في التربية والثقافة السياسية
حول مفهوم الثقافة والمثقف
خوشابا سولاقا إن المفهوم الفلسفي والفكري والأجتماعي للثقافة هي كونها نظرة عامة وشاملة الى الوجود والحياة والأنسان في علاقة جدلية تكاملية ، وقد يتجسد ذلك المفهوم للثقافة في عقيدة فكرية معينة أو في تعبير فني بشكل من الأشكال أو في مذهب اجتماعي أو في مبادئ تشريعية أو في مسلك أخلاقي عملي ،
وبالتالي فالثقافة بشكل عام تعني كونها البناء العلوي أو الفوقي لبنية المجتمع الإنساني ويتألف هذا البناء أي الثقافة من الدين بكل أشكال العبادة التي يمارسها الإنسان والفلسفة والفكر والفن والأدب والتشريع والقيم الأخلاقية والعادات والتقاليد والطقوس الاجتماعية العامة والسائدة في المجتمع . والثقافة هي نتاج عملية تطورية تراكمية تاريخية لمختلف نشاطات المجتمع بكل شرائحه . يشير المعنى الأشتقاقي لكلمة " الثقافة " الى الأمتحان والتجربة والخبرة والعمل بكل أشكاله في الحياة الاجتماعية للإنسان ، أي أن المعنى الأشتقاقي هذا يربط الثقافة الانسانية بالعمل الانساني والخبرة الحية والتجربة والمعايشة الفعلية لمستجدات الحياة الاجتماعية ، وهذا هو ما يميز الثقافة عن التعليم ويميز المثقف عن المتعلم . فالتعليم هو تلقي معلومات بشكل منهجي ومنظم بطريقة مخططة لصياغة الفكر وتوجيه الوجدان الانساني وتحديد المسلك الأخلاقي على نحو معين ، وبالتالي إعادة تكرار صناعة صياغة سياقات الحياة الاجتماعية السائدة بشكل جديد ولكن بنفس المضمون القديم . عليه فإن الثقافة هي ثمرة المعايشة الحية التلقائية والأستجابة التلقائية لمتطلبات الحياة المتجددة في أغلب الأحيان ، وهي أيضاً ثمرة التمرس بالحياة والتفاعل الخلاق مع تجاربها وخبراتها المختلفة ،
ويكون التعليم بحد ذاته أحد مصادر الثقافة الأساسية ، ولكن ليس بالضرورة أن يكون كل متعلم مثقفاً ، ولكن كل مثقف بالضرورة يجب أن يكون متعلماً ، لأن التعليم هو أداة فعالة لبناء الثقافة . فالثقافة بهذا المعنى العام والشامل هي البناء الفوقي للمجتمع كما أسلفنا وهي بالتالي انعكاساً للبناء التحتي للمجتمع المتمثل في شكل النظام الأقتصادي وعلاقات الأنتاج السائدة في المجتمع ، أي ما بات يعرف اليوم بلغة السياسة والأقتصاد أن شكل النظام الأقتصادي وعلاقات الأنتاج تشكل البناء التحتي في بنية المجتمع والثقافة تشكل البناء الفوقي لبنية المجتمع الإنساني ، ولهذا تختلف الثقافة بطبيعتها باختلاف التجارب والخبرات والمواقف والطبقات الاجتماعية والمصالح الاجتماعية من مجتمع الى آخر ومن أمة الى أخرى ومن مرحلة تاريخية الى أخرى . لهذا فإن للثقافة بالضرورة طابعاً اجتماعياً طبقياً ، حيث أن الثقافة الرسمية السائدة تكون إنعكاساً لثقافة الطبقات الحاكمة المهيمنة والمسيطرة والمتحكمة والمحركة والموجهة للنظام الأقتصادي السائد ..
