثم ألسنا نغامر حين نبحث عن الحقيقة؟ ولتكن مغامراتنا بدلاً من الحروب والعنف والتهميش والمؤامرات، تواصلاً إنسانياً ومودّة وعرفاناً بالجميل وتقديراً للجهد. وأي جهد هو بحاجة إلى تقويم، والتقويم لا يعني الانحياز، بقدر ما هو نقد إيجابي للوصول إلى ما هو أحسن وأصوب وأفضل.
   وحين أُعطيَ عبد المجيد حق الكلام في الجلسة الختامية، قام بعرض مبادرته لتأليف الكتاب، والحديث عن سجايا الرجل وما قدّمه لمدينة كربلاء، إضافة إلى بعض مواقفه الشخصية، الأمر الذي أفسح في المجال لإضاءة جوانب من المسيرة الحقوقية واقتراح تكريم الرجل في احتفالية خاصة ستترافق مع مسيرة تجديد الاتحاد وتطويره وتعديل نظامه الأساسي وهيكلياته من أجل انطلاقة جديدة تفتح أفقاً جديداً لعمل الحقوقيين العرب، سواء على الصعيد الفكري أو على الصعيد المهني، في إطار تعزيز الثقافة الحقوقية والوعي الحقوقي ورفد قطاعات واسعة بحاجة إلى التربية على احترام الحقوق والحرّيات وإشاعة ثقافة السلام والتسامح واللاّعنف، وهو ما كنت قد عرضته في الجلسة ذاتها، ونال تأييد الجمع الحقوقي العربي.
- III -
   تعرّفت على المالكي ونحن من إطارين سياسيين متوازيين، بل متصارعين في أغلب الأحيان، ومتقاربين في أحيان قليلة، وأشهد أنني كلّما اقتربت منه زادت قناعتي بحرصه على التواصل مع الآخر على الرغم من الاختلافات، وكان موقفه كما أعلم إيجابياً من التعاون الوطني بين البعثيين والشيوعيين، سواء خلال عمله في الإدارة الحكومية أو في المنظمات المهنية مثل جمعية الحقوقيين العراقيين ومجلس السلم والتضامن العراقي، فكانت علاقته متميّزة مع عزيز شريف الذي ربطته به علاقة متميّزة وعامر عبد الله الذي يكن له احتراماً خاصاً، ومع نوري عبد الرزاق وماجد عبد الرضا وآخرين، إضافة إلى علاقته مع المحامين اليساريين مثل هاشم صاحب وعبد الرزاق السعيدي ورؤوف ديبس وسالم المندلاوي وعدد آخر من الحقوقيين اليساريين.
   وخلال السنوات الأخيرة قبل الاحتلال، وكان قد أبعد من الوزارة العام 1997 كنّا نلتقي في إطار فعاليات عامة عربية ودولية وفي مؤتمرات مختلفة، ونتبادل الآراء والهموم بشكل مباشر أحياناً فيما يتعلّق بالوضع العام وهي قليلة جداً بسبب الحذر، وفي أكثر الأحيان على نحو غير مباشر، وهو يعرف ملاحظاتي وتحفّظاتي على النظام السابق وما لحقني بسببها وكذلك ما لحق بالعائلة طيلة ما يزيد عن عقدين من الزمان، لكنه دائماً ما يشيد بمواقفي من الحرب العراقية - الإيرانية ومن الحصار الدولي ومن الاحتلال، وهو ما ذكره في كلمته حين تم تكريمي من اتحاد الحقوقيين العرب في عمان العام 2005، وتسليمي وسام الاتحاد لدفاعي عن الحقوق والحرّيات في العالم العربي.
   وصادف أن التقيته في الطائرة القادمة من القاهرة بعد يومين من بدء حرب قوات التحالف على العراق العام 2003، وكان هو قادم من تونس، وكنت أنا أحضر حفل تكريم لي في القاهرة لنيل وسام "أبرز مناضل لحقوق الإنسان في العالم العربي"، ولم ينسَ على الرغم من قلقه من تهنئتي، وكنّا نتوجّه إلى دمشق، حيث كنت على موعد مع عبد الحليم خدّام وبالاتفاق مع الصديق صلاح عمر العلي الذي حضر من لندن، وكنّا قد التقينا بعدد من القيادات العربية وبأمين عام جامعة الدول العربية عمرو موسى، إضافة إلى قوى وتيارات يسارية وقومية مختلفة، والهدف هو استطلاع آراء ومواقف القوى المختلفة من الاحتلال الذي عارضناه، سواء قبل حدوثه أو بعده، مثلما عارضنا التعويل على القوى الخارجية والمراهنة على الحلول البرّانية، وكان هذا موقفنا من الحصار الدولي الجائر المفروض على العراق، وهي مواقف كان معنا فيها الشيخ جواد الخالصي والسيد أحمد الحسني البغدادي وفوزي الراوي وماجد السامرائي وحامد الجبوري وآخرين من التيار اليساري والعروبي.
   قال لي شبيب المالكي ونحن بالطائرة وقد استأذنا المضيفة لنجلس قرب بعضنا: ماذا تعتقد إلى أين ستصل الأمور؟ قلت له: حسبما يبدو فإن الأمور منتهية والنظام سيطاح به وستحدث فوضى لا تُعرف حدودها، وسألني فيما إذا قرّر العودة إلى العراق في مثل تلك الظروف، فقلت له: أفضل لك أن ترتّب زيارة إلى اليمن أو إلى المغرب أو أي بلد آخر لحين انتهاء المعارك أو حتى يمكنك البقاء في سوريا. وعدنا والتقينا في الشام على الغداء وتبادلنا وجهات النظر، وكان الرأي ليكن الاتحاد بعيداً عن الإشكالات القائمة في الساحة السياسية وليحافظ على توجّهه المهني وربما هذه فرصة مناسبة لم تسنح قبل ذلك.
   ولكن المالكي بحكم مسؤوليته وارتباطاته عاد إلى العراق خلال القصف الأمريكي وبقي فيه، ثم اضطرّ بعد ذلك للخروج، وقد أصرّ على دعوتي للانضمام إلى المكتب الدائم الذي انتخبت له في دورة دمشق.
   ومع أنني أعتقد أن الكثير من المنظمات الحقوقية والمهنية ومؤسسات المجتمع المدني، هي امتدادات لقوى سياسية أيام الحرب الباردة والصراع الآيديولوجي الدائر بين الشرق والغرب، سواء على المستوى الدولي أو على المستوى المحلي، لكنها في الوقت نفسه كانت مجالاً حيوياً ومناسباً لتدريب وتأهيل قيادات عديدة وإكسابها خبرات ومؤهلات ومهارات إدارية مهمّة، لكن مثل هذا الأمر تغير كثيراً بسبب تغيير الظروف والأوضاع.
   وقد آن الأوان لإعادة النظر بالكثير من المفاهيم والآراء المتعلّقة بعمل المنظمات والجمعيات والاتحادات ونشاطها وإدارتها وبرامجها ومرجعياتها، لأن بقاء أساليب عملها ونشاطها وتوجّهاتها وهياكلها على ما كانت عليه سيؤدي إلى ترهّلها وبالتالي عدم إمكانيتها لمواكبة التطوّر الحاصل في هذا الميدان، فضلاً عن تمثل روح العصر ومستجداته.
   ولا بدّ من مراجعة انتقادية بهدف إيجابي لمؤسسات المجتمع المدني الأخرى، فهي تحتاج إلى إعادة نظر ونقد فيما يتعلّق بأدائها وإداراتها وتمويلها وأساليب عملها، فما كان صالحاً في الستينات أو السبعينات لم يعد صالحاً بعد عقود من الزمان وهو ما ينبغي أخذه بنظر الاعتبار، وينطبق ذلك على الجميع بدون استثناء بما فيه: اتحاد المحامين العرب واتحادات الطلبة والشبيبة والمرأة واتحاد العمال والمعلمين والمهندسين والصحفيين ومجالس السلم والتضامن، خصوصاً وأن بعضها قد ضعف لحدود كبيرة وانحسر دورها لدرجة كبيرة، بل كاد يتلاشى، وبعضها الآخر ظل هياكل ومكاتب شبه فارغة أو أنها تقوم بفعاليات محدودة جداً وليست ذا تأثير وفي مناسبات محدّدة وتصدر بيانات لا يقرأها سوى قلّة قليلة من أعضائها ولا يعيرها الرأي العام الاهتمام المطلوب مثلما كانت سابقاً، فقد كان بإمكانها تعبئة الشارع وحتى الإطاحة بحكومات أو إجبارها على التخلي عن معاهدات وسياسات وتدابير اتخذتها.
   ولعلّ هذه المقاربة التي كان اتحاد الحقوقيين العرب، قد توصّل إليها في اجتماع المكتب الدائم مؤخّراً تقوم على ضرورة إجراء تغييرات جوهرية من شأنها تعديل النظام الأساسي وعقد مؤتمر عام، إضافة إلى تكريم الأمين العام الذي يتحدّث كتاب أحمد عبد المجيد عن منجزه المهم، فقد كان الأمين العام شبيب المالكي ولسنوات هو من يقوم بتكريم المبرّزين من الحقوقيين، ولذلك جاء الوقت ليقوم الحقوقيون ممثلين باتحادهم بتكريمه وهو تكريم يستحقه.
- IV -
   يقول عبد المجيد تقديراً للعلاقة التي ربطته بشبيب المالكي: "صادفتني في حياتي شخصيات عديدة تركت بصماتها في نفسي" ثم يضيف: "وتحت وقعها كنت أعزو كثيراً مما تحقق لي أو أنجزته عبر عقود من الكفاح والمثابرة والألم، إلى تلك المعارضات التي ظهرت أمامي أو في طريقي الطويل المترع بالأمل والقلق...".
   وعبد المجيد مثل غيره من الصحفيين الذين عاشوا سنوات الشباب الأولى وتأثّر باليسار وفكره ومنجزه السياسي والثقافي وبقصائد مظفر النواب، لكن عمه طارق الخفاجي الذي اعتبر عميد الصحفيين في كربلاء وأخيه نوفل من الإعلاميين القريبين من شبيب المالكي، هما من قرباه إلى المالكي، ثم يتحدث عن مواهب المالكي وقدرته على استقطاب الناس وعلاقته بالإعلام، وبالمناسبة فالمالكي عمل في الإعلام أيضاً وأدار مجلة سياسية العام 1963 بالتعاون مع الصحافي لطفي الخياط.
   ويقول عبد المجيد: إن المالكي ظل حامياً لأسرتهم ومدافعاً عنها ويردّ عنها السهام التي تأتيها من قنوات سرّية وأخرى علنية، خصوصاً التداخل ما بين الحزبي وما بين الإداري، وأحياناً يصل الأمر إلى التنافس غير المشروع المصحوب بالحسد والغيرة والغدر وغير ذلك.
   ويذكر أن المالكي حين غادر كربلاء فإنه ترك أثراً طيباً ومواقف متميّزة. وحين كانت النجف (قضاءً) يتبع لكربلاء كان تحت إدارة المالكي أيضاً. وأعرف من بعض أفراد عائلتنا وأصدقائنا النجفيين مواقف المالكي وحرصه على تقديم أحسن الخدمات على الرغم من شحّ الإمكانات في حينها، وكما ذكر لي المالكي نفسه فإن ذلك كان يتم باتفاق وتوصية خاصة من الرئيس أحمد حسن البكر، وخصوصاً العلاقة مع السيد الخوئي كما كانت له علاقات مع بعض الأدباء والمثقفين ورجال الدين والوجهاء، ويروي السفير السابق عبد الحسين الرفيعي في كتابه "النجف الأشرف - ذكريات ورؤى وانطباعات ومشاهد" وكان مسؤولاً حزبياً كيف تمكّن المالكي من لعب دور إيجابي في نزع فتيل الأزمة التي لو استمرّت لكانت نتائجها غير محمودة العواقب، وذلك خلال رفع شعارات ضد الحكومة وردود الفعل المنفلتة إزاءها، حيث تم إطلاق النار في صحن الإمام علي وكان المشهد محتدماً.
   يعدّد أحمد عبد المجيد منجزات المالكي وحسناً يفعل حين يذكّر بها، فعسى أن تنفع الذكرى المؤمنين وحتى غير المؤمنين، لا سيّما حين يسود الفساد الإداري والمالي اليوم وتضعف الحصانة ويقلّ الشعور بالمسؤولية إزاء هدر المال العام، ناهيك عن ارتفاع درجة المحسوبية والمنسوبية في ظل نظام يقوم على الغنائمية ويعتمد على الزبائنية التي أساسها الاصطفافات والمحاصصات الطائفية والإثنية.
   ولا بدّ من إضاءة بعض المفاصل من منجز المالكي فيقول عبد المجيد: إنه عظّم عدد المدارس في مدينة كربلاء وشيّد مبان جديدة، وأنه أسّس مهرجان الأخيضر باستقدام عدد من الفنانين لإحياء معالم الحصن التاريخي بحيث أصبح تقليداً سنوياً، وكان المالكي قد أهدى لي صورته مع الجواهري خلال حضوره المهرجان، كما حضر يوسف العاني وسامي عبد الحميد وزينب وناهدة الرماح وجعفر علي، كما أقام مقهىً سياحياً وفيه كازينو عائمة على ساحل بحيرة الرزازة، وفتح مركزاً للشرطة لتأمين الحماية اللازمة وتولى عملية ترويج لزرع مساحات خضراء لحزام لكربلاء. وقد رعى شبيب المالكي العتبات المقدّسة وهناك كراس بعنوان "كربلاء بين الماضي والحاضر" وهو معزّز بالصور، ويذكر عبد المجيد أسماء بعض المحافظين الذين ظلّت كربلاء تتذكّرهم بعد المالكي منهم عبد الرزاق الحبوبي وآخرهم كان صابر الدوري الذي وقّع العديد من أهالي كربلاء مذكرة تطالب بإطلاق سراحه.
   وبعين الصحافي النابه يرصد أحمد عبد المجيد جهود الحقوقيين ودعوتهم لصياغة ملف دفاع عن ضحايا الحصار الاقتصادي ليتسنى تقديمه إلى المحاكم الدولية، بوصفه عملاً لا شرعياً ولا أخلاقياً، ويمكنني إضافة ملف آخر اشتغلت عليه جهات عديدة بالتعاون مع منظمات دولية مرموقة ومناصرة للحقوق العربية يحتوي على معلومات توثيقية عن ضحايا الاحتلال الأمريكي للعراق العام 2003، وكذلك ملف آخر يتابع توثيق الجرائم الإسرائيلية بحق الشعب العربي الفلسطيني بهدف مقاضاة مرتكبيها، وذلك في إطار دعم الحقوقيين العرب لكفاحهم العادل والمشروع من أجل حقه في تقرير مصيره وإقامة دولته الوطنية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.
   ويذكر أحمد عبد المجيد عن المالكي وقوفه إلى جانبه في ثلاث مواقف:
   الأول - في العام 1991 حين تناول في عموده الصحافي لجريدة القادسية نقداً إلى الشركة الوطنية للصناعات الكيماوية والبلاستيكية، وكان هذا قد استفز مدير التصنيع العسكري وكان المشرف على وزارتي الصناعة والنفط هو حسين كامل، فتم طرده من الجريدة واضطرّ إلى المكوث في المنزل وعدم مغادرته (ثلاثة أشهر).
   وكما يقول المثل: "ربّ ضارّة نافعة" فقد ألّف عبد المجيد كتابه الرابع الموسوم : "خريف الجليد - 72 ساعة هزّت العالم". ولولا تلك العزلة الإجبارية لما كنّا قد قرأنا له هذا الكتاب، ولم يكتفِ حسين كامل (صهر الرئيس صدام حسين) بذلك، بل أقام دعوى قضائية ضدّه، لكن تدخّل المالكي بطريقته الخاصة أنقذه من حكم محقّق، علماً بأنه كان في قوام نقابة الصحافيين العراقيين (الرسمية) وهو نائب للرئيس.
   الثاني - في أواخر التسعينات وكان يومها سعد البزاز رئيساً لتحرير جريدة الجمهورية، والأمر يتعلّق بالصحافي عيسى العيسى (الذي كان موظفاً في وكالة الأنباء العراقية) حيث تدخل المالكي بعد طلب من عبد المجيد الذي استعان به لإنصاف المتظلّم العيسى وهو مستأجر لشقة أريد إخلائها بالقوة.
   الثالث - في العام 1994 حين انتقد أحمد عبد المجيد محافظ نينوى (الفريق الركن محمد عبد القادر) وذلك لتعويقه ترويج معاملات الصحافيين بالحصول على قطع أراضي سكنية في مساقط رؤوسهم، فأقام المحافظ دعوى قضائية ضده في الموصل وجرى تبليغه بالحضور، ويعتقد عبد المجيد أن حضوره كان فخاً له لإلقاء القبض عليه أو احتجازه، ولكن اتصاله بالمالكي وكتابه طلب تحريري بنقل الدعوى إلى محاكم بغداد بحسب الاختصاص المكاني للجريدة، هو ما ساعده على التخلّص مما كان يُضمر له. ويستنتج عبد المجيد أن قضايا النشر والإعلام في تلك الحقبة غالباً ما تخضع إلى متابعة مباشرة في قيادة الدولة وأن الاتصالات الهاتفية كانت أرضية تخضع للمراقبة الأمنية، وهو ما يسجل للمالكي بموقفه هذا إيماناً منه بحق التعبير وحق النقد، لا سيّما عبر منابر رسمية.
- V -
   ولعلّي هنا أسجّل للمالكي موقفاً كنت قد اطّلعت عليه وتابعته في حينها هو تحفظه على حملة التسفيرات التي شملت أعداداً من العراقيين بحجة التبعية الإيرانية، علماً بأن غالبيتهم ولدوا في العراق وعاشوا فيه ولم يعرفوا وطناً سواه، وكنت قد استعدت هذا الموقف معه قبل عدّة سنوات، خصوصاً بعد صدور كتابي "من هو العراقي؟" العام 2002 والذي تحدثت فيه عن حملة التهجير، فعاد وأكّده لي وطلبت منه أن يوثقه فأرسله لي برسالة. والموقف لا يتعلّق بالمالكي وحده، بل بأحد أبرز القياديين البعثيين الذي أعدم بيد رفاقه العام 1979، في "مجزرة قاعة الخلد" بعد أن كان قد اعتقل بُعيد "مؤامرة ناظم كزار" الشهيرة العام 1973، وأعني به عبد الخالق السامرائي.


نص رسالة شبيب المالكي
مواقف وطنية وإنسانية.. قصة التسفيرات

   عزيزي أبو ياسر
   "عام 1971 شنّت الحكومة حملة تسفيرات ظالمة ضدّ المواطنين العراقيين من التبعية الإيرانية ممن أمضوا مئات السنيين في العراق، حتى أنها شملت بعض العراقيين من أصول عربية ومن غير التبعية الإيرانية.
   وخلال هذه الفترة كنت أشغل منصب "محافظ لكربلاء" وكان النجف الأشرف أحد الأقضية التابعة للمحافظة في حينه، وقبل أن تصبح محافظه فيما بعد، وقد شملت هذه الحملة الجائرة أعداداً كبيرة من المواطنين في هذه المحافظة، فأبديت معارضتي الشديدة لهذه الحملة وتصدّيت لها بكل قوة وأوقفت بعضها ومنعت عدد كبير من المواطنين من شمولهم بالتسفير وبخاصة رجال الدين والمثقفين والفنانين.
   ولعلّ هذا الأمر هو الذي أدى بالسلطات المركزية في بغداد إلى إبعادي بضمي إلى وفد برئاسة عضو مجلس قيادة الثورة المناضل عبد الخالق السامرائي لزيارة الصين علماً بأن مهمة الوفد ليس لها أية علاقة بعملي كمحافظ، وقد ضم الوفد عدداً من المختصين بالاقتصاد والسياسة الخارجية من بينهم المرحوم مرتضى الحديثي وزير الخارجية ود. فخري قدوري وزير الاقتصاد ومدلول ناجي المحنّة رئيس مؤسسة المبايعات الحكومية وعفيف الراوي وكيل وزارة الإصلاح الزراعي وغيرهم من المختصين.
   ومن الجدير بالذكر وخلال تواجدنا في الصين وحول موضوع التسفيرات جرى حوار بيني وبين المناضل عبد الخالق السامرائي، وكانت تربطني به علاقة ودية قديمة وقد وجّه لي رحمه الله السؤال التالي ساخراً ومنتقداً: لماذا هذه الحملة الظالمة التي شملت تسفير المواطنين بحجة أنهم من التبعية الإيرانية؟ أيّهما أكثر عروبة واستوطن العراق موسى الكاظم، ويقصد بذلك الإمام موسى بن جعفر (ع) حتى يسفر من يحمل لقب "الموسوي" من ذريته أم من يحمل لقب "تكريتي" أو "عاني" ويبقى في العراق؟ أما أنا فقد تم نقلي إلى منصب "محافظ الموصل" بعد موقفي هذا من التسفيرات". (انتهى).
أخوك شبيب المالكي (أبو فارس)
   وقد كنت أحتفظ بهذه الرسالة التاريخية حتى وإن كانت حديثة، لأقوم بضمّها إلى ملف آخر، لكن ما ذكره أحمد عبد المجيد، في الصفحة (34) من كتابه في إشارة إلى التسفيرات وحملة التهجير، فوجدتُ أن الوقت قد حان لنشرها، ولي حديث آخر حول عبد الخالق السامرائي، وكنت قد استمعت إلى أكثر من شهادة عنه من: شريف الربيعي ووليد جمعة وصلاح عمر العلي وحامد الجبوري ومعن بشور وجهاد كرم ورغيد الصلح وعبد الحسين الرفيعي ومن ابن عمه صالح السامرائي.
   وأختتمُ باستنتاج من ذات الأرضية التي انطلق منها أحمد عبد المجيد حيث يقول: "وأكاد أجزم أن موقف المالكي إزاء قضيتي وسواها، وانحيازه إلى العاملين في الإعلام تسبّب له في إحراجات معروفة ليس أقلّها، كما أظن، إعفاءه من منصبه الوزاري"، وأقول مرة أخرى إن ذلك ما ينطبق عليه القول "رب ضارّة نافعة" فمن يدري ماذا ستكون نتائج غضبة منفلتة من عقالها؟ فقد كانت المواقف ذات الطابع الإنساني هي التي تغلب على علاقة شبيب المالكي بالآخرين بغض النظر عن توجّهاتهم، ومثل هذا السلوك في الأعراف الحزبية السائدة ذات المركزية الصارمة والأوامرية الشديدة والهوس الأمني المصحوب بالشك، تفسّر على أنها ضعف في "الحزم الثوري" وتهاون إزاء الأعداء أو الخصوم، وهذه بحد ذاتها نقطة استفهام كفيلة بأن لا تقصي المرء من موقعه وإنما قد تأخذ به إلى الهلاك!!.


