عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


الرسائل - عبد الحسين شعبان

صفحات: [1] 2
1
مستقبل الإقليم.. تكامل أم تناحر؟
           
عبد الحسين شعبان
«عليك دائماً أن تعمل كرجل فكر، وأن تفكّر كرجل عمل»؛ ذلك ما قاله المفكر الفرنسي هنري برجسون. وأجِدُ ترابطاً عملياً لهذه العبارة بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون في علاقات دول الإقليم وأممه بين بعضها، خصوصاً حين تصل الأمور إلى مفترق طرق، فإمّا استمرار التناحر وتبديد الطاقات البشرية والمادية وتعطيل التنمية، وإما التفاهم والتعاون وصولاً للتكامل والمشترك الإنساني.
وإذا كان حصاد الحروب والنزاعات والصراعات في الإقليم الذي نعيش فيه، والذي يضمّ الأتراك والفرس والكرد والعرب، عدّة ملايين من الضحايا وما يزيد على 12 تريليون دولار في التقديرات غير المبالغة خلال العشرين عاماً الماضية، فهذا يعني تعويم التنمية أو تعطيلها على أقل تقدير، وعرقلة خطط الإصلاح، التي لا يمكن الحديث عنها إلّا في ظل أجواء الاستقرار والسلام. ف«الحروب تولد في العقول»؛ ولذلك ينبغي «بناء حصون السلام في العقول أيضاً»، حسب دستور «اليونيسكو»؛ ولأن وظيفة النخب الفكرية والثقافية بشكل عام، التوجّه إلى الإنسان ومخاطبة عقله، فلا بدّ لها إذاً أن تتحرّك؛ لتقديم رؤية نقيضة للحرب على الرغم من الخراب والدمار وثقافة العنف.
خطر ذلك ببالي، وأنا أساهم في جلسة لإعلان منبر جديد للحوار باسم «منتدى التكامل الإقليمي»، أطلق من الجامعة اللبنانية. والفكرة وإنْ انطوت على تقدير إيجابي لمستقبل علاقة أمم الإقليم المشرقي، الذي اعتبره مجالاً حيوياً لاهتمامه، فهي في الوقت نفسه تمثّل جامعاً يسعى إلى تعظيمه، وأمّا ما هو مفرّق فقد نظر إليه بكونه طارئاً وعابراً وظرفياً ينبغي العمل على تقليصه.
ولعلّ هذه النظرة المستقبلية، شغلت مثقفين من بلدان عدّة تلمّسوا بتجاربهم وكلٌ من موقعه أهمية الحوار خارج دائرة الاشتباكات الإيديولوجية والاستقطابات الطائفية والاحترابات الإثنية والمصالح الأنانية الضيقة؛ لأنها تقوم باختصار على أن الأمم والشعوب، التي تعيش في المنطقة، والتي تعاني توتّرات وصراعات داخلية وإقليمية وخارجية، تحتاج إلى إعادة بناء علاقاتها مع بعضها؛ لتنميتها بروح القيم الإنسانية، التي تمثّل المشتركات بين البشر، وكان ذلك مدار بحث وحوار في تونس وما ينتظر أن ينطلق بصورة واسعة في منتدى الفكر العربي بعمّان.
وإذا توقّفنا عند الحروب والصراعات، التي تعيشها دول الإقليم، فسنراها حروباً مركّبة سياسية واقتصادية وإيديولوجية حتى وإنْ حملت في حقيقتها مصالح قوميّة جيوسياسية ونزعات للهيمنة وفرض الإرادة، سواء حدثت بصورة مباشرة أم بالواسطة، وبالتداخل والتناظر مع مصالح دولية أحياناً، ليس بعيداً عنها الدور «الإسرائيلي» العدواني المستمر.
فهل ثمة فرصة لأمم الإقليم؛ لتعزيز الروابط فيما بينها، والنهوض بمستلزمات التحدّي الذي يواجهها، خصوصاً وأن هناك استهدافاً شاملاً لها جميعاً دون استثناء؟ ثم كيف يمكنها استثمار اللحظة التاريخية والتقاط ما هو جوهري ومستقبلي؛ لبناء العلاقات وفقاً لقيم ومبادئ كونية جامعة قوامها: الحرية والسلام والتسامح والمساواة والعدالة والشراكة والمشاركة واحترام الخصوصيات والهوّيات الفرعية، وتلك جوامع إنسانية لبني البشر، فما بالك بالنسبة لشعوب المنطقة. وإذا كانت أوروبا قد سبقتنا بوضع حدٍّ لحروبها الطائفية، ولاسيّما بين البروتستانت والكاثوليك، وخصوصاً «حرب الثلاثين عاماً»؛ بإبرام معاهدة وستفاليا 1648، فسيكون جديراً بالإقليم المشرقي إعادة بناء علاقاته وفقاً لهذه الأسس الجيوسياسية الثقافية، وعلى قواعد القانون الدولي المعاصر، وميثاق الأمم المتحدة ووفقاً للمصالح المشتركة والمنافع المتبادلة، التي يمكن أن تضع حداً لحروب عبثية باسم السنّة والشيعة، وباسم «الإسلام» ضد الأديان الأخرى، وهذا ما كان قد طغى على خطاب «داعش»؛ بعد هيمنته على ثلث مساحة كل من العراق وسوريا، لاسيّما باستهداف المسيحيين والإيزيديين، وأتباع الأديان الأخرى، وجميع المسلمين وفقاً لاجتهاداته الجهنمية بتكفير الجميع.
وبتقديري، إن النخب الفكرية والثقافية والحقوقية ومن موقعها التنويري يمكن أن تكون «قوة اقتراح» وخصوصاً، حين تستطيع بناء جسور الثقة مع أصحاب القرار؛ بحيث تصبح شريكاً فاعلاً ومشاركاً لا غنى عنه في عملية التنمية المنشودة، سواء في صنع القرار أم في تنفيذه.
يمكننا تصوّر كم كان وجه الإقليم سيكون مختلفاً ومكانته كبيرة؛ لو اعتمد «تعاهداً» أو «ميثاقاً» عاماً للسلام؛ أساسه احترام مبادئ السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية وحق تقرير المصير وإنماء التعاون والشراكة ؟ وكم سيكون انعكاسه فاعلاً على كل بلد، وعلى مستوى الإقليم؛ بل على المستوى الكوني؛ بالاستثمار لمصلحة الإنسان وحقوقه وحرّياته وتعليمه وصحته وبيئته وتنميته؟ وبالطبع بالتكامل وليس بالتناحر!!
drshaban21@hotmail.com


2

55 عاماً على حركة معسكر الرشيد
استعادة شخصية


عبد الحسين شعبان

أعيد نشر هذه المادة مجدداً وذلك استجابة لطلب من رفيق قديم وصديقين لتسليط ضوء أقوى على انتفاضة معسكر الرشيد التي قادها حسن السريع وذلك إثر اطلاعهم على ما كتبته عن سلام عادل من دراسة نشرت في صحيفة الزمان العراقية على 8 حلقات والموسومة  " الدال والمدلول وما يمكث وما يزول" ، وانتهز فرصة ذكرى الستين لثورة 14 تموز وذكرى ال 55 لحركة معسكر الرشيد لأعيد نشر هذه المادة .


وجهت حركة 8 شباط (فبراير) 1963 (الانقلاب المعروف بإسم انقلاب 14 رمضان)، ضربة موجعة وقاسية للتنظيم الشيوعي في العراق، فتمزّقت وانهارت معظم تشكيلات الحزب الشيوعي ومنظماته الجماهيرية بسبب حملة القمع والتصفية، التي قام بها " الحرس القومي" وأجهزة الأمن.
لكن تلك الحملة التي قامت بها الحركة الانقلابية وجناحها الأساسي " حزب البعث" والحرس القومي، رغم إتسّاعها واستمرارها، لم تكن " ماحقة"، كما أراد لها منفذوّها، فلم تستطع رغم شراستها وانفلاتها من عقالها، القضاء على الحركة الشيوعية.
*   *   *
وبادرت نخبة متميزة في العاصمة بغداد ومدن الفرات الاوسط وريفه والجنوب إلى إعادة بناء التنظيمات وإعادة ربط وتجميع " الرفاق" المقطوعين والمختفين عن الانظار، في حين إتجهت منظمة الاقليم (فرع كردستان) إلى العمل المسلح، وكان هدف الجميع إشعار الرأي العام بأن " المقاومة" السلمية والمسلحة، سواءً الدفاع عن النفس، أو القيام بعمليات محدودة كما حصل في ريف الفرات ومناطق اخرى، لم تنتهِ. وساعد في إبراز وجود مقاومة وممانعة، الحملة الحكومية الدعائية والعسكرية ضد الحركة الكردية، التي إبتدأت في حزيران (يونيو) 1963، بعد ان إنقطع حبل الوصل، الذي ظل مرتخياً منذ القضاء على حكم الزعيم عبد الكريم قاسم وتبديد الوعود بإعطاء حقوق الشعب الكردي، خصوصاً بعد طرح مشروع " اللامركزية" الادارية بديلاً عن " الحكم الذاتي"، الذي كانت تطالب به الحركة الكردية وقوى يسارية بما فيها الحزب الشيوعي.
ورغم إتسّاع الحملة العالمية للتضامن ضد حكم البعث وممارسات الحرس القومي الدموية، ناهيك عن تمّزق تحالفاته الداخلية وبخاصة مع القوميين العرب والناصريين، الاّ انه لم يتراجع عن مواقفه، بل ازداد عنفاً في التعامل مع الآخرين، وقد ضاقت قاعدته السياسية تدريجياً، وبخاصة بعد شنّه هجوماً شديداً ضد التيار القومي العربي الناصري وحركة القوميين العرب وضد شخص القائد العربي جمال عبد الناصر والتجربة الناصرية بشكل عام، خصوصاً بعد اتهام القوميين العرب "بالمؤامرة السطحية"، كما سميّت في حينها، حيث اعتقل العشرات من قياداتهم والمئات من قواعدهم، وأرسل عدداً منهم إلى سجن نقرة السلمان الذي كان يضم بضعة آلاف من الشيوعيين، وهكذا بدأت بعض التململات داخل الجيش.

كما شنّ الحكم الانقلابي الجديد هجوماً (في حزيران/يونيو) العام 1963 أشدّ قسوة ضد الحركة الكردية وقيادتها بزعامة الملاّ مصطفى البارزاني وكان هذا الهجوم الأكثر شراسة، خصوصاً وقد وصف وزير الدفاع في حينها صالح مهدي عماش الحرب ضد الاكراد، بأنها ليست أكثر من "نزهة" وإنّ الحملة ستنتهي بنجاح، وسيتم القضاء على "المتمردين"! ولم تستثنِ الحملة المتلاحقة والمستمرة حتى تيار " الحزب الوطني الديمقراطي" بقيادة كامل الجادرجي، الذي فضّل الصمت والابتعاد عن الأضواء، إذ لم تجدِ الملاحظات والانتقادات التي وجهها مباشرة أو بطريق غير مباشر، إلى الحكم أية آذان صاغية  خصوصاً بتعمق نهج الاستئثار والانفراد ومعاداة الديمقراطية.

في ظل هذه الأوضاع حدثت إحدى المفاجآت أو المفارقات أو كليهما حين قاد العريف حسن سريع الشيوعي التوّجه، حركة انقلابية مضادة ضد الحكم الانقلابي في 3 تموز (يوليو) 1963. واستولى في حينها على معسكر الرشيد ومعدّات وأسلحة واعتقل وزراء ومسؤولين عسكريين وحزبيين على مستوى رفيع.
*   *   *
   كنت آنذاك قد خرجت من المعتقل، حيث إعتقلت في " خان الهنود"، مركز شرطة النجف بعد ثلاثة أيام من الانقلاب، وفيما بعد نقلت إلى " الموقف الجديد"  تحت الأرض، وأطلق سراحي بناءً على توسّطات قام بها عمي الدكتور عبد الامير شعبان، لدى الحاكم العسكري العام رشيد مصطلح وناجي طالب الشخصية القومية البارزة وأحد كبار الضباط الاحرار الذين خططوا لثورة 14 تموز (يوليو) 1958، وتوجهت منذ اليوم لاستعادة حريتي للبحث عن خيط يربطني بالحزب ويعيد صلتي، خصوصاً وقد كنت مفصولاً من الدراسة ووجدت ضالتي بجارنا وصديقنا عبد المنعم الجزائري ورفيقه شمسي الكرباسي صديقنا العتيق، الذي هُجّر فيما بعد إلى إيران في حملة السبعينيات ضد ما سميّ "بالتبعية الايرانية"،  وتوفي هناك في أواخر الثمانينيات أو أوائل التسعينيات. وكنت قد إلتقيته في دمشق في الثمانينيات.
وكان الجزائري والكرباسي قد اختفيا عن الانظار طيلة أشهر، وظلاّ على ارتباط مع بعضهما ومع رفاق محدودين وبعض الاصدقاء المقرّبين، لنقل بعض الأخبار والمعلومات. كنّا نلتقي ليلاً في دار الجزائري الملاصقة لدارنا وأخوه محمد حسن (صلة الوصل)، ونتبادل الاحاديث والأخبار، وأحياناً كنّا نخاطب بعضنا بعضاً من فوق السطوح، رغم الحذر الشديد وفي جنح الظلام، حيث كان يرمي رسالة على سطح المنزل ملفوفة بحجر وأفعل الشيء ذاته لتأمين الاتصال أحياناً.
   وكان ما يجري بيننا هو محاولة استذكار بعض الاصدقاء والرفاق والبحث عن مكان اختفاء ومعرفة مواقف المعتقلين والسعي للاتصال بمن يطلق سراحه ويكون موقفه جيداً أو غير منهار. وكنت من جانبي أنظمّ صلة خاصة مع المحامي حسن شعبان الذي كان قد أطلق سراحه بعد اعتقال دام بضعة أشهر في الموقف العام في بغداد، حيث كان عضواً في اللجنة التحضيرية لمهرجان هلسنكي للشباب والطلاب 1962، وكان شعبان قد تخرّج لتوّه وافتتح مكتباً للمحاماة، وظل مختفياً في النجف طيلة فترة حكم البعث، في زقاق معروف بإسم " عكد الخمايسي"، حيث كان لعائلته احدى الدور التي تؤجّر إلى زوار مرقد الامام علي، الذين يأتون للتبرك والزيارة، فإنتقلت إحدى المسنّات (العجائز) للسكن معه للتغطية أولاً ولرعايته واستقبال من كانوا يأتون إلى زيارته ثانياً، رغم إن عددهم لم يتجاوز 3 أشخاص كنت أحدهم.
ومن المفارقة إن بيت حسن شعبان (الذي يختفي فيه) كان مقابل بيت الشيخ عباس شعبان والد المناضل المعروف وهاب شعبان وأخيه عبدالإله شعبان، وكانت واحدة من الهموم التي تواجهنا هو كيفية التمويه على مكان الاختفاء، خوفاً من الثرثرة ونقل الأخبار، التي قد تصل إلى الطرف الآخر وبخاصة إلى الحرس القومي، ورغم استمرار اختفاء حسن شعبان (أبو مضاء) نحو ثمانية أشهر، فانه لم يعرف به أحد حتى من آل شعبان المقابلة بيوتهم لبيوت حسن شعبان أو القريبة منها!
كنّا نتبادل الرأي ونقوم بتحرّك محدود، وكنّا نراجع مواقف وردود أفعال السلطة والحزب وفيما بعد الحركة الانقلابية. (أي قبل وبعد الانقلاب). وبدأنا نسمع عن اختلافات داخل مجاميع الحكم والحزب.
وفي أحد الأيام داهمت قوات الحرس القومي بيت عبد المنعم الجزائري واعتقل الجزائري وكاد والدي أن يُقتل، حيث حاول بعض أفراد الحرس القومي أن يوجه رشاشته إليه، لمنعه من محاولة اقتحام الدار، لاعتقاده أنهم جاءوا لاعتقالي مرة أخرى، وليس لإعتقال جارنا الجزائري. وفوجئنا بأن الحرس القومي، تسلّق دورنا وقام بعملية أشبه بالانزال لإعتقال عبد المنعم الجزائري.
كهذا تفرقت الحلقة المصغّرة، وبقيت أتصل بحسن شعبان، الذي كاد هو الآخر أن يقع في الفخ، حيث داهم أفراد الحرس القومي داره وفتشوا عنه عدّة مرّات، لكنهم لم يعثروا عليه، فقد استطاع عبر السطوح القفز إلى سطوح دور متلاصقة وتمكّن بعد ذلك من الإختباء في مخبئه الذي أشرت إليه، في " بيت الزوار". وكنا نطلق عليه إسم بيت " الحاج شيخ". ولا أدري من أين جاءت التسمية، ولكن ذلك كان بمثابة إسم سري لمكان اختفاء حسن شعبان!؟
 حاولت بعدها الاستفسار عن عبد النبي حسن الدلال، فهو من الشيوعيين المعروفين في المدينة وكان مسؤولاً عن الخط الطلابي، فاضافة إلى كونه جارنا، فهو صديقنا أيضاً وكان لفترة قصيرة قد تناوب في الاشراف على خليتنا مع أنيس كاشف الغطاء، وكان المسؤول عن خليتنا  رحيم كاطع الغزالي.وكنت أعرف إن الصديق عبدالنبي " أبو فاروق" لم يعتقل، وحاولت الاتصال بأخيه حميد حسن الدلال، الذي زارنا إلى المعتقل أكثر من مرّة ونقل لنا الأخبار، وكنّا قلقين عليه مع إعجابنا بشجاعته في تلك الظروف، وكان يخبرنا إنه مرسلٌ لمعرفة أوضاعنا (حصل ذلك قبل منع المواجهات ومنع استلام الأغذية من خارج التوقيف)، وعرفت إن حميد الدلال اعتقل أيضاً، في حين هرب عبد النبي إلى إيران.
إتصل بي بعد ذلك أحد الرفاق الذين كنت على صلة بهم، وسبق وأن كنا في خلية واحدة عام 1962. وبعد أن تم جسّ النبض كما يقال، فاتحني للعمل في التنظيم الجديد، الذي قال إنه يعرف أحد " الرفاق"، الذي يريد الاتصال بي، لكنه بسبب عدم وجود معرفة سابقة، فضّل إرساله، وهو على علاقة خيطية كما أبلغني، وكان متحمساً للعمل.
ثم جاءني أحد " الرفاق" الذين لم أكن قد تعرفت عليه سابقاً، وأخبرني بأنه مندوب الفرات الاوسط، وأن صلته مع القيادة المتبقية وذلك لغرض تطميني من موضوع إحتمالات الاندساس أو التواطؤ، خصوصاً وإنه لمحّ لي بأن المرجع هو لجنة التنظيم المركزي، ولم أكن أفقه من ذلك سوى " الإسم"!
وعرفنا فيما بعد أنه مرسل أو بالتنسيق أو ضمن خطة جمع الرفاق من مركز الفرات الاوسط، الذي كان بقيادة الرفيق " باقر ابراهيم"، وكان بصحبته الرفيقين عدنان عباس وكاظم الجاسم، إضافة إلى زكي خيري (الذي كان معاقباً بسبب كتلة الأربعة التي ضمت خيري وعامر عبدالله وبهاء الدين نوري ومحمد حسين أبو العيس والاخير استشهد تحت التعذيب عام 1963، ضد سلام عادل، وكان زكي خيري يقضي فترة اعادة التأهيل في لجنة قضاء الشامية، ثم في لجنة الفرات بعد انتقاده لنفسه، كما تقضي التقاليد الحزبية الصارمة آنذاك). وهذا الامر عرفته لاحقاً بالطبع من خلال العلاقة مع بعض الرفاق وكذلك من خلال النشر وبخاصة من خلال: مذكرات زكي خيري وبهاء الدين نوري، وباقر ابراهيم الذي يذكره بالتفصيل مع بعض النوادر والتعليقات المثيرة!!
وبالمناسبة فقد حدثني عدنان عباس (عضو اللجنة المركزية سابقاً) عن وجوده في النجف خلال إنقلاب 8 شباط(فبراير) وكان حينهاعضواً في منطقة الفرات الاوسط ومن قياداتها التاريخية، وانه غادر النجف لآخر مرة بعد مرور نحو شهر على الانقلاب، وسار على الاقدام إلى ريف الكوفة بصحبة باقر ابراهيم وزكي خيري وكاظم الجاسم، وترك المسؤولية في تنظيم النجف إلى محمد موسى، وهو أحد الابطال الشعبيين، الذين لهم مكانة خاصة في النجف وكان يسكن في منطقة الجديدة في بيت حزبي، وفي اليوم نفسه الذي غادر به عدنان عباس (أبو ناديا) والرفاق الآخرين، البيت الحزبي فجراً، تمّ مداهمة الدار واعتقل محمد موسى بعد أن اعتقلت خالته، وكنت معتقلاً خلال تلك الفترة، ووقع عليّ الخبر وقع الصاعقة للعلاقة التاريخية بالرجل، منذ أن كنت طفلاً ثم فتىً، ولاعتقادي أن هناك حقداً دفيناًضده ومن المحتمل الاّ نراه ثانيةً. وكان محمد موسى قد قاد تظاهرة يوم 8 شباط (فبراير) وألقى خطاباً نارياً وتحريضياً ضد الانقلابيين بالقرب من الصحن الحيدري (باب القبلة- مدخل شارع الرسول المعروف بشارع موسكو) واستمر ظهوره في أزقة النجف لنحو ثلاثة أيام، ثم اختفى عن الأنظار وكان معه خلال تلك الفترة رفيق من الموصل يدعى فيكتور، ولا ادري أين حلّ به الدهر!!؟
بعد اعتقاله وتعذيبه في النجف، نُقل محمد موسى إلى الحلة وهناك تعرّض للتعذيب أيضاً، حيث كان سابقاً مسؤولاً حزبياً لقضاء الحلة باشراف من الصديق صاحب الحكيم الشخصية الشيوعية التاريخية في منطقة الفرات الاوسط، مسؤول محلية الحلة، الذي اعتقل عام 1962 في الحلة، ومن الحلّة أرسل محمد موسى إلى بغداد واختفى أثره في قصر النهاية. ولدى الباحث دراسة خاصة عن محمد موسى وشهادات لبعض من عرفه، سينشرها قريباً وكنت قد إلتقيت في المعتقل بآخر ثلاث أشخاص كانوا مع محمد موسى، وهم عامل المطبعة الكادر يحيى طربال وعضو اللجنة المحلية مجيد الحلوائي (اخ جاسم الحلوائي) ورفيق آخر إسمه محسن (عضو محلية)، وذلك بعد أسابيع من التحقيق والتعذيب معهم، حيث تم نقلهم إلى الموقف الجديد " تحت  الارض"، وهناك استفسرت منهم عن آخر تفاصيل اعتقال محمد موسى. وكان محمد الحياوي عامل النسيج والمتفرّغ الحزبي معتقلاً معنا، وهو على معرفة وثيقة مع محمد موسى، ونقل لي كيف استطاع الزوغان عام 1957 من الفخ المنصوب له، وانقاذ ما يمكن انقاذه، كما روى لي كيف تم كبس المطبعة!؟
قبيل هذه الفترة ذاتها تقريباً وصلنا خبر اعدام سلام عادل (أبو ايمان) أمين عام الحزب وحسن عوينه (أبو فلاح) ومحمد حسين أبو العيس، حين أذاع راديو بغداد النبأ يوم 7 أو 9 آذار (مارس)، وكان وقع هذا الخبر ثقيلاً ومؤلماً لدرجة الإحباط، حيث تبدّدت الكثير من الآمال، وشعر الكثير منّا بالقنوط، وترافق ذلك بنقل مسؤول السجن (المعتقل) صاحب الحكيم إلى جهة مجهولة وتعرّضه للتعذيب في مركز الحلة، ثم في بغداد (مركز المأمون). وكان الحكيم مربياً حقيقياً لنا لا ينام الاّ بعد أن ننام، ويسهر على كل صغيرة وكبيرة في المعتقل، إضافة إلى مكانته الحزبية كان مهاباً من المعتقلين العاديين، وظلّ يعمل بصمت وصبر وتواضع طيلة حياته، رغم تعرّضه لإجحاف وإساءات وجحود في الثمانينيات!
ولا يمكن لباحث منصف كتابة تاريخ النجف الشيوعي، إضافة إلى تاريخ الفرات الاوسط، دون أن يخصص حيّزاً مهمّاً لصاحب جليل الحكيم (وهو من عائلة دينية من سدنة الروضة الحيدرية)، عملت والدته منذ الخمسينات مراسلة حزبية مع سجن نقرة السلمان، واعتقل هو لأول مرة عام 1950، وقد فصل من الدراسة عام 1953 بعد أن اختفى عن الأنظار، وخلال هذه الفترة إحترف العمل الحزبي، وبعد ذلك، اعتقل عدّة مرّات في العهد الملكي وحُكم عليه بعد انتفاضة العام 1956 لمدة عام، وبعد عام 1958 كان عضواً في محلية النجف ورئيساً لاول اتحاد طلابي منتخب بعد اعادته إلى الدراسة، وكان مسؤول اللجنة المحلية يومها محمد حسن مبارك (أبو هشام)، ثم أصبح صاحب الحكيم مسؤولا للمحلية أواخر عام 1959 أو بداية العام 1960، وكانت يومها تضم: د.خليل جميل الجواد (الطبيب المعروف والشخصية الاجتماعية البارزة) عبدالسادة الخباز (أبو لميعة)، محمد موسى، المحامي حسين الرفيعي، علي النوري (من كربلاء)، ساجد حمادة!! (من الديوانية)  ومحمد رؤوف الجواهري ومحمد الجواهري، واستمر في ذلك حتى مطلع العام 1962، حيث سلّم مسؤوليتها إلى أنيس عباس ناجي. وانتقل ليكون مسؤولاً عن محلية الحلة(بابل) وقد اعتقل في أواخر العام 1962، ونقل بعدها إلى معتقل النجف وهناك إلتقينا به، ومنه بعد الانقلاب إلى الحلة ومن الحلة إلى بغداد " مركز المأمون" وبعد ذلك إلى سجن نقرة السلمان، وأطلق سراحه أواخر العام 1964 أو أوائل العام 1965 حيث عاد إلى صفوف الحزب.
كان حلقة الوصل بيننا وبين التنظيم الجديد هو عدنان الخزرجي، الذي عرفت إسمه فيما بعد وإلتقيت به أثناء اشراف لي على تنظيم ألمانيا الطلابي في العام 1973. اعتقل الخزرجي (الذي تخرّج من ألمانيا- دكتوراه في الفلسفة لاحقاً) خلال حملة جديدة مكثفة بعد مقتل محمد رضا الشيخ راضي، أحد ابرز المسؤولين البعثيين في النجف والذي اشتهر بقسوته، على أيدي فلاحين شيوعيين أثناء زركة من الحرس القومي على ريف منطقة العباسيات في الكوفة وبحثاً عن المحامي حسين الشعلان، وبعد أن تعرّض للتعذيب في مقر الحرس القومي نقل إلى الديوانية، ثم حُكم عليه وأودع في سجن الحلّة الشهير، وترافق ذلك أيضاً مع قيام حركة حسن سريع.
*   *   *
   شكّلنا لجنة للتنظيم الجديد، باسم لجنة النجف- للحزب الشيوعي العراقي وضمت بعض الرفاق من الكوفة وأبو صخر، وكانت امتداداتها واسعة وصلت حسب احصاءات آخر اجتماع لها نحو 60 رفيقاً وصديقاً وجمعنا تبرعات واشتراكات نحو 50 ديناراً آنذاك، حاولنا ارسالنا إلى مركز الحزب في الفرات.
   كانت اللجنة المسؤولة مؤلفة من عدنان الخزرجي ومحسن القهواتي، الذي كان عاملاً في احدى مطابع النجف (لا أتذكر ان كان مطبعة النعمان أو المطبعة الحيدرية). وكان يدرس في المدرسة الاعدادية (المسائية على ما أتذكر) وكفاح سميسم وصادق مطر وعبد الحسين شعبان وانضم إلينا علي الخرسان، الذي كان معتقلاً قبل انقلاب شباط (فبراير)، أي منذ أيام عبد الكريم قاسم الأخيرة، واطلق سراحه، وكان السبب في اعتقاله انه قام بتوزيع منشورات للحزب في مقاهي النجف بصورة علنية، كجزء من خطة الحزب آنذاك للفت الانتباه إلى مواقفه وبخاصة حركته الجماهيرية قبل سقوط قاسم، وكان علي الخرسان إسمه الحزبي (وائل)، في الخليّة ذاتها التي عملت فيها لبضعة أشهر، وكان فيها قبل ذلك جبار رضا عبدننه (العلي) (ناهض) وكوثر الواعظ (هيثم) (الدكتور- طبيب الاسنان)، الذي كانت عيادته في السبعينيات ملتقىً للشيوعيين واليساريين وكان قد اعتقل عام 1963 في النجف، ونقل بعدها إلى سجن أم عباسيات، وعندما أطلق سراحه أعيد إلى الدراسة بعد فصلنا جميعاً، ثم أكمل دراسته في الاتحاد السوفييتي، وهو أحد الوجوه الاجتماعية المعروفة، وطارق شكر الذي اعتقل معنا أيضاً، ثم هاجر إلى الكويت وعند هروبي العام 1970 بعد صدور أمر بإلقاء القبض عليّ، إلتقيته في الكويت، كما إلتقيت أحد الشيوعيين القدامى واسمه موسى مشكور، الذي كان يعمل كاتباً لدى جديّ في خان شعبان وهرب إلى الكويت العام 1963 وبقي هناك، وبعد الغزو الصدامي للكويت انتقل للعيش في ساندياغو (الولايات المتحدة) منذ العام 1990 وكان آخر لقاء لي مع طارق شكر في العراق العام 2003 بعد عودتي إلى بغداد.
وارتبط بهذه اللجنة أعضاء وأصدقاء كثيرون أتذكّر منهم محمد صادق الكويتي، عبد الامير السبتي، وهاب شعبان، طارق شكر (الصراف) ناجي الدباغ، وعبد علي الشرقي وعبد الامير الغرّاوي، باسم كمونة، حميد الدباغ (عامل) وعلاء عاتي ورواء مرتضى فرج الله وغيرهم، وكان لدى الشرقي وحده أكثر من 10 أصدقاء أو رفاق مقطوعين.
   كنت قد فصلت من الدراسة بعد اعتقالي، كما فصل آخرون. وكان التحرّك الأول للجنتنا هو المطالبة باعادتنا للدراسة أو اعتبار فصلنا بمثابة تأجيل سنة لأسباب طبية(صحية) ونجحنا في ذلك عشية الامتحانات النهائية. كما قمنا بفضح عملية تسريب الأسئلة الامتحانية للبكلوريا للجماعات المحسوبة على السلطة آنذاك، والتي كانت فضيحة صارخة، اضطرت السلطة والإتحاد الوطني المحسوب عليها إلى الاعتراف، بها ولكنها حاولت إلصاق التهمة بالشيوعيين والعناصر المندّسة حسبما جاء في بيان رسمي حول سرقة الأسئلة الامتحانية.
كنّا بشكل عام وهذا ما عرفناه نتلقى التعليمات من مركز باقر ابراهيم، أو شيء اسمه " منطقة الفرات الاوسط"، أو هكذا ركب الإسم في رؤوسنا، وكسبنا بعض الاصدقاء الجدد وأعدنا علاقات بعض المنقطعين بمن فيهم عامل الكهرباء عبد الحسين الشيباني، الذي كان يعيد كتابة البيانات بخطه الجميل. وكانت تحذيرات المركز بضرورة المحافظة على النفس واليقظة ازاء الاندساس. وأعتقد أنها كانت تمتاز ببعد نظر في تلك الفترة العصيبة وتحدّ من اندفاعاتنا، ولعلّ بعضها يقترب من التهوّر أحياناً.
   عقدنا 4 اجتماعات اثنان منها في بيت عبدالله الشمرتي صديقنا ورفيقنا، الذي فضّل تقديم جميع التسهيلات لنا دون أن يكون عضواً في الحزب (المقصود التنظيم الجديد) وظل على موقفه هذا، لكنه تعرّض فيما بعد للاعتقال وكاد أن يُرمى في السجن ويُقدّم إلى المحاكمة، حيث جلب لنا بيانات ووثائق من الحزب الشيوعي السوري، وألقي عليه القبض في الحدود، وأقتيد مخفوراً ولولا تدخلات أحمد الشمرتي المعروف بعلاقاته الواسعة لأودع السجن. وكان أنذاك يتردّد على دمشق للتسجيل في كلية الحقوق.
    لا أتذكر إنْ كان آخرون قد انضموا إلى اللجنة، ولكنني أتذكّر إننا كنّا في حالة توسع شديد. وعقدنا اجتماعاً في الكوفة في جامع الكوفة الشهير تمويهاً لرجال الحرس القومي وآخر في منطقة الجسر في بستان لاحد الفلاحين من اصدقائنا بواسطة تسهيلات من رفيقنا محمد الكويتي وسهام ماضي.

كانت حملة الاعتقالات سريعة ومكثفة، فقد اعتقل الخزرجي وبعده اعتقل محسن القهواتي، كما اعتقل كمونة وآخرون. واضطررنا إلى قطع الاتصالات والهرب حسب إتفاق كان بيننا، خصوصاً بعد أن عرفنا بواسطة رفيقنا علي الخرسان، عن طريق الحلاّق خضير الجزائري، الذي نقل له رزاق كشكول عضو قيادة منظمة البعث والحرس القومي اكتشافهم لحلقات من التنظيم الجديد واعتقالهم لبعض العناصر، وإنّ الحملة ستكون مركزة وخاطفة.
*   *   *
هربت إلى بغداد، التي كنّا نقضي فيها أوقاتاً طويلة ولدينا فيها الكثير من البيوت والعلاقات والأقارب والأصدقاء. إستأجر والدي سيارة تاكسي(أجرة). وكنت قد ذهبت مشياً على الأقدام إلى خارج المدينة وبعد نقطة التفتيش، التي هي في حي السعد، ركبت من هناك في السيارة، وكنت قد بت ليلة خارج البيت احتراساً من احتمالات الاعتقال. وفي بغداد اتصلت بلجنة الكاظمية أو بقاياها ومع بعض الأصدقاء والرفاق. وكان آخر تشكيلة لها بقيادة محمد أمين الاسدي (المحامي فيما بعد) الذي بادر مع نخبة لاعادة تشكيل التنظيم الجديد، لكنه اضطر إلى الهرب إلى إيران بعد انكشاف حركتها.
وبواسطة صديق خياط يدعى صادق وصيدلي إسمه عبد الأمير السعدي (كان طالباً آنذاك) وهما يسكنان في منطقة النواب حصلنا على صحيفة " طريق الشعب"، التي صدرت في حزيران (يونيو) العام 1963، وحرّرها في حينها عبد الجبار وهبي " أبو سعيد" وجمال الحيدري ومحمد صالح العبلي، قبل إلقاء القبض عليهم واعدامهم في تموز (يوليو) العام 1963، أي بعد شهر تقريباً من صدور أول عدد من صحيفة طريق الشعب، التي انعشت الكثير من الآمال، لكن تسارع الأحداث وفشل حركة سريع وفيما بعد اعدام العبلي والحيدري وأبو سعيد، سبّب بعض ردود الفعل السلبية وبخاصة في الجوانب المعنوية.
كنت " أختفي" أو هكذا يخيّل إليّ في منطقة الإنباريين في الكاظمية في بيت عمي شوقي شعبان، الذي كان معتقلاً في النادي الاولمبي وقبلها في الكاظمية واستقرّ به المقام في الموقف العام ببغداد (القلعة الخامسة). وأتحرّك بين بيت جدي التاجر المعروف الحاج حمود شعبان، في منطقة سوق حمّد (تانكي الماء)،  الذي دوهم بيته في أيام الانقلاب، حيث كانت المقاومة في المدرسة المقابلة له، وأصيب بعدها بأيام بجلطة قلبية وصاحبه مرض القلب، بضعة شهور لم تمهله طويلاً، وعلى أثرها توفي في بيروت آب (أغسطس) العام 1963، وكذلك في الأسواق التجارية حيث الكثير من أقاربي ووالدي يعملون في تجارة الأقمشة، وكانت السوق التجارية أرضاً خصبة لسماع الاخبار، من جهة ولمعرفة بعض توجّهات الحكم وخفاياه من جهة اخرى، حيث كانت ترد الكثير من المعلومات التي أسمعها وأدققها وأنقلها إلى الموقف العام عند زيارة  عمي شوقي.
ونقلت لهم في إناء خاص صحيفة الشعب بعد تمويهات كثيرة وكانت عمتي أمينة هي التي حملت " البريد" مع الكثير من المأكولات والحلويات دون أن تدري حقيقة ما يتضمنه. نقلت لهم بعد أول مواجهة في ذلك الصيف الساخن والملتهب  تداعيات حركة حسن سريع، وكان الرأي السائد عندهم وفي الشارع المؤيد للشيوعيين هو خطأ الانتظار طالما كانوا قد بدأوا بالتنفيذ، ولذلك كان لا بدّ من "تصفية" القيادات السياسية والعسكرية، التي وقعت في الفخ واعتقلت أثناء وصولها إلى معسكر الرشيد، لأن الأمر اقترب من التردّد وهو ما أوقع الحركة في عدم الحسم والحزم ازاء الخصم، في لحظة إقتضت اتخاذ قرار حازم وسريع والمبادرة لحسم المعركة، لأن الانتظار سيعني تمكين الطرف الآخر من تجميع صفوفه ومن ثم الانقضاض وهو الطرف الأقوى وهذا ما قاد الحركة إلى الفشل والى المزيد من التنكيل بالشيوعيين.
ولعل حادثة قطار الموت قد تمت بعد هذا التاريخ، حيث اقتيد بضعة مئات من الشيوعيين معظمهم من العسكريين في قطار خاص بالحمولة وفي ظروف مناخية سيئة وكانت أرضه عارية الاّ من الاسفلت وبدرجة حرارية عالية في صيف قائض، حين انعدمت التهوية بعد اغلاق الابواب وكاد الجميع يموتون، لولا السرعة الفائقة التي قاد بها سائق القطار" عبد العباس المفرجي" وهو والد الصديق مظهر، ووجود أطباء في القطار نفسه اضافة إلى اسعاف أهالي السماوة . ومن الطريف بالذكر ان عبد العباس المفرجي، الذي أنقذ المعتقلين اعتقل هو الآخر، ونقل معهم إلى سجن نقرة السلمان.
 كما إن عدم توزيع السلاح والتنسيق مع قطعات عسكرية أخرى وتنظيمات أخرى ساهم في تقوقع الحركة وانتهائها، رغم البطولة والشجاعة، التي تحلّى بها حسن السريع وزملائه سواءً عند الاقدام أو في المحاكمة فيما بعد وتحمّل التعذيب ومواجهة الموت ببسالة وثقة.
وهنا أريد أن أتوقف قليلاً فيما ساد في أوساطنا من ارهاصات وارتباكات وردود فعل سواءً كانت تنظيمية أو شبه تنظيمية أو فردية على شكل اجتهادات أو حالات من الجزع وعدم الصبر. وحتى هذا التاريخ لم أقرأ دراسة أو بحثاًً عن حركة السريع، باستثناء كتاب الصديق د. علي كريم، الذي ظل يدور في اطار كتابه الخاص بتدوين مذكرات طالب شبيب، والذي صدر بعنوان: من حوار المفاهيم إلى حوار الدم، ولعلّ هذا الحدث وأحداث أخرى لم يسلّط عليها الضوء الكافي لنقدها وبحثها من زاوية موضوعية، فالبطولة شيء والحدث ما ترّتب عليه وطريقة التفكير شيء آخر!!
قبل هروبي من النجف بأيام وصلنا ما يسمى بالانذار" ج"، تشبثاً بالانذارات العسكرية. وكان الأمر محصوراً كما قيل لنا بعدد محدود من الكوادر، ولا ندري ما هو دورنا وتأثيرنا لكي نبّلغ بمثل هكذا سرّ خطير (إنْ وجد)، اذ لا بدّ من الاستعداد لأحداث مهمة قد تجري سريعاً، وعلينا مراقبة الموقف والتهيؤ لأية إحتمالات. ولم نكن ندرك حقيقة الأمر، فنحن مجموعة قليلة أولاً وصغيرة السن ثانياً وتجربتنا بسيطة آنذاك ثالثا،ً ومعرفتنا وثقافتنا محدودة وبخاصة في الجوانب العملية والحياتية رابعاً، وخامساً ولم يكن لأي منّا معرفة في الامور الخاصة بالدولة والحكومة والجيش. فما معنى الانذار "ج"؟
كان السؤال الذي راودني كثيراً وأعتقد أنه راود الزملاء الآخرين " وماذا بعد!؟ " بعد يوم أو يومين ألغي الانذار، ثم تكرر الأمر مرة أخرى وأخرى. وفي بغداد تكرّر الأمر كذلك، وهو ما تكرّر على نحو أشد وأوضح بعد انقلاب 18 تشرين الثاني (نوفمبر) العام 1963. ربما كانت بروفات لإعادة الثقة بالنفس وقد تكون بصفتها توجهات فردية، ولكن رد الفعل كان عكسياً معي، فبعد مرّة أو مرتين بدأت أهمل هذه الانذارات " الخلبيّة" كما سميّت فيما بعد.
أما الهدف وبخاصة بعد الانقلاب الثاني بقيادة العقيد (المشير) عبد السلام عارف، فقد كان يسعى إلى بعث الثقة في النفس وشحذ الهّمة والروح الجهادية واختبار درجة الاستعداد والجاهزية. قد يكون الأمر من باب رفع المعنويات أو حتى المبالغات في القدرات الذاتية أو شيئا من الاجتهادات الشخصية أو العلاقة مع بعض العسكريين. ولكن الأمر لم يكن يخلو من مفارقات.
كنّا نسهر أحيانا أنا وعلي الخرسان بعد استكمال بناء بيتنا الجديد في حي السعد، في الحديقة أحياناً وفي السطح أحياناً وبجوارنا الراديو وننتظر حتى نمّل وتأتينا بعد أيام بعض الاخبار " المقنعة" وغير المقنعة، بأن أمراً ما كاد أن يحدث، لكن الظروف استوجبت التأجيل. وأخذ الأمر بُعداً آخر بعد العام 1965 أيام ما سمّي " بالعمل الحاسم". وهذا حصل بعد انهيارات كثيرة في المعنويات وفكّ ارتباط وزعل على الحزب بسبب خط آب في حينها، وضمن مستوى الوعي والادراك السائد آنذاك، إضافة إلى نزعات التشدّد و" التياسر" والارادوية، التي كانت سائدة وظلّت إلى حدود غير قليلة في أوساط الحزب، ناهيكم عن الذكريات المؤلمة للفترة السابقة.
لكنني بكل صراحة وأقولها للتاريخ لم أكن أدرك حقيقة ما يجري فعلياً رغم إن قناعتي كانت إن الحزب لا يستطيع أن يعمل شيئاً قبل أن يضمد جراحاته العميقة ويعيد لحمة ما تبقى ويصحح نهجه السياسي ويتخلّص من تردّده وحركته البندولية، وهي سمة ظلّت ملازمة لقيادته مع الأسف الشديد.
أتذكر مرة وكنّا ما نزال في المعتقل، كان هناك من يحاول أن يبعث الامل في نفوس البعض، عن طريق أخبار يبّثها بإحتمال قيام حركة مضادة للبعث، وإن فلان وفلان من الرفاق لم يعتقلا، وان الفرع الكردي يستعد للتحرك، واذا جرى التنسيق مع قيادة البارتي (بزعامة البارزاني) سيكون الأمر مضمونا تماماً، وإن الحركة الانقلابية بدأت تتآكل وربما تنهار، وعندما سمع انفجاراً حدث، وسمعنا دوّيه في يوم مولد النبي محمد (ص)، في احتفالية في الميدان الرئيسي للمدينة، حيث يوجد " خان الهنود" هتف قائلاً إنه الانذار "ج". وسترون من يكون في الواجهة!؟ وأخذ يذكر إسم العقيد غضبان السعد وسعيد مطر وآخرين.
واتّضح إن القضية هي مجرد سقوط كراسي حديدية وربما انفجار قنينة غاز، هاج على إثرها الجمع وردّد الفلاحون هوستهم الشهيرة " مليوصة يا حسين الصافي "، حيث كان متصرّفاً (محافظاً) للواء الديوانية (القادسية) وجلب الفلاحين في سيارات كبيرة للمشاركة في الاحتفال المذكور، الذي إنفض بفضيحة، ظلّ الجميع يتندّرون بها.
وحيث كنّا في " خان الهنود" استجلينا الأمر من كاكه حمه الشرطي المكلف بحراسة غرفتنا، بما حصل وعرفنا الحقيقة، واذا بصاحبنا ينطفئ فقد كانت حماسته تعويضاً عن شعور بالمرارة من جهة، وتشبثاً بالامل من جهة أخرى، وغالباً ما كانت تحدث قضايا ومواقف مماثلة ومتناقضة من هذا القبيل!!
*   *   *
كنت أتوجّه بسيارة خالي ومعي والدي وأحد أقاربنا إلى بغداد من الكاظمية وعبرنا جسر الأعظمية (جسر الأئمة) واذا بالحرس القومي يوقف سيارتنا في نقطة التفتيش. وطلبوا هوياتنا وعرفنا منهم أو هكذا قالوا: إن انقلابا شيوعياً " أبكَعاً " قد حدث ولكنه فشل. وكنت يومها أحمل " طريق الشعب" في جيبي (وهي مطبوعة على الآلة الكاتبة ومعها نسخة أو نسختين بخط اليد). وكاد يغمى عليّ، خصوصاً بأخبار "الانقلاب الفاشل" وقبلها "انتفاضة معسكر الرشيد" واحتمال اكتشاف أمري. بعد لحظات تنفسّت الصعداء فقد سمحوا لنا بالمرور وحمدت الله على انهم لم يفتشوا جيوبنا، والاّ سيكون مصيري في كف عفريت. فمن يدري ماذا سيكون رد الفعل المباشر؟
بعد وصولنا إلى سوق المرادية وفي خان شعبان الذي كان لجدي الحاج حمود شعبان، أطلعت نعمان شعبان على الجريدة، التي قرأها بخوف شديد فوق سطح الخان، ثم قمت برمي ما عندي في أطراف شارع المتنبي بعد ذلك وبالقرب من نقابة المحامين، ونعمان الذي توفي في أوائل التسعينيات هو صديقي وأقاربي وكنت صلته بالحزب، وقد مثلّ الحزب في الجمعية العراقية للعلوم السياسية العام 1969 في قائمة مشتركة مع حزب البعث والحركة الكردية والحركة الاشتراكية العربية، وكان ذلك من التحالفات الأولى بعد انقلاب 17 تموز (يوليو) بين الشيوعيين والبعثيين، كما كان عضواً في لجنة طلابية سابقة ضمّت حكمت سليمان(من الموصل) وعطية فاضل (الدكتورة في الاقتصاد لاحقاً) وعبد الامير صالح السعدي (انتمى إلى الحزب الحاكم لاحقاً وهو غير الذي ورد ذكره ) وزميل كان محسوباً على ملاك القيادة المركزية سابقاً إسمه (حسن).
عدنا إلى البيت سريعاً حيث كان الجو يميل إلى منع التجول واتصلت بأصدقائي والحلقة المصغرة في الكاظمية، لأستجلي الأمر منهم وأنتظر فيما إذا كانت هناك أية معلومات أو أخبار. واتفقنا على ضرورة اليقظة والحذر من الاندساس وانكار علاقتنا مع بعضنا في حالة اعتقال أحدنا.
علمت بان بقايا الحزب أو بعض منظماته المتقطعة، لم يكونوا يحبذوا قيام حركة في هذا الوقت بالذات ضمن وعينا آنذاك. ثم تأكد لي هذا الأمر بعد حوارات مع " أبو خولة" – باقر ابراهيم أحد قادة الحزب التاريخيين وعضو المكتب السياسي لسنوات طويلة والمسؤول عن منطقة الفرات الاوسط خلال أحداث العام 1963، الذي علّق على مذكرات زكي خيري (عضو المكتب السياسي) ومقترحاته في حينها (العام 1963)، حول المبادرة بالهجوم على حامية النجف (العسكرية) أو ركوب القطار المتوّجه من الديوانية إلى بغداد والزحف ببضعة مسلحين من الفلاحين من هناك، وهي آراء كثيراً ما كانت تتردّد من باب رد الفعل وربما اليأس أو عدم الصبر أو بمكابرات " ثورية"، وهو ما دوّنه باقر ابراهيم في مذكراته. ولعلّ في هذا الجزء من مذكرات باقر ابراهيم ملء لي العديد من الفراغات في معلوماتي وفي ذاكرتي أيضاً.
ومثل تلك الفنطاريات الثورية والمغامرات كانت تتردّد بين بعض أفراد مجموعتنا الصغيرة، وكانت تلاقي صدىً وتُشمّر السواعد لجمع السلاح أو الاعلان عن فشل العمل السياسي أو غير ذلك. وأعتقد إن نظرة باقر ابراهيم كانت أكثر بعداً وواقعية من مثل تلك الاطروحات الصبيانية المغامرة، وحمداً لله لم يبادر البعض بتوريطنا مغبة اندفاعات غير محسوبة.
عرفت إن " أبو سلام" الشخص الذي كان اسمه يتردد في المحكمة، التي انعقدت سريعاً لمحاكمة حسن سريع، ورفاقه ظل مجهولاً، وربما ظلّت تلك احدى أبرز الحلقات المفقودة في حركة حسن سريع وبخاصة علاقة التنظيم المدني بالتنظيم العسكري، وكان الصديق طلال شاكر  " أبو ميلاد" قد حدثني عن جوانب خفية من علاقة حسن السريع ببعض تنظيمات الحزب، وعلاقة بعض رفاق وتشكيلات بقايا الحزب بالحركة، خصوصاً وإن هناك تجمّعات غير قليلة وتشكيلات مستقلة عن بعضها عملت باسم الحزب الشيوعي آنذاك قبل تجميعه فيما بعد وبخاصة بعد انقلاب 18 تشرين الثاني (نوفمبر) 1963 الذي أطاح بحكم البعث.
وقد حدّثني الرفيق عباس قاسم (بولس مراد) الذي عمل معي في جمعية الطلبة في براغ عندما كنت رئيساً لها، وكان متهماً بأحداث الموصل وسجن في حينها، ولكن أطلق سراحه عشية إنقلاب 8 شباط (فبراير)، بأنه ساهم في تلك التشكيلات وكان على رأس بعضها، وربما اعتقد أنه المسؤول الأول، إذْ لم يكن يعرف بأن هناك تشكيلات أخرى. وكان ذلك اثناء وجوده في براغ في السبعينيات وبعد خروجه من بغداد في أواخر العام 1965، وهذا الأمر حصل معنا أيضاً، فقد اعتقدنا اننا الوحيدون الذين يمسكون بتلابيب التنظيم، ولكن حسبما أعتقد وكما اتضح الامر بعد سقوط حكم 8 شباط (فبراير)، كانت مجاميع أخرى، وربما تنظيمات أخرى، وهذا ما حصل في بغداد ومدن أخرى أيضاً.
وبخصوص التنظيم الجديد عدت إلى النجف بعد انقلاب 18 تشرين الثاني (نوفمبر) وحاولنا اعادة تشكيل هيئة جديدة للنجف مؤلفة من شقيق عبد الرزاق السبيّس (لا اتذكر اسمه) وعباس فيروز (خياط) وحسون (عامل في مقهى) وعلي الخرسان ورفيق آخر نسيت اسمه وكاتب هذه السطور (طلاّب أعيدوا للدراسة). ثم جرى اتصال بيننا وبين منظمة العاصمة بواسطة بريد لا أعرف أو لا أتذكر كيف وصلنا، واتضح إننا نواة لما سميّ باللجنة الثورية ووزعنا بياناتها وبخاصة من قبل عبد الحسين الشيباني(عامل الكهرباء) وعلي الخرسان، وكنّا نعيد كتابة البيانات في فندق يعود إلى السيد هادي الخرسان (شقيق علي الخرسان)، ولكننا عرفنا ان مركز الحزب استعاد نشاطه ووصلتنا أدبيات وبيانات، واتصل بنا بعض الرفاق القدامى الذين نعرفهم ونثق بهم، مما أدى إلى انقطاع اتصالنا مع ما سمي باللجنة الثورية أو مجموعة ثورية متمردة على القيادة (لم أعد أتذكر ذلك)، أو بالاحرى لم أكن أميّز ذلك كثيراً لاعتقاد بعضنا أن نهجاً جديداً ثورياً قد بدأ بأسماء ثورية أو هكذا تصوّرنا ويعود الأمر إلى قلّة تجربتنا ، ولظروف العمل السري القاسية وانعدام الحريات.
ولا أدري إنْ كان ذلك نواة للجنة الثورية التي قادها سليم الفخري الضابط الشيوعي ومدير الاذاعة والتلفزيون في زمن قاسم أم جهة أخرى؟ وبالمناسبة فقد استدرج الفخري ورفاقه خلال تخطيطهم لحركة انقلابية ليقعوا في الفخ ويحكم عليهم بأحكام ثقيلة، ولم يطلق سراحهم الاّ بعد العام 1968، ومات سليم الفخري في لندن عام 1990 وحضرت حفل تأبينه، وظلّ في السنوات الأخيرة من حياته داعية لحقوق الانسان وكانت له علاقات متميّزة وواسعة مع الكثير من الشخصيات الوطنية العراقية .
لم نكن نفكّر رغم قلة تجربتنا بشيء أبعد من الحزب أو بديلاً عنه أو بارتباط خارجه، رغم سخطنا على بعض توجهات القيادة ومرارتنا بسبب النكسة التي حلّت بالحزب وتمزق شمله، خصوصاً وإن الكثير من الأسئلة بدأت تواجهنا وتراود عقولنا وشكلت تلك ارهاصات أولية لاختلافات فكرية ونظرية وعملية فيما بعد.
بعد هرب صلتنا (السبيس) إلى البادية (منطقة عرعر) حسبما أتذكر، انفرطت علاقاتنا التنظيمية. واتضح لنا وجود تنظيمات أخرى في الفرات والنجف. كما قمت بمحاولة تنظيم اتصالات جديدة لمجموعتنا مع منظمة بغداد عن طريق أحمد سنجر  وهو صديق حسن شعبانالموظف في احدى سفارات الدول الاشتراكية.
ثم ارتحلت عن النجف كليّاً حين إلتحقت بعد ذلك بجامعة بغداد (كلية الاقتصاد والعلوم السياسية) وداهمنا يومها خط آب، الذي صدمنا ورفضت تنظيمات النجف توزيع البيان الشهير، كما تم إتلاف حوالي 100 نسخة من صحيفة طريق الشعب، التي روّجت لخط آب الذي وصف " بالتصفوي والذيلي والانتهازي"، في محاكاته لسلطة عبد السلام عارف والسعي لتخفيض شعارات الحزب والدعوة المستترة والمعلنة لحل تنظيماته والانضواء في " الإتحاد الاشتراكي". ولم يكن ذلك بمعزل عن السياسة السوفيتيية، التي روّجت لفكرة "طريق التطور اللارأسمالي" وإمكان تحقيق التحول الإشتراكي عبر سلطة "الديمقراطيين الثوريين"، وهو ما جرى الحديث عنه في وقت لاحق خلال فترة التحالف مع حزب البعث في السبعينات، لكن رفض ومعارضة خالد بكداش لفكرة التطور اللارأسمالي وموضوع حلّ الاحزاب الشيوعية، مثلما حصل في مصر والجزائر، كان كفيلاً بإحداث نوع من الحراك في التيار الشيوعي العربي، ورغم ما يقال عن خالد بكداش من تبعية لموسكو، الاّ أن موقفه عام 1964 من هاتين المسألتين، كان شجاعاً ومبدئياً، رغم أن البعض يعتبر ذلك خطوة خارج السياق.
ولعلّ في تنصّل معظم قادة وأركان خط آب في الدفاع عنه فيما بعد خير دليل على فشله وعدم واقعيته، إذْ ليس من الممكن في أجواء الصراع وبخاصة بعد حركة حسن السريع، طرح مثل هذا الخط السياسي والفكري دون وجود مقدمات وتمهيدات، فضلاً عن مبررات موضوعية كافية، فقد كان غبار المعارك ما يزال يغطي الكثير من الزوايا، وأسئلة الضحايا كانت ما تزال تستفهم وتطالب بالعدالة، واذا كان بعض أقطاب خط آب قد اتجه إلى فكرة " العمل الحاسم" النقيضة، فإن باقر ابراهيم كان، استثناءً، حيث ظلّ أميناً لمواقفه  وهي مسألة تبعث على الاحترام بشأن الدفاع عن الرأي والثبات على المواقف، رغم الاختلاف في وجهات النظر في تقييم الحدث، وقراءة المستجدات التي أعقبته ، بما فيها المتغيّرات والتطورات وما أفرزته الحياة ذاتها!
أعتقد إنه آن الآوان لإجراء مراجعة انتقادية للتجرية بما لها وما عليها، خصوصاً ونحن نتعاطى معها الآن باعتبارها ماضياً لا يمكن استعادته، وليس من باب التنديد أو التمجيد، بقدر ما هي تجربة علينا إعادة قراءتها بالارتباط مع مجمل تاريخ الحركة الشيوعية، بما فيها ممارساتها السلبية والخاطئة وردود فعل الآخرين إزاءها، وبخاصة المجازر التي ارتكبت العام 1959 في الموصل، وفيما بعد في كركوك، وتشجيعنا وحثنا على إعدام العديد من القيادات القومية والبعثية، بمن فيهم من الضباط الاحرار الذين شاركوا في ثورة 14 تموز (يوليو) العام 1958 وفي المقدمة منهم: رفعت الحاج سري وناظم الطبقجلي وغيرهما!! إضافة إلى محاولة الاستحواذ على الشارع وعزل وإبعاد الآخرين شركاء الأمس في جبهة الاتحاد الوطني، وما خلّف ذلك من احتكاكات بين تيارين متقاربين، لكنهما دفعا ثمن منافستهما غير المبدئية وغير الديمقراطية ومحاولات إلغاء كل منهما الآخر،  وهو الأمر الذي جلب الكثير من الكوارث على العراق، في العقود الأربعة الماضية، خصوصاً بتهميش الطبقة الوسطى وازدراء تيار الوسط الديمقراطي والسعي للاستئثار بالحكم وتصفية الهوامش الديمقراطية وتمجيد عبادة الفرد التي أوقعت البلاد في كوارث لا حدود لها، ابتداءً من الحرب العراقية- الإيرانية وغزو الكويت، وصولاً إلى ما تعرّض له العراق من حصار دولي ثم احتلال!!

3
ثلاثية التاريخ والسياسة والدين
في مقاربات عبد الحسين شعبان
   
د. محمد جواد فارس
طبيب وكاتب/ لندن

   أطلّ علينا الدكتور عبد الحسين شعبان في كتابه الجديد الموسوم  (الإمام الحسني البغدادي:مقاربات في سسيولوجيا الدين والتديّن)  ليطرح بجرأة الترابط الجدلي بين التاريخ والسياسة والدين وهي مسائل مسكوت عنها أو غير مطروقة بالطريقة التي حاول بحثها من موقع النقد والنقد الذاتي مسلطاً الضوء على شخصية دينية ومن عائلة معروفة على المستوى الاجتماعي والديني في العراق وعموم الطائفة الشيعية في العالم الإسلامي .
   وتتسم هذه المقاربة النقدية بالأهمية، خصوصاً بعد ما تعرّضت له منطقتنا العربية وعلى وجه التحديد والعراق بوجه خاص من أحداث وتطورات في العقود والسنوات  الأخيرة من القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين، ولاسيّما احتلال العراق وتفشي الطائفية والعنف والإرهاب ، وذلك بعد حروب وحصار.
   وإذا كان الأجداد قد تركوا لنا الكثير من الإبداع الذي أنجبه أبناء الرافدين على مدى تاريخهم العريق  في مجالات متعددة مثل الهندسة والقانون والأدب كما هي الجنائن المعلقة ومسلّة حمورابي وملحمة جلجامش، والتي تناولها الكثير من المؤرخين العرب  وغير العرب،  فإن ما حلّ بهم أيضاً من ويلات ونكبات ومآسي وضع المؤرخون أمام حيرة ألا وهي قدرة العراقيين على اجتراح كل ذلك وتجاوز المحن والتطلع إلى مستقبل أفضل، وهو ما عكسته الأساطير والقصص والملاحم الشعرية التي عالجت قضايا الفلسفة والعلوم والفن والثقافة والوجود والخلود بشكل عام، وذلك ما ورد في الأديان السماوية الثلاث اليهودية والمسيحية والإسلام . 
                                                           
   وقد شرّعت هذه الأديان العبادة التي تربط الإنسان بالخالق، وهي موجهة بشكل عام إلى إرشاد الإنسان نحو الحرية الفردية وتطوّر المجتمع في الابتكار والإبداع وفق ما ينسجم مع تطورات الحياة.
   في كتابه ناقش الدكتور شعبان الجدل الدائر والمزمن بين التاريخ والسياسة والدين وهي ثلاثية حتى وإن تباعدت حقولها ووجدت حدود فيما بينها إلا أنه لا يمكن فصلها عن بعضها البعض بسبب تداخلات وتفاعلات تجري بالأساس داخل المجتمع. ولم يكتفِ الباحث بحديث التنظير، بل حاول أن يعرض ما استقر من مفاهيم حول هذه القضايا في أذهان عموم الناس خاصة في السنوات الأخيرة التي شهدت التعصب والتطرف والعنف والذي تجلّى مؤخراً بظهور ما سمي بالدولة الإسلامية (داعش) والممارسات المنكرة التي أقدمت عليها من الإساءة للدين والقيم الأخلاقية والإنسانية ، ومها الذبح والاغتصاب وهي أمور لا تمتّ إلى الإسلام بصلة .       
                                                                         
   وقد أحسن الدكتور شعبان في اختياره شخصية دينية معروفة في توجهها الوطني ومقاومة المحتل بتعريضها للنقد وبقدر  مواقفها الراديكالية في السياسة فهي محافظة دينياً لاسيّما في التوجّهات الخاصة في الشعائر الحسينية، لكنّه لم يتوقف في ذلك بل إنه قدّم نقداً ذاتياً إلى المعسكر الشيوعي الذي ينتمي إليه، خصوصاً لبعض المواقف الصبيانية المتطرّفة وبعض المبالغات والتقديرات التي أثبتت الحياة عدم صحتها فاستعرض بعض مواقفنا أواخر الخمسينات وبعض مواقفنا أيام الجبهة وفي الموقف من حركة خان النص . وأعتقد أن هذه التقييمات الشجاعة هي ضرورة لا غنى عنها للمراجعة في السياسة والتاريخ والدين ليس فقط من جانب العلمانيين والمدنيين ومن مختلف التوجهات بل من جانب الدينيين والحركات الدينية في الدرجة الأساسية، خصوصاً في موقفهم من اليسار والحركة الشيوعية.
   لقد عرّف شعبان القارئ بكتاب البغدادي" وجوب النهضة" الذي كان قد أعدّه لمقاومة المحتلين البريطانيين في الحرب العالمية الأولى ولم يتسنَ له إصداره إلا بعد عدوان حزيران على الأمة العربية العام 1967 ، وكما ذكر شعبان فهو مساهمة ودرس  في الكفاح ضد الاحتلال والصهيونية وتأكيد على مدى التمسّك بفكرة الدفاع عن الوطن والحق في مقاومة الاحتلال، وهي الخبرة التي استمدها حفيده السيد أحمد الحسني البغدادي في مقاومته للاحتلال الأمريكي ووقوفه ضد تشكيلاته اللاحقة.
   وإذا كان الكتاب قد ربط بين التاريخ والسياسة والدين  وناقش موضوعات مهمة في شرح وافٍ للدين والظاهرة الدينية بشكل عام كما تناول العلاقة بين الدين والسياسة من خلال جدليات الحوزة الدينية فإنه توقّف على نحوٍ منهجي لبحث موضوع فتاوى تحريم الشيوعية التي كانت قد صدرت عن عدد من كبار رجال الدين لكنها خلقت في الوقت نفسه انقساماً ليس في المجتمع العراقي فحسب بل داخل الوسط الديني والعلمائي ذاته ، ففي حين أصدر السيد محسن الحكيم فتواه باعتبار الشيوعية كفر وإلحاد وتبعه عدد من رجال الدين بينهم عبد الكريم الجزائري وأبو القاسم الخوئي وآخرين ، فإن عدداً آخر من علماء الدين امتنعوا عن إصدار هذه الفتوى حتى وإن كان لهم رأي بالشيوعية مثل الحسني البغدادي والقائني والزنجاني والحمّامي لاعتقادهم أن ذلك سيسبّب شرخاً اجتماعياً وانشطاراً مجتمعياً ولم يجدوا لذلك مبرراً والضرر سيكون  أكثر من النفع.       
   لقد كان اتهام الشيوعيين العراقيين بالكفر والإلحاد له دوافع سياسية وليس لأسباب دينية ، فهم ساهموا في الأربعينات والخمسينات من القرن الماضي في المواكب الحسينية واستغلوا جميع المناسبات لطرح المطالب الشعبية ولم يجدوا في ذلك ضيراً ولم يتهمهم أحد حينها بالإلحاد أو بالكفر، لكن نفوذهم وهيمنتهم على الشارع بعد العام 1959 دفعت بعض رجال الدين إلى استغلال بعض التصرفات العدائية منهم إلى اتهامهم ، وقد نجد في الكتاب   نقداً لمثل هذه المواقف من جميع الأطراف التي أدت إلى تمترسات وصدامات حادة دفعت الجميع ثمنها باهظاً، ولاسيّما بعد الاحتلال.                                                     
   أختتم بواقعة من ذاكرتي حين كنت لا أزال فتى في العاشرة من عمري حيث كانت الدعاية الانتخابية العام 1957، في مدينة الحلّة وأنا ابنها ، للشيخ عبد الكريم الماشطة تعبّر عن ضمير الناس حين جمعت بين الدفاع عن لقمة العيش والحرية والقضايا الخدمية . وكان الشعار: من  يريد الخبز والعمل والمدارس والمستشفيات والمعامل بدلاً من القنابل والمنشآت الحربية فليصوّت للشيخ عبد الكريم الماشطة. والماشطة رجل دين ونصير للسلم وداعية اجتماعية وشخصية عربية وإسلامية وعالمية، وفي ذلك دلالة على أن العديد من رجال الدين كان يقيمون علاقات طيبة مع الشيوعيين وتجمعهم أهداف مشتركة.
      إن كتاب شعبان هو مساهمة فكرية وثقافية في نقد الفكر السياسي العراقي الديني والمدني وفيه استفزاز واستثارة للذاكرة العراقية التي لا تعتمد عليها فقط بل إنها تذهب إلى الوثائق والمراجع لتدقيقها وتدوينها وذلك خدمة للتاريخ والسياسة والدين
 
محمد جواد فارس
طبيب وكاتب

لندن أواخر أيار -مايو 2018
 

 
 
 
 
 
 

4
مشكلة «أطفال الدواعش»!
عبد الحسين شعبان
أثارت مناقشة ملف الأطفال «مجهولي النسب»، انقساماً بين السوريين، بين من يعد الملف يتمثل ببعد إنساني ووطني، ومن ينظر إليه نظرة ازدراء وشك، وهناك من يعده ملفاً سياسياً، ويريد التعامل معه عبر إشراك أوروبا، وتشترك جهات اجتماعية ودينية وسياسية وبرلمانية ومدنية وحقوقية وقانونية بمناقشة هذا الملف المعقّد والشائك، ليس على صعيد أوضاع الماضي؛ بل على صعيد أوضاع المستقبل، والأمر بقدر ما يخصّ سوريا، فهو يعني بلداناً أخرى إقليمية أو أوروبية.
وعلى الرغم من أن قضية «مجهولي النسب» مشكلة قائمة في العديد من البلدان العربية، إلّا أن الملف السوري ل«مجهولي النسب» ينصرف إلى «داعش» و«عمليات السبي»، التي حلّلها «الداعشيون»، وبيع النساء في سوق النخاسة وغير ذلك، والأمر يشمل المتطوعين الأوروبيين، ولاسيّما من النساء، والولادات التي شهدتها مقرّات إقامة «الدواعش»، وخصوصاً حيث مقرّ ما سُمي ب«الخلافة» في الرقة وغيرها من المناطق.
و«مجهولو النسب»؛ هم الأطفال المولودون من أم معلومة وأب مجهول أو غير معلوم، سواء كان «أجنبياً» أم من ذات الجنسية، ولا تتيح معظم القوانين العربية منح الجنسية للأولاد من أب مجهول، وإن كان بعضها بما فيها القانون السوري يشترط توفر شروط وآليات قانونية وأحكام خاصة. وحسب بعض المعلومات المتوافرة، فإن عدد الأطفال من «مجهولي النسب» من زيجات أو علاقات جنسية ل«الدواعش» يبلغ 300 طفل، وهناك من يقول، إن عددهم قد يصل إلى نحو 2000، وهؤلاء يحتاجون إلى إيواء في دور أيتام أو إلى دور حضانة برعاية الأمهات، فضلاً عن خصوصية التعامل معهم، ولاسيّما في الكبرْ.
ومن الناحية القانونية، يختلف الأطفال من «مجهولي النسب» عن «المكتومي القيد» الذين يُعرف آباؤهم وأمهاتهم أو من آباء وأمهات معروفين؛ لكنهم لا يحملون الجنسية السورية، وإن ولدوا في سوريا مثل أبناء الجماعات «الداعشية» المسلحة.
وبعيداً عن الجوانب القانونية والحقوقية، فإن هناك جانباً إنسانياً واجتماعياً يحتاج إلى معالجة، ولاسيّما وأن هؤلاء الأطفال قد ولدوا في مناطق النزاع المسلح، ويحتاج هذا الملف إلى تسوية؛ لأنه من تداعيات الأزمة السورية. ويتوزع بعضهم على مخيّمات الرقّة أو قرب الحدود التركية، وأعمارهم لا تتجاوز ال 6 أعوام، وهم سيحتاجون إلى مدارس ورعاية صحية وكل ما يحتاج إليه الأطفال، علماً بأن بعض الأطفال لم يصرّح بهم، ولعل ذلك يحتاج إلى تدخل من الأمم المتحدة والمجتمع الدولي، وخصوصاً من منظمة الأمم المتحدة للطفولة «اليونيسيف».
طرحت موضوع الأطفال من «مجهولي النسب» لمناسبة اليوم العالمي للقضاء على العنف الجنسي، الذي يصادف هذا الشهر (يونيو/حزيران)، والذي يتعلّق بحالات النزاعات المسلحة، ومن المقرر الاحتفال هذا العام بهذا اليوم تحت عنوان «حقوق الأطفال المولودون في الحرب والمأزق الذي يتعرضون له».
جدير بالذكر أنه في 19 يونيو/حزيران العام 2015، كانت الجمعية العامة للأمم المتحدة قد قرّرت اعتبار هذا اليوم من كل عام يوماً عالمياً للقضاء على العنف الجنسي في حالات النزاع، وقد خصصته للتوعية من أجل وضع حدٍّ للعنف الجنسي المرتبط بالنزاعات المسلحة، وتعويض وتكريم ضحاياه، ولعلّ أكثرهم ضرراً هم الأطفال الذين ستظل الحرب تلاحقهم؛ باعتبارهم من مجهولي النسب، وهو عنف معنوي وأدبي سيبقون يجترحونه طيلة حياتهم. وكان مجلس الأمن الدولي قد أصدر القرار رقم 1820 في 19 يونيو/حزيران العام 2008 وندّد فيه بالجماعات الإرهابية التي تستخدم العنف الجنسي كأسلوب من أساليب الحرب؛ لإذلال المدنيين وخصوصاً النساء والأطفال.
وحسب تعريفات الأمم المتحدة، فإن العنف الجنسي المرتبط بالنزاعات المسلحة هو الذي يتخذ أشكالاً متعدّدة؛ مثل: الاغتصاب والاستعباد الجنسي والدعارة القسرية والحمل القسري والإجهاض القسري والتعقيم (من العقم) القسري والزواج القسري وأي شكل من أشكال العنف الجنسي المماثلة. ولعلّ مثل هذه الأساليب في ترويع السكان المدنيين كانت قد استخدمت في النزاعات المسلحة كجزء من الأعمال والتكتيكات العسكرية؛ لإخضاع الخصم أو العدو وتحت ذرائع عرقية أو دينية أو سياسية أو غير ذلك، بالضد من اتفاقات جنيف الأربع لعام 1949 وملحقيها بروتوكولي جنيف لعام 1977، الأول الخاص بحماية ضحايا المنازعات الدولية المسلحة، والثاني حماية ضحايا المنازعات المسلّحة غير الدولية، علماً بأن آثار العنف الجنسي المرتبط بالنزاعات المسلحة تمتد عبر الأجيال؛ حيث تشمل الأطفال ممن يسمّون ب«مجهولي النسب» أو «أصحاب الدماء الخبيثة» أو «أطفال العدو» وتنبذهم المجتمعات، فيتحولون إلى مادة للانتقام من وضعهم الاجتماعي ويكونون بؤرة للإرهاب؛ لذلك يقتضي احترام قواعد القانون الدولي الإنساني والاتفاقات والمعاهدات الدولية ذات الصلة، مع ضرورة توعية المجتمعات بمخاطر ذلك، ناهيك عن الجانب الإنساني، فهؤلاء لا ذنب لهم، ويتطلب الأمر ملاحقة المرتكبين، وإنزال أقسى العقوبات بهم؛ نظراً لفداحة الجرائم التي ارتكبوها.


drhussainshaban21@gmail.com


5
فيليتسيا لانغر شاهدة بأم العين

عبد الحسين شعبان
باحث ومفكر عربي

" أنا شخصياً ، أنا اليهودية ، أنا سليلة العائلة اليهودية التي فقدت عائلتها في المحرقة النازية، شاهدة على ما يرتكبه الاحتلال الإسرائيلي بأم عيني، شاهدت الفظائع التي يرتكبها هذا الاحتلال وجرائمه ضد الشعب الفلسطيني" هذا ما جاء في كتاب "بأم عيني" للمحامية اليهودية فيليتسيا لانغر المعادية للصهيونية والمدافعة عن حقوق الأسرى الفلسطينيين والعرب في السجون " الإسرائيلية" ، وهو شهادة عادلة ومنصفة على الانتهاكات السافرة لحقوق الإنسان التي يرتكبها الاحتلال "الإسرائيلي".
وكان اسم فيليتسيا لانغر قد ارتفع في المحافل الحقوقية الدولية بالتدرّج بعد نكسة 5 يونيو (حزيران) العام 1967، وارتبط حينها بأسماء عدد من المثقفين والأدباء الفلسطينيين الذين بدأ أدبهم وشعرهم ينتشر في العالم العربي الذي أخذ يقرأ محمود درويش وسميح القاسم وتوفيق زياد وأميل حبيبي وغسان كنفاني وإميل توما وإدوارد سعيد وناجي العلي وغيرهم، في موجة من الإعجاب لدرجة الانبهار بالأدب الرفيع واللغة الأنيقة والكلمة المقاومة والريشة المحرّضة.
أطلق الأسرى الفلسطينيون على  فيليتسيا لانغر  لقب"الحاجة فولا" التي قامت بتمثيلهم أمام المحكمة العسكرية وكان مكتبها في القدس قد رفع دعاوى بالآلاف ضد الجيش "الإسرائيلي" و"المخابرات الإسرائيلية الداخلية - الشاباك"، وقد نجحت في الكثير من القضايا على إطلاق سراح الأسرى وحالت دون تنفيذ قرارات ترحيل آخرين أو إبعادهم، إلى جانب مساندتها نضالاتهم داخل السجون ودفاعها عن مطالبهم العادلة لتحسين ظروف اعتقالهم وتطبيق اتفاقيات جنيف لعام 1949 بشأن " معاملة الأسرى".
وعملت لانغر على فضح جهاز الشاباك بكشفها حقيقة ما يتعرّض له الأسرى من عمليات تعذيب وحشية جسدية ونفسية، ولاسيّما للنساء والأطفال، وساهمت بتزويد الإعلام والمنظمات الحقوقية الدولية بمعطيات وشهادات حيّة وحقيقية عن أساليب التعذيب التي تمارس في السجون والمعتقلات "الإسرائيلية" خلافاً للمواثيق والاتفاقيات الدولية وللقواعد القانونية العامة كاشفة حقيقة النظام العنصري الاستعلائي الاستيطاني ودعاواه "الديمقراطية" الزائفة.
وكان أهم ما تركّز عليه لانغر في دفاعها عن الأسرى مسألتين أساسيتين هما:
الأولى أن المعتقلين هم "أسرى حرب" ينبغي أن تطبّق عليهم اتفاقيات جنيف لعام 1949 وفيما بعد بروتوكولي جنيف لعام 1977 الأول - الخاص بحماية ضحايا المنازعات الدولية المسلحة والثاني- الخاص بحماية ضحايا المنازعات المسلحة غير الدولية.
والثانية- إن من حق الفلسطينيين مقاومة الاحتلال، وإن من يجب محاكمتهم هم قادة الاحتلال وذلك طبقاً للقانون الدولي المعاصر والقانون الإنساني الدولي والشرعة الدولية لحقوق الإنسان.
وكنت بسبب انشغالاتي بالقضية الفلسطينية قد قرأت بإعجاب  شديد،  في أواخر السبعينات، كتابين لفيليتسيا لانغر: الأول- بعنوان " بأم عيني" والثاني- الموسوم "أولئك أخواني".  وقد أدركت منذ ذلك الحين وعلى مرور نحو خمسة عقود أهمية "المقاومة القانونية" في مواجهة الاحتلال "الإسرائيلي"، لاسيّما في الدعوة لمحاكمة المتهمين بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية  وجرائم الإبادة الجماعية، إضافة إلى جريمة شن الحرب وتشريد شعب واغتصاب وطنه، وأعتقد أن المعركة الفكرية والثقافية، سواء على المستوى الدبلوماسي والدولي، ولاسيّما في جانبها الحقوقي والقانوني لا تقلّ شأناً على المواجهة بمختلف جوانبها من أجل تمكين الشعب العربي الفلسطيني في حقه بتقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.
وتتأكّد هذه الحقيقة يوماً بعد آخر أن "القوة الناعمة " يمكن أن تكون سلاحاً مؤثراً وفعّالاً استكمالاً متوازياً مع الأسلحة الأخرى ، علماً بأن الدبلوماسية والقانون وحقوق الإنسان تتداخل مع الحقول الأخرى السياسية والثقافية والاقتصادية إلى حدود كبيرة وهي في ديناميتها جزء من حركة  مقاومة سلمية مدنية ضرورية، وهو ما يحتاج إلى استراتيجية تكاملية بين وسائل الكفاح المختلفة، لتفنيد الرواية "الإسرائيلية" ومزاعمها الخرافية.
توفيت لانغر عن عمر ناهر الـ 88 عاماً، فقد ولدت في العام 1930 في بولونيا من أبوين يهوديين وهاجرت إلى فلسطين المحتلة العام 1950 برفقة زوجها ميستيو لانغر الناجي من معسكرات الاعتقال النازية، ودرست القانون وتخرجت من الجامعة العام 1965، وقد انضمت إلى الحزب الشيوعي، ولكنها تركت " إسرائيل" في العام 1990 وهاجرت إلى بلدها الأصلي ألمانيا، لأنها كما قالت لصحيفة الواشنطن بوست: لا تريد أن تكون "ورقة التين لتغطي على الاحتلال".
نالت في العام 1990 جائزة الحق في الحياة (المعروفة باسم جائزة نوبل البديلة) لدفاعها عن حقوق الشعب الفلسطيني. وحصلت على جائزة كرايسكي (النمسا) العام 1991 لانجازاتها في ميدان حقوق الإنسان ومنحها الرئيس الألماني هورست كولر في العام 2009 "وسام الصليب الفيدرالي لجمهورية ألمانيا الاتحادية"، كما منحتها السلطة الوطنية الفلسطينية "وساماً فلسطينياً" رفيع المستوى .
مارست لانغر قناعاتها الفكرية برفض الاحتلال بكل شجاعة وجرأة ولم تثنها الحملة الصهيونية ووصفها "بالخائنة" والإساءة إليها عن مواصلة كفاحها الحقوقي العادل، بل دفعها ذلك لتكريس حياتها كلّها للدفاع عن القضية الفلسطينية ومناهضة الصهيونية، ولم تمنعها رؤية المحرقة من وقوفها ضد اضطهاد شعب آخر تم وضعه تحت محرقة مستمرة.


6
عبدالحسين شعبان يستقرئ تجربة العراق ما بعد الاحتلال
الأكاديمي العراقي يؤكد أن التعصب استُزرِع بالتربة العراقية فأنتج تطرفًا قاد إلى الإرهاب.
محمد الحمامصي
ظواهر التعصب والتطرُّف والعنف والإرهاب لا تزال مستمرة
 حلّ الجيش العراقي وقوى الأمن الداخلي كان عاملًا أساسيًّا في إضعاف هيبة الدولة
 ثلاثة روافد تغذى الإرهاب في العراق
رأى الباحث الأكاديمي العراقي د.عبدالحسين شعبان أن ثلاثة روافد تغذى الإرهاب في العراق، وفقس في بيئتها بيض التطرُّف: أولها: الطائفية ونظام المحاصصة أحد مخرجاته، وثانيها: الفساد الذي كان الوجه الآخر للإرهاب والتطرُّف، وثالثها: ضعف وتدهور مكانة الدولة التي أجهز عليها الاحتلال الأميركي للعراق عام 2003؛ الأمر الذي ساعد على بروز أنواع التطرُّف والإرهاب، وخصوصًا الطائفي المرتبط بتكفير الآخر و"شيطنته" ومحاولة إقصائه أو تهميشه والسعي للتسيُّد عليه، وكانت باكورة أعماله غير القانونية وغير الشرعية، حلّ الجيش وقوى الأمن الداخلي.
وقال شعبان في دراسته "التطرُّف والإرهاب.. إشكاليات نظرية وتحديات عملية" الصادرة سلسلة "مراصد" بمكتبة الاسكندرية أن صيغة المحاصصة الطائفية – الإثنية تكرَّست في مجلس الحكم الانتقالي الذي قسّم المجتمع العراقي إلى شيعة وسنّة وكرد، وخصّص نسبًا لكل منهم، وباشر بتأسيس نظام الزبائنية الذي يقوم على الامتيازات والمكاسب، ففتح بذلك الباب على مصراعيه أمام الفساد بمختلف أنواعه وأشكاله، لدرجة أصبحت الغنائمية سمة تطبع التشكيلات الحكومية اللاحقة وذيولها.
وكان بول بريمر الحاكم المدني الأميركي للعراق (13 مايو/آيار 2003 – 28  يونيو/حزيران 2004) بعد الجنرال جي غارنر، قد بدّد لوحده نحو 8 مليارات و800 مليون دولار، وأعقبته حكومتان بددتا نحو 20 مليار دولار، وهما حكومتان مؤقتتان. وكان الهدر الأكبر خلال فترة ما بعد انتخابات عام 2006 وعام 2010 (أي من عام 2006 إلى عام 2014)، لا سيّما وقد شهدت واردات العراق ارتفاعًا هائلًا؛ حيث بلغ ما وصل للحكومة العراقية نحو 700 مليار دولار، لكنها لم تـثمر عن شيء جدي في إعادة الإعمار أو إصلاح البنية التحتية أو الخدماتية من تعليم وصحة وخدمات بلدية وبيئية وغيرها؛ وذلك بسبب استشراء الفساد والرشوة وهدر المال العام، وكان ذلك وجهًا آخر للإرهاب.
ولفت د. شعبان أنه حتى الآن هناك نحو ألفٍ من كبار موظفي الدولة بمن فيهم وزراء ونواب ووكلاء وزارات ومدراء عامون ونوابهم متهمون بقضايا فساد، وإن كان نظام المحاصصة الغنائمي القائم على الزبائنية يعمل بكل طاقته للتملّص من المساءلة والمحاسبة القانونية في ظلّ قضاء عليه كثير من الضغوط والتأثيرات السياسية. فضلًا عن أنه - وأجهزة الرقابة الأخرى - قائم على نظام المحاصصة التي تجعل الإفلات من العقاب أمرًا مألوفًا، خصوصًا بوجود الميليشيات وضعف أجهزة إنفاذ القانون والدولة عمومًا.
وأكد أن حلّ الجيش العراقي وقوى الأمن الداخلي بما فيه شرطة النجدة وشرطة مكافحة الجريمة وحرس الحدود، كان عاملًا أساسيًّا في إضعاف هيبة الدولة، وانتشار الفوضى والعنف والإرهاب، لا سيّما بفرض الطائفية ونظام المحاصصة كصيغة معتمدة من قبل الاحتلال. الأمر الذي دفع العديد من الشرائح الاجتماعية إلى اللجوء لمرجعيات ما قبل الدولة: الدينية والإثنية والطائفية والعشائرية والمناطقية والجهوية والعائلية وغيرها، لتكون حامية وداعمة لها.
وإذا كانت نظرية "الصدمة والترويع" وفيما بعد نظرية "الفوضى الخلاقة" قد استهدفتا التفكيك وإعادة التركيب، إلاّ أنهما أفضيا إلى تفشِّي ظواهر التعصب والتطرُّف والعنف والإرهاب التي لا تزال مستمرة منذ أكثر من 13 عامًا وتتّخذ أشكالًا مختلفة ولها رءوس عديدة.
الأمر يتطلب خطوات ملموسة وجدية لتحقيق مصالحة وطنية حقيقية سياسية ومجتمعية في إطار قانوني وحقوقي.
وتساءل د. عبدالحسين شعبان هل الإرهاب الدولي صناعة عراقية أم أنه جزء من إنتاج كوني كانت سوقه العراقية رائجة؟ وأضاف "لقد ارتبط في أذهان كثير من العراقيين والعرب - بعد احتلال أفغانستان عام 2001 والعراق العام 2003 - محاولة الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش، إضفاء مسحة دينية على احتلاله للعراق، فتارة باسم الحرب الصليبية التي قيل عنها إنها زلّة لسان، وأخرى باسم الفاشية الإسلامية خلال العدوان على لبنان عام 2006، وثالثة بمحاولات السخرية من الإسلام والمسلمين برسم صور كاريكاتورية للرسول صلى الله عليه وسلم وإلصاق كل عمل إرهابي بهم في إطار مشروع الشرق الأوسط الكبير، والشرق الأوسط الجديد. الأمر الذي شجَّع القوى المتطرفة الداخلية لاعتبار كل ما هو غربي عنصريًّا واستعلائيًّا في ردة فعل لخطيئة بخطيئة أخرى لمجابهة الأولى.
وأضاف "اندفعت كثير من المجاميع الإرهابية والتكفيرية وتشكيلاتها القديمة والجديدة، في ظل استنفار طائفي، باتجاه سفك دماء العراقيين من مختلف الانتماءات الدينية والاثنية. الأمر الذي أصاب التنوُّع والتعددية الثقافية المجتمعية بالصميم ولحق الضرر الكبير بالنسيج الاجتماعي المتعايش، وخصوصًا لفئات المسيحيين والآشوريين والأرمن والكلدانيين والأيزيديين والصابئة المندائين والشبك والكاكائية وغيرهم. وإن كان الأمر يشمل الجميع دون استثناء، لكن هذه المجاميع الثقافية التي يطلق عليها مجازًا بـ "الأقليات" تعرّضت بكياناتها إلى عنف شديد، واضطرت أعداد واسعة منها إلى الهجرة بعد ما لحق بها من انتهاكات سافرة بالأرواح والمقدسات والممتلكات وغيرها. وقد تعرضت النساء الإيزيديات إلى عمليات السبي، وهو شكل من أشكال العبودية؛ حيث تم بيعهن بسوق النخاسة، الأمر الذي يندى له جبين الإنسانية".
وأكد شعبان أن التعصب استُزرِع بالتربة العراقية فأنتج تطرفًا، وهذا الأخير قاد إلى الإرهاب المنفلت من عقاله، خصوصًا بإشعال الصراعات المذهبية والاثنية التي اتخذت طابعًا استئصاليًّا أو تهميشيًّا بعد الاحتلال. ولكن ذلك لا يعني أنه أمر مستورد بقدر ما كانت هناك ظروف اجتماعية وثقافية واقتصادية وسياسية ودينية وطائفية ونفسية ساعدت في انتشار فايروسه على نحو مريع، وذلك بالاستفادة من الحواضن التي شكَّلت بيئة صالحة لنموها، وأساسها غياب المصالحة الوطنية والشعور بالتمييز والإقصاء. وبدلًا من اعتماد الدستور على المواطنة والمساواة والمشاركة المجتمعية المستندة إلى الحرية والعدل باعتبارها ركائز للدولة العصرية الحديثة، فإنه ذهب إلى ما يسمى بـ "دولة المكوّنات" التي ورد ذكرها في الدستور ثماني مرات، وليس ذلك سوى تكريس لصيغة المحاصصة".
 ضرورة وضع حد للفساد
ولفت إلى أن الوضع الإقليمي أسهم بتداخلاته وأذرعه المختلفة في تعقيد التفاعلات الداخلية؛ بحيث أصبح الإرهاب مؤسسة ممولة خارجيًّا وداخليًّا، أي ذاتيًّا ولها هيكلياتها، وهي قائمة بذاتها، وتتغذى من كل ما حولها وتُغذِّي المحيط أيضًا. وإذا كانت شوكة الإرهاب التي انكسرت نسبيًّا في الأعوام من 2007 إلى2010، فإنها عادت وأصبحت أكثر حدّة بعد الأزمة السورية بحكم العامل الجغرافي والمتغير الجيوسياسي للقوى المتصارعة في المنطقة. وزاد تأثير ذلك بحكم الاختلاف السياسي الذي تكرّس بعد انتخابات عام 2014 الأمر الذي دفع بالقوى المتصارعة بما فيها الإقليمية إلى تكثيف جهودها لدعم هذا الفريق أو ذاك، والعمل على إضعاف هيبة الدولة العراقية التي ظلت معوَّمة ومفتتة. وزاد الأمر تعقيدًا بعد هيمنة داعش على الموصل في 10 يونيو/ حزيران عام 2014.
وخلص د. شعبان إلى أنه باستقراء تجربة ما بعد الاحتلال، فإنه يمكن استخلاص بعض الاستنتاجات الأولية:
أولا: لا يمكن القضاء على الإرهاب باستخدام القوّة المسلّحة وحدها في مواجهة الإرهابيين، وهو ما أفرزته التجارب العالمية جميعها.
ثانيا: القضاء على الإرهاب والتطرُّف يحتاج إلى وحدة وإرادة وطنية بغض النظر عن الخلافات السياسية، مثلما يحتاج إلى حفظ الكرامة وحقوق الإنسان؛ إذ لا ينبغي للإجراءات والتدابير الهادفة إلى ملاحقة الإرهاب والإرهابيين أن تفضي إلى الانتقاص من كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية، فذلك سوف يؤدي إلى اختلال المعادلة لحساب الأمن ولغير صالح الحقوق، وهو الأمر الذي ثارت من أجله شعوب العديد من البلدان العربية فيما سُمِّيَ بـ "الربيع العربي"، بغض النظر عن مآلاته وملابساته وتعرجات مساراته.
ثالثا: تتطلب مكافحة الإرهاب والقضاء على التطرُّف وضع حد للتمييز الطائفي ولنظام المحاصصة.
رابعا: العمل على وضع حدٍّ للفساد وملاحقة المفسدين والمتسببين في هدر المال العام، وتلك كانت مطالب التظاهرات التي اندلعت منذ عام 2015 إلى الآن.
خامسا: إعلاء مرجعية الدولة وجعلها فوق جميع المرجعيات الدينية والطائفية والإثنية والحزبية والسياسية والعشائرية وغيرها.
سادسا: وضع الكفاءات العراقية، ولا سيّما من الشابات والشباب في المكان الصحيح والملائم لإدارات الدولة، وذلك خارج دائرة الولاء، باعتماد معايير الكفاءة والنزاهة.
سابعا: اعتماد استراتيجية علمية متكاملة سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية وتربوية ودينية وإشراك المجتمع المدني فيها، تبدأ بالوقاية وتمر بالحماية وصولًا إلى الرعاية باتخاذ تدابير طويلة ومتوسطة المدى، وفي الوقت نفسه إجراءات آنية ضرورية، في إطار عمل مؤسسي، إضافة إلى الجوانب الأمنية والاستخبارية. وستكون ركيزتها الأساسية: إرادة سياسية جامعة وتوافق وطني عام لتجفيف منابع الإرهاب اقتصاديًّا وماليًّا، والعمل على خفض مستويات البطالة والفقر والتهميش، وكذلك خطة إعلامية وثقافية وتربوية مجتمعية لنشر ثقافة اللاّ عنف والتسامح والاعتراف بالآخر والإقرار بالتعددية والعيش المشترك والمواطنة المتساوية، ومعالجة مشكلات وقوانين الاجتثاث والإقصاء التي تركت مردودات سلبية على المجتمع وعلى الوحدة الوطنية. ومثل هذا الأمر يتطلب خطوات ملموسة وجدية لتحقيق مصالحة وطنية حقيقية سياسية ومجتمعية في إطار قانوني وحقوقي.