وعليه فإذا كنا نجد في فلسفة أرسطو إحتقاراً للعمل اليدوي فإن ذلك كان تعبيراً عن واقع حال إنقسام المجتمع اليوناني القديم الى طبقتين ، طبقة الأحرار يتأملون وطبقة العبيد يعملون ويكدحون في مزارع وحقول النبلاء الأحرار مقابل لقمة العيش بحدها الأدنى ، وكان العبيد في ظل ذلك النظام نظام المجتمع العبودي جزءً من ممتلكات النبلاء الأحرار يتم بيعهم وشرائهم في سوق العبيد كأي حاجة من حاجات المجتمع الأخرى ، وإذا كنا نجد في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر دعوات فردية في الأدب والفنون ودعوات نفعية في الأخلاق ودعوات تنافسية في الأقتصاد فإن هذه الدعوات هي إنعكاساً للأوضاع الراسمالية الجديدة الواعدة ، وإذا كنا نجد في المجتمعات الأشتراكية بعد قيام النظام الأشتراكي في بعض بلدان أوربا الشرقية وآسيا وكوبا سيادة لروح الألتزام الجماعي في الأدب والفن والأخلاق والسياسة جميعاً ، فإن ذلك من دون شك يكون إنعكاساً لعلاقات الأنتاج الجديدة في المجتمع الأشتراكي التي تقوم على أساس الملكية العامة المشتركة لكافة وسائل الأنتاج .
من كل ما تقدم نلاحظ أن الثقافة هي تعبيراً عن الأوضاع الاجتماعية والأقتصادية السائدة في المجتمع ، ولكنها ليست تعبيراً أوإنعكاساً آلياً مباشراً كانعكاس صورة الشيء في المرآة ، إذ يدخل في تشكيل الثقافة عامل الإرادة الإنسانية والخلق والأبداع للإنسان ، إلا أن ذلك لا يتناقض مع كونها تعبيراً عن الواقع الموضوعي السائد ، والثقافة ليست مجرد تعبيراً عن هذا الواقع بل هي كذلك وسيلة فعالة لتغييره . الصراع الثقافي في المجتمع هو دائماً صراعاً إجتماعياً ، صراعاً بين أوضاع اجتماعية متناقضة ، صراع الأضداد صراع بين القديم البالي والجديد الواعد يتخذ مظهراً فكرياً أو أدبياً أو فنياً ، والصراع الثقافي هذا هو التمهيد لثورة اجتماعية ، وهو وسيلة لتجديد الحياة الاجتماعية وتطويرها تصاعدياً نحو بناء مجتمع أفضل وأكثر تقدماً وعدلاً ورفاهيةً لحياة الانسان ، وبذلك تكون الثقافة وسيلة للتعبير عن الواقع الاجتماعي القائم ، وفي ذات الوقت تكون اداة لتغييره ،
ولهذا فالثقافة هي إلتزام وموقف ، فالثقافة إذ تشترك في الثورة الاجتماعية عندما يشتد الصراع بين المتناقضات في المجتمع من أجل تحرير الانسان وانعتاقه من قيود المجتمع القديم فإنها في ذات الوقت تشترك في تحرير نفسها . إن الثقافة بتحريرها للمجتمعات البشرية من عوامل التخلف والأستغلال والأستعباد والقهر الاجتماعي لا تصبح مجرد متعة لفئات اجتماعية محدودة ومحظوظة من البشر وإنما تصبح غذاء الروح للملايين من الناس بل وتصبح غاية ووسيلة من غايات ووسائل التقدم البشري وهدفاً من أهدافه النبيلة الآصيلة .
لهذا نجد أن نهضة الأمم نحو التقدم الى الأمام في كافة مجالات الحياة لا يمكن لها أن تحصل إلا إذا سبقتها أولاً نهضة ثقافية شاملة ، أي بمعنى آخر إن العنصر الفاعل والحاسم في تقدم الأمم يبدأ بثورة ثقافية تقضي على أسباب التخلف الاجتماعي السائد في المجتمع ، تلك الأسباب التي هي من مخلفات الثقافة القديمة .