42
ترامب وحكم القانون
عبد الحسين شعبان
أكاديمي ومفكّر عربي

   أثار قرار الرئيس دونالد ترامب بشأن منع مواطني 7 بلدان إسلامية (6 منها عربية هي العراق وسوريا وليبيا واليمن والسودان والصومال) إضافة إلى إيران من دخول الولايات المتحدة (لمدة ثلاث أشهر) وتعليق قبول اللاجئين (لأربعة أشهر) واستثناء طالبي اللّجوء السوريين إلى أجل غير مسمّى، موجة عارمة من ردود الأفعال المختلفة، بين مؤيّديه الذين يعتبرون ذلك من مظاهر السيادة، لا سيّما إذا كان الأمر يتعلّق بالأمن القومي، وهو حق للرئيس بموجب الدستور، وبين معارضيه الذين يعتبرون مثل هذا الإجراء مخالفاً للمبادىء القانونية والدستورية العامة التي تقوم على المساواة وعدم التمييز، وبالتالي فهي تتعارض مع الدستور.
   والأكثر من ذلك، فإن مثل هذا القرار أثار اختلافاً حادّاً بين ما هو سياسي وبين ما هو قانوني، فالقضاء الذي حكم بعدم جواز اتخاذ مثل هذا الإجراء، أيّدته محكمة الاستئناف، الأمر الذي دفع ترامب إلى التعليق عليه فور صدوره بأنه سيواجهه بالمحكمة، والمقصود بذلك "المحكمة الدستورية العليا"، وطعن به باعتباره "مسيّساً"، وأياً كانت الأسباب، فإن ما هو سياسي أصبح في خلاف مع ما هو قانوني وقضائي، وهناك خلاف بين ما هو حق دستوري للرئيس وفي بعض قراراته التي تتعارض مع الدستور نفسه، فضلاً عن تعارضها مع القانون الدولي لحقوق الإنسان.
   وحين نقض القضاء "القرار الرئاسي"، كانت تبريراته قانونية بأن طعن البيت الأبيض فيه (وهو طعن سياسي) مرفوض حسب ما ورد على لسان القضاة الثلاثة في محكمة الاستئناف، لأن الإدارة الأمريكية لم تبرهن على أن استمرار تعليق هذا القرار (الرئاسي) قد يؤدي إلى انتهاكات خطرة لأمن الولايات المتحدة.
   وإذا كان الاتجاه المؤيد لقرار الرئيس الأمريكي يستند إلى مبادىء السيادة، فإن هذه الأخيرة لم تعد مطلقة كما كانت في القانون الدولي التقليدي، بل أصبحت مقيّدة في القانون الدولي المعاصر، وازدادت تقييداً مع مرور الأيام بحكم المعاهدات والاتفاقيات التي تنضم إليها الدولة والمنظمات الإقليمية والدولية التي تنتمي إليها، والتي يتم بموجبها التنازل عن جزء من سيادتها.
   وحين أصبحت قاعدة حقوق الإنسان، قاعدة مستقلّة وآمرة، أي ملزمة في القانون الدولي أي Jus Cogens، فإن السيادة ازدادت تقييداً ولم يعد بإمكان دولة ما اتخاذ قرارات انفرادية حتى وإن كانت داخلية، إذا كانت تتعارض جوهرياً وصميمياً مع سموّ قواعد حقوق الإنسان، وذلك منذ إقرار مؤتمر هلسنكي لها في العام 1975 وهو المؤتمر الخاص بالتعاون والأمن الأوروبي الذي شاركت فيه 33 دولة أوروبية، إضافة إلى أمريكا وكندا، وما صدر عنه يعتبر بمثابة اتفاقية شارعة أي منشأة لقواعد قانونية جديدة أو مثبتة لها.
   ومن جهة أخرى فالقرار الرئاسي يعتبر انتقاصاً من مبادىء المساواة، فاستثناء مواطنين بلد ما يندرج في إطار التمييز والعنصرية والدعوة إلى الكراهية والتحريض والعنف، وهو مخالف لروح المادتين (19 و20) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الصادر في العام 1966، وهو في الوقت نفسه مخالف لقرارات "مؤتمر ديربن" حول العنصرية والتمييز العنصري وكراهية الأجانب لعام 2001. والأكثر من ذلك، فإن القرار الرئاسي يتعارض مع مبادىء الدستور الأمريكي نفسه، وهو من أعرق الدساتير العالمية، خصوصاً لمخالفته لمبادىء المساواة والتمييز ضد شعوب بكاملها على أساس الدين والعرق.
   وتختلف الرؤية السياسية عن الرؤية القانونية، ليس فقط بالتبرير، بل بالقواعد التي تحكمهما، وحين يبرّر ترامب إجراءه الأكثر رمزية بالأمن القومي، يقول القضاة إن قرارهم يتساوق مع "المصلحة العامة"، وهنا يظهر الافتراق والتعارض ما بين السياسة والقانون، علماً بأن قرار المحكمة الدستورية العليا سيكون حاسماً، وينبغي الامتثال له.
   لقد كنّا نعتقد وما زلنا أن الولايات المتحدة هي بلد القانون والمؤسسات، وأن تهمة التسييس للقضاء وعدم النزاهة أو الحيادية أو المهنية، هي تُهم جاهزة يتم تلبيسها للعالم الثالث ولمعارضي سياسة واشنطن كلّما اقتضت الحاجة لذلك، وهو ما لمسناه خلال فترة الحصار على العراق، وفيما بعد تبرير احتلاله باتهامه امتلاك أسلحة دمار شامل، وإذا بنا اليوم أمام ظاهرة جديدة، وهي أن الرئيس الأمريكي نفسه، وهو أعلى درجة في سلّم الهرم، يتّهم القضاء الأمريكي وقراراته بالتسييس.
   لقد تعلّمنا خلال دراستنا القانونية، أن القانون حسب مونتسكيو مثل الموت لا يستثني أحداً، وهو ما حاولنا أن ندرّسه لطلابنا، مشيدين بالمؤسسات التي تم بناؤها في الدول المتقدّمة والتي سبقتنا في ميدان حكم القانون ومنها الولايات المتحدة، بما فيها مؤسسات القضاء التي هي الأكثر احتراماً، لكن ما هو جديد أن الرئيس الأمريكي هو من يطعن بقراراتها ويتّهمها بالتسييس. وإذا كان مثل هذا الأمر يتعلّق بمسألة ذات اختصاص داخلي أمريكي، وإن كانت لها انعكاساتها الدولية، فما بالك حين يتعلّق الأمر بشرعنة الاستيطان من جانب "إسرائيل"، فسيكون من حقنا وحق جميع المدافعين عن حقوق الإنسان التساؤل من منظور العدالة والحقوق: من سيقاضي المرتكبين؟ ومن لديه مثل هذه القدرة على ملاحقتهم حتى لو تمت إدانتهم؟ ومن سينصف الضحايا؟



43
قضم الضفة الغربية: ماذا يعني؟
عبد الحسين شعبان
أكاديمي ومفكّر عربي
   كانت صدمة "إسرائيل" حادّة جداً، ووقعها شديد القسوة، وذلك بصدور قرارين دوليين خلال فترة شهرين، أحدهما من اليونيسكو، والثاني من مجلس الأمن الدولي، والقراران يطعنان بالممارسات "الإسرائيلية"، ويؤكدان بطلانها وعدم شرعيتها، فضلاً عن تعارضها مع قواعد القانون الدولي وانتهاكها لحقوق الشعب العربي الفلسطيني، وإذا أردنا التوسّع في تفسير دلالاتهما، فإنهما يشكّكان بشرعية الوجود "الإسرائيلي"، خصوصاً بتجاوزها على مبادىء الأمم المتحدة وأهدافها، التي ساهمت في تأسيسها.
   وقضى قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2334 الصادر عشية عيد الميلاد 24/ديسمبر (كانون الأول) 2016 بعدم شرعية الاستيطان (الذي يندرج في القانون الإنساني الدولي باعتباره جريمة دولية)، إضافة إلى تعارضه مع قواعد القانون الدولي. أما قرار اليونيسكو الصادر في 13 أكتوبر (تشرين الأول) 2016 فقضى بعدم أحقية "إسرائيل" السيطرة على الأماكن التاريخية في القدس باعتبارها تمثل إرثاً للشعب العربي الفلسطيني، مثل المسجد الأقصى والحرم القدسي الشريف وحائط البراق، باستخدام أسمائها العربية، وليس التسمية اليهودية "جبل المعبد".
   ولأن "إسرائيل" اعتادت أن تتعامل باستهتار مع المجتمع الدولي وتستهين بقرارات المنظمات الدولية، بوضع نفسها فوق القانون، فقد تصرّفت بردّ فعل غاضب مندّدة بالمنظمتين الدوليتين، بل ذهبت أبعد من ذلك بتحدّيهما حين قرّرت توسيع دائرة الاستيطان الذي هو أقرب إلى إعادة "احتلال المُحتلّ"، من أراضي الضفة الغربية والقدس. وبدلاً من الامتثال لقرارات ما يُسمى بـ"الشرعية الدولية"، فإنها لجأت إلى التصعيد، الأمر الذي لقي سخط المجتمع الدولي حتى إن بريطانيا وفرنسا وألمانيا شجبت مشروع الاستيطان الجديد، وكانت إدارة ترامب قد حذّرت من الخطوات الأحادية على الرغم من انحيازها الكامل "للإسرائيليين" ودعمها لهم، وإعلانها عن نيتها نقل السفارة الأمريكية إلى القدس.
   وقد أعلن رئيس الوزراء "الإسرائيلي" بنيامين نتنياهو مصادقة مجلس الوزراء على بناء 2500 وحدة استيطانية في الضفة الغربية، وهو ما أيّده بحماسة منقطعة النظير وزير الحرب أفيغدور ليبرمان. وتأتي هذه الخطوة التصعيدية الجديدة استمراراً للقضم التدريجي لأراضي الضفة الغربية التي اتبعتها "إسرائيل" سواء في الضفة عموماً وفي القدس خصوصاً. ولعلّ من دلالات هذه الخطوة أنها تأتي عشية تدشين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب موقعه في البيت الأبيض.
   الخطوة "الإسرائيلية" هي رد فعل مباشر لقراري مجلس الأمن واليونيسكو، وفي الوقت نفسه هي رد فعل لخطاب وزير الخارجية الأمريكي جون كيري ومؤتمر باريس، الأمر الذي سيعني بلغة التحليل السياسي زيادة عزلة "إسرائيل" واتّساع دائرة المعارضين لممارساتها ذات الطابع غير الشرعي والمخالف لقواعد القانون الدولي والقانون الإنساني الدولي.
   وكانت التبريرات "الإسرائيلية" لبناء المستوطنات (المستعمرات) الجديدة هي الحجة المعروفة بالاستجابة للاحتياجات السكنية والحفاظ على سير الحياة الطبيعية، وستقام "المستوطنات" داخل الكتل الاستيطانية، أي بتوسعتها، بينها 100 وحدة ستبنى شرق مدينة رام الله. وكان نتنياهو قد أبلغ مجلس الوزراء المصغّر (الكابينيت) أنه سيرفع القيود "المفروضة" على سياسة البناء الاستيطاني في القدس الشرقية والضفة الغربية (المحتلة)، ووعد أن "الفترة المقبلة ستشهد عملية بناء إلى ما لا نهاية"، الأمر الذي سيعني من الناحية الفعلية تقويض أي جهود للسلام، سواء كانت على المستوى الدولي أو الإقليمي، فضلاً عن أن أي حديث عن مفاوضات في ظل تفاقم عمليات الاستيطان، سيعني رضوخاً للأمر الواقع وضرباً من العبث لا معنى له، وقبولاً لإملاء الإرادة "الإسرائيلي".
   وتسعى "إسرائيل" من خلال ضغوطها تلك، الظهور أمام المجتمع الدولي، بأن رفض المفاوضات المباشرة من جانب الفلسطينيين يعني أنهم والعرب معهم لا يريدون تسوية سلمية، في حين أنها لم تستجب لمبادرة السلام العربية التي أقرّها مؤتمر القمة العربية المنعقد في بيروت العام 2002، وضربت جميع المساعي التي اتخذت بهذا الشأن من جانب العرب والفلسطينيين بما فيها تقديم تنازلات وصولاً لسلام عادل ولو بحده الأدنى.
   ونقلت القناة الثانية "الإسرائيلية" أن نتنياهو قال للوزراء إنه سيتم تنفيذ مخططات بناء واسعة خاصة في القدس الشرقية وسيضم مستوطنة "مستعمرة" (معاليه آدوميم) شرقي القدس إلى "إسرائيل"، وهي "مستوطنة" واقعة في بلدة أبوديس العربية، لحين اجتماعه مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، علماً بأنه سبق للرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما أن حذّر من اتخاذ مثل هذه الخطوة التي لن تساعد في عملية السلام. وكانت لجنة التنظيم والبناء في البلدية "الإسرائيلية" بالقدس قد وافقت على بناء 566 وحدة استيطانية جديدة في القدس المحتلة، وذلك في إطار مسعى "إسرائيلي" يندرج ضمن مشروع "القدس الكبرى" الذي يقضي بضم القدس الشرقية إلى "إسرائيل"، وتوسيع الاستيطان فيها، بعد أن ضمتها "إسرائيل" قانونياً في العام 1980 بقرار من الكنيست لقي رفض المجتمع الدولي وعدم اعترافه بتلك الخطوة غير الشرعية والتي تتعارض مع مبادىء الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي المعاصر والقانون الإنساني الدولي، والاتفاقيات والمعاهدات الدولية، ولا سيّما اتفاقيات جنيف الأربعة لعام 1949 وملاحقها.
   ويعني ضم "مستوطنة" معاليه آدوميم في بلدة أبوديس، اقتطاع أراضي فلسطينية جديدة على حدود العام 1967، الأمر الذي سيقود إلى تعقيد أي تسوية ويمنع التواصل الجغرافي بين شمال الضفة وجنوبها، ويكشف للعالم أجمع انتفاء أي مشروع جاد للتسوية لدى "الإسرائيليين"، خصوصاً وأن نتنياهو عاد يردّد في الأسابيع الأخيرة "أن القدس ليست مستوطنة وعليه سيستمر البناء هناك". ومثل هذه الخطوات هي بمثابة حرب جديدة، بل هي استمرار للحروب التي تشنها "إسرائيل" ضدّ الشعب العربي الفلسطيني وحقوقه العادلة والمشروعة، وهي بالضدّ من قرارات مجلس الأمن الدولي، وخصوصاً القرار 242 لعام 1967 والقرار 338 لعام 1973 الذي يقضي بانسحاب "إسرائيل" من الأراضي العربية التي احتلتها في عدوان الخامس من حزيران العام 1967.
   ويبدو أن رئيس الوزراء "الإسرائيلي" نتنياهو استدرك بشأن مستعمرة (مستوطنة معاليه آدوميم)، فقام بتأجيل مناقشة ضمّها بمبرّر وصول إدارة ترامب وعدم رغبته في مفاجأته بخطوات أحادية الجانب.
   جدير بالذكر أن هذه  "المستعمرة - المستوطنة" كانت إحدى نقاط الخلاف بين إدارة أوباما و"إسرائيل"، وكان روبرت غيبس المتحدث السابق في البيت الأبيض، قد قال في بيان مكتوب إن الرئيس أوباما يرفض اعتبار توسيع النشاط الاستيطاني أمراً مشروعاً، مؤكّداً أن ذلك يجعل من الصعب توفير مناخ ملائم للمفاوضات، مثلما أكّد البيان على حلّ الدولتين بقيام دولة فلسطينية تعيش بسلام إلى جانب "إسرائيل"، وهو الموقف الذي يستهدفه الاتحاد الأوروبي، وخصوصاً فرنسا بالدعوة إلى مؤتمر دولي.
   لعلّ القرارات "الإسرائيلية" ببناء مستوطنات في القدس وفي الضفة الغربية ومحاولات ضم أراضي على حدود العام 1967 الفلسطينية، "إعادة احتلالها" يعتبر تحدّياً جديداً لقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2334 الذي تمت الإشارة إليه (وهو أول قرار يمرّ بإدانة "إسرائيل" من مجلس الأمن منذ العام 2008)، حيث طالبها بوقف بناء المستوطنات في القدس الشرقية والضفة الغربية، وكان قد صوّت لصالحه 14 دولة (أعضاء في مجلس الأمن)، وحتى الولايات المتحدة لم تستخدم حقها في الفيتو لمنع إمرار القرار، لكنها امتنعت عن التصويت. وكان مشروع القرار قد قدّمته نيوزيلندا والسنغال وفنزويلا وماليزيا.
   ولذلك يعتبر قرار بناء "المستوطنات" تحدّياً جديداً لمجلس الأمن الدولي الذي اعتبر الاستيطان "عملاً غير مشروع"، ناهيك عن أنه كان قد أصدر قراراً رقم 476 في 30 يونيو (حزيران) 1980، أعلن فيه بطلان الإجراءات التي اتخذتها "إسرائيل" لتغيير طابع القدس، وأكّد القرار مجدداً "أنه لا يجوز الاستيلاء على الأرض بالقوة"، و"ضرورة حماية البعد الروحي والديني الفريد للأماكن المقدسة في المدينة" وذكّر "باتفاقية جنيف الرابعة الموقعة في 12 أغسطس 1949، والمتعلّقة بحماية المدنيين وقت الحرب"، كما شجب استمرار "إسرائيل" في تغيير المعالم المادية والتركيب الجغرافي والهيكل المؤسسي ووضع مدينة القدس الشريف".
   إن الاحتلال والضم والاستيلاء بالقوة على الأراضي يعتبر من تركة الماضي، وهو بموجب القانون الدولي المعاصر وميثاق الأمم المتحدة، وهو عمل باطل بطلاناً مطلقاً، الأمر الذي يفترض من المجتمع الدولي وما يسمى بالشرعية الدولية ممارسة الضغوط المختلفة على "إسرائيل" لحملها على تنفيذ القرارات الدولية، خصوصاً العودة إلى حدود 4 يونيو (حزيران) العام 1967، ووقف عمليات الاستيطان، وتفكيك المستوطنات وإبطال ضم القدس والجولان وغيرها من الأراضي العربية المحتلة.
   إن استمرار "إسرائيل" في سياستها الإجلائية الاستيطانية سيعني ليس الإبقاء على بؤر التوتر، بل صبّ الزيت على النّار لكي تبقى مشتعلة وهو ما يهدّد السلم والأمن الدوليين، ويجهض أي محاولة لتنفيذ حلّ الدولتين على أساس احترام حقوق الشعب العربي الفلسطيني، بما فيها حقه في تقرير المصير وإقامة الدولة الوطنية المستقلة القادرة على الحياة، واعتبار القدس عاصمة لها، وحل مشاكل الحدود والمياه واللاجئين بإقرار حق العودة والتعويض، وذلك يمثل معيار الحد الأدنى كما يقال.
   وسيكون اليوم من واجب القوى الكبرى، وخصوصاً أعضاء مجلس الأمن الدائمين أن يمارسوا ضغوطهم لوقف سياسة الاستيطان الجديدة وهستيريا قضم الضفة الغربية، لأن ذلك سيفتح الاحتمالات على حروب جديدة، علماً بأن قطاع غزة يعاني من حصار منذ نحو 10 سنوات تقريباً، مثلما تعرّض إلى 3 اعتداءات سافرة وصارخة، وكان العدوان الأول - أواخر العام 2008 وأوائل العام 2009 وحمل اسم عملية عمود السحاب. والثاني - الموسوم بـعملية الرصاص المصبوب في العام 2012، أما الثالث - فقد كان في العام 2014 وأطلق عليه عملية الجرف الصامد.
   وإذا كان الفلسطينيون والعرب قد كسبوا الجبهة السياسية والدبلوماسية، سواء بشجب أوروبا الغربية أو بعدم الارتياح الروسي والصيني من مشاريع الاستيطان "الإسرائيلية"، إضافة إلى المواقف الداعمة للدول الإسلامية بشكل خاص والدول النامية في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية بشكل عام، فإن المطلوب منهم المزيد من توحيد المواقف لجعل سياسات نتنياهو وإجراءاته مكلفة له على الأرض وفي الميدان أيضاً، بالصمود الفلسطيني، ولا سيّما برأب الصدع بين الفلسطينيين وتغليب المصلحة الوطنية على المصالح الحزبية والفصائلية الضيقة، وعلى الصعيد العربي المزيد من الدعم والتضامن لتعزيز الدبلوماسية الفلسطينية وتعضيدها. وقد أكّدت التجربة أن وحدة منظمة التحرير الفلسطينية وتضامن عربي فعّال وتأييد دولي للأصدقاء كان له أكبر الأثر في إحراز الشعب الفلسطيني على مكاسب إيجابية.
   إن الاستيطان كان أحد أكبر العقبات أمام اتفاق أوسلو العام 1993 الذي وصل إلى طريق مسدود، وسيبقى طريقاً مغلقاً ما لم تتوقف "إسرائيل" بالكامل عنه. والغريب أن هذه العملية الاستيطانية الجديدة هي أكبر حجماً منذ العام 2013، وظلّت الدعاية "الإسرائيلية" مستمرة لها، فهذا رئيس الوزراء نتنياهو يقول على موقعه "نبني وسنواصل البناء" وهذا وزير الدفاع ليبرمان يقول "تعود إلى الحياة الطبيعية في يهودا والسامرة" وفقاً للتسمية التوراتية للضفة الغربية المحتلة منذ العام 1967.
   إن هدف "إسرائيل" منع قيام دولة فلسطينية وعزل الضفة الغربية داخل كانتونات، وذلك دون أي اكتراث لموقف المجتمع الدولي، وهو جزء من مخطط مسحي وخرائطي لمستقبل القدس العام 2020، والمخطط كان سالكاً منذ العام 1979 بخصوص الضفة الغربية، وضمن هذا المخطط فإن ما يعرف مشروع 5800 لعام 2050 سيكون من ضمنه بناء أكبر مطار بمنطقة البقيعة في الضفة لاستقبال 35 مليون مسافر و12 مليون سائح، إضافة إلى مشاريع سكك حديدية.
   وحتى الآن هناك أكثر من 650 ألف مستوطن على 145 مستوطنة و116 بؤرة استيطان بالضفة الغربية و15 مستوطنة بمدينة القدس.
   وبالعودة للاستيطان الصهيوني، فهو مصطلح يعود إلى الاستعمار الصهيوني لفلسطين، وهو آخر استعمار عنصري استيطاني إجلائي في العالم، لا سيّما بعد النظام العنصري في جنوب إفريقيا، الذي دام أكثر من قرنين من الزمان، أي أنه من تراث الماضي فلم يعد في عالمنا المعاصر وجود دولة عنصرية، ولذلك فإن المطالبة بإقامة دولة "إسرائيل" اليهودية النقية يعني طرد أكثر من 20% من سكان البلاد الأصليين، أي عرب فلسطين في إطار سياسة تطهير عرقي لم تعد مقبولة عالمياً، لكن إسرائيل التي ترفض حلّ الدولتين وتتنكر حتى لاتفاقيات أوسلو التي هي أقل من الحد الأدنى، متمسكة بهذا الإجراء لما تبقى من عرب الـ48، وهذا سيعني الاستمرار في ممارسة سياسة تمييز عنصري جديدة في المنطقة "أي الأبرتايد الصهيوني".
   وإذا كان مؤتمر ديربن العام 2001 قد أدان العنصرية واعتبر الممارسات "الإسرائيلية"، شكل من أشكال العنصرية والتمييز العنصري، وخصوصاً في أكبر عملية استفتاء للمجتمع المدني، شملت نحو 3000 منظمة حقوقية، فإن من واجب المجتمع الدولي العمل للحيلولة دون تفقيس بيض العنصرية الجديد الذي سيعني جرعات جديدة لاستمرار الكيان العنصري الاستعلائي الذي هو مشروع حرب دائمة في المنطقة.
   إن بناء المستوطنات وقضم الأراضي وضمها بالقوة أو السعي للحصول على مكاسب سياسية جراء الحرب والعدوان والتوسّع، هو انتهاك لنص المادة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة 1949، لا سيّما للسكان المدنيين، وكان مجلس الأمن الدولي منذ العام 1979 قد اتخذ قراراً برقم 488 اعتبر فيه المستوطنات غير شرعية. كما أكّدت محكمة العدل الدولية في لاهاي العام 2004 أن بناء جدار الفصل العنصري غير شرعي وينبغي تفكيكه وهو يهدف خدمة المشاريع الاستيطانية وأن القيود على السكان الذين تبقوا ما بين الجدار الفاصل وبين الخط الأخضر قد يؤدي إلى رحيلهم، وأن السيطرة على الأراضي الخاصة والمرتبطة بإقامة الجدار، كما ينبغي تعويض الفلسطينيين، ويشكّل مساً بالأملاك الشخصية، مما يعد خرقاً للمواد 46 و52 لاتفاقيات لاهاي لعام 1907 والمادة 53 من اتفاقية جنيف الرابعة.
   لقد بدأت الحركة الصهيونية بعملية الاستيطان حتى قبل قيام "إسرائيل"، حيث تم إنشاء 19 مستوطنة قبل انعقاد المؤتمر الصهيوني الأول في مدينة بال (بازل) السويسرية العام 1897، وعملت الصهيونية على شراء الأراضي والاستيلاء عليها وبشكل خاص بعد العام 1908 ولغاية الانتداب البريطاني على فلسطين في 24 يوليو (تموز) العام 1922، وزاد الأمر بعد الانتداب ولغاية قيام دولة "إسرائيل" العام 1948.
   أما بعد قيام "الدولة" العبرية فقد توسّعت حركة الاستيطان نتيجة انفتاح باب الهجرة على مصراعيه وارتفعت بعد العام 1967 وصولاً إلى العام 1979، حيث أقيمت 799 مستوطنة قروية جديدة، وبعد هذا التاريخ جرى الاهتمام بالمستوطنات الصناعية حيث تصاعد ما سمي بالاستيطان الاقتصادي والسكني والوجود الحضري، مقابل القروي والتعاوني والريفي، وذلك منذ نهاية الثمانينات.
   إن الموجة الجديدة من المستوطنات هدفها هو قضم ما تبقى من الأراضي الفلسطينية وستعني فيما تعنيه إبطال أي عمل يؤدي إلى حل سلمي مقبول من الفلسطينيين وهو بحدّه دون الأدنى، لأنه سيعني إلغاءً لوجودهم.