7
سلام عادل ..  الدال والمدلول وما يمكث وما يزول
عبد الناصر يعيّن هويدي سفيراً في بغداد
ويرد السعدي بتعيين البزاز نظيراً له في القاهرة

الحلقة 7
عبد الحسين شعبان


   وبالعودة إلى حازم جواد حول "اللقاء" بسلام عادل فقد ذكر أنه تم برفقة طالب شبيب (وهذا يعني إن اللقاء حصل قبل سفر الوفد إلى القاهرة) حيث يقول أمين هويدي في كتابه (كنت سفيراً في العراق 1963-1965- الفرص الضائعة الوحدة العربية، تقديم خير الدين حسيب ، ط2، 2017، ص 18 وما بعدها) أنه تلقى مكالمة هاتفية قصيرة مفادها أن الرئيس جمال عبد الناصر عيّنه سفيراً في العراق، وذلك يوم 20 شباط ، وأن التعليمات التي صدرت له تقتضي أن يرافق وفداً عراقياً على مستوى عال سيصل القاهرة ظهر اليوم التالي لمشاركة الشعب المصري احتفالاته بأعياد الوحدة، وفعلا وصل الوفد في موعده في اليوم التالي: أي 21 شباط/فبراير.
   وفي يوم 22 شباط (فبراير) بدأت المباحثات كما يذكر هويدي، وبعد الانتهاء من الجولة الأولى سافر الوفد إلى الجزائر للقاء الرئيس أحمد بن بلّا وقادة الثورة الجزائرية وعاد مساء اليوم التالي، أي يوم 23 ، وعقدت الجولة الثانية للمباحثات في صباح يوم 25 شباط/ فبراير ويقول هويدي: وفي بداية الجلسة قدّمني الرئيس جمال عبد الناصر للوفد العراقي بصفتي مرشحاً كسفير للجمهورية العربية المتحدة في بغداد، ووافق وزير الخارجية  العراقي (طالب شبيب)على الترشيح بكلمات طيبة، ويقول عبد الستار الدوري إن علي صالح السعدي أجاب عبد الناصر، في حينها وفي دعوة لنقابة المحامين، إن سفيرنا في مصر سيكون "أستاذنا" عبد الرحمن البزاز.
   وهذا يعني أن الوفد لم يعد إلى العراق قبل يوم 25، فإما أن يكون قد عاد مساء 25 شباط /فبراير أو يوم 26 شباط/فبراير  (المصدر السابق أمين هويدي، ص 19 و20 ) وهذا يعني أن سلام عادل يكون قد فارق الحياة قبل يومين أو ثلاثة أيام على أقل تقدير وأن علي صالح السعدي لم يلتقه عند عودته ولا يتذكّر الدوري أنه سأل السعدي إن كان قد التقى سلام عادل أم إن السعدي اكتفى باللقاء " التحقيق" الذي قام به حازم جواد، الأمر الذي أعرض عنه السعدي وكنت قد سألت صلاح عمر العلي: هل إن علي صالح السعدي التقى سلام عادل، فقال لم يطرق سمعي ذلك، وأغلب الظن أ، حازم جواد هو الذي التقاه، وأضاف إن مسؤوليات علي صالح السعدي كأمين للسر، فضلاً عن مزاجه كانت غير ذلك، في حين إن حازم جواد كان منشغلاً بأمور التنظيم والحزب وما يتعلق بأمنه أيضاً.
    وحسب اعتقاد نوري عبد الرزاق إن الاحتمال الأرجح أن علي صالح السعدي لم يلتقِ سلام عادل وأنه لم يذكر ذلك أمامه مع العلم إن لسانه لم يكن معقوداً، وخصوصاً في السهرات الليلية.
   حوار أم تحقيق؟

   أما حكاية "الحوار- التحقيق" بين حازم جواد وسلام عادل فقد تم في غرفة مدحت ابراهيم جمعة وقد جرى الحديث التالي بينهما:
   سأل السجّان للسجين : لماذا طلبتني؟
   قال سلام عادل : للاحتجاج على التعذيب والمعاملة السيئة للمعتقلين.
   يقول حازم جواد طلبت منه الاعتراف لينتهي التعذيب... ثم سألته هل من دولة لا تمارس التعذيب فحتى الاتحاد السوفييتي يقوم بذلك؟ ثم أعطونا المعلومات وتفاصيل الخط العسكري للحزب لينتهي الأمر وخاطب جواد، سلام عادل: الأمر بيدك!!.
   لم يردّ سلام عادل على مقترح جواد، وطلب منه إصدار بيان سياسي مشترك يؤكد الحفاظ على سيادة الدولة والاستقلال الوطني والعمل الوطني المشترك ونسيان الماضي،  ولكن حازم جواد يقول: لاحظت أنه يريد أن يكسب الوقت، وقلت له " أنت سجين وأنا السجان" وأنصحك بإعطاء معلومات وما لديك وبعدها نبحث في اقتراحك.
   توقّفتُ عند رواية حازم جواد وتواريخها واكتشفت أنها غير متجانسة أو منسجمة، فإذا كان علي صالح السعدي في مصر فمعنى ذلك أن طالب شبيب كان معه، فهل يمكن أن يكون شبيب قد حضر اللقاء ولم يحضر السعدي؟ وإذا كان سلام عادل قد بقي تحت التعذيب طيلة الأيام الأربعة أي من يوم 19 ولغاية 23 حيث استشهد، فهذا يعني أن الوفد كان لا يزال موجوداً في القاهرة ولم يعد إلى بغداد، وهكذا يُستدل على أن علي صالح السعدي يمكن أن يكون قد التقاه قبل سفره ولكنه لم يخبر الدوري، لكنّ حازم جواد يؤكد في مقابلته مع غسّان شربل بشكل لا غموض فيه ولا لبس أن السعدي لم يلتقه لأنه كان في القاهرة وفي ذلك تناقض صارخ.
     وفي مقالة نشرت مؤخراً في جريدة المشرق (العراقية) (1 نيسان/ ابريل/ 2016) للسيد أمير الجنابي  وكان قد كتب مقالة أخرى بتاريخ 15/7/2005 في الحوار المتمدن بذات المضمون حيث نقل على لسان أحد الكتاب والروائيين الفلسطينيين محمد أبو عزّة (سكرتير تحرير مجلة دنيا العرب التي كانت تصدر في دمشق في الثمانينات) أنه كان ضمن طاقم الحرس القومي في مديرية الأمن العام ببغداد مع مجموعة من العرب والفلسطينيين، وفي فترة النهار وصلنا ضيف أقمنا له "وليمة دسمة" كما يقول تضمنت صنوف التعذيب والهتك الجسدي والنفسي على مدى ساعات، ولم يكن الضيف سوى سلام عادل .
   وتمضي الرواية وهي تستعيد الواقعة تلك وإنْ بمشاعر مختلفة وربما بشعور بالذنب حين يقول: وحاولنا قهره ولكن طاقته على الصمود والتماسك كانت لا توصف وجاءتنا الأوامر بالإبقاء على الرجل لأن شخصية مهمة في طريقها إلينا ولم تكن تلك سوى علي صالح السعدي الذي حين وصل حاول أن يقرّب فمه من سلام عادل وقال له : أنت منتهٍ وليس عليك إلّا الاعتراف وكرّر ذلك عدّة مرّات.
   لكن الدوري يعتقد إن ذلك قد يكون حصل مع حازم جواد وليس مع السعدي، مع ملاحظة مهمة هي أن سلام عادل لم يعتقل في الأمن العام. وتمضي الرواية المنشورة في المشرق فتقول : إن سلام عادل أجاب السعدي بتعجّب وبكلمات متقطعة ولكنها مفهومة وواضحة: أنت سكرتير حزب وتطلب مني الاعتراف؟... ثم سكت للحظات وبدا وكأنه يستجمع قواه، ثم فجأة بصق بوجه السعدي بصقة يخالطها الدم... وبعد أن مسح السعدي البصقة أشار إلينا بأن أجهزوا عليه وهذا ما حصل. وتقول الرواية أنه تم فقأ عينيه وكسر عظامه وقطع أصابع يديه ومن ثم ذبحه. وهناك رواية شفوية أخرى تصب بالاتجاه ذاته وتزيد عليه بأنه تم سحق جسده بسيارة ثم ذوّب بالأسيد.
    وبغض النظر عن الروايات المتناقضة والمتضاربة فإن المؤكد بالنسبة لي هو ما قاله حازم جواد في مقابلة له مع غسان شربل في العام 2004 المنشورة في جريدة الحياة والتي صدرت كجزء من كتاب بعنوان : العراق من حرب الى حرب - صدام مرّ من هنا، (دار رياض الريس ، بيروت ، 2009) إنه التقى سلام عادل ودار بينهما "حديث"، وقد أسميته "تحقيقاً" وليس حواراً، وقد عبّر عنه حازم جواد  نفسه حين خاطب سلام عادل مذكّراً إياه إنما يجري بينهما إنما هو علاقة " سجين بسجّان" وقد نفت ثمينة ناجي يوسف (أرملة سلام عادل) بشدّة ما ورد من افتراءات وإساءات حازم جواد لسلام عادل في ردها المنشور في جريدة الحياة بتاريخ 28  شباط/ فبراير/2004 وقد نفى زكي خيري في مذكراته "صدى السنين في ذاكرة شيوعي عراقي مخضرم "، مركز الحرف العربي، السويد، ط2،  1996، وج 2 طبعة خاصة في السويد ، إعداد سعاد خيري الحديث عن "حوار" أو " لقاء" أو استعداد لذلك من جانب سلام عادل.
   وكما ذكر محسن الشيخ راضي  للباحث ، وهو المسؤول الأول عن الهيئة التحقيقية، "المكتب الخاص" إن ما سمّي "لقاء" بين حازم جواد وسلام عادل هو بمثابة تحقيق وهو بين طرفين غير متكافئين أحدهما معتقل والآخر بيده السلطة، وهذا يعني أن التحقيق الأساسي مع سلام عادل أجراه حازم جواد، بل أنه كان هنالك أكثر من جلسة ومنها أن "لقاء ثانياً" وربما "اللقاء" الأخير مع سلام عادل هو ما يذكره محسن الشيخ راضي الذي شاهد سلام عادل وهو بانتظار مقابلة حازم جواد، ولكنه كما نقل لي كان  قد شارف على الموت أو في ساعاته الأخيرة قبل أن يلفظ أنفاسه.
   وحسب رأي طالب شبيب: ما قيمة الحوار الذي دار إذا كان الأمر قد انتهى بموت هؤلاء " خطأ وجهلاً"  وقد تقدّم الطبيب صادق حميد علوش ليقرر كطبيب شرعي: أنهم ماتوا بالسكتة القلبية لأنهم ظلّوا حتى الصباح معلّقين وأرجلهم مرتفعة عن الأرض قليلاً. وقد أُبلغنا في صباح أحد الأيام بأن قادة الحزب الشيوعي قد ماتوا!! فغطينا نحن مع الأسف ذلك بقرارات رسمية (هكذا بكل بساطة ماتوا!!) (انظر: كتاب علي كريم - عراق 8  شباط 1963 من حوار المفاهيم إلى حوار الدم، مراجعات في ذاكرة طالب شبيب، مصدر سابق، ص 199).
   تشويه مقصود
   وبالعودة للقاء الأول الذي يذكره حازم جواد فقد حاول أن يقلل من قيمة سلام عادل وقال أنه لم يشعر إزاءه بالاحترام، ثم برّر ذلك ربما لأنه كان مكسور الجناح وسجيناً، لكن طالب شبيب قال للباحث: إن سلام عادل كان متماسكاً وبدا صلباً رغم ما تعرّض له من تعذيب ورغم الأجواء التي أحيط بها، وتعامل بكبرياء القائد وليس بمنطق من خارت عزيمته.
   ومع كل ما تعرّض له سلام عادل فقد كان ذهنه يقظاً ووطنيته فائضة حين طالب حازم جواد وهو في هذا الوضع كجزء من تحدّيه للانقلابيين الحفاظ على الاستقلال الوطني والسيادة الوطنية والوقوف ضد القوى الاستعمارية، وتلك معايير للوطنية التي ردّ بها سلام عادل خلال التحقيق معه ومطالبته بكشف الأسرار الحزبية.
    ولم تسفر جلسة "التحقيق" تلك عن شيء، لكن حازم جواد ينسب إلى سلام عادل أن قدّم 3 نصائح للانقلابيين وسلطتهم الفاشية وهي: عليكم عدم تأميم النفط وعدم المضي لعقد الوحدة مع مصر وعدم السير في طريق الإصلاح الزراعي، وحين ينقل حازم جواد تلك النصائح فإنما ينقلها مقطوعة عن أية مقدمات  أو دلالات ولا ندري كيف وردت وتحت أي صيغة؟ لكننا نستطيع أن نخمّن أن الهدف منها هو الإساءة إلى سلام عادل حين يشكّك به بقوله: "أهو عميل بريطاني؟"..
   جدير بالذكر إن ما حصل لإيران حين أممت النفط في عهد الدكتور محمد مصدق ظلّ هاجساً لدى بعض الشيوعيين، حيث ساهمت المخابرات المركزية الأمريكية CIA بتنظيم انقلاب للإطاحة بمصدق وإعادة شاه إيران محمد رضا بهلوي إلى السلطة وكان ذلك في العام 1953. ربما حاول حازم جواد الانتقاص من موقف الحزب الشيوعي من التأميم انطلاقاً من هذه المعلومة، لاسيّما مما أشيع عن موقف زكي خيري الذي كان من أشد معارضي تأميم النفط كما يقول ابراهيم علّاوي وكان قد جاء في تصريح له إن الحزب يدعو إلى فرض رقابة صارمة على شركات النفط" وهو موقف أثير حوله لغط كثير وغمز مستمر (انظر: جريدة الديلي تلغراف البريطانية، 20 نيسان/ابريل/1959) في حين كانت تصريحات سلام عادل في 30 آذار/مارس/1959 وقبله تحركات ابراهيم كبه وزير الاقتصاد قد أثارت مخاوف احتكارات النفط العالمية، وقد جاءت متساوقة مع موقف عبد الكريم قاسم (انظر: نجم محمود، المقايضة ، مصدر سابق، ص 182 وما بعدها).
   وكان زكي خيري قد نفى أي توجه للحزب لتأميم النفط العراقي بشكل كلّي أو جزئي، ويعتقد زكي خيري وهذا اجتهاده  أن مهمة تأميم النفط تخرج من مهمات الثورة الوطنية وتدخل في مهمات الثورة الاشتراكية ويعلق ابراهيم علّاوي على هذه الجزئية بقوله " وهذا تخريج طريف في بلادته" ويذكر بتأميمات حصلت في المكسيك وإيران ومصر لمصالح أجنبية (انظر: نجم محمود (ابراهيم علاوي- المقايضة، مصدر سابق، ص 185)



8
سلام عادل ..  الدال والمدلول وما يمكث وما يزول
الاستخبارات الأمريكية تنصب إذاعة في الكويت لبث أسماء
 الشيوعيين وعناوينهم غداة انقلاب شباط 1963
الحلقة 6
عبد الحسين شعبان


استشهاد سلام عادل: روايات وسرديات مختلفة
   ظلّ استشهاد سلام عادل لغزاً غامضاً وتعددّت الروايات بشأنه، وبعضها اقترب من اليقين حتى جاءت رواية أخيرة لآرا خاجادور لتثير أسئلة جديدة وربّما لتحرّك ما استقرّ في الذاكرة وفي الأذهان، بخصوص ما كُتب وما تم تناقله وتردّد كثيراً على الأفواه والألسن، ولأن بعض من كان في تلك الأيام في موقع المسؤولية ما يزال حيّاً فقد اقتضى البحث العلمي والكشف عن الحقيقة، بذل المزيد من الجهد لإجلاء واقع الأمر، والتوجّه بالسؤال خصوصاً حين يتم الإقرار بأن ما حصل كان "جريمة "بكل معنى الكلمة.
   ولأن ما كتبه حازم جواد وقبله طالب شبيب وقبلهما هاني الفكيكي، يحتاج إلى تدقيق وتوثيق، خصوصاً حين تكون هناك رواية أخرى مختلفة أو مغايرة أو غير متطابقة، ناهيك عن رواية نقيضة بالكامل، فإن الأمر يحتاج فحص كل ما تجمّع من معلومات ووثائق ومذكرات وشهادات وحوارات بما فيها ما ورد في كتاب حنّا بطاطو، خصوصاً الجزء الثاني الموسوم " الحزب الشيوعي" ط2 ، 1996 والجزء الثالث المعنون " الشيوعيون والبعثيون والضباط الأحرار"، ط2 ، 1999،  وهو ترجمة عفيف الرزاز وصدر عن مؤسسة الأبحاث العربية، للتوصل إلى تقديم استنتاجات مشفوعة بتحليل ورؤية يفرضها المنهج البحثي لمقارنة الوقائع والسرديات وما تخفي الكلمات وراءها من معاني واستدلالات.
   ودائماً هناك وعلى مرّ التاريخ ميثولوجيات ترتبط بالبطولات وتحاول أن تضفي عليها شيئاً من عندياتها وخصوصاً بتقادم الزمن حيث تتكدّس تصوّرات ومعطيات وتراكمت رؤى ومنظورات قد لا تكون موجودة أصلاً، ولهذا السبب حاول الباحث أن يخصص هذا المبحث لرمزية الاستشهاد وما ارتبط به من حكايات وقصص وبعض خيالات أو توهّمات أو حتى مبالغات، ناهيك عن ضياع بعضها في غمرة تقديرات مسبقة.
   انقلاب ومقاومة

   حين وقع الانقلاب صبيحة يوم 8 شباط (فبراير) 1963، بادر سلام عادل إلى إصدار بيان شديد اللهجة يندّد بالانقلاب ويدعو إلى مقاومته ويحرّض على الاستيلاء على السلاح من مركز الشرطة لتوزيعه على الجماهير لمواجهة الانقلابيين، وما جاء في البيان " إلى السلاح .. اسحقوا المؤامرة الرجعية الإمبريالية".   وبالفعل بدأت أعمال المقاومة في الكاظمية وعكَد الأكراد ومناطق متفرّقة  من بغداد ولكن التظاهرات الحاشدة، ولاسيّما أمام وزارة الدفاع انفضّت بفعل إعلان منع التجوّل والبيانات التي بدأ الإنقلابيون بإذاعتها من إذاعة وتلفزيون بغداد.
   وإذا كان التحضير للانقلاب معروفاً، لكن المفاجأة بساعة الصفر أخذت قيادة الحزب الشيوعي على حين غرّة، خصوصاً في ظلّ السياسة الانتظارية والتراجع عن المواقع وحالة الخدر التي عاشها طيلة شهور وأسابيع كلّها. وهكذا بدأت القوى تخور بالتدريج، خصوصاً بعد استسلام عبد الكريم قاسم في اليوم الثاني، حيث أعدم وعُرضت صورته في التلفزيون للتأثير على معنويات المقاومة التي تراجعت وتكاد تكون انتهت بعد 3 أيام، حيث "استتبّت" الأمور للانقلابيين وكانت دوريات "الحرس القومي" تجوب المدن والشوارع وتفتش السيارات وتبحث عن الشيوعيين وتزجّ بهم في السجون والمعتقلات، ولاسيّما بعد صدور البيان رقم 13.
    وكان عبد الكريم قاسم قد أعدم في محاكمة صورية بدار الإذاعة العراقية وفي غرفة الموسيقيين، حيث كان قد التقاه عبد السلام عارف وحازم جواد وأحمد حسن البكر وعلي صالح السعدي وطالب شبيب وصالح مهدي عماش وحردان التكريتي وآخرون، وقد تشكّلت فرقة تنفيذ قرار الإعدام برئاسة عبد الغني الراوي والضابط منعم حميد والضابط عبد الحق، كما أعدم أيضاً فاضل عباس المهداوي رئيس محكمة الشعب وطه الشيخ أحمد مدير الحركات والخطوط العسكرية في الجيش والضابط كنعان حداد مرافق الزعيم، وكان وصفي طاهر قد قتل خلال مقاومته في وزارة الدفاع وقيل أنه انتحر.
   أما أحمد صالح العبدي الحاكم العسكري العام فقد ترك الزعيم عبد الكريم قاسم يتناقش مع المهداوي حيث اقترح الأخير الاتصال بالسفارة السوفييتية  والطلب منها القيام بإنزال جوي سوفييتي في بغداد لمساندته في دحر الانقلابيين، وهنا استأذن العبدي من الزعيم بالمغادرة قائلاً: يا سيادة الزعيم عندما تصل الحلول إلى استدعاء قوات سوفييتية، فهذا يعني أن الأمور انتهت، وأنا سأستسلم "للجماعة" وخرج هائماً في الليل وخاض في نهر دجلة وكان الجو بارداً وقد التقطته إحدى دوريات الحرس القومي وهو في حالة يرثى لها، وأرسل إلى سجن معسكر الرشيد كما يروي حازم جواد في حواراته مع غسان شربل، التي سنأتي على ذكرها.
   كان حازم جواد لولب انقلاب 8 شباط/فبراير وهو أمين سر القيادة القطرية قبل  علي صالح السعدي حيث عيّن في دمشق من القيادة القومية، ثم أرسل إلى العراق لقيادة التنظيم وذلك بعد قيادة فؤاد الركابي، ولكنه اعتقل في أواخر العام 1960 وبقي في السجن لنحو عام واحد وأطلق سراحه بعفو خاص نهاية العام 1961، وخلال وجوده في السجن تولّى علي صالح السعدي مهماته في أمانة السرّ، وفي العام 1962 أمسك حازم جواد وبأهم المواقع الحزبية وهو يعتبر من الناحية الفعلية القائد الحقيقي للانقلاب الدموي في 8 شباط (فبراير) العام 1963 وقد شغِلَ منصب وزير الدولة لرئاسة الجمهورية في البداية ثم منصب وزير الداخلية بعد علي صالح السعدي الذي أصبح وزيراً للإرشاد، علماً بأن السعدي كان قد اعتقل قبل أسبوع من انقلاب شباط (فبراير).
   بيان رقم 13

   واستمرّت إدارة حازم جواد في قيادة التنظيم، سواء في التحضير أو خلال حكم البعث، وقد أذاع بنفسه البيان رقم (1) يوم 8 شباط (فبراير) العام 1963. وحين اشتدّت أعمال المقاومة قبل إعلان الحكومة اقترح طالب شبيب وهو "أكثر المسؤولين وعياً وليبرالية" على حدّ تعبير حازم جواد، إصدار إنذار هو البيان رقم 13 القاضي "بإبادة الشيوعيين"، وحسبما يذكر حازم جواد أنه اعترض على ذكر الشيوعيين بالاسم واقترح بدلاً عنه تعبير "الفوضويون" فأصرّ شبيب "إصراراً" عجيباً، وقال لا بدّ أن نسمّيهم بالاسم حتى تفهم الناس، ولكنه ندم على ذلك ندماً شديداً، وهو ما أخبر به كاتب السطور حين التقاه في كردستان العام 1992 خلال مؤتمر صلاح الدين  للمعارضة أو في دمشق العام 1994 والعام 1995 وكذلك في لندن عندما جاء لتقديم طلب اللجوء السياسي العام 1997 ولكنه توفّي هناك بعد بضعة أشهر ، وبرّر للكاتب أن قصده كما قال إيقاف المقاومة وإخافة المقاومين وشلّ حركة الشيوعيين، لكن الأمور اتجهت باتجاه آخر.
   وكان حازم جواد يعتقد أن الحزب الشيوعي سيكتفي بإصدار بيان أو يقوم بإخراج تظاهرة محدودة ضد الانقلاب، ولم يكن يتصوّر استمرار المقاومة بين 8-10 شباط ويعتبر تلك المقاومة سبباً جديداً لتشدّد العسكريين الذين كانوا ينتقدونه على تقديره الخاطئ، الأمر الذي دفعهم إلى الميل إلى حملات الإعدام ، وخصوصاً أحمد حسن البكر وصالح مهدي عماش وعبد السلام محمد عارف وغيرهم وهو ما أكّده للكاتب عبد الستار الدوري حين قال إن معظم أعضاء القيادة كانوا يميلون إلى الرأي الذي ذكره حازم جواد.
   ويضع حازم جواد في رقبة صالح مهدي عماش المذبحة التي ارتكبت بحق الشيوعيين والتي أيّدها البكر وحردان (المقصود بُعيد حركة انتفاضة حسن السريع في معسكر الرشيد وعشية تسفير عدد من كبار الضباط وشخصيات شيوعية ووطنية بارزة إلى سجن نقرة السلمان، فيما عُرف بقطار الموت) وقد روى للكاتب العقيد غضبان السعد المحلق العسكري السابق في موسكو العام 1959قصة قطار الموت كاملة، وكما حدثت كشاهد عيان وقد جئت على ذكرها في العديد من الكتابات، (حديث خاص مع غضبان السعد، براغ، 1976 وبغداد 1978 ودمشق 1981).
   اعتقال سلام عادل
   وبخصوص اعتقال سلام عادل يقول حازم جواد وهو ما كان قد دوّنه هاني الفكيكي في كتابه " أوكار الهزيمة" (دار رياض الريّس، لندن،1992) إن علي صالح السعدي (وزير الداخلية ونائب رئيس الوزراء حينها) أبلغهم بنبأ سار وهو اعتقال هادي هاشم الأعظمي (المسؤول الثاني بعد سلام عادل) وعضو المكتب السياسي وهو رجل كانت تُنسب الأساطير حول صموده في العهد الملكي وكان محكوماً لمدة 20 عاماً ولكن ثورة 14 تموز (يوليو) العام 1958 أفرجت عنه.
   وكان الأعظمي قد اعتقل مصادفة في الأعظمية وعرّف بنفسه وطلب اللقاء مع علي صالح السعدي وقد  تطوّع بتحطيم تنظيمات هذا "الحزب القذر" على حد تعبيره، وأشار إلى أن سلام عادل يحضّر لانقلاب وباشر بإرشادهم إلى الدور الحزبية بما فيها الدار الحزبية التي كان يسكنها سلام عادل في الكرادة الشرقية ،  وكما يذكر حازم جواد أنه عرّفنا بنحو 35 مقرّاً سرّياً للحزب جميعها في مناطق الطبقة المتوسطة وما فوق في بغداد، حيث اعتقل نحو 100 قيادي وكادر وقمنا بتفكيك شبكات تابعة للحزب في مناطق العلوية والكرادة والسعدون وعرصات الهندية والمسبح ومناطق شعبية .
   وكان الملك حسين بن طلال ملك الأردن قد ذكر في مقابلة مع محمد حسنين هيكل رئيس تحرير جريدة الأهرام في باريس (فندق كريون) أن إذاعة سرية كانت قد نصبتها الاستخبارات الأمريكية في الكويت تبث أسماء الشيوعيين وعناوينهم للتمكّن من اعتقالهم وإعدامهم.
   ولا أدري كم استمرّ بث تلك الإذاعة أياماً أم أسابيعاً؟ ومن كان  يلتقطها ؟ وهل كانت تبثُّ بشيفرة أم بالأسماء الصريحة؟ وخلال العقود الماضية حاولت العثور على مصدر أو معلومة تدلّني على حقيقة الأمر فلم أجد ذلك، كما أنني لم أتعرّف على شخص قال أو كتب أنه استمع إلى الإذاعة وإلى الأسماء السرّية.
   وإذا كان المقصود بوجود علاقات واختراقات فتلك مسألة أخرى، ولعلّ علي صالح السعدي نفسه أشار إلى ذلك، سواء في أحاديث شفوية أم  في جلسات خاصة، وكان أن شاع هذا القول لعلي صالح السعدي، بعد دعوة خاصة في بيت لطفي الخولي في القاهرة، وكان الخولي قد وضع مسجلاً خاصاً لحديث السعدي، وقام بنشره في مجلة الطليعة "المصرية"  التي أعدته بطريقة أقرب إلى الحوار، حيث كان قد دعا الخولي بعض الصحفيين ووجّه هؤلاء أسئلة إلى السعدي، الذي أخذ "راحته" في الحديث، ومنها "جئنا بقطار أمريكي"، مشيراً إلى اختراقات من جانب الأجهزة الاستخبارية الأمريكية وقد تردّدت أسماء مثل صالح مهدي عمّاش وإيلي زغيب وعلي عبد السلام (أعدم بعد العام 1968) وآخرين.
   وشكّك عبد الستار الدوري بصحة الرواية المنسوبة إلى السعدي وقال إنه لم يسمعها منه، أما عن الاختراقات فهي موجودة في جميع الأحزاب، وهو ما سبق أن كرّره هاني الفكيكي أمام الباحث، كما أورده في كتابه " أوكار الهزيمة".
   وبغض النظر عن وجود تصريح أو عدم وجود تصريح للسعدي، فإن الانقلاب خدم المصالح الأمريكية بشكل مباشر وغير مباشر فيما يتعلق بإجهازه على ما تبقّى من منجزات ثورة 14 تموز/يوليو 1958 سواءً على الصعيد الداخلي أم على الصعيد الخارجي، ولاسيّما في الصراع بين الشرق والغرب.
   قصر النهاية

   يروي حازم جواد أن عليّ السعدي هو الذي اقترح الاستيلاء على مقر  قصر الرحاب لتحويله إلى المعتقل الأساسي للقيادات الشيوعية وهو الذي عُرف لاحقاً باسم "قصر النهاية" منذ أن تركته العائلة المالكة في يوم 14 تموز (يوليو) العام 1958، ثم أصبح مرفقاً تابعاً لمديرية المصايف وللسياحة وكان يديرها رشيد مطلك صديق عبد الكريم قاسم الذي أطلق عليه لقب "رسول الثورة" حيث كان صلة الوصل بين مجموعة الضباط الأحرار وقاسم تحديداً والأحزاب الوطنية . والهدف تحويل قصر الرحاب إلى معتقل خاص هو إخضاع المعتقلين لتحقيق مركزي، وكان يرأس جهاز التحقيق في قصر النهاية محسن الشيخ راضي ويعاونه هاني الفكيكي.
   يعترف حازم جواد ولكن بعد فوات الأوان أن قصر النهاية كان رمزاً للظلم، وأن شقيقه حامد اعتقل فيه وقال  بعد زيارته إلى ألمانيا: إن معسكر أوشفيتز للاعتقال والإبادة يعتبر فندقاً بخمس نجوم مقارنة بقصر النهاية، (الصحيح إن معسكر أوشفيتز بيركينو بنته ألمانيا خلال احتلالها النازي لبولونيا وهو يبعد حوالي 70 كم من مدينة كراكوف وقد تسنّى لكاتب السطور زيارته في خريف العام 1969 وهو معسكر اعتقال مرعب بكل معنى الكلمة).
   كان معتقل قصر النهاية تحت إشراف مدحت ابراهيم جمعة وهو من أكثر الذين أشرفوا على عمليات التعذيب، وحين سأل كاتب السطور محسن الشيخ راضي كيف استشهد سلام عادل ومن قام بتعذيبه أجاب: " كلّنا مسؤولون ومرتكبون وعلينا قول الحقيقة"  وكان الباحث قد أجرى حوارات مع الشيخ راضي على ثلاث مراحل وهي عبارة عن لقاءات واستفهامات واستفسارات، وأضاف الشيخ راضي: وتبدأ المسؤوليات من القيادة حتى أدنى المواقع ولا أحد يستطيع أن يعفي نفسه من المسؤولية، ولاسيّما القيادات العليا وكبار العسكريين.
   وكان حازم جواد يتردّد على قصر النهاية وكذلك بقية أعضاء القيادة باستثناء عبد الستار الدوري (مدير الإذاعة والتلفزيون) الذي أكّد للكاتب أنه لم يزر قصر النهاية مطلقاً ولم يحبّذ محاولة إذلال الآخرين حتى وإن كانوا " أعداء" أو "خصوماً"، ونقل للكاتب أنه حين جيء بعبد القادر اسماعيل وعدد من الكوادر الشيوعية للظهور في تلفزيون بغداد والإدلاء باعترافاتهم،  كان رأيه من سيصدق كلامهم ذلك طالما هم " أسرى" ومعتقلون، وذكر أن عبد الكريم الشيخلي تعامل معهم بقسوة خلال تهيئتهم للإدلاء باعترافاتهم.
   وحين اعتقل سلام عادل يقول الدوري إن علي صالح السعدي مرّ عليه لدار الإذاعة وطلب مرافقته للقاء سلام عادل فاعتذر عن ذلك، وحين سألته هل كان ذلك قبل زيارتهما للقاهرة أو بعد زيارتهما؟ فلم يتذكّر، لكنه يقول إن وكالة أنباء الشرق الأوسط ومختلف الإذاعات ووكالات الأنباء والصحف كانت قد نشرت خبر اعتقال سلام عادل حيث كنّا في القاهرة.
   وكان د.تحسين معلّه قد قال للباحث أنه زار قصر النهاية بحكم وظيفته كطبيب وتقتضي مهنته معالجة المعتقلين وكانت قيادة حزب البعث قد طلبت منه ذلك، وأنه لم يكن مرتاحاً مطلقاً عمّا يجري فيه وروى للباحث أنه تعرّف على سلام عادل في قصر النهاية وهو معصوب العينين، وكان كل جزء من جسده يئن من شدّة التعذيب، وروى طالب شبيب إلى علي كريم وهو ما قاله أمام الباحث أيضاً إنه اشمأز حين رأى حسن عوينة وهو محطّم ولكنه أشاد ببطولته، مثلما أشاد ببطولة سلام عادل ، وعن الحوار الذي دار بين حازم جواد وسلام عادل في قصر النهاية سخر شبيب ولو بعد نحو ثلاثة عقود من الزمان في لقاء مع الكاتب في كردستان (1992) كيف ينعقد الحوار بين سجّان وسجين. (انظر: علي كريم- عراق 8 شباط 1963، من حوار المفاهيم إلى حوار الدم، مراجعات في ذاكرة طالب شبيب، دار الكنوز الأدبية ، بيروت، 1999)
   جدير بالذكر أنه خلال فترة حكم البعث التي لم تزد عن 9 أشهر صدرت أحكاماً رسمية بإعدام نحو 150 شيوعياً أو مؤيداً لهم كما يوثقها حنا بطاطو (ج 3، ص 303) علماً بأن عشرات كانوا قد قضوا بالتعذيب ولم يتم الإعلان عن استشهادهم بينهم عدد من إدارات الحزب العليا مثل عبد الرحيم شريف وحمزة سلمان الجبوري ونافع يونس والملازم هشام اسماعيل صفوت وجورج تلو، وحسب توثيق حنّا بطاطو فإن المكتب الخاص بالتحقيق لدى الحرس القومي قتل وحده 104 أشخاص عثر على جثث 43 منهم خلال الفترة 1963-1964 مدفونة في منطقتي الجزيرة والحصوة قرب الحلّة، وعثر في أقبية قصر النهاية على أدوات التعذيب وأكوام صغيرة من الثياب الملطخة بالدماء منثورة هنا وهناك وبرك دم على الأرضية ولطخات على الجدران (انظر: حنا بطاطو- العراق، ج 3، المصدر السابق ، ص 304).
   وعلى الرغم من تأييد ميشال عفلق للانقلاب واستخدام القوة لقمع أية مقاومة والعمل على حماية النظام الجديد، إلاّ  أن فضائح التعذيب والحملة العالمية ضد الإجراءات القمعية التي اتخذها حزب البعث إزاء خصومه وحلفائه من القوميين اضطرّته إلى التحفظ عليها وعدم تأييده لها . وقد كشف عن ذلك في وقت لاحق في العام 1964 حين قال: في أيار/مايو 1963 أو قبله رجوت الرفيق حمدي عبد المجيد أن يذهب إلى بغداد وينبّه الزملاء الأعضاء هناك إلى مخاطر الارتجال... ويعرف الرفيق حمدي أني حذّرت باستمرار من سياسة سفك الدماء والتعذيب، كائنة من كانت الضحايا... لقد كان للثورة في أشهرها الأولى حقها المشروع في الدفاع عن نفسها ضد الذين وقفوا في وجهها بقوة السلاح، أما بعد ذلك، فلا يمرّ شهر أو أسبوع إلّا ونسمع أو نقرأ عن إعدام عشرات الرجال (انظر: كلمة ميشال عفلق في المؤتمر القطري السوري الاستثنائي، 1964) وقد أكّد لي صلاح عمر العلي ذلك، بقوله: صحيح إنه لم ينتقد أو يعارض استخدام جميع الأساليب لفلّ مقاومة الطرف الآخر، لكنه كان حساساً إزاء العنف والتعذيب فيما بعد.
   وقد شاعت الكثير من القصص والحكايات المأساوية عن التعذيب في بغداد والمحافظات وشملت الرجال والنساء، وحتى الأطفال وقد صدر ما سمّي بـ"الكتاب الأسود" بعد انقلاب 18 تشرين الثاني/نوفمبر 1963 الذي قاده عبد السلام عارف ضد حلفائه البعثيين،(انظر: كتاب المنحرفون، وهو كرّاس صدر بموافقة مديرية الاستخبارات العسكرية، هيئة الدليل الدولي، بغداد ، العدد 1، 1964).
   وقد تم توثيق بعض الانتهاكات والارتكابات باعترافات وصور ووثائق وشهادات نُشرت في كتاب "المنحرفون" ولكن أكثر ما هو مؤثر وكوموتراجيدي هو الطرفة التي وردت في مداخلة العقيد في الجيش السوري محمد عمران عضو القيادة القومية للحزب العام 1964 والتي تعبّر عن واقع حقيقي عاشه العراق في ظل انفلات الأوضاع . ولعلّ تلك الطرفة هي " سخرية سوداء" حين قال خلال مؤتمر حزبي في دمشق " بعد المؤامرة الشيوعية " يقصد حركة حسن السريع 3 تموز (يوليو) 1963 طُلب من أحد ضباط الجيش (العراقي) إعدام 12 شيوعياً، ولكنه أعلن أمام عدد كبير من الحاضرين أنه لن يتحرك إلّا لإعدام 500 شيوعي، ولن يزعج نفسه من أجل 12 فقط، وكان حديثه هذا أمام المؤتمر القطري الاستثنائي لحزب البعث العربي الاشتراكي (سوريا) العام 1964، وقد كانت مداخلته بعنوان: ملاحظات الرفيق محمد عمران أمام المؤتمر القطري الاستثنائي في 2 شباط/فبراير 1964، ص 3 (انظر كذلك: حنا بطاطو- العراق، ج 3، مصدر سابق، ص 304).
   منطق الجلاد ومنطق الضحية
   رغم مكابرة حازم جواد  ومحاولته النيل من سلام عادل  والتقليل من شأنه، بل والغمز من قناتة، لكنه يقر في نهاية المطاف  إن موقفه كان صلباً و"إنه لم يعترف"، ولكنه كما يقول كان يحاول إيجاد مخرج للورطة بأقل ما يمكن من الخسائر. ويكشف جواد عن مكنونات صدره وصدور بعض رفاقه بقوله: إن نار الحقد تأجّجت ضد الشيوعيين، خصوصاً بعد أن اكتشفنا أن الحزب يملك قوة كبيرة كنّا نستهين بها ، لاسيّما داخل القوات المسلحة، وهو بذلك "يبرّر" استخدام التعذيب.
   وعن الحوار المزعوم يقول حازم جواد أن سلام عادل أودع سجن قصر النهاية بعد إلقاء القبض عليه وكان قد طلب اللقاء به أو بعلي صالح السعدي الذي كان في مصر  في نهاية آذار (مارس) عن طريق مدحت ابراهيم جمعة (مدير المعتقل) (التواريخ ليست صحيحة فقد اعتقل سلام عادل يوم 19 شباط /فبراير واستشهد يوم 23 أي بعد أربعة أيام فقط على اعتقاله ، وأعلن عن استشهاده رسمياً من دار الإذاعة يوم 7 آذار (مارس).
   وهذا يعني أن علي صالح السعدي  عند اعتقال سلام عادل كان موجوداً في بغداد  لأن الوفد حسب التواريخ التي دققتها والاقتباسات التي سأنقلها عن أمين هويدي تشير إلى أن الوفد سافر يوم 21 شباط (فبراير) للقاء جمال عبد الناصر وكان برئاسة نائب رئيس الوزراء ووزير الداخلية علي صالح السعدي وضمن الوفد عبد الستار الدوري (مدير عام الإذاعة والتلفزيون) الذي التبس عليه يوم اعتقال سلام عادل ولكن ما يتذكّره جيداً إن الخبر نشر في القاهرة على نطاق واسع.
   وضمّ الوفد كلّ من : طالب شبيب (وزير الخارجية) وصالح مهدي عمّاش (وزير الدفاع) وفؤاد عارف (وزير الدولة) وحردان التكريتي (آمر القوة الجوية) وخالد مكي الهاشمي (آمر الدبابات) ووفد شعبي ضم حسين جميل وجلال الطالباني وأديب الجادر وعبدالله السلّوم السامرائي.



9
سلام عادل ..  الدال والمدلول وما يمكث وما يزول
أهم خدمة تقدم للعدو هو إخفاء أخطاء الحزب
 والزعم بصواب سياسة قياداته
الحلقة 5
عبد الحسين شعبان

   ويروي عبد اللطيف الشوّاف عن حالة قاسم بعد إعدام الطبقجلي والحاج سرّي، فيقول إنه من فرط حزنه وتأثّره أصيب بنوع من الانهيار والخلل العصبي ، وقد سمع أنه في إحدى المرّات في وزارة الدفاع طلب ثلاث أقداح للشاي وأمر بوضع واحد للحاج سرّي وآخر للطبقجلي والثالث له، لمشاركتهما في احتساء الشاي في جزء من توهماته وحالة الاضطراب النفسي  التي عاشها، على الرغم من أنه كان يردّد أنّهما دقّا اسفيناً في الثورة وهما وراء موقف عبد الوهاب الشوّاف، ولولا تحريضهما وإسنادهما له لما أقدم على ذلك، لكنها انسحبا بعد ذلك وتركا الشوّاف يلاقي مصيره وحده .
   ويقول عبد اللطيف الشوّاف الذي أصبح وزيراً لدى قاسم إن إعدام الطبقجلي والحاج سرّي كان مأساة حقيقية لعبد الكريم قاسم الذي استمر لبضعة أيام عصبياً وحزيناً وبائساً مثلما بقي الفريق محمد نجيب الربيعي رئيس مجلس السيادة في حالة حزن وتردّد وقرف من الوضع الذي آلت إليه الثورة .
    وكان تبرير قاسم بعد حين أنهما لم يتركا له خياراً إلّا تنفيذ حكم الإعدام. وكنت قد استمعت إلى روايته تلك لأول مرّة في القاهرة  في مطلع العام 1971 حينما كنت أحضر مؤتمراً بمناسبة ميلاد الزعيم العربي جمال عبد الناصر وذلك بعد وفاته بنحو 4 أشهر أقيم في جامعة القاهرة، وقدمت  فيه بحثاً بعنوان: "عبد الناصر وحركة التحرر الوطني العربية".
   (انظر: عبد اللطيف الشوّاف- عبد الكريم قاسم وعراقيون آخرون، ذكريات وانطباعات، دار الورّاق، لندن - بيروت، ط1، 2004، هامش ص 88 و89 ويمكن مراجعة كتابنا: عامر عبدالله - النار ومرارة الأمل، مصدر سابق، ص 64 و65 وما بعدهما).
   واستغل قاسم الصراعات الداخلية في الحزب الشيوعي، وخصوصاً بين سلام عادل وكتلة الأربعة المشار إليها، ووجود مشاكل أخرى مع عضوين من اللجنة المركزية هما سليم الجلبي ( الذي كان عضواًمركزياً في الخمسينات) وداوود الصائغ وهو أحد مثقفي الحزب وكان عضواً قيادياً وشارك في حركة تكتلية في الخمسينات عُرفت باسم "رابطة الشيوعيين" التي تم حلّها بعد توحيد الحزب أسوة بالمجموعات الأخرى ، حيث تم اعتراف متبادل بالأخطاء، بما فيها تخطئة إدارة بهاء الدين نوري وحميد عثمان التي اتخذت إجراءات متشدّدة بحق عدد من الرفاق القياديين وخطوات سياسية طائشة.
   أقول استغلّ قاسم الوضع الداخلي في الحزب فاستمال داوود الصائغ وأوحى له بالتقدّم بإجازة باسم الحزب الشيوعي واستجاب الأخير لهذا الإغراء مدفوعاً بمشاكله مع إدارة الحزب وشعوره بالغبن، وحين تقدّم الحزب الشيوعي (الأصل ) بطلب الحصول على الإجازة القانونية، على الرغم من استيفائه للشروط، رُفض طلبه بزعم وجود حزب آخر بالاسم ذاته، فاضطر الحزب إلى استبدال اسمه إلى " اتحاد الشعب" اسم جريدته المركزية، ولكن وزارة الداخلية رفضت طلبه مرّة أخرى بدعوى أن أهدافه قريبة من أهداف الحزب الشيوعي (جماعة المبدأ- داوود الصائغ) .
   وكان طلب الحزب الأصلي قد تقدّم به زكي خيري أكبر الأعضاء سناً، الذي كان حينها وبعض إدارات الحزب أكثر مقبولية لدى قاسم من سلام عادل، ولذلك لم يدرج اسمه ضمن الهيئة المؤسسة بسبب تشنجات قد حصلت بينه وبين قاسم إثر مقابلة نظمها له عامر عبدالله وهو ما ترويه ثمينة ناجي يوسف في كتابها (سلام عادل- سيرة مناضل، جزءان، مصدر سابق).
   وقد اتخذت قيادة سلام عادل سلسلة من الخطوات التكتيكية  لسحب ثقة  الجمهور بجماعة المبدأ وإظهاره بمظهر المؤسّس من السلطة ذاتها، وكانت عملية الاختراق قد حصلت بأن أرسلت إدارة الحزب إلى داود الصائغ عدداً من الكوادر للانضمام إليه، وحين أعلن عن أسماء الهيئة المؤسسة انسحب هؤلاء بصورة جماعية بحيث فقدت الهيئة المؤسسة شرعيتها المطلوبة ضمن إطار قانون تنظيم الحياة الحزبية، وحين تم استبدال الأعضاء المنسحبين بأعضاء جدد وأعلنت الأسماء مجدداً، انسحب هؤلاء مرّة أخرى لإحراج قاسم من جهة والصائغ من جهة أخرى، وهكذا أصبح الحزب الذي حظي بدعم السلطة مصدر تندّر وحينها ظهرت نكتة الحزب الشيوعي لصاحبه  (؟)
   لكن سلام عادل لم يكتفِ بهذا القدر من التكتيك، بل حاول فتح حوار مع الصائغ نفسه لإقناعه بخطأ توجهه ودعوته للتنسيق مع الحزب والاستفادة من منبره العلني، لاسيّما بعد أن زاد حجم التضييق على الحزب واعتقلت السلطات المئات من كوادره وأعضائه (قيل إن العدد كان عشية انقلاب 8 شباط/فبراير/1963 خمسة آلاف معتقل) وتم الاتفاق سرّاً معه على أن يدعم الحزب جريدته " المبدأ" ويقوم كادر من الحزب بتحرير موادها الرئيسية، وهكذا عمِلَ الحزب ظلّاً لجريدة المبدأ.
   أتذكّر هنا حدثاً شخصياً مؤثراً بالنسبة لي، فقد كان موسى مشكور أحد أعضاء الهيأة المؤسسة لحزب داود الصائغ موظفاً لدى جدي الحاج حمود شعبان (في خان شعبان  في سوق المرادية للتجار ببغداد) وقصته كالتالي : فقد كان قد خرج من السجن بعد استشهاد شقيقه مهدي مشكور في سجن بغداد العام 1953، ويروي عبد الجبار وهبي (أبو سعيد)  في كتابه "من أعماق السجون في العراق" الذي نشره باسم مستعار (محمد راشد) في العام 1955 ، أن الرفيق مهدي ظلّ يردّد في اللحظات الأخيرة " أني ما أريد أروح ... ما أريد ... أنا شاب أريد أن أبقى معكم يا رفاق... أنا شاب عمري عشرين " لكنه فجأة بدأت تتغير ملامحه حيث كان مصاباً  بجرح إثر هجوم الشرطة على السجن، ثم توفى .
   كان والد موسى مشكور شيخ  معمم قد طلب من  جدي إيجاد عمل لموسى مشكور لديه  في الخان حيث كان يعمل في تجارة  الأقمشة بالجملة، ولاسيّما بالاستيراد ، لأنه من الصعب عليه الحصول على عمل، خصوصاً لعدم تمكّنه من الحصول على شهادة " عدم محكومية" التي عُرفت لاحقاً " تحقيق هوّية" ، ووافق جدي شريطة ألّا يقوم بأي نشاط سياسي خلال عمله في الخان، واستمر هو في العمل حتى الثورة، وظهر كمسؤول للأسواق التجارية، ثم برز ككادر قيادي  في الهيأة المؤسسة لجماعة الصائغ (العام 1960).
   لم يعرف أحد منّا خطة سلام عادل لتفليش " جماعة الصائغ" ولذلك تقاطر على الخان، في محاولة لثني موسى مشكور عن انضمامه إلى الصايغ،عدد من الأقارب بينهم  شوقي شعبان وحسن شعبان وناهض شعبان ووهاب شعبان ومعين شعبان ونعمان شعبان  وكان عدد من الأصدقاء يتساءل عن أبعاد تلك " الخطوة" مثل عبد الواحد الخلف والمحامي عبد الوهاب عباس وصادق الحسني وحسين خليفة ومنعم الصائغ  وحسين قويزي وعلي الغرباوي وآخرين . وكنّا جميعاً نحاول أن نقنعه بالانسحاب من الجماعة أو نفهم مبرراته على الأقل، ولم يكن يردّ علينا سوى بابتسامات مبهمة وأجوبة غامضة أكثر منها إفصاحاً عن موقف، حتى إن خالي ناصر شعبان  سأله مرّة وبحضور خالي رؤوف وخالي جليل ووالدي عزيز شعبان: ما سبب اختياره الصائغ وتفضيله على الحزب الأصلي الذي كان بعنفوانه وألقه، فلم يسمع منه سوى إجابات مبهمة وهي تنمّ عن اختيار له ظروفه وخصوصياته، وأن الأمر متروك للزمن!.
   وحين تم انسحاب الغالبية الساحقة من الهيأة المؤسسة في المرّتين الأولى  والثانية وانكشفت اللعبة فهمنا ذلك، وكنّا قد عرفنا في وقت لاحق خطة الحزب، وكان هو يضحك ويحمرّ وجهه ويردّد آن الأوان لتعرفوا الحقيقة.
   وبالمناسبة فقد كانت اللجنة المركزية أو المكتب السياسي تجتمع أحياناً في منزله بالكاظمية قرب الكورنيش، وقد اضطر إلى الهرب في اليوم الأول لانقلاب 8 شباط/فبراير وبعد عدّة أشهر ظهر في السعودية يؤدي فريضة الحج ويرتدي العمامة البيضاء، وقد التقاه هناك موسى شعبان وأبلغنا بذلك، ثم انتقل إلى الكويت وعاش فيها لغاية الغزو العام 1990، وكنت قد التقيته في الكويت أول مرّة العام 1965 مع خالي المحامي جليل شعبان، ومرّة أخرى في العام 1970 حين اضطررت الهرب إليها بعد ملاحقتي. وقد لاحظت اتساع أعماله، لاسيّما بعد أن تعرّف على أحوال السوق مثلما عرف التجار الكويتيون أمانته ودقة عمله، ولكنه خسر الكثير من أمواله وممتلكاته، بعد غزو القوات العراقية للكويت في العام 1990، وصادف أن كان حينها في لندن، وقد التقيته فيها، ثم في الولايات المتحدة حيث يعيش في ساندياغو واستضافني فيها وكان حين يسألونه عن العلاقة بيننا يردّد وبكل تواضع " أنني تعلمت التجارة في بيت شعبان" (حديث خاص مع موسى مشكور، ساندياغو،1998  وقد استعد معه بعض تفاصيل تلك الفترة).
   أعود إلى اتفاق للظل مع داود الصائغ لتحرير المبدأ التي كانت تصدر بصورة علنية، حيث أوكل سلام عادل الأمر إلى بديع عمر نظمي وهو أحد مثقفي الحزب حينها وقد نشر وترجم العديد من الكتب المهمة وعدنان البراك أحد المثقفين والإعلاميين البارزين في الحزب وقتذاك وقد استشهد العام 1963 ومجيد الراضي وهو شاعر ومثقف وابراهيم الحريري وكان يكتب عموداً في صحيفة اتحاد الشعب باسم " صديق حمدان" أو " حكايات حمدان" وتكفّل الحزب حسب رواية الحريري بكل شيء يتعلّق بمكتب جريدة المبدأ، عدا الحارس الذي كان موظفاً مرسلاً من الأمن (حديث خاص مع ابراهيم الحريري، دمشق، 1984).
   ولعلّ حكاية جريدة وحزب المبدأ تصلح وحدها للتأكيد على العقل الديناميكي لسلام عادل والحيوية البالغة التي يتمتع بها، وكذلك على المرونة العالية التي يتحلّى بها مع المبدئية وبُعد النظر، وخصوصاً في تشخيص الجوهري من الأشياء والقضايا.
النقد والنقد ثم النقد
للأسف لم يراجع تاريخنا بما فيه الكفاية، ولم تسلّط الأضواء على أخطائنا ونواقصنا، وغالباً ما زعمنا إن العدو سيستفاد منها، ولذلك حاولنا أن ندثّرها بأكثر من غطاء لكي لا يطّلع عليها المتربّصون بنا في ظل صراع محموم، وهكذا كانت تتكرّر وتتناسل تلك الأخطاء والنواقص، لأنه لم يتم كشفها ومساءلة المسؤولين، ولم يسهم النقد في كشف أخطاء الماضي، الاّ بحدود الصراعات الدائرة، بين هذا الطاقم القيادي أو ذاك، وتصفية حسابات بين الفرقاء، أما التاريخ فقد ظل "صامداً" ككتلة صمّاء، لا يمكن الاقتراب منها، وقد يكون بعضهم مسؤولاً عنها، والآخر لا يريد ذكر الحقيقة ويخشى الاقتراب منها، لأنها تتعلّق بفترة سكوته وصمته لسنوات طويلة، اعتاد فيها على تلقّي التعليمات وإعطاء الأذنين الصاغيتين دائماً.
لم نلحظ هناك من نقد حقيقي لتاريخنا، خصوصاً مسلّمات الماضي وعيوبه، لاسيّما إذا كان المعنيون قريبين من الطاقم الإداري أو من متفرّعاته، وحتى حين كُتبت الكثير من المذكرات، ظلّت الكثير من العقد الأساسية دون مساس، وإن جرى التعرّض لها، فمن باب إلقاء الحجة على الآخرين، وفي أحسن الأحوال سمعنا نقداً مثيراً للشفقة، لمن يقول أنه يتحمّل المسؤولية وهو بالطبع كذلك، لأنه كان على رأس الهرم أو من المحيطين به أو من حواشيه.
والغالب الأعم يتحدّث هؤلاء باستمرار عن  صواب سياستنا التي أثبتها التاريخ، والدفاع عن نقاوة النظرية وإن كان الأمر معكوساً، ففي تاريخنا بعض المطبّات والانحرافات التي علينا مراجعتها مثلما فيه الكثير من الإشراقات والإيجابيات التي يمكن استلهامها، كما لا يكفي الحديث عن إننا نمتلك "أعظم" نظرية في العالم، علماً بأنها لا ينبغي أن تكون بمعزل عن البراكسيس، وفي حين نحن تركنا المنهج، حوّلنا التعاليم النظرية إلى نصوص مقدسة وتشبثنا ببعض الأحكام والتطبيقات أو الممارسات التي كانت تصلح لعهود مضت، في حين علينا استنباط الأحكام التي تتلاءم مع ظروفنا ودرجة تطور مجتمعاتنا.
لاحظتُ إن جميع القوى السياسية " الشمولية" سارت بالاتجاه ذاته، فحزب البعث أو الجماعات المتبقّية منه تتحدّث عن كل شيء باستثناء صدام حسين، وغالباً ما ينزّه ويمجّد، وإنْ جرى الحديث عن الارتكابات والجرائم، فهي ليست سوى أخطاء هناك من يقوم بها، وقد لا يعرف بها "الرئيس" وإذا انتقدت توجّهاتهم وحاورت في الانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان، فإنك ستكون حاقداً أو مشبوهاً وفي أحسن الأحوال فإنك جاهلٌ.
أما القوميون العرب فلا يمكن المساس باسم جمال عبد الناصر أو حتى نقده، فالنقد سيضعك في خانة العداء للقومية العربية أو في صف "الشعوبية"، وحتى لو ذكرت مشروعه السياسي بملاحظات أو آراء، بخصوص قضية الحريات ووحدانية التنظيم السياسي وملاحقة اليسار وهزيمة 5 حزيران/يونيو/العام 1967، فإن ذلك ليس سوى تفاصيل بالنسبة لهم، إذْ لا يمكن المساس باسم الزعيم " الخالد" والأمر يتعلق بغياب النقد الذاتي، وعدم قبول نقد الآخر.
ولم نسمع نقداً للمشروع الإسلامي من داخله، باستثناء مناكفات في فترة المعارضة بين جماعات سياسية، وإلاّ فإن المرجعية "مقدسة" والتعرّض لها سيجعلك في عداد الملاحدة أو من يتنكّرون لدورها التاريخي، وأحياناً تعتبر من طائفة أخرى، حتى لو كنت من صلب الانتماء الديني أو المذهبي، ضمن التصنيفات السائدة. صحيح إن بعض الارهاصات النقدية قد بدأت، لكنها ظلّت أقرب إلى نقر في السطح وليس حفراً في العمق، حسب تعبير ياسين الحافظ بتوصيفه للثورة.
وإذا كانت الحركة الكردية قد عصفت بها رياح عاتية من داخلها، وواجهت نقداً حاداً وشديداً، وصل حدّ الاتهامات، فإن هذا النقد غالباً ما يطوى على حساب المصالحات السياسية الظرفية، وبذلك يضيع النقد الموضوعي الذي هو حاجة ماسّة وضرورية للتطوّر والتقدّم، وأحياناً تضيق بعض القوى الكردية بالنقد حتى إذا كان انحيازك لصالح الشعب الكردي وحقوقه العادلة والمشروعة، وفي مقدمتها حقه في تقرير مصيره، مثلما هناك تواطؤ أحياناً بخصوص علاقاتها الخارجية مع القوى الدولية بما فيها المعادية لمصالح شعوبنا فما هي المصلحة من السكوت أو تبرير علاقة مع "إسرائيل" وبعض دعاة التفكيك في السابق والحاضر.
النقد فضيلة، ولاسيّما في السرديات الثقافية، وغيابه يجعلنا أمام حالة من الصدام والاحتدام المستمرين، خصوصاً في النظر إلى الآخر، أما على صعيد الآخر من الداخل فسيكون بديله الاستكانة والخنوع أو الاحتقان والاختناق حتى يحصل المحذور، لذلك فإن الكثير من التمرّدات والانشقاقات ليست بعيدة عن ذلك، إذْ أن الإلغاء والتهميش واحتكار الحقيقة وادعاء امتلاك الأفضليات ستقود إلى نتائج أخرى في ظل غياب النقد ، وهو ما حاول الباحث تسليط الضوء عليه باعتباره الأساس في فقْه الأزمة.
وإنْ كنتُ قد قدّمت قراءات انتقادية للحركة الشيوعية وتاريخها، فلأنني معني بها أكثر من غيرها وما أريده لها أن تكون معافاة وسليمة، كما إنني عندما أسترجع جزء من التاريخ، فلأنه يحتاج إلى إعادة نظر بروح رياضية ودون خشية من النقد والاعتراف بالأخطاء والاعتذار عنها، والأمر قد ينسحب على الإدارات المسؤولة التي ارتكبت الكثير من الأخطاء، وظلّت تنكر أو تتصرّف باعتبارها فوق النقد، خصوصاً في ظلّ غياب المساءلة والشفافية، الأمر الذي يحتاج إلى نقد شفاف وجريء دون تجريح أو إساءة، بقدر ما يهمّ تاريخنا وعلاقاتنا الرفاقية ونظرتنا المختلفة إلى الماضي وإلى الحاضر وإلى المستقبل، ناهيك إلى الحياة ذاتها بما فيها من مستجدّات ومتغيّرات، بما فيها محاولة قراءة الماركسية بروح القرن الحادي والعشرين وبمنهج ماركس الذي لا يزال يمتلك حيوية، لا بتعاليمه التي تصلح لعصره، وعفا الزمن على الكثير منها.
وأخيراً فالنقد لتاريخنا الشيوعي واليساري هو نقد  من الداخل، وهو نقد مسؤول للذات ونقد لمسار يعني جميع الشيوعيين والماركسيين، بل وعموم الوطنيين، وكل من هو حريص على المستقبل الشيوعي، إذْ لا يمكن الحديث عن تاريخ الدولة العراقية، دون المرور على تاريخ اليسار العراقي الذي لعب دوراً مهماً منذ تأسيسها.
والهدف من النقد تسليط الضوء على بعض النواقص والثغرات في مسيرة اليسار والحركة الشيوعية، لكي لا تتكرّر ولكي يتعرّف عليها الجيل الحالي والمستقبلي وينتفع منها، ونقد التاريخ هو أيضاً نقد للبرامج والسياسات والممارسات والشخصيات وما علق به من سلوكيات غريبة. ولعلّ أهم خدمة تقدّم إلى العدو هو إخفاء أخطائنا والزعم بصواب سياستنا على طول الخط، فتلك المهمة الإيمانية التبشيرية الاستكانية لا تصلح الاّ للدعاة والمروّجين المنحازين، وهي غير المهمة النقدية العقلانية التساؤلية، التي يضطلع بها من يبحث عن الحقيقة.
ولعلّ واحداً من أهداف هذه الاستعادة التاريخية في المسيرة البطولية لسلام عادل هو الحرص على الحقيقة كي لا تضيع بما فيها من آلام وعذابات ودروس وعِبَر، وهو ما حاول الباحث فيه تسليط الضوء على بعض الجزئيات التي يهتم بها بما فيها المنسي أو المُهمَل أو غير المرغوب استذكاره أو غير المسموح الحديث عنه، كي لا تندثر أو تتبدّد أو يطويها النسيان، وذلك استكمالاً لصورة المشهد من زواياه المختلفة.
لعلّ القراءة المفتوحة ودون عقد مسبقة كانت هي الأكثر استقبالاً وحفاوة للنصوص الجديدة التي تركت الآيديولوجيا جانباً والتشدق بالأفضليات وحاولت التفتيش عن الحقيقة من خلال النقد، ولا أحد يعفي نفسه منه.





10
سلام عادل .. الدال والمدلول وما يمكث وما يزول
الرجعية جزء من مذبحة كركوك وتراجع الحزب الشيوعي
عن المشاركة في حكومة تموز 1958 بإيعاز من السوفييت
الحلقة 4
عبد الحسين شعبان [/b]
علماً بأن جريدة الحزب" اتحاد الشعب" كانت قد مهّدت لهذا الشعار حين حملت مقالة باسم " هيئة التحرير" (يوم 28 نيسان/أبريل/1959) عنواناً " إشراك الحزب في الحكم ضرورة وطنية" ووردت فيه دعوة وإن كانت على استحياء لإعادة النظر في تركيب السلطة السياسية... على أساس مبدأ التمثيل الصادق لسائر القوى الوطنية المخلصة ونبذ الحساسية إزاء حزبنا . وتبعت هذه المقالة مقالتان في يومين متتاليين (انظر" نجم محمود (ابراهيم علّاوي)- المقايضة: برلين - بغداد، منشورات الغد، لندن، 1991، ص 305 و306) وهو الأمر الذي اضطّر الحزب للتراجع عنه في اجتماع أواسط تموز/يوليو العام 1959 . 
ولم يكن ذلك بمعزل عن تدخل موسكو كما تقول بعض التقديرات وينقل ابراهيم علّاوي (نجم مجمود) أن لغطاً كثيراً حصل حول دور جورج تلّو الذي كان يعالج في موسكو إثر إصابته في حادث غامض راح ضحيته غازي أبو التمن، وحين عاد إلى بغداد كلّف بنقل رأي السوفييت بضرورة التراجع عن هذا التوجه، وكان بهاء الدين نوري قد كتب في " جريدة صدى القاعدة، العدد 4، أيلول/سبتمبر/1989" عن التدخلات السوفييتية السافرة لحمل قيادة الحزب الشيوعي العراقي على اتباع نهج يميني خاطئ إزاء سلطة قاسم، ولاسيّما المطالبة بالمشاركة في الحكم (أيار/ مايو/1959) .
وكانت جريدة البرافدا قد نشرت تقرير الاجتماع الموسع (أواسط تموز/ يوليو/1959) على صفحاتها يوم 17 آب/أغسطس/1959 مشيدة بأهميته واستحسنت توجهاته، (انظر كذلك: ابراهيم علّاوي- المقايضة، مصدر سابق، ص 320-321) ولا شك أن السوفييت غيّروا رأيهم بعد انقلاب 8 شباط (فبراير) العام 1963، بل وحاولوا الظهور بمظهر الناصح لسلام عادل، ونقلاً عن أحد المنظّرين (العلماء) السوفييت المشارك في الحوار حول الصراع الداخلي في الحزب الشيوعي السوري، يذكر: قلنا لسلام عادل: لا تعلّقوا آمالكم على قاسم وهكذا جرى، مات قاسم وأضرّ بالحزب..." ولم يكن ذلك صحيحاً حسبما يؤكده العديد من الوثائق ومن عاصر تلك المرحلة من موقع المسؤولية (حديث خاص مع بهاء الدين نوري- نوكان/ ناوزنك/كردستان/آب/أغسطس/1982).
والسبب الثاني ما حدث في الموصل من أعمال قمع وتنكيل أعقبت حركة الشواف واتّهم بها الحزب الشيوعي لاسيما "محكمة الدملماجة" الشهيرة حين تردّد اسم "عبد الرحمن القصاب"، عضو اللجنة المحلية في الموصل الذي قيل أنه كان يستلم التعليمات من مهدي حميد وبإشراف من حمزة سلمان الجبوري (عضو اللجنة المركزية)الذي كان موفداً من المكتب السياسي لهذه المهمة والذي كان يحمل رسالة خطية من المكتب السياسي كتبها له جمال الحيدري بتوجيه من سلام عادل، مفادها إنزال الضربات بالخصم بأقسى ما يمكن، وقد عرضها في اجتماع اللجنة المركزية عندما أريد محاسبته على التشدّد وأعمال العنف، وقد ألقي القبض عليه لاحقاً في زمن قاسم وأرسل إلى  سجن نقرة السلمان، ثم استدعي بعد انقلاب 8 شباط (فبراير) العام 1963 حيث قتل تحت التعذيب مثلما قتل مهدي حميد أيضاً بنفس الطريقة، انتقاماً وثأراً.
أما بخصوص محكمة الدملماجة التي تم تشكيلها بعد فشل حركة الشواف (آذار/مارس/1959) فقد تم إعدام 17 شخصاً دون محاكمة، ووفقاً لقرار محكمة صورية سمّيت ثورية، وتم تنفيذ حكم الاعدام بهم على الفور، ناهيك عن أعمال عنف واعتقالات وتعذيب، ثم إنقلب الأمر على الشيوعيين في الموصل وألحق بهم من الخسائر والاغتيالات الشيء الكثير، وقد يكون فاق ما لحق بالآخرين خلال حركة الشواف وتمرّده ضد حكم قاسم.
والسبب الثالث أحداث كركوك التي استفزّت عبد الكريم قاسم، فوصفها بالفوضوية في خطابه الشهير بكنيسة مار يوسف، ويومها قال قاسم (أن تلك الأعمال تذكّر  بأعمال هولاكو)، ولعلّ اندفاع الحزب الشيوعي مع الحزب الديمقراطي الكردستاني، في صراع ضد التركمان، لم يكن له من مبرّر، الأمر الذي يعزوه البعض إلى  أن قيادة منظمة كركوك للحزب من الكرد، بما يضفي على الصراع بُعداً قومياً، لاسيّما في ظل بعض المشكلات والحساسيات في الماضي، تلك التي أصبحت تعبيراتها اليوم مختلفة، وإن كان جزء منها يعود إلى  الماضي.
وقد ذكرت العديد من المصادر أن عدد القتلى بلغ 31 تركمانياً وتجاوز عدد الجرحى نحو 130 وتم نهب 70 محلاً تجارياً وقد جاءت هذه المجزرة المروعة بعد الأحداث المأسوية التي حصلت في الموصل وفي ظلّ أجواء مشحونة لكن قيادة الحزب لم تعالج مثل هذه القضايا ببعد نظر ورؤية مستقبلية ونظرة حقوقية وإنسانية.
وعلى الرغم من التبريرات التي قيلت عن التدخلات الخارجية ودور مشبوه لشركات النفط ، وهو موجود فعلاً وليس مبالغة، لكن سقوط ضحايا والقيام بارتكابات ليست بمعزل عن مسؤولية القوى المتنفّذة، لاسيّما القريبة من الحكومة، دون استبعاد أن بعض القوى الرجعية كانت جزءًا من المشكلة،  لكن الأمر تجاوز ما حصل في تظاهرة 14 تموز (يوليو) العام 1959، الأمر الذي لم يتم التوقّف عنده ونقده على نحو جريء، وقد ساهمت أحداث كركوك الدموية في سوء العلاقة بين قاسم وبين الحزب الشيوعي وإلى حدّ ما بينه وبين الحركة الكردية. وكان ينبغي على قيادة سلام عادل اتخاذ موقف حازم إزاء المسؤولين ومحاسبتهم وعدم ترك الحبل على الغارب كما يقال.
وإذا كان اعتراف قيادة الحزب في العام 1959 وفي خضم الصراع وذروته أن ثمة "عناصر مندسّة استثمرت بعض الاندفاعات وساقتها في اتجاهات تدميرية أحياناً" وإن: "لجوء بعض الجماهير المتأخرة سياسياً إلى أساليب السحل وتعذيب الموقوفين ونهب الممتلكات والتجاوزات على حقوق وحرّيات بعض المواطنين الأبرياء هو أسلوب لا يجمعه جامع مع الكفاح الثوري" ، ولذلك كان عليها الاعتذار عمّا حصل للضحايا وعوائلهم وهو ما يزال مطلباً لدى التركمان تجدّدت الدعوة له في العام 2009 في ذكرى 14 تموز (يوليو). وما ينطبق على أحداث كركوك يمكن أن ينطبق على أحداث الموصل، لاسيّما في الموقف من الضحايا الأبرياء والقتل خارج القضاء.
   بداية حقبة الدماء وليس نهايتها
كان عبد الكريم قاسم بقدر وطنيته سياسياً فاشلاً، فقد اتّجه بالحكم نحو الفردية والارتجال وتدريجياً أصبح دكتاتوراً فردياً، وإذا كانت النزعة الثأرية، الانتقامية، الكيدية قد سادت بعد الثورة، لاسيّما من خلال محاكمات المهداوي لأقطاب العهد الملكي، لكن قاسم وخصوصاً بعد الأحداث الدموية في الموصل وكركوك بدى أقل دموية، بل أصبح ميّالاً إلى  التسامح " عفا الله عما سلف"، حيث أطلق سراح الرئيس عبد السلام عارف بعد الحكم عليه وأطلق سراح من شارك بمحاولة اغتياله وإطلاق الرصاص عليه في شارع الرشيد. لكن سياسته أدّت إلى  تقسيم الحركة الوطنية ودفعت بها إلى  التناحر بين أطرافها، وأظنّ أن الخطأ، بل والخطيئة التي وقع بها هي إعدام الجنرالين ناظم الطبقجلي ورفعت الحاج سري، وهما من قادة الثورة، وذلك بعد حركة الشواف في الموصل، علماً بأنهما لم يكونا مشاركين في محاولة التمرد تلك، وقد يكون ذلك الأمر هو الذي دفعه للتفكير بطريقة مختلفة، لاسيّما إزاء العقوبات الغليظة .
باختصار لم يكن لقاسم أي مشروع للتغيير الداخلي فقد تنكّر لوعوده بانهاء فترة الانتقال وإجراء انتخابات وسن دستور دائم، لاسيّما بعد منجزات الثورة في العام الأول، وخصوصاً الخروج من حلف بغداد ونظام الكتلة الاسترلينية وإبرام معاهدات واتفاقيات اقتصادية مع الدول الاشتراكية، وحتى القوانين والقرارات التي اتّخذها بشأن مسألة النفط وغيرها ظلّت عائمة في ظلّ سياسة التفرّد بالحكم ومعاداة جميع القوى الوطنية، ناهيك عن التخبّط بخصوص قضية مطالبته بالكويت أوموقفه من الحركة الكردية وحقوق الشعب الكردي.
وأظنّ أن ما عاناه العراق من فترة حكم قاسم تركت انطباعاتها على العقود اللاحقة، حتى أن البعض ما يزال يفكّر ومن جميع الأطراف بعقلية العام 1959 وما بعده (لاحظ ما ينشر أحياناً)، لاسيما التناحر والانشقاق الذي حصل في صفوف الحركة الوطنية العراقية.
   لماذا سقط عبد الكريم قاسم؟
يمكنني القول أن هناك أربعة أسباب أساسية أدّت إلى  الإطاحة بنظام قاسم:
السبب الأول مطالبته بضمّ الكويت في العام 1961، وهذه أشبه بحكاية مشؤومة دفع العراق ثمنها لاحقاً بمغامرة صدام حسين العام 1990 بغزو الكويت، الأمر الذي ساهم في تدمير العراق وفرض حصار دولي عليه دام 13 عاماً، ومن ثم احتلاله في العام 2003، وقد كانت مطالبة قاسم تعني فيما تعنيه اللعب لتغيير الجيولوليتيك في منطقة ستراتيجية وغنيّة بالنفط وجزء من مناطق نفوذ القوى الغربية، وهو أمر غير مسموح به، بل محرّم في إطار السياسة الدولية.
السبب الثاني إصداره قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لعام 1959 الذي منح المرأة بعض حقوقها فيما يتعلّق بقضايا الزواج والطلاق والنفقة والنسب والوصية والإيصاء والإرث وقد اعتبر عقد الزواج رضائياً بين رجل وامرأة تحلّ له شرعاً وغايته إنشاء رابطة مشتركة للحياة واعتبر كذلك كل شكل من أشكال الإكراه جريمة، وحدّد السن القانوني بالثامنة عشر من العمر واشترط تسجيل عقد الزواج لدى محاكم الأحوال الشخصية، وبخصوص الطلاق فيحق طلبه إذا كان الزوج قد تزوّج بامرأة أخرى دون إذن المحكمة أو تسبب في ضرر مستحكم أو حكم عليه بعقوبة تزيد عن ثلاث سنوات أو هجر زوجته لمدة سنتين أو بسبب المرض أو العنّة أو غير ذلك.
وجاء في الأسباب الموجبة في تشريعه هو: تعدّد مصادر القضاء واختلاف الأحكام ما يجعل حياة العائلة غير مستقرّة وحقوق الفرد غير مضمونة. وقصد من ذلك إنصاف المرأة، ليكون القانون واقعاً يجمع أهم الأحكام الشرعية المتفق عليها. فسخّرت الأوساط الدينية والتقليدية والرجعية كل قواها ضده وعملت للإطاحة به.
وقد استثمرت الجماعات القومية فتوى السيد محسن الحكيم "الشيوعية كفر وإلحاد" فحشدت القوى ضد نظام قاسم والشيوعيين، لاسيّما في إطار غطاء ديني. ومن الطريف أن محاولة جرت خلال مجلس الحكم الانتقالي للإطاحة بالقانون الذي جرى تسويف بعض مواده وتجميدها من الناحية العملية، وتم التصويت على إلغائه، لكن بول بريمر الحاكم المدني الأمريكي في العراق لم يصدّق على ذلك، وطلب إعادة مناقشته والتصويت عليه، فكانت النتيجة الإبقاء عليه.
والسبب الثالث- إصدار القانون رقم 80 لعام 1961 بخصوص استعادة 99.5 % من الأراضي العراقية من شركات النفط الاحتكارية، بحجب "حقها" بالتصرف غير القانوني في التنقيب. وقد فتح هذا القرار معركة ضارية ضده وتآمراً لا حدود له على نظام قاسم من جانب القوى الاستعمارية، التي تلقّت ضربة أخرى عند تأميم النفط العام 1972، الأمر الذي جعلها لا تستكين ولا تستسلم حتى تم إلغاء نتائجه على الرغم من أن موارده ذهبت لمغامرات عسكرية وأجهزة أمنية وثم تبديدها بشكل لا عقلاني، وزاد الأمر عندما تعرضت بعد العام 2003 للسرقات وعمليات النهب والابتزاز.
والسبب الرابع حرب قاسم ضد الثورة الكردية التي بدأت في 11 أيلول (سبتمبر) 1961 بشروعه بقصف مناطق البارزانيين، الأمر الذي فتح معركة مع الأكراد، وقبلها بالطبع كانت معركته مع نظام عبد الناصر والقوميين والبعثيين، ناهيك عن تدهور علاقته مع الحزب الشيوعي وملاحقة قياداته وكوادره.
كل ذلك مهّد للإطاحة بقاسم في 8 شباط (فبراير) العام 1963 ومعه أطيح بما تبقى من مكتسبات الثورة. جدير بالذكر أن عدم حل المشكلة الكردية بشكل عادل ويلبي طموحات الكرد، كان أحد أسباب ضعف الدولة العراقية واختلالها منذ تأسيسها، وكان عامل هدر وإنهاك للأنظمة العراقية الملكية والجمهورية.
إن ما سمّي بفترة "المدّ الثوري" أو "المدّ الأحمر" أو "الهيمنة الشيوعية"، لم يكن المقصود منها أخطاء الحزب الشيوعي وما ارتكبه في الموصل وكركوك ومحاولته الانفراد بالشارع، ولاسيّما بعد القضاء على حركة الشوّاف وملاحقة القوى القومية والبعثية فحسب، بل لأن الفترة القصيرة من " شهر العسل" التي ذاق فيها الحزب السلطة أو شمّ رائحتها شهدت طائفة من الإجراءات  الثورية المهمة، فقد حققت خلال تلك الفترة القصيرة ما يلي:
1- انسحاب العراق رسمياً من حلف بغداد في 24 آذار (مارس) 1959.
2- إيقاف مفعول الاتفاقية العراقية- البريطانية في 4 نيسان (أبريل) 1959.
3- مغادرة آخر مجموعة من الجنود والضباط البريطانيين الأراضي العراقية في 30 أيار/مايو/1959.
4- ارتفاع علم العراق على قاعدتي الحبائية والشعيبة الجويتين.
5- فسخ الاتفاقيات الثلاث مع الولايات المتحدة التي وقعها العراق بين عامي 1954و1955 والمتعلقة بـ " المساعدة" العسكرية واستخدام العراق للأسلحة والمعدّات الأمريكية واستخدام " المساعدة الاقتصادية" على أساس مبدأ أيزنهاور.
6- خروج العراق من الكتلة الاسترلينية (منطقة الاسترليني) في حزيران/يونيو /1959.
(انظر: كتاب تاريخ الأقطار العربية المعاصر، أكاديمية العلوم في الاتحاد السوفييتي، معهد الاستشراق، دار التقدم، ج1، 1976، ص 329-331 ) محاولة تقييم حكم قاسم 1958-1963.
وبالطبع فثمة أسباب أخرى للإطاحة بحكم قاسم داخلية وخارجية كي لا يكون نقطة استقطاب وتأثير لبعض شعوب المنطقة، ولذلك سعت القوى الإمبريالية لإعادة حصان تموز الجامح إلى الحظيرة وعملت ما في وسعها لتفريق القوى الوطنية، خصوصاً وأن مصالحها تضرّرت بسبب الإجراءات التي اتبعتها حكومة الثورة فضلاً عن خطوات داخلية مثل الإصلاح الزراعي.
   سلام عادل وجماعة المبدأ
   شرع " الزعيم " عبد الكريم قاسم بإعلان رغبته في تنظيم الحياة الحزبية بعد انفجار الأزمة مع القوميين واستقالة وزرائهم في شباط/فبراير/1959 وهم:  ناجي طالب والدكتور عبد الجبار الجومرد وبابا علي الشيخ محمود والدكتور محمد صالح محمود ومن ثم محمد صديق شنشل وفؤاد الركابي  واتساع أزمة الحكم مع الشيوعيين بعد خطابه في كنيسة  مار يوسف ( 29/7/1959) الذي اتهم فيه الشيوعيين "بالفوضوية" ونسب إليهم ما حدث من أعمال إرهاب وقتل خارج القضاء بحقّ التركمان في كركوك (14-15 تموز/يوليو/1959)  وكان هذا الخطاب بمثابة إعلان عن نهاية ما سمّي بـ " المدّ الثوري" أو المدّ الأحمر"، الذي استمرّ 4 أشهر ونصف تقريباً.
   ولعلّ واحداً من تجلّيات التعبير عن الأزمة هو شعور الحزب الشيوعي بأنه غير ممثل بحكومة الثورة ومطالبته في مسيرة الأول من أيار/مايو/العام 1959 بالمشاركة في الحكم وتوجّس قاسم خيفة من تمدّد نفوذه، الأمر الذي زاد من حدّة التناقض بين قمة السلطة وقاعدتها.
   وكان قاسم قد فكّر بمخرج من أزمة الحكم بالدعوة إلى تنظيم الحياة الحزبية، وقام وزير الداخلية (أحمد محمد يحيى) بالطلب من الأحزاب السياسية التقدّم للحصول على الترخيص القانوني لممارسة العمل الحزبي بصورة شرعية (مطلع العام 1960) تمهيداً لإنهاء فترة الانتقال التي كرّر "الزعيم" عبد الكريم قاسم عدّة مرّات رغبته في إنهائها، ولم تنتهِ حتى انتهى حكمه بانقلاب 8 شباط (فبراير) 1963.
   لقد شهدت الفترة التي أعقبت حركة العقيد عبد الوهاب الشوّاف تصعيداً ضد القوميين والبعثيين، كما أصدرت محاكمة الشعب أحكاماً بالإعدام بحق مجموعة من الضباط والمشاركين بالحركة بينهم اثنين من قادة ثورة 14 تموز/يوليو/1958 وهما ناظم الطبقجلي ورفعت الحاج سرّي، على الرغم من أن التحقيقات والمحاكمات لم تثبت اشتراكهما المباشر بالحركة ، لكن الضغوط التي مورست على قاسم والأجواء المهيمنة على الشارع  دفعت الأمور بهذا الاتجاه، ويبدو أن قاسم ندِم على تنفيذ أحكام الإعدام، ولم يستطع حينها مقاومة الكتل البشرية التي كان يموج بها وتذكّر بعصر المداخن ، فاضطرّ نزولاً عند صخب الشعارات التي كانت أصداؤها تتصاعد في كل مكان: " لا تكول ما عندي وقت أعدمهم الليلة"، أي لا تبرّر تأخير حكم الإعدام بحق الذين صدرت أحكاماً بحقهم، بل أعدمهم هذا اليوم، فأقدم على تنفيذ الأحكام.




11
سلام عادل .. الدال والمدلول وما يمكث وما يزول
الترهل في جسد الحزب الشيوعي منعه من قرارات حاسمة ضد عبد الكريم قاسم

الحلقة 3

عبد الحسين شعبان

التقاط الجوهري من الأشياء
تتعدّى مزايا سلام عادل كونه شهيداً وبطلاً، فهذا أمرٌ مفروغ منه، لكن قيمته الحقيقية هي في مواهبه ومبادرته التنظيمية وعقله الستراتيجي في التقاط الجوهري من الأشياء وقدرته في الاستفادة من الكفاءات التي حوله، ولاسيّما قبل ثورة 14 تموز (يوليو) 1958.
كما حاول بعد الثورة ضم وإشراك الكثير من القيادات " التاريخية" و"الشابة" لاحقاً إلى قوام اللجنة المركزية وهيئات الحزب، لتوسيع دائرة اتخاذ القرار على الرغم من بعض تناقضاتها، وذلك يتجلّى بعمله الدؤوب في استعادة وحدة الحزب دون إقصاء أو إلغاء أو تهميش، بل بمشاركة واعية، وكذلك في إعداد الكونفرنس الثاني العام 1956.
أعتبر شخصياً وثائق الكونفرنس الثاني من أهم وثائق الحزب وأنضجها حتى الآن، آخذاً بنظر الاعتبار سياقها التاريخي، وهي الوثائق التي لم يتم الحديث عنها منذ أكثر من 6 عقود من الزمان وكأنها أصبحت نسياً منسيّاً، ثم في التحضير لجبهة الاتحاد الوطني العام 1957 وإقامة علاقة مع شبكة الضباط والجنود والأشراف من التنظيم العسكري، والإعداد للثورة بالعلاقة مع الضباط الأحرار العام 1958.
وحتى بعد الثورة فقد كان الترويج لأهم شعارات الحزب من صنع ومشاركة سلام عادل وقيادة الحزب، بحيث أصبحت قوة مادية في الشارع  وهي الخروج من حلف بغداد الاستعماري والتحلّل من الاتفاقيات والمعاهدات الاسترقاقية المذلّة والانسحاب من نظام الكتلة الاسترلينية والدعوة للإصلاح الزراعي والتوجه لاستعادة حقوقنا من شركات النفط الاحتكارية والانعطاف نحو المعسكر الاشتراكي والمطالبة بالحريات وإبراز أهمية حقوق المرأة ومساواتها مع الرجل، لاسيّما في العام الأول من عمر الثورة. ولهذا لا يمكن اختزال سلام عادل إلى مجرد قيامه ببعض المهمات الحزبية أو إشرافه على الجريدة كما ورد في تعليق لكادر حزبي.
خلافات ومعوّقات
لكن الخلافات التي دبّت في الحزب الشيوعي، إضافة إلى نهج الغرور ومحاولة الانفراد بالشارع وتهميش دور الآخرين دفعت قيادته إلى ارتكاب أخطاء عديدة اعترف بها على نحو شجاع تقرير العام 1959 (اجتماع ل.م) وإن كان الأمر يحتاج إلى طائفة من التدابير لم يتم التوصل إليها أو لم تتخذ الإجراءات المناسبة التي تقتضيها، وهو ما أضعف محتوى سياسة الحزب وجوهرها، خصوصاً بعض الأطروحات العائمة التي طبعت السياسة العامة. فما معنى تضامن - كفاح ثم : "كفاح، تضامن، كفاح"، الذي يتم شرحه بتأييد الخطوات الإيجابية في سياسة عبد الكريم قاسم ونقد الخطوات السلبية، وتأييد السياسة الخارجية ذات الشحنات الإيجابية ونقد السياسة الداخلية ذات التوجّهات السلبية.
 كما أن شعار " السلم في كردستان" لم يكن شعاراً يليق بالحزب الشيوعي، فقد كان يمكن وضع شعارات أكثر تعبيراً عن الشعب الكردي من جهة على سبيل الحكم الذاتي، وخصوصاً بربطه بالديمقراطية لمعالجة مبدأية تتجاوز اللحظة الآنية ذات الاعتبار الأخلاقي العام والتي تتعلّق بقضية السلام إلى طرح حلول ذات أفق مستقبلي، وقد حاول سلام عادل تعديل ذلك بالتقرير الذي ساهم في إعداده جمال الحيدري بتوجيه منه وتحت إشرافه حول القضية الكردية، ولكن بعد فوات الأوان.
وكان على سلام عادل معالجة قضية "شرعية القيادة" ليس بالإنجاز فحسب، بل في الأطر الحزبية والديمقراطية ، خصوصاً وإن ظروف ما بعد الثورة كانت تسمح بذلك، ولعلّ من ذيول هذه القضية ظهرت ما عُرف "كتلة الرفاق الأربعة" (عامر عبدالله وزكي خيري وبهاء الدين نوري ومحمد حسين أو العيس) ولو كان قد تم عقد مؤتمر أو حتى كونفرنس حزبي في فترة كان الحزب "علنياً" أو "شبه علني" لكان قد اكتسب شرعية أكبر بل وشرعية حقيقية، لكن ذلك لم يحصل.
وقد أحدثت تلك الإجراءات وما رافقها ردود فعل سلبية، ليس هذا فحسب، بل إن العقوبات التي أنزلت بالرفاق المتكتّلين دفعت بعضهم إلى كتابة رسائل مذلّة بحق أنفسهم وتاريخهم وقد ناقشت هذا الموضوع في كتابي عن عامر عبدالله " النار ومرارة الأمل" وعكست تلك الرسائل التي تم تقديمها باسم " النقد الذاتي" (زكي خيري وأبو العيس) التشدّد في طلب تجريح الذات وليس نقدها والإساءة إلى النفس، الأمر الذي زاد من حدّة المشاكل حول الشرعية الحزبية في ظلّ عدم انعقاد مؤتمر للحزب، وهو ما كان ينبغي ألّا يسمح به أصلاً وألاّ يطلب منهم ذلك، لأن ذلك سيؤدي إلى التذلّل ويساعد على المداهنة والمراوغة.
ولم يدرس الحزب بشكل كاف موضوع السلطة والموقف منها بشكل كاف في عهد سلام عادل وقد يكون الانقسام الذي حصل في القيادة الحزبية وراء ذلك، واضطرّ سلام عادل إلى السفر إلى موسكو للدراسة الحزبية، برضاه أو بالرغم عنه، وسواءً كان ذلك تحت ضغط السوفييت أم بدونه، لكنه حين قرّر العودة إلى العراق وقطع دراسته كان ينوي اتخاذ خطوات جديدة أكثر تشدّداً إزاء قاسم ولكن الترهل الذي أصاب جسم الحزب وانقسام قيادته لم يساعده في ذلك، وظل الحزب يعاني من سياسة انتظارية، الأمر الذي بث روح الملل والروتينية حد القنوط في صفوفه، وكان هذا بحد ذاته بداية "هزيمة" قبل انقلاب 8 شباط (فبراير) الفاشي.
كان الحزب يتصرّف وفقا لرد الفعل وينتظر القدر " الغاشم" (المؤامرة المنتظرة ليتصدّى لها) وتدريجياً لم يكن لنا حلفاء يعتدّ بهم، أما ما أطلق عليه " النضال الجماهيري" فقد انحسر بالتدرّج حيث ضعفت مبادراتنا، وكانت أقرب إلى ردود فعل سواء إزاء سلطة قاسم أو بخصوص المسألة الكردية أو لمواجهة الإضراب الطلابي الذي فرضه البعثيون والقوميون والاتحاد الوطني لطلبة العراق تحضيراً لانقلاب 8 شباط (فبراير) الدموي العام 1963 وغيرها.
ولم يكن التراجع منظّماً واتّضح أننا واجهنا التحدّيات بخطة طوارئ فاشلة "وبمسدس مايثور" "لأنه تعرّض للصدأ" حسب وثيقة تقويم صدرت العام 1967 في غمرة الصراع الحزبي، كما أن مواجهة انقلاب 8  شباط (فبراير) كانت محدودة على الرغم من البطولة والبسالة، وكلّ ذلك حتى وإنْ كان يتحمل قسطه الأكبر الرفيق سلام عادل بصفته التنظيمية بنجاحاته وإخفاقاته، لكنه لا ينبغي نسيان خصاله الباهرة وسجاياه وشفافيته الإنسانية المتميّزة ، فضلاً عن بطولته النادرة، ونحن حين نتناول ذلك فإننا إزاء تقويم سياسي وعلينا أن نضع العواطف جانباً ونركن قدر الإمكان في البحث عن الحقيقة والتعامل مع المعطيات والمعلومات المتوفرة بروح موضوعية .
   الوحدة أم الاتحاد؟
   لقد أطاحت ثورة 14 تموز (يوليو) بالنظام الملكي وأعلنت العراق جمهورية ، وكان الحزب الشيوعي من الأحزاب التي هيّأت للثورة أو شاركت في التحضير لها مثله مثل الأحزاب الأخرى، على نحو مباشر أو غير مباشر وبدرجات متفاوتة بالطبع مع نفوذ كل حزب ودوره، وكان كادره القيادي قد اطّلع على بيان صدر عن الحزب يوم 12 تموز (يوليو) يوحي فيه إلى  احتمال قيام أحداث مهمة ويوصي بالاستعداد لها ورفع درجة اليقظة.
   وعندما اندلعت الثورة وجد الحزب نفسه سبّاقاً إلى  تأييدها في الشوارع والساحات ومعه الأحزاب الأخرى، على الرغم من درجة تعبئتها كانت أدنى كثيراً، وكان لمثل هذا التأييد الشعبي أن يؤدي إلى  قطع الطريق على رجالات العهد الملكي ومنعهم من القيام بحركة مضادّة، كما أنه يكون قد قطع الطريق أمام التدخلات الخارجية، على الرغم من إنزال القوات الأمريكية في لبنان والقوات البريطانية في الأردن، لكن التفاف الشعب وفيما بعد دعم حكومة الجمهورية العربية المتحدة وحكومات البلدان الاشتراكية، لاسيما الاتحاد السوفيتي أحبط أية إمكانية للانقضاض على الثورة.
ومنذ الأيام الأولى احتدم النقاش الداخلي، لاسيّما بين أطراف جبهة الاتحاد الوطني التي تأسست في 7 آذار (مارس) 1957، حول شعارات الوحدة والاتحاد، فحزب البعث إندفع باتجاه "الوحدة الفورية" وهو ما يذكره عدد من قادته مثلما هو خالد علي الصالح وهاني الفكيكي وعبد الستار الدوري وحازم جواد وعلي صالح السعدي وطالب شبيب، وتسنّى لي محاورة بعضهم بشكل مطوّل ومعمّق، وكان الرأي السائد أن ميشيل عفلق بعد زيارته إلى  بغداد وبقائه في فندق بغداد، حسم الأمر برفع شعار الوحدة العربية، في حين أن الشيوعيين، لاسيّما عامر عبدالله وعزيز الحاج وسلام عادل وجمال الحيدري وبهاء الدين نوري وآخرين ، كانوا قد رفعوا شعار الاتحاد الفيدرالي وروّجوا له، وتسنّى لي حوار عدداً منهم أيضاً، وكان الطرفان يستفزّ أحدهما الآخر بطريقة صبيانية أحياناً، أوعلى أقل تقدير غير عقلانية، واندفع داخل الطرفين تيار إستئصالي، إلغائي، تهميشي، ونسى الجميع ميثاق جبهة الاتحاد الوطني، ولعلّ ما كتبه العديد من قيادات أحزاب تلك المرحلة تعكس التوجهات السائدة ودرجة الاستقطاب والتنافر.
وأظن أن الحركة الوطنية بأطرافها الأساسية، انقسمت حول هذين الشعارين، فالحركة الكردية مالت إلى  شعار الاتحاد الفيدرالي ومعها أوساطاً من الحزب الوطني الديمقراطي، وما سمّي بالجناح اليساري الذي قيل أن كامل قزانجي يمثله وهو الذي استشهد العام 1959 في أحداث حركة الشواف في الموصل، كما مالت حركة القوميين العرب وبقايا حزب الاستقلال وبعض الشخصيات القومية الأخرى إلى  شعار الوحدة العربية مع الجمهورية العربية المتحدة، وهو ما كان حزب البعث يطرحه.
وكان هذا الانقسام عمودياً ومركزياً من القمّة إلى  القاعدة، وفي حين انحاز أحد قادة الثورة العقيد  عبد السلام عارف إلى  شعار الوحدة وألقى عدداً من خطبه الرنانة في عدد من المدن والمحافظات العراقية، كان الزعيم عبد الكريم قاسم رئيس الوزراء أقرب إلى  شعار الاتحاد الفيدرالي، وقلْ إنه لم يكن مع شعار الوحدة الاندماجية المطروح.
وأستطيع القول من باب النقد الذاتي وليس افتئاتاً على أحد، أن الحركة الوطنية بقضّها وقضيضها لم تكن ناضجة في تلك الفترة، وعاشت مرحلة مراهقة سياسية، ولعل وعي الكثير من قياداتها كان متدنّياً، فضلاً عن التمترس والرغبة في كسب الشارع والحصول على المواقع في الجيش والسلطة والمؤسسات النقابية والمنظمات الاجتماعية، في وضع أشبه بالغليان، أو حركة سيرك بكل الاتجاهات.
   خصوم قاسم

لقد عشعش مرض الطفولة اليساري لدى غالبية أطراف الحركة الوطنية وأعني بذلك نهج التهميش والعزل والإقصاء والاستئصال، فالبعثيون والقوميون استقووا بالجمهورية العربية المتحدة وبالرئيس جمال عبد الناصر وببعض قادة الجيش وانضمّ إليهم بعض القوى المخلوعة والمتضرّرة من الثورة وحاولوا المرّة تلو أخرى الانقضاض على الحكم الجديد، سواءً بحركة العقيد عبد الوهاب الشواف أو بمحاولة اغتيال الزعيم عبد الكريم قاسم في شارع الرشيد (رأس القرية) ببغداد وصولاً إلى  انقلاب 8 شباط (فبراير) الدموي العام 1963.
والشيوعيون ومن حولهم استقووا بالشارع وأصبحوا ينظرون للآخرين من خلال مواقعهم بغرور أحياناً وبعسف أحياناً أخرى، لاسيّما باختلال المعادلة بين قمة السلطة وقاعدتها، فعلى الرغم من تمثيل جميع القوى الوطنية بحكومة الجمهورية الأولى، إلاّ أن الحزب الشيوعي أستُثني منها، وهو الأطول عمراً، والأكثر تضحية والأصلب عوداً في محاربة النظام الملكي، لكن حصته من مناصب ما بعد الثورة كانت محدودة في السلطة، وإلى حين استيزار د. نزيهة الدليمي بعد احتدام الصراع مع القوميين والبعثيين، لم يكن أحد يمثّله في الوزارة، بما فيهم ابراهيم كبة أو غيره في حين كان حسين جميل وهديب الحاج حمود يمثّلان الحزب الوطني الديمقراطي وقبل ذلك محمد حديد، وكان محمد صدّيق شنشل يمثل حزب الاستقلال وكان فؤاد الركابي يمثل حزب البعث، أما الحزب الشيوعي فقد استبعد في بداية الأمر، ثم ضمّ لاحقاً.
جدير بالذكر أن مسألة الوحدة الفورية أم الاتحاد الفدرالي كانت قد واجهت ثورة 14 تموز ونالت من الجدل والصراع ما لم تنله مسألة أخرى، وقد تشبّث كل فريق بوجهة نظره وأحياناً ذهب بعيداً فيها، فالشيوعيون الذين لم يكونوا بعيدين عن موضوع الوحدة أو الاتحاد كما تبين وثائقهم راحوا يبالغون أحياناً في عرض مساوئ الوحدة، خصوصاً بتجربة الوحدة المصرية - السورية والموقف الرسمي من الحزب الشيوعي السوري الأمر الذي ساهم في التباعد مع الأطراف الوطنية العراقية، والبعثيون أنفسهم حين تشبثوا بالوحدة الفورية بالغوا فيها لدرجة ازدروا كل شكل من أشكال الاتحاد سواها، والهدف هو إحراج الشيوعيين وإظهارهم بمظهر أعداء الوحدة، علماً بأن الحزب الشيوعي في سوريا ولبنان كان قد طرح موضوع الوحدة والاتحاد منذ العام 1931 ونادى مع الحزب الشيوعي الفلسطيني بـ"اتحاد عربي" وكانا يدعوان إلى وحدة طوعية وفدرالية تحفظ الاستقلال التام للدولة الوطنية ، بمعزل عن نفوذ الاستعمار.
وكان البيان الذي وزّعه فهد في الناصرية العام 1932 قد دعا إلى "اتحاد الجمهوريات العمّالية والفلاحية في البلدان العربية" وفي العام 1935 اتخذ كونفرنس الأحزاب الشيوعية العربية في المشرق قراراً في الدعوة للاتحاد العربي، ولهذا أقول بأن حماسة الشيوعيين للوحدة والاتحاد ليست أقل من القوى القومية ، لكنهم كانوا يراعون الفروق في تطور البلدان العربية وأنظمة الحكم والظروف الداخلية وغير ذلك، وهو ما كان قد تبنّاه الكونفرنس الثاني الذي جرت الإشارة إليه العام 1956 حين رفع شعار الوحدة العربية معتبراً الطريق إليها يقوم بزوال الاستعمار وتحقيق الاصلاحات الديمقراطية.
(انظر: عزيز سباهي - عقود من تاريخ الحزب الشيوعي العراقي، ثلاثة أجزاء ، ج 2 ، دمشق، 2003، ص 333 وما بعدها. انظر كذلك: الحزب الشيوعي العراقي - خطتنا السياسية في سبيل التحرر الوطني والقومي ، 1956، ص 53).
   تناقضات وأخطاء

وكانت مواقف الحزب الشيوعي متناقضة أحياناً، فبدلاً من يفكّر بالاستيلاء على السلطة استولى على الشارع وحاول احتكار العمل السياسي والنقابي تحت شعارات "لا حرية لأعداء الشعب"، و"لا ديمقراطية لأعداء الديمقراطية"، الأمر الذي جعله في تناقض آخر بينه وبين السلطة، متجهاً نحو اليسار إزاء الشارع، ومتوجهاً نحو اليمين إزاء الموقف من السلطة، باستعارة توصيفات الستينيات.
ومن جهة أخرى فقد جعلت تلك المواقف الحزب الشيوعي في تعارض مع غالبية قوى جبهة الاتحاد الوطني، وبالرغم من نفوذه الجماهيري الّا أن الشعور بالعزلة تسلّل إليه بالتدرّج إزاء علاقته بالقوى الوطنية الأخرى، بغض النظر عن مسؤولياتها هي أيضاً.
أعتقد، بقدر إخلاص قيادة الحزب الشيوعي للثورة وحرصها عليها، فإنها لم تكن على قدر من الوعي يؤهلها لرؤية متطلبات تطوير الثورة بالتعاون مع القوى الوطنية على برنامج حد أدنى، وعلى الرغم من اندفاعات القوى الأخرى وتكتّلها للإطاحة بحكم قاسم وفي فترة مبكرة زمنياً، لكن الممارسات السلبية للاستحواذ على الشارع وعزل الآخرين قادت إلى   أحادية ومحاولة تزعّم، بعد انفضاض جبهة الاتحاد الوطني، التي كان يمكن تجديد برنامجها بما يستوجب لمرحلة ما بعد الثورة، لكن جميع القوى لم تكن مدركة وواعية لما أقدمت عليه.
ومرّة أخرى أقول: إنه بقدر إخلاص قيادة الحزب الشيوعي ولاسيّما قيادة سلام عادل ونبله واستشهاده لاحقاً، فإن المرحلة السياسية وسياقها التاريخي، لم يؤهلاه ليتخذ مواقف أخرى، فذلك كان حدود مستوى التفكير السائد، فارتكب العديد من الأخطاء والممارسات السلبية وأعمال العنف والإرهاب، لاسيما ما حدث في الموصل وكركوك، وبقدر مسؤولية القوى الأخرى، كانت كبيرة جداً، إلاّ أنه لا ينبغي التقليل من المسؤولية التي تقع على الحكم والجماعات القريبة منه، لاسيّما الحزب الشيوعي، الذي كان عليه أن لا يلعب دور الشرطي لحكومة يمكنها أن تسائله على ارتكاباته حتى وإنْ سكتت عنها، ناهيك عن أن الارتكاب مدان بالأساس ومرفوض لإعتبارات سياسية وإنسانية وأخلاقية، وتحت أية مبررات، أوردت أمثلة كثيرة على ذلك في كتابي عن عامر عبدالله " النار ومرارة الأمل"، لاسيّما بعض الحوادث التي يمكن الرجوع إليها.
كانت قيادة الحزب الشيوعي قبيل الثورة قد تمرّست في النضال والتضحيات في ظروف العمل السري، وحقّقت إنجازات مهمة منها توحيد الحزب العام 1956 وقيادة انتفاضة العام ذاته تضامناً مع الشقيقة مصر ضد العدوان الثلاثي، ثم تشكيل جبهة الاتحاد الوطني التي كان للحزب دوراً فعّالاً فيها العام 1957، كما تم الاتصال بمنظمة الضباط الأحرار، ومع قيادة الثورة تحديداً من قبل رشيد مطلك (الوسيط) بين الحزب وقاسم، وعقد اتفاق مع الحزب الديمقراطي الكردستاني (البارتي)، بعد رفض أحزاب الجبهة قبوله عضواً فيها بسبب مواقف بعضهم من القضية الكردية.
لكن العمل العلني فاجأ قيادة سلام عادل، التي اعتادت على العمل السري، ولم يكن لديها خبرة في شؤون الدولة والإدارة، ناهيك عن الأعداد الغفيرة التي انخرطت في صفوف الحزب، وأحدثت نوعاً من الإرباك لدى القيادة، التي تصرّفت بطريقة غير موحّدة، وببرنامج غير موحّد أيضاً، بل يمكن القول دون برنامج واضح ومحدّد، وتقاذفتها اتجاهات شتى، فمن جهة هناك تيار أقرب إلى  قاسم مثّله عامر عبدالله وما سمّي "كتلة الاربعة" لاحقاً التي ضمت زكي خيري وبهاء الدين نوري ومحمد حسين أبو العيس الذي لم يكن فكرياً منسجماً مع الرفاق كما يقول آرا خاجادور في حواراتي المطوّلة معه، لكنه كان قد أبدى تحفّظات حول قيادة سلام عادل، وتيار آخر بقيادة الأمين العام سلام عادل وجمال الحيدري عضو المكتب السياسي والعدد الأكبر من اللجنة المركزية، الأمر الذي عطّل بعض قرارات اللجنة المركزية وأدخلها في صراعات جانبية كثيرة.
كان تشكيل قيادة الحزب ما بعد الثورة قد جاء من ثلاث روافد مهمة: الأول من السجون، حيث ضمّت سجناء قضوا سنوات طويلة في السجن مثل زكي خيري وعزيز الحاج وعزيز محمد وآرا خاجادور وهادي هاشم الأعظمي وبهاء الدين نوري وصادق الفلاحي وآخرين، والثاني من المنفيين الذين عادوا إلى  الوطن، مثل محمد حسين أبو العيس وعبد القادر اسماعيل وغيرهم، أما الثالث فمن المختفين عن الأنظار في "أوكار حزبية"، مثل سلام عادل وعامر عبدالله وناصر عبود وجمال الحيدري وآخرين، أي أن الجميع منقطع عن الحياة العامة، ولا علاقة له بتصريف شؤون الحكم أو الدولة، كما أن مستوى الثقافة كان متدنّياً إلى  حدود كبيرة، ناهيك عن نظرة ستالينية جامدة إلى  الحياة والمجتمع والتقدّم، كلّ ذلك أفرز تشدّداً وتطرّفاً مثلماً كان لدى القوى الأخرى، ولاسيّما من القوميين والبعثيين، بل أن الجميع شعروا أن المعركة هي معركة كسر عظم، وعليهم أن يتخلّصوا من الآخر قبل أن يتخلص منهم، أي أراد كل فريق أن يتغدّى بالفريق الأخر بدلاً من أن يتعشى به.
في هذه الأجواء لعب قاسم لعبته، فبعد تقريب الحزب الشيوعي واستثماره "ماشة نار" للقضاء على خصومه في الجيش، لاسيّما عبد السلام عارف، خصوصاً بحشوده المليونية وجماهيره الغفيرة وشعاراته الرنانة، لكنه استشعر الخوف وسعى لتحجيم دوره وإضعاف تأثيره منه لثلاثة أسباب:
السبب الأول هو تظاهرة الأول من أيار (مايو) 1959 والمطالبة: "الحزب الشيوعي بالحكم" للضغط على قاسم لتمثيل الحزب الشيوعي، ثم تنكّر واستنكر الحزب وقيادته بعد اجتماع موسع للّجنة المركزية هذه السياسة وشعاراتها. وقد رويت في مطالعتي عن آرا خاجادور ملابسات رفع شعار المطالبة بالحكم في المسيرة الشهيرة على الرغم من أن جريدة اتحاد الشعب كانت قد هيأت له منذ يوم 28 نيسان (إبريل)، ولكنه ظل شعاراً عاماً ولم تتخذ القيادة موقفاً موحداً بشأنه، بل أنها انساقت وراء الجماهير التي رفعته وبدلاً من توجيهها أصبحت تحت رحمتها (انظر : شعبان ، عبد الحسين - آرا خاجادور وزيارة التاريخ ، مقالة نشرت في صحيفة الزمان على ثلاث حلقات بين 28 و30/1/2016-  ورسالة مفتوحة إلى الراحل آرا خاجادور والمنشورة في صحيفة الزمان العراقية في 9/12/2017) .