عليه نجد أن الأمم الأوربية قد نهضت من سباتها الذي دام قرون طويلة تحت حكم الكنيسة وتقدمت بعد قيام ثورة الأصلاح الديني والتي هي بحد ذاتها تشكل إنطلاقة الثورة الثقافية لتحرير الانسان من قيود ذلك حكم المقيت الذي كان مسيطراً على كل مقدرات الحياة في بلدان أوربا ، حيث تأخرت وتخلفت العلوم والأداب والفنون والأفكار الحرة والفلسفة وتم إضطهاد وحرق العلماء والمفكرين والفلاسفة والأدباء والفنانين بسبب تعارض أفكارهم وتوجهاتهم مع أفكار وتوجهات الكنيسة ، وعليه أطلق على قرون سيطرة الكنيسة على القرار في أوربا بالقرون المظلمة لأنها سببت في تأخر وتخلف الحياة ، وأدخلت أوربا في ظلام دامس من التخلف والتأخر ، ولولا تلك القرون لكان إنسان اليوم يعيش في الوضع الذي سوف يعيشه بعد خمسة قرون من اليوم . لقد مهدت ثورة الأصلاح الديني في أوربا الى بزوغ فجر عصر جديد هو ما أطلق عليه بعصر النهضة الأوربية الحديثة حيث فيه اطلق العنان للعلماء والمفكرين والفلاسفة والأدباء والشعراء والفنانين للعمل المبدع والخلاق فحصلت ثورة ثقافية هائلة وشاملة لكل مناحي الحياة أدت الى إنحسار مد نفوذ الثقافة القديمة ثقافة القرون المظلمة المخلفة بالرداء الديني من خلال هيمنة سيطرة الكنيسة على قرار الحكم في بلدان أوربا . وقد مهدت هذه الثورة الثقافية الى إنطلاق الثورة الصناعية والتكنولوجية التي غيرت مسار التاريخ الإنساني ، وتغيرت بذلك ثقافة وحضارة تلك الأمم كماً ونوعاً وقضت على كل مرتكزات وأنماط الحياة الاجتماعية القديمة البالية التي كانت أصلاً تشكل عائقاً أمام نهضتها وتقدمها . وهنا لم يبقى لنا إلا أن نقول متى ينهض أبناء الشرق من سباتهم وأن يقفوا على قدميهم وينظرون بنظرة ناقدة الى الأمام ليروا ألاخرين أين وصلوا وأن يفعلوا كما فعلوا الأوربيين قبل خمسائة سنة ؟؟ ، وأن يكفوا عن السير الى الأمام والنظر الى الوراء بنظرة الحسرة الى ماضيهم البالي المتخلف والبكاء على أطلاله المنهارة ويظهر فيه عصر النهضة الثقافية ؟؟ ، وأن يعيدوا النظر بما مستحوذ على أفكارهم وتطلعاتهم وإعتقاداتهم الساذجة والمتخلفة بأن سبب تأخرهم وتخلفهم عن الركب المتقدم للآخرين هو عدم عودتهم الى ثقافة الماضي للأجداد والأسلاف وتطبيق شرائعه وقوانينه متناسين أن ألحياة تسير الى الأمام ولا تتراجع القهقري الى الوراء ؟؟ . يا لمهزلة القدر يا لها من رؤية مشوهة وبائسة ، إنها تعاكس الحقيقة والواقع وتناقض منطق العقل والعلم وقوانين تطور الحياة ، وهنا من حقنا أن نتساءل لماذا لا نستفيد نحن أبناء الشرق من تجارب الآخرين من الأمم التي سبقتنا ؟ ونبدأ من حيث وصلوا وليس من الصفر كما نحاول أن نفعل ؟ لماذا كل هذا الأصرار الأخرق للعودة الى الماضي بكل إيجابياته وسلبياته والأعتقاد بأن أجدادنا وأسلافنا هم أفهم وأدرى منا بمتطلبات حياتنا المعاصرة ؟ لماذا نخالف منطق وسنة قوانين تطور الحياة الإنسانية ونسبح عكس التيار ؟ أليس هذا الغباء بعينه ؟ الى متى نبقى أسرى لماضينا ووقوداً لنيران عاداتنا وتقاليدنا وثقافتنا التي ورثناها من الأجداد والتي أكل عليها الدهر وشرب بذريعة إحترام وحماية تلك الموروثات من إرث الأجداد ؟ لماذا لا نركب كغيرنا في مركب الحياة المتجددة الذي سوف يقودنا الى بر الأمان بسلام ؟ . إن العيش بأفكارنا وعقولنا في ماضي أجدادنا العتيد وأجسادنا في أرض الحاضر المتجدد لهو إنتحار والجنون بعينه ، وإن تحررنا من عبودية الماضي ليس رفضاً لكل ما فيه بالكامل بل علينا أن نأخذ من ماضينا كل ما هو إيجابي ويلائم حاضرنا ونطوره وما لا يلائم منه حياتنا الحاضرة نضعه باحترام في متحف التاريخ في الحفظ والصون ونحترمه ونعتز به كتراث الأجداد وليس إلا . هكذا يقول منطق العقل والحياة وسنة التاريخ إذا أردنا الحياة الحرة الكريمة اللائقة بنا كمخلوقات بشرية عاقلة واعية لوجودها الإنساني وواعية ومدركة لمسار تطور التاريخ الإنساني من الأدنى الى الأعلى ، وأن نصبح مجرد مخلوقات حية لا نختلف عن غيرنا من المخلوقات تتحكم بنا وبسلوكنا نواميس الطبيعة وتسيرنا دوافع الغريزة والعادة الموروثة وغياب الوعي الأنساني الذي يتميز وينفرد به الإنسان لوحده دون غيره من الكائنات ، الوعي الذي يجعل الإنسان مخيراً وليس مسيراً كما هو حال بقية الكائنات التي تسيرها غرائزها . الإنسان بامتلاكه للوعي يستطيع أن يميز بين ما هو صالح وما هو طالح ، ويختار ما يراه مفيداً له ، ويرفض كل ما هو ضار له . إن فهم حركة الحياة وقوانين تطورها والتعامل والتفاعل معها وفق منطق العقل والحكمة في علاقة جدلية تكاملية هي الثقافة بعينها التي تنتج في النهاية الحياة الجديدة التي تساير العصر وتليق بالأنسان المعاصر .
فكلما كان الوعي الإنساني عالياً كلما كانت مخرجات العملية الثقافية أكثر نضجاً وأوسع شمولاً وأكثر فائدة للإنسان ، وكلما كانت العملية الثقافية أكثر نضجاً وشمولاً كلما كان الوعي الإنساني اكثر كمالاً وإدراكاً ، هكذا هي العلاقة بين الثقافة والوعي الإنساني علاقة جدلية تكاملية . عليه فإن الثقافة تنمي الوعي الإنساني وترصنه وتجعله قادراً على مواكبة تطور الحياة وإستيعاب كل متغيراتها ومستجداتها وعلاقاتها ببعضها بعقلانية ووعي وحكمة وليس بدافع الغريزة كما هو الحال لدى بقية الكائنات الأخرى في الطبيعة .
وعلى ضوء ما تقدم فالمثقف هو من يصنع الثقافة أومن يستوعبها في حركتها الدائبة ، ومن يتعامل مع مستجدات الحياة بموجب قوانينها ويواكب حركتها التطورية بكل تفاصيلها وجزئياتها ، ومن ليس كذلك لا يمكن تصنيفه بأي حال من الأحوال مثقفاً .
خوشـــابا ســـولاقا
بغداد -20 / ك1 / 2013