44
وطني نقرة السّلمان
وهويّتي عراقيّة والهوى أممي
عبد الحسين شعبان
أكاديمي ومفكّر عربي
   "أنت غير عراقي. لقد أُسقطتْ عنك الجنسية... اكْتُبْ رسالة إلى أهلك تطلب منهم ما تحتاجه قبل تسفيرك إلى خارج العراق..."، قال ذلك مدير السجن لـ"آرا خاجادور"، بلهجة أوامرية استعلائية باردة، بعد صدور (المرسوم رقم 17) في 22 آب/ أغسطس العام 1954.
   وكانت وزارة نوري السعيد الثانية عشر قد تشكّلت في 3 آب/أغسطس وعُرفت لاحقاً بـ"وزارة المراسيم" وقد جاء تشكيلها تحضيراً لحلف بغداد، وأهم مراسيمها "إسقاط الجنسية" و"مكافحة الأفكار الهدّامة" (المرسوم رقم 16)، وإغلاق النقابات وحلّ الأحزاب وإلغاء امتيازات الصحف، وقد أصدر وزير الداخلية سعيد قزاز في حينها تعليمات تقضي بمراجعة من شملهم قانون إسقاط الجنسية أقرب مركز للشرطة وتقديم تعهّد خطي بنبذ الشيوعية خلال شهر واحد لمن كان داخل العراق وشهرين لمن كان خارجه.
   وضمّت قائمة إسقاط الجنسية العراقية شخصيات سياسية معارضة متنوّعة، بينهم: كامل قزانجي وتوفيق منير (اللّذان سُفّرا إلى تركيا) وعزيز شريف الذي كان متوارياً عن الأنظار، وظنّت السّلطات أنه كان في سوريا، فكتب رسالة من مخبئه يُعلن فيها أنه موجود في العراق تحدّياً لها، وعدداً من السجناء الذين صدرت بحقهم أحكاماً غليظة مثل: زكي خيري وبهاء الدين نوري وأكرم حسين وجاسم حمودي وعبد الرزاق الزبيدي وصادق الفلاحي وكامل صالح السامرائي ومحمد عبد اللطيف وعلي الشيخ حسين الساعدي، وبعض الذين كانوا في الخارج بينهم الشاعر كاظم السماوي والشاعر عدنان الراوي والدكتور صفاء الحافظ وآخرين.
   وتعكس حكاية آرا خاجادور الدرامية هشاشة الوضع القانوني في العراق، والذي عانت منه الدولة العراقية، حيث كان قانون الجنسية العراقية (رقم 42 لعام 1924) قد صدر قبل صدور القانون الأساسي (الدستور) العام 1925، ووضع القانون درجتين للجنسية (أ) و(ب) واشترط وجود شهادة جنسية وليس جنسية فقط، الأمر الذي جاءت تداعياته لاحقاً واستثمر لأسباب سياسية، فـ"آرا" الأرمني اكتسب الجنسية العراقية منذ ولادته، وفي سنة صدور القانون، ولأنه كان محكوماً بتهمة الشيوعية حكماً مؤبداً، فقد جرت محاولات لمساومته سياسياً تحت حجة عدم عراقيته، وبالطبع فإن كل حالة عوملت على انفراد.
   ولعلّ حكاية آرا خاجادور حول الجنسية تلك، تفتح أمامنا خزّان حكايات عديدة، منها نفق بعقوبة الذي ساهم في حفره، وأطلق السجانون عليه لاحقاً اسم "نفق آرا"، وكان د. موفق فتوحي قد زار بعقوبة في أوائل السبعينات في إطار مشروع لوزارة التخطيط العراقية، وهناك استمع إلى مرافقه وهو يتحدث عن عدد من مباني المدينة ومن ضمنها سجن بعقوبة، وحين وصلوا إلى السجن همس محدثه في أذنه: "هنا كان نفق آرا خاجادور الشهير".
   قلت لـ"آرا": كيف تعاملت مع طلب مدير السجن؟
   وما أن بدأ يتحدث عن ذكرياته حتى بدأت المعلومات تتدفّق وكأنها أقرب إلى محفوظة اختزنت في الذاكرة. وقد اختلطت هنا الأريحية وخفّة الدم في جوابه رغم الأجواء الثقيلة والسوداوية التي كان يعيشها، فقال: لقد كتبت رسالة إلى الأهل أطلب منهم إرسال الشاي والسكر والتتن (التبغ - السجائر)، وذلك بدلاً من طلب بدلة وملابس ونقود وما شابه ذلك. وما أن اطّلع مدير السجن على ما كتبته، بصق بوجهي، وعلّق بشراسة على ما كتبت قائلاً: أتمزح معي؟ فقلت له: أنا "آرا" الأرمني العراقي الشيوعي، "وطني نقرة السلمان، وهويّتي العراق، وإنني أممي وأحبُّ الإنسانية".
   استعدت تلك الحكاية الدرامية لأفتح نافذة جديدة لحكاية أخرى في ذاكرة آرا خاجادور، وهي حكاية لا تقلّ غرابة وإثارة عن حكاية الجنسية، وإن كان ظلّها أخفّ من الحكاية الأولى. يومها كان آرا وعدد من رفاقه، ولا سيّما عمر علي الشيخ ومهدي حميد، قد شرعوا بحفر نفق بعقوبة الشهير، العام 1954 وقد هرب منه السجناء، وبعد فشل العملية وإلقاء القبض على الهاربين جاءه أحد الجنرالات للتحقيق معه، وكان سؤاله المحيّر:
   "يا آرا الأرمني، كيف حفرت النفق؟ بالله عليك أخبرني؟ وأين ذهبت بالتراب؟... قل لي فقط لمعلوماتي العسكرية... كيف فعلتها؟"، كرّر النقشبندي - كما يذكر آرا اسمه - سؤاله، لكن آرا استخفّ بسلطوية السائل حيث ناكفه: "إن ذلك سرّ المهنة، فكيف تريدني أن أفشي السرّ"، فما كان من الجنرال إلاّ أن ازداد حيرة وشعوراً بالخذلان. وكان آرا ورفاقه قد بدأوا بحفر النفق، وكما يقول: "إن الحاجة أم الاختراع"، فقد كانوا ينقلون التراب "بالكونية" ويعملون منه مخاديد (وسائد) ودواشك (أفرشة) ينامون عليها، لكي لا يلفتوا نظر الحرّاس. أما أدواتهم التي استعملوها فكانت أدوات المطبخ البسيطة (الجفاجير والسكاكين والملاعق).
   استعدتُ مع آرا تلك الاستذكارات، عسى أن نبتعد ولو قليلاً عن أوجاع عراقنا الحاضر الذي أصبح مرتعاً للزبائنية ونظام الغنائم والمحاصصات الطائفية والإثنية والإرهاب والعنف والفساد والرشا، ولعلّ آرا ما يزال كما عرفته منذ نحو خمسة عقود من الزمان، يُتابع كل صغيرة وكبيرة، على الرغم من أنه في الثالثة والتسعين من عمره المديد، ويعيش وحيداً بشقة في قلب العاصمة التشيكية براغ، لكنه لا يزال يتمتّع بحيويّته، وأستطيع القول إنني لم أقابل شخصاً بأريحيّـته وفي سنّه، فهو ما أن تبدأ معه الحوار حتى يأخذك بعيداً لعوالمه الخاصة وأحلامه الكبيرة ومغامراته ومتعه، وكما يقول اللبنانيون إنه "عيّيش" (أي يحب الحياة)، على الرغم من مراراته المعتّقة والظّلم الذي حاق به، لكنه لم يتراجع قيد أنملة عن الأمل الذي ظل رفيقه الأول والأخير حتى وهو يقضي عشر سنوات عجاف في السجون، قسمها الأكبر في سجن صحراوي اسمه "نقرة السلمان"، مثلما يقضي نحو 5 سنوات أخرى في الجبال الوعرة متنقلاً بين ناونزنك ونوكان وبشتاشان، ومن سوران إلى بهدنان، ومن موقع إلى آخر لقيادة حركة الأنصار الشيوعيين.
   وكان سلام عادل الذي استشهد تحت التعذيب في العام 1963 قد اقترح استبقائه في المنفى، حيث كان في العام 1959 سكرتيراً عاماً لاتحاد نقابات العمال وعمل في براغ في سكرتارية اتحاد نقابات العمال العالمي، واستمر هناك بعد انقلاب 8 شباط (فبراير) 1963 الذي نجا منه، وعاد سرّاً إلى العراق في مطلع العام 1965، واضطرّ إلى المنفى ثانية في العام 1970 وحتى العام 1974 ممثلاً للحزب الشيوعي في مجلة "قضايا السلم والاشتراكية"، وفي أواخر الثمانينات وانتهاء مهماته في قيادة قوات الأنصار الشيوعية، عاد إلى منفاه براغ. وكانت السجون والجبال والمنافي قد أعطت الرجل حيّزاً من التسامح والاعتراف بالآخر، حيث مارس رياضة نفسية للتغلّب على آلامه وعذاباته، ولكي لا يتحوّل الاختلاف والخلاف إلى نوع من الكراهية والحقد، وقد ساعدته في ذلك بيئته العائلية ونشأته الأولى الانفتاحية.
   وحين تعرّضت الحركة الشيوعية إلى التصدّع والانحسار أصابه ما أصاب العشرات من القيادات والكوادر، بسبب ضيق مساحة الرأي والخلاف الذي سرعان ما استبدل الحوار والجدل بالعقوبات والتهميش والعزل لدرجة اعْتُبِر آرا خارج إطار الحزب، وبدأت تلك الخلافات تتعمّق خصوصاً عند توغل القوات الإيرانية في الأراضي العراقية، ولاحقاً بسبب الحصار الدولي والرهان على العنصر الخارجي والمشاركة في جوقة مجلس الحكم الانتقالي وتشكيلات ما بعد الاحتلال، وكان قد عبّر عن جزء من آرائه في كتابه "نبض السنين" الذي قدّم له رفيقه الذي ظلّ مخلصاً له د. عبد الحميد برتو.
   آرا خاجادور وغيره العشرات من الشيوعيين، سواء كانوا من موقع المسؤولية أو خارجها، ما زالوا يتصرّفون ويتعاملون بكونهم مرجعية شيوعية خارج نطاق الأوامرية والبيروقراطية ويميّزون أنفسهم عنها بمواقف مختلفة، لأن حياتهم وتضحياتهم تأسَّست على أحلامهم لوطنهم أولاً وللقيم والمثل التي ضحّوا من أجلها، وليس عبثاً حين يكون حوار آرا مع مدير السجن أن وطنه نقرة السلمان وهويّته عراقية وانتماءه أممي، وهو لم يخفِ ذلك، وكان يعتقد ولا يزال أن علاقته مع المركز الأممي، سواء كانت شخصية أو حزبية، هي من باب وحدة الأفكار والأهداف، ويمكن أن تكون من باب وحدة الوسائل والأساليب، أو تكاملها وتفاعلها،  وربما الآن أصبح أكثر حريّة في انتقاد بعض توجهات الرفاق الأشقاء، لأنه حسب تعبيره لا يعرفون ظروفنا، وعلينا نحن أن نقرّر ما يخصّنا. ولعلّ التعويلية والاتكالية كانتا أحد أسباب إخفاق الحركة السياسية في بلادنا بمختلف تياراتها.
   آرا الأرمني كما يسمّيه السجانون، الشيوعي الوطني الأممي وقائد حركة الأنصار الشيوعية العربية التي تأسّست من أربعة أحزاب شيوعية عربية (العراقي والسوري واللبناني والأردني) وأحد طاقم الرعيل الأول يستعيد حكاية هروبه من سجن بعقوبة التي مضى عليها ستة عقود ونيّف من الزمان، والذي ترك الجنرال يضرب أخماساً بأسداس: "كيف فعلها آرا الأرمني؟ وأين أخفى التراب؟".
   يقول آرا: إن النفق الذي تمّ حفره طوله 27 متراً وعرضه حوالي متر واحد، لكننا بالصبر الشديد والسريّة التامّة تمكّنا من إنجاز مهمتنا واستكمال حفر النفق بأدوات بدائية، وربط داخل السجن بخارجه عبر استطلاعات كنّا نقوم بها، حيث نرسل عمر علي الشيخ "المتمارض" إلى المستشفى خارج السجن، فيعاونه أحد الأطباء القوميين ويسهّل مهمّته، لأنه كان يتعاطف مع السجناء، ويعطيه الفرصة لمراجعته أكثر من مرة في الأسبوع، وهكذا تمكّنا من رسم الخطة وتنفيذها.
   وعندما حانت ساعة الصفر باتفاق بين الحزب في الخارج والقيادة السجنية في الداخل التي اضطرت إلى تأجيل الموعد لثلاثة أيام، وذلك بسبب حساب الليالي المقمرة، وكانت لحظة التنفيذ بالغة الرهافة والدقة والحذر، مثلما هي بالغة البطولة والشجاعة، حيث ظلّت حديث العراق كلّه، فقد استطاع الشيوعيون الخروج من تحت الأرض وكأنها قد انشقت لتدفع بهم إلى الحريّة.
   يقول آرا كان سجن بعقوبة حديثاً ومبنيّاً من الكونكريت، ومكان الحفر ليس مناسباً، لكننا بدأنا بالحفر في مكان طيني واعتقد رفاقي أنه سينهار علينا، لكن خبرته التي اكتسبها من أماكن العمل المختلفة التي اشتغل فيها من مكاتب لتنظيف طائرات مطار الشعبية في الصحراء العام 1941، وفيما بعد في النفط، كما عمل نجاراً مع والده العسكري السابق في أيام العطل كلّها، مكّنته من اكتساب مهارات عدّة.
   وحين سألته متى اهتديت إلى طريق الشيوعية؟ قال: إن أول خلية انتظم فيها، ضمّت آرام ميلكونيان وآرديشست وسيروب وهو كهربائي، وآرا خاجادور، ويومها كان فهد "يوسف سلمان يوسف" أمين عام الحزب قد علّق بقوله: نصبنا وتداً في مقر الاستعمار. وكان المسؤول ستيبان سترايكيان، قبل تأسيس الفرع الأرمني للحزب الشيوعي في العام 1943، مثلما كان كريكور بدروسيان هو مسؤول الفرع الأرمني وهو لبناني الأصل وعربيته ضعيفة، وكان يتبادل الحوار مع فهد بالفرنسية أحياناً، ومع حسين محمد الشبيبي بالإنكليزية، كما يقول آرا، وقد أصبح آرا مسؤولاً للفرع الأرمني وهو في مطلع العشرينات من عمره. وقد حكم عليه بالسجن المؤبد في العام 1948، وبقي في السجن حتى ثورة 14 تموز/ يوليو 1958.
   وقد سألت آرا خاجادور عن لقاءاته مع فهد، فقال: التقينا في دار الحكمة في الشورجة، مرّة بدون موعد، وأخرى بموعد وبطلب منه، حيث كنت أتردّد على دار الحكمة للقاء بزكي بسيم، وكان الأخير مسؤول الدار، وهو الشخص الثاني في الحزب عملياً، وكانت لقاءاتي معه مستمرة، كما التقيت حسين محمد الشبيبي الذي كان مسؤول التثقيف.
   وعن أعضاء قيادة الفرع الأرمني قال إنهم: أنترانيك ستراليان وشقيقه ستيفان وآرام بوكوس وآرا، وكانت بعض اللقاءات تتم عند زكي بسيم وفي إحداها التقوا حسين محمد الشبيبي الذي كان لتوه قد خرج من المعتقل. ويقول آرا: إن الشبيبي كان واسع الاطلاع وعميق الثقافة، وله باع طويل باللغة العربية، وكان مسؤولاً عن حزب التحرّر الوطني الذي حاول الحزب الشيوعي تشكيله كواجهة له، حين أجاز سعد صالح جريو وزير الداخلية 5 أحزاب وطنية العام 1946 وكان الحزب الشيوعي قد شكّل عصبة مكافحة الصهيونية التي ضمّت عدداً من اليهود في صفوفها بينهم سكرتيرها يعقوب مير مصري، (عادل مصري) وكان مسؤولها محمد حسين أبو العيس. وقد أشرت إلى ملاحظة آرا حول إرسال حسين الشبيبي إلى سعد صالح يستفهم منه، لماذا لم يرخّص لحزب التحرر الوطني؟ وحين شرح صالح للشبيبي الأسباب التي دعته لمثل ذلك الإجراء، تفهّم الحزب موقفه. وقد أدرجت معلومة آرا الجديدة بالنسبة لي في الطبعة الثانية لكتابي عن "سعد صالح - الوسطية والفرصة الضائعة".
   وحين سألته: كم دامت عملية الحفر؟ فأجاب: دامت العملية بضعة أشهر، وكنّا نضطر للتوقف أحياناً لأسباب تتعلق باحتمال انكشاف العمل، ثم نعاود الحفر وأحياناً في الظلام، ونقوم بتكسير الحجر، ثم استعنا لاحقاً بسلك كهربائي لغرض الإضاءة الداخلية، وكنا ننقل التراب إلى الغرف لنعمل منه وسائد وأفرشة، حتى إن السجناء الآخرين لم يشعروا بأي شيء غريب. وكنا قد اتفقنا مع الحزب خارج السجن في إحدى الزيارات العائلية على موعد التنفيذ، حيث أرسل الحزب 3 أشخاص بالدراجات يأتون ويذهبون لمدة 3 أيام يترقبون بدء العملية وليقوموا بمساعدة الهاربين، لكن عملية التنفيذ تأخّرت، الأمر الذي كان مرور هؤلاء لعدّة مرات أمام دائرة السجن سيثير الشبهة عليهم.
   ولم نكن ندري ما الذي حصل وقرّرنا التنفيذ خوفاً من انكشاف العملية. ويضحك آرا ويقول: بعد عدّة سنوات سمعت من عامر عبدالله يردّد في وصف الوضع السياسي بقوله: هناك "بصيص من النور في نفق مظلم"، وكلّما كان يقول ذلك كنت أستعيد لحظة تدفق حزمات الضوء إلى داخل النفق، فأضحك في سريّ. وكنّا قد حضّرنا دشاديش، وخرجنا إلى الهواء الطلق، وكنت أنا آخرهم.
   كان زكي خيري بصحبة عزيز الحاج وبعد مشي طويل ومرهق وجدا مقهى عند عبور السكّة، فجلسا فيه بعد أن أخذ التعب منهما مأخذاً، وسألهم الجالسون: من أنتما أيها الغريبان، وهل تطلبان مساعدة؟ فأجابا: نحن سمّاجة "أي صيادو سمك". وكانت المدينة قد استنفرت بالكامل، وجاء عبد الرزاق عبد الغفور من التحقيقات الجنائية لمتابعة ملاحقة الهاربين، حيث ألقي القبض عليهما بعد ساعات من هروبهما، وظلّت الدوريات تبحث وتفتّش باستنفار عن اثنين آخرين.
   وفي مسيرهما آرا وعمر علي الشيخ صادفا شخصين واقفين، حيث بادراهما هذان الشخصان بالقول: "حوّلوا" (أي تفضلوا - أو قرّبوا)، وين رايحين: (إلى أين ذاهبان)؟ أجابا "آرا وعمر علي الشيخ": لعبور دجلة، قالا لهما: لماذا لا تعبران الجسر؟ ثم سألوهما: جاتلين (قاتلين)، أو ناهبين (أي سارقين)، فأجاب عمر علي الشيخ: نحن شرفاء، فأجابه الفلاّح: "جا الينهب بنية موشريف؟" أي (الذي يختطف امرأة ليس شريفاً).
   سألوا آرا: يبدو عليك أنك غريب، ربما شعروا باللهجة أو اللكنة غير العربية، فأجاب: إنني من خانقين حيث تختلط اللغات واللهجات، لكن الخبر انتشر في القرية مثلما تنتشر النار في الهشيم، ليس هذا فحسب، بل إن عمر علي الشيخ سألهم: من انتخبتم؟ هل أنصار السلام؟ الأمر الذي زاد في تأكيد هويّتهم السياسية.
   وبعد حين جاء شاب بيده بندقية وسلّم عليهم وقال لهم: رفاق نحن من مؤيدي أنصار السلام، وهناك اثنان ألقي القبض عليهما (واحد طويل وضخم والثاني قصير ونحيف)، وعرفوا بأن زكي خيري وعزيز الحاج قد تم إلقاء القبض عليهما. واضطرّ آرا وعمر علي الشيخ أن يبيتا ليلتهما في البساتين. ويقول آرا: إنه كان يدخن، ولكنه توقف عن ذلك لكي لا يستدلوا عليه، بناء على محادثة مع عمر علي الشيخ، لكن الشرطة طوّقت القرية وشاهدوا أفرادها يحومون حولهم، خصوصاً بعد تسلّل خيوط نور الفجر الأولى من بين الأشجار، ثم سمعوا رمية إطلاقة في الهواء وصوت يصرخ: هذا آرا الأرمني الجثيث أي (العريض المنكبين).
   طالبهم آرا بعدم الاعتداء قائلاً: أنا آرا، وهو ما ذكرني بما قاله يوم ألقي القبض عليه في العام 1967 في بغداد وردّدناه حينها باعتزاز: أنا آرا خاجادور  (يا ناس كولوا للحزب آرا انلزم)، أي يا ناس قولوا للحزب إنني اعتقلت، وهي وسيلة إخبار لدرء الاحتمالات السلبية التي قد تتبع اعتقاله.
   وإذا كان لي أن أضع القارىء أمام هذه اللّقطة المملّحة، فإنها جزء من لقطات عديدة احتواها دفتر لخزّان معلومات لا ينضب اسمه آرا خاجادور وحسبي أن أختم هذه اللقطة بالقول: لا يصنع القائد بقرار ولا يتكوّن بناءً على رغبة أو لإملاء فراغ أو لاختيار حزبي وإنما تنجبه ظروفاً وأوضاعاً بعضها موضوعي وآخر ذاتي، منها كارزميته ومؤهلاته الشخصية والأدوار التي لعبها في حياته والخبرات التي اكتسبها وقدرته على اتخاذ القرار في اللحظة المناسبة، سواء كان صائباً أو خاطئاً، إذْ ليس هناك أقسى من التردّد والانتظار، لا سيّما حين يستوجب الحسم، ومثلما على القائد اتخاذ القرار، فلا بدّ من المرونة في التنفيذ.
   وإذا كانت قيادة فهد قد امتلكت كفاءة نظرية وفكرية وأخرى عملية وتنظيمية، وتمكّنت من رسم استراتيجيات وإدارة تكتيكات تبعاً للظروف الملموسة، فإنها في الوقت نفسه كانت وراء تشجيع قيادات شابة لتولي المسؤوليات برز فيها سلام عادل وجمال الحيدري وأبو العيس وآرا خاجادور وآخرين، إذْ ليس هناك أسوء من اختيار قيادات غير مؤهلة.