12
سلام عادل .. الدال والمدلول وما يمكث وما يزول:
كلوا فالحزب يريدكم أقوياء
ح 2
عبد الحسين شعبان
باحث ومفكر عربي
من الخيار السلمي إلى الخيار العنفي
وبخصوص تغيير سياسة الحزب من الخيار السلمي إلى الخيار العنفي خلال بضعة أشهر لا تزيد على عدد أصابع اليد، سألتُ عامر عبد الله خلال مطارحتي معه في الثمانينات، إضافة إلى مقابلات عديدة معه نشرت بعضها وانتظر نشر بعضها الآخر أو ضمّه إلى الطبعة الجديدة من كتابي "عامر عبدالله - النار ومرارة الأمل - فصل ساخن من فصول الحركة الشيوعية"، دار ميزوبوتيميا، بغداد ، 2013، عمّا إذا كان اختيار الأسلوب الكفاحي العنفي قد تمخّض عن مؤتمر أو كونفرنس ((Conference ، علماً بأن الكونفرنس الثاني الذي عُقد العام 1956 كان قد اتخذ قراراً بالخيار السلمي، فأجاب: كانت الأمور أقلّ تعقيداً والثقة عالية وظروف العمل السري لا تسمح كثيراً بعقد مؤتمر أو اجتماع موسع لأخذ رأي القيادات والكوادر، بل إنني كنت قد كتبت رأياً بهذا الخصوص وعرضته على سلام عادل، فأبدى تأييداً وحماسةً، واقترح أن يتم تعميمه، ليصبح هذا الرأي بمثابة رأي الحزب وتوجيهاً للرفاق، وقد سعينا إلى تثقيف كادر الحزب الأساس وملاكاته المهمة بضرورة الاستعداد لكل طارئ جديد.
وكانت انتفاضة تشرين الثاني(نوفمبر) من العام 1956 بعد العدوان الثلاثي على مصر في 29 تشرين (اكتوبر) من العام ذاته ، التي شارك الحزب بقيادتها، بروفة جديدة لقياس استعداداتنا، لا سيّما الجماهيرية للنزول إلى الشوارع وقطع الطريق على القوى الرجعية فيما إذا تحرّك الجيش، وهو ما حصل يوم 14 تموز (يوليو) العام 1958، حيث كانت الكتل البشرية الهائلة، صمام الأمان لانتصار الثورة، وكان الحزب قد أصدر تعميماً داخلياً لكوادره للاستعداد للطوارئ يوم 12 تموز (يوليو)، أي قبل يومين من اندلاع الثورة.
لقد ساهم الكونفرنس الثاني 1956 في استعادة هوّية الحزب بعد توحيده، وكان التقرير الذي كتبه عامر عبدالله وبتوجيه سلام عادل وإشرافه، قد عكس ذلك، خصوصاً وقد ترافق مع جو الحماس العروبي والانتعاش القومي التحرّري وتلك كانت وراء القراءة الجديدة والتصحيحية للكونفرس الثاني للحزب الشيوعي، "المخالفة" من حيث التوجّه لسياسة الحزب عشية إعدام فهد وما بعدها، فالأمر يعود إلى أن العالم العربي شهد كلّه والعراق بشكل خاص انتعاشاً وطنياً وعروبياً، وخصوصاً قبيل وبُعيد العدوان الثلاثي على الشقيقة مصر، بتأميم قناة السويس وانطلاق أصوات تدعو لتأميم النفط وإسقاط الأنظمة القائمة.
الحزب والهوّية العروبية
 والجدير بالذكر أن الكونفرس الثاني الذي سبق انتفاضة العام 1956 ببضعة أشهر، كان قد أكّد  على هوّية الحزب العراقية في إطار محيطه العربي " لتحرير أرض العروبة من الإستعمار والتخلّف..."
ويلاحظ هنا أيضاً اللغة الجديدة  المستخدمة في الكونفرنس ووثائقه وهي لغة مختلفة عمّا ساد من خطاب طيلة الفترة الممتدة من العام 1948 ولغاية الكونفرنس الثاني العام 1956 ابتداءً من عنوان التقرير ومروراً بالعديد من مفاصله الأساسية التي أكدت على "أمّة العرب" و"الوحدة القومية" و"الوحدة العربية" و"وحدة العرب" و"ركب العروبة" و"حركة التحرّر العربي"  و"خطر الصهيونية والاستعمار" واعتبار " إسرائيل" قاعدة للاستعمار، وإن الحل العادل والجذري يكمن بالقضاء على الاستعمار وحكم عملائه وصنيعته الصهيونية المجرمة...
   بالعودة إلى التقرير الذي صدر عن الكونفرنس فقد كان عنوانه هو " خطتنا السياسية في سبيل التحرّر الوطني والقومي" فقد وردت فيه  دعوة صريحة إلى "تحقيق أمّة العرب أجمع في الوحدة القومية"، استناداً إلى أن هذا العصر هو عصر الشعوب والانبعاث القومي للأمم المستعمَرة والمضطهَدة، من أجل حق تقرير المصير.
أما أهم النقاط التي يمكن إضاءتها وهي تعكس العقل الستراتيجي لعامر عبدالله وبتوجيه من سكرتير الحزب سلام عادل وإشرافه فهي:
1-   تأييد السياسة السوفييتية بشأن مبدأ التعايش السلمي بين الدول بغضّ النظر عن نظامها الاجتماعي، حيث اعتبر الكونفرنس الثاني المؤتمر العشرين  (للحزب الشيوعي السوفييتي) "حدثاً خطيراً" فتح أمام البشرية جمعاء آفاقاً رحبة، و"علّمنا درساً ثميناً في توحيد الحركة الشيوعية والحرص على وحدة حزبنا وتعزيز قوى السلم في بلدنا..."
2-   إدانة حلف بغداد باعتباره أداة لاستبعاد الشعوب وأن هدف الغرب هو استرقاق بلدان الشرق العربي وأن نضال شعوب الشرق ضد الكتل الاستعمارية، إنما هو نضال من سبيل الاستقلال الوطني داعياً إلى الانسحاب من ميثاق بغداد الاستعبادي العدواني.
3-   أكّد التقرير على الوحدة العربية حيث جاء فيه: " إن وحدة العرب أصبحت باهرة بعد أن أزيحت السياسات الخاطئة"،  مؤكداً على " ركب العروبة الزاخر بالحيوية" معتبراً الحركة القومية العربية حركة تقدمية ديمقراطية بمحتواها وشكلها وإن الطريق إلى الوحدة التامة (المقصود الوحدة الشاملة) ينفتح على أساس زوال الاستعمار عن العالم العربي وتحقيق الإصلاحات الديمقراطية.
وفي ذلك نقد ذاتي واعتراف صريح بضرورة تصحيح مسار الحزب ومواقفه بشأن بعض الاتجاهات الانعزالية وضيقة الأفق والموقف الخاطئ من قيام "إسرائيل"، والشعارات والتكتيكات السلبية والضارة التي اتّخذها الحزب خلال تلك الفترة. وهو ما نشرته صحيفة "اتحاد الشعب" في أواسط تشرين الأول (اكتوبر) العام 1956.
4-   أكّد على ضرورة قيام الجهة الوطنية الموحّدة، باعتبارها سلاحاً في معركة التحرّر الوطني، وهي حقيقة قائمة تنشأ وتنمو وتتعزّز في نار المعارك الوطنية.
ولأول مرّة وبهذا الوضوح خاطب تقرير شيوعي رسمي "جماهير الضباط والجنود" كما دعا إلى اتحاد قوى الشعب،  مذكّراً بالشخصيات الوطنية مثل: شعلان أبو الجون ( أحد قادة ثورة العشرين) والزعيم الكردي الشيخ محمود الحفيد (الذي قاد ثورة العام 1919 في السليمانية) ومحمد جعفر أبو التمن الزعيم الوطني العراقي وحسن الأخرس وعبد المجيد كنّه من الشخصيات الوسطية العراقية ومصطفى خوشناو العسكري الكردي الذي أعدم في أواسط الأربعينيات.
5-   شدّد النقد ضد شركات النفط التي تنهب ثروة العراق.
6-   حيّا تأميم قناة السويس وانتقد حكومة نوري السعيد ومؤامراتها "السافلة" في الظلام لكسر عضد نصر القومية.
7-    شدّد الحزب في تقريره على: خطر الصهيونية والإستعمار وبعض العناصر المشبوهة.
وفي إطار نقد ذاتي جريء حذّر من " تسرّب المفاهيم الخاطئة إلى ملاكات الحزب بعد حرب عام 1948"  وذلك في إطار مراجعة أولية لم تستمر للأسف بشأن الموقف من الصهيونية و"إسرائيل". واعتبر "إسرائيل" قاعدة الإستعمار وأن الحل العادل والجذري يكمن "بالقضاء على الإستعمار وحكم عملائه وصنيعته الصهيونية المجرمة".
ولعلّ في ذلك ردًّا غير مباشر على الأطروحات الصادمة للمزاج الشعبي التي كتبها زكي خيري من السجن في مناقشة لعزيز شريف بخصوص القضية الفلسطينية وكان شريف قد انتقد مواقف الحزب والاعتراف بقرار التقسيم ونشر في جريدة الوطن التي كان يصدرها في حينها، وقد كان ردّ زكي خيري عليه بتبرير كون  " اليهود أمّة" ولهم " الحق في تقرير المصير" وأن إسرائيل " دولة ديمقراطية" مقارنة بالبلدان العربية الرجعية، لأن فيها حزباً شيوعياً علنياً ونقابات مرخّص بها.

8-   شدّد على المهمات العاجلة التي تتلخّص في تحويل السياسة القائمة من سياسة تعاون مع الاستعمار وتوافق مع الصهيونية وانعزال عن حركة التحرّر العربي إلى سياسة مستقلة، مؤكداً على التضامن العربي.
9-   وعند حديثه عن الحركة التحرّرية العربية ربطها التقرير بالمسألة القومية الكردية بالقول: هاتان الحركتان التقدميتان ضد الاستعمار وأحلافه تتضافران في سبيل التحرّر الوطني والقومي " وليس ثمة طريق في الظرف الراهن سوى طريق الكفاح مع الحركة التحرّرية العربية الصاعدة، في سبيل التحرّر الوطني والقومي لجماهير الشعب العراقي، في سبيل الوحدة العربية وتأمين الاستقلال الذاتي لكردستان العراق وفق اتحاد اختياري كفاحي أخوي يفتح أمام الشعب الكردي طريق التحرر الشامل والوحدة القومية للأمة الكردية".
 وأكّد التقرير على أن الشعب الكردي في العراق هو جزء لا يتجزأ من الأمة الكردية في جميع أجزاء كردستان التي مزّقها الاستعمار.
ودعا التقرير إلى الاعتراف المتبادل بحق تقرير المصير وبمشروعية كفاح الشعبين العربي والكردي إلى التحرّر والوحدة القوميّة، مؤكداً الأخوة العربية- الكردية.
 وكان الحزب الشيوعي قد تبنّى موقفاً متقدماً بشأن المسألة الكردية، حين دعا منذ العام 1935 إلى مبدأ حق تقرير المصير، واعتمد قاعدة الاستقلال الذاتي لكردستان العراق في العام 1956 في كونفرنسه الثاني، تجسيداً لذلك المبدأ في الواقع العملي، داعياً إلى وحدة الأكراد القومية، مثل دعوته إلى الوحدة العربية، في إطار التحالف بين الحركتين التحرريتين العربية والكردية.
جدير بالذكر أن ناصر عبود عضو المكتب السياسي في حينها يستبعد الدور المنسوب لعامر عبدالله في كتابة تقرير الكونفرنس الثاني لأنه حسبما يقول: لم يكن لا جمال الحيدري ولا عامر عبدالله في عداد اللجنة المركزية آنذاك، بل هما شاركا في الكونفرنس  الذي انتخبهم من بين الحاضرين ليكونا عضوين في اللجنة المركزية. ولا شكّ أن سلام عادل كان له الدور البارز في الإعداد، سواء للكونفرنس الثاني أم للتقرير الذي سيقدّم فيه، لكن ذلك لا يمنع من أن يكون سلام عادل قد استعان بعامر عبدالله في كتابة التقرير، وهو ما كنتُ قد أشرت إليه في كتابي عن عامر عبدالله وفي مطالعاتي عنه.
ردود أفعال واختلالات
أعتقد أن لجان التثقيف الحزبي لم تضع يوماً في جدول عملها قراءة وثائق الكونفرنس الثاني، لا سيّما بعد محاولات "ازدراء" العروبة أو تبشيعها أو حتى "تنغيلها"، لدرجة أنها أصبحت كلمة "منبوذة" أو "مرذولة"، بل أن بعضهم حاول أن ينسبها إلى الأنظمة التسلطية التي حكمت العراق، ولاسيّما بعد انقلاب العام 1963، بل وإلى  صدام حسين وحزب البعث في ممارساتهم القمعية ضد الآخرين دون أن يدرك خطر ذلك على هوّية الحزب الوطنية والقومية، في حين أن التقرير الذي صدر العام 1956 يختلف في لغته وأفقه عن التوجهات اللاحقة، ولاسيّما في ظروف الصراع ما بعد ثورة تموز/يوليو 1958.
وقد دفعت في إطار المنافسة الضيقة الشيوعية- القومية وبعض ردود الفعل السلبية إزاء قيادة جمال عبد الناصر وتحالفاته مع القوى القومية واضطهاده لليسار المصري والسوري خلال فترة الوحدة المصرية- السورية وتحالفاته مع القوى القومية ضد حكم عبد الكريم قاسم، إلى أن تسود في صفوفنا وجهات نظر خاطئة إزاء "الفكرة القومية" التي نظرنا إليها بمنظار أوروبي، في حين إن تقرير الكونفرنس الثاني الذي كتب بتوجيه وإشراف من سلام عادل وبدور مميز لعامر عبدالله وصيغ بلغة متينة وبأسلوب رشيق، كان لديه تصوراً آخر حين تحدث عن العروبة والوحدة العربية، وهو تقرير مؤيد من أعضاء الكونفرنس جميعهم، بل وكان الحزب عموماً آنذاك  قد تبنّاها!.
وبتقديري أن العودة إلى قراءة هذه الوثائق بروح نقدية منفتحة سيسهم في التعريف بجزء مهم من تاريخ الحزب من جهة، وبمنهج جديد كان قد اعتمده وكان هذا المنهج يحتاج إلى تعميقه وتطويره من جهة ثانية، خصوصاً وأن أعداء الشيوعية حاولوا استغلال بعض الثغرات المفارقة لهذا التوجه لتشويه سمعة الحزب وإظهاره بمظهر المعادي للعروبة، ولعبت بعض التوجهات الضيقة الأفق دوراً في ذلك، سواء كانت باسم "الأممية" أو من انحدارات غير عربية دوراً في ذلك، لاسيّما بالضد من التوجهات الخاطئة لبعض الجماعات السياسية باسم "القومية" أو "العروبة" التي اتبعت في إطار منهج متعصب وشوفيني، وخصوصاً من المسألة الكردية.
وكنت قد اقترحت على لجنة العمل الآيديولوجي المركزي التي كنت عضواً فيها وكان سكرتيرها كريم أحمد الداوود عضو المكتب السياسي وضمّت عضويتها مهدي عبد الكريم عضو اللجنة المركزية وأبو سمير الذي استشهد في  بشتاشان"، أن تدرج وثائق الكونفرنس الثاني ضمن البرنامج التثقيفي لعموم هيئات الحزب، لكنه لم يتسنَ لنا الحصول عليها، وأبدى مهدي عبد الكريم (أبو كسرى) ملاحظة من احتمال التوسّع بمطالبتنا بوضع وثائق المؤتمرات الثلاثة للحزب بما فيها المؤتمر الثالث المؤيد للجبهة الوطنية مع حزب البعث ضمن البرنامج، الأمر الذي قد يثير بعض الإشكالات التي نحن في غنىً عنها.
وقد تمّت الموافقة على اقتراحي بإعادة طبع كرّاس" ردّ على مفاهيم برجوازية قومية وتصفوية" الذي صدر في العام 1957  ردّاً على بعض التيارات القومية الإنعزالية  في إقليم كردستان داخل الحزب الشيوعي . وكانت لجنة العمل الآيديولوجي المركزي تشرف على إصدار نشرة " مناضل الحزب" وهي نشرة داخلية صدر منها أربعة أعداد في حينها (1982-1983)، إضافة إلى إعدادها للبرنامج التثقيفي لعموم ملاكات الحزب.
نوادر سلام عادل
وعن بعض نوادر سلام عادل وشخصيته المرحة يروي عامر عبد الله عن قدرته في التعامل مع المتغيّرات: فيقول كنّا في دمشق قبل ثورة تموز (يوليو) العام 1958، وقد ذهبنا لتناول العشاء، في مطعم في شارع بغداد مبتهجين بحريّتنا وكأننا حمامتين انطلقتا من القفص لتوّهما، ويومها كان سلام عادل منشرحاً بعد أخبار سارة عن علاقات الضباط الأحرار والتئام الحزب وتوسّع نشاطه تحضيراً للثورة المنشودة، لا سيّما بوعود عربية واشتراكية بدعمها عند قيامها بعد جهود مضنية وشروحات مطوّلة قُدِّمت للأصدقاء والأشقاء، فاعتدل في جلسته ونادى على النادل ونقّده (أي منحه)" ليرة" سورية قائلاً" جيب أي (إجلب) لنا إضافي لما يريده الشباب، ونظر إلى عامر عبد الله  قائلا: أبو عبد الله  أكو فلوس (أي يوجد لدينا نقود).. نحن "زناكين" (أي أغنياء) وهي لفتة يحبّها عامر عبد الله ، وكان يقوم بتمثيلها كثيراً، خصوصاً وأن لقاءه مع أبو إيمان (حسين أحمد الرضي- سلام عادل، أمين عام الحزب آنذاك) كان حرّاً وبدون عوائق، سواء في دمشق أو في موسكو، في حين كان يلتقيه في بغداد متخفّياً لابساً العقال والكوفية أو متنكّراً بزي آخر أو في أحد البيوت الحزبية، ويتحدّثان بهمس في ظروف العمل السري والملاحقة.
ويذكر عامر عبد الله  أنه في أحد أيام عيد الحزب أو احتفاءً بإحدى مناسباته، أولمت السيدة ثمينة ناجي يوسف (زوجة سلام عادل) طعاماً إضافياً وبنوعيات أفضل، وأنها حضّرت لهم "طبقاً من الدولمة" ودجاجاً وما شابه، الأمر الذي يُعتبر بذخاً في تلك الأيام العصيبة وظروف الحزب المالية القاسية (العام 1956 أو ما بعده) وخاطب سلام عادل عامر عبد الله  والآخرين: كُلوا فالحزب يريدكم أقوياء!!
سلام عادل في ليلة الثورة
   في مطالعتي عن وميض عمر نظمي الموسومة " وميض عمر نظمي - حالم قتلته النزاهة" (انظر: جريدة الزمان   في 23 و24 و26/10/2016)  رويت تفاصيل كيف قضى سلام عادل ليلته عشيّة الثورة، وكنت قد أوردت بعض التفاصيل التي نقلها لي عامر عبدالله، ولكنني سمعت رواية أخرى نقلها لي ابراهيم الحريري، وعاد ودوّنها في خاطراته المثيرة.
   وتنصبُّ رواية الحريري التي سمعها من مهدي أحمد الرضي الموسوي شقيق سلام عادل نقلاً عن كمال عمر نظمي، الذي كان سجيناً معه في سجن " نقرة السلمان" بعد انقلاب 8 شباط (فبراير) العام 1963، أن سلام عادل جاء إلى بيت كمال نظمي مساء يوم 13 تموز/يوليو/1958 دون موعد مسبق، وطرق الباب وفتح له نظمي وبعد السلام والسؤال عن الأخبار والأحوال سأل سلام عادل ، نظمي : هل يوجد بانزين كاف في سيارتك؟ فأجابه نظمي نعم، ثم طلب منه اصطحابه في جولة بشوارع بغداد في الهزيع الأخير من ليلة 14 تموز/يوليو 1958، فانطلقت السيارة لتمرّ من أمام وزارة الدفاع وتوجّهت بعد ذلك إلى منطقة الصالحية، حيث محطة الإذاعة والتلفزيون، ثم المرور أمام منزل نوري السعيد في كرادة مريم وكانت الأنوار مطفأة، عدا مصباح واحد أو اثنين فوق الباب الخارجية، التي يوجد أمامها شرطي يغالبه النعاس.
    أراد سلام عادل أن يستكشف بنفسه الترتيبات الأخيرة قبيل ساعة التنفيذ وليتأكد أن الأمور سائرة كما هو مخطط لها ولا شيء يوحي بحركة غير اعتيادية، وفي طريق العودة مرّ أمام وزارة الدفاع أيضاً، وحين وصلا إلى المنزل حاول سلام عادل النوم، ولكنه لم يستطع وظلّ يصعد وينزل ويتحرّك طيلة الليل وحتى الصباح، وحين فتح الراديو عرف أن الثورة انطلقت بتحرّك الجيش .
   أما رواية عامر عبدالله فتقول إن سلام عادل وجمال الحيدري باتا ليلة 13 و14 تموز/يوليو/ 1958  في منزل ناظم الطبقجلي في منطقة الصليخ وعلى سطح الدار بانتظار الإعلان عن الثورة وكنتُ قد حاورت عامر عبدالله مشكّكاً تصديقي للرواية التي تقول أن الطبقجلي كان صديقاً للحزب كما كان يؤكد عامر عبدالله، فعاد وكرّر  على مسامعي نعم ودليله أن سلام عادل وجمال الحيدري باتا عنده ليلة الثورة.
   قد يكون عامر عبدالله قصد إنهما كانا عنده ليلة الثورة ولكن هل استمرّا حتى الصباح أم إن سلام عادل غادر المنزل حين خيّم الظلام ليتوجّه إلى منزل كمال نظمي (المقصود ليلة 14 /تموز). ويقول كمال نظمي في حديثه مع شقيق سلام عادل إنه وسلام عادل توجها إلى دائرة البريد لإرسال برقية إلى مجلس السيادة ورئاسة مجلس الوزراء الذي أُعلن عنهما تأييداً للثورة باسم الحزب الشيوعي  وكان عامل البريد قد تردّد وقتها وخشي أن يكون في الأمر ثمة مساءلة، لكنه استلم البرقية منهما.
   قد لا تتعارض الرواية الأولى مع الرواية الثانية، فقد يكون سلام عادل قضى جزءًا من الليل في بيت الطبقجلي وبصحبة جمال الحيدري أو أنهما كانا في ليلة 13 في منزل الطبقجلي ثم افترقا ليلة 14 أو أنهما كانا سويّة ليلة 14، وبعدها افترقا وقضى سلام عادل الجزء الأخير من تلك الليلة في منزل كمال عمر نظمي بعد أن ترك بيت الطبقجلي (انظر: عامر عبدالله - النار ومرارة الأمل، مصدر سابق)
   وكما أشرنا فقد كان أول عمل قام به سلام عادل صبيحة الثورة هو إرسال برقية تهنئة إلى قيادة الثورة وتقول ثمينة ناجي يوسف إن سلام عادل بعد أن سمع البيان الأول، ارتدى بدلته لأول مرّة بعد أن ظلّ يلبس الملابس العربية الشعبية (العباءة والدشداشة والكوفية والعقال) واصطحب معه الكادر الشيوعي دلّي مريوش (ولم تقل أن كمال مظمي كان معهما) واتجه صوب بريد الأعظمية ليرسل من هناك البرقية: وكان نصّها :
   بغداد - مجلس السيادة للجمهورية العراقية
   رئيس مجلس الوزراء السيد عبدالكريم قاسم

   نهنئكم من صميم قلوبنا على خطواتكم المباركة التي وضعت نهاية حاسمة لعهد طويل من المآسي والمحن التي قاسى منها شعبنا المجاهد النبيل على يد الاستعمار وأعوان الاستعمار.
   إننا نعبّر عن تفاؤلنا بأن هذه الخطوة الحاسمة ستكون فاتحة عهد جديد، عهد حرية وتطوّر عراقنا الحبيب، وتبوؤ شعبنا البطل مركزه في الموكب الظافر، موكب العروبة المتحرّرة الناهضة المحبّة للسلام، وموكب الإنسانية العاملة من أجل تحررها وإلى الأبد من أنيار الاضطهاد والاستعمار.
   إن شعبنا العراقي، بعربه وأكراده، سيسجّل لكم بفخر جرأتكم وتفانيكم من أجل تحقيق أهدافه الوطنية الكبرى، وهو يحمي ويصون بدمائه الغالية جمهوريته الوطنية الفتية. وإنه لعلى ثقة كبرى من قدرته على القيام بهذا الواجب المقدس، ومن مساندة القوى التحرّرية العربية في جميع ديارها وعلى رأسها الجمهورية العربية المتحدة، ومن قوى الحرية والسلام في جميع أنحاء العالم وعلى رأسها الاتحاد السوفييتي.
   وإن اللجنة المركزية لحزبنا الشيوعي العراقي تضع قوى الحزب إلى جانب مؤازرتكم وللدفاع عن جمهوريتنا البطلة.
سكرتير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي
14 تموز/يوليو/ 1958
(انظر: ثمينة ناجي يوسف- سلام عادل، سيرة مناضل، مصدر سابق، ص 224.)
(وقارن: عزيز سباهي- عقود من تاريخ الحزب الشيوعي العراقي، ثلاث أجزاء، ج 2، منشورات الثقافة الجديدة، دمشق ، 2003، ص 277-278)








13
سلام عادل ..
الدال والمدلول وما يمكث وما يزول: ح 1

عبد الحسين شعبان
باحث ومفكر عربي


   مدخل شخصي

   حين أكتب عن سلام عادل فثمة اعتبارات شخصية وعائلية، إضافة إلى علاقات شيوعية وسياسية، فكلانا ينتمي إلى النجف المدينة المعطاء والمركز الحضاري الثقافي المفتوح للعلم والأدب والفقه والدين والسياسة والتنوّع العرقي واللغوي على الرغم من طابعها العروبي وحفاظها على لغتها العربية السليمة.
   وكان عمّي ضياء شعبان صديقاً لسلام عادل ويفتخر بصداقته، خصوصاً وأنه يعتبر نفسه من "أنصار السلام" لأنه وقّع على نداء ستوكهولم الشهير الذي استهلّه عالم الفيزياء الفرنسي فريدريك جوليو كوري في العام 1950 والذي وقّع عليه ما يزيد عن 273 مليون إنسان، والذي دعا إلى حظر الأسلحة الذرية.
   وبعد ثورة 14 تموز (يوليو) العام 1958 وظهور سلام عادل إلى العلن، كان عمّي ضياء غالباً  ما يحاول استثارة حفيظتنا بقوله :" إنني صديق سكرتير حزبكم" وأحياناً يمازحنا بقوله أنه سيشتكينا عمّي شوقي وأنا إلى " أبو إيمان" إذا تأخّرنا في تلبية طلباته أو قصّرنا في تأدية واجباتنا المدرسية.
    وكنّا أيضاً نعرف والد سلام عادل  السيد أحمد الرضي، كما كان نجيب ناجي يوسف  شقيق زوجته "ثمينة" صديقاً مقرّباً جداً لخالي ناصر شعبان، إضافة إلى العلاقات العائلية ومعرفتي اللاحقة بشقيقه إبراهيم وبالدكتورة إيمان كريمة سلام عادل  التي عرفتها في موسكو أواسط السبعينات والتقيتها في دمشق وكردستان حين التحقت لفترة وجيزة بقوات الأنصار الشيوعية في مطلع الثمانينات ، وأم إيمان "ثمينة ناجي يوسف" التي التقيتها في السبعينات والثمانينات من القرن الماضي في موسكو وأعتزّ بها وبشقيقتها نوال ناجي يوسف وشقيقها الصديق نزار ناجي يوسف الذي استشهد في العام 1983 في كردستان في معارك جانبية مع الاتحاد الوطني الكردستاني بعد جريمة بشتاشان.
   لهذه الأسباب وغيرها فإن الكتابة عن سلام عادل ليست سهلة، خصوصاً  حين يختلط العام بالخاص والوطني بالسياسي والحزبي بالمبدئي، لاسيّما وأن وقصة استشهاده وحدها والبطولة التي أبداها في مواجهة جلّاديه حسبما اعترفوا بذلك  تكفي لأن تجعل منه رمزاً كبيراً على مختلف المستويات، سواء في شجاعته وكبريائه أو دفاعه عن المثل والقيم التي آمن بها لدرجة أنه دفع حياته في سبيلها وقد رحل وهو لا يزال في أوج طاقته وحيويته وإبداعه حيث لم يتجاوز الأربعين إلّا ببضعة أشهر.

   وإذا كان الحزب قد خسر في العام 1949 قيادة فهد فإنه نُكب بغياب قيادة سلام عادل في العام 1963، وكلاهما كانا مشروعي زعامة شيوعية ، بل ويمكن القول زعامة وطنية عراقية، لكن النظام الملكي ومن خلفه الاستعمار البريطاني حصد زعامة فهد وهي في طريقها للاكتمال والتفتّح، مثلما اقتطعت الموجة الفاشية زعامة سلام عادل الشابة وهي في طريقها إلى النضج والاغتناء، وهما قيادتان من الوزن الثقيل سياسياً وعملياً وتنظيمياً، وهو الأمر الذي عانى منه الحزب في السنوات التي تلت استشهادهما، خصوصاً وأن غالبية من تولّى موقع القيادة والمسؤولية بعد سلام عادل كان أقرب إلى الإدارات الحزبية والمسؤولين التنفيذيين باستثناءات محدودة  كعامر عبدالله مثلاً، على الرغم من أن ذلك يثير ردود فعل الآخرين من أقرانه ومجايليه مع إقرارهم بمواهبه ومؤهلاته .

   القائد لا يصنع  بقرار ولا يتكوّن بناء لرغبة أو لإملاء فراغ أو استناداً لقرار حزبي أو سياسي، وإنما تُنجبه ظروف وأوضاع، بعضها موضوعي وآخر ذاتي، وهذا مهمّ جداً لجهة كارزميته وتجاربه ومعارفه والأدوار التي لعبها في حياته والخبرات التي اكتسبها وعلاقاته مع الآخرين وقدرته على التميّز، سواء برأي مستقل أو من خلال موقعه، ناهيك عن قدرته على التراجع والتقدّم حسبما يتطلّبه الموقف الذي يجمع بين المبدئية وبين إمكانية تحقيق الأهداف بمرونة عالية، أي حسن اتخاذه القرار وتنفيذه، وتحمّل نتائجه حتى لو كان خاطئاً، ومن متطلّبات القيادة الحسم وعدم التردّد.

   على طريق الشيوعية

   ولد سلام عادل في النجف العام 1922 وهناك من يقول إنه ولد في العام 1924 وهو ما نشرته جريدة البرافدا إثر استشهاده واسمه الحقيقي "حسين أحمد الرضي الموسوي" ووالده "سيّد" معمّم يعتمر العمامة السوداء في إطار الحوزة الدينية النجفية، تخرج من دار المعلمين الابتدائية في بغداد (الأعظمية) العام 1944 وعمل معلّماً في الديوانية وكان رياضياً ورساماً ومخرجاً مسرحياً ومتذوقاً للشعر، وخلال وجوده في دار المعلمين اقترب من تنظيمات الحزب الشيوعي ثم انتمى إلى الحزب في العام 1944 على يد محمد حسين فرج الله في الديوانية، والتقى بـ زكي بسيم في بغداد، الذي اصطحبه إلى أحد البيوت السرية في الكرادة الشرقية، وهناك التقى بفهد (يوسف سلمان يوسف) أمين عام الحزب الذي أبلغه بأنه أصبح "عضواً" في الحزب وكان قد تم اختيار "مختار" اسماً حركياً له، ثم عُرف لاحقاً باسم "عمّار" وما بينهما هناك من يقول أنه استخدم اسم " هاشم" بعد عودته من لندن، حيث شارك في مؤتمر للأحزاب الشيوعية لدول الكومنولث العام 1954، ودخل لندن وخرج منها دون أن يُكتشف أمره، ولكن الاسم الذي اشتهر به وظلّ ملازماً له حتى استشهاده هو"سلام عادل".

   وصادف أن كان بهجت العطيّة في العام 1946  قد أصبح مديراً لشرطة الديوانية حيث وضع خطة لمضايقة الشيوعيين وكان قد عرف النشطاء منهم بعد مراقبة دقيقة، وربّما هي التي أهّلته لكي يحتل موقع مدير التحقيقات الجنائية لاحقاً، بل أصبح أحد الأعمدة المهمّة للعهد الملكي، وكان العطية قد أرسل في طلب سلام عادل  وجرى بينهما حوار كانت نتيجته فصل سلام عادل من وظيفته.

   حوار سلام عادل مع بهجت العطية

   تروي ثمينة ناجي يوسف التي أصبحت لاحقاً زوجة لسلام عادل وأنجبت منه إيمان وعلي وشذى، أن بهجت العطية قال له : إن أمر فصلك وصل إليّ وهو الآن معي وبإمكاني إيقاف تنفيذه، وحاول توجيه النصح له بترك الشيوعية قائلاً  : لو كنت أنت وجماعتك من الـ"فابيين" أو "الاشتراكيين الديمقراطيين" لأمكن التساهل معكم ، لكنكم شيوعيون وأنتم مشكلة مثل "جرثومة السلّ" تتكاثر بالانقسام وليست هناك وسيلة لمقاومتكم غير القوة ، وطلب منه بنبرة لا تخلو من تهديد ، تخفيف حماسه واندفاعه مخاطباً إياه : إنك تحطّم نفسك نتيجة هذا الاندفاع.
   فماذا كان جواب سلام عادل؟ فبدلاً من أن يرد على أسئلته ومطالبه بادر هو بتوجيه  السؤال لبهجت العطية مخاطباً إياه: كيف يمكن أن نُصلح الوضع؟ فأجابه العطية: ليس أنتم بيدكم إصلاح الوضع ، واستمرّ بسياسة الإقناع والتهديد (العصا والجزرة) قائلاً: عليك أن تختار وأنت شاب ذكي بحيث تخط لنفسك طريقاً جيداً ومريحاً، وفهم سلام عادل مثل هذا القول المبطّن فردّ عليه بالقول: هل تريد أن تشتريني وتساومني على شرفي وأصبح جاسوساً؟ فأجابه العطية : أنت لم تفهمني، الأمر ليس كذلك، ثم خاطب سلام عادل قائلاً ماذا لو جاء قرار فصلك من الوظيفة ؟ كيف يمكنك العيش؟
   هنا تغيّر منطق الحوار بالنسبة لسلام عادل الذي استشاط غضباً وقال له: تسألني  ماذا أعمل؟  وأنا أجيبك: لدي يدان وتقول لي ماذا أعمل؟ أبيع لبناً على الجسر، سخر بهجت العطية وردّ عليه: نعم " بلي" كم من المعلّمين رأيناهم يبيعون اللبن على الجسر؟ وأضاف تذكّر يا حسين بعد أن تذوق الجوع أني حاولت أن أجنّبك نتائج هذا الطريق ، فأجابه سلام عادل : أنت لا تحميني، بل تريد أنت أن تدافع عن معاهدة 1930 وعن الاستعمار ، فردّ بهجت العطية على سلام عادل بغضب: أنت مفصول، (انتهى الحوار).
   وكانت حملة الفصل قد بلغت نحو 100 معلم ، هذا ما قاله سلام عادل لفهد الذي طلب منه الاحتراف الحزبي براتب 6 دنانير ، لكن سلام عادل كان له رأي آخر عبّر عنه للسكرتير العام بالتالي: لقد قلت لبهجت العطية بأنني سأبيع لبناً على الجسر وأريد أن أقدم نموذجاً للمعلمين المفصولين. وهكذا اختار عمله، فاشترى منقلة وفحماً وأسياخاً وبدأ ببيع الأكباد والقلوب (الفشافيش) على قارعة الطريق في منطقة "علاوي الحلة" بالقرب من "سينما الأرضروملي" أو "سينما قدري" كما كانت تُعرف أو "سينما بغداد" لاحقاً، وكاراج السيارات المزدحم بالسوّاق وكان ذلك بصحبة رفيقه محمد حسين فرج الله الذي كان هو الآخر مفصولاً، ثم عمل في عدة أماكن منها أنه فتح دكاناً لبيع الكبة لتحضير وجبات الإفطار والطعام للعمال في ساحة الوصي ( ساحة الوثبة لاحقا قرب سينما الفردوس) ثم عمل مفتشاً لباصات مصلحة نقل الركاب وهناك قاد إضراباً للعاملين وحينها قررت الحكومة فصله مرّة أخرى.
   بعدها عمل معلماً في مدرسة أهلية  للأكراد الفيلية بتوصية من ناجي يوسف وبدعم من الحاج علي حيدر والد عزيز الحاج ، كما عمل في المدرسة التطبيقية النموذجية (دار المعلمين الريفية) وكان مبنى هذه المدرسة في الرستمية بصحبة محمد شرارة ومهدي المخزومي ومدحت عبدالله، وخلال تلك الفترة كانت قد نشأت له علاقات مع بدر شاكر السياب  وكاظم السماوي ونازك الملائكة وكان يلتقيهم في بيت محمد شرارة ولكنه فُصل من التعليم مرة ثانية في نهاية العام 1948، وكما تقول ثمينة ناجي يوسف بأن سلام عادل تعرّف في تلك الفترة على حسين مروّة الذي كان صديقاً مقرّباً لوالدها.

   ثم أُلقي القبض عليه في 19 كانون الثاني (يناير) العام 1949 وحكم لمدة ثلاث سنوات وسنتين تحت الإقامة الجبرية، وانتهت محكوميته بداية العام 1953  وقد نقل إلى سجن نقرة السلمان الصحراوي ثم إلى الموقف العام في بغداد، وكان من المفترض أن يقضي مدة الإقامة الجبرية في مدينة الرمادي، ولكنه هرب منها في اليوم الثاني لوصوله.

   انتدبه الحزب ليكون مسؤولاً عن المنطقة الجنوبية وهي تضم الناصرية والعمارة والبصرة التي كان مقرّه فيها، كما يقول كريم أحمد الداوود الذي تسلّم مسؤولية القيادة في نيسان (إبريل) العام 1953 بعد اعتقال المسؤول الأول بهاء الدين نوري (في محلة السفينة بالأعظمية مع مادلين مير زوجته وصادق جعفر الفلاحي) وذلك بعد التشاور بينه وبين ناصر عبود (المسؤول الثاني) وارتقى بعدها لعضوية اللجنة المركزية.

   زواج سلام عادل

   تزوّج سلام عادل من ثمينة ناجي يوسف التي ارتبط مع عائلتها، وخصوصاً والدها بعلاقة طيبة حميمة، وكان ناجي يوسف (الطالقاني ) شخصية وطنية وتربوية وأصبح نقيباً للمحامين في الستينات وكان يعرف نشاط سلام عادل ويتعاطف معه ولكنه في الوقت نفسه حاول أن ينبّهه للمخاطر التي تهدّده.

   وكان سلام عادل قد خطب ثمينة قبل دخوله السجن حتى أنه حين ألقي عليه القبض ودخل السجن كان خاتم الخطوبة بإصبعه، وبعد خروجه منه ارتبط بها رسمياً في حزيران (يونيو) العام 1953 وبعدها بثلاثة أيام سافر إلى البصرة مقر علمه ، علماً بأن مقتضيات السكن في بيت حزبي تقتضي وجود عائلة دفعاً للشبهات، وكانت ثمينة قد أصبحت عضواً في الحزب منذ العام 1949، وقد تأثرّت بسلام عادل منذ أن تعرّفت عليه في الديوانية، عندما كان  معلماً خاصاً لها بتكليف من والدها، وقد وافقت على الزواج منه، وتمت إجراءات الزواج الأصولية المدنية وطبقا للتقاليد الدينية المعروفة، وسافرت مع زوجها سلام عادل إلى البصرة.

   وعن زواج سلام عادل واقترانه بثمينة تقول السيدة نوّار سعد صالح أن " خاله أم نجيب" عقيلة ناجي يوسف ووالدة ثمينة اتصلت بهم ودعتهم بإلحاح إلى زيارتها في موعد محدد "دون أن نعرف السبب وذهبنا إلى بيتهم أنا ووالدتي وكنت طفلة حينها في الصف الخامس ابتدائي، وعند وصولنا عرفنا أن المناسبة هي عقد قران ثمينة على سلام عادل (حسين أحمد الرضي) وكما عرفنا فإن الموضوع كان في غاية السرية وأنه كان سجيناً وهو لا يزال مطلوباً، لكن "خاله أم نجيب" اعتزازاً بنا أصرّت على حضورنا ومشاركتها الحفل الذي لم يضمّ سوانا، وكانت هذه هي المرّة الأولى التي رأيت فيها سلام عادل بملامحه الذكية الحادة" ( حوار خاص مع الباحث في براغ 8 كانون الأول/ديسمبر 1989 ولندن 1992 وعمان 2004- انظر كتابنا : سعد صالح: الضوء والظلّ - الوسطية والفرصة الضائعة، الدار العربية للعلوم، بيروت ، 2009، ص 146).

   وكنت قد وجّهت أسئلة إلى المحامي لؤي سعد صالح كما التقيته في عمّان العام 2007 في جلسات مطولة ودوّنت فيها بعض إجاباته واستكملتها من خلال مسوّدة مذكراته التي لم تنشر، حيث اقتبست منها بعض الفقرات التي أدرجتها في كتابي المذكور، ومن جملة ما يذكره لؤي سعد صالح أن والده كان يقيم كل يوم أربعاء منتدى أدبياً يعرف باسم "مجلس الأربعاء" يتم فيه استقبال عدد من الأدباء والفنانين والمثقفين والسياسيين وغالبيتهم الساحقة من الرجال، لكن الملفت أن امرأتين كانتا تحضران المجلس وكان والدي يحترم المرأة ويحب كثيراً مناقشتها وكانت ثمينة ناجي يوسف على صغر سنّها تناقش الوالد وتحاوره، وكما كنت ألاحظ ، فقد كان والدي معجباً بمنطقها وشخصيتها، وكذلك كانت الدكتورة فاطمة الخرسان (أعدمت العام 1969) تحضر مجلس الوالد وكان يجلس معها طويلا ًويحاورها في مسائل شتى .

   وتذكر نوار سعد صالح أن ناجي يوسف وزوجته كانوا الأقرب إلى والدها ووالدتها، وتقول: وكانت الزيارات مستمرة بين العائلتين واستمرت العلاقة حتى بعد وفاة والدي، ومن المفارقة أننا عرفنا بإعدام سلام عادل العام 1963، وذلك عبر الخالة أم نجيب وقد حدثتنا عن تعذيبه وإعدامه وعن مراسلاتها السرية مع ثمينة حين كانت في موسكو. وتذكر أن إيمان الابنة البكر لسلام عادل "وهي طفلة" كانت تهدد جدّتها(أم نجيب):  إذا لم يلبوا رغبتها فسوف تقوم بإخبار الآخرين عن والدها ووالدتها، كما تقول أن والدتها أي السيدة رباب زوجة سعد صالح ، أخفت ثمينة في إحدى المرّات وقامت بتغطيتها بعباءتها ونقلتها من مكان إلى آخر بسيارتهم الخاصة، لأن رقم سيارة سعد صالح "10 كربلاء" معروف للشرطة ولم يكن يتم تفتيش سيارتهم.

   ويروي ناصر عبود أن سلام عادل كان قد تزوج في بيته المتواضع في منطقة القاهرة ببغداد وبقي فيه لثلاثة أيام وقد تم إرساله بعدها إلى البصرة لقيادة العمل الحزبي في المنطقة الجنوبية، وأصبح بعدها عضواً في اللجنة المركزية في العام 1954 دون أن يمرّ بمرحلة ترشيح .(انظر: توفيق التميمي، مقابلة مع ناصر عبود، صحيفة التآخي، 4/8/2015)

   الدولة واليسار

   لا يمكن الكتابة عن سلام عادل دون الكتابة عن جزء مهم وحيوي من تاريخ الحزب الشيوعي العراقي، بل وتاريخ العراق المعاصر وحين نتحدث عن تاريخ الدولة العراقية الحديثة، فلا بدّ أن نتناول تاريخ اليسار العراقي والحركة الشيوعية ولن نمرّ عليها إلّا بالخط العريض وليس مروراً عابراً.
    ولعلّ ما هو بحاجة اليوم أكثر من أي وقت مضى هو وقفة جدّية للمراجعة الجريئة بخصوص مسيرة اليسار النضالية ودور بعض شخصياته البارزة بما فيها الشيوعية ، بكل ما لها وهو كثير وكبير  جداً، وكل ما عليها وهو ليس بقليل، وذلك بعيداً عن التقديس والتمجيد، لاسيّما حين يكون الهدف هو البحث عن الحقيقة ومعالجة ما يستلزم إزاءها. ولأن الكثير من المياه جرت تحت الجسور وإن اللحظة التاريخية لا يمكن استعادتها، لكنه يمكن قراءتها حتى وإن كانت الزوايا مختلفة، الأمر الذي يحتاج إلى قراءة تأملية ونقد ذاتي ورؤية جديدة، خصوصاً بوجود حقائق ومعطيات جديدة.
   ولعلّنا حين نكتب فإننا نحاول قدر الإمكان تجنّب ادعاء الأفضليات والزعم بامتلاك الحقيقة وهدفنا هو البحث عنها ورؤيتها خارج نطاق الآيديولوجيا والتصورات المسبقة، لذلك ليس مهمتنا غضّ النظر عن النواقص والعيوب أو التعامل في نوع من المجاملة والارتياح، ولكن بالطبع دون نسيان البطولات والتضحيات الكبيرة.
   لقد اختزلت بعض الكتابات "الحزبوية" قيمة الجانب القيادي في شخصية سلام عادل  المتميّزة وانجازاته السياسية والتنظيمية وتعاملت معها بطريقة التلقي والتلقين وخارج دائرة النقد، دون أن تمعن النظر في مدى الحيوية الفائقة التي كان يتمتع بها والمبادرات التي أقدم عليها بشجاعة وثقة، فضلاً عن كفاءاته ومواهبه التنظيمية الإبداعية، تلك التي جعلت منه قائداً حقيقياً وليس مجرد مسؤول أو موظف إداري أو مسلكي يقوم بمهمات إدارية وروتينية، وبالطبع فإن القائد الحقيقي لا ينزّه عن الأخطاء أو النواقص وهي لا تنتقص منه أو تقلّل من شأن ما أنجزه، بل على العكس تُظهر حقيقة منجزه وعلى حد تعبير الجواهري الكبير في وصف عبد الناصر :
أكبرتُ يومَكَ أن يكون رثاء
الخالدون عهدتُهم أحياءَ
لا يعصم المجدُ الرجالَ ، وإنما
كان العظيم المجد والأخطاءَ
تُحْصَى عليه العاثرات ، وحسبه
ما فات من وثباته الإحصاء

   وحين سألته  لمن  كنت تتمنّى يا أبا فرات  أن تقول هذه القصيدة لو لم تقلها لعبد الناصر؟ فقال كنت أتمنى أن يقولها أحدٌ بحقي، فلديّ من النواقص والمثالب ما لا أخشاه ولا أخفيه ، وبالطبع كان مثل هذا الاعتراف الجريء يقوم على قاعدتين أساسيتين أولاً لأننا بشرٌ والبشر بطبعهم خطاؤون على حد تعبير فولتير، وثانياً ففي أي عمل ثمة ثغرات ونواقص، لكن ذلك لا ينفي ولا ينتقص من النجاحات والمنجزات، والأمر ينطبق على الجميع فما بالك حين يتعلق بشخصية رمزية كسلام عادل الذي ختم حياته المفعمة بالعطاء ببطولة استشهاده الأسطوري.
   ونحن إذْ نكتب فذلك لأننا جزء من هذه المسيرة الطويلة والعويصة، وساهم كل منّا بدوره فيها وكل من موقعه بغضّ النظر عمّن أصاب أو أخطأ أو اقترب أو ابتعد عن قيم الشيوعية ومثلها، وتاريخ الأشخاص والحركات مهما كَبُر وصَغُر ، فقد مضى ولا يمكن إعادته، والكلام عنه يبقى مجرد اجتهادات وتقديرات واستنتاجات وهي التي تُبقي التاريخ مفتوحاً وقابلاً للإضافة والحذف ، حسبما تقتضيه الحالة وطبيعة القوى المهيمنة، فالتاريخ مراوغٌ أو ماكرٌ أحياناً حسب هيغل، وقد يعيد التاريخ نفسه ففي المرّة الأولى يظهر على شكل "مأساة" مثلما قد يظهر في المرّة الثانية على شكل "ملهاة" حسب ماركس الذي استلهم عبارته من هيغل ذاته، وهو سجال مفتوح وبلا نهاية حسب المؤرخ بيتر جيل.
إنجازات سلام عادل
وكان من أهم إنجازات سلام عادل هي تمكّنه من استعادة وحدة الحزب وتجميع قواه، خصوصاً بقدرته على استيعاب التنظيمات المختلفة وضمّها إلى الحزب مشخّصاً النواقص والأخطاء لدى جميع الفرقاء، لاسيّما بانتهاج سياسة جديدة قوامها البحث عن الجوامع والمشتركات التي تقرّب ولا تُبعّد والسعي للبحث عن نقاط مشتركة وإيجابية لدى الجميع بعيداً عن التخوين والتأثيم، وذلك حين وضع نصب عينيه إنهاء نهج الإقصاء والتفريط والعزل، وهو الأمر الذي جعل من الحزب قوة أساسية برزت خلال الانتفاضة الشعبية التي حدثت عقب العدوان الثلاثي الأنكلو فرنسي - الإسرائيلي على مصر في العام 1956 إثر تأميم قناة السويس .
جدير بالذكر أن الحزب بقيادة سلام عادل (بعد تنحية حميد عثمان)، كان قد استجمع قواه وكتله وتنظيماته المنقسمة حيث اعترف الجميع بأخطائهم بهدف توحيد الحزب وكانت منظمة راية الشغيلة قد انشقّت عن الحزب في العام 1953 ومن أبرز قياداتها آنذاك جمال الحيدري وعزيز محمد، وقد وصفتها جريدة القاعدة بأنها زمرة بلاطية (نسبة إلى البلاط الملكي) وإنها انحطّت في المستنقع والقاذورات اليمينية، متهمة إيّاها  بالانتهازية.
أما "منظمة وحدة الشيوعيين" فكانت برئاسة عزيز شريف وعبد الرحيم شريف التي ساهم عامر عبد الله بحكم صلته الوطيدة معهما في إقناعهما، والبقية الباقية بحلّ المنظمة والالتحاق بالحزب. كما انضمت كتلة داوود الصائغ  "رابطة الشيوعيين " لاحقاً  إلى الحزب، واعترف الجميع بأخطائهم في لحظة تطّهر غير مسبوقة، بما فيها التنظيم الأصلي (القاعدة) الذي اعترف أن القيادة التي اتّخذت قرارات الفصل كانت جاهلة والمقصود بذلك  قيادة حميد عثمان الذي جرت محاولات لمحاسبته وتجميده فيما بعد، وكان قد هرب من السجن ليصبح المسؤول الأول، لكنه تصرف بفوقية وبيروقراطية، ونشر بيانا باسمه، فتقرّر مساءلته وتجميد عضويته بمبادرة شجاعة من سلام عادل ساهم في تنفيذها ناصر عبود وشارك فيها حكمت كوتاني مسؤول محلية الموصل.
وكان ناصر عبود قد اصطحب حميد عثمان كما يروي من الموصل إلى بغداد واستبقي في بيت حزبي لكنه قرر السفر إلى كردستان وهناك انتمى إلى الحزب الديمقراطي الكردستاني (انظر: توفيق التميمي، مقابلة مع ناصر عبود ، صحيفة التآخي، مصدر سابق).
وهكذا تم استعادة وحدة الشيوعيين بتدخّل من خالد بكداش والحزب الشيوعي السوري الذي تم الاحتكام إليه، لا سيّما بإنهاء انشقاق راية الشغيلة، وصدرت حينها جريدة "اتحاد الشعب" (السرّية)( العام 1956) لتعلن عن قيام وحدة الحزب.
ولعلّ موقف سلام عادل من وحدة الحزب وحرصه على الرفاق بغض النظر عن الاختلافات والتباينات في اتجاهاتهم، لاسّيما في المنعطفات الحادة هو ما كان حاضراً ومتداولاً بين الرفاق كجزء من الثقافة الحزبية ما بعد الانقسامات والانشقاقات المتكررة. وقد كان باقر ابراهيم وحسين سلطان يردّدان مقولته الشهيرة " إن إخراج أي رفيق من الحزب إنما هو اقتلاع شعرة من عيوني" وقد استعاداها في الثمانينات حين جرت حملة تصفيات وفصل وتفريط بالجملة يوم احتدم الخلاف بشأن قضايا فكرية وسياسية وتنظيمية ، وأهمها الموقف من الحرب العراقية- الإيرانية.
وبالطبع لم تكن حياة سلام عادل الحزبية سهلة فقد سبق أن تعرّض هو ذاته لعقوبات وتنحيات من جانب عناصر بيروقراطية وانتهازية ، ففي فترة تولي مالك سيف إدارة الحزب بتوصية من فهد أُبعد سلام عادل في العام 1948 اثر اعتراضه على الموقف الحزبي من فلسطين وبقي بصلة فردية وسُحبت بعض مهماته كما تنقل ثمينة ناجي يوسف.
وفي فترة حميد عثمان الذي تولّى إدارة الحزب في العام 1954 بعد هروبه من السجن استبعد سلام عادل من اللجنة المركزية وكان عثمان قد اتهمه بالإنحراف اليميني، ونُقِل إلى منطقة الفرات الأوسط. وحين تبلور موقف جديد لأغلبية أعضاء اللجنة المركزية ضد حميد عثمان تم استدعاءه فتسلّم دفة القيادة  في حزيران/يونيو 1955 بعد أن تم وضع اليد على مطبعة الحزب كما يذكر حنا بطاطو في كتابه الثاني بعنوان : العراق - الحزب الشيوعي ، ص 342) . علماً بأن عمله في منطقة الفرات الأوسط كما نقل لكاتب السطور بعض من عاصره مثل حسين سلطان وعدنان عباس وصاحب الحكيم ومحمد الحياوي كان متميزأً، سواءً على الصعيد السياسي أم على الصعيد الحزبي والإعلامي، وخصوصاً في الريف. وفي مطارحات خاصة في بشتاشان خريف العام 1982 كان الباحث قد وجّه أسئلة إلى كل من مهدي عبد الكريم وعبد الرزاق الصافي حول شخصية سلام عادل ودوره القيادي وموقفه من القضية الكردية ارتباطاً بالتطور الذي حصل في الموقف من القضية العربية في العام 1956 وبالتحديد بعد الكونفرنس الثاني، وعقب انتعاش حركة التحرر الوطني العربية بُعيد تأميم مصر لقناة السويس ومقاومة العدوان الثلاثي.
إن ما تعرّض له سلام عادل من بيروقراطية حزبية تدلّ على أنه باستمرار كان له رأي متميز ومستقل ونقديٌّ بما فيه إزاء القيادات ، حيث اعتاد على التعبير عن وجهات نظره،  بكل وضوح حتى لو أدى ذلك إلى خسارة مواقعه الحزبية، وتلك إحدى سماته القيادية البارزة، حيث لم يعرف المهادنة والتزلّف واسترضاء المسؤولين كجزء من الأمراض التي تفشّت في الحزب في وقت لاحق .
جدير بالذكر أن سلوك حميد عثمان اتّسم بالتهور، وعلى حد تعبير حنّا بطاطو كان يمتاز بـ " حماسة كبيرة وحكمة ضئيلة" وقد ورط الحزب الشيوعي بمواجهات مكلّفة ولا معنى لها مع الشرطة، حيث دعا للإضراب السياسي العام ثم رفع شعار الكفاح المسلح وبناء "جيش شعبي ثوري" واعتبار الريف "قلاعاً ثورية"، ويبدو أنه تأثر بالمسيرة الكبرى التي قادها ماوتسي تونغ وبالثورة الصينية.
وهكذا بدّد قوى الحزب وفرط برفاقه ورفع شعارات لم يكن الحزب قادراً على تنفيذها، فضلاً عن قراراته الفردية وأوامره الهستيرية ومبادراته المغامرة ومعاركه الانتحارية، ولهذه الأسباب أزيح من موقعه وهو ما ورد في مقتبسات من كتاب حنّا بطاطو (ج2 ص 343، وج3 ،  ص 13 وما بعدها) .
وقد شكل سلام عادل لجنة مركزية جديدة عملت هذه اللجنة لنحو عام في التحضير للكونفرنس الثاني أي من (حزيران/يونيو 1955 ولغاية 1 حزيران/ يونيو 1956) وقد ضمّت الرفاق التالية أسماؤهم:
1- حسين أحمد الرضي (سكرتيراً عاماً)
2- عامر عبدالله
3- كريم أحمد الداوود
4- فرحان طعمه
5- جورج حنّا تلو
6- محمد صالح العبلّي
7- هادي هاشم الأعظمي
8- عطشان ضيّول الايزرجاوي
9- ناصر عبود
ومنذ أيلول أي بعد انعقاد الكونفرنس الثاني العام 1956 ولغاية أيلول/سبتمبر العام 1958 ضمّت قيادة الحزب  بعض الأعضاء إلى اللجنة المركزية وأصبح عددهم 12، والأعضاء الجدد هم : شريف الشيخ ومحمد بابلي - كاكا فلاح وجمال الحيدري والأعضاء الاحتياط هم : عزيز الشيخ وصالح الحيدري وعبد الرحيم شريف وحكمان فارس الربيعي  وداود الصائغ وصالح الرازقي (المصدر السابق - حنا بطاطو، ج3، ص 18-21).
الكونفرنس الثاني والتوجّه الجديد
ومن منجزاته في تلك الفترة أيضاً عقد الكونفرنس الثاني للحزب العام 1956 والذي أقرّ سياسة جديدة بقراءة المتغيّرات على الساحة الدولية والتي رجّحت الخيار السلمي الجماهيري تأثراً بنهج التعايش السلمي الذي اتبعه الاتحاد السوفييتي وكان التقرير الذي صدر عنه يفصح عن هذا التوجه البارز.
وقد انعقد الكونفرنس في بغداد الجديدة وحضره 28 كادراً حزبياً وانتخب لجنة مركزية جديدة مضفياً شرعية جديدة على القيادة الحزبية التي ظلّ اختيارها غالباً يتم بالتعيين،  فتحت ظروف القمع أحياناً يجري إملاء الفراغ  لمن يعتقل أو لمن يضطر للخروج من دائرة النضال، ولم تكن الاختيارات موفقة في الكثير من الأحيان بسبب الظروف غير الطبيعية، خصوصاً بضعف الكفاءة  ونقص المعرفة وقلّة التجربة، إضافة إلى الارتباطات الشخصية، ناهيك عن عدم قناعة الكادر أحياناً وهناك أمثلة كثيرة لا مجال لذكرها.
وقد كان انعقاد الكونفرنس والاحتكام إلى الشرعية الحزبية في الانتخاب تطوراً مهماً حصل في ظل قيادة سلام عادل التي حاولت أن تجميع ملاكات الكادر وتوحيدها في إطار قيادة جديدة متنوّعة المشارب والاتجاهات تجمعها وحدة الإرادة والعمل والانسجام، دون تمييز بسبب ماضيها سواءً كانت مع هذه الكتلة أو تلك، وسرعان ما اندمجت المجموعات والكتل والشخصيات ، بل وانصهرت في بوتقة حزب مديد وذا حيوية كبيرة.

14
في العنف ضد الأطفال
عبد الحسين شعبان
باحث ومفكر عربي
   في ذروة الاجتياح "الإسرائيلي" للبنان ومحاصرة العاصمة بيروت اتخذت الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الطارئة (19 أغسطس/آب 1982) قراراً يقضي باعتبار الرابع من يونيو/حزيران، من كل عام يوماً عالمياً لضحايا العدوان، ولاسيّما من الأطفال الأبرياء، فقد روِّع العالم كثرة الضحايا من الأطفال اللبنانيين والفلسطينيين خلال العدوان المذكور.
   واليوم وبمناسبة مرور 70 عاماً على قيام "إسرائيل" (15 مايو/أيار 1948) والذي تزامن هذا العام مع قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس، فقد اجتاحت موجات غضب واحتجاج فلسطين من أقصاها إلى أقصاها ، وهو ما واجهته "إسرائيل" بالقمع والإرهاب الذي راح ضحيته حتى الآن   أكثر من 20.000 ضحية (بين قتيل وجريح)  معظمهم من الأطفال ، علماً بأن الغالبية الساحقة مع حركة الاعتراض والرفض كانت خارج الجدار العنصري الذي بنته "إسرائيل" لتقطيع أوصال الأرض الفلسطينية  وفصل الضفة الغربية عن قطاع غزة، وزرع مستوطنات وجزر ومناطق في قلب التجمّعات البشرية الفلسطينية.
   وكانت محكمة العدل الدولية  قد أصدرت فتوى استشارية (العام 2004) بعد أن لجأت إليها السلطة الوطنية الفلسطينية، قضت بموجبها ببطلان بناء الجدار ودعت إلى تفكيكه وهدمه، إضافة إلى تعويض الفلسطينيين جراء الأضرار التي لحقت بهم.
   حين حدّدت الأمم المتحدة أهداف التنمية المستدامة ووضعت إنهاء جميع أشكال العنف ضد الأطفال واستغلالهم وإهمالهم في صلب برنامجها (2030) وقد احتفلت منظمة الأمم المتحدة للطفولة " اليونسيف" هذا العام باليوم العالمي لضحايا العدوان على الأطفال تحت شعار " العنف ضد الأطفال صفر بحلول 2030" وهو ما يستوجب عملاً دؤوبا وشاملاً على جميع المستويات الدولية وغير الدولية، الحكومية وغير الحكومية  لوقف العنف بشكل عام وضد الأطفال بشكل خاص، وذلك بإعمال الاتفاقيات الدولية بهذا الخصوص، ولاسيّما اتفاقية حقوق الطفل لعام 1989 وكل ما يتعلّق بالشرعة الدولية لحقوق الإنسان، لاسيّما العهدين الدوليين - الأول الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والثاني - الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، إضافة إلى اتفاقيات جنيف الأربعة لعام 1949 وملحقيها (بروتوكولي جنيف) لعام 1977 الأول- المتعلّق بحماية ضحايا المنازعات الدولية المسلحة، والثاني - المتعلّق بحماية ضحايا المنازعات المسلحة غير الدولية.
   ولعلّ مسألة حماية الأطفال من العنف والعمل على تأمين مستلزمات القضاء عليه، مسؤولية كبرى لا تقع على عاتق الأمم المتحدة والمنظمات الدولية وحدها، بل تتجاوزها لتشمل الحكومات والمنظمات المدنية والاجتماعية والتربوية والدينية، إضافة إلى الجامعات ومراكز الأبحاث، خصوصاً وإن للعنف أسبابه الاجتماعية والاقتصادية والأسرية والنفسية فضلاً عن عدم المساواة والتمييز ونظام العقوبات والمناهج الدراسية وغيرها، كما أن أنواعه متعدّدة، فهناك العنف الجسدي والعنف الجنسي والعنف النفسي، إضافة إلى أشكال جديدة من العنف عبر الانترنيت ومواقع التواصل الاجتماعي وغيرها من وسائل العنف الحديثة وهي ظواهر منتشرة على الصعيد العالمي وفي جميع المجتمعات تقريباً وإنْ كانت بأشكال متفاوتة.
   ومن أولى دلالات الاحتفال باليوم العالمي بوقف العنف ضد الأطفال الأولى - هو اعتراف المجتمع الدولي باستمرار هذه الظاهرة اللّإنسانية  وما تتركه من تأثيرات نفسية وعقلية وبدنية على الأطفال في جميع أنحاء العالم. وثانيها - تأكيد الالتزام بحماية حقوق الأطفال، ولاسيّما اتفاقية حقوق الطفل المشار إليها، ولعلها مناسبة للتذكير بدعوة البلدان للإنضمام إليها، وثالثها- إن هذه المناسبة جديرة بالتأمل بوضع الأطفال ومعاناتهم، ولاسيّما في البلدان النامية، حيث يذهب العديد منهم ضحايا العنف والإرهاب والنزاعات المسلحة والحروب، إضافة إلى الحروب الأهلية الطائفية والدينية والإثنية، فضلاً عن معاناتهم بسبب العقوبات الاقتصادية والأوبئة والأمراض والفقر والأمية والجهل وانتشار المخدرات، ولاسيّما بين الأحداث منهم والإتجار بهم إناثاً وذكوراً أو استخدامهم دروعاً بشرية أو غير ذلك.
   لقد قرّرت الجمعية العامة للأمم المتحدة في العام 1998 تعيين ممثل خاص يُعنى بأثر النزاع المسلح على الأطفال على أمل تقليص حالات العنف ضدهم وتحسين أوضاعهم، إلّا أن عددهم تضاعف في السنوات الأخيرة، كما ارتفعت نسبة الانتهاكات  المرتكبة ضدهم في معظم مناطق  الصراع، كما تذكر العديد من المنظمات الدولية الحكومية وغير الحكومية وهو ما تؤكده منظمة اليونسف، سواء في اليمن أو الصومال أو فلسطين أو سوريا أو العراق وغيرها، وهناك نحو 250 مليون طفل يعيشون في بلدان ومناطق الصراع يحتاجون إلى المزيد من الحماية طبقاً للقانون الإنساني الدولي والقانون الدولي لحقوق الإنسان، ولاسيّما في مجال حماية حقوق الطفل.
   جديرٌ بالذكر إن الجمعية العامة للأمم المتحدة كانت قد قرّرت يوم 20 نوفمبر/تشرين الثاني العام 1954  كيوم للطفل العالمي، وكان اتحاد النساء الديمقراطي العالمي قد قرر في وقت سابق العام 1949 يوم 1 يونيو (حزيران) يوماً للطفل العالمي، ومهما اختلف موعد الاحتفال  فهو مناسبة لكي نعتبر الأطفال رمزاً بوصفه يوماً للتسامح والتضامن والتكافل والتفاهم  والبراءة والسلام على النطاق العالمي. وفي الوقت نفسه لتجديد المطالبة باحترام حقوق الأطفال ورفع التحفظات التي وضعتها بعض الدول على حقوقهم التي قررتها الأمم المتحدة.

15
المنبر الحر / الاستبداد الناعم
« في: 20:24 14/06/2018  »
الاستبداد الناعم
عبد الحسين شعبان
ذكّرتني الأزمة العراقية ما بعد الانتخابات والطعون والاتهامات التي صاحبتها، بما سبق وراج في الفكر السياسي والقانوني، «مصطلح النهايات» الذي أخذ يتردّد خلال العقود الثلاثة الماضية «نهاية التاريخ» و«نهاية الفلسفة» و«نهاية الأيديولوجيا»، وأعقبها مباشرة دعوات لمصطلح «الما بعديّات»: «ما بعد التاريخ» و«ما بعد الماركسية» و«ما بعد العلمانية» و«ما بعد الحداثة» وأخيراً «ما بعد الديمقراطية».
واستعدتُ تحذيرات المفكر الفرنسي ألكسيس دوتوكفيل قبل نحو قرن وثلاثة أرباع القرن عن بعض مساوئ الديمقراطية، والخشية على الديمقراطية من الديمقراطية نفسها، وكلّ تلك الانتقادات الحصيفة التي تعتبر «الديمقراطية أحسن نظام حكم سيّئ»، خصوصاً حين يتحوّل «حكم الأغلبية» إلى نوع من الاستبداد أو الدكتاتورية.
والسؤال لا يتعلّق بالعراق أو ببعض البلدان التي انتقلت من أنظمة الاستبداد التقليدية إلى أنظمة انتقالية لم تتوضّح معالمها بعد، حتى وإن زعمت أنها على طريق الديمقراطية، وإنما يشمل الغرب ذاته معقل الديمقراطية، بما فيه الولايات المتحدة التي حاول دوتوكفيل دراسة تجربتها على نحو عميق، فوضع كتابين كبيرين بعنوان «الديمقراطية في أمريكا».
فالديمقراطية لا تتحقق إلّا عبر منظومة متفاعلة من القوانين والأنظمة والمؤسسات الدستورية والقضائية والممارسة والشفافية والتربية، وذلك في فضاء من الحرية والمساواة والمشاركة واعتراف بالتنوّع والتعددّية، فأين نحن من كل ذلك حين يتم اختزال «الديمقراطية» بصندوق اقتراع؟ وهذا الأخير يتم الالتفاف عليه وتجري محاولات مستميتة لتغيير نتائجه والتلاعب به بوسائل تبدأ من التضليل والوعود وتمرّ بالتحريم والتأثيم باسم الدين أو بغيره ولا تنتهي بالتزوير، حيث تعقد الصفقات بوسائل ناعمة أو خشنة، بما فيها التأثير في المؤسسات المسؤولة التي يفترض أن تكون هي الحامية والمحايدة، لا مشاركة ومتواطئة.
وكان صعود قوى شعبوية يمينية متطرّفة إلى قمة السلطة في الغرب بفعل «الديمقراطية» قد نبّه إلى مخاطر جديدة، وكان المثال الأشد تأثيراً هو دونالد ترامب رئيس الولايات المتحدة، الذي دشّن عهده بطائفة من القضايا الّلاديمقراطية والمعادية لحقوق الإنسان بدءاً من موقفه من اللاجئين، ووصولاً إلى نقل السفارة الأمريكية إلى القدس المحتلة، وما بينهما قضايا تخص حياة الناس من الصحة إلى التعليم، فهل انتهت «الديمقراطية التمثيلية؟
وإذا كان انهيار جدار برلين في العام 1989 قد دفع مفكراً مثل فرانسيس فوكوياما لينظّر عن «نهاية التاريخ» ويبّشر «بظفر الليبرالية»، فماذا سيقول بعد ثلاثة عقود من الزمان، حيث تبيّن التجربة أن الديمقراطية واجهت وتواجه مأزقاً كبيراً في موطنها، الأمر الذي فجّر الكثير من التناقضات، على الصعيد الداخلي في العديد من البلدان الغربية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، فضلاً عن الاتحاد الأوروبي، وخصوصاً بعد انسحاب بريطانيا منه.
ولم تستطع الديمقراطية كبح جماح الإرهاب الذي تفشّى في جميع بلدان العالم، وأحياناً قادت إلى خيارات سيئة وسلبية جداً، ولعلّ ذلك إحدى المفارقات التي سبق ل ألكسيس دو توكفيل أن طرحها منذ أواسط القرن التاسع عشر.
وإذا كان مثل هذا التحذير قد ورد على لسان «أبو الديمقراطية» أو حامل صليبها، كما يسمّى، وكانت حينها نظاماً واعداً، فماذا سنقول نحن إزاء تجربة ولدت عليلة منذ البداية وزادت اعتلالاً خلال الخمسة عشر عاماً الماضية، في ظل استشراء الطائفية والإثنية كنظام للمحاصصة يقوم على الزبائنية، واستفحال الإرهاب والعنف وتفشّي الفساد المالي والإداري واستمرار ضعف الدولة ووجود مرجعيات تحاول تجاوزها؟
لقد تنبأ دوتوكفيل منذ وقت مبكر بخطر الديمقراطية نفسها على نفسها، محذّراً من «الاستبداد الديمقراطي» الذي هو نوع جديد من الاستبداد «أشدّ مكراً» أحياناً من الاستبداد التقليدي، لدرجة أنه يبدو «جذّاباً» لكنه «أكثر فتكاً» من الأول، وهو استبداد «خفي» أحياناً مقابل «الاستبداد المعلن»، وهو استبداد يحطّم قيم الناس، خصوصاً حين تشرعنه السلطات وتعطيه توصيفاً قانونياً «دستور»أو «قانون انتخابات» أو «برلمان»، وكل هذه توظّف لتكريس الامتيازات، ناهيك عن إسهامها في التدليس وسوء الأخلاق، ويتم التبرير أحياناً باسم «حكم الأغلبية» و«إرادة الشعب» وبمعزل عن قيم الديمقراطية نفسها وبلا ضوابط كافية تمنع الارتداد والتراجع عن جوهر الديمقراطية وفلسفتها في الغاية والوسيلة. ويزداد الجدل ويتعاظم أكثر من أي وقت مضى حول جوهر الديمقراطية ومحتواها، وخصوصاً في التجارب الناشئة وفي المجتمعات الانتقالية، فهل «رأي الأغلبية» وحده هو الفيصل في الحكم على الديمقراطية؟ أم ثمة معايير أخرى، تتعلق بالمضمون وليس بالشكل؟ دون إهمال الآليات والوسائل التي هي الأخرى ينبغي أن تكون ديمقراطية، فلا غاية عادلة دون وسيلة عادلة، ولا وسيلة ظالمة توصلك إلى هدف نبيل.
الديمقراطية الحقة لا تحمي المجتمعات من الدكتاتورية الفردية أو «الأقلويّة»، بل ينبغي أن تحميها من «دكتاتورية الأغلبية»، سواء كانت هذه الدكتاتورية سياسية أو مجتمعية باسم العادات والتقاليد طبقاً لاعتبارات دينية أو طائفية أو إثنية بزعم «الأغلبية»، ولا تتحقق الديمقراطية إلّا باحترام رأي «الأقلية»، وإلّا سيكون للديمقراطية الناعمة أسنان حادة وربّما قاطعة.
drhussainshaban21@gmail.com


16
المنبر الحر / كل عام وأنتم بخير
« في: 21:13 12/06/2018  »
كل عام وأنتم بخير
أنتهز فرصة حلول عبد الفطر المبارك لأرسل إليكم أعطر التحيات وأحر الأماني متمنياً لكم النجاح والتقدم في الحياة والعمل والصحة والسعادة على المستوى الشخصي.
مع خاص احترامي وتقديري.
ع. شعبان

17
الكونفوشيوسية والخصوصية
عبد الحسين شعبان
باحث ومفكر عربي

كان مجرد ذكر اسم كونفوشيوس إيجابياً في الصين يعني أنك ستصنّف في خانة "الأعداء"، لأنه حسب التوصيف السائد  يعتبر "عدواً رجعياً". وهو ما جاء عليه زعيم الصين "التاريخي" المعاصر ماوتسي تونغ، في أكثر من مناسبة، وخصوصاً خلال التجمّعات الطلاّبية الغاضبة في فترة الثورة الثقافية 1965-1976.
وقد تم طي صفحات تلك الحقبة المتشدّدة، واتّجهت الصين منذ أواخر السبعينات ومطلع الثمانينات  لولوج مرحلة جديدة شهدت انفتاحاً تدرّجياً، ولاسيّما على التراث التاريخي ورموزه واستلهام ما هو إيجابي منه. وهكذا أعيد الاعتبار إلى الفيلسوف كونفوشيوس وأنتج فيلماً عنه، بصفته قائدا عسكرياً موهوباً ومعلماً كبيراً للقيم الإنسانية والمثل التقدمية.
وإذا كان ثمة تحوّل في الجانب الثقافي، فلأن الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والتربوية والإنسانية بشكل عام شهدت تطوراً ملحوظاً ، وخصوصاً وأن مسألة التفكير بالمستقبل والتطلّع إليه بقراءة منفتحة للتراث التاريخي الفكري والثقافي والفلسفي، كانت حاضرة جداً.
وحتى وإن بدا أن الأمر يحتاج إلى زمن لمحو ما تركته عملية التشويه والاستعداء لكونفوشيوس والكونفوشيوسية والقطيعة الأبستمولوجية مع التراث، إلّا أن التوجّه الجديد كان بمثابة صحوة للصين ترافقت مع تقدّمها العلمي والتكنولوجي وسياسة الانفتاح الاقتصادي التي اتبعتها، إضافة إلى علاقاتها الدولية الجديدة.
لقد استخدم اسم كونفوشيوس أداة مغرضة لمهاجمة "أعداء" الشيوعية أيام ارتفاع أعلام الثورة الثقافية وصخبها الذي هزّ الشوارع والميادين، ولاسيّما بملاحقة الضمائر ومحاربة التفكير الحر، تلك التي كانت ذريعة لتصفية الخصوم والمنافسين، لكنه بدا اليوم أن الاسم ذاته يعمل كأداة  إيجابية ذات بعد أخلاقي في الصين الحالية. وكانت دورة الألعاب الأولمبية التي أقيمت العام 2008 في الصين مناسبة لتسليط الضوء على أفكار كونفوشيوس، وخلال حفل افتتاح الدورة الأولمبية تمت الإشارة إلى " المنتخبات الأدبية" لكونفوشيوس، وكانت مدرسة الكادر الحزبي في شنغهاي قد أقيمت على طاولة القراءة والكتابة الخاصة بكونفوشيوس كما تم تأسيس " المعهد الكونفوشيوسي"، وقد لاحظنا مثل هذا الاهتمام خلال زيارتنا للصين في إطار  ندوة فكرية لـ "الحوار العربي - الصيني" بدعوة من  المعهد الصيني للدراسات الدولية.
ولفت انتباهي الاهتمام الكبير، بل والشغف الخاص من جانب المنظمين حين جئت على ذكر كونفوشيوس في بحثي الموسوم: "الفلسفة التاوية وصنوها الفلسفة الصوفية: وحدة الوجود والحضور بالغياب" مع أنني تلمّستُ وجود بقايا تحفّظات لدى الجيل الأكبر الذي تأثّر بنقد "الماوية" لأفكار كونفوشيوس والفلسفة الكونفوشيوسية باعتبارها ضد النظريه الماركسية وتطبيقاتها الماوية أو ضد "تصيين الماركسية".
ويبدو أن الجيل الأكثر حداثة والأصغر سنّاً يميل أكثر من سابقه إلى التلاقح بين الفلسفة الصينية القديمة والفلسفة الماركسية، خصوصاً وإن القسم الأكبر من أعضاء الحزب الشيوعي الصيني الذي يربو عددهم على 80 مليون أخذ يتخلّى عن الفكر الماوي المتشدّد مع استمرار تقديره واحترامه لشخص الزعيم التاريخي ماوتسي تونغ. وقد شاهد كاتب السطور طوابير المصطفّين الذين يرغبون في زيارة ضريحه في العاصمة بكين في ساحة تيان آن من ، التي سبق وأن شهدت احتجاجات كبيرة وصدامات مع الشرطة العام 1989 بسبب المطالبة بالمزيد من الحرّيات .
ولم يكن الاهتمام بالفكر الكونفوشيوسي حكومياً فحسب، بل إن الاهتمام المجتمعي، وخصوصاً الأكاديمي كان  أكبر بكثير، ولاسيّما من جانب المجتمع المدني، وذلك في محاولة لإضفاء الطابع الإنساني على النظام السياسي الشيوعي في الصين، والذي لا يزال يحمل ثقله المركزي.
ويكمن أحد أسباب الاهتمام بالكونفوشيوسية هو الشعور بالاعتزاز للخصوصية الصينية والانتماء إلى تراث عريق، لاسيّما بعد مرحلة عاصفة من النقد والتبشيع والتغييب، ومثل تلك الخصوصية تعني ابتداع طريق خاص ليس بالضرورة يمرّ عبر التجربة الغربية باعتبارها التجربة الديمقراطية الوحيدة على المستوى العالمي، فقد كانت هناك محاولات خلال العقد الماضي لمزاوجة الديمقراطية بالكونفوشيوسية ، والأمر لا يقتصر على التنافس الانتخابي، بل القدرة على الأداء والأهلية وشرعية المنجز التاريخي، أما ما يتعلّق الأمر بالمرونة والتواضع والعاطفة، فهذه يمكن أن تضع إطاراً ومقاربة أخلاقية للإجراءات السياسية والممارسات العملية انطلاقاً من جوهر الكونفوشيوسية وروحها.
فهل مثل هذا التوجّه سيجعل الصين أكثر قرباً من الديمقراطية الغربية أم ثمة مراجعات في إطار الديمقراطيات الغربية ذاتها؟ وهذه تحتاج إلى إعادة قراءة لأدائها، وهي التي يطلق عليها مرحلة "ما بعد الديمقراطية"، ولاسيّما بصعود الشعبوية اليمينية في العديد من بلدان أوروبا والولايات المتحدة ورمزها الأكبر هو دونالد ترامب.
ربما سيكون التوقف عند التجربة الصينية بما تحمله من امتدادات "شرقانية" على الرغم من أنها لم تخلع معطفها الماركسي القديم بعد، مفيداً لجهة مقاربة التجارب الأخرى، ولكن النجاح الكبير الذي حققته خلال العقود الأربعة الماضية كفيل بقراءة جديدة للموديل الصيني، فمن يدري ماذا سيُنتج تفاعل التجارب الكونية الأخرى؟ لعله قواعد أكثر انسجاماً وعمقاً وتلبية لمصالح الناس وحقوقهم، والمهم هو أن الخصوصية يمكن أن تكون عاملاً إيجابياً في رفد الكونية، مثلما تعطي هذه الأخيرة نفحة منعشة للخصوصية.


18
«الهولوكوست» وما يخفيه النفاق
                     
عبد الحسين شعبان
لا شيء يُرضي «إسرائيل»، فلا إنكار أو التقليل من صدقية روايتها بشأن «الهولوكوست»، ولا حتى الإقرار بها يُشفي غليلها، إذْ لا بدّ من الاعتراف بفاتورة حساب تبقى مستمرة مع الزمن، وقد أقدمت ألمانيا منذ عقود من الزمان على دفع تعويضات بمليارات الدولارات، وفعلت سويسرا ذلك تحت بند ودائع ضحايا الهولوكوست «النائمة» في مصارفها.
وقد صوّت البرلمان البولوني مؤخراً بالأغلبية على قانون «يجرّم من يشير أو يحمّل بولونيا أية مسؤولية عن التخلّص من يهودها» (حوالي ثلاثة ملايين) خلال الاحتلال النازي لها. وقد أثار هذا القرار حملة ««إسرائيلية»» عنيفة للضغط على الرئيس البولوني أندري دودا لثنيه عن المضي في إقرار القانون، لأن «إسرائيل» تريد من الجميع الشعور بالذنب وتحميلهم المسؤولية، عن جرائم الإبادة الجماعية تلك، وفي الوقت نفسه الحصول على تواطئهم على ممارساتها العدوانية وانتهاكها لحقوق الشعب العربي الفلسطيني.
وكان إيغون ردليخ عضو المنظمة الصهيونية «ماكابي هاكير» قد كشف في مذكراته التي عُثر عليها في مدينة غودوالدوف (التشيكية) العام 1967 بعد إعدامه في العام 1944، حين كان معتقلاً في معسكر أوستفيز، عن تعاون اليهود مع النازية في إرسال بضع عشرات من المتموّلين اليهود والقيادات إلى فلسطين، مقابل إرسال مئات الآلاف من اليهود إلى معسكرات الموت. وقد تسنّى لكاتب السطور زيارة هذا المعسكر المُرعب في خريف العام 1969 والذي يبعد عن مدينة كراكوف البولونية نحو 70 كيلومترا، واستمع إلى بعض الشهادات وقرأ الكثير عنه وعن معسكرات الاعتقال تلك في وقت لاحق.
ولكن ما الذي حصل ليتّخذ البرلمان البولوني مثل هذا القرار في هذا الوقت بالذات، حيث تتوجّه الأنظار إلى قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الهادف نقل السفارة الأمريكية إلى القدس؟. ويبدو أن هناك دولاً بلقانية حاولت هي الأخرى التنصّل عن مسؤولياتها، بشأن «محرقة اليهود» وذلك في سعيها للحصول على «براءة ذمة» من «إسرائيل» وتحسين علاقتها معها.
فكرواتيا، وعلى الرغم من امتناعها عن التصويت على مشروع القرار الخاص بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس، إلّا أنها أقدمت على التوقيع على صفقة سلاح مع «إسرائيل» للحصول على طائرات «أف 16»، علماً بأنه كان يوجد في كرواتيا معسكر اعتقال هو الأكبر خارج ألمانيا النازية هو معسكر «ياسنوفيتش» ويُعرف «أوستفيز البلقان». وكانت صربيا ذاتها قد احتفلت باليوم العالمي «للهولوكوست» باستذكار العلاقة التاريخية باليهود تملقاً واسترضاء ل «إسرائيل».
أما الحالة في ألبانيا وكوسوفو، فالأمر مختلف لكون المسلمين يشكّلون الأغلبية في البلدين، ومن المفارقة أن يكون عدد اليهود قد ازداد في ألبانيا في نهاية الحرب عمّا كان قبلها، وهو ما يوثقه الباحث السوري محمد الأرناؤوط الخبير بالشؤون البلقانية، ولكن الأمر مختلف بالنسبة لكوسوفو التي احتلتها إيطاليا الفاشية العام 1939. وحين يستذكر الكوسوفيون اليوم ما تعرّض له اليهود، فإنهم يربطون ذلك بحملة الإبادة التي تعرضوا لها من جانب صربيا عامي 1998-1999، وكم كان جديراً بهم لو استحضروا ما يتعرّض له الفلسطينيون يومياً من قمع وأعمال إبادة.
يمكن القول إن مواقف الكثير من القوى البلقانية في السلطة وخارجها، مثلما هي مواقف الدول الاشتراكية السابقة التي كانت متعاطفة مع العرب ومؤيدة لحقوق الشعب العربي الفلسطيني، انقلبت رأساً على عقب عشية وبُعيد انهيار جدار برلين العام 1989، فأعادت علاقتها مع «إسرائيل» التي ظلّت مقطوعة منذ العام 1967، ومنحتها حظوة باعتبارها «الدولة الأكثر رعاية»، وهو ما يعكس حقيقة «اللوبي اليهودي» الذي عمل كقوة ناعمة في هذه البلدان.
وكان كاتباً يُدعى ييرجي بوهاتكا (واتّضح لي أنه اسم مستعار وظلّ لغزاً حتى الآن) قد كتب 4 حلقات في مجلة المنبر (المنصّة) في العام 1975 حول علاقة الصهيونية بالنازية، ولفتت إحدى المستشرقات نظري إليها، فقمت بترجمتها وإعدادها للنشر، في 5 حلقات في «مجلة الهدف» الفلسطينية، ثم نشرتها بكرّاس بعنوان «مذكرات صهيوني» في العام 1986، ورويت قصتها في مقالة نشرتها عن جورج حبش زعيم الجبهة الشعبية عند وفاته في العام 2008، حيث كان بوهاتكا قد أعدّ كتاباً للنشر في براغ، وقام باستلام مكافأته وأشرف على طبعه وتدقيقه، لكن الكتاب اختفى قبل يومين من إصداره، وكان بعنوان «النشاط الصهيوني في الدول الاشتراكية».
وخلال فترة البريسترويكا وما بعدها برز النشاط اليهودي، سواء بالهجرة اليهودية من الاتحاد السوفييتي السابق ودعم «إسرائيل» بالعنصر البشري، أو بحلّ اللجنة الاجتماعية السوفييتية لمناهضة الصهيونية التي أسسها الرئيس أندروبوف العام 1983، أو بالدور المريب في روسيا لاحقاً، وكان باكورة ذلك مقتل ي. يفسييف العالم السوفييتي المناهض للصهيونية في العام 1990 في ضواحي موسكو.
drhussainshaban21@gmail.com




19
حين تفعل الثقافة فعلها

عبد الحسين شعبان
لم تكن مدينة أصيلة، ذات الطراز الأندلسي قبل أربعة عقود من الزمان وبالتحديد في العام 1978، سوى إحدى «مدن» المغرب الساحلية المحدودة السكان والمساحة التي تستلقي بطريقة أقرب إلى العزلة على شواطئ المحيط الأطلسي، لكنها بفعل عمل مثابر وإصرار أكيد وإرادة واعية وعقل مستنير، أخذت تزهر مثل شجرة اللوز حين يلامسها هواء منعش، لدرجة أن أصيلة تنتظر موسمها الثقافي بفرح غامر مثلما تنتظر الأرض العطشى المطر في موسم الصيف، فتزهو به المدينة الممتزجة بألوان البحر والشمس الذهبية، حيث تكون مستعدة لاستقبال زوارها من مغرب الوطن العربي الكبير ومشرقه، ومن ضفتي المتوسط والمحيط الأطلسي وعلى امتداد أوروبا والعالم كلّه، وكأنها تدعو الجميع إلى وليمة شهيّة للفكر والفن والأدب والثقافة بكل أجناسها.
وبالتدرّج والتراكم اندغم الموسم الثقافي للمدينة المفتوحة ليتفاعل مع برنامج التنمية لها ولعموم البلاد، حيث تم تأسيس بنية تحتية وإنشاء مرافق عمرانية تكون قادرة على استيعاب هذا التطوّر، لترتدي المدينة حلّتها الموسمية، بما فيها من رمزية ثقافية ومدنيّة، وكأنها معرض مفتوح في الهواء الطلق يزورها عشرات الآلاف من المثقفين والسيّاح كل عام.
هكذا تحوّلت «المدينة» التي عُرفت قديماً باسم «أزيلا» أو «أرزيلا» أو «أصيلا»، لتستقر على اسم «أصيلة» إلى صرح حضاري جاذب وواعد. وكانت قد تأسست قبل ما يزيد على ألفي عام من الزمان، وشهدت ألواناً مختلفة من الهجرات والسلالات والأديان، حيث استعادت مجدها التاريخي والاستراتيجي والتجاري، مجددة ذلك بموسمها الثقافي، بفضل أحد أبرز رموز الثقافة والدبلوماسية والإدارة الذي كان لإصراره الدور الأكبر في أن تنتقل أصيلة من «قرية» معزولة وربما منسيّة إلى حاضرة مدنيّة يُشار إليها بالبنان.
حين عاد محمد بن عيسى إلى المغرب بعد انتهاء عمله في الولايات المتحدة، قرّر أن يخدم مدينته ومسقط رأسه، ففكّر بإنعاش العمران بالثقافة والثقافة بالعمران، وهكذا انعقد رباط وثيق بين الاثنين، فكلّما كانت المدينة تتطوّر عمرانياً، كانت مكانتها الثقافية والحضارية تزداد أهمية حتى غدت أحد معالم المغرب المهمة، وهي ملتقى سنوي للحوار وتبادل الرأي والاستئناس بوجهات النظر لنشر ثقافة السلام واللّاعنف وبحث وتحليل قضايا التعصّب والتطرّف والغلو والإرهاب، وفي الوقت نفسه التفكير في البدائل: التسامح والإقرار بالتنوّع والتعددية والاعتراف بالآخر وحقه بالاختلاف، وإحياء قيم العدل والجمال والخير، عبر التواصل والتفاعل والاجتماع الإنساني، لاسيّما بالفن والأدب والفكر والثقافة بكل فروعها وأغصانها، وتلك هي رسالة أصيلة «الأصيلة».
حين تتوغّل في «المدينة» وأنت قادم من مدينة طنجة التي لا تبعد عن أصيلة أكثر من 40 كيلومتراً يواجهك البحر بزرقته المميّزة، وكأن لون الفيروز انطبع عليه أو أنه انطبع على الفيروز ليأخذ لونه، وكما يقول الشاعر الجواهري في غزله ببراغ:
«أعلى الحسن ازدهاءً وقعت/ أم عليها الحسن زهواً وقعا؟»
ولعلّ أول ما يلفت انتباهك أن منازل المدينة متّشحة بالبياض وملفّحة بالزرقة هي أيضاً، وذلك في إطار تناسق جميل، يضاف إليه جداريتها المزيّنة برسوم فنانين تشكيليين من مدارس وأجيال مختلفة، وحين تسير في دروبها الضيقة وفي الأحياء القديمة تشاهد الأسوار العالية المحاطة بها، وفي كل ذلك ثمة أمر يدعوك للتأمل، وهو نظافة المدينة والهواء العذب حتى في أيام الصيف الحارة، علماً بأن مناخها معتدل ومطير باستثناء فصل الصيف، حيث يكون جافاً نسبياً. أما البيئة فغدت مصدر اهتمام المسؤولين والناس على حدّ سواء، حيث تتميّز البيوت والأزقة بواجهات جميلة مغروسة بالنباتات والورود، وتحرص بلدية «المدينة» ومهندس فكرة موسم أصيلة الثقافي رئيسها، على أن ترتدي ثوبها الأخضر.
وقد خلّدت المدينة أسماء زوارها ومريديها من كبار المثقفين، ومنهم الشاعر العراقي بلند الحيدري والروائي السوداني الطيب صالح وتشكايا أوتامسي الشاعر الكونغولي والشاعر الفلسطيني محمود درويش والمفكر المغربي محمد عابد الجابري والشاعر المغربي وابن أصيلة أحمد عبد السلام البقالي والشاعر والأديب المغربي محمد عزيز لحبابي وغيرهم.
منذ أربعة عقود من الزمان بدأت مكانة أصيلة تزداد أهمية بالترافق مع مهرجانها أو موسمها الثقافي المفتوح، حيث يحجّ إليها سنوياً عشرات من المثقفين الكبار، ويحرص مئات من الفنانين والأدباء الشباب على زيارتها. وفي هذا العام يطفئ موسم أصيلة السنوي 40 شمعة من عمره وهو عمر النضج، حيث يعتبر أحد أكثر وأهم المهرجانات الثقافية المعمّرة، إذا أخذنا بنظر الاعتبار «مهرجان المربد» (العراق) و«مهرجان الجنادرية» (المملكة العربية السعودية)، و«مهرجان البابطين» (الكويت)، وهو مثل كل عام مناسبة حيوية تنبض بالحياة، وخصوصاً في دينامكيتها الثقافية أدباً وموسيقى وغناءً وفنوناً: رسماً ونحتاً ومسرحاً في أجواء مشبعة بالحرّية وثقافة السلام والتنوّع والتعددّية.
drhussainshaban21@gmail.com



20
حين يختل العمل السياسي
عبد الحسين شعبان
غالباً ما تجنح الحركة السياسية حين تكون خارج السلطة في البلدان النامية، ومنها البلدان العربية، إلى رفع أكثر الشعارات جذرية، ورنيناً، فهي تبدأ من «إسقاط النظام»، من دون أن تأخذ في الاعتبار توازن القوى، أو تحسب حساباً للظرف الموضوعي، والذاتي، فإمّا أن تضخّم من إمكاناتها الذاتية، وإما تقلّل من إمكانات خصمها، وقد يقودها ذلك إلى «حرق المراحل»، لأن «التغيير» لن يتحقق من دون حصول التراكم المطلوب والتطوّر التدرّجي وتلبية المطالب التي تخصّ الناس وصولاً إلى الهدف الأساسي.
وإذا كان المبرّر أن الأنظمة لا تستجيب للمطالب الشعبية، وتدير ظهرها للإصلاح، وتعزف عن التغيير، وترفض الحوار مع الفاعليات والأنشطة السياسية غير الحاكمة، فإن ذلك لا ينبغي أن يدفعها إلى التشدّد، والتطرّف، والعنف، لأن اللجوء إليه يقود إلى العزل والعزلة حتى من لدن أوساط تتّفق معها حول قضايا الإصلاح والتغيير، كما أنه ليس مبرراً التعاون مع قوى خارجية، مهما كانت تسمياتها، بحجة عجزها عن تحقيق مطالبها وحدها.
إن ازدراء المطالب الاحتجاجية، واستصغارها، والاستخفاف بها، والقفز مرّة واحدة إلى القضايا الكبرى والأهداف الاستراتيجية، هي التي تجعل الخلل في العمل السياسي ظاهرة شائعة، لاسيّما في استسهال رفع الشعارات الصاخّبة، فتبليط شارع، أو بناء مدرسة، أو إنشاء مستوصف، أو مستشفى في حي، أو ضاحية، أو خفض الضرائب، أو توسيع مجالات الاستفادة من الضمان الاجتماعي والتقاعد والعناية بالمسنين وحماية الطفولة والأمومة، وتعزيز حقوق المرأة، وإيجاد فرص عمل للشباب، وكل ما يتعلق بتحسين مستوى المعيشة، هي هموم مطلبية وجزئية، ولكنها أساسية لسير عجلة الحياة، وهي التي ينبغي أن ينشغل بها العمل السياسي العربي في مختلف البلدان، بغض النظر عن طبيعة النظام السياسي، لأن مهمة تحسين الحياة المادية والروحية للإنسان، تبقى مطالب يومية متراكبة، ومتخالقة، ومتطوّرة، تنمو باستمرار وتتشعّب وتتسع، وتحتاج من جانب السلطة ومعارضتها والمجتمع المدني وأصحاب الأعمال، إلى التعاون لتلبية ما هو ممكن منها ضمن خطط تنموية مستدامة.
إن أي تطوّر يحتاج إلى تراكم، حتى إنْ كان بطيئاً، لاسيّما في مجالات أساسية، مثل: التعليم، والصحة، والخدمات، والعمل، والضمان الاجتماعي، ومجال الحريات والحقوق، وعكس ذلك فإن البلدان التي حاولت اختزال التطوّر بانقلابات وثورات وتغييرات سريعة، وبالقوة، أو عبر الوسائل المسلحة والعنفية، بغض النظر عن اضطرارها بسبب تشبث الأنظمة السياسية، وصلت لاحقاً إلى طريق مسدود حتى إن حقّقت مكتسبات مرحلية لا يمكن الاستهانة بها، لكنها ارتدّت على أعقابها لاحقاً، الأمر الذي أضاع سنوات من التنمية، وعطّل المسار التدرّجي والتاريخي لها.
وإذا تمكّنت تلك البلدان عبر الثورات من إحداث نمو اقتصادي وتطور في مجالات صناعية وزراعية عدة، فإنها اصطدمت لاحقاً بعقبات كبرى، خصوصاً في الجوانب المدنية والسياسية والإنسانية، وتجربة البلدان الاشتراكية، وأنظمة ما أسميناه «حركة التحرر الوطني» خير دليل على ذلك.
إن الأهداف الكبرى هي أهداف عادلة ومشروعة، لكنها ليست يومية، أو آنية، أو راهنية، إلّا إذا استثنينا تحرير الأراضي، وصدّ العدوان، وتحقيق الاستقلال، وحق تقرير المصير، لكن ذلك لا يمنع من وضعها ضمن البرامج المستقبلية، فالملحّ والضروري الذي لا يقبل التأجيل، هو تحسين حياة الناس، وإيجاد فرص عمل، والقضاء على الأميّة، وتأمين المستلزمات الضرورية للصحة والبيئة، ومكافحة الفساد المالي والإداري، ومواجهة التعصّب والتطرّف، والعنف، وتحقيق التعايش السلمي والمجتمعي.
ويحتاج الأمر إلى إصلاح نظم الحكم والإدارة، وتعزيز وتطوير حكم القانون الذي يقول عنه مونتسكيو «إنه مثل الموت، لا يفرق بين الناس»، خصوصاً بوجود قضاء نزيه ومستقل، وإجراء مصالحة حقيقية بين السلطات الحاكمة وشعوبها، بضمان الحقوق الجماعية والفردية، وتلك مسؤولية مشتركة وإن كانت درجاتها متفاوتة، ولكن شراكة المجتمع المدني ورقابته مسألة في غاية الأهمية، لاسيّما مساهمته في صنع القرار، وفي تنفيذه، كما أن من واجبه أن يتحوّل إلى «قوة اقتراح»، وليس «قوة احتجاج»، فحسب.
ولعل مناسبة الحديث هذا هو انعقاد «مؤتمر فكر 16» الموسوم «تداعيات الفوضى وتحدّيات صناعة الاستقرار» الذي نظّمته «مؤسسة الفكر العربي» في دبي، والذي خصّص أحد جلساته لمناقشة «اختلال آليات العمل السياسي»، خصوصاً حين يتم اللجوء إلى العنف لحلّ الخلاف بين الحاكم والمحكوم، تلك التي ستلحق ضرراً بالمجتمع ككلّ، لاسيّما وإن دورات العنف، والفعل ورد الفعل إذا ما استحكمت بالمتصارعين فإنها ستزرع ألغاماً يمكن أن تنفجر في كل لحظة لتدمّر ما بنتّه سواعد الأجيال، وهو ما كان محط مراجعة مهمة من عدد من المسؤولين، وأصحاب القرار، وقادة الفكر والأكاديميين في هذا المؤتمر. تلك المراجعة التي تحتاج إلى حوار مجتمعي ومن موقع نقدي لرسم مشروع نهضوي عربي جديد لإنسان عربي جديد وثقافة جديدة، وهو العنوان الأساس لمؤتمر "فكر" هذا العام.