45
صفاء الحافظ وصباح الدرّة
37 عاماً على الاختفاء القسري
عبد الحسين شعبان
أكاديمي ومفكّر عربي
   أعادني خبر اختطاف عشرات المواطنين العراقيين في وضح النهار في شمال العاصمة العراقية بغداد، إلى ظاهرة الاختفاء القسري التي ظلّت مستفحلة في العديد من المجتمعات، بل إن نحو 63 بلداً في العالم تعاني منها، ولأن الاختطاف الذي يسمّى بلغة القانون الدولي والأمم المتّحدة "الاختفاء القسري"، ظاهرة شائعة في العراق في الماضي والحاضر، فإن اعتراف رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي: "... بإقدام قوة مجهولة على اعتقال 30 شخصاً من منطقة التاجي والطارمية، ولم يُعرف حتى الآن مرجعية هذه القوة، ولا مصير المعتقلين ولا الجهة التي اقتيدوا إليها"، يعتبر مسألة جديدة، فهو اعتراف صريح، بأن جهة مجهولة استغلّت قيام الجيش باعتقال عدد من المطلوبين، فنفّذت عمليتها المدبّرة، سواء باسم الدولة أو بعض أجهزتها أو بانتحال صفتها من جانب ميليشيات مسلّحة.
   في السابق كانت الدولة وحدها هي من يحتكر العنف، وإذا ما حدث عمل من هذا النوع، فإن إصبع الاتّهام سرعان ما يوجّه إليها، إذْ من سواها قادر على القيام باختطاف مفكّر أو صاحب رأي أو ناشطة سياسية وحقوقية أو رجل دين وإخفائه إلى ما لا نهاية، الأمر الذي سيدخل معها في نزاع حول اختصاصاتها، وهو أمر غير مسموح به على الإطلاق، ولكن منذ الاحتلال الأمريكي للعراق العام 2003، فإن جماعات عديدة من داخل الدولة وبجوارها ومن خارجها، ناهيك عن الاختراقات الأجنبية، من يقوم بهذا الدور سواء بشكل مباشر أو غير مباشر.  وظلّت الكثير من الحوادث يلفّها الغموض والإبهام والالتباس والتقديرات المتباينة، وإن لم تخرج من دائرة الصراعات الطائفية والإثنية ومصالح أمراء الطوائف بألوانهم واتجاهاتهم المختلفة الفاقعة منها والباهتة.
   وفي العادة فإن الدولة تنكر أية صلة لها بالخطف وتبعد عن نفسها وعن أجهزتها الشبهة، بل تحاول إلصاقها بالأجنبي أو بأعدائها، كما حصل في حال الاختفاء القسري للفقيه القانوني د. صفاء الحافظ وللخبير والباحث الاقتصادي د. صباح الدرّة، وهما شخصيتان وطنيتان عراقيتان وعالميتان، فالأول عضو في مجلس السلم العالمي، والثاني عمل في سكرتارية اتحاد الشبيبة الديمقراطي العالمي، وقد اختطفا في شباط (فبراير) العام 1980، ولا يزال مصيرهما مجهولاً.
   ومنذ ذلك التاريخ لم أترك مناسبة إلاّ وذكّرتُ بهما في المحافل الحقوقية الدولية والعربية، ليس للعلاقة الشخصية فحسب، بل للدلالات الخاصة، سواء ما يتعلّق بالجهات الخاطفة أو المتواطئة أو المدسوسة التي أسهمت في أن تقع الشخصيتان بيد الخاطفين، لا سيّما وكانا قد اعتقلا قبل ذلك وتعرّضا للتحقيق والاستجواب لأكثر من مرّة، وحتى بعد تغيير النظام وانكشاف الكثير من الأمور، فقد ظلّت قضيتهما خارج دائرة الضوء، وربما يكون من مصلحة البعض ذلك، كي لا تتم المساءلة الضرورية، وكي لا ينال المتورطون عقابهم العادل، ولكن ذوي الضحايا وأصدقائهم ومن تعنيهم قضية حقوق الإنسان من مصلحتهم إجلاء مصير الشخصيتين الوازنتين.
   وبالطبع فإن موضوع الاختفاء القسري يشمل أسماء أخرى ذات شهرة واسعة مثل المهدي بن بركة الذي اختطف في باريس العام 1965، وموسى الصدر الذي اختفى في ليبيا العام 1978 ومنصور الكيخيا الذي ضاع كل أثر له في القاهرة العام 1993، وشبلي العيسمي الذي اختفى قسرياً في لبنان العام 2011، إضافة إلى شخصيات عراقية مثل: عايدة ياسين ودارا توفيق وأسعد الشبيبي ومحمد باقر الصدر وأخته بنت الهدى وعزيز السيد جاسم وضرغام هاشم وشاكر الدجيلي وآخرين.
   وكنت أتوقّع أن يجلى مصير العراقيين المختفين قسرياً بعد العام 2003، ولكن للأسف لم تتم متابعة مثل هذه الملفّات، في حين أن المطالبة بكشف مصير منصور الكيخيا أتت أُكلها، في نهاية العام 2012، وتقول الرواية أنه نُقل "سرّاً" من القاهرة إلى طرابلس الغرب، بعد اختفائه قسرياً العام 1993 خلال حضورنا لمؤتمر المنظمة العربية لحقوق الإنسان، وبقي "سجيناً" في أحد "المساكن" بعيداً عن الأنظار، وتوفي في العام 1997، لكنه لم يدفن، وإنما استبقي في ثلاجة لحين الإطاحة بالقذافي العام 2011، وكان قد استمع إلى نصيحة إحدى العرّافات، بأن دفن شخصية مهمة قد يؤدي إلى وفاته، فأبقى عليه لمدّة نحو 14 عاماً، حتى تم اكتشافه، وأرسل الحمض النووي إلى معهد خاص في سيراييفو لتحليله وفحصه، والتأكّد من أنه يعود للكيخيا، وخصوصاً بعد مقارنته بالحمض النووي لابنه رشيد وأخيه محمود، وقد نُظم احتفال مهيب لتكريمه، تشرّف كاتب السطور بحضوره وإلقاء كلمة فيه (نهاية العام 2012)، علماً بأن الكاتب كان قد أصدر كتاباً عنه بعنوان: "الاختفاء القسري في القانون الدولي: الكيخيا نموذجاً".
   وبخصوص الحافظ والدرّة، وبغض النظر عن الملابسات الغامضة التي اكتنفت عملية اختفائهما والاتهامات العديدة التي صاحبتها في غمرة صراعات سياسية وحزبية، فقد آن الأوان للكشف عن مصيرهما ومتابعة بعض الخيوط بخصوص اختفائهما، إذْ لا ينبغي أن نجعل النسيان الذي يراهن عليه المتورطون يطغى على القضية، ولا بدّ لها وجميع قضايا الاختفاء القسري أن تظل في دائرة الضوء لكشف المتسبّبين والمتواطئين فيها أمام الرأي العام ولمنع تكرار حوادث الاختفاء، بهدف ردع القائمين عليها، باعتبارها جرائم لا تسقط بالتقادم. والأمر يشمل قضايا المختفين قسرياً في الجزائر والمغرب ولبنان والعراق (وكردستان العراق أيضاً) وأفغانستان وليبيا وإيران وسوريا وتشيلي والأرجنتين، وغيرها.
   وإذا كان هناك من سكت عن الاختفاء القسري للحافظ والدرّة، أو حاول التقليل من شأن تلك الجريمة، فإن جرائم الاختفاء القسري التي تبعتها، لم يعد السكوت عنها ممكناً، الأمر الذي على الجميع إدراكه بأن مثل هذه الجرائم يمكن أن تطال "الجميع"، طالما تمكّن الخاطفون والمتواطئون معهم الإفلات من العقاب، حيث شملت مجموعات ثقافية وبشرية تم استهدافها مثل الصابئة المندائيين والمسيحيين والإيزيديين الذين سُبيت نساءهم، في محاولة لفرض نوع من التأسلم "الداعشي" على كل من يختلف مع الفكر التكفيري الإرهابي، ولعلّ الوطن بكامله تعرّض إلى الاختطاف، وتحوّل العراق بمشيئة بول بريمر الحاكم المدني الأمريكي للعراق، من شعب موحّد إلى "مكوّنات" متناحرة، حسبما ورد في الدستور ثمان مرات، وحلّت الطائفية والإثنية محلّ المواطنة الجامعة، في محاولة لإعادة الجميع إلى أصولهم الدينية أو المذهبية أو العرقية ولو بالإكراه.





46
المنبر الحر / في نقيض التطرّف
« في: 19:09 31/01/2017  »
في نقيض التطرّف
عبد الحسين شعبان
أكاديمي ومفكّر عربي

   يمكن القول إن التطرّف ابن التعصّب، ووليده الإرهاب، وهي ظواهر متفشّية في العديد من المجتمعات والبلدان، بما فيها المتقدّمة. صحيح أنها قديمة قِدَم البشرية، إلاّ أن خطرها ازداد خلال العقود الثلاثة الأخيرة، سواء بعمق تأثيره، أو سرعة انتقاله، أو مساحة تحركه، حتى غدا العالم كلّه "مجالاً حيوياً" لفيروساته، بفعل "العولمة" والثورة العلمية - التقنية، والتطوّر الهائل في تكنولوجيا الإعلام والمعلومات، والاتصال والمواصلات والطفرة الرقمية "الديجيتيل".
   وحين يهيّمن التطرّف على الفكر، يتحوّل بحكم ادّعاء الأفضليات، والزعم بامتلاك الحقيقة إلى فعل مادي، لينتقل من التنظير إلى التنفيذ، ومن النظرية إلى التطبيق، فما بالك إذا استخدم الدين، وفرعه الطائفية في أغلب الأحيان ذريعة للإلغاء والإقصاء وفرض الرأي بالقوة والعنف، والإرهاب خارج نطاق القانون والقضاء، لا سيّما من خلال التكفير.
وكان من نتائج استشراء التطرّف انتشار العنف والإرهاب، وهو الأمر الذي ضرب البلدان العربية والإسلامية بالصميم وأخذ يهدّد الدولة الوطنية بالتشظّي والتفتّت، إنْ لم يكن بالانقسام، الذي يتّخذ في بعض الأحيان طابعاً مجتمعياً، خصوصاً حين يجد بيئة صالحة لتفقيس بيضه، وتفريخ مجموعات متنوّعة ومختلفة من القوى الإرهابية، ابتداءً من تنظيم القاعدة وفروعها، وصولاً إلى تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام "داعش" وأخواته جبهة النصرة أو "جيش الشام" حسب التسمية الجديدة أو غيرها.
جدير بالذكر أن ظاهرة التطرّف استفحلت لدرجة مريعة، بعد موجة ما أطلق عليه "الربيع العربي" التي ابتدأت في مطلع العام 2011، والتي كان من أعراضها "الجانبية" تفشي الفوضى وانفلات الأمن واستشراء الفساد المالي والإداري وإضعاف الدولة الوطنية ومحاولة التغوّل عليها.
التعصّب سبب، أما الإرهاب فهو نتيجة، مرَّت عبر بوابة التطرّف، الأمر الذي يتطلّب معالجة جذرية لأسباب التعصّب والتطرّف وليس معالجة النتائج، فحسب. والتطرّف يمكن أن يكون دينياً أو طائفياً أو قومياً أو لغوياً أو اجتماعياً أو ثقافياً أو سياسياً، كما أن التطرّف الديني يمكن أن يكون إسلامياً أو مسيحياً أو يهودياً أو هندوسياً أو غيره، وقد يكون التطرّف علمانياً، حداثياً، مثلما يكون محافظاً وسلفياً، فلا فرق في ذلك سوى بالمبرّرات التي يتعكّز عليها لإلغاء الآخر، باعتباره مخالفاً للدين أو خارجاً عليه أو منحرفاً عن العقيدة السياسية أو غير ذلك.
أما الإرهاب فإنه يتجاوز التطرّف، أي أنه ينتقل من الفكر إلى الفعل، وكل إرهاب هو عنف جسدي أو نفسي، مادي أو معنوي، ولكن ليس كل عنف هو إرهاب، خصوصاً إذا ما كان دفاعاً عن النفس، ومقاومة العدوان.
وكلّ إرهاب تطرّف، ولا يصبح الشخص إرهابياً إلاّ إذا كان متطرّفاً، ولكن ليس كلّ متطرّف إرهابي، فالفعل الإرهابي تتم معالجته قانونياً وقضائياً وأمنياً، لأن ثمة عملاً إجرامياً تعاقب عليه القوانين. أما التطرّف، ولا سيّما في الفكر، فله معالجات أخرى مختلفة، وهنا يمكن قرع الحجة بالحجة ومحاججة الفكرة بالفكرة، والرأي بالرأي، وإنْ كانت قضايا التطرّف عويصة ومتشعّبة وعميقة، خصوصاً في المجتمعات المتخلّفة، كما أن بعض التطرّف الفكري قد يقود إلى العنف أو يحرّض على الإرهاب، بما فيه عن طريق الإعلام بمختلف أوجهه، فالكلمة قد تكون ملغومة، والصورة قد تكون مفخخة، والمعلومة قد تكون حزاماً ناسفاً، لا سيّما إذا استولت على العقول.
وإذا كان التطرّف يمثّل نموذجاً قائماً على مرّ العصور والأزمان، فإن نقيضه الاعتدال والوسطية والمشترك الإنساني بين الشعوب والأمم والأديان واللغات والسلالات المتنوّعة، لأن الاجتماع الإنساني من طبيعة البشر، حيث التنوّع والتعدّدية والاختلاف، وهذه صفات لصيقة بالإنسان، وكلّها ينبغي الإقرار بها والتعامل معها كحقوق إنسانية توصّلت إليها البشرية بعد عناء، وهي النقيض لفكر التطرّف والتكفير.
لا يمكن سيادة القيم النقيضة لفكر التطرّف ما لم يتم تفكيك منظومة التعصّب وجذورها الاجتماعية والفكرية والسياسية والاقتصادية والثقافية والدينية وغيرها. وقد أثبتت التجارب أن الفكر المتطرّف والتكفيري لا يتم القضاء عليه بالعمل العسكري أو المسلّح، كما لا يمكن القضاء على التطرّف بالتطرّف، أو مواجهة الطائفية بالطائفية، أو مجابهة الإرهاب بالإرهاب، وإنْ كان "آخر العلاج الكيّ" كما قالت العرب.
إن نقيض التطرّف ليس التطرّف المضادّ، كما أن نقيض التعصّب ليس التعصّب المعاكس، مثلما أن نقيض الإرهاب ليس الإرهاب، وعنفان لا يولّدان سلاماً، وإرهابان لا يبنيان وطناً، وظلمان لا ينتجان عدالة، وطائفيتان لا تنجبان مواطنة، الأمر الذي يحتاج إلى معالجة بفكر وخطاب جديدين، ولا تقع المسؤولية على الدولة وحدها، وإن كانت تتحمّل المسؤولية الأساسية، لكن تشعّب المعركة ضدّ "الثالوث غير المقدس" تقتضي مشاركة جميع القوى الحيّة والفاعلة في المجتمع.
ولعلَّ القضاء على الفقر والأميّة والتخلّف ضمن استراتيجية بعيدة المدى يساعد في خلق بيئة مناسبة لنشر قيم السلام والتسامح واللاّعنف وقبول الآخر والإقرار بالتنوّع والتعدّدية، في إطار المواطنة التي تقوم على أركان متوازية ومتكاملة، تبدأ بالحرّية وتمرّ بالمساواة والعدالة، لا سيّما الاجتماعية في إطار من الشراكة والمشاركة، لأن التطرّف لا ينمو إلاّ إذا وجد بيئة صالحة لنموّه، ومثل هذه البيئة بعضها ناجم عن أسباب داخلية وأخرى خارجية.


47
المثقف وظاهرة الاغتيال السياسي
عبد الحسين شعبان
باحث ومفكر عربي


- 1 -
   يوم سقط حسين مروّة مضرّجاً بدمائه وقف مهدي عامل (حسن حمدان) مودّعاً رفيقه أمام ضريح السيدة زينب في ضواحي دمشق قائلاً: إذا لم توحّدنا الثقافة بوجه الظلام والتخلّف، فماذا سيوحّدنا بعد؟ ولم يدر بخلده أنه سيكون الضحية القادمة بعد مرور ثلاثة أشهر فقط، وقد سبقه صحافيان لامعان، هما خليل نعوس وسهيل الطويلة، ونعيد ما قاله مهدي عامل بقلب المعادلة أي جعلها معكوسة: هل الموت هو الذي يوحّدنا أم أن الحياة والثقافة والجمال والتنوّع والتعدّدية واحترام حق الاختلاف والرأي والرأي الآخر هي التي ينبغي أن تقربنا عن بعضنا إن لم تستطع توحيدنا؟
   مناسبة هذه الاستعادة هي اغتيال الشخصية اليسارية الأردنية، ناهض حتر في عمّان، على يد أحد المتطرفين الإسلامويين.
   لقد وجدتُ في الموت الذي يعني الغياب علاقة وجودية بالحياة، وقد تكون تلك مفارقة، إلاّ أنها مفارقة حقيقية وسائدة، خصوصاً لما يتركه الفقدان من فداحة وحزن يؤثر على مشاعر البشر وعواطفهم، لهذا السبب فهم يبحثون عما يقرّبهم إن لم يكن يوحّدهم، خصوصاً إزاء الأقدار الغاشمة، لكن البشر بطبيعتهم يعودون إلى حيث كانوا، لا سيّما وأن النسيان يجعل مما هو اعتيادي ومستمر قائماً. هكذا إذاً تتفجّر الرغبة والإحساس بما ينبغي أن نكون عليه من تقارب واتحاد ووحدة لمواجهة العبث والموت والفواجع والكوارث.
   البحث عمّا يوحّد، كان هاجس الصديق الكاتب والباحث حمادة الفراعنة، الذي وجد في الموت وكأنّه رديف للتوحيد، حين قال إن معاذ الكساسبة، الطيار الأردني الذي اغتاله "داعش" وحّد الأردنيين، مثلما وحّدهم اليوم ناهض حتر، وإذا كان المثقفون يُصدمون عند كل مفاجأة لاغتيال أحدهم، فنتساءل مع الفراعنة، متى يرتقي هؤلاء ومعهم التيارات الفكرية والسياسية إلى ما هو يوحّد، خصوصاً بتحديد الأولويات وتقديم ما هو استراتيجي وثابت على ما هو طارىء وظرفي؟
   وإذا كان أول الفلسفة سؤال، كما يُقال، فمن أين نبدأ؟ وكيف ومتى يمكننا تحديد أولوياتنا واختيار جبهة أصدقائنا وخصومنا وأعدائنا بالاتفاق والاختلاف وبالتعايش والمساكنة والمغايرة؟ ثم ما هي المعايير التي يمكن الاحتكام إليها؟
   أليس الاتفاق على قاعدة الحدّ الأدنى للخيار الديمقراطي السلمي المدني يمكن أن يكون وسيلة للتفاهم وللمنافسة في آن؟ وهذا يقتضي الاتفاق على أسس وقواعد لما هو مشترك، خصوصاً بنبذ العنف وحلّ الخلافات بالطرق السلمية وإقرار التعدّدية والتنوّع.
   وإذا كان الاغتيال السياسي يعني محاولة لإسكات الخصم أو العدوّ أو حتى الصديق إذا كان منافساً أو مختلفاً أو مغايراً، وذلك بتغييبه واستئصاله، فإن الرأي والفكرة والموقف لا يمكن تغييبهما أو استئصالهما أو إسكاتهما حتى عند تصفية مفكّر أو اغتيال مثقف أو صاحب رأي، سواء كان ناشطاً مدنياً أو سياسياً أو رجل دين متنوّر أو صاحب مشروع فكري واجتماعي وغير ذلك.
   ويمكن مقارعة الحجة بالحجة، ومواجهة الرأي بالرأي، والفكرة بالفكرة، وليست الرصاصة مقابل الكلمة، وكاتم الصوت مقابل الرأي، والمفخخة مقابل الفكرة، فذلك دليل عجز وضعف وضيق أفق، ولن يحل الاغتيال السياسي محلّ ارتفاع الصوت والقناعة بالرأي، وقوة الفكرة.

   إن مسلسل الاغتيال السياسي لن يتوقف، وناهض حتر لن يكون الأخير، لأن قوى التكفير والظلام لا تتورع من استخدام جميع الوسائل للوصول إلى غاياتها، خصوصاً وأنها غير قادرة على المجابهة تحت نور الشمس، إلاّ بالتأثيم والتحريم والتجريم، فتلك وسيلتها باستخدام الدين وتوظيفه لأغراضها السياسية الأنانية الضيّقة، والتي تتعارض مع سياق تطوّر المجتمع، بل ومع سمة العصر، والتقدم الذي حصل على المستوى العالمي.
   وإذا قُدر لي أن كنت قد تعرّفت على ناهض حتّر قبل عقد ونيّف من الزمان، والتقيته في عدد من المناسبات، فإنني بتجرد أقول: وجدته مجتهداً وصاحب رأي، وله وجهات نظر يدفع بها ويدافع عنها، ويقبل النقاش حولها، اتفقت أو اختلفت معه، وسواء كان مصيباً أو مخطئاً، فقد وجدت فيه شجاعة في معاكسة المألوف ومعارضة السائد، وأحياناً التحريض عليه بصوت عالٍ وأحياناً بدويّ، فقد كان فضاء الحرّية الذي منحه لنفسه عالياً، مثلما كان التعبير عن الرأي لديه واسعاً، وهو ما يدافع فيه ويكافح وينافح، بالقلم والحرف والصوت والصورة، ودفع حياته ثمناً لذلك.
- 2 -
   وبعد ذلك: ماذا يعني الاغتيال السياسي لمثقف وصاحب رأي ومجتهد، لا يملك سوى قلمه وصوته، وهو بقيمة ناهض حتر، الذي أدانت السلطات الأردنية عملية اغتياله، مثلما أدانتها الأحزاب والقوى السياسية بمختلف تياراتها الماركسية واليسارية والقومية العربية والإسلامية، والمنظمات الحقوقية ومؤسسات المجتمع المدني العربية والعالمية؟ وبقدر ما كان حتر أردنياً، فكان عربياً، وبالقدر نفسه كان أممياً وإنسانياً، يؤمن بتآخي الشعوب وبالمشترك الإنساني وبما يوحّد البشر ويحقّق العدالة والمساواة، وكان مكافحاً شجاعاً يُصارع الحجة بالحجة ويدفع الرأي بالرأي ويطرق الفكرة بالفكرة.
   وكان ناهض حتر واضحاً في تصدّيه للفكر التكفيري المتطرّف وللجماعات الأصولية المتعصّبة، مثلما كان ضدّ التدخلات الخارجية من أي ومن أين أتت، سواء باسم مواجهة أنظمة دكتاتورية أو نشر وتعميم الديمقراطية، لأنه أدرك مثل عديد المثقفين أن أي تدخّل أجنبي سيقود إلى تعقيد الأوضاع الداخلية، وينشر الفوضى والتشرذم في المجتمعات العربية، وكان يعرف ما حصل للعراق بعد الاحتلال الأمريكي ويتألّم لذلك، ولا يريد لسوريا أن تكون الضحية المقبلة، ولهذا كان يدعو للانتقال الديمقراطي بوسائل سلمية ومدنية، وبتوفير أدوات مناسبة تهيّىء لذلك، ولن يكون ذلك إلاّ بالإقرار بحق الاختلاف والتنوّع والتعددية، وعبر أسلوب الحوار، وبالضغط الشعبي.
   كما كان ناهض حتر يدرك خطر الصهيونية على الأمة العربية ووسائلها الخبيثة في التغلغل الناعم، إضافة إلى آلتها العسكرية العدوانية وحروبها التدميرية، لأنه يعرف أن "إسرائيل" مشروع عدوان دائم ومستمر، وكل عدوان يولّد عدواناً، لأن أساس وجودها واستمرارها قائم على الاستلاب والتوسّع، وهي آخر استعمار عنصري استيطاني في العالم.
   وقد بادر بزيارتي في منزلي ببيروت قبل نحو خمسة أعوام، ، ودعاني لتحرّك عربي لمناهضة المشروع الصهيوني، ولا سيّما إعادة الروح إلى "اللجنة العربية لمناهضة الصهيونية والعنصرية" التي كان لي الشرف أن أكون أميناً عاماً لها، وأن يكون الدكتور جورج جبور رئيساً لها، وقد ضمت كوكبة من المفكرين والمثقفين العرب، أو أي شكل جديد يصبّ في هذا الميدان، ولدرء تصدّع البلدان العربية وانتشار الفوضى والتفتّت.
- 3 -
كنت في العام 1994 قد نظّمتُ ندوة فكرية "حول الاغتيال السياسي" في لندن "الكوفة كاليري" في إطار المنظمة العربية لحقوق الإنسان، وكانت المناسبة اغتيال الشيخ طالب السهيل التميمي في بيروت، وقد تابعت خلال السنوات المنصرمة حوادث الاغتيال السياسي البارزة التي حصلت في العالم العربي، وحاولت الكتابة عنها أو الإشارة إليها مثل:
اغتيال غسان كنفاني وكمال عدوان وكمال ناصر وأبو يوسف النجار على يد "الموساد الإسرائيلي" في بيروت، وكذلك اغتيال باسل الكبيسي ويحيى المشد عالم الذرة المصري الذي كان يعمل لحساب العراق في باريس، واغتيال خليل الوزير "أبو جهاد" في تونس على يد "الأجهزة الإسرائيلية"، واغتيال ناجي العلي في لندن، ومحمد المبحوح في الإمارات، واغتيال علي شريعتي في لندن، ومحاولة اغتيال مصطفى البارزاني في كردستان، واغتيال عبد الرحمن قاسملو وفاضل رسول في فيينا، والسيد محمد صادق الصدر في العراق.
وكذلك: اغتيال الفنان السوداني الخوجلي عثمان، ومحاولة اغتيال نجيب محفوظ، واغتيال فرج فودة في مصر، والطاهر جعوط ويوسف فتح الله في الجزائر، وجار الله عمر في صنعاء، ومحمد باقر الحكيم في النجف، وسيرجيو ديميلو ممثل الأمم المتحدة في بغداد، ومئات من العلماء والأكاديميين العراقيين.
وتكرّرت حوادث الاغتيال اللبنانية، فقد اغتيل رفيق الحريري رئيس الوزراء الأسبق، وجورج حاوي، أمين عام الحزب الشيوعي الأسبق، وجبران التويني رئيس تحرير جريدة النهار، والكاتب والإعلامي سمير قصير، ومحاولة اغتيال مي شدياق ومروان حمادة، كما اغتيل في تونس خلال فترة قصيرة شخصيتين بارزتين هما: شكري بلعيد ومحمد براهمي.
أياً كانت الذرائع المستخدمة سواءً سياسية أو فكرية، وأيّاً كانت المبرّرات والمسوّغات، "طبقية" أم قومية" أم "دينية" أم "مذهبية" أم غيرها، وأيّاً كانت الوسائل المتبعة: رصاصة أو سكين أو كاتم صوت أو كأس ثاليوم أو حادث سيارة أو تفجير أو مفخخة أو عبوة ناسفة، أو اختفاء قسري، كما حصل لموسى الصدر في طرابلس (ليبيا)، ومنصور الكيخيا الذي اختفى من فندق السفير بالدقي (القاهرة)، وصفاء الحافظ وصباح الدرّة اللذان فُقدَ أي أثر لهما في العراق منذ العام 1980،  وعزيز السيد جاسم الذي اختفى قسرياً منذ العام 1991، فإنها من زاوية علم النفس الاجتماعي تلتقي عند عدد من النقاط هي باختصار:
الأولى – أنها تستهدف تغييب الآخر وإلغاء دوره ومصادرة حقه.
الثانية – أنها تعتمد على الغدر وإخفاء معالم الجريمة في الغالب.
الثالثة – أنها تتّسم بسرّية كاملة وقد يقوم بها بعض المحترفين.
الرابعة – أنها تستخدم كل الأساليب لتحقيق أهدافها من أكثرها فظاظة وبربرية إلى أكثرها مكراً ونعومة، بحيث يمكن إخفاء أي أثر يُستدلّ عليه من الضحية.
الخامسة – الحرص على إخفاء هويّة المرتكبين وقد يمشي المجرم في جنازة الضحية، الأمر الذي قد تنصرف فيه الأذهان إلى أطراف أخرى، بما فيها قد تكون صديقة أو قريبة، بهدف التمويه ودق الأسافين وإضاعة معالم القضية.
السادسة – أنها تتجاوز على القانونية والشرعية، سواءً كانت الحكومات هي المسؤولة عن تطبيق القانون والشرعية وهكذا يُفترض، فما بالك حين تقوم بعض أجهزتها بالضدّ من ذلك، أو كانت من قوى التطرّف والإرهاب التي لا تعترف بالقانون وبالشرعية، بل إنها تنتهكهما جهاراً نهاراً، ولعلّ ما قام به "داعش" وقبلها "القاعدة" وربيبتها "جبهة النصرة" وأخواتها، ليس سوى محاولة لإلغاء الآخر، بل إنهاء حياته، بهدف إسكاته، وذلك ما استهدفه قاتل ناهض حتر.
ولا بدّ من الإشارة إلى أن الاغتيال السياسي ومصادرة حق الحياة، هما أسوأ درجات انتهاك حقوق الإنسان، وهما دليل ضعف وليس وسيلة قوة، ولذلك فإن الجهات التي تلجأ إليهما أحياناً، تحاول التنصّل منهما رسمياً أو تنفي مسؤوليتها عن أعمال ترتكب باسمها، بل تحاول خلط الأوراق للتمويه على هويّة المرتكب.
نُشرت في مجلة المصير "التونسية"، العدد 1، يناير (كانون الثاني) 2017

48
عن أشكال العبودية الجديدة
عبد الحسين شعبان
أكاديمي ومفكّر عربي
   إذا كان المجتمع الدولي قد اتّجه في القرنين الماضيين لإلغاء العبودية، فإن ثمّة أشكالاً جديدة أخذت بالظهور ترافقاً مع موجة التعصّب، والتطرّف، والإرهاب، التي ضربت العالم في العقود الثلاثة الماضية، والتي اتّخذت شكلاً تكفيرياً وتدميرياً، بل وإبادياً في السنوات الأخيرة، لا سيّما بعد ظهور تنظيم "القاعدة"، وربيبه تنظيم  "داعش" في العراق والشام.
   وفي ظلّ العولمة، وبفعل التطوّر العلمي والتقني، خصوصاً في تكنولوجيا الإعلام، والمعلومات والاتصال والمواصلات والطفرة الرقمية "الديجيتيل"، فإن ظاهرة العبودية بشكلها القديم الذي أخذ العالم كلّه يتبرأ منها، ويسنّ القوانين لمكافحتها، بدأت بالظهور عبر أشكال جديدة، مثل الاتجار بالبشر، وتجارة المخدّرات، وتجارة السلاح، وتبييض الأموال، والاتجار بالأعضاء البشرية، أو غيرها من أنواع التجارة التي تلحق ضرراً بليغاً بالإنسان، وكرامته وآدميته.
   وإذا كانت العبودية بشكلها القديم مظهراً مستهجناً في عالمنا المعاصر، لدرجة أنه كاد ينقرض، فإن ظهورها بحلّة جديدة ليس فقط أمراً لا أخلاقياً ولا إنسانياً فحسب، بل إن ضرره وخطره على المجتمع ككلّ، أصبحا أشدّ بأساً بما لا يقاس، فضلاً عن أنه جريمة دولية بحق الإنسانية، خصوصاً حين يتعلّق الموضوع باستعباد فئات، أو مجاميع بشرية، أو أشخاص من خلال قيود وإجراءات من شأنها التحكّم فيهم، وإخضاعهم لظروف وأوضاع تكاد تقترب من سلب حريّتهم، بتوظيفهم واستغلالهم بما يعود بالنفع المادي على الجهات التي تستخدمهم.
   لعلّ مناسبة هذا الحديث، هو ندوة مهمّة نظّمها مركز جامعة الدول العربية في تونس، بمرور 170 عاماً على إصدار أمر المشير أحمد باي يقضي بـ"إلغاء الرّق وعتق العبيد" وذلك في العام 1846، وإذا كان هذا القرار المتقدّم يأتي من دولة صغيرة قياساً بجيرانها من جنوب وشمال البحر المتوسط، إلاّ أنها كبيرة بما قدّمته للبشرية في السابق والحاضر بريادتها وحجم تأثيرها.
   والشيء بالشيء يُذكر - كما يُقال - فإن تونس بعد ثورة 14 جانفي (يناير - كانون الثاني 2011) أصدرت قانوناً جديداً يقضي بـ"منع الاتجار بالبشر ومكافحته"، في 3 أغسطس (آب) 2016، بهدف منع جميع أشكال الاستغلال التي يمكن أن يتعرّض لها الأشخاص، وخاصة النساء والأطفال ومكافحتها بالوقاية من الاتجار بهم، وردع مرتكبيه وحماية ضحاياه ومساعدتهم.
   إن أشكال العبودية الجديدة التي يواجهها العالم تحتاج إلى بحث معمّق للظاهرة من جوانبها المختلفة، التاريخية والقانونية والفكرية والثقافية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والدينية وغيرها، حيث لا يزال هناك نحو 45 مليون إنسان تشملهم ظاهرة الاتجار بالبشر، وتبلغ قيمة هذه التجارة نحو 150 مليار دولار. وقد ساهمت الحروب والنزاعات الأهلية، إضافة إلى ظواهر الإرهاب والعنف والهجرات والنزوح، وتمزّق الروابط الاجتماعية والعائلية، في تعريض الملايين من النساء والأطفال للابتزاز والاغتصاب وتجارة الجنس والمخدّرات وتبييض الأموال وتجارة السلاح وغيرها، وجميعها تشكّل انتهاكات سافرة لحقوق الإنسان وكرامته.
   وقد أقدم "داعش" على عمليات استرقاق جديدة، وعبودية مستحدثة، لا سيّما إزاء أتباع الأديان الأخرى، من المسيحيين والإيزيديين والصابئة المندائيين، حين اشترط عليهم الدخول في الإسلام على طريقته، أو بدفع الجزية أو الرحيل، وإلاّ فإن القبور سوف تنتظر الرجال، ويكون مصير النساء السبي والبيع في سوق النخاسة، وهو ما حصل لمئات النساء الإيزيديات بعد احتلال "داعش" للموصل في 10 يونيو (حزيران) 2014.
   وكانت الندوة قد سلّطت الضوء على موضوع التعامل مع الرق والعبيد في الحضارة العربية - الإسلامية، وعلى الرغم من عدم وجود نص تحريمي في ذلك الزمان، إلاّ أن الإسلام دعا منذ وقت مبكر إلى "معاملة الأسرى والعبيد معاملة حسنة والرفق بهم"، ونهى الرسول محمد (ص) على تسميتهم بالعبيد، خصوصاً أن الإسلام ساوى بين البشر في الكرامة الإنسانية، وكان النبي محمد (ص) يشجّع على عتقهم، وبهذه المناسبة نستذكر الفاروق عمر بن الخطّاب الذي قال: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا"، وهو نصّ ورد ما يشابهه في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عام 1948 والذي جاء في مادته الأولى: "يولد جميع الناس أحراراً ومتساوين في الكرامة والحقوق...".
   وبالتدرّج، وبحكم قوانين التطوّر وتوقيع العديد من البلدان العربية على الاتفاقيات الدولية الخاصة بحقوق الإنسان، فإن دساتيرها وقوانينها أخذت تنحو منحى تحريم تجارة العبيد، بل والمساءلة على من يقوم بها، وقد يكون مناسباً ليس فقط التوقيع على الاتفاقيات الدولية ذات الصلة في هذا المجال، بل تغليظ العقوبات لمن يرتكب جريمة الاتجار بالبشر بمختلف أشكالها وفروعها.
   وإذا كانت العبودية بشكلها القديم قد انتهت ولم يعد لها وجود في عالمنا، فإن الأشكال الجديدة من الاستعباد تشكّل خطراً حقيقياً على الإنسانية جمعاء، وهي تمثّل انتهاكاً صارخاً لقواعد القانون الدولي والقانون الإنساني الدولي، وللاتفاقيات والمعاهدات الدولية وللشرعة الدولية لحقوق الإنسان، ولا بدّ من التعاون على المستوى الدولي لوضع حدٍّ لهذه الظاهرة المشينة.



49
المنبر الحر / عن حكم القانون
« في: 19:17 16/01/2017  »
عن حكم القانون
عبد الحسين شعبان
أكاديمي ومفكّر عربي
حين تبنّى عدد من النواب الكوريين "عشية العام الجديد 2017" مذكرة لإقالة الرئيسة بارك غيون، بسبب فضيحة فساد واسعة، ونقل صلاحياتها إلى رئيس الوزراء، امتثلت الرئيسة، فالأمر كان وفقاً للدستور، وطبقاً لحكم القانون. استعدتُ بهذه المناسبة وأنا أقلِّب أوراقي كيف أوقف الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي العام 2014، في قضية استغلال نفوذ؟ مثلما استذكرتُ فضيحة ووترغيت بحق الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون التي هزّت العالم، كما يُقال، حيث كان يتنصّت على مكاتب الحزب الديمقراطي المنافس، ووجّهت التّهمة إليه تمهيداً لمحاكمته وعزله تحت عنوان "إعاقة العدالة"، ومخالفة القانون.
وكانت تهمة الرئيس الفرنسي جاك شيراك تبديد المال العام، وتهم فساد أخرى، وذلك خلال رئاسته بلدية باريس، وقد تم الحكم عليه بالسجن سنتين مع وقف التنفيذ. أما رئيس الوزراء الإيطالي سيلفيو برلسكوني، فقد اتهم بالتهرّب من العدالة، إضافة إلى فضائح مالية وأخلاقية، حيث اضطرّ لتقديم استقالته وصدر الحكم عليه بالسجن سبع سنوات. هكذا في الدولة القانونية يُستدعى العديد من المسؤولين للتحقيق، أو يقالون طبقاً لأحكام الدستور والقانون، فلا فرق بين حاكم ومحكوم إزاء القانون، فما هو حكم القانون؟
يُعتبر "حكم القانون"، أو "سيادة القانون" أصلاً من الأصول الدستورية، بمعنى أن السلطات العامة في أي دولة لا يمكنها ممارسة سلطتها إلاّ وفقاً للقانون، وفي الأغلب الأعم والشائع السائد وفقاً لقوانين مكتوبة صادرة طبقاً لإجراءات دستورية متفق عليها في الدستور، والهدف من ذلك هو تحقيق الحماية ضدّ التعسف، والأحكام الجائرة. ويعني حكم القانون وجود قوانين وتشريعات ناظمة، وعلى أساسها تُقام المؤسسات، وينعقد القضاء وتتم من خلاله حماية أرواح وممتلكات المواطنين، وحفظ النظام والأمن العام.
وفي الدول الديمقراطية يكون المسؤول الأول في الدولة ابتداءً من رئيس الجمهورية، أو رئيس الوزراء، وانتهاءً بشرطي، أو جابي الضرائب، يتحمّلون المسؤولية ذاتها عن الأعمال التي يقومون بها، مثل أي مواطن آخر، الأمر الذي يصبح تنفيذ القانون ملزماً للجميع، لمن وضعه، ولمن يقوم بتنفيذه والجميع مطالبون بالتقيد به، ولذلك نلاحظ حالات كثيرة تتم فيها متابعة المسؤولين في الدولة بصفتهم الشخصية، ويمثل كثيرون منهم أمام القضاء لمحاسبتهم واتخاذ عقوبات بحقهم.
ويرتبط مفهوم حكم القانون وسيادة أحكامه بعدد من المفاهيم منها:
1 – عدم سن قوانين بأثر رجعي "لا عقوبة ولا جريمة إلاّ بنص".
2 – افتراض البراءة "المتهم بريء حتى تثبت إدانته".
3 – العقوبة المضاعفة "لا يعاقب الإنسان إلّا مرة واحدة عن الجريمة المعينة التي ارتكبها" (مع السماح بإعادة المحاكمة في حال توفّر أدلّة جديدة).
4 – مبدأ المساواة القانونية (أي عدم التمييز بسبب الدين، أو العرق، أو اللون، أو اللغة، أو الأصل الاجتماعي).
وحسب مونتيسكيو: القانون مثل الموت الذي لا يستثني أحداً.
5 – إخبار المتهم بالجريمة التي يتهم بها.
6 – أن تقوم بحبسه جهة قضائية.
ومبدأ حكم القانون لا يتعرّض إلى عدالة القانون ذاته، ولكن يُعنى بالمحافظة على النظام القانوني من خلال الامتثال لحكم القانون، وعكسه ستكون الفوضى، ولكن مبدأ حكم القانون يعتبر شرطاً من شروط الدولة الديمقراطية، وكان أرسطو أول من تحدث عن هذا المبدأ باعتباره من القانون الطبيعي.
وبرغم الاختلاف الفكري والسياسي بين الأنظمة السياسية، فإنها جميعها تتحدث عن مبدأ حكم القانون، وفي الدول الديمقراطية فإنه يشكّل وسيلة لفرض قيود على الحكومة، ومنعها من التغوّل على المواطن، أو الاستبداد في الحكم، أو التعسف في إصدار الأحكام، في حين تستخدمه الدول الشمولية والدكتاتورية للتغوّل على المواطن بزعم حماية المجتمع.
وتميل الدول الشمولية إلى استخدام مبدأ حكم القانون بما يضمن إخضاع الدولة لمن بيدهم السلطة، وأحياناً تبتلع السلطة الدولة، وتخضعها لصالحها، وتوظفها لمصلحتها بزعم الدفاع عن مصالح الأمة، أو الشعب، أو الكادحين، أو مصلحة الثورة، أو تحرير الأراضي، أو إعلاء شأن الإسلام، أو غير ذلك من ذرائع هدفها الزوغان من حكم القانون واستخدامه أداة لإملاء الإرادة على الآخرين.
وقد سارت جميع الأنظمة الشمولية في هذا الاتجاه دولياً: الفاشية، والدول الاشتراكية السابقة، وإقليمياً دول ما نسميه بـ"التحرر الوطني" التي حكمت باسم القومية أو الدين أو مصالح الكادحين، مبررة ذلك بالصراع مع العدوّ والأخطار الخارجية ومهمات تثوير المجتمع وتغييره عبر الثورة على القوانين ومن خلالها، يتم تجاوز الواقع. وأياً كانت المبرّرات، فإن النتيجة كانت لغير صالح حكم القانون الذي لن تتقدّم الدول وتتحقق التنمية بمعناها الشامل والمستدام إلاّ من خلاله، وحتى لو كان القانون متخلفاً فينبغي العمل على تغييره بالوسائل السياسية والدستورية ومن خلال التراكم والتطوّر، مثلما يمكن أن يلعب الرأي العام وقواه الحيّة دوراً في ذلك.
وقد أكّدت جميع التجارب العالمية والإقليمية والعربية، أن التغييرات الانقلابية التي حصلت ويتم فيها التجاوز على القانون سرعان ما عادت وانتكست، مؤخِّرة التطوّر الطبيعي التدريجي.
وفي الدول الديمقراطية: الشعب مصدر السلطات (بواسطة ممثليه)، في حين أن هدف القانون في الأنظمة الشمولية والدكتاتورية هو "مصلحة الشعب التي تمر عبر مصلحة الحاكم". أما في الأنظمة الديمقراطية، فإن طاعة القانون، ليست في جميع الأحوال ناجمة عن الخوف من العقوبة، بل وفي الكثير من الأحيان من خلال القناعة، وعبر التراكم الحقوقي والثقافة الحقوقية والديمقراطية تنشأ ثقافة عامة في المجتمع تشجّع على احترام القانون، وتزدري منتهكيه بما فيه المخالفات البسيطة لأنظمة المرور مثلاً، أو لاختراق الدّور عند الانتظار أمام دائرة أو مؤسسة أو في مطار، في حين أن الطاعة في الأنظمة الشمولية تأتي عن طريق الخوف، أو الردع، أو العقوبات الغليظة واللاقانونية أحياناً، أي أنها طاعة إجبارية وإكراهية في الأغلب.
"القانون فوق الجميع" في الأنظمة الديمقراطية، وفي نقيضها الأنظمة الشمولية "الحاكم فوق القانون"، والحاكم هو الذي يسنّ القانون من خلال قرارات فوقية، بحجة "حكم الضرورة" و"الأوضاع الاستثنائية" وأحياناً تبرير "المحظورات" بحجّة "الضرورات"، أو من خلال مجالس تشريعية مزيفة أو مزوّرة أو بانتخابات شكلية، وحتى لو تضمّنت شكلياً على القيم الديمقراطية، فإنها تعطّل تحت ذرائع مختلفة، في حين أن القيم الديمقراطية يتم تعميقها برقابة الرأي العام في الأنظمة الديمقراطية (إعلام، مؤسسات مجتمع مدني، منظمات حقوقية..).
 وأساس القوانين في الأنظمة الديمقراطية: الحريّات العامة والخاصة، ولا سيّما حريّة التعبير والحق في تأسيس الأحزاب والجمعيات والنقابات، وحق الاعتقاد ومبادىء المساواة والشراكة والمشاركة والمساءلة والشفافية، في حين أن بعض القوانين تعطّل أو تسوّف تحت ذرائع مختلفة، فتارة بزعم مصالح البلد العليا، وأخرى بحجة التحدي الخارجي وثالثة التغيير بالقوة أو بالثورة للقضاء على أعدائها حتى لو تم التجاوز على القانون وانتهاك حقوق الإنسان، وكل ذلك يتم تبريره بحجج وشعارات كبرى لا تصمد أمام الواقع الموضوعي.