drhussainshaban21@gmail.com


21
سكريبال والحرب الدبلوماسية
                     
عبد الحسين شعبان
لم يشهد العالم منذ انهيار جدار برلين العام 1989 أزمة دبلوماسية كبرى مثلما هي أزمة تسميم الجاسوس الروسي المزدوج سيرجي سكريبال، وابنته يوليا، في مدينة سالزبري بجنوب بريطانيا. وتذكّر هذه الأزمة التي نشبت بين روسيا وبريطانيا، بأزمة الصواريخ الكوبية في العام 1962. ومثلما اصطف الغرب حينها مع واشنطن، فإنه يقف الآن خلف لندن، في حين تحاول روسيا مواجهته بمحور روسي - صيني - إيراني، وتسعى لاستمالة تركيا على خلفية ردود فعل رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان إزاء الانقلاب العسكري الفاشل في العام 2016، وتوتر العلاقة مع الغرب بشأن الموقف من الأكراد في سوريا.
سكريبال إذاً، هو «كلمة السر» لحملة جديدة من الحرب الباردة التي كانت تعتمل مثل النار تحت الرماد في إطار مواجهة غربية شاملة مع الكرملين، وزعيمه فلاديمير بوتين الذي فاز بولاية رابعة بعد أسبوعين من اندلاع الأزمة مع بريطانيا إثر حادث التسمّم في 4 مارس/ آذار 2018. وعلى الرغم من عقد منظمة حظر الأسلحة النووية التي مقرّها لاهاي جلسة في 4 إبريل/ نيسان الجاري لمناقشة القضية وعقد مجلس الأمن الدولي جلسة أخرى في اليوم التالي، لكن الادعاءات والاتهامات المتبادلة ظلّت مهيمنة على الموقف.
ثلاث تطورات جديدة تستحق التوقف عندها منذ اندلاع الأزمة:
أولها- مشاركة فرنسا في التحقيقات، حيث تساءلت موسكو على أي أساس تم إشراكها في الجانب التقني الذي أصيب به مواطنان روسيان، وما علاقتها بحادث وقع على الأراضي البريطانية؟ وما هي القواعد التشريعية الإجرائية التي تسمح لدولة أجنبية بالتدخل في تحقيق داخل المملكة المتحدة؟ في حين أن طلبها المشاركة في التحقيق لم يُلَب.
وثانيها، أن المختبر البريطاني لم يستطع التأكّد من المصدر الدقيق لغاز الأعصاب الذي أطلق عليه «نوفيتشوك»، لكنه قال إنه من الصنف الذي يستخدم عسكرياً، وإنه مادة سامة جداً، وحسب مركز الأبحاث الدفاعية (بورتون داون): لا يوجد دواء (ترياق) مضاد يمكن استخدامه لإلغاء تأثيرها.
وثالثها- مذكرة وزارة الخارجية الروسية المرسلة إلى نظيرتها البريطانية التي تضمنت 14 سؤالاً (31 مارس /آذار/2018)، بشأن توضيح سبب حرمان روسيا من حق وصول قنصلها إلى اثنين من مواطنيها المصابين على الأراضي البريطانية، كما طلبت توضيح الدواء الذي استخدم لمعالجتهما، وكيف حصل عليه الأطباء البريطانيون؟
وهكذا أخذت القضية تتدحرج مثل كرة الثلج، حيث ارتفع منسوب حدّة التوتر والصراع بين موسكو ولندن، وبين الأولى والغرب عموماً، وإنْ كانت أسباب أخرى لا يمكن إهمالها، منها: الدور الروسي الجديد في الشرق الأوسط، ولاسيّما في سوريا، إضافة إلى أوكرانيا ودول شرق أوروبا التي خلعت المعطف السوفييتي لترتدي طقم حلف شمال الأطلسي (الناتو).
وكان سكريبال أدين في روسيا في العام 2006 بتهمة التجسس لمصلحة بريطانيا. وقد حُكم عليه لمدة 13 عاماً، ولكن أطلق سراحه بعد أربعة أعوام، ولجأ إلى بريطانيا في إطار صفقة لتبادل الجواسيس مع الولايات المتحدة. وقد حملت رئيسة وزراء بريطانيا تيريزا ماي، على روسيا واتّخذت طائفة من الإجراءات ضدّها، من أبرزها طرد 23 دبلوماسياً، وإعلانها عدم مشاركة وزراء، أو أفراد من العائلة الحاكمة، في كأس العالم الذي ستستضيفه روسيا في صيف العام الجاري 2018، فضلاً عن تجميد أصول الدولة الروسية في بريطانيا.
وردّت روسيا بالمثل، فقامت بطرد عدد مساوٍ لما أقدمت عليه بريطانيا (23 دبلوماسياً). لكن هذا الحادث لم يقتصر على الدولتين، بل امتدّ ليشمل الغرب، حيث قامت 29 دولة بطرد 145 مسؤولاً روسياً تضامناً مع بريطانيا، وكانت ردود فعل موسكو لا تختلف عن رد فعلها على بريطانيا فأعلن وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف: إن بلاده قرّرت طرد 60 دبلوماسياً أمريكياً ردّاً على قرار واشنطن طرد الدبلوماسيين الروس، كما أقدمت موسكو على إغلاق القنصلية الأمريكية في مدينة سان بطرسبرج، وسلّمت موسكو خطاب احتجاج للسفير البريطاني لوري برستو، اعتبرت ما قامت به لندن يمثّل «إجراءات استفزازية».
جدير بالذكر أن روسيا نفت عن نفسها تهمة تصنيع المادة السامة وحاولت التقليل من أهمية الجاسوس المزدوج، وإلّا لما أطلقت سراحه، واتهم لافروف بريطانيا وشركاءها بممارسة «ألعاب صبيانية»، «تتجاهل كل قواعد السلوك المقبولة».
ولم يكتفِ الروس بذلك، بل روّجوا بضع مقولات من شأنها أن تُلقي الكرة في الملعب البريطاني، منها أن بريطانيا تعيش «وضعاً غير مريح» وجدت نفسها فيه بعد الخروج من الاتحاد الأوروبي، وأن هذه الحادثة ليست الأولى، فهناك عدد من الاختراقات للأمن البريطاني شملت عدداً من الروس، وأنه لا وجود لأدلة قاطعة تؤكد على التورّط، الأمر الذي يلقي بالمزيد من ظلال الشك والغموض على الحادث، فضلاً عن التباساته وتداعياته. وأخيراً أيمكن أن يكون طرفاً ثالثاً مستفيداً وراء هذه الجريمة، كما نقول في القانون الجنائي؟
drhussainshaban21@gmail.com



22
«ثقافة السلام» و«سلام الثقافة»
                     
عبد الحسين شعبان
مثلث مؤسسة عبدالعزيز سعود البابطين، وجهاً مشرقاً للثقافة العربية، فهي لم تقتصر على الشعر فحسب، بل ساهمت في الانفتاح على الثقافات العالمية، ولاسيّما حين عملت مع منظمات دولية مرموقة لنشر ثقافة السلام من خلال إيجاد أرضية مشتركة للحوار والتواصل الإنساني. وسعت باستمرار لتقديم الوجه الإيجابي للعرب والمسلمين، ولاسيّما الصورة المتسامحة والمعتدلة.
والمتتبع لحركة الثقافة الكويتية يشعر بالاعتزاز، فقد كانت الكويت حتى قبل استقلالها مهجوسة بالثقافة وبالحداثة، ومنذ أواسط الخمسينات اتجهت لاستقطاب أدباء ومفكرين ومثقفين عرب. وكان تأسيس «مجلة العربي» وفّر زاداً معرفياً مهماً تغذّى عليه جيل متلهف للمعرفة والعلم والثقافة، وعلى مدى عقود ساهمت هي ومجلات أخرى تختص بالفكر والثقافة العالمية والفنون والإبداعات والمسرح والترجمة في تخصيب أرضية ثقافية إيجابية، للتواصل والتفاعل بين المثقفين العرب.
مناسبة الحديث هذا هو انعقاد الدورة الحادية عشرة لمهرجان البابطين، حيث أعلن فيها تأسيس «مركز البابطين للثقافة العربية» في جامعة لايدن الهولندية التي تأسست في العام 1575 وتقرّر أن يعقد «منتدى البابطين العالمي للسلام» في العام المقبل 2019 بالتعاون مع الأمم المتحدة، في إحدى المدن العالمية التي ترمز للسلام، وذلك بحدّ ذاته إحدى رسائل السلام الثقافية للعالم.
جدير بالذكر إن عبد العزيز البابطين كان قد تقدّم بمبادرة للسلام، وصدرت في كرّاس بعنوان «تأملات من أجل السلام» قدّم له وزير خارجية مالطا الأسبق ورئيس برلمانها الفخري مايكل فريندو، وتضمنت سبع قواعد من أجل السلام ووسائل تحقيقه.
وتمثل المبادرة نداءً ضميرياً ووجدانياً باعتبار السلام قيمة إنسانية عليا، وهدفاً لا بدّ من العمل على تحقيقه وأسلوب حياة، في الوقت نفسه ينبغي اعتماده لنبذ العنف وكل ما يتعلّق بسياسات إملاء الإرادة واستخدام القوة أو التهديد بها لفرض الهيمنة أو الاستقواء على الآخرين تحقيقاً لرغبات أنانية ضيقة.
إن مبادرة السلام الثقافية العربية تعكس الاهتمام الحيوي والرغبة الصادقة في الإقرار بالتنوّع والتعددية والاعتراف بالآخر بغض النظر عن معتقده ودينه وقوميته وجنسه ولغته ولونه وأصله الاجتماعي، ولن يتحقق ذلك سوى من خلال الحوار الصريح والصادق على أمل تحقيق السلام بين الدول والشعوب، وفي داخلها أيضاً، فالسلام حاجة إنسانية ماسّة وضرورية لبني البشر، ولا يمكن لأي مجتمع أن يتطور أو يتقدم دونها.
و«لا سلام حقيقياً دون عدالة» ودون تعاون من جميع الفرقاء للوصول إليه، ولعلّ مقولة مهمة تتردّد دائماً على لسان الشيخ البابطين مضمونها: «عالم بلا سلام هو عالم مظلم» وهو مظلمٌ حقاً، فالحروب بغض النظر عن طبيعتها تلحق ضرراً بالغاً بالشعوب والأفراد على حد سواء، ولاسيّما ما يستقرّ ذلك بأذهانها، وخصوصاً ما تتركه من ضحايا ومآس وممارسات لا إنسانية تصاحبها عادة، حيث تزرع الكراهية والأحقاد والرغبة في الانتقام، سواء كانت حروباً دولية أم أهلية.
إن قواعد السلام السبع التي تطرحها المبادرة تقوم وترتبط بالثقافة فكراً ومحتوى، ذلك إن استمرار الحرب والزعم بادعاء الأفضليات وامتلاك الحقيقة، لن يجرّ سوى المزيد من الويلات، وبالتالي فإن البحث عن السلام هو القيمة الحقيقية لوضع حدّ للحروب، وخصوصاً إذا كان مترافقاً مع العدالة، إذْ لا ينبغي أن تكون الغاية شريفة، بل لا بدّ أن تكون الوسيلة كذلك، والغاية إلى الوسيلة مثل البذرة إلى الشجرة حسب المهاتما غاندي قائد المقاومة اللّاعنفية، وليس مبرراً استخدام وسيلة غير شريفة بحجة أن الوسيلة شريفة، لأن الوسيلة جزء من الغاية ولا تنفصل عنها، و«رذيلتان لا تنجبان فضيلة» مثلما «جريمتان لا تنتجان عدالة».
واستلهمت القواعد السبع لصنع السلام من التاريخ الإنساني. أولها: هو الاحترام والصدق، وذلك أساس ثقافة السلام، لأن السلام ضرورة لا غنى عنها وهذه هي القاعدة الثانية التي تحتاج إلى تفاعل وتواصل وتبادل لاستمرار الوجود البشري، وثالثها: هي الإجماع في عملية بناء السلام، ورابعها: أن السلام حاجة وينبغي أن تكون شاملة ودائمة.وخامسها إن السلام مسار متواصل، أي سيرورة طويلة الأمد يحتاج إرساؤه إلى عمل مثابر ودائم وبناء مستمر، ومثلما يقول ميثاق اليونيسكو التأسيسي: «لما كانت الحروب تتولد في عقول البشر، ففي عقولهم يجب أن تبنى حصون السلام». وسادسها: إن السلام ثقافة، أي أنها بحاجة إلى رعاية وترصين بالأدب والفن والفكر والدين والسلوك والعيش المشترك والوعي بأهمية ذلك ومن خلال الإعلام ووسائل الاتصال، لكي يترسخ ويتعزز باستمرار.وسابعها أن السلام تربية وتعليم، لا بدّ من إعداد الأجيال الحالية والقادمة عليها، ابتداء من الحضانة وحتى الجامعة.
والسلام ينبغي أن يكون درساً أصيلاً ومستمراً ودون انقطاع وعليه تدور القيم الأخرى مثل التسامح والتآزر والمساواة والعدالة والحرية والتضامن وغيرها، وذلك بوسائل عديدة منها فعل الخير وإصلاح ذات البين والوساطة وخريطة طريق وعمل مشترك وتفاعلي، خصوصاً بالمساواة بين البشر وعدم التمييز، لأن السلام مطلب جماعي إنساني شامل.
drhussainshaban21@gmail.com


23
القدس ومعركة القانون والدبلوماسية

عبد الحسين شعبان
باحث ومفكر عربي
I
   "إن أي نقاش أو تصويت أو قرار لن يغيّر من الحقيقة التاريخية، وهي إن القدس عاصمة الشعب اليهودي وعاصمة إسرائيل". بهذه اللغة الاستعلائية والاستفزازية واجه داني دانون مندوب "إسرائيل" في الأمم المتحدة قرار الجمعية العامة الصادر في 21 ديسمبر (كانون الأول) 2017، الخاص برفض قرار الإدارة الأمريكية بنقل سفارة واشنطن إلى القدس المحتلة. وأكثر من ذلك أنه اعتبر الفلسطينيين يواصلون تضليل المجتمع الدولي والاختباء خلف مداولات فارغة المضمون، بدلاً من الجلوس حول طاولة المفاوضات. فكيف يمكن النظر إلى القرار الأممي من زاويتنا كعرب ومعنيين بالفكر القانوني والحقوقي الدولي؟
   الملاحظة الأولى التي يمكن إدراجها على هذا الصعيد هو ما أثاره قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة حول القدس من جدل فقهي قانوني وسياسي واسع حول أهميته وتأثيره، ناهيكم عن إمكانية تطبيقه في الحال أو في المستقبل، لاسيّما لإصدار قرارات أخرى استناداً إليه لمنع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من تنفيذ قراره بشأن نقل السفارة الأمريكية إلى القدس المحتلة، وهو القرار الذي سبق للكونغرس الأمريكي أن اتخذه العام 1995 وكان الرؤساء الثلاثة بيل كلينتون وجورج دبليو بوش وباراك أوباما قد أجّلوا تنفيذه خلال عقدين ونيّف من الزمان.
   إما الملاحظة الثانية فهي التي تتجلّى بشبه الإجماع الدولي الذي حظي به القرار الذي نال تصويت 128 دولة داعمة له، مقابل تسعة أصوات رافضة وامتناع 35 دولة عن التصويت وانسحاب دولتين. ولعلّه من القرارات المهمة التي صدرت من الجمعية العامة بهذا القدر من الانحياز الأقرب إلى التضامن مع الشعب العربي الفلسطيني وهذا له أكثر من  دلالة وأعمق من معنى.
   الملاحظة الثالثة إن الجمعية العامة عقدت جلسة استثنائية لتصدر هذا القرار التاريخي وهي الجلسة العاشرة الاستثنائية في تاريخ تأسيس المنظمة الدولية منذ العام 1945 وحتى الآن، ولم يكن ذلك بمعزل عن معركة دبلوماسية دولية ينبغي على العرب مواصلتها، وعدم الإنكفاء بشأنها كما حصل عند إلغاء القرار 3379 الذي ساوى الصهيونية بالعنصرية، والذي صدر في 10 نوفمبر (تشرين الثاني) العام 1975 في عهد الأمين العام الأسبق كورت فالدهايم، وتم إلغاؤه في ديسمبر (كانون الأول) العام 1991، بسبب تراجع الحد الأدنى من التضامن العربي بعد غزو الكويت، واختلال موازين القوى على المستوى الدولي، إثر انهيار وتفكك الكتلة الاشتراكية.
   الملاحظة الرابعة تتعلّق بمضمون القرار فقد جاء واضحاً ويصبّ في قرارات دولية سابقة من المهم التذكير بها، وذلك برفضه أية إجراءات تهدف إلى تغيير الوضع القانوني لمدينة القدس المحتلّة واعتبار تلك الإجراءات ملغاة وباطلة، كما دعا إلى تكثيف الجهود لتحقيق السلام الشامل والعادل والدائم في الشرق الأوسط،  والتي لها وضع خاص بموجب القرار الأممي المعروف باسم قرار التقسيم رقم 181 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في 29 نوفمبر (تشرين الثاني) 1947 والذي أنشئت وفقاً له دولة "إسرائيل" في 15 مايو (أيار) 1948.
    كما أن قرار الجمعية العامة  ينسجم مع العديد من القرارات التي اتّخذتها الأمم المتحدة، وخصوصاً القرار رقم 478 الصادر عن مجلس الأمن الدولي بتاريخ 20 أغسطس (آب)  1980 بخصوص عدم الاعتراف بضم "إسرائيل" القدس إليها وفقاً لقرار صادر من الكنيست بالضد من الشرعية الدولية، وذلك بعد احتلالها العام 1967، علماً بأنها حسب قرارات الأمم المتحدة ظلّت تتمتع بوضع خاص وهو ما جاء به القرار 181 لعام 1947. والقرار 478 واحد من سبع قرارات أدانت ضم القدس من جانب "إسرائيل" واعتبارها عاصمة لها.
   يُذكر أن "إسرائيل" ضمّت القدس الشرقية إليها العام 1980 بعد احتلالها العام 1967 وأعلنتها عاصمة موحدة لها ولم يعترف المجتمع الدولي بذلك. وكان قرار المجلس الوطني الفلسطيني في الجزائر العام 1988 قد اعتبر القدس عاصمة للدولة الفلسطينية التي يعترف بها العالم، وكان مثل هذا التطوّر حصل باعتراف الأمم المتحدة بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل عن الشعب العربي الفلسطيني العام 1974 ثم قبولها كعضو العام 2012 في الأمم المتحدة ، وكذلك في العديد من المنظمات الدولية.
   الملاحظة الخامسة إن قرار الجمعية العامة جاء بعد قرار اتخذته منظمة اليونسكو يوم 18 أكتوبر (تشرين الأول) 2016 بنفي ارتباط اليهود كدين بالمسجد الأقصى وحائط البراق ويعتبرهما تراثاً دينياً إسلامياً خالصاً. كما يتساوق مع قرار اتخذه مجلس الأمن الدولي في 23 ديسمبر (كانون الأول) من نفس العام، حيث طالب فيه "إسرائيل" بوقف الاستيطان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وأكّد على  عدم شرعية إنشائها للمستوطنات منذ عام 1967 بما فيها القدس الشرقية .
   وعلى الرغم من ردّة الفعل الواسعة الشعبية والرسمية، العربية والإسلامية والدولية، بشأن قرار الرئيس ترامب، فإن مشروع القرار المقدّم إلى مجلس الأمن الدولي من جانب مصر نيابة عن فلسطين، تحاشى الإشارة إلى الولايات المتحدة بالاسم، ولكنه دعا الدول لعدم الاعتراف بالقدس عاصمة لدولة " إسرائيل" وطالبها بعدم نقل سفاراتها وبعثاتها الدبلوماسية إليها. ومع ذلك فإن الولايات المتحدة استخدمت "حق الفيتو" لمنع إصدار مثل هذا القرار.
   وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد ذهب أبعد من ذلك حين هدّد بمعاقبة الدول التي تصوّت في الجمعية العامة للأمم المتحدة، خصوصاً تلك التي تتلقّى مساعدات مالية من الولايات المتحدة. وكانت نيكي هيلي قد أعلنت عن إصرار بلادها المضي في هذا الطريق قائلة: أنه حقها كدولة ذات سيادة وأن قرار واشنطن يعكس رغبة الشعب الأمريكي.
II
   رأيان يتنازعان بشأن قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة وهما يشتبكان بخصوص اختصاصات مجلس الأمن والجمعية العامة: الأول- يعتبر القرار إلتفاف على اختصاصات مجلس الأمن الدولي. أما الثاني- فيقرر عند فشل مجلس الأمن في اتخاذ قرار يتعلّق بالسلم والأمن الدوليين، فيمكن إحالة المسألة إلى الجمعية العامة، وهناك سوابق قانونية بذلك، من أولها القرار رقم 377 والمعروف باسم "الاتحاد من أجل السلام" لعام 1950 بشأن المسألة الكورية.
   وإذا كان هناك من يعتبر قرار الجمعية العامة هزيمة لواشنطن ، فهناك من يخفّف من القيمة القانونية لمثل هذا القرار ويهوّن من حجيته القانونية على الرغم من كونه يشكّل  سابقة قانونية دولية يمكن الاستناد إليها، والمقصود بذلك القرار 377 بشأن كوريا. وكان مجلس الأمن الدولي قد أخفق في التوصّل إلى قرار بشأن الوضع في كوريا، فلجأت واشنطن إلى الجمعية العامة لتحصل على الأغلبية فيه ولتمنع الاتحاد السوفييتي في حينها من استخدام "حق الفيتو".
   وكانت الولايات المتحدة تحاول إرسال قوات إلى كوريا بإصدار قرار من مجلس الأمن، ولكنها لم تفلح في ذلك، فلجأت إلى الجمعية العامة كمخرج مناسب، خصوصاً باحتمال لجوء الاتحاد السوفيتي إلى حق استخدام الفيتو، وكذلك لإمكانها الحصول على الأغلبية فيها حين كانت موازين القوى لصالحها في الجمعية العامة. والمفارقة أن واشنطن التي تبنّت مثل هذا الخيار آنذاك، نراها اليوم ترفض نتائجه.
   وعلى الرغم من أن قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة بخصوص القدس يمثّل "توصية" هي أقل من حيث القوة القانونية التي تمتلكها قرارات مجلس الأمن الدولي، إلاّ أنه من ناحية أخرى يسمح بالذهاب لمحكمة العدل الدولية، التي من اختصاصاتها الفصل في النزاعات الدولية (بين الدول) التي تُعرض عليها وتفسير المعاهدات والاتفاقيات الدولية والنصوص والوثائق القانونية، وكذلك إصدار فتاوى استشارية، أي إصدار أحكام مدنية وليست جزائية بخصوص القضايا المعروضة عليها. ومحكمة العدل الدولية هي محكمة حقوقية تقضي بالمسؤولية المدنية والتعويض.
   واستناداً إلى هذه السابقة القانونية المهمة يمكن إقامة دعوى لطلب التعويض وهو ما حصل بعد المجازر المرتكبة من جانب صربيا، إذْ طلبت الجهات المتضرّرة من صربيا (البوسنة والهرسك من محكمة العدل الدولية العام 1993 وقف هذه المجازر وطلب التعويض). ولا ينبغي الاستخفاف بطلب التعويض أو بإصدار حكم مدني، لأن هذا الأخير لو صدر فإنه سيسهم لاحقاً بملاحقة المرتكبين عبر محكمة جنائية كأن تكون المحكمة الجنائية الدولية، والأمر يحتاج إلى طائفة من الإجراءات التي ينبغي اتباعها بما ينص عليه ميثاقها (ميثاق روما الذي صدر في العام 1998 ودخل حيز التنفيذ في العام 2002) لاتخاذ العقوبات اللازمة بموجب قواعد القانون الدولي المعاصر المعتمدة وقواعد القانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف الأربعة لعام 1949 وملحقيها بروتوكولي جنيف، الأول- الخاص بحماية ضحايا المنازعات المسلحة الدولية والثاني- الخاص بحماية ضحايا المنازعات الدولية غير المسلحة والصادران عن المؤتمر الدبلوماسي 1974-1977.
   إن هذا القرار من شأنه حمل المعتدي على وقف جرائمه، وفي حالة القدس فالمقصود جرائم الاستيطان والعنصرية، ناهيك عن الاحتلال غير الشرعي وغير القانوني استناداً إلى القرار 181، باعتبار ما حصل بشأنها من جانب "إسرائيل" يعتبر انتهاكاً للقانون الدولي وتهديداً خطيراً للسلم والأمن الدوليين، فكيف تُقدم الولايات المتحدة على مجاراة هذه المخالفة القانونية الدولية السافرة وتعترف بالقدس عاصمة لدولة "إسرائيل"، والأمر يمتد إلى من تستّر على هذه الجريمة أو تواطأ مع المعتدي، أو قام بالتدليس أو بالإكراه.
   وإذا كانت هذه جريمة دولية، فاستناداً إلى "كونية الحق" يمكن الملاحقة على الجرائم الدولية الأخرى الخاصة بالجرائم ضد الإنسانية وجرائم الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والعدوان.


24
«ثقافة السلام» و«سلام الثقافة»
                     
عبد الحسين شعبان
مثلث مؤسسة عبدالعزيز سعود البابطين، وجهاً مشرقاً للثقافة العربية، فهي لم تقتصر على الشعر فحسب، بل ساهمت في الانفتاح على الثقافات العالمية، ولاسيّما حين عملت مع منظمات دولية مرموقة لنشر ثقافة السلام من خلال إيجاد أرضية مشتركة للحوار والتواصل الإنساني. وسعت باستمرار لتقديم الوجه الإيجابي للعرب والمسلمين، ولاسيّما الصورة المتسامحة والمعتدلة.
والمتتبع لحركة الثقافة الكويتية يشعر بالاعتزاز، فقد كانت الكويت حتى قبل استقلالها مهجوسة بالثقافة وبالحداثة، ومنذ أواسط الخمسينات اتجهت لاستقطاب أدباء ومفكرين ومثقفين عرب. وكان تأسيس «مجلة العربي» وفّر زاداً معرفياً مهماً تغذّى عليه جيل متلهف للمعرفة والعلم والثقافة، وعلى مدى عقود ساهمت هي ومجلات أخرى تختص بالفكر والثقافة العالمية والفنون والإبداعات والمسرح والترجمة في تخصيب أرضية ثقافية إيجابية، للتواصل والتفاعل بين المثقفين العرب.
مناسبة الحديث هذا هو انعقاد الدورة الحادية عشرة لمهرجان البابطين، حيث أعلن فيها تأسيس «مركز البابطين للثقافة العربية» في جامعة لايدن الهولندية التي تأسست في العام 1575 وتقرّر أن يعقد «منتدى البابطين العالمي للسلام» في العام المقبل 2019 بالتعاون مع الأمم المتحدة، في إحدى المدن العالمية التي ترمز للسلام، وذلك بحدّ ذاته إحدى رسائل السلام الثقافية للعالم.
جدير بالذكر إن عبد العزيز البابطين كان قد تقدّم بمبادرة للسلام، وصدرت في كرّاس بعنوان «تأملات من أجل السلام» قدّم له وزير خارجية مالطا الأسبق ورئيس برلمانها الفخري مايكل فريندو، وتضمنت سبع قواعد من أجل السلام ووسائل تحقيقه.
وتمثل المبادرة نداءً ضميرياً ووجدانياً باعتبار السلام قيمة إنسانية عليا، وهدفاً لا بدّ من العمل على تحقيقه وأسلوب حياة، في الوقت نفسه ينبغي اعتماده لنبذ العنف وكل ما يتعلّق بسياسات إملاء الإرادة واستخدام القوة أو التهديد بها لفرض الهيمنة أو الاستقواء على الآخرين تحقيقاً لرغبات أنانية ضيقة.
إن مبادرة السلام الثقافية العربية تعكس الاهتمام الحيوي والرغبة الصادقة في الإقرار بالتنوّع والتعددية والاعتراف بالآخر بغض النظر عن معتقده ودينه وقوميته وجنسه ولغته ولونه وأصله الاجتماعي، ولن يتحقق ذلك سوى من خلال الحوار الصريح والصادق على أمل تحقيق السلام بين الدول والشعوب، وفي داخلها أيضاً، فالسلام حاجة إنسانية ماسّة وضرورية لبني البشر، ولا يمكن لأي مجتمع أن يتطور أو يتقدم دونها.
و«لا سلام حقيقياً دون عدالة» ودون تعاون من جميع الفرقاء للوصول إليه، ولعلّ مقولة مهمة تتردّد دائماً على لسان الشيخ البابطين مضمونها: «عالم بلا سلام هو عالم مظلم» وهو مظلمٌ حقاً، فالحروب بغض النظر عن طبيعتها تلحق ضرراً بالغاً بالشعوب والأفراد على حد سواء، ولاسيّما ما يستقرّ ذلك بأذهانها، وخصوصاً ما تتركه من ضحايا ومآس وممارسات لا إنسانية تصاحبها عادة، حيث تزرع الكراهية والأحقاد والرغبة في الانتقام، سواء كانت حروباً دولية أم أهلية.
إن قواعد السلام السبع التي تطرحها المبادرة تقوم وترتبط بالثقافة فكراً ومحتوى، ذلك إن استمرار الحرب والزعم بادعاء الأفضليات وامتلاك الحقيقة، لن يجرّ سوى المزيد من الويلات، وبالتالي فإن البحث عن السلام هو القيمة الحقيقية لوضع حدّ للحروب، وخصوصاً إذا كان مترافقاً مع العدالة، إذْ لا ينبغي أن تكون الغاية شريفة، بل لا بدّ أن تكون الوسيلة كذلك، والغاية إلى الوسيلة مثل البذرة إلى الشجرة حسب المهاتما غاندي قائد المقاومة اللّاعنفية، وليس مبرراً استخدام وسيلة غير شريفة بحجة أن الوسيلة شريفة، لأن الوسيلة جزء من الغاية ولا تنفصل عنها، و«رذيلتان لا تنجبان فضيلة» مثلما «جريمتان لا تنتجان عدالة».
واستلهمت القواعد السبع لصنع السلام من التاريخ الإنساني. أولها: هو الاحترام والصدق، وذلك أساس ثقافة السلام، لأن السلام ضرورة لا غنى عنها وهذه هي القاعدة الثانية التي تحتاج إلى تفاعل وتواصل وتبادل لاستمرار الوجود البشري، وثالثها: هي الإجماع في عملية بناء السلام، ورابعها: أن السلام حاجة وينبغي أن تكون شاملة ودائمة.وخامسها إن السلام مسار متواصل، أي سيرورة طويلة الأمد يحتاج إرساؤه إلى عمل مثابر ودائم وبناء مستمر، ومثلما يقول ميثاق اليونيسكو التأسيسي: «لما كانت الحروب تتولد في عقول البشر، ففي عقولهم يجب أن تبنى حصون السلام». وسادسها: إن السلام ثقافة، أي أنها بحاجة إلى رعاية وترصين بالأدب والفن والفكر والدين والسلوك والعيش المشترك والوعي بأهمية ذلك ومن خلال الإعلام ووسائل الاتصال، لكي يترسخ ويتعزز باستمرار.وسابعها أن السلام تربية وتعليم، لا بدّ من إعداد الأجيال الحالية والقادمة عليها، ابتداء من الحضانة وحتى الجامعة.
والسلام ينبغي أن يكون درساً أصيلاً ومستمراً ودون انقطاع وعليه تدور القيم الأخرى مثل التسامح والتآزر والمساواة والعدالة والحرية والتضامن وغيرها، وذلك بوسائل عديدة منها فعل الخير وإصلاح ذات البين والوساطة وخريطة طريق وعمل مشترك وتفاعلي، خصوصاً بالمساواة بين البشر وعدم التمييز، لأن السلام مطلب جماعي إنساني شامل.
drhussainshaban21@gmail.com




25
تيلرسون و«سحر» الدبلوماسية
عبد الحسين شعبان
كانت إقالة ريكس تيلرسون، وزير الخارجية الأمريكي 13 مارس/ آذار 2018، متوقّعة منذ بضعة شهور، حيث تردّد الكثير من التسريبات عن الخلاف بينه وبين الرئيس دونالد ترامب، لدرجة إحراجه خارج حدود اللياقة والبروتوكول لأكثر من مرّة. وفي الوقت الذي كان مهندس السياسة الخارجية الأمريكية يسعى إلى التهدئة، سواء بالنسبة للملف الكوري الشمالي، أو الملف النووي الإيراني، ويعمل جاهداً للتخفيف من حدّة التباعد في الموقف الأوروبي، كان الرئيس ترامب يحلّق عالياً ويتّجه بعيداً عن وزير خارجيته الذي يبحث في الملفات على الأرض، ويقوم بزيارات مكوكية للعديد من العواصم.
وإذا كان تيلرسون من مدرسة هنري كيسنجر، وزير الخارجية والأمن القومي الأسبق، وصاحب «الدبلوماسية الواقعية»، أو «الواقعية الدبلوماسية»، فهل ستكون إقالته آخر ما تبقى من طيف كيسنجر الذي تجوّل في أروقة البيت الأبيض سنوات، وترك سحره أثراً كبيراً في سياسات واشنطن؟ وهل ستكون إقالته آخر المسلسل للطاقم القيادي الذي جاء معه، أم ثمة استحقاقات أخرى؟
حسبما يبدو، فإن مسلسل الإقالات مستمر منذ أن تولّى ترامب الرئاسة، فقد شملت في اليوم ذاته الذي أقيل فيه ستيفن جولدستون، مساعد وزير الخارجية لشؤون الدبلوماسية والعلاقات العامة، وجون ماكينتْي كبير المستشارين لحملته الانتخابية القادمة لعام 2020، وفي وقت سابق استقال توم برايس، وزير الصحة، وقبله أقال ستيف بانون كبير المستشارين، والملقّب «أمير الظل، أو أمير الظلام»، وكان أنطوني سكارموتشي مدير الاتصالات في البيت الأبيض قد أقيل، كما أقال راينس بريبوس كبير موظفي البيت الأبيض، وشون سبايسر المتحدث باسم البيت الأبيض، وجيمس كومي مدير ال FBI، وإنجيلا ريد كبيرة فريق المراسم المنزلية في البيت الأبيض، كما استقال مايكل فلين من منصبه كمستشار للأمن القومي، وأقال سالي يايتيس، وزيرة العدل بالوكالة، ودانيال راجسديل، مسؤول إدارة الهجرة والجمارك، وغيرهم. كما أقال مؤخراً مستشار الأمن القومي ماكماستر، وعين جون بولتون بديلاً له.
صحيح أن النظام الدستوري الأمريكي يمنح الرئيس صلاحيات تكاد تكون مطلقة، في كلّ ما يتعلّق بالسلطة التنفيذية، ومهمة الوزراء تنفيذ قراراته، وتلبية رغباته، شريطة ألّا تتعارض مع الدستور، وإذا كان لهم حق الاعتراض، إلّا أن القرار الأخير للرئيس، فإذا أصرّ على رأيه، فللوزير الانصياع أو الاستقالة، أما الرقابة على الرئيس فهي من السلطة التشريعية، وهذه تتحدّد بمخالفة الدستور، أو الخيانة العظمى، وعندها يمكن أن تتحرّك لسحب الثقة منه، أو الضغط عليه لتقديم استقالته، وتتم المعالجة دستورياً.
وإذا كان تيلرسون قد جاء من خلفية نفطية، فإن خلفه وزير الخارجية الجديد مايك بومبيو جاء من خلفية أمنية، وفي حين كان الأول يسعى لامتصاص بعض هفوات الرئيس، واندفاعاته، وشطحاته، فإن الثاني، حسبما يبدو، كان من المعجبين والمؤيدين لسياساته، وبذلك يكون ترامب تخلّص من طاقمه الذي جاء معه، ومن الكثير ممن لم يؤيدوه الرأي.
لقد اعتمد تيلرسون على منهج كيسنجر، فأعلى من شأن الدبلوماسية واعتبرها «الأولوية في السياسة الأمريكية»، وحاول أن يهندس استراتيجية واشنطن وفقاً لنتائجها بسعيه لإدارة الأزمات على نحو هادئ، مخالفاً بذلك توجهات المؤسسة العسكرية، ومؤسسة الاستخبارات المركزية، اللتين حاولتا دفعها باتجاهات أكثر تشدداً.
وكان النفط في المقدمة من سياساته، حيث شغل تيلرسون منصب الرئيس السابق لكارتيل نفطي عالمي ضخم اسمه «إكسون - موبيل» الذي تمتّد جذوره إلى آل روكفلر، وقد كان اختياره لمنصبه بدعم من ديفيد روكفلر الذي توفى في العام الماضي (20 مارس/ آذار 2017) وهنري كيسنجر، لرغبتهما في أن يكون على رأس الدبلوماسية الأمريكية شخص قادم من خلفية نفطية، وهدفهما هو إعادة تنظيم عالمية لمجال الصناعات النفطية، عبر الحكمة الشهيرة التي تردّدت في الحرب العالمية الأولى «من يملك النفط يسيطر على العالم...» وهي التي كان كيسنجر يؤمن بها، ويحاول أن يعتمدها في علاقاته الدبلوماسية.
جدير بالذكر أن كيسنجر كان واحداً من السياسيين القلائل الذين أيّدوا انتخاب دونالد ترامب بحماسة شديدة، وكما قال إنه الأكثر تفرّداً من الذين شهدتهم استناداً إلى استراتيجية خاصة، ومن المفارقة أن الرئيس ترامب غرّد قبيل إقالة تيلرسون بثلاثة أسابيع (18 فبراير/ شباط 2018)، بقوله: إنه سيلتقي كيسنجر وسيبحث معه عدداً من الملفات منها: الملف الكوري الشمالي، والصيني، والشرق أوسطي، خصوصاً بعد قراره نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، والحملة العالمية المندّدة له، بما فيها قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة في 21 ديسمبر/ كانون الأول 2017.
ومع أن كيسنجر كان ميّالاً للواقعية السياسية وللدبلوماسية، إلّا أنه يعتقد: من الخطأ الافتراض أن الدبلوماسية وحدها تستطيع تسوية النزاعات الدولية دائماً، وهو ينظر إلى ذلك في إطار ما يطلق عليه «الواقعية السياسية» حين تكون تلك السياسة رديفة للتوجّهات المناوئة لأولوية الخيار الدبلوماسي، خصوصاً تفتيت جبهة الخصوم والمنافسين، وهم اليوم الصين وروسيا.
فهل سيكون العالم أمام تصعيد عسكري بتولّي بومبيو منصب وزير الخارجية، وهو الذي يؤمن «بأفضلية مفعول الغارات الجوية على الدبلوماسية»؟
drhussainshaban21@gmail.com



26
حصان طروادة الجديد في الانتخابات العراقية!

عبد الحسين شعبان
هل سيتكرّر مشهد انتخابات العام 2014 في انتخابات العام 2018، وخصوصاً الصراع داخل الطاقم الحاكم من «حزب الدعوة»؟ أم أن ثمة اتفاقات ستحصل في ربع الساعة الأخير، ولاسيما إذا كان الموقع الأول مهدداً أو معرّضاً للضياع.
وبتقديري أن مثل هذا الاحتمال يجعل الفريقين المتخاصمين داخل الحزب والمجموعات الشيعية الأخرى معهما، تعيد التفكير أكثر من مرة وهي تقرّر وجهة تحالفاتها النهائية، كيما يبقى «طير السعد» يحطّ في مزرعة الحزب.
وهنا قد تتداخل وتتفاعل عوامل شتى مأخوذة بالعصبيّة المذهبية من جهة، والمصلحة السياسية من جهة أخرى، للتوافق مجدداً على مرشح الوقت الضائع، مثلما كان الأمر بالنسبة لحيدر العبادي الذي وصل إلى رئاسة الوزارة بضربة حظ في ظلّ الصراع المحتدم آنذاك، فجيء به «مرشحاً للتسوية» من خارج الاحتمالات المتوقعة، خصوصاً بعد تكوّن رأي عام سياسي لغير صالح رئيس الوزراء السابق نوري المالكي، الذي أنهى حينها دورتين، وفاز في المقاعد التي تؤهله لتشكيل الوزارة في ولاية ثالثة، لكن المياه ذهبت باتجاه آخر.
ويجري الصراع اليوم بين حيدر العبادي ونوري المالكي، خصوصاً وقد تقرّر في «حزب الدعوة» أن ينزل كل فريق في قائمة مستقلة، بعد أن تعذّر عليهما الاتفاق على خوض الانتخابات في قائمة موحّدة، على أن يترك لأعضاء الحزب وجماهيره التصويت لمن تعتقد أنه أهلٌ لذلك.
وقد سعى كل فريق لجمع أكبر عدد من الحلفاء حوله لمنافسة غريمه أولاً، والفريق الآخر الشيعي المنافس ثانياً، وبالطبع لنيل أوسع قدر من المقاعد ليمكّنه وبعد صفقات محتملة لتشكيل الوزارة.
جديرٌ بالذكر أن نفوذ العبادي بدا كبيراً بفعل الانتصار الذي حققه الجيش العراقي بدعم التحالف الدولي للقضاء على «داعش»، وتحرير الأراضي العراقية، إضافة إلى سياسته الوسطية ونجاحه في تسوية الخلافات مع أربيل، بعد أزمة الاستفتاء الحادة في 25 سبتمبر/أيلول 2017، التي كادت تعصف بوحدة العراق، كما أن القوتين المؤثرتين في السياسة العراقية ونعني بهما واشنطن وطهران، قد ترغبان في استمراره.
لكن هذا السيناريو ليس نهائياً، إذ قد يستنزف الصراع على أصوات الناخبين الفريقين، فيُحدث اختراقاً من خارج الدائرة المنظورة، ولعلّ مشهد انتخابات العام 2010، غير بعيد عنّا، حين كان الصراع على أشدّه بين «حزب الدعوة» وجماعتين أساسيتين هما: «المجلس الإسلامي الأعلى» و«التيار الصدري» الذي كان بينه وبين المالكي «ما صنع الحداد»، بسبب «صولة الفرسان» البصرية ضدّه.
خلال تلك الانتخابات تسلّل فريق ثالث جمع عدداً من الأحزاب والكتل التي عملت باسم المجموعات السنّية، سواء على نحو مباشر أم غير مباشر، وكان حصان طروادة في هذا السباق هو رئيس الوزراء العراقي الأسبق إياد علاوي، ليحصل على 91 مقعداً، في حين حصل غريمه المالكي على 89 مقعداً، وكان تفسير المحكمة الدستورية العليا، للنص الدستوري بشأن الكتلة الأكبر لصالح المالكي، الذي تحالف مع آخرين في البرلمان لاستعادة الموقع الأول وتأليف الوزارة، خصوصاً بعد مساومات مع الحركة الكردية وحكومة الإقليم، وهي التي كانت بؤرة لخلافات لاحقة كادت أن تكون مستعصية.
فهل سيتكرر المشهد بانتخابات 12 مايو/أيار 2018، حيث الصراع بين المالكي (دولة القانون) والعبادي (النصر)، فتندفع كتل أخرى للتحالف منافسة لهما منها (الفتح)، التي يمثل ركنها الأساسي جماعات الحشد الشعبي: كتلة بدر (هادي العامري)، وعصائب أهل الحق (قيس الخزعلي)، وكتائب «حزب الله» وكتائب الإمام علي، وكتلة النجباء وآخرين، يقابلها ائتلاف «سائرون»، الذي أسسه السيد مقتدى الصدر بعد إنشاء حزب الاستقامة، وذلك بالتحالف مع قوى يسارية، وإن كانت صغيرة، لكن لديها نفوذ معنوي مثل الحزب الشيوعي، وحركات وتجمعات وكتل مختلفة ومتناقضة، تسعى كل منها للوصول إلى البرلمان، عبر التحالف مع قوى احتجاجية من جهة، ولها ثقل في الشارع من جهة أخرى، لاسيّما أنها تعلن عن محاربة الفساد والإثراء من المال العام.
وعلى الضفة الأخرى تعاد تحالفات قديمة جديدة بين كتلة ائتلاف الوطنية بزعامة علاوي، وبمشاركة من كتل سنّية مثل صالح المطلق، نائب رئيس الوزراء الأسبق، ورئيس البرلمان الحالي سليم الجبوري، ومجموعات أخرى، في حين استمر نائب رئيس الجمهورية الحالي أسامة النجيفي في تحالف «متّحدون»، بالتعاون مع رجال أعمال سنّة وقوى سنّية متفرقة، ولاسيّما في الموصل.
وإذا كانت تحالفات الحشد والجماعات الشيعية الأخرى تحظى بدعم إيران، فإن تحالفات علاوي والصدر والنجيفي تحظى بدعم عربي، دون إهمال الدعم الأمريكي، سواء كان مباشراً أم غير مباشر، وقد تكون النتائج والاصطفافات التي تترتّب عليها، لاسيّما إذا انحاز الصدر إلى مجموعة علاوي، مرجّحاً موضوع الكتلة الأكبر، خصوصاً حين يتم التحالف مع القوى الكردية ومجاميع شيعية أخرى، وهو الذي يجعل احتمال مشهد العام 2014 ماثلاً، وإن كان البديل ليس من حزب الدعوة هذه المرّة، إذا تعذّر بقاء العبادي.
drshaban21@hotmail.com



27
المنبر الحر / حوار عربي- كردي...
« في: 18:44 15/03/2018  »
حوار عربي- كردي...
عبد الحسين شعبان
باحث ومفكر عربي

تأتي مبادرة الحوار العربي - الكردي، التي دعا إليها سمو الأمير الحسن بن طلال في عمان، كجزء من جهد غير حكومي لنخب فكرية وثقافية وأكاديمية وكأنها عكس التيار السائد، ففي حين يرتفع منسوب العنف ويستشري الإرهاب ويتفشّى التعصب وينتشر التطرّف وتندلع حروب أهلية ونزاعات مسلحة في العديد من البلدان العربية ، هناك من لديه رؤية مغايرة استشرافية ونقدية.
وتنطلق الفكرة من رصد  إيجابي للعلاقة الاستراتيجية التاريخية البعيدة المدى بين العرب والكرد، تلك التي تحتاج إلى وعي ضروري لتعزيز "الجوامع" وتقليص "الفوارق" واحترامها، من خلال المصارحة وصولاً للمصالحة، سواء بما يتعلق بحلّ الخلافات بين بغداد وإربيل ، من جهة أم التنبيه إلى مخاطر التداخل الإقليمي ، التركي والإيراني من جهة ثانية، دون نسيان العامل الدولي المؤثر على الأحداث الراهنة ومستقبل المنطقة ، وخصوصاً النفوذ الأمريكي والروسي.
وفي الوقت الذي كان الحوار يحتدم حول القيم والمبادئ والمصالح المشتركة والمنافع المتبادلة، كانت الغوطة تتعرض لمأساة إنسانية، بالترافق مع توغل الجيش التركي في عفرين السورية  وجبل قنديل في العراق، بزعم ملاحقة حزب العمّال الكردستاني PPK، لكن ذلك لم يمنع مثقفون مؤمنون بالحوار من التصميم على مواصلته والانفتاح على الآخر والبحث عن المشترك الإنساني.
وتعود حكاية الحوار العربي - الكردي الذي انطلق قبل أكثر من ربع قرن إلى العام 1992 ، حيث تم تنظيم أول حوار في لندن من جانب المنظمة العربية لحقوق الإنسان، ولكنه تعثّر بسبب اندلاع القتال الكردي - الكردي 1994-1998، ثم بوشر به في العام 1998 في القاهرة، ونشأت تحت هذه المظلّة جمعيات ومنظمات دعت إلى استمراره، لكن الخلاف بين بغداد وإربيل، طغى على صوت الحوار والعقل، لاسيّما حين تأزمت العلاقة، التي نجمت عن إقدام إربيل على إجراء استفتاء للاستقلال في 25 سبتمبر (أيلول) 2017، اعتبرته بغداد مخالفاً للدستور واتّخذت خطوات عديدة للضغط عليها، أولاً لثنيها عن الاستمرار فيه، وثانياً لردعها من اعتماد نتائجه.
ولم يكن ذلك بمعزل عن التداخلات الإقليمية، حين انضمت طهران وأنقرة إلى بغداد في ردود فعلها العملية، سياسياً وإعلامياً واقتصادياً وتجارياً، فضلاً عن دعمهما لاستعادة المنافذ الحدودية والمطارات التي كانت بغداد تطالب بها ، إضافة إلى قضايا عُقدية معتّقة مثل كركوك وبعض المناطق التي تسمّى " متنازع عليها ". وامتنعت بغداد بسبب الخلافات من دفع رواتب الموظفين في إقليم كردستان، إلّا إذا أعادت إربيل واردات تصديرها للنفط البالغ 300 ألف برميل يومياً، أي نحو 10% من الإنتاج العراقي للنفط.
إن واحداً من تجلّيات الحوار هو التفكير بصوت عالٍ وتبادل الرأي والاستئناس بوجهات النظر، لتكوين تصوّر يمكن أن يفيد أصحاب القرار ويُسهم في تخفيف حدة  التوترات، وتلك إحدى أهداف "منتدى الفكر العربي"، منظّم هذا الحوار، الأمر الذي يُستحسن مأسسته وتوسيعه بإشراك نخب سياسية وثقافية عربية وكردية فاعلة فيه. كما أنّ الحوار يمكن أن يكون نواة لحوار مثقفين من دول الإقليم عرباً وتركاً وفرساً وكرداً، يأخذ بنظر الاعتبار حسن الجوار واحترام الخصوصيات وعدم التدخل بالشؤون الداخلية ، وعلى أساس المصالح المشتركة.
 لم يشعر المتحاورون أنهم فريقان متناحران، لكي يتشبث كل منهما برأيه على أساس المغالبة والمطاولة، بل اجتمعوا كمثقفين جمعتهم هموم إنسانية مشتركة أساسها الحرية والعدالة وحق تقرير المصير، دون أن يعني ذلك عدم وجود اختلاف بينهم حول التاريخ واللحظة الراهنة والمستقبل، وهذا أمر طبيعي ونكرانه هو الذي قاد إلى الاحتراب والاقتتال، سواء محاولات فرض الهيمنة والاستتباع بزعم الأغلبية والاستعلاء أحياناً، أو التفلت والانقسام بزعم المظلومية وضيق الأفق أحياناً أخرى.
وإذا كانت الدعوة قد وجّهت بالأساس إلى عدد محدود من العراقيين العرب والكرد، وعدد آخر من المثقفين من غير العراق، ومن البلد المضيف (الأردن) ، فإن الهدف منها أيضاً هو فتح قناة للتواصل، بحيث يكون الحوار مجسّاً من مجسّات العلاقة، يمكن تطويره للمعرفة الفعلية والمباشرة لما يفكّر به الطرفان، وهو العنوان الذي اجتمع تحت لوائه المتحاورون، والموسوم بسؤالين متقابلين: ماذا يريد العرب من الكرد؟ وماذا يريد الكرد من العرب؟ والأمر لا يتعلّق بالسياسة وتعقيداتها وتقاطعاتها فحسب، حتى وإن كانت محورية وأساسية، بل بالاقتصاد والتجارة والثقافة والأدب والفن والتراث والتاريخ واللغة وغيرها، بما يسمح بإقامة علاقات متكافئة أساسها الاحترام المتبادل للخصوصيات، مع مراعاة الهوّية العامة الجامعة والمواطنة المتكافئة والمتساوية، دون إقصاء أو تهميش.
إن القصد من الحوار المعرفي- الثقافي هو التواصل والتفاعل والترابط، وليس الترابح والتناحر والتدافع، وإنما التفكير بحلول عقلانية وسلمية وإنسانية لإدراك حقيقة إن أي احتراب سينعكس سلباً على الطرفين، ولن يستفيد منه سوى أعداء الأمتين العريقتين العربية والكردية وعلى أمم الإقليم، وهو ما حمل سمو الأمير إلى الدعوة للبحث عن كيفية استئناف المسار الذي يؤدي إلى "عصبة أمم مشرقية".



28
"المسيحيّون في المشرق العربي - نحو دولة المواطنة"*
عبد الحسين شعبان
أكاديمي ومفكـّر عربي

"آسف لم يكن لديّ الوقت لكتابة ملاحظات مكثّفة، فكتبتُ هذه المخطوطة"
   كان ذلك ما أجاب به فريدريك أنجلز رفيقه كارل ماركس، الذي طلب منه كتابة ملاحظات حول مخطوطة كان قد أرسلها له، فانتظر عدّة أشهر، ولكنه فوجئ حينما وصلته حزمة أوراق هي أقرب إلى "مخطوطة" مع رسالة من سطر واحد، لكنّها كثيرة الدّلالات وعميقة المعاني، ويتلخّص مضمونها باعتذار عن التّأخير، وكان السّببُ كما برّر هو "ضيق الوقت". هذا ما واجهته حين طُلب مني تقريظ كتاب الدكتور "نائل جرجس" القيّم، لأنّ التركيز يحتاج إلى تكثيف وتـأمّل وتأنٍّ، أي يحتاج إلى "وقت" كافٍ، وهو ما افتقدته.
   أستهلُّ كلامي من العنوان "المسيحيّون في المشرق العربي - نحو دولة المواطنة"، وهو يتضمّن فكرة الوجود المسيحي وفي الوقت نفسه الدعوة الحثيثة لإقامة دولة المواطنة، ولكن لماذا المسيحيّون؟ ألأنّ استهدافهم في المشرق العربي بات قضية وجود؟ أم لأنّ وجودهم بحدّ ذاته أصبح قضية تتعلّق باستهداف الدولة الوطنية ذاتها مثلما يتعلّق الأمر بمستقبلها؟
   فإلغاء الوجود المسيحي يعني هدم ركن أساس من أركان الدولة العصرية التي يُفترض بها أن تقوم على المواطنة، مثلما يعني حذف جزء مهم وأصيل من تاريخ مجتمعاتنا، ناهيك عن بتره من حاضرنا، "فالمسيحيّون ملح الأرض" كما قال السيد المسيح، وهم متجذّرون فيها وليسوا "أغراباً" أو "وافدين"، وهم أهل البلاد قبل مجيء الإسلام وبعده، بل شركاء فيها، كما ورد في القرآن الكريم: "ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يَـمْـتَـرون" (سورة مريم، الآية 34).
   أتـوقّـف عند ذلك لأنني لا أريد أن يستغرقنا التاريخ، وليس القصدُ في ذلك إهماله أو نسيانه أو الافتئات عليه، حتى وإنْ كان التاريخ "مراوغاً" على حدّ تعبير هيغل، وإنما أفضّل مناقشة واقع الحال، علماً بأن التاريخ لا يكتبه المؤرّخون وحدهم، بل يكتبه الأدباء والفنانون حسب غوركي، لأنهم يشتركون في هواية الغوص في التفاصيل، لكنّها غواية البحث عن الحقيقة دون أدنى شك.
- I -
   أنطلقُ في قراءتي لكتاب الدكتور جرجس من بعض الاستنتاجات التي خـلُصَ إليها وحاول أن يدرجَها في خاتمة كتابه، والتي تتناول عدداً من المفاهيم والأطروحات ذات الصّلة بالعنوان الفرعي الذي وضعه، والمقصود بذلك "دولة المواطنة"، وأهمّها: العلمانية التي يعتبرها "الحلّ الأمثل لتحرير المشرق العربي" واقْتَرحَ نموذجاً شبيهاً بالحالة التركية.
   والديمقراطية ودولة القانون، إذْ كان غيابهما سبباً في تدهور الظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وفي تنامي "التطرّف الإسلامي والإرهاب والعنف، الذي يحصد أرواح المسيحيين وغيرهم من المواطنين..." وهي استنتاجات وردت في ثنايا الكتاب، وشكّلت خيطاً ناظماً لفصوله وهو ما يحتاج إلى إضاءات ترتبط بخصوصية كل حالة وتجربة.
   وهو يعتبر الديمقراطية "الضمانة المثلى لإرساء السّلام والعدالة..." إذْ أن "دمقرطة" الشرق الأوسط هي الأساس لتحقيق احترام حقوق "الأقلّيات" وضمان اندماجها في مجتمعاتها. كما يدعو إلى اعتماد "الديمقراطية التـوافقيّة" لأنّها "تمثيل فئات الشّــعب كافّــة وحتى تقاسم السّلطة بينها"، ويستبعد فكرة النظم البرلمانية ونظام الحكم الرئاسي لأنّهما لا يلبيّان ما يطمح إليه.
   ووفقاً للعديد من التجارب يمكن اختيار "الديمقراطية التوافقية" لفترة انتقالية محدودة، أي لتجاوز مراحل الانتقال والتحوّل الديمقراطي، التي غالباً ما تكون عسيرة، كما أنّها قد تؤدّي إلى المحاصصة والتقاسم الوظيفي، الديني أو المذهبي أو الإثني أو غير ذلك، في حين أنّ حقوق الإنسان وحدها تؤدّي إلى نوع من "التطامن" في تلبية حقوق المجموعات الثقافية المشروعة، وهي التي يمكن أن تؤمّن الضمانات الضرورية وخصوصاً في المجتمعات المتعدّدة الثقافات، لأنه حتى الديمقراطية التي هي في التعريف "المبسّط" حكم "الأغلبية" قد تقود إلى تهميش أو إقصاء مجاميع ثقافية، دينية أو سلالية أو لغوية أو غيرها.
   أمّا بخصوص الحالة التركية "صلُحت أم لم تصلح؟" فـإنّه لا يمكن تعميمها وإنْ كانت الاستفادة من التجارب جميعها ضرورية ولكن دون استنساخ أو تقليد، نظراً لاختلاف الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وتاريخ تطوّر كل بلد.
   ويطرح المؤلّف موضوع الفيدرالية وإنْ كان بتردّد، فهو معها لأنّها يمكن أن تحدّ من انتهاك حقوق المسيحيّين والحفاظ على هويّتهم وتعزيز حقّهم في تقرير مصيرهم، لكنّ الطّابـع الدّيني يمكن أن يتحوّل إلى نوع من التقسيم أو إلى نظام طوائف (لبنان مثالاً) ويستبعد الانفصال أو الاستقلال وقد وجدتُ ذلك ملتبساً.
   وبعد أن يسلّط الضوء على عدد من العناوين الخاصة بحقوق الإنسان وتطبيقات الفكر الإسلامي المعاصر على غير المسلمين، والمساواة في دساتير دول المشرق العربي، يستعرض بعض الخلاصات المهـمّة منها: عدم تطوّر العقلية العربية المشرقية وانخفاض مستوى الوعي الحقوقي، وعدم تمـثّل مفاهيم الحداثة وطغيان الهـويّة الدينية على مبادىء المواطنة وعدم إقرار مبادىء المساواة، وهي خلاصات أجدُني متّفقاً معها.
   ويـركّز المـؤلّف على عدد من الحلول التي نشترك معه في خطوطها العريضة ومنها الإقرار بالتعدّدية وصياغة قوانين وتشريعات أحوال شخصية خالية من أشكال التّمييز مع مراعاة الاتفاقيات الدولية وسنّ قانون زواج مدني (والمقصود قانون موحّد)، وإنْ كانت الفكرة غير واضحة لأنّه ربطها مع إمكانية المحافظة على قوانين الأحوال الشّخصية لكلّ طائفة، ناهيك عن مراجعة المناهج التعليمية والتّربوية وتحريم الحضّ على الكراهية والعنف وهي مسألة جديرة بالاهتمام، ويمكن أن نضيف الدّور المهمّ والبارز الذي يمكن أن يقوم به المجتمع المدني كـ"قوّة اقتراح" و"مشاركة"، وليس "قوّة احتجاج" و"اعتراض" وحسب، إضافة إلى ضرورة "إصلاح الفكر الديني" وتنقيته من كل ما علق به من شوائب لا علاقة لها بالدين، كما ينبغي التمييز بين الدين والنصّ الإلهي والتفسير والتأويل الفقهي، فهذه الأخيرة من صنع البشر وهم خطّاؤون.
- II -
   أرى أنّ الباحث في جهده المضني قد نجح في مقاربة عدد من الأطروحات والمفاهيم ذات العلاقة بالشرعة الدولية لحقوق الإنسان، مستخدماً - على نحو متقن ودقيق - مصادر ومراجع مـهمّة ومعتمدة، في إطار منهجيّة وضعها لنفسه بأسلوب سلس ولغة متماسكة، ما يفتح الشهيّة لنقاش حقوقي ومعرفي وثقافي، فيما يتـعلّق ببعض المفاهيم التي طرحها مثل "الأقـليّة" و"الأكثرية" وهي مصطلحات بحاجة إلى رؤية مـوحّدة إزاءها نظراً لما تحمله من إغراض وقصدية حتى وإن استخدمتها "الأمم المتحدة" في "إعلان حقوق الأقـليّات" الصادر العام 1992 و"إعـلان حقوق الشعـوب الأصلية" الصادر العام 2007، وهنا يمكن أن نُــدرج عدداً من التناظرات فيما يتعلّــق بالهويّة، بقدر ما يرتبط بالعنوان الذي نناقشه، فهناك هـويّة ثابتة وأخرى متحوّلة، وهناك هويّة ساكنة وثانية متحرّكة.
   لقد توّلدت عندي قناعة منذ نحو ثلاثة عقود من الزمان عن عدم استخدام مصطلح "الأقليّة" و"الأغلبيّة" إلاّ "مجازاً"، لا سيّما بخصوص المجموعات الثقافية ولا أقول "الأقلّيات" لأنّها تستبطن ضمنيّاً عدم المساواة والهيمنة من جهة، والاستتباع والرّضوخ من جهة أخرى. وأفترض أنّها مصطلحات تصلح لتوصيف القوى والتجمّعات السّياسية والحزبية والكتل البرلمانية وليس "المجتمعات المتعدّدة الثقافات"، لأنّ المسألة لا تـتعلّق بالعدد والحجم، إنّما لها علاقة بالحقوق المتساوية التي ينبغي أن تتـمتّع بها المجموعات الثقافية صغيرها وكبيرها، بغضّ النظر عن عددها.
   الأمر الذي توقّفتُ عنده باجتهاد حاولت أن أحاجج فيه بأكثر من محفل وبحث وكتاب، ويمكن الإشارة هنا إلى كتابين الأوّل بعنوان: "فقه التسامح في الفكر العربي - الإسلامي - المواطنة والدولة"، والثاني: "أغصان الكرمة - المسيحيّون العرب"، لما لتلك المصطلحات من دلالات وانعكاسات على مجمل النّظام السّياسي ومبادىء المواطنة التي تقوم على الحرّية والمساواة والعدالة والشّـراكـة والمشاركة.
   أضف إلى أن ثـمّة هـويّة عـامّة أو شاملة وهـويّة فرعية أو خاصة، والهويّة سواء أكانت "أقلّـويّة أو "أغلبـويّة"، فهي قد تكون مضطهَدة أو مضطهِدة!! مثلما يمكن أن تكون الهويّة مفتوحة أو مغلقة، وتتوزّع الهويّات الفرعية أحياناً بين الإثنيات والأديان والسلالات واللّغات والآيديولوجيات.
- III -
   سأحاول أن أضعَ سيناريوهات هي أقرب إلى الأوهام التي عاشت معنا بخصوص حلّ مسألة الهويّات، دينية كانت أو إثنية أو غيرها، إذْ لا أجد هناك حلولاً مطلقة أو نهائية أو سرمدية لهذه المسألة، لأنّها تشبه الكائن الحي في تطوّرها وتفاعلها، إذْ أنّها كالحقوق الإنسانية تتخالق على نحو لا محدود. وفي هذا المجال يطيب لي أن أشتبك ودّياً مع المنظومة المعرفية والحقوقية التي يتبنّاها المؤلّف اتّفاقاً وتمايزاً.
   السّيناريـو الأوّل أو الوهم الأوّل - إنّ الدول الصّناعية والمتقدّمة والدّيمقراطية والعلمانية والليبرالية حلّت مسألة الهويّة، بإقرار مبادئ المواطنة، لكنّ مثل هذا الحل كان مبتوراً وظرفياً وغير متكامل، لأنّ حاجات الإنسان في تطوّر دائم، الأمر الذي يتطلّب تعميقاً وتطويراً تلبية لاحتياجات جديدة تعبّر عن الهويّة في حقب زمنية لاحقة.
السّيناريو الثّاني أو الوهم الثّاني - إنّ تحقيق المواطنة الكاملة والمساواة التامّة في الدول الديمقراطية العلمانية المتقدّمة ذات التوجّه الليبرالي، يدفع صراع الهويّات إلى الخلف، لكنّ ذلك، مثلما تُبيّن التّجربة، لم ينهِ الصراع أو الجدل أو التفكير في خيارات وبدائل لانبعاث الهوّيات الفرعيّة.
وهناك نماذج كثيرة مثل الصّراع بين الوالانيين والفلامانيين في بلجيكا على الرّغم من أنها دولة ديمقراطية وفيدرالية وعلمانية والمواطنة المتساوية فيها محترمة، وكذلك رغبة كاتالونيا وإقليم الباسك بالانفصال عن إسبانيا ومقاطعة الكيبك عن كندا، واسكوتلاندا عن بريطانيا، وحساسيّات ومشاكل جنوب فرنسا وجنوب إيطاليا وغيرها، إذْ توجد نحو 20 مسألة تتعلّق بحقوق المجموعات الثقافية تنتظر حلولاً ومعالجات مُرضية في الغرب.
الفارق الأساسي بين مجتمعاتنا والمجتمعات الديمقراطية هي أنها تمتثل لحكم القانون في حلّ خلافاتها وهو ما سعى المؤلّف لإبرازه ونتّفق معه، أي أنهم يلجأون إلى السلم والاحتكام إلى الدستور وإلى التفاهم والتسويات الرّضائية، في حين أنّ النزاع لدينا ينتقل إلى الوسائل العسكرية والعنفية، وأحياناً يتمّ الاستقواء بأطراف خارجية تزيد اللوحة تعقيداً.
السّيناريو الثّالث أو الوهم الثّالث - اعتقادنا أنّ الدول الاشتراكية السّابقة حلّت مسألة الهويّة، حتى ظنّ البعض أنّ ألمانيا الديمقراطية أصبحت "أمّة منفصلة" عن الأمّة الألمانية، وهو ما تبنّاه دستورها في العام 1977 بحكم نظامها الاجتماعي، لكنّ هذا الوهم سرعان ما أثبت "قصر النظر"، وأدّى لدى فريق من الذين كانوا ينظرون إلى التجربة الاشتراكية باعتبارها "قوّة مثل" و"نموذج رائد"، إلى القنوط واليأس والإحباط، خصوصاً بعد أن اندلعت الموجة الدينية والطائفية، بكلّ بدائيّتها في العديد من الدول الاشتراكية السابقة، وقادت هذه إلى انقسامات وحروب طاحنة، فيوغسلافيا انشطرت إلى ستة أقسام والاتحاد السوفييتي إلى خمسة عشر قسماً، وانفصلت جمهورية تشيكوسلوفاكيا مخملياً إلى جمهورية التشيك وجمهورية السلوفاك، ولا تزال الحروب والصّراعات قائمة والحلول بعيدة المنال، كان آخرها بين روسيا وأوكرانيا، خصوصاً بشأن شبه جزيرة القرم.
السّيناريو الرّابع أو الوهم الرّابع - إنّ صراع الهويّات ينحصر في العالم الثالث، لكنّ ذلك ليس صحيحاً بالكامل، فقد استطاعت بلدان "عالمثالثية" أن تجد طريقها الخاص إلى الديمقراطية وتجد حلولاً لقوميات وأديان ولغات متعدّدة، مثل الهند وماليزيا، اللّتين لهما هويّات موحّدة، مع الهويّات المتعدّدة الدينية والطائفية والإثنية والسلالية واللّغوية، المختلفة والمتعايشة والمتصالحة في الآن، دون أن يختفي الصّراع أو الجدل المحتدم بينها، وهناك تجارب أخرى على هذا الصعيد، والمسألة مرهونة بنوع نظام الحكم من جهة، ومن جهة أخرى بالخيارات المجتمعيّة ودرجة التوافق الوطني والثّقافي، ووسائل التعبير عن الشعور بالتميّز والخصوصيّة.
السّيناريو الخامس أو الوهم الخامس – ترفُّعنا عن التخويض في المسألة الدينية وذيولها الطائفية، بزعم "علمانيّـتنا" وإيماننا بالهويّة الوطنية الجامعة، العابرة للطوائف والإثنيات، باعتباره الحلّ الأمثل، لكنّ ذلك لم يكنْ إلاّ هروباً إلى الأمام وعدم مواجهة المشكلة التي تعيش بيننا، حتى إذا ما استفحلت أصبحت الحلول المطروحة لمعالجتها شحيحةً ومحدودةً، خصوصاً وقد تمّ استثمارها من قوى خارجية إقليمية ودوليّة.
ويبقى النموذج "الداعشي" مثالاً صارخاً في استهداف المسيحيّين، لا سيّما بفرض "التأسلم" عليهم أو مطالبتهم بدفع الجزية أو الرحيل، وإلاّ فإنّ القبور المفتوحة تنتظرهم. وذلك جزء من مخطّط بعيد المدى يسعى منذ عقود لتفريغ المنطقة من أهلها الأصليّين ليتحكّم أصوليّوها، ابتداءً من فلسطين مروراً بلبنان والعراق وسوريا ومصر وغيرها. فداعش ودولة الخلافة "الخالصة" هي الوجه الآخر لدولة "إسرائيل" اليهودية "النقية".
- IV -
   والآن لماذا يُستهدف المسيحيّون وهل حقّاً هم "أقليّة"؟
   عدّة أسباب تقف خلف استهداف المسيحيّين وتتزامن مع نشوء تيار "أصوليّ" متطرّف ومتعصّب، سواء اتّخذ اسم تنظيمات "القاعدة" أو "داعش" أو "جبهة النصرة" (جبهة فتح الشام) أو أي مسمّى آخر، وواكبه احتلال العراق وما تركه من ردود أفعال على شعوب المنطقة.
   السّبـب الأوّل: دفع المسيحيّيـن للهجرة لترسيخ الاعتقاد السّائد - وخصوصاً لدى المجتمعات الغربية - على أنّ المسلمين لا يريدون العيش مع المسيحيّين في دول المشرق، وجوهر المشكلة هو تعـصّبهم وتطرّفهم حتى مع سكان البلاد الأصليّين. هذا ما تروّج له الصهيونيّة العالمية، وقد لقي صداه في الغرب لدرجة أنّ هناك "رُهاب" من الإسلام وهو ما يُطلق عليه "الإسلامفوبيا".
   السّبـب الثّانـي: تمزيق النّسيج الاجتماعي لمجتمعات وشعوب أصيلة ومتجذّرة في تعايشها وشراكتها، الأمر الذي سيؤدّي إلى مضاعفة أسباب الهجرة. وهنا تبرز مسألة معالجة "الاندماج والإدماج" التي تحدّث عنها الدكتور جرجس، والتي ربطها بفكرة المواطنة.
   السّبـب الثّالث: إظهار عدم التّعايش "الإسلامسيحي" في الشرق، مما يعني عدم رغبة المسلمين في التعايش مع الغرب المسيحي، حيث يوجد ما يزيد عن 15 مليون مسلم يعيش في أوروبا وأميركا وكندا وغيرها، وهو ما يثير مشكلات تتـعلّق بالهويّات وتفاعلها.
   السّبـب الرّابع: تشويه صورة العرب والمسلمين بشأن الأديان الأخرى، والدليل محاولة "استئصال" المسيحيين وهو ما تتعـكّز عليه "إسرائيل" مستفيدة في دعايتها السوداء من الأعمال الإجرامية لداعش والجماعات الإرهابية، لأنّها  تدّعي أنّ صراعها مع العرب والمسلمين هو صراع دينيّ تناحريّ إقصائيّ لا يمكن حـلّه. وبما أنّ المسلمين يزيد عددهم على مليار ونصف المليار إنسان، فهذا يعني أنّهم يريدون "استئصال" اليهود من الوجود.
   وتستهدف "إسرائيل" من وراء ذلك استدرار العطف من جهة وكسب الغرب والعالم إلى جانبها من جهة أخرى، باعتبارها "ضحية".
   وهكذا يختفي بطريقة مبرمجة ومدسوسة الجانب العنصري الصهيوني المتعصّب في الصراع مع العرب ليصبّ في مصلحة "إسرائيل"، التي تغتصب الأرض وتطرد سكانها الأصليين وتمارس العدوان منذ قيامها وحتى يومنا.
   السّبـب الخامس: ضيق هامش الاعتراف بالتنوّع والتعدّدية وادّعاء الأفضليات والزعم باحتكار الحقيقة، وبالطبع شحّ مساحة الديمقراطية في العالم العربي وتدنّي مستوى الحرّيات العـامّة والشخصية، ما شجّع خلق بيئة خصبة لنمو العنف والإرهاب والاستبداد، حيث تجد التنظيمات الإرهابية ضالّتها في استهداف الآخر، لا سيّما المسيحيين وأتباع الأديان الأخرى.
   السّبـب السّــادس: استنزاف طاقات علميّة وفكريّة وفنيّة وأدبيّة يمتلكها المسيحيون، فضلاً عن كفاءات اقتصادية واجتماعية هائلة تشكّل الموزاييك المجتمعيّ والتنوّع الطائفي. وفي ذلك خسارة كبرى لشعوب المنطقة وطاقاتها البشرية وإضعاف لدولها الوطنية.
   السّبـب السّابـع: إضعاف التضامن المسيحي الدولي مع شركائهم المسلمين في الشرق وتحديداً فيما يخصّ القضية الفلسطينيّة علماً أن مسيحيّي الشرق، خصوصاً الذين يعيشون في الفاتيكان قد دافعوا عن عروبة فلسطين بقوّة وجدارة، وقد رفض الفاتيكان حينها قرار التّقسيم رقم 181 الذي صدر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة العام 1947، وهو ما ورد على لسان رئيس أساقفة نيويورك سبلمان Spelman انطلاقاً من فكرة أنّ أرض فلسطين كلّها مقدّسة بالنّسبة للمسيحيّة، وذلك بعد إعلان بريطانيا انتدابها على فلسطين وإحالة القضية إلى الأمم المتحدة. وهنا أستحضر الموقف الريادي للمطران كبوجي.

- V -
   خلاصة القول: كان المسيحيّون وسيبقون جزءًا من النّسيج الاجتماعي والسّياسي والتاريخي لبلدان المنطقة وشعوبها، ولعلّ واحداً من سرّ جمال التكوينات الثقافية العربية، لا سيّما للمشرق العربي هو التنوّع والتعدّدية التي عرفها، لكنّ المنطقة ولأسباب موضوعية وأخرى ذاتية، شهدت هجرة مسيحيّة في العقود الأخيرة الماضية، وإذا كان المسيحيّون قبل نحو قرن من الزمان يشكّلون نحو 20% من سكان المنطقة، فإنّهم اليوم أقل من 5% وقد تتراجع نسبتهم كلّما ارتفعت موجة العنف والإرهاب التي تدفعهم للهجرة خصوصاً بازدياد درجة معاناتهم وشعورهم بالاستلاب.
   وقد حاولت "إسرائيل" منذ احتلالها فلسطين التركيز على تهجير المسيحيّين، وفصلهم عن المسلمين، بهدف تفريغ الوطن منهم بزعم أنّ الصراع ديني وهو بين المسلمين واليهود، وليس صراعاً كيانيّاً حقوقيّاً يـتعلّق بشعب احتُـلّت أراضيه، وبين مغتصب ومستعمر استيطاني إجلائي.
   وحين أقول إنّ المسيحيين ليسوا "أقليّة" فلأنّ أغلبيتهم عرب وهؤلاء بالطبع "أغلبية" في بلدانهم، كما أنّ الأكثرية السّاحقة منهم تعتبر الرابط العروبيّ وخصوصاً اللّغة العربية هي التي تجمعهم بأوطانهم وبشركائهم، ناهيك عن دورهم التنويري والحداثوي ومساهمتهم في نضال أمّتهـم وشعوبها من أجل انبعاثها الحضاري.
   "المسيحّيون في المشرق العربي" موضوع راهني ومستقبلي لأنّ معالجة قضايا التنوّع والتعدّدية وحقوق المجاميع الثقافية ترتبط بصميم المواطنة ودولة القانون والحقّ. وهو ما حاول الدكتور نائل جرجس عرضه بتقديم رؤى وتصوّرات وطرح حلول وإجابات ناجعة، وإن تغـلّب فيها السياسي أحياناً على الحقوقي، وهو ما يثير أسئلة متشابكة ومـعقّدة بقدر تعقيدات الواقع العربي بحاجة إلى حوار معرفي وموضوعي، بحيث تنسجم المقدّمات النظرية الحقوقية مع الاستنتاجات العملية ولا يترك للأحكام المسبقة أن تأخذ طريقها في إطار البحث العلمي. ويتطـلّب الأمر تكوين رأي عام مجتمعي يؤمن بالمشترك الإنساني ويقرّ بمبادىء المساواة والعدالة والشراكة في فضاء من الحرّية، كيما تصبح مبادىء المواطنة ملزمة على صعيد الدولة والمجتمع.

29
نقض «الرواية «الإسرائيلية»»
عبد الحسين شعبان
في الحلقة النقاشية التي نظّمها «منتدى الفكر العربي» في عمان، برعاية الأمير الحسن بن طلال، انصبّت المناقشات حول «مستقبل القضية الفلسطينية في إطار المشرق العربي» بمراجعة تاريخية، وصولاً للحاضر، واستشرافاً للمستقبل، مع شيء من التركيز على العلاقة العضوية «الأردنية - الفلسطينية» ومقوّماتها، ومحدّداتها، بما فيها مستقبلها المؤسسي العربي والإسلامي الذي يُعنى بالقدس تحديداً. وهو ما دعا الأمير الحسن إلى الحثّ على تأسيس مرصد متخصص بالشؤون الفلسطينية يعمل عليه فريق من الشباب العربي ل«إبراز ما يحدث في فلسطين من أحداث ووقائع، ويُسهم في إيجاد حالة متقدمة من التفاعل مع التحديات الحقيقية التي تواجه الفلسطينيين وتعزيز صمودهم».
كما اشتمل الحوار على قضايا اللاجئين والقرار 194 بخصوص «حق العودة»، وما يتعلّق بقضايا الطاقة والمياه والبيئة والمسار الخاص «بالأرض مقابل السلام»، لاسيّما وصول الحلول المطروحة إلى طريق مسدود، بما فيها اتفاق أوسلو الفلسطيني- «الإسرائيلي» لعام 1993.
وكانت «الدبلوماسية والثقافة» أحد المحاور التي شملتها الحلقة النقاشية، باعتبارها تمثّل «القوة الناعمة» التي على العرب والمسلمين وأصدقائهم استخدامها لنقض «الرّواية «الإسرائيلية»»، وهو ما تم إهماله على مدى عقود من الزمان، إذْ كان بالإمكان استخدامها كسلاح دولي مؤثر وفعّال لدعم قضيتهم استكمالاً متوازياً مع الأسلحة الأخرى، خصوصاً أن الدبلوماسية والثقافة تتداخل مع الحقول السياسية والاقتصادية والتجارية إلى حدود كبيرة.
وإذا أخذنا القدس نموذجاً، فبقدر ما هي «قضية خاصة» نظراً لرمزيتها الروحية والتاريخية للعرب، ولأتباع جميع الأديان، من يهود ومسيحيين ومسلمين، فإنها في الوقت نفسه تشكّل «لبّ القضية الفلسطينية» وجوهر الصراع العربي - «الإسرائيلي» التي لا يمكن الحديث عن أي حلّ من دون استعادتها باعتبارها عاصمة للدولة الفلسطينية المنشودة، وهو ما ذهب إليه المجلس الوطني الفلسطيني المنعقد في الجزائر العام 1988، الذي أعلن قيام الدولة الفلسطينية التي اعترفت بها حتى الآن أكثر من 140 دولة، خصوصاً بعد انضمامها للأمم المتحدة العام 2012.
وتعتبر الحلقتان الدبلوماسية والثقافية جزءاً من حركة مقاومة سلمية مدنية ضرورية لاستكمال سبل المواجهة الأخرى، خصوصاً باستخدام «القوة الناعمة» لمصلحة الحق في مواجهة الباطل. ولأن الأمر يحتاج إلى استراتيجية تكاملية تتجاوز ما هو طارئ ومؤقت، إلى ما هو مستمر وبعيد المدى، فلا بدّ من توظيفها وبالوسائل المتاحة تساوقاً مع الأهداف العامة التي يسعى إليها الشعب العربي الفلسطيني، سواء ما يتعلّق بالقدس أو بعموم القضية الفلسطينية بمفرداتها المختلفة انطلاقاً من مبدأ حق تقرير المصير.
لقد تمثّلت المعارك السياسية والعسكرية، طوال نحو قرن من الزمان، بطائفة من الاصطفافات والاستقطابات السياسية، والحروب، والنزاعات، تلك التي ابتدأت منذ وعد بلفور العام 1917 وقبله اتفاقية سايكس - بيكو السرية العام 1916 لتقسيم المنطقة إلى كيانات، وفي محاولة الالتفاف على مشروع «الثورة العربية» بقيادة الشريف حسين، وحروب «إسرائيل» العدوانية منذ قيامها في العام 1948، ولكن الحلقة الدبلوماسية من الصراع العربي - «الإسرائيلي» ووجهتها القانونية ظلّت بعيدة عن الاهتمام المطلوب. ولم تنل الحلقة الثقافية الاهتمام الذي تستحقه.
وكلاهما يمثّل جانباً حضارياً وسلمياً كجزء من «دبلوماسية القوة الناعمة» التي على العرب ومناصريهم استخدامها حيثما أمكن، لأنها كانت، ولا تزال شرطاً لا غنى عنه لخوض معركة ناجحة، وبوسائل متنوّعة، وأساليب متعدّدة، وحديثة ومقنعة، فضلاً عن ذلك فإن تأثيرها سيكون فعّالاً إذا أُحسِن استخدامها، لما له من انعكاسات على الجوانب الأخرى، بما فيها الموارد الأولية كالنفط والغاز مثلاً، واستخداماتهما التي يمكن أن تكون حيوية في إطار توازن المصالح، وتبادل المنافع والمشترك الإنساني.
إن استخدام الوسيلتين الدبلوماسية والثقافية يعني الضغط على المجتمع الدولي لاحترام قراراته، ومن ثم تطبيقها، خصوصاً القرار 2334 الصادر في 23 ديسمبر/ كانون الأول لعام 2016 بشأن إدانة الاستيطان «الإسرائيلي»، وقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الذي يدعو واشنطن إلى سحب قرارها الاعتراف بالقدس عاصمة «لإسرائيل»، علماً بأن الاستيطان يعتبر جريمة دولية.
وإذا كانت إدانة الاستيطان هدفاً دبلوماسياً راهناً، فإن قرار «اليونيسكو» الصادر في 18 أكتوبر / تشرين الأول 2016 والقاضي باعتبار الأماكن المقدسة في القدس من تراث العرب والمسلمين تأكيد لقرار سابق لليونسكو صادر في 13 أكتوبر / تشرين الأول من العام نفسه يقضي بنفي «نظرية الهيكل» ويعتبر «المسجد الأقصى» و«الحرم القدسي» و«حائط البراق» جزءًا من التاريخ الفلسطيني، وبالأسماء العربية، وليس بالتسمية اليهودية «جبل المعبد».
إن واحداً من أهداف التحرّك الدبلوماسي والثقافي العربي هو إقناع المجتمع الدولي، ليس بصحة الرواية التاريخية العربية فحسب، بل بالحق العربي الفلسطيني من جهة، ومن جهة أخرى، التشكيك في صدقية الرواية «الإسرائيلية» ومزاعمها الخرافية، خصوصاً بالاستناد إلى قرارات منظمات دولية حقوقية وثقافية، وبوسائل القوة الناعمة، بما فيها الأدب والفن وكل ما له علاقة بالتأثير في الرأي العام لإقناعه أكثر فأكثر بالحقيقة العربية، سواء بشأن القدس خصوصاً، أو فلسطين عموماً.
drhussainshaban21@gmail.com


30
أزمة الهويات في سوريا والعراق ولبنان


شروق صابر
تعد أزمة الهوية من الأزمات المتشابكة والمتداخلة، سواء من حيث مسببات حدوثها، أو مخاطرها على ركائز الأمن القومي العربي، بعد أن أصبحت مدخلا للصراعات وبوابة للتدخلات الخارجية التي استغلت حالة المظلومية التي تعاني منها الأقليات، سواء كانت عرقية أو إثنية أو دينية. ومن هنا جاءت أهمية جلسة العصف الذهني التي عقدتها "وحدة الدراسات العربية والإقليمية" بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، فى 14 فبراير 2018، تحت عنوان "صراع الهويات في سوريا والعراق ولبنان"، والتي تحدث فيها د. عبد الحسين شعبان، أستاذ الاجتماع والمفكر العراقي، عن أزمات الهوية التي انفجرت داخل المجتمعات العربية، والتي تعود إلى سوء إدارة بعض نُظم الحكم للتنوع الثقافي والتعددية بأشكالها المختلفة، والتي لم تحظى بالاهتمام الكافي خلال الفترة الماضية.
وبدأ د. شعبان بطرح فكرتين. الأولى أنه رغم أن قضية الأقليات لم تكن مطروحة داخل المجتمعات العربية بشكل واضح، فقد ظهر على مسرح الأحداث استقطابات حادة ومثيرة انفجرت على نحو غير مسبوق. ويعود ذلك إلى اعتماد الدولة على المركزية الشديدة والصارمة فى إدارتها لذلك التنوع. وتكمن الإشكالية الرئيسية في معالجة وطرح تلك القضية فى تقديره إلى التركيز بشكل رئيسي على العامل الخارجي، ولم تحظ التكوينات المجتمعية بالقدر الكافي من الدراسة والبحث من أجل تقديم حلول جذرية لمشاكلها بدلا من الاكتفاء بوضع مسكنات وحلول شكلية.
الفكرة الثانية أن هناك الكثير من الممارسات الخاطئة في تاريخنا تستوجب الاعتراف بها. أي لابد من إعادة قراءة التاريخ وتقييمه لمعرفة ما هو إيجابي من أجل تطويره، وما هو سلبيفي معالجة تنوع  الهويات لمعرفة نقاط الضعف، والتي كانت من بين العوامل التي تسببت في التوترات التي تشهدها المنطقة والتي تدفع ثمنها بشكل رئيسي الشعوب العربية.
ورأى د. محمد السعيد إدريس، مستشار المركز، أن التجربة العراقية تنعكس على التجربة السورية، أي يوجد عوامل تأثر وتأثير بين الأحداث والتفاعلات بين البلدين. وأن هناك ضرورة لدراسة ما يحدث في العراق؛ فهل ينتج عن تطور تلقائي للأحداث أم أن هناك عوامل ومدخلات تسرع من تطورات الأزمة العراقية.
ولفت د. شعبان الانتباه إلى أن أزمة الهوية لا تقتصر فقط على منطقتنا العربية، لكن العالم أجمع يعيشها، حيث انفجرت مشكلة الهويات الفرعية في أوروبا الشرقية لاسيما بعد انهيار الاشتراكية في أواخر الثمانينيات من القرن الماضي، مع ملاحظة وجود فوارق بين ما يحدث داخل البيئة العربية وما يحدث داخل البيئة الأوروبية. كما أنه فى الدول الأوروبية أيضا هناك بعض الاختلافات من حالة إلى أخرى، حيث تم معالجة بعضها بهدوء نسبي إلى حد ما، وهناك أزمات أخرى في مناطق رخوة انفجر فيها الصراع وتحول إلى صراع دموي في الكثير من الأحيان.ففي أوروبا الشرقية كانت الدولة المركزية الشديدة الصرامة تغطي على التناقضات القائمة، حتى ظنت الشعوب أن الاشتراكية استطاعت حل واحتواء مشكلة القوميات، إلا أنه بعد مرور سنوات عديدة تجددت وانفجرت المشكلات القومية والإثنية على نحو غير مسبوق، حتى جرى تهجير العديد من سكان المناطق وأصحاب ديانات مختلفة بأكملهم إلى مناطق أخرى، وإحلال سكان آخرين محلهم، في إطار  استبدال هوية بأخرى بديلة، وتغيير سكاني ديموغرافي لهويات أخرى.
في هذا الإطار، أضاف د.عادل عبد الصادق،الخبير بوحدة الدراسات العسكرية والأمنية بالمركز، أن تجربة أوروبا الشرقية تختلف في الكثير من جوانبها عن تجربة مجتمعاتنا العربية، انطلاقًا من موقف الدول الأوروبية في ألمانيا والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية في دعمهم لعمليات التحول في أوروبا الشرقية، بخلاف ما حدث في المنطقة العربية من اضطهاد للأقليات والهويات الفرعية مما أدى إلى المزيد من الشحن الطائفي والاحتقان.
وأوضح د. شعبان أن حرمان تلك الأقليات من حقوقها وحرياتها يُعد انتهاكا صريحا وانتقاصا من حقوق المواطنة، التي يندرج ضمنها أربعة قضايا أساسية، هي: الحريات، والمساواة، والشراكة أو المشاركة، والعدالة. ولذلك فعندما يتم ذكر تعبير المواطنة يُقصد بها القضايا المركزية السابقة التي نستطيع في ظلها أن نحتكم إلى قواعد قانونية، يكون أساسها دستوريا، وتديرها مؤسسات، بالإضافة لوجود مؤسسات رقابية تشرف على أداء هذه المؤسسات، ويتم اللجوء إليها في حالة وجود اختلافات أو أي صورة من صور انتقاص حقوق المواطنة. لذلك فإن غياب الحقوق المرتبطة بالمواطنة كان من بين العوامل الرئيسية فيصعود أزمة الهويات الفرعية التي يضيع في ضوئها وحدة وتماسك الدولة.
وأكد د. أيمن عبد الوهاب، رئيس وحدة الدراسات المصرية بالمركز، أنه إذا أردنا الحديث عن دولة حديثة ينبغي أن ننطلق من المواطنة التي تقوم على أساس فكرة الحوار، سواء كان حوارًا ثقافيًا أو حوارا بين الأجيال والطوائف داخل المجتمع. لذلك نجد أن تنامي فكرة الهوية في العراق مرتبط بصعود الأيديولوجية أو إعادة النظر في مفهوم الدولة وسيادتها وعلاقاتها مع السلطة. أي أن الأمر يتطلب إعادة تقسيم السلطة بعيدًا عن المصالح، كخطوة أولية مهمة من أجل تعزيز المواطنة.
وطرح د. معتز سلامة، رئيس وحدة الدراسات العربية والإقليمية بالمركز، سؤال: هل موضوع الهوية نشأ على مدار العقود وكرسه نظام صدام حسين أم أنه دُفع به في غزو احتلال العراق؟
وأوضح د. عبد الحسين أن جميع المجتمعات مركبة، فليس هناك مجتمع بسيط؛ ففي العراق هناك قوميتان رئيسيتان، هما العرب (ويمثلون 80% من سكان البلاد)، والأكراد، إضافة إلى التركمان. وهناك وجود محدود للآشوريين الذين يتحدثون اللغة السريانية. أما دينيا، فهناك المسلمون، والمسيحيون والصابئة المنداريون، والصابئة غير المنداريين، واليزيديون، وهناك تكوينات أخرى أقل منها. أما إذا أردنا تقسيمها إلى طوائف فإن المسلمين في العراق ينقسمون إلى طائفتين رئيسيتين، هما الشيعة، والسنة.
وتحدث د.شعبان عن اضطهاد المسيحيين في المنطقة، حيث لاحظ استهدافًا من جانب إسرائيل للمسيحيين، بهدف تفريغ الدولة منهم وذلك من خلال اتباع كافة السبل من أجل حثهم على ترك فلسطين. ونتيجة لذلك، نجد بعد أن كانت نسبتهم إلى إجمالي السكان قبل الاحتلال ما يقرب من20%، تراجعت هذه النسبة إلى أقل من 1.25%، وكان عدد المسيحيين في القدس وحدها 50 ألف مواطن، اليوم مع الزيادة السكانية لمدة 70 عامًا أصبح لايزيد عددهم عن 5 آلاف مواطن.
ويتضح ذلك على نحو ملحوظ فيما يخص الاضطهاد والتهجير المتعمد الذي تعرض له مسيحيو الشرق، وبشكل خاص في العراق وسوريا ومن قبلهما لبنان. هذا بالإضافة  للصور المختلفة للتهميش والإقصاء الذي يتعرض له المسيحيون في بعض الدول العربية الأخرى، وهى إشكالية لا تزال قائمة في تلك البلدان، ومازالت بحاجة إلى حلول مبتكرة.
وفي سوريا في فترة أواخر الأربعينيات من القرن العشرين كانت نسبة السكان المسيحيين 18%، وبعد ما تعرضوا له من عمليات إجلاء وتهجير بجانب ما حدث من أعمال عنف واستهداف في السنوات الأخيرة تراجعت هذه النسبة إلى (6%- 8%). الأمر ذاته في حالة مسيحيي العراق، فقد بلغ عددهم قبل الاحتلال أكثر من مليون مواطن أما الآن لا يزيد عددهم عن 400 ألف مواطن، وذلك بسبب اضطرار نصفهم إلى الهجرة بسبب ما تعرضوا له من عمليات إبادة واستهداف مباشر.
حدث ذلك الأمر أيضًا في لبنان، ففي أثناء الحرب الأهلية التي شهدها لبنان هاجر حوالي 700 ألف مواطن كان أغلبهم من المسيحيين.
وتحدثت أ. شيماء منير، الباحثة بوحدة الدراسات العربية والإقليمية بالمركز، عن البعد الخارجي في تعزيز صراع الهويات في المنطقة، خاصة موضوع الصراع السني الشيعي، الذي يحقق المصالح الصهيونية في المنطقة من أجل تراجع الصراع العربي– الإسرائيلي.فعلى الرغم من المظلومية والتهميش الذي عانت منه الأقليات المختلفة، إلا أن إثارة تلك المشاكل ظهرت على نحو غير مسبوق مع الاحتلال الأمريكي للعراق، ومحاولة إحياء مشروع تقسيم المنطقة على أسس عرقية. ويتضح هنا المصالح الصهيونية في تهجير مسيحيي الشرق من أجل تعزيز فكرة الدولة اليهودية الخالصة، تحت ذريعة مواجهة  المسلمين وذلك بعد تفريغ دول المشرق من المكون المسيحي، خصوصا في سوريا والعراق والذي يعد العنصر المسيحي هناك داعما  للعروبة ومناهضا لمخططات التقسيم. كما أن لذلك الصراع على الهويات بعد آخر يتمثل في تراجع الهوية العربية لصالح الهوية الشرق أوسطية التيدعي إليها شيمون بيريز في كتابه الشرق الأوسط الجديد. 
وانتقل د. شعبان من ذلك إلى مسألة تحويل الدولة من دولة بسيطة إلى دولة مركبة، بحيث يتم تأسيسها على مبدأ الفيدرالية، والذي طالبت به الحركة الكردية وبعض القوى اليسارية في العراق.كان الحكم السابق في العام 1970 قد أقر بمبدأ الحكم الذاتي، وتم تشكيل مجلس تنفيذي (حكومة)، ومجلس تشريعي (برلمان)، وسلطة تشريعية، ولكن ظلت معظم الصلاحيات في أيدي السلطة المركزية. وبالرغم من اعتراف هذا الحكم ببعض حقوق الأكراد لكنه لا يرتقي إلى درجة الحكم الذاتي، حيث شابته الكثير من النواقص والثغرات التي أدت إلى اندلاع القتال بين الحركات الكردية من جهة، والحكومة، من الجهة الأخرى.
وبعد العام 2003 أسس برايمر لفكرة تقسيم العراق تحت عنوان "تحويل العراق من دولة بسيطة إلى دولة مركبة"، أي تحويله إلى دولة فيدرالية، من حيث توزيع المصالح بين السلطات خاصة إذا كان بالدولة مكونات. وورد في الدستور العراقي الذي شُرع عام 2005 ومن قبله قانون إدارة الدولة العراقية لعام 2004 ثمان مرات كلمة "المكونات" داخل الدستور، والتي شملت الشيعة، والسنة، والأكراد. كما تم تقسيم مقاعد البرلمان على أسس طائفية وعرقية، بواقع 13 مقعدا للشيعة، و5 مقاعد للسنة، و5 مقاعد للأكراد، ومقعد واحدًا للتركمان، ومقعدًا أيضًا للآشوريين.
هذا التقسيم لم يكن عادلا، حيث كان من المفترض أن يتم تخصيص 80% من المقاعد للعرب وللأكراد، و20% من المقاعد للآخرين. وذلك يؤكد أن الهدف كان هو تحقيق التقسيم التفتيتي التدريجي الذي يقوم بزرع الكراهية والعداء والتناقض بين الأكراد من جهة، وبين العرقيات والإثنيات والأديان من جهة أخرى، والذي أدى إلى انفجار شديد الخطورة كاد أن يقضي على مئات الآلاف من السكان إذا لم يجرى احتوائه وهو ما حدث من تفجير للإمامين الحسن العسكري وعلي الهادي في سامراء عام 2006.
وأشار د. شعبان  فى الوقت ذاته إلى أن الفيدرالية تظل شكل من أشكال نظم الحكم الإيجابية، التي تتضمن توزيع الصلاحيات بين الفئات والجماعات، فهناك أكثر من 40 فيدرالية في العالم، وجميعها ناجحة، ولكن تختلف الفيدرالية التي نتحدث عنها في العراق عن باقي الفيدراليات الأخرى. ففي النظام الفيدرالي الطبيعي إذا تعارض الدستوران الإقليمي والفيدرالي ستكون الغلبة للدستور الفيدرالي، أما في النظام الذي نتحدث عنه إذا تعارض الدستوران الفيدرالي والإقليمي فإن الغلبة تكون للدستور الإقليمي. ويحق للأقاليم أن تنشئ بعثات داخل السفارات العراقية تعني بالشئون الاجتماعية والثقافية وغيرها، وهو ما يشكل دويلة داخل دولة، وما ينتج عنه من تداعيات أخرى خاصة بموضوع الدفاع، فالبشمرجة صفتها داخل الدستور العراقي "حرس حدود" لا تخضع إداريًا للجيش العراقي والقوات المسلحة إلا بصرف الرواتب، أما قيادته وتشكيلاته وكل ما يتعلق بشئونه الخاصة فإنها تخضع لإدارة وطنية.
وأشارت د. أميرة محمد عبد الحليم، الخبير بوحدة الدراسات الدولية بالمركز، إلى "الفيدرالية" في التجربة الصومالية وأوضحت أنه في عام 2002 بدأ الحديث عن تكوين سلطة سياسية في الصومال وأن تصبح الصومال دولة فيدرالية بمعنى وجود حكومة مركزية وحكومات أقاليم، وحتى الآن يوجد صراع بين الحكومة المركزية وحكومات الأقاليم مؤخرًا. فعلى سبيل المثال، وأثناء الأزمة القطرية قامت حكومات الأقاليم بقطع العلاقات مع قطر أما الحكومة المركزية أبقت معها العلاقات ومن ثم نحن نتحدث عن دول داخل دولة واحدة تحت الرعاية الأمريكية.
وطرح د. معتز سلامة سؤالًا حول ما إذا كان الكشف عن بقاء الطائفية والهويات سوف يقضي إلى انهيار الدول فهل نمضي في هذا المسار أم لا؟
واستكمل د. عبد الحسين الحديث بالتأكيد على أهمية اعتراف الفرد بأنه داخل مجتمع يضم "مكونات"متعددة، وهو ما أوضحه د. وحيد عبد المجيد، مدير المركز،بالعودة إلى ما ورد في بعض كتابات "جان جاك روسو" والتى نفهم منها أن المجتمع مثله كمثل الحقل، من الممكن أن يصبح بستانًا أو غابة، وما يصنع الفرق الأساسي هو ما يطلق عليه "فكرة المعرفة المتبادلة"، بأن تعرف العناصر المكونة للمجتمع بعضها البعض، فعدم وجود المعرفة المتبادلة بهوية تلك العناصر يجعل كل عنصر يكون صورة خيالية للعنصر الآخر.ففي العراق، على سبيل المثال، تم تكوين صورة على أن اليزيديين يعبدون الشيطان، هذه الصور عندما يتم نقلها من جيل إلى آخر تخلق نوعًا من الكراهية والعداء تظل تحت الأرض غير واضحة للعيان في ظل وجود قبضة حاكمة؛ فمن يتولى حكم هذه المجتمعات يتخلى عن وظيفة التكامل الاجتماعي ويتحول إلى "لاصق اجتماعي" بأسلوب من القهر يقوم بلصق هذه المكونات فتبدو كوحدة كاملة رغم تفتيتها. وعندما يتم رفع هذه القبضة يتم اكتشاف ما تم ستره منذ عقود من الزمان، فالمجتمع المتعدد الثقافات والذي حظر فيه الحوار والنقاش للتعارف المتبادل هو السبب فى ظهور وتطور تلك الأزمات في المجتمعات ولذلك فإن توحيدهم يحتاج إلى عقود من الزمان.
وأشارت د. أميرة عبد الحليم إلى أن الشعور بالتمايز الداخلي هو ما يؤدي إلى سعي قومية أو جماعة إثنية معينة إلى تمييز نفسها عن الآخرين،حيث نرى أن  الشعور بالتمايز في أفريقيا على سبيل المثال خلق العديد من المشكلات منذ منتصف التسعينيات.فعندما اتجهت الدول إلى التحول نحو الديمقراطية، بدأت جماعة معينة السيطرة على السلطة والثروة مقابل تهميش للجماعات الأخرى. هذا الشعور بالتهميش هو ما أدى إلى تحرك تلك الجماعات للبحث عن انتمائها الأولي بعيدًا عن الانتماء الدولي، ومع صعود فكر الإرهاب خلال العقدين الأخيرين بدأت هذه الاجتماعات تمييز نفسها الآن على أساس ديني لكي تتمكن من رفع السلاح لمواجهة السلطة.
ورأى د. جمال عبد الجواد،مستشار المركز، إن فشل محاولة الانقسام الكردي عن جسد الدولة العراقية يعد مؤشرا إيجابيا لمحاولة إمكانية التعايش بين الأكراد والعرب على أرضية جديدة، نظرًا لحدها من التطرف والجموح الكردي نحو الاستقلال وخلق تعبيرات سياسية خاصة بالمطالب والطموحات التي يطالب بها الأكراد تكون أقل تطرفًا أو رفضًا للبقاء ضمن الدولة العراقية.