50
المنبر الحر / حوار الأمم الأربع
« في: 20:02 15/01/2017  »
حوار الأمم الأربع
عبد الحسين شعبان
أكاديمي ومفكّر عربي
   "منذ بداية الثورة (14 جانفي – يناير/ كانون الثاني 2011) وإلى الآن حضرت نحو  300 مؤتمر وندوة وفعالية حقوقية وثقافية وتدريبية، كان أغلب المحاضرين والمتحدثين فيها أجانب وغربيين، لكن هذه الفعالية لها نكهة خاصة، فالمتحدثون فيها هم من أبناء المنطقة: عرباً وكرداً وتركاً وفرساً... إنه شيء مختلف ونحتاج إليه وإلى حوار جاد ومسؤول للبحث عن المشتركات التي تجمعنا".
   بهذه الرؤية اختصر أحد المشاركين مبادرة الحوار بين مثقفي الأمم الأربعة، التي أطلقها "المعهد العربي للديمقراطية"، والذي تأسَّس في العام 2012 بعد نجاح الثورة التونسية، واتّخذ من تونس العاصمة مقرّاً له، وهو امتداد لـ"مركز دعم الديمقراطية في العالم العربي" الذي تأسَّس في روتردام (هولندا) العام 2004.
   ولم يأتِ هذا الحدث الثقافي المتميّز إلاّ بعد حوار ونقاش وجدل بين نخب مختلفة ومتعدّدة، وفي بلدان عديدة، الأمر الذي وفّر قناعات متراكمة وخبرات مضافة، لتأكيد أهمية مثل هذا الحوار الذي لم يعدْ حسب تقديري ترفاً فكرياً، بقدر ما هو حاجة ضرورية وماسّة، فالحوار الثقافي بشؤونه وشجونه بين مثقفي الأمم الأربعة أصبح اختياراً وخياراً لا غنى عنه، ولا مناص من اعتماده وسيلة فعّالة للعلاقة بين البلدان والأمم والشعوب والجماعات، وبهذا المعنى فهو في الوقت نفسه اضطرار، لأن نقيضه سيعني استمرار الحال على ما هو عليه من تباعد وانغلاق وتناحر، على أقل تقدير.
   وفي حين يتجه العالم أمماً وشعوباً وهيئات نحو التقارب والتعاون والتكامل، تستمر منطقتنا في حالة من التنافر والنزاع والاحتراب، تلك التي لا يستفيد منها إلاّ أعداء الأمم الأربع، ومن يغيظهم أي تقدم يحصل على طريق إذابة الثلوج التي تمنعهم من التلاقي والتراضي والتشارك.
   إن عالمنا المعاصر عالم متشابك ومتعدّد ومتداخل من المصالح والمنافع والمشتركات، خصوصاً في ظل المرحلة الثانية من الثورة العلمية – التقنية منذ نهاية القرن العشرين ومطلع القرن الحادي والعشرين، ولا سيّما في مجال الاتصال والتواصل والمواصلات، الأمر الذي يتطلّب التغيير باتجاه التعايش والتفاهم والتسامح والسلام والتواصل، وعكسه سيستمر الصراع والاحتراب والتخندق والتمترس والانعزال الذي دفعت ثمنه شعوبنا وأممنا غالياً، فما بالك باستمرار النزاعات والتناحرات والحروب الخارجية والداخلية، الدولية والأهلية، وشيوع ظواهر الإرهاب الدولي العابر للقارات والحدود، وهو إرهاب معولم لا دين له ولا قومية ولا لغة ولا جنسية ولا منطقة جغرافية ولا هويّة خاصة.
   ومثلما كان الحوار العربي – الكردي فكرة عامة، فقد أصبحت بفضل المبادرة التي أطلقتها المنظمة العربية لحقوق الإنسان منذ أكثر من ربع قرن والتي تبلورت في 17 أكتوبر (تشرين الأول) العام 1992، فكرة ملموسة وقابلة للتنفيذ والتفاعل والتواصل، حيث تم تنظيم حوار في لندن لأوّل مرّة بين مثقفين من العرب والكرد (من أقطارهم المختلفة) وضم الحوار 25 عربياً و25 كردياً، وعلى أساسه نُظّم الحوار الثاني العام 1998 في القاهرة، ومن ثم تمَّ تأسيس جمعيات للصداقة العربية – الكردية في فلسطين والأردن والعراق ونواتات أخرى غيرها.
   الحوار بين مثقفي الأمم الأربع ينطوي على عدد من الاعتبارات، وأهمها:
   الأول – أنه حوار ثقافي معرفي يتّصل بمجمل علاقات الأمم الأربع، وهدفه تعزيز وتوطيد العلاقات بمختلف جوانبها، وبين المثقفين بشكل خاص. وهو حوار سلمي ومستقبلي، لا يبحث في الماضي إلاّ بالقدر الذي يتناول ما هو إيجابي وجامع وموحّد، أي أنه لا يستغرق في بحث السلبيات القديمة والعقد التاريخية، وإنما يركّز على الإيجابيات والمشتركات، لا سيّما في بعدها الإنساني، وفيما يتعلّق بالقيم الإنسانية المشتركة، وحقوق الإنسان، بما فيها حق الأمم والشعوب بتقرير مصيرها بحريّة، وحقها في اختيار نظامها الاجتماعي دون تدخل أو هيمنة أو أي شروط مجحفة أو غير متكافئة.
   الثاني – أنه حوار يستهدف دعم مشروع الانتقال الديمقراطي ودحر التحدّي الإرهابي، وذلك بالتنمية واعتماد قيم التّسامح والسّلام واللاّعنف، وهو حوار يبحث في أواصر الصداقة والتضامن. وبهذا المعنى فإنه يستهدف تطويق ظواهر التعصّب والتطرّف والطائفية والعنصرية والإلغاء والتهميش، والتصدي لمحاولات زرع الشكوك والألغام بين الأمم الأربعة، خصوصاً وأن قوى غير قليلة خارجية وداخلية، استعلائية ومتطرّفة، يهمّها أن تبقى أممنا وشعوبنا في حالة من التباعد والتفرّق والتشتّت والتشظّي، بل والاحتراب والكراهية.
   الثالث – أن مثقفي هذه الأمم بقدر اعتزازهم بهويّتهم وخصوصيتهم وتراثهم وتاريخهم ولغتهم، فإنهم في الوقت نفسه يشعرون بأنهم جزء من حضارات وامتداد لثقافات تفاعلت في الماضي في إطار أديان وسلالات ولغات كانت عامل قوّة وليست عنصر ضعف وعامل غنى وليس عنصر خواء، واليوم فإن المثقفين بشكل عام يشعرون أكثر من أي وقت مضى أنهم جزء من الثقافة الإنسانية، وبقدر محليتهم فهم مثقفون كونيون بما يحملونه من قيم، يتواصلون بها مع الآخر، ويعترفون لغيرهم مثلما لأنفسهم بالحقوق والمساواة. وهذا يعني أن اعتزازهم بثقافتهم وخصوصيتها ولغتها، إنما هو تفاعل مع القيم الإنسانية والحضارة البشرية بشكل عام.
   وفي ختام ندوة "حوار الأمم الأربع" التي استمرت 3 أيام، (23 – 25 ديسمبر / كانون الأول 2016) صدر "إعلان تونس" الذي تضمن الأسس والأهداف والوسائل التي قام عليها تأسيس "المنتدى المشترك للأمم الأربع" وكُلِّف المعهد العربي للديمقراطية باعتباره صاحب المبادرة في إدارة شؤونه واقتراح الخطط والبرامج لأنشطته وفعالياته، مع تشكيل لجنة عليا للمتابعة تعمل على رسم السياسات وبناء الاستراتيجيات لإنجاح مساره وتحقيق أهدافه.
   وأكّد "إعلان تونس" على تقريب وجهات النظر، والمساهمة في نشر ثقافة الحوار، ومحاربة الأفكار والمشاريع المتعصّبة والمتطرّفة والإرهابية، بتشجيع مراكز القرار على التواصل والتعاون والعمل المشترك، وبما يساعد الأمم الأربعة على ضمان مصالحها وتحقيق تطلعاتها، خصوصاً عندما أكد على استقلال القرار الوطني، ومنح الأولوية لإيجاد حلول بين أبنائها، وبما يجنّب أهوال التدخّل الخارجي ويعزّز قدراتها الذاتية.
   لعلها المرّة الأولى التي يتمّ فيها الاتفاق على تنظيم "منتدى مشترك" للأمم الأربع، ينعقد سنوياً بالتتابع في ما بينها، ويكون مفتوحاً لمثقفين ونشطاء مدنيين ومؤسسات مجتمع مدني، وذلك من خلال المساهمة في العمل على تعبئة قوى التنوير والتحرّر والديمقراطية لمجابهة المشاريع الإرهابية "الداعشية" ودعم مسارات الانتقال الديمقراطي في المنطقة، وفي مقدمتها التجربة التونسية، كما توجّه إعلان تونس إلى مخاطبة الحكومات المعنية والجهات السياسية والمنظمات الإقليمية والدولية، ذات الصلة.



51
سـؤال وستـفاليا العـربـي
والخرائط الجديدة ما بعد "داعش"
عبد الحسين شعبان
أكاديمي ومفكّر عربي
هل سنحتاج إلى "وستفاليا" لرسم الخرائط الجديدة ما بعد "داعش" أم ثمّة تحدّيات أخرى لا تقل خطورة عن "داعش" نفسه؟ سؤال طرحه مايكل اكسورثي وباتريك ميلتون في مقالة لهما بعنوان "وستفاليا لا تصلح للشرق الأوسط"، وذلك في مجلة (فورين أفيرز Foreign Affairs)، (أكتوبر/تشرين الأول 2016)، وإذا كان المقصود بالسؤال الصراع العربي – "الإسرائيلي" وحقوق الشعب العربي الفلسطيني، فالجواب سيكون مختلفاً وربما معروفاً، لا سيّما باستمرار سياسة "إسرائيل" العدوانية وانتهاكها لأبسط القوانين الدولية، إضافة إلى الشرعة الكونية لحقوق الإنسان. أما إذا كان الموضوع يتعلق بالداخل العربي والنزاعات الأهلية، فالأمر بحاجة إلى إضاءة عربية على معاهدة وستفاليا، وهي مقاربة مختلفة.
وكانت معاهدة "وستفاليا" قد اختتمت حرب الثلاثين عاماً في أوروبا 1618 - 1648، فهل ستستطيع إطفاء الحرائق الدينية والطائفية والإثنية في المنطقة بما فيها من نزاعات وحروب أهلية وتداخلات خارجية؟
أياً كانت الإجابة عن السؤال سلباً أو إيجاباً، فإن المعطيات المتوفرة بين أيدينا تؤكد ارتفاع وتيرة التعصّب والتطرّف والعنف والإرهاب في المنطقة خلال العقد الماضي، ولا سيّما بعد اندلاع موجة ما سمّي بالربيع العربي والفوضى التي أعقبته، خصوصاً بتدهور هيبة الدولة، وبالأخص بعد احتلال "داعش" للرقة وتمدّده باتجاه العراق، واحتلاله للموصل (ثاني أكبر محافظة عراقية)، إذْ يبلغ عدد سكانها نحو أربعة ملايين نسمة، وقضاء الموصل لوحده يضم مليون وسبعمائة ألف نسمة.
وهكذا فتح "داعش" مع ارتفاع منسوب الاستقطاب والتداخل الدولي والإقليمي السبيل لرسم خرائط جديدة للمنطقة، الأمر الذي يطرح احتمالين أساسيين:
الاحتمال الأول – هو إعادة ترتيب أوضاع المنطقة بعد الانتهاء من طرد "داعش"، واستعادة لحمة الدولة الوطنية في العراق وسوريا وبقية البلدان التي تعاني من الاحتراب الداخلي، مثل ليبيا واليمن، بفتح آفاق لتسوية تاريخية توافقية.
والاحتمال الثاني – هو أن تتمسَّك الأطراف المتصارعة بمواقعها، وأن يعود الغرماء إلى التشدّد أكثر من قبل، وهذا سيعني أن "وستفاليا" ليست صالحة لمثل هذه التسوية، وأن الخرائط الجديدة سترسم بالدم، وقد سبق لبرنارد لويس أن بشّر بها منذ العام 1979 وبشكل خاص بعد العام 1982، حين وضع خرائط جديدة للمنطقة العربية بتفتيتها إلى نحو 41 كياناً، وذلك على أساس ديني ومذهبي وإثني وغيرها، من خلال دوقيات وإمارات وفيدراليات وكيانات.
تفتيت المنطقة
وكان هنري كيسنجر مستشار الأمن القومي الأمريكي ووزير الخارجية الأسبق، هو الذي دعا إلى تفتيت المنطقة العربية في العام 1975: علينا إقامة إمارة وراء كل بئر نفط، والمقصود بذلك هو جعل المنطقة العربية بلا هويّة جامعة، وتجزأتها إلى هويّات متناحرة وتقسيمها طولاً وعرضاً، ليصبح الجميع "أقليات" متنازعة، حينها تكون "إسرائيل" الأقلية المتميّزة تكنولوجياً وعلمياً واقتصادياً، خصوصاً بدعم من الغرب ومساعدته المستمرة.
ومن الناحية  الفعلية فقد ألغى "داعش" الحدود التي رسمتها معاهدة سايكس – بيكو السرّية التي أبرمتها بريطانيا وفرنسا في العام 1916 بالتعاون مع الإمبراطورية الروسية، والتي كشفتها الثورة البلشفية في العام 1917، والتي كانت تقضي تقسيم "تركة" الرجل المريض "الدولة العثمانية" بعد الحرب العالمية الأولى، وذلك حين سيطر "داعش" على نحو ثلث الأراضي السورية، إضافة إلى ثلث الأراضي العراقية، وخصوصاً بعد استيلائه على محافظتي صلاح الدين والأنبار (أكبر محافظة عراقية من حيث المساحة)، وأجزاء من محافظتي كركوك (وخصوصاً الحويجة التي لا تزال تحتلها، على الرغم من هزيمته في صلاح الدين والرمادي) وديالى، ووصل تهديده إلى بغداد، والعنوان هو "إقامة الدولة الإسلامية".
ومنذ 10 يونيو (حزيران) العام 2014 عمل "داعش" على إلغاء هويّة المناطق التي احتلّها وفرض عليها نظاماً إسلاموياً بالسيف والإرهاب، خصوصاً بتفسيره المشوّه للإسلام، ناهيك عن موقفه الإقصائي من الأديان والمعتقدات الأخرى، مثل المسيحيين والإيزيديين وغيرهم، الذين استبيح دمهم وأخذت نساؤهم سبايا، وطولبوا بدفع الجزية أو الدخول بالإسلام، ليس هذا فحسب، بل إنه تعامل بذات القسوة مع الرأي الآخر أياً كان، سواء من هذه الطائفة أو تلك، طالما لا يرتضي أو لا يقر أو لا يمتثل لتعاليمه، كما قام بتدمير الصروح التاريخية والأثرية التي لا تقدّر بثمن من النمرود العظيم إلى مدينة الحضر الخالدة، ومن الجوامع إلى الكنائس ذات القيمة الحضارية.
وإذا كان "داعش" صائراً إلى زوال، لأنه ضد منطق التاريخ والحياة والتقدم والعصر، فإن ما بعد "داعش" سوف لا يكون مثل ما قبله إيجاباً أو سلباً، سواء على المستوى الجغرافي أو الديموغرافي أو الإداري أو القانوني أو السياسي، أو من جهة من سيتولى الحكم فيها وفي المناطق التي يتم تحريرها، إضافة إلى الجانب الفكري والعقيدي الشديد الأهمية، فالنصر على "داعش" يقتضي تجفيف منابعه الفكرية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية، وخصوصاً محاولة استغلاله للدين.
وستكون المسألة لها علاقة بالقوى المشاركة في التحرير والاستحقاقات السياسية التي تريد الحصول عليها؟ يضاف إلى ذلك حصول بعض الاحتكاكات الطائفية والاتهامات المتبادلة، فالحشد الشعبي متهم بانتهاك صارخ وسافر لحقوق الإنسان، وخصوصاً في بعض المناطق التي دخلها مثل صلاح الدين، وهناك تحسّس شعبي وتخوّف عام من نفوذ إيراني متعاظم في هذه المناطق ما بعد "داعش"، خصوصاً حين تم مسك الطريق الذي يربط العراق بسوريا، يقابلها اتهامات أخرى لأهالي المنطقة الذين اضطر بعضهم، وإنْ كان قسم قليل، إلى التعامل مع "داعش" وتسهيل مهماته أو التواطؤ معه، الأمر الذي قد يقود إلى انتقامات أو انفلاتات وأعمال عنف ما بعد التحرير.
ويضاف إلى هذا المشهد وجود قوات تركية ومطالبات وأطماع حول الموصل ومزاعم بالدفاع عن التركمان وغير ذلك مما يزيد المعقّد تعقيداً، وفوق كل ذلك هناك رغبة كردية في البقاء في المناطق التي يتم تحريرها وإلحاقها بكردستان، وهو ما جرى التعبير عنه لأكثر من مرّة على لسان القادة الكرد، مما أثار ردود فعل وإشكاليات عربية وتركمانية، إضافة إلى المشكلات الطائفية – الدينية (سنة وشيعة) ومسلمين ومسيحيين وإيزيديين وغيرهم.
كما أن الوجود الأمريكي، لا سيّما العسكري أصبح أكثر تأثيراً من خلال أعداد الجنود والمدربين والقواعد العسكرية، إضافة إلى النفوذ السياسي والأمني منذ انسحاب القوات الأمريكية من العراق في نهاية العام 2011، خصوصاً وأن واشنطن تسعى لتقليص نفوذ إيران، وهو ما صرّح به الرئيس المنتخب دونالد ترامب الذي عبّر عن موقفه، بل قراره الذي بإلغاء الاتفاق مع إيران بخصوص الملف النووي، وقد يزيد مثل هذا الموضوع في رسم الخرائط الجديدة، باعتبارها وسيلة من وسائل الهجوم قبل الدفاع، وهي خرائط ستكون مضرّجة بالدم.
احتمالات أخرى
ولعلّ مثل هذه القضايا وقضايا أخرى تتعلق بعموم بلدان المنطقة، ترتبط إلى حدود كبيرة بثلاث سيناريوهات متوقّعة يمكن أن تحكمها، كما تذهب إلى ذلك الدراسات المستقبلية، فالسيناريو الأول يتعلّق باستمرار الحال، أما السيناريو الثاني فيتعلّق بتدهور الحال، مقابل السيناريو الثالث الذي يتحدّد بتحسّن الحال.
إن استمرار الحال سيعني الجمود وعدم التغيير، الأمر الذي سيقود إلى احتمالات أخرى ربما أسوأ مما هي عليه، وإذا كان دوام الحال من المحال كما يقال، أي أنه غير ممكن لفترة دائمة أو طويلة، لأنه سيؤدي إلى التدهور والانحدار، فإن سيناريو تدهور الحال هو الأشد خطورة، حيث تعمل قوى عديدة بإدراك منها أو بعدم إدراك بما يؤدي إلى هذه النتيجة، خصوصاً حين تُغلِّب الثانوي على الأساسي، والتكتيكي على الاستراتيجي والطارىء والظرفي على الثابت والمبدئي، ولعلّ ذلك ما تستغلّه القوى الخارجية الطامعة بالمنطقة، والمستفيدة من هذه الانقسامات.
والتفتيت قد يؤدي إلى الانحلال، فإما أن يكون واقعياً Defacto Fragmentation أو التفتت الرسمي أي الفعلي Dejure Fragmentation، وذلك حين يتم تحويل الدولة إلى "دويلات" متنازعة، تحت عناوين مختلفة "أقاليم" أو فيدراليات أو غيرها، أو عبر الانضمام والإلحاق.
والأمر أصبح مطروحاً على نحو واسع، وقد يتحقّق بالقوة بعد احترابات ونزاعات مسلّحة. وقد يحصل على اعتراف دولي (شامل أو جزئي)، وقد تأخذ الأجزاء المنقسمة باسم الأقاليم أسماء أخرى غير الدولة القائمة أو تضيف إليها شيئاً من اسمها السابق، وسيكون لهذه الدويلة نشيدها الخاص وعلمها ورموزها، إضافة إلى مؤسساتها وتمثيلها الخارجي (وجنوب السودان أحد الأمثلة).
ومن المحتمل أن يكون هذا التفتت الفعلي هو نتيجة أو مرحلة أخيرة للأمر الواقع، خصوصاً إذا ما استمرت سلطات محلية بصلاحيات موسّعة ونفوذ سياسي وعسكري واقتصادي، ناهيك بامتيازات، حينها سيكون من الصعب على النخب الحاكمة في الإقليمي أو الكيانات المتعارضة التخلي عنها.
وهناك من يطرح مستقبل الموصل ما بعد "داعش" فيقترح أكثر من إقليم، وكذلك أقاليم لصلاح الدين والأنبار، بتخطي فكرة الأقاليم الثلاث السني والشيعي والكردي، التي طرحها جو بايدن نائب الرئيس الأمريكي الحالي منذ العام 2007 ووافق عليها الكونغرس الأمريكي.
أما النوع الآخر من التفتت وغياب الوحدة، فهو الذي يقوم على الانضمام والإلحاق Joining and Annex، إذْ من المحتمل أن تسعى بعض دول الجوار إلى ضمّ ما تبقى من الدولة أو شطرها عند الانقسام، سواء باستخدام القوة لفرض واقع جديد أو بدعوة من أطراف سياسية أو جماعات مسلحة وتحت عناوين التحالف والمصالح المشتركة "القومية" أو "المذهبية" أو غير ذلك، وأعتقد أن الجارين الكبيرين والمحتربين تاريخياً على الأرض العراقية (بلاد ما بين النهرين) وهما إيران وتركيا يمكن أن يكونا جاهزين لاحتواء التفتّت العراقي، وخصوصاً بالتمدّد الجيوبوليتيكي، لا سيّما إذا ضعُف العامل الدولي.
ويمكن أن يقود سيناريو التفتيت، وخصوصاً فيما إذا تم القضاء على "داعش"، وبعد تحرير الموصل إلى تنازعات على السلطة، وإلى حروب أهلية مصغّرة محلية، وليس بالضرورة أن تكون بين الشيعية السياسية والسنية السياسية، بل داخل السنيّة السياسية ذاتها، وداخل الشيعية السياسية باختلاف جماعاتها، وداخل الإقليم الكردستاني (بين إربيل والسليمانية)، وذلك للاستحواذ على مقاليد السّلطة والنفوذ والمال، وخصوصاً في ظل غياب جهد وطني عام لإعادة بناء الدولة وترسيخ كيانياتها القائمة على المواطنة وسيادة القانون، وإرساء قواعد اللعبة الديمقراطية على نحو صحيح. وبقدر ما ينطبق الأمر على العراق، فهو ينطبق على سوريا إلى حد كبير، ويمكن أن تمتد خريطة التفتت إلى ليبيا واليمن، إذا ما استمر الحال على ما هو عليه.
   وعلى عكس سيناريو استمرار الحال، وسيناريو التفتت هناك سيناريو التوحيد وتحسّن الحال، وهذا يتطلّب توفّر إرادة سياسية ووعي لخطوة ما حصل وما يمكن أن يحصل من تفتيت الدولة الوطنية وضبابية مستقبلها، ناهيك عن تعطّل خطط التنمية والإصلاح.
   ولعلّ مثل هذا السيناريو يحتاج إلى مقدمة ضرورية تبدأ بالحوار من دون شروط لتحقيق المصالحة الوطنية والسياسية والمجتمعية لتأخذ شكلها القانوني، على أساس المشاركة والعيش المشترك.
مسؤولية النخب
وهنا تأتي مسؤولية النخب في بلورة المستقبل لمواجهة التحدّيات الجديدة، لأن هناك من سيسعى لاستغلال ما حصل، فيركب الموجة القادمة منتهزاً الفرصة للاستفادة منها وتوظيفها، بما فيها قوى خارجية إقليمية ودولية لا تضمر الخير لدول المنطقة وشعوبها، مثلما حصل خلال موجة ما سمّي بالربيع العربي.
فهل يمكن "لوستفاليا عربية" أن تنقذ بلادنا من فيروس الإرهاب وطوفان الطائفية ووباء التطرف وتضع البلاد على عتبة المواطنة الفاعلة؟ وهو ما حققته "وستفاليا" الأوروبية، بإقرار الحريّات الدينية والاعتراف باستقلال الدول وسيادتها ومنع أي اضطهاد ديني أو طائفي والتعاون فيما بينها وإزالة الحواجز الاقتصادية والعوائق التجارية.
وإذا كانت الدعوة "لوستفاليا" عربية، فالمسألة ليست من باب الاستنساخ أو التقليد، بل الاستفادة من جميع التجارب لإنهاء الحروب الأهلية وعوامل التفتيت الداخلية، ووضع قواعد عامة أساسها عقد اجتماعي – قانوني جديد يستبعد أي إقصاء أو إلغاء، ويضع مسألة العيش المشترك والمواطنة المتساوية واحترام حقوق الإنسان، والهويّة الجامعة مع احترام الهويّات الفرعية والخصوصية الثقافية، في صدارة المهمات التي ينبغي أن يلتقي عندها الجميع.
لقد حاول "داعش" رسم خرائط المنطقة بالدم، فهل ستتمكن مجتمعاتنا رسمها بالتفاهم والتوافق والمشاركة والاعتراف بالآخر؟ أم أن الخنادق والحواجز والسدود التي أقامها "داعش" لا تزال محفورة في الديموغرافيا والجغرافيا والسيسيولوجيا والسيكولوجيا، بل في الروح؟ إنه سؤال وستفاليا العربي!!