نشرت في مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية ، 1/3/2018، كما نشرت في صحيفة بوابة الأهرام يوم 24/2/2018. وكان مركز الأهرام قد استضاف الدكتور شعبان في جلسة عصف فكري ضمّت مسؤولي أقسام المركز ومدراء الوحدات وقام بتقديمه رئيس المركز الدكتور وحيد عبد المجيد واستغرقت الجلسة ثلاث ساعات ، وذلك في 13/2/2018.


31
التسلّح ونزع السلاح
عبد الحسين شعبان
«الحرب هي امتداد للسياسة لكن بوسائل أخرى»، بهذه المقولة الاستراتيجية التي تعود إلى المفكر النمساوي كلاوزفيتز، بدأت مداخلتي في ندوة «المعهد السويدي بالإسكندرية» التي نظّمت بالتعاون والشراكة مع «معهد استوكهولم لأبحاث السلام الدولي» Sipri و«مركز دراسات الوحدة العربية»، الذي تولّى إصدار الطبعة العربية من الكتاب السنوي، منذ العام 2003 والموسوم «التسلّح ونزع السلاح والأمن الدولي»، الذي يعدّه معهد استوكهولم.
وتكمن أهمية هذا الإصدار على ما يحتويه من معلومات ورصد للوقائع واستخلاصات لخبرات عسكرية وأمنية واستراتيجية متنوّعة، إضافة إلى تفاصيل دقيقة عن تطور حركة التسلح وتجارة السلاح ومسألة نزع السلاح والأمن الدولي.
يُذكر أن السويد لم تدخل أي حرب منذ أكثر من 200 عام، بل إنها اتّخذت موقفاً مناوئاً لها، ولاسيّما دعوتها إلى نزع السلاح وتحقيق السلم والأمن الدوليين، واتّبعت سياسة حيادية سلمية طوال القرنين المنصرمين لقناعتها أن هذا النهج يمكن أن يوصل إلى العدالة، وهو ما حمل رئيس وزرائها أولف بالما إلى الدعوة لتعويض شعوب البلدان النامية عمّا لحق بها من ظلم وإجحاف بسبب السياسات الاستعمارية الغربية، ولكنه راح ضحية دعوته الإنسانية تلك، حين تم اغتياله في 28 فبراير/شباط من العام 1986.
وبتقديري أن إصداراً بحثياً بهذا العمق والمشاركة الواسعة لإعداده من جانب نخبة متميّزة، يعتبر مرجعاً أساسياً ذا قيمة معرفية وعملية، سواء لأصحاب القرار والخبراء العسكريين والاستراتيجيين من جهة أم للسياسيين والدبلوماسيين والإعلاميين وجميع العاملين في الحقل العام من جهة أخرى.
وبغضّ النظر عن الاتفاق والاختلاف مع ما يذهب إليه هذا «الإصدار» الذي يتألف من 864 صفحة من القطع الكبير، فإن المعلومات التي يوفّرها للباحث تشكّل مادة استثنائية حتى وإن اختلفت التقييمات بشأنها، ولاسيّما فيما يخصّ بعض التقديرات التي تتعلق بمشاكل الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وقضايا الصراع العربي- «الإسرائيلي»، لكنها تبقى معطيات أساسية ومفيدة ومهمة.
لا أدري من هو القائل «إن امتلاك السلاح يوازي استخدامه»، لأنه سيكون واحداً من مظاهر قوّة الدولة العسكرية، تلك التي تكتمل مع عناصر القوة الأخرى، الاقتصادية والعلمية والتقنية والثقافية والإدارية والقانونية والتربوية والإنسانية وغيرها. وكلّما ازدادت القوة، بل فاضت عن الحدّ يتولّد شعور، ربما أقرب إلى «الوهم» أحياناً، للتنفيس عن هاجس «فائض القوة» أو الامتلاك الذي يزيد عن الحاجة، سواء باستخدامها أو التهديد بها، وهكذا تنشأ الحروب بسبب تباين المصالح واختلافها ومحاولة البعض فرض الهيمنة على الآخر.
ويعرّف «برنامج أوبسالا» النزاعات المختلفة بناء على الاحتكام إلى القوة في النزاع الناشئ عن تباين، وعندما تبرز جماعة جديدة ويتغيّر التباين، يسجّل نزاع جديد، وحسب هذا البرنامج، فالنزاعات النشطة هي التي يزيد فيها عدد القتلى على 25 شخصاً ويصل إلى 1000، أما النزاعات المستأنفة، فهي تنام وتستيقظ وتوقع ضحايا أقل من 25 قتيلاً وما زاد عن الألف في عام واحد يعتبر حرباً.
فهل أن عدد القتلى وحده هو المعيار الصحيح، أم هناك جوانب إنسانية في النزاعات والحروب هي التي تحدد طبيعتها؟ والأمر يتعلق بحجم الدمار الذي تتركه، فضلاً عن تعطيلها للتنمية والتطور الديمقراطي والتأثير في حقوق الإنسان، سواء حقوق الأفراد أم المجموعات الثقافية: الإثنية والدينية واللغوية السلالية. ويضاف إلى ذلك، ولاسيّما في الحروب الحديثة استمرار الصراع ونوع السلاح المستخدم، وما له علاقة بتجارة السلاح وقضايا الاتجار بالبشر والمخدرات وغسل العملات والجريمة المنظمة، واندلاع العنف بأشكاله، وخصوصاً باستشراء ظاهرة الإرهاب الدولي.
وقد شكّل الإنفاق العسكري خلال الحرب الباردة 1947 -1989 عبئاً كبيراً على الدول في إطار «سباق التسلّح» الذي كان سائداً ووجهاً من وجوه الصراع الأيديولوجي المتعدّدة، بما فيها الحرب النفسية، ووسائل القوّة الناعمة، ولاسيّما الثقافية والإعلامية والأدبية والفنية، للتأثير في الخصوم أو الأعداء.
وعلى الرغم من جميع المحاولات لنزع السلاح وتوقيع اتفاقيات «سالت 1» العام 1972 و«سالت 2» العام 1979 ومعاهدات نزع السلاح النووي أو الأسلحة التدميرية الأخرى، بين المعسكرين المتناحرين (أمريكا والاتحاد السوفييتي)، فإن مجرد تخصيص الولايات المتحدة تريليوني دولار لبرنامج «حرب النجوم»، كان كفيلاً بإلحاق هزيمة بالطرف الآخر، الذي انهار تحت عبء التسلّح، إضافة إلى شحّ الحريات والاختناقات الاقتصادية وسوء الإدارة والبيروقراطية.
واحدة من القضايا التي لفتت انتباهي في إصدار هذا العام هو مصطلح «العصر الأنتروبوسيني» الذي أطلقه مدير معهد استوكهولم دان سميث، وقد استفسرت منه عمّا يعنيه، وحين دققت المعطيات التي يوفّرها بحثه اكتشفت أنه يعني «الحقبة الجيولوجية الراهنة»، تلك التي وردت الإشارة إليها في اجتماع المؤتمر الجيولوجي الدولي المنعقد في مدينة كيب تاون (جنوب إفريقيا) في شهر أغسطس/ آب/ 2016، حيث اتخذ قراراً بإطلاق اسم الأنتروبوسيني، وقصد بذلك أن الأنشطة البشرية هي القوى المؤثرة الحاسمة في الجيولوجيا والإيكولوجيا، الأمر الذي ينعكس على شروط الحياة في وقت السلم، فما بالك بالنزاعات والحروب؟
drhussainshaban21@gmail.com





32
كتاب جديد لعبد الحسين شعبان
     
 
النجف- بيروت - المحرر الثقافي
صدر للأكاديمي والمفكر العراقي الدكتور عبد الحسين شعبان كتاب جديد بعنوان : الإمام الحسني البغدادي- مقاربات في سسيولوجيا الدّين والتديّن (التاريخ والسّياسة) وذلك عن دار إحياء تراث الإمام البغدادي (النجف - العراق)، 2018 .
والكتاب يتضمن قراءات انتقادية للفكر الديني في النظرية والممارسة، وقد أهداه الدكتور شعبان لعمّه " الدكتور عبد الأمير شعبان " وصديقه " الدكتور ناهض شعبان" اللذان اهتمّا بصحة سماحة السيد محمد الحسني البغدادي ورعياه .
ومن أجواء الكتاب  "دين العقل وعقل الدين" و"الظاهرة الدينية ما بين الذاتي والموضوعي" و"الدراسة في الحوزة العلمية وجدلياتها" و" الماركسية والدين" و"ما بين الديني والسياسي" و" تحريم الشيوعية" و" حكاية الفتاوى" و"علاقة البغدادي بالخميني " و"الخلاف بينه وبين السيد محسن الحكيم" و"فكرته عن الجهاد الدفاعي مقارنة بفكرة السيستاني عن الجهاد الكفائي ".
كما تضمّن الكتاب مقتطفات من مؤلّف كان قد كتبه لمواجهة الاحتلال البريطاني وعاد ونشره في العام 1967 دعماً للمقاومة الفلسطينية.
الكتاب يتألف من 334 صفحة من القطع المتوسط واحتوى على عدد من الصور ونبذة عن سيرة المؤلف.


33
في مئويته الثانية : ماركس المفترى عليه
عبد الحسين شعبان
   حلّت قبل مدة قصيرة الذكرى المئوية الثانية لميلاد كارل ماركس ، الفيلسوف والمفكّر وعالم الاجتماع والاقتصادي والسياسي، الذي شغل العالم وملأ الدنيا، بأفكاره ونظرياته وأطروحاته، وقبل ذلك بمنهجه الجدلي. وكنت كتبت قبل ثلاثة عقود ونصف من الزمان (1983) مقالة في مجلة الهدف الفلسطينية بعنوان: “بروموثيوس هذا الزمان”، وهو استعارة عن حامل شعلة الفكر الربانية، أشرت فيه إلى فضل ماركس على البشرية من خلال اكتشافه قوانين الصراع الطبقي وفائض القيمة، وقلت ولا أزال إن إضافته الأساسية هي في منهجه الجدلي، وهو المنهج الذي استخدم بطرق خاطئة في الكثير من المرّات.  وإذا كان ماركس مفترى عليه في عصره وحياته، فلم ينجُ من الافتراء حتى بعد  مماته وبعد تاريخ طويل. والإفتراء جاء من جانب أعدائه وخصومه مثلما ورد من جانب مريديه وأتباعه على حدٍّ سواء، خصوصاً حين تعامل هؤلاء مع تعاليمه كنصوص مقدّسة، وحفظوا بعض مقولاته بطريقة أقرب إلى الأسفار التوراتية أو الآيات الإنجيلية والقرآنية. وأكثر من ذلك حين ردّدوها بوصفها تعاويذ أو أدعية فيها شفاء من كل شيئ وتم استخدامها بطريقة تلقينية لا علاقة لها بزمنها أو بجوهر العصر لاسيما بإضفاء قدسية كهنوتية عليها كان ماركس من أشد أعدائها، خصوصاً حين نزّهوه عن الخطأ ووضعوه خارج نطاق النقد وهو الذي عد المثقف ناقداً اجتماعياً. وجرى أحياناً التعامل مع ماركس والمادية الجدلية انطلاقاً من موروثات ريفية أو بدوية أو دينية وبطريقة انتقائية فيها الكثير من الخفّة والركاكة، في حين هي فلسفة حداثية مدنية يسمح منهجها بالحذف والإضافة والتطوير. وكان الأعداء والخصوم في السابق والحاضر وجدوا في ماركس وفلسفته، وخصوصاً منهجه خطراً على مصالحهم، فلعنوه وطاردوه بسبب الأفكار الجذرية التي حاول التنظير لها لإحداث التغيير المنشود ضد الفكر البرجوازي والهيمنة الرأسمالية الطبقية السائدة. أما المريدون والأتباع فقد عدوه “قديساً” لا يأتيه الباطل من خلفه أو من أمامه، وحسب  بعض دعاته إن كل مساس بفكرة قال بها ماركس أو استنتاج  توصل إليه كأنه مساس بأيقونة تستحق أن توضع في متحف بحيث لا تطالها الأيادي أو تلمسها ، ومنطق هؤلاء مثل منطق أصحابنا الإسلاميين على اختلاف انحداراتهم، شيعة وسنّة، يعتبرون ما قاله أئمتهم أو مرشدوهم يمثّل الحكمة والرشاد والفضيلة،  وهكذا يتم تمجيد هؤلاء دون نقاش لآرائهم وأفكارهم، سواءً في الماضي أم في الحاضر، علماً بأنهم مثل غيرهم بشر يصيبون ويخطئون، لكن الآيديولوجيا العمياء تريد إضفاء القدسية عليهم وعلى أعمالهم، والأمر ينسحب على الآيديولوجيات القومية والبعثية، فمجرد ذكر أي انتقاد لزعيم أو قائد يجعل منه عدوًّا أو خصماً، علماً بأن الأعمى يكاد يرى نتاج سياسات الاستبداد والإقصاء والتهميش. وبالعودة إلى ماركس فإن مثل هذه النظرة التقديسية تبقى حبيسة في النفوس كلّما سمع أحدهم نقداً أو تقريضاً لبعض أفكاره، أو أن الزمن تجاوز الكثير من أحكامه واستنتاجاته، والأمر ينسحب على لينين وحتى ستالين وإلى الأمين العام لهذا الحزب أو ذاك، سواء في تجارب الأصل أم في تجارب الفرع، وهي ثقافة سائدة لدى جميع الأحزاب الشمولية، شيوعية أو قومية أو إسلامية، حيث يتم التعامل معها من منظور عشائري، فكيف يتم انتقاد شيخ العشيرة مثلاً أو المرشد أو الإمام أو آية الله. لا أخال أحداً من جيلنا الستيني لم يترك اسم ماركس شيئاً لديه، سواءً كان من أنصاره أم من خصومه، ومع ذلك فإن ماركس لم يُقرأ عربياً وعراقياً، علماً بأن الأزمة الراهنة للرأسمالية، أعادت ماركس إلى الواجهة مرّة أخرى وكانت نتائج استفتاء لهيئة الإذاعة البريطانية BBC قد وضعت ماركس من بين 100 شخصية مؤثرة في العالم، حتى أن رجال أعمال ومدراء مصارف ورؤساء شركات تأمين شرعوا بقراءة كتاب “رأس المال” على نحو جديد الذي كان من بين الكتب الاقتصادية والسياسية الأكثر انتشاراً في أواخر العقد الماضي، ومع ذلك أقول إن ماركس لم يُقرأ عندنا، واصطفّ خصومه ينددون به ويتهمونه شتى التهم بما فيها الإلحاد، استناداً إلى تفسيرات خاطئة وإغراضية لعبارته الشهيرة ” الدين أفيون الشعوب” التي أخذها عن الفيلسوف الألماني عمانوئيل كانط، ووصولاً إلى رفض فكرته بإلغاء الاستغلال والانقسام الطبقي، مثلما كان مريدوه يتجمعون ليتغنّون بمواهبه وعبقريته، دون أن يستنبطوا الأحكام الصحيحة بواسطة منهجه وليس بتكرار مقولاته وأحكامه.وأعرف (شيوعيين) متعصبين أشدّ التعصّب، لم يقرأوا كتاباً واحداً كاملاً لماركس باستثناء “البيان الشيوعي” في أحسن الأحوال، ولولا الدراسة الشكلية في المدرسة الحزبية لبعض الكوادر لما كان تم قراءة هذا الكرّاس كاملاً في العديد من الحلقات والمفاصل الحزبية التنظيمية العليا أو الوسطية، خصوصاً وإن العمل اليومي المسلكي والإداري يكاد يستغرق الأغلبية الساحقة منها وحتى تلك القراءات كانت خلطة من رؤية سوفيتية وطبعات مستنسخة في مدارس الدول الاشتراكية الأخرى، ولكن ما أعرفه أيضاً أن صورة ماركس ولينين كانت تعلّق فوق الرؤوس أحياناً وفي المكاتب إذا سمحت الظروف، ولو إن بعضهم علّق صورة الخميني لاحقاً في ظروف الحرب العراقية – الإيرانية في المنفى، وهو أمرٌ ليس من باب النكتة، بل واقعاً. ماركس الذي كان شبحه يجوب أوروبا العجوز، “رمز الشيوعية” لوحق في فرنسا وطرد منها وذهب إلى بروكسل فطاردوه وانتقل إلى ألمانيا ليشارك في ثورة العام 1848 وحين فشلت غادر إلى لندن ليقضي فيها بقية حياته من العام 1849 ولغاية العام 1883 وعاش في ظروف مادية قاسية، ولولا مساعدات رفيقه في الفكر والعمل، فردريك إنجلز لما تمكّن من العيش وكان قد كتب معه: البيان الشيوعي ” المانيفاستو” والعائلة المقدسة، وأزهرت أفكارهما لتنجب ما نطلق عليه “الماركسية” أو “التمركس″، خصوصاً وهما مثّلا الحلقة الذهبية الأولى فيها. وأهم استنتاجات البيان الشيوعي أن تاريخ المجتمعات الإنسانية هو تاريخ نضال الطبقات وأن المجتمع أخذ بالانقسام إلى طبقتين ، أغلبية محرومة ” البروليتاريا” وأقليّة متخمة ” البرجوازية”، وبنى ماركس استنتاجاته على هذا التقدير، واضعاً رسالة للطبقة العاملة للإطاحة بالرأسمالية وإلغاء المجتمع الطبقي. واستقرأ التاريخ الإنساني ومراحله، وهو ما أكّد استنتاجه من أن الرأسمالية هي المرحلة الأخيرة للتطور الإنساني، وإن تناقضاتها ستؤدي إلى انهيارها الحتمي، وقد حاول لينين تطوير هذه القاعدة التي ارتكز عليها ماركس، فاعتبر “الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية”، وحلّل ماركس وشرح وفسّر الرأسمالية القائمة في عهده أحسن تحليل وتشريح وتفسير، وهو ما يدعونا للقول أن “الماركسية هي علم الرأسمالية” بامتياز، وكان للمنهج الذي اعتمده والذي ما يزال صالحاً الأساس في بلورة استنتاجاته.


انعكاس الواقع
 وقد قرّر ماركس أن تفكير البشر هو انعكاس لواقعهم الاجتماعي الذي يحدّد نمط حياتهم ووجودهم، باعتبار المادة هي أساس الوجود وهي في حالة تطور والتاريخ البشري مرهون لهذا التطور في الظروف المادية، ووفقاً لهذه القاعدة حدّد ماركس رؤيته للكون والعالم والثروة والاقتصاد والسياسة والثقافة والتغيير والثورة. وإذا كان منهجه الجدلي صحيحاً، فليس جميع مقولاته صحيحة، وحتى لو كان بعضها صحيحاً، فإنها ليست صحيحة لعهدنا، خصوصاً في ظل الثورة العلمية- التقنية، أو أنها كانت صحيحة لذلك العهد، فإنها لا تصلح لعهدنا وعلينا استنباط الأحكام الخاصة بنا في ظل الظروف الملموسة. وبهذا المعنى ليست جميع التنبؤات الذي قال بها ماركس يمكن أن تتطابق مع الواقع، فالرأسمالية حطّمت الإقطاع ووجهت النظم والحكومات والبلدان نحو المدنية وتمركزت المِلْكية بيدها أو بيد فئة صغيرة، خالقة عالماً جديداً. وهذا يجسّد صواب رؤية ماركس حيث تعولمت الرأسمالية من خلال ثورة الاتصالات والمواصلات وتمركز المال وازدادت الفجوة الطبقية والاجتماعية، الأمر الذي كان حسب ماركس يقتضي عملية التغيير. وإذا كانت الأزمة الاقتصادية والمالية الطاحنة قد أعادت “طيف ماركس” إلى الواجهة، بعد أن أصبح شبحه «أثراً بعد عين» كما يُقال، الأمر الذي اعتبره البعض جزءًا من المتحفية إذا جاز التعبير، فإنها في الوقت نفسه استحضرت التجربة الشيوعية الدولية، خصوصاً نماذج الماركسية السوفييتية المطبقة. صحيح أن ماركسية القرن الحادي والعشرين لا تشبه ماركسية القرن العشرين، وإنْ كانت تلتقي مع ماركسية ماركس في القرن التاسع عشر، لكنها قد تتجاوزها إلى آفاق أكثر رحابة في ظل مرحلة ما بعد الحداثة والثورة العلمية-التقنية والعولمة وتأثيرها، ومعارفها وعلومها. ولعلّ “الماركسية السوفييتية” تختلف اختلافاً كبيراً عن “ماركسية ماركس” وطبعتها الكلاسيكية، مثلما تختلف هذه الأخيرة التي كشف ماركس قوانينها في القرن التاسع عشر، عن ماركسية ما بعد سقوط جدار برلين العام 1989 ولا شك أن ماركسية القرن الحادي والعشرين ستكون شيئاً آخر، حيث لم يعد التاريخ كما كان المتخيّل منكشفاً في ثنائيات وتبسيطات في ماضيه وحاضره ومستقبله، وعن تشكيلات ومراحل وأدوار يحكمها الصراع الطبقي بكليّاته، ويطرح أشكالاً تتواءم مع التفسيرات اليقينية والحتميات السائدة آنذاك. وكانت إنجازات ماركس قد ساهمت في تعميم معارف عصره، واستنباط حلول تتواءم مع التطور السائد حينئذ، وهو ما أسماه الانتقال إلى عالم الحرية، الذي لم يكن سوى فهم الضرورة، وظلّت الماركسية الكلاسيكية تدور في وحول “الحتميات التاريخية” على نحو سرمدي، وإنْ لم تعر اهتماماً بدور الفرد، معتبرة إيّاه عرضة للتوّهمات والكبوات، وعندما حلّت لحظة تطبيق الماركسية من خلال نظام حاكم، هيمنت عليها الهرمية الكيانية البيروقراطية الحزبية، حيث ارتفع دور الفرد القائد الزعيم، وإن اعتبر الأفراد بفرديتهم وبجمعهم ليسوا سوى جزء صغير وربما مجهري من حركة التاريخ ومساره، الذي تصنعه الطبقة العاملة وطليعتها ويتربع على عرشه القائد الذي تُنسب إليه جميع الصفات الخيّرة فكرياً وإنسانياً وأخلاقياً لدرجة التماهي بينه وبين الطبقة. وقد عمّمت الستالينية نموذجاً احتذى به القادة الآخرون وساروا على هداه، ولعلّ بعض زعماء ما أطلق عليه “حركة التحرر الوطني”، قلّد هذا النموذج بحذافيره، بل زاد عليه في ظروف العالم الثالث المتخلفة، ممارسات أكثر بؤساً على صعيد الإدارة والاقتصاد والسياسة والثقافة وحقوق الإنسان، وبشيء من موروثه وعاداته وتقاليده بما لا ينسجم مع الفكرة الماركسية. لقد شغلت الماركسية، لاسيّما منذ البيان الشيوعي العام 1848العالم أجمع والعلاقات الدولية خلال 170 عاماً ولا تزال، وعندما وصلت إلى السلطة لأول مرة بعد سقوط كمّونة باريس العام 1871  بنجاح ثورة أكتوبر العام 1917 شقّت العالم إلى قسمين، وشهد التاريخ أولى تجارب الحكم «الاشتراكي» وتوسّع الأمر بقيام الجمهوريات الديمقراطية الشعبية بعد الحرب العالمية الثانية العام 1945 ومن ثم نجاح ثورة الصين العام 1949 وتأثر بعض حركات وزعامات العالم الثالث، بالحركة الشيوعية والاشتراكية الدولية، في آسيا وإفريقيا وأميركا اللاتينية، خصوصاً بعد نجاح الثورة الكوبية العام1959 .
مادية جدلية
بهذا المعنى كانت المادية الجدلية منهجاً للتحليل وأداة للعمل من أجل التغيير، وإذا كان قد سبق ماركس وجايله الكثير من المفكرين والباحثين، مثل كانط وديكارت وهيغل وفيورباخ وغيرهم، إلّا أنه كان الوحيد بينهم الذي ترك مثل هذا التأثير على العالم أجمع، فلم يكن مفكّراً كبيراً أو باحثاً متعمقاً أو فيلسوفاً حالماً أو منظماً وداعية حسب، بل كان كلّ ذلك. ولعلّ في هذه الموسوعية وربط الفكرة بالعمل مصدر قوّته وربما مصدر ضعفه في آن، فالمشروع الماركسي الفلسفي قدّم رؤية للتاريخ من جهة، مثلما قدّم منهجاً للتحليل، وهما الأساسان اللذان تعتز الماركسية في حلقتها الذهبية الأولى (ماركس وانجلز) بإضافتهما إلى علم الاجتماع الإنساني، مثلما كانت مشروعاً لتحرير الإنسانية، وحركة ثورية ذات أهداف محددة، لكنها لم تنجح في الاختبار في تجارب دامت نحو 70 عاماً، ولعلّ الجزء المهم منها ظلّ يوتوبياً، ففي كل فلسفة جزء من اليوتوبيا. لم تحبس الماركسية نفسها في إطار الجدل الفكري الأوروبي، بل كانت الساحات العالمية كلّها مجال حركتها، الأمر الذي وضعها في مواجهة الرأسمالية في كلّ مكان، وهذا الأمر أخذ طابعاً تعبوياً وسياسياً بعد التجارب الاشتراكية الأولى، خصوصاً بعد ثورة أكتوبر وتأسيس الأممية الثالثة بقيادة لينين العام 1919 التي استمرت حتى العام 1943? حيث تم حلّ الكومنترن. احتفى البعض بموت الماركسية، بل إنه أهال عليها التراب بعد دفنها، وما تبقّى منها وضعه في إطار الذكريات أو الكتب المتحفية، وكان بعض الماركسيين قد حاول تدوير تاريخه وإنكار احتسابه على هذا التيار الذي ظنّ أنه تم توديعه إلى الأبد ولم يعد أحد يتذكّره، وإذا بالأزمة المالية العالمية تعيده إلى الصدارة ويصبح طيف ماركس وليس شبحه في كل مكان.
فكرة شمولية
 وكما أصبح الحديث عن موت الماركسية بوصفها فكرة شمولية توتاليتارية، ومدخلاً للحديث عن ولادة الليبرالية الجديدة، فقد أصبح الحديث عن فضائل الأخيرة وسيادتها وظفرها مسألة موازية، وهو ما بشّرنا بها فرانسيس فوكوياما حين تحدّث عن نهاية التاريخ وتلقفها بعض زملائنا من الماركسيين القدامى “الليبراليين الجدد”، منتشين باكتساح العولمة للقارات والدول والأمم والشعوب واللّغات والنظم والحدود. وإذا كان هناك في الغرب من أخذ يتحدّث عن عودة ماركس ولكن ليست الماركسية الوضعية النقدية، حيث يريد ماركس لا بسترته المتّسخة، بل كعالم إنثربولوجي وسسيولوجي واقتصادي، ويسير خلفه لا جوقة الرعاع والبروليتاريا، بل مجموعة من البروفسيرات والأدباء والفنانين والمثقفين وأجمل النساء، وهؤلاء يريدون من الماركسية ومن ماركس فكرته الفلسفية ضمن طائفة الأفكار الفلسفية التي تغتني بها اللوحة الفكرية الأوروبية-الغربية، أما هدف تغيير العالم وليس تفسيره، كما دعا إليه ماركس، فهذا أمر تاريخي ومتحفي ليس إلاّ حسب وجهة نظرهم، بحيث لا يتم جمع النظرية إلى جانب التطبيق، وهو ضرورة، انفصلت عنها التجارب الاشتراكية بالكامل وفي جميع الحقول والمجالات. لاشكّ أن الذي مات هو النموذج أو الموديل السوفييتي، وقد أثبت فشله وعدم صلاحه وبالتالي انهياره، لأنه لم يكن ماركسياً أو اشتراكياً، بقدر كونه نموذجاً توتاليتارياً-استبدادياً حيث شكلت قاعدته القسرية الإكراهية الأساس في تطبيقه، الأمر الذي جعله صورة مشوّهة للماركسية الكلاسيكية، رغم بعض نقاط ضعف الأخيرة، وكانت صورة لينين وبالدرجة الأساس ستالين الشاهد الحقيقي للتشويه القيمي والفكري للماركسية، لاسيّما بغياب وجهها الإنساني. ولذلك فإن تبديد أو حتى موت النموذج القسري سيكون متوائماً ومنسجماً مع جوهر الماركسية وذاتها لا خلافاً معها، خصوصاً أن أفكار ماركس المستقبلية لم تكن محط اقتناع، بل هي الأخرى حملت إشكاليات زمانها، فضلاً عن إشكاليات زماننا. وإذا كانت تقديرات ماركس وقراءة بعض أطروحاته، لاسيّما التي تم تطبيقها لم تزكها الحياة، مثل نظريته عن الدولة، التي قال إنها ستذبل وإشكالية دور الفرد في التاريخ، ودور العامل النفسي ووصمه شعوباً بالرجعية بالكامل في معرض حديثه عن الشعب التشيكي، فإن جوهر منهجه ظل حيوياً وقادراً على تحليل واستنباط الأحكام والحلول، رغم أن البعض أرادها أحكامه وحلوله، في حين يقتضي المنهج الماركسي أن نكتشف قوانينا وحلولنا وأحكامنا، لا قوانين وأحكام ماركس، التي كانت تصلح لزمانه وليس لزماننا. هل يحق لنا أن نقول إن الماركسية كفلسفة تستطيع أن تجدّد نفسها رغم شيخوخة بعض جوانبها، حتى إن استبقت بعضاً منها في المكتبات أو اليوتوبيات أو الأحلام أو المتحفيات، فتلك مأثرة الفكر الحي ورائدة بروموثيوس الذي يستحق كما الماركسية القراءة الارتجاعية، بمنهج نقدي وضعي، لا بمسلّمات عفا عليها الزمن!!
 باحث ومفكر عربي




34
«الإسلامفوبيا» و«الويستفوبيا»
عبد الحسين شعبان
بتواضعه الجمّ وعلمه الوافر لفت المفكر المغربي عبدالله الساعف، في كلمته المكثفة التي ألقاها خلال حفل تكريمه من مركز الذاكرة المشتركة في «مكناس» إلى أن اللّغة تمثّل ركناً أساسياً في الهوّية، وكأنه يواصل حواراً مفتوحاً منذ عقود من الزمان حول دور اللغة، سواء كان دستورياً وقانونياً أم عملانياً ووظيفياً، لاسيّما إذا ما تناولنا الهوّية بتكوينها الثقافي والأنثربولوجي المتعلّق بالإنسان بالدرجة الأولى، في علاقته مع غيره ممن يشتركون معه في الوطن والدين والمجتمع، من جهة، وعلى صعيد المشترك الإنساني الكوني، من جهة أخرى.
ولعلّ مثل هذا التشخيص ينطلق من رؤية معاكسة للثنائيات المتصارعة، في النظر إلى الآخر، حيث إن مقابل الإسلامفوبيا (الرهاب من الإسلام) هناك الويستفوبيا (الرهاب من الغرب) فكلاهما ينمّان عن مخاوف مسبقة تغذّيها أحياناً معطيات بعضها صحيح يتم التعكّز عليه وبعضها الآخر خاطئ، بل و إغراضي، وهو الذي يتّجه بعيداً عن المشترك الإنساني، مروّجاً لصراع خفي وظاهر يتعلّق بالمصالح بالدرجة الأساسية، حتى وإنْ ارتدت جلباباً ثقافياً، سواء كان غربياً باسم الدفاع عن الحضارة المسيحية وقيم الحداثة والتنوير أم عربياً وإسلامياً، باسم الدفاع عن الحضارة العربية - الإسلامية والأصالة والتراث ورفض الاستتباع. وفي كل الأوقات، كان هناك من يجد مبررات وذرائع مختلفة للاتجاهات الإقصائية والإلغائية، لتأجيج عوامل التناحر.
وعلى سبيل المثال فهناك «الويستفوبيا» مقابل «الويستلوجيا»، وهذه الأخيرة تعني استخدام السياسات الغربية ضد قيم الغرب «المعلنة»، ولاسيّما الثقافية منها، ولعلّ نموذجها الراهن هو ازدراء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للأفارقة ولشعوب البلدان النامية، وحديثه المستفِز ضد اللاجئين وضد التزامات واشنطن الدولية التي اتخذت منحىً استخفافياً، في حين أن القيم الغربية تقوم على احترام الآخر والإقرار بالتعددية والتنوّع في إطار النظام الديمقراطي واحترام حقوق الإنسان والتسامح، وهي قيم إنسانية تتساوق مع مبادئ الحرية والمساواة والشراكة والعدالة.
وتتعارض هذه القيم الإنسانية جملة وتفصيلاً مع السياسات الرسمية الغربية، بما فيها التنظيرات التي تتّخذ الإسلام «عدواً»، خصوصاً باتهامه بالحضّ على العنف والإرهاب، دون تفريق أحياناً بين الإرهابي والمسلم، وبين المسلم والإسلاموي، وبين المسلم والإسلامي، وبين الدين والتديّن، متنكّرة لقيم الإسلام الإنسانية السمحاء، خصوصاً حين تدغمه مع بعض الممارسات العنفية المتعصّبة والمتطرّفة، والتي هي ليست حكراً على المسلمين وحدهم، بل هي موجودة لدى العديد من أتباع الأديان وفي جميع المجتمعات، سواء كانت متقدمة أم متأخرة وإن كان هناك فوارق بينها.
وكان انهيار جدار برلين وانتهاء عهد الحرب الباردة التقليدية (1947-1989) فرصة مناسبة لانتعاش التيارات المعادية للإسلام والمبشّرة ب«نهاية التاريخ» و«صدام الحضارات»، بالتجاوز على معاني «الخصوصية» باسم «الشمولية» واستخدام معايير «ازدواجية» و«انتقائية» إزاء الدول النامية ومنها الدول العربية والإسلامية، وفي أحيان غير قليلة توظيف قواعد القانون الدولي وما يسمّى ب «الشرعية الدولية» لخدمة الأغراض السياسية الأنانية الضيقة.
وقد نظّر فرانسيس فوكوياما منذ العام 1989 لفكرة تقسيم العالم إلى عالمين: عالم تاريخي وآخر ما بعد التاريخ، مؤكداً بأن مشكلات العالم الأساسية الراهنة هي النفط والإرهاب واللجوء، وهذه تمثّل تحدّيات كبرى وغير مسبوقة للغرب الذي تتجسّد فيه العدالة والإنسانية، لاسيّما بعد «ظفر» الليبرالية و«هزيمة» الاشتراكية، كما دعا إلى استبدال البندقية من كتف إلى كتف، وجعل الغرب على أهبة الاستعداد.
أما صموئيل هنتنجتون فقد كتب في مجلة «الفورين أفيرز» عن «صدام الحضارات» منذ العام 1993، معتبراً غياب الشيوعية لا يعني زوال التهديد، داعياً إلى بناء القدرات الدفاعية والأمنية والمخابراتية والفضائية، لأن المشكلة حسب وجهة نظره فكرية بالأساس وتتعلّق بالثقافة والحضارة، وإن الصراع هو حضاري وثقافي بين الغرب والحضارات الأخرى. وبما أن الثقافة سياج الهوّية، فلا بدّ لمن يريد تحقيق الانتصار الكامل والنهائي من اقتلاع وتذويب الثقافات الأخرى المناوئة لليبرالية ومنها الإسلام، لأن خطره قائم من المغرب إلى باكستان، وذلك في محاولة لخلط الأوراق.
ولعلّ مثل هذا المفهوم الإلغائي هو نفسه مفهوم تنظيم القاعدة وأسامة بن لادن والظواهري وأبو مصعب الزرقاوي، وتنظيم داعش وأبو بكر البغدادي، وجبهة النصرة (جبهة فتح الشام)، الذي نظّر أيضاً لمفهوم الصدام الحضاري مع الغرب، مستخدماً التعاليم الإسلامية السمحاء ضد الإسلام في إطار ما نطلق عليه «الإسلاملوجيا»، مقابل «الويستلوجيا» متناسياً ومتجاهلاً حاجة البشر إلى الحوار والتفاهم والعيش المشترك لتحقيق التعاون والتنمية لما فيه خير الجميع.
فالعرب والمسلمون بحاجة إلى الغرب مثلما هو بحاجة إليهم، ولا يمكنهما الاستغناء عن بعضهما. وإذا كانت حاجة البلدان النامية إلى الغرب علمياً وتكنولوجياً وثقافياً، لأنه يمثل مستودعاً لخير ما أنجزته البشرية من تقدم في المجالات المختلفة، فإنه بحاجة إليها بما تمتلك من موارد ونفط وأسواق وغير ذلك، الأمر الذي يصبح فيه الحوار والتفاهم والتعاون ضرورة ماسة وحاجة ملحّة لا غنى عنها، وخصوصاً على صعيد العلاقات الدولية، والشيء ذاته يمكن أن ينطبق على صعيد العلاقات الداخلية.
drhussainshaban21@gmail.com



35
ثقافة التنمية وتنمية الثقافة
             

عبد الحسين شعبان
في إطار مهرجان «القرين» الثقافي السنوي في دولة الكويت، التأمت ندوة مهمة نظّمها «المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب» بعنوان «اقتصادات الثقافة العربية ودور الكويت في تنمية المعرفة». والحقيقة أن العنوان يحمل تفاصيل عدة، ومتفرّعات كثيرة، يتداخل فيها دور القطاعين العام والخاص في «تنمية الثقافة»، وفي «ثقافة التنمية»، كما يندرج تحت العنوان ذاته دور الهيئات الثقافية الرسمية وشبه الرسمية في نشر الثقافة من جهة، وفي تعزيز اقتصادات الثقافة من جهة أخرى، بما فيها الثقافة الإلكترونية (النشر الرقمي)، خصوصاً أن السؤال يتعلق بالمستقبل، فهل الثقافة سلعة، أم خدمة مساعدة ترفد التنمية؟
وإذا كانت اقتصادات الثقافة في العالم وصلت إلى آفاق رحبة، وحققت نجاحات باهرة على هذا الصعيد، فإنها في العالم العربي لا تزال في بداية الطريق، ويكفي أن نشير إلى أن نسبة الإنفاق في البلدان العربية لا تزيد على 3 في الألف من الدخول القومية، بل إن بعض البلدان أقل من ذلك بكثير، على الرغم من أن الدساتير العربية، جميعها تقريباً تشير، وبدرجات متفاوتة ومختلفة، إلى مسؤولية الحكومة في رعاية الثقافة، باعتبارها «حقاً» لكل مواطن تكفله الدولة، وتلتزم بدعمه.
ولعلّ هذا الأمر يستوجب إجراء مراجعة مسؤولة من جانب الحكومات والقوى الفاعلة في المجتمع حول قيمة الثقافة كحاجة روحية للإنسان، خصوصاً حين تقترن بالمعرفة، إنتاجاً ونقلاً وتلقياً، مثلما تمثّل مورداً أساسياً للدخل يمكنه أن يعود بمردود مادّي ومعنوي على الدولة والمجتمع والفرد، بما يتفاعل مع عملية التنمية.
وإذا كان على الدولة أن تلعب دوراً محورياً في التنمية الثقافية، بتخصيص الموارد والبيئة الحاضنة لتفجير طاقات المجتمع والفرد، فلا بدّ لها من التعاون مع مؤسسات المجتمع المدني ومع قطاع أصحاب الأعمال، ومهما يكن دور المؤسسات الثقافية في التعبير عن الواقع المعيش وحياة الناس، لكن مسؤولية الدولة تبقى أساسية، سواء في سن القوانين وتشريع الأنظمة، أو في ضمان كفالة الثقافة وحمايتها لتحقيق السلام المجتمعي باعتبارها جزءًا حيوياً ومهماً من التنمية.
وقد أصبحت الثقافة مجالاً واسعاً وكبيراً للاستثمار، حيث توجد بلدان تقوم اقتصاداتها على الثقافة بجميع جوانبها، ابتداء من موروثها الثقافي إلى الحقول العلمية والتقنية، وصولاً إلى الذكاء الاصطناعي «الروبوتات»، ويتعلق الأمر بتنمية المعرفة كجزء من الثقافة بما فيها الخيال الذي هو حسب عالم الفيزياء الشهير ألبرت آينشتاين «أهم من المعرفة» حيث ينضوي تحت لوائه: الإبداع، والابتكار، والتميّز، والتجديد.
والثقافة بهذا المعنى هي أحد الأسلحة الناعمة والمؤثرة في عملية التنمية بمفهومها الإنساني الشامل والمستدام، ولا نقصد بذلك «النمو الاقتصادي» فحسب، بل «توسيع خيارات الناس» في الميادين الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية والقانونية والتربوية والصحية والبيئية والنفسية، لإحداث التطوّر والتغيير المطلوبين. ومن الصعب تصوّر تحقيق التنمية المستدامة من دون ثقافة، الأمر الذي يقتضي الربط بين التنمية والثقافة، لأن أحدهما يكمّل الآخر، بل هما وجهان لعملة واحدة، وهناك علاقة جدلية ومصيرية ووجودية بين الثقافة وأي مشروع تنموي.
وإذا كانت الثقافة هي نتاج لكل الناس، فينبغي أن يكون استهلاكها لكل الناس أيضاً، لأنها لم تعد محصورة بالنخبة فحسب، والإبداع هو كل ما يشمل التعبير عن إحساس المجتمع بالجمال والحرّية والهوّية الإنسانية، وهذا جزء من الاقتصاد، فالسينما والمسرح والفنون والآداب والسياحة، بما فيها السياحة الدينية والآثارية، تمثل استثمارات اقتصادية كبيرة للجميع، بما توظّفه من خدمات، ونقل، وأماكن إقامة، وغيرها من الفرص الكبيرة لخلق وظائف لآلاف الناس.
واستناداً إلى ذلك، فالثقافة ليست مجرد هامش تعبير، بقدر ما هي مكوّن أساسي من مكوّنات التنمية، ولكنها اختُزِلت في ظل الأيديولوجيات الشمولية ليقتصر دورها على الإرشاد والتوجيه والدعاية، وحتى اليوم فالتعامل معها يُنظر إليه من باب الإلحاق والتبعية، بل إن الصراعات السياسية المحمومة على تولّي المناصب «السيادية»، لا تضع الثقافة في صلب اهتماماتها، حيث دائماً ما يُنظر إليها نظرة استصغارية.
أما أهم الكوابح التي واجهت الثقافة والمثقف على المستوى العربي فهي: شحّ الحريات والثيوقراطيات الدينية، والانقسامات والصراعات الطائفية، إضافة إلى العادات والتقاليد البالية، وقلّة التخصيصات المالية من جانب الحكومات، فضلاً عن تحكّم رأس المال في التوجهات الثقافية، تضاف إلى ذلك محاولات فرض استتباع خارجي لتعميم نمط الثقافة السائدة ذات المضمون المعولم، لاسيّما بتسليع الثقافة، من دون أن ننسى ما للتعصّب والعنف والإرهاب من تأثيرات سلبية في الثقافة والتنمية في السنوات الأخيرة، الأمر الذي تدارسته «ندوة القرين» التي ضمّت نخباً فكرية وثقافية عربية متنوّعة، وحثّتهم على تبنّي الدعوة لبناء مشروع ثقافي عربي لمواجهة التحدّيات والاختراقات التي تواجهها الأمة العربية، مشفوعة بالدعوة لتأسيس مجلس أعلى للثقافة العربية يجمع بين الجهات الحكومية والمفكرين والمثقفين العرب، وممثلين عن القطاعين الخاص والعام، لإطلاق مبادرات ثقافية جامعة تكون جهة تواصل وتفاعل بين الجهات المختلفة المعنية بتنمية الثقافة وبثقافة التنمية.
drhussainshaban21@gmail.com



36
بغداد - واشنطن : أي تاريخ وأي مستقبل؟
عبد الحسين شعبان
باحث ومفكر عربي

   شهدت العلاقات العراقية - الأمريكية تصدّعاً كبيراً بعد الإٌطاحة بالنظام الملكي إثر ثورة 14 يوليو (تموز) العام 1958، وظلّت في حالة فتور وعدم ارتياح وريبة وعداء، تعمّق مع مرور الأيام، حتى وقوع العراق تحت الاحتلال العام 2003 . ويمكن رصد ثلاث محطات أساسية تعرّضت فيها المصالح الأمريكية إلى ضربة موجعة في العهد الجمهوري.
   المحطة الأولى - بعد الثورة مباشرة، ولاسيّما في إعلان الخروج من حلف بغداد "حلف السنتو". وعلى الرغم من أن واشنطن لم تكن عضواً رسمياً في الحلف، إلّا أنه كان مدعوماً منها باعتباره حلقة مهمة من حلقات مشروعها في المنطقة القاضي بتطويق الشيوعية وتقليص نفوذ حركة التحرّر الوطني، حيث كان الحلف يضم تركيا وإيران وباكستان والعراق وجميعهم حلفائها آنذاك، إضافة إلى بريطانيا. وكان إقدام العراق على إلغاء المعاهدة الأمريكية - العراقية المبرمة بين البلدين العام 1954، والتوجّه صوب الكتلة الإشتراكية، وخصوصاً الاتحاد السوفييتي، أحد الأسباب الأساسية في الافتراق والعداء اللاحق بين البلدين.
   المحطة الثانية- قطع العلاقات بين العراق والولايات المتحدة، بعد عدوان الخامس من يونيو (حزيران) العام 1967، بسبب انحياز واشنطن إلى تل أبيب ودعمها عسكرياً وسياسياً، وهو الأمر الذي أضعف من دورها في المنطقة العربية والعالم الإسلامي ككل، بل وأساء إلى سمعتها.
   المحطة الثالثة - تأميم النفط العام 1972 وخسارة الشركات الأمريكية لمليارات الدولارات. وكان النفط أحد أسباب واشنطن في مناصبة العداء للعهد الجمهوري الأول، وخصوصاً بعد صدور القانون رقم 80 لعام 1961 الذي تم بموجبه استعادة 99.5% من الأراضي العراقية من أيدي الشركات الاحتكارية للتنقيب عن النفط.
   وكانت الحرب العراقية- الإيرانية 1980-1988 فرصة جديدة لواشنطن لاستعادة شيء من نفوذها المفقود، مستغلة اندلاع الثورة الإيرانية العام 1979  وتوتّر العلاقات الخليجية- الإيرانية ، حيث عملت على إدامة أمد الحرب حماية لمصالحها الاستراتيجية.
   وكشفت فضيحة إيران غيت وكذلك المعلومات الاستخبارية والعسكرية المسرّبة إلى بغداد، السياسة الازدواجية التي مارستها طيلة تلك الفترة والتي انقلبت بعدها ضد بغداد إثر الغزو العراقي للكويت العام 1990، وقادت حملة لتحريره العام 1991، ثم فرضت حصاراً دولياً على العراق دام ما يزيد عن 12 عاماً (من العام 1991 ولغاية العام 2003)، وصولاً إلى احتلال العراق تحت حجة "وجود أسلحة دمار شامل" و"ضلوعه بالإرهاب الدولي"، وهي نفسها التي أخرجته من قائمة الدول الراعية للإرهاب خلال الحرب مع إيران.
   وفي الوقت نفسه أزيلت بعض العوائق عن الصادرات الأمريكية المتوجّهة إلى العراق، ووصل حجم التجارة البينية إلى ما يقارب مليار دولار سنوياً عدا التجهيزات العسكرية الأمريكية، وهو ما أشار إليه الكاتب الصحافي الفرنسي آلان غراش رئيس تحرير جريدة لوموند ديبلوماتيك في كتابه " الخليج : مفاهيم لفهم حرب معلنة" الذي صدر في العام 1991.
   وكان الرئيس جورج دبليو بوش قد وضع ثلاثة أهداف له للحرب على العراق أولها- نزع سلاح صدام حسين ، وثانيها - جعل العالم أكثر أمناً، وثالثها - تحرير الشعب العراقي (والمقصود نشر الديمقراطية على الطريقة الأمريكية). وبغض النظر عن عدم شرعية الأساس القانوني وبطلان الادعاءات وزيف الاتهامات، فإن النتائج العملية تقول: إن العالم لم يصبح أكثر أمناً، بل ازدادت التهديدات الإرهابية، وإن واشنطن أول من قام بانتهاك حقوق الإنسان في العراق، وقد كشفت حوادث التعذيب ومحاولات إذلال العراقيين ذلك، لاسيّما ما حصل في سجن أبو غريب ومجازر الحديثة والإسحاقي ومذابح الفلوجة وغيرها.
   وحتى العملية السياسية التي صنّعتها واشنطن لم تكن قادرة على "نقل العراق من الدكتاتورية إلى الديمقراطية"، لأنها قامت على نظام المحاصصة الطائفي الإثني وتقاسم السلطة على نحو أدى إلى شيوع ظواهر الإرهاب والعنف والفساد المالي والإداري والرشا، ناهيك عن استشراء الميليشيات خارج نطاق الدولة وانتشار السلاح على نحو لم يسبق له مثيل، خصوصاً في ظل ضعف هيبة الدولة، وصعود مرجعيات لموازاتها مثل المرجعيات الطائفية والإثنية والعشائرية والمناطقية وغيرها .
   أما حقيقة أهداف واشنطن فقد كانت ثلاثة أيضاً - الأول- اقتصادي وهو متمثلٌ بالنفط وتوابعه والثاني - أمني استراتيجي وهو متمثلٌ بالموقع الذي يحتله العراق في علاقاته مع واشنطن، ولاسيّما في مواجهة إيران والإرهاب و"أنظمة الشر"، والثالث ديني حسب معتقدات بوش، التي هي خليط من أفكار دينية وأوهام تاريخية.
   وفي المرحلة الجديدة ما بعد الاحتلال مرّت العلاقات العراقية- الأمريكية بخمس فترات يمكن تصنيفها كالآتي - الأولى بدأت بالحكم المباشر للجنرال جي غارنر واستمرت من 9 نيسان (ابريل) ولغاية 13 أيار (مايو) 2003، حيث تسلّم القيادة منه بول بريمر. والثانية بحكم مدني مطلق للحاكم الأمريكي السفير بول بريمر، واستمرت حتى 30 يونيو(حزيران) العام  2004، وكان قد أصدر "قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية" في 8 آذار (مارس) 2004 وشكّل مجلساً للحكم الانتقالي تابعاً له في 13 تموز (يوليو) 2003.
   الثالثة- بدأت بعد إجراء انتخابات على أساس دستور دائم في العام 2005، حيث تم الاستفتاء على الدستور في 15 اكتوبر/تشرين الأول وأجريت على أساسه الانتخابات في 15 ديسمبر /كانون الأول من العام ذاته. وهي فترة انتقالية استمرت بإدارة عراقية وإشراف أمريكي مع وجود القوات الأمريكية التي وصل عددها إلى 170 ألف عسكري، وفيها تم توقيع اتفاقية أمنية عراقية- أمريكية العام 2008، وكان من المفترض إجراء استفتاء شعبي عليها حسبما نصّت، لكن الحكومة العراقية سوّفت هذا الأمر حتى تم انقضاء مدّتها نهاية العام 2011.
   ولم تتمكّن القوى المؤيدة " راقياً" لإبرام معاهدة جديدة أو الولايات المتحدة والرئيس بوش تحديداً من الوصول إلى صيغة تعاقد جديد، بحيث ينتقل "الاحتلال العسكري إلى احتلال تعاقدي"، وهكذا شهدت الفترة الجديدة نوعاً من الفتور وبرود العلاقة السياسية، ولاسيّما مع مجيء الرئيس باراك أوباما وبالأخص مع مطلع العام 2012 واستمرّ مثل هذا الضعف أو عدم الاكتراث حتى العام 2014.
   أما الفترة الرابعة فهي بعد احتلال داعش للموصل في 10 يونيو (حزيران) العام 2014، وابتدأت مع ترشيح حيدر العبادي لرئاسة الوزراء، حيث استعاد الطرفان الرغبة في تعزيز العلاقة، ولاسيّما العسكرية والأمنية لما يجمعهما من أهداف في  محاربة داعش والقضاء على الإرهاب.  أما الفترة التي تلتها الخامسة فقد شهدت صعود الرئيس دونالد ترامب لرئاسة  للبيت الأبيض (يناير/كانون الثاني /2017) وتميّزت بتطوّر مستوى التعاون في الجانب الأمني والعسكري والسياسي.
   والسؤال الذي يواجه الباحث هو إلى أين تسير علاقات بغداد - واشنطن في ظل استمرار التخبّط العراقي في تحديد الأولويات؟ ويحتار المرء أحياناً من أين يبدأ؟ وعلى أي الطرق يسير؟ وإذا كان زيادة الإنتاج النفطي هو الأولوية لبغداد والحفاظ على الوضع القائم كي لا ينهار بسبب الأزمة المالية التي سبّبها انخفاض أسعار النفط والمجهود الحربي ضد داعش، دون أن ننسى الفساد المستشري في أجهزة الدولة ومفاصلها وهو الوجه الآخر الثاني لداعش. فماذا هي فاعلة بشأنه ونظام المحاصصة الطائفي - الإثني الذي يلهج الجميع بذمّه: هل لإعادة بناء وترميم البنى التحتية أو لزيادة التسليح أو لمحاربة الفساد أو لتحسين قطاع الخدمات، ولاسيّما الصحة والتعليم أو للقضاء على البطالة أو لحلّ الخلافات مع إقليم كردستان؟
   وإذا كانت تلك جميعها تمثل أولويات وأهداف آنية ومتوسطة المدى، فمن أين ستبدأ  بغداد ؟ وكيف ستتصرف كدولة؟ في إطار خضمٍّ من الصراعات الداخلية والإقليمية، خصوصاً بعد الأزمة الحادة مع إقليم كردستان بسبب الاستفتاء الكردي (25 سبتمبر/ أيلول/2017)، تلك التي لا تزال لم تجد لها حلولاً مقبولة بشأن المناطق المتنازع عليها وبالدرجة الأساسية "محافظة كركوك" وفقا للمادة 140 من الدستور، وقد يتطلب الأمر تعديلات دستورية ضرورية وأساسية وهي لا تزال مجمّدة منذ العام 2006 ولحدّ الآن.
   ولكي تضع واشنطن لبغداد حساباً في اعتبارها ، فلا بدّ أن تكون بغداد موحدة في حركتها  ومصدر قرارها ، إذْ لا يزال الكثير من الأطراف العراقية يتعامل مع الولايات المتحدة منفرداً، وأحياناً  بما يتعارض مع قرار الحكومة وسياساتها ، وهي ظاهرة لا تضعف وحدة القرار العراقي فحسب، بل تربك أداءه في تحقيق أهداف السياسة الخارجية وفي التعامل مع المحيط العربي والإقليمي أيضاً وليس مع واشنطن فحسب.   وإذا كانت بغداد وحواشيها لا تزال متخبّطة إزاء العلاقة مع واشنطن، فإن هذه الأخيرة لها استراتيجيتها النابعة من مصالحها وأهدافها.
   والمتتبع يلحظ سعي واشنطن لإجراء الانتخابات في موعدها المعلن (15 أيار/مايو/2018) وتشجيع  إقامة كتلة كبيرة، بعيدة عن تأثير النفوذ الإيراني، والأمر يحتاج إلى تحالفات جديدة شيعية - كردية - سنّية قريبة من واشنطن يُرجح أن يكون على رأسها رئيس الوزراء الحالي، ويمكن لها أن تحظى بدعم مادي ومعنوي لإعادة إعمار المناطق المتضرّرة وعودة النازحين إليها. وحسب قراءتنا الأولية فإن الخطوط العريضة لمثل هذا الاستنتاج هي :
   1- القضاء على داعش واستكمال ملاحقته عسكرياً بالتعاون مع القوات العراقية وإبراز دور التحالف الدولي، والإبقاء على عدد القوات الأمريكية القتالية والخاصة في العراق، بحجة حماية الأراضي التي تم طرده منها وإفشال مخططاته بالعودة إليها والعمل على تعزيز سبل مكافحة الإرهاب الدولي من خلال تعزيز الوجود العسكري الأمريكي في العراق.
   2- تقليص النفوذ الإيراني بتطويقه ومنعه من التمدّد في العراق والسعي لإبعاد الحكومة العراقية من أن تكون تابعاً له أو تدور في فلكه، سواء ما  له علاقة بامتداداته العربية في سوريا ولبنان واليمن والبحرين والمنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية وبعض دول الخليج، إضافة إلى العلاقة مع حماس وقطاع غزة ، وذلك انسجاماً مع أهداف السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط ككل.
   3- تشجيع إقليم كردستان على البقاء ضمن "العراق الديمقراطي الفيدرالي"، وتعزيز أواصر الصداقة معه، خصوصاً بعد أن كانت واشنطن قد تحفظت إزاء خطوة الاستفتاء. وعلى الرغم من علاقة واشنطن مع بغداد والدولة العراقية ككل لما تشكّله من ثقل، فإنها في الوقت نفسه تريد تأكيد العلاقة الخصوصية مع الإقليم والتحالف المستمر مع الحركة الكردية.
   4- إبقاء نقاط المراقبة الميدانية والجوية واستمرار الاستطلاعات الأمنية والاستخبارية، لإفشال المشروع الإيراني ومنعه من إيجاد ممرات بديلة وطرق برية أخرى لإدامة الاتصال بين طهران ودمشق عبر بغداد وصولاً إلى البحر المتوسط مروراً ب
الأراضي اللبنانية، ضمن محور "الهلال الشيعي".





37
العنف وفريضة اللاعنف.. شذرات من تجربة شخصية ح 4
حصار العراق بزعم إسقاط نظامه سخرية لمن يحاول تسويغه أو التواطؤ معه
عبد الحسين شعبان
   لقد برّر ستالين ملاحقة ضحاياه وقتل الملايين من البشر بـ "الدفاع عن الاشتراكية" ضد الأعداء والامبرياليين والمتواطئين معهم، وشنّ صدام حسين حروبه باسم الحقوق وبهدف منع التآمر على نظامه، ناهيك عن تصفية خصومه، سواء داخل حزبه أو خارجه... كل ذلك تحت مزاعم امتلاك الحقيقة، والغايات الشريفة التي تبرّر استخدام جميع الوسائل حتى وإن كانت غير عادلة، وباختصار إن ذلك يعني "الغاية تبرر الوسيلة" وهو المبدأ الميكافيللي الذي لا يقيم وزناً للإنسان.
   وكان كتاب "الأمير" للفيلسوف الإيطالي ميكافيللي قد صدر إبان عصر النهضة، وهو من الكتب التاريخية المهمة في علم السياسة، رغم مضي أكثر من 5 قرون على صدوره، وعلى افتراض وجود غايات عادلة ، فهل يمكن استخدام وسائل غير عادلة لتحقيقها؟ هل يجوز ذلك أخلاقياً وفكرياً وقانونياً أم ثمة اختلالات بنيوية، لاسيّما بين العنف والأخلاق؟ فالعنف يجعل القضية العادلة قضية غير عادلة ووسائل العنف تحطّ من شأن القضايا العادلة. ولكي نصل إلى الغاية العادلة يجب استخدام وسائل عادلة أيضاً، أي الانسجام والتناغم بين الغاية والوسيلة التي يتم السعي لتحقيقها.
   وكنتُ دائماً ما أضرب مثلاً بخصوص الحصار المفروض على العراق بالقول: إن الزعم بمحاصرة العراق هو نظامه، إنما هو سخرية لمن يقوم بها ولمن سوّغها أو لمن يحاول التواطؤ معها أو الاقتناع بها، وهو أقرب إلى استهداف طائرة ركاب تقلّ على متنها  380 راكباً، بحجة وجود إرهابي واحد عليها أو الشك بوجوده، أو مثلما هو تجفيف بحيرة كاملة وحرمان السكان من الماء بحجة وجود سمكة خبيثة فيها، ومثل هذا العنف الجماعي هو لا إنساني وهو ينطلق من تبرير الأسلوب الميكافيلي: الغاية تبرر الوسيلة، في حين إن الوسيلة جزء من الغاية، وإذا كانت الغاية غير معروفة بالملموس ، فالوسيلة ملموسة، وبالتالي لا يمكن أن تكون وسيلة غير عادلة تنافح وتكافح من أجل قضية عادلة.
   والعلاقة بين الوسيلة والغاية حسب غاندي، الذي كثيراً ما استشهدت به، هي علاقة عضوية متينة ومترابطة ولا انفصام بينهما، لأن الغاية كامنة في الوسيلة، وهي مثل "علاقة البذرة بالشجرة"، والعكس صحيح. وإذا كنّا لا نستطيع التحكّم بالغايات، لاسيّما وهي بعيدة المدى لأنها تتعلّق بالمستقبل، فإننا يمكن أن نسيطر على الوسائل، لأنها جزء من الحاضر، أي إن الغاية تعيش للمستقبل، أما الوسيلة فهي تعيش في الحاضر.
   وقد حاول كارل ماركس ورفيقه انجلز تبرير استخدام العنف باستمرار صراع الطبقات، وحين يزول هذا أو يحلّ لصالح انتصار الاشتراكية والشيوعية، فسيزول معه كل عنف، لاسيّما بزوال الظلم وسيادة العدل، أي تبرير استخدام العنف بانتظار المستقبل، ويظل ذلك مجرد وعد، لكن الحقيقة سارت باتجاه آخر، ويختلف اللّاعنفيون عن مبرّري العنف، إنهم لا يعدون أحداً بالمستقبل، إنما وعدهم هو "الآن... الآن... وليس غداً" ، أي إن استعمال الوسيلة هو المقدمة الضرورية للغاية.
   العنف يفرض نوعاً من التشابه، بل يجبر على مثل هذا التشابه أحياناً، وذلك بجعل مجموعات سكانية ثقافية دينية أو لغوية أو إثنية أو سلالية تتشابه فيما بينها، وذلك تحت زعم امتلاك الحقيقة وادعاء الأفضليات، إضافة إلى عوامل أخرى، في حين أن أفرادها مختلفون . العنف وحده هو الذي يجبرهم على مثل هذا "التشابه" الإجباري الإكراهي، في حين إن اللّاعنف هو خيار الاختلاف، وهكذا هم البشر مختلفون ومتباينون بحكم تلقائيتهم وعفويتهم  وظروف نشأتهم وتكوّنهم، إضافة إلى أوضاع حياتهم الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
   يناقش صديقي الفرنسي فيلسوف اللّاعنف جان ماري مولر فكرة البير كامو الملتبسة عن فلسفة العنف واللّاعنف، تلك التي تردُ مراراً في رواياته ، لاسيّما في حوادث القتل، فيقول إن بعض خصومه أخذوا عليه هروبه إلى مثالية " اللّاعنف"، على الرغم من أنه لم يدّعه قط، ويعرّج على مقدمة كتبها جان بول سارتر على كتاب فرانتز فانون " معذبو الأرض" العام 1961 بخصوص عنف الشعوب المستعمرة، فيقدّم نقداً لاذعاً للّاعنفيين بقوله ما أشدّ سذاجتهم فهم "لا ضحايا ولا جلادون" في تلميح واضح إلى ما كتبه كامو.
   ويقدّم جان ماري مولر في كتابه " نزع سلاح الآلهة" عرضاً موسعاً للأديان، ولاسيّما للمسيحية والإسلام من منظور فريضة اللّاعنف، مقدّماً قراءة معمّقة للنص الديني مستنتجاً " إن الله لا يسمح بانتصار الشر" وإن حصل ذلك فإمّا إنه ليس قديراً، وإمّا إنه ليس طيباً، والله هو الذي يصلّي للبشر لأنه محبّة، وهو مطلق.
   والفريضة التي يتحدّث عنها يقصد بها الفضيلة التي تمنح الإنسان هذا القدر من المحبّة والطهرانية والروحانية الإنسانية، وتقرّب البشر من بعضهم، بغض النظر عن الدين أو حتى الإيمان أو التديّن أو اللّاتديّن ، لأن الجميع يمكن أن يجتمعوا في خيمة التعايش والسلام وحب الخير.
   هل اللّاعنف مطلق؟
   وإذا احتسبنا كامو على اللّاعنفيين، فإنه مثل غيره لا يؤمن بفكرة " اللّاعنف المطلق"، وإنْ كان يطلّ على بعض أطروحات غاندي بإبداء التقدير له، وهو الآخر كان قد طعن في صحة عدم وجود لاعنف بصورة مطلقة، دون أن يُشرْعِنْ القتل أو ممارسات العنف.
   وإذا كان العنف ظاهرة لصيقة بالصراع، وهو في الغالب أحد مخرجاتها أو أبعادها فإنه نوعان: الأول - العنف المباشر، مثل القتل، والتعذيب، والإيذاء الجسدي، والحصار والعقوبات الاقتصادية وغيرها والثاني - " العنف غير المباشر"، وقد يكون هذا ناعماً مثل التمييز في النوع الاجتماعي (الجندر)، في التعليم، لأسباب تتعلّق بالدين والطائفة أو العرق أو القومية أو اللغة أو اللون أو الأصل الاجتماعي.
   والعنف يكون أيضاً بواسطة الاستغلال، لاسيّما باستمرار التفاوت الطبقي بين المتخومين والمحرومين، والأغنياء والفقراء في النظام الاجتماعي أو من خلال استقطابات اجتماعية أو دينية أو عرقية أو جهوية أو غيرها، بما فيها وجود قوانين وتشريعات غير عادلة أو لا تحقق المساواة والتكافؤ في الفرص، وسيادة قيم سلبية مثل عدم التسامح والاستعلاء، والخوف من الاستخدام السلبي للتباين في علاقات القوة وفرض الهيمنة والاستتباع في إطار ازدواجية في المعايير.
   وحين يكون العنف الأول ظاهراً، يكون العنف الثاني كامناً أو غير ظاهر، وهذا الأخير يعمل ببطء وتدرّج ، ويسهم في تآكل القيم الإنسانية، وقد يكون أكثر خبثاً من الأول.
   وتحدّد الاتجاهات والسياقات والسلوك، العنف وتأثيراته السلبية وكذلك سبل مجابهته بالثقافة النقيضة، فمثلما هناك سلوك سلبي (عنفي) ، هناك سلوك إيجابي (لا عنفي)، سواء كان مرئياً أو غير مرئي، وأمثلة عديدة على السلوك السلبي وسياقاته: التمييز العنصري وإنكار حق تقرير المصير وازدواجية المعايير ، أما اتجاهاته فتتمثّل بالمشاعر والقيم، مثل الخوف، انعدام الثقة والكراهية وغيرها وعكسها تتمثل اتجاهات اللّاعنف، التي ترفض التمييز وتدعو إلى مقاومته سلماً وتعترف بحقوق الغير، خصوصاً إيمانها بالتسامح والمساواة بين البشر والمشترك الإنساني.
   ويشمل العنف الثقافي، العنف المباشر وغير المباشر، إضافة إلى الأوجه الرمزية في الثقافة، المتمثلة بالأفكار وتعاليم الدين واللغة والفن وغيرها من العلوم الاقتصادية والتكنولوجية التي تشرْعِنْ العنف، ويرى غالتونغ وهو عالم نرويجي ومؤسس لمعهد بحوث السلام في أوسلو، إن القضاء على العنف المباشر يتم من خلال تغيير السلوك وانتهاءً بالعنف غير المباشر " البنيوي" لمعالجة التناقضات وانتهاءً بالعنف الثقافي من خلال تغيير الاتجاهات، وكان قد انتقد البلدان الغربية في موقفها من البلدان النامية.
   وهناك عنف اقتصادي وسياسي واجتماعي وثقافي ونفسي وإعلامي وقانوني وجنسي وأسري وتربوي محلي ودولي، وهناك عنف رمزي وتكنولوجي وعلمي وفني بما فيه أفلام الأكشن والألعاب الاليكترونية.
   رموز اللّاعنف
   ومن أبرز دعاة اللّاعنف الفيلسوف ديفيد ثورو الأمريكي من أصل فرنسي (1817-1862) الذي كان داعية ضد نظام العبودية، ومحرّضاً على العصيان المدني وضد دفع الضرائب. وكانت تأثيراته كبيرة على دعاة اللّاعنف المعاصرين من تولستوي (1828-1910) وغاندي (1869-1948) ومارتن لوثر كينغ (1929-1968)، خصوصاً وهو أول من وضع اللبنات الأولى لنظرية المقاومة السلمية، أو بلور رؤيته لمناهضة القوانين غير العادلة مؤكداً على الضمير قبل القانون، باعتباره قوة ضبط داخلية وهو المعوّل عليه لأنه هو المنوط به ما يفعله الإنسان.
   وإذا ما أضفنا إلى هؤلاء نيلسون مانديلا (1918-2013) الذي ما إن أُفرج عنه في العام 1990 حتى تحوّل إلى داعية للتسامح واللّاعنف والمصالحة الوطنية، وكان قد انتقل من الإيمان بالعنف إلى اللّاعنف بعد أن قضى 27 عاماً في السجن. واستطاع بدعوته الإنسانية تلك وإدارته مفاوضات مع دي كليرك ونجاحه في انتخابات العام 1994 التي أصرّ أن تكون لكل الأعراق والأجناس والانحدارات أن ينهي نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا التي دام فيها أكثر من قرنين من الزمان حيث كانت تتحكم فيه " الأقلية البيضاء".
   إن غاندي وكنغ ومانديلا لم يكونوا غريبين، كما إن زعاماتهم لم تكن منتجاً غربياً، فهم جزء من مجتمعات عانت من التمييز والاضطهاد وهم من استطاع قيادتها نحو تحقيق أهدافها بالوسائل اللّاعنفية.
   
   ما يشبه الخاتمة
   إذا كنتُ قد توصلت إلى اللّاعنف، وجئت إلى فضيلته على دفعات ومراحل، فإن فريضته لم تتكوّن هكذا مرّة واحدة أيضاً. لقد جئناها من مواقع ومنابع مختلفة، بما فيها عنفية أحياناً أو لم تشكّل قطيعة نهائية مع العنف أو لا تزال متردّدة إزاءه، لكن الاهتداء إليه جاء بعد تجارب مريرة عشناها وعانينا منها  مثلما عانت منها شعوبنا وأوطاننا. وآن الأوان للبحث عن اللّاعنف لدى كل منّا، وفي تراثنا وثقافتنا، لتعميمه وليصبح هو القاعدة وليس الاستثناء، حتى وإن كنّا لا نستطيع أن نلغي العنف من حياتنا.
   وإذا كان لكل منّا صدمته من العنف، فصديقنا جان ماري مولر الفيلسوف الأشهر في العالم المعاصر وزميلنا في جامعة اللّاعنف انتقل إلى فريضة اللّاعنف، حين طُلب منه أن يلتحق بالجيش الفرنسي وليقاتل الشعب الجزائري، المستعمَر والمحتَل والذي ذاق مرارة العسف والعنف طيلة قرن وأكثر من ثلاثة عقود من الزمان، فرفض وامتنع، وفضّل السجن على أن ينخرط في مقاتلة شعب يتطلّع لنيل حريته واستقلاله وحقه في تقرير مصيره، رافضاً كليّاً اللجوء إلى العنف.
   هكذا  كانت صدمة الجزائر الخطوة الأولى لتحوّله نحو فلسفة اللّاعنف، وقد كرّس لذلك حياته منذ مطلع الستينات من القرن الماضي وحتى اليوم ويعتبر كتابه "نزع سلاح الآلهة" مرجعاً مهماً في فلسفة اللّاعنف، لاسيّما علاقة ذلك بالأديان، وهو مع كتابه التأسيسي " قاموس اللّاعنف" من الكتب التي لا بدّ من الاطلاع عليها لمن يريد التعرّف على فلسفة اللّاعنف، ويبقى لكل إنسان صدمته من اللّاعنف، سواء حدثت مرّة واحدة أو جاءت على مراحل ودفعات مثلما هي كانت بالنسبة لكاتب السطور.


38
العنف وفريضة اللاعنف.. شذرات من تجربة شخصية ح 3
واشنطن تسوّغ استخدامها العنف ضد أفغانستان بمواجهة ظاهرة الإرهاب الدولي
   وإذا كان الإنسان هو من يقوم بالفعل المادي أو المعنوي لممارسة العنف، لأنه وحده القادر على استخدامه، فإنه أيضاً هو من يقدّم مبرّراته لممارسته، سواء كانت مقنعة أم غير مقنعة، وقد يجد تلك المبررات أو الحجج في الآيديولوجيات والعقائد أو في الأديان والمذاهب أو في نمط الثقافة السائد، تلك التي تحاول أن تُشرْعن العنف وتسوّغه، بحيث تجعل من استخدامه "مقبولاً" أو مبرّراً .
   إذاً كيف السبيل للحديث عن اللّاعنف وسط ازدحام المشهد العام المحلي والإقليمي والدولي بالعنف، حيث تطغى الثقافة العنفية على ما سواها تحت عناوين ومسوّغات مختلفة، فهل من الممكن التخلّص من العنف كظاهرة سائدة، بالمطلق أم ثمة مساحة يبقى فيها استخدام العنف مبرّراً حتى وإن كانت محدودة، وإنْ كانت اختلافات بيّنة في تحديد تلك الحدود والمساحات؟
   القطيعة مع العنف
   مثل غيري ممن تصدّوا للظاهرة أعترف أن مفهوم اللّاعنف هو مفهوم جديد على مجتمعاتنا وثقافاتنا، بل على الثقافة البشرية برمّتها، سواء المتقدّم منها أو المتأخر، خصوصاً وأن هناك تقاليداً موروثة من العنف، بل جبالاً وعرة منه على مرّ التاريخ، قد تحجب أية رؤية جديدة لفلسفة اللّاعنف. فكيف السبيل إلى إحداث القطيعة المعرفية العملانية مع العنف سواء على المستوى الشخصي أو الاجتماعي العام؟علماً بأن مفاهيمنا الآيديولوجية تشرّبت بالكثير من العنف، ليس هذا فحسب، بل إن ممارسات باسم الدين وجدت ضالتها في العنف غير المقنن، بل في عنف منفلت، لاسيّما بسيادة فكرة التعصّب، الذي ينجب التطرّف، وهذا الأخير إذا ما تحوّل إلى فعل مادي يؤدي إلى العنف والإرهاب.
   والعنف عمل يقصد منه إلحاق الأذى الجسدي والنفسي، المادي والمعنوي بشخص أو مجموعة من الناس بعينهم، أي إن الضحايا سيكونون معروفين للجاني والمرتكب، في حين إن الإرهاب عمل عشوائي يستهدف إحداث أذى ورعب وهلع وخوف في المجتمع للتأثير على الرأي العام، وغالباً ما يكون هدفه سياسياً ويكون الضحية أو الضحايا غير معروفين للجاني أو المرتكب.
   وإذا كان العمل العنفي يندرج في إطار القوانين الجنائية، وإن الجزاء والعقاب يخضع للقوانين والأنظمة القضائية المحلية، فإن الإرهاب يندرج في إطار القوانين الدولية، سواءً كانت داخلية أم خارجية، لأنه يمثّل جريمة دولية تستهدف الإبادة الجماعية وهي جرائم ضد الإنسانية، إذا ما استهدفت ديناً أو طائفة أو فئة أو إثنية أو لغة أو سلالة، تحت مبرّرات إقصائية وإلغائية تمييزية.
   إن من يفكّر بالقطيعة مع العنف، قد يُتّهم أحياناً بأنه يفعل ذلك لكي يمارس قطيعة مع الدين ذاته، لأن في الأديان نظام عقوبات صارم كما يقولون، خصوصاً وأن الغالب الشائع من التفسيرات تؤدي إلى مثل هذا الاستنتاج الذي هو في حقيقته، مجرد تأويل وقراءة إرادوية سطحية للأديان وقيمها، وحسب هذا التفسير أو التبرير، فالعبرة هي ليس بالنادر الضائع، لاسيّما إذا كانت المصالح والأهواء هي المهيمنة من جانب قوى سائدة تتمترس في مواقعها وتدافع عنها بأسنانها، بل إنها هي التي تهاجم، وبالعنف، من يريد نيل حقوقه أو وقف استغلاله لتحقيق قدر من العدالة والمساواة. إذاً فكيف السبيل لإشاعة ثقافة اللّاعنف، بحيث تصبح مثل هذه الفلسفة سائدة ليس ببعدها الأخلاقي فحسب، بل في جانبها الحقوقي وبُعدها القانوني؟
   غاندي والحقيقة
   إذا كان اللّاعنف حسب غاندي يعبّر عن حقيقة الأديان، لأنه ليس آيديولوجيا أو عقيدة أو تعاليم دينية، بل هو فلسفة، والفلسفة في أحد تعبيراتها هي "حبّ الحكمة" ، وحتى غاندي لم يقل إن الإنسان يمتلك الحقيقة المطلقة، لأن من يقول ذلك سيكون مستعداً لإلغاء الآخر أو إقصائه أو تهميشه، بزعم امتلاكه للحقيقة، تلك التي تدعوه للدفاع عنها، حتى وإن استخدم العنف ضد خصومها، الذين هم خصومه. وهكذا سيكون العنف وسيلة للدفاع عن حقيقته الخاصة، تلك التي تنتقص من الآخر وتضعه في مصاف العدو أو الخصم الذي ينبغي إخضاعه.
   هكذا دافعت الآيديولوجيات عن نفسها عبر قادة أو أحزاب أو جماعات، لأنه دفاع عن فلسفتهم ودينهم وعقيدتهم، ولكن السؤال هل الحقيقة آيديولوجية، أي عقائدية ، سواء كانت سياسية أو اجتماعية أو دينية أو مذهبية أو غير ذلك؟ وإذا كان الجواب نعم حسب دعاة العنف، فإن من يدّعي امتلاك الحقيقة ينفي الآخر، يعزله ، بل ويجهز عليه إذا شعر إن ثمة حقيقة أخرى قد لا تكون آيديولوجية تواجه حقيقته، وهي حقيقة إنسانية ، تتعلّق بالوجود الإنساني، وهي الحقيقة الأهم والأساس، التي يحاول العنفيون إلغاءها أو تعطيلها بفرض آيديولوجيتهم. وهكذا تضيع الحقيقة الوجودية التي لا تعني سوى الاعتراف بالآخر والإقرار بالتنوّع والتعددية، وهذا بحدّ ذاته تفاعل وتداخل مع فلسفة اللّاعنف، بنقض فلسفة العنف.
   إن الزعم بامتلاك الحقيقة يمثّل الخلفية الفكرية للتعصّب، وهذا إذا ما سيطر على الإنسان، فسيدفعه إلى التطرّف، لأن كل متطرّف إنما هو متعصّب، وإذا ما حاول المتطرّف فرض إرادته على الآخر، ففي الغالب الأعم يلتجئ إلى العنف لإرغام الآخر، ويبرّر ذلك بامتلاكه للحقيقة والأفضلية، تلك التي تعطيه " شرعية" للقيام بفرض عقيدته أو آيديولوجيته أو دينه أو مذهبه أو نمط حياته على الآخر.
   العنف وجه آخر للباطل
   لعلّ ذلك يعبّر عن جوهر العنف الذي سيكون وجها آخر للباطل، لأن هذا الأخير ينبثق من زعم إدعاء الأفضليات وتمثيل الحقيقة، وهكذا سيكون كل تبرير للعنف بهذا القدر باطلاً، لأنه يريد أن يفرض الرأي بإقصاء الآخر وبالعنف إذا اقتضى الأمر، وهذا ما يجد تبريره عند بشر يزعمون أن الحقيقة معهم حيثما مالوا تميل.
   ولكن هل الدعوة إلى اللّاعنف مطلقة؟ يجيب غاندي على ذلك بالنفي ويشرح ذلك بتفسير منطقي وواقعي، فإذا تعذّر أن نحيا بلا عنف بصورة مطلقة، فلا بدّ إذاً من استخدام مقنّن ومحدود للعنف، لأننا في الحياة يستحيل أن نتجنّب كل عنف، كما إن كل شيء نسبي، ولكن الاختلاف حول حدود العنف يتراوح من حالة إلى أخرى، وهذه الحدود ليست متساوية لدى جميع البشر وكل منهم لديه رؤاه وممارساته التطبيقية، حيث أحياناً يتم اللجوء إلى العنف لتجنّب الأسوأ أو لدرء وقوع كارثة أخطر وأشدّ هولاً، وهو ما يُطلق عليه "قانون الضرورة الأسود".
   القاعدة والاستثناء
   ونقول بالعربية "الضرورات تبيح المحظورات"، أو"للضرورة أحكام"، وهو قول بليغ على تجاوز القاعدة باتجاه الاستثناء، وهذا ليس سوى تقنين لاستخدام العنف بحدّ الأدنى باسم " حُكم الضرورة" . وإذا كان ثمة واقعية في الأمر، فإن هذا الاستخدام ينبغي أن يخضع لضوابط وحدود وزمن، خصوصاً وإن هناك حالات تستوجب مثل هذا العنف، كأن يكون "حالة الدفاع عن النفس" لرد الاعتداء مثلاً سواء كان الاعتداء شخصياً أو عاماً، مثل مواجهة احتلال أو مجابهة غزو أو لتحييد عدوانية المعتدي. وحتى في هذه اللحظة علينا أن نتذكّر دائماً، بل نبقي نصب أعيننا إن اللّاعنف هو القاعدة، والعنف هو الاستثناء، أي أننا إذا اضطررنا اللجوء إلى العنف فإنه ليس خياراً، بل أقرب إلى الإكراه، والإرغام، حين تتقدّم الوسائل الأخرى.
   وإذا كان مثل هذا الاستخدام للعنف المقنّن ضرورة مرهونة بظرفها التاريخي، فإنها لن تكون مساوية للشرعية، لأنها استثنائية وانتقالية وظرفية، في حين إن الشرعية هي القاعدة، وهذه هي تمثل اللّاعنف. والشرعية تتأتّى دائماً من القاعدة وليس من الاستثناء، فالضرورة تقنّن حرّية خياراتك أحياناً، أي أنك لست حرّاً في اختيار وسيلتك، ولو كان الأمر كذلك، أي لو توفّرت أوضاع وظروف أخرى لاخترت غير تلك الوسيلة، وهكذا سيكون تبرير العنف بالضرورة ليس مساوياً للشرعية، لأنه هذه الضرورة ليست حتمية، وقد تتاح للمرء فرصاً عديدة لتجاوز "ضرورة " استخدام العنف، إلى عكسها.
   الغاية والوسيلة
   الأمر له علاقة وثيقة وعضوية بين الغاية بالوسيلة، فالغاية العادلة، حسبما تزعم الآيديولوجيات والعقائد الشمولية والنسقية المغلقة تبرر استخدام جميع الوسائل بما فيها  العنف الذي سيكون مشروعاً، لأنها أهدافها عادلة كما تزعم، وهكذا يمكن تعذيب إنسان أو امتهان كرامته أو تعريضه للأذى الجسدي أو النفسي، طالما تزعم الجهة التي تقوم بذلك أن هدفها عادل وبالتالي سيكون مشروعاً ما تقوم به. وإذا كان ذلك على المستوى الشخصي أو السياسي المحدود، ففي العلاقات الدولية هناك امتدادات له ومزاعم مختلفة ومتنوعة.
   وتبرّر اليوم القوى المتسيّدة في العلاقات الدولية، استخداماتها للقوة أو التهديد بها أو القيام بأعمال عنف لبسط إرادتها، سواء كان عنفاً مسلحاً باستخدام السلاح والحروب، أم عنفاً اقتصادياً بفرض نظام عقوبات أو عنفاً ثقافياً بمحاولة ضخ وتعميم نمط سائد للثقافة، وازدراء الآخر، ويتم ذلك تحت عناوين " مكافحة الإرهاب" و"الحرب المشروعة" و"العادلة" و"الوقائية" و"الاستباقية".وأحياناً وبموجب علاقات القوة والتسيّد يتحوّل الضحايا إلى إرهابيين مثل ما تتهم "إسرائيل" المقاومة الفلسطينية بالإرهاب، في حين أن الفلسطينيين  يمارسون حقهم في الدفاع عن أنفسهم وتقرير مصيرهم ضد محتلّي بلادهم ومن أجل حريتهم واستقلالهم.
   وإذا كان كلٌّ يلقي اللوم على الآخر أيضاً، فمن يا ترى يملك الحقيقة وهو ما دفع الأديب الروسي الكبير تولستوي للقول " إذا كان الجميع يدافع عن نفسه فمن أين يأتي الهجوم"؟، أي من هو البادئ ومن هو المسبّب، ولعلّ هذه الفكرة الواقعية نراها تتكرّر في الحروب الدولية والنزاعات المسلحة والأهلية وحتى بين الجماعات الدينية والكتل السياسية والأشخاص أحياناً، لأن كل فريق يحاول أن يضع الحق إلى جانبه وبالتالي يعطي نفسه شرعية استخدام العنف أو ممارسته بحيث يتم إجبار الآخر على الاستسلام أو الهرب.
   وتبرّر الآيديولوجيات العنف بربطه بالعدل أي الزعم بتحقيق العدل بواسطة العنف، وحتى يكون الأمر ذلك منطقياً، فإن القضية التي تستوجب القيام بالعمل العنفي لا بدّ أن تكون "مبرّرة"، لأنها عادلة حسب وجهة النظر هذه، ولأجلها تهون كل القضايا، بما فيها استخدام العنف. أما العدو أو الخصم فلا شكّ فإن  قضيته ظالمة أو غير عادلة ، وتلك أسباب ومبرّرات تشمل الخلافات الشخصية والنزاعات الأهلية والمسلّحة والحروب، وهي تتعلّق بالمصالح ومناطق النفوذ والامتيازات ومحاولات الهيمنة وفرض الاستتباع وإملاء الإرادة.
   تصوروا مثلاً تبرير داعش " تنظيم الدولة الإسلامية للعراق والشام" التي تعتبر الجميع خصومها، لأنها هي وحدها الفرقة " الناجية" وكل ما حولها إنما هو من قبيل البدع، "وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار"، وكان خطاب أبو بكر البغدادي في جامع النوري الكبير بالموصل بعد احتلالها بنحو عشرين يوماً أي في 29 حزيران (يونيو) 2014 ، قد اعتبر نفسه مدافعاً عن الإسلام بل خليفة للمسلمين محاولاً إضفاء الشرعية على تصرفاته وسلوكه.    
   وليس داعش أو تنظيم القاعدة أو أخواتهما هو من يسلك هذا السبيل لوحده، فدولة عظمى مثل الولايات المتحدة برّرت حربها على العراق واحتلاله بفريّة كبرى وهي وجود أسلحة دمار شامل ، إضافة إلى علاقته بالإرهاب الدولي، ومارست ضده حصار دولي جائر لمدة زادت على 12 عاماً، وذلك من أجل تسويغ فعل الحرب والعنف ضده، لأن  الهدف "عادل" حسب مبرّراتها، وكانت تعتبر حربها على الفيتنام والتي راح ضحيتها مئات الآلاف من الضحايا، بما فيهم عشرات الالاف من الجنود الأمريكان، "عادلة"، لأنها تدافع عن "المدنيّة" و"التحضّر"، بل إن حصارها على كوبا الذي زاد على خمسة عقود من الزمان، إنما هو دفاع عن "العالم الحر" وقيمه، وهكذا كانت وسائل الدعاية والصراع الآيديولوجي ضد الاشتراكية لعقود من الزمان.
   لقد برّرت واشنطن استخدامها للعنف بهدف مواجهة ظاهرة الإرهاب الدولي، وحاولت إيجاد مسوّغات "قانونية" و"شرعية" لشنّ حربها على أفغانستان العام 2001 والعراق العام 2003، وذلك بعد مهاجمة تنظيم القاعدة برجي التجارة العالمية في نيويورك العام 2001، وتمكّنت من استصدار قرارات دولية تعطيها المبررات لممارسة العنف وهو ما حاولت أن تمرّره من خلال الأمم المتحدة بعد أحداث 11 أيلول/سبتمبر الإرهابية الإجرامية، حيث صدرت ثلاثة قرارات هي الأخطر في تاريخ المنظمة الدولية، وأهمها القرار 1373 الصادر في 28 أيلول/سبتمبر 2001، الذي فيه عودة لقواعد القانون الدولي التقليدي التي تجيز " الحق في الحرب" و"الحق في الغزو" أنّا شاءت الدولة، وإذا شعرت بأي تهديد لمصالحها القومية ومجالها الحيوي.
   وقد أعطى هذا القرار للدول الحق في شن الحرب بزعم وجود خطر وشيك أو محتمل، وهي "حرب وقائية" أو "استباقية" ولكن ضد عدو مجهول أو غير معروف إلّا باسم "الإرهاب الدولي"، وهو الذي تحدّده الولايات المتحدة والقوى المتنفذة، ولم يكن ذلك سوى تسهيل مهمتها و"شرعنة" العنف طبقاً لأهدافها "القومية" ومصالحها " المشروعة".


39
المنبر الحر / ما بعد حل الدولتين
« في: 19:47 12/01/2018  »
ما بعد حل الدولتين
عبد الحسين شعبان
عشية إقدام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، على إصدار قرار بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس، طرح معهد واشنطن للشرق الأدنى، رؤية جديدة لحل القضية الفلسطينية والصراع العربي «الإسرائيلي»، أطلق عليها «الحلّ الإقليمي». وتقوم هذه الرؤية التي قدّمها أحد كبار منظّري المعهد، روس وماكوفسكي، على مسارين:
الأول؛ فلسطيني «إسرائيلي»، والثاني عربي «إسرائيلي»، بهدف تطبيع العلاقات الفلسطينية «الإسرائيلية»، والعربية «الإسرائيلية»، «وذلك مقدمة لانسحاب «إسرائيل» من أراضي فلسطينية وعربية (وليس بالضرورة من الأراضي العربية والفلسطينية التي احتلها عام 1967 في عدوان 5 يونيو/حزيران).
وتقترب هذه الخطة من أطروحة نتنياهو التي عرضها خلال زيارته للولايات المتحدة في 18 سبتمبر/أيلول 2017. وتحاول واشنطن تكييف هذه الرؤية مع مبادرة السلام العربية لعام 2002، المعروفة باسم «مبادرة بيروت»، للوصول إلى «صفقة القرن» حسب ترامب، التي تقود إلى «الحل الشامل»، ولكن وفقاً للرؤية «الإسرائيلية» الأمريكية، وللتفسيرات والتأويلات التي تستجيب لها.
وبعد أكثر من ربع قرن من المفاوضات الماراثونية، ما الذي تبقّى من خيار مدريد أوسلو (1991-1993)، وهل تصلح «الرعاية الأمريكية» في ظلّ الانحياز الصارخ للجانب «الإسرائيلي»؟ وأين نحن من أطروحات «حل الدولتين» التي تبنّاها الرؤساء بيل كلينتون في آخر عهده، وجورج دبليو بوش، وباراك أوباما، الذي بشّر به في بداية ولايته الأولى (مطلع عام 2009)؟ ثم ماذا يعني «الحل الإقليمي» الذي هو أدنى بكثير حتى من خيار أوسلو، الذي لا يلبّي مطالب الحد الأدنى؟
لقد تناوب على العملية التفاوضية أربعة رؤساء أمريكيين، وخامسهم هو الرئيس ترامب، وهي المفاوضات التي انطلقت في مؤتمر مدريد (30 أكتوبر/تشرين الأول 1991)، ووصلت إلى طريق مسدود في عام 1999، لعدم انطلاق «مفاوضات الحلّ النهائي» الذي رفضته «إسرائيل»، والذي أدى إلى اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية في 28 سبتمبر/أيلول عام 2002، خصوصاً أن القضايا الأساسية ظلّت معلّقة مثل: إقامة الدولة، واعتبار القدس عاصمتها، وتأكيد حق العودة والتعويض، وتحديد الحدود، وحلّ مشكلة المياه... الخ.
والرؤساء الذين تناوبوا على المفاوضات هم بوش الأب، وكلينتون، وبوش الابن، وأوباما، وأخيراً ترامب، ولم تستطع تلك المفاوضات التوصّل إلى أي حلّ مقبول مرضي، في إقامة سلام متوازن بمرجعية دولية، أساسها قواعد القانون الدولي، وقرارات مجلس الأمن الدولي، وخصوصاً القرار 242 لعام 1967، والقرار 338 لعام 1973، والقرار 478 بشأن عدم شرعية ضمّ القدس عام 1980.
إن ما يميّز إدارة ترامب عن الإدارات السابقة، هو تخلّيها عن مشروع «حلّ الدولتين» والبحث في «حلّ إقليمي»، يتراوح بين «مشروع الحكم الذاتي» (الموسع)، و«الكونفيدرالية» المرتبطة بالأردن، مع الحفاظ على الهيمنة «الإسرائيلية» على كامل الأراضي الفلسطينية غربي النهر، علماً بأن الإدارة الأمريكية انحازت إلى مطالب نتنياهو بالإبقاء على الاحتلال «الإسرائيلي» لمنطقة الغور، واعتبار الحدود الأردنية الفلسطينية، هي الحدود الآمنة لدولة «إسرائيل».
والمسألة الأكثر خطورة في موضوع المفاوضات «المنشودة»، تتعلّق بالاستيطان الذي لا تعتبره الإدارة الأمريكية عقبة أمام المفاوضات، وهذا يعني أن الكتل الاستيطانية سيتم ضمها لدولة «إسرائيل» في أي حلّ؛ لأن إدارة ترامب لا تجد تعارضاً بينها وبين المستوطنات في القدس، علماً بأن تقرير المبعوث ميتشيل في عهد الرئيس كلينتون، كان قد أكّد أن البؤر الاستيطانية وعددها حوالي 240 بؤرة، «غير شرعية» ويجب تفكيكها.
واستناداً إلى تمادي واشنطن في غضّ النظر عن الاستيطان، أقدم الكنيست «الإسرائيلي» على إصدار قانون مؤخراً، سمّي «تبييض المستوطنات»، سيؤدي تطبيقه فعلياً إلى قضم القدس الشرقية، وذلك دون اكتراث لقرار مجلس الأمن الدولي، الذي استنكر الاستيطان، وهو القرار 2234 الصادر في 23 ديسمبر/كانون الأول 2016، وفي ظل إدارة أوباما، حيث لم تستخدم واشنطن «حق الفيتو» لمنع صدور هذا القرار.
وهناك دعوات عربية من شخصيات مرموقة، تطالب الأمم المتحدة اعتبار صدور هذا القرار بمثابة إخطار عالمي جديد، بكون الاستيطان جريمة دولية لا بدّ من وقفها، وتحديد يوم 2 نوفمبر/تشرين الثاني، يوماً عالمياً لمناهضة الاستيطان.
وكان المبعوث الأمريكي جرينبلات، قد أبلغ الجانب الفلسطيني الشروط الأمريكية التسعة لاستئناف المفاوضات، وهي ليست سوى مطالب «إسرائيلية» غير مشروعة، وإذا ما بدأت المفاوضات المزعومة، فإنها لن تنتهي، بل ستستغرق التفاصيل وتفاصيل التفاصيل، في حين تمضي «إسرائيل» باستكمال مخططها لقضم الأراضي الفلسطينية و«تهويد القدس».
وتضغط إدارة ترامب على تطبيع العلاقات العربية «الإسرائيلية»، وتستبعد إدراج موضوع الاستيطان، بل إنها تطالب العرب والفلسطينيين بوقف التحريض ضد «إسرائيل»، ودفع تهمة الإرهاب عنها ومطالبة السلطة الفلسطينية بالامتناع عن دفع رواتب الشهداء والأسرى الفلسطينيين.
إن اتفاق أوسلو ونهج المفاوضات السابق، لا يوفّران أرضية مناسبة للتوصّل إلى حلّ يضمن حقوق الشعب العربي الفلسطيني، وفي مقدمتها حق تقرير المصير، ولو بمعيار الحد الأدنى. وقد كشف اختبار القدس فشل الرهانات المعلنة والمستترة، التي ستصطدم جميعها بالتوحش «الإسرائيلي» والغطاء الأمريكي.
drhussainshaban21@gmail.com


40


كلمة عبد الحسين شعبان عن أبو كَاطع في نادي العلوية
أبو كَاطع يشرق في بغداد
حين تكون قريباً من إنسان ما يصعب عليك رؤية جميع مزاياه، قد تحتاج إلى أن تبعد عنه أحياناً، لترى ما كنت قائلاً عنه، حتى لأن ما هو اعتيادي وربّما يتبين بنظرك يصبح فريداً ومتميّزاً.
ما إن افترقنا وتغيّرت الأماكن في نهاية السبعينات، هو في براغ وأنا في بغداد، بدأت أشعر بفرادة الرجل وقيمته، إبداعياً وإعلامياً وشخصياً، وكنت أتهيأ لزيارته في مدينة القباب الذهبية " براغ" العام 1981 على أمل أن يجتمع شملنا مجدداً  جاءني الخبر صاعقاً: لقد رحل أبو كَاطع في حادث سير مؤسف. هكذا وبكل بساطة، غاب مثل شهاب... قلت مع نفسي لعلّه فعلها هذه المرّة واختفى وكأنه يمارس لعبته التي ظلّت ملازمة له طيلة عقد من الزمان، يختفي ويظهر، ثم يختفي، لكنه هذه المرّة قرّر الرحيل  وكدتُ أن أطلق صرخة غوته  على لسان فاوست لأردّد: قف أيها الزمن ما أجملك، لكن الزمن مضى سريعاً دون أن يلتفت، فقد كان متربصاً، مخادعاً ماكراً ولعيناً مثل الموت.
وكما يقول الشريف الرضي:
   ما أخطأتك النائبات
            إذا أصابت من تحبّ
أو كما قال الجواهري:
   يظلّ المرء مهما أدركته
            يد الأيام طوع يد المصيب
وقد كتب لي السيد حسين الصدر في إحدى المرّات معزّياً بقوله :
   سيف المنايا مرهف الحدّ
            يردي ولا تقوى على الردّ

   أعود لفرادة أبو كاطع ومغايرته:
" إنه فك رموز الحرف بفضل والدته التي كانت تعرف قراءة القرآن، واستطاع أن يعلّم نفسه بنفسه، فلم تسنح له ظروف الحياة للدراسة النظامية والأكاديمية". وهكذا كان عصامياً بامتياز واعتمد على قراءاته الذاتية.
* أصبح لذلك الفتى الفلّاحي - القروي المنشأ، علاقة بعالم الحرف وعقد صداقات عديدة بينه وبين القلم، لم يفرّقه عنها سوى الموت اللئيم.
* جمع بين العمل الإذاعي والصحافي والروائي. فقد كان برنامجه الشهير " احجيه بصراحة يبو كاطع " من إذاعة بغداد 1959 وما بعده، جامعاً، مثلما كان عموده في صحيفة " طريق الشعب" التي كان القرّاء، يقرؤونها بالمقلوب، أي من عمود أبو كاطع بالصفحة الأخيرة، ليقيسون بها درجة حرارة الجو السياسي.
* وكانت  رباعيته " الزناد، بلا بوش دنيا، غنم الشيوخ، فلوس حميّد  مدخلاً جديداً وساخراً في فن القص، وفي الوقت نفسه في تدوين جزء مهم من تاريخ الدولة العراقية في الريف.
* كانت الرواية قبل أبو كَاطع، هي رواية المدينة، حتى وإن تناولت الريف، لأنها ستتحدث عن رؤية المدينة الريف. أما بعد أبو كَاطع فقد كان الريف حاضراً. وإذا كان غائب طعمه فرمان  وفؤاد التكريتي ومحمد خضير وعبد الرحمن مجيد الربيعي وقبلهم عبد الملك نوري وذو النون أيوب وغيرهم روائيو المدينة، فإن أبو كَاطع كان روائي الريف بكل تناقضاته، ناقلاً حديث الدواوين والمضايف والمجالس، ليحصل منه مادة للرواية والأقصوصة والحكاية والعمود الصحافي، أي حياة الفلاحين والشيوخ والإقطاع والسراكيل والنساء والعشق المحرّم والحب واللوعة والظلم والقسوة، إضافة إلى العادات والتقاليد الاجتماعية، مسلّطاً الضوء على الريف والخداع والاستغلال.
* اتهم من محكمة الثورة بالمتاجرة بالسلاح، وكانت تلك التهمة تعني أغلظ العقوبات، وحسب تندّراته كانت عقوبتها " أقلن .. أقلن الإعدام".
* كان أبو كاطع رؤيوياً- حسب غوركي عن أحد ثوريّ عصره " إن نصف عقله يعيش في المستقبل " والتاريخ لا يرويه المؤرخون فحسب، بل الفنانون هم من يقومون بذلك.
* كان ساخراً وسخريته حزينة - ووجد في السخرية وسيلة يستثمر فيها ما اختزن في ذاكرته من حياة الريف أو ما استحضره من خيال وما كان يحلم به من رؤى. وقد نقل حياة الريف من داخل الريف وليس عنه إلى المدينة . لم يكن طارئاً أو متطفّلاً على الريف، بل كان من صلبه ولم يكن متفرّجاً.
* في كتابه الأيام قدّم طه حسين الشاب الريفي القادم من قرية المينا، المتشبّع بالثقافة الأزهرية كنقيض للحضارة الغربية التي تخيفه. أما الطيّب صالح ففي روايته " موسم الهجرة إلى الشمال" جسّد علاقة الريفي بالمدنية الأوروبية، حين وضعه بين سيقان فتاة شقراء، مضيفاً تناقضاً وازدواجية جديدة على أصوله الفلاحية ذات المسحة السوداء وحاضره الانكليزي.
* رواية أبو كاطع كسرت احتكار الرواية لصالح الريف على حساب المدينة، حين رسم صورة ضاحكة جديدة لابن المدينة وأوهامه وأكاذيبه وألاعيبه.
* اعتمد أبو كَاطع الاسلوب المباشر والخطاب ذو التوجه الآيديولوجي، خصوصاً في رباعيته : الزناد، بلا بوش دنيا، غنم الشيوخ، فلوس حميّد، لكن مثل هذا التوجه خفّ في روايته "قضية الحمزة خلف" وقصة "موت الكلبة مرزوكة"، وحكاية "الضبع الأكبر" التي نشرتها لأول مرّة، وقد يكون تأثر بـ جورج أرويل وروايته " مزرعة الحيوان" .
* استخدم أبو كَاطع اللهجة الشعبية أو المحكية بأسلوب باذخ دون أن يلتفت إلى ما قيل بشأنها من انتقاص للغة العربية أو الفصحى، لأنه كان يريد إحداث التأثير المطلوب . وكان يجدها أكثر تعبيراً، وإن حافظ على اللغة العربية، لكنه كان يلجأ إلى العامية لتطعيمها وحاول في حكاية " يوم القيامة أو يوم الحساب أو شيء قريب من هذا " أن يستخدم اللهجة السورية، لاسيّما حين يتمازح مع صديقه السوري عصام، فأكثرَ من كلمات " تقبرني" أو "العمى" أو "لكان" وهذه بمثابة لازمات يرددها بمتعة.
* ظل محلياً وصميمياً عراقياً إلى أبعد الحدود وهنا ندرك الأفق اللغوي، خصوصاً حين يسعى المبدع لتخطي حدود المكان إلى عالم أكثر شساعة.
* سخريته لم تكن للفكاهة فحسب، بل كانت سخرية جادة . وحسب كارل ماركس، فالموقف من السخرية يعني اتخاذ موقف جاد من الحياة، وهي سلاح من الوزن الثقيل لا يخشاه الحكام والمستبدون، بل البيروقراطيون، وقد استخدمها أبو كَاطع  بشكل راقي مصحوبة بحِكَم وأشعار وأمثال شعبية.
* لعلّ قلمه وشخصيته المملّحة " خلف الدواح - كعود الفرحان" كان مثل ريشة  ناجي العلي وشخصية" حنظلة" الأثيرة، وكان ناجي العلي قد استشهد في لندن العام 1987.
* حين تقول حنظلة فإنك تعني خلف الدواح، وعندما نستذكر أبو كاطع فأنت في ناجي العلي أيضاً، ولا يمكن تصوّر حنظلة دون فلسطين ، مثلما لا يمكن الحديث عن خلف الدواح دون الريف العراقي والعراق كلّه.
هي السخرية في الحالتين:
وجوه ومؤخرات
زهور وتوابيت
حمامات وبنادق
طاغون ومظلومون
هي السخرية المشتركة والهوّية المشتركة للظالمين والطغاة والفاسدين ، مثلما هي هوّية المضطهدين والمهمّشين والضحايا، وإن اختلفت الألوان والأشكال والاجتهادات.
لقد كان أبو كَاطع مدرسة حقيقية في فن النقد والتحريض والتعبئة، فيها الكثير من عناصر الجذب والإقناع والجد بقدر ما فيها من دعابة وسخرية وضحك.
ولا أدري إلى أي حد يمكن أن نستذكر الروائي تشارلز ديكنز صاحب رواية " قصة مدينتي" A take of two cities ، فقد امتاز هو الآخر بالدعابة البارعة والسخرية اللاذعة، وصوّر جانباً من حياة البؤساء والفقراء وحظي بشعبية لم ينلها مجايلوه.