52
من وحي مؤتمر فكر – 15:
"بصرة الإمارات"
عبد الحسين شعبان
أكاديمي ومفكّر عربي
حين يزور المرء دولة الإمارات العربية المتحدة، لا يستطيع إلاّ أن يبدي إعجابه بمستوى التطوّر الحاصل في البلد:
أولاً – في معيشة المواطن ورفاهه وتمتّعه بقدر كبير من العيش الكريم والضمان المستقبلي.
وثانياً – للعلاقة الإيجابية التكافلية بين الحاكم والمحكوم، وهي علاقة تمتاز بدرجة عالية من الرضا والقبول، الذي نادراً ما يوجد في دول العالم الثالث، حيث يغلب على العلاقة التصادم والتشكّك، في حين أنها في دولة الإمارات، علاقة تصالحية ووثوقية.
وثالثاً – للاستثمار الكبير في الميدان الإنساني، والمقصود هنا ليس مستوى البناء والعمران والطرق والجسور والخدمات البلدية وغيرها، وإنما في فرص العمل وكفالة التعليم بمختلف مراحله، إضافة إلى التقدم الكبير في الميدان الصحي وتوفيره لعموم المواطنين.
ورابعاً – للقدرة الكبيرة على التعايش السلمي واحترام الخصوصيات في إطار الأمن الإنساني، لا سيّما إذا ما عرفنا بوجود الكم الهائل من الأجانب من مختلف الجنسيات، سواء على مستوى العمالة الوافدة أو مستوى السياحة أو خدمات المطارات وغير ذلك.
وإذا كانت مبادرة تأسيس وزارة للسعادة قد جاءت من باب الاستثمار البشري لمستقبل الإنسان، فإن الأمن الإنساني، اختار تأسيس وزارة للتسامح، وهما خطوتان اتخذتا في العام 2016.
وقد كان مؤتمر "فكر – 15" الذي تنظمه سنوياً "مؤسسة الفكر العربي" هذا العام قد خصص أعماله لـ"التنمية الثقافية" بمناسبة مرور 45 عاماً على تأسيس دولة الإمارات، فرصة مناسبة للاطلاع على جوانب أخرى مهمّة من حياة الناس في "دول مجلس التعاون الخليجي"، حيث تصادف الذكرى الـ 35 لتأسيسه، الأمر الذي طرح أبعاداً جديدة لتناول مسألة التنمية من زاوية العلاقة بالثقافة والآداب والفنون، فالخليج والإمارات تحديداً، ليست آبار نفط وصحارى وأبنية شاهقة فحسب، وإنما هناك ثقافة ومثقفون وآداب وفنون وإبداع، إضافة إلى عمران وبناء وتعليم وتطبيب مجاني وعمل وضمان، في حين أن بلداناً نفطية أخرى لديها مؤهلات إضافية، لكنها تعيش أوضاعاً أقل ما يقال عنها إنها قاسية ومؤلمة، بسبب حروب ومغامرات وهدر للمال العام، والبصرة المدينة والحالة نموذج لذلك.
خلال زيارتي للطبيب الاختصاصي الكبير فرحان باقر، برفقة طبيب الأسنان كوثر الواعظ للاطمئنان على صحته، وهو يدلف عامه نحو التسعين، وقد حبته الإمارات برعاية وإقامة خاصة في ربوعها العامرة في "أبو ظبي"، مقدّرة علمه وتفانيه، تجاذبنا أطراف الحديث بين الحاضر والماضي، واستذكرنا كيف كان العراق مضرب المثل، وكان الشيخ زايد مؤسّس الدولة الاتحادية يردّد: "علينا أن نجعل الإمارات مثل البصرة"، وكان ذلك بالطبع أيام ازدهارها في أواخر الستينات ومطلع السبعينات، وكيف كانت العلاقة الإيجابية بينه وبين الرئيس أحمد حسن البكر الذي كان فرحان باقر طبيبه الخاص، وقد نقل له هذا الإعجاب بعروبة الشيخ زايد ورجاحة عقله وإنسانيته.
وإذا كان حال البصرة يرثى له اليوم على الرغم من أنها كانت ولا تزال المصدّر الرئيس للنفط في العراق، لكنها من المدن الأكثر فقراً وخراباً، وحتى التمور التي كان مصدرها الأساسي محافظة "البصرة" العراقية ليس لدول الخليج فحسب، بل للعالم أجمع، فإنها اليوم تعاني من شحّ في هذه المادة الغذائية الغنيّة، وذلك بفعل الحرب العراقية – الإيرانية التي دامت 8 سنوات وراح ضحيتها مئات الآلاف من العراقيين، إضافة إلى أكثر من 6 ملايين نخلة، ومن ثم الحصار الدولي الجائر، وفيما بعد الاحتلال الأمريكي وما فعله بالعراق الذي تعرّض إلى فوضى عارمة، وظلّت البصرة منذ ذلك التاريخ تتنازعها ميليشيات وجماعات مسلّحة ومراكز نفوذ وإرهاب وعنف طالت الجميع، وبشكل خاص مجموعاتها الثقافية المتميّزة، من المسيحيين والصابئة المندائين وغيرهم، ويتمدّد فيها النفوذ الإقليمي على نحو لم يسبق له مثيل، فضلاً عن استشراء الفساد المالي والإداري وتفشي الطائفية السياسية.
لسنا بصدد مقارنة بين البصرة والإمارات، فالأمر قد يدخل في باب الحسد أحياناً، وفي هذه المقاربة نستهدف الغبطة، لأن الحسد يعني تمنّي زوال نعمة الآخرين، في حين أن الغبطة تعني التمنّي لأنفسنا مثل ما عند الآخرين من نعمة وصلوا إليها بتعب وإرادة وحسن تعامل وبُعد نظر وحكمة، لا سيّما بإرضاء المواطن وتوفير حاجاته وتلبية حقوقه، وخصوصاً الاقتصادية والاجتماعية، في ميدان العمل والصحة والتعليم والضمان الاجتماعي وغير ذلك.
ومن باب الألم والشعور بالمسؤولية أيضاً استعدنا موقف الشيخ زايد ومبادرته الأخيرة لإنقاذ العراق عشية الاحتلال، والحيلولة دون تدميره، خصوصاً وقد أدرك بحكمته وبُعد نظره ما كان يُخطط له، لكن الأمور سارت باتجاه آخر، وكان الثمن باهظاً والجرح لا يزال نازفاً.
وقد أسعفتني الذاكرة واستعدت زيارة الشيخ زايد إلى العراق العام 1974، واتصلت بمنذر المطلك السكرتير الخاص بالرئيس البكر حينها، وزوج ابنته، لأستفسر منه عن الانطباع الشخصي للبكر عن الشيخ زايد، فأجابني: إن "أبو هيثم" على الرغم من أنه قليل الكلام، إلاّ أنه كان يكرّر القول في مجلسه: إن الشيخ زايد رجل عربي وشهم وله رؤية ثاقبة ويعمل بإخلاص من أجل بلده والعرب، ويا حبّذا لو وُجد مثله أو على شاكلته من الذين يتولون شؤون الأمة، وهو الانطباع الذي كنت قد استمعتُ إليه من الشيخ عبد العزيز التويجري ومن شخصيات عربية عديدة، عَرَفت الشيخ زايد عن قرب.
لقد قدّم العراق للدولة الناشئة مساعدات عديدة كيما تنهض، وقد ذكر لي الدكتور فرحان باقر أن عدداً من الكوادر الطبية والتعليمية، لا سيّما من وزارتي الصحة والتعليم العالي أُرسلوا للعمل في الإمارات، بمتابعة خاصة من الرئيس البكر نفسه، وباتصالات مباشرة لضمان سرعة وحُسن التنفيذ، إضافة إلى مهندسين وفنيين من مختلف الاختصاصات. كما قدّم العراق منحة مالية لوزارة الصحة، ودعم تأسيس أول جامعة في الإمارات، وقد نشرت في حينها مجلة ألف باء العراقية الخبر بصورة موسّعة في شهر (نوفمبر – تشرين الثاني/ العام 1977).
وقد أشاد الدكتور عز الدين إبراهيم مستشار رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة للشؤون الثقافية بمساهمة العراق في إنشاء أول جامعة بدولة الإمارات، وإرسال الأساتذة والمدرسين للتدريس فيها، ومن الجدير بالذكر أن الدكتور عبد العزيز البسّام وهو شخصية أكاديمية عراقية مرموقة كان رئيساً لها.
ولتعزيز العلاقة ودعم دولة الإمارات مادياً ومعنوياً قدّم العراق فسائل النخيل هديّة للإمارات، بتوجيه رئاسي خاص، كما حدثني بذلك منذر المطلك، واليوم فإن التمور الإماراتية تُعتبر من أفخر التمور في المنطقة والعالم، ونتذكّر من الصور القليلة التي بثها التلفزيون العراقي في حينها، الحفاوة الكبيرة التي استقبل فيها الرئيس البكر، الشيخ زايد الذي أخذه بالأحضان على خلاف الرؤساء الآخرين الذين كان يصافحهم، ويُقال إنه أرسل طائرة خاصة إلى H3 لجلب حليب النياق لفطور الشيخ زايد. وحسب سعدون حمادي، فإن الشيخ زايد أهدى الرئيس البكر في وقت لاحق مبلغاً قدره 15 مليون دولار بشيك خاص، لكن البكر أودعه في البنك المركزي العراقي لحساب خزينة الدولة.
وإذا كان الشيخ زايد قد تمنى أن تكون الإمارات مثل البصرة، فيحق لنا أن نتمنّى أن تكون البصرة مثل "الإمارات" مثلما نتمنى لجميع البلدان العربية أن تكون على مستوى المواطن في الإمارات من حيث المعيشة وكفالة العمل والصحة والتعليم والضمان، وبصرة الإمارات أو إمارات البصرة هي "الحكمة ضالة المؤمن" كما يُقال!!.



53
ميانمار: أية تجربة تنتظرها؟
عبد الحسين شعبان
أكاديمي ومفكّر عربي
لم تكن التحدّيات التي تواجه التجربة الجديدة في ميانمار بشرية فقط، تتعلّق بالانتقال الديمقراطي والعقبات التي تقف في طريقه فحسب، بل كانت كارثية طبيعية أيضاً، فقد واجهت البلاد كارثتين طبيعيتين هما الزلزال الذي ضربها، والفياضانات الكبرى التي اجتاحتها لدرجة أن أكثر من 600 ألف مشرّد عانوا من ظروف قاسية، وأدّت الأمطار الغزيرة إلى انهيارات أرضية كانت نتائجها وخيمة.
 لنحو قرن من الزمان خضعت ميانمار (وهو اسمها الجديد بعد أن استبدل الاسم القديم "بورما" في العام 1989)، للاستعمار البريطاني، الذي حكمها خلال 1948 - 1852، وبعدها عانت من حكم الدكتاتورية العسكرية نحو نصف قرن أيضاً (من الاستقلال ولغاية عام 2016)، علماً بأن الانتقال إلى الحكم المدني بدأ في العام 2011، وحقّق إصلاحات سياسية محدودة، لكنه تباطأ وتلكأ وانتكس في العديد من القطاعات، على الرغم من وجود بعض هوامش الحرّيات، ولا سيّما حرّية التعبير، وخصوصاً في الإعلام.
ولهذه الأسباب نستطيع أن ندرك المصاعب الجدّية التي تواجه التجربة الميانمارية للانتقال الديمقراطي، ولا سيّما في ميدان العدالة الانتقالية، إذا ما عرفنا تاريخها خلال القرن ونصف القرن الماضيين، تُضاف إليه عوامل جديدة، وهي انفجار عناصر التعصّب والتطرف المجتمعية، خصوصاً بعد وصول تجربة الحكم السابقة إلى طريق مسدود، الأمر الذي وضع البلاد على مفترق طرق، فإما استمرار القديم على قدمه، وهذا ما قد يؤدي إلى الانفجار، أو حلحلة الأوضاع باتجاه تغيير يتم عبر الانتخابات، وهذا ما حصل بالفعل.
وقد شهدت ميانمار، التي يبلغ عدد سكانها 51 مليون نسمة وتتكوّن من 130 مجموعة ثقافية دينية وسلالية وإثنية وفيها نحو 30 لغة، تطوّراً سياسياً جديداً بإجراء أوّل انتخابات حرّة، وتشكيل حكومة منتخبة، واختيار رئيس جديد للبلاد (مارس / آذار 2016)، ولا تزال التجربة الوليدة تواجه تحدّيات كبرى، خصوصاً أن التركة العسكرية الدكتاتورية ثقيلة، وتأثيراتها ونفوذها لا يزالان باقيين، إضافة إلى استمرار تأثير القوات المسلّحة، سواء على الصعيد الدستوري (النص بأن يكون 25% من أعضاء البرلمان من العسكريين وفقاً لدستور العام 2008) أو على الصعيد العملي والسياسي.
وعلى الرغم من أن ميانمار كانت خلال الحرب العالمية الثانية بؤرة مواجهة يابانية –بريطانية، فإن علاقاتها اليوم طيبة مع اليابان وكوريا الجنوبية، وجيّدة مع الهند والصين التي تتحدث النسبة الأكبر من السكان بلغتها، وهي في الوقت ذاته عضو في المجموعة الآسيوية. كما أن علاقة ميانمار وثيقة مع الولايات المتحدة الأمريكية، وقد رفع عنها الرئيس الأمريكي باراك أوباما عقوبات بلاده الاقتصادية التي كانت مفروضة عليها، حيث كانت تعتبر "دولة منبوذة"، وأعلن ذلك عند زيارة زعيمة الرابطة الديمقراطية وزيرة خارجية ميانمار أونغ سان سوتشي المكتب البيضاوي، وتأتي هذه الخطوة المهمة بعد سنوات من التقارب الميانماري – الأمريكي.
ولكن وجهاً آخر سلبياً رافق التطوّرات الإيجابية التي حصلت في ميانمار، ففي السنوات الخمس الأخيرة ارتفعت وتيرة التعصّب وأعمال العنف ضدّ المسلمين الذين يزيد عددهم على مليون نسمة، خصوصاً مع ظهور وتنامي نزعة قومية فوقية في البلاد قادها اتجاه أحادي عرقي وديني تزعمه راهب بوذي ويُعرف التشكيل التنظيمي لهذا الاتجاه اختصاراً باسم "ماباثا".
وقد نجحت "الماباثا" في صياغة أربعة قوانين تمييزية رجعية ومتخلفة الأول – قانون حماية العرق والدين، والثاني – قانون الحدّ من عدد السكان، والثالث – قانون زواج النساء البوذيات، والرابع – تغيير الديانة والزواج الأحادي، وهي قوانين أحدثت صراعاً وعنفاً في المجتمع، واتهِم من عارض هذه القوانين بأنه "خائن"، واعتبرت هذه القوانين استهدافاً للمسلمين، في حين برّرها أنصارها بأنها تحدّ من "الغزو الإسلامي".
وخلال عام 2015 ارتفع عدد سجناء الرأي وتعرّضت حركات احتجاج لأعمال عنف، كما ازدادت هجرة المسلمين المعروفين باسم "الروهينغا" من ميانمار إلى بنغلاديش بحكم أصولهم البنغالية وإلى بلدان أخرى، وحسب الأمم المتحدة، فقد خاض هذه المغامرة نحو 100.000 شخص ما بين عام 2014 و2015، وتعرّضت العديد من القوارب إلى الغرق وتوفي العشرات من الفارين، ومُنع اللاجئون من الوصول إلى تايلند وماليزيا وأندونيسيا، إضافة إلى نزوح داخلي شمل نحو 140 ألف نازح من مسلمي الروهينغا، بأوضاع صحية ومعيشية ونفسية سيئة للغاية.
وإذا كان الحكم العسكري الاستبدادي قد تعامل مع الجميع بمنطق القوة، فإن الانتقال إلى الوضعية المدنية فجّر صراعات عديدة كانت غير منظورة، وقد كان نصيب المسلمين الجزء الأعظم منها. فهل سيستطيع الرئيس المنتخب هيتين كياو أن يضع حداً لها، خصوصاً أنه بدأ عهده بشيء من الانفراج السياسي، فقام بإطلاق سراح عشرات المعتقلين والسجناء السياسيين وأصدر عفواً عاماً، الأمر الذي رجّح موضوع المصالحة الوطنية والعدالة الانتقالية ووضعه في جدول عمل الحكم الجديد، إضافة إلى مطالبات مؤسسات المجتمع المدني.
وعلى الرغم من أن الرئيس الجديد هيتين كياو حاز على 360 صوتاً من مجموع 652 نائباً، فإنه سيكون - بحكم المراتب الحزبية - خاضعاَ لقيادة "حزب الرابطة من أجل الديمقراطية"، التي تتزعمها سوتشي الحائزة على جائزة نوبل للسلام، والتي كان من المؤمل أن تكون في موقع الرئاسة لولا قيود وضعت أمام توليها هذا المنصب في حقبة النظام السابق، وهي تتعلّق بالجنسية البريطانية التي يحملها نجلاها، لكنها أنيطت بها حقيبة وزارة الخارجية.
وإذا كان السلام المنشود وتحقيق المصالحة الوطنية والمجتمعية هدفاً يُراد الوصول إليه، كما هو معلن، خصوصاً بالتخلص من إرث الماضي، فإن الأمر يقتضي تحديد المسؤوليات وكشف الحقيقة، وجبر الضّرر وتعويض الضحايا، وإصلاح الأنظمة القانونية والقضائية والأمنية، لمنع تكرار ما حدث من جهة، ولمواجهة أعمال التطرّف والعنف من جهة ثانية، وهو ما دعا سوتشي إلى التصريح خلال زيارة كوفي أنان الأمين العام السابق للأمم المتحدة في 6 أيلول (سبتمبر) 2016، قائلة: "علينا تحقيق السلام المنشود".
وكان أنان قد دعا لإعادة الثقة وإيجاد السبل الكفيلة بالتمسّك بالقيم المشتركة القائمة على العدل والإنصاف والمساواة، وهو ما قابله البوذيون بفتور ملحوظ، خصوصاً أن البلاد قد هيمنت عليها نزعات الإقصاء والاستئثار، وهو ما يضعها على مفترق الطرق.



54


في نستولوجيا المثقف اليساري

عبد الحسين شعبان(*)

الزمان مكان سائل، والمكان زمان متجمّد
ابن عربي
- I -
ما الذي تبقّى من المثقف اليساري في مجتمعاتنا؟ فهل انقرض أم خفّ وزنه أم ضَعُف تأثيره، وشغلته ظروف الحياة ومشكلاتها عن أحلامه وطموحاته، أم أنه يمكن أن يستعيد دوره وموقعه وألقه؟ أتراه أصبح جزءًا من الماضي وتراثه، ومجرّد ذكريات يحنّ إليها بعضنا بين الفينة والأخرى، أم أن حضوره الحالي والمستقبلي، على الرغم من محدوديّـته، هو جزء من معركته بشكل خاصّ لإثبات وجوده وتأكيد استمراره، وكذلك جزء من معركة اليسار بشكل عامّ، الذي ما بات يعاني من حالة انحسار وانكماش بسبب أزمته الخاصّة وأزمة الحركة اليسارية والتحرّرية بشكل عام؟
يمكن هنا تسليط الضوء على ما ذهب إليه "ميشيل فوكو"، وخصوصاً في مقالته التي تحمل عنوان "المهمّة السياسية للمثقّف" ردّاً على سؤال وجِّه له: "هل بوسع المثقف اليساري أن يفعل شيئاً بوصفه فاعلاً، وبوصفه الوحيد القادر على الفعل داخل حراك اجتماعي؟"، وكان جوابه: "إنّ الرأي الذي يقول إنّ تدخّل المثقّف بوصفه مُعلّماً أو صاحب رأي، لا أتبنّاه... لأنني أعتقد أن الناس ناضجون بما يكفي كي يقرّروا...".
   ولعلّ نظرة مثل هذه، تشكّل خروجاً على الفكرة التبشيرية لدور المثقف في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، تلك التي كانت تعطيه دوراً ريادياً في تبصير الناس وتنويرهم وتوجيههم نحو التحرّر.
   لقد أعلن فوكو بذلك "نهاية المثقّف"، خصوصاً عندما اعتبر مفهوم المثقف ذاته غامضاً وعائماً، فالمثقف مذنبٌ حين يصمت وحين يتكلّم وحين يكتب وحين يستقيل، لأن وظيفته الجديدة، بحسب فوكو، هي النّضال ضد مسلّماته، فهو إما أن يكون ملتزماً أو مزيفاً، وهو ليس وسيطاً عقارياً بين آيديولوجيات، لأنه ينبغي أن يكون صوت المظلومين والصامتين والمهمّشين.
   وقد كان "أنطونيو غرامشي" صاحب فكرة "المثقف العضوي"، وهي المقولة الأثيرة التي ظلّ أصحابنا الماركسيون واليساريون يستخدمونها بمناسبة ومن دون مناسبة، وقد عني بها الاقتراب من الجماهير، والعمل وسط المواقع الدقيقة للحركات الاجتماعية، بل التماهي معها.
لا يتحدّث بعض مثقفي اليسار، ولا سيّما العربي في الكثير من الأحيان، عن الحاضر أو المستقبل، لكنه يغوص في الماضي ويستغرق فيه مستذكراً بشغف أيّامه الجميلة كما يسمّيها أحياناً، يوم كان دوره مؤثّراً وصوته هادراً وإبداعه راقياً. ربما يجد في تلك النستولوجيا "الحنين إلى الماضي" تعويضاً عن حاضر باهت ومستقبل مجهول وأحلام مُنكسرة، وقد يرجع ذلك إلى شعوره بأنّ الماضي معروف، وهو يستحضر جزءه المشرق، أما الحاضر فلا يزال ملتبساً والمستقبل لا يُبشّر بالخير حسب معطياته.
في نبرة المثقف اليساري تشعر أن ثقته بالمستقبل ضعيفة، بحكم موقعه المتواضع والتابع أحياناً، لذلك يتشبّث بالتاريخ وبالماضي، كجزء من محاولة البقاء، وهي سمة عامة لنا نحن العرب، الذين نتحدّث عن ماضينا "التليد"، أكثر ممّا نتحدّث عن حاضرنا ومستقبلنا.
وبالطّبع تختلف مهمّات المثقف اليساري الراهنة عن مهماته السابقة، وكذلك وسائل وأساليب تحقيق أهدافه، ناهيك بأدواته، وهي أمور لا بدّ من أخذها بنظر الاعتبار عند تناول دور المثقف وأفقه المستقبلي في ظلّ الأزمة الراهنة وسُبل الخروج منها.
صحيح أن التراجع والانكسار والخذلان والخيبة هيمنت على المثقف اليساري، أو مثقف التحرّر الوطني، كما يطلق عليه بعضهم، باستثناء قلّة ظلّت متشبّثة بممانعتها ومقاومتها ورفضها لمشاريع ومخطّطات تريد فرض الأمر الواقع على شعوبنا وبلداننا، وعلى الثقافة والمثقفين من جانب جهات متسيّدة ومتنفّذة خارجية وداخلية، لكن حتى بعض هذه القلّة يعيش هو الآخر في الماضي، ولا يريد تطوير أدواته لمواجهة الحاضر واستشراف المستقبل. والبقية الباقية ليس لديها الوسائل والمستلزمات الكافية للمواجهة بسبب اختلال موازين القوى وتشتّتها "شيعاً وأحزاباً"، لكنها ظلّت حريصة على أن يبقى صوتها مستقلاً ونقدها مستمراً.
تحاول الجهات المتنفّذة على الثقافة والمثقفين فرض منهجها، تارةً باسم "العولمة" وتارةً أخرى باسم "التغيير والدمقرطة"، وفي تارة ثالثة تحت عنوان "مواجهة التغريب والاستكبار" ولكن من موقع السلفية والماضوية، وبين هذا وذاك من المشاريع الكبرى، يتم إلغاء أو تحجيم فردانية المثقف، وتحويل إبداعه إلى مجرّد دعاية وترويج لمصلحة الحاكم أو صاحب القرار أو السياسي المتسلّط، بما فيها في المعارضات أحياناً، سواء بزعم مواجهة العدوّ الخارجي والخطر الأجنبي الداهم، وأخرى باسم المصلحة الوطنية العليا وأهداف الثورة، وثالثة باسم الدّين، أو باسم المذهب أو غير ذلك من التبريرات التي تعود إلى مرحلة ما قبل الدولة.
وإذا كان النضال ضدّ الإمبريالية وربيبتها الصهيونية، ومن أجل الاستقلال والانعتاق والتحرّر الوطني والوحدة الكيانية العربية والعدالة الاجتماعية، هي الأساس الذي اعتمده المثقف اليساري في مرحلة التحرّر الوطني في الأربعينات والخمسينات من القرن الفائت وما بعدهما، فإن هذا النضال اتّخذ أشكالاً جديدة، وإنْ كانت محدودة، لكن مرجعيتها الفكرية أخذت بالاتّساع والعمق، ويمكن أن تكون نواة أوّلية لما أسماه "أنطونيو غرامشي" بـ"الكتلة التاريخية" التي تحتاج إلى جهود جبّارة من المثقفين للوصول إليها في إطار أجواء حوار ومصالحة بعد مصارحة بين التيارات المختلفة.
- II -
أهي نهاية المثقّف العضوي؟
نعود إلى السؤال: أين المثقف اليساري، الماركسي والقومي العربي والليبرالي الوطني؟ وكيف يمكن توظيف إبداعه ليستعيد دوره؟ ومن حقنا، بعد الارتكاس والتقهقر الذي تعرّض له المثقف، أن نصوغ السؤال الملغوم: أهي نهاية للمثقف العضوي بحسب غرامشي؟ وهل بإمكان "تفاؤل الإرادة" تغيير "تشاؤم الواقع"، أم ثمة عوامل ينبغي استكمالها لتحقيق ذلك؟ وهل صعود مثقف العولمة والمثقف النيوليبرالي هي نهاية للمثقف اليساري؟ أم ثمة دور يمكن أن يضطّلع به المثقف اليساري في إطار مشروع نهضوي عربي جديد، يقوم على مرتكزات أساسية هي الاستقلال السياسي والاقتصادي والتنمية المستقلة والعدالة الاجتماعية والديمقراطية والوحدة العربية والتجدد والانبعاث الحضاري، ومرّة أخرى أين رمزية مثقف الأربعينات والخمسينات وكارزميته من رمزية مثقف اليوم؟
لقد أسهمت الحقبة البترودولارية في إضعاف المثقف اليساري ومحاصرته، وأدّت تدريجياً إلى نكوص دوره أو انكفائه أو شعوره بالانكسار والخذلان في ظل توازن قوى ليس لمصلحته، وخصوصاً فشل المشروع الاشتراكي واليساري والتحرري عموماً، وانهيار النموذج "البلدان الاشتراكية" التي يمكن أن نطلق عليها "أنظمة الأصل"، وتقهقر بلدان التحرّر الوطني أي "أنظمة الفرع".
الأمر لا يعود إلى هشاشة أو ضعف مناعة بعض المثقفين اليساريين فقط، وإنما ينبغي التوقف عند الدور التدميري الخطر الذي لعبه مثقف العولمة في تدهور مكانة الثقافة والمثقف بشكل عام، وخصوصاً إزاء محاولة تزييف الوعي وتزيين الواقع ورسم صور وردية، عن النظام العالمي الجديد، والتبشير بقيمه تحت عناوين الدور الريادي لليبرالية الجديدة، وهو ما دعا إليه "فرانسيس فوكوياما" في نظريته "نهاية التاريخ" وصموئيل هنتنغتون في أطروحته "صدام الحضارات".
لقد حاول "إدوارد سعيد" أن يفحص بدقّة الدور المتغيّر للمثقف العربي، من خلال مقاومة إغراءات الجبروت والمال، وفي تعريفه للمثقف يقول: "هو شخص يواجه القوة بخطاب الحق"، ويصرّ على أن وظيفته هي أن يُخبر مريديه ونفسه بالحقيقة، وقد جمع بذلك عمق معرفته، وصرامة أدواته البحثية، وأخلاقية ما يقوم به من أفعال سياسية.
وفي ظل الصراع الآيديولوجي العالمي، استُخدمت وسائل متعدّدة من الدعاية البيضاء والسوداء للتأثير على المثقف وجرّه إلى حلبة الصراع، وخصوصاً أن وتيرته الدعائية كانت تسير بكثافة وسرعة لامتناهية. وتعرّض الكثير من المثقفين، في فترة الحرب الباردة، في كلا المعسكرَين المتصارعَين، إلى التنكيل والتهميش إن لم ينصاعوا إلى الإرادات السياسية، وكان بعضهم بين مطرقة الغرب وسندان الشرق.
وهكذا كان المثقف عموماً، واليساري خصوصاً، عرضةً للتجاذب بين الاعتراض والمقاومة والممانعة وبين الخضوع والاستسلام والمُسايرة. وحين انهارت الكتلة الاشتراكية، تبدَّل كثير من خرائط بعض المثقفين اليساريين، فوجدوا في العولمة والخصخصة وازدراء الاشتراكية واعتبار الليبرالية "الجديدة" مفتاح الحلول في العالم المعقّد!
كيف تمكّنت القوى العولمية، باسم الحداثة وما بعد الحداثة، من إقناع المثقف اليساري الذي كان يعتبر الإمبريالية والصهيونية العدوّ رقم واحد للشعوب، بأنها "مُحرّر الشعوب" وفاعل الخير المخلّص والمُنقذ من أنياب الدكتاتوريات والأنظمة المستبدّة، لبناء مجتمع الخير والرفاه والوفرة والحرّيات والمساواة، أي مجتمع الحليب والعسل والرفاه، كما هو "العالم الحرّ"؟!
وأخيراً، ما هو السبيل لاستعادة دور المثقف، باعتباره فاعلاً ومؤثراً، وليس تابعاً أو مُلحقاً أو مُستزلماً وخانِعاً؟ وما هي الوسائل الجديدة لمجابهة ثقافة العولمة، وخصوصاً في ظلّ واحدية إطلاقية تكاد تكون شاملة في الميادين المختلفة؟ هل الاكتفاء بالشعارات والصّيغ القديمة، كفيل بمواجهة العولمة بوجهها المتوحّش، أم لا بدّ من وسائل جديدة تستند بالدرجة الأساسية إلى العِلم واستثماراته، وخصوصاً في جيل الشباب، لتنمية العقول والمدارك، واستيعاب مُنجزات الثورة العلمية – التقنية بما فيها من تكنولوجيا الإعلام والمواصلات والاتصالات والطفرة الرقمية "الديجيتل"؟.
والأمر يتعلّق بضرورة مراجعة المثقف اليساري لتجربته، ونقدها، والتخلّص من الجمود التي صاحبها، وخصوصاً التجارب الشمولية التي قادت إلى الإقصاء والتهميش والانتقاص من قيمة الحرّية والفرد والفردانية، على حساب الشعارات الكبرى ذات الرنين العالي، كالمساواة، وإن كانت ذات طابع شكلي، والعدالة التي كانت ناقصة ومبتورة في ظلّ شحّ الحرّيات، علماً بأن واقع الأمر كان يسير في اتجاه آخر.
ويحتاج الأمر كذلك إلى وضع قضية الحرّيات في موقعها الصحيح، ولا سيّما حرّية التعبير وحرّية الاعتقاد والحق في تشكيل الأحزاب والجمعيات السياسية، والحق في الشراكة في الوطن الواحد والمُشاركة بتولّي المناصب العليا في الدولة والمجتمع من دون تمييز لأي سبب كان، سواء إثنياً أو دينياً أو طائفياً أو بسبب الجنس أو اللغة أو الأصل الاجتماعي. فالتحوّل الديمقراطي المنشود لن يتمّ من دون تأمين مستلزمات احترام سيادة القانون واستقلال القضاء وتداول السلطة سِلمياً، وتلك من واجبات المثقف بشكل عام، والمثقف اليساري بشكل خاص.
ولا بدّ للمثقف أن يعمل على إعادة تفعيل دور الجامعات، وإعادة النظر بالمناهج التربوية ومؤسسات البحث العلمي، وتجسير الفجوة بين المثقف وصاحب القرار، أي أن يمارس دوره كقوّة اقتراح وليس كقوّة احتجاج فحسب، فضلاً عن مطالباته بتحسين الخدمات الصحية والتربوية والبلدية، وجعلها في خدمة الجميع، وكذلك تحسين أوضاع الناس وتقليص الفجوة بين المتخومين والمحرومين، وبين مَن يملكون ومن لا يملكون، ولن يتم ذلك سوى بنضال سلمي مدني طويل الأمد، يلعب فيه مثقف اليسار، الماركسي والقومي، دوراً مهماً في المُمانعة وفي مواجهة تغوّل القوى الدولية والمحلية وهضمها للحقوق والحرّيات الديمقراطية، ومحاولاتها فرض الاستتباع عليه بالوعد أو الوعيد، بالترغيب أو بالترهيب، خصوصاً بتجديد منهجه وأساليب عمله، مستفيداً من الإعلام ومستخدماً إياه، إلى جانب الدور الذي يمكن أن يقوم به المجتمع المدني على هذا الصعيد.
- III -
بين أُمميَّـتَيْن
إن المثقف اليساري في المرحلة الجديدة، هو أقرب إلى المثقف الكوني، فالحدود أمامه مفتوحة، والجسور موصولة، وجميع وسائل الاتصال والتكنولوجيا يمكنه استخدامها للتواصل مع مثقفي العالم من موقع التضامن والتساند والأهداف المُشتركة والطرق المختلفة لتحقيق تلك الأهداف لكل منهما، بحسب ظروف كل بلد وخصائصه وتطوّره ودور اليسار فيه، وتلك النظرة الأممية الجديدة مختلفة عن الأممية الشيوعية أو الاشتراكية السابقة، التي قامت على وجود مركز مقرّر وفروع تابعة له.
هل نحن أمام أمميّة جديدة؟ وما الفرق بينها وبني الأمميّة القديمة؟ ثمّة أممية جديدة في طور الإنشاء أو في مخاض للتأسيس، وخصوصاً في جانبنا الفكري والثقافي، وصولاً إلى أممية ثقافية كونية طوعية واختيارية، قائمة على أساس التفاهم والتضامن والمساواة، ومن دون قسر أو إكراه أو إملاء للإرادة، فالمثقف اليساري اليوم، لا يستطيع تحقيق أهدافه العامة والخاصة، من دون انخراط في حركة واسعة ومرنة لليسار العالمي، وخصوصاً لمواجهة التغوّل الإمبريالي العولمي وذيوله المحلية.
وإذا كانت هذه نظرتنا إلى مثقف اليسار، وما تبقى منه، وصولاً إلى المثقف الكوني، كأحد عناصر المُجابهة لتحقيق التنمية والرفاه والتقدّم، فهي رؤية عدد من المثقفين اليساريين الآخرين، بلورها "إدوارد سعيد"، الذي شكّل الصورة الحضارية للمثقف الفلسطيني في أفضل رموزه، باعتباره مثقفاً كونياً مُنحازاً للإنسانية، يعيش عصره على نحو جدلي، ويحلّل الظّواهر بعقل معرفي ومنهجية فكرية أساسها النقد، وهو معني بكشف هذه الظواهر وتحليلها وتفكيكها واستنطاقها، مثلما فعل "هابرماز"، و"دريدا"، و"تودروف"، و"آلن تورين" وغيرهم، وتتجلّى مرجعيّـته الأساسية الموجِّهة لعمله في الممارسة النقدية التي تتعرّض لفكّ التداخل بين الظواهر التي يدرسها.
في كتابه "الاستشراق" لم يتّهم إدوارد سعيد مثقف السلطة فحسب، بل السلطة ذاتها التي تقولب "المثقفين"، ولكنه دافع عن المثقف وعن الاختلاف والمُغايرة، وذلك ما بحثه تفصيلياً في كتابه "الثقافة والإمبريالية"، مُعتبراً الثقافات والحضارات تتلاقح وتعيش بعضها على بعض، وبخصوص الهويّة، فقد عبّر سعيد عن ازدواجيتها، فمن جهة هي هويّة مختلفة، ومن جهة أخرى هي هويّة مؤتلِفة.
إن كتاب "خارج المكان" هو محاولة لإحياء الذاكرة، أي إبقائها حيّة، والبحث في التفاصيل الصغيرة، التي تشكّل عوالمها مهمّة أساسية يستعيدها المنفيّون واللاّجئون. وهو بهذا المعنى بحث في الهويّة، على الرغم من العواصف، والتنقّلات والهجرات والثقافات. فالهويّة ظلّت تشكّل الهاجس الذي يطلّ برأسه ويلوح بصورة عفوية، من دون استحضار مسبق. وقد سبق لـ"أمين معلوف"، الروائي اللبناني العالمي الذي مُنح أعلى وسام فرنسي، أن تحدّث عن موضوع الهوّية في كتابه "الهوّيات القاتلة"؛ وقد مثّل هو شخصياً هذا البُعد المُتحرّك في الهويّة، بحمله الثقافتين العربية والفرنسية، وقدرته في أن يكون جسراً للتواصل، من دون أن يعني ذلك تجاوز المعاناة الإنسانية الفائقة، ولا سيّما في التعبير عن تلك الهويّات المزدوجة، بل المتعدّدة والمتنوّعة.
أما "أدونيس"، ففي كتابه "موسيقى الحوت الأزرق" يُناقش فكرة الهويّة، ويستهلّ حديثه بالعبارة القرآنية التي تضيء، بقِدَمِها نفسه، حداثتنا نفسَها على حدّ تعبيره، وأعني بها التعارف، أي الحركة بين الانفصال والاتصال في آن، من خلال "رؤية الذّات، خارج الأهواء"، ومنها بخاصة الآيديولوجية، ويمكن أن نضيف إليها الدينية والقومية وغيرها، بمعايشة الآخر داخل حركته العقلية ذاتها، في لغته وإبداعاته وحياته اليومية.
وتستند هذه الرؤية إلى إحلال الفكر النقدي التساؤلي، محلّ الفكر التبشيري - الدّعائي، حيث يصبح الوصول إلى الحقيقة، التي هي على طول الخط تاريخية ونسبية، وصولاً يُشارك فيها الجميع، على الرّغم من تبايناتهم إلى درجة التناقض أحياناً، وهذا يعمّق الخروج إلى فضاء الإنسان بوصفه أولاً، إنساناً، ويدفع الذات إلى ابتكار أشكال جديدة لفهم الآخر. ثانياً وثالثاً يكشف لنا أن الهوّية ليست معطى جاهزاً ونهائياً، وإنما هي تحمل عناصر بعضها مُتحرّكة ومُتحوّلة على الصعيد الفردي والعام، وهو ما يجب إكماله واستكماله دائماً في إطار مُنفتح بقبول التفاعل مع الآخر. وإذا كانت ثمّة تحوّلات تجري على الهويّة على صعيد المكان - الوطن، فالأمر سيكون أكثر عرضة للتغيير بفعل المنفى وعامل الزمن وتأثير الغربة والاغتراب.
وكان إدوارد سعيد قد قال بعدم وجود هويّة صافية، وإنما الهويّات جميعها مُركّبة من عناصر مختلفة وتراثات متنوّعة، وعليه فالهويّة كما يقول أدونيس: ليست بركة مُغلقة، وإنما هي أرخبيل مفتوح، أي أنها، بحسب سعيد، ليست ثابتة أو جامدة أو نهائية. إنها حيوية وديناميكية تغتني باستمرار مع عناصر ثقافية متجدّدة، وهذه هي شخصية سعيد ذاته، فهو فلسطيني أمريكي الجنسية، يرى ذاته في الآخر، ويرى الآخر في ذاته، من دون أي وقوع في التبسيط أو السذاجة.
ولذلك يقول سعيد في كتابه "خارج المكان" إنه "عربي أدّت ثقافته الغربية، ويا لسخرية الأمر، إلى توكيد أصوله العربية، وأن تلك الثقافة، إذْ تلقي ظلال الشكّ على الفكرة القائلة بالهويّة الأحادية، تفتح الآفاق الرحبة أمام الحوار بين الثقافات".
وفي آخر حوار معه أجرته صحيفة "الرأي العام" الكويتية في 27 سبتمبر/أيلول العام 2003 قال: "هناك تهديد للمشروع الحضاري العربي، وللأسف يُسهم العرب في هذا التهديد. ثمّة نوع من الانتحارية العربية تنعكس في السياسة العربية، وهي لا تؤدي إلى مستقبل إيجابي، وهناك تغييب في المفاهيم العربية، وأنا شخصياً أعاني من ذلك في الغرب"، وقصد سعيد من ذلك الدعوة للحوار والتسلّح بالحضارة والعِلم والتعليم.
من هو المثقف الكوني؟
ونعرض هنا وجهتَي نظر متميّزتَين لمثقفَين يساريين، الأولى لمثقف يساري اشتراكي حاول تقديم قراءة جديدة ونقدية بجرأة وشجاعة للتراث العربي – الإسلامي، من خلال مفهوم  مُستحدث للمثقف الكوني، ونعني به الباحث العراقي "هادي العلوي"، والثانية لمثقف يساري واشتراكي أيضاً، قرأ التطوّرات الجديدة بعد انهيار الكتلة الاشتراكية من زاوية نقدية، وعمل على المشاركة في تقديم تصوّر حقوقي لمواجهة تداعيات مثقف التحرّر الوطني وتصدّعاته، وذلك بطرح مفهوم المثقف الكوني، ونقصد بذلك الباحث المصري المجدّد "محمد السيد سعيد".
- IV -
المثقف الكوني، بحسب هادي العلوي، هو "المتصوّف أو التاوي"، الذي يتميّز "بالتجرّد الكامل واللاّتشخّص واللاّحدود واللاّتناهي". ويقيم على الوحدة المطلقة "بإلغاء المسافة بين الخلق والخالق والتوحّد معهما". ويضيف العلوي صفات أخرى إلى "المثقف الكوني" الذي يُفترض فيه "عمق الوعي" المعرفي والاجتماعي معاً، و"عمق الروحانية" (السلوك الروحاني وليس الفكر الروحاني "الغيبي")، وهذه الصفات هي: القوّة أمام مطالِب الجسد والترفّع عن الخساسات الثلاث السلطة والمال والجنس.
إنّ نموذج المثقف الكوني هو أقرب إلى التماهي مع أهل الحق في الإسلام "فقهاء القرن الأول والمتكلّمون والأحبار المستقلّون المعدودون في الطّور قبل الصوفي، ثم المتصوّفة أقطابهم من دون صغارهم..." ويمثّل "التاوي" و"المسيح"، كما ورد في كتابه "المرئي واللاّمرئي في الأدب والسياسة": التماهي مع روح الخالق، بعيداً عن السلطة والتعفّف عن المال، مردّداً قول السيّد المسيح حين دعا إلى إخراج الأغنياء من ملكوت الله. ويمنح العلوي مثقفه الكوني: هوّية مُعارضة، أي لقاحية، كما يسمّيها، لمواجهة التشخّص والمحدودية والتناهي. وبذلك يفسح في المجال أمامه لاختيار الطريق للوصول إلى الله/ الحق، والانحياز ضدّ مركزية الدولة والدّين المُمأسَس والأغنياء.
من "تكوينات المثقف" الكوني لدى العلوي: "التعالي على اللذائذ"، بحيث يأخذ من الحياة ما يفرضه دوامها، فيأكل عند الحاجة، وينام عندما يغلبه النوم، "ولا يملك شيئاً لئلاّ يملكه شيء، وهو كبير وقوي وحاكم" (المقصود حرّ وغير خاضع لسلطة)، وليس صغيراً أو ضعيفاً أو محكوماً. ويوجّه العلوي نقداً للمثقفين المعاصرين العرب، ولا يستثني أحداً، وذلك وفقاً لقياساته المسطرية حين يقول: "المثقفون مأخوذون بالخساسات الثلاث ويجعلونها من صميم العمل الثقافي". ويمضي إلى القول "لقد سبقني إلى مُعاداة المثقف شيخنا فلاديمير لينين، حين اتّهمهم بالرخاوة والروح البرجوازية".
لقد أطلق عليهم العلوي اسم "شيوعية الأفندية" (الأفندي السيد الكبير باللغة التركية) وقَصد بذلك نمطاً من الشيوعية يقوم على الآيديولوجيا الصّرفة المُجرّدة من اليوتوبيا المقطوعة عن ساحة الصراع الطبقي. ويعتبر هؤلاء "مثقفين وشيوعيين يحاربون الشيوعية"، وهو ما سمّيناه في كتابنا "الصراع الآيديولوجي في العلاقات الدولية" الماركسلوجيا مثلما هناك "إسلاميون يحاربون الإسلام".
ويعتبر هادي العلوي أن المثقف الصوفي ومَن حكمه متروحِنْ بعلاقة مزدوجة مع الروح الكونية، التي يسميها الباري أو الحق أو التاو، مع الخَلق في آن واحد.
وبتلك "الرَوْحنة" يكتسب المثقف، بحسب العلوي، الطاقة الاستثنائية التي تضعه في مواجهة السلطات الثلاث: سلطة الدولة وسلطة الدين وسلطة المال. وفي هذا الطّور الأعلى من الاستقطاب، يتخلى المثقف الكوني عن "اللذائذية"، باختلافه عن عـالم الدين وربما عالم الطبيعة. إنه بذلك يعّبر عن نكران ذاته وتخلّيه عن حقوقه لمصلحة الإنسان (الآخر)، وهو يردّد قول عبد القادر الجيلي "أفضل الأعمال إطعام الجياع"، حين يتمنّى أن يملك الدنيا ليوزّعها على الفقراء، فتلك كانت رؤيـة العلوي الحقيقية إزاء الفقراء، فقد كان لا يريد بقاء الامتيازات محاصصة – بين "أهل الدولة" و"أهل الدين"، بل تساوياً مع العامة.
ووضع العلوي أعداء المثقف الكوني في دوائر أربع سمّاهم "الأغيار الأربعة" وهم: الحاكم والمثقفون والرأسمالية والاستعمار، معبّراً في بياناته المشاعية وعلاقاته الروحانية عن تحدّيهم، وخصوصاً أنه كان يعيش بفكره مع شيوخ الصوفية الذي يقول عنهم : "أنا أعيش بينهم وأكلّمهم، وأنا دائم الحديث مع النّفس في الخلوات... من لاوتسه إلى ابن عربي".
وإذا كان العلوي لا يعتبر "التملّك" غريزة لدى الإنسان، بل صفة مكتسبة، فإنه بحسب تقديري، رغبة منه في النزوع إلى الحق المطلق "المثالي" والوقوف ضدّ الاستغلال من زاوية إنسانية "مطلقة"، ولكنني أعتقد أن الرغبة في التملّك متأصّلة في الإنسان وفي النفس البشرية، فضلاً عن أنها حق شخصي للإنسان، ولذلك ورد ذكرها في "الإعلان العالمي لحقوق الإنسان" الصادر عام 1948 (المادة السابعة عشرة) التي نصّت على: "أن لكل شخص حق التملّك ولا يجوز تجريد أحد من ملكه تعسّفاً".
وعندي أن ذلك أقرب إلى طبيعة النفس البشرية على مرّ التاريخ، ولهذا السبب انشغل علماء الاجتماع والقانون والاقتصاد والسياسة في بلورة الآراء والتوجّهات بخصوص تنظيم الملكية، في بحث مستديم عن العدالة الاجتماعية، الهاجس الذي يبحث عنه بنو البشر على مرّ العهود. كما كرّست الدساتير والقوانين والأنظمة على مرّ العصور الكثير من حقولها لتنظيم الملكية وتحديد وظيفتها، سواءً الملكية الفردية أم الاجتماعية، بحيث تعود بالخير على المجتمع ككل، وكان هذا جوهر الصراع أ