نادي العلوية - بغداد 10/9/2017


41
الإمام الحسني البغدادي.. مقاربات في سسيولوجيا الدين والتديّن
التاريخ والسياسة
ح  6
مرجع يرفض الإنخراط بعمل منظم ضد عبد الكريم قاسم
وفي العام 1914 حين حاول البريطانيون احتلال العراق نشبت معارك الشعيبة قرب البصرة تطوّع العديد من رجال الدين للذود عنها وشارك فيها البغدادي، كما شارك في جبهة الكوت، وكان بصحبته السيد محمد هادي مكوطر وكانت الهوسة الشهيرة قد تردّدت: ثلثين الجنة لهادينا….. وثلث لكاكا أحمد وأكراده…. ومعروف إن السيد محمد سعيد الحبوبي (1849-1915) كان على رأس المجموعات التي تصدّت للاحتلال، وبعد عودته توفّي في الناصرية، أي قبل أن يصل إلى النجف .
وحين كانت عوامل وأسباب الثورة الكبرى تنضج كان الحسني البغدادي يستحثّ القادة ورجال الدين لتنظيم مضابط تدعو البريطانيين للاعتراف بحقوق الشعب العراقي، وقد كان الشيخ محمد تقي الشيرازي الحائري (1842-1920) هو القائد الفعلي، حيث انطلقت ثورة العشرين في 30 حزيران (يونيو) 1920. وقد حاول الحاكم البريطاني ليجمان استمالته بتقديم مفاتيح الروضة العسكرية في سامراء (مقام الإمام علي العسكري) إليه، وذلك بهدف زرع الفتنة الطائفية بين السنّة والشيعة، فكما هو معلوم بأن الغالبية الساحقة من سكان سامراء هم من الطائفة السنّية، ومن جهة أخرى حاول تحريض الشيخ ضاري المحمود ضدّه وضدّ الشيعة ، فما كان من الأخير إلّا أن أجابه “إنه مرجعنا” فباءت محاولته بالفشل، الأمر الذي أراد الانتقام منه بإهانته في وقت لاحق لكنّ الضاري ردّ له الصاع صاعين وقام بقتله.
 وقد تم تسفير النائيني والأصفهاني إلى خارج العراق 1923 لاعتراضهما على خضوع الملك فيصل الأول للإنكليز، مثلما تم تسفير الخالصي إلى الهند ومنها إلى إيران، وقد عاد النائيني والأصفهاني “عودة مشروطة” بالتعهد بعدم ممارسة النشاط السياسي، في حين رفض الخالصي ذلك وتوفي في إيران العام 1925 وعاد نجله الشيخ محمد الخالصي إلى العراق في العام 1949 ليترأس المدرسة الخالصية في الكاظمية.
وكان البغدادي منذ البدايات ضد “المؤسسة الفارسية الدينية” في العراق، وكان يعتقد إن دورها سينتهي وتأثيرها سيكون محدوداً بعد أن أصبح العراق دولة، وإن ما يأتي من “عملة صعبة” بزعم دعم المرجعية والعتبات المقدسة سوف لا تكون الحاجة إليه شديدة، كما هي حينذاك، فضلاً عن أن تخلّف العراقيين سوف لا يستمر طويلاً. وكان ذلك قد جاء في حوار له مع السيد محسن الحكيم (العام 1923).
لأنه ماذا ينفع الإنسان لو ربح العالم كلّه وخسر نفسه
أو ماذا يعطي الإنسان فداءً عن نفسه
السيد المسيح
الحسني البغدادي والعدوان الثلاثي
اتّخذ الحسني البغدادي مواقف راديكالية من النظام الملكي بشكل عام، وعند حدوث العدوان الثلاثي الأنكلو – فرنسي “الإسرائيلي” على مصر بشكل خاص، العام 1956? وحين حدثت الهبّة الجماهيرية في النجف وبغداد والحي والموصل ومناطق أخرى من العراق، تضامناً مع الشقيقة مصر، جابهتها السلطات الحكومية بالقمع وقامت بإطلاق الرصاص على طلبة المدارس المنتفضين في النجف، وسقط ثلاثة من أبناء النجف، وهاجت المدينة المنتفضة، حيث تمكّن المتظاهرون من السيطرة على المدينة لنحو 9 أيام، وكان الجيش قد أرسل لضبط الأمن والنظام دون أن يتدخّل في ردع المتظاهرين.
وحاولت السلطة امتصاص حالة الغضب الشعبي، فأرسلت الدكتور محمد فاضل الجمالي لزيارة بعض رجال الدين، والتقى الحسني البغدادي به في منزله في النجف، وذلك بهدف التهدئة واستعادة زمام المبادرة كي لا يفلت من يد الحكومة. وكانت الزيارة برفقة محمد علي كمّونة، رئيس بلدية النجف حينها، وقد نقل له الجمالي تحيات الملك فيصل الثاني واعتزازه بمواقفه وطلب منه التعاون لتهدئة الموقـف.
وقد بادره الحسني البغدادي بالقول: ما كنت أرضى بمقابلة أحد من أركان النظام، بل كنتُ سأغلق الباب في وجههم، ولكن اختياركم من جانب الملك جاء لأن والدك ” عباس″ صديقي، والمرء يُحفظ بولده، وإن مجيئك كان بسبب توجيهي رسالة شديدة، تندّد بالموقف الرسمي بشأن العدوان، الذي استنكرته الجماهير في كل مكان، رجالاً ونساءً .
وعلى ذكر النساء، فقد كانت إحدى التظاهرات التي قادها الشيوعيون في النجف مجموعة نسوية شاركن فيها، كما إن التظاهرات التي استمرت لعدّة أيام كانت عامة شارك فيها الجميع من القوميين والبعثيين والشيوعيين والوطنيين بشكل عام. وختم حديثه لقد قابلتكم للاعتبارات التي ذكرتها، ولكن قطيعة بيني وبين النظام قد حصلت، وقد جئتم “بعد خراب البصرة”.
جدير بالذكر الإشارة إلى أن الحركة الوطنية في النجف آنذاك أرسلت وفوداً إلى عدد من رجال الدين لحثّهم على استنكار مواقف الحكومة العراقية والتضامن مع المتظاهرين، فضلاً عن إدانة موضوع إطلاق النار وقتل عدد منهم، وكان جدار الصحن العلوي المواجه للسوق الكبير قد تعرّض إلى إطلاق نار، وقامت السلطات ليلاً بمعالجة الأمر، ولكن آثاره ظلّت واضحة، واعتبرت حينها وصمة عار في جبين النظام الملكي، لكن نظام صدام حسين استخدم السلاح داخل الصحن العلوي في النجف، والصحن الحسيني والعباسي في كربلاء، وخصوصاً خلال أحداث ما سمّي بالانتفاضة الشعبانية بعد انسحاب القوات العراقية من الكويت (آذار /مارس 1991  ولاسيّما في كربلاء والنجف.
استقرار عواطف
وأتذكّر أن قمصان الشهداء عبد الحسين الشيخ راضي وأحمد الدجيلي والخياط، وهي مضرّجة بالدم، كانت مرفوعة فوق رؤوس المتظاهرين وهم يجوبون الشوارع والأسواق والصحن العلوي، وذلك بهدف استدرار العواطف من جهة، وممارسة ضغوط على رجال الدين لاتخاذ موقف واضح ضد سلطة نوري السعيد من جهة أخرى، ولذلك فقد توجّهت بعض التظاهرات إلى بيوت بعض رجال الدين، وكان الجمهور الغاضب يطالبهم باتخاذ موقف صريح وحازم، لاسيّما محاسبة المسؤولين عن إطلاق النار على المتظاهرين، وعلى الرغم من أنّ الإدانة عامة وشاملة، لكن الاستجابة كانت متفاوتة، خصوصاً باتخاذ موقف الإدانة الشديد.
وأتذكّر أيضاً وهذا ما كان شائعاً في صفوفنا حينذاك، إن تجاوب السيد الحسني البغدادي كان شديداً وقوياً، وكانت برقيته استنكارية إلى الحكومة العراقية لموقفها المتفرّج إزاء العدوان الثلاثي من جهة ومن موضوع التعرّض للمتظاهرين من جهة ثانية، فضلاً عن دعوته لإقالة نوري السعيد رئيس الوزراء العراقي المعتّق. وقد حاولت العثور على نصّها فوجدته منشوراً لدى عبد الحميد الراضي وفي كتاب: ” محمد الحسني البغدادي- المسيرة الجهادية والفكرية في قراءة حوارية ووثائقية ” اكثر من سبعة عقود من الزمن في قسم الوثائق- (وثيقة 7)? وكان قد نشرها عبد الرضا فرهود أيضاً في مجلة الكوثر، العدد 642? 1422. ولكنها بدون عنوان أنقلها بالنص (نص برقية البغدادي إلى الملك):
 “إن الموقف المتفرّج تجاه العدوان الثلاثي المسلح على مصر مخالفة للشريعة الإسلامية، وإنه إلغاء لحقيقة استقلال المسلمين من سلطة المشركين وليس لهذه الوزارة برئاسة نوري السعيد مفعول قانوني. نناشدكم بإقالتها في الوقت الذي نؤكد لكم إن قيامكم بهذا الواجب يجمع كلمة المسلمين، ويقطع طمع الكافرين والله سبحانه ولي النصر، وهو حسبنا ونعم الوكيل، والسلام على من اتّبع الهدى”.
وحين حدثت ثورة 14 تموز (يوليو)1958 استبشر بها الحسني البغدادي، وقد أرسل برقية تهنئة عاجلة إلى الزعيم عبد الكريم قاسم رئيس مجلس الوزراء، واستلم جواباً تحريرياً، وكانت جريدة البلاد (البغدادية) قد نشرتها وهي بالعنوان التالي- سيادة الزعيم الركن عبد الكريم قاسم المحترم بطل الثورة العراقية ،السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
“نبتهل إلى الله تعالى بنهضتكم رفع أعلام الدين وإعزاز الإسلام والمسلمين… قاضية فوراً على كل قوة استعمارية في جميع أوطاننا العربية والإسلامية” (محمد الحسني البغدادي). وكانت البرقية بتاريخ 6 محرم 1378 . وكان جواب الزعيم الذي ندوّن نصّه:
سماحة الفقيه الأكبر السيد البغدادي دامت بركاته،
” كان لكتابكم أطيب الأثر في نفوسنا. نرجو من الله أن يوفقنا إلى خدمة دينه وحماية شريعته والقضاء على الظلم والظالمين.”
الزعيم الركن عبد الكريم قاسم – رئيس الوزراء – 8 محرّم 1378
وقابل الحسني البغدادي وفداً عسكرياً برئاسة فؤاد عارف الذي جاء إلى النجف باسم قيادة الثورة وكان يأمل أن تسير الأمور بما يحقّق طموحات الشعب العراقي، لكن قلقه بدأ يكبر ونقده أخذ يزداد بالتدرّج، وسرعان ما أصبحت كفّة النقد أثقل، خصوصاً بعد أن يئس من استقرار الأوضاع بسبب الصراع السياسي الحاد الذي بدأ بعد الثورة بين القوميين والشيوعيين، واتّسع شق الخلاف بدخول الإسلاميين حلبة هذا الصراع، وكانت مواقفهم النقدية من حكم قاسم أقرب إلى القوميين، حتى وإن اختلفت المنطلقات.
وكنّا نعرف أنّ الحسني البغدادي متضايق من “انحراف” الثورة كما أسماه، ومن هيمنة الشيوعيين وإرهابهم الفكري، كما مورست عليه بعض الضغوط من “جماعة العلماء” الأكثر تشدّداً في مواجهة ما سمّي بالمدّ الأحمر، فاضطرّ لكتابة نص يؤيد فيه منشوراتهم، علماً بأنهم كانوا على خلاف شديد مع السيد محسن الحكيم الأب الروحي للجماعة، أشار فيه أنه مقدر دعوتها إلى التمسّك بالدين ووحدة الأمة ووحدة الكلمة، وأن عملها مشكوراً، لأنه لم يخرج عن الحق والواقع.
وللأسف فلم نكن نصغي إلى ذلك كثيراً، وأصابنا نوع من الغرور والتعالي، حتى على أوساط كانت مقرّبة منّا، أو يمكن تحييدها على أقل تقدير باستثمار الصراعات الداخلية في صفوفها، ولأن قوانا الذاتية كانت كبيرة ونبالغ فيها أحياناً، فقد كنّا نستخفّ أحياناً بالجبهة الواسعة التي أخذت تتشكّل ضدنا، سواء بصورة رسمية “الجبهة القومية التي ضمّت البعثيين والقوميين على تعدّد مجموعاتهم” أو بصورة غير رسمية، حيث جمعت القوميين والبعثيين والإسلاميين وبعض رجالات العهد الملكي والمتضرّرين من الثورة من الإقطاعيين وغيرهم.
وبالطبع كان هناك بعض الخيوط التي ترتبط بشركات النفط والدول التي تقف وراءها، والتي أعلنت صراحة عن عدائها للحكم الجديد، في محاولة لإعادة “حصان تموز الجامح” إلى الحظيرة، وخصوصاً بعد الخروج من حلف بغداد الاستعماري وفكّ الارتباط بالكتلة الاسترلينية، وبالأساس في الخوف من وقوع العراق في قبضة الشيوعية ودائرة النفوذ السوفييتي.
ليس هذا فحسب، بل إن معسكر الخصوم كان قد امتدّ إلى داخل الوسط الديمقراطي أيضاً، سواءً  في الحكم أو خارجه، الذي جرى الاستهانة به في إطار نزعة تسيّدية استعلائية سادت صفوفنا، وانعكست على علاقتنا بـ”الحزب الوطني الديمقراطي” بقيادة كامل الجادرجي وجناحه الآخر “الحزب الوطني التقدمي” بقيادة محمد حديد، وشخصيات محسوبة على عبد الكريم قاسم، عسكريين ومدنيين.
وتلك للأسف كانت السياسة العامة السائدة، وظروف الصراع التي اتخذت طابعاً متعصّباً ومتطرّفاً وإلغائياً على تناقضاته في إطارات يسارية طفولية في الممارسة اليومية، ويمينية في الموقف من استلام السلطة، وهو ما ينطبق على جميع القوى السياسية دون استثناء بشكل أو بآخر حتى وإن كان على نحو معاكس، وأعتقد إننا بسببها، إضافة إلى أسباب أخرى مهمة، دفعنا ثمناً باهظاً ونالنا من حملة تنكيل ما لم ينل أحداً، سواء في فترة عبد الكريم قاسم، وخصوصاً بعد خطابه الشهير في كنيسة مار يوسف واتهامه الشيوعيين بالفوضوية في أحداث كركوك أو بعده، في ظل حكم انقلاب شباط (فبراير) العام 1963 وما بعده، حين انفلت العنف على مصراعيه، ليتم قتل المئات تحت التعذيب، واعتقال عشرات الآلاف من الشيوعيين وأنصارهم ومن الوطنيين العراقيين بشكل عام.
هل الدين غير الحب
الإمام جعفر الصادق
جماعة العلماء
نشطت بعض المجموعات الدينية القريبة من “المرجعية”، وكان أكثرها تأثيراً وأبرزها حضوراً “جماعة العلماء” التي عملت بدعم غير مباشر من قيادة السيد محسن الحكيم في التصدّي للمدّ الشيوعي، وكان رئيسها الشيخ مرتضى آل ياسين، بمساعدة محمد تقي بحر العلوم ومحمد جواد الشيخ راضي وإسماعيل الصدر، وحظيت بدعم أبو القاسم الخوئي ومهدي الحسيني الشيرازي وعبد الهادي الشيرازي وعبد الكريم الجزائري وبدعم محدود في البداية من السيد الحسني البغدادي، ولم يتجاوب معها عدد من رجال الدين، بل وقفوا ضد توجهاتها وفي مقدمتهم السيد حسين الحمّامي والشيخ فاضل القائيني والشيخ عبد الكريم الزنجاني، خصوصاً وقد رافق تحرّكها بعض الإشاعات التي شكّكت بمقاصدها، لاسيّما وقد كان باكورة هذا التحرّك هو تكفير الحزب الشيوعي، وكان البغدادي يتّفق معهم من حيث تحريم “الشيوعية الإلحادية” التي هي بنظره “المسألة الكبرى”، إلّا أنّه يختلف وإياهم في “المسألة الصغرى”، لأنه لا يجوز الإفتاء بإلحاد الشيوعيين، لأنها تؤدي إلى احترابات وفوضى وهو ما حاول السيد “الحفيد” توضيحه (انظر أحمد الحسني البغدادي- تأصيل معرفي بين الثورية واللّاثورية، ج 5? القسم الثاني، 2011? ص 30 وما بعدها).
وبقدر ما كانت تتودّد “الجماعة” في البداية لكسب “الزعيم المحبوب” و”ربّان السفينة الأفضل” كما أسمته في منافسة مع ما كان يخاطبه به الشيوعيون بـ”الزعيم الأوحد”، وفي محاولة استرضائية لغروره، فإنها حاولت أن تصبّ جام غضبها على الشيوعيين، مستغلة الأخطاء التي وقعوا فيها والاندفاعات التي قامت بها المقاومة الشعبية، حيث عملت على دق الأسافين بين الزعيم وبينهم، خصوصاً باستثمار بعض التصرّفات الصبيانية التي أظهرتها وكأنها معادية للدين. وكانت جماعة العلماء قد أصدرت مجلة باسم ” الأضواء الإسلامية” العام 1959 واستمرت حتى العام 1962. وكان رئيس تحريرها محمد باقر الصدر الذي كان يكتب افتتاحياتها  (لخمسة أعداد) ثم تلاه الشيخ محمد مهدي شمس الدين وكان من بين محرّريها محمد حسين فضل الله.
وفي البداية كانت بياناتها تذيعها إذاعة بغداد (الراديو الرسمي) وكان معظمها يكتبه محمد باقر الصدر. وقد سمح لها بتأسيس مدارس ابتدائية ومتوسطة وإعدادية (في بغداد والبصرة والحلّة والنعمانية) كما قامت بتأسيس “كلية أصول الدين” بإدارة السيد مهدي الحكيم والسيد مرتضى العسكري.
لكن الحسني البغدادي لم يرغب في الانخراط بعمل منظّم ضد حكم قاسم، والأمر يعود لعدم رغبته في ممارسة عمل سياسي مباشر، وكان يفضل العمل الدعووي والوعظي غير المباشر، وثانياً وهذا مهم، لتعارض توجهات عمل جماعة العلماء، مع منهجه، يضاف إلى ذلك الإتهامات التي حامت حولها، لاسيّما بشأن دعم إيران والسافاك الإيراني لها، خصوصاً وأن نشاطاتها انصبّت على السعي لمنع تغلغل الحزب الشيوعي في مؤسسات الحكم، وذلك بعد رفع الحزب شعاره بالدعوة إلى إشراكه بالحكم في 1 أيار (مايو) 1959 والذي سرعان ما تم سحبه والتخلّي عنه.
وبالمناسبة فإن شعار الدعوة للمشاركة بالحكم في مسيرة الأول من أيار لم يصدر بقرار من المراجع الرسمية للحزب، بل وجد ضالته عبر طرحه في المسيرة من قبل أوساط متحمّسة حزبية وحتى غير حزبية، ولم يكن سلام عادل الأمين العام للحزب (حسين أحمد الرضي) الذي قتل تحت التعذيب العام 1963 يمانع في ذلك، بعد أن استشار بعض أعضاء المكتب السياسي واللجنة المركزية، الذين أبدوا استحساناً، وبعضهم حماسة لطرحه لأنه داعب ما كانوا يفكّرون به، ولامس جزءًا من طموحاتهم، وهكذا استمرأوا الترويج له، وكنت قد رويت جزءًا من ذلك في حديث خاص مع آرا خاجادور القيادي الشيوعي العمّالي حينها في مقالة موسّعة كتبتها عنه بعنوان “آرا خاجادور وزيارة التاريخ” (صحيفة الزمان العراقية ابتداء من  28/1/2016).
  وكان الشعار قد انتشر مثل النار في الهشيم، ولم يعد ممكناً التراجع عنه، ولعلّ ذلك واحد من أخطاء القيادة الشيوعية، التي انساقت وراء أهوائها واضطرّت إلى مداهنة الشارع والسير خلف عواطف ورغبات بعض القياديين، دون حساب موازين القوى الداخلية والعربية والعالمية، وردود الفعل المحتملة فضلاً عن ذلك دون وضع استراتيجية لكيفية وضع هذا الشعار موضع التنفيذ الفعلي، في حين كان عليها قيادة الشارع لا السير في ذيله، خصوصاً برفع شعارات ذات طابع شعبوي وديماغوجي، إذْ لا يجوز طرح مثل هذا الشعار الستراتيجي وتبنّيه بمثل تلك الخفّة دون دراسة وتمحيص لنتائجه الخطرة وتأثيراته على مستقبل الحزب.
الأديان التي تعلّم ” الحب الأخوي” استخدمت ذريعة للقتل،
وأعظم اكتشافاتنا العلمية صارت أداة دمار شامل .





42
رسالة مفتوحة إلى الراحل آرا خاجادور
عبد الحسين شعبان
   رحل القائد العمّالي الشيوعي آرا خاجادور واسكنيان عن 93 عاماً في العاصمة التشيكية براغ (4 كانون الأول / ديسمبر/2017)، وكان قد انضم إلى الحزب الشيوعي وأصبح عضواً فيه خلال الحرب العالمية الثانية، وفي قيادة الفرع الأرمني للحزب العام 1943. حُكِم عليه العام 1949 بالسجن المؤبّد بتهمة الشيوعية، وأُسقطت عنه الجنسية خلال وبُعيد إبرام حلف بغداد الاستعماري، لكنه أصرّ أن وطنه هو نقرة السلمان وهويّـته عراقية وهواه أممي.
   أُطلق سراحه بعد ثورة 14 تموز (يوليو) العام 1958 بعد أن قضى عشر سنوات في السجن، وانتُخِب أميناً عاماً للاتحاد العام لنقابات العمال في العراق، ومثّله في اتحاد النقابات العالمي في براغ. وانضمّ إلى اللجنة المركزية وأصبح في الثمانينات عضواً في المكتب السياسي ومسؤولاً عن قوات الأنصار الشيوعية، لكنه اختلف مع قيادة الحزب التي فصلته عملياً تحت عنوان "وضع نفسه خارج الحزب"، والسبب في ذلك هو موقفها المائع من الحصار الدولي المفروض على العراق وبشكل خاص في موقفها من الاحتلال الأمريكي للعراق ومشاركتها في مجلس الحكم الانتقالي والعملية السياسية التي ناهضها بشدّة وحاول أن يصدر عدداً من البيانات ويكتب عدداً من المقالات والآراء لإيضاح وجهة نظره، لاسيّما للدفاع عن هويّة الشيوعيين الوطنية والدعوة إلى عدم التفريط بها تحت أية حجة أو ذريعة، وقد أصدر كتاباً بعنوان "نبض السنين " احتوى على أطروحاته المناهضة للاحتلال.
   عاش في براغ في السنوات الأخيرة من حياته في ظروف قاسية وعانى من الجحود والإهمال والتنكّر، لكنه بفضل صداقاته وحب ومساعدة العديد من رفاقه سواءً اختلفوا أو اتفقوا معه في الرأي،  تمكّن من الاستمرار ولو بالحدود الدنيا من مستلزمات العيش وضنكه. وأتذكّر أنني في كل زيارة له كان يستقبلني ويودّعني بعبارة مولوتوف وزير الخارجية السوفييتي (1939-1957) " النصر لنا" بخفّة دمه ودماثة خلقه .
   وكنت خلال ربع القرن الماضي قد دخلت معه في حوارات وسجالات متّصلة ومتقطّعة، نشرت بعضها تحت عنوان "هامش على هوامش آرا خاجادور - في شؤون وشجون الحركة الشيوعية!" بتاريخ 26/9/2007.
   كما نشرتُ مادة أخرى في صحيفة الزمان العراقية عن كتابه الموسوم " نبض السنين" بعنوان "آرا خاجادور: الشيوعية المعتّقة"، على ثلاث حلقات بتاريخ 24 و25 و26 شباط/فبراير 2015 وأعيد نشرها على خمس حلقات في موقع الحوار المتمدّن بتاريخ 21 و23 و24 و25 و26 شباط/فبراير 2015.  ونشرت ثلاث حلقات أخرى في صحيفة الزمان العراقية أيضاً بعنوان: آرا خاجادور وزيارة التاريخ بتاريخ 28 و29 و30/1/2016  وهي سردية حوارية معه.
   الأسئلة التي أنشرها اليوم هي رسالة خاصة مرسلة إلى آرا خاجادور، لكنّها أصبحت مفتوحة بعد رحيله وقد وددت أن أشرك القرّاء معي في إطلاعهم على محتواها، علماً بأنني نشرت من وحيها أجوبة مستلّة من حوارات معه في مقالة بجريدة الزمان أيضاً، العدد 5651 - الخميس 9 شباط (فبراير) 2017  وكانت بعنوان: وطني نقرة السّلمان وهويّتي عراقيّة والهوى أممي.
نص الرسالة المفتوحة:
رسالة وحوار مع آرا خاجادور
عزيزي أبو طارق أو أبو اسكندر كما يحلو لك
تحياتي الحارة وتمنياتي الصادقة، لك بالصحة وراحة البال والمزاج الطيب. لقد كانت لقاءاتنا الأخيرة في براغ (قبل أيام من حلول العام الجديد وبعد رأس السنة /2016) في غاية الأهمية، ليس فقط للتواصل الإنساني، بل أيضاً لمواصلة الحوار وتقليب بعض صفحات التاريخ والوقوف عند بعض المحطات التاريخية، كما حصل خلال زيارتي لكم للاستشفاء في الصيف الماضي مع ابنتي سنا (آب/ أغسطس 2015)، ومثلما كنت أفعل في كل مرّة أدوّن بعض ما يدور بيننا من حوارات وأعدّ بعضها للنشر أو للاحتفاظ به في أرشيفي، حتى تسنح الفرصة لذلك.
وفي لقائنا قبل الأخير الذي نشرت عنه في صحيفة الزمان (ثلاث حلقات) والموسوم "آرا خاجادور وزيارة التاريخ"، كانت هناك إطلالة اكتشفت أهميتها من خلال الاتصالات والقراءات والإضاءات الأخرى، والأهم ما فيها أنها لم تقتصر على النخبة الرفاقية، بل إن القارئ العراقي بشكل خاص، والقارئ العربي بشكل عام اطّلع على جزء حيوي من تاريخنا، خصوصاً باستعادته من خلال رؤية انتقادية وهو ما لمسته عبر رفاق لبنانيين وسوريين وأردنيين وفلسطينيين ومغاربيين وخليجيين.
ولذلك فإن شعوري بالواجب يصبح أكثر وبالمسؤولية يكون أكبر. ولعلّ ما يزيد من ثقلهما هو ما أبديته من استحسان وتحبيذ لما نُشر، وكانت إشادتك بوجود صديقنا العزيز حميد برتو حيث كوّنتما وجهتي نظر مشتركة خلال ربع القرن الماضي، وكنّا خلال الفترة المنصرمة في حوار متواصل حتى وإن كان متباعداً أحياناً. وقد واصلنا حوارنا الأخير بحضور الصّديق عصام الزند، ومرّة أخرى مع الصّديق موفق فتوحي واتفقنا على استكماله، وقد وعدتكم بأنه بعد عودتي إلى بيروت بنحو ثلاث أسابيع سأقوم بإرسال باقة أسئلة لكم، على أن يتم إعداد الأجوبة لها وأقوم بتحريرها تهيئة لطبعها.
ربما تأخّرت قليلاً، فقد كان في برنامجي زيارة العراق، حيث توجّهت في البداية إلى النّجف للقاء بعض المثقفين والأدباء فيها حسب اتفاق خاص، ثم الذهاب إلى الحلة لإشهار كتابي "أغصان الكرمة - المسيحيون العرب" الذي نظّم مركز حمورابي احتفالية به، وبعدها ألقيت محاضرة في نادي الصيد في بغداد بدعوة من مركز دجلة للتخطيط الاستراتيجي، ثم عدتُ إلى بيروت، وفي هذه المحطات وفي غيرها كان اسم آرا خاجادور يتردّد في اللقاءات وكانت الرغبة في سماع المزيد من أخباره، أقرب إلى الشّغف بالمعرفة والنّهم في النّهل منها، لاسيّما وهي تتحدّث عن تاريخ مُعاش وعن دفاتر غير مكتوبة، وهي التي أضاءت عليها الحوارات المنشورة في الزمان وفي العديد من المواقع الاليكترونية، إضافة إلى كتابكم "نبض السنين".
 أكتبُ ذلك وها آنذا أفي بوعدي الذي قطعته لك بحضور موفق فتوحي بإرسال باقة أسئلة وفتح باب الحوار ونوافذه كي يتسلّل من خلالهما نور الحقيقة، كما تراها أنت. وبإمكانك الإجابة على ما تراه من الأسئلة حسب أهميتها وتقديرها لك أو إهمال بعضها أو تركه أو تأجيله، خصوصاً وأنّني وضعت بعض هذه الأسئلة كفرشة واسعة، على أن أقوم بتبويبها وتنسيقها بعد الإجابات، بما فيها ضم بعضها إلى بعض أو تنظيمها لكي تأتي متناسقة ومنسجمة.

ع. شعبان
20/2/2016
الأسئلة والحوار
1-   هل هناك ما يريد آرا خاجادور أن يقوله ولم يقله حتى الآن؟ وهل لك أن تفصح عمّا ترغب في الكلام عنه ولم يكن ممكناً سابقاً؟
2-   هل نستطيع العودة إلى المجتمع الأرمني في الأربعينات حتى توجهت إلى الشيوعية؟ أية خصائص ميّزته، وبماذا كان الحزب الشيوعي يتميّز؟ كيف تصف ذلك؟ وبم اختلف حزب ما قبل السجن عن حزب ما بعده؟
3-   ما هو دور وتأثير الحرب العالمية الثانية على تكوين وعيك الأممي؟ هل هي انتصارات الجيش الأحمر أم هاجس العدالة وتجربة أول حكومة عمالية في العالم؟
4-   التقيت الرفيق فهد مرتين: هل يمكن أن تطلعنا على أهمية ذلك في حياتك اللاحقة؟
5-   بماذا يمتاز فهد عن غيره من القيادات الشيوعية العراقية؟ وأية موصفات شخصية وقيادية لديه، وبمَ يختلف عن سلام عادل  الذي عاصرته من العام 1958 ولغاية العام 1963 وأية مواصفات شخصية وقيادية امتلكها؟ وهل تكوّنت رمزيتهما من خلال استشهادهما؟
6-   هل يمكن الحديث عن مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية وانتعاش الحركة الشيوعية؟ وبِمَ تفسّر الانشقاقات التي رافقتها: أهو قصور ذاتي لدى النخب الشيوعية أم نقص في توجه بعض القيادات وتزمّتها أم ظروف العمل السري؟
7-   قلت في حديث سابق معي وبعد إصدار كتابي "سعد صالح - الوسطية والفرصة الضائعة": إن الحزب الشيوعي وفهد عَتَبا على سعد صالح لعدم إجازة حزب التحرّر الوطني الواجهة للحزب الشيوعي بعد إجازة خمسة أحزاب علنية، لكنه تفهّم موقفه لاحقاً بعد أن أرسل له ممثلاً عن الحزب (حسين الشبيبي): هل يمكن توضيح ذلك للقارئ؟
8-   حين أطلق سعد صالح دعوة لقيام جبهة وطنية أرسل الحزب له هادي هاشم الأعظمي للاستطلاع منه عن رغبته واستعداده لهذه المبادرة؟  ما هي معلوماتك وهل يمكن إضاءة  ذلك؟
9-   كيف استقبل الحزب وفهد بالتحديد موقف الاتحاد السوفييتي بالموافقة على قرار التقسيم لعام 1947 بعد أن كان يرفض القرار؟ وكيف تمكّن من الاستدارة بموقفه من الرفض إلى التأييد؟ ألم يؤثر هذا الموقف على شعبية الحزب لاحقاً؟ وهل كان التبرير مقنعاً؟ ما هو دور كرّاس "أضواء على القضية الفلسطينية" في تغيير مسار الحزب وهل كان هناك تأثيرات خارجية أخرى غير سوفيتيية؟ (المقصود فرنسية).
10-   اختلف موقفنا من القضية الفلسطينية من العام 1948 ولغاية العام 1956 عن توجهاتنا الأولى، حتى اتخذ الكونفرنس الثاني  للحزب العام 1956 مواقف جديدة أكثر اقتراباً من نبض الشارع العربي، كيف تقيّم ذلك الآن؟ وهل كان ذلك بتأثير من سلام عادل وعامر عبدالله، ولماذا تراجع موقفنا بعد الثورة؟
11-   بقراءة سريعة هل يمكن تقييم انشقاق راية الشغيلة - القاعدة ومع من وقفت ولماذا؟ وهل يمكن مراجعة التجربة؟
12-   كيف تلقيت وأنت في السجن خبر تأميم قناة السويس من جانب جمال عبد الناصر، ثم العدوان الثلاثي على مصر الانكلو – فرنسي الإسرائيلي العام 1956؟
13-   هل كانت مبرّرات قيام ثورة 14 تموز 1958 ناضجة؟ أم كان يمكن ترك خط التطور التدريجي يأخذ مداه؟ كيف تقيّم من يقول أن 14 تموز كان انقلاباً عسكرياً وقاد إلى حكم فردي؟
14-   هل كانت سياسة: "كفاح - تضامن - كفاح" في زمن قاسم صحيحة؟ وهل كان يمكن استلام السلطة؟ ولماذا لم يفعل الحزب ذلك؟ هل امتثل لرأي السوفييت بعدم المغامرة والتحذير من الاندفاعات كما قيل، وكما جاء في بعض الكتب السوفييتية من قولها: حذرنا سلام عادل؟ أم أن قصوره الذاتي وعدم وحدة الرأي لدى قيادته كان وراء ذلك؟
15-   كيف تقيّم حالة الغرور التي صاحبت توجهاتنا بعد الثورة؟ ألم يكن بالإمكان إحياء جبهة الاتحاد الوطني والتفاهم مع القوى الأخرى، أم ترى أنها هي التي تتحمّل المسؤولية الأساسية في انفراط الجبهة؟
16-   أنت قائد نقابي وعملت في قيادة أكبر النقابات وأهمها (عمال النفط) وأصبحت أميناً عاماً في اتحاد نقابات العمال، أين أصبح هؤلاء العمال؟ وهل بقي للحزب وجود لدى الطبقة العاملة؟
17-   هل كانت خطة طوارئ لمواجهة احتمالات انقلاب عسكري؟ وأين كان الخط العسكري؟ ومن دعا إلى حل التنظيمات العسكرية التابعة للحزب الشيوعي لكسب ود عبد الكريم قاسم؟ أليس في ذلك تمهيداً لإنجاح انقلاب 8 شباط العام 1963 أم ماذا؟
18-   أين أخطأ قاسم بحق الحزب الشيوعي؟ وأين أخطأ الحزب الشيوعي بحق قاسم؟
19-   لماذا بعد ما حصل أخذنا نبكي على الزعيم ونصفُ عصره بالذهبي، في حين نحن نلوم أنفسنا في عدم أخذ السلطة منه وإزاحته عن المسؤولية؟ أليس في ذلك ازدواجية وبكاء على الأطلال؟
20-   هل كانت مقاومة الانقلاب الدموي في 8 شباط 1963 ضرورية؟ ألم تفرّط بقوى الحزب؟ ويبرّر البعثيون بيان رقم 13 القاضي بإبادة الشيوعيين بالمقاومة والبيانات الصّادرة لمواجهة الانقلاب؟ كيف تقيّم ذلك الآن؟
21-   هل كانت الاستعدادات للمقاومة كافية؟ أليست تلك مغامرة؟ أم أنها عمل ثوري ورد فعل طبيعي لا بدّ منه؟ ألم يكن بالإمكان تقليل الخسائر وتجميعها لحين اللّحظة الثورية المناسبة؟
22-   هل كان بالإمكان تأجيل حركة 3 تموز العام 1963 المعروفة باسم "حركة حسن سريع" أو "انتفاضة معسكر الرشيد" أم أن ذلك ضرب من التخمين وقراءة متأخّرة للأحداث؟
23-   ماذا عن خط آب 1964 ومن هم أشد المتحمّسين له وهل صحيح أن الدعوة للانضمام إلى الاتحاد الاشتراكي كانت بمبادرة من السوفييت؟
24-   لماذا تم تنحية عبد السلام الناصري (أنور مصطفى ) من المسؤولية الأولى في الحزب الشيوعي العراقي؟ هل لأن السوفييت لم يرغبوا به أم لأسباب داخلية؟
25-   كيف تم اختيار عزيز محمد أميناً عاماً؟ ما هي خلفيات ذلك وهل كان السوفييت وراء ذلك؟
26-   كيف تقيّم قيادة عزيز محمد خلال الـ 29 عاماً؟ وهل ترك القيادة رغبة منه أم أنه مرغم؟ وكنت قد قلت إن هناك محاولة للإطاحة به، بدأت في الشام: هل كان السوريون على علم بها؟ وهل يمكن توضيح ذلك؟
27-   كيف تنظر إلى الحزب بعد احتجاجات القاعدة الحزبية على خط آب العام 1964 وماذا عن اجتماع الـ 25 كادراً قيادياً (العام 1965)؟
28-   هل كانت خطة العمل الحاسم رد فعل لخط آب؟ أم كانت بناءً على دراسة ميدانية ؟ وهل كان بإمكان الحزب استلام السلطة فعلاً أم إن المسألة للاستهلاك الداخلي، وخصوصاً بعد انشقاق القيادة المركزية؟
29-   من كان مع "خطة العمل الحاسم" التي توليت فيها مسؤولية أساسية؟
30-   هل يمكن وصف حياة السجن حيث قضيت 10 سنوات بالكمال والتمام، بما لها وما عليها، ونقاط القوة فيها ونقاط الضعف؟
31-   قضيت نحو 6 سنوات في حياة الأنصار في الجبال الوعرة: هل يمكن ذكر نقاط القوّة ونقاط الضعف فيها؟ هل كانت ضرورية أم أنها مفروضة ولم يكن لها من مبرّر؟
32-   ماذا عن تظاهرة 1 أيار العام 1959 ورفع شعار "الحزب الشيوعي بالحكم": هل هناك تيار قيادي دعا إليها أم أن القيادة سارت خلف الجماهير بدلاً من قيادتها؟
وبكل الأحوال من المسؤول؟ وهل كانت المعالجة بمستوى المسؤولية؟ ألم يدفع الحزب الثمن باهظاً بسببها، خصوصاً باستنفار القوى الإمبريالية والقوى الرجعية والقومية وبالأخص استفزاز قاسم حليفنا؟
33-   ماذا عن مراكز القوى بعد ثورة 14 تموز (يوليو) 1958 داخل الحزب الشيوعي؟ هل صحيح أن الصراع بين يمين ويسار؟ ومن هم اليمين ومن هم اليسار بمصطلحات تلك الأيام؟
34-   يقول باقر إبراهيم: إن سلام عادل عاد من الدراسة في موسكو عن طريق البصرة سرّاً وبمساعدة سوفييتية، وأنه ومحمد صالح العبلي ذهبا لاستقباله حيث وصل على ظهر باخرة سوفييتية؟ ألم يكن انكشاف مسألة من هذا النوع تضع علامات استفهام على علاقاتنا الأممية وأن القوى الأخرى ستستغلها، خصوصاً وهي تتهمنا بأننا "عملاء موسكو"؟
35-   راجت إشاعات كثيرة حول استشهاد الرفيق سلام عادل، ولعلّها أكثر انتشاراً قيام محسن الشيخ راضي بالإشراف على تعذيبه عند اعتقاله، هل لديك معلومات وما هي أقرب الروايات إلى الواقع وكيف يمكن فحص دقتها؟ وكنت قد سألت الشيخ راضي عند زيارته لي في فندق فلسطين "الميرديان" (بغداد)، فقدّم رواية أخرى سأحاول نشرها؟ ماذا تقول؟ (وللعلم فرواية الشيخ راضي مختلفة تماماً عن رواية آرا خاجادور التي كنت قد دققتها مع آخرين لم يكونوا يميلون إلى روايته وقام أحدهم بالكتابة إليه).
36-   هل في نيّتك كشف المستور أو المسكوت عنه وأنت مسؤول عن أمن الحزب؟ وإلى متى ستقبض على الأسرار؟ مثلاً الاختراقات الأمنية، الاندساس، التواطؤات المباشرة وغير المباشرة، أموال الحزب وكيف تم التلاعب بها ومسؤولية من ولماذا تم السكوت عن ذلك؟ ومن هو المسؤول الأساسي عن سياسة التفريط؟
37-   كيف تقيّم العلاقة بالسوفييت، سياسياً، حزبياً، من خلال العلاقة مع KGB؟ هل علاقة الأخير هي الطاغية؟ ماذا تقول؟
38-   يقول كريم مروّة إن "بوناماريوف وسوسلوف" كانا وراء اتهام جورج حاوي الأمين العام الأسبق للحزب الشيوعي اللبناني بالعمل لصالح المخابرات المركزية الأمريكية، وبالطبع كان الأمر بدعم من خالد بكداش، والسبب كما يراه هو معاقبة الحزب الشيوعي اللبناني على خط التجديد الذي اتخذه المؤتمر الثالث العام 1969 (الذي مثّل إرهاصاً أولياً للخروج على الوصفة السوفييتية)، ثم اتضح عدم صحة تلك الادّعاءات، بل كَذِبَها، لدرجة أنهم أسقطوها بكل هدوء واستقبلوا حاوي مع نيقولا شاوي مبدين حفاوة مبالغة، ألا يعني ذلك تدخلاً بالشؤون الداخلية لحزب شقيق والتحكّم بقياداته وسياساته، خصوصاً وأن الغالبية العظمى تمتثل لذلك، وهو الأمر الذي ساد في العلاقة مع الأحزاب في الدول الاشتراكية ومع أحزاب أخرى... كيف تقيّم ذلك؟
39-   ماذا قدّم جهاز أمن الحزب؟ ألم يستخدم في الكثير من الأوقات في دائرة الصراع الحزبي، بل أحياناً جهاز تجسّس على الشيوعيين.. كيف يمكن قراءة ذلك الآن؟
40-   من المسؤول من طرفنا عن أحداث الموصل (حركة الشواف 1959) وماذا عن الرسالة التي أبرزها حمزة سلمان الجبوري عضو اللجنة المركزية (ل.م.) المرسل إلى الموصل من طرف المكتب السياسي والتعليمات التي حملها معه، عند محاسبته؟
41-   هل يمكن الحديث عن محكمة الدملماجة: ما هي حدود المسؤولية؟ وكيف تصرّفنا إزاء ذلك؟ أي لماذا لم ندِن قتل 17 متهماً دون الرجوع إلى القضاء وبعد انتهاء المواجهات المباشرة؟ لماذا نبرّر حتى الآن مثل تلك الأعمال؟
42-   القوى الخارجية والإمبريالية والقوى القومية بدأت تحيك المؤامرات ضد حكم ثورة 14 تموز 1958، ألم يكن لنا دور في ذلك لاحتكارنا العمل السياسي والقمع الفكري الذي مارسناه ضد الآخرين، علماً بأننا لسنا في السلطة؟
43-   هل يمكن مراجعة ما حصل في الموصل برؤية انتقادية موضوعية، خصوصاً التحريض بعدها على إعدام ناظم الطبقجلي ورفعت الحاج سرّي (وهما من قيادات الثورة) ولم يكونا مشتركين في حركة التمرّد الشوافية؟
44-   كيف يمكن تقييم دورنا في ما حصل في كركوك في 14 تموز العام 1959؟ وإذا كانت شركات النفط هي المسؤولة ، فما هو دورنا؟ وهل ما قمنا به كان صحيحاً؟ ولماذا لم تذكر الحقائق وحتى الرفيق عزيز محمد مسؤول الإقليم حينها والموجود في كركوك وقت حدوث المذبحة ضد التركمان ، تحدّث على نحو غامض عن أيادي خفية لا يعرف أحد شيئاً عنها وكأن هناك من جاء من كوكب آخر ليبدأ بإطلاق الرصاص وينهال بالرمي على التركمان في مجزرة ذهب ضحيتها العشرات، وهو ما دفع قاسم لاتهامنا بالفوضوية؟
45-   ألم يحن الوقت للاعتذار من أهل الموصل ومن التركمان على ما حصل؟ أترى في ذلك ضعفاً من جانبنا أم قوة لنا في مراجعة التجربة ونقد أنفسنا؟
46-   ظلّت قيادات الحزب على تاريخه المجيد تتأرجح بين اندفاعات يسارية وبين ارتدادات يمينية، وكانت التهم تكال الواحد ضد الآخر، وأحياناً هناك من ينتقل بين هذه وتلك؟ أتجد في ذلك ضعفاً في فهم التعاليم الماركسية وقصوراً في التأهيل النظري والمستوى العلمي أم أنانية ورغبة في التسيّد؟ ثم ألم يحن الوقت لقول ذلك؟
47-   لماذا كنت ضد خط آب (أغسطس) 1964 وهل كان الحزب قادراً على اتخاذ سياسة آخرى في ظروف الانكسار والهزيمة؟ أم لديك تبرير آخر؟
48-   كانت حيرة القواعد الحزبية كبيرة، فقد أسمينا حركة 17 تموز (يوليو) 1968 "بالانقلاب العسكري"، وبعدها أطلقنا عليه "التغيير الثوري"، ثم بدأنا بعد إبرام  الجبهة الوطنية في العام 1973 نقول إنها ثورة، وثورة عظيمة، ومن أهم ثورات العالم الثالث، معتبرين صدام كاسترو العراق، ألا يدلّ ذلك على سذاجة وسطحية وانتهازية ووصولية في اتخاذ المواقف؟
49-   من كان مندفعاً في تزويق الجبهة الوطنية ومن أصبح متطرفاً في وقت لاحق ضدها وضد حزب البعث؟ ألا يدل ذلك عن صبيانية يسارية وانتهازية سياسية وحزبية؟
50-   من كان وراء حملة "عسكرة الحزب" بعد انتهاء الجبهة الوطنية،أي حملة التجنيد الاجباري بالذهاب إلى كردستان؟
51-   كيف انتقلنا من تقييم حزب البعث من حزب تقدمي واتخذ اجراءات تقدمية على صعيد السياسة والاقتصاد وقوانين العمل والضمان جعلت نظامه في طليعة العالم الثالث إلى حزب فاشي ونظامه دكتاتورياً فاشياً؟ أليس في الأمر ثمّة خفّة وقصور نظر في الحالين؟
52-   لماذا حملنا السلاح في العام 1974 ضد الحركة الكردية (الجيب العميل كما كان النظام يسميها) وهي حركة حليفة على الرغم من تباين المواقف وتعارضها أحياناً؟ أليس في ذلك ممالئة للنظام وخطأً ستراتيجياً؟
53-   هل ترى نقاط ضعفنا القاتلة تتمركز في موضوع الاقتراب أو الابتعاد عن السلطة؟ أي في مسألة استقلاليتنا وكيف تقيّم موقفنا من ذلك:
1.    أيام حكم قاسم
2.   خلال حكم الأخوين عارف وتجربة الاتحاد الاشتراكي
3.   خلال حكم البعث بعد 17 تموز 
4.   المشاركة بوزيرين في العام 1972
5.   الموقف من الحرب العراقية – الإيرانية
6.   المشاركة في حكومتين (أحدهما في السليمانية والثانية في إربيل)
7.   التحالف مع الحركة الإسلامية بعد الاحتلال في إطار مجلس الحكم الانتقالي، الامتداد للمؤتمر الوطني العراقي.
8.   الموقف المائع من الحصار الدولي
54-   لماذا اندفعت قيادة الحزب ضد الحركة الإسلامية في العام 1977؟ أفي ذلك ثمن التحالف مع النظام، وماذا بقي من استقلاليتنا حينها؟
55-   ثم كيف نسير يداً بيد مع النظام لبناء الاشتراكية وهو من باشر إلى قص أجنحتنا بإجبارنا على حلّ منظماتنا الديمقراطية والجماهيرية : الطلبة والشبيبة والمرأة وغيرها. ومن كان مندفعاً بهذا الاتجاه ومن تحفظ عليه أو عارضه؟
56-   لماذا سكت الحزب عما سمّي محكمة الثورة 1973- 1978 والمحاكم الخاصة في فترة الجبهة؟ ألسنا شركاء بالمسؤولية؟
57-   هل كان موقفنا من الحرب العراقية – الإيرانية صحيحاً خارج نطاق تحالفاتنا الجديدة المباشرة وغير المباشرة: الحركة الكردية ، إيران وسوريا؟ أليس في ذلك إضعافاً لموقفنا وانفضاضاً من الناس عنّا؟
58-   رفعنا شعارات: إسقاط  النظام الدكتاتوري وإنهاء الحرب، ماذا كان صدى هذا الشعار في الداخل الذي نتغنّى به؟
59-   ماذا كان صدى شعار: إسقاط الدكتاتورية وإنهاء الحصار، أليست مثل هذه الشعارات برّانية وليست جوّانية؟ ولو كانت قيادة الحزب في الداخل في بغداد والمحافظات هل ستتخذ مثل هذه الشعارات؟
60-   ألم يكن ضياعاً للوقت والجهد مناقشات طويلة وإقصائية حول : أيهما أجدر: إسقاط الدكتاتورية أم إنهائها؟ وإسقاط النظام أولاً  أو وقف الحرب، وإنهاء الحصار أولاً أم تقديم إسقاط النظام، وأين الحلقة المركزية من سياساتنا؟ وما هي العلاقة بين الوطني والاجتماعي؟
61-   ألا تشعر إن قيادة الحزب بعد العام 1963 ضعيفة وبعض عناصرها خامل، بل هزيل، وقبله كانت منقسمة، وبعضها بعيد عن نبض الشارع، بسبب السجون والمنافي؟
62-   كنت أحد أركان التحضير للمؤتمر الرابع العام 1985 مع عزيز محمد وفخري كريم، هل أنت نادم على نتائجه رغم أنك أصبحت عضواً في المكتب السياسي أم أنه تم استغفالك؟ أم ماذا؟
63-   لماذا تأخرت في إعلان تخلّيك عن جماعة المؤتمر الرابع؟
64-   هل كنت تعوّل مرّة أخرى على عودة التحالف مع البعث العام 1989 بعد انتهاء الحرب العراقية – الإيرانية، وهو ما ذكرته عن البيان المحبوس؟ أليس في ذلك رهان جديد على ذات الحصان أم ثمة ظرف موضوعي؟
65-   هل كان بالإمكان تشكيل كيانية أخرى تضم جماعة باقر إبراهيم – عامر عبدالله، وجماعة المنبر، خصوصاً وأن المواقف بينكم أصبحت متقاربة؟ لماذا لم يحصل ذلك؟
66-   هل كنت مع رهان إرسال مجاميع شيوعية إلى الداخل؟ خصوصاً وأن غالبيتها الساحقة كانت يلقى القبض عليها وإذا كنت ضدّ ذلك لماذا لم تعلن رأيك؟
67-   ماذا عن تعذيب بعض الشيوعيين واستشهاد بعضهم في كردستان في بعض مقرّات الأنصار؟ كنت مسؤولاً فماذا تقول؟
68-   ماذا تقول عن الجماعة التي تسلّلت إلى الداخل وضمّت عمر علي الشيخ وزوجته بخشان محمد وعادل حبه وسليم إسماعيل وسيد هادي (أبو عادل السياسي) وحسّان عاكف حمودي.. ما الذي حصل وكيف تم اكتشاف المجموعة ولماذا لم تعتقل؟
69-   لماذا لم تتم محاسبات جدّية بعد أحداث بشتاشان ومن هو المسؤول عن مقتل أكثر من 80 رفيقاً، من جانب الاتحاد الوطني الكردستاني (أوك)، وما هو دور القرارات الخاطئة التي اتخذناها، وخصوصاً في بشتاشان الثانية؟
70-   ماذا تعرف عن تعذيب الرفيق أحمد الناصري (أمين) واستشهاد الرفيق منتصر واضطرار سامي حركات إلى ترك القاعدة الأنصارية والتوجّه إلى بغداد والاستشهاد هناك. هل يمكن أن تفيد القارئ؟
71-   هل أغلق ملف بشتاشان ومتى؟ وبقرار من مَنْ؟ وماذا تقول لعوائل الضحايا؟
72-   نبرتك إزاء القيادة تغيّرت بعد الاحتلال العام 2003 على الرغم من الاتهامات التي حاولت توجيهها لك، على نحو معلن أو مستتر، هل الأمر يتعلّق بالهويّة الوطنية للحزب والموقف من الاحتلال والاتفاقية العراقية – الأمريكية أم لشعورك بأن التغيير والإصلاح الداخلي بات في خبر كان؟


ملاحظة: هذه هي الوجبة الأولى من الأسئلة وستصلك أسئلة لاحقة في ضوء إجاباتك ويمكن إرسال ما سيتوفر من إجابات أولاً بأول ، لكي يتم تحضيرها لإعادة القراءة والصياغة.


43
هل تستمر دبلوماسية "القوة الناعمة"؟

عبد الحسين شعبان

   أعلنت المحكمة الاتحادية  العليا أنها ستبتُّ في الدعاوى المرفوعة ضد مسؤولين أكراد بتهمة المشاركة في الاستفتاء على الانفصال، وذلك بعد قرارها بعدم قانونية إجراء الاستفتاء. ويأتي هذا التطور بعد رفض الحكومة الاتحادية إجراء حوار مع قيادة إقليم كردستان قبل إلغاء نتائج الاستفتاء، وهو ما أفادت به رئاسة حكومة الإقليم التي قالت: إن بغداد ترفض البدء في حوار مع إربيل لحلّ الملفّات الخلافية، لكن ذلك لم يمنع من إرسال الإقليم وفداً إلى  بغداد للقاء القيادات السياسية.
   ولعل ثمة عقبات كبيرة تواجه الموقف الكردي، أولها النقد الذي تعرّضت له قيادة إقليم كردستان لإصرارها على إجراء الاستفتاء وثانيها التصدّع الذي أصاب الوحدة الكردية بسبب الانقسام في مواقف الحركة الكردية وثالثها الأوراق التي تملكها بغداد وتستطيع اللعب بها، وهو ما لم تحسب له قيادة الإقليم حسابها . ولعلّ موقف حكومة الإقليم لا تُحسد عليه بسبب إصرار بغداد على تخفيض حصة الإقليم من الميزانية العامة من 17%  إلى 12.67% وهي ميزانية العام 2018 .
وقد تعزّزت ثقة بغداد بنفسها بعد النجاحات التي حققتها بالمعارك العسكرية، ولاسيّما في تحرير الموصل، وبعد تحرير قضاء القائم على الحدود العراقية- السورية وإخراج ما تبقّى من مقاتلين دواعش من راوه. تكون السلطات الاتحادية قد بسطت سيطرتها على كامل الأراضي العراقية التي كانت قد احتلّها داعش. وكانت بغداد قد طلبت عشية تحرير قضاء الحويجة التابع لمحافظة كركوك من سلطات إقليم كردستان تسليمها إدارة المطارات والمنافذ الحدودية التي كانت عملياً تحت سيطرة قوات البيشمركة منذ احتلال العراق العام 2003 وباتفاق بعد العام 2005، إضافة إلى بعض حقول النفط والأراضي المتنازع عليها، وخصوصاً الأراضي التي قامت بتحريرها  من أيادي داعش.
وكانت محطة الاستفتاء الكردي في 25 سبتمبر/أيلول 2017 مفترق طرق بين الإقليم والحكومة الاتحادية، ولم تفلح المحاولات المتعدّدة في ثني إدارة  الإقليم من إلغاء الاستفتاء أو حتى تأجيل موعده، الأمر الذي عاظم من الأزمة المستفحلة أصلاً بين بغداد وأربيل وفي العراق عموماً، وهي أزمة حكم مستديمة، لدرجة أنها بعد احتلال داعش للموصل أصبحت البلاد كلّها على حافة الهاوية أو على شفير حفرة كما يقال.
وإذا كانت النتائج قد حُسمت حتى الآن لصالح بغداد، دستورياً وعسكرياً وقضائياً، إضافة إلى الجوانب الاقتصادية والتجارية والنقل والمواصلات وغيرها، وكل ذلك بدعم إقليمي إيراني وتركي، وتأييد دولي إلى حدود غير قليلة، فإن تغيير موازيين القوى دفع بغداد للمطالبة من الكرد اعترافاً صريحاً وواضحاً بشأن إلغاء الاستفتاء والنتائج المترتبة عليه قبل أي حديث عن حوار حول المشكلات العالقة ، ولاسيّما بعد قرار المحكمة الاتحادية العليا بعدم قانونية إجرائه، بل إن بغداد تريد تنازلاً أكبر من الإقليم باتجاه تأكيده الالتزام بوحدة العراق، خصوصاً وإن الدستور هو الضامن لها حسب نصوصه، ولاسيّما المادة الأولى منه.
فما هي التوقّعات بشأن الصراع بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم؟ وماذا تريد بغداد من إربيل، وهذه الأخيرة من بغداد؟ وإذا كان الضغط الأمريكي قد دفع الطرفين إلى الجلوس إلى طاولة مفاوضات بشأن القضايا الفنية والتداخلات الميدانية،  فإنه لم ينجح حتى الآن سياسياً في إجراء حوار للتوصّل إلى توافق بخصوص المشكلات القائمة وبعضها معتّقٌ، وخصوصاً مشكلة كركوك المزمنة والمستعصية، وذلك لأن بغداد تضع شروطاً مسبقة أولها هو إبطال مفعول الاستفتاء، في حين أن الإقليم وإنْ تراجع، فإنه لا يريد إعطاء مثل هذا المستند إلى بغداد، أي لا يرغب التوقيع على ورقة بيضاء يمكن استخدامها ضده في المستقبل، سيّما وأنها تتعلّق بالحلم الكردي في إقامة دولة، حتى وإن أخطأ التقدير والتوقيت والتكتيك، وهو يحاول بعد تغيّر موازين القوى وخيبة الأمل والمرارة من القوى الدولية والإقليمية، أن يناور ويداور، عسى أن يتمكن من تأجيل البت في نتائجه لبضعة سنوات أخرى.
ومع ذلك فلم تتوقف "دبلوماسية الهاتف" التي تحاول التهدئة، ولاسيّما في المناطق التي تحتشد فيها القوات الاتحادية وقوات البيشمركة ، وهناك مسؤولون حكوميون وآخرون غير مباشرين، منخرطون في التهيئة للمفاوضات الخلفية ، على أمل أن ينعقد الحوار رسمياً، خصوصاً بتحلحل بعض المواقف الكردية، وهو ما أشارت إليه صحيفة نيويورك تايمز.
ولم يعد بعد صدور قرار المحكمة الاتحادية العليا أمام الإقليم سوى الإقرار به، وإلاّ فإن رفضه سيتسبب بإشكالات جديدة قد لا تكون كردستان قادرة على مواجهتها أو تحمّل تبعاتها بعد إجراءات بغداد التقييدية،  علماً بأن المحكمة قرّرت عدم  قانونية إجراء الاستفتاء طبقاً لتفسيرها للمادة الأولى من الدستور التي تنصّ على "أن جمهورية العراق دولة اتحادية واحدة مستقلة ذات سيادة كاملة، نظام الحكم فيها جمهوري نيابي (برلماني) ديمقراطي، وهذا الدستور ضامن لوحدة العراق".
وتدرك حكومة الإقليم، ولاسيّما  بعد استقالة رئيس الإقليم مسعود البارزاني في الأول من نوفمبر (تشرين الثاني) الجاري أن ليس بإمكانها المضي في طريق الجفاء والافتراق مع بغداد، ، ولذلك سارعت للتعبير عن احترامها لقرار المحكمة الاتحادية، وأكّدت إن ذلك يمكن أن يكون أساساً للبدء بحوار وطني شامل لحل الخلافات الدستورية بأكملها.
وكان رئيس الوزراء حيدر العبادي قد أكّد أن لا حوار قبل تسليم المنافذ الحدودية  جميعها والمطارات والانسحاب من الأراضي المتنازع عليها لبسط قوات الحكومة الاتحادية كامل سلطتها، وجاء مثل هذا التصريح مؤخراً إثر لقائه مع رئيس بعثة الأمم المتحدة في العراق يان كوبيش، الذي بحث معه الإجراءات الحكومية، مؤكداً على ثوابت الحكومة الاتحادية التي هي في الوقت نفسه لصالح المواطنين الكرد. جدير بالذكر إن القوات الاتحادية من جيش وشرطة اتحادية وقوات مكافحة الإرهاب إلى جانب الحشد الشعبي كانت قد دخلت كركوك والمناطق المتنازع عليها يوم 16/10/2017.
لقد اضطرّ إقليم كردستان إلى التراجع عن موقفه المتشدّد قبيل اندلاع الأزمة، لاسيّما حين انتشرت قوات الحكومة الاتحادية، والأمر يعود إلى أن بغداد مارست سياسة مرنة من جهة وصلبة من جهة أخرى، وهي "دبلوماسية القوة الناعمة"، خصوصاً وقد دعمت إجراءاتها بنصوص دستورية وتطبيقات قضائية، وساعد في ذلك الخلافات الحادة بين الأحزاب السياسية الكردية وخصوصاً بين الحزب الديمقراطي الكردستاني (حدك) وكتلة كوران (التغيير) والجماعة الإسلامية وفريق من الاتحاد الوطني الكردستاني (أوك)، وبسبب عدم وجود موقف كردي موحد اضطرّت قوات البيشمركة إلى إخلاء مواقعها للجيش العراقي، إضافة إلى الأزمة الاقتصادية الحادّة لامتناع بغداد عن دفع الرواتب قبل تسديد واردات الحقول النفطية إليها.
ولعبت ظروف الحرب مع داعش وعبء وجود ملايين اللاجئين العرب، دورها في اختلال موازين القوى لصالح بغداد التي بدت موحدة من جانب الشيعية السياسية الحاكمة والسنّية السياسية المشاركة ، كما حصلت على دعم إقليمي حين رفضت كل من إيران وتركيا، إضافة إلى سوريا التعامل مع الإقليم خارج موافقة السلطة الاتحادية، ولذلك لم يبق أمامه سوى المفاوضات حتى وإن تضمنت بعض التنازلات، تلك التي تريدها بغداد صريحة وواضحة.
وثمة مشكلات أخرى على هذا الصعيد ، خصوصاً وأن عدداً من النواب الكرد يخضعون للمساءلة القانونية، فكيف يمكن الوصول بالحوار إلى شاطئ السلام في حين إن القضاء يتحرّك لملاحقة النواب الأكراد الذين صوتوا لصالح الاستفتاء ، ولهذا فإن تشدّداً جديداً قد يرافق العلاقة بين بغداد وإربيل، وهو ما دعا رؤوساء الكتل الكردية إلى الاجتماع والتلويح بالانسحاب من العملية السياسية، وهو خيار مفتوح حسب ما تم التعبير عنه، وقد يحتاج الأمر إلى صفقة سياسية على غرار الصفقة التي تمت بين البارزاني ونوري المالكي عشية قبول الأول بتجديد ولاية ثانية للمالكي.
يذكر أن 14 نائباً كردياً في مجلس النواب العراقي يواجهون حكماً بالإعدام لمشاركتهم في استفتاء الانفصال مؤخراً، وقال رئيس كتلة الاتحاد الإسلامي الكردستاني في البرلمان العراقي مثنى أمين وهو أحد هؤلاء النواب الذين رفعت ضدهم دعاوى قضائية لمشاركتهم في الاستفتاء "إنهم يريدون محاكمتنا وفقاً للمادة 156 من قانون العقوبات العراقي لأننا قمنا بالإدلاء بأصواتنا بطريقة ديمقراطية ومدنية لصالح الاستقلال كبقية الكرد.
وتنص المادة 156 من قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 على أنه " يعاقب بالإعدام من ارتكب عمداً فعلاً بقصد المساس باستقلال البلاد أو وحدتها أو سلامة أراضيها وكان هذا الفعل من شأنه أن يؤدي إلى ذلك" لكن هذه المادة ألغي العمل بها في إقليم كردستان بموجب القانون رقم 21 لسنة 2003، وتلك إشكالية دستورية وقانونية أخرى، تواجه نصوص الدستور العراقي الذي يحتاج إلى إعادة نظر شاملة لاحتوائه على الكثير من الألغام، فضلاً عن تنازع الصلاحيات بين الإقليم والسلطة الاتحادية،إضافة إلى صيغة "المكونات" التي اعتمدها الدستور ووردت في نصوصه ثماني مرّاتعلى حساب فكرة المواطنة ، وليس تلك سوى المحاصصة الطائفية - الإثنية، التي كانت سبباً أساسياً في أزمة الحكم في العراق، ناهيك عن علاقة البيشمركة (كحرس للإقليم) في إطار القوات المسلحة العراقية، وازداد الأمر تعقيداً بتداخل ذلك مع قوات الحشد الشعبي بعد هيمنة داعش على الموصل.
إذا كانت الدبلوماسية الناعمة التي اعتمدتها بغداد بخصوص  الاستفتاء، فهل ستستمر بها؟ وهل ستحاول إدارة الإقليم هي الأخرى التمسك بها للوصول إلى حلول ممكنة وعملية؟ وإلاّ فإن حافة الهاوية ينتظر العلاقة المهزوزة والضعيفة الثقة بين بغداد وإربيل.



44
«ذاكرة مياه المحيط».. التنوّع والتسامح
                     
عبد الحسين شعبان

«يموت ببطء.. من لا يعرف كيفية الاهتداء بفضل عينيه»، مقطع من قصيدة للشاعر التشيلي بابلو نيرودا الذي تثار اليوم أسئلة جديدة حول أسباب وفاته في 23 أيلول (سبتمبر) 1973 وبعد أيام من حصول الانقلاب العسكري ضد نظام الزعيم الاشتراكي سلفادور أليندي والذي قاده الجنرال بينوشيه، وتم تدبيره من وكالة المخابرات المركزية الأمريكية.
في النظر يتولّد الإحساس الأول، أي ما أن تقع العين على الصورة حتى يتكوّن الانطباع الأولي من المُشاهدة، سواء كان شعوراً بالجمال أو بالقبح، وسواء كان الفعل مُفرحاً أو مُحزناً ودليل خير أو إيحاء شرّ، فكيف إذا مرّ شريط كامل لفيلم سينمائي يعكس صورة من صور الحياة، بل تواصل حيّ معها؟.
وإذا كانت «الأذن تعشقُ قبل العين أحياناً»، حسب الشاعر بشار بن برد، فإن الصورة هي لغة بصرية تفهمها العين وتلتقطها بسرعة خاطفة لتحوّلها إلى الدماغ الذي يصدر أوامره ليتأتّى حكم القلب عليها. والصوت قد يكون صورة حسّية ومتخيّلة يصل إلى الأذن فالدماغ ومنه إلى القلب، حسب صاحب الفلسفة الحسيّة لودفيج فيورباخ.
في الناظور، المدينة المغربية الشمالية الجميلة، حيث الشمس صافية والطقس خريفي ودافئ، التأمت تظاهرة سينمائية فنّية وثقافية كبرى، وعلى ضفاف بحيرة مارتشيكا انتصبت خيمة كبيرة لعرض أفلام وفعاليات «المهرجان السينمائي العالمي للذاكرة المشتركة» والموسوم هذا العام «ذاكرة مياه المحيط»، حيث تحوّلت المدينة بفضله إلى لوحة فنية وملوّنة وحيوية لمنطقة الريف الكبير، وهي تذكّر بعبد الكريم الخطابي، قائد ثورة الريف العام 1925، ضد الاستعمار الإسباني.
كانت الدورات الخمس قد بدأت بضفتي البحر المتوسط، فالدورة الأولى كانت بعنوان «الذاكرة والتاريخ في العلاقات المغربية - الإسبانية (2012)»، ثم جاءت الدورة الثانية لتوسم ب «الهجرة وحقوق الإنسان والتعدّد الثقافي» (2013)، أما الدورة الثالثة فحملت عنوان «السينما وأسئلة المتوسط» (2014)، وركّزت الدورة الرابعة على «إفريقيا والبحر الأبيض المتوسط» (2015)، وكان شعار الدورة الخامسة «المتوسط ذاكرة العالم» (2016)، وجميعها نظّمت في مدينة الناظور التي تشهد خلال انعقاد دورات مهرجان السينما الدولي، عرساً جماعياً سنوياً تظلّ تعيشه بحميمية وشوق.
وكان الهدف من اختيار شعار الدورة السادسة «ذاكرة مياه المحيط»، هو الرغبة في توسيع دائرة الاهتمام في مناطق مختلفة من العالم، حيث تم اختيار الهند لتكريمها من خلال «السينما الهندية» التي غذّت المخيّلة الجماعية العربية لسنوات طويلة بمنجز فني كبير، وصنعت نجوماً عالميين لسينما بوليود تضاهي سينما هوليوود، مثل شاروخان وأمتياب باشان وكارينا كابور وإيشوريا رآي وآخرين.
كما شاركت هذا العام «مؤسسة الثقافات الثلاث» في تقديم جائزة باسمها أيضاً، إضافة إلى جائزة الجهة المنظمة «مؤسسة الذاكرة المشتركة من أجل الديمقراطية والسلام». وامتاز الحضور السينمائي والثقافي بمشاركة مكثّفة من دول أمريكا اللاتينية التي كانت لافتة، فشاركت بعض الأفلام من دول الكاريبي وأمريكا اللاتينية مثل البرازيل والأورجواي والمكسيك وبيرو وكولومبيا والدومينيكان وغيرها، كما كان الحضور الأوروبي متميزاً، ولاسيّما من فرنسا وإسبانيا واليونان وبلغاريا وبولونيا وغيرها، مع حضور عربي وبالطبع، مشاركة مغربية ملحوظة ووازنة من فنانين وأدباء وأكاديميين.
وبقدر اختيار «ذاكرة مياه المحيط» عنواناً للمهرجان في دورته الحالية، فإن البحر المتوسط بماضيه وحاضره ومستقبله كان حاضراً بقوة أيضاً، وهو ما يشكّل خلفية لدائرة نقاش وتفكير رحبة تغني الذاكرة وتعطي للمشتركات حقها، لاسيّما بفتح آفاق جديدة.
من أسئلة المهرجان المهمة التي طرحها عدد من الأفلام الوثائقية والأفلام الروائية الطويلة التي بلغت 17 فيلماً، موضوع قبول الآخر واحترام التنوّع والتسامح واللّاعنف واحترام حقوق الإنسان، ولاسيّما حقوق المرأة ونبذ التعصّب والتطرّف والإرهاب، وتأكيد المشترك الإنساني بالانفتاح على الغير ومدّ جسور التواصل بين الثقافات، ولاسيّما من خلال القيم الجمالية، ذات الأبعاد الرمزية والإيحائية التي يتم التعبير عنها بشكل سردي ومضمون دلالي إنساني.
وشهدت أيام المهرجان، فعاليات مختلفة فنيّة وثقافية متنوّعة، من غناء ورقص ومعارض للفنون التشكيلية ودورات تدريب على التصوير الفوتوغرافي وندوات وحوارات، كما مُنحت جوائز عديدة لأفضل سيناريو وأفضل ممثلة وممثل، إضافة إلى جائزتين رئيسيتين، حيث فاز فيلم وثائقي بجائزة الذاكرة المشتركة للمخرجة الكولومبية ليزيت ليموني Lizatte Lemonie بعنوان Amnesthesie «أمنستيزيا»، كما فاز بجائزة الثقافات الثلاث الفيلم الروائي الطويل للمخرجين مانو هوريو وخوسي هركيتا، وهو إنتاج مشترك إسباني- مغربي والموسوم La fabulosa Casablanca (كازابلانكا الرائعة).
السينما بقدر ما هي أداة تعبير ثقافي وفكري وفلسفي، فهي أداة إمتاع وجمال وإحساس، وبقدر ما تخاطب القلوب فإنها تخاطب العقول لاسيّما بإثارة أسئلة في بطن أسئلة، لأنها محاكاة للحياة الواقعية والمتخيّلة المتغيّرة والمتجدّدة، والتي تستمر في بحث دائم عن الحقيقة والجمال والخير والقيم الإنسانية في صراع مع القيم النقيضة، وهي جوهر الصراع الكوني على مدى التاريخ.


drhussainshaban21@gmail.com




45
العراق وتوازن القوى بين الاضطرار والاختيار !!
عبد الحسين شعبان
باحث ومفكر عربي
رداً على دعوة رئيس وزراء إقليم كردستان نجيرفان البارزاني إلى حوار جدّي مع بغداد لحلّ المشكلات، قال رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي: أنه يطالب سلطات الإقليم بإعلان الالتزام بعدم السعي للانفصال عن العراق، وذلك طبقاً لقرار أصدرته المحكمة الاتحادية العليا أكّدت فيه عدم جواز انفصال أي إقليم أو محافظة أو إدارة محلية عن البلاد، استناداً إلى أحكام الدستور.
وجاء قرار المحكمة بناءً على طلب من مجلس الوزراء الاتحادي بتفسير المادة الأولى من الدستور التي تنص على أن " جمهورية العراق دولة اتحادية واحدة مستقلة ذات سيادة كاملة ونظام جمهوري نيابي برلماني ديمقراطي". وخلصت المحكمة إلى أن هذه المادة والمواد الدستورية الأخرى ذات العلاقة تؤكد "وحدة العراق" مضيفة أن المادة 109 من الدستور: تُلزم السلطات الاتحادية أيضاً بالمحافظة على هذه الوحدة . علماً بأن قرار المحكمة المذكور كان قد صدر بموافقة 6 أعضاء (أغلبية ) ومعارضة 3 أعضاء.
ويأتي قرار المحكمة الاتحادية العليا بعد أسابيع من إجراء سلطات الإقليم، الاستفتاء في محافظات كردستان (إربيل والسليمانية ودهوك) إضافة إلى حلبجة ، كما شمل المناطق التي سمّيت في الدستور بـ" المتنازع عليها" ، وكانت قوات البيشمركة قد وضعت اليد عليها بعد تحريرها من أيادي تنظيم الدولة الإسلامية " داعش" عقب احتلال محافظة الموصل 10 يونيو (حزيران) 2014 والتمدّد إلى محافظتي صلاح الدين والأنبار، إضافة إلى أجزاء من محافظتي كركوك وديالى.
وكانت الاحتكاكات قد وصلت مرحلة منذرة بالصدام بُعيد رفع علم كردستان على الدوائر الرسمية العراقية، بناء على قرار من محافظ كركوك نجم الدين كريم، الذي كانت إقالته إشارة أولى من جانب بغداد باستعادة المناطق المتنازع عليها والمنافذ الحدودية وحقول النفط والمطارات، لتصبح بيد السلطة الاتحادية حسبما ينصّ عليه الدستور.
إن دعوة نجيرفان البارزاني إلى حوار جدي مع السلطات الاتحادية، لبحث جميع المشاكل في ضوء الدستور العراقي، وحل الخلافات والقضايا العالقة، مع تأكيد استعداده للتعاون معها، لصرف رواتب موظفي الإقليم ، هي خطوة جديدة بعد استعادة  للتعاون معها، لصرف رواتب موظفي  الإقليم، هي جديدة استعادة الحكومة الاتحادية المناطق التي سيطرت عليها قوات البيشمركة بعد احتلال داعش للموصل أو تلك التي تمدّدت فيها بعد احتلال العراق العام 2003، علماً بأن بغداد ظلّت تغضّ النظر عنها، أو أنها دخلت في إطار مساومات غير مبدئية مع حكومة المالكي بالتحديد قبل هذا التاريخ. وكان نجيرفان البارزاني قد عبّر عن رغبته في الحوار بعد أن عرض أوضاع الإقليم التي قال عنها أنه " في مرحلة حسّاسة تتطلّب وحدة الصف، كما إن المشاكل لا تحلّ بالقوّة العسكرية".
وكانت موازيين القوى قد تغيّرت، فبعد الحديث عن "حدود الدم" ورفض أي مقترح عن تأجيل أو إلغاء الاستفتاء أو نتائجه، بدأت القيادات الكردية الكلام مجدداً عن الحوار والاستعداد لتأجيل نتائج الاستفتاء، علماً بأن مثل هذا الإجراء لم يكن "برسم التنفيذ" كما يُقال، وأنه لا يعني سوى الرغبة في معرفة رأي الشعب الكردي، وتحويلها لاحقاً من حلم مشروع إلى تطبيق حقوقي، يتّخذ شكلاً قانونياً، لكن هذا الأخير ليس قراراً انفرادياً، وإنما هو قرار يتعلق بمصير ومستقبل الدولة العراقية، حيث يقتضي الأمر تفاهمات جديدة، لاسيّما إذا أريد إقامة كيان جديد ينشطر عنها، فضلاً عن ذلك، فالأمر له علاقة بدول الإقليم، حيث عارضته بشدّة كل من طهران وأنقرة، وحتى دمشق المشغولة بهمّها الداخلي، فإنها حذّرت من خطوة الانفصال لما لها من تأثير جيو سياسي سيشمل دول الإقليم التي تعاني من مشكلة كردية مستمرة، بل إن أوضاع كرد العراق، ولاسيّما في السنوات المنصرمة، لا يمكن مقارنتها بنظرائهم من دول الإقليم من حيث الحقوق والحرّيات والمشاركة في إدارة الحكم وسياساته، إضافة إلى الشراكة في الثروة والقرار السيادي.
إن القيادات الكردية، التي استمرّت موحّدة من حيث الظاهر حول قرار إجراء الاستفتاء، بدت مختلفة، بل ومتعارضة بعد إجرائه، خصوصاً وإن الموقف من قرارات حكومة بغداد، بشأن استعادة سيادة السلطة الاتحادية  على كركوك والمناطق المتنازع عليها، بما فيها المطارات والمنافذ الحدودية وحقول النفط، كان متبايناً، وهو الأمر الذي دفع رئيس الإقليم السابق مسعود البارزاني، إلى اتهام طرف كردي (يقصد جناح أساسي في الاتحاد الوطني الكردستاني) بالخيانة، لموافقته على عدم المواجهة مع القوات العسكرية الاتحادية وإخلائه المناطق المذكورة دون أية مجابهات.
لقد أدرك عدد من القيادات الكردية إن بغداد جادة في تنفيذ قراراتها، بل وعازمة على "تطبيق الدستور " كما قالت، لفرض نفسها كقوة موحّدة لإدارة الحكومة، حيث توافقت الشيعية السياسية الحاكمة مع السنّية السياسية المشاركة ، وفي ظل دعم شعبي وبتأييد طهران وأنقرة، إضافة إلى تحفظات المجتمع الدولي، بما فيه الولايات المتحدة التي كان لوم مسعود البارزاني شديدا لها، لأنه يعتبر الأكراد حلفائها، وإذا بها تتركهم في محنة، بل تخذلهم في ظرف عصيب، خصوصاً وأن قراءتهم للأحداث كانت خاطئة.
لذلك أخذت تتكرّر الحكمة الكردية القديمة التي تقول " لا صديق للأكراد سوى الجبال" وقد ردّدها بعض القادة الكرد بمرارة، وهو ما كان ينبغي أخذه بنظر الاعتبار، وأقصد بذلك "دكتاتورية الجغرافيا السياسية " الوعرة التي طالما حاصرت الأكراد وقطعت عليهم طريق الأمل في تحقيق أحلامهم تاريخياً .
إن قرار الاستقلال هو قرار في غاية الخطورة وكان ينبغي التفكير به ملياً، بغض النظر عن أحقية الشعب الكردي في تقرير مصيره، لكن المسألة لها علاقة بتوازن القوى Balance of power ، وهذه تكبح وتحدّ من تحقيق حلمهم المشروع لأنها تتعامل مع الواقع، بما فيه من عُقد وإشكالات وتحدّيات ومصالح.
ومن أهم القضايا التي تتطلب تفاهماً جديداً لتوازن القوى الجديد المعابر الحدودية مع تركيا وإيران، وكان الاتفاق بشأنها قد تم مبدئياً، على تسليمها وإدارتها من قبل الحكومة الاتحادية، إلاّ أن هناك تلكؤًا قد حصل وهذا أدى إلى عودة التوتر من جديد، بعد تأخّر إدارة الإقليم من تسليمها، الأمر الذي قد ينذر باستئناف العمليات العسكرية وإعادة انتشار الجيش العراقي.
وسبب التأخير يعود إلى عدم ثقة قيادة الإقليم بالسلطة الاتحادية وخشيتها من احتمال تمدّدها وجعلها الإقليم في وضع حرج ولا يُحسد عليه، بعد أن كان الإقليم هو الذي يحاول قضم الأرض لمصلحته، وخصوصاً في المناطق التي تم تحريرها من داعش.
وكانت قيادة الإقليم قد أبدت استعدادها بقبول " إشراف" السلطة الاتحادية على الحدود ، لكنها تحفّظت بشأن سيطرتها على المعابر المؤدية إلى إقليم كردستان، في حين تعتقد بغداد إن الدعوة للحوار قبل إلغاء الاستفتاء ونتائجه وتأكيد عدم الرغبة في الانفصال، تستهدف كسب الوقت وتعزيز الدفاعات الكردية. وكانت الحكومة العراقية قد اتهمت الإقليم بقيامه تحريك قواته وبناء دفاعات جديدة لعرقلة انتشار القوات الاتحادية، خلال فترة التفاوض.
وشدّدت بغداد على تأمين سيطرتها على المناطق المتنازع عليها والحدود. وتشعر بغداد بأنها أكثر قوة ونفوذاً وتأييداً داخلياً وخارجياً من قبل، خصوصاً في ظلّ تطوّرات الموقف الكردي الداخلي وتصدّع الوحدة الوطنية الكردية ما بعد الاستفتاء، لاسيّما ما حصل من اعتداءات على مقرّات بعض الأحزاب الكردية، واقتحام مقر البرلمان واستخدام العنف ضد بعض الإعلاميين ومحاولات إحداث فوضى واضطرابات في إربيل ودهوك. وعلى الرغم من تنحّي رئيس الإقليم مسعود البارزاني، فإن تأثيره على المشهد الكردي لا يزال كبيراً، فهو يمثل المرجعية السياسية (قيادة فوق قيادات الإقليم الحكومية) إضافة إلى كونه رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني أقدم وأقوى الأحزاب الكردية وأكثرها انسجاماً.
ولعلّ آخر تطور في محاولة لإحداث توازن جديد للقوى، هو اقتراح قيادة الإقليم "نشر قوات مشتركة" من السلطة الاتحادية ومن قيادة البيشمركة عند معبر حدودي استراتيجي مع تركيا بمشاركة قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة، بهدف إيجاد تسوية سلمية وإنهاء احتمالات المواجهة العسكرية، لكن هذا الاقتراح لقي إهمالاً من جانب بغداد التي قالت إن الهدف منه هو المناورة، وكان هذا هو جزء من اقتراح ضمّ خمس نقاط" لنزع فتيل الأزمة"، وكانت قد تقدّمت به إدارة الإقليم إلى الحكومة الاتحادية يوم 31 أكتوبر (تشرين الأول ) المنصرم وتضمن وقف إطلاق النار واستمرار التعاون في التصدّي لداعش وانتشاراً مشتركاً في المناطق المتنازع عليها... الخ.
وإذا كانت المفاوضات قد بدأت فيما يتعلق بالجوانب الفنية بناء على توصية واقتراح أمريكي، فإن القضايا السياسية لن تطرح للنقاش حسب العبادي ما لم يتراجع الأكراد عن الاستفتاء. جدير بالذكر إن سياسة العبادي وإدارته للأزمة نجحت حتى الآن ، خصوصاً وقد استخدم كل ما لديه من قوة ناعمة، وتعامل بثقة كبيرة وهدوء، حيث حاز على تأييد الداخل والخارج، الأمر الذي أدى إلى تغيير موازين القوى اختياراً واضطراراً في آن وهو ما ينبغي قراءته عند التفكير بحل شامل للأزمة الراهنة.


46
كردستان وتداعيات ما بعد الاستفتاء
عبد الحسين شعبان
باحث ومفكر عربي
   أعلن مسعود البارزاني رئيس إقليم كردستان عن تنحيّه وعدم ترشيح نفسه وطلب من البرلمان توزيع صلاحياته على سلطات الإقليم. وكانت ولايته قد انتهت بعد تمديدها لمرتين لمدة عامين لكل منهما، وهي الولاية الثانية، حيث حكم كردستان منذ العام 2005 حين انتخب رئيساً في البرلمان، ثم فاز بانتخابات رئاسية مباشرة في العام 2009 وحصل على 69% من أصوات الناخبين لتولّي دورة ثانية، انتهت في العام 2013.
   وكان من المقرّر إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في إقليم كردستان مطلع الشهر الجاري (نوفمبر/تشرين الثاني) بانتهاء رئاسة البارزاني، لكنها تأجّلت لثمانية أشهر بسبب عدم تقديم الأطراف السياسية لمرشحيها في ظل الأزمة الطاحنة سياسياً وعسكرياً ومالياً، تلك التي يعيشها الإقليم، ولاسيّما في صراعه مع الحكومة الإتحادية، فضلاً عن مشكلاته الداخلية بتصدّع الوحدة الوطنية الكردية.
   وصادق البرلمان على قرار توزيع الصلاحيات بين الحكومة والبرلمان والسلطة القضائية بموافقة الغالبية من أعضائه، كما أعلن إلغاء ديوان رئاسة الإقليم، وسيكون من مهمات حكومة الإقليم التي يترأسها ابن شقيقه ادريس، نجيرفان البارزاني، مهمة المصالحة مع الحكومة العراقية وإدارة مفاوضات مع الدول المجاورة ومع أحزاب كردية كانت قد خالفت إجراء الاستفتاء أو تحفّظت عليه، إضافة إلى تبعات ما بعد استعادة كركوك من جانب القوات الاتحادية، وهي مهمات ثقيلة وتحمل عقداً بعضها معتّق، ناهيك عن تداخلاتها الإقليمية والدولية.
   وكان مسعود البارزاني قد ألقى كلمة مؤثرة تنضح مرارة وخيبة أمل، إضافة إلى دروس بليغة،  منها ما أسماه "الخيانة العظمى" التي بسببها انسحبت قوات البيشمركة من كركوك في إشارة إلى جناح في الاتحاد الوطني الكردستاني كان قد تفاوض مع قائد القدس افيراني قاسم سليماني على عدم مواجهته قوات البيشمركة، القوات الاتحادية في إطار صفقة سياسية، ومنها خذلانه من المجتمع الدولي، ولاسيّما من الولايات المتحدة، التي كانت قد أبدت تحفّظها على إجراء الاستفتاء، فضلاً عن توقيته، خصوصاً وإن المجابهة مع داعش لم تكن قد انتهت بعد، وهي لا تزال مستمرّة حتى الآن، وتعتبرها واشنطن الأولوية الأساسية في العراق، التي لا يتقدّم شيئاً عليها، ناهيك عن أنها تريد التعامل مع العراق ككل وليس جزءًا منه.
   ويبدو إن قيادة الإقليم كانت تراهن على "الأمر الواقع"، حتى أن هوشيار الزيباري وزير خارجية العراق لفترة زادت على عقد ونيّف من الزمان، كان قد صرّح بأن ما بعد الاستفتاء سيكون شيئاً آخر، لا يشبه ما قبله، وإن عشرات الدول ستكون مؤيدة له إنْ لم تكن قد وافقت على الأمر الواقع، لكن مثل هذه التقديرات وربما بعض النصائح المباشرة أو غير المباشرة  التي كانت تأتي من مستشارين محليين وأجانب بعضهم مسؤولين سابقين، كانت بعيدة كل البُعد عن الواقع، خصوصاً في ظلّ إصرار عراقي غير مسبوق، حيث توحّدت الشيعية السياسية الحاكمة مع السنيّة السياسية المشاركة في الحكم على موقف واحد.
   يضاف إلى ذلك ردود فعل عربية عديدة داخلياً وعلى مستوى الإقليم، فضلاً عن ردّ فعل شديد من جانب إيران وتركيا وهما الدولتان اللتان تواجهان مشكلة كردية حادة إضافة إلى سوريا التي بدأت الورقة الكردية تتحرّك فيها على نحو مختلف منذ العام 2011،  وخصوصاً الدور العسكري  الذي تقوم به حالياً باسم " قوات سوريا الديمقراطية" المدعومة أمريكياً، كما إن الدور الذي يقوم به حزب العمال الكردستاني PKK في كل من سوريا والعراق، أصبح مُقلقاً عراقياً وعربياً وبشكل خاص تركياً وإيرانياً.
   لعلّ الوضع الذي وجد فيه نفسه مسعود البارزاني وقيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني هو أقرب إلى العام 1975 وبعد اتفاقية 6 مارس (آذار) بين شاه إيران محمد رضا بهلوي وصدام حسين نائب الرئيس العراقي حينها، حيث لم يقف الحلفاء إلى جانب الزعيم التاريخي الملّا مصطفى البارزاني، وهو ما عبّر عنه بمرارة بُعيد  انتهاء الحركة المسلحة واضطراره اللجوء إلى إيران بعد حرب استمرّت لعام كامل.
   وكان البارازاني الكبير شديد الغضب وكثير العتب إزاء مواقف الولايات المتحدة التي تخلّت عن الحركة الكردية، إضافة إلى شاه إيران، وحاول كتابة رسائل تضجّ بالشكوى والألم إلى هنري كيسنجر وزير خارجية الولايات المتحدة حينها، وفي ذلك أحد دروس الكرد الذين لم يبق من صديق لهم وقت الضيق سوى الجبال، حسب حكمة كردية قديمة يردّدها عدد من الزعماء الكرد، خصوصاً في المنعطفات التاريخية، الأمر الذي ينبغي وضعه في الحسبان دائماً، في ظل دكتاتورية الجغرافيا السياسية، تلك التي تحيط كردستان العراق من جميع جوانبه ولا سبيل لتغييرها وتحقيق الحلم الكردي، إلّا بإجراء تغييرات جوهرية في عموم المنطقة.
   وخيبة أمل مسعود البارزاني أكثر شدّة من أبيه، لأن خسارة الأول المعركة كانت بسبب خذلان العامل الخارجي  أساساً وتخلّيه عن دعمه الأمر الذي سبّب اختلالاً جوهرياً في ميزان القوى العسكري، في حين إن خيبة أمل الإبن نجمت من غياب الوحدة الوطنية، سواء بمواقف كتلة كوران (التغيير) أو الحركة الإسلامية أو أطراف من الاتحاد الوطني الكردستاني التي تسبّبت في انسحاب غير متفق عليه أو لم يتم التوافق بشأنه، كما يفصح قرار تنحية ورسالته التي وجهها إلى العالم بهذه المناسبة .
   بعد إعلان مسعود البارزاني انسحابه من رئاسة الإقليم قال " أنا مسعود البارزاني، أحد أعضاء البيشمركة وسأستمر في مساعدة شعبي في نضاله نحو الاستقلال" ، وعلى أثر ذلك اجتمع برلمان كردستان وقرر قبول الاستقالة وكان قد تردد عشيّة هذا القرار، تشكيل قيادة سياسية عليا، سيكون من مهماتها الإبقاء على "امتيازات" الرئيس البارزاني بصفته مرجعية عليا كانت قد تقرّرت باجتماع الأحزاب الكردستانية (المتوافقة معه)، وسيكون من مهماتها مقابلة الدبلوماسيين الأجانب وعدم اتخاذ قرارات تتعلّق بالقضايا الحساسة من جانب الحكومة دون موافقتها.
    ولعل ذلك يعطيها حضوراً سياسياً أقرب إلى فكرة "المرشد الأعلى" أو القائد الفعلي أو ما سمّاه منتقدوه " مجلس قيادة الثورة"، حيث سيبقى خارج دائرة العمل التنفيذي الحكومي اليومي والمسلكي، علماً بأن أحد أقطاب الاتحاد الوطني الكردستاني (نائب الأمين العام - كوسرت رسول) سيكون نائباً له في هذا الموقع الجديد، حتى وأن كان الأمر مؤقتاً، وذلك كي لا يحصل " فراغ دستوري" كما ورد في رسالته الموجهة للبرلمان.
   لقد طوى مسعود البارزاني يوم الأحد 29 أكتوبر(تشرين الأول) 2017 صفحة من صفحات تاريخ كردستان الأكثر إثارة وحساسية، لاسيّما على صعيد تمتّع كردستان بالفيدرالية واعتبار الكرد شريكاً أساسياً في صياغة الدستور وفي إشغال مناصب عليا في الدولة العراقية بينها رئاسة الجمهورية لثلاث دورات ، وكان يأمل أن يصل بالإقليم  إلى محطّة جديدة يعلن فيها عن استقلاله بعد إجراء الاستفتاء، ولكن التوافقات الإقليمية والدولية، فضلاً عن الوضع العراقي كان عائقاً شديداً أمام ذلك الطموح، الذي بسببه تراجعت بعض مكاسب الإقليم وهو ما تحمّله بعض الأطراف الكردية مسؤوليته، إضافة إلى تصدّع العلاقات العربية- الكردية .
   وبغضّ النظر عن بعض الاجتهادات وفيما بعد الاصطفافات والأخطاء، فقد لعب مسعود البارزاني دوراً كبيراً في قيادة الحركة الكردية، منذ ثورة سبتمبر/ أيلول العام 1961 بمرافقة والده، وفيما بعد أصبح رئيساً لجهاز الاستخبارات ثم رئيساً للحزب الذي تأسس العام 1946، ودخل بحروب مع غريمه جلال الطالباني، وأكبرها الحرب التي استمرت أربع سنوات 1994-1998، كما دخل في مفاوضات عديدة مع صدام حسين الذي أعانه ضد جلال الطالباني الذي كان مدعوماً من إيران في العام 1996، حيث دخل الجيش العراقي إلى إربيل، وكان لاعباً أساسياً في ساحة المعارضة العراقية، وجمع "شملها" في صلاح الدين العام 1992  ليصبح واحداً من ثلاث قياديين أساسيين فيها، هم إضافة إليه: السيد محمد بحر العلوم واللواء حسن النقيب، كما كان عضواً فاعلاً في مجلس الحكم الانتقالي الذي شكّله بول بريمر بعد الاحتلال وفقاً للمحاصصة الطائفية - الإثنية .
   واليوم وبعد شهر ونيّف على قول الكرد " نعم" فإن المرارة أخذت تكبر بعد سلسلة الإجراءات والتداعيات التي اضطرّت الكرد للتراجع، أهمها: إعادة كركوك إلى سلطة الدولة الإتحادية وهي التي تسمى لدى القيادات الكردية " قدس الأقداس"، إضافة إلى عدد  من المناطق المتنازع عليها، وكان مسعود البارزاني قد تحدّث عن "حدود الدم" التي قال عنها إنها ترسم الحدود الكردستانية.
   كما اضطرّ الإقليم إلى إعادة بعض حقول النفط والمنافذ الحدودية، كما إن الانقسام الكردي الذي حصل بشأن الاستفتاء وبعده، ستكون تأثيراته كبيرة جداً على مستقبل الإقليم، إذْ أنه منذ احتلال العراق العام 2003 ولحد الإعلان عن الرغبة في إجراء الاستفتاء، كان الموقف الكردي موحداً، لذلك حصل الكرد على مكتسبات كبيرة، وكان البعض ينظر إليهم بأنهم يتمدّدون في كركوك على حساب التركمان والعرب، وكذلك في المناطق المتنازع عليها، بل إنهم يحكمون جزءًا من بغداد، إضافة إلى إقليم كردستان الذي لا يشاركهم فيه أحد.
   فما الذي سيحصل وهل سيبقى مسعود البارزاني رئيساً للحزب الديمقراطي الكردستاني؟ وكيف سيتم التعامل مع حكومة الإقليم برئاسة نجيرفان البارزاني ؟ وماذا عن نجله مسرور البارزاني رئيس مجلس الأمن القومي في الإقليم والمسؤول عن الأمن منذ العام 2012؟ وكيف ستكون نتائج الانتخابات الكردية وكذلك نتائج الانتخابات العراقية وكلاهما سيجريان في العام المقبل 2018؟
   كل ذلك  يثير أسئلة كبرى، لكن الجواب عليها يحتاج إلى انتظار كي تنجلي هذه الموجة العاصفة وتعود الأمور إلى مجاريها، ولاسيّما مع بغداد التي تتعامل بثقة أكبر مع الإقليم خصوصاً في إطار الصلاحيات الممنوحة للدولة الإتحادية دستورياً، وذلك بفعل تدخّل أمريكي للجلوس إلى طاولة مفاوضات، ابتدأت بقياديين عسكريين من الجيش العراقي والبيشمركة لتنتهي لاحقاً في إطار القيادات السياسية، علماً بأن رئيس الوزراء حيدر العبادي كان قد أعلن عن قبوله للحوار شريطة أن يعلن الإقليم إلغاء الاستفتاء ونتائجه.

47
المرأة والسلام والأمن
                     
عبد الحسين شعبان
يمثّل العنوان ثلاثية تكاد تكون مترابطة بشأن المرأة والسلام والأمن، لاسيّما في العقدين الماضيين، ففي أكتوبر/تشرين الأول العام 2000 صدر القرار رقم 1325 عن مجلس الأمن الدولي، بخصوص المرأة والنزاعات، حيث ارتكز على الدور الذي يمكن للمرأة أن تلعبه في بناء السلام وتحقيق الأمن، سواء على الصعيد الوطني أو الدولي، خصوصاً إن النساء الأكثر تضرراً أثناء الحروب والنزاعات المسلحة.
وكانت بعض الآراء الفقهية بدأت تأخذ طريقها إلى التشريعات الدولية وقواعد القانون الإنساني الدولي بشأن حماية الأشخاص غير المقاتلين والمدنيين، بشكل عام، والنساء بشكل خاص. وذهبت اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 وملحقها بروتوكول جنيف لعام 1977، إلى وجوب حماية النساء ضد أي اعتداء، أو عنف جسدي، أو إذلال بأنواعه المختلفة، خصوصاً ما تم تقنينه في البروتوكول الأول: الخاص ب«ضحايا المنازعات الدولية المسلحة»، والبروتوكول الثاني الخاص ب«ضحايا المنازعات المسلّحة غير الدولية».
وسعت «اللجنة الدولية للصليب الأحمر» منذ قيامها إلى نشر أحكام القانون الإنساني الدولي المتعلّقة بحماية المدنيين، للارتقاء بعالم أكثر إنسانية وسلاماً وأمناً، ويحفظ للنساء كرامتهن، ويراعي ظروفهن في أوقات الحرب، مثلما في أوقات السلم، خصوصاً بإلغاء التمييز بجميع أنواعه بحقهن، وهو ما ذهبت إليه اتفاقية سيداو لعام 1979، التي تعتبر تطويراً عملياً لفقه المرأة في القانون الدولي، وتأكيداً لخصوصيتها في إطار احترام حقوق الإنسان والشرعة الدولية، تلك التي تم تأكيدها في الإعلان العالمي الصادر في العام 1948 أو في العهدين الدوليين الصادرين في العام 1966 والداخلين حيّز التنفيذ في العام 1976 باعتبارهما اتفاقيتين شارعتين، أي منشئتين لقواعد قانونية جديدة، أو مثبتتين لقواعد قائمة، خصوصاً وأنهما صدرا عن الجمعية العامة للأمم المتحدة.
واستكمالاً للحماية الخاصة بالمرأة أثناء النزاعات المسلحة، صدر القرار 1325 الذي وردت الإشارة إليه، فأكد على أهمية التنوع الاجتماعي في قضايا السلام والأمن، ودعا الدول الأعضاء إلى العمل على تأمين مشاركة النساء على جميع الصعد في صنع القرارات عند حلّ النزاعات، وفي عملية السلام. ولعلّ تلك هي المرة الأولى التي يخصّص فيها مجلس الأمن الدولي جلسة خاصة كاملة لمناقشة تجارب المرأة أثناء النزاعات المسلحة، وهو ما حاول المجلس متابعته من خلال دزينة من القرارات صدرت في الأعوام 2008 و2009 و2010 و2013 و2015، خصوصاً بتأكيد العلاقة العضوية بين ثلاثية «المرأة والسلام والأمن» التي تقوم على أربعة مرتكزات أساسية هي:
1- المشاركة، والهدف منها إشراك المرأة بصورة كاملة ومتكافئة وتمثيلية في جميع مستويات اتخاذ القرار، بما في ذلك مباحثات السلام والمفاوضات لتحقيقه، وفيما بعد خلال العملية الانتخابية (ترشيحاً وتصويتاً)، إضافة إلى المواقع الرسمية المحلية والدولية وفي المجالات الاجتماعية والسياسية والمدنية الواسعة.
2- منع النزاعات، والقصد بذلك تضمين منظور النوع الجنسي (الجندر) في أسس الحل، والوقاية، والحماية من خلال مشاركة المرأة، للحيلولة دون نشوب النزاعات المسلحة وانتشارها وعودة ظهورها، خصوصاً إذا توجّهت الجهود لمعالجة الأسباب الجوهرية لاندلاعها، وقد يقتضي الأمر نزع سلاح جميع الفرقاء، بمن فيهم الفئات الأكثر تهميشاً، وتطبيق ذلك على الصعيد الداخلي (المحلي) والدولي لبناء السلام، وترسيخ الأمن.
3- الحماية، وتشمل حماية النساء (السيدات والفتيات كما ورد في نص القرار 1325)، وتأمين احتياجاتهن الأساسية أثناء النزاعات، وما بعدها، بما فيها الإبلاغ عن حالات العنف الجسدي، وملاحقتها قضائياً، والتأكيد على تطبيق القانون الوطني والمعاهدات الإقليمية والدولية بهذا الخصوص. ويستوجب الأمر من جميع الأطراف، اتخاذ التدابير الضرورية لتأمين حمايتهن، سواء كانت تدابير انضباطية عسكرية، أو تدريبية للقوات المسلحة، أو غيرها، وحظر جميع أشكال العنف الجنسي بحق النساء والأطفال الواقعين في منطقة تُهدّد بخطر وشيك بالعنف الجنسي، ونقلهم إلى مناطق آمنة.
4- العلاج والمعافاة، ويتطلّب ذلك تأمين وصول الخدمات الصحية إلى النساء والإرشاد النفسي عند الصدمات، ويشمل ذلك الناجيات من العنف الجسدي.
وإذا كانت الحروب والنزاعات المسلحة الأكثر قسوة على النساء والأطفال على مدى التاريخ، فالمفارقة التاريخية لا تزال قائمة ومستمرة، حين تستبعد المرأة من عمليات بناء السلام وجهود فرض الاستقرار، فضلاً عن المباحثات للوصول إلى ذلك، تحت ذرائع شتى، خصوصاً في ظل انعدام المساواة.
واستناداً إلى القرار 1325 والقرارات الدولية التي تبعته، إضافة إلى اتفاقية سيداو والنظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية والشرعة الدولية لحقوق الإنسان، فإن المسؤولية القانونية تقتضي ملاحقة الجناة ومرتكبي الإبادة الجماعية، والجرائم ضد الإنسانية، وجرائم الحروب، بما فيها الجرائم التي تتضمن عنفاً جسدياً لوضع نهاية للإفلات من العقاب، خصوصاً في ما يتعلّق بجرائم العنف الجسدي المرتبطة بالنزاعات التي يقع تحت مظلتها جميع الضحايا.
مناسبة الحديث هذا، التأمت حلقة نقاشية نظمتها «الأسكوا» في بيروت، شارك فيها ممثلون لحكومات وخبراء مستقلون وشخصيات نافذة في المجتمع المدني، خصوصاً وقد آن الأوان لتكون المرأة مشاركة فاعلة في جميع الترتيبات لرسم السياسة العامة لصنع السلام وتحقيق الأمن والاستقرار.
drhussainshaban21@gmail.com




48
                              22/10/2017

الأخوات والإخوة أعضاء مجلس أمناء مركز دراسات الوحدة العربية المحترمين

تحية الزمالة،
   بعد ما يزيد عن 40 عاماً من عملي في تأسيس وإدارة والإشراف على مركز دراسات الوحدة العربية، آن الأوان لأسلم المسؤولية لمن يستحقها، ولي ثقة كبيرة بأنكم ومعكم فئة متميزة من المفكرين والباحثين والممارسين العروبيين التقدميين قادرون على حمل الأمانة، كما حملتموها معي طيلة السنوات الماضية، بالرغم من الحصار الذي تعرض له المركز والحروب الناعمة والخشنة التي واجهها، ولكنه ظل أميناً على حمل رسالة المشروع النهضوي العربي الراقي والمتطلع إلى إحداث تغيير حقيقي في وعي المواطن العربي والنخب العربية والمجتمع العربي.
   وكما صارحتكم في السابق بأن المركز كان جزءاً مهماً من حياتي، بل وحتى أكثر من عائلتي وأصدقائي، فإنه سيظل في ضميري ووجداني، وخصوصاً لمواصلة النهج الذي اختضته لنفسي وهو المهمة العظمى التي علينا أن نعمل معاً جميعاً لتحقيقها، وتحت شعار الخبز مع الكرامة والحفاظ على استقلالية المركز وتوجهاته.
   ولأنني قررتُ إعفاء نفسي من مواصلة العمل اليومي الروتيني والتفرغ لكتابة مذكراتي، والتي سيكون المركز جزءاً منها، فإنني أقدم استقالتي من رئاسة مجلس الأمناء واللجنة التنفيذية ومن جميع المسؤوليات التي توليتها خلال الفترة المنصرمة، وستثبت مشاعري مع كل عمل فكري جاء يخدم مركز دراسات الوحدة العربية. 
أصافحكم فرداً فرداً وأشارككم من القلب وكلي أمل بأن تواصلوا المسيرة بكل عزة.
                                خير الدين حسيب
                              رئيس اللجنة التنفيذية
                               رئيس مجلس الأمناء
-   صورة الأخوات والإخوة العاملين في المركز مع كل الشكر والتقدير على تعاونكم معي أثناء عملي في المركز والذي ما كان يمكن انجاز ما تم بدونكم، وآمل وأتمنى أن تواصلوا مسيرتكم وتحافظوا على استمرار المركز واستقلاليته.

49
كردستان ودكتاتورية الجغرافيا السياسية
عبد الحسين شعبان
باحث ومفكر عربي

   كان جلال الطالباني رئيس جمهورية العراق الأسبق (الذي رحل يوم الثلاثاء 3/10/2017) يردّد دائماً حكمة كردية تقول "ليس للأكراد من صديق سوى الجبال"، وبقدر ما تحمل هذه الحكمة من مرارة، ففيها جزء كبير من الحقيقة ودروس تاريخية ينبغي استيعابها، ذلك إن الجغرافيا السياسية حكمت الكرد إلى حدود كبيرة. وإذا أخذنا بتكوّن عدد من دول المنطقة خلال القرن المنصرم، سنعرف أن مساحة كردستان تزيد على 400 ألف كيلو متر مربع  ويقطنها ما يزيد على 35 مليون إنسان موزعة على أربع دول ترتبط معهم بوشائج كثيرة، بعضها في الأصول العرقية وبعضها في اللغة والدين،إضافة إلى التاريخ المشترك والعلاقات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية وغيرها.
   وكان القسم الأكبر من الكرد يعيشون في حدود الدولة العثمانية، وأصبحوا لاحقاً من مواطني ثلاث دول أنشئت بعد الحرب العالمية الأولى، هي : تركيا (العام 1923) بعد هزيمتها بالحرب ووفقاً لمعاهدة لوزان، والعراق الذي تأسس العام 1921 وسوريا التي تأسست في العام 1925. والقسم الرابع كان في إيران.
   ومع إن اتفاقية سايكس بيكو لعام 1916 قسّمت البلاد العربية، كما تم تقسيم  شمل الكرد أيضاً الذين كانوا ضحية صراع بين الامبراطورية الفارسية والدولة العثمانية، لعدّة قرون من الزمان، وكانت أرضهم جزءًا من مساومات تاريخية بينهما، اشتملت عليها معاهدات مثل أرضروم الأولى 1823 وأرضروم الثانية 1848 وبروتوكول طهران العام 1911 واتفاقية القسطنطينة العام 1913  وصولاً لمعاهدة سيفر ما بعد الحرب العالمية الأولى. وهكذا حكمت الجغرافيا السياسية كردستان، إضافة إلى المصالح الدولية.
   وقد ظلّت القضية الكردية غائبة عن الأروقة الدولية منذ إبطال مفعول معاهدة سيفر لعام 1920 التي اعترفت بجزء من حقوق الكرد، ولاسيّما بعد إبرام معاهدة لوزان، لغاية العام 1991 حتى صدور القرار 688، عن مجلس الأمن الدولي، والذي يتعلّق بكفالة احترام حقوق الإنسان والحقوق السياسية في المنطقة الكردية وبقية مناطق العراق، ووقف القمع باعتباره تهديداً للسلم والأمن الدوليين.
   وكان ذلك القرار، إضافة إلى قرارات دولية عديدة من نتائج مغامرة غزو الكويت العام 1991 التي فرضت العقوبات الدولية على العراق. وقد صدر القرار تحت تأثير الهجرة  الجماعية التي شملت مئات الآلاف من الكرد باتجاه الجبال "أصدقاؤهم الوحيدون" حسب الحكمة الكردية.
   وبعد ذلك اتخذت الدول الثلاث بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة قراراً باعتبار خط العرض 36 والذي يشمل محافظات كردستان الثلاث السليمانية وإربيل ودهوك ملاذاً آمناً، ومنعت القوات العراقية والطيران العراقي من التحليق فوقه.
   ومرّة أخرى دخلت الجغرافيا السياسية على الخط بفعل التنسيق التركي - السوري - الإيراني، الذي ظلّ يتربّص بالتجربة الكردية الوليدة بعد انتخابات العام 1992 والتي رافقها أخطاء عديدة، منها نظام المحاصصة، إضافة على القتال الذي اندلع بين طرفيها الرئيسين: الحزب الديمقراطي الكردستاني (حدك) والاتحاد الوطني الكردستاني (أوك) وهنا كان للجغرافيا السياسية دور في الصراع الدموي الكردي - الكردي، فقد استعان (حدك) بالجيش العراقي في العام 1996 لطرد غريمه أوك من إربيل، وكان أوك ينسق مع إيران ضد عدوّه التاريخي (حدك)، وقبل ذلك مع الحكومة العراقية ضد قوات الأنصار الشيوعية التي شهدت مجزرة في بشتاشان العام 1983.
   ولكن في أوقات الشدّة يبقى الأكراد وحدهم يواجهون مصيرهم، في حين تظل الجبال صديقهم الوفي عند الضيق، وتصبح ملاذهم وحاميهم من حملات الغزو، ولكنها في الوقت نفسه كانت تعرقل قيام وحدتهم وتحقيق طموحهم، سواء في الحصول على حقوقهم، أو لقيام دولة خاصة بهم. وهنا تتدخل الجغرافيا السياسية مرّة أخرى " لتقرير المصير" وقد حصل هذا في العام 1975، فإيران الشاهنشاهية والولايات المتحدة، سرعان ما تنكّرا لحقوق الكرد التي قالوا إنهم يدعمونها ضد حكومة بغداد، وتُركوا وحيدين بعد استفحال القتال بين قيادة القوات الكردية والحكومة العراقية في مارس (آذار) 1974 واستمر لمارس (آذار) العام 1975، حيث تم الاتفاق في الجزائر بتوقيع اتفاقية الشاه محمد رضا بهلوي وصدام حسين نائب الرئيس العراقي حينها، في 6 مارس (آذار) والتي أدّت إلى انهيار الحركة الكردية.
   لم تنفع وقتها وعود كيسنجر أو دعم الشاه وهو الأمر الذي ترك مرارة لدى الزعيم الكردي الكبير مصطفى البارزاني، ففي لحظة وجد المقاتلون البيشمركة أنفسهم أمام الجبل، الصديق الوحيد الصامد الذي حنى عليهم واحتضنهم وأخفاهم من الطيران والقصف الذي يتعقبهم، تلك هي دكتاتورية الجغرافيا السياسية التي لا مردّ لها والتي يعيش في كنفها الفرس والترك والعرب والكرد، وكنّا قد دعونا إلى حوار لمثقفي الأمم الأربعة.
   وهكذا يعيد التاريخ نفسه، وإذا كان في المرّة الأولى كمأساة ففي المرّة الثانية  يبدو كمهزلة، خصوصاً وقد بقي الأكراد عُزلاً بلا معين أو نصير أو داعم، وحتى من يدعم حقوقهم فإنه قد يثير التباساً وكراهية ضدهم في لحظة تاريخية مفصلية، مثلما تحاول "إسرائيل" إظهار تعاطفها مع حقوقهم، وهي التي تضطهد الشعب الفلسطيني  وتحرمه من أبسط حقوقه، وباستثناء قناعات فكرية ومبدئية بشأن "حق تقرير المصير"، كمبدأ قانوني وحقوقي لشعب عانى من الاضطهاد طويلاً، فإن ثمة لا أحد يقف معهم، خصوصاً في ظلّ سياسات وتطبيقات ستكون مثار خلاف شديد، إن لم يتم بالتوافق بشأنها وفي ظرف إقليمي ودولي لا بدّ من مراعاته.
    إن اختيار "اللحظة الثورية"، أي انسجام الظروف الموضوعية مع الظروف الذاتية أمرٌ في غاية الأهمية إزاء استراتيجية وتكتيك أية حركة أو جماعة سياسية أو تنظيم حزبي،  والأمر لا يتعلق بالاستفتاء فحسب، وهي خطوة حصلت وإنْ أثارت ردود فعل حادة، سواء  بشأن توقيت الاستفتاء وما يترتب عليه، ولاسيّما في المناطق التي تسمّى " متنازع عليها"  ثم بخصوص إعلان الدولة التي لا تزال تثير التباسات عديدة، ولكن ماذا بعد الاستفتاء؟ وكيف سيتم وضع نتائجه موضع التطبيق في ظل انقسام كردي وغياب الوحدة الوطنية، ورفض عراقي؟ وكانت الشيعية السياسية الحاكمة قد اتفقت مع السنّية السياسية المشاركة، مستنفرة دول الإقليم التي تهدد بالتدخل، سواء من جانب تركيا أو إيران، والأمر يتم بوسائل ناعمة أو خشنة، بالمقاطعة والحصار وإغلاق المنافذ الحدودية والتأليب الداخلي، فضلاً عن وسائل قد تكون غير منظورة.
   ليس هذا فحسب، بل إن أصدقاء الكرد " الجدد" وأعني بذلك قوى التحالف الدولي، ابتداء من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ، كلّها اعترضت على إجراء الاستفتاء أو تحفظت عليه  أو طلبت إلغائه أو تأجيله، بل إن قوى دولية عديدة ظلّت تدعو علناً وبأعلى الأصوات بما فيها الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية ودول عربية وخليجية ومرجعية السيستاني والأزهر الشريف، إلى وحدة الأراضي العراقية ، بل إن العديد منها اعتبر انفصال كردستان مقدمة لتقسيم المنطقة، وفق خرائط إثنية وعرقية ودينية وطائفية وجهوية لجهات لا تضمر وداً لشعوب المنطقة، الأمر الذي سيثير نزاعات جديدة، إذا ما بدأت فقد تستغرق عقوداً من الزمان، ويكفي أن لدينا صراعاً أساسياً أصبح مستديماً ونقصد به الصراع العربي - "الإسرائيلي"، فما بالك إذا اندلعت حروب طائفية وإثنية، فالأمر سيكون كارثياً بامتياز.
   كما إن المصالح النفطية للقوى الاحتكارية الدولية ومن ورائها القوى الكبرى لا تريد التفريط بحلفاء أساسيين مثل تركيا التي هي عضو أساسي في حلف شمال الأطلسي، ولديها علاقات دبلوماسية كاملة مع " إسرائيل". أمّا العراق فيمكن أن يذهب بعيداً بالاتجاه الإيراني، ولذلك فإن دعمه والحفاظ عليه موحداً سيكون لصالح استمرار الحفاظ على المصالح الدولية والإقليمية فيه، كما إن موضوع حقوق الكرد في سوريا سيكون مطروحاً على خط النقاشات والمفاوضات، في جنيف والأستانة، وفي أي حل دولي للأزمة السورية، لاسيّما وأن قوات التحالف تدعم  "قوات سوريا الديمقراطية" التي تشكل القوى القومية الكردية عمادها، وهو ما سيمهّد لتفاهم روسي - أمريكي على صيغة توافقية ترضي الطرفين، وتأخذ بنظر الاعتبار الموقف التركي.
   وبخصوص إيران، فإن الولايات المتحدة والغرب عموماً، يعملون على إحداث تغيير جذري داخلها، خصوصاً وإن هناك تحفظات خليجية وإقليمية على دورها، ولعلّ أي تغيير في إيران أو تركيا ستكون القضية الكردية مطروحة فيه على بساط البحث، وهكذا تبقى كردستان محكومة بالدكتاتورية الجيوسياسية، التي تحتاج إلى تغييرات عميقة باتجاه حلول ديمقراطية في المنطقة لإحداث نوع من أنواع القبول بكيانية كردية جديدة، وربما أكثر من واحدة وأكثر من شكل، وقد يكون سابقاً لأوانه اليوم وفي ظل اختلال توازن القوى، تصوّر قيام حالة كردية مستقلة ومنفردة في ظل غياب وحدة وطنية كردية .
   ولعلّ البدء بالحوار لتطويق ما هو حاصل، سواء بقبول حدود ما قبل 19 مارس (آذار) 2003 والتفاوض بشأن المناطق المتنازع عليها وقضايا الحدود والنفط والمواصلات وشكل العلاقة المستقبلي، سواء بالبقاء في العراق وفي إطار الدولة الفيدرالية الموحدة أو في إطار شكل جديد، ربما يكون كونفدرالياً بتعديلات ضرورية للدستور، وإن كان الشكل الحالي أقرب إليه، ولكن إذا كان العيش المشترك مستحيلاً فسيكون " الطلاق أبغض الحلال عند الله" وليتحمّل الطرفان  مسؤولية ذلك، خصوصاً إذا ما تجنّبنا خيار الحرب، وهو الخيار الأكثر كارثية وإيلاماً.
   وبالنسبة لكردستان، لا بدّ من قراءة اللوحة الجيوسياسية جيداً، حيث أنها محاطة بجيران أقل ما يقال عنهم أنهم غير مرحّبين بالكيان الجديد، إذا تقرّر إقامته عنوة ودون اتفاق مع الأطراف المعنية، لاسيّما في ظل موقف دولي غير مشجع أو ضبابي  على أقل تقدير، خصوصاً وإن الهدف الذي يشكل شبه إجماع إقليمي ودولي هو محاربة داعش وتجفيف منابع الإرهاب، وباستثناء الموقف الفرنسي  الذي دعا رئيس الوزراء حيدر العبادي لزيارة باريس في إطار وساطة أعلن عنها، على الرغم من أن الزيارة كانت مقرّرة قبل ذلك كما أشار ناطق رسمي حكومي، فإن الجبال وحدها ستبقى وفيّة إلى النهاية لصداقة الكرد المديدة على أرضهم وفي وطنهم.

50

أسئلة ما بعد استفتاء كردستان
عبد الحسين شعبان
باحث ومفكر عربي
بعد شدّ وجذب ورفض وتأييد، مرّ الاستفتاء الكردي بهدوء داخل إقليم كردستان وفي المناطق المتنازع عليها، على الرغم من بعض التحفظات والمناشدات على المستوى الدولي، أو ردود الفعل الحادة على المستوى الإقليمي، لاسيّما الإيراني والتركي،  أو الرفض الشديد وشبه الجماعي على المستوى الداخلي من جانب الحكومة الاتحادية والغالبية الساحقة من القوى السياسية على اختلاف توجهاتها وتياراتها.
ومع تلويح تركي بالخيار العسكري وقصف إيراني لمواقع قرى كردية قالت طهران أن فيها قواعد لإرهابيين، ومناورات للجيش العراقي، واتصالات بين طهران وأنقرة وبغداد وإجراءات معلنة ومستترة للعقوبات من جانب البرلمان العراقي وبعض القوى العراقية، فإن احتمالات اندلاع حرب داخلية عربية - كردية أو بمشاركة أطراف إقليمية ليس وارداً على الأقل في الوقت الحاضر، لكن ذلك لا يمنع من تصاعد التوتر في المناطق المتنازع عليها واحتمالات انفلاتات محدودة من هذا الطرف أو ذاك بما فيها أعمال عنف وإرهاب قد يستغلها داعش والمنظمات الإرهابية.
لقد أصرّ رئيس إقليم كردستان مسعود البارزاني على إجراء الاستفتاء في موعده المقرر في 25 سبتمبر (أيلول) ولم يلتفت إلى جميع المناشدات بالإلغاء أو التأجيل، خصوصاً بعد فشل محاولات الحصول على ضمانات من بغداد ومن المجتمع الدولي كما قال، لذلك مضى إلى الاستفتاء باعتباره الحل الأخير لتأكيد حق شعب الإقليم في إقامة كيانية خاصة به، تأخذ شكلاً قانونياً ينتظر بعد إعلانه اعتراف المجتمع الدولي به، لكن ذلك لن يكون سريعاً أو برسم التنفيذ، بل إنه يحتاج إلى حوار طويل لكي يتم التوصل إلى ما هو مقبول من الأطراف المختلفة.
وكانت بعض نتائج الاستفتاء الأولية قد قالت أن نسبة المشاركين بلغت أكثر من 70% وهي في إربيل أكثر من 80 %  وأكثر منها في دهوك في حين كانت في السليمانية نحو 55% ، وفي المناطق المتنازع عليها كانت المشاركة عموماً ضعيفة، لكن العملية مرّت بسلاسة ودون حدوث مفاجآت منتظرة أو غير محسوبة، علماً بأن المشمولين بالاستفتاء حسب المفوضية الخاصة بالاستفتاء بلغ عددهم 5 ملايين إنسان.
ومع بدايات التصويت بنعم أو لا وهو الاستمارة الانتخابية الوحيدة، أصدر البرلمان العراقي سلسلة من القرارات منها: فرض السيطرة المركزية على المنافذ الحدودية والمطارات وإلزام الشركات النفطية الأجنبية بالتعامل مع الحكومة العراقية (الاتحادية) فقط والبدء بإجراءات لملاحقة أموال قادة الإقليم في الخارج وقطع مرتبات الموظفين الأكراد الذين شاركوا في الاستفتاء، وتضمّنت إجراءات البرلمان : إغلاق المنافذ الحدودية مع كردستان في كل الاتجاهات واعتبار البضائع الداخلة منها مهرّبة، وإعادة حقول النفط إلى سيطرة الحكومة الاتحادية، خصوصاً حقول شمال كركوك، إضافة إلى إلزام الحكومة استعادة المناطق المتنازع عليها.
وإذا كان الكرد قد أعلنوا استعدادهم للحوار مع بغداد بعد الاستفتاء، لاسيّما عند فشل المفاوضات قبله، فإن ردّ الفعل من جانب بغداد، كان رفض الحوار، الأمر الذي سيعني تصعيد حدّة التوتر بين الطرفين، ولكن إلى أين سيفضي الموقف؟ وكيف يمكن حل أي قضية دون حوار وأخذ ورد، سواءً طال هذا الحوار أم قصر؟ وبغض النظر عن مطالب وحقوق ومشروعية كل طرف، فالحوار هو السبيل الأنسب والأنجع للتوصّل إلى حلول مرضية وبأقل الخسائر للأطراف المختلفة، لأن عكسه ستكون الحرب والصراع المسلح، وهذه مهما كانت نتائجها فإنها ستكون الأكثر إيلاماً وأذى وإبتعاداً عن تلبية الحقوق.
ولعلّ أول سؤال يتبادر إلى الذهن كيف يمكن للحكومة الاتحادية استعادة المنافذ الحدودية، التي يسيطر عليها الإقليم منذ أواخر العام 1991 حيث كانت الإدارة الحكومية قد انسحبت ، بالإضافة إلى قوات الأمن والشرطة وحرس الحدود، وتركت كردستان التي حظيت بدعم التحالف الدولي كمنطقة آمنة safe heaven. لتقيم سلطة الإقليم،ثم كيف يمكن للكرد تنفيذ نتائج الاستفتاء في إطار خطة طويلة الأمد؟ بتقديري إن الطرفين في نهاية المطاف سيضطران إلى الجلوس إلى طاولة الحوار، ولعلّ من الأفضل الركون إليه الآن وليس بعد حين.
هكذا سيكون عراق ما بعد الاستفتاء هو غيره عراق ما قبل الاستفتاء، وكذلك كردستان، وبما إن الأمر سياسي بامتياز فهو يحتاج إلى حل سياسي بامتياز أيضاً، أي إن المسألة المطروحة ليست أزمة سياسية للحكم كما نعرفها منذ تصدّع إطار الشرعية الدستورية في العراق، وخصوصاً بعد ثورة 14 تموز (يوليو) العام 1958، وما بعدها في إطار سلسلة الانقلابات العسكرية والدكتاتوريات الحاكمة وصولاً للاحتلال، بل له علاقة بمستقبل الدولة العراقية وكيانيتها، فإمّا أن تبقى دولة كما عرفناها منذ التأسيس 1921 أو أن لا تكون، بمعنى أن جزء منها قرر الإنفصال عنها وإعلان الاستقلال في إطار تمثيله للشعب الكردي لتقرير مصيره عبر استفتاء حصل على موافقة ساحقة بالتأييد لإقامة دولة مستقلة.
ولكن السؤال ما هي حدود هذه الدولة؟ هل هي حدود ما قبل 19 مارس/آذار العام 2003 أم أنها ستشمل كركوك وبعض المناطق المتنازع عليها كما يريد الكرد؟ أو إن موضوع كركوك بشكل خاص سيبقى مؤجلاً، وقد يتطلب ذلك شكلاً مشتركاً لإدارة مشتركة؟
وأياً كان الوقت الذي سيستغرقه قيام الدولة وأياً كان طريقة قيامها، سلماً أو حرباً، وأياً كان شكل نظامها ديمقراطياً أو دكتاتورياً، فهناك مشكلات لا بدّ من بحثها في إطار التغيير الجيوبوليتيكي الذي سيطال المنطقة في الحال وفي المستقبل، بعضها ربما على نحو عاجل والآخر تدرجي طويل الأمد، وربما بعضها يحتاج إلى تغييرات مجتمعية وسياسية لا تتعلّق بالعراق وحده ، بل بدول الإقليم والمحيط .
وسيتم الأمر في إطار تحالفات واصطفافات إقليمية جديدة والأمر رهن بالسياسة، ولا سياسة من دون الحوار، حتى وإن كان الحوار بالسلاح، باعتبار الحرب شكلاً من أشكال السياسة بوسائل حربية أو عسكرية حسب المفكر كلاوزفيتز، ولكن في نهاية المطاف، لا بدّ من حوار حتى لو كان طويلاً  واستغرق عقداً أو أكثر من الزمان، لكنه في الأخير لا بدّ من التوصّل إلى حلول لتحديد شكل العلاقة المستقبلية، فكيف ستكون؟
وماذا لو أعلنت هذه الدولة أنها ستتّحد بالعراق في إطار دولة كونفدرالية مثلاً؟ أي الإبقاء على الجيش موحداً والسياسة الخارجية وبعض الفاعليات الاقتصادية مثلا النفط، وفيما عدا ذلك سيكون الاستقلال كاملاً في جميع القضايا الأخرى، أو أن الاستقلال سيكون كاملاً وتاماً ونهائياً كدولة مستقلة.
وبالتالي هل ستكون دولة صديقة أم عدوّة؟ وهل تتحالف مع أعداء العراق العربي مثلاً أم أنها ستنتظم في إطار معاهدة صداقة وتعاون مع العراق وفقا لمصالح الشعبين الجارين وأهدافهما المشتركة والعلاقات المتبادلة والمتفاعلة والمتداخلة بينهما؟
وكانت علاقة الإقليم بالمركز من أواخر العام 1991 أقرب إلى كونفدرالية، سواء في أوقات المعارضة أو حين كان الكرد شركاء أساسيين وفاعلين في العملية السياسية، وحين صيغ الدستور العراقي الدائم العام 2005 بعد قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية لعام 2004 أخذ هذه الحقائق بنظر الاعتبار، سواء في وزن وصلاحيات الإقليم واستقلال القوات المسلحة الكردية (البيشمركة) وقضايا النفط والمناطق المتنازع عليها بموجب المادة 58 من قانون إدارة الدولة التي تم ترحيلها للمادة 140 من الدستور والتي لم تنفذ، وإنْ كانت هذه ألغاماً في الدستور الذي يقول الفرقاء إنهم متمسكون به، لكنه في واقع الحال يصدر إشارات منذرة بالانفجار بين فترة وأخرى وعند أول منعطف يصادفه.
وحين يلقي الكرد اللوم على عاتق بغداد بعدم تنفيذ الدستور، فإن بغداد تعتبر القضم التدريجي لهذه المناطق هو الذي يحول دون التطبيع وإجراء إحصاء سكاني ومن ثم القيام بالاستفتاء، وإن كان الأمر أبعد من ذلك. ويذهب الكرد إلى أن الدستور أعطاهم الحق في إجراء الاستفتاء باعتبار تطبيقه " ضمانة لوحدة العراق" وبما أنه لم يطبّق، بل إن ما يقارب من 50 مادة منه ظلّت معوّمة، لأن معظمها معلقاً بتشريع قانون خاص بها فمن حقهم اللجوء إلى الاستفتاء لحسم مصيرها، إلاّ أن بغداد ليست وحدها المسؤولة عن عدم تطبيق الدستور، بل إن الإقليم هو الآخر مسؤول فيما وصل إليه وضع البلاد الذي انتهى منذ ما يزيد على ثلاث سنوات للخضوع إلى حرب فرضها عليه داعش بعد احتلال الموصل العام 2014، ناهيك عن ما تعانيه البلاد من عنف وإرهاب وتمييز وفساد مالي وإداري ونظام محاصصة طائفي وإثني، بل إن بغداد تعتبر الشروع بإجراء الاستفتاء إنما هو خروج على الدستور الذي أقسم الجميع على حفظه لوحدة العراق. وهكذا يعلّق الجميع مشاكلهم وأخطاءهم على شمّاعة الدستور.
قد يكون من السابق لأوانه التكهن بما ستؤول إليه العلاقة بين بغداد وأربيل ولكن يمكن القول بثقة: إن الحركة الكردية فشلت في تحقيق أهدافها بالسلاح والعمل العسكري ، كما فشلت الحكومات المتعاقبة من القضاء على الحركة الكردية بالعمل المسلح والحرب التي شنّتها ضد الشعب الكردي وليس هناك من سبيل الآن سوى الجلوس إلى طاولة المفاوضات، فهي التي سيكون بإمكانها إيجاد الحلّ المناسب.
وهناك أسئلة معقدة بخصوص مشكلات محافظة كركوك ومناطق سهل نينوى وسنجار وما يتصل بالمناطق المتنازع عليها في محافظتي صلاح الدين وديالى والموصل، وهذه قد تشهد احتكاكات وأعمال عنف أو بعض الصدامات المسلحة المحدودة، لكنه من غير المحتمل أن يذهب أي طرف من الأطراف المتنازعة إلى شن الحرب لأنه لا غطاء سياسياً دولياً لها، لاسيّما من قوات التحالف الدولي التي تقوم بدور كبير في محاربة داعش وفي دعم العراق كدولة والإقليم كجزء منه يطمح في تحقيق الاستقلال.
كما إن شن الحرب من جانب بغداد على الإقليم أو حتى على المناطق المتنازع عليها لفك ارتباطها بالإقليم بالقوة، سيساعد على تسريع الاعتراف الدولي بالدولة الكردية، التي سيكون الاستفتاء مبرراً شرعياً وقانونياً لصالحها، خصوصاً وإن الحكومة العراقية لا تحظى بالتأييد الدولي في ظل حكم الأحزاب الإسلامية، بل إن البعض يعتبرها موالية لإيران التي يتعارض مشروعها مع العديد من دول المنطقة.
وإذا أخذنا تاريخياً بموضوع مظلومية الكرد، فإن شن أي حرب مهما كانت الأسباب، سيعيد إلى الأذهان حملات الأنفال  وقصف حلبجة بالسلاح الكيماوي وسيكون ذلك ليس في صالح بغداد أو التسوية السلمية لكلا الطرفين.
ومن المشكلات التي تحتاج إلى التفكير بحلول لها هو إدارة الموارد المائية، خصوصاً وأن نهر دجلة يمرّ من خلال إقليم كردستان ويمر الفرات بمحاذاته قريباً من المناطق الكردية   السورية، الأمر الذي سيكون محط اشتباك تركي وسوري (كردي) وعراقي وهي مشكلة قائمة منذ السبعينات، لاسيّما باستكمال بناء مشروع الكاب التركي لبناء منظومة سدود ضخمة وحجب  منسوب المياه باتجاه العراق العربي.
ثم كيف سيتم التعامل مع الأكراد العراقيين الذين يحملون الجنسية العراقية خارج الإقليم، والعرب الذين سيكونو داخل الإقليم ،سواء في مناطق كركوك سابقاً، أو بعض الذين استقروا بعد حملات داعش في كردستان. ولو كان الأمر يتم بالتفاهم لكان بالإمكان حمل هويتين أو جنسيتين مزدوجتين كما هي بين الجيك والسلوفاك.
وهناك مشكلات تتعلق بالمواصلات البرية وطرق النقل وما يترتب على ذلك من أعباء على الدولة والإقليم وكيف يمكن حلّها. والأهم من ذلك كيف سيكون إنتاج وتصدير النفط من حقول كركوك وبيد من؟ وكل ذلك يحتاج إلى حوار طويل الأمد، خصوصاً بعد الاستفتاء، سواء كان حواراً عاجلاً أم آجلاً، كما يحتاج إلى تنازلات متبادلة ومراعاة المصالح المشتركة.




51
فزّاعة الاستفتاء الكردي
هل حانت اللحظة " التاريخية" للدولة الكردية؟
عبد الحسين شعبان
باحث ومفكر عربي
   كلّما اقتربنا من يوم 25 سبتمبر (أيلول) الجاري يزداد الجدل احتداماً والنقاش صخباً بخصوص الاستفتاء الكردي وما بعده، فالرافضون والمعارضون أفرطوا في التبشيع والتشنيع، والمتحمّسون والمؤيدون أفرطوا في المدائح والمزايا. وبين هذا وذاك، هناك غموض والتباس وقلق وحيرة لدى الكثيرين، فالفريق الأول يعتبر الاستفتاء مقدّمة للانفصال، وله تداعيات خطيرة بخصوص مستقبل الدولة العراقية ووحدتها الجيوبوليتيكية، في حين أن الفريق الثاني يعتبر الاستفتاء حقاً للأكراد في تقرير مصيرهم، كما يجد في التوقيت فرصة مناسبة، بسبب صعود الورقة الكردية إقليمياً ودولياً، إضافة إلى الدور الذي قام به البيشمركة والكرد عموماً، سواء في العراق أو سوريا في مواجهة داعش.
   وبغضّ النظر عن ردود الفعل الدولية والإقليمية التي ترفض أو تتحفّظ أو تحذّر من احتمالات اندلاع صراعات إثنية وعرقية جديدة في المنطقة، فإن الكرد وبخاصة قيادة إقليم كردستان برئاسة مسعود البارزاني يصرّون على موضوع الاستفتاء لثلاثة أسباب رئيسية مبدئية وتكتيكية في الآن، فكيف يمكن فهمها؟ ووفقاً لأية اعتبارات يمكن التعاطي معها، سواء في الحاضر أو في المستقبل؟
   السبب الأول- إنهم يريدون تأكيد حقهم في تقرير المصير، وتحويله من صيغة نظرية عامة إلى صيغة عملية ملموسة، خصوصاً وإنهم يدركون أن نتائج الاستفتاء ستكون بـ" نعم"، بما فيه إقامة دولة مستقلة، على الرغم من تردّد الاتحاد الوطني الكردستاني (أوك)، لكي لا تذهب النتائج لصالح "غريمه" التاريخي الحزب الديمقراطي الكردستاني (حدك)، ورفض حركة كوارن "التغيير"، التي كان زعيمها ناوشيروان مصطفى من أشدّ المتحمّسين لإقامة ثلاثة كيانات في العراق، وهو ما عبّر عنه في مقابلة له مع جريدة اللوموند الفرنسية في العام 1987، ويكاد كون الوحيد من بين الكوادر الكردية المتقدّمة مَنْ اعتبر بيان 11 آذار (مارس) العام 1970، لا يلبّي الحد الأدنى من طموحات الشعب الكردي، كما أن الجماعة الإسلامية هي الأخرى أبدت تحفّظات عديدة على الاستفتاء بينها "التوقيت".
   وعلى الرغم من التردّد والتحفّظ بشأن التوقيت، فإنني أعتقد أنّ الكرد بشكل عام، تداعبهم فكرة قيام الدولة الكردية، إذْ إنهم الشعب الوحيد  من بين شعوب المنطقة الذي يكاد يكون بلا دولة، وإن أمتهم مجزأة، مثل الأمة العربية التي تطمح إلى تحقيق وحدتها. وإذا كان هذا هو الغالب الشائع، فإن السياسيين الكرد يناورون بتصعيد هذا الشعار أو تخفيضه حسب الظروف وحسب موازين القوى ، فتراهم يقدّمون خطوة ويؤخّرون أخرى ، إضافة إلى الصراعات الداخلية بينهم، ناهيك عن المنافسات الشخصية والحزبية.
   وقد شهدت الفترة بين 1994-1998 صراعاً كردياً - كردياً وقتالاً دموياً، وكان العامل الإقليمي فيه قوياً، ففي حين تعاون (أوك) مع إيران لإزاحة خصمه من الساحة، استعان (حدك) بالحكومة العراقية العام 1996، لوضع حد لسيطرة (أوك) على أربيل. وانقسمت كردستان إلى إدارتين، ولولا ضغط وتدخّل الولايات المتحدة الأمريكية، لما كان بالإمكان تسوية المشاكل العالقة بين الطرفين، والتي تطفو على السطح كلّما مرّت أزمة حتى وإن كانت عابرة، وحالياً لا يزال البرلمان الكردستاني معطّلاً وولاية رئاسة الإقليم منتهية، والوصول إلى حلول مرضية بعيد المنال، فكيف يمكن وضع نتائج الاستفتاء موضع التطبيق إذاً؟
   وإذا أصبح شعار "الحكم الذاتي" مقبولاً منذ أواسط الستينات، وخصوصاً بدعم من اليسار العراقي، الذي كان مؤثراً آنذاك، فإن بيان 11 آذار (مارس) لعام 1970 نصّ عليه في ظل حكم حزب البعث، وصدر "قانون الحكم الذاتي" في العام 1974 على الرغم من نواقصه وثغراته، لكنه أسّس لواقع جديد.
   ثم تطور شعار الحكم الذاتي في الثمانينات ليصبح "الحكم الذاتي الموسّع" واستقرّ عند شعار "الفيدرالية"، خصوصاً بعد إقرار صيغة "حق تقرير المصير" من جانب المعارضة في فيينا حزيران (يونيو) وصلاح الدين في تشرين الثاني (نوفمبر) 1992، وصدور قرار من البرلمان الكردستاني بـ"الاتحاد الفيدرالي" في 4 تشرين الأول (اكتوبر) من العام ذاته.
    واحتوى قانون إدارة الدولة العام 2004، وفيما بعد الدستور العراقي الدائم العام 2005، على صيغة الفيدرالية، التي جاءت أقرب إلى النظام الكونفدرالي بحكم الصلاحيات الواسعة الممنوحة للكرد، حيث كان الإقليم هو الكيانية القائمة حصراً. وهذا ما زرع ألغاماً كثيرة في طريق تطبيقه اصطدم بها الجميع، الذين اكتشفوا أنفسهم، كلّما تقدّموا خطوة يقتربون من القنبلة الموقوتة للانفجار.
   والسبب الثاني- إن هدف الدعوة للاستفتاء لا يُقصد منه قيام الدولة الآن، وهو ما عبّر عنه بعض القادة الكرد، وإنما هو في حقيقته ممارسة ضغط لمقايضة بغداد لتقديم تنازلات يمكن استثمارها في مرحلة لاحقة، لاسيّما حين نضوج الظروف الموضوعية. أما الهدف الآني من الاستفتاء فقد يكون دفع بغداد لتسديد مستحقات الإقليم التي تبلغ 17% من قيمة الميزانية العراقية التي أوقفتها الحكومة العراقية كما تقول، لعدم تسوية القضايا المتعلّقة بحقوق تصدير وإنتاج النفط التي تم الاتفاق عليها في كانون الثاني (يناير) العام 2014، وفي كانون الأول (ديسمبر) من نفس العام.
   وسواء تم التوصل إلى تسوية مرحلية أو لم يتم، فإن موضوع الدولة الكردية، سيبقى أحد التحدّيات الأساسية التي تواجه العراق، مثلما هو التحدّي الطائفي، وهذان التحدّيان لو استمرا فإنهما قد يذهبان بعيداً باتجاه تفتيت الدولة العراقية، تمهيداً لانقسامها حسب بعض السيناريوهات المطروحة والتي قد تستغرق وقتاً ليس بالقصير.
   السبب الثالث- قد يكون أحد أهداف الاستفتاء الحالي هو إبقاء الوضع الراهن Status que، في كركوك على ما هو عليه دون تغيير بما فيه موضوع تصدير النفط، أي عدم تحريك ساكن، فبعد أن رفع مجلس المحافظة علم كردستان (آذار/مارس 2017) لم يتغيّر شيء على الرغم من قرار القضاء ببطلانه، فضلاً عن ردود الفعل الإقليمية والدولية، علماً بأن مشكلة كركوك حسب تقديري لا حلّ لها في إطار ما هو مطروح من حلول متناقضة وحادة، فعودة القديم إلى قِدمه ليس ممكناً أو مقبولاً، والمغالبة والاستقواء وفرض الأمر الواقع صيغة غر مقبولة، ناهيك عن أنها قد تنذر بحرب أهلية، خصوصاً في ظل احتدام المشهد السياسي وتفشّي ظواهر العنف والإرهاب واستغلال القوى المتعصّبة والمتطرّفة، فضلاً عن التداخل الإقليمي الذي ينبغي أن يُحسب حسابه، سواء الإيراني وهو مؤثر وكبير أو التركي وهو غير قليل، ولاسيّما في موضوع حساس مثل كركوك.
   ولكن ما العمل وكيف السبيل إلى حل ممكن؟
    لقد ظلّت كركوك عقدة مستعصية وتم تأجيلها في اتفاقية 11 آذار (مارس) 1970 وبعد إعادة المفاوضات مع الحركة الكردية 1991، كان هناك اقتراح قد تردّد بإقامة "إدارة مشتركة"،  ولكن الاتفاق لم يتحقق، وبعد الاحتلال الأمريكي للعراق العام 2003 تم تعليق موضوع كركوك، ولم تستطع المادة 58 من قانون إدارة الدولة أو المادة 140 عن الدستور العراقي، إيجاد حلّ لها ، بل إن الأمر ازداد تعقيداً وتعسّراً، لاسيّما ما صاحب ذلك من أعمال عنف وإرهاب ومناطق نفوذ ومحاولات هيمنة.
   لقد حاول النظام السابق تغيير التركيب السكاني والديموغرافي لكركوك بتشجيع هجرة العرب إليها ومنحهم امتيازات على حساب الكرد والتركمان، بل إن قراراً صدر من "مجلس قيادة الثورة" في 6 أيلول /سبتمبر العام 2001، يقضي بإمكان تغيير الهوّية إلى العربية، ولم يمنح هذا الحق لغيرها، وهو الأمر الذي انقلب بعد الاحتلال إلى ضده، وسواء في الماضي أم في الحاضر، فإن أية محاولات لتغيير التركيب السكاني والواقع القومي بالقوة أو بالإغراءات لن تجدي نفعاً، لاسيّما إذا لم تتم على نحو عفوي وبطريقة تلقائية ودون إرغام أو إكراه وهو ما يحدث عادة عبر زمن طويل وتراكم تدريجي، فقد كانت كركوك بموجب إحصاء العام 1957 ذات أغلبية تركمانية، وفي السبعينات أصبحت بأغلبية عربية ، للأسباب التي سبق ذكرها، وبعد الاحتلال أصبحت بأغلبية كردية بعد "التدفق" الكردي عليها واحتدام الصراع حول مصيرها وما رافقه من أعمال عنف ومغالبة واستقطاب، ولا زالت كركوك "عقدة العقد"، خصوصاً وإن القادة الكرد جميعهم يتمسّكون بها كجزء من كردستان، وكما يسمّيها جلال الطالباني الرئيس العراقي السابق: "قدس الأقداس" .
   فهل ستبقى مشكلة كركوك معلّقة إلى ما لا نهاية، وبؤرة حرب مستديمة؟ أم ثمة إمكانات لوضع حلول واشتراع معالجات طويلة الأمد لتطبيع الحياة فيها وتعزيز التعايش بين سكانها؟  وبقدر ما كانت إحدى نقاط قوة العراق من حيث التعايش القومي والديني والمذهبي واللغوي، فإنها أحد أكبر نقاط ضعفه، ولعلّ ضعف المواطنة والشعور بها وشحّ الحرّيات، خصوصاً في ظل عدم المساواة وغياب الشراكة الحقيقية والمشاركة، كانت وراء هذه العقدة المعتّقة والمستديمة والتي يمكن أن تفجّر الوضع في العراق برمّته.
   ولذلك فإن أي حل يبدأ من إطفاء بؤرة التوتر ونزع الفتيل عنها، ثم البحث عن تفاهمات ترضي جميع الأطراف إذا قرّروا البقاء متعايشين، وهذا يتطلّب إرادة سياسية موحدة وتنازلات متقابلة وإدارة سليمة للأزمة يشترك فيها الفرقاء جميعهم دون استثناء، وعكس ذلك سيدفع الجميع الثمن باهظاً.
   وبعد ذلك لماذا يكون الاستفتاء فزّاعة طالما إن إمكانية تطبيق نتائجه غير متوفرة،  في الوقت الحاضر؟ أي أنها ليست برسم التنفيذ، والأمر لا يعود إلى رغبة فريق الموالاة أو الممانعة، ولكن بفعل توازن القوى، وخصوصاً الإقليمي والدولي.
   وحتى لو كانت  نتائج الاستفتاء بـ"نعم" وهي ستكون كذلك، لصالح قيام دولة كردية، فهل ستعلن قيادات الكرد الرغبة في عدم العيش المشترك مع الشعب العربي في العراق؟ وإذا افترضنا ذلك أيضاً، فهل ستقوم الدولة غداً؟ وهل ستكون سلوفاكيا أم  كوسوفو أم تيمور الشرقية أم جنوب السودان مثلاً ؟ وهذه أسئلة على جميع الأطراف التفكير بإجابات لها.
    وإذا كانت قناعتي الشخصية والاستشرافية بأن الدولة الكردية قادمة إن آجلاً أم عاجلاً، وربما هناك أكثر من دولة كردية ستقوم، ولكن قيامها قد لا يكون آنياً، أي برسم الاستفتاء. وبواقعية، يستغرق الأمر وقتاً طويلاً، وقد يحتاج إلى عقد أو حتى عقدين من الزمان أو أكثر، مثلما قد يتطلّب ذلك حدوث تغييرات جوهرية في إيران وتركيا وسوريا، جميعها أو بعضها، بحيث تنشأ الدولة في محيط إقليمي غير معادٍ أو رافض لقيامها، ومثل هذا الاحتمال ليس وارداً في الوقت الحاضر باستثناء سوريا، التي سيكون فيها وضع الكرد أقرب إلى الوضع العراقي فيما إذا حدثت تغييرات، لكنه سيكون مع تعقيدات أشد ومشكلات أعوص وتداخلات خارجية أوسع ومنافسات داخلية أشمل وسقف حقوق أدنى.
   فلماذا الخشية من الاستفتاء؟ وسواء أجري الاستفتاء أو لم يجرِ، فإن حق الكرد في تقرير المصير وقيام دولة مستقلة سيبقى قائماً، وهم يتمسّكون به، ولعلّه سيكون من الأفضل الآن وحتى قيام تلك الدولة، أن يكون الحل "سلمياً" و"رضائياً" إذا أصبح العيش المشترك مستحيلاً  "فالطلاق أبغض الحلال عند الله" كما يُقال، وحتى لو حصل فمن الأفضل بحكم ارتباطات العرب بأشقائهم الكرد، الإبقاء على علاقات الصداقة والتعاون والمشتركات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والعلمية والإنسانية جميعها، وألّا يُسمح بتسرّب قوى معادية للعرب والكرد أو لدول المنطقة  وتطلّعات شعوبها للتحرّر والسلم والتنمية والتقدّم، خصوصاً حين يكون التفاهم والمصالح المشتركة والمنافع المتبادلة هي الأساس في العلاقة بين بلدانها وشعوبها.
   وأعتقد أن ذلك ضمانة للعلاقة العربية - الكردية، سواء في الحاضر أو في المستقبل، وعلى جميع الأطراف العراقية، وخصوصاً عرب العراق وكرده إضافة إلى القوى الإقليمية، ألّا تحرق المراحل وتستعجل اندلاع الصراع، لأن نتائجه ستكون وخيمة وكارثية على الجميع. إنّ قيام الدولة الكردية يحتاج إلى بيئة حاضنة وتأييد واضح من المجتمع الدولي، وهذا غير متوفّر في المدى المنظور، وذلك يعني أنّ القرار بإقامة الدولة، بالاستفتاء أو بغيره، سيكون مؤجلاً عراقياً وإقليمياً ودولياً، وأعتقد أن القيادة الكردية تدرك - حتى وإن رفعت من سقف مطالبها وشعاراتها- أن حرارة الجو السياسي تزداد ارتفاعاً وحساسية وحراجة، خصوصاً وهي تسعى لاقتناص اللحظة التاريخية المناسبة لتحويل "الحلم الكردي" المشروع إلى واقع ممكن وملموس وحقيقي.

52
أثمة ملامح نظام دولي جديد؟
                     
عبد الحسين شعبان

لعلّ بعض التحليلات المتداولة تذهب إلى القول إننا أمام ملامح لنظام دولي جديد أخذ يتكوّن، بعد تخلخل مواقع القوى العظمى المهيمنة، وخصوصاً الولايات المتحدة التي تكرّست بعد انتهاء عهد الحرب الباردة والصراع الأيديولوجي، باعتبارها القوة الأولى الأساسية المتنفذة في العلاقات الدولية.
وإذا كان النظام الدولي الذي شهده القرن العشرين قد انتقل ما بعد الحرب العالمية الأولى إلى هيمنة بريطانيا وفرنسا كقوتين عظميين، فإن الحرب العالمية الثانية وما بعدها جعلت من الولايات المتحدة القوة العظمى الأولى في العالم، خصوصاً تحكّمها بمصادر القوة والتحالفات التي قادتها لاحقاً، عسكرياً وسياسياً، والتقدّم العلمي والتكنولوجي والثقافي والفني والأدبي الذي فاق الجميع بلا استثناء، فضلاً عن التقدم الهائل في ميدان الصناعة والزراعة والتجارة، بما فيها تجارة السلاح، حيث نصّبها القوة الأولى بلا منازع.
كان نظام ما قبل الحرب العالمية الأولى استمراراً لاتفاق ويستفاليا في القرن السابع عشر 1648 ومؤتمر فيينا العام 1815 بعد محاولات إجهاض الثورة الفرنسية وهزيمة نابليون، حيث كانت قواعد القانون الدولي التقليدي تجيز حق الغزو، والحق في شن الحرب الاستباقية أو الوقائية، إضافة إلى حق الحصول على مكاسب سياسية بما فيها الاستيلاء على الأراضي بالقوة تحت مبرر احتمال «خطر وشيك الوقوع» أو للحفاظ على المجال الحيوي، وكل ذلك يندرج في الاستقواء على الآخرين دفاعاً عن «المصالح القومية»، والتي خيضت حروب كثيرة تحت عنوانها ومبرراتها.
وكان الطور الجديد للنظام الدولي قد تكرّس بعد الحرب العالمية الأولى بتأسيس عصبة الأمم العام 1919 وجرت محاولات لتقييد استخدام القوة واللجوء إلى الحرب، وخصوصاً في ميثاق بريان كيلوك (ميثاق باريس) العام 1928 وقد انقسم العالم بفعل ثورة أكتوبر/تشرين الأول العام 1917، إلى معسكرين، حيث بدت بعض ملامح نظام جديد تظهر تلك التي تحققت بعد قيام الأمم المتحدة في العام 1945 خصوصاً بعدم الاعتراف بالدبلوماسية السرية، لاسيّما بعد فضح اتفاقيات سايكس - بيكو السرّية التي أبرمتها بريطانيا وفرنسا العام 1916، واتسمت العلاقات الدولية بنوع جديد من الصراع الأيديولوجي بين نظامين متناحرين.
لكن الحرب العالمية الثانية وما بعدها، والتي أدت إلى هزيمة ألمانيا واليابان والقضاء على النازية والفاشية، دفعت الأمور باتجاه صراع مديد عُرف بالحرب الباردة بعد تفكك الحلف المعادي لدول المحور منذ أن أطلق ونستون تشرشل صيحته الشهيرة بالقضاء على الشيوعية العام 1947، واستمرت هذه الحرب بوسائل خشنة وناعمة، عسكرية واقتصادية وثقافية، حتى تمكن المعسكر الرأسمالي من الإطاحة بالكتلة الاشتراكية من دون حرب بفعل سباق التسلح وبشكل خاص «حرب النجوم» العام 1983 والهجوم الأيديولوجي والدعائي، إضافة إلى الأوضاع الداخلية التي تتعلق بشح الحريات والاختناقات الاقتصادية.
وهكذا انتقلنا من نظام القطبية الثنائية والتوازنات التي كان يقوم عليها بسلبياتها وإيجابياتها إلى نظام تتحكم به قوة واحدة وتدور في فلكها قوى أخرى كالاتحاد الأوروبي وغيره من البلدان التي ظلّت تتعامل مع الحليف الأكبر من موقع أدنى.
ومن أبرز ملامح الهيمنة في هذا النظام هو الحرب على العراق العام 1991 ثم احتلاله في العام 2003 بعد غزو أفغانستان، وانبعاث الهوّيات الفرعية وتفتيت الدول الوطنية، واعتبار «الإسلام» الخطر الأساسي بعد انهيار الشيوعية، كما ذهب إلى ذلك صموئيل هنتنغتون بأطروحته حول «صدام الحضارات» وقبله «فرانسيس فوكوياما بأطروحته حول نهاية التاريخ، منطلقين من ظفر الليبرالية كنظام سياسي واجتماعي على المستوى العالمي.
لكن ملامح هذه المرحلة أخذت بالتصدّع خلال عقدين من الزمان بصعود الصين كقوة اقتصادية عظمى وعودة روسيا كقوة مؤثرة بعد غياب الاتحاد السوفييتي، إضافة إلى تحالفات جديدة خارج الهيمنة الأمريكية، كما هو دور دول البريكس، فإضافة إلى الصين وروسيا، هناك البرازيل وجنوب إفريقيا والهند، وهي قوى صاعدة، لاسيّما في المرحلة الانتقالية الحالية التي تشهد صراعاً بأنواع مختلفة، مع اتفاق مصالح، الأمر الذي يجعل من التكتلات الكبرى أساساً في مواجهة الدور الأمريكي المهيمن والآخذ بالتراجع على الرغم مما يملكه من مصادر قوة لا يزال يحتفظ بها.

وإذا كان القرن التاسع عشر، هو قرن القوميات فإن القرن العشرين هو قرن الأيديولوجيات، أما نهايته فقد كانت تؤشر إلى قرن جديد، وربما سيكون عنوانه قرن المصالح الاقتصادية، وهكذا فإن ما طرحه بريجنسكي، مستشار الأمن القومي الأسبق في كتابه «أمريكا والعصر التكنوتروني» من التعددية القطبية لا يأتي بعد القطبية الثنائية، ولكنه يعقب الهيمنة الأمريكية مع وجود مصالح مشتركة، منها مكافحة الإرهاب والتعصب والتطرّف الذي يهدّد العالم.
ومناسبة الحديث عن نظام دولي جديد، كانت ضمن حلقة نقاشية في بيروت لمركز دراسات الوحدة العربية، شارك فيها مفكرون وباحثون وممارسون سياسيون عرب من أقطار مختلفة.



53
بغداد تحتفي بـ " أبو كَاطع"
بغداد - وكالات / خاص
         إلتأم في نادي العلوية ببغداد احتفال ضخم حضره عدد كبير من الشخصيات الفكرية والثقافية والأدبية والفنية والإعلامية، وجمهور واسع من محبّي أبو كَاطع والعارفين بفضله، خصوصاً ما قدّمه من منجز إعلامي وروائي على مدى زاد عن ربع قرن من الزمان، لاسيّما رباعيته الشهيرة "الزناد، بلا بوش دنيا، غنم الشيوخ وفلوس حميد"، إضافة إلى حكاياته وإقصوصاته، التي كان ينشرها في صحيفة " طريق الشعب" في السبعينات وفي عدد من الصحف العراقية وفيما بعد العربية بعد اضطراره إلى مغادرة العراق والعيش في المنفى وقبل ذلك برنامجه الإذاعي في أواخر الخمسينات " احجيه بصراحة يبو كَاطع" من إذاعة بغداد .
         وكان الاحتفال بمناسبة الذكرى الـ 36 لرحيل أبو كَاطع " شمران الياسري" حيث وافته المنيّة في حادث سير أليم  حين كان متوجهاً من براغ إلى بودابست لزيارة نجله الأكبر "جبران".
         وكان نادي العلوية قد دعا الأديب والأكاديمي الدكتور عبد الحسين شعبان لتوقيع كتابه الموسوم "أبو كَاطع- على ضفاف السخرية الحزينة" وهو طبعة ثانية. وكان شعبان قد تبرّع بريع الطبعة الأولى إلى "أطفال العراق تحت الحصار"، وقد تبرّع بريع هذه الطبعة إلى "أطفال العوائل النازحة من الموصل ومناطق غرب العراق"، لاسيّما بعد هيمنة داعش عليها. وقد إلتأم الاحتفال في قاعة غصّت بالحضور يوم 10 أيلول (سبتمبر) 2017.
         وقد رحّب الاستاذ فلاح كمونة باسم اللجنة الثقافية للنادي بالحضور .
         وافتتح الاحتفالية الإعلامي عماد جاسم، وتحدّث فيها الباحث والأكاديمي د. شجاع العاني وتلاه الأديب والناقد فاضل ثامر ثم دعا السيد إحسان شمران الياسري (نجل أبو كَاطع) ليتحدث عن والده، واختتم الأمسية المفكر عبد الحسين شعبان ، الذي تحدّث عن سخرية أبو كَاطع الحزينة، واعتبر "حنظلة "ناجي العلي ، بمثابة "خلف الدوّاح"،  وإذا كان حنظلة فلسطين شاهداً لما حدث في فلسطين، فإن خلف الدوّاح العراقي (كَعود الفرحان)، هو الشاهد الآخر، لما حدث في العراق وفي كلا الحالين كما قال: وجوه ومؤخرات، حمامات وبنادق، مظلومون وظالمون، واعتبر شعبان أبو كَاطع "جارلز ديكنز" العراقي، وسخريته جادة، لأن لديه موقفاً حاداً من الحياة، وقد رسم صورة الريف العراقي بريشة فنان عليم وأصيل، وهو جزء من تاريخ الدولة العراقية.
         وإذا كانت الآيديولوجيا طاغية في مرحلته الأولى، فإنها خفّت في مرحلته الثانية، خصوصاً في رواية "قضية الحمزة الخلف" وعدد من الحكايات والقصص وكذلك أخذ يقلل من  استخدامه العامية أو اللهجة الشعبية، وإنْ كان يجد فيها الوسيلة الأكثر تعبيراً عما يريد أن يوصله إلى قارئه،لاسيّما حين يطعّمها بمملّحات مثيرة للضحك والدعابة وإن كانت سوداء أحياناً.
         وقد توافد جمع غفير للاقبال على شراء الكتاب وطلبوا من مؤلفه توقيعه، ثم قدّم  الدكتور فارس الدوري رئيس نادي العلوية درعاً للتميّز للدكتور شعبان، كما بادرت جريدة الزمان ممثلة برئيس تحريرها (طبعة العراق) الدكتور أحمد عبد المجيد  على تقديم باقة ورد وهديّة إليه، وكانت جريدة الزمان بمبادرة من مؤسسها الاستاذ سعد البزاز قد كرّمت الدكتور شعبان في وقت سابق ، وقدّمت له وسام "الإبداع" (العام 2009) وهو عادة ما يقدّم إلى كبار الشخصيات الفكرية والثقافية والفنية.
         وساهم عدد من الفضائيات والصحف في تغطية خبر احتفالية أبو كاطع. وكتب الصحافي زيد الحلي عموداً في صحيفة الزمان بعنوان" د. شعبان يغني الأحد لأبي كَاطع " كما كتب الشاعر منذر عبد الحر في جريدة الدستور عموداً بعنوان: الدكتور عبد الحسين شعبان يوقع كتابه الجديد في بغداد، وكتب قبل ذلك الإعلامي حسن عبد الحميد عموداً استباقياً يرحب فيه بالدكتور شعبان وبالثقافة اللّاعنفيّة التي يدعو إليها، في صحيفة الدستور. وقد جرى استذكار أبو كَاطع وعرضاً وتقريضاً لكتاب شعبان بأخبار صحفية ومقالات عديدة، وكان د.شعبان قد كتب في "مجلة أفق" التي تصدرها مؤسسة الفكر العربي مقالة بعنوان : "العراقيّ أبو گاطع… سيّد الدّعابة البارِعة والسُّخرية اللّاذِعة - القبح في مواجهة الجمال".
        أبو كَاطع الذي ظلّ ممنوعاً مثلما هو مؤلف الكتاب منذ الثمانينات ولغاية العام 2003، عاد مشرقاً إلى بغداد التي أحبّها وقد منحته مدينة السلام ما يستحق من الاحتفاء والتقدير، لاسيما " حب الناس" الذي لا يضاهيه شيء.
 

54
العراقيّ أبو گاطع… سيّد الدّعابة البارِعة والسُّخرية اللّاذِعة
القبح في مواجهة الجمال

 
 
د. عبد الحسين شعبان*
لا أخال أحداً من الذين أدركهم الوعي من جيل ما بعد ثورة 14 تمّوز (يوليو) العام 1958، وخصوصاً من المثقّفين أو القريبين منهم، لم يسمع باسم "أبو گاطع" أو يردِّد "لازِمة" اشتهرت باسمه، وهي عنوان برنامجه الشهير، "إحجيه بصراحة يبوگاطع" (إحكيها)…

فالرجل احتلّ مكانة استثنائيّة ليس في الأدب والصحافة العراقيّة فحسب، بل وعلى الصعيد الشعبيّ، وانشغلت أوساطٌ واسعة من مختلف التيّارات (المُوالاة والمُعارَضة وما بينهما) بما يكتبه وما ينشره في عموده الصحافيّ، ولاسيّما في مطبوعات الحزب الشيوعي في السبعينيّات: مثل مجلّة الثقافة الجديدة، التي كان مدير تحريرها، وجريدة الفكر الجديد (الأسبوعيّة)، وجريدة طريق الشعب(اليوميّة)، وقبل ذلك في أواخر الخمسينيّات ومطلع الستينيّات، كَتَب في عددٍ من الصّحف اليساريّة العراقيّة، لكنّ برنامجه الإذاعي (من إذاعة بغداد) كان الأكثر شهرة، بل إنّ شهرته جاءت من برنامجه.
وارتفع رصيده ليس كصحافي فحسب، بل إنّ دخوله عالَم الرواية، وصدور رباعيّته كان قد وضعه في مكانة مرموقة بين الروائيّين الكبار أمثال "غائب طعمة فرمان"، و"فؤاد التكرلي"، و"محمّد خضير"، و"عبد الرحمن مجيد الربيعي"، وآخرين؛ لكنّ ما تميّز عنهم، هو قدرته في توظيف مخزونه الريفيّ وضخّه في الرواية التي هي في الغالِب مدينيّة، بحيث أصبحت حياة الريف مألوفة لدى قارئ الرواية وهو ابن المدينة في الأغلب الأعمّ.
وكان "أبو جبران" (وهو نجله الأكبر) يطمح أن يصبح روائّياً، وحين دسَّ مخطوطته (الرباعيّة) بيد غائب طعمة فرمان، طالباً منه قراءتها قبل طباعتها، همس بأذنه (أريد أن أكون منكم)، أي من كتّاب الرواية، فالرواية وما تحفل به ظلّت هاجسه حتّى حين يكتب عموده الصحافي، فقد كان يبحث عن حبكة درامية، ومتن وقفل بمثابة خاتمة ليجعل القارىء يفكِّر في نهايات مفتوحة.
كان صدور رباعيّته: الزناد، بلا بوش دنيا، غنم الشيوخ، وفلوس حميّد، (العام 1973)، محطّة جديدة لا على مستوى الرواية العراقية فحسب، بل في تقديمٍ روائيٍّ ريفيٍّ يستطيع أن يؤثّر على المدينة ومثقّفيها، وليس كما كان العكس جارياً، فلم يعُد "أبو گاطع" في خطابه أو حكاياته وأقصوصاته، ولاسيّما رباعيّته، يقتصر على مُخاطَبة الفلّاحين والأوساط الشعبية، بل امتدّ ليشمل ما يكتبه عن المدينة بما تحتويه من تيّارات فكرية وثقافية واسعة، سواء من كان معه أم ضدّه، الأمر الذي أثار جدلاً واسعاً حول كتاباته لدرجة أنّها مُنعت فتمّت ملاحقته بتُهم أقلّها "الإعدام" على حدّ تعبيره الساخر، حيث اضطرّ إلى مغادرة العراق نحو المنفى (العام 1976)، مع ملابسات ما حصل له لاحقاً (في براغ)، وهناك قضى بحادث سير في 17 آب (أغسطس) العام 1981.
مرّ 36 عاماً على رحيل "أبو گاطع" "شمران يوسف الياسري"، (أبو جبران) الذي اشتهر بكنيَتِه، كما اشتهرت راويته الشخصيّة الأثيرة المعروفة باسم "خلف الدوّاح"، وهو اسم مستعار لشخص حقيقي، وليس وهميّاً. فاسمه هو "گعود الفرحان"، الذي كنت قد نشرت صورته لأوّل مرّة في كتابي "على ضفاف السخرية الحزينة"، وكان خلف الدوّاح مثل ظلّ "أبو گاطع"، مُلازماً له.
لقد أتقن "أبو گاطع" حرفته وأدرك مدى تأثيرها في كسب الجمهور وإثارة الجدل حول ما يكتب،مبتكراً طُرقاً مباشرة وغير مباشرة للنقد والتّحريض والتّفكير، والهدف هو الوصول إلى القارئ، سواء بتفخيخ حكاياته وأقصوصاته وجُمله أم باستدراجه لدائرة الإيهام. وفي كلّ الأحوال دفعه للتّساؤل والشك،لما تستثيره نصوصه، فتارةً يستفزّ المتلقّي من البداية، وأخرى يرخي له المقدّمة ليوحي له بنهاية مستريحة، لكنّه سرعان ما يُفاجئه قبل الخاتمة بالعودة إلى دائرة السؤال، تلك هي حبكته الدراميّة المتميّزة.
وعلى الرّغم من كونه مثقّفاً أعزل وفرداً "نفراً" -على حدّ تعبيره- وبإمكانات محدودة وشحيحة، إلّا أنّ أسئلته المُشاغِبة كانت تتميّز بإثارة شكوك وارتيابات تفوق تأثيراتها ما تفعله هيئات أو مؤسّسات أحياناً، في ظلّ أساليب الدّعاية والحرب النفسيّة والصراع الإيديولوجي الذي كان سائداً على نحو حادّ في زمانه.
ودليلي على ذلك أنّه  اضطرّ لطباعة روايته "الرّباعية"على نفقته الخاصّة، بعد أن امتنعت الجهات الرسمية من طبعها، بزعم عدم استيفائها الشروط الفنّية، لكنّه باع عشرات، وربّما مئات النسخ، حتّى قبل صدورها لدفع ثمنها إلى المطبعة، وقد حجز العديد من الأصدقاء نسخهم قبل أن تُطبَع، ولا أعتقد أنّ كاتباً استطاع أن يفعل ذلك قبله أو بعده. إنّها طريقة "أبو گاطعيّة" بامتياز، له براءة اختراعها.
كان تأثير ما يكتب كبيراً على السلطة ومعارضتها، بل حتّى داخل الحزب الشيوعي نفسه، حيث يجري صراعٌ "مكتوم" بين قيادة "مُسترخِية" وقاعدة "مُستعصيَة"، فقد كان أقرب إلى "بارومتر" يقيس فيه الناس درجة حرارة الجوّ السياسي. وقد نجح في توظيف علوم عديدة لاختيار الوسيلة الأنجع واختبارها، وذلك من خلال عِلم النفس وعِلم الاجتماع وأساليب التغلغل الناعم والحكاية الشعبية ليصل إلى مراده، متحدّياً الجميع أحياناً، بمَن فيهم نفسه، حتّى وإن اقتضى الأمر المُغامرة، باحثاً في كلّ ذلك عن المُغايرة والتميّز والجديد والحقيقة البيضاء.
ولهذا السبب استقطب جمهوراً واسعاً، ناهيك بالقيَم الجماليّة التي حاول إظهارها، كاشفاً لنا عن عمق ودراية ما يجري في المجتمع، خالِقاً أبطالاً هدفهم إسعادنا، على الرّغم ممّا كان يعانيه من ألم، وكما قال غائب طعمة فرمان عنه: "إنّه إنسان ثابت في أرضه، يعرف كلّ شبر منها، عاليها وسافلها، حلوها ومرّها، مذاق ثمارها وملوحة عرق الكدح فيها، يتغنّى بشفافيّة روح، بشجاعة قلب، وحكمة نظرية ومُكتسَبة بما يمثِّل الهيكل الإنساني لحياة ابن الريف".
والقراءة لا ينبغي أن تكون من باب التمجيد والمُجامَلة، بقدر ما تكون قراءة نقدية منهجية وموضوعية، بما له وما عليه، فضلاً عن إمكانية إفادة القارىء من الأجيال الحالية والقادمة، بالأجواء السياسية والفكرية والثقافية التي كانت سائدة في عهده والتحدّيات والكوابح التي اعترضت طريقه، ودَوره المتميّز على الرّغم من ظروفه الحياتية والمعيشية الصعبة، فلم يتمكّن من إكماله دراسته، وهو ما يطرح أسئلة على الجيل الحالي والأجيال المستقبلية: ترى من أين جاءت موهبته؟ وكيف تمكّن من صقلها؟ ثمّ كيف استطاع إنماء ملكاته وتطوير قدراته؟ بحيث احتلّ هذه المكانة الاستثنائية ملتحقاً بجيل الروّاد الذين سبقوه، ومنتقّلاً من عالَم الصحافة السريع والكثير الحركة إلى فضاء الرواية الذي يحتاج إلى التأمّل والدّقة.
لقد عرف العراق مع "أبو گاطع"  لوناً جديداً من ألوان الأدب الساخر الذي برز فيه صاحبه بنتاجه المتنوّع، سواء في حديثه الإذاعي الموجَّه إلى الفلّاحين أو أقصوصاته وحكاياته، حين نقل حديث المَجالس والمَضايف والديوانيّات، ليجعله مادّة للكتابة الصحافية، التي اتّسمت بها مقالاته، بحيث أثّرت فيها شخصيات الريف النائي والمعزول، بيوميات المدينة وأحاديثها وهمومها والجديد فيها، وانتهاء برواياته، وبخاصّة رباعيّته أو رواية "الحمزة الخلف".
لا أدري إلى أيّ حدٍّ – ونحن نستعيد "أبو گاطع" – يُمكن أن نستذكر الروائي الإنكليزي تشارلز ديكنز  صاحب رواية: "قصّة مدينتَين A Tale Of Two Cities"، فقد امتاز أسلوبه هو الآخر بالدعابة البارعة والسخرية اللّاذِعة، وصوَّر جانباً مهمّاً من حياة الفقراء وحظيَ بشعبيّة لم ينلها مجايلوه.
وإذا كانت السّخرية تميّز أسلوب "أبو گاطع"، فثمّة أحزانٌ كانت تغلّفها على نحو عميق. ربّما وجد "أبو گاطع" فيها بعض التخفيف من قسوة حياتنا ومراراتها وإخفاقاتنا المتكرّرة، فلجأ إلى إضفاء مسحة من التندّر والضحك عليها، حتّى وإنْ كان ضحكاً أقرب إلى البكاء، كما هي حالنا وأوضاعنا. لقد أمطرتنا حكاياته وأقصوصاته بعناقيد لذيذة من السخرية الحزينة، لفتح شهيّتنا على النقد من أجل حياة أكثر يُسراً وأكبر قدرة على الاحتمال والمواءمة.
لقد أدرك "أبو گاطع" أنّ الحزن معتّقٌ في العراق، وهو أصيل ومتجذّر، ويكاد يطبع كلّ شيء، فحتّى فرح العراقيّين وغناؤهم ومناسبتهم المختلفة، كلّها مغلَّفة بالحزن الجميل.
إنّ سخريةً مثل سخرية "أبو گاطع"، وهو يتناول أعقد القضايا وأخطرها، لا بدّ أن تكون سخرية جادّة ومسؤولة، بل هي موقف من الحياة والكون والتطوّر، وقد حاول شمران الياسري أن يُواجِه تعقيدات المجتمع وصراعاته ومشكلاته وهمومه بنَوعٍ من السخرية، لأنّ هذه الأخيرة في نهاية المطاف تُعبِّر عن موقف مقابل لكلّ تلك الإشكاليّات، وهو ما دعا كارل ماركس للقول: "إنّي أقف ممّا هو مضحك موقفاً جادّاً".
لقد كتب "أبو گاطع" تاريخ الريف العراقي، كجزء من تاريخ الدولة العراقية والمجتمع العراقي، فعالَج ذلك بسخرية ودعابة وتهكّم. كما حاول الكشف عن حياة مطويَّة تقريباً، فصوَّر الواقع بكاميرا بانوراميّة، مُلتقطاً صُوراً تكاد تكون فاضحة عن حقيقة حياة الريف، ولاسيّما وهو يدخل إلى أعمق أعماقه، لأنّه ليس طارئاً عليه أو غريباً عنه، بل هو من صلبه ومن مكوّناته.
وصدق الروائي الروسي مكسيم غوركي حين قال: "التاريخ لا يكتبه المؤرّخون، بل الفنّانون الذين يكتبون التاريخ الحقيقي للإنسان"، فقد كان "أبو گاطع – أبو جبران" هو مؤرِّخ الريف، حيث عكست رباعيّته حياة الفلاّحين والشيوخ والإقطاع والسراكيل والنساء والعشق والحبّ المحرَّم والظُّلم والقسوة، والعادات والتقاليد الاجتماعية وزيف بعض رجال الدّين وخداعهم. ولولا "أبو گاطع"، لضاع هذا الجزء المهمّ من تاريخ الدولة العراقية، وللدقّة لضاعت إحدى الرؤى التي يُمكنها مع رؤى أخرى تكوين صورة شاملة ومتعدّدة الألوان عن الريف العراقي.
ولأنّ ما كتبه "أبو گاطع" لا يزال راهنيّاً، بل يمثّل جزءاً من حياتنا اليوميّة، فإنّه لا يزال حاضراً بيننا، وأراه باستمرار في المعركة الدائرة في مجتمعاتنا ضدّ التعصّب والتطرّف والغلوّ والطائفية، وهي معركة الحداثة والحرّية وحقوق الإنسان والجمال والانفتاح واستعادة هَيبة الدولة الوطنية ووحدتها، في مواجهة استمرار التخلّف والقمع والإقصاء والقبح والانغلاق والفوضى والميليشيّات.
تلك هي معركة "أبو گاطع"، وهي معركة خارجية ضدّ الهَيمنة ومحاولات فرض الاستتباع والإرهاب بقدر ما هي معركة داخلية ضدّ قوى الظلام والاستبداد، إنّها معركة مع الآخر وفي الوقت نفسه هي معركة مع الذّات أيضاً، (النحن والأنا) لتطهيرها ممّا علق بها من أدران وترهّات وتشويهات. إنّها باختصار معركة الحقيقة والتقدّم، وبالطبع فهي معركة كلّ كاتب حرّ وصاحب فكر مُنفتِح.
"أبو گاطع" الذي رحل قبل أكثر من  ثلاثة عقود ونصف من الزمان، لا زال يعيش بيننا، نحدّثه ويحدّثنا، نستمع إلى قهقهاته وإلى أنّاته، ونتحسّس عمق جرحه وألمه من طرف ابتسامته الساخرة.



 


55
مسلمو ميانمار بين نارين
عبد الحسين شعبان

منذ 25 أغسطس /آب المنصرم (2017) ومسلمو ميانمار يتعرضون إلى حملة جديدة من العنف والتطهير والإجلاء، فبعد ساعات من إطلاق قوات ميانمار (بورما سابقاً) النار على مئات من الفارين من المعارك في ولاية أراكان، اعتقلت السلطات البنغالية نحو 70 لاجئاً من مسلمي الروهينجا، وعمدت إلى إعادتهم بالقوة إلى ميانمار، وقال أحد المسؤولين الإداريين إن بنغلادش تستضيف حالياً عدداً كبيراً من مسلمي الروهينجا (يقدر عددهم بنحو 400 ألف)، ولن تستقبل المزيد منهم. وكانت سلطات الحدود قد رفضت السماح لعدة آلاف، لاسيّما من النساء والأطفال اللاجئين، من العبور إلى أراضيها.
وكان اللاجئون قد روَوا قصصاً مروعة عما جرى لهم في ولاية أراكان، وكل ذلك كان يتم بعلم السلطات الحكومية التي لم تحرّك ساكناً، كما أنها لم تفرّق بين المدنيين والعسكريين، أو بين الأهالي العزّل ومن يحمل السلاح للدفاع عن نفسه، بل إن الجيش الميانماري قام برد فعل قاس جداً ضد تحرّك عسكري لمسلّحي الروهينجا وعلى نحو عشوائي.
وكانت بعثة من الأمم المتحدة برئاسة أمين عامها الأسبق كوفي أنان، قد أصدرت تقريراً تضمن عدداً من التوصيات، منها حث الحكومة على عدم إضاعة فرصة التنمية ودعت إلى وقف العنف الذي اندلع بين البوذيين والمسلمين، ومجابهة التعصّب والتطرّف والإرهاب كظواهر مستفحلة ومنذرة بأسوأ العواقب، كما خاطبتها بضرورة الاعتراف بالحقوق الإنسانية للمسلمين ومعاملتهم على قدر المساواة ووفقاً لمبادئ المواطنة.
وكانت الأمم المتحدة قد أكدت في وقت سابق أن 87 ألفاً من المسلمين قد فرّوا خلال عمليات تطهير نفذتها قوات ميانمار في أكتوبر/ تشرين الأول العام 2016، حيث أحرقت القوات الحكومية قرى بكاملها وجرّفت مزارع وهجّرت سكانها، الذين اضطرّوا إلى الفرار، لكن الكثير منهم لم يستطيعوا الوصول إلى بنغلادش. وقد استخدمت القوات الحكومية هذه المرّة قاذفات صواريخ، الأمر الذي أوقع خلال أيام قليلة أعداداً كبيرة من الضحايا.
وتواجه الحكومة الميانمارية تهماً عدّة، منها ارتكاب جرائم حرب من قتل وتشريد وحرق للقرى ومحاصرة السكان ومنعهم من أبسط حقوقهم الإنسانية، بل إن بعض الجرائم ترتقي إلى مصاف الجرائم ضد الإنسانية، لاسيّما استخدام مروحيات وآليات لإبادة المدنيين وقذفهم بالصواريخ، مثلما هناك اتهامات بقيام السلطات الميانمارية أو غضّها الطرف عن عمليات إبادة جماعية تعرّض لها المسلمون في ميانمار، وهو ما يحاسب عليه القانون الدولي.
لعل هذا الصراع الذي اتخذ طابعاً عنصرياً ودينياً لا يتعلق بانتهاكات فردية بحق أشخاص، بل إنه يشمل أكثر من مليون إنسان من مسلمي الروهينجا، الأمر الذي يعني، أن جرائم جماعية ترتكب وعلى نحو مبرمج ومنهجي وروتيني، وهو ما يقتضي من المجتمع الدولي التحرّك السريع لوقف هذه المجزرة المستمرة منذ أعوام، والتي قد يؤدي استمرارها إلى اندلاع موجة جديدة وخطرة من أعمال العنف والتعصّب والتطرّف والإرهاب، قد تمتد إلى العديد من البلدان المجاورة. وقد أعرب الفاتيكان والبابا شخصياً عن تضامنه مع المجموعة الثقافية المسلمة في ميانمار.
ويعود سبب المشكلة إلى أن السلطات الحاكمة لا تتعامل مع مسلمي الروهينجا المختلفين ثقافياً عن المجموعة الأكبر سكانياً من البوذيين، على قدر من المساواة واحترام الحقوق والحريات، أي بصفتهم مواطنين ولهم نفس الحقوق وعليهم ذات الواجبات، وإنما تعتبرهم وافدين أو مهاجرين غير مرغوب بهم، سواء باختلاف ثقافتهم ودينهم مع الثقافة والدين البوذي السائدين. وانطلاقاً من هذه النظرة العنصرية - الاستعلائية أيضاً، يستمر وضع المسلمين في ميانمار في التدهور، لا سيما عدم الاعتراف بالتعددية الثقافية والدينية وإنكار التنوّع الديني والسلالي واللغوي.
والغريب أن المجزرة التي تعرّض لها المسلمون تزامنت مع تقرير الأمين العام الأسبق كوفي أنان (23 أغسطس/ آب/ 2017) الذي سلّمه إلى الحكومة بشأن بعثة تقصي الحقائق في أعمال العنف ضد مسلمي الروهينجا. وفي حين تندلع مجزرة جديدة لا يزال الموقف الدولي يدور في إطار الإدانات أو المناشدات بتقديم المساعدات، على الرغم من الأوضاع الإنسانية القاسية، خصوصاً أنه خلال أسبوع واحد تم تهجير نحو 50 ألف مسلم.
وإذا كان على مجلس الأمن الدولي اتخاذ قرار حازم لوقف المجزرة والدعوة لمنح المسلمين حقوق المواطنة كاملة، بما فيها المساواة التامة والمشاركة والشراكة في وطنهم على أساس عادل وحقهم في تأدية طقوسهم وشعائرهم الدينية، فإن من واجبه أيضاً اتخاذ قرارات بموجب الفصل السابع الخاص بالعقوبات في حالة تمادي سلطات ميانمار بعدم الانصياع للقانون الدولي وصوت العقل والحكمة.
ومن واجب البلدان العربية والإسلامية وهي تزيد على 57 بلداً، ومنظمة التعاون الإسلامي تقديم الدعم والمساندة بجميع أشكالها، لكي يستطيع مسلمو الروهينجا الصمود أمام محاولة اقتلاعهم ورميهم خارج الحدود في ظروف قاسية، فذلك واجب إنساني هو «فرض عين وليس فرض كفاية»، كما يُقال.
drhussainshaban21@gmail.com



56
لمناسبة ذكرى رحيله
في حضرة "أبو گاطع" ورحاب الكلمة الحرّة
عبد الحسين شعبان
 أكاديمي وأديب عربي   

غادرنا شمران الياسري في 17 آب (أغسطس) العام 1981 في حادث سير لئيم، حين كان متوجهاً من براغ إلى بودابست لزيارة نجله الأكبر "جبران"، لكن ذكراه لم تغادرنا، وما هذا الاستذكار مثل استذكارات سنوية ومناسبات مختلفة أقمناها في المنافي البعيدة في براغ ولندن ولوند ودمشق وبرلين وكوبنهاغن وبيروت وغيرها، إلّا وقفة مراجعة تأملية لمنجز الرجل وإبداعه الروائي والإعلامي والنضالي، إذ ما زال الكثير من محبيّ شمران الياسري والعارفين بفضله يستعيدون ذكراه رغم مرور أكثر من ثلاثة عقود ونصف من الزمان خصوصاً وقد اكتسبت هذه الاستعادة نكهة خاصة حين أصبح الاحتفاء بأبو كَاطع في بغداد ممكناً. وصدق الشرف الرضي حين قال:
             ما أخطأتك النائبات/ إذا أصابت من تحبّ
   فقد كان "أبو گاطع" يحلم في بغداد التي أحبّها  حتى في مغتربه أو منفاه، لكن عينيه لم تتكحّلا بمرآها الجميل، فقد كان ذلك الذئب اللئيم حسب تعبير الجواهري الكبير يتربّص به، وكأنه ينتظره بعدما أفلت منه مرّات عديدة.
   وأبو گاطع هاشمي النسب وهو ابن السيد يوسف ، وسليل أسرة " آل ياسر" العربية المعروفة، وقد ولد في قرية محيرجة " الموفقية" في قضاء الحي بالكوت. وكان أحد رموز الأسرة من أبرز رجالات ثورة العشرين ضد الاحتلال البريطاني للعراق(1914-1918) وما بعده، وأعني به السيد نور الياسري.
I
   انشغل شمران يوسف الياسري والذي سيُعرف لاحقاً باسم برنامجه الإذاعي الشهير " أبو گاطع"، بهموم رسم الحرف وحياكة الكلمة وصياغة الفكرة، منذ أن بدأ مشواره الأول في العمل العام حيث انخرط في أواسط الخمسينات وبعد محاولات عديدة، باليسار العراقي، الذي كان آنذاك يمثّل أحلام وطموحات الثقافة والمثقفين بشكل خاص، وعموم الفقراء والكادحين، بشكل عام، لاسيّما في بحثه الحثيث عن قيم الحرّية والمساواة والعدل، التي ستصبح هاجساً لـ "أبو گاطع" يُغني إبداعه ويغذّي أفكاره نحو التغيير الذي كان يتطلّع إليه، خصوصاً وقد تلمّس معاناة فقراء الريف واستغلال الإقطاعيين لهم.
   وإذا كان برنامجه الإذاعي بعد ثورة 14 تموز (يوليو) العام 1958 قد ذاع صيته واشتهر لدرجة كبيرة، حيث أصبح الكثير من الناس يردّدون عنوان برنامجه " احجيه بصراحة يبو گاطع " فإنّه أصبح بمثابة مثل شعبي، حتى أنهم لا يعرفون مصدره، إلّا أنّه بفعل شيوعه أصبح أقرب إلى لازمة شعبية، دخلت العقل الجمعي.
   وكان عموده في صحيفة "طريق الشعب" في السبعينات أقرب إلى بارومتر يقيس فيه الناس درجة حرارة الجو السياسي، ليس من جانب المعارضة أو الممانعة، بل حتى من جانب الموالاة وأصحاب السلطة أيضاً، ولهذا كان الجميع يقرأ الجريدة بالمقلوب، أي من الصفحة الأخيرة، حيث عمود " أبو گاطع"،سواء اتفقوا معه أم اختلفوا، لأنهم كانوا يجدون فيه ما يفصح عن حقيقة الأوضاع السياسية.
   وكان عموده فرصة لاستنشاق هواء حر ونقي، مشفوعاً بالنقد اللاذع الممزوج بالسخرية، حتى وإنْ كانت سوداء، تلك التي يملّحها بمطارحاته مع "خلف الدواح" والمقصود " كَعود الفرحان" والذي ظنّ الكثير أنه شخصية وهمية، وكان ذلك الاعتقاد سائداً حتى لدى نخبة من رفاقه وأصدقائه حتى  نُشرت صورته في كتابي لأول مرّة قبل 20 عاماً، وكانت مفاجأة للجميع، حيث ظهر وكان يضع الشيماغ والعقال على رأسه وبملامح ذكاء حاد وذهن ثاقب.
II
   كنتُ كلّما مرّ الزمن أشعر بمسؤولية أكبر إزاء أبو كاطع كمبدع، بل وإزاء الصداقة التي ربطتنا، ناهيك عن مسؤولية توازيها، وهي التعريف به وبمكانته في تاريخ الثقافة العراقية، وكنتُ قد أدركت إن جيلاً بدأ يتكوّن في المنافي البعيدة والباردة وفي العراق أيضاً، وهو لا يعرف أبو گاطع، وتلمّستُ ذلك فعلياً حين كان توجّه إليّ أسئلة بعضها حائر بشأن "أبو گاطع"، وأعتقد أن هذا النقص في التعريف به وبفنه وروايته وأقصوصاته وإبداعه بشكل عام بما فيه عموده الصحفي الذي له طعم خاص،لا يزال قائماً على الرغم من تغيّر الظروف، ولذلك وجدت من الواجب إطلاع القارئ العراقي بشكل خاص والعربي بشكل عام على فن "أبو گاطع" وإبداعه ونضاله لمواجهة النسيان والجحود والتنكّر.
   وحين أقدّم للقارئ روائياً وصحافياً متميّزاً بسخريته المحبّبة وأسلوبه النقدي اللاذع ومحاكاته للجمهور، فإنني أقصد التعريف بالواقع العراقي ثقافة وأدباً وفكراً ضمن سلسلة لعدد من الشخصيات المتميّزة، وقد شملت الدراسة قبله الشاعر الكبير الجواهري في كتابين (1986 و1997) (الأول بعنوان الجواهري في العيون من أشعاره، والثاني الجواهري: جدل الشعر والحياة) وأعقبته بدراسة عن حسين جميل " جذور التيار الديمقراطي في العراق" 2007 ثم كتاب عن سعد صالح (جريو) الموسوم " الوسطية والفرصة الضائعة" (2009) وكتاب عن عامر عبدالله " النار ومرارة الأمل -فصل ساخن من فصول الحركة الشيوعية" 2013.
   وتشمل هذه السلسلة شخصيات مثل بدر شاكر السياب وغائب طعمة فرمان وهادي العلوي والسيد محمد حسين فضل الله والسيد باقر الصدر، وخالد علي الصالح وأديب الجادر وعبداللطيف الراوي ووميض نظمي وخير الدين حسيب وفهد (يوسف سلمان يوسف)وشاكر السماوي والملّا مصطفى البارزاني وروفائيل بطي وعلي الوردي وفرحان باقر وناهدة الرمّاح وأحمد الصافي النجفي وعبد الأمير الحصيري ومظفر النواب وكامل الجادرجي وسهيل قاشا وآرا خاجادور وغيرهم، إضافة إلى شخصيات أخرى من العديد من البلدان العربية.
   والهدف هو وضع بعض الشخصيات الوازنة في دائرة الضوء والإفساح في المجال لقراءتها جمالياً من خلال رؤى وخلفيات متنوّعة ومتعدّدة فنياً، فضلاً عن معرفة تفاصيل حياتها ومصادر ثقافتها، ناهيك عن آرائها وأفكارها بما فيها من هواجس ومخاوف وأحلام ونقاط ضعف إنسانية.
III
   ثمة أسئلة تواجه الباحث في أدب وفن أبو گاطع: تُرى من أين جاءت موهبته وكيف تم صقلها؟ وهو الذي لم يترك تاريخه الشخصي سانحة للدراسة، وخصوصاً في سنوات الخمسينات والستينات، حين انخرط في العمل السياسي واضطرّ للاختفاء في الريف. ثم كيف استطاع إنماء ملكاته وتطوير قدراته بحيث احتلّ هذه المكانة المتميّزة ملتحقاً بجيل الروّاد الذين سبقوه، ومنتقلاً من عالم الصحافة السريع والكثير الحركة، إلى فضاء الرواية  الذي يحتاج إلى التأمل والدقة والخيال؟ وهي أسئلة بحاجة إلى المزيد من الدراسات النقدية، التخصّصية لإملاء هذا الفراغ.
   لقد عرف العراق لوناً جديداً من ألوان الأدب الساخر مع "أبو گاطع"، الذي برز فيه بنتاجه المتنوّع، سواء حديثه الإذاعي الموجّه إلى الفلاحين أو أقصوصاته وحكاياته، حين نقل حديث المجالس والمضايف والديوانيّات، ليجعله مادة للكتابة الصحافية، التي اتّسمت بها مقالاته، بحيث أثّرت فيها شخصيات الريف النائي والمعزول، بيوميات المدينة وأحاديثها وهمومها والجديد فيها، وانتهاء برواياته وخاصة رباعيته أو رواية "قضية الحمزة الخلف".وهي جزء أول من رباعية لم تكتمل بسبب رحيله.
   وإذا كانت السّخرية تميّز أسلوب "أبو گاطع"، فثمّة أحزان كانت تغلّفها على نحو عميق. ربّما وجد "أبوگاطع" فيها بعض التخفيف عن قسوة حياتنا ومراراتها وإخفاقاتنا المتكرّرة، فلجأ إلى إضفاء مسحة من التندّر والضحك عليها، حتّى وإنْ كان ضحك أقرب إلى البكاء، كما هي حالنا وأوضاعنا. لقد أمطرتنا حكاياته وأقصوصاته بعناقيد لذيذة من السخرية الحزينة، لفتح شهيّتنا للنقد من أجل حياة أكثر يُسراً وأكبر قدرة على الاحتمال والمواءمة.
   وكما يقول المتنبي:
وَماذا بمِصْرَ مِنَ المُضْحِكاتِ      وَلَكِـنّهُ ضَحِـكٌ كــالبُـكَاء
   وهو ما دعا الشاعر نزار قبّاني في إحدى زياراته للعراق للقول:
مرحباً يا عراق، جئت أغنيك      وبعض من الغــناء بكاء
   لأنّه كان يدرك أن الحزن معتّق في العراق، وهو أصيل ومتجذّر، ويكاد يطبع كل شيء، فحتى فرح العراقيين وغنائهم ومناسبتهم المختلفة، كلّها مغلفة بالحزن الجميل ومُدافة بالحزن الجليل. 
   إنّ سخرية مثل سخرية "أبو گاطع"، وهو يتناول أعقد القضايا وأخطرها، لا بدّ أن تكون سخرية جادة ومسؤولة، بل هي موقف من الحياة والكون والتطوّر، وقد حاول شمران الياسري أن يواجه تعقيدات المجتمع وصراعاته ومشاكله وهمومه بنوع من السخرية، لأنّ هذه الأخيرة في نهاية المطاف تعبّر عن موقف مقابل لكل تلك الإشكاليات، وهو ما دعا كارل ماركس للقول: "إني أقف ممّا هو مضحك موقفاً جادّاً".
IV
   
   لقد كتب "أبو گاطع" تاريخ الريف العراقي، كجزء من تاريخ الدولة العراقية والمجتمع العراقي، فعالج ذلك بسخرية ودعابة وتهكّم، لدرجة أنّ روائي المدينة غائب طعمة فرمان يقول عن شخصياته "لقد وجدت نفسي أمام وضع دقيق لجوانب حيّة وشخصيات سمعت بحّة صوتها في أذني، كنت أمام ما نسمّيه موسوعة الريف، ولكنّ كاتبها أديب جعل كل شيء يدبّ حيّاً".
   وحاول "أبو گاطع" الكشف عن حياة مطوّية تقريباً، فقام بتصوير الواقع بكاميرا بانورامية، ملتقطاً صوراً تكاد تكون فاضحة عن حقيقة حياة الريف، لاسيّما وهو يدخل إلى أعمق أعماقه، لأنّه ليس طارئاً عليه أو غريباً عنه، بل هو من صلبه ومن مكوّناته، فقد كان يعرف تمام المعرفة البيئة التي يتحدّث عنها بجميع تفاصيلها وتعقيداتها وتناقضاتها، وهو لا يأتيها زائراً أو مشاهداً، بل راصداً لها وفاعلاً فيها، لذلك جاءت صوره حسيّة تلامس حياة الريف بكل إيجابياته وسلبياته.
   وأعتقد أن الروائي الروسي مكسيم غوركي كان على حق حين قال: "التاريخ لا يكتبه المؤرخون، بل الفنّانون الذين يكتبون التاريخ الحقيقي للإنسان"، فقد كان "أبوگاطع – أبو جبران" هو مؤرّخ الريف، حيث عكست رباعيته " الزناد، بلا بوش دنيا، غنم الشيوخ، فلوس حميّد" حياة الفلاّحين والشيوخ والإقطاع والسراكيل والنساء والعشق والحب المحّرم والظلم والقسوة، والعادات والتقاليد الاجتماعية وزيف بعض رجال الدين وخداعهم. ولولا "أبو گاطع"، لضاع هذا الجزء المهم من تاريخ الدولة العراقية، وللدقة لضاعت إحدى الرؤى لها، والتي يمكن مع رؤى أخرى تكوين صورة شاملة ومتعدّدة الألوان للريف العراقي.
   ولأنّ ما كتبه "أبو گاطع" لا يزال راهنياً، بل يمثّل جزءًا من حياتنا اليومية، فإنه لا يزال حاضراً بيننا، وأراه باستمرار في المعركة الدائرة في مجتمعاتنا ضدّ التعصّب والتطرّف والغلوّ والطائفية، وهي معركة الحداثة والحرّية وحقوق الإنسان والجمال والانفتاح واستعادة هيبة الدولة الوطنية ووحدتها، في مواجهة استمرار التخلّف والقمع والإقصاء والقبح والانغلاق والفوضى والميليشيات.
   تلك هي معركة "أبوگاطع"، وهي معركة خارجية ضد الهيمنة ومحاولات فرض الاستتباع والإرهاب بقدر ما هي معركة داخلية ضد قوى الظلام والاستبداد. إنّها معركة مع الآخر وفي الوقت نفسه هي معركة مع الذات أيضاً، (النحن والأنا) لتطهيرها مما علق بها من أدران وترهات وتشويهات. إنّها باختصار معركة الحقيقة والتقدّم، وبالطبع فهي معركة كل كاتب حرّ وصاحب فكر منفتح.
   إنّ استعادة الذكرى ليس تقليداً أو طقساً روتينياً بقدر ما هي مسؤولية ومساهمة في إحيائها وتخليد حياة "أبوگاطع" وفنّه، وهي دعوة للنّقاد في تناول أعماله الإبداعية، سواء الروائية أو حكاياته وأقصوصاته وبعض مقالاته الصحافية، والكتابة عنها وعن أسلوبه وسخريته وتهكّمه الممزوجين بالحزن، من خلال مقاربتها بدراسات مقارنة عربية وأجنبية، كما لا بدّ لنا من تشجيع طلبة كلية الآداب والإعلام والدراسات الإنسانية والثقافية عموماً، كتابة أطروحات أكاديمية عنه في الجامعات والمعاهد العراقية والعربية.
   وإذْ نعيد استذكار الراحل "أبوگاطع" سنوياً، فإننا سبق أن دعونا الجهات الرسمية وغير الرسمية، لا سيّما الثقافية والإعلامية، بما فيها اتحاد الأدباء والكتّاب العراقيين ونقابة الصحفيين العراقيين، إلى إطلاق اسم "أبوگاطع" على مؤسسة أو ساحة عامة أو حديقة أو قاعة، وتخصيص جائزة باسمه تقدّم للمبدعين من الشابات والشبّان، وإقامة تمثال في مكان عام أو في مدخل إحدى المؤسستين، يليق به وبفنّه وإبداعه وبالأدب والإعلام العراقي وبتاريخه النضالي، الذي قدّم له حياته.
   "أبو گاطع" الذي رحل قبل ثلاث عقود ونصف من الزمان، لا زال يعيش بيننا، نحدّثه ويحدّثنا، نستمع إلى قهقهاته وإلى أنّاته، ونتحسّس عمق جرحه وألمه من طرف ابتسامته الساخرة.

57
مهدي السعيد وسرّديته السسوثقافية
مقدمة لكتاب (الجذور) "سيرة ذاتية"
بقلم : عبد الحسين شعبان
إني أحدثك لترى     
فإن رأيت             
فلا حديث           
النفري             
          قلم السياسي مغمّساً بحبر الذاكرة
         حين كتب مهدي السعيد "سيرته الذاتية" التي بدأت من أزقة الكرخ القديمة كما يروي وصولاً إلى براغ ولندن ودمشق، لم يكن يدر في خلده، إنه سيدوّن بعفوية شيّقة جوانب مهمّة من تاريخ محلّة الدوريين بشكل خاص، والمحلّة البغدادية بشكل عام، بكل تناقضاتها الإيجابية والسلبية وعناصر القوة والضعف فيها. وذهب أكثر من ذلك في مشواره السردي حين رسم بريشته لوحة بانورامية للمشهد السسيوثقافي لمدن عاش فيها، مستعرضاً في الوقت نفسه علاقات واسعة وعميقة مع رفاق وأصدقاء جمعته معهم حياة كاملة بكل عنفوانها وبكل ما لها وما عليها، بحلوها ومرّها، بما فيها من معاناة وقلق وهموم وآمال وأحلام وانكسارات.
          وبعدسة فنان حاول مهدي السعيد أن يصوّر لنا عدداً من اللاعبين على خشبة المسرح وحركاتهم وسكناتهم بعيني مراقب دقيق، وفي أحيان كثيرة كان يقترب من المشاركة أو يكون جزءًا منها، لكنه لا ينسى المراقبة التي سرعان ما يعود إليها وكأنه لا يريد أن يفقد متعة المشاهدة، وحسب صموئيل بيكت "المتعة بالفِرجة"، خصوصاً وإن مسرحنا السياسي ازدحم في العقود الثلاثة الماضية بألوان شتى من اللاعبين، من هواة السيرك إلى محترفي الجمنازتيك مروراً بالسحرة والمشعوذين وقرّاء الكف وفتّاحي الفال وصولاً إلى أصحاب التعاويذ والحروز المتنّوعة، حتى إنك لا تستطيع أن تميّز أحياناً بين الشيء وضدّه، فقد اختلطت الوجوه والصور والمواقف.
           وحسبنا أن نردّد قول شاعرنا الجميل مظفّر النواب : "قتلتنا الردّه إن الواحد منّا يحمل في الداخل ضدّه"، خصوصاً حين إفتُقِدَتْ الصدقية التي كانت الرأسمال الإنساني الحقيقي سواء على الصعيد السياسي أو ببعديها الإجتماعي والثقافي، يوم كانت الأخطاء ذاتها صميمية، فالمرء يجتهد، وقد يخطأ وقد يصيب. وحسب قول الإمام الشافعي : "قولي صواب يحتمل الخطأ، وقول مخالفي خطأ يحتمل الصواب" والبشر وفقاً لفولتير "خطّاؤون"، ولا أحد يملك الحقيقة المطلقة فحيثما يميل تميل معه، لذلك اقتضى أن نأخذ بعضنا البعض بالتسامح.
         وحين تنهار المنظومة القيمية الإنسانية والأخلاقية أو تتصدّع أركانها، سواء بفعل عوامل خارجية أو داخلية، فإن صورة المجتمع تتشّوش بفعل الفوضى والعنف والزيف، خصوصاً حين تتداخل القضايا والمصالح. ولو تابعنا البرامج والسياسات والعلاقات الإجتماعية بغض النظر عن المواقع والمواقف، فسنرى الكثير من عناصر الشبه بينها، حتى إن المرء لا يستطيع أن يميّز أحياناً بين ذات الشمال وذات اليمين، لاسيّما حين أخذ بعضهم يستعير لسان الآخر وخطابه، حتى وإن كان متخماً بعكسه وأشبعنا بضدّه على مدى سنوات طوال. هكذا تضبّبت الصورة واختلط المشهد وتداخلت المواقع والأطروحات.
          كان مهدي السعيد وهو ابن البيئة الشعبية البغدادية الكرخية يقارب المشهد السياسي برؤية سسيوثقافية، ولم يرغب أن تفلت حادثة كبرى أو صغرى إلّا وحاول أن يمرّ عليها ولو سريعاً، كما توقّف عند بعضها وتعمّق في أخرى، لكن حبكته الدرامية ظلّت تنتقل معه وتتداخل مصادرها بين الإجتماعي والثقافي، وإنْ ظلّ السياسي والحزبي لاحقاً متميّزين في رؤيته على نحو بارز وشديد.
         ولكنه بالتدرّج أخذ يتّجه نحو أفق أوسع رحابة، منتقّلاً من العمل الحزبي "الضيّق" إلى العمل السياسي بمعناه "الواسع"، ومن هذا الأخير إلى العمل الإعلامي، خصوصاً باتساع معارفه وعلاقاته العربية بعد أن عمل في السفارة اليمنية في براغ وفيما بعد حين انتقاله إلى لندن، حيث توسّعت دائرة اهتماماته وعلاقاته العراقية، إضافة إلى الوسط الإعلامي العربي. وقد وفّر له ذلك فرصة إجراء مراجعات تاريخية، لاسيّما في سنوات ما بعد الإحتلال، لينتقل إلى التأمل وإعادة قراءة بعض الأحداث ونقدها بروح منفتحة وغير حزبوية.         
      جيل الستينات : جيل الأسئلة
       منذ أن علقَ مهدي السعيد بالسياسة، فتعلّق بأهدابها وركض وراء أحلامها الوردية حتى وإنْ كلفته منافي ومعاناة، لكنه واصل سيره في دروبها الفسيحة والوعرة في الآن، منتقلاً من  محطة إلى أخرى ومن مدينة إلى ثانية، حاملاً معه ذكريات متنوعة مختزناً أسراراً عديدة.   
       وكنت قد تعرّفت عليه وعلى أشقائه في العام 1960 وذلك من خلال صديقي العزيز جواد العادلي عن طريق صاحب المكوى "اسماعيل" الذي يرد ذكره في المذكرات، وهو من أقارب العادلي وكانت عائلته صديقة لعائلتنا وسكنوا بجوارنا لفترة من الزمن، وكان شقيق جواد العادلي "حمودي العادلي" وهو عضو في الحزب الشيوعي معتقلاً معنا، وقد تمّ تقديمه للمجلس العرفي العسكري، وحكم عليه لثلاث سنوات قضاها في سجن نقرة السلمان الصحراوي. وبعد إطلاق سراحنا وتسوية أمور فصلنا من المدرسة وقبولي في الجامعة، إلتقيت بهادي ومهدي وفيما بعد سعدي السعيد عدّة مرّات، حتى تعمّقت علاقاتنا خلال أحداث انشقاق الحزب الشيوعي في العام 1967 واستمرت خلال العقود المنصرمة.                                                                                                                                                                                                                                                         
       ولذلك حين طلب مني مهدي السعيد كتابة مقدمة لسيرته الذاتية، ركنت مشاعر الصداقة جانباً لكي أقرأ ما أعرفه ولا أعرفه عن صديق جمعتني به صداقة زادت على خمسة عقود ونصف من الزمان. ولا أذيع سراً إذا قلت إنني بقدر ما أعرف مهدي السعيد فقد استمتعت بما كتبه وبما لفت الإنتباه إليه وبما حاول إضاءته، فقد عاش الأحداث  بكل جوانحه منذ أواخرالخمسينات ومطالع الستينات من خلال معاينة ومعايشة ومشاركة، خصوصاً حين بدأ وعيه الأول يتشّكل مع السنوات الأولى من ثورة 14 تموز (يوليو) العام 1958  ليتوقف عند محطتة الراهنة، وهو بعد نحو نصف قرن من التعب والكدّ والإنشغال، يراجع بروح إيجابية مسيرته التي لا تخلو من مرارة وخيبة، بل إنه يراجع مسيرة جيلنا أيضاً، خصوصاً لماعاناه.
             وحين أتحدّث عن جيلنا فهو جيل الستينات الذي أفلح الشاعر والروائي فاضل العزّاوي في كتابه "جيل الستينات - الروح الحيّة" في تسليط الضوء على معاناته الفائقة وإرهاصاته الباهرة، سواء على الصعيد السياسي والثقافي أو على الصعيد الإجتماعي لا سيّما التطلّع إلى الحداثة والإنفتاح على المدارس المختلفة في الأدب والفن والعمارة بكل صنوفها وألوانها، خصوصاً بعد هزّة العام 1963 الإرتدادية، التي أحدثت صدمة كبرى في الحركة الفكرية والثقافية والسياسية في العراق. وكان هذا الجيل قد اجترح عذابات لا حدود لها على صعيد الفكر والهوّية والعلاقة بالآخر والتنوّع والتعدّدية، وبالطبع في قضايا الحريات العامة والخاصة، ولاسيّما حرّية التعبير والإعتقاد والتنظيم والحق في المشاركة.
           ويختلف جيل الستينات الذي عاش فترة انتقال حادّة وأوضاع تغيير على صعيد عالمي، عن جيل الأربعينات والخمسينات، حيث سادت اليقينيات الآيديولوجية والتقسيمات الإستاتيكية "شبه الثابتة" في تقويم طبيعة الصراع، ناهيك عن الإنخراط فيه، كما إنه يتميّز عن جيل السبعينات والثمانينات الذي بدأ معه صراع من نوع آخر وكان المشهد قد اكتمل، فجيل الستينات هو جيل الأسئلة الكبرى، حيث لم تعد تكفيه الإجابات الجاهزة، واليقينيات السرمدية والحتميات التاريخية، فقد أخذت الأسئلة تتكدّس، وكان الجواب لا يجد سبيلاً للإقناع، وهكذا كانت الإرهاصات تكبر وتغتني بالمعارف والعلوم والتكنولوجيا، الأمر الذي احتاج إلى نوع جديد من الجدل على مستوى الداخل الجوّاني، إضافة إلى الخارج الفوقاني.
         لم يتحدث مهدي السعيد عن جيل الستينات بشكل عام، بل اختار "حلقة" محدّدة منه طابعها العام متمرّد وبأشكال متنوّعة وامتازت بنوع من التضامن والتواصل والمودّة، على الرغم من العواصف والمتغيّرات والصراعات (الداخلية والخارجية) التي كانت سائدة فضلاً عن اختلاف المواقع والمواقف والمآلات لاحقاً، وهو ما قد أعود إليه في وقت آخر.
        ويذكر مهدي السعيد بالأسماء عدداً من أفراد تلك "الحلقة" اليسارية التي عملت بثقة وظلّت متماسكة في كل الظروف أصابت أم أخطأت.
        بصمة مملّحة
       جاءت سيرة مهدي السعيد مزيجاً من ذكريات ومذكرات واستعارات ومراجعات وتجارب وخبر منها ماهو ناجح ومنها ماهو فاشل، وبقدر ما حاولت تقديم عرض جاد لتجربة ذاتية وسياسية بامتياز، فإنها في الوقت نفسه حفلت بطرائف وحكايات ومصادفات ممتعة حاول الكاتب تمليح نصّه لكي لا يأتي ثقيلاً، وقد وضعها بأسلوب مبسّط ويكاد يكون عفوياً، ولعلّها تعكس جوانب من شخصيته المرحة رغم جديّتها.
        السيرة الذاتية لمهدي السعيد تضمّنت بوحاً في جزء غير قليل منها وكشفاً لواقع سسيوثقافي، حاول أن يعطيه بصمته الخاصة، خصوصأً باستعراض لا يخلو من دهشة الكاتب ذاته الذي اختزن هذا الكمّ الهائل من الصور والمشاهد والأحداث والمفارقات في ذاكرته، وقد يكون مفيداً قراءة هذه المذكرات كحلقة متصلة ومتكاملة، بل ومتراصة على الرغم من المراحل التي وضعها.
        محلّة الدوريين
        تحدّث مهدي السعيد عن طفولته وعائلته،  وفي الوقت نفسه فإنه غاص في الكلام عن محلّة الدوريين، منبع صباه ومسقط رأسه، حيث تناول دراسته وصداقاته، حتى وصل إلى تشكّل وعيه، ثم انخراطه بالعمل السياسي، وفي أواسط الستينات نشط في إطار الحزب الشيوعي ثم أصبح عضواً فيه، وعمل في اتحاد الطلبة وانتخب في المؤتمر الرابع المنعقد في "جديدة الشط" في منطقة "الراشدية" في  28  كانون الأول (ديسمبر) 1968 عضواً في لجنته التنفيذية، وكان شقيقه سعدي السعيد عضواً في سكرتارية اتحاد الطلبة منذ أواخر العام 1967، حيث تمّ تجديد انتخابه في الكونفرنس الرابع الذي التأم في جزيرة "أم الخنازير" ببغداد في 10 تشرين الأول / أكتوبر 1969. وحسب معرفتي المتواضعة فقد لعب كل من مهدي وسعدي السعيد دوراً مهماً في مواجهة حركة الإنشقاق الكبرى التي قادها عزيز الحاج في (17 أيلول /سبتمبر/ 1967) ولاسيّما في نطاق طلبة الثانويات، واستطاعا أن يشكّلا ركائز مهمة وأساسية.
         وتقرّر أن يمنح الحزب زمالة دراسية لمهدي السعيد الذي كان قد تخرّج من الثانوية ولم يجد فرصة للدراسة في بغداد، وحاول الدراسة في دمشق، لكنه عاد بسبب التكاليف الباهظة، وهكذا غادر هو ومحمد الأسدي إلى براغ في العام 1969 الذي مُنح هو الآخر زمالة دراسية، وحينها انتخب في قيادة الإتحاد في المؤتمر الرابع أيضاً، وواصل مهدي السعيد نشاطه في براغ فأصبح عضواً في لجنة التنسيق الطلابية (لقيادة تنظيمات الخارج) في أواسط السبعينات، ثم عضواً في لجنة تشيكوسلوفاكيا للحزب، وعاد إلى العراق ليخدم العلم، واضطّر إلى الهجرة مرّة أخرى بسبب تردّي الأوضاع السياسية، وانهيار صرح الجبهة الوطنية بين البعثيين والشيوعيين، لاسيّما اشتداد حملة المطاردة ضد الحزب الشيوعي وأعضائه ومؤيديه.
         وفي عودته الثانية إلى براغ أكمل الدكتوراه وعمل لمدة 10 سنوات مترجماً في السفارة اليمنية، ثم اضطّر إلى اللجوء للعاصمة البريطانية "لندن" بعد انهيار النظام في تشيكوسلوفاكيا واندماج اليمن الجنوبية بالشمالية وتحقق الوحدة اليمنية، وكان وقتها يحمل جواز سفر يمني جنوبي، ولم يكن مؤكداً تجديد عقد العمل معه، لذلك اختار اللجوء.
        وفي لندن واصل عمله السياسي، وهذه المرّة من خلال المعارضة العراقية التي عمل في إعلامها وحضر عدداً من مؤتمراتها، كما كتب في صحف وإذاعات عربية كجريدة "الحياة" وإذاعة "كل العرب"، واتّسعت دائرة علاقاته، وأخذ ينظر إلى الماضي برؤية نقدية أكثر من قبل، حيث قرّر أن يستقل في نشاطه السياسي والثقافي.
        ولأنه اتخذ موقفاً خلال اجتماعات واشنطن للمعارضة العراقية كما يقول، حيث كانت توضع اللمسات ماقبل الأخيرة لغزو العراق، فقد استبعد من المشاركة لاحقاً في التشكيلات الحكومية والإعلامية، ويعدّد بمرارة إن جميع من كانوا معه حصلوا على مناصب عليا، وهو الوحيد الذي تمّ استثناؤه كما يذكر، ولكنه غير نادم على ذلك، فقد تكشّفت أمامه الكثير من الحقائق ما بعد الإحتلال، ولم يكن يرتضي قبول الكثير منها، وهو سعيد بما اتخذه من موقف يسرده في هذه المذكرات، من خلال نقد ذاتي وهو ماعبّر عنه أمامي أكثر من مرّة.

         الطفولة - الينبوع - المستقبل
         ويتناول في محطات الطفولة الأولى، انتقال والده ووالدته من الناصرية حيث ينحدر من عشيرة آل إزيرج العربية، ليستقرّا في بغداد وفي محلة الدوريين، وكيف التحق والده الفلاح البسيط كما يقول بخدمة العلم العام 1948 حيث أرسل إلى فلسطين، وكانت العائلة  قد استبشرت قبل ذلك بولادة الصبي الذي أسماه "مهدي" تيمّناً بالمهدي المنتظر "صاحب الزمان"، وهو ثالث أخوته بعد كاظم وهادي، ويأتي رابعهم سعدي الذي سيرافق مهدي في مسيرة الشقاء والشيوعية والمنافي، وكان سعدي قد غيّر اسمه إلى "عادل" بعد اعتقالات وملاحقات، وبذلك تمكّن رسمياً من الحصول على جواز سفر، لمغادرة العراق للدراسة أولاً، ثم عاد إلى العراق، وحين اشتدت حملة ملاحقة الشيوعيين اضطر للسفر إلى بيروت ومنها إلى دمشق، حيث عمل في وكالة الأنباء الفلسطينية "وفا" وفيما بعد هاجر إلى باريس للإستقرار.
         يتحدّث مهدي السعيد عن محلّة الدوريين الينبوع المتدفق بالجديد، ولا سيّما سوقها الشهير المعروف "سوق عيسى" وكيف كان الناس بعد ثورة 14 تموز(يوليو) 1958، متعايشين ومتضامنين، لكن ما حدث من شرخ سياسي أدى لإنقسامهم إلى قسمين، وكانت السياسة قد لعبت بالرؤوس كما يقال، فالقسم الأول وقع تحت تأثير الحزب الشيوعي، في حين وقع القسم الثاني تحت نفوذ القوميين، وخصوصاً من حزب الإستقلال ومن ثم حزب البعث، وكان مثل هذا التصنيف امتداداً لنفوذ الأحزاب قبل الثورة، لكنه اتّخذ طابعاً عدائياً وتناحرياً بعدها، حيث اشتّدت الخصومات والعداوات والبغضاء.
         ولم يكتفِ مهدي السعيد "أبو ثبات" كما كنّا نكنّيه أو الرفيق "صائب" أو "أبو أسيل" لاحقاً بتصوير الأجواء السياسية المحتدمة، بل سرد علينا حكايات وقصصاً ممتعة وفي الوقت نفسه لها دلالات ينبغي أن تقرأ في سياقها التاريخي عن الوضع الإجتماعي والإقتصادي والثقافي والتعليمي والصحي لسكان محلّة الدوريين.
         ولم ينس أن يتعرّض للإنتماءات العرقية والتنوّع والتعدّدية التي عرفتها، فهناك العوائل المسيحية و الصابئية  (المندائية)، وهناك عرب من غرب العراق من أصول سنّية، مثلما هناك العرب الشيعة، وهؤلاء غالبيتهم من وسط وجنوب العراق إضافة إلى وجود مجموعة من العوائل الكردية، وهو بذلك حاول أن ينقل لنا حالة التعايش والتسامح والتضامن التي كانت الكثير من مناطق ومحلّات بغداد تعيشها بطريقة عفوية وتلقائية ودون أية حساسيات، مثلما كانت محافظات أخرى تعيش ذلك مثل الموصل والبصرة وكركوك وديالى والحلة وغيرها، وهي مناطق توتر وعنف وتطهير عرقي وطائفي، إضافة إلى محافظات إقليم كردستان مثل إربيل والسليمانية ودهوك.
        الشقاوات
         ينتقل السعيد بعد ذلك ليحدثنا عن صنف إجتماعي آخر، ألا وهو "الشقاوات" وهم صنف يمتاز بقيم ومفاهيم خاصة عن النخوة والشهامة والدفاع عن المظلوم، وفي الوقت نفسه يلتجأ إلى أخذ "الأتاوات" أحياناً واستخدام العنف ومحاولات الإستقواء على الآخرين لفرض الهيمنة عليهم. ويشير إلى أنّ مُثل الشجاعة والتصدي للغرباء والدفاع عن أبناء المحلّة كانت تستهوي الشباب تشبّهاً أحياناً ببعض الشقاوات، ويقول أنه "وفي إحدى مراحل النمو كدتُ أفقد بوصلة التطور الإيجابي وأتحوّل إلى صنف الشباب الذي يمارس الشقاوة"، ولكن تربيته العائلية والمحيط الإجتماعي هو الذي جعله يختار طريق التعليم والسياسة لاحقاً، وإلّا كما يقول كنت : "مقتولاً أو قابعاً في السجون".
          والشقاوات التي يتحدث عنهم مهدي السعيد وإنْ كانوا يحترمون المثقفين والأدباء، فهم انقسموا أيضاً بانقسام الشارع السياسي، فمال قسم منهم إلى القوميين والبعثيين، بل أصبح بعضهم من الجهاز الصدامي المعروف باسم "جهاز حنين" الذي أشرف عليه صدام حسين نفسه، ومن أبرز أعضائه كان "جبار كردي" و "ستار كردي"، وكان آخر عمل قاما به هو إطلاق النار على تظاهرة احتفالية شيوعية بمناسبة ثورة أكتوبر (1968) في ساحة السباع ببغداد، حيث استشهد فيها 3 أشخاص وجرح 12 شخصاً، أما القسم الثاني فمال إلى الشيوعيين ومن أبرزهم "خليل أبو الهوب" الذي قُتل في العام 1959 في مقهى بشارع النصر ببغداد، ومساعده فاضل طويرني الذي لجأ إلى ألمانيا الديمقراطية، وفيما بعد إلى براغ وعاد إلى بغداد في أواسط السبعينات.
          وتعتبر ظاهرة الشقاوات قديمة وتعود إلى العهد العثماني، ومن أبرز الشقاوات "أحمد قرداش"، واشتهر عدد من الشقاوات في مطلع القرن العشرين مثل "إبن عبد كه" الذي ذاع صيته و"موسى أبو طبرة" و"جواد الأجلّك"، وقد تناول سِيَرِهمْ عالم الإجتماع المبدع علي الوردي، وخلال اندلاع ثورة العشرين، انضم إليها بعض الشقاوات وأبلوا فيها بلاءً حسناً مثل "عبدالمجيد كنّه" وهو عمّ الوزير خليل كنّه، وقد ساهم في مقاومة الإنكليز، إضافة إلى تكليفه بمهمات أخرى.
         وحسب حسن العلوي فإن نوري السعيد هو الآخر كان قد اعتمد على الشقاوات في الإنتخابات وفي إيذاء الشيوعيين المناهضين للنظام الملكي، وكانت مكافأة لهم السماح بالإستيلاء على أحد الكراجات والإستحواذ على مردودها. وإذا كان النظام البعثي قد استفاد من الشقاوات فإنه قام بتصفيتهم لاحقاً، ولم يسمح بنمو ظاهرة العنف خارج نطاق الدولة التي تعزّز توجهها الشمولي الكلّاني منذ اليوم الأول.
           طرائف ومفارقات
           يستذكر السعيد بشغف مرور سيارة الملك فيصل الثاني والأمير عبدالإله  خلال ذهابهما أسبوعياً وفي يوم الجمعة إلى المقبرة الملكية، وكيف كان يصطف الجميع على جانبي الطريق ليقوم الملك الشاب بالتلويح لهم. جدير بالذكر إن الملك فيصل الثاني والأمير عبدالإله قتلا يوم 14 تموز /يوليو/ العام 1958 وتمّ التمثيل بجثة الأخير وسحله في الشوارع  فيما بعد، وكانت جثته قد تمّ تعليقها لتتدلّى من سطح أحد فنادق الكرخ، حيث اجتمع الناس ليشاهدوها وترتفع حماستهم لرميها بالأحذية. وكان مهدي السعيد قد شاهد هذا الحادث، مثلما شاهده كاتب السطور وسبق أن كتب عنه لما تركه من تأثير سلبي عليه.
         ويستحضرمهدي السعيد حادثة طريفة، وهي كيف إن الجاموس القادم من "جسر الخرّ" والعائد إلى معدان محلّة الذهب، الواقعة على مشارف شارع الشيخ معروف، كان قد عطّل الموكب الملكي، وأحدث نوعاً من الارتباك والخوف، خصوصاً في ظلّ الأوضاع السياسية غير المستقرّة، ولم تفلح سيارات المرافقين وهي تهدر "بالهورنات" (الزمّورات) العالية لانفراج الموقف، حيث كان الجاموس على ما يبدو "يتبختر" بتمهّل وهو يمرّ من أمام سيارة الملك الشاب.
              وفي موقف آخر عطّل "مهدي خبالو" مرور سيارة الملك فيصل الثاني، حين حاول قطع خط سير الموكب الملكي دون أن يلتفت لأحد، وكان قد واصل عبوره للشارع ببطيء شديد مع ابتسامة عريضة، واضّطرت حينها سيارة الملك إلى التّوقف ريثما اجتاز "مهدي خبالو" الشارع باتجاه الرصيف، ولم يكن مثل هذا المشهد يمرّ دون ارتباك واستنفار من جانب الشرطة تحسّباً لما قد يحدث.
           ثم يعود ليخبرنا من هو "مهدي خبالو"؟ فيقول إنه : معلم وصاحب معشر ومزاج طيب وعلاقات اجتماعية حسنة، ولكن بعض تصرّفاته الغريبة جعلت بعض أصدقائه يتمازحون معه فيلقبونه باسم "مهدي خبالو"، علماً بأن توجّهه السياسي كان قريباً من القوميين العرب، وهو صديق لكاظم شقيق مهدي السعيد الذي كان طالباً متفوقاً في الإعدادية المركزية التي كان لها شأن كبير في الخمسينات، خصوصاً وكانت تحظى باهتمام المسؤولين وكان من منتسبيها أبناء الطبقات العليا والمتوسطة، إضافة إلى المتفوقين في الدراسة، ولعبت دوراً سياسياً معارضاً للنظام الملكي، خصوصاً في انتفاضة العام 1956 انتصاراً للشقيقة مصر وضد العدوان الثلاثي الأنكلو - فرنسي الإسرائيلي.
          ويتحدّث عن بعض المحلات الشعبية القريبة من محلّة الدوريين مثل محلّة الذهب التي كانت تضمّ بعض بيوت الدعارة، ولا ينسى أن يروي لنا تفاصيل المجزرة التي تعرضّ لها المومسات في إحدى الصباحات حين فاق الناس ليشاهدوا كيف تمّ ذبحهن، وقد قام هو بفضوله ودهشته الطفولية بمشاهدة سبع جثث مقطوعة الرؤوس ملقاة على الأرض وبقع الدماء تحيط بها من كل جانب، حيث هرع مع أطفال المحلّة بعد ذيوع الخبر.
         وفي غمرة ذلك يحدثنا السعيد عن الفرق الرياضية الشعبية وكيف لمع نجم اللاعب الشهير "ناصر جيكو" في الخمسينات ومحمد راضي في الستينات وغيرهم.
         وفي المذكرات يتناول مظهراً آخر يلتجأ إليه بعض العاطلين عن العمل، والهدف الحصول على ربح سريع ودون بذل جهد، ألّا وهو لعبة "السي ورق" المشهورة التي يستدرج إليها السذّج والمغفلين.
         وبعد ذلك يصوّر لنا ساحة المتحف التي تعجّ بالمسافرين والمارّة، وهناك ألعاب السحرة والقردة ومربي الأفاعي والعقارب، والحلاقين الذين يفترشون الرصيف، وكانت أخته الكبرى شريفة تصطحبه معها باستمرار لحلاقة شعر رأسه في الساحة وعلى الطريقة الشعبية.
         ويستذكر مهدي السعيد بعض المشاهد التي ستبقى عالقة في ذاكرته، منها : منطقة اسمها "جولة أم عليوي"، وهي كما يقول كانت مسرحاً لطفولته، وفيها عدداً من بيوت الأغنياء بينهم "أمين خاكي" أحد أبرز القادة العسكريين، وهو عراقي من أصول تركية، وهكذا كانت تتجاور الأصول الاجتماعية في المحلّات البغدادية. وتضمّ المحلّة أيضاً الكتاتيب ومن أشهر الملّايات "الملّه قادرية" التي تعلّم على يدها مبادىء القراءة وحفظ بعض صور من القرآن قبل ذهابه إلى المدرسة.
         وبالقرب من المنطقة كانت دار الإذاعة في الصالحية حيث كان مهدي السعيد طفلاً يقتنص النظر إلى بعض المطربين مثل حضيري أبو عزيز وداخل حسن وناصر حكيم وعبد الصاحب شرّاد، وبعد العام 1958 يقول كنّا نرى مصطفى جواد وشمران الياسري (أبو كاطع) وغيرهما يترددون على دار الإذاعة. أما عزيز علي المطرب المعروف فقد كان يتحاشى الجلوس في المقهى كما يقول.
         شيوعيو محلّة الدوريين
         ويمضي مهدي السعيد في سرديته ليتناول عمل الحزب الشيوعي في محلّة الدوريين والمحلات المجاورة، وكيف كان عبدالأمير عباس "أبو شلّال" يستخدم "الدراجة الهوائية" في حركته وتنقلاته. وكان قد أصبح في وقت لاحق عضواً مرشحاً للجنة المركزية، وحين انفرط عقد الجبهة بقي أبو شلّال في العراق وعاش في ظروف بالغة القسوة.
         وقد حدثني سعد البزّاز حين انتقل إلى لندن وأصدر بعد حين "جريدة الزمان"، أن كتاباً جاءه من رئاسة الجمهورية يطلب منه الاتصال بعدد من الشخصيات والطلب منها الإدلاء بتصريح ضد "العدوان الثلاثيني" العام 1991، أي بعد غزو القوات العراقية للكويت العام 1990 وانسحابها إثر حرب قوات التحالف ضدّ العراق، التي بدأت 17 كانون الثاني (يناير) العام 1991 وانتهت في 26 شباط (فبراير) من العام ذاته.
         وحسبما نقل لي البزّاز فقد أرسل أحد الصحفيين ومعه مصوّر (وكان البزّاز حينها رئيساً لتحرير صحيفة الجمهورية) واستدلّ الصحافي والمصوّر على البيت، لأن عنوانه كان قد جاء من ديوان الرئاسة، ووصلوا إليه وفوجئوا برجل مهاب وكبير السن ويبدو على مظهره أنه خارج دائرة السياسيين المعروفين، وحين طلبوا منه الإدلاء بتصريح، اعتذر معلّلاً ذلك بأنه لا يفقه بمثل هذه الأمور، وعليهم أخذ آراء الخبراء والمختصين وأساتذة الجامعة في حين إنه صاحب دكان صغير يبيع فيه بعض احتياجات العمل اليومي المنزلي. فواجهوه بأنه سياسي وقيادي في الحزب الشيوعي، فقال لهم "كان زمان" وإنه نسي كل شيء.
        وهكذا تملّص أبو شلّال الذي لفّ رأسه باليشماغ من الظهور أمام الشاشة أو عدسة المصوّر كي لا يفسّر الأمر بأنه تنازل أو ما شابه ذلك مع إنه قال لهم أثناء الحديث إن الناس جميعاً ضدّ العدوان الثلاثيني. وهنا بدأت حيرة البزّاز، فماذا سيكتب للرئاسة ؟ هل سيقول إنه رفض. أو امتنع أو اعتذر ؟ والتفسيرات والتأويلات ستكون غير مقبولة وستجلب معها مشكلات للرجل، وببراعته كتب ما معناه : إن الرجل بلغ من العمر عتيّا، وهو منشغل بقوته اليومي، فضلاً عن ذلك، فهو بسيط ولا يمكنه التعبير، كما أن وضعه الصحي بائساً. وبذلك كان أبو شلّال  بمنأى عن استجواب أو إعادة استذكار أو تبعات أخرى.
           كما يحدثنا مهدي السعيد عن فتح محل لكيّ الملابس، ويبدو إن المحل كان محطة حزبية استخدمها حسن عوينه القيادي في الحزب الشيوعي وعضو لجنة الارتباط، وقد قتل تحت التعذيب بعد انقلاب 8 شباط (فبراير) العام 1963 في قصر النهاية، وأذيع خبر استشهاده مع سلام عادل ومحمد حسين أبو العيس يوم 7 آذار (فبراير) 1963. ويقول مهدي السعيد إنه تعرّف على حسن عوينه بعد نشر صوره في وقت لاحق.
         ويذكر أيضاً أن الطبيب الشيوعي فاروق برتو افتتح عيادة له، وهو شقيق بشرى برتو وهي قيادية أيضاً في الحزب الشيوعي، وزوجة  رحيم عجينة القيادي في الحزب أيضاً، حيث كان قد خصّص أحد أيام الأسبوع مجاناً لعلاج المراجعين، ولاسيّما من الفقراء وضعيفي الحال، ويقول جرت محاولات لدهم عيادته من جانب شرطة التحقيقات الجنائية لأن صيته كان قد ذاع وعرف الناس إنه ينتمي إلى الحزب الشيوعي، ولذلك انبروا للدفاع عنه تلقائياً.
         ومن الشخصيات التي يتناولها أيضاً عطشان ضيول (الإيزرجاوي) الذي كان مسؤولاً في الخط العسكري للحزب الشيوعي، وقد سكن مع والدته بعد انتقاله من الناصرية في محلّة الدوريين، وإنه أصبح بعد ثورة 14 تموز (يوليو) مساعداً لآمر المقاومة الشعبية طه البامرني، وكان من دعاة الإستيلاء على السلطة أيام حكم عبد الكريم قاسم، ويقول أن ثابت حبيب العاني وعامر عبدالله وآخرين كانوا ضدّ هذا التوجه، وقد فتح هذا الموضوع مع العاني في لندن مستذكراً الإيزرجاوي، كما سأل عنه آرا خاجادور في براغ.
         ويروي السعيد نقلاً عن آرا خاجادور إن اللجنة المركزية حينها أبعدت سلام عادل إلى موسكو الذي كان يميل إلى استلام السلطة وإزاحة عبدالكريم قاسم، ويقول إن ذلك كان جزء من الصراع حول السلطة بين تيارين : الأول ممثلاً بمجموعة الأربعة : زكي خيري، عامر عبدالله، بهاء الدين نوري ومحمد حسين أبو العيس وإن كان الأخير أقرب إلى سلام عادل، لكنه احتسب على الجماعة المتكتلة حتى وإن لم يتفق معها فكرياً (وقد استشهد تحت التعذيب بعد انقلاب 8 شباط/فبراير/ 1963)  و كان هؤلاء ضد توجّه سلام عادل وجمال الحيدري وعطشان ضيول، والأخيرأبعد إلى موسكو ومنعه ال KGB من الإتصال بالآخرين، ويروي قصته الدرامية حيث توفي في ألمانيا.
      ثورة 14 تموز
           يتحدث مهدي السعيد عن يوم ثورة 14 تموز وشعوره عند هدم تمثال الجنرال مود الذي قال حين احتل بغداد "جئنا محرّرين لا فاتحين"، ويذكر كيف هرب نوري السعيد ولجأ إلى بيت الإستربادي في الكاظمية، وكيف دخل هو ووالدته إلى بيت نوري السعيد. ثم يتناول كيف أسّس الشيوعيون التنظيمات سريعاً مثل الشبيبة الديمقراطية والمقاومة الشعبية.
          ويستعيد مهدي السعيد أيام تموز والمهرجانات، وكيف صافح عبدالكريم قاسم وكذلك الملّا مصطفى البارزاني، ولكنه يتناول بمرارة الإنقسام الشعبي، ولاسيّما بين الشيوعيين والقوميين، خصوصاً بعد حركة الشواف ومحاولة اغتيال عبد الكريم قاسم في منطقة "رأس القرية" بشارع الرشيد، وكان من بين من شاركوا بها صدام حسين، وينشّط ذاكرته بحديثه مع د.تحسين معلّه، خصوصاً عن قضايا التعذيب في قصر النهاية.
        ومن مظاهر اشتداد حالة الإحتقان الشعبي اغتيال الشيوعيين أحد الأشخاص وسحله في مدينة الكاظمية، وقد اتهم بها منذر أبو العيس الذي صدر الحكم بإعدامه، وقد تمّ تنفيذه بعد انقلاب 8 شباط (فبراير) العام 1963. ويشير إلى أن محلّة الدوريين كانت تعجّ بالخلافات. ويتوقف عند انقلاب البعثيين الأول الذي أطاح بحكم الزعيم عبد الكريم قاسم وطارد الشيوعيين واعتقل الآلاف منهم وكيف جرت محاولة لإعتقال أخيه كاظم.
       
        أول مهمة حزبية
        وعن أول مهمة حزبية له كانت عشية حركة حسن سريع في 3 تموز (يوليو) العام 1963، وهو نائب عريف حاول قيادة انتفاضة مسلحة ضد حكم البعث الأول، لكنها فشلت واعتقل المشاركون فيها وحوكموا وأعدموا.
        أما المهمة التي كلّف بها فهي كتابة بيانات بخط اليد على ورق الكاربون، وكان المسؤول عن المجموعة حسبما يقول "محمد كريم" الذي أعدم في حركة حسن سريع، لينتقل بعدها إلى عمل حزبي منظّم، وخصوصاً بعد انشقاق القيادة المركزية ويستعيد العلاقات في تلك الفترة، ويستذكر عدد من المسؤولين بينهم كاظم حبيب، وكيف ساهم عدد من الرفاق في إعادة التنظيم منهم: حسن أسد الشمري وصلاح زنكنة وحميد برتو ولؤي أبو التمّن وسعد الطائي وطه صفوك وكاتب السطور وآخرين، ويقول إنه تم تشكيل فرقة حزبية صدامية ويروي حادثة مقتل سامي مهدي الهاشمي في كلية الإقتصاد والعلوم السياسية. وكنت قد رويت في أكثر من مناسبة موضوع تصدّع علاقتي بالحزب بسبب هذه الحادثة وحوادث أخرى حدثت في كردستان لتعذيب شيوعيين على يد رفاقهم.
         ويستعرض السعيد خلال هذه الفترة عدداً من الأحداث العامة والخاصة منها اعتقال شقيقه سعدي (المرة الأولى حين كان لا يزال في بغداد، ثم يذكر اعتقاله لمرّة ثانية حين غادر هو بغداد) وسفره بعد حصوله على زمالة دراسية، ليصل إلى محطته الجديدة "براغ".
         يقول عن براغ أنها مدينة الأحلام، لكن أحلامه كادت أن تطير لأن زمالته مُنحت إلى شخص آخر، وكان عليه الإنتظار لبضعة أشهر، وحصل الأمر كذلك مع رفيقه محمد الأسدي ريثما يتم قبولها بعد بضعة أشهر، ويتحدث عن معاناته خلال تلك الفترة وعلاقاته مع الطلبة مثل حسون الربيعي وعلاء صبيح وسلمان الحسن وفؤاد زلزلة، وعن مقهى سلافيا والعلاقة مع الملحقية الثقافية، ولاسيّما مع عبد الستار الدوري (الملحق الثقافي)، ويستذكر حادثة حصلت لعلي صالح السعدي الذي حضر حفلاً بمناسبة الذكرى الثانية لبيان 11 آذار (مارس) لعام 1970 وكان بصحبة السفير محسن دزئي، وكان من الحاضرين عبد الستار الدوري ومهدي الحافظ وموسى أسد وكاتب السطور الذي كان رئيساً لجمعية الطلبة العراقيين وآخرين، وكان السعدي قد أطرب للمقامات البغدادية التي أدّاها علاء صبيح، وحاول مصافحته، ولكن الأخير امتنع عن ذلك وحين سأله لماذا؟ أجابه بأن يديك ملطّختان بالدماء وقد احتدّم الموقف، وحاول دزئي ورفاقنا احتواءه.
           وبعد قبوله وانتقاله إلى مدينة أخرى لدراسة اللغة، ثم دراسته في كلية الزراعة، سلّط ضوءًا على حياة الطلبة والأجواء الاجتماعية السائدة وهي ذكرتني برواية "الجليد" لصنع الله إبراهيم التي كتبها عن فترة دراسته في موسكو (1973) وهي فترة مقاربة لما عاشه مهدي السعيد في براغ، وفي الرواية وأحداثها ثمة بحث عن الذات وعن المرأة وعن الجمال.
         بين براغ وبراغ   
         ثم يتناول السعيد بعد ذلك المقطع الفاصل بين المرحلتين، أي بين براغ وبراغ، حين غادرها أول مرّة عائداً إلى العراق أدى خدمته العسكرية الإلزامية في أجواء من القلق والخوف الذي رافقه، وكيف تمكن من التخلص من استحقاقات خطرة، قد تؤدي بحياته، فكما هو معلوم كان العمل السياسي محرّماً في الجيش، كما إن الانتساب إلى حزب آخر غير حزب البعث قد يؤدي بصاحبه إلى الإعدام، وهي مشاعر عاشها الكاتب نفسه الذي التحق في فترة مقاربة لفترة السعيد لأداء الخدمة الإلزامية وكاد حبل المشنقة أن يلتف حول رقبته.
         وفي غمرة ذلك لا ينسى أن يذكر بعض الطرائف، منها إنه حين كان خفراً كان من مسؤولياته "سجن المعسكر" وكيف طلب منه السجناء تنظيف السجن، وقد وافق على ذلك لأنه كان قذراً للغاية والرائحة الكريهة تنبعث منه، وكان قد نُصح بأن يكون يقظاً كي لا يهرب أحد السجناء واسمه "صدام" وكان متهماً بقتل أحد أبناء منطقته، وطلبوا منه مشاهدة التلفزيون وتعهدوا أمامه بعدم الهرب وفعلاً تم ذلك، وحين عادوا جميعهم افتقد إلى وجود صدام بينهم، وهكذا  يقول "سيطر عليّ الخوف، ووقفت صامتاً أضع يدي على خدي وعيناي تتجهان إلى السماء"، ولكن بعد قليل ظهر صدام وكأنه جاء من وراء غمامة سوداء ودخل السجن، وفي اليوم التالي هرب الجندي "صدام" بعد أن استلم الخفارة أحد جنود الصف المكروهين كما يقول.
         لقد عكست مذكرات مهدي السعيد، في بعض محطاتها حياة مسكوت عنها بما فيها من خفايا وعقد ومشاكل اقتصادية واجتماعية وثقافية في الإطار السياسي الذي عمل فيه أو في الدولة الاشتراكية التي عاش فيها نحو عقدين من الزمان، وهي تكشف جذور الانهيار اللاحق، دون إنكار الإيجابيات بالطبع مثل كفالة الدولة لحق التعليم وتكاليفه وتوفير مستلزماته من السكن والمنحة، إضافة إلى التأمين الصحي وغير ذلك، لكن هناك شعور بالإجحاف والغبن لدى فئات واسعة، ناهيك عن شحّ الحرّيات وانتهاك حقوق الإنسان، فضلاً عن غياب التعدّدية وعدم الإقرار بالتنوع وحرّية التعبير. وقد كان لسيادة العقلية الستالينية البيروقراطية  الأوامرية  سبباً آخر في تراجع الأحزاب الشيوعية والماركسية، بل وجميع الأحزاب الشمولية بما فيها أحزاب الفرع في المشرق العربي، سواء من كان منها في السلطة أو من كان خارجها حتى وإن كان من ضحاياها.
         وفي براغ يتحدث عن لقائه الأول بالجواهري ثم علاقته به، وخصوصاً عبر ابن شقيّقه رواء الجصاني الذي ربطته به علاقة وثيقة ومع عائلته أيضاً، ويذكر تحت عنوان لحظات مع المبدعين عن لقائه مع عبد الرزاق عبد الواحد ويوسف الصائغ وعز الدين المناصرة وسميح القاسم الذي رافقه برحلة إلى برلين لحضور مهرجان للطلبة العراقيين وعن قيادته لخلية المثقفين التي ضمّت : مفيد الجزائري وحسين العامل وجيان (يحيى بابان) وقادر ديلان وغريب الكروي (أبو وجدان) وصبري كريم (أبو شيرين) وحمزة رجبو.
       ويتناول بعض صداقاته في براغ لا سيّما مع موفق فتوحي وحميد برتو وفيصل اسماعيل وسميرة البياتي وحميد الدوري والعلاقة بين البعثيين والشيوعيين التي انتقلت من التحالف إلى العداء.
         وعن حياته في لندن يقول كانت أولى العوائل العراقية الأولى التي تعرّف عليها هي عائلة يعقوب قوجمان "أبوسلام" الشيوعي العراقي العريق، وهو صديق رفيقة عادل مصري والد "سرود" الذي عمل معه في لجنة التنسيق الطلابية ويتحدث عن عمله في إذاعة كل العرب مع نجم عبد الكريم وعلاقته الوطيدة مع نبيل ياسين الذي كان قد عيّن رئيساً لتحرير جريدة "المؤتمر"، وكيف بدأ يتعرف على المعارضة العراقية بشخصياتها المختلفة.
        وهكذا بدأت دائرته تتّسع وأفقه يمتد، الأمر الذي عرّضه لإنتقادات حزبية، وفضل هو محيطه السياسي وعمله مع المعارضة على الانتماء الضيق.
وينقل كيف اضطر إلى الإستقالة من عمله في إعلام المؤتمر الوطني العراقي قبل ذلك بعد أن جمد الحزب الشيوعي عضويته فيه (العام 1994) ويقول : "أصيب الكثير من الشيوعيين العراقيين العاملين في المؤتمر بالإحباط، لأن المشكلة لا تتعلّق بتمويل المؤتمر، فالشيوعيون حين انضموا إليه كانوا يعرفون جيداً الجهات المموّلة له مسبقاً، فلماذا إذن وافقوا على الإنخراط فيه؟"
        وبقي بلا عمل ويقول : "انطويت على نفسي لبعض الوقت، ولكني فكرّت من جديد بالعودة إلى عملي السابق... كحل وسطي ينقذني من حالة البطالة" واتصل بعامر عبد الله الذي أبلغه أنه ارتكب خطأ كبيراً، لأن الحزب لازال بعلاقات قوية مع قيادة المؤتمر، وقام عامر عبد الله الاتصال بأحمد الجلبي رئيس المؤتمر الذي أوعز إلى محمد عبد الجبار بإعادتي إلى العمل.
       ويحدثنا عن الكثير من المفارقات حول عمله في إعلام الوفاق (إياد علاوي) وإصداره "مجلة المسلّة الثقافية" بمشاركة عربية وبدعم من نبيل ياسين ولقاءاته مع ابراهيم الجعفري والقيادات الكردية،
        ويستعرض علاقاته مع المعارضة العراقية بحضوره مؤتمر لندن ومؤتمر واشنطن، حيث التقى بجلال  الطالباني  ومسعود البارزاني  وإبراهيم أحمد. وينقل عن لقاء مع وزارة الخارجية الأمريكية، وضمّ الوفد : حميد الكفائي وعبد الحليم الرهيمي ومهدي السعيد وإسماعيل  زاير وأحمد  الركابي  و شميم رسّام وربيع وعدد آخر بينهم أكراد، وكان من جانب وزارة الخارجية عدداً من المسؤولين بينهم سحر وهي سيّدة فلسطينية بالأصل وهي مسؤولة عن الملف العراقي.
        وكان هناك سؤال طُلب من الجميع الإجابة عنه وهو : ماذا سنفعل بالبعثيين ؟ وكان الجواب جماعياً "اجتثاثهم من الحياة السياسية وإبعادهم عن أية مهمة" و "معاقبة القياديين بأقصى درجات العقوبة بما فيها التصفيات الجسدية" ويعلّق مهدي السعيد بالقول : من جانبي وجدت هذا الموقف غير معقول... ونحن لسنا قصّابين للبشر، ولا نبحث عن الانتقام، و البعثيون في كل الأحوال "مواطنون عراقيون" وعلينا التعامل معهم بروح التسامح، أما من قام بالارتكاب فمن حق القضاء أن يأخذ مجراه (وقد دققت هذا الموقف معه وأكّد لي ذلك بالنص المنشور).
       ويبدو إن موقف شميم رسّام كان قريباً من هذا الموقف، وقد قاطعها أحد الأكراد كما يقول، واعترض على وجودها لأنها محسوبة على النظام البعثي وسبق أن رافقت طارق عزيز وعملت مترجمة للوفد العراقي فأجهشت بالبكاء، ويواصل مهدي السعيد حديثه وأنقل هذه الفقرة لدلالتها بقوله :" إن سيامند البنّا أخبرني بعدم رضا الأمريكان عن أطروحاتي، فتفاجئت لأنني سمعت منهم تقييمات إيجابية مباشرة عديدة لتحليلاتي".
         ويذكر إن لهذه الحادثة تداعياتها ويتساءل : هل كان هناك ثمّة تدخّل خارجي لا أعرف مصدره إلى الآن ؟ ويترك هذا السؤال بلا جواب، إذْ بعد الاحتلال كما يذكر حصل جميع المشاركين على مراكز مهمة وبعضهم أسندت إليهم رئاسة صحف أو إدارة إذاعة أو رؤساء للجان انتخابية أو مهمات استشارية ثقافية، وهناك من أصبح ناطقاً باسم الحكومة أو مديراً لإحدى الفضائيات وإنه الوحيد الذي على ما يبدو (أغضب الأمريكان) فاستبعدوه ؟
        وحسبما يقول كان نوري البدران (الذي أصبح وزيراً للداخلية بعد الاحتلال) قد سأله قبل الغزو الأمريكي بعدّة أسابيع  أي وظيفة تريد، فأجابه : الاشتغال بالسلك الدبلوماسي، وحبذا لو كان في براغ، أو جامعة الدول العربية أو عمادة إحدى الكليات العراقية، فأبلغه البدران يجب إطلاع إياد علاوي على الموضوع. وطلبوا منه الذهاب إلى عمان تحضيراً للدخول إلى العراق.
        وفعلاً أرسلوا له تذكرة السفر. ثم أخبره أننا سندخل بملابس عسكرية مع الأمريكان، ويذكر مهدي السعيد إنه حين سمع ذلك توقف قليلاً ويعلّق مهدي بحرارة بقوله : ولكنني لم أتحمل مثل ذلك.. وقد استحضر كل تاريخه السياسي "فأجبته بأني لا أدخل مع الأمريكان بملابس عسكرية، وإنما أدخل لوحدي كمدني". وهنا قال له البدران أنت لا تريد أن تأتي معنا، فكرّر عليه قوله، وفي اليوم التالي : أعاد التذكرة إلى السكرتيرة إيمان وتفاجأت بذلك، ولكن طبعاً لم أتفاجأ، كما يقول.
       دمشق والأسرة الجديدة
       ظلّ مهدي السعيد مضرباً عن الزواج حتى استقطبته دمشق، بل احتضنته، فتذكّر أيام دراسته الأولى لبضعة أشهر، ولكن هذه المرّة لم يكن من بد إلّا وعقد زواج مع رفيقة أرادها أن تكون مواصلة لحبه القديم لدمشق. كان سعيداً للغاية بهذه العلاقة وأنجب طفلتين، لكن زوجته تعرّضت إلى متاعب غير قليلة بسبب الأحداث التي حصلت في السنوات الأخيرة، فلم يستطع سحبها إلى لندن ولم يتمكن هو من الإقامة في دمشق، وهكذا ظلّ معلقاً بين دمشق ولندن.
       وكما يقول الموسيقار شوبان : "القلب في وارشو والعقل في باريس" فقد كان قلب مهدي السعيد في الشام وعقله في لندن. لم يعرف ما كان يخبئه له الزمن، فقد أصيبت زوجته بالسرطان ولم ترخّص لها السلطات البريطانية الالتحاق به في لندن إلّا في العام 2016، ولكن بعد وصولها ببضعة أسابيع دخلت المستشفى ولم تخرج منها، وتلك كارثة أخرى حلّت بمهدي السعيد.
       
       كتاب لذاكرة مفتوحة
       في الختام، أقول إنني قرأت مذكرات مهدي السعيد وسيرته الذاتية، كأنها كتاب مفتوح أمامي. ويستطيع كل إنسان أن يقرأها بطريقته، إذْ لا أقفال فيها أو ألغاز، فقد كتبها بلغة سلسة وبانتقالات سريعة وعناوين فرعية جاذبة.
            يمكنني القول أن مذكراته جاءت على شكل أمواج، فتارة صاعدة وأخرى نازلة، لكنها في كل الأوقات متحرّكة وغير ساكنة، وقد حاول فيها أن يواخي الحبر مع الذاكرة واللون مع الفرشاة والعدسة مع العين، لذلك جاءت حارّة وطازجة وامتازت بروح إيجابية بشكل عام، حملت إشارات فرحة وإن تخلّلها حزن دفين أيضاً.
       إنها مذكرات تستحقّ القراءة والنقد والتقريظ لما زخرت به من أحداث وتجارب ودروس تتطلّب التفكير ليس بأوضاع الحاضر فحسب، بل بالمستقبل أيضاً، خصوصاً أن التاريخ حلقات متّصلة لا يمكن فصل الماضي عن الحاضر والمستقبل.
     



58
"أصيلة" وفضاء الإصلاح والتجديد
عبد الحسين شعبان
باحث ومفكر عربي
   يصعب الحديث عن الإصلاح والتجديد في العالم العربي دون تناول المجال الديني، وهذا الأخير يشمل الفكر والوسائل والأدوات والقوانين والأنظمة والتربية والثقافة والوضع الاقتصادي والاجتماعي، بل كل ما له علاقة بالتنمية البشرية المستدامة، التي هي منظومة متكاملة ومتداخلة بحيث لا يمكن إهمال أو تأجيل جزء منه، لأنه سيؤثر على الأجزاء الأخرى، لترابطها وتفاعلها ، وإنْ كانت درجة تطور أقسامها متفاوتة.
   والإصلاح بطبيعته يحتاج إلى تطوّر وتراكم كمّي وقد يكون طويل الأمد ليصل إلى التجديد بمعنى حدوث تغيير نوعي حسب المنهج الجدلي، إذا ما توافرت العوامل الذاتية والموضوعية ، والشروط الداخلية والخارجية لتحقيقه.
   ولأن موضوع المجال الديني حسّاس ومتميّز جدّاً، فإن المقاربة ستكون حسّاسة ومتميّزة أيضاً، لاسيّما إذا انصرف الأمر إلى الإصلاح والتجديد الذي يتعلق بالعقائد والمورثات والعادات والتقاليد وما استقرّ عليه المجتمع وترسّخ في وعيه لدرجة التقديس أحياناً.
   وكانت "جماعة أصيلة" التي يرأسها محمد بنعيسى مدركة جداً لمثل هذا التشابك بما فيه من مُدخلات ومُخرجات وإمكانات وعقبات، حين خصصت الندوة الأساسية لمهرجان "أصيلة 32" لبحث ومناقشة "الفكر العربي المعاصر والمسألة الدينية"، بالمرور على أنماط التديّن الجديدة وخلفياتها الثقافية والاجتماعية، مثلما توقفت عند الخطاب الفكري الإسلامي الراهن باتجاهاته وتوجّهاته، إضافة إلى بعض المقاربات التأويلية والعملية الجديدة لتمظهراته، وخصوصاً بالإطلالة على مسألة "العيش المشترك" والتي استغرقت حواراً مفتوحاً يخصّ الدين والدولة والمجتمع وما له علاقة بالحقوق الأساسية مثل: الحق في الحياة والحرّية والمساواة والعدل والشراكة والمشاركة، وهي اللبنات الأساسية والتي لا غنى عنها  للمواطنة المتكافئة.
   ويحتاج الإصلاح مثلما هو التجديد، في المجال الديني إلى رؤية وإرادة وشجاعة وأدوات وحوامل اجتماعية تستطيع تحمّل المسؤولية، ولاسيّما حين تتوفّر بيئة مناسبة وظرف موضوعي مساعد. أي أنه باختصار لا بدّ من توفّر شروط معينة ذاتية وموضوعية مناسبة لتحقيقه. وقد يتوفر الشرط الموضوعي لكن الشرط الذاتي يكون غائباً أو غير مهيأ، والعكس صحيح أيضاً حين يتوفّر الشرط الذاتي ولم ينضج الظرف الموضوعي.
   فمن الناحية الذاتية قد لا تتوفر قناعات للاصلاح والتجديد، أو أن هناك خشية منه لأنه يتعارض مع المصالح والامتيازات، إضافة إلى الخوف من " العامة" أحياناً، لأنه سيعارض ما ترسّخ لديها من مفهومات ومعتقدات استقرت مع مرور الزمان، بحيث أصبحت "تابوات" وهي أقرب إلى "مقدسات" ولهذا فإن أي مساس بها قد يثير ردود أفعال لا تحمد عقباها، إضافة إلى أنه قد يلقى مقاومة من جانب القوى التقليدية باعتباره يخالف المألوف لدرجة يمكن تفسيقه باعتباره بدعة، "وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار" ، وبهذا المنطق يدافع أصحاب الفكر التقليدي عن القديم حتى وإن كان بالياً.
   وقد حاولت حركة النهضة من الأفغاني ومحمد عبده والطهطاوي والكواكبي والتونسي والنائيني وصولاً إلى طه حسين، إصلاح المجال الديني وإسباغ سمة العصر عليه، لكنها اصطدمت بعقبات وتحدّيات كثيرة رسمية ودينية واجتماعية. ولا شكّ أن مثل صدمة الاستعمار قبل قيام الدولة الوطنية وصدمة ضياع فلسطين (النكبة 1948 والنكسة 1967) اللتان مرّ بهما الفكر العربي المعاصر، تركتا أثراً سلبياً على تطوّره بما فيه الجزء المؤثر فيه، ونعني به المجال الديني، ويمكننا أن نضيف إلى ذلك صدمة "الحرب العراقية - الإيرانية" وصولاً لاحتلال العراق، ثم صدمة "الإرهاب الدولي" الذي طبع مرحلة ما بعد العام 2001 ولحد الآن، سواء كان على شكل داعش أو قبلها القاعدة، وهي مرحلة شملت أيضاً صدمة تعثر وارتداد موجة الربيع العربي.
   والسؤال الآن كيف يمكن إصلاح المجال الديني أو تجديده؟ومن يقوم بذلك؟ هل المؤسسة الدينية قادرة على اقتحام هذا الميدان؟ وهل هي راغبة؟ ثم هل لديها المؤهلات لوحدها؟  أم أنها تحتاج إلى رافعة من خارجها؟ وبعد ذلك ثمة عقبات موضوعية داخلية وخارجية تجعلنا نتساءل:كيف يمكن مواجهة قروناً من السكونية والنمطية والرتابة لأن الناس حسب عمانوئيل كانط.." يعيشون حياتهم برتابة عادية وليس لهم أدنى حاجة إلى الفكر".
   وكانت ثمة محاولات وإرهاصات طفولية سبق أن جرّبتها قوى باسم اليسار والحداثة برفض الدين أو التقليل من شأنه، لكنها اصطدمت  بجدار سميك وقاسي لدرجة أنه تم تكفيرها وتأثيمها وتجريمها. ولذلك لا بدّ من التفريق بين الدين والتديّن وبين قيم الدين وسلوك رجال الدين، والأمر بحاجة مرّة أخرى إلى التراكم والتطوّر بما له من علاقة عضوية بين بـ الثيولوجيا والانتربولوجيا والسوسيولوجيا، أي بين الدين والإنسان والمجتمع،  تلك الثلاثية التي ينبغي أن تحكمها منظومة من الضوابط القانونية.
   والأمر الذي يحتاج إلى تعامل مرن وحذر في الوقت نفسه، بدءًا من التراث ووصولاً إلى ما هو راهن لتفكيكه وتنقيته من التعصّب والتطرّف، وهذان هما الجذران الحقيقيان للإرهاب، بضخّ البديل، لاسيّما قيم التسامح واللّاعنف والإقرار بالتنوّع والتعدّدية والاعتراف بالآخر وقبول الحق في الاختلاف، لاسيّما، بتوفير الحدّ الأدنى من العيش الكريم المشترك الذي يمثّل فضاءً رحباً للإصلاح والتجديد.



59
مهدي السعيد وسرّديته السسوثقافية
مقدمة لكتاب (الجذور) "سيرة ذاتية"
بقلم : عبد الحسين شعبان
ح/4


وهكذا بدأت دائرته تتّسع وأفقه يمتد، الأمر الذي عرّضه لإنتقادات حزبية، وفضل هو محيطه السياسي وعمله مع المعارضة على الانتماء الضيق.
وينقل كيف اضطر إلى الإستقالة من عمله في إعلام المؤتمر الوطني العراقي قبل ذلك بعد أن جمد الحزب الشيوعي عضويته فيه (العام 1994) ويقول : "أصيب الكثير من الشيوعيين العراقيين العاملين في المؤتمر بالإحباط، لأن المشكلة لا تتعلّق بتمويل المؤتمر، فالشيوعيون حين انضموا إليه كانوا يعرفون جيداً الجهات المموّلة له مسبقاً، فلماذا إذن وافقوا على الإنخراط فيه؟"
وبقي بلا عمل ويقول : "انطويت على نفسي لبعض الوقت، ولكني فكرّت من جديد بالعودة إلى عملي السابق... كحل وسطي ينقذني من حالة البطالة" واتصل بعامر عبد الله الذي أبلغه أنه ارتكب خطأ كبيراً، لأن الحزب لازال بعلاقات قوية مع قيادة المؤتمر، وقام عامر عبد الله الاتصال بأحمد الجلبي رئيس المؤتمر الذي أوعز إلى محمد عبد الجبار بإعادتي إلى العمل.
ويحدثنا عن الكثير من المفارقات حول عمله في إعلام الوفاق (إياد علاوي) وإصداره "مجلة المسلّة الثقافية" بمشاركة عربية وبدعم من نبيل ياسين ولقاءاته مع ابراهيم الجعفري والقيادات الكردية،
ويستعرض علاقاته مع المعارضة العراقية بحضوره مؤتمر لندن ومؤتمر واشنطن، حيث التقى بجلال  الطالباني  ومسعود البارزاني  وإبراهيم أحمد. وينقل عن لقاء مع وزارة الخارجية الأمريكية، وضمّ الوفد : حميد الكفائي وعبد الحليم الرهيمي ومهدي السعيد وإسماعيل  زاير وأحمد  الركابي  و شميم رسّام وربيع وعدد آخر بينهم أكراد، وكان من جانب وزارة الخارجية عدداً من المسؤولين بينهم سحر وهي سيّدة فلسطينية بالأصل وهي مسؤولة عن الملف العراقي.
وكان هناك سؤال طُلب من الجميع الإجابة عنه وهو : ماذا سنفعل بالبعثيين ؟ وكان الجواب جماعياً "اجتثاثهم من الحياة السياسية وإبعادهم عن أية مهمة" و "معاقبة القياديين بأقصى درجات العقوبة بما فيها التصفيات الجسدية" ويعلّق مهدي السعيد بالقول : من جانبي وجدت هذا الموقف غير معقول... ونحن لسنا قصّابين للبشر، ولا نبحث عن الانتقام، و البعثيون في كل الأحوال "مواطنون عراقيون" وعلينا التعامل معهم بروح التسامح، أما من قام بالارتكاب فمن حق القضاء أن يأخذ مجراه (وقد دققت هذا الموقف معه وأكّد لي ذلك بالنص المنشور).
ويبدو إن موقف شميم رسّام كان قريباً من هذا الموقف، وقد قاطعها أحد الأكراد كما يقول، واعترض على وجودها لأنها محسوبة على النظام البعثي وسبق أن رافقت طارق عزيز وعملت مترجمة للوفد العراقي فأجهشت بالبكاء، ويواصل مهدي السعيد حديثه وأنقل هذه الفقرة لدلالتها بقوله :" إن سيامند البنّا أخبرني بعدم رضا الأمريكان عن أطروحاتي، فتفاجئت لأنني سمعت منهم تقييمات إيجابية مباشرة عديدة لتحليلاتي".
ويذكر إن لهذه الحادثة تداعياتها ويتساءل : هل كان هناك ثمّة تدخّل خارجي لا أعرف مصدره إلى الآن ؟ ويترك هذا السؤال بلا جواب، إذْ بعد الاحتلال كما يذكر حصل جميع المشاركين على مراكز مهمة وبعضهم أسندت إليهم رئاسة صحف أو إدارة إذاعة أو رؤساء للجان انتخابية أو مهمات استشارية ثقافية، وهناك من أصبح ناطقاً باسم الحكومة أو مديراً لإحدى الفضائيات وإنه الوحيد الذي على ما يبدو (أغضب الأمريكان) فاستبعدوه ؟
وحسبما يقول كان نوري البدران (الذي أصبح وزيراً للداخلية بعد الاحتلال) قد سأله قبل الغزو الأمريكي بعدّة أسابيع  أي وظيفة تريد، فأجابه : الاشتغال بالسلك الدبلوماسي، وحبذا لو كان في براغ، أو جامعة الدول العربية أو عمادة إحدى الكليات العراقية، فأبلغه البدران يجب إطلاع إياد علاوي على الموضوع. وطلبوا منه الذهاب إلى عمان تحضيراً للدخول إلى العراق.
وفعلاً أرسلوا له تذكرة السفر. ثم أخبره أننا سندخل بملابس عسكرية مع الأمريكان، ويذكر مهدي السعيد إنه حين سمع ذلك توقف قليلاً ويعلّق مهدي بحرارة بقوله : ولكنني لم أتحمل مثل ذلك.. وقد استحضر كل تاريخه السياسي "فأجبته بأني لا أدخل مع الأمريكان بملابس عسكرية، وإنما أدخل لوحدي كمدني". وهنا قال له البدران أنت لا تريد أن تأتي معنا، فكرّر عليه قوله، وفي اليوم التالي : أعاد التذكرة إلى السكرتيرة إيمان وتفاجأت بذلك، ولكن طبعاً لم أتفاجأ، كما يقول.
دمشق والأسرة الجديدة
ظلّ مهدي السعيد مضرباً عن الزواج حتى استقطبته دمشق، بل احتضنته، فتذكّر أيام دراسته الأولى لبضعة أشهر، ولكن هذه المرّة لم يكن من بد إلّا وعقد زواج مع رفيقة أرادها أن تكون مواصلة لحبه القديم لدمشق. كان سعيداً للغاية بهذه العلاقة وأنجب طفلتين، لكن زوجته تعرّضت إلى متاعب غير قليلة بسبب الأحداث التي حصلت في السنوات الأخيرة، فلم يستطع سحبها إلى لندن ولم يتمكن هو من الإقامة في دمشق، وهكذا ظلّ معلقاً بين دمشق ولندن.
وكما يقول الموسيقار شوبان : "القلب في وارشو والعقل في باريس" فقد كان قلب مهدي السعيد في الشام وعقله في لندن. لم يعرف ما كان يخبئه له الزمن، فقد أصيبت زوجته بالسرطان ولم ترخّص لها السلطات البريطانية الالتحاق به في لندن إلّا في العام 2016، ولكن بعد وصولها ببضعة أسابيع دخلت المستشفى ولم تخرج منها، وتلك كارثة أخرى حلّت بمهدي السعيد.
       
كتاب لذاكرة مفتوحة
في الختام، أقول إنني قرأت مذكرات مهدي السعيد وسيرته الذاتية، كأنها كتاب مفتوح أمامي. ويستطيع كل إنسان أن يقرأها بطريقته، إذْ لا أقفال فيها أو ألغاز، فقد كتبها بلغة سلسة وبانتقالات سريعة وعناوين فرعية جاذبة.
يمكنني القول أن مذكراته جاءت على شكل أمواج، فتارة صاعدة وأخرى نازلة، لكنها في كل الأوقات متحرّكة وغير ساكنة، وقد حاول فيها أن يواخي الحبر مع الذاكرة واللون مع الفرشاة والعدسة مع العين، لذلك جاءت حارّة وطازجة وامتازت بروح إيجابية بشكل عام، حملت إشارات فرحة وإن تخلّلها حزن دفين أيضاً.
إنها مذكرات تستحقّ القراءة والنقد والتقريظ لما زخرت به من أحداث وتجارب ودروس تتطلّب التفكير ليس بأوضاع الحاضر فحسب، بل بالمستقبل أيضاً، خصوصاً أن التاريخ حلقات متّصلة لا يمكن فصل الماضي عن الحاضر والمستقبل.


60
مهدي السعيد وسرّديته السسوثقافية
مقدمة لكتاب (الجذور) "سيرة ذاتية"
بقلم : عبد الحسين شعبان
الحلقة 3
ويقول مهدي السعيد إنه تعرّف على حسن عوينه بعد نشر صوره في وقت لاحق.
         ويذكر أيضاً أن الطبيب الشيوعي فاروق برتو افتتح عيادة له، وهو شقيق بشرى برتو وهي قيادية أيضاً في الحزب الشيوعي، وزوجة  رحيم عجينة القيادي في الحزب أيضاً، حيث كان قد خصّص أحد أيام الأسبوع مجاناً لعلاج المراجعين، ولاسيّما من الفقراء وضعيفي الحال، ويقول جرت محاولات لدهم عيادته من جانب شرطة التحقيقات الجنائية لأن صيته كان قد ذاع وعرف الناس إنه ينتمي إلى الحزب الشيوعي، ولذلك انبروا للدفاع عنه تلقائياً.
         ومن الشخصيات التي يتناولها أيضاً عطشان ضيول (الإيزرجاوي) الذي كان مسؤولاً في الخط العسكري للحزب الشيوعي، وقد سكن مع والدته بعد انتقاله من الناصرية في محلّة الدوريين، وإنه أصبح بعد ثورة 14 تموز (يوليو) مساعداً لآمر المقاومة الشعبية طه البامرني، وكان من دعاة الإستيلاء على السلطة أيام حكم عبد الكريم قاسم، ويقول أن ثابت حبيب العاني وعامر عبدالله وآخرين كانوا ضدّ هذا التوجه، وقد فتح هذا الموضوع مع العاني في لندن مستذكراً الإيزرجاوي، كما سأل عنه آرا خاجادور في براغ.
         ويروي السعيد نقلاً عن آرا خاجادور إن اللجنة المركزية حينها أبعدت سلام عادل إلى موسكو الذي كان يميل إلى استلام السلطة وإزاحة عبدالكريم قاسم، ويقول إن ذلك كان جزء من الصراع حول السلطة بين تيارين : الأول ممثلاً بمجموعة الأربعة : زكي خيري، عامر عبدالله، بهاء الدين نوري ومحمد حسين أبو العيس وإن كان الأخير أقرب إلى سلام عادل، لكنه احتسب على الجماعة المتكتلة حتى وإن لم يتفق معها فكرياً (وقد استشهد تحت التعذيب بعد انقلاب 8 شباط/فبراير/ 1963)  و كان هؤلاء ضد توجّه سلام عادل وجمال الحيدري وعطشان ضيول، والأخيرأبعد إلى موسكو ومنعه ال KGB من الإتصال بالآخرين، ويروي قصته الدرامية حيث توفي في ألمانيا.
      ثورة 14 تموز
           يتحدث مهدي السعيد عن يوم ثورة 14 تموز وشعوره عند هدم تمثال الجنرال مود الذي قال حين احتل بغداد "جئنا محرّرين لا فاتحين"، ويذكر كيف هرب نوري السعيد ولجأ إلى بيت الإستربادي في الكاظمية، وكيف دخل هو ووالدته إلى بيت نوري السعيد. ثم يتناول كيف أسّس الشيوعيون التنظيمات سريعاً مثل الشبيبة الديمقراطية والمقاومة الشعبية.
          ويستعيد مهدي السعيد أيام تموز والمهرجانات، وكيف صافح عبدالكريم قاسم وكذلك الملّا مصطفى البارزاني، ولكنه يتناول بمرارة الإنقسام الشعبي، ولاسيّما بين الشيوعيين والقوميين، خصوصاً بعد حركة الشواف ومحاولة اغتيال عبد الكريم قاسم في منطقة "رأس القرية" بشارع الرشيد، وكان من بين من شاركوا بها صدام حسين، وينشّط ذاكرته بحديثه مع د.تحسين معلّه، خصوصاً عن قضايا التعذيب في قصر النهاية.
        ومن مظاهر اشتداد حالة الإحتقان الشعبي اغتيال الشيوعيين أحد الأشخاص وسحله في مدينة الكاظمية، وقد اتهم بها منذر أبو العيس الذي صدر الحكم بإعدامه، وقد تمّ تنفيذه بعد انقلاب 8 شباط (فبراير) العام 1963. ويشير إلى أن محلّة الدوريين كانت تعجّ بالخلافات. ويتوقف عند انقلاب البعثيين الأول الذي أطاح بحكم الزعيم عبد الكريم قاسم وطارد الشيوعيين واعتقل الآلاف منهم وكيف جرت محاولة لإعتقال أخيه كاظم.
       
        أول مهمة حزبية
        وعن أول مهمة حزبية له كانت عشية حركة حسن سريع في 3 تموز (يوليو) العام 1963، وهو نائب عريف حاول قيادة انتفاضة مسلحة ضد حكم البعث الأول، لكنها فشلت واعتقل المشاركون فيها وحوكموا وأعدموا.
        أما المهمة التي كلّف بها فهي كتابة بيانات بخط اليد على ورق الكاربون، وكان المسؤول عن المجموعة حسبما يقول "محمد كريم" الذي أعدم في حركة حسن سريع، لينتقل بعدها إلى عمل حزبي منظّم، وخصوصاً بعد انشقاق القيادة المركزية ويستعيد العلاقات في تلك الفترة، ويستذكر عدد من المسؤولين بينهم كاظم حبيب، وكيف ساهم عدد من الرفاق في إعادة التنظيم منهم: حسن أسد الشمري وصلاح زنكنة وحميد برتو ولؤي أبو التمّن وسعد الطائي وطه صفوك وكاتب السطور وآخرين، ويقول إنه تم تشكيل فرقة حزبية صدامية ويروي حادثة مقتل سامي مهدي الهاشمي في كلية الإقتصاد والعلوم السياسية. وكنت قد رويت في أكثر من مناسبة موضوع تصدّع علاقتي بالحزب بسبب هذه الحادثة وحوادث أخرى حدثت في كردستان لتعذيب شيوعيين على يد رفاقهم.
         ويستعرض السعيد خلال هذه الفترة عدداً من الأحداث العامة والخاصة منها اعتقال شقيقه سعدي (المرة الأولى حين كان لا يزال في بغداد، ثم يذكر اعتقاله لمرّة ثانية حين غادر هو بغداد) وسفره بعد حصوله على زمالة دراسية، ليصل إلى محطته الجديدة "براغ".
         يقول عن براغ أنها مدينة الأحلام، لكن أحلامه كادت أن تطير لأن زمالته مُنحت إلى شخص آخر، وكان عليه الإنتظار لبضعة أشهر، وحصل الأمر كذلك مع رفيقه محمد الأسدي ريثما يتم قبولها بعد بضعة أشهر، ويتحدث عن معاناته خلال تلك الفترة وعلاقاته مع الطلبة مثل حسون الربيعي وعلاء صبيح وسلمان الحسن وفؤاد زلزلة، وعن مقهى سلافيا والعلاقة مع الملحقية الثقافية، ولاسيّما مع عبد الستار الدوري (الملحق الثقافي)، ويستذكر حادثة حصلت لعلي صالح السعدي الذي حضر حفلاً بمناسبة الذكرى الثانية لبيان 11 آذار (مارس) لعام 1970 وكان بصحبة السفير محسن دزئي، وكان من الحاضرين عبد الستار الدوري ومهدي الحافظ وموسى أسد وكاتب السطور الذي كان رئيساً لجمعية الطلبة العراقيين وآخرين، وكان السعدي قد أطرب للمقامات البغدادية التي أدّاها علاء صبيح، وحاول مصافحته، ولكن الأخير امتنع عن ذلك وحين سأله لماذا؟ أجابه بأن يديك ملطّختان بالدماء وقد احتدّم الموقف، وحاول دزئي ورفاقنا احتواءه.
           وبعد قبوله وانتقاله إلى مدينة أخرى لدراسة اللغة، ثم دراسته في كلية الزراعة، سلّط ضوءًا على حياة الطلبة والأجواء الاجتماعية السائدة وهي ذكرتني برواية "الجليد" لصنع الله إبراهيم التي كتبها عن فترة دراسته في موسكو (1973) وهي فترة مقاربة لما عاشه مهدي السعيد في براغ، وفي الرواية وأحداثها ثمة بحث عن الذات وعن المرأة وعن الجمال.
         بين براغ وبراغ   
         ثم يتناول السعيد بعد ذلك المقطع الفاصل بين المرحلتين، أي بين براغ وبراغ، حين غادرها أول مرّة عائداً إلى العراق أدى خدمته العسكرية الإلزامية في أجواء من القلق والخوف الذي رافقه، وكيف تمكن من التخلص من استحقاقات خطرة، قد تؤدي بحياته، فكما هو معلوم كان العمل السياسي محرّماً في الجيش، كما إن الانتساب إلى حزب آخر غير حزب البعث قد يؤدي بصاحبه إلى الإعدام، وهي مشاعر عاشها الكاتب نفسه الذي التحق في فترة مقاربة لفترة السعيد لأداء الخدمة الإلزامية وكاد حبل المشنقة أن يلتف حول رقبته.
         وفي غمرة ذلك لا ينسى أن يذكر بعض الطرائف، منها إنه حين كان خفراً كان من مسؤولياته "سجن المعسكر" وكيف طلب منه السجناء تنظيف السجن، وقد وافق على ذلك لأنه كان قذراً للغاية والرائحة الكريهة تنبعث منه، وكان قد نُصح بأن يكون يقظاً كي لا يهرب أحد السجناء واسمه "صدام" وكان متهماً بقتل أحد أبناء منطقته، وطلبوا منه مشاهدة التلفزيون وتعهدوا أمامه بعدم الهرب وفعلاً تم ذلك، وحين عادوا جميعهم افتقد إلى وجود صدام بينهم، وهكذا  يقول "سيطر عليّ الخوف، ووقفت صامتاً أضع يدي على خدي وعيناي تتجهان إلى السماء"، ولكن بعد قليل ظهر صدام وكأنه جاء من وراء غمامة سوداء ودخل السجن، وفي اليوم التالي هرب الجندي "صدام" بعد أن استلم الخفارة أحد جنود الصف المكروهين كما يقول.
         لقد عكست مذكرات مهدي السعيد، في بعض محطاتها حياة مسكوت عنها بما فيها من خفايا وعقد ومشاكل اقتصادية واجتماعية وثقافية في الإطار السياسي الذي عمل فيه أو في الدولة الاشتراكية التي عاش فيها نحو عقدين من الزمان، وهي تكشف جذور الانهيار اللاحق، دون إنكار الإيجابيات بالطبع مثل كفالة الدولة لحق التعليم وتكاليفه وتوفير مستلزماته من السكن والمنحة، إضافة إلى التأمين الصحي وغير ذلك، لكن هناك شعور بالإجحاف والغبن لدى فئات واسعة، ناهيك عن شحّ الحرّيات وانتهاك حقوق الإنسان، فضلاً عن غياب التعدّدية وعدم الإقرار بالتنوع وحرّية التعبير. وقد كان لسيادة العقلية الستالينية البيروقراطية  الأوامرية  سبباً آخر في تراجع الأحزاب الشيوعية والماركسية، بل وجميع الأحزاب الشمولية بما فيها أحزاب الفرع في المشرق العربي، سواء من كان منها في السلطة أو من كان خارجها حتى وإن كان من ضحاياها.
         وفي براغ يتحدث عن لقائه الأول بالجواهري ثم علاقته به، وخصوصاً عبر ابن شقيّقه رواء الجصاني الذي ربطته به علاقة وثيقة ومع عائلته أيضاً، ويذكر تحت عنوان لحظات مع المبدعين عن لقائه مع عبد الرزاق عبد الواحد ويوسف الصائغ وعز الدين المناصرة وسميح القاسم الذي رافقه برحلة إلى برلين لحضور مهرجان للطلبة العراقيين وعن قيادته لخلية المثقفين التي ضمّت : مفيد الجزائري وحسين العامل وجيان (يحيى بابان) وقادر ديلان وغريب الكروي (أبو وجدان) وصبري كريم (أبو شيرين) وحمزة رجبو.
       ويتناول بعض صداقاته في براغ لا سيّما مع موفق فتوحي وحميد برتو وفيصل اسماعيل وسميرة البياتي وحميد الدوري والعلاقة بين البعثيين والشيوعيين التي انتقلت من التحالف إلى العداء.
         وعن حياته في لندن يقول كانت أولى العوائل العراقية الأولى التي تعرّف عليها هي عائلة يعقوب قوجمان "أبوسلام" الشيوعي العراقي العريق، وهو صديق رفيقة عادل مصري والد "سرود" الذي عمل معه في لجنة التنسيق الطلابية ويتحدث عن عمله في إذاعة كل العرب مع نجم عبد الكريم وعلاقته الوطيدة مع نبيل ياسين الذي كان قد عيّن رئيساً لتحرير جريدة "المؤتمر"، وكيف بدأ يتعرف على المعارضة العراقية بشخصياتها المختلفة.
نشرت في صحيفة الزمان العراقية ، 8/8/2017


61
أبو كَاطع - على ضفاف السخرية الحزينة
كتاب جديد لعبد الحسين شعبان

بيروت، بغداد - (المحرر الثقافي) خاص
   صدر عن دار الفارابي في بيروت كتاب جديد للكاتب عبد الحسين شعبان وهو بعنوان " أبو كَاطع - على ضفاف السخرية الحزينة" وهو طبعة ثانية بعد أن نفذت الطبعة الأولى التي صدرت في لندن (1998) عن دار الكتاب العربي.
   وكان المؤلف قد تبرّع بريع كتابه إلى أطفال العراق الذين كانوا يعانون من الحصار حينها، كما يتبرع الآن بريع هذه الطبعة إلى الأطفال النازحين من الموصل وغيرها من مناطق غرب العراق.
   وقد أهدى المؤلف الكتاب إلى الشاعر مظفر النواب "وضاعت زهرة الصبّار" أما صورة الغلاف فهي بريشة الفنان عمران القيسي، وتصدّرت الصفحات الأولى من الكتاب قصيدة للشاعر هاشم شفيق بعنوان "بورتريه شمران الياسري - أبو كَاطع " وقصيدة للشاعر الفلسطيني راسم المدهون بعنوان " غيبة بين حيفا وبيروت" مهداة إلى " أبو كَاطع".
   أما صفحة الغلاف الأخيرة فقد جاءت بقلم الكاتب والروائي جمعة اللامي وجاء فيها :
«القمَمُ، هي التي تَضربُها الصاعقة»
                                               (أسخيلوس)                                             
                                                                     
"كتاب الباحث والأديب عبد الحسين شعبان، رسالة في ثقافة الصداقة والصديق، بعلوّ هامة أطرافها، وصدق أنفسهم، ونبالة أرواحهم. وهو وثيقة لا تسترجع الماضي القريب فقط، لكنّه أيضاً، وعلى نحو مؤكّد، رسالة إلى المستقبل، لأنّ المشروع الكبير الذي ارتبط به "أبو كاطع" ، إنّما هو المستقبل.
حسناً فعل شعبان، حين وضع متلقّي رسالته هذه ، أمام بانوراما لإنسان متصالح مع نفسه وتاريخه، وأمين على مُثُله ( بصرف النظر عن الاتّفاق أو الاختلاف معه ) وهو كاتب يعرف حقوقه وواجباته، كان رأى في الكتابة الأدبية والثقافية عموماً، مهمّة إنسانية نبيلة، تقترن بالفضيلة وتتبادل مع قيمها المنافع الروحية العليا.
كان للصداقات العظيمة بين المناضلين قوّة المثل وجدارة الحياة  و صوابية الاختيار. وفي هذا الفضاء ، حيث المواجهة والصراع، مع النفس وفي داخل البيت الواحد وفي النفي المزدوج أيضاً، في الوطن وخارجه، كانت الصداقة ترفع رقبتها عالية جدّاً ليراها الإنسان العراقي الكفيف، شامخة وهو في بصرى الشام.
إنّ من يعرف عن قرب الرفقة الكريمة المبنيّة على تشييد تلك الآمال السامية، سيزداد معرفة  بشمران و شعبان حيث الجوامع بينهما كثيرة : الإنسان، المثقف، الكاتب، المناضل، المختلف، والمنفي، مثلما سيعرف أنّ الشخصيات التي خلقها "أبو كَاطع" في أعماله الروائية  وفي كتاباته الصحفية ، غنيّة بمُثل الصداقة التي كانت طابعاً مميّزاً في التكوين الإنساني له المنسجم  مع خياره الأخلاقي ، حتى في رحيله الشجاع."
   احتوى الكتاب على إهداء وأربعة فصول  وهي من أصل الطبعة الأولى ، وإضمامتين  الأولى ضمّت مقالتين جديدتين للكاتب، إحداهما بعنوان "فن الضحك والسخرية في أدب أبو كَاطع" وثانيتهما بعنوان "وأبو كَاطع - السخرية والأسئلة الملغومة" ، واحتوت الإضمامة الثانية على نصوص ووثائق شملت بعض أقصوصات وحكايات لأبو كَاطع بعضها كان قد نشر لأول مرّة في الطبعة الأولى، إضافة بعض الكتابات عن أبو كَاطع.
   كما ضمّت الطبعة الجديدة مقدمة طويلة بعنوان " أبو كَاطع - بعد 35 عاماً على رحيله" وهي موجهة بالأساس للقارئ  العراقي، الذي حُرم من الاطلاع على الطبعة الأولى بسبب كون الكاتب والمكتوب عنه ممنوعين، باستثناء نسخ محدودة ومستنسخة خلال فترة التسعينات عثر الكاتب على واحدة منها في شارع المتنبي بعد العام 2003.
كتاب أبو كَاطع  صرخة بوجه النسيان والجحود والزيف واللامبالاة، وجاء في مقدمة الكاتب الجديدة
 " وإنني إذّ أضع الطبعة الثانية بيد القرّاء، فإنّها تأتي في ظروف مختلفة، فلم يعد هناك حظرٌ على " أبو كَاطع" أو على الكاتب، وبلا أدنى شك فسيكون القارئ العراقي أول المستهدَفين، خصوصاً وأنّ الطبعة الأولى قد نفدت، علماً بأن نصيب القارئ العراقي في داخل العراق منها كان محدوداً جداً، بل لا يكاد يُذكر، بسبب الأوضاع السياسية وظروف الحصار الدولي الجائر.
ولأنّ ما كتبه "أبوگاطع" لا يزال راهنياً، بل يمثّل جزءًا من حياتنا اليومية، فإنه لا يزال حاضراً بيننا، وأراه باستمرار في المعركة الدائرة في مجتمعاتنا ضدّ التعصّب والتطرّف والغلوّ والطائفية، وهي معركة الحداثة والحرّية وحقوق الإنسان والجمال والانفتاح واستعادة هيبة الدولة الوطنية ووحدتها، في مواجهة استمرار التخلّف والقمع والإقصاء والقبح والانغلاق والفوضى والميليشيات.
تلك هي معركة "أبو گاطع"، وهي معركة خارجية ضد الهيمنة ومحاولات فرض الاستتباع والإرهاب بقدر ما هي معركة داخلية ضد قوى الظلام والاستبداد، إنّها معركة مع الآخر وفي الوقت نفسه هي معركة مع الذات أيضاً، (النحن والأنا) لتطهيرها مما علق بها من أدران وترهات وتشويهات. إنّها باختصار معركة الحقيقة والتقدّم، وبالطبع فهي معركة كل كاتب حرّ وصاحب فكر منفتح."
الكتاب يتألّف من 286 صفحة من القطع المتوسط - دار الفارابي ، بيروت ، تموز (يوليو) 2017
 


62
ترامب وتوازن القوى في أمريكا
د. عبد الحسين شعبان
بعد تسرّب خبر اللقاء الخاص بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس
الروسي فلاديمير بوتين، والذي قيل إنه لقاء «سرّي»، «وذلك على هامش قمة
العشرين المنعقدة في هامبورج 7-8 يوليو/ تموز 2017، ضجّ الكثير من وسائل الإعلام «مجدّداً» عن إمكانية عزل الرئيس الأمريكي ترامب ومحاكمته على خلفية العلاقة الخاصة مع روسيا، واختراق موسكو للانتخابات الرئاسية، لكن تدهور العلاقات السريع، وإقدام الكونجرس على اتخاذ عقوبات جديدة ضد روسيا، ردّت عليها موسكو بعقوبات مماثلة، بطرد مئات من الدبلوماسيين وتقييد بعض المواقع، دفع الأمور إلى التأزم ليس بصدد العلاقات الأمريكية الروسية فحسب؛ بل في انعكاسه على الداخل الأمريكي؛ حيث تزداد زخماً حملة إقصاء الرئيس ومحاكمته أو إجباره على تقديم الاستقالة».
وكان ترامب والحزب الجمهوري قد تلقيّا هزيمة كبيرة بفشلهما في إلغاء «برنامج الرعاية الصحية الشامل» والمعروف باسم «أوباما كير»، إضافة إلى حال الفوضى والتخبط والتناقض الذي ساد الإدارة الأمريكية منذ تولي ترامب، وهو الأمر الذي دفع بكبير موظفي البيت الأبيض راينس بريباس للاستقالة من منصبه.
الحملة ضد ترامب، بدأت بعد إعلان فوزه مباشرة بردود أفعال اعتراضية، لكنها اتخذت اليوم طابعاً منظماً، ويشارك فيها: قادة الحزب الديمقراطي وعدد من الصحف والمنابر الإعلامية المعروفة، إضافة إلى بعض قادة الحزب الجمهوري.
والسؤال المهم هو: هل بالإمكان دستورياً عزل الرئيس الأمريكي وكيف وَوِفق أي المبرّرات؟ ولعلّ العزل أو المحاكمة أو الإقالة تتطلب اتباع آليات دستورية متعدّدة ومعقّدة وهي إجراءات يعتورها الكثير من العقبات ويقف بوجهها العديد من العراقيل. ومنها أن الجمهور الذي صوّت لترامب لا يزال متماسكاً وهذا يعترض على تقديم رئيس البلاد للمحاكمة، وقد زادت نسبة المعترضين على اتخاذ الإجراءات ضد الرئيس على 53% حسب مجلة نيوزويك الأسبوعية
(24 يوليو/تموز2017). كما أن الحزب الجمهوري ما يزال مسيطراً على مجلس الشيوخ ومن المستبعد موافقته على إقصاء الرئيس، وهي سابقة سياسية قد تهدّد مستقبله.
وحسب الدستور الأمريكي وهو من أعرق الدساتير الديمقراطية في العالم؛ حيث أبرم بين أعوام 1776و1788؛ فإنه يجوز تقديم الرئيس ومسؤولين آخرين للمحاكمة بشرط توفّر مبرّرات مقنعة منها ارتكاب «الخيانة العظمى» أو«تلقّي رشا» أو«سوء الإدارة» أو«سوء السلوك». وعند التحقق من ذلك ينعقد مجلس النواب للتصويت على سريان مفعول الجريمة، ويتم التصويت بالأغلبية البسيطة (نصف + واحد) وحين يتقرّر ذلك يخضع الرئيس للمحاكمة وفقاً للائحة الاتهام، ولكنه يستمر بمنصبه لحين رفع توصية من مجلس النواب إلى مجلس الشيوخ الذي ينبغي أن يصوّت بعزله ويحتاج قرار إقصاء الرئيس إلى «ثلثي أعضاء مجلس الشيوخ»، وحينئذ تنقل صلاحيات الرئيس إلى نائبه.
أما أهم الاتهامات الموجّهة إلى ترامب فتتلخص ب:التقصير. ومثل هذه التهمة وُوجه بها رئيسان في كل تاريخ الولايات المتحدة الذي يقارب 240 عاماً، وهما: اندرو جونسون (الرئيس السابع عشر 1865 - 1869 الذي تولّى الرئاسة مع نهاية الحرب الأهلية، وبعد اغتيال ابراهام لينكولن (الرئيس السادس عشر) والذي كان نائبه؛ حيث دخل في صراع مع مجلس النواب الذي سحب الثقة منه وتمت تبرئته من قبل مجلس الشيوخ بفارق صوت واحد. وبيل كلينتون الذي قام مجلس النواب باتهامه بالتزوير وإعاقة العدالة بعد فضيحة مونيكا ليونسكي 1998، إلّا أن مجلس الشيوخ برّأه من هذه التهمة العام 1999 وأكمل فترة ولايته.
حتى الآن ليس هناك ما يدلّ على ارتكاب ترامب الخيانة العظمى أو تلقّي الرشا، أو سوء الإدارة أو السلوك، على الرغم من أن خصومه حاولوا تعظيم أخطائه وتصرفاته الغريبة، علماً بأن الدستور الأمريكي يمنحه صلاحيات واسعة، منها إقالة من يشاء وتعيين بدائل عنهم، كما إن الحصول على أغلبية الثلثين في مجلس الشيوخ، أي 67 من مجموع 100 تبدو عسيرة. واستناداً إلى التجربتين السابقتين؛ فإنه من المستبعد نجاح المساعي لتقديم لائحة اتهام بحق الرئيس ترامب ضمن الظروف السائدة.
ولكن ماذا بشأن الاستقالة؟ وهي حالة مقاربة لخيار الرئيس ريتشارد نيكسون (الرئيس السابع والثلاثون) العام 1974،الذي فضّل الاستقالة على المثول أمام الكونجرس كمتهم، علماً بأنه ثبت عليه ارتكاب جريمة إعاقة العدالة خلال التحقيقات بفضيحة ووترجيت، مما دفع بقادة الحزب الجمهوري للضغط عليه لتقديم الاستقالة لإنقاذ حزبهم، لا سيّما في الانتخابات المقبلة، ومع ذلك فقد كانت هزيمتهم شديدة في الانتخابات تلك.
فهل يمكن قبول الرئيس ترامب الانحناء أمام العاصفة أم أنه سيمضي بالشوط إلى نهايته غير مكترث بما حوله وغير عابئ بما يُقال بشأنه؟ لأنه رئيس غير تقليدي وفاز بطريقة غير تقليدية وإن توازن القوى حتى الآن يميل لصالحه.
drhussainshaban21@gmail.com



63
مهدي السعيد وسرّديته السسوثقافية
مقدمة لكتاب (الجذور) "سيرة ذاتية"
بقلم : عبد الحسين شعبان
الحلقة 3
ويقول مهدي السعيد إنه تعرّف على حسن عوينه بعد نشر صوره في وقت لاحق.
         ويذكر أيضاً أن الطبيب الشيوعي فاروق برتو افتتح عيادة له، وهو شقيق بشرى برتو وهي قيادية أيضاً في الحزب الشيوعي، وزوجة  رحيم عجينة القيادي في الحزب أيضاً، حيث كان قد خصّص أحد أيام الأسبوع مجاناً لعلاج المراجعين، ولاسيّما من الفقراء وضعيفي الحال، ويقول جرت محاولات لدهم عيادته من جانب شرطة التحقيقات الجنائية لأن صيته كان قد ذاع وعرف الناس إنه ينتمي إلى الحزب الشيوعي، ولذلك انبروا للدفاع عنه تلقائياً.
         ومن الشخصيات التي يتناولها أيضاً عطشان ضيول (الإيزرجاوي) الذي كان مسؤولاً في الخط العسكري للحزب الشيوعي، وقد سكن مع والدته بعد انتقاله من الناصرية في محلّة الدوريين، وإنه أصبح بعد ثورة 14 تموز (يوليو) مساعداً لآمر المقاومة الشعبية طه البامرني، وكان من دعاة الإستيلاء على السلطة أيام حكم عبد الكريم قاسم، ويقول أن ثابت حبيب العاني وعامر عبدالله وآخرين كانوا ضدّ هذا التوجه، وقد فتح هذا الموضوع مع العاني في لندن مستذكراً الإيزرجاوي، كما سأل عنه آرا خاجادور في براغ.
         ويروي السعيد نقلاً عن آرا خاجادور إن اللجنة المركزية حينها أبعدت سلام عادل إلى موسكو الذي كان يميل إلى استلام السلطة وإزاحة عبدالكريم قاسم، ويقول إن ذلك كان جزء من الصراع حول السلطة بين تيارين : الأول ممثلاً بمجموعة الأربعة : زكي خيري، عامر عبدالله، بهاء الدين نوري ومحمد حسين أبو العيس وإن كان الأخير أقرب إلى سلام عادل، لكنه احتسب على الجماعة المتكتلة حتى وإن لم يتفق معها فكرياً (وقد استشهد تحت التعذيب بعد انقلاب 8 شباط/فبراير/ 1963)  و كان هؤلاء ضد توجّه سلام عادل وجمال الحيدري وعطشان ضيول، والأخيرأبعد إلى موسكو ومنعه ال KGB من الإتصال بالآخرين، ويروي قصته الدرامية حيث توفي في ألمانيا.
      ثورة 14 تموز
           يتحدث مهدي السعيد عن يوم ثورة 14 تموز وشعوره عند هدم تمثال الجنرال مود الذي قال حين احتل بغداد "جئنا محرّرين لا فاتحين"، ويذكر كيف هرب نوري السعيد ولجأ إلى بيت الإستربادي في الكاظمية، وكيف دخل هو ووالدته إلى بيت نوري السعيد. ثم يتناول كيف أسّس الشيوعيون التنظيمات سريعاً مثل الشبيبة الديمقراطية والمقاومة الشعبية.
          ويستعيد مهدي السعيد أيام تموز والمهرجانات، وكيف صافح عبدالكريم قاسم وكذلك الملّا مصطفى البارزاني، ولكنه يتناول بمرارة الإنقسام الشعبي، ولاسيّما بين الشيوعيين والقوميين، خصوصاً بعد حركة الشواف ومحاولة اغتيال عبد الكريم قاسم في منطقة "رأس القرية" بشارع الرشيد، وكان من بين من شاركوا بها صدام حسين، وينشّط ذاكرته بحديثه مع د.تحسين معلّه، خصوصاً عن قضايا التعذيب في قصر النهاية.
        ومن مظاهر اشتداد حالة الإحتقان الشعبي اغتيال الشيوعيين أحد الأشخاص وسحله في مدينة الكاظمية، وقد اتهم بها منذر أبو العيس الذي صدر الحكم بإعدامه، وقد تمّ تنفيذه بعد انقلاب 8 شباط (فبراير) العام 1963. ويشير إلى أن محلّة الدوريين كانت تعجّ بالخلافات. ويتوقف عند انقلاب البعثيين الأول الذي أطاح بحكم الزعيم عبد الكريم قاسم وطارد الشيوعيين واعتقل الآلاف منهم وكيف جرت محاولة لإعتقال أخيه كاظم.
       
        أول مهمة حزبية
        وعن أول مهمة حزبية له كانت عشية حركة حسن سريع في 3 تموز (يوليو) العام 1963، وهو نائب عريف حاول قيادة انتفاضة مسلحة ضد حكم البعث الأول، لكنها فشلت واعتقل المشاركون فيها وحوكموا وأعدموا.
        أما المهمة التي كلّف بها فهي كتابة بيانات بخط اليد على ورق الكاربون، وكان المسؤول عن المجموعة حسبما يقول "محمد كريم" الذي أعدم في حركة حسن سريع، لينتقل بعدها إلى عمل حزبي منظّم، وخصوصاً بعد انشقاق القيادة المركزية ويستعيد العلاقات في تلك الفترة، ويستذكر عدد من المسؤولين بينهم كاظم حبيب، وكيف ساهم عدد من الرفاق في إعادة التنظيم منهم: حسن أسد الشمري وصلاح زنكنة وحميد برتو ولؤي أبو التمّن وسعد الطائي وطه صفوك وكاتب السطور وآخرين، ويقول إنه تم تشكيل فرقة حزبية صدامية ويروي حادثة مقتل سامي مهدي الهاشمي في كلية الإقتصاد والعلوم السياسية. وكنت قد رويت في أكثر من م